تحميل رواية «سمرائي انتي حقي» PDF
بقلم سعاد محمد سلامة
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بين المروج تجرى وتمرح، تلعب بين الأرض الخضراء. ببسمة طفلة، بيديها زهور الفل والياسمين. لكن فجأة اختفى كل شيء. تبدلت. المروج الخضراء تحولت إلى أرض صحراء قاحلة، احترقت زهور الفل والياسمين. الطفلة اختفت، ظهرت شابة أصبحت بعمر الخامسة والعشرين. ليس لديها أي هدف، تعيش يوماً بيوم. يوم يأتي سعيد، وآخرون يمرون دون أن تشعر بهم. عندما كانت طفلة، كانت تريد أن تصبح عازفة بيانو. تحلق بين أعذب النغمات. لكنها كانت كالعصفورة الصغيرة التي وقعت من عش والديها قدراً. تلك هي سمرة. ليلتقطها صقر يربيها حتى تكبر، علها ت...
رواية سمرائي انتي حقي الفصل الأول 1 - بقلم سعاد محمد سلامة
بين المروج تجرى وتمرح، تلعب بين الأرض الخضراء.
ببسمة طفلة، بيديها زهور الفل والياسمين.
لكن فجأة اختفى كل شيء.
تبدلت.
المروج الخضراء تحولت إلى أرض صحراء قاحلة، احترقت زهور الفل والياسمين.
الطفلة اختفت، ظهرت شابة أصبحت بعمر الخامسة والعشرين.
ليس لديها أي هدف، تعيش يوماً بيوم.
يوم يأتي سعيد، وآخرون يمرون دون أن تشعر بهم.
عندما كانت طفلة، كانت تريد أن تصبح عازفة بيانو.
تحلق بين أعذب النغمات.
لكنها كانت كالعصفورة الصغيرة التي وقعت من عش والديها قدراً.
تلك هي سمرة.
ليلتقطها صقر يربيها حتى تكبر، علها تكون سبباً في بقاء سلطته بين أقرانه.
أو تكون عشقه المغصوب.
بإحدى قرى محافظة قنا بصعيد مصر.
بمنزل فخم على مساحة واسعة.
في الصباح الباكر..
فتح الحاج حمدي شاهين هاتفه المحمول ليقوم باتصال.
سمع رنين الهاتف أكثر من مرة دون رد عليه.
دخلت عليه زوجته وجيدة.
تحدثت قائلة:
أكيد بتتصل على عاصم ومش بيرد.
الوقت لسه بدري تلاقيه نايم.
رد حمدي بضيق:
مش عارف ليه نومه تقيل كده.
كنت عاوز أطمن عمل إيه في المناقصة اللي كنا داخلينها امبارح. كان فض المظاريف وإعلان اللي كسب المناقصة. بس ولدك كعادته تليفونه مقفول أو خارج الخدمة. بيكون فين بقى؟
تحدثت وجيدة:
واه يا حاج حمدي ولدك وأنت عارف تربيته وعارف إن نومه تقيل.
شويه وهتلاقيه هو اللي بيتصل عليك ويبشرك بالخير زي كل مرة.
تنهد قائلاً:
أما أشوف آخرتها مع ولدك. ما يصدق ينزل مصر ويقفل تليفونه وأرن مهما أرن عليه ما يردش.
أنا كمان كنت عاوزاه يبقى هنا على العشا يستقبل معايا عمته.
تحدثت وجيدة قائلة:
هي عقيلة جاية لعندنا على العشا؟
رد حمدي:
أيوه هي اتصلت عليا امبارح ونسيت أقولك. وقالت هتجي تزورنا وعازمة نفسها على العشا.
ردت وجيدة:
وطبعاً هتبات. خير عقيلة لازم يكون من ورا زيارتها دي سبب. دي بتيجي ست شهور ما زارتناش. وكم مرة اللي اتكلمتهم في التليفون وقال إيه كبرت ورجليا بتوجعني ومبقتش حمل إني آجي من أسيوط لقنا.
وكمان عارف مجيتها وقرها على ولادي. كأن معندهاش عيال. ما عندها ولد وبنت زي القمر. أنما أنا ما خلفتش غير تلات ولاد. والله كان نفسي في بنت. بس إرادة ربنا كده. وكمان ناسيه مشكلة عمران السابقة وربنا نجاه بمعجزة.
رد حمدي:
وسمرة مش بنتك؟ وأنتي اللي ربيتيها بعد وفاة أخويا ومراته في حريق المصنع.
وكمان متحطيش كلامها في دماغك.
تحدثت وجيدة:
أنا مش حطاها في دماغي. بس بخاف من قرها على ولادي. المثل بيقول السم تحت اللسان. وهي معرفش زي ما يكون أنا وولادي اللي بنرزق نفسنا بإيدينا. كل شيء عند ربنا مكتوب. ووالله في إيدها نعمة جوزها ما هو فاتح. كان سوبر ماركت والحال ماشي معاه. وفتح واحد تاني من مدة قريبة. بس هو الطمع اللي بيسري في دمها وعاوزة تكوش على الدنيا.
يلا ربنا يعدي زيارتها على خير. لو إني مش عارفة ليه مش مطمنة لزيارتها.
بالقاهرة.
بشقة بحي متوسط.
طفلتان تؤام تلعبان يوم العيد بأحد الحدائق العامة.
كانتا تلهوان مرحاً، تجريان خلف بعضهن، ويراقبهن والداهن مبتسمان على مرحهن.
لكن فجأة تبدل كل شيء.
أثناء خروجهما للشارع صدمت إحدى الفتاتين سائق أهوج وهرب.
ليسارع والداها بحملها والذهاب بها سريعاً إلى إحدى المشافي الخاصة القريبة.
لكن خرج الطبيب بعد ساعات يخبرهم بوفاتها متأثرة من الحادث.
دخل رفعت وأشعل الضوء. رأى دموع تنزل من عين سليمة وهي نائمة.
تألم. علم أنها تحلم بتوأمها التي توفت من عدة سنوات. اليوم ذكراها.
ما زالت تشعر بنفس الفقد.
انحنى يقبل جبينها ويديه تمسح تلك الدموع.
وقال بحنو:
سليمة.. اصحي يا حبيبتي.
فتحت سليمة عينيها. نظرت لرفعت.
وتبسمت رغم وجع قبلها قائلة:
صباح الخير يا بابا. هي الساعة كام؟
رفعت:
إحنا لسه بدري. بس أنا صحيتك عشان نلحق نروح المقابر زي كل سنة. وبعدها تروحي لشغلك الجديد. ربنا يوفقك. مع إننا والله يا بنتي مش محتاجين لشغلك ده. مستورة والحمد لله. معاشي كبير. أنا كنت بشتغل تبع وزارة الحربية. وما فيش غير أنا وأنتي.
تبسمت سليمة قائلة:
يدوم الستر يا بابا. أنت عارف إني مش هشتغل عشان المرتب. بس أنا بشتغل من ناحية أشغل وقتي. وكمان أكسب خبرة عشان أما أفتح مكتبي الخاص.
رد رفعت قائلاً:
على ذكر مكتبك الخاص. الست فادية جارتنا جاتلك امبارح عشان عاوزة ترفع قضية قائمة منقولات ونفقة على جوز بنتها الواطي. بعد ما استحملت عشرته سنين اللي فاتت. أول ربنا ما فتحها عليه بدل ما يعوض صبرها معاه. راح اتجوز واحدة هشك بشك.
ضحكت سليمة قائلة:
ما هو البرجوازي كده. أول ما يعلى ينسى أصله والناس اللي ساعدوه. إن جت تاني وأنا مش هنا. خد منها المعلومات. وقولها تشوف يوم بنتها فاضي. نروح المحكمة تعملي توكيل. وأرفع لها القضايا اللي هي عاوزاها. وأخرب لها بيته. وأخلي الهشك بشك بقى تنفعه.
تبسم رفعت قائلاً:
ربنا يوفقك وتكوني سبب في رجوع الحق لأصحابه دايماً.
كانت سمرة تجري بطريق به إنارة خافتة. يزيد النور كلما جرت للأمام.
شعرت بأنفاسها بدأت تنقطع. لكن ظهر نور ساطع من بعيد قليلاً. تحفزت حين رأته وعادت تجري حتى.
اقتربت من النور.
وقعت ترتكز على رسغيها.
تنظر إلى نهاية الطريق. وجدت النور. لكن هناك ما يمنعها من الخروج من ذاك الطريق. فبنهايته أسياخ حديدية تشبه القضبان مغلقة. وخلفها يقف أحداً.
استيقظت. وجهها متعرق. رغم أن الطقس في بداية الربيع. لا حار ولا بارد.
وضعت يدها على جبينها تمسح بعض حبات العرق. شعرت بأسى من ذاك الحلم. سألت نفسها. لما حتى بأحلامها هناك سجان؟ هي تريد الحرية. ألا يكفي سجنها لأكثر من ثلاثة عشر عاماً هنا. منذ أن توفيا والداها بحريق لمصنعهما بالقاهرة. مما جعلها تترك القاهرة وتأتي لهنا بمنزل عمها. أو بالأصح منزل والداها. فوالدها له نصف هذا المنزل.
حقاً تعامل بطيبة واحترام وحب من الجميع. لكن تشعر دائماً أن أسوار هذا البيت العالي كسجن حكم عليها العيش بداخله.
انتبهت على طرق على باب غرفتها.
سمحت له بالدخول بعد أن علمت من يطرق على الباب.
دخلت سنية مبتسمة تقول:
صباح الخير على زينة الصبايا. الحاجة وجيدة قالت لي آجي أشوفك إن كنتي صاحية أقولك الفطور جهز. وهي والحاج حمدي مستنينك.
تبسمت سمرة قائلة:
هاخد دوش وأفوق وهنزل وراكي. مش هاغيب.
تبسمت سنية قائلة:
حمام الهنا. عقبال حمام العريس قريب يارب.
خجلت سمرة وذهبت إلى الحمام المرفق بغرفتها دون رد.
وقفت خلف باب الحمام تعيد كلمة سنية. العريس.
العريس هو طريق خروجها من أسوار هذا المنزل.
لكن متى؟ هي بلغت الخامسة والعشرين. لم يتقدم لها أحد. رغم أنها مقبولة الشكل وتكاد تكون جميلة. ومن عائلة ذات صيت واسع بالبلدة. لا بل بمصر كلها. لكن ما السبب في هذا؟ هل السبب هو عدم خروجها الكثير؟ فهي تكاد لا تخرج منذ أن انتهت من الدراسة في أحد المعاهد الفنية التجارية الفوق متوسطة. إلا قليلاً. فقليلاً ما تصطحبها زوجة عمها معها أثناء خروجها. مما جعل معرفة الناس بها قليلاً. من يعرفها.
أخبرها عقلها بلحظة يأس قائلاً:
أنتي تعيشين على الهامش. لا أحد يعرف بوجودك.
بالقاهرة.
بفيلا فخمة بكومبوند راقي.
بغرفة أصغر الصقور.
استيقظ على صوت رنين هاتفه.
جلب هاتفه الموضوع على طاولة جوار الفراش.
نظر إلى الشاشة ورد على المتصل.
قائلاً:
أرغي عالصبح.
سمع ما أخبره به الآخر وأنهى الحديث قائلاً:
طيب تمام وشكراً. سلام.
نهض من على الفراش وذهب إلى الدولاب وأخذ منشفة ونزل إلى الأسفل. واتجه إلى الحديقة يمارس رياضة الجري في سياق محيط الفيلا.
بغرفة الصقر الأوسط.
كان نائماً. يحلم ذالك الحلم الذي يصاحبه منذ سنوات. ولا يعرف سبب تكراره في نفس اليوم بالذات.
كان يحلم.
بفتاة تسير إليه. إلى أن اقتربت منه. كان وجهها تغطيه الدماء. لا يظهر من ملامح وجهها سوى عيناها التي تنزف دماً.
اخفض بصره ورأى هنالك دماء تنزف من موضع قلبها أيضاً. وضعت يديها على قلبها ثم مدتها في اتجاهه وضربت على موضع قلبه.
استيقظ فزعاً. يشعر بألم ضربة يدها على قلبه.
أزفر أنفاسه. يخبر نفسه أنه نفس اليوم. ماذا حدث بهذا اليوم؟ ومن تلك الفتاة؟ لا يتذكر شيئاً يكون سبباً.
بغرفة الصقر الأكبر.
تقلب في فراشه. يصحو. مد يده وأتى بالهاتف.
فتح شاشته.
ونظر إلى صورتها قائلاً:
صباح الخير يا عصفورتي. وحشتيني اليومين اللي فاتوا.
وجد إشعارات بعدة مكالمات خاصة له.
رأى إشعارات من والده. فتجاهلها. هو يعرف لماذا يريده. ولا داعي للاتصال. فهو بعد عدة ساعات سيكون أمامه ويخبره وجهاً لوجه.
رأى إشعارات أخرى تذكره بلقائه بمصممة حملة الدعاية الجديدة.
بعد قليل بداخل المطبخ.
دخل عمران ورأى عامر يحتسي اللبن وهو يرتدي شورت والمنشفة على كتفه.
تحدث له بتريقة:
إيه ده؟ أنت لسه بتشرب لبن؟ هو أنت مش اتفطمت ولا إيه؟ وبعدين مش مكسوف من كوثر الشغالة تشوفك بالمنظر ده؟
ضحك عاصم الذي دخل خلفه.
رد عامر قائلاً:
أنا بقول بلاش تريقة عالصبح ونتعامل كرجالة مع بعض. وبعدين كوثر دي أرجل مننا ومبتنكسفش.
ضحك عمران قائلاً:
وهو فيه رجالة بتشرب لتر لبن عالريق يا ابني؟ أنا مش عارف سر حبك للبن إيه؟ ولا يمكن عشان ماما فضلت ترضعك أربع سنين؟ أنت الوحيد اللي أمه كانت بتروح له الحضانة كل ساعة ترضعه وترجع؟ كنت مسعور؟
ضحك عاصم.
بينما رد عامر قائلاً:
كانت بترضعني عشان مكنتش برضى آكل يا ظريف منك له. واصبحوا عالصبح.
وبعدين أنت خارج دلوقتي ولا إيه؟
رد عمران:
آه خارج. عندي مشوار قبل الشركة هروحه. وبعدها هروح عالشركة.
رد عاصم بأستغراب:
مشوار إيه بدري كده؟
رد عمران:
مشوار خاص. هو لازم أديك خط سيري؟ ما أنت كمان ليك مشاويرك الخاصة.
ضحك عامر قائلاً:
عارفين. أنا هتصل على بابا أقوله يجوزكم. قبل ما تنحرفوا وتجيبوا العار لصقور شاهين زي ما بابا بيقول علينا.
ضحك عاصم قائلاً:
ياترى لقيت لينا عرايس ولا لسه؟
رد عامر بخبث قائلاً:
أنت بالذات مش هاخد وقت. وعروستك هتكون معاك. وقول كلمة أخويا الصغير قالها.
ضحك له عمران متمماً على قول عامر.
قائلاً:
العروسة المنتظرة. أنا عن نفسي عارفها. ومتوقع ده قريب جداً كمان.
يلا خلونا نفطر عشان متأخرش.
جلس الثلاث على مائدة الفطور يتناولون الفطور وسط ود ومزاح.
تحدث عاصم قائلاً:
أنا مسافر قنا. هركب الطيارة بعد الضهر.
تكلم عامر بخبث:
بالعجل؟ زهقت من القاهرة؟ مبقالكش غير يومين.
تكلم عمران أيضاً بنفس الخبث قائلاً:
أكيد ماما وبابا وحشوه. أنا بقول إحنا نجيبهم هما وكل اللي هناك لهنا ونعيش هنا. بدل الشحتطة دي رايح جاي على قنا. صحتك.
رد عاصم وهو يشعر بسخريتهم:
أنتم مالكم؟ أنا لسه شباب.
نظر عامر وعمران لبعضهما ليضحكا.
نظر لهم عاصم وسرعان ما شاركهم الضحك.
بالقاهرة
بالمقابر..
وقفت سليمة جوار والديها يقرآن الفاتحة وبعض الآيات القرآنية.
همست سليمة السارحة قائلة: "سلمى يا نص روحي، فاكرة الكلمة دي لما كنتِ بتقوليها ليا؟ أنا منستكيش أبداً. عايشة جوايا، أنتي نص قلبي. أنا النهارده هبدأ شغل جديد، ادعيلي".
"وأنا لسه على وعدي ليكي، لازم العدالة تتحقق والسبب في موتك لازم ياخد جزاؤه".
ربت رفعت على كتف سليمة قائلاً: "يلا يا بنتي خلينا نمشي، إحنا خلاص زورناهم. زورنا سلمى وكمان مامتك، ادعيلهم بالرحمة ويعوضهم ربنا في الجنة".
ردت سليمة: "آمين يابابا، يلا بينا".
قرآ الفاتحة مرة أخرى وغادرا المقابر.
لكن لفت انتباهها شيء بمكان قريب من المقابر.
هناك من يعطي للأطفال مالاً وبعض الحلويات.
قالت لوالدها: "إيه ده يا بابا؟"
رد عليها: "تلاقيه واحد بيوزع صدقة رحمة ونور على حد متوفى ليه. في ناس بتعمل كده كتير، بيقولوا دعوة أربعين مستجابة، ولما يراضوا الأطفال ربنا يرحم المتوفى".
بقنا
دخلت سمرة إلى غرفة السفرة.
قائلة: "صباح الخير".
رد حمدي وكذلك وجيدة عليها: "الصباح".
تحدثت وجيدة: "بعتلك سنية من زمان".
ردت سمرة: "معلش يا مرات عمي، بس كنت بحط للعصافير أكلهم وكمان نضفت لهم القفص".
ضحك حمدي قائلاً: "مش عارف إيه حبك للعصافير بالرغم إنك دايماً بتشحتي أولادهم لأي حد لما يكبروا شوية ومبتحتفطيش غير بعصفورين اتنين بس، وياترى بقى مين صاحب النصيب في العصفورين الصغيرين المرة دي؟"
تبسمت سمرة قائلة: "معرفش السبب، بس أنا بحب صوت عصافير الكناريا، وأنا كنت وعدت سولافة بنت خالتي عقيلة بيهم وهما من نصيبها لما تيجي لهنا تاخدهم".
تحدثت وجيدة قائلة: "عمتك وجيدة وابنها وكمان جوزها وسولافة هيكونوا هنا على العشا".
أكملت ساخرة: "هما بييجوا على السيرة".
تنهدت سمرة تشعر بضيق، ولكن تحدثت قائلة: "وعرفتي منين؟"
رد حمدي: "هي اتصلت عليا امبارح بالليل وهتكون هنا على المغربية".
ردت سمرة بضيق: "ويوصلوا بالسلامة إن شاء الله".
بالقاهرة
أمام باب الدخول الخاص بشركة صقر للبويه والدهانات.
على باب الدخول.
صفر جهاز الإنذار الخاص بباب الدخول.
عادت سليمة للخلف.
لتتصدم بذلك الأنيق.
نظرت له وتحدثت بأسف.
رد عليها بهدوء: "مفيش مشكلة". ثم دخل مباشرة.
رغم أن جهاز الإنذار قام بالتصفير، ولكن لم يوقفه أحد من العاملين، مما جعلها تتضايق من الحارس الموجود وكادت أن تسبه لولا أنها ضبطت لسانها السليط.
بعد دقيقة.
فتحت باب المصعد وجدت ذلك الأنيق يقف به.
كادت أن تدخل.
ولكن أحد العاملين قال لها: "حضرتك ده أسانسير أعضاء مجلس الإدارة"، وأشار لها على أسانسير آخر قائلاً: "وده خاص بالموظفين".
دخلت للأسانسير بالعند وهي تقول له: "وأيه الفرق بين الاتنين؟ ده أبيض وأسود والتاني ألوان؟ طب أيه رأيك بقى مش هطلع غير في الاسانسير ده، ولو ربنا كتبلي نصيب أشتغل هنا مش هطلع غير فيه. وسع كده خليني أقفل الباب".
عاد العامل للخلف بنظرة موافقة من الآخر.
أغلقت سليمة باب الأسانسير وهي تقول: "عالم برجوازية وتافهة".
وقفت لثوانٍ.
إلى أن سمعت من خلفها يقول بهدوء: "طالعة الدور الكام؟"
نظرت للخلفها بازدراء دون رد وقامت بالضغط على رقم الدور.
تبسم الآخر ينظر لها. وقعت عينه على عينيها. تسمر لا يعرف ما سبب تلك الرجفة التي سارت بقلبه. هو رأى نفس العيون، لكن أين؟
توقف الأسانسير بالدور المطلوب.
نزلت سليمة من الأسانسير وتوجهت إلى أحد المكاتب.
تسأل عن أحداهن.
أجابها أحد الموظفين عن مقصدها وسارت إليه.
دخلت بعد أن سمح لها بالدخول.
وقفت سليمة تبتسم قائلة: "أظن جايه في ميعادي مظبوط يا أستاذة فاطمة".
نهضت فاطمة من مقعدها بصعوبة وقالت لها: "أستاذ موسى قالي إنك مظبوطة في مواعيدك وأنك كمان مجتهدة. الكلام اللي سمعته عنك هو اللي شجعني أطلب منه يطلب منك تيجي تشتغلي هنا معايا. زي ما أنتِ شايفة أنا خلاص حامل في السابع وحاسة إني ممكن أفرقع في أي وقت".
ضحكت سليمة قائلة: "تقومي بالسلامة. الأستاذ موسى أستاذي، غير إنه كمان هو المشرف على رسالة الدراسات العليا بتاعتي وكمان زوج حضرتك. وأتمنى إني أكون عند حسن ظنه بيا".
تبسمت فاطمة قائلة: "واضح إنك شخصية جادة وده المطلوب. وكمان أستاذ عمران مريح وهادي في التعامل معاه".
"تعالي معايا أعرفك عليه وكمان علشان تستلمي مهام شغلك هنا".
دخلتا الاثنان إلى المكتب.
تحدثت فاطمة قائلة: "صباح الخير يا مستر عمران".
رد وهو يعطيها ظهره قائلاً: "صباح الخير يا أستاذة فاطمة".
أغاظ ذلك سليمة رده وهو يعطيهن ظهره واعتبرتها تكبر منه.
أغلق الهاتف الذي كان يتحدث فيه واستدار لهن.
يبتسم.
تبسمت فاطمة قائلة: "أعرفك يا مستر عمران، دي الأستاذة سليمة الهادي... وهتكون مكاني الفترة الجاية كمساعدة لحضرتك".
مد عمران يده للسلام قائلاً: "أهلاً بيكي معانا".
لا تعرف سليمة كيف مدت يدها وسلمت عليه، لكن سرعان ما سحبت يدها من يده قائلة: "متشكرة جدا".
تحدث عمران قائلاً: "أستاذة فاطمة هتفهمك على طريقة شغلنا هنا، وأتمنى تكوني قد المهمة اللي هتستلميها من أستاذة فاطمة".
"بصراحة لو مش ظروف الأستاذة فاطمة أنا مكنتش استغنيت عنها، بس ربنا يقومها بالسلامة".
ردت سليمة قائلة: "تمام حضرتك".
"ولو خلصنا التعارف ممكن أروح مع أستاذة فاطمة تفهمني الشغل هنا داير إزاي؟"
تبسم عمران قائلاً: "اتفضلوا، ومرة تانية أتمنالك التوفيق".
خرجت سليمة مع فاطمة.
لا يعرف ما سبب تلك الرجفة التي يشعر بها حين ينظر لعين سليمة.
بينما خرجت سليمة تسير خلف فاطمة، لا تعرف لما لديها نفور من ذلك الشخص.
بمكتب آخر بنفس الشركة.
وقف عاصم يرحب بمصممة الدعاية.
قائلاً: "أهلاً بحضرتك".
ردت عليه قائلة: "أنا زهراء الشريف".
تبسم قائلاً: "زهراء بنت الأستاذ وجيه، ميبانش عليه إنه عنده آنسة، شكله صغير".
ردت زهراء: "بابا أكيد لو سمع منك المجاملة دي هينبسط جداً. ودلوقتي بعد ما اتعرفنا تقدر تتكلم في رؤية سيادتك للحملة الإعلانية".
تبسم عاصم وهو يجلس على مقعده وهي تجلس أمامه.
قائلاً: "تقدري تقولي عاصم أو مستر عاصم، بلاش سيادتك دي، إحنا تقريبا قريبين لبعض في العمر".
لا تعرف لما سارت بجسدها قشعريرة، هل هي بسبب هيبته الطاغية أو لأنه متحدث لبق ومجامل.
مساءً.
بقنا.
وقفت سمرة وحدها بالمطبخ تعد بعض الأطعمة للعشاء بتذمر.
دون انتباه منها وقع أحد الأكواب الزجاجية وكذلك أحد الأطباق الزجاجية أيضاً.
تحدثت بتذمر: "كنت ناقصة كمان إنكم تنكسروا".
انحنت لكي تقوم بجمع الزجاج.
ولكن قبل أن تصل يدها إليه، كانت يد أخرى تمسك كفيها وتقول: "قولت لك قبل كده ممنوع إنك تمسكي إزاز مكسور بإيدك، فين سنية أو أي حد من الشغالين هنا ييجي يلم الإزاز؟"
رفعت نظرها تلاقت عيناهما.
ارتعش جسدها بأكمله وتحدثت بتعلثم: "عاصم".
تبسم عاصم ووقف وهو ما زال يمسك كفيها مما جعلها تقف هي الأخرى.
نظرت لهيبته قائلة: "حمدلله على السلامة. مكنتش أعرف إنك جاي النهارده".
قالت هذا وحاولت سحب يديها من يده، ولكن هو يمسكهما بقوة.
وهو ينظر إليها يحفر معالم وجهها بذاكرته التي يسكن وجهها خياله دائماً.
ترك يديها حين دخلت عليهم سنية.
وجه عاصم حديثه لسنية قائلاً: "نضفي الإزاز اللي على الأرض".
ثم تحدث لسمرة قائلاً: "عاوز قهوة بعد ربع ساعة وأنتي اللي تجيبيها لأوضتي".
أومأت له برأسها دون تحدث.
خرج عاصم من المطبخ، ولكن ظل جسد سمرة يرتجف لدقائق إلى أن تحدثت.
سنية قائلة: "أنتي اللي هتعملي لعاصم بيه القهوة ولا أعملها له أنا وتبقى وتوديها له؟"
ردت سمرة: "ماشي، اعمليها أنتي وأنا اللي هوديهاله".
بعد ربع ساعة تقريباً.
طرقت سمرة باب غرفة عاصم.
سمعته يأذن لها بالدخول.
دخلت إلى الغرفة ولكن أخفضت وجهها بخجل حين رأته لا يستر جسده سوى منشفة تغطي بالكاد خصره.
ارتبكت قائلة: "القهوة أهي".
ومدت الصينية له.
ابتسم بتسلية قائلاً: "حطي الصينية على الترابيزة اللي هناك دي".
ذهبت سمرة ووضعت الصينية مكان ما أشار لها، وكانت ستغادر، إلى أنه قال لها: "استني".
ذهب إلى الطاولة الموضوع عليها صينية القهوة وقام بإمساك فنجان القهوة واحتسى منه بعض الرشفات.
ثم نظر لها قائلاً: "القهوة دي مش أنتي اللي عاملاها، بس هشربها لأني محتاج لها عشان أبقى فايق لاستقبال الضيوف".
بعد قليل.
وقف حمدي وزوجته وجيدة يستقبلان عقيلة وزوجها وابنتها وابنها.
استقبلوهم بترحاب.
بينما تعاملت معهم عقيلة بفتور كعادتها.
ولكن تحدثت قائلة: "أمال فين العزيزة؟ فين سمرة؟"
ردت سمرة ببسمة وهي تدخل: "أنا أهو يا عمتي.. نورتي".
سرعان ما جذبت عقيلة سمرة وأدخلتها لحضنها تضمها بقوة وتقبل وجنتيها.
قائلة: "العزيزة بنت أخويا، والله أنا ما جايه إلا عشانك. أخويا محمود جالي في المنام وقالي بنتي. قولت لازم آجي أطمن عليكي بنفسي. حتى عاطف لما قولت له صمم ييجي معايا. وكمان سولافة".
اقتربت سولافة تحتضن سمرة بود.
مد عاطف يده للسلام على سمرة.
ولكن.
تحدثت عقيلة قائلة: "أمال فين ولاد أخويا؟ محدش هنا ولا إيه؟"
رد عاصم الذي دخل.
وبدل أن يسلم عاطف على سمرة، كانت يده بكف عاصم.
الذي ضغط عليها بقوة ونظر إلى وجه عاطف بنفور وكأنه يحذره أن يبتعد عن سمرة.
قائلاً: "أنا هنا يا عمتي".
جذبته عقيلة سريعاً وضمتة لحضنها تقبل وجنتيه، لكن هو عيناه لم تفارق عاطف، ظل ينظر له.
كانت النظرات بين عاطف وعاصم مبشرة.
رواية سمرائي انتي حقي الفصل الثاني 2 - بقلم سعاد محمد سلامة
بالقاهرة
أثناء عودته بالسيارة، رأى عامر مجموعة من المواطنين متجمعين بالقرب من منتصف الطريق. ضرب زامور السيارة أكثر من مرة لكن لم يتحرك أحد. سمع استهجان بعض المواطنين عليه ببعض الكلمات.
نزل من السيارة واقترب من تجمع المواطنين.
دخل وسطهم.
وجد رجلاً ليس كبير بالعمر واقعاً، غير قادر على التنفس، يتنفس بصعوبة. يبدو أنه مصدوم من سيارة.
كان المواطنون يلعنون من فعل ذلك وتركه بالطريق وهرب. آخرون تحدثوا أنه لابد من الذهاب بالرجل إلى مستشفى لإنقاذه.
ولكن لا أحد يقدم مساعدة.
تحدث عامر قائلاً: "ساعدوني ننقله للعربية وأنا هدخله المستشفى."
سريعاً ساعدوه ووضعوا الرجل بسيارته.
يدعون له بالخير.
صعد عامر إلى السيارة وقادها سريعاً.
.........................
بشقة سليمة
دخل رفعت عليها الغرفة.
وجدها تجلس على المكتب منكبة على بعض الملفات.
تبسم بحنان قائلاً: "سيادة الأفوكاتو، العشاء جاهز من نص ساعة على السفرة وناديت عليكِ مرتين."
تبسمت سليمة وهي تخلع نظارتها الطبية قائلة: "معلش يا بابا، مسمعتكش. كنت مركزة في الملفات اللي قدامي بس خلاص تقريباً خلصت."
قالت هذا وهمت واقفة تُكمل حديثها: "هقوم أتعشى وبعدها هكمل."
تبسم رفعت قائلاً: "أنتي بعد العشاء تنامي. أنتِ مش بتقولي إنك استلمتي شغل في شركة الصقر؟ يعني هتصحي بدري بعد كده مش زي زمان. السهر هيتعبك ولازم تكوني فايقة لشغلك."
تبسمت سليمة وهي تسير جوار رفعت إلى أن جلسوا على السفرة.
تحدث رفعت بسؤال: "مقولتيش ليّ إزاي قبلوكي في الشركة دي؟"
ردت سليمة بسخرية: "قبلوني بالواسطة. أنا متأكدة إني لو أنا كنت قدمت عندهم على الوظيفة دي كانوا مستحيل هيقبلوني. البركة في أستاذ موسى."
"مراته هي كانت مساعدة مدير الشؤون القانونية في الشركة وحامل في الشهر السابع وأكيد طاقتها مبقتش متحملة، وكمان ده أول بيبي لهم بعد أكتر من تسع سنين جواز وأكيد هتكون عندها خوف على حملها. فطلبت من المدير إنها تبحث له على مساعدة مكانها لمدة صغيرة لغاية ما تولد وتطمن على البيبي وترجع تاني. وهو وافق. يعني أنا أعتبر بشتغل لمدة مؤقتة. لأن بمجرد رجوع الأستاذة فاطمة تاني أنا مهمتي هتكون خلصت. بس كويس هزيد في الفترة دي من خبرتي في الشؤون القانونية التجارية. أنت عارف إن الدراسة كانت بس عن القضايا الجنائية وجزء بسيط عن الشؤون القانونية الخاصة بالشركات والمؤسسات التجارية. وأنا كمان هفضل زي ما أنا. يعني أنا مرتبطة بوقت دوام معين للشغل في الشركة وبعدها بقية اليوم ملكي هستغله في رسالة الدراسات العليا وكمان لو جالي قضايا تانية ممكن أدرسها."
تبسم رفعت: "وليه التعب ده كله يابنتي؟ إحنا مستورين. ركزي في حاجة واحدة وكمان عشان صحتك."
ضحكت سليمة: "صاحتي بمب. أنا لسه شباب. اطمن عليا. وبعدين متخافش أنا تربيتك. حضرتك من يوم ما سويت معاشك وأنا شايفة إنك مضايق ومفكر إني مش عارفة إنك بتساعد ولاد الحي وبتدرس لهم دروسهم مجاناً وأنا مش هنا."
ضحك رفعت قائلاً: "دي مساعدة للولاد. أنتي عارفة الأهالي الدرس بالشئ الفلاني. أنا صحيح كنت موظف كاتب في وزارة الحربية بس أنا كملت دراسة جامعة وأنا موظف وأخدت ليسانس آداب في اللغة العربية وكنت راكنه على جنب وكنت مشغول بوظيفتي ودلوقتي عندي وقت فاضي كبير فبستغله."
تبسمت سليمة: "كويس يابابا إنك تستغل وقتك بس بلاش تجهد نفسك كتير. وأنا كمان زيك بقى. ليه خايف عليا؟"
.........................
بـقنا
دخلت الخادمة إلى غرفة الصالون.
كان الجميع جالس عدا وجيدة وسمرة.
يتحدث حمدي بترحيب لهم وسط صمت عاصم ونظراته لعقيلة وعاطف الساخرة.
تحدثت الخادمة قائلة: "العشاء جاهز في السفرة يا حمدي بيه."
ينهض حمدي قائلاً: "يلا يا جماعة نكمل حديثنا بعد العشاء."
نهضت عقيلة: تهمس لنفسها ساخرة: "والهانم صاحبة البيت على رجلها نقش الحنة مستكبرة تيجي؟ هي تقول وماله بكرة نشوف يا وجيدة بس اللي في دماغي يتحقق. لأ."
وقبل ما تطلع من الأوضة أخدت سمرة معاها كأني كنت هاكلها.
بغرفة السفرة
كانت في مقدمة الغرفة وجيدة.
تحدثت بألفة: "اتفضلوا يا جماعة معلش اتأخرنا شوية."
رد عاطف بدبلوماسية: "لأ أبداً يا مرات خالي."
جلس الجميع على السفرة.
تحدثت عقيلة قائلة: "تعالي اقعدي جنبي يا سمرة."
قالت هذا وزغدت ابنتها سُولافة قائلة بهمس: "قومي اقعدي في مكان تاني."
استجابت سُولافة لأمرها وقامت بتذمر وجلست على مقعد آخر.
جلست سمرة جوار عقيلة، لكن سرعان ما جلس عاصم جوارها قائلاً: "ده مكاني يا عمتي."
ردت عقيلة ببسمة مصطنعة: "حبيب عمتك."
جلس عاطف جوار سُولافة بالمقابل لعاصم وسمرة.
وعلى رأس الطاولة كان حمدي وعلى يمينه كانت وجيدة.
ليبدأوا بالطعام وسط صمت قليلاً.
إلى أن تحدثت سُولافة قائلة: "أمال فين عامر؟ هو مش هنا في قنا ولا إيه؟ من زمان مشفتوش. لاهو ولا عمران."
زغرت عقيلة لها ولكن قالت: "صحيح هما مبيجوش هنا ولا إيه؟ خلاص رتبوا حياتهم عالقاهرة. دا حتى من زمان مزرونيش في أسيوط. أنا زعلانة منهم. حتى انت يا عاصم وكمان عندي ليك عتاب بس مش وقته."
تحدث عاصم بدبلوماسية: "أبداً يا عمتي والله مشاغل الشغل في المصانع بيني وبين عامر ومشغولين طول الوقت. وعمران أنتي عارفة إنه مش بيحب التنقلات كتير بس ماسك كل شئون المصانع القانونية."
قال عاصم هذا ونظر إلى عاطف الذي سعل فجأة.
أعطت له سُولافة الماء سريعاً.
أخذه منها وشرب بعض المياه ثم وضع أمامه كوب الماء.
أكمل عاصم ساخراً: "أكيد في حد بيجيب في سيرتك. معلشي أهو يفرفط في ذنوبك."
نظر عاطف له وصمت.
بينما تحدثت عقيلة: "عاطف مفيش أطيب منه. بيفكرني بمحمود أخويا الله يرحمه. نفس الطيبة وكمان الجدعنة."
تبسم عاصم ساخراً ولم يرد.
ساد الصمت مرة أخرى.
كانت سمرة تشعر بالنفور والاشمئزاز من نظرات عاطف لها. تشعر كأن نظراته تعري جسدها. كم تمنت أن ينتهي هذا العشاء سريعاً فهي غير قادرة على استحمال نظراته الوقحة رغم أنها ترتدي حجاباً وعباءة زرقاء ملائمة له. لكن تلك النظرات جعلتها تشك أنها كالعارية.
تضايق عاصم أيضاً من نظرات عاطف. كم ود أن يقتلع عيناه التي ينظر بها لسمرة. لكن ضبط نفسه.
بعد وقت انتهى العشاء الذي لو طال قليلاً لكان قتل عاصم عاطف أمامهم.
جذبت عقيلة يد سمرة قائلة: "حبيبتي عاوزة أشبع منك شوية. إيه رأيك تعملي لنا عصير ونقعد في الجنينة شوية؟ الجو جميل."
تحدثت سُولافة بتسرع: "واعملي حسابي معاكم أنا كمان."
ردت عقيلة بضيق: "لأ أنا عاوزة أبقى أنا وسمرة لوحدنا. دي بتوحشني. إنما أنتي معايا على طول وشبعانة من شوفة وشك."
ردت وجيدة قائلة: "وهو حد يشبع من وش القمر؟ تعالي معايا أنا يا حبيبتي."
قبلت سُولافة خد وجيدة بحب قائلة: "أنتي اللي قمر يا طنط وأنا بحبك قوي."
بعد قليل بالحديقة
وضعت سمرة كأسين من العصير أمام عقيلة وجلست على مقعد مقابل لها.
لكن طلبت عقيلة منها الجلوس جوارها قائلة: "تعالي جمبي هنا ليه بعيدة كده."
أمتثلت سمرة لطلبها وجلست لجوارها.
ربتت عقيلة على ظهر سمرة بحنان مصطنع وتحدثت قائلة: "أنا ومحمود أخويا كنا قريبين لبعض من صغرنا. حتى لما كبرنا وهو سافر مصر يكمل تعليمه أنا سافرت معاه لفترة. بس لما اتقدملي عمك رضا للجواز رجعت لهنا واتجوزته وعشنا في أسيوط بعد ما اتنقل لشغله في المدرسة هناك وعشنا حياتنا كلها هناك. حتى لما محمود هو وسلوى ربنا افتكرهم. أنا عرضت على عمك حمدي آخدك أربيكي مع عيالي بس مرضيش. خايف لاخد ميراثك من تحت إيده. مع إن يعلم ربي أنا كان نفسي تكوني جنبي أشم منك ريحة محمود أخويا. بس يالا ربنا كان رايد كده ويمكن خير. لسه ربنا شايله لنا إننا نتجمع مع بعض."
قبل أن تُكمل عقيلة حديثها أتى عاطف وجلس جوارهما وتحدث قائلاً: "عاصم كان عاوزني أعرف بعض المعلومات الخاصة بالمصنع اللي في أسيوط. أصل أنا اللي ماسك المصنع. وتعرفي هو أكتر مصنع من ضمن مصانع المجموعة شغال ومفيش فيه أي مشاكل. أنا بتعامل مع العملاء بحكمة وكمان العاملين بحسسهم إن المصنع بتاعهم فتلاقيهم بيشتغلوا معايا بود."
تبسمت سمرة قائلة: "أكيد الإنسان أما بيحس بالحب بيعطي من قلبه."
تبادل الحديث عاطف وسمرة وجلست عقيلة تنظر لهما.
ترسم أماني في خيالها.
غافلين عن ذلك الصقر الذي يراهم من زجاج التراس المطل على الحديقة. تنهشه الغيرة. ينفث دخان سيجارته.
أشار عليه عقله: "لما لا يذهب ويقوم بطردهم أو حتى خطف سمرة من وسطهم."
تستمر القصة أدناه.
شعر عاصم بمن يضع يده على كتفه.
نظر خلفه وجد تلك الصغيرة التي تحدثت قائلة: "هو عامر ليه بطل يجي لعندنا في أسيوط بقاله مدة مش بيجي؟ ولما بسأله على الفون بيقولي عنده مشاغل."
تبسم عاصم وهو يتذكر قبل قليل.
حين تحدث مع عاطف على انفراد.
دخل عاطف إلى غرفة المكتب وخلفه عاصم.
تحدث عاصم بأستهجان قائلاً: "كويس إنك جيت مع عمتي النهارده. كنت هتلاقيني عندك في المصنع بكرة. إيه الأخبار اللي بتوصلني عن المصنع دي؟ لو مكنتش قد إدارته قول لي وأنا أشوف شخص مناسب."
رد عاطف بأرتباك: "أخبار إيه دي؟ عن شوية عاملين وكانوا عملوا إضراب بدون وجه حق بسبب طمعهم وأنا اتعاملت معاهم وحليت الموضوع من أوله. وكمان أنا زودت الطاقة الإنتاجية للمصنع أكتر من النص."
تبسم عاصم: "مش مهم زيادة الطاقة الإنتاجية. ماممكن تكون على حساب هلاك المكن والمعدات وكمان العاملين."
رد عاطف: "لأ أنا بشتغل ورديات وبريح المكن والعاملين كمان. أنا فاهم في الإدارة. أنت ناسي إن دراستي نفس دراستك وهي إدارة الأعمال. صحيح أنت درست في الجامعة الأمريكية وأنا درست تجارة إدارة أعمال بس هي الإدارة واحدة في كل الأماكن."
تنهد عاصم ساخراً: "فعلاً الإدارة واحدة بس مش في كل الأماكن. يعني مثلاً إدارة مصنع كبير للبويات مش زي إدارة سوبر ماركت. أنا بس بحذرك لأني مش بحب الغلط ولا التقصير في الشغل وكمان معنديش في الشغل مسألة قرابة ومش عاوز يوصلني عنك تاني أي تقصير. ودلوقتي عن إذنك أنا جاي من السفر قبل ما توصلوا بوقت قليل بساعة تقريباً وهلكان ومحتاج أستريح. تصبح على خير."
رد عاطف: "وأنت من أهله."
عاد عاصم من تذكره.
ينظر لـ سُولافة قائلاً: "عامر هيجي أسيوط قريب جداً ويمكن يفضل مدة هنا."
تبسمت سُولافة بحماس قائلة: "بجد؟ إمتى؟"
تبسم عاصم على تلك البريئة. لا يعرف كيف هي ابنة تلك اللئيمة وأخت ذلك الفاشل الطامع. يبدو أنهم اندمجا معاً وتركوا لتلك الصغيرة البراءة.
تحدث عاصم: "أنا بقول دلوقتي تروحي تقعدي مع عمتي وسمرة. أكيد سمرة وحشتك. وأوعدك عامر هيجي قريب لأسيوط."
تبسمت قائلة بطفولة مرة أخرى تقول بإلحاح: "طب قوليلي إمتى بالظبط."
تبسم عاصم ساخراً على عفويتها قائلاً: "أقرب ما تتوقعي. بس روحي اقعدي مع عمتي وسمرة وكمان عاطف."
بالأعلى بغرفة حمدي وزوجته
وقفت وجيدة تتحدث: "مش عارفة ليه حاسة إن هيحصل مصيبة بسبب زيارة عقيلة المفاجئة. قلبي بيقولي كده. عقيلة في دماغها ترتيب وعندي إحساس إنها جايه عشانه."
رد حمدي بسخرية: "وهو يخلع ملابسه. وأيه هو الترتيب ده؟ ما أنتي خلاص بقيتي تطلعي على الغيب."
ردت وجيدة: "بتتريق عليا؟ طب بكرة تشوف. عقيلة مبتصبرش وبتقول اللي هي عاوزاه بسرعة. وقول وجيدة قالت."
رد حمدي: "مش عارف ليه طول عمرك أنتي وعقيلة مش بتستريحوا لبعض. عكس عقيلة وسلوى كانوا قريبين من بعض. ومع ذلك شايفك بتحبي سُولافة."
ردت وجيدة: "سُولافة مش متطورة بس اللي في قلبها على لسانها ومش خبيثة ولا بتاع لف ودوران زي عقيلة وعاطف. الوجه التاني لعقيلة. على العموم يا خبر بفلوس بكره تقول وجيدة قالت."
تنهد حمدي قائلاً: "لا قلتي ولا عديتي. أنا عاوز أنام. بعد الخبر الحلو اللي قاله عاصم عن فوزنا بالمناقصة. المناقصة دي هتخلينا نمرة واحد في مصر وكمان هتفتح لنا سوق في الدول اللي حوالينا. أنا فخور بعقل عاصم. لو مش هو بعد حريق المصنع ومغامراته ومجازفته في السوق كان زمانا خسرنا كل حاجة. لكن ذكاؤه عمر تاني المصنع وكبره وبقى عندنا كذا مصنع باسم الصقر في مصر سواء قبلي أو بحري."
تبسمت وجيدة قائلة: "ما كمان عمران ساعده وكمان عامر درس هندسة وماسك شغل المصانع الفني."
رد حمدي بفخر قائلاً: "أحلى حاجة في ولادي إنهم بيكملوا بعض. وده يرجع لتربيتك لهم يا وجيدة. وكمان ضميتي سمرة معاهم لما عاصم أصر إنها تفضل هنا وتكون تحت وصايتي بعد ما خالتها كانت عاوزة وصايتها بس هو قال إنها بنت شاهين وإحنا الأولى بيها."
تبسمت بمكر قائلة: "عاصم وسمرة."
ثم همست لنفسها قائلة: "عاصم عاشق سمرة. بس أنا خايفة يكون هو مش في بالها. وكمان خايفة من عقيلة تفجر صبره وتطلب سمرة لعاطف زي إحساسي ما بيقولي. والخوف الأكبر سمرة توافق على طلبها."
رغم تضايق سمرة من جلوس عاطف ونظراته لها، لكن تحملت لوقت أن قالت عقيلة: "حل عليا التعب من الطريق وكمان عمتك عجزت ومبقتش حمل سهر. هسيبكم مع بعض يا ولاد. يالا تصبحوا على خير."
كأن عقيلة أعطتها شربة الحياة لتنهض هي الأخرى.
وقفت سمرة قائلة: "وأنا كمان مش بحب السهر وهطلع أنام. أنا بصحى بدري."
ضحكت سُولافة قائلة: "لأ عاطف مش بينام بدري كده. ده بتاع الليل وآخره."
زغرت عقيلة لها لتصمت.
رغم ضيق عاطف ولكن تحدث بوداعة قائلاً: "أنا نفسي محتاج أنام. زي ما قلت شغل المصنع وكمان أنا اللي كنت سايق العربية واحنا جايين ومحتاج أرتاح. روح أنا كمان أنام."
غادر الثلاثة وظلت سُولافة وحدها تنظر للسماء.
تحدث نفسها: "وياترى ياللي في بالي بتحب السهر زيي ولا بتنام زي الكتاكيت بدري؟"
ردت على نفسها: "حلوة كتاكيت دي. دا لو سمعها مش بعيد يضربني. بس أعمل إيه؟ بحب أضايقه ليه معرفش."
.........................
بالقاهرة
في فيلا الصقور
عمران نائم.
يرى نفس الطفلة بنفس المنظر. لما عيناها دامية وتنزف دماً. لما جسدها من الأمام مفتوح وينزف.
لكن للغرابة هذه المرة لم تقترب منه. بل هو من يقترب منها.
لكن كانت المفاجأة أخرى. تقف جوارها فتاة صبية ليست طفلة.
أقترب منهن. لكن الصبية كانت تعطيها ظهرها.
فاق فزعاً على صوت هاتفه.
مد يدهُ يجلب الهاتف. وجد رقم غير مسجل عنده.
كان يفكر ألا يرد. ولكن على آخر الرنين رد.
نهض سريعاً من على الفراش وتحدث قائلاً: "قولي اسم القسم وأنا هكون عندك فوراً."
بعد قليل.
بأحد أقسام الشرطة.
جلس عامر يتحدث قائلاً بكبر: "الضابط بتاعك هيندم على قبضك عليا بالطريقة دي."
رد عليه الأمين: "أنا عبد المأمور يا باشا. وأظن أنا خليتك تتكلم من تليفوني للي هيجي عشان حضرتك."
دخل عمران إلى داخل الغرفة وجد عامر يجلس مع الأمين.
تحدث قائلاً: "خير. قابض على عامر حمدي شاهين ليه؟"
رد الأمين: "حضرتك مين؟"
رد عمران: "أنا المحامي الخاص بـ عامر بيه. غير إني أخوه."
وقف الأمين قائلاً: "أهلاً يا باشا. سيبك مع عامر بيه وهو هيفهمك."
خرج الأمين وتركهم سوياً.
تنهد عمران قائلاً: "قولي إيه سبب وجودك هنا؟ من إمتي وإحنا بندخل أقسام بوليس."
رد عامر: "أساساً وجودي هنا بالغلط. على رأي المثل خير تعمل شر تلاقي. أنا وأنا مروح للفيلا لقيت تجمع شوية ناس في وسط الطريق. نزلت أشوف فيه إيه لقيت راجل مخبوط ويظهر اللي خبطه خاف وهرب. عملت بأصلي وأخدت الراجل لمستشفى خاصة ودخلته فيها ودفعت قيمة دخوله. غير كمان سبت مبلغ تحت الحساب. وكنت همشي بس معرفش مين اللي بلغ بنته وجت للمستشفى وقعدت تصوت وتقول أنا اللي خبطه. فأمن المستشفى طلب البوليس. وجه وحققوا معايا وأنا قلتلهم على اللي حصل. وكمان فيه في المكان ده كاميرا مراقبة غير رادار يقدر يرصد إذا كنت أنا اللي خبطه أو لأ. فكرني بتفلسف عليه وطلب من البطاقة. فقلت له مش معايا البطاقة ولا حتى باسبور. كل اللي معايا رخصة قيادة وكمان كريدت كارد. راح اتهمني إني سرقت العربية وفيها الكريدت والرخصة ممكن تكون مزورة. مش عارف إزاي زي ما يكون قاتل له قتيل. ساعة ما قلت أنا عامر حمدي شاهين. المدير الفني لمصانع الصقر للبويات. زي ما يكون استصغرني."
ضحك عمران قائلاً: "أكيد فعلاً استصغرك. هو ده اللي حصل. وما طولتش لسانك عليه ولا فردت عضلاتك."
رد عامر: "أفرد إيه؟ ده جابني هنا خمس دقايق وجاله اتصال ومشي. بس كويس إنه لو كان طول كنت أكيد هعرفه أنا مين بطريقتي."
تبسم عمران قائلاً: "طب كويس. وبعدين أنت مبتاخدش معاك إيه يثبت هويتك ليه؟"
رد عامر: "أنت شايف إني مسجل خطر ولا إيه؟ وبعدين رخصة القيادة ما فيها صورتي ولا مش كفاية؟ وبطاقتي خلصان مدتها ومكسل أنزل قنا أجددها. وكمان هاخد الباسبور ليه؟ هو أنا هطير. وده أول مرة حد يوقفني وأهي غلطة. بعد كده مش هعمل خير."
ضحك عمران قائلاً: "ماشي يا فاعل الخير. أنا هطلع أسأل الأمين فين الضابط ده عشان يعمل لك إخلاء سبيل. وكمان بلاش تتكلم قدامه بالطريقة دي ليعطيك استمرار حبس."
بعد حوالي ساعة ونصف تقريباً.
جلس عمران ووقف عامر أمام الضابط.
تحدث الضابط قائلاً: "إحنا فعلاً شوفنا كاميرات المكان اللي حصل فيه الحادثة وتأكدنا إن عامر مش هو اللي خبط الراجل. أنا كنت بنفذ القانون وكمان قلة وجود ما يثبت شخصيته حطه في دايرة الاتهام. رخصة القيادة ولا الكريديت إثبات شخصية. واللي مدين له بالاعتذار هو أمن المستشفى وكمان بنت الراجل اللي هو دخله المستشفى. وتقدر تخلص إجراءات خروجه من القسم على ضمانتك الشخصية."
قال الضابط هذا ونظر إلى عامر قائلاً: "وياريت مرة تانية احتياطي تبقي خد معاك بطاقة أو باسبور يثبت شخصيتك."
تبسم عامر الذي يضبط نفسه ساخراً.
بعد ساعة تقريباً.
دخل عامر وعمران إلى الفيلا.
تحدث عمران ساخراً: "ادخل خدلك شاور عشان تنضف من دخولك القسم. تذكر ولا تنعاد. بس كويس إنك ضبطت أعصابك قدام الضابط. أنا كنت خايف لا بدل ما تدخل اشتباه تطلع اتهام بالتعدي على رجل شرطة."
رد عامر: "أنت بتتريق؟ والله فعلاً كنت شاوررت عقلي بس خوفت على مشاعرك الرقيقة."
ضحك عمران قائلاً: "صادق. يلا روح خدلك شاور وأنا هحضر أكل خفيف لينا إحنا الاتنين. كوثر مشيت من بدري. إحنا خلاص باقي ساعة عالفجر."
تبسم عامر قائلاً: "ماشي بس متنساش اللبن."
ضحك عمران: "لأ إزاي أنسى إنك لازم ترضع قبل ما تنام."
بعد قليل جلس الاثنان يتناولان الطعام وسط مزاحهما.
لتنتهي تلك الليلة.
في صباح اليوم التالي.
في قنا.
بغرفة سمرة.
استيقظت سمرة على صوت العصافير كعادته.
تذمرت سُولافة التي تنام معها بنفس الغرفة ووضعت الوسادة على أذنها قائلة: "إيه الإزعاج ده؟ العصافير ده صوتها عالي قوي. غير كمان بيصوصوا طول الليل. أنتي إزاي بتتحملي تنامي وهما معاكي في نفس الأوضة؟ ياريتني كنت نمت في الأوضة اللي طنط وجيدة قالت لي عليها. لكن قولت آجي أبات عندك أهو نتسلى شوية قبل ما أنام."
تبسمت سمرة وهي تنهض من على الفراش قائلة: "هو في صوت أجمل من صوت العصافير ده؟ بيشبه صوت البيانو."
وقالت هذا وشعرت بغصة بقلبها. تذكرت حلمها السابق بأن تصبح عازفة بيانو. لكن ككل شيء بحياتها وئد بمهده بعد أن فقدت والديها. أتى بها عمها حمدي إلى هنا لتكون قريبة منه وتصبح حبيسة هذا المكان. كذلك العصافير.
رفعت سُولافة الوسادة من على رأسها ونظرت إلى سمرة.
وتحدثت قائلة: "أنا عرفت إنك كنتي بتدرسي في الكونسرفتوار قبل ما تيجي هنا قنا بعد وفاة خالي."
جرت الدموع وكادت أن تنزل من عين سمرة. لكن سرعان ما ارتبكت بسبب رنين هاتفها.
تعجبت سُولافة قائلة: "ده صوت موبايل حديث؟ أنتي معاكي فون حديث؟"
تستمر القصة أدناه.
تلعثمت سمرة قائلة: "لأ ده يمكن صوت موبايل عاصم. ماهو أوضته جانبي وساعات بسمع رن موبايله."
قالت سُولافة: "بس الصوت قريب جداً تقريباً كأنه في الأوضة هنا."
أنقذ سمرة صمت رنين الهاتف مما جعل سُولافة تقول: "يظهر صحيح الرن سُكت بسرعة. يمكن عاصم رد أو قفل الموبايل."
نهضت سُولافة من على الفراش واتجهت إلى مكان وقوف سمرة جوار قفص العصافير. وتحدثت قائلة: "القفص التاني ده بقى اللي هحط فيه العصفورين اللي هاخدهم. قولي لي إزاي أهتم بهم زي ما أنتي بتهتمي بيهم."
ابتلعت سمرة ريقها الذي جف لدقيقة وتحدثت بارتياح وهي تقول لـ سُولافة على طريقة الاهتمام بالعصافير.
2..........
.........................
بشركة الصقر
دخلت سليمة على عمران المكتب بعد أن استدعاها للذهاب إليه.
وجدته يضع رأسه بين يديه يتكئ على المكتب.
تحدثت قائلة: "طلبتني ليه؟"
رفع رأسه ينظر لها قائلاً: "طلبتك أشوف جمالك أصلك وحشتيني."
ردت عليه قائلة: "لو سمحت احترم نفسك واعرف بتقول إيه. كون إنني بشتغل هنا مش معناه تكلمني بقلة احترام."
نظر لها متعجباً: "قلة احترام؟ وهو أنا مش المفروض مديرك؟ يعني تحترميني وتقولي لي حضرتك سيادتك. بس أنا مش فايق على فكرة. ممكن تطلبي لي قهوة مظبوطة؟"
ردت بعجرفة قائلة: "طب ما تطلب البوفيه وهو يجبلك. أنا مالي؟ ده مش من اختصاصي."
نهض عمران من مقعده: "هو حضرتك بتشتغلي هنا إيه؟"
ردت سليمة ببساطة: "أنا هنا مديرة مكتبي."
تحدث عمران: "طيب وده من اختصاصك؟"
ردت بسخرية قائلة: "أنا مديرة مكتبي ساعتك واختصاصي الشؤون القانونية مش البوفيه. أنا مش الساعي مع احترامي للساعي لأنه في الآخر موظف وبيؤدي عمله. تقدر تطلب القهوة من الساعي أو البوفيه. أما أنا هنا بشتغل مديرة لمكتبي مش الفلبينية الخاصة لساعتك. عن إذنك."
قالت هذا وغادرت الغرفة. تركته ينظر إلى خروجها بأستغراب كيف صمت ولم يرد عليها بطريقتها المتعجرفة.
.........................
في قنا
كانت سُولافة تسير وحدها في الحديقة بين الزهور تشعر بملل. فبعد الفطور توجه كل شخص إلى وجهته.
سمرة وزوجة خالها دخلن إلى المطبخ للإشراف على العاملات بالمنزل.
والداتها وعاطف ومعهم حمدي ذهبوا للمقابر لزيارة قبر والداهم وأخيهم.
وعاصم خرج لقضاء بعض الأعمال لديه.
وظلت هي وحدها.
جاء إليها فكرة الاتصال. في البداية ترددت.
لكن حسم التردد عقلها قائلاً: "وفيها إيه يعني؟ هو ابن خالي وتقريباً متربيين مع بعض. دا طول ما كان في فترة جيشه كان عندنا في أسيوط."
وضعت الهاتف على أذنها تسمع رنينه أكثر من مرة دون رد. ولكن لم تيأس.
إلى أن رد عليها.
بالقاهرة
استيقظ عامر بتذمر على صوت الهاتف.
أتى به من على الشاحن ونظر إلى الشاشة. فكر في عدم الرد. ولكن كثرة الطلب وبإلحاح جعلته يرد متذمراً.
يقول: "خير عالصبح؟ طلباني ليه؟ ومردتش من أول مرة ملهوش لازمة الإلحاح."
ردت سُولافة: "صبح إيه دا؟ مفيش ربع ساعة والظهر هيأذن. أنت في الشغل وأنا عطلتك."
رد عامر: "لأ مش في الشغل. أنا كنت نايم وصحيت على اتصالك المتكرر ألف مرة. قولتلك مردتش عليكي من أول مرة متلحّيش بالاتصال."
ردت سُولافة: ساخرة: "نايم لدلوقتي؟ طب وهتروح الشركة أو المصانع إمتى؟ أه طبعاً ما أنت من أصحاب الشركة تسهر طول الليل وتنام طول النهار. وفي آخر الشهر هتقبض محدش هيحاسبك. ما المال مالك."
رد عامر: "صباحه قر عالصبح. أنتي متصلة عشان تحسديني بقى."
ردت سُولافة: "على فكرة أنت غلطان. أنا مش حسودية ولا ببص لحاجة في إيد حد غيري. بس مبحبش استغلال النفوذ. عموماً أنا كنت متصلة أطمن عليك وكمان امبارح عاصم قالي إنك قريب هتجي لأسيوط."
تعجب عامر قائلاً: "هو عاصم قالك كده؟ بس أنا معنديش خبر."
تحدثت سُولافة: "يعني هيكون بيكذب عليا؟"
رد عامر: "أكيد لأ. بس لسه مقاليش. ثم أكمل بمكر: وبعدين أنتي عاوزني آجي أسيوط ليه؟ وحشتك مثلاً؟ أخوكي ولا خطيبك مثلاً؟ الكلام القديم اللي كانوا بيقوله واحنا صغيرين إننا هنتجوز أما نكبر ده تنسيه."
ردت سُولافة بتعلثم وشجن بصوتها: "أنت فهمتني غلط. على العموم مع السلامة."
قالت هذا وأغلقت الهاتف وجلست على طاولة بالحديقة وألقت الهاتف على الطاولة تحبس دموعها من رده القاسي.
بينما عامر تبسم قائلاً: "أنا أكيد غبي يا بغبغانتي. لو تعرفي أنا مشتاق قد إيه أشوفك. بس لازم تكبري شوية. بلاش طريقتك الطفولية دي."
بقنا
سحبت سمرة ودخلت إلى غرفتها.
قامت بفتح أحد أدراج الدولاب وأخرجت منه هاتف حديث.
وقامت بفتحه على أحد تطبيقات الاتصال الحديثة وأرسلت رسالة لأحدهم.
مضمونها: "أنت اتجننت؟ قبل كده قولت لك ممنوع تتصل عليا ونتواصل بالرسائل. بس أفرض حد معايا في الأوضة على لحظة كنت هنكشف. كانت سُولافة معايا في الأوضة. بعد كده ممنوع تتصل عليا."
رد الآخر معتذراً: "والله رنيت بالغلط وقفلت علطول. بس طمنيني عليكي. عمتك وصلتِ؟"
ردت سمرة: "أيوا وصلت ومعاها ابنها الغلس."
تحدث الآخر: "وأيه سبب زيارتها؟ أنتي بتقولي إنها من زمان مزارتكمش. أكيد بعد الغيبة دي في هدف من زيارتها."
ردت سمرة: "ده اللي متأكده منه. بس عمتي مش هتصبر كتير وهتقول هدفها من الزيارة. ويارب تقول بسرعة وتمشي هي والحيوان ابنها دا. أنا بكرهه وبكره نظراته ليا."
تحدث الآخر: "طيب ومعندكيش توقع لهدفها من الزيارة؟"
ردت سمرة: "لأ معرفش. لأنها خبيثة ومفكرة إني مش بفهم وبيدخل عليا كلامها الناعم. متعرفش إن كنت تربية خدمات زي ما بيقولوا. بس خليها واخده عني الفكرة دي."
تبسم الآخر قائلاً: "طيب أنا لازم أقفل دلوقتي. بس أبقي عرفيني إيه هدف الزيارة."
ردت سمرة: "تمام هبقى أراسلك. بس أوعى تتصل مرة تانية. يلا بالسلامة."
بعد الظهر
بغرفة السفرة
بعد أن انتهوا من الغداء.
نهضت عقيلة من على الطاولة قائلة: "في موضوع عاوزة أتكلم فيه أنا ورضا معاك يا حمدي أنت وسمرة."
وجه حمدي نظرة لـ وجيدة التي تبسمت بسخرية.
ليقول لها: "هاتي ليا ولرضا قهوتنا ولعقيلة عصير في أوضة الصالون."
نهض عاصم يبتسم قائلاً: "وأنا منفعش أكون معاكم يا عمتي؟ ولا هتتكلموا في أسرار؟"
ردت عقيلة: "مش أسرار ولا حاجة. ده خير إن شاء الله."
بعد قليل بغرفة الصالون
جلست عقيلة جوارها زوجها على أريكة صغيرة.
وبالمقابل جلس حمدي وجواره سمرة على أريكة أخرى.
وجلس كل من عاطف وعاصم على مقاعد منفردة.
كان عاصم يجلس متحفزاً يريد أن يعرف سبب طلب عمته.
بينما عاطف كان يجلس براحة يتوقع أن يلقى القبول لطلب عقيلة.
تحدث حمدي قائلاً: "مقولتيش إيه طلبك يا عقيلة."
ردت عقيلة ببسمة وهي تنظر لـ سمرة.
التي تجلس تشعر باشمئزاز من نظرات عاطف الباسمة لها.
قالت عقيلة: "بقى سمرة من ريحة محمود أخويا وهي بقت عروسة ما شاء الله. وأظن أن الأوان أنها تتجوز. وأنا مش هلاقي أحسن من أدبها وأخلاقها تكون عروسة لـ عاطف ابني. أول ما قلت له تمم على قولي واحنا جايين مخصوص عشان نطلب سمرة للجواز من عاطف."
بتّت سمرة واقفة تنظر لـ عاصم بتفاجؤ.
وردت: "لأ، أنا مش موافقة أتجوز عاطف. عاطف بالنسبة لي مش أكتر من أخ وأنا مش بفكر أتجوز دلوقتي."
ردت عقيلة: بسخرية لكن مازالت تضبط أعصابها: "وبـتفكري في إيه يا بنت أخويا؟ أنتي عديتي الخمسة وعشرين سنة؟ ولا في حد تاني في مزاجك؟"
رغم ضيق عاصم من قول عقيلة وكان سيرد عليها، لكن تمالك غضبه.
حين ردت سمرة بحسم: "لأ تاني ولا تالت. أنا مش موافقة أتجوز من عاطف وده آخر رد ليا."
قالت سمرة هذا وغادرت الغرفة مسرعة قبل أن تعود عقيلة للحديث.
بينما عاد عاصم بظهره على المقعد وجلس براحة وداخله يبتسم. فقد حدث ما كان يتوقعه وحذر سمرة من الموافقة عليه سابقاً.
«يتبع»
رواية سمرائي انتي حقي الفصل الثالث 3 - بقلم سعاد محمد سلامة
دخلت سمرة إلى غرفتها وأغلقت خلفها الباب.
أرتمت على الفراش، مُنْكَبّة على وجهها، تريد أن تصرخ وتقول: "حقاً أريد التحرر من سجني، لكن ليس مع ذاك الوغد الطامع، هو ووالدته المنافقة."
مسحت بيديها دموعها ونهضت.
قامت بفتح قفص العصافير وطارتهم بالغرفة.
عادت تجلس على الفراش.
تذكرت ليلة أمس.
***
بعد أن قالت عقيلة أنها تود النوم، تحججت سمرة بالإرهاق هي الأخرى وذهبت وتركت عاطف مع سُلافة.
ذهبت إلى غرفتها، فتحت باب الغرفة، لكن سُرعان ما أُغلق الباب.
ووجدت يده على شفتيها تُكممها حتى لا تصرخ، ويجذبها من يدها يأخذها إلى زاوية بالغرفة لتحاصر بينه وبين الحائط.
ثم سحب يده التي كانت على فمها قائلاً بحِدة: "إيه اللي خلاكي تفضلي تحت مع عاطف لدلوقتي؟"
ابتلعت سمرة ريقها تنظر برعب، قائلة بخفوت: "عاصم... مالكت سمرة نفسها وأعادت قائلة: عاصم إيه اللي دخلك أوضتي دلوقتي؟ خضتني."
تبسم بسخرية وهو ينظر إلى شفتيها المرتجفة تحت سبابته الذي وضعه على شفتيها يحذرها أن تنطق بكذب.
لكن سار بجسده رغبة، لما لا يقبلها الآن، لكن هو يريد تذوق تلك الشفاه وهي محللة له.
صبر الكثير، لكن لابد لهذا الصبر من نهاية، وأقتربت نهاية ذاك الصبر.
يكفي.
تحدث قائلاً بسخرية: "إيه السهرة خلصت بدري؟ شايفك مبسوطة قوي من ساعة ما دخلت عمتك للبيت. إيه كانت وحشاكي قوي كده؟ لأ وكمان رحتي وقعدتي معاها في الجنينة. إيه حضنها ليكي كل شوية دفاكي من البرد اللي في الجنينة؟ ولا يمكن نظرات عاطف ليكي كانت مدفياكي وكان نفسك عمتك تقوم وتسيبكم مع بعض؟"
نظرت سمرة لعين عاصم متفاجئة من سخريته، قائلة: "انت بتقول إيه؟ تقصد إيه؟ أفهم معنى كلامك. أنا مكنتش قاعدة مع عاطف لوحدنا، وأول ما عمتي قامت أنا قمت وسيبته هو وسُلافة، مع إن المفروض مكنتش أسيبهم، هما ضيوف عندنا."
أطبق عاصم يده بعنف على معصم يدها ونظر لعيناها يقول بغيظ: "صاحبة واجب."
تذمرت سمرة من مسكة يده لمعصمها وقالت بألم: "إيدي بتوجعني."
فك عاصم قبضة يده قليلاً، لكن لم يترك يده.
تحدثت سمرة: "سيب إيدي يا عاصم وابعد عني وبلاش طريقتك دي في الكلام معايا، وقولي سبب لوجودك في أوضتي دلوقتي."
ترك عاصم يدها ولكن ما زال قريباً منها.
نظرت سمرة ليدها لترى علامات أصابعه على يدها.
تحدث عاصم ببرود قائلاً: "مبروك. عندي إحساس إن هيتقدم ليكي عريس قريب."
نظرت له سمرة ولا تعرف لما شعرت بغصة أن يقول لها هذا.
صمتها أغاظه.
نظر لها بغيظ قائلاً: "شايفك ساكتة. إيه موافقة على العريس من قبل ما تعرفي هو مين؟ ولا قلبك دلك مين العريس المنتظر؟"
ما زالت صامتة.
مما جعله يشعر بغيظ أكبر.
وتحدث بحِدة: "العريس مرفوض زي غيره."
نظرت له بتعجب. هل هناك من يتقدم لخطبتها دون أن تعلم؟ لكن لما يخفي عنها ذلك؟
سخر وهو يرى الدهشة على وجهها، رغم شعوره بغصة.
تحدث قائلاً: "العريس هو عاطف ابن عمتك عقيلة."
أنصدمت قائلة: "بتقول إيه؟"
تبسم عاصم: "مفاجأة ليكي مش كده؟ انتي مصدقة عمتك عقيلة إن زيارتها بريئة وإنك وحشتيها بصحيح؟"
ما زالت الصدمة تجعلها صامتة.
مما جعله يشعر أن لديها نية للموافقة على عاطف.
قبل أن يتحدث قالت بقطع: "مستحيل أتزوج عاطف. أنا أساساً مش برتاح له، يبقى أتزوجه؟"
تبسم بانشراح قائلاً: "كويس. أنا كنت لسه هقولك إنك ترفضيه وممنوع حتى تتكلمي معاه تاني. وعمتك أكيد مش هتصبر كتير وهتبخ اللي على لسانها، فطبعاً ردك يكون حاسم قدامها."
وقبل أن يكمل عاصم حديثه، سمعا طرقاً على الباب.
تحدث عاصم بهمس: "مين اللي بيخبط عليكي دلوقتي؟"
ردت سمرة بنفس الهمس قائلة بسخرية: "أنا واقفة معاك وأيه عرفني."
عاد الطرق مرة أخرى، لكن مصحوباً بصوت قائلاً: "سمرة إيه؟ انتي لحقتي تنامي ولا إيه؟"
نظرت سمرة لعاصم قائلة: "دي سُلافة. ولو شافتك هنا هتقول لكل حاجة."
تبسم بسخرية: "مفكرة إني خايف من حد ولا يهمني؟ بس مضطر أطلع من البلكونة بمزاجي. لسه مجاش الوقت المناسب."
قال هذا واتجه إلى شرفة الغرفة وقام بالدخول إلى شرفة غرفته المجاورة لها.
ظلت سمرة لدقيقة تنظر إلى خروجه من الشرفة وما معنى قوله "لسه مجاش الوقت".
لكن عاد الخبط، مما جعلها تتمالك ذاتها وتذهب إلى باب الغرفة وتقوم بفتحه.
دخلت سُلافة إلى الغرفة سريعاً قائلة: "إيه يا بنتي؟ انتي لحقتي تنامي ولا إيه؟ وبعدين أنا سمعت صوت هنا في الأوضة."
ردت سمرة: "لأ منمتش، كنت في الحمام والصوت كان من التليفزيون وقفلته."
نظرت سُلافة إلى الشباك قائلة: "معقول سايبة البلكونة مفتوحة؟ الجو لسه بيبرد بالليل."
ذهبت سمرة إلى الشرفة وأغلقت الباب وعادت تقول: "نسيت أقفل بالليل."
تبسمت سُلافة قائلة: "بمزح. اللي واخد بالك. وبعدين أنا جاية علشان أبات معاكي في الأوضة، أهو نتسلى شوية قبل ما ننام، وكمان أشوف العصافير اللي هخدهم."
تبسمت سمرة لها بود.
بعد قليل نامت الاثنتان جوار بعضهن على الفراش.
تحدثت سُلافة قائلة: "عارفة؟ أنا برتاح في البيت ده عن الشقة اللي عايشة فيها مع بابا وماما. بحس هنا بالدفا والأمان، عكس شقتنا في أسيوط. حاسة إن مفيهاش روح، زي ضيفة عايشة معاهم. ماما هي وعاطف دايماً بيميلوا لبعض. وبابا من يوم ما سوى معاشه وفتح سوبر ماركت وبعدها فتح فرع تاني منه، وهو مش بيدخل البيت غير عالنوم. وأنا مش في دماغ حد، عايشة لوحدي، لا حد بيسألني رايحة فين ولا جاية منين. والله متهيألي إن لو نمت بره البيت محدش هيلاحظ. أما هنا، طنط وجيدة عاملة للبيت أهمية، رغم إنهم تقريباً معظم الوقت عايشين في القاهرة، بس تحسي إنها مدفية البيت بحنانها عليكي، وكمان ربت ولادها يحبوا بعض، مش زيي أنا وعاطف، أخوات بالإسم فقط. يلا ربنا يهديه."
كانت سمرة شاردة تفكر في معنى كلمة عاصم الذي قالها: "ما الذي يقصده بتلك الجملة (لسه الوقت مجاش)؟ ماذا يقصد به؟"
لاحظت سُلافة عدم رد سمرة. نظرت لها قائلة: "سمرة بكلمك مش بتردي ليه؟"
استوعبت سمرة قائلة: "ها؟ معلشي قولتي إيه؟ كنت سرحانة."
تبسمت سُلافة بخبث قائلة: "اللي واخد عقلك قوللي هو مين، ومش هخبث عليكي. أنا سيد من يحفظ السر."
تبسمت سمرة وقالت: "ولا حد واخد عقلي. أنا بس هلكانة طول اليوم كنا بنجهز لاستقبالكم وتعبت. هنام. تصبحي على خير."
ردت سُلافة: "وانتي من أهله." ووضعت رأسها وسُرعان ما ذهبت للنوم.
بينما سمرة لم يغمض لها جفن، تفكر في حديث عاصم لها. وهل حقاً عمتها هنا من أجل أن تطلب يدها لذلك البغيض؟ ماذا لو كان عاصم مُحق فيما قال؟ لو رفضت ستكسب بُغض عمتها. حقاً لا تشعر معها سوى بالرياء. لكن بالنهاية قد تكون فرصتها للخروج من أسوار ذاك البيت. لكن لا، لن أوافق أبداً. عاطف سيكون سجان آخر. هل هذا هو تفسير حلمها الذي حلمت به صباحاً؟ إذن الجواب لا. مع ذلك لم تستطع النوم حتى الصباح.
***
عادت سمرة من تذكرها، ما زالت تبكي، لا تعرف لما.
كل ما تريده هو الخروج من أسوار هذا المنزل.
مسحت دموعها بيديها حين سمعت صوت زقزقة العصافير خلفها.
استدارت سمرة برأسها تنظر خلفها، لتتعجب حين وجدت العصفوران قد دخلا إلى القفص مرة أخرى.
نهضت وذهبت إلى القفص.
وقفت أمامهما تبتسم. هي أعطتهم الحرية، باب الشرفة كان مفتوحاً، كان بإمكانهم بكل سهولة الطيران بعيد. لكن لماذا عادا إلى القفص؟
هل؟ هذا الأسر عالمهم الذي يتمنوه؟
***
بالأسفل.
لم تصدق عقيلة رفض سمرة القاطع.
كيف جرت ورفضت ابنتها؟
نيران مشتعلة في عقلها، ونيران مشتعلة في قلب عاطف.
هو يعشقها حقاً، كان يريد ثروتها، لكن أيضاً يريدها هي، فتاة أحلامه، يهواها، وكانت يُمنى نفسه أن يظفر بها ويستحوذ على عشقها وميراثها الاثنان معاً.
تحدثت عقيلة بسخرية وهي تنظر لأخيها قائلة: "لأ وعرفت تربي يا وجيدة، وانت كمان، دا تربية. شوفت البنت هبت إزاي وبكل قلة أدب رفضت عاطف؟ بدل ما تحمد ربنا إنه بص لها، تشوف نفسها أم حتة معهد بعد الثانوية؟ أنا ابني معاه بكالوريوس تجارة."
وقف عاصم قائلاً: "عمتي، ياريت بلاش طريقتك دي في الكلام على سمرة. هي حرة توافق أو ترفض."
تمم على حديثه: حمدي قائلاً: "الجواز قسمة ونصيب قبل أي حاجة يا عقيلة، وافتكري إن سمرة بنت أخوكي محمود شاهين. حتى لو كانت جاهلة خالص، ليها مقام عالٍ وسط الأكابر."
لكن تحدث عاطف بتلطيف قائلاً: "فعلاً الجواز قسمة ونصيب، ومش معنى رفض سمرة ليا إنها بتتكبر، ده النصيب."
قال هذا ونظر إلى عاصم وأكمل حديثه: "ويمكن سمرة في قلبها حد تاني ونصيبها معاه."
نظر له عاصم يبتسم بسخرية.
***
بالقاهرة.
بشركة الصقر.
وقف عمران أمام مكتب سليمة قائلاً: "أتفضلي معايا."
رفعت سليمة وجهها من على الحاسوب التي تعمل عليه، وخلعت نظارتها الطبية وتحدثت بتهكم قائلة: "أتفضل إيه معاك؟ وبعدين مش تخبط عالباب قبل ما تدخل أو تطلبني تستدعيني لعندك في المكتب؟ دي قلة ذوق."
نظر عمران لعين سليمة، لا يعلم لما اهتز داخله، لكن سُرعان ما تحدث قائلاً بسخرية: "حضرتك دي كلها شركتي، وكمان أنا خبطت عالباب قبل ما أدخل. واضح إنك كنتي سرحانة ومسمعتيش، مش ذنبي. وكمان مش فاضي للكلام. اتفضلي معايا."
نظرت سليمة له بغيظ قائلة: "اتفضل معاك فين؟"
رد عمران ببسمة خبيثة: "هاخدك معايا نتغدى سوا لو مكنش عندك مانع."
تلعثمت سليمة وردت بسخرية: "وحضرتك أروح أتغدى معاك بصفتك إيه؟ أنا هتغدى هنا في المكتب معايا سندوتشات. شكراً لعزومتك."
تبسم عمران قائلاً بسخرية: "معاكي سندوتشات من البيت؟ ليه رايحة رحلة تبع المدرسة؟"
شعرت سليمة بتريقته وردت بغيظ: "لأ مش رحلة تبع المدرسة، دا أنا رايحة سيرك بيرقص في البهلونات بالبويه. مش شركتك شركة بويات ودهانات برضه؟"
أخفى بسمته قائلاً: "للأسف مش فاضي للمهاترات. أنا مرتبط بميعاد وسيادتك لازم تكوني معايا فيه."
ردت قائلة: "وأيه هو الميعاد ده؟"
رد عمران: "غداء عمل مع واحد من العملاء هنمضي فيه بعض العقود، ولازم تكوني معايا بصفتك مديرة مكتبي."
ردت سليمة: "طيب، ومقولتش ليه كده من الأول؟ ولا هو لازم اللف والدوران؟ وبعدين هو أنا لازم أكون معاك في الغدا ده؟ لأني مأخدتش إذن من بابا."
تبسم بداخله، فيبدو أن سليمة تربت على الالتزام، ناهيك عن لسانها السليط وعجرفتها في الرد عليه.
تحدث قائلاً: "قدامك خمس دقايق تاخدي فيهم الإذن وتحصليني تحت في جراج الشركة. أكتر من كده هيتخصم من مرتبك، غير ممكن تخسري فرصتك في إنك تكملي شغل هنا."
قال هذا وغادر المكتب مبتسماً.
بينما سليمة شعرت بضيق قائلة: "هستنى إيه من برجوازي. عارف لو مش محتاجة الخبرة اللي هاخدها هنا كنت عرفتك مقامك، ولا همني، بس الصبر يا برجوازي يا حقير."
بعد دقائق، دخلت سليمة إلى الجراج. وقفت تتلفت تبحث عنه بعينيها، لم تراه.
لكن سُرعان ما سمعت صوت زمور سيارة، لتنتبه لتلك السيارة الفخمة وتذهب باتجاهها.
حين اقتربت، فُتح باب السيارة من الداخل.
نظرت سليمة وجدت عمران يجلس بالمقعد الخلفي، وفي الأمام السائق.
تحدث عمران: "اتفضلي اركبي علشان الوقت مش لازم نتأخر."
ردت سليمة: "أنا هركب جنب السواق."
تحدث عمران بحسم: "لأ، لأن في شوية معلومات هقولك عليها. اتفضلي هنا جمبي."
امتثلت سليمة له وركبت بجواره بالمقعد الخلفي.
قام عمران بفتح حاسوبه النقال وبدأ في شرح بعض النصوص الخاصة في العقود عليها الانتباه له.
بالخطأ لامست يد عمران ليد سليمة.
لا تعرف سبب لتلك الرجفة بقلبها المصحوبة بشعور لا تعرفه ولا تفهمه.
بينما عدى ذلك على عمران كأنه لم يحدث شيء.
بعد دقائق، ما زالت تلك الرجفة بقلب سليمة، رغم دخولهم لمطعم راقٍ وجلسا سوياً على طاولة متوسطة.
جلست بجواره، ما زال يشرح لها بعض الفقرات الواجب عليها الانتباه لها.
بعد دقائق، وقف عمران يمد يده يرحب بذلك العميل ومعه فتاة أنيقة ترتدي زياً مكشوفاً بعض الشيء.
رغم أن سليمة ليست محجبة، ولكن ملابسها محتشمة، عكس تلك الفتاة ذات المكياج الصارخ.
جلس الأربعة يتداولون بعض الشروط بينهم، إلى أن اتفقوا على المناسب للطرفين.
ليقوم عمران وذلك العميل بأمضاء العقود.
وقفت تلك الأخرى التي كانت مع العميل تتدلل بأنوثتها أمام عمران، الذي كانت عيناه مسلطة على سليمة ويشعر بضيقها من نظرات ذلك العميل الوقحة له.
لكن ضبط نفسه.
إلى أن انتهوا من أمضاء العقود.
وقف عمران قائلاً: "بذوق. بكده مضينا العقود، وأتمنى يكون التعاون بينا مثمر. للأسف كان بودي نفضل مع بعض شوية، بس عندي اجتماع إدارة ولازم أحضره. نستأذن أحنا. يلا يا آنسة."
لا يعرف لما لم يرد نطق اسمها أمام ذلك الوقح.
نهضت سليمة سريعاً دون تحدث.
لكن وقف العميل يمد يده للسلام على سليمة قائلاً: "وأنا كمان كنت أتمنى يطول الوقت علشان نتعرف على الآنسة."
لم تمد سليمة يدها، وسرعان ما وضع عمران يده بيد العميل وضغط عليها قائلاً: "مرة تانية."
"عن إذنك."
قال عمران هذا وأشار ل سليمة بالسير أمامه.
امتثلت لإشارته وسارت أمامه إلى أن دخلوا إلى السيارة عائدين مرة أخرى إلى الشركة.
دخلت سليمة إلى مكتبها وأغلقت الباب خلفها.
وضعت يدها على ذلك المرتجف بداخلها، لما حدث هذا؟ لأول مرة تشعر بتلك الرجفة.
هناك شيء يربط بين عمران وقلبها، ولماذا لم يرد نطق اسمها أمام ذلك العميل الوقح؟
لكن أزال التفكير عنها رنين هاتفها، لتنظر لشاشته، وهي تعلم من الذي يتصل لكي يطمئن عليها كعادته يومياً.
بمكتب عمران.
جلس على مكتبه يفكر: "لماذا تضايق من نظرات ذلك العميل ل سليمة؟ لماذا لديه إحساس خاص تجاهها؟ ما الذي يجذبه إليها بهذه السرعة؟ لماذا يسمح لها بمجادلته بتلك الطريقة المتعجرفة أحياناً؟"
***
بقنا.
مساءً.
عادت الخادمة إلى غرفة السفرة، همت متحدثة: "الست سمرة بتقول مش هتتعشى، مش جعانة."
كان حمدي سينهض، لكن تحدث عاصم قائلاً: "سيبها على راحتها يا بابا. لو جعانة محدش هيمنعها تاكل."
تحدث حمدي قائلاً: "أنا استغربت رفضها ل عاطف ومش عارف ليه من وقتها وهي حابسة نفسها في أوضتها. وكمان عقيلة اللي أصرت تمشي هي وجوزها وولادها. أنا والله محتار في الاثنين."
ردت وجيدة وهي تنظر لعاصم تبتسم بخبث: "ومحتار ليه؟ الجواز قسمة ونصيب ونصيب سمرة حد تاني. وعقيلة طماعة، ولما عرفت إنها مش هتوصل لهدفها بعد سمرة بالذات ما رفضت، قالت ملوش لازمة تفضل هنا بعد ما فشلت خطتها. سبق وقولت لك زيارتها مش بريئة، بس مصدقتنيش. ومتخافش، عقيلة مش سهلة ولا غبية، كلها كام يوم وترجع تاني تلين عشان تفضل تاخد وكمان تحافظ على إدارة عاطف لمصنع أسيوط. عقيلة خبيثة زي التعبان."
رد حمدي: "مش عارف سبب لطمع عقيلة. أنا لو عارف إن عقيلة عاوزه سمرة لعاطف حباً في سمرة، والله كنت وافقت وحاولت أقنعها. لكن أنا عارف إن عقيلة طماعة. رغم إن زمان محمود قسم الميراث بتاعنا من أبونا علينا إحنا التلاتة بالتساوي، رغم إن أنا ومحمود كنا نورث أكتر. حتى لما محمود قالي على المصنع اللي كان بيشتغل فيه هو ومراته إن صاحبه عرضه للبيع وهو عنده خبرة في الإدارة الفنية، وأنا كنت بشتغل محاسب في شركة للكيماويات هنا في قنا. وحطيت ميراثي على ميراثه، وكمان عرضنا عليها تشاركنا، لكن رفضت وقالت إن جوزها حالف عليها يمين لو اشتغلت معانا، مع إني أنا ومحمود كنا متأكدين من كذبها. بس قولنا هي حرة وكملنا شراء المصنع بالدين من أيدين اللي حوالينا. أنا كنت سلف من زمايلي في الشغل، وانتي كمان بعتي دهبِك واستلفتي من أيدين الناس لحد ما اشترينا المصنع وبدأ يشتغل، والحمد لله وقفنا على رجلينا وقدرنا نسدد ديونا وربنا كرَمنا. بس إذا كانش جزء من المصنع اتحرق وكان فيه أخويا ومراته، ربنا ما بيديش كل شيء قصاد شيء، بياخد شيء أكبر. ميراث سمرة اللي هي طمعانة فيه كان قصادهُ حرمانها من حنان أبوها وأمها اللي مفيش أي حد يقدر يعوضها عنه، وهي ربنا أداها كتير بس مش بتشبع. من يوم ما عرفت إن محمود كان كاتب كل اللي يملكه باسم سمرة وسلطت عينيها على سمرة."
ردت وجيدة بتفسير قائلة: "الطماع مش بيشبع ولا بيملي عينه التراب، ودايماً يبص على اللي في إيد غيره وعينه عليه وعايزه له لوحده."
بعد وقت.
دخل عاصم إلى المطبخ تحدث قائلاً: "سنية، حضري عشا خفيف وخديه لسمرة أوضتها."
ردت سنية بابتسامة: "حاضر، بس ممكن مترضاش تاخده."
رد عاصم: "لأ، بس حضريه."
تبسمت سنية بخبث.
بعد قليل.
وقفت سنية أمام غرفة سمرة وطرقت الباب.
فتحت سمرة الباب قائلة: "خير؟ عاوزه إيه؟ أنا قولت مش هتسمم، أتعشى ماليش نفس."
تبسم عاصم الذي جاء وشد سمرة من يدها أمام سنية لتقف جواره بالخارج قائلاً بحزم: "دخلي الصينية جوه الأوضة وانزلي إنتي يا سنية."
أدخلت سنية الطعام وخرجت من الغرفة تاركة سمرة تقف جوار عاصم جوار باب الغرفة، متبسمة بمرح.
تركت سمرة عاصم وذهبت لغرفتها، لكن أوقفها عاصم قائلاً: "ياريت تاكلي وتبطلي غضب عالأكل وشغل الأطفال ده. ولا كان نفسك في عريس الغفلة؟"
لم ترد سمرة عليه وأغلقت باب الغرفة في وجهه.
بينما هو تبسم على عصفورته الصغيرة.
بينما هي بداخل الغرفة.
نظرت للطعام قائلة: "مش هاكل. يلا علشان أموت وذنبى يبقى في رقبتك."
سمعها من خلف الباب وتحدث بمرح: "راحتك. مش هتموتي من قلة الأكل. هنروح زيارة للمستشفى وهنعلقلك محاليل."
لم ترد عليه، ونظرت للطعام واقتربت منه وجلست تأكل قائلة بهمس طفولي: "أما أكل. أنا جعانة من امبارح معرفتش أتعشى ولا أفطر ولا أتغدى بسبب نظرات الحقير عاطف. وكمان صحيح، الجوع ممكن يجبلي جفاف وأعيش عالمحاليل."
***
بعد مرور عدة أيام.
بقنا.
ظهراً.
فوجئ عاصم بذلك الزائران.
التي وقفت سمرة تستقبلهم بود وترحاب شديد، وأخذتهما ودخلت إلى غرفة الضيوف.
وأتى من خلفها زوجة عمها وجيدة ترحب أيضاً بهما.
تحدثت وجيدة بعتب قائلة: "أنا زعلانة منك يا سمرة، بقى خالتك الست نادية تقول علينا إيه؟ كان لازم تقولي لينا قبل ما توصلي لهنا علشان نعمل لها استقبال يليق بيها."
تبسمت نادية وأقتربت من وجيدة وضما بعضهن بود.
تحدثت نادية: "أنا مش غريبة يا وجيدة، وذوقك سابق."
تبسمت وجيدة قائلة: "والله نورتينا يا نادية، من زمان مجتيش تزوريني."
تبسمت نادية قائلة: "مشاغل الدنيا تلاهي، بس سمرة دايماً على بالي. والله لو مش وجودك وعارفة حنيتك عليها، عمري ما كنت أفرط فيها. دي مش بنت المرحومة أختي، دي بنتي اللي مخَلفتهاش. والله متحملة بعدها عني غصب."
ردت وجيدة: "وبنتي كمان، أنا اللي ربيتها ومعزتها من معزة ولادي. وبعدين إحنا أخدنا الحديث ونسيت إنكم جايين من سفر طويل ولازم ترتاحوا. حالا هخلي سنية تحضر لكم الغدا وبعدها ترتاحوا."
تبسمت نادية قائلة: "على راحتك يا حبيبتي."
أومأت وجيدة رأسها للأخر قائلة: "شرفت يا أستاذ طارق."
رد بذوق: "متشكر قوي لذوقك، وأتمنى ما نكونش أزعجناكم بسبب زيارتنا المفاجئة."
ردت وجيدة: "أبداً، أنتم تشرفونا في أي وقت، البيت بيتكم."
خرجت وجيدة وتركتهم وحدهم مع سمرة.
ضمت نادية سمرة مرة أخرى قائلة: "حبيبتي، وحشتيني، وجيت أزورك لما طارق قالي إنك كنتي زعلانة الأيام اللي فاتت."
ردت سمرة: "لأ خلاص، أنا نسيت الزعل لما شوفتك. وحشتيني قوي يا ماما."
تبسمت نادية قائلة: "روح ماما، من زمان مسمعتهاش منك. تعالي نقعد وأحكي لي حالك إيه وإيه اللي سمعته إن عاطف ابن عقيلة كان اتقدملك؟"
ردت سمرة: "دا بقى موضوع قديم، ومن يومها عمتي عقيلة مش بتتصل على البيت هنا، دي مكنتش بتبطل اتصال عالتليفون الأرضي وكانت لازم تكلمني، بس بصراحة قلة كلامها أحسن، أنا مش برتاح لها، وحضرتك عارفة كده."
ردت نادية: "ولا أنا عمري ارتاحت لها، مع إن المرحومة سلوى كانت مصاحباها زمان، معرفش إزاي، وكانت دايماً توقع بين وجيدة وسلوى. يلا ربنا يسامحها. أهو وجيدة بتعاملك بحب وعمرها ما زعلتك، عكسها هي، من أول كلمة بان على حقيقتها إنها طماعة واستغلالية. يلا الزمن مش هيرجع تاني."
جلس طارق جوارهما، ينظر لسمرة قائلاً: "وحشتيني قوي."
تبسمت سمرة قائلة: "وانت كمان وحشتني."
رد طارق: "عارفة لو مش بتواصلي معايا برسائل عالواتس كنت هتلاقيني هنا كل يوم."
تبسمت سمرة قائلة: "وطي صوتك لحد يسمعك، محدش هنا يعرف إن معايا تليفون حديث، لو مش أنت اللي جبته ليا وكمان أنت اللي بتشحنه رصيد، ما كناش هنعرف نتواصل."
تبسمت نادية قائلة: "مش عارفة دماغ الصعايدة دي، وماله التليفون الحديث؟ وأيه يعني أما يكون معاكي واحد وتكلمي اللي انتي عاوزاه طالما مش بتستعمليه غلط."
ردت سمرة: "عمي هو اللي عاوز كده، بسبب بنت واحد صاحبه كانت بتتكلم مع شباب عالتيليفون وضحك على عقلها شاب منهم وخلاها تقابله بعيد عن أهلها، وصورها وهي معاه في مكان قريب من الجبل وفضحها في البلد وخلى سيرتها مش كويسة خالص."
ردت نادية: "ده مش عيب تليفونات ولا تكنولوجيا، ده عيب تربية وأخلاق. كل شيء له وجهين، وجه حلو ووجه سيء، ومن ضمنهم التكنولوجيا الحديثة، ليه أخد الوجه السيء بس؟ على العموم، أنا كنت بطمن عليكي من طارق دايماً، وغير ساعات أنا كمان بتواصل معاكي، رغم إني ببقى نفسي أسمع صوتك وأشوفك."
تحدث طارق قائلاً: "لـ سمرة: أنا مش عارف ليه انتي مسلمة لهم أمرك كده. انتي لوحدك تملكي نص شركة ومصانع الصقر، وبأوراق رسمية."
ردت سمرة: "كل حاجة تحت إيد عاصم، وبيديرها بتوكيل مني مضاني عليه أول ما تميت واحد وعشرين سنة، والتوكيل ده لازم إحنا الاتنين نكون موافقين على إلغائه، مينفعش طرف يلغيه من غير التاني."
رد طارق: "بس ممكن لو معاكي نسخة تانية من ممتلكاتك تقدري تتحكمي في أملاكك بعيد عن التوكيل ده وتطلبي منه إلغاء التوكيل أو تلغيه للضرر وسوء استعماله للتوكيل بدون إذنك."
ردت سمرة: "يعني إيه؟ عاوزني أرد لعمي الجميل بأني أتهم ابنه بتهمة باطلة؟ عاصم عمره ما أساء استخدام التوكيل اللي بينا، بالعكس، عمي بيقعد معايا كل سنة ويحول لي قيمة الأرباح في حساب باسمي في البنك."
رد طارق بتهكم: "حساب باسمك مجرد منظر، أنما حتى الحساب ده تحت إيد عاصم، وبسهولة يقدر يحول كل اللي في حسابك باسمه. أنتي حرة، أنا بس بوعيكي. انت هنا مسجونة تحت رحمة عاصم، مش عمك حمدي."
ردت نادية حين شعرت بحزن سمرة قائلة: "إحنا جايين نطمن على سمرة، مش نتكلم في اللي بتقول عليه ده. خليه بعدين بعد ما أشبع منها شوية."
تبسمت سمرة قائلة: "أنا نفسي أجي أعيش معاكم، وكمان بحب مرات عمي وجيدة وصبرها على وجودي هنا عشانها بيصعب عليا. عمي حمدي مشغول طول الوقت في المصنع اللي هنا في قنا، وكمان ولادها كلهم في القاهرة، مفيش إلا عاصم هو اللي مقضيها بين هنا وهنا، وكأن معظم وقته هناك في القاهرة."
فاجأت نادية سمرة قائلة: "وعاصم بيعاملك إزاي؟ يعني بتفاهم ولا بيضغط عليكي أوقات؟"
تلعثمت سمرة قائلة: "وهيضغط عليا ليه؟ عادي، تعاملنا مع بعض زي أي اتنين ولاد عم في حدود الأدب."
نظرت نادية ل سمرة وتبسمت بخبث.
بينما تحدث طارق: "عاصم، أنا متأكد إنه له وش تاني بيخفيه، لأنه هو المتحكم في كل شيء، وبكرة الأيام تثبت صحة كلامي."
بشرفة غرفة عاصم.
وقف ينفث دخان سيجارته وهو ينظر إلى غرفة الضيوف ويرى من زجاجها الخارجي سمرة تجلس بحضن خالتها وطارق قريب منه.
يشعر بغيرة كبيرة من اقترابه منها، غيرة أكبر من غيرته من عاطف.
هو يعلم سمرة لا تشعر بالألفة تجاه عاصم وكانت تنفر منه.
أما طارق، هي تتعامل معه بود وترحاب شديد.
هل آن الأوان؟
لكن سمع صوت هاتفه يرن.
دخل إلى الغرفة ونظر إليه.
سُرعان ما رد بهدوء قائلاً: "أهلاً أستاذة زهراء، يا ترى إيه آخر أخبار الحملة الدعائية؟"
ردت زهراء: "أنا متصلة عليك علشان كده، تقريباً الحملة خلصت ومحتاجة آخد رأيك علشان أبدأ أنزل الإعلانات في المحطات الفضائية وعالنت وكمان الصحف. حضرتك معادك المناسب إمتى علشان نتقابل وأقدم لك الماكتات النهائية للإعلانات وكمان الإعلانات اللي اتصورت؟"
رد عاصم: "ممكن نتقابل بعد يومين في مكتبي في الشركة."
ردت زهراء: "تمام حضرتك، وحتى يكون كل الإعلانات انتهت وتختار أفضلها. سلام."
أغلق عاصم الهاتف وعاد مرة أخرى للشرفة ينظر إلى داخلها.
أغتاظ كثيراً حين رأى نادية تضم سمرة وطارق بين يديها وهما يبتسمان.
***
في اليوم التالي.
صباحاً.
بشركة الصقر.
بمكتب عام.
دخلت تلك الفتاة التي ترتدي ملابس بسيطة سوداء ومحتشمة.
وقفت أمام السكرتيرة التي نظرت لها بدونيه قائلة: "أؤمري، عاوزة إيه؟"
ردت الفتاة قائلة برجفة: "هو ممكن أقابل المهندس عامر لو سمحتي؟"
ردت السكرتيرة: "مفيش معاد ليكي سابق، تقدري تقولي عاوزه إيه وأنا أبلغه."
ردت الفتاة برجاء: "أرجوكي، دي مسألة خاصة ومش هاخد من وقته وقت، هما دقيقتين."
كانت السكرتيرة سترفض، لكن خرج عامر فجأة ورأى تلك الفتاة.
تحدث بعنف قائلاً: "خير؟ في تهمة تانية جاية علشانها؟ أنا عملت معروف في والدك واترد عليا بشر. تقدري تسألي الشرطة، مش أنا اللي صدمت والدك، أنا اللي أخدته عالـمستشفى يوميها علشان أنقذه وكان جزائي."
لم يكمل عامر تهجمه على الفتاة حين قالت بدموع: "والدي ربنا توفاه، وأنا كنت جايبة لحضرتك المبلغ اللي دفعته في المستشفى، بس للأمانة مش كله، ناقص جزء كبير وبطلب منك تقسط المبلغ وهدفعه لحضرتك بصفة دورية، لأنه دين في رقبة بابا، وكمان بطلب منك تسامحه، وأنا اللي هتكل بالباقي من المبلغ."
وقف عامر ينظر لها متعجباً ومُعجباً.
ليلاً.
بقنا.
دخلت سمرة إلى غرفة المكتب الموجودة بالمنزل وبيدها كشاف كهربائي صغير.
قامت بفتح أدراج المكتب تبحث عن مستندات ملكيتها لميراثها.
لكن لم تجد شيئاً، وكانت ستخرج، لكن فجأة.
أشتعل ضوء الغرفة وظهر عاصم.
نظر لها بتسلية.
ابتلعت سمرة ريقها ولم تستطع التحدث.
تحدث عاصم: "اللي بتدوري عليه مش هنا، معايا."
"أنا؟"
تحدثت سمرة بتعلثم قائلة: "أنا مش بدور على حاجة."
ضحك عاصم ساخراً: "أمال بتعملي إيه هنا؟ بترتبي المكتب الساعة اتنين بالليل وفي الضلمة على نور كشاف؟"
أقترب عاصم من مكان وقوف سمرة وتحدث قائلاً: "كنت عارف طارق هيلعب في دماغك. بس أحب أقولك جملة واحدة بس: أملاك شاهين لأولاد شاهين، مش هتطلع لأي حد بره عيلة شاهين."
تلعثمت سمرة قائلاً: "قصدك إيه باللي بتقوله ده؟"
رد عاصم: "قصدي واضح جداً، يعني مفيش حد هيقدر يقرب منك يا سمرة غيري. لو عاوزة ميراثك قبل ما تمضي على استلامه، هتمضي على قسيمة جوازي منك."
رواية سمرائي انتي حقي الفصل الرابع 4 - بقلم سعاد محمد سلامة
صباحاً بقنا.
أستيقظت سمره كعادتها على صوت العصافير.
نحت عنها الغطاء ونهضت من الفراش وذهبت إلى باب الشرفة وقامت بفتحه.
أشتنشقت الهواء الربيعي المُحمل بنسمات باردة ورائحة زهور الربيع الخماسينية.
ثم عادت ووقفت جوار قفص العصافير وقامت بتغير الماء والطعام لهم.
ثم سمعت صوت رسالة من ذاك الهاتف.
ذهبت وأخرجته من أحد الأدراج وقامت بفتحه بتلك الشفرة التي عليه.
وقرأت الرسالة.
+صباح الخير يا سمره أخبارك أيه؟
ردت: صباح النور يا طارق. أنا كويسة وماما أخبارها أيه؟
رد: ماما بخير. المهم أنتي ردتي على عاصم ولا لسه؟
ردت: لأ لسه. هو في القاهرة وهيرجع بكرة علشان ياخد الرد مني.
وأنتي هتردي عليه بأيه؟
ردت سمره: لغاية دلوقتي مأخدتش القرار. مش عارفة أوافق ولا أرفض.
رد طارق: طبعاً ترفضي. عاصم كل هدفه ميراثك وطمعان فيه زي عمتك وابنها بالظبط. نسخة تانية منهم.
ردت سمره: مش عارفة. خايفة أرفض. هو مش زي عمتي وابنها. عاصم كل حاجة تحت إيده وهو المتصرف في كل حاجة وممكن يعند معايا.
عاطف وعمتي مهما كان رد فعلهم بس هما مفيش تحت ايديهم أي حاجة. أنا خايفة من ردة فعل عاصم لو رفضت الجواز منه.
تحدث طارق بضيق: حبيبتي مش عارف سبب لخوفك دايماً من عاصم ليه؟ أنتي بسهولة تقدري تاخدي ميراثك من تحت إيده.
ردت سمره: مش خوف بس.
قبل أن تُكمل حديثها.
سمع طارق صوت رنين هاتفه.
نظر للمعرفة.
ثم تحدث: في مكالمة عالويتنج. هرد عليها وأرجع أكلمك تاني.
ردت سمره: خلاص نبقى نتكلم بالليل لأني لازم أنزل دلوقتي. والأ ممكن يستغيبوني. يلا بالسلامة.
وضعت سمره الهاتف بأحد الأدراج.
ثم وقفت تتنهد تتذكر طلب عاصم منها منذ يومان.
فلاش باك.
وقفت سمره ترتجف تنظر له بدهشة قائلة: مش فاهمه قصدك أيه.
تبسم عاصم: أنتي فاهمه قصدي كويس قوي بس مفيش مانع أوضح كلامي.
دلوقتي أنتي هنا في المكتب بتدوري على الملفات اللي تثبت امتلاكك لنص أملاك عيلة شاهين.
والملفات دي معايا أنا بس. حتى مش تحت إيد بابا اللي هو عمك.
أنا عارف أن عمي كتبلك كل ما يملك قبل ما يموت. بس طبعاً وقت ما مات ماكنتش الأملاك بالقيمة اللي فيها دلوقتي.
أنا وبابا كبرنا المصنع وفتحنا كذا مصنع وبقى عندنا فروع في محافظات كتير.
ومش هسمح أن أملاك عيلة شاهين تكون لحد تاني. مفيش حد هيجي ياخد تعبي أنا وبابا وإخواتي كمان. حتى عامر شارك معانا في تكبير أسم الصقر في السوق.
ودلوقتي القرار قرارك. هتمضي على قسيمة الجواز قبل ما تمضي على استلام كل ميراثك. وهيكون بينا توكيل بالإدارة أنا أو بابا اللي تختريه وقتها.
قدامك فرصة يومين تفكري. أنا نازل بكرة القاهرة وهفضل هناك يومين. ولما أرجع هاخد قرارك اللي على ضوئه هيكون التعامل بينا.
فكرى كويس قبل ما تردي عليا.
ودلوقتي تصبحى على خير يا سمره.
قال هذا وخرج من غرفة المكتب وتركها مذهولة مما قاله.
هو وضعها بين مفترق طرق.
عادت من شرودها.
مازالت حائرة لا تعرف ما الأفضل لها.
بالقاهرة.
شركة الصقر.
تصادم أمام مدخل الشركة سليمة مع عمران.
نظرت له بتعالي وتركته دون تحدث ودخلت إلى الشركة.
ولكن كالعادة عند دخولها من باب الشركة لابد أن يصفر جهاز الإنذار.
نظرت سليمة لحارس الأمن وقالت بتريقة: أكيد الجهاز صفر لأن فيه في شنطتي دي قنبلة هيدروجينية هفجر المنطقة كلها.
ضحك الحارس يشير لها بالدخول.
تحدثت له قائلة: أبقى أظبط جهاز الإنذار ده مش كل ما أدخل يضرب سرينة.
تبسم الحارس وأومأ برأسه لها.
كان عمران خلفها لا يعلم لما شعر بالغيرة من تحدثها مع ذالك الحارس بتلك الطريقة الرحبة.
نظر للحارس قائلاً: صباح الخير.
نظرت سليمة له بسخرية دون رد وذهبت باتجاه المصعد.
لكن قبل أن يُغلق باب المصعد دخل عمران إليه.
صباح الخير.
ردت عليه وهي تخرج من المصعد قائلة: صباح الخير.
نظر لخروجها بأستغراب قائلاً: على فين؟
ردت سليمة: عاوزة أطلع عالسلم. أهو منه رياضة وكمان راحة من الإسانسير والأماكن المغلقة.
تبسم عمران متعجباً.
بعد عدة دقائق.
وجد عمران يقف أمام مكتبها ينظر لها وهي تلهث من صعود السلم.
تبسم حين رآها تكاد تلتقط أنفاسه.
تحدث بغلظة قائلاً: كان ماله الإسانسير. عالعموم ماليش فيه. اتفضلي دي مجموعة عقود عاوزك ترجعيها وتعملي لي تقرير عن العيوب والمزايا اللي فيها علشان عاصم هيمضيها النهاردة. قدامك ساعة بالظبط.
أخذت منه العقود. ودخلت إلى مكتبها دون رد.
بينما تبسم عمران قائلاً: عنادية بس شعلة نشاط.
بعد قليل.
دخلت سليمة إلى مكتب عمران بعد أن استأذنت وسمح لها بالدخول.
وقفت أمامه تقول: اتفضل التقرير اللي طلبته عن العقود أهو.
تحدث عمران: اتفضلي اقعدي وقولي لي اللي في التقرير.
ردت بغلظة: حضرتك اقرأ التقرير ولا مبتعرفش تقرأ.
ضحك عمران: لأ بعرف أقرأ. بس عاوز آخد رأيك في بعض الشروط الجزائية اللي موجودة في العقود.
جلست أمامه قائلة: ماشي. هقولك. في شرط هنا مع عميل أنا شايفه أنه ملوش لازمة وجوده. بس ممكن يكلف الشركة خسارة لو العميل هو اللي طلب فسخ العقد.
الشرط بيقول أن اللي هيفسد من مواد الدهان أثناء العمل بين الشركة والعميل الشركة هي اللي هتتحمل الخسارة. وده في حد ذاته غلط. ما يمكن بعد العميل ما يستلم الشحنة الخاصة بيه هو اللي يستعملها غلط أو أماكن التخزين عنده مش ملائمة للمواد دي. واحنا ماله بكده.
تبسم عمران قائلاً: تمام. في أي شرط تاني موجود شيفاه مش ملائم للشركة.
ردت سليمة: لأ. باقي الشروط في العقود التانية مفيهاش أي شيء يضر الشركة.
رد عمران: تمام كده تقدري تروحي مكتبك دلوقتي. ولو احتجت حاجة هبقى أستدعيك.
وقفت ترسم بسمة سخرية ثم غادرت المكتب.
بينما تبسم عمران هامساً: واضح رغم عجرفتك في التعامل بس مخلصة لشغلك. كنت متأكد أن الشرط اللي أنا كتبته مش هيفوت عليكي. بس مش عارف إيه السبب اللي بيخليني أتغاضى عن طريقة تعاملك دي معايا. وواضح جداً أنها معايا أنا بس. أنا شايفك بتتعاملي مع كل اللي هنا بود وألفة. ومعايا بعجرفة. بس عجبتني الطريقة دي. إيه السبب معرفش. يا سليمة الهادي.
بمكتب عامر.
دق هاتفه.
نظر إلى الشاشة وسرعان ما أجاب على الطالب قائلاً: قر اللي عندك.
تحدث عامر بتعجب: أنت بتقول أنها بتشتغل في محل بقالة بتاع والدها ومعندهاش غير أخ من ذوي الاحتياجات الخاصة. ووالدتها كانت مطلقة وسابتها هي وأخوها لطليقها.
طيب جبت لي عنوان بيته؟
رد الأخر: أيوا يا أفندم. وهبعته لحضرتك دلوقتي في رسالة.
أغلق عامر الهاتف ينظر إلى تلك الرسالة التي وصلت له وتحدث قائلاً: أما أشوف حكايتك أنتي كمان يا ست.. أفنان رضوان.
بمكتب عاصم.
وقف عاصم بهيبته يستقبل زهراء مبتسماً.
أهلاً أستاذة زهراء. في ميعادك بالدقيقة.
تبسمت زهراء: أنا أحب احترام المواعيد.
جلست زهراء أمامه وحدثته حول بعض الخطط الإعلانية الجديدة وشرحت أمامه على عدة ماكيتات.
تبسم بأعجاب قائلاً: فعلاً التعامل مع حضرتك مكسب كبير للشركة.
واضح جداً أنك متمرسة في الدعاية. مش مستغرب طبعاً.
تحدثت زهراء: شكراً لذوق حضرتك وشرف ليا مدحك. بصراحة كنت خايفة الأفكار بتاعتي متعجبكش لأن بابا قالي أنك صعب شوية في التعامل.
ضحك عاصم: أنا مش صعب في التعامل ولا حاجة. بس بحب الطريق المستقيم والتعامل مع الناس الخبرة في مجالها بيريح كتير عن الهواة.
مع أن أنا بفضل أتعامل مع الهواة المبتدئين لأنهم بيبقوا عاوزين يثبتوا نفسهم أكتر. وده في حد ذاته نجاح.
ردت زهراء بأعجاب هي الأخرى: وده اللي خلاك وافقت تتعامل معايا بعد ترشيحي لك من بابا. مفكرتش أنه ممكن يكون واسطة وأني مفروضة على المؤسسة الإعلانية.
تبسم عاصم: من خلال تعاملي مع أستاذ وجيه. وواضح أنه معندوش مجاملات في الشغل. لأنه عارف أنا مش عميل مبتدأ عنده ولا ماليش اسم في السوق ولسه هبدأ. فلما هيرشح لي شخص جديد للتعامل معاه أكيد هيبقى عنده ثقة كبيرة فيه أنه هيقدم لي الأفضل.
نظرت زهراء له بأعجاب بشخصيته.
لكن رن هاتفها.
فأستأذنت للرد عليه.
إلى أن انتهت.
عادت تحدث عاصم قائلة: اللي كان معايا على التليفون ده مخرج إعلانات معروف جداً وكمان مخرج سينمائي. وأنا طلبت منه أن هو اللي يقوم بتصوير سلسلة الإعلانات. وهو موجود دلوقتي في أستوديو قريب من هنا. وأنا عزمته عالغدا. لو تحب تشاركينا الغدا وتشوف كمان رؤيته. ولو حابب تعمل عليها بعض التعديلات.
نهض عاصم قائلاً: مفيش مانع.
ابتسمت زهراء مرحبة بذلك.
بعد قليل.
بأحد مطاعم القاهرة الفخمة.
دخل عاصم وجواره زهراء.
لكن أثناء دخوله كاد أن يصطدم بشخص بالخطأ.
نظر ليقدم له اعتذاراً.
تفاجئ به قائلاً: طارق. صدفه كويسة أني أقابلك النهارده.
تحدث طارق: أكيد صدفه كويسة. أهو أسألك عن أخبار سمرة إزيك.
رد عاصم بثقة: سمرة كويسة جداً وهتفاجئك قريب بخبر حلو.
تبسم طارق: ويا ترى إيه هو الخبر ده.
رد عاصم: أكيد هتعرفه في وقته. معليش مضطر أسيبك أنا زي ما أنت شايف معايا ضيفة وكمان في ضيف هنا مستنينا.
نظر طارق لمن معه وأومأ له رأسه بترحيب.
ثم ترك عاصم.
وجلس على إحدى طاولات المطعم بعيد قليلاً.
لكن كانوا في مجال رؤية لبعضهم.
مساءً.
أثناء عودة سليمة إلى منزلها تقابلت على سلم العمارة التي تقطن بها.
مع آخر شخص كادت تود أن تراه.
تجنبته وسارت من جواره.
لكن أوقفها قائلاً: بلاش تقول لي أزيك يا فارس.
اعتبرني شخص غريب وأرمي عليه السلام.
إحنا برضو كان ممكن في يوم نكون زوجين بس النصيب اختار كده.
ردت سليمة بصلابة: تعرف أن ده أحلى نصيب أنه محصلش أننا اتجوزنا. لأني وقتها كنت هبقى أتعس واحدة في الكون. بس الحمد لله ربنا دايماً كل أمره خير.
كفاية أنه نجانى من شخص منافق وكذاب ومعندوش مبادئ. أفعاله عكس كلامه.
شخص انتهازي بيتصيد فرص على حقوق الناس الغلابة واحلامهم البسيطة.
ضحك فارس قائلاً: الحياة فرص يا سليمة. وزي ما أنتي شايفة ربنا رزقني بفرصة أني أكون صاحب شأن في مجتمع مش بيعترف غير بالمصلحة المتبادلة فقط.
ضحكت قائلة: مصلحة متبادلة فعلاً.
كان مصلحتك أنك تتجوز بنت نائب الدايرة علشان تتستر على فضايحها. وكمان تستفاد بقيت عضو مهم في حزب له اسم في البلد. وكمان ماسك أعمالهم القذرة. أنت اللي بتنصف وراهم.
نسيت أنك درست الحقوق علشان تدافع عن العدالة والناس اللي محتاجة مساعدة.
تبسم فارس: والعدالة ولا الناس اللي محتاجة مساعدة دول كانوا هيعلوا شأني في إيه. خلوني وكيل نيابة وأنا كنت الأول عالدفعة.
جهزوا أختي قبل خطيبها ما يسيبها ويروح يدور على غيرها. جاهزة.
عالجوا أبويا ودخلوه مستشفى محترمة يتعالج فيها بدل ما يتحط في قايمة انتظار لحد ما سرير يفضى في مستشفى.
فرحوا قلب أمي في يوم بدل القدر اللي كانت عايشة فيه.
ردت سليمة: والناس الغلابة دول اللي ستروا أختك لما احتاجت بس قميص يستر جسمها لما جوزها الغني المبسوط طردها نص الليل وهي بقميص نوم.
رد فارس: دفعت الثمن وسجنته وكل ماله بقى تحت إيد أختي. لو كنت فارس المحامي المبتدأ مكنتش هعرف آخد منه أكتر من كام ملطوش وميصرفوش على عياله الاتنين يومين في الأسبوع. بعلاقاتي دخلته السجن وأخدت شقي عمره. غير أني أخدت تار أختي منه.
نظرت له سليمة بندم قائلة: مهما اتكلمت مش هتفهم. لأنك للأسف منافق. وكان واضح من الأول. بس أنا اللي كنت مغمضة عيني. بس الحمد لله ربنا فوقني قبل ضياع الأوان.
كنت هنا في العمارة ليه ليك مين جاي تسأل عليه.
أظن أنك أخدت والدتك تسكن معاك في الدوبلكس الراقي اللي ساكن فيه. ولا سابته لك تاني وجت هنا وسط الناس الطيبة اللي بتحب بعضها بدون مقابل. ولا مراتك طردتها تاني.
رغم ضيقه من مغزى حديث سليمة إلى أنه رد: هي فعلاً جت هنا. بس مش علشان سبب من اللي قولتيه. لكن هي حابة المكان هنا مش أكتر. وأنا قولت على راحتها. وكمان فرصة سعيدة أني أقابلك النهارده.
ردت سليمة: بس بالنسبة ليا أسوأ فرصة. لأني أكتر شيء في حياتي كرهته كان أنت. عن إذنك. وقفتنا على سلم العمارة شئ مش لطيف. وكمان لحد من حبايب زوجتك الشريفة الكريمة يشوفنا ويبلغها وتطردك من عزها.
قالت سليمة هذا وتركته وحيد يتحسر على حب عمره اللي خسره وهو يسعى خلف سلطة خادعة.
بينما دخلت سليمة إلى الشقة وأغلقت الباب ووقفت خلفه.
نزلت دمعة من عينيها. سرعان ما جففتها بيديها حين سمعت صوت والدها من داخل مطبخ الشقة ينادي باسمها.
دخلت عليه ورأته يقف يقوم بصنع بعض الطعام.
تبسم حين رآها قائلاً: حمدلله ع السلامة. يلا ادخلي اغسلي وشك وأيدك وتعالي نتعشى سوا. عاملك عشا ملوكي. حبة جبن وسلطة ومعاهم شوية مخللات. إيه رأيك.
وبعد أما نتعشى سوا هسمعك حبة شعر جديد أنا كتبته.
تحدثت مبتسمة: والشعر ده غزل في مين؟ أكيد في ماما. هو مفيش مرة تتغزل فيا وتقول عليا بيتين شعر.
رد متبسماً: لأ. أنا كل أشعاري لست الحسن وبس. بكرة ربنا يوعدك بواحد يكتب في حبك أشعار.
تبسمت برضا وتمنت أن يرزقها رجلاً كهذا الرجل البسيط الذي رغم سنين الفراق لم ينسى أمها يوماً. ظل يتذكرها ودائماً يمدح بحسن معشرها. ولقب تدليله لها السعادة هي الرضا مع من تحب حتى لو فارق الحياة. هناك ذكريات نعيش عليها. تحيا بداخلنا نتذكرها ونبتسم بدمعة.
بأحد الحارات النائية قليلاً.
أستغرب أهالي الحارة من تلك السيارة الفارهة التي دخلت الحارة.
كان البعض يتكهن أنها ربما لعضو مجلس الشعب. والأخر يقول أنه ربما سائقها تائه وضلة الطريق.
لكن توقفت السيارة أمام ذالك المحل البسيط.
ونزل منها ذالك الشاب ودخل إليه.
نظر أمامه بتمعن. المحل بسيط للغاية به بقالة بسيطة.
ولكن لفت نظره تلك الفتاة التي تجلس أرضاً وجوارها ذالك الصبي. لا ليس صبي هو شاب لكن من ذوي الاحتياجات الخاصة.
كانت تطعمه وتدلله.
تنحنح عامر.
لفت تلك الفتاة وجهها لترى من.
وقفت سريعاً تقول: حضرتك وصولات الأمانة اللي كتبتها على نفسي لسه مجاش ميعاد أول وصل. وأوعدك أني هدفع الوصل في ميعاده ومش هتأخر.
تبسم عامر وهو يرى أخيها ينهض ويقترب منه يتحدث بطفولة: مين ده يا أفنان. أنتي حبى حد غيري أنا أزعل منك.
كتبسم عامر قائلاً: أكيد لأ. هي مش تحبني. أنا عاوز أنا وانت نكون أصدقاء. إيه رأيك.
نظرت أفنان له قائلة: حضرتك والله هدفع الوصولات في ميعادها. أنا لو معايا أدفع المبلغ مرة واحدة مكنتش أتأخرت. وده أخويا وزي ما أنت شايف. ومتاخدش على كلامه.
وكمان الدكان على قده وفي منطقة شعبية ومقدرش أدفع المبلغ كامل. بس والله أنارده.
رد عامر سريعاً: وهو يخرج من جيبه ذالك الظرف قائلاً: أنا هنا مش علشان كده. اتفضلي ده المبلغ اللي دفعتيه وكمان دي الوصولات اللي مضيتي عليها. أنتي مش مطالبة بسداد أي شيء.
ردت بكرامة: حضرتك لأ. متشكره. أنا مقبلش مساعدة من حد أنا مش محتاجاها. الحمد لله بابا سابنا مستورين. عندنا أربع حيطان ساترنا. وكمان المحل ده أحنا عايشين منه ومكفينا. وهدور على معاش بابا وأكيد هنستور. والمبلغ ده دين في رقبة بابا. وهو قبل ما يموت قالي أرجعلك الفلوس دي بلاش يتعذب بها في قبره.
أُعجب عامر بتلك الفتاة ذات الكرامة وتحدث قائلاً: بس أنا مش محتاج للمبلغ ده. ممكن تطلعيه صدقة جارية على روح والدك. مع أني شايف أنك محتاجة للمبلغ ده. بس مقدرش أقولك خليه ليكم. أنتم محتاجينه أكتر من أي حد تاني.
رفضت أفنان بشدة عرضهم.
مما اضطر عامر لقبول المبلغ وقام بإعطائه لأخيها قائلاً: مش هتعرفني عليك.
رد أخيها: أنا صالح.
تبسم عامر: طب يا صالح تشرفت بمعرفتك. تسمح لي نكون أصحاب.
رد صالح بفرحة طفل: أصحاب. أنا محدش بيصاحبني وبيقولي عليا بخوف العيال وبيهربوا مني. بس أفنان حبني قوي وتدافع عني وتقولي أنها مش هتتجوز وتسيبني.
تبسم عامر: وأنت تتحب يا صالح. كفاية عليك حب أفنان. بس مردتش عليا. هتقبل تصاحبني.
رد صالح: أه. هقبل. أنت شكلك طيب.
رد عامر: يبقى تقبل الفلوس اللي أفنان مش راضية تاخدها وتخليها تعملي شاي وكمان تعشيني معاك.
ابتسم صالح بطفولة: تعالى. دي أفنان تعمل أحسن كوباية شاي. بابا كان يقول لها كده.
حتى كان يقولها يا هناه اللي هتتجوزيه. بس خلاص بقى هتسيبيني لمين بعد بابا.
قالت لي أنها هتفضل معايا ومش تسيبني زي بابا.
بابا ربنا يحبه وعلشان كده ربنا اختاره يروح عنده. واحنا كمان في وقت لنا وهنروح له ونتجمع تاني زي ما أفنان تقول.
تبسم عامر بود لذلك القلب الطيب الذي يتحدث بتلقائية دون خبث العقلاء.
بقنا.
فتحت سمره ذلك الهاتف وجدت عدة رسائل من خالتها وأيضاً من طارق.
فقامت بفتح محادثة ثلاثية بينهم.
بعد الترحيب والسلام بينهم.
أرسل طارق رسالة لها قائلاً: ها أخدتي قرار بالنسبة لطلب عاصم ولا لسه.
ردت سمره برسالة: لأ لسه مش عارفة أخد قرار. أنا محتارة.
ردت خالتها قائلة: وليه الحيرة يا بنتي. عاصم طلب منك طلب وقالك هياخد الرد أما يرجع. صلي استخارة وبعدها ربنا هيبعتلك رسالة بالرد. واللي ربنا مقدره هيكون خير.
رد طارق: سمره: حبيبتي من غير استخارة ارفضي عاصم زي ما قولت لك قبل كده. طماع وعاوزك بس علشان يفضل مسيطر على أملاك العيلة. لكن هو مش بيحبك أكيد وأنا متأكد من كده.
ردت نادية: وأيه اللي خلاك متأكد كده. بلاش مشاعرك تجاه سمره هي اللي تسوقك. خلونا نفكر بعقل شوية وبلاش اندفاع زيادة.
هسيبكم مع بعض.
سراج جه من المكتب وهجيب له يتعشى. يلا تصبحي على خير يا سمره. وزي ما قولت لك صلي استخارة. أمر ربنا كله خير.
تنهدت سمره قائلة: وانتي من أهله. وسلميلي على عمو سراج.
تحدث طارق: سمره حبيبتي اسمعي كلامي. بلاش تردد واررفضي عاصم. أنا أقدر بقضية أكسبها بسهولة. أخلي كل أملاكك تحت إيدك.
ردت سمره بتسرع: قضية! لأ مش آخرة تربية عمي ومرات عمي أني أقف قصاد عمي في المحاكم. هما عملوني كويس. وأديك شايف عمتي وطمعها.
رد طارق: أنا شايف أن عاصم بطلبه ده أنه ميفرقش عنهم. بالعكس. عمتك رفضتي بسهولة ومش عارف ليه هنا بتفكري ومترددة في الرفض أو القبول. وكمان عاصم أكيد هيتجوزك ويفضل حابسك عندك في قنا. وهو هنا في القاهرة يمشي على مزاجه ويقعد مع بنات في المطاعم زي ما شفتيه النهارده بعد الضهر.
تحدثت سمره: أنت شوفت عاصم النهارده.
رد طارق: أيوا. ومكنش لوحده. كان معاه بنت. كان عندي لقاء مع زبون عندنا وطلب مني أقابله في مطعم. ولما روحت له اتقابلت أنا وعاصم. حتى لمح لي من بعيد وقالي أني هقابلك قريب. لما سألته عليكي.
ردت سمره: والبنت اللي كانت معاه حلوة. وكان معاها لوحده ولا كان في حد تاني معاهم.
رد طارق: هي حلوة وحلوة قوي بصراحة. وقعد معاها. وكان في واحد معاهم وفضل شوية وبعدها مشي. وفضل هو وهي واتغدوا. وأنا مشيت قبل ما يمشوا من المطعم.
لا تعلم سمره ماهذا الشعور اللي شعرت به.
تحدثت قائلة: طب أنا هصلي استخارة وربنا يقدم الخير. أنا تعبانة شوية ومحتاجة أرتاح. هبقى أبعت لك رسالة بقراري. تصبح على خير.
قالت سمره هذا وأغلقت الهاتف دون انتظار رد من طارق.
رمت بجسدها ممدة على الفراش.
تنظر لسقف الغرفة.
لما لديها هذا الشعور؟ ما معناه؟ هل هو غيرة. أيعقل أن تغار على عاصم. لا. قاومت السهر تريد النوم لكن جفاها النوم. تفكر في عاصم. شعور يجعلها تسهر النوم دون إرادتها. ما هذا الشعور. لأول مرة تشعر به. عاصم وامرأة أخرى في حياته. لكن إذا كان هناك أخرى حقاً ماذا ستفعل. هل ترفض وتنهي الأمر. ويحدث ما يحدث بعدها.
بنور يوم جديد.
بقنا.
أستيقظت سمره بعد نوم متقطع طوال الليل.
أدت فرضها وأطعمت عصافيرها ونزلت إلى الأسفل.
وجدت عمها وزوجته يتناولان الفطور.
ألقت عليهم التحية.
وجلست على مقعدها.
تبسمت زوجة عمها قائلة: كويس صحيتي بدري.
عاصم لسه قافل معايا الخط وقالي أجهز له كام أكلة هو عاوزها عالغدا. أهو تساعديني. أنتي عارفة في القاهرة أكلهم مش هنا كله معلبات. حتى الشغالة اللي هناك أتيكيت مش زي هنا.
تبسمت سمره قائلة: حاضر يا مرات عمي هساعدك.
ثم نظرت سمره لعمها: الأ قول لي يا عمي هو أنتم في شغلكم بتتعاملوا مع ستات.
رد عمها: أكيد. في شركات بيكون المدراء ستات وكمان السكرتارية ومديرة المكتب ستات.
ردت سمره بتسرع: وبيبقوا حلوين على زي اللي بنشوفهم في المسلسلات.
ضحك عمها قائلاً: بتسألي ليه.
ردت سمره بخجل: أبداً بسأل بس علشان أعرف مش أكتر.
رد عمها: دول بيبقى تعاملنا معاهم على قد المسئولية فقط. ونسبة جمالهم مش بتهمنا قد ما هي عامل جذب للعملاء. يعني العميل أما يدخل ويلاقي ست أو بنت جميلة بتبتسم في وشه. ولا لما يلاقي راجل بشنب واقف قدامه. أكيد الابتسامة الناعمة لها مفعول أفضل.
نظرت سمره لزوجة عمها قائلة بمزح: ألحقي يا مرات عمي أنا لو منك أعمل كبسة عليه في المصنع كل يوم.
ضحكت وجيدة قائلة: لأ. أنا عندي ثقة في عمي.
تبسم حمدي وتحدث لسمره بعتب: كده يا سمره. عاوزة توقعي بيني وبين مرات عمك. مرات عمك دي إذا كنت ناجح فبسببها. ساعدتني كتير وغفرت لخطئي زمان.
تعجبت سمره وكانت ستسأله عن أي خطأ يتحدث لكن رنين هاتفه أسكتها.
بعد الظهيرة.
فوجئت سمره بمن دخل المطبخ قائلاً: ريحة الأكل واصلة لحد باب البيت.
نظرت سمره خلفها وجدت عاصم يقف وعلى يده جاكيت بدلته.
ابتسمت دون وعي منها.
واقتربت منه وجيدة وحضنته قائلة: حمدلله ع السلامة. على ما تغير هدومه وتاخد دوش هنكون جهزنا الغدا عالسفرة.
تحدث عاصم وعيناه على سمره: تمام.
تعرف سمره لما ارتجف قلبها من نظرات عاصم.
لما كلما نظر لها تشعر بشعور لا تعرفه.
ولكن زاد ذالك الشعور حين تذكرت حديث طارق أنه رآه يجلس مع امرأة بمطعم.
تريد أن تسأله من تلك التي كان يجلس معها لكن صمتت.
بعد تناول الغداء.
تحدث عاصم قائلاً: أنا عندي مكالمة مهمة هطلع أعملها. لو سمحتي يا سمره ممكن تعملي لي قهوة وتجيبيها لأوضتي.
تحدث حمدي قائلاً: طب ما تخلي سنية هي اللي تجيبهالك.
ردت سمره: أنا اللي هعملها يا عمي. أنا عارفة عاصم بيحب القهوة إيه. أما أنت عارف سنية مش بتعرف تعملها.
بعد قليل بغرفة عاصم.
سمع طرق على باب غرفته.
تحدث قائلاً: ادخلي.
دخلت سمره وبيدها تلك الصينية قائلة: القهوة اللي طلبته.
رد عاصم قائلاً: ويا ترى أنتي اللي عملتيها ولا زي كل مرة سنية تعملها وأنتي اللي تجبيها.
خجلت من الرد عليه وأيضاً خجلت منه حين رأته يرتدي فانلة بحمالات وشورت فقط.
وضعت وجهها بالأرض.
ضحك عاصم: أكيد زي كل مرة. تمام وماله. أنا أساساً مكنتش عاوز قهوة. أنا كنت عاوز أعرف ردك على الطلب اللي طلبته منك. أظن أخدتي وقت كفاية قوي.
رفعت سمره وجهها ونظرت لوجه عاصم.
كان على طرف لسانها أن تسأله من تلك التي كان يجلس معها بالمطعم ولكن صمتت خشية أن يعرف أنها على اتصال بابن خالتها وأنه هو من أخبرها بذلك.
لكن تحدثت قائلة: دلوقتي أنا لو وافقت على الجواز منك مفكرتش في رد فعل عمتي عقيلة.
رد عاصم: هترد تقول إيه. الجواز قسمة ونصيب.
سمره: بس ممكن تزعل أني فضلتك على ابنها.
نظر عاصم لسمره قائلاً: إيه كان نفسك فيه.
ردت سمره سريعاً: لأ والله. أنا أساساً مش برتاح له. بس أنا بقول على زعل عمتي عقيلة.
رد عاصم: زعلها ده شيء متوقع. سواء مني أو من غيري. يبقى أنا أولى.
ودلوقتي ردك إيه.
ردت سمره: طيب. وعمي يعرف أنك طلبت مني الطلب ده.
رد عاصم بزهق: لأ يا سمره. ميُعرفش. ومتكلمتش مع حد قبل ما أخد ردك. ودلوقتي قوليه بدون لف ودوران.
سمره: طيب. هنعيش فين لو أنا وافقت عالحوازة. هنا ولا في القاهرة.
رد بزهق: أنتي هتفضلي هنا وأنا هكون بين هنا والقاهرة.
ردت بشهقة: طيب. وده مش هيكون تعب عليك.
رد عاصم بزهق: لأ. ودلوقتي قولي الرد.
ردت سمره بخجل: أنا موافقة.
ثم هربت سريعاً من أمامه.
حين سمع عاصم موافقتها شعر بسعادة بالغة. ولكن تذكر هروبها من أمامه ليضحك عالياً على خجلها.
بعد قليل.
بحث عاصم عن والده.
ووجده بالمكتب.
تحدث له قائلاً: بابا كان في عندي قرار أخدته ولازم تكون معايا فيه.
رد حمدي: وأيه هو القرار ده.
رد عاصم: أنا قررت أتجوز.
تبسم حمدي قائلاً: أخيراً. من زمان وأنا بطلب منك تتجوز. كنت بتقول لسه الوقت مجاش. بس مين دي اللي خلتك تاخد القرار ده.
ردت وجيدة التي دخلت عليهم المكتب: سمره.
تعجب عاصم: هل سمره أخبرتها.
لكن تحدثت وجيدة سريعاً: سمره هي اللي خلت عاصم ياخد القرار ده.
نظرت وجيدة ل عاصم قائلة: أنا أم وحاسة بولادي. وعاصم عينه على سمره من زمان.
تعجب حمدي قائلاً: سمره. بس أنت عارف أن عمتك كانت طلبتها لابنها وهي رفضت.
ردت وجيدة: أهو أنت قولت هي اللي رفضت. مش أحنا. وكل شيء نصيب.
تحدث حمدي: طب افرض سمره رفضتك أنت كمان.
تحدثت وجيدة: لأ. اطمن. سمره مش هترفض عاصم. ده شيء أنا متأكد منه.
رد حمدي: هاخد رأيها ولو وافقت أنا معنديش مانع. بس الخوف بقى من رد فعل عقيلة. ممكن تقول أننا طمعانين في أملاك سمره.
رواية سمرائي انتي حقي الفصل الخامس 5 - بقلم سعاد محمد سلامة
في غرفة سمر
صوت رسالة
فتحت الهاتف
قرأت الرسالة:
"ماذا قررتي وهل أخبرتي عاصم بقرارك؟"
ردت: "أيوا أنا وافقت على الجواز من عاصم."
رد بعصبية: "ليه يا سمر وافقتي؟ عاصم ولا مين إلى أجبرك وهددك؟ أنا أقدر بسهولة زي ما قولتلك أسحب أملاكك من تحت إيده."
ردت سمر: "لأ محدش أجبرني يا طارق وأنا إلى وافقت مش غصب. وليه ألجأ لمشاكل وقدامي حل سلمي؟"
رد طارق بسؤال: "سمر أنتي بتحبي عاصم؟"
تلربكت سمر وردت بتعلثم:
"إنت بتقول إيه يا طارق.. عاصم ابن عمي."
رد طارق: "مش ده الرد المناسب يا سمر. يا تقوليلي بتحبيه يا لأ. ماهو مش هتوافقي تكملي حياتك مع واحد لمجرد أنه ابن عمك بس. لازم يكون قرار حاسم. وأنا متأكد أنك مش بتحبي عاصم بس بتخافي منه دايماً ليه معرفش. وعلى العموم أنتي حرة وأي وقت هتحتاجيني هتلاقيني جنبك."
سمعت سمر خبط على باب غرفتها. وكأن هذا الخبط كان لها طوق نجاة من أسئلة طارق لها.
كتبت له:
"مع السلامة يا طارق. دلوقتي هبقى أتواصل معاك وقت تاني. الباب بيخبط. سلام."
نهضت سمر ووضعت الهاتف في الدرج. ثم ذهبت إلى الباب وقامت بفتحه.
تبسمت:
"تقول خير يا عمي."
تحدث عمها قائلاً:
"خير يا سمر. كويس إنك لسه صاحية. أنا اترددت أجلك وقولت أكيد نايمة. بس سمعت صوت التليفزيون قولت أكيد لسه صاحية."
ردت سمر:
"لأ لسه منمتش. في فيلم أجنبي شدني وكنت بسمعه."
تبسم حمدي:
"طيب أنا كنت جايلك في موضوع مهم."
تبسمت سمر:
"خير يا عمي. اتفضل ارتاح."
جلس حمدي على أحد المقاعد وقال:
"خير يا بنتي. تعالي اقعدي جنبي."
جلست سمر جواره.
تحدث حمدي:
"بصي يا سمر. إنتي بالنسبة ليا بنتي إلى مخالفتهاش. إنتي عشتي هنا معانا أكتر ما عشتي مع المرحوم محمود. أنا لما خدت الوصاية عليكي كنت خايف عليكي. تتربي في بيت راجل غريب عنك. سراج شخص محترم مفيش كلام في ده. بس لما عاصم قال إنه عنده ولد أكبر منك بحوالي تلات سنين تقريباً وأننا الأولى بيكي كانت النقطة الحاسمة بالنسبة لي إن بنت أخويا تتربي في بيتي أفضل ما تتربي في بيت جوز خالتها. وعاصم جابك لهنا. لسه فاكر لما دخل بيكي عليا. وقتها كان حزني على فراق أخويا مالي قلبي. بس لما ضميتك في حضني حسيت روح محمود أخويا رجعتلي. وكمان دخلتي قلب وجيدة بسرعة قوي وهي اللي كملت تربيتك ومفرقتش بينك وبين ولادها أبداً. حتى دايماً تقول لي: 'سمر البنت اللي أتمنيت أخلفها بس ربنا قسم لي بخلف الولاد بس عوضني بسمر.' أنا طولت عليكي بس الكلمتين دول كان لازم أقولهم ليكي. علشان لو رفضتي الطلب اللي هطلبه منك دلوقتي تعرفي إن عمري ما هتغير. لا أنا ولا مرات عمك من ناحيتك أبداً وهتفضلي زي بنتنا بالتمام. بصي يا سمر. إنتي عارفة إن عمتك سبق وطلبتك لابنها وإنتي اللي رفضتي. وأنا مدخلتش حتى لما تطاولت عمتك بالكلام عليكي. اللي رد ودافع عنك كان عاصم. والنهاردة عاصم فاتحني وقالي إنه عاوز يتجوزك. وأنا بعرض الطلب عليكي وليكي مطلق الحرية توافقي أو ترفضي. وأي كان ردك أنا عمري ما هتغير من ناحيتك ولا هغصبك على شيء إنتي مش عاوزاه."
تحدث حمدي:
"ها إيه رأيك؟"
عضت سمر على شفتيها بحياء ولم ترد.
أعاد حمدي السؤال:
"ردك إيه لو رافضة مش..."
قبل أن يكمل قوله تحدثت سمر بتسرع:
"موافقة يا عمي."
نظر حمدي لها متعجباً يبتسم وسرعان ما جذبها وقبل رأسها قائلاً:
"فكري يا بنتي وخذي وقتك. هاخد منك الرد بكرة الصبح."
ردت سمر:
"هفكر يا عمي. بس صدقني هيكون نفس ردي."
نهض حمدي واقفاً:
"ربنا يقدم الخير. وأتمنى يكون عاصم ليكي زوج العمر وسندك."
وهمس بين نفسه:
"زي ما كان من البداية سند ليكي. واضح إن زي ما قالت وجيدة عاصم بيحبك من زمان بس يظهر أنا كنت مشغول ومش واخد بالي."
"تصبحى على خير."
ردت سمر:
"وانت من أهله يا عمي."
خرج حمدي الذي وقف جوار باب الغرفة متنهداً يقول:
"يظهر إني انشغلت ومخدتش بالي من مشاعر اللي حواليا إزاي بتتغير."
بينما بداخل الغرفة
ارتمت سمر على الفراش متنهدة بقوة. تشعر بسخونة وجنتيها. وضعت يديها عليهما بتلقائية وهمست قائلة:
"مالي؟ أول مرة أحس الشعور ده. مش عارفة أنا فرحانة ولا لأ. ليه جوايا أحاسيس مش عارفة معناها."
ردد عقلها كلمة طارق: "بتحبي عاصم؟"
"يعقل هذا؟ لأ. ولكن هو التعود على وجوده في حياتي..."
........................................
بنفس الوقت بالقاهرة
بمكان راقي
رمى طارق هاتفه على الفراش يُزفر أنفاسه بغضب.
دخلت عليه نادية قائلة:
"خير مالك؟ إيه اللي مضايقك كده؟"
رد طارق:
"سمر. سمر وافقت على الجواز من عاصم."
تبسمت نادية:
"طب وده يضايقك في إيه؟ دي حياتها وهي حرة وهي اللي هتتحمل نتيجة اختياره."
رد طارق:
"إزاي يا ماما؟ عاصم إنسان طماع وطمعان في ميراث سمر وطلبه للجواز منها هو علشان يفضل مسيطر عليها هي وأملاكها تحت إيده. أنا لو عندي ذرة يقين إنه بس بيكن لها مشاعر كنت وافقت. بس اعقليها يا ماما. أشمعنى مطلبش الجواز منها إلا بعد ما عاطف اتقدم لها. وكمان قال لها إن فيه سبق واتقدم لها غيره وهي مكنتش بتعرف بكده."
ردت نادية:
"سمر مش صغيرة زي ما قولت قبل كده. هي حرة. زمان سلوى لما جات تتجوز من محمود بابا أتوقف لها وقال لها ده صعيدي وإنتي قاهريه وأكيد هو هيبقى متمسك بعادات الصعيد. بس إصرارها خلى بابا في النهاية وافق. ومع ذلك جواز سلوى ومحمود كان فاشل من البداية. بس لما جات سمر قربت بينهم تاني وأقدروا يتوافقوا مع بعض حتى لو كان التوافق ده قدام الناس بس. وسلوى بنفسها أدركت إنها كانت السبب في فشل الجواز اللي فضل قائم لحد موتهم الاثنين. رغم إن سمعت إن عقيلة وحمدي شاوروا عليه بالجواز من بنت من الصعيد حتى علشان تخلف له أولاد علشان سمر متبقاش وحيدة. بس اللي دفع التمن وقتها وجيدة لأن حمدي ووجيدة اتطلقوا وقتها بسبب فتنة زرعتها عقيلة في دماغ حمدي. أنا معرفش إيه هي بالظبط. بس عقيلة كانت بتلعب على كل الأوتار وكل هدفها أملاك محمود. ودلوقتي الوحيد اللي قادر على حماية سمر من عقيلة وخبثها هو عاصم. وأنا بقولك متدخلش بينهم لو عندك ذرة حب لسمر."
رد طارق:
"أنا مش مقتنع يا ماما وهفضل جنب سمر لحد ما تقدر تاخد حقها من بين إيدين عاصم. والأيام تثبت حقيقة إحساسي."
.......................................
في فجر يوم جديد
وقفت تلك الفتاة جوار تلك السيارة السوداء. لا يعرف كيف ساقته قدمه ليتقدم ويقترب منه. بنفس الصورة التي تأتي بها دائمًا له في الأحلام. عيناها تنزف دمًا وجسدها من الأمام. لكن فجأة سمع صوت فتح باب السيارة. رأى فتاة تنزل من السيارة ولكن لم يرى وجهها. هي فتاة شابة.
تحدثت تلك الفتاة الصغيرة:
"أنا قريبة منك أكتر ما تتوقع. وقريب قوي هسترد اللي أخدته منك."
تعجب كثيرًا. هذه أول مرة تلك الفتاة تتحدث. رنين صوتها قريب لصوت يعرفه لكن لا يتذكر صاحبه. نظر مرة أخرى على تلك الفتاة التي نزلت من السيارة. لكن الظلام فجأة عمّ يُخفي ملامح وجهها.
استيقظ فزعًا على صوت منبه هاتفه. مسح عرقه الغزير وشعر بصداع لا يعرف سببه. نهض من على الفراش واتجه إلى الحمام. وقف أسفل المياه وأغمض عينيه لثوانٍ. رأى نفس الفتاة التي نزلت من السيارة ملامح وجهها مبهمة. ونبرة صوت تلك الفتاة الصغيرة يتردد في أذنيه. لكن لا يعرف أين سمع صوت شبيه لهذا الصوت. فتح عينيه مرة أخرى وأوصد الماء وخرج يلف خصره بمنشفة. ونظر إلى هاتفه الذي يرن. رقم هو يعرفه جيدًا.
تحدث بمرح:
"ها. أقول مبروك."
.............................................
بعد قليل
في شقة سليمة
كانت تجلس على مكتب غرفتها مُنكبّة تقرأ بعض الملفات. لكن وصل لأنفها تلك الرائحة وبعض الأدخنة البسيطة. وقفت سريعًا وخرجت من الغرفة واتجهت إلى المطبخ ونظرت إلى الموقد. وجدت أنه غير مشتعل وفحصت أيضًا المايكرويف غير مشتعل. إذن من أين أتت تلك الرائحة وتلك الأدخنة؟
وجدت والداها هو الآخر يقول:
"سليمة أنتي مولعة البوتاجاز على حاجة وشاطة."
ردت سليمة:
"لأ يا بابا. أنت كمان شميت الريحة."
رد رفعت:
"أيوا. بس منين جاية الريحة والدخان دول."
قالت سليمة:
"هروح أفتح البلكونة وأشوف يمكن حد مولع حاجة في الشارع."
فتحت سليمة البلكونة ونظرت لأسفل. لم تجد شيئًا. وبالصدفة رفعت رأسها فرأت الأدخنة تخرج من تلك الشقة التي في الدور الأعلى لهم.
دخلت بلهفة تقول:
"في دخان طالع من شباك مطبخ الست أم فارس."
تحدث رفعت:
"خلينا نطلع نشوف في إيه يا بنتي. ليكون جالها غيبوبة سكر ونسيت البوتاجاز."
وافقت سليمة والداها. وصعدت وحدها فورًا إلى تلك الشقة. وقفت تخبط على الباب بقوة. لكن لا أحد يرد عليها. تذكرت أنه كان لديها نسخة من مفاتيح تلك الشقة. نزلت سريعًا وجدت والداها يقول لها:
"في إيه؟"
ردت سليمة:
"معرفش يا بابا. بخبط ومحدش بيرد عليا. هو مش كان عندنا نسخة من مفاتيح شقتها. كان أدهالي فارس لما كنا مخطوبين علشان أبقى أطلع أطمن على والدته في غيابه."
رد رفعت:
"أيو عندنا. أنا كنت ناوي أرجعهم له بس نسيت. أهم عندك في الدرج ده."
ذهبت سليمة إلى مكان ما أشار لها. وجدت عدة مفاتيح. أخذتهم وصعدت سريعًا مرة أخرى. قامت بفتح باب الشقة. سعلت بشدة بسبب الأدخنة. نادت على تلك السيدة لم ترد عليها. توجهت إلى المطبخ سريعًا. وجدت الموقد مشتعل وعليه إناء صغير مشتعل أحمر كالجمر. وبعض الأشياء موضوعة على الموقد جواره مسها النار وتحترق هي الأخرى. فكرت سريعًا وذهبت إلى مفتاح الغاز وقامت بإطفائه. ثم عادت. لكن لم تنتبه إلى تلك النيران التي طالت يدها بسبب غلقها لمفتاح الموقد. تركت المطبخ ووضعت يدها على أنفها حتى لا تستنشق الدخان. ودخلت إلى تلك الغرفة. وجدت والدة فارس ممدة أرضًا. سريعًا أمسكت هاتف والداها. كانت ستتصل على فارس. لكن عدلت عن ذلك وطلبت لها الإسعاف. ثم أغلقت الهاتف وحاولت إفاقة والداها فارس. لكن لم تفِق.
بعد قليل خرجت سليمة من غرفة والدة فارس بالمشفى. ولكن تصادمت مع فارس أمام باب الغرفة. الذي تحدث بتلهف:
"أمي. ماما فين وجرا لها إيه يا سليمة؟ واحد من الجيران اتصل علي."
ردت سليمة:
"والدتك عندك جوه. تقدر تسأل الدكتور على حالتها. عن إذنك."
قالت هذا وسارت. لكن أمسك فارس معصم يدها قائلاً:
"شكرًا يا سليمة. أنا عرفت إنك إنتي اللي ساعدتي والدتي."
نظرت سليمة ليد فارس الموضوعة على معصمها. سرعان ما سحبت معصمها من تحت يدهُ قائلة:
"مالوش لازمة الشكر. عادي الجيران لبعضها."
قالت هذا وتركته يقف يشعر بالندم على ما أضاعه. أما سليمة لا تعرف لما تشعر بألم من معصمها. أ بسبب ذلك الحرق أم بسبب لمس فارس ليدها.
..................................
في قنا
على الفطور
لم تنزل سمر ولا عاصم أيضًا.
ذهب حمدي لغرفة سمر ودق الباب. فتحت له سريعًا. تحدث قائلاً:
"صباح الخير يا سمر. إيه أنتي لسه صاحية ولا إيه؟"
ردت سمر:
"معلشي يا عمي. أصلي سهرت شوية وجات عليا نومة."
تبسم حمدي قائلاً:
"طب فكرتي زي ما قولت لك بالليل."
ردت سمر بخجل:
"فكرت يا عمي ولسه عند ردي اللي قولته لحضرتك عليه بالليل."
تبسم حمدي قائلاً:
"طب يا بنتي ربنا يتمم لكم بخير ويسعد قلبكم أنتم الاتنين. هروح أتصل على عمتك عقيلة تيجي تحضر معانا واحنا بنقرأ الفاتحة."
تحدثت سمر:
"بس ممكن مترضاش تحضر بعد رفضي لعاطف."
رد حمدي:
"أنا هتصل عليها قبل ما أروح أدعيها بنفسي وهي حرة تحضر أو لأ. يلا أسيبك علشان أروح أجهز وأسافر لها أسيوط وأوصل قبل الليل."
ردت سمر:
"تروح وترجع بالسلامة يا عمي."
....................... ...............
في أسيوط
بشقة بأحد العمارات السكنية الراقية
دخلت عقيلة غرفة ولدها. أشعلت الضوء ونظرت على الفراش وجدته ممدد نائمًا دون غطاء وما زال بملابس العمل عليه. تنهدت بسأم وذهبت وقامت بفتح ستائر الغرفة ليدخل النور إلى الغرفة ويسلط على عين عاطف الذي أخفى وجهه بالوسادة. جذبت عقيلة الوسادة من على وجه عاطف وتحدثت بضيق قائلة:
"اصحى يا عاطف. قربنا على الساعة تسعة لازم تكون في المصنع دلوقتي."
ثم أكملت بتهكم:
"ما هو لو بتنتبه لشغلك زي ما بتنتبه لأصدقاء السوء كان زمانك قدرت تكبر أكتر من عاصم مش تفضل هنا حتة مدير مصنع. قوم من النوم. معرفش خالك متصل عليا من بدري ليه وقال إنه جاى هنا أسيوط."
انتفض عاطف:
"ومقالكيش جاي ليه؟"
ردت عقيلة:
"لأ قوم روح المصنع. أكيد هو هييجي على هناك الأول قبل هنا. قوم روح ظبط أمور المصنع. مش عاوزين يشوفوا المصايب اللي بتعملها في المصنع. كفاية المشكلة اللي عاملها مع بتوع وزارة البيئة. مش عارف تسهل أمورك معاهم."
رد قائلاً:
"وكان هيحصل إيه لو شاركتي معاهم زمان وبقيتي مساهمة؟ كان زمان عندنا تلت المصانع دي. ومكنتش هضطر أبقى تحت رحمة حد من سواء أخوكي أو حتى عاصم."
ردت عقيلة:
"كان مين يصدق مصنع واحد بقى المصانع دي كلها في فترة مش كبيرة حوالي خمسة وعشرين سنة. بس الحق يتقال اللي كبر وعمر المصانع دي هو عاصم. مش محمود ولا حتى حمدي. عاصم جازف وغامر وقدر يوصل."
رد عاطف بضيق:
"وأيه اللي وصله؟ مش وجود إمكانيات تحت إيده بالمصنع. وكمان اللي ساعده ميراث سمر اللي تحت إيده وهو اللي المتصرف في كل حاجة. حتى خالي نفض إيده وبقى متابع له ولاخواته بس."
ردت عقيلة:
"ولاد وجيدة سيطروا على كل حاجة في المصانع. ولو مش أنا اللي قولت لحمدي إنك تمسك إدارة المصنع اللي هنا عمره ما كان هيفكر يجيبك. وكمان الغبية سمر بنت الغبية سلوى كمان رفضت عرضي. بس أنا مش هيأس. ويمكن كمان حمدي جاي لهنا علشان كده. لأني من يومها متكلمتش معاه. اتصل أكتر من مرة مرديتش عليه. بس النهاردة لما مرديتش عليه بعت رسالة وقالي إنه جاي هنا وهيوصل بعد العصر إن شاء ما يوصل إلا خبره."
ابتسم عاطف قائلاً:
"أنا مش عارف سر إنك مش بتحبي خالي حمدي ولا مراته. عكس كانت مرات خالي محمود صاحبتك مع إنها مكنتش بتيجي لهنا خالص. لا هي ولا سمر. دي سمر أول مرة كانت تيجي قنا بعد وفاة خالي لما عاصم هو اللي جابها لهنا. ومكنتش لا تعرف مرات خالي وجيدة ولا حد من عيالها غير عاصم. وإذا كانش دراسته في القاهرة وقتها مكنتش هتعرفه. دا حتى مكنش ساكن معاهم في فيلا خالي محمود. أنتِ عارفة مراته مكنتش بتحب حد من العيلة كلها. وكان ساكن في شقة قريبة منه. أنا كمان كنت ساكن معاه فيها. بس هو كان قريب من خالي ودايماً في الأوقات اللي مكنش عنده فيها دراسة كان بيرافق خالي محمود. وسمر كانت متعلقة بخالي محمود عن مامته. تستمر القصة أدناه."
ردت عقيلة:
"ياريتها كانت اتعلقت بسلوى كان بقى سهل أسيطر عليها. وبعدين سيبنا من الكلام في الماضي واللي حصل فيه. قوم بسرعة وخدلك شاور وغير هدومك دي وانزل المصنع. على الأقل تحفظ إدارة المصنع ده بدل ما نطلع من كله. أما أشوف... حمدي جاي هنا ليه. مش عارفة. إحساسي بيقولي إن فيه حاجة هو عاوز يقولها وش لوش. وإلا مكنش جه أو طنش على عدم ردي عليه زي قبل كده ومبعتش رسالة."
....................................
بقنا
بغرفة حمدي
وقفت وجيدة تساعده في ارتداء ملابسه قائلة:
"وهتبات في شقة عقيلة؟"
رد حمدي:
"يعني عاوزاني أبقى في شقة أختي هناك وأنزل أبات في أوتيل؟ ده يبقى قلة ذوق مني. ومتنسيش العمارة كلها بتاعته."
ردت وجيدة:
"مش ناسيه. أنا هنزل أشوف سنية وهشرف على الشغالات."
قالت وجيدة هذا وتركت الغرفة. نظر حمدي في خطاها متنهداً يقول:
"لسه غلطة الماضي في قلبك يا وجيدة. منستهاش برغم مرور وقت كبير. بس مكنش غلط حد قد ما كان غلطي أنا وقتها لما مشيت وراء كلام عقيلة وكنت هخسرك إنتي وولادي. بس ربنا كان كريم بيا وظهر الحقيقة في الوقت المناسب ورجعتك إنتي وولادي لحضني. بس أنا متأكد أكتر واحد اتأثر بالماضي كان عاصم. هو اللي كان واعي على القصة كلها. أما عمران كان لسه صغير وكمان مكنش بيركز زي عاصم."
تنهد يقول:
"عاصم السند اللي قوى مجموعة الصقر وحط لها اسم في السوق. لو مكنش هو كان زمان كل شيء ضاع. بس يا ترى سمر عارفة بكده ولا لأ."
....................................................
في القاهرة
في شركة الصقر
طلب عمران سليمة أن تأتي إلى مكتبه. دخلت بعاصفة كعادتها قائلة:
"خير. حضرتك طلبتني ليه؟"
رد عمران:
"طلبتك علشان أعزمك عالغدا سوا."
"مش فاضية. يا تقولي سبب استدعائك ليا يا رجع مكتبى تاني."
نهض عمران من على مقعده وتوجه إلى مكان وقوفها وتحدث قائلاً:
"أنا مش عارف سبب لطريقة معاملتك معايا ولا حتى لسكوتي على طريقتك دي في التعامل. بس بحذرك. أنا صبري له آخر. ودلوقتي اتفضلي الملف ده عاوزك ترجعيه وتكتبي لي ملخص عنه."
مدت سليمة يدها وأخذت منه الملف. لكن لاحظ عمران ذالك اللاصق الطبي الذي على معصمه. تحدث بلهفة:
"مالها إيدك؟"
ومد يده ليمسك معصمه.
"نفضت يدهُ سريعاً: مين اللي عطى لك حق تمسك إيدي؟ ومالكش دعوة باللي فيها. كل اللي لك عندي هو شغلي فقط."
قالت هذا وخرجت بالملف في يدها وأغلقت باب المكتب خلفها بقوة. وقفت أمام الباب تشعر أن جسدها كله يرتعش. لما حدث لها هذا حين أمسك معصمه. لما لديها شعور لا تفسره تجاه عمران. هناك شعور ليس بغض ولا حب. ما هو ذالك الشعور؟ لما حين تقترب منه تريد أن تظل معه؟ هي تقاوم إحساس لا تعرفه سابقاً.
بينما بداخل الغرفة. جلس عمران على مقعده يحدث نفسه:
"ما سبب تلك الرجفة التي شعر بها في قلبه حين رأى ذالك اللاصق على يد سليمة؟ ما الذي يجعله يتحمل عجرفتها؟ صوتها دائمًا ما يشعره بالنفور والألفة في نفس الوقت."
......................................
بأسيوط مساءً
دخل حمدي برفقة عاطف إلى الشقة. كانت أول من استقبلته هي سُلافة التي اتجهت إليه سريعًا واحتضنته بألفة. متحدثة:
"أسيوط كلها نورت يا خالي. قولي إزي عامل."
ضحك حمدي:
"هتشوفه قريب قوي. أنا جاي علشان كده."
ردت عقيلة:
"مش لازم تتعب خالك. أكيد جاي تعبان من الطريق وراح عالمصنع. أهلاً بيك يا حمدي."
قالت هذا وقامت باحتضانه برياء رغم نفورها منه. وتبسمت قائلة:
"على ما تاخد شاور هحضر أنا وسُلافة العشا."
رغم شعور حمدي بنفور عقيلة منه، ولكن تحمل وتبسم قائلاً:
"تمام. من زمان مأكلتش من إيدك."
بعد قليل بعد أن تناولوا العشاء، جلسوا يحتسون عصائر بالصالون. تحدثت سُلافة:
"قولي يا خالي أخبار ولاد خالي إيه وكمان طنط وجيدة وسمر."
تبسم حمدي:
"كلهم بخير. وأنا هنا علشان أدعيكم تيجوا عندنا علشان تحضروا قراية فتحة عاصم وسمر يوم الخميس الجاي."
أنصدمت عقيلة: وقالت بتقول إيه؟ "فتحة مين على مين؟"
رد حمدي:
"زي ما قولت. عاصم وسمر."
ردت عقيلة بغيظ وضيق:
"وهي سمر رفضت عاطف ووافقت على عاصم؟ مش كانت بتقول إنها مش بتفكر في الجواز؟ ولا هو عاصم أغنى من عاطف ووافقت عليه علشان كده؟"
رد حمدي:
"كل شيء نصيب يا عقيلة. ويمكن سمر نصيبها عاصم."
كانت عقيلة ستتحدث لكن قاطعها عاطف:
"رغم ما يشعر به من غيرة قاتلة لكن تحدث ببرود عكس نيران قلبه: مبروك يا خالي. عاصم زي أخويا وسمر كمان. ربنا يسعدهم ويوفقهم."
نظرت عقيلة له بتعجب وألجم لسانها.
بعد قليل
دخلت عقيلة غرفة عاطف وتحدثت بتهكم:
"شايفة إنك قبلت كلام خالك على قراية فاتحة سمر وعاصم. إيه مكنتش بتحبها ولا إيه؟ أوعى تفكر إنه دخل عليا إنك كنت عاوز تتجوز من سمر علشان ميراثها وبس. أنا شايفة عينك هتطلع على سمر."
رد عاطف:
"أنا كنت عارف إن عاصم بيحب سمر من زمان. بس معرفش سمر بتحبه أو لأ. وكنت متوقع إنه هيتقدم لها. وده اللي خلاني أطلب منك تستعجلي بطلب سمر. يمكن توافق وأخدها أنا من إيد عاصم. بس كمان اتأكدت ليلة ما كنا في قنا آخر مرة."
ردت عقيلة بتعجب سألته:
"اتأكدت من إيه؟"
رد عاطف:
"سمر وعاصم في بينهم حاجة."
تعجبت أكثر قائلة:
"مش فاهمه قصدك إيه."
"سمر وعاصم في بينهم حاجة."
رد عاطف:
"ليلة ما كنا في قنا وقومتي وسيبتينا. سمر قامت كمان ودخلت أوضتها. مفضلش غير أنا وسُلافة. بس أنا اتعصبت على سُلافة وسيبتها في الجنينة. بس بعد وقت صغير رجعت تاني الجنينة وفضلت فيها. وبعد وقت.. شوفت عاصم خارج من أوضة سمر من البلكونة. إنتي عارفة إن أوضهم جنب بعض."
ردت عقيلة بتفاجؤ:
"قصدك إن عاصم ممكن يكون استغل سمر ووقعها في الغلط. ودلوقتي عاوز يصلح غلطته وسمر وافقت عليه علشان كده."
رواية سمرائي انتي حقي الفصل السادس 6 - بقلم سعاد محمد سلامة
في غرفة عاصم، وقف يرتدي ملابسه.
سمع عاصم طرقًا على الباب، علم فورًا من، فكيف يتوه عن طرقها؟
تحدث قائلًا: "ادخلي يا سمر."
دخلت متعجبة تقول: "عرفت منين إني أنا اللي بخبط عالباب؟"
ولكن خجلت وأخفضت عينيها بالأرض حين رأت أزرار قميصه من الأمام مفتوحة على طول صدره.
بدأ يغلق أزرار قميصه.
وهو ينظر لها بعشق وقال: "من نغمة خبطك عالباب."
"وأعتقد إنك مش جايه عشان كده، فقولي اللي عاوزة تقوليه مباشر، بدون لف ودوران زي عادتك."
"لأني عندي ميعاد كمان ساعة مع عميل لنا هنا في قنا."
ابتلعت ريقها وتحدثت قائلة بخجل: "هو بكرة هيتقرا الفاتحة ونلبس الدبل صح؟"
تنهد عاصم: "آه صح، لو مكنتيش رجعتي في رأيك."
ردت بخجل: "لأ مرجعتش في رأيي، بس أنا ليا طلب."
رد: "وأيه هو؟"
ردت سمر: "ماما نادية وكمان عمو سراج وطارق يحضروا الخطوبة."
رغم غيرته من طارق، الذي لا يعرف سببها.
لكن قال: "تمام، تقدري تدعيهم يحضروا الخطوبة."
نظرت له بفرحة قائلة: "هروح أتصل عليهم أدعيهم وأأكد عليهم يحضروا."
رد عاصم وهو يمد يده لها بالهاتف قائلاً: "خدي اتصلي على خالتك أدعيها."
"ولا مش حافظة رقمها؟"
ارتبكت سمر وقالت: "ها لأ معرفوش... لأ أعرفه."
"قصدي يعني أعرفه، أنا متعودة أتصل عليها من التليفون الأرضي."
رد عاصم:
"طيب ده زي ده، وخديه اتصلي عليها من تليفوني."
مدت سمر يدها وأخذت الهاتف وقامت بالاتصال على رقم خالتها.
التي ردت باستغراب وفزع: "عاصم بيتصل عليا ليه، سمر جرالها حاجة؟"
ردت سمر سريعًا: "لأ يا ماما اطمني، أنا سمر، بس عرفتي منين إن اللي بيتصل عاصم؟"
تنهدت نادية براحة: "من التروكولر بيظهر اسم ورقم المتصل."
"بس خير يا حبيبتي."
ردت سمر: "خير يا ماما."
"أنا كنت بتصل عليكي أدعيكي لخطوبتي أنا وعاصم بكرة، ومش هقبل أي عذر، ولازم تحضري أنتي وأونكل سراج وكمان طارق."
تبسمت نادية قائلة: "هشوف سراج وطارق لو مكنش عندهم محكمة بكرة يجوا معايا، أما أنا أكيد هحضر، مقدرش أكون بعيدة عنك في يوم زي ده."
ردت سمر: "هنتظركم كلكم، وبالذات عمو سراج، وحشني قوي من زمان مجاش هنا وزارني."
ردت نادية: "والله عمو سراج عالطول يسألني عنك، وبالذات لما أكون عندك وراجعة، بس عارفة بقى شغل المكتب بينه وبين طارق، بس هو رمى حمل كتير على طارق بقى."
"هقوله بس معرفش هييجي هو وطارق ولا لأ، أما أنا مؤكد جايه عشان أشوف بنوتي اللي كبرت."
"وبقت عروسة."
ابتسمت سمر بخجل وقالت: "هنتظرك، سلام."
أغلقت سمر الهاتف وأعطته لعاصم.
قائلة: "كلمتها وقالت هتجى، شكراً لك."
"هروح أساعد مرات عمي في المطبخ عشان."
"عامر وعمران هيجوا النهارده وطلبوا منها أكلات كتير."
ابتسم عاصم وهو يأخذ الهاتف.
ولكن تحدث بمفاجأة: "سمر، هو حضور طارق مهم بالنسبة ليكي؟"
ردت سمر ببساطة: "أكيد، طارق صديق طفولتي وزي أخويا."
تحدث عاصم: "هو بس كده بالنسبة لك ولا في شيء أكتر؟"
ردت بعدم فهم: "يعني أيه؟ أنا وطارق متربيين سوا، مش أكتر."
تبسم عاصم، لا يعرف سبب لشعوره الدائم بالغيرة من مدى تقارب سمر من طارق حين يكون قريبًا منها.
في شركة الصقر.
بمكتب عمران.
وقفت سليمة تقول لسكرتيرة مكتبه:
"مستر عمران في مكتبه؟"
ردت السكرتيرة: "للأسف مستر عمران مش موجود في مكتبه ولا في القاهرة كلها، هو بلغني إنه سافر قنا يحضر الخطوبة."
ردت سليمة بتسرع: "خطوبته؟"
قالت السكرتيرة: "لأ، دي خطوبة مستر عاصم أخوه، هيخطب بنت عمه من هناك."
تنهدت سليمة براحة: "آه، طيب هو هيرجع أمتى؟"
ردت السكرتيرة: "تقريبًا يوم السبت، لو محتاجاه في حاجة مهمة ممكن تتصلي على تليفونه، هو مش بيقفله، أما يكون مسافر، أو تتواصلي عالإيميل بتاعه."
ردت سليمة: "طيب، متشكره، عن إذنك."
دخلت سليمة إلى مكتبها وجلست على أحد المقاعد.
تسأل نفسها: "ما هذا الشعور الذي شعرت به لما قلبي خفق بشدة حين قالت خطوبة؟"
"ما السر؟ أكره قربه والآن أريد أن أراه."
على طاولة الغداء بشقة ناديه
تبسمت ناديه تقول:
من زمان متغدناش مع بعضنا كويس، أكيد ده حظ سمره.
رد طارق:
ومالها سمره؟
تبسمت ناديه:
سمره اتصلت عليا الصبح وعزمتنا على الخطوبه.
زفر طارق أنفاسه بسأم وتحدث:
وهي لسه برضو عند قرار موافقتها على الجواز من عاصم؟ مش عارف ليه هي بتخاف منه ووافقت عليه. أنا متأكد إنها مش بتحبه.
رد سراج:
مع إنّي من رأي طارق، بس دي حياتها وهي حرة فيها وتعمل اللي شايفاه أنفع ليها. ويا ريت يا طارق بلاش عاطفتك تغلبك وتحاول تأثر عليها.
رد طارق:
وهي بتسمعلي كلمة؟ قولتلها أنا أقدر بسهولة آخدلك أملاكك من تحت إيد عاصم وتكوني إنتي المتحكمة فيها، بس هي رفضت بحجة: "قال مش عايزة أرد جميل عمي ليا وأطعنه في ضهره". والله أنا حاسس إن عاصم ده زي أمنا الغولة بالنسبة لها.
ضحكت ناديه:
حلو قوي التشبيه ده، بس يا ريت كفاية ضغط على سمره. وبعدين هي أما كلمتني النهاردة كلمتني من تليفون عاصم مش من التليفون اللي إنت جايبهولها، يعني كان قدام عاصم أهو. ومش يمكن سمره بتحب عاصم وده اللي خلاها وافقت؟ بلاش يا طارق طريقتك دي، كفاية ضغط على سمره واحفظ مشاعرك لنفسك. سمره مش صغيرة ولا ساذجة.
المهم دلوقتي هتيجوا معايا نروح نحضر الخطوبة زي ما هي عايزة ولا لأ؟
رد سراج:
كان بودي والله، سمره غالية عندي، بس أنا عندي جلسة محكمة بكرة وأكيد مش هقدر أحضرها.
نظرت ناديه لطارق:
قائلة: وأنت؟
رد طارق:
وأنا كمان مش هقدر، ومن فضلك متضغطيش عليا يا ماما.
عن إذنكم، عندي قضية مهمة ولازم أروح المكتب أقابل صاحبها.
قال هذا وترك الطعام وغادر.
تنهدت ناديه قائلة:
مش عارفة ليه طارق واخد موقف عادي قوي كده من عاصم؟
أنا لو مش عارفة حقيقة مشاعره كنت ممكن أفهم مشاعره غلط.
نظر سراج لناديه نظرة أسف وندم.
ردت ناديه له النظرة.. بنظرة عتاب وأيضاً وجع.
لداهما شعور بالنقص، سرعان ما أخفاه خلف بسمة مدمعة العين.
***
في أسيوط
وقفت عقيله مع ابنتها قائلة:
فرحانة قوي إننا هنروح قنا، بتحبي هناك قوي. صاحية من قبل الفجر تقوليش رايحة الجنة.
تبسمت سولافة:
أنا بحب سمره وكمان طنط وجيده طيبة. ولما بكون هناك بحس بالهدوء والراحة.
ردت عقيله:
وهنا بتحسي إيه؟ بالدوشة والخنقة؟ وهي وجيده طيبة دي بتمثل على اللي قدامها وبتعرف إزاي تخليه يصدقها، دي زي الساحرة.
بكرة تتلسعي منها.
ردت سولافة لتغير الموضوع:
ماما، هو بابا مش هيجي معانا ويحضر الخطوبة؟
تحدثت عقيله بتهكم:
لأ مش جاي. هيفضل عنده بيقول هيستلم بضاعة للسوبر ماركت. ولازم يكون موجود. هو حر. وبعدين دي خطوبة على الضيق مش مهرجان.
ثم أكملت مستهزئة: يلا روحي هاتي الشنطة من جوا، زمان أخوكي علي وصول، خلينا نروح نتفرج على خطوبة سمره هانم وعاصم بيه، ولاد شاهين.
نزلت سولافة وعقيله من العمارة ليجدن عاطف يقف أسفل البناية بسيارته.
ركبت سولافة بالخلف، بينما جلست عقيله جوار عاطف الذي يقود السيارة.
بعد وقت تحدثت سولافة:
زود السرعة شوية يا عاطف.
ردت عقيله:
سوق بالراحة ومتستعجلش. براحتنا وقت ما نوصل، يعني رايحين الجنة.
رد عاطف:
أنا مش بسوق بالسرعة المحددة عالطريق.
تحدثت سولافة:
وبعدين إحنا على طريق سريع والطريق فاضي.
رد عاطف بتعسف:
والله ده أخرى في السرعة، لو مش عاجبك انزلي اركبي السوبر جيت.
ردت سولافة:
وعلى إيه براحتك.
حتى العجلة من الشيطان. أنا هنام شوية، ولما نوصل ابقوا صحوني.
ردت عقيله:
فعلاً نومك يكون أفضل لأني مش هتحمل كلامك الغبي طول الطريق.
نظرت سولافة لها قائلة:
حاضر، هنام وأريحك.
نظر عاطف في مرآة السيارة الأمامية سولافة وهي تعود تجلس على المقعد براحة وتغمض عينيها، ليبتسم ساخراً.
***
عصراً
بقنا
وقفت سمره تتطلع إلى زهور حديقة المنزل.
وجدت بها بعض الزهور الذابلة وأيضاً الأرض جافة.
قامت بتنظيفها، ثم أتت بذلك الخرطوم وقامت بفتح صنبور المياه وبدأت تتجول بالحديقة تروي بعض الزهور.
ولم تشعر
بمن اقترب منها وتحدث فجأة بصوت عالٍ:
هو في وردة بتسقي ورد زيها؟
انخضت بشدة لتستدير وتصوب خرطوم الماء على من أمامها.
ضحك عامر بشدة وهو يرى عمران يغرق في المياه.
تحدث عمران:
طب هو اللي خضك، أنا مالي؟ حد قالك إني كنت عايز آخد شاور؟ على العموم ترحيب مقبول منك.
ضحكت سمره هي الأخرى قائلة:
معلش بقى، هي جت فيك. حمدلله بالسلامة.
رد عمران:
طب ابعدي الخرطوم شوية حتى وإنتي بتتكلمي.
ضحك عامر قائلاً:
يا عم وفرت عليك الشاور، وبعدين ده الميه من إيد سمورتي ميه بسكر زيها.
تبسم عمران قائلاً:
أنا بقول تخف شوية في معاكستك لسمره، لأني شايف قدامي صقر واقف في البلكونة. ولما مخفتش في خفية دمك هيغرس مخالبه في رقبتك ويقطع لحمك بمخالبه ويشرب من دمك.
لف عامر وجهه ونظر إلى تلك الشرفة.
ليرى عاصم واقف يشرب سيجارة.
أشار له عاصم بتحذير.
ضحك عامر وعاد وجهه إلى سمره قائلاً:
سمورتي، إنتي قطة وديعة. إيه اللي خلاكي وافقتي على عاصم ده؟
أنا لو منك كنت قلت لأ واتجوزتي من عمران، هو الوحيد الحمل الوديع اللي في صقور شاهين.
ضحك عمران:
أنا حمل وديع يا خروف؟ والله لعرفك أنا مين.
قال عمران هذا ليضحك وهو يرى عامر يهرول أمامه.
ضحكت سمره كثيراً.
تحدث عمران:
هيفضل تافه وجبان، بس ماشي.
يلا سمره هدخل أغير هدومي. خلاص مش محتاج لشاور، كتر خيرك وفرتي عليا.
ضحكت سمره على مزاحه قائلة:
أنا في الخدمة.
قالت هذا وصوبت اتجاهه خرطوم الماء مرة أخرى.
ليهرول هو الآخر من أمامها.
لتضحك عليه هو الآخر.
لتنظر إلى الشرفة ترى ذلك المبتسم على مزاحهم، لتخجل من نظره لها.
دخل الاثنان خلف بعضهم.
***
استقبلتهم وجيده بمرح وهي ترى عامر يدخل.
إيه داخل تجري كده ليه؟ حد بيجري وراك؟
حَضَن عامر وجيده قائلاً:
ابنك الحمل الوديع.
ضحكت وجيده وضربته على ظهره بخفة ومزحت قائلة:
متجبش سيرة أخوك كده وتعصبه.
دخل من خلفه عمران قائلاً بمزح:
حلو قوي يا ماما، خليكي ماسكاه لحد ما آخده منك.
تبسمت وجيده وتركت عامر ونظرت لعمران وتحدثت بلهفة:
إيه ده؟ إيه اللي غرق هدومك كده؟
اطلع بسرعة غير هدومك لتأخذ برد.
ضحك عامر الذي يقف خلف وجيده.
بينما تحدث عمران: متخافيش كده، دا الغبي اللي مستخبي وراكي خض سمره وكانت بتروي زرع الجنينة وضربت الخرطوم فيا.
ضحك عامر أعلى قائلاً:
بلاش تحضنيه يا ماما لا يبل هدومك.
تبسمت وجيده وقامت باحتضان عمران بشوق قائلة:
وماله عمران ده حبيبي.
حضنها عمران وهو يخرج لسانه لعامر كالأطفال حين يغيظون بعضهم.
***
ليلاً
بالقاهرة
انكبت سليمه على تلك الملفات الخاصة بأحد القضايا.
سمعت صوت رنين جرس الباب، نهضت وخرجت من الغرفة لتعرف من الذي أتى.
ذهلت وهي ترى من الذي يرحب به والداها.
تحدث الآخر:
أسف، أنا جاي من غير ميعاد، بس أنا اتأخرت إني آجي لهنا وأشكر سليمه لمساعدتها لوالدتي. لو مش هي كانت ماما ممكن يجرالها مضاعفات قوية.
ردت سليمه:
مكنتش محتاج تيجي لهنا علشان تشكرني، أنا عملت اللي أي حد ممكن يعمله في وقت زي ده.
وعالعموم، كويس إن فيه أمانة ولازم تترد.
قالت هذا واتجهت إلى أحد أدراج دولاب صغير بالصالة وأخرجت تلك المفاتيح وقامت بمد يدها له قائلة:
دي مفاتيح شقة والدتك.
رد فارس:
خليها عندكم علشان لو ماما جرالها حاجة.
ردت سليمه بحسم:
ممكن تديها لحد من الجيران غيرنا؟
الست والدتك كل العمارة بيحبوها، وأكيد مش هيتأخروا عليها بمساعدة.
اتفضل.
أخذ فارس المفاتيح على مضض وكان سيتحدث.
لولا قالت سليمه:
للأسف عندي ملفات مهمة لازم أخلصها، ولو كنت جاي علشان تشكرني هقولك مفيش داعي.
علم فارس أن سليمه تطرده، لكن بطريقة مهذبة.
تنحنح بحرج:
أسف إذا كنت عطلتك، بس كان لازم أشكرك. عن إذنكم... تصبحوا على خير.
خرج فارس من الشقة وأغلقت خلفه سليمه الباب.
تحدث رفعت بعتب:
ليه المعاملة دي يا بنتي؟ إنتي تعتبري طردتيه بالذوق؟ هو كان جاي يشكرك.
ردت سليمه:
فارس مكنش جاي علشان كده يا بابا. فارس له هدف تاني.
فارس بهلوان بيلعب على كل الحبال. اتعلم لعبة السياسة القذرة، وأنا خلاص فهمته وعرفته على حقيقته. مامت فارس لما زرتها امبارح.
قالت لي بالغلط إن فارس مش مرتاح مع مراته وبيفكر في الطلاق. غير أنها قالت إنه هو اللي شار عليها ترجع لهنا وهو هيزورها دايماً.
أنا عملت نفسي مأخدتش بالي من كلامها ومفهمتوش.
فارس بالنسبة ليا انتهى يوم ما جالي وقلع الدبلة، وتاني يوم لقيته بيكتب كتابه على بنت عضو مجلس الشعب.
فارس دلوقتي بقى له كيان في الحزب اللي فيه حماه، يمكن أقوى منه. بالتالي معدتش محتاجاله.
وأنا مستحيل أفتح سكة له من تاني. أنا خلاص صفحة فارس قطعتها من حياتي، مبقاش لها وجود. حتى مش بكرهه، أنا بشفق عليه لأنه شخصية وصولية مش أكتر.
لما وصل إن له كيان فكر إنه دلوقتي هيسترد اللي باعه بالرخيص زمان.
تنهد رفعت قائلاً:
والله بستغرب على النوعية دي.
عاملة زي البحر عايشة عالمد والجزر.
ضحكت سليمه على تشبيه والدها.
قائلة: فعلاً هو عامل زي البحر، بيحب الزيادة.
وصلت عقيلة وعاطف ومعهما سُلافة إلى منزل حمدي.
الذي استقبلهم هو ووجيدة ومعهما عاصم وعامر.
تحدث حمدي بترحيب:
نورتوا يا جماعة، أمال فين رضا؟
ردت عقيلة بتهكم:
رضا عنده أشغال، وبعدين دي قراية فاتحة عالضيق كده، في الفرح يبقى يجي إن شاء الله.
أنسيت أقول لك، هو الفرح هيبقى إمتى؟ مش لازم استعجال.
ردت وجيدة:
عاصم شقته تعتبر جاهزة، يادوب تشطيبات صغيرة متأخدش وقت، على الديكور والعفش اللي هتختاره سمر هييجي لها.
نظرت عقيلة بغيظ لها، ولكن تحدثت:
وفين سمر مجتش تسلم علينا ليه؟ ولا مكسوفة مني؟
أنا مش بشيل في قلبي، وكل شيء نصيب، وعاطف ألف مين يتمناه.
رد حمدي:
أكيد النصيب، وسمر أنا بعت لها خبر بوصولكم وهتلاقيها نازلة دلوقتي.
اتفضلوا، خلونا ندخل السفرة، أكيد الطريق تعبكم وكمان زمانكم جوعتوا.
ردت سُلافة:
آه والله يا خالو، تعبت من الطريق وكمان جعانة جداً. عارف ماما مش بتحب تشتري أكل جاهز، ونسينا نجيب معانا أكل من البيت، وكمان طنط وجيدة وحشني أكل من أكلها اللذيذ.
ضحك الجميع على عفوية تلك الصغيرة.
بينما تضايقت عقيلة من حديثها السخيف في نظرها.
بعد قليل، على السفرة، دخلت سمر واقتربت من عمتها، قامت بالسلام عليها بود، بينما عقيلة ردت السلام بفتور.
وجلست جوار عاصم على السفرة.
جلس عامر جوار سُلافة ومال يهمس لها:
وحشتيني يا بغبغانتي، من زمان مفتنتيش على حد ليا.
نظرت له بغيظ:
قولت لك أنا مش بغبغانة، ولو سمحت أنا مش فتّانة، ومتقوليش كده تاني.
ضحك عامر:
تعرفي بتبقي حلوة قوي وأنتِ متعصبة كده، بحب أعصبك يا بغبغانتي.
ابتسمت سُلافة بحياء ولم ترد.
لاحظ حمدي همسهما، فتحدث:
بلاش كلام جانبي، وخلونا نتعشى، هو فين عمران؟ منزلش يتعشى ليه؟
ردت عقيلة:
ده حتى مجاش يسلم عليا، يمكن زيارتي مش على قلبه.
ردت وجيدة:
عمران، أنتي عارفة إنه ظروفه كويس، ومن وقت ما وصل من القاهرة أخد شاور وقالي محدش يصحيني، سيبوني أصحى لوحدي.
وأنا سيبته.
رد عمران الذي دخل:
أنا أهو يا عمتي، وإزاي أنتي مش على قلبي؟ أنتي قلبي كله.
قال هذا ومال يسلم عليها.
ثم جلس جوار عاطف الصامت، الذي ينظر لسمر وعاصم بغيظ شديد، بالأخص عاصم، يود أن يجلس جوار سمر مكانه.
بعد وقت.
ذهبت سمر ومعها سُلافة وجلسن على طاولة أسفل شجرة كبيرة بالحديقة يتحدثن بود.
ليراهن عمران ويذهب للانضمام لهن مازحاً:
قمرتين قاعدين في الجنينة لوحدكم.
ممكن أقعد معاكم ولا قاعدة نسائية؟
ضحكن له.
تحدثت سُلافة:
تعرف أنت يا عمران أحلى واحد في عيلة شاهين.
رد من خلفها:
هو أحلى واحد، وأنا بقى هولاكو يا بغبغانتي.
انخضت سُلافة ونظرت له بصمت.
ضحك الجميع.
ليقول عمران:
ها نقعد مع القمرين ولا نمشي؟
قبل أن ترد إحداهن، جلس عامر قائلاً:
اقعد يا عم، أنت هتاخد الإذن لسه.
بينما نظرت سُلافة لعامر قائلة:
على فكرة قلة ذوق أما تقعد بدون استئذان.
ثم نظرت لعمران:
طبعاً تقعد معانا.
جلس عمران معهم، وظلوا يمزحون معاً ويسخرون من بعضهم بود وتقبل بينهم للمزاح.
إلى أن جلس جوارهم عاطف قائلاً:
مش جاي ليا نوم، وسمعت صوتكم، قولت أنزل أقعد معاكم.
ليجلس معهم، ولكن هم جميعاً صمتوا.
تحدث عاطف:
هو أنا أما جيت قطعت عليكم ولا إيه؟ لو مش عاوزيني أقوم.
قال هذا وكان سينهض، لكن ربت على كتفه عاصم الذي أتى هو الآخر قائلاً:
لأ يا راجل، إزاي تقوم؟ خلينا نسهر مع بعضينا، من زمان متجمعناش.
ليجلس عاصم وجواره عاطف.
تمالك عاصم نفسه حتى لا يفتعل المشاكل مع عاطف بسبب نظرات عينه لسمر.
ليجلسوا يتحدثون بمزاح وهزار فيما بينهم قليلاً.
كان أول من نهضت هي سُلافة: قائلة أنا خلاص مبقتش قادرة، يلا يا سمر أنا هنام في أوضتك الليلة.
وقفت سمر هي الأخرى قائلة بمزح: مش قادرة دلوقتي، وساعة ما ندخل الأوضة هتفضلي ترغي لحد الصبح، بس يلا بينا، أنا مليت دول كلامهم كله عن الشغل، وأحنا الاتنين زي المتفرجين عليهم.
رد عامر بمزح:
إيه رأيكم تاخدوني معاكم أكمل سهر؟ أنا بحب أقعد مع البنات الحلوين.
ابتسمت سُلافة بخجل.
بينما تحدث عمران:
أنا بقول بلاش هزار، لبدل ما تروح تنام في أوضتك تنام في المستشفى.
عاصم واقف جنبك، وكمان عاطف، سُلافة تبقى أخته.
ضحك عاطف برياء:
أنا من رأي عمران.
تحدث عامر:
سمر بنت عمي وزي أختي، وسُلافة بنت عمتي ونصها شاهين.
همس قائلاً: وعقبال ما تبقى كلها شاهين كاملة.
تبسم عمران الذي سمع همس عامر.
لا يعرف لما خطرت بباله تلك سليطة اللسان، وتمنى أن تكون موجودة الآن لتكتمل صورة الصقور مع من عشقت قلوبهم.
لتنقضي تلك الليلة.
في ظهيرة اليوم التالي.
دخلت سمر ونادية إلى غرفتها.
ضمتها نادية مرة أخرى تستنشق عبقها قائلة:
مبروك يا حبيبتي، وعقبال الفرح.
ردت سمر:
كنت هبقى زعلانة لو محضرتيش، بس ليه عمو سراج وطارق محضروش معاكي؟
ردت نادية:
عمك سراج عنده قضية النهارده، وكمان طارق زيه.
تحدثت سمر بزعل:
لأ، طارق مش موافق على جوازي من عاصم، حتى بعت له رسالة النهارده الصبح ومردش عليا.
ردت نادية بتبرير:
أنتي عارفة طارق بيحبك قد إيه، وأكيد مسمعش الرسالة، ويتمنى لك كل خير.
يلا تعالي نقعد شوية مع بعض قبل ما تروحوا تشتروا الشبكة، وقولي لي أخبارك بالتفصيل إيه؟ مبعرفش آخد راحتي معاكي في رسايل التليفون.
عصراً بمحل الصائغ.
وضع صاحب محل الصاغة أمام سمر عدة أطقم ذهبية.
كانت تشاركها في الاختيار كل من سُلافة ونادية، إلى أن اتفقن ثلاثتهن على الشبكة.
قام عاصم بفتح دفتر شيكاته وكتب الرقم المطلوب.
وغادروا عائدين إلى المنزل مرة أخرى.
تحججت عقيلة بالأرهاق وذهبت لتستريح قليلاً.
دخلت إلى الغرفة وجدت عاطف يجلس بها.
تحدث بسخرية قائلاً:
إيه، عاصم جاب للعروسة شبكة تليق ببنت محمود شاهين؟
ردت عقيلة:
وهو جايب لها حاجة من جيبه؟ ما كله من أملاكها، والغبيه شكلها عاجبها ومبسوطة، بس الصبر، أنا مكنتش عاوزة أحضر وأحرق دمي، أنا ماسكة نفسي بالعافية، ونفسي ألطش اللي اسمها سمر دي قلمين أفوقها الغبية دي.
لو سلوى كانت عايشة، مستحيل الخطوبة دي كانت تتم، لو السما نزلت على الأرض.
سلوى كانت بتكره وجيدة زيي وأكتر.
تحدث عاطف:
وإيه سبب الكره ده؟ طب أنتي صعبان عليكي العز اللي عايشة فيه وجيدة وعيالها، وكان نفسك تبقي زيها، أنما مرات خالي محمود كان جوزها شريك خالي حمدي، وله النص زيه تمام، غير إنها كانت بتشتغل معاه.
حتى الاتنين ماتوا في حريق مخزن المصنع سوا.
ردت عقيلة بتعلثم:
معرفش السبب، ممكن غيرة سلايف، وبعدين سيبني أرتاح شوية، علشان هيقروا الفاتحة بعد العشا، يارب نقراها على روح الاتنين قريب.
رد عاطف وهو يربت على كتف عقيلة:
أنا بقول تهدي شوية، لسه قدامك فرصة سُلافة وعامر.
أنا شايف الانسجام ما بينهم، وبقول ممكن تبقى هي دي فرصتنا لو ضمينا عامر ناحيتنا.
نظرت عقيلة لعاطف وتبسمت بخبث.
بعد تناول العشاء.
بغرفة الصالون.
جلس جميع العائلة، وكذا نادية التي جلست جوار سمر التي تشعر بدقات قلبها غير المنتظمة.
عاصم الذي يجلس جوارها أيضاً على أريكة واحدة.
تحدث حمدي:
أنا فرحان قوي الليلة بسبب لمتنا الحلوة، واللي كان السبب فيها هو عاصم وطلبه للجواز من سمر، وأنا أخدت موافقتها، أنا كان ممكن أعمل شبكة ونعمل حفلة كبيرة، بس عاصم قالي خلي الحفلة دي للفرح اللي هيكون قريب إن شاء الله.
خلونا نقرا الفاتحة ونطلب من ربنا تكون فاتحة خير علينا كلنا، وعلى عاصم وسمر، وربنا يجمع بينهم في الخير.
رفع الجميع أيديهم وقاموا بتلاوة الفاتحة إلى أن صدقوا.
تحدث حمدي:
خد يا عاصم، لبس سمر الدبلة وشبكتها.
أخذ عاصم العلبة من يد والده مبتسماً، وقام بفتحها.
وقام بإمساك الدبلة.
ليقوم بوضعها في بنصر سمر.
ولكن تحدثت بغلظة عقيلة:
حرام يمسك أيدها، هي لسه متحللش، ولا هو ده شيء عادي بينهم؟ أنا اللي هلبسها الدبلة، ومش لازم تلبس بقية الشبكة، كفاية إنك تقدمها لها.
نظرت وجيدة لعاصم أن يصمت ولا يعترض.
فتركت عقيلة هي من تضع الدبلة بيد سمر.
التي تشعر بنفور من عقيلة.
ولكن ابتسمت بوجهها.
وقفت هي وعاصم تتلقى التهاني من الجميع.
شعور عاصم لا يوصف، سعادته رغم تغليس عقيلة عليهم، ولكن ها هي بداية حصوله على معشوقته، أصبح الوقت قريب.
بعد وقت بغرفة وجيدة وحمدي.
تحدث حمدي:
كان يوم مرهق، يظهر إني كبرت وعجزت.
ابتسمت وجيدة:
والله أنت كنت قاعد جنب عاصم، أصبى منه.
ضحك حمدي وهو يقترب من وجيدة.
بجد من قلبك يا وجيدة الكلمتين دول.
ردت وجيدة:
قصدك إيه؟ أنا مش فاهمة معنى كلامك.
رد حمدي:
لأ، فاهمة وفاهماه كويس قوي، أنا من زمان مشفتكيش مبسوطة قد النهارده.
ردت وجيدة:
مش خطوبة ابني الكبير، وفرحانة إنه خطب اللي قلبه عاوزها.
رد حمدي:
إزاي عرفتي إن عاصم بيحب سمر، مع إن عاصم عمره ما لمح بكده؟
ردت وجيدة:
عاصم كتوم شوية، وأنا الوحيدة اللي كنت عارفة إنه بيحب سمر، واعترف لي بكده يوم ما جابها لهنا بعد موت محمود وسلوى.
لما كنت رافضة وجودها هنا لأنها بنت سلوى.
قالي علشان خاطره اتقبليها لأنه بيحبها وعاوزها قريبة من هنا.
وقتها كان صغير، وفكرته بيقول مجرد كلام بس علشان أقبلها، بس مع الوقت عاصم حبه لسمر كان بيكبر معاه، واتمنى سمر تقدر الحب ده ومتعملش زي سلوى.
رد حمدي:
سمر تربيتك يا وجيدة.
ردت وجيدة:
سمر بنت سلوى، اللي في يوم كانت السبب في إنك تطلقني، علشان كذبة صدقتها.
والكذبة كلها كانت قدام عاصم، وعاصم عاش مرار انفصالنا.
رد حمدي:
لسه فاكر كلمتك يا وجيدة، يوم ما رديتك لعصمتي مرة تانية.
أنا وافقت بس أرجع لك علشان خاطر ولادنا، لكن صدقني الجرح اللي جرحته لي، حتى الزمن مش هيقدر يداوي الألم اللي حسيت بيه.
ياترى لسه الألم حاسه بيه.
نظرت له وجيدة بعين مدمعة:
أنا نسيت الألم مع الأيام، ونسيت كل حاجة مرت.
كل اللي عاوزاه هو سعادة ولادي، حتى لو كانت سعادة واحد منهم مع بنت اللي في يوم اتهمتني بالسرقة والخيانة.
رواية سمرائي انتي حقي الفصل السابع 7 - بقلم سعاد محمد سلامة
الشمس كانت بتغيب، وآخر شعاع ليها كان بيلمع على وشوش الناس اللي ماشية في الشارع.
صوت عربية أجرة عدى من جنبنا، وسمعت أمي بتقول: "يلا يا سارة، الوقت اتأخر."
بصيت حواليا، لقيت كل حاجة هادية. مفيش زحمة زي كل يوم.
"حاضر يا ماما." رديت عليها وأنا بحاول ألحقها.
شوية ومشيت وراها، وفجأة سمعت صوت حد بينادي عليا.
"سارة!"
وقفت مكانى، وبصيت ورايا. كان هو.
"إيه اللي جابك هنا؟" سألته وأنا بحاول أداري مفاجأتي.
ابتسم ابتسامة واسعة وقال: "كنت عارف إنك هتكوني هنا."
"وعرفت إزاي؟"
"قلبي قال لي."
ضحكت، وقلت: "كلامك ده مش بيفارقني."
"عشان بحبك."
سكتت شوية، وبعدين قلت: "أنا كمان بحبك."
"محتاج أتكلم معاكي في حاجة مهمة."
"خير؟"
"ممكن نتمشى شوية؟"
"تمام."
مشينا جنب بعض في الشارع، وهو ساكت. كنت بحاول أتوقع هو عايز يقول إيه.
"بصي يا سارة..." بدأ يتكلم بصوت متردد. "أنا... أنا عايز أطلب إيدك."
اتصدمت. مش عارفة أقول إيه.
"موافقة؟" سألني وهو بيبص في عيني.
"أنا..."
"لو مش موافقة، أفهم."
"لا، أنا موافقة." قلتها بسرعة.
فرحت جداً، وحضني جامد.
"أنا أسعد واحد في الدنيا." قال وهو بيضمي.
"وأنا كمان."
رجعنا البيت، وأنا طايرة من الفرحة.
"إيه اللي حصل؟" سألتني أمي وهي مستغربة.
"هقولك يا ماما."
حكيت لها كل حاجة، وهي كانت بتسمعني بابتسامة.
"ربنا يسعدكم يا بنتي." قالتلي وهي بتحضني.
"آمين يا ماما."
"هتيجي بكرة؟" سألني قبل ما أمشي.
"أكيد."
"هستناكي."
"وأنا كمان."
مشيت وأنا حاسة إني طايرة. النهاردة كان أحلى يوم في حياتي.
في الصباح الباكر.
أستيقظت سولافه نهضت من على الفراش وفتحت باب الشرفة وقفت تستنشق عبير الصباح ودخل إلى روحها عبق تلك الزهور النديه.
تبسمت تقول بتمنى: والله ياريتني أفضل هنا دايما. كفايه هصحى من النوم على منظر الزهور دي وكمان ريحتها الممزوجه مع الهواء مش زي أسيوط ساكنه برج عالى زيه زي كل الابراج إلى حواليه. بس ها لازم أرجع لهناك.
أكيد زمان محدش صحى في البيت أما أنزل أفطر أنا جعانه.
دخلت مره أخرى للغرفه.
ارتدت ملابسها ونزلت إلى المطبخ.
فوجئت حين رأت من بالمطبخ.
تبسمت تقول: صباح الخير يا عامر أيه مصحيك بدرى كده.
رد عامر ببسمه: صباح البغبغانات الملونه.
نظرت له بزغر قائله: أنا غلطانه أنى بصبح عليه.
قالت هذا وتوجهت نحو الثلاجه وبدأت في أخراج بعض الأطعمه ووضعتها على تلك الطاوله بالمطبخ.
تحدث عامر من خلفها: أيه إلى مصحيكى بدرى قوى كده حد علمى أنتم عيله بتحب تأنتخ للضهر.
ردت سولافه: غلطان على فكره أنا وبابا متعودين نصحى بدرى وكمان أحضر له الفطور قبل ما يروح للسوبر ماركت بس عاطف وماما إلى مش متعودين عالصحيان بدرى.
أنا بحب أصحى بدرى أشم نسمة البدريه حتى لو في عز الشتا.
تحب أحضرلك فطور معايا.
تبسم ينظر لها بأعجاب قائلا: أنا كمان بحب الصحيان بدرى حتى لو كنت سهران للصبح.
أنا بقول تعود على كده ومفيش مانع خلينا نفطر سوا.
تبسمت تقول: عامر هو أنت صحيح هتجى أسيوط قريب.
رد عامر: مش متأكد لسه بس عاصم كلمني.
وبعدين أنتي عاوزاني أجي أسيوط وبتسألي ليه.
ردت بتعلثم: ولا حاجه براحتك بس مجرد سؤال.
أنا حضرت فطور أهو.
رد بمكر: بس الفطور ده ناقص على فكره.
تعجبت تنظر للطعام التى وضعته على الطاوله قائله: أيه إلى ناقص.
رد وهو يقترب منها: فين اللبن ده أهم شئ في الفطور.
توترت سولافه من نظره لها وهو يقترب وقالت بأرتباك: أه نسيت هروح أجيبه من التلاجه وأسخنه بسرعه.
رد عامر: مالوش لازمه تسخنيه بحب أشربه بارد.
وضعت سولافه كوبا من اللبن أمام عامر.
تحدث عامر: وفين كوبايتك.
ردت سولافه: أنا مش بحب أشرب لبن.
ضحك عامر قائلا: أنا بقى بحب أشرب اللبن وانتي كمان لازم تحبيه زيي.
قال هذا ووضع كوب أمامها وملئه باللبن.
مكملا: بعد كده أي فطور لازم تشربي اللبن.
تحدثت سولافه: لأ مش عاوزه بيوجع معدتي.
وليه أتعود عليه طالما مش بحبه.
رد بأمر: هتحبيه بالذوق علشان أنا عاوز كده ومش هعيد كلامك ويلا اتفضلي اقعدي خلينا نفطر سوا.
تبسمت وأمتثلت لما قال وجلست جواره على طاولة المطبخ.
جلسوا يتحدثون بود ومرح.
......
أستيقظ عمران يشعر ببعض الألم برأسه لا يعرف سببه نظر جواره ليشرب لم يجد ماء.
نهض من على فراشه ونزل لأسفل.
لكن حين أقترب من المطبخ سمع صوت ضحكات أتيه منه.
تعجب كثيرا فالوقت مازال باكرا لأستيقاظ أحد بعد سهرة ليلة أمس الصباحيه.
وقف على باب المطبخ ولم يتحدث.
رأى أنسجام عامر وسولافه معا.
تبسم ولم يدخل وتركهم معا وعاد لغرفته.
قام بفتح الهاتف ونظر في الأرقام.
وجد رقمها.
للحظه غلبه الشوق لسماع صوت تلك المتعجرفه.
كان سيصغط على رقمها.
لكن تراجع فبأي حجه سيتحدث معها.
ألقى الهاتف على الفراش ورمى جسده جواره.
يتنهد ما هذا الشعور المفاجئ الذى يشعر به في حياته لأول مره.
لما يراها دائما أمام عيناه يتمنى أن تبقى جواره.
لكن شعور أخر لا يعرفه يجعله يخشى هذا الأحساس.
................
بعد وقت صغير.
بغرفة سمره.
أستيقظت سمره وجدت نفسها تنام بحضن خالتها ناديه.
تنهدت مبتسمه ونظرت إلى يدها ورأت تلك الدبله شعور مختلف تشعر به بعد أن ألبسها لها عاصم.
لكن صوت خالتها جعلها تبعد نظرها عن تلك الدبله.
حين قالت بمباغته:
بتحبي عاصم يا سمره.
نظرت سمره لخالتها: للحظه أرتبكت وتوترت ثم ردت: عاصم يبقى ابن عمي وأكيد بحبه.
مسدت ناديه على شعر سمره ونظرت لعيناها:
مش قصدى الحب ده.
قصدى بتحبيه كفتى أحلامك أو بمعنى أصح الراجل اللي تتمنى يكون شريك حياتك.
خجلت سمره ولم تعرف الرد وغيرت الموضوع صباح الخير أكيد معرفتيش تنامي وأنا نايمه في حضنك طول الليل وأكيد كمان صوت العصافير زعجك سولافه لما بتبات معايا في الاوضه بتنزعج منهم وأوقات تصحى تقولى صوت فار تحت السرير.
ضحكت ناديه وهى تعلم أن سمره تغير مجرى الحديث لكن لا مانع فالجواب قد وصلها.
.........................................
في القاهره.
في أحد الجوامع.
بعد أنتهاء صلاة الجمعه.
فوجئ رفعت بمن يمد يده بالسلام عليه قائلا:
حرما يا عمي رفعت.
سلم رفعت عليه: جمعا يا فارس من زمان مشوفتكش هنا في الجامع.
رد فارس: أنا بصلي كل فرض في وقته وفي الجامع كمان والنهارده كنت عند ماما وجيت صليت هنا.
نهض رفعت قائلا: الصلاه مقبوله في أي مكان المهم النيه يلا أنا بقى عن إذنك وربنا يتقبل صلاتك.
رد فارس: أنا وأنت ربنا يجعلنا من المقبولين أنا راجع عند ماما أيه رأيك نمشي سوا.
رد رفعت: مفيش مانع.
سار الاثنان كان فارس يتحدث بود مع رفعت وكذالك رفعت لكن كان بتحفظ معه في الحديث.
إلى أن وصلا أمام شقة رفعت.
تحدث رفعت: سلملي على الست الوالده.
وقف فارس قائلا: الله يسلمك.
فتح رفعت باب الشقه ودخل وأستأذن فارس أن يغلق الباب.
أماء فارس له رأسه بترحيب.
وتنهد بعد أن اغلق رفعت الباب.
ماذا كان ينتظر أن يعود الماضي مره أخرى حين كان يجذبه للدخول معه عنوه يبدو أن الماضي لن يتكرر بسهوله.
بينما دخل رفعت ووضع المفاتيح على طاولة بالصالة ونادى على سليمه.
التي خرجت من المطبخ تقول:
حرما يا بابا.
يلا أنا خلصت طبخ وكمان حطيت الغدا عالسفره.
تبسم لها قائلا: جمعا يا بنتي يلا نتغدى سوا ده بقى اليوم الوحيد في الاسبوع اللي بنتغدى فيه مع بعض.
جلسا الاثنان يأكلون ويتشاركان الذكريات معا لكن عكر صفو حديثهم.
حين تحدث رفعت.
عارفه قابلت مين النهارده في صلاة الجمعة.
ردت بأستعلام: مين يابابا.
رد رفعت: فارس هو اللي قابلته حتى مشينا لحد هنا.
تحدثت سليمه بسخريه: مش مستغربه هو رجله جريت عالحي من تاني بس أنا بتمنى مقبلوش في طريق.
تحدث رفعت: للدرجه دي كرهتيه... صدق اللي قال.
سهل الحب الكبير يتحول لكره أكبر.
ردت سليمه: أنا فعلا كرهته وكرهته جدا كمان.
لأني أول إنسان خذلني وصغرني قدام الناس لما اختار يسيبني علشان سلطة بنت عضو مجلس الشعب.
هو حطني في اختيار عنده وكان للأسف أنا الاختيار السهل وهو الفراق علشان المصلحه حكمت بكده معملش حساب لا لمشاعري ولا لكرامتي قدام الناس في الحي لما كنت مادة للغمز واللمز لهم البنت اللي خطيبها سابها قبل الفرح بأيام علشان حب بنت عضو مجلس الشعب.
وكمان اكتشفت أنه عمري وأحلامي معاه ضاعوا في لحظه.
هو كان الاختيار بالنسبه له سهل جدا.
وأنا كمان كان سهل أكمل بعده وأكتشفت أنه مكنش حب زي ما كنت مفكره قبل كده.
ممكن كان تعود زي حضرتك ما قولت لي وقتها وساعدتني وقوتني وشجعتني وكنت السند ليا ربنا يخليك ليا يا بابا دايما وتكون سندي.
قالت هذا وقامت من على مقعدها وأنحنت تحتضن والدها وقبلت رأسه.
قبل رأسها قائلا: بنتي الحياة مش بتوقف عند حد ودائما ربنا بيدي لينا بدايات جديدة يمكن أحلى من اللي كان في السابق.
ولسه ربنا شايل ليكي هزايم وانتصارات ولازم تواجهي بقلب شجاع مش لازم الانكسار.
تبسمت له قائله: أيه رأيك بعد الغدوه دي أعمل لنا كوبيتين شاي وتقعد تقرالي من الشعر والزجل اللي بتكتبه.
تبسم رفعت يقول بغرابه: كوبيتين شاي من إمتى بتشربي شاي أنتي مشروبك المفضل القهوه الساده وبغلب معاكي تقللي منها علشان صحتك بس أنا موافق على كوبيتين الشاي وربنا يبعدك عن القهوه خالص.
تبسمت له سليمه قائله: قولت تغيير هشيل الأكل من عالسفره ادخله المطبخ وبعدها هعمل الشاي.
وقفت سليمه بالمطبخ تقوم بعمل الشاي تذكرت.
قبل أيام حين قال لها عمران ماذا تريد أن تشرب أثناء جلوسهم بالمكتب لتوضيح بعض البنود.
فلاش باكــــــــ****
تحدث عمران لها أتفضلي اقعدي مش هينفع نشتغل واحنا واقفين.
جلست متنهده دون رد.
تبسم عمران: تشربي أيه.
نظرت له باستغراب: نعم انتي جايبني هنا علشان تقولي أشرب أيه.
رد عمران: أكيد لأ أنا جايبه علشان نشتغل على بعض البنود في العقود بس ده ميمنعش أننا نشرب أي حاجة واحنا بنشتغل.
تنهدت قائله: أشرب قهوه ساده وهمست لنفسها "على روحك أمثالكم".
تبسم وهو يعطي للسكرتيره المطلوب عبر الهاتف.
ثم ذهب وجلس جوارها على طاولة صغيرة.
جلس الاثنان يعملان على بعض النصوص.
تعجبت سليمه حين شكر عمران الساعي بود بعد أن وضع أمامهم صنية صغيرة وأنصرف.
وتعجبت أكثر حين حمل عمران كوب القهوه وقدمه لها بود.
أخذته منه متعجبه وقالت: ليه مطلبتش لنفسك قهوه وطلبت شاى.
رد عمران: أنا مش بحب أشرب قهوه خالص وكمان أنصحك تبطلي أو على الأقل تقللي من شربها شويه بلغني أنك تقريبًا مدمنة قهوه والقهوه ضاره بالجسم.
نظرت له متعجبه تقول: ومين اللي بلغك بقى ولا أنت بتراقبني ولا يمكن المكتب بتاعي فيه كاميرات مراقبه وأنا معرفش.
ضحك بقوه قائلا: لأ طبعًا هراقبك ليه بس لاحظت كده كام مرة طلبتي قدامي قهوه.
نظرت له قائله: وأنت بقى متابع جيد للي بيشتغلوا معاك كلهم.
رد باسمًا: طبعًا لأ بس تقدرى أنها جت معايا صدفه قدامي كذا مرة فلفت انتباهي وأنا بحذرك وأنتي حره.
ردت سليمه: شكرا وأنت بقى مبتشربش قهوه خالص حافظا على صحتك.
رد: أكيد أنا بفضل الشاي أو العصاير وأنصحك أنتي كمان بتقليل القهوه لو منعها أفضل ودلوقتي خلينا نرجع لشغلنا.
نظرت له لأول مره رأت تلك الخصلات البيضاء في أحد جوانب شعر رأسه.
زادته رجولة في نظرها.
لكن سرعان ما نفضت عن راسها وعادت للعمل معه.
عودهــــــــ
عادت من شرودها تنفض رأسها تقول هامسه: أيه اللي جابك على بالي أنا مش عارفه ليه اليومين اللي فاتوا بفكر فيك كتير.
رد عقلها: ربما بسبب التعود هي تعودت على رؤيته يوميا ومشاغبته هذا هو السبب لا أكثر.
...........................
أنقضى اليوم سريعا.
ليلا.. بغرفة سمرة.
وضعت سمره رأسها على ساق خالتها الجالسه على الفراش.
تحدثت سمره: هتسافري مع عاصم وعمران في الطياره بدري وهفضل أنا هنا لوحدي وعامر هيسافر أسيوط مع عمتي وسولافه وعاطف.
اليومين اللي فاتوا خلصوا بسرعه قوى.
وهرجع مفيش قدامي غير طنط وجيده وحديث الخدامات طول اليوم.
ردت ناديه: أنا سمعت أن فترة الخطوبه مش هطول وهتتجوزي وبكره وتنشغلي وتقولي نفسي في يوم أبقى فيه لوحدي وفي هدوء.
وبعدين أنا معاكي دايما عال تليفون صحيح رسايل بس أهو بندردش في كل حاجة وجيده معاملتها ليكي طول عمرها طيبه ولا خايفه دلوقتي تعمل نفسها عليكي حما.
ضحكت سمره: طنط وجيده طيبه حتى أول ما جيت لهنا كانت صحيح بتعاملني بتحفظ بس كانت معاملة كويسه لحد مع الوقت ما اتعودنا على بعض قربنا من بعض مع الوقت بحكم اننا عايشين مع بعض في نفس المكان وكمان وعمرها ما زعلتني لاهي ولا عمي ولا حد من ولاده دول بيعتبروني أختهم.
ردت ناديه: وعاصم أكيد مش بيعتبره أخته وإلا ليه طلب يتجوزك.
ردت سمره: عاصم ده الوحيد اللي بخاف منه ونظرة عينه ليا بترعبني ومعرفش هو بيعتبرني إيه أصلا إنتي عارفه هو يعتبر ساومني ميراثي قصاد جوازي منه أنا معرفش مشاعره اتجاهي إيه.
ضحكت ناديه.
رفعت سمره رأسها عن ساق ناديه ونظرت لها بدون فهم.
بتضحكي على إيه.
تبسمت ناديه قائله: لتاني مرة هسألك يا سمره بتحبي عاصم.
تلبكت سمره قائله: معرفش بس أكيد بحبه كأبن عمي واتعودت على وجوده.
ردت ناديه: مش ده الرد اللي قصدى عليه.
بتحبيه يا لأ مش مجرد ابن عمك.
ردت سمره: هو الحب بس اللي بيخلي اتنين يتجوزوا بابا وماما اللي أعرفه أنهم اتجوزوا على حب ومع ذلك عمرهم ما كانوا متوافقين دايما كان في خلاف على أتفه الأسباب.
وبالذات ماما كانت دايما بتبعدني عن أهل بابا هنا أنا أول مرة جيت هنا وشفت طنط وجيده وولادها كان هنا لما جيت بعد وفاتهم مع عاصم.
ردت ناديه: فعلا في جوازات كانت عن حب وفشلت والعكس كمان.
وفي جوازات اتبنت على التفاهم بين الطرفين من البداية وهي اللي خلقت الحب مع العشرة.
مش الحب بس هو اللي بيبني زواج ناجح.
المودة والألفة وحسن العشرة والتفاهم بين الطرفين هي الاركان الثابته لأي زواج ناجح وأتمنى أن جوازك من عاصم يكون ناجح.
...........
فجرا.
وقفت سمره مع خالتها تودعها.
همست ناديه: هنبقى مع بعض دايما على اتصال.
أبتعدت سمره عنها.
وقالت: ابقي سلميلي على أونكل سراج وكمان طارق وقولي له أني زعلانه علشان محضرش خطوبتي.
تبسمت ناديه لها وأشارت بيدها وهى تركب السيارة.
بينما شعر عاصم الواقف قريب منهم بغيره كبيرة وظهر على ملامحه الضيق حين نظر لها وهو يركب السيارة بعد أن سلم على والديه هو وعمران.
أقترب حمدي من سمره وضمها أليه مبتسمًا وهو يراها تخفي دمعة عينيها من نظرة عاصم لها.
.....ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ+
بعد وقت بسيارة عاطف..
جلس إلى جواره وهو يقود السيارة وفي الخلف كانتا تجلس كل من عمته وسولافه التي غلبها النوم.
تحدث عاطف بود كاذب مع عامر:
أنا مبسوط أنك جاي معانا أسيوط وهتفضل كام يوم.
رد عامر يطاوعه في كذبه: وأنا كمان مبسوط من زمان مجيتش أسيوط ولا شوفت عمي رضا وحشني بس هتبقى زيارة قصيرة مجرد هشرف على المكن بس علشان لو عاوز أحلال وتجديد في نقص في إنتاج المصنع ده يمكن بسبب المكن مهما كان المهندس المسئول كبير في السن والمكن ده حديث أكيد ممكن مش فاهم في طريقة عمله.
هكون زي مرشد له كام يوم وبعدها هرجع للقاهرة تاني.
تبسم عاطف: والله أنا نبهت عليه كتير قبل كده وقولت له يروح دورات تدريبيه وكمان يقرأ كتيبات المكن بس هو بقى اللي مريح نفسه.
رد عامر: اطمن أنا هعرف إزاي أخليه يشوف شغله صح بعد كده.
أنت طيب في تعاملك معاه إنما أنا هكون حاسم.
ردت عقيلة عاطف قلبه طيب مبيحبش يقطع رزق حد وانت عارف كده.
رد عامر: الشغل في المصنع مينفعش فيه المشاعر.
ده بيزنس وله أسلوبه يا عمتي ومبن اللي قال أني هقطع رزق حد أنا بس هنبه على رزقه اللي لازم يتعلم يحافظ عليه بأنه يطور من نفسه ويتماشى مع التكنولوجيا الحديثة.
نظر عامر إلى مرآة السيارة الجانبية التي عكست سولافه النائمة.
تنهد هامسًا: أنا مش عارف إزاي ملاك زيك قادرة تعيش مع أبو قردان وأمه الحداية.
...........................
قبل الظهيرة.
فوجئت سليمة باستدعائها لمكتب عمران. فذهبت له.
لم تجد السكرتيرة بمكانها فدخلت دون استئذان.
لم تعرف سبب لتلك القشعريرة التي سارت بجسدها حين رأت عمران يجلس على مكتبه وتقف أمامه سكرتيرته.
تبسمت بتلقائية، ولكن سرعان ما أخفت البسمة وعادت لطبيعتها الصلبة.
بينما هو شعر بانتعاش بقلبه كأنه هواء الربيع دخل إلى صدره يتنفس عبق الزهور المنعشة.
انتهت السكرتيرة من عملها وتركتهما وخرجت.
تحدثت سليمة: "حضرتك طلبتني خير؟"
رد عمران: "خير، بس مش المفروض الأولي تقولي لي حمد الله عالسلامة؟"
نظرت له متعجبة تقول: "نعم؟ أقول إيه وليه؟"
"حضرتك، إحنا هنا في شركة مش في نادي."
"يعني التعامل بينا يكون في حدود العمل وبس."
تبسم عمران: "وفين حدود الإنسانية؟ أنا واحد جاي من المطار على هنا مباشر."
"ومش مهم سؤالك، لو أنه أفضل ذوقياً."
"هدخل معاكي في الشغل مباشر."
"كان في عقود أنا طلبت منك ترجعيها قبل ما أسافر، ياترى انتهيتي منها ولا لسه؟"
ردت سليمة: "أيوا انتهيت منها وكتبت تقرير كمان، ولما جيت ملقتش حضرتك، سبتها عند السكرتيرة."
رد عمران: "ومبعتهاش ليا ليه مباشر عالإيميل أو على التليفون الشخصي؟"
رد سليمة: "والله حضرتك أنا محدش قالي أبعتهم لك عالإيميل، وكمان ممعيش رقمك الشخصي."
أمسك عمران هاتفه وفتحه وقام باتصال.
رن هاتف سليمة وهو في يدها.
نظرت سليمة لشاشة الهاتف وتعجبت.
حين قال عمران:
"ده رقمي، ياريت تحفظيه عندك، وبعد كده لو مش موجود تقدرى تتصلي عليا ومتخافيش، أنا مش هفتح عليكي، هقفل وأتصل أنا."
قال هذا وتبسم خفية وهو يراها تنظر له بغيظ.
مرت الأيام، وحل منتصف الصيف. كان عاصم قليل الذهاب إلى قنا، لكنه كان يتحدث يوميًا مع سمر على الهاتف الأرضي. كانت تتشاور معه في بعض الأمور الخاصة بالتشطيبات النهائية للشقة التي سيتزوجان بها. كان يعطيها مساحة الاختيار كما تشاء، وتفعل ما تريده على ذوقها.
ما زالت لعبة القط والفأر بين سليمة وعمران.
دخلت سليمة إلى مكتب عمران، تقف أمامه متنهدة وتقول: "خير، أعرف سبب استدعائك لي أيه؟ أظن مفيش عقود جديدة."
تبسم عمران وهو يعطيها تلك الدعوة. أخذت منه الدعوة وفتحتها وقرأتها قائلة بعدم فهم: "دي دعوة فرح.. مستر عاصم، هعمل بيها إيه؟"
رد عمران: "ما أنا عارف أنها دعوة فرح، ياريت تقري الأ مكتوب على الغلاف من بره."
قرأت المكتوب وقالت: "سليمة رفعت الهادي والعائلة."
"أه، يعني دي دعوة ليا للحضور. للأسف مش هقدر، الفرح مكتوب أنها هيقام في قنا وأنا مقدرش أسافر قنا."
أمسك تذكرتين سفر وأعطاهما لها قائلاً: "دول تذكرتين سفر ليكي ولوالدك، وأتمنى تحضري وهكون سعيد جدًا بحضورك. ومتخافيش، الدعوة والتذاكر دي أترسلت لكل مديري الشركة، وفي طيارة خاصة هتنقلهم لقنا، غير فندق هناك محجوز لإقامتهم، يعني مش مقبول رفض الحضور."
ردت سليمة: "ليه ده أمر ولا إيه؟ وأنا مقدرش أسافر بدون بابا، ومعرفش هو هيوافق أو لأ، ولا هتأمره هو كمان."
ابتسم عمران قائلاً: "والله معنديش مانع، أنا شخصيًا أطلبه وأدعيه بنفسي."
قال هذا وأخذ من يدها الهاتف وبحث في الأرقام. ووجد رقم والدها وقام بالاتصال عليه وفتح الأسبيكر.
سمعا رنين الهاتف الذي رد عليه والد سليمة سريعًا. وتعجب حين سمع صوت عمران الذي تحدث بهدوء: "حضرتك معاك عمران شاهين، أكيد تعرف أنا مين من الآنسة سليمة."
رد رفعت: "أيوا أعرف أنك مديرها، خير، هي جرى لها حاجة؟"
رد عمران: "لأ، أطمن، هي كويسة جدًا. أنا اللي بتصل عليك عشان أدعيك لحضور فرح أخويا بعد يومين وهيكون في قنا. وأنا أتشرف جدًا لو وافقت على الحضور أنت والآنسة سليمة."
فكر رفعت قليلاً ثم رد: "مفيش مانع، مع أن الجو حار جدًا دلوقتي في قنا، بس أنا من زمان مسافرتش خارج القاهرة، فرصة للتغيير. أنا موافق وألف مبروك."
رد عمران: "متشكر جدًا."
أغلق عمران الهاتف ونظر إلى سليمة قائلاً بزهو: "أهو والد حضرتك وافق، أظن دلوقتي مفيش سبب لعدم حضورك. هنتظر حضورك مع والداك هناك في قنا."
أخذت سليمة الهاتف من يد عمران قائلة: "أظن مش من الذوق إنك تاخد تليفوني وتقلب فيه، وآخر مرة هسمحلك بكده، عن إذنك."
قالت هذا وغادرت متضايقة منه. بينما هو ابتسم بشعور لا يعرف له تفسير، غير خفقان قلبه السريع الذي يشعر به بوجودها وهي جواره.
وقفت نادية خلف طارق تقول: "عشان خاطر سمر يا طارق، لازم تحضر الزفاف. دي اتصلت عليا وأكدت عليا حضورك وهتزعل قوي لو محضرتش."
رد طارق: "بلاش ضغط عليا يا ماما لو سمحتي. أنا مش موافق على الجوازة دي من أولها وقلت رأيي وهي مخدتش بيه ووافقت على الجواز منه. أنا لو متأكد أن عاصم بيحب سمر كنت وافقت عليه، لكن هو انتهازي وطماع، وبكرة يظهر على حقيقته، ومتأكد أنه مش هيوفي بكلامه ويسلم لسمر ميراثها بعد الجواز. مش بعيد يمضيها على تنازل له عنه وهي ساذجة وبتعمل اللي هو عاوزه بدون تفكير. أنا مش عارف سبب لضعف سمر قدامه."
ردت نادية: "أقولك السبب، سمر بتحب عاصم بس مش عاوزة تعترف بكده، ودي حياتها وهي اختارتها. خلينا نبقى جنبها في فرحها وبلاش تحس أنها وحيدة، عشان خاطري لو بتعتبرني أمك بجد، خلينا نحضر ونفرحها ونبقى جنبها."
تبسم طارق واقترب من نادية وضمه وقبل رأسها: "عشان خاطر بس هحضر، بس هفضل على رأيي في عاصم، وبكرة الأيام تثبت كلامي."
بعد مرور يومان.
في قنا مساءً.
نيران تشعر بها عقيلة وهي تجلس بين النسوة. ترى سمر ترسم لها إحدى النساء الحناء على يديها. فرحة عيون سمر كافية لتأكيد ظنها. هناك شيء خفي بين سمر وعاصم. بين رقص وتهاني كانت تسير الحناء بين النساء فقط.
في غرفة عاصم.
دخل عامر وخلفه عمران. يبتسمان على ضيق عاصم وهو يدخن السيجارة. تحدث عامر قائلاً: "مالك؟ ده شكل عريس الليلة، حنته وبكرة الزفاف، يا راجل. ليه دا كله؟"
"عشان ماما منعتك تشوف سمر من وقت ما رجعنا لهنا. بكرة تشوفها وتشبع منها."
غمز عامر لعمران. ليتحدث عمران: "بقالي سنين تقيل وصابر، جت على يومين خلاص يا عم. بكرة محدش هيقدر يمنعك تشوفها وهتبقى معاك عالدوام."
تحدث عامر بمرح: "تدفع كام وأخليك تشوفها دلوقتي؟"
نظر عمران له قائلاً: "وده إزاي بقى يا ناصح؟ وماما مانعة حد منا يقرب من الجناح اللي في الجنينة، ونزلت سمر وخالتها فيه. حتى الحنة في الجنينة الخلفية وملفوفة زي خيمة للستات والبنات بس."
رد عامر وهو ينظر لعاصم: "بس أنا عندي جوه الخيمة دي عين خفية. ها، هتدفع كام؟"
ضحك عاصم ولم يرد. تحدث عامر: "ماشي، اعتبرها هدية مني، بس بعد كده متطلبش مني نقوط. أنا نقطك أهو قبل الفرح."
فتح عامر هاتفه وقام باتصال. رد عليه الطرف الآخر سريعًا. تحدث عمران: "افتحي كاميرا التليفون وهاتيها على سمر بس."
فعلت له ما طلبه. أعطى عامر لعاصم التليفون قائلاً: "اتفضل، نقوطك أهو... عشان تعرف إمكانياتي."
"بس؟"
"قبل كده أنا اللي قلت لك أن عاطف هيطلب إيد سمر. وكمان نقلت لك اللي بيحصل في مصنع أسيوط من تسيب واستهتار وسرقة ومخالفات مع وزارة البيئة. ودلوقتي أهي سمر قدامك."
ضحك عاصم.
وتحدث عمران: "والله مش عارف سولافة دي إزاي قادرة تعيش وسط عاطف وعقيلة ولسه محافظة على براءتها، وهي اللي نقلت لك نية عاطف وعقيلة لما سمعتهم صدفة وهما بيتكلموا. وكمان براءتها أنها تثق فيك وتقولك."
رد عامر: "سولافة دي مهما بتكبر محافظة على طفولتها زيها زي سمر، وهي كمان اتظلمت بين أم وأخ الجشع مالي قلبهم. إنما عمك رضا منفض نفسه منهم وهي قريبة له أكتر. وده هو اللي مطمني أنها مش زي عقيلة ولا عاطف."
رد عمران: "طيب وأنت ناوي على إيه معاها؟"
رد عامر: "ناوي أنقلها من وكر عاطف وعقيلة، بس كل شيء بوقته. وبعدين سيبني بقى، لازم أروح في ضيوف في الحنة، لازم أبقى معاهم. أنا وعدتهم."
تحدث عمران: "صحيح، البنت وأخوها اللي أنت داعيهم للفرح دول مش نفس البنت اللي سبق واتهمتك بأنك أنت اللي صدمت والدها؟"
رد عامر: "أيوا هي."
رد عمران: "طب إيه النظام؟"
رد عامر: "لا نظام ولا حاجة، بس أخوها من فترة زرتهم واتعلق بيا ومن فترة للتانية بزوره. ولما كنت عنده من كام يوم وجبت سيرة فرح عاصم، هو شبط وقال لي إنه نفسه يحضر فرح في الصعيد، فعزمتهم وبس كده."
تبسم عمران وعامر وهما ينظران على عاصم الذي ينظر إلى الهاتف، والذي تذمر بعد قليل حين أغلق الفيديو. تحدث قائلاً: "ليه قفلت الفيديو؟"
تبسم عمران: "أكيد اتظبطت، متنساش أنها قعدة حريم يعني ممنوع الاقتراب أو التصوير."
استيقظت سمر متأخرة بسبب سهرة ليلة الحناء. نظرت إلى قفص عصفوريها قائلة: "كان بودي آخدكم معايا الشقة، بس أنا مش هقدر أبعدكم عن المكان هنا على الأقل دلوقتي."
تحدثت سولافة: "وليه مش هتاخديهم؟ عاصم مش بيحب العصافير."
ردت سمر بربكة: "معرفش، مسألتوش."
دخلت عليهن عقيلة قائلة: "كويس إنكم صحيتوا، قربنا عالضهر. خالتك نادية فوق في الشقة اللي هتتجوزوا فيها مع وجيدة، معرفش بيعملوا إيه."
قالت هذا ونظرت لسولافة قائلة: "انزلي لتحت، عاوزة سمر في موضوع مهم."
كانت سولافة ستعترض، لكن نظرة عقيلة لها ألجمتها، لتتجه ترتدي ملابس أخرى وتتركهما وحدهما بالغرفة.
تحدثت عقيلة قائلة: "أنا لما طلبتك لعاطف كان غرضي أحررك من سجن هنا. عاصم، أنا متأكدة أنه مش بيحبك وطمعان في ميراثك، وبكرة الأيام هتثبت لك كلامي، بس مش ده المهم، ولا أنا جايه عشان كده. أنا جايه أسألك، عاصم لمسك قبل كده؟"
نظرت سمر لها بتعجب قائلة: "يعني إيه؟ مش فاهمة كلام حضرتك، ياريت توضحي."
ردت عقيلة: "أوضح أكتر، مفيش مانع. عاصم مثلاً، باسك أو حضنك أو عمل حاجة أكتر من كده معاكي وغصبك توافقي تتجوزيه؟"
ردت سمر بحدة وعدم تصديق: "حضرتك تقصدي إيه بكلامك ده... عاصم عمره ما قرب مني."
ردت عقيلة: "كذابة يا بنت سلوى. أنا بنفسي شفت عاصم وهو طالع من بلكونة الأوضة دي ودخل لأوضة، وده كان ليلة ما طلبتك لعاطف. لو كان غصبك وخايفة تقولي، قولي لي وأنا معاك، أقدر أوقف الجوازة دي حتى لو كنتي في الكوشة، أنا ميهمنيش غير سعادتك. وسعادتك مش مع عاصم."
مساءً في إحدى القاعات الكبيرة الفخمة بقنا.
كان يُقام الزفاف، وسط حضور ضاغٍ من كبار رجال الدولة ورجال الأعمال، وأيضًا هناك البسطاء.
ذهب عمران وجلس جوار رفعت وقدم نفسه له: "أنا عمران شاهين.. مدير سليمة.. اتكلمنا مع بعض بالتليفون قبل كده."
رد رفعت بود: "أهلاً يا بني، مبروك الزفاف. مش عارف أقول عقبالك ولا تكون متجوز."
نظر عمران إلى سليمة الجالسة تتابع الزفاف بسخرية، قائلاً: "لأ، مش متجوز لسه بدور على بنت الحلال، ادعي لي ربنا يرزقني بيها."
تبسم رفعت: "ربنا يرزقك ببنت الحلال قريب، وأبقى ادعيني على فرحك."
رد عمران وهو ما زال ينظر لسليمة: "يارب، وأكيد حضرتك أول المعازيم، ومش بعيد تكون أنت اللي بتعزم الناس بنفسك."
تبسم رفعت له بود وهو يرى ويفهم نظراته لسليمة.
سليمة الجالسة تشعر بسخرية من ذلك البذخ المصروف على حفل الزفاف. فربما كان زفاف بسيط أفضل من تلك البهرجة الكذابة.
نيران مستعرة في قلب عاطف وهو يرى بسمة سمر لا تفارق وجهها، عكس عاصم الهادئ. هو حقًا كان يريد ميراثها، لكن الحصول عليها هي كان الأهم بالنسبة له. مع ذلك أظهر عكس قلبه وهنأهم.
وقفت نادية تقبل وجنتي سمر وتهنئها وتتمنى لها السعادة. كذلك سراج زوجها. وجاء من خلفهم طارق الذي سلم على عاصم بنفور، وكذالك عاصم. اقترب طارق من سمر وسلم عليها، ولكن أغتاظ وشعر بالغيرة عاصم، حين احتضن طارق يد سمر بين يديه. ليشد يدها من بين يد طارق، ويبتسم له بنفور هو الآخر.
بعد وقت، انتهى الزفاف.
أصطحب عاصم سمر إلى المنزل مرة أخرى. ليقول حمدي: "شيل عروستك واطلع شقتكم يا عاصم."
تحدثت وجيدة مبتسمة: "ألف مبروك وربنا يهينكم ببعض."
انحنى عاصم وحمل سمر وصعد بها إلى شقتهما. وضعها أمام الباب لثوانٍ ليفتح باب الشقة، ثم حملها مرة وأخرى ودخل وأغلق خلفه باب الشقة بقدمه.
أنزل عاصم سمر في غرفة النوم. ووقف ينظر لها وهي تخفض رأسها تهرب من نظرات عينيه. رفع عاصم وجه سمر، لترفع عيناه تنظر إليه. فوجئت بما فعل، حين مرر شفاه على وجنتيها يقبلها قبلة هادئة، إلى أن وصل لشفاها. ظل يقبلها بشغف حتى شعرت بأنها أصبحت حُلام بين يديه.
ترك عاصم شفاه سمر ونظر لها وجدها مغمضة العين تتنفس بقوة. تحدث بهمس: "سمر، أنا هدخل أغير في الحمام وأنتي غيري الفستان هنا في أوضة النوم."
نظرت له خجلة وأومأت برأسها دون تحدث. حين أخذ عاصم منامه رجالية كانت موضوعة على الفراش وخرج من الغرفة وأغلق خلفه الباب.
وقفت سمر تضع يدها على شفاها ووجنتيها تشعر بسخونة بجسدها، ودقات قلبها السريعة. لكن انتبهت لنفسها وبدأت بخلع فستان الزفاف. ووجدت منامة نسائية موضوعة على الفراش، ارتدتها وفوقها مئزرًا آخر ارتدته فوق المنامة. فتحت أحد أدراج الدولاب وأخرجت منه تلك العلبة الدوائية. وأخرجت منها حبة. وقفت مترددة لدقائق، أتأخذها أم لا. ولكن حُسم الأمر، خبط عاصم على الباب حين قال: "سمر، اتأخرتي ليه؟ تحبى أساعدك بحاجة؟"
وضعت سمر الحبة بفمها وأخفت العلبة مرة أخرى مكانها وقالت: "لأ، خلاص تقدر تدخل."
دخل عاصم مبتسماً يقول: "أنا اتوضيت، روحي أنتي كمان اتوضي."
ذهبت سمر بصمت وتوضأت وعادت مرة أخرى للغرفة. ليؤمها عاصم للصلاة، وحين انتهت، اقترب عاصم منها قائلاً: "دعاء الزواج." وتقرب منها أكثر ونزع عنها ذلك المئزر. ليظهر أمامه جسدها. قربها منه بشدة... لتتوه بين يديه في عالمه. وتفيق بعد وقت، حين قال وهو ما زال يجثو فوقها: "مبروك يا مدام سمر عاصم شاهين."
رواية سمرائي انتي حقي الفصل الثامن 8 - بقلم سعاد محمد سلامة
بعد أن أوصل عاطف عقيله ووالده إلى المنزل، لم يستطع البقاء فيه وخرج مرة أخرى.
ظل عاطف يجوب بين الطرقات بسيارته، نار حارقة يشعر بها وهو يتخيل سمر تتناقش مع عاصم المشاعر.
لما لم تصبح من نصيبه؟ هل تحب عاصم لهذا الحد؟
ظهرت في الزفاف، كانت عيناها تنظر له بوله وافتتان.
عاصم لم يظهر أي مشاعر سوى ابتسامة تكاد تكون باردة، ابتسامة مجاملة ليست أكثر.
لكن لا، لا يهنأ كثيرًا.
كانت سولافة تجلس جوار عامر بالسيارة، تشعر بالغيرة من اصطحاب كل من أفنان وأخيها بسيارته وأوصلهم إلى الفندق المقيمين به.
نزلت أفنان وأخذت يد أخيها لينزل هو الآخر من السيارة.
اقترب عامر من مكان وقوفهم.
لتتحدث أفنان بشكر قائلة:
متشكره قوي لدعوتك وكمان إنك أنت اللي تحملت تكاليف الأوضة ومجينا لهنا.
تبسم عامر: مالوش لازمة الشكر ولا حاجة.
قال هذا ونظر إلى سيد أخيها قائلا: أتمنى يكون زعلَك مني راح.
رد سيد بطفولة: خلاص أنا مش زعلان منك، بس أنت قلت لي إننا صحاب وقعدت فترة متزورنيش، إلا ما خليت أفنان اتصلت عليك وكلمتك.
رد عامر: بس أنا كنت والله مشغول قوي الفترة اللي فاتت، بس أوعدك بعد كده مش هغيب وهداوم على زيارتك.
تبسم سيد بفرحة: وأنا هبقى أستناك، أنت اللي قلت لي إننا أصحاب.
رد عامر: طبعًا أصحاب، وكمان هنسافر في طيارة بكرة بعد العصر سوا وهنقعد جنب بعض في الطيارة.
تبسمت أفنان ونظرت لفرحة أخيها وقالت:
شكرًا جدًا لك.
يلا يا سيد نطلع للأوضة علشان الوقت اتأخر، حتى تبقى فايق في الطيارة.
سار سيد أمامها وهي خلفه.
بينما ظل عامر ينظر لدخولهم إلى الفندق لدقائق، إلى أن سمع صوت زمور السيارة.
انتبه وعاد مرة أخرى ودخل إلى السيارة وجلس خلف المقود.
تحدثت سولافة بغيرة: مين البنت دي وتعرفها منين؟
رد عامر: دي أفنان وأخوها سيد، معرفة من القاهرة.
تحدثت سولافة: ما أنا عرفت أسمائهم، بس تعرفهم منين علشان تعزمهم على الفرح هنا؟
شايفه إنك بنفسك اللي مهتم بهم شخصيًا.
رد عامر: عادي، مش مهتم بهم أكتر من حد، وبعدين إيه سبب أسئلتك دي؟ أنتي مالك؟ شايفك مش طيقاها ومتكلمتيش كلمة من وقت ما ركبوا معانا العربية، ولا بتغيري؟
ردت عليه بربكة: وهغير ليه؟ أنا بس معرفش، مش حاسة منها بالراحة، وبعدين انت حر، خلينا نرجع البيت علشان ماما متقلقش بسبب تأخيرنا.
نظر لها عامر ساخرًا وهمس: ماما تقلق وأنتي معايا؟ دي نفسها إننا منرجعش إلا الصبح وتفبرك كدبة علشان تجبرني أتجوزك.
بعد قليل دخل عامر بالسيارة إلى المنزل.
نزلت سولافة سريعا من السيارة دون حديث ودخلت إلى المنزل.
خبطت أثناء دخولها في والدها الذي رأى وجهها الحزين.
تحدث قائلا: مالك يا سولافة؟
ردت: مفيش حاجة يا بابا، بس أنا أكيد تعبانة من السهر، هروح أنام، تصبح على خير.
قالت هذا وغادرت تحبس تلك الدمعة بعينيها.
دخل عامر وجد رضا يقف ينظر في أثر سولافة، ثم إلى عامر وتحدث: أنت زعلت سولافة؟
رد عامر: وهزعلها ليه؟ أكيد تعبانة من السهر كذا ليلة وراء بعض.
أنا كمان هلكان وهطلع أنام.
تصبح على خير.
دخلت سولافه الغرفة وأغلقت خلفها الباب. تركت دموع عينيها تنزل لما لديها شعور سيء من تلك الفتاة. رأت اهتمام عامر بها وبأخيها طوال الزفاف، يكاد لم يتركهما.
من تلك الفتاة وسر اهتمامه بها؟
وضعت يدها على قلبها تتمنى أن يخيب ظنها.
تلك الفتاة تشغل عامر بأخيها، هل يمكن أن يسقط في غرامها؟
بكت أكثر لمجرد التفكير فقط في ذلك، مابالك لو تحقق ذلك الشعور السيء.
في نفس الوقت.
في سيارة عمران.
جلس إلى جواره رفعت، وبالمقعد الخلفي جلست سليمة بعد أن أصر عمران على اصطحابهم إلى الفندق بسيارته.
تحدث عمران ورفعت بود، بينما سليمة كانت تستمع فقط لحديثهم. تستغرب حديث والداها مع عمران بتلقائية وود كأنه يعرفه سابقًا.
وأيضًا من طريقة تعامل وحديث عمران ببساطة مع والداها.
تبسم رفعت يقول حين وصلوا إلى الفندق:
أنا من زمان كان نفسي في رحلة للصعيد، تعرف أن فترة تجنيدي قضيتها كلها هنا في الصعيد، بس ما كانش في فرصة أني أزور المناطق الأثرية كلها.
رد عمران:
إحنا فيها، إيه رأيك أنا بعزمك على رحلة نيلية بالباخرة بكرة وكمان نزور المعابد اللي في البر الغربي.
تبسم رفعت بموافقة.
بينما كادت سليمة أن ترفض، لكن موافقة رفعت ورغبته أسكتتها.
وظلت صامتة.
حتى أنها نزلت من السيارة وسارت إلى داخل الفندق قبل والداها ودخلت إلى الغرفة الخاصة بها مع والداها.
دخل والداها بعد قليل.
تبسم قائلاً: ذوق قوي عمران ده ولطيف في كلامه.
ردت سليمة: ذوق ده متعجرف، بس مش عارفة إزاي كده مع حضرتك. وبعدين إيه اللي خلاك توافق على عزمته؟ كنا ممكن نتفسح أنا وأنت لوحدنا من دونه.
تبسم رفعت يقول بمكر: وأيه يضايق في وجوده معانا؟ حتى ألاقي راجل أتكلم معاه. وبعدين أنتي بتقولي أنه محترم وعمره ما اتعدى حدوده معاكي.
ردت سليمة: أنت عارف يابابا أنا محدش يقدر يتعدى حدوده معايا وأسكتله، أنا أعرف أوقف أي حد عند حدوده كويس. وعالعموم خلاص مادام فاطمة ولدت بالسلامة وأكيد مده قصيرة بس على ما تستعيد صحتها وهترجع هي مكانها تاني وأنا هرجع أركز على الرسالة بقى.
رد رفعت وهو ينظر لعين سليمة: ربنا يقدم لك الخير.
بصالون المنزل.
جلست وجيدة مع نادية تقول بود: الفرح كان حلو قوي.
ربنا يهني عاصم وسمرة.
والله أنا خايفة عليهم من عين الحسود، ربنا يصونهم.
أبتسمت نادية: آمين يارب. أنا مشوفتش سمرة سعيدة كده من زمان.
بصراحة أنا هقولك على حاجة بس تسامحيني.
أنا لما عاصم خد سمرة مني بعد وفاة سلوى ومحمود كنت خايفة عليها منك قوي، وقولت سمرة دي عاشت دلوعة ودرست في مدارس أجنبية كمان، إزاي هتقدر تتأقلم على الحياة هنا.
بس بسرعة اتأقلمت على هنا، وكل ده السبب كان فيه هو أنتي.
لما جيت زرتها بعد مدة قصيرة بعد ما عاشت هنا، أنا وقتها اتفقت مع سراج وقولت له أننا نطلق علشان أقدر آخد سمرة تعيش معايا.
رغم أنه اتضايق وقتها، بس قال لي لو شايفه طلاقنا في سبيل سعادة سمرة مش همنعك.
بس لما جيت هنا لقيتها خدت على اللي هنا بسرعة وكمان قالت لأول مرة إخواتي، وكان قصدها على عامر وعمران، لأن عاصم وقتها ما كانش هنا كان بيدرس وكمان بيجدد ويبني من جديد في المصنع اللي اتحرق جزء كبير منه وقتها.
سمرة عاشت وحيدة دايمًا بين الخادمات، كان في دادة مسئولة عنها من وهي عمرها سنتين لما سلوى خدتها مني لأني كنت أنا اللي بهتم بيها من أول ولادتها، بس معرفش ليه سلوى أخدتها مني وفضلت الدادة عليا مع إني قولت لها تسيبها معايا وقتها أنا مش بشتغل وعندي الوقت الكافي.
بس ده اللي حصل وفضلت سمرة بنتي اللي ما خلفتهاش وفضلت معاها على تواصل دايمًا. صحيح قليل بس بينا مودة.
سمرة كانت بالنسبة لسلوى بنتها على ورق فقط.
أنا بشكرك أنك حافظتي عليها رغم اللي سلوى عملته زمان معاكي.
وبعتذر بالنيابة عن سلوى وبطلب منك تسامحيها.
هي خلاص بقت في دار الحق وبتمنى تكملي اللي بدأتيه وتفضل سمرة تلاقي منك الدعم والحنان.
تبسمت وجيدة قائلة: أنا مقدرش أرد على كلامك غير بجملة واحدة.. سمرة ما كان لها ذنب في أي حاجة حصلت زمان.. ليه آخدها بذنب غيرها؟ أنا كمان أم وجربت الاحتياج في وقت وطلبت من ربنا يلْطُف بيا وقت محنة عُمران وربنا كان كريم معايا.. ليه أخلي القسوة في قلبي لبنت صغيرة ملهاش ذنب إنها تشيل ذنب غيرها عملته.
كانتا تتحدثان بود.
غافلتين عن تلك الحرباء التي سمعت حديثهن.
حين اقتربت من الغرفة.
وقفت تتسمع عليهن وأبتسمت بسخرية هامسة:
ها واضح أنك يا نادية هبلة زي بنت أختك. دلوقتي عرفت هي خدت الهبل والغباوة منين، أكيد منك.
بتشكرى وجيدة على إيه؟ دي زي أمنا الغولة ربتها علشان في الآخر ابنها اللي ياكلها.
كانت ستظل عقيلة تتسمع عليهم لولا رؤيتها لحمدي يقترب منها.
فدخلت سريعًا إلى الغرفة ترسم ابتسامة مزيفة.
قائلة: مش جاي لي نوم قبل ما أطمن على سمرة، مهما كان بنت أخويا وسبها أمانة لنا كلنا.
نظرت نادية بعدم فهم: تطمني على سمرة ليه؟ دي مع جوزها.
بينما فهمت وجيدة الأمر، تلمحت وصمتت حتى لا ترد عليها بطريقتها الفظة.
تبسمت عقيلة: ما هو لازم نطمن عليها من جوزها، أنتي مش فهماني ولا إيه.
نظرت نادية إلى وجيدة بتعجب قائلة: قصدها إيه؟
سبقت عقيلة الرد قبل وجيدة: لازم نطمن أنها بنت.
ردت نادية بتعجب: أنا مش مصدقة اللي بسمعه، أن في حد لسه بيفكر زيك كده.
اللي في دماغك ده جهل مبقاش موجود. لو واحدة جاهلة اللي بتقوله كنت هعذرها، لكن أنتي متعلمة وخريجة جامعة كمان.
ودي حياتهم الخاصة وهما أحرار مع بعض، وإحنا كل اللي علينا نتمنى لهم السعادة.
نهضت وجيدة متبسمة تقول: وده كان رد عاصم يا نادية من قبلك. ثم أكملت بنبرة ساخرة:
بس هي عقيلة كده تحب دايمًا تشوف بعنيها.
هي حرة في تفكيرها.
بس لآخر مرة هقولهالك يا عقيلة.
سمرة من يوم ما جت لهنا وهى كانت تحت عنيا ومحدش من ولادي عاملها بطريقة سيئة ولا قرب منها، كانت بالنسبة لهم أختهم.
ما عدا عاصم كانت بالنسبة له حب حياته وهو كان بيحافظ عليها حتى من نفسه، أنا مربية ولادي كويس على الاحترام.
الدور والباقي على اللي سمعته واصلة لهنا ومغامراته مع البنات اللي بتشتغل في المصنع.
قالت هذا ونظرت لنادية قائلة: أكيد زيي هلكانة بقالنا كام يوم في تجهيزات الحنة والفرح، أظن كل شيء خلص لازم نرتاح بقى.
نهضت نادية: أه فعلاً لازمنا بقى راحة وبالأخص أنا لأن عندي سفر بكرة بعد العصر.
تصبحوا على خير.
ردت وجيدة: وأنتي من أهله. أنا كمان هروح أنام.
عن إذنك يا عقيلة لو حابة تكملي سهر بقى براحتك. تصبحين على خير.
انصرفت كل من وجيدة ونادية تاركين عقيلة لغليلها الذي لا يهدأ.
رغم شعورها بالإرهاق الشديد إلى أن جفاها النوم وهي تنظر إلى عاصم النائم جوارها بهدوء.
تقلبت ونامت على ظهرها تفكر.
عقلها يستعيد حديث عقيلة صباحًا.
فلاش باك.
أكملت عقيلة حديثها بفحيح الأفاعي:
عاصم كل همه ميراثك، أنتي آخر اهتمامه وبكره الأيام هتثبتلك ده.
عاصم ليه هيسيبك هنا بعد الجواز ومش هياخدك معاك للقاهرة وتعيشوا سوا في الفيلا اللي هناك.
عارفة ليه يا بنت أخويا؟ أقولك.
عاصم رجل أعمال ناجح وكمان وسيم، وأكيد بيشتغل معاه بنات رجال أعمال كبار وكمان جميلات غير طبعًا، مستواهم التعليمي عالي.
منهم دارسين خارج مصر جامعات خاصة.
لكن أنتي حتة معهد سكرتارية سنتين بعد الثانوية بالنسبة لهم تعتبري جاهلة.
بس عاصم بقى لازم يضمنك تحت جناحه، فبإيه؟
أهو يتجوزك ويسيبك هنا وهو هناك على راحته.
الفرصة لسه في إيدك، طاوعيني وأنا هقف جنبك.
تلبكت سمرة قائلة: أطاوعك في إيه؟ ده الفرح بعد ساعات.
ردت عقيلة: ولو في الفرح نفسه بكلمة تقدري تنهي كل ده.
ردت سمرة: عمتي أنا عاصم ما غصبش عليا أتجوزه، وأنا مقدرة خوفك عليا، بس أنا متأكدة أن عاصم مش بالسوء اللي بتقول عليه.
كم ودت عقيلة صفعها، ولكن حافظت على هدوئها قائلة: عاصم تعبان وبيسيبكِ، وبكره تقولي عمتي قالت، ووقتها هيكون فات الوقت، ومش بعيد تكوني حامل في ابنه ولا بنته أو حتى خلفتي منه، ووقتها غصب عنك هتفضلي خاضعة لعاصم.
تضايقت سمرة وردت بحده: أنا متأكدة مستحيل عاصم يكون تعبان، وبعدين دي حياتي وأنا حرة، وشكرًا لنصيحتك ليا.
أنا لازم أجهز علشان أروح صالون التجميل علشان الفرح.
كم ودت عقيلة خنق تلك الغبية في نظرها، ولكن اتجهت لتخرج، ولكن وقفت على عتبة الباب قائلة.
هتندمى يا سمرة إنك مسمعتيش كلامي، بس هتلاقيني وقتها جنبك مهما كان. هتفضلي بنت أخويا اللي مكنش عندي أعز منه. لو كان عايش مستحيل كان هيوافق على عاصم.
قالت هذا وتمنت أن تقول لها: سأفعل ما تريدين.
لكن سمرة صمتت لثوانٍ ثم قالت: طالما حضرتك هتفضلي تقدمي لي المحبة، مش خايفة من اللي جاي.
نظرت عقيلة لها نظرة ساحقة وغادرت الغرفة وأغلقت خلفها الباب بصفع.
انخضت سمرة من صوت صفع الباب.
لكن سرعان ما نفضت حديث عقيلة حين دخلت سُلافة تقول: يلا غيري هدومك بسرعة، عامر هياخدنا للكوافير.
علشان مرات عمي مانعة عاصم يقرب من هنا، حتى لما رجعنا نمنا هنا إمبارح، هي أجبرته يروح ينام في المضيفة اللي في الجنينة مكان ما كنا إمبارح.
مرات خالي وجيهة دي قوية قوي، أنا نفسي أبقى زيها كده.
شوفي ولادها رغم إنهم كبار ولهم اسم، بس كلمتها لا ترد عندهم.
صحيح زي بابا ما بيقول عليها: "أم رجال، وأم الرجال لازم تكون شديدة علشان تعرف تربيهم".
صح؟
ضحكت سمرة قائلة: أه والله، كلمتها عليهم سيف.
...
عادت سمرة من شرودها تنظر إلى عاصم النائم.
تسأل نفسها: هل حقيقي ما قالته لها عمتها؟ عاصم يستغلها للسيطرة على ميراثها؟ هو حقًا ساومها للزواج منه؟
لكن كان لدي إحساس أنه لديه مشاعر تجاهي.
لكن طنت كلمته في أذنها: "أملاك شاهين لشاهين مش هتطلع لبره العيلة".
كيف لم تنتبه لتلك الكلمة؟ تفسر ما تشعر به الآن.
عاصم يريد السيطرة على ميراثي.
يبدو أن حبها وهم، تعلقت به.
.............................
انتهت تلك الليلة، وبدأ نهار جديد في البزوغ.
نهض عمران من نومه وبدأ في الاستعداد لتلك الرحلة.
بغرفة عامر، نهض هو الآخر استعدادًا ليذهب لذاك الفندق لأصطحاب أفنان وأخيها والتجول قليلاً قبل السفر عصرًا.
بالغرفة الموجود بها سُلافة: لم تنم إلا قليلاً بسبب بكائها، التي لا تعرف سببًا لذلك الشعور. لأول مرة تشعر به بسبب تجاهل عامر لها بالأمس وبقائه قريبًا من تلك الفتاة وأخيها.
بعد قليل على طاولة الفطور.
جلس حمدي على رأس الطاولة يشاركه... وجيهة وسراج... ونادية... وعقيلة وزوجها.
مبتسمًا في ود يقول:
والله البيت هيرجع يفضى تاني. اليومين اللي فاتوا كانوا زي الحلم.
والله جمعتنا على الأكل سوا بالدنيا كلها. والله اللي مزعلني الشباب كأنهم مقطعينا.
تحدث سراج: لأ مش مقطعينا ولا حاجة، بس هما لسه صغيرين، ميعرفوش قيمة اللمة والصحبة.
بكرة يعرفوها.
طب تعرف. أنا وطارق ونادية قليل لما بنجتمع على سفرة.
الشباب كده في الزمن ده فين؟ لما كنا كلنا لازم نتجمع في بيت من بيوت أهلنا، حتى ده كمان اتنسى مع الزمن والسرعة اللي بقينا عايشين فيها.
يلا ربنا يسترها معاهم.
تحدثت عقيلة: هو إحنا مش هنطلع نطمن على العرسان ولا إيه؟ بقينا الصبح.
ردت وجيهة: أنا بعد شوية هبعت سنية لهم بالفطور وهقولها تشوفهم إن كانوا جاهزين يستقبلونا. ماهو مش معقول هنطب عليهم زي القضا كده، لازم نستأذن منهم الأول. افرضي حابين خصوصية ليهم.
تمتمت نادية على حديث وجيهة.
نظرت لهن عقيلة: أنا مش قصدي حاجة، بس أنا ورضا لازم نرجع أسيوط. أنتم عارفين شغله، لازم يتابعه، وكنت عاوزة أطمن على سمرة.
ردت نادية: أمال لو مكاني ومرتبطة بميعاد طيارة بقى؟ أنتي ممكن تقدري تباتي هنا، لكن أنا.
طارق وسراج مرتبطين بالمكتب بتاعهم ولازم يرجعوا للقاهرة علشان القضايا الخاصة بهم.
وبعدين اليوم طويل واحنا لسه في أوله.
وأكيد لازم قبل ما نطلع لهم ناخد الإذن منهم.
تمم الجميع على رأي وجيهة ونادية.
نظرت عقيلة لهم جميعًا بحقد.
..............................
بالأعلى بشقة عاصم.
استيقظ عاصم.
نظر إلى جواره لسمرة النائمة تمسك بغطاء السرير تستر بها نفسها.
تنهد بعشق ينظر لها: أخيرًا نالها.
اقترب منها وجذبها لتنام على صدره.
لكن هي شعرت به وفتحت عينيها.
تبسم وهو يميل يقبل وجنتها قائلاً: صباح الخير.
تبسمت له بخجل، وردت قائلة: صباح النور.
ابتسم على خجلها الظاهر وهي تبتعد بجسدها عن صدره.
لكن أحكم يديه حول جسدها.
وقال بمفاجأة: سمرة، هي عمتي عقيلة كانت عاوزاكي ليه إمبارح الصبح لما جاتلك الأوضة؟
نظرت له سمرة متفاجئة تقول: ومنين عرفت؟
رد: عرفت وخلاص، بس كانت عاوزة منك إيه؟
ردت سمرة: ولا حاجة، دي كانت بتقولي على شوية نصايح وخلاص.
تحدث عاصم باستفسار وسخرية: وأيه هي نصايح عمتي الهايلة اللي قالت لك عليها؟
ردت سمرة: مش فاكرة، أنا مكنتش مركزة معاها، كنت بأكل العصافير.
رفع عاصم وجه سمرة ونظر لعيناها قائلاً:
سمرة، بلاش طريقة اللف والدوران، قولي لي عمتي قالت لك إيه.
ردت بخجل: مصر تعرف.
أومأ عاصم رأسه بموافقة دون حديث.
أخفضت سمرة عينيها وتلم بيدها شعرها خلف أذنها بخجل واضح على ملامحها قائلة:
كانت مفكرة إننا يعني حصل بينا حاجة قبل كده.
وده اللي خلانا نتجوز بسرعة.
رغم أنه يفهم مغزى حديث سمرة، ولكن يريد أن يسمعها منها صريحة.
تنهد قائلاً: مش فاهم يعني إيه حاجة حصلت بينا.
أخفضت سمرة وجهها بصدر عاصم قائلة:
قصدها زي اللي حصل بينا بالليل كده.
تبسم عاصم وهو يشعر بسخونة وجه سمرة على صدره.
وقال: وإنتي رديتي عليها بإيه؟
ردت وهي مازالت تخفض وجهها بصدره:
قلت لها محصلش، وهي أضايقت مني وبس كده، ومن فضلك بلاش تحرجني أكتر من كده.
ضحك عاصم عاليًا.
مما أثار دهشة سمرة ورفعت رأسها من على صدره.
ونظرت له تائهة، لأول مرة تراه يبتسم بتلك الطريقة.
تاهت بسحر بسمته وبجاذبيته الطاغية. هو حقًا كما قالت عمتها، لديه جاذبية وهيبة طاغية.
وقبل أن تفكر في باقي حديث عمتها مرة أخرى.
سحب عاصم يديه من على جسد سمرة.
التي أصبحت ممددة على الفراش، فاجأها يعتليها مقبلًا.
يقول: أنا هقولك تردي على عمتي عقيلة تقولي لها إيه، بس مش دلوقتي.
دلوقتي خليكي معايا ومتفكريش غير فيا وبس.
لتذوب كالشمع بين يديه.
ليفيق الاثنان على صوت جرس الباب.
وضع عاصم جبينه على جبين سمرة متنهدًا بتذمر.
ثم قام من فوقها ونزل من على الفراش.
وبدأ بارتداء ملابسه.
أمام خفضها لوجهها بخجل أمامه.
تبسم وهو يخرج من الغرفة.
تنهدت سمرة بقوة تزفر أنفاسها التي كانت تحبسها وعاصم يرتدي ملابسه.
لمت الغطاء حولها وتذكرت قبلات عاصم الشغوفة لها.
تبسمت بخجل.
بخارج الغرفة.
فتح عاصم الباب... ووجد أمامه سنية تخفض رأسها تقول:
فطور الصباحية يا عاصم بيه. الست وجيهة قالت لي أجيبه ليك ولسمرة... ألف مبروك.
تنحى عاصم من أمام الباب قائلاً: دخلي الصينية.
المطبخ.
أدخلت سنية الصينية إلى المطبخ.
وخرجت قائلة: الست وجيهة بتقول خالة سمرة عاوزة تطلع تصبح عليها.
رد عاصم: اسمها الست سمرة أو مدام سمرة بعد كده، ممنوع تنادي عليها بسمرة بس.
تبسمت سنية: حاضر يا عاصم بيه، بس دلوقتي أقول إيه للست وجيهة؟
رد عاصم: قولي لها هيكونوا جاهزين لاستقبال أي حد بعد ساعتين كده.
نظرت له سنية متعجبة ولكنها امتثلت لما قال وخرجت من الشقة وأغلقت خلفها الباب.
عاد عاصم للداخل مرة أخرى وجد سمرة تلم غطاء السرير حول جسدها وكانت ستنهض من على الفراش.
تحدث قائلاً: رايحة فين؟
ردت سمرة بخجل: هقوم ألبس هدومي علشان نستقبل اللي هيجوا يباركوا لنا.
رد وهو يقترب منها جالسًا فوق الفراش: لأ ملوش لازمة، محدش هيجي دلوقتي، أنا قولت لهم يسبونا ساعتين كده.
تعجبت تنظر لابتسامته الخبيثة وقبل أن تتحدث كان يقبلها هائمًا بها، يفقدها صوابها لتستجيب بين يديه للعشق.
...........................................
جلس عمران باللوبي الخاص بذلك الأوتيل.
ينتظر أن ينزل له.
رفعت وسليمة.
بينما بغرفتهما.
تحدثت سليمة: أنا مش عارفة إيه اللي خلاك توافق على عزومة عمران ده... كان ممكن نتفسح أنا وحضرتك لوحدنا هنا ونروح أسوان كمان لو حابين.
تبسم رفعت: وفيها إيه يعني لما قبلت؟ وبعدين هو هيأثر في إيه؟
ومتنسيش إننا هنا في الصعيد ودي بلده، وهو على دراية بها، ممكن يكون دليل كويس لنا هنا، مش شايف مشكلة لضيقك ده.
أنا هسبقك وأنزل له تحت في الاستقبال.
الراجل متصل علينا ومنتظرنا بقاله نص ساعة.
هنزل أنا وإنتي كملي لبسك بسرعة وحصليني.
أزفرت سليمة أنفاسها بضيق قائلة: مش عارفة عمل لك إيه عمران ده.
يارب الرحلة دي تخلص قبل ما أفقد صبري.
بعد قليل.
وقف عمران حين رأى سليمة تقترب من مكان جلوسه مع رفعت.
نظرت له بإعجاب، لأول مرة تراه بزى كاجوال بسيط عكس تلك البذات ذات الماركات الغالية الذي كان يرتديها.
بدا في هذا الزي بكامل رجولته.
للحظة لا تعلم لماذا تبسمت له، ولكن انتبهت له قائلة: صباح الخير.
رد: صباح النور.
يلا بينا نتحرك علشان ناخد اليوم من أوله، وكمان أول عبارة هتروح الأقصر فاضل عليها ربع ساعة، يادوب نوصل.
وقف رفعت قائلاً: يلا بينا.
بعد وقت جلس عمران ورفعت جوار بعضهم.
كان عمران يختلس النظر لسليمة من أسفل تلك النظارة الشمسية الذي يضعها حول عينيه.
وكذلك.
كانت سليمة هي تختلس النظر لعمران من أسفل نظارتها الشمسية.
لكن لفت انتباهها حين تدافع هواء النيل وفتح قميص عمران من على صدره.
ورأت.
تلك العلامة الظاهرة والتي لها أثر كبير من منتصف عمران ونهايتها الظاهرة بالقرب من كتفه.
هي علامة كبيرة تبدو أنها كانت لجرح غائر بجسده.
..........
رواية سمرائي انتي حقي الفصل التاسع 9 - بقلم سعاد محمد سلامة
تنهدت سمره النائمه على صدر عاصم ثم تحدثت.
عاصم.
همس قائلاً: أممم.
تحدثت سمره بتردد: ممكن أسألك سؤال.
رد باختصار: أكيد اسألي.
رفعت سمره رأسها من على صدر عاصم قائلة ببراءة: وترد بصراحة.
تبسم عاصم: وأيه اللي يخليني أكذب وبعدين ارجعي زي ما كنتي على صدري.
عادت برأسها على صدره ورفعت وجهها تنظر له قائلة:
عاصم هو أنت بتتعامل مع بنات في الشغل في الشركة.
رد بعدم فهم: مش فاهم قصدك إيه.
ردت سمره: يعني في الشغل في الشركة بتشتغل مع بنات وكمان بنات رجال أعمال تانيين زي ما بشوف في المسلسلات كده.
رد عاصم: أكيد في بنات كتير بتشتغل في الشركة وخارج الشركة وبتعامل معاهم بس بتسألي ليه.
ردت سمره: أنا عارفة طبعًا إنك بتشتغل مع بنات مفيش بس بسأل وياترى بقى حلوين كده وشاطرين وخريجين جامعات كبيرة طبعًا.
رد عاصم: أكيد خريجين جامعات كبيرة وفيه منهم كمان حاصلين على ماجستير ودكتوراة.
والجمال نسبي مش كلهم جميلات فيه منهم جمال مقبول عادي مش بركز أنا في وشوشهم.
أنا ليا شغلهم وبس ده المهم عندي لا شكلهم ولا جسمهم.
تبسمت سمره قائلة: عاصم هو أنا جميلة.
تبسم عاصم قائلاً بمزح: مش قوى أهو أنا أدبست بقى وخلاص بنت عمي بقى ولازم أرضى بنصيبي.
نظرت سمره له بغضب طفولي وابتعدت عنه تنام على الفراش صامتة.
ضحك عاصم على غضبها ومال عليها يقول:
سمره أنتي مش جميلة أنتي جميلة الجميلات.
بعد أن كانت غاضبة تبسمت قائلة بفرحة: بجد أنا حلوة.
ولا بتاخدني على قد عقلي.
تبسم وهو يمسد على وجنتها بيده.
بجد يا سمره أنتي أجمل ما شافت عيني في الكون كله.
تبسمت بفرحة خجلة من نظرة عينه لها.
تفاجئت به يعتليها ويضع رأسه يقبل حنايا عنقها.
شعرت سمره بأنفاسه على عنقها تدغدغ مشاعرها ولكن تحدثت قائلة: عاصم زمان ماما نادية وعمو سراج وطارق هيطلعوا عشان يصبحوا علينا قبل ما يمشوا من هنا ولازم نجهز بقى.
لا يعرف سبب لشعوره بهذا الغضب حين تذكر اسم طارق أمامه.
رفع رأسه من عنقها نظر لها دون تحدث.
ونهض من عليها.
وخرج من الغرفة صامتًا.
تعجبت سمره من فعله ولكن أزاحت عن فكرها وهي تبتسم حين تذكرت قوله أنها أجمل ما رأت عيناه.
بين ضفاف النيل الخالد.
كانت تسير تلك العبارة الكبيرة في النيل.
وقفت سليمه بعيدًا عن مكان جلوس والداها وعمران.
داعب النسيم الهادئ خصلات شعرها.
بدأت بلم شعريها بين يديها وقامت بلفه وربطه بأحد الخصل.
نظرت أمامها شارده بمنظر المياه البديعي في النيل وألوان الطيف بالمياه العذبة لكن عادت من شرودها.
حين سمعت.
أعتقد دي أول مرة تيجي الصعيد وتركبي باخرة في النيل.
نظرت لجوارها وردت: فعلًا أول مرة أجي الصعيد.
وأركب باخرة في النيل حتى أول مرة أركب مركب أصلًا.
لم ترى نظرة التعجب بسبب تلك النظارة التي تخفي عينه.
لكن تذكرت تلك الأمنية القديمة أو بالأصح كانت الأمنية الأخيرة التي لم تتحقق لأختها التوأم.
حين كانتا صغيرتان:
ليلة العيد.
كأي طفلتان لم يبلغا المراهقة بعد.
علقت سلمى فستان العيد على علاقة جوار الفراش وأيضًا الحذاء تأكدت من وجوده واتجهت إلى فراشها.
ونامت عليه فرحة.
تحدثت سليمه: إيه يا بنتي ده كله هو العيد يختلف عن أي يوم عادي ده هما كم ساعة وبعد كده زي أي يوم عادي.
تبسمت سلمى: إزاي تقولي كده ده أجمل أيام في السنة هي أيام العيد.
بابا بيكون واخد إجازة وبنخرج كل يوم لمكان.
يعني مثلًا إحنا بكرة هنروح الجنينة ونتفسح طول اليوم.
وبابا وعدني بعد بكرة.
هنروح نركب مركب في النيل طول اليوم.
عارفة أنا نفسي في إيه.
نهضت سليمه جالسة على بعد أن كانت نائمة.
نفسك في إيه بقى يا ست سلمى هانم.
ردت سلمى: نفسي أركب باخرة كبيرة زي تايتنك كده من القناطر لحد أسوان.
وأتفرج على شجر الكافور والتوت والنخيل اللي على جنب النيل طول ما الباخرة ماشية في النيل وأفضل في الرحلة دي أسبوع كفاية.
عارفة أما أدخل الجامعة.
أنا هدخل جامعة في الصعيد وبالذات الأقصر أو أسوان.
ضحكت سليمه: لأ أنا هفضل هنا مع بابا أنتي ابقي خدي ماما معاكي.
بابا شغله هنا.
ردت سلمى: ببسمة وهي تنام على الفراش تبتسم.
ياريت أنا هنام وأحلم بكده وأطلب من ربنا يحقق حلمي.
تبسمت سليمه: طب اتغطي بقى كويس الجو برد.
ولو واحدة فينا تعبت التانية هتلقط منها العيا ومش هيبقى في خروج.
تبسمت سلمى.
وكانت تلك هي الليلة الأخيرة حتى كانت الأمنية الأخيرة التي لم تتحقق ولكن تحقق قول سليمه ابقي خدي ماما معاكي وهذا ما حدث بالفعل فبعد وفاة سلمى بعام في نفس الوقت تقريبًا لحقتها أمهن بمرض القلب.
لتشعر بالفقد الصعب. لكن تمر الحياة كمياه هذا النيل أسفل تلك العبارة.
عادت من شرودها حين شعرت بيد عمران على يدها الموضوعة على ذالك السياج الحديدي للباخرة.
سحبت يدها سريعًا ونظرت له.
وقبل أن تلذعه بلسانها.
اقترب والداها منها ووضع يده على كتفها قائلاً:
إيه يا شباب الشمس ما وجعتش دماغكم من الوقفة هنا تعالوا اقعدوا هناك تحت التنده لتاخدوا ضربة شمس. شمس الصعيد قاسية.
كأن يد والداها كانت هي الدواء الذي سكن آلام جرح لم يشفى ولن يشفى أبدًا.
ولكن.
امتثلت ودخلت خلف والداها إلى تلك المظلة وخلفهما دخل عمران.
وجلس بمقعد مقابل سليمه.
شعور غريب تشعر بيه سليمه لأول مرة في حياتها ما تفسيره لا تعرف غير أنها تشعر براحة غريبة جوار عمران رغم ذالك تنفر من قربه.
بينما عمران لديه شعور آخر يشعر به وهو جوارها يشعر أنها تشاركه في قلبه.
نظر رفعت لهما الاثنان كم تمنى أن يخلعا تلك النظارات الشمسية التي تخبئ عيونهم.
ليرى حقيقة نظرات عيونهم لبعضهم.
بمنزل حمدي.
تحدثت عقيله وهي تنظر لساعة يدها.
ثم هبت واقفة قائلة:
كده أكتر من ساعتين أنا هطلع أصبح على العرسان.
ردت وجيده: وماله اتفضلي اطلعي هو أنا مسكتك ولا منعتك.
ردت عقيله: تمام مش هتطلعي معايا.
وقفت وجيده: لأ إزاي هطلع معاكي طبعًا.
بس مش كنا نستنى الست نادية ونطلع سوا.
ردت عقيله: هي راحت تشوف ابنها وجوزها عشان يجهزوا للسفر بعد شوية.
أنا هطلع لو عايزة تستنيها براحتك.
ردت وجيده: لأ هطلع معاكي طبعًا.
في غرفة أخرى بنفس المنزل.
تحدثت نادية:
طارق، بارك لسمرة وعاصم، وبلاش تقفل وشك زي ليلة امبارح وانت بتسلم عليهم في الفرح. أظن شفت فرحتها واتأكدت إنها بتحب عاصم. أدعي عاصم يسعدها.
رد طارق:
ده أكتر شيء مخوفني. حب سمرة الواضح لعاصم، وكل ما أسألها تنكر أو تتوه في الكلام. وعاصم عارف ومتأكد إنها بتحبه، بيستغل الحب ده لصالحه وبيخليها توافق على اللي هو عاوزه. وبكرة هفكركم، عاصم مش هيسلم سمرة أي أوراق، وهي هتفضل تابعة له.
رد سراج:
على العموم، إحنا مفيش في إيدينا غير إننا نتمنى لها السعادة. خلينا نطلع نبارك لها عشان معاد الطيارة خلاص قرب.
تبسمت نادية قائلة:
أنا بتمنى عاصم يخلف ظن طارق، لأني متأكدة سمرة بتحبه، وعندي يقين إن عاصم بيحبها جداً.
***
كانت سمرة تقف أمام المرآة تعدل من هندامها.
حين دخل عاصم إلى الغرفة.
تبسمت له بتلقائية.
بينما هو نظر لها بإعجاب شديد، فهي كالوردة البهية في هذه العباءة الحريرية الزيتونية اللون، ذات التطريز المذهب، ولها طرحة من نفس اللون والتطريز.
ذهب وفتح أحد الأدراج وأخرج تلك العلبة القطيفة.
وضع العلبة على زجاج التسريحة وفتحها.
ووقف خلف سمرة وقام بإلباسها ذلك السلسال من الذهب الأبيض، وبوسطه دلاية على شكل عصفورة ملونة بفصوص الألماس.
نظرت سمرة لذلك السلسال بانبهار.
قائلة:
السلسلة دي جميلة قوي، ليه ملبستهاليش مع الشبكة امبارح في الفرح؟
رد وهو ينظر لانعكاسهم في المرآة:
لأن دي مش من الشبكة، دي هدية مني ليكي.
تبسمت بتلقائية وهي تعبث بالسلسال بأصابع يدها.
قائلة:
انت عارف إني بحب العصافير، عشان كده جبتها على شكل عصفورة، صح؟
تبسم قائلاً:
لأ، عشان إنتي عصفورتي.
تبسمت بخجل وأخفضت وجهها تنظر لذلك السلسال بفرحة كبيرة.
أدارها عاصم لتصبح وجهها أمامه، ورفع رأسها ونظر لها مبتسماً على خجلها.
كاد أن يميل ليقبلها، لكن رن جرس الشقة.
تنهد بسأم وقال بسخرية:
دي أكيد عمتي عقيلة، صاحبة واجب، ولازم تكون أول واحدة تيجي تصبح علينا.
قال هذا ونظر إلى الفراش، ووجد عليه فرش آخر غير الذي كان عليه أمس.
نظر لسمرة.
قائلاً:
إنتي غيرتي فرش السرير؟
ردت سمرة:
أيوه غيرته، وانت بتاخد شاور وفرشت فرش تاني نضيف ليه.
رد:
طيب، والفرش اللي غيرتيه فين؟
ردت سمرة:
حطيته في سلة الغسيل في الحمام. بتسأل ليه؟
تحدث عاصم:
طيب، روحي هاتيه لهنا بسرعة.
نظرت له متعجبة.
وقبل أن تسأله عن السبب، تحدث:
روحي هاتِ الفرش من الحمام، وبعدين هقولك السبب بسرعة عشان اللي واقفين عالباب.
رغم تعجبها، لكن ذهبت وعادت بعد ثوانٍ للغرفة.
وجدته قد لم الفرش الآخر من على الفراش.
تعجبت أكثر.
حين قال:
يلا، هساعدك نفرش الفرش ده تاني بسرعة، وبلاش أسئلة عشان الجرس رن مرة تانية، يلا بسرعة.
قاما الاثنان بإعادة الفرش الآخر على الفراش سريعاً، لكن ليس بطريقة جيدة.
نظر عاصم للفرش وقال:
كده كويس، مش مهم يكون متساوي. هروح أفتح الباب، وانتي حصّيني بسرعة، ومش لازم تعديل في الفرش أكتر، كده كويس.
نظرت سمرة للفراش تتنهد متعجبة.
بينما فتح عاصم الباب.
وجد أمامه عمته التي دخلت إلى الشقة سريعاً.
وتحدثت متذمرة:
على ما سمعت جرس الباب، بقالنا ربع ساعة واقفين عالباب. إيه، جينا في وقت غلط؟ نلف ونرجع تاني.
تبسم عاصم وتمنى أن تفعل ذلك.
بينما تحدثت سمرة من خلفه:
لأ، أبداً يا عمتي، اتفضلي.
رسمت عقيلة بسمة مصطنعة واقتربت من سمرة وجذبتها لحضنها هامسة:
يزيد فضلك يا بنت أخويا، طمنيني عليكي.
تبسمت سمرة:
أنا الحمد لله كويسة.
تركت عقيلة سمرة قائلة:
فين البشارة؟
نظر عاصم لوالدته، لكن نظرة عينها جعلته يصمت.
وكذلك سمرة خجلت.
تحدثت وجيدة:
خلينا نقعد شوية مع العرسان يا عقيلة.
ردت عقيلة:
ما إحنا هنقعد، بس نطمن عالعروسة الأول.
رد عاصم:
اطمني يا عمتي، العروسة أهي قدامك كويسة جداً.
نظرت عقيلة لهم قائلة:
أنتم عارفين قصدي إيه؟ بلاش طريقتكم دي، أنا هدخل أوضة النوم أطمن بنفسي.
قبل أن يتحدث أحد، اتجهت لغرفة النوم.
ودخلت بها.
عيناها وقعت على الفراش، رأت تلك البقعة وأيضاً الفراش غير مرتب بطريقة جيدة.
أغتاظت وأغاظها أكثر حديث عاصم الذي دخل خلفها يقول باستخفاف:
أظن بكده اطمنتي ولا لسه عندك شك؟ أنا ملمستش سمرة غير وهي ومراتى وحلالي. وكفاية يا عمتي تشككي فيا أنا وسمرة. أنا لغاية دلوقتي ساكت ومش ناسي كلامك ليا امبارح الصبح لما كنتي عايزة تاخدي سمرة تكشفي عليها وتتأكدي إنها بنت ولا لأ. سمرة دلوقتي بقت مراتي ومش هسمح لحد يشكك إننا كنا على علاقة قبل ما نتجوز. أنا اتجوزت سمرة لأني بحبها وهي كمان وافقت لنفس السبب، وأكيد ده كان سبب رفضها عاطف. أنا عيني مش على ميراث سمرة. عارفة ليه يا عمتي؟ لأن أملاك سمرة كلها أنا اللي كبرتها، وإنتي أول واحدة عارفة كده كويس. إن بعد حريق مخزن المصنع بعمي ومراته، المصنع تقريباً كان انتهى، بس أنا أعدت ترميمه وكمان تشغيله واستثمرت فيه من جديد، وكمان بيني وبين سمرة توكيل عام بالإدارة. يعني لو كنت طمعان في أملاك سمرة، كنت أقدر بجرة قلم أنقل كل اللي تملكه ليا، ومحدش كان هيقدر وقتها يحاسبني. ودلوقتي خلينا نطلع لبره، ليستغيبونا، مش خلاص اطمنتي على بشارة سمرة؟
لو كانت النظرات تقتل، لنظرة عقيلة كانت جعلت عاصم رماداً.
***
بغرفة الصالون جلست سمرة مع زوجة عمها.
لكن كان عقلها مشغولاً، لما أشار لها عاصم بيده ألا تتبعه إلى الغرفة.
وقامت زوجة عمها بشد يدها ودخلتا إلى غرفة الصالون.
تبسمت سمرة لزوجة عمها التي تحدثت بود:
إيه يا سمرة، مش هتضيفيني عصير أو شوكولاتة؟
نهضت سمرة مبتسمة تقول:
حاضر يا طنط. هجيبلك عصير. واتفضلي شوكولاتة أهي.
مدت وجيدة يدها وأخذت قطعة شوكولاتة من تلك العلبة التي قدمتها لها سمرة.
قائلة:
شكراً، ألف مبروك يا سمرة، ربنا يهنيكي انتي وعاصم. انتي كنتي زي بنتي دايماً. وهقولك كلمة واحدة، عاصم أنا عارفاه كويس قوي، عاصم لما طلبك للجواز كان بده (وأشارت على قلبها) ومش بده (وأشارت إلى عقلها). يا ريت تكون رسالتي وصلت وفهمتيها.
ابتسمت سمرة وذهبت إلى المطبخ.
في ذلك الأثناء عاد عاصم وعقيلة إلى غرفة الصالون.
تبسم عاصم وهو يجلس يشير برأسه لوجيدة مبتسماً.
بينما قالت عقيلة المغتاظة من نظرات عاصم ووجيدة المتفاهمة لبعضهما:
فين سمرة؟
ردت سمرة من خلفها:
أنا أهو يا عمتي، كنت بجيب العصير. اتفضلي.
ردت بسخرية:
شكراً، ماليش في العصاير ولا الشوكولاتة، انتي عارفة إن عندي السكر. الحمد لله، اطمنت عليكي، ربنا يهنيكي انتي وعاصم.
تبسمت سمرة لها.
كانت ستجلس، لكن رن جرس الباب.
قالت بفرحة:
دي أكيد ماما نادية ومعاها طارق وعمو سراج. هروح أفتح لهم.
تبسمت عقيلة بسخرية، بينما صمتت وجيدة.
ولكن شعر عاصم بالغيرة.
فتحت سمرة الباب مبتسمة.
وجدت أمامها نادية وخلفها طارق وسراج.
سريعاً ما ضمتها نادية مهنئة لها ومتمنية لها السعادة، وكذا سراج.
تحدث آخرهم طارق وهو يقبل جبهة سمرة:
مبروك يا سمرة.
تفاجئت سمرة مما فعل، وابتسمت له بامتنان.
لكن أتى عاصم، مما جعل طارق يبتعد عنها قليلاً.
بينما لاحظ عاصم قرب طارق منها واحتد بشدة.
لكن ضبط نفسه.
ورحب بهم بود ولطف.
***
بأحد المطاعم بقنا.
جلس عامر جوار سيد يتحدث معه بمرح قائلاً:
ها، إيه رأيك في قنا؟ هي الأحلى ولا القاهرة؟
رد سيد بعقله الطفولي:
قنا أحلى كتير من الحارة اللي في القاهرة. هناك عيال الحارة يسخروا مني وبيضيّقوني، لو طلعت ألعب أو أقعد قدام المحل. هنا فيه طيبة كده في تعامل الناس.
نظر سيد لأفنان يقول برجاء:
أنا حبيت هنا، خلينا نعيش هنا.
تبسمت له أفنان دون رد.
لكن رد عامر:
أنا هاجي لك الحارة وقولي على العيال اللي بيضايقوك وشوف أنا هعمل فيهم إيه.
تبسمت أفنان قائلة:
كتر خيرك وبشكرك على الرحلة الجميلة دي. سيد فرح بيها قوي، كان محتاجها في الوقت ده. من بعد موت بابا وهو بقى منطوي وبيزعل من أقل حاجة، بس من يوم ما بقيت تيجي تزوره وكمان عزمتنا على الرحلة دي، وهو نفسيته اتعدلت.
رد عامر:
ليه مش بتفكري تسيبِ الحارة دي طالما فيها ناس بيضايقوا سيد؟
رد سيد:
أنا قلت لها كده، نبيع الشقة والمحل ونروح مكان تاني، بس هي مش راضية. تقول هنروح فين؟ المكان ده عشنا فيه طول عمرنا، واللي نعرفه أحسن ما لا نعرفوش. وكمان عشان ماما لو حبت تزورنا، مع إنها مش بتزورنا غير من السنة للسنة، حتى موت بابا مجتش، ودايماً مشغولة.
تحدث عامر بتعجب:
ومشغولة في إيه؟ وليه ما تروحوا أنتم تعيشوا معاها؟
ردت أفنان بحذر:
ماما معندهاش مكان، هي ساكنة في شقة صغيرة مع جوزها وولادها التانيين. وخلونا نستمتع بجمال المكان.
لاحظ عامر تغير وجه أفنان حين ذكر سيد والدتهما، وأيضاً رغبتها في تجنب الحديث عنها.
ليتأكد أن هناك سبب آخر لذلك.
ولابد أن يعرف من تلك المرأة التي تركت هذا البريء وتلك الفتاة التي تثير حيرته.
***
بعد وقت.
عصراً.
بشرفة شقة عاصم.
وقفت سمرة تشير بيدها لخالتها تودعها.
أشارت لها نادية أيضاً وأرسلت لها قبلة في الهواء.
وكذلك فعلت لها سمرة.
وأيضاً طارق أشار لها بيده وهو يركب السيارة خلف نادية مغادراً.
دخلت سمرة إلى الداخل ومسحت تلك الدمعة.
رأى عاصم سمرة وهي تجلس على أحد المقاعد، يبدو عليها الحزن.
أقترب منها قائلاً:
للدرجة دي بتحبي خالتك؟
ردت سمرة:
دي مش خالتي، أنا بعتبرها زي ماما. يمكن هي كانت أحن عليا من ماما. انت شوفت معاملة ماما ليا، كانت دايماً بتحسسني إنها آخر اهتمامها.
***
بسيارة عاطف.
جلست سولافة السيارة جوار والديها بالمقعد الخلفي.
كانت شاردة وصامتة.
نظر لها والداها قائلاً:
مالك يا سلو؟
تحدثت:
مالي يا بابا.
رد رضا:
ساكتة على غير العادة، انتي كنتي بتاخدي الطريق كله رغي.
تحدثت عقيلة:
يمكن زعلانة على حبيبتها سمرة إنها مبيتش معاها في الأوضة.
ردت سولافة:
هزعل ليه؟ ربنا يهني سمرة وعاصم. بس أنا مصدعة، يمكن من سهر ليلة امبارح.
رد عاطف بخبث:
بس تعرفي غريبة؟ أنا لما قلت إننا نمشي دلوقتي، توقعت هتقولي خلونا نبات، بس وافقتي. ولا عشان عامر سافر القاهرة مع البنت اللي كانت معاه هي وأخوها العبيط؟
توترت سولافة قائلة:
لأ، عادي، وأنا مالي بعامر. أنا قلت طالما الفرح خلص وصبحنا على سمرة، ملهاش لازمة القاعدة، وكمان عشان الجامعة قربت ولازم أستعد لها. وبعدين أنا مصدعة وهنام، ولما نوصل ابقوا صحوني.
قالت هذا ومالت على صدر والديها ونامت عليه وأغمضت عينيها.
تتذكر قبل سفر عامر.
حين اصطدمت به على سلم المنزل عصراً.
(فلاش باك)
رأت سولافة دخول عامر بسيارته من شباك الغرفة.
خرجت سريعاً.
قابلته على سلم المنزل.
كاد أن يخبط بها.
ولكن تفادته ونزلت دون حديث معه.
وقف على الدرج قائلاً:
إيه، مش شايفاني؟ عديتي كده من غير ما تتكلمي.
صمتت ولم ترد عليه وأكملت نزول السلم.
تعجب ونزل خلفها قائلاً:
إنتي مخصماني ولا إيه؟ مبترديش عليا ليه؟
ردت سولافة:
أنا حرة، براحتي.
ضحك عامر قائلاً:
ليه البوز دي؟ ليه؟ انتي خلاص مبقيتيش طفلة، بقيتي آنسة والمفروض عقلك يكبر. مالك زعلانة ليه؟
ردت قائلة:
من فضلك كلمني بأسلوب كويس. أنا حرة، مش عايزة أرد، هو بالغصب؟
رد عامر:
لا بالغصب ولا بالرضا، أنا مش فاضي لقمصتك. يا تقولي إيه مزعلك، يا سلام. لازم أطلع أصبح على سمرة وكمان أجهز عشان ألحق الطيارة.
ردت بضيق:
أنا كمان هطلع أصبح على سمرة. وأوعى كده، وسّع.
صعدت سولافة أمامه.
وقفا الاثنان أمام باب الشقة.
مد الأثنان يديهما معاً ليرن الجرس.
شعرت سولافة بقشعريرة بجسدها وسحبت يدها من أسفل يده سريعاً.
تبسم عامر بسخرية.
فتح لهم الباب عاصم واستقبلهما بود.
لكن لفت نظره تجنب سولافة لعامر.
ووجهها المرسوم عليه الحزن.
جلسوا جميعاً بغرفة الصالون.
تحدث عامر:
فين سمرة؟ أنا جاي أصبح عليها. إنما انت مش عايز أشوف وشك.
ضحك عاصم قائلاً:
سمرة جاية حالاً. وبعدين ماله وشي؟ شكلك عايزني أرفدك. أمال فين عمران؟ مجاش يصبح علينا ليه؟
رد عامر:
والله ما شوفته من امبارح في الفرح، واتصلت عليه من شوية، قالي إنه في رحلة مع ضيوف بيفسحهم في النيل.
رد عاصم:
ومين دول؟
رد عامر:
ولا أعرف، هو ده اللي قاله لما رد عليا.
تكلم عاصم بمزح:
يعني ما شاء الله، أخد إجازة من الشغل. كل واحد فيكم شايف له طريق يتفسح فيه والشغل يضرب يقلب، بقى. خدوا بالكم، أنا رئيس مجلس الإدارة وهرفدكم لو لقيت تقصير.
ضحكت سمرة التي دخلت تحمل عصائر.
وقف عامر وأخذ منها الصينية ووضعها على طاولة قائلاً:
شايفة يا سمورتي؟ جوزك عايز يرفدني. إيه رأيك في كلامه؟
رد عاصم:
بعد سمورتي دي، تأكد إنك اترفضت. جواب الفصل مستنيك في القاهرة.
ضحكت سمرة وتحدثت قائلة:
أنا مع رأي عاصم. ارفده يا عاصم.
نظر عاصم لعامر بثقة.
ضحك عامر:
بالعجل، طويتها تحت جناحك. انت قاسي قوي، طب قول إننا أخوات وحن عليا.
ضحكت سمرة وكذا عاصم.
بينما سولافة تجلس صامتة.
تعجب عاصم من ذلك قائلاً:
مالك يا سولافة؟ ساكتة ليه؟ مش عادتك.
ردت سولافة:
مفيش، بس مصدعة من السهر. ووقفت قائلة: أنا لازم أمشي عشان زمان عاطف هييجي ياخدنا عشان نرجع أسيوط.
رد عاصم:
يجي منين!
هو مكنش بايت هنا.
ردت سولافه: معرفش، هي ماما قالت لي كده من شوية، حتى هو كمان مشفتهوش من بعد الفرح.
نظر عامر لعاصم دون حديث، لكن نظرات العين بينهم فهما بعضهما.
تحدثت سمره: خليكي معايا شوية، هتسبيني أقعد معاهم لوحدي؟
ضحكت سولافه قائلة: ما واحد جوزك وواخد تاني ابن عمك، يعني مش أغراب. أما أنا اللي غريبة في وسطكم.
ردت سمره: انتي مش غريبة، انتي بنت عمتنا وكمان أكتر واحدة بحبها.
حتى الواد عامر ده سخيف، شكله هو اللي مزعلك.
اعتذري لها يا عامر، لأخلي عاصم يرفدك قبل ما توصلي القاهرة.
نهض عامر واقترب من يد سولافه وانحنى قبلها قائلاً: أنا آسف يا سلو لو كنت زعلتك، اعفي عني بلاش تضيعي مستقبلي. عاصم مفترى ومش هيصدق سمرة تقوله وهينفذ، ده بيتلكك لي على الواحدة.
رغم شعورها السيء، لكن تبسمت له بطيبة قلب.
تحدث عامر: أهي ضحكت أهي، خلاص بقى الرفد اتشال من عليا يا سمورتي.
ضحكت سمرة وسولافه.
حين نهض عاصم ولكم عامر في صدره بخفة قائلاً: الضربة الجاية هتكون في وشك، هعلم عليه لو سمعت منك كلمة سمورتي دي تاني.
ضحك عامر على غيرة عاصم.
وتحدث بمزح: لأ خلاص بلاش وشي علشان المعجبات، مش هقولها تاني، أنا هلاقي فين وظيفة زي اللي فيها.
ضحكت سمرة قائلة: جبان.
ضحك عامر: لأ منافق، علشان مصلحتي.
ظلت الجلسة بينهم بود ومرح، لكن شعور سولافه ظل ملازماً.
عادت من التذكر حين شعرت بيد والدها الحانية تمسد على ظهرها.
تنهدت خائفة أن يصدق هذا الشعور السيء ويبتعد عنها عامر ويصبح لأخرى.
..........................................
انتهى اليوم سريعاً.
فكما يقولون، الوقت السعيد يمر سريعاً.
أوصلهما عمران إلى الفندق.
تحدث والد سليمة: بشكرك على الرحلة الجميلة دي، وكمان اتشرفت طول اليوم بمرافقتك. ومعلش بقى أخدت من وقتك وكمان أخّرناك عالطائرة.
رد عمران: أنا مبسوط إن الرحلة عجبتك، وبتمنى نكررها مرة تانية. وأنا مكنتش هسافر في الطيارة دي.
أنا بدلت الحجز لينا لحد بكرة الفجر، أو بعد كم ساعة.
كانت سليمة تقف صامتة متعجبة، يزيد إعجابها به، لكن لما هذا النفور التي تشعر به؟
تحدث عمران: أنا هاجي الفجر آخدكم للمطار، ونسافر سوا.
هستأذن أنا.
دخلت سليمة الغرفة هي ووالدها.
الذي تحدث: شايفك طول الوقت ساكتة، إيه الرحلة معجبتكيش؟
ردت سليمة: بالعكس، أنا من زمان متفسحتش.
بس يظهر وقوفي في الشمس كتير أثر عليا.
أكيد دلوقتي هاخد مسكن، والصبح هبقى كويسة.
تصبح على خير يا بابا، أنا هدخل آخد شاور وهطلع أنام.
رد رفعت: لأ، أنا هاخد أجندتي وأطلع في البلكونة، منظر النيل هنا يهبل بالليل أكتر من القاهرة، يساعد على كتابة أشعار وخواطر.
وربنا يزيح الصداع عنك.
تصبح على خير.
تبسمت سليمة: هستنى أقرأ الخواطر والأشعار دي.
والله يا بابا أنا نفسي تجمع كل الأشعار والخواطر دي وتطبعها في مدونة أو كتاب.
رد رفعت: أنا فعلاً فكرت في كده، بس أنا خلاص بقى كبرت ومش حمل أدور على مطابع. ياريت انتي تشوفي لي مطبعة كويسة.
ضحكت قائلة: ماشي، هتفق لك مع مطبعة كويسة، اللي بطبع عندهم رسالة الماجستير بتاعتي. يلا تصبح على خير.
بعد قليل نامت سليمة على فراشها.
وضعت يدها على قلبها، تشعر بضربات سريعة.
ما سرها؟ ما السر في هذا الشعور؟
لما يوجد هذا النفور؟ ما سببه؟ هو كان لطيفاً في تعامله معها ومع والداها.
لم ترى به عجرفة.
............... .........
دخل عمران إلى المنزل يصفر.
تقابل مع والدته.
التي ابتسمت قائلة: يا سلام هالروقان، بتصفر كمان. قول لي كنت فين طول اليوم؟
رد عمران: كنت في رحلة مع ضيوف هنا في النيل.
ردت وجيدة بخبث: والضيوف دول حلوين شبه البنت اللي كنت قاعد جنبها امبارح في الفرح؟
ضحك عمران: انتي واخدة بالك من كل حاجة قوي يا ماما.
ردت وجيدة: صدفة، بس إيه النظام؟ مع إن عندي عليها بعض التحفظ، بس السعادة اللي في عينيك تأكد إحساسي.
رد عمران: وإيه هو إحساسك يا وجيدة هانم؟
ردت وجيدة: إني هفرح بيك قريب أنت كمان.
بس كل اللي بطلبه منك التأني والتأكد من مشاعرك، بلاش تتسرع.
قبل عمران يدها قائلاً: ملوش لازمة الخوف ده يا ماما، وانتِ عارفة إني مش متسرع.
وبعدين سيبني أطلع أعمل كبسة على عاصم قبل ما ينام. المفروض أقول أصبح عليه، بس خلاص قربنا عالساعة اتناشر.
أنا اتصلت عليهم وأنا في السكة، وسمرة قالت لي هستناك، إحنا لسه سهرانين.
ردت ببسمة: اطلع له، بس مطولش، متنساش إنهم عرسان، لازم تبقى خفيف، فاهم؟
تبسم عمران: فاهم يا قمر، هما خمس دقايق بس علشان أغلس عليه قبل ما أسافر أنا كمان الفجر.
ضحكت والدته: توصل بالسلامة، وربنا يخليك ليا.
صعد عمران إلى شقة عاصم، وقبل أن يرن الجرس، وجد الباب يفتح.
تحدث بمرح: إيه ده؟ كنت منتظرني وراء الباب ولا إيه؟ عالعموم أنا مش جاي عشانك، أنا جاي عشان سمرة، هي فين؟ أوعى تكون حابسها في أوضة النوم.
ضحك عاصم: بلاش تخليني أتغابى عليك، هما خمس دقايق وأشوف عرض أكتافك.
لف عمران له ظهره: أهو خد مقاس عرض أكتافي قبل ما أدخل.
ضحكت سمرة من خلف عاصم قائلة: موقف عمران ليه عالباب، خليه يدخل.
أزاح عمران يد عاصم ودخل يقول: سمرة بنت عمي سابقاً، مرات أخويا حالياً، ربنا يكون في عونك، أخدتي الصقر الكبير.
مش عارف إيه اللي يخلي عصفورة رقيقة زيك كده تتجوز صقر.
انتي مش عارفة إن الصقر من الطيور الجارحة وكمان أكلة اللحوم، مش زي عصفورة زيك كده رقيقة.
شد عاصم عمران وقام بإخراجه من باب الشقة قائلاً: طيب يلا بالسلامة، بدل ما آكل من لحمك.
ضحك عمران: عالعموم أحسن إنك طردتني، عندي طيارة الفجر.
يلا مبروك وتصبحوا على خير.
ردت سمرة: وأنت من أهل الخير.
أغلق عاصم خلفه الباب.
لكن سمعوا صوت عمران: بتقفل الباب في وشي يا عاصم؟ ماشي، ده كل شغلك القانوني في إيدي، غلطة مني مش مقصودة أو مقصودة، أوقعك في مشاكل.
ضحك عاصم: طب أبقى أغلط الغلطة دي وشوف هعمل فيك إيه وقتها.
رد عمران: على إيه الطيب أحسن.
تصبحى على جنة يا سمرة.
ولكن قبل أن ترد سمرة، أشار لها عاصم بسبابته بالصمت.
ضحك عمران قائلاً: قالك مترديش؟ هو كده ديكتاتور، ربنا يقويكي عليه.
ضحكت سمرة.
اقترب عاصم منها يقول: بتضحكي على إيه؟
ردت سمرة: ولا حاجة.
جذب عاصم سمرة له وقام بتقبيلها قائلاً: أخيراً بقينا لوحدنا، طول اليوم ده طالع وده نازل ومش عارف أتلم عليكي.
تعالي معايا.
دخلت سمرة معه لغرفة النوم.
ونظرت للفرش قائلة: ليه خليتني أرجع الفرش اللي مش نضيف عالسرير من تاني؟
هي عمتي سمرة كانت السبب صح؟ كنت عايزها تتأكد إنك ملمستنيش قبل ليلة امبارح.
رد وهو يقترب منها أكثر: انسى عمتك عقيلة والدنيا كلها، متفكريش غير فيا وبس.
انتهت تلك الليلة.
................... ........................
بعد مرور أسبوع.
دخلت سمرة المكتب الموجود بالمنزل.
بصنية القهوة لعاصم قائلة: القهوة أهي، بس مش الوقت بدأ يتأخر على شرب القهوة. وبعدين فين عمي؟
رد عاصم: لأ عادي، وبابا قال طلع ينام.
وضعت سمرة القهوة على المكتب، وفوجئت بعاصم يجذبها لتجلس على ساقه، يقبلها بوله وعشق.
ولكن صوت نحنة جعلته يترك شفتيها.
بينما هي خجلت وظلت جالسة على ساقه، تدفن رأسها بصدره.
تحدثت وجيدة: فين حمدي؟ وبعدين مش لكم شقة، قاعد هنا ليه؟
رد عاصم: بابا راح أوضته، وأنا كمان كنت لسه هقوم أطلع شقتي.
تبسمت وجيدة: طيب تصبح على خير إنت والنعامة اللي دافسة وشها في صدرك دي.
ضحك عاصم.
وأرجع وجه سمرة للخلف قائلاً: خلاص مشيت.
يلا بينا نطلع شقتنا.
على الأقل الباب مقفول علينا، محدش هيدخل يقفشنا.
ردت وهي تضربه على صدره: كله بسببك، وكل مرة مرات عمي هي اللي تشوفنا. والله بقيت بنكسف أبص في وشها بسببك.
ضحك وهو يقف يحملها بين يديه.
تحدثت بخجل: لأ، خليني أمشي بدل ما حد يشوفنا.
رد عاصم: كل اللي في البيت ناموا، متخافيش، محدش هيشوفنا.
سار عاصم يحمل سمرة إلى أن وصلا إلى الشقة.
ووضعها على الفراش.
لكن رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة ورد سريعاً.
على من يتحدث له؟
جذب انتباه سمرة أنه يتحدث مع امرأة.
وأيضاً أنه سيسافر إلى القاهرة.
أنهى عاصم الاتصال ووضع الهاتف على طاولة.
تحدثت سمرة: مين اللي كانت بتتصل عليك؟
رد عاصم: دي مكالمة شغل عادية، متشتغليش بالك.
تحدثت سمرة: هو إنت هتسافر القاهرة بكرة صحيح زي ما قولت في التليفون؟ أحنا مبقلناش متجوزين غير أسبوع بس.
رد عاصم: أيوا، كفاية بقالي أسبوع هنا وسايب الشغل في أوراق وكمان اتفاقيات، لازم أكون موجود.
ردت سمرة: طب وأنا هفضل هنا ولا هاجي معاك القاهرة؟
رد عاصم: أكيد، زي ما قولت لك قبل الجواز. هتفضلي هنا.
وأنا هبقى بين هنا وهناك.
ردت سمرة: وده مش تعب على صحتك؟
رد عاصم: لأ مش تعب، متخافيش عليا.
قال هذا وقام بتقبيلها، وذهب معها لبحر العشق المالح.
رواية سمرائي انتي حقي الفصل العاشر 10 - بقلم سعاد محمد سلامة
بعد مرور حوالي شهر ونصف، بدأ الخريف يزحف. تبدلت السماء وأصبح بها بعض الغيوم.
صباحا، بشركة الصقر.
وقف عامر يسمع رنين الهاتف ولكن لا رد. تضايق بشدة وألقى الهاتف على المكتب.
دخل عليه أحد الموظفين يقول: "بشمهندس عامر، في مشكلة عطل فني في المصنع الرئيسي ولازم مهندس متخصص يفحصها، وحضرتك المدير الفني للشركة."
رد عامر: "طيب وفين المهندس المسؤول؟ ما عمل فحص للمكن ليه وصلح العطل؟"
رد الموظف: "حضرتك المهندس المسؤول عنده حالة خاصة، كانت والدته مريضة وللأسف توفت النهارده الصبح."
رد عامر: "طيب أنا هروح أفحص المكن بنفسي وأشوف العطل ده. روح أنت وأنا هحصلك."
انصرف الموظف.
أمسك عامر الهاتف مرة أخرى وأعاد طلب الرقم.
رنين أيضا.. لا رد.
تعصب أكثر قائلا: "مش عارف إيه آخرة قمصتها دي كمان."
أغلق الهاتف وأخذه وغادر المكتب.
بنفس الوقت في كلية التربية بأسيوط.
نظرت سولافة لشاشة الهاتف. رأت صورة عامر. لم تغلق الهاتف وتركته حتى ينتهي الرنين.
وقفت إلى جوارها زميلة لها قائلة: "تليفونك بيرن، ما تردي عليه أو أقفليه علشان هندخل المحاضرة وبيقولوا المعيد الجديد ده غلث شوية."
ردت سولافة: "تمام، أقفلُه وبعد المحاضرة أبقى أفتحه تاني."
أغلقت سولافة الهاتف.
لكن أثناء دخولها لقاعة المحاضرة، كادت أن تتصادم مع أحدهم لكن تفادته. ودخل هو إلى القاعة وكاد أن يغلق الباب في وجهها هي وزميلتها، لكن مدت زميلتها يدها قائلة: "لو سمحت، إحنا هندخل القاعة."
نظر لهن وقال لهن: "اتفضلوا أدخلوا."
دخلتا الاثنتان وجلستا في أماكنهن.
تحدث الآخر: "أنا الأستاذ وجيه رأفت، هكون معيد عليكم السنة دي. ياريت يكون في بينا التزام بعد كده. بمجرد دخولي من باب قاعة المحاضرة هقفل الباب، مفيش حد هيدخل بعدي. ودلوقتي خلونا في المحاضرة."
بعد وقت، انتهت المحاضرة وخرجت سولافة وصديقتها من المحاضرة.
تحدثت سولافة: "الأستاذ ده واضح أنه ممتاز وشرحه سهل قوي، مش زي الأستاذ بتاع السنة اللي فاتت. بقولك إيه؟ لسنا قدامنا وقت على المحاضرة التانية. إيه رأيك أعزمك على أي حاجة في الكافتيريا اللي آخر الشارع؟"
ردت صديقتها: "ماشي، بس أنتي اللي هتحاسبي."
تبسمت سولافة: "والله نفسي مرة أنتي اللي تحاسبي عالطلبات، بس مش مهم. يلا خلينا نروح."
بعد الظهر، بأحد المطاعم الشهيرة والفخمة.
جلس عاصم مع زهراء يتحدثان.
تحدث عاصم: "بصراحة، الحملة الدعائية الأخيرة كانت ممتازة. دلوقتي أنا بطلب منك وبقلب جامد أنك تكوني المسؤولة عن حملات الدعاية الخاصة بالشركة."
ابتسمت زهراء: "كلامك ده شهادة أعتز بيها، وكمان دعمك ليا من الأول. لأن في كتير ممكن يقولوا إني دخلت المجال بالواسطة."
تبسم عاصم: "أنا مبحكمش على اللي قدامي غير بعمله. مباخدش حد بالواسطة، وده كان سبب إني أكمل معاكي من البداية لما لقيتك عايزة تثبتي نفسك بعيد عن اسم والدك. ودلوقتي أنا طلبت إني أقابلك بعيد عن الشركة لأمر هام. بصراحة، أنا داخل على صفقة كبيرة. لو تمت هتنقلني في السوق، مش بس السوق العربي، لأ كمان ممكن الأوربي ودول آسيا كمان. ومحتاج في إتمام الصفقة دي حملة دعائية في ظرف الأيام الجاية دي تكون منتشرة جداً ولها صدى واسع. وده اللي طلبتك علشانه لأني اتأكدت من كفاءتك. بس الموضوع ده هيحتاج منك تفرغ كامل المدة الصغيرة الجاية. أنا بطلب منك لو موافقة على التعاون معايا هيكون ليكي مكتب خاص عندي في الشركة وتقدرِ تجيبي معاكي مساعدين."
ردت زهراء: "موافقة طبعًا."
تبسم عاصم: "طب كده تمام. أنا هسافر بعد ساعتين قنا لمدة يوم واحد وهرجع تاني. بس قبلها هعطي أمر في الشركة بتقديم كل التسهيلات اللي تحتاجيها، لأن للأسف الوقت قصير جداً."
كانا يجلسان يتحدثان غير منتبهين لتلك العين التي رأتهما بالصدفة.
بعد حوالي ساعة، بمكتب عمران بالشركة.
دخل عاصم عليه.
وقف عمران متبسما: "مش الصبح كنت بتقول هتسافر قنا؟"
رد عاصم: "أيوا، فاضل حوالي ساعة إلا ربع عالطايرة والطريق مش هياخد معايا ربع ساعة عالطار. المهم دلوقتي أنا اتفقت مع زهراء وهي وافقت. عاوزك تعمل عقود بينا وكمان عاوزك تخلص العقود اللي قلت لك عليها بسرعة، مش عاوز الوقت يسرقنا ونلاقي نفسنا خلاص. عاوز كل حاجة تكون متظبطة قبل ما أسافر قبرص بيومين على الأقل ومش عاوز أي ثغرات."
ضحك عمران: "متخافش، النهارده هكون مخلص كل العقود دي. سافر أنت قنا واطمن وسلم لي على اللي هناك، وبالأخص سمرة. وحشتني قوي."
كور عاصم يده وقال بمزح: "متخلنيش أضربك وأنت مش حمل بوكس مني."
ضحك عمران: "قلبك أبيض يا ابني، بدل ما الشحططة دي كل أسبوع والتاني هات سمرة تعيش معانا هنا في الفيلا."
رد عاصم: "مالكش دعوة، أنا عاجبني كده. يلا عاوزك تتصل عليا تقول لي العقود خلصت. سلام."
تبسم عمران: "والله ما أنا عارف سبب إنك مش عاوز سمرة تيجي تعيش هنا، بس على العموم ربنا يسعدك."
قال هذا وتبسم وتذكر تلك سليطة اللسان.
"آن أوانها أن تأتي إليه."
رفع سماعة الهاتف وطلب من السكرتيرة أن تعطي لها أمرا بالذهاب إليه.
بأسيوط.
بعد انتهاء سولافة من محاضراتها.
عادت مرة أخرى للمنزل.
بحثت عن والدتها لم تجدها.
دخلت إلى غرفتها أو "منفاها" كما تطلقه على الغرفة.
وضعت كتبها على المكتب وكذلك حقيبتها.
وأرتمت على الفراش تحدق في سقف الغرفة.
لا تفكر بشيء. أغمضت عينيها للحظة.
جاء إلى خاطرها صورة عامر وهو يقف مع تلك الفتاة. فتحت عينيها سريعا ونهضت حين سمعت صوت فتح باب الشقة.
خرجت من الغرفة.
تحدثت بلهفة: "عاطف، إيه اللي جرالك؟ إيه الدم اللي على هدومك ده وكمان فيه آثار ضرب على وشك؟ أنت اتخانقت؟"
رد عاطف: "مالكيش دعوة وأوعي من وشي."
قال هذا ودفعها من أمامه ودخل إلى غرفته.
شعرت سولافة بالأسى من معاملة أخيها لها وجفائه عليها كأنهما ليسا أخوة.
ولكن أرجعت ذلك لوالدتها، بسبب تفضيلها لعاطف عليها.
تذكرت وجيهة وكيفية معاملتها لأبنائها. كم تمنت أما مثلها، لكن لا أحد يختار والدته.
فجأة تذكرت إغلاق هاتفها.
دخلت سريعا وأخرجت الهاتف من الحقيبة.
وقامت بفتحه.
وجدت عدة مكالمات فائتة.
ولكن فجأة رن الهاتف بيدها، بدون قصد ضغط أصبعها على "رد".
تحدث سريعا: "إيه؟ بتصل عليكي من الصبح مبترديش وكمان تليفونك كان مقفول ليه؟"
ردت بعصبية: "كنت قافلة التليفون علشان كان عندي محاضرات، وبعدين أنا حرة، هتشاركني؟"
رغم عصبيته، لكن تحدث بهدوء عكسي: "أخبارك إيه؟ وكمان أخبار عمتي وأبو قردان أخوكي؟"
ردت سولافة: "كويسين."
تحدث عامر: "يعني معندهمش خطط جديدة؟"
ردت سولافة: "لأ معرفش، مسمعتش حاجة. وبعدين أنا جاية من الجامعة كان عندي محاضرات كتير وجايه هلكانة. يلا باي."
قالت هذا وأغلقت الهاتف بوجهه.
تنهد عامر بنرفزة: "مش عارف دي جرالها إيه من يوم فرح عاصم. يارب صبرني على غباوتها بدل ما أسافر أسيوط لها مخصوص أفتح مخها وأنضفه بنفسي."
بقنا.
بغرفة سمرة القديمة.
سمعت صوت الهاتف يعلن رسالة.
قامت بفتحها وجدت فيديو مرسل خاص بعاصم وهو يجلس مع فتاة بمطعم يتحدثان بتوافق.
شعرت بالغيرة الشديدة.
قامت بإرسال رسالة: "صورت الفيديو ده إزاي؟"
رد الآخر: "المطعم ده قريب من المكتب الجديد اللي نقلنا فيه وكنت رايح أتغدى صدفه وشوفت عاصم ومعاه البنت دي، ومش أول مرة أشوفها معاه. هي نفسها البنت اللي سبق وقولت لك إنه كان معاها."
ردت سمرة: "يمكن شغل بينهم عادي."
تحدث طارق بضيق: "شغل إيه اللي مبيبقاش غير في المطاعم؟ سمرة فوقي بقى. عاصم مخادع واتجوزك بس علشان يضمنك تحت جناحه. تقدري تقولي لي ليه لغاية دلوقتي مش عايز يجيبك تعيشي معاه هنا في الفيلا اللي عايش فيها هنا في القاهرة هو واخواته؟ سمرة، أنتي بالنسبة لعاصم مش أكتر من وعاء بياخد منه اللي هو عاوزه مش أكتر. هو هدفه ميراثك. تقدري تقولي لي ليه لغاية دلوقتي مسلمش ليكي مستندات ميراثك؟ عاصم استغلالي، هو عارف إنك بتحبيه وضعيفة قدامه واستسلامك له بيقويه. تقدري تقولي لي سبب مقنع إنه مش عايز يجيبك لهنا وتعيشي معاه في القاهرة قدام الكل زوجة له علشان يبقى على راحته هنا وأنتي هناك؟ كده كده مفيش مشكلة."
ردت سمرة: "أنا متأكدة عاصم مش استغلالي زي ما بتقول، ومن فضلك بلاش الكلام ده مش حقيقي."
تحدث طارق بنرفزة: "هتفضلي طول عمرك ضعيفة كده وعاصم هيفضل يستغل ضعفك. سمرة فكري كويس وأنا معاكي، ووقت ما تاخدي قرار حاسم هتلاقيني جنبك. ودلوقتي أنا عندي شغل مهم، أنا بس بعت لك الفيديو تشوفي بنفسك."
ردت سمرة: "طيب، هبقى أكلمك مرة تانية. سلم لي على ماما نادية."
أغلقت سمرة الهاتف ورمته أمامها وجلست مضجعة على الفراش.
تتنهد بسأم وملل وضجر.
دمعة من عينيها نزلت دون وعي.
أمسكت الهاتف مرة أخرى وفتحت الفيديو تشاهده وتتمعنت به.
بالفعل عاصم يبدو منسجما مع تلك.
رمت الهاتف على الفراش.
لا تعرف كيف سحبها النوم.
فتحت عينيها متنهدة ثم أغلقتها.
"سمرة، أصحى! أنا عاصم."
اعتقدت أنها تحلم.
لكن شعرت بقبلات على وجنتيها وشفتيها.
فتحت عينيها وتمعنت وجدت عاصم يبتسم لها.
نهضت فزعة جالسة على الفراش.
تنظر حولها لم تر الهاتف.
نطقت بذبذبة: "عاصم، أنت جيت إمتى؟"
رد ببسمة: "لسه واصل دلوقتي. ولما سألت عليكي قالوا إنك في أوضتك وجيت لك. مش عارف هتفضلي لحد إمتى تخافي تنامي في شقتنا لوحدك."
صمتت سمرة.
تفاجأت سمرة بعاصم يحتضنها وهي مازالت جالسة بالفراش وجلس جوارها.
وتبسم قائلا: "خلينا نطلع لشقتنا، أنتي وحشاني قوي."
أخفضت وجهها بخجل.
تبسم عاصم على خجلها ونهض واقفا وقال: "مش يلا نطلع شقتنا؟"
سحبت سمرة غطاء الفراش لكن يدها خبطت بالهاتف الذي تحت الغطاء.
خشيت أن يراه عاصم.
لمت الغطاء ووضعته على الهاتف يخفيه.
وقالت: "اطلع أنت وأنا هحط للعصافير أكل وهحصلك عالشقة."
تبسم عاصم: "تمام، هطلع وأنتي حصليني بسرعة، متتأخريش."
هزت رأسها بموافقة.
خرج عاصم من الغرفة وأغلق خلفه الباب.
وقفت سمرة تقول: "نفس اللبس اللي كان لبسه في الفيديو، يعني الفيديو كان مظبوط."
لدقيقة ظلت شارده لكن انتبهت على الوقت.
ورفعت الغطاء وأخذت الهاتف وقامت بفصله نهائيا ووضعته بأحد الأدراج وأغلقت عليه بمفتاح صغير.
ووضعت المفتاح أسفل علبة موضوع بها طعام العصافير.
ثم صعدت إلى الشقة ونادت على عاصم لم يرد.
ذهبت إلى غرفة النوم لم تجده.
لكن سمعت صوت آتٍ من الحمام يقول: "سمرة، هاتِ لي منشفة، مفيش هنا مناشف."
ذهبت لغرفة النوم وأخذت منشفة وقامت بالطرق على باب الحمام.
ثم دخلت بخجل وقالت له: "المنشفة أهي."
فتح باب كابينة الاستحمام ومد يده لها قائلا: "إيدي أهي، هاتيها."
أخفضت عينيها للأرض وذهبت ومدت يدها له.
فوجئت به يجذب يدها لتنهمر المياه فوق جسديهما.
انخضت سمرة وتنفست بقوة أسفل المياه.
ثم وضعت يدها على وجهها تزيح الماء عن عينيها ونظرت لعاصم متضايقة تقول: "المياه ساقعة قوي، إزاي متحملها بالدرجة دي؟"
رد عاصم ضاحكا عليها: "المياه الساقعة تفوق الجسم."
أغاظت سمرة منه واتجهت إلى باب الكابينة لتخرج منه، لكن جذبها ليقبلها.
ثم تركها ضاحكا لتخرج وتذهب إلى غرفة النوم.
قامت بإخراج منامة لها ووضعتها على الفراش ثم أمسكت مجفف الشعر الكهربائي وبدأت بتجفيف شعرها إلى أن انتهت من تجفيفه.
بدأت في خلع ثيابها المبتلة.
في تلك الأثناء دخل عاصم إلى الغرفة.
استحت من نظراته لها وبدأت ترتدي ملابسها بسرعة.
لكن كان هو الأسبق.
حين اقترب منها وأخذها بين يديه يقبلها بشوق.
لتنسى للحظات بين يديه ذلك الشعور بالملل والضجر.
بعد قليل، نام على جانبه ينظر لها، مسد وجهها بيده ينظر لها بعشق.
خجلت سمرة وأخفضت عينيها بحياء.
وبحركة تلقائية وضع عاصم يده على بطن سمرة وتحدث: "نفسي في بيبي منك يا سمرة. إيه؟ مفيش بشارة؟"
فتحت عينيها ونظرت له: "معرفش."
ضحك عاصم قائلا: "أكيد فيه وسائل كتير تعرفي إن كنتِ حامل أو لأ. قبل الوسائل دي، أكيد طبيعة جسمك."
له تقول: "طبيعة جسمك إزاي؟"
تبسم عاصم: "أكيد أنتي أكتر واحدة عارفة طبيعة جسمك وتقدرِ تعرفي بسهولة. يعني مثلاً لو متأخره أو حتى مجتش من يوم ما اتجوزنا."
فهمت سمرة مقصده لكن تغابت وأدعت عدم الفهم حتى لا يحرجها.
لكن أكمل عاصم بمفاجأة: "سمرة، هي العادة الشهرية جاتلك الفترة اللي فاتت، وآخر مرة جاتلك إمتى؟"
ارتبكت سمرة من سؤاله وأجابت بتوتر: "لأ، مش فاكرة."
تعجب عاصم: "إزاي مش فاكرة؟"
ردت سمرة: "مش فاكرة ومن فضلك بلاش تتكلم في موضوع سابق لأوانه. أكيد أنا لو حامل هعرف ووقتها هقولك. ودلوقتي كنت عاوزة أقولك على حاجة تانية مهمة أكتر."
تعجب عاصم من عصبيتها وقال: "وأيه الحاجة التانية اللي مهمة عن إن يكون عندنا أطفال؟"
ردت سمرة: "إني إمتى هاجي أعيش معاك في القاهرة؟"
تعجب عاصم: "سبق وقولت إنك هتفضلي هنا."
ابتعدت سمرة عنه ونهضت جالسة.
تقول: "وليه مجيش أعيش في القاهرة؟ ليه أنت تفضل هناك وأنا هنا؟ أنا غرضي تعبك بدل ما كل كم يوم تيجي لهنا علشانِ. وقتها هنكون سوا دايما."
رد عاصم: "ومين اللي قالك إني تعبان من المجيء لهنا؟"
تحدثت سمرة: "عاصم، إيه السبب إنك مش عاوزني أعيش معاك هناك في القاهرة؟"
رد عاصم وهو ينهض من على الفراش: "مفيش أي سبب. أنا عندي شغل، هروح أوضة المكتب أخلصه على ما تحضري لنا العشا."
خرج عاصم وترك سمرة التي لمت غطاء الفراش عليها ونهضت ترتدي تلك المنامة.
تشعر بالضجر والسأم يسرقان عمرها.
لما لا يريد أن يأخذها معه إلى القاهرة؟ لماذا يريد إبقائها هنا بعيدا عنه طول الوقت؟
لابد لهذا من نهاية. لمتى ستتحمل هذا السجن هنا.
بشركة الصقر.
اقتربت الساعة من الحادية عشر والنصف.
نظرت سليمة لهاتفها الذي يرن.
ردت سريعا: "أنا لسه في الشركة يا بابا، وخلاص خلصت مسافة السكة وهكون عندك."
نهضت سليمة: "أظن بكده خلصنا العقود المطلوبة."
نهض عمران هو الآخر قائلا: "كده تمام جداً، وشكراً لمساعدتك. ومتأسف إني آخرتك وقلقّت والدك."
ردت سليمة باختصار: "مفيش مشكلة."
قالت هذا وغادرت.
أغلق عمران حاسوبه وأخذ مفاتيح سيارته وهاتفه.
ونزل إلى الجراج الخاص بالسيارات وركب سيارته مغادرا.
لكن حين رأى سليمة من مرآة السيارة الجانبية تسير بالشارع عاد عمران للخلف.
ووقف بالقرب منها ونزل من السيارة.
تحدث إليها قائلا: "تعالى معايا أوصلك للمكان اللي أنتِ عايزاه، الوقت اتأخر ومش هتلاقي تاكسي هنا، المنطقة بعيدة."
ردت سليمة: "شكراً لعرضك، أكيد فيه تاكسي هيجي دلوقتي. أنا طلبت واحد وقالي نص ساعة ويكون هنا، أنا بس بمشي رجلي على ما يوصل."
أمسك يدها يجذبها قائلا: "بلاش، الوقت بدأ يتأخر."
نفضت يده متحدثة بعنف قائلة: "أبعد عني، أنت إزاي تمسكني كده؟ ده في القانون يعتبر تحرش. أنا أقدر أقدم فيك بلاغ دلوقتي وأتهمك بالتحرش بيا."
نظر لها متعجبا: "تحرش إيه اللي بتتكلمي عنه؟ أنتي ناسيه إني مديرك ولا إيه؟"
ردت بعجرفة: "مديري ده في الشركة بس، أما في الشارع أنت مواطن وأنا مواطنة، ولنا نفس الحقوق والواجبات. متفكرش إنك بره شركتك ليك عليا سلطة يا برجوازي."
قالت هذا وتركته متجهة إلى ذلك التاكسي تركبه مغادرة من أمامه.
تبسم يعيد كلمتها: "برجوازي! ده أنتي اللي مش هتتأدبي غير بجوازي منك. هو فيه يمامة تقف قدام صقر."
سار عمران خلف التاكسي إلى أن دخل إلى المنطقة التي تسكن بها سليمة.
نزلت سليمة أمام أحد البنايات.
نظرت لعمران الذي يشير لها بيده.
وتجاهلت إشارته ودخلت إلى البناية.
بينما كان هناك من رآهم من شرفة الشقة.
فتحت سليمة باب الشقة.
وجدت والدها يستقبلها.
يقول: "حمدلله على السلامة، إيه آخرك كده؟"
ردت ببسمة: "مفيش يا بابا، كان فيه عقود مهمة لازم تتراجع والوقت سرقنا."
تحدث رفعت بحنان: "أكيد طبعاً، متعشتيش على ما تغيري هدومك، هجهز لنا عشا خفيف."
تبسمت سليمة وهي تتجه إلى غرفتها.
بعد دقائق، جلست سليمة ووالداها على طاولة السفرة يتناولان العشاء في ود.
تحدث رفعت: "شكلك مرهقة كده."
ردت سليمة: "فعلاً، أنا هلكانة بسبب النهارده اشتغلنا على عقود كتير، وهتعشى وأقوم أنام، مش هقدر أكمل سهر، مع إني كنت ناوية أسهر علشان أكتب شوية في رسالة الماجستير، بس خلاص يتأجل لبكرة، أنا مرهقة جداً ومش هقدر أركز."
تحدث رفعت: "رغم إني شايف إن شغلك في الشركة دي مرهق، لكن حاسس إنك استفدتي منه."
ردت سليمة: "فعلاً، بس أنا خلاص، مدام فاطمة ولدت من فترة، وأكيد هترجع تستلم مكانها تاني وأتفرغ أنا بقى لرسالتي وكمان هفتح مكتب خاص بيا مش هشتغل في شركات تاني. حضرتك عارف إني وافقت بس أشتغل في الشركة دي بس لما طلب مني أستاذ موسى وهو الدكتور المشرف على رسالتي وكمان شخص محترم."
رد رفعت: "اللي فيه الخير ربنا يقدمه ويوفقك للخير دايماً."
بشقة عاصم.
بغرفة المكتب.
وضعت سمرة كوب العصير على المكتب أمام عاصم.
دون أن تتحدث.
نظر عاصم للكوب بتعجب قائلا: "أنا طلبت قهوة مش عصير."
ردت سمرة: "إحنا بقينا متأخر والقهوة دلوقتي مش كويسة، اشرب العصير أفضل، وكمان ياريت تبطل شرب سجاير علشان صحتك."
غادرت سمرة الغرفة.
نظر عاصم لكوب العصير وتنهد مبتسما، رغم أنه يعلم أن سمرة غاضبة، لكن لم تقدر على خصامه.
بعد عدة دقائق، دخل عاصم إلى غرفة النوم واتجه إلى الفراش ونام عليه يجذب سمرة عليه.
لكنها قالت له: "من فضلك، أنا عاوزة أنام."
رد عاصم: "متناميش، هو أنا منعتك؟ بس هتنامي في حضني."
ردت سمرة: "لأ، أنا عاوزة أنام عالمهدة زي ما بنام كل يوم، يعني إيه اللي اتغير؟"
همس عاصم بجوار أذنها: "اللي اتغير إنّي هنا وهتنامي في حضني."
ردت سمرة وهي تحاول الفكاك من حصار يديه: "لأ، أنا عاوزة أنام عالمهدة ومن فضلك ابعد عني."
تبسم عاصم: "إيه اللي مزعلك كده؟"
"علشان مش عاوزك تعيشي في القاهرة."
"سمرة، أنا باجي هنا علشان أفصل عن الدنيا كلها معاكي، مفكرة في القاهرة هبقى فاضي إني أبقى معاكي دايماً؟ غلطانة، أنا برتاح هنا أكتر وبفصل عن الكون وأنا معاكي."
نظرت سمرة لعينيه رأت منهم نظرة صدق، أو هكذا شعرت.
بعد مرور أسبوع.
نفس الحلم يراوده.
رأى تلك الطفلة تقترب منها ضربته على صدره قائلة: "أنا قريبة منك أكتر ما تتصوري، وقريب قوي هتعرفني أنا مين."
سمع خلفها رنين صوت حذاء آتٍ من خلفها.
حتى اقترب ووقف خلفها.
لكن كالعادة، استيقظ فزعاً على صوت رنين منبه الهاتف.
مسح حبات العرق عن جبينه.
وتذكر الحلم.
لأول مرة تقول له إنها قريبة منه.
من تلك الفتاة، لما يحلم بها كثيراً في الفترة الأخيرة؟ سابقاً كانت قليلاً ما تأتي له على فترات متباعدة.
من تلك الأخرى التي أصبحت تلازمه في كوابيسه؟ صوتها قريب من صوت أحد يعرفه لكن لا يستطيع تمييز من يكون.
فكر وفكر، عقله يكاد يشرد منه بسبب تلك الكوابيس.
ظهراً.
بمكتب عاصم بالشركة.
جلس الصقور الثلاث.
تحدث عامر: "عمتك وأبو قردان مش حاسس كده إنهم من يوم فرحك أنت وسمرة ومحدش سامع لهم حس."
ضحك عمران: "والله غريبة، معرفش إيه السبب، بس برضه الحذر لازم يكون موجود. وبعدين سيبنا من سيرتهم. بقولك إيه يا عاصم، أنت مش عندك طيارة بعد ساعة؟ مش لازم تجهز كده للرايح لهم، تحلق دقنك وتظبط نفسك علشان تعجب اللي في قنا."
ضحك عامر قائلا: "والله بابا وماما وحشوني، وكمان سمورة وحشتني قوي."
رد عمران: "وأنا كمان سمورة وحشني الشاي بتاعها اللي ميتشربش، معرفش بتحط فيه إيه. فاكر يا عامر لما عملت شاي بالفلفل الأسود لعمتك عقيلة؟ لأ وأيه شربته وشكرت فيها يومها والبت يا عيني صدقت إنها نجحت في عمايل الشاي."
ضحك عامر: "يا عم عمتك منافقة، والبت سمرة على نياتها وبتصدق أي حد يضحك في وشها. مش عارف إيه اللي وقعها في الصقر الكبير. دي عصفورة وهادية كده."
رد عاصم ضاحكا: "أنا بقول أمشي علشان ألحق الطيارة بدل ما أنزل فيكم أنتم الاتنين تلطيش قبل ما أمشي من هنا."
ضحك عامر وعمران.
وتحدث عمران: "سلم لي على ماما وبابا."
تحدث عامر: "ومتنساش تبوس إيديهم، بوس الأيادي بيجيب معاهم قوي."
ضحك عمران.
وكذلك عاصم قائلا: "يابارد."
"سلام بقى يا شباب، ادعوا إننا نفوز بالصفقة دي. وبعدها هاخد سمرة شهر لشهرين ونسافر نعمل شهر عسل ومش هقولكم إحنا فين."
ضحك الاثنان وتمنوا له السعادة.
فتحت سمرة الهاتف.
وبعثت رسالة: "مبروك يا طارق المكتب الجديد، ربنا ينجحك."
رد طارق: "إيه العصفورة بنفسها بتبارك لي؟ والله مش مصدق نفسي، مش خايفة من الصقر؟"
تحدثت سمرة: "بلاش طريقتك دي يا طارق. أنا كنت ببعت لك رسايل الأيام اللي فاتت وإنت اللي مكنتش بترد عليا."
رد طارق: "كنت بنقل المكتب الجديد. ها، قولي لي أخبارك إيه؟ سمعت من ماما إن عاصم كان في قنا الأيام اللي فاتت."
ردت سمرة: "أيوا، جه مفاجأة واتصل النهارده على مرات عمي وقال لها إنه جاي النهارده وهي قالت لي."
رد طارق يقول: "والله أنا مش عارف أنتي إزاي متحملة العيشة دي. ضعفك ده هو اللي مقوي عاصم عليكي، وعاصم طمعان في ميراثك. تقدري تقولي لي ليه لغاية دلوقتي مفتحش حتى معاكي موضوع مستندات ميراثك؟ سمرة، فاتحي عاصم مباشر في الموضوع وشوفي رده، اللي أنا متأكد منه إنه هيتوه. سمرة، مفيش قدامك مع عاصم غير فرصة واحدة تعرفي إذا كان بيحبك لشخصك ولا طمع."
ردت سمرة: "وايه هي الفرصة دي؟"
رد طارق: "إنك تيجي لهنا القاهرة وتحطي عاصم قدام الأمر الواقع، وبعدها نشوف رد فعل عاصم إيه."
جلست أفنان.
بعد أن قالت لها السكرتيرة أن تنتظر قليلاً.
ثم سمحت لها بالدخول.
دخلت إلى المكتب.
نهض الآخر مبتسما يرحب بها قائلا: "أهلاً يا أفنان، اتفضلي، أول مرة تدخلي مكتبي. تحبي تشربي إيه؟"
ردت أفنان: "أكيد مش جايبني علشان أضيف، وكمان سايبة سيد لوحده في المحل. قول، اتصلت عليا وقولت عاوز تقابلني وكمان بعت لي عنوان المكتب في رسالة. خير، متقابلناش ولا حتى كلمتني من يوم فرح سمرة. قول، طلبت نتقابل النهارده ليه يا طارق."