تحميل رواية «رحماء بينهم» PDF
بقلم علياء شعبان
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
هل جربت ذلك الشعور يومًا؛ حينما يجعلك الله سببًا في إحياء حياة شخص رأيت موته بأم عينك؟! هل جربت أن تكون لحياتك معنى وأنت ترى تلك الروح التي أنت طوق نجاتها تحوم حولك من جديد!!! نقطة من بداية السطر. سبب لبداية حياة جديدة كادت أن تفنى. مشهد جعل كيانه يهتز بصدع حتى تعلم لأول مرة معنى غياب الأمان ووجود أرواح سيئة تشاركه في هذا العالم الذي انحصر دومًا في والده، دروس الدين المحببة إلى قلبه وممارسة هواية السباحة الأكثر شغفًا في حياته على الإطلاق. طفل صغير عاش في بلدة قروية بسيطة تبدأ حدودها مع بداية قنا...
رواية رحماء بينهم الفصل الأول 1 - بقلم علياء شعبان
هل جربت ذلك الشعور يومًا؛ حينما يجعلك الله سببًا في إحياء حياة شخص رأيت موته بأم عينك؟!
هل جربت أن تكون لحياتك معنى وأنت ترى تلك الروح التي أنت طوق نجاتها تحوم حولك من جديد!!!
نقطة من بداية السطر.
سبب لبداية حياة جديدة كادت أن تفنى.
مشهد جعل كيانه يهتز بصدع حتى تعلم لأول مرة معنى غياب الأمان ووجود أرواح سيئة تشاركه في هذا العالم الذي انحصر دومًا في والده، دروس الدين المحببة إلى قلبه وممارسة هواية السباحة الأكثر شغفًا في حياته على الإطلاق.
طفل صغير عاش في بلدة قروية بسيطة تبدأ حدودها مع بداية قناة يجف ماؤها من حين لآخر ثم تعود تفيض بفيض ماء مرة أخرى باختلاف فصول السنة وحالات الطقس.
وكعادته الأسبوعية يختار يومًا شاغرًا من وظائفه المدرسية ثم يقرر ممارسة هوايته فيه، سار إلى القناة بعلم والده واندماج في التمرين حتى تأخر الوقت ولم يلاحظ.
كانت الشجيرات القصيرة والعشب يحفان القناة من جانبيها.
طال اندماجه حتى قطع تدريبه مشهد لن تنساه ذاكرته على الإطلاق ولن يخدمه النسيان في تجاوزه مدى الحياة.
كانت تهرول بغير اهتداء، تنظر يمنة ويسرة في توجس وخوف شديدين إلى أن وصلت إلى الجسر القابع فوق القناة.
كانت تبكي حَرقة ورغم ذلك لم يمنعها ارتجافها من التقاط طفل يمشي بمحاذاتها ثم دفعه بكل ما أوتيت من قوة في القناة.
ولم تكتف بذلك!!!
كانت تستقر طفلة رضيعة على ذراعها فأطاحت بها أيضًا ثم شهقت شهقة خافتة وهي تتابع سقوطهما بالماء.
وما هي إلا لحظات حتى هرولت بعيدًا.. بعيدًا جدًا.
نُحتت ملامح وجهها في ذاكرته ولو مر ألف عام لن تُطمس هذه الملامح القاسية التي أصابها الاضطراب.
ازدرد ريقه بالكاد وبقيت عيناه محدقتين في الصغيرين.
انتشل نفسه من الصدمة قبل فوات الأوان، خرج من خلف الشجيرات أثناء تواريه عن أنظارها ثم بدأ رحلة البحث عن الطفلين.
إلى أن وقعت عيناه على ذراع تلك الصغيرة الذي ظهر على سطح الماء بينما غاص جسدها كله.
سبح نحوها حتى حملها بين ذراعيه ثم سار بها إلى شط القناة.
كانت أنفاسها تتصاعد ببطء كمن يصارع أنفاسه الأخيرة ولكنه تمكن من انتشالها من الماء قبل انقطاع الأنفس وفوات الأوان.
التفت نحو القناة من جديد ثم بدأ يبحث عن الطفل الآخر بعينيه المصدومتين ولكنه لم يجده.
لم يتقبل الأمر حتى سبح مرة أخرى وراح يبحث عنه في كل مكان ولكن انتهى الأمر دون جدوى!!!
عاد للشط مرة ثانية، حمل الصغيرة على ذراعيه ثم هرول مبتعدًا والماء يقطر من ملابسه بينما ينظر (هو) للصغيرة بتعاطف وإشفاق.
ابتسم بخفوت وهو يتأمل ملامحها البريئة وهي تنام قريرة العين بعد أن كتب الله لها الحياة من بعد غدر!
هرول إلى البيت، دق بابه ففتح ذلك الشيخ الوقور.
"أبويا، بص أنا جبت أيه معايا؟!"
قطب (الشيخ) ما بين عينيه ثم سأل مستفسرًا في دهشة:
"مين الطفلة دي يابني؟! وبتعمل أيه معاك؟!"
نظر الطفل للصغيرة تارة ولأبيه تارة أخرى، تنهد بأسى ثم قال:
"وأنا بعوم لقيت ست بترميها في القناة.. كان في عيل تاني بس دورت عليه كتير وملقيتهوش!"
الشيخ وهو يشهق صدمة ثم يردد:
"يارب لطفك علينا من بلاوي الدنيا."
أطرق الصغير برأسه يتأمل الطفلة من جديد وبنبرة مرتجفة من شدة البرد قال:
"أنا لازم أجيب لها الدكتور عزت حالاً علشان بتتنفس بالعافية."
أومأ (الشيخ) مؤيدًا رأيه ثم أخذ منه الطفلة ليهرع (الصغير) إلى بيت الطبيب كي يأتي به لإغاثة الطفلة بأقصى سرعة.
كان جسده ينتفض من شدة البرد القارس الذي نخل عظامه ورغم ذلك لم يبال بالتعب الذي تسلل إليه وكان همه الوحيد إنعاش هذه الطفلة وإلا شعر بالذنب إن أصابها مكروه!
أبان القمر وسط الغمام في ليل مشت وقارس البرودة بينما لم يأبه هو بانتفاضة جسده وبقى صامدًا في زاوية ما بتلك الغرفة.
جمع ساقيه إلى فخذيه يتأملها وهي تنجز عملها المساق إليها لإتمامه في أسرع وقت ممكن.
شعرت بتنهده المتكرر وعلمت أن ثمة شيء يجول في خُلده ويرهقه.
نظرت إلى الفستان القابع أمامها وراحت تبتسم في هدوء؛ لقد نجحت في تصميمه بسهولة ويسر بعد أن جمع لها أغلب قمصانه المكدسة داخل دولابه وطلب منها أن تخيطهم على هيئة فساتين صغيرة ورقيقة تليق بتلك الطفلة الجميلة التي جلبها معه منذ عدة أيام مضت.
أطرق برأسه يفكر في حديث والده وكأنما أظلمت الحياة من بعد نور.
فقد تعلق قلبه بالطفلة ورغب في بقائها معه إلا أن والده كان يرى عكس ذلك.
كانت هذه المرة الأولى التي يتعلق فيها بشيء على الإطلاق وبقائها وسطهما كانت الرغبة الأولى والوحيدة له منذ أن وُلد وصار ولدًا بالمرحلة الإعدادية؛ فهل عليه أن يستسلم للأمر الواقع شاء أو أبى؟ أو يتشبث في رغبته بوجود مؤنسة له في وحدتها، وصفها داخل قلبه «كأنما هي بمثابة وميض أبيض انبلج من وسط سواد وحدته الموحشة إلى ذروة الألفة والنور».
حيث ظهر ذلك في تصرفه النشط والمتحمس وهو يجمع ملابسه ثم يطلب من الخياطة أن تخيط لها الكثير من الفساتين الجميلة ثم يستيقظ باكرًا حتى يأتي لها بالحليب الطازج ثم يخففه لها كي ترتوي وتنام بسلام وأمان كما أنه لم يتوان عن تغيير حفاضتها المبللة كل ليلة دون أن يشتكي ضيقًا أو نفورًا.
لقد أحبها جمًا وود لو يتخذ منها شقيقة تترعرع وسط رعايته هو ووالده وقد أقسم مرارًا أثناء حديثه مع والده أن يحفظها ويرعاها من كل سوء ولكن والده لم يتفهم مشاعره قط أو ربما يظن ذلك!
شرد في كل لحظة قضاها مع هذه الصغيرة وهي تحبو صوب بفرحة عارمة بينما يراوغها ببالون قابعة بين يديه.
تمتلك غمزة رقيقة أسفل عينها اليسرى وكان هذه الصفة مميزة وغريبة حيث أنه لم يرها قط في حياته ولكنها حالما تضحك بطفولة يبتهج داخله سرورًا ولم يبق من جهده مثقال ذرة كي يحتوي براءتها ويحنو عليها، عاش مع براءة روحها أيام فكيف بهذه السهولة يتقبل فراقها العزيز!
حينما أخبره والده أن هذه الطفلة مسؤولية كبيرة عليهما ولا يجوز تبنيها ثم التقصير معها في كثير من الجوانب!
- "مالك يا تليد؟ شايل هم الدنيا ليه؟!"
تنهد تنهيدة ممدودة ثم زفره بقوة، داهمت نبرة صوته حشرجة بكاء وهو يقول دون أن يرفع بصره لها:
- "أبويا رافض إن الطفلة تعيش معانا وبيقول إننا وارد نقصر معاها وبكدا هنكون بنظلمها؟!"
أبصرت "هدى" إليه ثم سألته باهتمام:
- "أكيد الشيخ سليمان عنده وجهة نظر في كلامه؟!"
تليد وهو يقول باختناق:
- "وجهة نظره إننا بيت من غير ست!"
سكت هنيهة ثم أضاف وهو يلتفت بنظراته إليها:
- "بس أنا أقسمت له بالله إني هرعاها بس اقنعيه يخليها تعيش معانا، أنا حبيتها أوي!"
أومأت بتفهم ثم تابعت بهدوء:
- "بس هييجي عليك وقت تنشغل، إنت ناسي إنك بتشتغل وعندك دراسة وامتحانات ولا أيه؟ وكمان الشيخ سليمان مش طول الوقت في البيت، هيكون مصيرها أيه وقتها!"
افتر ثغرها عن ابتسامة لطيفة ثم أقرت بوجهة نظرها بلطف كي لا تزيد على همه:
- "مش يمكن لما تكون مع ناس تاني يحافظوا عليها وتعيش حياة أفضل؟"
تأججت مشاعره ألمًا ثم قال بنبرة محتجة مكتومة:
- "أنا أولى بيها، أنا اللي أنقذتها من الموت وأنا اللي حبيتها، ليه تعيش بعيد عني مش معايا؟ والله العظيم ههتم بيها بس قولي لأبويا مياخدهاش مني!!!"
اغرورقت عيناه بالدموع ناظرًا إليها بسهام تنطلق من عينيه كي تتوسل إليها أن تُغيث قلبه الذي يخفق من التعلق والحزن إن فارقته.
اخفضت عينيها كي تتفادى نظراته البريئة المجروحة ثم تابعت بخفوت:
- "حاضر يا تليد، أوعدك إني هحاول!"
التفتت إلى ماكينة الخياطة والتطريز الخاصة بها والتي تأكل من وراءها العيش ثم تابعت ما بدأته وفي غضون ذلك تذكرت أن تسأله بفضول:
- "تليد، إنت شوفت الست اللي رميتها في القناة كويس؟"
تليد وهو يقول بغضب متوارٍ:
- "حفظت شكلها وعمري ما هنساها."
التفتت إليه مرة أخرى ثم قالت بنبرة سادرة:
- "مش يمكن تكون من البلد عندنا؟"
تليد ينفي بتأكيد:
- "لأ مش من البلد، كان شكلها غريبة مش من هنا."
أومأت "هدى" بتفهم ثم تابعت بقلب حزين:
- "حسبي الله ونعم الوكيل، ربنا ينتقم منها."
ساد الصمت للحظات حتى عادت "هدى" بكرسيها للخلف ثم قالت بنبرة منشرحة وهي تتحدث إليه بعد أن وضعت الملابس داخل الشنطة:
- "وبكدا أكون خلصت لك الفساتين والبلوفرات، تحب تاخد باقي القماش المتقطع؟!"
نهض من مكانه بسرعة ثم التقط الشنطة منها وراح يقول بنبرة حماسية:
- "لأ، عايزك تعملي لها بيهم عرايس وهعدي وقت تاني أخدهم."
قامت "هدى" بالربت على كتفه بحنان وفير.
ابتسم لها فبادلته الابتسامة الصادقة ثم قالت بهدوء:
- "متزعلش من أبوك يا تليد مهما كان قراره، فهو دائمًا الأصح."
أومأ متفهمًا ثم غادر في الحال.
جلس على إحدى الدكك داخل مشتله الذي ورثه عن أبيه كأشياء أخرى ولكن الشيء الوحيد الذي تمكن من استلامه وباقي إرثه من تركة أبيه ما زال تحت سطوة شقيقه الأصغر الذي يرى أنه الأجدر والأحق بها إلا إذا انصاع "سليمان" لأوامره خاصةً أنه دائمًا يفضل العيش بعيدًا عن حياة شقيقه التي تفتقر إلى الكثير من القيم والمبادئ الأساسية في الدين!
انتظر طويلًا حتى جاء الأخير كما أخبره برغبته في الالتقاء به لبعض الوقت ولم يتمنع "سليمان" عن مقابلته بل انتظره حتى يرى ما عنده من جديد يقال.
كان المشتل عبارة عن مساحة شاسعة زرع فيها الكثير من النباتات، الورود والأزهار.
ثمة شيء يجبرك على التحديق في المكان، شيء يجبرك على الانغماس في تنشق عبق الزهور به كما لو أنك ذهبت في دنيا غير تلك التي عشت فيها دائمًا.
هرول أحد العمال بالمكان صوبه ثم قال وهو يلتقط أنفاسه اللاهثة:
- "عثمان باشا وصل يا شيخنا!"
كان يجلس مقرفصًا على الدكة وتنام الصغيرة على حجره في هدوء بعد أن تناولت الحليب الدافئ الذي أوصى به.
أومأ برزانة مشبعة في تفاصيل وجهه وروحه ثم قال بهدوء:
- "خليه يتفضل."
هرول العامل مبتعدًا حتى البوابة ثم فتحها على مصراعيها سامحًا للأخير بالمرور داخل المشتل.
رمقه "سليمان" بثبات غامض لدرجة أنك لا تعرف إن كان غاضبًا عليه أو مشفقًا على روحه التي أهلكها وهو يعدو نحو مغريات الحياة دون تفكير!
ترجل "عثمان" من السيارة ثم رصد مجلس أخيه فسعى إليه واسع الخطى وما أن وصل إليه حتى وقف أمامه شامخًا ثم قال بثبات:
- "إزيك يا سليمان ياخويا، أخبارك أيه؟"
سليمان وهو يبتسم بوقار لطيف:
- "بخير وبدعي لك."
هز رأسه عدة هزات متتالية ثم أسرع بالجلوس بجواره ثم قال ببسمة باهتة بعد أن أدرك وجود طفلة في حجره:
- "وبتدعي لي بأيه بقى!"
سليمان بنبرة جادة يردف:
- "بالهداية."
أمد "عثمان" ذراعيه نحو الصغيرة يداعب وجنتها الناعمة ثم قال بنبرة مراوغة:
- "بنت مين دي يا شيخ سليمان، إنت أتجوزت وخلفت من ورايا؟"
سليمان ببسمة خفيفة:
- "دي زي الزرعة الخضرة اللي هناك دي، نبتة ضعيفة بس ربنا أراد لها تنبت في بيئة ريحها طيب، إنما سيبك من العيلة وقول لي زرعت أيه إنت لدنيتك يا عثمان؟"
عثمان وهو يطلق ضحكة عالية ثم يجيبه:
- "أتجوزت وخلفت وعملت اسم لعيلتي وفلوس آمن بيها مستقبل عيالي وبقيت رجل أعمال تفتخر إنك تتعامل معاه وصاحب أكبر شركة للصناعات الغذائية والإنتاج في الشرق الأوسط، تاني ولا أكمل!"
داهمت بسمة ساخرة ثغر "سليمان" الذي تابع بهدوء:
- "قصدي زرعت أيه تحصده للآخرة؟ كل اللي إنت بتقوله دا فاني يا ابن أبويا وأمي!"
عبس وجه "عثمان" الذي تابع بانفعال خفيف:
- "من الآخر كدا يا سليمان، لو عايز باقي ورثك من أبوك يبقى تبطل بقى شغل شيخ سليمان راح وشيخ سليمان جه وتيجي تشتغل معايا في الشركة لأن أنا مش هسمح لكل حاجة بنيتها إنها تتهد بشوية مبادئ وأخلاق ومسميات مجردة."
سليمان وهو يقول بثبات أضمر الغيظ في نفس الأخير:
- "مش إنتَ قابل!، أنا كمان مش عايز حاجة ولو على حق ابني فربنا يتولاه وكفاية علينا المشتل."
تأجج "عثمان" من شدة الغيظ ثم نهض على الفور مقررا الذهاب نادمًا على المجيء الذي أسفر عن فشله في إقناع شقيقه كالعادة.
أوقفه "سليمان" بصوته الرخيم قائلا ملحوظة كانت تائهة عنه للحظة ما:
- "بس يكون في علمك يا عثمان يا خويا، مش هنصدر لك أي زرع أو محصول من مشتلنا، المعاملة بينا معادش ليها لازمة."
رفع "عثمان" أحد حاجبيه ثم استدار نحو شقيقه مرة أخرى وقال بغيظ:
- "إنتَ بتلوي دراعي علشان عارف إن أغلب منتجاتنا قايمة على محاصيل المشتل؟"
سليمان بنفي قاطع:
- "مش لوي دراع بس تجنبا لآثام مرتكبتهاش واتقي الله شوية في المزرعة، طبعًا إنت فاهمني!"
عثمان بغضب مكتوم وملامح صلبة:
- "دا آخر كلام عندك!!"
سليمان وهو يشيح بوجهه للجهة الأخرى ثم يقول بلهجة حازمة:
- "مع السلامة يا عثمان، ربنا يهديك يا ابن أمي وأبويا."
تشنجت ملامحه الصارمة وراح يبتعد ساخطا على شقيقه الذي أنهى النقاش بينهما بمقاطعة نهائية ووضعه أمام الأمر الواقع من سرعة في إيجاد مشتل آخر يحصل منه على المحاصيل المستخدمة في إنتاج شركته من بضائع غذائية عالية الجودة وبأسعار تنافسية معقولة ومناسبة كما يقول بتفاخر في إعلاناته الثمينة!
مرت لحظات وجاء "تليد" مشتاقا للعب مع رفيقته التي كملاك بريء يثلج قلبه هذا الطفل الوحيد منذ أن ذهبت والدته ولم يحظ بأشقاء يؤنسون حياته الرتيبة.
تخللت أسارير وجهه حينما أبصرها تنام على فخذي والده فأخذ أنفاسا مطمئنة وهو يتوجه نحوهما ورغم شرود الشيخ "سليمان" في حزنه الصامت إلا أنه تيقظ لمجيئه فتدبر ابتسامة خفيفة كيلا يبدأ صغيره الفطن في طرح العديد من الأسئلة التي يلقى جوابا لها بإصراره المعتاد فلم يبعده الشيخ عن حياته بما تضمنها من توتر العلاقة بينه وبين شقيقه؛ بل كان يضعه في الصورة كي يكبر سريعًا ولا يتمكن أحد من استغلال صغر سنه وبراءته حينما يغيب الشيخ "سليمان" عن هذه الدنيا ولكنه دومًا يثنيه عن السوء وارتكاب المعاصي في حق مظلوم؛ عليه فقط أن يسترد حقه دون زيادة أو نقصان؛ ألا يجور فتزول كل فضائل الله عن وجهه!
هرع إلى والده بحماس صبياني ثم امتد بصره نحو الصغيرة قائلا بفضول:
- "هي نايمة؟"
أومأ الشيخ برأسه داعما سؤاله، فاقترب الصغير منها ثم مال مقبلا وجنتها وبعدها جلس بجوار والده قائلا:
- "جبت لها غيارات ودفيت لها شوية لبن في الرضعة وكمان فصلت لها فساتين حلوة أوي لما نروح هوريها لك."
ربت "سليمان" على كتفه بحنان غزير قاصدا أن يغمره بهذه الكلمات:
- "ربنا يجازيك خير يا تليد يابن الحاجة حورية ويجعلك غرس صالح ليا أنا وهي، ويجعلك ملاذ لكل ضعيف أو فاقد الملاذ."
تليد بابتسامة خجولة يقول خافتًا:
- "يارب يا أبويا."
بادله "سليمان" ابتسامة دافئة تبعث الطمأنينة على نفسه النفيسة الأبية منذ الصغر.
ثم قال بنبرة ثابتة:
- "يلا يا بطل على شغلك، في زرع آن حصاده."
تليد وهو يتوسل له برجاء:
- "عايز ألعب مع أترج شوية."
اتسعت ضحكة "سليمان" وهو يستمع إلى إصرار صغيره على هذه الاسم الفريد.
التقت نظرات سليمان بابنه وشرد كلاهما في مشهد مختلف عن الآخر ولكن كلاهما يرتبط بهذا الاسم الفريد!
غاب الوالد إلى تلك اللحظة المزدهرة بكثير من الزرع والنباتات والأحلام الحالمة التي تطوف حول هذه المبهجات.
وقف "تليد" بجواره ثم بدأ يسأل عن اسم كل نبتة في محاولة منه لمعاونة أبيه في الاعتناء بالمشتل وري المحاصيل به.
كان يسأل كلما رغب في أن يستزيد ويتزود بالمعلومات القيمة والثرية من أبيه حتى وقعت عيناه عن نبتة يحبها والده جمًا وهي شجرة لثمرة تشبه ثمرة البرتقال في اللون والليمون في الحجم.
اختلط عليه الأمر فالتفت يسأل بفضول وإعجاب:
- "هي أيه الفاكهة دي يا بابا؟"
ابتسم "سليمان" برصانة ثم أجابه باقتباس عن حديث للنبي، فتابع:
- ”مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة طعمها طيب وريحها طيب“.
قطب "تليد" ما بين عينيه ثم ردد بتعجب:
- "أترجة!!!"
أومأ بتريث واستمر ينظر إلى ابنه في اهتمام، فوجده يقول باستفسار وحيرة:
- "يعني دا مش ليمون ولا برتقان؟"
الشيخ بابتسامة خفيفة:
- "لأ، دا بالمصري اسمه كباد وأترج دي بالفصحى وهي فاكهة جميلة أوي يابني، مليانة فيتامين سي وفوايدها كتير أوي علشان كدا كنت مهتم طول الوقت أزرعها، وعلشان إنت سألت فلازم أقول لك إن الوصفة اللي بغليها لك لما بيكون عندك حموضة معدة هي قشرها والطعم الحلو في السلطة اللي بعملها بسببه كمان."
حدق "تليد" فيه بصدمة ثم قال:
- "دا بجد!!!.. دا أنا حبيته أوي من كلامك عنه يا شيخنا!"
انطلقت ضحكة كبيرة من فم "سليمان" الذي سحب "تليد" إلى حضنه وراح يربت برفق على ظهره ثم يكمل:
- "بس دا سر المهنة، إياك والبوح به!"
انتظر "سليمان" كي يستمع إلى ردة فعل ابنه الذي لم يخيب ظنه، فقال بنبرة سادرة:
- "يعني لو حد تعبان ومحتاج الوصفة دي ما أقولوش يا بويا؟"
خفتت ضحكة "سليمان" ولكنها بقيت ابتسامة حانية مجيبا ابنه برقة أب ناصح:
- "نقول له طبعًا يا روح أبوك.. نقول له يا عز الناس."
تشبث "تليد" بخصر والده وراح يبتسم في سعادة ثم يتمتم بخفوت:
- "أترج!!!!!!"
ولم يسبح الوالد وحده في ذكرى جميلة عابرة؛ بل فعل ابنه الذي أراد وبشدة أن يطلق عليها هذا الاسم الذي يخص تلك الثمرة الطيبة النافعة والتي تعلق قلبه بأشجارها منذ تصريح والده بحبه لها وكثرة منافعها فصار يهتم بتلك الأشجار بصفة مستمرة وبشكل خاص فلا يجعلها تجف أو تلقى هلاكا من الماشية القريبة من المشتل.
تذكر حينما دخل بالصغيرة على والده الذي طلب منه أن يُسعف الصغيرة معه بسرعة وأن يأتي بثوب من ثيابه التي صغرت وضاقت عليه كي يُلبسها للصغيرة التي يسقط الماء من ثيابها في هذا الشتاء القارس.
ففعل "تليد" الذي انتظر حتى سها والده في إشعال المدفأة بالحطب وراح يضع ورقة داخل ملابسها المبتلة بسرعة.
عاد الشيخ إلى الطفلة مرة أخرى ثم بدأ في نزع ثيابها حتى صادفه رؤية هذه الورقة التي كُتب عليها بخط منمق غير متهادٍ قد كُتب على عجلة رغم التشبث الواضح في الحفاظ على تشكيل الكلمة ذلك الشيء الذي يشتهر به صغيره المولع باللغة العربية.
«اسمها أترج».
نظر "سليمان" الكلمتين بتوجس ثم شمل ابنه بنظرة عابرة قبل أن يضع عينيه في الورقة مرة أخرى ثم يبتسم بفطنة بينما جاهد "تليد" في أن يبدو غير مهتم بما يقبع في يد والده.
تنهد الشيخ بهدوء ثم قال:
- "تخيل يا تليد البنت طلع اسمها أيه؟"
تليد وهو يتظاهر غير مبالٍ:
- "اسمها أيه؟"
الشيخ بابتسامة خفيفة يواريها عن أعين ابنه فيقول بثبات:
- "اسمها أترج.. أيه الصدفة الجميلة دي!!!.. دا نفس نوع الفاكهة اللي إنت بتحبها!!!"
تليد بضحكة واسعة:
- "قصدك اللي إحنا الاتنين بنحبها."
عادا للواقع معًا فتلاقت أعينهما بين نظرة محبة وابتسامة دافئة تتألق على محياهما.
كانت هذه نفسها تلك الابتسامة الممتنة بجزيل الشكر حينما اعتمد الشيخ "سليمان" هذا الاسم للطفلة مما جعل صغيره يطير كعصفور أوجد الحرية بعد ليال طويلة من الأسر.
- "أوعدك بعد ما تخلص حصاد الطماطم النهارده إنك تاخد بكرة أجازة وتلعب معاها على راحتك."
انفرجت أسارير طفولته المبهجة وراح يقفز في مكانه بمرح وحماس ليقطع مجيء "رابعة" قفزاته حينما قالت بحب وفير نحو هذا الصغير الذكي:
- "يسعد قلبك دايمًا يا تليد يابني."
التفت "تليد" لها ثم أكمل بنفس الحماس الذي لم ينقص من تأججه درجة حتى:
- "خالة رابعة، هتجازيني بأيه بعد ما أخلص الحصاد مع العمال؟"
رابعة وهي تبتسم ابتسامة عريضة ثم تقول الجملة الأحب إلى قلبه على الإطلاق:
- "هعمل لك سندوتشات زبدة بالعسل."
تليد وهو يقذفها بقبلة طائرة ثم ينصرف بحماس متقد:
- "هو دا الكلام."
تحول ضحكها مع الصغير إلى ابتسام هادديق يليق بالتحدث إلى الشيخ الوقور.
أومأت برأسها في سلام ثم تابعت بهدوء:
- "أخبارك يا شيخنا وأخبار البنت الصغيرة أيه؟"
سليمان يومئ بثبات:
- "نحمد الله على كل حال يا بنتي."
وقفت أمامه على استحياء من ارتفاع قدره وسط أهالي البلدة وهو الذي يعرف باصطفافه في صفوف الحق والعدل ومناصرة الفقير والمظلوم ووعظ الناس بالحسنى والتماس الأعذار حتى تفنى وتلبس الحجج وشاح الأعذار فتجده لا يخفيها كلها، فتنجلي للجميع!
- "لسه عند قرارك وناوي تسلم البنت لناس تانية يا شيخنا؟"
رفع "سليمان" سبابته ثم قال بنبرة حازمة لا يشوبها ذرة استخفاف أو تهويل:
- "مش أي ناس يا بنتي، ناس أرضهم صالحة وطيبة لزراعة نبتة جميلة زيها عشان تكبر مستقيمة وأخد أجر تأمين مستقبلها."
أومأت "رابعة" التي تعمل في بستان الشيخ منذ سنوات حتى وثق بها وجعلها المشرفة العامة على العمال بالمكان كما أنها تمتلك أرضا زراعية بجوار المشتل وبعض الماشية التي تتركهم يرتعون فيها بحرية أثناء جلوسها في عملها بالمشتل وتترك ابنتها الصغيرة تعيرهم الانتباه والاهتمام.
- "طيب أنا عندي اقتراح يا سيدنا الشيخ، تسمح لي؟"
رحب باقتراحها ببشاشة قبل أن تقوله، فهو يعلم أنها صاحبة رأي راجح عاقل حتى إن لم يتناسب مع ما يفكر به فسوف يستفيد منه بشكل آخر رغم أنها لم تدخل المدرسة أبدا، تنحنحت "رابعة" باستعداد ثم قالت:
- "فاكر يا شيخنا أستاذ علام ومراته؟! لما كنا نجمع لهم تكاليف العملية بتاعة الخلفة من تبرعات المسجد والعملية للأسف منجحتش!"
تزين ثغره بابتسامة هادئة وهو يعي جيدا ما سوف يأتي بعد هذا السؤال، أومأ ينتظر استكمال اقتراحها فقالت بهدوء:
- "طب ما هم أولى بالبنت يا شيخنا؟.. خصوصا إنهم ناس كويسين وإنت عارف أخلاقهم!"
تنهد الشيخ بثقل يعكس شيئا جللًا يستقر في نفسه، انتظرته "رابعة" أن يتكلم أو يرد بالاعتراض حتى على كلامها ولكنه ظل ينظر أمامه في صمت مهيب كأنما يراجع أمرا عظيما ويبحث فيه بحنكة، لم يدم صمته طويلا حينما أبصرها تترقب جوابه فقال بثبات:
- "فكرت في الحل دا، بس تليد؟"
رابعة تستفسر سريعًا:
- "ماله؟"
تابع بنبرة هادئة:
- "تليد متعلق بيها أوي يا بنتي وإنت عارفة إن علام شغال في قصر عثمان أخويا، دا معناه إن تليد لو عرف مكانها هيتردد على قصر عثمان كتير وأنا مش عايز كل دا يحصل."
رابعة بتفهم تقول:
- "خلاص، منقولش لتليد عن الناس اللي هنديهم البنت!"
الشيخ بابتسامة خفيفة:
- "هيزن.. هيسأل.. طول الليل هيسأل عنها.. مش هيبطل."
رابعة بابتسامة مثيرة:
- "حاول إنت بس متضعفش قدامه يا شيخ سليمان وهو هيبطل يسأل."
أومأ صامتًا يعيد التفكير في حديثها وقد طال هذا التفكير لأيام قليلة حتى اتخذ قراره بشكل نهائي بعد أن صلى لله أن يعينه على اختيار الصالح لطفلة مثلها.
جاء ذلك اليوم حينما كان "تليد" يلعب مع الطفلة بطاقة متفاقمة خاصة أن هذا اليوم هو المخصص لإجازته من المشتل.
لم يكن الشيخ بحاجة لعمله ولكنه يريد أن يُنشئه على الحياة الصعبة وكسب القوت بالكد والتعب كي يشتد ساعده ولا ينتظر مجيء الشيء بسهولة إلى حجره.
- "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته."
ألقى الشيخ التحية وهو يدخل إلى المنزل، فرد "تليد" السلام دون أن يلتفت له فتابع الشيخ بتساؤل:
- "تليد إنت مصليتش الضهر؟"
التفت إليه فورًا ثم أجاب بثبات:
- "صليت طبعًا يا أبويا."
أومأ "سليمان" بتفهم ثم تمشى إلى الدكة القابعة بجوار المدفأة وبنبرة حانية قال:
- "بطلت تروح دروس السباحة يا تليد باشا والكابتن اشتكى لي النهارده حتى بطلت تدرب في القناة مع نفسك!"
جلس "تليد" أمام الصغيرة التي حبوت حديثا ثم فرد ذراعيه أمامها كي تهرع إليهما فيلتقفها بين جنباته في حب واحتواء فتضحك ببراءة من مداعبته لها، ضمها سعيدًا ثم توجه بنظراته صوب والده يقول بشغف:
- "علشان أنا لقيت الأحسن من السباحة وكل حاجة."
تنهد "سليمان" بصعوبة وهو يطالع ملامح ابنه المتقدة من الفرح أثناء وجودها معه، أوجد صعوبة أكبر فيما عزم على فعله اليوم وكيف يخبره بالأمر ووجودها قد أثلج نفس طفله وأنس وحدته؟
وقفت الكلمات ثقيلة في حلقه يدقق النظر ويمعن في هذه الملامح المشرقة التي ستتحول بعد دقائق إلى أخرى ذابلة؛ ولكنه لابد أن يفعل وإلا تفاجأ "تليد" بالأمر وكُسر خاطره.
قرر أن يتحدث إليه في مناقشة عاقلة كما عوده متوسما في صغيره الناضج خيرًا أن يتفهم حياتهما الشاقة التي لا تتلاءم مع صغيرة تحتاج رعاية أمومية كافية.
تنهد بحسم ثم قال بنبرة هادئة:
- "تليد، تعالى يا بني اقعد جنبي!"
قال وهو يربت بكفه على طرف الدكة، أومأ الأخير مطيعا في سرعة وهو يضم الصغيرة إلى حضنه ثم يجلس بجواره أبيه ويضعها على ساقيه.
رفع "سليمان" ذراعه صوب غرة رأسه مداعبا خصلاته البنية الفاتحة والتي تلمع مع شعاع الشمس في وضح النهار وبنبرة هادئة استطرد:
- "أترج مش هينفع تعيش معانا يا بني، لو حصل نبقى بنظلمها لأننا مهما قدمنا لها هيكون ناقص حاجة مهمة."
قطب "تليد" ما بين عينيه ثم تساءل متوجسا خيفة مما هو قادم بعد هذه الافتتاحية العقلانية:
- "أيه هي؟"
سليمان بشرح مبسط:
- "الاحتواء والمشاعر الأمومية يا بني، إزاي إحنا راجلين هنربي طفلة صغيرة ونعتني بيها، الكلام سهل يا حبيب أبوك."
نكس "تليد" ذقنه حتى لامست صدره بانكسار ثم تمتم بخفوت:
- "يعني إنت خلاص هتديها لناس تانية؟"
أومأ "سليمان" آسفا على حزنه الذي لا يهون أبدًا ولكن ثمة ضروريات وجب الحكم فيها وإن كان الحكم لا يحيي مشاعر أحبائنا.
- "مقداميش اختيار تاني يا عز الناس."
- "وهتديها لمين؟ ناس كويسين مش كدا؟"
أغمض "سليمان" عينيه يستقبل سؤاله الذكي الذي توقعه قبل أن ينطق به ابنه، تنهد بتماسك في محاولة مميتة منه كي يصمد أمام رغبة الأخير في الحصول على معلومة كتلك فقال الشيخ بثبات:
- "أكيد مع ناس طيبين أوي، أنا سألت عليهم، بس آسف يا بني مش هقدر أقول لك مين ولو سمحت متتعبنيش وتصر على سؤالك."
ضم "تليد" الصغيرة إليه في حزن صامت حتى أنه لم يعلق على حديث والده بالطاعة حتى، امتلأت عيناه بالدمع رغم نفسه الأبية منذ صغره وكانت هذه المرة الأولى التي يسقط له دمع منذ أن نضج واشتد عوده وتخطى حاجز العشر سنوات.
مر الكثير من الوقت على آخر مرة بكى فيها لتجدد الصغيرة مشاعره المسجونة خلف جدران نصائح والده له بكونه رجلا، وسقط دمع الرجل ونسى ما تلقى من نصيحة يوما.
بكى في صمت مهيب يليق بشاب كبير يخشى رؤية أحدهم لضعفه فرق قلب الشيخ له وراح يطبع قبلة حنونة على جبهته في مواساة وبنبرة هادئة تابع:
- "سامحني يا بني، بس مينفعش نكون أنانيين في رغباتنا متناسين الخير للغير!"
أومأ "تليد" دون أن يرد فتأكد الشيخ أنه ربما أدرك جيدا فحوى رسالته، فابتسم بوقار ثم تابع:
- "تقدر بقى تودعها وتجمع هدومها وعرايسها في شنطة علشان الناس جايين بالليل!"
ارتفع صوت بكائه عاليا بعد أن أعلن استسلامه بألا يظهر ما يغموره من صمود أكثر من ذلك فقال الشيخ "سليمان" بنبرة صابرة:
- "قادر ربنا يجمعك بيها تاني وإنت مش مقنن مشاعرك ناحيتها، إنت دلوقتي اختارتها تكون لك أختك.. بس مين العالِم لو فضلت معانا وربيناها هتقدر تسيطر على مشاعرك وهي بتكبر قدام عينك ويا ترى قلبك هيقبل القانون الجبري اللي فرضته عليه؟؟؟ ولا هيتمرد!"
صمت لبرهة ثم صرح بحكمة والأخير مصغي في رسالته البليغة:
- "وهل لو اتمرد، نضمن منين إن الأخ ميكنش مشاعر متأججة لأخته!!!"
تنهد (سليمان) بصبر طال وما زال يطول ثم أسدى له نصيحة جوهرية لن يتلقاها مهما عاش إلا من والده الحكيم:
- "مشاعر الأخوة جميلة وجوهرها ثمين بس للأسف لا تطلق إلا على الأخوة الحقيقيين ورغم قيمتها الثمينة إلا إنها لو قيلت في غير موضعها تكون ضعيفة مميتة، فاهمني!!"
تلألأت قطرات الدمع في عين "تليد" الذي ابتلع أوجاعه صامتًا منصتا فقط، ارتجفت شفتيه الجافتين ثم قال بحيرة:
- "مميتة!!!"
سليمان مجيبا بحزم:
- "أضعف ما يمكن، لأ وكمان طعمها ماسخ ومر.. أخاف عليك يا بني روحك تتعلق بيها فتعشق وتخاف البوح علشان هي أختك بين الخلق وهي لا بنت أمك ولا أبوك!!!"
رأرأ بعينيه يواري صدق اقتناعه بكلمات والده التي رغم حقيقتها إلا أنه كمن ينفخ في النار فيرتفع وهجها ويفيض على جانبي قلبه الوحيد في الحياة دائمًا.
استسلمت قواه تماما في هذه اللحظة فقام حاملا إياها ثم دخل غرفته وأغلق الباب بقوة تشي بنيران قلبه المتأجج من ألم التعلق وتوجه إلى مكتبة صغيرة خصصها لترتيب ووضع ملابس الصغيرة بها وقبل أن يجمع أشيائها سمع صوت والده يقول بنبرة متأنية من وراء الباب:
- «من تعلق قلبه بغير الله، بكى وجعا يا بُني».
أغمض عينيه باختناق محبوس في ضلوعه ثم أحضر حقيبة قماشية وبدأ يجمع فيها كل ملابسها إلا ثوبا واحدا ودمية وحيدة راغبا في الاحتفاظ بهما كي يتذكرها دائمًا.
وضع جميع الدمى التي صنعها لها وكذلك الفساتين التي تم تخييطها من ملابسه وأثناء إنجازه لهذه المهمة الصعبة وجد تلك (التميمة) تسقط من بين الملابس وكانت على شكل فص من ثمرة الأترج مطرزة بطريقة جذابة ومكتوب عليها حرف (أُ).
تنهد بأسى وهو يتذكر ذكرى هذه التميمة.
- "دي العرايس اللي طلبتها مني يا تليد، ها تحب أعمل لك حاجة تاني؟"
سألته "هدى" باهتمام؛ ففكر قليلا قبل أن يقول على مضض:
- "لأ، كدا تمام شكرًا يا خالة هدى."
داعبت خصلاته بحب ثم قالت:
- "مقولتليش، سميتها أيه؟"
ضحك بانبساط وأجابها:
- "أترج."
زوت "هدى" ما بين عينيها دهشة وما أن وصله شعورها المتعجب حتى تساءل بتوجس:
- "معجبكيش!!"
هدى بهدوء:
- "هو حلو، بس مش تقيل شوية!!!"
تليد يؤكد على رأيها مفسرا وجهة نظره:
- "يمكن عندك حق، بس أنا بحبها زي حبي للأترج والمشتل بتاعنا مليان بيه دا غير إن أبويا بيحبه وشايف إنه أنسب اسم لأنه جامعنا إحنا التلاتة في حاجة واحدة."
هدى بتفهم تقول:
- "ربنا يصلح حالك يا بني وبمناسبة اختيارك للاسم، أنا بقى هعمل لك إنت وهي هدية حلوة أوي، عدي عليا كمان يومين علشان تستلمها."
انشرح قلبه وانتظر مرور يومين بفارغ الصبر حتى عاد إليها مرة أخرى وقامت بتسليمه تميمتين رائعتين على شكل فصين من ثمرة الأترج مطرزين بخرز من اللونين الأبيض والبرتقالي معًا وقد كتب على كل واحدة منهما الحرف الأول من اسميهما.
عاد من ذكرياته متذكرا وجود التميمة الخاصة به في جيب بنطاله.
غرس يده حتى أخرجها ثم قرب الاثنتين من بعضهما وراح يبتسم في اشتياق؛ اشتياق للذكريات وشوق مشتعل قد بدأ باكرا عن وقته.
فرغ من توضيب حقيبتها بعد أن وضع التميمة الخاصة بها في الحقيبة أيضا ثم قرر تجهيز ورقة مكتوب فيها كل المعلومات التي تخص الصغيرة حتى يلتزم مرافقوها الجدد بهذه المعلومات وطلب من والده أن يشترط عليهم؛ ألا يتم تغيير اسمها أو تاريخ ميلادها مطلقا وقد احترم والده رغبته في الحقيقة.
حل الليل وتلاشت لحظات الانتظار السامة وحل مكانها لحظات الفراق القاتلة؛ اللحظتان يغمرانك بشعور مؤسف فتنجذب نحو أيسر موتة من بينهما.
دق الباب وتوقع هو الطارق بسهولة، تمشى صوب الباب بخطوات مترددة وأكتاف متهدلة متمنيا لو يرجع والده عن هذا القرار المجحف في حق قلبه من وجهة نظره الضيقة، فتح الباب واستقبل الطارق بفتور فلحق به والده ثم سلم على الرجل الواقف أمامه وطلب منه الدخول.
أسدى الشيخ "سليمان" للرجل المدعو "علام" مجموعة من النصائح لا سيما أن أهمها الحفاظ على الصغيرة كي يستحق ثقته واحترامه طوال العمر وكيلا يجحف على نعمة وهبها الله له من بعد يأس.
تفهم "علام" لحكمه الخيرة النقية ووعده أن يفي بهذه العهود كاملة.
التفت "سليمان" إلى ولده الذي يحمل الصغيرة ويقف على جنب قائلا بهدوء:
- "أدي له البنت يا تليد."
طالعه "تليد" بنظرات مترجية لامعة ثم نحى بصره إليها وراح يتأملها لوقت طويل ربما يشبع من رؤيتها قبل أن يفلتها من بين يديه كأنها سراب لم يلمسه في الحقيقة.
توجه بها إلى "علام" الذي شعر بيأس الفتى وهمه ولكنه تناولها منه بحذر يتأمل براءتها في سعادة متطايرة من معالم وجهه.
تراجع "تليد" خطوتين قبل أن ينكس رأسه في عجز من إقناع والده عن العدول عن هذه الفكرة.
تكلم "سليمان" بعد تنهيدة ممدودة بعمق:
- "البنت اسمها (أترج) وعندها سنتين وتاريخ ميلادها هتلاقيه في الورقة اللي في الشنطة دي."
ناوله الحقيبة ثم تابع بإيجاز:
- "شنطة لبسها ولعبها."
علّام يهز رأسه بموافقة أكيدة:
- "متقلقش مفيش أي حاجة من المعلومات دي هتتغير يا شيخ سليمان."
سليمان وهو يبتسم بخفوت:
- "فيك الخير يا بني."
أظهر "علام" ابتسامة واسعة تنم عن امتلاكه للدنيا في هذه اللحظة ثم قال بتوتر تجاه الموقف الجديد عليه:
- "مراتي مستنية على أعصابها وبتحضر لها الأوضة من ساعة ما بلغتنا، ربنا يرضى عنك يا شيخنا زي ما رضيتنا وأثلجت قلوبنا."
ابتسم "سليمان" بهدوء ثم قال بثبات:
- "دي بُسرة، اعتبرها هدية مني لك، اكرم مثواها وانبتها على الصالح بس يا علام، لو فعلا مش عايزني أندم على القرار دا."
علّام يرد ممتنا:
- "أوعدك مش هخذلك يا شيخنا."
وقف يستمع إلى حديثهما بانفطار قلب ضعيف أصابه الصدع بسهولة، ظل رأسه مطرقا وقد بسر وجهه بألم دفين إلى أن سمع صوت "علام" يصيح بحسم وابتهاج:
- "استأذنك يا شيخنا!!"
أومأ "سليمان" في صمت فذهب الأخير وخرج من البيت.
سال دمعه المحبوس فور تجاوز "علام" لعتبة البيت فجرى ورائه ليجده يركب السيارة بسرعة وهنا خرجت منه صرخة مدوية وهو ينظر إلى السيارة تتحرك مبتعدة.
هرول على الفور خلفها مادًا ذراعه أمامه عازمًا النية على اللحاق بالسيارة وإبلاغ الرجل بتراجعه عن الأمر، بكى شاهقا وهو يجري بسرعة البرق عله يسترجع حلمه الذي يبتعد كل ثانية عن مرأى عينيه.
- "استنى.. رجعها تاني.. رجع لي أترج."
لم يلتفت أحد إلى صوت صياحه المكلوم وبكائه المنهار حيث رأى أنه يحارب وحده للحصول على «صغيرته الضائعة».
أخذ صدره يعلو ويهبط في قوة وخفقان عال ليجد نفسه يتعرقل فجأة ثم يسقط على الأرض بقوة لترتطم رأسه بحجر كبير أدى إلى إصابة حاجبه بشق بليغ ينزف الدم منه بوفرة فأسرع "سليمان" به إلى العيادة الطبية وقام بتخييطه قبل أن يتلوث الجرح أو ينتكس.
مرت الأيام وجمع كلًا من الشيخ "سليمان" ومشرفة المشتل "رابعة" حديث عابر وهي تبتسم بحذق ثم تسأل:
- "أخبار تليد أيه يا شيخنا؟ اتحسن شوية؟"
أومأ وقتها "سليمان" بثبات فطرحت سؤالا آخر ذا مغزى:
- "يا ترى ضعفت قدامه وقولت له على مكانها ولا رفضت تقول له زي ما اتفقنا؟"
أنارت ثغره ابتسامة عذبة فأضاف:
- "عايزة الصراحة، ضعفت قدامه يا بنتي، تليد ابني لما قلبه بيتعلق بحاجة بيوصل لها ولو بعد مية سنة، فقررت أريحه من التفكير وأقول له على مكانها."
رابعة بشرود تسأله:
- "تفتكر هيلاقي راحته في الإجابة وهيبطل تفكير فيها؟"
أومأ "سليمان" سلبا وأجاب بإيجاز:
- "مش هيفكر إلا فيها."
مر الزمان وأضحى الفارق الزمني بين هذه الذكريات وما بعدها أكثر من عشرين عامًا.
ظلت تعدو بأقصى سرعة لها كفرس يعوب لا يمكنك كبح جماحه، قصدت سيارتها المصطفة في رأس الشارع ثم ركبتها وانطلقت قبل أن يلحقوا بها، ارتفعت أنفاسها بهياج كبير وعيناها تبحث عن مفر قبل الإمساك بها، استحال لون وجهها بحمرة الذعر وراحت تنظر من مرآة السيارة فتجدهم يتبعونها بالسيارة.
أغمضت عينيها لثوان وظلت تتمتم في وجل شديد أن يبعث الله لها بالحل بسرعة.
ظلت السيارة تحاذيها في المسافة فتزيد هي من سرعة السيارة كي تتباعد المسافة بين السيارتين ولكنها تفاجأت بتقدم السيارة نحوها ثم رأت أحد هؤلاء الرجال يطل من النافذة ثم يقول بلهجة صارمة:
- "وقفي العربية وانزلي!"
ابتلعت ريقها على مهل ثم تظاهرت بالجدية والثبات وصرخت فيهم بحدة:
- "إنتوا مين وعايزين مني أيه؟"
في تلك اللحظة، التقط الرجل مسدسه ثم شهره نحو نافذة سيارتها وراح يهددها بصوت رخيم:
- "قلت لك وقفي العربية، يلا!"
انتفض جسدها بفزع فأومأت لا إراديا حتى تتقي شره وما ينوي الإقدام عليه.
تظاهرت بوضع قدمها على دواسة السيارة ولكنها في الحقيقة قد زادت من سرعة السيارة أكثر عن ذي قبل علها تلوذ بالفرار وتنجو بحياتها ثم أغلقت زجاج النافذة على الفور.
- "استرها معايا يارب، أنا معملتش حاجة وحشة في حد!"
صرخت بأنفاس متحشرجة ثم بحثت عن هاتفها طويلا رغم تواجده أمامها مباشرة ولكن ما تمر به الآن أفقدها التركيز وشل تفكيرها، التقطته بأنامل مرتجفة جعلتها لا تقوى على كتابة كلمة المرور حتى!
رفعت رأسها تنظر للطريق فجحظت عيناها ثم صرخت في صدمة وهي تجد السيارة تقف على حافة النهر تماما ولو أنها لم تفرمل في الوقت المناسب لسقطت في الحال.
التقطت أنفاسها اللاهثة على الفور ثم استدارت برأسها تتفقد تتبعهم لها وكانت الصدمة الكبرى هي اصطفاف واحدة من السيارتين خلفها وقبل أن تبدي رهبتها من الموقف وجدت الدفعة الوحيدة التي احتاجتها السيارة كي تسقط في الماء ولم يمهلها الوقت أن تصرخ مستغيثة حتى!
قامت السيارة بدفع سيارتها حتى سقطت في الماء ثم فروا بسرعة قبل أن يتم القبض عليهم.
كانت تجلس داخل سيارتها حبيسة تنتظر الدقيقة الأخيرة من موتها ولم تبد سوى ردة فعل وحيدة (جحوظ عينيها مع بكاء صامت).
مرت هذه اللحظات عليها وكأنها دهر طويل لا نهاية له حتى بدأ الأكسجين يتسرب من حولها ولكنها في هذه الثانية رأت شبح رجل يأتي من هناك ويقصد طريقه إليها، كان يسبح بسرعة شديدة وعلامات الخوف بادية في نظرة عينيه فحاولت أن تمد ذراعيها نحو النافذة وبدأت تطرق عليها باستغاثة ولكن السيارة في هذه اللحظة قد امتلأت بالماء حتى وصل إلى عنقها ونقص الأكسجين بصورة كبيرة فأصاب رأسها الدوار وأوجدت صعوبة في التنفس حتى أُغشي عليها.
اقترب بسرعة جامحة من النافذة ثم بدأ في تحطيم زجاجها بكل ما أوتي من قوة.
لحظات وانفجر الزجاج فأسرع بإحاطة خصرها ثم سحبها إليه وكان أول شيء يفعله بعد استقرارها بين ذراعيه أنه رفعها للأعلى كي تخرج رأسها عن حيز الماء وتبدأ في التنفس مرة أخرى ثم لحق بها وراح يسحبها نحو الشط مزجرا باختناق شديد:
- "تفتكر عايشة ولا ماتت؟؟"
هتف "نوح" بقلق بالغ.
فيما مال "تليد" نحوها ثم بدأ يضغط على صدرها مرات متتالية كي تلفظ الماء الزائد عن حاجتها خارج جوفها وبنبرة متحشرجة صاح:
- "أترج!!"
قطب "نوح" ما بين حاجبيه ثم تساءل متوجسا:
- "إنت تعرفها يا تليد؟؟"
أغمض عينيه يتمالك غضبه الحارق في هذه اللحظة، ولكنه سمع صوت صديقه يقول مرتاعا:
- "دي باين عليها ماتت!!"
قدح الغضب من عينيه فأسرع بالقبض على ياقة صديقه ثم صاح متشنجا بصوت أجش:
- "متقدرش البلى قبل وقوعه يا نوح!.. تمام؟"
ابتلع "نوح" ريقه بصعوبة ثم أجابه بتوتر:
- "طيب حاول تعمل لها تنفس صناعي!!.. أنقذها بأي طريقة؟?"
تليد وهو يطرد هذه الفكرة عن رأسه ثم يصيح فيه بلهجة حازمة:
- "كلم الإسعاف بسرعة وبطل رغي!"
انصاع "نوح" فورًا، قام "تليد" بنزع سترة بذلته ثم رفعها عن الأرض قليلا حتى ألبسها إياه.
مدد جسدها بالأرض مرة ثانية وظل يضغط على صدرها بصورة أكبر ولمدة دقائق متصلة حتى انتفض جسدها فجأة وراحت تتقيأ كمية لا بأس بها من الماء.
انفرجت أسارير وجهه من بعد كرب.
ابتسم بامتنان وهو يرفع وجهه للسماء ثم التفت إلى صديقه وأضاف بحزم:
- "بدأت تستعيد وعيها، إنت لقيتها على الشط صدفة واتصلت بيهم، اوعي سيرتي تيجي في الموضوع، أنا هراقب الوضع من بعيد مش عايز أكون في الصورة، اوعي تتخلى عنها لحظة، خليك معاها لحد ما تفوق وتبقى أحسن، سايبها أمانة عندك!"
كشر "نوح" في حيرة ثم قال مستفسرا:
- "ليه؟"
ربت "تليد" على كتفه بحسم ثم قال وهو يبتعد قبل أن تتيقظ للأمر:
- "موضوع يطول شرحه، هتابع عن بعد."
بدأ يبتعد عنهما بخطوات سريعة وثابتة ولكن روحه لم تستطع الابتعاد عن التشبث بقربها الذي طالما أراده شغوفا ضعيف القوة في صغره.
ظل يستدير برأسه بين الثانية والأخرى كي يطالعها بافتقاد ملتهب.
أطال النظر في ملامحها الساكنة وتذكر نظرتها إليه أسفل الماء بهاتين العينين السماويتين، هل يا ترى سوف تتذكر أنها رأته أسفل الماء؟! أم أنها لم تكن في وعيها الكامل حتى تدرك لحظة كربية وما حدث فيها؟؟ وَد لو تفقد الذاكرة تجاه هذه اللحظة تماما.
وَد لو تنسى هي ويتذكر هو كل ذكرى جمعته بصغيرته الناعمة ذات البشرة القطنية وهي تحبو إليه بضحكة بريئة وعينان سماويتان يملأها الشعور بالأمان والطمأنينة.
ارتجف قلبه برعشة ثم ودعها بنظرة أخيرة قبل أن يتوارى عن الأعين.
وجد حائطا في طريقه فقرر التخفي ورائه لمتابعة الحدث بقلب ملتاع لا يجد سوى هذا الحل وكيلا يراه أحد فتبدأ الشائعات حوله وتتزعزع مكانته كنموذج جيد يحتذى به لاقى شهرة ونجاح كبيرين.
أراح جسده على الحائط وأرخى رأسه بهم ثم تلمس منطقة قلبه بأنامله، ابتلع مرارة حارقة في جوفه رغم انتفاضة قلبه الثائرة مذ أن رآها والتي اشتعلت بقربها الذي لم يذقه منذ أكثر من عشرين عامًا؛ لم يذق سوى المر في تقفي أثرها عن بعد دائمًا.
ذهب عقله إلى اللحظة التي تحدث إليه والده فيها بنبرة صلبة لا تقبل النقاش؛ فقال بحسم:
- "اوعدني، إنك تنساها وتركز في حياتك وتنسى إنها كانت بينا في يوم، اوعي تقول دي حقي وملكي تاني يا تليد، الإنسان مش ملك حد غير ربه، بطل تراقبها كل يوم يا بني، خليك واثق في قدر ربك؛ لأنه لو رايد لكم تجتمعوا.. هيحصل بس كله متروك للوقت وتدابيره عز وجل."
شعر بسقوط عبرة ساخنة على خده أعادته إلى الحاضر فورًا، تنهد بصبر ثم امتد عنقه للأمام قليلا يتفقد حالها الآن!!!!!
رواية رحماء بينهم الفصل الثاني 2 - بقلم علياء شعبان
تجول في الممر روحة وجيئة في تردد لا يعرف بصفة واضحة لماذا يقف أمام باب غرفتها سوى أنها رغبة صديق عُمره الذي حلفه بالله أن يبقى بجوارها حتى تستعيد وعيها ويأتي أهلها إلى المستشفى لرؤيتها.
تحرك ببطء حتى وقف أمام غرفتها ثم تذكر حديث صديقه له في الهاتف يوصيه أن يعرض مساعدته عليها ربما هي في حاجة ماسة لمساعدة أحدهم.
تنهد "نوح" قائلًا بصوت متوتر وأقدام تتردد حول الدخول أو البقاء في مكانها:
- مش فاهم أنا هدخل أقول لها أيه؟!.. يا ترى يا تليد بتفكر في أيه ومين البنت دي؟؟
تنحنح بقوة قبل أن يحسم أمره بطرق باب غرفتها.
لحظات وسمعها تقول بصوت فَزِع:
- مين؟!
نوح بصوت سريع:
- أنا!!!
أدار مقبض الباب ثم فتحه بهدوء. كانت جالسةً في الفراش بمشاعر يجتاحها الخمول والإنهاك. أطرقت برأسها في وَهن لم يردعها عن التفكير فيما رأتهُ تحت الماء. هل كانت تتخيل يا تُرى؟ ثمة شخصٌ كان يسبح بمهارة سباح عالمي يود الفوز بالمرتبة الأولى. ولكن الاختلاف بينهما أن السباح تتجلى السعادة في صفحة وجهه بانتصاره المُستحق أما ذاك الشخص كان ينظر إليها مذعورًا خائفًا!
امتد عنقه بحرص من خلف الباب مما جعلها تلتقط أنفاسها بطمأنينة. فتكلمت بصوت مريض هزيل:
- اتفضل.
دخل "نوح" إلى الغرفة بخطوات وئيدة فوجدها تنظُر إليه في حيرة ليقطع عليها تساؤلاتها قائلًا:
- أنا نوح اللي طلبت لك عربية الإسعاف.
ارتخت ملامحها قليلًا، أومأت بهدوء ولكنها سألته بصوت ذي مغزى:
- يعني إنتَ اللي أنقذتني؟؟
نوح يرد بإيجاز شديدٍ:
- بالظبط.
تفرست معالم وجهه لقليل من الوقت قبل أن تتكلم مرة أخرى بحذر وهي تلتقط السترة المركونة بجوارها:
- ويا ترى بقى إنت متعود تلبس چاكتين فوق بعض يا أستاذ نوح!!
تنحنح بخشونة يتغاضى عن سؤالها بعد أن أقحم نفسه في دائرة شكوكها ولكنه حاول أن يُنهي الحوار معها فقال:
- أنا طلبت عربية الإسعاف لمَّا لقيتك مرمية على الشط بالصُدفة ومعرفش مين اللي أنقذك ومعنديش خلفية بمُنتهى الصراحة.
سكت لبُرهة ثم أضاف حاسمًا:
- محتاجة مُساعدتي في أي حاجة تاني يا آنسة .....؟
ابتسمت بهدوء ثم أجابته:
- وميض... اسمي وميض.
قطب ما بين حاجبيه بشك، تدبر ابتسامة باهتة تقضيةً لواجبه الموكل إليه نحوها ثم تابع وهو يعطيها ظهره في شرود:
- حمد لله على سلامتك يا آنسة وميض.
قال كلماته بنبرة سادرة وأثناء ترجله خارج الغرفة وضع أنامله أسفل ذقنه في حيرة ثم تمتم بخفوت لا يتضح من معالمه شيءٌ:
- وميض إزاي يعني؟! أمال أيه أُترش دي؟؟
خرج فورًا ثم أغلق الباب خلفه بهدوء وما أن توارى عن مرأى عينيها حتى أومأ برأسه في تيه وراح يضرب كفًا بالآخر في تشتت.
مرَّت بضع لحظات ومن بعدها سمعت "وَميض" صوت صاخب يأتي من خلف بابها. ابتلعت ريقها على مهل وهي تترقب لهجوم هؤلاء عليها في كُل لحظة بعد أن خمنت جيدًا من هم.
لم يسعفها الوقت كي تُفكر طويلًا إذ فُتح الباب بقوة عنيفة ورأت سيدة تدخل إلى الغرفة بغضب جامح بينما تصيح بها المُمرضة بتذمرٍ واضحٍ:
- ماينفعش كدا يا مدام، دا مش أسلوب تتعاملي بيه في مُستشفى!!!
حاولت المُمرضة أن تفرد ذراعها أمام الأخيرة كي تمنع استمرارية سيرها داخل الغرفة واعتبرته تهجم واضح إلا أن الأخيرة أزاحت ذراعها ثم تابع بصوت مُتعجرف عنيد:
- وسعي كدا، إنتِ مش عارفة بتكلمي مين؟!
زمت المُمرضة شفتيها بازدراء وضيق ثم صاحت بصوت منفعل وهي تتحرك صوب الباب مرة أخرى:
- أنا هطلب لك الأمن حالًا.
غادرت المُمرضة ساخطة على السيدة وما فعلته من تصرف أهوج، فيما لم تبالٍ بها وراح تتقدم جهة "وَميض" بخطوات مُختالة ثم قالت بصوت هاديء رغم ضمور الغيظ بين طياته والذي جلى في قسمات وجهها المغلولة:
- تاخدي كام يا وَميض وتبعدي عننا؟!
كانت ترمقها بأعين حائرة ما لبثت أن تحولت إلى أعين جحماء يتطاير الشرر منها وبصوت حاد هتفت:
- حلو إنك تكوني واضحة معايا من الأول، أفهم من كلامك إنك مبعوتة من شركة الديب للعقاقاقير الطبية ومنتجات العناية بالبشرة علشان تساوميني!!
ابتسمت السيدة بسخرية ثم تابعت:
- مش بالظبط، أنا خايفة على بنت جميلة وصغيرة زيك بدل ما تكون المفروض بتبدأ حياتها تكتشف إنها بتنهيها!!!
وَميض بصوت عنيد ثابت:
- ومين بقى اللي هينهي حياتي؟ إنتِ ولا اللي باعتك!!
تقدمت السيدة خطوتين ثابتتين قبل أن تتشدق بنبرة متعالية:
- سمعت إنك تخص عيلة السروجي ومستغربة أيه العداوة دي معانا مع إنهم حبايبنا؟؟
سكتت للحظات ثم تعمدت النظر بقوة داخل أعين "وَميض" لرصد وقع الكلمات القادمة على صفحة وجهها العنيدة:
- ولا نسيت إنك بنت الخدامة عندهم في القصر يعني مش من أصلهم ومفيش داعي أعاتبك، لأن هي دي خِصال الخدم؛ المكر والخداع والجوع.
صرخت "وَميض" بثورة جامحة:
- اخرسي واخرجي برا ويكون في علمك إني مش هسكت على أفعالكم العِرة، بكرا الناس كلها تعرف إنكم شغالين بسياسة دس السم في العسل!!!
ضغطت السيدة على أسنانها بقوة ثم تابعت بصوت ينبعث حريق ملتهب من بين أحرفه:
- هتعملي أيه يا حلوة، إنتِ مُجرد صحفية في جريدة تحت السلم، صوتك مش هيوصل ولو وصل كبيرك قضية تكسر ضلوعك وكبريائك يا بنت الخدامين.
وَميض وهي تبتسم بغموض قبل أن تطيح بغطائها بعيدًا ثم تنهض من فراشها على مهل. شعرت السيدة بالتوتر قليلًا فبدأت تتراجع عدة خطوات للخلف إلا أن "وَميض" هجمت عليها ثم قبضت بعنف على خصلات شعرها وبصوت ملتهبٍ أضافت:
- هوريكِ بنت الخدامين هتعمل فيكِ أيه يا عِرة!
أسرعت بعرقلتها فسقطت بالأرض ثم كبلت ذراعيها وسط صراخها الهادر طالبةً النجدة إلا أن "وَميض" الفتت إلى كتفها بعيون تلمع بانتصار ثم شرعت بغرس أسنانها بين لحم كتف الأخيرة اللي صرخت صرخات مدوية مُتألمة.
- دي علشان تغلطي في أهلي.
استدارت إلى الكتف الآخر ووضعت بصمتها عليه أيضًا ثم رفعت فمها تقول بغيظ:
- ودي علشان تدخلوا المخدرات في علب أدوية وتنشروا الوباء بين الشباب!
في غضون ذلك، وجدت الممرضة تعود ومعها مجموعة من رجال الأمن الذين هرولوا نحو الفتاتين ثم أبعدوا "وَميض" على الفور قبل أن يطلبوا من السيدة أن تأتي معهم في الحال تجتبًا للمشكلة التي سوف تسفر عن رفضها السير برضوخ.
استقرت سيارة كبيرة سوداء من الطراز الحديث أمام باب الشركة. ثواني وترجل السائق الخاص منها ثم هرول إلى الباب الخلفي الأيسر وقام بفتحه واستدار إلى الباب الخلفي الأيمن وفتحه كذلك. لحظات وترجل منها رجل كبير ومعه شابة جميلة تُعاصر أعوامًا يانعةً في عُمر العشرين. وقف الرجل شامخًا يرتب رابطة عنقه قبل أن تتجه الفتاة ثم تقف بجواره ثم توجها معًا صوب باب الشركة وما أن دخلا حتى حياهما كُل من بالمكان فابتسم برضاءٍ كاملٍ عن موظفيه الذين يعملون بكد دون توان أو تقاعس فدائمًا ما يصف شركته بخلية النحل؛ فكُل شيء يحدث داخلها بميعاد وسبب والنظام هو سيد الموقف تمامًا.
سار بين الموظفين بخطوات ثابتة وكانت تسير الفتاة بمُحاذاته فتكلمت بوجه مُكفهر وصوت هاديء لا يتطابق مع ملامحها الراسخة الناعمة:
- أيه رأيك في اللي عملته وَميض يا بابا؟!
أسبل جفونه بكظم شديدٍ ثم أجابها بصوت خشن:
- مش عاجبني طبعًا، دي بتعادي أكتر شخص له مصالح معانا ومن غيره أمور كتير في معاملاتنا الخارجية مش هتمشي.
ضغطت على أسنانها ثم صمتت لبرهة حينما وصلا إلى المكتب. دخله "عثمان" أولًا ثم لحقت ابنته به وما أن أغلقت الباب حتى تكلمت بصوت ساخطٍ:
- والعمل؟!
عثمان وهو يتجه صوب مكتبه ثم يجلس إليه بثبات مُضيفًا:
- العمل إني أوصي علَّام يربيها شوية وإلا النتيجة مش هترضيه أبدًا.
كان تقف أمام المكتب فتحركت نحو النافذة ثم بدأت تزيح الستار عنها وهي تقول بهدوء:
- من يومها وهي مفتعلة مشاكل وحاجة زهق.
عثمان بحسم:
- لو على حميد الديب، أنا هعرف أتعامل معاه وننهي الحوار دا في أسرع وقت.
سكت لثوانٍ ثم ابتسم وهو يقول مادحًا ونظراته مُصلبة عليها بمحبة:
- الأهم من كُل دا، إني مبسوط من شُغلك يا سكون الفترة دي ولأول مرة أحس إني خلفت سند وضهر بجد!!
مطت "سكون" شفتيه ثم نظرت إليه بعتاب وراحت تتجه صوبه ثم تحتضن ظهره قائلةً بصوت هاديء:
- أنا وأخواتي طول عُمرنا سندك وضهرك يا حبيبي، بس إحنا كبرنا ومن حق كُل واحد فينا يختار حياته ويرسمها حسب شخصيته.
هز رأسه ثم أضاف بلوعة:
- أخواتك خذلوني يا سكون.
أومأت بالسلب ثم عدلت أحرفه بأُخرى مُصاغة بدقة:
- أخواتي روحهم فيك بس كُل واحد مشي في الطريق اللي شايفه لايق عليه.
تنهدت بضيق ثم تهدجت نبرة صوتها بحزن عميق وهي تضيف:
- متنساش إن عُمر مختارش اللي هو فيه، دا مفروض عليه!
عثمان بضيق يسأل مُستنكرًا:
- وشروق؟؟
تنهدت "سكون" شوقًا لشقيقتها ثم قالت:
- شروق بتحب يا بابا وإنتَ أكتر واحد علمتنا إننا نتمسك بكُل حاجة بنحبها وعايزينها طول ما فيها فرحتنا وحضرتك نفس الشخص اللي خيرتها بين الشخص اللي بتحبه وبقائها معانا!!!، آسفة يا بابا بس حضرتك أتسرعت وقتها ومكنش قرارك صح.
تنهد بتأييد لكلامها ثم سألها بصوت سادر يود سماع إجابتها المُحببة إلى قلبه:
- وإنتِ يا سكون، طريقك مع مين؟
سكون بضحكة خافتة:
- معاك وفي ضهرك يا بابا.
أسرع بالربت على كفها الموضوع كتفه ثم قال بتوصية:
- المهم متأثريش أبدًا في جامعتك وحاولي توازني بين الشغل والجامعة.
استدارت ثم وقفت بجواره فأكمل بثبات:
- ميهمنيش التقدير في حاجة، إحنا محتاجين الشهادة بس.
سكون بثبات تقول مازحةً:
- تمام يا فندم.
هناك في إحدى القُرى بمُحافظة "سوهاج" حيث المباني العتيقة ذات الطراز القديم والأزلي رغم التقدم والازدهار الواضح في المحافظة نفسها إلا أن هذه القرية لا تزال مُتشبثة بقيمها ولكن ثمة بيوت تُعد على أصابع اليد قد فضلت التطور عن البقاء في عصر قديم ومن بينهم بيت (كبير القرية) المسؤول عن كافة شؤونها ومخاطبة المسؤولين عند الأزمات والمُتحدث الرسمي بصوت أهل القرية.
داخل أكبر بناء في القرية وأكثر الأبنية حداثة والذي يليق بكونه بيت مسؤول القرية وداخل غُرفة بعينها، تقف فتاة عشرينية رقيقة الملامح أمام مرآة منضدة الزينة الخاصة بها، كانت تُعاصر مشاعر مُذبذبة كُسر فيها خاطرها وتعمق حزن قلبها اللطيف.
وضعت أصابعها ناحية حلقها المُلتهب بغصة تستحضر كلمات والدة زوجها سليطة اللسان صاحبة التعابير الفظة التي تطيح بأنوثتها وتهشمها إلى أنصاف امرأة رغم توافر كافة المسميات والخِصال الأُنثوية بها؛ ولكن معايير الأنوثة لدى هذه السيدة تنحسر في امرأة ولَّادة في وقت سريع كسباق السيارات تمامًا.
نزلت بأناملها حتى لامست بطنها المُسطحة والمشدودة في حُزن تتذكر غضب هذه السيدة الكبيرة عليها وتحريض ابنها على تطليقها والتخلي عنها في أسرع وقتٍ، كانت ثرثرتها كفيلة أن تصيب ولكن مع رجل لا يكن لزوجته المسكينة مشاعر تُذكر وليس حبيب قلبها (عِمران) الذي ينتفض ويثور أن أحزنها أحد أو لمس كبريائها بسوء ولكنه لا يثور أمام والدته؛ هو فقط يتغاضى عن حديثها السام ويعتبره هواء يتطاير من حوله ويصعُب رؤيته.
كانت تتلقى كلمات غليظة منها فيجمعهم ثم يُلقيهم في سلة المهملات المركونة في نهاية الذاكرة الخاصة بها ثم ينثر عليها كُل ألوان العشق، الاهتمام والدفء في علاقة زوجية ناجحة لا تتشوش مهما حدث.
- شروق!
انتبهت بفزع وهي تجده يقف خلفها ثم يضع كفه الكبير على كفها القابع على بطنها. تدبرت ابتسامة خفيفة ثم قالت بهيام:
- وحشتني!
عمران وهو يُقبل وِجنتها مُبديًا انتشائه من رائحة عطرها المُذهب لعقله:
- لازم أوحشك، لأن شروق شمسي يلزمه نهار.
شروق وهي تبتسم ثم تُطأطأ رأسها في خجل:
- إنتَ فعلًا نهاري، وإنتَ مش موجود في البيت بحس بوحدة الليل ووحشته، بستنى نهاري يطلع.
رفع "عمران" كفيه إلى كتفيها ثم أدارها كي تواجهه بشروق وجهها الخلاب في زهو رغم تواضعها. قامت بوضع كفيها على خصريه بينما وضع وِجنتيها الناعمتين بين كفيه ثم قال بثبات مُدققًا النظر في لمعة عينيها التي تنم عن حزن صامت وانطفاء واضح في حماسها فور رؤيته:
- النهار جه بس الشروق مجاش!!.. ممكن أعرف السبب؟
انفرجت شفتيها قليلًا كي تتحدث ولكنهما وجدا الباب يُفتح فجأة ثم دخلت "تماضر" الغرفة دون أن تطرق بابها أو تحترم خصوصيتهما كزوجين. حدق "عمران" فيها مصدومًا فتحدثت بصوت جاف:
- الهانم مراتك بنت الذوات بتعمل أيه في أوضتها والمفروض إن دا وقت تحضير الغدا؟؟
أرخى "عمران" جفونه بعد أن طرح بالصدمة جانبًا ثم تكلم باستنكار من تصرفها:
- أيه اللي حصل دا يا أمي؟!
تماضر بصوت يرتفع بجبروت:
- دا اللي لازم يحصل طالما مش عايزة تفهم عادات بيتنا، يلا يا هانم على المطبخ أبوكِ الحاج ميعاد رجوعه قرب.
انصاعت "شروق" باستسلام، خطت خطوتين لا ثالثة لهما حينما قبض على ذراعها بقوة جعلتها تقف في مكانها ثم تقدم من والدته قائلًا بلهجة حانقة:
- شكلك مش قادرة تفهمي إن دي مراتي مش واحدة من خدامينك!!!!
تماضر بصوت حاد:
- يعني أيه مراتك!!
عمران بحزم:
- مراتي؛ يعني كرامتها من كرامتي يعني تتعامل بالحُسنى وإنها هانم البيت دا وتتشال فوق الراس كمان، عرفتي يعني أيه مراتي يا أمي؟؟
ضحكت "تماضر" بسخرية وهي تضع كفيها فوق بعضهما لحظة استنادها على عصاها ثم أكملت بكلمات غليظة وحادة:
- بتدافع عنها باعتبار إنها جابت لنا الولد؟! سلفتها أحسن منها في أية علشان تحمل وهي لأ مع إنك متجوز إنت وأخوك مع بعض في نفس اليوم!
انفرجت شفتيه بصدمة كبيرة ثم صاح منفعلًا في دهشة:
- أنا مش قادر أصدقك؟؟ إحنا مكملناش أربع شهور متجوزين! يعني لسه عرسان، أربع شهور يا أمي مش أربع سنين!
تماضر بإصرار عنيد:
- ولو، راوية مرات أخوك حسان حامل في الشهر التالت وهي متجوزة معاها في نفس اليوم، يا ريتك سمعت كلامي وخدت لك واحدة من البلد كان زمانها حامل من ليلتها.
عمران بصوت حانق يصيح فيها:
- وأنا عايز أستمتع بحياتي مع مراتي يا ستي ومش مستعجل، ممكن محدش يتدخل في حياتي مع مراتي نهائي وممكن بعد كدا تخبطي على الباب وتستني نسمح لك بالدخول!!
تماضر وهي تستشيط غضبًا ثم ينبج صوتها بصورة كبيرة:
- عال يا ابن توفيق النوبي، قدرت عيلة من عيال البندر تعصيك على أمك.
عمران بتحدٍ وانفعال كبير:
- اللي بتغلطي فيها دي مراتي يعني احترامها واجب وفرض في البيت دا لأني سمعت كلام بين الخدامين معجبنيش وعرفت أن مصدره للأسف "إنتِ".
سكت لبُرهة وهو يوجه لها أصبع سبابته بالاتهام ثم أضاف:
- إنك أمرتيهم ينادوها باسمها من غير ألقاب وفهمتيهم إنها هتساعدهم في المطبخ!!!!
تماضر بلهجة صارمة:
- وهي متستحقش إلا دا.
أومأ برأسه في ثورة ثم قال وهو يندفع كسيل جارف خطير نحو الباب:
- هنشوف دلوقتي.
خرج من الغرفة ثم وقف على أول الدرج وراح يصيح بصوت جهوري:
- كُل اللي في البيت يتجمعوا حالًا!
تأجج داخل "تماضر" بلهيب الغيظ فحدجتها بنظرة قوية عدوانية قبل أن تستدير وتتحرك نحو ابنها فتجده يقول بعد أن تجمع كُل من بالبيت:
- مراتي اسمها شروق هانم النوبي مرات عمران بيه، وطول ما اسمي اتحط ورا اسمها كُل واحد في البيت دا هيشيلها فوق رأسه واسمع إن حد داس لها على طرف وأنا أندمه على اليوم اللي إتولد فيه، تمام!!!
لم ينتظر ردهم فعاد إلى غرفته مرة أخرى ثم أغلق بابها بانفعال جامح ليستدير إليها بصدر يخفق من الغضب نحو تنمر الجميع عليها والسبب أنها لم تحبل بعد أربعة أشهر من زواجها!! ما هذا الهراء!!
أخذ صدره يعلو ويهبط في انفعال ليباعد بين ذراعيه ثم يأمرها بلهجة جادة رغم ما يغمرها من حُب غطاه الانفعال من والدته:
- تعالي!
هرعت مرتميةً بين ذراعيه فضغط بذراعيه على ظهرها في قوة بعد أن أقسم في نفسه أن يجعلها تحيا داخل هذا البيت برأس مرفوع وكرامة يهاب الجميع المساس بها خشيةً أن تطولهم براثن غضبه الكاسر.
داخل قصر (عائلة) السروجي المُقام على طراز فاخر وعظيم يحيطه سور عال متين ويقف على بوابته مجموعة أشخاص من أجل تأمينه، تمدد في فراشه الوثير بعد وصلة نوم دامت لقُبيل العصر ولكنها هذه هي حياته الرتيبة التي ملأها الروتين بعد الحادثة المأساوية الأليمة التي تعرض لها.
طالع شاشة هاتفه المحمول بشغف ثم قرر كتابة رسالة عبر موقع التواصل الاجتماعي "واتساب" علها تراها بسرعة وتُجيبه:
- صباح الخير، رجعتي من الشغل ولا لسه؟؟
انتظر للحظات ولم يجد ردًا منها فخمن انغماسها في العمل، تنهد "عُمر" بضيق من تكرار أيامه ولياليه التي لم يطرأ عليها جديد منذ ذلك اليوم المشؤوم إلا هي.
تعرف عليها عن طريق موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك حيث بدأت العلاقة بسلامات سطحية عادية ثم تحولت مع الوقت إلى مشاعر مُرابطة وقوية؛ ربما هذا ما يُسمى بحُب؛ ذلك التعريف الذي لم يتعرف عليه في حياته أو يعيشه على الإطلاق وكيف يحوز به وهو قعيدٌ!!! فجماله وماله لم ينفعانه حتى الآن في الوصول إلى الحُب بل يلقيان في حجره من هؤلاء اللواتي يردن المال دون غيره فيما يُصر هو على نبش كُل مكان يدوسه مقعده بحثًا عن حب حقيقي؛ لا شفقة أو طمع!
تململ على فراشه قبل أن يصله رسالة منها، كتبت فيها:
- لسه حالًا خارجة، وإنت؟!
سرح في سؤالها له قبل أن يزفر باختناق يزيد مع كُل كذبة تخرج منه ولكنه تعمد أن يُخفي نسبه وعائلته كي لا تطمع فيه ولكن الكارثة الكُبرى أنه أخفى عنها عجزه عن الحركة راغبًا في أن يختبرها الاختبار الأقوى على الإطلاق (حُب الروحِ أو المظهر؟!).. لقد كان ينوي الالتقاء بها في يوم قريب ثم يخرج أمامها بحالته على أن يترك لها حرية القرار ومن خلال ما سوف تقرره سيتأكد إن كان حُبًا أو مشاعرًا إلكترونية وهمية.
كتب بسرعة:
- لسه مخرجتش بس قولت اتطمن عليكِ.
انتظر لثواني فكتبت له برمز تعبيري حزين:
- لسه بردو مُصمم على رأيك يا عُمر، أنا بس اللي مطلوب مني أبعت لك صوري بس أنا عُمري ما شوفتك؟!!
زفر بحنق من إصرارها الذي يُزعجه، فكتب:
- اتفقنا منتكلمش في الموضوع دا تاني يا رويدا، أنا مش بطلع حلو في الصور وتليفوني رديء وعادي فيُفضل تشوفيني على الواقع.
أرسلت بسؤال مكون من كلمة واحدة:
- إمتى؟!
كتب باختصار:
- قُريب وقُريب أوي كمان.
في تلك اللحظة، فُتح باب غرفته وأمدت هي عُنقها قليلًا تتفقد حاله ليبتسم بسعادة ثم يقول:
- تعالي يا أمي.
تقدمت "نبيلة" داخل الغرفة بخطوات وئيدة؛ حيث عُرف عنها حُبها للحُلى غريبة الأطوار والتي تتخذ أشكال الحيوانات البرية المتوحشة. اِفتر ثغرها عن ابتسامة خفيفة ثم أردفت بصوت هاديء:
- كُل دا نوم يا عُمر باشا!
عُمر بنبرة هادئة:
- أصلي سهرت كتير إمبارح، المهم الفطار جهز!
نبيلة بنبرة ثابتة:
- من بدري.
أومأ "عُمر" بحسم ثم أضاف:
- تمام، يلا بينا يا ست الكل.
اقتربت "نبيلة" منه بهدوء ثم شرعت في معاونته على النهوض والجلوس على مقعده رغم رفضه التام في أن يرى أحدُ ضعفه عدا شقيقته (سكون) التي دائمًا تعتني به بدقة وحُب.
- مالك؟!
أردف "تليد" يسأل بقلق حينما رأي صديقه يدخل إلى الشقة بوجه مُكفهر عابس. توجه "نوح" نحو الأريكة القابعة في بداية غرفة الاستقبال ثم جلس عليها قائلًا بصوت هاديء:
- ماليش يا عم، مبهدلني معاك من الصُبح مع واحدة منعرفهاش وتقول لي مالك؟؟
ترك "تليد" مقبض الباب ببرود ثم توجه إليه قائلًا بلهجة حازمة:
- إنتَ بس اللي متعرفهاش يا نوح.
رفع "نوح" أحد حاجبيه ثم أضاف بصوت ساخر هزلي:
- تعرفها منين إنتَ، ما أنا مصاحبك من الثانوية العامة وعمري ما شوفتها في حياتك، وأمانة عندك يا نوح.. خلي بالك منها يا نوح.. أطلب مساعدتها يا نوح ناقص أجيب لك رقمها!
تليد وهو يبتسم ابتسامة عريضة تتناسب مع معالم وجهه المُضحكة ثم يرد ببرود جليدي:
- معايا.
نوح وهو يلتفت إليه ثم يصيح ساخطًا:
- ولم إنتَ معاك رقمها، مغلب نوح وسنين نوح معاك ليه، ما تكلمها إنت وتطمن عليها وتطلب مساعدتها، دا إنتَ صاحب لزج.
لم تتحرك تعابير وجهه الباردة ولم تختفِ ابتسامته الشقية عن وجهه فيما أكمل الأخير بنبرة متذكرة فتابع:
- خُد الكبيرة بقى، لأن البنت اسمها وَميض مش الاسم التاني بتاعك دا…!!! أترش باين!
حدق "تليد" فيه مذهولًا ثم انفرجت شفتيه بضحكة ساخرة يقول:
- أترش!.. الحنك دا يتسد خالص.. علشان الحنك دا بيرمي قرف!
ضحك "نوح" بمرح ولكنه تفاجأ من عبارة صديقه التي تلت مزحته:
- اسمها وَميض مش كدا؟؟؟
اتسعت عيناه اتساعًا ثم صاح بصوت عالٍ:
- أيووووووة، هو دا بالظبط، بس لمؤاخذة إنت عرفت منين يا كبير!!
انتصب "تليد" واقفًا في مكانه ثم تابع بصوت حاسم:
- قول لك موضوع يطول شرحه، وأنا عندي حلقة دلوقتي يدوب ألحق ألبس.
نوح يوافقه الرأي على مضض:
- تمام يا سيدي، نشوف الحوار دا بعد الحلقة يا شيخنا.
تليد وهو يناوله هاتفًا محمولًا ثم يقول بحزم:
- ولحد الحلقة بقى ما تخلص هتاخد التليفون دا وتتابع الأخبار مع الشاب اللي هيكلمك.
نوح باستفسار وحيرة:
- مين دا؟؟
تليد بإيجاز:
- حطيته على باب المستشفى حماية ليها، يعني مجرد إجراءات روتينية.
تناول الهاتف منه فتحرك "تليد" صوب غرفته كي يتجهز للذهاب بينما كز "نوح" على أسنانه ثم تابع بغيظ:
- يا مثبت العقل والدين يااااارب.
مرَّت لحظات وانتهى "تليد" من ارتداء ملابسه واستعداده التام لتقديم برنامجه الأسبوعي (كمثلِ الأُترُجَّةِ) حيث تميز بين الناس بحُسن الخُلق والقبول مُعلقين أن الشبلَ لا يُمكنه أن يكون سوى أسدٍ في النهاية؛ فقد شبه والده في كُل شيءٍ حتى اتخذ نهجه في دعوة الناس للخير والصلاح وتمكن على سيرة والده الحسنة أن يُختار كواحدٍ من النماذج الخيرة التي من حقها أن تصل كلماته للجميع فتلقى نجاحًا باهرًا وتعاقدت معه قنوات تلفزيونية شهيرة لتقديم برنامجه الديني وصار أشهر داعية إسلامي في وقته.
كانت ملامحه خشنة رجولية ولكنه ما أن يضحك تظهر الناحية اللطيفة من شخصيته القديمة وقد امتلك علامة في جوهرها شيئًا سيئًا بالنسبة له أما الظاهر منها يزيده وسامة حيث يفرغ منتصف حاجبه الأيسر من الشعر فيبدو مقضومًا ومقسمًا إلى نصفين ولكن هذه الندبة قد زادته رجولة وجاذبية.
نظر إلى نفسه في المرآة مرة أخيرة قبل أن يترجل خارج الشقة مع صديقه ثم ركبا السيارة معًا ولم ينسَ "تليد" أن يكسب مُباركة عزيز قلبه قبل أن يبدأ التصوير الذي ينتهي بقبول ونجاح ساحق بفضل هذه الدعوات.
- عِز الناس، واحشني يا بويا!
وصله صوت متهدج بفعل السن رغم خشونته فقال بضحكة أصابت قلب "تليد":
- إنتَ اللي عِز الناس وزينتهم.
تليد يرد بصوت دافئ:
- ربنا يبارك لي في عمرك يا حاج، فاضل على التصوير نص ساعة، ادعيلي!!
سليمان بصوت حنون يرد:
- بدعي لك تلاقي القبول في وش كُل اللي تقابله يا ابن الغالية ويجعل دعايا من قسمتك الحلوة ويملى أيامك كُلها نجاح وسعادة طول ما إنتَ بتبرني وبتتقي الله في قولك وفعلك.
تأثر "تليد" بصورة كبيرة فأُصيب قلبه بالارتخاء النفسي الذي أسفر عن رغبته في رؤية والده الآن والارتماء بيت ذراعيه فتابع بصوت متهدج مُشتاق:
- هخلص الحلقة وهاجي لك على طول، إنتَ واحشني ومش قادر أصبر على غياب حضنك ليا وعندي ليك كلام كتير لازم أقوله.
سليمان بهدوء:
- هستناك يا شيخ تليد، في أمان الله يا عِز الناس.
أغلق الهاتف بسعادة غامرة لا يحظى بها إلا في كنف والده، أصبح مُقبلًا على الحياة مُستعدًا لتقديم الحلقة بشخصيته المُتألقة، وصل في غضون عشر دقائق وما أن ترجل من السيارة حتى وجد شابًا يهرول صوبه ثم يقول بنبرة متهللة من السعادة:
- ممكن أتصور مع حضرتك؟؟
أومأ "تليد" بحفاوة شديدة فالتفت الشاب إلى "نوح" ثم طلب منه بأدب:
- بعد إذنك صورنا مع بعض.
أعطاه هاتفه الخاص ففعل "نوح"، أبدى الشاب إعجابه الشديد بتواضع "تليد" ثم شكره وغادر وهو في قمة سعادته، اتجها مسرعين إلى موقع التصوير فلم يتبقَ سوى القليل على بداية الحلقة.
تنهد "تليد" بارتخاء ثم التفت إلى "نوح" قائلًا:
- اطلب لي من الكافتيريا كوباية شاي، قول لهم بتاعة أستاذ تليد.
أومأ "نوح" مُتفهمًا ثم توجه إلى الكافتيريا فأعد العامل كوب الشاي بسرعة كبيرة ثم وضع على سطحه قطع من "الأُترُج" مما جعل "نوح" يُحدق في الكوب ثم يتمتم بحيرة:
- دا كان بيقول أُترُج!!.. هي البنت اسمها أُترُج!!
- في حاجة يا أستاذ نوح!!!
رفع "نوح" بصره إليه ثم أومأ سلبًا وقبل أن ينصرف من أمامه قال العامل ببسمة خفيفة:
- سلم لي على أستاذ تليد وقول له كتر خيرك لحد ما أشوفه وأشكره.
قطب "نوح" ما بين عينيه ثم أومأ مُغادرًا وهو لا يفهم من حديثه شيئًا وقد سيطر اسم الفتاة على تفكيره تمامًا، فقد ناداها صديقه باسم لم يكن يجمع معالمه ولكن هذه الثمرة جعلته يصل الخيوط ببعضها، هل الفتاة تُدعى أُترُج ومن هي وَميض؟؟ وما علاقتها باسم برنامجه الشهير!!!!!!
- كدا توجعي قلبي عليكِ يا بنتي، دا إنتِ وحيدتنا وملناش غيرك؟؟؟
أردفت "سهير" بصوت باكٍ مُتحشرجٍ فابتلعت "وَميض" غِصَّة مريرة في حلقها ثم قالت بصوت هاديء:
- أنا حقيقي مش عارفة ليه بيحصل معايا كدا؟؟؟
سكتت هنيهة ثم تنهدت تسأل بحيرة:
- فين بابا؟!
سهير بصوت متقطع:
- عثمان بيه طلبه مُستعجل ومعرفش ييجي معايا وأنا مقدرتش أستنى أكتر من كدا.
أومأت برأسها في هدوء وهي تحاول تخمين السبب الذي جعله يستدعي والدها وهل الأمر مُتعلق بما حدث معها؟!
استفاقت من شرودها على صوت الممرضة وهي تدخل إلى الغرفة ثم تتفقد درجة حرارتها وبعد أن أنجزت عملها قالت بنبرة هادئة:
- تحبي أشغل لك التليفزيون يسليكِ؟!
التوى شدقها وهي تقول باستسلام:
- ماشي، ولو إني مش عارفة أيه المستشفى اللي فيها تلفزيون دي ومالها مستشفيات الشعب زائد إني هسد الدين اللي عليا إزاي!!
الممرضة ترد بحسم:
- ما هو الحساب مدفوع.
وَميض بتنهيدة طويلة قبل أن تقول:
- ما أنا عارفة، أقصد هسد ديني للشاب إزاي، أكيد طبعًا إنتوا معاكم نمرة تليفونه في الاستقبال!!!
الممرضة وهي تهز كتفها بجهل حول الأمر:
- الحقيقة مش عارفة، اتفضلي الريموت.
تناولته منها بفتور ولكنها قررت أن تلتهي به وتتوقف عن التفكير قليلًا. بدأت في تغيير القنوات الواحدة تليها الأخرى وهي تشعر بملل شديدٍ حتى توقفت للحظة أمام هذا البرنامج الديني، حدقت فيه بإمعان وتركيز ثم بدأت ترأرأ بعينيها في تيه لتجد والدتها تقول بقلق:
- إنتِ كويسة يا وميض؟
أومأت بالإيجاب وهي تفرك جبهتها بقوة ثم تمعن النظر في ملامحه قبل أن تقول بتشتت:
- حاسة إني شوفته!!!
سهير وهي تنظر لوجهه ثم تقول بتلعثم:
- هو مين؟؟؟
وَميض وهي تتفرس ملامحه بترقب:
- تليد، المذيع دا.
ارتخت شفتيها في غضون ذلك ثم التفتت إلى والدتها وتابعت بصياح مذهول:
- أنا شوفته.. أنا شوفته تحت المية!!!!!!!!!!!!!!
رواية رحماء بينهم الفصل الثالث 3 - بقلم علياء شعبان
تنهد بحنين عند ذكره للنبي وشفيع الأمة أجمع، هذه الكلمات الافتتاحية التي يبدأ بها كل حلقة تعرض من برنامجه.
كان يجلس على كرسيه بوقار لطيف وتسيطر على ملامحه الرجولية الخشنة مجموعة من الخصال الطيبة.
كالرصانة التي بها يتربع على قلوب الكثير من محبيه.
وعذوبة ابتسامته التي تشي عن حياة مليئة بالمسؤولية قد عاشها في صغره.
كذلك نبرة صوته العذبة النقية التي لا يشوبها ذرة قسوة أو نشاز.
كان تليد، أبي النفس في صغره، عزيز المقام في شبابه.
فلم تخرج من بين شفتيه كلمة نابية أو جارحة، ولم يقتحم حيوات الناس إلا للصلاح.
حتى حياته؟ لم يقتحمها يومًا على الإطلاق، ولم يفكر في فرض ماضيه معها على معايشة حاضرهما سوية.
يخشى الكثير في حضرتها، وهو الذي لا يعرف الخوف طريقًا إلى نفسه المستقرة الزاهدة.
ولكنه يخشى أن يكون قد دق قلبها، وهذا الافتراض بمثابة سور كبير وضخم قد شيد بغرض فراقهما للنهاية.
تنحنح بخشونة قبل أن يخبر مستمعيه عن موضوع الحلقة، ثم ثوانٍ وقال:
"حلقة النهاردة عن زينة الحياة الدنيا؛ المال والبنون. يا ترى ربنا مديك حاجة منهم بس ولا عندك الاتنين! وراضي عن حياتك في النهاية! وإزاي تكون حامد لنعم ربنا وإن كانت قليلة؟؟؟"
سكت لبُرهة قبل أن يبتسم برزانة ثم يضيف:
"أنا واحد من الناس اللي اتولدت وحيد أبويا وأمي؛ كان نفسي في أخت أو أخ، بس ربنا عوضني بأبويا كان ليا السند والأخ لدرجة إني حسيت بالشبع ناحية المشاعر الأخوية لأن قدر يملأ الخانة دي والحمد لله ربنا عوضني بيه وعوضني بحفظ القرآن وإني أكون من حملته."
تنهد تنهيدة ممدودة بعمقٍ ثم أكمل:
"اللي عايز أقوله إن ربنا وارد جدًا يحرمك حاجة نفسك تواقة ليها لأنه هيجازيك بالأحسن والأفضل منها. يمنحك الله أو يمنعك لأسباب إلهية هو العادل فيها."
بدت كمومياء محنطة وهي تحدق في شاشة التلفاز بجميع حواسها، أو تبدو نملة ذات قرون استشعار عجيبة تخبرها بأن ظنونها صحيحة.
حاولت استرجاع ذلك المشهد في غضون ثوانٍ حتى أقسمت في نفسها أن هذا هو ذاك.
لقد كان قريبًا جدًا منها قبل أن يغشى عليها.
تنهدت باستنكار ثم غمغمت في حيرة وجنون سيطرا على فكرها المذبذب.
ولكنها لا تزال تحدق به وهي تقول في خبيئة نفسها بأنها قد فقدت وعيها وليست ذاكرتها كي لا تقدر على معرفته.
"لسه بتبحلقي فيه؟؟؟"
انتبهت لكلام والدتها الممتعض، استدارت برأسها صوبها وبدت في عالم آخر، ولكنها قالت بصوت هادئ غلفه الحيرة:
"إنتِ مش مصدقاني يا أمي؟?"
رمقتها سهير من طرف عينها ثم أردفت بنفي:
"لا مش مصدقة طبعًا يا وميض."
أخرجت وميض زفيرًا متأففًا وهي تتوقع وصم الجميع لها بالجنون إن أخبرتهم بالأمر.
"فواحد مثله تمتلىء حياته بالأعمال هل يخرج إلى الشارع بهذه البساطة ويرمي بنفسه في الماء أيضًا من أجل إنقاذها؟ لابد أنها تتخيله!"
سيكون هذا تعقيب الجميع إن فكرت للحظة أن تبوح بما رأته تحت الماء، ولكنها الوحيدة المتأكدة من تواجده في تلك اللحظة وسوف تسعى جاهدة كي يصدقها الناس.
ولكن هل في تصديقهم لها إجابة واضحة على سؤالها؟!!
ظهرت ابتسامتها الساخرة من جانب فمها وراحت تنظر للشاشة مرة أخرى في اللحظة التي جاءه فيها مكالمة هاتفية من أحد معجبيه يقول بنبرة فضولية متحمسة للرد:
"يا شيخنا أنا معنديش سؤال بخصوص موضوع النهاردة، أنا بس عايز أسألك عن حاجبك المقطوم دا؟ آسف إني بتدخل في حاجة متخصنيش ولكن الشباب الأيام دي بقت بتلعب في خلقة ربنا عن قصد تحت مسمى الموضة وقطم الحاجب دي واحدة من أشكال الموضة اللي ظاهرة حاليًا."
ابتسم تليد بثبات قبل أن يومئ متفهمًا لصدق نيته فيرد بإيجاز:
"دي حادثة اتعرضت لها وأنا صغير."
توقف عن الحديث لثوانٍ ثم أضاف بقلب ملتاعٍ من فرط الحنين لتلك اللحظات التي سبقت هذه العلامة الدائمة في وجهه:
"تقدر تقول إني كنت بجري ورا أحلامي وملحقتهاش."
كانت تراقب تفاصيل وجهه باهتمام بالغ رغبةً في الوصول إلى حدس صحيح مائة بالمائة، ولكنها تراخت عن أسبابها الأساسية نحو التطلع فيه وبدأت تقرأ لمعة عينيه المتوارية خلف مظهره الخارجي المتبلد من شدة الثبات.
إلا أنها لمست وجعًا انتشر في جسده كماسٍ كهربائي سريع لم يضعف من قوة ضحيته بل مر مرور الكرام في غضون ثانية.
لا تزال محدقةً في تفاصيله فيما تلعثمت سهير وراحت تختلس النظرات إليها في توتر تارة وأخرى تنظر إلى شاشة التلفاز بامتعاض وضيق، وما أن دقت النظر في عينيه حتى تذكرت ذلك المشهد الذي مرت عليه سنوات كثيرة إلا أنها لا تنسى تفاصيله الصغيرة قبل الكبيرة.
أغمضت عينيها في حنق وهي تنظر من نافذة غرفتها ثم تستدير صوب زوجها وتقول بصوت منفعل حاد:
"بقول لك أيه يا علام، شوف لك حل مع الولد ابن الشيخ سليمان دا!!!"
علام وهو ينتبه لغليان نبرتها المحتقنة بالغيظ ثم يسأل باهتمام وهو يزيح عنه غطاء الفراش:
"ماله بس؟؟"
صرخت فيه باستنكار:
"إنتَ مش شايف إنه كل يوم يقف لنا على بوابة البيت ومش بيمشي غير لما يشوف وميض!!!"
زفر بحنق قبل أن يقول معاتبًا:
"يا ستي سيبيه يشوفها هو يعني هياكلها؟ مش كفاية إنك غيرتي اسمها اللي كان مختاره ليها!!!"
هتفت بسخرية واضحة:
"وإنت يعني رضيت إني أروح أغيره في السجل، مستكتر عليا أناديها باسم عِدل، دي بنتي وأنا من حقي أناديها بالاسم اللي يعجبني."
علام وهو يرميها بنظرة جامدة ثم يقول معترضًا:
"لا مش حقك لأن دا شرط من شروط الشيخ سليمان وبعدين مش كفاية إنه خلانا نعيش مشاعر عمرنا في حياتنا ما كنا هنعيشها؟؟؟"
حدقت فيه سهير دهشةً ثم تهدج صوتها وهي ترد بضيق:
"إنتَ بتعايرني علشان مبخلفش يا علام!!!"
علام وهو يومئ سلبًا ثم يتوجه صوبها سعيًا لإرضائها بكلمة طيبة تمحو أثر كلماته السلبية التي لم يكن يقصدها على الإطلاق:
"مش دا قصدي يا سهير، بس مش عايزين نجحد فضل الشيخ سليمان علينا بعد فضل ربنا!"
التوى شدقها ثم قالت بنفاد صبر:
"والعمل مع ابنه؟؟"
علام يطلق تنهيدة سريعة ويرد:
"ولا أي حاجة، هيزهق وهيمشي من نفسه، متحطيهوش في دماغك إنتِ بس."
(على الجانب الآخر)
نظر الصغير صوب نافذة غرفتها بعينين متلهفتين لرؤيتها ولكنه تنهد بخيبة أمل حينما رأى ستار الغرفة مازال مسدلًا حتى الآن.
قرر أن يبقى قليلًا علها تظهر أمامه على حين غرة فيشبع ناظريه برؤيتها كي يستطيع إكمال يومه الروتيني الممل فقد باتت قوته الخارقة التي بنظرة واحدة إليها تعينه على كل سيء يتعرض له.
لم تمر دقيقتان حتى وجد سهير تخرج من باب المنزل الذي يحيط به حديقة صغيرة.
كان تمسك بكفها الصغير وقد صففت شعرها على شكل قطتين رقيقتين ثم قادتها إلى أرجوحة بلاستيكية قابعة في جنب قريب من البوابة.
وفي تلك اللحظة التقت عينه بعين سهير التي نبج صوتها وهي تقول بنبرة ذات مغزى تغيظه وتعاديه من خلالها:
"وميض حبيبتي، العبي هنا وأنا هعمل لك السندويتشات وأرجع."
رمقته بنظرة جامدة متشفية بينما توارى عن عينيها الحادتين خلف السور وراح يتنهد بوجعٍ بعدما فطن بالرسالة التي أرسلتها له هذه السيدة.
أطرق في حزن من تبجحها وإخلالهم بالوعد وقد رأى في ذلك كارثة تتنافى مع كل الأخلاقيات التي تربى عليها وأولها؛ صون الوعد المقطوع عليه!
"مامااااااااا؟؟"
اتسعت عيناها وهي تلتفت إلى وميض ثم تقول بنبرة خافتة تيقظت لندائها مؤخرًا:
"أيه يا حبيبتي؟"
وميض بنبرة متأففة تكرر جملتها:
"كنت بقول بما إني بقيت كويسة خلينا نمشي!"
تنهدت سهير باستسلام ثم قالت بصوت يغلفه الشرود:
"ماشي، نمشي."
تنفست وميض الصعداء وهي تشعر باقتراب حريتها وكأنها تعيش في سجن وليست مستشفى.
استدارت برأسها حتى وقعت عيناها على تلك السترة فأمسكت بها بتروٍ وهي تنوي معرفة صاحبها المجهول في أقرب وقت!!!
جلس على كرسيه في ساحة الانتظار يترقب نداء الموظفة له سامحةً له بالدخول إلى مكتب عثمان الذي دخل إلى اجتماع طارئ منذ ساعة ولم ينته منه بعد.
تنهد بقلق بلغ مبلغه منه يسأل نفسه حول استدعاء الأخير له في أمر عاجلٍ رغم أنه يلتقي به في القصر كل يوم ويمكنه وقتها أن يخبره بما يشاء؟؟..
تأفف بصورة متوارية حتى لا يظهر ضيقه أمام الموظفة ثم استدار برأسه صوبها وقال بتوتر:
"متعرفيش عثمان بيه عايزني في أيه؟"
هزت رأسها بنفي قاطعٍ فارتخت قسمات وجهه بقنوط ثم عاد يسألها متوجسًا:
"طيب متعرفيش الاجتماع دا هيخلص إمتى لأن بنتي في المستشفى ولازم أروح لها!!!"
رمقته بنظرة عابرة قبل أن تركز ببصرها على الأوراق القابعة بين كفيها وترد بإيجاز:
"مش باقي كتير."
أومأ يتصبر بكلماتها، باعد بين ساقيه قليلًا ثم نكس رأسه ناظرًا للأرض بشيء من الحسرة وهو يضع كفيه على رأسه.
لم يكن بإمكانه أن يترك كل شيء خلفه ويهرول إلى ابنته فمنذ أن عمل في منزل عثمان وكل تحركاته تؤدى بمقدار وبإشارة منه ولا يمكنه أن يثور أو يحتج وإلا انقطع عيشه وبات مرميًا على أرصفة الشوارع ومعه امرأتين!!
تكلمت موظفة الاستقبال أخيرًا تحثه على التوجه إلى مكتب عثمان فأومأ يشكرها في صمت ثم خطى نحو الغرفة خطوات مترددة ثقيلة.
وصل إلى عتبة الباب فطرق بحذر ليأتيه صوتها يأمره بالدخول في الحال.
"مساء الخير يا عثمان بيه، خير إن شاء الله!"
أومأ عثمان له ثم رد باقتضاب:
"أهلًا يا علام ومش خير خالص."
ابتلع ريقه على مهل مصدومًا من هذه الإجابة المبهمة فيما أشارت سكون بذراعها نحو الكرسي ثم تناولت طرف الحديث عن والدها:
"اقعد يا عمو علام!"
شكرها بخفوت ثم جلس حيث أشارت وبقيت نظراته مسلطة على وجه عثمان الغاضب.
توتر علام وهو يستفسر متوجسًا عن السبب الذي يستتر وراء جملته السابقة:
"في حاجة حصلت مني ضايقتك يا عثمان بيه!!"
عثمان بصوت محتقن حاد:
"بنتك وميض."
اندهش علام مع انبساطية واسعة بين حاجبيه وهو يقول بقلق:
"بنتي! مالها وميض؟؟"
سكون وهي تجيبه بصوت ثابت بعد أن استدارت تواجه نظراته:
"وميض عاملة لنا مشاكل مع شركائنا وبتكتب أخبار مغلوطة علشان تسوء سمعتنا بيها، هو دا جزاء المكان اللي رباها وكبرها!"
تندى جبينه عرقًا من الصدمة ثم تابع في حيرة:
"وهتعمل كدا ليه يا سكون هانم؟؟؟ أكيد في حاجة غلط؟؟"
عثمان وهو يتنهد بقوة قبل أن يحذره بأسلوب نمق:
"بنتك بتلعب مع ناس كبار أوي يا علام وعيها وعقلها."
سكون تسحب طرف الحديث إلى ملعبها فتقول بابتسامة باردة:
"أظن إحنا مجبناهاش الشركة هنا وشغلناها في أقرب قسم لشهادتها علشان في الآخر تعكر الجو بينا وبين الشركا وتسبب لنا خساير قبل ما تكون مشاكل."
كانت عيناه تتنقلان بينهما في تيه وحيرة وهو لا يدرك بعد ما السبب الذي دفع ابنته على أذية مكان أكل عيشها وأناس بمثابة أهل لها؟!!..
ابتلع غصة مريرة في حلقه فأكملت سكوت بثبات:
"هي قدامها خيار واحد حاليًا يا تشتغل في شركتنا بس وتعقل يا تترفد وتختار شغلها التاني وساعتها إحنا مش مسؤولين عن أي مشاكل هتقع فيها وأعتقد وقتها العلاقة بينا متسمحش إننا نحميها حتى!!!"
أومأ مستحيًا من تصرف ابنته المخزي وقد عجز عن الرد حتى ولم تخرج منه سوى كلمة واحدة وهو ينهض في مكانه:
"بعد إذنك يا عثمان بيه!"
ودعها عمران ذاهبًا إلى عمله بعد أن ردد على مسامعها وصاياه العشر والتي تبدأ بكوني هادئة وتنتهي باستخدامي شراستك عند الضرورة مراعية ألا تكون متوجهة نحو أمه فمهما كان؛ لها منهما كل التقدير والاحترام وتبقى في النهاية والدته.
جاءها اتصالًا من والدتها عقب خروج زوجها.
تحرك قلبها من مكانه أول أن رأت رقم والدتها فردت متعجلة في لهفة حقيقية:
"ماما، وحشتيني!"
أتاها صوت نبيلة تقول بشوق مثيل:
"مش أكتر مني يا نور عيني، عاملة أيه في حياتك؟ عمران كويس معاكِ وكُل اللي في البيت؟!"
عضت شروق على شفتها السفلى في حيرة من أمرها وسؤال واحد يدور في عقلها؛ هل من الصواب نقل صورة سيئة عن عائلة زوجها لوالدتها؟؟ أم تلتزم الصمت وتكثر المديح والثناء في أسلوبهم الرقيق معها؟
شردت للحظات فتابعت نبيلة بصوت متوجس قلقًا:
"اتكلمي يا شروق، في حد بيضايقك؟"
أسرعت تنفي ظنونها وهي تقول بصوت هادئ غلبت عليه سعادة مصطنعة لإتقان الموقف:
"لا بالعكس، والدة عمران بتحبني أوي وبتعاملني زي بنتها وكمان كل أهل البيت يتحبوا."
نبيلة وقد أثلج قلبها بطمأنينة أقاويلها فتابعت تستفسر:
"وعمران؟?"
شروق بثناء حقيقي انبلج من وسط بستان عشقها المستقر بين أضلعها:
"زوجي وحبيبي اللي بحمد ربنا كل يوم عليه، عارفة يا أمي؟"
التزمت نبيلة الصمت تترقب القادم فقالت شروق بوداعة تشي بقدر عظيم من السكينة النفسية التي تملأ فؤادها:
"عمران دعوتك الحلوة ليا اللي كنت بسمعك تدعي بيها كل يوم."
سكتت لبُرهة ثم أضافت بهيام:
"مش ندمانة إني حاربت أفكار بابا السلبية عنه، مش ندمانة إني اختارت أكون معاه."
نبيلة تجيبها بصوت ثابت:
"فات شهور على الكلام دا يا شروق، المهم إنك عملتي اللي عايزاه واتجوزتي عمران واختارتي تكملي اللي باقي من عمرك في قرية بعيدة.. بعيدة أوي عن أهلك."
شروق وهي تبتلع غصة أدمت قلبها الحزين على انقطاع التواصل معهم بشكل دائم واختلاس والدتها للمكالمات بينهما في غياب والدها:
"آسفة يا أمي، أنا ما كنتش هبعد فعلًا بس شغل عمران كله هنا، إزاي هفرض عليه حياة مش بتاعته وألوي دراعه زائد إنه ما كانش هيوافق نعيش في القصر زي ما شرط بابا عليه، لأن نفسه عزيز ومش قابل الفكرة من الأساس."
نبيلة تتنهد بصبر ثم تردف:
"كل دا انتهي الكلام فيه، المهم إنك كويسة."
شروق بصوت حزين تقول:
"وهبقى كويسة لو بابا رد على اتصالاتي أو بس كلمني، أنا ما عملتش حاجة لكُل دا، أنا اتجوزت اللي بحبه بالأصول!!"
نبيلة بتفهم:
"سيبيه على راحته يا شروق، الزعل دا مسألة وقت وهتنتهي."
اطمأنت عليها وتأكدت أن ابنتها تعيش لحظات سعيدة ثم أغلقت على الفور.
تنهدت شروق باشتقاق لكل شيءٍ في القصر؛ تشتاق إلى أبيها وهو يختلس النظرات إليها أثناء جلوسها في غرفتها من أجل الاطمئنان عليها، دعاء والدتها لها بالزواج السعيد، صوت شقيقها الصاخب أثناء تلقيها نكتة سمجة من نكاته والتي لا يضحك أحدٌ عند سماعها سواه وكذلك سكون التي حاربت معها من أجل إتمام هذا الزواج وكانت سندًا لها في كل حين حتى أنها الوحيدة التي تسأل عنها بشكل يومي والتي تطلعها على كافة أسرارها؛ ولكنها لم تخبرها بعد عما حدث لها اليوم فلم تتح الفرصة لها كي تتصل بها.
حسمت أمرها بإجراء اتصال بشقيقتها ولكنها وجدت الباب يدق دقات خفيفة فالتفتت إليه بأنظارها ثم قالت متوجسةً:
"مين؟!"
أتاها صوت إحدى العاملات بالمنزل تقول بصوت هادئ:
"الحاجة تماضر عايزاكِ في البرندا يا شروق هانم!"
زوت ما بين عينيها في حيرة ما أن تلقت الأمر ثم أجابتها بصوت خفيض:
"حاضر، نازلة وراكِ."
غمغمت باستغراب قبل أن تتجه إلى المرآة وترمق هيئتها بنظرة سريعة راضية؛ تتميز شروق بالشعر المموج رغم نعومته وشدة لونه الأسود ولكنها ارتدت الحجاب مؤخرًا إرضاءً لزوجها الحبيب وطاعةً له حتى تحول الأمر من تصرف فرض عليها إلى حب في كافة أوشحة رأسها الرقيقة.
تنهدت بعمقٍ تتهيأ نفسيًا لكافة ألوان الطاقة السلبية والكلمات القاسية التي سوف تلقاها بعد قليل.
أدارت مقبض بابها على مضض ثم خرجت منه حيث تجلس الأخيرة التي ما أن وقفت شروق أمامها حتى أردفت بصوت جاف:
"النهاردة ميعاد راوية سلفتك عند الدكتور."
ابتسمت شروق مجاملة وهي تنظر إلى راوية التي تجلس بالتواء بجوار الأخيرة وتضع يدها خلف ظهرها متأوهةً بصوت خفيض.
ارتدت ببصرها نحو تماضر ثم قالت بصوت هاديء:
"ربنا يتمم لها على خير يا ماما ويقومها بالسلامة."
تماضر وهي ترمقها بحدة ثم تقول:
"أنا مبقولكيش الكلام دا علشان تدعي لها، أنا بقول لك علشان تروحي معاها للدكتور."
توتر هدوئها النفسي جراء كلمات الأخيرة التي تتعمد إيذائها بشتى الطرق؛ فلِمَ عليها الذهاب في وجود زوج راوية وكثير من أهل البيت؟ هل لأجل معايرتها كما تقول عنها كل يومٍ وتغتابها مع العاملين بالمنزل!
انقبض صدرها وسيطرت الغصة على حلقها فزادته مرارة، تنحنحت بهدوء ثم شرعت تقول في خفوت:
"بس أنا مستأذنتش عمران!"
تماضر بلهجة صارمة:
"بس كبيرة البيت ادتك الإذن!!"
شروق مُتشبثةً برأيها:
"بردو لازم أقول له، هطلع ألبس وأنزل على طول."
تحركت من أمامهما على الفور بوجه عابس في حزن.
نعم تتمنى للجميع كل الخير ولكنها لا تتلقى منهم مثقال ذرة من خير؛ فراوية وتماضر لا تختلفان كثيرًا عن بعضهما وهدفهما الوحيد والأوحد هو إذلالها وبث شعور العجز داخلها بكونها لا تقوى على حمل لقب [أم].
توسط ساحة المعركة الرياضية التي تمثل له واجب يومي لا ينقضي يومه إلا بسرقة ساعة على الأقل لتفريغ طاقته السلبية كما أنه محب لرياضة كرة السلة وقد لعب في دوريات محلية وحاز على العديد من الجوائز قبل إصابته.
ثبت الكرة بين كفيه ثم نظر إلى صديقه بتحدٍ وراح يسير بمقعده مستخدمًا أحد ذراعيه في تحريكه إلى أن وصل أمام الشبكة وبدأ يرمي الكرة بكل ما أوتي من قوة حتى أصابت الهدف بجدارة.
التفت إلى صديقه ثم قال بزهوٍ مازحٍ:
"كالعادة، مفيش مقارنة لا في الأداء ولا في النتيجة."
افتر ثغر حسان عن ابتسامة خفيفة ثم مشى صوبه قائلًا باستسلام:
"للأسف دي الحقيقة، بس هييجي يوم وهحطم كل الأرقام والصورة هتتقلب."
انفرجت شفتيه وهو يقول بسخرية:
"موت يا حمار، بقالك سنتين بتقول نفس البؤين دول ومش بشوف منك غير كلام بس."
ابتسم حسان بخفة ثم وضع قبضتيه على ظهر الكرسي وراح يدفعه أمامه وهو يقول بنبرة فضولية:
"بتكلم عمران وشروق ولا زي عمي عثمان!!!"
عبس وجه عمر بضيق تبين في قسمات وجهه، لم يرد على السؤال بل أطرق في سكون إلى أن تحدث حسان من جديد مستنتجًا رده:
"طبعًا لا، مبتسألش على أختك ولا صاحبك!!"
أضاف عمر بمشاعر مخزية:
"أختي اختارت تبعد عني عايزني إزاي أسأل عنها وهي اللي بايعة؟?"
حسان يصيح مستنكرًا:
"يا بني دي أختك يعني لحمك ودمك وعمران صاحب عمرك، ولا نسيت السنين اللي قضيناها مع بعض إحنا التلاتة، دا ما كانش في حد يقدر يوقع بينا أو يصدق إننا في يوم هنسى صداقتنا ببعض."
تنهد عمر بضيق شديدٍ ثم أجابه:
"صداقتنا كانت قبل ما يبعد أختي عني."
حسان يرد مصدومًا من تفكيره ووجهة نظره الغير مبررة:
"دا على أساس إنك ما كنتش تعرف بحبهم من أول يوم، هو ما خبّاش عنك حاجة وكان دُغري من أول دقيقة وإنتَ كنت مرحب بالموضوع، رأيك اتغير 180 درجة علشان اختارت تعيش معاه بعيد عنكم ويستقلوا بحياتهم!!"
عمر يصيح محتجًا:
"إنتَ عارف كويس أخواتي بالنسبة لي إيه، بعدهم عني بيحسسني إن ضهري متعري خاصةً بعد الحادثة، دا هم رجليا الاتنين يا حسان."
حسان وهو يومئ متفهمًا ثم يقول بصوت هادئ:
"عمران مش بس صاحبنا دا أخونا وعشرة سنين، لازم تتصافوا ونرجع زي الأول ومتكسرش بخاطر أختك، هي أكيد مستنية مكالمة منك من شهور!!!"
نكس عمر ذقنه بخزي كبيرٍ معترفًا داخل خبايا نفسه أنه قد أخطأ في معاداة صديقه وبقاء الود بينه وبين شقيقته.
تنهد بهم ثم قال بصوت خافت:
"ماشي."
ابتسم حسان بانتصار ثم توجه بأسئلته في اتجاه آخر:
"المهم، عامل أيه مع رويدا؟"
مط شفتيه ثم قال بصوت فاتر:
"مفيش جديد، بنحاول أيامنا كلها متكونش شبه بعض."
حسان بنبرة ذات مغزى يُصرح:
"بس إنتَ اللي في إيدك تحارب الروتين دا؟؟"
قطب عمر ما بين عينيه مستفسرًا في فضول:
"إزاي؟!"
توقف حسان عن دفع الكرسي ثم استدار لمواجهته وبصوت نصوح أكمل:
"عدا سنة يا عمر، لازم تتقابلوا، من حقها تعرف حقيقتك بدري علشان تقرر موقعها هيكون فين في حياتك!!"
قاربت على الوصول إلى المزرعة وهي تحمد الله أن سيارتها المتواضعة لم تقل بأصلها معها وأدت وظيفتها للنهاية ولم تتعطل كعادتها في منتصف الطريق؛ ربما لأنها شعرت بوضع صديقتها الطارئ فيجب عليها الوصول إلى المزرعة في غضون الربع ساعة لإنجاز ولادة مستعجلة ومتعسرة لواحدة من الماعز بالمزرعة.
وصلت السيارة إلى أول الشارع الطويل الذي يفضي في نهايته إلى المزرعة ثم توقفت راضخةً للزحام المروري في الشارع.
تأففت بضيق وحاولت أن تتصرف بحركة بديهية فقررت أن تعود بالسيارة للوراء ثم تنحدر يمينًا وتسلك طريقًا فرعيًا يكون أقل زحامًا من هذا.
ضغطت على دواسة البنزين لتتحرك السيارة خطوة أكبر من التي أرادتها فتصطدم بسيارة أخرى.
ضمت شفتيها بذهول كبيرٍ وعينين جاحظتين ولحظات وسمعت صوت صاحب السيارة الثائر في غضب لتتوقع مجيء شرطي المرور إليها في الحال.
دق بأصابعه على زجاج السيارة، فابتلعت ريقها على مهل ثم استجابت بفتح النافذة فوجدته يقول بلهجة حادة وعلى صفحة وجهه ملامح مكفهرة:
"بطاقتك يا آنسة."
تكلمت بحذر تقول:
"صدقني مكنش قصدي أخبطه."
الشرطي بنبرة حانقة يهدر فيها:
"أمال تسمي اللي حصل دا أيه؟"
حاولت الدفاع عن نفسها فقالت بصوت مبحوح:
"هو اللي زنق عليا."
رفع الشرطي أحد حاجبيه ثم تابع بصوت ساخر:
"وكمان مش لابسة كمامة!!"
أغمضت عينيها تخمن كم المحاضر التي ستدون ضدها فقالت بأسف ويأس:
"طاغت مني."
الشرطي يكشر من صعوبة تحصيله على جملتها المبهمة:
"نعم!!!"
أدخل يده في جيبه ثم أخرج ورقة وقلم وعاد ينظر إليها من جديد.
"اسمك أيه يا آنسة؟"
سألها بلهجة حادة، فتوترت وهي ترد متلعلثمةً:
"مهغة."
زم شفتيه مستنكرًا ثم صاح:
"اسمك مُهجة؟?"
أومأت برأسها تنفي إجابته ثم ضمت أصابعها تحثه على استيعاب حروف اسمها الذي سبب لها أزمة عصيبة من يوم ولادتها:
"لأ، مُهغة! بالغاء!!!"
تأفف الشرطي بانفعال ثم كز على أسنانه قائلًا بحنق:
"يا ستي إنتِ اسمك أيه دلوقتي، متعصبيناش بقى!!!"
تنهدت بفقدان أمل حول إدراكه للاسم فقالت بتذمر:
"حضغتك، أنا اسمي مهغة... مهغة.. الاسم دا مسبب لي أزمة طول حياتي.. أنا بنهاغ منه!!!"
ارتخت شفته السُفلى قاطبًا ما بين حاجبيه ثم استوعب أخيرًا ما تود قوله فتابع بتوجس:
"حضغتك!!! وكمان بتنهاغي!!"
سكت لبُرهة يعاصر الصدمة ثم هتف بابتسامة خفيفة:
"إنتِ اسمك مُهرة!!!!!"
تنفست الصعداء ثم أومأت تؤكد تخمينه:
"الحمد والشكغ لله، أيوة اسمي.... اسمي اللي إنتَ قولته دا بالظبط."
وفي غضون ذلك، رأت تليد يهتف آتيًا من بعيد متوجهًا صوبهما ومعه صديقه:
"خير يا حضرة الظابط؟؟"
رمقهُ الشرطي بنظرة عابرة وقبل أن يلتفت لها مرة أخرى رجع ينظر إليه في ذهولٍ كبيرٍ ثم يقول بلهجة منشرحة:
"أيه دا؟؟ الشيخ تليد!!"
بادلهُ تليد ابتسامة خفيفة ثم قال مؤكدًا ظنونه:
"أيوة، أنا الشيخ تليد وآنسة مُهرة شغالة في المزرعة عندنا."
أومأ الشرطي بتفهم ثم أكمل:
"لا يبقى عفونا عنها ولو إنها غلطت غلط كبير، خبطت العربية اللي وراها وكمان مش لابسة كمامة."
مُهرة ترمقهُ بجانب عينيها ثم تكرر مُبررها بحذر:
"ما قولت لك طاغت مني."
تليد وهو يومئ برأسه عدة إيماءات خفيفة ثم يتابع:
"بعتذر لك بالنيابة عنها."
التوى شدقها بغيظ فقالت بصوت منفعل:
"بحاول أشغحلك من بدري إني دكتوغة بيطغية في مزاغع الشيخ بس إنت مش مديني فغصة."
تدخل نوح في الحديث قائلًا بصوت هاديء رغم ما يتوارى خلف طياته من هزل:
"آسفين يا فندم، زيّ ما قالت لك بالظبط إن الكمامة طاغت منها وإنها دكتوغة بلطجية قصدي بيطغية وعفا الله عما سلف."
ابتسم الشرطي بتوترٍ ثم قال وهو يتودد إلى تليد:
"إحنا بقى نتصور صورة مع بعض."
تنحنح تليد بخشونة ثم وقف بجواره ليلتقط الأخير صورة سريعة ثم يترجل كُلًا منهما إلى سيارته.
رمقتهُ مُهرة بنظرة حانقة وهي تنطلق بسيارتها حتى وصلت إلى بوابة المزرعة ففُتحت من قبل بوابها في الحال لتدخل السيارتان وراء بعضهما.
ركنت مُهرة السيارة على جنب ثم ترجلت منها وهي تهرول إلى الغرفة المُخصصة للطوارئ في المزرعة فيما اتجه الشابان إلى المجلس الذي يجلس فيه سليمان الذي ما أن رأى ابنه حتى باعد بين ذراعيه ليرتمي الأخير بينهما قائلًا بصوت مشتاق:
"حبيبي يا شيخ، دي الدقايق اللي إنتَ مش فيها ملهاش طعم."
ربت سليمان على ظهره ثم قال بحبور:
"ربنا يحلي أيامك وينور دروبك يا بني."
"وأنا يا عمي؟!"
افتر ثغر نوح عن ابتسامة عريضة ثم اتجه صوبهما وراح يزيح تليد قائلًا بغيظ:
"ما كفاية يا عم الحلو، هو أنا مليش نفس أحضن أنا كمان."
ضحك الشيخ بسعادة غامرة وهو يسحب نوح إلى جنباته ثم يضمهما سوية.
في هذه اللحظة جاءت رابعة تلك السيدة الأربعينية ذي الوجه البشوش تقول بنبرة منشرحة:
"نورتوا المزرعة كلها يا شباب."
التفت الجميع لها فشكرها تليد بصوت هادئ:
"تسلمي يا خالة."
نوح وهو يغمز لها بمرحه وشقاوته المعتادة:
"حبيبتي يا خالة رابعة يا عسل يا أم الدكتوغة."
ضحك سليمان ضحكة متحشرجة اختلط بها سعال خفيف وهو ينهره بصوت لين:
"تأدب يا ولد."
رابعة بضحكة لطيفة تقول:
"ماشي يا دكتور نوح ولا إنتَ علشان تخصص بني آدمين بتستعلى على بنتي؟؟"
نوح بمزاح لطيف يجيبها:
"بالعكس، دي روح المنافسة بين الأطباء، منافسة طيبة."
مشت رابعة خطوتين ثم جلست بحوار الموقد الحجري وراحت تقول بحماس يظهر حينما يجتمعون كلهم في جلسة روحية كهذه فأردفت بثبات:
"عقبال مُهرة ما تخلص عملية الولادة اللي معاها أكون أنا عملت لكم سندوتشات زبدة بالعسل وشوية شاي على الكانون."
نوح يصيح بصوت سعيد ممتن:
"والله إنتِ اللي زبدة على عسل يا خالة."
ضحك الكل في لحظة دفء تحوم حولهم.
صدح هاتف تليد فقرر أن يتمشى قليلًا كي يتمكن من الرد بأريحية مبتعدًا عن مزاح صديقه خاصة أن المكالمة واردة من داخل شركة (حمدي زهران) للصناعات الغذائية.
ابتعد تليد فيما تنحنح نوح بمراوغة ثم قال بحسم:
"هروح الحمام صد رد كدا وأرجع."
سار مبتعدًا في مكر وحماس كبيرين حتى تسلل إلى الحديقة الخلفية التي يقبع فيها المشتل الخاص بالنباتات والفواكه؛ فالمزرعة تنقسم إلى جزأين؛ مشتل الخضروات والفواكه ومزرعة المواشي.
تسحب على أطراف أصابعه حتى وصل إلى النافذة التي تطل على الغرفة المخصصة لعلاج مرضاها من الأبقار والماعز.
كانت مكدسةً بمجموعة من العمال بينما تقف هي في المنتصف وفي يدها معزى كبيرة حان موعد ولادتها.
بدأت مُهرة تسحب الصغير من رحم والدته ببطء وحذر والعرق يتصبب على جبينها من القلق والحيطة وبعد لحظات عصيبة قاسية تمكنت من استخراج الصغير سالمًا وفرح العاملون بالنتيجة ثم شكروها وأخذوا المعزى وصغيرها وغادروا الغرفة.
أخذت شهيقًا سريعًا ثم جففت العرق بطرف سترتها قائلًا بخفوت:
"الحمد لله، دقايق صعبة وعدت."
ألقت بجسدها على كرسيها ثم تنهدت براحة قبل أن تنتفض على صوت رجولي يقول بهزل وسخرية:
"لأ شاطرة."
حدقت بتوجس قبل أن تلتفت صوب النافذة ثم تقول بغيظ:
"بتعمل أيه هنا؟؟"
ابتسم بثبات ثم رد:
"كُنت بتفرج على دكتوغازتنا الشاطرة، وبالمرة أبلغك بخبر حلو أوي."
رفعت أحد حاجبيها ثم سألته بصوت هادئ:
"خبغ أيه؟؟؟?"
تكلم هو بنبرة ذات مغزى:
"تخيلي جبت عربية نوعها أيه؟"
مطت شفتيها بجهلٍ ثم قالت:
"نوعها أيه؟؟؟?"
تصنع فقدانه الذاكرة حول اسم السيارة فقال بنبرة سادرة:
"اممم، تصدقي نسيت، هي حاجة بحرف الفاء!"
رأرأت بعينيها في تخمين ثم قالت:
"فيات!!"
أومأ سلبًا فحاولت التخمين مرة أخرى وهي تقول بفضول:
"فغاغي!!!!"
انتظر أن تقولها فانفلتت ضحكة صارخة من بين شفتيه ما أن خرجت الحروف من بين شفتيها، فهو لم يأتِ بسيارة جديدة ولم يكن ينسى اسم هذه الماركة ولكنه يحب جمعًا أن تنطق كل الكلمات التي تحتوي على حرف الراء كي يتنمر على حديثها باستمتاع شديد.
كزت على أسنانها بغيظٍ شديدٍ، نزعت سترة العمل عن جسدها باندفاع ثم خرجت بسرعة جارفة من الغرفة وتوجهت إلى مجلس الشيخ سليمان وتبعها هو، وقفت أمام سليمان ثم عقدت ذراعيها أمام صدرها وبصوت حانق مستنكر سألت:
"يا شيخ سليمان، قولي أيه هي عقوبة التنمغ على خلق الله؟!"
أومأ سليمان باستسلام من اعتقاده بأن نوح كبر وصار رجلًا وقد عقل!!، ابتسم بهدوء رغمًا عنه ثم تابع:
"يابني مالك ومالها بس!!!"
نوح يتصنع الوداعة والبراءة:
"صدقني يا حاج ما عملتلهاش حاجة، هي اللي أغشة ملحتي."
أشارت مُهرة صوبه باستخدام سبابتها ثم قالت بانفعال خفيف:
"شوفت!"
التحق تليد بهم فورًا بعد أن أنهى حديثه عبر الهاتف فوجد صديقه يجلس بجوار سليمان بينما تقف مُهرة أمامهما بأسلوب ساخط ومحتج فتأكد أن صديقه بالتأكيد أثار حنقها واستحق ما سوف تفعله به.
انفرجت شفتي نوح بضحكة عريضة قبل أن يقول مستسلمًا:
"خلاص يا شيخ، أوعدك إني مش هتنمغ عليها تاني بس بشرط!!!"
صاحت بانفعال تقول:
"إنتَ هتتشــ…"
صمتت عن استكمال جملتها عندما وجدت أنها سوف تضيف كلمة جديدة له في قاموس تنمره عليها، فيما تابع نوح بصوت حاد ثابت:
"تقول 'مصاحبش الفرافير حتى لو راكبين فراري!'"
كانت رابعة أول من خرجت ضحكتها في الجلسة، فهي تحب نوح جمعًا لشدة تعلقه بصديقه وتعلق صديقه به ولا تشعر بالضيق من مزاحه اللطيف مع ابنتها؛ لأنها تعلم صفاء نيته وسجيته الطيبة بجوار رجولته الشرسة التي عاصرتها في أكثر من موقف حينما تعرض لها مجموعة من الرجال أثناء جلوسها بالمزرعة مبعوثين من قبل عثمان السروجي لبث الفوضى في المكان وجعله غير صالحٍ لكسب الرزق للعمال فيتركوا الشيخ سليمان ويطلبوا دعمه وتشغيله لهم فوقفت رابعة كالسد المنيع في وجههم ومعها صغيريها اللذين لم تنجبهما؛ تليد ونوح.
تدخل سليمان قائلًا بنبرة سلسة:
"أما إنك ولد غير مؤدب صحيح."
مُهرة وهي ترمقه بنظرة عدائية متحدة:
"أصلًا مش هيحصل."
نوح وهو يمط شفتيه غير مباليًا:
"خلاص براحتك."
تنهد تليد بأريحية كبيرة لا يجدها إلا وسط هذا التجمع المريح، أسرع بالتقاط كف والده ثم قال بثبات:
"شركة حمدي لسه مكلميني دلوقتي!"
رمقهُ سليمان بدفء ثم تابع مدركًا للسبب:
"بيكلموك بخصوص الشراكة تاني!!"
أومأ تليد إيجابًا فقال سليمان بصوت هادئ:
"يا بني حمدي راجل محترم وكل إصداراتنا بتروح لهم والشراكة بينا مش هتكون بنسبة كبيرة أعتقد 20% علشان بس كل واحد فينا يضمن ولاء الطرف التاني."
أغمض تليد عينيه محتارًا قبل أن يتابع:
"بس أنا شغلي واخد كل وقتي وشراكة يعني دوشة ومشاكل في الشركة وحوار."
سليمان وهو يربت على كفه بمؤازرة لكل رأي يصطف في صالحه:
"خلاص أطلب إنك تتولى وظيفة بسيطة في الشركة ووقتها مش هتحتاج تبقى موجود هناك كتير."
التفت تليد إلى صديقه ثم سأل في حيرة:
"وأيه الدور اللي مش هيحتاج مني تواجد كتير في الشركة؟؟"
رأرأ نوح بعينيه للحظات ثم لمعت في عقله فكرة فقالها بحماس:
"تكون رئيس قسم الـ HR ودورك فيه يكون اختيار الموظفين الجُدد بقسم الدعايا والإعلان ودي دورية بتحصل كل سنة."
مُهرة تؤيده بدعم:
"صح جدًا وكونك رئيس يعني مش هتشغل بالك بكل اللي هيقدموا، إنت بس هتعمل مقابلة للعدد اللي هيتصاعد للمقابلة الأخيرة."
رفع نوح أحد حاجبيه ثم قال بصوت مراوغ:
"متسرقيش أفكاري يا سيادة الدكتوغة!"
مُهرة ترد عليه وهي تنظر بشموخ:
"دكتوغة بيطغية من فضلك."
نوح يتحداها بشموخ مثيل:
"لو إنتِ دكتوغة بيطغية فأنا دكتوغ بشغي يا دولة!!!!!"
ضحك تليد بتسلية من جنونهما؛ ولكنه بقى محتارًا فحك جبهته بتردد واضحٍ أمام الجميع ولكنه في النهاية استسلم للأمر الواقع فقال بهدوء:
"تمام."
"مكنش ينفع يا بنتي.. مكنش ينفع اللي إنتِ عملتيه دا!"
أردف علام بصوت مبحوحٍ من فرط الحزن.
تنشقت وميض نفسًا طويلًا ثم ردت بصوت حانق:
"لأ ينفع يا بابا ولو رجع بيا الزمن هعمل كدا تاني وتالت، اللي مش فاهماه إزاي عثمان بيه يعرف الراجل دا؟؟ طيب هو عارف إنه بيهرب حبوب مُخدرة في علب أدوية!!!"
استدار علام صوبها بعد أن كان مُعربًا عن رفضه النظر إليها لما تعرض له من موقف مُحرج كانت هي السبب فيه؛ ولكنه حدق فيها قائلًا في صدمة:
"حبوب مُخدرة!!!"
أومأت وميض إيجابًا ثم أردفت بتشتت:
"مش فاهمة إزاي عثمان بيه عارف كدا وساكت؟!"
علام وهو يتوسم فيه جهله بالأمر فيقول بنبرة يُحسن فيها الظن بالأخير:
"مش يمكن ما يعرفش السبب اللي خلاكِ تكتبي كدا في الجورنال!!!"
وميض وهي ترد بضيق شديدٍ:
"سواء يعرف أو ما يعرفش يا بابا فأنا خلاص تعبت من أسلوب التجبي اللي بيتعاملوا بيه معانا ومع أول غلطة يفكرونا بخيرهم اللي مغرقنا، أنا قررت أسيب الشركة!"
لطمت سهير على صدرها ثم أردفت باستهجان لهذه الفكرة السيئة:
"تسيبي الشركة اللي بيطلع لك منها مُرتب حلو!!!"
وميض وهي ترد بتحدٍ وثقة:
"هدور على شغل في شركة تانية ومعايا خبرة أحطها في عين التخين!!!!!"
رواية رحماء بينهم الفصل الرابع 4 - بقلم علياء شعبان
تأججت النار واشتد لهيبها والتف هذا الجمع الطيب حولها راغبين في اقتباس بعض الدفء الذي تبعثه نارها، رغم أوْشَك فصل الشتاء على لفظ أنفاسه الأخيرة.
وضع الشيخ سليمان براد الشاي على موقد النار الذي بُني بالطوب الأحمر، لاستخدامه في الدفء والتمتع بمذاق خاص ونكهة لا يمكنك مقاومتها في كوب الشاي المغلي من يد الشيخ سليمان.
حك نوح يديه سوية مُستشعرًا بلحظة عظيمة من الراحة والدفء. فهو الذي توفى والداه إثر حادثة قطار مُروعة، فقد خرج عن القضبان وانقلب أثناء سفرهم لزيارة عمه. وكان وقتها بالسنة الأخيرة بالثانوية العامة والفاصلة نحو تحقيق مستقبله. هرول سليمان وقتها للبحث عن جثمان والديه واستلامهما كي يدفنا براحة ويطمئن قلب الفتى قليلًا الذي لم يهدأ فائره إلا بعدما دفنهما مع الشيخ.
ومنذ ذلك اليوم وهو يعيش في بيت الشيخ ويتقاسم مع تليد كل شيء في هذه الحياة، بدايةً من تقاسمهما المأكل والملابس حتى تقاسم الأحزان والأسرار سوية. ونجح الشابان في الثانوية وحقق كل منهما حلمه الذي سهرا طويلًا لأجل اقتناصه عنوة من الدنيا. فأصبح تليد طالبًا بكلية الإعلام جامعة الأزهر، وتمكن بمساندة سليمان له أن يحفظ القرآن بالقراءات وكذلك كتب الحديث. أما نوح، فقد حقق حلمه السامي بأن يصبح طبيبًا معروفًا وهو الآن يحتل مرتبة عليا، فهو أستاذ دكتور نوح عبدالرحمن، دكتور النساء والتوليد والعقم بسلسلة مستشفيات النخيل الخاصة.
تقاسما الصغيرة قبل الكبيرة، إلا أن تليد لم يخبره شيئًا من قبل عن هذه الفتاة.
التفت نوح إلى صديقه فوجده يحك كفيه ببطء ورتابة، كما أن عينيه تحدقان في النار رغم أنها لا ترى اللهيب، هي فقط تحدق في اتجاه بينما تسرح في اتجاه آخر.
تنهد نوح بضيق وهو لا يتخيل يومًا أن يحتفظ صديقه بسر وحيد عنه، رغم أن نوح لا يسعل إلا وقال له بأنه سيفعل.
في تلك اللحظة، قطع صمت الجميع صوت رابعة المتهدج من لسعة البرد مع دفء النار:
"يلا يا ولاد، كل واحد ياخد له سندويتش، بالهنا والشفا."
لمعت عينا نوح بسعادة غامرة لأنه سوف يتناول أجمل مذاق على الإطلاق بعد كوب الشاي الذي يصنعه الشيخ، فكل شيء في هذه المزرعة فريد من نوعه، حيث يتفرد بالذكريات الجميلة والراحة النفسية الكبيرة والدفء العائلي الهادئ بين العاملين بها.
أسرع بمد كفه إلى الطبق ليجدها تفعل بشغف، حتى لمس الاثنان نفس الشطيرة. حدقت فيه مُهرة بغيظ ثم قالت بتحدٍ:
"أنا اللي مسكتها الأول."
نوح بعناد صلب:
"عندنا في المزرعة دي، الستات مبتاكلش إلا لما رجالتها تموت."
ارتفع جانب شفتها العليا ثم أردفت باستنكار:
"غجالة مين؟"
نوح بضحكة مكتومة يرد:
"غجالة المزرعة يا كبيرة، في حاجة؟"
كان سليمان معيرًا انتباهه كله نحو البراد الذي يغلي بروية على النار. توأد في سحبه، منتظرًا أن تلتصق رائحة احتراق البراد من الخارج مع فوران الشاي خارج البراد واصطدامه بالنار. ولكنه لم ينس أن يهدد هؤلاء الأطفال بعقاب رادع إن لم يتمنعوا عن مشاكسة بعضهم والتظاهر بالعدوانية:
"الظاهر إنكم مش هتشربوا معانا شاي النهاردة؟"
أسرعت مُهرة بوضع يدها على فمها قبل أن يتفوه بعقابه الذي ينص على حرمانها من تذوق شايه اللذيذ. كما تنحنح نوح بهدوء ثم قال مستسلمًا:
"لا وعلى إيه!"
صوت صرصار الحقل.
ابتسم تليد في نفسه قبل أن يتناول شطيرته الأقرب إلى قلبه من الصحن ثم يلتهمها بحنين جارف لطفولته. يتذكر عندما كان يتناول الشطيرة من رابعة ثم يكشف عن قلب الشطيرة ويبدأ باصطياد الزبد والعسل بأصبعه ويتجه به إلى فم الصغيرة التي تتمتعض في البداية حينما تتحسس المذاق بطرف لسانها، وما يلبث أن يتحول شعورها المصدوم إلى آخر سعيد تستمتع بابتلاع هذه النكهة إلى جوفها.
نظر إلى الشطيرة لوقت طويل حتى جذب الأعين إليه، فتساءلت رابعة بصوت هادئ مهتم:
"إنت كويس يا أستاذ تليد؟"
لم يسمعها وبات كالصنم الذي لا يسمع أو يعقل، حتى لكزه نوح بكوعه، الأمر الذي جعل الأخير يلتفت إليه من بعد غياب دام لدقائق كثر. رفع نوح أحد حاجبيه ثم قال متسائلًا وهو ينزل بعينيه إلى الشطيرة:
"إنت هتصور السندويتش؟"
انتبه تليد بأنه التهم شطيرة والتقط أخرى ولكنه سرح فيها، فلفت الانتباه نحوه. تنحنح بخشونة ثم ابتسم يقول بهدوء:
"افتكرت زمان لما كنت بنجح في الشغل وخالة رابعة كانت تكافئني بالسندويتشات دي."
اشتاقت رابعة لهذه الأيام التي كثر فيها الخير عن الآن، فقالت بسجية طيبة يحيطها التلقائية:
"فاكر لما كنت بتاخد الزبدة والعسل وتأكلهم لأُترُج وتاكل إنت الرغيف؟"
خاف!
نحى الشيخ سليمان ببصره إلى ابنه يسترق الملاحظة حول أثر كلماتها على ملامحه المرتبكة عند ذكرها في الحال. ابتسم الشيخ برصانة وداخله متأكدًا من أن ابنه لم ينس الصغيرة مطلقًا. والأقرب لليقين أنه يراقبها حتى هذه اللحظة التي يجلس فيها أمامه. والأقرب للصدق أن صغيره الولهان وَلِع بها واتقدت نيران عشقه وهو يراقب فاتنته تكبر أمام عينيه. فهو تليد بن سليمان، الذي يصدق بالموطن الأول والشعور الأول. وموطنه يستقر بين أربطة شعرها المسترسل الذي أحبه وكان طويلًا رغم صغر سنها، وقد منحه فيضًا من الاحتواء وكان يرى سعادته في الاهتمام بموطنه الأُترُجي.
فار الشاي على أطراف البراد فرفعه الشيخ وراح يسكبه في الأكواب الزجاجية القابعة على صينية عتيقة من النحاس يحتفظ بها الشيخ من سنوات كثيرة. تنهد بهدوء قبل أن يلتقط كوبًا من بينهم ثم يرفعه نحو ابنه وهو يقول بصوت دافئ:
"معلقة واحدة سكر يا شيخ تليد."
حرك تليد أهدابه بشكر دون أن يتكلم، ولكنه صُدم حينما تعمق الشيخ في النظر داخل عينيه ثم سأله بترقب للإجابة التي لا يحتاج إلى معرفتها، ولكنه يود العبث قليلًا مع ابنه الذي سيبقى صغيرًا مهما خشن صوته واشتد عوده وفُتلت عضلاته وصار رجلًا وسيمًا:
"إلا بالحق يا بني، أُترُج أخبارها إيه؟"
كان يرتشف القليل من الكوب، وما أن وُجه هذا السؤال غير المتوقع له حتى ابتلع الشاي المحبوس في فمه بالكاد ثم سعل من اقترابه على الوصول إلى لسان مزماره القابع في حلقه. قطب نوح ما بين عينيه ثم قرَّب قبضته من ظهر صديقه وراح يضرب عليها ضربات متتالية تشتد قوتها مع كل مرة، حتى تابع تليد من بين سعاله:
"دا إنت تسيبني أموت أحسن."
غمز نوح له بصورة متوارية لم تخف عن أعين الشيخ الذي ابتسم بخفوت، حتى أن ابتسامته لم تصل إلى عينيه حتى. أردف نوح بصوت حانق رغم ما يُغلفه من صمت:
"بعد الشر عنك يا صديق الكفاح."
كانت رابعة تنظر إلى ابنتها نظرات تساؤلية يحفها التوجس والترقب من توتر تليد وغيظ نوح. سكت تليد هنيهة قبل أن يرد مستسلمًا للأمر الواقع:
"بخير."
أومأ الشيخ بابتسامة خفيفة، فيما تابع تليد وهو ينهض في مكانه قائلًا بحسم:
"هروح أكمل شغل شوية في الأوضة بتاعتي."
لم ينتظر ردًا، بل كان صوت قلبه الخافق بمثابة الرد الوحيد على رغبته في البقاء وحده، وإلا فُضح من ارتفاع خفقات قلبه الهائجة عند ذكرها. ذهب إلى غرفة الاستراحة الخاصة به في المزرعة والتي ينام بها حينما لا يرغب في الذهاب إلى البيت القريب من مقر عمله أو الذهاب إلى بيتهم القديم الذي يُشعل نيران ذكرياته معها. فكل ركن به بمثابة موقف، وتجتمع هذه المواقف كل آخر ليل وتحوم حوله مُرهقةً عقله الذي يختل عند التفكير بها لفترة طويلة، حتى أن شيطانه يزرع في عقله أفكارًا مجنونةً فيبدو كقط بري جريح أُخذت صغيرته منه، فتراوده فكرة أن يذهب إلى بيتها ويأخذها قسرًا أو بوضع اليد، لعل نيران قلبه الملتهبة تنطفئ.
استأذن نوح أيضًا كي يلحق بصديقه، مقررًا معرفة خبايا وأسرار هذا الاسم الذي تكرر على مسامعه في الآونة الأخيرة. فتح تليد باب الغرفة بتروٍ، يرمق كل جزء بها باشتياق حقيقي، فلم يجلس أو ينم بها منذ شهر تقريبًا بسبب وقوعه في هوة سحيقة من الأعمال المتكومة على رأسه، والتي ما كان ينقصها سوى العمل داخل شركة أخرى.
دخل الغرفة بإنهاك، ولكن قلبه انشرح حينما وجدها نظيفة مجهزة للنوم فيها. فلم تُقصر رابعة في أي شيء يخصه، وبالمقابل لم ينس تليد الكثير من أفضالها عليه، كتدفق حنانها الأمومي الكبير عليه منذ صغره. نظر على يمينه فوجد الفراش مرتبًا وكتبه الخاصة موضوعة على الطاولة المجاورة للفراش بشكل منظم. فالتفت يساره ليجد الطاولة الكبيرة التي تقبع معداته عليها وبعض الأشكال التي انتهى منها آخر مرة.
"إنتَ ناوي تفضل واقف على الباب كتير؟"
جذبه نوح من بئر أفكاره العميق. تنهد تليد بهدوء ثم توجه إلى الطاولة الكبيرة وراح يجلس إليها عبر الكرسي الطويل أمامها. سار نوح إليه ثم التقط ثمرة بلاستيكية على شكل موزة ينبعث النور من جوفها. فتليد ماهر في صناعة الزينة البلاستيكية على شكل فواكه رائعة، حتى أنه صنع في شرفة بيته أسلاكًا من الضوء على شكل شرائح من الأُترُج ينبعث ضوء خافت منها فتُعطي منظرًا رومانسيًا مبهرًا. كما أنه يصنع الحلي الذي يظهر على شكل فواكه أيضًا، حتى أنه يُخبئ في جيب بنطاله بذلته الكحلية قرطًا رقيقًا على شكل شرائح أُترُج. وفي غرفة عمله بالمنزل هناك تقبع شجرة بلاستيكية قد صنعها بدقة ومهارة يتدلى منها اثنان وعشرون حبة من ثمرة الأُترُج.
أُترُج! أُترُج! أُترُج!
في كل مكان يوجد فاكهة الأُترُج. يخشى أن يموت صديقه مخنوقًا من تناول جرعة زائدة من حبات هذه الثمرة البغيضة، حتى أن شايه المفضل لا يخلو من شرائح الأُترُج التي تطوف على سطحه.
"مين أُترُج دي لأني بدأت أنهاغ؟"
تنحنح بإحراج ثم عدل كلمته بأخرى في سرعة رهيبة:
"قصدي أنهار يعني."
أغمض تليد عينيه باتخاذ جرعة زائدة من الضيق هذه الليلة. أبعد الكرسي قليلًا بحركة ثائرة ثم استدار نحو صديقه قائلًا بصوت أجش حاد:
"البنت الوحيدة اللي عقلي مش قابل يفكر في وجود واحدة تاني غيرها، البنت اللي ذكرياتي معاها ما تتعداش الكام يوم وباقي الذكريات أنا بس اللي براقب وأنا بس اللي بتوجع، معرفتش مشاعر الانتماء والاحتواء غير وأنا بلمس شعرها ولسه حاسس بملمسه."
جحظت أعين نوح وارتخت شفته السفلى وهو يصيح مصدومًا:
"لمست شعرها؟ إنتَ؟"
تنهد تليد من أعماقه كمن يدفع جمرة تغلى داخل قلبه. يدفعها بعيدًا جدًا وهو يفضفض باسترسال. ابتسم لحظة أن رأى تعبير وجه صديقه فقال بصوت هادئ يوضح حديثه الذي بدا شيئًا من الانحلال الأخلاقي، وكان يجب عليه أن يُعدل من وضع الصورة في عين الأخير:
"أه لمست شعرها، كانت أول مرة ألمس شعر بنت، كان عندها سنتين وشعرها كان طـ"
سكت فورًا متذكرًا أنه يصف حبيبته الغالية لرجلٍ آخر. تنحنح بخشونة وهو يلوم نفسه التي تنهار دون أدنى تفكير وقت التحدث عن سيرتها. جاشت مراجله وهو يندم أن رجلًا غريبًا، وإن كان صديقه، قد علم بمعلومة مستترة عنها رغم أنه لم يُصرح بها بشكل كاملٍ، إلا أنه تذكر مراقبته لها عن بُعد ورؤية بعض خصلات شعرها التي تطل من أسفل حجابها عن عمد منها، وفي كل مرة يراها فيها يقسم بأنه لو كان يعلم أنها ستُطلق جزءًا من خصلات شعرها للعامة في يوم من الأيام لقصهُ لها في صغرها حتى صارت قرعاء.
تنهد تليد بثبات وقال:
"لمست شعرها فعلًا بس كان عندها سنتين، كُنا أطفال يعني."
ضم نوح شفتيه ثم أطلق زفيرًا مرتاحًا وهو يهز رأسه متفهمًا ثم يقول بابتسامة منبسطة:
"آه، مش تقول كدا يا أخي."
تليد بضحكة نكراء:
"دا على أساس إني شيخ لحد ما يلاقوا شيخ تاني!!!"
رفع نوح أحد حاجبيه ثم سأله بمرح:
"المهم كان شعرها ماله بقى."
ابتسم نوح خلسة قبل أن يلتفت الأخير إليه ثم يرمقه بنظرات حادة قائلًا بلهجة حانقة:
"نووووووح!"
نوح وهو يردد جملته الشهيرة في مثل هذه اللحظات:
"والكاظمين الغيظ! يا سيدي خلاص بلاش شعرها، مقولتليش إيه حوار وَميض دا؟"
تليد يرد بسلاسة:
"الست اللي اتبنتها غيرت اسمها وهي كمان ساهمت بشكل كبير في دا."
قطب نوح ما بين عينيه ثم قال مستنكرًا:
"طفلة صغيرة إيه اللي عملته علشان تساهم في تغيير الاسم زي ما بتقول؟"
ابتسم تليد ابتسامة باهتة تحمل بين طياتها أوجاعًا متفاقمة ثم باح بحزن عميق:
"الطفلة الكبيرة كبرت والاسم مكنش عاجبها فقررت تروح تغيره رسمي للاسم اللي بتناديها بيه والدتها."
ضرب نوح كفًا بالآخر ثم قال في شيء من الذهول:
"أنا خلاص اتجننت من القصة دي، يعني إنتَ اللي سميتها أُترُج؟ طيب وإنتَ تعرفها منين؟ وفين أهلها الحقيقيين؟"
تنهد تليد بإرهاق ثم قال وهو ينتقل إلى الفراش:
"موضوع يطول شرحه بس هحكي لك كل حاجة قريب!"
حك نوح جبينه حيرةً ثم نطق سؤالًا علق في حنجرته وكان لابد من خروجه:
"طيب هي تعرفك؟"
مدد تليد جسده على الفراش ثم شد الغطاء على جسده وراح يقول بنفاد صبر:
"لأ، ولا يمكن حتى تفتكرني، وأقصى معلوماتها عني إني الشيخ تليد الداعية وبس."
هز نوح رأسه بعدم إشباع لهذه المعلومات الوجيزة، ولكنه فضل أن يحظى بالقليل بدلًا من أن يُجن. توجه إلى الفراش ثم ألقى بنفسه بجوار صديقه قائلًا بحسم:
"إنتَ ناوي تنيمني على الأرض ولا إيه؟ اتزحزح شوية يا عم الشيخ!"
ساد الصمت بينهما للحظات، وقد واجه نوح عناءً في النوم بعقل شاغر من أية أفكار، فتأفف بانعدام راحة ثم قال بنبرة هادئة:
"تليد! إنتَ نمت؟"
تليد بإيجاز ونبرة يُغلفها الارتخاء:
"بحاول."
نوح وهو يهب في نومته جالسًا ثم يقول بنبرة حانقة:
"طب جاوب على السؤال الأخير دا علشان أعرف أنام على الأقل! أيه حوار الشجرة اللي عندك في المكتب؟"
تليد وهو يتنشق الهواء داخله ثم يقول بلهجة حازمة:
"بكره بالليل هتعرف."
عض نوح على شفته بغيظ وراح يعصر قبضته قبل أن يبسط جسده مرة أخرى ويستسلم للأمر الواقع نحو غياب رغبة صديقه على قص المزيد من قصته المحيرة.
جلست على الكرسي القابع أمام مكتب الطبيب داخل غرفة الكشف بإحدى العيادات الخاصة. ظلت متشبتة بمكانها لم تتزحزح عنه حتى عندما طلب الطبيب من راوية أن تتجه خلف الستار حيث يوجد وراءه ذلك السرير الذي تنام عليه الحالة، وبجواره جهاز الكمبيوتر الذي يختص بوظيفة واحدة فقط، ألا وهي الكشف بصفة واضحة عن صورة الجنين وحالته داخل رحم أمه. اتجه الطبيب إلى راوية بعد أن جهزتها مساعدته، وبدأ يفحص حركة الجنين ونبضه الذي ظهر هذه المرة. ابتسم الطبيب بسعادة ثم نادى عليها قائلًا بصوت سعيد:
"مرافقة مدام راوية، تعالي شوفي حالة الجنين!"
كانت راوية تنام على السرير ولا تستطيع اختلاس النظر إلى الشاشة، فكان لابد من إشراك المرافقة معها حول حالة الجنين وأيهم عضو قد اكتمل فيه ومواصفات شهره الذي يعاصره.
خفق قلبها خفقات متتالية عنيفة. ابتلعت ريقها على مهل وهي تجد الممرضة تبتسم بهدوء ثم تحثها على الاستجابة لنداء الطبيب. أومأت شروق بهدوء ثم خطت خطوات مترددة نحو الستار حتى أزاحته بتوأد ليظهر أمامها صورة مشوشة تكاد ترى بعض التفاصيل من خلالها. ولكن وجود شيء في رحمها حتى لو كان غير واضح في البداية، فكرة مثيرة ومُرضية لغريزة أية أم تهفو نفسها إلى الشعور بقطعة منها داخلها.
ابتسمت شروق بصدق وقد غاب عن عقلها فكرة إحضار تماضر لها إلى العيادة عنوة من أجل تكدير صفو حياتها البسيطة مع زوجها وتذكيرها بأنها لم تُحقق ما وصلت إليه الأخيرة.
في غضون ذلك، قام الطبيب أثناء فحصه لصورة الجنين بتفعيل مكبر الصوت للاستماع إلى نبض الجنين والاطمئنان عليه. كان ينبض بقوة وانتظام، فتهللت أسارير وجه شروق وهي تنظر للأخيرة التي ارتعد قلبها اشتياقًا للقائه. وهنا قال الطبيب بصوت هادئ:
"ما شاء الله، نبضه منتظم وفي أحسن حال."
شروق تتمتم بنبرة شاكرة:
"الحمد لله، شكرًا يا دكتور."
الطبيب وهو يُفاجئها برده:
"عقبالك يا مدام شروق."
زوت شروق ما بين عينيها دهشةً تستغرب معرفته بها، وهي التي تأتي إليه للمرة الأولى، متناسيةً أنها بلدة قروية بمثابة غرفة وصالة وكُل المداخل تؤدي إلى بعضها في النهاية، والأخبار تنتشر بين قاطني هذا المكان بسرعة البرق الخاطف، فلا يوجد ما يُعرف بخصوصية داخل حدودها. ولكنها خمنت سببًا جديدًا حول معرفته بها ليُباغتها الطبيب بتأكيد ظنونها الخفية، فيقول بثبات وهو يعود إلى مكتبه فيجلس إليه:
"الحاجة تماضر بتكلمني عنك دايمًا، فأنا مش عايزك تقلقي، ودايمًا بقول لها سيبيها تستمتع بحياتها لسه بدري، بس عادات أهل البلد هنا لا تُطاق."
تنحنحت شروق بإحراج ثم سألته متوجسةً:
"هو حضرتك مش من هنا؟"
أومأ الطبيب سلبًا ثم قال:
"لأ، للأسف ظروف شغلي هي اللي جابتني هنا وبصراحة بشوف العجب."
حكت شروق جبينها بتردد واضح لمرأى عينيه، وهذا ما جعله يبتسم ثم يقول بلهجة مريحة:
"اسألي اللي إنتِ عايزاه!"
رُسمت ابتسامة فاترة على محياها، ولكنها أردفت بصوت خافت:
"يعني التأخير دا طبيعي؟"
الطبيب وهو يقول بثبات:
"طبعًا، أصلًا في حالتك إنتِ مش اسمه تأخير خالص لأنك مكملتيش سنة، أعتقد إنهم شهور قليلة."
شروق بهدوء:
"أه."
استيقظ نوح على رنين هاتفه الذي لا يهدأ، وجميعها اتصالات من داخل المستشفى. نهض وتجهز ثم قرر الذهاب إلى عمله قبل أن يحولوا المزرعة إلى مستشفى إن لم يأتِ. تنهد وهو يُغلق آخر زرار في سترته، ثم نظر إلى صديقه النائم نظرة سريعة، متمنيًا له بعضًا من السلام والطمأنينة كي يخمد حريق قلبه الوله قليلًا.
فتح باب الغرفة برفق، وكان أول شيء وقعت عيناه عليه هو ذلك المشهد اللطيف. رآها تهرول برشاقة طفلة صغيرة بين الماعز، بينما يتتبعونها بلطافة مسلية، فتهرول ويهرولون خلفها بمرح إلى أن حملت إحداهن على ذراعها تلمس فرائها برفق وحنان يغلب على طبعها الطيب وسجيتها النقية كلون الحليب.
شرد في تفاصيلها الدقيقة والرقيقة في آن واحد. لا يعرف ما الذي يكنه لها من مشاعر واضحة وصريحة. هل هو يعاملها على أنها تلك الفتاة الصغيرة التي رآها لأول مرة مع والدتها تتشبث في تلابيبها ممسكةً بين ذراعيها دمية جميلة مصنوعة من القطن، لقد كانت طفلة مرحة ومحبوبة، وأكثر التسريحات التي كانت تحبها هي الضفائر على الجنبين.
هل يحب نوح هذه الطفلة التي كبرت وترعرعت وسط شابين يعاملانها بامتيازات خاصة لأنها ابنة أكثر امرأة انتماءً لهذا المكان، أم يحب قطعة الجبن ناصعة البياض التي تستقر أعلى يسار صدرها؟ أو تلك الجذابة التي كبرت فجأة بغطاء رأسها الذي خطف عقله الضعيف.
لاحظت مُهرة وجوده في المكان وتحديقه بها. زمت شفتيها باستغراب ثم انحنت قليلًا حتى تحررت المعزى من بين ذراعيها إلى الأرض. أشاحت بوجهها للجهة الأخرى تتفادى نظراته المرتكزة عليها، إلا أنها انتفضت فجأة وهي تستمع إلى صوته الخشن يقول بالقرب منها:
"صباح الخير يا ست مُهغة!"
رفعت كتفها بخصام طفولي، فابتسم بهدوء ليجدها تقول بصوت ثابت:
"مبسوطة يا نوح إن اسمك مفيهوش حغف الغه وإلا مكنتش هسلم من شغَك."
وضع نوح يده على فمه يكتم ضحكة محققة إن لم يتحكم بها في اللحظة الأخيرة، فقد أراد أن يعبث معها ويصبغ معالم وجهه بلون الجدية لثوانٍ قليلة، فقال بصوت جاهد أن يبدو متحشرجًا:
"أنا صاحي مخنوق جدًا النهاردة."
انبسطت عقدة جبينها وهي تستدير برأسها له في اهتمام ثم تسأل بقلق:
"حد زعلك؟"
أومأ نوح في حزن وديع ثم قال:
"كل اللي حوالي مزعليني يا مُهغة، حاسس إن نهايتي قربت من كتر ما بنام كل يوم زعلان.. قلبي بيوجعني."
انفرج فمها دهشةً ثم صاحت بصوت متأثر حزين:
"بعد الشغ عنك، متقولش كدا."
أطرق نوح برأسه يحبك خطته جيدًا ثم قال بصوت خافت:
"ممكن طلب إنساني يتوقف عليه موت أو حياة إنسان؟"
أومأت بسرعة ثم مطت شفتيها بحزن طفولي وقالت:
"أكيد، بس متقولش كدا علشان خاطغي!"
نوح وهو يتنهد بصعوبة ثم يضع كفه على قلبه:
"قولي لي 'مصاحبش الفغافيغ حتى لو غاكبين فغاغي'، قوليها مرة واحدة بس قبل ما أموت لأني حاسس بوجع لا يتحمله بشر في المزغعة دي كلها!"
تحولت صفحة وجهها من صفحة وديعة إلى أخرى متشنجة ثم دبدبت بقدميها على الأرض ساخطة على لعبه بمشاعرها وراحت تصيح به في حدة:
"بكـ كـ كـ…."
ضغطت على أسنانها بانفعال وغيظ شديدين ليومئ برأسه ثم يضحك بقوة وهو يتناول طرف الحديث عنها:
"بكرهك، خايفة تقوليها لأتنمغ عليكِ، صح!"
مُهرة وهي تصيح بصوت مزجر كغضب الأطفال:
"حسبي الله، بس كدا."
دفعت الباب بقوة ثم دخلت إلى غرفة مكتبها داخل شركة (السروجي) عازمة النية على جمع أشياءها الخاصة والذهاب من هذا المكان على الفور، فهو بمثابة سجن فُرض عليها من قبل والدها الذي يظن في هؤلاء الأشرار خيرًا. مشكلتها دائمًا معه أنه يرى الناس بعين طبعه الطيب ولو كانوا أشرارًا.
توجهت إلى مكتبها الذي يشاركها فيه اثنان غيرها. بدأت في لم أشياءها الخاصة بغضب دفين، تفتح أدراجها بثورة ثم تجمع ما بهم وتضعهم في صندوق كرتوني. في تلك اللحظة سمعت صوت وقع خطوات ذلك الكعب العالي الذي يطقطق بالأرض كلما مرت من مكان ما. تنهدت "وَميض" تنهيدة طويلة تستعد فيها لهجوم آت ومتربص بها بعد أن تأكدت من وجود "سكون" داخل غرفة المكتب، فقالت "وَميض" بلهجة حادة دون أن تستدير لها:
"مش هتبطلي شغل الحرامية دا، هنا وفي البيت؟"
عقدت "سكون" ذراعيها أمام صدرها ثم أردفت بلهجة حانقة:
"وإنتِ مش هتبطلي طولة لسانك اللي عايز قطعه دا؟"
استدارت "وَميض" صوبها ثم وقفت أمامها بنفس عنجهيتها، فقد كانت بارعة في تقليد الآخرين حيث رفعت أكتافها وعنقها بشكل مستقيم وعقدت ذراعيها وراحت تهز أحد ساقيها كأنما تحفظها عن ظهر قلب، ثم تابعت "وَميض" ببرود جليدي:
"لأ مش ناوية أبطل، عايزة إيه يا كحيانة هنام؟"
سكون وهي تضغط أسنانها ثم تقول بحنق:
"مليون مرة أقول لك بطلي تقولي لي الكلمة دي!"
وَميض بعناد صلب:
"لما تبطلي إنتِ تتعاملي معايا على إنك هانم وولية نعمتي وتشوفي نفسك عليا، وقتها هفكر يا حكيانة هانم."
ابتسمت "وَميض" بمكر وهي تردد نفس الجملة دون وجل من غضبها الذي لا يحرك لها جفنًا أو يُخيفها. في تلك اللحظة صاحت "سكون" بصوت غاضب حاد:
"أنا لحد دلوقتي لسه مقولتش لبابي إنك ضربتي مرات حمدي بيه زهران يا بني آدمة متوحشة إنتِ."
وَميض وهي تبتسم بمكر ثم تتابع:
"وهتضربي إنتِ كمان لو ما غورتيش من وشي يا سكون، اخفي يلا!"
سكون وهي تصيح بسخط:
"سكون هانم يا حيوانة يا مرفودة وأنا لحد دلوقتي عاملة حساب العشرة وعمو علام."
وَميض وهي ترد بصوت جاف:
"وأنا كمان، عاملة حساب اليوم اللي أكلنا فيه وشربنا مع بعض يا سكون مش علشان عثمان بيه خالص، علشان خاطر صاحبة عمري بس، شروق بس هي اللي مانعاني عنك."
تأففت "سكون" بامتعاض في حين تابعت "وَميض" بصوت حزين وهي تعطيها ظهرها وتُكمل ما شرعت به:
"على العموم افرحي، أنا مش راجعة الشركة دي تاني وقريب هاخد أمي وأبويا وهنسيب لكم الشقة اللي بتجبوا علينا بيها."
جلس إلى مكتبه بعد أن تأكد من تفرغ جدول أعماله اليوم. قرر أن ينتظر ساعة ثم يذهب إلى صديقه ويخرجان سويًا لتناول الغداء ويحكي له تلك القصة الغامضة والتي لم تكتمل داخل ذهنه بعد. كانت الأجواء داخل غرفته ساكنة، ولكن هيهات أن يحظى ببعض الهدوء الذي لا يتوفر كثيرًا داخل هذه المستشفى.
طُرق باب غرفته عدة مرات متتالية في عجلة. قطب ما بين حاجبيه ثم أردف متوجسًا:
"ادخل؟"
أطلت عليه إحدى الممرضات بقسم التوليد ثم أردفت بصوت لاهث مفزوع:
"الحق يا دكتور نوح، في حالتين ولادة مستعجلة دخلناهم لأوضة العمليات!"
زوى نوح حاجبيه إلى بعضهما حتى كادا أن يلتقيان ثم رد باقتضاب:
"تمام، فين الدكتور اللي متابع حالتهم، كلميه فورًا."
الممرضة وهي تُضيف بأسف:
"دكتور محمد مسافر من أسبوع."
تنهد نوح باستسلام، أومأ متفهمًا ثم حدق فيها وهو يقول بغيظ متوارٍ:
"وطبعًا المهمة وقعت على العبد لله!"
نهض من مكانه على الفور ثم سار معها إلى غرفة العمليات ليجد سيدتين تجلس كلًا منهما على فراش منفرد. نظر للاثنين بحيرة، من أين يبدأ؟ فلم يسبق له أن تعرض لمثل هذا الموقف من قبل. ولادتان في وقت واحد!
اتجه إلى أكثرهن صراخًا ثم أمر إحدى الممرضات بالغرفة أن تعتني بالأخرى، بينما بدأ هو يعتني بالأولى التي وصل صراخها الهادر ربما إلى خارج المستشفى. ليتحدث إليها بهدوء:
"استغفري.. استغفري علشان ربنا يسهلها لك."
بدأت الأم تستجيب لطلبه وراحت تستغفر بصوت عالٍ، بينما تابع هو عمله باستخراج رأس الجنين ليجد الأخيرة تصرخ بأقصى صوت لها والممرضة تهرول إليه ثم تقول بوجل:
"الحق يا دكتور نوح، راس العيل اتزحلقت."
نوح بصوت فزع:
"اتزحلقت! يادي النيلة، طيب خليكِ مع دي لما أشوف التانية."
في تلك اللحظة سمع صوتها تصرخ فيه بغضب باكٍ:
"رايح فين، تعالى هنا!!!!!!"
كانت لحظات عصيبة عليه أن يُنجز عمليتين في آن واحد ويحمل طفلين بين ذراعيه. انتهت المهمة على خير وراح يحمل الصغيرين بسعادة غامرة ليجد إحدى السيدتين تقول بنبرة خافتة سعيدة:
"هات لي ابني يا دكتور عايزة أشيله!"
ابتسم نوح بهدوء ثم تمشى إليها وراح يضع الطفلة بجوارها قائلًا بابتسامة ودودة:
"مش ولد، دي بنوتة زي القمر."
السيدة بصراخ يصم له الآذان:
"نعم؟ بنت إيه؟ الدكتور قايل لي إني هجيب ولد!"
نوح وهو ينفي حديثها بتصرف قاطع:
"يا فندم، حضرتك جبتي بنوتة!"
هي بنبرة عنيدة تصيح:
"لأ، أنا شايفة معاك ولد هناك أهو، هاتهولي!"
ابتعد نوح عنها على الفور ثم أضاف باستنكار:
"هتهولي إيه؟ هي زيطة؟"
اتجه نحو السيدة الأخرى التي لا تزال تتألم من الوجع وتجلس الممرضة معها لتخييط الجرح لها. وضع الصغير بجوارها ثم تابع بصوت هادئ:
"مبروك، ولد زي القمر."
السيدة الأخرى بصوت هائج:
"لأ، دا مش ابنها، دا ابني أنا يا خطاف العيال."
نوح وهو يتجه نحوها مرة أخرى ثم يندب بصوت منفعل:
"يالهوي ياني ياما، يا ماما أقسم بالله إنتِ جبتي بنوتة مش ولد مش ذنبي إن الدكتور حدد نوعه من الأول غلط."
تشنجت ملامحها ثم أضافت بصوت عالٍ ثائر:
"لأ بردو، رجعلي ابني يا خطاف العيال، أنا اشتريت لبس ولاد خلاص."
قام نوح بوضع كلا ذراعيه على رأسه ثم أردف بنبرة مستسلمة والدوار يصيب رأسه:
"حسبي الله ونعم الوكيل، فين أهل الست المتوحشة دي!"
الممرضة وهي ترد بضحكة مكتومة:
"حاضر حاضر."
دخل إلى شقته للتو. توجه إلى غرفة مكتبه وهو يتحسس وجود شيء ما في جيب سترته. دخل المكتب ثم أغلق الباب خلفه وراح يسير نحو هذه الشجرة التي صنعها منذ أن وعى على وجود موهبة مميزة به، وقتها كان عمره ثمانية عشر عامًا.
نظر إلى الشجرة بحب وراح يعد الحبات بها بأصبعه السبابة إلى أن قال بصوت مشتاق:
"22"
ابتسم بأسى وحنين يطغى على نبرة صوته الخشنة فجعلها لينة هادئة. في تلك اللحظة، أخرج حبة جديدة قد صنعها هذا الصباح من البلاستيك، حبة أُترُج بلاستيكية تشبه الثمرة الحقيقية تمامًا وقد كُتب عليها رقم جديد يوضح ترتيبها الثالث والعشرين في الشجرة. في الواقع لم يكتب على كل منهم رقمًا لمجرد ترقيمهم، بل لأن صغيرته قد كبرت عامًا آخر وفي هذا اليوم تتم الثالث والعشرين ربيعًا.
"يا ترى غيروا يوم ميلادك زي ما غيروا اسمك؟"
أردف يتساءل بفضول كبير معترفًا برغبته الجارفة في الالتقاء بها، وربما يكون لقاء دون فراق جديد.
أكمل بشجن بلغ مبلغه منه يتخيلها وهي صغيرة تضحك بصخب لم يزعج نومه يومًا. تذكر تلك الغمزة القابعة أسفل عينها اليسرى:
"أتمنى لك العمر المديد وأيامك الجاية كلها تكون ملكي أنا."
صعدت الدرج بخطوات متعثرة بسبب ما تحمله بين ذراعيها والذي يحجب عنها رؤية الدرجات. أبعدت الصندوق عن مرأى عينيها قليلًا ثم نظرت بحذر إلى خطواتها نحو الصعود وهي تتنفس الصعداء بالكاد وجبينها يتندى من الجهد المبذول في حمل هذا الصندوق الداهية. تنهدت بشكر أنها قد وصلت إلى باب الشقة دون حوادث. وضعت الصندوق بالأرض ثم التقطت مفتاحها الخاص وراحت تضعه في قفله. وما أن فتحت الباب حتى جحظت عيناها وهي تجدهم يقفون أمامها مباشرة ثم يبغتونها بصوت عالٍ حماسي:
"Happy birthday to you, Happy Birthday wameed."
رواية رحماء بينهم الفصل الخامس 5 - بقلم علياء شعبان
أطلت عليه حسناء بهية، سلبت لُبه ورغب في مُعايشة حاضره معها كطفلٍ ينام بين ملابسه الجديدة ليلة العيد يحلم بطلوع الصُبح شغوفًا.
وضعت كلا كفيها على فمها تنظر إليهم في انبهار؛ لم ينسَ أحدًا يوم ميلادها كما ظنت أن الجميع مشغولًا في حياته ولن يذكرها أحد.
مرَّت بفرحة كبيرة من فوق الصندوق الموجود أسفل قدميها ثم هرولت نحو صديقة طفولتها وارتمت بين جنباتها وهي تقول بفرط من السعادة:
- شروق، إنتِ مش ناسية عيد ميلادي!
التوى عُنق الأخيرة ثم قالت باستنكار وملامة:
- وأنا إمتى نسيته يعني!!!
ابتهجت أسارير وجهها وهي تتشبث بخصري صديقتها ثم تقول بخفوت:
- علشان اتجوزتي والظروف إتغيرت وكدا!!!.
شروق بلهجة مُكابرة:
- الظروف تتغير زيّ ما هي عايزة بس علاقتنا لأ.
ارتفع صوت والدتها مُعاتبًا تقول وهي تنظر للجميع:
- تقريبًا كدا هي مش فرحانة بالمُفاجئة أد ما فرحانة بوجود شروق، دي حتى نسيت تشكرنا!!
ضحك الجميع بمرحٍ، ابتعدت "وَميض" عن صديقتها وراحت تقترب من والدتها ثم تلتقط كفها وتُقبله مؤكدًا في سعادة:
- شُكرًا على المُفاجأة الحلوة دي يا ست الكُل وست الناس.
افتر ثغر "سُهير" عن ابتسامة عريضة ثم تمتمت بخفوت وخجل:
- بكاشة.
التفتت "وَميض" إلى ذلك الواقف بجوار والدها ثم أردفت بصوت مُمتن شاكر:
- نورتنا يا عِمران، وشُكرًا إنك جبتها تزورني لأنها كانت وحشاني فوق ما تتخيل!.
عِمران وهو يبتسم بهدوءٍ ثم يُعبر عن دعمه لهذه الصداقة الوفية التي تروقه:
- ربنا يديم العِشرة والود بينكم.
سكت لبُرهة ثم أضاف بحزمٍ:
- هنستأذنكم بقى علشان عندي شغل ولازم أكون هناك في خلال ساعتين، يادوب مسافة الطريق.
علام وهو يرد باستنكار من قدومه دون أن يتناول واجب الضيافة الذي يستحقه:
- والتورتة؟؟؟ مش هناكلها مع بعض يا أستاذ عمران.
عمران يعتذر منه بهدوءٍ:
- غصب عني والله يا عم علام.
أومأ "علام" مُتفهمًا ثم التفت إلى "شروق" وقال بصوت هادئ:
- نورتينا يا شروق هانم.
شروق بتواضع يجعل الأجواء بينهم مُريحة للعقل والمنطق:
- دا نورك يا عمو علام، وقُريب أوي هستنى وَميض تزورني في بيتي!!.
وَميض بترحاب شديدٍ:
- أنا وعدتك، يعني اعتبريه حصل.
سهير تضيف بنبرة متضايقة:
- يعني قطعتوا كل الطريق دا علشان متشربوش حتى كوباية شاي!!!
عِمران وهو يتجه صوب الباب ثم يقول بصوت ثابت:
- تتعوض إن شاء الله، السلام عليكم.
علام يرد مودعًا إياهما:
- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، في حفظ الله.
ودعهم الجميع بعد أن قدمت شروق هديتها إلى صديقتها.
ثم قرر "علام" المغادرة فورًا عائدًا إلى القصر وبقيت "سُهير" مع ابنتها بعد أن طلبت إجازة لمدة يومين كي تعتني بابنتها التي تعرض لحادثة وظنت أنها سترقد في فراشها لأيام.
فقد وضعتها "وَميض" في مأزق كبير بذهابها إلى الشركة وهذا يعني أن الإجازة لم يكن لها داعي من البداية.
قامت "وَميض" بوضع هدية صديقتها داخل الصندوق ثم حملته وأدخلته إلى غرفتها.
تأجج حماسها اشتعالًا حول معرفة هدية صديقتها، أسرعت بالجلوس على طرف الفراش ثم بدأت تفك رباط العلبة بفروغ الصبر إلى أن أزاحت الغطاء عنها ووجدت فُستانًا من اللون الأخضر الفاتح الحريري ومعه علبة صغيرة يقبع داخلها قلادة من الذهب على شكل حرف الـ(w).
افتر ثغرها عن ابتسامة عريضة ثم التقطت الرسالة المُلحقة بالهدية وقرأتها في سعادة تكاد تطير بأجنحتها الوهمية عاليًا:
- "لسه الهدايا مخلصتش، ليكِ عزومة عندي بعد بكرا في مطعم تركي اكتشاف، عِمران وداني هناك وعجبني أكلهم فقولت لازم تجربيه وبالمناسبة السعيدة دي وإن القمر كبر سنة فكان لازم هديته تليق وتفرح كرشه، بحبك يا صديقتي الومضاء الرائعة".
أسرعت باحتضان الرسالة في غمرة من سعادتها، ثم نهضت من مكانها فورًا وتحركت صوب دولابها، أخرجت منه صندوقها العزيز الذي تخبئ داخله كُل أشيائها الجميلة والقريبة على قلبها، جذبته للخارج ثم جلست مُقرفصة بالأرض وراحت تفتحه بحماس كل مرةٍ تجلس فيها نفس الجلسة وتعبث بمحتوياته في حُب.
نظرت داخله ببهجة ثم دفنت كفها داخله وأخرجت أول أشيائها حُبًا وقد كانت دُمية مخيطة بالقماش أخبرتها والدتها بأنها صنعتها لها في صغرها كي تتخذ منها صديقة وقد كانت تكف عن البكاء كلما أمسكتها بين يديها.
نظرت إلى الدُمية بحب وفيرٍ استحقه والديها؛ كذلك والدها الذي استغنى عن قمصانه الجميلة من أجل تنفيذ دمية جميلة لها!!
قبلت الدمية ثم وضعتها جانبًا وراحت تلتقط هذه الميدالية التي تُذكرها باسمها القديم فقد كانت على شكل فص من ثمرة الأُترُج مكتوب عليها أول حرف من ذلك الاسم، تلك الثمرة التي لم تكن لتعلم عنها شيئًا لو لم تُسمى على اسمها؛ لم تكن تكره الاسم ولم تحبه أيضًا، أرادت أن تتخلص من تنمر صديقاتها على اسمها خلال مسيرة تعليمها فأصرت في النهاية على تغييره رغم حُزن والدها الشديد منها ومقاطعتها لأسابيع مُبررًا أنه الذي اختاره لها.
ذكرتها الميدالية بذكريات كثيرة، وقت أن طلبت منها والدتها أن تجمع كل أشيائها القديمة وتتخلص منهم مُبررةً أن هذه الأشياء تذكرها بذلك الاسم؛ إلا أنها رفضت قطعيًا هذا الاقتراح وقررت جمعهم في صندوق تفرغه من حين لآخر من أجل استعادة الذكريات وشعورها بدفء الماضي.
- وَميض إنتِ مش هتاكلي من التورتة!!!
دخلت "سهير" الغرفة فجأة فالتفتت الأخيرة لها ثم تابعت بابتسامة عريضة:
- كنت قاعدة بتفرج على ألعابي وأنا صغيرة، تعرفي إني بحب العروسة دي أوي!!!.
تجهم وجه "سهير" ولكنها جاهدت أن تبدو صفحة وجهها طبيعية، تنحنحت بغيظ خفي ثم تقدمت منها وقالت بصوت ثابت:
- هي حلوة بس إنتِ كبرتي على الكلام دا، اقفلي بقى الصندوق دا وخلينا نقعد شوية مع بعض.
أومأت "وَميض" بهدوءٍ ثم تناولت قلادة صديقتها ووضعتها داخل الصندوق وأبقت الفُستان بالخارج، حملته مرة أخرى حتى وضعته في مكانه ثم أردفت بصوت مرتفعٍ حماسي:
- أديني شيلت الصندوق بس لازم أخرج حالّا، يا دوب أجهز علشان عندي مقابلة شغل.
اتسعت عينا "سهير" ثم تساءلت دهشةً:
- إنتِ لحقتي تسيبي الشغل لما تبدأي في غيره!!!
وَميض بابتسامة ثابتة عنيدة:
- أمال عايزاني أقعد أبكي على الأطلال يا ماما، دي واحدة زميلتي من الجورنال قالت لي على اسم شركة كويسة أوي عايزة موظفين في كُل الأقسام ولمَّا بحثت على موقع الشركة عرفت بالصدفة إن التقديم النهاردة الساعة خمسة يعني يادوب ألحق ألبس وأنزل، ادعي لي يا سوسو يا قمر.
انقضت عليها ثم قبلتها بمشاكسة، ابتسمت "سُهير" ابتسامة صغيرة ثم أردفت بصوت خافت:
- ماشي يا وَميض، ربنا يوفقك يا بنتي في كُل خطوة.
••••••••••••
- أهلًا أهلًا يا حميد، اقعد يا راجل!!
أردف "عثمان" مُرحبًا بالأخير في حفاوة كبيرةٍ، سلم "حميد" عليه ثم جلس على الكرسي المقابل لذراعه الأيمن.
تنحنح "حميد" بخشونة وقد بدت علامات الضيق على وجهه بوضوح وتمكن "عثمان" دون حذق أو نباهة من معرفة سبب مجيئه إلى الشركة دون موعد حتى!!!
تنهد "حميد" ثم أردف بنفاد صبرٍ:
- أنا عارف عن شركتك الالتزام وعارف إنك رجل أعمال ذكي بس مكنتش أتخيل إنك بتشغل عندك عيال صغيرة طايشة لمجرد المُجاملة!!!
عقد "عثمان" حاجبيه بضيق من كلماته القاسية؛ ولكنه تكلم بلهجة حازمة لا تقبل الاستخفاف بعظم شأنه مهما كان:
- شركتي معروف عنها الالتزام للنهاية ومفيش أي حاجة أو حد يقدر ينكر أو ينفي دا؛ أما بقى بالنسبة للبنت فهي شاطرة وشغالة معانا هنا لأنها ناجحة ومحققة تارجت ممتاز معانا.
ظهرت ابتسامة مُستخفة على جنب شفتيه ثم أكمل بصوت غليظ:
- يعني مش علشان بنت الشغالين عندك؟؟ مينفعش نضحي بسمعة حياة بنيناها في سنين علشان نجامل ناس عابرين في حياتنا!!!
اِكفهرت ملامح وجهه من جرأة الأخير في توجيه النصائح إليه، تنحنح بصرامة ثم أضاف بثبات:
- صحيح كلامك، على العموم هي اترفدت بشكل نهائي من الشركة.
أومأ "حميد" إيماءة واحدة خفيفة، مال قليلًا نحو المكتب ثم شبك أصابعه سوية وأضاف بلهجة حادة:
- هتغاضى عن إنها عملت لي مشاكل مع بعض الجهات الخاصة واللي تهمني وأنا هحل الموضوع دا بمعرفتي بس آسف مش هتغاضى عن حق مراتي!!.
قطب "عثمان" ما بين عينيه يسأل بفضول ينبعث من عينيه فيتابع الأخير بغيظ خفيف:
- البنت ضربت مراتي يا عثمان بيه!!
عثمان يصيح مصدومًا:
- نعم؟ ضربتها!!! وهي شافت مراتك فين يا حميد!!
برزت عروقه النافرة من شدة الغضب ولم ينتظر رد الأخير ملتقطًا سماعة الهاتف أمامه ثم هتف بها بصوت جهوري:
- سكون تعالي حالًا!!
هرعت إلى مكتبه ظنًا منها أن كارثة ما قد حدثت، دخلت الغرفة بسرعة لتجده يجلس بوجه مكفهر والشرر يقدح من عينيه ومعه "حميد الديب".. تمشت نحوه متوجسةً ثم قالت:
- خير يا بابا، في أيه؟؟؟
عثمان وهو يصيح فيها بصوت أجش ثائر:
- إنتِ كُنتِ عارفة إن وَميض ضربت مرات حميد باشا!!!
ابتلعت ريقها بصعوبة بالغة ولكنها تماسكت بصلابة كبيرة وراحت تجيبه بصوت هاديء تزوي ما بين عينيها وكأنما تسمع هذا الخبر للمرة الأولى:
- معقول ضربتها؟ لأ طبعًا معرفش، بس وَميض هتعمل كدا ليه يا بابا من غير سبب!!
حميد وهو يرمقها بنظرة جامدة ثم يرد بصوت جافٍ:
- قصدك إني كذاب مثلًا يا آنسة سكون!!!
باغتته "سكون" بابتسامة هادئة مُتماسكة، عقدت ذراعيها أمام صدرها ثم أردفت بلهجة حازمة:
- حضرتك مش كذاب طبعًا، أنا بسأل مش أكتر، وبعدين هي وَميض تعرف مرات حضرتك منين أو شافتها فين؟!!!.
تنحنح "حميد" بضيق من سؤالها المتربص به والذي لفت انتباه "عثمان" الذي استدار نحو الأخير ثم سأله بترقب:
- صحيح، كنت سألتك هي شافت وَميض فين؟؟
حميد وهو يومىء سلبًا ثم يقول:
- معرفش تفاصيل.
ابتسمت "سكون" بمكرٍ وهي تجد خطتها تؤتي ثمارها بتعجيزه عن الرد أو رؤية نفسه صاحب حق وهو لا يمت للحق بصلة؛ فهي لا تقبل الظلم مهما بلغ غضبها من الشخص الذي تدافع عنه إذ كان مظلومًا وهي تعلم تمام العلم بمجيء زوجة "حميد" إلى [وَميض] في المستشفى وتهديدها وترى أن ردة فعل "وَميض" في محلها تمامًا ولا يشوبها مثقال ذرة من خطأ.
••••••••••••
لم ترد على رسائله منذ الصباح وشعر بقلق بالغٍ عليها؛ فلم يعتَد على مرور يومه دون الاطمئنان على حالها على الأقل ولم يشعر بالضيق مُطلقًا إلا خلال هذه الساعات السيئة على نفسه.
قاربت الساعة على السابعة مساءً ولم يأتيه خبر منها بعد!!.
جلس أمام التلفاز بوجه عابس حزين يتنقل بين القنوات التلفزيونية في ملل يخنقه وقلق يأكل لحم رأسه.
في تلك اللحظة سمع صوت إشعارًا يصدح عبر هاتفه فأسرع بفتح الهاتف ليجد اسمها يظهر على الشاشة فأيقن بأنها قد رأت رسالته وردت عليه، فتح المحادثة بينهما فورًا فوجد بعض الكلمات التي لم يكن يتوقعها مُطلقًا.
- عُمر، أنا آسفة بس مش هقدر أكمل في علاقة من النوع دا أكتر من كدا، أنا أتقدم لي شخص كويس وأهلي موافقين.
اِبتسم بتذبذب لا يعلم إن كانت تقول الحقيقة أو ترسل له مزحة سخيفة سوف يحاسبها عليها حتمًا، أسرع بالاعتدال في جلسته ثم كتب لها:
- أيوة أيوة، الإسطوانة المشروخة بتاعة كُل البنات، متقدم لي خمس لواءات وظابط، يا تيجي تخطبني يا خلاص خلاص بصوت نوسة!!.
وصله فورًا رؤيتها للرسالة ولكنها لم ترد بنفس السرعة بل صمتت لوقت طويلٍ ثم وجدها تكتب على غير عادتها دون أن تستخدم رموزها التعبيرية التي تشغف حُبًا فيهم:
- عُمر! للأسف أنا مش بهزر.. مبسوطة إني عرفتك حتى لو كانت دي النهاية اللي مش هتبسطني أبدًا.
عقد حاجبيه ثم زفر بحنق كبيرٍ وهو يشعر بجدية كلماتها، وكتب:
- رويدا دا بجد؟؟؟ بقول لك أيه، أنا هرن ردي!!
كتبت بسرعة:
- مش هينفع، قاعدة مع أهلي.
فكتب بأطراف مُرتجفة:
- بس أنا عايز أتكلم معاكِ!! وأقول لك على خبر هيفرحك أوي!
كتبت بتوجسٍ:
- خير أيه؟!.
رد قاصدًا أن يمزح معها ببعض العبث:
- أكيد مش هاجي أخطفك من بيتك.. أنا بس فكرت إننا لازم نتقابل!!!!!
التهبت وِجنتاها من شدة الفرح؛ فكتبت بحماسٍ:
- إنتَ بتتكلم بجد ولا بتقول لي كدا علشان أرجع عن قراري!!
عُمر يرد عليها برمز تعبيري غاضب:
- إنتِ هترجعي عن قرارك عافية ومن غير حاجة، المهم، تحبي نتقابل إمتى!!!!
••••••••••••
وقف على عتبة الباب قاطبًا ما بين حاجبيه في استغراب من تركه للباب مفتوحًا!.. لم يطل التعجب وقرر أن يدخل فورًا وهو يصيح بصوت عالٍ مرحٍ:
- يا شيخ تليد!!! يا بتاع البرتقان يا منعنع!!!
ابتسم "تليد" بهدوءٍ وهو يستمع إلى صوته يأتي من الخارج بينما هو مرابطًا داخل غرفة مكتبه، فيما ظل "نوح" يصيح بأعلى صوت لديه:
- شيخ تايه تايه يا ولاد الحلال، يا تليييييييييد!!
تليد وهو يصيح بصوت جهوري من داخل الغرفة:
- موجود هنا، تعالى وانجز!!
توجه صوب المكتب ثم أدار مقبض الباب وراح يستند عليه وهو يقول بغيظ هزلي:
- بقالي ساعة بنادي عليك وإنتَ متوحد هنا مع نفسك؟
تليد وهو يضحك بهدوءٍ:
- أنا لا متوحد ولا حاجة، أنا سامعك بتنادي على ابن أختك من برا.
اتسعت حدقتاه وهو ينظر إلى الشجرة التي زادت ثمراتها واحدة جديدة ثم صاح بصوت عالٍ ماكرٍ:
- ألاه!!! هي الشجرة ولدت واحدة جديدة يا تليد؟؟
رمقهُ "تليد" بنظرة قوية من جانب عينيه ثم أردف بصوت هاديء هزلي:
- الشجرة مبتولدش يا نوح.
انبسطت المسافة ما بين حاجبيه وهو يقترب من الشجرة ثم يُمسك بالثمرة الجديدة بين أنامله مُضيفًا بضحكة هادئة:
- أمال بتبيض؟؟ عايزين نعمل لرقم 23 دي سبوع أو عقيقة!!!
تليد وهو يضيف بضحكة عابثة:
- نعمل لها يا حبيبي مع طهورك إن شاء الله في أسبوع واحد.
رفع "نوح" أحد حاجبيه كاتمًا ضحكته العالية مُردفًا بحنقٍ مُصطنعٍ:
- أخلاقك بقيت على المحك، احكي يا عم ومتقرفناش!!!
تليد بصوت هادئ راسخٍ:
- عايزني أحكي؟!
أومأ "نوح" مؤكدًا رغبته؛ فتابع الأخير بابتسامة سمجة:
- اعملي شاي الأول!!
ضغط "نوح" على أسنانه ثم قال باستسلام صاغرٍ:
- وعامل لي فيها شيخ وإنت ديكتاتوري، استغلالي وسادي و…
قطع "تليد" حديثه مُضيفًا بلهجة حازمة:
- وغير مُحايد وغير قابل للنقد وبطفي السجاير تحت بطاطك، عارف عارف.
تأفف "نوح" بغيظٍ وهو يلوح بذراعيه في الهواء ثم يُذعن لرغبته في كوب من الشاي الدافىء رغبةً في الحصول على أجوبة واضحة لأسئلته الفضولية!!!!!
••••••••••••
انقضى أربعة أيام، قدمت "وَميض" على تلك الوظيفة داخل شركة معروفة وتمنت لو تنال مكانًا فيها وتنفتح أمامها كُل أبواب الرزق حتى تستطيع استئجار منزل صغير وترك الشقة التي يعطيها "عثمان" لهم كي يعيشوا فيها أثناء خدمتهم داخل قصره.
ذهبت للمُقابلة المبدئية والتى انهتها غير راضية عن أدائها فيها ولكنها تفاجأت بعد مرور يومين باتصال من الشركة يخبروها من خلاله باجتيازها المقابلة الأولى وصعودها لمُقابلة رئيس القسم الذي سوف يحدد الاختيار النهائي لاثنين من بين الأربعة المتصاعدين؛ تفاءلت خيرًا أن تكون ضمن طاقم العمل بهذه الشركة واستعدت للمقابلة القادمة التي عرفت بموعدها الذي يأتي بعد يومين من اتصالهم.
ظل الخوف يعتريها كلما فكرت في هذه المقابلة وهي ستؤدي فيها جيدًا أم سيُلجم لسانها عن إجابة غالبية الأسئلة التي طُرحت عليها والغريب أنها رغم كُل هذا تم تصعيدها للمرحلة النهائية!!!
ظلت في انتظار هذا اليوم على أحر من الجمر حتى تتخلص من خوفها الذي نغض حياتها إلى أن جاء اليوم الذي يسبق يوم المُقابلة حيث وردها اتصالًا من صديقتها تأمرها بالتجهز للخروج سوية مع زوجها عِمران إلى ذلك المطعم الشهير الذي يُقدم بعض الأطعمة التركية المميزة.
تجهزت "وَميض" وارتدت الفُستان الذي أحضرته لها صديقتها، وضعت القليل من مساحيق التجميل مع غطاء رأس بنفس لون الفُستان وقد أطلقت العنان لبعض من خصلات شعرها التي طلت بوضوح من خارج الغطاء كما أنها لم تنسَ ارتداء القلادة والحذاء ذي الكعب العالي الذي لا يتفاوت في لونه عن الفستان أبدًا لتكتمل الأناقة وتلتقي بصديقتها عند باب منزلها ثم تركب سيارتهما وتنطلق.
صُحبتها إلى ذلك المطعم وتفاجأت "وَميض" بأن العاملين به جميعهم يتحدثون التركية بطلاقة وتمكنت وقتها من ممارسة بعض التعابير التي التقطتها من مشاهدة المسلسلات التركية التي تحبها؛ سعدت كثيرًا بتناول الطعام في ذلك المكان ولكنها تفاجأت بصديقتها تقول بنبرة حماسية كبيرة بعدما أنهت حديثها عبر الهاتف مع شخصٍ ما:
- هننهي اليوم بإني هاخدك معايا مشوار هتحبيه أوي وتشكريني عليه كمان.
زمت "وَميض" شفتيها ثم أهدلت أكتافها باستسلام خضوعًا لنصوص الاتفاقية التي تنص على استمتاعها دون سؤال عن وجهتها حتى!!!..
التفتت "شروق" إلى زوجها ثم تابعت بهدوءٍ:
- مش أنا قولت لك إن عمي اتصل بيا إمبارح وسألني بدون أي مقدمات هل أنا كويسة ولا لأ!!
أومأ "عِمران" إيجابًا فأكملت "شروق" باشتياق:
- عمي سليمان دا أكتر إنسان مُريح في الدنيا وكمان مش هتصدقوني لو قولت لكم إنه بيحس بيا لو متضايقة أو في كرب رغم المسافة اللي بينا، أنا مشتاقة له أوي، مشتاقة لكُل كلمة حلوة بيقولها لي وبيواسي بيها قلبي، اتصل بيا وعايزني أزوره ممكن!!!.
عِمران وهو يُقرب أنامله يتلمس وِجنتها ثم يقول بصوت دافئ:
- طبعًا نروح!.
استدار نحو "وَميض" التي أومأت بموافقة بعد أن أدركت نظرات زوج صديقتها لها والتي تعني حاجة "شروق" إلى رؤيته بصورة مُلحة فرحبت أيضًا بالفكرة، ركب الثلاثة السيارة ثم انطلقت إلى بيت الشيخ "سليمان" المجاور للمزرعة مُباشرة.
ترجلوا من السيارة؛ فهرعت "شروق" صوب الباب ثم طرقته بشغف متأججٍ وما أن ظهر أمامها حتى ارتمت بين جنباته وهي تقول بصوت باكٍ:
- عمي إنت وحشتني أوي، سامحني لو كنت مقصرة الفترة الأخيرة دي في حقك!!!
ابتسم "سليمان" برزانة ثم مسد على رأسها بحنان وفيرٍ وبصوت نقي قال:
- عبيط مين دا اللي يزعل منك يا غالية؛ دا إنتِ بلسم في حياة أي حد.
شروق وهي تتشبث بأحضانه في فرحة رغم تحشرج صوتها المُثقل بالكثير والذي يرغب في بخ كُل الأذى المساق إليه؛ فهو مخبأ أسرارها الكبيرة الأوحد والوحيد:
- وحشتني أوي يا عمي، وحشني كلامك وروحك الطيبة.
رفع فمه نحو جبينها ثم قبلهُ برفق قبل أن يلتفت إلى "عِمران" قائلًا بترحاب حارٍ:
- نورت يا عِمران يا بني!!!
صافحهُ بحرارة فسعد "عِمران" برؤيته ثم استدار للجهة الأخرى حيث تقف "وَميض"، ابتسم لها ابتسامة عذبة ثم أومأ برأسه قائلًا بترحيب:
- أهلًا يا بنتي، نورتيني!!!
ابتعدت "شروق" عنه بسرعة ثم قالت بنبرة سعيدة يملأها الشغف:
- دي صاحبتي من الطفولة، اسمها وَميض.
بادلها ابتسامة صافية دون أن يمد يده فأدركت "وَميض" أنه ربما يكون شيخًا طيبًا وطبعًا لا يُصافح النساء باليد؛ ولكنها انجذبت للضوء اللامع المنبعث من وجهه وابتسامته الرصينة الصافية ونقاء لحيته البيضاء الناصعة لقد كانت رؤيته تبعث على نفسها الراحة والسكينة!!!
أسرعت "شروق" بالقبض على ذراع صديقتها ثم تابعت بصوت هادىء:
- وَميض يا عمي تبقى بنت عمو علام اللي شغال مع بابا في القصر!!
تغيرت ملامحه إلى الضيق وهو يدقق النظر فيها باستغراب شديد؟؟؟ هل مَن الله على علام بطفلة بعد أن تبنى أُترُج؟؟؟ أو أنه أخل بالعهد بينهما وهذه الفتاة الواقفة أمامه هي نفسها الصغيرة!!!..
كانت هناك علامة وحيدة يمكنه أن يعرفها من خلالها وهو يتذكر صوت ابنه في صغره يصيح بسعادة غامرة:
- "بص يا بابا، دي عندها غمازة تحت عينيها!!!!".
تنهد "سليمان" بهدوءٍ ثم دعاهم للدخول فورًا وكعادته جاء إليهم بأكواب من الشاي الدافىء دون وضع أية إضافة عليه وجلب معه بعض التسالي ودارت الأحاديث بينهم في استمتاع وسرور عاشتهُ (شروق) التي كانت تحن لهذه الجلسة منذ زمنٍ.
- فاكرة يا شروق لمَّا كُنتِ بتتسحبي من القصر وتيجي عندي المزرعة علشان تتفرجي على الجواميس، فاكرة لمَّا جريتي عليا وحضنتيني وإنتِ خايفة وسألتك مالك، قولتي لي أيه وقتها؟؟؟
صدح صوت "شروق" بضحكة عالية وصل رنينها إلى قلب زوجها الذي اقتبس استمتاعه من سعادتها؛ ردت بمرحٍ:
- الحقني يا عمو سليمان، واحدة من الجاموسات عطست في وشي.
قهقه الجميع باستمتاع وحرص "سليمان" على رؤية تلك الفتاة وهي تقهقه بصوت مرتفعٍ سعيد؛ رأى تلك الغمزة تقبع أسفل عينها اليُسرى بوضوحٍ، أطرق برأسه في حزن من تبجح الأخير وإخلاله بنصوص الاتفاقية بينهما؛ ولكنه رفع بصره نحوها مرة أخرى ثم ابتسم بهدوءٍ وهو يتمتم بصوت خفيضٍ:
- بسم الله تبارك الخلاق.
كان يشعر بسعادة ينقصها شيئًا ما ولكنه فرح برؤيتها مرة أخرى بعد زمن بعيد جدًا من وضعها على ساقيه والربت بحنان على ظهرها حتى تغط في سبات عميقٍ!!!
انقضى الوقت سريعًا ولكنه سعد جمًّا بهذا اللقاء الذي سعد قلبه دون علم الطرف الآخر، استأذن "عِمران" للمغادرة وأفصحت "وَميض" بضرورة الذهاب إلى البيت والإخلاد للنوم استعدادًا لمقابلة عملها بالغد.
ودعهم "سليمان" ودار حديث سريع بينهم على عتبة الباب في اللحظة التي وصل فيها "تليد" الذي صف سيارته داخل جراح المزرعة وتمشى على قدميه إلى البيت ولكنه وقف بعيدًا في حالة من الذهول وهو يحدق في ملامحها الغير واضحة!!! ولكنه تأكد من هويتها عندما لمح "شروق" تقف بجوارها، ظل واقفًا في مكانه حتى ركبوا السيارة ثم غادروا.
أغلق "سليمان" الباب ثم عاد يفتحه مرة أخرى بعد لحظات، ابتسم بدفء ثم تنحى جانبًا كي يمر الأخير للداخل:
- يا بني مش عندك شغل بكرا، لازم تنام بدري!!
ابتسم "تليد" ابتسامة لم تصل إلى عينيه ثم رد بإيجاز:
- هنام حالًا.
استدار نحو غرفته ولكنه توقف حينما رمى والده سؤالًا مُحيرًا مُربكًا لكينونته الصامدة:
- بس حلوة ما شاء الله!!!
أدرك أن والده علم برؤيته للضيوف فحاول المراوغة مُتبعًا نهج والده:
- شروق!!!
سليمان بابتسامة خفيفة:
- بتكلم عن أُترُج!!!!
ابتلع "تليد" ريقه على مهل ثم أكمل سيره صوب غرفته راغبًا في أن يظهر غير مهتمٍ بالأمر ولكن كيف يخفى ما يضمر داخل قلبه على والده الحكيم، تنهد بضعفٍ ثم قال قبل أن يُغلق باب غرفته:
- تصبح على خير يا بابا، عايز أروح أول يوم ليا في الشركة بدري، لأن الانطباع الأول يدوووووم!.
ابتسم "سليمان" بهدوءٍ ثم أجابه متوجهًا صوب غرفته:
- وإنتَ من أهل الخير يابني.
••••••••••••
ظل قرابة الساعة يتقلب في فراشه، رؤيته لها نغصت عليه نومته الآمنة من كُل فِكرٍ أو شرود، تقلب على جنبه الأيمن في شتات يسلبه عقله الرصين حتى استعصى عليه جمع شتات نفسه المُشتاقة من كثرة الفقد، فقدٌ وهو لا يستطيع رؤية ملامحها الراسخة في ذاكرته عن قُرب سوى مرة واحدة مذ أن أينعت أُترُجته وصارت صبيةً فاتنة تؤثر الجُزء المُتخفي في شخصيته الغامضة، تأثر جنونه الطفولي بها واشتياقه للقُرب منها وهدم المسافة التي تحول دون التقائهما!!!.
هزَّ رأسه بانفعال ثائر وكأنما يطيح بهذه الوساوس المبعوثة من شيطان نفسه الأمارة بالسوء بعيدًا عنه ثم يتنهد بصوت خافتٍ مُرددًا بصبر:
- استغفر الله العظيم من كُل ذنب عظيم.
قام بوضع كلا كفيه أسفل صُدغه يتحايل على النوم أن ينتشله من هذه الهوة السحيقة من الأفكار الشيطانية والتي سوف تُسفر عن بقائه ساهرًا حتى الصباح وهذا يعني ذهابه إلى عمله داخل الشركة لأول مرة دون نوم!! دون تركيز!!.
ضغط على عينيه بقوة ما أن لاحت هذه الأفكار التي سوف تنجم عن قلة نومه مُقررًا أن يقتصر الشر وينام رغمًا عن شيطانه فإما أن يغلبه فيبقى مُحدقًا في كُل زوايا غرفته أو يتغلب عليه وينام قرير العين لمُتابعة يوم الغد المكدس بالأعمال والمُقابلات الخاصة بتوظيف أفراد جُدد داخل الشركة.
وفي النهاية تغلب هو على شيطانه بقوة إرادته وغط في سبات عميقٍ حتى الصباح حينما تسللت خيوط ضوء الصبح إلى غرفته وقصدت تعامدها على عينيه؛ ونتيجة لذلك، حرك أهدابه مُتضايقًا حتى فتح جفنيه بالكاد ليُطالع الستار مُتذمرًا ثم يقول بصوت أجش من أثر النوم:
- للمرة المش عارف كام، نسيت الستاير مفتوحة، مش مكتوب لك تنام أكتر من كدا يا عم تليد.
أزاح الغطاء عن جسده رويدًا ثم اعتدل في نومته جالسًا وهو يستبين الوقت من خلال الساعة المُعلقة على الحائط المقابلة له، تنهد باستسلام ثم تدلى من فراشه يستعد ليوم جديد في مكان جديد أيضًا!
هل يا تُرى سوف تكون تجربة ناجحة له؟ تبعث الإيجابية على يومه وتكون بمثابة نسمة خفيفة لن يشعر بها أو أن هذه الخطوة الجديدة ستجعله يعيد حساباته بشأن هذه الشراكة التي لم يرغب بها مُطلقًا لرغبته أن يكون مُستقلًا بعمله الذي اجتهد ونجح فيه لسنوات دون أن يجور عليه بأشياءٍ جديدٍ فلا يعطيه حقه المطلوب غير قاصدٍ ذلك!
سار إلى الحمام بعد لحظات من التفكير والتساؤلات التي يتمنى أن يحظى بأجوبة مُرضية عنها خلال زيارته لشركة "آل زهران للمُنتجات الغذائية" والتي تعد واحدة من ضمن مجموعة مُمتلكات تخص أحد أهم كبار رجال الأعمال في مصر وصاحب ثاني أهم شركات المنتجات الغذائية بعد شركة عمه؛ فحمدي زهران يعد مُنافسًا قويًا على الساحة حتى أن (عثمان السروجي) يخشى أن تنعكس النتائج يومًا ويحظى حمدي بثقة الشعب مُحققًا المرتبة الأولى شعبيًا؛ والأهم أن منبع المنافسة بينهما وكُره عثمان للأخير يرجع إلى مشاركة الشيخ سليمان لصديقه حمدي والذي يرى فيه من الأمانة والضمير ما لا يجده في شقيقه!.
غاب للحظات ثم خرج من الحمام متوجهًا إلى دولابه، التقط زيه الرسمي الذي اختاره بالأمس واستقر الرأي عليه ثم شرع في ارتدائه وما أن انتهي حتى وقف أمام المرآة وبدأ في ترتيب ياقة قميصه وإغلاق أزرار أكمامه ولم ينسَ وضع الدبوس المُفضل إليه والذي يظهر على شكل حروف اسمه متراصة بجوار بعضها البعض في تشابك.
نزل بعينيه إلى المنضدة يبحث عن قنينة عطره المُفضل أيضًا، اِبتسم بهدوءٍ ما أن وقعت عيناه عليها ثم التقطها وراح يتطيب بها حتى عبأ العطرُ الغرفة؛ لقد كان عطرُ آخاذ ولكنه لا يضاهي سمعة المُتطيب به والتي تغلب كُل العطور ولا عبق طيب يعلو فوق عبق سمعته العطرة!.
تنهد باستعداد وهو يضع القنينة في مكانها ويرتدي ساعة يده بعد ذلك ثم يأخذ كُل أشيائه المُهمة؛ مفاتيح المنزل والسيارة وكذلك هاتفه المحمول ويغادر على الفور.
ذِيع خبر مجيئه إلى الشركة كالذي ينفخ في الريح فتنتشر شتى!!!.. بقيت الأعين في حالة استعداد وترقُب لرؤية أكثر داعية ذائع الصيت في مصر حاليًا فقد عاش آلامًا كثيرة في حياته من فقد لشعور الأمومة والأخوة وفقدان الشيء الذي تعلق به أشد تعلُقًا ولكنه في المُقابل لم يهُن حزنه على خالقه؛ فمنحه تعويضًا لم يكن ليحظى به لولا إيمانه القوي بربه فأحبه الله ووضع حبه في قلوب الكثير ممن يقدرونه ويكنون له الكثير من الاحترام.
كان الجميع داخل الشركة ينتظرونه على قدمٍ وساقٍ؛ إلا هي فقد كانت في عالمٍ آخر حيث جلست داخل صالة الاستقبال بعد أن أخبروها أمس باختيارها هي وثلاثة أخرين لعمل المقابلة الشخصية النهائية والتي سوف تصطف على اختيار اثنين منهم فقط للعمل داخل الشركة، كانت تجلس هلعة لا تحملها قدماها كما أن أطرافها تنتفض نتيجة شعورها بالضغط العصبي الذي تتعرض له في هذه اللحظة، عضت شفتها السفلى وهي تلتفت إلى موظفة الاستقبال ثم تقول بخفوت:
- إحنا بقالنا ساعة قاعدين، المقابلة إمتى بالظبط!!!
الموظفة وهي تبتسم له في تفهم لشعورها القلق:
- بمجرد ما يوصل رئيس القسم، حاولي تسترخي علشان تقدري تلاقي أجوبة مُقنعة قدامه وبالتوفيق.
أومأت بابتسامة خافتة رغم انقباضة قلبها التي وجلت الأمر عن ذي قبل، قررت أن تسترخي قليلًا وأن تضع في عقلها أنها مجرد مُقابلة عمل وأن الأرزاق بيد الله ولو قُسم لها العمل في هذه الشركة؛ فسيكون.
(على الجانب الآخر من الشركة)
شُخصت الأبصار إليه في انبهار وحب، تختلف النظرات المحدقة فيه بين مذهولة ومصدومة من رؤيته على أرض الواقع؛ خاصة أنه أصبح مالكًا لجزء من أرباح الشركة وإن كان قليلًا!!.. عمَّت الفوضى المكان والتفت الكُل له دون أعمالهم وهرول العديد من الموظفين إليه يطلبون أن تجمعهم صورة به وهذا ما جعله يتأخر عن عمله الذي ينتظره بالداخل، استطاع التملص من بينهم بأعجوبة بعد أن سمعوا خبر قدوم رئيسهم (حمدي زهران) الذي لا يقبل أي تقاعس داخل شركته.
مرَّت عشر دقائق بعد هذا الحدث، وبدأت الموظفة تجمع استمارات التقديم بين كفيها بعد أن جاءها اتصالًا من غرفة رئيسها التي تقبع في الجانب الآخر من هذه الصالة الكبيرة، غادرت الموظفة لدقائق وعادت فارغة اليد حيث مكتبها لتجد اتصالًا جديدًا منه جعلها تلتفت إليهم ثم تقول بصوت هاديء:
- هايدي رياض!!!
نهضت الفتاة متبرجلة من شدة القلق المسيطرة على جميع حواسها لتضيف الموظفة بابتسامة لطيفة:
- دورك في المُقابلة، ربنا معاكِ.
أومأت الفتاة لها في شُكر دون أن تتفوه بكلمة أو بالأحرى لُجم لسانها عن الرد نتيجة خوفها البادي على صفحة وجهها.
وعلى غير المتوقع، خرجت الفتاة بسُرعة فلاحت إليها العيون تسأل دون حروف، اِبتسمت الفتاة في صمت ثم غادرت، أرادت "وَميض" أن تسألها عمَّا دار بالداخل ولكنها رأت أنه قد يبدو للجميع تصرف أخبل لا يليق بفتاة شابة تُقدم على وظيفة مرموقة كهذه!!!
تتابعت الأدوار حتى تيقنت بأنها الأخيرة وتمنت أن يكون ختام يومها مسك، مرَّت الأدوار وعدَّت حتى جاء دورها حيث ابتسمت الموظفة ببشاشة ثم هتفت:
- آنسة وَميض علَّام الجن، تقدري تتفضلي، بالتوفيق إن شاء الله.
عقدت ما بين حاجبيها في استغراب ثم تساءلت متوجسةً:
- الجن؟؟؟
الموظفة وهي تنظر إلى الورقة القابعة أمامها من جديد ثم تردف:
- أيوة يا فندم، إنتِ كاتبة في الاستمارة كدا!!!
وضعت كفها على فمها ثم تساءلت بذعر:
- والاستمارة دي دخلت للرئيس؟؟؟
أومأت الموظفة بتأكيد وهي تشعر بشيءٍ مُبهمٍ يمر عبر حديثها فتابعت تستفسر:
- في غلط في الاسم؟؟
وَميض بتنهيدة ثقيلة:
- كان في دال وياء في الاسم، شكلي نسيت أكتبهم!!!
تمتمت بخفوت وهي تنهض بتثاقل غريبٍ:
- الله يسامحك يا شروق!
لتُضيف الموظفة بهدوءٍ:
- حصل خير، هعدله بعد المقابلة إن شاء الله.
سارت عبر ممر طويلٍ يفضي في نهايته إلى ممر ينحدر جهة اليمين وفي نهايته غرفة تبدو أنها الغرفة المنشودة، وصلت إلى بابها ثم تنشقت الهواء داخلها ثم لفظته باسترخاء هادىء مُقررةً أن تظل ثابتةً مهما حدث وأن تكون راضية عن النتيجة التي تصطف في صالحها سواء أسفرت عن قبول أو رفض!!!
دقت الباب برفق ثم فتحتهُ بتوجسٍ وقد زُين ثغرها بابتسامة خفيفة تجعلها تجابه لحظاتها العصيبة بسلاسة، دخلت على الفور وراحت تلتفت صوب المكتب وسرعان ما تحول وجهها المبتسم إلى آخر مذهولًا!!!
أوليس هذا الرجل هو ذاته الداعية المشهور؟!! تليد، نعم تليد سليمان، هو نفسه الشاب الذي رأته أسفل الماء ولا يمكن أن تكذب عينيها أبدًا، حدقت فيه بعينين مُتسعتين على عكسه!!!
كان قدومها بمثابة حلول هلال رمضان المبارك، كان هذا تفسيره المُخبأ بين طيات قلبه، بِمَ تشعُر حينما تستمع إلى تصريح دار الإفتاء المصرية بحلول أول أيام شهر رمضان الكريم، تتغمدك السعادة وتشعر بامتلاء الغلاف الجوي من حولك بألوان الطيف البهيجة كما لو أنك تُحلق فوق قوس قزح الذهبي، هلَّت عليه كفرحة الإنسان بقدوم مناسباته الجميلة التي ينتظرها من عامٍ لعام. كفرحةٍ طفل صغير بليلة العيد؛ فينام مُحتضنًا ملابسه الجديدة يحلم بطلوع الصُبح.
ارتبكت نبضات قلبه وهي تقف أمامه مُباشرة، كانت ترتدي بنطلونًا من الجينز وعليه سُترة جلدية ثقيلة باللون الأسود وترتدي غطاء رأس من اللون الكشميري وجزمة رياضية بنفس لون غطاء رأسها.
تقدمت بضع خطوات فنزل بعينيه إلى وقع خطواتها يترقب تقلص المسافة بينهم ويتخيل أن الأرض تنبت وردًا كلما داستها بقدميها، حاول أن يجلس في كرسيه رزينًا يتحكم في انفعالاته الثائرة التي نتج عنها سخونة أنفاسه التي تتصاعد تدريجيًا، أغمض عينيه يتمالك نفسه ثم رفع بصره إليها من جديد ليجدها تقف أمام المكتب مُباشرة وتبتسم في هدوءٍ حيث استطاع في هذه اللحظة أن يرى تفاصيلها الدقيقة عن قُرب وأن يرى تلك الغمزة أسفل عينها اليُسرى بوضوح ألهب داخله جنون ذكرياته بها.
تلاقت أعينهما فارتفعت دقات قلبه الخافق وظن أنها ربما تكون قد وصلت إلى مسامعها، أسرع بوضع يده على قلبه ثم ابتلع ريقه على مهل وراح يتنحنح بخشونة ثم يزيغ ببصره عنها قائلًا بصوت رخيم ثابت:
- اتفضلي اقعدي يا آنسة…..!!
سكت لبُرهة وهو ينظر إلى ملفها القابع أمامه مُتصنعًا عدم معرفته باسمها وما هي إلا ثوانٍ حتى أكمل بهدوء:
- آنسة وَميض علَّام الجن!!!!!!
رواية رحماء بينهم الفصل السادس 6 - بقلم علياء شعبان
نزل بعينيه إلى الملف بين يديه؛ لم يكن يرى سطوره من هذا الشعور الذي حجب عنه رؤية أي شيء سوى تفاصيل وجهها الجميلة. تشنج مكتومًا من هذا الضعف الذي أصابه لمَّا رآها، وقرر أن يحتج على هذا الشعور الذي لم يتعرف عليه من قبل إلا أمامها.
تجمّدت صفحة وجهه بغموضٍ، فيما بقيت هي صامتة تتفرس ملامحه بدقة حدس لا يهدأ. أقسمت في نفسها أنه هو. لقد حفظت ملامحه المرتعبة أسفل الماء حينما نظرت إليه طويلًا تترقب وقع حركته نحوها، وهل سوف ينقذها أو لا؟ ظلت تنظر إليه بقوة وأطالت النظر وقتها إلى عينيه التي رأت لمعتهما مرة ثانية الآن.
في غضون ذلك، رفع بصره إليها مرة أخرى ثم تنحنح بخشونة وهو يقول ثابتًا:
- آنسة وميض علام الجن، نورتي الشركة.
حاول أن يحيد البصر عنها كيلا يقع أسير نظراتها المحدقة فيه. خشي أن تكون قد تذكرت شيئًا عن تلك الليلة.
فيما أردفت هي بتوضيح هادئ:
- اسمي وميض علام الجندي، آسفة نسيت أكمل كتابة الاسم لأني كان معايا مكالمة وكُنت متوترة كمان.
انبسطت عقدة حاجبيه المعقودة قصدًا ثم أكمل دون أن يرفع بصره نحوها:
- تمام، باين من الـ CV بتاعك إنك شاطرة وعندك خبرة سنتين في شركة السروجي ودي حاجة في حد ذاتها جميلة!!!
أومأت بفقدان شغفها الذي لاحقها منذ الصباح وحتى رؤيته. تدبرت ابتسامة باهتة ثم أجابته وهي تتفرس ملامحه تارة وثيابه تارة أخرى. ورغم عدم تصويب نظراته إليها إلا أنه يمكنه أن يشعر بحركات أعين الواقف أو الجالس أمامه بسهولة وذكاء.
- اشتغلت سنتين وكُنت باخد مكافآت باستمرار وحققت معاهم تارجت كويس بس مكنتش مرتاحة.
باغتها بسؤال ذكي لا يفوته:
- يعني إنتِ مستقيلة ولا مرفودة!!!
- مستقيلة.
وضع الملف على الطاولة أمامه ثم أمسك قلمه وكتب على أول صفحاته بعض الكلمات. ترك القلم ثم شبك أصابعه سوية وأضاف بلهجة حازمة ومازال ينظر إلى أصابعه متجنبًا التحديق فيها وإلا تهور موسوسًا بفعل شيطان نفسه:
- طيب يا آنسة وميض ولكن أنا عندي شروط قد تكون مستبدة شوية بس ضرورية ومستحيل أتغاضى عنها.
لم يستطع قراءة رد فعلها المستغرب في هذه اللحظة ولكنه شعر به. تساءلت متوجسةً بنبرة يشوبها الحزن:
- وأيه شروط حضرتك؟؟؟؟
- إنتِ عارفة أنا مين الأول!!!
أجابته بسرعة رهيبة وكأنها تعلم مسبقًا بسؤاله:
- أستاذ تليد سليمان، داعية إسلامي مشهور، ربنا يوفقك.
لم تكن تعلم مطلقًا بأنه أحد أفراد عائلة السروجي أو أنه ابن عم عائلة "عثمان" ولم تسنح الفرصة لها كي تحظى بهذه المفاجأة. ابتسم على مضض ثم فتح شفتيه كي يتحدث ولكنه وجدها تقطع عليه نيته بالتكلم وتقول مستنكرة:
- هو حضرتك مش عايز تبص لي ليه؟؟؟
- لو صبر القاتل على المقتول!!!
- كان مات لوحده!!
تكلم "تليد" بصوت خشن وهو يغلق الملف الموضوع أمامه بحسم:
- لأ، كان مات مقتول طبعًا بردو؛ لأن دا اسمه أجل المقتول، القاتل فيه مش شخص عابر تلقى الخبر في بيته، لأ دا مكتوب إن المقتول هيموت على إيد القاتل كذا، والقاتل يُقتل ولو بعد حين، يعني نهاية عادلة أوي لو فكرت فيها قبل ما تعمل الذنب مش هتعمله بس قدرك إن شيطانك ياخدك للطريق دا وتقابل الشخص دا وتقتله لأنك جزء من أجله.
رمقتهُ بنظرة متحيرة تحاول فهم ما علاقة هذا الشرح بما يود قوله. أومأت دون أدنى استيعاب منها. اختلس نظرة سريعة إليها ثم نزل ببصره مجددًا وابتسم بغتة ثم تابع:
- بتسألي أيه العلاقة مش كدا؟
انتظر لبُرهة ثم أضاف بهدوء:
- لأني فكرت في الذنب اللي هيعود لك وهرتكبه أنا كمان لما هبص لك.
رفعت "وَميض" أحد حاجبيها ثم أضافت بغيظ مكتومٍ:
- أنا أعرف إن صوت المرأة عورة بس غريبة إن وجهها بقى عورة كمان!!!!
حاول أن يمنع قهقهة أكيدة أوشكت على أن تنفلت من بين شفتيه. أومأ بهدوء ثم أكمل بنفي لمعتقدها الهزل:
- وجه المرأة مش عورة ولا حاجة، يستحب تغطيته بس مش فرض، وأنا مكنتش بتكلم عن وشك خالص، بتكلم عن شوية الشعر اللي شبه شخصيتك دول!
انفتح فمها على وسعه وهي ترفع أناملها إلى خصلات شعرها الخارجة عن الحجاب عن عمد منها. توترت أثناء جلوسها فتابعت بصوت متلعثم يشوبه الاحراج:
- شبه شخصيتي إزاي؟!
- يعني متمردين أو معتنقوش الإسلام لسه!!، اللي عايز أقول له طالما اختارتي الحجاب عن رغبة يبقى تلتزمي بشروطه عن حب وتكوني قدوة لغيرك، أما بالنسبة لي فلو وقع عليكِ الاختيار فأنا مستحيل أرتاح مع موظفة لابسة نص طرحة!، انتهت المقابلة.
زوت "وَميض" ما بين عينيها دهشةً تستغرب حدة حديثه الأخير معها. لم ترغب في إنهاء المقابلة بهذه الكلمات فأرادت أن تستبدلها بأخرى. قررت الآتي: أن ترفع أناملها صوب خصلاتها ثم تدفنهم أسفل غطاء رأسها كيلا يكون عنده حجة جديدة تحول دون النظر إليها ولو قليلًا.
ظلت متشبتة بكرسيها ولاحظ هو ذلك ثم باغتته بما كان يخشاه من أول الجلسة:
- إنتَ مش عارفني!!!
انتفض قلبه هلعًا، يخفق بقوة بين أضلعه كالمتوجس خيفةً. ارتبط كلامها بماضيهما معًا على الفور وظن أنها تعرف به دون أن يربط الأمر بالحادثة الأخيرة؛ أو ربما هرول تفكيره نحو أكثر الطرق الذي يرغب تخطيها والمرور عبرها!
عقد ما بين حاجبيه ثم تساءل ببرود مصطنع:
- مش فاهم؟.. المفروض أعرفك منين؟!
لم تخمد عباراته ثقتها الكاملة برؤيته من قبل. تنهدت بضيق ثم أردفت بلهجة حادة:
- بعد إذنك بص لي!!!... أنا البنت اللي أنقذتها من الغرق!
رفع بصره نحوها رويدًا فوجدها نفذت رغبته بصورة سريعة. رمقها بحذر لعدة ثوانٍ قبل أن يردف بملامح ثابتة وصوت رخيم:
- بس أنا ما أنقذتش حد من الغرق!!
- مستحيل، بقول لحضرتك أنا شوفتك تحت المية وبعدها فوقت لقيت نفسي مع واحد تاني في مستشفى، أرجوك أنا دماغي هتنفجر من التفكير وما صدقت لقيتك، جاوبني من فضلك!!!!
- بس أنا جاوبتك!
ابتلعت "وَميض" غصة مريرة في حلقها ثم أضافت بهذيان وتفكير بلغ مبلغه منها:
- طيب إزاي؟ إزاي أكون راكبة عربيتي وقافلة إزازها وأقع في النهر وأطلع عايشة؟ رغم إن الشخص اللي طلب الاسعاف مش هو اللي أنقذني؟؟ يبقى مين اللي أنقذني؟! وليه إنتَ اللي فرضًا يعني تخيلته تحت المية!!!
خشي أن يضعف أمام عبراتها التي كادت أن تفيض على جفونها ويبوح بكل شيءٍ. انتصب في مكانه واقفًا ثم قال بصوت ثابت يخترقه شرارة من الحدة والحسم:
- آنسة وميض، المقابلة خلصت من ربع ساعة، اتفضلي!
استدار يعطيها ظهره ثم سار نحو النافذة وبقى هناك ولكنه سمع شهقة خفيفة تنبعث منها وما هي إلا ثوانٍ حتى وجدها تقول بصوت هادئ:
- كُنت موجود، أنا مش مجنونة ومش واقعة في دباديبك علشان أتخيلك، كُنت إنتَ ولو مش بتحب تقول الخير اللي بتعمله فدا شيء تاني، لما تقول هترحمني من التفكير اللي هيقتلني، لو سمحت ريحني!!
- مع السلامة.
خرجت عن طاقة صبرها هذه المرة. تشنجت ملامحها فصاحت بنبرة مخنوقة منفعلة:
- تمام، أنا هعرف الحقيقة بنفسي يا أستاذ تليد، هخليك تيجي لحد عندي وتقول لي أيوة أنا.
مرت لحظات من آخر جملة قالتها وبعدها سمع صوت ارتطام الباب فاستدار على الفور يتفقد ريحها الذي بقى أسيرًا في مكتبه. تطلع إلى الباب بحزن دفين وتبدلت ملامحه القوية إلى أخرى مشتاقة يحيطها هالة من الضعف. أغمض عينيه وصوتها يتكرر على مسامعه باستمرار.
يجول في خلده عدة أسئلة من بينها، ما الذي سوف تفعله كي يأتي إليها محققًا نوالها؟ تلك الغبية لا تعلم أن دمعة واحدة من عينيها كفيلة أن تجعله يهدم الكون ويبنيه من جديد على هواها هي؟! لقد كانت صغيرته التي تعلم على يدها الكثير من المشاعر الجديدة، تعلم كيف تتغير ألوان البيت الباهتة إلى زاهية بقدوم ريح أنثوي جميل. أدرك ملمس شعرها القصير الناعم وقارنه بوجود أمه. أدرك ماذا يعني شعور أخوي وأن تكون حاميًا غيورًا على شقيقة لك.
تذكر كلمات والده في تلك الليلة، ذلك الرجل الحكيم الذي لا يخطئ في تخميناته مطلقًا. تذكره يقول بصوته المريح في وعظ:
- أخاف عليك يا بني روحك تتعلق بيها فتعشق وتخاف البوح علشان هي أختك بين الخلق وهي لا بنت أمك ولا أبوك!!!.
تنهد تنهيدة ممدودة بعمقٍ ضاغطًا على قبضته المتكورة. في النهاية حاول أن يصمد أمام ثورتها وأن ينتظر ما سوف تأتي به صغيرته الشقية! اتجه صوب مكتبه جالسًا إليه من جديد شاردًا في بعض اللقطات العابرة التي نظر فيها إلى ملامحها باختلاس!
خرج من المطبخ ومعه إحدى العاملات. أشار لها صوب الدرج فأومأت من صاعة وهي تحمل بين يديها صينية صغيرة عليها بعض الصحون. انتظرت "تماضر" حتى غادرت العاملة ثم سارت إليه تقول بسخط:
- أنا شايفة إنك بتكسر العادات والتقاليد اللي اتربيت عليها علشان خاطر ست شروق هانم؟!
زفر "عمران" شاعرًا بالحنق من كلمات والدته التي لا تمل دسها في نفوسهم السعيدة وابهات فرحتها. استدار لمواجهتها ثم قال بصوت متماسك:
- ولا كسر عادات ولا حاجة، أنا عريس جديد وحابب أكل مع مراتي لوحدنا في أوضتنا، أعتقد دا من حقنا!!!
قهقهت "تماضر" بتهكم ثم أجابته مستنكرةً:
- عريس جديد؟!!! ليه فاكر نفسك متجوز من خمس أيام؟ دول خمس شهور.
- كويس إنهم خمس شهور مش خمس سنين وإلا مكناش خلصنا!
ألقى كلماته الأخيرة ثم غادر من أمامها على الفور، صعد الدرج إلى غرفته وأثناء دخوله وجد العاملة تخرج على الفور. أغلق الباب خلفه ثم ظهرت على محياه ابتسامة مشرقة وهو يقول بمرحٍ:
- أخيرًا هناكل لوحدنا وبدون إزعاج.
قهقهت "شروق" برقة فأسرع "عِمران" بجذب الصينية الموضوعة على الطاولة ثم وضعها أمام زوجته التي تجلس على الفراش وبصوت دافئ قال:
- عايزك بقى تخلصي الصينية دي كلها.
رمقتهُ بعينين جاحظتين ثم قالت بهدوءٍ مندهشةً:
- وإنتَ؟؟؟
- هساعدك طبعًا.
أومأت "شروق" متفهمًا، تناولت ملعقتها ثم وضعتها في الصحن وقبل أن تتناول ما بها إلى فمها، شعرت بفتورٍ مفاجئ يجتاحها. لاحظ "عِمران" ذلك فسألها بقلق:
- مش بتاكلي ليه؟!
تنحنحت بتوترٍ ثم قالت بصوت ثابت:
- يا ترى مامتك عندها حق؟!! يعني إني لحد دلوقتي مفيش حمل؟؟.
قطب "عِمران" ما بين حاجبيه ثم قال مستنكرًا وهو يترك ملعقته جانبًا:
- لا مش عندها حق، لأن لسه بدري على الهواجس دي.
- إنتَ صح، أقصد يعني ليه منريحهاش ونروح نتطمن على نفسنا؟!! على الأقل تفهم إننا مقدرين مشاعرها ومش مطنشين أو بنعاندها! لأني بصراحة مش مرتاحة بتوتر العلاقة بينا!.
فكر للحظات فيما تقول ولكنه حرص على معرفة رغبتها هي أولًا فسألها بترقب:
- وإنتِ عايزة أيه؟!!
- عايزة أعيش في راحة، مش عايزة كل الأبواب تتقفل في وشي وكل مكان أروحه ألاقي فيه حد مش عايز يشوفني أو يفهمني!!!
تنهد "عِمران" بهدوءٍ متفهمًا فحوى رسالتها التي تقصدها من وراء كلماتها، مقاطعة والدها لها تؤذي نفسها التي تعشق السلام والسلم، معذورةً؛ فهي لم ترَ والدها منذ ليلة الزفاف عندما جلس بجوار المأذون لإتمام عقد القران بعد وصلة من الإلحاح عليه من قبل زوجته وابنتيه ولكنه اشترط قبل أن يضع يده في يد "عِمران" أن تكون هذه المرة الأخيرة التي يراها داخل القصر أو يسمع صوتها. لقد كان قرارًا مجحفًا منه، أن تضع إنسانًا بين نصلي مقص حادٍ وتطلب منه إما أن ينصاع لرغباتك التي لا مبرر لها أو تضغط بهما على عنقه ناهيًا الباقي من أنفاسه التي عانت الكثير بفضلك!
قام "عِمران" بجذبها إلى صدره ثم ربت على خصلات شعرها وقال بصوت حنون معين لنفسها الحساسة:
- أنا معاكِ في أي قرار، المهم مشوفكيش ضعيفة ولا قدام نفسك حتى، تمام!!!!
أومأت وهي تتشبث به لاقتباس بعض الطمأنينة والسكينة في جواره اللطيف.
استشاطت غضبًا حينما وردها اتصالًا من والدها يعرب فيه عن حزنه الشديد من تصرفها الطائش مع زوجة ذلك الرجل بعد أن استدعاه "عثمان" وبخ جميع كلماته الغاضبة في وجهه مهددًا إياه بالاستغناء عن خدماته داخل القصر إن لم يسيطر على جموحها الغير مبرر.
اندفعت نحو مكتب مديرها داخل الجريدة. دقت الباب بقوة فأمرها بالدخول. خطت صوبه بحركات سريعة ثم وضعت أمامه ورقة طويلة وأضافت بنبرة مشتعلة من الغيظ:
- عايزة موافقة على الخبر دا!
نزل المدير بعينيه إلى الورقة يقرأ ما بها متوجسًا من جنونها الذي يشهده بين الحين والآخر. تنهد بضيق ثم نظر إليها وقال بصوت معاتب:
- تاني يا وميض!!!
- وتالت ورابع يا أستاذ توفيق، أنا عايزة حقي أما بقى لو إنتَ خايف فممكن أخد أخباري وأمشي وإنتَ عارف إن عروضي كتير بس أنا اللي باقية على المكان.
تنهد "توفيق" تنهيدة مكتومة وما هي إلا لحظات حتى خط توقيع موافقته على الورقة ثم ناولها لها وهو يقول بصوت نصوح:
- أنا لو خايف؛ فعليكِ إنتِ يا بنتي!
تناولت الورقة منه ثم أضافت بصوت ثابت وملامح متبلدة:
- الانسان مش هيعيش غير عمر واحد، يا يعيشه باحترام أو مذلول، إحنا اللي بنختار قيمتنا وصورتنا في نظر الناس، بعد إذنك!.
أومأ بهدوءٍ فغادرت صوب إحدى الغرف ثم فتحتها على الفور لتجده يجلس أمام جهاز حاسوبه فتمد يدها له بالورقة ثم تقول بلهجة حازمة:
- الخبر دا في خلال نص ساعة يكون صفحة أولى في عدد النهاردة.
- اعتبريه حصل يا باشا.
باغتته بابتسامة هادئة ثم غادرت. توجهت صوب مكتبها وما أن دخلته حتى خارت قواها وهي تجلس فوق كرسيها ضيقًا من شعورها بالظلم وجور الجميع على حقها إذ أنها ابنة العاملين بالقصر ولا يحق لها الدفاع عن نفسها خاصةً بعد معرفتها بأن هذه السيدة وزوجها هم اليد العليا في حادثة غرقها؛ كما أن ابنة العاملين لا يمكن أن تكون على حق مطلقًا ولو كان الدليل مرأى العين!
التقطت هاتفها باختناق ثم بحثت عن الاسم وراحت تجري اتصالًا بالرقم؛ ولكنها شعرت بقليل من الأمل وهي تجد جرس الانتظار يخترق سمعها. انتظرت بلهفة وشوق حتى جاءها الصوت فقالت بضيق ملهوف:
- وحشتني يا حيوان إنتَ!!!!
تجاوزا معًا بوابة الشركة سيرًا حتى السيارة، لتبقى "سكون" واقفةً في مكانها ثم تنظر إلى والدها وتقول بصوت مرخٍ يحاط بهالة من الملل:
- بابا، أنا هستنى واحدة صاحبتي وهنخرج شوية.
استدار "عثمان" إليها قبل أن يركب السيارة ثم ربت على وجنتها قائلًا بتفهم:
- ماشي حبيبتي، اخرجي وغيري جو من ضغط الشغل.
أومأت متدبرة ابتسامة باهتة فركب السيارة التي انطلقت على الفور. ظلت "سكون" واقفةً في حيرة تنظر يمنة ويسرة شاعرة بالفراغ الذي يخلفه انتهاء دوامها بالشركة. تنهدت بملل ثم تمشت نحو ناصية الشارع تنظر في أوجه الناس بلا هدف. لم تكن هذه المرة الأولى التي تشعر فيها بأنها وحيدة بلا أصدقاء أو أقارب؛ لقد أبعدها عملها مع والدها عن تكوين صداقات جديدة ليتضح لها مع مرور الوقت أنها باتت وحيدة حتى أصيبت حياتها بالرتابة والروتين.
ظلت تسير في الشوارع بلا هدف يذكر حتى قررت أن تستقل سيارة أجرة رغم جهلها عن وجهتها التي تذهب إليها. ركبت السيارة فقال السائق باهتمام:
- على فين يا هانم؟!!!
التفتت بنظراتها إلى السائق تفكر في إجابة على سؤاله وحينما فشلت في اختلاق إجابة قالت بنبرة متحشرجة:
- مش عارفة، بس متقلقش هحاسبك زيّ ما إنت عايز.
أومأ الأخير متراضًا وساق دون أن يسأل مرة أخرى. كانت تنظر من النافذة باكتئاب شديدٍ جعلها ترى كل شيء من حولها منطفئًا خاليًا من ألوان البهجة. تسأل نفسها إلى أية درجة يملك الإنسان من طاقة كي يتكرر يومه كل يوم بنفس النمط والشكل على مدار عشرين عامًا. لا تزال طالبةً بالجامعة ولكن صداقات والدها جعلتها لا تذهب إلى هناك كثيرًا وتحصل على التقدير الذي تبتغيه. يستند والدها على صداقات قوية رغم منعه إياها من تكوين أية صداقات باعتبارها دومًا ما تكون وهمية وضعيفة لن تستفيد منها شيئًا. رأت في ذلك نقيضًا غريبًا ولكنها لا تود احزانه كي لا يشعر بفقدان الأبناء بعد إصابة "عُمر" وغياب "شروق".
في هذه اللحظة تذكرت عمها "سليمان" ذلك الرجل الذي أحبها في صغرها وكان يحنو عليها ويأتي لها بالألعاب والحلوى حينما كانت تسحبها شروق إليه دون علم والديهما؛ سكون تعلم مدى حب شقيقتها للشيخ "سليمان" وأن شخصيتها لا تتفق مع والدها لأنها لا تنفذ ما يرغب لأنها لا تنصاع طالما لم تقتنع بالأسباب وشروق لم ترى من عمها إلا كل خير ورفق وعندما كبرت أصبح تعلقها به الضعفين وكانت عاقلة كفاية كي تميز بين الشخص السيء والجيد وأكثر ما ذبذب علاقتها بوالدها أن أخبرته بأمنيتها في التصالح مع عمها وأن يصبح مثله في يوم من الأيام.
توجهت بنظراتها إلى السائق ثم قالت بصوت مترددٍ:
- تعرف مزرعة الشيخ!!!
- ومين ميعرفهاش.
- وديني هناك.
قادها السائق حتى بوابة المزرعة وما أن وصل حتى سحبها من شرودها وهو يقول بثبات:
- وصلنا يا هانم!!
أومأت "سكون" دون أن تتكلم، نقدته حقه ثم ترجلت من السيارة على مضض. انطلق السائق فورًا بينما وقفت هي تتأمل بوابة المزرعة في حيرة لا تعلم ما الذي جاء بها إلى هنا بعد أن وعدت والدها أن تقطع جميع صلاتها بعمها وابنه ولكنها في النهاية تضعف أمام ذلك الرجل الذي لم تجد منه سوى كل الخير.
تقدمت نحو البوابة بخطوات مترددة حتى لمستها وقبل أن تطرقها للفت انتباه الحارس تراجعت فورًا فراحت تبتعد خطوات أكبر ثم هرولت مبتعدة عن المكان.
- أنا عايزك تهدى، في أيه مالك؟!!
أردف "غسان" بتلك الكلمات وهو يدفع الكرسي أمامه حتى اختار إحدى الطاولات. ذهب مع صديقه إليها ثم أبعد كرسيًا منها ووضع مقعد صديقه الذي كان مقابلًا لباب المطعم المتفق عليه. ضغط "عُمر" قبضتيه بقوة ثم أخرج زفيرًا حارًا وهو يقول بتوترٍ:
- يعني مش عارف مالي!!!
ابتسم له "غسان" بدعم ثم ربت على كتفه، فاستدار "عُمر" بناظريه إليه ثم أضاف بحماس:
- شكلي حلو؟!.. هعجبها!!!
- يا شقيق إنت تعجب أي حد، عايزك بس تثق في نفسك وما تتهزش.
أومأ "عُمر" متفهمًا. طال الانتظار لعدة دقائق طالت قليلًا إلى أن وجدها "عُمر" تدخل من باب المطعم وعيناها تبحث عنه بين الطاولات. خفق قلبه بعنف مميتٍ واستحال لون وجهه إلى حمرة القلق المسيطرة على كل ذرة به. استدار إلى صديقه ثم طلب منه أن يلوح لها ففعل غسان، وقفت "رويدا" تنظر لهما لبعض الوقت ثم تهللت أسارير وجهها وسارت نحوهما.
كان "عُمر" محدقًا في ملامحها الجميلة التي يحفظها عن ظهر قلبٍ ينتظر قربها منه مسترشدة بقلبها الذي يعرفه؛ إلا أنه تفاجأ بالعكس!!!!!!
اقتربت نحوهما ولكنها مدت يدها نحو صديقه ثم قالت بصوت هادئ:
- إزيك يا عُمر!!!!
حدق "غسان" فيها مصدومًا ثم نظر إلى صديقه الذي أشار له بنظرة من عينيه أن ينصاع مع توقعها. صافحها "غسان" على مضض فالتفتت نحو "عُمر" وهي تتفرس حالته بداية من جلوسه على مقعده المتحرك وحتى نظرة عينيه التي تتجنب النظر إليها. ابتسمت بهدوء ثم تحدثت وهي تعاود النظر إلى الأخير:
- أكيد الأستاذ صاحبك؟!!!
- أه أه صاحبي.
تظاهر "عُمر" بالابتسام ثم أشاح برأسه للجهة الأخرى وهو يبتلع غصة حارقة تمر عبر حلقومه. تجمعت الدموع في عينيه ولكنه حاول أن يبدو ثابتًا متماسكًا، يعترف داخل خبيئة نفسه بأنه أخطأ ولكنها لم تمنحه فرصة الشرح أو أن تقف أمامهما مذبذبة تبحث بينهما عن حبيبها حتى!! لم تتردد في اختيار الصحيح بدنيًا؟ ما الدليل الواضح الذي دفعها على اختيار واحد من بين اثنين واعتباره حبيبها؟ الإجابة لأن عقلها رفض التصديق أن يكون حبيبها قعيدًا أو معاقًا فاختارت ما تريده قبل أن تصدم بما لا تريد!!!
شعر بمدى ارتياحها بعد اعتقادها بتوقعها الصحيح وراحت تتحدث براحة مع صديقه. تنحنح "عُمر" بهدوء ثم قال وهو يدفع بنفسه عجلات كرسيه المتحرك:
- I have to go to the toilet, Have a nice time.
استدار بكرسيه على الفور وكانت هذه الثانية الأخيرة قبل اندلاع نيران قلبه المنكسر وانسكاب دموع أعينه الجحماء من شدة الألم.
- هو حضرتك مستقصدني؟؟؟
أردفت "مُهرة" بصوت ساخطٍ وأنفاس متأففة، أنزلت ماسك الوجه قليلًا ثم أضافت بصوت متغاظٍ:
- أنا لابسة الكمامة ومعملتش أي حوادث، ممكن أعرف أنا واقفة ليه؟!!
ابتسم لها الضابط بهدوء ثم استند بكوعه على هيكل سيارتها وراح يقول بصوت هادئ قبل أن يباغتها بغمزة من عينيه:
- لا ما في مخالفة سابقة ولا نسيتي!!!
التوى شدقها ثم ضربت المقود في انفعال قبل أن ترد بصوت جافٍ:
- بس دا مكانش كلامك المرة اللي فاتت لما شوفت أستاذ تليد؟؟؟
زوت ما بين عينيها ثم تابعت بتوجسٍ دون أن تسمح له بفرصة الرد:
- وبعدين إنتَ بتغمز لي؟! دي بقى اللي اسمها مخالفة وأنا بقى اللي هقدم فيك بلاغ.
- حقيقي!!!
- تاااااااني، خير يا باشا، دكتورتنا عملت أيه تاني؟!.
قطع حديث الضابط اقتراب "نوح" منهما. استدارت "مُهرة" نحو مصدر الصوت فوجدته "نوح". تنفست الصعداء من وجود شخص ينتشلها من جنون هذا الشرطي الغريب. تنشقت الهواء داخلها بصبر فوجدت "نوح" يضع كفه على كتف الضابط ثم يكرر مرة أخرى:
- ما قولتليش خير؟!!!.
تلعثم شرطي المرور قليلًا وقبل أن يتكلم ردت عليه بضيق شديدٍ:
- والله ما عملت له حاجة، دا بيغلس عليا.
- بيغلس عليكِ!!!!
في تلك اللحظة، اقترب "نوح" من الشرطي حتى تلاشت المسافة بينهما ثم مال برأسه قليلًا وهو يحدق داخل عيناي الأخير ثم يقول بصوت أجش غاضبٍ:
- لو ناسي شروط تأديتك لوظيفتك، افكرك بيها، بس مش رجولة تضايق بنت ولو حاولت تعترض طريقها تاني بسبب أو من غير سبب، هوديك ورا الشمس لأنك مش محترم!!!
تنحنحت "مُهرة" بتوترٍ ثم تدخلت وهي تقول بنبرة هادئة:
- حصل خير يا دكتوغ نوح، أكيد حضرتك الظابط فهم غلطه.
- أكيد عرف غلطه، ما هو اللي معندوش الحق ميقدرش يقول لأ!!! ولا أيه يا حظابط!!!.
ضغط "الشرطي" على أسنانه ثم استدار يلتفت إلى عمله والعرق يتصبب على جبينه من شدة الحرج وكذلك الغضب الذي داهم ملامح وجهه. استدار "نوح" إليها ثم أردف بغيظٍ:
- وإنتِ يلا اتنيلي على المزرعة وراكِ شغل!!!
- ح حح حاضغ.
جلس "تليد" على كرسيه داخل بساتين الفواكه يراقب حركة العمال ومراقبة كمية الإنتاج الصادرة هذا اليوم. كان يرتشف كوب الشاي الخاص به في هدوء وسكينة إلى أن جاء له أحد العمال بجريدة اليوم كالعادة.
فتحها باهتمامٍ ودون أن يبحث كثيرًا عن جديدها وجدها متصدرة الصفحات الأولى بخبر كان بمثابة القنبلة التي رجت داخله خوفًا عليها؛ فتمتم بنبرة خافتة:
-(تهديد رجل الأعمال حميد الديب للصحفية وَميض الجندي بعد تداولها أخبار مؤكدة عن عمليات تهريب جرعات مخدرة داخل علب الأدوية في شركته، كذلك وجهت الصحفية له اتهامًا صريحًا بالتعرض لها ورميها هي وسيارتها بالنيل؛ كما ذهبت زوجة حميد إلى الصحفية في المشفى وقامت بمساومتها على ضميرها المهني والأخلاقي في مقابل دراهم بخسة).
أغلق "تليد" الجريدة فورًا ثم التقط هاتفه مجريًا اتصالًا سريعًا بأحد الأشخاص الذي ما أن جاءه صوته حتى أردف تليد بصوت خشن:
- اسمعني كويس، هتراقب بيت الآنسة وميض الـ 24 ساعة وتكون حارس ليها بدون ما تحس في كل مكان تروحه ولو حسيت بأي خطر على حياتها تتصل بيا ومتفكرش ترمي نفسك في الخطر دا وتنقذها.. ولا هتعمل زي المرة اللي فاتت!!!!!
- ها يا بنتي، عملتي أيه في المقابلة وإتأخرتي ليه؟؟؟
أردفت "سُهير" بتلك الكلمات وهي تتحرك خلف ابنتها المندفعة في عصبية نحو غرفتها. توقفت "وَميض" في الحال ثم استدارت تقابل وجه والدتها وبصوت مخنوق قالت:
- متقبلتش يا أمي، وبعد إذنك ممكن توفري أسئلتك بعد ما أصحى لأني محتاجة أنام شوية!!!
زوت "سهير" ما بين عينيها في حيرة ولكنها أومأ منصاعة لما رأت وجه الأخيرة المنطفئ. استكملت "وَميض" سيرها حتى غرفتها التي وصدت بابها بانفعال خفيف. ظلت تصول وتجول في الغرفة ذهابًا وإيابًا تضع رأسها بين كفيها شاعرة بألم جامحٍ يفتك برأسها ويخلق أفكار متزاحمة ومميتة.
بدايةً من مقابلتها له مرورًا باتصال والدها الغاضب وحتى مديرها الذي يخاف طوال الوقت ولا يعرف سوى السير بجوار الحائط. نبشت غرة رأسها بطرف أناملها ثم تذكرت تلك السترة التي تدسها في السر أسفل مرتبة فراشها!!!
هرعت نحو الفراش ثم رفعت المرتبة وراحت تسحب السترة بقوة إلا أن تمكنت من جذبها بشكل كاملٍ؛ ولكنها في هذا الوقت سمعت صوت ارتطام شيء صغير بالأرض وصدر عنه صوت خفيف وبسيط!!!
ركعت على ركبتيها ثم نظرت أسفل الفراش الذي خفت به الضوء ولكنها أمدت ذراعها حينما رأت شيئًا ما يلمع هناك فأسرعت بسحبه بروية وحرص وراحت تنظر إلى الشيء بين يديها في ذعر وصدمة فلقت رأسها إلى نصفين مشتتين. حدقت فيها بعينين جاحظتين وهي لا تفهم شيئًا أو تحاول التفكير بصورة صحيحة ذلك الأمر الذي دفعها نحو دولابها وجذب الصندوق منه وفتحه باندفاع جارفٍ. ظلت تبحث بداخله عن مبتغاها إلى أن وجدت تلك الميدالية المطرزة وفي هذه اللحظة قرَّبت الميدالية التي وجدتها من الأخيرة فوجدت في قربهما ثمرة كاملة تنقسم إلى نصفين كل نصف كتب عليه حرف مختلف!!!!!!!!!!
رواية رحماء بينهم الفصل السابع 7 - بقلم علياء شعبان
تجمدت ملامحها المصدومة وهي تضع الثمرة الكاملة نُصب أعينها وترأرأ بعينيها بين النصفين في حالة ذهول من الشبه الغريب بينهما.
وكأنها ثمرة حقيقية قُطعت إلى نصفين لا يمكنك التفريق بينهما.
ابتلعت ريقها على مهل تحاول أن تعي ما يخالجها من مشاعر تائهة في تلك اللحظة، مشاعر مشوهة لا تصطف في صالح حالة معينة حتى.
شعرت برغبة ملحة في البكاء مع انطلاق صرخات مدوية تم قمعها داخلها قسرًا كي تجيد دور القوية الصامدة ببراعة.
وفي لحظة ضعف أصابتها فجأة صرخت صراخ هادر تقول:
- ماما!
أخذت تشهق بأنفاس ثائرة وفاضت دموعها على وِجنتيها بغزارة ثم صاحت مُجددًا بصوت مُتحشرجٍ مخنوق:
- يا أمي!
حادت ببصرها عن الميداليتين ثم أطرقت برأسها في اختناق وبصوت ضعيفٍ أكملت:
- أمي!
في هذه اللحظة، دفعت "سهير" الباب مُجددًا ثم صاحت بوجه مرتعب وهي تجد "وَميض" منغمسةً في بكاء يرتفع فيه ذلك الصوت الذي ينتحب في ارتجاف:
- في إيه يا بنتي!
رفعت "وَميض" بصرها نحو والدتها كذلك رفعت الميداليتين أمام عينيها دون أن تنبس ببنت شفةٍ.
حدقت "سهير" فيهما صدمةً وعجزت عن الكلام لدقيقة تقريبًا فوجدت الأخيرة تسأل بانفعال يهدأ مؤقتًا:
- دي نفس الميدالية بالظبط، بس اللي معايا عليها حرف الألف واللي لقيتها عليها حرف التاء!
زفرت باختناق وهي تنهض من مكانها ثم تقترب بهما من والدتها وتقول بصوت مُرتخٍ حزينٍ بعد أن أبعدت الدموع عن عينيها:
- مش إنتِ يا أمي اللي عاملة الميدالية دي؟
أومأت "سهير" على الفور وهي تتوجس من الجملة التي تلي هزة رأسها فتباغتها "وَميض" بصوت ثابت:
- يعني أكيد فاكرة عملتي زيها لمين تاني؟
سهير بصوت حانق ترد دون تفكير:
- محدش.
زوت "وَميض" ما بين عينيها ثم تابعت باستغراب:
- إزاي محدش، يا أمي دي معمولة بنفس الخرز والخيط ونفس الألوان بدون تفاوت! الله يخليكِ ليا افتكري!
أغمضت "سهير" عينيها ثم أطلقت زفيرًا مُتأففًا وهي تقول بعصبية حقيقية:
- أنا هفتكر حاجة حصلت من 20 سنة؟ وبعدين لقيتيها فين دي!
همَّت أن تسحبها من بين قبضتها ولكن الأخيرة أبعدت ذراعها فورًا ثم أردفت بصوت مخنوقٍ وهي تندفع نحو السترة ثم تلتقطها بانفعال:
- لقيتها في جيب الچاكيت دا، فاكراه؟
سهير تحيبها على مضض:
- اللي كُنتِ لبساه في المستشفى.
أومأت "وَميض" إيجابًا وهي تستدير نحو والدتها مرة أخرى.
تنهدت بهم قبل أن تتابع بصوت مخنوق:
- ودا مالوش أي معنى عندك؟ إني الاقي نفس الميدالية اللي معايا في جيب الچاكيت اللي صحيت لقيتني لبساه في المستشفى؟ واللي أنا مش فاهمه، أنا لسه عايشة إزاي؟
توترت "سهير" قليلًا وهي تقول بنبرة سريعة:
- عايشة علشان لسه باقي لك عمر يا بنتي، أيه الكلام دا؟
أخرجت "وَميض" زفيرًا طويلًا ومعه تنهيدة مُستسلمة وهي تلقي بجسدها على الفراش ثم تقول بحيرة وصوت خافت يهذي بتوجس:
- أنا كنت في نص البحر جوا عربية مقفولة، صحيت لقيت نفسي في المستشفى ولسه بتنفس ومعايا راجل بيقول إنه لقاني على الشط ودا معناه إن في شخص تاني هو اللي أنقذني وأنا تحت المية وهو نفسه اللي لبسني الچاكيت دا، وليه وأنا في نص البحر بنازع الموت أشوف شخص عمر ما جه في بالي إني أشوفه ولا كُنت بفكر فيه من قبلها علشان أتخيله!
قامت بوضع وجهها بين كفيها ثم أكمل بطاقة أوشكت على النفاد:
- أنا شوفته في المية، كان بيقرب مني وهو خايف، أنا مُتأكدة إني مكنتش بتخيله وإنه وقتها كان حقيقة ملموسة يا أمي!
أدركت "سهير" تمامًا عن ماهية المقصود من كلمات ابنتها؛ ولكنها حاولت أن تتظاهر بعدم معرفة فقالت بحنق يطفو على نبرة صوتها:
- تقصدي مين؟
نطقت اسمه وهي لا تزال مُنكسة الرأس محتارة:
- تليد، الميدالية عليها حرفه يا أمي ودا معناه إنه كان موجود فعلًا!
تحركت "سهير" نحو ابنتها ثم جلست بجوارها وهي تقول بصوت هاديء تصر على إقناعها بأوهام لا تقبل بها الأخيرة:
- يا بنتي اللي بتتكلمي عنه دا نموذج مشهور، خروجه بحساب وتصرفاته بحساب وبعدين لو هو كان قال، لأن اللي زي النوع دا بيحب يتظاهر بالتدين ويفرح أوي بلمة الناس حوليه وهم بيصقفوله، يعني لو كان هو كان زمان فيديو إنقاذه ليكِ مغرق مصر كلها لأنه مش هيفوت لحظة يقول فيها أنا مُنقذ الشعب وصاحب خير وكلام كتير أكبر مننا يا بنتي.
وَميض باستنكار ترد:
- ناقص تقولي إنه مُنجم كان عارف بالحادثة من قبل ما تحصل فجهز الكاميرات!
سهير وهي ترفع أحد حاجبيها ثم تقول بترقب وهي تنظر بقوة داخل أعين وَميض:
- بس العياط الهيستيري دا مش سببه مسألة الميدالية، أيه اللي مضايقك تاني، موضوع عثمان بيه!
استدارت على الفور نحو والدتها ثم أردفت بلهجة حانقة مرتفعة:
- أهو عثمان بيه بتاعكم دا هو سبب تدهور نفسيتي وإني بقيت بتحسس من أي موضوع تافه.
فتحت "سهير" شفتيها كي تتحدث إلا أن وَميض قطعت كلامها وهي تقول بثبات:
- وطبعًا الموضوع التافه مقصودش بيه خالص موضوع الميدالية لو كنتِ هتعلقي على الجزئية دي يعني، لحد إمتى يا أمي؟
زوت "سهير" ما بين عينيها تسأل في صمت لتتابع الأخيرة بأنفاس مثقلة بالكثير:
- لحد إمتى هنفضل نقول سمعًا وطاعةً؟ لحد إمتى هنفضل نتعاير بأفضالهم علينا ونبلع الإساءة ونسكت؟ ليه مش قادرين يفهموا إن محدش له أفضال على حد؟ زيّ ما قدموا لنا إحنا كمان إديناهم من صحتنا وحياتنا، يعني الموضوع كان تبادل منفعة وشُغل!
تساءلت "سهير" بوجه عابس:
- وإحنا لو سيبناهم هنروح فين وهنشتغل أيه؟
وَميض وهي تجيبها في حماسٍ وأملٍ من عدول والدتها عن البقاء داخل هذا القصر:
- هناخد شقة بالإيجار وأنا وبابا هنشتغل وإنتِ اتستتي شوية في بيتك بقى بدل المرمطة دي وإن شاء الله ربنا هيقف جنبنا ومش هنكون محتاجين حاجة!
سهير وهي تتنهد بحسم:
- الكلام سهل يا قلب أمك، المهم أنا هلحق أروح القصر وأعمل الغدا لأن زمان عثمان بيه على وصول.
ضغطت "وَميض" على أسنانها بغيظٍ مكتومٍ، انتظرت حتى غادرت والدتها الغرفة ثم تمتمت بصوت مُحتجٍ خافتٍ:
- تاني! ولا كأني كنت بكلمها في حاجة! صبرني يارب على كُل حاجة بتحصل معايا!
قطع حزنها الشديد وتقوقعها على نفسها صدوح هاتفها الذكي، التقطته على مضض فوجدته يتصل بها ويبدو أنه وصل إلى بيته توًا، تنشقت الهواء داخلها بصبر ثم أجابته بصوت هاديء:
- وصلت!
جاءها صوتهُ يقول بتأكيد:
- وصلت، بس جعان أوي وبفكر نروح أي مكان نتغدا سوى!
وَميض وهي تقبل عرضه على الفور لحاجتها إليه كي تفرغ ما في نفسها من غضب يشتعل ولا تتخلص منه:
- مفيش مشكلة، تحب نتغدا فين؟
- إحنا خارجين شوية، هتعوزي حاجة مننا؟
أردف "عِمران" بتلك الكلمات وهو يجلس على الكرسي المجاور لوالدته مُحدقًا النظر فيها بينما بقيت هي تنظر إلى الجهة الأخرى بوجه مقتضب دون أن تجيبه.
تنحنح بخشونة ثم قال بصوت هادئ:
- المفروض أنا اللي أزعل مش إنتِ ومع ذلك باجي لحد عندك وبقول لك متزعليش يا ستي!
قام بسحب ذراعها نحوه ثم قبل كفها بهدوء جعلها ترق له فاستدارت برأسها إليه ثم تساءلت بصوت جافٍ:
- رايح فين إنتَ والغندورة؟
ابتسم ابتسامة خفيفة ثم قال بثبات:
- شروق طلبت مني نروح للدكتور نتطمن على نفسنا ونعرف سبب التأخير علشان نفسها تشوفك تيتا فرحانة بعيالنا.
زمت "تماضر" شفتيها باستنكار ثم صاحت بصوت حادٍ:
- وتروح إنت تكشف ليه؟ إحنا رجالتنا صاغ سليم، وإنتَ إزاي تطاوعها في الكلام الخايب دا؟
تنهد بصبر ثم أكمل:
- ولا خايب ولا حاجة، إحنا بنتطمن على نفسنا مش أكتر وإن شاء الله لا هيكون في مشكلة عندي ولا عندها.
تنحنح بخشونة قبل أن يقبل كفها مرة أخرى ثم يقول مُترجيًا:
- أنا بس ليا عندك طلب بسيط!
رمقتهُ بنظرة ثابتة فتابع بصوت هادئ راسخٍ:
- عاملي شروق أحسن من كدا يا أمي، هي بتحبك وكفاية إنها حبيبتي أنا ومريحاني، دا سبب كافي يخليكِ تحبيها!
بسر وجهها بانفعال مكتومٍ فأشاحت بوجهها بعيدًا عنه ثم أردفت بلهجة حازمة:
- ماحبش بنات البندر ولا عاداتهم وبعدين لسه مش عارف هي مخلفتش ليه لحد دلوقتي؟
انبسطت عقدة حاجبيه وهو يسأل مُترقبًا:
- لأ، ليه؟
تماضر بصوت جافٍ تقول:
- لأني مكنتش راضية من الأول على الجوازة دي؟
عُمران وهو يبتسم ابتسامة عريضة ثم يقول:
- ودا علميًا موجود في أنهي كتاب؟
تماضر بملامح مُكفهرة ونبرة حانقة:
- كتاب الله، اللي بيقول لك ما تعملش أي حاجة بغير رضا أمك وإلا مش هيبارك لك فيها.
نزل "عِمران" بعينيه إلى كف والدته وراح يربت عليه برفق وهو يعي تمامًا ما يواجهه وما سوف يواجه من صعوبة لترويض والدته على حب زوجته البريئة التي لم ترتكب خطأ يُذكر كي تتلقى كُل هذا الكره دون داعٍ.
قرر أن يحتفظ بصمته ولم يُعلق على ما قالتهُ بل التفت برأسه نحو الدرج يتفقد صوت نعل حذائها الذي يرتطم بدرجات السلم في عزف جميل!
التف الثلاثة حول مائدة الطعام الطويلة بعد أن تغيب فرد عنها، بدأ العاملون في إعداد المائدة بشكلٍ مُنمقٍ بعد أن حوت على كُل ما لذ وطاب من طعام تنفتح بفضله شهية أي إنسان إلا أن الجالسين أمامه لم يروه مُطلقًا حتى رائحته الشهية لم تعد تثير لعابهم أو تُحرك فيهم ساكنًا؛ لم يكن الأمر يتعلق بعيشتهم الرغدة ولكن الأجواء من حولهم قد أطفئت كُل مصادر البهجة في المكان وبات كُل شيء من حولهم باهتًا مسخًا.
بدأوا في تناول وجبة الغداء في حالة من الصمت الممل إلى أن تكلمت "سكون" بصوت هاديء:
- بابا، إنت عارف إني بحتاج أخرج بعد الشغل وأفك عن نفسي شوية وبصراحة أنا فقدت الأمل في عربيتي اللي كل يوم والتاني في التصليح فأنا كنت عايزة عربية جديدة بسواق!
ابتسم "عثمان" بهدوء وهو يلوك الطعام في فمه بتريث وما أن ابتلعه حتى نظر إليها ثم قال بصوت هادئ:
- اعتبريه حصل يا روح قبل بابا، يمكن سبقتيني بالطلب دا رغم إنه كان في بالي بس مستني ألاقي سواق ثقة، أكون واثق فيه ومطمن وإنتِ معاه.
أومأت "سكون" برأسها في تفهم، التفتت في حزن كبير حيث مقعد شقيقها الذي يمتنع عن الطعام منذ عودته من الخارج ويرفض قطعيًا التحدث إلى أحدٍ حتى هي مخبأ أسراره الوحيدة، تنهدت تنهيدة ممدودة بعُمقٍ قبل أن تسحب طبقًا فارغًا ثم تبدأ ملئه بكُل أنواع الطعام المُتراصة على المائدة تم تنهض في مكانها تتابع بحسم:
- هحاول معاه تاني!
رفعت "نبيلة" كتفيها ثم أنزلتها باستسلام، افتر ثغر "سكون" عن ابتسامة باهتة ثم تحركت من مكانها صوب الدرج ومنه إلى غرفة شقيقها المتكور في زاوية ما على فراشه، طرقت الباب بهدوء تترقب السماح منه فجاءها صوته المتهدج يصيح حانقًا:
- قولت عايز أكون لوحدي؟
أسندت جبهتها على هيكل الباب ثم أردفت بصوت مخنوقٍ يوشك على البكاء:
- علشان خاطري يا عُمر!
صمت لوقت طويلٍ ففهمت تراجعه عن البقاء وحده، فوحدها من تقرأ صمته وتفهمه بوضوحٍ، فتحت الباب بهدوءٍ فوجدته ينظر إليها بعينين حمراوين من كثرة البكاء، شهقت "سكون" في ذعر وهي تهرع إليه ثم تقول متوجسةً:
- مالك يا عُمر؟ فيك أيه؟
سقطت عَبرة مُلتهبة من عينيه وهو يقول باختناق:
- فيا وجع متتخيليهوش!
ارتجف قلبها خوفًا عليه، ألقت بنفسها تجلس مجاورة له في الفراش بعد أن وضعت الطبق على الطاولة، قامت بملامسة خده الساخن وراحت تقول بوجل شديدٍ:
- سلامتك من الوجع، من إمتى بتخبي عني يا عُمر؟
أطرق برأسه في خيبة أملٍ كانت بمثابة قطرات الماء المنسكبة على عشقه المُتقد فأخمدته، ابتلع غِصَّة مريرة في حلقه ثم قال بصوت أجش ثائر:
- حاسس بالضعف والكسرة؛ العجز بقى معيار صريح للقبح!
أومأت برأسها سلبًا على الفور وهي تقترب منه ثم تُقبل جبينه بعينين دامعتين فتقول بثبات:
- عمُر، اللي إنت فيه دلوقتي اختبار من ربنا وهيعدي!
في تلك اللحظة، لم يتحمل ارتدائه لوشاح الصمود أكثر من ذلك فأجهش بالبكاء وهو يصيح بألم جارفٍ:
- بس أنا حبيتها أوي وعجزي وقف حاجز بيني وبينها، أنا غلطت بس هي إزاي قدرت تعمل فيا كدا؟
حدق في عين شقيقته ثم أكمل بصوت متهدج غاضبٍ:
- إزاي قدرت تقرر وتختار من بينا؟ عرفت منين إن الشخص اللي حبها هو السليم جسديًا؟ أيه مُبررها يا سكون؟ إن العاجز اللي كان قاعد قدامها عاجز عن الحركة والمشاعر مثلًا!
قام بحك جبينه ثم أردف بنبرة متوترة تغوص في حيرة تتعمق كلما فكر في ذلك الموقف:
- كان نفسي بس تقف قدامنا وتسأل، مين فيكم عُمر! أو حتى قلبها يدلها على الشخص اللي حبته ما هو أكيد كانت هتحس، بس خوفها خلاها تجري على أول مخرج قبل ما تتصدم!
صمت لبرهة قبل أن يضيف بعجز مهين يحيط به:
- أعمل أيه؟ دليني على الطريق!
سقطت دمعة ساخنة من عينها فأسرعت بضمه إلى صدرها وراحت تقول بصوت مخنوقٍ:
- أكيد هدلك.
جمع العاملون الطعام عن المائدة، فيما انشغل "عثمان" بقراءة الجريدة التي تفاجأ فيها بخبر جديدٍ بقلم هذه الفتاة المُتمردة مرة أخرى، قطب ما بين حاجبيه في غيظ كامنٍ، أغلق الجريدة على الفور وراح يرميها على المائدة بنفاد صبرٍ مُتأففًا من عدم تراجعها وتماديها في اللعب مع الكبار، زمت "نبيلة" شفتيها ثم سألته بترقب:
- مالك يا عثمان؟
أشار بأصابعه نحو الجريدة ثم أردف بصوت أجش حاد:
- الأستاذة وَميض مش ناوية تبطل لعب عيال، أنا مش فاهم البنت دي اتجننت ولا أيه؟
تنهدت "نبيلة" تنهيدة سريعة ثم أردفت بلهجة حازمة:
- وإحنا مالنا يا عثمان، خليها تتحمل نتيجة طيشها.
ضرب "عثمان" كفًا بالآخر ثم أجابها مُتذمرًا:
- إنتِ عارفة بتساوي راسها براس مين؟ دا حميد الديب يا نبيلة، وصابر عليها لأن أهلها شغالين عندي وإلا كان زمانها نايمة في قبرها من زمان.
نبيلة وهي تضيف بتأففٍ:
- والحل أيه معاها؟ هنفضل شاغلين نفسنا بيها وبمشاكلها، أنا من رأيّ لازم [علام] يسمع الكلام دا على الأقل يخاف عليها ويلمها شوية!
أومأ "عثمان" مُقتنعًا بحديثها، فصاح بصوت جهوري جعل الأخير يحضر أمامه في الحال، عبس وجه "عثمان" وهو ينظر إلى الأخير ثم يقول بلهجة صارمة:
- سبق وحذرتك إن بنتك تغلط تاني يا علام ومع ذلك الغلط اتكرر!
قطب "علام" بجهل حول ما يتفوه به، فرفع "عثمان" الجريدة أمام عينيه ثم قال بصوت رخيم:
- بنتك من 3 ساعات بس منزلة خبر بتدين فيه حميد باشا وزوجته، أنا كُل دا ميهمنيش، يفرقلي حاجة واحدة بس إنك واحد من رجالتي ولازم أحذرك، حميد خطر قريب أوي من بنتك قاب قوسين أو أدنى من قتلها واللي كان موقفه عن أذيتها "أنا"، بس بعد الخبر دا مظنش إنه هيعمل حساب لشراكتنا!
ابتلع "علام" ريقه بخوف عظيم، فرك كفيه سوية ثم قال بنبرة متلعثمة:
- علشان خاطري يا عثمان بيه كلمه، كلمه وأنا أوعدك همنعها تروح الشغل دا تاني!
أومأ "علام" إيماءة خفيفة ثم قال بصوت حاسمٍ:
- ربي بنتك يا علام!
- أه، وإنت بقى مش ناوي تتجوز وتنسى حب العيال بتاعك دا، يابني إنتَ عندك 33 سنة!
أردف "نوح" بتلك الكلمات وهو يجلس مُقرفصًا وسط الخضرة ويضع أمامه قفصًا يمتلىء بالبرتقال وفمه لا يكف عن تناوله، تنهد "تليد" بعُمقٍ قبل أن يرد بصوت هادئ يمزح من خلاله:
- ما تتجوز إنتَ يا عم وتريحنا من صداعك، قال إنتَ اللي عندك 23 سنة ونُغة!
التوى شدق "نوح" وهو يضع قطعة البرتقال في فمه ثم يمضغها بغيظ جعل الأخير يردف بملامح مُكفهرة:
- متعملش صوت وإنتَ بتاكل وبعدين كلت قفص البرتقان كله، الحاجات دي متباعة يا طفس!
نوح بصوت متفاخر يرد:
- ياعم هديك تمنهم متاكلش دماغي! بس متقولش لعمي سليمان!
ابتسم "تليد" ابتسامة خفيفة وهو يبتعد عنه ثم يكبش بكفيه من المحصول الذي جُمع على جنب لتوزيعه على العاملين بالمكان وراح يضعه داخل القفص مرة أخرى قائلًا بثبات:
- دول نصيبي وتقديريًا كدا أد اللي أكلتهم.
رفع "نوح" أحد حاجبيه ثم قال بمرح وهو يمد يده نحو القفص مرة أخرى:
- لا يا عم، أنا كلت خمسة، إنت حطيت سبعة! بلاش الضمير الأوڤر دوس دا!
تليد وهو يقبض على ساعده ثم يضيف كازًا على أسنانه:
- قسمًا بالله لو مديت إيدك تاني لأكون قايل لأبويا وأخليه يقيم عليك الحد يا حرامي البرتقان.
تدبر ملامح حزينة ثم أطرق برأسه قائلًا بصوت عالٍ:
- مين دا اللي كاره لقمتك وبيشتهي موتك، مين دا اللي صوته بيهددك وباصص لك في فودك!
تليد وهو يتساءل بنبرة متشككة:
- فودك دي اللي هو food!
نوح وهو يقهقه عاليًا:
- أه يا خويا، لقمة البرتقان، المَم!
ظهرت على شفتي الأخير ضحكة عريضة لم يصدر لها صوتًا، أسرع بنقل القفص من أمامه ثم غطاهُ بسرعة قبل أن يجلس على كرسيه مرة أخرى.
ولكنه لاحظ تصلب نظرات صديقه عليه بصورة مُحيرة فأردف يسأله ببرود:
- بتبص لي كدا ليه؟
- يا راميني في حتة ناشفة وقاعد إنتَ على الطري، ما تاخدني جنبك سيكا وتحن يا مفتري!
نزل "تليد" بعينيه إلى الكرسي المبطن الذي يجلس عليه وراح ينظر لصديقه مرة أخرى وما أن تلاقت أعينهما حتى انفجرا ضحكًا فقال "تليد" من بين ضحكته:
- ما تيجي تقعد يابني حد قال لك تتربع على الأرض ولا كأنك في سوق التلات!
ابتسم "نوح" له مُمتنًا وراح يستند على ساعديه كي ينهض عن الأرض ولكنه شعر بثقل في جسده فقال بصوت هادئ:
- أنا جالي تُخمة ولا أيه؟ إيدك معانا يا شيخ!
أمد "تليد" يد المُساعدة له فاستطاع الوقوف ثم قام بالجلوس بجوار الأخير وهو يقول بصوت منسجم مرتاح:
- الله، أخيرًا قعدت على حتة طرية!
- يا أوساااااذ نوح، يا أوسااااااذ نوووووح، الحقنا يا أوسااااااذ.
وصل صوت ندائه إلى آخر نقطة في قنواته السمعية، وقبل أن يلتفت إلى مصدر الصوت وجده يصيح مرة أخرى ولكن هذه المرة بالفعل بجوار أذنه مُباشرة ولا يفصل بينهما سنتيمترًا واحدًا:
- يا أوسااااااذ نوووووح، الحقنا!
انتفض جسده بفزع وارتبكت أطرافه فسقط من فوق الكرسي فورًا ثم رفع بصره إلى هذا الواقف أمامه وراح يقول بصوت خافتٍ مغتاظٍ:
- عيون أوسااااااااذ نوح وقلبه! ... خير!
كتم "تليد" ضحكته وهو يستمع إلى الطفل الصغير يقول بنبرة منفعلة من شدة القلق:
- دَكتورة مُهرة عايزاك ضروري!
تنشق الهواء داخله وهو ينهض واقفًا في مكانه ينفض الغبار عن ملابسه ثم يقول بحزم:
- خلاص روح إنتَ يا حِسام وأنا جاي، وللمرة الخشرومية أبقى نادي عليا من بعيد ومرة واحدة، أبوس حنجرتك الجميلة دي!
حُسام وهو يومىء مُنصاعًا ثم يبتعد على الفور، ظهرت ابتسامة هادئة على ثغر "تليد"، ضيق "نوح" عينيه ثم قال متذمرًا:
- ربنا يصبرني عليك إنتَ وحِسام بكسر الحاء ومُهغة اللادغة وظرظور الكلب اللي حطينه على بوابة المزرعة علشان تقطعوا خلفي بيه دا!
تسطحت على السرير القابع داخل غرفة الطبيب تحديدًا خلف الستار الذي يجعل للمريضة بعضًا من الخصوصية، دخلت الممرضة معها وهي تربت على كفها بهدوءٍ وتقابل وجهها الهلع بابتسامة عذبة، وضعت كفيها على صدرها متوجسةً خيفةً ترهب الموقف الذي تمر به، طلبت منها المُمرضة أن تباعد بين ساقيها قليلًا لوضع الجهاز ففعلت وهي مستترة أسفل الملاءة بشكل كاملٍ، قامت الأخيرة بوضع الجهاز برفق وهدوءٍ بعد أن علمت بحضورها إلى الطبيب للمرة الأولى في حياتها!
أغمضت عينيها برهبة ولكن الموقف مر ببساطة لم تتوقعها، ابتسمت لها المُمرضة بعد أن انتهت ثم أردفت قبل أن تخرج من خلف الستار وتتركها وحدها:
- ربنا يرزقك الذرية الصالحة يا حبيبتي.
كان زوجها يتحدث مع الطبيب على انفراد وبقيت هي متسطحة في خوف رهيبٍ؛ فأخذها فضولها إلى اختلاس النظر إلى شاشة الجهاز ورؤية ما يظهر عليه!
تنهدت تنهيدة طويلة يشوبها ذرة أمل لا ينضب داخلها في كُل المواقف التي تمر بها، رفعت بصرها إلى الشاشة فوجدتها مُظلمة إلا قليلًا!
كانت تنظر إلى هذه المنطقة بشوقٍ جارفٍ وتتمنى من الله أن يزرع فيها من رحمته ما اشتاقت وأن ترى صورة جنينها ينام مُستقرًا داخل أحشائها، ابتسمت ببعض من الحُزن وهي تصف الصورة الموجودة أمام عينيها؛ لقد كانت مُظلمة تمامًا كظُلمة يوم مُغيم لم تطلع فيه الشمس وموحشةً كليلٍ ساكنًا في فصل الصيف لم تزره نسمة هواء تُحرك الحياة فيه والفراغ في الصورة يعكس تلك المشاعر المُضطربة في حزن واشتياق!
نزلت من سيارة الأُجرة بوجه مُكفهر وملامح منفعلة حادة، نظرت يُمنة ويُسرى شاعرة بالغيظ الجامح الذي يسيطر على جل تفكيرها، ظلت تترقب المكان لبعض الوقت قبل أن تتقدم من بوابة المزرعة باندفاع لا رجعة فيه!
طرقت الباب بعُنف، طرقات لا تهدأ أو تخف فقال الحارس بصوت ممتعض من خلفها:
- ما تهدأ يلي بتخبط!
فتح البوابة على الفور ليجد سيدة عابسة ترمقهُ شزرًا وهي تقول بشدق ملتوٍ:
- تليد بيه موجود؟
الحارس يجيبها بتوجسٍ:
- أقول له مين؟
هي بصوت ثابت ورأس مرفوع في عجرفة:
- قول له في ست عايزاك ضروري، في مسألة حياة أو موت!
أومأ الحارس ثم أمرها أن تبقى في مكانها، بلغ "تليد" الرسالة فجاء معه في الحال خاصةً بعد أن أكد عليه بأنها مسألة حياة أو موت، سار حتى البوابة وما أن تجاوز عتبتها للخارج حتى وقعت عيناه عليها، كانت هذه اللمحة كفيلة بأن تذكره بكُل اللحظات المؤذية التي مر بها وكانت سببًا فيها، استحالت ملامحه إلى أخرى باردة لا تقرأ من خلالها شيئًا، استدار نحوها ثم قال بصوت أجشٍ:
- خير يا مدام!
وقفت أمامه تُجابهه بنظرات حادة وبصوت منفعل قالت:
- مش خير خالص، طول ما إنت بتحوم حولين بنتي فمش هيبقى خير أبدًا.
تنهد "تليد" بثبات قبل أن يباغتها بابتسامة لا تقل برودًا عن شخصيته الرزينة الثابتة، تكلم في هذه اللحظة بلهجة هادئة كيلا يقع عليه إثم التبجح في سيدة كبيرة:
- مين قال لك إني بحوم حولين أُترُج!
تشنجت ملامحها وهي تصيح فيه بسخطٍ:
- بنتي اسمها وَميض، أما الاسم اللي إنتَ بتقول له دا فاترمى في الزبالة من زمن.
أومأ إيماءة خفيفة ثم قال بتريث:
- أيوة فاكر يوم ما قررتي تغيري اسمها ومحترمتيش الوعد المقطوع على جوزك!
سهير بابتسامة سمجة:
- الاسم اتغير بإرادتي وبإرادتها ومن اليوم اللي دخلت فيه بيتنا مبقاش لك حاجة عندها!
تليد بصوت خشن:
- ليا كتير أوي، ليا فيها أكتر منكم، وعلى العموم أنا لا ماشي وراها ولا في بيني وبينها أي حاجة.
سهير بصوت محتج غاضب:
- وتفسر بأيه الميدالية اللي بنتي لقيتها عندنا في البيت؟ وبعدين هو إنتَ اللي أنقذت بنتي من الغرق؟
زوى ما بين عينيه دهشةً لم يرد إظهارها حول الجزء الأول من حديثها، هل نسى الميدالية في جيب السترة التي ألبسها لها يوم الحادثة؟
كتم اضطرابه داخله ولكنه علق بصوت أجش على الجزء الأخير من حديثها فقال:
- أنقذتها للمرة التانية.
رفعت "سهير" أحد حاجبيها ثم عقدت ذراعيها أمام صدرها وهي تقول بغيظ:
- يعني الچاكيت اللي في البيت دا بتاعك؟
تليد يبتسم لها ابتسامة سمجة ثم يسألها ببرود:
- أه، هتروحي تقولي لها!
باغتتهُ بنظرة شزراء ثم أشاحت بوجهها بعيدًا عنه إلا أنه أضاف بلهجة حازمة لا تقبل الاستخفاف بفحواها:
- أنا معنديش مشكلة ولا واحد في المية إني أروح أقول لها إن دول مش أهلك وإنك الحاجة الوحيدة اللي إتمنيتها من ربنا بس مكنش ليا فيها نصيب.
سكت لبُرهة ثم أضاف بهدوءٍ:
- أنا خايف تسألني وقتها، أمال فين أهلي الحقيقيين، هرد عليها بأيه؟ أقول لها إنك كُنتِ بتغرقي بمنتهى الاستسلام لأنك ببساطة كُنتِ بعمر سنتين! طفلة مبتعرفش تعافر علشان تنجو بحياتها ولا أقول لها إنك اترميتِ في القناة غدر! على إيد ست مش عارفة هل هي أمك ولا سرقاكِ!
تليد وهو يشرد بعيدًا ثم يقول بلهجة خافتة:
- بس مش عارف ليه كنت حاسسها أمها، كانت بتعيط وهي بترتكب ذنب في حق النفس البشرية، انتهجت المثل اللي بيقول ضربني وبكى وسبقني واشتكى!
افتر ثغره عن ابتسامة ساخرة ما لبثت أن اختفت في غضون ثواني وهو يقول بصوت رخيم جاد:
- أنا مش محتاج أجري وراها علشان تحس بكُل حاجة ليها جوايا، شوقها وإحساسها هيجيبوها لحد عندي، حاجة تاني يا مدام؟
رمقتهُ بنظرة عدائية قبل أن تنصرف من أمامه، ظل يراقبها واقفًا في مكانه وما أن سارت خطوتين حتى صرخت وهي تتحدث إلى الهاتف:
- بنتي! ... وَميض، ردي عليا يا بنتي!
قطب ما بين حاجبيه يستمع جيدًا إلى الكلمات التي تقولها أثناء حديثها عبر الهاتف وما أن التقطها بشكل كاملٍ حتى هرول إليها متوجسًا خيفةً، ابتلعت "سهير" ريقها بصعوبة بالغة ثم أخرجت الكلمات من حلقها بالكاد:
- بنتي! ... فين ناس هجموا عليها وعايزين يقتلوها!
استحال لون وجهه إلى حُمرة الغضب وهو يأمرها بأن تسير معه إلى سيارته، فبيتها لم يكن يبعد عن المزرعة كثيرًا، دخل سيارته وهو يأمر الأخيرة بصوت جهوري أن تركب ففعلت وهي تجد أن هذه الطريقة هي الحل الوحيد لإنقاذ ابنتها، قاد السيارة مُنطلقًا بها بسرعة رهيبة!
ظلت تصرخ بصوت مبحوحٍ عالٍ وهي تقف خلف الباب وتسند جسدها عليه بعد أن جمعت الكثير من محتويات المنزل ووضعتهم خلف الباب أيضًا.
تعرف تمامًا من هم ولكن ما أثار جنونها هو تعرضهم لها في وضح النهار ودون خوف من رؤية الناس لهم، فقد كانت على أهبة الاستعداد للخروج حينما جاءها اتصالًا من والدها يخبرها فيه بضرورة البقاء في المنزل حتى يأتي ويتحدث معها في أمرٍ هامٍ وما أن طُرق الباب حتى ظنته والدها ففتحته لتجد رجلين يحاولان الإطاحة بها أيضًا والانقضاض عليها وفي هذه اللحظة أسرعت بإغلاق الباب مرة أخرى وهي لا تفهم من أين أتتها هذه القوة وتمكنت من غلق الباب مرة ثانية قبل أن يتسللان للداخل، وأول شيء فكرته به هو مُحادثة والدتها فورًا بعد أن امتنع والدها عن الرد لانشغاله.
في تلك اللحظة، أجهشت بالبكاء وهي تدعو الله أن يحفظها ويرسل لها طوق نجاة ينتشلها من بين براثن ظلمهم، ظلا يدفعان الباب بقوة مُستخدمين بنيان كليهما الصلب في مقابل جسدها الصغير وبعض المحتويات الخشبية، أخذت أنفاسها تتلاحق تباعًا وقلبها يخفق بقوة بينما هي تصرخ عاليًا في حالة من الذعر والخوف كلما اشتد دفعهما للباب الذي أوشك على الانهيار!
في تلك اللحظة، وجدتهما قد توقفا عن دفع الباب فبدأت أنفاسها تتلاحق ببطء وهي تحاول معرفة ما يحدث بصورة متوجسة، هل تراجعا أم أنها مكيدة وخُدعة لاصطيادها وسرعان ما ابتعدت قليًا ثم همَّت أن تنظر من خلف الزجاج الذي تهشم بقوة الدفع إلا أنها وجدت دفعة قوية منهما جعلت الباب ينفتح فجأة، صرخت بانهيار وهي تتراجع بأقدام ثقيلة للخلف حينما رأت أحدهما يزيح المحتويات جانبًا ساعيًا إلى الامساك والفتك بها إلا إنها وجدت قبضة ضخمة تجذبه بعُنف من الخلف ثم تسحبه للخارج مرة أخرى!
رواية رحماء بينهم الفصل الثامن 8 - بقلم علياء شعبان
بجسدٍ مُرتجفٍ تحدق في الفراغ وهي تستقر بين ذراعي والدتها، كانت تهيم في عالمٍ آخر يكثر فيه تساؤلاتها ودموعها لا تنضب للحظةٍ أبدًا.
تحولت بنظراتها إلى الرجل الذي أردف بصوتٍ ثابت:
- إن شاء تكوني بخير يا آنسة، بعد إذنكم!
كانت تراقب حركته في سكونٍ وتيهٍ يتملك من جميع حواسها، فهي لا تسمع ما يقول أو تُدرك شيئًا في هذه اللحظة، حتى أنها لم تهتم بسؤاله عن سبب مجيئه إلى باب بيتهم. هل سمع صوت صراخها بالخارج أم جاء صدفةً من أجل شيءٍ آخر؟
أومأت "سهير" له ثم تابعت بامتنان:
- شكرًا يا ابني، ربنا يسترها معاك ويبارك لك.
أردفت تدعو له وهي تصحبه إلى باب الشقة، وما أن غادر حتى تحركت بخطواتٍ مُتأدة نحو النافذة ثم نظرت منها خِلسةً تتفقد بقاءه أمام بوابة المنزل أو ذهابه. لقد جاء بها إلى المنزل ولكنه تلقى اتصالًا جعله يقرر البقاء داخل سيارته ولم يصعد للأعلى معها كما كان ينوي.
زوت ما بين عينيها في شكٍ جعلها تنتظر رؤية خروج الرجل الذي أنقذ ابنتها من البوابة، والذي برر أنه سمع صوتها تصرخ أثناء مروره من أمام المنزل فدخل في الحال دون تفكير. لم تقتنع بهذه القصة بشكلٍ كاملٍ، الأمر الذي دفعها إلى اختلاس النظرات من خلف زجاج النافذة التي تطل على الشارع لترى ما توقعته تمامًا.
تحرك الرجل بسرعةٍ رهيبة حتى وصل إلى سيارة "تليد" ثم ركبها، لينطلق الأخير على الفور قبل رؤية أحدٍ لهما. افتر ثغرها عن ابتسامةٍ ماكرة وهي تُدرك بمعنىً واضح أن ذلك الرجل وضع خلفها حارسًا لمراقبتها وحمايتها.
تنهدت بعُمقٍ قبل أن تلتفت مرةً أخرى إلى ابنتها التي ترجف في انهيارٍ كبيرٍ.
صاح "تليد" عاليًا بصوتٍ جهوري يفيض منه السخط والغضب من تقاعس الأخير عن حمايتها للمرة الثانية. ضرب مقود السيارة بنفاد صبرٍ أثناء رؤيته لوجه الأخير عبر المرآة الأمامية التي تقبع في منتصف السيارة.
ابتلع الأخير ريقه على مهلٍ ثم قال بوجلٍ:
- والله العظيم أنا مركز معاها في كُل ثانية وخطوة ومش بفارقها، أنا يادوب كُنت بجيب غدا من السوبر ماركت اللي على أول الشارع.
كور "تليد" قبضة يده كاظمًا غيظه ثم هتف بلهجةٍ حادة وهو يلتفت له تارةً وأخرى إلى الطريق:
- وساعة عربيتها ما وقعت في الماية بردو كُنت بتجيب غدا؟
نكس "الرجل" رأسه في احراجٍ وخزيٍ شاعرًا بأحقية الأخير في الانفجار غضبًا منه. أقسم له أنه في كل مرةٍ تسير الأمور في غمضة عينٍ منه ولم يتوانَ، فتفهم "تليد" مبرراته وصدق عليها. إلا أنه أردف بصوتٍ هادئ بعد أن هدأت نفسه قليلًا:
- لو مكنتش وصلت في الوقت المناسب، أنا كنت خلاص ناوي أظهر في الصورة وإنت عارف كويس وقايل لك من البداية إني مسؤول عن البنت مسؤولية كاملة وإنها تخصني بس مش عايزها تعرف بأي حاجة.
قال الرجل بصوتٍ متوترٍ نادمٍ:
- حقك عليا يا أستاذ تليد وأوعدك إني مش هقصر تاني. أقول لك، مش هاكل، هموت من الجوع.
تدبر "تليد" ابتسامةً خفيفة ثم قال مُستنكرًا:
- مش للدرجة دي، ركز شوية من فضلك.
أومأ الرجل بطاعةٍ ولكنه بدأ يُتأتيء للحظاتٍ وهو يمعن النظر إلى الأخير الذي هز رأسه يقول بحسم:
- اسأل على اللي إنتَ عايزه.
تنهد الرجل بتوترٍ، ولكنه قال بصوتٍ هادئٍ فضولي:
- لحد إمتى؟ يعني هفضل حارس شخصي للأستاذة لحد إمتى؟
قال تليد وهو يبتسم بهدوءٍ ثم يقول بلهجةٍ حازمة:
- لحد ما أكون أنا قادر أحميها من غير حارس شخصي سري.
أومأ الرجل مُتفهمًا ما يرمي إليه الأخير وقرر أن يلتزم الصمت حتى ينزل من السيارة.
على الجانب الآخر.
- يعني أيه الكلام دا؟ عايز تحبسني يا بابا؟
صاحت بصوتٍ مصدومٍ وهي تحدق فيه دهشةً. استدار "علام" إليها بعدما كان يعطيها ظهره ثم قال بصوتٍ أجش صارمٍ:
- أيوة هحبسك أمال هستنى لمَّا يجيني خبر م مم موتك.
اغرورقت الدموع في عينيه وتلعثم أثناء اعترافه بما يهدد استقرار قلبه الآمن الذي ينقبض ويخفق خوفًا عليها، ربما لا تحمل دمه ولكنها تستقر بين ثنايا روحه المعلقة بها منذ أن صار مسؤولًا عنها. أجهشت "وَميض" بالبكاء ثم صاحت بصوتٍ مخنوق:
- بس أنا كدا بثبت لهم إني خوفت وإني كُنت غلط. وأنا صح يا بابا؟ إنتَ ليه عايزني أمشي جنب الحيطة، الناس دي مؤذية ولو كل واحد فينا داق أذاهم وسِكت يبقى بنسمح لهم يلوثوا كل حاجة حولينا.
اشتدت عروق عنقه وبرزت بوضوحٍ وهو يصرخ فيها بصوتٍ جهوري:
- بس أنا إحنا مش قدهم.. لا قوة ولا مال ولا جاه.. إحنا مالناش غير ستر ربنا معانا.
قالت وميض بصوتٍ ساخطٍ من استسلامه:
- ودا مش كفاية علشان نقف في وش الظلم.
تأفف "علام" باختناقٍ فأطرق برأسه أرضًا، عقد أصابعه سويةً وهو يضغط عليهم مُحاولًا التحكم في انفعالاته التي تأججت أثناء دفاعه عن رأيه الذي يراه من كافة الجوانب صائبًا.
- مينفعش أقدم في مسابقة رسم وأنا عمري ما كان عندي مقاومات الموهبة دي يا بنتي، لأن العواقب وقتها مش هتبسطك خالص.
ضغطت على أسنانها باختناقٍ ثم تساءلت متوجسةً:
- آخر كلامك دا أيه يا بابا؟
استقام "علام" في جلسته ثم قصد التحديق في عينيها مردفًا بحسمٍ وقرارٍ لا رجعة فيه أو نقاش:
- مش هقول لك ممنوع الشغل نهائي، ولكن ممنوع رجلك تعتب الجورنال تاني، الشغل كتير بس الجورنال دا بالذات لأ.
قالت وميض وهي تنتفض ذعرًا من جديته ثم تقول بصوتٍ خافتٍ:
- بس أنا يا بابا بحب الشغل دا.
كشر وجهه وهو ينهض في مكانه ثم ينصرف من أمامها مُغادرًا البيت بأكمله. استدارت تواجه والدتها التي ظلت صامتةً طوال الوقتٍ وإلا صابتها سهام غضبه. انهمرت الدموع من عيني "وَميض" وهي تقول باختناق:
- ماما، إنتِ موافقة على الكلام دا؟
تنهدت "سهير" بهم يتراكم على رأسها. تحركت من مكانها تجلس مُلتصقةً بابنتها ثم التقطت كفها وراحت تربت عليه وهي تقول بنبرةٍ هادئة:
- بكرا يهدي وينسى كل اللي قاله في لحظة غضب، استهدي بالله إنتِ وقومي خُدي لك دُش عقبال ما أحضر لك الغدا.
هدأت أنفاسها الثائرة فقالت وهي تمحو دموعها بظاهر كفها:
- لا ما هو أنا عندي ميعاد غدا برا.
هتفت "سهير" باستنكار:
- إزاي يا حبيبتي، إنتِ عايزاه يطربق البيت على دماغنا؟ مش لسه قايل مفيش خروج إلا للشغل الجديد.
عضت "وَميض" شفتها السفلى بحذرٍ ثم صرحت وهي تتوسل إلى والدتها:
- رايحة أأقابل وِسَام، رجع النهاردة من السفر وإنتِ لو بابا سألك قولي له راحت تدور على شغلك وأوعدك هحاول أرجع قبل ما يوصل البيت.
ضربت "سهير" كفًا بالآخر ثم قالت باستسلام:
- ماشي يا وَميض، لمَّا أشوف أخرت مشياني وراكِ، أيه؟
••••••••••••
- بعد إذنك قول للشيخ سليمان إن أنا عايزه؟
أردف رجلٌ ما بتلك الكلمات المرتبكة وهو يقف أمام بوابة المزرعة. رمقهُ الحارسُ من أعلى رأسه حتى أخمص قدميه قبل أن يُردف بصوتٍ جافٍ:
- نقول له مين وعايز منه أيه؟
فرك الرجل قبضتيه سويةً ثم رد مُتلعثمًا:
- الشيخ ميعرفنيش بس أنا جاي له في مسألة حياة أو موت، أنا ساكن قريب من المزرعة.
تنهد الحارس باستسلامٍ فأمره أن يلتزم مكانه حتى يبعث بخبره إلى الشيخ الذي طلب منه أن يسمح له بالدخول راجيًا من الله أن يكون خيرًا. كان "سليمان" يجلس داخل الغرفة التي يتم بها تصنيف المحصولات الزراعية وتمييز الطيب من الفاسد. جلس على سجادة الصلاة بعد أن انتهى منه وراح يُحرك حبات المسبحة بين أنامله يذكر الله بشوقٍ وطمعٍ في فيض عطائه الزخير.
لحظات ووجد رجلًا يقف على عتبة الباب في حالةٍ مُرتبكةٍ مُقلقة. تنهد "سليمان" بهدوءٍ وراح يطقطق على الأرض بأصابعه يحث الأخير على الجلوس أينما يشير.
- تعالى يابني، أقعد.
انصاع الرجل في الحال ثم مكث أمام الشيخ رامقًا إياهُ بنظراتٍ متوترةٍ وخائفةٍ تطل من زوايا عينيه. قطب "سليمان" ما بين عينيه ثم سأله بصوتٍ دافىءٍ مُحاولًا بث الطمأنينة على قلبه:
- خير يابني؟
ابتلع الرجل ريقه على مهلٍ مُطرقًا برأسه في الأرض ففهم الشيخ حاجته لبعض الوقتٍ كي يستعد لقول الشيء الذي جاء من أجله ويبعث الوجل في عينيه. مرت لحظاتٍ والصمت يحوم حول هذه الجلسة إلى أن تكلم الرجل يقول بحذر:
- أنا سمعت عنك كتير، إنك يعني شيخ قريب من ربنا وبتحب الخير للناس كلها.
أومأ "سليمان" صامتًا فأكمل الأخير بارتباكٍ ظهر في رعشة كفيه:
- أنا شوفت رؤيا يا شيخنا، و وطلبت من واحد معرفة يفسرها لي…
صمت يستجمع شتات نفسه ثم أكمل بمرارةٍ تملأ حلقه فيبتلعها بالكاد:
- قالي تفسير وِحِش أوي ومش عارف أنام ولا أشتغل من وقتها، بجهز نفسي وبستعد في كُل دقيقة.
قطب "سليمان" ما بين حاجبيه في استغرابٍ ثم سأله بترقب:
- أيه التفسير دا؟
قال الرجل في حيرة:
- من قبل ما تعرف الرؤيا حتى؟
أومأ "سليمان" إيجابًا ثم قال بصوتٍ هادئٍ راسخٍ:
- من قبل ما أعرف الرؤيا حتى. قال لك أيه؟
قال الرجل وهو يتنهد بحرارةٍ ثم يُجيبه:
- قالي لي إني هموت، وسمعت بعدها حديث للرسول مش حافظه بس فيما معناه إن الرؤيا بتحصل زيّ ما اتفسرت بالظبط.
قال سليمان يجاريه مُقدرًا ذعره فيقول بثبات:
- الرؤيا على رِجل طائر ما لم تُعَبَّر، فإذا عُبرت وقعت صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أومأ الرجل بجنونٍ يؤكد على استنتاج الشيخ الذي جاء بالحديث المقصود في ثانية، فقال بصوتٍ مخنوق:
- أيوة، مش دا تفسيره يا شيخ؟ وجهني، أعمل أيه؟
تدبر "سليمان" اِبتسامةً خفيفة ثم ربت على كف الرجل وراح يقول بهدوءٍ:
- الرؤيا على رِجل طائر، أيه المقصود هنا؟ كلنا عارفين إن الطيور بتحب الحرية وغير مُستقرة في مكان واحد ودا المقصود برِجل طائر إن أحلامنا ورؤيانا غير مُستقرة كأنك بتحط حاجة على رِجل طائر فلمَّا هيطير.
قال الرجل بتذبذب:
- هتقع.
قال الشيخ وهو يبتسم له بود:
- بالظبط، كدا إحنا مُتفقين في النص الأول من الحديث؟
أومأ الرجل في صمتٍ فيما التفت الشيخ إلى جيب سترته وهم أن يضع كفه في الجيب وسط نظرات الأخير المرتقبة لما يفعل. أخرج "سليمان" عُملة معدنية بقيمة جنيه ثم وضعها أمام مرأى الأخير وراح يقول بثبات:
- الرؤيا زيّ الجنيه دا بالظبط، بس قبل ما أشرح لك النقطة دي لازم تفهم إن في نوعين من الرؤى؛ رؤيا صريحة مفيش خلاف على تعبيرها وأخرى مرموزة؛ يعني عبارة عن رموز بنجمعها ونشبكها في بعض علشان نوصل لتعبير لها.
أكمل بوجهٍ بشوشٍ وصوتٍ رزين:
- الرؤيا زيّ الجنيه يعني ليها وجهين؛ وجه يحتمل الخير ووجه يحتمل الشر، ومش شرط خالص إن أول تعبير للرؤيا من أول مُعَبِر يكون صح.
قطب الرجل حاجبيه غير مُدركٍ للرسالة التي قيلت على فم الشيخ فقال بتردد:
- مش فاهم.
قال الشيخ مؤمئًا في هدوء:
- يعني في شروط علشان الرؤيا تتحقق سواء بالخير أو الشر، خليني أسألك سؤال، هل الشخص اللي فسر لك الرؤيا دا شخص قريب أوي منك وبينكم وِد؟
أومأ الأخير سلبًا فباغته "سليمان" بسؤالٍ آخر:
- طيب راجل عالم أو قريب من ربنا أو صاحب رجاحة عقل أو رأي؟
قال الأخير بنفي:
- لأ، دا زميلي في الشغل.
اِبتسم "سليمان" اِبتسامةً هادئة ثم قال:
- "ولا تقصها إلا على وادّ أو ذي رأي".
سكت "سليمان" لبُرهةٍ ثم أكمل:
- معنى الكلام دا إنك تختار شخص عنده رجاحة عقل أو لسانه كويس فاهم في آداب التعبير علشان تكون واثق إنه هيختار الوجه الحسن من الرؤيا طالما تحتمل الخيارين؛ فليه مقولش الوجه الخير منها. اسمع خلاصة الكلام يابني، الرؤيا ليست لأول عابر يفسرها ولكن لأول عابر أصاب وجهها لو كانت رؤيا مرموزة. فاهم حاجة؟
أومأ إيجابًا ثم قال بهدوءٍ:
- قصدك إن الرؤيا الغير مُباشرة بتكون شبه الرموز وكل واحد بيفسرها على مزاجه بس الشخص الفاهم والمطلع والدارس للعلم دا هو بس اللي هيقدر يفسرها صح سواء كانت خير أو شر وفي الحالتين مش هيقول غير المنظور الخيّر منها؟
رفع "سليمان" كفه ثم ربت على كتف الشاب وقال بصوتٍ عذب:
- أحسنت، وفي بعض العلماء ربط الحديث دا بحديث البلاء موكل بالنطق به؛ فدائمًا تعبيرهم بيكون عن الوجه الخير للرؤيا بس؛ فمش كُل من هب ودب أو واحد ماشي في الشارع فسر لك رؤيا أو حلم تبقى صح، دا لازم يكون على علم ودراية.
لمع ضوء الأمل في عين الأخير فسأل بفرحةٍ حذرة:
- يعني اللي قاله دا غلط؟
قال سليم بابتسامةٍ داعمة:
- طول ما هو مش دارس ولا متفقه في التفسير يبقى ولا كأنك سمعت حاجة ونصيحة يابني لمَّا يراودك حلم أو رؤيا سيئة أو مضمونها سيء من وجهة نظرك فحاول تسرها في نفسك واستعيذ بالله ومفيش حاجة وقتها هتحصل، فهمتني؟
قال الرجل وهو يشكره بامتنان:
- أوامرك يا شيخنا.
قال سليمان وهو يزدري جملته بكلماتٍ لينة:
- الأمر لله وحده يابني، يلا شوف حياتك وأكل عيشك.
شكرهُ الرجل مرةً أخرى ثم غادر على الفور. نهض "سليمان" وخرج من الحجرة وهو يترقب وقع خطوات الشاب الذي كان على وشك أن يفقد الأمل من رحمة الله. شعر بسعادةٍ كبيرةٍ حينما أقنعه بالخير الآتي إليه وصحح له ما يعتقد فيه خطأ وتمكن من تبديل حاله إلى آخرٍ مُطمئن. في تلك اللحظة، رأى "تليد" يقف في زاويةٍ بعيدةٍ ويتحدث عبر هاتفه فانتظر حتى فرغ وجاء إليه قائلًا بلهجةٍ لينة:
- ها يا أبويا، تحب نتحرك إمتى؟
ابتسم "سليمان" ثم أجابه بهدوءٍ:
- دلوقتي.
••••••••••••••
على الجانب الآخر.
ذهب "نوح" إليها بعد أن أخبره الولد بضرورة حضوره عاجلًا. خطت أقدامه عتبة الحظيرة وراح يبحث عنها بعينيه حتى وقعت عليها وهي تجلس وسط مجموعةٍ من الأبقار وتصيح في العاملات من حولها بصوتٍ مُتحشرجٍ مكروب:
- هاتي شوية مية سخنة بسرعة، يلا!
أومأت العاملة منصاعةً وغادرت على الفور. سار بهدوءٍ نحوها ثم أردف يسألها ببرودٍ لا يتناسب مع الموقف الواقعة فيه:
- خير يا مهغة؟ عايزاني في حاجة؟
ابتلعت ريقها على مهلٍ ثم أردفت بصوتٍ متعجلٍ ثابت:
- هو إنتَ مش دكتوغ. تعالى ساعد معايا.. تلت حالات ولادة في نفس الوقت.
حدق "نوح" فيها مصدومًا ثم أردف مُستنكرًا وهو يضع كلا كفيه في جيبي بنطاله:
- نعم؟ أنا بولد بني آدمين مليش أنا في الحيوانات خالص.
التوى شدقها ثم صاحت فيه بغيظ:
- الدكتوغ الشاطغ بينجح في كُل حاجة طالما عنده الأساسيات، يلا ساعدني.
أشاح بوجهه للجهة الأخرى وراح يرمقها بنظرةٍ مختلسةٍ من جانب عينيه لتضغط على أسنانها ثم تهتف مرةً أخرى بغيظٍ أكبر:
- انجز يا نوح.
ابتلع ريقه بصورةٍ مرتبكةٍ فهو يعاني فوبيا الاقتراب من كُل شيءٍ ليس بإنسان. حسم أمره بأن يبقى صامدًا كيلا تتزعزع صورته أمامها فتابع بعد أن تنهد مُستسلمًا:
- استعنى على الشقا بالله.
أسرع بالجلوس على الأرض وراح يشمر عن ساعديه وسط نظراتها المتعجبة فيه. رفع أحد حاجبيه ثم أردف بصوتٍ عالٍ:
- إنتِ لسه هتبصي لي، أعمل أيه؟ انجزي.
قالت مُهرة وهي تجذب أطراف الجنين بهدوءٍ ورفق:
- طبطب عليها علشان تواسيها في ألمها.
قال نوح وهو يكور قبضته ثم يهتف بسخط:
- إنتِ جايباني هنا علشان أطبطب عليها؟
قالت مُهرة وهي تبتسم بحذرٍ ثم تقول:
- يبقى استلم البقغة التانية واتعامل وكأنك بتولد إنسانة عادي، بالتوفيق يا دكتوغ.
عض شفتيه بغيظٍ ثم قرر أن يخوض هذه التجربة الحماسية للمرة الأولى فاتجه إلى البقرة التي ترقد على الأرض في إعياءٍ ثم بدأ في التعامل مع حالتها بشكلٍ دقيقٍ يحيطه الكثير من الدقة والحذر. كانت تختلس النظرات إليه بين الفينة والأخرى فتجده منكبًا على عمله بكُل تركيزٍ ودون قصدٍ منها أمعنت النظر في كُل حركةٍ وتفصيلةٍ تصدر عنه حتى طال تأملها به لتفيق على صوته وهو يقول بمزاحه المعهود منه:
- بصي على قدك.
تنحنحت بإحراجٍ ثم التفتت إلى عملها مرةً أخرى لتجده يردف بحماسٍ مُتقد:
- شكلي هعملها ولا أيه؟
ابتسمت في هدوءٍ ولم يمر لحظاتٍ على حديثه وكان الجنين يتزحلق خارج جوف والدته إلى الأرض بعد أن عاونها بشكلٍ كبيرٍ على لفظ جنينها بصورةٍ مريحةٍ وكأنما يتعامل مع حالةٍ إنسانيةٍ ويخشى عليها أن تتألم أو تعاصر ساعةً عصيبةً لا تُطاق.
- اللهم صلي على النبي.
صاح "نوح" بانبهارٍ وهو يتابع خروج الجنين كاملًا من جوف أمه. ضحكت "مُهرة" بسعادةٍ ثم تابعت بصوتٍ متهللٍ في حماس:
- ما شاء الله، ولادتها كانت سغيعة أوي، إنتَ أحلى نوح في الدنيا كلها.
تهللت أسارير وجهه وهو يستمع إلى كلماتها التي قالتها بنيةٍ صافيةٍ لا تحمل معنىً سوى التلقائية في بوحها إلا أنه سعد كثيرًا بهذه الكلمات التي جعلته يُطالعها بملامحٍ هائمةٍ ترجو الاستزادة من فيض نعومة حديثها الذي يبعث على نفسه شعورًا بالتحليق عاليًا معها ورغبةً مُلحةً في تحويل كلماتها التلقائية إلى كلماتٍ خاصةٍ به وحده وخاصةً جدًا ولا تقال إلى في عالمهما سوية.
أطرق برأسه في شرودٍ ثم تنهد بضيقٍ متوارٍ يتذكر تحديدًا عمله طوال الليل والنهار من أجل تجميع ثمن شقةٍ يملكها في يومٍ من الأيام كي يكون قادرًا على أن يطرق بابها بقلبٍ متينٍ دون أن تُغلق أبوابها في وجهه وكي يصون حقوقها عليه من توفير حياةٍ كريمةٍ حتى لو كانت بأقل الإمكانيات لا سيما وجود عش زوجيةٍ يمتلكه يشعر فيه بالاطمئنان عليها.
••••••••••••
جلست إلى الطاولة الموجودة على أحد شواطىء النيل بعد أن التقت به بعد غياب أسبوعين. تهللت أسارير وجهها من أن رأته وكأنما وجدت مكمن أسرارها الكبيرة. ابتسم "وسام" في هدوءٍ ثم قال مُحاولًا استنتاج أو تخمين بعض الأمور معها:
- يمكن هو فعلًا ومش حابب الخير اللي عمله يتعرف.
مطت شفتيها حيرةً ولكن معالم وجهها تغيرت إلى أخرى حانقةٍ ثم صاحت باستنكار:
- بس أمي قالت عكس دا؟
قال وسام بلهجةٍ ثابتة:
- إنتِ عارفة إن الست الوالدة بتهري، الراجل دا لو كان مُتصنع زيّ ما بتقول مكانش ربنا كرمه بحب الناس دي كلها.
تنهدت "وَميض" بحيرةٍ ثم أردفت بنبرةٍ سادرة:
- طيب إنتَ مصدقني؟
قال وسام باقتناعٍ كبيرٍ:
- مصدقك، بس التفسير الوحيد لموقفه إنه مش عايز شوشرة والخير اللي بيعمله بيرميه في البحر.
توترت نفسها قليلًا فقامت بقضم أظافرها الواحد تلو الآخر ثم قالت بصوتٍ يائسٍ مُضطرب:
- وبالنسبة للميدالية؟
رفع كتفيه ثم أنزلها في جهلٍ من إجابة هذا السؤال بالتحديد. ضيق عينيه يفكر للحظاتٍ ولكنه صرح في النهاية بغموضٍ هذا الأمر بصورةٍ كبيرة:
- أهو موضوع الميدالية دا تحديدًا مش قادر افترض له أي فروض خالص وشايف إن إجابته عند والدتك.
نبشت غرة رأسها بطرف أناملها ثم تابعت بأنفاسٍ مُثقلةٍ من كثرة التفكير:
- أنا هفترض معاك إن تليد سليمان مش هو خالص اللي أنقذني وكمان إني كنت بتخيله وأنا بنازع الموت مع إنه عمره ما جه في بالي قبل كدا؛ ولكن وجود ميدالية عليها أول حرف من اسمه في جيب الجاكيت اللي صاحبه أنقذني، صُدفة؟ ميدالية تعتبر الشِق التاني من ميدالية معايا من طفولتي، صُدفة بردو؟
رمقهُ "وسام" بنظراتٍ متحيرةٍ وقال باستنكار:
- تقصدي إنه له معرفة سابقة بيكِ مش بس أنقذك!
التوى شدقها ثم أردفت بصوتٍ مخنوق:
- هتصدقني لو قولت لك أيوة هو دا اللي أقصده؟
قال وسام وهو يقهقه بضحكةٍ ساخرةٍ ويقول بنبرةٍ مثيلة:
- ناقص تقولي إنه ابن خالتك ثم إن يا ناصحة لو كان على معرفة سابقة بأهلك ووالدتك هي اللي عملت له الميدالية دي، أيه اللي مش هيخليها تصارحك بالحقيقة.
أطرقت برأسها تحاول تقليب ما يقوله في رأسها، ورغم اقتناعها بحديثه إلا أنها لا تعلم من أين جاءت هذه الميدالية وكيف لا تتذكرها والدتها. رفعت بصرها إليه مرةً أخرى ثم أردفت بصوتٍ خافتٍ:
- طيب وبالنسبة لقرار بابا، هعمل أيه فيه؟
قال وسام وهو يبتسم مُضيفًا بثقة:
- سهلة خالص وحلها بسيط.
رمقتهُ بنظراتٍ فضوليةٍ حذرةٍ دون أن تنبس ببنت شفةٍ فأضاف بهدوءٍ:
- هتكملي في الجورنال ولكن باسم مُستعار.
جحظت عيناها مصدومةً من فكرته الجهنمية التي صدمتها، ولكن ليس جديدًا عليه أن يجد لمشاكلها حلولًا سريعة المفعول أيضًا، فتجمعهما صداقةٌ قويةٌ منذ أن كانت بالمرحلة الثانوية وتوحدت وقتها أحلامهما التي ارتبطت بنفس الكلية ورغم اختلاف تخصص كُلًا منهما إلا أن الحياة لم تنجح في تفريقهما فيعملان في نفس الجريدة ويأخدان بأيدي بعضهما على مواجهة الشدائد.
- فكرة جهنمية، كانت رايحة عن بالي فين!
ابتسم "وسام" ابتسامةً واسعةً ثم تظاهر بترتيب ياقة قميصه وقال بثقةٍ وعنجهيةٍ كبيرة:
- لأ دا إنتِ تطلبي لي عصير مانجا بقى.
أجابتهُ بمرحٍ ونبرةٍ تجدد الأمل فيها:
- احلى شوب مانجا لأحلى سيمو.
قطع صوتها المرح صوت رنين هاتفها، التقطته على الفور وكانت تتوقع اتصالًا من والدتها تستعجلها فيه على الحضور إلى المنزل قبل عودة والدها، ولكنها وجدته رقمًا خاصًا ربما ينتمي لإحدى الشركات. أطالت النظر إلى شاشة الهاتف ثم حسمت أمرها بالإجابة وما أن ردت حتى تلقت سؤالًا جعلها تقول بصوتٍ خافت:
- أيوة أنا.
رد المتصل على الجهة الأخرى:
- تم قبول طلب عملك في شركة (آل زهران)، في انتظارك بدايةً من بكرا إن شاء الله.
قالت وميض بصوتٍ هاديءٍ غلفه الذهول:
- أكيد، إن شاء الله، مع السلامة.
أغلقت المكالمة ثم نظرت إليه وراح تقول بعينين مُتسعتين في صدمة:
- دا قبلني بعد كُل اللي حصل؟
قال وسام بأسلوبٍ منطقي:
- إنتِ عايزاه يتغاضى عن شطارتك وخبراتك علشان شوية كلام أهبل قولتيه.
قالت وميض وهي ترفع أحد حاجبيها ثم تقول بقلق:
- تفتكر.
••••••••••••••
اُصطفت السيارتان خلف بعضهما، تجمع أفراد عائلة "عثمان السروجي" خارج القصر كي يبدؤون في صعود السيارات بالترتيب بعد أن وقف "عثمان" بينهم ثم أردف بصوتٍ أجش صارمٍ:
- خلوا بالكم إننا هنتقابل زيّ عادة كُل سنة ومش عايز احتكاك أو تعامل من أي نوع، بالمختصر المُفيد ولا كأننا نعرفهم.
أومأ الجميع متفقين فركب عثمان أولًا وجاورته زوجته بينما كان "عُمر" يجلس في السيارة الثانية فركبت "سكون" بجواره وانطلقت السيارتان بسرعة. تنهدت "سكون" بضيقٍ واضحٍ جراء حديث والدها الذي لا يتغير كُل عامٍ في هذا الموعد بالتحديد والذي يوافق يوم وفاة جدها فتم تخصيص هذا اليوم لزيارة مدافن العائلة والترحم على موتاهم جميعًا بدايةً من جدتها وعمها الذي مات في سنٍ صغيرةٍ وحتى موت جدها الذي لا تعرفه سوى من خلال صوره المُعلقة في غرفة والدها.
لاحظ عُمر تجهم معالم وجهها فسألها بترقبٍ وفضول:
- مالك؟
تنهدت بحُزنٍ دفينٍ وقالت بصوتٍ مخنوق:
- إحنا لحد إمتى هنفضل مقاطعين عمي وملناش حد نروح له أو يسأل عننا.
رفع "عُمر" أحد حاجبيه ثم أردف بصوتٍ ساخرٍ:
- غريبة، دا مكانش كلامك لمَّا كنت بسألك نفس السؤال، وكنتِ شايفة إن رضا بابا أهم من صلة الرحم والود اللي كان ضروري مينقطعش.
نكست "سكون" رأسها ثم أردفت بلهجةٍ نادمة:
- كُنت غلطانة، أنا حاسة بفراغ بيقتلني كُل يوم وإحساس بالذنب ناحية عمي ومش عارفة السبب.
قال عمر بابتسامةٍ باردة:
- يمكن علشان حارمينه هو وابنه من ميراثهم مثلًا ولا تهديدات أبوكِ المستمرة ليهم؟
قالت سكون وهي تصيح بغضبٍ متوارٍ ونبرةٍ تشي ببوادر بكاء:
- وإحنا ذنبنا أيه؟ يعني لو وقفنا في وش بابا هيديهم حقهم؟
أومأ عمر سلبًا ثم قال باستسلام:
- مظنش، بس تعرفي عمي سليمان وحشني وكان نفسي يزورني ولو مرة بعد الحادثة، كلامه كان هيفرق جدًا معايا.
قالت سكون وهي تبتسم ابتسامةً باهتةً يغمرها بعض الحنين:
- تليد كمان وحشني، من سنين مشوفتوش أو علشان أكون دقيقة متقابلناش على أرض الواقع، يادوب بشوف حلقاته مع نفسي كدا قبل ما أنام.
قال عمر وهو يعبر عن حنينه لتلك الأيام:
- فاكرة لمَّا شروق كانت بتاخدك لبيت عمي من ورا بابا وماما وكنت بهددكم يا إما أروح معاكم أو أقول على السر دا؟ لمَّا عمي كان بيديني فاكهة كتير ولازم أخلصها كلها قبل ما أوصل البيت ويسألوني جبتها منين!
قهقهت "سكون" باشتياقٍ حقيقيٍ وكذلك "عُمر" ودار بينهما حديثٌ طويلٌ من ذكريات الماضي إلى أن وصلا أمام بوابة المدفن. قطب "عثمان" ما بين عينيه وهو يشير للحارس أن يأتي في الحال. رحب الحارس به فسأله "عثمان" بصوتٍ حادٍ:
- مين جوا؟
قال الحارس:
- الشيخ سليمان وابنه الشيخ تليد.
كان يعلم الإجابة قبل أن يفصح بها الحارس، أشار له أن يذهب من أمامه ففعل الأخير فورًا. استدار بنظراته إلى زوجته بملامحٍ مُكفهرةٍ غاضبةٍ فيما أردفت "نبيلة" بصوتٍ هاديءٍ تقول:
- هنعتبر إنهم مش موجودين، وأعتقد إنك جاي هنا وعارف إنك بكُل تأكيد هتقابلهم.
تنشق الهواء داخله بعُمقٍ ثم زفره بقوةٍ قبل أن يقول بلهجةٍ حازمة:
- تمام.
تأففت "سكون" بضيقٍ تنتظر ترجل والدها من سيارته والسماح لهما باتباعه ولكنه لم يفعل بعد. توجهت بعينيها إلى بوابة المدفن ووجدتها مفتوحةً فصاب قلبها السرور والفرح بعد أن تأكدت من وجود عمها وابنه بالمكان. لحظات وترجل والدها الذي أمرها أن تنزل من السيارة. بدأ السائق يعاون "عُمر" على الترجل وذلك بمساعدة "سكون" بعد أن أسنداه حتى جلس على كرسيه وبدأت هي تدفع الكرسي أمامها حتى وصلت إلى البوابة. دخل "عثمان" أولًا وتبعته زوجته ثم سكون وعُمر اللذان استقبلا صوت تلاوة القرآن براحةٍ كبيرةٍ خاصةً إن كان القارىء عمهما الطيب.
كان "سليمان" يجلس أمام لحد والده يقرأ ما تيسر له من القرآن فيما بدأ تليد ينثر قطرات الماء على اللحد بعد أن وزع مجموعةً من زهور المشتل حوله. كان "سليمان" خاشعًا في تلاوته ولم يلحظ مجىء أحدٍ، ولكن "تليد" رأى خيالهم المعكوس على الأرض بفعل أشعة الشمس يسبقهم إلى اللحد. رفع بصره رويدًا يُطالعهم بنظراتٍ باردةٍ ثم استمر في تنفيذ عمله ولم يعبأ بقدومهم.
تقدم "عثمان" من اللحد ثم وقف بجوار شقيقه الذي يتلو القرآن متناسيًا غير شاعرٍ بما يحدث حوله. انتصب "تليد" في وقفته مُستقيمًا يضع كفه فوق الآخر ينصت إلى قراءة والده فيما وقفت تراقبه من بعيدٍ ومشاعرٌ مختلطةٌ من الحزن والاشتياق تسيطر عليها وخاصةً أنه لم يبالٍ بحضورهم ولم يحفل بهم.
- صدق الله العظيم.
- إزيك يا سليمان؟
تلقى هذا السؤال ما أن فرغ من القراءة. ابتسم باستخفافٍ من الصراعات التي نختلقها في هذه الدنيا التي هي فانية وفي موعدٍ لا يعلمه إلا الله نكون أسفل الثرى مع هؤلاء الطيبون الذين يتمنون ساعةً واحدةً في هذه الدنيا مرةً أخرى كي يصيحون في الجميع إنها فانية وأن استقيموا. تنهد بثباتٍ ثم استند على ساعده وهم أن يقف إلا أن "تليد" هرع إليه ثم تناول ذراعه وعاونه على النهوض. استدار بوجهه إلى شقيقه ثم قال بصوتٍ راضٍ مُطمئن:
- نحمد الله دومًا.
أجابه موجزًا الحديث معه ثم هم أن يبتعد من أمامه فتابع "عثمان" مرةً أخرى يتحدث فيها إلى ذي الوجه الصارم الذي ينبض بالكبرياء:
- أخبارك أيه يا تليد؟
قال تليد وهو يتنهد بقوةٍ ثم يقول بصوتٍ خشن:
- أحسن منك أكيد.
في تلك الفترة، هتف "عُمر" يقول بصوتٍ مُتهدجٍ من فرط اللوعة والاشتياق:
- عمي سليمان، وحشتني أوي.
التفت "سليمان" له، ابتسم بصدقٍ وحنانٍ وطلب من ابنه أن يسنده إلى مقعد الفتى. سار إليه ثم مال عليه وقبل جبينه قائلًا بودٍ عظيم:
- كُلي شوق ليك إنتَ وأخواتك، أبقى أسأل عني يا عُمر.
قال كلماته وهو ينظر إلى "عُمر" تارةً وأخرى إلى "سكون" الساكنة في صمتٍ خلف المقعد. اهتزت جدران قلبها بصدعٍ جراء حديثه. أرادت أن ترتمي بين أحضانه بشوقٍ مثيلٍ ولكن خوفها من أن يحزن والدها جعلها تقف كالصنم أمامه دون أن تنظر إلى عينيه حتى، ولكنه أجبرها أن تنظر وهو يتحدث إليها بصوتٍ دافىء:
- إزيك يا سَكَن.
لم تكن هذه الكلمة تصطف في صالح موقفها المتجمد، فهي تعشق هذه الكلمة منه والذي ينفرد بها وحده. خفق قلبها خفقاتٍ عنيفةً وهي ترفع نظراتها نحوه ثم تبتسم بهدوءٍ وقبل أن تجيبه اختلست نظرةً سريعةً نحو والدها كي تقرأ ما يظهر على وجهه. ابتسم "سليمان" بثباتٍ وهو يفهم ما يروع نفسها المُطمئنة حينما ردت بنبرةٍ مُتلعثمة:
- بـ ببـ بخير، شكرًا لحضرتك.
- مش يلا بقى يا حاج.
توجهت بنظراتها إلى الأخير، رمقتهُ باشتياقٍ قاتلٍ بينما لم يحفل بأيًا منهم وسار مُبتعدًا خارج المدفن وهو لا يطيق البقاء معهم في مكانٍ واحدٍ.
••••••••••••••
- الحقي يا ماما، دا خلص طبق البطاطس كله.
هتفت "مُهرة" بصوتٍ حانقٍ وهي تخرج له طرف لسانها، فضغط على أسنانه بغيظٍ فيما أجابتها "رابعة" بصوتٍ هاديءٍ مرح:
- بألف هنا وشفا على قلبه، نعمل غيرها، لسه الشيخ سليمان في الطريق.
انشكح بسعادةٍ كبيرةٍ وراح يحرك حاجبيه في استمتاعٍ هادىءٍ من استفزازها وهو يتناول الطبق كُله بعد تصريح والدتها الواضح. تناول القليل من الطبق ثم قال بتذكر:
- صحيح، متعمليش حساب تليد لأنه هيتغدا في موقع التصوير النهاردة علشان عنده حلقة.
أومأت "رابعة" مُتفهمةً ثم التفتت إلى ابنتها وقالت بصوتٍ حانق:
- بردو مردتيش عليا في موضوعنا يا مُهرة.
رمقتها "مُهرة" بنظراتٍ مندهشةٍ وراحت تزجرها في تخفي كيلا تتحدث في هذا الموضوع أمام أحدٍ. لم تحفل "رابعة" بها وراحت تلتفت إلى "نوح" ثم تقول بنبرةٍ مخنوقة:
- اشهد يا أستاذ نوح على اللي بنتي بتعمله فيا.
قطب ما بين حاجبيه ثم قال بفضول:
- ما يرضينيش أبدًا، عملت أيه اللادغة دي؟
قالت رابعة وهي تردف مُستطردةً في الكلام:
- ابن خالتها أتقدم لها وهو مُدرس قد الدنيا ومش موافقة بيه، يرضيك؟
تنحنح "نوح" بتوترٍ عجل بإخفائه ثم تمتم بصوتٍ هامس:
- يرضيني.. ميرضينيش ليه بس.
كان من الصعب عليها التقاط ما تمتم به فقالت بفضول:
- بتقول أيه؟
ابتلع ريقه على مهلٍ ثم استدار بنظراته نحوها وقال بصوتٍ هادئ:
- أكيد مُهرة عندها سبب للرفض.
أومأت "مُهرة" إيجابًا ثم صاحت بنبرةٍ مُمتعضة:
- طبعًا عندي سبب وهو إني مش بحبه، دا مش كفاية.
قال نوح بصوتٍ خافتٍ يدعم رأيها:
- كفاية.
قالت رابعة وهي ترد باحتجاج:
- بس أنا نفسي أفرح بيها زيّ باقي البنات اللي في سنها.
حك "نوح" غُرة رأسه ثم تحول بنظراته إلى ساعة يده ليقول بصوتٍ مُتحشرج:
- بصوا إحنا نأجل الكلام في الموضوع دا لوقت تاني، لازم أروح لتليد دلوقتي، إنتوا عارفين مش بيكون تمام من غيري.
نهض على الفور ثم ودعهما وغادر بنفسٍ مُجهدةٍ من ازدياد الضغوط عليه وهو الذي يقف في منتصف الساحة وحيدًا منذ مفارقة والديه له حتى أنه لا يقبل الدعم المالي أو خلافه من أحدٍ.
•••••••••••••
أدخل سيارته إلى المرآب المُلحق بمبنى الإذاعة والتلفزيون. توجه إلى الدرج يصعدهُ بعد أن أوصل والده إلى البيت وطلب من صديقه أن يلحق به إلى موقع التصوير.
سلم على كُل شخصٍ يُقابله حتى وصل إلى الممر الذي تقبع غرفته به فوجد أحد الموظفين ينادي عليه ثم يقول بصوتٍ هادئ:
- في واحدة مستنياك في الأوضة يا أستاذ تليد.
تعجب من كلامه فصاح باستغراب:
- واحدة؟ عايزاني أنا؟
أومأ الموظف إيجابًا ثم رد بإيجاز:
- قالت إنك مديها ميعاد.
حاول "تليد" في هذه اللحظة تخمين ماهية هذه السيدة لتقفز صورتها سريعًا إلى عقله ولكنه انبهر بشجاعتها أو بالأحرى شخصيتها المجنونة التي تصعد فوق المصائب وتحلق بنفسٍ خفيفةٍ مُتألقة. أومأ بهدوءٍ ثم سار نحو الغرفة وقبل أن يصل إلى بابها اختلس نظرةً سريعةً إلى النافذة ليصدق تخمينه على الفور. ابتسم بهدوءٍ ثم حاول أن يرسم الجدية على ملامحه وراح يطرق الباب ثم يدخل بسرعة.
استدارت إليه فوجدته يرمقها بنظراتٍ باردةٍ جعلتها تتوتر في قلقٍ ولكنها أشاحت عنه وظلت صامتةً. تحرك نحو مكتبه ثم جلس إليه وراح يسألها ببرود:
- خير يا آنسة وَميض؟
رفعت "وَميض" أحد حاجبيها ثم تحولت ببصرها إلى حقيبتها وراحت تلتقط الميدالية منها ثم تضعها أمامه على المكتب وتقول بنبرةٍ باردة:
- الميدالية دي تخصك؟
سكتت هنيهةً ثم أكملت بصوتٍ مخنوقٍ في انفعال:
- بعد إذنك جاوبني بكُل صراحة، راعي إنك شيخ وحد قريب من ربنا يعني ماينفعش في كل حال من الأحوال إنك تكذب.
سقطت عَبرةٌ حارةٌ من عينيها ثم تابعت باستجداءٍ وتوسلٍ وهي تُفاجئه بلمس كفه الموضوع على المكتب:
- أرجوك.
لم يقوى على سحب كفه وظل مُتصلبًا. نزل بعينيه إلى الميدالية التي تحمل أول حرف من اسمه والتي تجمع الكثير من ذكرياتهما معًا. شعر ببوادر تجمع قطرات الدمع داخل بؤبؤ عينيه. تنهد بهدوءٍ وهو يتلمس الميدالية في اشتياقٍ ثم صرح بصوتٍ خفيض:
- أيوة الميدالية دي بتاعتي.
رواية رحماء بينهم الفصل التاسع 9 - بقلم علياء شعبان
تسمر في مكانه وتجمدت أطرافه ما أن لمسته راجيةً إياه أن يغيثها من أرقٍ يُنغص نومها الهادئ مذ أن تعرضت لتلك الحادثة؛ رجتهُ أن يجيبها على أيٍ من تلك التساؤلات لعل خفقات قلبها المضطربة في تيه تهدأ وتجد السبيل.
تابع حركات شفتيها في شرود رغم أنه لم يفعل قاصدًا؛ ولكنه غاب وسرح في كل لحظة جمعته بها في طفولتها وكل لحظة راقبها فيها عن بعد بمشاعر قانطة متأذية، تحرك بعينيه بخفة بين تفاصيل وجهها المنطفئة والميدالية القابعة بين كفها إلى أن تدارك ملمس أناملها على جلد كفه.
تنحنح بخشونة وهو يسحب كفه بسرعة رهيبة ثم يجذب الميدالية ويقول بصوت أجش:
- والدتك عملت منها لكل أطفال العيلة وإحنا صغيرين.
لاحظت تشنجه المكتوم وهو يسحب كفه مستفيقًا من سكره، عقبت بصوت هاديء غلفه الحيطة:
- مش فاهمة، تقصد مين بالعيلة؟
تنشق الهواء بداخله باتزان، شبك أصابعه سوية وراح يضيف مبتسمًا بثبات:
- إنتِ حقيقي مش عارفة أنا من عيلة مين؟
مطت شفتيها بتوجس وراحت تنفي بصوت خافت:
- أنا معرفش غير إن اسم حضرتك (تليد سليمان).
أومأ هازًا رأسه ثم أكمل عباراتها بهدوء:
- تليد سليمان السروجي.
- نعم؟
صاحت بذهول كبير بدا في جحوظ عينيها وهي تنظر إليه، هز رأسه دون أن يتكلم؛ فتابعت بتلعثم:
- إنتَ من عيلة عثمان السروجي؟
رد مؤكدًا على سؤالها:
- يبقى عمي، أيه؟ مكنتيش تعرفي؟
أومأت سلبًا وقد سقطت في منطقة عميقة من الدهشة جعلتها تلتزم الصمت تفكر في كلامه الذي أذهلها. تنحنح بصوت هاديء وقال محاولًا توخي الحذر من السقوط في بئر تحقيقاتها التي لا تنتهي:
- معتقدش إن الموضوع يستاهل كل الصدمة دي؟
ابتلعت "وميض" ريقها على مضض ثم قالت:
- الموضوع جديد عليا مش أكتر، تمام فهمت إن أمي هي اللي عملت لك الميدالية بس إيه اللي جابها في جيب الجاكيت؟
قطب ما بين حاجبيه ثم ادعى جهله بأمر السترة فسألها مُمثلًا الترقب والفضول:
- تاني الجاكيت!!، الميدالية دي ضايعة مني من سنين، معتقدش إنك لقيتيها في جيب الجاكيت وحتى لو، أنا إيه علاقتي بكل دا؟
تنهدت "وميض" تنهيدة ممدودة بعمق قبل أن تضرب كفًا بالآخر ثم تقول بلهجة حازمة:
- خلاص تمام، حضرتك مش الشخص اللي أنقذني وهفترض إن الميدالية كانت واقعة تحت سريري وموقعتش من جيب الجاكيت.
تليد بصوت هادئ يترقب ما يلي استسلامها السريع ذاك؛ فتتابع بصوت حاسم:
- أنا قررت أقتنع بالمبررات دي ومش ناوية أعترض طريقك تاني ولكن بشرط!!!
رد مستنكرًا في غيظ:
- إنتِ مش شايفة إنك بتتجاوزي حدودك ولا نسيتي إني مديرك؟
أردف بصوت جاف رغم اتقاد نيران عنادها وهي تقول بنبرة هادئة تجابهه بنظراتها المفترسة لكل تعابير وجهه:
- لا مش ناسية، ولو عايزني أحل عنك فعلًا هعمل دا ولكن بشرط!
ابتسم خلسةً ثم رد بجمود:
- شرط؟ عظيم، قوليه.
هي تعقد ذراعيها أمام صدرها ثم تضيف بتحد:
- أروح معاك بيتك دلوقتي وأدخل أوضتك وأفتح دولابك، بس كدا، خطوات سهلة وبسيطة!
انبسطت عقدة حاجبيه فقال مذهولًا:
- فعلًا سهلة؟
هزت رأسها بمكر وراحت تتحرك برشاقة تاركةً مقعدها ثم مالت نحوه وهي تتسند على مرفقيها وتقول بصوت متوعد ماكر:
- دا شرطي الوحيد وإلا قسمًا بالله ما هسكت لحظة عن حل اللغز دا واللي أنا متأكدة إنك الشخصية الرئيسية فيه.
ما زال يجلس شامخًا على كرسيه ولكنه أطرق بأنامله على سطح مكتبه ثم تساءل بصوت جاف صلب:
- ويا ترى بقى ناوية تعملي إيه؟
اقتنصت عينيه في نظرات جريئة منها تضاهي تمامًا شخصيتها القوية التي تتميز بالجرأة ولا تخشى في الحق لومة لائم. ابتسمت باستخفاف ثم صرحت:
- تخيل تقوم كل يوم من نومك تلاقي كل اللي بنيته بيتهد زي إن مثلًا "الداعية الإسلامي الكبير تليد سليمان شخص كاذب ومراوغ!". ومش عايزة أقول لك إني عندي كتير يتقال!
سكتت لثوانٍ ثم أضافت باستمتاع هادئ:
- ولا إيه رأيك في مُتحرش! أشيك من مراوغ، مش كدا؟
ابتسم بهدوء أشعل نيران استفزازها، أردف بصوت غليظ يأمرها من خلاله مشيرًا بنظراته إلى مقعدها:
- اقعدي مكانك!
بادلته ابتسامة مثيلة يختلجها رائحة التحدي، لم تسمع ما قاله فقربت أناملها ولمست كفه مرة أخرى، تأجج غضبًا في الحال ودون أدنى وعي منه التقط أناملها وراح يضغطهم بقوة مردفًا وهو يكز على أسنانه بعد أن نفد صبره:
- اقعددددددي مكااااااانك!!!
برقت بعينيها في صدمة من تحوله ثم أخرجت تأوهًا مخنوقًا وهي تجلس على كرسيها مرة ثانية بفعل دفعته لها، همت أن تبدي سخطها من فظاظة تصرفه إلا أنه قال بصوت أجش أرعبها:
- اسمعي، أنا معنديش حل لألغازك ومش أنا الشخص اللي بتدوري عليه وأتمنى تكوني رزينة أكتر من كدا ومن غير تجاوز لأني مش هقبل بلعب العيال دا في الشغل!!!
ضغطت على أسنانها بانفعال طفيف ثم أردفت:
- إنتَ قبلتني ليه في الشغل؟
افتر ثغره عن ابتسامة عبثية ثم قال:
- مش أنا اللي قبلتك أصلًا وكنت شايف إنك غير لائقة ولكن القرارات اللي زي دي مش باخدها لوحدي، بالتشارك مع صاحب الشركة وطبعًا هو شايف أن خبرتك بترجح كفتك.
رمقتهُ بنظرة جامدة ثم أردفت بلهجة مسترخية:
- كويس إن ملكش أفضال عليا.
تليد موجزًا بصوت هاديء:
- تمام، مع السلامة.
انتابها الحرج من كلماته الحاسمة، تنهدت بضيق قبل أن تنهض من مكانها ثم ترمقه بعدوانية وتقول بنوايا واضحة:
- أنا همشي ومتأكدة إننا هنتقابل تاني وبإرادتك!!
في نفس الوقت، وقف "نوح" بجوار النافذة يختلس النظرات داخل الغرفة وقد سمع جل الحديث الذي دار بينهما، حمد ربه أنه أدرك وجودها في مكتب صديقه قبل الدخول ووقتها السر الخفي سوف ينجلي! فحينما أدرك وجودها قرر أن يبقى متربصًا بجوار النافذة وما أن رأى عزمها على الذهاب حتى أسرع بالاختباء إلى أن غادرت بخطوات ثائرة ومشاعر مشتعلة من ردود صديقه المفحمة.
- تليد!!!
أدار "نوح" مقبض الباب ثم دخل على الفور فوجد "تليد" يسترخي برأسه إلى مسند الكرسي ويتنهد تناهيد متكررة مملوءة بالكثير الذي أوشك على أن يفيض على جانبيه:
- نعم؟
رد بصوت مخنوق وما زال على حالته، فأسرع "نوح" بالجلوس أمامه ثم قال بفضول متفاقم:
- نفسي أفهم بتكابر نفسك ليه؟ ما تقول لها إنك الشخص اللي أنقذها وتريحها ولا إنتَ عاجبك لفلفتها حوليك!
- كنت ناوي أقول.. صدقني كنت ناوي يا نوح.
صاح بصوت جهوري مخنوق يطل الانفعال من بين حروف كلماته، زفر زفرة طويلة وأعقبها صوته المتحشرج في ندم:
- لو مكانتش سبقتني وقالت لي بموضوع الميدالية كنت قولت لها إني أنقذتها وخلصت، بس لساني اتلجم بمجرد ما شوفت الميدالية معاها.
نوح وهو يردف بعد ملء من التفكير:
- بس إنتَ قولت لها إن الميدالية دي ضايعة منك من سنين.
تليد بصوت هادئ:
- وهي مقتنعتش، دي عايزة تروح البيت تدور بنفسها في الدولاب!!!
قهقه "نوح" عاليًا وراح يضرب كفًا بالآخر ثم قال مبديًا إعجابه بذكائها:
- بصراحة ذكائها عاجبني، دي أول ما هتفتح الدولاب هتلاقي البنطالون الكحلي منور لوحده.
ابتسم "تليد" غلبًا لقد كان بمثابة المغلوب على حقه بعد أن سلب منه قهرًا؛ فقد خرجت عن بؤرة اهتمامه وحمايته مذ أن غادرت بيته القديم والآن يحاول أن يدخلها إلى تلك البؤرة في الخفاء ولو لم يقهر في سلبها منه عنوةً لكان اليوم يتغنى بحبها جهرًا وعلانيةً ولم تكن نبتته الناعمة الطيبة على هذه الحالة الآن؛ جريئة بصورة تدفعها نحو المتاعب!
- تليد!
تكلم "نوح" بنبرة هادئة جعلت الأخير يستفيق من شروده فيها ويرد بصوت خافت:
- نعمين؟
نوح وهو يترفق بحال صديقه المشتاق في لوعة:
- ليه متقولهاش ببساطة كدا عن ماضيكم سوا وإنك بتحبها وتتجوزوا وقلبك يرتاح بقربها بقى!
أومأ برأسه بثبات يجاري في حديثه البسيط الذي يخلو من الحواجز والعقبات بينما يمتلأ في الحقيقة بهما، أردف "تليد" بصوت رخيم:
- لأسباب كتير، عد كدا معايا!
رفع "تليد" كفه أمام وجه الأخير وراح يضغط على أحد أصابعه ثم يقول باستكمال:
- أول سبب؛ إنها تعرف ماضينا سوا معناه إنها تعرف ماضيها هي! ودا هينتج عنه انتكاسة واضحة في شخصيتها واحتمال حياتها تتقلب رأسًا على عقب ودا مش هنبسط بيه لو حصل!
انتقل بأنامله العلوية إلى الإصبع المجاور ثم دقق النظر في عيني نوح وتابع بثبات:
- تاني سبب؛ أُترُج في شخص في حياتها، الحقيقة مش عارف هو بالنسبة لها إيه، بس فرضًا اعترفت لها بالماضي هتجري عليا وتاخدني بالحضن وتنسى حياتها والناس اللي فيها! فلازم أعرف الأول الشخص دا موقعه إيه من الإعراب في حياتها!
انتقل إلى ثالثهما ثم صرح بعد أن ابتلع غصة مريرة في حلقه:
- التالت والأهم؛ أنا أكبر منها بعشر سنين يا نوح؛ إيه اللي يجبرها تميل وتحب واحد أكبر منها بالفرق الشاسع دا؛ أكيد أحلام بنت زيها إنها تتجوز شاب قدها وتفكيرهم يشبه بعضه!
انتقل إلى الأصبع الرابع وصوته المخنوق يشتد مع كل سبب:
- السبب الرابع يا نوح، إن أُترُج اتربت على عادات متشبهلناش، لبسها وجرأتها مخليني بفكر طول الوقت؛ هل هتقبل التغيير اللي أتمنى أشوفها عليه؟ تستغنى عن طريقة لبسها وطريقة حجابها الغريبة دي وتحسن كل المفاهيم المغلوطة عندها علشاني! لمجرد بس إنها عرفت إني أنقذتها في طفولتها وشاركتها في جزء من حياتها وبحبها!
هم "تليد" أن يتابع جبل أسبابه الذي يحول دون التقائهما؛ فيصف تقاطع طرقهما كالمطر الذي يسقط في الصحراء بنُدرة وصعوبة!
أوقفه "نوح" مضيفًا بلهجة مستسلمة:
- بسسسس، كفاية أسباب، شيلتني الهم معاك، بس إحنا بردو لازم نلاقي حل!
كانت تنام على فراشها قريرة العين بعد أن استيقظت تعاون زوجها على التجهز للذهاب إلى العمل ثم خلدت للنوم عقب ذهابه؛ ورغم محاولاته المستميتة ألا يزعجها وأن يفرغ من تقضية حاجاته بنفسه إلا أنها تصر على الاستيقاظ ومساعدته ولو بالقليل ثم إعداد كوب الشاي مع بعض الشطائر والتي لا تحبذ أن يصنعها له غيرها.
كان يحب إصرارها على تلبية احتياجاته بنفسها دون أن يحتاج إلى أحد؛ ولكنه يثقل عليه تحميلها فوق طاقتها فكان أحيانًا ينزل عن الفراش بتوجس ثم يتسحب على أطراف أصابعه كما الريشة التي لا يمكنك الشعور بها ولكنها تفاجئه بوعيها لكل ما يفعل فتبوء محاولاته جميعها بالفشل.
كانت تغط في سكينة حتى وصل مسامعها صوت طرق عنيف على باب غرفتها فظنته هجومًا مسلحًا يهم على الفتك بها! انتفضت من نومتها جالسةً وراحت تصيح بصوت مرتجف يخرج بالكاد:
- مين؟
ردت الأخيرة بحزم:
- افتحي.
ارتخت جفونها ببعض الطمأنينة رغم توجسها من صوت الأخيرة الذي لا ينبئ بالخير البتة، مسحت على وجهها بأرق قبل أن تتدلى من الفراش ثم تتجه إلى الباب وتفتحه لتجد "تماضر" ترميها بنظرات شزراء ثم تصيح ممتعضة:
- نايمة على ودنك ولا إيه يا شروق هانم!
شروق تجيبها بتلقائية:
- أيوة، أمال هنام على إيه!
أسرعت "تماضر" بمحاصرة ذراعها ثم همت تجذبها منه وهي تقول بصوت حاد:
- طيب قدامي يا أم لسانين!
زوت "شروق" ما بين عينيها ثم أردفت بتوجس:
- على فين يا ماما!
تماضر بنفاد صبر:
- على البراندة، مش هخطفك يعني!
شروق وهي تتحسس رأسها ثم تضيف بامتعاض:
- طيب لحظة أغسل وشي وألبس الطرحة حتى!
سحبتها "تماضر" عنوة دون أن تأبه لاعتراضها وراحت تقول بلهجة حازمة:
- مفيش داعي للطرحة، البراندة كلها حريم، تعالي.
نزلت "شروق" بعينيها إلى كف الأخيرة المحكم على ذراعها ثم استسلمت تسير معها في صمت إلى أن دخلت ردهة المنزل ورأت مجموعة من السيدات يجلسن في حلقة مفرغة بعد أن نزعن أغطية الأرضية ويضعن في منتصفها وعاء معدني به بعض الأقمشة المحشوة بشيء ما جعلها منتفخة بصورة واضحة ثم رُبطت جيدًا، صحبتها "تماضر" إليهن ثم صاحت بصوت جاف:
- تعالي علشان تخطي.
التوى شدقها وراحت تستفسر متوجسة خيفة:
- أخطي إيه مش فاهمة؟
تماضر وهي تضع كفيها على بعضهما ثم تتابع بثبات:
- اسمعي، دي عادة عندنا بنعملها للستات اللي بتتأخر في الخلفة.
همت "شروق" أن تستدير محاولة التملص من بين كفها إلا أن الأخيرة صرخت فيها بصوت هادر:
- رايحة فين؟
شروق ترد بصوت مخنوق:
- أنا مستحيل أعمل الهبل دا.
تماضر وهي تضغط على ذراعها أكثر ثم تقول بحدة:
- دا مش هبل دا كلام نتيجته هتشوفيها بعد شهر أو اتنين بالكتير.
رمقتها "شروق" بقلق وراحت تتنقل ببصرها بين اللوح المعدني وبين النسوة وقد خفق قلبها جراء كلمات الأخيرة وخشيت أن يصبنها بأذى، لم تتركها "تماضر" تقع في منطقة عميقة من تفكيرها لتسحبها إلى منتصف الحلقة ثم تشعل إحدى السيدات إناءً من الفخار يخرج البخور من ثقوبه، ارتجفت ساقيها بوجل إلى أن صاحت "تماضر" بها وهي تقول بصوت صارم:
- يا بنتي إنتِ مكبوسة ومفيش غير التخطية هي اللي هتحل لك عقدة تأخرك عن الحمل.
شروق وهي تهتف بامتعاض:
- يعني إيه مكبوسة؟
زفرت "تماضر" بغيظ ثم صاحت فيها:
- مكبوسة يعني أرضك بور، خطي يا بنتي متغلبيناش!
عضت "شروق" شفتيها ذعرًا ولكنها لم تجد مفرًا من تنفيذ رغبات تلك، تمشت إلى اللوح على مضض فوجدت إحدى السيدات تقول بهدوء:
- خطي تلت مرات يا بنتي!
فعلت "شروق" ما أُمرت به فخطت الأولى فالثانية فالثالثة ولكنها تفاجأت بإحدى العاملات بالمنزل تدخل عليهن ومعها ضأنًا وفي الكف الآخر ساطورًا؛ ارتجفت "شروق" بصدع وراحت تتراجع للخلف بخوف، تناولت نفس السيدة التي طلبت منها التخطي الضأن من العاملة ثم وضعته بجوار اللوح وبحركة مباغتة جريئة قامت بذبحه على الفور فسالت الدماء الساخنة تغرق الأرضية وهنا صاحت السيدة تأمرها بصوت متعجل صارم:
- خطي من على الدم تلاتة، بسرعة قبل ما يبرد ويجلد!
زجرتها "تماضر" بنظرات قوية حادة، تحاملت على نفسها بالكاد وراحت تجر ساقيها إلى أن نفذت ما طُلب منها ثم تراجعت بجسد مرتجف حتى لم تعد قدماها تحملانها فغشت في الحال ساقطة على الأرض لترتطم رأسها بقوة.
- عُمر!
فتحت "سكون" الباب بحرص وراحت تنادي عليه بعد أن أطلت برأسها من وراء الباب قليلًا فوجدته يجلس بكرسيه داخل الشرفة ويتأمل المكان من حوله، ابتسمت بهدوء ثم تسحبت رويدًا حتى وقفت خلفه فانحنت إليه ثم لثمت خده في قبلة سريعة وأردفت:
- سرحان في إيه يا كازانوفا!
ابتسم ابتسامة ساخرة ظهرت على جانب شفتيه وقال متذمرًا جراء سخريتها به:
- كازانوفا بردو؟!! العاجز منين هيبقى كازانوفا، الكلام دا كان زمان وأنا بصحتي.
رفعت "سكون" أحد حاجبيها ثم أضافت بمكر وفكاهة:
- طيب إيه رأيك إن الدليل على كلامي مستنيك تحت!
عُمر يضيق عينيه ثم يقول متوجسًا:
- دليل إيه؟
سكون بابتسامة ودودة تتابع:
- في بنوتة زي القمر سألت عنك وقاعدة في أوضة الضيوف مستنياك.
اندهش يسأل بفضول يجتاح كيانه كله:
- بنت وبتسأل عليا أنا؟
خفق قلبه بوجل أن تكون (هي) ويكشف هذا الأمر الآن، نبش غرة رأسه قبل أن يسأل شقيقته بحذر:
- متعرفيش اسمها إيه؟
مطت شفتيها ثم نفت بتوجس:
- معرفش، مالك اتوترت كدا ليه؟
عُمر يرد بقنوط:
- إنتِ عارفة كويس أوي إني مش جاهز للمواجهة دي خالص.
سكون وهي تصيح فيه بتذمر كي يقوى على كل شيء يخنق أنفاسه:
- لحد إمتى يا عُمر؟ ومتقوليش مش عارف، إنت لازم تعرف ولازم تستعد لمواجهة أي حد في أي وقت، إنتَ مش معيوب بحاجة لا سمح الله علشان تستخبى وتِنِخ!
سكتت هنيهة ثم صاحت فيه بانفعال خفيف:
- ولعلمك إنتَ لو منزلتش معايا تواجهها بالحقيقة، صدقني يا عُمر إني عمري ما هسامحك أبدًا والصداقة اللي ما بينا هتخسرها.
عُمر وهو يرمقه بقوة ثم يرد بصوت مخنوق:
- متلويش دراعي يا سكون.
سكون بصوت ثابت:
- أنا برفع لك راسك بس إنتَ اللي مش عايز تشوف دا.
انسحبت من أمامه وهي تخطو خطوات مندفعة نحو الباب إلى أن وجدته يصيح فيها بصوت ثابت:
- خديني معاك!
تهللت أسارير وجهها وهي تلتفت إليه مرة ثانية ثم تذهب نحوه وتدفع كرسيه أمامها وهي تقول بنبرة منتصرة أصابت مرادها:
- خليك قوي، مش ست اللي تهزك، تمام؟
عُمر بابتسامة خفيفة يجيبها:
- تمام يا قدري!
دفعت الكرسي أمامها بشماختها المعهودة حتى سارت به إلى باب الغرفة، لاحظت توتره وتشنج عضلات وجهه كلما تذكر ما فعلته به بدم بارد، قامت "سكون" بالربت على كتفه تحثه على الثبات والشموخ وبدوره تنشق الهواء بداخله مستعدًا لكل حدث سيلقاه بعد تجاوز عتبة هذا الباب!
طلب منها أن تتابع دفع كرسيه للداخل وما أن تجاوز الباب حتى وجد "رويدا" تنهض في مكانها بسرعة وهي تزوي ما بين عينيها ثم تقول:
- إزيك؟ أنا رويدا، فاكرني؟
أومأ دون أن ينبس ببنت شفة؛ فأضافت وهي تتلفت حولها:
- أمال فين عمر!
تنهد بجرأة ثم أطلق لسانه يقول:
- رويدا عايز أقول لك على حاجة مهمة أوي، أنا…
قطعت حديثه وهي تقول بصوت مخنوق:
- عُمر.. إنتَ عُمر!
رمقه بنظرة جامدة ثم قال بجمود:
- أه عُمر.. اللي رفضتي تشوفيه عاجز أو تدي فرصة لنفسك إنها تحتار في أيهما؟!.. اخترتي بعين التمني، مش كدا؟
لم تكن تبدي قيد أنملة من الدهشة حتى فتعجب لذلك ولكنه لم يعلق، تنهدت بمثابرة ثم أفصحت:
- اخترت بعين الوجع يا عُمر، لما قلبي يقول لي (هو) وأنكر دا مش علشان عاجز علشان متخيلتكش كداب، العجز مش وصمة يا عُمر، بس الكذب في حد ذاته عجز عن تقبل إرادة ربنا.
صرحت بكل ما ملأ نفسها المهمومة وتحدثت فيه بطلاقة تنفس عن نفسها وقلبها المتأذي من صاحبه، كادت أن تبكي لولا أن انسحبت من أمامهما وهي تغادر على الفور، فيما أطرق "عُمر" شاعرًا بالخزي والألم وهو يفكر في كل كلمة لفظتها في انزعاج وأذى منه!
- ويا ترى مين دي اللي طلبت تشوف عُمر!
أردف بصوت رخيم أثناء تركيز بصره بين صفحات الجريدة جالسًا في حديقة القصر بصحبة زوجته، ابتسمت "نبيلة" بهدوء ثم أجابته:
- بتقول إنها زميلته وسهير خدتها لأوضة الضيوف ومكملتش ربع ساعة ومشيت!
أومأ يتظاهر غير مبالٍ بنزوات ابنه الذي تعرض لحادث جعله أقل ثقة بالنفس خاصة بعد تصريحات الأطباء بفقدان الأمل في حالته حتى لو ذهب به لآخر العالم من أجل علاجه فقد أصيب بشلل تام في ساقيه حتى أنه دخل في غياهب غيبوبة طالت لشهرين ونصف الشهر واستيقظ بعدها وقد أكلت الغيبوبة جزءًا من ذكرياته وعانى كي يتذكر الجزء الآخر منها.
تنحنحت "نبيلة" بحذر قبل أن تقول بخفوت:
- عثمان! إنتَ مش ناوي تكلم شروق؟
رمقها بنظرة جامدة من وراء نظارته الخاصة بالقراءة، فتلجلجت وهي تقول متلثمة:
- يا عثمان دي بنتنا مهما حصل!
عثمان بصوت حاد يسأل:
- إنتِ بتتكلمي معاها؟
حاولت أن تبدو ثابتة ولا تتزعزع إثر سؤاله، أومأت بنفي قاطع أذهب عنها الشك؛ ولكنها تابعت بنبرة متلهفة يغلفها لوعة الفراق:
- لأ مبتكلمش، بس لو الموضوع طوَّل عن كدا أنا مضمنش نفسي، أنا بنتي وحشتني يا عثمان!
عثمان وهو يهدر فيه بلهجة صارمة:
- وإنتِ عايزاني أروح أترجاها تيجي تزورنا وتسأل على أبوها وأمها؟
نبيلة وهي تتنهد بحزن ثم تقول:
- أكيد لأ، بس أنتَ سمعت سليمان بنفسك لما قال لك اسأل عن شروق ودا معناه إنها متأذية من فراقها لينا.
عثمان وهو يشيح ببصره للناحية الأخرى ثم يرد بصوت أجش:
- لو متأذية كانت رجعت لبيت أبوها، مكانتش استغنت بجوزها عننا كلنا، أنا مش عايز كلام في الموضوع دا تاني، سامعة!
ابتلعت ريقها بالكاد وهي تنتفض إثر نبرة صوته الهادر ثم تقرر التزام الصمت لحين استكمال الحديث في وقت لاحق يكون فيه في مزاج جيد لسماع كلمات الشوق واللوعة التي تكنها لابنتها الغائبة.
صر بقوة على أسنانه ووجهه محتقنًا بدماء الغضب الذي بلغ مبلغه منه، جلس على طرف الفراش ثم أمسك بخرقة مبللة بالماء وراح يمسح بها جبهة زوجته المصابة بندوب واضحة تسيل منهم خيوط من الدماء رفيعة للغاية وقد ورمت بصورة كبيرة جعلته يثور في كل شخص يراه أو يتحدث إليه، كظم غيظه لبعض الوقت؛ ولكنه لم يقدر على كبته أكثر من ذلك فأول ما رأى والدته تأتي إلى غرفتهما حتى صاح بصوت جهوري:
- ممكن أعرف إيه اللي إنتِ عملتيه دا يا أمي؟
أشاحت "تماضر" بوجهها بعيدًا عنه ثم قالت بصوت ثابت:
- عملت إيه؟ مراتك مكبوسة وكان لازم لها فك.
رفع "عِمران" أحد حاجبيه ثم التفت إلى زوجته وراح يتفحصها قليلًا قبل أن يقول بلهجة تجهل مقصد والدته ولكنه اجتهد في أن يصل لمعنى من هذه العبارة:
- مكبوسة إزاي يعني؟ مربربة؟ مقلوظة؟!! دي حتى شروق خفيفة يعني!
تماضر بغيظ من استخفافه:
- مكبوسة يعني متأخرة في الخلفة من غير سبب ودا علاجه بيكون التخطية.
عِمران وهو يترك الخرقة على جبهة "شروق" ثم يلتفت إلى والدته ويصيح بصوت عال قانط:
- يا ستي هو أنا كنت قولت لك عالجيها؟!!
سكت لبُرهة ثم أضاف مستنكرًا:
- وبعدين تخطية إيه دي اللي مخلياها مبتنطقش من ساعة ما فاقت!!!
تماضر ترد بامتعاض:
- مراتك طرية وخرعة يا عِمران، وقعت من طولها لما شافت الخروف بيتدبح.
عمران وهو ينهض من مكانه ثم يمشي إليها مضيفًا بصدمة:
- اللهم صلي على حضرة النبي، إنتِ دبحتي خروف قدام شروق مراتي؟!!
تماضر تقف شامخة ثم تقول بجمود:
- أيوة.
رفع "عمران" كفيه على رأسه ثم أردف بصوت مهزوم حانق:
- طبيعي تفقد النطق، طبيعي!
- خير يا سيد، في حاجة ولا إيه؟
تساءل "عثمان" بهدوء أثناء جلوسه بالحديقة حينما رأى حارس البوابة يسير إلى البوابة الداخلية للقصر، أجابه الأخير بصوت هادئ:
- أستاذة وَميض، طلبت مني أنادي الست سهير ومش راضية تدخل القصر.
رفع "عثمان" أحد حاجبيه ثم قام واقفًا في مكانه وراح يقول بلهجة حازمة:
- روح إنتَ على شغلك ومتسيبش البوابة لأي سبب أو علشان أي حد.
أومأ الأخير مطيعًا وهرع عائدًا إلى البوابة، تحرك "عثمان" خلفه بحركات ثابتة فتعجبت "سكون" وأسرعت تقول بتوجس:
- رايح فين يا بابا؟!!
لم يجيب على سؤالها وتوجه نحو البوابة فوجدها تقف على جنب تنتظر خروج والدتها إليها.
- حالفة على القصر ولا إيه؟
اقشعر جسدها حينما تفاجأت به يتحدث بالقرب منها، استدارت تواجهه ثم أردفت بصوت هادئ:
- عايزة أمي في موضوع مهم وماشية على طول.
عثمان وهو يعقد ذراعيه أمام صدره ثم يقول بلهجة مزدرية لشخصها:
- وتمشي ليه! القصر دا مكانك الطبيعي للخدمة، إنتِ ناسية إن أبوكِ وأمكِ بيخدموا هنا ولا هتتبرأي منهم؟
وَميض وهي تعقد ذراعيها مثلما فعل ثم ترد بصوت جاف:
- لا عاش ولا كان اللي يخليني أجحد فضل أبويا وأمي عليا، وتصحيحًا للغلط اللي قولته فأبويا وأمي مدبرين مش خدامين، مدبرين لأمور بيتك اللي من غيرهم مكانتش هتمشي لأن حضرتك طبعًا مشغول في حاجات تانية!
عثمان بصوت أجش يقول:
- إذا أنتَ أكرمت الكريمَ ملكته وإن أكرمت اللئيمَ تمردا!
وَميض بلهجة حادة تسأله متهكمة:
- أكرمتني بإيه؟ أو ليك فضل عليا في إيه؟ وأيه سر عداوتك ليا؟ دا أنا حتى نفذت لك كل اللي طلبته مني زمان!، معقول الثورة دي كلها علشان سربت خبر حقيقي عن واحد مجرم! انتفاضة حضرتك علشانه معناها حاجة واحدة بس!
ضيق "عثمان" عينيه فوجدها تضيف بنبرة كريهة تنال منه:
- إلا إذا كنت شريكه في نفس الجرم!
في تلك اللحظة داهم خدها صفعة قوية أفقدتها التزامها حيث رفع ذراعه بأقصى طاقة وقوة لديه ثم نزل بملء قوته على وجهها، صرخت متأوهةً فيما هرعت "سكون" إليها ثم أردفت بصوت مخنوق يحفه الدهشة:
- بابا!! ليه كدا؟
عثمان وهو يصيح عاليًا في غضب جامح:
- دي بنت قليلة ترباية وطالما علام وسهير فشلوا في تربيتها فأنا اللي هقوم بيها.
أنهى حديثه ثم أحكم قبضته على غطاء رأسها وراح يدفعها بقوة للداخل، صرخت "وَميض" فيه عاليًا شاعرة بالسخط والغضب على ما يفعله بها؛ وكذلك ترجته "سكون" وهي تهرول خلفهما أن يتركها ولكن دون فائدة.
ثمة أعين تتربص بهما من البداية وما أن تأججت نيران الخصومة بينهما واشتد لهيب النزاع حتى أسرع الرجل بإجراء اتصاله العاجل وما أن سمع صوت الأخير حتى تابع بنبرة متعجلة:
- الحق يا أستاذ تليد، آنسة وميض راحت قصر عثمان بيه وقامت خناقة كبيرة بينهم وضربها!
رواية رحماء بينهم الفصل العاشر 10 - بقلم علياء شعبان
هاجت كرامتها ولم تقعد، واستعرت نيران قلبها حينما جذبها من غطاء رأسها وأدخلها إلى القصر عنوةً، وأرادها أن تظل حبيسة قصره وتعود إلى سابق عهدها في هذا المكان بعدما خرجت منه بإصداره فرمان إبعادها عن محيط عائلته بصورة عاجلة.
نفذت ما أمر، وقررت أن تهتم بعملها داخل الجريدة، ووعدها "عثمان" بتوظيفها داخل الشركة جائزةً على انصياعها لأوامره.
قادها قسرًا حتى باب المطبخ، ثم دفعها بقوةٍ داخله. كادت أن تسقط ولكنها تماسكت بصلابة كبيرة، ثم تركها وغادر بعد أن ألقى بعض الكلمات التي كان لوقعها على نفسها أذى:
"مارسي مهنتك الجديدة، قصدي القديمة، ولو نسيتيها فأمك سيد من يفكرك بيها."
غادر من أمام وجهها، فيما هرولت "سهير" نحوها بعينين مُتسعتين في صدمةٍ وصاحت بذعرٍ:
"وَميض؟! إنتِ أيه اللي جابك هنا؟!"
لم تلتفت "وَميض" لها، بل ظلت تنظر نحو الباب بعينين تقدحان بالشرر والكُره. وقفت "سهير" أمامها، ثم قبضت على ذراعها وراحت تهزها برفقٍ علّها تستفيق من سكرة الغضب التي تملكتها:
"يا بنتي فهميني أيه اللي بيحصل؟!"
شهقت "وَميض" شهقةً مكتومة، ثم استدارت نحو الأواني الموجودة على الطاولة الرخامية وبدأت في الإطاحة بهم أرضًا وسط نظرات "سهير" المذهولة. فيما لم تهدأ الأخيرة وراحت تعيث فوضى في المكان، حتى هرولت "سكون" إلى المطبخ ورأت ما يحدث فقالت بصوتٍ حازمٍ:
"وَميض، ممكن تهدي وتفهميني أيه اللي ضايق بابا؟!"
توقفت "وَميض" عما تفعله، وتحركت ببطءٍ نحو الأخيرة حتى وقفت قبالتها مباشرةً، لتخرج من بين شفتيها ابتسامةٌ ساخرةٌ ثم تصيح مُمتعضةً بصوتٍ حادٍ تفوح منه رائحة العداوة:
"ومين أبوكِ دا اللي لازم أعمل حساب لزعله وأراجع كلامي قبل ما أقوله له؟! أبوكِ دا نكرة يا حبيبتي وإنتِ مُجرد خاضعة لاستبداده."
"سكون" وهي تهتف فيها بحدةٍ:
"اخرسي، أبويا خيره عليكِ وعلى أهلك."
كانت سهير تقف على جنبٍ تراقب ما يحدث في ارتباكٍ وخوفٍ. لم تستطع أن تبقى جامدةً لوقتٍ أطولٍ، فسارت إلى ابنتها ثم همت بوضع كفها على فم "وَميض" علّها تستطيع منعها من الوقوع في خطأ فادحٍ وهي لا تشعر:
"معلش يا سكون هانم، هي بس واخدة على خاطرها!"
أومأت "سكون" مُقررةً أن تتغاضى حتى لا يعلم والدها ويفتك بالفتاة. تأففت في حنقٍ ثم غادرت، فيما أزاحت "وَميض" راحة والدتها ثم صاحت باستنكارٍ يشوبه السخرية:
"عاجبك كلام سكون هانم وعثمان بيه!"
وضعت "سهير" كفها على فمها ثم قالت بقنوطٍ وعجزٍ:
"ولو مش عاجبني هبلعه وأسكت."
ضغطت "وَميض" على أسنانها بانفعالٍ حادٍ وراحت تصيح بنفاد صبرٍ:
"ونسكت ليه ونبلع الإهانة فينا ليه؟! هم أحسن مننا في أيه يا أمي علشان ياخدوا بونت على إهانتنا؟!!!!"
"سهير" وهي تقول بصوتٍ مخنوقٍ تشيح بعيدًا:
"لأننا طبقات يا بنتي؛ لأننا إتخلقنا علشان نقرب للناس اللي زيهم ونلاقي لقمة عيشنا في خدمتهم."
"وَميض" وهي تبتلع غِصَّةً مريرةً في حلقها وتقول:
"يعني إحنا لو اشترينا كرامتنا هيتقطع عننا لقمة العيش في مكان تاني!!!"
لم تجبها الأخيرة؛ فأكملت "وَميض" بلهجةٍ حازمةٍ:
"اسمعي يا أمي، إحنا مبقالناش لقمة عيش في المكان دا، لو بتحبيني فعلًا مش هتفكري كتير في اللي بقوله، أمي!."
رمقتها "سهير" بارتيابٍ للقادم من حديثها؛ فتابعت "وَميض" بحسمٍ:
"بلغي عثمان وعيلته إنك مش هتكملي ويلا نمشي من هنا؟!"
ردت "سهير" مستنكرةً ما تقوله ابنتها في بساطةٍ:
"وناكل ونشرب منين؟!! وبعدين هو مش منعك تخرجي برا القصر!!!.. اعقلي يا بنتي وبلاش مشاكل ولا عايزانا من اللي بيرفسوا النعمة بإيديهم!!"
أشاحت "وَميض" عنها وراحت تعض على شفتيها من شدة الغيظ، ثم نظرت لها مرةً أخرى وعقدت ذراعيها أمام صدرها وأسرعت تقول بصوتٍ مخنوقٍ:
"لو ممشيتيش معايا يا أمي، مش هتشوفي وشي تاني!"
استدارت "سهير" للجهة الأخرى ثم ردت مستنكرةً:
"اعقلي يا وَميض وبلاش جنان؛ إنتِ الغلطانة لمَّا صوتك يعلى على واحد أد أبوكِ."
"وَميض" وهي تردف بغيظٍ مُتأججٍ:
"طول ما هو مش أبويا فأنا هعلي صوتي لأنه استحق دا."
سكتت هنيهةً ثم تابعت بصوتٍ جافٍ:
"بس إنتِ اللي اختارتي يا أمي، سلام."
اندفعت نحو البوابة الداخلية وفتحتها؛ ولكنها وجدت حارسًا يقف أمامها وراح يضع ذراعه أمام جسدها وصار حائلًا دون عبورها وبصوتٍ هادئٍ قال:
"عثمان بيه مانع خروجك يا آنسة وَميض."
كورت قبضة يدها بغيظٍ ثم صفقت الباب في وجهه واستدارت مندفعةً نحو الدرج كي تدرك غرفة مكتبه ثم تقتحمها وتحتج على حبسها دون وجه حقٍ له في تصرفٍ كهذا. خطت درجتين فحسب إلى أن وجدت كفًا يقبض على ذراعها ويدفعها على الوقوف في مكانها:
"بتستفزيه وترجعي تشتكي!!"
نطقتها "سكون" بصوتٍ هادئٍ وملامح جامدةٍ، استدارت "وَميض" نحوها ثم عقدت ذراعيها أمام صدرها وراحت تضيف بتحدٍ:
"قولي لي سبب واحد يخلي عثمان بيه له سُلطة علينا ويصدر فرمانات عن حياتنا الشخصية وإمتى نخدم في القصر وإمتى نتنفي منه!!"
أبت "سكون" أن تستسلم للحديث الدائر بينهما مهما نطقت خصمتها من صوابٍ؛ فلا يمكنها أن تنصرها على أبيها. رفعت رأسها بشموخٍ وركزت بعينيه داخل خاصتي الأخيرة التي ما أن لقت منها من إجابةٍ صامتةٍ حتى صرحت بكلماتٍ مُزدريةٍ:
"أجاوبك أنا بقى، أبوكِ بيتعامل معانا على أننا من عبيد قُريش، مِلكه بالمختصر المُفيد؛ لا يحق لنا نقرر أي حاجة عن حياتنا ولا نخرج عن طوعه، فاكر نفسه سيد من أسياد الجاهلية!!!!"
سكتت هنيهةً ثم ابتسمت تقول بسخريةٍ:
"تصدقي ينفع يكون اسمه (أبا جهل).. مبروك عليه اللقب."
"سكون" وهي تتحداها بحزمٍ:
"عارفة أيه اللي مصبرني على وقاحتك؟!!"
رمقتها الأخيرة شزرًا؛ إلا أنها أكملت غير مُباليةٍ:
"شروق أختي."
قهقهت "وَميض" ثم قالت بتهكمٍ واضحٍ:
"أختك اللي أبا جهل عامل لكم حظر من السؤال عنها أساسًا!"
أنهت جملتها ثم ذهبت مرةً أخرى إلى المطبخ بعد أن تشفت قليلًا في ابنته وهدأت نفسها. دخلت المطبخ ثم أخذت تروح وتأتي به تبحث عن فكرة للتخلص بها من هذا السجن!
***
أخذ ينفخ مرارًا حتى انتفخت أوداجه من شدة الغضب. هل فتاة بحجمها وصِغر سِنها تتجاوز الحدود التي لم يتجاوزها الأكبر منها عُمرًا معه!!، ضرب سطح المكتب براحته في انفعالٍ شديدٍ سعى إلى إخماده استعدادًا لدخول هؤلاء الشباب عليه بعد قليل.
طُرق الباب بهدوءٍ؛ فأردف يأذن بصوته الرخيم ليجد إحدى العاملات تقول في احترامٍ:
"الضيوف في انتظار حضرتك يا عثمان بيه."
أومأ ثم قال موجزًا:
"ادخليهم كلهم مرة واحدة مليش دماغ لكل واحد لوحده."
هزت رأسها مُنصاعةً ثم خرجت على الفور وبعدها بثوانٍ كان الشبابُ يدخلون إليه في انضباطٍ ونظامٍ حتى سمح لهم بالجلوس على المقاعد المقابلة له. تدبر ابتسامةً زائفةً ثم عقد كفيه سويةً وقال بصوتٍ أجشٍ:
"أهلًا بيكم في قصر عثمان السروجي."
قابل همهماتٍ شاكرةً منهم؛ فتابع مُحافظًا على ابتسامته:
"طبعًا عندكم علم بسبب حضوركم هنا وأنا كُلي ثقة في الشركة اللي بعتاكم."
أومأ الجميع متفهمين ما يستفتح به حديثه، تنهد "عثمان" بحزمٍ ثم صرح:
"أنا عايز سواق شاطر لفرد من أهل بيتي.. مش بس سواق لو تطلب الأمر إنه يغير المسمى الوظيفي علشان حمايته ميترددش!!"
في تلك اللحظة، توقف عن استكمال ما رتبه من كلماتٍ حينما طُرق الباب مُجددًا فقطب "عثمان" ما بين حاجبيه مُحاولًا كظم غيظه أمام ضيوفه رغم معرفة كل من بالبيت بشأن قوانينه الصارم التي تسير عليها مملكته وأولها عدم إزعاجه في وقت العمل؛ إلا أن أحدهم أخطأ ولم يبالِ بقانونٍ صارمٍ كهذا:
"ادخل!"
قال كلمته بصوتٍ رخيمٍ يشتاق لرؤية الطارق كي يتوعد له بالكثير، أطلت إحدى العاملات من وراء الباب ثم أردفت بصوتٍ مُتهدجٍ مرتعبٍ:
"آسفة على الإزعاج عثمان بيه، بس موضوع مستعجل!"
رفع أحد حاجبيه ثم أشار لها أن تقترب منه وقد اعتقد أن سجينته ربما قد أضمرت نيران فوضتها بالمكان، انحنت منه ثم همست بعض الكلمات بالقرب من أذنه جعلت علامات الدهشة تسيطر على قسمات وجهها وحينما استقامت من جديد تنتظر رده قال بصوتٍ هادئٍ رغم حيرته وقلقه:
"نازل حالًا."
التفت ببصره إليهم ثم تابع بصوتٍ حازمٍ وهو ينتصب واقفًا في مكانه:
"معلش يا شباب مش هقدر أكمل معاكم المقابلة؛ ولكن استنوا مني ميعاد قريب!"
التفت إلى العاملة وطلب منها أن تصحبهم إلى البوابة الداخلية للذهاب، انتظر حتي غادروا الغرفة ثم كشر وجهه وراح يقول بسخطٍ وحيرة:
"ودا أيه اللي جابه هنا؟!"
تنشق الهواء داخله بعُمقٍ قبل أن يحسم الأمر حول النزول له وضرورة المواجهة لمعرفة السبب الذي ساقه إلى مكانٍ لم يأتِ إليه من سنواتٍ عديدةٍ!، خرج بسرعة ثم هبط الدرجات فوجد "تليد" يقف أمامه بوجهٍ منفعلٍ تنبعث منه الدماء المحمية ثم يقول بلهجةٍ حادةٍ:
"أهلًا عثمان بيه!"
ابتسم "عثمان" ابتسامةً ثابتةً ثم سار نحوه وقال بصوتٍ جافٍ:
"أنا اللي المفروض أرحب بيك، إنتَ في بيتي!"
"تليد" وهو يرمقهُ بنظراتٍ باردةٍ ثم يتابع:
"بيتنا، إنتَ ناسي إن أنا وأبويا لينا فيه النص بس منصوب علينا؟!!"
"عثمان" بجمودٍ:
"خلاص روح قاضيني في المحاكم!"
"تليد" مُضيفًا بلهجةٍ حانقةٍ:
"إنتَ عارف إن أبويا متربي على الأصول ومش قابل يعمل كدا في أخوه وإلا مكنتش اتجرأت تقول لي الجملة دي وإنتَ عارف كويس أوي إني لو قاضيتك هاخد حقي وحق أبويا من بكرا."
تنفس "عثمان" الهواء بقوة قبل أن يصيح بصوتٍ جهوري حانقٍ:
"جاي ليه يا تليد؟! وعايز أيه؟!!!"
فكر "تليد" طويلًا في هذا السؤال أثناء قيادته إلى القصر ولم يكن يجد إجابة أو حجة منطقية يهرب منها من السبب الحقيقي وراء جريانه إلى مكانٍ عهد ألا يأتي إليه ما حيا ولكنه جاء مرة أخرى منكبًا على وجهه قلقًا بشأنها، كان يختلس النظرات في ردهة القصر ولكنه لم يتحصل على أحدٍ مما دفعه إلى ارتفاع نبرة صوته وهو يجد سببًا فصيحًا يقاضي به عمه ويأتي إلى عقر داره دون أن يُلام.
"مش هتبطل لِعب من تحت لتحت يا عثمان بيه!!"
"عثمان" يصيح فيه بلهجةٍ صارمةٍ:
"وطي صوتك وإنتَ بتكلم عمك، وأيه معنى الكلام دا؟!!"
"تليد" وهو يتكلم بعصبيةٍ حقيقيةٍ سببها معروفٌ لديه وحده، فقد عرف "تليد" منذ زمنٍ بما يفسده عمه من أسفل لأسفل ولكنه كان يتغاضى بأمرٍ من والده وها قد جاءت اللحظة التي يستخدم فيها هذه الكروت من أجل صغيرته:
"إنتَ اللي هتقول لي معنى اللي بتعمله؟!.. هتستفاد أيه لمَّا تحط لنا جواسيس في المزرعة ينقلوا لك كُل أخبارنا!، لو فكرت تسأل عن أخبارنا كُنا هنقول لك على فكرة من غير مجهودك الخرافي دا؟؟.. تقدر تقول لي بتستفاد أيه لمَّا تصطاد أمهر العُمال عندنا وتساومهم على مرتب أكتر من اللي بياخدوه مقابل إنهم يسيبوا المزرعة ويشتغلوا عندك؟!!!"
"عثمان" وهو يشيح عنه ثم يقول بلهجةٍ غاضبةٍ:
"جبت منين الكلام دا؟!!"
"تليد" ببسمةٍ ساخرةٍ:
"من نفس العمال اللي ساومتهم على فلوس أكتر يا عثمان بيه!!"
في تلك اللحظة، تأججت المشادة الكلامية بينهما وتجمع على إثرها كُل من بالقصر حتى (هي) لم تهتم للأمر في البداية حتى تلصصت النظر قليلًا ووجدته (هو). لمعت فكرة في عقلها مُستغلةً توتر الأجواء وغضب الأخير من عمه وقررت أن تلتجيء إليه علّه يساعدها على التحرر من هذا المكان.
"تليد!!"
نطقتها "سكون" اسمه بتمتمةٍ هامسةٍ بينها وبين نفسها وهي تحدق فيه مصدومةً وبالكاد تصدق وقوفه في منتصف قصرهم!!.. اكفهر وجه "نبيلة" حالما رأتهُ وهي التي تُعاديه أشد عداوةً لتفوقه العلمي والعملي على ابنائها حتى أنها تبغض فكرة أن تُقسم التركة إلى نصفين؛ نصف يقسم على أولادها الثلاثة من بعد أبيهم ونصف كامل له وحده من بعد أبيه وزوجها هو أكثر من ساهم في بناء هذه التركة بمعاونة أبيه.
جاء "عُمر" يدفع كرسيه لتفقد الصخب الواصل إلى غرفته كذلك وما أن رأى ابن عمه حتى تابع مصدومًا كحال شقيقته:
"تليد!!!"
لم تكن الصدمة من شخص الواقف نفسه إنما فيما أصدر من عهدٍ نافذ المفعول وهو يتعهد بألا تخطو قدماه أرض هذا القصر. التفت "تليد" ببصره بينهم ولم يجدها فانتقل إلى عمه وقال بصوتٍ هادئٍ:
"إنتَ فاكر إني معرفش عنك حاجة، كل المعلومات عندي من أول جواسيسك الموجودين في مزرعتنا لحد العجول اللي جالها مرض وماتت وإنتَ دبحتها بردو واستخدمتها في المنتجات علشان متخسرش!!!"
فتحت "سكون" فمها بعد أن أخرجت شهقةً مكتومةً ثم لم تعد تحتمل المزيد فصاحت بصوتٍ مخنوقٍ:
"إنتَ كذاب يا تليد، عجول ميتة؟ إنتَ إزاي شيخ محترم وبتطعن في سمعة عمك علشان في بينكم مشاكل!."
"تليد" بصوتٍ خشنٍ:
"دا مش طعن، دي الحقيقة حتى لو مكانتش على هواكِ يا بنت عثمان بيه."
ابتلعت "سكون" غِصَّةً مريرةً في حلقها من استنكاره لصلة الرحم التي تجمع بينهما ورفضه الاعتراف بها؛ إلا أنها لا تلومه فكُل شيءٍ يصدر منه كان والدها هو المُعلم والباديء به.
اشتد لهيب العداوة والبغضاء من قبل "عثمان" الذي نبج صوته بغضبٍ عظيمٍ:
"اطلع برا القصر واللي عندك اعمله."
ابتلعت "وَميض" ريقها على مضضٍ ثم قررت الفرار إليه واستجدائه كي ينتشلها من هذا المكان. ابتلعت ريقها على مهلٍ ثم هرولت باتجاهه في حين أنه أول ما رأى وجهها تظاهر بالبرود؛ فهرعت إليه حتى وقفت خلف ظهره وراحت تقول بصوتٍ مخنوقٍ:
"أستاذ تليد، أرجوك ساعدني، الراجل دا ضربني وحابسني هنا غصب عني!!!"
وقفت خلفهُ تحتمي به، حاول استيعاب ما تفعله ولكنه أقسم في نفسه على حمايتها وقطع يد من تسول له نفسه المساس بها. استدار نحو عمه ثم أردف بنبرةٍ ساخرةٍ:
"إنتَ غيرت النشاط وبقيت بتخطف بنات!!"
"نبيلة" وهي تتدخل مضيفًا باحتجاجٍ ووحدةٍ:
"خطف أيه وكلام فارغ! البنت دي بنت الخدامين اللي في القصر ومش عايزة تساعد والدتها."
"تليد" وهو يتحول بنظراته إليها ثم يقول بسخريةٍ:
"بس هي مش عبدة هنا هتعمل حاجة عكس إرادتها؛ طول ما هي مش عايزة متعملش وإنتوا لازم تحترموا دا!"
سكت لبُرهةٍ ثم أضاف بصوتٍ حاسمٍ:
"عمي، أنا جيت أطلب منك تبعد عني وعن أبويا زيّ ما إحنا ساكتين عن حقنا فداءً لصلة الرحم اللي إنتَ بتقطع فيها كُل يوم لحد ما بقت مش قادرة تجدد جلدها!."
استدار يعطيهم ظهره حتى تواجه بها وتلاقت أعينهما. رمقتهُ بنظراتٍ محتارةٍ بشأن تصرفه معها وقد لمعت عيناها تستجديه فيهما. توترت نفسه المُستقرة ما أن رأى الخوف يتجلى في حركة عينيها وقد تمكن من قراءة أفكارها وهي تفكر فيما سيتصرف بخصوصها؟ هل سوف يأخذها معه؟ أم يمر من جوارها غير مُبالٍ بها كاشفًا عن ضعفها بعدما اختارته سدًا منيعًا يعوق حركة المتربصين لها!
"اتفضلي معايا يا آنسة!."
خفق قلبها بأملٍ وسعادةٍ وصدقت ظنونها فيه، تنفست الصعداء وهي ترمقهُ بنظراتٍ تحمل من خلالهم كل كلمات الشكر الوجودية. همَّت أن تسير معه إلى أن سمعت صوت "عثمان" يهدر بصوتٍ جهوري:
"تروح معاك فين؟!! إنتَ بتكسر كلامي وبتخلي خدامة تمشي كلامها عليا!!"
خافت أن كلمات "عثمان" تعبث بعقل الأخير وتجعلهُ يتراجع عن مساندتها؛ فتابعت بصوتٍ مخنوقٍ يوشك على الانخراط في البكاء:
"حلفتك بالله ما تسيبني في المكان دا، لو سمحت متخيبش ظني فيك!"
صرح "تليد" بصوتٍ مُتحدٍ دون أن يستدير إلى عمه:
"لو الآنسة مخرجتش معايا يا عثمان بيه، أنا هفضل موجود معاها وهطلب البوليس وييجوا بقى يسمعوا شهادتي وشهادتها!"
"عثمان" بحدةٍ:
"ودا تهديد؟!"
"تليد" مُضيفًا بلهجةٍ حاسمةٍ:
"دا قرار مش راجع فيه."
كانت "سهير" تتابع ما يحدث في صمتٍ وهي تلوم ابنتها في نفسها على ما جلبته لهما من مشاكل سوف تحدث حتمًا وقريبًا ربما يخسرنان وظيفتهما!
"اتحركي!"
استدار بعينيه إليها ثم هتف بتلك الكلمات؛ أومأت في الحال ثم سارت أمامه وتبعها بخطواتٍ واثقةٍ من تراجع عمه خوفًا على سمعته التي يبيع الدنيا من أجلها، كانت سعادتها تصل للسماء وهي تتنفس الصعداء بعدما تخلصت من البقاء بين جدران هذا القصر بأعجوبةٍ بينما لم تدم فرحتها طويلًا حينما تذكرت موقف والدتها السلبي تجاهها وقبولها الإهانة فضلًا عن ترك القصر وهل إن كان والدها موجودًا كان ليتخذ نفس موقف والدتها؟ كلا، هي تأمل أن يثور لما حدث معها ويبحث عنها مقررًا ألا يعود إلى القصر مرة ثانية.
تجاوزت البوابة الخارجية وباتت طليقةً بفضله، استدارت بجنب وجهها الأيمن تتفقد قدومه خلفها وما هي إلا لحظاتٍ حتى أردف يكلمها بصوتٍ ثابتٍ:
"فين بيتك وأنا أوصلك!"
توقفت في الحال ثم استدارت كليًا ناحيته، ابتلعت غِصَّةً مُرةً كالعلقم ثم دمدمت بصوتٍ خافتٍ:
"شكرًا على تعبك معايا لحد هنا، بس أنا مش راجعة بيتي."
تنحنح "تليد" بخشونةٍ ثم سألها بصوتٍ رخيمٍ يستقصي حول ما تخطط بينما فسرت هي ذلك لشعوره بالمسؤولية تجاهها؛ فقال:
"مفهمتش، ناوية تروحي فين؟!"
تكلمت بتلقائيةٍ فذةٍ وقالت بعد بتنهيدةٍ ثقيلةٍ وبعضٍ من التفكير:
"هروح عند وسام."
رفع أحد حاجبيه بعدما علم بماهية الشخص المقصود؛ فقد جاء اسمه في حديثٍ ما سابقًا من ذلك الرجل الذي يكلفه بتتبعها. حاول كظم غيظه وادعى الجهل حول حديثها فقال مُجددًا:
"مين وسام؟! واحدة صاحبتك؟!"
تنهدت بسرعةٍ من أسئلته التي لا داعي لها ولا تخصه في شيءً؛ ولكنها تدين له بذلك الموقف النبيل معها وقد حسبته موقفًا واحدًا ولا تعلم أن دينها له كبير جدًا وليس كما تظن!
"صاحبي."
صرحت بنفاد صبرٍ، كشر وجهه في ضيقٍ وراح يقول ببرودٍ:
"وإنتِ هتروحي عند راجل غريب لوحدك تعملي أيه؟!!"
انفتحت عيناها على وسعهما ثم قالت بدهشةٍ:
"أنا حُرة يا أستاذ تليد وعارفة كويس إنك ليك عليا دين بس دا مش معناه إنك تدخل في حياتي!!!"
"تليد" بإيجازٍ:
"تمام."
ظنتهُ تراجع لوهلةٍ قبل أن يجذبها من حقيبة يدها عائدين إلى البوابة، حدق فيها بقوةٍ ثم قال بصوتٍ أجشٍ:
"طالما مش هتدخل في حياتك بقى، يبقى زي الشاطرة ترجعي القصر وتتعاملوا بقى مع بعض."
كزت على أسنانها وهي تصدر قدميها بالأرض ثم تقول بعنادٍ:
"كُنت فكراك مُختلف عن عيلة السروجي، طلعت الوجه الآخر ليهم."
"تليد" وهو يردف بلهجةٍ حازمةٍ:
"لوك لوك قَصري!"
تنفست الهواء داخلها بصبرٍ ثم قالت باستسلامٍ:
"مش هروح عند وِسام.. هقعد في أي شقة مفروشة إيجار."
أومأ في هدوءٍ ثم تركها وتوجه إلى سيارته فأسرعت خلفه فورًا ثم ركبتها وجاورته في المقعد الأمامي. قرر أن يقود السيارة في صمتٍ ووقتها يتمكن من إيجاد حل لها بينما لم تسمح له بذلك وبدأت تثرثر ساخطةً على سيرة عمه البغيض والطبقي من وجهة نظرها وأثناء حديثها سألته بفضولٍ كبيرٍ:
"مقولتليش يا أستاذ تليد!!"
"تليد" بصوتٍ ساخرٍ يحمل أسفله رغبة مُلحة في إطلاق قهقهةٍ عاليةٍ تستفزها:
"نعم يا جن!"
التوى شدقها ثم أردفت بسخطٍ:
"دا مكنش توقيع اللي نسيت أكمله دا!، إنتَ مقاطع عمك وعيلته ليه؟!!"
"تليد" منتبهًا في طريقه يقول:
"مَن تدخل فيما لا يعنيه!"
أشاحت عنه تنظر من النافذة ثم دمدمت بصوتٍ خافتٍ مغتاظٍ:
"سمع ما لا يُرضيه."
صمتت لبعض الوقتٍ حتى لم تعد تلجم لسانها أكثر من ذلك؛ فاستدارت برأسها نحوه ثم أردفت بصوتٍ خافتٍ حاشرةً أنفها الصغير في حياته:
"إنتَ حاجبك مكسور ليه؟!! ولا عاملها صياعة وكچولة!!"
حدق فيها مصدومًا لثونٍ ثم صاح ومازال تحت تأثير صدمته:
"صياعه؟ وكچولة؟"
ارتابت من نبرة صوته فالتصقت بالباب ثم قالت بنبرةٍ متلعثمةٍ:
"كان مجرد سؤال بريء."
كز على أسنانه ثم هدر فيها بلهجةٍ صارمةٍ:
"مش عايز أسمع صوتك لحد ما نوصل."
أومأ بانصياعٍ كي تتقي شره فورًا:
"حاضر حاضر."
***
تنهدت "رابعة" بصبرٍ وراحت تضرب كفًا بالآخر وهي ترمق ابنتها العنيدة بضيقٍ؛ فلا تفهم مبرراتها حول رفضها الجلوس مع ابن خالتها الذي ينتظر بغرفة الضيافة. لزمت "مُهرة" الفراش فيما تابعت "رابعة" بحُزنٍ:
"ليه كدا يا بنتي؟! ليه كاسرة فرحتي دايمًا؟!"
تنهدت "مُهرة" بنفاد صبرٍ ثم قالت:
"يا صبغ أيوب!"
انتفضت واقفةً بعد أن نزلت من الفراش، تحركت إلى والدتها التي تقف على عتبة باب غرفتها ثم تابعت بصوتٍ هادئٍ:
"يا أمي، أنا مش بقبله، والجواز لو مكنش حُب؛ فلازم يكون قبول!"
"رابعة" ترد باستنكارٍ وسخريةٍ:
"نبقي نشتري لك تُمن كيلو قبول ناشفين ياختي، يا بنتي دا ابن خالتك يعني هيصونك ويشيلك في عينه!"
اقتربت "مُهرة" منها ثم تناولت راحتيها وراحت تربت عليهما برفقٍ ثم تقول:
"إنتِ مش بتغصبي عليا لا في حياة ولا تعليم، هتجبغيني أتجوز حد مش بحبه!!!"
"رابعة" بإصرارٍ:
"أيوة طالما شايفة الصالح ليكِ معاه."
"مُهرة" تعاتبها بعباراتٍ هادئةٍ:
"ولو أنا مش شايفة الصالح معاه؟!!"
رفعت "رابعة" أحد حاجبيها ثم سألتها بفضولٍ وشكٍ:
"ويا ترى شيفاه مع مين؟!!"
أشاحت "مُهرة" عنها في الحال ثم تمتمت بتلعثمٍ أوجس الشك في نفس الأخيرة:
"مم مش مع حد."
استدارت "رابعة" حتى قصدت مقابلة وجه ابنتها ثم أردفت بلهجةٍ حازمةٍ:
"لو فاكرة إني مش هعرف بنت بطني وهي بتكدب عليا تبقي عبيطة، انجري قدامي اقعدي مع ابن خالتي ومتحرجنيش وما تحسسيهوش إنك مجبورة على القاعدة!!"
أردفت"مُهرة" بنبرةٍ مُمتعضةٍ:
"أنا واخدة عهد على نفسي إن جوزي اسمه مش هيكون فيه حرف الغيه."
رمقتها "رابعة" بغيظً؛ فأثرت الجلوس معه على الوقوف أمام والدتها وهي تطرح أسئلة تشككية وتلقي نظرات الاتهام عليها. خرجت حيث يجلس وما أن رآها حتى قالت تتدبر ابتسامةً زائفةً:
"نوغتنا يا إبغاهيم!"
"إبراهيم" وهو يبادلها ابتسامةً خفيفةً ثم يقول:
"تقلانة علينا ولا أيه يا بنت خالتي؟!"
"مُهرة" بعتابٍ مُصطنعٍ:
"أنا أقدغ! متقولش الكلام دا عيب!"
أومأ "إبراهيم" مُتفهمًا، تنحنح باستعدادٍ قبل أن يقول بصوتٍ هادئٍ:
"أكيد خالتي قالت لك أنا جاي هنا ليه؟!"
"مُهرة" تدعي جهلها بالأمر فتقول بابتسامةٍ مراوغةٍ:
"جاي تشوف خالتك أكيد يعني!!"
همَّ أن يتكلم؛ ولكنه توقف مع دقاتٍ قويةٍ على باب المنزل، زوت "مُهرة" ما بين عينيها تتمنى أن يكون خيرًا في الأمر. أسرعت "رابعة" إلى الباب تفتحه فظهر "نوح" أمامها وهو يقول بنبرةٍ متعجلةٍ:
"إزيك يا خالتي رابعة، فين مُهرة ضروري!!"
فغرت "مُهرة" شفتيها دهشةً وراحت تهرع إليه في قلقٍ بينما تابع هو ما أن رآها تقترب نحوه:
"الشيخ سليمان عايزك ضروري؛ لأن في عِجل بيولد ولادة مستعجلة!!!"
"مُهرة" باستغرابٍ:
"عِجل!!!"
"نوح" وهو يتكلم بسرعةٍ متجاوزًا عمَّا قاله:
"قصدي عِجلة."
أومأت "مُهرة" وراحت تلتقط حقيبتها ثم تودع والدتها التي لم تكذب خبرًا وأمرتها أن تهرول معه إلى المزرعة وسوف تلحق بهما. في تلك اللحظة خرج "إبراهيم" ثم قال متسائلًا:
"تحبي أروح معاكِ يا مُهرة؟!"
"نوح" يتدخل فورًا بعدما استشاط غيظًا وحاول أن يواريه:
"رايح فين هتولد العِجل معانا؟! إنتَ دكتوغ ولا حاجة!"
شعر "إبراهيم" بالحرج واستشاط غضبًا ولكنه أثر الصمت فيما سار كُلًا من مُهرة ونوح إلى بوابة المزرعة القريبة جدًا من بيتها.
***
"اتفضلي انزلي!"
زوت ما بين عينيها وهي تنظر من نافذة السيارة تتفقد المكانَ من حولها. التفتت إليه من جديد ثم أردفت متوجسةً:
"إنتَ جيبتني فين؟! خطفتني!."
"تليد" يرد مستنكرًا:
"دا مين الغبي اللي هيخطفك!.. دي مزرعة أبويا تقدري تقعدي معاه فيها ووقت النوم هيخليكِ تباتي مع خالتي رابعة وبنتها مُهرة."
صرخت عاليًا باحتجاجٍ:
"مهرة مين ورابعة مين؟ إنتَ وصي عليا يا أخ إنتَ؟!"
"تليد" وهو يرمقها بقوةٍ ثم يصرخ:
"انزلي."
ارتجفت أطرافها ثم ترجلت خارج السيارة على الفور حتى ترجل أيضًا واستدار واقفًا أمامها وقال بصوتٍ أجشٍ:
"اتفضلي ادخلي قدامي!"
"وَميض" وهي تزدري الفكرة فتقول بقلقٍ:
"لأ طبعًا، أنا أيه اللي يخليني أثق فيك أصلًا!"
أومأ "تليد" بنفاد صبرٍ ثم جذبها مرة أخرى من حقيبة يدها وأردف بلهجةٍ آمرةٍ:
"تمام، قدامي على العربية علشان أرجعك القصر."
تحررت زفرة طويلة من بين شفتيها ثم أضافت مُتذمرةً وهي تجذب الحقيبة منه:
"لو عاجباك الشنطة خدها يا أخ، دا أيه الُغلب دا ياربي!"
"تليد" وهو يرفع أحد حاجبيه ثم يقول ببرودٍ وهو يحرك أصبعه السبابة بإشارةٍ مستديرةٍ:
"قدامي يا جن."
استدارت في مواجهة البوابة ثم سارت أمامه بعد أن زمجرت تضرب قدميها بالأرض وما أن لمحه الحارس حتى أوسع لهما الطريق؛ فعبرت أولًا ثم تبعها في الحال. شردت في جمال المكان الذي يمتليء بالأزهار والخُضرة على جانبيه وقادتها قدماها تسير دون هداية تحت أثر السحر الخلاب الذي تتميز به المزرعة؛ فلم تصحو من شرودها إلا عندما وجدته يجذب حقيبتها مرة ثالثة ويقول بصوتٍ هادئٍ:
"الطريق من هنا."
خرجت ابتسامةٌ بلهاء من بين شفتيه ثم قالت بخفوتٍ:
"مخدتش بالي."
(على الجانب الآخر)
وصلت "مُهرة" إلى حظيرة الماشية وراحت تبحث بعينيها عن العُجلة المنشودة ولكنها لا تجدها. استدارت بعينيها إلى "نوح" ثم أردفت بتساؤلٍ مهتمٍ:
"فين العِجلة اللي على وش ولادة دي!"
تظاهر بالدهشة وراح يفتح عينيه على وسعهما ثم يتظاهر بالبحث عنها مُشيرًا إلى إحدى الزوايا:
"كانت هناك كدا، حتى اسألي سماح!! بس أكيد سماح مشيت النهاردة!"
في تلك اللحظة، انقطع حديثه حينما أبصر "سماح" تدخل من باب الحظيرة ثم تقول بنبرةٍ مندهشةٍ:
"دَكتورة مُهرة؟! مش كُنت أجازة باقي اليوم!!"
رفعت "مُهرة" أحد حاجبيها ثم تابعت بمراوغةٍ:
"نوح قال لي إن في حالة ولادة مستعجلة، فجيت!"
التفتت "سماح" إليه ثم أفصحت بطيب سجيةٍ:
"هو أنا مش قولت لك يا دكتور نوح إنه طلق مُبكر ولسه فاضل وقت على الولادة وإن دَكتورة مُهرة مش فاضية علشان قاعدة مع عريسها!!!"
استدارت إليه بعينين مُتسعتين ثم عادت تنظر إلى"سماح" من جديد وبصوتٍ هادئٍ سألتها:
"وإنتِ مين اللي قال لك إني قاعدة مع العغيس يا سماح!"
"سماح" بتنحنح:
"خالة رابعة."
"مهرة" وهي تكظم غيظها:
"طيب اتفضلي يا سماح شوفي شغلك."
انصرفت "سماح" على الفور، فيما التفتت إليه مرةً ثانية وراحت ترمقهُ بغيظٍ، كزت على أسنانها وراحت تكور قبضة يدها ثم تصيح مُمتعضةً:
"دا باينه مغاغ."
قالت جملتها ثم تحركت مندفعةً خارج الحظيرة، بينما أردف "نوح" بابتسامةٍ ماكرةٍ وهو يتحرك خلفها:
"ولا مغاغ ولا حاجة، أنا قولت أطلع جدع معاكِ وأنقذك من عغيس الشوم والندامة!.. ديه ديه!!!"
وقفت لوهلةٍ ثم قلدتهُ بأسلوبٍ مُتنمرٍ كي تستفزه:
"ديه ديه."
"نوح" وهو يقهقه رغمًا عن غضبها ثم يسأل:
"رايحة فين إنتِ دلوقتي؟!"
"مهرة" دون أن تلتفت له:
"هقعد مع الشيخ سليمان وماما اللي كانت جاية ورايا دي أبقى قول لها إنتَ فين العِجلة اللي كانت بتولد."
"نوح" يجيبها ببساطةٍ وانبساطٍ نفسيٍ:
"عادي كانت بتخضنا عليها."
توجهت إلى مجلس الشيخ "سليمان" الذي جلس على مقعد خشبي بجوار الخضرة وجلست "وَميض" أمامه مُباشرةً ثم قصت عليه كُل ما حدث من شقيقه حتى أتت إلى المزرعة بمرافقة ابنه الغليظ وتفاجأت بأنه والده؛ فقد أحبته منذ الوهلة الأولى سابقًا ولكنها تفاجأت بكونه أب الأخير رغم اختلافهما بين عصبية ووهج من الهدوء والسكينة؛ فيما تمكن "سليمان" من استنتاج الكثير عن طباعها وشخصيتها وكان أول ما استنتجه؛ صفاء سجيتها الصافية كالحليب حتى أنها تبدي تذمرها من ابنه أمام الشيخ ودون مواربة. جاءت "مُهرة" وما أن لمحها "سليمان" حتى طلب منها أن تتقدم وهو يقول بابتسامةٍ صادقةٍ:
"تعالي يا مُهرة سلمي على وَميض!"
اقتربت "مُهرة" منهما وراحت ترحب بها وتتبادلان السلام سوية. كان "تليد" يجري عدة اتصالاتٍ وما أن فرغ منها حتى انضم إليهم، فيما تابعت "مُهرة" بوجهٍ عابسٍ:
"أنا جاية اشتكي لك من نوح!"
تغير لون وجه "تليد" ما أن ذكرت اسمه وخشي أن يأتي الآن وتراه "وَميض" فيُكشف أمره، تلفتت "مهرة" حولها ثم أضافت بصوتٍ حائرٍ:
"كان هنا مش شوية، غاح فين دا؟!"
في تلك اللحظة، جاءت "رابعة" التي ألقت عليهم السلام ثم تقدمت من "وَميض" التي ابتسمت لها بودٍ حينما عرفها الشيخ على الأخيرة، فتابعت "رابعة" بتلقائيةٍ وهي تنتبه للغمزة الخاصة بوَميض:
"أهلًا بيك يا بنتي."
سكتت هنيهةً ثم استدارت بعينيها إلى"تليد" وأكملت تفصح بتلقائيةٍ أسقطت قلبه في قدميه:
"ما شاء الله قمر وعندها نفس الغمازة اللي كانت عند البنت الصغيرة اللي كنت بتربيها زمان يا أستاذ تليد!!!!!!!!!!!!!!"