تحميل رواية «رحماء بينهم» PDF
بقلم علياء شعبان
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
هل جربت ذلك الشعور يومًا؛ حينما يجعلك الله سببًا في إحياء حياة شخص رأيت موته بأم عينك؟! هل جربت أن تكون لحياتك معنى وأنت ترى تلك الروح التي أنت طوق نجاتها تحوم حولك من جديد!!! نقطة من بداية السطر. سبب لبداية حياة جديدة كادت أن تفنى. مشهد جعل كيانه يهتز بصدع حتى تعلم لأول مرة معنى غياب الأمان ووجود أرواح سيئة تشاركه في هذا العالم الذي انحصر دومًا في والده، دروس الدين المحببة إلى قلبه وممارسة هواية السباحة الأكثر شغفًا في حياته على الإطلاق. طفل صغير عاش في بلدة قروية بسيطة تبدأ حدودها مع بداية قنا...
رواية رحماء بينهم الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم علياء شعبان
بقى نظره عالقًا على النوافذ المفتوحة حيث الطابق الذي يعيش فيه صديقه ينتظر إشارة واحدة توحي له بأن الأمور تجري وفق ما يُرام؛ فلم يكُن يستطيع أن يرفض طلبها حينما أخبرته ببكاء وندم أنها لا تريد الانفصال عن صديقه وأن ثمة أخطاء فادحة صدرت منها ويجب أن تُعيد تصحيحها، ترجته مرات كثيرًا حتى أنها تذكرت الحادث السابق وشرعت تسأله بتوجسٍ هل كان هو مُنقذها فعلًا! ولم يزدها الجواب إلا ندمًا على لحظة أشبعته فيها اتهامات مُضللة دون أن تسمح لنفسها أن تتعرف على شخصه النقي.
أغلق "نوح" عينيه في هدوء وبسمة هادئة ارتسمت على شفتيه حينما أُضيئت أنوار الغرفة؛ فعلم أنه التقى بها ويبدو أن ثمة حديث على وشك البدء، في هذه اللحظة أسرع باقتياد السيارة مُبتعدًا على الفور ومُتجهًا إلى بيت المزرعة كي يطمئن الشيخ سليمان على ابنه ويُخبره أنه أراد النوم لفترة قبل أن يأتي إليه.
كانت مشاعرُ "نوح" تتأرجح دومًا بين مُناصرة صديقه والتطلع إلى ضعف امرأة تعود إلى صوابها في ندمٍ، أراد بشدة أن تصفو الأجواء بينهما ويلتقيان في سعادة ورغم أنه يعرف الأخير جيدًا الذي لا يتهاون في حق كبريائه بسهولة ولكنه واثق أن تليد سوف يُفكر ألف مرة قبل أن يكسر بها شيئًا؛ فيموت ولا يمسسها مكروه، أفلا يكون لها عنده خاطر!
- تيجي بالسلامة.. هبلغ الشيخ حالًا.. مع السلامة.
أردفت "مُهرة" بتلك الكلمات وهي تتحدث إلى "نوح" الذي أخبرها بخروج صديقه كي تشيع الخبر بين الجميع، ابتهجت روحها وهي تستمع إليه بينما أكمل بهدوء:
- أشوفك على خير.
أغلقت الاتصال ثم هرولت إلى غرفة الشيخ وما أن دخلتها حتى تابعت بحماس شديد:
- أستاذ تليد خغج الحمد لله يا جماعة.
تشخصت الأبصار إليها في دهشة، اِفتر ثغر الشيخ سليمان عن اِبتسامة دافئة دون أن يتكلم في حين تابعت "سكون" بلهفة:
- وهو فين دلوقتي؟! هييجي على هنا؟؟
مُهرة بهدوء:
- موجود في شقته حاليًا لأنه كان محتاج ياخد غاحة وبكغا هيكون هنا إن شاء الله وباعت لك غِسالة يا شيخ سليمان بيقول لك إنه كويس وإنك لازم تاكل وبكغا هتفطغوا سوى.
سليمان بتنهيدة مرتاحة:
- الحمد لله، المهم إنه بخير.
شروق وهي تدعك كفيها بنفس القلق:
- مفيش أخبار عن وَميض، تليفون عمي علَّام وطنط سُهير اتقفل خالص.
مُهرة بأسف:
- للأسف بس إن شاء الله هتكون كويسة، وَميض تستحق كُل حاجة حلوة.
شروق بتنهيدة مهمومة:
- يارب.
أصبحت هوسًا بالنسبة له صار يتقفى أي أثر لها من موقع كُتب فيه اسمها أو مجلة أجرت معها حديثًا والغريب أنه لا يجد طيفًا لها حتى، هل هي سرابٌ؟ كيف لشخصية معروفة مثلها أن تتخفى بهذه الطريقة العجيبة، ألم يلتقط لها أحد الصحفيين صورة عُنوة أثناء تواجدها في سهرة ما أو مؤتمر؟!
كور قبضة يده يضغطها بقوة فباتت كابوسه حتى أنه توقًا للقائه بها للحد الذي يجعله يقضي كُل وقته في البحث عن معلومة واحدة عنها عبر الانترنت.
دعك مُقدمة رأسه من شدة الصداع ولم يجد بُدًا من استخدام بعض الحيل التي يمتلكها حتى يحصل على صورة لهذه الشخصية أو يلتقي بها، التقط هاتفه المحمول ثم أجرى اتصالًا عاجلًا لثواني قبل أن يقول بلهجة صارمة:
- عايز شخص خبرة من أجهزة التجسس عندك!
صمت لثواني ثم أكمل:
- هيتقفى أثر شخص ويجيب لي معلومات عنه.
سكت مرة أخرى يتيح للأخير الكلام وفي النهاية قال:
- النهاردة يكون عندي، في انتظارك.
لاحت على وجهه مؤشرات حماسية وهو يصل إلى طريقة ناجحة في الحصول على كافة ما يرغبه عنها في غضون سويعات قليلة، في هذه اللحظة طُرق باب مكتبه بقوة ليدخل الطارق دون أن يحصل على الإذن، أطل "عُمر" بكرسيه من وراء الباب ثم توجه إلى مكتب والده قائلًا بصوت هادئ:
- بابا.. أنا عايز أروح لعمي سليمان.. إحنا لازم نكون جنبه في الظروف دي ونتطمن على تليد!
رفع "عثمان" أحد حاجبيه ثم قال بلهجة باردة:
- نكون جنبه ليه؟! إحنا على آخر الزمن نساند إرهابيين؟؟
عُمر بامتعاض واستنكار:
- إرهابيين!!!
عثمان بحدة:
- أه كُل المجلات والصُحف ومواقع التواصل الاجتماعي بتقول كدا!
عُمر متبرمًا في ضيق:
- وضميرك بيقول أيه؟ صل رحمك يا بابا.. جدد علاقتك بأخوك.. محدش هيحبك في الدنيا أده ولا يتمنى لك الخير مهما عاندت وشككت في دا.
هبَّ "عثمان" واقفًا في مكانه وهو يطرق بكفيه بقوة على سطح مكتبه:
- وإنتَ بقى اللي هتديني كورسات في الحياة يا مفعوص إنتَ!!
عُمر وقد استشاط غضبًا من إهانته له:
- أنا بحاول أكون صوت ضميرك وأوعيك لأن دا دورنا تجاهك لكن مش هسمح لك مهما كُنت تكلمني بالإهانة دي.
نبج صوته عاليًا لتأتي والدته في الحال تتساءل بقلق عما يجري بينهما، حدق "عثمان" فيه بحدة قبل أن يصيح بصوت جهوري:
- إنتَ صوتك بيعلى عليا يا عُمر!!.. طيب اسمع بقى.. البنت اللي ملهاش أصل اللي عاوز تتجوزها دي تنساها تمامًا أو خلي عمك سليمان يجوزها لك.
عُمر وهو يصيح باهتياجٍ:
- يعني أيه.. أهل البنت مستنيين زيارتنا.. هو كلام عيال.
في هذه اللحظة رفع "عثمان" ذراعه عاليًا ليسقط بقوة على خد "عُمر" الذي رمقه بعينين جاحظتين مصدومتين فيما تابع "عثمان" بجحود:
- اخرس.. دا آخر كلام عندي ويلا غور من وشي.
جاء "كاسب" فورًا ما أن ارتفعت أصواتهم بصورة كبيرة حتى أنه تابع المشهد من البداية وهو يقف وراء باب المكتب، تأذت مشاعره حينما سمع صوت اللطمة يتردد صداها في الغرفة، لمعت عينا "عُمر" في قهرٍ، استدار بالكرسي فورًا ثم توجه خارج الحجرة ليستقبله "كاسب" ويبدأ في دفع الكرسي بدلًا عنه، في هذه اللحظة التفت "كاسب" بنظراته الحادة والعدوانية نحو "عثمان" يُطالعه لبضع لحظات بعينين يملأهما الغضب والاهتياج وكانت هذه اللحظات كفيلة أن تبعث الرُعب في نفس عثمان الذي لم يفهم سر هذه النظرة العدوانية الكريهة!!
- ليه عملت كدا؟! حرام عليك.. عُمر ميستاهلش منك كدا!
أجهشت بالبكاء وهي تُلقي بنفسها على المقعد في حالة من الحزن والاختناق فيما تابع هو بصرامة:
- ولادي وبربيهم بطريقتي ومحدش يعدل عليا.
نبيلة بضيقٍ تصرخ:
- إنتَ كدا بضيعهم من إيدك مش بتربيهم.
خرج من غرفته يتمشى على أطراف أصابعه في توجسٍ بعد أن أختفى الصوت ولم يعُد يسمع لها همهمات أو نحيب كان يسيطر بقوة على أرجاء الشقة بعدما رفض الرضوخ لكلماتها التي تستجديه فيها وطلب الصفح والغفران عما اقترفته في حقه حتى أنها سألته مرات عديدة عن هويتها ومن هي وإلى أي مكان تنتمي؟!..
حاول بكُل طاقته أن يراوغ في الإجابة عن هذا السؤال وقرر الاحتفاظ ببعض الحقائق لنفسه حتى لا تتشوه مشاعرها بشكلٍ عنيفٍ؛ رفض الحديث معها وطلب ذهابها إلا أنها أصرت أن تحصل على أجوبة واضحة مُفصلة لجميع تساؤلاتها وجلست أرضًا وأبت النهوض أو الذهاب وفي هذه الحالة لم يكُن أمامه إلا الفرار منها والتوجه إلى غرفته علها تفهم رغبته في ذهابها وانهاء علاقتهما التي لم تبدأ في الأصل.
انتظر لسويعات قليلة يستمع من خلف الباب إلى صوت شهقاتها العالية المُرتجفة بينما هذه الشهقات المُنكسرة تلعب على أوتار قلبه المُشتعل في حُزنٍ لحالتها؛ لا يعلم هل يواسيها حينما يجور عليها القدر أم يتخذ موقفًا صارمًا كي تُدرك أن الحياة لا تسير على هواها وأن الخاطر ليس بعظمة يُمكن أن تُجبر من بعد كسرٍ!
يرق قلبه لها ويرجف اشتياقًا لقُربها وسجنها بين ضلعيه خشيةً عليها من صدمات قادمة ولكن جُرحه منها مازال حديثًا مُلتهبًا، قرر أن يسترق السمع إلى صوتها وانتظر أن تُغادر قبل أن يضعف ويهرول إليها يحتضنها بقوة حتى تنكسر عظامها أو يُشبع رغبته فيها؛ ولكن ما حدث كان عكس توقعه؛ فلم تيأس تهميشه لها وبقاءه نافرًا من وجودها كما ظنت حينما قرر المكوث في غرفته وبقيت تبكي جالسةً بالأرض تضم ساقيها إلى صدرها وتحيطهما بذراعيها حتى نامت دون أن تعي على نفسها.
تحرك بخطوات هادئة خارج غرفته حتى وصل إلى حجرة المعيشة فوجدها تضع رأسها على ساقيها في إرهاقٍ وقد غطت في سُبات عميقٍ من شدة ما مرت به من ألمٍ نفسي ألتهم طاقتها على الاستمرار، أغلق عينيه بندمٍ لقسوته عليها فحالها يُقهره ولا يمكنه البوح، تحرك بخطوات وئيدة نحوها ثم انحنى يُطالع وجهها الملائكي في حنين ولهفة ويتعجب لها، لم تتغير ملامحها البسيطة عما كانت عليه في طفولتها البتة، لا تزال تحتفظ بكُل تفصيلة ملكتها في صغرها، في هذه اللحظة أراد أن يلمس وِجنتها علَّه يعود بذكرياته لوقت أن كان يُدللها ويلمس وِجنتيها وخصلاتها بعفوية بريئة، تدفعه مشاعره لمعايشة نفس المشاعر معها مرة أخرى والتي لن تتكرر إلا بملامسة وجهها الملائكي وخصلاتها الذهبية الناعمة.
همَّ ثم تراجع؛ همَّ أن يلمس جلد بشرتها ولكنه سحب كفه فورًا يُعاند مشاعره ألا تضعف أمام سحرها الذي يخترق قلبه الذائب في بحور شوقه لها، ابتلع ريقه على مضض قبل أن يهمس بالقُرب من أذنيها في هدوء:
- أُترُچ!!!
توقف لوهلة وهو يتذكر كرهها الشديد لهذا الاسم فعدل حديثه قائلًا:
- وَميض!!
لم يجد ردًا منها؛ فعلم أنها ذهبت في اللا وعي ولا يمكنه إيقاظها مُطلقًا، دعك جبينه في حيرة وقرر أن يهزها برفق هامسًا باسمها:
- وَميض، اصحي!!
لم تستجب لندائه وبقى هو في حيرته حول أمرها ولم يجد في النهاية بُدًا من حملها بين ذراعيه ودثرها في فراشه حتى الصباح، أسرع بوضع ذراعه أسفل ساقيها والآخر ألفهُ حول خصرها ثم حملها على الفور وفي هذه اللحظة سقطت الدُمية من يدها، تجمدت عيناه على وجهها يُطالع كُل تفصيلة به في حب حتى دخل غرفته ووضعها على الفراش ثم ألقى الغطاء عليها بهدوء.
داهمته في هذه اللحظة مشاعرًا مُرتبكةً حول وجود محبوبته بجواره في غرفة واحدة؛ لكم تمنى أن يجتمعا في ظروف مُختلفة؛ أن يذهب إليها باكرًا ويُخبرها أنها حبيبته الأولى والوحيدة والتي علمته كيف يعشق ويتعلق قلبه بشخص آخر دون أن تمتلك هي أية مهارة لذلك وأن قلبه نبض أول مرة حينما حملها بين ذراعيه في طفولتهما فتسعد هي بذلك ويتجدد حُبهما مرة أخرى ثم يتزوجان؛ ليت قصتهما كانت بهذه البساطة ولم يطُل قلبيهما مثقال ذرة من وجعٍ!
لم يستطع النهوض من مكانه وبقى بجوارها يتأملها بلا توقف أو قدرة للسيطرة على مشاعره المتأججة جراء قربها منه لهذه الدرجة، وللمرة الأولى لا يُقاوم قوة سحرها عليه فبدأ يُقرب كفه من وِجنتها، مرر أنامله برفقٍ وكان قلبه يذوب بملامسة بشرتها الناعمة كالأطفال ويقسم في نفسه أنها مازالت تحتفظ بنفس الملمس منذ عشرين عامًا، خفق قلبه بقوة كأنما أوشك على القفز خارج جسده بأكمله، مرر أنامله مرارًا وتكرارًا يملأ الفراغ الذي خلفته وراءها منذ سنوات طويلة وقاسية حتى أنه لامس خصلاتها البارزة خارج حدود غطاء رأسها وراح يمسح عليهم بلُطف واشتياق، ظل على هذه الحالة وكأنه كالمسحورٍ يتصرف دون وعي وينجذب لكُل ذرة تحمل داخله مشاعرًا لها، بدأت أنامله تُداعب شفتيها وفجأة سحب كفه فورًا في لومٍ وتراجعٍ، نهض مُبتعدًا عن الفراش ثم خرج بسرعة ليُقرر إجراء اتصالًا بصديقه للاطمئنان على والده.
- كُنت عارف إنها موجودة؟!
ألقى سؤاله بلهجة حادة ما أن أجاب "نوح" على اتصاله، لم يُنكر الأخير علمه بالأمر وأجاب بشكلٍ صريحٍ:
- أه كُنت عارف لأني وصلتها بنفسي، هتسألني عملت كدا ليه؟!
تليد بحدة:
- ليه؟؟
رد الاخير بحزم:
- لأنك بتحبها ووجع البُعد عنها هياكل في قلبك يا صاحبي وأنا مش عايز أشوفك موجوع.
صمت لوهلة وحينما لم يجد ردًا منه تابع بهدوء:
- ألحيت عليه في الدُعاء علشان يجمعك بيها وربنا بمشيئته أراد إنها تكون ليك زيّ ما بتحلم، ليه عايز تبعد دلوقتي؟! ولا إنتَ عايز تحب شخص معندوش مشاكل ولا أزمات نفسية، عايزها زيّ الكتاب ما قال؟ أمال إنتَ دورك أيه؟! وليه شايف الناس كلها لازم تكون على قدر إيمانك وتدينك وعلاقتك بربنا!!!
تليد بغِصَّة تسري في حلقه يرد:
- كُنت عايزها على درجة متوسطة من مبادئ ودين!!.. دي أبسط حقوقي.
نوح باستنكار:
- واللي بيحب مش بينقي حبيبه، فوق يا تليد وبص للبيئة اللي نشأت فيها والراجل اللي رباك وبص لها هي؟ لو حكمت عليها من خلال معايير البيئة اللي نشأت فيها إنتَ تبقى ظالم، إنتَ ابن الشيخ سليمان السروجي وهي بنت عادية بسيطة متعرفش كتير عن دينها وربنا وهبها راجل خلوق زيك يعلمها، متقساش يا تليد.. سامح يا أخي واوعى تنسى.. "كذلك كُنتم من قبل فمن الله عليكم"!.
تليد بحُزن دفينٍ:
- صدق الله العظيم.
تنهد "تليد" تنهيدة ممدودة بعُمقٍ ثم قال:
- بس أنا مُشتت يا نوح.
نوح بتفهم:
- إنتَ أكيد عارف هتلجأ لمين في اللحظات اللي زيّ دي!
تليد بتنهيدة هادئة:
- أكيد.. دعواتك.
أغلق المُكالمة فورًا ثم قرر السجود بين يدي الله كي يدله على طريق الرشاد ويستخيره في الاستمرار أو الانفصال، تحرك خطوتين عائدًا إلى الغرفة ولكن سقطت عيناه على الدُمية فجذبها وذهب إلى الفراش التي تنام عليه ثم وضع الدُمية بين ذراعيها وفي هذه اللحظة قرر أن يفترش سجادة الصلاة بجوار الفراش وأن ينعم بلحظات نقية هادئة في مناجاة الله وتيسير أمره، قضى وقتًا طويلًا يتضرع على سجادته يدعو في خفوت ويلح في دعائه أن ينعم الله عليه بالراحة والحل وما أن انتهى حتى جذب كرسيًا ثم جلس بجوارها في هدوء، التقط المُصحف وقرر أن يفتح صفحة بشكل عشوائي عله يجد رسالة الله له فيها وما أن فعل حتى سقطت عيناه على آية كريمة، فتمتم يقرأها بتأثر وصوت مُتهدجٍ:
- “فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ".
لمعت عيناه من عظمة ما قرأ من رسالة تهدئ روعه وتُغدق على قلبه سكينة واطمئنان، تنهد بقوة شديدة كأنما يلتقط أنفاسه بعدما حاز على مُبتغاه بعد صبرٍ طويلٍ، أغلق المُصحف ووضعه جانبًا ثم مال نحوها قليلًا يستند بساعده على الفراش وكانت نظرته لها هذه المرة بمثابة انجراف سيل عاتٍ حيث انهمرت الدموع من عينيه سيولًا فأسند جبهته على طرف الفراش وشرع يبكي لآلامها ونزيف قلبها الدامي الذي يشتد رغم تخديره بالنوم فكانت تهلوس بأمور شتى ولا يتوقف لسانها عن سؤال واحدٍ:
- أنا مين؟!
لم يتحمل المزيد وانهارت قواه هذه المرة حتى أنه التقط راحتها وقبلها برفق قائلًا:
- سامحيني.. أنا وجعي يتداوى بس إنتِ متتوجعيش.. حقك على راسي.
قبل باطن راحتها مرة أخرى وأسرع بمحو أثر العَبرات الساقطة من عينيه ثم قرر الخروج والمبيت في حجرة المعيشة إلى أن يحل الصباح ويأتي معه بالحل.
جلس على كرسيه واضعًا وجهه بين كفيه يبكي في انهيار من أبٍ لا يسمع له أو يُقدر ظروفه كما أنه يتعامل مع ظروفه على أنها وصمة عار فدائمًا ما كان يسمعها منه صريحة أن "سكون" هي سنده الوحيد ولم يُنجب سواها وأنه مثل ورقة في مهب الريح تتأرجح بلا حول ولا قوة من هنا لهناك، تعمد دومًا أن يُشعره بعجزه، انسكبت دموعه تُقاوم كبريائه في الثبات، كان مُنكس الرأس يرغب في معايشة هذه اللحظات الضعيفة وحده وقد فهم "كاسب" عليه فظل جالسًا بالقرب من الموقد يصنع كوبين من الشاي لهما ورغم أن مشاعره تتأجج نارًا على هذا الصديق بقى صامتًا رزينًا.
صب الماء داخل الاكواب وما أن أصبح الشاي جاهزًا حتى حمل كوبًا منهما وتوجه به إلى "عُمر" قائلًا بابتسامة فاترة:
- روق يا عُمر واشرب كوباية الشاي دي.
حاول انتشاله من بين براثن أحزانه إلا أن "عُمر" لم يستجب على الاطلاق فوضع "كاسب" الكوب جانبًا ثم جثى على ركبتيه أمام مقعد الأخير وراح يلتقط كفيه يربت عليهما برفق قائلًا:
- الزعل مش هيحل حاجة يا عُمر!
رفع بصره إلى كاسب وقال بانكسارٍ:
- أنا حاسس طول الوقت إني تقيل على كُل اللي حوليا ومبقاش ليا قيمة من بعد ما بقيت عاجز.
تنهد "كاسب" بعُمقٍ قبل أن يقول:
- بس العجز دا مش اختيارك دي إرادة ربنا يا عُمر!!
أجهش باكيًا من جديد يُعبر عن سلبه حريته وكبريائه:
- بس أنا كاره وجودي على الكرسي دا، أنا حاسس إني في سجن وإني هكون زيادة في حياة أي حد ومليش إفادة، أنا حتى خايف أكون تقيل على البنت اللي حبتها وبدل ما أكون سندها أكون عبء عليها والحُب اللي بينا يتحول واجب، أنا دماغي مش بتبطل تفكير كل يوم!!!
ربت "كاسب" على ساقه قائلًا بابتسامة ودودة:
- أيه رأيك تاخد حريتك يوم من السجن دا!!
عمر بابتسامة ساخرة:
- إزاي؟! أنا الحالة الوحيدة اللي باخد فيها حريتي من الكرسي دا هي أحلامي بس.. أحلامي الوحيدة اللي قادر من خلالها أمشي وأجري وأكون إنسان طبيعي.
كاسب وهو ينهض من مكانه ثم يقول بحماس:
- هو مش إحنا صحاب؟!
عُمر قاطبًا ما بين حاجبيه مُتسائلًا في توجسٍ:
- أكيد.
كاسب بابتسامة مُشرقة:
- ومُسلمين؟!!!
عُمر بدأ يتجاوب مع روحه الإيجابية بابتسامة بسيطة قائلًا:
- الحمد لله.
كاسب وهو ينحني إليه قليلًا ثم يقول بدعم كبير:
- والقرآن بيقول "قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ".. صدق الله العظيم.
أنهى ترتيل الآية وأسرع بحمله بين ذراعيه بكُل ما أوتي من قوة وسط ذهول "عُمر" الذي صاح بدهشة:
- إنتَ بتعمل أيه يا جدع!!
أسرع "كاسب" فورًا بركل المقعد حتى أبعده عن طريقه وهو يقول بثبات:
- بكمل اللي ناقصنا من بعض.. خُد من قوتي واديني شعور الأخ للحظات بس.
تلألأت العبرات في عيني "عُمر" الذي تابع بصوت مُتهدج يوشك فيه على البكاء:
- إنتَ مكسب في حياة أي حد يا كاسب.
كاسب بضحكة هادئة:
- وإنتَ أخويا وحبيبي.
سكتا لوهلة ثم تابع "كاسب" بحماسٍ:
- أيه رأيك نطير على بيت الشيخ سليمان؟!!
عُمر بحماسٍ أكبر:
- يلا بينا نطير.
هرول "كاسب" فور انتهاء كلمات الاخير وسط فرحة "عُمر" لفوزه بصداقة رائعة كهذه، تحرك "كاسب" نحو سيارته ثم وضع "عُمر" على المقعد الأمامي ثم استدار حتى جلس أمام مقود السيارة وهو يتنفس الصعداء قائلًا بمرح:
- بس إنتَ تقيل كدا ليه يسطى؟
عُمر بثقة:
- عضلات يابا.. إنتَ شايل عُمر مش توتو صاحبتك.
ضحك "كاسب" ملء شدقيه وقال بسعادة:
- يا عضمك يا رضا.
في صبيحة اليوم المواليرمشت بأهدابها في كسلٍ وخمولٍ وهي تنظر بلا وعي إلى محتوى الغرفة ثم نزلت ببصرها إلى الفراش التي تنام عليه وحتى هذه اللحظة لم تكُن تتذكر شيئًا، اعتدلت فورًا في نومتها جالسةً للحظات إلى أن تذكرت كُل شيء مرت به بالأمس، أزاحت خصلاتها عن وجهها بإرهاقٍ ثم بدأت تشعر ببرودة تسري في أنحاء جسدها فراحت تمرر كفيها على ذراعيها رغبةً في تدفئة داخلها.
وصل الوعي إلى ذروته بشأن ما يُفترض أن تعيشه هذا اليوم وبسرعة قفزت عن الفراش وهي تبحث عنه خوفًا أن يكون قد ذهب إلى بيت الشيخ "سليمان" وتركها من أجل التجهز للحظة الطلاق، هرولت تخرج من الغرفة وعيناها تبحث عنه في كل مكانٍ وحينما تأكدت من عدم وجوده بدأت تهذي بصوت مهزوز مرتعب:
- ليه كدا يا تليد.. ليه بتعمل فيا كدا!!
أجهشت باكيةً بعد أن فقدت الامل في استعادته وبعد أن انهدمت حصون الثقة بينهما، ألقت بنفسها على الأريكة تبكي في صمتٍ وقهرٍ إلى أن سمعت صوت المفاتيح ترن في أذنيها وما هي إلا لحظات حتى وجدته يدخل الشقة ويحمل بين يديه أكياس كثيرة، أسرعت بمحو عَبراتها فورًا وهي تتنفس الصعداء أخيرًا كأنما أُلقي الامل والطمأنينة مرة أخرى إلى قلبها، تحركت بخطوات هادئة نحوه ثم نظرت إلى عينيه وهي تقول بحُزن:
- كُنت فكراك مشيت وسبتني!
أشاح بصره بعيدًا عنها ثم قال بلهجة شديدة:
- امسكِ.. لبس بدل المحزق اللي إنتِ لبساه.. ادخلي خدي شاور وغيري هدومك علشان نمشي.
ارتجف قلبها خوفًا وقالت:
- بس أنا مش عايزة أمشي.. مش عايزة الطلاق يتم يا تليد.. علشان خاطري افهم بقى!!
تليد يرفع حاجبه ويقول بحدة:
- قصدك إني مش بفهم!!
أجابته فورًا بنفي:
- لا مش قصدي.. بس أنا عايزة أكمل معاك.. ممكن؟!
قالت كلمتها الأخيرة وهي تستدير في مواجهته تمامًا محاولة التأثير عليه بنظراتها البريئة، ذاب في لمعة عينيها ولكنه قاومها عنادًا بها وهو يقول بحزم:
- مش عايزين نضيع وقت، ادخلي البسي من فضلك!
انصرف من أمامها بعد أن أسدى لها أوامرًا صارمةً، تحركت إلى الحمام مُذعنةً لأوامره تدعو الله في نفسها أن يلين وداخلها أمل كبير في أن يتمسك بها ولا يفرط بها هذه المرة أبدًا، غابت لدقائق داخل الحمام ثم خرجت منه ترتدي منشفة مفصلة على شكل سُترة تصل إلى ركبتها، كان يقف بالمطبخ يصنع كوبًا من الشاي حتى تنتهي مما تفعله ثم يذهبان وفي هذه اللحظة سمعها تقول بهدوء:
- أنا جعانة!
- خلصتي لبس!!
قال جملته ثم استدار بوجهه إليها ليجدها تقف أمامه بأريحية شديدة وهي ترتدي ثوب الحمام، حدق في صدمة ثم أولاها ظهره مرة أخرى قائلًا بغيظ:
- إنتِ واقفة قدامي كدا ليه؟! فين لبسك؟
مطت "وَميض" شفتيها باستنكار ثم ردت:
- هو أنا مش مراتك ولا أيه!
تليد بحنقٍ:
- تمام بس لكُل حاجة وقتها.
أومأت قائلةً بحُزن:
- طيب هلبس بس أنا جعانة!
تليد بتنهيدة طويلة ومازال يعطيها ظهره:
- تمام.. البسي وهعمل لك حاجة تاكليها.
تهللت أسارير وجهها حينما شعرت بتغيره معها عن الأمس بكثير، هل يا تُرى فكر في قراره ولم تهن عليه؟! تحركت على الفور إلى الغرفة لتُبدل ملابسها التي شعرت أثناء ارتدائها بأريحية شديدة كما أنها أبدت إعجابها بذوقه الراقي في اختيار ملابس النساء وكأن له تجارب من قبل، كان الفستان فضفاضًا جدًا وهذا الشيء الوحيد الذي ضايقها قليلًا لأن هذا الحجم يتطلب مكوث أخرى داخله أي يحتاج إلى فتاة بدينة عنها، تنهدت برضاء واستسلام ثم وضعت غطاء رأسها وتوجهت إليه مرة أخرى وهي تقول بصوت هادئ:
- واسع أوي مش كدا!
استدار على الفور ينظر إليها وما أن وقعت عيناه عليها حتى برقت بإعجاب شديد ولم يشعر نفسه وهو يبتسم ابتسامة زاهية تؤازر هيئتها الرقيقة الزاهية في هذا الثوب، حدقت فيه بدهشة ثم قالت بصوت سعيد:
- إنتِ ابتسمت مش كدا؟!
تجهم وجهه مرة أخرى ما أن أدرك خطأه ثم قال ببرود:
- إطلاقًا.. مش شايفه واسع إطلاقًا.. دا يا دوب.
سكت هُنيهة ثم تابع وهو يشير إلى الشطيرة:
- عملت لك ساندويتش.. كُليه علشان نمشي.
غادر المطبخ ما أن أنهى حديثه وكأنه يتعمد ألا يتواجد معها في نفس المكان، التقطت الشطيرة تلتهمها بجوع ونهمٍ ثم سارت خلفه إلى الغرفة فوجدته يختار ما سيرتديه ولا إراديًا اتجهت نحو الخزانة وبدأت تبحث بعينيها عن شيء ما وما أن لاحظ هو ذلك حتى التقط بذلة رسمية من اللون الكُحلي مُعلقة على شماعة ثم التفت ببصره إليها وقال بنبرة ذات مغزى:
- هاتي الجاكيت.
أسرعت تلتقط السُترة الموضوعة على الفراش ثم ناولته إليها ليرفع حاجبه قائلًا بهدوء:
- كدا ارتاحتي؟!
أومأت برأسها إيجابًا وهي تقول بابتسامة عريضة:
- ارتحت.
أدخل البذلة إلى الدولاب ثم التقط سُترة أخرى وأسرع بارتدائها وهو يقول بحسمٍ:
- يلا بينا.
اندفع فورًا خارج الغرفة دون أن يأبه لخفقات قلبها التي تعلو بعُنف كلما اقترب موعد ذهابهما، سارت خلفه على مضض وما أن فتح باب الشقة وهمَّ بالخروج وجدها مُتصلبة في مكانها لا تتزحزح عنه، رمقها بنظرات جامدة وقال:
- ما تيلا!
أومأت سلبًا بعينين دامعتين وبنبرة مخنوقة قالت:
- لأ
تليد بنبرة حازمة:
- بطلي دلع، المأذون مستني.
وَميض دون أن تتحرك:
- علشان خاطري مش عايزة!
تقدم منها ثم التقط راحتها بين كفه وراح يدفعها خلفه بينما صاحت هي بصوت باكٍ:
- خليني معاك يا تليد.. مش قولت لي إني بنتك؟.. ليه عايز تتخلى عني زيّ أهلي ما عملوا!!
تليد بتنهيدة حارة:
- بس أنا بحقق لك طلبك.. رجولتي متسمحليش أكمل مع واحدة غصب عنها.
وَميض بانفعال وقهرٍ:
- وأنا طلبي دلوقتي إنك تفضل معايا!
ضغط على راحتها يحثها على السير وقال في ثبات:
- معادش ينفع.
جذبها عُنوة خلفه فألقت بنفسها على الأرض وهي تصرخ بانهيارٍ:
- طيب استنى علشان خاطري.. هاخد عروستي!
تنهد تنهيدة طويلة قبل أن يترك راحتها، وقفت من جديد ثم تحركت نحو الأريكة التي تقبع عليها الدُمية وما أن التقطتها حتى صعدت فوق الأريكة فورًا ثم فتحت النافذة وقفزت على حافتها وهي تقول بصوت عالٍ:
- آسفة يا تليـــــد، سامحنـــــي!
انفتحت عيناه على وِسعهما ثم هرول مسرعًا نحوها ولكنه لم يلحق عندما رآها تُلقي بنفسها من النافذة أمام عينيه فصرخ بكُل ما أوتي من قوة وهلع:
- وَميـــــــض!!!!
رواية رحماء بينهم الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم علياء شعبان
خرج قلبهُ من بين ضلعيه قافزًا إلى النافذة وقد سبق قدميه إليها، صرخ هلعًا وهو يُهرول إلى النافذة التي اختفت من عليها سقوطًا للأسفل ولكن في لمح البصر شهق شهقة خاطفة حينما أبصر أصابعها تتشبث بالنافذة محدقًا في سترتها التي تعلقت بقطعة حديدية مغروسة بالنافذة، حدق فيها بعينين جاحظتين وقلب هلعٍ ليضع كفيه المرتجفين على كفيها بينما تُطالعه هي بنظرات وَهِنة تملأ الدموع عينيها بغزارة، تنفس بقوة وهو يضغط على ذراعيها حتى لا تفلت منه وبدأ بكُل طاقته وحرصه يدفعها بقوة للأعلى وبعد مجهود مُضني منه تمكن من احتضانها بقوة بين ذراعيه وإدخالها من النافذة مرة أخرى.
أخذت أنفاسه تخرج منه بقوة وهو يرتمي بالأرض بينما بقيت هي فوقه يحتضنها بكُل ما أوتي من قوة وهو يقول بنبرة مصدومة يخالطها الفرحة:
- الحمد لله.. الحمد لله يارب.. أشكرك يا الله.. أشكرك إنها بخير.
بدأ يقول بأنفاس لاهثة وهو يحتضنها بقوة خشية أن تفعل هذا مرة أخرى أو تذهب بعيدًا عنه ثم شرع يُقبل جبينها مرددًا بملامة:
- ليه عملتي كدا؟!.. إزاي تخلصي من حياة وإنتِ على إثم وذنب؟!.. ليه بس؟
ذرفت دموعًا غزيرة وهي تضع رأسها على صدره دون أن تنبس ببنت شفةٍ فيما قبل رأسها مرة أخرى قائلًا:
- اهدي.. أنا جنبك.
خرجت عن صمتها وهي تقول قهرًا:
- أنا محدش جنبي.. أنا الوجع هيقتلني.
أبعدها في هذه اللحظة عنه قليلًا ثم ثبت وجهها بين كفيه وأخذ يقول بنبرة حازمة:
- وأيه اللي يريحك من الوجع دا؟!
وَميض بصوت مُرتجف باكٍ:
- عايزة أصرخ!!
تليد بحسم ودعم كبيرٍ:
- اصرخي.. طلعي كُل الطاقة السلبية اللي جواكِ!
وكأنها انتظرت هذه الجملة على أحر من الجمر وما أن أنهى كلامه حتى وجدها تصرخ عاليًا بكُل ما ملكت من قوة وقهر، كان يتأملها بحُزن بالغٍ وكأن ألمها يأخذ من روحه هو، أسرع آنذاك بضم رأسها إلى صدره فيما بقيت هي تصرخ وهي تتشبث بعنقه في قوة تُخبره أنه ملاذها الوحيد وأن الوحدة دونه تقتل وكُل آلامها تلتئم إن لزم جوارها، أجهشت باكيةً وهي تدفن وجهها داخل عنقه وكأنما تهرب من أوجاعها إليه وما كان منه إلا أن التقط راحتها وقبلها بمواساة وحُب صادق.
حمد الله أنها تشبثت بالحياة في اللحظة الأخيرة حينما منعتها قطعة الحديد من السقوط فتمسكت هي بالنافذة بقوة وكأنها استفاقت بوعي قبل فوات الأوان.
تركها حتى أفضت ما بداخلها للنهاية ولم يضغط عليها بكلمة أو فعل حتى بدأت هي تسكن بين ذراعيه في صمتٍ تستجمع نفسها مرة أخرى فيقول "تليد" بصوت دافئ:
- حاسة بأية دلوقتي؟!
خرج صوتها مُتحشرجًا وهي لم تُغادر صدره بعد:
- أنا مين؟!
سألت بفتورٍ يشبه هدوء ما بعد العاصفة فيما أجابها بوجه شاحبٍ:
- وَميض.. إنتِ وَميض أو أُترُج يعني زيّ ما تحبي.. بنت جميلة ربنا كرمها بأب تقي رباها وأحسن مثواها لحد ما كبرت.. بنت عنيدة وطايشة ومش عارفة مصلحة نفسها.
ابتعدت عنه قليلًا وهي تمحو دموعها المُنسابة ثم تساءلت في فتورٍ:
- طيب وإنتَ.. كُنت أيه في حياتي؟!
تنهد بعُمقٍ وظل شاردًا بعقله يُفكر في إجابة منطقية لا تُحملها أعباء أُخرى:
- كُنت الولد اللي رباكِ وإنتِ صغيرة لحد ما عمي علَّام أخدك لبيته.
خرجت تنهيدة حارقة من جوفها وهي تقول بيأس:
- ليه بتهرب من سؤالي؟!.. أنا مين؟ وليه إنتَ اللي ربتني مش أهلي!!
نفخ باستسلام ثم قال:
- هحكي لك حكاية سريعة بس تماسكِ، اوعديني!
وَميض ببهتان:
- أوعدك.
أخرج زفيرًا مُحملًا بأوجاع هذه اللحظة السابقة وبدأ يقول بملامح ثابتة:
- كانت دي اللحظة الحاسمة بالنسبة لي لمَّا وقفت على حافة القناة الموجودة في قريتنا بعد ما انتهيت من أداء صلاة العشا مع أبويا في المسجد وقررت أبدأ تمرين السباحة الخاص بيا، كانت الدُنيا مضلمة ودا الوقت اللي بيلتزم فيه أهل القرية بيوتهم ويستسلموا للنوم، بدأ تمريني الاعتيادي بحماس كبير إني قدرت أجتاز مسافة كبيرة تحت المية من غير ما اتنفس بس الحماس دا اتحول لذهول وعلامات استفهام!!!
- إزاي؟ مين دي؟ وليه بتعمل كدا؟! لا لا استنى بس، إنتِ بتعملي أيه؟!
صوت جوايا فضل يصرخ فيها ولكن لساني عاجز تمامًا عن النُطق، كانت الأشجار الموجودة على حافة القناة حاجبة رؤيتها ليا بس أنا كُنت قادر أشوفها بوضوح وعمري ما هقدر أنسى ملامحها المُنهارة في اللحظة دي.
حسيت للحظة إن اللي بفكر فيه ووصلني غلط وأنها أكيد مش هتعمل دا ولكن خاب ظني وأنا بلاقيها بترمي طفل من فوق الجسر في القناة وبعد ثواني لا تُذكر كانت بترمي طفل تاني ومع كُل مرة كانت بتصرخ بوجعٍ مش لايق مع جريمتها الشنيعة!
بدأت تجري بسرعة بعد ما ودعتهم بنظرة طويلة كلها كسرة ومكانش قدامي غير إني أنتشل نفسي من الصدمة دي قبل فوات الأوان، سبحت بكُل قوتي ناحية الطفلين وفجأة لقيت دراع الطفل عايم على وش المية وجسمه كله غاص، أدركت وقتها إن الفرصة بتضيع مني فاستعجلت وأنا بتمنى أنقذه، قدرت في رقم قياسي أوصل لإيد الطفل ولما سحبته من المية كانت للأسف طفلة رضيعة، كُنت طفل وقتها بس مشاعري كانت مليان وجع عجوز داق من الحياة كتير وكسرت فيه كُل حاجة حلوة، قدرت وقتها أخرج الطفلة ووصلتها لبرا الأمان للشط ولما قررت أرجع تاني علشان أنقذ الطفل التاني مكانش موجود.. مكانش له أثر.. حسيت بخيبة أمل وأنا بدور عليه بجنون وحُزن ولكن للأسف اختفى!!
سكت فجأة يُتابع خلجات وجهها المملؤة بالذهول رغم الانصات التامة له، تابعها باهتمام وترقب حتى برقت بعينيها ناظرةً داخل عينيه بقوة مُحاولةً استيعاب ما يقوله ليجدها تضع راحتها أعلى يسار صدرها ثم تقول بألم يطغى على ملامح وجهها المصدومة:
- أنا الطفلة الرضيع دي مش كدا؟!.. أنا البنت اللي إنتَ أنقذتها من الموت!!!
أومأ إيجابًا فسقطت دموع ساخنة من عينيها وهي تُضيف:
- وفين الولد؟! يعني أنا كان عندي أخ؟ بس أكيد دي مش أمي!.. صح يا تليد؟!!
وجدها تسبح أمام إعصار عنيف من إنكار الحقائق جميعها حتى أنها تابعت وهي تلتقط كفه في استجداء:
- أبوس إيدك يا تليد.. قول لي إنها مش أمي؟!.. إنتَ أكيد عارف حاجة!
تليد بنفي وهو يضغط على راحتها المُمسكة بكفه ثم يقول بصدقٍ:
- أنا حقيقي مش عارف مين الست دي وليه عملت كدا ولكن دموعها وقهرتها توحي إنها للأسف الأم!
أغمضت عينيها بقهرٍ بعدما تلقت تصريحه المُميت ثم وجدته يتابع بشرود:
- بس أنا عمري ما هنسى شكلها لأن صورتها مش بتروح عن بالي أبدًا وكأن الحادثة دي حصلت إمبارح.
وجدها تضع رأسها بين راحتيها في هم وغم فبادر بطبع قُبلة بسيطة على مُقدمة رأسها ثم قال بهدوء:
- فين وعدك ليا؟!
وَميض ترفع وجهها نحوه ثم تسأله بأمل:
- طيب والطفل التاني؟!.. أكيد أهل القرية وصلوا لجثته.. قول لي هو مدفون فين؟!!
تنهد "تليد" مُجيبًا إياها بيأس:
- للأسف، استنينا ظهور جثته على المية ولكن مكانش له أثر وكأنه فص ملح ودأب، لدرجة إن أهل القرية افتكروني بتخيل القصة لحد ما شافوكِ معايا.
أخرجت ضحكة ساخرة من بين شفتيها وهي تقول بحسرة:
- يعني عود خارج للحياة دي من أرض بورٍ؟! يعني أنا بجد معنديش أهل؟!
تليد بنفي قاطعٍ:
- عمي علَّام كان جدير بيكِ طول الوقت وله كُل الفضل عليكِ وأنا موجود؟ جوزك وسندك ولا إنتِ ليكِ رايّ تاني!!
أكملت بسخرية شديدة:
- أنا كُنت طول الوقت حزينة علشان مش عندي أُخت أحكي لها وأفضفض وكُنت مشتاقة يكون لي أخ يسندني في مِحنتي ويقف في وش أي حد فكر بس يأذيني، قلبي كان واجعني وأنا وحيدة أبويا وأمي.. بس الغريب بقى إن طلعت وحيدة نفسي وإن حتى الاتنين اللي في حياتي دول مش حقيقيين؟!
تليد بنبرة ثابتة يردف:
- اوعي تنسي فضل عمي علَّام يا وَميض.. اوعي تجرحيه بالكلام دا.. الراجل دا كرس عمره كُله علشان يشوف مستقبله فيكِ.. اوعي توجعيه أو تتغيري من بعد الحقيقة دي؟!
وَميض بصوت مقهر تقول:
- قلبي واجعني!!
أجابها "تليد" بيقين يبث الدعم والايمان داخلها ببضع كلمات:
- كله هيعدي وكل شيء هيهون طمني قلبك، صدقيني إنتِ أقوى من أي حاجة تأثر عليكِ، إنتِ أكيد نجحتي في صعوبات كتير؛ فقاومي للنهاية علشان خاطري.
أضاف وهو يبتسم بثقة بعد أن أبعد خصلات شعرها الساقطة على وجهها:
- التغلب على الصعوبات من أكبر التحديات والمِحن فُرصة للمِنح فوالله ما ابتلاكِ إلا لأنه يحبك، تعرفي قد إيه ملامحك الباهتة حلوة، وقد إيه إنت كل تفاصيلك حلوة؟ بس محتاجة حُسن ظن بالله.. محتاجة يوم ما كُل الطرق تضيق بيكِ وتتسد في وشك تجري عليه تترجيه بعشم يفتح لك كل الأبواب مش تتخلصي من حياتك لمجرد إنك موجوعة لأن مش هيكون لك عين تطلبي رحمته وإنتِ عاجزة عن النجاح في امتحانه!!
تابعته بملامح يطغى الندم عليها إلا أن تليد تابع بابتسامة ودودة:
- نصلي؟!
رمقتهُ بتيه ولكنها أومأت في حاجة ماسة لعرضه وهي تقول بصوت فاترٍ:
- نصلي.
نهض من مكانه ثم جذبها لتنهض ثم قادها إلى الحمام كي تتوضأ، انتظرها بالغرفة بعد أن افترش سجادة الصلاة وما هي إلا لحظات حتى وجدها تتحرك نحوه بهمة فاترة ووجه شاحبٍ، أومأ لها بعينيه يُطمئنها ثم وقف أمامها واستقرت هي خلفه بعدة خطوات ليفرد كفيه بالقرب من أذنيه ثم يتابع مُكبرًا في صوت حماسي، بدأ يؤدي صلاته بها وكانت هذه المرة الأولى التي تنسى فيها كُل آلامها وتحظى بسكينة تتذوق حلاوتها للمرة الأولى حتى أنها سجدت بين يدي الله تبثه شكواها من ألم قسم قلبها إلى نصفين وأبهت روحها وكم أنها مُشتتة تائهة ترجوه أن يرأف بخبايا قدرها المُساق إليها؛ فهي لم تعُد تحتمل ضربة أُخرى.
بينما أطال هو السجود يرجوه أن يهديها إلى طريق الحق والصواب وان يربت على قلبها المكلوم ويُجمل قدرها عوضًا عما تعرضت له من قدرٍ هي راضية به، طلب من الله بكُل ما يعمل داخله من حب لها أن يكون إضافة ناعمة في حياتها وألا يكون سوى سندٍ لا يميل ولا يُفتن ولا تأخذه متاع الدنيا بعيدًا عنها، فتابع بخفوت شديد:
- «أسألك الزُهد في الدنيا من كُل ما يُفتن المرء عداها».
كانت دعواتهما تتلاقى في السماء ولو اضطلعت هي على دعواته فوجدته قد نسي أن يتذكر نفسه بدعوة واحدة وكأن الله لم يخلق فتاة سواها؛ فلا هو يرى غير طيفها إن غابت ولا يسمع إلا أنين طفلته الرضيعة الناعمة، سلم من الصلاة فوجدها تنهض في سكون ثم تنزع غطاء رأسها متوجهة إلى الفراش، زوى ما بين عينيه يتابع حركاتها حتى رآها تجلس مُنهكة القوى على الفراش وترمي برأسها على الوسادة، سألها بنبرة هادئة:
- وَميض، مش هترجعي بيت أهلك؟!
ابتسمت وَميض بسخرية وقالت في فتور وصوت خافت:
- بس أنا مليش أهل؟! وكمان أنا عايزة أنام لأني تعبانة ومحتاجة لدا أوي
أومأ برأسه مُتفهمًا ثم قرر الخروج وتركها تأخذ قسطًا من الراحة، خطى خطوتين نحو الباب ولكنه توقف فجأة وهو يلتفت بعينيه نحو النافذة في قلق وريبة ثم يلتفت نحوها مرة أخرى، ابتلع ريقه على مضض شاعرًا بهاجس فقدانها يتسلل إلى قلبه، تحرك تجاهها فورًا ثم التقط الغطاء ووضعه على جسدها بحرص شديد وما أن انتهى حتى جلس على الكرسي المجاور للفراش مُقررًا التقاط مصحفه الموجود على المنضدة المجاورة له والاندماج بين سطوره في استرخاء وراحة.
- إنتَ هتفضل قاعد كدا؟! متخافش مش هنتحر!
تليد بتنحنح وثابت:
- أنا مرتاح كدا.. حاولي تنامي شوية.
أومأت ولم تتكلم بحرف واحد، فتح صفحات المصحف وبدأ في قراءة سطوره بتدبُر وتمعن وبين الفينة والأخرى يطالعها بنظرات مهتمة دافئة للاطمئنان عليه وهل نامت أم لا تزال تُفكر في كُل آلامها الجديدة؟، كان ولا زال قلبه مُتعلقًا بها إن وُجدت إلى جواره مَلَكَ العالم بأسره وإن غابت عن ناظريه فهي حاضرةً تسكن كيانه كله، كانت أهدابها تتحرك باستمرار وحينما توقفت عن تحريكهم أدرك وقتها أنها غطت في سُبات عميقٍ وقد رأى أن النومَ قد يفدها كثيرًا ربما هربًا من مشاعرٍ سلبية تُفقدها التمييز أو الاستيعاب.
في تلك اللحظة، وقف "تليد" في مكانه مُقررًا إجراء اتصالًا بوالده الذي لم يلتقِ به منذ يومين ويعز عليه ألا يستيقظ على إشراقة وجه والده البشوش، انتظر إجابته بشوقٍ دفينٍ وهو يتحرك بخطوات حريصة خارج الغرفة وما أن جاء صوت الشيخ "سليمان" حتى بادر "تليد" يقول باشتياقٍ:
- يعز عليَّ أصحى ومتكنش قدامي يا أبويا، واحشني؟!
ابتسم "سليمان" ثم ردد بدفء:
- مشتاق لك يا قلب أبوك والأهم من كُل حاجة إنك تبقى نمت كويس وأخدت راحتك.
تنهد "تليد" تنهيدة سريعة وهو يقول:
- وَميض عرفت مني كُل حاجة عن ماضيها وحالتها مش كويسة أبدًا.
سليمان بقلقٍ يسأل:
- يارب ألطف بيها، وهي فين دلوقتي؟!!
تليد بنبرة ثابتة:
- معايا هنا.. حاولت تنتحر بس لسه لها عُمر الحمد لله.
ارتجف قلب الشيخ "سليمان" حُزنًا عليها ثم قال بتوجسٍ:
- علَّام يعرف باللي حصل دا؟!
تليد يرد بنفي وضيق:
- لأ، ومش عارف إزاي مسألش عن بنته لمَّا غابت عن البيت!
سليمان بهدوء:
- محدش عالم بظروف الناس غيره يابني، شروق بتحاول طول الليل تتصل بيه والخط مقفول فأكيد أفتكر إنها عند شروق.
تليد مُحاولًا الهدوء والتريث:
- أنا هحاول اتصل بيه تاني علشان أفهم الأمور رايحة لفين.
سليمان باهتمام يسأل:
- وإنتَ ناوي على أيه يابني؟!
تليد وهو يدعك جبينه بحيرة:
- لأول مرة مكنش حاطط خطة في دماغي ولكن أنا خايف عليها أوي ولو وصلت إنها تكون في بيتي رسمي من غير فرح هعمل دا إلا لو لقيت حد يحطها تحت عينه كأني موجود لحد ميعاد الفرح، بس أنا مش قادر أسلم أمرها لأي مخلوق وشايف إني هكون مرتاح وهي تحت عيني وجنبي.
سليمان بتشجيع واقتناع:
- لو حاسس إن أُترُج بتعيش صراع نفسي خطير على سلامتها يبقى توكل على الله وبلغ علَّام بقرارك وإن شاء الله ربنا مش هيريد غير الصالح.
تليد بتأييد وقليل من الشرود:
- خير يا أبويا.. كُله بفضل الله ورحمته بينا، هيمر.
انقضى النهارُ سريعًا للغاية لقِصره في أيام الشتوية، نهضت عن الفراش تتحرك نحو الشُرفة المفتوحة في تهادٍ وترنح نتج عن شدة حُبها لهذه الأجواء الليلية التي تتلألأ فيها النجوم في أمسية صافية من الغيوم، كان ثوب نومها الحريري يلامس الأرض ويسير وراءها بينما يقبع الكتاب التي تُحب بين أحضانها، دخلت الشرفة تلتقف نسمات الهواء الشتوية العليلة بسعادة غامرة تشبه سعادة هذه الفتاة البسيطة التي كانت تعيش في سابق العهد والزمان ونفسها الفتاة التي ارتضت أن تعيش في أبخس الأحوال وأذلها، تلك الفتاة اليانعة في أمل التي حلمت بزوجٍ مفعمٍ بالآمال والأحلام مثلها وبيتًا دافئًا تنتشر منه رائحة الطبيخ والمُعجنات التي تضاهي في جمالها رائحة المِسك؛ فكانت تحترف المطبخ بكُل تفاصيله حتى يسعد زوجها المُستقبلي بمهارتها وأنها سيدة بيت ماهرة لا عقبات تقف أمامها أو تعرقل طريقها، كانت بسيطة جدًا تُحب أن تقرأ الكُتب ويروقها التأرجح على أرجوحة موجودة بحديقة الاطفال دون أن تأبه لعُمرها هل كبيرة كانت أو صغيرة، فتاة أرادت فقط أن تحيا حياة آمنة طبيعية مع أبيها العجوز الذي كان يعمل سائسًا لكبار رجال الأعمال ولكنها استيقظت ذات يومٍ على فراق والدها وضياع مُستقبلها واعز ما ملكت وأضحت بلا مأوى أو فارس حتى الأرجوحة لم تُعد تروقها؛ فشيخوخة القلب تجعلك لا تتذوق الحياة كما السابق.
تنهدت طويلًا قبل أن ترفع وجهها للسماء فتتحرك خصلات شعرها بفعل الرياح الباردة التي تقتحم وجهها، اِفتر ثغرها عن اِبتسامة يغمرها النشوى ثم دمدمت وهي تقول بخفوتٍ:
- إزيك يا حبيب بنتك عامل أيه؟!.. أنا يمكن أكون ضايعة من بعدك بس ربنا أراد إنه يعوضني.. أه لو تعرف بنتك بقت أيه دلوقتي؟!.. أنا بقيت من أهم عشر سيدات بالوطن العربي.
كانت تتحدث إلى نجمها المُفضل الذي قررت أن تتخذه انعكاس لصورة والدها؛ فتحكي له أوجاعها، إنجازاتها وانتصارات، تبدلت ابتسامتها إلى أُخرى باهتة ثم تابعت:
- بس أنا مش مُكتفية بكُل اللي وصلت له.. مش لاقية له طعم من غيرك.. كان نفسي تعيش معايا في جنة الدُنيا قبل ما تروح مني ولكن عيشت عُمرك كُله يا نور عيني للشقا.
سكتت لوهلة ثم أضافت بحماس فتاة عشرينية يجرفها الشوق إلى أيام والدها الدافئة المليئة بالأمان:
- حبيبي بابا.. أنا زيّ ما وعدتك هعيش وهموت أبية وعمر راسي ما هطاطي لأي مخلوق وحقك يا نور عيني هيرجع لك، نام قرير العين يا قلب بنتك.
انسكبت دمعة حارقة على وِجنتها فأسرعت بمحوها وهي تقول باختناق وحنين جارفٍ:
- بس أنا وحشني المُرجيحة اللي كُنت بتعملها لي وانا صغيرة، وحشني كوباية الشاي على الحطب من إيدك يابا.. الدُنيا من بعدك مبقيتش تضحك لي.. وحشتني!.. لو سامعني فأنا نِفس نفسي مكسورة واليُتم كَل قلبي في غيابك.
أطرقت برأسها تنظر للأرض وهي تقاوم اندلاع أوجاعها على هيئة دموع، وفي هذه اللحظة سمعت صوت طرق خفيف على باب غرفتها وصوت الخادمة يقول بهدوء:
- Madam
أسرعت بمحو عَبراتها فورًا ثم انطلقت نحو الباب وهي تقول بثبات وملامح متشحة بالثقة والقوة:
- Come my darling, I know, It’s time for my favorite drink.
دخلت الخادمة فور السماح لها ثم أسرعت بوضع الكوب على المنضدة المجاورة للفراش، ابتسمت لها "نجلا" في امتنان ثم أزمات الخادمة بحُب قبل أن تتجه خارج الغرفة.
تحركت "نجلا" نحو كوب الشاي ثم التقطته فورًا وراحت تنظر إلى شرائح الأُترُج السابحة على وجهه وبسرعة قامت بأخذ رشفة منه وهي تقول باستمتاع:
- عظيم.
رواية رحماء بينهم الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم علياء شعبان
"كمثلِ الأُترُّجة".
الفصل الثالث والثلاثون
"أعدُكِ ببيتٍ دافئ قد بُني بالحُب وتعديني بألا يكون بيننا سوى الرحمة وأن نرى الله فيما نصنع".
"بس هي عارفة إني حبتها وكأنها روح من روحي؟!"
أردف "علَّام" بدموع جارفٍ وحنين إليها مُتقد فقد كسره معرفة حالة ابنته الجميلة وهروبها عن الحقيقة بالنوم واللا وعي، لم يلم "تليد" البتة؛ فقد كان يدعم معرفة "وَميض" بالحقيقة لأن العمر مهما طال سوف تكتشف هي ذلك، خرج صوته مهزومًا يُتابع:
"هي أكيد لسه بتحبني، لسه بتعتبرني سندها ولا مش عايزة تشوف وشي؟!"
رد "تليد" بسرعة ينفي ظنونه:
"وَميض بتحبك جدًا يا عمي ولا يمكن تتخلى عن وجودك في حياتها، إنتَ أحسنت تربيتها وهي لا يمكن تجحد فضلك عليها، بس زيّ ما قولت لك هي بتعاني حاليًا من صراع داخلي مُزمن مخليها مُشتتة وتايهة واقتراحي دا إنتَ مش مُجبر توافق عليه ولكن "وَميض" محتاجاني جنبها وأنا محتاج إنها تكون تحت عيني!"
تنهد "علَّام" بأسى ثم أضاف بصوت فاترٍ:
"عمي مراتك في الأول والآخر يابني ومحدش يقدر يمنعها عنك وطالما وجودها في بيتك هيكون في مصلحتها فطبعًا أنا معاك."
رد "تليد" بنبرة يكسوها الامتنان والشكر:
"أنا بشكرك إنك مُتفهم وقادر تساعد في حل المشكلة بكُل سلام وبساطة وبعد موافقتك طبعًا أنا هبلغ والدي وصُحابي يظبطوا مكان في المزرعة نعمل فيه حفلة بالليل قبل ما نروح شقتنا يمكن دا يكون مفيد ليها وأجواء الفرحة تغير من مزاجها شوية."
"على بركة الله يابني، أشوفكم بالليل على خير."
علَّام بمساندة ولهفة.
أنهى الاتصال هذا ثم أجرى غيره يُخبر الجميع بوجود حفلة مساءً وعليهم أن يقوموا بالتجهيزات على أكمل وجه؛ تلقى الشباب الخبر بفرحة عارمة وبدأوا في التنفيذ في نشاط وهمة ولم ينسَ إخبار بعض أصدقائه بشأن إقامة حفل زفاف عائلي يدعوهم للحضور إلى المزرعة.
كل هذه الترتيبات تمت عقب دخولها في نوم عميق ومُراسلة أبيه في الصباح، تذكر كُل هذا أثناء جلوسه على الكرسي المجاور للفراش وهو يتأملها أثناء النوم ويملأ قلبه اللهفة برؤية سعادتها حينما ترى جميع من تحبهم في مكان واحد وحينما ترى ما أحضره لها كي يزيد يومها سعادة.
افتر ثغره عن ابتسامة أنيقة حينما بدأت تتمطى في الفراش بارتياح كبير وكأنها لم تنم من قبل، فقد نامت ما يقرُب من السبع ساعات دون أن تقلق في نومتها مُطلقًا وكأنها غائبة عن العالم بأكمله، كان شعرها ساقطًا على وجهها كُله تضم ركبتيها إلى صدرها كما الجنين في رحم أمه؛ في البداية تعجب من طريقة نومها ولكنه لا يعلم هي تنام هكذا في العموم أو أن هذه الوضعية لا تحدث إلا حينما يغزوها الألم فتود إسكانه باحتوائها لنفسها!!
ظل مُحدقًا في تفاصيلها إلى أن وجدها تزيح خصلاتها عن وجهها بتأفف لتبدأ بفتح عينيها ببطءٍ وكانت أول صورة التقطتها بعينيها رؤيته جالسًا على الكرسي يُطالعها بابتسامة هادئة، رمقتهُ بنظرات وديعة جدًا أذابت قلبه وجوارحه تمامًا، بقيت على هذه الحالة لثواني بينما قطع هو الصمت قائلًا بدفء:
"أخيرًا!.. مساء الخير يا آنستي!"
تدبرت ابتسامة باهتة وهي تقول بنُعاس:
"أنا نمت كتير؟!"
"يادوب هم سبع ساعات بس."
تليد بضحكة مشرقة.
تنحنحت بهدوء وردت:
"قُليلين، أنا هرجع أنام تاني."
أسرعت برفع الأغطية عليها من جديد فيما أسرع هو بدفعهم وهو يقول بلهجة حازمة:
"مفيش الكلام دا.. يلا قومي يا كسولة.. الشيخ سليمان مستنينا على العشا وأنا خللت وأنا مستنيكِ تصحي لوحدك."
اعتدلت "وَميض" في نومتها جالسةً وهي تقول بملامح يطغى عليها الحُزن والندم:
"بس عمو سليمان أكيد مش عايز يشوفني من بعد اللي حصل مني.. أنا شوفت نظرات العتاب في عينيه.. هو أكيد مبقاش يحبني وأنا مقدرش أفرض نفسي عليه!"
"أبويا بيقابل كُره أعدائه بالحُب فما بالك أحبابه؟ مع العلم إن معندوش أعداء بس أبويا راجل حقاني وبيقول الحق بكُل جوارحه وكلمة الحق أوقات كتير بتقف في الزور."
تليد بنبرة ثابتة.
سكت هُنيهة ثم تابع:
"وبعدين إحنا لازم نتكلم معاه في موضوعنا!!"
خفق قلبها وهي تسأله بتوجسٍ:
"موضوع أيه؟!"
"يعني.. هل هنكمل مع بعض ولا كُل شئ قسمة ونصيب!!"
تليد متشحًا بالجدية والثبات.
زوت ما بين عينيها وهي تقول بصوت محتدًا بالغضب:
"بس إنتَ وعدتني إنك مش هتتخلى عني؟!"
"وأنا فعلًا مش هتخلى عنك ومش شرط دا يحصل وإنتِ مراتي بس، أنا قضيت سنين عُمري كُله بحمي ضهرك وماشي وراكِ زيّ ضلك، إمتى اتخليت عنك علشان أتخلى دلوقتي؟!!"
تليد يومىء بتأكيد.
تنهدت طويلًا قبل أن تدلي قدميها على الأرض وتفرك كفيها وهي تقول بندم يحمل بين طياته اعتذار:
"أنا آسفة على كُل لحظة أساءت لك فيها وكُل لحظة مدتش فيها نفسي فُرصة أفهمك كويس وهاجمتك بدافع العناد والإصرار على الغلط، آسفة علشان اللي زيك في العُمر مش هيتكرر مرتين وبشكرك على النفس اللي بيخرج مني بفضلك.."
همَّت أن تُتابع ولكنه قطع كلامها مُضيفًا بلهجة ثابتة:
"بفضل الله وانا مجرد سبب."
أومأت وهي تتابع بابتسامة هادئة:
"أكيد؛ ولكني بشكر الجُندي المجهول فيك وبشكرك على العروسة والفساتين وإنك فرطت في لبسك وكسوتك علشان تدفي طفلة رضيعة البرد كان بياكل فيها ومقبلتش تفرط فيا."
"ولحد آخر نفس فيا مش هفرط فيكِ يا وَميض."
تليد وهو يستأصل عينيها تحديدًا فيتابع ناظرًا داخلهما بقوة.
امتلأت عيناها بالدموع حتى فاضت على وِجنتيها وهي تقول بانكسارٍ تُبعد نظراتها عن عينيه:
"أنا بجد آسفة.. سامحني."
نهض من مكانه بكُل رزانة ثم مال عليها قليلًا وراح يربت على ذراعيها بكفيه قائلًا بصوت لين:
"متتأسفيش، إن شاء الله كل حاجة بالوقت هترجع أحسن من الأول."
استقام مرة أخرى في وقته ثم مد كفه أمامها وسأل باهتمامٍ:
"يلا بينا!!!"
تدبرت ابتسامة باهتة وهي تضع راحتها أعلى كفه وتقول باستسلام:
"يلا."
وقفت أمام المرآة القابعة أعلى منضدة الزينة داخل غرفتها، كانت تضع اللمسات الأخيرة من أحمر الشفاه ذي اللون البنفسجي الهادئ؛ فهي تعشق كُل ما هو جرئ كشخصيتها حتى أنها ابتسمت لأن اللون لاق بجمالها ورونقها كثيرًا فهي سيدة تعشق نفسها وتمتلك ثقةً غاليةً بالنفس فتسير في الأرض في دلال وغرور يحفظ لها كبريائها وكرامتها بين الناس ولا يمكن لأحدٍ أن يتجاوز الحدود التي أقامتها هي بين الجميع ورغم كُل هذا فهي محبوبة وراقية في التصرف.. تبُش في كل وجه تُقابله بابتسامة صافية وتساعد بكُل ما لديها في بناء حيوات جديدة لأُناس يعيشون فقرًا مُدقعًا ومعيشة متدنية.. لا تبخل فك كربات الناس كلما سنحت لها الفُرصة بهذا كما وضع الله في طريقها أُناس جملوا مستقبلها وجعلوها على ما هي عليه الآن؛ فتُعطي ولا تقبض وتمنح دون مُقابلٍ.
انتهت من وضع أحمر الشفاه ثم وضعته على المنضدة وشرعت تتقهقر قليلًا للوراء وهي تنظر إلى هيئتها الرقيقة نظرة عمومية شاملة في إعجاب شديدٍ فالثوب تناسب تمامًا مع بريق بشرتها البضة القمحية وخصلاتها الذهبية التي تنسدل على ظهرها بموجٍ هاديء كما شخصها الراسخ في العموم.
حاولت أن تلتزم بثوبٍ يليق بتواجدها بين عائلة "سليمان السروجي" في مناسبة لطيفة كهذه فاختار أن ترتدي فستانًا لا يُظهر منها شيئًا وارتدت فوقه سُترة من الفروِ باللون الأبيض فكانت تبدو أنيقة دون إظهار أية تفاصيل أخرى من جسدها سوى رأسها وكفوفها وقدميها وهذه المرة الأولى التي تتحفظ فيها على ما سترتديه، لقد سعدت كثيرًا باتصاله بها ودعوتها فهي بحاجة إلى أجواء عائلية تُنسيها ما تُعانيه في وحدتها.
طُرق الباب فسُحبت من شرودها للواقع مرة أخرى:
"ادخل!"
نظرت عبر المرأة إلى الطارق فكان "ماكسيم" الذي تصلب في مكانه يُطالعها بنظرات شاردة يبدو وكأنه في لحظة هُيام فصلته عن إدراك كل شيء حوله سواها، كانت عينيه تروح وتأتي على هيئتها بانبهار صامتٍ فيما زوت "نجلا" ما بين عينيها قائلةً بابتسامة متعجبة:
"ماكسيم!.. في أيه مالك؟!"
تنحنح فورًا وهو يسحب نفسه من تأثير سُكره بها:
"أعتقد كفاية كدا لبس وميك آب، أخدتي بالظبط .."
سكت للحظة وهو يرفع ذراعه أمام عينيه يُطالع ساعة يده بتدقيق:
"بالظبط ساعتين بتجهزي.. مش معقول كدا!"
"تمام تمام.. أنا خلاص جاهزة."
نجلا تومىء بتفهم.
"تحبي العربية تدخل لحد باب الفيلا ولا هتركبي من عند الباب الرئيسي؟!"
ماكسيم بابتسامة هادئة يسأل.
"مش هتفرق يا ماكسيم، المهم نتحرك دلوقتي ونشارك الناس فرحتهم."
نجلا وهي تميل على المنضدة وتقبض على حقيبتها متابعًا باستسلام.
عُلقت الأضواء بحديقة المزرعة تُنير بألوان مُختلفة وزاهية وتم وضع طاولة مستطيلة في منتصف الحديقة وحولها العديد من المقاعد من أجل حفل العشاء الذي سيجمع الضيوف والاحباب معًا، قام "نوح" و "عُمر" بمساعدة "عِمران" في تزيين الأرجوحة الموجودة في الحديقة بالورد وجلب دراجة وتزيينها بالورود أيضًا وتولت "رابعة" وعمال المزرعة أمر إنجاز الطعام بينما مكث الشيخ "سليمان" برفقة "علَّام" حول موقد الشاي المصنوع من الحجار والحطب يتسامران حول هذه الأجواء وما تمر به ابنتهما الصغيرة، كان للفتيات دورًا هامًا في هذا الحفل حيث توجهت "مُهرة" إلى أحد المولات التجارية وقامت بشراء فستان باللون الأبيض بينما أنهت "شروق" وشقيقتها "سكون" تنظيم شقة الزوجية ووضع الثوب على حامل بمنتصف الغرفة.
كانت النسمات الشتوية تداعب وجوههم بلسعة حماسية راقت لهم وكانت نيران الموقد تبعث الدفء على نفوسهم قبل أجسادهم حيث وضع الشيخ "سليمان" وسائد مُريحة حول الموقد للسمر والمرح حول النار كما تولى "نوح" أمر الشواء فعاونه بعضًا من عمال المزرعة في ذبح الضأن ونزع الفرو عن جسده وصُنع آلة لتعليقه أسفل نار مُتأججة مُستعرة، لم تُفارق الضحكة أفواههم بكُل حماس وفرح متجاوزين الصعاب الذي يمر بها كُل واحد منهم؛ فكان الشيخ "سليمان" يُراقب كُل فردٍ منهم على حدا بمشاعر أبٍ حكيمٍ قادرًا على قراءة دواخلهم بحكمة حتى أنه يُعبر عن مدى إعجابهم بقوتهم وإظهار الافضل للناس دومًا بدلًا من الشكوى واليأس الذي يبث في نفس الغير طاقة سلبية لا تتداوى بسهولة، نظر "سليمان" إلى "شروق" حبيبة قلبه الغالية التي لا تشكو منذ صِغرها كيف لها أن ترمي رأسها على صدر زوجها وهما يضحكان بخفة أثناء جلوسهما أمام الموقدٍ فمن يرها يظن أنها لم تتعرض منذ أيام لأوجاعٍ شديدة ليس لأنها تجاوزت الألم بل لأنها فضلت أن تعيشه أمام نفسها فقط فالجميع لديهم من الآهات جِبالًا وزوجها لم يكُن بأقل منها بشاشة وعقلانية فيُجاهد نفسه أن يبقى صامدًا أمامها حتى تقتبس منه بعض القوة وتلين أوجاعها.
ينظر الشيخ إلى "سكنه" هكذا يُلقبها؛ فهي فتاةٌ شقية مراوغة ولكنها لا تقل طيبة عن أشقائها بل هي الأكثر حُبًا واحتواءً ودعمًا لهما رغم أنها الأصغر عُمرًا؛ فتحنو عليهما كأمٍ رائعة تنجح دومًا في كسب ثقتهما وضمهما إلى جنباتها وتنهش لحمَ من يحاول المساس بهما؛ هي رائعة ومُحبة ولكنها تتشرب القليل من والدها فتحبه جدًا وتطيع أوامره حتى وإن كان على خطأ وهذا طبيعي في العموم فالأب من حقه أن يُطاع إلا في الشرك بالله، ينظر إليها تضع ذراعها حول كتفي شقيقها الذي يجلس بجوارها أيضًا يتسامران بصُحبة "كاسب" الذي منذ أن رآه في المرة الأولى وعلم أنه يكمن مشاعرًا صادقةً لابنة أخيه.. مشاعرٌ لا تحمل بين طياتها أية ذرائع سوى الحب.. صادقة فحسب.
كان يتابع قسمات وجه "عُمر" التي تتراوح بين السعادة والهدوء، هدوءٌ يتخلله الحُزن والكسرة فدائمًا يشعر بأنه أقل قيمةً من وجهة نظر والده منذ تعرضه للحادث ولكنه لا يقدر على ستر مشاعره وإخفائها فيبدأ في ذرف الدموع أو تحطيم الأشياء من حوله كي تهدأ نفسه قليلًا.
ضحك الشيخ "سليمان" ما أن انتقل بنظراته إلى هاتين الاثنين؛ هنا حالة خاصة بالنسبة له؛ فرؤيتهما تُسعده والدفء النابع من علاقتهما الطاهرة والصادقة يزيد من دعائه لهما بالاتحاد والاجتماع العاجل، يرى "نوح" يقف أمام الضأن يشرف على شوائه بنفسه بينما تقف "مُهرة" بجواره يمزحان بضحكات عالية، يرى بريق عيني "نوح" يلمع بشدة كلما كانت بجواره، نوح الذي تربى على عِزة النفس والكرامة والذي عاش ومازال يجابه مشاكله وأوجاعه بالابتسام والضحك طمعًا في أن ينظر الله إلى حال قلبه الحزين الذي يُحارب ملامحه الضاحكة.
تقف تلك الفتاة الرائعة إلى جواره بحماس طفولتها الذي لم يتغير أبدًا فتنبهر دومًا بكُل شخصٍ تُحبه حتى أنها تُعطي كُل القيمة والحُب بلا مُقابل؛ فهي راقية في مشاعرها ناضجة للحد الذي يجعلها لا تُعطي أهمية للأمور إلا إذا كانت تستحق أن تنثر مشاعرها وتستنزفها فتفعل بكُل أريحية وصدق.
تذكر أيضًا "وَميض" أو كما يسميها أُترُچ التي تعذب ابنه في هواها طويلًا، تلك الفتاة التي تحمل جوهرًا نقيًا كالقُطن ولكن البيئة التي نشأت بها أثرت سلبًا على معتقدها فتزعُمُ أن الحرية لا يحكمها شرائع أو أوامر أخرى فأحيانًا ترك أبواب الحرية لأبنائنا يجلب عاصفة مُضادة لا يمكنك التغلب عليها؛ فلا يوجد حرية تخلو من مشاعر الخوف من الله، لا حُرية في تصرف لا ترى الله فيه، مشاعرهٌ تؤازرها بحُب كبيرٍ فالاضطراب النفسي أو العُصاب الناتج عن الصدمة كفيل أن يُدمر نفس المرء خاصةً إن كان في منأى عن الله، كان يدعوا لها ليلًا ونهارًا.. سِرًا وعلانيةً أن يمنحها الله القوة كي تتجاوز ما تمر به وإن تنعم بحياة سعيدة مع ابنه الذي انتظرها عُمرًا كاملًا، هذا الشاب الطموح الذي لا يستسلم مُطلقًا مهما كلفه الأمر عمره فلو كان ينوي الصغير أن يُفرط بها ما أصبحت زوجته في شبابه، حفظ العهد من الصِبا حتى الشباب ولم تمس قلبه مثال ذرة من خفقة مصدرها غيرها.
في تلك اللحظة قطع شروده في الشباب من حوله مجيء "تليد" الذي تابع وهو ينظر داخل عيني والده قائلًا بتوجسٍ من عدم استجابة والده على تحيته:
"حج سليمان؟! إنتَ سرحان في أيه؟!"
استفاق "سليمان" توًا فنظر حوله مرة أخيرة ليجد الساحة قد فرغت من الفتيات، التفت بعينيه إلى ابنه فانشرح قلبه وهو يبتسم بحُب فاتحًا ذراعيه للأخير:
"تليد.. حمد لله على سلامتك يا عِز الناس.. مُبارك يا حبيبي."
ضمهُ "تليد" بقوة ثم ردد بنبرة مُشتاقة:
"وَحشتني يا أبويا."
ابتسم "علَّام" بودٍ كلما نظر إلى هذه المشاعر السامية بينهما ليجد "سليمان" يسأل باهتمام:
"فين وَميض؟!"
"البنات أخدوها الأوضة علشان تلبس الفستان."
تليد وهو يرفع كف والده ثم يقبله.
"وإنتَ بردو البس بدلتك، نوح جهزها لك في أوضتك."
الشيخ "سليمان" بسعادة غامرة.
"عيني يا حبيبي، هلبس حالًا."
تليد وهو يربت على كف والده بدفء.
نهض "تليد" مُستقيمًا ثم تحرك فورًا إلى غرفته، ربت "علَّام" على كتف الشيخ ثم قال بودٍ:
"ربنا يخليكم لبعض يا شيخنا."
تدبر "سليمان" ابتسامة هادئة قبل أن يعير "علَّام" الجالس أمامه كُل الاهتمام ثم يقول بنبرة هادئة لينة:
"عثمان إنتَ من ساعة ما قعدت وحالك مش عاجبني؟! كُل أزمة بالتقرب لله هتعدي.. لازم يكون عندك ثقة في دا."
"بس أنا المشاكل زادت في حياتي أوي ومبقيتش قادر أتحملها يا شيخ، كُل أموري من سيء لأسوأ حتى الست اللي حبتها كُل العُمر ما بيعدي بتتغير للأوحش، ليه يا شيخ بيحصل معايا كدا؟!"
علَّام يرد بنبرة مضطربة توشك على البكاء.
مد "سليمان" ذراعه يربت على كف الأخير ثم قال برفقٍ:
"أنت آسف لو هجعك بكلامي يا علَّام بس والله من حُب النصيحة ليك."
سكت هُنيهة ثم أكمل وهو يحدق في عيني "علَّام" اللاتي تلمعان بانكسارٍ:
"مش يمكن تكون عملت ذنب في حق شخص لسه بيتألم منه؟!"
"بس أنا عُمري ما عملت ذنب في حـــ..."
علَّام وهو يومىء سلبًا في تأثر.
توقف فجأة عن الكلام وهو ينظر إلى بوابة الحديقة التي يقف على مقدمتها سيدة جميلة جدًا تنظر حولها في المكان وكأنها تبحث عن شخصٍ ما؟!!.. حدق فيها مصدومًا فَزِعًا وصوت الشيخ يرن في أذنيه مُرددًا هذه الجملة مرة أخرى حينما رآها:
"مش يمكن تكون عملت ذنب في حق شخص لسه بيتألم منه!!"
أسرع "نوح" بخطواته نحو السيدة التي تقف بجوار رجل وسيم تنظُر في دقة باحثًا عن صاحب دعوتها، كان الهواء يُداعب شعرها فيلتف حول وجهها في تمرد وفي تلك اللحظة جاء "نوح" الذي قال بلهجة ترحيبية هادئة:
"مدام نجلا، نورتينا!"
أومأت في ابتسامة ثم طبطبت على صدرها بكفها في شُكر وامتنان فقد تعلمت الطريقة الصحيحة للسلام وفق عائلة "سليمان السروجي" فلا يوجد ما يُدعى سلام بالمُصافحة بين رجل وامرأة والجميل أنها تحترم ذلك جدًا، سلم "نوح" على "ماكسيم" الذي يرافقها دومًا في كُل خطوة تخطوها ثم أفسح لهما الطريق ثم قادهما إلى حيث يجلس الشيخ سليمان.
سارت معه بامتنان وابتسامة واسعة ما لبث أن غابت فورًا وهي تنظر إلى "علَّام" بدهشة كبيرة، حاولت إخفاء صدمتها فورًا وهي تلتفت بنظراتها إلى الشيخ "سليمان" تحييه بإماءة خفيفة من رأسها وتُبدي إعجابها بالمكان في ابتسامة هادئة ليقول "سليمان" بترحاب كبيرٍ:
"أنرتِ المكان يا بنتي، تحبي تقعدي معانا ولا على الترابيزة؟! طبعًا اللي يريحك.. أصل أنا والله يا بنتي مليش في قعدة السفرة بتاعتكم دي."
ابتسمت "نجلا" وهي تجلس فورًا على الوسادة أمامه قائلةً بابتسامة حماسية:
"أولًا المكان منور بوجودك فيه يا بركة.. ثانيًا النبي عربي وأنا مش عايزة أتعامل على إني ضيفة."
"شايك سُكره أيه يابني؟!"
سليمان وهو ينظر إلى "ماكسيم" ثم يقول بودٍ.
"زيادة يا بويا."
ماكسيم بابتسامة يرد.
اندمج "سليمان" في تحضير الشاي لاستضافة هذين الضيفين فيما التفتت "نجلا" بنظرات قوية ناحية "علَّام" وبنبرة ثابتة دون أن تبعد عينيها عنه قالت:
"معرفتناش على الأستاذ يا شيخ سليمان؟!"
"أستاذ علَّام يبقى أبو العروس."
سليمان وهو ينظر إلى "علَّام" بودٍ.
شردت "نجلا" لثواني قبل أن تقول بهدوء:
"آآاه، أهلًا وسهلًا!"
ابتلع "علَّام" ريقه على مضض قبل أن يرد:
"أهلًا بيكِ."
وقفن يتطلعن إليها بسعادة غامرة بعد أن ارتدت الثوب الأبيض وغطاء رأسها الأبيض المُنمق والبسيط وقد وضعت القليل جدًا من مساحيق التجميل فبدت حسناء ساحرة للقلوب وخاطفة للأنظار تسلُب لُب كُل من يتطلع إلى بريق هيئتها الناعمة، وقفت تتأمل نفسها أمام المرآة بينما تميل "شروق" برأسها على أحد كتفيها ناظرًا إلى حُسن صديقتها عبر المرآة وتميل "مُهرة" بسعادة وإعجاب على الكتف الآخر قاصدين إسعادها وإضفاء ذكرى فريدة في يومها.
"زيّ القمغ.. نص حلاوتها يوم فغحي يارب."
تكلمت "مُهرة" تحت تأثير طلة "وَميض" المُبهرة فيما تابعت "شروق" بمشاعر متأثرة أقرب للبُكاء:
"زيّ البدر يا روح قلبي.. ربنا يبارك في بيتك وزوجك وحياتكم وتكون أيامك الجاية لايق ومتفصلة على حلمك."
قامت "شروق" بإحاطة خصر "وَميض" بكلا ذراعيها لتقوم "وَميض" باحتضانهما معًا قائلةً بامتنان:
"شكرًا ليكم علشان قررتوا تكونوا جنبي وتشاركوني اللحظة اللي أي بنت بتتوتر فيها."
أردفت "شروق" بابتسامة هادئة:
"على فكرة سكُون عملت معانا كُل التجهيزات واختارت مع مُهرة الفستان، متزعليش منها، هي يمكن مش بتعرف تعبر عن مشاعرها لحد غيري أنا وعُمر."
"مش زعلانة."
وَميض بهدوء وهي تتأمل طلتها للمرة الأخيرة.
"أنا بقول يلا بقى علشان العغيس مستني برا."
مُهرة وهي تصيح بنبرة حاسمة.
فركت "وَميض" كفيها وقد تسارعت دقات قلبها بشكل كبير وهي تسير مع الفتيات خارج الغرفة، ظهرت بطلتها أمامه فلم يستطع أن يقاوم ضمها إلى صدره خاصةً تخيله أنه كان قاب قوسين أو أدنى أن يفقدها، اندفع بشغف جارفٍ نحوها ثم وضع كفه خلف ظهرها ودفعها بعُنف ناعمٍ إلى صدره فبدا وكأنه يعتصرها من فرط حنينه إليها بينما قررت هي أن تسلمه قلبها ومشاعرها وأن تُجرب الانصات إلى صوت قلبه الوله.
كان يضغطها بقوة بين ذراعيه واضعًا فمه أسفل عُنقها يستنشق عَبق وعبير رائحتها الأُنثوية القاتلة واللحظة شعرت أنها تود مُبادلته هذه المشاعر فأسرعت بإحاطة عُنقه بذراعيها وهي تميل برأسها على كتفه، بقيا على هذه الحالة لكثيرٍ من الوقتٍ حتى تنحنحت "مُهرة" وهي تقول بحسها الفكاهي المُعتاد:
"أكتغ من كدا وهتصحوا فيا مشاعغ كتير عندي دخلت في غيبوبة من زمان."
"البنت سنجل والكراش بيتقل."
شروق بضحكة هادئة.
ضحك الجميع ثم قادها "تليد" إلى ساحة الحديقة ليستقبلهم العائلة بالتصفيقات والصَفير، لم يتحمل "علَّام" رؤيتها بالثوب الأبيض فبدأ يبكي بانفعال شديدٍ بين سعيد وتعيس لابتعادها عنه، اندفعت بمشاعر متأثرة إليه ثم أسرعت بضمه في حب شديدٍ بينما همس هو باكيًا بالقُرب من أذنيها:
"آسف يا بنت عمري وكمان هتوحشيني والدنيا هتفضى عليا من بعدك!"
"بس أنا يا حبيبي هفضل جنبك، محدش هياخدني منك، مش إنتَ قولت لي إن تليد ابن حلال وزوج صالح، يبقى مين اللي هيبعدني عنك بس!!"
وَميض وهي تُقبل كتفه.
"محدش عالم عُمره هيخلص إمتى يا روح قلب أبوكِ، خلي بالك من نفسك ومن تليد."
علَّام وهو يلتقط رأسها بين كفيه الكبيرين ثم يلثم جبينها بحب كبيرٍ.
أومأت وهي تُقبل ظاهر كفه بينما تدخل الشيخ "سليمان" قائلًا:
"وقتك خلص يا علَّام، تعالي يا قطقوطة لعندي."
تهللت أسارير وجهها وضحكت ملء شدقيها وهي ترتمي فورًا بين ذراعيه بسعادة فيما قبل الشيخ "سليمان" جبينها قائلًا بودٍ:
"لأ حياة لمخلوق في معصية الخالق، دي نصيحتي ليكم يا ولاد مع بداية حياتكم الجديدة."
اندفع "تليد" نحوه ثم قبل ظاهر كفه بإحسان شديد لوالده العظيم، في هذه اللحظة تقدمت "نجلا" نحوهما ثم سلمت بمباركة على العروسين وقامت بتقديم هدية ثمينة للعروس، كان الدفء والمودة يسودان المكان فانتشروا جميعًا في الحديقة وسط دقات الدف والطبول ثم بدأ الشيخ "سليمان" يدعوهم إلى طاولة الطعام الكبيرة جدًا والتي تسع للجميع بما فيهم عُمال المزرعة الذين تساوت رؤوسهم بالجميع فلا يوجد سيد وخادمه في محيط عائلة "سليمان السروجي".
التف الجميع بسعادة حول مائدة الطعام مُستمتعين بمذاقه الشهي بينما كانت "نجلا" في عالم آخر تتجول بعينيها بين هاتين الفتاتين الجالستين أمامها في حيرة وضياع، تتأمل ملامح كُل واحدة منهما على حدا وقد استصعبت الأمر جدًا، أمرٌ يستقر في نفسها فحسب وهي تفكر كيف تنتقم من عدوها، قطع شرودها سؤال "شروق" التي لاحظت نظرات "نجلا" المصوبة نحوها وشقيقتها:
"مدام نجلا، ليه مش بتاكلي؟!"
استفاقت "نجلا" على سؤالها فردت بابتسامة باهتة:
"مش متعودة أتعشى بس مش أكتر."
"بس دا مش أي عشا.. دا ضاني مشوي."
نوح وهو يلتهم الاكل التهامًا ثم يقول باستنكار حول كلامها.
ضحك الجميع بمرح ليقول "تليد" بضحكة عريضة:
"عيل مفجوع."
كانت الأجواء هادئة تمامًا حتى جاء الحارس جريًا نحوهما وهو يقول بهدوء:
"عثمان بيه موجود برا يا شيخ سليمان."
حدق الجميع مذهولين بينما تهللت أسارير وجه "سليمان" الذي ظن أن شقيقه جاء للتهنئة والمُباركة فاردف بنبرة سريعة:
"افتح له البوابة بسرعة."
في هذه الأثناء، تشنجت فرائصها واضطربت أنفاسها بلا هوادة لتضع يدها على أذنها وتُسقط القرط بالأرض ما أن أبصرته يأتي من بعيد ونزلت بجذعها العلوي أسفل الطاولة بحُجة أن قرطها قد فُقد وتبحث عنه.
رواية رحماء بينهم الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم علياء شعبان
تشخصت الأبصار إليه من قِبلهم جميعًا يُطالعون وجهه الحانق المليء بالنقم في تعجب ودهشة من تصرفه الحاد مع ابنته حينما بدأ يجذبها من ذراعها بعيدًا عن مائدة الطعام دون الالتفات إلى شقيقه أو صاحب هذا الحفل وحتى دون تهنئته أو إلقاء السلام على شقيقه الذي انتظر سلامه له وظن أنه جاء من أجل المباركة ومشاركتهم هذه الأُمسية السعيدة.
"اتحركِ قدامي، بقى كلامي مش مسموع وبتكسريه كمان؟!"
صرخ فيها بصوت هادرٍ، احمر وجهها في حُزنٍ واحراجٍ وهي تجده يوقفها عُنوة أمامه كطفلة صغيرة ويبدأ في توبيخها أمام حشدٍ من الناس، اِبتلعت ريقها على مضضٍ بينما نهض الشيخ "سليمان" وكذلك تليد وكاسب حتى يقنعوه بالتريث قبل الانفعال دون داعٍ.
تنهدت "سكون" تنهيدة مخنوقة ثم ردت بصوت متهدجٍ يهتز بصورة توشك فيها على البكاء:
"بابا.. محصلش حاجة لكُل دا.. إحنا بنشارك عمي وتليد فرحتهم ودا حقهم علينا!!"
قطب حاجبيه ثم صاح بامتعاضٍ كبيرٍ:
"مبقاش ليهم عندنا حقوق من لحظة ما ساووا الخدم بينا ومن لحظة ما ابنه تكاتف مع أعدائي ضدي، تيجي إنتِ واخوكِ العاجز دا تصغروني وتكسروا كلمتي؟!"
"لو سمحت يا بابا، أنا أخويا مش عاجز!"
اِغرورقت الدموع في عينيها بينما استشاط "عثمان" غضبًا وراح يرفع ذراعه عاليًا وقبل أن ينهال على وجهها صافعًا إياهُ، وجد ذراع "كاسب" يقبض على كفه يمنعه أن تطولها براثن غضبه، كان وجه "كاسب" يتأجج لهيبًا من شدة الغضب ولكنه حاول كبح غضبه وتدبر لهجة حازمة جاهد فيها أن يكون هادئًا:
"إحنا صعايدة يا عثمان باشا، مش بنمد إيدينا على حريم!."
رمقه "عثمان" بنظرات يقدح الشرر منها ثم جذب كفه بقوة من بيد كف الأخير وقال وهو يدفعه في منتصف صدره بقبضته المضمونة:
"مش إنتَ اللي هتعلمني أتعامل إزاي مع بنتي، إنتَ آخرك تسوق وبس."
"بابا، بعد إذنك مفيش داعي لكُل دا، يلا خلينا نمشي ونسيب الناس تفرح، هم ملهمش ذنب في مشاكلنا!!!"
"اتفضلوا!!"
أسرع بالتوجه خارج بوابة المزرعة من جديد فيما أسرع "كاسب" بحمل "عُمر" كما أحضره من القصر وسارت "سكون" بجوارهما وبعد أن تحركوا خطوتين، وجدت صوت الشيخ يناديها بودٍ:
"سَكَنْ!"
استدارت تواجهه بعينيها الدامعتين اللاتي تأبى التحرر من محجريهما، فتح "سليمان" ذراعيه لها فيما تحركت بسرعة وألقت بنفسها بين ذراعيه ليربت على ظهرها وهو يقول بصوت هادئ ينبعث منه السكينة والدعم:
"اوعي تزعلي يا قلب عمك، ربنا يصلح حالنا وحاله."
"آسفة، إن فرحة تليد باظت بسببي، أنا بجد آسفة."
"أنا اللي آسف على كُل شعور سلبي حسيتي بيه بسبب عثمان، ادعي له بالهداية."
"ربنا يهديه، ربنا ينور بصيرته."
"يارب يا بنتي، يهدي من يشاء."
غادرت خلف البقية على الفور قبل أن تُثير حنقه مرة أخرى، هز "سليمان" رأسه يُمنة ويُسرى غير راضٍ عما يتعرض له هؤلاء الشباب من قيود قاسية وتصرفات غليظة وكلمات لا تربت على قلبٍ إنسان بل تُلقي الشوك في كُل ذرةٍ به، يدعوا لهم بالصبرٍ على أُبوة كهذه، أبٌ لا ينتقي ما يُقال خشيةً أن يتأذى أطفاله بخدوش بسيطة بل يُلقي بكلماته الجمر المتأجج في صميم قلوبهم ولا يُبالي أو يُدرك ما يفعل؛ فقد أُغشيت عيناه عن تمييز الصواب من الخطأ وصار الاثنان سواء!!
كانت "شروق" جالسةً في مكانها مُنذ مجيء والدها تضع رأسها الثقيل بين كفيها في هم وغم حتى أن حُزنها بلغ أشده حينما أساء التصرف قولًا وفعلًا مع أشقائها ولكنها فضلت الصمت حتى لا تبقى نفس المصير وهي لا تحتاج إلى ألمٍ جديدٍ ينضم إلى آلامها الناضرة التي لم يفت عليها وقت طويلٍ.
سقطت دموعها ما أن غادروا، فحاوط "عِمران" كتفيها بذراعه ثم همس بالقرب من أذنها:
"اهدي علشان خاطري، علشان خاطر وَميض وتليد؟!"
أومأت بتفهم واقتناع حتى أنها أبعدت دموعها عن عينيها فورًا وحاولت أن تتدبر ابتسامة هادئة أثناء عودتها الجلوس باستقامة، ظلت لفترة طويلة تبحث عن قرطها وما أن غادر "عثمان" حتى وجدته، صعدت إلى كرسيها مرة أخرى وهي تنظر إلى خياله الجامح مغادرًا المزرعة حيث نظرت إليه نظرات مُظلمة وحادة وهي تضع القرط إلى أذنها مرة أخرى تنظر إلى الفراغ الذي خلفه تارة وإلى ابنته ذات الوجه الشاحب تارة أخرى.
عاد "سليمان" إلى كرسيه، تنحنح مُحاولًا تخطى اللحظات الماضية ثم قال بهدوء:
"كملوا أكلكم يا شباب، عثمان أخويا مش غريب عنكم أكيد، بألف هنا وشفا."
التقط ملعقته وحاول أن يبدو طبيعيًا وهو يتناول طعامه إلا أن نظرات الحُزن في وجه "عُمر" كانت كفيلة أن تكسر الفرحة فيه، رمقهُ "تليد" بضيقٍ وقد فهم أن والده ليس على ما يُرام وأن الأمرَ أخذ حيزًا كبيرًا داخل قلبه حتى لو لم يُظهر ذلك، ربتت "وَميض" على ظهر صديقتها تواسيها بنظرات صامتة وعاد الجميع إلى تناول الطعام من جديد، تنحنحت "نجلا" بملامح ثابتة وقالت:
"أنا آسفة على التدخل بس يقصد أيه بأن الخدم تساووا بيه؟!"
قالت كلمتها الأخيرة وهي تنظر إلى "علَّام" نظرات مليئة بالتشفي، فيما تابعت "وَميض" بابتسامة باهتة:
"علشان تليد السروجي قرر يتجوز بنت علَّام الجندي مُدبر قصر سعادة الباشا "عثمان السروجي" ودي طبعًا كارثة بالنسبة له، أصله مريض طبقية."
امتقع وجه "نجلا" بتبرم ثم ردت بحنقٍ:
"ياي، هو لسه في ناس بالتفكير العقيم دا، سوري بس دا شخص طبقي وراجعي!"
"ربنا يكرمه الصلاح والهداية، خلينا نركز في ليلتنا الجميلة مع أجمل عروسين."
"بعد إذنكم هتمشى شوية، بألف هنا وشفا على قلوبكم."
تحركت من أمامهم فورًا مقررةً أن تنسحب من هذه الأجواء الصامتة المكدسة بمشاعرٍ الحُزنٍ، بينما بدأ العمال في رفع الصحون عن المائدة وتفريغ المكان تمامًا من الموائد والكراسي وجاء ضاربي الدُف مرة أخرى لتبدأ الأجواء في الارتفاع من جديد، قرر الشيخ "سليمان" جمع الرجال والجلوس برفقته أمام موقده العزيز ليقوم بضيافتهم أكواب من الشاي اللذيذ الذي يصنعه بمهارة وكأنك تتذوق هذا المشروب للمرة الأولى في حياتك؛ فيما قررت الفتيات المكوث في الحديقة التي زُينت بالورد والياسمين ووُضع داخلها دراجة من الورد وكذلك أرجوحة ثابتة يجلس عليها العرسان، التفت الفتيات والسيدات نحو "وَميض" التي كانت تبتسم بين اللحظة والأخرى حتى لا يلاحظ أحدُ مشاعر التيه التي تعيشها، كانت "نجلا" تُراقب الأجواء المرحة بين الفتيات بمزيج من الحنين والكسرة فهي على الأغلب لم تُعاصر لحظة حالمة كهذه ولم ترتدٍ الأبيض سوى في أحلامها.
في هذه اللحظة، قرر "نوح" أن يدفع صديقه إلى الحديقة التي تجتمع فيها الفتيات وأن يكون برفقة زوجته كي يُشاركها بعض اللحظات الفريدة التي تجمعهما، دفعه حتى باب الحديقة ثم ألقى له غمزة من عينيه وغادر لأن وجوده في منطقة الناس قد تثير حنق الشيخ سليمان، تحرك "تليد" داخل الحديقة مُترددًا يسير على مضض وسط نظرات الفتيات المتحفزة بشأن قدومه إلى عروسه، استقام في مِشيته إلى أن وصل أمامها مُباشرة وقت أن كانت تجلس على الأرجوحة، تنحنح بتريث قبل أن يمد ذراعه نحوها ثم يقول بثبات:
"نرقص؟!"
نظرت "وَميض" إلى ذراعه الممدود بتعجبٍ وحيرةٍ؛ فبالرغم من أنها لا تكن له مشاعرًا في الحقيقة إلا أن قلبها في الآونة الأخيرة يرتبك حينما يراهُ وتنتشر الحُمرة على وجهها كلمة كان أكثر قُربًا منها، أومأت بهدوء ثم وضعت كفها على كفه تستجيب لعرضه، جذبها برفق إلى منتصف الحديقة لتبدأ الفتيات في الابتعاد تاركين مساحة كافية لهما، كان "نوح" يُتابع ما يجري من بعيد وحينما وجد صديقه يجذبها إلى منتصف الحديقة أسرع بتشغيل موسيقى هادئة جدًا تتناسب مع لحظة رقيقة تاريخ في الأذهان كهذه اللحظة، توقف فجأة ثم وضع ذراعه أسفل ظهرها ودفعها بخفة إلى صدره بينما ذراعه الآخر كان يقبض على كفها، لحظات قليلة مرت ولم تُدرك هي بعد لك غير أنها سبحت في عالم لطيفٍ من الودٍ وحُسن الرفقة معه، لم تكن تعي ما تفعله حينما بدأت تضع كفها على وجهه ورقبته تتأمله بابتسامة صادقة تنم عن لطافة وتأرجح مشاعرها معه وكأنها تُحلق كعصفورٍ نجح في الحصول على حريته بعد سنوات من السجن والضياع.
لاحظ ملاطفتها له بوجه شارد وابتسامة ناعمة فأسرع بوضع جبينه على جبينها ثم ردد بصوت هامسٍ:
"مفيش داعي تمثلي إنك مبسوطة يا وَميض، دي مُجرد رقصة!!"
زمت شفتيها بقليل من الضيق قبل أن ترفع كفها إلى خده تلامسه برقة شديدة وهي تقول بهدوء:
"يمكن أكون لسه ملحقتش أحبك بس جوايا ليك مشاعر إيجابية كلها امتنان وحُب، أنا مشاعري اللي بتحركني ناحيتك ودا مش تمثيل أبدًا."
اِفتر ثغره عن ابتسامة أنيقة ثم أضاف بلهجة لينة:
"وأنا عايزك تاخدي وقتك في مشاعرك ناحيتي ولو معرفتيش تخلقي مشاعر في علاقتنا فأنا هكون وقتها مُجرد ضيف خفيف زارك ومالوش اختيار غير إنه يمشي ويا بخت من زار وخفف، مش كدا ولا أيه؟!"
أطرقت برأسها قليلًا ثم ردت بنبرة متحشرجة:
"بس أنا خايفة!!!"
"اطمني مفيش حد يقدر يجبرك على حاجة مش عايزاها حتى لو الحد دا أنا."
تنهدت تنهيدة الخلاص من شيء كان يشغل بالها طوال الوقت ثم أومأت وهي تقول بابتسامة مشرقة:
"شُكرًا جدًا."
توقفت الأغنية في هذه اللحظة لترتفع التصفيقات الحارة تشجيعًا لهما، ابتعد عنها في الحال ثم رفع كفها نحو فمه وراح يُقبله بهدوء ثم غادر الحديقة فورًا، بينما بدأت الفتيات تلتفتن حولها مرة أخرى للاحتفال، في هذه اللحظة قررت "نجلا" الرحيل فتوجهت خارج الحديقة ثم تبعتها "مهرة" التي تابعت وهي تقترب منها:
"مدام نجلا، حضغتك هتمشي؟!"
"مبسوطة جدًا إني كُنت معاكم في يوم لطيف زيّ دا بس جه ميعاد نومي."
أومأت "ُمهرة" بتفهم ثم قالت:
"تمام، لحظة هبلغ الأستاذ اللي كان معاكِ."
أسرعت "مُهرة" نحو الدائرة التي يجلس بها الرجال ثم اختبأت خلف حائطٍ ما وبدأت تُشير بذراعها أمام عينيه عله يراها ويأتي إليها وبعد لحظات من المحاولة والمُعاناة وجدته قد رآها ثم استجاب لندائها:
"اللي واخد عقلك يا دكتوغ، ساعة بشاوغلك."
"دماغي مش فيا وقرفان والله مأخدتش بالي وإنتِ بتشاوغيلي."
زمت "مُهرة" شفتيها مُمتعضةً ثم صاحت بضيقٍ:
"بطل سخغية، هتتجوز وتخلف سحالي."
"مش هيكونوا سحالي، هيبقوا فغاغي عادي جدًا زيّ أمهم وهتغيأ عليكم كلكم."
لون شدقها وردت بتبرم:
"أنا مش أم حد!!!"
"يا بت إنتِ أُم عيالي!!!"
"أما إنك سغسجي."
انطلقت ضحكة من بين شفتيه وهو يقول بسخرية لطيفة:
"سغسجي دي اللي هي سرسجي وكدا!!!"
زوت ما بين عينيها وهي تضرب الأرض بقدمها قائلاً بغضب:
"نوح، بلغ الغ... المان اللي جه مع مدام نجلا إنها عايزة تمشي!"
"هبلغ الغاجل حاضر."
احمر وجهها غيظًا ثم انصرفت من أمامه، أبلغت "نجلا" أن "ماكسيم" ينتظرها أمام بوابة المزرعة فانطلقت في الحال بعد أن ودعت العروسين، همَّت "مُهرة" أن تعود مرة أخرى إلى الحديقة إلا أنه أوقفها ينادي عليها بنبرة مرحة:
"يا دكتوغة!!"
صكت أسنانها ببعض قبل أن تستدير نحوه بجسدها لتجده يقف أمامها ثم يقول بلهجة لائمة:
"إنتِ ليه مسألتنيش أيه اللي مضايقك؟!"
"لأنك مُتنمغ وتستاهل كل اللي بيحصل معاك."
"طيب بلاش تسأليني مالك، ممكن جطعة "مصاحبش الفغافيغ حتى لو غاكبين فغاغي؟!" بالله عليكِ أختي في الله."
كورت قبضة يدها وهي تقول بصراخ مكتوب من شدة استفزازها:
"بص، أنا استحملت كتير أبقى دكتوغة مُهذبة بس جه الوقت تشوف العنيفة اللي جوايا، التفتت حول نفسها قبل أن تميل نحو الأرض ثم تلتقط سكينة مُلقاة بجوار أقدار الطعام، حدق فيها بعينين مصدومتين وما كان أمامه حينما شعرت السكين نحوه إلا أن يلتقط غطاء القدر كي يحمي نفسه من هجمات المعتدي عليه ليقول بصوت ضاحك مصدوم:
"إنتِ مجنونة يا بنتي، أقسم بالله ألبسك الغطا في وشك أخنفك خالص لا هيكون في أمل تنطقي حرف الغاء (الراء) ولا باقي الحروف."
"مش بتهدد ونهاية الحغب هي اللي تحكم بينا."
"حرب مسلوبة الغاء (الراء)"
قاربت السكين أن تُصيب ذراعه فصاح بدهشة:
"إنتِ بتلوشي وعايزة تقتليني يا دكتوغة البقع!"
في هذه اللحظة تجاوزها بعينيه وهو يقول بنبرة متلعثمة:
"هي اللي بدأت يا شيخ سليمان والله!!"
ابتلعت "مُهرة" ريقها على مضض ثم استدارت تنظر صوب الشيخ سليمان ولكنها لم ترَ أحدًا فقد خدعها للمرة التي لا تعرف عددها، ضغطت أسنانها بغيظٍ وما أن التفتت نحوه مرة أخرى حتى وجدته قد فر من أمامها فورًا يضحك ملء شدقيه.
أسرعت داخل الحديقة تستر غضبها منه، وقفت على البوابة تتأمل العروس الجميلة حتى أنها تخيلت نفسها بالأبيض يتم زفها إليه، تنهدت باشتياقٍ حقيقي للحظة التي تجمعها به، لحظات وجاء "تليد" مرة أخرى بعد أن قرر الشيخ "سليمان" اختتام الحفل بزف العروسين إلى عشهما، تأبطت العروس ذراع زوجها يقفان بالمُقدمة بينما يقف الجميع خلفهما من الأحباء وفرقة ضاربي الدُف يودعاهما إلى خارج المزرعة حتى وصلا إلى البيت المجاور للمزرعة تمامًا وما أن دخل العروسان البيت حتى شكر الشيخ الجميع على قدومهم ليغادروا في الحال، دخل الشيخ "سليمان" وراءها ثم ودعهما بابتسامة ودودة ليقبل "تليد" كفه ثم يصعد الدرج برفقة زوجته.
كان قابضًا بكفه على كفها بينما تشير هي خلفه على استحياء إلى أن وقفا أمام باب الشقة ليقوم "تليد" بفتحه بحماس شديد، ارتجف قلبها هلعًا أمام هيبة هذا الموقف، جذبها "تليد" برفق إلى الداخل رغم تسمرها الواضح أمامه إلا أنها تحركت خلفه بخطوات مأخوذة في تيه ومع ارتفاع صوت وصد الباب بدأ قلبها ينتفض بقوة مهيبة ولم تعُد أنفاسها مستقرة البتة لتبدأ في الارتفاع بصورة ملحوظة، استدار إليها حينما سمع صوت أنفاسها المرتبكة ليبتسم بهدوء قائلًا:
"أنا لسه عند وَعدي، اوعي تخافي، أنا هنا ضيف وإنتِ صاحبة البيت دا، تمام؟!"
أومأت باستلطاف لكلماته العذبة الحانية لتجده يشير إلى الغرفة قائلًا:
"اتفضلي غيري وتعالي علشان نتعشى سوى، ولا عندك اعتراض على العشا كمان؟!"
"لأ خالص، تمام هغير وأجي."
انصرفت من أمامه على الفور تتحسس خطواتها إلى الغرفة بينما توجه هو إلى غرفة الاطفال ليُبدل ملابسه بأُخرى أكثر راحةً وما أن فعل حتى توجه إلى المطبخ يكتشف أمر الصينية التي أعدتها له الخالة "رابعة" من أجل عشاء العروسين، بدأ يزيل غطاء الصينية الكبيرة ليُحدق بدهشة وجوع:
"أيه التبذير الأوفر دا، بس عفارم عليكِ يا خالة رابعة ولو إن الحمام مالوش لازمة بقى."
فرك كفيه بحماسٍ ثم بدأ يسحب الصحون من الأدراج ويرص الواحد يليه الآخر على الطاولة التي تتوسط المطبخ بعد أن يضع الطعام في كل صحن، توجه إلى الثلاجة يتفحص محتوياتها باحثًا عن بعض المخللات التي لا يستغنى عنها في طعامه إلى أن سمع صوتها تقول بهدوء:
"أساعدك في حاجة؟!"
استدار ينظر إليها ليستوقفه هيئتها الفاتنة بعد ارتدائها منامة قُطنية ظريفة وتركها العنان لشعرها ينسدل بتموجٍ رقيق على كتفيها، حاول أن يسحب نفسه من بؤرة سحرها القاتل الذي يقتص من قلبه العفيف الذي لم يرَ في حياته فتنة كسحر فتنتها على قلبه وكأنها سلبته عُذرية قلبه حينما شعر برغبته فيها للمرة الأولى مما جعله يُمعن النظر في تفاصيلها دون أن يخشى أن يعصي الله ودون قيود تمنعه من الالتقاء بها حتى ولكنه يرثي حاله لأن قيود الله على قلبه قد زالت بينما ثمة قيودٌ وضعها غياب المشاعر من طرفها نحوه، حاول مجاهدًا نفسه أن يستفيق قبل أن يندم على فعل لا يليق بمروءته فأسرع يقول وما يزال تحت سُكرة سحره بها:
"دوسي على البويلار (السخان الكهربائي) علشان الشاي."
أومأت تنفذ ما قاله بينما أعد المائدة دون أن ينقصها شيئًا ثم جلس على كرسيه وهو يقول بهدوء:
"أنا قررت إننا ناكل الأكل بارد لأني جعان فوق ما تتخيلي، أتمنى تكوني مبسوطة بالقرار دا!!!"
ابتسمت ابتسامة هادئة وهي تجلس قبالته ثم رددت تنهيدة استسلام:
"هو قرار لا يروقني بس ماشي."
باغتها بضحكة عريضة قبل أن يبدأ تناول الوجبة في صمت تامٍ جعلها تتنحنح في مللٍ ثم تقول:
"شكلك بتحب الحمام أوي؟!"
"جدًا وكمان البانيه مع المكرونة بالوايت صوص، أكلاتي المفضلة."
"أيه رأيك بكرا أعمل لك بانيه ووايت صوص."
"خير؟ ناوية تكوني ست بيت من اليوم الأول!!!"
"لأ عادي يعني من باب إدخال السرور على قلب مُسلم."
"السرور دخل قلبي فعلًا طول ما إنتِ قاعدة قدامي وعيني شيفاكِ.. قعدتك قدامي حتى وإنتِ ساكتة بدون أي أفعال نوع خاص من أنواع إدخال السرور على قلب العبد لله."
تخضبت وِجنتاها خجلًا وحولت نظراتها إلى الطعام تجنبًا لنظراته الفاتنة نحوها، تأملها للحظة قبل أن يتكلم مرة أخرى:
"إنتِ بتعملي أيه يا وَميض؟! متسمعيش عن آداب أكل الحمام؟!!"
رفعت بصرها إليه تحدق فيه باستفهام ودهشة ثم تابعت بتوجسٍ:
"لحظة!، هو الحمام له آداب معينة علشان ناكله؟!!"
"طبعًا يا روحي، إنتِ كدا بتفليه لكن الحمام دا بيتاكل بحالته كدا كله على بعضه بعضمه."
"نعم؟! بعضمه؟! لا لا، لا يمكن أعمل اللي إنتَ بتقول عليه دا."
رفع "تليد" حاجبه ثم أردف وهو يلتقط حمامة بين كفيه ثم يُقربها من فمه ويلتهم نصفها مرة واحدة:
"بصي الحمام بيتاكل إزاي واتعلمي."
"تليد مش بالطريقة دي، كدا هرجع!"
"ترجعي أيه؟! هو أنا كُنت لمستك؟!"
ابتلعت ريقها بصعوبة بالغة من شدة الاحراج وأطرقت برأسها تغض الطرف عن ابتسامته العابثة معها بينما تابع هو بتراجع وضحكة خفيفة:
"خلاص كُنت بهزر معاكِ، كُلي براحتك ويلا علشان تنامي."
أومأت تقول بخفوت وابتسامة متوارية:
"تمام."
•~•~•~•~•~•~•~•
"خلاص يا بني ما إنتَ وصلتنا لحد البيت أهو، كتر خيرك، روح بقى علشان ترتاح!"
أردفت "رابعة" بتلك الكلمات في هدوء فيما أومأ "نوح" سلبًا وهو يمشي معهما سيرًا إلى بيتهما فيقول بإلحاح:
"لازم أوصل لكم لحد باب البيت واطمن إنكم دخلتوا كمان."
اِفتر ثغر "مُهرة" عن اِبتسامة متوارية ولكن الأخيرة نجحت في إدراكها بسهولة، تجذفت "رابعة" سيرًا حتى وصلت إلى باب البيت ثم نظرت إلى الأخير وقالت:
"أدينا وصلنا لحد باب البيت، كدا اطمنت؟!"
"آه، كدا اطمنت عليكم الحمد لله، هتعزمي عليا أدخل ولا أمشي؟!"
"لأ أمشي، هي دي محتاجة كلام!!"
"طول عُمرك صاحبة واجب وكرم يا حماتي، كُنت عارف إنك هتطرديني ومش متفاجئ."
زمت شفتيها ثم ردت وهي تتجه داخل البيت:
"أنا مش حماة حد.. وإنتِ انجزي ويلا ورايا!!"
"حـحـ حاضر"
"شريرة أوي الست دي، المهم عايز مشورتك في الموضوع بتاع المركز دا، أنا عندي كشوفات للصُبح بكرا والسكرتيرة مشيت وحالي ما يعلم بيه إلا ربنا."
رفعت "مُهرة" أحد حاجبيها ثم تابعت بلهجة حازمة:
"أنا عندي حل."
"أيه هو بسرعة قبل ما أمك تخرج تزقلنا بالطوب!!"
"أنا ممكن أشتغل معاك كسكرتيرة يعني استقبل المرضى واحجز لك الكشوفات بس لمدة كام يوم لحد ما تلاقي سكرتيرة تانية."
حدق فيها بدهشة ثم هتف بفرحة عارمة غير مُصدقٍ:
"احلفي بالله؟! .. الكلام دا بجد؟!! .. مش عارف أقول لك أيه ولا أيه.. أمشي من قدامي بسرعة قبل ما أبوسك."
انتفضت ذُعرًا ثم هرولت من أمامه فورًا وهي تصيح بنبرة مستنكرة:
"باسك حنش يا شيخ."
أسرعت إلى داخل البيت لتجده يغمز لها بإحدى عينيه وهو يقول بسعادة غامرة:
"اوعي تتأخري عن شغلك بكرا يا سكرتيرة دكتوغة البقغ إنتِ وإلا هيتخصم منك يوم!"
أسرعت بإخراج لسانه له بطريقة طفولية ثم أسرعت بغلق الباب في وجهه ليُتابع بتنحنح:
"من ساعة ما بقيت مديرها وهي بتحترمني موت."
•~•~•~•~•~•~•~•
دثرت نفسها داخل الفراش وراحت تتأمل جدران وسقف الغرفة منذ ساعة ولم تغفل عيناها قط، كان تغيير موضع نومها يشكل عائقًا في أخذها قسطًا كافيًا من الراحة وما زاد الأمر صعوبةً وجودها في غرفة وحيدة بمفردها دون وجود من يؤنس وحدتها، اِبتلعت غِصَّة مريرة في حلقها وهي تشعر بوحدة موحشة جدًا، تفاقمت الهواجسُ داخل رأسها وما هي إلا ثواني حتى كانت تنهض عن فراشها وتتوجه بخطوات مُرتبكة خارج غرفة النوم.
نظرت إلى الأجواء المُظلمة من حولها بارتباكٍ فأضواء الغرف جميعها مُقفلةً، تمشت بتحسس وهدوء على أطراف أصابعها حتى وصلت إلى الغرفة التي ينام فيها لتجد الباب مواربًا إلى حد ما، وقفت تسترق النظر إليه من خلف الباب بمشاعر مُترددة، هل تذهب إليه باكيةً تُخبره أنها تخشى الظلام والنوم وحدها فيظنها طفلة وهي التي تُجاهد في إظهار المرأة المسؤولة داخلها؟!، عضت شفتها السُفلى في حيرة وتردد ولكنها في النهاية قررت أن تدخل إلى الغرفة وتنام في زاوية ما بالقرب منه لعلها تقتبس من وجوده بعض الامان.
تحركت بخطوات حذرة للداخل حتى وقفت أمام السرير الذي ينام عليه، وقفت تتأمله بعض الوقت ثم بدأت تبحث عن مكانٍ تجلس فيه داخل الغرفة لتستقر بقرارها على أريكة يلتصق طرفها بالسرير بشكل عرضي، أسرعت تجلس فوقها شاعرةً ببعض النسمات الباردة التي اقتحمت خلايا جسدها.
قررت أن تفرد جسدها على الأريكة وأن تُبقي رأسها بالاتجاه المجاور لوسادة السرير حتى تستطيع أن تستأنس بصوت أنفاسه المنتظمة بالقرب منها، للحظة حاوطت ساقيها بذراعيها في انكماشٍ وراحت تتأمل وجهه القريب من وجهها وتدور التساؤلات في عقلها كالنملٍ الذي يحشد جموعه المؤلفة حول قطعة من السكر فكان عقلها قطعة السكر هذه التي تجمع حولها جيشًا هائلًا من التساؤلات، هل أساءت الظن به كما يبدو وأن شخصه لم يكن يستحق كُل هذه الأحكام الجائرة عليه أم أنه يصطاد سمكته إلى شباكه حتى تكون وجبته لطعام العشاء؟!! هل يا تُرى سيتغير عليها أم سيبقى جميلَ القلبٍ والطباع كما رأت منه في آخر الأيام؟! هل ثمة حبٌ يصل إلى هذه الدرجة من التسامح والغفران؟ كادت أن تهدم حياته الشخصية والمهنية وأن تلوث السمعة التي عاش يبنيها وفي لحظة ضعف منها قرر أن ينتزع قوته ويمنحها لها دون أدنى مُقابل، لقد أنار عُتمة التيه فيها بمصباح تسامحه، هل توجد درجة غير مشروطة من الحب كالحبٍ الذي رأته منه منذ أيام؟ وإن كانت قد بُهرت بمشاعره الصادقة معها لأيام قليلة؛ فماذا سوف تفعل حينما تُشاركه الباقي من الحياة؟!!
ظلت تسأل وتسأل إلى أن غطت في سُبات عميقٍ ولم تمُر دقائق حتى فتح "تليد" عينيه مُبتسمًا في هدوء؛ فلم يكن نائمًا طوال هذا الوقت حتى أنه كان يسترق النظر إلى عينيها من خلف أهدابه المفتوحة قليلًا، أبعد الغطاء على الفور بعد أن تأكد من نومها ثم قام بحملها بين ذراعيه ووضعها على الفراش ثم دثرها بالغطاء جيدًا؛ ليلتي بغطاء آخر له وينام على الأريكة مكانها وهو يضع رأسه بالقرب من وجهها يتأملها بنفس الطريقة أيضًا.
•~•~•~•~•~•~•
"في صبيحة اليوم الموالي".
خطت أقدامه داخل المركز بخطوات سريعة بعدما أبلغته "مُهرة" عبر الهاتف ألا يتأخر لأن المركز يعج بالحالات، توجه مُباشرة داخل غرفته بينما كانت تجلس هي على مكتبها في صالة الانتظار التي يجلس بها المرضى، قررت أن تتجه إلى غرفته وما أن دخلتها وأغلقت الباب حتى وجدته يقول بملامح يطغى عليها السرور أثناء جلوسه إلى مكتبه:
"أحلى صباح دا ولا أيه؟! الواحد أول مرة يصطبح في شغله على جطعة من القمر."
افتر ثغرها عن اِبتسامة هادئة ثم قالت:
"عيب يا دكتوغ، وبعدين أنا عايزة أفهم ليه مفيش مواعيد للنساء ومواعيد للرجال على حدا!!"
"لأن دي مش عيادتي الخاصة يا فندم، دا مركز خاص وله قوانينه وبعدين كل ست بتكون جايبة جوزها معاها فبنعتبرهم كشف واحد، يعني بنبدأ نشوف حالة الزوج الأول قبل اتخاذ أي إجراءات في حالة الزوجة؛ فطبيعي تكون العيادة فيها النوعين لأن حالات العقم عند الرجال سواء موجودة أو لأ مرتبطة ارتباط وثيق بتأخر الحمل عند النساء وأنا كطبيب نساء وتوليد وحالات عقم عند الجنسين مطلوب مني علشان أشتغل في مكان محترم زيّ دا إني استقبل أي حالة هتيجي لي طول اليوم واسمع شكواها بدون ملل لأن اليوم دا في المركز حسب الجدول فهو يومي لوحدي ومش هتلاقي في المركز حد غيري."
"نعم؟ يعني المركز دا كله مش هيكون فيه كشف غير معاك؟؟ مفيش دكتور تاني غيرك النهاردة؟ أمال هنمشي إمتى؟!"
"المركز شغال النهاردة استقبال حالات ولادة بس فالدكاترة مشغولين مع حالاتهم وأنا اللي بستلم اليوم دا الكشوفات، معانا ربنا، بس تفاءلي يا دكتوغة."
"طبعًا كُلي تفاءل."
"تمام، دخلي أول كشف."
أومأت على مضض ثم خرجت للحظات وعادت من جديد مع الحالة الأولى، جلست السيدة برفقة زوجها أمامه بينما أسرعت "مُهرة" خارج الغرفة، تجاوزت الحالة الأولى من الوقت عشر دقائق، فنظرت "مُهرة" حولها وهي تسأل إن كان الكشف يأخذ قرابة الربع ساعة فمتى ستفرغ العيادة من هذا الكم الهائل من الحالات؟؟ تنهد تنهيدة ممدودة بعُمقٍ وهي تقول بخفوت:
"ما أنا مكنش ينفع أتطوع بقلب جامد أوي كدا، يا مغاغي (مراري)، دول مش هيخلصوا ولا الصبح."
في هذه اللحظة، قطع شرودها صوت رجل يقف أمامها مُباشرةً ويمد يده لها بروشتة طبية قائلًا بصوت ناعسٍ خشنٍ:
"بقول لك أيه يا مزمزيل، أمال فين الدكتور المسؤول عن الحُقن؟!"
زوت ما بين عينيها ثم تابعت بنبرة ثابتة:
"دكتوغ مسؤول عن الحقن!!، لا مش عاغفة الحقيقة، الدكتوغ اللي موجود حاليًا هو دكتوغ نوح!."
"ودا بيدي حقن؟!"
"دكتوغ نسا وتوليد وحالات عقم.. تقدغ تاخد الحقنة دي في أي صيدلية!"
"يعني أنا دافع ألوف في المركز هنا علشان أخرج لأي صيدلية أخد حقنة، وبعدين بقول لك أنا تبع حالة ولادة محجوزة هنا وتعبت وعايز أخد الحقنة دي كان الدكتور كاتبها لي!!"
التقطت منه الروشتة ثم أمعنت النظر في اسم الدواء وراحت تقول بثبات:
"أه دي حقنة للسخونة، حضغتك دغجت خغاغتك عالية؟!!"
حدق فيها الرجل ببلاهة ثم صاح بغضب:
"إنتِ بتقولي أيه؟ أنا مش فاهمك؟!"
تنحنحت "مُهرة" بتوتر وهي تخشى صوته العالي فتابعت مرة أخرى:
"إنتَ سُخن؟؟؟"
"طب ما تجسيني وتشوفي بنفسك!! وبعدين هو مش إنتِ ممرضة، اديهالي إنتِ؟!"
توترت بشكل ملحوظ وراحت تُبعد نظراتها عنه تتجنب فظاظته وصوته المُزعج قائلةً:
"أولًا أنا دكتوغة، ثانيًا الحُقنة دي حُقنة عَضل ومش هينفع أديها لك، الحل الوحيد إنك تلجأ لأي صيدلية يا فندم!"
رفع الرجل حاجبه ثم تابع بمكرٍ:
"يعني أيه عَضل وبتتاخد فين دي؟!!"
ارتجفت أطرافها ما أن وجدت الباب يُفتح وتخرج منه أول حالة، أسرعت مُبتعدةً عنه وهي تقول بتوتر:
"لحظة."
ودعت الحالة بابتسامة هادئة ثم هرولت داخل غرفة "نوح" تقول بأنفاس لاهثة متوترة:
"نوح، في واحد بيضايقني وعايزني أدي له حُقنة وبيقول لي يعني أيه حُقنة عَضل!!"
انكمشت قسمات وجهه في غيظٍ ثم نهض فورًا عن كرسيه وأسرع خارج غرفته بغضب طفيف حرص ألا يُظهره أما المرضى، نظر من بعيد فوجد الرجل يقف أمام مكتبها فأشار له بذراعه أن يأتي وما أن وصل الرجل إليه حتى تابع "نوح" بصوت حانقٍ:
"خير يا باشا مالك؟!"
"عايز أخد الحُقنة دي!"
أومأ "نوح" ثم وضع كفه خلف ظهر الرجل ثم قال بلهجة ثابتة:
"طيب يا فندم اتفضل معايا لأوضة الكشف!!!"
عقد الرجل ما بين عينيه ثم قال بلهجة شديدة:
"أوضة الكشف أيه يا دكتور، إنتَ شايفني لابس طرحة؟؟؟"
"لا سمح الله يا فندم، تعالى بس أنا هقول لك حُقنة العَضل بتتاخد فين!!!!!!"
يتبع
رواية رحماء بينهم الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم علياء شعبان
يا علَّام، ارمي الزبالة دي برا مش عايز أشوفها في القصر دا تاني وإلا العقاب هيطولك إنتَ.
هاج صارخًا في وجه الأخير الذي تسمر واقفًا ينظُر إلى تلك الفتاة الضعيفة الواقعة بالأرض تنتحب في ألمٍ ولا تملك مثقال ذرة من قوة أو إرادة. قطب السيد حاجبيه حينما لم يجد ردًا من الأخير فهاج مُجددًا بأنفاس تغلي:
سامع ولا لأ!
انتفض جسد "علَّام" وعلى الفور أومأ مُنصاعًا؛ فيما صرخت هي بكل ما تحمله من طاقة مُستهلكة:
حرام عليك، يا أخي ربنا ينتقم منك ومن أمثالك، ليه عملت فيا كدا؟! سيرتي
بقت على كل لسان بسببك.
أسرعت تلتقف ساقه ثم تتشبث بها في نحيب، بينما بدأ يركلها بغضب وطغيان قائلًا:
هو أمثالكم هيفرق مع الناس أصلًا؟! يا بنتي محدش مركز معاكم لأننا كأسياد مش شايفينكم.
اجهشت باكيةً بحُرقة حينما ركل ركلته الأخيرة التي أصابت جنبها الأيسر فصرخت بانهيارٍ:
أبويا بيموت بسببك، طب علشان خاطري يا بيه انقذني من عيون الناس وكلامهم اللي زيّ السم، علشان خاطري!!.. أبويا بيموت من الحُرقة والكسرة!
اِفتر ثغره عن ابتسامة ساخرة ظهرت بوضوح على جانب فنه وانحنى قليلًا ناظرًا داخل عينيها مُباشرة ومُضيفًا بسخرية:
انقذك إزاي؟! يا بنت البواب!
هي بدموع مُنهمرة:
قول لجوزي إني اتغصبت على اللي حصل لي لأنه مش مصدقني، أبوس إيدك، أنا بيتي بيتخرب!!!
ضحك ملء شدقيه ثم باغتها بقبضة قوية على فكها قائلًا بغيظٍ:
ملعون جوزك على أبوكِ، إنتِ شكلك عبيطة وأنا مش فايق لك.
أسرعت بالقبض على ياقته ثم جاهدت أن تتكلم رغمًا عن قبضته الضاغطة على فكيها:
أنا مش مجنونة، أنا اتهتك عرضي من واحد خنزير وألسنة الناس مش سايباني في حالي حتى جوزي مش عايز يصدق إني بريئة وأبويا من القهرة بيموت!
أسرع بالقبض على ذراعيها ثم أجبرها على ترك ياقته وهو يقول بلهجة شديدة يغمرها التهديد والوعيد:
إنتِ تخرجي من هنا ومش عايز أشوف وشك تاني وإلا قسمًا بالله المرة الجاية هتكوني بين عداد الموتى، سامعة يا بت ولا لأ!
أجهشت بحُرقة وهي تُخفي وجهها بكتفيها تتفادى اعتدائه عليها بالضرب حيث بدأ يلطم وِجنتيها بقسوة بينما تصرخ هي بقهرٍ:
حسبي الله ونعم الوكيل فيك.. ربنا ينتقم منك يا ظالم.. ربنا يكسر فرحتك بكُل غالي عليك.. ربنا يكسر قلبك زيّ ما كسرت نفسي وكسرت كبرياء أبويا وسرقت شرفه وشرف جوزي بالقوة.
كانت تصرخ داعياً عليه بكُل ما يأتي إلى رأسها بينما يزداد ضربه المُبرح لها حتى اقترب "علَّام" منه وراح يسحب ذراعه عنها قائلًا بنبرة مُتلعثمة يملأها الحُزن والضعف:
كفاية يا بيه، سيبها لحال سبيلها.
وكأنه عُمي تمامًا عن رؤية شيء سوى تفريغ طاقته المشحونة فيها وما كان من علَّام إلا أنه أسرع بجذبها من بين ذراع الأخير ووقف حائلًا بينهما ليجد عثمان يهدر في وجهه بصوت أجشٍ:
ارمي الكلبة دي برا.
أومأ "علَّام" حتى لا يثور الأخير مرة أخرى؛ فيما رمقتهُ الفتاة بكُره وما أن نهضت عن الأرض حتى بصقت في وجهه مما أثار حنقه من جديد وهم أن يقبض على حجابها ليُسرع علام بدفعها بعيدًا عنه بينما قالت هي بحُرقة قبل أن تتحامل على نفسها مُغادرةً للقصر:
افتكرني كويس يا بيه لأني راجعة لك تاني في يوم من الأيام علشان نصفي حسابنا!
حدجها بعدوانية ولكنها تحركت بخطوات متباطئة خارج بوابة القصر رغم شعورها بالعجز المهين حول استكمال سيرها إلى البيت وكذلك شعور الوضاعة التي تشعر به نتيجة نظرات الجميع لها؛ فلم تفعل شيئًا حتى يتم نبذها من الجميع حتى زوجها؟! لا يُصدق أن زوجته الضعيفة قد وقعت فريسة لسيد قوي البنيان لا يخشى أحدًا ولا يُمكن مقاومته من قِبل رجل عتي فكيف لها أن تفلت من تحت براثنه!!
سارت تجر ساقيها بعجزٍ حتى أنها تحايلت على نفسها ألا تخذلها وتنهار أمام مرأى الناس وأن تكون عونًا لها حتى تسترد حقها المنتهك، نهرت نفسها لكونها ضعيفة سلبية تنتمي لعائلة فقيرة لا تمتلك سوى الشرف وحتى هذا استكثروه عليها!!.. ترجت دموعها ألا تسقُط وأن تناصرها حتى تحقق النصر!
استني!!
ناداها بصوت مُتهدجٍ، توقفت في الحال دون أن تستدير نحوه ففعل هو حتى وقف أمامها مُباشرة وقال بضيقٍ:
انسي اللي حصل، لأن اللي زينا لازم يتنازلوا علشان يعيشوا!!
رمقتهُ بنظرات صامتة بينما تابع بتنهيدة حارة:
كان بودي أساعدك بس مش عارف إزاي!!!
أجابته بثبات وصوت مُتحشرج:
اشهد معايا ضده يا علَّام، ساعدني أفضحه، أبوس إيدك!!!
أومأ سلبًا على الفور وقال:
مش هقدر، سامحيني، دي لُقمة عيشي الوحيدة!
أومأت بدموع محبوسة وقالت:
لُقمة عيش طعمها صبَّار، خلي بالك وإنتَ بتحافظ على لُقمة عيشك مع ظالم زيّ دا ييجي الدور عليك في يوم من الأيام وتكون مراتك مكاني؟!!
أنهت كلامها وتحركت من أمامه بينما نكس رأسه بقلة حيلة شاعرًا بالحُزن على حالها واليأس على حياة صعبة لا يمكنه فيها أن يقول كلمة حق لأن الحق لن يجني له رزق بل سيقطع عنه كُل سُبل الحياة".
علَّام ساعدني، قول كلمة الحق، اتكلم، كاتم شهادة الحق ظالم، هنتقم منك ومنه يا علَّام، انتقامي قريب».
ارتجف قلبه بقوة وهو يستيقظ من نومه فزعًا بفعل كابوسٍ داهم نومه وكتم أنفاسه حتى كاد أن يحتضر، جاءت إلى أحلامه وحولتها كابوسًا وهي تعده بانتقام ساحقٍ عما بدر منه من صمتٍ مُخزي تجاه حقها المنتهك، اعتدل في نومته جالسًا ثم بدأ صدره يعلو ويهبط بغير انتظامٍ حتى جبينه بدأ يتصبب عرقًا.
اِبتلع "علَّام" ريقه بصعوبة بالغة قبل أن يستدير بجذعه العلوي ويلتقط كوبَ الماء ثم يتناول ما به على فم واحدٍ، لم تهدأ خفقات قلبه المتسارعة بفضل الكابوس ليتذكر نظراتها له بالأمس، لقد كانت نظرات تدينه بكثير من الاتهامات رغم براءته الكاملة من أذيتها إلا أنه يُدرك أن صمته أُعتبر سهمًا شارك به في جريمة شنيعة اقترفت في حقها.
في هذه اللحظة قطع شروده، دخول "سهير" التي تابعت بصوت مخنوقٍ:
علَّام، عايزة أشوف بنتي!!
قطب حاجبيه لثواني قبل أن يُدير ظهره لها ويدثر نفسه داخل غطائه مرة أخرى وهو يقول بلهجة شديدة:
بنتك مع جوزها ومفيش زيارات هتتم في الوقت الحالي، اخرجي واقفلي الباب وراكِ.
سكون!!
نادى عليها بصوت خشن قبل أن يفتح مقبض الباب وينظر داخل الغرفة، كانت تجلس على فراشها تتفحص حاسوبها في حالة من الخمول والركود، تحرك واقفًا أمام الفراش ثم تابع بملامح جامدة عندما وجدها تتجاهل وجوده وقال بصوت صارمٍ:
إنتِ هتفضلي قافلة على نفسك باب الأوضة!!
قررت أن تتوجه بنظراتها إليه وبنبرة ثابتة ردت:
حابه أكون لوحدي شوية يا بابا، فيها مشكلة دي؟!!
عثمان عاقدًا ذراعيه أمام صدره ومُجيبًا بلهجة حازمة:
طبعًا فيها مشاكل لأن الشركة مش هتستنى سعادتك لمَّا تخرجي من وحدتك!
زمت شفتيها قليلًا قبل أن تقول بتبرم:
بس أنا مش آلة ومن حقي أخد فاصل أجدد بيه طاقتي علشان أقدر أكمل!!
نبج صوته بقوة وقال:
أنا ليه حاسس أن أوامري مش مسموعة عندك!!
وضعت الحاسوب جانبًا ثم نزلت عن الفراش واقتربت منه تقول بهدوء:
بابا، أنا بنتك مش سكرتيرة عندك واللي بتطلبه مني مش أوامر ولكن مُساندة علشان أنا بنتك وسندك زيّ ما بتقول ولكن مينفعش تعاملني على إني شغالة عندك بستقبل أوامر واشتغل عليها وبس!
عثمان بسخرية:
عرفتي ليه قُربك من عمك وابنه مش صحي؟!
سكون وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها وتسأل بحنقٍ:
ليه؟!!!
عثمان بلهجة حادة:
بيخلوكِ تتمردي عليا، سليمان بيوهمك إنه ممكن يحبك أكتر مني.
افتر ثغرها عن ابتسامة مُتهكمة وردت:
عمو سليمان مش بيجيب سيرتك إلا بكُل خير، الراجل دا بيدعي لك بس، جرب تفتح صفحة جديدة معاه لأنه أخوك، هو إنتَ مش بتحن له زيّ ما أنا بحن لكُل لحظة مع شروق وعُمر؟!! طيب إنتَ ليه يا بابا قاسي مع اخواتي؟! ليه بتكسر عُمر بكلامك، ليه وإنتَ عارف إن روحي فيه؟! قلبك مش بيوجعك عليه وهو مكسور وحاسس بالوضاعة لأن اللي المفروض يكون مصدر قوته هو مصدر تهشيمه!!، إنتَ بتكسر فيه كُل يوم حاجة، أنا مش عايزة أصحى في يوم ألاقي أخويا بقايا إنسان، أنا بتنفس اخواتي، أكيد إنتَ مش هتفهم إحساسي دا طبعًا!
في هذه اللحظة، أسدى لها لطمة قوية جدًا على وجهها جعلتها ترتد بغير اتزان للخلف، انفرج فمها في صدمة كبيرة وانسابت دموعها فورًا على وِجنتيها فيما تابع هو بانفعال شديدٍ:
القلم دا علشان يفوقك ويعلمك إزاي تتكلمي مع أبوكِ.
اِبتلعت غِصَّة مريرة في حلقها ثم تابعت بصوت مخنوقٍ:
شُكرًا لحضرتك يا بابا، لأني فعلًا فوقت.
حدق فيها بعينين يملأهما الغيظ وغادر الغرفة فورًا بينما ألقت بنفسها على فراشها وبدأت تبكي بانهيارٍ وضيقٍ؛ فهي في النهاية تخسر علاقتها بوالدها التي لطالما كانت هادئة ولكنها لا ترضى أن تُجاريه حينما تكون أذيته هذه موجهة لأشقائها؛ فهي تخشى عليهما متاعب الحياة ولن تكون سوى الحامي لهم حتى لو تعارض هذا مع قيود والدها الصارمة؛ فعاطفة الأبوة عنده مشكوك بها لقلة ما يتمتع به من حنين لرؤيتهم أو حتى رغبة في القبض على تلابيب السعادة وإحضارها إلى حجرهم.
اضطربت أنفاسها في حُزن دُفن بين ضلعيها وما أن وصل صوت بوق سيارته إلى أذنها حتى قررت مُغادرة الغرفة تمامًا قبل أن تخنقها أفكارها المُتشائمة بين أربعة جدران، التقطت معطفها بسرعة كبيرة ثم هرولت تهبط الدرج مُقررةً تفقد حال شقيقها أولًا وقبل خروجها، تجذفت سيرًا إلى غرفته وقبل أن تهم بطرق الباب سمعته يقول في انفعال وصوت مهزوز:
أنا بحاول معاه يا رويدا، اهدي هاجي في أقرب وقت، مش هتخلى عنك، صدقيني!
صمت لوهلة قبل أن يقول مرة أخرى:
رويدا.. أنا بقاوم في الحرب لوحدي.. حرب ضد نفسي وضد أبويا.. متكونيش طرف في الحرب دي.. خليكِ الملاذ الآمن فيها!.
تراجعت فورًا وقد أصاب قلبها غِصَّة مريرة وهي تعود مرة ثانية إلى بهو القصر ومنه إلى الخارج، ترددت كثيرًا قبل أن تلجأ إليه خاصةً بعد تعرضها للإهانة أمامه من قِبل والدها؛ ولكنها لم تشعر بالغربة والاستغراب في قربه فقد وجدت منه ما أسرها ولم يخذلها مُطلقًا في أمورٍ احتاجته فيها ويتواجد إن لم تحتجه حتى.
فركت كفيها قبل أن تتجه إلى غرفته القائمة بجوار مبنى القصر، طرقت الباب وانتظرت للحظات حتى وجدته يفتح بعد لحظاتٍ وعلامات النوم بادية على قسمات وجهه لتقول بتأفف:
كاسب، أنتَ لسه نايم؟!
كاسب يقطب حاجبيه مُضيفًا بهزل:
أه، في حاجة؟! عندكم بتصحوا في ميعاد مُعين!
زوت ما بين عينيها ثم استدارت كي تتحرك من أمامه وهي تقول بفتورٍ:
آسفة أزعجتك، نام تاني.
كاسب باستغراب من تعكر مزاجها:
طيب استني بس، إنتِ زعلتي؟! أنا بهزر معاكِ.
استدارت إليه مرة أخرى وقالت بلهجة حازمة:
كاسب أنا عايزة أتعلم السواقة دلوقتي؟!
حدق فيها وصاح مُتعجبًا بمزاحه المعهود:
حالًا بالًا فالًا... دلوأتشي؟!!!
ضربت الأرض بقدمها ثم تابعت بتأفف:
أه، هتعلمني ولا أركب عربيتي وأتعلم بنفسي!!
خرجت ضحكة ساخرة من بين شفتيه وقال بتوجسٍ:
هرمونات انتحار دي؟! ماما، مش عايزها تهب منك.
التوى شدقها ثم سألته باستنكار:
هي أيه دي؟!
كاسب بثبات:
دماغك اللي مسوحاكِ، شايفة المُرجيحة اللي هناك دي!!
أومأت في صمتٍ فضرب على كتفها بكفه الثقيل وقال بصرامة:
تقعدي تلعبي عليها شوية لحد ما أطص وشي بشوية ماية وألبس هِدمة.
تسألت باستنكار وعدم فهم:
أطص!!!
كاسب وهو يشير إلى حلقه بأصبعيه السبابة والإبهام ثم يضيق بحنقٍ:
ولا متعصبنيش ياض، اسمع كلامي وبس.
حدقت فيه بذهول ولكنه انصرف داخل الغرفة مرة ثانية دون أن يأبه بصدمتها بينما تابعت "سكون" بغيظٍ واختناقٍ:
بس أنا بنت!!.. كاسب؟ إنتَ إزاي تكلمني بصيغة المُذكر؟! وكمان مشيت وسبتني وأنا بتكلم.
ضغطت على أسنانها ثم قررت أن تبتعد عن الباب حتى يتجهز لخروجهما، ظلت تروح وتأتي أمام الباب حتى خرج لها في خلال دقائق، تنهدت تنهيدة ممدودة بعُمقٍ قبل أن تقف أمامه مرة أخرى وتقول بحزم ونبرة سريعة:
بص بقى أنا عايزة أروح عن أُختي علشان وَحشتني، فأية رأيك تعلمني السواقة واحنا في طريقنا ليها!!!
انطلقت ضحكة عالية من فمه ثم قال مازحًا:
لا دا السلوك عندك لمست خالص، هل أنتِ عبيطة؟! ولا غابت منك؟!
زوت ما بين عينيها وصرخت باستنكارٍ:
هي أيه؟!
كاسب بتنهيدة ملولة:
ما قولنا دماغك اللي مسوحاكِ، ياما السواقة دي عايزة مكان لا يعيش فيه كائنات حية ولا غير حية، لكن تقولي لي على الطريق وأختي وَحشاني؟ دا كدا إحنا اللي هنوحش الناس.
سكون وهي ترد بانفعال واندفاع:
خلاص براحتك، خليك.
اندفعت تتحرك من أمامه على عجلة من أمرها بينما أسرع خلفها ثم قال بلهجة مازحة:
سلم على الشُهدا اللي معاك، سلم على كُل اللي هناك!!
صرخت بانفعال:
كاسب، أنا حقيقي مش عايزة أشوفك تاني.
كاسب بضحكة عريضة:
كدا كدا هنموت.. لا حد هيشوفنا ولا هنشوف بعض.. بس هناك سأُخبر الله بكُل شيء.
اقتربت من سيارتها ثم ضغطت زر الريموت ليرتفع إنذار السيارة وينفتح الباب، ما أن وجدها تركب السيارة حتى استدار مهرولًا يفتح الباب المُقابل ويجاورها في المقعد بينما تشكلت الجدية على ملامحها وراحت تقول بحسم:
دلوقتي أعمل أيه؟!
قطب حاجبيه مندهشًا من سؤالها وتابع بحذرٍ:
تعملي أيه؟! إنتِ مش عارفة خالص!!
سكون بغيظٍ تصيح:
أمال أنا جيباك ليه؟!!
أومأ بهدوء ثم تابع بحسم:
أنا آسف، بصي يا ستي هتدوري العربية في البداية.
حدقت فيه سكون وردت ببلاهة:
هدورها بأيه؟!
كاسب يضغط على عينيه ثم يُتابع:
باختراع كدا اسمه المُفتاح، بندخله في مكانه علشان العربية تدور ونقدر نحركها من مكانها.
التوى شدقها وقالت بامتعاض:
ليه كُل الشرح دا، إنتَ شايفني مبفهمش!!
كاسب بضحكة مكتومة ينفي:
لا سمح الله يا فندم، اتفضلي دوري العربية بس قبل ما تعملي كدا رجعي الفتيس لورا واضغطي على دواسة البنزين بالراحة خالص.
أومأت بحماس شديد ثم أرجعت مقبض التحكم للخلف بعد أن فعلت نظام السيارة وراحت تضغط بقوة مفاجئة على دواسة البنزين لتنطلق السيارة بسرعة البرق وسط ذهول "كاسب" الذي صرخ بصدمة:
يا بنت العنيفة، دوسي فرامل بسرعة.. بسرعة.. هنرشأ في عامود الكهربا وهنتكهرب ونموت!!!
انفتح فمها على وسعه ثم صرخت بفزع:
فين الفرامل؟! انطق فين!!!!
أوشكت السيارة أن تصطدم بالعامود وقرر "كاسب" أن يوفر الشرح في وقت آخرٍ ليسرع بالنزول عن المقعد ثم يضغط بقوته على دواسة الفرامل وهو يصرخ بغيظٍ:
شيلي رجلك عن دواسة البنزين، يا أغبى أخواتك.
رفعت قدمها عن الدواسة فتوقفت السيارة على الفور قبل أن تصطدم بالعامود، تركت تارة القيادة وراحت تعود بجسدها للوراء وهي تتنفس الصعداء بأنفاس لاهثة بينما تحامل "كاسب" على نفسه وعاد جالسًا على المقعد من جديد وهو يضغط على أسنانه قائلًا بغضب طفيف:
هي دي بالراحة اللي قولت لك عليها؟! ها؟
سكون بتلعثم:
كُنت حابة أبهرك!!
كاسب بضحكة مغتاظة:
أيوة طبعًا أنا فعلًا انبهرت، دا حتى شعر راسي انبهر أهو وواقف كمان علشان يضرب لك تعظيم سلام!
سكون وهي تلوي شدقها بامتعاض:
إنتَ بتتريق؟!
كاسب بتنهيدة قصيرة:
أبدًا يا روحي، بصي إحنا نصرف نظر عن حوار السواقة دا النهاردة وخلي اليوم يعدي على خير، أيه رأيك؟!
سكون تهز ساقها بانفعال كبيرٍ:
لأ، أنا ميتة على الدريكسيون لحد ما أتعلم السواقة.
كاسب وهو يضرب كفًا بالآخر:
يا ماما بالآي كيو بتاعك دا مش هتتعلمي سواقة في عُمرك، دا في بغلة داست على دواسة البنزين وجريت زيّ الجمل اللي بيجري في الحبشة!!!.. يا بت خليكِ فهيمة.
رمقتهُ شزرًا وهي تقول بحنقٍ:
بترمي لأية؟! إن نسبة ذكائك أعلى مني؟! دا بُعدك، اتفضل قول وأنا هفهم بسرعة.
أومأ ضاغطًا على أسنانه وقال مُتحدثًا إلى نفسه بصوت مسموعٍ:
امتص يا كاسب المجاري اللي طافحه من بؤها دي وروح أعصر نفسك على جنب زيّ السفنجة، قدرك، معلش.
رمقتهُ بتمرُد وغيظٍ فيما تابع شرحه مُحاولًا تهدئة نفسه:
بصي يا ستي، عندنا دلوقتي تلت مرايات للعربية المرايتين اللي على الجنب والمراية اللي قدامك دي طبعًا، تعرفي استخدامهم أيه؟!.
رفعت حاجبها وردت بثقة:
المراية اللي قُصادي دي مثال حي على التحرش بالنظر لأن السواقين بيستخدموها للبصبصة وأنا شايفة إن وجودها زي عدمه.
حك "كاسب" ذقنه ثم أومأ ببرود:
طبعًا، ما شاء الله على بنتنا الذكية، والمرايتين التانيين لأيه؟!
سكون بهدوء:
للبصبصة بردو، يعني لو العربية راكب فيها تلت مُزز، السواق يعاكس واحدة والباقي لأ؟!
كاسب بنفي قاطعٍ:
لا طبعًا، الناس تقول عليه أيه؟! أدائه في المعاكسة مش أد كدا؟؟؟
أنهى كلامه ثم برق بعينيه داخل عينيها بقوة؛ فابتلعت ريقها على مضضٍ وقالت:
في أيه؟
كاسب بصوت أجشٍ مغتاظ:
متعصبيش أمي علشان مظرفكيش قلم تفقدي السمع بعده.
كشرت عن أنيابها وهي تصرخ في وجهه بغضب:
إنتَ بتهددني؟!
شرع يكور قبضة يده محتدًا من الغيظ قبل أن يترجل من السيارة فيما صاحت هي بغيظٍ:
دي المرة التانية اللي تسيبني فيها وتمشي، ماشي يا كاسب، أنا هخلي بابي يرفدك يا عديم الذوق والمشاعر يـ....
قطع تمتمتها انفتاح الباب المجاور لها لتجده يقف أمامها بوجه مُكفهرٍ ثم يقبض على ياقتها ويسحبها تدريجيًا خارج السيارة قائلًا بنبرة صارمة:
لفي الناحية التانية ومش عايز أسمع نفسك، وحذاري تهبهبي يا سكون يا بنت عثمان الأقرع.
سكون بغيظٍ وهي تبتلع ريقها:
شخص غير آدمي وغير مُتحضر.
كاسب وهو يبرق لها بحدة:
ومعايا شهادة مُعاملة أطفال، اخلصي!
انكمشت على نفسها ثم هرولت منصاعة لرغبته وجلست فورًا بجواره لينطلق بسرعة كبيرة حيث تقطن شقيقتها.
فاضل كام حالة؟!
أردف "نوح" بتلك الكلمات وهو يعود بجسده للخلف في انهاكٍ فيما تابعت "مُهرة" بابتسامة هادئة:
تلاتة، هانت يا دكتوغ، أنا طلبت لك أكل لأني واقعة من الجوع وأكيد إنتَ، فاصل ونواصل.
اِفتر ثغره عن ابتسامة عريضة وتابع باستسلام:
أنا عارف إنك تعبتي معايا جدًا النهاردة بس بردو الست الأصيلة بتقف جنب جوزها وحبيبها في الأوقات العصيبة.
رفعت حاجبها أثناء تفريغ كيس الطعام على الطاولة وقالت ببرود:
جوزها وحبيبها مش واحد مُتنمغ مالوش أي صلة بيها.
نوح وهو يغمز لها بعينيه:
بُكرا يبقى له صلة ومسيرك يا قطة تقعي في شباكِ!!
مُهرة بابتسامة هادئة:
سخيف.
التفا سويًا حول الطاولة، همَّ "نوح" أن يضع أول لُقيمة في فمه ليجد شابًا يقف أمام الباب ثم بتنحنح قائلًا بثبات:
دكتور نوح، سيادة المُدير عايز حضرتك!!
أنزل "نوح" كفه ثم قال بلهجة حانقة وهو يضع اللُقيمة في مكانها:
عيني يا حبيبي، جاي وراك.
أومأ الشاب وغادر على الفور، بينما نفض "نوح" كفيه وراح يقول بنبرة هادئة وهو يعدل من هيئته:
خير يارب.
مُهرة بهدوء:
إن شاء الله.
انطلق نحو غرفة المدير العام للمشفى والتي تستقر في نهاية الممر التي تقبع فيه الغرفة المخصصة للكشف، طرق الباب في خفة فجاءه السماء وما أن فتح الباب ودخل حتى وَجد الرجل يجلس أمام المُدير بوجه كاشرٍ ويقدح الشرر من عينيه، تحرك "نوح" نحو المدير يُصافحه ثم جلس على المقعد المقابل للرجل وقال بلهجة ثابتة:
خير يا فندم؟!!
المُدير بنبرة ثابتة:
الأستاذ بيشتكي عليك يا دكتور وبيقول إنك تهجمت عليه وضربته!!
تصنع "نوح" الدهشة ثم قال برسمية:
لا سمح الله يا فندم، معقول الكلام دا؟! ليه هو إحنا في غابة؟ دي مستشفى مُحترم، اسمحي يا فندم، اسأله ضربته فين؟ وفين آثار الضرب!!!
انتقل المدير بعينيه إلى الأخير الذي رمق نحو شزرًا ثم صاح بانفعال كبيرٍ:
دا كمان بينكر كُل اللي عمله، فين مصداقيتكم كمُستشفى خاص وبعدين إحنا بندفع بالآلاف علشان نتهان ونضرب؟!
نوح بابتسامة متوارية:
يا فندم، كلامي واضح، فين الضرب اللي حضرتك تعرضت له، دا إنتَ حتى وشك مفيهوش بشلة واحدة.
الرجل بانزعاج يهتف:
نعم؟! دا إنتَ بلطجي بقى مش دكتور!!!
انفعل "نوح" بصورة واضحة فمال بجذعه العلوي قليلًا وسند كفيها على الطاولة التي تتوسط المقعدين وراح يقول بلهجة شديدة:
أحسن ما أبقى مُتحرش وبِجح!!
المدير يتدخل في حيرة:
أيه اللي بيحصل يا دكتور نوح، أنا مش فاهم حاجة؟!!
عاد "نوح" بجسده للوراء مرة أخرى ثم أضاف ببرود:
الأستاذ حاول يتحرش بخطيبتي لفظًا، تخيل راجل شحط في سنة مش عارف حُقنة العَضل بتتاخد فين؟! كان عايز ياخد حُقنة عَضل وأنا اديتها له وكسبت فيه ثواب وعرفته الحُقنة بتتاخد فين وأضفت معلومة جديدة لموسوعة معلومات سيادته، أنا كدا عندي عيب؟!
رفع المدير حاجبه ثم التفت إلى الرجل وقال بحزم:
إنتَ جاي تشتكي يا أستاذ من مسؤولي المكان وإنتَ محترمتش العاملين بيه؟!
هبَّ الرجل واقفًا في مكانه ثم هدر بصوت أجشٍ:
بقول لك الدكتور اللي مشغلة عندك إداني الحُقنة غلط، أنا مش عارف أقعد ولا أتعامل، دا أنا هوديكم في ستين داهية!!
نوح مُتابعًا ببرود وهو يضع ساقًا فوق الأخرى:
يا فندم مفيش داعي للعصبية المُفرطة وبعدين أنا ممكن أكتب لك على مرهم للتورم وفي ظرف يومين هتكون زيّ الفل!!
حدجهُ الرجل بنظرات متوعدة ثم خرج على الفور وصفق الباب خلفه، ضرب المدير كفًا بالآخر بينما وقف "نوح" في مكانه وقال بلهجة حازمة قبل أن يتكلم الأخير:
متحاولش تتكلم عن سُمعة مكانك على حساب أهل بيتي والناس اللي تخصني يا دكتور عمرو علشان منخسرش بعض!!!
تنهد دكتور "عمرو" تنهيدة ممدودة بعُمقٍ فيما غادر الأخير الغرفة فورًا خشية أن يتجه الرجل لمضايقتها مرة ثانية، تجذف في سيره حتى وصل إلى غرفة الكشف ليجدها تجلس بسلام خلف مكتبها بين الحالات، تنفس الصعداء ثم أشار لها بعينيه أن تأتي لتتحرك خلفه نحو غرفة الكشف:
مالك، ليه متضايق؟! في حاجة حصلت!!
نوح بابتسامة هادئة وهو يجلس إلى الطاولة المفترش عليها أطباق الطعام:
ولا حاجة يا ستي، مش فاهم الناس بتزن علشان نقدم لهم معلومة ولما ياخدوها بيشتكونا مش بيشكرونا ليه؟!!
حدقت فيه صدمةً وقالت:
الحيوان دا اشتكاك للمُديغ!!
نوح بابتسامة عريضة:
معذور، ما هو بيتألم ومش قادر يتكلم.
أسرعت بحبس ضحكتها التي كادت أن تنفلت من بين شفتيها ثم قالت بصوت هادئ:
بس إنتَ لازم تتعود على التحكم في أعصابك عن كدا!!
نوح وهو يرفع حاجبه مُضيفًا بلهجة حادة:
نعم ياختي، دا أنا أكله بإيدي وسناني لو يطولك بكلمة أو نظرة، وبعدين أنا حاولت على أد ما قدرت أحترم هيئتي كطبيب.
مُهرة بضحكة هادئة:
دا إنتَ طلعت شغس.
رمى لها بغمزة من عينيه ثم قال:
فدا لعيون المهغة.
تحرك في نومته بكسل وفتورٍ، شرع يتقلب بحدود لأن الأريكة ذات اتساع محدود إلى أن بدأ يفتح عينيه تدريجيًا وما هي إلا لحظات حتى تذكر ليلة أمس فرفع بصره نحو الفراش ليجده فارغًا، قطب "تليد" ما بين حاجبيه لغيابها عن فراشها وهي التي تفضل النوم لساعات متأخرة، دقائق وبدأت حواسه تعمل بوضوحٍ ليعتدل جالسًا من نومه ثم يبدأ في استنشاق رائحة غريبة تسللت للحظة إلى أنفه، تبدو رائحة حريق؟!!!
هرول مُسرعًا خارج الغرفة ليجدها تجلس على الأريكة أمام التلفاز وكُل حواسها مُكرسة له لدرجة أنها لم تلحظ قدومه، كانت تضحك ملء شدقيها أثناء تناول الفشار بينما تركها "تليد" سابحًا في عالم ديزني الخاص بها وهي تُشاهد المسلسل الكرتوني الذي مضى على ظهوره قرن "القط والفأر" حتى أنه أقسم إنها بالتأكيد رأته مرات عديدة من قبل ومع ذلك يجدها تضحك وكأنها المرة الأولى، أسرع خلف الرائحة إلى أن وصل للمطبخ.
خرجت عيناه من مقلتيه في جحوظٍ وهو ينظر إلى القدر الموضوع على البوتاجاز الذي يفور على جانبيه، لم تكن هذه المشكلة أبدًا بل الكارثة الحقيقية في احتراق عيدان المعكرونة لأنها لم تقم بوضعها كاملة داخل القدر لتطول النار أجزاءً منها وهنا صاح "تليد" بغيظٍ وهو يهرول لإنقاذ ما يُمكن إنقاذه:
وَميـــــــض!!!!!
برقت بعينيها فجأة وكأنها انتشلها من الضياع، نهضت مهرولةً صوب صوته لتجده قد أغلق البوتاجاز ويحاول وضع القدر داخل الحوض، ابتلعت ريقها على مضضٍ ثم تساءلت ببلاهة:
في أيه؟! المكرونة اتحرقت؟!!!
التفت "تليد" لها ثم قال بلهجة مغتاظة:
تخيلي، قولتي لي إنك بتعرفي تطبخي!!
مطت شفتيها بتبرم وقالت:
والله بعرف شوية.
أومأ برأسه إيجابًا ثم تحرك نحوها وراح يحاوط كتفيها بذراعه وهو يقول بنبرة ساخرة:
بصي يا وَميض يا بنتي، متطبخيش تاني مش علشان معدتي تشبع أتجلط، مش كدا ولا أيه!
وَميض بامتعاض وصوت مخنوقٍ:
أمال هتاكل فين؟!
تليد يضغط أسنانه بغيظٍ متواري:
بيت أبويا مفتوح يا روحي، بصي إحنا ناكل عند أبويا علشان نقدر نعيش لنا كام سنة كدا ولا حاجة قبل ما نولع، قولتي أيه؟!!
رفعت كتفيها ثم أنزلتهما مُجيبةً باستسلام:
تمام.
أومأ ثم قال وهو يتجه إلى الأريكة المقابلة للتلفاز:
شاطرة.
رمى بنفسه على الأريكة فيما جلست هي بجواره تمامًا وما أن همَّ بالتقاط الريموت حتى صرخت فيه بصوت طفولي عنيدٍ:
لا بص بقول لك أيه، أنا كُنت مرتاحة من عدم وجود اخوات في حياتي بسبب الحركة دي، أنا بتفرج على كرتون يبقى الريموت يفضل معايا والقناة متتغيرش لحد ما الكرتون يخلص.
رفع "تليد" حاجبه ثم أضاف بغيظٍ:
وأنا أتفرج على كرتون من أيام جدي دعدع ليه يعني؟! أنا متجوزك علشان تكدريني؟!
رمقتهُ شزرًا ثم رفعت أحد كتفيها أمامه وقامت بوضع الريموت في حجرها كي لا يتمكن من الحصول عليه وعادت تشاهد التلفاز مرة أخرى باندماجٍ وما هي إلا ثواني ووجدها تمد يدها له بطبق الفشار ليلتقط قبضة بيده ويتناولها مُستسلمًا لرغبتها في مشاهدة فيلم كرتوني وهو الذي عاش طفولته وشبابه ينبذ هذه التفاهات من وجهة نظره.
تليد!
نادته ومازال بصرها مُعلقًا بالتلفاز، التفت لها بعينيه؛ فتابعت بهدوء:
لو مكنش بيربطك بيا رابط عاطفي من طفولتنا، كُنت تفكر في يوم من الأيام تتجوزني؟!!
اِبتسم في خفة ثم أجابها بصراحة مُتناهية:
لأ، بس كُنت مُتخيل إني لمّا هقابلك تاني بعد ما نكبر هتكوني زيّ ما رسمتك في خيالي وحلمت بيكِ ولكن كُل ما كُنت بتكبري كانت مشاعر الغيرة بتكبر معايا والغضب لأن الأمانة بتاعتي اديتها لناس أساؤوا حفظها.
زوت ما بين عينيها وردت بتساؤل واهتمام:
إزاي مش فاهمة؟!!
تليد مُضيفًا بابتسامة عذبة دافئة:
يعني كُنت كُل يوم بشوفك بتكبري قدام عيني بكون مشتاق أشوفك بالحجاب وحجابك مكانش زيّ ما اتمنيت، كُنت مُشتاق أشوفك ستر لتفاصيل جسمك أكتر من كدا وكان بيخيب ظني في كُل مرة، كانت الغيرة بتاكلني بس مبقاش ليا حاجة فيكِ.
أومأت بهدوء ثم سألته بمشاعر مُرتبكة:
وأيه شكل البنت اللي نفسك فيها؟!
تحول بنظراته عليها ثم أجاب بلهجة ثابتة:
مش فارق معايا الشكل، يفرق لي الستر، يعني حجاب كامل ولبس فضفاض، أحلامي مش صعبة أوي، وبعدين أيه اللي إنتِ بتلبسيه في راسك طول الوقت دا!!!
زمت شفتيها قليلًا ثم سألته بحيرة:
طرحة!!!
تليد بنفي:
لا يا بنتي، هو بتاع شبه الطاقية كدا تلاقي قفاكِ باين منه ورقبتك.
وَميض بابتسامة عريضة:
آآآآه، بونيه!!!
تليد وهو يضغط على شفته ثم يكور قبضة يده ويرفعها في وجه زوجته:
أقسم بالله إنتِ اللي عايزة بونيه في وشك تعقلك.
انطلقت ضحكة عالية من بين شفتيها فيما فرك هو كفيه وقال بصوت حاسمٍ:
بقول لك أيه؟! ما تيجي نسافر!!!
ما لبث أن أنهى كلامه حتى وجدها تقف أمامه في غمضة عين وتقول بلهجة سعيدة وحماسية:
هجهز الشنطة حالًا.
تليد بضحكة عريضة:
في أيه يا ست الكُل، وحدي الله!!
وقفت أمام مجموعة من الصور المُعلقة أمامها على الحائط لمجموعة أشخاص، سالت دموعها بغزارة وسال كُحل عينيها أيضًا وشرعت تُمزق صورته بُحرقة واختناقٍ حتى أن شهقاتها أخذت ترتفع بصوت عالٍ للغاية وما هي إلا ثواني حتى دخل "ماكسيم" الغرفة ليجدها مازالت على حالتها.
نجلا، كفاية كدا لو سمحتِ!!!
أسرعت بمحو عبراتها المُتساقطة ثم ردت بنبرة ساخنة يطغى عليها مشاعر الانتقام:
نفذ اللي قولت لك عليه يا ماكسيم.. نفذ خلي ناري تبرد وإلا هنفذ أنا بنفسي!!!
تنهد "ماكسيم" تنهيدة طويلة ثم رد بانصياع:
تحت أمرك أكيد.
استدارت نحوه ثم تابعت بلهجة آمرة:
البنتين يكونوا عندي في ظرف يوم، الولد لأ، ماليش شغل معاه.
أومأ "ماكسيم" فأشارت له أن يخرج ثم تجذفت باندفاع نحو الهاتف وقامت بإجراء اتصالًا به وما أن أجاب حتى تابعت بلهجة حادة:
عثمان السروجي، معقول تشوفني إمبارح في حفلة ابن أخوك ومتسلمش عليا!!!
برقت عينيه في ذهول وتابع بلهجة مصدومة:
لحظة!!.. إنتِ كُنتِ في الحفلة؟!!!!
رواية رحماء بينهم الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم علياء شعبان
تشنجت فرائصه وهو يستمع إلى صوتها المتهكم عبر الهاتف، حيث بدا من نبرتها أنها قد بدأت حرباً معه منذ زمن. وما أصابه من ذهول وصدمة آخر جملة تفوهت بها وهي تبتسم ابتسامة مستفزة تخيلها بسهولة:
- معقول يا وحش، معقول تشوفني ومتسلمش عليا؟!
حَدَّق في الفراغ يدقق للمرة الأولى في نبرتها التي بدت في هذه اللحظة مألوفة للغاية. قطب حاجبيه ثم تفوه بكلمات سادرة:
- للأسف مشوفتكيش.. خليكِ متأكدة إني لو كنت شوفتك.. كنت هسلم عليكِ أوي.
أخرجت قهقهة عالية يغلفها الاستهزاء بحديثه، وهذا ما أثار جنونه تمامًا. فقال بلهجة أكثر حدةً:
- إنتِ عايزة أيه يا مدام نجلا؟ حمدي ومات وللأسف إنتِ مجبرة تتقبلي الهزيمة وإني أصبحت بلا منافس على الساحة دلوقتي. ولو كنت بحاول أجاريكِ في العبط اللي بتعمليه ده.. فدا لأني مش عاوز وجع دماغ من نسوان. لأني في البداية بحذرك وبتعامل معاكِ باللين، بس لما رصيدك بيخلص عندي همحي اسمك من على وش الدنيا كلها!!
تعالت أصوات القهقهة وكأنما يلقي نكتة كوميدية على سمعها. بدأت تهدأ قليلًا قبل أن تتحول نبرتها إلى أخرى تعبق بحرارة عميقة وتحمل بين طياتها الكثير من الغل:
- إنتَ مجرد صوبة إزاز تبان قدام المجتمع إنها منتجة وقادرة على تحقيق أحلامهم طول السنة، ولكن إنتَ في الحقيقة مش هتاخد في إيدي وقت علشان أدمرك.. لو سحبنا منك النفوذ والفلوس هتبقى مجرد حثالة التاريخ حتى مش هيفتكرك.. إنتَ مسكين أوي.. أضعف مخلوق على وجه الأرض النفوذ مقوية قلبه.. يا ترى هتعمل أيه لما تصحى في يوم متلاقيش حاجة من الكلام ده.. مفكرتش في اليوم ده أبدًا؟ ولا ناوي تستعد له!!!
عثمان وهو يردف بنبرة نارية من بين أسنانه المطبقة:
- ناوي بس أذلك وأكسر نفسك وإنتِ شايفة أمنياتك كلها بتتبخر قدام عينك وبتروح هباءً.
ابتسمت ابتسامة ساخرة وهي تقول بحزمٍ:
- إنتَ غلطان.. الدنيا مش دايمة لحد طول الوقت.. وبعدين ما إنتَ كسرتني وذلتني فعلاً.. هسيبك تكررها تاني؟! هي زريبة يا عثمان!!
انتفخت أوداجه واستحال لون وجهه في غضب ثم تابع بحنقٍ:
- حمدي مات علشان دي نهايته وده أجله حتى لو مش قادرة تفهمي ده. واعتبري إن الحرب قامت بينا من اللحظة دي.
نجلا بلهجة صلبة تصرح:
- الحرب قايمة بينا من زمان أوي يا عثمان.. إنتَ مش واخد بالك ولا أيه!!
سكتت هنيهة ثم أكملت:
- عارف أنا عايزة أيه منك؟!
قوبل سؤالها بالصمت فتابعت بنبرة أكثر حرقةً:
- أنا هاخد عمرك بس في الآخر.. بعد أعمار كل واحد روحك متعلقة بيه. ولو إني أشك إن روحك تكون متعلقة بحد لأنك أناني خبيث.. تبيع الدنيا كلها وتخلد على وش الدنيا.
صرخ فيها بصوت هادرٍ:
- إنتِ فاكرة إني باخد كلام واحدة ست زيك مخها ضارب على محمل الجد؟! إنتِ حشرة أدعكها برجلي.
نجلا بكلمات غاشمة متحدة:
- وولادك بالنسبة لي نفس الحشرة والبادي أظلم.
أطلق هو ضحكة ساخرة هذه المرة ثم ردد باستنكار:
- إنتِ بجد بتهدديني بعيالي اللي معديين العشرين؟! حاسك بتهدديني بعيال في أولى ابتدائي!!
ابتسمت بمكرٍ وردت:
- مش بالسن يا عثمان يا سروجي.. وإنتَ أكبر مثال على دا.. وإلا مكنتش حاولت توصل لي كل دقيقة وكل ثانية علشان تتفاوض معايا!!
عثمان مجيبًا بحسمٍ:
- أنا بقول إنك أخدتي وقت أكبر من وقتك وحجمك.. أعلى ما في خيلك اركبيه ومبروك عليكِ موقع الشركة الجديد!!
باغتتهُ بسؤال شل حركته ولجم لسانه عن الكلام وهي تردف بصوت ناري ذات مغزى:
- وصل عدد ضحاياك كام لحد دلوقتي يا سروجي؟! قول متتكسفش؟.. استغليت كام ست لحد دلوقتي.
صمتت قليلًا ولكنها لم تجد سوى الصمت ردًا عليها؛ فتابعت مرة أخرى بابتسامة متهكمة:
- طبعًا مش عارف عددهم.. هتعد أيه ولا أيه بس!!
ابتلع ريقه على مهلٍ ثم تابع بشك وريبة:
- إنتِ بتقولي أيه؟!
ردت ببغض شديدٍ:
- بفكرك بحقيقتك.
كانت هذه آخر كلمة نطقتها في هذه المكالمة لتقرر في النهاية إسكات صوته بضغطة من زرار هاتفها الذي أنهى المكالمة دون انتظار رده أو تفقد حالته المندهشة من تصريحاتها التي ترمي إلى أشياء كثيرة يصورها له عقله الذي نشط لوهلة وهو يتجول قليلًا في ذاكرته بعيدة المدى.
رفعت أحد حاجبيها وهي ترمي الهاتف بانفعالات قوية، فبالرغم من تلاعبها على أوتار أعصابه بكل سهولة إلا أن جبروته ما يزال يستفزها ويشعل فتيل نيرانها التي تبتغي الانتقام بكل جوارحها.
أطبقت أسنانها ببعض وراحت تزمجر زمجرة مختنقة تشي بمقدار هائل من الضغط والصراع اللاتي تتعرض لهما بفضله، تحركت نحو النافذة المفتوحة تنظر من خلالها إلى الفضاء من حولها وقد بدأ عقلها في التخطيط لاستدراج ضحاياها وبدء الحرب الفعلية بينهما!!
أنزل قدميه من السيارة وعكازه أولًا قبل أن يستند عليه مقتبسًا منه بعض القوة الجسمانية للخروج من السيارة دون مساعدة أحد. وقف أمام البوابة المهيبة في اشتياق لتتحرك "رابعة" نحوه على مهلٍ، بينما دب كفه داخل جيب عباءته وأخرج مفتاح البوابة وأعطاه لها. تناولته منه ثم تابعت قبل أن تتجه إلى البوابة:
- أستاذ تليد هيزعل أوي يا شيخ لما يعرف إنك جيت هنا لوحدك؟!
أومأ مدركًا لهذا ولكنه باشر سيره للأمام يقول بابتسامة هادئة يتوارى فيها خلف مشاعره التي وهنت حالما وطئت قدماه المكان. وهنا تكلم بصوته اللين:
- سيبيه يا بنتي يتهنى مع مراته، هما كانوا بيخططوا لسفرية بلاش أضايقه أنا وأفكره بذكريات توجع قلبه، وبعدين أنا جاي هنا أفضفض شوية وهمشي على طول.
ابتسمت "رابعة" بهدوء ثم توجهت إلى البوابة تفتح قفلها الكبير الذي أصابه الصدأ بمرور الزمان عليه. انفتحت البوابة على مصراعيها فيما تحرك الشيخ بخطوات وجلة وقلب يرتجف، وقف متسمرًا في مكانه ينظر إلى هذه اللحود في اتعاظ وعظة لعله يكون غدًا أسفلها يتلاقى بأحبائه في حياة أفضل من هذه. قادته قدماه إلى أحد هذه اللحود فوقف أمامه بأعين تتجمع الدموع فيها ثم تابع بصوت عالٍ قليلًا وهو يتحرك بناظريه بينهم أجمعين:
- سلام عليكم دار قوم مؤمنين، أنتم السابقون ونحن اللاحقون.
لم يستطع السيطرة على دموعه التي اندفعت فورًا من مقلتيه، فشعرت "رابعة" بارتجاف نبرته لتقرر الخروج والانشغال بشيء آخر تاركةً له القدر الذي يحتاج من الخصوصية. شعر بمغادرتها فأجهش بنبرة ترتجف من شدة البكاء:
- أنتم السابقون ونحن اللاحقون.
أسرع في هذه اللحظة بالجلوس على ركبتيه بالأرض بينما أبقى ذراعيه يحتضنان الحجارة التي تحيط اللحد وبشهقة خافتة تابع:
- إزيك يابا، يا بختك بحياتك اللي إنتَ فيها، إنتَ عارف إنك مش بتفارق عقلي لحظة بس أنا المرة دي جاي اشتكي لك وأعيط.
أطبق بأنامله على طرف كمه ثم محى العبرات في حالة من الاسترخاء وراح يتابع بعد تنهيدة ممدودة بمشاعر الحزن والأسف:
- جاي اشتكي لك من لحمي ودمي، عثمان أخويا يابا ماشي ينهش في كل اللي حواليه ومش عامل حساب آخرة ولا إن في رب قادر يخسف بنفوذه الأرض!!
تنهد مرة أخرى تنهيدة قوية قبل أن يتابع بصوت يتخلله القهر:
- أنا بعمل بوصيتك يا حبيبي، بحاول أوده برد ودي، بيكسر خاطري رغم إني نفسي يبقى لي أخ، حاولت معاه بكل اللي أقدر عليه، بالله حاولت احتوي وأكون أبوه وأخوه بس هو بيردني، لو كنت أعرف يابا إن الميراث والفلوس هتعمي عينه كنت اديته حقي وكسبت وده بس خايف عليه من عقاب ربه، "تلك حدود الله فلا تقربوها"، صعبة عليا أخد حق ابني وأديه لعمه؛ فأكون ظلمت ابني وظلمت أخويا اللي خد حق مش حقه.
أطرق برأسه قليلًا شاعرًا بالخجل ثم تابع:
- سامحني لو كنت مقدرتش أوفي بوعدي ليك وأكون أنا وأخويا حصون لبعض بس هو مبقاش عايز غير أذى كل اللي حواليه، أنا فوضت أمري لرب العالمين واستودعته قلبي الحزين على حال أخويا ومبقاش بإيدي غير إني أدعي له.
عسى الله يهديه.. عسى الله يهديه..
التفت بعينيه إلى لحد آخر يقع على الجهة الأخرى من هذه الرقعة حيث انقسم الحوش إلى رقعتين؛ واحدة للسيدات وأخرى للرجال كانت هذه المرة نظراته تختلط بدموع الحنين الجارف. فاستند إلى ساعده ثم نهض بظهر يسيطر عليه بعض الانحناء الذي أتى به الزمان، بينما الشيخ ليس سوى صاحب قامة مهيبة لا يعرف عن الانحناء مطلقًا. تحرك بساقين يجتاحهما الوجع والثقل إلى أن وصل إليها، نظر إلى اللوح المدون اسمها عليه ثم غمغم بصوت مخنوقٍ:
- حورية.. سليمان حبيبك جه وجايب لك معايا أخبار سعيدة أوي.
فرت عبراته تتساقط رغمًا عنه فقال بنبرة مهزومة:
- والله إن بكائي ليس اعتراضًا على قضاء الله، ولكن فراقك شعوره ما يزال محفور في قلبي كأنه إمبارح.
تماسك قدر أن استطاع وهو يزيل الدموع عن عينيه مقررًا أن يتابع بلهجة ثابتة:
- تليد كبر يا حورية.. كبر ومن يومين جوزته أكتر بنت حبها في الدنيا.. أكيد إنتِ حاسة بمقدار الفرحة اللي أنا فيها.
سكت هنيهة ثم تابع بابتسامة عريضة:
- تعرفي إن تليد نسخة ثانية منك؟ حتى في عصبيته، طول الوقت أقول له أكظم غيظك يا ولدي ولكنه مش بيقدر يتحكم في نفسه، بس مش مهم يكفي إنه هدية حلوة منك وهبة من الله.
مسح على الثرى بكفه ثم تابع بتنهيدة مرتاحة:
- اشتقت لأيام كنتِ فيها معي، عسى اللقاء قريب يا أم تليد.
لحظات ودخلت "رابعة" الحوش مرة أخرى وهي تمشي على استحياء لقطعها حديثه مع زوجته، حملت دورق المياه بيد كفيها وما أن اقتربت منه حتى ناولته الدورق ليبدأ هو في إرواء الورود المزروعة على حواف اللحد. وما أن انتهى حتى وقف مستقيمًا في مكانه مرة أخرى واضعًا كفيه على بعضهما أمام صدره ثم يتلو في خشوع بعض آيات القرآن الكريم.
تمكن من تحقيق جزء بسيط من أحلامها حيث اشتاقت كثيرًا للذهاب إلى البحر والجلوس على شاطئه ومراقبة غروب الشمس عن كثب ثم يتناولان العشاء على ضوء القمر ويدغدغ نسيم الهواء وجنتيها في ابتهاج. قرر في لحظة جنونية أن يصحبها حيث تريد احتفالًا بزواجهما السريع وتعويضًا عما تعرضت له من آلام نفسية أرهقت تفكيرها وأخلت باتزانها.
- أنا حرفيًا ضمنيًا كنت محتاجة البحر، شكرًا بحجم البحر!
مالت نبرتها إلى الامتنان وهي تشكره بحماس فيما ترجل من سيارته بعد أن توقف أمام مجموعة عقارات تستقر بجوار البحر. استدار حتى وقف أمام بابها ثم فتحه وهو يفرد ذراعه ويقول بابتسامة هادئة:
- لا شكر على واجب وأتمنى أكون قدرت أسعدك بجد.
ترجلت بحماس من السيارة وابتسامتها تصل إلى أذنيها وهي تتجول ببصرها في المكان. وما أن أغلق باب السيارة حتى سألته بفضول:
- أمال فين البحر!
تليد وهو يمد يده إليها:
- متستعجليش، هتشوفيه حالًا.
أنهى جملته ثم قبض على كفها وباليد الأخرى جر الحقيبة خلفه، بينما سارت خلفه على مضض وهي تقول بشفاه ملتوية:
- بس أنا لسه مجبتش المايوه بتاعي؟!
قبض حاجبيه ثم قال بهدوء:
- أيه ده فعلًا؟!
أومأت بحركات سريعة فتابع بثبات:
- طيب تمام، في مول على بُعد خطوتين فيه كل مستلزمات البحر تحبي نتمشى له ونجيب كل اللي ناقصنا؟؟؟؟
قفزت فجأة كطفلة يغلفها الحماس ويقتلها الانتظار ثم سبقته بعدة خطوات وراحت تجره من ذراعه كي يتمكنان من الوصول إلى المبنى التجاري في أسرع وقت قبل أن تفوتها رؤية غروب شمس اليوم وهي تجلس على الشاطئ وتتعرف على أناس جدد. وما أن خطت قدمها المبنى حتى هرولت بسعادة غامرة بين أروقته وبدأت تنتقي ثوبًا للسباحة وعوامة تعينها على الإبحار في عرض البحر ولم تنسَ الكريم الذي يقي بشرتها من الشمس ولم تنسَ مطلقًا سوى شيء واحد!
وقف "تليد" بجوار آلة الدفع في صمتٍ يضع كفًا على الآخر ويتابع تحركاتها، فبدا كما لو كان حارسًا شخصيًا لها. وفي هذه اللحظة وجد فتاة تقترب منه على استحياء ترتدي ملابسًا فضفاضة جدًا وقد تخضبت وجنتاها وهي تقول بابتسامة خجلة:
- الشيخ تليد!!
التفت نحو الصوت ثم تدبر ابتسامة بسيطة، فقد اندهش من تعرفها عليه رغم ارتدائه ملابس عصرية عكس زيه الرسمي الذي يظهر به في التلفاز وكذلك ارتدائه نظارات شمسية. أومأ بهدوء ليجدها تقول بسعادة:
- سعيدة جدًا إني شوفت حضرتك يا شيخ، ممكن صورة؟!
تنحنح بهدوء وراح يومئ موافقًا على مضض لتقترب منه ثم تخرج هاتفها المحمول وتفعل كاميرته وتبدأ في التقاط بعض الصور معه. جاءت "وميض" في هذه اللحظة ووقفت تتابع ما يحدث ببرود، بينما تابعت الفتاة بابتسامة ناعمة:
- أنا حقيقي بحبك في الله، إنتَ مثلي الأعلى من كتر الطاقة الإيجابية والجمال الروحي اللي عندك، رؤيتك بعثت السرور على قلبي.
تليد وهو يبتعد بحكمة وثبات:
- مفيش داعي لكل ده، شكرًا أختي.
الفتاة بإصرار تتابع:
- جزاكم الله خيرًا عن كل حاجة راقية بتقدمها أخي في الله.
تليد برباطة جأش وابتسامة هادئة:
- وإياكِ.
قرر إنهاء النقاش فورًا فأعطاها ظهره يبحث عن زوجته التي وجدها تتابع ما يدور عن كثب بملامح عدوانية تنبئ عن بوادر بركان حيث تعقد ذراعيها أمام صدرها وتهز ساقها في كمون وثبات. فتابع بهدوء:
- وميض، خلصتي؟!
تحركت تقترب منه بعد أن وضعت مستلزماتها على آلة الدفع ثم تابعت بنبرة متبرمة:
- نعم أخي في الله.
أخفى ابتسامته في الحال ودفع مقابل المشتريات ثم حملهم وتوهجا خارج المبنى لتتابع "وميض" بحنق:
- مقلتليش بقى يا أخي في الله، هو دا النوع اللي كان نفسك تطلب القرب منه؟!
تليد بابتسامة ماكرة:
- بصراحة آه، لابسة دريس واسع وعليه طرحة طويلة، يعني الواحد هيتمنى أيه أكتر من كدا في شريكة حياته؟؟؟
وميض وهي ترمقه شزرًا ثم تردف بحنق:
- واتجوزت واحدة بتلبس مايوه على البحر قصاد الناس ليه؟!
تليد بضحكة ماكرة تحوي الكثير من الخطط:
- مايوه على البحر قصاد الناس!
وميض بتبرم:
- أه!
تليد بثبات:
- أصل الإنسان المؤمن بيتقال عنه مؤمن لما يصبر على الابتلاءات ويجلد ذاته، وأنا متجوزك جلد ذات لنفسي علشان أجني الثواب من وراكِ.
رفعت ذراعيها عاليًا ثم أنزلتهما ببرود وردت وهي تخطو بشكل سريع أمامه:
- أنا حرة أعمل اللي يعجبني وأعيش حياتي بالطول والعرض، إنتَ مش هتدخل القبر معايا.
هرولت مسرعةً أمامه حتى وصلا إلى المبنى الصغير الذي استأجره تليد، قام بفتح قفله وما أن دخلا حتى أسرعت هي تتجه للداخل وتقول بابتسامة حماسية:
- أما ألحق ألبس المايوه علشان نروح البحر بقى.
- تروحي البحر؟؟ ما أنا جايبه لحد عندك أهو؟؟؟
توقفت فجأة تبرق بعينيها وهي تنظر حيث يشير وسرعان ما صرخت بثورة وغيظ:
- نعم؟؟؟؟؟؟ أنا هصيف في حمام السباحة لوحدي زي كلب البحر؟؟؟ ومن غير ناس كمان؟؟؟؟
تليد بثبات:
- أهو.
وميض وهي تجز على أسنانها بغيظ:
- إزاي؟ فين الشمس؟ فين الرمل؟ فين البحر؟ دا أنا أروح فيك في داهية!!
رفع حاجبيه ثم تابع بنبرة حادة عالية بعض الشيء:
- أمال عايزة تلبسي المايوه وتروحي البحر؟؟
وميض بتحدٍ وعناد:
- أه، ده حقي، إنتَ هتدفني بالحيا!!!!
كشر عن أسنانه وهو يقول بصوت حاد:
- هدفنك بالحيا لو فكرتي تتجنني أو تهب منك، اخفي من وشي على جوا، عايزة تتنيلي تلبسي المايوه يبقى في الشاليه المقفول ده، عايزة تروحي البحر يبقى تلبسي اللي هختاره أنا.
أردفت بانفعال حاد:
- لو عليك عايز تلبسني إسدال الصلاة.
تليد بابتسامة عريضة:
- تصدقي فكرة ولا أعظم وتقعدي تصقفي على الشط زي كلب البحر.
صرخت بغيظ:
- يعني أيه الكلام ده؟؟؟
تليد يرفع حاجبيه باستفزاز:
- البحر مقترن بالأسدال والمايوه مقترن بحمام السباحة، اختاري؟؟؟
دبت قدمها بالأرض اعتراضًا ثم أسرعت برمي الحقيبة بالأرض وراحت تفتح سحابها وتفرغها حتى عصرت على ثوب السباحة ثم تابعت بتحدٍ:
- لو مش عاجبك نتطلق وروح اتجوز أختك في الله، أما أنا فهروح البحر وهلبس المايوه.
تليد بانفعال:
- ده على جثتي حتة عيلة زيك لسه بتعمل حمام في البوتي صوتها يعلى عليا أو تتحداني.
في هذه اللحظة أسرع بالاقتراب منها ثم حملها على كتفه وسط صراخها الهادر به:
- نزلني إنتَ واخدني على فين؟
تليد بحدة:
- العرض مبقاش متاح دلوقتي، يا حمام السباحة يا أوضة العقاب!!!
وميض تبتلع ريقها ثم تصرخ بانفعال:
- أوضة العقاب؟؟؟
تليد بثبات:
- أوضة في الشاليه متفتحتش من قرون والعنكبوت عشش فيها والفيران عايشة وبتتكاثر كل يوم.
وميض بفزع:
- لاااااا.. خلاص.. خلاص!
تليد وهو يتوقف عن السير قائلًا:
- خلاص أيه؟!
وميض مغلوبة على أمرها تردف باستسلام وتبرم:
- إسدال الصلاة.. وحسبي الله فيك.
حمحم بانتصار وهو ينزلها عن كتفه إلى الأرض فيما ضيقت هي عينيها ووقفت ترمقه بنظرات سوداوية. باغتها بغمزة سريعة من إحدى عينيه ثم قرر أخذ جولة سريعة في المكان.
- حلو الشاليه مش كدا؟
التوى شدقها في امتعاض وأجابته وهي تلملم ملابسها التي أفرغتها من الحقيبة ثم تتحرك نحو إحدى الغرف:
- ميختلفش حاجة عن شقة المزرعة غير حمام السباحة، ما كنت وفرت على نفسك المصاريف ولا كنا جينا مطروح علشان تحبسني في شقة تانية.
دخلت الغرفة ثم صفت الباب بعدها بقوة، ابتسم ابتسامة هادئة ثم تحرك خلفها وبدأ يطرق على الباب قائلًا بثبات:
- ادخل؟
ردت ببرود:
- ادخل.
فتح الباب فوجدها تجلس إلى طرف السرير متجهمة الوجه، جلس بجوارها مباشرة ما أن شعر بتغير مزاجها وتملك الحزن منها ليتابع بصوت هادئ:
- أنا آسف يا ست الكل لو كنت خيبت أحلامك اللي رسمتيها للسفرية دي ولكن اسمحي لي أوضح أسبابي ومبرراتي!!!
طالعتهُ بنظرات ثاقبة فتابع على نفس الوتيرة الهادئة:
- أنا داعية ومقدم برامج تعليمية دينية يعني وجودي قدام عموم الناس مش هيكون فيه أي شيء من الخصوصية وطبعًا ده وارد جدًا يضايقك.. ده أولًا.. أما ثانيًا فأنا أموت في سبيل إني أستر شعرة واحدة تخرج منك ويشوفها راجل تاني غيري وطبعًا طبيعي بالنسبة للراجل المسلم الغيور على عرضه وأهل بيته.. أيه بقى الغريب والمتطرف في فكري!!.. أو السؤال بمعنى آخر.. أنا غلطان في أيه؟!
أولته ظهرها فورًا ما أن ذيل حديثه بهذا السؤال ثم تابعت بلهجة معترضة حانقة:
- وأنا بقى أتدفن بالحيا؟ لا فسح ولا خروج ولا بحر ولا حتى أماكن اجتماعية فيها ناس، علشان حضرتك بتغير!!
أكمل بابتسامة هادئة:
- لأ.. في فسح وخروج وبحر وأماكن اجتماعية ولكن بانضباط وداخل الحدود المسموح بها، أنا راجل عادي جدًا عايز مراتي تلبس وتعيش وتنبسط بس مش في معصية.
أخرجت زفيرًا طويلًا قبل أن تقول متبرمة:
- بس إنتَ كل حاجة عندك حرام!!.. إنتَ ناسي إن دي حاجة غريبة وجديدة عليا؟
صمت لوهلة قبل أن يسألها باهتمام:
- بصي أنا مش مع المايوه الإسلامي بس خليني أشوفه يمكن أقتنع بيه!!
في هذه اللحظة أسرعت بالالتفات إليه بجسدها كله ثم تابعت باستنكار وفم مفتوح:
- مايوه إسلامي؟؟ هو إنتَ حابسني هنا علشان ملبسش على البحر مايوه إسلامي؟!
رماها بنظرات ثاقبة ينتصر الشك عليها حينما رمت إلى حجره هذا السؤال المريب. خرجت منه ضحكة متصنعة محاولًا استيعاب المغزى من وراء سؤالها؛ فقال وهو يخشى الإجابة:
- ليه؟ هو مش إسلامي؟!!
ابتلعت ريقها على مضض ودب الخوف أوصالها حينما حدق فيها بنظرات نارية وهي تهز رأسها مؤكدة ظنونه التي خاف من مواجهتها؛ ليصرخ بهلعٍ ناهضًا في مكانه:
- نعم ياختي؟! عايزة تروحي البحر لابسة بكيني؟
فتحت فمها متسمرة في مكانها ما أن رأت الغيظ يملأ خلجات وجهه والشرر يقدح من عينيه. كان صوت ابتلاع ريقها ينبعث مكتومًا من حلقها فأسرع على الفور بالتقاط الحقيبة ثم تفتيشها حتى عثر على ثوب السباحة فاردًا إياه بملامح صُعقت من الصدمة وبصوت حادٍ أكمل:
- عايزة تلبسي دا يا وميض؟! على البحر؟ قدام أمة محمد بأكملها؟ طيب يا حبيبتي كنت قولي لي من الأول على الأقل كنت عملت حسابي واستعرت من أبويا قرون العجل اللي دبحه يوم الفرح!!
أطبق أسنانه بقوة ثم أكمل بعينين ناريتين:
- بالله عليكِ.. أنا دلوقتي مش تليد السروجي.. يعني مش راجل متدين ولا بطلب من الناس يقربوا من ربنا.. أنا نكرة.. واحد عادي خالص.. مين النطع اللي هيسيب مراته تلبس الفجر ده؟!.. يا شيخة ده الكفار كان عندهم نخوة ورجولة وغيرة على عرضهم.. يا شيخة ارحمي مرارتي وقولوني.. يا شيخة منك لله.
مال بجسمه قليلًا نحوها وبنبرة ينبعث منها الشر صرخ:
- عارفة إنتِ محتاجة أيه؟!
انكمشت على نفسها وهي تطالعهُ بعينين جاحظتين في فزعٍ تترقب ردة فعله وما أن سألها حتى تمتمت بنبرة مرتابة خافتة:
- أيه؟!!
صرخ بحدة في وجهها:
- القنبلة اللي في شنطتي تتفجر في دماغك اللي تعباكِ دي.
انتفض جسدها فزعًا ثم صرخت في ذعرٍ ما أن نبج صوته بكلمات حادة مهددة، نهضت من أمامه بسرعة البرق وأخذت تتراجع بخطواتها مرددة في ذهول:
- يعني إنتَ إرهابي فعلًا!!
أومأ بهدوء وغيظ:
- أه.. وإنتِ مخطوفة حاليًا وفي ظرف يومين هتكوني في العاصمة داعش.
اتسعت عيناها أكثر عن ذي قبل ثم صرخت والدموع تتدفق تباعًا في انهيار:
- مش عايزة أروح العاصمة داعش.. رجعني لأهلي!!
بدأ يقترب منها بعد أن أمسك حقيبته ثم تابع بملامح جادة:
- لأ هتروحي العاصمة داعش وده آخر كلام عندي، ماذا وإلا....!!
غرس كفه داخل الحقيبة ثم أخرج مفرقعة صغيرة وكذلك قداحة وراح يمررهما أمام عينها قائلًا بنبرة حادة:
- حافظة الشهادة طالما مش عايزة تروحي العاصمة داعش!!
غابت علامات الصدمة عن وجهها ما أن رأت ما يحمل بين يديه وراحت تقول بنبرة خفيضة مستنكرة:
- أيه ده؟ ديناميت؟
انفجرت شفتيه بضحكة ماكرة وهو يشغل القداحة ثم يشعل المفرقعة ويرميها بالقرب من قدميها، صرخت بغيظ شديدٍ وهي تهرول نحوه واضعةً كفيها على كلتا أذنيها وما أن وصلت إليه حتى ارتمت بين ذراعيه ثم بدأت تضرب صدره بكفيها علها تؤلمه وتنتقم لنفسها من سخافة مزحه معها لتردد بصوت باكٍ:
- منك لله يا شيخ، في حد يهزر كدا؟! أنا بكرهك يا تليد ومش مسامحاك.
لم يتوقف عن الضحك وبدأ يردد تعليقًا على براءتها المريبة في تصديق الأمور:
- مش عايزة تروحي العاصمة داعش!!.. ده إنتِ لقطة.
ما تزال تختبئ بين ذراعيه حتى انفجرت المفرقعة وقبل أن تبتعد عنه وجدته يشد ذراعيه على جسدها يحتويها بين أحضانه قسرًا لتتابع هي بنبرة غاضبة:
- ابعد عني!!.. اوعى!.
حدق ناظرًا داخل عينيها مباشرة فأشاحت بسرعة تتجنب نظراته في خجلٍ بينما قرب فمه من أذنها وهمس بصوت دافئ:
- ما تلبسي المايوه وتوريني!!
أسرعت بدفن وجهها بين ذراعيه ثم أجابته بنبرة مضطربة من شدة الخجل:
- لأ.
أضاف بنبرة مستنكرة وهو يرفع أحد حاجبيه:
- يعني حرام ليا وحلال للبقية؟ ما تسيبيني أكل البسبوسة من غير ما الدبان يشاركني فيها!!
ابتعدت عنه مسرعةً ثم دفعته وهي تتملص من بين ذراعيه وتقول بتحدٍ:
- لا إنتَ ولا الدبان.
ألقى بنفسه جالسًا على السرير مرة أخرى ثم تابع بنبرة متأففة:
- كل قادر ربنا قادر عليه.. شكيتك لربنا وأخبرته بكل شيء.
خرجت منها ابتسامة وارتها خلف الثوب وهي تهرول حثيثة الخطى خارج الغرفة تمامًا هربًا من تلميحاته للإيقاع بها في شباكه، غمغمت عقب خروجها وهي تتنفس الصعداء:
- كلام معسول فيه ريحة إرهاب، صبرًا يا ابن عمو سليمان!
حركت عنقها يمينًا ويسارًا في إرهاق احتل عظام جذعها العلوي كله، أمعنت النظر في الأوراق الموضوعة أمامها باهتمام بالغٍ؛ فمنذ يومين وهي تنكب على أعمال الشركة التي لا تنتهي، عبرت عن ألم داهم عنقها النحيل وهي تقول بصوت ناعسٍ:
- آه يا عضمي.. كفاية عليَّ أوي كدا!!
همت تضغط زرار الهاتف الأرضي القابع بجوار الأوراق ليأتيها صوت السكرتيرة تقول بإنصات:
- مع حضرتك يا سكون هانم!!
سكوت بإيجاز:
- تعالي لي المكتب.
رفعت إصبعها عن الزر ثم زفرت زفرة طويلة تشي بمقدار ما تحمله من أعباء تتجمع على كاهلها، أغلقت الأوراق على الفور وما هي إلا ثوانٍ حتى وجدت السكرتيرة تقف أمامها؛ فقالت "سكون" بصوت هادئ:
- اختارت ملفين بس من الملفات دي، ياريت تعرضيهم على الـ HR وهو بقى يحسن التفضيل بينهم.. الأهم إنه يبلغ المهندس اللي هيختاره إننا مستعجلين وعايزين نبدأ في التنفيذ في أسرع وقت.
أومأت السكرتيرة ثم تابعت قبل أن تغادر:
- تحت أمرك.
بدأ الصداع ينخر عظام رأسها لأنها لم تحصل على راحة منذ يومين ولم تمهل عقلها فرصة كي ينشط من جديد، رجعت برأسها ترميه على ظهر مقعدها وأغلقت عينيها مقررة أن تنال قسطًا من الراحة على هذا الكرسي الذي ينبسط للوراء بصورة مريحة.
صدح الهاتف بصوت عالٍ انتشلها من الغفوة التي أوشكت على الانغماس فيها لتضغط أسنانها غيظًا وهي تنظر إلى شاشته نظرات خاوية، رفعته إلى أذنها وأردفت بهدوء:
- نعم؟
أتاه صوته يقول بصرامة:
- تعالي المكتب دلوقتي.
ردت على أوامره بإيجاز:
- تمام.
تحاملت على نفسها وهي تنهض منصاعةً لندائه فمذ أن نَهَرَ شقيقها ذلك اليوم وهي لا ترغب سوى في اجتنابه حتى وإن كان أباها فقد نَخَر قلبها لا مباليًا حين وصمه بالعاجز؛ فلا تصالح إن كانت القضية أشقائها هؤلاء نور عينيها ولكن والدها مصر على جعلها تتخذ موقفًا منه وفي حقيقة الأمر لقد ضاقت بالأمر ذراعًا وأضحت لا تتحمل المزيد من تصرفات والدها نحو من تحب.
غمغمت بضيقٍ قبل أن تدق الباب ليأتيها صوته آمرًا إياها بالدخول، سارت إليه ثم وقفت أمامه تقول بلهجة ثابتة:
- نعم يا عثمان بيه؟!
رفع أحد حاجبيه بعد أن ترك القلم من يديه مكررًا كلماتها باستنكار:
- عثمان بيه؟ إنتِ لسه زعلانة؟!
سكون وهي تتابع بنفس الثبات ناظرًا إلى عينيه:
- المفروض مزعلش؟!
ابتسم ابتسامة هادئة قبل أن يقول ببعض اللين:
- إنتِ بالذات مقدرش على زعلك.
ابتلعت غصة مريرة في حلقها ورددت بتبرم واستنكار:
- وعمر يزعل عادي مش كدا؟! عمر يزعل عادي يا بابا؟ يتقال له يا عاجز من أكتر إنسان المفروض يحميه من سكاكين الناس؟ بابا، إنتَ مش عارف إنتَ عملت فيا أيه بكسرتك لعمر وكسر فرحته!!
ضرب سطح المكتب بقبضته ثم أخرج زفيرًا حانقًا وهو يرد:
- تاني الموضوع ده؟! أنا ظني في ابني خاب من اليوم اللي قعد فيه على الكرسي ده وبقيت من غير ضهر!
خرجت عن صمتها وهي تصرخ بانفعال هائجٍ لم تستطع مجابهته:
- وهل دي كانت إرادته؟ اختار يكون عاجز؟ عمر محسش لحظة بعجزه إلا بكلامك له، كلامك بيدبحه، ارحمه علشان أنا مش هسمح لأي مخلوق على وجه الأرض يضر أخواتي حتى لو الحد ده إنتَ على فكرة!!
نهض منتصبًا في مكانه ثم هدر فيها بصوت جهوري:
- إنتِ مش فاهمة يعني أيه أعدائك يستغلوا إنك من غير ضهر وسند وعزوة وبدل ما ألاقي اللي يقف لهم.. بيهددوني بيكم.
انكمشت ملامح وجهها وهي تتساءل بوجوم:
- مين بيهددك بينا؟
أخرج ابتسامة ساخرة من جانب فمه قائلًا:
- نجلا المغفلة.. بتقول لي هاخد روحكم قبلي.. طبعًا ما هي شايفة ولادي مفيش أمل ولا رجا فيهم.. من حقها تقول أكتر من كدا.
انطلقت قهقهة قصيرة من بين شفتيها تحمل الكثير من السخرية ثم قالت باستخفاف:
- خيالها جامح أوي الست دي، مضحكة.
أنهت كلامها ثم تنهدت تنهيدة ممدودة بعمقٍ قبل أن تردد بلهجة حادة تحسم من خلالها هذا الجدال الذي طال كثيرًا وانتهى به المطاف إلى بعض الترهات والكثير من العين:
- عن إذنك يا عثمان بيه، عندي مشوار لازم أعمله وهرجع البيت لأني مطبقة من يومين ومحتاجة أستريح.
أومأ وهو يعود جالسًا إلى مقعده مرة أخرى، اندفعت بقوة تسير في الطرقة الطويلة بخطوات منذرة بكارثة توشك أن تمور، انذرعت في سيرها أكثر حتى وصلت إلى أحد الأبواب، وقفت قبالته مباشرة فرأته يمرح مع أصدقائه داخل مكتبهم وما أن أبصرها حتى تابع بنبرة متريثة يتحدث فيها إلى أصدقائه:
- شوية وراجع.
خرج إليها فوجدها تقف في اضطرابٍ يظهر على هزات قدمها المتوترة، ضيق عينيه مردفًا بتوجس:
- سكون، مالك؟ في حاجة حصلت؟!
أغمضت عينيها في محاولة مضنية للسيطرة على الحريق الذي نشب داخلها فتابعت بنبرة متحشرجة:
- عايزة مفتاح عربيتي يا كاسب.
رفع أحد حاجبيه وقال باستعجاب:
- عايزة مفتاح عربيتي يا كاسب!.. ده على أساس أيه؟ إنتِ اللي هتسوقي مثلًا.. مالك يا سكون ورايحة فين؟!
نبج صوتها في هذه اللحظة وهي تتحدث إليه حانقة:
- طالما مضطرة إنك تكون معايا علشان مبعرفش أسوق يبقى مش لازم تسأل عن كل حاجة وأي حاجة متخصكش!!
استحالت قسمات وجهه من الانبساط إلى التجهم والحدة وبصوت محفوف بالصرامة صرح:
- لأ ما هو أنا مش بتساق، احسبي لكلامك مليون مرة قبل ما يخرج لي يا سكون علشان نقدر نتعامل مع بعض، أنا سألت سؤال ومش هكرره ولكِ حرية الاختيار!
أصاب ملامحها الفتور وشابه جسدها على نفاد طاقته فتابعت بنبرة عليلة توشك فيها على البكاء:
- آسفة يا كاسب بس أنا حقيقي مخنوقة، ممكن بعد إذنك ننزل من هنا وبعدين أشرح لك!!
أومأ في صمت، التقط مفاتيحه من درج مكتبه ثم خرج من الشركة معها وما أن ركبا السيارة حتى التفتت إليه وتابعت بصوت مغلول:
- وديني شركة حمدي زهران، أنا لازم أقابل اللي اسمها نجلا دي.
تنفس بتريث قبل أن يقول بحنق:
- نجلا تاني؟ إحنا مش هنخلص من حوارات الست دي؟! عملت أيه تاني؟
سكون بابتسامة ساخرة تصرح:
- قال بتهدد بابا بينا، خليني أشوف آخرها أيه؟
زفر "كاسب" بحنقٍ وهو يضع قدمه على دواسة البنزين لتنطلق السيارة بسرعة كبيرة، صعدت الدماء إلى رأسها فقررت المواجهة والاصطدام وجهًا لوجه؛ فسكون لا تحب المناوشات الخفية بل المواجهة الحتمية واستلال السيف من غمده والمقاتلة بشرف.
لحظات مرَّت عليها ثقيلة وهي تود كثيرًا أن تُنهي هذه التهديدات إما بمعاهدة سلام أو بداية حرب معلنة صريحة وما أن استقرت السيارة أمام بوابة الشركة حتى خرجت منها مندفعة داخل الشركة دون انتظاره، انذرعت في سيرها تأكل المسافات حتى وصلت إلى مكتب الأخيرة لتقف أمام السكرتيرة وتقول بلهجة صارمة:
- بلغى مديرتك إن سكون عثمان السروجي عايز تقابلها دلوقتي حالًا!!
زوت ما بين عينيها وردت باستغراب:
- في ميعاد سابق؟!
صرخت "سكون" في وجهها بغوغاء:
- أنا مش محتاجة آخد مواعيد علشان أقابل حد، يلا بلغيها.
أحدثت جلبة كبيرة بالمكان؛ حثها "كاسب" على التريث والتحكم في أعصابها قليلًا ولكنها أبت التحلي بالهدوء وفرضت العصيان على كل من تسول له نفسه المساس بها أو بمن تحب.
سمحت لها بالدخول بعد أن تجمعت قوات الأمن بالمكتب، اندفعت إلى الداخل في ثبات وتبعها "كاسب" لتستقبلها "نجلا" بملامح باردة لا يظهر عليها الضيق نتيجة لما أحدثته الأخيرة من فوضى، تحولت بنظراتها إلى أفراد الأمن ليبدؤوا في الخروج واحدًا يليه الآخر بينما بقى فرد واحد فقط، تنهدت "نجلا" بثبات ثم سلطت نظراتها على "سكون" الواقفة أمامها كالبركان الذي حمد لسنواتٍ وحانت لحظة فورانه، وضعت "نجلا" كفها أسفل وجنتها بهدوء شديد استفز الأخيرة التي تابعت بلهجة حادة:
- سمعت إنك عايزة تخلصي مني أنا وإخواتي فقررت أسهل المهمة عليكِ وأجي لك عقر دارك، ها؟ عايزة أشوف آخرك وتقدري تعملي أيه؟!
افتر ثغر "نجلا" عن ابتسامة هزلية عريضة ثم تابعت محافظةً على هدوئها:
- عاجبني فيكِ طاقة الشباب يا سكون.. بتفكريني بنفسي وأنا عشرينية.. كان عندي نفس الطاقة دي لحد ما جه اللي فصل شحني بس الحمد لله لسه محافظة على ثباتي.. أمال هواجه الأوغاد بأيه؟
سكون وهي ترمقها بنظرات نارية ثم تقول ممتنعة لا مبالية:
- باللي تواجهيهم بيه.. شيء ميخصنيش.. ودلوقتي هقول كلامي مرة واحدة.
سكتت لوهلة قبل أن تندفع نحوها ثم تميل إليها حتى قربت وجهها من وجه الأخيرة وراحت تسلط نظراتها بقوة داخل عينيها وبنبرة ينبعث منها التهديد والوعيد قالت:
- هقتلك لو لمستي شعرة واحدة من إخواتي.
في هذه اللحظة تحرك فرد الأمن نحوها بعجلة، همَّ أن يقبض على ذراعيها يدفعها بعيدًا ولكنه وجد قبضتي "كاسب" تسيطران على كتفيه وتسحبانه للوراء مرة ثانية وما أن نظر إليه حتى رأى الشرر الذي يتطاير من مقلتيه الحادتين فتراجع في سكوت.
أطرقت "نجلا" قليلًا في صمتٍ قبل أن ترفع وجهها مرة أخرى وتقول بإصرارٍ وكلمات تحرق سامعها:
- اللي بيني وبين أبوكِ حرب مش هتقف غير بالدم أو بطريقة تانية!
حدقت فيها "سكون" بعينين ثاقبتين تحثاها على الاستمرار فيما تابعت الأخيرة بصوت عميق تفوح منه رائحة الغدر:
- إنه يرجع ليّ شرفي اللي أخده مني زمان في مقابل إنهاء الخصومة.
رأرأت عينيها من أثر الصدمة وبقيت مقلتاها عالقتين بعيني الأخيرة ثم غمغمت بنبرة متحشرجة خرجت من بين شفتيها بالكاد:
- نعـــــم!!.. بابا!!.. مستحيل.. إنتِ ست كذابة ومضللة.. بتوقعينا في بعض.. استراتيجية انتقام فاشلة تمامًا!
تنهد "نجلا" بحرقة قبل أن ترد بثبات:
- إنتِ مش مجبرة تصدقي وأنا مش مضطرة أثبت لك صحة كلامي.
سكتت هنيهة ثم أكملت:
- واتفضلي من غير مشاكل يا سكون!
استقامت واقفةً في اعتدالٍ ترمقها بنظرات تائهة أخيرة قبل أن تعطيها ظهرها وتتجه خارج المكتب ويتبعها "كاسب" الذي تلقى الصدمة مثلها تمامًا وأوجد سببًا طبيعيًا لكراهية هذه السيدة لعثمان السروجي، التفت "كاسب" بعينيه نحوها ثم تابع أثناء خروجهما:
- تفتكري الست دي هتدعي على أبوكِ وتغامر بسمعتها؟!
رمقتهُ بنظرات خاوية، تجمعت العبرات في عينيها قبل أن تقول بنبرة خافتة لا روح فيها:
- بابا!!
توقف "كاسب" عن السير فجأة ثم تجهم وجهه وراح يقول بلهجة صريحة وقاسية:
- وليه لأ!.. إنتِ عارفة كويس إن ده ممكن يكون حصل.. لأني مش شايف منه اعتبار لأي حاجة حواليه حتى ولاده.
أغمضت عينيها تستقبل هذه الحقيقة المرة بقلب ممزق؛ انسكبت الدموع على وجنتيها ثم ردت:
- أتمنى يكون لأ.
تهللت أسارير وجهها ما أن تجولت بعينيها في صالة الانتظار ولم تجد سوى حالتين تنتظران دورهما؛ تنفست الصعداء في حماسٍ واستعداد لإنهاء يومٍ مرهقٍ للغاية والذهاب إلى البيت أخيرًا للاستجمام، ولكن لم تدم سعادتها كثيرًا وهي تجد امرأة شابة تدخل من الباب تلتفت حولها قبل أن تتجه صوبها وهي تقول بصوت ناعسٍ متمايل:
- دكتور نوح موجود؟!
أومأ "مهرة" بهدوء وسألت:
- الحجز باسم مين؟!
ردت الأخيرة ببرود وهي تستهدف باب الغرفة الخاصة به بعينيها:
- أنا مش حاجزة.. ممكن تبلغيه إني موجودة؟
زوت "مهرة" ما بين عينيها وسألت باستفهامٍ وتعجبٍ:
- وإنتِ مين بقى؟!
تنهدت الأخيرة تنهيدة سريعة وردت:
- ميان.. بلغيه بس وهو عارفني.
حدقت فيها باستنكار قبل أن تهز رأسها ثم تنطلق فورًا إلى غرفة الكشف، رأته يصف الدواء للمريض فانتظرت حتى خرج ثم قالت بملامح مكفهرة يملأها الغيظ:
- في واحدة اسمها ميان بتسأل عنك، تستني دوغها ولا أدخلها؟!
أعرب عن دهشته وهو يقول بحسم:
- طبعًا دخليها.
حدقت فيه مصدومةً وكاد الغيظ يقفز من مقلتيها وهي تقول مستنكرة:
- أدخلها طبعًا، وبالنسبة للناس اللي جايين قبلها؟
افتر ثغره عن ابتسامة عريضة وقال:
- يا بنتي دي مش حالة جاية تكشف، هتسلمني حاجة معينة وهتخرج على طول.
أكل الغيظ والفضول داخلها وودت أن تسأله بشأن ما جاءت من أجله ولكنها قررت ألا تبالي بما يفعل أو على الأقل تتظاهر بذلك، طلبت منها أن تأتي فهو بانتظارها وما أن دخلت الفتاة إلى الغرفة حتى تابع "نوح" بابتسامة هادئة ناظرًا إلى "مهرة":
- خلي الحالة التانية تستعد!
أدركت أنه لا يريد وجودها فخرجت فورًا وأغلقت الباب خلفها، لا يغضبها وجود امرأة بالمكان لأنه بالفعل مكانًا مخصصًا للسيدات ولكنها امرأة متباهية وملابسها جريئة جدًا ولا تفهم بعد كيف وافق على التعامل مع امرأة متبرجة مجرد النظر إليها يدفعه إلى الوقوع في المعصية!!
وقفت خلف مكتبها تهز بقدمها في انفعال مكبوت أمام المرضى وظلت تترقب لحظة خروجها التي لن تطول كما أخبرها إلى أن مر قليل من الوقت ووجدتها تخرج متبخترة الخطى حتى اختفت عن ناظرها.
- اتفضلي يا مدام!
طلبت من المريضة أن تتعقبها إلى غرفة الكشف وبدأت في تجهيزها له، اقترب "نوح" من الجهاز الخاص بأشعة السونار وبدأ يتفحص بدقة حالة الجنين وإلى أية حالة وصل نموه وما حال نبضه لتنفرج شفتيه بابتسامة ودودة وهو يقول:
- ما شاء الله، كل حاجة تمام، النبض والوزن كمان.
سعدت المريضة بكلماته فيما استحضرت كلماته صورة "شروق" التي أخبرتها ذات مرة برغبتها الجامحة في الحمل فأوصتها الثانية أن تأتي إلى "نوح" وقتما تستطيع وتبدأ رحلة علاجها معه، تنهدت بهدوء ثم غمغمت بنبرة خافتة تتحدث فيها إلى نفسها:
- “ربنا يرزقك يا شروق".
وصلتها غمغمته رغم دقته في العمل الماثل بين يديه فابتسم ابتسامة صافية قبل أن ينهض عن الجهاز ويعود مرة أخرى إلى مكتبه بالغرفة قائلًا بنبرة بسيطة:
- هنحتاج فقط شوية فيتامينات وبعض التحاليل.
أومأت السيدة في صمتٍ ثم أغلقت "مهرة" الستار وتركت لها بعض الخصوصية لتعديل ملابسها والنهوض عن سرير الكشف، أعطى المريضة الروشتة فغادرت في الحال وهنا التفت إليها وتابع بابتسامة عريضة:
- قولي إن إحنا خلصنا!!
ردت باقتضاب:
- باقي حالة واحدة بس.
قطب حاجبيه ما أن رأى الوجوم على وجهها وسأل بتوجس:
- مالك؟
لم تمنحه الفرصة لاستجوابها فغادرت الغرفة وهي تقول بغيظ:
- ثواني والحالة هتكون عندك يا دوك.
انفلتت ضحكة بسيطة من بين شفتيه على حالتها المجنونة ولكنه قرر التزام الصمت حتى ينتهي من عمله، قام بالكشف على الحالة الأخيرة وما أن فرغ المكان حتى تابع هو بتنهيدة منهكة:
- أخيرًا.. ده أنا واقع من الجوع.
أسرعت نحو الجهاز تفصل عنه الكهرباء دون أن تحفل بما يقول، رفع أحد حاجبيه قبل أن يردد أثناء وقوفه في مكانه:
- دكتوغة؟ بكلمك!
رمقتهُ بنظرة ساخطة قبل أن تعطيه ظهرها متجهة خارج الغرفة:
- وأنا سمعت كويس ومغدتش، يبقى تسمعني صمتك.. أنا ماشية.. محتاج حاجة!!
حدق ناظرًا إلى الفراغ الذي خلفته من وراءها بعد خروجها، تعجل في سيره حتى لحق بها فصاح بلهجة آمرة:
- إنتِ ياما؟ رايحة فين لوحدك الساعة 11 قبل منتصف الليل!!.. اقفي مكانك وأنا بكلمك.
استدارت فورًا تجابهه بعينين ناريتين وهي تعقد ذراعيها أما صدرها ثم تقول بسخط:
- بيتنا.. تعبت طول اليوم وعايزة آخد قسط من الراحة، في مشكلة؟!
ضيق عينيه بمكرٍ وقال:
- وأنا اللي كنت هحكي لك عن ميان وإحنا بنتعشى مع بعض!!
استرخت عضلات وجهها المكفهر قليلًا ثم تنحنحت بفضول:
- أه بقى، مين ميان؟ مين ميان اللي من ساعة ما دخلت عندك وإنتَ بؤك طايل ودانك من السعادة؟
سكتت هنيهة ثم مثلت طريقتها بعفوية نابعة من شدة انفعالها فبدأت تمشي بخطوات متمايلة تحاول فيها تقليد الأخيرة مما أثار ضحكه وهي تقول بحنق:
- دكتوغ نوح موجود.. بلغيه إني جيت.. مالها بتغطس تحت الأغض ليه وهي بتتكلم، هي الفاتنة الوحيدة على الكوكب كدا يعني!!
- مسخرة.
قهقه عاليًا وسط حديثها الساخط فاستعرت النار بداخلها وصرخت عاليًا:
- مين دي بقول لك!!
تصنع الجدية والحزم وكشر عن أنيابه وهو يقول بلهجة صارمة عالية:
- بت صوتك يخفى وإنتِ بتتكلمي معايا، وعليا الطلاق لو صوتك علي تاني لأحبسك في المركز هنا تموتي جوعًا وعطشًا.
رفعت أحد حاجبيها ثم تخصرت باحتجاجٍ وبنبرة ماكرة صاحت:
- والله!!!!
هو بتحدٍ:
- كلمة كمان وهتوصلك ورقة طلاقك.
أومأ تنظر إليه بعينين يملأهما الشر ثم رددت بنبرة متوعدة:
- طيييييب.
قطب حاجبيه محاولًا فهم سر ضغطها على كلمتها الأخيرة ليجدها تلوذ بالفرار من أمامه ثم تهرول نحو الباب وقبل أن تخرج منه تابعت بغيظ:
- خليك هنا بقى للصُبح تموت جوعًا وعطشًا ووغقة الطلاق دي تبلها وتشرب ميتها وبالشفا المقلب.
هرع بسرعة نحوها إلا إنها تمكنت من الخروج وغلق الباب بقوة لتجده يتابع بنبرة أقل حدةً عن تلك التي كان يتكلم بها قبل قليل:
- بت عيب افتحي الباب، لو حد شافني محبوس كدا برستيجي هيترمي على الأرض!
مهرة بضحكة متشفية ترد:
- انزل جيبه لو وقع، سهلة أهي.
ضغط على أسنانه وهو يتصنع ضحكة عالية محاولًا مجاراتها حتى تفتح له الباب وبنبرة ماكرة قال:
- عسل أوي ما شاء الله.. افتحي الباب يلا وإلا ورحمة أمي ه.....
قاطعته تقول بلهجة حادة من بين شفتيها المبتسمتين:
- تاني؟؟؟؟
نوح متراجعًا بابتسامة خفيفة:
- حقك عليا معتش أحلف عليكِ تاني.. افتحي الباب بقى وأوعدك هزود لك جرامات الدهب في القايمة!
ابتسمت "مهرة" بمكرٍ ثم وضعت أناملها أسفل ذقنها وقالت:
- هو إنتَ متعرفش التعديل الجديد اللي عملوه!!
قطب حاجبيه وسألها باهتمام كبير:
- عن مين اللي عملوه؟!
مهرة بابتسامة متشفية تتابع:
- أنا.
رفع أحد حاجبيه وقال متوجسًا:
- تعديل أيه بقى إن شاء الله!!
مهرة بابتسامة متشفية تتابع:
- القايمة دلوقتي بقيت بالدولاغ، يعني الصيغة الصحيح في قائمتي هتكون 'ثلاثمائة ألف دولاغًا ومائة جغام من الذهب".
فتح "نوح" فمه على وسعه ثم هدرٌ باستنكار:
- ليه ياختي؟ هتجوز سيدة الأقمار؟! ده إنتِ لادغة يا بت.
همت أن تعترض في غيظٍ ولكنها سمعت صوتًا يأتي من الخارج وما أن وصل الصوت إلى مسامعه أيضًا حتى هرول مسرعًا إلى الغرفة ثم التقط حقيبته بينما تعجلت في فتح الباب مرة أخرى وما هي إلا ثوانٍ حتى وجدت أحد الأطباء بالمكان يقول بابتسامة هادئة:
- دكتور نوح مشي؟!
ابتلعت ريقها على مهلٍ وقبل أن تتكلم وجدته يخرج من الباب بهيبة ووقار حاملًا حقيبة يده بكف وواضعًا كفه الآخر داخل جيب بنطاله يمشي في شموخٍ لا يليق مع أسره قبل قليل وبنبرة ثابتة يرد:
- في حاجة يا دكتور تامر!!
كتمت ضحكاتها داخل ما أن رأته يمشي معتزًا بنفسه وكان قبل قليل يترجاها ولكنها لم تستطع مقاومة هستيرية الضحك التي داهمتها فأسرعت تخرج من المكان فورًا.
أسندت جسدها بارتخاءٍ على النافذة وبقيت تنظر منها بخواءٍ وصمت رهيبين، تتصاعد أنفاسها المضطربة في هياجٍ بينما تبدو من الخارج صامدةً لا تعيش معركة من الداخل، شعرت للحظة بقرصة برد تداهم جسدها فبدأت تحتويه بذراعيها وسيناريو الحوار الذي دار بينها وبين تلك الفتاة لا يبرح عقلها قط.
فرَّت عبراتها في حالة استسلام لشعور الاختناق الذي داهم حلقها وهي لا تُدرك من أين تبدأ بالضبط حتى أنها تخشى النتيجة، هل ما تُفكر به صحيح وسوف تلتقي ما فقدته منذ زمن بعيد في نهاية هذه اللعبة أما اللعبة سوف تنقلب عليها فلا تلتقي بهدفها الغالي ولا تنتصر على سالب عذريتها!!
انفتح باب المكتب فجأة فأسرعت بحركات متوترة مضطربة تزيل الدموع عن عينيها وقررت ألا تلتفت حفاظًا على صلابتها وتماسكها الدائم الذي لم يخنع أمام مخلوقٍ من قبل، في تلك اللحظة وجدت صوته يأتي من خلفها قائلًا ببعض الانتصار:
- كلفت حد من اللي جوا القصر يقوم بالمهمة وعينة الحمض النووي هتوصلك قريب جدًا.
رواية رحماء بينهم الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم علياء شعبان
هلَّ الغروب وتبعه اسوداد الليل، وتلك هي الفترة المسؤولة عن تأجج المشاعر وخروجها من مُكنها. استطار البرق في السماء المُظلمة، واستطارت معه الأفئدة ذُعرًا. بدت أول ليلة تُحاكي أجواء الشتاء في خريف السنة. شرعت السماء ترعد وتبرق عاليًا، تنبئ بقدوم فصل شتاء لا مثيل له في البرودة القارسة. أجواءٌ توقظ ما خُمد داخلنا طوال العام، وأوشك أن يكون طيَّ النسيان. ولكننا قد ننسى كلمة قاسية قيلت بغتة، ولم نكن نتوقعها. أو ننسى أوجه مرَّت في حياتنا مرور الكرام دون أن تملأ قلوبنا آمالًا أو تنحر أعناقنا غدرًا. مرَّت هكذا خِلسة ولم نحفل بغيابها. إنما لا ننسى أكفًا أطبقت عظام أعناقنا. مزقت أوراقًا موثقة بختم بقاءهم. لا ننسى أقدامًا مرَّت دعسًا على قلوبنا، ورغم مرور الزمن، لا يزال أثر خُفها باقًا لا يُمحى.
انشغل العاملون في القصر برص المائدة، يتحركون على قدمٍ وساقٍ في نظامٍ وحركةٍ مُتأهبة. حتى أنهم أوشكوا على الانتهاء. كانت "نبيلة" تجلس على الصوفة تقرأ الجريدة التي تقبع بين كفيها باهتمامٍ. ولكن انشغالها بالصحيفة لم يمنعها من التركيز مع حركة العُمال وترقُب ما يفعلونه بحذر. لتتحول عيناها في هذه اللحظة إلى "سكون" التي تهبط الدرج بحماسٍ مُندفعٍ، تحاول التهام الدرجات التهامًا. فحدقت الأخيرة فيها، وما أن وضعت قدميها على آخر درجة بالسلم، حتى رددت "نبيلة" بتوجسٍ:
- خرجتي أخيرًا من قوقعتك؟ كُنت لسه هبعت لك حد من الخدم علشان العشا.
ضعُف حماسها قليلًا وبطأت خطواتها وهي تتجه نحو المائدة، ثم تنظر إلى والدتها وهي تقول برغبة فاترة:
- لأ ما أنا مش نازلة علشان العشا، أنا نازلة أقف تحت المطر.
تنهدت "نبيلة" باستسلام وهي تطوي الجريدة مرة أخرى وتقول في حنق:
- يا حبيبة مامي، دا مش حل. بابي غلط في اللي عمله مع عمر، بس رفضك للأكل مش هيحل حاجة يا سكون!
انطلقت زفرة معترضة من بين شفتيها ورددت بصوت مخنوقٍ:
- أنا مش رافضة الأكل ولا حاجة، كل ما في الأمر إن معنديش شهية. والصراحة بقى، المكان هنا بقى كئيب ومفيهوش روح.
نهضت "نبيلة" من مكانها ثم سارت إليها عدة خطوات إلى أن وقفت أمامها مُباشرة، وشرعت تقول بلهجة أكثر لينًا ودعمًا:
- عارفة إن روحك موجودة في إخواتك، بس الأب يعرف مصلحة أولاده أكتر منهم شخصيًا.
اتسعت المساحة ما بين حاجبيها وراحت تحدق بقوة داخل عيني والدتها التي لمست من تصرفها عدم الاقتناع. وكانت هذه فتيلة انطلاق غضبها المكبوت، لتتابع مستنكرةً بصوت حادٍ:
- عارف مصلحتنا؟ أنا الحقيقة طول الليل بفكر في المصلحة اللي ممكن تكون ورا رفضه لجواز ابنه من البنت اللي بيحبها؟ المصلحة من سيطرته على حياتنا وتوجيهها زيّ ما هو عايز، حتى قلوبنا عايز يعمل لها بوصلة اتجاهها رايح لرغباته بس. أيه المصلحة في مقاطعة أخوه وابن أخوه؟ أيه المصلحة في أخد ورث أخوه؟ أيه المصلحة يا أمي في كسر خواطر كل اللي حواليه؟
تسمرت "نبيلة" في مكانها تستمع بحرصٍ إلى انتفاضة ابنتها وخروجها عن صمتها الذي لم يكُن متوقعًا أبدًا. ولم تجد ما ترد به على هذه الأسئلة. همَّت أن تدافع عن زوجها وتدفع هذه الأفكار السوداوية عن عقل ابنتها، ولكن قبل أن تنطق بشيء، سمعت صوته الجهوري يصيح:
- سيبيها يا نبيلة.. سيبيها تكمل كلامها!
انتفض جسدها كُله وهي تستمع جيدًا إلى وقع خطواته التي تقترب منها. هزمها الخوف في هذه اللحظة التي أدركت فيها أن ثورة ما على وشك الاندلاع. ولكنها قررت ألا تلتفت مقابلة لوجهه وأن تبقى صامدةً تنتظر الخطوة القادمة منه.
عضت "نبيلة" شفتها السُفلى ما أن أبصرت عينيه المنكمشتين في غضب تقدحان بالشرر أثناء الاقتراب من ابنته. وقفت مُتحفظة، تضع يدها على قلبها تخشى الأذى على ابنتها. صوت احتكاك حذائه بالأرضية بدا مُريبًا وعاليًا. وما هي إلا ثوانٍ حتى وجدت يقف أمامها مُباشرة بهيئته المهيبة وجسده الضخم، يحلق فيها بنظرات صامتة يغلفها الغموض. أطرقت برأسها تنظر إلى الأرض، فيما أردف بصوتٍ هادئ يخفي بين طياته خطرًا محدقًا:
- كُنتِ بتسألي من شوية أيه المصلحة ورا مقاطعة أخويا؟! وليه بتحكم حتى في اللي عايزه قلوبكم؟ مش كدا؟!
أومأت ترفع بصرها إليه في تحدٍ، فوجدته يباغتها بصفعة قاسية كقسوة كفه الخشن الثقيل. بينما خرجت تأوهات خافتة من بين شفتيها بعدما داهم الألم والدوار رأسها بأكمله. وطفق يردد بأنفاسٍ مستعرة من بين أسنانه المُطبقة:
- السؤال الأول علشان ملكيش فيه، والقلم دا علشان السؤال التاني.
شهقت "نبيلة" بلوعةٍ وهي تقترب منه ثم تقبض على ذراعه تستجديه أن يكف عن التصرف بهذا الشكل. فالتفت بنظراتها إلى كفها الملفوف حول رسغه، ثم دفعها بقوة هي الأخرى. وراح يعود بعينيه إلى "سكون"، ثم أسرع بالقبض على ياقتها ودفعها إليه بقوة حتى اقتربت أكثر منه، فصاح بلهجة متهورة:
- اوعي تكوني فاكرة إن تفضيلك عليهم هيخليكِ تحطي صوباعي تحت ضرسك، أنا قادر أسحب من تحت إيدك كل الصلاحيات وتكوني ملكيش لازمه زيهم. أنا مخلفك علشان تكونوا سندي مش تتمردوا عليا!!
تعمقت نظراتها إليه بكثير من التحدي، وبقيت شامخةً بين يديه رغم اشتداد قبضته على ياقتها التي تضيق بقوة على عنقها حتى كاد يخنقها. ولكنها لم تُبدٍ له ما يساورها من وجع واختناق في هذه اللحظة. ترقرقت الدموع في عينيها رغمًا عنها حينما تحولت ببصرها إلي البهو الممتلئ بأوجه كثيرة ما بين خائفة ومُشفقة. إلى أن وقع بصرها على وجه مُختلف تمامًا عن البقية. وجه ينظُر بملامح كشرة وعينين حادتين، وصدر يعلو ويهبط يوشك أن يفيض بانفعالات متفجرة. التفتت مرة ثانية صوب عيني والدتها لتجده يباغتها بصفعة ثانية أقوى عن سابقتها. وبصوت محفوف بالتهديدات تابع:
- إنتِ وأخواتك مِلكي.. حتى قلوبكم دي مِلكي.. ارجعي لعقلك قبل ما تخسري ثقتي فيكِ.
دفعها بقوة مُحررًا عنقها ما أن أنهى كلامه الصارم، ثم تحرك مندفعًا كالسيلٍ إلى غرفته. بينما بقيت هكذا متصلبةً بلا حراكٍ في مكانها، تجوب بنظراتها بين الواقفين بدموعٍ تأبى السقوط وجسد يُقاوم في كَمدٍ. بينما روحها أضحت مجروحة تستعر بنيران القسوة والدونية. فمهما وضعت كِمادًا لها كي يتوقف نزفها أو تبرد، يُصبح دون جدوى.
مشت "نبيلة" إليها بخطوات مترددة خوفًا من توجيه الضربة لها هذه المرة. ولكنها لم تستطع التفريط بقلب ابنتها المُنكسر. فأسرعت بالوقوف قبالتها ثم وضعت وجهها بين كفيها ورددت بصوت خافتٍ حزينٍ:
- سكون.. اتكلمي.. قولي أي حاجة.. متسكتيش كدا؟!
عصتها دموعها بُغتة منها، فسألت على وِجنتيها. بينما بقت هي متجمدة في مكانها لا تُحرك ساكنًا. وهناك كان يُتابع المشهد بقلبٍ يؤخذ بإبرة مدببة حادة تُحدث ثقوبًا به. فأغلق عينيه محاولًا كبت طاقته السلبية التي ترنو إلى الفتك بذلك الوغد أبيها. لم يشعر بنفسه إلا وهو يركل باب القصر بقوة بقدمه متوجهًا للخارج قبل ألا تنتهي هذه الليلة على خيرٍ ويسقط أحدهما صريعًا. لاحظت خروجه ما أن وصل صوت ارتطام قدمه بالباب إلى أذنيها، لتقرر في هذه اللحظة أن تخرج عن صمتها وتقول بصوت متحشرج يخرج بالكاد:
- أنا كويسة.. هخرج أتمشى شوية.
زوت "نبيلة" ما بين عينيها ثم ردت بتوجسٍ:
- بلاش تخرجي وإنتِ متضايقة كدا، تعالي نطلع أنا وإنتِ الأوضة نتكلم شوية!!
قبضت على ذراعها، بينما انتشلت "سكون" ذراعها بسرعة. ثم تابع بصوت محسومٍ:
- محتاجة إني أخرج شوية.. بعد أذنك.
حسمت قرارها بالخروج، فاندفعت للخارج بأقصى سرعة لها. ثم قصدت مرآب السيارات الملحق بالقصر لتتجه إلى سيارتها ثم تصعد داخلها فورًا بعد أن فتحتها. قررت في هذه اللحظة أن تُنهي حياتها. فما شعرت به للحظة من دونية وتهميش جعلها تفقد السبب الذي يجعلها تعيش في هذه الحياة. لم ينظر إلى ما فعلته معه أبدًا، فدومًا كانت أهلًا لتولج المسؤولية والقيام بها بلا شكوى. ولكنه يتعمد الضغط على عنقها نكاية بها بدلًا من دعمها وتشجيعها على الاستمرار.
انطلقت بقوة غريبة جعلت السيارة تصدر صريرًا عاليًا جدًا قد وصل بسهولة إلى سمعه. فدارت سيارتها يمينًا ثم إلى الأمام، متجاوزةً الممر المؤدي إلى باب القصر الخارجي. هرول على صوت صرير السيارة واحتكاك اطاراتها ليحدق بصدمة كبيرة وهو يهرول مسرعًا كالبرق خلفها صارخًا بصوت هادرٍ مُلتاعٍ:
- سكون؟ انزلي من العربية إنتِ ما بتعرفيش تسوقي!
رمقتهُ بنظرة خاوية أرعبته لما تحمله من معانٍ كثيرة وقرارات يصورها لها الشيطان على أنها الأصوب. تجاوزت الباب الرئيسي ثم انعكست يسارًا في محاولة للبحث عن أخطر مكان يمكنه أن ينهي حياتها بصورة قاسية، أو ربما يطمس معالم وجهها الذي ظهر عليه الضعف والكسرة. ودت في هذه اللحظة أن تكون لحظاتها الأخيرة لا تقل بشاعةً عن لحظاتها التي لطالما عاشتها كالخانعة لأبيها الظالم قلبه.
استبد به القلق فوجهها لا يُبشر بالخير أبدًا، فاتخذ قراره أن يكون خيالها في هذه اللحظة. ليعدو بقوة وسرعة رهيبة خلف السيارة في عزمٍ يُضاهي تمامًا سرعة الفهد الذي لا يتجاوزه أحد. كان صدره يعلو ويهبط من كثرة العداء خلف السيارة. وكلما اقترب من زجاج النافذة صرخ بصوت عالٍ يرجوها من خلاله:
- وقفي العربية يا سكون علشان خاطري.
رمقتهُ لا مُباليةً باستجدائه وتزيد من سرعة السيارة. لم يستطع الاستمرار في الجري خلفها فقد بدأت قوته تتلاشى رويدًا رويدًا، ليسرع بإيقاف سيارة أُجرة ويقفز داخلها فورًا ليتكلم بصوت لاهثٍ عالٍ:
- حاول تقرب من العربية الحمرا اللي قدامك دي!
قطب السائق حاجبيه في استغراب وراح يقول متوجسًا خيفةً:
- ماشي بس إنتَ عايز أيه من العربية؟!
صرخ فيه "كاسب" أن يزيد من سرعة السيارة وقال بلهجة حادة يحاول إيجاد كلمات بسيطة تشرح الموقف:
- دي خطيبتي ومش بتعرف تسوق أصلًا.
حدق السائق فيه بذهولٍ ثم التفت ينظر أمامه مرة أخرى محاولًا اللحاق بها وتقريب النافذة من نافذة سيارتها. استرق "كاسب" النظر إلى النافذة محاولًا رؤيتها ولكن دون جدوى، فالمطر أغرق السيارة بأكملها وشوش الرؤية تمامًا. في هذه اللحظة صرخ هادرًا كي تسمعه:
- سكون كفاية جنان بقى، اللي بتعمليه دا مش حل!!
سكت هنيهة ثم أكمل:
- فكري في إخواتك.. فكري في عُمر حتى!!.. عمر محتاجك!
كانت السيارة في هذا الوقت بالتحديد تتخبط على الطريق تنحدر تارة على اليمين وأخرى على اليسار في غير اتزان. ما أن سمعت كلامه حتى انهارت تمامًا وظلت تضرب مقود السيارة يكفيها وهي تجهش باكيةً متألمةً. شعر السائق أن الأمر بات خطيراً ويهدد حياته فطلب على استحياء نزول الأخير معللًا أن السيارة ما يزال عليها نقودًا لم تُدفع بعد وهذا الأمر سوف يُسبب له خسارة فادحة. أومأ "كاسب" مُقدرًا لمخاوفه ولكن أكمل وهو يميل على المقود قليلًا وينتشله من بين كفي الأخير:
- أنا فاهم بس أوعدك لو حصل أي خساير في التاكسي هعوضك بواحد غيره، سيبني الحقها بس!!
وافق الرجل على مضضٍ رغم توجسه حتى أنه بدأ يتبادل مع "كاسب" المقاعد وترك له حرية التصرف في السيارة ليبدأ كاسب في ازادة السرعة حتى أنه بدأ يلتصق بسيارتها في حذرٍ علها تتوقف ما أن تشعر باصطدام سيارتها. ولكنها كمن أُعميت عينيه وانسدت أذنيه عن كل شيء حوله. ضغط على أسنانه بقوة من عنادها وقرر أن يجد حلًا سريعًا يتفادى به الكارثة التي توشك أن تحدث. ولحُسن حظها أن الطريق لم يكُن مزدحمًا ولكن السيارات الموجودة كانت تتابع المشهد في ذهولٍ من تهور السيارة الحمراء. لم يجد بُدًا من التقدم عليها واحاطة سيارتها بسيارته علها في هذه اللحظة تتوقف. ولكن ما أن وقف أمامها حتى عاندته بإصرارٍ ثم خرجت عن مسار الطريق ودخلت إلى طريق جانبي من الرمال يمتلئ بالصخور والأحجار. وبدأت سيارتها تتخبط بقسوة شديدة حتى جاءت اللحظة التي كان يخشاها تمامًا. أُغشيت عينيها الممتلئة بالدموع عن رؤية المنحدر الذي ظهر أمامها. ورغم رؤيته في اللحظة الأخيرة لم يخرج صوتها مُستغيثًا وهي ترى السيارة تحلق في الفضاء قبل أن تسقط عن المنحدر إلى أسفل.
أوقف السيارة مصعوقًا بقوة وهو يرى تحليق السيارة عاليًا ثم سقوطها إلى أن اختفت من أمامه. تجمدت أطرافه من الصدمة وراح ينظر إلى الغبار الذي خلفته إطارات السيارة مشدوهًا. تبادل النظرات المحدقة مع السائق الذي كان يجاوره ولكنه انتشل نفسه من الصدمة بسرعة. فتح السيارة ثم ترجل منها وهرول بجنونٍ وقلبٍ هلعٍ إلى الحافة صارخًا بصوت يحفه الضعف والكسرة:
- سكــــــون!!
كانت صرختهُ يُسمع صداها بوضوحٍ. وما أن وصل إلى الحافة ونظر للأسفل حتى بدأ صدره يعلو ويهبط بهياجٍ وفوضى. لا يعرف هل يسعد لأن المسافة صغيرة جدًا أم يصرخ بألم لأن السيارة قد انقلبت على ظهره وبدأ الدخان ينبعث من محركها!!
لم يترك لنفسه فرصة للتفكير فأسرع بالنزول عن المنحدر وسط كلمات السائق التحذيرية بالحرص والثبات. فبدأ يضع قدميه على الصخور البارزة من الحائط إلى أن وصل إليها في النهاية. اندفع مُسرعًا نحو السيارة جاثيًا على ركبتيه يسترق السمع إلى استغاثتها ولكنها لا تفعل؛ بل باتت مُستسلمة للموت تمامًا. ليصرخ برجاء خفي فيها أن تصدر صوتها ويقول بنبرة مهزومة:
- سكون، إنتِ سمعاني؟! لو سمعاني وحياة عمر تردي عليا.. ردي عليا وقولي إنك هتستحملي؟!
تدمر هيكل السيارة تمامًا وبدت كورقة مطوية بقبضة قاسية. فجاهد "كاسب" بأنفاس مضطربة ووجه تكسوه الرهبة بإبعاد شظايا الزجاج قليلًا حتى أبصرها مغلقة العينين والدماء تقطر على وجهها. أخرج زفيرًا حارًا من جوفه ذعرًا عليها وبدأ يصرخ في السائق الذي نزل إليه لتقدم يد المساعدة:
- ساعدني نخرجها بسرعة.. العربية هتولع!
أومأ الأخير بفزعٍ بينما زحف "كاسب" حتى توغل بذراعيه ورأسه أسفل السيارة إلى أن وصل إليها وقبض على ذراعها. وهنا تابع بأنفاسٍ تتلاحق بلا هوادة:
- سكون علشان خاطري فتحي عينيكِ وساعديني نخرج من هنا؟!
بدأ السائق يرفع هيكل السيارة بكُل ما يمتلك من قوة. فيما بدأ "كاسب" يسحبها بذراعيه وهو يصرخ للأخير:
- ارفع أكتر.. العربية ضاغطة على رجليها!
بدأ العرق يتصبب على جبين السائق الذي أومأ بتعبٍ قائلًا:
- محتاجين ناس تانية ترفع معانا.
ومن أن سمع كلماته حتى جن جنونه وزحف للوراء مرة ثانية ثم وقف مسرعًا في مكانه وهو يقول بلهجة صارمة:
- يلا هنرفع أنا وإنتَ.. ساعدني يلا!
جاهد كُلًا منهما في رفع السيارة وبالفعل بدأت تتزحزح للوراء قليلًا. ولكن المسافة لم تكُن كافيةً لسحبها من أسفل هذه الأنقاض وما زالت أقدامها محشورة بقسوة. حاول وحاول ولكن دون جدوى، فبدأ يزأر بقوة وهو يضرب السيارة بكفيه في انهيارٍ. ليجد صوت السائق يقول بأسف:
- العربية هتنفجر يا أستاذ ومش بإيدينا نعمل لها حاجة.
التفت إليه بعينين ناريتين يقدح الشرر منهما. انقض عليه يقبض على ياقته بشراسة. وما أن أدرك نية الرجل في تحذيره والتعاون معه حتى أفلت قبضته ثم صرخ فيه بانفعالٍ جامحٍ:
- بإيدينا.. سامعني.. بإيدينا نخرجها سليمة.. لازم تخرج سليمة.. مش هينفع.. أوعدك إني هكافئك بكل اللي تطلبه.. بس هي مينفعش تموت.
انفجرت الدموع من عينيه وهو يطرح فكرة موتها بعيدًا عن عقله. فيما أشفق الأخير عليه ما أن رأى بكائه وقال بحزن:
- الحالة الوحيدة اللي ممكن تخرج منها سليمة إنها تكون واعية وتحاول تخرج نفسها معانا!!
أومأ "كاسب" متفهمًا ثم نام على بطمة بالأرض مرة أخرى وبدأ يصرخ فيها بصوت هادرٍ يستجديها من خلاله وهو يسحبها للخارج بكل ما أوتيت من قوة:
- فوقي يا سكون.. سكون العربية هتولع.. ساعديني أخرجك من هنا.
بدأت تنصاع لندائه وتحرك جفونها بارتخاءٍ. وما أن أبصرته بوضوحٍ حتى تابع بأنفاس مضطربة ووجه ملتاعٍ من شدة خوفه عليها:
- ساعديني أخرجك من هنا.. حاولي تزقي نفسك لبرا.. سكون؟ سمعاني؟!
أومأت تتجاوب معه ليبدأ بجذبها. بينما تحاول هي جاهدة أن تسحب قدمها العالقة. توجه السائق للجهة الأخرى من السيارة وبدأ يرفعها قليلًا حتى تمكنت "سكون" أخيرًا من سحب قدمها العالقة. وأثناء محاولة "كاسب" جذبها سمعوا صوت طقطقة قوية تنبعث من داخل السيارة وعلى ما يبدو أن الانفجار يقتـــــرب جدًا. لم يخيفه الصوت أو يمنعه من جذبها إليه إلى أن نجح أخيرًا في التقاطها. وسرعان ما وضع ذراع أسفل ظهرها وأخرى أسفل ساقيها حاملًا إياها. ثم هرول هو والرجل مبتعدين عن السيارة التي كانت تنتظر هربهم حتى تنفجر وتتفتت جزيئاتها تفتيتًا وتتطاير في الفضاء وسط نظراتهم الذاهبة.
ظل ينظر مشدوهًا لقطع السيارة المتناثرة تارة ولها تارة أخرى. ابتلع ريقه على مهلٍ وهو يضمها بقوة إلى صدره كلما تخيل انفجار السيارة وعدم قدرته على إنقاذها!
اشتد هطول الأمطار بغزارة، وصحبه نزول قطع صغيرة من الثلج مع هبوب رياحٍ عاتية يُسمع صوتها بوضوحٍ. لم يكُن نهارًا باردًا على الإطلاق بخلاف ليله قارس البرودة. نظرت بسعادة غامرة من أمام بوابة الحديقة الداخلية للشقة وطفق تصرخ بحماسٍ:
- دا بينزل تلج كمان، الله!
التفتت وراءها فوجدته يطالع الأوراق القابعة بين يديه بتركيز ولا يبالي بما قالته للتو. زمت شفتيها غيظًا ثم تحركت نحوه. وما أن وقفت أمامه عاقدةً ذراعيه حتى صاحت بنبرة متبرمة:
- أنا بكلمك على فكرة؟
لم تبرح عيناه الأوراق وردد ببرودٍ:
- نعم يا آنسة؟!
التوى شدقها وقالت مستنكرةً:
- إنتَ جايبني هنا ليه؟ علشان نقعد في الشقة ولا نخرج ونروح البحر؟
أخرج ابتسامة ساخرة من جانب فمه ولا يزال ينظر إلى الأوراق ثم تابع:
- حظك بقى إن الدنيا بتشتي، ما هو الواحد بردو مكانش المفروض يسمع كلامك ويجيبك البحر في الخريف يعني.
تخصرت باحتجاجٍ وردت:
- بس أنا بحب المطر وعايزة أتمشى تحته، لو مش عايز تخرج تمام، بس هخرج أنا!
تنازل ورفع وجهه عن الأوراق ثم زفر وهو يردد بهدوء:
- مينفعش تخرجي إلا بموافقتي وبرفقتي.. مفيش خروج من غيري.
دكت الأرض بقدمها وراحت تقول وهي تزفر حنقًا:
- طيب نعمل أيه في حالة إنك مش عايز تخرج وأنا عايزة!!
تليد بابتسامة عبثية:
- في الحالة دي الست بتطيع جوزها وبتكون عاقلة.
ضيقت عينيها قليلًا وبدا الغضب باديًا على وجهها مضيفة باستنكارٍ:
- على فكرة إنتَ طريقتك ومصطلحاتك دول مش بيعجبوني، أنا ليه يكون نفسي في حاجة ومعملهاش علشان جنابك عايز كدا!!
رفع أحد حاجبيه وتابع بإيجاز واقتضابٍ:
- ما قولنا طاعة زوج.. بصي يا آنسة وَميض إنتِ دلوقتي تقعدي تحت البطانية بعد ما تعملي لنا جردل سحلب وتشوفي كرتونك المفضل وأنا عندي مُقابلة مع بعض الزملا في الشركة لايف.. سمعيني صمتك لحد ما أخلص اللي في إيديا ونرجع نتخانق تاني وكل حاجة.
رفعت "وَميض" أحد حاجبيها ثم تابعت بمكرٍ وهي تضغط مليًا على كلماتها:
- يعني قررت بشكل نهائي إنك مش هتخرجني؟
أومأ دون أن ينبس ببنت شفةٍ وأسرع بفتح حاسوبه مرة ثانية بعد أن طلب منها التزام الصمت والجلوس بعيدًا عنه أثناء المقابلة. زمت شفتيها غيظًا واندفعت باختناقٍ إلى الغرفة وظلت تجوبها بانفعالات مُتأججة من تهميشه لرغبتها وإعطاء أعماله الأولوية. حتى أنها بدأت تبحث داخل عقلها عن فكرة شيطانية للانتقام منه إلى أن جــــــاءتها فــــكرة مُستبدة ستوقع به صريعًا في حربها معه.
انتظرت بترقب حتى انغمس في عمله أمام الحاسوب حيث بدأ يتكلم عن بعض القوانين التي ستفرضها الشركة في الفترة القادمة. أسرعت إلى الدولاب تتفقد ملابسها التي جاءت بها قطعة تلي الأُخرى وفي نفسها نية لإزعاجه وإثارة حنقه. إلى أن وقعت عيناها على فستان قصير باللون الأحمر القاتم لا يصل إلى ركبتيها حتى وعار تمامًا من الظهرٍ وليس به أكمام. ابتسمت ابتسامة خبيثة وهي تلتقطه ثم تسرع في ارتدائه. وما أن انتهت حتى وقفت أمام مرآة التسريحة وقامت بفرد شعرها على كفيها. ثم انتقلت إلى آخر فقرة في خطة الانتقام لتلتقط أحمر الشفاه وتبدأ في دهن شفتيها بلون أحمرٍ صارخٍ. حتى أنها تكاسلت عن استخدام الأنواع الأُخرى من مساحيق التجميل. فاستخدمت أحمر الشفاه ذاته كموردٍ لوِجنتيها وأنفها واختصرت الأمر. وفي النهاية ابتسمت إلى صورتها المعكوسة في المرآة بظفرٍ وأصبحت جاهزة تمامًا لتنفيذ الخطــــة!
تناولت علكة من جيب حقيبتها أولًا ثم سارت متوجسةً على أطراف أصابعها. وقبل أن تخرج أمامه بدأت تسترق النظر إليه حتى تتأكد من انشغاله. وجدته يقول بصوت رخيمٍ به ما يكفي من صلابة رئيس حازم:
- لازم نكون فاهمين إن أي تأخير في الدعاية مش في صالح منتجاتنا، لو فعلًا عايزين المنتجات تسمع يبقى تكثف جهودنـ....
توقف فجأة عن الكلام ما أن ظهرت أمامه وبقى متسمرًا يُطالع هيئتها البهية بأعين منبهرة. وللحظة أحس بهول ما فعل فنزل بعينيه إلى شاشة الحاسوب ثم ردد بلهجة مضطربة:
- آسفة يا شباب.. تقريبًا في مشكلة في النت.. خلينا نكمل.. طبعًا إحنا لو هنتكلم عن نوع الإعلان فلا بد إنه يكون فكرة برا الصندوق و....
توقف عن الكلام مرة أخرى حينما وجدها تقترب منه ثم تميل إليه قليلًا من وراء الحاسوب وتبدأ في مط علكتها بشكلٍ ظنته مُثيرًا. بينما بدأت تقتنص عينيه بنظراتها الجريئة كنوعٍ من تشتيت تركيزه. تنحنح بسرعة قبل أن يرمقها بنظرات ثاقبة حادة ثم أنزل عينيه إلى الحاسوب مرة أخرى حاكًا جبينه بقليل من التوترٍ:
- طيب يا شباب.. أي حد عنده سؤال يقدر يسأله؟!
كانت عيناه تنظر إليه تارة بوعيدٍ وأخرى إلى الشاشة. لم ترعبها نظراته واستمرت في تشتيته. فبدأت تحرك ذراعها بخفة إلى أن وصلت إلى كفه الذي يثبت به الحاسوب وبدأت تلمسه بصورة مُغرية. كان يعلم أن ما تفعله ليس إلا نكايةً به. فبرزت عروقه من شدة الغضب وأغلق شاشة الحاسوب قليلًا قبل أن يرمقها بنظرات يقدح الشرر منها ويمرر أصابعه على رقبته في تهديدٍ لها. أخرجت لسانها له غير مُكترثة لغضبه وراحت تتمايل أمامه بغنجٍ وميوعة. وما أن أدرك استمراريتها في هذا الطيش حتى فتح شاشة الحاسوب مرة أخرى وقال بلهجة حازمةً:
- طيب يا شباب معلش النت عندي فيه مشكلة، هستأذنكم نأجل الاجتماع لبُكرا!!
وافقه الجميع فأومأ مودعًا إياهم بابتسامة هادئة وهو يقول:
- السلام عليكم.
أغضبتهُ طريقتها المُتمردة ورفضها الاستماع إلى نصائحه ظنًا منها بأن العِند لا يجعلها ترضخ له. تحاول أن تقربه منها وفي نفس اللحظة تجتهد في دفعه عنها. ولم يعُد يفهم ما الذي يدور في رأسها ولكنه يكاد يجزم بأن قدرته على تحملها أوشكت على الانتهاء وستحين قريبًا لحظة نيله منها.
وقفت أمامه بكامل زينتها؛ فأغلق حاسوبه مُستسلمًا لدلالها في انفعال خفيفٍ. وما أن نظر إلى مظهرها المتألق ونظرات الانتصار المطلة من عينيها حتى تابع ببرود وهو يباغتها بغمزة من عينيه:
- لعن الله المُتشبهون بالنساء يابني.. روحي اقلعي الفستان دا وارجعي لطبيعتك.. ربنا يغفر لك.
صرت على أسنانها غيظًا من فظاظته. أسرع بغلق الحاسوب وشبكة الإنترنت تمامًا قبل أن ينهض ثائرًا في مكانه. وما أن رأت ثروته حتى قررت الاختفاء من أمامه في الحال لتهرع بخوفٍ وحيطة نحو الغرفة. فيما يتابع هو بلهجة يشملها الغيظ والغضب:
- تعالي هنا يا جبانة، فهميني بس إنتِ بتعملي أيه؟
تابعت وهي تقف على بُعد خطوات منه في حذرٍ:
- باخد حقي!
صاح فيها بغيظٍ:
- حقك أيه اللي بتاخديه بالطريقة دي؟! إنتِ بتدوسي على إيدي اللي بتوجعني علشان عارفة إني مش هعمل حاجة إنتِ مش عايزها.. فبتتحديني!
وَميض تصرح في عنادٍ:
- أه.
ابتلعت ريقها على مهلٍ قبل أن تصرح باحتجاجٍ وثورة:
- وهتحداك طول ما إنتَ بتتجاهل رغباتي ومش بتديني حقوقي.
أطبق كفيه معًا قبل أن يرميها بنظرات ثاقبة لم تستطع قراءتها. وما هي إلا ثوانٍ من الترقُب والفضول حتى وجدته يقول بابتسامة عابثة حتى أنها شمت في نبرته رائحة غريبة:
- عايزة حقوقك؟ موافق.. بس أيه رأيك أخد أنا كمان حقوقي؟!
تأكدت ظنونها فأسرعت بالتقاط هاتفها ثم تابعت وهي تبتلع ريقها بحذرٍ:
- على فكرة لو قربت مني هتصل بأمن الكمباوند وهقول لهم إنك بتتحرش بيا.
ابتسم ببرودٍ وأكمل:
- ما تتصلي.. محدش هيعبرك.. واحد بيتحرش بمراته.. هو حُر.
مطت شفتيها باستنكارٍ وردت:
- والله، طيب هنشوف هيعبروني ولا لأ!!
أسرعت بالاتصال على الأمن في إصرار وغيظٍ من تحديه لها. وما أن جاءها صوت رجل ما حتى تابعت بنبرة متوترة:
- مع حضرتك آنسة وَميض!
حدق مشدوهًا من جملتها ثم استغل كلامها عبر الهاتف وأسرع بالاندفاع إليها والقبض على رسغها. شهقت شهقة عالية قبل أن يضع كفه مُكممًا فمها وباليد الأخرى أغلق المكالمة. وهو يضغط على أسنانه ويقول متذمرًا:
- دا إنتِ نهارك مش فايت.. أيه اللي إنتِ قولتيه دا؟ آنسة أيه وزفت أيه؟!
ارتعبت من نظراته بعد أن حرر فمه وأدارها إليه لتقول بنبرة بلهاء:
- مش فاهمة يعني.. هو أنا مش آنسة؟!
ضغط "تليد" على جبهته وهو يصيح مُنفعلًا ومُحاولًا السيطرة على نفسه وإلا قتلها:
- أستغفرك.. أستغفرك ربي وأتوب إليك.
سكت هنيهة ثم قال بلهجة حادة بينما تقف أمامه ككتكوتٍ انسكب عليه كوب من الماء البارد في ليلة شتوية:
- عارفة يا وَميض إنتِ فايدتك أيه في حياتي؟!!
تساءلت نظراتها بفضولٍ فيما أكمل بغيظٍ مكظومٍ:
- الاستغفار.. بشوفك بكثر من الاستغفار.
وَميض بشدق ملتوي تردد:
- يعني أخيرًا لقيت لي ميزة؟!
تنفس الصعداء قليلًا قبل أن يخطو إليه خطوات كبيرة حتى انعدمت المسافة بينهما وطفق يقول بحدةٍ:
- آنسة دي بيني وبينك يا أمي.. أنا غير مرئي يعني علشان تبقي آنسة بين الناس؟
أسرع بالقبض على رسغها مرة ثانية ثم تابع بلهجة ثابتة مُتأملًا هيئتها الناعمة باستمتاع أربكها:
- بس حلو الفستان دا.. لأ ولونه حلو!
حدقت فيه بعينين متسعتين وشعرت لوهلة أنها فقدت قدرتها على التنفس بصورة طبيعية. فبدأت تتقهقر للوراء في وجلٍ بينما يتقدم نحوها كلما ابتعدت إلى أن وجدت نفسها محشورة بين ذراعيه وظهرها مسنودًا إلى الحائط. أرادت جمًّا أن تلوذ بالفرار ولكن هيهات فقد حشرها بصورة مقلقة للغاية وعلق بنظراته إلى عينيها الزائغتين في خجلٍ. وهنا صرخت في محاولة فاشلة منها لإبعاده وهي تقول بصوت مُتحشرجٍ:
- إنتَ عايز أيه يا تليد؟! إنتَ وعدتني على فكرة؟ بلاش تخون الوعد علشان متسقطش من عيني!
أطلق ضحكة مُتهكمة ثم قال ببرود:
- أكتر من كدا سقوط.. دا أنا إرهابي وعميل ومُتطرف.. ناقص حاجة تانية في نفسك؟!
صمت لوهلة وهو ينزل بكفه ثم يقبض على خصرها ويقول بابتسامة مشاكسة:
- وبعدين أنا مش بخون وعد قطعته لحد، إنتِ اللي قررتي تلغي الوعد دا بينا، ولا إنتِ لابسة فستان عريان قدام واحد مش عايزاه يقرب لك ليه؟!
قبضت على كفه الممسك خصرها وحاولت مليًا إزاحته وهي تردد بتلعثمٍ:
- إنتَ عارف إني كُنت بستفزك.
ابتسم ابتسامة هزلية قبل أن يرفع كفه الآخر ويبدأ في تمرير أصابعه على شعرها بمشاعر حميمية واضحة جدًا. وهنا تابع بصوت هادئ بعدما التقط بعض الخصلات وبدأ بقربهم من أنفه ثم يستنشق العبير المنبعث منهم بأحاسيسٍ متخبطة حقيقية. رغم سعيه في إخافتها في بادئ الأمر إلا أن الأمر صار جادًا رغمًا عنه:
- بس استفزازك ليا مش في صالحك.. ولكُل فعل رد فعل!!
كانت تتابعه بعينين متسعتين في توجسٍ. لينتفض داخلها هلعًا وبدأ صدرها يعلو ويهبط في ارتباكِ وهي ترى تماديه في الاقتراب منها. حيث ترك خصلاتها ثم بدأ يلمس وِجنتها برقة راقت لها نوعًا ما. ولاحظت نظراته العالقة بشفتيها وإبهامه الذي يتحرك صوبهما. وما أن لمس إبهامه شفتيها برغبة واضحة منه حتى أشاحت بوجهها للجهة الأخرى وأغلقت عينيها وهي تقول بصوت مرتعبٍ:
- لأ يا تليد.. لأ بجد!
تجهمت معالم وجهه ثم ضغط بقوة على ذراعها وهو يقول بلهجة صارمة:
- لأ ليه؟! مش دا حقي زيّ ما بتطلبي حقوقك؟ أنا عايز حقي.
نظرت إلى الأرض وقالت بصوت مخنوقٍ:
- مش بالقوة.. أنا مش مُستعدة.
رماها بنظرة ثاقبة قاسية ثم أفلت ذراعها وراح يبتعد عنها مخنوقًا وهو يردد بحزمٍ:
- ادخلي غيري هدومك وعلى فكرة أنا كمان مش عايزك.
وقفت متسمرةً تستمع إلى عباراته الغاضبة بملامح حزينة وعينان تمتلأن بالدموع. فعلى ما يبدو أنها أشعلت رغبته وأثارت مشاعرًا جامحةً داخله. والآن تتركه ينازع كُل هذه الأشياء وحده ويعود خالي الوفاض. هرعت نحو الغرفة ثم صفقت الباب خلفها وهي تلوم نفسها ألف مرة لأنه لا يستحق منها كُل هذا العبث. ولكنها أرادت فقط أن تمازحه!
استقبلت الأمطار بذراعين مفرودين بسعادة غامرة وبدأت تمشي في الحديقة بخطوات بطيئة كي تستقبل كُل قطراتٍ المطر التي تعتقد أنها تُذهب الحُزن والهم عنها كلما تساقطت من فوق جسدها. كان البرد ينخر عظامها فأسرعت باحتواء جسدها بذراعيها تمشي بمتعة كبيرة غير مُبالية إن أصابها نزلة برد أم لا. تحركت في خفة فراشة تتراقص على أغصان الشجر حتى وصلت إلى أرجوحتها التي لطالما حلمت بها في طفولتها ولم تحظَ بها لشدة فقرهم المدقع. فكانت أول شيء جلبته لإسعاد نفسها حينما أصبحت قادرة على شراء كُل شيء مهما كان ثمنه. حتى أنها لم تنسَ شراء الدُمى التي أبكتها طوال ليال طفولتها لأن والدها لم يكُن يقدر على شراءها لها لأن ثمنها يساوي مرتبه كله.
كانت "نجلا" فتاة ذات رقة تشملها من الداخل والخارج. فبالرغم من الفقر الذي عاشتهُ كُل حياتها إلا أنها كانت جميلة تعتني بنفسها جيدًا. ثم أصبحت صبية خاطفةً للأنظار. ثم سيدة شابة يافعة شديدة الجمال تساعد والدها في عمله بقصر الأغنياء. ثم ضحية استباح ذابحها كُل شيء بها من أجل إمتاع نفسه. ثم موظفة ماهرة لإحدى الشركات. ثم زوجة صاحب الشركة ذاتها. إلى أن وصل بها الحال وأضحت سيدة ناضجة بما يكفي تسعى للانتقام!
شردت بعقلها إلى أن استقرت أعلى الأرجوحة. بينما رفعت وجهها للسماء وبدأت تتحدث إلى الله خفيةً حتى اضطربت أنفاسها في حُزن وخرجت كلماتها مبعثرة لم ترتب لها:
- دعيت كتير يارب، مستنية تُجبر خاطري، يارب ما تردني مهزومة في أمر وجعني واحتسبته عندك.
ظلت تتكلم بمشاعر صامتةً وشفاه لا تتحرك بل قلبها من يصرح عن آلامه ومكنوناته. وجدت في هذه اللحظة معطفًا يُلقى على ذراعيها. ثم قبعة تُوضع فوق رأسها. فالتفتت ببصرها إليه وقد ارتسمت ابتسامة دافئة على شفتيها وهي تزم المعطف على جسدها لتحصل على تدفئة أعلى. وبنبرة هادئة قالت:
- شكرًا.
استدار وهو يسحب كرسيًا يقبع بجوار الأرجوحة. ثم وضعه أمامها وراح يجلس عليه قائلًا بابتسامة هادئة:
- في الخدمة دايمًا يا بطل!
انطلقت ضحكة رقيقة من بين شفتيها ثم تابعت بلهجة مرحة عكس طبيعتها التي لا تبتسم إلا قليلًا. ولكنها معه تنسى كُل ما تُكابده من هموم وأوجاعٍ. وهو بدوره يدعمها ويحمي ظهرها ضد كُل مكروه:
- مش قولت لك بطل تقولي الكلمة دي يا ماكسيم؟
مال بجسده نحو الأرض قليلًا ثم جذب وعاء معدني ووضعه بينهما قائلًا بنبرة متريثة:
- بما إن المطرة وقفت والبطل عايز يقعد في البرد يبقى نولع خشب ونتدفى.
خرجت ابتسامة هادئة من بين شفتيها وقالت باستسلام:
- مفيش فايدة فيك.
تناول قداحته ثم قربها من الحطب حتى اشتعل وبدأ رويدًا رويدًا يعلو. فتابع من وسط انشغاله بإشعال النيران:
- سيبك مني، قولي لي إنتِ هتبطلي إمتى مزاولة وتتجهي لسياسة الاقتحام؟!.. عايزة تخلصي من عثمان في ظرف يومين هكون مخلص لك عليه، بس مش فاهم؟ ليه بتزاوليه ومش بتاخدي خطوة لقدام؟
عبست ملامحها ثم أجابته باستنكار:
- يعني إنتَ مش عارف ليه؟
استقام جالسًا في مكانه ثم صرح باستنكارٍ مُنفعل:
- اللي بتفكري فيه دا درب من الجنون، وهم بيصورا عقلك الباطن علشان تصدقيه زيّ ما أنا شايف دلوقتي.. تقدري تقولي لي لو اللي في دماغك طلع غلط هيكون موقفك أيه؟! مش هتاخدي من كل دا غير الوجع.
أصاب جسدها رجفة خفيفة وهي تشيح بوجهها بعيدًا عنه في رفضٍ قاطعٍ للإنصات إلى حديثه. تنهد بهدوء قبل أن يتابع ما أن رأى اجتنابها لحديثه:
- هو دا رد فعلك طول الوقت لمَّا الكلام مش بيعجبك.. تبعدي وشك عني وترفضي حتى التفكير في كلامي!!
التفتت إليه مرة ثانية ثم صاحت في تحدٍ وإصرار:
- ولو أثبت لك إني صح يا ماكسيم.. موقفك إنتَ هيكون أيه قدامي؟!.. دا مش بيكذب عليا أبدًا.. دا غير شعوري القوي ناحية الموضوع.
قالت كلماتها الأخيرة وهي تضع يدها على قلبها وصوتها يخنقه الألم واللوعة. تنهد تنهيدة ممدودة بعُمقٍ قبل أن يلين في كلماته مُقدرًا حُزنها:
- أتمنى إنك تكوني صح ومتمناش أبدًا أشوف الوجع والاستسلام بيتملكوا منك.. افتكري دايمًا إني في ضهرك.. أنا روحي من زمان قدمتها فدا لروحك يا نجلا.. فداكِ كُل الناس وأنا في مقدمتهم.
تخضبت وِجنتاها في خجلٍ وهي تراه ينهال عليها من رسائل غرامه المخبأ لها. تعلم جيدًا أن قلبه ينبض لها منذ زمنٍ حتى أنه أوفى رجلًا يمكنها أن تحوز عليه في حياتها. وربما هو فرصة من الله لها كي تنجو. وقلبها يخشى أن يفقده ولكنها تود استرداد ما سُلب منها عنوةً كي تمر إلى قلبه بكرامةً سيدة دافعت عن شرفها حتى الرمق الأخير. بادلتهُ ابتسامة ناعمة ودت كثيرًا لو تستطع الرد على كلماته الداعمة التي تخبئ بين طياتها الكثير من الأمل في الحصول عليها. ولكنها كمن صُلب قهرًا وظُلمًا ثم قرر ظالمها أن يضمر النيران من حولها كي تلتهما التهامًا. بينما تميل هي قليلًا إلى النار التي تستعر من حولها لإشعال سيجارتها القابعة بين شفتيها.
تنحنحت قبل أن تقول بكلمات ثابتة حقيقية:
- وجودك فارق في حياتي لأن قوتي مصدرها إنتَ يا ماكسيم.
ماكسيم بابتسامة خفيفة يقول:
- في الخدمة يا بطل.
في هذه اللحظة لاح أمام عينيها ظل رجلٍ يهرول مسرعًا إليهما. وما أن اقترب وأبصرته حتى وجدته أحد رجالها يقول وهو يقف أمامهما في ثبات:
- في أخبار بتقول إن بنت عثمان عملت حادثة وعربيتها اتقلبت وهي دلوقتي في المستشفى.
اندهشت في باديء الأمر ولكنها تابعت بصوت خافتٍ يغلفه الهدوء:
- للأسف تمن وساخته بيدفعه ولاده!!
دخلت إلى الغُرفة بخطوات مُبعثرة خائفة بعد أن تأكدت من وجودهم جميعًا بالأسفل لتناول العشاء. كان قلبها يدق بخوف شديد وهي تتسلل إلى المكتب خفيةً كاللصوصٍ. تحركت بهدوء للداخل ثم بدأت تبحث بنظرات متوترة مُضطربة عن مبتغاها. كانت تلتفت بين الحين والآخر إلى الباب حتى تتأكد من عدم قدومٍ أحد. فبدأت تفتش في كل مكانٍ بأنفاسٍ تضطرب كلما تذكرت أن يُمسك بها. وبسرعة تحركت نحو التسريحة وفجأة تحول اضطرابها إلى هدوء وابتسامة ماكرة لتلتقط المشط الخاص به. ثم تنظُر إلى خصلات الشعر العالقة بين أسنانه وتتنهد تنهيدة ممدودة بعُمقٍ.
فجــأة انفتح الباب على غفلة منها فالتفتت بفزعٍ تنظر إليه. ثم هدأت ملامحها مجددًا وهي تجده يغلق الباب بقوة ثم يتحرك إليها حتى التصق صدره بجسدها. وبدأ يداعب عنقها بأنامله. بينما تابعت هي بنبرة ثابتة:
- مين نجلا دي يا عثمان بيه!!
قطب حاجبيه فورًا ثم توقف عما يفعل وابتعد قليلًا وهو يقول بلهجة حادة:
- وإنتِ عرفتي نجلا منين؟!!
عضت شفتيها ثم تابعت ببرود:
- طلبت مني أجيب لها حاجة تخصك!!!
اكفهر وجهه تمامًا وهمَّ أن يستفسر عمَّا تقول. فأسرع بإدارتها إليه ثم ضغط على رسغها. وقبل أن يتكلم وجد باب الغرفة يُطرق بقوة وصوت "نبيلة" يأتيه من الخارج صارخةً بهياجٍ:
- الحقني يا عثمان.. سكون عملت حادثة!!!
رواية رحماء بينهم الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم علياء شعبان
جمعت أمتعتها على عجلة من أمرها حينما جاءتهم أنباء من الريف حول ولادة زوجة ابنها "راوية" التي تعرضت لنزيفٍ حادٍ وبوادر ولادة مُبكرة عن موعدها.
كانت "شروق" تُعين "تماضر" على جمع الأغراض لكسب بعض الوقت، حتى أنها قررت مرافقتها إلى البلدة وبقاءها بجوار زوجة سِلفها في أوقات كربها. أخبرت عن نيتها لزوجها الذي رحب بقرارها كثيرًا وقرر أن يصحبهما إلى موقف الحافلات. وما أن تصل إلى موقف المدينة سيقوم أحد رُفقاء "عِمران" بنقلهم بعربته الخاص حتى باب البيت، على وعد بالمجيء خلفهم عقب انتهاء عمل الغد.
أسرعت "شروق" بارتداء حجابها بشكل غير مُنظم، تستعجلها الأخيرة بشكل مُتكررٍ وملامح متوترة. فانصاعت تهرول خلفها إلى الباب.
وهنا تابعت "تماضر" بأنفاس لاهثة:
- اوعى يا عِمران تنسى تيجي بكرا تطمن على مرات أخوك وتبارك لأخوك؟
أومأ مجيبًا بإيجاز وهو يفسح لها الطريق كي تمر قبله:
- مش هنسى يا أمي، هخلص شغل بكرا وهكون عندكم.. خلي بالك إنتِ بس من شروق!
ضغط على كلماته الأخيرة، فهزت رأسها بتفهم ثم هرولت إلى الحديقة. بينما التفت "عِمران" إلى زوجته التي تقف بجواره، يرمقها بنظرات عطوفة قبل أن يحتضن كفيها بخاصتيه ويقول بهدوء:
- متأكدة إنك عايزة تسافري مع أمي؟
أومأت دون تردد ثم أجابت بسجية طفلة تنسى الأذى الذي تلقته بسهولة:
- أكيد طبعًا علشان أكون مع طنط وراوية ونستقبل البيبي!!
سكتت هنيهة ثم أردفت بلهجة يغمرها الحماس:
- فرحانة أوي وكأني همسك ابني أنا بعد شوية.
اتسعت شفتيه بابتسامة ودودة، فرفع كفيها إلى شفتيه ثم قبل الكفين تباعًا وهو يسقط غارقًا للمرة التي لا يعرف عددها في بحور براءتها. فهي أول مثال يقابله في هذه الحياة ويكون مُحبًا بشدة للخير الذي يطرق أبواب الناس حتى لو كانت تفتقده وتموت بشدة لامتلاكه. ولكنها مؤمنة بأن الشيء الذي لا يطرق بابها لم يحن به الله بَعد، وأن الدور لم يأتِ عليها. فهذه المرة اختص بخيره عبده هذا، وتلك المرة اختص به عبده ذاك، وذات مرة سيختصها الله بذلك الخير دونًا عن غيرها.
أردف "عِمران" بعينين يفيض العشق منهما:
- قريب أوي هنمسك حتة مننا زيّ كُل الناس، ربنا مُطلع كويس أوي على قلوبنا وأكيد هيجبرنا.
أشار بسبابته في هذه اللحظة نحو قلبها وأكمل:
- مش علشاني.. علشان القلب الأبيض دا.
افتر ثغرها عن ابتسامة ناعمة وقالت بقليل من الأملٍ:
- إن شاء الله هيجبرنا.
أومأ يؤكد ظنها بالله، ثم طوق كتفيها بذراعه وباليد الأخرى حمل الأمتعة ثم تحركان سوية خارج جدران البيت تمامًا ليجدا "تماضر" تمكث في السيارة تنتظر قدومهما بأعين مُترقبة. وما أن رأت ابنها حتى صاحت بصوت متوترٍ:
- يابني يلا يا دوب نلحق!!
ركب داخل السيارة على الفور وجاورته زوجته ثم انطلق بهما إلى موقف الحافلات لاستقالة الحافلة التي ستتحرك بعد نصف ساعة من الآن. بدت "تماضر" أمثر ضيقًا لأن ابنها قد احتجزها في بيته لكثير من الوقت، وهي التي تمنت لو رافقت "راوية" في هذه اللحظة وكانت أول من تحمل الجنين. أزاد "عِمران" من سرعة السيارة كلما طلبت منه والدته بإلحاح شديدٍ. وصل للتو إلى الموقف، فترجلت "تماضر" بهمَّة فتاة عشرينية تهرول إلى الحافلة، بينما تابع "عِمران" وهو يقبل يد زوجته التي لا تستطيع اللحاق بالأخيرة المتوترة:
- خلي بالك من نفسك ولما توصلي كلميني!
أومأت وهي تسحب كفها من بين كفه برفقٍ ثم هرولت خلف حَماتها صاعدةً على متن الحافلة. تحولت بنظراتها للجانبين حتى وجدتها تجلس على أحد الكراسي المجاورة النافذة، فاقتربت منها وجلست بجوارها وهي تحاول استرقاق النظر عبر النافذة لرؤية زوجها وتوديعه. وما أن وقعت عيناها عليه حتى وجدته يلوح لها بيده في اهتمامٍ ونظرات تُخبرها أنه سيشتاق لها!
ظلت تلوح بيدها لبعض الوقت حتى أنها مطت شفتيها بامتعاضٍ لأن حماتها تحيل بينها وبين رؤيته. وما أن أدركت "تماضر" ذلك حتى ضربت كفًا بالآخر وتبادلت معها الأماكن لتنشرح أسارير وجهها وهي تضع جبهتها على زجاج النافذة وتتابع وجوده باشتياقٍ شديدٍ. وهنا ابتسمت "تماضر" بهدوء ثم تابعت:
- هو إحنا مهاجرين؟ بكرا هييجي لك يا قدري، كفاية حبكم نفخ لي بطني.. هولد منكم!
قطبت "شروق" حاجبيها ثم أردفت متوجسةً في دهشة وهي تلتفت بنظراتها إليها:
- إنتِ حامل يا طنط؟ مستحيل!!
تماضر بغيظٍ مكظومٍ:
- معاكم المستحيل ممكن يا ضنايا.. خليتي ابني ملزق.. روحي ساخت عليا من المُحن.
التوى شدق "شروق" ثم تابعت بتبرم:
- بودعه علشان هفتقده!!
تماضر وهي تصك أسنانها بغيظٍ:
- أنا اللي هتفقد وهروح منكم.. لفي وشك وسيبي جوزك يروح يشوف مصلحته.
أومأت "شروق" على مضضٍ وقررت أن تجلس باعتدال في كرسيها وأن تتركه يذهب إلى البيت والاستراحة قبل بداية يوم عمل شاق غدًا. ركب سيارته ثم انطلق بعد أن اطمأن على سلامتهما داخل الحافلة. وما أن تحركت السيارة عدة مترات حتى توقف فجأة مرة أخرى، فارتد قليلًا للأمام وهو يُنصت إلى المُتحدث إليه عَبر الهاتف ليقول بلهجة فزعة:
- تمام.. جايين حالًا.
أسرع بغلق المكالمة ثم ضغط فورًا على رقم زوجته التي أجابت على مكالمته بسرعة غريبة وكأنها تنتظر أن يُنير اسمه هاتفها:
- أيوة حبيبي!!
أتاها صوته يقول بعجلة وتوتر:
- انزلي بسرعة من الأتوبيس.. أنا راجع لك تاني.
خفق قلبها هلعًا وهي تستفسر بتوجسٍ:
- ليه يا عِمران؟ حصل أيه؟!
ابتلع ريقه على مهلٍ قبل أن يُقرر مصارحتها بالحقيقة حتى لا تظل تسأل عن السبب طوال الطريق:
- سكون عملت حادثة بعربيتها وهي حاليًا في المستشفى!
أصاب جسدها رجفة قوية وهي تنتفض واقفةً في مكانها حتى أصابعها التي ارتعشت بصورة ملحوظة جعلت "تماضر" تنظر إليها بانتباه داهش حينما سقط الهاتف على الأرض لأن أناملها المرتخية لم تعد تقوى على حمل الهاتف على الإطلاق. أسرعت "تماضر" تهز الأخيرة التي تقف مُتسمرة بجسد مُتيبس لا يتحرك منه شيء سوى دموع تنجرف بلا هوادة وقالت بصوت مرتعبٍ:
- شروق! مالك وأية اللي حصل؟!
لم تجد ردًا منها، فمالت تلتقط الهاتف ثم وضعته على أذنها تتساءل عما يجري إلى أن أخبرها ابنها بما تمر به "سكون". فقامت "تماضر" بوضع الهاتف في يدها ثم أردفت بنبرة مُشفقة تدفعها إلى مغادرة الحافلة:
- انزلي يا شروق بسرعة قبل الأتوبيس ما يتحرك، لازم تكوني جنب أختك!
سحبتها كلمات حماتها من داخل هوة عجزها السحيقة التي أوقفتها متيبسة في مكانها، هرولت مُسرعة عَبر ممر الحافلة ثم هبطت درجاتها وراحت تجهش باكيةً وهي تنظر حولها بنظرات تائهة وعقل فقد قدرته على التركيز والتصرف. طفقت تمشي بقوة خائرة تنظر على جانبيها باحثةً عنه إلى أن وجدت سيارته تقف أمامها ويترجل مُسرعًا منها. وهنا كان هو ملاذها الوحيد دومًا، لتركض بقلب مُلتاعٍ ونظرات فزعةً تخشى الفقد حتى استقرت بين ذراعيه وراحت تتشبث به بقوة وصوت نواحها يعلو تدريجيًا وهي تقول بانهيارٍ كاملٍ:
- سكون!! أختي يا عِمران!
أسرع باحتوائها بقوة بين ذراعيه عله يستطيع طمأنتها أو يخفف عنها ولو قليلًا من الألم الذي تشعر به. ابتعد قليلًا ثم تابع بلهجة ثابتة:
- إن شاء الله سكون هتكون كويسة لأنها بنت قوية وإنتِ لازم تحسني الظن بالله، تعالي!
أنزل ذراعيه عن كتفيها ثم قبض على كفها وقادها معه إلى السيارة مقررين الإسراع إلى المستشفى التي اُحتُجزت فيها شقيقتها، حتى أن قلبها الخافق سبقها إلى هناك منذ زمنٍ.
هرع الجميع إلى المستشفى ما أن تلقوا الخبر بحُزن ملأ قلوبهم قبل أن تكتئب وجوههم. شرعت "نبيلة" تبكي بكاءً مريرًا لا يتوقف أو تخف حدته، كما قابل "عثمان" الخبر بملامح فزعة وقلبٍ يخفق بهياجٍ ما لبث أن امتد إلى حركات جسده وهو يهرول مسرعًا إلى سيارته واقتيادها إلى المستشفى ومعه زوجته. فيما استغلت هي ذهابهم جميعًا حتى "عُمر" الذي ذهب بسيارة خاصة بأمر من والده. كان القصر شاغرًا تمامًا فقررت أن تنفذ ما أملاه عليها قبل تلقيه الخبر. انتفض جسدها فزعًا وهي تجد كفًا يضغط على كتفها وصاحبته تقول متوجسةً:
- سرحتي في أيه يا هند؟
التفتت "هند" بعينيها إلى زميلتها ثم افتعلت الحُزن بملامحٍ مُكفهرة وراحت تقول بصوت خافتٍ:
- زعلانة على سكون هانم.
أجابتها الأخيرة تلقائيًا بنية صادقة:
- والله قلبي وجعني عليها، بس إن شاء الله تقوم بالسلامة.
أومأت "هند" بتفاعل فاترٍ ثم تنحنحت قبل أن تقول مرة أخرى:
- تفتكري يا بت يا سعاد دا حق سُهير وبنتها وربنا بيخلصه من عثمان؟!
رفعت "سعاد" كفيها وأنزلتهما ببلاهة فيما كانت كلمات "هند" الموحية تحمل مغزى أكبر بكثير من مجرد الاشفاق على زميلتها السابقة وابنتها؛ فهناك ما تسعى إليه بعد تلقيها الأوامر منه. كانت "هند" دومًا أفضل وأهم العاملات بالقصر وأقربهم إلى قلب عثمان؛ فهي ذراعه الأيمن الذي يرشده وينبهه بكل ما يدور داخل القصر تفصيليًا، كما أنها الصديقة المُقربة لسهير ولكن الصلة بينهما انقطعت بعد ذهابها من القصر. إلا أن "سعاد" بقيت على تواصل مع زميلتها المطرودة من القصر ظُلمًا.
مطت "سعاد" شفتيها ثم رددت بنبرة متوترة حذرة:
- معرفش يا هند، بلاش نتكلم في حاجة متخصناش.
رمتها الأخيرة بنظرة نارية ثم رددت بحنقٍ:
- يخربيت معرفتك.. هتفضلي جبانة طول عمرك.
أشاحت "سعاد" بوجهها في ضيقٍ تتجنب النظر إليها والاحتكاك بها فيما لم تترك لها الأخرى حرية تجنبها وأسرعت تقبض على ذراعها وهي تقول بلهجة حازمةً:
- طيب والله سُهير لازم تعرف إن حقها رجع لها، هاتي رقمها!
رمقتها "سعاد" بضيقٍ من إلحاحها ولكنها في النهاية استسلمت لها فانتشلت "هند" الهاتف من يد الأخرى وطفقت تبحث في هاتفها عن الرقم الذي وجدته بسهولة في سجل المكالمات القريب لتتابع بضحكة سمحة:
- متكلمين من 4 ساعات 37 دقيقة!!!.. دا إنتوا رغايين موت.
همَّت "سعاد" أن تسحبه منها في محاولة بائسة بينما ضغطت الأخيرة زر الاتصال وما هي إلا ثوانٍ حتى وصلها صوت سهير تقول بهدوء:
- أيه يا سوسو.. خلصتي شغل؟!
ظهرت ابتسامة ماكرة على شفتيها وهي تقول بخبثٍ:
- لأ أنا هوهو يا روح قلبي.. أنا هند.. عاملة أيه؟ وحشاني خالص!
زوت "سهير" ما بين عينيها في استغرابٍ ثم أجابتها:
- وحشاكِ فعلًا! أمال من ساعة ما مشيت من القصر مرفعتيش عليا سماعة تليفون ليه؟!
هند تفتعل الضيق والمذلة:
- أعمل أيه يا سهير ما إنتِ عارفة القواعد المشددة هنا وأنا بجري على كوم لحم وعايزة أعيش وأعيشهم.
سكتت هنيهة ثم أكملت:
- المهم أنا بكلمك علشان أقول لك إن حقك رجع لك إنتِ وبنتك.
انتبهت "سهير" لكلماتها بكل حواسها وتابعت بفضولٍ شديدٍ:
- إزاي؟
هند بابتسامة انتشاءٍ تابعت:
- سكون هانم عملت حادثة بعربيتها وحالتها باين كدا خطيرة أوي.
تفاجأت "سهير" مما تسمع حتى أنها وبسرعة فائقة وجدت فرصة كي تعود ابنتها من سفرها مرة أخرى؛ فتابعت بعقل مُزدحم بالأفكار تتطلع إلى سماع التفاصيل:
- والحادثة دي حصلت لها إزاي وبسبب أيه؟
نفت "هند" بكلمات ثابتة ترفض إرواء فضولها:
- لأ، دا الموضوع يطول شرحه وإنتِ بصراحة وحشتيني وعايزة أجي أشوفك وأشوف وَميض، عندك مانع نتقابل النهاردة؟!
أجابتها "سهير" على الفور:
- لأ خالص بس وَميض في شهر العسل ومعرفش هيرجعوا بعد ما يسمعوا الخبر ولا لأ!
هند بنبرة تحفيزية للأخيرة كي تتصل بابنتها وتخبرهم بالحادثة رغم رفض الجميع اخبارهم وتعكير صفوهم:
- دا لازم يعرفوا.. ما تنسيش إن سكون بنت عم الشيخ تليد وهيزعل أوي لمَّا يعرف إنكم خبيتوا عنه!
سهير ترد بحسمٍ:
- دا أنا هتصل بيهم حالًا.. مع السلامة.
أغلقت "سهير" فورًا ونجحت في تنفيذ خطتها بكُل سهولة ويُسر مُعتمدةً على مكر "سهير" وعداوتها الشديد لزوج ابنتها. ضوى بريق مخيف من عينيها وهي تمد يدها بالهاتف نحو "سعاد" التي تسللت الشكوك إلى نفسها ولم تشعر براحة تجاه تصرف زميلتها.
جلس الاثنان إلى المائدة بأوجه مُقتضبة يتناولان العشاء في أجواء صامتة تمامًا؛ فتليد يرفض قطعًا التكلم معها نتيجة لما فعلته من تلاعب بمشاعره المُتأججة نحوها والتي تشتعل رغمًا عنه كلما اقتربت منه وشعر بأنفاسها بجواره. يحاول مليًا أن يتحكم في غريزته نحوها في محاولات بائسة، وكانت هي السبب الوحيد والأوحد الذي يقيد عزيمته ويقتلها ويستخرج من أسفل قوته آخر يهرول مُتلهفًا إلى إشباع غريزته منها؛ وهو الذي يجعل الغريزة خاتمًا في إصبعه، ولكن ما أن تبصرها عيناه تتحول غريزته المسيرة بإرادته وقوته إلى مسيطرة. لا تفهم جيدًا الحالة التي أوصلته إليها، لا تُدرك انتظار شخص لشخص آخر يحبه ويموت في سبيل لقائه، كيف يكون حينما تخضع الظروف لرغبته وتسير إليه الشخص الآخر؟! بالفعل عليه أن يروي ظمأ لحظات الانتظار التي كابدها، ولكنها لا تفعل سوى زيادة الحلقة النارية داخله وهي تجمع أشياء أخرى وترميها داخل النار كي تزداد اشتعالًا وتتأجج.
رفعت الملعقة إلى فمها بفتورٍ وهي ترمقه بطرف عينيها بمشاعرٍ تكتظ بالغيظٍ، وهي تجده صامتًا منذ ذلك الموقف الذي دار بينهما حتى باتت الأجواء كئيبةً وساد الصمتُ المكان فشعرت بالضجر الشديد والوحدة. تنحنحت قليلًا قبل أن تتابع بنبرة خافتة:
- إنتَ هتفضل زعلان كدا؟!
رماها بنظرة خاوية من المعاني وتابع تناول طعامه، فامتعض وجهها غيظًا وتابعت بصوت مغلولٍ:
- تليد أنا بكلمك!!
وضع الملعقة جانبًا قبل أن يشبك كفيه معًا ثم يقول بلهجة حازمة:
- صدقيني التواصل بينا هيكون أفضل في حالة إنك تعقلي!!
التوى شدقها وردت متبرمة:
- ليه؟ أنا مش عاقلة؟!
أجابها ببرودٍ:
- وهم بيوزعوا العقل والحكمة كُنتِ غايبة يا وَميض للأسف.
اكفهر وجهها حنقًا وردت باحتجاجٍ:
- كُل دا علشان هزرت معاك!!
لم يتحمل غباءها أكثر من ذلك، خبط سطح الطاولة بكفه وهدر محتدًا بالغضب:
- إنتِ مش فاهمة حاجة... خالص.
سكت هنيهة ثم تابع بصوت يعبق بحرارة عميقة:
- مش فاهمة يعني أيه واحد يعيش عُمره كُله مستني ربنا يجمعه بواحدة معينة.. اتعرض عليه كتير وشاف كتير وبردو فضل قافل بابه عليه مستني ربنا يقدرها له.. مش فاهمة يعني أيه تبقي جنبي ومراتي ومش عارف أعيش معاكِ الحياة اللي رسمتها.. مش عارف حتى أرضي رغبة سنيني اللي فاتت فيكِ.. أنا ضميري رافض الدونية دي مع إن قلبي بيحرضني وإنتِ شاكرةً دمرتِ لي عزيمتي وجيتي مع قلبي عليا.
حركت رأسها نافيةً وهي تقول بندمٍ:
- مكنش قصدي يا تليد.. أنا كُنت عايزة أهزر معاك بس!!
تليد بعد هدأت فرائصه قليلًا ما أن باح بما يملأ خلجات نفسه:
- اللي عملتيه دا عِند فيا واستفزاز لعزيمتي مش هزار أبدًا.
ابتلعت ريقها على مهلٍ، همَّت أن تنفي ظنونه ولكنها وجدت هاتفها يصدح عاليًا فالتقطته فورًا ووجدته رقم والدتها وكان هذا الاتصال في وقته هربًا من غضبه وتبريراتها التي لا تجدي نفعًا أمامه:
- أيوة يا ماما.
سكتت تستمع إلى والدتها ثم ردت بفتورٍ:
- أنا كويسة الحمد لله، وإنتِ؟!
أتاها صوت والدتها يقول بتوترٍ:
- الحمد لله يا بنتي، بس في خبر عايزة أقوله ليكم لأني محبتش تكونوا آخر من يعلم!
انصتت "وَميض" لها بكُل جوارحها؛ فتابعت الأخيرة تتصنع الضيق:
- سكون عملت حادثة بعربيتها وحالتها خطيرة أوي.
شهقت "وَميض" في صدمة ورددت بصوت مندهشة:
- سكون عملت حادثة.. إمتى الكلام دا!!
تملكه الدهشة وانتفض واقفًا في مكانه بملامح قلقة وما أن أنهت المكالمة حتى أردف يتساءل بخوفٍ وترقُب:
- سكون كويسة مش كدا؟!
تابعت الأخيرة عن جهلٍ حول الأمر:
- مش عارفة.. بس ماما قالت حالتها خطيرة.
تحرك مُندفعًا بسرعة كبيرة نحو الغرفة وبنبرة حاسمة تابع:
- البسي يلا.. لازم نمشي دلوقتي.
أومأت بتفهم وهي تتعقبه إلى الغرفة استعدادًا لمغادرة مطروح والعودة إلى القاهرة والبقاء بجوار ابنة عمه وصديقة طفولته؛ فمهما بلغ خلافه معها لا يستطيع التفريط بها وأخواتها ولا يرى سوى بقائه داعمًا وعصبًا متينًا لأوقاتهم العصيبة.
تجمع كل من وصله الخبر أمام غرفة العمليات التي دخلتها سكون منذ ساعتين تقريبًا وتشخصت الأبصار نحو الباب في انتظاره أن يُفتح وتخرج هي سالمةً محملةً على سرير مُتنقل ثم يخبرهم الطبيب أنها أصبحت على ما يُرام ولا داعي لقلقهم؛ هكذا تمنت قلوبهم وبشدة ولكن القلق استبد بهم مُنذ زمنٍ وهم يجدون العملية قد طال وقتها ولا يخرج أحدُ إليهم ويخبرهم باستقرار الوضع.
كان الممر مكتظًا بالعائلة بأكملها يترقبون خروجها، راح "عثمان" يصول ويجول أمام باب الغرفة في قلقٍ وجنونٍ بينما يجلس الباقية مجهشين في بكاء وعويلٍ إلا "كاسب" الذي جلس بعيدًا على الأرض واضعًا رأسه بين كفيه في انهيارٍ تملك من جسده وأفقده القوة الجسمانية تمامًا فبقى مرميًا بالأرض في قوة خائرة يتوجس خيفة أن يفقدها أو تروح من بين يديه بعد أن وجدها.. بعد أن تدق قلبه للمرة الأولى بعُنفٍ.. خرجت دموعه عن سيطرته كلما خُيل له أن تفارقه ولم يعيش حبه لها بَعد ولم يُخبرها بما تجيش به مشاعره تجاهها!!
بينما جلس الشيخ "سليمان" يقرأ في كتاب الله بنية خروجها سالمةً لأحضان أبويها، دعا كثيرًا ألا يرى فيها مكروهًا وأن تخرج بكامل عافيتها وتعيش شبابها الطويل وتهنأ به. كان قلبه يعتصر ألمًا كلما طال الوقت ولم يأتِ خبرًا عنها ولكنه يُحسن الظن بالله ويعلم أنه لن يُضيع فتاة شابة أينعت بذور حُبها للتو. في هذه اللحظة التفت يُمنة فرأى جسدًا خائرًا فاقدًا للأمل، لم يحتج الشيخ سليمان أن يطلع على سريرة نفسه كي يعلم أنه يموت خوفًا على ابنة أخيه وأنه يكن لها حُبًا مديدًا. بهدوء شديد أغلق دفتا المُصحف ثم نهض عن كرسيه متجهاً إلى ذلك الخائر بالأرض. لمس الوهن الذي أصاب نفسه عن كثب ما أن وقف أمامه مُباشرةً فلاحظ "كاسب" وجوده فرفع حدقتاه عاليًا يطالعه بعينين ذابلتين، باغتهُ "سليمان" وهو يتحامل على ساعده حتى جلس أمامه ثم تبسم بهدوء وسكينة وراح يقول:
- شايفك حزين أوي على سَكن، بس في المجمل يا ولدي ربنا بعتك ليها علشان تكون سبب في إنقاذها.
نكس "كاسب" وجهه بالأرض في وهن ولكنه تفاجأ بأنامل الشيخ تمسك ذقنه في رفقٍ ثم ترفع وجهه لتلتقي عينيه به مرة أخرى وبنبرة هادئة أكمل:
- اليأس مش طرف كسبان في اللحظات اللي زيّ دي يا ولدي، اليقين يكسب عنه، خليك في الجهة الرابحة دايمًا، أنا عارف إن بُكاءك لسبب أكبر من مُجرد شخص عاصر الموقف وتأذى من صعوبته، أنا فاهم إنتَ بتعاصر أيه دلوقتي.
حدق ناظرًا إليه بعينين استفاقتا قليلًا لمجمل الكلام فيما تابع الشيخ "سليمان" وهو يضع كفه على صدر الأخير قاصدًا قلبه:
- ربنا يربت على قلبك.
كطفلٍ وجد ذراع حانية تطقطق على قلبه بمواساة، ذرف الدموع بصوت مُتحشرجٍ حاول كتمه داخله بينما طقطق "سليمان" على كتفه بحنان بالغٍ وهو ينهض عن الأرض مرة ثانية.
وما أن همَّ الشيخ سليمان واقفًا حتى انفتح باب الغرفة على مصراعيه ليجدوها تخرج على سرير مُتنقل بصُحبة مجموعة من الأطباء والممرضات مهرولين بها إلى غرفة العناية المشددة ليخرج عليهم الطبيب المسؤول عن العملية ثم يتابع بصوت يتخلله بعض المواساة:
- الحمد لله قدرنا نوقف النزيف الداخلي ومن حُسن حظها إن أغلب جروحها كانت سطحية ومتشكلش خطورة على حياتها ولكن...
انتبهت له الآذان وتشخصت الأبصار منتظرين بقية حديثه في ترقُب ليتابع بهدوء:
- لسبب غير معلوم المريضة دخلت في غيبوبة ولكن أوعزنا الأمر لسبب نفسي، وارد جدًا المريضة قبل الحادثة كانت بتعاصر مشكلة نفسية كبيرة!!
رمقهُ "عثمان" باختناقٍ خاصةً حينما التفتت "نبيلة" إليه ورمته بنظرات نارية حادة ثم تابعت وهي تلتفت للطبيب مرة أخرى:
- يعني بنتي هتفضل في الغيبوبة دي كتير!!
تابع الطبيب بثبات:
- مقدرش أجزم بالمُدة ولكن حالة جسمها بتقول إنها كويسة أوي ومفيش أي خطر على حياتها يعرضها لغيبوبة وبناءً على دا أعتقد أن خروجها من الغيبوبة دي مش هيستغرق غير أيام في حالة إنها تستجيب للعلاج وتساعدنا.
بدأت "نبيلة" تلطم وجهها في خوفٍ وانهيارٍ فلم يزيدها كلام الطبيب إلا وجعًا. أسرعت "شروق" بجذب والدتها إلى أحضانها ثم تابعت من وسط بكاءها:
- طيب إحنا نقدر نشوفها يا دكتور!!
الطبيب مومئًا بهدوء:
- أكيد.. إحنا نقلناها لغرفة العناية.. ولكن يُفضل دخول فرد فرد لسلامة المريضة.
انصرف فور إمدادهم بكل الأمور التي تخص حالة ابنتهم ثم غادر فورًا. قررت "نبيلة" أن تكون أول الزائرين لها فظلت تبكي بمرارة غصت حلقها تستجديها بقلب أمٍ مكلومة أن تقاوم وتنهض للحياة بهمتها ونشاطها الطفولي مرة أخرى. يخرج شخص ويدخل آخر هكذا دواليك للاطمئنان عليها حتى حل الليل ولا يوجد جديد يطرأ على حالتها الساكنة.
انقضى الوقت سريعًا ووصل "تليد" إلى المستشفى بعد أن أوصل زوجته إلى بيت والدها رافضًا قدومها معه حتى لا تحتك بعمه الذي ما أن يراها يشتد غضبه ويثور. شعرت "وَميض" بالغضب الشديد منه ولكنها انصاعت لرغبته في النهاية كي لا ينشب جدالًا جديدًا بينهما. استقبلتها "سهير" بفرحة عارمة من نجاح خطتها التي أتت بابنتها إلى بيت أهلها من حديدٍ؛ وللوهلة الأولى تشعر وكأن حُب "سهير" لابنتها بات خطيرًا مريضًا فترغب بشدة في احتجازها بين جدران البيت لها وحدها دون مشاركة أحد فيها أو استقبال ابنتها لمشاعر الحب من أحد غيرها.
- نورتي الدنيا كلها يا قلب أمك.
بادلتها "وَميض" الابتسام وهي تمر داخل الشقة لتجد "هند" جالسةً على الأريكة وما أن رأتها حتى صاحت بصوت مهللٍ:
- الشاطرة بتاعتنا اللي قدرت توقع واحد من عيلة السروجي وتبقى سيدة القصر.
ما لبث أن تحول الابتسام إلى ملامحٍ واجمة، عقدت حاجبيها بحنقٍ من ادعاءاتها المريضة وسارت تخطو بهدوء نحوها وما أن وقفت أمامها حتى تابعت بلهجة حادة:
- أنا موقعتش حد لأني مش هند، ولا أيه؟
رماها بغمزة موحية من عينيها ثم التفتت إلى والدتها وقالت بهدوء:
- أنا داخلة أخد شاور وهعمل محاولة تانية مع تليد علشان عايزة أكون جنب شروق.
أومأت "سهير" بتفهم فحدقت "وَميض" في الأخيرة بنظرة نارية قبل أن تتجه للداخل. تنحنحت "هند" بحرج قبل أن تتابع بنبرة تفتعل فيها الحُزن لإثارة عطف سهير:
- يرضيكِ كدا يا سهير أسلوب بنتك؟ أنا مش عارفة مبتحبنيش ليه مع إني بحبها!
سهير وهي تقترب منها ثم تربط على كفها وتقول:
- معلش يا هند ما إنتِ عارفة الوضع اللي هي فيه وإنها مغصوبة على الجوازة!
أومأت الأخيرة ثم تابعت بحماسٍ:
- تعالي بقى أما أحكي لك الحوار كُله من أوله.
انصتت لها بكُل انتباه تستمع للقصة التي دفعت "سكون" على الانتحار كما أخبرتها "هند" وأن "عثمان" هو الذي قادها داخل هذه الهوة السحيقة حينما تعمد توبيخها وإذلالها أمام كل من بالقصر.
اندمجت "وَميض" في الاستحمام لأنها لم تكن تأخذ راحتها وهي معه ثم ارتدت رُوب شتوي وتحركت إلى الغرفة لتُسرع في تمشيط شعرها على عجلة من أمرها وبعد محاولات مُضنية وكثيرة تمكنت من الحصول على موافقته بصدد حضورها فقرر أن يُرسل لها سيارته مع أحد السائقين لاصطحابها. انصاعت على مضضٍ وأغلقت الهاتف ثم تعجلت في ارتداء ملابسها ثم توجهت للخارج مرة أخرى وهي تقول ببرودٍ:
- كلتي ودنها.. كفاية ارحمي نفسك!
ثم التفتت إلى والدتها وقالت بهدوء:
- أنا ماشية يا ماما، تليد بعت لي السواق مع عربيته.
تنهدت "سهير" بهدوء قبل أن ترد مرغمةً:
- ماشي يا وَميض.. بس ابقي تعالي تاني؟!
أومأت بابتسامة هادئة فيما تابعت "هند" بنبرة تفتعل فيها الحُب والود:
- مش غلط عليكِ تنزلي في البرد دا وإنتِ لسه واخدة دُش؟ دا حتى شعرك ملحقش ينشف ولا سرحتيه!!
افتر ثغرها عن ابتسامة متهكمة ظهرت من جانب شفتيها وردت باقتضاب وهي تتجه إلى باب الشقة:
- نشف وسرحته ياختي.. متخافيش إنتِ بس عليا.
هند بضحكة سمجة تلحقها قبل أن تغادر:
- استعجلي بقى يا وَميض وخلي أستاذ تليد يشتغل كويس عايزين نشيل عيالكم قريب!
رمتها "وَميض" بنظرة ناقمة مغلولة قبل أن تصفق الباب بقوة وهي تردد بخفوتٍ:
- سِمجة صفرا.
التفتت "سهير" إلى الأخيرة ثم تابعت على نفس وتيرة حماسها الذي ينبض في مصائب الناس:
- كملي يا هند!!
مطت "هند" شفتيها ثم تابعت باستنكارٍ:
- ياختي من ساعة ما جيت مقولتليش تعالي أفرجك على الشقة الجديدة، دا حتى أول مرة أجي لك فيها!
استشعرت "سهير" الحرج من كلماتها ثم تابعت وهي تنهض في مكانها مُرحبة:
- اندمجت مش أكتر يا هند، تعالي أما أفرجك على الشقة.
سارت معها تستكشف كُل رُكن بالشقة وعلامات الانبهار باديةً على وجهها بينما يكمن في خبيئة نفسها مزيجًا من الغل والرغبة في أن تحظى بمصير كهذا.. زواج من أحد الأغنياء وشقة لا ينقصها شيئًا. أخذت جولتها بأنفاس متأججة من الغيظ حتى أن وصلت إلى القسم الذي جاءت خصيصًا من أجله حينما تابعت "سهير" بابتسامة عريضة:
- دي بقى أوضة وَميض من ساعة ما اتجوزت وهي مقفولة ومحدش بيدخلها.
فتحت الباب بهدوء بينما أخذت "هند" تتفحص محتويات الغرفة باهتمام بالغٍ إلى أن وقعت عيناها على التسريحة فأسرعت تسعل بقوة مرة تلي الأُخرى حتى هرولت "سهير" إلى المطبخ لجلب الماء فيما اندفعت "هند" نحو المشط القابع على التسريحة تنظر إلى خصلات الشعر العالقة به والتي ما تزال مُبتلة فتيقنت أنها تخص وَميض، دفنتها بسرعة داخل حمالات صدرها بابتسامة متشفية واستمرت تسعل حتى ناولتها "سهير" الماء وارتشفت القليل منه، والآن أتمت مهمتها وحانت لحظة مغادرتها.
دعمه "تليد" كثيرًا بكلمات طيبة وطلب منه أن يُثابر ويظن خير الأمور، ثم قرر "تليد" اصطحاب الجميع إلى مطعم المستشفى لتناول القليل من الطعام الذي يمدهم بقليل من الطاقة لاستمرار. جاهد في إقناعهم بأن الامتناع عن الأكل ليس حلًا فانطلق هو وعِمران والباقية لتناول وجبة خفيفة بينما رفض "عُمر" مرافقتهم وسار بكرسيه إلى الحديقة شاردًا بوجه متجهمٍ غلفه اليأس إلى أن وجد ظلًا يقترب منه ثم يد تستقر على كتفيه وبنبرة هادئة تقول:
- عُمر!
لم يحتج أن يلتفت للتعرف عليها فصوتها لا يفارق أذنيه أبدًا ولا يمكن أن يخطئ حول شيء يخصها، تنهد تنهيدة طويلة قبل أن يجدها تستدير واقفةً أمامه وهي تقول بصوت خافتٍ:
- سكون هتقوم بالسلامة يا عُمر لأنها قوية ومش بتتهزم بسهولة.
كانت عيناه تنظر إلى الأرض بأنفاسٍ مضطربة ووجه تكسوه الحسرة يرفض قطعًا التقائه مع عينيها فأسرعت تجثو على ركبتيها أمامه ثم احتضن كفيها كفيه وهي تقول بصوت خافتٍ مُعتذر:
- أنا آسفة لو كُنت ضغطت عليكِ بكلامي وعارفة إن دا مش وقته، بس أنا نسيت خصامنا وقررت أكون في ضهرك وقت شدتك!!
حاول جاهدًا أن يخرج صوته طبيعيًا ولكنه خرج متحشرجًا يغلبه بوادر بكاء حينما قال:
- أنا ماليش غير سكون في الدنيا دي.. أنا محدش بيقويني أدها.. خايف أخسرها يا رويدا.. خايف آخر أمل ليا في الدنيا يروح مني.
شعرت بمدى الوهن النفسي الذي يسيطر عليه فقامت برفع ذراعيها ثم وضعت وجهه بين كفيها وهي تجبره على النظر داخل عينيها مرددةً في صلابة:
- إنتَ أكبر من الضعف اللي رامي نفسك فيه يا عُمر، سكون هتكون كويسة، ودي لحظة عابرة مش هتاخد وقت كتير، تمام!!
سقطت قطرة ساخنة من عينه وقال بلهجة مضطربة:
- خليكِ معايا يا رويدا.. إنتِ الوحيدة اللي كلامك بيلملم المتشتت من روحي.. ادعميني كل ما غصب عني أضعف!!
بادلته ابتسامة ودودة ثم تابعت بدعمٍ:
- معاك لآخر نفس يخرج مني يا عُمر.. إنتَ كمان على فكرة بتلملم المتشتت من روحي.. أنا بحبك رغم كُل الظروف وكُل الوجع اللي مختارناش نعيش فيه واتفرض علينا.
قبض بلين على كفها ثم قربه من شفتيه وقبله في امتنان؛ فيبدوان كنصفين مهما وضعت أنصاف أخرى لهما لا يكتملان سوى ببعضٍ.
وصلت "وَميض" إلى المستشفى ولكنها لم تصل إلى زوجها الذي أغلق هاتفه أو بالأحرى يجلس في مكان لا يلتقط شبكة. اندفعت للداخل صاعدة الدرج بعد أن سألت موظفة الاستقبال عن الغرفة التي تُحتجز فيها سكون.
كانت تتسطح على السرير بجسد وَهِن أصابه الجروح من كل مكانٍ، تنام في سكينة داخل عالمها التي رغبت أن تفر هاربةً إليه، تناثر شعرها على الوسادة كما أن لون وجهها بات شاحبًا يشبه في لونه شحوب الموتى اللذين مرة على وفاتهم وقت. وما أن أبصر شكلها حتى خارت قواه وجلس يجثو على ركبتيه أمامها.
ألقى بدماغه على السرير بالقرب من كفها تحديدًا وطفق يبكي بصوت كتمه لكثير من الوقت ولم يعُد يتحمل أسره داخله أكثر من ذلك، خرج صوت بكاءه مُتحشرجًا مكلومًا وهو يقول بانهيارٍ:
- سكون.. قومي.. علشان خاطري قومي.. أنا رسمت أحلام كتير معاكِ ومن حقي أعيشها!!
كان جبينه ملتصقًا بالفراش وكفه قابضًا بقوة على كفها كأنما يجبرها بقبضته ألا تفارقه وأن تبقى إلى جواره ثم بدأ يرفع رأسه قليلًا ويعود بها مرة أخرى إلى الفراش باستنكارٍ تامٍ للوضع الذي يعيشه ظل هكذا للحظات إلى أن سمع صوت آخر يأتي بالقرب منه:
- أيه اللي وصلك للحالة دي يا كاسب؟! معقول واحد بقوتك وحزمك بيموت من بُعد واحدة ست عنه؟!
رفع وجهه قليلًا بعد أن تعرف على صوتها ثم رمقها بنظرات ساخطة قبل أن يصرخ بصوت هادرٍ:
- سكون مش واحدة ست عادية.. سكون النفس اللي بيخرج مني.. افهمي بقى!!
تنهدت بعُمق قبل أن تتحرك نحو الفراش ثم تجلس إلى طرفه وتبدأ بوضع كف "سكون" بين كفها تمرر أصابعها عليه برفقٍ ثم تقول بحزم:
- بس دا مكانش اتفاقنا يا كاسب.. أنا مش جايباك هنا علشان تحب؟!
بدأ يضغط على رأسه بألم جارفٍ ثم ردد بأنفاسٍ مختنقة:
- غصب عني.. غصب عني حبيت يا نجلا.. استوعبي بقى!!!
لم تنتبه إلى كلماته قدر دهشتها وهي تجد أنامل "سكون" تتحرك بين كفها لتلتفت إليه ثم تصيح بمشاعر متهللة متناسيةً أنها ابنة عثمان السروجي:
- ايديها بدأت تتحرك يا كاسب!!!
رواية رحماء بينهم الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم علياء شعبان
احتاجت إجراءات خروجها يومين كاملين للتأكد من سلامة جسدها بفحص طبي كامل تم على قدرٍ كبيرٍ من الدقة والاهتمام. حينما انتاب الأطباء شكوك حول حركة جسدها، فأول ما فعلته كان تحريك أناملها بوهن وأهدابها بدأت تتباعد عن بعضها عد محاولات مُضنية منها، أما قدماها فلا تُحركا ساكنًا. فوجد الأطباء وجوب إخضاعها لكشف شامل، اختلج الخوف نفوس الجميع مخافة أن تلاقي نفس مصير شقيقها، استبد بهم القلق وأطاح بأعصابهم بقوة حتى ثبطت شكوكهم في النهاية بظهور النتائج التي أكدت سلامتها تمامًا. ولم يحتج الأمر سوى يومين كي تستطيع الوقوف مرة أخرى على قدميها.
كانت عودتها إليهم مرة أخرى بمثابة هبوب رياح باردة في نهار صيفي حار. يحبها الجميع بلا استثناء، فهي التي تسعى إلى اجتماع عائلتها إلى صفوف بعضهم بلا ضغينة أو تنافس يقتل ارتباطهم. ترى أنها رسالتها وسوف ترنو إلى تحقيقها مهما كلفها الأمر. أينعت نبتة رسالتها حينما رقدت في المستشفى لثلاثة أيام وكان الجميع يجتمعون داخل غرفتها دون نقص، يعتنون بها ويمدون يد العون لبعضهم ويحفزوها على مغادرة السرير في أسرع وقت.
أغلق سليمان دفتي مُصحفه بعد انتهاء القراءة فيه، يفعل ذلك كُل يومٍ بنية شفاءها العاجل. يستقر الشيخ على كرسيه بجوار فراشها وتستمع سكون له في ارتياحٍ لم تشهد له مثيلًا مُذ أن وُلدت، فلا تجد سكينتها النفسية إلا في حضور عمها الذي بمثابة يد حانية تقودها لبر الأمان والسلامة. ما أن أنهى قراءته حتي بدأت تفتح أهدابها رويدًا رويدًا أثناء جلوسها بشكل مُستقيم في سريرها، ثم التفتت نحوه وهي تقول بصوت خافتٍ يغلب عليه الوهن ومشاعر ما تزال تحت تأثير عذوبة صوته:
- من حُسن حظي إن سُليمان السروجي يبقى عمي.. أنا أخدت حظ الدُنيا كله فيك.
ارتفع الصفير ما أن صرحت بهذه الكلمات وبدأ كل من بالغرفة يبادرون بتصفيق حارٍ في أجواء فكاهية مرحة. حركت ذراعها صوبه فتناوله برقة ثم ربط عليه وهو يقول بلهجة هادئة ممتنة وقد تخضب خديه باللون الأحمر من كلماتها المادحة له وهذه أكثر الأمور التي تُخجله:
- أخجلتني يا سَكن.. ربنا يعزك يا بنتي.
تدخل نوح يقول بضحكة مازحة بعد أن أطلق صفيره في الأرجاء:
- يا بختك يا شيخ.. بيتقال لك كلام حلو والعشريني الغلبان دا مطفحوش.
جلجلت ضحكات كل من بالغرفة يدركون جيدًا إلام يشير، فالتفتت مُهرة إليه ترمقه بعينين تضيقان بوعيدٍ. أضاف تليد في هذه اللحظة بكلمات موحية يغلفها الاستخفاف بعجلة صديقه على الزواج:
- بكرا تطفح فعلًا يا غالي.. تحلى بالصبر.
كانت هي الوحيدة التي تفهم فحوى كلماته القصيرة ذات المعنى العميق. زجرتهُ بنظرة نارية رافعةً أحد حاجبيها له وفي نفسها أفكار شيطانية جديدة في انتظاره، ولكنها هذه المرة ستتوخى الحذر فلا يوجد ما يُثير غريزته نحوها وإلا لن يندم في النهاية سواها.
على عكس الجميع، لم يستطع تخطي خوفه من فقدها على الإطلاق حتى بعد أن أكد الأطباء حول ما تتمتع به من صحة جيدة وزوال الخطر عن حياتها. ولكنه لا يزال يشعر برائحة الفقد الجلل الذي إن حدث سينتشل روحه منه بفراقها. قد لا يكون الفراق كامنًا في الموت فقط. يخشى أن تنتزع قلبه من وتتركه يحمل فجوة عميقة داخله لن يملأها سواها. استند بجسده على الباب يطالعها بعينين شغوفتين وكأنما يلتقط لها صورًا يتصبر بها حين لا تكون أمام مرأى عينيه ولا يستطيع أن يُبصرها، وكأنما يُملي عينيه منها في وداعٍ أخيرٍ. لم تغفل سكون مُطلقًا عن التطلع إليه بين الفينة والأخرى ولم تجد لنظراته إليها تفسيرًا سوى أنه قد قرَّت عينيه وبرد دمعها في سرورٍ يخفيه.
لحظات من الابتهاج والسرور والانخراط في إلقاء الكلمات المازحة لتلطيف الجو قطعها مرور عثمان عبر الباب ثم صوته وهو يقول بلهجة حاسمة:
- خلصت إجراءات الخروج ودلوقتي نقدر ناخدها على البيت.
ابتهج الجميع بهذه الأخبار السارة وبدأوا يهنئوها بالخروج من المشفى سالمةً لينسحب بعض منهم للذهاب، بينما منعت نبيلة ذلك وهي ترمي نظرة شمولية على الكل قبل أن تقول بنبرة مُمتنة:
- أنا وعثمان عازمينكم على الغدا النهاردة بمناسبة خروج سكون سالمة ومفيش مجال للرفض لأن الطباخين دبحوا بالفعل والغدا جهز!
حاول البعض الاعتذار عن الذهاب إلى القصر بانسحاب هاديء ولكن قوبل التماسهم للاستثناء بالرفض وأصرت نبيلة إصرارًا مُميتًا على قدوم الجميع بلا نقص.
مشى عثمان نحو ابنته فناولها ذراعه كي تستند عليه معينًا إياها على النزول عن الفراش. كانت أطرافها مصابة ببعض الخشونة التي جعلت المشي في أول الأمر صعبًا. انكمشت تعابير وجهها حينما اكتنفها ألم سرى في كافة أطرافها. تطلع إليها عثمان بتوجسٍ مُدركًا جهادها للسير بشكل طبيعي. لقد احتاج عثمان إلى فترة صحوٍ يعي فيها أن سكون هي الوحيدة القادرة على نزع سلامه النفسي وإضرام الخوف بين خلجات قلبه ونفسه وأدرك ذلك بحق حينما خاف أن يفقدها. طالعها بنظرات مستقرة يصوبها داخل عينيها فبادلتُ بأُخرى مستنكرةً متساءلةً ولكنه في النهاية وَعى على بعض مشاعر الحب الذي دومًا ما يسمع عنها ولا يشعرها. حتى مشاعره لزوجته متخبطة وليست راسخة في قلبه كحبه لابنته سكون. يتساءل مليًا لماذا هي دونًا عن أشقائها؟! ولا يجد تفسيرًا لأسئلته المطروحة باستنكارٍ من أن يكون قلبه ومخاوفه بين قبضتي مخلوق على وجه الأرض. نعم هي ابنته؛ ولكنه يستنكر ضعفه حينما تتأذى.
- لو مش قادرة تمشي.. أشيلك!!
بسطت حاجبيها باستغراب احتل قسمات وجهها ولكنها أومأت بملامح واجمة ترفض عرضه:
- لأ.. أنا كويسة.
أبعدت نظراتها عنه وقررت أن تسير بصورة مائلة للطبيعية ولا تعبر عن آلامها أمامه. خرج الجميع من بوابة المستشفى وسارت تتعكز على ذراعه حتى استقرت داخل السيارة فجاورتها والدتها بينما جلس عثمان بجوار مقعد القيادة ثم أشار للسائق بالتحرك.
في لمحة عابرة أثناء تطلعها من نافذة السيارة، لمحتها تقف على مقربة منهم تراقب الوضع من أسفل نظارتها السوداء. لم يختلط عليها الأمر البتة؛ فكانت هي نجلا بقوامها الشامخ وثيابها المنمقة التي تضيق بشدة على جسدها وابتسامتها المستفزة التي ترتسم على محياها بغرور وثقة. انطلقت السيارة وغابت الأخيرة أن ناظريها وتركتها تقع في بئر غويطٍ من الأسئلة المتحيرة التي تنهش لحم رأسها. كانت تتطلع بشدة وفضول كبيرين لأجوبة والدها وهل فعل ذلك حقًا أم أن هذه السيدة تدعي عليه بالباطل!!
تابعت انطلاق السيارات بأعين ثابتة وغضب مكتومٍ تختزنه للوقت الصحيح؛ فلم يتبقَ سوى القليل على المواجهة الحتمية مع عدوها. تسلحت نجلا جيدًا ناويةً على أن تُبهر كُل ذرة به ولا يوجد في ذلك سوى نتيجتين؛ إما أن يموت انبهارًا أو قهرًا وفي الحالتين سيفنى على يديها. أظهرت ابتسامة بمكرٍ وهي تلتقط هاتفها الذي يرن مُنذ زمنٍ لتجيب بتنهيدة قصيرة وهي تتلفت حولها:
- عملت أيه يا ماكسيم؟!
أتاها صوته يوجز قولًا:
- العينة وصلت المعمل وفي ظرف يومين النتيجة هتكون عندك.. أنا عملت المستحيلات علشان أوصل وقت النتيجة ليومين.
بللت شفتيها بطرف لسانها ثم تأبطت حقيبتها وسارت بخطوات ثابتة نحو سيارتها المصطفة على الجانب الآخر من الطريق وهي تقول بصوت لا يطيق صبرًا:
- كُنت زودت الفلوس شوية واستلمنا النتيجة قبل كدا؟
تابع نافيًا معتقدها:
- لا ما هو مفيش قبل كدا.. التحليل دا بياخد وقت كبير جدًا.. فكرة إنه يظهر في يومين دا في حد ذاته معجزة.
تناولت جهاز التحكم الخاص بالسيارة من جيبها ثم ضغطته لتنفتح أقفال السيارة. فتحت الباب ثم استقرت على مقعد القيادة بعد أن رمت حقيبتها على المقعد المجاور لها وهي تنفخ مستاءة من شدة الانتظار:
- ربنا يصبرني بقى على اليومين دول.
تنحنح ماكسيم قبل أن يسألها مهتمًا عن وجهتها:
- هترجعي الڤيلا ولا هتروحي فين؟!
ردت بإيجاز:
- جاية يا ماكسيم.. مش رايحة في حتة وبعدين أنا حفظت الدرس.. مينفعش أتصرف أو أخد أي خطوة من غير علمك واستشارتك علشان إيد لوحدها متصقفش!!.
غمرته السعادة من تجاوبها مع طلبه ولم يحتج أن يتوسل إليها كثيرًا بألا تتصرف بتهورٍ يدفعها إلى خسارة حربها ضد خِصم تدرسه جيدًا والفوز عليه كسهولة نُطقها لاسمها:
- تمام.. كدا أنا اتطمنت.
اِفتر ثغرها عن ابتسامة هادئة، أغلقت الاتصال معه وأجرت غيره على الفور. انتظرت أن يأتيها صوته على أحر من الجمرٍ وما هي إلا ثوانٍ حتى وجدته يصيح بحفاوة:
- نجلا هانم بنفسها بتتصل عليا!!
تعمقت نظراتها وهي تنظر إلى الفراغ أمامها، تغنجت بضحكة ناعمة وهي تقول بصوت أُنثوي:
- كدا يا حميد تعمل حفلة تنكرية وما تعزمنيش عليها، بالسرعة دي نسيت صداقتنا يا وحش!!
تنحنح مستشعرًا الحرج ثم تابع يصارحها بغير لوعٍ:
- أصل أنا عزمت عثمان السروجي وعارف إن حمدي مكنش بيحبه.. نيتي كانت إني مضايقكيش بوجوده.. بخلاف دا فأنا أتشرف بنجلا زهران كواحدة من ضيوفي الأجلاء.
كانت تستمع إليه لا مُبالية بكلماته المُتملقة اللعينة فهو لا يختلف كثيرًا عن صديقه. تناولت طلاء شفتيها من الحقيبة وبدأت تطلي شفاهها ناظرةً في المرآة المواجهة لها وما أن أفرغ ما في جوفه حتى أجابته بلهجة ثابتة حاسمةً:
- نتقابل بالليل يا حميد.. أوريڤوار (مع السلامة)
استخدمت إصبعها في غلق المكالمة ثم عادت إلى طلاء شفتيها تدهنه باهتمامٍ. حدقت بقوة في صورتها المعكوسة بالمرآة وبدأت تقول بلهجة مُفعمة بلهفة الانتقام:
- أهلًا بيك يا عثمان في حربي المكشوفة.. بكرا أول يوم حرب بينا.
وضعت أحمر الشفاه داخل الحقيبة، وقبل أن تبدأ في قيادة سيارتها شعرت بحاجتها الشديدة في نيل القليل من الحرية فمالت بعينيها إلى حذائها ذي الكعب العالي بضجرٍ جعلها وبدون تفكير تنزع الحذاء وترميه بمللٍ على الكنبة الخلفية من السيارة.
كانت طاولة مستطيلة مهيبة لاقت بعائلة السروجي وأحفاده فوُضع عليها كل ما لذ وطاب وفي منتصفها وُضع الضأن المشوي القابع في صينية كبيرة مليئة بالأرز الملون. كان هذا اقتراح تليد لزوجة عمه لإماطة الأذى عن حياة أولادها وتحصينهم بالخيرات والصدقات فكان للطباخين والعمال طاولة مثيلة في بهو القصر يأكلون مما يأكله أهل البيت. ورغم رفض عثمان للوضع إلا أنها أصرت بحزمٍ وغضب كبيرين.
لم يجلس الجميع إلى الطاولة إلا بحضور سيدة الليلة؛ فانضمت سكون بسعادة تنبض بين ضلوعها وأخذت تتأمل الحضور بنظرات مهتمة لتحقيق الراحة والاستمتاع لهم. لم تبصره عيناها فزوت ما بين عينيها بارتيابٍ ثم التفتت بسرعة إلى والدتها تابعت باستنكارٍ:
- فين كاسب يا ماما؟ أكيد مش بياكل برا مع الطباخين؟؟
أومأت نافيًا وهي ترد في جهل حول سؤالها:
- أعتقد مش على السفرة برا كمان!
ابتلعت ريقها على مضضٍ ثم تحولت بنظراتها الحزينة إلى تليد وقبل أن ينطق فِيِها (فمها) الكلام وجدته يهز رأسه متطوعًا للبحث عنه وهو ينهض عن كرسيه بصوت هادئ:
- هشوفه في أوضته وراجع.. جايز يكون نام من التعب.
رمتهُ بنظرة مُمتنة وهي تتنفس الهواء إلى صدرها بعُمقٍ. ترقبت دخوله مع ابن عمها وظلت عيناها بالباب مُتشبثةً إلى أن وجدته يأتي من بعيدٍ وما أن اقترب حتى تأكدت من ملامحه أنه غرق في النوم دون أن يشعُر. أشار له تليد حيث مقعده فجلس عليه صامتًا بينما تابعت نبيلة بنبرة حماسية:
- يلا يا جماعة نبدأ.. الأكل هيبرد وإحنا لسه بندور على بعض!
لم يرق الأمر لعثمان أبدًا، لا يُحب أن تتساوى الرؤوس وأن يلتزم كُل أمرئ الوضع الذي وُلد فيه غير متطلعٍ إلى حياة لا ينتمي إليها. حدج كاسب بنظرات حانقة لم يلاحظها سواها؛ فأغمضت عينيها تتنفس رويدًا رويدًا كيلا ينتهي الأمر بينها ووالدها إلى عراك قاسي ومواجهة محتدمة. تحارب مشاعرها منذ لقائها بتلك السيدة حتى لا تبوح بما عرفته لوالدها وتتحقق من صدق هذه الأقاويل فقد قررت أن تؤجلها لحين تحسنها وذهاب الجميع إلى حياتهم.
شرع الجميع في تناول الطعام في صمت وهدوءٍ، بينما كانت وَمِيض تنظر إلى كاسب نظرات ثاقبة محتدة بالغضب الشديد واستطاع رؤية ذلك بوضوحٍ ولكنه لم يجد تفسيرًا للأمر فأشاح يتجنبها بغير اهتمامٍ. في هذه اللحظة قطع انخراطهم في تناول الطعام دخول علَّام وزوجته الذي ألقى التحية ثم قال وهو ينسحب بهدوء:
- بأعتذر.. مكنتش أعرف إنكم في وقت غدا.. حبيت أنا وسُهير نيجي نطمن على سكون.
ابتسمت سكون ابتسامة عريضة وهي ترد بكلمات محبوبة شاكرة:
- شكرًا جدًا يا عمي علَّام على مشاعرك الجميلة دي ناحيتي.
أومأ مبتسمًا لها في هدوءٍ. همَّ أن يخرج حتى يفرغوا من الأكل ولكنه فجأة وجد ابنته تصيح بصوت مندهش ثابت تدعوه بطريقة متوارية للانضمام إليهم:
- بابا إنتَ مش هتقعد تتغدا معانا ولا أيه؟!
تحولت بنظراتها إلى والديها الواقفين ثم إلى الجالسين إلى المائدة في حالة من الدهشة والارتياب. اعتلت شفتيها ابتسامة ماكرة وتعمدت النظر بقوة داخل عيني عثمان الذي رماها بنظرات سوداوية يستقر أسفلها غضب كامن وبصوت باردٍ تابعت:
- ولا أيه يا أنكل عثمان؟؟
نبشت غضبه المختبيء خلف هيئته الثابتة بأظافرها الحادة فهمَّ أن ينطق إلا أن نبيلة قاطعته بابتسامة متوترة وهي تتجه بنظراتها بين وَميض وعلَّام:
- أكيد طبعًا.. علَّام عشرة عُمر وشال القصر دا على كتافه طول السنين إلى فاتت وكان أحسن عامل عندنا.
مالت وَمِيض بجسدها قليلًا فوضعت كوعها على الطاولة وكفها أسفل وِجنتها وابتسامة متحدية أضافت:
- كان فعل ماضي.. الحاضر بيقول إنه نسيب عيلة السروجي وواحد منهم ودلوقتي مفيش سيد وخدام من اللحظة اللي اتضاف اسمي واسم أبويا لعيلتكم.
انتقلت بنظراتها ترصُد رد فعله الذي يشتعل ويظهر ناره من حدقتيه. تعمدت زم رأسها وأنفها تكبرًا موحية له بأن نظريته في الحياة قد ثبطت وأن الرؤوس بالفعل قد تساوت.
بدأ يكور قبضتيه في غيظٍ لا يود إظهاره منعًا لإحزان ابنته بعد خروجها حديثًا من المستشفى. تنحنح علَّام قبل أن يتابع بلهجة ثابتة:
- على العموم بالهنا والشفا ليكم لأني سبقتكم، حبيت أحي أطمن على سكون والحمد لله شايفة قدام عيني بخير وسلامة.. استأذنكم.
أطبقت وَمِيض على أسنانها في حنقٍ. لاحظ تليد غضبها الذي يتكون في طوره الأول فأسرع بوضع كفه محتضنًا كفها الصغير رامقًا إياها بنظرة مُحذرة يحثها من خلالها على التريث والحكمة ثم تابع بابتسامة هادئة محاولًا تلطيف الأجواء وتخيف حدة الأمور:
- عمي علَّام بعد إذنك اقعد حتى لو سبقتنا.. الغدا دا بنية خروج سكون ورجوعها بينا ونكون شاكرين لو شاركتنا الخير دا!!
هدأت فرائصها بكلامه حتى تدخلت نبيلة في الحال بنبرة مُصرة:
- اتفضل يا علَّام قبل الأكل ما يبرد!.
انصاع علَّام تحت ضغط كلماتهم فاعتلى كرسيه وكذلك فعلت سُهير. وقبل أن يتناول ملعقته ويبدأ هبَّ عثمان واقفًا في مكانه ثم ألقى بمنديل السفرة على كرسيه وقال بصوت خشنٍ حازمٍ:
- أستأذنكم.. عندي شغل مركون من أيام.
اندفع مُسرعًا خارج الغرفة ووجد أن ذهابه حلًا مثاليًا للسيطرة على انفعالاته وقلب الوسط إلى معركة كُل أخصامه فيها متكاتفين معًا للنيل منه. همَّ علَّام أن ينهض في حرج ولكنه وجد كف ابنته يضغط على ساقه أسفل الطاولة وابتسامتها المتشفية تعتلي محياها وبهمس خفيفٍ بجوار أذنه:
- متديلوش فرصة يتغلب عليك يا بابا!
أومأ في صمتٍ واستأنف الجميع ملأ بطونهم وما أن انتهوا حتى بدأت العاملات بالقصر في جمع الطاولة بانتظامٍ. وكان من بينهم هند التي رمت غمزة لزميلتها السابقة بالقصر جعلت سهير ترفع كتفيها في غطرسة. بدأت تقترب هند منها وبنبرة هامسة بالقرب من أذنها وسط غفلة الجميع قالت:
- فاكرة إنك كدا بقيتي شبه الهوانم يا سُهير؟ والله لو عملتي أيه، ريحة الفقر ما هتسيبك.
رمت لها غمزة أخيرة وانسحبت على الفور وسط نظرات سهير المُشتعلة في غيظٍ.
عادت سكون إلى غرفتها مرة ثانية لأخذ قسطًا لا بأس به من الراحة. وبدأ الجميع في التفرق في أنحاء القصر خاصةً بعد تشبث سكون بوجود عمها وابن عمها إلى جوارها هذه الليلة لأنها تعيش حالة من الأرق المزمن ولا تتمكن من النوم إلا أثناء الاستماع إلى صوت عمها الذي يتلو في سحر يسحبها إلى نومٍ هانئ حتى الصباح. استقبل سليمان طلبها بحُب وقبول وكذلك فعل تليد الذي استصعب مكوثه في هذا القصر ليلة كاملة ولكنه لم يود إحزانها. كان موقف وَمِيض مختلفًا تمامًا فرحبت بالفكرة دون مكابرة. تعجب تليد قبولها السريع ولكنه لم يُبالي بالأمر كثيرًا فهي في حمايته وأمام مرأى عينيه. بينما ثمة أمور في نفس وَمِيض دفعتها لقبول البقاء في هذا القصر الثقيل هواه على قلبها ولكنها لا بد أن تواجه.
في غفلة عن أنظار الجميع بدأت تتسلل رويدًا رويدًا إلى حديقة القصر بخطوات مبعثرة خشيةً أن يرها زوجها أو غيره. تلفتت من حولها متوجسةً قبل أن تُبصر غرفته وتهرول نحوها. أسرعت بالخبط بقوة لتجده يطل من خلف الباب بعد فتحه وعلامات الاستغراب بادية على وجهه. ضيقت عينيها في استنكارٍ من بين نظراته المتسائلة وأردفت بنبرة حانقة:
- إحنا لازم نتكلم!
على الجانب الآخر، استبد به القلق وهو يتجول بعينيه في القصر بأكمله. يتحرك مرتابًا بين مكان وآخر بحثًا عنها بعد أن فقدتها عيناه في لحظة غافلة منه. سأل الجميع عنها ولكن لم يرها أحد منهم. وقبل أن تنال منه الشكوك وتنهشه الأفكار السوداوية قرر أن يصعد إلى الغرف علها تكون داخل واحدة منهم. التهم درجات السلم التهامًا حتى وصل إلى غرفة سكون التي تجتمع داخلها برفقة اشقائها ووالدتها. لم يبصرها بينهم فقصد الغرفة التي خُصصت لهم للمبيت وما أن فتح الباب حتى وجد الإضاءة مغلقة جميعها ولا يوجد سوى الفراغ. بدأ يزفر في تحفظ واختناق ثم رصد غرفة عمه القابعة في نهاية الممر. هرع إليها فورًا ثم وضع يده على المقبض وقبل أن يهمَّ بفتحه سمع صوته يتحدث إلى شخص ما:
- استلمت العينة وشربت المقلب يعني؟!
وصل إلى سمعه صوتًا أُنثويًا يجيبه من الداخل بضحكة ساقطة:
- عيب عليك كله تحت السيطرة بس الغريب إني لما راقبت الراجل اللي شغال تحت إيديها لقيته دخل معمل تحاليل بالعينة!!
كانت تحيط عنقه بذراعيها في دلالٍ. أسرع بدفع ذراعيها عنه وقد تشنجت فرائصه مستفسرًا بتوجسٍ:
- معمل تحاليل؟ ودا ليه؟ هو دا مش قَطر هتستخدمه في أذية البت!!
اِفتر ثغرها عن ابتسامة ماكرة وهي تمد إصبعها وتداعب به شِفته السُفلى ثم تقول بعجرفة:
- ودي حاجة تفوتني؟!
اقتحم عينيها بنظراته الصقرية يحثها على الاستكمال في لهفة. بينما استفاضت الأخيرة تشبع فضوله المُلتهب:
- الراجل اللي خد مني العينة دا عامل زي ضِلها بالظبط فأنا قررت بعد ما خرجت من عند سهير وخدت عينة وَميض وادتها له إني لازم أراقبه لحد ما وصل لست أُبهة في نفسها أوي.. اتكلموا مع بعض شوية وبعدها مشي.. أنا عرفت بعدها إني دي نجلا هانم اللي قال لي عليها.. فضلت ماشية وراه وهناك لقيته دخل معمل تحاليل كبير.
سكتت هنيهة ثم أردفت بظفرٍ:
- حطيت ميتين جنية في صِدر البت اللي شغالة في الاستقبال وقالت لي إنه جاي يعمل تحليل حِمض نووي!!!
كمن سُكب عليه دلوًا من الماء البارد في شتاءٍ قارسة، يبست أطرافه بالكامل وصُعقَ من تصريحها فاندفع يقبض على ذراعيها ثم يهزها بهياجٍ قائلًا:
- يعني عينة وَميض في المعمل دلوقتي مش عند دجال؟!
زوت ما بين عينيها في استغراب وردت بنبرة سادرة:
- لأ ما أنا كنت فاكرة زيك إنها عايزة قَطر سكون علشان تعملها عَمل سُفلي تدمرها بيه وعلشان كدا قولت لك وإنتَ طلبت نبدله بعينة من بنت سهير ونخلص منها، بس العينة راحت حتة تاني خالص!
ضيقت عينيها ترمقهُ بفضول نهش لحم رأسها فلم تستطع كتمه وهي تقول بترقب:
- هي ليه بتعمل تحليل حمض نووي؟! إنتَ تعرفها يا عثمان بيه؟!
كور قبضة يده باختناقٍ شديدٍ وباليد الأخرى بدأ يمسح العرق الذي يتصبب على جبينه ثم التفت إليه مرة أخرى بعد أن تذكر أن يطرح سؤالًا متخوفًا بشأن هيئتها وقال بلهجة متعثرة مضطربة:
- شكلها عامل إزاي نجلا دي؟!.. انطقي!
ابتلعت ريقها على مهلٍ وردت:
- ست رفيعة كدا ولبسها ضيق وباين عليها بنت أكابر ومعرفتش أشوف ملامحها كويس علشان كانت لابسة نضارة سودة كبيرة.
كرر بعض من كلماتها باستهجانٍ وحيرة:
- بنت أكابر!
وصل إلى سمعه كل الحوار الدائر بينه وبين تلك المرأة الساقطة؛ لم يكُن يرغب في التنصت وقرر أن يغادر باب الغرفة ولكن اسم زوجته كان كفيلًا في جعله يهتم بسماع هذا الحديث المتواري للنهاية. انصدم من ذكر اسم شريكته وانفعل كذلك من تأجير فتاة لأذية زوجته ودفع الأذى عن أهله. نفرت عروقه بوضوحٍ واحتقن وجهه بحُمرة الغضب وقد أوغرت كلمات عمه قلبه بالغيظ والحنق. همَّ أن يفتح الباب مُنتفضًا ثائرًا والشرر يقدح من عينيه ولكن صوتها جعله يتراجع وهي تتساءل بوجومٍ:
- تليد، إنتَ بتعمل أيه؟!
التفت بجسده كُله نحو زوجته وبقى جامدًا في مكانه لا يُحرك ساكنًا. رمتهُ بنظرة ثاقبة يشوبها الحيرة من وقوفه المتجمد إلا أنه تمكن من انتشال جسده الذي أصابته الصدمة فخشبته. تحرك بخطوات هادئة صوبها وتدبر ابتسامة خرجت من داخله بالكاد وهو يقول بلهجة ثابتة:
- كُنت بدور عليكِ.. كُنتِ فين؟!
توترت قليلًا قبل أن ترد متوجسةً:
- في الجنينة؟ إنتَ فيك أيه؟ شكلك غريب ويمكن متوتر!!
ظل متصنعًا ابتسامة هادئة على محياه وهو يرفع كفه يلمس وِجنتها ويقول بحسمٍ منسحبًا من الإجابة على أسئلتها:
- أنا تمام.. هجيب شاي.. أجيب لك معايا؟!
أومأت بهدوءٍ فانسحب من أمامها في طريقه نحو الدرج وهو يقبض على ربطة عنقه وينتزعها باختناقٍ. تيقظ عقله الآن لمخططات عمه الدنيئة في النيل من وَمِيض دون مراعاة لزواجها من ابن أخيه أو حملها اسم العائلة حتى. أطبق أسنانه بقوة جامحة مقررًا تقوية حصونها والترصد لأعدائها ومعاقبة كُل من تسول له نفسه المساس بها وستكون البداية عند شريكته.
مطت شفتيها في حيرة مما رأت، فزوجها صار محتدًا بغضبٍ مكتومٍ قرأته في عينيه رغم تصنعه البسمة لإزالة الشك عن ما يضمر في داخله حتى خطواته المُتريثة تحولت إلى أخرى ثائرة تدك الأرض دكًا. تساءلت عما يفعله أمام غرفة عمه وما الذي سمعه لتتأجج حواسه كلها وتغلي على نار هادئة. أرادت أن تكتشف الأمرَ بنفسها ولكنها وجدت مقبض الباب يُدار فأسرعت بالابتعاد. تنهدت تنهيدة ممدودة بعُمقٍ قبل أن تتجه إلى غرفة سكون للاطمئنان على حالها. وقبل أن تمر عبر الباب وجدت سكون تنام بين ذراعي والدتها بينما تحتضنها شروق بقوة من ظهرها. كان تآلفهن تحطيمًا لروحها الهشة وبمثابة جمرة أُلقيت على أوجاعها الخامسة فأيقظتها. كان صوت جلجلة ضحكاتهن يقطع شرايين قلبها في مشهد لم تعشه من قبل ولم ترنو نفسها إلى تذوق دفئه من قبل. رغمًا عنها تشعر بمشاعرٍ مغتبطة نحو علاقتهن ولكنها لا تتمنى لهن إلا دوام الترابط. خفق قلبها بلوعةٍ داخل صدرها فرفعت كفها تسترق السمع إلى نبضاته الواهية ورغمًا عنها تسقط دمعة ساخنة من عينها. لم تشعر باقترابه منها أو ندائه المتكرر لها ولكنها استيقظت فجأة من سيطرة أوجاعها عليها وهي تجد ذراعيه يضمانها من الخلف وذقنه يستقر على كتفها قائلًا بنبرة هامسةً يغمرها الدفء والكثير من الوعود:
- أنا عيلتك.
ارتجفت أطرافها قليلًا وأسرعت تمحي دموعها قبل أن يراها. ظل مُتشبثًا بها ورفع وجهه قليلًا ثم قبل رأسها بحُب دفينٍ يتحرر من صومعته لأجلها فقط. ابتلعت غِصَّة مريرة في حلقها ثم بدأت تستدير مقابلة لوجهه. ارتسمت ابتسامة مستخفة على فمها ثم قالت بخفوتٍ وكسرة:
- هو المشهد دا كتير عليا يا تليد؟!
التقط كفيها بين قبضتيه ثم أجابها مواسيًا يتعمق بنظراته داخل عينيها البُنيتين العسليتين:
- دي إرادة ربنا.. أراد يحرمك مشاعر المشهد دا علشان يعوضك بمشاعر أقوى منها بكتير.. ربنا بيمنع لأسباب في صالحنا.. لو كُنا مطلعين على تدابير ربنا كُنا اختارنا نعيش اللي إحنا فيه دلوقتي بردو.
لم تقاوم دموعها هذه المرة وانهارت باكيةً تدفن وجهها تلقائيًا بين ذراعيه وبصوت متحشرج مُجهش رددت:
- مش قادرة أقاوم إحساس الغصن الوحيد في شجرة دبلت وماتت!!
طفق يمسح على ظهرها بحنان بالغٍ يخصها به وحدها ثم أردف بلهجة حانية:
- خليكِ إنتِ الغُصن اللي هيمد الشجرة بالقوة من تاني علشان تطرح.. وبعدين مش يمكن الساقي موجود والغُصن اللي رافض؟!
رفعت بصرها إلى عينيه ترمقهُ بشكٍ فيما رفع أحد حاجبيه مشاكسًا وهو يستكمل:
- خلاص يا غُصن براحتك.. إنتَ اللي مش عايزني أسقي الشجرة علشان تطرحك ومتبقاش وحيد!
خرجت ضحكة بسيطة من بين شفتيها لم تقوَ على ردعها وراحت تقول بغيظٍ من بين بكائها:
- أستاذ في نقل الحوار لمكان تاني خالص واستغلال الفرص.
افتر ثغره عن ابتسامة عذبة وهو يميل على جبينها مقبلًا إياه:
- فرص كهذه استغلها وامخمخ لها كمان.. اللهم بلغت بقى.
سحبت التبغ إلى صدرها بقوة ثم زفرت الدخان منبعثًا من فتحات أنفها وهي تتصفح الانترنت مسترخيةً بالكامل على سريرها وأحداث اليوم تمر تباعًا أمام عينيه. أخذت آخر نفس من السيجارة ثم دعستها بأناملها داخل المنفضة لتلتقط الكوب الساخن القابع على المنضدة المجاورة لها فترتشف القليل منه باستمتاعٍ شديدٍ. فارق النوم أجفانها تمامًا وهي تنتظر بقلب مُستعر لحظة ظهورها أمامه وتنتشي من رؤيته مرتبكًا مفزوعًا يتعرق أمامها. ربما سيتفاجأ من نجلا جديدة لا تشبه تلك التي لم تكن سوى شيء لا يؤبه به ولا يُلتفت له، تلك البريئة الضعيفة التي عاشت أقسى لحظاتها في محاولة منها أن تميط نفسها عن أماكن الخطر والآن ترمي نفسها باستمتاعٍ داخلها. رفعت رأسها عاليًا وبدأت تسحب الهواء إلى صدرها باسترخاءٍ وتأهُبٍ. ولكن كعادة ماكسيم يقطع عليها لحظات اختلاءها بنفسها لأنه يخشى أن يتركها لأفكارها المتهورة وعقلها الذي يحضضها على أشياءٍ مجنونة قد تدمرها عن غير قصدٍ. أجابته بهدوءٍ وصوت ناعسٍ:
- خير يا مُشتت الأفكار ومدمرة الخلوات إنتَ؟!
أجابها بضحكة مجلجلة لإثارة غيظها:
- طيب الحمد لله إني لحقتك وإنتِ وخلواتك اللي تخوف دي.
سكت هنيهة ثم تابع بظفرٍ:
- المهم عثمان الكرودية هو والبت بتاعته وقعوا في الفخ خلاص وزمانه دلوقتي برج من نفوخه طار.
جلجلت ضحكتها عاليًا وهي تتابع بمكرٍ:
- يعني مشيت وراك لحد المعمل زيّ ما إحنا عايزين؟!
ماكسيم مؤكدًا بثقة:
- واديت للسكرتيرة ميتين جنية علشان تسرب لها سبب وجودي في المعمل والسكرتيرة نفذت اللي قولت لها عليه واديتها التسريبة.
عضت نجلا شِفتها السُفلى ثم نبشت جانب رأسها بسبابتها وهي تسأل في فضول جامحٍ:
- تفتكر حالته أيه دلوقتي؟؟ بعد ما عرف إني أخدت عينة سكون من هند وروحت بيها المعمل؟!!
ماكسيم بابتسامة ماكرة يرد:
- يحترق وينهار ونفسه تكوني واقفة قدامه دلوقتي بس النهاردة من بكرا مش بعيد.
تنهدت نجلا طويلًا ثم أيدته بصوت خافتٍ:
- صح بكرا مش بعيد.
في صبيحة اليوم الموالي، استيقظت فزعةً على صوت رنين هاتفها المتكرر في عجلٍ. نفخت باحتقانٍ وغيظٍ من عدم إدراك المتصل بانعدام رغبتها على الرد وإلحاحه المُستمر. ضوت شاشة الهاتف مرة أخرى فألقت نظرة سريعة بعينين ناعستين وسرعان ما اعتدلت جالسةً في فراشها وهي تجيب على السكرتيرة الخاصة بمكتبها بعصبية مفرطة:
- في أيه؟ إنتِ مش عارفة إني نايمة وقبل ما أنام لاغية معاكِ كل مواعيدي النهاردة؟
ابتلعت السكرتيرة ريقها متوترةً قبل أن تقول بوجلٍ اتضح في نبرتها الخائفة:
- آسفة يا نجلا هانم.. بس تليد بيه السروجي هنا وطالب يشوفك ضروري جدًا.. حاولت أفهمه إن حضرتك مش جاية الشركة النهاردة بس أصر إني أكلمك.
زوت ما بين عينيها وتساءلت بدهشة:
- تليد!
أكدت السكرتيرة عليها ما سمعته، فبلغتها نجلا بقدومها العاجل في غضون دقائق وأن تطلب منه الانتظار في مكتبه لحين مجيئها. ارتدت على عجالة غير مكترثة لمظهرها هذه المرة حتى أنها نست أن حقيبتها بالكامل واستقرت داخل سيارتها تقودها إلى الشركة. وما أن وصلت حتى سألت عن مكانه فأكدت السكرتيرة على وجوده في غرفته. سارت نجلا بخطوات ثابتة إليه وقبل أن تطرق الباب سمعته يصيح مُنفعلًا:
- ادخلي يا مدام نجلا.
فقد استشف حضورها من صوت طقطقة حذاءها العالي. تقدمت داخل الغرفة ثم تحولت بنظراتها الثاقبة إليه وهي تعتلي الكرسي المقابل له وبنبرة ثابتة سألت:
- خير يا أستاذ تليد.. في مصيبة حصلت ولا أية؟ مش عوايدك تيجي الشركة بدري وتطلب حضوري!
دقق النظر داخل عينيها مرددةً بلهجة صارمة محاولًا قراءة تعبير صفحة وجهها أثناء حديثه:
- إنتِ عايزة أيه مِن سكون يا نجلا هانم؟
حدقت فيه بعينين ثاقبتين لا يظهر عليهما التوتر، كذلك رفعت أحد حاجبيها قبل أن ترد مستنكرةً:
- وهعوز منهم أيه؟! ما إنتَ عارف إن مُشكلتي مع علام!
خرجت ابتسامة ساخرة من جانب فمه وصاح حانقًا:
- فعلًا؟ أمال طلبتي عينة من سكون ليه؟! وليه أصلًا وديتيها معمل؟ وحمض نووي أيه اللي بتعمليه؟! وأيه علاقتك بعمي؟ واوعي تقولي لي بنتقم لحمدي لأنه كلام تضحكي بيه على عيل أهبل مستعد يصدقك.
رفعت أحد حاجبيها ثم وضعت قدمًا فوق الأخرى وهي تقول بثبات كاملٍ:
- خلصت كلامك وأسئلتك؟! هتلاقي الإجابات كلها عند عمك يا شيخ تليد.
نهضت تقف في شموخٍ ثم زجرته بنظرة جامدة قبل أن تتجه صوب الباب. وقبل أن تخرج منه سمعت جملته الصادمة التي تردد صداها بوضوحٍ على سمعها:
- العينة اللي راحت المعمل مش عينة سكون.. دي عينة وَميض مراتي وعمي قرر يلعب معاكِ لعبة صغيرة.
التفتت إليه مذهولةً بجسدها كُله حتى أنها أطلقت جلجلة ناكرة والدموع قد تجمعت في عينيها واضطرب صوتها بانكسارٍ:
- إنتَ أكيد بتهزر مش كدا؟!!
تليد وهو ينهض في مكانه ثم يصرخ فيها بصوت أجشٍ:
- لأ دي الحقيقة ودا اللي حصل فعلًا ومش فاهم عايزة أيه من سكون بتحليل حمض نووي ليها؟؟ إنتِ عايزة توصلي لأيه؟
سكت هنيهة ثم هدر عاليًا بلهجة مستبدة متوعدة:
- أما عمي فلازم يدفع تمن محاولة أذيته لمراتي، قسم باللي خلقني وخلقكم ما هتهاون لحظة في حق أذية مراتي سواء منك أو منه، هدفعكم التمن غالي أوي.
فقدت صوابها تمامًا وسقط عنها قناع القوة وظهرت نجلا في ثوبها الحقيقي. انسكبت دموعها في عجز مهين تملكها وراحت تسير بخطوات مبعثرة غير مدروسة كعادتها حتى وقفت أمامه مباشرة وهي تقول بصوت متحشرج:
- أنا مش عايزة من مراتك حاجة.. أنا عايزاك تقف جنبي وتساعدني.. حقي أنا مين اللي هيجيبه يا تليد؟!
صرخ فيها بصوت جهوري مخيفٍ:
- حقك من مين وعلشان أيه؟
لم تقوى على حمل جسدها الخائر أكثر من ذلك فانهارت تجثو على ركبتيها بالأرض ثم خرجت صرخة مجروحة تستعر بنيران مكبوتة من صدرها وهي تقول بانهيارٍ:
- أنا عايزة بنتي اللي خطفها من حُضني.. عايزة بنتي اللي رفضها علشان جاية من بطن خدامة اغتصبها ورماها.. عايزة بنتي!!!
رواية رحماء بينهم الفصل الأربعون 40 - بقلم علياء شعبان
لمحها تعبر من بوابة المزرعة مضيئة إلى حجرة إعداد الطعام بخطوات متسارعة تشي بمشاعر الغضب التي تشعر بها الآن.
التقط آخر قطعة من ملابسه المغسولة ونشرها على الحبل وشبكها باستعجال بمشبك الغسيل، ثم هرول مسرعًا يهبط الدرج حتى نزل إلى حديقة المزرعة وبدأ يمشي بخطوات مترقبة إلى أن وصل بالقرب من حجرة إعداد الطعام وهو يسترق السمع محاولًا التقاط صوتها من بين كل هذه الأصوات، ولكنه في النهاية لم يسمع سوى اختلاط في النبرات.
وما هي إلا ثوانٍ حتى وجدها تندفع بقوة من الداخل على نفس انفعالها الذي لم يقل بقدر عقلة إصبع حتى.
لم تلحظ وجوده وهي تعبر بجواره إلا عندما سعل عاليًا لجذب انتباهها.
التفتت إليه ترمقه بملامح متجهمة، بينما تابع نوح بابتسامة عريضة:
- جُمعة مباركة يا عسل!
هدأت انفعالات وجهها قليلًا ولانت خطوطه المنكمشة وهي تقول بصوت خافت:
- علينا وعليك يا دكتور.. صليت الجمعة ولا الشيطان غلبك؟
تصنع نوح تكشيرة مضحكة وصاح بتحدٍ:
- شيطان مين دا اللي يضحك عليا؟ دا أنا أضحك على أمه.. صليت الحمد لله وغسلت كمان.. تعالي أما أوريك غسيلي.. فلة منورة والريحة لافندر وأترج.
لم يمنحها فرصة الرد على كلامه فسحبها بقوة من ذراعها حتى سارت خلفه مرغمًا.
أطبقت على أسنانها وهي تقول بصوت حانق:
- جبت اللافندر والأترج منين ها؟؟؟
توقف نوح لثوانٍ وهو يلتفت إليها مضيفًا بلهجة ثابتة واثقة:
- قطفتهم من الجنينة وغليتهم في مية سخنة واستخدمتها في الغسيل.
قطبت حاجبيها وهي ترميه شزرًا ثم تصيح:
- قطفتهم من الجنينة، دا أنا هخلي الشيخ سليمان يقطف زهقة شبابك ويعمل منها مصل لعض الكلاب.
رفع أحد حاجبيه قبل أن يتساءل في حيرة:
- اشمعنى مصل لعض الكلاب يعني؟
مهرة وهي ترمقه بنظرة متحدة ثم تردف:
- علشان لما يسيب عليك الكلاب ويقضموك من كل حتة في جسمك نلاقي حاجة مفيدة نعالجك بيها.
ابتلع ريقه على مضض فهو يعاني فوبيا حالما يرى تجمعات للجراء أو الكلاب.
تنحنح مستشعرًا الخضة قبل أن يقول بلهجة ثابتة تنافي ما يشعر به داخله:
- يقضموني أنا؟ من كل حتة كل حتة!!!
مهرة بابتسامة عبثية تومئ برأسها في تشفٍ:
- كل مكان يتخيله عقلك.
سرح كفه يلمس جسده بانقباض وقلق حتى استقر كفه على مكان ما فصاح فورًا بلهجة حادة:
- اخرسي انتِ يا شعلة متنقلة وبعدين أنا ما بخافش من الكلاب.. انبطي يا حقنة عضل.
انتشلت ذراعها بقوة من بين كفه وصاحت بغيظ مكظوم:
- أنا حقنة عضل؟!
أومأ بسرعة يتحداها ويضرم نيران الغيظ داخلها في استمتاع:
- خمسة سنتي كمان من اللي بيخافوا منها الناس دي.
لم يمهلها الكلام مرة أخرى فقبض على ذراعها مرة ثانية وتحرك بها في طريقه إلى المبنى الذي تستقر فيه غرفته بالطابق الثاني داخل المزرعة.
كانت تمشي على مضض وبأقدام متثاقلة جعلته يبذل جهدًا كبيرًا وهو يسحبها خلفه.
وما أن وصل حتى توقف يلتقط أنفاسه وهو يقول ساخطًا:
- منك لله يا شيخة.. قطعتي نفسي.
اثنى جسده قليلًا واضعًا كفيه على ركبتيها كوضع الركوع.
أخذ صدره يعلو ويهبط وما أن هدأ حتى شرع يرفع جسده مرة أخرى، ولكن عيناه أبصرت قطع ملابسه التي نشرها للتو ملقاة على الأرض ملطخة بالطين.
اتسعت حدقتا عينيه قبل يصيح متوجسًا:
- أكيد دا مش الغسيل اللي أنا لسه غاسله!!
رفع بصره فورًا للأعلى فوجد حبل الغسيل فارغًا تمامًا فتأكدت ظنونه ليصيح منفعلًا في غضب:
- دا حزن مغلي.. العزوبية دي حزن مغلي.
كانت تنظر إليه والابتسامة الشامتة تزين محياها ثم قالت بضحكة ماكرة مكتومة:
- الحرام مش بيدوم.
أطبق أسنانه وهو يقترب منها محاولًا القبض على ذراعها، بينما تراجعت هي بسرعة بديهة ليقول بغيظ:
- عضل!! أنا مش عايزة اسمع صوتك ولا نسيتي الواد اللي كان عايزك تديه حقنة عضل وأنا أنقذتك منه؟! اعملي بقى بالجِميلة دي وخدي اللبس دا اغسليه.. يلا!
عقدت ذراعيها أمام صدرها قبل أن تضحك بتهكم لإثارة حنقه:
- ما تشتري لك غسالة، إنتَ فقير!!
اندفع نحوها ثم خبط كتفها بكتفه وهو يباغتها بغمزة من عينيه قائلًا:
- مستني غسالتك يا عضل.
خرجت منها ابتسامة خجولة فكتمتها داخلها فورًا فيما انصاع هو للكارثة التي حدثت باستسلام وبدأ يجمع قطع ملابسه التي صارت والأرض واحدًا.
التقطهم جميعًا إلا قطعة واحدة لم يجدها.
زوى حاجبيه في دهشة ورفع عينيه عاليًا مرة أخرى يتفقده ربما لم يسقط فلم يجده على الحبل وليس بالأرض أيضًا.
حك ذقنه بأطراف أنامله في حيرة قبل أن ينهض باحثًا بعينيه في الأرجاء وهو يقول بغيظ:
- البتاع.. دا أنا لسه كنت ناشره معاهم؟
حدقت فيه بعينين يكسوهما التساؤل وانبعج فمها ببلاهة وهي تسأل:
- بتاع أيه؟!
أجابها في تشتت وتناسي وهو يجوب بعينيه المكان:
- البوكـ…..
أغلق فمه فورًا حالما أدرك ما ينطق به ثم توقفت نظراته عن البحث وتوجه بعينيه إليها قائلًا بلهجة حازمة:
- بلاش أسئلتك الفضولية دي.. وامسكِ يلا هدوم جوزك المستقبلية اغسليها!.
كانت لا تزال على نفس حالتها الذاهلة خاصةً بعد أن وضع الملابس على ذراعيها في حسم وابتسامة ماكرة أكمل:
- اغسليهم بحب ها؟!
التوى شدقها وهي تسأله بغيظ:
- اغسلهم بحب إزاي يعني، الطريقة فضلاً أخي في الله!!
نوح بابتسامة ماكرة يصف لها:
- وإنتِ بتغسلي مع كل حكة تقولي “جوزي المستقبلي اللي هيأويني ويسترني وينتشلني من الضياع طول عمره وانصره على مين يعاديه.. يعيش.. يعيش.. يعيش”.. وكل ما زاد عدد ذكرك لكلمة يعيش كل ما طلع الغسيل مشتعل بحبنا.
فغر فمها متسمرة في مكانها فبادر بلكمة لكمة خفيفة على كتفها ثم صاح بلهجة يتصنع فيها الحزم متقمصًا دور زوجها المستقبلي المسيطر بالفعل:
- يلا على الغسيل إنتِ لسه هتنحي!
صرت على أسنانها غيظًا واستدارت تفر من أمامه قبل أن ترتكب جريمة هو ضحيتها من فرط غيظها منه.
كانت تدب الأرض بقدميها وكأنهما في عراك دامي وأخذت تدمدم بكلمات خافتة محتجة فصاح يرفع صوته حتى يصل إليها:
- صوتك بدأ يعلى عليا والشتيمة واصلة هنا؟ دا أنا هشويكِ على الجنبين لما ترجعي لي.
حانت منها التفاتة سريعة تزجره فيها بعينين ناريتين قبل أن تواصل سيرها مبتعدة عنه فيما زم نوح شفتيه وراح يمسح على غرة رأسه وهو يقول ساخطًا في تذكر:
- يوووه.. نسيت اسألها هي كانت متضايقة ليه؟!!
تحرك مسرعًا خلفها وهو ينادي بصوت مرتفع:
- يا عضل!!.. استني بس كُنتِ زعلانة ليه؟!!
ازدادت من سرعة خطواتها ترفض الانصات له حتى تحركت نحو الممر المؤدي إلى الغرف داخل هذا المبنى القديم فأسرع خلفها ربما يلحق بها ليجدها تتحرك بسرعة رهيبة نحو غرفة إعداد الطعام وما أن أبصرتها والدتها التي تقف خلف الموقد تتابع نضوج الطعام بعينيها حتى أردفت بتوجس وهي تنظر إلى الملابس القابعة على ذراعيها:
- أيه الهدوم دي؟!
مهرة بفم ملتوي تقول:
- هدوم نوح، عايزة تتغسل، حاطة المسحوق فين؟؟
قطع جوابها دخوله إلى المطبخ وصوته المنتشي من رائحة الطعام الرائعة التي تعبق بحرارة في الأرجاء.
ابتسمت رابعة وهي تتوجه بكلماتها إليه:
- أيه رأيك في ريحة أكلي يا نوح؟!
نوح وهو يدللها بكلمات مادحة:
- هو في زي أكلك ولا ريحة أكلك ولا حلاوة أكلك؟؟؟
تهللت أسارير وجهها في سعادة كبيرة فأشد ما يغمر قلبها سرورًا أن يمدح الجميع في موهبتها داخل المطبخ والإشادة والإنشاد بمذاق طعامها البلدي الأصيل.
التوى شدق مُهرة وهي تصيح ممتعضة من ذوبانه تجاه هذه الرائحة:
- إنتَ دايب من أيه؟ دا قلقاس؟ ومليون مرة يا أمي أقول لك مش باكل القلقاس!!!
أومأ مدركًا سبب غضبها فتعمد إشعاله وهو يندفع نحو والدتها ثم يقول باستمتاع هادئ:
- بنتِك دي مبتفهمش حاجة غير علاج البقع والحيوانات.. حد يقول للقلقاس لأ.. هاتي كدا يا خالة خليني أدوق وأستمتع.
تراجعت رابعة للوراء قليلًا توسع له الطريق كي يمر ثم ناولته الخرقة المستخدمة في مسك الأواني الساخنة.
التقطها منها ووضعها على مقبض الحل وقبل أن يرفع الغطاء دقق النظر في الخرقة بعينين جاحظتين قبل أن يصيح معترضًا في صدمة:
- البتاع!!!!
زوت كلتاهما عينيها في استغراب ونطقت رابعة تسأله:
- بتاع أيه يابني؟!
نوح وهو يصر على أسنانه بغيظ:
- البوكـ… البتاع يا خالة عملتيه قماشة تمسكي بيها الحِلل!!
وضعت مُهرة يدها على فمها تمنع انفجار ضحكتها فيما تابعت رابعة بنبرة متلعلعة:
- هو البتاع دا بتاعك؟ دا أنا لقيته مرمي على الأرض قولت أهي حاجة تنفعني في المطبخ!!
نوح وهو يجعده بين قبضته ثم يدسه في جيب بنطاله مضيفًا بغيظ مكظوم:
- دي حاجات خادشة للحياء يا خالة.. ربنا يغفر لك.
- أنا أخوك الكبير يا عثمان وإنتَ مُجبر تسمعني لمَّا أكون محتاج أتكلم معاك.. دا غير إني في بيتك!.
أردف الشيخ سليمان بكلماته المستنكرة تصرف أخيه الذي يخلو من الذوق واحترام الإطار العائلي الذي يجمعه بشقيقه الأكبر؛ فلا يبالي بكبيرٍ أو صغيرٍ.
حاول سليمان استهجان أسلوبه بطريقة راقية جعلته يجلس أمامه منصاعًا منصتًا للحديث:
- وأنا عندي حفلة ومُضطر أستعد لها وبصراحة معنديش وقت لنقاش مش هنوصل من خلاله لأي حاجة!
سليمان بابتسامة هادئة ونبرة متريثة:
- ما يمكن نوصل يا عثمان لو وسعت خُلقك واشتريت خاطر أحبائك، ابنك من حقه يقنن مشاعره ناحية البنت وحقهم الشرعي إننا نشجعهم على خطوة زي دي طول ما هي حلال ربنا.
اكفهر وجهه تمامًا وأضاف بحزم وهو يشيح بنظراته عن أخيه:
- خلاص يشتغل ويروح يخطبها بماله الخاص لأنها ما تناسبش عيلة السروجي لا من قريب ولا من بعيد.. مش الدين بيقول بردو نختارها صاحبة حسب ونسب؟؟؟
أومأ سليمان نافيًا معتقده ثم أردف بلهجة صارمة:
- فظفر بذات الدين تربت يداك.. الحديث مش بيحثك على الزواج من صاحبة الحاسب والنسب والجمال وإن كان مفيش مشكلة في الأمر تمامًا ولكن الحديث بيوضح اتجاه الناس عند اختيار العروس أما الدين بيأمرنا بأيه؟ “فاظفر بذات الدين تربت يداك”.. فعليك بالمرأة المتدينة أولًا لو هتختار زوجة.
التفت عثمان إليه ثم رمقه بنظرات ثاقبة قبل أن يردف بسخط:
- إنتَ مش قولت إن مفيش مشكلة في اختيارها صاحبة حسب ونسب؟!
أومأ سليمان صامتًا؛ فأكمل الأخير بحدة:
- يبقى أنا حرة ارتكز في اختياري على أنهي صفة فيهم!
سليمان وهو يغضب بانفعال هادئ ثم يقول بلهجة حادة:
- الدين مش على هواك تختار منه اللي يعجبك ويليق مع أفكارك الشخصية.. إما أن تأخذه كله أو تتركه كله وتبقى الخاسر.. أما إنك تمشي على سطر وتتغاضى عن سطر فلا يجوز.
استبد الغضب بعثمان فهب واقفًا في مكانه وهو يقول ساخطًا:
- إنتَ شايفني كفرت بالله يعني؟!
سليمان برفض قاطع تلفيقه له بتهمة لم يفعلها:
- لم أقل هذا والعياذ بالله.. اوعى تنسى يا عثمان إن بديهيات دينك لا تقوم بها!
كشر بوجهه في استهجان وصاح:
- وأيه بقى بديهيات ديني اللي مش بعملها؟!
سليمان وهو يبتلع غصة مريرة في حلقه مُذكرًا إياه بتصرفه مع ابنه تلك الليلة ووصمه بالعاجز وتطاوله عليه بالضرب وكذلك ابنته التي لم تسلم منه وكل من يعيش في محيطه، فتابع بصوت مخنوق يتخلله الهدوء والحزن:
- “المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده”.
أشاح بوجهه من جديد يتجاهل النظر إلى عيني شقيقه الذي يحاول انتشاله من ضياعه وخسارته لكل من حوله فيما يتعامل عثمان مع هذه النصائح على أنها جمر من نار يسير عليه فلا يحب أن يخاطب سليمان الضمير الكامن فيه.
انصرف من أمامه مسرعًا؛ فضرب سليمان كفًا بالآخر حزنًا على شقيقه المغيب في لهو الدنيا في غفلة.
تنهد سليمان تنهيدة ممدودة بعمق قبل أن يرى اندفع عمر نحوه بمساعدة كاسب الذي يساعده على دفع الكرسي ما أن انصرف عثمان وغادر.
كاد الفضول يقتل عمر الذي خفق قلبه بعنف ما أن وقف أمامه عمه.
تولى سليمان أمر حزنه فطواه خلف ابتسامة هادئة بينما أردف عمر بابتسامة عريضة:
- وافق مش كدا؟!
لم يغفل كاسب عن نظرات سليمان الفاترة التي انطفأ بريقها ووعى تمامًا حول ما دار بينهما وأن المناقشة لم تجدي نفعًا ولم تحصد خيرًا فكان يعلم ما سوف يتفوه به الشيخ الذي التقط كفي عمر بين كفيه ثم قال بحنو بالغ:
- بأعتذر يا عمر.
خفتت ابتسامته العريضة وضوى بريق منكسر في عينيه وهو يتساءل متوجسًا:
- موافقش!!
أومأ سليمان بأسف ولكنه تابع فورًا قبل أن يتأزم الأمر ويتمكن الحزن من قلب صغيره الذي لا يطلب إلا الحلال:
- بس أنا قررت إني أكون معاك بدلًا عن عثمان ونروح نخطب المحبوبة.. قولت أيه؟
رأرأ بعينيه في تيه كما أنه حاول استيعاب الأمر وتابع بصوت مخنوق بغصة:
- بجد؟ إنتَ بجد يا عمي هتيجي معايا نخطبها!!!
ربت سليمان على كفيه وقال باحتواء:
- معاك يا حبيب عمك وفي ضهرك، ربنا يجمع بينكم على خير.
انفرجت خطوط وجهه العابسة والتفت برأسه ينظر إلى كاسب الذي يدعمه بقوة ويتخذه أخًا وصديقًا؛ بادله كاسب ابتسامة عريضة ثم قال بحماس:
- يعني يا شيخ نلحق نجهز العريس؟؟
أومأ سليمان بحزم:
- اسرع يا عمر.. ألبس أحسن حلة عندك وأنا هكون بانتظارك في المزرعة.. عايز أشوف الأمور ماشية إزاي هناك.. أنا غايب عنهم من يومين.
أومأ عمر بتفهم، سحب كاسب الكرسي للوراء قليلًا ثم أداره وهو يهرول به في سعادة متوجهًا إلى غرفته الملحقة بالحديقة قائلًا باستمتاع:
- سيب لي نفسك بقى.. أنا هخليك عريس النهاردة.
على الجانب الآخر
اندفع بخطوات مختالة نحو غرفته؛ فعليه أن يستعد للحفلة التي دعي إليها من قبل شريكه احتفالًا بسنوية زواجه، وقبل أن يقصد غرفته قرر أن يمر إليها لتفقد صحتها أولًا ثم يستعد لرحيله.
بدأ يسحب الهواء إلى صدره مستدعيًا قليلًا من الهدوء والاسترخاء قبل أن يطرد زفيرًا قويًا محملًا بالغضب من صدره.
تنحنح بثبات وهو يفتح باب الغرفة ليأتيه صوت ابنتيه يتمازحان فيما بينهما وما أن سمعا نحنحته حتى ترقبا دخوله فتابعت سكون بصوت خافت:
- اتفضل!
توجه إلى سريرها ثم وضع كفه على رأسها يمسحه بهدوء فأسرعت هي بإمالة رأسها قليلًا ترفض لمسته فقطب ما بين عينيه باستغراب.
وما أن رأت شروق هذا التشاحن الغير مبرر حتى نهضت في مكانها وهي تقول بحسم هادئ:
- أنا همشي أنا بقى يا عمري علشان عندي سفر بكرة وعايزة أجهز شنطة عمران، خلي بالك من نفسك وأنا هرجع لك بسرعة.
مالت شروق تقبل وجنتها فابتسمت سكون بود وقالت:
- متغيبيش كتير علشان بتوحشيني ولو طاطا زعلتك عرفيني وأنا أجي أروق لك عليها.
ضحكت شروق ملء شدقها ثم مسحت على شعر شقيقتها وهي تومئ باتفاق:
- عيوني.. هرن لك في حالات الطوارئ.. استأذنك يا بابا!!
أومأ في صمت فغادرت شروق الغرفة على عجلة.
رفعت سكون وجهها صوبه ورمقته بنظرات ثاقبة فيما أردف عثمان بلهجة ثابتة:
- إنتِ لسه زعلانة؟
لم تحفل بسؤاله المطروح؛ فأغمضت عينيها تتنفس رويدًا قبل أن تفتحهما مرة أخرى وهي تقول بوجوم:
- إحنا لازم نتكلم بخصوص نجلا!
نفخ باستهجان لشغلها بال كل من حوله وقال بلهجة حادة:
- يادي نجلا اللي قرفانا في حياتنا.. سكون.. مش عايزك تهتمي للست دي.. شكلها مريضة وبتستقطبنا علشان نكون مادة لممارسة مرضها.. ريحي بالك تمامًا لأنها أضعف من تهديداته.
همت أن تتكلم ولكنه حسم أمره قائلًا بحزم:
- أنا حاليًا لازم أستعد علشان حفلة حميد.. متحاوليش تجهدي نفسك.
تركها تنازع الفضول المُميت الذي يستقر في عقلها فعضت شفتيها بتوتر وحنق تنوي في النهاية مواجهته عند عودته من الحفل.
ضمت حاجبيها لوهلة في حيرة من تصرف والدها الذي دومًا ما يتحدث عن نجلا باعتبارها عدوه التجاري والاستثماري فقط وكأنما لا ماضي يجمعهما، هل يا ترى يفعل والدها ذلك للتشويش على حقيقة علاقتهما القديمة ببعض؟ أم أنه لا يعرف أن نجلا زوجة حمدي زهران هي نفسها ضحيته من الماضي؟! أو أن نجلا كاذبة تمامًا ولا يوجد هذه القصة من الأساس وما فعلته ليس إلا محاولة للإيقاع بينها وبين أبيها وتفريق صفوفهم المتينة وقوة ترابطها به ومحاولة استقطابها إلى صفها بأساليب رخيصة منحطة!!
مطت شفتيها بامتعاض وحيرة ولكنها قررت أن تكون الليلة هي ليلة المواجهة وإدراك الخيوط الصادقة حول تلك الواقعة التي رويت لها!
وقفت أمام النافذة تتابع حركات الناس في الشارع أو بالأخص تتقفى أثره ومتى سيعود؟ فتنظر باهتمام بالغ للطريق؛ فقد استيقظت من نومها ولم تجد أثرًا له هذا على عكس عادته فإن قرر الذهاب ووجدها نائمةً يوقظها ويخبرها بوجهته كي لا تقلق لأمره إلا هذه المرة.
وحينما سألت مُهرة أجابتها برؤيتها له ينطلق مكفهر الوجه وكأنه غاضبًا من شيءٍ وهذا ما أثار قلقها عليه.
كانت تطقطق بقدميها على الأرض وقد استبد بها التوتر وحاوطتها هالة من الهواجس فنفخت بقوة ما أن تداركت ما تفعله في نفسها حتى أنها وصمت نفسها بالازدواجية؛ فكيف ترفضه كزوج وتبددها الهواجس قلقًا عليه؟
لم تلبث تنهر نفسها على هذا التناقض حتى وجدت سيارته تستقر أمام بوابة المزرعة ثم يترجل منها وباب السيارة الخلفي يُفتح فجأة وتخرج منه!!!!.. نجلا!
هتفت في حنق أوغر أعماق قلبها وتأكدت ظنونها الآن بأنها في بدايات عرقلة قوية تطرحها أرضًا منكبةً على وجهها عاشقةً؟
انكمشت صفحة وجهها في استهجان لما تشعر به داخلها وكأنما لها السلطة على ذلك!!..
خفق قلبها باضطراب وغيظ فحدقت في الفراغ وهي تستشعر قوة الخفق الذي ينبض بين ضلعيها ثم أسرعت تضع كفها موضع قلبها وكأنما تخبئ نبضاته التي قد يلاحظها إن اقتحم عليها الغرفة الآن.
لحظات ووجدت الباب يُفتح وصوته يقول:
- صحيتي إمتى؟!
ابتلعت ريقها على مضض ثم استدارت تواجهه وهي تقول بنبرة متلعثمة:
- من شوية.. إنتَ كنت فين؟؟
زوى حاجبيه ورد موجزًا:
- في الشغل.
تطاير الشرر من عينيها فأسرعت تصيح بانفعال هائج:
- إنتَ بتكذب.. احلف إنك كنت في الشغل؟!
ارتسمت ابتسامة هادئة على محياه يطالعها بعينين حائرتين من تصرفها ولكنه انصاع لرغبتها فهم بالاقتراب نحوها وهو يقول بصوت حاني:
- وحياتك عندي.
ازداد انفعالها وهي تقول بغيظ وغير اقتناع:
- من حلف بغير الله فقد كذب!!!
انبعج فمه لوهلة قبل أن يباغتها بابتسامة عريضة ويضيف:
- واللي بيخترع أحاديث مش كذب بردو.. هتتعلقي من صرصور ودنك.
توترت وهي تفرك كفيها ثم صاحت بامتعاض:
- اتلخبطت على فكرة!!
نبشت مقدمة شعرها في فضول كاد أن ينهيها قبل أن تزيغ ببصرها لثوانٍ ثم تثبته نحوه مرة أخرى وهي تقول بصوت يتخلله الغيظ:
- نجلا دي كانت بتعمل أيه في عربيتك؟ شوفتها حالًا نازلة منها!!
رفع أحد حاجبيه ثم سار متبخترًا في استمتاع من استفزازها إلى أن جلس على الأريكة ووضع كفًا فوق الآخر ثم تابع بهدوء يتنافى مع البركان الثائر في نفسها:
- إنتِ غيرانة من واحدة أد أمك؟
كان يسألها بابتسامة مستنكرة بصورة مرحة وهو يضع أنامله يحك بها شعر ذقنه بينما انكبتت رغبتها على الصراخ والانفجار من بروده ولبست وشاح البرود مثله وتابعت تلوي شدقها:
- هغير منها ليه؟! واقعين في دباديب بعض مثلًا! أنا لو متضايقة فده علشان أنا على ذمتك وإنتَ لازم تحترم وجودي في حياتي وبلاش تسكع.
جلجل بضحكة ملأت شدقيه ثم كرر كلمتها بانبهار:
- تسكع!!.. الصلاة على النبي.. عليه أفضل الصلاة والسلام.
تنحنح قبل أن يكرر بخفوت وضحكة أعلى من سابقتها:
- تسكع؟ أما الواحد بيسمع وبيشوف العجب والله ومن مين؟ حبة برتقان ملتهبة.
انفتح فمها على وسعه وهي تقول في دهشة يشوبها الاستنكار:
- حبة برتقان ملتهبة؟؟؟؟
هز رأسه ببرود جليدي جعلها تشتعل وتموج على الجانبين وهي تصر على أسنانها أمامه بينما أكمل بصوت خافت يغلفه اللا مبالاة:
- مدام نجلا طلبت تشوف أبويا فقررت أخدها في طريقي رجوعي، ها بقى هناكل أيه النهاردة؟
قالت بامتعاضٍ وهي تشيح بوجهها:
- طنط رابعة عاملة قلقاس وحقيقي مش عارفة هي بتكدرنا مثلًا!
انتبه لكلماتها باهتمام ثم سأل بخبث:
- ماله القلقاس.. بيكدر ليه؟!
رفعت كتفيها وأنزلتهما تقول في حنق:
- عمو سليمان قال لي مقولش إني مش بحب والمفروض أقول إني مش بستسيغ مذاقه أو هو مش بيحبني.
ابتسم لها ابتسامة هادئة ثم طلب:
- طيب لحد الأكل ما يخلص.. ممكن كوباية الشاي بتاعتي؟!
زوت ما بين عينيها بعدم فهم، هل يتم إعداد الشاي له بطريقة معينة غير المعتاد؟ أدرك لتوه جهله بأبسط تفاصيله فهب من مكانه مستسلمًا وهو يقول بهدوء:
- خلاص.. أنا هعمله.
تحرك على الفور صوب المطبخ وسارت خلفه كذلك بعد أن أخذها الفضول لمعرفة الطريقة المفضلة له في تناول الشاي، فشعر هو بذلك فابتسم خفية وهو يتجه إلى قطع الأترج المجففة في الثلاجة ويلتقط شريحة كبيرة ثم ينتظر غليان الماء أولًا قبل أن يسكبه على حبيبات السكر والشاي المخلوطين معًا وفي النهاية يسقط الشريحة داخل الكوب ويغطيه لدقيقة تقريبًا ثم يبدأ في شربه.
تأكدت من وضع الوشاح على كتفيها قبل أن تطلب رؤية الشيخ سليمان، أصبحت روحها هشة ومشاعرها قاب قوسين أو أدنى من الاستسلام لفكرة الانتحار حتى أنها خشيت تدهور حالتها والعودة إلى العهد القديم.
أرادت أن تجد حلاً يسيطر على أفكارها الجنونية وروحها الضعيفة فطلبت منه أن يبقى ما أخبرته به سرًا بينهما حتى تتواجه هي وعثمان وجهًا لوجه.
شعر بصدق كلامها وكذلك ضعف عزيمتها على الاستمرار في الحياة فخشى أن تؤذي نفسها وطلب منها أن تأتي معه إلى والده ربما تفضفض إليه بما تحب قوله علها تجد الراحة بين أحرفه ففعلت ذلك فضلًا عن جلوسها مع نفسها التي ترودها على أخطار قد تودي بحياتها.
تلمست الوشاح تأدبًا لقيمة كالشيخ سليمان الذي لا يقبل الجلوس أمام امرأة متبرجة خليعة، جلس القرفصاء مندمجًا في مصحفه وما أن انتبه لها حتى وجه جميع حواسه إليها وطلب منها أن تجلس ففعلت.
ازداد اسوداد هالة عينيها من سيلان الكحل وفرط البكاء واحمرت وجنتاها وخديها وكانت هيئتها مبعثرة قليلًا.
تحكمت في انفعالاتها المفرطة وسألته بانكسار:
- أنا ليه دعواتي مش بتتحقق؟!
أومأ يستجيب لنقاشها بترحاب وود:
- يمكن علشان بتدعي بشكل منقطع، بتدعي الدعوة وتطلعي تجري.
ابتلعت غصة مريرة في حلقها ورددت بخفوت وآلام مكبوتة:
- لا مش فاهمة دي!
استأنف يفسر أكثر بسعة صبر كبيرة:
- أصعب فجوة ممكن تصيب الإنسان في علاقته مع ربنا إنه يكون بيتعرض لثقل في لسانه عن الدعوات، تكون الدعوة صعبة عليه وبيحتاج مجهود علشان يدعي ربنا.
أومأت بآلام تجرف أمنياتها وتنزع جذور حلمها في الالتقاء بابنتها؛ فتساءلت بلهفة كحل أخير لتحقيق أمنيتها:
- وإزاي أمحي الفجوة دي في علاقتي مع ربنا علشان ييسر على لساني التقرب له بالدعوات.
ابتسم في هدوء وأكمل بلهجة ثابتة ينصحها بقلب سليم:
- جاهدي.. جاهدي نفسك واتحديها.. واوعي تنسي تكوني لحوحة.. تعرفي تكوني لحوحة علشان توصلي لأمنياتك!.
أومأت إيماءة فاترة، ودت لو تخبره بما فعله شقيقه فيها؟ أن ترجوه إعادة حقها المسلوب وابنتها منه ولكنها تعلم تمام العلم عداوة عثمان الشديدة لأخيه فلا تود أن تتسع العداوة بينهما وتعطي فرصة لذلك الأحمق أن ينال من طيبة الشيخ بوضاعة أساليبه.
أسرعت بمحو عبراتها ثم قالت بصوت متهدج وهي تنهض من مكانها:
- أنا مش عارفة أشكرك إزاي، إنتَ خففت عني كتير أوي يا شيخ سليمان.. مش هنسى لك دا.
أشفق على حالها كثيرًا وتمنى لها حالًا أفضل وبالًا أهدأ ثم غادرت على الفور تستعد هي الأخرى للحفل أو بالأحرى تستعد للمواجهة.
اندفع ماكسيم بثبات نحو باب السيارة ثم فتحه على الفور بعد أن وقف أمام القصر المنشود، تدلت بقدميها أولًا فأحدث كعب حذائها صدوح مرتفع يتماشى مع الغرور والثقة التي تنعم بهما.
خرجت من السيارة بحركات راسخة وسارت تمشي بخيلاء وسط الضيوف ما أن اجتازت بوابة القصر، كان لطلتها تأثير خاص ووقع مضطرب على من يراها أو يتعرف إليها.
كانت تسير برباطة جأش لا يتمتع بها أعتى الرجال كما أن نظراتهم لا تزحزح الثقة التي تمتلكها أنملة كما أن اللون الأحمر الذي ارتدته أطار عقل كل الناظرين إليها فينزل الفستان ضيقًا على جسدها بينما شعرها المجعد عمدًا منثور على كتفيها بدلال لاق بها ورغم البرودة التي هجمت على الأجواء إلا أنها لم تتأثر بها؛ فالبرودة التي تقرص جسدها لا شيء مقابل الجروح التي أدمت قلبها بفعله.
- أهلًا بست الحسن والدلال كله!!
رحب بها حميد بنظرات جريئة واضحة متغزلًا بإطلالتها البهية، فاكتفت بأن سلمت عليه وبادلته ابتسامة صامتة.
كان ماكسيم كظلها في الحفل فلم يتزحزح عن مكانها ولا تغيب عن عينيه، قدح الشرر من عينيه حينما شم رائحة الشهوة تنبعث من فم ذلك الأحمق الذي يتغزل بها مجترئًا على ذلك ولكنه حاول كظم نيران غضبه لئلا يقيم الدنيا بغضبه الهائل ولا يقعدها.
الجميع يراقبها بإعجاب كبير ولا تتزحزح نظراتهم عنها أما هي فتراقب قدوم شخص محدد فقط ولا تلقي بالًا للبقية.
اضطربت خفقات قلبها بقوة ما أن وجدته يعبر من البوابة ولا تعلم لماذا يتسلل الخوف إلى نفسها وهي من تريد المواجهة والانتقام؟!، أسرعت بوضع غطاء عينيها الذهبي المستخدم للتنكر في الحفل وظلت تراقبه طوال الوقت في انتظار أن تحين الفرصة وتنقب بأنيابها عليه.
وما هي إلا لحظات حتى بدأت فقرة الرقص وطلب حميد وزوجته من الجميع أن يشاركوهم ساحة الرقص ففعل الجميع حتى نجلا قررت أن ترافق ماكسيم للرقص في انتظار الأخير أن ينضم إليهم.
لم يكن يرغب في البداية وتحت إصرار حميد قام باختيار رفيقة للرقص وبدأت الأغنية تصدح بقوة ووسط اندماج الجميع كان لا بد من تبادل رفيقات الرقص كنوع من التواصل مع بعضهم فأسرع ماكسيم بغمزة من عينيه في انتشال الفتاة من بين يديه وقام عثمان تلقائيًا بجذب نجلا إليه وإحاطة خصرها بذراعيه ثم أكمل رقصه معها وحاولت هي تجنب النظر في عينيه حتى تستجمع نفسها.
وما أن نجحت في ذلك حتى رفعت عينيها صوب عينيه وراحت تمعن النظر داخلهما؛ فتكلم عثمان منبهرًا في هذه اللحظة:
- عينيكِ حلوة جدًا وجذابة.
تصنعت ابتسامة خجولة وهي تقول بصوت ناعم:
- ميرسي.
اكتفت بهذه الكلمة وما تزال عينيها تحدق فيه بتمعنٍ لفت انتباهه وطمعه في المزيد من المعلومات التي تقربه منها فقال بابتسامة خفيفة:
- أنا عثمان السروجي.. وإنتِ!
ضحكت ضحكة ناعمة قبل أن تومئ برأسها وتقول:
- غني عن التعريف طبعًا… أنا؟!.. عايز تعرف اسمي؟!
أومأ بحماس واهتمام كبير وازدادت النشوة داخله حينما التصقت بصدره في غنج ثم بدأت تنزع غطاء عينيها وهي تقول بضحكة ماكرة بعد أن كشفت وجهها كليًا:
- أنا نجلا يا عيوني!!!!!