تحميل رواية «رحماء بينهم» PDF
بقلم علياء شعبان
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
هل جربت ذلك الشعور يومًا؛ حينما يجعلك الله سببًا في إحياء حياة شخص رأيت موته بأم عينك؟! هل جربت أن تكون لحياتك معنى وأنت ترى تلك الروح التي أنت طوق نجاتها تحوم حولك من جديد!!! نقطة من بداية السطر. سبب لبداية حياة جديدة كادت أن تفنى. مشهد جعل كيانه يهتز بصدع حتى تعلم لأول مرة معنى غياب الأمان ووجود أرواح سيئة تشاركه في هذا العالم الذي انحصر دومًا في والده، دروس الدين المحببة إلى قلبه وممارسة هواية السباحة الأكثر شغفًا في حياته على الإطلاق. طفل صغير عاش في بلدة قروية بسيطة تبدأ حدودها مع بداية قنا...
رواية رحماء بينهم الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم علياء شعبان
أُنيرت الأضواء المُعلقة في كل زاوية بالحديقة بمختلف الألوان الزاهية والمُبهجة.
قام "عِمران" بمساعدة فريق عمله بوضع طاولة تتوسط الحديقة مُغطاة بمفرش من اللون الأبيض، وكذلك وضع إليها عدة كراسي مُزينة بمفارش حمراء اللون.
زين الطاولة بوجود باقة من الورود الحمراء.
لم يغفل أيضًا عن تخصيص بقعة خاصة لجلسة التصوير، فزين جُزءًا من الحديقة يبتعد قليلًا عن زحام الحفل، حيث صنع أرجوحة وزينها بالورد، وكذلك أحضر تصميمًا رائعًا على شكل جناحي حمامة بيضاء.
تجمع ضاربو الدُف في مكان واحد بجوار الطاولة.
بدأت أجواء الحفل تتصاعد من حضور لعدد قليلٍ من الأصدقاء والشخصيات الهامة إلى ارتفاع الزغاريد من قِبل مشرفات الحفل اللاتي جئن لتقديم المشروبات والحلوى ومساعدة الضيوف.
كانت الأجواء هذا المساء جميلة ومليئة بالسكينة، وهذا يرجع إلى حُسن اختيار العروسين لضيوفهما ممن يتمنون لهم سعادة حقيقية وحياة هادئة كريمة.
وصل صوت الزغاريد إلى مسامعها أثناء جلوسها بين يدي الفتاة المُختصة لتجهيزها.
لم يكُن يخالجها شعورًا مُحددًا، بل تضاربت المشاعر داخلها بين هلعة وتاركة لله أمرها.
تنهدت بهدوءٍ حينما اِبتسمت لها الفتاة وأسرعت بإدارة الكرسي كي يواجه المرآة، حتى تتمكن العروس من رؤية مظهرها بعد الانتهاء من وضع مساحيق التجميل التي أوصتها "وَميض" أن تكون هادئة لا تحيد عن ملامحها الطبيعية.
وكذلك أوصتها أن تكون لفة حجابها هادئة وطبيعية.
تواجهت "وَميض" مع المرآة في هذه اللحظة، وتبادلت مع نفسها بعض النظرات المُقرة بالكثير من الخبايا والاعترافات.
أرسلت بعض نظرات العتاب إلى الناظرة إليها في الجهة الأُخرى، وبدأت تقول بملامة:
"إنتِ اللي وصلتي نفسك للنهاية دي يا وَميض، اللحظة دي ما هي إلا نتاج أفعالك. مكنش ينفع مهما بلغ حزنك من أهلك إنك تقبلي يتقفل عليكِ باب إنتِ وشخص غريب حتى لو كُنتِ بتثقي فيه وكان شخص كويس. كان لازم تفهمي إن زيادة ثقة الإنسان في نفسه هي أكبر ثغرة بتوقعه على جدور رقبته من غير ما يحس، ووقت ما يبدأ يحس بيكون ارتكب الخطأ اللي زمان قال عمري ما هعمل دا. هو أنا مجنون؟"
زمت شفتيها باستنكار وحنق، ثم قالت للفتاة التي تُعاتبها لأنها تحبها:
"بس أنا كُنت بتمنى حياة غير دي، مش زوجة وبيت وأولاد، كان لسه لي إنجازات وطموحات كتير محتاجة تتحقق! ليه أدفع عُمري كُله نتيجة غلطة واحدة؟"
زوت الأخيرة ما بين حاجبيها، ثم أضافت بهدوءٍ:
"مين خيل لك إن دي النهاية لإنجازاتك وطموحك زيّ ما بتقولي؟ ما يمكن دي البداية؟"
نكست رأسها بحُزن دفين، ثم ردت:
"بداية مع واحد مش بحبه! واحد عُمري ما أعرفه غير من التليفزيون. ليه كلكم بتحاولوا تقنعوني إني محظوظة بجوازي منه؟ علشان بيطلع قدامكم يتكلم في الدين وعامل نفسه شيخ؟ ما ياما ورى الدقون بلاوي إلا من رحم ربي."
اِبتسمت الأخيرة وقالت:
"ما يمكن يكون مُستثنى، وبعدين الدقون ملهاش ذنب من أفعال الناس، كل إنسان وفيه الخير والشر."
ردت بعصبية خفيفة:
"دا لا يمكن يكون مُستثنى، دا شيخ تايواني ولا مخاوي عفاريت، دا عارف عني حاجات عُمري ما قولتها لبابا وماما!"
حكت رأسها بأناملها، ثم قالت قبل أن تجيبها المرآة:
"معقول يكون عامل لي عمل علشان أتجوزه وأنا بكُل الأريحية والهدوء دا، أنا حاسة إني مسحورة!"
المرآة باستنكار:
"أيه الجموح دا؟ إنتِ خيالك سرح للماورائيات كمان؟ ويا ترى العمل دا على رجل معزة؟"
وَميض وهي تصيح محتدةً بالغضب:
"إنتِ بتستهزأي بيا؟"
المرآة بضحكة مُستخفة:
"بضحك على كلامك مقارنةً بحالك في المُستقبل."
رفعت "وَميض" أحد حاجبيها، ثم ردت بتبرمٍ:
"وياترى أيه هو حالي في المُستقبل!"
المرآة بابتسامة غامضة:
"ندمانة."
حدقت "وَميض" فيها بملامح مصدومة، ثم هتفت:
"مش قولت لك!"
المرآة بتأكيد:
"ندمانة على كُل سوء ظن وجهتيه للشيخ التايواني."
ضربت صورتها المعكوسة في المرآة على رأسها وهي تُصحح عبارتها التي قالتها نتيجة تكرير "وَميض" لتلك الكلمة على مسمعها، فقالت:
"قصدي الشيخ تليد."
"آنسة وَميض؟! إنتِ تمام؟ الميك آب معجبكيش!"
استفاقت من حوارها النفسي ذاك على صوت الفتاة التي بدا عليها الدهشة والقلق.
لم تكُن وميض في مزاجٍ جيدٍ للاهتمام بإطلالتها على أية حال، فظنت الأخيرة أن ما فعلته لم يلقَ استحسان العروس، إلا أن "وَميض" بدأت تُمعن النظر إلى مظهرها في المرآة.
فبدت كسندريلا تلك الشخصية الكرتونية المحبوبة، حيث ارتدت العروس نفس الفستان الذي ارتدته تلك الشخصية الكرتونية، ولكنه من اللون الوردي يتسم بانتفاخ الكتفين وضيق منطقة الخصر ثم تدليه بشكل واسعٍ حتى نهاية الساق.
كما أن غطاء رأسها كان يتسم بالرقة، وحرصت على أن يكون بلون الفستان وأن يكون ساترًا كما أراد، فابتعدت عن ارتداء طاقية الرأس التي تُفضل ارتدائها في أيامها العادية.
"بالعكس، تسلم إيدك، حقيقي اللوك يجنن."
تنهدت الفتاة براحة بعد أن أوشكت على البكاء جراء صمت الأخيرة حول مجهودها.
كذلك ارتسمت ابتسامة عريضة على ثغرها، ثم رددت بسكينة:
"الحمد لله، ألف مبروك يا عروسة."
وَميض بضحكة بسيطة أجابتها:
"شكرًا لذوقك."
في هذه الأثناء دُق الباب، وما هي إلا لحظات حتى ظهرت "شروق" من خلفه وهي تتجه بفرحة عارمة للداخل.
وسرعان ما قالت وهي تُحدق بإعجاب:
"تبارك الله أحسن الخالقين، زيّ القمر يا حياتي، مش معقول الجمال دا!"
وقفت "وَميض" في مكانها، فيما أسرعت الأخيرة بضمها بسعادة غامرة وأضافت بتأثر:
"متعرفيش أنا أد أيه تخيلتك وإنتِ عروسة، بس حقيقي جمالك فاق كُل توقعاتي. أنا فرحانة لأنك بتتجوزي ومش بس كدا، فرحانة لأن ربنا مَن عليكِ بزوج صالح تقي. مش هقول يا بخته بيكِ، لأ دا يا بختك بيه. حافظي على الميثاق اللي هيتم بينكم بعد لحظات يا صاحبتي، شخص زيه بيظهر في حياتنا مرة واحدة بس."
زوت "وَميض" ما بين عينيها في حيرة من أمرها، وحتى الآن لا تجد تفسيرًا منطقيًا لاصطفاف من يعرفه ومن لا يعرفه لحزبه ودفاعهم عنه دفاعًا مُستميتًا.
هل تراه راشيًا؟ ولكن والدها يدافع عنه بكل ما ملك من قوة.
أو ربما ساحرًا؟ ولكن سُمعته الطيبة وعمله للخير وسجل حياته لا يصمونه بمثقال ذرة من سوء!
"خايفة."
همست بتوتر ونبرة مُثيرة للقلق بجوار أذن صديقتها.
مسحت بحنان على ظهرها، ثم تابعت بثبات:
"هل رب الأقدار يكتبها لشقائك؟ بل لانتشالك من الشقاء الذي ظننته يومًا سعادة."
وقعت كلماتها على قلبٍ الأخيرة وقع السِحر.
فابتسمت راضية مُطمئنة وهززت رأسها تؤكد على صدق قولها.
تنهدت "شروق" بحماس، ثم ابتعدت فورًا وهي تقول باستعداد كبيرٍ:
"بصي بقى، ديزاين المكان هيبهرك، وبإذن الله هيكون يوم مُميز."
وَميض بضحكة عريضة:
"تصدقي أنا من زمان كان نفسي حد يبهرني.. صديقتي الشطورة."
تنحنحت قليلًا قبل أن تتابع بتوتر وخجل:
"صحيح، هو جه؟"
رفعت "شروق" أحد حاجبيها، ثم ردت بمكرٍ:
"هو مين؟"
ابتلعت ريقها على الفور وهي تشعر بخجل شديد، ثم تابعت بقلق:
"بصراحة أنا مكسوفة وخايفة."
شروق بابتسامة عريضة:
"ليه بس تليد مش بيعض خالص."
انزعجت "وَميض" من برودها المُستفز، فاستنشقت الهواء داخلها بقوة قبل أن تصيح بنفاد صبرٍ:
"تبًا لكِ.. إنتِ وعيلتك كلها وابن عمك المخاوي دا كمان ماعدا الشيخ سليمان."
شروق بضحكة غامضة:
"المخاوي دا كمان دقايق وهيبقى جوزك وكمان أيام وهتنامي معاه هو وعفاريته في أوضة واحدة نيهاهاهاهاهاي."
كان تعبيرها الأخير بمثابة قهقهة مُستفزة تحمل قدر كافٍ من السخرية على صديقتها التي لم تُدرك بعد أن الذي تذمه الآن ستحمل اسمه بعد قليل.
عبس وجهها وراحت تضرب الأرض بقدمها، ثم قالت بغيظ:
"ماشي يا بنت عثمان الأقرع."
شروق وهي تعبس بتذمر مُضحك:
"اخرسي."
قطع تحاورهما مجيء "سُهير" التي دخلت إلى الغرفة بنفس تعبير وجهها المُعتاد.
فعُقدة حاجبيها لا تنفك عن صفحة وجهها مُطلقًا، كما أنها تبدو في نظر الجميع ككُتلة طاقة سلبية مُتحركة.
قررت "شروق" أن تتركهما سوية وتترجل خارج الغرفة.
سارت نحو ابنتها، وما أن وقفت أمامها حتى تابعت بصوت مُتهدجٍ وعينين دامعتين:
"وَميض إنتِ مُتأكدة من قرارك؟ أنا بقول فكري تاني علشان أنا مش مستريحة يا قلب أمك!"
تأثرت بتجول الدموع في عيني والدتها، فقامت باحتضان وجه "سُهير" بكلا كفيها، ثم تابعت بنبرة هادئة:
"أنا مش متضايقة يا أمي صدقيني، متخافيش عليا ومتحسيش بالذنب لأنك مقدرتيش تعملي لي حاجة، أنا خلاص راضية بنصيبي."
سُهير بنبرة مُتبرمة:
"بس أنا مش مستريحة له يا بنتي وخايفة عليكِ منه!"
كانت نيران الحقد والغيظ الناشبة داخل قلبها منه تبرق في لمعة عينيها اللاتين تفيضان بحجم كُرهها له بعد انتصاره عليها في معركتهما معًا.
فسُهير قضت عُمرها كله في حفر خنادق مُلهبة تحول دون قربه من ابنتها وما زادته هذه الخنادق إلا قُربًا.
اقنع غريمه باستسلامه وراح يسعى في الخفاء حتى حاز في النهاية على مُبتغاه، فتليد لا ينسى لها نظراتها الشريرة له في طفولته وإقامة أسوار شاهقة دون رؤيتها حتى، ولم تعبأ بمشاعرٍ طفلٍ صغيرٍ لا يستطيع مُجابهة النسيان.
"بس أنا مُقتنعة إن اختيار بابا ليا أكيد فيه مصلحتي وأنا الحقيقة مش عايزة أخسر ثقته فيا أكتر من كدا."
جاهدت أن تغير قرار ابنتها خشيةً أن يتخذ "تليد" معها نفس الأسلوب ويحرمها رؤية ابنتها كما فعلت هي.
لقد استكثرت عليه أن يحيا وهو يسترق النظر إليها بينما تكبر أمام عينيه، أرادها فقط أن ترأف بقلبه، ولكنها دعست قلب صغير أصابه هلع الفراق، والآن تخشى أن يبوح لابنتها بالحقيقة ويحرمها رؤيتها إلى الأبد.
"بس أبقي افتكري كلامي لمَّا يبعدك عننا، اللي زيّ دا مُتزمت وعنده فكر مُتطرف يا بنتي، انفدي بجلدك وقولي لعلام إنك مش مستريحة!"
تنهدت "وَميض" بالتباس وراحت تقول بفتورٍ مُحيرٍ:
"إزاي بس يا أمي؟ يعني أكذب! اللي إنتِ حاسة بيه بدافع حبك ليا وإنك فاكرة إني هبعد بعد الجواز بس دي مش الحقيقة، هو أنا عندي أغلى منكم!"
سُهير بانفعال حاد وهي تقبض على ذراعي ابنتها وتصرخ:
"وقتها مش هيكون بمزاجك بمزاجه هو.. هيمارس فكره المُتطرف عليكِ وهيسرق أحلامك وهيبعدك عن الدنيا كلها وساعتها مش هتقدري تخرجي عن طوعه."
برقت الدموع داخل مُقلتيها، ثم أردفت بهمس وهي تبتلع غِصَّة مريرة تسري في حلقها:
"أرجوكِ يا أمي كفاية الكلام دا! علشان خاطري أنا مرعوبة لوحدي من حياتي المجهولة معاه!"
زفرت "سهير" بحنق، ثم صاحت بلهجة حادة:
"براحتك يا وَميض بس من اللحظة لساني ميخاطبش لسانك."
أسرعت متجهة خارج الغرفة، وتركت الأخيرة بين براثن أوهامها وسوء ظنونها نحو حياتها معه التي لطالما خشيت من تطرفه معها في يومٍ من الأيام، خاصةً أنها تسمع ما لا يسر عن كثير من الشيوخ والدُعاة مُدعي المثالية وأصحاب الفكر المُتطرف اللذين يُعينون أنفسهم قُضاة على الناس.
كذلك تبنيها فكرة الخوف من كُل شخص يظهر عليه بعض التدين نتيجة دخولها في أحاديث شتى واستقصاء الحقائق حول بعض القضايا التي تتحدث عن الإرهاب الذي يُسيطر على فكر الشباب ويحوم حولهم من كافة النواحي.
عضت شفتها السُفلى وهي تقول بنبرة مُرتجفة:
"الله يسامحك يا أمي.. أنا كُنت ناقصة أضيف على ملف تعريفه في دماغي إنه إرهابي كمان؟ مش كفاية إنه في نظري شيخ تايواني ومخاوي عفاريت وسكت كمان يطلع إرهابي!"
أخذت نفسًا عميقًا ثم زفرته بقوة، وراحت تُكرر هذه العملية عدة مرات علها تهدأ وتنفض عن رأسها هذه الظنون التي لا صحة لها على كل حال، بل هي مجرد مُسميات لاستفزازه، وعليها أن تتوسم فيه الخير من حُسن معاملة ورفق.
طُرق الباب مرة أخرى، فنظرت إليه بفتورٍ ظنًا منها أن والدتها عادت مرة ثانية.
ولكنها وجدت والدها يقف أمامها بزيّ أنيق، والسعادة تتراقص بريقها في عينيه.
ظل واقفًا في مكانه، وراح يفتح ذراعيه لها قائلًا بحب كبيرٍ:
"كبرتي يا وَميض بالسرعة دي؟"
هرعت ترتمي بين جنباته وتقتبس منه بعض الدفء والطمأنينة مُمتثلةً للأمر الواقع الذي يكمن الخير بين طياته.
شدَّ ذراعيه على جسدها بسعادة غامرة، ثم تابع بانهيار مفاجئ:
"قلبي فرحان لك يا نور عيني، وأتمنى تكوني واثقة في اختياري ليكِ، ولمَّا أموت أوعي تنسيني من دعاكِ وقولي أبويا كان طيب واختار لي الطيب، ولا يوم كان نظرته في أي إنسان غلط."
تهدجت نبرة صوتها من فرط التأثر، ورددت بنبرة محبوسة في حلقها:
"ليه بتقول كدا يا بابا؟ ربنا يحفظك لينا."
علَّام وهو يقبل رأسها مُضيفًا:
"وأوعي تزعلي مني في يوم من الأيام مهما حصل، والتمسي لي ألف عُذر، لأن أي حاجة حصلت مني حلوة أو وحشة كانت لحمايتك وخوفي عليكِ."
سكت هنيهة، ثم أضاف:
"اوعديني!"
لم تتحمل "وَميض" أكثر من ذلك وانهارت باكيةً.
إلا أنه رفع ذقنها حتى نظر بقوة داخل عينيها، وأردف بحب:
"اوعديني يا بنتي!"
وَميض ترد بهدوءٍ:
"اوعدك يا قلبي إني لا هزعل منك في يوم من الأيام ولا هسمح لنفسي أزعلك، أنا الحمد لله راضية بنصيبي ومفيش جوايا أي خوف خالص لأن إنتَ موجود وفي ضهري ومستحيل حد ييجي عليا في وجودك."
علَّام بضحكة ودودة:
"إنتِ بقيتي جوه حصون تليد السروجي، وهو خير راعي ومسؤول."
••••••••••••
وقفت السيارة أمام المزرعة ينتظر سائقها قدوم الجميع.
فيما يقف "تليد" على بعُد خطوات منه يتحدث عبر الهاتف بملامح عابسة، وقد طالت مدة المكالمة قرابة العشر دقائق.
وما أن جاء الشيخ "سليمان" حتى أنهى مكالمته وأسرع نحو والده قابضًا على ذراعه ويعاونه برفق على السير وركوب السيارة.
تكلم "تليد" قائلًا بمرح:
"الدفتر معاك يا شيخنا ولا نسيته؟"
اِفتر ثغر الشيخ عن اِبتسامة هادئة، ثم قال بلهجة حازمة:
"نسيته يا خفيف."
ضحك "تليد" ملء شدقيه، ثم أضاف:
"لاااااا.. تنساه أيه دا أنا ما صدقت يا حضرة المأذون!"
سليمان ببسمة ساخرة رد:
"ما تجمد يا ولد كدا.. إنتَ هتتجوز على نفسك!! إنه عقد قران فحسب."
تليد وهو يبرق نحو أبيه بعد أن أجلسه داخل السيارة وقال بدهشة:
"يعني أيه عقد قران فحسب يا عم المأذون؟ أنا اتضحك عليا ولا أيه؟ مش المفروض إن الخطوة دي بيكون فيها تصبيرة كدا ولا كدا!"
عقد "سليمان" ما بين حاجبيه مُبديًا لمحة بسيطة من الغضب وقال:
"اخرس يا مُتحرش صايع.. التصبيرة في عُش الزوجية."
فغر "تليد" فمه على وِسعه، ثم صاح باستنكار:
"نعممممم! أمال ليڤيل الوَحش دا إمتى؟ في الجنة إن شاء الله!"
خرجت ضحكة بسيطة من فم "سليمان" الذي تابع بثبات:
"ذكرني أن أضع لك القليل من زيت الخروع في كوباية الشاي يا ولد."
تليد وهو يتابع بتذمر:
"هي حصلت خروع!! خلاص يا حاج أنا آسف.. مش هعمل كدا تاني."
هز "سليمان" رأسه وأردف بكلمات رزينة:
"خلص مش عايزين نتأخر على أهل عروستك."
أسرع "تليد" مُستديرًا إلى الباب المجاور لمقعد القيادة، وقبل أن يصعد إلى السيارة تابع بتساؤل:
"خالة رابعة ومُهرة مش جايين معانا ولا أيه؟"
سليمان بهدوءٍ:
"زمانهم جايين."
لحظات ووصلت "رابعة" إلى السيارة، ثم ركبت بجوار "تليد" الذي سألها باستغراب:
"أمال فين مُهرة؟"
رابعة وهي تتنهد باستسلام:
"دماغها ناشفة.. قال جالها شغل طارئ وهتحصلنا."
تليد باستكمال:
"هتعرف تيجي لوحدها؟"
رابعة بنفي قاطعٍ:
"لا ما أنا شرطت عليها إن إبراهيم ابن خالتها يوصلها."
أومأ "تليد" بتفهم، ثم قاد سيارته مُنطلقًا إلى عروسه الجميلة التي تاقت نفسه إلى رؤيتها وسماع والده يُنسبها إليه في لحظة ابتهاجٍ بعد أن يُعلنها رسميًا حرم «تليد السروجي» أمام جمع من الناس.
••••••••••
"ممكن تهدي شوية يا آنسة سكون؟"
أردف "كاسب" بترقب وهو ينظر إلى انفعالات وجهها القلق من مرآة السيارة.
شرعت تهز ساقيها بتوترٍ بالغٍ، وصفحة وجهها تنم عن مدى خوفها الظاهر بوضوح في تأففها وحديثها الخافت مع نفسها.
وما أن تلقت عبارته حتى تابعت بصوت مخنوقٍ:
"اهدا إزاي بس يا كاسب، ماما بتقول إنه أخد مُسدسه وخرج برا القصر وخمنت إنه رايح فرح تليد ابن عمي، أنا خايفة يوقع نفسه في مصيبه وكمان عمي ما يستاهلش منه تصرف زيّ دا."
تأففت مرة أخرى حينما وجدت نفس النتيجة من طرف والدها الذي لا يجيب على اتصالاتها:
"رُد بقى يا بابا علشان خاطري!"
كاسب وهو يقول بلهجة ثابتة:
"إن شاء الله خير ومش هيحصل حاجة."
ابتلعت ريقها بالكاد، وراحت تنظر من النافذة وتُتمتم ببعض الأدعية التي قد تُغيثها من هذا المأزق وما يُقبل عليه والدها.
ثم التفتت مرة ثانية نحو "كاسب" وقالت بنبرة متهدجة حزينة:
"أسرع يا كاسب من فضلك!"
أومأ مُتفهمًا هلعها، وحاول أن يزيد من سرعة السيارة للحد الذي يمكنه أن يتحكم فيه قاصدًا بيت شقيقتها الذي يُقام به حفل القران.
••••••••••
ظل يُراقب السيارة التي تصطف أمام بيتها في شيءٍ من الضيق والاختناق، وذلك عبر مرآة السيارة التي تعكس صورة الأشياء من خلفه.
وقف "إبراهيم بجوار سيارته ينتظر خروجها إليها كي يوصلها إلى الحفل، وسط نظرات "نوح" الساخطة عليه أثناء مراقبته للأمر من بعيد.
ضغط أنيابه بحنق من ظهور هذا المخلوق في حياته ليُعكر صفو العلاقة بينهما.
أنها مُجرد علاقة مُشوشة تظهر في صورة صداقة لم تكتمل خطوطها العريضة بعد.
ولكنه كان ينوي التصريح بحبه ما أن يستقر وضعه الاجتماعي، ولكن بظهور هذا المخلوق أصبح عليه أن يُغير مخططاته قبل أن تُخطف من بين يديه وتُصبح في كنف رجل آخر.
لحظات ووجدها تخرج من البيت وتتجه إلى سيارة إبراهيم.
انتابه خيبة أمل كبيرة وهي تُفضل التواجد مع الأخير دونه.
تنهد بحرارة وهو ينظر إلى باقة الزهور التي جلبها من أجلها، ظنًا منه أنها ستختاره وتُقدر رغبته في قضاء لحظات سعيدة برفقته.
التقط الباقة القابعة على المقعد المجاور له، ثم ألقاها بغيظ شديد للمقعد الخلفي.
وما أن مرت السيارة بسرعة كبيرة حتى قدح الشرر من عينيه، مُقررًا أن ينسحب من حياتها تمامًا لطالما تعلم بما يكنه لها من مشاعر ولا تبالي بما قد ينتج عن هذا الموقف من غيرة.
تنهد تنهيدة عميقة، ثم وضع كفيه على مقود السيارة وقدمه على الدواسة مُتأهبًا.
ولكنه تفاجأ بطرق خفيف على زجاج النافذة جعله ينظر إلى الواقفة أمامه بدهشة تمتزج بعتاب ومشاعر تتقد من فرط الغيرة.
ارتسمت على مُحياهُ ضحكة لامعة، وأسرع بفتح الباب المُغلق لها.
فيما ركبت بجواره على الفور وقالت بصوت خافتٍ:
"كدا كُنت هتمشي وتسيبني!"
لانت ملامحه من بعد تجهمٍ، ثم قال بلهجة حادة يملأها الغيظ:
"مش إنتِ اللي اختارتي ابن خالتك!"
نكست رأسها بخجل شديد بعد أن تخضبت وجنتاها، وقالت بهمس خافت وكأنها لا تود أن تُسمعه اعترافها:
"أنا عُمغي ما فكغت أحطك في مقاغنة مع حد أو اختاغ غيغك."
اقترب قليلًا منها، ثم تابع بنبرة متحمسة:
"قولتي أيه؟"
أخذت تفرك كفيها بتوترٍ وبسرعة تابعت:
"هو إحنا مش هنمشي؟ عايزين نلحق الحفلة من أولها."
أومأ مُقدرًا شعورها بالخجل ومدى ما تتحلى به من حياء يُربك ما يستقر داخل قلبه من مشاعر مُقننة، بل يحدث فوضى لا تنتهي على الإطلاق.
استدار حتى التقط الباقة مرة أخرى، ثم ناولها إياها قائلًا بودٍ:
"أنا عارف إن الورد مقارنةً بجمالك مالوش لازمة، بس قولت تكون البداية بينا شبه روحك."
التقطتها منه، ثم تابعت ببسمة هادئة:
"شُكغًا."
نوح باستمتاع ومرح:
"أحلى شُكغًا سمعتها في حياتي."
اِفتر ثغرها عن ابتسامة عريضة، ولكنه أحس أن ثمة أحاديث وَجب التكلم فيها قبل الانطلاق وقبل أن ينتقل إلى الخطوة الجديدة.
تنفس بهدوءٍ قبل أن يقول اسمها بلهجة ثابتة:
"مُهرة!"
رفعت بصرها إليه وقالت بإصغاء:
"نعم!"
أردف بإيجاز مفيدٍ:
"تتجوزيني!"
ضوى بريق من الفرحة داخل عينيها، وكان ملحوظًا بالنسبة للأخير الذي ابتسم بهدوء وهو يستمع إلى الإجابة من لمعة عينيها قبل أن تهز رأسها بالإيجاب وهي تطرق ناظرة للأرض بينما تحتضن الباقة بقوة.
تهللت أسارير وجهه، ولكنه تابع قائلًا بترقب:
"تتجوزي واحد الظروف معانداه؟ وحيد لا عنده أُم ولا أب؟ موافقة تعيشي أول حياتك في شقة إيجار لحد ما ربنا يقدرني وأعوضك؟ هتستحملي ظروفي ومُرتبي البسيط؟ أنا مش هزعل من أي قرار هتاخديه!"
أخذت نفسًا عميقًا وقالت بحسم مُنقطع النظير، ولا تزال تتجنب التقاء أعينهما:
"موافقة أواجه كُل الظروف معاك، أنا مُمتنة لكل لحظة كُنت بتجازف فيها بحياتك علشان تحميني."
نوح وهو يرد بحُب دفينٍ يتفاقم داخله:
"أنا اللي مُمتن لربنا إنه حطك في طريقي."
أشاحت بوجهها للنافذة من فرط الخجل، فيما ابتسم بهدوء وقال:
"بكرا هفاتح الشيخ سليمان ووالدتك في الموضوع!"
أومأت دون أن تنبس ببنت شفةٍ، فيما انطلق بالسيارة على الفور قاصدين بيت ابنة عم تليد الذي يُقام فيه الحفل.
••••••••••
تقدمت إلى حديقة المنزل بخطوات راسخة وزيّ مُهندم ناعم يليق بأجواء الاحتفال.
وكالمعتاد استطاعت لفت انتباه كُل من بالحفل، حتى أنهم بدأوا يتساءلون عن ماهيتها وكم هي جميلة وتتمتع بأُنوثة طاغية.
استطاعت "نجلا" أن تقرأ الإعجاب في عيونهم، وكانت تتلذذ كثيرًا حينما تُوجه لها هذه النظرات التي تزيدها شموخًا وثقةً بالنفس.
سار "تليد" نحوها، ثم سلم عليها بعينيه وقال مُبتسمًا في هدوءٍ:
"نورتيني يا مدام نجلا."
سلمت عليه بعينيها مُمتنةً على اهتمامه بها رغم انشغاله، وأردفت تقول بلهجة ثابتة:
"ألف مبروك أستاذ تليد، أتمنى لك حياة جديدة سعيدة."
شكرها بودٍ، ثم تفاجأ بصياح الضيوف عاليًا وهم ينظرون إلى شيءٍ ما.
استدار على الفور فرأى "علَّام" يرافقها مُتأبطي الذراعين باتجاه الحديقة.
هبطا الدرج معًا ثم توقفا قبل نهايته.
فأسرع "تليد" بدوره نحوهما وهو يمعن النظر إلى طلتها المُبهرة التي سرقت قلبه من بين ضلعه.
تأملها للحظات، ثم قال ببسمة عريضة يمازحها:
"آنسة سندريلا معايا؟"
قالها بابتسامة ومضاء، فيما أجابتهُ ببسمة خفية ووجه عابس:
"أنا مرات أبوها ومتخفية في شكلها، شاري؟"
ضحك بمكر وقال:
"لو كُنتِ أختها نفيسة معنديش مشكلة.. اتحركِ قدامي على المأذون."
في هذه اللحظة طلب "علَّام" منه أن يأخذ عروسه إلى طاولة العقد، وكان مُقبلًا على الأمر بسعادة بالغة.
قام بالتقاط كفها ضامًا إياه بقوة غريبة جعلتها تشعر لوهلة أنه يخشى أن تهرب منه، إلا أنها لا تعلم بلحظة النصر التي يعيشها مع نفسه في هذه اللحظة، والتي خطط لها قبل عشرين عامًا.
سار بها إلى الطاولة، ثم أبعد المقعد قليلًا حتى جلست.
جلس الشيخ "سليمان في المنتصف بصفته المأذون الذي سيعقد القران، بينما جلس على يمينه ويساره كُلًا من "علَّام" و "تليد".
بدأت مراسم العقد التي أبهجت صدر الجميع، حينما بدأ والد العروس يكرر خلف الشيخ بصوت سعيد ضامًا كف الأخير وثمة منديل يغطي كفيهما:
"إني استخرتُ الله العظيم الذي لا خاب من استخاره وزوجت موكلتي البكر الرشيد «وَميض علَّام الجندي» إليك الرجل المُكلف «تليد سليمان السروجي» على كتاب الله تعالى وعلى سُنة رسوله وعلى الصداق المُسمى بيننا عاجله وآجله وعلى مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان والله على ما نقول شهيد."
التفت الشيخ "سليمان" إلى ابنه، ثم أردف بنبرة ثابتة رغم ما يخالجها من سعادة لا تخمد:
"طبعًا إنتَ مش محتاج تكرر ورايا."
اِفتر ثغره عن اِبتسامة عريضة، ثم أومأ وهو يرد:
"إني استخرت الله العظيم الذي لا خاب من استخاره وقبلت زواجي من موكلتك البكر الرشيد «وَميض علَّام الجندي» على كتاب الله تعالى وعلى سُنة رسوله وعلى الصداق المُسمى بيننا عاجله وآجله وعلى مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان والله على ما أقول شهيد."
لم تستطع "شروق" منع نفسها في هذه اللحظة، فانطلقت منها زغرودة تلي الأخرى وسط ضحكات الجميع.
التفت "سليمان" إلى "علَّام" وتابع:
"زوجتك موكلتي."
أردف "علَّام" بفرحة وهو ينظر داخل عيني "تليد" مُرسلًا له بعض الرسائل الخاصة التي تمكن بفطنته من قراءتها:
"زوجتك موكلتي."
أردف "تليد" وهو يبتسم له بودٍ يطمئنه بوصول رسائله بسلام:
"قبلت زواجي من موكلتك."
ارتفعت الزغاريد وصدح صداها في الأرجاء.
وهنا أردف "سليمان" يُعلن إتمام الزيجة بصوت عالٍ:
"بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير."
نهض "سليمان" في مكانه، ثم أسرع بضم ابنه بفرحة غامرة وهمس بالقرب من أذنه:
"إياك وإحزانها فإني لك بالمرصاد."
أسرع "تليد" بتقبيل كفه، ثم تحرك نحو "علَّام" وقام باحتضانه.
ولم يغفل هو الآخر عن الهمس في أذنه قائلًا بلهجة ثابتة:
"بنتي أمانة في رقبتك ليوم الدين، أوعى تخون الأمانة يا تليد!"
باغته "تليد" باحتضان رأسه، ثم قبلها بودٍ قائلًا:
"أنا على الوعد ليوم الدين."
تركهُ على الفور متوجهًا نحوها بلهفة.
التف حولها مجموعة من زميلاتها بالعمل، وما أن لمحنه يتقدم إليها حتى تفرقن على الفور.
سار إليها بقلب مسرورٍ، وما هي إلا ثوان حتى كان جالسًا بجوارها تمامًا.
رمقتهُ بنظرة يخالطها التوتر، ثم أطرقت برأسها تتجنب تحديقه فيها.
فيما تكلم بنبرة هادئة:
"مُبارك يا عروسة!"
وَميض بصوت خافتٍ:
"الله يبارك فيك."
ساد الصمت بينهما للحظات، فاستغربت توقفه عن الكلام.
وحينما رفعت وجهها إليه من جديد، وجدته يتأملها بنظرات هائمة لمست فيها بعض المشاعر الراقية.
ابتلعت ريقها على مهلٍ وهي ترى أعصاب جسدها تذوب أمام نظرات عينيه الثاقبة لها.
وأثناء تحليلها لنظراته، وجدته يحيط رأسها بكفه من الخلف، ثم يُقربها إليها.
ودون تفكير وضع شفتيه على جبينه يُقبله بلهفة وشوق كبيرين.
برقت "وَميض" لوهلة، وظنت أن هذا المشهد سوف ينتهي الآن، ولكنها وجدته يطيل تقبيل جبينها حتى أنها شعرت بعدة أحاسيس مبعثرة.
ثمة شعورٌ ما يحاول إرساله لها عن طريق هذا التصرف.
لقد ذابت روحها وهي تستمتع بدفء هذه القُبلة التي تحمل الكثير من الحُب.
فهي ليست بالبلهاء التي لا تفهم تمامًا الرسائل المُفعمة بالعشق من تلك التي تُؤدى لأهداف أُخرى.
خفق قلبها خفقًا سريعًا، وشعرت أن حالة من الفوضى ألمت بنفسها المُستقرة، فزعزعت مشاعرها الراكدة وجعلتها تتبعثر في كُل مكان.
هي لا تُحبه، ولكنها تشعر أنها تعرفه من قبل، وكل تصرف يصدر منه يزيد من إصرارها على تصديق هذا الشعور.
فكيف لها أن تشعر بكل هذا الحُب من شخصٍ لا يحبها.
حاولت أن تبتعد عنه، فأسرعت بوضع كفها على صدره حتى تدفعه عنها برفق.
إلا أنها اندهشت من خفقان قلبه بهذه الصورة الهوجاء، وكأنما أصابه زلزال جعل عالية قلبه سافلتها!
عضت شفتها السُفلى في احراج، ثم تكلمت بصوت خافتٍ:
"تليد!"
ابتعد بالكاد عنها، فراحت هي تنظُر من حولها بنظرات خجلة من تصرفه.
ولكنه اِبتسم قائلًا بدفء طغى على ملامحه الغامضة، فألانها:
"أنا فوزت بيكِ بعد حرب دامت لسنين."
زوت ما بين عينيها بعدم إدراك، ولكنه لم يترك لها فُرصة التفكير في فحوى رسالته حينما قبض على كفها بعد أن نهض وقال بحماس:
"تعالي بقى نوثق اليوم دا بالصور."
وَميض تتدبر اِبتسامة هادئة، ثم تنهض فورًا وهي تقول:
"تمام."
مشى بها إلى موقع التصوير الذي زُين من أجلهما.
بدئا بالوقوف بطريقة مُعينة وإبداء بعض التعابير المُبهجة، إلا أنها لم تكُن تبتسم سوى نص اِبتسامة لم تصل إلى عينيها حتى.
رفع المُصور حاجبه وقال بلهجة ثابتة:
"ممكن ضحكة جميلة كدا يا عروسة؟"
قلبت عينيها بضيق من هذه التفاصيل المُملة.
كذلك طلب أن ينظران إلى بعضهما البعض، فيقبض على كفها أثناء تقبيله ويضع كفه الآخر على منطقة خصرها.
حاولت أن تتدبر اِبتسامة واسعة أكثر، ولكنها لم تلقَ أيضًا إعجاب المُصور الذي هز رأسه بنفي:
"بالشكل دا الصور عُمرها ما هتكون Natural."
صكت أسنانها بنفاد صبرٍ، بينما أردف "تليد" مُستغلًا تقلص المسافة بينهما وقال بهمس مُستمتع:
"أيه رأيك أقول لك نكتة؟"
رفعت حاجبها بشك، ثم ردت:
"أكيد شخصية جادة زيك مستحيل تقول نُكت، ولو حصل تبقى نُكت أومليت."
تليد بشك يكرر كلمتها بصوت هادئ يخالجه الصدمة:
"أومليت!"
هزت رأسها تؤكد إجابتها، وقبل أن يتفوه بكلمة أخرى تابعت هي بابتسامة خفية:
"أيه رأيك نلعب لعبة أحلى من النُكت بتاعتك؟"
تليد يومىء موافقًا، فيما تقول هي بضحكة عبثية:
"أنا هقول الكلمة وإنتَ تقول عكسها!"
تليد بثبات:
"تمام."
تكلمت بضحكة متوارية:
"ينسون؟"
ضحك قائلًا بفخر:
"عارفها دي.. يتذكرون!"
تابعت بحماس:
"جنة!"
رد بهدوء:
"نار."
أكملت بمكر اختلط باحمرار وجهها الذي كاد أن ينفجر من الضحك:
"تليد!"
طالعها بحاجبين معقودين، ثم ردد بهدوء:
"هو اسمي له عكس؟"
أومأت دون أن تنبس ببنت شفةٍ.
رفع حاجبه يفكر لبعض الوقت حتى تابع باستسلام:
"لا مش عارف دي."
تكلمت بضحكة ماكرة تقول:
"تبيض."
برق لها بعينيه مصدومًا، فيما انطلقت ضحكة عالية من فمها جعلت المُصور يستغل هذه اللحظة بينهما ويُسرع في التقاط هذه الصورة المُميزة بالنسبة له.
وقبل أن يُتابع حديثه معها، سمعا صوت إطلاق ناري يأتي من الخارج.
صُعق الجميع وتوترت الأجواء وهم لا يُدركون بعد من أين يأتي هذا الصوت الذي هو بمثابة حرب شُنت بُغتة.
تحرك "تليد" نحو بوابة المنزل، إلا أن والده أوقفه قائلًا بحزم:
"متخرجش دلوقتي يا بني لمَّا صوت الطلق يقف."
أومأ مُتفهمًا خوف والده عليه، ولكنه قرر أن يختلس النظرات من خلف الباب الموارب لعله يفهم سبب هذه الطلقات ومن أين تأتي!
»على الجانب الآخر«
جمع "عثمان" رجاله الذين وقفوا بالقرب من بوابة المنزل مستخدمين أسلحتهم من أجل الهجوم على الحفل والتخلص من العروسين.
ولكنهم تفاجأوا وصُعقت عقولهم حينما وجدوا هجومًا ناريًا يأتيهم بُغتة، ومجموعة من الرجال يلتفون حول المنزل لحمايته مشهرين أسلحتهم صوب رجال "عثمان".
الذي اشتعل داخله غضبًا وكاد أن يجن من معرفة أحدهم بمخططه، ولم يخبر به أحدًا سوى رجاله وذلك قبل التنفيذ بدقائق!
بدأ تبادل الطلقات النارية بين المجموعتين.
ليخشى عثمان فقد جماعته فيرتد مرة أخرى للخلف قليلًا.
أمرهم أن يختبئوا من وابل هذه الطلقات التي تتقاذف عليهم تباعًا، وعيناه تشتعلان بنيران الانتقام والغيظ.
فكر مليًا: مَنْ هؤلاء؟ وكيف علموا بخطته للانتقام؟
وأثناء تفكيره في الأمر، وَجد بوابة المنزل تُفتح ويخرج منها "تليد" الذي نظر للرجال الواقفين أمام البوابة باستغراب وحيرة.
وكأنما وَجد "عثمان" الإجابة فور رؤية ابن أخيه.
قدح الشرر من عينيه وقرر أن يقتله حتى لو خسر حياته بالمُقابل.
أسرع بملء مسدسه بطلقات جديدة، ثم نهض من وراء السيارة وراح يُسرع في سيره وهو يصرخ بصوت عالٍ مُزمجرٍ:
"تلييييييييييييد!"
التفت "تليد" إلى مصدر الصوت، فتفاجأ بوجود عمه.
وقبل أن يتكلم وجد الأخير يتأهب لإطلاق النار عليه، إلا أنه لم يستطع حينما أصاب ذراعه طلقة نارية من قِبل حراس المنزل.
وفي هذه اللحظة صاح "تليد" ينادي عمه بصدمة:
"عمــــــي!!!"
كان يقف مشدوهًا لا يستوعب بعد ما يجري أمام عينيه.
وصلت "سكون" في هذه اللحظة، وما أن رأت والدها يتلقى طلقة نارية أسقطته على ركبتيه بالأرض حتى صرخت هلعًا وترجلت جريًا من السيارة إلى والدها.
ظلت تصرخ بآهات ونحيب، ليصيح "تليد" بغضب عارمٍ وهو يهرول نحو الحارس الذي يستعد لإطلاق النار عليها.
تمكن من القبض على سلاح الأخير وتقييده بكلا ذراعيه وهو يرمقه بعينين حمراوين تفيضان بثورة عارمة.
هرول كاسب إليها ليحمي ظهرها أثناء احتضانها لوالدها ويعاونها على سحبه والاختباء خلف إحدى السيارات.
أخذ صدره يعلو ويهبط في ارتياب، ومجرد أن وصل إليها ووقف خلف ظهرها حتى وجد طلقة نارية تخترق ظهره حينما أشار الحارس الذي يقيده "تليد" لزميله أن يُنهي الأمر، ففعل الأخير.
"سكــــون!!!"
صرخ "تليد" بصدمة، ولكنه تفاجأ حينما التصق شخص ما بها لتُصيب الطلقة ظهره.
يتبع
رواية رحماء بينهم الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم علياء شعبان
دخلت إلى مكتبها بانفعالات متأججة، أطاحت المنديل المربوط حول عنقها بعيدًا بعد أن فكته وهي تتجه نحو النافذة.
ظلت تُزمجر بأنفاس لاهثة تروح وتأتي في المكان بلا هوادة. ترى الوجه الآخر من شخصيتها لا يتناسب مع نظيره المسالم. هيئتها رقيقة وراقية ذات رأس شامخ وعينين مسحوبتين كإحدى ملكات العصر الفرعوني. زادها ملبسها أناقة وبروز حيث ارتدت فستانًا يضيق على جسدها بأكمله من اللون الأحمر القاني وطلاء شفاه بنفس اللون، وانتعلت صندلًا عاليًا للغاية بذات اللون، وتركت الحرية لخصلاتها التي تهفو خلف ظهرها بجنون يضاهي صاحبته.
عبست خطوط وجهها وراحت تدق على الأرض بصندلها عدة مرات وكأنما لا تطيق الاستمرار في هذا الهدوء بعد الآن؛ يجب أن تنفجر حممها البركانية والآن!
صوبت سهام نظراتها النارية إلى حديقة القصر. وبعدها سمعت صوت صرير الباب الخافت يأتي من خلفها. كان عنقها يتنافس مع الطير أيهما يصل إلى السماء أولًا. تنشقت الهواء داخلها بتروٍ ثم قالت دون أن تلتفت أو تفور حممها:
"إنتَ بتشتغل لصالح مين يا ماكسيم؟"
تنهد الأخير ببطء قبل أن يقف خلفها ويطرق برأسه ضامًا كفيه إلى بعضهما أمامه:
"لصالحك يا نجلا طبعًا."
رفعت حاجبها ثم استدارت إليه بثبات وبنبرة تعبق بالقوة والصرامة قالت:
"يعني مش بتاخد الأوامر من حد تاني غيري!"
أومأ بالسلب فورًا ومازال مطرقًا برأسه أمامها. وسرعان ما تخلت عن هدوئها وصاحت بصوت ثائر:
"وهل أوامري كانت ضرب نار على حد غير عثمان؟!"
رفع "ماكسيم" بصره إليها محاولًا شرح وجهة نظره له، فقال بتوتر:
"هم اللي ظهروا قدامنا فجأة."
زفرت بقوة قبل أن تقترب منه ثم تضع سبابتها بالقرب من رأسه وتقول:
"كتير قولت لك متشغلش دماغك يا ماكسيم، نفذ اللي بقوله بحذافيره من غير زيادة ولا نقص."
تنحنح الأخير ثم أضاف بنبرة مذعنة:
"كُنت فاكر إن موت أو إصابة أي حد من طرف عثمان هيكون نقطة في صالحي وحاجة تسعدك خاصةً لو كانوا أولاده. ومعتقدش في وجع في الدنيا أد فقد الابن أو البنت!!"
ضحكت "نجلا" بفتور ثم نزلت بكفها حتى ربتت على كتفه وقالت:
"أنا مقدرة رغبتك إنك تطفي ناري وترجع حق حمدي منه بس إنتَ باين فاتك حاجة!"
رمقها بتيقظ وتركيز. فيما أردفت بنبرة أكثر لينًا:
"نسيت إني مباخدش حد بذنب حد، نسيت إني ست عادلة ومحبش الظلم. وبعدين أنا هعمل إيه بشاب عاجز ولا بنت طايشة. أنا مش ناوية أوجعه على عياله، أنا هوجعه على اسمه وسمعته وشغله. هخليه يعلن إفلاسه قريب، أنا ناري هتطفي لمَّا أشوفه شحات ومذلول تحت رجلي."
ماكسيم بهدوء:
"هيحصل، أنا معاكِ لآخر نفس فيا."
تبدلت نظراتها إليه إلى أخرى ممتنة. ربتت على كتفه بود. فيما أطال هو التحديق في عينيها ببريق لا يبهت أبدًا. ماكسيم الاسم الحركي لهذا الرجل الذي قارب على توديع عامه الأربعين. هو صديق "حمدي" الصدوق وحارسها الشخصي مذ أن قدمت إلى القصر وتزوجت من حمدي. ولكنه لسوء الحظ وقع في عشق زوجة صديقه. وحتى لا يكون خائنًا له اكتفى بوصد أبواب قلبه وسجن هذه المشاعر في مكمنها إلى أن يجد حبًا جديدًا يخلصه من هذا الإثم. حاول دومًا ألا ينظر إليها إلا بعين صديقة وزوجة لصديقه. وكان لا يترك بابًا بينهما فتدخل منه الخيانة. ظل وفيًا لصديقه للنهاية حتى أنه لم يستغل وفاة "حمدي" ويفصح عما بداخله لها.
"طيب دلوقتي أنا عايزة أعرف البنت والولد حصل لهم إيه؟!"
تكلمت بنبرة مترددة قليلًا وراحت تتقي نظراته الجامدة من تصرفها. إلا أنه لم يستغرب ما تحاول فعله، فهي حنون لأبعد درجة خاصةً أنها تشعر بفراغ خلفه شعور الأمومة الذي لم تحظ به مع زوجها. حاولت جاهدة أن تواري ضعفها عنه إلا أنه يفهمها جيدًا وتعلم هي ذلك. زفرت بضيق ثم صاحت بإحراج:
"خلاص يا ماكسيم، مفيش داعي تحرجني أكتر من كده. عايزة أطمن إني متسببتش في أذى حد مالهوش ذنب مش أكتر."
ماكسيم بهدوء:
"وإحنا مالنا يا نجلا، ما اللي يموت يموت واللي يغور في داهية!!"
ارتفع صوتها قليلًا في حدة:
"ماكسيم!!"
"نفذ أوامري بس من فضلك!"
أومأ بثبات ثم قال:
"عمومًا البنت سليمة تمامًا. السواق اتصاب في ضهره ومعرفش حاجة عن حالته، وعثمان للأسف الرصاصة جت في دراعه."
نجلا بابتسامة صفراء:
"مش في قلبه يعني؟!"
غمز لها "ماكسيم" مضيفًا بابتسامة هادئة:
"أوعدك المرة الجاية."
أومأت "نجلا" ثم تابعت بنبرة منهكة:
"تمام."
ماكسيم بحسم:
"إنتِ لازم تنامي فورًا علشان عندك اجتماع بكرة في الشركة مع المستثمر التركي."
فتحت عينيها على وسعهما وراحت تضرب جبهتها مضيفة بتذكر:
"أوبسسسسس، المستثمر التركي!! أنا ناسية خالص وحتى مدبرتش حوار المترجمة دا!"
عقد "ماكسيم" حاجبيه ثم قال بتساؤل:
"مش المفروض بيكون معاه مترجم؟!"
نجلا بنفي:
"لأ مش المفروض لأن دي أول زيارة له لمصر وأكيد معتمد اعتماد كلي علينا من حسن استقبال وضيافة!"
ماكسيم بتفهم يرد:
"خلاص سيبى لي أنا حوار المترجمة دي، نامي إنتِ دلوقتي وأنا هحله."
تبادلا سويًا نظرات تتأرجح بين الامتنان والود. وسرعان ما خرج فورًا كي يتدبر أمر المترجمة التي ستتولى مقاليد اجتماع الغد.
انتظرته حتى خرج من المكتب ثم توجهت إلى غرفة نومها المجاور للمكتب. دخلت إلى الغرفة وعقلها بقى شاردًا في مخططاتها وما تعزم النية عليه. أخذت نفسًا عميقًا عززته بزفرة مرتاحة قبل أن ترمي جسدها على الفراش قبل أن يفر النوم من مصيدة جفنيها.
***
فرت دموعها ما أن وقعت عيناها على والدها الذي يجلس أمام حجرة العمليات وكأنها أبقت أنفاسها مكتومة حتى حررتها برؤيته سالمًا. هرولت "شروق" إليه وما أن رآها تهرع نحوه حتى وقف وفرد ذراعيه لترتمي داخلهما.
"بابا، الحمد لله إنك كويس وبخير، الحمد لله يارب."
ربت "عثمان" على ظهرها ثم قال بهدوء:
"أنا كويس متخافيش."
التفتت "شروق" إلى شقيقتها التي تستند برأسها على باب الحجرة وتنسكب دموعها في صمت. توجهت إليها وما أن رأتها "سكون" حتى ارتمت بين ذراعيها وهي تقول بصوت مخنوق:
"ادعي له يخرج بالسلامة يا شروق، أنا مش حمل إن حد يموت بسببي!!"
شروق وهي تقبل رأس شقيقتها:
"هيخرج بالسلامة إن شاء الله."
لحظات وجاء "سليمان" مهرولًا يتعكز على ذراع ابنه. توجها معًا حيث يتجمع الآخرون. وما أن وصل حتى تابع بلهفة وهو ينظر إلى شقيقه:
"عثمان إنتَ كويس يا خويا!!!"
رمقه "عثمان" شزرًا ولم يرد. زمجر "تليد" في نفسه. إلا أن "سليمان" أصر على الجلوس بجوار شقيقه ومعرفة ما حصل بالضبط. أجلسه "تليد" ثم تحرك إلى "سكون" ليطمئن عليها. فيما تابع "سليمان" بنبرة وادعة:
"إيه اللي حصل معاك يا عثمان؟! إنتَ كُنت جاي تحضر فرح ابن أخوك فعلًا!!!"
حدق فيه "عثمان" بنظرات عدوانية ناقمة وقال:
"كُنت جاي أخلص منه ومن بنت علام وأستريح من النسب اللي فتنجسوا بيه اسم العيلة."
لمعت الدموع في عيني "سليمان" ولكنه ابتسم بعدم تصديق وقال:
"أنا عارف إنك بتهزر معايا وكُنت جاي تشاركني فرحتي وتقف جنب أخوك."
سكت هنيهة ثم أضاف:
"إيه اللي حصل يا عثمان، مين الناس دول أنا مش فاهم حاجة؟!!"
عثمان وهو يقول بنبرة مرتفعة قليلًا بينما عيناه تتحركان بينهما:
"أنا اللي المفروض أسألكم مين الناس دي؟! جايب ناس يقتلوني يا سليمان إنتَ وابنك؟!!"
سليمان وهو يحدق فيه مذهولًا ثم يقول باستنكار:
"استغفر ربك يا عثمان، أوعى تسلم دماغك ونفسك للشيطان، أنا هجيب ناس يقتلوك!"
تدخل "تليد" فورًا ثم قال بنبرة جامدة:
"أولًا يا عمي إحنا منعرفش مين الناس دي.. ثانيًا أنا لسه مفهمتش بردو كُنت جاي الفرح تعمل إيه بسلاحك ورجالتك!!!"
عثمان وهي يبتسم بخبث:
"كُنت جاي اقتلك إنتَ وبنت علام."
انتبهت "شروق" لما يتفوه به والدها فصاحت باستنكار:
"إيه اللي إنتَ بتقوله دا يا بابا.. مستحيل الكلام دا."
تليد وهو يبتسم مضيفًا بنبرة مزدرية:
"مستبعدش منك أي حاجة."
في تلك اللحظة، نهض "عثمان" من مكانه ثم حدق في "تليد" بنظرات انتقامية وأردف بصوت حاد:
"اتجوزت بنت علام عناد فيا.. اتفقتوا عليا كلكم علشان توقعوني.. اتجرأت بما فيه الكفاية علشان تتجوز واحدة جربوعة وخدامة زي دي وتساويها بينا وتدخلها عيلة السروجي بعد ما كانت تتمنى تخدم فرد مننا."
قدح الشرر من عينيه فورًا وراح يقترب من عمه ويصيح بانفعال حاد:
"اللي بتتكلم عنها دي مراتي، الزم حدك قبل ما تفكر تيجي على اللي ليا. أفهم كويس أوي إني لحد دلوقتي بحترم صلة الدم اللي ما بينا ومش عاوز أهدر تربية أبويا ليا وأخرج عن طوعه، بس صدقني لو قلبت على الوش التاني وهان عليا تربية الشيخ "سليمان" هتكون إنتَ أول ضحية لطغياني يا عمي العزيز."
عثمان وهو يقبض على قميصه ويصيح محتدًا بالغضب:
"أوعى تكون فاكر يا ابن سليمان إني عامل على صلة الدم زيك، أنا أصلًا متبري منك ومن أبوك من زمان."
حاول "عِمران" التدخل وفض هذا الاشتباك. فيما تابع "سليمان" بنبرة مضطربة مخنوقة:
"تُشكر يا عثمان.. تُشكر يا ابن أمي وأبويا."
أنهى كلامه وراح يقبض على ذراع ابنه مرددًا بتعب:
"يلا يا تليد.. يلا يابني كفاية."
سكون وهي تقبض على ذراع "تليد" الآخر ثم تقول بترجي:
"لو سمحت يا تليد بابا أعصابه تعبانة.. علشان خاطري امشي."
تليد وهو يضحك ببرود:
"أعصابه تعبانة علشان خطته باءت بالفشل!!.. انقلب السحر على الساحر يا عمي."
رمقهما "تليد" شزرًا قبل أن يقبض على ذراع والده ويتحرك به مغادرين المشفى. وضعت "سكون" وجهها بين ذراعيها وراحت تجهش بالبكاء وهي تقول بعتاب واختناق:
"ليه كدا يا بابا.. عمي ميستاهلش منك القسوة دي."
اغرورقت عينا "شروق" بالدموع وراحت تقترب من والدها ثم أردفت بنبرة متهدجة:
"إنتَ بجد كُنت جاي تقتل تليد ووميض!!"
ظل محدقًا بها في صمت. بينما لم تعد تحتمل أكثر من ذلك فانهمرت دموعها وهي تلتفت إلى زوجها ثم تقول شاهقة بالبكاء:
"روحني دلوقتي يا عِمران.. عايزة أرجع البيت!!!"
سكون وهي تكفكف دموعها ثم تقول بثبات:
"وإنتَ كمان يا بابا روح، أنا هفضل مع كاسب لحد ما يخرج من العمليات ويفوق."
حاول عِمران أن يتكلم فأوقفته بإصرار وترجي:
"بعد إذنك يا عِمران، أنا فعلًا حابة أكون لوحدي."
عِمران مومئًا بمراعاة:
"تمام، بكرة الصبح هكون عندك."
***
أسندت ظهرها إلى ظهر السرير بإنهاك شديد. زفرت بضيق وفتور وهي ترى انقلاب الحفل رأسًا على عقب. وهل هذه إشارة لها أن توقف هذه المهزلة؟ لم يكتمل الحفل كما دبر له "تليد" من تلبيس الدبل ثم اصطحابها لرؤية هدية عقد القران كما أخبرها. أطرقت برأسها قليلًا في حيرة؛ هل تختار كفته التي حسبما ترى ستمنعها عن مواصلة علاقتها مع آخرين مثل وسام الذي تخلف عن حضور الحفل من البداية وهذا ما توقعته فعلًا.
هل تقبل خسارتها أمامه أم تخسره في مقابل إحياء علاقتها ببعض الناس؟! تأففت وهي لا تجد من يعينها على اتخاذ القرار بعد. ولا يمكنها أن تشرك والدتها في هذا؛ فهي ترى بوضوح أن والدتها لا تتكلم عنه سوى بالذم والسلب ولا تتكلم بموضوعية. حتى أنها لا تعلم سبب كرهها الشديد له وهو لم يقدم لها وعائلتها سوى الخير والدعم!
حسمت أمرها أن تتصل بصديقها من أجل معاتبته عله يدرك حجم الجرم الذي ارتكبه في حق صداقتهما؛ فلقد تأثرت كثيرًا من غيابه.
"وِسام!!"
أجابها بهدوء:
"العروسة الحلوة، عاملة إيه؟"
زمت شفتيها باستنكار وردت:
"إحنا فعلًا صحاب؟! وهل الصحاب بيتخلوا عن بعض في الأوقات اللي زي دي؟!"
تنهد مضيفًا بتوضيح:
"إنتِ عارفة غلاوتك عندي ومش بالسهل عليا مكونش معاكِ في اليوم دا بس مش عايز أضايق عمي علام وجوزك بوجودي!"
صاحت بحدة واستغراب:
"جوزي!!!"
وِسام بتأكيد وتعجب:
"أه جوزك، مش كتبتوا الكتاب بردو؟!"
تنهدت تنهيدة عميقة ثم ردت بفتور:
"كتبنا.. مستغربة الكلمة شوية بس."
سكتت هنيهة ثم أضافت:
"وبعدين مين قال لك إن بابا هيزعل لما يشوفك؟! وحوار إنك خايف تليد يزعل فهو مش فارق معايا أصلًا، خليه يزعل ونتطلق وتبقى جت منه، أصلًا ماما خوفتني منه بما فيه الكفاية."
وِسام بدهشة:
"خوفتك منه إزاي؟!"
دعكت جبينها وهي تقول بقلق:
"خايفة يكون شخص متزمت أو متطرف وحياتي معاه تبقى جحيم، فاهمني!"
وِسام بثبات:
"وليه مسمعتيش كلام أمك؟ أكيد ليها وجهة نظر إنتِ مش شيفاها!"
وَميض بهدوء:
"ما دا بالظبط اللي فكرت فيه بخصوص بابا، أنا قولت بابا له نظرة أنا مش شيفاها في تليد، متعرفش بابا بيحبه إزاي."
وِسام باستكمال يقترح:
"أنا بقول إنك ترخمي عليه وتطولي المدة اللي قبل الفرح على قد ما تقدري بحجة إنك لسه متعودتيش عليه وبكدا تقدري تتعرفي على أغلب طباعه."
التوى شدقها مضيفة باختناق:
"وإنتَ فاكر إن بابا هيسيبني أعمل كدا؟ هم أصلًا بيحددوا مع نفسهم ومش بياخدوا رأيي في حاجة، تحسني كنبة في البيت دا، دا غير إن احتمال كبير أوي الفترة اللي إنتَ بتتكلم عنها دي تكون أقل من شهر، يادوب هيعدل شوية حاجات في الشقة وأنا هنزل أجيب اللي ناقصني وهيعملوا الفرح."
تركت طرف هذا الحديث وانتقلت إلى آخر. تابعت بنبرة حماسية ومتوعدة:
"صحيح يا وِسام، مش إحنا قاعدين في شقته حاليًا!"
وِسام بترقب يرد:
"تمام وبعدين؟؟؟"
تابعت بإصرار:
"دلوقتي في أوضة قافلها وحرج علينا نفكر ندخلها ومن وقتها الفضول قاتلني، تفتكر لو قدرت أدخلها هلاقي أوراق أو أدلة تثبت مثلًا إنه شخص مش كويس إرهابي مثلًا ولا نصاب ولا بتاع بنات مش زي ما ظاهر عليه؟! أكيد الأوضة دي فيها كارت لصالحي ووقتها لا هيكون في فرح ولا غيره!"
انطلقت ضحكة خفيفة من بين شفتيه وعلق بسخرية:
"أكيد الحس الصحافي عندك مصطبح، واحد في ذكاء تليد السروجي لو عنده أسرار وخبايا هيحطها قدام أي كائن بشري بالسهولة دي؟!"
وقبل أن تتكلم أضاف بثبات:
"إنتِ بتحلمي."
وَميض بتحدٍ:
"بكرة هثبت لك."
وِسام بضحكة بسيطة:
"خلي بالك وإنتِ بتثبتي لي لتتقفشي."
***
"إنتِ ناوية تجننيني؟ ركبتي مع نوح العربية ليه يا مُهرة؟! أنا ربيتك على كدا؟!!"
صاحت "رابعة" باحتجاج على تصرف ابنتها النزق والطائش. نكست "مُهرة" رأسها في خجل ثم حاولت أن تستجمع أحرف عبارتها وبالكاد قالت:
"ماما؟! اسمعيني!"
رمقتها "رابعة" بحدة وردت:
"اسمع إيه؟! وأنا شايفة بنتي بتستغنى عن كرامتها وبتحب واحد لحد دلوقتي مأخدش خطوة إيجابية معاها!!!"
مُهرة بحزن طغى على صوتها المتهدج في كسرة:
"متظلميش نوح يا أمي، أنا كرامتي محفوظة والحمد لله، الجدع اللي أنا بحبه هو كمان بيحبني وعلشان أنا مختاجة أجل وواثقة فيه هو اعترف لي بحبه وعايز ييجي يتقدم!"
انفكت عقد حاجبيها قليلًا وتابعت بنبرة أقل حدة:
"هو قال لك كدا؟!!"
أومأ "مُهرة" إيجابًا ثم قالت:
"ما هو دا السبب اللي خلاني ركبت معاه."
شردت "رابعة" قليلًا بعد أن تصبغ وجهها بمشاعر الحماس. ولكن قطع شرودها كلمات ابنتها الصريحة رغم اختناق نبرتها:
"ماما أنا بحب نوح، علشان خاطري متخليش خالي يدوس عليه في الاتفاقات، نوح كبر لوحده من غير أم وأب ورغم وقفة الشيخ سليمان وتليد جنبه إلا إنه دايمًا بيرفض أي مساعدة مادية منهم، متقسوش عليه بعد إذنك!"
لم تتحمل "رابعة" نبرة ابنتها التي كادت أن تنخرط في البكاء وتصبغ لون وجهها بحمرة الخجل من اعتراف كهذا. حاولت أن ترفع عنها حرج ما تفوهت به فأسرعت بضمها إلى جنباتها وقالت وهي تربت برفق على ظهرها:
"لو عليا مش عايزة حاجة منه غير سعادتك، بس إنتِ عارفة خالك وشدته مع أي عريس!"
مُهرة بنبرة متوجسة:
"طفش كل العرسان بسبب تزمته وطلباته اللي متتطاقش ووقتها أنا متدخلتش لأن مكنش يهمني أي حد فيهم، بس نوح فارق لي أوي!"
تشبثت بوالدتها ثم تابعت باستجداء:
"اقفي جنبنا لو سمحتي يا أمي، لو كُنت غالية عندك!!"
رابعة وهي تطقطق على ظهرها بود:
"سيبيه لله، النصيب مش بيعجزه أفعال يا حبيبة قلب أمك.. أنا هستنى لما يفتح معايا الموضوع وبعدين هكلم خالك."
مُهرة بتمرد ضاحك:
"أهو خالي دا اللي هيجيب لي ذبحة صدرية قريب، أنا عارفة."
رابعة بضحكة متوارية:
"خلينا نعرف غلاوتك عنده ونفسه طويل هيستحمل ولا لأ."
مُهرة بضحكة خفيفة:
"مفيش دكتور نفسه قصير، دول بيشوفوا بلاوي والله."
رابعة باستسلام:
"لما نشوف."
***
في صبيحة اليوم الموالي.
تسللت أشعة الشمس الساطعة عبر النوافذ الزجاجية؛ فاليوم تسطع الشمس بدرجة كبيرة وتشتد حرارتها وتلتهب. تقلبت في فراشها بانزعاج وسرعان ما تداركت أنها لم تغلق الستائر بالأمس من شدة شعورها بالإرهاق والتعب. رمشت بأهدابها في ضيق واستسلمت في النهاية للأمر؛ فيجب عليها أن تستيقظ من نومها المريح كي تغلق الستائر وتحظى ببعض الراحة حينما تعود للنوم. اعتدلت من نومتها جالسة. وقبل أن تنهض من الفراش سمعت غمغمة عالية تأتي من الحديقة. زوت ما بين عينيها وتدلت من الفراش سيرًا إلى النافذة. وما لبثت تنظر منها حتى انبسطت خطوط وجهها وتهللت وارتسمت ابتسامة عريضة على ثغرها. وفي هذه اللحظة هرولت فورًا نحو الباب. وقبل أن تخرج منه تداركت أنها ترتدي ملابس النوم؛ فتوجهت مرة أخرى نحو الدولاب وأخرجت منه جلبابًا يصل إلى نهاية ساقها ويوجد به طاقية استعملتها لتغطية شعرها.
سبقتها الطفلة التي تقبع داخلها إلى الحديقة. بينما هرولت "شروق" تهبط الدرج حتى وصلت إليهم. وما أن رآها الأطفال حتى هرولوا مسرعين من بوابة الحديقة ظنًا منهم بأن صاحبة المنزل جاءت لمعاقبتهم. عدا اثنين منهم ظلا ماكثين بجوار الأرجوحة. وتابعت الفتاة الصغيرة تستجديها بصوت ناعم:
"ممكن أركب المرجيحة شوية يا طنط!"
تابع الولد أيضًا بابتسامة جذابة:
"شوية صغيرين بس!"
كانت تتجول بينهما بنظرات معجبة ورقيقة. لمعت العبرات في عينيها وسرعان ما تراجعت عن إبداء تأثرها بوجودهما والبكاء. تنشقت الهواء بهدوء ثم بادلتهما ابتسامة عريضة وقالت:
"موافقة طبعًا وكمان هلعب معاكم."
انشرح صدر الصغيرين. فاقتربت الصغيرة من الأرجوحة أكثر لتجد "شروق" تقترب منها ثم ترفعها حتى أجلستها على الأرجوحة وبدأت في دفع الأرجوحة بتريث وحيطة. فيما تابع الصغير باهتمام:
"فين ولادك يا طنط علشان نلعب سوى!"
توقفت "شروق" عن دفع الأرجوحة وراحت تنظر إليه بود ثم قالت:
"لسه مش عندي بس أوعدك أول ما أجيب نونو هخليه يلعب معاكم طول الوقت."
الفتاة الصغيرة ببراءة:
"إحنا هنكون أكبر منه بس هنساعده يركب المرجيحة زي حضرتك ما بتعملي."
افت ثغر "شروق" عن ابتسامة عريضة. مالت على الصغيرة ثم تابعت بمشاعر سعيدة وهي تقبل وجنتها:
"يا روحي على الطعمة، اسمك إيه؟!"
الفتاة الصغيرة بضحكة سعيدة:
"تيتي."
الولد بضحكة عالية:
"تيتي دا الدلع.. هي اسمها تيا."
رفعت بصرها إليه ثم تابعت بسعادة تتأجج داخل نفسها التي تاقت لمخاطبة أرواح سالمة تشبه لسلامها الروحي كثيرًا:
"وإنتَ اسمك إيه؟"
الولد بثبات وثقة:
"أنا سُفيان أخو تيا الكبير، وحضرتك اسمك إيه؟!"
أجابته بمرح وطفولة:
"وأنا شروق ودي جنينتي ومن النهاردة هنكون صحاب وهتيجوا تزوروني دايمًا وتلعبوا بالمرجيحة."
سُفيان بحسم:
"تمام يا صديقتي الجديدة."
مد يده ليصافحها تحية لصداقتهما؛ فصافحته باستمتاع كبير. وقررت أن تستمتع بهذه اللحظة معهما. كانت "تماضر" تراقب ما يجري من خلال نافذة غرفتها تبدو وكأنها تنظر إلى شروق من منظور مختلف؛ فهي لم تعد تغضب عند رؤيتها ولا تفتعل معها المشكلات بل أصبحت تقرأ داخلها الطيب والرفيق خاصةً بعد ما فعلته مع ابنها وكتمانها لأمر تأخر خلفته. والآن تراها نعم الزوجة وأن ابنها قد أصاب الاختيار.
من النافذة الأخرى، تنطلق ضحكاته السعيدة وهو يرى طفولتها المطلقة مع هذين الطفلين وكيف أن زوجته نست شبابها وعادت سنوات كثيرة للوراء كي تستمتع بطفولتها من جديد. لمعت عيناه بحماس وهو يراقبها بمزيج من الحب والتمني؛ كم يتمنى أن يرزقهما الله بطفل يغدق البهجة على روح زوجته فهي ستكون أمًا رائعة ورقيقة القلب.
صدح هاتفه في هذه اللحظة؛ فرد:
"أيوة يا عمي عثمان، حاولت اتصل بيك كتير ومكنتش بترد، إنتَ بخير وسكون!"
أجابه عثمان بثبات:
"إحنا بخير والسواق نقلوه لأوضة عادية وحالته بقت أفضل."
عِمران بهدوء:
"الحمد لله."
***
تأففت من صوت الهاتف القريب من أذنها والذي قطع عليها نومها المريح بعد ليلة شاقة عليها. زفرت بحنق ثم استدارت تنظر إلى شاشة الهاتف فوجدته رقمًا غير مسجل لديها باسم. زوت ما بين عينيها وقررت تجاهله إلا أنه لم يكف عن الصدوح وكان عليها الاستسلام والرد.
"ألو!"
جاءها صوته يقول بثبات:
"اسمها السلام عليكم."
برقت بعينيها مصدومة. وفورًا اعتدلت جالسة ثم تابعت بنبرة متوترة:
"خير يا أستاذ تليد!"
تليد بضحكة مرحة يقول مستنكرًا:
"أستاذ!!..أهي دي بقى أجدد نكتة."
رفعت حاجبها باستغراب. أبعدت الهاتف قليلًا تنظر بدهشة إلى شاشته ثم قربته إلى أذنها مرة أخرى وهي تتساءل في نفسها ما هذا التحول الغريب في شخصيته؟! هل يضحك كشخص طبيعي ويتكلم بمزاح!.. ابتلعت ريقها بالكاد ثم ردت:
"إيه المضحك؟!"
تليد بهدوء:
"ولا حاجة، واحدة بتنادي جوزها بأستاذ، متشغليش بالك."
زمت شفتيها وهي تستنكر هذه الكلمة التي سمعتها للمرة الثانية، فيبدو أنها واقع وعليها أن تتقبله. صمتت لثوانٍ فوجدته يقول بلهجة ثابتة:
"هاتي رقم عِمران."
وَميض باستفسار:
"ليه؟!"
تليد يرد:
"هعزمه على الغدا عندنا في المزرعة النهاردة تعبيرًا عن شكري بخصوص الحفلة وعلشان نكمل المراسم، صحيح أنا بلغت عمي علام بخصوص الغدا وهو أكيد مستني لما تصحي علشان يبلغك، يلا فوقي يا كسولة يادوب تستعدي."
رفعت حاجبها ثم قالت بترقب وحيرة:
"عيشت وشوفتك بتضحك زينا يا أبو التلاليد!!"
تليد بابتسامة يشوبها السخرية:
"شلاليط؟! بتحبي الشلاليط، دا عِز الطلب يا روحي."
تنحنحت بفزع من نبرته التي تخفي في طياتها الحدة رغم أسلوبه المازح. شعرت لأول مرة بالحيرة حول شخصيته وخمنت صفة جديدة به؛ ربما يكون عنيفًا ويحبذ أسلوب الترهيب والضرب المبرح كما أشار في كلامه. ابتلع ريقها بصعوبة بالغة ولكنها فضلت أن تعطيه الرقم ثم تنهي المكالمة فورًا.
***
"متعرفش أنا فرحتي إزاي دلوقتي وأنا شيفاك كويس!!!"
أردفت "سكون" بتلك الكلمات وهي ترمقه بوجه منشرح. فهي لم تكن تقوى على حمل ذنبه إن أصابه مكروه بسببها. افتر ثغره عن ابتسامة رتيبة ورد بهدوء:
"أكيد مش حبًا في واحد متعرفيهوش، إنتِ خايفة تشيلي ذنبي، مش كدا؟!"
أومأت "سكون" سلبًا وأكملت برزانة:
"تخمينك صح ولكن إنتَ عملت علشان كتير أوي يا كاسب في وقت قصير، إنتَ أثبت وجودك في حياتي أكتر ألف مرة من ناس موجودة معايا من زمان، أنا مش بس خوفت أشيل ذنبك، أنا كمان خوفت أخسرك."
صمتت لوهلة تراقب لمعة عينيه ثم أومأت تقول بابتسامة هادئة:
"أيوة خوفت أخسر صديق زيك، قدر في فترة قصيرة يخليني أحط ثقتي كلها فيه.. إنتَ اسم على مسمى فعلًا.. مكسب لأي حد تدخل حياته."
بادلها ابتسامة بسيطة لم تصل إلى عينيه وقال:
"شُكرًا يا ستي على المدح اللطيف دا."
انطلقت ضحكة خفيفة من بين شفتيها ثم أردفت بنبرة مازحة:
"وبعدين إنتَ عاوز مني إيه؟! مش هعرف أخلص من ديوني ليك؟! أنا كُنت ما صدقت اتعادلنا بس إنتَ كدا رجعت كسبتني واحد."
رفع "كاسب" أحد حاجبيه ثم قال بثقة منقطعة النظير:
"مش هتعرفي تسددي ديونك ليا مهما عملتي، لأنك هتبقي زي اللي بتجري في سباق، أصل أنا بحب الخير أوي."
باغتته بابتسامة هادئة أظهرت فيها مدى إعجابها بثقته وكذلك ما يضمر في نفسها من شن تحدٍ حامي الوطيس بينهما. في هذه اللحظة دخلت الممرضة ومعها الطعام. توجهت إليه ثم تابعت بابتسامة رقيقة:
"وقت الغدا."
أومأ لها فجلست على الكرسي أمامه ووضعت صينية الطعام على فخذيها وبدأت تطعمه في صمت. كانت "سكون" تراقب من بعيدٍ وتنتظر لحين انتهاء غدائه إلا أنها لاحظت تبادل نظرات غريبة بينهما. وما أكد لها ذلك الممرضة حينما خرجت ضحكة بسيطة من بين شفتيها وأطرقت في خجل.
عبست "سكون" فورًا من تصرفها المتبجح مع مرضاها التي تخصصت في الاعتناء بهم وليس مغازلتهم. تنحنحت "سكون" بغيظ قبل أن تقترب منها ثم تقول بنبرة صارمة:
"سيبى الأكل واخرجي!"
الممرضة بثبات ومجابهة:
"أنا بقوم بشغلي يا أستاذة."
سكون وهي تردف بنبرة أكثر حدة:
"شغلك اللي هو أنهي بالظبط؟! إنك تعتني بالمريض ولا يعتني هو بالجفاف العاطفي اللي عندك!!!"
أطرق "كاسب" برأسه وكادت أن تنطلق ضحكة من بين شفتيه ولكنه جاهد في سجنها. رفعت "سكون" حاجبها ثم صاحت بتهديد:
"اخرجي برا فورًا وإلا تصرفي هيكون قاسي عليكِ."
قررت الممرضة أن تنسحب تفاديًا لانقطاع لقمة عيشها. انتظرتها الأخيرة حتى خرجت ثم التفتت إليه وأردفت بنبرة منفعلة قليلًا:
"إيه اللي إنتَ بتعمله دا؟!!"
كاسب بوداعة:
"بتشقط."
التوى شدقها ثم أردفت باستنكار:
"بتشقط؟ إيه الكلمة المقرفة دي؟!"
كاسب بابتسامة مراوغة:
"بتشقط يعني بيتم استدراجي علشان أنا وسيم وبسمسم وبعدين تاخد مني اللي هي عايزاه وترميني في الشارع."
سكون بغيظ:
"يعني إنتَ المفعول به؟!"
كاسب بضحكة لم يستطع إخفائها:
"عندك، أنا طول عمري فاعل بس في الحالات اللي زي دي مدة صمودي قدام الكتلة الأنثوية المتفجرة لا يتعدى ال3 ثواني.. نفس الإنسان دعيييييييييفة بالدال."
ضربت كفًا بالآخر ثم تخصرت أمامه وراحت تهز رأسها وهي تقول بابتسامة هادئة:
"مُستفز."
لحظات ودخل "عثمان" يدفع مقعد ابنه أمامه والذي أصر على زيارة كاسب والاطمئنان عليه. تحركت "سكون" إليه بسعادة كبيرة عند رؤيته وسحبت الكرسي من يد والدها ثم أوصلته إلى الفراش. نظر "عُمر" إلى كاسب نظرات يغلفها الامتنان لما فعله من أجل شقيقته. بادله الأخير نظرات ودودة وشق ثغره ابتسامة حانية ليرفعا كفيهما في نفس الوقت ثم يقبض كلًا منهما على قبضة الآخر في اتحاد وعلاقة أوشكت على البدء.
رواية رحماء بينهم الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم علياء شعبان
وقفت أمام المرآة وحالة من التذمر تسيطر عليها بل وتتفاقم. عدلت هندامها الخاص بالشركة رغم أن اليوم هو إجازتها، ولكنهم وجدوا عملًا لها كي يعكروا صفو اللحظات السعيدة التي خططت لها بشأن اليوم.
قبل قليل فرغت من تلقي اتصال من الشركة يُخبرونها بضرورة القدوم في الحال. لم تكن تفهم سبب استدعائهم لها إلا عندما ألحت في السؤال حول سبب مجيئها، وأخبروها بأن الشركة اليوم تستقبل مُستثمرًا تُركيًا جاء حديثًا من بلده وينوي تنفيذ بعض المشروعات في مصر بالتعاون مع شركة (حمدي زهران). وحسب ما ورد في ملف سيرتها الذاتية فإنها حاصلة على شهادات مُعتمدة من مراكز شتى مُخصصة لتعلم اللغة التُركية.
انتهت من وضع غطاء رأسها ولم يكن لديها الوقت الكافي لوضع مساحيق التجميل، فتدبرت أمرها باستخدام أحمر الشفاه وكحل العينين ورأت أن هذا كافيًا ويجب عليها الإسراع قبل بدء الاجتماع. تعجبت من كونها ستعمل ذات يومٍ شيئًا غير مجالها. لم تكن غاضبة لأجل هذا بل مُتحمسة للغاية أن تقوم بشيء جديد، ولكن ما أثار حنقها هو اختيارهم ليوم عطلتها بالتحديد.
ارتدت حقيبة كتفها ثم ترجلت بسرعة خارج غرفتها ليقابلها والدها أثناء دخوله من باب المنزل عاقدًا حاجبيه مُتسائلًا باهتمام:
- رايحه فين يا وَميض، مش النهاردة أجازتك من الشغل؟
تنهدت بضيق يتعمق داخلها وقالت:
- رايحه الشغل لأن ببساطة مش مكتوب عليا أرتاح، الشركة كلموني علشان محتاجيني مُترجمة في اجتماع النهاردة مع المُستثمر التركي.
ابتسم علام بابتسامة هادئة وكلمات مُشجعة تابع:
- وماله بالعكس إنتِ لازم تفرحي، دلوقتي وجودك في الشركة بقى بصفتين؛ صحافة وترجمة يعني مش هيعرفوا يستغنوا عنك أبدًا.
ضحكت "وَميض" وردت بكلمات هزلية:
- يعني هم الأتراك داخلين طالعين علينا يا بابا كُل يومٍ، يلا Yakında görüşürüz.
تذكر علام هذه الكلمات التي كان يتعلمها مع ابنته في تلك الأوقات كنوع من مُشاركتها النجاح وتقديم الدعم، فهي التي لطالما حلمت بالذهاب إلى تُركيا والعيش هناك. تكلم بثقة وهو يودعها:
- متأخريش علشان عزومة بالليل يلا görüşürüz.
خرجت ووصدت باب الشقة خلفها. ابتسم ودعا في نفسه لها بالتوفيق. يعيش علام الآن أكثر اللحظات رضاءً عن أفعاله، لقد نجح في أن يضعها في يدٍ لن تكسر براءتها يومًا ولن تُحني قامتها البتة. لقد نجح في مهمته التي عاش لأجلها وهي أن يجعلها تعيش حياة كريمة من بعده وليحصل ما يحصل بعد ذلك؛ فهو الآن قد أتم ما أُرسل لأجله في هذه الحياة.
- سعيد إنك بخير وإن إصابتك كانت سطحية الحمد لله، أنتَ بقى ليك مَعزة خاصة في قلوبنا كُلنا، أنا عُمري ما هنسى لك تضحيتك دي علشان أُختي.
أردف "عُمر" بنبرة مُتأثرة وهو يقبض على قبضة الأخير الذي ابتسم بودٍ وقال:
- أنا معملتش غير واجبي ولو أي حد مكاني أكيد كان هيعمل كدا.
عُمر ببسمة خفيفة:
- حلو التواضع دا، المهم عايزينك تقوم بالسلامة وقاعدتك في المستشفى متطولش.
انبسطت عُقد حاجبيه وهو يقول بتذمر:
- هو أنا مش خارج النهاردة ولا أيه؟!
عُمر بضحكة هادئة يرد:
- في أيه يا عم إنتَ، هو إنت واخد رشة ميه من مُسدس لعبة، أحمد ربنا إنك اتحركت والرصاصة استقرت تحت الجلد وما اخترقتش عمودك الفقري لا قدر الله، طبيعي هتحتاج كام يوم علشان الجرح يلم وبعدها ههتخرج.
كاسب وهو يتأفف باختناق:
- أنا ماليش في جو المستشفيات دا، أنا عايز أرجع بيتي.
عمر بتفهم:
- هم كام يوم وتخرج وأنا وسكون يوميًا هنكون عندك يعني مش هتحس بخنقة ولا حاجة.
بالكاد اقتنع كاسب بما قاله الأخير ولانت صفحة وجهه المتجهمة وهو يومىء مُستسلمًا. أطرق برأسه قليلًا وساد الصمت للحظات لم تطل. رفع رأسه مرة أخرى ثم تنحنح قبل أن يتوجه بالسؤال للأخير:
- بما إننا بقينا صحاب فأنا حابب أسألك عن حاجة!
عُمر بترحاب يجيب:
- أكيد اسأل!
تنحنح "كاسب" في باديء الأمر شاعرًا بالحرج ولكنه أصر أن يطرح سؤاله فقال:
- حالتك دي من يوم ما اتولدت ولا حادثة؟!
تلوت شفتي "عُمر" قبل أن يشرد للحظات ثم يعود إلى واقعه ويرد بنبرة مُتحشرجة:
- حادثة من سنتين ومن بعدها وأنا مش بقدر أمشي.
كاسب وهو يقول بندمٍ:
- أنا آسف إني اتدخلت في خصوصياتك وقلبت عليك المواجع!
عُمر بودٍ يقول:
- إحنا خلاص بقينا صحاب ومفيش بينا الكلام دا.
افتر ثغر "كاسب" عن ابتسامة عريضة وراح يقول بفكاهة:
- حلو أوي بما إنك ادتني تصريح أسأل براحتي فاستحملني بقى.
انطلقت ضحكة من بين شفتي الأخير وأومأ مُصرحًا له في صمتٍ، بينما تابع "كاسب" مُستطردًا بترقب:
- كنت في يوم سمعت بالصدفة آنسة سكون وهي بتقول لك مترميش نفسك في الخطر وبصراحة وقتها كان عندي فضول أعرف همك وأحاول أساعدك فيه بدون أي خساير، يمكن كنت حاسس بالمسؤولية ناحيتك وقتها!
تطلع إليه "عُمر" لبعض الوقتٍ وتأرجحت نظراته ما بين متعجبة منه ومُعجبة به؛ إنه أول شخص يهتم لأمره دون مصلحة تعود عليه بعد أمه وشقيقاته ولا سيما أصدقائه. ولكن كل هؤلاء يخشون عليه السوء لأنهم مقربون له، بينما هذا الشخص يفعل ذلك ولا يوجد بينهما ما يجبره على هذا التصرف.
عقد "كاسب" ما بين عينيه وقال قاطعًا عليه شروده:
- مالك، سرحت في أيه؟ لو مش عندك الرغبة إنك تقول فبراحتك، أنا كُنت حابب أكون جنبك.
عُمر بابتسامة هادئة يقول:
- بحب بنت وتفكيري الغبي خلاني خسرتها، أنا حاليًا بحاول أستردها والموضوع شوية صعب بعد ما اتخطبت.
حدق "كاسب" فيه بذهول ثم قال:
- اتخطبت!!.. الخطوبة معناها نُقطة في آخر علاقتكم يا بني.
صمت لوهلة ثم تابع بشك:
- ما يمكن تكون بتضحك عليك ومفهماك إنها اتخطبت علشان تاخد خطوة إيجابية في علاقتكم؟!، لحظة، أنا هعرف بنفسي، جاوب إنتَ بس على الأسئلة دي.
أنصت له "عُمر" في اهتمام بينما تابع الآخر بحس مخابراتي وسأل:
- قالت لك كُل يوم بييجي لي عريس وبرفضه واخترع سبب لحد ما خلصت الأعذار عندي!
عُمر بنفي.
كاسب مُستكملًا:
- طب قالت لك أنا أتقدم لي 55 مُهندس و45 ظابط وقفلت المية بس أنتَ في عيني بيهم كلهم وعلشان كدا لازم تيجي تخطبني من الحاج بكرا؟!!!
عُمر يومىء سلبًا مرة أخرى ويقول:
- لأ.
حك "كاسب" ذقنه بأطراف أصابعه ثم تكلم بتفكير عميقٍ:
- اممممم، يبقى أكيد قالت لك ابن خالتها رجع من السعودية ومعاه خشروميت ناقة وجمل وقدمهم مهر لأبوها ولازم تتصرف علشان أهلها ضاغطين عليها وشكلها هتقبل!
عُمر بابتسامة عريضة:
- بردو لأ.
رفع "كاسب" حاجبه وقال بحنق:
- أمال؟!
عُمر بهدوء:
- اتخطبت بجد مش أفلام لأني تحريت في الموضوع وعملت دا لمَّا كذبت عليها وكُنت بختبر صدق مشاعرها ناحيتي.
هتف "كاسب" بشك:
- اختبرتها إزاي؟!
أطرق "عُمر" شاعرًا بالذنب والندم وقال بصوت مخنوقٍ:
- كذبت عليها وطول السنة بكلمها بهوية شخص تاني غير وكمان خبيت عليها حالتي الصحية.
كاسب رامقًا إياه في صدمة:
- بتهزر!
عُمر بنفي:
- دي الحقيقة، للأسف.
كاسب باستفهام مُهتم:
- والعمل؟!
عُمر بنبرة خالطها الكثير من القوة والإصرار:
- مش هستسلم، لازم نكون مع بعض من تاني.
أسرع كاسب بالربت على كفه ثم قال بحسم:
- مش هسألك إزاي بس أحب أقول لك إني معاك في أي وقت تحتاجني فيه.
رمقه "عُمر" بنظرات شاكرة واكتفى بابتسامة تحتوي على الكثير من الأمل والثقة.
بدأت دقات قلبها تتسارع وراحت تلتقط أنفاسها بصعوبة فبالكاد وصلت على موعد بدء الاجتماع. استفسرت عن غرفة عقد الاجتماعات بالشركة فهرولت إليها على الفور وهي تخشى غضب مسؤولي الشركة من تأخرها رغم أنه غير مُتعمد منها.
طرقت على باب الغرفة ثم فتحته بتوجسٍ شديدٍ وفي الحال ازدادت ضربات قلبها حينما رأت أشخاصًا ذوي هيبة يلتفون حول طاولة الاجتماعات. إنه أمل جلل بالنسبة لها حتى أن جسدها بدأ ينتفض وجاهدت ألا يلحظ أحد تذبذب كُل ذرة بها. استأذنت بالدخول وهي تتدبر اِبتسامة باردة بينما تدعو الله في نفسها أن تتذكر ما تعلمته من قبل خاصة أن دراسة للغة كانت قبل أربع سنوات ولم تمارسها بعد ذلك. تمنت أن يمر اليوم على خير وتخرج من هذه الغرفة مجبورة الخاطر.
أومأ "نجلا" لها بابتسامة هادئة؛ فهذه المرأة لها قوة خارجة تكمن في فهم طبيعة البشر وحركات أجسادهم وقد تمكنت من قراءة توترها التي تظن نفسها تخفيه. اندهش مجرد أن رآها. طالعها "تليد" بنظرات مُتفاجئة فلا يعلم بعد ما عملها في غرفة الاجتماعات وفي هذه اللحظة وقعت عيناها عليه يجلس على الجهة الأُخرى من الطاولة. أطبقت جفونها للحظات تحاول ألا تستسلم وبعدها تحركت نحو "نجلا" التي تكلمت بهدوء:
- آنسة وَميض موجودة معانا بصفتها المُترجمة.
رفعت "نجلا" بصرها إلى الأخيرة وأسبلت أهدابها قليلًا ترمي إليها رسالة فحواها أن تهدأ. أشارت بعينيها إلى المقعد المجاور لها، ففهمت الأخيرة وأسرعت بالجلوس. وكذلك هو لقد أدرك الصراع الذي يقبع داخلها ما بين الثبات والانهيار أمام هيبة الموقف.
تكلمت "نجلا" لبدء الاجتماع في الحال وقالت تتحدث إلى "وَميض":
- بلغيه بنتشرف بالتعامل معاه وجاهزين نسمع مقترحاته.
أومأت "وَميض" فورًا ثم التفتت إليه وتدبرت ابتسامة بسيطة وقالت:
Sizinle anlaşmaktan mutluluk duyuyoruz ve önerilerinizi duymaya hazırız.
أومأ الرجل بابتسامة واسعة ثم قال:
- Onur benim hanımefendi, siz harika, güzel ve zeki bir insansınız.
عقدت "نجلا" ما بين حاجبيها دون أن تنبس ببنت شفةٍ؛ هي فقط انتظرت حتى تتحدث إليها الأخيرة التي تنحنحت وهي تقترب من أذن "نجلا" ثم تقول بصوت خافتٍ:
- مُتأكدة إنه جاي يستثمر هنا!!
حدقت فيها بدهشة وقالت بشك:
- أه، هو قال حاجة عكس دي!!
وَميض بنبرة حادة قليلًا:
- عارفة الجملة الطويلة العريضة اللي قالها دي مدح فيكِ، دا جاي يعاكس يا نجلا هانم!!
انفرجت شفتي الأخيرة ولكنها تمالكت نفسها في اللحظة الأخيرة وهمست لها بخفوت:
- ترجمي المهم بس ولا كأنك سمعتي حاجة.
أومأت "وَميض" بتفهم ثم تحولت بنظراتها إليه وقالت بهدوء بكلتا اللغتين كي يفهم الطرفين فحوى الحديث الدائر:
- أخبرنا عن خططك للاستثمار في مصر؟! (Bize Mısır'a yatırım yapma planlarınızdan bahsedin!)
هز رأسه ثم بدأ يقول بتركيز شابكًا أصابع يديه معًا:
- Mısır ve Türk yemeklerini birleştiren bir restoran zinciri.
ترجمت للعربية في الحال بينما تابع هو مُضيفًا:
- Projenizin uygulanmasında ürünlerini kullanmak için fabrikalarınızdan daha iyisini bulamayacağım.
ابتسمت له "وَميض" بهدوء ثم تجولت بنظراتها بين الحاضرين وترجمت:
- لن نجد أفضل من مصانعكم كي نستخدم منتجاتها في تنفيذ المشروع.
أومأت "نجلا" بثبات ثم تابعت بترحيب:
- بلغيه أننا مُرحبين بمشروعه.
التفتت إليه وقالت:
- Mısır'a hoş geldiniz, projenizi burada memnuniyetle karşılıyoruz.
ابتسم بسعادة ثم توجه بالنظرات إلى "نجلا" وقال:
- Teşekkürler güzellik.
توقفت فورًا عن ترجمة الكلمة التالية ولكنها اقتربت من أذن الأخيرة ثم قالت بهمس:
- أيتها الجميلة.. بيقول.. أشكرك أيتها الجميلة.
صمتت هُنيهة ثم قالت:
- مبقاش وَميض بنت علام يا نجلا هانم لو مكانش الراجل دا جاي يستثمر مشاريع ويشقط في نفس الوقت.
رمقتها "نجلا" بامتعاض وقالت:
- dirty mind.
رفعت "وَميض" حاجبها ثم ردت بتحدٍ:
- ماشي هنشوف.
في هذه اللحظة، لاحظت اقتراب الرجل منها، تعجبت كثيرًا من تصرفه ولكنها أدركت رغبته في إخبارها أمرًا يتسم ببعض الخصوصية. اقترب أكثر من أذنها الأمر الذي أثار حنق الأخير الذي لم يعجبه ما يدور منذ بداية الاجتماع. هبَّ واقفًا في مكانه ثم توجه إليهما بينما همس الرجل يقول:
- Bugünkü akşam yemeği davetimi kabul edecek misin?
وما أن انتهى الرجل من حديثه وقبل أن تخبر الأخيرة بما قاله وجدت "تليد" يتابع بلهجة مُنفعلة من خلفها:
- قولى له يحافظ على المسافة بينه وبينك يا مدام وَميض!!
التفت كُلًا من "نجلا" و "وَميض" فوجدناه ينظر إلى الرجل بعينين غاضبتين وهنا تكلمت "نجلا" بهدوء:
- أنا مُتأسفة جدًا يا أستاذ تليد، بس أعتقد أنه شخص عفوي بطبعه، من فضلك مش عايزين نخسر مُستثمر زيه.
تليد بثبات:
- بلغيه بكلامي يا وَميض حالًا!
ابتلعت ريقها على مهل قبل أن تنظر إلى الرجل وتقول:
- Lütfen aramızdaki mesafeye saygı gösterin.
هز رأسه وأجاب باعتذار:
- Tabii ki özür dilerim.
نظر الرجل إلى تليد أثناء تقديم اعتذاره؛ فأومأ الأخير مُتقبلًا.
اقتربت "وَميض" من الأخيرة وقالت:
- أخينا دا بيعزمك على العشا علشان تتكلموا على انفراد في مستقبلكم.
حدقت فيها "نجلا" بغيظ فتنحنحت الأخيرة تقول:
- قصدي مُستقبل الشركة، أرد أقول له أيه؟!
نجلا بثقة متناهية:
- اقبلي ولكن هتكوني معانا لأني مش هفهم اللي بيبرطمه دا!
وَميض بابتسامة صفراء:
- وبالنسبة للكائن المتوحش اللي هيفترس الراجل دا؟! أقنعه يوافق إزاي؟ دا من رابع المُستحيلات.
نجلا بتنهيدة سريعة:
- هحاول أكلمه.
وَميض بحسم:
- تمام ولكن أجلي حوار العشا دا لبكرا علشان النهاردة صعب.
نجلا بثبات:
- بلغيه.
التفتت إليه وقالت بإيجاز:
- kabul ediyorum ama yarın.
الرجل بتفهم:
- çok güzel.
أنهت "نجلا" الاجتماع وكان "تليد" أول من نهض من مكانه. تحرك نحوها ثم التقط كفها وقبض عليه قائلًا بهدوء:
- بعد أذنك يا نجلا هانم!
أومأت "نجلا" مُتفهمةً لغضبه وتركته كي يهدأ حتى تستطيع إقناعه بحضور زوجته معها أثناء موعد العشاء. وهي لا تعرف حقًا كيف تحظى بموافقته وهو الذي ثار وانتفض من مجرد تقلص المسافة بين الرجل وبينها. ابتسمت بخفوت من طريقة حبه لها وغيرته عليها وللحظة تذكرت زوجها الحبيب الذي كان يحنو عليها ويصب عليها من العشق صبًا.
سارت معه داخل الشركة يدًا بيدٍ وسط نظرات الفتيات الساخطة عليها خاصةً بعد انتشار خبر زواجه منها. سار واثق الخطى وهي تجاوره حتى خرجا من بوابة الشركة. قادها إلى سيارته ثم فتح الباب لها؛ فركبت دون أن تجادله. استدار وركب من الجهة الأُخرى وما أن أغلق الباب حتى تابع بنبرة تعبق بحرارة عميق وهو يضغط على دواسة البنزين:
- اللي عملتيه من شوية دا غلط يا أُترُج، كان لازم تلزميه حدوده بذوق، استنيت تعملي دا بس محصلش.
تنفست الهواء بغضب خفيف قبل أن تلتفت له وتقول بحنقٍ:
- إنتَ ليه مُصمم تقول لي أُترُج؟! أنا مش أُترُج، أنا وَميض، إنتَ إمبارح كاتب كتابك على بنت اسمها وَميض!!!
تليد بلهجة حادة:
- بتغيري الموضوع ليه؟!
وَميض بثبات:
- مش بغيره بس حقيقي طفح الكيل وأنا كُل يوم أسمعك بتناديني باسم مش اسمي.
تليد يتساءل بهدوء:
- ليه مش بتحبي الاسم دا؟!
وَميض بحنقٍ:
- علشان مقابلتش حد في الدنيا بالاسم دا وملقيتش حد يتقبله معايا أو يحبه معايا.
تليد وهو ينطلق بالسيارة قائلًا بهدوء:
- إن ميبقاش في حد في الدنيا باسمك فدا بنسميه تفرد واختلاف، بس الغريب إنك قررتي تتشابهي مع غيرك وافتكرتي التفرد دا صفة مذمومة.
تلوت شفتيها وهي تقول بامتعاض وسخرية:
- هتمسك ليه باسم مش لاقية له معنى؟! أيه التفرد وأنا بسمع كل يوم التنمر على اسمي؟!
تليد بابتسامة هادئة:
- الأترج نوع فاكهة (طبعًا هنا مفيش أي ميزة)، فاكهة وصى بيها الرسول (هنا بقى الميزة)، النوع دا من الفاكهة بيشفي ناس كتير من أمراض مناعية وغيرها، طعمه بيكون مُر بس حلاوته في مداواة الناس، فكرة إنك تكوني ترياق لآلام ناس تانية.
عقدت "وَميض" ما بين عينيها بدهشة غريبة، هذه المرة الأولى التي تستمع فيها إلى معنى هذا الاسم ويروقها الأمر. اِفتر ثغرها عن ابتسامة باهتة ثم قالت:
- مش هنكر إن شرحك للاسم عجبني بس وقتها مكنش فيه اللي يقول لي الكلام الداعم دا وكُنت خلاص تعبت من التنمر.
تليد بابتسامة عريضة:
- يبقى لازم تحبيه من تاني وتتقبلي فكرة إني مش هنادي عليكِ غير بيه!
تنهدت تنهيدة ممدودة بعُمقٍ قبل أن تقول باستسلام:
- اعتبرني تقبلت.
رفع "تليد" أحد حاجبيه ثم عاد إلى حديثه الأول وقال:
- نرجع لخلافنا!!
وَميض وهي تلوي شدقها غيظًا وتقول:
- أنا مُجرد مُترجمة مش جاية أعلم الراجل أسلوب الكلام مع الغير وبعدين إنتَ مكبر الموضوع أوي، ليه التطرف دا؟!
أوقف "تليد" السيارة على الفور فأحدثت صريرًا عاليًا ثم التفت نحوها وقال بنبرة مُنفجرة حادة:
- مرة تقولي لي دجال ومرة مخاوي ودلوقتي مُتطرف، أيه التطرف في إني عايز يكون في مسافة بينك وبين أي أجنبي؟! هي الطبيعة البشرية للرجل عامةً بعيدًا عن الدين المفروض تكون زيّ ما أنا بفكر ولا زيّ ما إنتِ بتفكري؟!
وَميض بانزعاج وصوت عالٍ:
- وهو أيه الحلو في إنـنـ....
توقفت عن الكلام مجرد أن قبض بقوة على ذراعها وصاح مُحتدًا بالغضب:
- هششش.. صوتك عالي ليه؟! إنتِ المعايير الأخلاقية والدينية عندك يا أترج هانم في ذمة الله.
صمت هنيهة يتطلع بقوة داخل عينيها ثم يقول بحدة:
- بس مفيش مُشكلة نرمم المعايير المنهدمة عندك من تاني بس لو مستوعبتيش ههدها على دماغك، تمام!!
حاولت أن تبتلع ريقها على مهلٍ وراحت تنظر إليه بوجلٍ شديدٍ من تحوله وبنبرة مُتحشرجة بالكاد تخرج منه قالت:
- لو سمحت متكلمنيش بالأسلوب دا.
حرر ذراعها فورًا وجاهد في تغيير نبرة صوته حتى لانت قليلًا ثم قال:
- في شرائع في الدين لا جدال فيها ومش كُل متزود في أمور دينه بالنسبة لحضرتك مُتطرف، دا أول درس مُستفاد، تمام؟!
اِغرورقت عيناها بالدموع وراحت تقول بنبرة مُتهدجة تنهي الجدال فيها معه:
- تمام.
عاود اقتياد السيارة مرة أخرى وسط تشبثها بالصمت التام. شعر بالندم كثيرًا حينما استفزته فأفرغ ضيقه عليها. عاتب نفسه ورأى أنه كان عليه أن يبقى مُحافظًا على رباطة جأشه معها؛ فهو على علم كامل بأنه سيستنفذ جل طاقته وهو يبني فكرها المُنحرف والمُتساهل مرة أخرى، كما أنها لا تهون عليه مُطلقًا. فكر مليًا في طريقة تجعلها تنسى حُزنها منه ويتصافيان. خطر على باله ذلك المشوار الذي أجله لوقت لاحقٍ ليُدرك أنه حان وقته.
أخرج هاتفه ثم أجرى اتصالًا وقال:
- إزيك يا عمي علام، أُترج معايا، بستأذنك إنها هتروح معايا مشوار مهم وهنرجع سوى على المزرعة.
وافقه "علَّام" فورًا؛ فتابع تليد مُنهيًا المكالمة:
- شكرًا يا عمي، مع السلامة.
تحولت بنظراتها إليه وراحت تقول بنبرة وجلة:
- هتاخدني فين؟!
تليد وهو يقول بهدوء:
- إنتِ خايفة مني ولا أيه؟! أعتقد إني جوزك!!
أجهشت بالبكاء فورًا وراحت تقول بشهقات متقطعة مخنوقة:
- غصب عني، جوزي بس غصب عني، لكن أنا مش عايزاك علشان ببساطة بخاف منك.
كمن تلقى رصاصة على حين غُرة، انتفض قلبه بوخز مُتكررٍ ثم قال مُستنكرًا:
- بتخافي مني؟!
وَميض باختناق وعينين تنهمر منهما الدموع:
- ومش قادرة أتقبل فكرة إن واحد معرفوش بقى في يوم وليلة جوزي، مش هنكر إني طول الوقت حاسه إني عيشت تجربة سابقة معاك حتى لو كانت لحظات، بس دا ميمنعش إني معرفكش!!.. لو سمحت رجعني البيت!!.
مسح جبهته بأطراف أنامله مُتفهمًا خوفها. حاول أن يهدأ ثم قال بنبرة ودودة وهو يلتقط كفها بتلقائية:
- طيب هوعدك وعد، لمَّا نوصل للمكان لو حسيتي نفسك مش مرتاحة بلغيني فورًا وأنا هرجعك البيت، متخافيش وإنتِ معايا، تمام متعرفنيش بس تأكدي إني مش الشخص اللي يأذي!
رمقتهُ بعينين حمراوين تفيضان بالدموع ولكنها بدأت تتجاوب مع حديثه وتتوقف عن البكاء. أسرع بتقريب أنامله من جفنها وبسرعة مسح العَبرات الساقطة أسفله. ركز في طريقه وكانت هي في حالة جيدة من السكينة والهدوء حتى وصل بها إلى مكان عبارة عن مبانٍ حديثة قيد الإنشاء لا يسكن بها أحدُ حتى الآن.
نزل من السيارة فورًا ثم استدار حتى فتح الباب المجاور لمقعدها. تبدلت ملامحها في هذه اللحظة من السكون إلى الرهبة إلا أنه مدَّ كفه فاردًا إياه نحوها وقال بهدوء:
- متخافيش، أنا جنبك.
بتردد كبير دام للحظات قامت بوضع كفها على خاصته. ضغط عليه برفق ثم ترجلت من السيارة وهنا قال "تليد" بابتسامة عذبة مراوغة:
- تمام، دلوقتي هغمض لك عينك.
وَميض بتوترٍ خفيف:
- ليه؟! وأيه المكان دا!!!
تليد بحماس كبيرٍ:
- عامل لك مُفاجأة.
تنهدت باستسلام. وضع كفيه على عينيها ثم سارت أمامه تتبع ارشاداته حول خطواتها إلى أن وصل بها إلى المكان المنشود وهنا تابع بلهجة ثابتة:
- مُستعدة تشوفي المُفاجئة؟!
وَميض ببعض الحماس مُتناسيةً الخلاف الذي نشب بينهما قبل قليلٍ:
- تمام.
أبعد كفيه على الفور، بدأت تحرك أهدابها عدة مرات حتى اتضحت الرؤية من جديد. حدقت في البناية القابعة أمامها بفم مفتوح وعينين مُتسعتين وبنبرة مندهشة أردفت:
- دا شبه قصر ديزني لاند!!!
ظلت مُحدقة بالمبنى في شيء من الانبهار. لم يكُن المبنى بحجم القصر بالطبع، إنه بيت صغير صُمم على الطراز نفسه حيث اتسم بكثرة المآذن المخروطية عليه وكثرة نوافذه وكِبر حجم البوابة أيضًا ولكنه مازال قيد الإنشاء فلم يكن مطليًا حتى الآن؛ ولكنه أجمل ما رأت بعد قصر ديزني لاند التي لطالما أحبته وكانت تتخذه حُلمًا في طفولتها وتتمنى زيارته فلم تكن تخلو كراسات رسماتها منه كما كانت تحلم بزيارة تُركية أيضًا عندما كبرت.
أردف "تليد" مُجيبًا بابتسامة حانية:
- دا بيتنا، صممته مخصوص على شكل قصر ديزني علشان إنتِ بتحبيه.
استدارت تمعن النظر في عينيه ثم قالت بابتسامة هادئة:
- بابا اللي قال لك مش كدا؟!!
تليد يومىء إيجابًا:
- بالظبط.
زوت ما بين عينيها في حيرة وأكملت:
- بس أنتَ لحقت تشتري الأرض وتصممه في أيام؟!
حك "تليد" رأسه في دهشة من سؤالها ولكنه تابع بثبات كعادته:
- كان بيت عادي وزودت له بعض الإضافات فالموضوع مأخدش أيام.
عادت تنظر للمبنى بحب كبيرٍ وسعادة لم يتخيل أن يراها فيها وهما معًا خاصةً أن هناك فجوة كبيرة بينهما. لمعت العبرات في عينيها وهي تقول بتأثر وسعادة:
- يعني دا البيت اللي هنعيش فيه؟!
تكلم "تليد" وهو يستدير مواجهًا إياها. تطلع إلى عينيها بتركيز كبيرٍ ثم أكمل:
- أيوة ولكن مش أول أيام جوازنا؛ لأن البيت دا هيتبني على مراحل وأوقات إنتِ اللي هتحدديها.
عقدت حاجبيها وسألت بحيرة:
- إزاي؟!
تليد باستكمال:
- إنتِ اللي هتحددي البيت دا هيتبني في شهور ولا سنة ولا سنتين ولا سنين.. بصي يا أُترُج أنا وهبت البيت دا هدية مني ليكِ بشرط واحد.
سألته بإشارات من عينيها دون أن تنبس ببنت شفةٍ؛ فتابع:
- هساعدك تحفظي القرآن ومع كُل جزء هتختميه هنكمل خطوة في تجهيز قصرك، قولتي أيه؟!
تهللت أسارير وجهها فورًا فبالرغم من سعادتها برؤية هذا البيت الجذاب والمميز إلا أنها تشعر بسعادة أكبر لأنه فكر أن يُعينها على شيءٍ ترغبه وبشدة. ولكن سرعان ما تحولت معالم وجهها إلى ملامح باهتة وفقدت عزيمتها وهي تقول بضيق:
- بس أنا حاولت كتير أحفظه وبلاقي صعوبة في حفظه!!
تليد وهو يرفع سبابته أمام وجهها ويقول بحزم:
- اوعي تطاوعي شيطانك، دي مُبررات من عنده هو، أنا واثق إنك أد التحدي.
تنهدت بحماس وأومأت مُتفهمةً، فيما أكمل بهدوء مادًا كفه لها:
- تحبي نتفرج عليه من جوا.
دون تفكير وضعت راحتها على كفه وانطلقا معًا للداخل. كانت تسير بين أروقة البيت بشعور مُميز يشبه ذاك الذي كان يراودها في طفولتها كلما تخيلت أنها إحدى أميرات ديزني. ظلت تجول المكان بمرحٍ كأنها كُتلة تشع طاقة إيجابية وحماس وبنبرة طفولية تردد صداها في المكان الفارغ صاحت:
- دا أحلى مكان شوفته في حياتي.. إنتَ مش مُتخيل أنا إزاي فرحانة.
سبقته تهرول بين أروقة المكان فاردةً ذراعيها بفرحة غامرة أنستها الوعد الذي قطعته بينها وبين نفسها أن تبقى أمامه مُتجهمة الوجه كي تبني سورًا عملاقًا بينهما. وصلت إلى صالة كبيرة يوجد بها الكثير من النوافذ فأسرعت نحو واحدة منهم وظلت تنظر عبرها بمرح ثم أكملت بينما يراقبها هو بنظرات عاشقة:
- ياااااه لو نزرع الجنينة دي ورد كتير وشجر مانجا.
كانت ابتسامتها تتسع بشكل كبير ولكنها بدأت تزم فمها تدريجيًا حينما شعرت بأنفاسه قريبة منها جدًا. لحظات وشعرت به يحيط خصرها بكلا ذراعيه ثم يهمس بجانب أذنها قائلًا بنبرة هائمة واستسلام تام لما يخبئه من بعض الحقائق:
- مكانش حلم.. كل اللي شوفتيه وحستيه كان حقيقي.
زوت ما بين عينيها تحاول مسك طرف الخيط من أوله وسرعان ما برقت بعينيها وراحت تلتفت له حتى التصقت به وتلاشت المسافة بينهما تمامًا. تطلعت إلى قسمات وجهه بجنون خامد تنتظر أن ينطق بما تريده وانتظرت إجابته طويلًا. أراد أن يريحها من هذا السؤال حتى تنحل هذه الأزمة بينهما وتنجلي بعض الحقائق. رفع أصابعه يلامس بشرة وِجنتها الناعمة بينما بقيت مُتسمرةً في مكانها تنتقل ببصرها ما بين شفتيه وعينيه إلى أن نطق في النهاية بنبرة ساقطة في بحور عشقها:
- أنا اللي خرجتك من البحر.. أنا هو.
رواية رحماء بينهم الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم علياء شعبان
حدقت فيه بعينين واسعتين يملأهما مزيج من الصدمة والاستغراب وألف سؤال يدور في عقلها الآن.
تجوّل ببصره بين تفاصيل وجهها الرقيق وردود أفعالها حينما تندهش أو تتفاجأ. كانت جميلة، بل هي كذلك منذ نعومة أظافرها. لا يُنكر أن قربها يُسكر قلبه ويُذهب عقله ويجعله يعيش رغبات ومشاعر لم يعهدها من قبل أو يفكر فيها لحظةً.
تمكنت أخيرًا وبعد انقضاء الدقائق من الاستفاقة إثر وقع الصدمة على نفسها، فتكلمت بصوت خافتٍ:
- أنا كُنت عارفة إنه إنتَ!
ابتسم بهدوء وقبض على راحتيها ثم قبل ظاهرهما وهو يرد بودٍ:
- طيب وبعد ما عرفتي أيه اللي كُنتِ ناوية تعمليه يعني؟!!
تنحنحت في خجلٍ من درجة قربه منها فتراجعت خطوتين للوراء وهي تسحب راحتيها من بين كفيه وتقول بتوترٍ:
- كُنت هشكرك، هكتب عن بطولتك معايا، أكون عارفة على الأقل إن في حد خرجني من تحت الميه بعد ما كان الموت قريب مني، مكنتش هتجنن وأنا مش عارفة أنا صحيت من الموت إزاي؟! كُنت مبسوط بحيرتي وتعبي!!
ابتسم بمراوغة وقال:
- أنا مكُنتش حابب أكون بطل في رواية أحدهم يا فندم.
وَميض وهي ترد بوجه عابسٍ:
- وكمان مش بتحترم أحزاني!
تنهد بثبات ورد:
- أنا بتكلم بجد، إنتِ صحفية وأنا راجل معروف، مكُنتش هحب أبدًا إن الخير اللي بعمله مع حد الدنيا كلها تعرف بيه وإلا ثوابه هيروح، أنا شوفته خير عملته وانتهي الموضوع، ليه أدخل نفسي في متاهات من صحافة وجرايد وكلام كتير من دا، أنا مش بتاع شو.
سكت هنيهة ثم قال بضحكة بسيطة:
- وإنتِ أي حاجة تحصل بتجري تكتبيها في الجورنال يا زهرة الخشخاش!
تنحنحت بتوترٍ بعد أن فهمت ما يشير إليه؛ سحبت طرف الخيط إلى حديث آخر؛ فقالت بنبرة ثابتة:
- طيب بما إن النهاردة يوم الاعترافات العالمي، فلو عندك حاجة تانية عايز تعترف بيها ياريت تقولها لي!
تنهد تنهيدة عميقة، لمس ربطة عنقه بهدوء أثناء تحديقه فيها بنظرات غامضة ثم بدأ يقترب منها بخطوات بطيئة بينما تتراجع هي للوراء بدورها إلى أن اصطدم جسدها بالحائط فراحت في هذه اللحظة تبتلع ريقها بصعوبة بالغة وهي تشهر سبابتها امام وجهه ثم تقول بتهديد:
- إنتَ عايز أيه؟! ابعد عني فورًا.. ابعد يا تليد وإلا والله هشوه سمعتك قدام الدنيا كلها وأقول إنك مُتحرش ومُغتصب!!
التصق بجسدها ثم مال على أذنها وهمس بصوت جذاب:
- بحبـــــك.
رجع عدة خطوات للوراء على الفور وابتسامة مُضيئة تُزين ثغره فيما تسمرت هي في مكانها تعاني ويلات ما قال؛ فلم تسمع هذه الكلمة سوى من والدها كما أنه قالها بطريقة أرجفت قلبها الذي شرع يدق بصوت ظنته مسموعًا له. أطرقت برأسها تتجنب التقاء أعينهما ثم أردفت بنبرة متوترة تخرج من حلقها بالكاد:
- روحني لو سمحت!
وضع "تليد" كفيه في جيبي بنطاله مُستمتعًا بعدم قدرتها على مُجابهة اعترافه وقال بلهجة ثابتة:
- بس دا يوم الاعتراف العالمي ولازم نستغله، أنا بلغتك باعترافي وجه دورك!
ظلت مُلتصقةً بالحائط وترفض التزحزح عنه كي لا تفقد توازنها نتيجة إخجاله لها والتلاعب بأوتار قلبها. وَميض من الفتيات العنيدات التي تتظاهر بالقوة ورفضها المشاعر في حياتها ظنًا منها أنها ستبيت ذليلة لمشاعرها إن تركتها تروح وتأتي بحرية في حياتها ولكنها في نفس الوقت تهرول بقبول إلى قلبٍ يظهر لها من الحُب ما تفتقده؛ فكُل ما حرمته على نفسها مرغوب في رواية أخرى.
تأتأت قليلًا وهي تقول برفض:
- مم معنديش اعترافات أقولها.. أنا حياتي واضحة.
سكتت للحظة ثم تابعت:
- بس عندي سؤال ليك، أتمنى تعتبره اعتراف وتجاوبني عليه!
أومأ موافقًا دون أن يتكلم؛ فتابعت هي بثبات:
- اتجوزتني ليه؟! أنا مش طرازك خالص وأعتقد مش البنت اللي عمرك اتمنيت إنها تكون مراتك، هتقول بحبك، هرجع أسألك تاني، حبتني إمتى أصلًا؟!
ثبت بصره داخل عينيها وقال:
- يمكن علشان بتفكريني بالبنت اللي كُنت بحبها في طفولتي.
وَميض ترد باستنكار:
- يعني إنتَ حبتني واتجوزتني علشان بفكرك بيها!!!
تليد بابتسامة خبيثة رد:
- أه، عنيدة ومُندفعة زيك بالظبط وعاملة فيها جامدة زُحليقة وهي بسكويت نواعم من جوا.
وَميض وهي تصيح فيه بحدة وصوت عالٍ:
- والله!!
حدق فيها بنظرات متوعدة فأسرعت بخفض صوتها في الحال وهي تكرر بغيظ:
- والله، يعني ببساطة متجوزني علشان بفكرك بماضيك؟! طب ما كنت دورت عليها أسهل!
رفع حاجبه ثم أجابها ببرود مصطنع:
- أوعي تقولي إنك غيرانة من واحدة مش موجودة في حياتنا أصلًا، دا يبقى درب من الجنون.
ضحكت بتهكم تنفي كلامه بينما يشي وجهها بمقدار غضبها وحنقها، اندفعت نحو الباب بثورة عارمة وقالت بغضب:
- روحني دلوقتي حالًا من فضلك، دا وعد ياريت تنفذه.
أسرع بالقبض على ذراعها ليوقفها ثم قال بابتسامة متوارية:
- متزعليش.. إنتِ اللي مراتي دلوقتي مش هي.
رمقتهُ بجانب عينها ثم ضغطت أسنانها وهي تقول بحدة:
- من فضلك بطل برود لأن الحوار دا كُله مش فارق لي.
تليد بثبات بعد أن قبض على راحتها وسار بها للخارج:
- خلاص تمام.
نظرت إلى كفه القابض على راحتها في ودٍ وكأنهما زوجين سعيدين وراحت تزمجر في غيظ من بروده الذي يقصد افتعاله أمامها للفتك بأعصابها.
***
- مساء الخير يا بطل، عامل أيه النهاردة؟!
أردف عثمان وهي ربت على كتف "كاسب" الذي رد بهدوء:
- بخير جدًا الحمد لله ولو يسمحوا لي أخرج من هنا يبقى كتر خيرك يا عثمان بيه!
ضحك "عثمان" ثم قال بثبات:
- يعني مش قادر تستحمل يومين تاني؟!
كاسب بنفي قاطعٍ:
- الحقيقة لأ، مخنوق جدًا من رقدة السرير وأنا مش متعود على الكلام دا.
أومأ "عثمان" بتفهم ثم قال:
- اعتبره حصل وجهز نفسك علشان تخرج بكرا الصبح، دا غير إن جه الوقت اللي أقدر فيه كفاءتك وتفانيك في شغلك، إنتَ بقيت واحد من رجالتي دلوقتي.
ابتسم "كاسب" ثم أردف بامتنان:
- شكرًا على ثقتك فيا يا عثمان بيه.
أومأ "عثمان" إيماءة خفيفة ثم غادر الحجرة على الفور.
***
جلس إلى الطاولة بوجه عابسٍ، استند بمرفقيه عليها وبقى مُحدقًا فيها دون أن لاحظ هي وجوده. كان داخله يشتعل غيظًا وحقدًا على هذا الرجل الذي سلب مكانه بينما هو الذي يتربع على عرش قلبها.
تنهد "غسان" بمللٍ ثم قال:
- إحنا هنفضل قاعدين كدا للمراقبة وبس، إحنا على الحال دا من 3 أيام، نعرف تحركاتها ونمشي وراها علشان حضرتك تقعد من بعيد وتفضل تتأمل فيها، ما تاخد رد فعل بقى أو انسحب!!!
طالعهُ "عُمر" بنظرات متخاذلة تمتلىء بالغيظ والتيه وبنبرة هادئة قال:
- تفتكر أيه رد الفعل المُناسب ومن غير ما أضايقها أو تكرهني؟! أنا عايز أكسبها مش تخاف مني.
غسان وهو يرد بسرعة:
- المواجهة الصريحة يا صاحبي، تروح للجدع دا وتقول له بنت الناس دي تخصني وإنه ينسحب من حياتها بدون شوشرة ولو رفض...
قاطعهُ "عُمر" بسخرية:
- لو رفض أطلع له مطواة وأغزه ما إحنا بلطجية يا غسان.
التوت شفتي "غسان" فيما أكمل "عُمر" بحنق:
- بقول لك بحبها وعايز أكسب ثقتها تاني.. أما طريقتك دي هتقفل كل السكك المفتوحة في وشي.. دا غير يا مؤمن هل ينفع أسوء سمعتها وأنا بقول لك عايزها تكون مراتي!.. بالعقل يا غسان بالعقل يا حبيب أخوك.. كُل كُل ومتفكرليش تاني.
غسان بتذمر:
- أنا فعلًا هاكل علشان أعصابي في ذمة الله بفضلك.
أخرج "عُمر" زفيرًا عميقًا وراح يُمعن النظر في تفاصيلها التي لم يشبع منها على الإطلاق، كانت عيناه تشعان بسهام الاشتياق لها. قرر أن يُفكر في طريقة حكيمة كي يُلفت نظرها له؛ فقد اشتاق أن تخصص له نظرة من عينيها نحوه. أشار للنادل فجاء في الحال، طلب منه أن يقترب من فمه ففعل الأخير لعدة لحظات ثم أومأ بعد أن وضع "عُمر" بعض النقود في كفه وانصرف فورًا.
لحظات وعاد النادل وبدأ يوزع أطباق من الحلوى على الطاولات الموجودة في المطعم وكلما يقترب من طاولة يقول ببسمة هادئة:
- دي هدية من أستاذ عُمر لضيوف المكان بمناسبة عيد ميلاده.
التفت الناس له وبدأوا يشكرونه وما أن وصل إلى الطاولة المنشودة حتى قال جملته مرة أخرى، التفت خطيبها نحو عُمر وأومأ بعينيه شكرًا فيما أخذها الفضول أن تنظر إلى هذا الشخص وما أن وقعت عيناها عليه حتى حدقت فيه بدهشة بينما كان ينتظر أن تتلاقى أعينهما. أرسل لها بسمة خفيفة ونظرات يرجوها من خلالها.
ابتلعت "رويدا" ريقها على مهلٍ ثم نظرت خلسةً إلى شاشة هاتفها تستبين التاريخ المدون على صفحة الغلق، زوت ما بين عينيها وأدركت أنها مُجرد حيلة للفت انتباهها.
حكت جبينها بانفعال متوارٍ، تدبرت ابتسامة باهتة وهي تتوجه بالحديث إلى خطيبها:
- رايحة أغسل وشي وراجعة بسرعة، بعد أذنك.
أومأ له وغادرت. قرر "عُمر" الالحاق بها، همَّ أن يعاونه "غسان" ولكنه رفض قائلًا بلهجة ثابتة:
- مش مستاهلة يا غسان، هم خطوتين وراجع بسرعة.
بدأ يدفع كرسيه بنفسه إلى أن وصل إلى الممر المؤدي إلى المراحيض وقرر في هذه اللحظة أن يقف مكانه حتى تخرج من هناك. لحظات وخرجت وهي تنظر لها بعينين مصدومتين ولكنها قررت أن تتجاهله وتنطلق للخارج فورًا. وما أن اقتربت من المرور بمقعده حتى أسرع بالقبض على ذراعها وقال بصوت مخنوقٍ:
- كفاية تعذبيني أكتر من كدا، خلاص اتعلمت الدرس!
بدأت تسحب ذراعها بحركات متذمرة ثم قالت بنبرة خافتة:
- بعد إذنك سيب إيدي، كدا ميصحش!
عُمر بصوت حادٍ:
- مش قادر.. مش قادر أتخطاكِ وأكمل.. عقارب ساعتي واقفة عند اللحظة اللي بعدتي عني فيها.. اديني فُرصة أصلح غلطي.. أنا اللي بحبك مش هو.. متخليش غضبك يضيع كُل المشاعر الحلوة اللي بينا!
رويدا باختناق:
- مفيش بينا حاجة، يادوب شوية كلام في شات وكام صورة مني وكام مُكالمة تليفون مع شخص اسمه عُمر.. شاب مُكافح وغلبان ومش معاه حق الدبلة ورغم كدا أنا قررت استناه.. أنا حبيت عُمر المُكافح.. مش عُمر الأناني اللي فاكر مشاعر الناس مُتاحة زيّ فلوس أبوه يقدر يتصرف فيها براحته.
عُمر وقد ارتفع صوته قليلًا:
- قولت لك إني غلطت وإنتِ بردو غلطتي، يعني أيه تتخطبي لواحد ومشاعرك لسه مع واحد تاني!، أنا مش مُستعد أخسرك وتكوني جزء من عجزي!.. أنا بحبــــك.. صدقي بقى ومتدوسيش على كبريائي أكتر من كدا.
اِغرورقت عيناها بالدموع وفقدت السيطرة على التحكم في قلبها الذي خرج عن طوعها ودق من جديد بانتفاضة. ابتسم بهُيام ثم رفع ذراعه إلى وجهها وبدأ يمحو الدموع التي هربت من عينيها وقال بحُب يطغى على صوته المُبتهج بقربها:
- حقك عليا.. أوعدك إني أعوضك عن كُل لحظة اتوجعتي مني فيها.
أغمضت عينيها باشتياق له ولكنها تكلمت باختناق وعتاب:
- عُمر مينفعش، أنا مخطوبة!!
في تلك اللحظة، سمعا صوته يصيح بنبرة عالية تميز من الغيظ والغضب:
- رويدا!!!!!
فتحت عينيها على وسعهما وهي تنظُر إلى مصدر الصوت بينما رمقهُ "عُمر" بنظرات حانقة وفجأة اندفع خطيبها نحو "عُمر" الذي جذبها من ذراعها وأوقفها خلف كرسيه فيما قبض الأخير على ياقته وبدأ يخنقه وسط صراخ "رويدا" التي تترجاه أن يتركه. لم يكن ينوي "عُمر" العراك وقرر أن يُخبره بالحقيقة في نقاش صريح ويتفهم الأخير ثم ينتهي الأمر هنا ولكن تفاجأ عندما بدأ يخنقه فما كان من "عُمر" إلا أن وَكل له ضربة أصابت فمه فارتد الأخير للخلف ولكنه لم يستلم فرفع ذراعه كي يرد الضرب لعُمر ولكنه وجد ذراع تكبل حركته. التفت الشاب إلى الشخص الذي يحجم حركته؛ ففاجأه "غسان" بلكمة أخرى وسرعان ما جاء مسؤولي المكان وحاولوا فض الاشتباك فقال الشاب بصوت ثائر:
- اتصلوا بالبوليس، عايز أقدم بلاغ في الحيوان دا.
رمقهُ "عُمر" بكره بينما تدخل مسؤولي المكان لفض النزاع ولكن الشاب أصر على حضور الشرطة ولكن قوبل طلبه في النهاية بالرفض بعد أن علم من مسؤول المكان أن "عُمر" هو ابن أحد رجال الأعمال الثقال ومحاولته ستبوء بالفشل. قرر "عُمر" الانسحاب من المكان وهو يسحب ذراعها للخروج معه من هذا المكان بينما تورمت عيناها من كثرة البكاء وقبل أن يتخطى الثلاثة بوابة المطعم سمعوه يقول بلهجة متوعدة عدوانية:
- أنا هفضحك يا رويدا وهخلي سيرتك على كُل لسان لازم الكُل يعرف إن سكتك شمال.
ارتفع صوت بكائها جراء كلماته، أطبق "عُمر" جفنيه في تروٍ رغم رغبته في الفتك بهذا الحُثالة الذي ظهر على حقيقته، همَّ "غسان" أن يندفع إليه مرة أخرى وينال منه ولكن أوقفه "عُمر" الذي استدار بكرسيه ثم تكلم بلهجة حازمة:
- فكر كدا إن إخواتك البنات تكون اتجاهاتهم على طول يمين وييجي عيل قذر زيَّك يشيع بين الناس إن اتجاهاتهم شمال، تخيل كدا؟!
ابتسم ابتسامة باردة تمتزج بالسخرية ثم أكمل بتهديد متوارٍ:
- وليه تتخيل يا راجل لمَّا ممكن نخليك تعيشه على أرض الواقع!
أنهى كلامه وسحبها من ذراعها ثم انصرفوا من المطعم فورًا.
***
التفوا جميعهم حول مائدة الطعام التي تمتلىء بكل ما لذ وطاب من أشهى المأكولات، كانت أُمسية جميلة تجمع كُل المُتحابين في لحظات من الودٍ والوجدٍ.
نظرت "سُهير" في هذه اللحظة إلى الطاولتين المجاورتين لطاولتهم ثم أردفت وهي تميل قليلًا إلى أذن زوجها ثم تهمس بامتعاض:
- هم بيأكلوا عمال المزرعة من نفس الأكل اللي بياكلوه وبيقعدوهم على سُفرة كمان!!!
علَّام بصوت خافتٍ:
- أه، وركزي في نفسك والأنا الأعلى اللي هتقضي عليكِ قريب دي.
التوى شدقها ورمقتهُ بحدة، فيما تكلم سُليمان وهو يشير للجميع بالبدء:
- يلا يا غوالي مِدوا ايديكم، مستنيين الإذن ولا أيه!!
شرعوا في تناول العشاء في حالة من المرح والسلام الكامل، بينما بقيت هي عابسة الوجه لا تقرب من الطعام. وضعت "مُهرة" كفها أسفل ذقنها منخرطة في ضيقها لأنه لم يأتِ بعد فقد أخبر "تليد" أن الأعمال تراكمت على عاتقه وما أن يفرغ منها سيأتي في الحال ولكنها أرادته أن يكون بجانبها ويستغل هذا الجمع كي يتقدم لها ويحظى بدعم والدتها التي تنتظر خطوته.
- الحقيقة الأكل له مذاق خاص ما شاء الله، يسلم إيد اللي عمله.
أردف "عِمران" بمصداقية خالصة، ابتسم "سليمان" وقال متوجهًا بالنظر إلى "رابعة":
- خالتك رابعة هي اللي بتعمل الأكل هنا والحق يقال من بعد أكلها مدوقتش.
ابتسمت "رابعة" بسعادة وقالت:
- ربنا يعزك يا شيخ سليمان وبالهنا والشفا على قلوبكم كلكم.
- أوبسسسسس، ماما معاكِ منديل بسرعة!
صاحت "وَميض" بتلك الكلمات وهي تنظر بضيق إلى بقع الصلصة التي انسكبت على ثوبها. أسرعت "سهير" تُقلب في حقيبتها عن مِنديلٍ ولكنه سبقها وراح يلتقط مِنديلًا ويقوم بإزالة البقع بنفسه وسط نظرات الجميع المُعجبة بهذا الثنائي. نجح في إزالة الوسخ ثم بلل مِنديلًا آخر بالماء وراح يمسح الثوب من جديد كي يزيل الأثر وما أن انتهى حتى التقط مِنديلًا ثالثًا ثم فرده وقام بوضعه على صدرها بعد أن أطبق أطرافه بأطراف ثوبها وقال بغمزة من عينيه:
- كملي أكلك بقى!
توترت للغاية من تصرفه الصبياني كالغمزات والنظرات ولكنها لم تستطع التغافل عن طريقة اهتمامه بها والتي تعجبها كثيرًا. في هذه اللحظة صاح "نوح" من بعيدٍ يقول بمرحه المُعتاد:
- أيه الجريمة الكاملة دي، بتاكلوا من غيري؟!!
تهللت أسارير وجهها وهي تلتفت بجذعه العلوي للخلف في لهفة ظهرت جليةً للجالسين، ضحك "تليد" ثم قال بهدوء:
- ما إنتَ مشغول بقى ومش فاضي لنا.
سليمان وهو يحثه على التقدم والجلوس في مقعده الفارغ:
- يلا يا نوح يابني قبل الأكل ما يبرد.
جلس إلى مائدة الطعام وما أن التقط ملعقته وهم أن يبدأ وجدها تقول بابتسامة صفراء متوجهة بالحديث له:
- إزيك يا نوح!!!
قالتها "وَميض"؛ فتنحنح رامقًا إياها بشك وقال بقليل من التوتر:
- الحمد لله.
***
- أستاذ كاسب اتعشى ولا لسه؟!
أردفت "سكون" بتلك الكلمات تسأل الممرضة التي نفت وهي تقول:
- لسه يا هانم، الممرضة المسؤولة عنه بتخلص شغلها مع مريض تاني ورايحه له.
ردت "سكون" باندفاع ونفي:
- لا لا مش مهم، أنا هقوم بالمهمة دي.
ذهبت الممرضة وجلبت لها العشاء الخاص به فتحركت "سكون" بسرعة نحو غرفته بمنتهى السعادة والنشاط وكي تخبره بأنه حصل على خروج رسمي. وصلت إلى باب الغرفة وقبل أن تفتحه سمعت هذه الجُملة التي جعلت صينية الطعام تسقط فزعًا من يدها:
- وأنا مش هرتاح غير لمَّا أخد بتاري من عثمان السروجي.
رواية رحماء بينهم الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم علياء شعبان
حملقت تنظر أمامها وهي تسير مضطربة الخطى، لا تفهم ما قصده من قوله الانتقام من والدها وما شابه. اِغرورقت عيناها بالدموع وراحت تضع كفها على فمها في صدمة كبيرة.
هل فتحت أبواب ونوافذ قصرها لشخصٍ سنوي الشر لها ولعائلتها؟ لقد ألقت ثقتها في حجره تمامًا. هل ما سمعته حقيقة أم وهم؟ كاسب لديه ثأر مع والدها! وكيف لا يعرفه والدها إذا كان كذلك؟
ظلت تترنح في خطواتها غير مُهتدية نحو طرق معينة، ولكنها في النهاية وبعد وقت طويل من التفكير والصدمة قررت أن تهرول إلى أبيه وتُخبره بما سمعته. فعليه أن يعرف بنوايا هذا الغريب الذي نال ثقتهما ودعمها طوال الوقت.
تحركت نحو بوابة المشفى الرئيسية، وقبل أن تخرج منها سمعت الممرضة تصيح فيها بنبرة مرعبة وتقول:
"آنسة سكون.. يا آنسة سكون!!"
كانت في دنيا أخرى، لم تستجب لندائها أو تشعر بسعي الأخيرة للتحدث معها إلا عندما وقفت الممرضة أمامها مباشرة وراحت تقول بوجه شاحب وصوت مرتاب:
"آنسة سكون.. الحقي المريض اللي في أوضة 204."
زوت ما بين عينيها وتشدقت باختناق:
"ماله؟!"
الممرضة وهي تبتلع ريقها بصعوبة بالغة ثم تقول:
"من شوية دخلت عليه لقيته مربوط من إيده ورجله ومتكمم وبيحاول يصرخ. ولما شيلت الرباط من على بؤه طلب مني أبلغك إنتِ وعثمان بيه فورًا."
سكون وهي تحملق فيها بصدمة وترد بصوت هادئ:
"نعم؟ مربوط ومتكمم؟!"
أومأت الممرضة، فتراجعت سكون عن الذهاب وتوجهت مسرعة إلى الدرج مرة أخرى حتى الطابق ومنه إلى الغرفة التي ما أن دخلتها حتى رأت الفوضى تعم المكان، بينما يجلس هو بوجه شاحب مقيد اليدين والقدمين.
سارت بخطوات متباطئة باتجاهه، بينما أسرع يقول بصوت مخنوق:
"سكون، إنتِ وعثمان بيه مش في أمان خالص."
لُجم لسانها عن الحديث، وظلت محدقة فيه كبلهاء لا تجيد الإفصاح أو التعبير. بدأت تتخطى شظايا الزجاج المنثورة على أرضية الغرفة إلى أن اقتربت منه ثم رددت بنبرة خافتة:
"مين اللي عمل فيك كدا؟!"
أغمض عينيه بقوة قبل أن يصيح مُزمجرًا:
"أنا معرفش مين دول، بس واضح جدًا إن في مشكلة بينهم وبين عثمان بيه."
نظر إلى ساقيه وذراعيه وقال بسرعة:
"فكيني الأول."
ابتلعت سكون غصة مريرة في حلقها ثم اقتربت أكثر منه وبدأت تنزع الحبال عن أطرافه، فيما تابع هو بنبرة ساخطة بعد أن تحررت ذراعيه:
"صحيح، واحد منهم حط لي جواب في جيبي وقالي أوصله لعثمان بيه."
أسرع بجذب الجواب من جيبه ثم أعطاه لها. بحركة سريعة فردت الورقة وبدأت تقرأ فحواها وهي تقول بشفتين مستقيمتين بالكاد تتحركان:
"ضربة البداية في رجالتك والضربة الجاية تخص أهل بيتك."
بدأت تدعك جبينها بتوتر حقيقي بدا جليًا له، فأسرع بالتحرك نحوها ثم قبض على كفيها وراح يقول بثبات:
"اهدي، متتوتريش."
لمعت الدموع في عينيها وردت بصوت مخنوق:
"إزاي بس؟ إحنا في كارثة حقيقية. ساعدني بليز يا كاسب بأي معلومة يمكن نقدر نعرف مين دول؟!"
رمت الورقة على الأرض ثم وضعت وجهها بين كفيها وراحت تقول بنبرة متهدجة متزعزع الاستقرار النفسي:
"إحنا ليه بنتحارب من كل مكان؟!"
"أه صحيح، سمعت واحد بيكلم واحدة في التليفون وبيقولها تحت أمرك يا مدام نجلا."
رفعت رأسها فورًا ثم حدقت فيه بصدمة وقالت بتيه:
"نجلا؟!"
أومأ في صمت، فيما بدأت تتنفس الهواء داخلها بقوة رغم ما يخالجها من شعور بالحنق والاختناق. كما أنها شعرت بالخزي نحو كاسب بعد أن فكرت فيه بهذا السوء، وهو الذي دافع عنها وعن والدها بحياته. إذن لقد كان الصوت ينتمي لشخص آخر. ولكن هل بعض الخلافات العملية تتحول إلى ثأر مرة واحدة؟ ما الثأر في إطاحة منافس تجاري من قبل آخر قوي واكتساح سوق العمل؟ هل النجاح في مجالك والجلوس على عرشه يشكل ثأرًا للجالسين خلف هذا العرش؟
أخرجت زفيرًا ساخنًا ثم التفتت إليه وراحت تقول بنبرة مختنقة:
"حقك عليا يا كاسب. أنا عارفة إنك من يوم ما اشتغلت معانا وحياتك في خطر طول الوقت وإنتَ ملكش ذنب في كل ده أصلًا."
صمتت لوهلة مطرقة برأسها ثم قالت بنبرة هادئة:
"كاسب!!"
طالعها بنظرة مترقبة مهتمة بالتالي. تنهدت تنهيدة ممدودة بعمق وقالت:
"لو مش حابب تكمل معانا ده حقك ولازم نحترم قرارك وأنا معاك فيه. صدقني مش هزعل وربنا يوفقك في حياتك!"
عَبَسَ وجهه وراح يرد على حديثها بكثير من العتاب:
"إنتِ عايزاني أسيبك في الظروف دي لوحدك؟ إنتِ وعثمان بيه محتاجيني. زائد إني عمري ما بدأت في طريق واستسلمت في نصه. أنا اللي اخترت الطريق ده وعايز أكمل معاكِ فيه."
رمقته بنظرة غامضة وارتسمت ابتسامة خفيفة على محياها جعلته يتراجع فورًا ويقول معدلًا على حديثه:
"عايز أكمل معاكم قصدي."
ابتسمت بخفوت ثم قالت بندم:
"أنا آسفة!"
عقد حاجبيه وسألها باستغراب:
"على إيه؟!"
أوجدت عيبًا في مصارحته بأنها رغم خوفه عليها وعلى والدها قد شكت فيه وظنته خائنًا لهما. تنهدت ثم أردفت بإيجاز:
"حسيت إني محتاجة أقول كدا."
كاسب وهي يقرب كفيه من خاصتها ثم يربت عليهما ويقول بنبرة لينة:
"كل حاجة وليها حل، بس حزنك ممكن يشل تفكيري عن أي حل. متزعليش ودايمًا أنا موجود في ضهرك."
سحبت كفيها على الفور، شاعرة بخليط من الحرج والخجل، ثم باغتته تقول بابتسامة خافتة:
"أشكرك."
قررت أن تتجاهل الكارثة التي يمران بها وقالت بتذكر:
"صحيح بابا جاب لك تصريح رسمي بالخروج بكرا الصبح، بس بعد اللي حصل ده هنمشي دلوقتي."
عقد حاجبيه وسألها باستغراب:
"هنمشي دلوقتي؟ إحنا مش هنقدم بلاغ ونقول فيه كل اللي حصل؟!"
أومأت بحرج وأطبقت شفتيها باعتذار ثم قالت:
"للأسف مش هينفع، على الأقل لما نعرف عدونا بيفكر في إيه؟!"
كاسب بضحكة بسيطة ساخرة:
"بيفكر إنه يصفينا."
تهدج صوتها وقالت باختناق:
"كاسب أنا لحد دلوقتي بحاول أقنع نفسي إن في حلول لأن مش معقول هنصفي أرواح ناس عشان بيزنس! لازم هقابلها ولازم يكون في حل جذري للعبث ده."
كاسب وهي يضيق عينيه ويقول بدهشة:
"هو إنتِ تعرفي نجلا دي؟!"
أومأت ثم قالت:
"اتقابلنا مرة وحيدة."
ساد الصمت لدقيقة قبل أن تنهض في مكانها عازمة النية على الذهاب. تدلى عن الفراش هو الآخر، ثم تعاونا في جمع حقيبته وذهبا من المشفى بأكملها، وقد رفضا تقديم بلاغ وأن المسألة شخصية يمكن حلها وديًا.
توجه إلى سيارة سكون، وما أن وصلا إليها حتى قال كاسب رافعًا حاجبه في حيرة:
"مين هيسوق؟!"
زفرت بامتعاض وقد فاتتها هذه اللحظة. طوحت بذراعيها وهي تقول بتذمر:
"عرفت ليه انا عايزاك تعلمني السواقة، عشان لحظة زي دي."
كاسب بحماس:
"أوعدك أول ما أخف هخليكِ شوفيرة على أبوه."
سكون باستنكار وشفتين ملتويتين:
"شوفيرة؟ تصدق حلال فيك العلقة اللي أكلتها!"
كاسب بلهجة حادة يرد:
"عندك، أنا ماتضربتش أنا اتربطت بس."
سكون بضحكة ساخرة:
"مالك بتقولها بفخر كدا ليه، اللي يشوفك يقول إنتَ اللي ربطهم."
كاسب رافعًا حاجبه مجيبًا بثقة:
"الكثرة تغلب الشجاعة يا ماما، أصل أنا مش هركليز يعني أنا بني آدم طبيعتي البشرية كسائر الناس مش من الخوارق."
سكون تستفزه بضحكة سمجة:
"حجج فارغة عشان تبرر بيها موقفك."
كاسب مستهزئًا بحنق:
"أهو إنتوا يا معشر الحالمات اللي مخليين الواقع خِل، الواحدة من دول عايزة لما يطلع حرامية على جوزها يتحول لأسد الليل الجامح يلفحها على ضهره ويقعد يزأر ويبين سنانه وأنيابه وفجأة الحرامية ويك ويك ويك وهاتك يا صويت وأول من يهربوا من قدامه يروح منزلها من على ضهره تاني بعد أداء المهمة ويرجع بني آدم تاني وتمشي تتفشخر بيه قدام صحباتها."
رفعت أحد حاجبيها وقالت بتساؤل مهتم:
"يعني لو طلع علينا حرامية دلوقتي إنتَ كراجل شرقي مش هتدافع عني وتضربهم؟!"
كاسب بثبات:
"هضرب واتضرب طبعًا."
أومأت توافقه الرأي ثم تأففت بتذمر وقالت من جديد:
"طيب إحنا دلوقتي هنعمل إيه؟ نطلب أوبر؟"
أومأ برأسه نافيًا ثم قال بحسم:
"ليه أوبر ونقف نستنى وملل، إحنا نوقف تاكسي ونتحرك."
وافقته تقول بثبات:
"تمام وأنا هكلم حد من القصر ييجي ياخد العربية."
ركبا سيارة أجرة فعلًا، فجلس هو بجوار السائق فيما جلست هي بالمقعد الخلفي. سردت سكون لدقائق قبل أن تسأله باهتمام كبير، لائمه نفسها على تقصيرها معه نحو هذا الأمر:
"أكيد طبعًا إنتَ واقع من الجوع دلوقتي!"
كاسب مؤيدًا حديثها:
"فوق ما تتخيلي."
سكون بابتسامة هادئة:
"خلينا قبل ما نرجع القصر نروح أي مكان نتغدى ونهدى من ناحية الموضوع ده."
أومأ دون أن يتكلم. توقفت سيارة الأجرة بعد عدة دقائق أمام صرح عظيم، فيبدو أنه مطعم ينتمي لهذه الطبقة التي لا يهمها أن ترمي أموالها الطائلة في الجلوس داخله لبضع دقائق وتناول وجبة لو تم إعدادها في البيت لا تكلف ربع المبلغ المدفوع فيها.
رفع أحد حاجبيه وترجل من السيارة، وما أن وقفت بجواره حتى قالت بترحاب:
"تعالى يلا!"
ظل واقفًا في مكانه يتفحص المكان بنظرات ساخطة ثم توجه بنظراته إليها وقال بلهجة ثابتة:
"أنا مش هيناسبني المكان ده."
سكون بابتسامة خافتة:
"متشغلش بالك، أنا اللي عازماك."
رد بتجهم وحدة:
"لأ."
زوت ما بين عينيها في استغراب من إصراره الذي لا داعي منه، فأكمل قاطعًا عليها تفكيرها:
"أنا بقول نروح ناكل في مكان بياكل فيه عامة الشعب وكل الناس."
قدرت سكون ضيقه كرجل شرقي يرفض أن تتولى امرأة قيادة أمر ما في حضوره. افتر ثغرها عن ابتسامة هادئة وتابعت:
"خلاص يا سيدي تعالى ندخل عشان أنا مرهقة جدًا وتقدر تستلف مني المبلغ اللي إنتَ عايزه وأبقى رجعه ليا في أي وقت."
كاسب بوجه متجهم:
"وأخد منك فلوس ليه؟ طب ما نقعد في مكان على قد فلوسي، نهاية الكلام لو حابة المكان ده فأنا هستأذن."
أومأت وهي تقول باستسلام:
"تمام تمام اللي تحبه يا كاسب، قولي بقى يا سيدي هتأكلني فين؟!"
انفكت عقدة وجهه وراح يقول بلهجة ثابتة:
"عند أحلى كبابجي يا ستي في الحسين."
هدأ روعها قليلًا وهي تتحاور معه في حديث ممتع، فدومًا كاسب يثير داخلها رغبة في تجريب حياة البسطاء، ربما تحظى بسعادة لم تذقها مذ أن وعيت على هذه الحياة. فيعاملها والدها دومًا على أنها سيدة كبيرة ذات عقل مفكر وآراء راجحة حكيمة ومن مثلها لا يجب أن يخطئ سهوًا حتى. لم تعرف سكون كيف يكون النوم صافي الذهن أو الضحكة التي تخرج من أعماقها حقيقية وإيجابية. دائمًا ما تسأل نفسها كيف يكون الحب بين اثنين يؤثر كل منهما الآخر على نفسه وكيف يكون النوم بعدما يفضي كل منهما ما بداخله من حزن وهم للآخر؟ ما هو شعور الأنثى عندما ترى شغفًا يحيط بها ولمعة أعين تضوي من أجلها؟ يا ترى كيف تكون الحياة الطبيعية البسيطة التي لا يستطيع أن يشتريها المال الوفير الذي تملكه!
قررت الفتيات إراحة العمال هذه الليلة، فذهبوا للنوم باكرًا فيما تولى الفتيات أمر لم المائدة وإعداد الشاي. كانت البهجة تطوف كفراشات الربيع على قلب الجميع، ولكن لا بد أن يكون من بين هذه الفراشات على الأقل بعوضة واحدة.
خرج تليد من المرحاض وتفاجأ بوقوفها في انتظاره. سار بخطوات ثابتة متجاوزًا إياها فوجدها تقول بأنفاس ساخنة من فرط ما تشعر به من حقد وبغضاء:
"عايز تكون إنتَ الوحيد البطل في قصة بنتي؟ أوعى تكون فاكر إني مش فاهماك، أنا عارفة كويس أوي إنك عامل فيها المحترم ابن الأصول لحد ما تتجوزها وهتقول لها عن كل حاجة عشان بس تبعدني عنها وتشوفني بتعذب في غيابها عني، لأنك شخص مش سهل وقلبك مليان بالانتقام والخبث."
رجع بظهره للخلف قليلًا حتى تواجهها ثم قال بلهجة ثابتة توجز مقالها الطويل:
"كل يرى الناس بعين طبعه يا حماتي."
غادر من أمامها على الفور فأطبقت على أسنانها بغيظ ووجه يحتقن بدماء تغلي حقدًا وكراهية. لحظات وخرج نوح عليهم يحمل الدف وبدأ يطرق عليه بالمطرقة في حماس ومرح، وكذلك صاح عاليًا وسط ابتسامات الجميع بهذه المفاجأة التي لا يعلم بها سوى القليل:
"ادي الزين وادي الزينة.. قالوا الجنة هي جنينة وعلى الياسمينة نشوف أسامينا لو زفينا الزين على الزينة."
تابعت شروق تستكمل بفرحة كبيرة:
"حلوة عروسته."
تابعت مُهرة بفرحة كبيرة:
"واخدها نقاوة."
تابعت رابعة التي تتميز بالصوت العذب والدافئ:
"عين حُسادها.. تزيدها حلاوة."
كانت وميض تتناقل بنظراتها بينهم في دهشة اختلطت بمزيج كبير من الفرحة، وما زاد دهشتها ظهوره وهو يحمل في يده علبة مستطيلة من اللون الفضي داخلها ينتصب جناحي طائر ما ناصع البياض وتوجد دبلتان داخل العلبة. سار تليد إليها ثم وضع العلبة أمامها وقال بابتسامة هادئة:
"مكنش فيه وقت نلبس الدبل يوم العقد فقولت نلبسهم في احتفال عائلي بسيط."
سليمان وهو يرمق ابنه بنظرات حنونة راضية عما يظهره من مشاعر قيمة وثمينة لشريكة أيامه:
"ربنا يرضى عنكم يا بني ويجمع بينكما على خير عاجلًا غير آجل ويقر أعينكما بذرية طيبة مباركة."
الجميع في نفس واحد:
"أمين."
التفت إليها ومد كفه لها، فوقفت على الفور وراحت تضع كفها على خاصته. التقط خاتمها ثم وضعه حول إصبعها وسط زغاريد رابعة التي تأثرت بعاطفة كبيرة. نظرت للخاتم مطولًا قبل أن ترفع بصرها نحوه، أصاب قلبه سهم مسنون وهو يرى تعامد الشمس على عينيه اللتين تلمعان في سحر يخالطه قطرات البراءة التي تتمتع بها. التقطت دبلته وقامت بوضعها حول إصبعه، فتفاجأت به يضع ذراعه على ظهرها ثم دفعها برفق إليه حتى تمكن من تقبيل جبينها.
صفق الجميع بحماس ثم التفت تليد مرة أخرى إليهم وقال مصرحًا:
"شقة عمي علام جاهزة دلوقتي يقدروا من بكرا يتنقلوا ليها وأنا شقتي في بيت الحاج على وشك الانتهاء، يعني لو الفرح على آخر الأسبوع يناسبك يا عمي علام ولا إيه؟!"
أومأ علام موافقًا إياه دون ذرة تفكير بالأمر وبصوت حاسم رد:
"على بركة الله."
تجهم وجه سهير وشعرت بالضيق من هذا الاستعجال. كذلك تجهم وجه وميض الذي هرب الدم منه في لحظة خوف ورأت لو يتأنى والدها قليلًا حتى تعتاد ما هي مُقبلة عليه، ولكنها خشيت أن يحزن والدها ويثور عليها بعد أن تكلما في هذا الموضوع وأنهيا الجدال فيه. تدبرت ابتسامة باهتة حتى لا تلفت انتباه الآخرين نحو ضيقها واضطرابها.
تكلم الشيخ سليمان قائلًا بلهجة مرحة ودودة:
"وقت سعيد ليكم يا شباب وأنا هاخد أستاذ علام ونقعد في المشتل لازم يدوق الشاي على الكانون."
تحرك سليمان بصحبة علام وزوجته ورافقتهن رابعة كي تناول الشيخ العدة وتكون بجواره إن احتاج لشيء. بقى الشباب يجلسون حول الطاولة وهنا تكلم تليد بثبات:
"طبعًا في ناس منكم مش عارفة بعض وجه وقت التعارف. ضارب الدف ده يبقى دكتور نوح."
قاطعه نوح قائلًا بلهجة صارمة تختلط بالهزل:
"بعد إذنك أحب أتكلم عن نفسي ومحدش يتكلم عني."
نظر للجميع ثم هندم ياقة قميصه بثقة قبل أن يقول بخفة ظل:
"دكتور نوح تخصص نسا وتوليد وتأخر إنجاب وحقن مجهري وليلة كبيرة أوي والله المستعان."
ضحك الجميع مبدون إعجابهم بطريقته الكوميدية الظريفة، إلا هي ظلت تنظر إليه في شرود دون أن يتحرك جفنها أو ترمش أهدابها. استدار عمران بوجهه لها وهو يدرك تمامًا أن هذه الكلمات البسيطة أيقظت مشاعر مكبوتة في أحشاء روحها. التفت مرة أخرى إلى تليد الذي تابع ينظر إليه:
"ودا بقى عمران زوج شروق."
تنحنحت شروق في هذه اللحظة ثم تدبرت ابتسامة بسيطة وقالت تتوجه بحديثها إلى نوح:
"وياترى بقى يا دكتور نوح بييجي لك حالات كتير بتعاني من تأخر الحمل؟!"
نوح مومئًا بتأكيد:
"طبعًا بس في الحقيقة بيكون تأخر حمل من منظورهم هما كزوجين ولكنه طبيًا مش تأخر. إمتى بنشخص الحالة على إنها تأخر حمل."
ركزت في حديثه بتركيز شديد، فتابع يقول بهدوء:
"لما يعدي سنة جواز قبل كدا ميبقاش اسمه تأخر حمل يبقى اسمه استعجال لمشيئة الله لأن طبيعة الجسم بتختلف من واحدة للتانية. في جسم بيعتاد بسهولة على التغير اللي طرأ عليه فجأة وبيكون مستعد لأي جديد وفي جسم تاني لازم ياخد وقته عشان يقدر ينتقل لمرحلة جديدة. فكرة استيعاب الجسم لبيئة جديدة عليه بتاخد وقت بيختلف من جسم لجسم في ناس جسمها بيتكيف في شهور وفي أجسام بتحتاج سنة واتنين وسنين."
أدرك الجميع اهتمامها بالأمر فتركوها تشبع تساؤلاتها التي تركنها في جانب مظلم داخلها. أومأت شروق ثم طرحت سؤالًا آخر:
"طيب لو عدى سنة ومحصلش حمل؟!"
نوح بهدوء يغطي كافة التساؤلات التي تحوم في رأسها:
"طبعًا بنبدأ نتحرى في الأمر وبنكلف الزوج والزوجة بتحاليل مهمة وبنمشي معاهم خطوة بخطوة ولو خلصنا خطة العلاج الدقيقة واللي المفروض تسفر عن حدوث حمل ولو لا قدر الله محصلش بردو ده بيكون اسمه حمل غير معلوم السبب ونسبته طبيًا 20% من الحالات اللي بتمر علينا."
أومأت برأسها متفهمة دون أن تنبس ببنت شفة. ضيق نوح عينيه ثم توجه إلى عمران بالسؤال:
"متجوزين من مدة طويلة؟"
عمران ببسمة بسيطة:
"لسه في حيز السنة."
نوح يومئ بهدوء:
"أتمنى تنوروني في المركز يوم ونتكلم باستفاضة."
شروق بحماس:
"لو في عيادتك يكون أفضل!"
نوح بضحكة هادئة:
"دعواتك يكون عندي عيادة الأول."
"إنتَ رايح فين؟ اللي بتعمله ده جنان!"
أردفت رويدا بصوت مخنوق بعد أن وصلت إلى العمارة التي تعيش بها وأصر عمر على الصعود معها للتحدث إلى والدها. تنهد تنهيدة ممدودة بعمق قبل أن يقول بلهجة حازمة:
"يا بنتي افهمي، زمان الزفت خطيبك بلغ والدك بكل حاجة واحتمال كبير يكون مشوهك بالكلام وقايل عنك كلام محصلش، لازم على الأقل أبقى جنبك وأفهم والدك الموضوع بوضوح!"
ضغطت على شفتها السفلى بفزع شديد وبدأت أطرافها ترتجف مع كل اتصال من والدها. دق قلبها بعنف وقررت ألا تجادله في شيء آخر واستسلمت لصعوده معها. تحرك الثلاثة نحو المصعد الكهربائي ليقودهم إلى الطابق الخامس، وما أن وصلوا إلى باب الشقة حتى سمعوا صوتًا عاليًا يصدر من الداخل. فزعت وشحب لون وجهها وهي تنظر إليه بنظرات هلعة مستغيثة. أومأ لها بعينيه أن تهدأ ثم طرق الباب عدة طرقات، وما هي إلا ثوانٍ حتى فتح الباب.
نظر للواقفين بحيرة سرعان ما تبدلت إلى غضب عارم ما أن رأى ابنته تحتمي خلف واحد منهما. صاح بصوت جهوري وهو يتجاوز مقعد عمر سعيًا للقبض عليها وإفراغ غضبه الذي تملكه تمامًا. بسط عمر ذراعه يمنعه من الوصول إليها ثم قال بلهجة هادئة:
"بعد إذنك يا عمي خلينا نتكلم!"
تراجع مرتضى في الحال ثم رمقه شزرًا وهتف بلهجة حانقة:
"إنتَ مين أصلًا؟!"
حاول عمر تمالك أعصابه الذي لا ينجح أبدًا في ترويضها أو كظمها، ولكنه حاول تجاهل أسلوب الأخير إكرامًا لها وقال بلهجة حادة:
"أنا عمر عثمان السروجي صاحب شركات السروجي الشهيرة للمنتجات الغذائية، كنت عايز أتكلم معاك بهدوء شوية، إيه رأيك؟"
ارتخى فكه فورًا وهرب الغضب من وجهه وتبدل بهدوء وراح يقول بلهجة اختفت الحدة منها:
"اتفضل."
عمر وهو يردف بثبات:
"حضرتك اتفضل الأول وإحنا وراك."
دخل مرتضى وهو يدعوهما للدخول إلى حجرة الضيافة ويوجههما نحو الطريق، فيما هرولت رويدا نحو غرفتها بأطراف باردة لا تحملها وهي تفكر في عقاب والدها لها والظفر بها فور رحيل عمر. تبعتها والدتها التي لطمت وهي تقول بصوت مخنوق:
"ليه كدا يا بنتي، إيه اللي إنتِ هببتيه فينا ده؟!"
رويدا وهي تقول بصوت متهدج:
"أنا عملت إيه يا أمي، إيه اللي وصل لكم عني يستدعي كل ده؟!"
الأم بصوت حانق:
"وهي في واحدة محترمة تعرف شباب وهي مخطوبة وعلى وش جواز؟ خليتي سمعتنا في الطين وخطيبك داير يقول للناس إنك خاينة ومش مظبوطة."
انهمرت الدموع من عينيها وصاحت بصوت مخنوق:
"ربنا ياخده الزبالة وربنا ينتقم منه ويجيب لي حقي.. لأني معملتش حاجة لكل ده وبعدين إنتوا السبب."
أجهشت بالبكاء وراحت تصرخ مُنهارةً:
"قولتلكم يا أمي إني بحب شخص تاني ومخبيتش عليكم ورغم ده كله وقفتوا في صف بابا عشان تخطبوني للحيوان ده بالعافية وخنقتوني في حياتي ومحسسينني إني حمل تقيل عليكم وعايزين تخلصوا مني بسرعة."
الأم بانفعال خفيف:
"عشان سنك بيكبر وقطر الجواز مش بيستنى حد."
رويدا بامتعاض وضيق:
"قطر جواز إيه اللي بتتكلموا عنه، اللي يخليني أختار قرار مصيري زي الجواز من غير ما أتأنى عشان بس خايفة يفوتني!! قطر إيه ده اللي يخليني أظلم الأطفال اللي هجيبهم للدنيا باختيار أب قذر وحثالة زي اللي كنت هتجوزه واللي مع أول سوء تفاهم بينا يطعني في سمعتي!!"
الأم بنبرة أقل حدة تتعاطف مع حزن ابنتها في النهاية:
"ومين الشابين اللي قاعدين مع أبوك دول؟"
رويدا بنبرة تحاول فيها أن تهدأ:
"ده عمر.. جاي يفهم بابا سوء التفاهم اللي حصل."
رفعت الأم حاجبها وقالت بشك:
"ويطلع مين سي عمر؟"
رويدا بابتسامة خافتة:
"أكتر شخص حبيته في الدنيا، مش هي دي الإجابة اللي عايزة تتأكدي منها!"
الأم بإدراك فقد أخبرتها عنه من قبل:
"امممم عمر حبيب القلب، وياترى حبيب القلب جاي يصحح سوء التفاهم ويتكل ولا في جديد عنده؟!"
أومأت رويدا وقالت بخجل:
"في إن شاء الله."
تحركت الأم نحوها ثم جلست بجوارها وراحت تضمها إلى صدرها وتقول بحب كبير:
"ربنا يكتب لك اللي فيه الخير وسعادتك."
رويدا ترد بسرعة:
"مع عمر."
ضحكت الأم ضحكة خفيفة ثم ردت:
"طالما مع عمر يبقى على بركة الله، بس لو نجح يقنع أبوكِ."
أومأت رويدا دون أن تتكلم. لحظات ورفعت عينيها تنظر إلى والدتها ثم قالت بتنحنح:
"يعني إنتِ يا ماما مش متضايقة من حالة عمر وإنه قاعد على كرسي وكدا؟!"
الأم ترد بهدوء:
"يعني لو قولت لك متضايقة هتبطلي تحبيه، وبعدين الراجل ميعيبوش غير أنه يطلع عيل وملوش مبادئ."
ظلتا تتبادلان طرف الحديث حتى وجدتا الباب ينفتح فجأة ويطل والدها من خلفه ثم يقول بصوت حازم:
"عمر طالب إيدك للجواز، موافقة؟!"
رمقته رويدا بذهول وصدمة وهي لا تستوعب بعد كيف أقنع والدها بهذه السهولة كما لو كان يشرب كوبًا من الشاي! أومأت برأسها إيجابًا ثم ردت بتلعثم:
"م مم موافقة."
"إنتَ رايح فين؟ اللي بتعمله دا جنان!"
أردفت رويدا بصوت مخنوق بعد أن وصلت إلى العمارة التي تعيش بها وأصر "عُمر" على الصعود معها للتحدث إلى والدها. تنهد تنهيدة ممدودة بعُمقٍ قبل أن يقول بلهجة حازمة:
"يا بنتي افهمي، زمان الزفت خطيبك بلغ والدك بكُل حاجة واحتمال كبير يكون مشوهك بالكلام وقايل عنك كلام محصلش، لازم على الأقل أبقى جنبك وافهم والدك الموضوع بوضوح!"
ضغطت على شفتها السُفلى بفزع شديدٍ وبدأت أطرافها ترتجف مع كُل اتصالٍ من والدها. دق قلبها بعُنف وقررت ألا تجادله في شيء آخر واستسلمت لصعوده معها. تحرك الثلاثة نحو المصعد الكهربائي ليقودهم إلى الطابق الخامس وما أن وصلوا إلى باب الشقة حتى سمعوا صوتًا عاليًا يصدر من الداخل. فُزعت وشحب لون وجهها وهي تنظر إليه بنظرات هلعة مُستغيثة. أومأ لها بعينيه أن تهدأ ثم طرق الباب عدة طرقات وما هي إلا ثواني حتى فُتح الباب.
نظر للواقفين بحيرة سرعان ما تبدلت إلى غضب عارم ما أن رأى ابنته تحتمي خلف واحدٍ منهما. صاح بصوت جهوري وهو يتجاوز مقعد "عُمر" سعيًا للقبض عليها وإفراغ غضبه الذي تملكه تمامًا. بسط "عُمر" ذراعه يمنعه من الوصول إليها ثم قال بلهجة هادئة:
"بعد إذنك يا عمي خلينا نتكلم!"
تراجع "مُرتضى" في الحال ثم رمقه شزرًا وهتف بلهجة حانقة:
"إنتَ مين أصلًا؟!"
حاول "عُمر" تمالك أعصابه الذي لا ينجح أبدًا في ترويضها أو كظمها ولكنه حاول تجاهل أسلوب الأخير إكرامًا لها وقال بلهجة حادة:
"أنا عُمر عثمان السروجي صاحب شركات السروجي الشهيرة للمُنتجات الغذائية، كُنت عايز أتكلم معاك بهدوء شوية، أيه رأيك؟"
ارتخى فكه فورًا وهرب الغضب من وجهه وتبدل بهدوء وراح يقول بلهجة اختفت الحدة منها:
"اتفضل."
"عُمر" وهو يردف بثبات:
"حضرتك اتفضل الأول وإحنا وراك."
دخل "مُرتضى" وهو يدعوهما للدخول إلى حجرة الضيافة ويوجههما نحو الطريق فيما هرولت "رويدا" نحو غرفتها بأطراف باردة لا تحملها وهي تُفكر في عقاب والدها لها والظفر بها فور رحيل "عُمر". تبعتها والدتها التي لطمت وهي تقول بصوت مخنوق:
"ليه كدا يا بنتي، أيه اللي إنتِ هببتيه فينا دا؟!"
"رويدا" وهي تقول بصوت مُتهدج:
"أنا عملت أيه يا أمي، أيه اللي وصل لكم عني يستدعي كل دا؟!"
الأم بصوت حانق:
"وهي في واحدة مُحترمة تعرف شباب وهي مخطوبة وعلى وِش جواز، خليتي سُمعتنا في الطين وخطيبك داير يقول للناس إنك خاينة ومش مظبوطة."
انهمرت الدموع من عينيها وصاحت بصوت مخنوق:
"ربنا ياخده الزبالة وربنا ينتقم منه ويجيب لي حقي.. لأني معملتش حاجة لكُل دا وبعدين إنتوا السبب."
أجهشت بالبُكاء وراحت تصرخ مُنهارةً:
"قولت لك يا أمي إني بحب شخص تاني ومخبيتش عليكِ ورغم دا كله وقفتي في صف بابا علشان تخطبوني للحيوان دا بالعافية وخنقتوني في حياتي ومحسسينني إني حمل تقيل عليكم وعايزين تخلصوا مني بسرعة."
الأم بانفعال خفيف:
"علشان سِنك بيكبر وقطر الجواز مش بيستنى حد."
"رويدا" بامتعاض وضيق:
"قطر جواز أيه اللي بتتكلموا عنه، اللي يخليني أختار قرار مصيري زيّ الجواز من غير ما أتأنى علشان بس خايفة يفوتني!!.. قطر أيه دا اللي يخليني أظلم الأطفال اللي هجيبهم للدنيا باختيار أب قذر وحُثالة زيّ اللي كُنت هتجوزه واللي مع أول سوء تفاهم بينا يطعني في سُمعتي!!"
الأم بنبرة أقل حدةً تتعاطف مع حُزن ابنتها في النهاية:
"ومين الشابين اللي قاعدين مع أبوكِ دول؟"
"رويدا" بنبرة تحاول فيها أن تهدأ:
"دا عُمر.. جاي يفهم بابا سوء التفاهم اللي حصل."
رفعت الأم حاجبها وقالت بشكٍ:
"ويطلع مين سي عُمر؟!"
"رويدا" بابتسامة خافتة:
"أكتر شخص حبيته في الدنيا، مش هي دي الإجابة اللي عايزة تتأكدي منها!"
الأم بإدراكٍ فقد أخبرتها عنه من قبل:
"امممم عُمر حبيب القلب، وياترى حبيب القلب جاي يصحح سوء التفاهم ويتكل ولا في جديد عنده؟!"
أومأت "رويدا" وقالت بخجل:
"في إن شاء الله."
تحركت الأم نحوها ثم جلست بجوارها وراحت تضمها إلى صدرها وتقول بحب كبيرٍ:
"ربنا يكتب لك اللي فيه الخير وسعادتك."
"رويدا" ترد بسرعة:
"مع عُمر."
ضحكت الأم ضحكة خفيفة ثم ردت:
"طالما مع عُمر يبقى على بركة الله، بس لو نجح يقنع أبوكِ."
أومأت "رويدا" دون أن تتكلم. لحظات ورفعت عينيها تنظر إلى والدتها ثم قالت بتنحنح:
"يعني إنتِ يا ماما مش متضايقة من حالة عُمر وإنه قاعد على كرسي وكدا؟!"
الأم ترد بهدوء:
"يعني لو قولت لك متضايقة هتبطلي تحبيه، وبعدين الراجل ميعيبوش غير أنه يطلع عيل وملوش مبادئ."
ظلتا تتبادلان طرف الحديث حتى وجدتا الباب ينفتح فجأة ويطل والدها من خلفه ثم يقول بصوت حازم:
"عُمر طالب إيدك للجواز، موافقة؟!"
رمقتهُ "رويدا" بذهول وصدمة وهي لا تستوعب بعد كيف أقنع والدها بهذه السهولة كما لو كان يشرب كوبًا من الشاي!!، أومأت برأسها إيجابًا ثم ردت بتلعثم:
"م مم موافقة."
"هي عايزة أيه الست دي؟ مش قادرة تتقبل خسارة جوزها ففكرك تار!!"
صرخ "عثمان" بحدة. تنهدت "سكون" تنهيدة طويلة وراحت تهز رأسها وهي تقول باستغراب:
"أنا الحقيقة مش فاهمة هي بتعمل كدا ليه؟!"
سكتت لوهلة ثم تابعت:
"معقول التنافس التجاري يوصل الناس للدرجة دي من العدوانية والكُره، دي قربت تتهمنا إننا السبب في موت جوزها!!"
عثمان بتأييد:
"هي أكيد بتتهمنا بكدا فعلًا، إن جوزها مستحملش هزيمته قدام مصانعنا ومات."
سكون باندهاش:
"دي لو بتفكر كدا تبقى محتاجة تتعالج وحقيقي يا بابا إنتَ محتاج تاخد موقف شديد معاها."
أومأ "عثمان" مُتفهمًا ثم قال:
"أنا هحاول أرتب ميعاد معاها ونتكلم بوضوح يمكن أفهم هي عايزة إيه!"
سكون باستفهام:
"إنتَ عُمرك ما قابلتها قبل كدا مع حمدي زهران؟!"
عثمان يومئ سلبًا ويضيف:
"نهائي، هي أصلًا ممسكتش شغل الشركة غير لما تعب وكلفها بالمهمة دي."
سكون بتفهم:
"تمام ياريت تقابلها في أسرع وقت."
صمتت للحظة ثم أضافت بابتسامة خفيفة:
"بس خلي بالك تنخدع في مظهرها لأن وشها فيه كمية براءة ولطافة مش بتشير أبدًا للي هتشوفه بعد كدا."
عثمان ببسمة مراوغة:
"امممم حرباية يعني وسريعة التلون؟!"
سكون وهي تمط شفتيها بحيرة:
"مش عارفة يمكن دي طبيعتها مش مدعية البراءة يعني!!!"
تقطر جبينها عرقًا وهي تتنفس الهواء داخلها ثم تلفظه خارجها مرة أخرى بكل ما أوتيت من قوة. ظلت هكذا حتى سمعت صوت بكاء صغيرها. انفرجت أسارير وجهها وراحت تقول بنبرة وهنة تتحدث فيها إلى الطبيب الذي أجرى لها عملية الولادة الطبيعية:
"ولد ولا بنت يا دكتور.. لو سمحت عايزة أحضنه!!!"
كانت متلهفة لمس الصغير الذي خرج من أحشائها للتو، ولكن تفاجأت به يقف أمامها ويحدق فيها بقوة وكراهية ثم يقول بصوت جهوري مخيف:
"مش هتشوفيها تاني، اعتبري نفسك مخَلفتيش."
راحت تهز رأسها وتصرخ باستغاثة أثناء خروجه من الغرفة:
"علشان خاطري متبعدهاش عني.. متاخدهاش بنتي مني!!!"
هبت فزعةً من نومها ثم جلست في فراشها وراحت تتنفس الصعداء بصعوبة بالغة وهي تمحو العرق الملتصق بجبهتها بينما تنظر للفراغ بعينين لامعتين تجول الدموع فيهما جراء هذه الذكرى المخيفة والقاتلة بالنسبة لها.
رواية رحماء بينهم الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم علياء شعبان
تأففت من وصول إشعارات عديدة ومُلحة من هاتفها الذكي وكذلك اتصالات عدة أقلقت نومها الهادىء.
زفرت بحنق وهي تتقلب على الفراش وقد استسلمت تمامًا لكُل هذا الضجيج من حولها.
تململت في فراشها بكسلٍ وتردد من أن تستيقظ لمواجهة العالم والمسؤوليات التي تلتف حول عُنقها أو أخذ قسطًا إضافيًا من النوم المُريح.
لم يمنحها هاتفها فُرصة القرار مُعلنًا عن اتصال جديدٍ جعلها تعتدل جالسةً في الفراش باستسلام تام.
التقطت الهاتف فوجدته "ماكسيم" صديقها وزوجها المُخلص الذي لم يتوانَ عن مُساندتها للحظة حتى بعد وفاة زوجها.
قررت أن تجيبه كيلا يقلق عليها خاصةً أنه طلبها أكثر من مرة.
- ألــــو ماكسيم.
جاءها صوته يقول بزفرة خلاص من توتره:
- مش معقول كُل دا نايمة؟!
نجلا بابتسامة مُسالمة:
- دا حقيقي، يعني هلاقي أفضل من النوم فين؟!
ماكسيم يُضيف بشكل عاجل:
- طيب أحب أبلغك إن "عثمان السروجي" كلم إدارة الشركة وطلب مُقابلتك بشكل شخصي النهاردة!!
اِفتر ثغرها عن ابتسامة عريضة يشوبها مشاعرًا من الجد والهزل ثم قالت بصوت هادئ:
- ودا قرر مع نفسه كدا؟!
تغيرت معالم وجهها للجدية والغيظ وقالت:
- بلغوه إن نجلا هانم زهران مش عندها مواعيد له.
ماكسيم وهو يتنحنح مُضيفًا بحذر:
- بس هو أصر ياخد رقمك الشخصي من الإدارة ونجح في دا!!
حدقت في الفراغ مصدومةً وسرعان ما قفز إلى عقلها رؤية عدة اتصالات من رقم غير مُسجل لديها!
فعلت مُكبر الصوت ثم وضعت الهاتف بين كفيها وبدأت تتفحص سجل هذا الرقم على هاتفها ليتضح أنه أجرى اتصالات عديدة بها هذا الصباح وهو سبب الازعاج الذي لحق بها.
خمنت أن يكون هو فقالت بابتسامة ظفرٍ ومكرٍ:
- تمام، حرج على الإدارة إنهم ممنوع يخرجوا أي معلومات تخصني لأي مخلوق حتى لو كان رئيس الوزراء وأنا هتعامل مع عثمان بيه السروجي!
قطب "ماكسيم" ما بين حاجبيه وسألها بتوجس:
- أنا شايف إنك مترديش عليه لو اتصل وأنا هخلي الإدارة تبلغه برفضك مُقابلته.
نجلا بصوت جامدٍ:
- ماكسيم أنا مش عيلة صغيرة، يلا باي.
لم تنتظر رده على قرارها أو مُناقشتها حتى، أطالت النظر إلى شاشة الهاتف ترمقها بتمعن وانتصار قد أتت خطتها ثمارها بهذا الاتصال المُنتظر.
أضحت الآن في حيرة من أمرها هل تعاود الاتصال بالرقم مُبررةً اتصالاته الكثيرة بها أم تنتظر حتى تتلقى اتصالًا منه مرة أخرى!!..
ظهرت الحيرة على قسمات وجهها وأرهقها التفكير ولكنه وللمرة الثانية يؤكد فعالية خطتها المُثمرة إذ أن الرقم في هذه اللحظة عاد باتصاله من جديد.
تنحنحت وهي تستنشق الكثير من الهواء النقي داخلها ثم تنفسه بقوة وثبات:
- ألــــو!
جاءه صوته يقول بنبرة خشنة مغرورة:
- نجلا زهران معايا!
نجلا بابتسامة هادئة:
- نجلا هانم زهران معاك، إنتَ مين؟!
أجابها بحنقٍ:
- اللي دايرة تنكشي وراه وتخربي عليه حياته وشغله وحطاه في دماغك.
ابتسمت خِلسة ثم ادعت عدم معرفتها به وهي تقول بلهجة شديدة:
- العنوان غلط، نجلا زهران مفيش حد نال شرف إنه يكون في دماغها.
رد بغيظٍ:
- وعثمان السروجي!!
في هذه اللحظة تعمدت إظهار صوت ابتسامتها الساخرة وهي تقول بقوة مُنقطعة النظير:
- بس أنا أصلًا مش شايفاك؛ فإزاي هحطك في دماغي!!.. الحقيقة كلام مش منطقي.
عثمان وهو يرد بصوت مُنفعلٍ:
- أنا مش عايز لف ودوران، تفسري بأيه شراكِ لقطعة الأرض الخاصة بمشروعي وهجومك على واحد من رجالتي في المُستشفى!
نجلا بمُجابهة وحِدة:
- وضيف عندك إنك اتضربت بالنار من سلاح رجالتي يا عثمان.
ضغط أسنانه وهو يسألها بحنقٍ وضيقٍ:
- إنتِ عايزة أيه مني؟!
نجلا بصوت تنبعث منه حرارة انتقام عميقة:
- حقي وحق جوزي ولا نسيت إن علاقاتك مع الناس الكبيرة خلتك تطلب منهم يقفلوا في وش "حمدي زهران" كل الأبواب لحد ما شركته تقع ويفشل!
عثمان بضحكة عالية يملأها السخرية:
- عالم البيزنس عايز نفس طويل وحمدي نفسه كان على أده.
نجلا بضحكة مستهزئة:
- ما هو أنا موجودة دخلت السباق مكانه، خلينا نشوف مين نفسه أطول من التاني، نجلا هانم زهران ولا الفاشل عثمان!!
عثمان بحدة:
- عالم البيزنس مش بتاعك ومعروف مصيرك من دلوقتي، أيه رأيك نحاول نوصل لحلول جذرية ترضيكِ؟ مش يمكن نكون أصدقاء؟ لا محبة إلا بعد عداوة!.
نجلا بتهكم:
- تصدق ممكن!
عثمان بثبات:
- طيب أيه رأيك نتقابل برا الشركة!!
نجلا بنفي قاطعٍ:
- لأ، جوا الشركة ومعاك فُرصة واحدة تقتنعي فيها بإنهاء العداوة اللي بينا، ويا فشلت كعادتك يا نجحت، إنتَ وحظك.
عثمان بسؤال مُهتم:
- نتقابل النهاردة الساعة تسعة!
نجلا ببرود:
- أنا اللي أحدد مش إنتَ، هبص في جدول مواعيدي وهخلي الإدارة تبلغك بالميعاد، بااااااي!
لم تنتظر رده على حديثها وأغلقت فور إنهاء حديثها.
أطلقت ضحكة طويلة يملأها الخطط والأفكار التي لا يعلم بها سواها.
تنهدت بسعادة وهي تجمع خصلات شعرها كتفها بدلال يليق بأُنوثتها المُفعمة التي لا تقل في أوقات غضبها أو ضيقها.
اِبتسمت بمكرٍ وهي تقول ناظرًا إلى شاشة الهاتف:
- Let’s play Osman!!
ضغط أنيابه بغيظٍ من هذه المرأة القوية بصورة أزعجته.
تقريبًا لم تُقابله امرأة بهذه القوة في حياته، يتعجب كيف تتحدث معه بهذه الطريقة وكيف تتحداه دون أن يلمس الخوف بين خلجات صوتها لوهلة حتى!
هذه المرة الأولى التي يعترف بها داخل نفسه برغبته العارمة في التعرف على هذه الشخصية بأسرع ما يُمكن.
كمان أنها ألقت اعترافًا عامًا يبرئ شقيقه سليمان وابنه تليد من اتهامهما بمُحاولة قتله ولكن هذا لم يشكل فارقًا عنده؛ فعلى كل حال العداوة بينهما قائمة لا محال، لا ولن تنتهي خاصةً بعد زواج تليد من فتاة فقيرة معدومة لا تليق بكيان العائلة التي سعى مُنذ صِغره لإحياء قيمتها ومكانتها بين الناس.
في هذه اللحظة طُرق الباب عدة طرقات خفيفة قبل أن تفتحه هي الوحيدة القادرة على اقتحام خصوصيته دون حساب أو قيود.
أطلت عليه بابتسامة مشرقة وبصوت سعيد قالت:
- بابا، عندي ليك مُفاجأة حلوة أوي بجد.
قطب "عثمان" ما بين عينيه ثم تساءل:
- وأيه المُفاجأة بقى؟!!
أضافت "سكون" بنبرة تهفو منها رائحة البهجة:
- عُمر كِبر يا بابا وعايز يتجوز، إنتَ مش مُتخيل أنا حاسة بأيه دلوقتي، عايزة أعيط من الفرحة وألعب أنا كمان عايزة أطير!
ضحك "عثمان" بهدوء ثم قال وهو يتحرك ناحيتها:
- بالراحة وفهميني الموضوع كله!!
سكون وهي تقف بجواره ثم تحيط خصره بذراعها:
- عُمر بيحب بنوتة من سنة تقريبًا وهي بتحبه أوي يا بابا ومُتقبلة ظروفه جدًا ودي كانت أكتر حاجة شايلة همها.
عثمان وهو يرفع حاجبه ويقول بامتعاض:
- وعرفتِ منين إنها متقبلة ظروفه مش باصة لفلوسه ومكانته الاجتماعية!!!
سكون وهي تومىء برأسها في نفي قاطعٍ:
- رويدا بنت مؤدبة وجميلة وأهلها ناس بسيطة وكمان بتحبه وبعد أذنك يا بابا بلاش كلام من النوع دا قدام عُمر، بلاش تكسر فرحته ومتنساش إننا مش بسهولة كُنا هنلاقي حد يتفهم ظروفه!!!
عثمان بحدة:
- عُمر ابني الوحيد يا سكون ولازم أختار له بنت حسب ونسب!!
تنهدت سكون تنهيدة ممدودة بعُمقٍ وهي تقف أمامه مُباشرة ثم تلتقط كفه بين راحتيها مُرددةً بصوت ناعمٍ:
- بابا إنتَ عارف كويس أوي إن عُمر دماغه ناشفة ومش الشخص اللي تفرض قراراتك واختياراتك عليه وعارف بردو إنه خارج من أزمة نفسية بقالها سنتين من بعد الحادثة مُباشرة وإنه مقرر يبدأ صفحة جديدة مع شريكة حياته اللي اختارها ودلوقتي مش بإيدينا نعمل حاجة غير إننا نتمنى له السعادة لأننا أكتر ناس نفسنا إن ابننا يعيش حياته ويرجع أحسن من الأول!
سكتت لوهلة ثم أضافت بتحذير متوارٍ:
- خلي بالك يا بابا أي كلمة سلبية هتتقال له هترجعنا لنُقطة الصفر تاني، بعد إذنك ظروف عُمر محتاجة منك تتغاضى شوية عن قوانينك وقراراتك وصدقني البنت جميلة واختيار مُناسب لعُمر!
أطالت النظر داخل عينيه تنتظر منه أن يلين كيلا يجرح مشاعر شقيقها الحبيب الذي صارحها بجدية شديدة حول رغبته في الزواج وبناء أُسرة صغيرة له وأن هذه الرغبة تفرض عليه ضرورة الاستعجال في الأمر وطلب منها أن تُبلغ والدها كي يأتي ويتحدث معه حول خطته الجديدة.
في النهاية أومأ "عثمان" باستسلام وهذه من المرات النادرة التي يترك فيها شروطه وفرماناته جانبًا ولا شك أن وجود "سكون" في هذا الأمر جعله يتنازل بسعادة؛ فهو لا يستطيع أن يرد لها طلبًا.
تهللت أسارير وجهها وأسرعت تحتضنه بسعادة غامرة ثم ابتعدت عنه قليلًا وهي تقول بحماس:
- أنا هنزل أبلغ عُمر بموافقتك وإنك مستنيه يبلغ الكُل بالخبر دا على الغدا.
هرعت خارج الغرفة حيث غرفة شقيقها القابعة بالطابق الأرضي كي تُعطيه البُشرى وأنه قريبًا سيكون عريسًا بحلة رائعة مثله.
وقبل أن تصل إلى باب الغرفة قررت أن تلعب مع شقيقها قليلًا بأن تعزف على أوتار أعصابه قبل أن يتلقى البشرى السعيدة.
سارت بخطوات وئيدة وقد أبدلت ملامحها من سعيدة إلى أُخرى يحتلها الحُزن والضيق.
طرقت على الباب فسمح لها بالدخول وهو يتفحص قسمات وجهها التي لا تُبشر عن خيرٍ مُطلقًا!!
استعجل يقول باختناق قبل أن تتكلم:
- طبعًا موافقش! وقال إنها مش مُناسبة لعيلة السروجي وإنه مش هروح معايا وأنا بتقدم رسمي!!!
مطت "سكون" شفتيها دون أن تنبس ببنت شفةٍ؛ فيما أكمل الأخير بانفعالات مُلتهبة:
- براحته، بس أنا رايح المُقابلة دي ومحدش هيوقفني وناوي أكون راجل معاها وهتجوزها واللي هيفكر يقف في وشي مش هعمل له حساب.
بدأ يضغط على أصابعه المتكورة أمامه بعصبية شديدة وراح يشيح ببصره بعيدًا عنها بعد أن تجمعت مقلتيه بدموع الغضب.
في هذه اللحظة وجدت أنها أطللت المُزاح معه فتحركت نحوه ثم وضعت أناملها أسفل ذقنه وجاهدت في إدارة وجهه نحوها وهي تقول بابتسامة عريضة:
- بابا وافق يا عُمر.
حدق فيها مصدومًا وقد علقت الكلمات في حلقهِ فيما أومأت برأسها تُكرر حديثها على مسامعه:
- والله العظيم وافق وفرح جدًا إنك قدرت تتجاوز المِحنة وعايز تبني حياة جديدة.
عُمر بابتسامة ساخرة:
- بابا!!.. عثمان السروجي وافق بالبساطة دي!!
سكون وهي تمرر أناملها على خده بحنان بالغٍ:
- وليه لأ طالما عايز يشوفك سعيد؟!!
لم يستطع أن يتحكم في مقدار سعادته حيث افتر ثغره عن ابتسامة مُنشرحة ثم أسرع بالتقاط راحتي شقيقته وراح يُقبلهما بحُب كبيرٍ على دعمها المُستمر له في أشد لحظاته صعوبة.
بادلته "سكون" مشاعرًا طيبًا وهي تطبع قُبلة طويلة على جبينه داعيةً الله أن يمنحه ما يجول في قلبه وخلده.
- لازم أبلغ رويدا بالخبر العظيم دا.
سكون بسعادة:
- أكيد حبيبي لازم تعمل كدا، عايزاك على الغدا تبلغ الكُل بالخبر العظيم دا.
أومأ مُلتقطًا هاتفه وهو يقول بحماس:
- أكيد.. أكيد إن شاء الله هعمل دا.
ألقت له "سكون" قُبلة في الهواء وهي تترجل خارج الغرفة.
أجرى اتصاله بها ولكنها لم ترد!!..
لم يسمح للقلق أن يلتهم تفكيره وقرر أن ينتظر لبعض الوقت ثم يعاود الاتصال بها أو تفعل هي.
دخلت إلى برج الحمام بمساعدة زوجها الذي قرر أن يساعدها في وضع الطعام لهم.
بدأت "شروق في إلقاء حبات الأرز منثورة داخل أرضية البرح بينما تسلق "عِمران" الدرج الداخلي للبرج وبدأ في وضع حبات الأرز داخل القُدور المُعلقة وما أن انتهى حتى نزل من جديد.
بدأت هي تُداعب هذا الطير المحبوب الذي يشترك معها في ذات السلام النفسي ولم يتردد "عِمران" للحظة عن جلب الحمام لها وبناء عُش لهم حينما عبرت عن عشقها لهم وراحتها النفسية في أي مكان يتواجد فيه هذا النوع من الطير.
قرر "عِمران" في هذه اللحظة أن يلتقط لها بعض الصور الفوتوغرافية وهي تداعب حمامها الرائع.
فتح كاميرا هاتفه بعد أن وضع لها حمامتين على كلا الكتفين بينما التقطت أُخرى بين راحتيها الناعمتين وبدأت تُقبلها بسعادة غامرة.
كانت لحظة رقيقة فيما بينهما فقد أحب أن يُشاركها لحظاتها الطفولية فضلًا على أن تكون هذه المشاعر البريئة داخلها فلا تُظهرها وتبقى أبد الدهر تتمنى وتحن لأيام طفولتها.
أطلقت قهقهة عالية حينما وجدته يضع حمامة أُخرى على رأسها فحاولت أن تبقى ساكنةً كي لا تُفزع الحمامة منها وهنا رددت بنبرة سعيدة:
- مش لو كان معاك الرينج لايت كان زمانا بنعمل فيديو سوى!
عُمران وهو يحدق فيها ثم يقول مندهشًا:
- الحمامة عملت معاكِ الغلط!!
برقت في شكٍ ثم هتفت:
- اوعى يكون اللي في بالي!!!
أطلق قهقهة عالية ثم أومأ مؤكدًا ظنونها.
أسرعت في مساعدة الحمام على التحليق ثم دخلت المرحاض وأزالت ما تعرضت له من غدر طائرها الصديق.
ظل "عِمران" لفترة كلما ينظر إلى رأسها تنطلق منه ضحكة طويلة.
تنحنحت "شروق" وهي تجلس على الكرسي أمامه وقالت:
- عِمران، كُنت عايزة احكي لك عن موضوع!!
رفع حاجبه وقال باهتمام:
- اممممم، طيب يا ستي كُلي آذان صاغية!
شروق بحماس تُفصح له عن فكرة تراودها منذ أيام:
- أنا بقول بدل ما أنا حاسة بفراغ لأنك طول الوقت في الشغل وأنا لوحدي هنا فأيه رأيك أعمل مشروع لطيف كدا هنا في البيت؟!!
أومأ "عِمران" بإعجاب لفكرتها، ربما هذا الحل المناسب لإشغال فكرها قليلًا.
تكلم "عِمران" بتساؤل:
- وفي مشروع مُعين في دماغك؟!!
أومأت بشعلة حماس وهي تقول:
- أيه رأيك أعمل الحديقة زيّ حضانة كدا نعلم فيها الأطفال غير المقتدرين ماديًا ببلاش ونعمل يوم كُل آخر شهر زيّ إطعام كدا للغلابة!! وبالمرة نجيب شوية ألعاب للأطفال لأن أكيد ضعف إمكانياتهم المادية مش بتشبع حاجتهم للترفيه وكدا؛ فهنا يلاقوا كُل اللي نفسهم فيه ببلاش وأنا أضيع وقت معاهم؟
وجدته يسلط نظراته داخل عينيها دون أن ينبس ببنت شفةٍ.
زوت ما بين عينيها وهي تقول بتوجسٍ:
- الفكرة مش عاجباك؟!
اِفتر ثغره عن اِبتسامة بسيطة وقبل أن يبلغها قراره قام بجذبها إلى صدره وراح يلثم جبينها بحُب ثم ردد بصوت يملأه الدفء:
- فكرة عظيمة أكيد، طالما هتكوني مبسوطة يبقى معنديش مشكلة.
شروق وهي تحتضنه بقوة وسعادة:
- إنتَ أحسن زوج في الدنيا.
افتعل "عِمران" الألم وراح يردد بنبرة مُتألمة:
- ما تدوسيش جامد، كلاويا اتبططت!
شروق بضحكة مستهزئة:
- كلاويك اتبططت؟!
انطلقت منه ضحكة طويلة وهو يومىء برأسه قائلًا:
- كليتاي، اللي على جنب دول، عارفاهم!!
شروق بابتسامة بلهاء:
- أه خدتهم في ابتدائي، تصدق وتؤمن بالله!!
عِمران بضحكة مكتومة:
- لا إله إلا الله طبعًا.
أجابته بغيظ:
- أستاهل ضرب البُلغ إني حضنتك علشان كُل الحوار دا!
رفع "عِمران" أحد حاجبيه ثم قال بضحكة ماكرة:
- يعني كلاويا مضايقاكِ وبُلغ دي من القاموس الإسباني!
انفجرت ضحكة طويلة منها؛ فتابع هو بشكٍ:
- جبتي بُلغ دي منين يا هانم!
شروق بصراحة قاتلة:
- وَمِيض.
عِمران وهو يضرب كفًا بالآخر:
- أنا قولت هي بزرميط مفيش غيرها طبعًا.
شروق بتحذير:
- اوعى تقول لها الاسم دا قُدام جوزها، دي محرجة عليا وقالت لي لمي جوزك.
برق بصدمة وقال متوجسًا:
- قالت لك لمي جوزك؟!!
رأرأت "شروق" بعينيها بعدما أدركت حجم الكارثة التي فعلتها.
تنحنحت بتوجسٍ وقالت:
- يا جدع خليك فرفوش كدا.
عِمران وهو يضغط أسنانه:
- قعدتك مع بزرميط هتخليكِ مُتشردة زيها، دا ربنا يعينه ابن عمك على البلاء الأزلي دي.
- يعني إنتِ عايزة أيه تاني؟!! الراجل جاب لنا شقة مفروشة من مجاميعه وكتبها باسم بنتك ولو عليه عايز يشيلنا على راسه، إنتِ أيه مفيش حاجة بترضيكِ أبدًا!!
أردف "علَّام" بضيقٍ وانفعالٍ وهو يتحدث إلى زوجته داخل المطبخ؛ فيما تابعت هي بنبرة نارية حاقدة:
- مفيش حاجة هترضيني من الشخص دا غير بُعده عن بنتي.
علَّام بضيقٍ:
- هو صاحبها يا سُهير، الراجل بقى جوزها، بلاش تخاريف بقى وارحميني!
سهير وهي تضغط على أنيابها ثم تقول بصوت مُرتفع قليلًا:
- لعلمك بقى الإنسان دا مش خير لبنتي أبدًا، دا شخص مُتطرف وفكره إرهابي وماكنش يناسب بنتنا من الأول.
وضع "علَّام" سبابته أمام وجهها ثم أردف بلهجة شديدة هامسًا بصوت خافتٍ:
- ششششش، أولًا وطي صوتك وثانيًا التطرف والإرهاب والتعصب دول في عقليتك إنتِ وحُكمك على الناس، ولعلمك يا سُهير يا اتكلمتي في الموضوع دا تاني فأنا بنفسي اللي هروح أقول لها عن كُل حاجة بالحرف وإن تليد له فيها أكتر مننا، سامعاني؟
في هذه اللحظة وجداها تدخل إلى المطبخ وهي تنظر إليهما في حيرة واستغراب ولكنها مُتأكدة تمامًا أنهما يتجادلان كعادتهما.
اِبتسمت بهدوء وسألت:
- إنتوا أكيد مش بتتخانقوا صح؟!
سُهير وهي تبتسم وتقول بهدوء:
- لأ يا قلب أمك بنتكلم عادي، المهم إنتِ مانمتيش ليه عندنا يوم طويل بكرا؟!
وَميض بملل:
- جُعت ومش جاي لي نوم.
سُهير بتفهمٍ:
- استني أعمل لك حاجة تتعشي بيها.
علَّام وهو يقطع حديثهما مُغادرًا:
- طفي على الشاي، نفسي اتسدت.
زوت ما بين عينيها ثم أردفت تتوجه بالحديث إلى والدتها:
- مفيش داعي يا ماما لكُل دا، أنا هعمل سندويتش سريع كدا وكوباية نسكافيه، روحي إنتِ ريحي.
سُهير بإرهاق:
- عندك حق ولسه بكرا يومنا طويل أوي، المهم جبتي مفاتيح الشقة من جوزك علشان نرص الهدوء في الدواليب بكرا، معادش فاضل وقت عايزين ننجز!
استغربت "وَميض" من استسلام والدتها للزواج فجأة حتى أنها نعتته بزوجها.
أومأت تؤكد أنها تلقت المفاتيح منه صباح هذا اليوم حينما جاء بهم إلى شقتهم الجديدة بعد أن أوصى بفرشها بأثاث كاملٍ وقيم وقد أخبرها أن تذهب إلى شقة الزوجية كي تضع ملابسها ومستلزماتها الشخصية في مكانها وأن تتأكد من أن الشقة جاهزة من كُل شئ وإن نقص شئ تُدونه كي يأتي به.
تنهدت بعدما غادرت والدتها ثم أجرت اتصالًا بصديقها وِسَام لاستكمال حديثهما الي بدأ قبل ساعة.
- ها، أكلتي؟!
أردف يسألها بتعجب فيما تابعت هي بنبرة حانقة:
- وِسَام، ماما فيها حاجة غريبة جدًا، دي قالت على تليد إنه جوزي!!!.. تفتكر بالسهولة دي تقبلت الموضوع؟!!
وِسَام بضحكة مستهزئة:
- طبعًا لأ، أكيد أمك بتخطط لحاجة.
وَميض بحيرة:
- مش عارفة بقى، المهم إنتَ مُتأكد إن خطة الغيرة دي هتضايقه وهتخليه يصرف نظر عن الجوازة في ظرف يومين؟!!
وِسَام بثقة:
- يا ماما دي خطة فعالة عن جدارة، إنتِ عارفة يعني أيه تطلبي إنك تديري له كُل حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي خاصةً إن الحسابات دي عليها ملايين، طبعًا هيرفض، وقتها بقى كلمي واحد صاحبي هكر وساوميه على الحسابات دي إما يبلغ أبوكِ إنه لغى الجوازة أو اسرقي كل تعبه على مدار سنين.
لمعت عينيها بوميض انتقام من جودة الفكرة التي ستجعله حتمًا يختار حياته العملية التي على وشك الضياع وتتخلص هي من هذا الزواج للأبد.
في هذه اللحظة وجدت شاشة هاتفها تُنير باسمه، أسرعت بإنهاء الاتصال مع صديقها والشروع في تنفيذ الخطة.
- ألـــو.. قصدي السلام عليكم.
تليد بجمود:
- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، كُنتِ بتكلمي مين؟!
توترت نبرتها وهي تقول بتلعثمٍ:
- دينا زميلتي في الشغل.
قالت كلماتها بتوجسٍ وهي تخشى أن العفاريت التي معه تُخبره بالحقيقة كما تقتنع.
تنهد بهدوء ثم رد:
- هحاول أصدقك يا أُترُج، بس خليني ألفت نظرك لآية صُغيرة كدا في القرآن ممكن متكونيش بتاخدي بالك منها.. "ولا مُتخذات أخدان".. يعني المُسلمة ماينفعش يكون ليها صداقة مع ولد ولا الولد يكون له صداقة مع بنت.
وَميض بغيظٍ:
- بس أنا بقول لك إن دي دينا صاحبتي، أيه بقى لازمته الكلام دا؟!!
تليد بنبرة لينة هادئة:
- تذكير يا ستي، فإن الذكرى تنفع المؤمنين.
تنحنحت لوهلة قبل أن تقول بحسم:
- تمام، بما إني بقيت مراتك فمن حقي أمسك لك إدارة كُل حسابات على السوشيال ميديا، مش كدا ولا أيه؟!
أطلق "تليد" ضحكة نازحة وقال:
- لأ مش من حقك يا روحي، لازم ندي العيش لخبازه وبعدين معايا ناس ماسكين الإدارة ودا أكل عيشهم، أجي أنا بكُل سهولة وأقول لهم طريق السلامة إنتوا علشان مراتي هتدير حساباتي، عيب أوي يعني!!
وَميض بغيظٍ تصك أسنانها حانقةً:
- إنتَ شايف كدا؟!
تليد بصوت رزين:
- أه يانِن عيني، سلام دلوقتي علشان سايق، هوصل البيت وأكلمك أطمن عليكِ قبل ما أنام.
وَميض بغيظٍ:
- سلام.
أغلقت معه ثم قررت سَلك الخطة البديلة فورًا ووضعه أمام الأمر الواقع.
قامت بتدوين رقم صديق "وِسَام" الذي سوف يساعدها في اختراق حسابات الأخير وقد ارتسمت اِبتسامة مكرٍ على شفتيها وما هي إلا ثواني حد أجرت الاتصال به وهي تقول بثبات:
- أستـــاذ تامر معايا!!!!!!!!
رواية رحماء بينهم الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم علياء شعبان
كرر اتصاله بها عدة مرات وفي كل مرة لم يكن يتلقى منها إجابة، فأحسن الظن بها وحسبها قد نامت خاصة أن الساعة تجاوزت منتصف الليل وقد تأخر كثيرًا في طريق وصوله للبيت بسبب الازدحام المروري وتكدس السيارات متلاصقًا بجوار بعضها دون حركة تُذكر.
تنهد بهدوء وهو يترك هاتفه جانبًا بعد أن استلقى في فراشه ينفض عنه عناء يوم شاق في العمل، خاصة أنه قرر أن يذهب إلى بيت المزرعة التي يقيم فيه والده حتى يستطيع الالتقاء بها صباح الغد لأن شقة الزوجية تقبع في الطابق الثاني من هذا البيت. فقد أحب كثيرًا ألا يترك والده وحيدًا بل يبقيا إلى جواره مؤنسين له.
في هذه اللحظة طُرق الباب طرق لطيف وما أن قال بصوت هادئ:
- ادخل يا حج!
فتح سليمان باب الغرفة بهدوء ثم ظهر أمام ابنه بوجهه البشوش قائلًا وهو يحمل بين يديه صينية بها كوبين من الشاي:
- قولت ندردش شوية قبل ما تنام وعملت لك كوباية الشاي اللي بتحبها.
طبطب تليد على المكان الفارغ بجواره وهو يقول بترحيب كبير:
- في وقتك والله يا حج، أنا فعلًا كنت محتاج أتكلم معاك شوية.
سليمان وهو يضع الصينية على الفراش بينهما ويسأل باهتمام:
- وأنا حسيت إنك محتاج تحكي لي اللي في قلبك فجيت جري، خير يابني؟
تنهد تليد تنهيدة ممدودة بعمق قبل أن يقول بوجه عابس:
- تفتكر يا أبويا اللي أنا عملته ده صح؟!!
سليمان باستفسار أكثر:
- اللي هو؟!!
تليد باختناق:
- جوازي من أترج أو بمعنى أدق جوازي من وميض، أنت أكيد فاهم قد إيه إحنا مختلفين وقد إيه هي شخصية متناقضة ومش بتفكر في أي تصرف قبل ما يخرج منها، شخصية متهورة ومنفتحة زيادة عن اللزوم، لدرجة أنه انتابني فقدان الأمل لوهلة في إني ممكن أغيرها في يوم من الأيام!!
قرَّب سليمان كفه من كف ابنه ثم ربت عليه وهو يقول بدعم:
- ربنا خلقنا علشان نصحى كل يوم بأمل متجدد لكل دقيقة هنمر بيها في يومنا، أنا عمري ما وقفت لك في أي قرار أخدته علشان عارف الأستاذ تليد السروجي بيفكر إزاي وإن قلبه أبدًا عمره ما كان سيد قراراته أو سلطان على قلبه، بس المرة دي يابني حسيت إنك عاوز القرب منها تحت أي ظروف أو عواقب وبالتالي أنا طاوعتك لأني شوفت فيك طاقة قوية جدًا على تغييرها.
سكت لوهلة ثم أكمل:
- ولما طلب مني وعلّام إننا أولى بيها لأنه خاف عليها من فتنة الدنيا، فكان من الواجب عليا أشجعك في الخطوة دي، البنت السكينة سرقاها ولسه صغيرة يابني، دورك إنك تستحمل وتوجهها ولو شايف أي قرار تاني غير الاستمرار في الزيجة دي عرفني!!!
أطرق بأنفاس مختنقة وهو يقول:
- مش شايف غير إني بحبها، أنا كل يوم بديها عذر، كل يوم بكون حزين عليها، كان نفسي تفضل ببراءة زمان.
سليمان بابتسامة ودودة:
- مش كل بيئة شبه التانية، الإنسان خلق بريء بالفطرة بس بيشرب ويتشكل من بيئته اللي مالوش ذنب فيها، لو كان بإيديها الاختيار طبيعي هتختار تكون أفضل مما هي عليه، واوعى تنسى إنها شاربة غصب عنها من والدتها الله يهديها!!!
تنهد تليد وخرجت منه زمجرة مشحونة بالغيظ وهو يقول:
- أهي أمها دي زارعة فيها بلاوي، ده هي لوحدها مشكلة عويصة بمجرد ما بتشوفني بحس أنها هتتحول تنين وهتطلع نار من بؤها، ست والعياذ بالله على الغل اللي ماليها.
سليمان بضحكة هادئة:
- يابني قول الله يهديها، هي بس غيرانة على بنتها منك.
تليد بنفي قاطع:
- تؤ، على الإطلاق، دي خايفة أترج تعرف الحقيقة مني.
التقط سليمان كوب الشاي ثم ناولهُ للأخير وهو يقول بهدوء:
- أنا ببرأ ذمتي من كل تصرف وكل خطأ عملوه مع البنت، لأني كنت صاحب نية حسنة لما ادتهم البنت علشان يدوقوا نعمة الأطفال وتنور بيتهم ولكن يشهد الله إني نهيتهم من تغيير اسمها وإنسابها لهم أو الكذب عليها بشأن هويتها الحقيقية.
تجرع تليد عدة رشفات من الكوب قبل أن يسأل متوجسًا:
- تفتكر أترج من حقها تعرف كل حاجة عن نفسها ولا الصمت في صالحها أكتر؟!!
تنهد سليمان مردفًا بثبات:
- لو كنا نعرف أهلها أو حتى هويتها الحقيقية يبقى وجب علينا نقول لها، لكن إيه الفارق اللي هيحصل لما تعرف بماضيها المأساوي ونضرم آلام كتيرة جوا روحها؟!!.. من وجهة نظري المتواضعة اترك كل الأمور لوقتها وربنا يلهمنا بالحل.
رفع تليد كفه ثم ربت على كتف والده وبعد ذلك قبله وهو يقول بحب جارف:
- الحمد لله على بيئة صاحبها تقي القلب رقيق المشاعر لين الطباع.
سليمان بضحكة عريضة:
- وهكون عكس الكلام ده لو زعلتها في يوم أو حسستها إنك خارج من بيئة أفضل منها وإنها أقل منك تدينًا، "كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ".
اِبتسم بهدوء ثم استكمل حديثه الذي لاقى إعجاب ابنه الذي حفظ توصياته عن ظهر قلب خوفًا عليه أن يقع في وزر عظيم نتيجة تباهيه بالتدين واحتقار من هم على دراية أقل بعلوم دينهم:
- عاملها بالمعروف يابني حتى لو كانت صعبة الإرضاء حادة الطبع فبالاحتواء هتتغير، فالله يهدي من يشاء.
تليد بضحكة عريضة:
- ادعي لي يا حج، أنا داخل معركة قاسية مع تنينة مجنحة.
الشيخ سليمان بضحكة رزينة:
- الله يكون في العون يا ولدي، المهم لازم تصحى بدري علشان تستقبل مراتك ووالدتها ونفطر مع بعض قبل ما يطلعوا الشقة يشوفوا اللي وراهم!
تليد بتفهم:
- من النجمة يا حج، هقوم أفرش لأمها الورد على مدخل البيت كمان.
سليمان وهو يضحك ناهضًا عن الفراش:
- لأ يا خويا مطلبناش منك تفرش ورد لحد، استقبلهم بابتسامة حلوة ومش لازم تبين إنك مش طايق الست الوالدة، ساير أمور حياتك يا تليد.
تليد بتنهيدة طويلة تنم عن استسلامه لرغبة والده:
- حاضر، عيني لأوامرك يا حج.
سليمان وهو ينحني إلى ابنه قليلًا ثم يُقبل جبهته:
- تصبح على خير يا حبيب.
تليد وهو يلتقط كفه ثم يُقبله:
- وإنتَ من أهل الجنة والخير يا غالي.
***
- أيه يا بنتي لسه صاحية؟! أنا قولت إنك نمتي؟!
أردف وسام يسألها بتعجب وهو يفرك عينيه فقد تأهب للنوم ولكنها أيقظته باتصالها، تابعت بنبرة حانقة تقول:
- استنيت لما بطل يرن عليا وتأكدت إنه نام علشان أوقفه ويتينج مش هيبطل برطمة ونصايح حمضانة من بتاعته، أنتَ نمت ولا إيه؟!!
أجابها بصوت ناعس:
- كنت بحاول أنام، المهم كلمتي تامر!
وميض بابتسامة نصر على ثغرها:
- تم الأمر بنجاح وقال لي إنه من بكرة هيبدأ تنفيذ الخطة.
وسام بهدوء:
- تمام بس أتمنى الخطة دي تيجي بفايدة قبل الفرح، مش قدامنا غير هم يومين!!
وميض بثبات:
- ما أنا قولت له إني معنديش وقت ولو أنجز في يوم واحد هراضيه.
أجابها بإرهاق:
- تمام أوي.. هروح أنام بقى ونكمل كلامنا بعد ما ترجعي من عش الزوجية!
ضغط على كلماته الأخيرة بطريقة ساخرة، فتابعت هي بنبرة حانقة:
- سخيييييف، يلا سلام.
ضحك وسام ملء شدقيه ثم أغلق المكالمة فورًا، ارتجفت أطرافها وهي تشد الغطاء عليها وكأنها تحتمي به من مجهول قادمة عليه ولا تعلم عن تفاصيله شيئًا، تقلبت على جنبها الأيسر ولاحت صوره أمام وجهها يخاطبها بلهجته الباردة الصارمة أن تعتدل وتنام على جنبها الأيمن وإلا عاقبها عقوبة قاسية، تراءت لها صورته مقطب الحاجبين يسحبها عن الفراش ثم يدفعها إلى الأرض ويبدأ في ربط ساقيها معًا لأنها فضلت النوم كما تحب، ظنت أنها ستعيش حياة روتينية نظامية بحتة وأن كل نفس يخرج منها محسوب عليها وسوف تُجر في هذه الحياة مسحوبة من عنقها محبوسة في قفص يدعى الزواج ولن ترى الحرية مرة أخرى!!
اِبتلعت غصة مريرة في حلقها وهي تزوي ما بين عينيها وكأنها تعارك نفسها مرددًا بنبرة حانقة:
- طب هنام على الجنب اللي يريحني بقى، محدش له حق يدخل في نومي.
لحظات وتحول صمتها وعنادها إلى بكاء كلما جاءتها فكرة زواجها منه الذي يقترب ولا يفصلها عنه سوى يومين، أجهشت بالبكاء خوفًا ووجلًا من مصير لا تعلم خباياه وكيف يفعل والدها هكذا شيء بها؟ ودت لو تستطيع الفرار بعيدًا والنفاد بجلدها من هذا السجن المروع ولكنها خشيت أن يتأذى والدها جراء ما فعلت أو يُصيبه مكروه.
قررت في هذه اللحظة أن تُغلق عينيها وتغُط في سبات عميق ولا تُفكر في أشياء تُروعها حتى تستيقظ.
***
- يعني أنتَ يا عمر بجد جاي أنتَ وأهلك عندنا؟!!
أردفت رويدا بانفعالات مرتبكة جدًا وهي تستمع إلى تصريحه عبر الهاتف، اِفتر ثغره عن ابتسامة منشرحة وهو يؤكد بصوت لين:
- بإذن الله خلال يومين هنكون عندكم وبكرا الصبح هتصل بوالدك أبلغه بنفسي.
أنهى كلامه ولكنه لم يجد ردًا منها، قطب ما بين حاجبيه ثم لفظ اسمها بتوجس:
- رويدا! روحتي فين؟!!
تنهدت تنهيدة ممدودة بعمق ثم ردت بهدوء:
- بحاول أستوعب كلامك وهل فعلًا بعد سنة معاناة إحنا هنكون لبعض ومع بعض؟؟؟
عمر يجيبها بصوت مفعم بالحب والأمل:
- بعد ما كنت حاسس إني خسرتك بحمد ربنا كل دقيقة إني استرديتك من تاني، أنا كنت غلطان لما خوفت أصارحك بحقيقتي بس التجربة دي أثبتت لي إن في ناس كتير أهل للثقة والخير لسه جوا قلوبهم زيك.
رويدا بأنفاس عالية تقطع عليه كلامه:
- بس أنا خايفة.
عمر باستفهام:
- من إيه؟!
رويدا بثبات:
- الفرق الطبقي بينا؟! معقول بسهولة أهلك تقبلوا زواج ابنهم الوحيد من بنت بسيطة؟!
عمر بلهجة شديدة قليلًا:
- تقبلهم ليكِ من عدمه هيفرق معاكِ في إيه؟!!.. أنتِ معاكِ أغلى حاجة ممكن يملكها ابنهم.
سكتت عن الكلام حالما تنفس طويلًا وهو يقول بثبات:
- أنتِ واخدة قلبي وأنتِ مقاومتي في الحياة وبفضلك بعد ربنا أنا حاسس إني عايش الدنيا بكل جوارحي ومشاعري وقوتي مش عايش مدفون بالحيا، أعتقد كل دي أسباب تخليهم متقبلين وجودك في حياتي.
اِغرورقت عيناها بالدموع واختنق صوتها وهي تقول بمشاعر عطوفة محبة:
- ربنا يقدرني وأكون إضافة قوية لحياة أفضل ليك، يمكن مش هتصدقني لو قولت لك إنك أول راجل أقابله في حياتي وأحس برجولته في تصرفاته وكلامه واهتماماته واحترامه لنفسه وللست اللي معاه، متعرفش أنا قد إيه كنت مفتقدة وجود راجل في حياتي يعوضني عن كل اللي فات من عمري مع أهلي.
أنهت جملتها وتابعت تقول بسرعة بضحكة باكية:
- أنا مش متخيلة إن في راجل بيحارب علشان أكون له وإني عايشة في جو كله أكشن لمجرد بس إنه يحميني، أنا للحظة كنت متخيلة إنك هتعمل لي مشكلة في المطعم وهتسيبني!.. أنتَ موت كل قناعاتي بعدم وجود رجالة جدعة في الحياة دي.
انطلقت منه ضحكة قصيرة بينما تابعت هي بسعادة غامرة:
- من حقك تضحك، بس أنا عيشت حاجات كتير تخليني أفقد إيماني بالرجالة تمامًا.
- أنا بحبك!!!
قطع حديثها بهذه الكلمة، تخضبت وجنتاها رغم أنه لا يقف أمامها ولكنها خجلت كثيرًا من مفاجأته لها، تنفست الهواء داخلها ثم تابعت بنبرة مهزوزة من شدة الخجل:
- أنا كمان بحبك.
***
»في صبيحة اليوم الموالي»
- مدام نجلا!.. معاكِ عثمان السروجي.
أردف بنبرة ثابتة فيما تابعت بصوت راسخ:
- أه أهلًا، اتفضل؟!
قطب ما بين حاجبيه في غيظ وانفعال من طريقتها الباردة والمتجاهلة معها، أبلغها باسمه وتتظاهر بعدم اهتمامها وكأنه ليس بينهما موعد، حاول كظم غيظه لحين التوصل إلى اتفاق وسيط وتكون هذه المرة الأخيرة التي يتحاور معها بشكل ودي قبل أن ترى الوجه الآخر له، تنهد تنهيدة ممدودة بعمق ثم قال:
- إدارة الشركة بلغوني إن الميعاد هيكون النهاردة بعد ساعة!!
نجلا بضحكة خبيثة متوارية:
- بالظبط، عارف الأرض اللي أخدتها منك بعد ما اتفقت عليها؟!
ضغط أسنانه بغيظ ناري ولكنه حاول إبقاء لهجته هادئة رزينة:
- أكيد.
نجلا ببرود:
- نتقابل هناك بعد ساعة، باي.
أغلقت فور انتهاء حديثها، تنهد تنهيدة نارية وهو يتوعد لها بالقاسي المميت ولكن صبرًا حتى يستطع ركلها من أمامه.
قرر في هذه اللحظة أن يرتدي حِلته ويختار ربطة عنقه بعناية كعادته رغم تقلب مزاجه ولكن هذا لا يمنعه من الاهتمام بأناقته فيبدو شابًا ثلاثيني قوي البنيان يتمتع بجسد رياضي فاتن، أنهى ما يفعله ثم خرج من المكتب بسرعة كي يلحق بالموعد ويرى ما هدفها من استدعائه إلى هذه القطعة خصيصًا كما أن لديه الفضول لرؤية هذه المرأة القوية التي تتحدى اسمًا يلمع في سماء التجارة ومعروف عنه القوة والنفوذ!
- بابا!.. خارج فجأة يعني؟!
أردفت سكون بتلك الكلمات وهي تخرج من المطبخ وتحمل صينية بين كفيها، رمقها عثمان بثبات ثم قال:
- عندي اجتماع مهم برا الشركة لمدة ساعتين.
رفعت حاجبها ثم قالت بتخمين:
- اممممم، أعتقد نجلا؟!
أومأ دون أن ينبس ببنت شفة، نزل ببصره إلى الصينية ثم قال بلهجة صارمة:
- واخدة الصينية دي ورايحة فين؟
سكون باستغراب من سؤاله:
- رايحة عند كاسب.
تنشق الهواء داخله بانفعال وقال:
- هو أنا مش قولت لك مية مرة الشغالة تهتم بيه وبلاش القرب اللي مفيش داعي له ده!!
زمت سكون شفتيها ثم أضافت بنبرة ثابتة:
- بابا، كاسب أنقذ حياتنا ومن حقه علينا إننا نكرمه في بيتنا لحد ما يتعافى ونحاول نرد له الدين ده ولو بـ 10% اهتمام وتقدير.
عثمان وهو يحرك رأسه يمينًا ويسارًا في غضب:
- مفيش فايدة من الكلام معاكِ.
أسرعت سكون بالوقوف على أطراف أصابعها كي تطول وجهه ثم قامت بطبع قبلة طويلة على خده وهي تقول بابتسامة عريضة:
- مت عقدش الدنيا، صباحك فل يا باشا.
تأفف وهو يتحرك من أمامها إلى خارج القصر، اِبتسمت بهدوء قبل أن تنظر إلى الطعام الذي أوشك أن يبرد ثم أسرعت في سيرها خارج بوابة القصر ومنها إلى الشقة الصغيرة القابعة في الحديقة والتي تُستخدم لاستقبال ضيوف العمال والعاملات بالقصر، وقفت أمام الباب وبدأت تطرقه بقدمها عدة مرات ولكن دون إجابة فقررت وقتها أن تنادي عليه عله يستمع إلى صوتها الذي يناديه ولم يرد أيضًا، قطبت حاجبيها باستغراب وفي النهاية قررت أن تضع الطعام بالأرض ثم تستخدم المفاتيح البديلة التي بحوزتها لفتح الباب، قامت بحمل الطعام مرة أخرى وما أن دخلت إلى الشقة حتى وجدتها فارغة تمامًا، أسرعت بوضع الصينية على طاولة الطعام ثم خرجت على الفور وهي تبحث عنه بعينيها في الحديقة هنا أو هناك، ظلت تجوب الحديقة وتبحث عنه في كل زاوية بالقصر إلى أن أبصرت خياله يتحرك داخل الصالة الرياضية القابعة خلف القصر، تنفست الهواء بارتياح كبير وهي تدخل الصالة بهدوء وما أن رأته حتى تابعت بدهشة:
- أيه اللي أنتَ بتعمله ده يا كاسب!!!.. إزاي تشيل أوزان حديد وكتفك لسه مصاب؟!
أنزل الوزن بالأرض ثم رمقها تقترب منه فردد بنبرة لاهثة:
- الحمد لله أنا كويس النهاردة وبعدين أنا بدربه يرجع لطبيعته وبدأت بأوزان خفيفة.
حملقت سكون إلى قطعة الحديد ثم تابعت بذهول:
- ده كله وزن خفيف؟!
اِفتر ثغره عن ابتسامة عريضة أسفرت عن ضربة أصابت منتصف رأسها؛ فلأول مرة تراه يبتسم ابتسامة واسعة وللحق إن ابتسامته جذابة قد أثرت لُبها حتى أن ابتسامته جعلتها تلتفت بانتباهها إلى عضلات ذراعه الضخمة المتناسقة وارتفاع عضلات صدره عن مستوى باقي جسده رغم أنه يرتدي سترة صيفية دون حمالات في هذه الأجواء الباردة إلا أنها استطاعت أن تتعرف على اهتمامه بلياقته البدنية وصحته.
- ها، يا حجة!!!.. أنتِ يا أمي!
- نعم!
صاح بها حينما وجدها قد شردت تتطلع فيه بينما تابعت هي بتوتر وإحراج لتجده يتابع بابتسامة عابثة يتحداها من خلالها:
- معنى كلامك إنك متقدريش تشيلي الوزن الأهبل ده؟؟ وأنا اللي كنت فاكرك أنثى رياضية!!
التوى شدقها وراحت تقول بنبرة متحدية منفعلة:
- لأ طبعًا أنا أقدر أشيل الأوزان دي بكل سهولة، أنا بتكلم إنه وزن تقيل على كتفك المصاب يعني وكدا.
رفع حاجبه ثم قال بإعجاب من جراءتها:
- اووووه، عندي فضول أشوف أستاذتنا وهي امرأة رياضية!.. تعالي.. تعالي.
اِبتلعت ريقها بصعوبة بالغة وهو يضعها في موضع صعب، أخذت تلوم نفسها وهي تلبس وشاح الشجاعة أمامه رغم ثقل الوزن الذي ادعت أنه خفيف عليها، تقدمت منه ببطء شديد بينما وضع كاسب الوزن أمامها على الأرض وأشار لها أن تحمله كي يتعرف على شجاعتها ولياقتها البدنية، قررت أن تتحدّاه وأن الأمر ليس بالصعب ومن هنا أسرعت بضم راحتيها على العامود الحديدي ثم بدأت ترفع الوزن عاليًا وقد برزت عروقها وبدأ جبينها يتصبب عرقًا، تمكنت من رفعه قليلًا وقبل أن تفرح بهذا الإنجاز وجدت الوزن يسقط أيضًا مرة أخرى وتسقط هي معه، في هذه اللحظة صرخت وكبتاها تصطدمان بالأرض قائلةً:
- أييييييييييي.
انطلقت ضحكة عالية من فمه وهو يجثو على رُكبتيه بجوارها ثم يقول بضحكة عابثة:
- سلامتك من الأي يا آنسة سكون.
رمقته بنظرات نارية وهمَّت أن تنهض من مكانها إلا أنها لم تستطيع من فرط الألم الذي ألم بفقرات ظهرها؛ فتابعت بأعين دامعة:
- مش قادرة أحرك ضهري بسببك.
شعر أن دموعها قاربت على الانفجار وأنها تُعاني ألم حقيقي، على الفور قام بوضع ذراعه خلف ظهرها وبالذراع الأخير التقط راحتها ثم عاونها على النهوض وهو يقول بنبرة لينة:
- أنا آسفة، كنت عايز أهزر معاكِ حقك عليا.
أنهى كلامه ثم رفع كفها نحو فمه وراح يُقبله بهدوء وهو ينظر داخل عينيها مباشرةً، رمشت بتوتر كبير وخجل ولكنها أطرقت تبعد نظراتها عن خاصته ثم ابتسمت بمشاعر مختلطة بين سعيدة، خجلة ومستغربة من تصرفه!
***
- يعني إيه المدام مش جاية؟! أنا بقول لك إني عندي ميعاد معاها!!
صاح عثمان بنبرة منفعلة وهو يتحدث إلى المهندس المسؤول عن بناء قطعة الأرض، مط المهندس شفتيه باستسلام ثم قال:
- خلاص حضرتك تقدر تكلمها بنفسك وتتأكد.
كور عثمان قبضة يده بانفعال كبير وراح يتصل بها للمرة التي لا يعرف عددها منذ أن وصل وهي لا تجيب على اتصالاته؛ ولكنها هذه المرة أجابت بصوت بارد جدًا:
- أيوة يا عثمان، خير؟
حدق في الفراغ وهو يقول بحنق:
- عثمان؟؟؟ أنتِ فين يا مدام نجلا، أنا بقالي ساعة مستنيكِ!!
تداعت أنها آسفة له فقالت بحزن مصطنع ولكن السخرية تبدو في كلماتها بوضوح:
- اووووه بعتذر منك يا عثمان، بس جالي شوية برد فجأة وقررت إني هقعد في سريري النهاردة.
عثمان بحدة:
- وليه مبلغتنيش!!!!
نجلا بتأفف حانق:
- أنتَ هتحاسبني ولا إيه؟.. يلا سلام.
أغلقت الهاتف في وجهه فورًا بينما أخذ يصول ويجول المكان في غضب وغيظ دفعه أن يؤكل هيكل السيارة بقوة وبعدها دخل السيارة وأمر السائق أن يتحرك على الفور، فار فائره من تصرفها المتمادي معه حتى أنه قام بعمل بحث باسمها عن طريق جوجل لكونها زوجة شخصية مشهورة فربما لها صور تجمعه بها أو يتمكن من رؤية صورة لها؛ ولكن محركات البحث لم تسفر عن صورة وحيدة لها فكانت جميع الصور تخص زوجها فحسب، ضغط عثمان أنيابه ثم قال بنبرة مخنوقة:
- مفيش ولا صورة ليكِ!!!!.. أنتِ إنس ولا جنس ولا أصلك إيه؟؟؟
***
- الله، أما شوية فول بالزبدة البلدي عجب.
أردف نوح بنبرة حماسية وهو يلتقط لقيمة من طبق الفول القابع على الطاولة فيما قام تليد برأدعه وهو يقول بغيظ:
- يا فاضحنا أنت استنى لما الكل يتجمع على السفرة.
ضيق نوح ما بين حاجبيه ثم قال بمزاح:
- انتوا هتذلونا علشان هناكل عندكم لقمة!!
سليمان وهو يبتسم بهدوء:
- ما تشوف مراتك اتأخرت ليه يا تليد يابني؟!
وقبل أن يتكلم وجد الفتيات يطرُقن بوابة المنزل، أسرع تليد بفتح البوابة وهو يستقبلهم بابتسامة مشرقة، سلم على زوجته ثم ابنة عمه شروق واكتفى بأن وجه ابتسامة باردة إلى سهير وهو يقول بثبات:
- اتفضلوا الفطار جاهز.
سهير وهي ترد بسرعة كبيرة:
- لأ شكرًا إحنا واكلين في بيتنا قبل ما نيجي.
تليد بنبرة ثابتة يتوجه بحديثه إلى وميض:
- أكيد مش هتزعلوا الحاج سليمان وهو واقف من بدري في المطبخ علشان يعمل لكم كل الفطار ده!!
وميض وهي تنظر للشيخ سليمان بود ثم تقول:
- أنا هفطر مع بابا سليمان أكيد.
انفرجت أسارير وجهه ما أن نعتته بوالدها؛ فهو يدرك تمامًا أنها تحبه وترتاح له مهما كان بينها وبين زوجها، رمقتها سهير بنظرة قوية بينما أسرعت وميض ومعها شروق إلى المائدة وتبعهم الباقي، في هذه اللحظة جاءت مُهرة تُخبر الشيخ بمجيء ضيفه إلى المزرعة كما أن وميض دعتها لترتيب الشقة معهن، ألقت التحية ولم تنضم لهم لأنها تتناول الفطور بصحبة والدتها في وقت أكبر من هذا، قررت سهير الصعود إلى الشقة واقترحت مُهرة أن تذهب معها ولكنها لم ترد وتوجهت إلى الدرج فورًا.
تعجبت مُهرة من تصرفها الفظ ولكنها لم تبالِ بها كثيرًا فهي معروف عنها سوء تصرفها مع الجميع، دخلت إلى الشقة وتبعتها مُهرة وفي هذه اللحظة تكلمت سهير بلهجة ودودة على عكس طبيعتها:
- ما تعملي لنا كوبايتين شاي حلوين زيك كدا يا مُهرة!!!
زوت ما بين عينيها وردت بانصياع:
- ماشي.
تحركت مُهرة على مضض نحو المطبخ فيما أسرعت سهير بفتح باب الشقة من جديد بحركة هادئة جدًا، وفي هذه اللحظة قررت مُهرة أن تضغط على الغلاية الكهربائية ثم تسترق البصر إلى الأخيرة وتراقبها قليلًا عن بعد، استغربت مُهرة وهي تراقبها من خلف حائط المطبخ حينما نظرت نحو باب المطبخ قبل أن تفتح باب الشقة ثم تُخرج شيئًا ما من داخل حقيبتها، كان شيئًا ذا لون أحمر يشبه بهار الزعفران موضوع في علبة بلاستيكية صغيرة وقبل أن تبدأ في سكبه أمام عتبة الباب راحت تنظر مرة أخرى باتجاه المطبخ فأسرعت مُهرة بالاختباء قبل أن تراها ثم بدأت فعلاً في نثر اللون أمام عتبة الباب وحاولت أن تجعله متواريًا عن العين وملاصقًا لقطعة الرخام الطويلة التي تقبع أمام باب الشقة، فتحت مُهرة فمها على وسعه ورغم أنها لم تتعرف بدقة عما تفعله هذه المرأة إلا أنها شعرت بخطر محدق في الأمر.
دق قلبها بعنف وأسرعت على الفور بالتقاط هاتفها وقامت بإجراء اتصال به، لم يكن صوتها يخرج من حلقومها في بادئ الأمر ولكنها جاهدت أن يكون خافتًا يتضح له وحده.
- نوح، الحقني!!!
هب عن طاولة الطعام ثم ابتعد عن الجميع قليلًا وقال بوجل:
- مالك؟ فيكِ إيه؟!!
مُهرة بأنفاس مختنقة:
- الست دي مخيفة جدًا يا نوح، دلقت حاجة قدام باب الشقة وأنا مش ميتاحة!
نوح بدهشة:
- اهدي متخافيش، أنا هبعت لك الشيخ سليمان.
مُهرة بخوف:
- ماشي.
أغلقت على الفور ثم أنجزت إعداد الشاي وانطلقت بالأكواب إلى الصالة فوجدتها جالسة على إحدى الأرائك في صمت تام، تنحنحت مُهرة ثم قالت بتلعثم:
- اتفضلي الشاي يا طنط!
أسرعت بالجلوس على الأريكة المقابلة وقررت التزام الصمت حتى مجيء الباقية، مرت لحظات وسمعت أصواتهم تصعد الدرج، أسرعت سهير بفتح باب الشقة وما أن وجدتهم يأتون من بعيد حتى قالت بنبرة ودودة:
- في عاداتنا أول اتنين لازم يدخلوا الشقة وهي بتتجهز هم العريس والعروسة، وكمان العريس قبل العروسة، تعالي يا تليد يابني!
همَّ تليد أن يتقدم إلا أن ذراع والده أوقفه وفي هذه اللحظة تكلم سليمان قائلاً بصوت هادئ:
- مفيش حاجة اسمها عادات، في حاجة اسمها الاستعانة بالله لمباركة البيوت، محدش هيدخل لازم الأول أقرأ الرقية الشرعية لمباركة البيت وحماية الزوجين وإن شاء الله يعمروه في طاعة الله.
رمقته سهير بنظرة جامدة لا تعابير فيها، بينما وقف الجميع خلف الشيخ سليمان وأمام باب الشقة وبدأ الشيخ يقرأ الرقية الشرعية بصوته العذب ويضع بين يديه دلوًا من الماء، كانت لحظات ساكنة تمامًا حتى بدأت شروق تنتفض بجسدها كله وتتراجع للخلف وهي تضع كفيها على آذانها، لاحت الأنظار لها في دهشة واستغراب وبينما هي تتراجع في ضيق واختناق سقطت على الأرض مغشيةً عليها....!!!!!
رواية رحماء بينهم الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم علياء شعبان
ارتطم جسمها بقوة أثناء سقوطها على الأرض وسط دهشة وذهول الجميع، تشخصت الأبصار ناحيتها بين أفواه مفتوحة وقلوب فزعة.
أسرع "تليد" بتلقائية نحوها وقام بالتقاط ذراعها ليرفعها قليلًا عن الأرض بينما خفت صوت أنفاسها وغابت عن الوعي تمامًا. أسرعتا كُلًا من مُهرة ووَميض يعاونانه على إنهاضها عن برودة الأرض وإدخالها إلى الشقة.
اِلتاع قلب الشيخ "سليمان" ببعض الشكوك، فتحرك نحوها قائلًا بصوت دافئ قلق:
- يارب سلم.. يارب سلمها من كُل شر.. بعد ما أرش شوية المية دول يا شباب دخلوها الشقة.
أومأ الجميع بتفهم. تحرك الشيخ سليمان ناحية باب الشقة مرة أخرى وبدأ يملأ كفه بالماء ثم ينثره أمام العتبة مُرددًا بعض كلمات التحصين. استغرق الأمر دقيقة فحسب قبل أن يتلفت إلى الشباب ويهز رأسه لهم سامحًا لهم بالدخول.
قامت وَميض بتطويق ذراعها حول خصر شروق وكذلك فعلت مُهرة من الناحية الأخرى وحاولتا النهوض بها ولكن الأمر قد باء بالفشل. ووقتها لم يجد تليد حلًا آخر سوى حملها بين ذراعيه وإلا لم ينجح الأمر مع الفتيات. اتخذ قراره فأسرع بحملها بين ذراعيه على الفور وتحرك صوب باب الشقة.
وقبل أن يدخلها قبض سليمان على ذراعه وقال بثبات:
- سمِ الله يا بني.. ربنا يحرصكم من شرور الإنس والجن.
أومأ "تليد" متمتمًا البسملة ثم دخل الشقة فورًا وقام بوضعها على أول أريكة قابلته.
أمر سليمان الجميع أن يتحصن بالبسملة قبل الدخول ثم فعل مثلهم ودخل. توجه إلى ابنة أخيه ثم جلس بجوارها وبدأ يملأ كفه ثم نثره بهدوء على وجهها.
فتحت عينيها بفزع ورهبة وهي تحرك أهدابها بسرعة غريبة. وهنا تابع سليمان بهدوء:
- شروق يا بنتي، إنتِ كويسة؟!!
استقرت نظراتها عليه بعد أن تجولت بين الواقفين حولها، فأومأت بإعياء ترد على سؤاله.
تابع سليمان بتنهيدة حزينة:
- قومي اقعدي يا بنتي، عايز أرقيكِ شوية!!
لم تكُن تقوَ على تنفيذ طلبه، فأسرعت وَميض بمساعدتها على الجلوس. أمر سليمان أن يجلس الجميع من حولهم ثم وضع كفه على رأس شروق وبدأ قراءة الرقية الشرعية بصوته العذب ليُرتل ما يتطلب من آيات الله بصوت جهوري عالٍ يملأ أركان وزاويا الغرفة. كان الجميع مُنصتًا في اهتمام وتبجيل لما يترتل على آذانهم.
كانت لحظات ساكنة يملأها الراحة والاطمئنان حتى بدأت "شروق" ترتعش بفزع وبدأت أطرافها تتشنج بحركات مُتعنتة تميل إلى الشلل فبدأت أناملها تتقوس في ضعف. لاحظ "سليمان" غرابة هذا التصرف عليها والذي يعرفه جيدًا.
غض الشيخ الطرف عما تفعل من حركات لا تعيها مُطلقًا. ولكن الذي أثار فزع الواقفين فعلًا حينما بدأت "شروق" تبكي بكاءً مريرٍ وارتفعت شهقات بكائها عاليًا وبدأت تنظر إلى "سليمان" نظرات تتأرجح بين مُترجية وكارهة. تارة ترمقهُ باستغاثة وأخرى بنظرات مقيتة يقدح الشرر من خلالهما.
في هذه اللحظة بدأت ترفع كفها إلى يده المبسطة على رأسها. زمجرت زمجرة خفيفة وهي تقبض على يده وتحاول نزعها وإبعادها عن رأسها. بينما بقيت يد الشيخ في مكانها ثابتة لم تُحركها محاولات الأخيرة. حاولت مرارًا دفع يده عن رأسها حتى أنها بدأت تضرب يده بغيظ وانفعال.
في هذه اللحظة قرر الشيخ أن يرتفع بصوته أعلى وأعلى وهو يُدرك تمامًا أنها ليست بالفاعلة ويرى أنه كلما استزاد كلما ساعد في علاج الأمر ولو بنسبة بسيطة. شعر في هذه اللحظة أن شروق تحاول أن تتكلم ولكن لسانها معقود تمامًا. كذلك أسرعت بالضغط على يده تستجديه باكيًا أن يتركها دون أن تنبس ببنت شفةٍ ولكنه يزيد من القراءة أكثر فأكثر.
ارتعدت أطراف "وَميض" وهي ترى هذا الموقف لأول مرة في حياتها. ورغم حزن "تليد" الشديد على ابنة عمه ولكنه ما أن رأى رجفة أناملها ونظراتها الخائفة حتى تحرك صوبها وأسرع فورًا بتطويق ذراعه حول كتفها ودفعها لتستقر برأسها على صدره. وبالفعل بدأت وَميض تتشبث به تلقائيًا ويراودها شعور مهيب تجاه ما تمر به صديقتها المسكينة.
لم تكُن مُهرة بأقل منها ذُعرًا فظلت تبكي بكاءً خافتٍ وهي تدعو الله في نفسها أن يُخفف عن هذه المسكينة ويزيح الكرب عن جسدها.
ظلت شروق تبكي بشهقات تعلو ويغلظ فيها صوتها كلما ارتفعت تراتيل الشيخ سليمان إلى أن فقدت قُدرتها على التحامل وأُغشي عليها مرة ثانية.
سكت الشيخ "سليمان" فور غيابها عن الوعي. تنهد تنهيدة ممدودة بعُمقٍ وهو يتفرس معالم وجهها البريء ليُردد بصوت مخنوقٍ:
- حسبي الله ونعم الوكيل، لله الأمر من قبل ومن بعد.. اللهم عليك بالظالمين.. اللهم عليك بكُل ما تضمر نفسه بالشر والحقد والكِفر.
قام بالربت على جبينها المُتعرق وبدأ يدعو لها بصوت خافتٍ إلى أن أخذ صوته في التهدج باختناقٍ وحُرقة. وكانت هذه واحدة من المرات القلائل التي تسقط فيها دمعة من عين الشيخ سليمان حُزنًا وألمًا وحُبًا يضمر في قلبه ناحية هذه الجميلة البريئة. تهدج صوته وهو يقول ببكاء موجعٍ:
- لله الأمر من قبل ومن بعد.
لاحظ "تليد" ارتجافة في صوت والده فهرول إليه في الحال. رأى تليد والده الذي يُجابه الحياة بشرها وخيرها بابتسامة مشرقة حمولة لا تعرف لليأس أو الضعف طريقًا يبكي. يعرف جيدًا أن هذا البُكاء لا يخرج من محجري الشيخ سليمان إلا لعزيزٍ يُحبه ويؤلمه ألمه. أسرع "تليد" باحتضان كتفي والده ثم قبل رأسه بتقدير للحالة التي يمر بها.
بقى صامتًا على حالته حتى هدأ الشيخ فقال "تليد" بصوت خافتٍ متوجسٍ:
- كدا الموضوع انتهى؟!!
كفكف "سليمان" دموعه بظاهر كفه ثم أومأ سلبًا وهو يقول بثبات:
- لسه يا بني، بس كُله خير بإذن الله.
قبل رأسه مرة أخرى بينما أكمل سليمان بهدوء:
- كلم عِمران ييجي فورًا وإنتِ يا مُهرة يا بنتي، هاتي لها غطا.
أسرعت "مُهرة" تستجيب لطلبه وكذلك "تليد" الذي أجرى اتصالًا عاجلًا بزوجها كي يكون على علمٍ بما لحق بزوجته.
في هذه اللحظة وقعت عيني الشيخ سليمان على "سهير" التي كانت تجلس على الأريكة المُقابلة له تتابع الموقف في رعبٍ وحذرٍ. رمقها للحظات قبل أن يركز اهتمامه ناحية ابنة أخيه. لوت سهير شدقها بتبرم وهي تستعجب نظراته الغريبة لها وقد وصل إلى حدسها أنه يشك في أمرها ويظن أنها من أذت شروق.
جاءت مهرة بالغطاء ثم بسطته على شروق النائمة في عالم آخرٍ والجميع يجلس حولها في حالة من الحُزن والضيق سيطرت على قلوبهم.
في هذه اللحظة قطع الصمت الموحش رنين هاتف "وَميض" التي التقطت وما أن نظرت إلى شاشته حتى نهضت وهي تقول بلهجة يشوبها التوتر:
- هعمل لكم حاجة تروق أعصابكم.
تحركت بسرعة كبيرة تبحث بعينيها عن المطبخ. ولأن هذه المرة الأولى التي ترى فيها شقة الزوجية فسلكت اتجاهًا خاطئًا ليقول "تليد" بلهجة باردة:
- المطبخ على إيدك الشمال.
أومأت وهي تصحح طريقها نحو المطبخ فانتظر تليد إلى أن دخلت ثم وقف في مكانه وهو يقول بثبات:
- بعد إذنكم هشوفها لو محتاجة حاجة.
تحرك بثبات ناحية المطبخ ليجدها تتكلم عبر الهاتف بصوت خفيضٍ بالكاد يُسمع. وأثناء حديثها وجدته ينتشل الهاتف منها ثم يُحذرها أن تنطق بكلمة. شهقت فزعًا في خفوتٍ بينما قرب الهاتف من أذنه واستمع إلى وسام وهو يقول بصوت مُنزعجٍ:
- دي إشارة إنك متكمليش الجوازة دي، اللي إنتِ فيه دا بلوة أبوكِ بلاكِ بيها.
أبعد الهاتف عن أذنه وهو يرمقها بنظرات جامدة صارمة جعلتها تبتلع ريقها بصعوبة بالغة. قام "تليد" بإنهاء المكالمة في وجه الأخير بضغطة من طرف إصبعه. قام بوضع الهاتف داخل جيب سترته وسط نظراتها الحانقة على ما يفعل.
وبنبرة متضايقة قالت:
- هات التليفون لو سمحت!
كظم غيظه داخله وهو يحاول جاهدًا أن تخرج كلماته هادئة فقال:
- أعتقد إني حذرتك من موضوع الصداقة بين الراجل والست وإن حياتك يكون فيها مذكر سالم غير جوزك، حصل ولا!!
وَميض بعناد رغم الفزع الذي سيطر على قلبها:
- وأنا مش هتبع تعليماتك إلا وأنا مُقتنعة بيها، أما أسلوب سي السيد دا تمارسه على واحدة تانية لأني مش هكون أمينة.
أشاحت بوجهها بعيدًا عنه ثم تابعت بحزم:
- ودلوقتي أنا عايزة تليفوني حالًا.
كان يتابع حديثها بملامحٍ صلبة دون أن ينبس ببنت شفة. مما أثار حفيظة خوفها خاصة أنه ظل صامتًا ينظر لها نظرات مُريبة حتى بعد أن أنهت كلامها. كان ينظر لها تارة وأخرى إلى يدها الممدودة نحوه من أجل الحصول على هاتفها.
وبحركة مُفاجئة أسرع بالقبض على ذراعها بقوة ثم دفعها حتى اصطدمت بالحائط وأرجع ذراعها خلف ظهرها ثم قال بلهجة شديدة:
- كُنت متوسم فيكِ العقل وإنك باللين هتفوقي وتصححي مسارات حياتك اللي كلها غلط في غلط بس الظاهر إنتِ مش بتيجي إلا بالعنف!!!
حدقت فيه مصدومةً وقالت بصوت حانق:
- إنتَ شخص همجي ورجعي ومُتخلف.
تليد بصوت خافتٍ قاسي فضل فيه ألا يصل إلى مسامع البقية:
- لو أنا شخص رجعي وهمجي ومُتخلف من وجهة نظرك فدا لأن تربيتك فيها خلل وأنا بريء من اتهاماتك، ولكن إنتِ فعلًا اثبتي لي إن الهمجية هي العلاج الوحيد لسوء التربية اللي إنتِ بتعيشيه.
في هذه اللحظة نبج صوتها عاليًا وهي تقول بغيظ ونبرة مرتجفة:
- ولما أنا مش متربية اتجوزتني ليه؟؟؟
برق بعينيه ينهيها عن ارتفاع صوتها ورد بلهجة صارمة:
- علشان أربيكِ.
قامت بضرب صدره بذراعها الآخر ثم تشدقت بانفعال كبيرٍ جعل الجميع يهرول إليهما:
- أنا بكرهك يا بنى آدم، إنتَ لو راجل فعلًا مكُنتش اتجوزت واحدة غصب عنها وهي مش عايزاك.
صُدم من كلماتها وهي بكُل سهولة تطعنه في رجولته التي استخدمها طيلة حياته لحمايتها. رجولته التي كانت سببًا بُعث من الله لفرصة حياة جديدة له. رجولته التي وظفها طوال الوقت من أجل حياة مُستقيمة ومُريحة لها. رجولته التي تشبثت بها وعاندت صوت ضميره بأنها لا تصلُح أن تكون تلك الزوجة المنحوتة في عقله. هل هانت رجولته لهذه الدرجة؟ إنه مؤشر يُنذر بخطرٍ يطرق أبواب حياته وقرارات يجب أن يعيد النظر بها.
استخرجت "سهير" هاتفها وقررت أن تسجل كلامه الحاد مع ابنتها حتى يسمعه زوجها عله يتراجع عن تزويجه ابنتهما. بينما تحرك "سليمان" ناحيتهما وهو يدفع ابنه المصدوم برفقٍ بعيدًا عنها ثم يقول بلهجة شديدة أثناء تحدثه إليها:
- ميصحش يا بنتي.. ميصحش أبدًا اللي بتقوليه لجوزك دا.. عيب يا بنتي.. عيب. اتقي الله في الرابط اللي بينكم!
حزن "سليمان" بشدة من حديثها الباطل وهي تُلفق لابنه اتهامات لا معنى لها ولا صحة فيها. وما هي الرجولة من وجهة نظرها؟ وماذا فعل حتى تصفه بهذه البشاعة التي لفظتها؟
صرخت بنبرة باكية:
- ابنك حاول يضربني وقال عني قليلة تربية، ابنك بيحاول يرهبني علشان أخاف منه وأنفذ كل كلامه بالحرف الواحد ودا تفكير إرهابي مش هسمح بيه.
خرج تليد في هذه اللحظة عن صمته ثم قال بلهجة حادة:
- أيوة أنا إرهابي.. إرهابي وهمجي ورجعي وكُنت هجبرك تعيشي معايا غصب عنك بس دلوقتي تقدري تكوني بحريتك تاني.. إنتِ ط........
أسرع "سليمان" بوضع كفه على فم ابنه وقال بلسانٍ أنهكه الحُزن:
- استحلفك بالله يا بني مش وإنتَ زعلان.. اهدا وفكر بالعقل!
صمت "تليد" احترامًا لرغبة والده. في هذه اللحظة قام "نوح" بالقبض على ذراع صديقه حتى يتحرك به خارج الشقة تمامًا. وقبل أن يتحرك معه تليد نظر إليها نظرات تنم عن نهاية مُستحقة لعلاقتهما التي لم تبدأ بعد ثم قال بلهجة باردة:
- يا خسارة طفولتي وشبابي اللي سخرتهم كلهم علشان تكوني على اسمي في يوم من الأيام، يا ريتني ما أتمنيتك ولا بنيت مُستقبلي بعمدان الأمل فيكِ.
سحبه "نوح" فورًا بينما حدقت "وَميض" إليه بوجلٍ واستغرابٍ من حديثه الغامض حتى غاب عن ناظريها. وهنا استأذن الشيخ سليمان مُغادرًا وهو يقول بهدوء:
- هداكِ الله لنفسك يا بنتي.
تنهدت "مُهرة" بأسف على يومٍ من المفترض أن يكون سعيدًا وتضرب به الدفوف استعدادًا لمراسم زفاف سوف تتم بعد يومين إلى مأتم ودار حُزن. تعرف "تليد" حق معرفة وأنه لا يتهاون في الإساءة إليه ولا يقبلها. كما أن ما فعلته "وَميض" لا يوجد له سوى نتيجة واحدة مؤكدة حسب ما تتبناه كرامة "تليد" التي ذكرتها بالسوء قبل قليل.
- يا غيتك فكغتي قبل ما تقولي كلام مالوش لازمة بالشكل دا، أستاذ تليد ميستحقش دا أبدًا وحقيقي أنا حزينة علشانك لأنك ببساطة خسغتي إنسان كلمة عظيم أبدًا مش هتوفيه حقه.
صمتت لوهلة ثم أضافت بحُزن:
- بعد إذنكم.
خرجت على الفور بينما ظلت "وَميض" تتأمل الفراغ من حولها. وسرعان ما التفتت تنظر والدتها ورددت بنبرة مخنوقة تُدرك الآن حجم الكارثة التي ارتكبتها في حقه وحق نفسها. أجهشت بالبكاء وهي تقول بصوت مبحوحٍ:
- هو قصده أيه بكلامه يا أمي؟؟
سهير وهي تقبض على ذراع ابنتها ثم تقول بتبرم:
- وأنا أيه عرفني، إحنا مش لازم نقعد في المكان دا لدقيقة واحدة، يلا خلينا نعرف أبوكِ بكُل اللي حصل.
اِبتلعت "وَميض" غِصَّة مريرة في حلقها ثم ردت بضميرٍ يعود إلى رشده:
- بس أنا غلطت يا أمي، أنا ليه عملت كدا؟! بس مكنش قصدي الأمور توصل لهنا!!
سهير وهي توبخها بحدة:
- إنتِ مغلطتيش، دا اللي كان لازم يحصل من الأول.
سحبتها من ذراعها كي تتحرك معها للخروج من هذا البيت فورًا وسط شعور "وَميض" بالتيه والذنب. سارت بها إلى الصالة التي ترقد بها "شروق" وبجوارها الشيخ سليمان الذي قرر أن يبقى ماكثًا بجوارها حتى يأتي زوجها. غض الشيخ "سليمان" البصر عن وجودهما.
بينما تحركت "سهير" بسرعة مارة به أثناء ذهابها إلى باب الشقة. وهنا نظرت "وَميض" له ثم قالت بصوت متوسل:
- عمو سليمان.. أنا آسفة!.
رمقها "سليمان" بعتابٍ ثم وجه بصره للجهة الأخرى دون أن يرد. وكانت هذه اللحظة أكثر اللحظات إيلامًا لقلبها. سحبتها "سهير" خلفها إلى أن خرجتا من البيت. وطوال هذا الوقت كانت تبحث عنه بعينيها علها تجده فتعتذر منه عن إساءة قالتها عن غير قصدٍ خِصلة قاسية لا تمت لشخصه بصلة. وَدت لو تراه فتُجيبها عيناه عن سؤال يحوم حول عقلها لحظة أن قال جملته وذهب، ولكنها لم تجده!
»في صبيحة اليوم الموالي».
انقلبت صفحات التواصل الاجتماعي تضج باسم "تليد السروجي" بعد أن انتشر له تسجيل مُسرب بصوته يعترف فيه على نفسه بأنه إرهابي همجي. كانت ردود الأفعال تتأرجح ما بين تكذيب وسب في شخصه. حتى أن هاتفه بدأ يصدح بمكالمات من أطراف عديدة ولكن هاتفه كان صامتًا لحاجته إلى الوحدة والجلوس مع ذاته قليلًا. ولكن هيهات.
دق "نوح" باب غرفته عليه بعنف. وقبل أن يسمح الأخير له بالدخول وجد "نوح" يقف أمام الفراش ثم يقول بنبرة مصدومة:
- كارثة يا تليد!!!!!!
- السلام عليكم، إزيك يا عمي عامل أيه؟؟
أردف "عُمر" بتلك الكلمات وهو يتحدث إلى مُرتضى والد رويدا. فيما أجابه الأخير بنبرة مُرحبة يقول:
- أهلًا يا عُمر، أخبارك أيه وأخبار السيد الوالد؟!
كانت "رويدا" تتابع المكالمة من بغيظٍ وهي سعيدة لتوطيد علاقة والدها بحبيبها. في هذه الأثناء تكلم عمر بنبرة مترددة يقول:
- بعد إذنك يا عمي أنا عايز أخد رأيك في موضوع وأتمنى متفهمنيش غلط!!
مُرتضى يشجعه على استكمال كلامه:
- لا قول براحتك، خير؟!
عُمر بتنحنح واستئناف:
- ينفع مقابلة التعارف بين العيلتين وقراءة الفاتحة تكون عندنا في القصر!!!
تهللت أسارير وجه "مُرتضى"؛ فأسرع دون تفكيرٍ يقول بترحيب:
- وماله يا بني، هنا وهنا واحد.
عُمر بأريحية وسعادة:
- شُكرًا يا عمي على موافقتك.. نشوفكم على خير.. مع السلامة.
زوت "رويدا" ما بين عينيها وهي لا تفهم شيئًا عن فحوى الحديث الذي دار بينهما. ولكنها ترى سعادة والدها تتطاير من حوله. عادت إلى غرفتها على الفور وقبل أن تُجري اتصالًا به وجدته يفعل فأجابت في الحال.
- وحشتيني!
رويدا بابتسامة خجلة:
- وإنتَ كمان بس قول لي الأول، قولت أيه لبابا خليته يفرح أوي كدا؟؟؟
عُمر بابتسامة هادئة:
- استأذنته إن مقابلة تعرف العيلتين وقراية فاتحتنا تكون في القصر عندنا.
تغيرت معالم وجهها إلى الجدية والضيق وهي تقول بانفعال خفيفٍ:
- إزاي يعني مفهمتش؟؟؟
عُمر باستغراب من تحولها:
- مالك في أيه؟؟؟
رويدا بصوت مخنوقٍ:
- إزاي يعني أيه، من إمتى العروسة بتروح بيت العريس علشان يخطبها، جديدة دي!!!
عُمر يتكلم بهدوء مُحاولًا تهدئتها:
- حبيبي اهدي، محصلش حاجة لكُل دا وبعدين لمَّا كلمت والدك مأعترضش!
رويدا بنبرة قاربت على البكاء:
- أنا مليش دعوة بوالدي يا عُمر، أنا هفضل في بيتي مُعززة مُكرمة ولو بجد عايزني هتجيب أهلك وتيجي لحد بيتي اللي أهلك بيستعروا إنهم يدخلوه وعلشان كدا عايزينا نيجي بنفسنا، مش كدا ولا أيه؟
عُمر بدهشة يرد:
- الموضوع أبسط من كدا يا رويدا، كُل الحكاية إن والدي حابب يرحب بيكم في بيتنا علشان نتعرف!
رويدا بحزم:
- أنا وإنتَ مش محتاجين نتعرف، تقدر تيجي إنتَ وأهلك تخطبوني من بابا في بيتنا وبعد كدا يتعرفوا على بعض براحتهم، غير كدا لأ.
رواية رحماء بينهم الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم علياء شعبان
جلست في فراشها تتثاءب بعد ليلٍ موحش من الحزن وتأنيب الضمير ونوم متقطع تطول عدد صحوتها فيه أكثر من نومها.
بدأت تدعك عينيها بإرهاق وخمول لتلتقط هاتفها ثم تبدأ في تفحصه بمزاج سيء للغاية. كانت عيناها شبه مغلقة أثناء النظر إلى شاشة هاتفها التي تحوي أخبارًا عادية ومتكررة.
حتى الآن وما لبث أن اتسع بؤبؤا عينيها في حالة شلل مؤقت وهي تقرأ عناوين الصفحات والمجلات الإلكترونية. ليس هذا فحسب، بل سمعت مقطعًا بصوته كان جزءًا من حديثهما بالأمس.
كيف وصل إلى مواقع التواصل الاجتماعي ومن اقتصه بهذه الحرفية لينتقم منه؟ لقد أخذ الجزء الذي يتكلم فيه تليد بعصبية واستسلام عن ادعاءاتها عليه.
شهقت فزعًا وصدمةً وما زالت محدقة في شاشة الهاتف، لم تستفق أو تدرك الأمر بعد.
اغـرورقت عيناها بالدموع واختنق صوتها وهي تقول بتلعثمٍ تحاول تخمين ما يفكر فيه عقله حولها وأنها من فعلت هذا:
- يا نهار أسود! مين.. مين هيعمل كدا؟
سكتت لوهلة تفكر مليًا ثم قالت بلهجة مهزوزة:
- مكانش فيه حد غريب بينا، مين اللي هيعمل الهبل دا؟
بدأت تحك جبهتها بحيرة وتيه، وقفز شيء ما إلى عقلها جعلها تنتفض واقفةً ثم تهرول مسرعةً إلى أمها وهي تصرخ باختناق:
- ماما! إنتِ فين؟ مــــــــامـــــا!
ظلت تصرخ بصوت منفعلٍ هايجٍ. ومن له رغبة في أذيته سواها؟
وجدتها تخرج أمامه وتقول بامتعاض:
- في إيه يا بنتي؟ حد بيزعق كدا على الصبح؟
حدقت "وميض" فيها بملامح هائجة ثم أطبقت أسنانها وهي تقول بشكٍ:
- عرفتي اللي حصل مع تليد؟
التوى شدق سهير وهي تقول بنفي:
- وأيه بقى اللي حصل معاه؟
صرخت "وميض" بأعلى صوت لها وهي تقول باختناق:
- متحسسنيش إنك ملكيش علاقة بالموضوع وإن مش إنتِ اللي سجلتي له أثناء خناقتنا وقصيتي التسجيل للجزء اللي على مزاجك وعارفة إنه هيضره عشان تفضحيه؟ إنتِ اللي عملتي كدا.. صح؟
حدجتها سهير بحدة وقالت:
- إنتِ اتجننتي؟ إزاي تكلمي أمك كدا؟ وبعدين أنا آه مش بطيقه خاصةً بعد اللي عمله معاكِ امبارح ولو أطول أقتله مش هتردد، ولكن خلاص بقى جوزك ومُجبرة أقبل شخصيته الغريبة هو وأبوه.
وميض بأنفاس مشتعلة تصيح:
- أبوه؟ مالها شخصية الشيخ سليمان مش عجباكِ في إيه؟ حتى الراجل الطيب مسلمش من كلامك! صدقيني يا أمي لو اكتشفت إن اللي عمل كدا يبقى إنتِ فأنا مش هسامحك.
أسرعت سهير بالقبض على ذراعها ثم صرخت أمام وجهها بعنف:
- إنتِ فقدتي التمييز ولا إيه؟ أنا اللي أمك مش هو، مين دا عشان تنصريه عليا؟ احمدي ربنا إنه اتكشف على حقيقته وهتخلصي منه ولا هيبقى في جواز ولا زفت.. إنتِ المفروض تكوني فرحانة دلوقتي، زعلانة ليه؟
وميض بصرخة مقهورة:
- أنا مبفرحش في وجع ومصايب الناس يا أمي!
قالت جملتها ثم هرولت فورًا من أمامها وهي تلتقط هاتفها الذي أعطته لها والدتها بالأمس حتى تستعيد هاتفها الذي احتفظ به تليد. التقطته بأنامل مرتجفة وأنفاس ساخنة محبوسة.
قررت أن تجري اتصالًا به فورًا، فعليه أن يعي أنها ليست الفاعلة وأن تبعد الشبهة عنها وأن تعتذر منه عما بدر منها من حماقة وأن تدعمه عرفانًا بالجميل حينما كادت أن تموت فبعثه الله لها كطوق نجاة وهي بعرض البحر داخل سيارة مغلقة قد ملأها الماء ولا مفر وقتئذٍ من الموت الحتمي.
أجرت الاتصال أكثر من مرة ولم تتلق إجابة أبدًا. ظلت تجوب غرفتها وذهابًا وإيابًا وهي تقول بصوت مخنوقٍ:
- رُد بقى علشان خاطري.
فعلت مرات أخرى والنتيجة واحدة، فما كان منها إلا أن ألقت الهاتف بقوة على الفراش وهي تقول بصوت منفعل جنوني:
- ما هو إنتَ لازم ترُد! لازم تعرف إنه مش أنا اللي غدرت بيك!
أسرعت إلى دولابها دون تفكيرٍ ثم قررت أن ترتدي أي شيء يقابلها وأن تذهب إليه وتبرئ نفسها. ارتدت في غضون دقيقتين ولم تهتم بشكل غطاء رأسها الموضوع بغير اهتمام. التقطت أشياءها الخاصة ثم هرولت خارج المنزل تمامًا.
خطر على عقلها أن تفتش هاتفها، ربما أخذته والدتها أثناء نومه وقامت بإرسال التسجيل لصديقها، ولكنها لم تجد بينهما سوى حديثهما القديم. لم تهدأ وقررت أن تهاتفه.
وما أن رد حتى أردفت بلهجة شديدة:
- التسجيل دا إنتَ اللي سربته؟ أمي هي اللي سلمته لك؟
رد وسام بامتعاض:
- تسجيل إيه وأمك إيه؟ أنا لسه شايف الحوار دا حالًا!
صرخت "وميض" باختناق:
- أمال مين؟! محدش غريب كان بينا أثناء الخناقة يا وسام ومحدش له مصلحة في أذية تليد غير أمي.
وسام بحدة يهتف:
- ما يتأذى ولا يتنيل، احمدي ربنا إنه اتكشف على حقيقته، الحقيقة إنتِ مبقيتيش مفهومة، المفروض تكوني فرحانة بفضيحته دي وانك خلاص مش هتكملي مع شخص غصب عنك وإن توقعاتك طلعت صح!
وميض بصوت متحشرجٍ:
- إنتَ مش فاهم حاجة خالص.
وسام باستنكار:
- مش فاهم إيه؟ بتحبيه مثلاً فجأة كدا؟
استقلت تاكسي كي تصل إلى "تليد" بأقصى سرعة. ردت بلهجة حادة:
- أنا مش فاهمة نفسي، يمكن الموضوع مش حب بس أنا مش قادرة أشوفه بيتأذى بسببي أو بسبب أي حد تاني، أنا مش عايزاه يتأذى يا وسام!
حتى الآن تُجاهد نفسها في أن تبقى قوية وإلا تضعف باكيةً. سكتت لوهلة ثم أكملت بحزن:
- أنا وجعته بما فيه الكفاية.. أنا ليه بعمل كدا رغم إني مشوفتش منه غير بس خير، أنا محتاجة أفهم نفسي بجد، وسام أنا تعبانة ومشتتة!
وسام بثبات:
- وميض إنتِ بتحبيه.
تحررت دمعة من عينها وتابعت بمكابرة ونفي:
- لأ مش بحبه.. أنا بس عايزاه بخير.. مش عايزة أحس بالذنب لأن كل اللي بيتعرض له بسببي.
وسام بتذمر خفي:
- جايز.
- تليد؟ إنتَ من ساعة ما عرفت الخبر مش بتنطق؟ ساكت ليه ما تتكلم؟ أو قول حتى بتفكر في إيه؟
لكزه "نوح" في كتفه يحاول انتشاله من هذا الصمت المريب، ولكن بقى "تليد" مدة طويلة ينظر في الفراغ ولا يتكلم على الإطلاق مما جعل "نوح" يصرخ أمام وجهه بضيق:
- تليد؟ بقول لك إنتَ واقع في مصيبة، كلمني زي ما بكلمك يا أخي!
تنهد "تليد" تنهيدة مهزوزة ثم خرج الكلام من حلقه مرًا:
- الكلام صعب عليا يا نوح.. مش مدرك لحد دلوقتي إيه اللي بيحصل معايا دا وعلشان إيه؟
سكت هنيهة ثم تابع:
- علشان حبيت! ولا علشان براعي مشاعرها وخايف أوجعها بماضي ملهاش ذنب فيه؛ فيكون ذنبي إنها تغدر بيا؟
عقد "نوح" ما بين عينيه ثم أردف بشكٍ:
- قصدك تقول إن وميض هي اللي عملت كدا؟
خرجت ابتسامة متهمة خفيفة وقال:
- إنتَ شايف إيه؟
نوح بعصبية وخنقة:
- أنا مبقيتش شايف حاجة، رئيس القناة كلمني أكتر من مرة وعايز يفهم إيه اللي بيحصل بالظبط والدنيا مقلوبة، الكارثة بقى إن الموضوع يكبر ويطور!
أسرع "تليد" بالنهوض من مكانه ثم توجه نحو الحمام وهو يقول بثبات:
- هيكبر لحد فين يعني؟
نوح بتيه واختناق:
- بطل برود يا تليد.. إنتَ بتقول في الريكورد إنك إرهابي وأنا مش عارفة أبعاد الكارثة اللي إحنا فيها دي إيه أصلًا!
تركه تليد متوجهًا داخل الحمام، وما هي إلا لحظات حتى سمع "نوح" انهيار وتهشم لشيء ما يأتي من داخل الحمام. هرول بفزع ليجد "تليد" قد لكم مرآة الحمام بقبضته حتى تهشمت إلى شظايا صغيرة سقطت بالأرض، كما أن قبضته قد أصابها خدوش سطحية.
رفع "تليد" قبضته مرة أخرى حتى يكرر اللكمة، ولكن تمكن نوح من دفعه بعيدًا ثم صرخ فيه أن يستفيق ولا يجابه مشاكله بعصبية وتخريب. قاده حتى الخارج ثم تكلم "نوح" بصوت هادئ:
- بص، أنا دلوقتي هنشر بوست باسمك على حسابك الرسمي إن في ناس ليهم أهداف مغرضة من الهبل اللي نزل دا وبيكيدوا ليك وإن التسجيل دا مش صوتك أصلًا!
تليد بانفعال:
- وليه نكذب؟ هو صوتي فعلًا، هتقول الحقيقة يا نوح، إن التسجيل دا محذوف منه كتير أوي واللي نشره تصيد الجزئية دي تحديدًا وان الحوار كان له معنى آخر غير اللي وصل للناس بدون الخوض في أية تفاصيل شخصية تمامًا، سامعني؟
نوح باختناق:
- ماشي وربنا يستر!
في هذه اللحظة تذكر "تليد" أن هاتفها بحوزته، فكيف تمكنت من نشر هذا التسجيل؟ هل بمساعدة والدتها؟ هل يعقل أن تدعم أم تصرف ابنتها الطائش؟ فلم يكن ثمة شخص غريب بالمكان أثناء المشادة بينهما، فمن إذن الذي قام بنشر هذه الكلمات التي قالها في حواره مع زوجته؟ فرك مقدمة رأسه باختناق ثم هتف بصوت خافت يملأه التشوش والحيرة:
- هتجنن!
لم تستيقظ من نومها بعد، وكيف تفعل وقد عاشت لحظات عصيبة بالأمس واكتشفت أمورًا يشيب لها الرأس وتُصعق لها القلوب المتصدعة من الألم. هي الآن تمام في سكينة جاهد أن يهيئها لها منذ ساعات قلائل، وبين الحين والآخر تردد أثناء نومها بعض الكلمات التي تنم عن خوفها وهي ترى كابوسًا ما.
وضع "عمران" رأسها على ذراعه وراح يداعب خصلاتها بأسى وحزن شديدين، وعقله شرد مع الشيخ حينما قال له بوضوح:
- مراتك مأذية يابني ومش عندها أي قابلية لسماع القرآن ولا الرقية ودا في ذاته يخلينا نقلق، مش عايز أكون بخمن ولكن ربما يكون الموضوع دا سبب في تأخير الخلفة، واللي هو بأمر الله طبعًا.
صُدم آنذاكٍ وساق بزوجته إلى بيتهما. وحينما سألته والدته عما أصابها ولكنه لم يخبرنا بما علم. أُجهد في التفكير طيلة الليلة الماضية وهو يفكر في الشخص المسؤول عن إيذاء زوجته بهذه الطريقة القاسية؟ أن يحرمها ذرية تتمناها قبل أن تتزوج حتى! من هذا الشخص قاس القلب الذي يعلم رغبتها الملحة في رؤية أطفال لها حتى يسعى في حرمانها هذه النعمة.
تنهد "عمران" تنهيدة ممدودة بعمقٍ وهو يتذكر كلام الشيخ سليمان:
- "بلاش يابني تفكر في هوية الشخص اللي عمل كدا عشان متتعبش وخليك فاكر إن التأخير دا كاتبه لك ربنا بفعل الشخص دا أو لا لأن الوقت المناسب اللي هتُرزقوا فيه بطفل لسه مجاش".
لم تغب والدته عن تفكيره أيضًا. هل هي من فعلت هذا لأنها لم تحب زوجته يومًا؟ ولكن كيف وسبب رفضها لشروق أنها لم تُنجب بعد، كما أنها لا يمكن أن تضره بهذه القسوة وهو يعلم تمامًا أنها لا تسلك هذه الطرق ولا يروقها إيذاء الناس بغير وجه حق. هي فقط صارمة تنفلت الكلمات الشديدة من فمها لقوة شخصيتها الحازمة ولكنها لا تؤذي.
أخرج زفيرًا ساخنًا من فمه وقال بتيه ولوعة:
- يــــــــارب!
- يا نهار أزرق، إيه الهبل دا؟
أردفت "سكون" بتلك الكلمات وهي تتصفح هاتفها المحمول حينما رأت مواقع التواصل الاجتماعي تعج بهذا التسجيل الذي انتشر بسرعة البرق. شُخصت الأبصار إليها في تساؤل، فأكملت بنبرة مستنكرة:
- شوفتوا اللي حاصل مع تليد؟
رفع "عثمان" وجهه عن الجريدة القابعة بين يديه ثم قال بتهكم:
- خليه يقع في شر أعماله.
سكون بضيق شديد:
- أعمال إيه يا بابا، إنتَ مصدق الهبل دا؟
تحرك "عمر" بكرسيه إلى شقيقته وبدأ يتابع معها ردود أفعال الناس التي تصطف في صالحه بنسبة كبيرة وقلة مندسة كانت تنتظر هذه اللحظة طويلًا حتى تسبه وتتهمه بما ليس فيه لمصالح شخصية فحسب.
عمر بانفعال كبيرٍ حزنًا على ابن عمه:
- أنا مش فاهم نجاحه واجعهم في إيه؟ وبعدين تليد هيقول الهبل دا ليه؟ أكيد الريكورد دا متفبرك!
سكون بحيرة:
- بس دا صوته فعلًا ولكن اللي متأكدة منه إنه مقصوص عشان يخرج بالشكل دا!
نبيلة بتدخلٍ وشماتة:
- هم هيفبركوا له ليه؟ تليد في الآونة الأخيرة بقى فكره غريب ولا نسيت لما اتهجم علينا وهدد عمه!
سكون باستنكار:
- ماما إيه العلاقة؟ وأيه التطرف في كدا؟ دورنا إننا نساندة حتى لو بينا خلافات الدنيا.
في هذه اللحظة، نهضت عن كرسيها ثم قررت أن تتجه إلى بيت عمها مباشرةً كي تتفقد أمرهما وتكون إلى جوارهما في هذه المحنة. صرخت "نبيلة" بضيق:
- إنتِ رايحة فين؟
سكون بثبات:
- رايحة لعمي، إذا سمحت يا بابا ياريت متمنعنيش!
عثمان بثبات:
- إنتِ حرة.
ارتفع جرس عربات الشرطة بالمكان حتى توقفوا أمام بيت "سليمان السروجي" المجاور للمزرعة. نزلت القوات باصطفاف وانتظام وراح مجموعة منهم يطرقون بقوة على البوابة. انتبه "نوح" للكارثة التي جاءت إلى صديقه. نظر إلى "تليد" بصدمة فيما قرر تليد أن يستقبلهم بنفسه.
فُزع الشيخ سليمان من قوة الطرق وتوجه إلى الباب فورًا، وقبل أن يفتحه وجد كف ابنه يربت على كتفه ويقول بثبات:
- أنا هفتح ومش عايزك تقلق من حاجة خالص، أنا بخير!
قطب "سليمان" حاجبيه وهو لا يفهم من حديث ابنه شيئًا لأن تليد خشي عليه من التعب إن علم بالأمر وظن أن الأمور لن تتضخم بهذه الطريقة. قام بفتح البوابة فوجد مجموعة من رجال الشرطة يقفون أمامه فيقول واحد منهم:
- تليد السروجي!
تليد بثبات:
- أيوة!
الضابط بلهجة صارمة:
- معانا أمر من النيابة بالقبض عليك.
تنهد تليد بثبات ثم أومأ قائلًا باستسلام:
- أكيد.. مع حضرتك.
- هو في إيه يابني؟
سأل الشيخ "سليمان" بفزع، بينما ربت "نوح" على كتفه ثم قال بهدوء:
- أنا هفهمك يا عمي كل حاجة.
طلب منه الضابط أن يتحرك معهم إلى عربة الشرطة، فسار معهم دون أدنى مقاومة أو شرح للموقف. طبطب "نوح" على كف "سليمان" وطلب منه أن ينتظر شرح الموقف حتى يعود بعد الاطمئنان على تليد.
تحرك "تليد" معهم ناحية عربة الشرطة في نفس اللحظة التي كانت تنزل فيها "وميض" من سيارة الأجرة. حملقت في العدد الغفير من عربات الشرطة بصدمة وذعر ثم شهقت وهي تجدهم يصحبونه إلى العربة كمتهم.
في هذه اللحظة هرولت تقترب منه وهي تهتف بصوت متحشرج:
- تلييييييييييييد!
لم يسمح لها ضباط الشرطة بالاقتراب وأسرعوا بإدخاله فورًا إلى العربة، بينما التقت عيناهما سويًا لتخبرها نظراته بخيبة أمل كبيرة. لم تتحمل أكثر من ذلك حينما رأت نفسها عاجزة عن التعبير أو الدفاع عن نفسها.
وفي هذه اللحظة انطلقت السيارة فورًا، فصاحت هي بصوت مهزوز باكٍ وهي تهرول خلف السيارة:
- مش أنا اللي عملت كدا.. والله العظيم مش أنا!
تقلصت المسافة كثيرًا وابتعدت السيارة جدًا وفقد بصرها رؤية عينيه، فخارت قواها وهي تسقط على ركبتيها أرضًا وتجهش بالبكاء قائلة بحزن وندم يقطعان قلبها:
- أرجوك افهم، مش أنا.
بقى الشيخ "سليمان" واقفًا في صدمة أمام بوابة البيت، بينما انطلق "نوح" بسيارته خلف صديقه لمعرفة مجريات الأمور، ولم يمر سوى دقائق حتى وقفت "سكون" بسيارتها أمام عمله المتصلب في مكانه. ترجل مهرولةً إليه وهي تقول بقلق:
- عمي!
رمقه "سليمان" بثبات رغم مرارة الغصة التي تسري في حلقه. أدركت "سكون" في هذه اللحظة أن مصيبة قد أحلت باليد، فتابعت بنبرة مهزوزة متوجسة:
- عمي، فين تليد؟ هو كويس؟
سليمان بحزن جارف:
- الشرطة أخدته.. أنا مش عارف ليه!
ضغطت "سكون" على أسنانها بضيق وهي تدرك الآن أن عمها لا يعلم شيئًا عما يحدث مع ابنه حتى الآن. تنحنحت رغم الحزن الذي ملأ قلبها ثم حاولت رسم ابتسامة هادئة وهي تلتقط كفه:
- أكيد سوء تفاهم أو حاجة بسيطة حبيبي وهيرجع على طول بإذن الله، تعالى ندخل عشان تريح رجلك.
رفض بشكل قاطعٍ وظل واقفًا مكانه وهو يقول بتعب:
- أنا مش عايز غير إني أشوف ابني يا سكن.
سكون وهي تحتضنه بقوة داعمة إياه:
- حبيبي والله هيرجع بس خلينا نكلم نوح الأول ونفهم في إيه؟
وافق على مضض، قبلت كفه ثم أسندته حتى دخل معها إلى البيت، وقد قررت ألا تخبره بالأمور الجارية كي لا يشتد التعب عليه لحين معرفة مستجدات الأمر. أجلسته على الأريكة ثم قررت أن تستغيث بزوج شقيقتها كي يذهب خلف "تليد" ويؤازره في هذه المصيبة. وما أن علم عمران بالأمر حتى ذهب مهرولًا إلى الأخير.
لم تهدأ البتة بل أجرت عدة مكالمات لبعض من طاقم محامي الشركة المشهورين والنابغة وطلبت منهم الذهاب إلى قسم الشرطة ومتابعة الأمر من هناك وأوصتهم ألا يبيت ليلة واحدة داخل القسم.
أغلقت الهاتف حينما استمعت إلى صوت سعال عمها الذي اشتد عليه جدًا. هرولت تناوله كوبًا من الماء ثم تعطيه دوائه قبل أن يعاصر انتكاسة تجعله طريحًا في الفراش. ترجته أن يتمدد على الأريكة قليلًا ولكنها خشيت عليه أن تزداد حالته سوءًا وهي بمفردها. قصدت "كاسب" في الحال فأجرت اتصالًا به:
- كاسب، أنا محتاجة لك!
استغرب كاسب من حديثها في البداية ولكنه حينما شعر بتغير نبرتها سأل بتوجس:
- إنتِ كويسة؟ فيكِ حاجة؟
أجهشت بالبكاء في صمتٍ وهي تقول بصوت متهدج:
- عمي تعب جدًا وخايفة عليه، ممكن تكون جنبي؟
كاسب بحسم:
- أكيد طبعًا، ابعتي اللوكيشن ومسافة السكة وهكون عندك.
- بنتك خلاص اتجننت رسمي، وأنا قسمًا بالله تعبت منها ومنك، إنتوا عايزين تقضوا عليا؟
صاح "علام" بصوت جهوري ما أن علم بما أصاب تليد ويقينه أن ابنته من فعلت هذا. وقفت "سهير" بجواره ثم بدأت تطبطب على كتفه وهي تقول بتلعثم:
- هدي نفسك يا علام، إنتَ أكيد ظالمها، بقول لك بنتك صحيت الصبح واتفاجأت بالخبر زيها زينا يبقى هي اللي عملت كدا إزاي؟
علام بلهجة شديدة:
- أمال كان في حد معاكم غريب وقت الخناقة؟
سهير بامتعاض:
- ما هم كلهم أغراب هو إحنا نعرفهم!
تنهد تنهيدة ساخنًا وهو يضع رأسه بين كفيه ثم يقول بنبرة حزينة متحيرة:
- لأ حول ولا قوة إلا بالله، لله الأمر من قبل ومن بعد.
سهير بنبرة باردة:
- استهدى بالله ورن على بنتك شوفها فين!
علام بحزن دفين:
- آه من بنتي وكسرتها ليَّ.
وضعت وجهها بين كفيها تبكي بهستيرية وهي تجلس على أحد الأرصفة المجاورة للنيل، تترجى الجميع أن يصدقها ولكنها بين يوم وليلة أصبحت الشيطان الرجيم. صارت حالتها مزرية وقررت أن تستنجد بصديقتها الوحيدة التي تفهمها رغم ما تعيشه من هم وتعب هي الأخرى. انحنى جذعها العلوي بانكسارٍ وشعور بالظلم تتقطع نبرات صوتها من شدة البكاء إلى أن وجدت يدًا حانية تربت على ظهرها وكانت تعرفها جيدًا.
استقامت قليلاً ثم نظرت بألم إلى "شروق" التي تجلس بجوارها وقد ظهر على وجهيهما الذبول والبهتان. رمقتها "وميض" بحسرة وقد أشـفقت على نفسها وهي تقول بانهيار:
- مش أنا يا شروق.. حد يصدقني أرجوكِ!
اغـرورقت الدموع في عيني شروق ثم أحاطت رأس صديقتها وأمالتها على كتفها وهي تقول بصوت خافت مهزوم:
- مصدقاكِ يا نور عيني.
وميض بانكسار:
- بس هو مش مصدقني.. كان بيبص لي بنظرات كلها اتهام.. نظراته كسرتني يا شروق!
شروق بلهجة ثابتة أجابتها:
- إنتِ بدأتي بالكسرة يا وميض، لو كان حس فيكِ الأمان مكنش بص لك لحظة بعين الاتهام بس للأسف كل حاجة بتعمليها معاه مضيعة معنى الأمان عنده من ناحيتك.
سكتت شروق هنيهة ثم أكملت:
- دوري في حياتك إني أواجهك بغلطك حتى لو المواجهة هتوجعك بدل ما أقف أتفرج عليكِ لما تضيعي نفسك وأقعد جنبك وأقول لك معلش.
وميض وهي تومئ برأسها إيجابًا:
- أيوة أنا غلطت في حقه واللي حصل مكانش المفروض يحصل، بس أنا خايفة من حياتي معاه وعرفته مخاوفي ورغم كدا كمل في الجوازة غصب عني!
شروق بابتسامة هادئة:
- غصب عنكم أنتوا الاتنين لأنكم مقدرين لبعض وبعدين يا ستي اللي إنتِ عايزاه هيحصل، أعتقد تليد مستحيل يكمل بعد اللي حصل بينكم امبارح!
رفعت "وميض" رأسها ثم تكلمت باستجداء:
- أرجوكِ قولي لي أعمل إيه؟ أنا تايهة!
شروق بهدوء:
- دافعي عن نفسك.. دافعي عن براءتك.. متشيليش ذنب مش ذنبك!
وميض باختناق:
- يبقى أنا لازم أروح له القسم دلوقتي وأحاول أتكلم معاه!
- يا طارق بيه.. كل اللي إنتَ سامعه في الريكورد عشر ثواني من خناقة ربع ساعة!
تابع "تليد" بلهجة ثابتة أثناء جلوسه أمام الضابط. تنهد "طارق" تنهيدة ممدودة بعمقٍ ثم سأل بتحرٍ:
- طيب معاك التسجيل دا كامل؟
ابتسم "تليد" ابتسامة باردة ثم رد:
- أنا مش معايا حاجة أصلًا ومش عارف التسجيل دا طلع منين ولا مين اللي سجله، أنا راجل في بيتي حصل خلاف بيني وبين زوجتي وفي وسط عصبيتي قولت الكلمتين اللي حضرتك سمعتهم دول، نمت وصحيت لقيت الدنيا كلها بتتهمني وكلام غريب!
طارق بتساؤل وتوجس:
- يعني أفهم من كلامك إن مراتك هي اللي سربت التسجيل دا وقصدت منه الجزئية دي بالظبط عشان تلفق لك مصيبة؟
دعك "تليد" جبهته باختناق ثم تابع:
- طارق بيه أثناء المشكلة اللي اتقال فيها الكلام دا كنا كعيلة متجمعين يعني كان في أكتر من شخص، بخلاف دا، أنا واضح على شكلي الإرهابي يعني؟ إنتَ سمعت في حقي شكوى قبل كدا أو ملفي فيه مثقال ذرة من شبهة؟
أومأ الضابط برأسه سلبًا، فأكمل "تليد" بضيق خفيف:
- أمال بتتهمني بإيه؟
طارق بحزم:
- بموجب التسجيل اللي معانا وأمر النيابة ومطالبة كل وسائل التواصل الاجتماعي بتحري الأمر لأننا يهمنا استقرار البلد والأوضاع قبل كل شيء؛ فلما نلاقي تسجيل من شخص بيقول فيه إنه إرهابي يبقى ضروري نتحرى الأمر!
تليد بصوت عالٍ بعض الشيء:
- أنا لا إرهابي ولا زفت، دي جملة اتقالت في خلاف بيني وبين زوجتي لأنها اتهمتني بالإرهاب الفكري عشان مش واخدة كامل حريتها واللي أنا شايفها منافية للدين! أنا دلوقتي قاعد هنا متهم بإيه إني بدير أمور بيتي الشخصية بطريقتي؟ المفروض أديرها بعد الأخذ برأي الجمهور ومواقع التواصل الاجتماعي!
قطع حديثه في هذه اللحظة، طرق الباب ثم دخول العسكري الذي قال بصوت حازم:
- زوجة الأستاذ تليد برا يا فندم!
طارق بحسم:
- خليها تدخل حالًا.
لحظات ودخلت "وميض" إلى الغرفة على مضض، فأمرها الضابط أن تجلس على المقعد المواجه لزوجها ثم بدأ في استجوابها:
- تعرفي إيه عن التسجيل اللي اتسرب لجوزك؟ هل لاحظتي تصرف إرهابي منه قبل كدا؟
وابتلعت "وميض" غصة مريرة في حلقها قبل أن تومئ سلبًا:
- مفيش أي حاجة من الكلام دا صح، الكلام دا اتقال في وقت خلاف بيني وبينه وأنا سهوًا مني اتهمته بحاجة مش فيه أكتر من مرة ودا كان رد فعله الطبيعي.
سكتت لوهلة ثم أكملت وهي تلتفت ببصرها إلى زوجها:
- وحقيقي أنا مش عارفة مين اللي سجل الكلام دا واقتص الكام ثانية دول تحديدًا!
ابتلعت ريقها ببطءٍ ثم تابعت بنبرة موشكة على البكاء:
- والله العظيم مش أنا!
شعر الضابط بصوتها المقارب للبكاء فقرر أن يسمح لهما بالحديث بانفراد لبضع دقائق ثم استأذن وغادر المكتب. فركت كفيها معًا وهي تقول بصوت متحشرج:
- أنا يمكن أكون متسرعة طول الوقت وبرمي طوب في كلامي بس مش أنا اللي سربت التسجيل دا ومعرفش مين اللي عمل كدا!
كان يرمقها بنظرات جامدة وصامتة، فتابعت بعينين تلمعان بالدموع:
- بعد إذنك متبصليش بنظرات الاتهام دي ورد عليا!
تليد بضحكة باردة:
- وأيه بقى اللي قدمتهولي يخليني أثق في أي حرف ساذج بتقوليه!
وميض بصوت متحشرج مخنوق:
- ببساطة علشان أنا معملتش دا!
في هذه اللحظة، مال تليد نحوها قليلاً حتى اقتنص عينيها بنظراته ثم تابع بصوت حاد مخنوق:
- إنتِ غدارة، قادرة تغدري بأي حد حتى لو كان أهلك!
وميض والدموع تنهمر على وجنتيها أنهارًا:
- أهلي عندي بالدنيا كلها ولو أنا فعلًا غدارة؛ فغدري مينفعش يطولهم.
ابتسم بتهكم ثم تابع:
- ما إنتِ غدرتي بيا وأنا أهلك الحقيقيين مش هم!
زوت ما بين عينيها بغير فهم فتابع قنبلته ببرود واختناق لإخفاء الحقيقة طويلاً:
- أنا اللي ربيتك على إيدي وعيشت أحميكِ حتى من نفسك، أنا اللي سهرت على راحتك وإنتِ لسه ما بتعرفيش تتكلمي! أنا اللي كنت بقطع قمصاني عشان أعملها لك عرايس حتى صندوق ذكرياتك يشهد، أنا اللي سميتك الاسم اللي مبتحبيهوش، أنا اللي سميتك أُترُج، أنا منقذك من الموت للمرة التانية بس إنتِ غرقتيني!
رواية رحماء بينهم الفصل الثلاثون 30 - بقلم علياء شعبان
خرجت من القسم تهيم على وجهها في حالة مزرية من بكاء متواصل إلى حيرة تأكل لحم رأسها وهي تفكر في كل كلمة قالها بوجه عابس تتبعه رائحة الندم والعداوة.
هبطت درج البوابة الخارجية وقبل أن تخطو خطوتين وجدت رأسها يدور بقوة فجلست فورًا على الدرج وهي تدعك جبينها الذي يؤلمها بشدة.
وضعت وجهها بين كفيها وأجهشت ببكاء مرير، وكان لا طاقة لها على تصديق ما تردد على لسانه.
"إزاي؟ إزاي يارب؟ أنا تايهة يارب دلني!"
في هذه الثانية وجدت حارس المبنى يرد بلهجة شديدة:
"مينفعش تقعدي هنا يا آنسة."
أومأت ونهضت فورًا، ظلت تجوب الشوارع في انهيار وكأن روحها أصابها صدع هشّمها إلى نصفين، والنصفين تهشما إلى شظايا فتاة بلا هوية لا تعلم من هي أو ابنة من تكون.
ترى رجلًا يمر عبر شرائط ذكرياتها كأنها تعرفه عن ظهر قلب، ولكنها في الحقيقة لم تره من قبل.
ترعرعت بين عائلة بسيطة وفي لحظة مفاجأة غير مرتب لها تجد نفسها ابنة خلقت من العدم، لا تنتمي إلى هذه العائلة ولا غيرها.
فتاة بلا نسبة، بلا هوية، وكل ما عاشته ما هو إلا سراب.
حاولت التصبر على هذه الحقائق المؤلمة وهي تجلس أمامه، حتى أنها لم تكن تصدق ما يتفوه به إلا حينما أخبرها بأمور لا يعرف بها أحد.
تذكرت حديثهما معًا وهي تسأله بجنون داهم عقلها النهم حول معرفة كل شيء عنها.
"إزاي؟ مش فاهمة؟ إنت بتحاول تعمل إيه؟ أنا جاية أدافع عنك وإنت بتحاول تعمل لي غسيل مخ؟!"
رمقها بنظرة جامدة وقال:
"أنا مش مهتم أقنعك بأي حاجة لأنك من اللحظة دي خارج اهتماماتي."
ومضت تنظر بقوة داخل عينيه وتقول بلهجة متلثمة:
"بس أنا عايزة أفهم معنى كلامك ليا؟ إنت مين يا تليد؟ ويعني إيه ربتني وأنا صغيرة وليه إنت اللي تسميني مش أهلي؟ واصلًا لو إنت شخص مقرب لبابا ليه مظهرتش غير في الأيام دي؟ وليه بابا مجابش سيرتك قبل كده؟"
كانت نظراته نحوها تتسم بالقسوة في فحواها، حتى أنه تابع ببرود حول نهمها للحقيقة:
"امشي يا آنسة ومض.. اعتبري اللي أنا قولته كلام فاضي وبمجرد ما أخرج من هنا هيحصل الطلاق واعتبريني شخص عابر وراح لحاله."
"بس إنت قولت إنك مش عابر."
اِفتر ثغره عن ابتسامة باهتة ورد:
"يا بنتي إنت مش طول الوقت شايفاني كداب، إيه اللي جد؟ مش معقول تصدقي كلامي دلوقتي يعني!"
وهي تسرع بالتقاط كفه قائلة ببكاء منهار:
"أبوس إيدك لمرة واحدة بس ريحني، تقصد إيه بكلامك؟ يعني إيه إنت اللي أهلي مش هم؟ هو أنا مش بنتهم؟"
ارتجفت نبرة صوتها في ألم عظيم. أراد أن يريحها من كثرة التفكير فقال بصوت هادئ صلب:
"لأ مش بنتهم.. بنتي أنا.."
سكت لوهلة ثم تابع:
"أقصد إنك في نظري بنتي قبل ما تكوني مراتي.. أنا اللي فرطت فيكِ لأني كنت خايف المجتمع يحكم علينا بالأخوة لو عيشنا مع بعض في بيت واحد.. كنت خايف على قلبي يفتن بيكِ والناس تسن سكاكينهم علينا ويفرضوكِ عليا أخت.. فرطت فيكِ علشان أعرف أعيش مشاعري ناحيتك من غير ملامة.. لكن عمي علام ومراته مش بيخلفوا."
أسرعت بوضع كفها على فمها وعيناها جحظتا في صدمة من تصريحاته. دموعها أشعلت فتيل قلبه، ولكنه رأى أن معرفتها بالحقيقة باكرًا أهون عليها من جهلها بكل شيء عن حقيقتها التي ستعلم بها عاجلًا كان أو آجلًا. اقشعر قلبه واهتز لانهيارها، حتى أنه ود أن يضمها بقوة رغم كل شيء أصابه مذ أن عرفها ووثق قربه منها بعقد قرانهما.
همَّ أن يتكلم مواسيًا إياها، ولكن رجولته التي تأذت من تصرفاتها النزقة منعته.
وفي هذه اللحظة دخل الضابط إلى الغرفة مرة أخرى وقال بحزم:
"آنسة ومض وقتك انتهى، اتفضلي، عايزين نكمل استجواب أستاذ تليد!"
لم تزح مقلتيها عنه، حتى أنها لم تصبر على سؤاله بانكسار:
"أنا بنت مين؟"
رمقها بنظرات مشفقة، ولكن الضابط صرخ فيها أن تخرج. بينما تابعت هي ببكاء واستجداء:
"رد عشان خاطري، وحياة أغلى حاجة عندك!"
أسرع الضابط بمناداة العسكري الذي يقف ماكثًا أمام باب الغرفة، والذي قام بدفعها برفق حتى خرجت معه وهي تردد بإنهاك:
"أنا مين؟؟"
أُغلق الباب فور خروجهما لتنهار قواه فورًا ويضع وجهه بين راحتيه في اختناق كبير. لحظات وطلب الضابط دخول صديقه ليدلي بشهادته حول التسجيل المسرب، وما أن دخل "نوح" حتى تابع "تليد" بالتقاط أنفاس:
"نوح روح ورا ومض.. ما تسيبهاش لنفسها!"
أومأ بتفهم وبدأ يدلي بشهادته التي لم تختلف البتة عن كلام ومض التي أفصحت به قبل قليل. وفي النهاية استأذن مقدرًا مشاعر صديقه المرتجفة خوفًا على حبيبته.
عادت من شرودها وهي تجد فتاة تقف أمامها وتحتضن مجموعة من علب المناديل التي تبيعها وتكسب منها قوت يومها.
رمقتها الفتاة بحزن جلي في لمعة عينيها تضامنًا مع ومض ثم قالت بصوت طفولي هادئ:
"إنتِ ليه بتعيطي؟"
كمن جذبها عنوة إلى جنباته وأخبرها أن تفرغ ما في جعبتها من طاقة سلبية دفينة، فأجهشت بصوت أعلى تبكي بحرقة. فيما أسرعت الصغيرة بوضع العلب جانبًا ثم التقطت واحدة منهم وأخرجت منها منديلًا وراحت تقربه من جفن الأخيرة تمحو العبرات الساقطة منها وهي تقول بتأثر:
"متزعليش، كل حاجة هتكون كويسة."
لم تهتم ومض بكونها تتحدث إلى طفلة صغيرة، فكل ما كان يهمها في هذه الأثناء أن تتدفق أوجاعها للخارج حتى تهدأ قليلًا. قامت بالتقاط المنديل من الصغيرة وراحت تكفكف دموعها وهي تقول بصوت متألم:
"بس أنا زعلانة.. أنا مش عارفة أنا مين ولا مين أبويا وأمي!"
الفتاة بحزن تربت على كتف ومض برفق:
"أنا عارفة مين أبويا وأمي وبردو زعلانة؛ لأنهم مش راضيين يخلوني أتعلم ولا أكون زي باقي البنات."
توقفت ومض عن البكاء في محاولة للتريث والتفكير بعقلانية، حتى وصلت إلى حل منطقي وهي أن تتوجه إلى والديها وتطلب منهما الحقيقة دون مواربة.
"صحتك زي الفل يا شيخ سليمان، عايزك بس تهدى والاستغفار كل حاجة هتتحل."
أردف الطبيب متحدثًا إلى سليمان الذي ينام في فراشه في إعياء. وما أن وجدتهم سكون على هذه الحالة حتى استغاثت بكاسب الذي جاء ومعه الطبيب في الحال.
فركت سكون كفيها وهي تقول بقلق:
"يعني هو كويس يا دكتور؟"
الطبيب بتأكيد:
"شوية هبوط في الدم تسبب في الإغماءة دي ولكن العلاج اللي أخده هيريحه تمامًا."
كاسب بامتنان:
"شكرًا ليك يا دكتور، شرفتنا."
قام كاسب باصطحاب الطبيب للخارج، بينما جلست مُهرة بجوار الفراش وبدأت تتابع وضع حالته بنفسها وقررت أن يظل تحت عينيها حتى يستعيد عافيته.
فيما ظلت شروق تتحرك في الغرفة ذهابًا وإيابًا وقلبها يلتاع قلقًا على صديقتها، حتى أنها تواصلت مع والديها ولم تكن بالمنزل وهي لا تعلم ما الذي حدث بعد لقائهما وأين ذهبت.
فيما أخذت سكون موقفًا مضادًا لشقيقتها وأصبحت ناقمة على تصرف ومض الطائش وتسببها في سجن ابن عمها وتعب الشيخ ونومه في الفراش.
زوت سكون ما بين عينيها في غيظ وراحت تقول وهي تتوجه بحديثها إلى شقيقتها:
"عايزة أفهم إنت مالك قلقانة عليها كده ليه؟ إنت مش شايفة هي عملت إيه في عمي وتليد؟"
احتل الحزن قسمات وجه شروق التي فضلت الصمت عن إجراء نقاش غير مجدي مع شقيقتها وهي تعلم تمامًا عدم حبها للأخيرة.
التفتت مُهرة إليها ثم قالت بلهجة ثابتة:
"أنا مش مقتنعة إن اللي عمل كده ومض."
سكون وهي ترفع حاجبها وتسأل باستغراب:
"أمال مين؟"
مُهرة وهي تمط شفتيها في حيرة:
"مش عايزة أظلم حد بتخميناتي ولكن والدة ومض مش بتحب أستاذ تليد خالص وأعتقد التصرف ده ميطلعش إلا منها!"
سعل الشيخ بإجهاد ثم نظر إلى مُهرة وقال بهدوء:
"عايز أقعد."
أسرعت مُهرة بالتقاط كفه تعاونه على الاعتدال في نومته حتى تحليه. فيما أسرعت سكون إليهما وراحت تضع وسادة خلف ظهره حتى يشعر براحة تامة أثناء جلوسه.
تنهد سليمان تنهيدة ممدودة بعمق قبل أن يقول بصوت خافت:
"ومض متعملش كده أبدًا بلاش نظلم البنت، ده حتى تليفونها كان من تليد."
مُهرة وهي تشهق بتذكر:
"فعلًا.. تليفونها لسه مع تليد يبقى إزاي هي اللي سجلت الكلام ونشرته على النت؟"
سكون بضيق وانفعال:
"بالاتفاق مع سهير العقربة أكيد!"
أومأت مُهرة سلبًا وهي تقول بنفي قاطع:
"العقربة ممكن لكن ومض متعملش كده ولا تتفق على الأذى."
في هذه اللحظة، دخلت رابعة تحمل صينية الفطور بين يديها. توجهت بها نحو الشيخ سليمان ثم وضعتها على الفراش بجواره وهي تقول بصوت حزين:
"جبت لك حاجة تسند بيها نفسك يا شيخ، إنت من ساعة ما صحيت ومفيش لقمة دخلت معدتك!"
أومأ سلبًا في حزم وقال:
"مش جعان يا ست رابعة وبعدين أنا هستنى تليد لما يرجع وناكل كلنا سوا."
نظرت الفتيات إلى بعضهم البعض في حزن. فيما أكمل حديثه متفائلًا مبتسمًا في هدوء:
"تركت ابني في معية رب العباد وإن شاء الله يرجع لي سالم من كل مكروه."
تصنعت سكون الابتسام ثم التقطت كفه وقبلته وهي تقول بهدوء:
"هيرجع بإذن الله يا عيوني ولكن إنت لازم تاكل حاجة تسندك لأننا منعرفش هيرجع إمتى وعلشان لما ييجي يلاقيك بصحة كويسة؟"
سليمان بابتسامة بسيطة:
"هيرجع الليلة، طمع في رحمة ربنا بقلبي."
الجميع في نفس واحد:
"إن شاء الله."
جاءت سهير على صوت ارتطام باب الشقة بقوة. دخلت ومض إلى الشقة دون أن ينبس ببنت شفة واكتفت أن ظلت تنظر إليهما بعينين حمراوين تدينهما.
تحركت بخطوات هادئة نحو الأريكة ثم جلست عليها في صمت. وفي هذه اللحظة جاء علام مهرولًا ناحيتها وهو يقول بقلق:
"كنتِ فين يا بنتي قلقتيني عليكِ، لسه كنت بلبس ورايح القسم لتليد."
سهير وهي ترمقها بحذر ثم تقول:
"شكله كده مطول في القسم."
رفعت ومض عينيها نحو سهير ترمقها بنظرات جامدة قبل أن تقول بصوت متحشرج من كثرة البكاء:
"طبعًا هو ده اللي إنتِ عايزاه مش كده؟ لأنك خايفة منه مش كده؟"
رفعت سهير حاجبها وسألت باستغراب:
"خايفة منه؟"
أومأت وهي تقول فورًا:
"أه، خايفة يصارحني بالحقيقة اللي مخبينها عليا!"
التفتت سهير بنظراتها الجاحظة إلى زوجها الذي ابتلع ريقه بصعوبة بالغة وقد توقف عقله حول ما سوف تصرح به من أسئلة.
تلعثمت سهير وهي لا تزال تنفي ما فهمته من حديث ومض فقالت:
"حقيقة إيه؟"
ابتسمت ومض بسخرية وهي تقول بصوت مكلوم:
"لسه بتجادلي يا سهير هانم! لسه عاملة نفسك مش فاهمة.. حاضر.. هسأل السؤال بوضوح أكتر."
صمتت لوهلة قبل أن تصرخ ببكاء وهي تحول بصرها بينهما:
"أنا مين؟ ومين أهلي؟ وليه أنا مش معاهم؟ وتليد إيه علاقته بطفولتي؟"
في هذه اللحظة، لطمت سهير وجنتيها بقوة ليأتيها الدرس على هيئة سهم أطلقته هي لإصابة خصمها فارتد إليها مرة أخرى والتصق بمنتصف صدرها. حاولت أن تبعده عن سبيل ابنتها بإيذائه فانقلب السحر على الساحر.
ارتجفت أطرافها وهي ترى نظرات ومض الحادة معلقة بهما.
تنهد علام في استسلام ثم تكلم:
"اهدي يا ومض وأنا هفهمك كل حاجة."
سهير وهي تصرخ برفض:
"يفهمها إيه، ومض بنتي أنا ومحدش هياخدها مني، أوعي تسمعي كلام الإرهابي ده! بيحاول يضللك!"
ومض وهي تصرخ باختناق:
"أنا مش لعبة علشان ياخدوني منك أو من غيرك، كفاية تلعبوا بحياتي ومشاعري، أنا ميـــــن؟!"
تحرك علام نحوها ثم ضمها إلى صدره وهو يقول بصوت متهدج أوشك فيه على البكاء:
"أنا آسف، حقك عليا يا بنتي، كنت خايف عليكِ من الحقيقة."
فتحت ومض عينيها المملؤتين بالدموع تنظر إليه ثم قالت:
"يعني أنا مش بنتكم؟"
علام بنبرة منكسرة:
"ربنا ما أنعمش علينا بالذرية يا بنتي بس كافأنا بنعمة وجودك في حياتنا ويعلم ربنا إني محبتش في الدنيا قدك، أنا أبوك اللي رباك يا قلب أبوك."
ما أن أفرغ علام الحقائق من فمه حتى سقطت سهير أرضًا جالسة على ركبتيها تضرب فخذيها بعنف شديد.
أجهشت ومض بالبكاء وهي تقول باستجداء:
"عشان خاطري قول لي مين أهلي، وليه أنا مش معاهم؟ وحياتي عندك يا بابا!"
ضمها علام إلى صدره ثم جذبها حتى جلست على الأريكة وقال بصوت حزين:
"لما عرفت إن ماليش نصيب في الذرية رضيت بقسمة ربنا وقولت الحمد لله ويشاء القدر إن الشيخ سليمان يقول لي إنه عنده بنوتة جميلة أوي مش عارفين مين أهلها وإنها عايشة معاه في البيت من فترة طويلة واقترح عليا اتكفل بيكِ وأربيكِ أنا لأن زوجته كانت متوفية وقتها ومش عنده حد يعتني بيكِ غير ابنه اللي كنت روحه وقتها والآخر نفس فيه مكنش عايز يفرط فيكِ."
"أدي له البنت يا تليد."
طالعه تليد بنظرات مترجية لامعة ثم نحى بصره إليها وراح يتأملها لوقت طويل، ربما يشبع من رؤيتها قبل أن يفلتها من بين يديه كأنها سراب لم يلمسه في الحقيقة.
توجه بها إلى علام الذي شعر بيأس الفتى وهمه، ولكنه تناولها منه بحذر يتأمل براءتها في سعادة متطايرة من معالم وجهه.
تراجع تليد خطوتين قبل أن ينكس رأسه في عجز من إقناع والده عن العدول عن هذه الفكرة.
تكلم سليمان بعد تنهيدة ممدودة بعمق فقال:
"البنت اسمها (أترج) وعندها سنتين وتاريخ ميلادها هتلاقيه في الورقة اللي في الشنطة دي."
ناوله الحقيبة ثم تابع بإيجاز:
"شنطة لبسها ولعبها."
علام يهز رأسه بموافقة أكيدة:
"متقلقش مفيش أي حاجة من المعلومات دي هتتغير يا شيخ سليمان."
سليمان وهو يبتسم بخفوت:
"فيك الخير يا بني."
أظهر علام ابتسامة واسعة تنم عن امتلاكه للدنيا في هذه اللحظة ثم قال بتوتر تجاه الموقف الجديد عليه:
"مراتي مستنية على أعصابها وبتحضر لها الأوضة من ساعة ما بلغتنا، ربنا يرضى عنك يا شيخنا زي ما رضيتنا وأثلجت قلوبنا."
ابتسم سليمان بهدوء ثم قال بثبات:
"دي بُشرة، اعتبرها هدية مني لك، اكرم مثواها وانبتها على الصالح بس يا علام، لو فعلًا مش عايزني أندم على القرار ده."
علام يرد ممتنًا:
"أوعدك مش هخذلك يا شيخنا."
وقف يستمع إلى حديثهما بانفطار قلب ضعيف أصابه الصدع بسهولة. ظل رأسه مطرقًا وقد بَسُر وجهه بألم دفين، إلى أن سمع صوت علام يصيح بحسم وابتهاج:
"استأذنك يا شيخنا!!"
أومأ سليمان في صمت فذهب الأخير وخرج من البيت. سال دمعه المحبوس فور تجاوز علام لعتبة البيت فجرى ورائه ليجده يركب السيارة بسرعة، وهنا خرجت منه صرخة مدوية وهو ينظر إلى السيارة تتحرك مبتعدة.
هرول على الفور خلفها مادًا ذراعه أمامه عازمًا النية على اللحاق بالسيارة وإبلاغ الرجل بتراجعه عن الأمر. بكى شاهقًا وهو يجري بسرعة البرق عله يسترجع حلمه الذي يبتعد كل ثانية عن مرأى عينيه.
"استنى.. رجعها تاني.. رجع لي أترج."
لم يلتفت أحد إلى صوت صياحه المكلوم وبكائه المنهار، حيث رأى أنه يحارب وحده للحصول على "صغيرته الضائعة". أخذ صدره يعلو ويهبط في قوة وخفقان عالي ليجد نفسه يتعرقل فجأة ثم يسقط على الأرض بقوة لترتطم رأسه بحجر كبير أدى إلى إصابة حاجبه بشق بليغ ينزف الدم منه بوفرة. فأسرع سليمان به إلى العيادة الطبية وقام بتخييطه قبل أن يتلوث الجرح أو ينتكس.
فاق علام من هذه الذكرى المؤثرة التي رجت قلبه ولم تفارق ذاكرته للحظة، حتى أنها كانت السبب الأقوى في تزويجه ومض بدون تردد أو خوف حول مستقبلها المجهول.
ابتعدت ومض قليلًا عنه ثم سألته باختناق:
"يعني أنا كنت عايشة مع عمي سليمان وتليد قبل ما تاخدوني؟"
أومأ إيجابًا فنكست ذقنها بآلام عدة لا تفارق جسدها كله. تنهدت تنهيدة طويلة قبل أن تقول بصوت واهٍ:
"عمي سليمان يعرف أهلي؟"
أومأ آسفًا حول جهله بإجابة هذا السؤال واكتفى بأن ضمها إلى صدره مرة أخرى وقبل جبهتها بحب كبير. بينما توجه بصره إلى سهير يرمقها بنظرات حادة يعزم النية من خلال هذه النظرات على أمور كثيرة، خاصة بعد تأكده أن ابنته ليست الفاعلة ولم تقم بإيذاء تليد أو تلويث سمعته وتأكد أن زوجته هي من فعلت وأن تليد لم يقل الحقيقة إلا بعد أن فاض به. وكانت هذه المكيدة التي افتعلتها زوجته رحيمة به وبالجميع فلم تُصب إلا صاحبها وشكر الله في نفسه أن ابنته علمت الحقيقة التي ود بشدة أن يخبرها بها وتمنعه زوجته في بكاء واستجداء.
في هذه اللحظة قرر أن يصطحب ومض إلى غرفتها وطبطب على قلبها ببضع كلمات جعلتها تهدأ ثم طلب منها أن تسترخي في الفراش قليلًا وأن يكون للحديث بقية.
أغلق ضوء الغرفة ثم خرج.
انتظرت خروجه من الغرفة وتأكدت أنها أصبحت وحدها تمامًا. كفكفت دموعها بظهر كفها ثم نهضت مرة أخرى وهي تتجه إلى خزانتها ثم فتحتها على الفور والتقطت صندوقها المقرب إليها.
قامت بحمله إلى أن وضعته بجوارها على الفراش ثم فتحت القفل وبدأت تنظر إليه للحظات قبل أن تمد يدها داخله وتلتقط الدمية المخيطة بشكل منمق من قميص رجالي أنيق. ثم قفز إلى عقلها الميدالية التي سقطت من جيب سترته المطرز عليها حرفه والتي تكملها ميداليتها.
نظرت مجددًا داخل الصندوق ثم التقطت الميدالية الخاصة بها وراحت تتأملها بحيرة وتيه؛ فكل الدلالات تؤكد حديثه الصادق معها. الميدالية ورؤيتها له في الماء واعترافه بهذا الموقف وهذه الدمية بين يديها.
أسرعت بوضع كفها على صدرها الذي ينبض في حرقة ولأول مرة لا تستطيع التمييز حول الشعور الذي ينبض داخلها. لا تعلم ولكنها رقت لرقة قلبه حتى أنها تود الآن أن ترمي بين ذراعيه وتبكي لأنه الوحيد الذي سيفهم عليها. ولكنها هذه المرة لن تستغرب معرفته الجيدة بها؛ فهو من تربى على يده وأحبها رغم الفقد.. رغم كل شيء حال بينهما. تشعر بندم يلتهم خلجات نفسها كلما نظرت إلى هذا الصندوق وهذه الدمية.
هبت واقفة في مكانها ثم توجهت إلى الدولاب مرة أخرى وقامت بإخراج السترة التي دسستها عن الأعين حتى تعرف صاحبها. أسرعت بارتدائها ثم أخذت الدمية والميدالية وخرجت فورًا من الغرفة.
توجهت إلى غرفة والديها ثم طرقت الباب بقوة وما أن فتحه والده الذي ظهرت على ملامحه معالم الضيق وبدا أنهما يتشاجران، ولكنها لم تعد تبالي بشيء.
رفعت الدمية أمام وجه علام ثم سألته بمشاعر مرتبكة:
"مين عمل لي دي؟ هو صح؟"
ابتلع ريقه على مضض وهز رأسه دون أن يتفوه بكلمة. هرولت من أمامه حتى توجهت إلى باب الشقة وخرجت على الفور دون أن تأبه لندائه أو سؤاله عما تفعله أو أين وجهتها.
بقي تليد حاليًا في غرفة الضابط المسؤول عنه طوال اليوم لعدم وجود أدلة تدينه وجرت التحريات عنه على أكمل وجه كما أن ملفه الشخصي نظيف لا يشوبه شائبة. وبدأت التحريات تستخلص أن الأمر ليس سوى مكيدة للإيقاع بشخصية مرموقة مثله من أجل مصالح شخصية. ولكن براءته جاءت في وقتها تمامًا حينما وصلهم التسجيل الحقيقي وتأكدوا أن ما قاله تليد نصًا موجود في التسجيل وإن الأمر كان يتعلق بالعائلة وليس كما نسب له.
"اتفضل يا أستاذ علام، استريح!"
تنهد علام بهم كبير وهو يجلس على المقعد المواجه لمقعد تليد. التفت ببصره إلى الضابط حينما سأله عن كيفية الحصول على التسجيل:
"تليفون المدام عندي كان مخترق يا طارق باشا وبالصدفة لقينا التسجيل على تليفونها."
قطب طارق ما بين حاجبيه ثم رد باستنكار:
"وبالنسبة للتسجيل اتسجل لوحده ولا المدام اللي سجلته؟"
نكس علام رأسه بإحراج واكتفى بالصمت. فيما تنحنح تليد بعد أن فهم الأمر فقال بثبات:
"زي ما قلت لك دي مشاكل عائلية وإن الموضوع ملوش علاقة لا بسياسة ولا إرهاب فيما يخص والدة مراتي فدي أمور هتتحل بشكل عائلي وأنا متنازل ومش ناوي آخد أي إجراء."
تفهم طارق للوضع الذي يعيشه الأخير ومدى الجدية التي ملأت حديثه. حاول علام إنقاذه بكل ما استطاع وقدر له تليد ذلك ولم يحاول أن يعرضه للمساءلة أو الحرج.
أنهى تليد كافة الإجراءات واعتذر منه الضابط معللًا أنها وظيفته ولا يمكن التهاون في القرارات الصادرة له. وقد تفهم تليد وجهة نظره وتوجه مع نوح وعلام خارج القسم.
وقف الثلاثة أمام سيارة نوح فيما التفت تليد ببصره إلى علام وقال بصوت هادئ:
"شكرًا يا عمي."
علام بحزن:
"أنا اللي آسف يابني على كل اللي عيشته بسببنا!"
تليد بثبات:
"متعتذرش، كل حاجة وليها سبب، أنا عايز أبلغك بقراري وياريت تفهمني!"
خمن علام ما يود الأخير قوله، اضطربت أنفاسه وشعر بالحزن يلتهم قلبه. فيما تابع تليد بصوت مخنوق:
"أنا كلمت المأذون وجهز ورق الطلاق.. واقفين على الإمضاء بس."
تدبر علام ابتسامة واهية ثم ربت على كتف الأخير وقال بصوت مخنوق:
"حقك يابني.. مقدرش ألومك."
تليد بتنهيدة حارة:
"بكرة إن شاء الله!"
أومأ علام باستسلام ثم استأذن وغادر في الحال.
تنحنح نوح ثم تابع بصوت هادئ:
"تليد، إنت واثق من القرار ده؟"
تليد بلهجة حازمة:
"مية بالمية يا صاحبي."
ساد الصمت بينهما للحظات ثم تابع تليد مرة ثانية:
"يلا بينا على المزرعة."
نوح بصوت ثابت وهو يركب السيارة:
"لا هوديك الشقة تغير هدومك علشان مينفعش الشيخ يشوفك بالمنظر ده وبعدين نروح على بيت المزرعة."
هم تليد أن يعترض فقطع همهماته صوت نوح يقول مجددًا:
"أنا كلمته وقولت له إنك خرجت، متقلقش عليه، مُهرة وشروق وسكون وخالتي رابعة معاه."
ركب تليد إلى جواره ثم زفر بإنهاك وقال مستسلمًا:
"تمام.. أنا فعلًا محتاج آخد دش سخن وأفوق."
تنحنح نوح للحظات قبل أن يتكلم بملامح ثابتة يلوم صديقه من خلالها:
"تليد.. فكر تاني قبل حوار الطلاق ده.. إنت روحك فيها!"
تنهد تليد تنهيدة ممدودة بعمق قبل أن يقول بحنق:
"فكرت ولقيت إن مبقاش ينفع أتجوز واحدة مش عايزاني."
نوح بامتعاض يحتج:
"طيب ما هي طول عمرها مكانتش عايزاك ورغم دا اتجوزتها، إيه اللي اختلف!"
تليد بثبات:
"اللي اختلف إني كنت غلطان وبصلح غلطي، طاوعت قلبي وتمسكت بكلام عمي علام ولقيته فرصة أحقق بيها حلمي معاها. قلبي مش بيكبر يا نوح.. لسه واقف نموه عند اللحظة اللي أخدوها مني فيها.. أول مرة أدوق طعم الحب كان على إيديها وأول مرة أدوق الغدر كان على إيديها برضه."
نفخ نوح بضيق وقال:
"بس ومض مغدرتش بيك، إنت عارف كويس أوي إن مش هي اللي عملت كده، إنت ناسي إن فونها معاك."
تليد بابتسامة باهتة:
"غدرت بيا لما أحلت لنفسها تكلم راجل أجنبي عنها وهي على ذمة راجل تاني. كان لازم أفهم إنها متنفعش من ساعة ما كانت عايزة تبات مع راجل غريب عنها في بيته لوحدهم."
أوقف نوح السيارة على الفور حتى أصدرت صريرًا عاليًا ثم قال بحنق:
"حرام عليك يا تليد.. متبقاش إنت والزمن عليها.. بلاش كلامك ده لأن معناه مش حلو خالص ومش تليد اللي يفكر في بنات الناس كده."
اقشعر قلبه فأغلق عينيه فورًا وهو يشعر بألم ضار يغزو منتصف قلبه وبصوت مهزوز رد:
"اتكسرت.. عارف يعني إيه راجل يتكسر ولا لأ! عارف يعني إيه أعيش عمري كله على ذكرى بنت وأول ما أطولها تضربني بالسكينة في قلبي!"
لمعت العبرات في عينيه فقاوم مشاعره المضطربة صامدًا ينظر إلى النافذة. فيما قرب نوح كفه وراح يربت على كف الأخير وهو يقول بتفهم:
"أنا فاهم كل كلمة بتقولها.. بس أنا عارف بردو إن راحتك مش في الطلاق.. إنت أعقل من إنك تشوف الحل في الطلاق وأتمنى تدور على حل فيه راحتك وراحتها!"
تليد بأسف وحزن:
"ربنا الميسر إن شاء الله."
في هذه اللحظة، توقف نوح أمام العمارة فترجل تليد من السيارة على الفور ثم قطب حاجبيه وهو ينظر من نافذة السيارة ثم يقول باستغراب:
"ما تنزل يابني.. إنت مستني عزومة ولا إيه؟"
نوح بتنحنح:
"عقبال ما تاخد دوش أكون جبت حاجة ناكلها وراجع."
تليد باستسلام:
"ماشي."
توجه إلى العمارة وقرر أن يستقل المصعد الكهربائي هذه المرة رغم تفضيله صعود الدرج على قدميه. بدأ يدعك جبينه في إرهاب وتعب وما أن انفتح المصعد حتى وجدها تجلس أمام باب الشقة في حالة مزرية تمامًا.
خرج من المصعد واقفًا أمامها فالتقت أعينهما للحظات وكلًا منهما يرسل مراسيلًا عدة بنظراته. كانت عيناها تلمعان بانكسار وألم، بينما نظر هو إلى سترته التي ترتديها والدُمية التي تحتضنها فقال في دهشة:
"إنتِ بتعملي إيه هنا؟"
ظلت جالسة في مكانها بينما تنهمر الدموع على وجنتيها وهي تقول بشهقات يتقطع لها نياط القلوب:
"سامحني يا تليد."
انتفض قلبه بين ضلعيه مع كل دمعة تذرفها. تنهد تنهيدة ممدودة بعمق قبل أن يقترب من باب الشقة ثم يفتحه وهو يقول بثبات:
"ارجعي بيتك يا آنسة ومض، إن شاء الله بكرا هننفصل، أنا بلغت والدك بالمعاد."
هبت واقفة في مكانها وهي تقول بترجّي:
"بس أنا عايزة أكمل معاك.. صدقني بقى مش أنا اللي سربت الريكورد.. والله العظيم يا تليد ما أنا!"
تليد بلهجة شديدة:
"ومش إنتِ بردو اللي كلمتي راجل غريب ومعملتيش حساب للراجل اللي إنتِ على ذمته؟"
لم يمنحها فرصة الرد فدخل الشقة ثم قال بلهجة ثابتة:
"ارجعي البيت يا ومض ونامي براحة تامة واحلمي بحريتك اللي هتنوليها بكرا.. افرحي إن الإرهابي مش هيبقى موجود في حياتك تاني."
هرولت خلفه داخل الشقة. أولاها ظهره فور انتهاء كلامه يضع مفاتيحه وهاتفه على الطاولة فوجدها تلتصق بظهره وتلف ذراعيها حول خصره بقوة وبنبرة باكية تقول:
"مش قادرة أقاوم كل الوجع ده لوحدي.. خليك جنبي!"
ثارت نفسه شوقًا إلى قربها منذ سنوات حتى أنه يتوق للصفح وبداية صفحة جديدة تمامًا، ولكنه لم يتعلم التهاون في حق قلبه الذي هان عليها. دعك جبينه بحيرة وهو يشعر بأنفاسها المضطربة ترتفع وتخفض بالقرب من أذنيه.
أسرع بوضع كفيه على راحتيها المتشبثتين على خصريه في محاولة لإبعادهما. دفع راحتيها عنه ثم استدار بوجهه ناحيتها وقبل أن يتفوه بكلمة وجدها تحتضنه بكل ما أوتيت من قوة وهي تدفن وجهها في صدره مرددة بصوت متقطع من شدة البكاء:
"أنا حاسة باليتم يا تليد.. احضني زي زمان.. ادعمني لأني مش قادرة أقاوم الوجع!"
ابتعدت عنه قليلًا ودموعها تسقط أنهارًا ثم رددت وهي تلتقط كفه ثم تضعه على قلبها:
"هنا بيوجعني.. متسيبنيش لنفسي وللوجع يا تليد.. أنا خايفة."