تحميل رواية «رحماء بينهم» PDF
بقلم علياء شعبان
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
هل جربت ذلك الشعور يومًا؛ حينما يجعلك الله سببًا في إحياء حياة شخص رأيت موته بأم عينك؟! هل جربت أن تكون لحياتك معنى وأنت ترى تلك الروح التي أنت طوق نجاتها تحوم حولك من جديد!!! نقطة من بداية السطر. سبب لبداية حياة جديدة كادت أن تفنى. مشهد جعل كيانه يهتز بصدع حتى تعلم لأول مرة معنى غياب الأمان ووجود أرواح سيئة تشاركه في هذا العالم الذي انحصر دومًا في والده، دروس الدين المحببة إلى قلبه وممارسة هواية السباحة الأكثر شغفًا في حياته على الإطلاق. طفل صغير عاش في بلدة قروية بسيطة تبدأ حدودها مع بداية قنا...
رواية رحماء بينهم الفصل الحادي عشر 11 - بقلم علياء شعبان
(رُحماءٌ بينهم)
]]الفصل الحادي عشر]]
“ كمثلِ الأُترُجَّةِ".
•••••••••
"مُصابة بالحيرة تتلوى داخل أروقة متاهتها، هل تُراها لعبة بين أيدي الجميع أما أن الضياع والحيرة هما طرفي النجاة!".
••••••••
زفرت باختناق وهي ترصد مرور السيارات بجوارها تتسابق معهم ويتسابقون معها في سباق لم يُرتب له في الأصل ولا يوجد له نهاية للفوز أو لجنة تحكيم مجرد أنها راحت تجري بين السيارات بجنون رهيبٍ فظن الناس بأنها تثير حنقهم لإظهار موهبتهم في القيادة بينما عقلها كان في منطقة بعيدة تستقر فيها شقيقتها الحبيبة والتي جاءها اتصالًا منها تُخبرها بخوفها المُريب من البقاء في ذلك المنزل وفي الحال أسرعت "سكون" لتخليص شقيقتها بصورة عاجلة وهي تنوي داخل نفسها أن تصب عليهم جميعًا جام غضبها قصاصًا لكُل عبرة انهمرت من جفون الأخيرة تشق الطريق إلى وِجنتيها، تنهدت تنهيدة ممدودة بعُمقٍ ثم تمتمت بحُرقة:
-فين البوابة بتاعة البلد الملعونة دي؟؟
راحت تدور بعينيها في المكان تبحث عن لوحة استرشادية تدلها على الطريق الصحيح للدخول عبر هذه البلدة، ضربت مقود السيارة بقبضتها وراحت تركن سيارتها على جنب قاصدة العزم على الترجل وسؤال الناس عمَّا تبحث، في غضون ذلك صدح هاتفها عاليًا واستبينت ماهية المتصل وكان والدتها:
-أيوة يا ماما!
أردفت "سكون" بصوت حانقٍ فيما سألتها "نبيلة" بلهفة قلقة:
-وصلتي ولا لسه؟!
سكون وهي تتفقد المكان من حولها بنظرات مدققة:
-تايهة تقريبًا مع إني مشيت على الـGPS ، بس مش فاهمة في أيه؟!
نبيلة وهي تجيبها بقلق بالغٍ:
-أنا قولت من الأول مكنش ينفع تروحي لوحدك.
ضغطت "سكون" أسنانها ثم باشرت حديثها الناقم:
-مين اللي كان هيروح معايا؟!.. بابا مثلًا! بابا اللي مش فارق معاه أي حاجة.. أنا مش هسيب أختي في محنة وأقف اتفرج علشان بابا أمر بدا.. سلام.
أغلقت على الفور دون أن تتلقى إجابة والدتها، تلفتت حولها قبل أن تركل إطار السيارة بيأس ثم تخرج زفيرًا حارًا يمتليء بكُل ما يستقر داخلها من طاقة سلبية مقيتة، قررت ألا تقف مكتوفة الأيدي وأن تسير بضع خطوات علها تجد دليلًا يعينها على الوصول في هذه الصحراء الشاغرة، بادرت بغلق السيارة جيدًا ثم سارت بشكل مُستقيمٍ مُحاذيةً للطريق وما هي إلا لحظات حتى وقعت عيناها على رجل يقف بجوار سيارة من الواضح أنها له وقد تعطلت منه في الطريقة، سارت إليه فورًا ربما يساعدها إن كان من المنطقة، وصلت إليه بينما هو مُنشغلًا بتصليح السيارة، تنحنحت "سكون" بصوت هاديء جعله يستدير نحوها رامقًا إياها بنظرات متسائلة؛ فتابعت ترد على إشارات عينيه المُستغربة لوقوفها أمامه:
-آسفة لو ضايقت حضرتك بس أنا مش من هنا وشكلي توهت.
انتصب واقفًا على الفور وراح ينفض الغبار عن ملابسه فاتضح لها في هذه الوهلة أنه ربما يكون المُصلح ويظهر ذلك بوضوح على ملابسه المُهترئة المليئة بالشحم، أومأ بثبات ثم قطع استنتاجاتها وقال بصوت أجشٍ:
-عايزة تروحي فين بالظبط!
ردت "سكون" بسرعة:
-قرية (......).
استقبل كلامها بإيماءة خفيفة وراح يرفع ذراعه مُشيرًا به إلى بركة مياه تفصل بين المنطقة التي يقفون بها وأخرى على الجانب المقابل وثمة مَركب صغيرة تتحرك لنقل الناس على الجانبين، زوت "سكون" ما بين عينيها ثم نطقت بتوجس:
-علشان أروح القرية لازم أعدي المركب دي؟!!
أجابها بإيجاز قبل أن ينزل على ركبتيه مرة أخرى ويواصل ما بدأ فيه من عمل:
-بالظبط.
رمقتهُ باستنكار وراحت تنظر إلى المركب تارة وأخرى إلى سيارتها التي تقف وحيدة دون رقيب وهي في حيرة شديدة من أمرها، تنحنحت بحرج قبل أن تسأله مرة ثانية:
-بعد إذن حضرتك، الناس اللي معاها عربية بيوصلوا للقرية دي إزاي!!
رد بثبات دون أن يلتفت لها:
-في مدخل للقرية ولكن إنتِ اللي مشيتي في اتجاه غلط.. وطبعًا لو بتفكري تسألي على المدخل تكوني بتضيعي وقت لأنها لفة طويلة أوي.
تنهدت "سكون" بيأس ثم سألته باهتمام:
-طيب حضرتك موجود هنا لوقت طويل تتكرم وتاخد بالك من عربيتي لحد ما أرجع؟ وهديك اللي إنتَ عايزه.
التفت إليها نصف التفاتة ثم قال بصوت جافٍ:
-سيبيها.
أومأت بهدوء ثم شكرته ببضع كلمات قبل أن تنزل إلى الضفة بتوجسٍ شديدٍ، وصلت بسرعة فوجدت المركب تستقر على الضفة ولكن لا يوجد مُصاحب لها، فظنته ربما يكون داخل هذه الخيمة المصنوعة من القش فتابعت وهي ترتفع بنبرتها قليلًا:
-هاي.. لو سمحت؟ يا صاحب المركب؟؟ في حد هنا يرد عليا؟؟؟
لم تجد إجابة على نداءاتها ولم تجد بُد من الاتصال بعِمران وسب بلدته وعائلته كذلك، كورت قبضة يدها بنفاد صبرٍ ولكنها تماسكت في اللحظة الأخيرة وقررت أن تعود إلى ذلك الشاب مرة أخرى وتطلب منه المساعدة كي تعبر للضفة المقابلة.
عادت بخيبة أمل، ضغطت أناملها سوية قبل أن تهتف بصوت مخنوقٍ:
-صاحب المركبة مش موجود!
سمعت تنهيدة حارة تخرج من بين شفتيه مُضيفًا معها بنفاد صبرٍ:
-يا فتاح يا عليم.
ارتبكت قليلًا حتى رأتهُ يستقيم واقفًا أمامها وبغموضه الغريب يقول حاسمًا لهذا الأمر:
-تعالي ورايا!.
أومأت تطيع تعليماته فتقدم هو وسارت خلفهُ إلى أن وصل إلى المركبة وصعد أعلاها، حدقت أسفلها وهي تجد مسافة مُريبة بين الضفة والبركة ولا يمكن تجاوزها إلى بالقفز فخشيت أن تسقط في الماء فتكلمت بصوت مبحوحٍ:
-حاول تقربها شوية يا كابتن؟
باغتها في هذه اللحظة بإمداد ذراعه لها دون أن ينبس ببنت شفةٍ فما كان منها إلا أن وضعت راحتها بين خاصته وراحت تتشبث بها في حرص وحذر فيما جذبها إليه بقوة جعلتها تصعد على متن المركبة بأمان.
تنفست "سكون" الصعداء وراحت تبتسم له بامتنان فيما بدأ في دفع الحبل إليه المرة تلو الأخرى حتى دفع المركب إلى الضفة الأخرى وما أن وصل حتى تابع بصوت رخيم:
-اتفضلي انزلي.
أسرعت بالنزول فورًا وقبل أن تنصرف من أمامه رددت بصوت هاديء:
-عربيتي أمانة عندك يا كابتن!
حرك رأسه في صمت ثم سحب الحبل عائدًا من حيث جاء.
••••••••••
-أنا هعتمد عليكم في المهمة دي باعتباركم شركة أمن موثوق منها يا عارف.
أردف "عثمان" بتلك الكلمات في ثبات؛ فأتاه صوت الأخير مُضيفًا بملامة:
-اعتبره حصل يا عثمان، إحنا اخوات ومستحيل أقصر في أي طلب تطلبه.
عثمان بصوت هادئ:
-دا العشم بردو، بس متنساش مش عايزه سواق وبس يا حبذا لو عنده خبرة في القتال والدفاع.
تنحنح عارف بتوجس قبل أن يسأل بفضول:
-تمام.. بس في مشكلة معاك؟
عثمان بإيجاز:
-لأ، مجرد إجراءات احترازية.
تبادلا سوية بعض الأحاديث البسيطة قبل أن يغلق "عثمان" المكالمة معه بعد أن دخلت "نبيلة" غرفة مكتبه، سارت نحوه فتابع بصوت رخيمٍ:
-في أخبار عن سكون؟!
خشيت غضبه فلم تخبره بالحديث الدائر مع ابنتها، أومأت سلبًا ثم تكلمت بصوت مخنوقٍ:
-آخر مرة كلمتها كانت لسه في الطريق.
أومأ في صمت، فيما تابعت "نبيلة" بحزن دفينٍ:
-عثمان، أنا مش قادرة أستحمل الوضع دا.
رفع بصره عن الأوراق الموضوعة أمامه ثم رمقها بنظرة جامدة وقال مُستنكرًا:
-أنهي وضع بالظبط؟!
نبيلة بصوت حانقٍ:
-خصامك مع شروق بنتنا، إنتَ أبوها يا عثمان والضنا مهما غلط بيفضل غالي، على الأقل احتويها مش تحرمها من بيتها وأخواتها؟ هو الوضع دا مش مضايقك؟!!!
عثمان هادرًا فيها بحدة:
-الوضع اللي إحنا فيه دا بسببها.
أغمضت "نبيلة" عينيها باختناقٍ قبل أن تردف بسخطٍ شديدٍ:
-البنت معملتش حاجة تستدعي كُل القسوة دي منك ولا راحت اتجوزت من وراك، إنتَ كنت وليها ورضيت بالجوازة وسلمتها له بإيديك.
عثمان بصوت أجشٍ:
-كل اللي قولتيه صح إلا إني كنت راضي عن الجوازة دي، بنتك كسرت ثقتي فيها لما اختارته وفضلته علينا.
نبيلة وهي تنفي بحُرقة:
-ليه متقولش إنك غلطت لمَّا خيرتها باستبداد بين عيلتها والشخص اللي بتحبه!!!
عثمان وهو يضرب بكفه على سطح المكتب ثم يهدر بصوت جهوريٍ:
-نبيلة!
في تلك اللحظة، استقامت واقفةً في مكانها ثم تكلمت بشجاعة لم تعهدها من قبل:
-زمان كُنت بتحبني وبتتمنى لي الرضا ولا نسيت عملت أيه علشاني!!، بس دلوقتي الفلوس غيرتك يا عثمان.. غيرتك لدرجة إنك بتقسى على عيالك وبتنام على فرشتك بضمير مستريح.
سكتت هنيهة قبل أن تهتف بحزم:
-أنا رايحة أشوف بنتي وهجيبها معايا القصر، ولا هتطردنا وقتها؟!!!
كور "عثمان" قبضة يده ثم زفر بقوة فوجدها تتجه نحو باب الغرفة وقبل أن تخرج منه أوقفها قائلًا بصوت حازم:
-مفيش داعي تروحي.. أنا هكلمك سكون تجيبها معاها.
استدارت "نبيلة" تقابله بوجهها مرة أخرى فوجدته يتحرك نحوها فأسرعت بالارتماء بين ذراعيه تبكي بصوت عالٍ.
•••••••••••
أنجزت إعداد الطعام بالقصر ثم استأذنت للذهاب باكرًا وكان زوجها بالخارج يقضي مهمة عاجلة طلبها منه "عثمان"، اتصلت "سهير" به كي يلحق بها إلى شقتهما بعد انتهائه، طرق الباب بصورة عاجلة وهو لا يستبشر خيرًا بعد اتصال سهير به، ابتلعت "سهير" ريقها بصعوبة بالغة قبل أن تتجه إلى الباب وتفتحه على مضض.
أسرع "علام" بالدخول وقبل أن تتكلم تابع هو بصوت قلق:
-خير يا سهير؟
تلاحقت أنفاسها المُضطربة قبل أن تتكلم بتلعثمٍ:
-بنتك سابت البيت ومشيت وقافلة تليفونها!.
قطب ما بين حاجبيه ثم هتف صدمةً:
-نعم؟! وليه؟! بسببي!!!
أومأت سلبًا قبل أن تضيف بتوترٍ:
-بنتك اتخانقت مع عثمان بيه وضربها بالقلم وخيرتني بين أني أمشي معاها أو أفضل في القصر!.
قدح الشرر من عينيه قبل أن يقبض على ذراعه ثم يصيح بصوت حادٍ:
-ضربها!! وإنتِ وقفتي تتفرجي عليه وهو بيضربها!!.
سهير وهي تقول بوجلٍ:
-بنتك شتمته يا علام.. وَميض اتجننت خلاص.
تركها على مضض ثم تابع مُستنكرًا:
-شتمته!!.. وَميض متعملش كدا أبدًا.
سهير باختناقٍ:
-عملت يا علام.
علام وهو يرميها بنظرة حادة:
-يبقى عندها أسبابها القوية، الحوار مش قلم، عثمان عمل لبنتي أيه تاني يا سهير؟؟.
أوجدت صعوبة في الكلام وهي تبتلع ريقها بالكاد خاصةً بعد أن التقط ذراعها وراح يضغطه بقوة شديدة، أردفت بخوف:
-بعد ما ضربها حبسها في القصر ورفض إنها تخرج.
علام يستفسر بغضب عظيمٍ:
-وخرجت إزاي؟!.
سهير وهي تتابع بنبرة مُمتعضة:
-اللي ما يتسمى، ابن الشيخ سليمان ساعدها تخرج ومش عارفة عنها حاجة لحد دلوقتي، أنا قلقانة عليها يا علام!.
أزاحها "علام" بقوة من أمامه قبل أن يقول بصوت أجش صارمٍ:
-إنتِ بتضحكِ عليا ولا على نفسك؟! البطن اللي مشالتش لا بتخاف ولا بتقلق يا سهير.
تطاير الشرر من عينيه ثم لفظ آخر كلمات حديثه المُتأجج مقررًا الذهاب حقنًا للدماء:
-ابن الشيخ سليمان دا كان ومازال بيحميها من نفسه حتى، ولو جه في يوم وقال لي عايز أمانتي هديها له من غير تفكير وهكون متطمن عليها معاه أكتر من وجودها معاكِ.
انهى حديثه ثم غادر الشقة وصفق الباب خلفه بقوة وسخطٍ.
••••••••
حل الليلُ وجلب معه كُل اللحظات العصيبة من شوق لغائب وحنين لفان وآهات ومأسي، تلحفت "وَميض" مِعطفًا شتويًا ثقيلًا أهداها إياه الشيخ "سليمان" ثم جلست بجوار الموقد الذي صنعه الشيخ "سليمان" من الحجارة وكذلك جلست "مُهرة" بجوارها بينما يجلس "سليمان" أمام الموقد مُباشرة ويبدأ في إعداد اكواب الشاي الساخن، تنهدت "وَميض" تنهيدة ممدودة بعُمقٍ قبل أن تتكلم بصوت هادئ:
-بس أنا اتفاجئت بيك مرتين يا حاج سليمان!، مرة لما كنت مع شروق والمرة دي.
نحا ببصره إليها ثم ابتسم ببشاشة فتابعت:
-إزاي حد بالبشاشة والسماحة دي كلها ويطلع أخو عثمان السروجي! وكمان إنك أبو أستاذ تليد!.
قهقه "سليمان" ثم قال بصوت عذب:
-ماله تليد بس!
وَميض باستنكار:
-عصبي وخُلقه يادوبك.
قهقه عاليًا اعترافًا منه بخفة ظلها وصراحتها الممزوجة بتلقائيتها، تكلمت "مُهرة" مُعبرة عن رأيها بمرح:
-بالعكس، أستاذ تليد عنده سعة صبغ فظيعة وبشوش زيّ الشيخ بالظبط.
مطت "وَميض" شفتيها ثم تابعت باستسلام لكونهما أكثر درايةً منها بخصاله:
-ممكن.
التقط "سليمان" البراد ثم صب الشاي داخل الأكواب وما أن فرغ حتى قدم لها الكوب قائلًا بصوت دافئ:
-مش ناوية تكلمي أهلك يا بنتي وتطمنيهم عليكِ!!
تغيرت ملامحها المنشرحة إلى أخرى عابسة، التقطت كوب الشاي ثم قبضت عليه بكلا ذراعيها تستمد منه بعض الدفء وراحت تقول بصوت مخنوقٍ:
-مش قادرين يفهموني يا شيخ سليمان، وصل بيهم الحال إنهم يسمعوا الإهانة ويبلعوها علشان لُقمة العيش!!
سكتت لبرهة ثم سألته باهتمام ممزوج بالحيرة والكسرة:
-لُقمة العيش للدرجة دي بتذل يا شيخ سليمان، إحنا بنتعامل على إننا عبيد وبيتقال لنا كدا بالحرف.
ابتسم "سليمان" ثم أضاف متهكمًا على حال شقيقه:
-زمن الرِق والعبودية انتهى من زمان يا بنتي، الاسلام خلانا جميعًا سواسية.
تكلمت "وَميض" تقول بامتعاض:
-بس الطبقية حاليًا بتساوي العبودية زمان، لمَّا صاحب قصر يعتبر مُدبر بيته عَبد وخادم له يبقى اختلفنا أيه عن الجاهلية!!
رفع "سليمان" الكوب إلى فمه يرتشف القليل منه ثم أنزله بهدوءٍ قبل أن يصرح بسلاسة وحنكة:
-الرغبة في الحرية أيام الجاهلية كانت أقوى من السيف المسلول يا بنتي.. العَبد زمان مكانش بالضعف اللي الناس متخيلاه، في عَبد الاسلام قوى نفسه الضعيفة وعَبد عافر علشان يكسب حريته حتى لو هيهد كُل حاجة بتحول دون الحصول على الحرية دي.
وَميض تزوي ما بين عينيها ثم تسأل بحُب استطلاع:
-تقصد إن لونهم أكسبهم صفة الضعف حتى لو مكانوش كدا؟!
أومأ مُجيبًا بصوت هادئ:
-بالظبط وطبعًا كان العَبد بيتكيف على الصفة دي وبيوهم نفسه بيها لحد ما بتتمكن منه لحد ما بيعاصر يقظة بتفوقه.
تنهد بروية قبل أن يتابع:
-تعرفي سيدنا بلال بن رباح؟!!
وَميض بتأكيد:
-مؤذن الرسول طبعًا.
تابع باستطراد:
-كان عَبد لسيد من أسياد قريش وهو أُمية بن خلف، لمَّا عرف عن إسلام بلال فضل يعذب فيه قدام جموع من الناس ظنًا منه إن بلال هيخضع له ويرجع عن اعتناقه الإسلام خاصةً إن معروف عن بلال الضعف وقلة الحيلة ولكن أُمية بن خلف تفاجأ من قوة تحمله لدرجة إنه كان بيتوسل إليه في الخفاء إنه ينصفه قدام جموع الناس علشان مكانة أُمية قدامهم كسيد متتزعزعش.
ابتسم "سليمان" باشتياق لهذه النفحات التي تبعث من ذلك الزمان ثم تابع بهدوء:
-وقتها دار حوار عظيم بين العبد وسيده لمَّا دخل عليه أُمية بعد ما فقد الأمل ويأس إن بلال يسب الرسول فقال له:
-"تقول كلمة لا تخرج عن دينك ولا تبعد بها عن ديني يرضى بها هؤلاء ويرضى بها أولئك، قد مشيت إليكَ باعًا يا بلال فامشي نحوي مثله حتى نكون في الوسط".
رد عليه بلال بمنتهى الصدق والمثابرة وقوة التحمل:
-"ليس بين الحق والباطل إلا الباطل، ولا ينزل الحق قدر إصبعٍ إلا خرج من صفته".
ابتسم "سليمان" بحنين ممزوج باللهفة والغبطة في معايشة هذه اللحظات متمنيًا لو كان يعذب فيصبر نُصرةً للإسلام:
-رفض بلال بن رباح لحد ما انتصر بقوة العزيمة والإصرار على سيده واشتراه أبو بكر وعتقه وزيّ ما تحمل نُصرةً للإسلام فالإسلام كمان نصره ورفع من قدره لدرجة إنه نال حريته وبقى مؤذن للرسول وخاض غزوات في صفوف المسلمين ومش بس كدا وقتل "أُمية بن خلف" في غزوة بدر.
حدقت "وَميض" فيه بشرود وإعجاب كبير؛ فأنهى "سليمان" حديثه مُبتسمًا في بضع كلمات:
-اللي عايزك تفهميه إن العبودية وَهم وطول ما معاكِ الحق متتنازليش بقدر عُقلة إصبع حتى.
مُهرة بانسجام واستمتاع:
-كلامك حلو أوي يا شيخ.
سليمان مبتسمًا بصفاء:
-ربنا يعزك يا بنتي.
تنحنحت "وَميض" قبل أن تقول بتمني:
-لو كُان في منك في حياتي معتقدش إني كنت هحس بالضياع أبدًا، يا بخت كُل أهلك وحبايبك بيك.
باغتها "سليمان" بابتسامة خفيفة قبل أن يطرق برأسه قليلًا ويعيد عبارتها بكثرة على مسامعه ولوهلة شعر بتأنيب الضمير عندما وضعها أمانة في أيدي أناس جعلوها تُعاني مرارة اليُتم ولو لم تفقه هذه الحقيقة، لام نفسه على التفريط بها، فكيف أنها تتمنى مجاورته بشغف كبير ولا تعلم أن هذه الفرصة جاءتها من قبل ولكنها لم تكن تُدرك عن الدنيا شيئًا.
تنهد "سليمان" طويلًا قبل أن يقرر النهوض وهو يقول بصوت هادئ:
-يلا يا عرايس على النوم.
تكلمت "مُهرة" في الحال:
-تصبح على خيغ إنتَ يا شيخ وأنا هتطمن على المزغعة وهمشي أنا ووَميض.
أومأ "سليمان" مُتفهمًا ثم قال بهدوءٍ:
-خلي بالك منها.
مُهرة بابتسامة هادئة:
-في عيني.
نهض "سليمان" وغادر المزرعة إلى بيته المجاور لها، كذلك نهضت كُلًا من الفتاتين وقررت "مُهرة" أن تطمئن على الأوضاع داخل المزرعة وكذلك الماشية قبل أن تذهب إلى بيتها بصحبة وَميض، دخلت "مُهرة" إلى الحظيرة بينما بقيت الأخيرة بالخارج وقررت أن تجوب المزرعة قليلًا إلى أن تنتهي صديقتها التي استأنست بمعرفتها مؤخرًا.
طافت أرجاء المزرعة تنظر إلى حقول الفواكه والخضروات والحظائر التي تملأ المكان، شعرت لوهلة بالسكينة بين أسوار المزرعة وكأنما عاشت هذه المشاعر من قبل، تابعت سيرها دون وجهة مُحددة حتى وقعت عيناها على أرجوحة مصنوعة الأحبال المتينة، تهللت أسارير وجهها سعادةً ودون تفكير هرولت تجلس على متنها وصوت قهقهتها يرتفع رويدًا وهي تجاهد كي تعلو بالأرجوحة عاليًا حتى استوعبت دفعة قوية جعلت الأرجوحة تطير للأعلى ثم صوته يقول بهدوءٍ:
-وكمان قاعدة على المرجيحة بتاعتي من غير ما تستأذنيني!!!
هدأت أنفاسها قليلًا ما أن سمعت صوته، لم تكن تقوى على الاستدارة له فتقدم هو حتى وقف قبالتها مباشرة بمسافة كافية لا تعوق الأرجوحة عن الانطلاق، ابتسمت بإحراج ثم قالت بخفوت:
-أصل أنا بحبهم أوي بس المسؤوليات والشغل بعدوني عن إشباع الجزء دا من شخصيتي.
ابتسم بهدوءٍ ثم أضاف بمزاح:
-خلاص يا ستي كُل ما تحني لطفولتك تعالي اتمرجحي شوية ودا تصريح مني.
تنهدت باسترخاء ثم سكن جسدها على الأرجوحة حتى تباطأت حركتها إلى أن وقفت، ظلت جالسةً عليها ولكنها قالت تستشيره بتوترٍ:
-تفتكر أنا غلطت في حق عمك لمَّا بجحت فيه!!
انطلقت ضحكة عالية من بين شفتيه ثم قال بسخرية:
-اطمني محدش يجرؤ على حق من حقوق عمي، هو بس اللي يقدر يعمل دا.
ابتسمت "وَميض" ثم قالت بنبرة هادئة:
-سبحان الله، البطن قلابة فعلًا، إزاي أبوك يكون أخو عثمان!.. دا مفيش منطق يقبل بالكلام دا أبدًا ولا عقل بشري يصدقه!!
ظهرت ابتسامة ساخرة على جانب شفتيه ثم قال ببرود:
-صدق أو لا تصدق، عثمان أخو سليمان.
نهضت عن الأرجوحة بسرعة ثم اقتربت نحوه وراحت تقف بمحاذاته ثم قالت باستنكار:
-بس دا عينيه كلها شرر وقت ما بيتكلم معاك وكأنه بيتمنى في اللحظة دي يخلص منك.. واضح أوي إنه بيكرهك.
أومأ "تليد" إيماءة خفيفة قبل أن يتابع بحسم:
-الأهم إنه مش بيحاول يأذيني أما أمانيه فتخصه لوحده، فلو أطلع الناس على أماني الناس لما تصافحوا إلا بالسيوف.
أطرقت برأسها لثوانٍ قبل أن ترفع نظراتها مرة أخرى ثم تستدير كي تواجه عينيه وبنبرة هادئة تقول:
-تليد!!
دق قلبه بطرب وصخب، فوقع حروف اسمه على لسانها بمثابة معزوفة عتيقة الطراز، نظرت داخل عينيه بقوة ففعل للحظات قبل أن يشيح بعيدًا وهو يجيبها بعد الاستفاقة:
-خير!
تنهدت "وَميض" تنهيدة ممدودة بعُمقٍ قبل أن تتابع بيأس:
-أنا اتعرضت لحادثة غرق وشوفتك تحت المية وقتها.
تنحنحت بإحراج عندما بدأ صوتها يتهدج بوهن ثم تابعت في محاولة منها كي تصمد:
-أنا حاسة إني أعرفك من زمان، مش مستغرباك ومش مستغربة نظراتك ليا!!
تنحنح "تليد" بخشونة قبل أن يستفسر بتوترٍ خفي:
-مش فاهم، مالها نظراتي ليكِ!
ابتلعت "وَميض" ريقها ببطء ثم تابعت بتوجسٍ:
-كأنك بتملي عينك مني! أو عاوز توصل لي رسالة أنا مش قادرة أفسرها!
حاول أن يتدبر ابتسامة مصطنعة وراح يقول بصوت مازح بينما يُخفي اشتياقًا مُميتًا في جوفه:
-عادي، كُل الناس بتقول لي كدا، دا قبول ربنا بيكرم بيه شخص بيحبه علشان كل الناس تحبه.
وَميض تسأله بحيرة وقلة أمل:
-تقصد إني موهومة.
تليد بثبات:
-بالظبط.
ضغطت "وَميض" على أسنانها في تلك اللحظة ثم هتفت باحتجاج ووعيد:
-أنا عمري ما سلمت دماغي للوهم وقريب هوصل للحقيقة بس وقتها هتكون إنتَ الخسران.
تليد بثقة كبيرة:
-أنا خايفة عليكِ إنتِ صدقيني، أصل أنا قريب لربنا أوي واللي بييجي عليا ربنا مش بيكرمه.
وَميض وهي ترفع أحد حاجبيها ثم تضيف باستخفاف:
-ليه؟ مبروك؟؟؟
تليد بابتسامة هادئة:
-أه؟!!
ضغطت على قبضتها ثم هتفت بسخط:
-لا والله؟ طالما إنتَ بقى مبروك ومكشوف عنك الحجاب، ما تقول لي كدا أي حاجة عني محدش يعرفها غير اسمي بالكامل والكلام الأهبل دا.
صمت لبرهة فقهقهت هي بسخرية ظنًا منها أنه قد عجز أمام التحدي المقرر عليه، رفع "تليد" بصره نحوها ثم قال بثبات:
-ولو قولت لك حاجة محدش يعرفها عنك، هتحلي عني؟!!!
وَميض تصدق على حديثه بتحدٍ:
-هحل.
حدق فيها لفترة طويلة قبل أن ينسى الأسباب التي لا حصر لها كي تباعد المسافة بينهما وفي لحظة اشتياق لها صرح بصوت أجشٍ يتلهف لمناداتها بتلك الحروف الغالية على قلبه:
-أُترُج.. اسمك أُترُج مش وَميض!!!!!!!!!
يتبع
رواية رحماء بينهم الفصل الثاني عشر 12 - بقلم علياء شعبان
أحب الناس إليَّ مَنْ يردوني أمانتي؛ فاعيدوا إليَّ قلبي النابض على قيد عشقها.
كمن سُكب عليه دلو ماء بارد في برد ليلة مُشتتة، كالذي صُلب في ساحة يتساءل عن الجُرم الذي ارتكبه والذي تُرك في صحراء شاسعة وحينما اكتشف الطريقَ الصحيح وجده موغلًا بالرمال المُميتة!!، كان وصف حالها يتأرجح بين الثلاثة؛ فجحظت بعينين ذاهلتين تنظر إليه حينما أخبرها عن سرٍ لا تذكر أن ثمة شخصٌ يعرفه سوى والديها وصديقتها المُقربة؛ فقد أخبرتها والدتها أنها لا تناديها سوى بـ (وَميض) مُنذ الليلة الأولى من وضعها ورغم أن والدها أصر على ذلك الاسم إلا أنها كتمته عن الناس عنادًا به وكانت تحمد الله أنها لم توضع في موقف يهدد ظهور حقيقة اسمها المدون في شهادة ميلادها سوى مرة واحدة حينما ذهبت صديقتها معها لجلب النتيجة بالمرحلة الإعدادية ومن هنا كانت البداية لمعرفة (شروق) بالاسم الحقيقي؛ فكيف عرف هذا به؟! هل أخبرته شروق يا تُرى؟! أنكرت هذا الاستنتاج عن صديقتها ولكنها بقيت في حالة من الفصول والغضب الشديد.
رفعت "وَميض" أحد حاجبيها ثم تساءلت متوجسةً بوجه شاحبٍ فضولي:
- إنتَ عرفت الاسم دا منين؟!
اِفتر ثغره عن اِبتسامة مسترخية أشعلت نيران قلبها الذي يرتجف في ارتباكٍ وصدمة، وضع كفيه داخل جيبي بنطاله ثم قال بصوت هادئ راسخٍ:
- ما إنتِ بنفسك قولتي إني مبروك!!
أسرعت تأخذ نفسًا عميقًا مخافةً أن تصرخ في وجهه حنقًا وتفقد سيطرتها على نفسها وبالتالي تفقد حيلتها الفطنة في الوصول إلى إجابة مشبعة منه على سؤالها وتغذية فصولها وعقلها الذي كان أن يختل، أخذت شهيقًا طويلًا قبل أن تخرجه بهدوءٍ ثم تقول:
- إنتَ فاكرني عيِّلة هبلة؟!، أكيد وصلت للمعلومة دي من حد قريب مني؟!
تليد يرد على حديثها ببضع أسئلة مراوغة:
- إنتِ محور الكون؟! أو أنا أعرفك قبل كدا علشان أدعبس في خفاياكِ وأسرارك؟!! وبعدين حد قريب زيّ مين يعني؟!
وَميض تهتف بتوترٍ واضحٍ:
- شروق مثلًا!!
تليد بابتسامة عبثية ماكرة تخرج من بين شفتيه بأسلوب ثابتٍ:
- أنا وشروق مجمعناش كلام من سنين ويوم ما نتقابل ويكون بينا كلام أكيد مش هسأل عن حد معرفوش يا جن!!
أسرعت بالتصفيق بقوة وهي تقول بنبرة عالية بعض الشيء:
- بالظبط.. جن.. إنتَ أكيد مشغل جن تحت إيدك وبيعرفوك أخبار أي حد عايز تعرف عنه معلومات!!!
تليد يرد ببساطة:
- تمام.
استدار كي يعطيها ظهره ناهيًا هذا النقاش في أسرع وقت إلا أنه وجد راحتها تتشبث بذراعه بقوة ثم ضغطت على أسنانها بغيظٍ جامحٍ ثم صاحت:
- إنتَ رايح فين؟! كلامي لسه مخلصش معاك!
قام بتحرير ذراعها فورًا من تعلقها به ثم تراجع خطوتين للخلف قبل أن يقول بلهجة حازمة:
- دا ميعاد نومي وأحب إنك متعطلنيش يا آنسة!
رمقتهُ بنظرة جامدة قبل أن تقول مستنكرة:
- مالك قرفان من مسكة إيدي؟!
تدبر ابتسامة خفيفة قبل أن يضيف بأسلوب منمق لا يُزعجها:
- خالص، وضوئي اتنقض لأن دي لمسة أجنبية.
كشرت بوجوم ثم تساءلت:
- هي اللمسات فيها جنسيات؟!!
تليد بأسلوب سلس يضيف جدًا في قوله عكس ما يضمر أسفله:
- أه طبعًا، في لمسة أجنبية ولمسة مصرية ولمسة فرنسية يعني على حسب!
عبس وجهه فورًا حينما وجدها تكظم غيظها وهي تنظر إليه بغضب دفين؛ فقال بنبرة ثابتة:
- لمسة أجنبية يعني من واحدة غريبة عني لا هي أمي ولا أختي، وفي لمسة مشروعة وحلال زيّ لمسة أمي اللي معشتش معاها إلا القليل.
تنحنحت "وَميض" بتأثر ثم قامت بوضع كفيها خلف ظهرها وراحت تقول بحسم:
- تمام.. تمام.. خلاص إيدي بقيت بعيد تمامًا.. إنتَ قولتي لي إنكَ مخاوي وبتاع عفاريت مش كدا؟!
تليد بابتسامة ماكرة:
- إنتِ اللي قولتي مش أنا!
مطت شفتيها بطفولة ثم صاحت به:
- لأن استنتاجي مش من فراغ يا أستاذي، وبما إنك مبروك؛ فعايزة أعرف معلومة تانية عني غير الاسم!!
أنهت حديثها ثم بادلته ابتسامة مُتحدية، حرك رأسه يمينًا ويسارًا يبدي إعجابه الشديد بعدم استسلامها وتراجعها، تنحنح بخشونة وهو يتعمق بنظراته داخل عينيها ثم يقول بابتسامة يحفها الحنين واللوعة:
- بتحبي العرايس المتخيطة وعندك منهم كتير ومخبياهم!
انفتح فمها على وسعه دهشةً، راحت تبتلع ريقها بصعوبة بالغة من شدة الخوف قبل أن ترد بتلعثمٍ:
- إنتَ عرفت الكلام دا إزاي؟!!
تليد يتابع بعنادٍ يفوق ما بدأت المعركة به:
- عندك حسنة كبيرة جنب ودنك الشمال، هنا؟!
صرح بهذه الحقيقة أيضًا وهو يشير بأصابعه نحو الجانب الأيسر من وجهها المُغطى، انتفضت أطرافها ذُعرًا وشعرت بأن الدوار قد تمكن من رأسها الذي يدور بشدة، أوجدت صعوبة في التحدث فأسرعت تقول بعد عناء في المحاولة:
- الحقني!!
أوشكت أن تسقط بالأرض إلا أنه لحقها في اللحظة الأخيرة فقام بالتقاط ذراعها ثم سند ظهرها بقبضته وجعلها تسير معه حتى أجلسها مرة أخرى على الأرجوحة، جثا على ركبتيه أمامها، شرعت تدعك جبينها بعد أن داهمه الم لا يُطاق وكانت مُغلقة العينين مما جعله يختلس النظر في ملامحها بقلب مُطمئن فراح يقول بقلق حقيقي:
- حاسة بأيه؟!
أبعدت يدها وراحت ترمقهُ بنظرات فاترة ناقمة:
- إنتَ عملت لي سحر علشان تسكتني مش كدا؟!
تليد بابتسامة مشاكسة:
- أنا أقدر أسكتك من غير سحر عادي.
وَميض وهي تقول بنبرة فاترة لا همة بها:
- وكمان متعدد المواهب؟! إنتَ حقيقي مش طبيعي ويتخاف منك.
ظهرت أسنانه في ابتسامة خافتة جذابة حينما هز رأسه في استسلام ثم تمتم بهمسٍ:
- سبحانه في خلقه.
رمقته بنظرات ناقمة فيما أكمل بثبات:
- أنا مش فاهم، لمَّا إنتِ طرية المشاعر كدا وبتخافي، بتعملي تحديات مش قدها ليه؟!
صاحت به بصوت مخنوقٍ:
- أنا بمية راجل وقادرة أخوض أي تحدي وأكسبه.
تليد بقهقهة ساخرة:
Independent- أوي.
التهبت أنفاسها غيظًا فراحت تشيح عنه بجذعها العلوي ثم تعقد ذراعيها أمام صدرها وتقول بصوت مُحتجٍ:
- غصب عنك.
بدأ يتأملها بدفء حقيقي يداعب مشاعره المكبوتة نحوها رغم ما يسره في نفسه من أخرى فيَّاضة لها، تذكر حينما كان يأتي لها بطبق الطعام ثم يطرق بالملعقة على حافته فتتهلل أسارير وجهها كأنما تستمع إلى موسيقى تمنحها الحياة؛ فكانت تصفق ببراءة ثم تحبو نحوه إلى أن تجلس أمامه مُباشرة وتبدأ في فتح فمها بلهفة فيضحك ملء شدقيه ثم يطعمها حتى تشبع ثم تصعد إلى حجره وتنام بينما يتأمل هو تلك الشامة المُستقرة وراء أذنها اليسرى وهو يطبطب على ظهرها كي تحصل على نومة مُريحة؛ لقد كان لها الأبَ وكانت له المسعى الوحيد نحو حياة بلا وحدة فلمَّا غابت عن عالمه ظل والوحدة صديقين لا يفترقان.
- أستاذ تليد؟!
نظرت إليه بريبة حينما شرد في طفولتهما فراح يحدق فيها بلا وعي وهذا ما جعلها تتنحنح بتوترٍ خفيفٍ ثم تقول:
- أستاذ تليد، في أيه؟!!
لكزته بكوعها في جنبه فاستفاق فورًا وراح يقول بلهجة هادئة:
- بقيتي أحسن؟!
أومأت دون أن تتكلم، وفي هذه اللحظة، جاءت "مُهرة" تتفقد ما يجري بينهما فوجدت "تليد" يجثو أمامها بينما تتأمله هي بنظرات طويلة، تنحنحت "مُهرة" بهدوءٍ فالتفت "تليد" إليها على الفور ثم نهض من مكانه في الحال وقال بصوت هادئ:
- آنسة وَميض فقدت اتزانها، خديها للبيت علشان تنام كويس.
أومأت "مُهرة" بتفهم فيما هزت "وَميض" رأسها باحتجاج وقالت:
- أنا عايزة أنام في مزرعة الشيخ سليمان، هكتشف المكان الأول وبعدين أختار أوضة أنام فيها لحد الصبح.
قطب حاجبيه قبل أن يقول بلهجة حازمة:
- أيه شغل أليس في مدينة العجائب دا؟! هنا مكان نوم العمال، هنطردهم من سرايرهم علشان إنتِ تنامي؟!
في تلك اللحظة هبت واقفةً في مكانها ثم استدارت وأشارت نحو غرفة معينة:
- بس الأوضة اللي هناك دي مش نايم فيها حد!
رفع أحد حاجبيه ثم قال:
- دي جولة الاكتشاف بدأت من بدري أوي!!، يا ستي دي أوضتي وأنا اللي هنام فيها.
وَميض تضيف باستنكار:
- على فكرة أنا الضيفة ولازم تسعى على راحتي وبعدين ما إنتَ عندك بيت وشقة الله أكبر، باصص في نومتي أنا الغلبانة؟!!
قام بحك ذقنه بأصابعه ثم تابع بمكر:
- مش هسألك عرفتي منين إني عندي بيت لأنه هيكون سؤال غبي، بس السؤال هنا بقى، عرفتي منين إني عندي شقة؟!!
تلجلجت في الكلام بعد أن طال صمتها وراح تقول بتلعثمٍ:
- عادي.. إنتَ ناسي إني صحفية؟! وسمعت كتير إن عندك شقة جنب مبنى الإذاعة والتليفزيون بتتواجد فيها وقت الضغط في الشغل.
أومأ ثم رد بإيجاز وهدوء:
- تمام.. اتفضلي بقى مع مُهرة.. وبكرا بقى عايزك تقولي للدنيا كلها إن تليد السروجي وحش ونوتي بوي (naughty boy ) علشان مرضيش ينيمني في أوضته، يا مثبت العقل والدين.
أنهى كلامه ثم استدار مُبتعدًا عنها، كتمت "مُهرة" ضحكة داهمتها جراء عبارته الأخيرة فيما ضغطت "وَميض" على أسنانها وراحت تقول بنبرة منفعلة:
- أنا هقول اللي أقوى من كدا.. علشان تبقى تتنمر عليا براحتك يا بتاع العفاريت.
حدقت "مُهرة" فيها ثم تابعت بدهشة حقيقية:
- بتاع عفاغيت؟! دا اللي هو إزاي؟!
راحت "وَميض" تضرب الأرض بقدميها شاعرة بالسخط ثم أردفت بلهجة حادة:
- مخاوي جن وعفاريت علشان يكونوا تحت أمره ويقدر يوصل لأي معلومات عن أي حد من خلالهم.
مُهرة وهي تهتف باستنكار:
- الشيخ تليييييييد!!
وَميض تضيف بسخطٍ:
- عارفة إنه ميبانش عليه وبيحاول يظهر قدام الناس على أنه التقي اللي مالوش في السحر وبينهي الناس عنه، بس أنا هفضحه.
أسرعت "مُهرة" بضرب صدرها وراحت تكرر في صدمة:
- الشيخ تليييييييد!!!
وَميض بضيق:
- إنتِ دورك تتفاجئي وبس؟!.. أه الشيخ تليييييييد.
مُهرة بصوت محتج مُستنكر:
- الشيخ تليد ابن حلال وطيب وعشغة عُمغ لا يمكن يعمل اللي بتقوليه دا أبدًا!.
وَميض بحدة:
- وتفسري بأيه إنه قال لي حاجات عن حياتي ومحدش يعرفها غير أمي وأبويا وفي حاجات أمي وأبويا مياخدوش بالهم منها وهو قالها.
حدقت فيها بعينين متعجبتين فيما أضافت الأخيرة بحسم:
- مش مصدقاني.. طيب هو قال لي إن عندي حسنة ورا ودني الشمال.. اتفضلي!
أسرعت بنزع غطاء رأسها ثم كشفت عن الشامة المُستقرة بالفعل في نفس المكان الذي صرح به، اتسعت عينا "مُهرة" في صدمة كبيرة وراحت تهتف بضحكة بلهاء:
- يا مغاغي، دا في حسنة فعلًا!!!
وَميض وهي تبتعد عن موضوع حديثها الأصلي ثم تقول بدهشة:
- مغاغك؟! إنتِ لادغة!
مُهرة بابتسامة عريضة:
- إنتِ لسه واخدة بالك؟!!
وَميض بقهقهة خفيفة:
- أصل مغاغي دي فاجأتني، لو كدا بقى، قولي «مصاحبش الفرافير حتى لو راكبين فراري».
عبس وجه "مُهرة" من توصل الأخيرة إلى أكثر الجمل التي تمقتها، قهقهت "وَميض" عاليًا ما أن رأت عبوسها فيما تابعت "مُهرة" بغيظٍ:
- هلاقيها منك ولا من نوح.
وَميض باستفسار:
- مين نوح؟!
مُهرة بإيجاز:
- صاحب الشيخ تليد، ويلا بينا بقى علشان نعست.
- إنتوا فاكرين إن البلد مافيهاش قانون؟! أنا مش هسكت عن أي أذى أختي شافته من وراكم.
صرخت "سكون" عاليًا يشتعل هياجها وهي تنظر إلى كل واحد فيهم وتخص برسالتها الجميع، رمقتها "تماضر" شزرًا قبل أن تقول بصوت حادٍ:
- أعلى ما في خيلك اركبيه وطول ما إنتِ في بيتنا تتكلمي باحترام ولا البندر معلمكيش الأصول دي!!
سكون وهي ترمقها بحدة ثم تهدر ساخطةً:
- لأ ما إحنا ما بنترباش على الأصول، إحنا بنات بجحة مع البِجح.
أسرعت "شروق" تضع يدها على فم شقيقتها وراحت تهمس مُترجية بالقرب من أذنيها أن تكف عن الرد عليها، استشاطت "سكون" غضبًا من ضعف شقيقتها وإحساس العجز الذي جعلهم يحركونها بخيوط قوية كعروسٍ الماريونت بينما تصمت هي عن أذيتهم تقديرًا لزوجها، أسرعت بالتقاط الحقيبة التي تمتلأ بملابس شقيقتها وباليد الأخرى قبضت على ذراع "شروق" ثم سحبتها خلفها بقوة يتوجهان نحو الباب، تنهد "عِمران" بقوة قبل أن يلحق بهما ثم يقف أمامهما مُباشرة ويقول بلهجة حازمة:
- سكون، حاولي تهدي ومفيش داعي لأي كلام مالوش لازمة.
استدار بعينيه إلى زوجته ثم قال بهدوءٍ:
- خديها يا شروق واطلعي الأوضة لحد الصبح ووقتها ربنا يحلها من عنده.
سكون وهي تهدر بسخطٍ:
- وحق أختي!!، وكرامتها!.. عايزين تجننوها بعقلياتكم الرجعية! أمال لو متجوزة من سنين ولسه ربنا ما رزقهاش كنتوا قتلتوها بالحسرة على نفسها؟!.
تحول لون وجهها إلى حمرة متأججة ثم صرخت:
- أنا أختي مش عاجزة ولا عقيمة علشان تزرعوا في عقلها أوهامكم المريضة، وإلا قسمًا بالله هوديكم في ستين داهية.
أجهشت "شروق" بالبكاء تستجدي شقيقتها بصورة مُلحة فتضع راحتها على فمها تارة وأخرى تسحبها من ذراعها كي تصعد إلى الدرج، سارت "سكون" معها على مضض حتى تكلمت "تماضر" بصوت جهوري حانقٍ:
- اتفرجوا على النسب الفاجر، كان علينا من دا بأيه يا عِمران باشا!!.
حدجها "عِمران" بنظرة قوية قبل أن يقول كاظمًا غيظه تاركًا كلاهما يقول ما يحلو له:
- كفاية يا أمي.. تمام؟!.
سكون وهي تتوعد بحدة أثناء صعودها الدرج:
- أنا هوريكِ الفُجر على أصله يا أرشانة.
في تلك اللحظة، قامت "تماضر" بالبصق في الهواء بغيظٍ ضارٍ قبل أن تستدير سريعًا وتتجه إلى غرفتها، قامت "شروق" بدفعها بقوة إلى أن أدخلتها وأغلقت الباب بسرعة حتى تمنع وصول كلماتها إلى آذانهم، كانت "سكون" كمن اشتد تجبره بعد أيام من الصمت واللين؛ فهي كالقطة الأليفة التي تخشى أن يطول الأذى صغارها فتجدها تكشر عن أنيابها بشراسة في الوقت المناسب، نظرت "شروق" إليها بحُزن كبيرٍ فيما أخذت أنفاس الأخيرة تعلو وترتفع بانفعال عظيمٍ وراحت تجز على أسنانها ثم تقول بغيظ:
- أه يا عالم يا زبالة، وإنتِ!!!
حدقت في شقيقتها بقوة ثم صاحت تنهر فيها باستنكار وكسرة من السماح لهم بإحداث شقوق عميقة وصعبة الالتئام داخل قلبها:
- إزاي تسمحي لهم يطبقوا عليكِ معتقداتهم المُتخلفة؟!!.. أنا بكره ضعفك يا شروق.. بكره ظُلمك لنفسك.
أخذت "شروق" تجهش باكيةً بصوت مكتومٍ فيما تقدمت "سكون" منها وراحت تضع كفيها على ذراعي الأخيرة ثم تقول بحزم:
- بصي لي كويس يا شروق، معرفتيش تاخدي من شخصيتي حاجة!!، أنا مبيكسرنيش غيرك أنتِ وعُمر، أنا بيكسرني ضعفكم وقت ما بتدشدشوا أحلامي في إني أشوفكم بخير، أنا أصغر واحدة فيكم بس حاسة إن مسؤوليتي تجاهكم مسؤولية أم!.. إنتِ أكتر واحدة عارفة إن الأخوة رابط مُقدس عندي، ليه بتكسروني؟!
اِغرورقت عيناها الحمراوين بالدموع وراحت تحتضن شقيقتها بقوة ومازالت تتشبث بقوتها في ألا تبكي أمام الأخيرة التي انهارت من فرط البكاء، شدت "شروق" ذراعيها على جسد شقيقتها تقتبس من قربها بعض الطمأنينة وفي هذه اللحظة همست بمشاعرٍ ضعيفة:
- تفتكري إني مصدقة اللي بيقولوه؟! أنا بس بطاوعهم يمكن يحصل صُدفة!!
ابتعدت "سكون" ثم وضعت وجه شقيقتها بين راحتيها وراحت تمعن النظر داخل عينيها ثم أردفت بثبات:
- بس دا تعدي على قضاء ربنا!!.. افرض حصل حمل بعد ما عملتي كدا؟! هل هتقولي إن دا رزق ربنا ليكِ في الوقت المناسب ولا هتقتنعي إن ربنا رزقك بسبب الهبل دا؟!.. وقتها تبقي بتقنعي نفسك إن ربنا مرزقكيش إلا بعد ما قدمتي له قربان!!.. دا شغل ناس واقف بيها الزمن لأيام الجاهلية ومصر القديمة، ربنا يهب لمن يشاء حينما يرى أن الوقت المناسب قد جاء، فاهمة؟!!
أومأت "شروق" بتأثر فباشرت "سكون" بابتسامة خفيفة:
- وبعدين إنتِ لسه صغيرة، عيشي لك يومين وانسي الموضوع وربنا هيكرم بيه وقت ما يريد دا.
ابتلعت "شروق" غِصَّة مريرة في حلقها قبل أن تصرخ بحُزنٍ:
- مش عارفة، حاولت بس مش عارفة!!!
أنهت حديثها ثم توجهت على الفور إلى الدولاب وقامت بفتح أحد أدراجه ثم أخرجت منه علبة خشبية، حملتها ثم توجهت مرة أخرى نحو الفراش وقامت بتفريغ ما يوجد داخل العلبة على ملاءة الفراش، حدقت "سكون" فيهم بدهشة عندما وجدت عددًا كبيرًا من اختبارات الحمل المنزلية أمامها، قامت "شروق" بالجلوس على طرف الفراش ثم تابعت بصوت ضعيف:
- كُل شهرٍ بجرب حظي، يكون نفسي أشوف شرطتين بس مش بيحصل اللي بتمناه وينام معيطة على مخدتي.
تحرك "سكون" نحوها، جلست على ركبتيها أمامها ثم التقطت راحتها وراحت تقبلها بحنان كبيرٍ ثم تابعت بهدوءٍ:
- هتشوفيهم لمَّا بين إيديه على سجادة الصلاة مش على مخدتك.
»في صبيحة اليوم الموالي ».
برزت على محياها ابتسامة انتصار وهي تقرأ ما كتبته من خلال حاسوبها للمرة العاشرة أو يزيد، قررت أن تجلس داخل مكتبها بالجريدة لمدة ساعة كي تنجز المهمة التي قررت تنفيذها قبل الذهاب إلى عملها الجديد بالشركة وقد أخذت بفكرة صديقها في إطلاق الأخبار باسم مُستعار كي لا يعرف والدها عن استمراريتها بالعمل داخل الجريدة بعد أن منعها من ذلك، استدارت تنظر إلى ساعة يدها تستبين الوقت من خلالها قبل أن تنهض بسرعة وهي تمسك الحاسوب وتتجه إلى غرفة الطباعة، توقفت أمام الغرفة لثواني بعد أن شعرت ببنطالونها الذي أوشك على السقوط منها، تنهدت بضيق وراحت ترفعه مجددًا بيد واحدة ثم قالت بنبرة ساخطةً:
- كانت فكرة زي الهباب، أيه جاب البطة البلدي جنبي أنا المسلوعة، الله يسامحك يا مُهرة.
حسمت أمرها بطرق الباب ثم الدخول دون أن تنتظر الرد وبعد ذلك تكلمت بنبرة سريعة:
- الخبر دا ينزل في عدد الساعة 2 صفحة أولى يا كبير.
ابتسم لها بهدوءٍ ثم أومأ مُنصاعًا:
- عُلم ويُنفذ.
بادلته الابتسام ثم خرجت وعلى شفتيها ابتسامة ظفر ثم تمتمت في نفسها:
- لمَّا نشوف حكايتك أيه يا شيخ تليد!
قررت التوجه إلى عملها الجديد بالشركة فلم يتبقى لها سوى ساعة واحدة ولم ترغب أن يكون الطابع الأول والتقرير الأول عنها مُتأخرةً، أوقفت سيارة أُجرة ثم ركبتها وأدلته عن وجهتها للسائق الذي انطلق على الفور.
- ارجعي ورى أنا اللي هسوق!
أردف "عِمران" بتلك الكلمات وهو يتحدث بثبات إلى "سكون" التي لم تتجادل معه نهائيًا؛ فهي لا تزال تكن له كُل الاحترام والتقدير على حبه الحقيقي لشقيقتها ولكنها لم تتحمل عليها الإهانة فأخرجت كل الطاقة السلبية المكبوتة داخلها منذ أن سمعت صوت شقيقتها تلجأ إليها في الهاتف وكذلك بعد أن علمت بما فعلوه بها.
فتحت "سكون" الباب الخلفي ثم جلست بجوار شقيقتها مُقررين بعد إصرار "سكون" أن يذهبون لزيارة قصر السروجي للمرة الأولى.
جلست "شروق" في حالة من الصمت فيما انطلق "عِمران" بسيارة الأخيرة التي أحضرها لها من الضفة الأخرى حينما أخبرته بوجودها هناك، تنهد "عِمران" تنهيدة ممدودة بعُمقٍ ثم قال:
- مُتأكدة إن عثمان بيه عاوز يشوفنا؟!.
أومأت "سكون" بتأكيد ثم قالت:
- أيوة، هو اللي طلب مني أجيب شروق وأجي.
سكتت هنيهة ثم أكملت بلهجة حاسمة:
- صحيح، إحنا مش هنقول لهم على اللي حصل مع أهلك وشروق؛ لأن حق أختي أنا أخدته والموضوع انتهي؛ ولكن شروق مش هتعيش في البيت دا تاني وهتفضل في بيت أبوها لحد ما تجيب لها شقة تعيش فيها في سكينة وبعيد عن الوَش.
عِمران بتفهم يضيف:
- ودا اللي ناوي أعمله.
سكون ترد بهدوءٍ:
- تمام.
تنهدت "شروق" بحماسٍ ثم صرحت:
- ماما وحشتني أوي!
بادلتها "سكون" ابتسامة خفيفة ثم قالت:
- وهي مستنية تشوفك على نار.
- إنتَ موجود في القصر دا من سنين يا علام، قررت تمشي منه علشان مش قادر تعترف إن بنتك غلطت فيا؟!
أردف "عثمان" بتلك الكلمات في حزم وحدة، بينما عبس وجه "علام" بضيق شديد بعد أن أبلغه بقراره الحاسم في ترك القصر تقديرًا لكرامة ابنته وإهانة شخصه أيضًا عندما علم من زوجته أم عثمان نعتهم بالخدم وأراد فرض سياسة العبد وسيده التي انتهت مع ظهور الإسلام حيث أغلق عليها وحرمها من حرية الخروج أو ممارسة يومها.
هاجت مراجله في هذه اللحظة وقال بصوت مخنوقٍ بعد أن استجمع ما لديه من كبرياء وشجاعة:
- بنتي مش غلطانة أبدًا يا عثمان بيه، إحنا أه ناس على قدنا وغلابة بس مش عبيد ولا خدم لأي مخلوق على وجه الأرض.
سكت لبُرهة ثم أضاف باختناقٍ:
- ولا نسيت إننا لينا كبرياء ومشاعر بتتوجع من الكلام اللي مالوش لازمة، لا تكون فاكر يا عثمان بيه إنك ملكتنا بالفلوس اللي بتديها لنا كل آخر شهرٍ؟!!!
استشاط غضبًا وهو يقترب منه أكثر بينما يجلس الأخير على الأريكة ويضع قدمًا فوق الأخرى، وقف "علام" أمامه بثبات ثم أشار إلى ذراعه وقال بشموخٍ:
- الفلوس دي مش ذكاة منك ولا تجبيه علينا، الفلوس دي حقنا وجت من عرقنا وتعبنا وإحنا بنشقى علشان نوفر لكم الراحة، الفلوس اللي بتديها لنا دي فلوسنا وإحنا مش عباد غير لله.
رماه "عثمان" بنظرة قوية قبل أن يهتف بلهجة صارمة:
- كان لازم قبل ما تيجي تلومني وتديني درس في الأخلاق تعلم بنتك الأدب وإزاي تتكلم مع الأكبر منها سنًا، ولا حبك ليها نساك الأصول يا علام، دا أنا بنتي لمَّا فكرت تعاندني طلعتها برا القصر واعتبرت إني مخلفتهاش.
علام بابتسامة ساخرة يرد:
- إنتَ ربنا مديك من وسعه فتقدر تعوض خسارة ولادك بحاجات تانية كتير ويمكن مش عارف قيمتهم علشان بييجوا بسهولة؛ لكن أنا طفحت المرار علشان أشوف ضُفر عيل ليا، فكرك لمَّا ربنا يمن عليا من بعد حرمان هقوى القلب زيّك؟!! أنا أخسر الدنيا كلها وأكسب وجود بنتي في حياتي مرفوعة الراس.
عثمان وهو يهتف باستنكار:
- مش ملاحظ إنك بتتجاوز حدودك معايا يا علام!!
علام وهو يرد بثبات ولهجة تتساوى مع خاصته:
- مين هنا ورايح أنا هتجاوز حدودي مع أي حد هيتجرأ على الحدود اللي بينه وبين بنتي وبعد إذنك عايز حساب شهر شغل في القصر علشان أمشي!!!
عثمان يصيح فيه بانفعال:
- دا آخر كلام عندك؟
علام ببرودٍ يوجز:
- مش عندي غيره.
بدأت "وَميض" عملها داخل شركة (حمدي زهران للصناعات الغذائية) بحماس ونشاط كبيرين، حيث استقرت داخل قسم الدعاية والإعلان واستطاعت خلال اليوم الأول أن تجمع صداقات بخفة ظلها؛ فكانت تعاون هذا وذاك على إنجاز عمله بحُكم أنها ذات خبرة في القسم لكونها عملت سابقًا في نفس القسم بشركة السروجي.
كما وجدت مكتبها مُجهزًا بحاسوب خاص وبعض التقنيات المتطورة التي افتقدها مكتبها داخل الشركة السابقة، انكبت على عملها تُنجزه لمدة ساعتين متواصلتين وفي هذه اللحظة، رأت العامل يأتي إليها بكوب القهوة الذي أوصته به، قام بوضع الكوب على المكتب فيما باغتته هي بابتسامة خفيفة ثم تابعت بصوت مازح:
- تُشكرررر يا عم رضا يا عسل.
لاحت الأبصار إليها ما بين مُعجب بخفة ظلها وغاضب من تصرفها الذي يبدو مُزعجًا وسوقيًا على الأغلب، بادلت الجميع ابتسامة مُصطنعة قبل أن تشير إلى "رضا" أن يدنو منها ثم همست في أذنه بهدوءٍ:
- مالقيش عندكم هنا سندوشتات؟؟؟
اِبتسم "رضا" ابتسامة عريضة ثم تابع بهمس مثيل:
- في وجبة غدا لكُل الموظفين في وقت الاستراحة.
وَميض وهي ترد بدهشة ممزوجة بالحماس:
- واو.. يعني هنتغدا ببلاش!!
أومأ "رضا" إيجابًا فيما تابعت تسأله بفضول:
- ووقت الاستراحة دا إمتى؟!!.
رضا يرد بعد أن نظر إلى ساعة يده:
- فاضل بالظبط ربع ساعة، هانت يا أستاذة.
تنهدت "وَميض" باطمئنان وسكينة بعد أن ضمنت حقها في وجبة غنية بالبروتين والخضروات قريبًا، في تلك اللحظة وجدت هاتفها يدق بنغمة مُخصصة له، ظهر على شفتيها اِبتسامة عريضة ثم أسرعت بالرد عليه:
- مسا مسا يا أوس.
أجابها "وِسَام" بعتاب:
- لو ما رنيتش أنا مش هتعبريني!!
ضربت بقوة على جبهتها ثم قالت:
- والله نسيت أكلمك مع إنك كنت في بالي، بس الله يسامحه بقى.
وِسَام بعدم فهم:
- هو مين؟!
تابعت بصوت خافتٍ:
- هحكي لك بس مش دلوقتي علشان الحيطان ليها ودان، أيه رأيك بعد ما أخلص شغل نتغدا سوى؟!!
وِسَام بموافقة:
- تمام.. بس قولي لي إنتِ أيه حكايتك مع تليد السروجي!!!.. شردتي الراجل يا شيخة؟!.
صاحت فجأة بصوت عالٍ يغلفه الحماس:
- هوب هوب هوب، هو الخبر نزل!!
وسام يرد باستفسار:
- نزل يا ختي، نزل وربنا يسترها عليكِ من دماغك، أنا مش فاهم إنتِ بتجيبي الحاجات دي منين؟! وعرفتي منين إنه مخاوي!!
فتحت شفتيها وهمَّت أن تجيبه إلا أنها وجدت أحد زملائها بالمكتب يقترب منها ثم يقول بلهجة هادئة:
- الكلام في التليفون ممنوع وقت الشغل.
أسرعت "وَميض" بوضع يدها على فمها في صدمة كبيرة جعلتها تنهي الحديث مع وسام وهي تقول بحسم:
- طيب سلام دلوقتي وإلا هترفد من أول يوم.
شكرت زميلها بامتنان قبل أن يعود إلى مكتبه وتباشر هي عملها.
مرَّت الدقائق سريعة حتى انتشر الهرج والمرج داخل الشركة وبدأت الحركة تزداد بين أروقة الشركة، زوت ما بين عينيها في تعجب وكذلك زملائها الذين قرروا الخروج من المكتب للاستفسار عمَّا يحدث من فوضى ألمت بالشركة، خرج أحد الزملاء ثم عاد يصيح بصوت مصدوم عال:
- بي'يقولوا إن حمدي بيه توفى!!!.
نظرت إليه بعينين جاحظتين خاصةً بعد أن ارتفعت شهقات الجميع في ذهول وقد أدركت وقتها أن (حمدي) ذاك هو صاحب الشركة، ندبت حظها وهي تأتي بالكوارث من اليوم الأول لها داخل العمل!!.
- ياختااااااااااي، الحق يا مخاوي قصدي يا شيخ الحق!!
هتف "نوح" بتلك الكلمات وهو يهرول إلى صديقه الجالس أمام بستان الزهور داخل المزرعة، عقد "تليد" حاجبيه بعد أن استدار كي ينظر إليه وقال بصوت أجشٍ حادٍ:
- إنتَ أيه اللي جابك هنا، أنا مش قايل لك تختفي خالص لحد ما وَميض ترجع لأهلها!!
نوح وهو يرد بغيظ:
- يا سيدي أنا جرجرت مُهغة في الكلام وعرفت إنها راحت الشغل في شركتكم ومعروفة إنهم مش بيخرجوا دلوقتي وبعدين سيبك مني أنا وخليك في المصيبة بتاعتك!.
تليد يجيبه باستنكار:
- يا ستار يارب، مُصيبة أيه؟!
نوح يجيبه بسخرية وصدمة:
- إنتَ مقريتش أخبار النهاردة؟! يا سنة سوخة!!
ابتلع ريقه بالكاد ثم أكمل وسط نظرات الأخير المستغرب:
- دا إنتَ سمعتك بقت في للحضيض، اسمع.. اسمع.
وضع الجريدة نُصب أعينه ثم قرأ ما فيها بسرعة:
- "فضيحة الشيخ تليد سُليمان حيث كشفت مصادر موثوق منها اشتراك الشيخ في أعمال السحر السفلي وقد عُرف من مصادر سرية أُخرى بأنه مخاوي وليس بداعية إسلامي كما يدعي"، كتبت هذا المقال أ/زهرة اللافندر.
رفع "تليد" أحد حاجبيه قبل أن يضيف باستنكار:
- أيه شغل أكونتات الفيسبوك دا؟!!.
نوح وهو يرمقه بعينين مُتسعتين دهشةً:
- هو دا اللي لفت انتباهك؟!! دي واحدة بتقول عليك مخاوي وبتعمل أعمال سحر سفلي!!!!
تليد وهو يبتسم ببرود أطار عقل الأخير من رأسه:
- زهرة اللافندر؟!! إن ما خليتك زهرة الخشخاش مبقاش أنا تليد يا جن.
نوح وهو يبرطم في غيظٍ:
- خشخاش أيه وجن أيه؟! أنا كنوح عايز أفهم!!
ضغط "تليد" على أسنانه قبل أن يصيح فيه بلهجة حازمة:
- إنتَ كنوح متفكرش ترد لأني عارف كويس أوي مين اللي كتب الهبل دا وهتعامل وياريت متجيش المزرعة إلا لما تبلغني!!
ضرب "نوح" على رأسه بنفاد صبرٍ ثم صاح:
- مش همشي غير لمَّا أفهم!!
مسح "تليد" على وجهه قيل أن يُضيف باستسلام:
- دي قدري في الدنيا، شوية الغلطات اللي عملتهم اتكونوا كلهم في شخصية بني آدمة.
نوح يصيح بدهشة:
- وَميض!!!
أومأ "تليد" برأسه إيجابًا وبعد مرور ثواني هتف فيه "تليد" أن يذهب على الفور، أسرع "نوح" بالذهاب فيما قرر "تليد" الذهاب إلى المجلس الذي يستقبل فيه والده ضيوفه فقد علم من أحد العمال أن والده استقبل ضيفًا قبل ساعة فأراد أن يتفقد الأمرَ، توجه "تليد" إلى المجلس وما أن وصل حتى اندهش عند رؤية الضيف من خلال النافذة، في حين دار حديث طويل بين الاثنين وقد أعرب "علام" وقتها عن حزنه وقت الإخلال رغمًا عنه بالوعود المقطوعة عليه؛ فتكلم بحزن دفين:
- والله العظيم تغيير اسمها كان غصب عني، مراتي كانت حابه تناديها باسم تاني بس أنا أصريت أسجلها بأُترُج ولكن هي لما كبرت أصرت تغيره.
قام "سليمان" بالربت على كفه ثم أضاف بصوت هادئ:
- مصدقك يا علام، أنا كُنت محتاج أتأكد من حُسن نيتك واتأكدت.
نكس "علام" رأسه بحُزن ثم تابع بصوت مخنوقٍ:
- أنا مش بس جاي أخد بنتي، أنا جاي اشتكي لك من عثمان بيه وتصرفاته اللي بيتعمد فيها يكسر كبرياء بنتي ويستصغر قدرها قدامنا وقدام نفسها، بيتعامل معاها على إنها لعبة ومُصر يحركها زي ما يحب وأُترُج بنتي مش الشخصية اللي تتساق خالص بالعكس هي قوية وعنيدة وعندها كبريائها خط أحمر.
سليمان وهو يرد بثبات:
- هي قالت لي كُل حاجة.
تنهد "سليمان" ثم تابع:
- أنا شايف إن قرارك صح، إنك تسيب القصر فدا مكسب ليك ولبنتك.
أومأ "علام" في أضاف بيأس:
- أحيانًا كتير بندم إني أخدتها للذل علشان أرضي غريزة الأبوة عندي وأفرح مراتي، لمَّا مش بقدر أوفر لها كامل أحلامها بتوجع عليها وأفضل أقول لو جه الشيخ سليمان والشيخ تليد وقالوا عايزين أمانتنا هديها لهم ومش هفكر لحظة، أنا مش قادر أفتح لها أبواب لأحلامها.
سليمان وهو يرد بودٍ:
- طول ما البنت راضية وفخورة بيك يبقى متحملش نفسك فوق طاقتها!!!
في تلك اللحظة، قطع "تليد" حديثهما حينما اندفع داخل الغرفة ثم وقف ثابتًا وراح ينظر لهما لبعض الوقت قبل أن يصرح بحسمٍ وثبات:
- أستاذ علام، أنا بشكل رسمي عاوز أمانتي!!
رواية رحماء بينهم الفصل الثالث عشر 13 - بقلم علياء شعبان
رواية رحماء بينهم الفصل الثالث عشر 13 - بقلم علياء شعبان
رُحماءٌ بينهم
"كمثلِ الأُترُجَّةِ".
]]الفصل الثالث عشر]]
•••••••
هرولت "نبيلة" بلهفة إلى غرفة الاستقبال بعد أن أعلمتها المُدبرة بقدوم ابنتيها منذ دقائق قليلة، وما أن دخلت الغرفة حتى بحثت بعينيها عن "شروق" واندفعت إليها بفرحة عارمة تحثها على الارتماء بين ذراعيها المفتوحين كي يطول العناق وتخمد اللهفة واللوعة، ارتمت "شروق" بين ذراعيها تبكي بصوت خافتٍ ودموع تسقط بقدرٍ محدودٍ، وهنا تكلمت "نبيلة" بسعادة:
-حمد لله على سلامتك يا قلبي، وحشاني!!
شروق بصوت خفيضٍ تقول:
-وإنتِ وحشاني كمان يا ماما وعُمر وبابا، أمال هم فين؟!.
ابتعدت "نبيلة" قليلًا ولا تزال تقبض على ذراعي ابنتها بفرحة ولكنها تنحنحت قبل أن تقول بهدوءٍ:
-عُمر في النادي مع حسان وبابا بيلبس ونازل حالًا.
أومأت "شروق" تفهم عليها، قامت "نبيلة" بالجلوس على الأريكة وسحبت ابنتها معها ثم تابعت بصوت قلق ومُتلهف لسماع المزيد عن أخبارها:
-إنتِ كويسة يا شروق؟! وليه وشك مخطوف كدا!!
شروق بابتسامة فاترة:
-أنا كويسة جدًا يا ماما، بس تعبت من المشوار مش أكتر.
ابتلعت "نبيلة" إجابتها على مضض ودون اقتناع ثم استدارت تنظر إلى زوج ابنتها، باغتته بابتسامة ودودة قبل أن تقول بهدوءٍ:
-إزيك يا عِمران!!
عُمران بابتسامة مثيلة:
-بخير يا أمي طول ما إنتوا بخير.
في تلك اللحظة، تكلمت "سكون" تقول بحماس شديدٍ:
-المهم يعني في أكل ولا هنقضيها سلامات!!
نبيلة تنهض فورًا وتقول بحسم:
-طبعًا فيه.. هستعجلهم علشان يجهزوا الغدا.
انتظرت "سكون" حتى غادرت والدتها ثم تنفست الصعداء قبل أن تتكلم إليهما بهمسٍ:
-دقيقة كمان والسلامات كانت هتتحول لاستجواب رسمي نظمي.
عِمران يسأل متوجسًا:
-تفتكروا هتبطل تسأل ولا هي كدا لسه بتسخن؟
ظهرت ابتسامة عريضة على شفتي "شروق" فيما تابعت الأخيرة بضحكة خافتة تعزز ما يشغل تفكيره:
-بتسخن يا برنس، بعد الغدا الجلسة هتبدأ.
عِمران بضحكة خافتة:
-بس إنتِ المحامي اللي هيترافع عني ولا ناوية تنسحبي!
سكون ترفع ذراعها أمامه ثم تقول بمزاح في محاولة لإظهار قوتها في البقاء بجانبه:
-في ضهرك يا وَحش.
دخلت "نبيلة" الغرفة من جديد ثم تدبرت ابتسامة خفيفة وقالت:
-ثواني والأكل يكون جاهز.
أسرعت بالجلوس بجوار ابنتها مرة أخرى، توترت "شروق" في الحال ما أن بدأت الأم تتفرس ملامح الابنة في عدم ارتياح فيما تنحنحت "سكون" بتوتر وقالت:
-شوفتي يا أمي بنتك وجنانها!!
زوت "شروق" ما بين عينيها دهشةً وكذلك ركز "عِمران" نظراته إليها في حيرة من أمره فيما انتبهت "نبيلة" بها بلهفة وهي تود سماع كُل شيءٍ أبكى ابنتها وجعل الأخرى تذهب إليها في الحال، شرعت "سكون" تُقهقه عاليًا قبل أن تتابع حديثها وما هي إلا ثواني من الدهشة والحيرة حتى قالت بثبات:
-بنتك بهدلت الجماعة هناك وعيطت علشان عملت اختبار حمل وطلع سلبي، يرضيكِ توديني على ملا وشي علشان التفاهات دي؟!
اتسعت عيناها وراحت تقول بدهشة:
-هو دا السبب اللي كانت بتعيط علشانه؟!
سكون تتابع ضحكتها المُصطنعة فتقول:
-تخيلي!!
في تلك اللحظة، تدبرت "شروق" ضحكة مثيلة ثم قالت بتوترٍ:
-أصل الأعراض كلها كانت عندي ولمَّا عملت الاختبار انصدمت وبصراحة كان نفسي أشوفكم بردو.
راح عِمران يهز رأسه فبدا مؤيدًا لحديث الاثنتين فيما تابعت "نبيلة" بحب وهي تجذب ابنتها إلى صدرها:
-قلب أمك، ولا تزعلي نفسك خالص بكرا البيت يتملي عليكم.
عِمران يتخيل عبارتها فيقول بلهفة:
-بإذن الله.
في هذه اللحظة، دخلت المُدبرة إلى الغرفة ثم قالت بصوت هاديء:
-الغدا جاهز يا نبيلة هانم!
أخبرتها ثم غادرت فورًا فيما زوت "شروق" ما بين عينيها وهي تقول بتساؤل مهتمٍ:
-أمال فين طنط سُهير!!
نبيلة تجيبها بثبات:
-علام طلب من بابا إنه يسيب القصر وأخدوا باقي حسابهم ومشيوا.
انفكت عقدة حاجبيها وقالت في حالة من الدهشة:
-ليه كدا؟! دا القصر من غيره ولا حاجة!!
نبيلة تتابع بثبات:
-بالعكس، القصر مش بيقف على حد، بكرا يلاقوا رزقهم في مكان تاني.
التفتت "شروق" إلى شقيقتها والتي عاجلت بمط شفتيها تخبرها بأن لا علم لها بالأمر، حثتهم "نبيلة" على الذهاب إلى طاولة الطعام قبل أن يبرد وهم من عُشاق الطعام الحار والساخن، التف الأربعة حول مائدة الطعام ينتظرون قدوم سيد البيت الذي يأمرهم بالشروع في تناول اطباقهم، مرَّت اللحظات حتى ظهر "عثمان" أمامهم بوجه مُتجهم قاسٍ، تحرك إلى الطاولة فيما لم تقدر "شروق" أن تسيطر على شعور الاشتياق الذي يتملكها تجاهه، فهرولت إليه ثم ارتمت بين ذراعيه تقول بنبرة توشك أن تبكي فيها:
-بابا، واحشني أوي!.
قام "عثمان" بالربت على ظهرها ورغمًا عن قسوته التي انتصرت عليها مشاعر الأبوة فبدأ يلين وظهر ذلك في نبرته حينما أجابها قائلًا:
-طمنيني عنك يا شروق!!
شروق وهي تتشبث به أكثر:
-بقيت كويسة لمَّا شوفتك.
ظهرت على شفتيه ابتسامة حقيقية فراح يبعدها قليلًا ثم يطبع قُبلة هادئة على جبينها ثم استدار بنظراته إلى زوج ابنته الذي وقف احترامًا له وهنا تكلم "عِمران" بصوت هادئ:
-اتمنى تكون بخير يا عمي!!
أمد يده لمُصافحة "عثمان" فاستجاب له على مضض وهو يقول بابتسامة خفيفة:
-أنا بخير طول ما بنتي بخير وبكون العكس لو شعرة من بنتي اتلمست بسوء.
عِمران وهو يومىء برأسه مُتفهمًا ثم يرد:
-في عيني يا عثمان بيه.
أشار له "عثمان" أن يجلس في مكانه ثم جلس وفعلت "شروق"، طلب منهم أن يتناولون وجباتهم في هذه اللحظة، فيما تكلم مرة أخرى متوجهًا بالحديث إلى "سكون" فقال بنبرة ثابتة:
-عربيتك هتوصل بالليل يا سكون والشركة هتبعت السواق الصبح.
تهللت أسارير وجهها وراحت تقول بنبرة حماسية ممتنة:
-إنتَ أحلى بابا عثمان في العالم، ربنا يخليك ليا.
عثمان بابتسامة خفيفة:
-مينفعش الغالية تطلب حاجة وتتأخر عليها.
سكون بسعادة غامرة ترد:
-شكرًا حبيبي.
••••••••••
كان القصرُ ذا مساحة شاسعة وقد عُج بالناس اللذين جاءوا لتعزية أهل البيت في فقيدهم، اجتمع موظفي الشركة دون نقصان في قصر عائلة (حمدي زهران) فرغم شدته إلا أنه كان محبوبًا بين الجميع يمتلك قدرًا كبيرًا من الاحترام والتقدير بينهم حتى أنه كان مُقدرًا للظروف المادية والحياتية لهم؛ فكان لا يضع داخل شركته شروطًا تعسفيةً من شأنها الاقتصاص من رواتب الموظفين لأسباب تافهة ولكنه أيضًا يُقدرُ من يُقدرَ أوامره ولا يعتد عليها، كان عزاء السيدات في ردهة القصر بينما بقى الرجال في الحديقة، قررت "وَميض" الذهاب مع صديقتها التي تعرفت عليها توًا داخل الشركة والتي تدعى (دينا) وكذلك صديقها (ثامر) الذي أسدى لها بعض النصائح للاستمرار في العمل داخل هذه الشركة التي تُقدس الانضباط، جلست "وَميض" بجوار صديقتها وقد امتلأت الردهة بالعديد من السيدات التي يجلسن بين باكية ومصدومة وثابتة، شرعت مُدبرة القصر في تقديم القهوة للجالسات فيما لاحظت "وَميض" انهيار إحدى السيدات التي يحاوطها بعض الفتيات يحاولن نصحها بالصبر والسلوان، استدارت بعينيها إلى صديقتها ثم استفسرت بفضول:
-أكيد دي مراته؟!
أومأت "دينا" تؤيد تخمينها ثم استطردت بصوت هامسٍ:
-دي الزوجة الأولى لحمدي بيه وأم أولاده.
عقدت حاجبيها وهي تستنتج وجود زوجة أخرى له حسب ما قالت صديقتها فيما أكملت الأخيرة ردًا على ما يجول في خاطرها:
-حمدي بيه متجوز تلاتة، دي الأولى والتانية ماتت ومخلفتش منه والتالتة اللي هناك دي وبردو مخلفتش منه وبيقولوا إنها مبتخلفش أصلًا.
استدارت بعينيها إلى السيدة الجالسة في نهاية الأريكة وتضع قدمًا فوق الأخرى وتتميز بخصلاتها الشقراء وملامحها الدقيقة فتبدو على قدرٍ كبيرٍ من الجمال ونفس القدر من الثبات والتحمل فلم تسقط لها عَبرة منذ أن دخلت إلى الردهة، تكلمت "وَميض" تقول بإعجاب كبيرٍ:
-بس باين عليها أسد يلا في أيه!!!
كتمت "دينا" ضحكة أوشكت أن تنجرف من بين شفتيها ثم قالت بصوت خفيضٍ منزعج:
-يا بنتي إحنا في عزا، اهمدي.
استجمعت نفسها في الحال ورسمت الملامح الحزينة مرة أخرى ثم أكملت بهدوءٍ:
-اسمها مدام نجلا، الزوجة المُقربة لحمدي بيه ووقت سفرياته ومؤتمراته هي اللي بتدير الشركة مكانه ومعرفها على أسرار شغله كلها ومين أعدائه في الساحة ومين المناصرين له ومن المرجح أن هي اللي هتمسك الشركة بعده.
ضمت "وَميض" شفتيها ثم همست بإعجاب أكبر:
-واو.. أنا بحب النوع دا من الستات.
أضافت "دينا" عبارة أخرى:
-وهي اللي بتعين الموظفين الجُدد اللي إنتِ كُنتِ واحدة منهم.
أردفت "وَميض" بدهشة:
-وحمدي بيه الله يرحمه!!
دينا وهي تومىء برأسها سلبًا:
-حمدي بيه مالوش علاقة بالإجراءات التافهة دي، هو يركز مع صفقة جديدة أو مؤتمر لتطوير شركته أو تفنيش عقود مع شركا جُدد هيرفعوا من إنتاجية الشركة وهكذا.
وَميض بابتسامة ماكرة:
-ما شاء الله، دا باين إنك مذاكرة!
دينا بابتسامة متوارية:
-لا دا أنا أعجبك أوي.
سرحت "وَميض" قليلًا حينما قفزت صورته أمامها فقررت أن تستغل فرصة وجود دينا بقربها وانفلات الخبايا من جعبتها بسهولة شديدة، ظهرت ابتسامة ماكرة على ثغر "وَميض" قبل أن تسأل باهتمام خفي غلفه من الخارج نظرة خالية من الاهتمام:
-أمال أستاذ تليد السروجي إزاي شريكه؟!!
دينا بهمس خافتٍ:
-لا دي حكاية طويلة أوي.
وَميض بابتسامة بلهاء تحثها على المتابعة:
-إحنا ورانا حاجة، أدينا قاعدين ننم على الناس لحد ما تمشي.
دينا باستسلام تقول بغيظٍ قبل أن تجيبها:
-طب اقفلي بؤك اللي بيضحك في الأوقات والأماكن الغلط دي!!
أسرعت "وَميض" بوضع راحتها تخفي فمها فيما أكملت "دينا" بانسجام:
-حمدي بيه يبقى صديق الشيخ سليمان أبو الشيخ تليد ولمَّا عثمان السروجي نصب على أخوه في ورثه وأخد منه المزرعة اللي هي من حق الشيخ سليمان، فراح الشيخ سليمان مأسس مزرعة جديدة من تعبه ووقتها حمدي بيه قرر يستورد كُل منتجات المزرعة للشركة عندنا وبعد ما حمدي بيه شارك الشيخ سليمان الشركة وقفت على رجلها وحققت شهرة واتساع كبير أوي وبعد ما كانت مركز تاني بعد شركة السروجي، أصبحت مركز أول ومن هنا بدأت عداوة عثمان لأخوه وحمدي بيه.
وَميض بإعجاب كبيرٍ:
-دا إنتِ لُقطة وكِنز.
لمعت عيناها بانتصار وظفرٍ وهي تحصل على مصدرٍ أخبارها داخل الجريدة دون مجهود ٍ بينما لا تعلم "دينا" أن الصديقة الجديدة هي صحفية مشاكسة تستمتع بالحكايات دون أن تنوه عن وظيفتها الأساسية ثم تصطاد في الماء العكر.
تنحنحت "وَميض" بهدوءٍ قبل أن تستفسر عن رؤية فتاة تبكي بحُرقة وتبدو أجنبية الجنسية، فسألت بفضول:
-ومين البنت الأجنبية اللي هناك دي؟!
دينا بابتسامة خفيفة تغطيها براحتها:
-دي أيلين بنت حمدي بيه من مراته الأولى، أنا نسيت أقول لك إن مراته الأولى روسية!
أومأت بتفهم، همَّت أن تتكلم إلا أن الأخيرة قاطعتها بخبر جديدٍ أحدث تذبذب في دواخلها:
-نسيت أقول لك صحيح، أن حمدي بيه قبل ما يموت عرض أكتر من مرة على الشيخ تليد إنه يتجوز بنته أيلين والشيخ تليد كان بيأجل الكلام في الموضوع دا بس أعتقد من بعد موته ممكن ينفذ رغبته خاصةً أنها لا تُقاوم بصراحة.
طفقت "وَميض" تمعن النظر في الفتاة ولا تعلم ما الذي أصابها من شعور بالغيظٍ والضيقٍ وما هي إلا ثواني حتى أشاحت عنها وهي تقول باستنكارٍ:
-دا عادي عند أي راجل مصري أصل المُنتج المحلي ببعضهم.
دينا وهي تكتم صوت ضحكة خافتة هربت من بين شفتيها:
-ما البنت مصرية عادي!!
وَميض وهي ترمقها ثم تهمس بغيظٍ:
-بس فيها عرق روسي على أبوه.
سكتت هنيهة ثم أردفت بحسم:
-بس كفاية بقى كلام على الناس، بس نبقى نكمل!.
دينا بتأييد:
-أنا عندي نفس الرأي بردو.
مرَّت نصف ساعة تقريبًا ومن بعد ذلك قرر الاثنان أن ذهبا قبل أن يتحول حديثهما إلى فضائح كارثية فقد تحكمتا في كل ضحكة تخرج منهما أكثر من مرة ولا أظنهما تستطيعان أن تخرجا من هذه اللحظة دون خسائر؛ لذا قررتا أن تخرجان في الحال، سارت "وَميض" إلى السيدة الجالسة بجوار مجموعة فتيات ثم صافحتها وهي تقول بصوت هاديء:
-البقاء لله.
أجابتها بهمسٍ باكٍ:
-ونعم بالله.
سارت كذلك نحو السيدة الأخرى وبادرت بمصافحتها تكرر تعزيتها فيما اكتفت الأخيرة بأن أومأت برأسها دون أن تتكلم، فعلت "دينا" ما قامت به صديقتها ثم غادرتا على الفور.
تجاوزتا بوابة القصر الداخلية مرورًا بالحديقة ثم البوابة الرئيسية وفي هذه اللحظة تكلمت "دينا" تقول بإنهاكٍ:
-أخيرًا هرجع البيت بدري يوم وأنتم زي الناس الطبيعية!!.
وَميض ترد عليها بتهكمٍ:
-فعلًا، مصائب قوم عند قوم فوائد.
رفعت "دينا" أحد حاجبيها ثم قالت بنبرة سعيدة:
-بذمتك مش فرحانة إنك هترجعي بيتك بدري وتنامي فترة أطول!!
تمتمت بصوت خافتٍ بالكاد يُسمع:
-دا لما يكون عندي بيت!.
زوت "دينا" حاجبيها ثم تساءلت عما قالت حينما أوجدت صعوبة في سماعه فيما أجابتها الأخيرة بابتسامة هادئة:
-أنا بقى يا ستي خارجة مع زميلي وزمانه جاي في الطريق علشان ياخدني بعربيته.
باغتتها "دينا" بغمزة ثم قالت:
-أيوة بقى على الناس الرايقة، انجوي يا بيبي.
ابتسمت "وَميض" لها بهدوءٍ ثم ودعتها الأخيرة وغادرت فيما انتظرت خارج القصر حتى يأتي "وِسَام" بسيارته ثم يذهبان لتناول الطعام وبعد ذلك تتوجه إلى بيته للمبيت حتى تبحث عن مكان آخر تستأجره.. وقفت في انتظاره قرابة الربع ساعة إلى أن جاء فركبت السيارة وانطلقت معه فورًا، رفع ذلك الشاب سماعة هاتفه وما أن سمع صوت الأخير حتى قال بثبات:
-آسنة وَميض خرجت من العزا وبعدها ركبت العربية ومشيت مع صاحبها.
جاشت مراجله وراح يضغط على أسنانه غيظًا قبل أن يهدر بصوت هادئ راسخٍ:
-وإنتَ بقى واقف عندك بتعمل أيه؟! وممشيتش وراهم ليه يا فندم؟!!
شعر أن الصوت يأتي من خارج سماعة الهاتف فنظر على جنبه الأيسر ليجد "تليد" يطل عليه من نافذة السيارة بوجه عابس ينفجر الغضب من لونه القاتم، ابتلع ريقه على مضض ثم تابع بحسم:
-أوامرك.
في هذه اللحظة، انطلق على الفور يتتبع خطواتهما، كان "تليد" يجلس داخل قصر (حمدي زهران) منذ ساعتين متواصلتين لإتمام العزاء والبقاء بجوار أسرته التي تخلو من رجل واحد فقط أنجب حمدي ثلاثة فتيات بالإضافة إلى وجود زوجتين ووجد في ذلك عيبًا أن يترك السيدات يترأسن عزاء زوجهن فقرر بحكم شراكته والصداقة التي جمعتهما أن يقف على رأس العزاء ويأخذه بدلًا عنهن، حتى وجدها تخرج من القصر فقرر أن يتتبعها حتى بوابة القصر قبل أن تنطلق مع ذاك ويبقى الرجل المكلف بتقفية أثرها واقفًا في مكانه.
تنهد تنهيدًا ممدودًا بعُمقٍ قبل أن يتحرك أمام بوابة القصر بمشاعر مُتأججة وبالغة الاشتعال، تحرك نحو سيارته ثم ركلها بقوة قبل أن يهمس بنبرة تعبق بحرارة عميقة:
-حسابك معايا زاد أوي يا أُترُج!.. طفح الكيل وفاض.
تنشق الهواء داخله بعُمق في محاولة للسيطرة على انفعالاته قبل أن ينظر يُمنة ويسرى ثم يجري اتصالًا عاجلًا قبل أن يتوجه إلى الداخل مرة أخرى حتى ينتهي العزاء ويصطحب والده إلى البيت مرة أخرى.
•••••••••
-بقول لك أختك موجودة في القصر من بدري وعايزة تشوفك يا عُمر!!
جاءه صوتها تقول بغضب خفيف وعتاب، تنحنح "عُمر" بخشونة قبل أن يتابع بصوت حاسم:
-حاضر يا أمي، ما إنتِ عارفة إني عندي تدريب علشان النهائي بتاعي بس مسافة السكة وهتلاقيني عندك.
اغلق بعد أن كررت على مسامعه ضرورة المجيء بسرعة دون تلكؤ منه بينما كان يفعل هذا قصدًا فبالرغم من اشتياقه لشقيقته إلا أنه لم يكن مُستعدًا لمواجهة صديق طفولته وصباه ولا يعرف هل يلومه على تفريق شقيقته وعائلته أم يحتضنه شوقًا لأيامهما الشقية معًا وثالثهما "غسان"، وأكثر ما يزعجه أن "عِمران" قبل أن يصارحه برغبته في الزواج من "شروق" كان قد أخبره أنه سوف يُلبي جميع طلبات والده إلا أنه وقت الاتفاق أصر على المكوث في بلدته مع والدته وصنع حاجزًا بين الأب وابنته وهذا ما يُغضب عمر ويجعله غير راضٍ عما فعله صديقه.
تنهد "عُمر" باستسلام وهو يرمي الكرة بعيدًا ثم يقول بحسم:
-لازم أمشي دلوقتي وإلا مش هسلم من مكالمات بيلا.
غسان بابتسامة خفيفة:
-أخيرًا يا جدع، دا إنتَ راسك ناشف.
سكت لبُرهة قبل أن يقول بلهجة ذات مغزى:
-بالذمة لمتنا إحنا التلاتة مش وحشاك؟!.. عِمران أخونا الكبير اللي عمره ما لقانا في ضيقة وإدانا ضهره يا عُمر! بلاش تكون دي النهاية لصداقة حلوة.
أومأ "عُمر" مُقدرًا لهذه الكلمات قبل أن يقول بلهجة هادئة:
-ولا نهاية ولا حاجة، الحوار كله سوء تفاهم.
غسان بابتسامة عريضة يستفسر:
-يعني هنروح القصر وكل حاجة ترجع لمجاريها؟!
عُمر وهي يزفر مُتأففًا:
-يا جدع بطل زن واخلص!
قام "غسان" بدفع الكرسي أمامه مُتحمسًا لمقابلة صديقهما الذي تزوج وانشغل في حياته بعيدًا عن أجواء الصداقة التي كانت تجمع بينهم كُل يوم قبل أن يزف عريس ويكون عليه تفضيل زوجته وبيته على هذه السهرات الشقية والمرحلة ولكنه اليوم ينوي تجديد العهد بينهم.
••••••
سمع الجميع صوت بوق سيارة يرتفع رويدًا خارج القصر، انفرجت شفتيها بسعادة غامرة وهي تتوقع وصول سيارتها الجديدة، تهللت أسارير وجهها وهي تهرول خارج القصر إلى الحديقة لتجد سيارة حمراء اللون تقف أمامها وقد زُينت بزينة جميلة من الشرائط اللامعة، أخذت تصرخ بحماس شديدٍ فيما تجمع كل من بالبيت خارج القصر أيضًا لتهرع "سكون" إلى السيارة ثم تتحسس هيكلها بفرحة عارمة خاصةً أن والدها لم ينسَ أن يختار اللون الذي تحبه جمَّـًا، اِغرورقت عيناها بالدموع فيما ربتت "شروق" على كتفه وهي تقول بسعادة مثيلة:
-ألف مليون مبروك يا روحي، تتهني بيها.
أسرعت باحتضان شقيقتها بقوة ثم انتقلت بنظراتها إلى والدها الذي يقف في نافذة مكتبه يتابع غدوها السعيد في أرجاء الحديقة وانتشار بهجتها في الأنحاء، يحبها "عثمان" بصفة خاصة ليس لأنها الابنة المُطيعة فحسب بل لأنها صاحبة كيان حديدي ولا يجرؤ أحدُ على زعزعة تصالحها المتين مع نفسها أو إذلال روحها السامية في أنفة أو حتى تقييد حريتها؛ يعشق فيها الاستقلالية وتمنى لو تقتبس "شروق" منها بعض الخِصال التي تمحو الضعف وقلة الحيلة من جذورها الساذجة!!.. لا يظنه يفرق بين ثلاثتهم بل "سكون" تُجاهد في المحافظة على المرتبة الأولى داخل قلبه دومًا لأنها تمتلك جُل خصاله وإن لم تكُن كلها؛ فهي النُسخة الصغيرة منه وهذا لا يعني أنه لا يعشق أولاده؛ ولكنه يكره الضعف في واحدة والاستسلام في الآخر!.. أما غير ذلك فلا يجرؤ أحد أن تراوده نفسه على المساس بهم؛ فقد عانى الكثير حتى أنعم الله عليه بالثلاثة.
أسرعت بإرسال قبلة طائرة له وهي تضحك ملء شدقيها قبل أن يمنحها موظف الشركة مِفتاح السيارة ثم يقول بلهجة حازمة:
-المفتاح يا فندم وبإذن الله السواق هيكون في انتظارك من بكرا.
أجابتهُ "سكون" بابتسامة هادئة:
-تمام.. شكرًا.
غادر الموظف في الحال فيما قررت "سكون" تجريب السيارة رغم أنها لا تفقه الكثير عن القيادة، فاستدارت إلى شقيقتها ثم قالت بحماس:
-تعالى اقعدي جنبي وأنا بجرب أسوقها.
تدخل "عِمران" مُضيفًا باعتراض قاطعٍ وهو يندفع ثم يقبض على ذراع زوجته ويقول ممازحًا:
-لا آسف يا فندم، جربي مع نفسك أنا مش مستغني عن مراتي الحقيقة.
أطلقت "سكون" قهقهة عالية قبل أن تقرر أن تفعل ذلك بنفسها وقبل أن تركب السيارة وجدت أنها تقول بصوت قلق:
-أنا بقول بلاش الخطوة دي واستني السواق بكرا وخلي اليوم يعدي على خير بدون خسائر!!
تنحنحت "سكون" بحرج ثم تابعت بعد أن أغلقت باب السيارة مرة أخرى وانصرفت عن هذه الفكرة:
-أنا بقول كدا بردو، وشكرًا على تقليلكم من قدراتي العظيمة.
في تلك اللحظة، سمعوا صوته يهتف باسمها عاليًا:
-شروق!
رفعت عينيها نحو ثم وجدته يشير لها أن تصعد إليه، أومأت في الحال ثم قررت التوجه إلى غرفة مكتبه، طرقت طرقة خفيفة على الباب فوجدته يقول بهدوءٍ:
-ادخلي.
انصاعت لكلامه، أطلت برأسها أولًا ثم تقدمت منه فورًا وهي تقول بنبرة هادئة ووجه بشوش:
-خير يا بابا!!
بادلها اِبتسامة خفيفة قبل أن يلتقط شيئًا ما من الدرج ثم يضعه على سطح المكتب أمامه، زوت ما بين عينيها وهي لا تُدرك ما يحدث قطعًا، نظر قليلًا إلى العلبة ثم تحول إليها وراح يقول بصوت ثابت:
-دا حقك.
تابعت "شروق" بخفوتٍ غير واعية لما يرمي إليه:
-حقي في أيه؟!
وهنا، قام بفتح العلبة التي توقعت منذ رؤيتها أنها علية مجوهرات ولكنها لم تتوقع مُطلقًا أن الذي يقبع داخلها بهذه القيمة الثمينة جدًا، فتحت فمها مشدوهةً فيما رد عليها بحزم:
-أختك اختارت عربية وزيّ ما جبت لها فلازم أجيب لك؛ دا عُقد ألماز يساوي نفس تمن العربية، عايزة تحتفظي بيه مفيش مشكلة أو تبيعيه وتشتري بتمنه بيت هنا جنبي بردو مفيش مشكلة.
أومأت "شروق" برأسها سلبًا فورًا ثم تابعت برفض:
-بس أنا يا بابا مش عايزة زي ما جبت لأختي، أنا مبسوطة كدا ومستحيل هبص لها في هداياها منك وإحنا فعلًا قررنا نعيش في القاهرة بس حقيقي أنا مش محتاجة كُل دا!!
عثمان وهو يتكلم بثبات:
-إنتِ مش محتاجة لأني مش هقبل أشوفك محتاجة وطول ما أنا عايش إنتِ هتفضلي بنت عِز وحقك عليا إني مفرقش بينكم، خدي العقد يا شروق!.
ابتلعت ريقها بصعوبة بالغة قبل أن تقول بخوف من رد فعل زوجها الذي سيغضب حتمًا:
-بس ...
أوقفها قائلًا بصوت حازم؛ فهو يقرأ صغيرته جيدًا دون أن تبوح:
-مش عاوز نقاش ولو على عِمران فأنا ليا كلام معاه.
••••••••••
-بابا؟!
نظرت إليه بدهشة قبل أن يجذبها من ذراعها ثم يقول بلهجة حادة:
-يلا قدامي!!
تعجبت من تصرفه الهمجي والعدواني وكأنها لم تفعل خطأ حينما قررت المكوث في بيت رجلٍ أعزبٍ مُبررة أنه صديقها ولولا اتصال "تليد" ما كان ليعرف ما فعلته ابنته المجنونة، ابتلعت ريقها على مضض قبل أن تقول بهدوءٍ وهي تستدير بنظراتها وتتبادل مع "وِسَام" نظرات تساؤلية:
-لحظة يا بابا، هجيب شنطتي!!
أفلت "علام" ذراعها فأسرعت بالتقاط حقيبتها ثم عادت إليه مرة أخرى، تجنب "علام" الحديث مع "وِسَام" رغم علاقة الاثنين الجيدة فعلام قَبل بهذه الصداقة لما يتسم به الأخير من اخلاق عالية حتى أنه يتميز بتفكير ناضج عكس ابنته ورأى أن "وِسَام" ربما يتحكم في تصرفات ابنته الهوجاء المتسرعة ويمنعها من التصرف بحماقة قد تضر بحياتها؛ فقبل هذه الصداقة على مضض حتى تقبلها بشكل كاملٍ حينما وجد في الأخير ما يسره ولكنه لم يتوقع أن هذه الصداقة قد تتطور إلى الجلوس معًا في بيت واحدٍ وكأنهما يعيشان بأحد البيوت الأوروبية!!.. سحبها "علام" من ذراعها ثم توجهان خارج العقار فتكلمت "وَميض" بتوترٍ:
-بابا؟! مالك في أيه؟!.
لم يرد عليها وسار قابضًا على ذراعها دون أن ينبس ببنت شفة مما أزعج شخصيتها المُكابرة فأردفت مرة أخرى باختناق:
-بابا أنا بكلمك؟!
في تلك اللحظة، توقف "علام" في مكانه ثم استدار حتى أصبحت أمامه مُباشرة وراح يصيح بصوت مُتهكمٍ:
-إنتِ مش شايفة إنك عملتي حاجة غلط تضايقني؟!!
وَميض بنبرة مخنوقة:
-اتخانقت مع عثمان السروجي وقررت أسيب البيت وأمشي علشان أنا لا جارية ولا خدامة عند حد ومش هسمح إن حد يعايرني بأهلي وإننا عبيد عنده، أه وغلطت كمان علشان سيبت أمي ومشيت لأنها كانت عايزة تجبرني اتضرب وأسكت علشان لقمة العيش ويتداس على كرامتي بمداس الباشا وأقول سمعًا وطاعةً، هو دا يا بابا اللي إنتَ جاي تغلطني فيه!!
علام وهو يجيبها بصوت أجشٍ حادٍ:
-لا عاش ولا كان اللي يدوس على كرامتك أو يهينها طول ما أنا عايش، أما غلطك إنك مُسلمة وتباتي مع شاب أعزب في بيته وتتعاملي على إن الموضوع عادي باعتبار إنه صاحبك، تفتكري إني من الأول كنت غلط لمَّا محبتش أخنقك وقبلت بالصداقة دي!!
ابتلعت "وَميض" غِصَّة مريرة في حلقها قبل أن تتابع بنبرة مُتلعثمة:
-أنا مكنتش لاقية حل غير دا وكنت ناوية بكرا الصبح هأجر شقة وصدقني أنا مبيتش عنده قبل كدا وحتى لما فكرت أعمل كدا إنتَ جيت أهو وأخدتني!
قرر "علام" متابعة سيره بوجه عابس ثم قال برد مُقتضب:
-ولو مكنتش عرفت وجيت!.
نكست رأسها خجلًا قبل أن تقول بخفوت:
-حقك عليا يا بابا، بس أنا خلاص مش قادرة أستحمل أي حاجة بتحصل لي ولا حتى موقفك إنتَ وماما السلبي!
تدبر ابتسامة ساخرة ظهرت على جانبي شفتيه قبل أن يقول بحُزن تعمق داخله:
-إحنا سيبنا الشغل في القصر وبدور على شقة علشان قدامنا أسبوع ونسيب الشقة اللي قاعدين فيها.
اتسعت عيناها وهي تقول بسعادة غامرة:
-دا بجد يا بابا!!
علام مُتابعًا بحزمٍ:
-أما الخبر التاني؛ فهو إن في شاب ابن حلال اتقدم لك وأنا وافقت!.
كأنما أحلت بها قارعة ما، توقفت فجأة عن السير ثم صاحت بصوت مصدومٍ:
-نعم!!، أيه الكلام دا؟ وافقت بدون ما تاخد رأيي؟!.
علام بلهجة حازمة:
-كُنت باخد رأيك في كُل خطوة بعملها في حياتي قبل ما تكسري ثقتي فيكِ وتجبريني أنتهج مبدأ عمره ما كان بتاعي!
اِغرورقت عيناها بالدموع قبل أن تقول باختناقٍ:
-إنتَ أكيد بتهزر مش كدا؟!
علام بثبات:
-بهزر علشان عاوز أطمن عليكِ في بيت جوزك!
انهمرت الدموع بغزارة على وِجنتيها فأسرعت تتشبث بذراعه تستجديه أن يتراجع عمَّا يقول على وعدٍ بألا تخذله مرة أخرى، إلا أنه فاجأها وهو يقول بحسم قاطعٍ:
-مفيش وقت للكلام دا، لأن العريس مستني في البيت.
جحظت عيناها في حالة صدمة جعلتها تتوقف عن الكلام فيما أسرع "علام" بإيقاف سيارة أُجرة ثم أمرها بالركوب وفعل هو وانطلقت السيارة إلى البيت حيث ينتظرهما العريس المُنتظَــــر!!
•••••••••
تهللت أسارير وجهها حينما أبلغها "علام" بقدوم شاب لخُطبة ابنتها ولم تهدأ نارها إلا عندما أخبرها أنه ميسور الحال؛ فبدأت في ترتيب الشقة وصُنع أصناف مُختلفة من الحلوى والعصائر الطازجة ثم ارتدت وتجهزت وهي تقلق بشأن زوجها وابنتها اللذين لما يأتيا بعد!!.. وأثناء شرودها في الأمر وجدت باب الشقة يُفتح ثم رأت "وَميض" تهرول إلى غرفتها باكيةً فيما يتحرك "علام" نحو الأريكة بوجه مُمتعض حزين، تحركت "سُهير" نحوه ثم تساءلت بقلق:
-مالها وَميض؟!
علام بثبات يشوبه بعض التهكم:
-زعلانة شوية أصلها هتتخطب من غير ما يتاخد برأيها!
تنهدت "سهير" باسترخاء ثم تابعت بحماس:
-أكيد لما ييجي وتشوفه هترتاح له، أنا هروح أحايلها وأخليها تجهز.
أومأ "علام" بثبات فيما توجهت الأخيرة إلى غرفة ابنتها التي تلحفت غطاء الفراش وراحت تبكي بانهيار كبيرٍ حتى ارتفعت شهقاتها المتقطعة، أسرعت "سهير" بالجلوس إلى طرف الفراش ثم تابعت بهدوءٍ:
-الموضوع مش مستاهل كُل العياط دا يا وَميض!!
صرخت من أسفل فراشها وهي تقول بحدة:
-إنتِ السبب في كُل اللي بيحصل معايا، إنتِ أكتر واحدة بتحاولي تطول الوقت تزرعي فيا تقبل واقعي المُقرف وإني أقبل إهانتي واتكتم، مش مصدقة إن بابا يعمل فيا كدا؟!.
في تلك اللحظة، سمعت صوت جرس الباب يدق فأخذتها رعشةً قوية أرجفت أطرافها وراحت تبكي بصوت مبحوحٍ وأنفاس مُلتهبة من القهر والألم، قررت "سهير" أن تمتنع عن الرد على ما تقول فلا يوجد ما يُقال بعد قرار نفذ من فم زوجها العنيد، قام "علام" باستقبالهما بحفاوة كبيرة فيما قررت الأخيرة أن تذهب إلى المطبخ وتأتي لهم بأموال العصير حتى تستطيع رؤية عريس ابنتها!
-نورتنا يا شيخ سليمان!
أردف "علام" بتقدير شديد فيما شكره الشيخ وقال بود:
-ربنا ينور طريقك وقلبك يا علام.
علام وهو يؤمن على دعوته بوجه حزين:
-أمين.
تنحنح "تليد" بخشونة قبل أن يقول بلهجة حازمة:
-ندخل في الموضوع يا أستاذ علام!!
وقبل أن يرد الأخير على حديثه وجدوا "سهير" تتقدم منهم بوجه عابس يغلفه الصدمة وهي تحمل صينية بين كفيها وهنا أردف "علام" بصوت أجشٍ:
-حطي الصينية هنا.
أسرعت بوضع الصينية وهي ترمق "تليد" بنظرات عدوانية فيما يبادلها أخرى صارمة ومُتحدية؛ ولكنها لم تصمت عما رأته فصاحت تقول بانفعال حادٍ:
-إنتَ بتعمل أيه هنا؟!!!!!
انتصب "علام" واقفًا بانفعال ثم سار إليها وراح يقبض بقوة على ذراعها ثم يسحبها أمامه إلى الداخل ثم يقول بلهجة صارمة تعبق بحرارة عميقة بينما عيناه تقدحان بالشرر:
-أنا هقول لك بيعمل أيه هنا، جاي ياخد حقه اللي اتاخد منه علشان نرضي غريزة أم جشعة عمرها ما هتكون أم بجد، فأنا فقدت الأمل في إصلاحك وقررت أرجع له الأمانة اللي سابها عندنا واللي م قادرين نحافظ عليها.
صاحت "سهير" تقول بانفعال:
-محدش هياخد مني بنتي يا علام!!.
رمقها بنظرة قوية قبل أن يضغط على وجهها بين أصابعه ثم يقول بصرامة:
-وَميض هتتجوز الشيخ تليد في أسرع وقت، وإنتِ ملكيش رأي في الجوازة دي ولو عايزة تفضلي أمها قدامها فياريت صوتك ميطلعش وإلا هعرفها بالحقيقة كاملة.
افلت وجهها بانفعال ثم صاح بصوت جهوري حانقٍ:
-ادخلي هاتي بنتك!!!
هرولت "سهير" من أمامه على الفور ثم ذهبت إلى غرفة "وَميض" بعقل قد تعطل عن العمل من وقع الصدمة التي داهمته، ابتلعت ريقها بصعوبة بالغة قبل أن تتحدث إلى ابنتها بصوت مخنوقٍ:
-اخرجي لأبوكِ حالًا يا وَميض قبل ما تحصل مشكلة!.
ازاحت الغطاء عن جسدها قبل أن تشيح بوجهها عنها ثم تتجاوزها إلى خارج الغرفة، اندفعت فورًا إلى الصالة وما أن وصلت هناك، همَّت أن تتكلم باحتجاج على ما يفعله بها والدها؛ ولكن الصدمة ألجمت لسانها حينما تقابلت نظراتها وراح يحدق فيها بتحدٍ وانتصار مما جعلها تقول بصوت مبحوحٍ من شدة البكاء والارتباك:
-إنتَ!!!
تكلم "علام" بلهجة حازمة يحثها فيها على التقدم والجلوس بجواره، أخذت أنفاسها تتسارع بلا هوادة وللمرة الأولى التي تشعر فيها بالعجز أمام موقف أو شخص ما، حاولت أن تستوعب ما يدور من حولها فتسأل نفسها باستنكار هل تتجوز تليد السروجي؟! فهي لا تتفق مع شخصه مثقال ذرة؟!، جلست بجوار والدها فيما ظلت تحدق فيها طويلًا تحاول أن تستجمع شتات أمرها، تتساءل متى أحبها حتى يتقدم لخطبتها؟! وهل في يوم وليلة تُصبح فردًا أساسيًا في هذه العائلة العريقة بعد أن كانت مُجرد خادمة لهم؟! وكيف تقبل أن تكون على ذمة رجل لا تعرف الكثير عنه ولا يجمعهما مقدار أنملة من تفاهم؟!.. استيقظت على صوت "تليد" وهو يقول بثبات:
-على سنة الله ورسوله، بطلب إيد الآنسة أُترُج!!!
رمقتهُ بعينين مُتسعتين ثم أردفت بصوت مُتهدجٍ من كثرة البكاء:
-بس أنا مش موافقة، مش بالعافية!!
انتقلت ببصرها إلى الشيخ "سليمان" ثم تابعت ببكاء مريرٍ:
-اتكلم يا شيخ سليمان علشان خاطري، قول لبابا إن مينفعش الجواز بالغصب!!
أراد "سليمان" أن يربت على قلبها فقد أبلغه ابنه بكُل ما تفعل من طيش وطلب "علام" منه أن يتخذها عروسًا لابنه الذي يتوق للأمر بقلبٍ مستعرٍ من شدة الشوق، كان "سليمان" يتخذ موقفًا ضد ابنه وعلام إلى أن علم بأمر صديقها وكذلك ثقته التامة بحرص ابنه على إصلاحها وصونها ومراعاة الله فيها فرى أن سعادتها ترتبط بزواجها من أكثر الأشخاص حُبًا لها؛ فمن تعذب في جوف الليل يبكي الله بقلب مكلومٍ من الفراق ورغبة اللقاء؛ لا يمكنه سوى أن يكون خير زوج مِعطاء.
-الخيرة فيما اختاره الله لكِ يا ابنتي، أوعدك إنه يكون خير زوج ورفيق لكِ.
توجهت بنظراتها إليه وراح تحدق داخل عينيه باستجداء فأسرع بإنزال نظراته عنها ثم قال بثبات:
-أنا معنديش مُصطلح اسمه خطوبة يا أستاذ علام، إحنا هنعقد القران وبراحتها لحد ما تكون جاهزة للزواج!.
علام دون تفكير يرد:
-وأنا موافق.
حدقت في والدها بصمت ثم أطرقت برأسها أرضًا لتسقط العَبرات بغزارة من عينيها ويخفق صدرها بقوة من شدة الاختناق، قام "تليد" بالنظر إليها خِلسة مُستغلًا تركيز عينيها بالأرض ثم تحدث في نفسه بقلب مسرورٍ يتيقن في الله بأن بكاءها يوم خطبته لها سيكون أكثر الأشياء التي تندم عليها إذ أنه سيحول حياتها إلى حياة تمنتها في صحوها ونومها؛ فيقول أما بعد:
«سوف تبرق روحها وترعد غيرةً عليَّ وتُمطر بهجةً في قربي منها وتسقط الثلوج على قلبها مادام قلبي يخفق بالحياة بين ضلعيَّ؛ أما بعد فلا ألم يلحق بحَرمي التي هي كرامتي».
•تابع الفصل التالي "" اضغط على اسم الرواية
رواية رحماء بينهم الفصل الرابع عشر 14 - بقلم علياء شعبان
كان لقائه مع شقيقته لقاءً حارًا حيث افتقد للارتماء بين ذراعيه في منتصف أزماته، فعانقته باشتياق كبيرٍ فقد كانا ومازالا الأقرب إلى قلوب بعضيهما والأكثر صداقة على الإطلاق، ويرجع ذلك إلى فارق السن الضئيل بينهما حيث تشاركا كُل لحظات الطفولة السعيدة والمؤلمة معًا.
يكبرها عُمر بعامين فيشعر بالمسؤولية دائمًا نحوها، وتشعر هي بالأمومة لاحتواء قواه الخائرة مؤخرًا.
جلس يتحدث معها لوقت طويلٍ وقد تبادلا أطراف الحديث المتنوع، وأخبرها عن حبيبته المفارقة، وبدورها نصحته أن يعبر من هذه الأزمة بسلام، ولم تنسَ أن تحترم الضمير في طبعها وواجهته بأنه البادئ في الخطأ، حتى دخل الليل في أخره.
فقررت شروق أن تنضم إلى شقيقتها ووالدتها في سهرة نسائية سرية، فيما تجمع الثلاثة شباب لتجديد عهد الماضي قبل أن يُلقب صديقهما بالمتزوج.
"بودي أقول لك إنك ارتكبت جريمة في حق نفسك لمَّا قررت تتجوز وتسيب العزوبية وحلاوتها، بس خلاص بقى!"
أردف "غسان" بتلك الكلمات وهو يبتسم ابتسامة ماكرة جعلت "عُمر" يرميه بنظرة جامدة، ثم يقول بغيظٍ:
"اختي اللي يتجوزها ميندمش لحظة إنه اتخلى عن الدنيا كلها علشانها."
انطلقت قهقهات "غسان" وكذلك "عِمران" الذي انتظر رؤية غضب الأخير حينما يعبث "غسان" معه، وهنا تكلم يقول بلهجة واثقة:
"الجواز بالنسبة لي أحلى من مليون عزوبية يا صايع."
ضحك "عُمر" ملء شدقيه ثم أضاف بانتصار وحسم:
"بأيدك يا عِمران وقريب هحصلك ونسيب الصايع دا لوحده يرمرم."
رفع "غسان" أحد حاجبيه ثم سأله بترقب:
"ومين سعيدة الحظ إن شاء الله؟! يا بني إنتَ طفشتهم الواحدة ورى التانية بلسانك اللي بينزل بكابورت دا!"
عُمر وهو يرد باعتراض:
"أصل بصراحة مليش في المياعة، أنا عاوز واحدة دُغري ولا بئس ببعض الدلع بس جوا بيتها."
انطلقت ضحكة ذات صخب عالٍ من فم "غسان" وهو يستدير بعينيه إلى صديقه الآخر ثم يتحدث إلى عمر:
"قول له يا عُمر عن البنت اللي كانت عايزة تخلف بس متتخنش!"
عِمران يقول متعجبًا:
"مين دي اللي عايزة معجزة إلهية!!"
عُمر ينفجر فمه عن ضحكة ساخرة ثم يرد:
"يا عم دي كائن أهبل، قال أيه؟ عايزانا لما نتجوز نأجر رحم يخلف لها علشان متفشولش الست موناليزا من هرمونات الحمل."
عِمران يقهقه بدهشة ويسأل بفضول:
"وعملت أيه معاها دي؟!"
عُمر بسخرية:
"سفرتها المريخ هي وواحدة تانية قادرة على التحدي وعلى المواجهة."
انطلقت ضحكاتهم في كافة أرجاء القصر أثناء جلوسهم داخل غرفة المعيشة.
التفت "عُمر" إلى غسان ثم قال بملل:
"ما تعمل لنا فنجانين قهوة كدا علشان نفوق والسهرة تطول!!"
غسان بانصياع وحماس:
"أنا بقول كدا بردو."
نهض "غسان" على الفور ثم توجه خارج الغرفة إلى المطبخ لصُنع فناجين القهوة بنفسه بعد أن ذهب جميع العاملين بالقصر إلى بيوتهم لتأخر الوقت.
تنحنح "عِمران" بهدوءٍ قبل أن يبَاغت الأخير بسؤال مهتم:
"عُمر!!"
انتبه له وظل صامتًا، فتابع الأخير:
"إنتَ مُقتنع إنك غلطت في حق رويدا؟!"
تنهد عُمر تنهيدة طويلة قبل أن يتابع بصوت فاترٍ:
"وهي مغلطتش؟!"
افتر ثغر "عِمران" عن ابتسامة خفيفة ثم قال بلهجة حازمة:
"سؤالي واضح!"
عُمر يجيبه باستسلام:
"أه غلطت بس أنا كان ليا أسبابي يا عِمران!"
عقد ما بين حاجبيه وقال بثبات:
"وأيه هي أسبابك؟!"
عُمر مُضيفًا بلهجة ثابتة يقدم مبررات واهية لإقناع الأخير:
"أنا مبقيتش عمر بتاع زمان، كنت خايف إنها لو عرفت بعجزي متحبنيش وتكمل علشان فلوسي! وكُنت صح لأنها عرفت بعجزي في النهاية ومفكرتش ترجع أو تطلب مني نكمل، خافت من المسؤولية اللي هتتحط فيها لما تتجوز عاجز."
سكت لبُرهة قبل أن يتابع بصوت مُتهدج:
"وبصراحة عندها حق، أي بنت في الدنيا عايزة سند وحماية ليها، مش واحد هي اللي تسنده!!"
تجهم وجه "عِمران" مُستنكرًا ما يصدقه في نفسه من أفكار سلبية قادرة على إماتة سُبل الأمل داخله، فتابع بصوت ثابت يغلفه غضب وعتاب:
"يا بني إنتَ لا عاجز ولا معيوب، إنتَ في امتحان ربنا بيختبر فيه صبرك، حاول تتقبل الابتلاء باعتبار إنك قوي مش ضحية مغلوبة على أمرها!"
سكت هنيهة قبل أن يضيف بثقة كبيرة:
"على فكرة توقع السوء بيسوء صاحبه وأفكارك السامة لو عششت في دماغك هتهد أعظم الفُرص اللي ربنا وهبها لك لأنك مش هتشوفها فرصة من كُتر التشاؤم، اتأكد تمامًا إن ربنا أكيد بيحبك ومش يمكن كانت (رويدا) عوضه ليك وإنتَ اللي رفضت!!"
بدأ "عُمر" يشيح بوجهه للجهة الأخرى مُكابرًا في ضيق، فقرر "عِمران" ألا يضغط عليه أكثر من ذلك وأن يمنحه فرصة مراجعة هذه النصائح بينه وبين نفسه.
ساد الصمت بينهما لدقائق قبل أن يستدير "عُمر" مرة أخرى ثم يتنحنح بهدوء ويقول بفضول جامح:
"أنا بدأت أفتكر حاجات كتير من حياتي قبل الحادثة وافتكرت حاجات تانية مستغربها!"
قطب "عِمران" ما بين حاجبيه قبل أن يتمتم بصوت هادئ:
"حاجات أيه؟!"
عُمر يتابع بحيرة:
"بفتكر مشاهد بيني وبين وَميض بنت عمي علام، هو كان في حاجة بينا؟!"
ثبتت نظرات "عِمران" عليه وقد تسمر في صدمة ولُجم لسانه عن الكلام.
وفي هذه اللحظة تنحنح "غسان" وهو يندفع نحوهما ثم يضع الصينية على الطاولة وقد سمع سؤاله الأخير.
تبادل مع "عِمران" نظرات مُرتبكة خفية.
ضيق "عُمر" عينيه وراح يسأله بتوجس:
"مردتش عليا؟!"
تنحنح "عِمران" بتوترٍ ثم شرع يرد عليه بتوترٍ وهو يهز رأسه بنفي:
"لأ، كُنتوا صحاب بس مفيش بينك وبينها أي حاجة."
عُمر بشكٍ وتيه:
"خالص؟!"
عِمران يومىء برأسه مؤكدًا:
"خالص."
تدبر "غسان" ابتسامة فاترة يشوبها التوتر وهو يقول:
"الكلام على أيه يا رجالة؟!"
عُمر باستسلام يرد:
"لا ولا حاجة، هات يا بني القهوة علشان بدأت أنعس."
قام "غسان" بالتقاط الصينية ثم مررها من أمامهما ليتناول كُل واحد منهما فنجانه.
شرع "عُمر" يرتشف من فنجانه فيما طفق الآخران يتبادلان نظرات مُترقبة يشملها الارتباك.
فقد وصل "عُمر" بذاكرته إلى نُقطة محظورة لم يتوقع أحدٌ أن يرصدها عبر شرائط ذاكرته مرة ثانية.
فقد أصدر "عثمان" فرمانًا صارمًا عقب حادثة ابنه واكتشاف فقدانه لأجزاء وفترات من حياته ألا يُذكر أمام ابنه بأنه كان مُعجبًا بالفتاة ذات يومٍ، حتى أنه قرر خطبتها والزواج منها.
وكانت هذه الطامة الكُبرى بالنسبة لعثمان السروجي الذي لا يقبل أن يتزوج ابنه من خادمة لا أصل ولا نسب لديها.
وقتها استغل تعرض ابنه لحادثة وقرر نفي "وَميض" عن القصر تمامًا حتى لا يتذكر "عُمر" مشاعره ناحيتها مُطلقًا، بينما لم تَكِن هي لابنة أية مشاعر وكان مجرد صديقًا لها، واليوم لا يجمعهما حديث نتيجة تهديد عثمان لها.
(على الجانب الآخر)
داخل غرفة "سكون" التي تقبع في نهاية غرف القصر، فهي مُحبة للهدوء والابتعاد عن الأجواء المتوترة داخل القصر.
نامت "نبيلة" على الفراش وفردت ذراعيها كي تتوسد كُلًا منهما واحد فتضمهما أسفل ذراعيها باشتياق، في لقاء مُميز تمنته طويلًا لإشباع غريزة الأمومة التي تستعر بين ضلوعها لثلاثتهم.
أطلقت "سكون" ضحكة صاخبة وهي تقول بتذمرٍ وحنين:
"فاكرة يا ماما لمَّا شروق كانت بتمشي وهي نايمة؟!!"
ضحكت "نبيلة" بسعادة واشتياق وراحت تهز رأسه تؤكد عليها بأنها لا تنسى من أمرهما شيئًا.
فيما عبس وجه "شروق" التي تابعت بغيظٍ مُضحك:
"طب فاكرة يا ماما (الفيلة) اللي كانت بتشوف الأكل في رمضان وتضعف وتفطر قبل الأذان بدقايق؟!!"
انطلقت ضحكة طويلة من فم "نبيلة" ثم شرد الثلاثة في أحد المشاهد التي تخص "سكون" في يوم من أيام رمضان عندما كانت طفلة بالصف الأول الابتدائي، وكانت ذات جسد ممتلئ ووجنتين منتفختين في توردٍ وذات قامة قصيرة نسبة إلى طولها.
امتلكت وقتها روحًا خفيفًا تجعل كل من يقابلها يقع في هواها.
تذكرن ذلك اليوم بالتحديد قبل موعد آذان المغرب بعشر دقائق!
"يلا يا سهير، جهزي السُفرة فاضل عشر دقايق على المغرب!!"
أردفت "نبيلة" بتلك الكلمات وهي تتحدث إلى الأخيرة أثناء توقفها على عتبة باب المطبخ.
ألقت جملتها على عجلة من أمرها ثم قررت أن تتحرك نحو الغرف القابعة بالطابق الثاني لاستعجال الجميع، وبعد أن خطت خطوتين صاحت متذكرةً:
"أه صحيح، أول حاجة تحطيها على السفرة العصير والتمر علشان يكسروا صيامهم."
تحركت صعودًا للطابق العلوي تستعجل الجميع، فيما كانت هناك عيون تترقب ذهابها وتنظر إلى المائدة بشراهة ولعاب يجري في لهفة.
انتظرت حتى اختفت والدتها ثم سارت "سكون" على أطراف أصابعها حتى وصلت إلى الطاولة، ولكنها عبست في خيبة أمل حينما لم تجد طعامًا عليها.
وفي هذه اللحظة سمعت صوت خطوات سهير تتحرك من المطبخ، فأسرعت برفع غطاء الطاولة ثم اختبأت أسفلها.
فيما بدأت "سهير" ترص الصحون بنظام وكذلك وضعت العصير والتمر، ثم توجهت إلى المطبخ لجلب باقي الصحون.
تابعت "سكون" خطواتها التي توارت خلف الحائط الذي يفصل الردهة عن الممر المؤدي للمطبخ، ثم أسرعت بالخروج مرة أخرى وهي تتفحص أطباق الطعام بفرحة عارمة.
وكالعادة لم تستطع التحكم في نفسها ما أن رأت الأطباق الشهية حتى لمعت عيناها وراحت تتناول من كل الأطباق الموجودة أمامها.
ثم تلتقط دورق العصير وتحاول رفعه إلى فمها والذي كان ثقيلًا عليها، إلا أنها نجحت في رفعه إلى فمها في النهاية وراحت تتجرع الكثير منه حتى انسكب الكثير منه على ثيابها.
وقبل أن تنزل الدورق عن فمها سمعت صوت صراخ مصدوم يأتي من خلفها:
"سكووووووووون!!"
في هذه اللحظة، سقط دورق العصير منها وتجمدت في مكانها حتى وجدت من يقبض على كلا ذراعيها ثم يديرها للجهة الأخرى عنوةً.
رمقتها "نبيلة" بنظرات قوية وغاضبة فيما جاهدت هي أن تبتلع ريقها وراحت تقول ساخطة في حُزن:
"كُنت عشطانة يا ماما وجعانة."
نبيلة وهي تضغط على أسنانها بغيظٍ:
"تاني يا سكون.. تاني!!!"
كانت شروق تقبض على ذراع وعمر يقبض على ذراعها الآخر، فيما صرخت "نبيلة" فيهما تقول بغيظ:
"إنتِ ناوية تجننيني؟!"
عمر بضحكة مكتومة:
"دي بتضعف قدام الأكل يا ماما، أنا شايف إننا نحبسها لحد الآذان علشان لا تشوف ولا تشم أكل!"
شروق بضحكة خافتة:
"أنا مع الرأيّ دا."
وبالفعل نفذت "نبيلة" اقتراح ابنها فكانت تغلق عليها داخل الغرفة قبيل التجهيزات للفطور حتى لا تضعف نفسها وهي لا تمتلك قوة للمجاهدة كونها طفلة.
وقد ظنوا أنهم تمكنوا من التحكم في غريزتها الجائعة طوال الوقت حتى اكتشفوا أنها تتسلل خفيةً إلى المطبخ وتتناول كل ما لذ وطاب من الثلاجة.
وتم كشف أمرها وأمرت "نبيلة" بغلق الثلاجة بقفل طوال هذا الشهر حتى لا تتمكن ابنتها من الحصول على الطعام، فيجب عليها أن تتعلم كيفية التحكم في غرائزها وألا تُشبعها على حسب ما تطلب الغريزة بل على حسب ما يناسبها هي!
أطلقت "شروق" ضحكة طويلة وقد أدمعت عيناها كلما تذكرت شكل شقيقتها التي تلطخ فمها بالطعام في كل مرة يتم ضبطها مُتلبسةً.
لم تستطع "سكون" كتم الضحكة أكثر من ذلك، فتشاركن المرح معًا واللحظات الدافئة التي جمعتهن.
وهنا تحدثت "سكون" بابتسامة دافئة:
"كُنت طفلة مفجوعة."
شروق بضحكة خافتة:
"فيلة."
سكون وهي تتذكر الاتفاقات التي أجرتها قبل عدة ساعات:
"أه صحيح قبل ما أنسى، أنا كلمت اتنين سماسرة معرفة بابا وبكرا هنروح نتفرج على بيتين وإن شاء الله يعجبك واحد منهم."
شروق بامتنان:
"ربنا يخليكِ ليا يا سكون ونفضل ضهر وسند لبعض."
•••••••••
وقفت "وَميض" أمام منضدة الزينة القابعة بغرفتها.
شرعت في إزالة مساحيق التجميل التي تضعها على وجهها كروتين يومي للعناية ببشرتها، فهي تفضل استخدام المناديل المبللة في إزالة المساحيق وترفض النوم بها حتى لا تضر ببشرتها.
لم تكن في مزاج جيد يجعلها تهتم بروتينها اليومي، فأسرعت بمحو المساحيق دون اهتمام ثم أزالت عُقدة شعرها وتركته مفرودًا وراء ظهرها كي يتنفس الهواء بعد تغطيته بالحجاب يوم كاملٍ.
نظرت إلى حالة وجهها الحزين في حسرة وقد تجمعت قطرات الدموع في عينيها.
تنهدت بثقل قبل أن تتحرك نحو الفراش ثم تلقي بنفسها عليه في فتورٍ.
أطرقت برأسها في هم وغم مما يجري في حياتها بغير إرادة منها لتسقط دموعها وتتحرر من محجريهما وطفقت شهقاتها تعلو وترتفع رويدًا رويدًا في محاولة للتنفيس عن نفسها وإلا تعبت روحها وأهلكها الحُزن والكسرة.
كانت حياتها بسيطة وجميلة حتى بدأت تعي كُل شيءٍ من حولها، فالنُضج لا يصطف دومًا في صالح الإنسان خاصةً إن كانت خيوط تحريكه بين أنامل من تُحب.
بكت بحُرقة وهي تجد كُل السُبل قد سُدت أمامها ولا يمكنها أن تعرض عن رغبة والدها بعد هذا العُمر، وهو الذي أحبها وشقى عليها عمره كُله ولم يخذلها يومًا بل صان كرامتها وكبريائها.
كيف تخبره أنها لا تريد الزواج وهي من جعلته يتألم نتيجة تصرف أهوج منها!!
"يارب خليك جنبي، أنا تعبت وحياتي اتعقدت على الآخر."
تمتمت بنبرة وَهنة وهي تتذكر أنها وعائلتها الصغيرة لا يمتلكون من قوة تعينهم على الوقوف في وجه الطُغاة كأمثال عثمان ولا يجدون من يردهم حقوقهم المُهدرة في خدمة طاغية مثله.
بكت بمرارة لأنها منذ أن وعت على هذه الدنيا وهي تكره تواجدها داخل ذلك القصر ولا تقبل جلوس والديها تحت قدميهم من أجل خدمة أفراد هذه العائلة.
حاولت مرارًا أن تقنع والدها بالعمل في وظيفة خارج القصر وتعينه براتبها إلا أنه فضل العِشرة على الانسحاب.
انتقلت بأفكارها إليه، ذلك الشاب الذي أصبح شريك حياتها بين ليلة وضحاها بعد أن كانت أشد الناقمين عليه، وجب عليها أن تتعامل معه بلطافة لأنه سيصبح زوجها في غضون أيام!!!
استنكرت هذه الفكرة بوجه مكفهر وقلب تخفق نبضاته شعورًا بالهزيمة والظُلم.
لا تُنكر أنها لا تحمل له أية ضغائن أو مشاعر عدوانية، ولكنها لا تستوعب أيضًا قربه منها دون سابق إنذار حتى! وبالأمس كانت تذمه وتقول فيه الأقاويل!!
في هذه اللحظة، زوت "وَميض" ما بين عينيها وهي تتسمر في مكانها ثم تحدق في الفراغ وتقول بصوت متوجس:
"أكيد ساحر!.. أكيد سحر لبابا علشان يقبل بشروطه دي وبيعمل كل دا علشان ينتقم لنفسه مني!!"
أجهشت بالبكاء مرة أخرى تتذكر المشهد والحوار الذي دار بينهم قبل ساعات.
"كتب كتاب أيه اللي عاوز تكتبه؟! هو أنا أعرفك يا جدع إنتَ!!"
صرخت فيه بقوة وأنفاس مُلتهبة فيما مال عليها قليلًا ثم تكلم بالقرب من أذنها وقال بسخرية:
"أنا تليد!.. تليد الدجال يا زهرة الخشخاش قصدي اللافندر!!"
توترت فورًا وراحت تشيح بوجهها عنه، فيما عاد يستقيم في كرسيه وتابع بصوت ثابت:
"أنا شقتي جاهزة ومش محتاج أي تجهيز منكم يا أستاذ علام."
اندهش "علام" وانبسطت عقدة حاجبيه قبل أن يقول بتوترٍ:
"إزاي يا بني الكلام دا بس؟!"
سليمان بابتسامة ودودة يرد:
"مفيش داعي للجهاز والتكاليف لأن تليد شقته مُجهزة من كل حاجة، يادوب عروستنا تجيب شنطة هدومها."
تليد متابعًا بلهجة حازمة:
"بس لو عايز تكتب قايمة مع المهر والصداق، نكتب طبعًا."
ابتسم "علام" بحرج، فهو يعلم وجميعهم يعلمون أيضًا أن الفتاة هي حقهم وهو ليس بحاجة إلى تأمينها وهي وسط حاميها الذي أفنى طفولته وشبابه انتظارًا لها.
فعلام يعرف جيدًا أن ابنته طفلة الأخير وحبيبة عمره، فهل يُطلب من الإنسان أن يعتني بروحه؟!
أومأ "علام" سلبًا ثم قال:
"قايمة على أية؟! لما إحنا مش هنجيب حاجة؟! وبعدين أنا وإنتَ عارفين وَميض رايحة فين ولمين؟!"
تنحنح "تليد" بخشونة قبل أن يلاحظ تحديقها في والدها تارة وفيه أخرى، فخشى أن تكون قد أدركت شيئًا مما يحاول والدها التنبيه عليه، فتدخل بسرعة يقول بحسم قاطعٍ:
"تمام خلينا نتكلم في المهر والصداق."
سكت هنيهة ثم أضاف:
"المؤخر زيّ ما تطلبوا أما المهر فهيكون شقة باسم أُترُج وإنتَ والمدام هتقعدوا فيها."
تدخلت في الحديث فورًا وهي تقول بنبرة ساخطة:
"أُترُج دا إنتَ عرفته من بابا مش كدا؟!"
تليد يرد عليها بابتسامة باردة:
"تخمين جيد."
حاول مجاراتها فيما تستنتج من توقعات كيلا تهلك روحها في التفكير أكثر من ذلك.
وهنا تابع "سليمان" باهتمام وعزم:
"تحبوا ميعاد كتب الكتاب يكون إمتى؟!"
في هذه اللحظة، استقامت واقفةً في مكانها ثم أبدت اعتراضها بصوت مخنوقٍ:
"بس أنا مش جاهزة!!!"
لم تفتأ تنهي كلامها حتى وجدت قبضة والدها تمسك بذراعها وتجلسها مرة أخرى عنوة ثم يقول بلهجة حازمة لا تقبل النقاش:
"أسبوعين مناسب."
تليد بثبات:
"تمام."
••••••••
(في صبيحة اليوم الموالي)
"إنتَ ناوي تشليني يا بني؟! أُترُج أيه اللي هتتجوزها؟! يعني إنتَ ناوي تقول لها على يوم الغرق؟!!"
أردف "نوح" بتلك الكلمات في غيظ وانفعال طفيف أثناء تحدثه إلى "تليد" عبر الهاتف.
فيما أجابه الأخير بصوت هادئ مُسترخٍ:
"مش عارف ولسه مقررتش."
نوح وهو يضغط على أسنانه غيظًا:
"طيب وأنا؟! المفروض أفضل مستخبي علشان الهانم ماتشوفنيش؟!! وإلا السر هينكشف!"
أجابه تليد بنبرة حاسمة:
"بص إنتَ تغير تسريحة شعرك، تعمل أي منظر يغير شكلك شوية وهي أكيد مش هتفتكرك يعني وحتى لو افتكرتك وسألت فإنتَ هتنكر لأنك ببساطة مش الشخص المقصود، تمام!!!"
نوح بغضب متوارٍ يقول من بين أسنانه المُطبقة:
"تمام، لمَّا أشوف آخر الحوار دا أيه!"
"الحق يا دكتور نوح.. الحق بسرعة!!"
دخلت عليه الممرضة دون أن تطرق الباب حتى.
انتفض في خضة ثم صاح محتدًا بالغيظ والغضب:
"إنتِ تاني!!!.. اقفل يا عم.. اقفل."
أسرع بإلقاء الهاتف على الطاولة ثم تابع بصوت عالٍ:
"خير ولو إني أشك!"
الممرضة تكتم ضحكة متوارية ثم تقول بسرعة:
"في حالة ولادة طارئة والمصيبة إن الأم عندها 15 سنة!"
حدق "نوح" فيها ثم صرخ مصدومًا:
"يا نهار أزرق!!.. الله يخرب بيت الجهل والجهلة!"
هرولت الممرضة أمامه ثم تبعها فورًا إلى غرفة العمليات وهناك رأى فتاة ضئيلة الحجم تصرخ على الفراش بألم شديد وتقبض بقوة على الوسادة التي تنام عليها.
هرول نحوها ثم سألها بدهشة:
"إنتِ حامل بجد!!"
الفتاة تصرخ بحدة:
"أمال حاطة مخدة فيبر يا دكتوووووور!!"
ابتلع ريقه بصعوبة بالغة قبل أن يستوعب سؤاله السخيف الذي نبع من صدمته في عمرها.
أومأ متفهمًا ثم قال:
"تمام تمام.. هتكوني كويسة إن شاء الله."
الفتاة تصرخ بكُل ما أوتيت من قوة:
"بسرعة يا دكتور.. لأني شربت مية كتير أوي وممكن العيل يغرق."
نوح وهو يضيف بسخرية أثناء البدء في توليدها:
"قولنا السن دا ميتجوزش، أدي النتيجة، المقص يا بنتي قبل البوبو ما يغرق."
بدأ في توليدها حينما وجد رأس الطفل تطل أمامه وسط صراخها الهادر فيه، وقد كانت أصعب الحالات التي مرت عليه فقد أجهدته تمامًا ولم يعطي لها أمرًا إلا وتعدل عنه، ولكنه في النهاية تمكن من حمل الرضيع بين راحتيه مبتسمًا في سعادة حتى وجدها تقول بنبرة هادئة وهي تلتقط أنفاسها التي تهدأ ببطء:
"فيه غمازات يا دكتور!!!"
التوى شدقه وراح يقول بسخرية:
"وأنا هعرف منين يا شاطرة!!"
وجدها في هذه اللحظة تجهش باكيةً ثم تقول بصوت مُتهدجٍ:
"لو معندوش غمازات رجعه تاني علشان أبوه عنده غمازات وكدا هيشك فيا!!"
بدأ "نوح" يغمض عينيه في محاولة منه للتحكم في انفعالاته.
فتح عينيه بعد ثواني ثم قام بإعطاء الطفل للممرضة مقررًا مغادرة غرفة العمليات وإلا ارتكب جريمة لا تُغتفر.
تحرك بسرعة إلى مكتبه كي يأخذ قسطًا من الراحة بعد ساعة مُجهدة كانت بمثابة يوم كاملٍ من الأعمال الشاقة.
دخل المكتب ثم رمى بجسده على الكرسي وراح يستند على ظهره باسترخاء، إلى أن قفزت صورته أمام عينيه فقرر أن يُجري اتصالًا بها رغم أنه لا يعلم بماذا سيخبرها إن سألته عن سبب الاتصال!!
أحضر رقمها الخاص ثم أجرى الاتصال دون تفكير وما هي إلا لحظات حتى جاءه صوتها تقول بلدغتها المُحببة إلى أذنيه مرورًا إلى قلبه:
"إزيك يا دكتوغ نوح!!"
ابتسم "نوح" باستمتاع قبل أن يرد بصوت هادئ:
"دكتوغ نوح بقى مستكنيص دلوقت."
خرج صوتها متوترًا فقالت:
"أبقى خلينا نشوفك، ها أيه مناسبة الاتصال السعيد دا؟!"
نوح بضحكة ماكرة:
"وحشني التنمغ عليكِ يا دكتوغة البقغ."
همَّت أن ترد عليه إلا أن ثمة صوت قطع كلامهما، حينما فتحت الممرضة الباب مرة أخرى ثم صاحت بتوترٍ:
"الحق يا دكتور نوح!!"
في هذه اللحظة، رمى "نوح" الهاتف على سطح الطاولة ثم صرخ بغيظ متأجج:
"ربنا ياخد دكتور نوح علشان تستريحي يا شيخة، برا، برا وإلا هولع فيكِ وفي نفسي."
أسرعت الممرضة بالخروج وغلق الباب فورًا فيما ضغط "نوح" قبضته وراح يقول بانفعال يهدأ تدريجيًا:
"دي دكتوغة البقغ مرتاحة عني على الأقل مش كل شوية بقغة تجري عليها وتقول لها الحقي يا مهغة في بقغة تانية بتولد!"
••••••••••
"إنتِ موافقة على اللي بيعمله بابا؟! وإني أتجوز غصب عني؟!!"
أردفت "وَميض" بتلك الكلمات في اختناقٍ أثناء سيرها مع والدتها داخل السوق بعد أن أمر "علام" بذهابهما للتسوق من أجل عقد القران فخضعا لأمره منصاعتين.
تنهدت "سهير" ثم قالت بصوت هاديء:
"أبوكِ مصمم على اللي في دماغه، وأنا حاولت بس هو خلاص مقرر."
همَّت "وَميض" أن تتكلم إلا أنها وجدت والدتها تقاطعها وهي تقول بصوت خافت وتحاول الاختباء بجوار ابنتها:
"تعالي نمشي بعيد عن محل عمك صلاح."
زوت "وَميض" ما بين عينيها ثم تابعت متوجسةً:
"ماله عمي صلاح؟! مش بابا إداكِ فلوسه وقالك سديها له!!"
سهير وهي تقول بحرج:
"ما الفلوس اتصرفت في البيت."
حدقت فيها مصدومة ثم تابعت:
"دا لو بابا عرف هيطين عيشتنا."
مجرد أن أنهت عبارتها وجدت والدتها تستدير إلى الجانب الآخر منها ثم تقول وهي مطرقة برأسها في الأرض:
"امشي بعيد عن المحل دا بسرعة."
وَميض تسأل بدهشة:
"ودا كمان له عندك فلوس؟!"
قامت "سهير" بوضع يدها على وجهها أثناء مرورها من أمام المحل ثم تابعت بخفوت:
"أيوة، اشتريت منه حافظة للسجادة ولسه مديتوش تمنها."
وميض بتوجس:
"تمنها اللي هو كام؟!"
ابتلعت "سهير" ريقها بالكاد ثم تابعت بصوت مبحوح:
"400 جنية."
حكت "وَميض" جبهتها ثم قالت بانفعال مكتومٍ:
"في حد تاني له عندك فلوس؟!"
سهير بتلعثمٍ:
"أيوة، حسان بتاع اللحمة، له متين جنية."
أومأت برأسها في ثبات قبل أن تقول بنبرة هادئة تتحكم في غضبها الذي قد يستعر أمام الناس إن لم تسيطر عليه:
"ماشي يا ماما، سبي الموضوع دا عليا، أنا هدفعهم من مرتبي آخر الشهر، يلا سلام بقى لأني متأخرة على الشغل!"
•••••••••
تجمع كُل من بالقصر على مائدة الفطور في سعادة ونشاط قبل أن يتفرق كُلًا منهم إلى عمله.
تناول "عثمان" القليل من الطعام ثم نهض باستقامة وراح يقول في حسم:
"صحة وهنا.. استمتعي بعربيتك النهاردة."
تكلم بإيجاز قبل أن يتحرك نحو ابنته "سكون" ثم يطبع قبلة بسيطة على رأسها وينطلق.
مرَّت الدقائق واللحظات والفتيات في انتظار السائق الجديد للبدء في مهمتهما لهذا اليوم لرؤية بيت مناسب لشروق كي تبدأ فيه حياة جديدة.
بدأت "سكون" تتأفف من عدم انضباطه بالمواعيد من اليوم الأول، ولكنها أُجبرت على انتظاره لعدم كفاءتها على السواقة.
"لا مش معقول يكون في برود واستهتار بالشكل دا!!."
تكلمت "سكون" بلهجة مُنفعلة وهي تنهض من مكانها.
افتر ثغر "شروق" عن اِبتسامة هادئة ثم قالت:
"معلش، تلاقيه تاه عن القصر ولا حاجة، اصبري شوية زمانه جاي."
أومأت برأسها سلبًا وراحت تقول بإصرار وصوت يغلب عليه السخط:
"قولت مش هنستناه ولو جه ماما تمشيه."
تنهدت "شروق" باستسلام وما أن نهضت تطيعها على رأيها الصلب حتى وجدت حارس القصر يهرع إليها ثم يقول بصوت هادئ:
"في واحد برا القصر بيسأل عليكِ يا هانم وبيقول إنه السواق الجديد بتاع حضرتك."
أومأت بتفهم ثم تابعت بحزم:
"تمام، روح إنتَ."
قامت بالتقاط حقيبتها بحركة ثائرة وراحت تتمتم بكل كلمات الوعيد التي تستقر داخل قاموسها.
تحركت نحو باب القصر وتبعتها "شروق" التي حاولت أن تسيطر على نار انفعالها المستعرة فقالت وهي تهرول خلفها كي تلحق بها:
"سكون، علشان خاطري حاولي تهدي وبلاش مشاكل للراجل من أول يوم."
أسرعت باللحاق بها ثم قبضت على ذراعها تجبرها على التوقف، ففعلت.
استدارت "شروق" على الفور حتى وقفت أمامها مُباشرة ثم تابعت بهدوء:
"بصي، إنتِ نبهيه إنك بتضايقي من عدم الالتزام بالمواعيد وإنه يخلي باله من الوقت بعد كدا، بأسلوب هادي وبسيط جدًا."
تنفست "سكون" الهواء داخلها ثم أخرجت زفيرًا يمتليء بالسخط وقالت بلهجة حادة:
"تمام يا شروق، هحاول."
بادلتها "شروق" ابتسامة فاترة يشوبها الشك من اقتناع شقيقتها بكل تلك السهولة ودون جدال.
استأنفت "سكون" سيرها حتى البوابة الخارجية وكانت "شروق" لها بالمرصاد كي تلحق الكوارث التي توشك الأخيرة على إضمارها.
وقعت عيناها على السائق وهو يتحدث إلى الهاتف ويعطيها ظهره.
صرت على أسنانها بانفعال حادٍ بعد أن حاولت أن تهدأ في عقابها له إلا أنها وجدته يتحدث في الهاتف في حالة من اللا مبالاة علاوة على تأخيره في الوصول رغم تأكيد مواعيد حضوره إلى القصر من قبل والدها الذي تحدث إليه عبر الهاتف بالأمس.
اندفعت نحوه بخطوات ثائرة مستفزة ثم طرقت على ظهره بأناملها إلا أنه أشار براحته أن تنتظر دون أن يرى الواقف خلفه.
عادت تطرق على ظهره من جديد، ففعل ما قام به المرة الأولى ثم تكلم بصوت ثابت:
"تمام، مفيش مشاكل، مع السلامة."
في هذه اللحظة، استدار بهدوء حتى أضحى وجهه مقابل وجهها تمامًا ليجدها تتخصر أمامه بوجه مُكفهر وملامح متكتمة بالانفعالات المتأججة من فرط الغيظ.
وضع كفيه على بعضهما وهو يقف شامخًا أمامها فيما تحول الانفعال إلى دهشة وراحت تحدق فيه بشك وحيرة جعلتها ترخي ذراعها عن خصرها ثم تقول بلهجة مندهشة:
"أنا شوفتك في مكان قبل كدا؟!"
كانت "شروق" تقف على جنب تنتظر انفجار قنبلة الغضب الذي تمتليء به شقيقتها، إلا أنها تفاجأت بهدوء الأمور.
زم شفتيه ثم قال بلا مبالاة:
"مش فاكر الحقيقة."
زوت "سكون" ما بين عينيها في حيرة إلا أنها عادت إلى أرض الواقع فأردفت بلهجة حادة وغضب دفين:
"ممكن أعرف سبب تأخيرك؟! مش عثمان بيه بلغك بالميعاد اللي تكون فيه في القصر؟!"
رد بإيجاز:
"زحمة."
سكون كاظمة غيظها:
"خُد طريق تاني!!!"
أجابها بصوت ثابت:
"مفيش."
اندهشت من ردوده فراحت تقول بسخطٍ واستخفاف:
"إنتَ بتتكلم زيّ الروبوت كدا ليه؟!"
اِفتر ثغره عن ابتسامة ساخرة ظهرت على جانب شفتيه قبل أن يقول بنبرة مُتهكمة:
"طبعًا مستنية مني أقول لك إني فعلًا روبوت وإني يوسف الشريف وكدا؟!"
انفتح فمها سنتيمترين وراحت ترمقهُ بنظرات مصدومة جعلتها تبتسم في استغراب ثم ترد باستنكار وامتعاض:
"لحظة!!.. إنتَ إزاي بتكلمني كدا؟!!"
أجابها بثبات وهو يضع كفيه في جيبي بنطاله:
"دي الطريقة اللي فرضتيها عليا ولازم أعاملك بيها، بيقولوا المعاملة بالمثل، مش كدا يا آنسة؟!!"
سكون تضيف بشدوه وتعجب من جرأته وتبجحه فيها بكلمات صلبة:
"آنسة؟!"
مط شفتيه بلا مُبالاة ثم تساءل:
"سوري يا مدام!!!"
سكون مازالت تلبس وشاح الصدمة فتكرر في شدوه:
"مدام!!!"
تأفف السائق بامتعاض قبل أن يضرب كفًا بالآخر ثم يقول بلهجة قانطة:
"لا حول ولا قوة إلا بالله، يعني لا آنسة ولا مدام؟!!.. أمال أقول لك أيه؟!"
ضغطت بقوة على أسنانها ثم صاحت فيه بلهجة حازمة:
"تقول يا هانم، فهمت ولا أعيد تاني؟!!"
خرجت ضحكة سمجة من بين شفتيه حتى أنه تجاهل ما قالت ثم أسرع بفتح باب السيارة المجاور لمقعد القيادة وهم أن يركب، ولكنها أوقفته وهي تصيح بغيظٍ متأجج:
"إنتَ رايح فين؟!"
استدار بعينيه إليها ثم رفع أحد حاجبيه وهو يضيف ببرود:
"بركب العربية، أصل أنا السوق!!.. عارفة ولا معندكيش خلفية؟!"
أخرجت زفيرًا مُشتعلًا بنيران الغيظ وراحت تمسح وجهها بنفاد صبرٍ قبل أن تنظر إلى باب السيارة الخلفي ثم تقول بلهجة آمرة:
"ولمَّا إنتَ هتركب مين هيفتح لنا باب العربية!!!"
رماها بنظرة جامدة قبل أن يتنقل بعينيه بين ذراعيها ثم يقول بسماجة وبرود:
"إيدك."
في تلك اللحظة، انفجر الفتيل في الأرجاء فراحت تصرخ فيه بحدة وصوت عالٍ:
"إنتَ إتجننت!!.. إزاي تتجرأ تكلمني بالشكل السوقي دا.. إنتَ ناسي إني مديرتك وأكل عيشك كله بين إيدي؟!"
أومأ بنفي قبل أن يتحرك واقفًا أمامها مرة أخرى ثم يقول بثبات:
"رزقي بين إيد ربنا أما إنتِ فوسيلة علشان أوصل بيها للرزق دا وعلى العموم أنا مش هفتح باب العربية لحد إلا في حالة واحدة بس."
زوت ما بين عينيها تستفهم ما يحاول الإشارة إليه، فتابع بصوت أجشٍ حانقٍ:
"لمَّا الشخص اللي هفتح له الباب تكون إيديه مقطوعة."
جحظت عيناها في صدمة كبيرة.
همَّت أن ترد عليه بقسوة إلا أنه قاطعها يقول بلهجة حازمة:
"تمام ولا أتوكل على الله أنا؟!"
غلفتها الدهشة وعدم التصرف فاستدارت تتبادل مع شقيقتها نظرات مصدومة من جرأته في ردوده عليها وشجاعته التي تصطف في صالحه، فلم يسبق لها أن يقف شخص يعمل تحت إمرتها ويتحدث إليها ندًا بندٍ، إذ أنها تفرض شخصيتها وقوتها على الجميع فعلاً يجرؤ شخص على النظر إليها أثناء الحديث بينهما إلا هو.
يتـبجح ويمارس حذقته عليها ولا يخشى أن ينقطع عيشه قبل أن يبدأ؟! كيف يكون جريئًا بهذه الطريقة الشجاعة؟!!
ظلت تحدق فيه دون أن تجيبه عمَّا وضع من شرط، وأثناء التحديق به تذكرت بوضوح من أين تعرفت عليه قبل هذه المرة؟!
انفتح فمها على وسعه وهي تقول بنبرة شاردة:
"لحظة لحظة، افتكرت أنا شوفتك فين؟!"
لم ينبس ببنت شفة وانتظر أن تتابع بتأكيد:
"أنا قابلتك إمبارح في محافظة أسيوط؟! لمَّا طلبت منك تاخد بالك من عربيتي؟!"
تمكن من تذكر ذلك المشهد ولكنه تظاهر بالنسيان وبدا ذلك على وجهه، فتابعت تعينه على التذكر:
"لمَّا كنت عايزة أعدي الجنب التاني من البلد وإنتَ ساعدتني في شد العبارة!!!"
انبسطت عقدة حاجبيه وهو يقول بنبرة متفاجئة:
"أه، افتكرت."
ضيقت "سكون" عينيها قبل أن تتساءل بحيرة:
"بس إنتَ أيه اللي جابك القاهرة؟! وجيت هنا إزاي!!"
أجابها بثبات:
"أنا من القاهرة أصلًا وشغال في الشركة اللي بعتتني هنا، ولما اتقابلنا كنت في مشوار شغل."
اومأت برأسها مُتفهمةً قبل أن تقول بابتسامة متوترة وهي تتذكر الجَميل الذي أسداه لها ثم تقول بتنحنح:
"بشكرك على موقف الجدعنة اللي عملته معايا إمبارح يا ...!!!"
قالت كلمتها بنبرة مُتساءلة جعلته يدلي عن اسمه فيقول بثبات:
"كاسب."
افتر ثغرها عن اِبتسامة ماكرة ثم تابعت بنبرة ساخرة غلفتها ببسمة هادئة:
"وكسبت أيه بقى؟!"
كاسب بابتسامة سمجة يقول:
"كسبت صلاة النبي."
خرجت من فم "شروق" صوت غمغمة ضاحكة حاولت أن تكتمها فيما تغير وجه "سكون" إلى العبوس وراحت تتحرك إلى باب السيارة ثم تفتحه بغيظٍ وهي تشاهد استسلامها للمرة الأولى وهي العنيدة التي لا تتنازل بمقدار أُنملة وتسعى دومًا أن يسير العالم من حولها على خطى هواها.
ركبت السيارة وجاورتها شقيقتها ثم انطلقت السيارة على الفور وبدأت سهام نظراتها القاتلة تصيب عينيه التي تراقب اشتعالها من خلال المرآة.
•••••••••
تجمع مسؤولي الأقسام داخل الشركة حول طاولة الاجتماعات حيث أمرت صاحبة الشركة بعقد اجتماع عاجل وهام وأمرت بحضور الجميع من المسؤولين وحتى أصحاب الأسهم البسيطة داخل الشركة، وكان من بينهم "تليد" الذي تلقى اتصالًا منها شخصيًا تدعوه فيه إلى ضرورة الحضور كونه شريكًا بالشركة حتى إن كانت نسبته قليلة.
جلس "تليد" على كرسيه في انتظار قدوم المسؤولة الجديدة عن الشركة بعد موت زوجها، فلم يتقابل معها من قبل ومنذ أن صار شريكًا مع زوجها لم تأتِ هي إلى الشركة لأن الأمور لم تكن تستدعي ذلك، ولكنها سمعت عنه بكل خير من خلال زوجها وعلمت بقدومه إلى العزاء وترأسه حتى النهاية ومساندة أفراد عائلتها بكُل إنسانية ورجولة.
في هذه اللحظة انفتح باب الغرفة ودخلت هي بخطوات ثابتة متزنة، سيدة تبلغ من العمر سِنًا لا يتضح تسير مرتدية ملابس رسمية وأنيقة وينسدل شعرها باسترسال وانتظام.
التفت الجميع نحوها ما أن بدأ كعب جزمتها يصطدم بالأرض، فرؤيتها تبعث على نفس الناظر إليها بعض القوة والشموخ.
تحركت إلى كرسيها ثم وقفت أمامه وراحت تقول بنبرة صلبة وابتسامة وقورة تزين ثغرها:
"منورين كلكم الاجتماع وشكرًا إنكم لبيتوا طلبي السريع والعاجل."
أومأ برأسه في هدوءٍ مُقررًا أن يتابع ما تقول بأذنيه وأن تبقى نظراته بعيداً عن تبرجها الصاخب في ملابسها ومساحيق تجميلها.
بدت له مُحبة للأضواء والزينة وكذلك مُحبة للوقار والحدود، وهذين نقيضين لا يتقاطعان في العادة.
بدأت تملي على مسامعهم خطة السير داخل الشركة بعد أن أصبحت بشكل رسمي المسؤولة عنها، حتى مرَّت الدقائق بسرعة وانتهي الاجتماع وشكرت الجميع بامتنان ثم بدأوا في الخروج.
توجه "تليد" نحو الباب إلا أنها أوقفته تقول بنبرة هادئة:
"أستاذ تليد؟!!!!"
توقف في الحال متعجبًا من مناداتها له، استدار ليجدها واقفة أمامه بقامة شامخة وابتسامة بسيطة.
أدركت أيضًا أنها تقف أمام قامة دينية لا يُستهان بها فلم تمد يدها له بالمُصافحة وهي تعلم تجنبه للأمر، فكانت بالذكاء الكافي الذي يجعلها تقرأ الشخص الواقف أمامها وتفهم ولو القليل عنه.
اكتفت بابتسامة خفيفة ثم قالت:
"بشكرك جدًا على وقفتك معانا، فعلًا كلام حمدي عنك كان في محله."
أومأ "تليد" بهدوء ثم تدبر ابتسامة هادئة ورد:
"دا واجبي، ربنا يرحمه ويتجاوز عن سيئاته."
تنحنحت "نجلا" بثبات قبل أن تبدأ في رمي عرضها عليه:
"الحقيقة إني بعد ما عرفت اللي عملته علشان حمدي في العزا، قررت أعزمك عندنا في القصر لأننا هنفتح الوصية النهاردة وزيّ ما إنتَ عارف مفيش حد معانا."
سكتت هنيهة ثم أكملت:
"غير ربنا طبعًا."
شعرت بالاستنكار البادي على صفحة وجهه فأضافت بصوت هادئ:
"قبل ما تعترض، دا كان طلب حمدي، إننا لمَّا نحتاج لحاجة في غيابه نلجأ ليك وطبعًا ثقته فيك تخليني أعرض عليك إنك تكون موجود معانا كسيدات في ظل وجود المحامي وبعض شباب العيلة، وطبعًا إنتَ عارف المشاكل اللي بين حمدي وعيلته أد أيه وما هيصدقوا يلاقونا واقفين لوحدنا ومن غير حماية!!!"
كانت صادقة في كل كلمة تفوهت بها لأن حمدي تكلم معه هو ووالده حول هذه الأمور وطمع أفراد العائلة في ماله وبناته.
حاول أن يتفهم موقفها ولا يسد أبوابه في وجهها؛ فتكلمت بصوت هادئ:
"واعتبرها دعوة عشا في بيت حمدي تكريمًا على وقفتك جنبه في حياته ومماته!!"
تنهد "تليد" تنهيدًا ممدودًا بعُمقٍ قبل أن يقول باستسلام:
"تمام، هكون موجود إن شاء الله ومعايا خطيبتي."
أراد أن ينهي النقاش مشيرًا إلى قبول دعوتها والحضور برفقة خطيبته كي لا يذهب إلى هناك بمفرده، فقد وضعته في مأزق وأحرجت أخلاقه التي لم تتعود على غلق أبوابها في وجه أحد.
انصرف من أمامها في الحال مقررًا زيارة "وَميض" داخل مكتبها كي يخبرها برغبته في القدوم معه إلى القصر وفكره مُنشغلًا في موقفها نحو هذا الطلب وهل ستوافق بعد أن فرض زواجه عليها أو ترفض وهذا المتوقع على كل حال!
"يا بني قولت لك أنا حقيقي مش في المواد زائد إن النُكت بتاعتك دي مش مُضحكة خالص."
أردفت "وَميض" بتلك الكلمات وهي تجلس إلى مكتبها بوجه عابس يغلفه الحزن حتى أنها لم تندمج بالحديث معهم كالعادة ولم تحشر أنفها بالقصص التي تأتي بها صديقة مكتبها عن كل فرد بالشركة.
لاحظ "ثامر" ما يغلب عليها من حزن واكتئاب فحاول أن يضفي جوًا من المرح على الأجواء وأن يجعلها تبتسم وتعود إلى حالتها المزاجية بطريقته.
ابتسم "ثامر" بحرج ثم قال بغيظٍ:
"ما إنتِ من كام يوم كُنت بتضحكِ عليهم عادي؟!"
وَميض بابتسامة خفيفة:
"كان ليڤيل التفاهة عندي مسيطر."
ثامر بإصرار وضحكة ماكرة:
"طب قولي كدا (ملبن ملبن) عشر مرات ورا بعض؟!!"
زوت "وَميض" ما بين عينيها في استنكار ولكنها استسلمت لمزاحه وبدأت تقول ما طلب حتى وجدت نفسها تُخطيء ويثقل لسانها وهي تكرر الكلمة فانطلقت ضحكة طويلة من فمها وسط سعادته بالتغلب على حزنها.
وفي هذه اللحظة انطلق صوت جهوري حانقٍ يرن في أرجاء الغرفة باسمها:
"آنسة وَميض!!!!!!!!"
رواية رحماء بينهم الفصل الخامس عشر 15 - بقلم علياء شعبان
وقف بالسيارة أمام العقار الأول الذي هو عبارة عن مبنى يتكون من طابقين وحوله حديقة صغيرة وسور منخفض حيث أنه يرتفع عن مستوى قامة الإنسان قليلًا.
أكثر ما جذب "شروق" للعقار من الوهلة الأولى التصميم الذي يتطابق تمامًا مع البيوت التركية الخلابة التي تتفاوت بين ألوان قوس قزح المبهجة.
ترجلت "شروق" من السيارة بانجذاب كبير. استطاعت "سكون" ملاحظته وأدركت أن هذا البيت صار رسميًا لشقيقتها التي لمعت عيناها فور رؤيته.
كذلك ترجلت "سكون" ثم استدارت وراحت تقف بجوار شقيقتها وتقول بصوت هادئ مشغولًا بتدقيق النظر إلى وجهة البيت:
"عجبك مش كدا؟!"
أومأت "شروق" تؤكد ظنونها وهي تقول بنبرة خفيضة ساقطة تحت تأثير الانجذاب والأُلفة للمكان:
"عجبني أوي، يا ترى من جوا حلو زيّ برا؟!"
ابتسمت "سكون" بهدوءٍ قبل أن تضع راحتها على ظهر شقيقتها ثم تدفعها برفق وهي تقول بحسم وحماس منقطعي النظير:
"وليه نخمن لمَّا ممكن نكتشف دا بنفسنا!"
سارتا نحو البوابة المطلية باللون البنفسجي الذي راق "شروق" كثيرًا.
شرعت "سكون" تطرق على البوابة لتنبيه صاحب العقار حول وصولهما إلا أنها وجدت الباب ينفتح وحده من الطرقة الثانية.
زوت ما بين عينيها وهي تدفع الباب بتوجسٍ وراحت تنظر يُمنة ويسرى في حذرٍ ولم تجد بُدًا من أن تنادي بصوت عالٍ:
"يا أهل البيت؟!! أستاذ وهيب؟!!"
تنحنحت "شروق" قبل أن تقبض على ذراع شقيقتها ثم تقول بقلقٍ كبيرٍ:
"استني متدخليش إلا لما حد يرد علينا، أنا قلقانة."
باغتتها "سكون" بابتسامة عريضة ثم قالت باستنكار:
"قلقانة من أيه يا بنتي؟! أكيد أستاذ وهيب لسه موصلش وأصحاب البيت مش عندهم علم إننا جينا؟!"
وقف بجوار السيارة يراقب الحركات التي تصدر منهما. تذكر التوصيات التي قيلت له فيما يخص هذه الفتاة المتمردة العنيدة من ضرورة حمايتها كوظيفة أساسية تلبس وشاحَ التخفي تحت لباس سائق الهانم!
ليس لديها علم بالوظيفة الحقيقية له عندها ولا هو يعلم السبب الذي يدفع والدها لحمايتها وممن يخشى عليها الأذى؟!..
عبس بملامح غامضة وهو يرى تراجع إحداهما عن التقدم داخل البيت مما دفعه على الانطلاق إليهما بخطوات ثابتة.
"قولت لك مش هندخل غير لمَّا ييجي، اتصلي بيه وشوفيه فين؟!"
"خير يا آنسات؟!!"
قطع حديثهما الخافت نبرة صوته الغليظة وهي تستفسر بحزم. توقفتا عن شجارهما الخافت واستدارت "سكون" حتى واجهته وهي تقول بصوت حانقٍ وعلامات الاستنكار تغزو ملامح وجهها:
"إنتَ اللي خير يا أستاذ، سيبت عربيتك وجيت ليه؟!"
"هدخل معاكم."
"أه بليز، ادخل معانا."
زجرتها الأخيرة بنظرة حادة قبل أن تنظر إليه. رفعت "سكون" أحد حاجبيها ثم أضافت بغيظٍ:
"تدخل معانا بتاع أيه يعني؟! هل دا اختصاصك؟! اتفضل يا أستاذ استنانا جنب العربية!!!"
رماها بنظرة قوية قبل أن يشمخ في وقفته أمامها ثم يتابع بصوت أجشٍ حادٍ:
"اتفضلي إنتِ قدامي وكفاية صياح."
اتسعت عيناها بصدمة وراحت تقول غير مصدقة للنبرة التي يتحدث فيها إليها:
"لا يمكن تكون شخص عاقل، إنتَ أكيد مش طبيعي!!!"
"ودي مش إشارة لحاجة؟!"
عقدت حاجبيها سوية ثم تابعت بانفعال مكبوتٍ:
"لأيه؟!"
"إنه يتخاف مني مثلًا!!"
تخصرت أمامه وقد انبسطت عقدة حاجبيها ثم صاحت بانزعاج مُستنكر:
"ودا تهديد!!!"
أجابها بغلظة:
"أه واتفضلي قدامي يا إما أدخل البيت معاكم يا إما نرجع."
كورت "سكون" قبضة يدها وراحت تضغطها بقوة وانفعال ضاريين مع ضغطة قوية على فكيها تعرب فيها عن دهشتها بجرأته المنحطة أثناء حديثه معها. قررت أن تتوقف عن مجادلته لحين العودة إلى القصر ثم تشتكيه إلى والدها وتطلب بتغييره في الحال.
أعطته ظهرها ثم عبرت بوابة البيت وقبل أن تفعل شقيقتها، سمع الثلاثة طلقًا ناريًا يأتي من الداخل ويتجه صوبهم. تراجعت "شروق" وهي تصرخ بفزعٍ فيما اندفع "كاسب" نحو "سكون" التي تصلبت في مكانها وهي تقف في منتصف الحديقة. أسرع إليها ثم جذبها بقوة حتى التصقت بصدره وراح يضع راحته على رأسها وعينيها ثم يقبض على مسدسه ويبدأ في الالتفات حوله في محاولةً لرصد نقطة انطلاق الرصاص.
وفي هذه اللحظة وقعت عيناه على رجل يخرج من وراء أحد الأبواب فأسرع بتعمير سلاحه ثم صرخ بصوت جهوري:
"اقف مكانك؟!!"
وجده عجوزًا يتسلح ببندقية ويقف أمام البوابة الداخلية كاشرًا عن أنيابه ويصرخ بحدة:
"إنتَ اللي تقف عندك يا حرامي منك ليها."
عقد "كاسب" ما بين عينيه ثم استنتج هوية العجوز بوضوح فور قوله لهذه العبارة. تنفس "كاسب" الهواء داخله ببطء ثم صاح مُرخيًا قبضته عن المسدس قليلًا:
"إحنا مش حرامية يا حاج، إحنا من طرف أستاذ وهيب وجايين نشتري البيت!"
تفاجأ العجوز من حديثه وأسرع بإنزال البندقية قبل أن يتحرك نحوهما ويقول آسفًا عما بدر منه من تهور:
"آسف يا بني، أهلًا بيكم!"
كانت لا تزال مُتشبثةً بين أحضانه حتى أنصتت إلى حديث العجوز فابتعدت عنه فورًا. أسرع العجوز بمصافحة "كاسب" مُعربًا عن خزيه منهما.
رأت "شروق" استقرار الأوضاع وتفهم العجوز لهم الذي أمر بدخولهم والقيام بجولة داخل البيت حتى يأتي الأستاذ وهيب الذي تأخر نتيجة الازدحام المروري.
سار الثلاثة للداخل وبدأت الفتاتان يتفقدان كُل زاوية بالبيت الذي لم يقل جمالًا وبهاءً عن مظهره الخارجي. وقد اكتشفا أثناء حديثهما مع صاحب العقار أنه من أصول تركية ويعيش في مصر منذ سنوات عديدة ولكنه مازال مُتأثرًا بالثقافة التركية في كافة أمور حياته. حتى أنه قدم لهم اكوابًا من الشاي الوارد من تركيا واستخدم أواني تركية خالصة.
ورغبت "شروق" وقتها في تقديم عرضًا فكاهيًا له يفي بشراء البيت بكُل ما فيه من أثاث تركية وخاصة أدوات المطبخ ولكنه رفض. إلا أنه منحها هدية بسيطة وهي عبارة عن برادين لعمل الشاي يعلو كُلًا منهما الآخر وصينية مزخرفة وملحقة بستة أكواب لتقديم الشاي.
جاء "وهيب" في النهاية وتمت البيعة وتراضى كُل الأطراف. حتى أن "شروق" أسرعت بالاتصال بزوجها الذي جاء في الحال لمشاركتها هذه اللحظة السعيدة.
"أتمنى تلبسي حاجة مُحتشمة يا آنسة وَميض!"
أوقف سيارته أمام بوابة بيتها ثم تكلم بصوت هادئ دون أن يلتفت إليها. حيث لاحظت هي غموضه وصمته منذ أن كانا بالشركة وقرر اصطحابها إلى بيتها للتجهز من أجل الذهاب معه إلى بيت "حمدي زهران".
رفعت "وَميض" أحد حاجبيها ثم ردت باستنكار:
"تقصد إني بلبس عريان؟!"
"زيّ ما وصلتك أفهميها."
اِفتر ثغرها عن اِبتسامة حانقة ثم تابعت بنبرة حادة:
"على فكرة أنا لسه موافقتش على طلبك!"
رد بلهجة حازمة ومازال ينظر أمامه متحكمًا في انفعالاته:
"تمام، اعتبريني معرضتش عليكِ الموضوع من الأساس، اتفضلي انزلي!"
رفعت أحد حاجبيها تستهجن ثلجية تصرفاته الغليظة معها حتى أنه لم يطلب الأمر منها بنبرة ليّنة وكأنه فرضًا عليها ووجب فعله. تنحنحت بغيظٍ مكتومٍ بعد أن تذكرت كلمات صديقتها بالمكتب حول الفتاة المرشحة للزواج به تلك الفتاة آيلين؛ لذا خمنت سبب إلحاح هذه السيدة عليه أن يأتي زائرًا في بيتها وذلك من أجل رؤية الفتاة وإقناعه بها.
استدارت بعينيها إليه ثم ردت بسرعة:
"مش قصدي، أنا طبعًا هاجي معاك يا أستاذ تليد، دا أول طلب تطلبه مني يعني."
في تلك اللحظة، قام باستخراج ورقة من الخزنة الموجودة بالسيارة ثم أعطاها لها وهو يقول بصرامة:
"اقرأي دي!"
زوت ما بين عينيها وهي تلتقط الورقة منه ثم تشرع في قراءة سطورها. انفرجت شفتيها بشدوه وراح تقول مصدومةً:
"كل دي خصومات من مرتبي!!!"
لم يجيبها قط؛ فتابعت وهي تقرأ بصدمة:
"كثرة استخدام الهاتف!!!.. كثرة الثرثرة مع الزملاء!!."
وأخيرًا استدار بجسده وعينيه نحوها ثم قال بصوت منفعل حازم:
"في بند تالت المفروض يتضاف للقايمة دي."
رمقتهُ بنظرات فضولية وقد عجزت عن التفوه بما يجول في رأسه إلا أنه أكمل بصرامة:
"التغنج مع الإخوة أثناء العمل والتقاعس عن أداء مهامك."
"تغنج؟!!.. تغنج دي الكلمة المنمقة من كلمة مرقعة!!"
وهو يصر على أسنانه غيظًا ثم يضيف بصوت حادٍ:
"الله أعلى وأعلم، بس إحنا في شركة ناس مش مُنتدى أبو نواف للتعارف الجاد، ماشي؟!!"
همَّت أن تصيح بملامح ساخطة إلا أنه هدر في وجهها بصوت أجش غليظ:
"بقول لك مااااااااشي!"
تنحنحت بتوتر قبل أن تنكمش على نفسها ثم تضيف بصوت مُتحشرج:
"ماشي بس على فكرة أنا بنت ناس، عيب يعني الكلام دا!!"
رماها بنظرة قوية قبل أن ينظر أمامه مرة أخرى ثم يقول بلهجة ثابتة:
"ساعتين وهعدي عليكِ تكوني جهزتي."
التوى شدقها بغيظٍ ولكنها ابتلعت بروده فضلًا عن مجادلته وإثارة حنقه. ترجلت من السيارة إلى بيتها وانتظر هو حتى تأكد من دخولها المبنى.
"صباح أحلى يوم في حياتي علشان جاتني أغلى هدية من ربنا."
أردفت "رابعة" بتلك الكلمات وهي تنحني نحو ابنتها النائمة في فراشها ثم تقبل جبينها. افتر ثغر "مُهرة" عن اِبتسامة عريضة وراحة تعتدل في نومتها جالسةً ثم قبلت راحة والدتها وهي تقول بمرحٍ:
"صباح الوغد يا ست الكل."
وهي تجلس على طرف الفراش أمامها ثم تقول بنبرة دافئة:
"كُل عام وإنتِ بألف خير، عيد ميلاد سعيد والسنة الجاية أشوفك في الفستان الأبيض ويا حبذا لو أكون شايلة عيالك."
تنحنحت "مُهرة" بخجل ثم قالت بهدوء:
"من الواضح إنك زهقتي وعايزة تخلصي مني يا بيبو."
مطت "رابعة" شفتيها باستنكار ثم تابعت:
"أخلص منك بردو!.. هو أنا عندي في الدنيا غيرك!.. بس لو اتجوزتي أنا هرتاح.. محدش عارف الموت هيدق بابه إمتى؟!.. نفسي أشوفك مسنودة على راجل ابن حلال علشان يطمن قلبي عليكِ."
أسرعت "مُهرة" بالارتماء بين ذراعيها ثم تابعت بملامة:
"ألف بعد الشغ عليكِ.. أنا من غيغك أقع حتى لو مسنودة على مليون غاجل ابن حلال.. وهو مين بس اللي هيعوضك يا امي!"
مسدت "رابعة" شعر ابنتها بحُب ثم تابعت بصوت مخنوقٍ يوشك أن تنطلق منه حشرجة البكاء:
"يعني مش ناوية تريحني وتفكري بالموضوع؟!!"
ابتعدت "مُهرة" عنها قليلًا ثم أضافت بحسمٍ:
"إبغاهيم؟! لا يمكن."
"بلاش إبراهيم.. في مليون واحد متقدم لك وبترفضي تقعدي معاهم.. مش طالبة منك غير إنك تدي نفسك فرصة يا حبيبتي!!"
أومأت "مُهرة" باستسلام ثم أضافت بصوت خافتٍ:
"ماشي يا أمي."
مسحت "رابعة" على غُرة رأسها بسعادة غامرة قبل أن تقف على الفور ثم تقول بحماس شديدٍ:
"يلا اغسلي وشك علشان نحتفل سوى!!"
انفتح فم "مُهرة" على وسعه وراحت تقول بدهشة:
"عملتي لي التوغتة اللي بحبها؟!!!!"
"طبعًا، أنا أقدر أنسى بردو!!!"
صفقت "مُهرة" بحماس قبل أن تتدلى عن فراشها ثم تتجه إلى الحمام بسرعة. قامت بغسل وجهها ثم عقدت شعرها بمشابك الشعر الصينية وكانت ترتدي منامة رقيقة رُسم عليها أحد شخصيات الكرتون الشهير وكذلك ارتدت خُفًا رُسم عليه معالم قطة مُبتسمة.
توجهت إلى الصالة على الفور وما أن رأت الكعكة التي تصنعها لها أمها كل عام حتى صاحت بفرحة كبيرة. هرولت نحو الكعكة وراحت تتطلع إليها بشهية مفتوحة قبل أن تنادي على أمها بنفاد صبرٍ:
"يلا يا ماما علشان جعانة!!!"
لم تفتأ تنهي كلامها حتى سمعت صوت طرقات على باب المنزل. نظرت حولها على الفور حتى وقعت عيناها على غطاء رأسها فأسرعت بالتقاطه ثم توجهت نحو الباب وتابعت متوجسةً من وراءه:
"مين؟!"
انتظرت لثواني كي يصلها الرد إلا أنها لم تحظى سوى بالصمت. زمت شفتيها باستغراب ثم أعربت عن لا مبالاتها حول الطارق الذي لا يُجيب وظنت في النهاية أنها كانت تتخيل طرقًا على الباب.
سارت خطوتين للأمام ثم عاد الطرق من جديد. ضغطت على أسنانها بغيظٍ قبل أن تقرر فتح الباب والاختباء وراءه وإظهار وجهها فقط. فتحت الباب تنظر من وراءه ثم صاحت بصوت حادٍ:
"مين؟!"
نظرت أمامها ولكنها لم تجد أحدًا حتى سمعت صوت نباح جرو يقف أسفل قدميها وينظر إليها وكأنه شخصًا كبيرًا ينتظر أن تنتبه له وتعيره بعض الاهتمام. أبصرته مندهشةً من رقته ولونه المميز فقد كان لون فرائه رماديًا كثيفًا ويرتدي قلادة رقيقة من الورد حول عنقه ويقبض بشفتيه على مجموعة من الورود الحمراء.
تهللت أسارير وجهها وراحت تجثو على ركبتيها أمامه حتى حملته بين ذراعيها وهي تداعب فرائه الناعم وتقول بصوت حائر فضولي:
"مين اللي جابك يا جميل إنتَ!!!"
قامت بوضع كفها على الورود وما أن رأى ذلك حتى أرخى شفتيه عن الورود كي تتمكن من الحصول عليها. وجدت ظرفًا ملحقًا بالورد فقامت بفتحه وراحت تقرأ الرسالة القابعة بداخله:
"كُل سنة وإنتِ أشطغ دكتوغة وربنا يخليني في حياتك دايمًا وأتنمغ عليكِ، يا رب البابي يعجبك، اختاغي له اسم حلو بقى."
انشرح قلبها بسعادة غامرة وراحت ترقص في مكانها وتحتضن الجرو بمرح وسرور فأخذت تدور حول نفسها تتخيل نفسها تحلق بجناحين في السماء؛ فهكذا تشعر كلما أظهر ولو قليلًا من مشاعره الخفية لها إلا أنها تُدرك كُل نظرة أو ابتسامة منه وتفهمها جيدًا.
"أيه الانشكاح دا؟! والكلب دا جبتيه منين؟!"
أسرعت "مُهرة" بدعس الورقة بين قبضتها التي وضعتها خلف ظهرها فور أن اصطدمت بأمها ولم تلحظ وجودها بالصالة. تنحنحت بتوترٍ ثم قالت:
"لقيته قدام باب البيت."
رفعت "رابعة" أحد حاجبيها ثم أضافت بهدوء:
"أه ومين اللي باعته؟! وما تحاوليش تكذبي عليا."
رأرأت بعينيها في توترٍ قبل أن تبتلع ريقها بصعوبة بالغة ثم تقول باستسلام ونبرة مُتحشرجة:
"نوح."
"نوح!"
أومأت بحرج قبل أن تتجه إلى الكعكة وتقول شاعرةً بالجوع:
"مش هناكل بقى؟!!!!"
قامت بالتقاط قطعة من الدجاج ثم راحت تلتهمها بتلذذ كبيرٍ. نعم قطعة من الدجاج؛ فمُهرة لا تدعم فكرة الكعكة التقليدية للاحتفال بل تفضل أن تكون كعكتها من النوع الخاص حيث تكون عبارة عن بيتزا مُغطاة بالكثير من البروتين ومُزينة بقطع الدجاج وتضع لها والدتها شمعة تحمل أرقام عمرها بالمنتصف وهكذا يكون الاحتفال من وجهة نظرها.
"مكانش له داعي اللي عملتيه دا يا سكون، قطعتي رزق الراجل من أول يوم شغل؟!!"
أردفت "شروق" بصوت مُشفق على حال الرجل الذي انقطع عيشه وهو لم يبدأ بعد. عقدت "سكون" ذراعيها أمام صدرها وراحت تقول بنبرة حازمة:
"لازم يتحاسب على جرأته معايا ويفهم إن الرؤوس مش متساوية!"
"سكون إنتِ محتاجة تخرجي من أسر بابا وفكره لأن واحدة واحدة بتوهي عن شخصيتك الحقيقية، إنتِ بقيتي نُسخة من شخصية بابا!!!"
"وهي دي حاجة وِحشة؟!"
"أكيد."
"يا فندم، بنت حضرتك طايشة ومش قادرة تفهم أد أيه أنا حاسس بالمسؤولية ناحيتها وكان لازم التزم بتعليمات حضرتك حتى لو دا هيضايقك بس متأكد إنك هتشكرني في النهاية."
أردف "كاسب" بتلك الكلمات وهو يقف شامخًا أمام الأخير الذي زفر بضيقٍ ثم قال مُقتنعًا بكلمات الواقف أمامه:
"عندك حق، أنا بنتي متهورة فعلًا وسعيد جدًا إنك بتلتزم بتعليماتي وخايف على اللي ليا وفعلًا أنا بشكرك."
سكت لبُرهة ثم أكمل:
"ولكن سكون بنتي هي كل حاجة ليا وثروتي في الدنيا؛ فياريت تخلي بالك من تصرفاتك معاها على أد ما تقدر!"
"حتى لو كانت مُصرة على حاجة هتضرها؟!"
"متصعبش الإجابات عليا.. أكيد لأ."
"تمام."
أومأ "عثمان" له بهدوءٍ ثم سمح له أن يخرج ففعل الأخير. خرج من الغرفة فوجدها تقف أمامه متخصرةً وترميه بنظرات شامتة وابتسامة مُتشفيةً تستقر على ثغرها. تحرك نحوها ثم تجاوزها ومر إلا أنها وضعت كفها على ذراعه تجبره على الوقوف ثم استدارت حتى وقفت قبالته مُباشرة وبنبرة ساخرة أضافت:
"مبسوط دلوقتي وإنتَ بتخسر وظيفتك علشان لسانك طويل!!"
باغتها بابتسامة خفيفة قبل أن يلتقط علبة السجائر من جيبه ثم يخرج منها واحدة ويبدأ في إشعالها بثقته المعهودة. أخذ نفسًا من السيجارة ثم زفر دخانها في وجهها فراحت تسعل بقوة بعد أن عبق الدخان المحيط الذي يقفا به.
وهنا تكلم بصوت ثابت ينم عن مدى تهكمه بها:
"لساني طويل؟! يبقى مجربتيش ايدي."
تحرك من أمامها خطوتين إلا أنه عاد بسرعة حتى تلاقى بعينيها ثم تابع بضحكة واسعة:
"نتقابل في معركة جديدة بكرا إن شاء الله."
انفرجت شفتيها بشدوه وصدمة بعد أن بلغها ببقائه في العمل وهذا ما لم تكن تتوقعه. ضغطت على فكيها بغيظ حقيقي قبل أن تهرول إلى غرفة والدها وتدخل عليه في الحال.
"بابا!.. إنتَ إزاي متطردش الكائن دا؟!!"
شبك "عثمان" أصابعه سوية ثم أجاب بهدوء:
"لأنه معملش حاجة تستدعي دا!"
"لأ عمل.. حضني.. حضني بحجة إنه بيحميني.. يعني فوق ما هو لسانه طويل دا كمان مُتحرش!!!"
انبسطت عقدة حاجبيه قبل أن يقول بثبات:
"دا كلام كبير يا سكون ومينفعش شخصية قوية ومُتماسكة زيك تقول أي كلام والسلام لمجرد أن الشخص دا مضايقها!!"
أشاحت للجهة الأخرى وهي تدرك حجم خطأها فالجميع يعرف أن ما فعله بدافع حمايتها فقط. نظرت إليه بحزن قبل أن تخرج من الغرفة تحمل خيبة اصطفاف والدها في صالحه. كيف لهذا الغريب أن يحوز على دعم عثمان السروجي في يوم؟!! ولا نبالغ إن قلنا ثقته!!.. تشعر أنه ساحرًا أو ماكرًا عظيمًا.. كانت تشتعل غيظًا منه ولكنها فضلت أن تواري هزيمتها أمامه حتى لا يشتم أحد رائحة الخسارة التي كابدتها أمام مجرد سائق كما تنعته.
"صباح الخير يا خالة رابعة."
أردف "نوح" بتلك الكلمات وهو يتجه حيث يجلس الشيخ "سليمان" وتجاوره في المقعد "رابعة" التي ما أن رأته ينضم إليهما حتى نهضت كي تغادر المكان كما أنها لم ترد على سلامه الذي وجهه لها. عقد "نوح" ما بين عينيه قبل أن ينظر إلى الشيخ ويقول بمزاحه المعتاد:
"أنا شفاف يا عم الشيخ!!.. خالة رابعة مردتش عليا مش كدا؟!!"
أومأ "سليمان" ثم رفع أحد حاجبيه وهو يقول بهدوء:
"ادنو مني يا ولد!"
"عيني يا كَبير."
أنهى عبارته ثم جلس بجواره مُباشرة فيما باغته "سليمان" بحركة صدمته حيث تناول أذنه بين إصبعيه وراح يشدها بقوة ثم يقول بلهجة حازمة:
"كله إلا بنات الناس يا صايع، أنا ربيتك على كدا؟!"
فتح "نوح" فمه على وِسعه ثم تساءل بذهول:
"وربنا ما أعرف بنات."
حدجه "سليمان" بنظرة من جانب عينيه ثم قال بصوت أجش:
"متعملش عبيط يا نوح وقول لي عاوز أيه من مُهرة!"
تنحنح "نوح" بحرج قبل أن يبتلع ريقه على مهل ثم يقول مراوغًا:
"هي زعلت من الهدية اللي أنا جبتها لها؟!"
"وكمان بتجيبوا لبعض هدايا؟!!"
"آه آه آه، ودني يا شيخ سليمان، ودني يا كبير، متغلاش عليك والله بس هعلق النضارة على أيه؟!"
صاح "نوح" مُدعيًا الألم فيما قام "سليمان" بالطرق على جبهته وهو يقول بنبرة هادئة:
"دا على أساس إنك لابس نضارة؟! ومتوهش عن الكلام!!"
همَّ أن يضرب جبينه مرة أخرى إلا أن "نوح" صاح مُستسلمًا وهو يقول بحسم:
"عاوز هدومنا تجمعهم غسالة واحدة!"
"اسمها عاوز أتزوجها على سنة الله ورسوله."
"مليش أنا في اللغة العربية الفُصحى دي، اسمها عاوز أكلبشها."
"وأيه مانعك يا حظابط؟!!"
"العين بصيرة والإيد قصيرة يا شيخ."
"اتكلم جد يا ولد!"
تنحنح "نوح" بخشونة قبل أن يعرب عما يحول دون تكليل حبه الشديد لها بحفل زفاف جميل وثوب أبيض يراها فيه كما يتخيلها كُل يومٍ:
"مستني يكون عند مكان مِلكي لأني مش عاوز أخد بنت الناس أبهدلها معايا وقريب أوي هطلبها منك بشكل رسمي لأني دفعت مقدم شقة مِلك ومستني أخلص فلوسها كاملةً ولا نتجوز وعلينا أقساط!!"
"تمام عداك العيب ولحد الوقت دا بقى لسانك ميخاطبش لسانها."
عبس وجهه على الفور ثم تابع شاعرًا بالظلم:
"دي تكديرة دي ولا أيه؟! هو أنا بقول لها كلام يدوخ يبوي لا سمح الله، كلهم مواقف تنمغ بدون فيلينج!!"
"تعمل اللي بقول لك عليه."
"هحاول."
في هذه اللحظة وجد "رابعة" تعود مرة أخرى وتحمل الجرو بين ذراعيها وما أن وصلت إليهما حتى تركت الجرو على الدِكة التي يجلس عليها الأخير ثم قالت بنبرة ثابتة:
"خد الكلب بتاعك دا كمان، مش وراه غير يدخل الحمام ويقعد ينبح."
"أكيد عاوز يعمل حمام، أنا نسيت أقول لكم إنه ابن ناس ومش بيعمل حمام غير في البوتي!"
"في الأيه؟!!"
"ولا حاجة يا خالة.. بس هي مُهرة اللي رجعته ولا مغصوب عليها!"
"نووووووح!"
"احم.. طيب.. فوتكم بعافية."
وقف بسيارته أمام البناية التي تقطن بها بعد أن أخبرها بوصوله عبر الهاتف ولم ينسَ أن يستأذن علام بشأن ذهابها معه والذي قبل فورًا ودون أدنى مواربة. انتظر عدة دقائق حتى أطلت عليه بأناقة وثقة.
سارت نحو السيارة وما أن ركبتها حتى تابعت بابتسامة خفيفة:
"أيه رأيك في لبسي المُحتشم؟!"
قدح الشرر من عينيه وراح يقول بلهجة حادة:
"أيه القرف دا؟!!"
حدقت فيه مصدومة ثم ردت باستنكار:
"قرف!!!"
أومأ إيجابًا ثم قال بغيظٍ:
"فين الحجاب؟!"
أشارت بيدها نحو رأسها ثم قالت:
"أمال أيه اللي على راسي دا؟!!!"
"دي فوطة الحمام، شكلك نسيتيها على راسك!!"
"فوطة الحمام؟! دا تربون ولا إنت مبتفهمش في الموضة."
وهو يهدر فيها بسخطٍ:
"أنا لا بفهم في الموضة ولا غيرها، جو تخرجي لي شوية شعر من طرحتك ولا تلبسي لي عِمة الصعايدة دا مش هينفع معايا خالص.. أنا عاوز حجاب صحيح.. مغطي رقبتك وشعرك وأكتافك وضهرك.. يعني من الآخر مشوفش مفاتن باينة منك."
التوى شدقها بغيظٍ ثم صاحت باستنكار:
"ناقص تقول لي إن خروجي من البيت عَورة!!"
بحدة يرميها بنظرة قوية:
"صوتك اللي بتعليه عليا دا اللي عورة؛ فياريت تاخدي بالك من نبرة صوتك وإنتِ بتكلميني ودا الإنذار الأخير ليكِ."
ابتلعت ريقها على مضض قبل أن تسأله بصوت حانقٍ:
"قول لي إنتَ عاوز تتجوزني ليه؟ لمَّا أنا مش عاجباك وكل حاجة فيا غلط ليه طلبت تتجوزني ما في مليون واحدة صح غيري!!"
أحرجه سؤالها الذي توقع أن يُسأل عنه يومًا ما. أشاح بوجهه عنها على الفور قبل أن يقول بنبرة ثابتة:
"لو كان لينا سُلطة على قلوبنا مكنش حد فينا بقى له نُقطة ضعف."
تعجبت من إجابته التي بدت غامضة بالنسبة لها ولكنها شعرت بالحرج أن تستفسر عن مقصده.
لحظات ووجدته يفتح الخزنة مرة أخرى ويلتقط غطاءً للرأس ثم يمده لها ويقول بصوت أجشٍ:
"البسي دا."
زوت ما بين عينيها دهشةً وهي تلتقط الحجاب منه، فيما تابع هو بثبات:
"توقعت إنك هتلبسي حاجة مفتوحة أو حجاب ميعجبنيش فقررت أجيب لك الطرحة دي، لونها أسود هيليق على كل الألوان لأني عارف إن التفاصيل التافهة دي تهمكم."
أخرجت "وَميض" زفيرًا مُشتعلًا بنيران الغيظ. قامت بالتقاط الحجاب ثم همَّت أن تنزع الطاقية التي ترتديها إلا أنه أوقفها يقول بلهجة صارمة:
"استني."
توقفت فجأة من شدة الخوف، فيما أسرع بغلق نافذة السيارة المجاورة لها والتي يصطبغ زجاجها باللون الأسود فيحجب رؤية الناس للأشخاص الموجودة بالداخل. أشار لها أن تتابع وراح يشيح للجهة الأخرى ناظرًا إلى الأسفل حتى أردفت بهدوء يغلفه السخط:
"خلصت."
استدار ينظر إليها وكأنما يرى تفتُح الشمس بعد أن كساها الغمام لأيام طويلة. كانت تبدو أكثر رقة وبراءة الأمر الذي جعله يتصلب في مكانه ولا يجرؤ عن إبعاد ناظريه عنها. شعرت بالخجل من تركيز بصره بها فيما تابع هو مُشيرًا إلى خصلة قد سقطت على عينيها. فهمت ما يشير إليه فأسرعت بدفن الخصلات أسفل الحجاب مما جعله رغمًا عنه يقول بثناء ومديح:
"بقيتي زيّ القمر."
للمرة الثانية التي ترصد نظرات مُختلفة داخل عينيه أثناء رؤيته لها، نظراتٌ لا تحمل سوى معنيين؛ شخصٌ يشتاق للناظر إليه ويرغب في إشباع لهفته منه أو شخصٌ يحمل رسالة خاصة ومُعبرة له. انجذبت لبريق عينيه الذي ضوى لحظة تأملها ليشعر وكأنه يسبح داخل أحد البحار حتى جاءه إعصار على حين غُرة فلم تسعفه مهاراته في السباحة وانجرف مع التيار ليقع صريعًا قد أخذه الموت بُغتة فغرق داخل بحور عينيها.
رواية رحماء بينهم الفصل السادس عشر 16 - بقلم علياء شعبان
جُهزت مائدة الطعام منذ وقت طويلٍ فيما بقى الجميع متفرقين داخل ردهة القصر يتعجبون من غضبه المفاجيء حتى توترت الأوضاع تمامًا إذ أن "عثمان" راح يصول ويجول في كل زاوية بالبيت وقد تغير لون وجهه وكساه حُمرة الغضب.
بدأ الجميع يتساءل حول ما يمر به من مشكلة؟!! ولكنه كان كتومًا عن الأمر.
انتظر الجميع أن يهدأ ويأتي لتناول الطعام إلا أنه امتنع تمامًا عن مشاركتهم وعن البوح بما يتعرض له من أزمة.
لحظاتٌ وارتفع صوت عالٍ يشي عن تحطيم بعض الأشياء بالطابق العلوي الذي تقبع فيه غرفة مكتبه.
تبادل الجميع نظرات تساؤلية مندهشة فيما تابعت "سكون" بوجلٍ:
بابا!!!
نهضت عن الأريكة ودون تفكير هرولت تصعد الدرج حتى وصلت إلى عتبة باب المكتب وبدأت ترى شظايا زجاج مُهمش ومتطاير في كل مكان حتى طال المساحة الموجودة أمام الباب.
حدقت في توجسٍ ثم أسرعت تطرق على الباب وهي تقول بصوتٍ مُرتجفٍ:
بابا.. إنتَ كويس؟!!
لم يجيبها فازداد خوفها عليه وهي تقول بحسمٍ وأنفاسٍ مُضطربةٍ:
بابا.. أنا هدخل!
حسمت أمرها وأسرعت بفتح الباب ثم دخلت على الفور. وقفت متسمرة في مكانها آنذاك وهي تجد والدها يجلس على كرسيه ويضع رأسه بين راحتيه منكسًا رأسه للأسفل في غضبٍ محبوسٍ بين أوداجه وأنفاسه الساخنة.
سارت نحوه متوجسةً ثم طفقت تسأله بهدوءٍ واهتمامٍ:
بابا، ممكن تفهمني في أيه؟! اتكلم علشان خاطري؟! وإن شاء الله كُل مشكلة وليها حل!
مسح "عثمان" غُرة رأسه بعصبية قبل أن يصيح بلهجةٍ منفعلةٍ:
في لعب بيحصل في المصنع من ورا ضهري يا سكون وأمور مُستجدة ما واجهناش زيها قبل كدا، حاسس إن في كارثة بتقرب مننا وحد قاصد يطعني في ضهري.
زوت ما بين عينيها دهشةً وراحت تسحب أحد الكراسي القابعة أمام المكتب ثم تستقر به بجوار والدها. تنحنحت بتوجسٍ قبل أن تسأل بفرطٍ من الفضول والتيه الذي أنتج عنهما اشتباك الأمور عليها:
حد!!.. حد زيّ مين؟! وهو أيه أصلًا اللي بيحصل في المصنع ومعنديش علم بيه!!
عثمان وهو يهز رأسه يُمنة ويسرى بشيءٍ من الحيرة والعجز:
معندكيش علم لأن الكوارث دي كلها حصلت في اليومين اللي كُنتِ مع أختك فيهم، عمال المصنع عاملين اعتصام من يومين وموفقين الشغل وعايزين زيادة 40٪ على مرتبهم وفي منهم كتير بيقدم استقالته بطريقة مُثيرة الشكوك واللي خلاني أتأكد لمَّا روحت علشان أمضي عقد الأرض اللي هنبني عليها فرعنا الجديد ولقيتها متباعة رغم إني كنت متفق مع صاحب الأرض على كل حاجة واديته مبلغ أكتر من اللي طلبه.
سكون وهي تبسط ما بين حاجبيها ثم تعلق بدهشةٍ ممزوجةٍ بالذهول:
متباعة!!!.. دي كانت واقفة على التوقيعات بس؟! إزاي تتباع؟! وصاحب الأرض، كلمته؟
عثمان وهو يزفر بحنقٍ واختناقٍ:
اختفى تمامًا مش لاقي له أثر، حاولت أعرف اتباعت لمين ولكن معرفتش أخرج بأي معلومات كأنه سر.
تفاجأت "سكون" بحديث والدها الذي أربك التفكير لديها كُليًا، فعمال المصنع يتحصلون على رواتب مُجزية منذ أن بدأت العمل بالمصنع وطلبت من والدها زيادة أجورهم لضمان ولائهم للمكان. كانت ترى في أعينهم الرضا وأكثر ما كان يشغل بالها هو الاهتمام بالقوى العاملة داخل المصنع؛ فكانت تهتم بفترات الاستراحة وتحرص على ألا يعملون لساعات طويلة فيتأففون ويكلون العمل وتقل جودة البضائع بين أيديهم.
شعرت بالغضب يدق أبواب قلبها وهي لا تفهم سر احتجاجهم وهي التي حاربت بعض اللوائح بالمصنع ووقفت في وجه قوانين والدها الصارمة كي تخلق لهم بعض الطمأنينة والرفاهية.
ابتلعت غِصَّة مريرة في حلقها ثم بدأت تربت على ظهره برفقٍ ثم تقول:
لو على العمال فبإذن الله أنا هحل الموضوع أما الأرض فهنلاقي أحسن منها بكتير، أنا عارفة إن موقعها الاستراتيجي كان نقلة مهمة جدًا بالنسبة لاسم شركتنا ولكن دا ميمنعش أننا هندور على أفضل منها.. بس علشان خاطري لازم تهدا وتفكر بالهداوة!!
أنهت حديثها ثم نهضت على الفور. انحنت عليه ثم طبعت قبلة بسيطة على جبينه قبل أن تقول بحسمٍ:
أنا هسبقك على الشركة وإنتَ حاول تهدى وتعالى ورايا.
خرجت من الغرفة على الفور مُقررةً أن تذهب إلى المصنع لمُباشرة المشكلة بنفسها والاطلاع على أسبابها التي نهضت من أسفل التراب دون سابق إنذار أو ما يدعو لصحوتها. نزلت للطابق الأرضي حيث الردهة وبدأ الجميع يسألها عمَّا يغضبه فأخبرتهم بموجز الأمور من تظاهر العمال لرفع الأجور ونيتها في الذهاب والحديث معهم. التقطت حقيبتها ثم ترجلت خارج القصر.
أسرعت نحو السيارة بوجهٍ مُتجهمٍ وخطواتٍ سريعةٍ. كان "كاسب" يقف بجوار السيارة يراقب قدومها من بعيدٍ وما أن وصلت إليه حتى قامت بفتح باب السيارة بنفسها ثم أردفت بلهجةٍ حازمةٍ وهي تركب:
خدني على المصنع.
أغلقت باب السيارة فور انتهاء كلامها ويبدو أن لا طاقة لها على جداله وقد استسلمت للأمر الواقع وبدأت تفتح باب السيارة وتُغلقه بنفسها. ابتسم "كاسب" بانتصارٍ هاديء بعد أن نجح في إبعاد فكرة الهانم وسائقها من حيز تفكيرها. صعد إلى السيارة وشرع باقتيادها وتعجب من صمتها طوال الطريق وهي لا تكف عن العجرفة وإسداء العديد من الأوامر والتعليمات له؛ فبدأ يراقب معالم وجهها عبر المرآة بين الفينة والأُخرى فيجدها لا تزال عابسة وشاردة تمامًا ويحتل الضيق أدق تفاصيل وجهها.
آنسة سكون؟!
انتبهت له فاستدارت تنظر إليه عبر المرآة دون أن تتكلم فيما أراد أن يستفز الذات الشقية داخلها وراح يتابع بلهجةٍ ثابتةٍ:
إنتِ تعبانة النهاردة؟!
زوت ما بين عينيها ثم سألته بجديةٍ:
مش فهماك!!!
كاسب بابتسامةٍ ماكرةٍ:
مش بتخانقي دبان وشك كالعادة ودي حاجة مُثيرة للقلق طبعًا.
أخذت نفسًا عميقًا إلى صدرها ثم أخرجته زفيرًا طويلًا وهي تقول بتأففٍ:
اطلع من دماغي يا كاسب فضلًا!
كاسب بهدوءٍ:
تمام.
نزل من السيارة بخطواتٍ ثابتةٍ. مشى حتى وصل إلى الباب التي تجلس خلفه فأسرع بفتحه بطريقةٍ مُتحضرةٍ ومُهندمةٍ. كانت تظنه سيمد راحته لها وينتظر أن تتشبث بها ولكن لم يفعل وهذا ما توقعته تمامًا. اِبتسم لها ابتسامةً رصينةً ثم أشار لها بذراعه أن تنزل ففعلت بابتسامةٍ مثيلةٍ. كانت ترتدي ثوبًا بلون الكرز قاتم الحُمرة يستفيض على جسدها ذي أكمام منفوخة ومُحكمة بأساور في النهاية وترتدي الحجاب الأسود الذي أهداه لها فبدت جذابةً أطاحت بقلبه بقوة حتى أحدثت صدعًا به لينقسم إلى شطرين وكلاهما قد نسى آلامه وذاب ثم سعى كليهما إلى طلب الاستزادة.
ظنه سوف يطلب منها أن تتأبط ذراعه ولكنه اكتفى بالسير بجوارها إلى أن وصلا حيث البوابة الداخلية للقصر وهناك كانت تنتظر "نجلا" الزوجة المفضلة للفقيد والتي تعتني بالعائلة بعد مماته وتهتم بجريان الأمور على أكمل وجه كما لو كان على قيد الحياة. يبدو أنها كانت الأكثر دعمًا له والأجدر بثقته فكان لا يخطو قيد أنملة إلا واستشار عقلها الفذ. تبدو ذا ملامح قاسية رغم رقتها وجمالها الفائق.
وقفت "نجلا" أمام البوابة ثم أومأت برأسها في تحيةٍ وأبقت ذراعيها بجوارها وهي تتنقل ببصرها بينهما ثم تقول بترحابٍ وحفاوةٍ شديدةٍ:
نورتنا يا أستاذ تليد وأستاذة.....!
باغتتها بابتسامةٍ بسيطةٍ ثم أجابت:
وَميض.
أومأت لها في رصانةٍ ثم تنحت جانبًا كي تُفسح الطريق لهما وقالت بلهجةٍ ثابتةٍ:
اتفضلوا.
طلب "تليد" من "وَميض" أن تتقدم ثم دخل بعدها وانتظرا في الردهة حتى قادتهما "نجلا" إلى غرفة الضيافة والتي كانت ذات طابعٍ مُميزٍ وقديمٍ حيث توجد مدفأة من الحطب وبعض قطع الآثار الرقيقة والمميزة فيبدو لك أنك تزور أحد المتاحف العريقة مثلًا!
لحظات وبدأ أفراد العائلة يتوالون تباعًا فبدأت "نجلا" في تقديم كل فردٍ منهم على حدا. دخلت "مريان" أولًا وهي الزوجة الأولى لحمدي زهران ووالدة بناته فهو لم يكن يُنجب ذكورًا مما جعله مطمع لجميع أفراد عائلته من الذكور الذين يرون أنهم الأجدر ببناته للحفاظ على ثرواتهن.
أهلًا بيكم في القصر.
تكلمت "مريان" بصوتٍ هادئٍ وابتسامةٍ بسيطةٍ وراحت تجلس على الكنبة المقابلة لهما ثم دخلت بعدها "أيلين" الابنة الكبرى للفقيد والتي تكن للأخير بعض المشاعر من الوقت الذي طلب منها والدها أن تذهب مع "نجلا" إلى الشركة وتباشر تعليمها بنفسها بالممارسة كي تسنده وتستمر في ذكر اسمه حتى بعد وفاته إلا أنها كانت فتاة مُحبة للمرح وتكره الرسميات والقيود فلم تهتم بالذهاب إلى الشركة إلا قليلًا وتركت لزوجة أبيها زمام كل الأمور.
نورتنا يا أستاذ تليد.. نورتي!
قالت عباراتها وهي تتنقل ببصرها بينهما وعلامات الضيق بادية على وجهها خاصةً عندما أخبرتهم "نجلا" بقدومه مع خطيبته وهذا ما أثار حنق الأخيرة التي توقعت أن يرأف بحالها وينظر إلى مشاعرها التي تجمدت بردًا من كثرة الانتظار؛ فهي لا تُدرك أنها تغرس بذرة قلبها الوله في أرضٍ لا تزرع مثل هذا النوع من البذور بل ينغرس داخل أرضه عشقًا سرمديًا برزت رؤوسه توًا وقريبًا تينع وتزدهر.
ابتسمت لها "وَميض" بهدوءٍ ولكن لم يُخفي عليها رؤية الحنق على صفحة وجهها خاصةً أنها تعرف الحكاية وما فيها. تنهدت بأريحيةٍ شاعرةً بالانتصار لأول مرة فقد اختارها هي رغم غياب ما يجمعهما من حب وحتى الآن لا تفهم سر تمسكه الشديد بها إلا أنها شعرت بالتميز في هذه اللحظة ولا تعلم أن تمييزه لها بدأ منذ سنوات عديدة!
قامت "نجلا" بالجلوس على مقعدٍ مُستقلٍ ورغم أنها لا ترتاح في جلوسها إلا إذا وضعت قدمًا فوق الأخرى ولكنها لم تفعل احترامًا له؛ فهي تحترم شخصه لدرجة كبيرة. تنحنحت "نجلا" برقةٍ قبل أن تقول بهدوءٍ ورقةٍ:
محامي العيلة في الطريق وكمان اخوات حمدي وأولاده ولأنه كان بيثق فيك فلجأنا لك علشان تكون معانا في أزمة زيّ دي لأننا مش ضامنين تصرفاتهم معانا.
تليد وهو يومىء برأسه في تفهمٍ:
وأنا موجود في أي وقت تحتاجوني فيه.
أيلين تبتسم ببرودٍ ثم تقول:
معرفتناش بالأستاذة؟!
توجه ببصره إليها ثم أبعده وهو يقول بثباتٍ، فلم يكُن يغفل على شخصٍ بفطنته ما يجول في خاطره ويستقر بين أضلعه نحوه ولكن ما باليد حيلة حينما يأمر القلب:
آنسة وَميض، خطيبتي وقريبًا عقد القران وأكيد إنتوا أول ضيوفي إن شاء الله.
وَميض وهي تضيف بابتسامةٍ ماكرةٍ:
وشغالة حديثًا في الشركة عندكم.
نجلا ترد بدهشةٍ:
أه، عرفتك، إنتِ اللي كُنتِ شغالة سابقًا في شركة عثمان السروجي؟! ووالدك شغال عنده في القصر!!
تغيرت ملامح وجهها إلى ضيقٍ متوارٍ وراحت تقول بنبرةٍ متهكمةٍ وثابتةٍ:
وشغل والدي كان في السي ڤي بردو؟!!
نجلا وهي تومىء سلبًا وتضيف ببرودٍ:
تؤ، دي معلومة وصلتني من برا.
أيلين وهي تتفحص أصابع كفها ثم تضيف بتعجبٍ:
بس أنا ليه مش شايفة دبلة في إيدك؟!!
صمتت "وَميض" فور تلقي سؤالها الذي لم يكن له إجابة عندها، فيما تناول هو منها طرف الحديث ثم قال بهدوءٍ:
الدبلة في عاداتنا بتتلبس مع عقد القران.
أومأت "أيلين" ببرودٍ وبقيت تنظر إليه في عتابٍ بينما يتجنب النظر إليها وقد خطر على باله اللحظة التي جاءت إليه فيها وصرحت عن مشاعرها التي تكنها لها ورأيه في أن تغالي في قيمة نفسها وألا تسعى بحثًا عن قدرها بل تترك لله حسن التدبير ولم تستطع لفت انتباهه بمثقال ذرة حتى فكانت تلعن جديته وصرامة تصرفاته الجامدة والخالية من كل شيءٍ قد يحركه نحوها.
في تلك اللحظة أتت مُدبرة المنزل وقالت بهدوءٍ:
madam, I have finished setting the table.
أومأت "نجلا" ثم التفتت نحو الجميع وتابعت بهدوءٍ:
تمام، ممكن يا جماعة نأجل التعارف المميز دا لبعد العشا!!
ابتسمت لها "وَميض" نصف ابتسامةٍ فيما أكملت "نجلا" تطلب منهما اتباعها حتى المائدة:
اتفضلوا.
توجه الجميع إلى مائدة الطعام فعلًا والتي تحتوي على كل ما لذ وطاب من الطعام المُقدم بطرقٍ متطورةٍ ومميزةٍ كتفرد كل شيءٍ بالقصر. بدأ الكل في تناول طعامهم وكانوا يتبادلون طرف الحديث بطبيعة الحال، حتى سألت "نجلا" بابتسامةٍ عريضةٍ:
يا ترى بقى عرفت آنسة وَميض منين؟! اوعى تقول من الشركة؟! احكوا لنا قصة حبكم لو مش فضول مننا يعني!!!
تنحنحت "وَميض" بتوترٍ من سؤالها الذي خافت منه منذ قدومها والآن تتواجه معه دون إجابة تُقال!!.. استدارت تنظر نحوه فابتسم لها بعذوبةٍ وثباتٍ جعلها تستغرب ثباته الانفعالي حتى في الأوقات العصيبة؛ ولكن المُفاجأة الكُبرى بالنسبة لها حينما بدأ يسرد لها حكاية من وحي خياله ويصيغها بتفاصيل دقيقة وكأنها حدثت بالفعل وهي لا تعلم أن حكايته تلك واقعية لا يشوبها مثقال ذرة من خيال. تنشق "تليد" الهواء بعُمقٍ ثم تابع بثباتٍ غريبٍ:
كنت بحبها من طفولتي ولحد الآن واخدة حيز كبير أوي من تفكيري ويومي.
ابتسمت "نجلا" ثم سألته بانسجامٍ:
اوه! ريلي! بس واضح إنك أكبر منها؟!!
نظر "تليد" إلى طبقه وبدأ يقطع شطيرة اللحم الموجودة أمامه بسكينه الخاص مُتابعًا دون أن يرفع عينيه نحوها:
أكبر منها بعشر سنين، أنا اللي مربيها، كُنت زيّ طفل متعلق بلعبته المُفضلة على قلبه.
زوت "وَميض" ما بين عينيها دهشةً وهي تجده يجيد الكذب دون أن يرف له جفن أو ترتفع حرارته حتى، أسرعت بالنظر إلى صحنها هربًا من نظراتهم المندهشة عليها من قصته الأسطورية التي مازال يختلق أحداثها التي تنبع من وحي خياله. في هذه اللحظة تكلمت "أيلين" ببرودٍ:
إزاي مربيها وفين أهلها في الوقت دا؟! إنتوا تقربوا لبعض؟!!
تليد وهو يتناول الطعام ثم يتابع دون تفكيرٍ:
جيران، كنت طفل صغير متعلق ببنت الجيران اللي لسه بتتعلم المشي، كنت بساعدها تمشي وبخاف عليها تقع، بأكلها بنفسي وكنت بحب أسرح لها شعرها جدًا.
أيلين وهي تضيف بسخريةٍ:
ناقص تقول إنك كُنت بتغير لها سوري البامبرز!!
تليد وهو يفتر ثغره عن ابتسامةٍ عريضةٍ ثم يقول:
فعلًا.. أنا كُنت بعمل كدا فعلًا.. أنا حافظت عليها بمشاعر طفل.. تفتكروا هعمل أيه بمشاعر راجل ناضج!!!
برقت "وَميض" وهي تنظر بحرجٍ إلى الطعام ودون أن تشعر بدأت تلتهم الطبق أمامها من فرط التوتر. بينما كان الأعين تنظر لهما ما بين مُعجبٍ ومُتأثرٍ وناقمٍ!!.. بدأت "وَميض" تبتلع ريقها بصعوبةٍ بالغةٍ بينما بقيت كلماته تجول في خلدها ولوهلة تمنت لو كانت هذه القصة حقيقية ووعت من صِغرها على حب حقيقي يسترد حقوقها ويدفع عنها الأذى، تشدد به أزرها وتُشركه في أمورها وتبثه شكواها مما تجابه من بشاعة قلوب تحيط بها.
تكلمت "نجلا" بتأثرٍ واضحٍ:
ربنا يبارك لكم في بعض، رغم إني بسمع دايمًا إن حُب الطفولة بيختفي مع النُضج بس أول مرة أشوف حب النُضج بيقويه!!
تليد مُضيفًا بابتسامةٍ هادئةٍ:
في قلوب زيّ علاقة الزيت والمية مهما تخلطهم ببعض مش بيندمجوا وكل مكون فيهم بينفصل بشكل واضح عن التاني وفي قلوب تانية مش بتنسى أول شعور اجتاحها أو سيطر عليها والشعور دا بيفضل سلطان على قلوبهم لحد ما يأذن له ربنا يا بالتعزيز أو صرفه عننا.
أنهى حديثه ثم استدار إليها بنظراته ليجدها تنظر إليه باختلاسٍ وحرجٍ كأنما ترجوه أن يتوقف عن قول الكذب الذي يوترها حتى وإن لم تكن هي الناطقة به. في تلك اللحظة أخرج تليد منديلًا ورقيًا من جيب بنطاله ثم مد ذراعه نحوها فبدت هي متوجسةً مما يفعل حتى تفاجأت به يمسح جانب فمها وما أن انتهى حتى وضع المنديل على الطاولة ثم همس بجانب أذنها قائلًا:
مالك يا حب طفولتي؟!!
أهلكها التوتر فراحت تبتعد برأسها مسافة عنه وهي تبتسم بالكاد حتى لا يلاحظ الجميع نكرانها لكُل كلمة تفوه بها. تنحنحت بتوترٍ ثم تابعت وهي تقف في مكانها:
ممكن أعرف مكان التويلت؟!
نجلا تومىء إيجابًا:
أكيد.. liza!
لحظات وجاءت "ليزا" فطلبت منها "نجلا" أن تصطحب الأخيرة إلى الحمام فكان هذا الحل الأمثل بالنسبة لها حتى تستعيد ثباتها الذي قضى عليه تمامًا بحدوته المجنونة فيقول أنه رباها وكبرت على يده حتى أنه غير لها حفاضها؟!! إنها مهزلة أن يسرح بخياله لهذه القصة، فكان عليه أن يخبرهم بأخرى أكثر عقلانيةً كرؤيته لها في مكان ما والوقوع في حبها فضلًا عن الوقوع في حب طريقتها وهي تحبو أمام عينيه. كانت تشعر بالقنوط والحنق منه وأنه وضعها في صورة مُخجلة لها.
كان الوقت لا يمر وتشوبه رتابة وملل حقيقي حتى جاء المحامي لفتح الوصية وامتلأ القصر بأفراد عائلة "حمدي" زهران بأشقائه وأبنائهم ومن هنا انقلبت موازين الأجواء الهادئة إلى أخرى مشحونة بالانفعالات والعداوات.
جلس المحامي على الأريكة الموجودة بردهة البيت وطفق في فتح الوصية أمام الجميع وما أن بدأ يقرأ جزءًا من فحواها حتى ارتفعت الهمهمات والكلمات المُحتجة في صرامة حيث كتب في أوراقه أنه لا يملك سوى قصرين وسيارة فحسب، مما أثار جنون الجميع فقال أحد أشقائه بحدةٍ:
يعني أيه مش عنده غير القصر دا وقصر المعادي؟! أمال المصنعين والشركة دول أيه؟!.
المحامي وهو يضيف بثباتٍ:
حمدي بيه الله يرحمه قايل في الوصية إنه باعهم.
الشقيق الآخر:
باعهم؟! إزاي ولمين؟! لمَّا الشركة لسه باسمه؟!!
أومأ المحامي بتفهمٍ ثم أشارت له "نجلا" التي جلست بجواره في شموخٍ وثباتٍ فتابع الأخير يقرأ إجابة السائل من خلال الوصية:
تم بيع المصنعين والشركة لزوجتي نجلا حسن مخلوف ولم تعد هذه الممتلكات تحت حريتي فقد اشترتهم بمالها الخاص وهم لها ولا أملك سوى قصرين وسيارة مقسمة على زوجاتي وبناتي ومن يرثني عصبًا.
أحد أبناء شقيقه:
دا حوار عاملينه سوى علشان منعرفش ناخد حاجة منه.
في تلك اللحظة، هبت "نجلا" واقفةً في مكانها ثم صاحت بلهجةٍ حازمةٍ لا تتخبط فيها أنفاسها أو ترتبك وتيرتها حتى:
الزم حدودك يا بتاع إنتَ، أيه أصلًا البجاحة اللي فيكم دي؟! لأ كنتوا بتسأله عنه ولا تعرفوه وهو عايش وجايين عايزن تورثوا من تعبه وشقاه وبدل ما تحمدوا ربنا على كرم أخلاقه معاكم بتبجحوا وكأنكم اللي تعبتوا وشقيتوا على المال دا؟!!
تحركت خطوتين للأمام ثم صاحت بأعلى صوتٍ لها:
اسمع يا جدع إنتَ وهو، المصانع والشركة دول حقي على الورق وقانوني وشرياهم من حمدي ومعايا ما يثبت دا زائد إن دي أملاكه يتحكم فيها زي ما هو عاوز، اوعوا تكونوا فاكرين إنه وِرث أبوكم وجايين تتقاسموه؟!! وأي حد هيغلط في جوزي هرميه برا.
كانت "مريان" تجلس على جنب وهي تحتضن بناتها وتتابع ما يجري بتوجسٍ وخوفٍ. في هذه اللحظة بدأ أحد الشباب يقترب نحوها في محاولة منه للاعتداء عليها ولكنه وجد رجلًا يقف في المنتصف بينهما فجأة ويحول دون الانقضاض عليها ويقبض على ذراعه. تكلم الشاب يقول بلهجةٍ حادةٍ:
إنتَ مين إنتَ كمان؟!
تليد وهو يشد من ضغطته على ذراعه:
مينفعش تمد إيدك على ست، الحاج معلمكش الكلام دا؟!!
وهنا تابع أحد أشقاء حمدي يقول بصرامةٍ:
ودا يطلع مين بقى؟! ناوي يورث معانا ولا حمدي باع له أملاكه بردو!!!
تكلمت "نجلا" بصوتٍ صارمٍ:
حمدي مباعلوش حاجة، حمدي أمنه علينا، أستاذ تليد يبقى خطيب أيلين يعني واحد مننا ومن حقه يحضر في أي وقت.
استدار "تليد" نحوها ينظر إليها بعتابٍ إلا أنها لم تجد مخرجًا سوى بهذه الكذبة. برقت "وَميض" لها بعينين مُتسعتين من شدة الغيظ ثم تحولت بنظراتها إلى "تليد" الذي استغرب رؤية الغيرة تنبعث بوهجٍ مُلتهبٍ من عينيها. تكلم في هذه اللحظة أحد الأشقاء فقال باستنكارٍ:
وإحنا معندناش علم بالخطوبة ليه؟!!
أطلقت "نجلا" ضحكةً مُتهكمةٍ جريئةٍ ثم تشدقت:
أنا مُتأكدة إن الحاجة الوحيدة اللي اهتميتوا تسمعوها عنه هي خبر وفاته علشان تورثوه طبعًا.
تحركت خطوتين للأمام ثم بدأت تصرخ بتهديدٍ:
اطلعوا براااااا.. يلا حالًا أخرجوا وإلا قسمًا بالله أطلب لكم البوليس بتهمة التعدي على سيدات عُزل واتهمكم بسرقة القصر كمان.. براااااا.
كان صوتها يرعد ويبرق بشدة حتى خشى الجميع تهورها وقد عُرفت بينهم بجرأتها وتيقنوا من أن "حمدي" لم يمت بصورة كاملة بل خلف ورائه نُسخة نسائية منه ولا يمكنهم أن يمروا عبرها أو يهدموا جبروتها الشامخ إلا إذا أصابتها المنية كما أنهم متأكدين من أن بيع ممتلكاته لها كانت خطة مُدبرة بينهما؛ ولكنها خطة تم حبكها بذكاء عظيم.
بدأ القصر يُفرغ من ذلك الازدحام ثم تنفست "نجلا" الصعداء وكانت لا تزال تشعر بالنقم عليهم. نعم ما تم بينها وبين زوجها كانت خطة مُدبرة للمحافظة على ممتلكاته التي حصل عليها بعد تعب وشقاء. تحركت "مريان" نحوها ثم سألتها بتوجسٍ:
نجلا، إنتِ تمام؟!!
أومأت "نجلا" بتأكيدٍ تطمئنها. ثم استدارت نحو "تليد" وقالت بامتنانٍ:
شكرًا على وقفتك جنبي.. أنا حقيقي استمديت قوتي من وجودك.
تليد بتواضعٍ:
أنا معملتش حاجة أتشكر عليها لأنك بالفعل قوية، بس لازم تلاقي حل تضمني بيه سلامتك وسلامة أسرتك.
وَميض وهي ترمقها بحدةٍ ثم تقول:
غير طبعًا إنه خطيب أيلين، لأنها خطة مش هتنفع خالص خصوصًا بعد كتب كتابنا!
نجلا باعتذارٍ:
أنا حقيقي آسفة إني قولت كدا ولكن كان لازم أحسسهم إننا مسنودين براجل مش ستات بطولها.
استأذن "تليد" للذهاب إلى الحمام، فيما التفتت "نجلا" إلى "وَميض" وتابعت:
ممكن نتكلم بعيد شوية على انفراد!!!
زوت "وَميض" ما بين عينيها قبل أن تنهض "نجلا" التي لم تترك لها مجالًا للتفكير وسارت بعيدًا حتى وقفت أمام حجرة مكتبها فقررت "وَميض" أن تتبعها إلى أن دخلتا المكتب وهنا تكلمت "نجلا" بشكل صريحٍ:
عايزة أعمل معاكِ صفقة وأوعدك هتكسبي من وراها الشهد.
زمت "وَميض" شفتيها ثم تابعت بدهشةٍ:
صفقة؟!! صفقة أيه دي؟!!
نجلا بلهجةٍ عدوانيةٍ وانتقاميةٍ:
عثمان السروجي!!!
وَميض ترد عليها بذهولٍ:
ماله؟!!
نجلا تتابع بنبرةٍ متوعدةٍ وساخنةٍ:
عايزة أنتقم منه لجوزي.. عايزة أصفيه وبما إنك تعرفي عنه حاجات كتير فمتأكدة إنك هتفيديني في طلباتي!!!!!!!
رواية رحماء بينهم الفصل السابع عشر 17 - بقلم علياء شعبان
استطاعت "سكون" إخماد ثورة العمال بالمزرعة والمصنع بتذكيرهم بكافة أنواع المساعدات التي قدمتها لهم كي يتلقون معاملة آدمية داخل المكان كما زادت من راتبهم الشهري وقتها؛ فكانت النتيجة أن لان لها بعض العمال بينما أبى البعض الآخر استكمال عمله، فبدأوا يتوافدون عليها بالأوراق الخاصة باستقالتهم؛ فشممت هي رائحة المنافسة التي جعلت المصنع ينقلب رأسًا على عقبٍ دون مبررٍ واضحٍ!
عاشت يومين من أصعب ما يكون وقد كابدت خسائر فادحة فيهما بداية من استقالة العامل يليه الآخر وحتى التراخي في أعمالهم قبل حدوث هذه الثورة مما جعل انتاج هذا الشهر غير مُربحٍ بالمرة ولكنها في النهاية استطاعت أن ترضي المتمسكون من العمال بالعمل معها فصرفت لهم مكافأة من حزنة المصنع وأوضحت بأنها مكافأة لولائهم الذي تقدره بشكلٍ كبيرٍ.
توجهت إلى غرفة مكتب والدها بخطوات سريعة وسرعان ما دخلت إلى المكتب وراحت تستند على الباب ثم تزفر بأنفاسٍ مُحملة بالغضب والاختناق، فلما رآها والدها تابع بصرامة أثناء حديثه مع زوجته عبر الهاتف:
- خلاص يا نبيلة، قولت لك متدوريش على حد، وأنا هعرف بطريقتي أرجعهم.
قام بإغلاق المكالمة دون توضيح لخططه بشأن علام وعائلته، ألقى الهاتف فورًا ثم حثها على الجلوس وهو يقول بترقب:
- أتمنى تكوني قدرتي تقنعيهم وإلا الخسارة في المصنع والمزرعة هتتضاعف، إنتِ عارفة يعني أيه مصنع بيعتمد على عِمالة فوق ال5000 عامل وفجأة يستقيل منهم 2000؟؟؟؟.
انصاعت له جالسةً ولكنها تابعت بوجه شاحبٍ:
- معناه كارثة طبعًا والحل الوحيد دلوقتي إني أعلن عن وظائف خالية في شركتنا وأحدد أقرب يومين للمقابلة ونحاول نقبل أعداد كبيرة وننقذ ما يمكن إنقاذه.
كور "عثمان" قبضة يده في اختناق قبل أن يُضيق عينيه مُحاولًا عصر عقله وانتقاء أكثر أعدائه كُرهًا ممن لهم قدرة على الانتقام منه ولكنه لم يستطع حصدهم لكثرتهم، تنهد تنهيدًا حارًا قبل أن يُفكر بصوت عالٍ ويُشارك ابنته ما يعصف بعقله:
- تفتكري مين له مصلحة في فشلي؟!..أنا عارف إن وضعنا كمصنع إنتاجي ناجح ومحتل مركز أول في الشرق الأوسط يخلي أعدائنا في كل مكان بس كمنافسين مفيش غير حمدي زهران وحمدي مات!!
كانت "سكون" تنظر أمامها في تشكك قبل أن تلتفت ناظرة في عينيه ثم تقول بفضولٍ كبيرٍ:
- أمال مين اللي مسك الشركة من بعده؟!!
مط "عثمان" شفتيه ثم أردف بجهل حول إجابة سؤالها:
- مش عارف بس الأكيد إن الشركة هتتباع لحد تاني يديرها ماديًا ودا معناه أننا مبقاش لينا منافسين في السوق لأن أي حد هييجي بعد حمدي، هيقع.
تنهدت بهدوء ثم سألته بجدية:
- صحيح، ماما كانت عايزة أيه؟!
ابتسم "عثمان" من جانب شفتيه مردفًا بنبرة ساخرة:
- قال عايزة تعمل مُقابلة لمجموعة رجالة وستات علشان تختار منهم حد يدير القصر.
أومأت "سكون" بهدوء ولكنها عقدت حاجبيها ثم تابعت بترقب:
- وليه رفضت؟!
عثمان بنبرة ثابتة يخالطها العناد:
- علشان علام ومراته هيرجعوا القصر تاني.
انبسطت عُقدة حاجبيها وهي تقول بدهشة:
- إزاي؟!
عثمان بابتسامة هادئة:
- مش مهم إزاي بس هيحصل.
أومأت برأسها في استسلام ثم وقفت على الفور وهي تقول بحسم:
- تمام، أروح أنا بقى البيت لأني محتاجة أنام نوم عميق.
استدارت حتى وصلت إلى مقعده وبسرعة قامت بطبع قبلة على خده ثم تابعت:
- متضغطش على أعصابك، أنا ميهمنيش في الدنيا دي غير سلامتك.
أجابها بابتسامة ممتنة:
- متقلقيش عليا.
سارت نحو الباب ثم خرجت منه على عجلة من أمرها وتوجهت مُباشرة إلى البوابة الخارجية للمصنع، وقفت على الدرج تنظر حولها حتى تتمكن من رصد مكانه وما هي إلا ثوان حتى وجدتهُ يصطف بالسيارة أمامها، رفعت رأسها بشموخٍ ثم نزلت الدرج وقامت بالصعود إلى متن السيارة دون أن تنتظر قدومه لفتح الباب من أجلها، افتر ثغره عن ابتسامة ماكرة وراح يتابع ركوبها من خلال المرآة فيما زوت ما بين عينيها وهي تقول باستنكار:
- الابتسامة دي سرها أيه؟!
مط شفتيه مردفًا ببرود:
- أنا شخص بشوش، دا يضايقك في حاجة؟!!!
رمقته بحدة من جانب عينيها قبل أن تشيح برأسها ناظرة من زجاج السيارة:
- خدني على البيت.
تحرك بالسيارة فورًا وبدأ يتابعها بعينيه بين الفينة والأُخرى فيجدها تختلس النظرات إليه أيضًا، تنحنح "كاسب" بخشونة مُقررًا نبش صمتها وبداية مشادة جديدة:
- آنسة سكون، أنا ملاحظ إنك مش في الموود، لو في مشكلة أنا ممكن أساعدك فيها؟!!
رفعت أحد حاجبيها بعد أن عقدت ذراعيها أمام صدرها ثم أردفت باستخفاف:
- لا ما إنتَ مش هتعرف تساعدني anyway
كاسب بثبات:
- مين قال لك؟!!!
سكون وهي تتأفف بحنقٍ:
- أعتقد إنك مش بتفهم حاجة إلا في السواقة!!
أطلق "كاسب" ضحكة صغيرة لم تدم سوى لثانيتين وكأنه يستخف من كلماتها المُحقرة لشخصه ثم تنحنح بثبات وقال:
- حد قال لك إنك مغرورة قبل كدا، لأ وسطحية وتافهة!!
سكون وهي تحدق فيه ثم تصرخ بغيظ:
- حد قال لك إنك حثالة وقليل الأدب!
تنهد "كاسب" تنهيدًا ممدودًا بعُمقٍ قبل أن يقف بالسيارة فجأة ثم يترجل منها دون أن ينبس ببنت شفةٍ فيما تابعت هي بتوتر وضيق:
- إنتَ رايح فين؟!!
في تلك اللحظة، مال على النافذة التي تجاور مقعدها ثم رمقها بعينين حمراوين تقدحان بالشرر وقال بصوت حاد:
- ماشي وإنتِ اللي هتسوقي لحد بيتكم يا حلوة.
جحظت عيناها في صدمةً ثم قالت يفزع:
- بس أنا مبعرفش أسوق!!
افتر ثغره عن ابتسامة مُتشفية ثم أردف:
- السواقة دي أسهل من سهولة إهانتك للناس، والمسافة أعتقد مش هتكون أطول من طولة لسانك، يلا جود لاك!
ضغطت على أسنانها بانفعال ثم صاحت:
- إنتَ أكيد مش طبيعي وصدقني لأخليك تندم على كُل الهبل دا، دا غير إن بابي هيوديك في ستين داهية لو عرف.
كاسب وهو يستقيم في وقفته ثم يقول بحسم:
- تمام.. متنسيش تقولي له بقى، سلام.
غادر من أمامها ببرود شديد فيما ظلت تفرك في مقعدها في شيء من العجز والحيرة، فكيف تقود سيارة كُل هذه المسافة لأول مرة؟! حتى أنها لا يمكنها أن تستأمن أحدًا على قيادة السيارة حيث البيت فلربما قتلها واستولى على السيارة، استدارت بجسدها ووجها حتى تتمكن من رؤيته وحينما وجدته يسير مُبتعدًا أمدت رأسها خارج النافذة ولكنها قبل أن تنادي عليه شعرت بضرورة التوقف وعدم إشعاره بحاجتها إليه، ابتلعت الكلمات مرة ثم عادت تجلس في مكانها وهي تقول بصوت مخنوق ومنفعل:
- حيوان.. ربنا ياخدك.
مسحت جبينها بطرف سترتها بإرهاق وأسرعت تجلس على الأريكة قبل أن تسقط أرضًا بعد أن صمدت قدماها على يوم شاقٍ وصعبٍ، مددت ساقيها واسندت رأسها على الوسادة ثم صاحت بأرق:
- ماما الأكل بسغعة من فضلك!
- حالًا يا حبيبتي.
أردفت "رابعة" من داخل المطبخ وما هي إلا لحظات حتى خرجت وفي يدها صينيه الطعام التي وضعتها على الطاولة القابعة أمام الأريكة، تحولت "مهرة" بنظراتها إلى الصينية ثم تابعت بفرحة:
- طاجن لحمة يا جماله.
ابتسم لها الأخيرة بحب ثم سحبت مقعدًا وألصقته بالطاولة فيما بقيت "مهرة" تجلس على الأريكة وبدأتا في تناول الطعام، لم تمر دقيقة على الأغلب حينما سمعتا طرقًا على الباب فقررت "مهرة" أن تتعرف على ماهية الطارق وطلبت من والدتها أن تجلس في مكانها، أسرعت نحو الباب وما أن فتحته حتى رأت خيال شخصًا ما يختبىء خلف الحائط وأمامها يقف الجرو الرمادي مرة أخرى.
عضت شفتها السُفلى بتوترٍ مُقررةً أن تمد عنقها قليلًا لرؤية المختبيء خلف الجدار وما أن وقعت عيناها عليه حتى وجدته يغمز لها بمشاكسة، همَّت أن تحدثه مُعترضةً على ما يفعله ولكنها سمعت صوت والدتها يأتي من خلفها:
- مين اللي جاب الكلب دا تاني؟!
تحشرجت الكلمات في حلقها ولكنها جاهدت في أن تنطق الأحرف ثابتة:
- مفيش حد بغا، أكيد جه لوحده يا ماما.
ابتلعت ريقها على مضض ثم دفعت أمها برفق للداخل وأغلقت الباب فورًا، ضربت "رابعة" كفًا بالآخر ثم تابعت بغيظٍ:
- مبحبش تربية الكلاب في البيوت، بتنجس البيت يا بنتي!
مهرة بهدوءٍ:
- بس أنا حبيته!
رفعت "رابعة" أحد حاجبيها ثم قالت بنبرة ذات مغزى:
- حبيتي أيه؟! الكلب!!!!
تنحنحت "مهرة" بتوتر ثم ردت:
- أه الكلب طبعًا.
تحولت بنظراتها إلى الجرو وبدأت تداعب فرائه هربًا من نظرات والدتها.
- آسف يا عثمان بيه، بس أنا مش ناوي أرجع القصر ولا أنا ولا مراتي.
أردف "علام" بتلك الكلمات أثناء حديثه مع الأخير عبر الهاتف والذي ما أن سمع بقراره وإصراره على رفض العودة حتى تابع بصوت مُتشنجٍ صارمٍ:
- اللي تشوفه، ياريت بقى تخلي الشقة في ظرف يومين علشان عايزها للشغالين الجُدد.
ظن "عثمان" أن هذه العبارات هي ما ستجعل الأخير يتراجع فورًا ويخشى البقاء مع سيدتين في الشارع ولكنه لا يعلم بالجديد الذي طرأ على حياة "علام" وأنه في القريب العاجل سوف يكون صاحب شقة مِلك له وسوف تنضم ابنته إلى أفراد عائلة السروجي العريقة وهكذا تتساوى الرؤوس، ابتسم "علام" بهدوءٍ عندما حاول تخمين ملامح وجه الأخير إذا وقعت عليه صاعقة سماع هذه الأخبار التي ستظهر للنور قريبًا.
- في ظرف يومين تقدر تستلم الشقة مني.
قطب "عثمان" ما بين عينيه بدهشة ممزوجة بالغيظ فأردف يقول بلهجة حادة:
- وناوي تقعد فين بعد كدا؟!
علام بإيجاز:
- ربنا خيره مش بيخلص يا عثمان.
اندهش "عثمان" من نطقه للاسم دون لقبٍ فتابع مُستنكرًا بلهجة صارمة:
- عثمان!!!
علام بتأكيد وتحدٍ:
- عثمان.. عثمان وبس.
قام "علام" بإغلاق المكالمة فورًا وسرعان ما انقبضت معالم وجهه في حزن دفين وهو ينتقل بنظراته إلى "تليد" الذي يجلس أمامه يتابع ما يجري بينهما أثناء المحادثة الهاتفية، تنهد تنهيدة خفيفة قبل أن يتابع بتريثٍ:
- دا العادي من عمي.. لوي الدراع عنده أسلوب حياة.
علام بابتسامة خفيفة:
- كله خير بأمر الله، أنا هنزل أدور على شقة إيجار، يا دوب نلحق نلم حاجتنا.
تليد بهدوءٍ:
- شقة إيجار؟؟؟ إنتوا هتقعدوا في شقتي لحد ما شقة أُترج تخلص.
علام باعتراض:
- لا يا بني، مش حابين نتقل عليك ومكنش له داعي حكاية الشقة من أساسه، لمَّا تبقى مراتك أبقى هاديها زيّ ما إنتَ عاوز بس إنتَ مش مُلزم تجيب لنا مكان نعيش فيه!!
تليد وهو يربت على كفيه ثم يقول بنبرة وَدودة:
- إحنا بقينا أهل والشقة دي مهر بنتك اللي ربيتها بعرق جبينك وكل حاجة تملكها ليك؛ فأنت ومالك لأبيك.
ابتسم "علام" في شيء من الخجل ثم قال بهدوءٍ:
- ربنا يتمم على خير يا بني، إنتَ بوجودك في حياتنا حسستني إني خلفت ابن اتسند عليه وأقوى بيه، يا بختنا بيك يا شيخ تليد وأتمنى من ربنا إن بنتي تقدر وتفهم إن ربنا أنعم عليها بيك.
تمكنت من سماع آخر عبارة قالها؛ فتوترت بتأثر ثم تنحنحت وهي تنضم إليهما وتقول بهدوءٍ:
- الشاي!
نهض "علام" من مكانه ثم قال بحسم:
- اشربيه إنتِ يا بنتي واقعدي مع خطيبك وأنا هعمل مكالمة سريعة وأجي.
هزت رأسها بهدوءٍ وبعد ذلك جلست حيث كان يجلس والدها فراح "تليد" يبتعد قليلًا حفاظًا على المسافة الواجبة بينهما، زمت شفتيها باستنكار ولكنها لم تُعلق على تصرفه ورأت ذلك بأنها حرية شخصية، أسرعت بالتقاط كوب الشاي الخاص بها وقبل أن ترفعه إلى فمها وجدته يقول بنبرة متشككة:
- لسه بردو مش عايزة تجاوبي على سؤالي!
رمقته بطرف عينها قبل أن ترفع الكوب إلى فمها ثم ترتشف منه بضع قطرات، أنزلت الكوب عن فمها مرة أخرى ثم تابعت بوجه مُتجهم ونبرة باردة:
- وأيه هو سؤالك؟!!!
تليد وهو يومىء بثبات مكررًا سؤاله:
- أيه اللي ضايقك في عزومة مدام نجلا ومخليكِ رافضة تروحي الشغل؟!
أسرعت بوضع الكوب على الطاولة ثم قالت بتأفف:
- أقول لك على حاجة، نجلا دي مش مُريحة ومفيش حد في العيلة دي كلها مُريح أصلًا خاصةً البتاعة اللي اسمها آيلين دي.
رفع أحد حاجبيه ثم تساؤل بترقب:
- هو دا اللي مضايقك؟!!
ردت بإيجاز:
- يعني، تقدر تقول كدا.
رفضت أن تُصرح له حول عرض الأخيرة مقدرةً حالتها بعد موت زوجها واضعة في الاعتبار العداوة التي كانت تجمع الطرفين وربما حمي الوطيس بينهما لدرجة أن تقرر الانتقام لزوجها بعد مماته، واعتبرت أن هذه الكلمات قيلت تحت تأثير الألم ولن يتم تقديم هذا العرض عليها مرة أخرى.
أومأ مُضيفًا:
- تمام.
سكت لبُرهة ثم استطرد بهدوءٍ:
- بما إننا بنرتب لعقد قران كمان كام يوم، فمش حابه تعرفي عني حاجة أو تسأليني أي سؤال؟؟، أيه مفيش أي فضول ناحية الحياة اللي إنتِ مُقبلة عليها والشخص اللي هيكون شريك حياتك!
رمقته بنظرة سريعة تحمل القليل من العتاب واللوم على تجاوز رغبتها في عدم الزواج منه وقراره بالزواج منها دون إرادتها حسبما فسر والدها بأنه الأفضل والأنسب لها، رفعت "وَميض" أحد حاجبيها ثم تابعت بثبات ورغبة عارمة في ريّ بذور فضولها:
- طبعًا عندي أسئلة.
سكتت للحظات ثم استأنفت:
- فرضًا تعرضت لحادثة لا قدر الله وأثناء ما إنتَ جوا الحادثة دي والصدمة واخداك أدركت إنك مش هتنجو منها والمفروض إن دي آخر لحظات ليك على الأرض وفجأة تروح في غيبوبة قصيرة أوي وتفتح عينك تلاقي نفسك لسه عايش والنفس داخل طالع منك فبتبدأ تلمس كُل حاجة حوليك علشان تصدق إنك حي ورغم كرم ربنا بتفضل تسأل نفسك أنا عايش إزاي؟! دا مكنش فيه شك واحد في المية إني ميت!!!.
تليد مُجيبًا بثبات وتأنٍ:
- لسه باقي لك رصيد عند ربنا وعمرك مخلصش.
وَميض وهي تومىء بتفهم:
- ونعم بالله، بس في بديهيات مينفعش نتجاوز عنها، هل ينفع صاروخ يقع على بيتي وأطلع من تحته عايشة؟!!
تنهد تنهيدة طويلة ثم قال باختصار:
- مش أنا.
وَميض وهي تبتسم بخذلان ثم تقول بإصرار مُنقطع النظير:
- إنتَ.
هبت من مكانها واقفة ثم هرولت إلى الطاولة والتقطت مُصحفًا وعادت تجلس على ركبتيها بالأرض أمامه مُباشرة ثم وضعت المُصحف بين راحتيها، امتلأت عيناها بالدموع وتحشرج صوتها وهي تقول بعناد كبيرٍ:
- والله العظيم كُنت إنتَ.
سكتت هُنيهة قبل أن تمسك كفه بين راحتها ثم تقربه من المُصحف، فيما ارتجف كفه وأسرع بثبط محاولتها التي أدركها للتو، فسحب كفه فورًا فيما تجهمت صفحة وجهها وهي تقول باختناق:
- علشان أصدقك لازم تحلف وكتاب ربنا بين ايديك!
تليد بامتعاض:
- ربنا كتب لك عُمر تاني، ليه بتدوري عن سبب نجاتك وإنتِ عارفة إن السبب دا جُند من جنود ربنا!
زوت ما بين عينيها ثم قالت:
- يعني إنتَ!
تليد بنفي قاطع:
- مش أنا يا أُترُج.
أومأت برأسها في صبرٍ وراحت تتدبر ابتسامة ثابتة ثم تنهض للجلوس في مكانها مرة أخرى ونبرة هادئة أكملت:
- بلاش السؤال دا، خليني أسألك عرفت اسم أُترُج منين؟. . وحوار العرايس اللي في صندوقي منين؟!.
تنحنح مُجيبًا بثباته المعهود:
- مِن والدك.
افتر ثغرها عن ابتسامة مستخفة فتابعت:
- وبابا بردو اللي قال لك إن عندي حسنة كبيرة جنب ودني الشمال!
هذه المرة ابتسم جديًا وهو يتكلم بوضوحٍ:
- إنتِ فاكرة إن اللي إنتِ لابساه دا حجاب؟!!.. إنتِ سهل جدًا بالمنظر دا تتوصفي حتة حتة.
نبج صوتها بانفعال ثم ردت في اختناق:
- سهل أتوصف لمَّا يكون اللي قدامي دا عينه زايغة وشهواني؛ لكن المُحترم مش مضطر يفحصني لأنه مُحترم.
شبك "تليد" أصابعه ببعضها ثم مال بجذعه العلوي قليلًا وراح يرد مُتهكمًا بنبرة ثابتة:
- عرفتي منين إنه مُحترم؟!.. أيه المقياس اللي بتقيسي بيه أخلاق راجل واقف قدامك؟!!
وَميض ببرود:
- بيبان.
تليد متناولًا طرف الحديث منها:
- بيبان!.. طيب بصي يا ست البنات.. مفيش راجل مش شهواني بس في راجل قادر يتحكم فيها.. دا أولًا.. أما ثانيًا.. إنتِ كأُنثى قادرة ترسمي صورتك في نظر الناس وبناءً على الصورة دي حياتك هتكون.. متلبسيش عريان وتقولي أنا حُرة.. لأ.. حريتك ليها حدود وحدودها بتقف عند أذية حد تاني.. إنتِ مش عايشة في المدينة الفاضلة.. دي الدنيا.. اللي كلنا فيها موضع اختبارات.. فاجتهدي تنجحي فيها قبل الفاينل.. علشان تاخدي الدرجة النهائية في أعمال السنة.. أقصد أعمال الدنيا.
باغتها بابتسامة عريضة وهو يمازحها في عباراته الأخيرة، أوشكت على الابتسام ولكنها تراجعت في اللحظة الأخيرة وقررت أن تظل عابسةً الوجه كلما يتقابلان عله يصرف النظر عن هذه الزيجة، تنحنحت في هذه اللحظة ثم كررت أن تسأله تلك الأسئلة التقليدية بين شخصين يتعارفا حديثًا:
- ويا ترى عندك كام سنة؟!
تليد بابتسامة وَدودة:
- 32
توقعت هذه الإجابة فأومأت ثم تابعت بتذكر وعينان تلمعان بإعجاب:
- إلا صحيح، القصة اللي قولتها لمدام نجلا عننا، لحقت تألفها إمتى؟!!.. بصراحة اللي يشوفك يقول ملكش في التأليف والتحوير أصلًا.
تليد بترقب واهتمامٍ يسألها:
- عجبتك القصة؟!!
أومأت برأسها إيجابًا ثم تابعت بتمني:
- الصراحة إتمنيت لو كانت قصة حقيقية، وشخص يهتم بيا من طفولتي ويفضل يحبني لآخر لحظة في عمري.. يخاف عليا من كُل حاجة وأكون دلوعته.. نخرج ويفسحني وأحس معاه إني بنته الصغيرة اللي شايف إن مفيش حد في الدنيا يعوضه عنها ومفيش مجال يعيش حياته وهي مش فيها.
تنهدت بعُمقٍ ثم تحولت بنظراتها إليه وراحت تقول بخجل وتوترٍ:
- طبعًا أنا عارفة إني عايشة في عالم الأحلام الوردية الخاص بالمراهقات ومفيش الكلام دا على أرض الواقع!.
تليد بابتسامة عذبة يُصرح:
- على فكرة، القصة اللي حكيتها لمدام نجلا، هي بالفعل قصتي الحقيقية.
انفتحت عيناها على وسعهما ثم تابعت بدهشة واستنكار:
- وهي فين؟! سبتها بعد كُل اللي حكيته عنها؟!!!!!
ثبت عينيه نحو خاصتها وراح يحتويها بنظرات ملهوفة من فرط الشوق ثم قال بلهجة حاسمة تذوب أحرفها بين ثنايا نبرته:
- قررت أتجوزها.
رواية رحماء بينهم الفصل الثامن عشر 18 - بقلم علياء شعبان
تملكه التردد وهو يحاصر هاتفه بين راحتيه المرتجفتين، هل يتجه نحو القرار الصائب ويقرر أن يبوح بما ندم عليه من خطأ ارتكبه يوم أخفى عليها هويته الحقيقية؟ هل يبدأ صفحة جديدة معها وتعود المياه بينهما إلى مجاريها فيتحادثان ثم يتعاتبان وتزول جبال الجليد التي وقفت سدًا منيعًا يعوق تكليل علاقتهما الدافئة من وجهة نظره؟
أخذ نفسًا عميقًا إلى صدره المثقل بالهموم والكثير من كلمات العتاب، مقررًا ضغط زر الاتصال وإنهاء معركته مع نفسه واستسلامه لما يشعر من اشتياق لسماع صوتها.
مرت ثانية تليها الأخرى حتى انتهت الرنة الأولى، ابتلع ريقه بخيبة أمل لم تدم سوى لحظات حينما عاود اتصاله بها مرة أخرى. ولكن هذه المرة تم قبول الاتصال ولكنه لم يسمع سوى تنهيدات خافتة معبأة بالانكسارات. ارتجف قلبه آنذاك وعندما علم بقرار صمتها بادر في الحال قائلًا بنبرة هادئة:
- رويدا!
انتظر علها ترد على ندائه وعندما وجد أن لا فائدة من الأمر قرر أن يتكلم إليها مقدرًا أحزانها منه:
- عاملة إيه؟ بتمنى لك تكوني بخير في كل لحظة!
تنحنح بندم وتابع:
- وحشتيني!
أخيرًا قررت أن تتحرر من صمتها فتابعت بصوت جاف:
- الكلام ده مبقاش ينفع يا عمر ولا كان من البداية ينفع.
رد فورًا بلهفة:
- هينفع يا رويدا، لأن أنا قررت نبدأ مع بعض صفحة جديدة ونتوج علاقتنا بطوق رسمي.
رويدا بصوت هزيل:
- مش قولت لك مبقاش ينفع!
قطب عمر ما بين عينيه بضيق وتابع بشك:
- ليه يا رويدا؟ أنا بكلمك علشان نتصافى ونبدأ حياة مختلفة، فهميني إيه اللي بيحصل معاكِ!
ابتلعت غصة مريرة في حلقها قبل أن تقول باختناق:
- أنا اتخطبت يا عمر.. عرفت ليه مبقاش ينفع!
عمر بلهجة حادة وحارة:
- يبقى تفركشي!
شعرت رويدا بخنقة قوية تداهم جهازها التنفسي وقتما صاح فيها بحدة وكأن من حقه وضع الخطوط التي تسير عليها في حياتها، كما أن عليها قبول قراراته غير المسؤولة. فإن شاء خروجها من حياته فعلت، وإن شاء بقائها حاورته حتى يأمره مزاجه بقرار جديد. هل هي دُمية يحركها كما يشاء؟
تنفست بقوة قبل أن تقول بلهجة أحد من خاصته:
- قربي.. ابعدي.. مش هنتقابل.. هنتقابل.. فركشي.. قربي!!! خير يا عمر إنتَ ناسي إنك لسه مشترتنيش بفلوس باباك!
عمر وهو يصرح بندم:
- أنا أشتري الدنيا كلها عشانك يا رويدا وميكفيش مقامك عندي.
رويدا بضحكة مخنوقة تبث فيها بعض السخرية:
- مقامي! فين مقامي ده وإنتَ بتكذب عليا طول الوقت من غير مبرر واضح! إنتَ كنت بتختبرني مثلًا!
سكتت هنيهة ثم أكملت:
- أعتقد إني نجحت في الامتحان كويس أوي، إني أكون من طبقة متوسطة وأحب شاب من طبقة كادحة ميمتلكش أبسط أنواع الرفاهية ومش عنده غير تليفون بزراير حتى مش قادر يجهز شقته في بيتهم اللي عبارة عن بناية قديمة في حي شعبي دون المستوى، أكيد نجحت وكبرت في نظرك وأنا بحبك وبتعلق بيك عن اليوم اللي قبله ومش فارق معايا كل الكلام ده ولا عندك رأي تاني؟
عمر وهو يرد في مرارة:
- أنا مكنتش بختبرك علشان أنا غني، أنا كنت بدور فيكِ عن بنت الأصول اللي هتحب راجل عاجز وتستحمله، كنت مستني تحبيني بعيبي حتى لو كان الفقر عشان لما يقابلك عيب تاني فيا أكون متأكد إنك مش هتتخلي عني بسببه ولا لأي سبب تاني!
رويدا وهي تسأله باستنكار:
- إنتَ متخيل إن الفقر عيب؟ استخدمت معيار الفقر على إنه عيب فيك عشان تعرف هل هتغاضى عن العيب ده في سبيل الحب اللي بيجمعنا ولا لأ! وبناءً عليه تعرف أنا بنت أصول فعلًا ولا مش هستحمل قربك بعد ما أعرف إنك قعيد!
صرخت باختناق تعيد بناء بعض المفاهيم الخاطئة برأسه:
- اسمها قعيد مش عاجز يا عمر.. اسمها ابتلاء مش عيب يا عمر.. وطول ما إنت شايف نفسك في عين نفسك عاجز.. محدش هيلمح القوة المدفونة جواك لأن جوهر الإنسان بيتشاف من لمعة عينه ولمعة العين أكبر قوة بيلمسها الشخص في نظرتك ليك.
تحشرج صوته بألم جارف فقرر التحكم في انهياره الذي أوشك على الانطلاق وراح يقول بصوت متهدج يتأرجح بين الثبات والرجاء:
- رويدا أنا بحبك، وحياة اللي ما بينا سامحيني!
أجهشت رويدا بالبكاء وهي تقول بلوعة:
- كنت صارحتني بالحقيقة يا عمر واديتني حرية الاختيار وقتها، أحمد ربنا إن اللي اختبرتها دي رويدا بنت الأصول مش حد تاني وإلا كان الامتحان ده هيتقلب ضدك.
عمر باختناق:
- أنا آسف، سامحيني!
تكلمت رويدا بصوت مبحوح موجز للحديث:
- سامحتك من زمان يا عمر، ممكن بقى ننهي المكالمة والعلاقة دي دلوقتي بنهاية نفتكرها على خير!
عمر وهو يهتف بانفعال خفيف:
- أنهي إيه! أنا مش هتخلى عن حب سنة كاملة حتى لو إنتِ عايزة ده!
رويدا باختناق وحزن:
- بقول لك أنا اتخطبت يا عمر، يعني بقيت لحد تاني!
عمر بإصرار وبهجة شديدة:
- مفيش لا حد ولا سبت، في عمر في حياة رويدا وبس.
رويدا بضيق:
- مش فاهمة، كلامك ده معناه إيه!
عمر بلهجة حاسمة:
- معناه إن صباعك مش هيزينه غير دبلتي، معناه إن عيالك مش هيكونوا غير على اسمي.. معناه إنك تعقلي وإلا أنا اللي هتجنن!
رويدا بتوتر رغم ما أصاب قلبها المتعطش من قطرات مطر باردة:
- هتتجنن إزاي يعني! هتخطفني؟
عمر ببرود يرد:
- لأ، مع السلامة يا رويدا واستني اتصال مني قريب!
أسرع بغلق المكالمة بينما زوت هي ما بين عينيها وبقيت في حيرة من أمرها، تحاول تخمين الرسالة التي يلمح بها في كلماته وكيف يمكنه استردادها بعدما تمت خطبتها!
بقى عقلها مشتتًا ولكنها في هذه اللحظة قررت أن تتغاضى عما قال واعتبرتها مجرد كلمات مبعثرة خالية من المعنى.
على الجانب الآخر، أسرع بإجراء اتصال آخر وأثناء انتظار رد الأخير بدأ يضغط على أسنانه بانفعال وغيظ ويتوعد في نفسه باسترداد ملكه المسلوب.
- أيوه يا غسان، عاوزك تيجي لي حالًا.
---
- تمام اتفضل واستنى الرد في خلال يومين، بالتوفيق ليك.
أردفت سكون بكلمات وجيزة وهي تودع أحد المتقدمين للوظائف داخل المصنع، فهي على هذا الحال منذ الصباح تستقبل المتقدمين لإجراء حوار سريع وموجز معهم واستخلاص عصارة خبراته في بضع دقائق فحسب. لقد كان مجهودًا جبارًا عليها ولكنها أبلت فيه بلاءً حسنًا. دخلت السكرتيرة فورًا فسألتها سكون بإرهاق:
- فاضل كتير!
السكرتيرة تومىء سلبًا:
- لا يا فندم، اتنين بس.
سكون وهي تأخذ نفسًا طويلًا ثم تقرر الاسترخاء في هدوء:
- تمام.. دخلي اللي بعده.
أومأت السكرتيرة بانصياع ثم خرجت وما هي إلا ثوانٍ حتى دخل المتقدم الجديد. كانت تجلس في مقعدها شامخة تتدبر ابتسامة ثابتة من أجل سير أمور العمل على أكمل وجه. ولكن سرعان ما غابت هذه البسمة وهي تجده يقف أمامها بثبات وثقة. حدقت فيه باستغراب ثم تكلمت بلهجة حادة:
- إنتَ بتعمل إيه هنا؟
أسرع كاسب بالجلوس على المقعد ثم تابع بهدوء:
- بقدم على شغل، في مشكلة!
سكون بغيظ:
- ما إنتَ أصلًا بتشتغل!
كاسب بابتسامة عابثة:
- إيه دا هو أنا مترفدتش؟
سكون بانفعال:
- لأ.
كاسب بضحكة سمجة يجيبها:
- خلاص يبقى زيادة الخير.. خيرين!
سكون وهي تصرخ فيه بضيق:
- إنتَ بتستعبط!
مال كاسب بجسده للأمام قليلًا ثم قال بابتسامة رسمية وصوت غاضب:
- وطّي صوتك يا آنسة، عندنا في الصعيد صوت المرأة عورة، ومعندناش ستات تعلي صوتها على رجالة.
سكت هنيهة يتابع نظراتها المنفعلة منه بينما تابع هو بفضول:
- إلا صحيح، أنا مترفدتش ليه؟
سكون وهي تبتسم له ابتسامة حانقة:
- عشان كان ليك في رقبتي جميل وبسكوتي عن اللي إنتَ عملته أكون كدا دفعت لك الدين ده، وأي غلط هيحصل منك بعد كدا بحساب.
كاسب بصوت هادئ:
- تمام جدًا وعلشان كدا أنا جاي أقدم على وظيفة تانية احتكاكنا فيها ببعض يكون طفيف أو شبه منعدم.
تمكنت سكون من تقبل وجهة نظره حول سعيه إلى وظيفة لا تجمعهما إلا قليلًا تفاديًا للمشكلات التي تصدر بينهما خاصةً أنه شخصية صعبة جدًا لا يمكن أن تترأسه أو تفرض عليه مسؤولية بصورة إجبارية. وأكثر ما يجعلها تتغاضى عما يفعل وقوفه بشهامة معها ذلك اليوم، وكذلك أنها لمست فيه بعض خصال شخصيتها المتمردة.
أومأت باستسلام فأسرع بوضع ملفه أمامها. قامت بسحب الملف ثم بدأت تقلب صفحاته بين يديها وقد برزت مشاعر الدهشة على ملامحها ثم تابعت بهدوء:
- إنتَ خريج كلية الحقوق ومعاك ماجستير في القانون الدولي!
هز رأسه هزة خفيفة ثم قطب ما بين عينيه يسألها:
- إيه، مش باين عليا!
سكون وهي ترمقه بنظرات متوترة ثم تقول:
- بصراحة لأ.
عضت شفتها السفلى ثم قالت باعتذار واجب:
- آسفة، بس أنا خمنت ده من شغلك معايا!
كاسب وهو يبتسم باستخفاف:
- أنا متوظف لحراستك من شركة أمن معروفة موظفيها كلهم شهادات عالية، والدك كان موصي باختيار شخص عنده قدرات قتالية عظيمة وسواق محترف في نفس الوقت وبعد اختبارات طويلة لواحد وعشرين زميل وقع الاختيار عليا.
زوت سكون ما بين حاجبيها دهشةً قبل أن تقول بتشتت وحيرة:
- حراستي وقدرات قتالية! إنتَ فاهم غلط.. بابي كان موصي على سواق مش أكتر!
كاسب بابتسامة هادئة:
- لا يا آنسة سكون، ده مش حقيقي.
شردت قليلًا فيما قاله واستغربت طلب والدها الغريب والمتشدد حول اختيار سائق خاص لها! قطع تفكيرها صوته يقول بلهجة ثابتة:
- دلوقتي تقدري تسأليني بخصوص الشغل.
تنحنحت بهدوء ثم قالت:
- أنا موافقة إنك تشتغل معانا في المصنع ولكن بشرط.
كاسب ببرود:
- قوليه!
سكون بجدية كبيرة:
- هديك مهلة شهر تعلمني فيه السواقة، عايزة أخرج بعد الشهر ده محترفة وأروح اختبار السواقة وأخد الرخصة وفوقيها بوسة كمان.
كاسب بسؤال مراوغ:
- وده مين اللي هيديك بوسة؟ إنتِ رايحة تمنحني ولا إيه بالظبط!
لم تعي سكون ما فعلت إلا وهي تضحك بمرح كبير جراء خفة ظله وبساطته. هزت رأسها نافيةً ثم صححت له ما وصله من سوء فهم:
- أقصد، إني آخد الرخصة وبجدارة.
أومأ موافقًا وهو يقول بحسم:
- اتفقنا، تحبي نبدأ من إمتى؟
سكون بابتسامة هادئة:
- هبلغك قريب.
---
- بتعصيني يا عمران وعلشانها قررت تبعد عن أمك لمكان ملكش فيه أهل؟ الغربة معاها حلوة والونس جنب أمك مُر؟
أردفت تماضر بتلك الكلمات الغاضبة تبدي غضبها من تصرفه الغير رجولي من وجهة نظره. كيف يختار راحة زوجته على أهله؟ تنهد عمران تنهيدة ممدودة بعمق قبل أن يقول باختناق:
- المسألة مش مسألة صراع يا أمي، إحنا مش داخلين حرب، أنا عايز أعيش حياة هادية ومستقرة.
تماضر باستنكار:
- وده هتلاقيه في بُعد أمك؟
عمران وهو يتحرك نحوها ثم يتابع بنبرة لينة:
- لو هلاقيه في بُعدك مكنتش جيت لك وبقول لك تعالي معايا عشان تشوفي بيتي الجديد ونقضي كام يوم مع بعض، أنا عايز علاقتك بشروق تكون كويسة يا أمي، مش مرتاح وإنتِ كارهة إنسانة بحبها، من إمتى كنت بتكرهي حاجة عمران بيحبها؟
تماضر وهي تقول بغيظ:
- من اللحظة اللي قررت فيها تتنازل عن اختياري وتختارها هي.
عمران محافظًا على ابتسامته:
- بس أنا عمري ما كنت بتسأليني يا أمي أو سايبك تختاري لي عشان تزعلي لما اختار شريكة حياتي بنفسي، ما أنا طول عمري بختار قراراتي بنفسي وإنتِ بتتقبليها، إيه اللي جد؟
تماضر باستنكار وغضب خفيف:
- اللي جد بقى إني لو مشوفتش ليك عيل هيجرالي حاجة.
أومأ عمران بهدوء قبل أن يدقق النظر في عيني والدته ثم يقول بثبات:
- أنا اللي عندي مشاكل في الخلف يا أمي مش شروق.
حدقت تماضر فيه مصدومة ثم صرخت بأعلى صوتها مستنكرة:
- إنتَ مفكش عيب، إنتَ راجل من ضهر راجل.
تنهد بضيق ثم قال:
- من جاب سيرة العيب يا أمي، هو كل من تأخر في الخلف أو كان عندهم مشاكل معيوبين، أنا تابعت مع دكتور كبير في القاهرة وقال لي إن عندي شوية مشاكل تمنع الخلف وإن المشاكل دي سهل علاجها ومع الوقت كل حاجة هتتحل.
اغرورقت عيناها بالدموع وراحت تنظر إليه بتشتت وتيه فيما تابع عمران بهدوء:
- عرفتي أنا ليه بحب شروق! عشان استحملت كلام كتير منك يا أمي وإنها معيوبة عشان بس بتحبني ومش عايزة أسرارنا تخرج برا أوضتنا.
أسرعت تماضر بالارتماء بين أحضانه دون سابق إنذار وراحت تشهق وتنتحب بقوة وهي تقول من بين صوتها الذي تتقطع نبرته من فرط اللوعة:
- إنتَ أغلى الناس على قلبي يا عمران، أنا حلم عمري أحضن لك عيل يا ضنايا، أنا يمكن أكون شديدة لكن لين قلبي كله ليك وحدك.
قام بتقبيل جبينها ثم طبطب على ظهرها قائلًا بود:
- هتحضني وتفرحي بإذن الله بس عشان خاطري لو بتحبيني يبقى لازم تحبي مراتي، أنا راحة بالي معاها هي.
أومأت وقد انهمرت دموع الألم على خديها فقام بمحوهم بسرعة وهو يسألها بفضول:
- هتيجي معايا تقضي كام يوم معانا أنا وشروق؟
أومأت إيجابًا وراحت تطبطب على خده الأيمن بلطف أم تود راحة صغيرها الذي يشتكي همًا لم تكن هي على علم به، لذا عليها الأخذ بيده وألا تزيد عليه.
---
على الجانب الآخر.. انشرح صدرها وتزين ثغرها بابتسامة عريضة وهي تمسك بحمامة بيضاء بين راحتيها ثم تفتحهما على وسعهما فتحلق الحمامة بسرور وجناحين ينتفضان من الفرحة. مكثها في بيتها الجديد كان بمثابة طاقة إيجابية كبيرة حولتها من فتاة تبكي طوال يومها إلى أخرى تعشق المرح والانبساط. وأكثر ما أثار بهجتها أن زوجها الحبيب قرر أن يجعلها تنشغل ببعض الهوايات كتربية الحمام فبادر بعمل برج كبير فوق سطح البيت لتربية الحمام وقد لون البرج بألوان زاهية كي يتناسب مع ألوان المنزل التركي المبهج. لم يكن هذا الأمر وحده ما يجعل السعادة تغمرها ولكن كلام الطبيب ليلة أمس جعل قلبها يسبق الحمام محلقًا إلى السماء. فقد أخبرهما أنهما لا يعانيان مشكلة تمنع استقبالهما طفلًا وأن الأمر ليس سوى مسألة وقت تحتاج إلى الكثير من السلام النفسي والاسترخاء وترك أقدار الله تسير وحدها حتى تطرق بابهما. وهذا ما جعلها تشعر بالطمأنينة بعد أن قررت أن تطرد هذه اللحظات البائسة عن بيتها المبهج وتترك أمرها بين يدي الله.
كانت نسائم الهواء العليلة تجعل خصلاتها ترفرف كحال أجنحة الحمام، فيما تبدأ هي بتحرير مجموعة من الحمام لاختباره فيما إذا كان سيعود موطنه مرة ثانية أو يغادر بلا عودة. كانت نظرات وميض تتابعها بسرور وأحمد الله أن صديقتها الوحيدة تمكنت من التغلب على أوجاعها واستبدالها بآمال ترسل بها مع الحمام في الأفق.
- شروق، النسكافيه!
استدارت شروق نحو صديقتها ثم تابعت بمرح:
- أخيرًا هشرب كوباية نسكافيه من إيدك، النهاردة ليلة عيد عشان قررتي تقضي معايا اليوم كله.
وميض بابتسامة عريضة:
- ما إنتِ عارفة إني في ظروف زي الزفت، وبعدين إنتِ ناسية إننا هنجيب الشبكة بالليل ولا إيه!
شروق بحماس:
- لا فاكرة كويس أوي، متعرفيش لما قولتي لي الخبر ده أنا طيرت إزاي، أخيرًا هتبقي رسمي فرد أساسي من العيلة.
وميض بنبرة مختنقة:
- ده من حظي الأسود.
رفعت شروق أحد حاجبيها ثم قالت بنبرة معاتبة:
- بكرا هتندمي على كل لحظة مسبتيش قلبك فيها يفرح بشريك زي تليد.. الشيخ تليد السروجي يتقال له لأ.. في مرحلة الثانوية كان حديث البنات وكل بنت كانت تعرف إنه ابن عمي تقولها لي صريحةً "ربنا يرزقني بيه".
سكتت لوهلة ثم أضافت:
- بس كل اللي إنتِ حكيتيه ليا ده بداية من المقابلة وإحساسك إنه هو اللي أنقذك ولحد مشكلتك مع بابا دي أسباب كافية إنه يقرر يتجوزك؟ تليد عمره ما كان تفكيره سطحي كدا خاصةً في البنت اللي هيتجوزها، أعتقد من شخصيته إنه ميتجوزش بسهولة إلا بعد تفكير طويل وتفصيص لشخصيتها حتة حتة.
تنهدت وميض باستغراب ثم تابعت:
- ده غير إنه قالي إنه كان بيحب بنت من طفولته ولما سألته هي فين دلوقتي وليه اتخلى عنها، رد وقال لي إن أهلها خدواها وسافروا ومعرفش طريقها.
زوت شروق ما بين عينيها باستعجاب قبل أن تقول بصوت خافت:
- غريبة، أنا بصراحة معنديش علم بحوار البنت ده لأن بابا كان مانعنا من الاحتكاك بعمي سليمان وتليد نهائي.
سكتت هنيهة ثم سألت بفضول:
- وهو مدورش عليها!
وميض بهدوء:
- دور ومعرفش يوصل لها بردو وبيقول إنه هيكون صريح معايا ويعترف لي إنه لسه بيحبها وواخدة حيز ضخم من عقله وآماله.
شروق وهي تومىء بتفهم:
- طبيعي يفتكرها عشان كانت جزء من ماضيه قبل كدا وبعدين ده حب طفولة بنفتكره ونضحك بس.
وميض وهي تسرح بشرودها ثم تقول بحنق:
- طيب لو قولت لك إنه صارحني وقال لي "نفسي ألاقيها في يوم من الأيام وأعبر لها عن الشروخ اللي شوهت قلبي وهي بعيد عنه".
حدقت شروق فيها مصدومة ثم تابعت باستنكار:
- عايزة تفهميني إنه لسه بيحبها وعايش على ذكراها!
ضحكت وميض ضحكة غريبة ثم قالت بتعجب:
- الغريب إنه قال إنها كانت طفلة صغيرة يعني لو شافته دلوقتي لا هتعرفه ولا هتفتكره.
شروق بتأييد:
- طبيعي جدًا وأعتقد إن ده سبب كبير يخليكِ متقلقيش من كلامه، لأنها لو واقفة قدامها مش هتعرفه يعني مش هتجري عليه تحضنه يعني!
وميض بضحكة ساخرة:
- وهو مش هيعرفها! مش هيروح يقول لها!
ضيقت شروق عينيها ثم تابعت بنبرة متشككة وهي تعمق النظر داخل عيني صديقتها:
- إنتِ غيرانة عليه من طفلة كانت موجودة في ماضيها! لو كان عايز يلاقيها أكيد كان دور عليها مش يقرر يتجوزك، يا عبيطة إنتِ خطفتي عقل راجل كان من الصعب إنه يتهز لواحدة ست، أنا والله العظيم مستغربة إزاي قرر يتجوزك! ده إنتِ حتى مش النوع اللي هو عايزه!
وميض وهي تتنهد بحيرة:
- تفتكري يعني أنا مسألتش نفسي كل الأسئلة دي، هتجنن وأعرف هو قرر يتجوزني بناءً على إيه!
شروق بمزاح وتنمر:
- يمكن عشان لبسك الفضفاض ولا حجابك الطويل اللي مش بيبان منه لا شعرك ولا قفاكِ ويمكن عشان لسانك اللي بينقط عسل ومش طويل خالص!
أطلقت وميض ضحكة عالية ونشب المرح بينهما ورغم بقاء إجابة هذا السؤال مجهولة بالنسبة لهما، إلا أن شروق سعيدة بدخول صديقتها إلى العائلة وأن الله من عليها بزوج صالح كابن عمها.
---
انحنى بجذعه العلوي حتى لمست يديه زهور القطن، قام برفع تلابيب جلابيته أسفل ذراعه حتى لا تعيق حركته أثناء جمع ثمرات القطن من الأرض بصحبة العمال. لم يكن مجبراً على أداء هذا التصرف لأن ثمة عمال يحصدون المحصول على قدم وساق ولكنه يحب التعاون معهم وشعوره بأنهم سواسية يرضيه. تنهد الشيخ سليمان بإجهاد وهو يزيح العرق عن جبينه بطرق جلابيته فيما اقتربت رابعة منه ثم قالت بصوت هادئ:
- كفاية كدا يا شيخ سليمان، الشباب بيعملوا ربنا يديهم الصحة.
أمدت يدها له بمنشفة أثناء حديثها. استقام في وقفته ثم التقط المنشفة منها وقال بنبرة ودودة:
- أنا مش متعود يا بنتي على الراحة وبعدين أنا بكون مبسوط وأنا إيدي بإيديهم.
رابعة بتقدير كبير له:
- ربنا يديك الصحة وطول العمر يا شيخنا.
رفع سليمان ذراعه أمام عينيه يستبين الوقت من ساعته ثم قال باهتمام:
- فاضل نص ساعة على الغدا والشباب زمانهم واقعين من الجوع.
رابعة وهي تومىء بتفهم:
- متقلقش، مُهرة مكنش عندها شغل النهاردة وهي اللي اتطوعت تعمل أكل للعمال وزمانها خلصته.
رابعة بابتسامة هادئة تتابع:
- يا دوب حضرتك تستعد عشان مشوار الأستاذ تليد وأنا كويت لك اللبس وعلقته في أوضتك.. ربنا يتمم له على خير.
سليمان بتمني:
- اللهم أمين.. ربنا يقر عينه بيها ويتمم ما بينهما على خير ويرزقهم السكن الهادئ والذرية الصالحة.
- مساء الفل!
أردف نوح بابتسامة عريضة فيما تابع سليمان بود:
- أخبارك إيه يا ولد يا شقي!
نوح بضحكة صغيرة يرد:
- ده أنا راجل غلبان ومسكين وبعدين يرضيك كدا يا شيخنا، خالة رابعة تخاصمني من غير ما أزعلها وأنا اللي يعتبرها أمي وصاحبتي!
استدارت له رابعة برأسها ثم تابعت نافية:
- بس أنا مش زعلانة منك أبدًا بس بحب الراجل الواضح والدُغري.
غمز لها بعينيه قبل أن يقرب أصابعه من خصرها ثم يقول بمزاحه المعتاد:
- أنا طول عمري دُغري يا عسل إنتَ بس إنتَ اللي مش واخد بالك.
رابعة وهي تبتعد ثم تبتسم جراء خفة ظله رغمًا عنها:
- اختشي يا واد إنتَ وبعدين أنا واخدة بالي من كل حاجة كويس أوي.
نوح بابتسامة هادئة:
- بس فات عن بالك إني نوح اللي عاشرتيه سنين واتربى بينكم يعني أخلاقي نابعة من أخلاقكم يعني كان لازم تكوني واثقة أكتر من كدا إني ابن حلال مصفي ولمّا بحب حاجة بكبر لها مش باخدها معايا وأنزل الأرض!
توترت رابعة تؤنب نفسها عن سوء ظنها به ولكنها تابعت بنبرة هادئة:
- ربنا يصلح حالك يا بني وينولك اللي في بالك.
نوح بصوت عالٍ حينما رآها تأتي إليهم من بعيد:
- آمين، وهدومنا تجمعها غسالة واحدة.
ضحك الشيخ سليمان ضحكة واسعة قبل أن يضرب كفًا بالآخر وينصرف من أمامهم.
---
أشار للسائق أن يتوقف في هذا المكان الذي عبارة عن قطعة أرض كبيرة وواسعة المساحة تطل على البحر من جميع الجهات عدا الجهة الأمامية التي تطل على ملتقى المولات التجارية والمطاعم الفاخرة. ضغط أسنانه بقوة قبل أن يبدي حسرته وانزعاجه من فقدانه قطعة ماسية كهذه الأرض وحتى الآن لا يفهم من وراء هذه الخطة العدوانية الموجهة لإسقاط نجاحاته. زمجر بصوت مخنوق خافت قبل أن ينظر نحو سائقه من مرآة السيارة الأمر الذي جعل السائق يهز رأسه بفهم ووعي فأسرع بالنزول من السيارة ثم وقف بجوار الباب وراح يشير لأحد العمال الذين جاءوا بغرض تجهيز المكان بأساسيات البناء:
- إزيك يا معلم.
أومأ الرجل وقال بهدوء:
- بخير، اتفضل عايز مين؟
تنحنح السائق بتوتر جاهد في إخفائه قبل أن يقول بثبات:
- كنت عايز أعرف الأرض دي باسم مين وناويين يبنوا عليها إيه؟
رمقه الرجل شزرًا قبل أن يتابع برفض وبهجة شديدة:
- معرفش، واتفضل يا جدع من هنا!
استدار السائق بعينيه إلى عثمان الذي أشار له برأسه أن يستخدم الخطة التالية، فأسرع السائق بإخراج ورقتين من فئة المئتين جنيه ثم قام بوضعهما في جيب الرجل ثم ابتسم بخبث وقال مرة أخرى:
- ها؟
رمقه الرجل برضا واضح قبل أن ينظر يمنة ويسرة ثم يقول بخفوت:
- الأرض لمرات حمدي بيه زهران.
رواية رحماء بينهم الفصل التاسع عشر 19 - بقلم علياء شعبان
نفس المرء آمارة بالسوء ولا يمكن لكَ أن ترى الخير وقلبك عامرًا بالانتقام؛ فكلنا ينال ما يعمل داخل صدره ويستقر في سجيته.
أمعنت النظر في العمل القابع بين يديها تتابع وتهندم كُل تفصيلة به كي يخرج للناس في أبهى صوره. كانت الابتسامة لا تفارق مَبسمها حتى أنها قررت تغيير الأطعمة التقليدية التي يتناولها العُمال كُل يومٍ. قررت أن تقوم بهذه المهمة بدلًا عن أمها المسؤولة عن إعداد وجبات العمال داخل المزرعة كُل يومٍ.
قررت أن يكون طعام اليوم هو البرجر. فقامت بجلب الخبز الخاص به ثم بدأت في إعداد الشطائر بهمة ونشاط وهي تتخيل سعادة العُمال باقتراحها الجديد وأنها شعرت بمدى حاجتهم لوجبة مُختلفة. كانت تضع شطيرتين من البرجر داخل علبة بلاستيكية ومعهما أصابع البطاطا المحمرة ثم تبدأ في إغلاق العلب بإحكام.
في هذه الأثناء سمعت صفيرًا عاليًا يأتي من الخارج. وما هي إلا لحظات حتى رأته يقف أمامها مستندًا بذراعه على الباب. انتظرته أن يتكلم ولكنه بقى مُحدقًا فيها ملتزمًا الصمت.
"في أيه؟! إنتَ مينفعش تتواجد في مكان من غير دوشة!"
قالت متذمرةً، فيما تحرك إليها بخطوات متأدة وبدأ بتفحص ما تفعل في فضولٍ كبيرٍ خاصةً بعدما علم من والدتها بتطوعها لإنجاز طعام اليوم. جال بنظراته لدقيقة قبل أن يتنهد بهدوء ثم يقول:
"إنتِ بتعملي أيه؟!!!"
تلألأ البريق داخل عينيها وراحت تجيبه بحماس مُفرط:
"سندوتشات بــ…"
توقفت فورًا والتصقت شفتيها ببعضهما فيما قطب ما بين عينيه وراح يستفسر باستغراب:
"سندوتشات أيه؟! ما تنطقي؟"
أومأت سلبًا وبقيت مُقفلة الفم مما جعله يقول بلهجة مازحة:
"سندوتشات سد الحنك دي ولا أيه؟"
أومأت سلبًا مرة أخرى وهي تحتضن العلبة البلاستيكية وتتشبث بها بقوة. رفع "نوح" أحد حاجبيه بمكر مُقررًا استكشاف ما بالعلبة فقال بهدوء:
"لو جالك خرس مؤقت فدا عادي بس اللي مش عادي إنه بييجي للشخص اللي اتصدم فجأة وأنا خايف افتح العلبة فأحصلك، دي أرواح ناس يا دكتوغة."
أسرع بالقبض على العلبة فيما تشبثت بها. فيجذبها إليه بإصرار وفي المقابل تشد "مُهرة" العلبة نحوها. وبقى الموقف هكذا لثواني حتى تابع نوح بانتصار في النهاية وهو يلتقط العلبة كلها بين راحتيه:
"واقفة قدام الأسد وبتنافسيه، إنتِ مجنونة!!"
ابتلعت "مُهرة" ريقها على مهل وراحت ترمقهُ بوجه عابسٍ. فيما فتح هو العلبة بفضولٍ يقتله. وما أن وقعت عيناه على الشطيرتين حتي اتسعتا بدهشة. وما هي إلا ثوانٍ وكانت قهقهاته تنفجر بين جدران الحجرة حتى دمعت عيناه وراح يجلس على كرسي مجاور له.
التوى شدقها بانفعال مكتومٍ؛ فصاحت بغيظ:
"إنتَ بتضحك على أيه يا نوح!!!"
ضرب كفًا بالآخر وراح يضع يده على صدره وهو يقول باختناق من شدة الضحك:
"هموت الله يخربيتك.. اسمه أيه اللي إنتِ عملتيه دا؟؟؟"
رمقتهُ شزرًا قبل أن تضرب قدمها بالأرض ثم تضغط أسنانها وهي تقول بثورة قبل أن تنصرف من أمامه:
"حسبي الله والله."
خرجت من أمامه بخطوات ثائرة إلا أنه لم يتمكن من إنهاء نوبة الضحك التي أصابته حتى وجد "رابعة" تأتي إلى الغرفة ثم تقول باهتمامٍ:
"مُهرة راحت تشتكيك للشيخ، عملت لها أيه؟"
نوح وهو يهدأ أولًا ثم يجيبها:
"والله ما كلمتها، أنا سألتها عملتي لنا أيه النهاردة على الغدا، فمرضيتش تقول لي وزعلت ومشيت."
زوت "رابعة" ما بين عينيها ثم تساءلت بفضول:
"صحيح أنا معرفش لحد دلوقتي هي عملت أيه، لتكون بوظت الأكل ومنلاقيش حاجة نأكلها للعمال!!!"
هرعت إلى العلب ثم كشفت إحداهم وراحت تقول بإعجاب:
"الله.. دا بُرجر؟؟؟"
انطلقت قهقهاته مرة أخرى كلما يتخيلها وهي تنطق الكلمة. رفعت "رابعة" أحد حاجبيها ثم تابعت بتساؤل:
"بتضحك على أيه؟؟؟"
نوح بضحكة واسعة يقول:
"بغجغ!"
الآن فهمت الأخيرة سر انفراط ضحكه الغير طبيعي؛ ولكنها في الحقيقة لم تتمكن من السيطرة على كوميدية الموقف وراحت تتخيل ابنتها وهي تنطق الكلمة واندمجت معه في الضحك.
في نفس اللحظة كانت خطواتها نحو غرفة إعداد الطعام قريبة بعد أن اشتكته إلى الشيخ "سليمان" الذي طلب منها أن تخبره بضرورة حضوره أمام الشيخ؛ ولكنها تفاجأت بالهيستيرية التي أصابت والدتها معه. تحركت نحو باب الحجرة بفم مفتوحٍ وبصوت مشدوه تابعت:
"هو أيه اللي بيضحك، أنا عايزة أفهم!!"
توقفت "رابعة" فورًا؛ فيما قال هو مراوغًا:
"البغجغ طعمه فظيييييع يا دكتوغة مُهغة."
ضغطت أسنانها بغيظٍ وراحت تقول بنفاد صبر:
"يعني إنتَ مش ناوي تبطل تنمغ!!"
نوح وهو يغمز لها بعينيه متابعًا باغترار:
"هتنمغ لحد ما يبان لك صاحب."
أومأت برأسها عدة إيماءات متتالية قبل أن تتجه صوب الطاولة التي أعدت عليها الوجبات. أسرعت بالتقاط مسدسين من البلاستيك ثم شهرتهما نحوه، فيما وضع قدمًا فوق الأخرى وقال بثقة:
"حاسبي السلاح يطول وتقتليني بمسدس الماية دا يا دكتوغة!!"
اِفتر ثغرها عن ابتسامة ماكرة وراحت تقول بنبرة مُتأنية:
"بس دا مش مُسدس ماية!!"
نوح بسخرية:
"مسدس حقيقي مثلًا!!!"
اتسعت ضحكتها بنشوة وهي تبدأ في إطلاق السائل الموجود داخل المسدس وسرعان ما وجد وجهه وملابسه قد تلطخا بمزيج من اللونين الأبيض والأحمر. انطلقت ضحكاتها وهي تقول بنشوة انتصار كبيرٍ:
"مُسدسات كاتشب ومايونيز يا مُتنمغ."
امتلأ وجهه باللونين حتى رأت إحمرار عينيه وهو ينظر إلى نفسه تارة في صدمة وأخرى يأكلها غيظًا بعينيه. توترت بفزع ثم ألقت المسدسين بالأرض وهرولت خارج الحجرة. ضربت "رابعة" كفًا بالآخر وراحت تقول بضحكة واسعة:
"نهاركم ألوان إنتوا الاتنين، أهبل وهبلة اتلموا على بعض."
نوح وهو يكز على أسنانه بتوعدٍ:
"وربنا لأروق لك عليها دكتوغة البقع دي."
رابعة بغيظٍ:
"اللي يشوف هيئتكم ميشوفش تصرفاتكم العيالية، قال دكاترة قال."
تنهدت لوهلة ثم تابعت وهي تتحدث إلى نفسها بصوت مسموعٍ:
"هي الهبلة هتجيب أيه بس!."
نوح بضحكة بلهاء يشير إلى الباب الذي خرجت منه مُهرة ثم يقول:
"دكتوغة."
زوت "رابعة" ما بين عينيها بغيظٍ شديدٍ ثم صاحت فيه باستنكار:
"قصدك أنا الهبلة!!!!"
في تلك اللحظة، مال بجذعها العلوي حتى لمست حذائها وما أن رأها حتى هرول مسرعًا للخارج وهو يقول مستسمحًا إياها:
"مقصدش.. ميقصدش.. هو المثل بيقول كدا.. إنما إنتِ ست العاقلين."
رابعة وهي تتنهد بعُمقٍ ثم تقول:
"الله يعين العيل اللي هييجي من اتنين زيّ دول.. هيكون عيّل معوق ذهنيًا."
عكفت على جمع أشيائهم الخاصة من ملابس وغيرها ووضعهم داخل الحقائب استعدادًا لمُغادرة الشقة التي عاشوا فيها لأكثر خمسة عشر عامًا والتي تختبىء الكثير من ذكرياتهم بين جدرانها. تنهدت "سُهير" بضيق وهي تضع الحقيبة بجوار الأخرى. لقد تمنت أن تمتلك بيتًا خاصًا بأسرتها الصغيرة وأن يكسب زوجها الكثير من المال فترتقي عيشتهم ويصبحون من ذوي الأموال والثراء.
وكانت تتطلع لتحقيق هذا الهدف بطريقتين إما مجاورة عثمان السروجي وكسب ثقته حتى النهاية حتى لو كان على حساب كرامتها وكبريائها؛ أو تزويج ابنتها من شخص ينتمي للطبقة الأرستقراطية. كما أنها سعدت من تقرب "عُمر" لابنتها في فترة من الأوقات ورأت مدى إعجابه بها يتجلى في لمعة عينيه أثناء النظر إليها خلسة. وكم تمنت أن تخبره بحبه لابنتها بعد أن فقد ذاكرته ولكنها خشيت أن تلقى غضب سيدها وتُحرم من قربه الذي يجعلهم في عيشة ميسورة.
دعت كثيرًا أن تتزوج ابنتها من هذه العائلة الثرية وكان المقصود في دعائها "عُمر"؛ ولكنها لم تتخيل أن يُستجاب دعائها باختلاف الشخص. ومن هو ذاك الشخص؟ هو أكثر شخصًا جاهدت في إبقاء ابنتها بعيدًا عن مرأى عينيه ومسمع أذنيه، الذي يمتلك حصة كبيرة من البغض والكره داخلها لأنها ترى دومًا محاولة قربه من ابنتها منذ صِغرهما ورغبته في استعادتها وإصراره على ذلك. وحينما اختفى من حياتها فجأة ظنت أنها انتصرت عليه ولن يعود الماضي كي يلاحقها من جديد ولكن الأمر كان مُختلفًا بالنسبة له.
فهي لا تعلم أن في أحيان كثيرة تكمن الحياة في ماضينا فلا يفارق عقولنا وأثره يحتل القلوب وأبد الدهر لا ننسى حلاوة أيامه وإذا أُتيحت لنا الفرصة أن نجعله حاضرًا ومُستقبلًا لفعلنا. ليس كُل الماضي موصومًا بالخزي والأسى فثمة ماضيٌ نتمنى أن يطرق أبواب حاضرنا مرة أخرى وأن نجني ثماره في فصول مُستقبلنا الأربعة.
"كدا لميتي كُل حاجة؟!"
سألها "علام" باهتمام فأومأت إيجابًا دون أن تنبس ببنتٍ شفةٍ. أدرك "علام" جيدًا أن زوجته ستبقى على هذه الحالة طويلًا فلا تتحدث إليه ولا تتعامل معه بطبيعة الحال فهي تخشى أن يأتي ذلك اليوم الذي يعترف فيه "تليد" لابنتها بأنها ليست ابنة هذه العائلة ووقتها تخسر "وَميض" إلى الأبد. ولكنه يعلم أن "تليد" لن يفعل خوفًا على حبيبته من ماضٍ مؤلمٍ وغامضٍ يقض مضجعها ويسرق أحلامها.
ورغم محاولاته لإيضاح هذه الأمور لها إلا أنها لا تطيق فكرة وجوده في حياتهم. يعلم "علام" أن الخير يكمن في مجاورة ابنته لهذا الشاب السمح؛ لقد شقى كثيرًا عليها وجاهد أن يزرع فيها الخير والأخلاق وكُل ما هو حسن من فضائل ولكنه لن يظل متفرجًا حينما يراها تكبر وتتلاشى هذه البذور من داخلها؛ فكان عليه أن يجد لها أرضًا خصبةً وصالحةً لاستكمال ما بدأه ولم يجد خيرًا منه لصونها والحفاظ عليها، فكان ينبغي عليه أن يعيد الأمانة إلى صاحبها بعد أن تأكد من أنه خير من يؤتمن على أُنثى ومال وعِرض.
ارتدت "وَميض" فستانًا من اللون الأزرق يضيق بحزام عريض عند الخصر وارتدت معه حجابًا بمزيج من اللونين الأبيض والأسود. لم تكُن في حالة جيدة وهي تُخطب وستتزوج وتحمل مسؤولية وكل ذلك في غضون أيام أو وربما أشهر قليلة. لم يكن يصيبها الحماس أو النشاط تجاه الأمر فبدت تتعامل مع الجميع بفتورٍ وحُزنٍ؛ ولكن ما يجعلها تشعر بالغرابة تجاه نفسها؛ أنها لا تشعر برفضها التام له بل ثمة شيءٌ يدفعها لقصد الطريق الذي يمشي إليها من خلاله.
خرجت ألى غرفة الاستقبال وهي تودع كُل ذرة بالمكان وما أن نظرت للغرفة حتى قفزت إلى عقلها تلك الأُمسية التي جمعته بها حينما سألته بفضول عن حبيبته في صِغره وما دار بينهما.
"جاهز يا عمي؟!!"
أومأ علام إيجابًا، فطلب "تليد" من السائق أن يحمل الحقائب إلى السيارة. كسر شرودها صوته حينما كلمه والدها فأيقنت بقرب الخطوة الأولى لا مفر. وبعد قليل سترتدي خاتمه وتُصبح بين يومٍ وليلة زوجة له.
ابتلعت غِصَّة مريرة في حلقها وهي تغلق عينيها تتخيل كيف تكون زوجته وهي لا تكن له أية مشاعر؟!!! لا يمكنها أن تتعامل بطبيعية حينما لا يكون هناك مشاعر بالمنتصف!!.. كيف تكون له زوجة وهي لا تعرفه بعد ولا يدق قلبها له!
لحظات وشعرت باقتراب أقدام نحوها فأدركت مجيئه ما أن فاح عطره حولها. نظر "تليد" حيث تنظر هي وراح يتذكر نفس الأُمسية التي أوشك أن يعترف لها بأن حب طفولته (هي) حتى أنه تخيل نفسه يعترف لها ولكنه فاق بسرعة وبدل حديثه لذلك السيناريو الذي لاقى نجاحًا حينما اقتنعت به.
"يلا بينا!!"
تنهدت تنهيدة طويلة قبل أن تلتفت نحوه ثم تقول بفتورٍ:
"تمام."
ركب الجميع سيارته متوجهين إلى محل الذهب بعد أن علم بوصول والده وابنة عمه وزوجها إلى هناك ويجلسون في انتظارهم. جلس "علام" بجواره فيما جلست هي ووالدتها بالمقعد الخلفي. وفضلت "وَميض" الشرود على الاستماع إلى أحاديثه مع والدها حتى أنها خسرت رؤية لمعة عينيه وهو يرمقها من خلال مرآة السيارة حينما تخيل رؤية خاتمة في أصبعها الناعم ورؤية إطلالتها الملائكية في زيها الأبيض يوم زفافهما. لم يكف عن إشباع نظراته منها حتى فاق بسرعة من سُكره وهو يُبعد بصره عنها مُتحدثًا إلى نفسه في خفوت:
"أستغفر الله العظيم.. اصبر يا تليد."
وصلت السيارة إلى وجهتها. رفع بصره نحوها ثم قال بهدوء:
"وصلنا إن شاء الله."
استفاقت من شروده على كلماته القليلة، تبادلت النظرات بينها وبين والدتها قبل أن تترجل من السيارة على مضض بوجه شاحبٍ مخطوفٍ ما لبث أن تبدل إلى آخر مُطمئن وهي تجد صديقتها تقف أمامها قائلاً بسعادة:
"مستنينكم من بدري."
أسرعت "شروق" بضم راحتي صديقتها فوجدتهما دافئتين، رمقتها بنظرات مطمئنة قبل أن تسحبها داخل المحل ثم يتبعهما البقية. وفي هذه اللحظة بدأت "سهير" في لعبتها التي رتبت لها قبل أيامٍ حيث قررت أن تحمله فوق طاقته فيختلفون وربما تتمكن من إفساد الأجواء بين زوجها والأخير.
وقفت "وَميض" أمام الجواهرجي الذي وضع أمامها مجموعة مختلفة ورقيقة من الخواتم الذهبية وطلب منها أن تختار منهم ما يجوز على إعجابها. نظرت إليهم بدون رغبة وكانت "شروق" تشاركها الاختيار. وقبل أن تشير نحو واحد منهم وجدوا "سهير" تقول بلهجة حادة:
"أنا بنتي مش هتلبس دهب، بنتي قيمتها ألماز."
اندهش الجميع من كلامها فرمقها "علام" بحدة وغضب مستتر إلا أنها نظرت إليه بثبات وتحدٍ. تقدم "تليد" للأمام ثم قال حاسمًا لتلك النظرات والمناوشات التي أوشكت أن تندلع في المكان:
"عايزين نشوف كوليكشن ألماز وبلاش دهب."
نظرت "شروق" إلى صديقتها بصدمة كبيرة فوجدت أن الأخيرة تبادلها الملامح المصدومة ذاتها حتى تكلمت برفض:
"لأ مفيش داعي للألماز، الدهب تمام!"
تليد بابتسامة وَدودة:
"والدتك عندها حق، إنتِ قيمتك مش دهب وكمان مش ألماز، وأنا فخور لأنك هتكوني شريكة حياتي وقيمتك بالنسبة لي إني شايف كُل حاجة في الدنيا ملهاش قيمة جنبك يعني أنا مش متضايق سواء كان دهب ولا ألماز."
تطلعت إليه بعينين لامعتين من تقديره لها، ابتسمت له بهدوء قبل أن تبدأ في اختيار خاتمها الماسي الذي لم تحتج الكثير من الوقت للاقتناع به.
"حلو دا."
شروق بإعجاب كبير:
"يجنن في إيدك."
تكلمت "سهير" بوجه مُقتضب تقول مستنكرةً:
"هي مش هتختار حاجة تاني ولا أيه؟!.. الشبكة عبارة عن خاتم بس!!!"
علام وهو يخرج عن هدوءه قائلًا بحدة:
"لما يكون خاتم ألماز.. يبقى أه خاتم بس."
كشرت في ضيق وراحت تقول بانفعال وغيظٍ:
"وأنا مش موافقة على الكلام دا، بنتي مش قُليلة واللي عايزها لازم يقدر قيمتها."
كان "سليمان" يتابع ما يجري في صمتٍ وقد فهم رغبتها في إفساد الأمر كما أنه يفهمها جيدًا مذ أن غيرت اسم الفتاة وكانت تمنع "تليد" من رؤيتها؛ وكذلك إقناع زوجها بضرورة نسب الفتاة لهما رغم اتفاقه مع الشيخ على احتضان الطفلة فقط وليس تبنيها إلا أن"سهير" رفضت علم الفتاة بأنها تنتمي لأمٍ أخرى غيرها وانصاع "علام" تحت تأثير إصرارها وتوسلها إليه.
"اختاري يا بنتي كل اللي نفسك فيه."
تكلم "سليمان" بهدوء، إلا أنها التفتت له ثم تابعت بثبات:
"أنا مش هاخد غير الخاتم لأني أصلًا لا بحب الدهب ولا الألماز."
سهير بغيظٍ وهي تزجرها بعينيها:
"أيه الهبل دا؟!!"
وَميض بإصرار:
"كلمة كمان يا أمي وهخلي الشبكة فضة!!!"
ابتسم "تليد" قبل أن يقول بحسمٍ:
"يعني الخاتم خلاص عاجبك؟؟؟"
أومأت فطلب من الرجل أن يضعه في صندوق رقيق ويضع بجواره خاتمًا له. فتابع الرجل قبل أن يفعل:
"حابين تكتبوا أسامي بعض على الدبل؟؟؟"
توجه بنظراته إليها فوجدها تنظر إليه نظرة هادئة لا تحمل قبولًا أو رفضًا. وكانت هذه فرصة جيدة كي يلتفت إلى الرجل ويقول بسرعة:
"ياريت."
أسرع الرجل بإنجاز عمله فدون اسمه على خاتمها والعكس ثم وضع الخاتمين داخل الصندوق وراح يهنئ العروسين بودٍ:
"ألف مبروك."
تصافح كُلًا من علام والشيخ سليمان بحرارة وحماس خاصةً علام الذي اطمئن قلبه بهذه الخطوة وسيبقى شاعرًا بالطمأنينة مادامت ابنته في كنف هذا الشيخ وابنه؛ فهما خير من يحافظ عليها ولا يمكن لصاحب أمانة أم يضل طريقه عن أمانته بعد ردها!!
بقيت "سهير" تنظر للجميع شزرًا وقد قدح الشرر والمقت من عينيها، على عكس بهجة الكل وخاصةً شروق التي رأت الحيرة تلمع في عيني صديقتها. أسرعت بضمها إلى صدرها ثم همسات لها أن تستمع بهذه اللحظات السعيدة الآن وإلا لن تكون قادرة على استرجاعها في وقت لاحق ووقتها ستندم ولن يغير ذلك في الأمر شيئًا.
جاء "عِمران" لأخذ شروق وكذلك ذهب الشيخ سليمان إلى مزرعته. بينما اصطحب "تليد" أسرة خطيبته إلى شقته القريبة من عمله والتي يمكث بها لحظة تراكم الأعمال عليه حتى ينتهي العمال من تجهيز الشقة الجديدة كي ينتقلون إليها كما اتفقوا.
تم الاتفاق على موعد عقد القرآن والذي سوف يكون بعد يومين من هذه اللحظة. لم تكن تشعر بالغرابة تجاه الأمر ولكن قلبها ينتفض حالما تتذكر أنها في غضون أيام أو ربما أشهر ستكون زوجة له وعليها أن تتعامل على هذا الأساس من إعطاء حقوق وتحمل مسؤولية وغيرهما!
تنهدت تنهيدة عميقة حينما رأته يطالعها بنظرات يلمع بريقها بوضوحٍ فما كان منها إلا أن هدأت وهي ترى بشاشة وجهه ورصانة شخصيته وأن والدها وصديقتها ربما يكونان على حقٍ!!!
"أيه يا روحي، فونك غير متاح من الصبح!!!"
أردفت سكون بنبرة خملة وهي تجلس على الأريكة المقابلة للتلفاز بعد يوم عمل شاقٍ، أرجعت جسدها على ظهر الأريكة واحتضنت وسادة ما واختارت أن تُرخي أعصابها وتمنع جسدها وعقلها بعض الاسترخاء. تكلمت شروق بمرح:
"أكيد الشبكة."
سكون بتفهم:
"طيب يلا تعالي علشان ماما مستنياكم على الغدا ومكانتش عارفة توصل لك علشان تبلغك."
شروق بحماس مُفرط:
"تمام تمام."
رفعت سكون أحد حاجبيها ثم تابعت بترقب:
"أيه الفرحة الغريبة اللي في صوتك دي، في حاجة حصلت معاكِ؟"
شروق بسعادة غامرة:
"أيوة، تليد ووميض هيتجوزوا وكُنا بنجيب الدبل النهاردة."
هبت مفزوعًا من نومها تجلس على الأريكة ثم أردفت بدهشة ممزوجة بالصدمة:
"نعم؟؟؟ تليد ابن عمي؟ ووميض علام؟"
شروق وقد خفتت نبرة صوتها بتوجسٍ من رد فعل شقيقتها وقالت:
"أه، مالك مصدومة؟؟؟"
سكون وهي تصيح بانفعال مكتومٍ:
"لازم أتصدم طبعًا يعني دي هتكون واحدة من عيلتنا وتتساوى بينا؟ وهو يعرفها منين علشان يدخل على كتب الكتاب على طول؟؟؟"
توترت "شروق" فتابعت بصوت هادئ:
"سكون أنا في الطريق، نتكلم لما أجي، سلام."
حكت جبينها باستغراب وصدمة. هل يتزوج الشيخ تليد السروجي من هذه؟! كيف كانت شروطه ومعايير اختيار شريكة حياته؟! لقد ظنته لا يتزوج إلا من هؤلاء اللواتي يرتدين الأسود الفضفاض دائمًا ويغطين وجوههن حتى لا يطلع أحد على مفاتنهن كما ينادي في خطبه دائمًا. لقد عانت طويلًا وهي تحاول لفت انتباهه إليها حتى فقدت الأمل في شعوره بما يضمر له داخل قلبها وعللت ذلك بأنها لا تناسبه لاختلاف شخصياتهما وأسلوب الحياة كذلك؛ فهي تعشق الموضة وهو لا يقبل سوى ما يراه صحيحًا في ملابس زوجته وهكذا. تعجبت من هذا الخبر الذي أجج نيران غيظها الكامن.
وفي هذه اللحظة انتبهت إلى صوت والدها الذي نادى عليها عدة مرات:
"سكون!!!"
تنهدت باختناق قبل أن ترفع عينيها إليه ثم تقول باختناق:
"وَميض!"
قطب "عثمان" ما بين عينيه ثم تابع بتوجس:
"مالها؟ هببت أيه تاني؟؟"
افتر ثغرها عن ابتسامة فاترة يغلفها الصدمة ثم قالت:
"تليد ووَميض هيتجوزوا!!!"
اتسعت حدقتاه وهو يصيح بغير استيعاب:
"نعم؟؟؟ أيه الهبل ده؟"
سكون وهي تومئ سلبًا وتقول:
"دي الحقيقة ومفيش هزار خالص في الموضوع."
ألقى بجسده جالسًا على الأريكة ثم تكلم بنبرة نارية:
"سليمان أخويا شكله اتجنن، سايب بنات الحسب والنسب وهيتجوز بنت الخدامين ويخليها تتساوى بينا وتبقى واحدة مننا."
سكت لوهلة ثم تنهد وقد انطلق من بين شفتيه زفيرًا حارًا وراح يقول باختناق:
"هلاقيها من سليمان وابنه ولا مرات حمدي زهران!"
رفعت رأسها فورًا وراحت تزوي ما بين عينيها وهي تقول بتوجس:
"مرات حمدي زهران!!!.. ودي عايزة أيه مننا بعد ما جوزها مات؟؟؟"
عثمان بابتسامة ساخرة:
"عايزة تكمل منافسته لينا طبعًا."
سكون بسخرية واضحة:
"هتكمل مسيرته المهنية ولا أيه؟ دي طموحها عالي بقى؟؟؟"
في تلك اللحظة انتصب "عثمان" واقفًا في مكانه ثم غادر خارج المنزل على الفور ولا يمكنها أن تتوقع ما يخطط والدها ويعزم على فعله؛ ولكنها قررت أن تذهب إلى هذه السيدة وأن تتكلما كسيدتين؛ فعليها أن تُسدي لها نصيحة مهمة؛ ألا وهي أن النساء ذوات نفس قصير في مجال الأعمال والتجارة وأن سقوطها آت لا محال فيجب أن تعمل لمثل هذه اللحظة قبل أن تُسن السكاكين ويتجمع الجزارون حول الشاة بعدما تسقط.
"إنتَ ليه عملت كدا؟؟؟"
هتفت به في استنكار وضيق ثم أشاحت بعيدًا عنه. تنهد "عِمران" بثبات ثم قال وهو يتودد إليها أن تنظر إليه:
"عملت كدا علشان الاقي حل لعلاقتك بأمي وهي مكانتش هتوقف اللي بتعمله إلا بالطريقة دي."
أنهى عرض وجهة نظره ثم التقط راحتها بكفه ثم قال بنبرة ودودة:
"شروق، بصي لي!!!"
شروق وهي تلتفت له على مضض ثم تتابع:
"تقوم تقول لها إن عندك مشاكل ودا مش حقيقي بدل ما تطمنها إن إحنا الاتنين كويسين زيّ ما الدكتور قال!!"
عِمران بابتسامة هادئة:
"ما هو أنا لو قولت كدا مكنش في حاجة هتتغير، هتفضل تسأل وتقطم فيكِ فكان لازم أديها سبب يخليها تبطل تلومك لحد ما ربنا يرزقنا."
أطرقت "شروق" برأسها ثم تابعت بهدوء:
"وهي رد فعلها أيه؟؟؟"
عِمران بتنهيدة بسيطة:
"زعلت زيّ أي أم ولقيتها ندمانة بعد ما حسستها بالذنب من ناحيتك وكمان عرضت عليها تيجي تشوف بيتنا الجديد وتفتحوا مع بعض صفحة جديدة وياريت متعرفش غير اللي أنا مفهمه ليها وبس، تمام؟؟؟"
شروق بإدراك:
"تمام."
جاءهُ اتصالًا من الشيخ سليمان يطلب بقائه بالمزرعة حتى عودته من مشوار طرأ له فجأة فقبل فورًا خاصةً أن مخططه مع صديقه ألا يظهر أمام "وَميض" إلا أن يتم عقد القرآن مخافةً أن تتذكره وينهدم كُل شيءٍ. قرر "نوح" الاستلقاء قليلًا داخل غرفة صديقه حتى ينتهي العُمال من الحصاد فيما قصدت رابعة الحظيرة وبدأت متابعة العاملات اللواتي يحلبن المواشي أو ينظفن المكان من الروث. بينما جلست "مُهرة" على أريكة خشبية تقترب على بُعد خطوات من باب المزرعة حتى إن جاء أحد تفتح له الباب لأن حارسه قد ذهب لشراء بعض الحاجيات لوالدتها.
شرعت تقرأ كتابًا يخص مجال عملها وكانت تحمل كوبًا ساخنًا من الشاي الأخضر وهي في حالة استجمام مُلهمة بالنسبة لها حتى عكر صفوها مداهمة بوابة المزرعة عن طريق طرق قوي وهمجية عليها. زوت ما بين عينيها دهشةً ثم تركت ما في يدها جانبًا وراحت تفهم ما يجري في الحال. وصلت إلى البوابة ثم فتحتها بتوجسٍ لتجد مجموعة من الرجال قد كسا الغضب وجوههم وهنا تكلم واحد من بينهم:
"افتحي الباب دا، علشان البيه يعدي."
رمقته شزرًا ثم أردفت بنفي قاطعٍ:
"مفيش حد هيدخل لأن صاحب المكان مش موجود، اتفضل لو سمحت!"
همَّت أن تغلق الباب ولكنه أوقفه بذراعه ثم صاح بها بقوة:
"ابعدي."
في هذه اللحظة قام بوضع كفه على كتفها ثم دفعها بقوة قاسية جعلتها ترتد عدة خطوات للوراء ثم سقطت على ظهرها في الحال. صرخت بألمٍ أسمع كُل ذرة بجسدها ليخرج صوتًا من بعيد يصيح بنيران مستعرة ومميتة:
"مُهرررررررة!!!!!"
رواية رحماء بينهم الفصل العشرون 20 - بقلم علياء شعبان
اليوم سيشهد نقلة غريبة في حياتها جعلت عقلها يتوقف أمام هيبة الأمر.
هل ستصبح زوجة لرجل لا تعرفه جيدًا في غضون سويعات قليلة؟
كما أنها عليها أن تتأقلم وتتعايش وهي لا تعرف جيدًا إن كان خيرًا لها أو كابوسًا جاء كي يقض مضجعها ويقضي على أحلامها.
حاولت أن تستجمع شتات نفسها التائهة وأن تثق في الله أولًا ثم رؤية والدها المستقبلية الدقيقة تجاه "تليد".
وأكثر ما جعلها تهدأ وتتقبل ما هي آتية عليه ذلك الشعور الذي يخالجها في كل مرة تهم فيها بالتحدث إليه ومدى الرصانة والهيبة التي تغلب شخصيته الهادئة بشكل مهيب.
تنهدت بتعجب من تحول الأقدار إلى أحداث لم تطرأ قط إلى عقلها.
هل تخيلت يومًا أن تتزوج من غريب لم يجمعهما سوى موقفين فحسب؟
ليس هذا فحسب، إنه شخص لا يتناسب مع شخصيتها المتهورة والمجنونة.
إنهما نقيضان كاختلاط قطرات الزيت بالماء، فلا يمكن أن تتغلغل جزيئاتهما معًا.
أدركت تمامًا أن أقدار الله لا تأتي كما نخطط دومًا، بل هناك حسبة غيبية أخرى لا يعلمها المرء، ولكنها حتمًا الأفضل والأكثر تناسبًا مع أقدارنا.
تبنت هذه الأفكار منذ أن طلب منها والدها أن تواظب على أداء فروضها حتى يلهمها الله السكينة قبل عقد القرآن.
واعدها إياها أن يتراجع عن قرار زواجها إن شعرت بالسوء والخوف في لحظة من اللحظات التي تخص زواجها من تليد.
وفي الحقيقة هي لم تشعر سوى بالسكينة والهدوء.
عضت شفتها السفلى وهي تلتفت حولها بحرص شديد.
كان يجب عليها الذهاب إلى منزل صديقتها بعد أن قدمت شروق وزوجها عرضًا لطيفًا بشأن إقامة الحفل في حديقة بيتهما الجديد وتجهيز الحديقة على أكمل وجه وتخصيص رقعة منها وتزيينها لإخضاع العروسين إلى جلسة تصوير قيمة ومميزة عقب إتمام المراسم.
سعد "تليد" بالعرض ورحب به كثيرًا، فهذا سيجعل "وميض" في حالة جيدة وهي موجودة في مكان تحبه وحولها أشخاصها المفضلين.
اتصلت "شروق" بها تستعجلها بشأن الإتيان في الحال لأن الفتاة المسؤولة عن تزيين العروس ووضع مساحيق التجميل لها قد أتت وفي الانتظار.
استعدت "وميض" وقررت الذهاب على الفور.
ولكن قبل خروجها، أرادت أن تشبع فضولها حول هذه الغرفة التي أخبرهم "تليد" ألا يدخلوها لأنها تحتوي على أشيائه الخاصة.
مشت على أطراف أصابعها حتى لمست مقبض الباب بهدوء.
همت أن تفتحه ولكنها وجدته موصدًا تمامًا فاشتد غيظها منه حتى قررت أن تخطط جيدًا لاختراق هذه الغرفة في أقرب فرصة وقبل الانتقال إلى شقتهما الجديدة.
"وميض!!!"
انتفض قلبها مفزوعًا فالتفتت برأسها نحو والدتها التي زوت ما بين عينيها ثم تابعت بشك:
"واقفة هنا ليه؟ بتدوري على حاجة؟"
ابتلعت ريقها على مهل ثم قالت متدبرة ابتسامة باهتة:
"لا ولا حاجة.. أنا ماشية علشان الميك آب أرتيست وصلت عند شروق."
أومأت "سهير" وهي تبادلها ابتسامة مثيلة وراحت تقول:
"خلي بالك من نفسك وإحنا ساعتين وهنحصلك."
غادرت بعد أن ودعت أمها.
ما أن أُغلق الباب حتى التفتت تنظر إلى باب الغرفة باهتمام وفضول لا يقل عما تشعر به الأخير، بل يتقد شغف "سهير" لمعرفة ما يوجد بالغرفة من خبايا.
علها تتمكن من الإمساك بشيء ما لا يصطف في صالحه وتساومه به لتضمن صمته حول حقيقة ابنتها التي وُصدت فور استلامها في تلك الليلة.
نبشت "سهير" مقدمة رأسها إلى أن لمعت فكرة ما في عقلها.
فهولرت إلى المطبخ للعثور على آلة حادة تمكنها من إنجاز خطتها قبل عودة زوجها من الصلاة في المسجد المجاور للبناية التي تقبع فيها الشقة.
"إيه العظمة دي يا فنان، تسلم إيدك يا هندسة."
أردفت "شروق" بمرح وهي تتجول بنظراتها في المكان بكل معاني الإعجاب والسرور.
ابتسم بدوره وهو يقول مهتمًا:
"عجبك ديكور المكان بجد ولا بتجامليني؟"
عبرت عن انبهارها في بضع كلمات أخرى فقالت بسعادة تنبعث من دواخلها وتغمر عينيها اللامعتين:
"أنا حقيقي فخورة بيك ودي مش مجاملة، دا جزء بسيط بشكر فيه ذوقك وضميرك وتفانيك في شغلك."
ظهرت ابتسامة مسرورة على ثغره.
وقبل أن يرد على كلماتها المشجعة له، وجدها تهرول نحو الأرجوحة التي صنعها ثم زينها بورود مختلفة ألوانها.
لحظات وكانت تعتلي الأرجوحة بروح طفلة صغيرة وبنبرة منشرحة تابعت:
"أنا أكتر حاجة عجباني في الديكور هي المرجحة دي، ممكن تخليها ليا بعد الحفلة؟"
بادلها ابتسامة عريضة ثم تحرك نحوها.
ودون أن تطلب، كان واقفًا أمامها يدفع الأرجوحة للوراء ثم يبتعد عدة خطوات تاركًا مسافة للأرجوحة كي تتقدم للأمام.
وبهدوء قال:
"هي لكِ."
تهللت أسارير وجهها تبدي له مدى امتنانها باستغلال كل فرصة تسعدها.
اندجت مع لهفة قلبها وجسدها اللذان يحلقان بأجنحة هفافة فوق الأرجوحة.
إلى أن وقع بصرها على "تماضر" التي تتابعهما من خلال وقوفها أمام نافذة غرفتها.
تحولت بنظراتها إلى زوجها على الفور ثم تكلمت بصوت خافت حينما اقتربت الأرجوحة نحوه:
"مامتك مركزة معانا."
وبسرعة تابعت:
"أوعى تبص وإلا هتاخد بالها."
في تلك اللحظة، أسرع بالقبض على الأرجوحة ثم جذبها إليه حتى اقترب بجبهته من خاصتها وقال:
"تاخد بالها وماله، راجل وبيلعب مع مراته، بس مقولتليش رأيك في تغيير الحاجة معاكِ!"
قال عبارته وهو يقبل وجنتها.
فيما أردفت بمرح:
"أفضل بكتير طبعًا."
دفع الأرجوحة مرة أخرى مضيفًا:
"وإن شاء الله مع الوقت مش هيكون في أي خلافات خالص."
"أتمنى."
تذكر "عمران" أن الضيفة تنتظر بالداخل منذ زمن والعروس لم تحضر بعد.
فقال متبرمًا:
"صاحبتك مش ناوية تيجي ولا إيه؟ الكوافيرة زمانها اتحنطت وهي منتظراها!!"
التوى شدقها مضيفة باستنكار:
"كوافيرة؟ إنت لسه موجود في التسعينات معبرتش معانا بوابة الزمن لـ 2021؟"
رفع أحد حاجبيه ثم قال بلهجة غاضبة في ظاهرها ولكنها تميل بين الجدية والهزل:
"بتتريقي على جوزك يا زوجة ناشز؟"
زوت ما بين عينيها.
وقبل أن تسأل عن معنى الكلمة الأخيرة، وجدت أن يدفع الأرجوحة بقوة.
فراحت تصرخ وصوت قهقهتها يتردد في المكان وهي تصيح بغيظ:
"وقف المرجحة دي لما نشوف حوار ناشز دا.. وقف يا جدع إنت بقول لك!"
"بشرط!!"
ضغطت بغيظ شديد على أنيابها وراحت تنصاع قائلة بكلمات متوعدة:
"اصبر عليا لما أنزل.. اتفضل قول شرطك؟"
"قولي 'بحبك' بس بصوت عالي!"
"إحنا مراهقين ولا إيه يا عمران، نزلني ولاحظ إن الست الوالدة زمانها بتقول عليه العوض ومنه العوض في ابني."
"ننجز لأن كل دا من وقتنا؟"
أنهى كلامه ثم فاجأها بدفعة أقوى من سابقتها جعلتها تصرخ عاليًا تنفيذًا لطلبه وتفاديًا للعواقب الوخيمة التي قد تنتج عن عناد كل منهما بالآخر.
"بحبــــــــــــــك."
استنشق الهواء في شيء من الانتصار وراح يجذب الأرجوحة إليه عدة مرات حتى توقفت.
التوى شدق "تماضر" وهي تضرب كفًا بالآخر قبل أن تتحرك مبتعدة عن النافذة والتوجه لخارج الغرفة.
هبطت الدرج ثم توجهت إلى غرفة الضيافة ولكنها تفاجأت بوجود فتاة ما تجلس على إحدى الأرائك.
انبسطت عقدة حاجبيها بدهشة وعتب على زوجة ابنها التي تترك ضيوفها وحدهم.
تنحنحت بهدوء قبل أن تمد يدها لمصافحة الفتاة وهي تقول بتساؤل مهتم:
"أهلًا يا بنتي.. إنت صاحبة شروق مرات ابني؟"
أومأت الفتاة سلبًا وراحت تصحح الأمور لها فقالت:
"أنا الميك آب أرتيست الخاصة بالعروسة، هي هتتأخر؟"
تماضر وهي تضيق عينيها ثم تقول بنفي وحيرة:
"لا والله يا بنتي ما أعرف العروسة اسمها إيه بالظبط، أرتيسا ولا اسم تاني، بس هي اسمها مفيهوش سين، شكلك كدا جيتي عنوان غلط!"
فغرت الفتاة شفتيها بعدم فهم.
فيما أكملت "تماضر" بلوم وتأثر:
"بس أنا عندي عتاب عليكِ يا بنتي، إزاي يعني منتيش عارفة اسم صاحبتك؟ أمال إنتوا صحاب إزاي يخربيت دا زمن!"
الفتاة وهي تتابع بنفي قاطع:
"العروسة مش صاحبتي يا طنط والله."
تماضر وهي تكشر بوجهها ثم تقول بانفعال خفيف:
"أمال إنتِ مين يا بنت وعايزة إيه؟"
تنهدت الفتاة تنهيدة عميقة قبل أن تقول مرة أخرى:
"أنا الميك آب أرتيست يا طنط.. قصدي يعني أنا اللي هذوق العروسة."
لمعت عينا "تماضر" وهي تفهم أخيرًا شيئًا مما تقوله الأخيرة.
وضعت كفها أسفل ذقنها ثم قالت بهدوء:
"أيوة أيوة أيوة.. مش تقولي من بدري إنك المزينة؟"
صدمت الفتاة من تداول هذا المصطلح في الوقت الحالي.
ولكنها قدرت أن السيدة التي تجلس أمامها كبيرة جدًا تتحدث وفق مصطلحات جيلها.
تدبرت ابتسامة هادئة ثم أومأت تقول بإيجاز:
"أه مزينة."
في تلك اللحظة، رفعت "تماضر" أحد حاجبيها ثم تساءلت باهتمام:
"وهو الأرسست بتاعكم ده يناسب ست مقامها عالي وكبرة زي كدا؟"
حاولت الفتاة ألا تخرج عن إطار الجدية في حديثها مع الأخيرة.
إلا أن ثمة ضحكة صاخبة تود أن تتحرك من بين شفتيها.
جاهدت أن تبدو هادئة إلى أن قالت:
"إنتِ حلوة من غير أي حاجة يا طنط والله، ما شاء الله عليكِ."
انشرح صدرها جراء كلمات الأخيرة.
وما هي إلا لحظات حتى هبت من مكانها واقفة ثم قالت بحزم:
"تشربي إيه بقى يا ضيفتنا أحسن مرات ابني مش فاضية، أصلها بتتمرجح."
انطلقت ضحكة قصيرة من فمها وهي تقول بصوت هادئ متحكمة في نفسها:
"فرابيتشينو."
تماضر وهي تلوي شدقها مضيفة باستنكار:
"إيه؟"
الفتاة بتراجع تقول:
"حلبة يا طنط.. حلبة حصى."
"إزيك يا عم صالح يا طيب!"
أردف نوح وهو يتحرك لداخل المزرعة بعد أن فتح "صالح" الأبواب له.
أجابه الأخير بابتسامة ودودة:
"بخير يا دكتورنا."
أسرع "نوح" بالطرق على كتف الأخير ثم أضاف بنبرة مازحة:
"دكتورك إيه بس يا عم صالح.. متقولش كدا!"
انطلقت ضحكة مرحة من فم الأخير الذي فهم مزحة "نوح".
فهما صديقان يتمازحان فيما بينهما بين الحين والآخر.
وقبل أن يتحرك "نوح" مغادرًا إياه، قال "صالح" بحزن:
"يعني خلاص مبقيتش زعلان مني يا دكتورة؟"
"قولت لك مليون مرة إن ملكش ذنب في كل اللي حصل من يومين، متشيلش نفسك فوق طاقتها يا طيب."
ابتسم له ثم غادر على الفور.
هم أن يتوجه إلى غرفة صديقه الذي يستعد للحفل.
ولكنه غير وجهته يتجول في المزرعة باحثًا عنها.
فهو يعلم أنها في إجازة لحضور عقد قران الشيخ "تليد" ولكنه ليس متأكدًا إن كانت في المزرعة أو ذهبت للمنزل كي تستعد للحفل.
لم يفقد الأمل في العثور عليها فراح يتجول باحثًا عنها في كل زاوية ممكنة بالمكان.
حتى لاح طيفها أمامه قبل أن تقع عينيه عليها وتراهن أمام نفسه على أن هذا الطيف يخصها.
وما هي إلا لحظات حتى تجاوز المهجع الخاص بنوم العمال فوجدها بالفعل تجلس على الدكاك وتستظل تحت شجرة.
ويجلس معها طفل مؤكد أنه ابن أحد العمال وأنها تستذكر له بعض الدروس.
مشي إليهما حتى وقف قبالتها مباشرة وقال ببسمة هادئة:
"ممكن أزعجكم شوية؟"
رفعت بصرها إليه ثم بادلته ابتسامة ناعمة وقالت:
"اتفضل ازعجنا ومن غير ما تستأذن."
هم جالسًا بجوارها من الناحية الأخرى.
ثم نظر إلى ذراعها المجبور بعد أن تعرض لكسر عميق إثر الدفعة التي تعرضت لها من قبل أحد رجال عثمان قبل يومين.
تنهد بحرارة وهو يقول راغبًا في الاطمئنان:
"لسه حاسة بدرجة الوجع اللي كنتِ بتشتكي منها؟"
"أنا تمام بالعلاج والمسكنات حاسة إني أفضل بس مش طايقة الجبيغة ومش عارفة إزاي هستحملها 15 يوم.. دا أنا ما بعرفش أعمل أي حاجة لنفسي حتى باجي الشغل في المزرعة على الفاضي."
"إن شاء الله هتخفي وتبقي حصان يا دكتورة."
افتر ثغرها عن ابتسامة عريضة قبل أن تتجه بعينيها إلى كفه الملفوف بالضمادة.
ثم تابعت بتأنيب ضمير:
"أنا آسفة إني السبب في الجرح اللي في إيدك!.. مكنتش أتمنى كل اللي حصل ده."
"كنتِ مستنياني أقف أتفرج عليه وهو بيتعرض لك والناس تقول نوح اللي فرط في اللي يخصه أهو؟!"
"أكيد لأ.. حاسة شوية بالذنب!"
رفع "نوح" أحد حاجبيه ثم قال بمكر ومراوغة:
"طيب أنا عندي حل تكفري بيه عن ذنبك ده."
رمقته بنظرات مستفهمة دون أن تنبس ببنت شفة في انتظار استكماله للحل الذي أفصح عنه.
وبدوره تابع يقول بنبرة ثابتة بعد أن أصاب قلبها بغمزة من عينيه:
"تركبي معايا العربية ونروح الفرح سوى وتفضلي معايا طول اليوم.. معايا أنا وبس!"
"بس دا مش هينفع لأن إبراهيم هيوصلنا بعربيته!"
"يوووووووه إبراهيم تاني يا مُهرة! أنا جبت آخري وفاض بالعبد لله.. بصي اركبي مع إبراهيم براحتك وهيفضل ذنبي في رقبتك وقلبي غضبان عليكِ."
أشاحت "مُهرة" بوجهها للجهة الأخرى ثم عقدت ذراعيها أمام صدرها وراحت تقول بتذمر طفولي:
"إبراهيم دا يبقى ابن خالتي وقريب هيبقى خطيبي.. إنت بقى مين؟"
هبَّ "نوح" من مكانه ثائرًا ثم اقترب أكثر منها وهو يصك أسنانه ببعضها ويكور قبضة يده ثم يقربها من عنقها مضيفًا بزمجرة وغيظ:
"أنا اللي ربنا ياخدني عشان اتصنت في نظري وحبيت دكتورة حيوانات راضعة معاهم.. منك لله يا شيخة.. حرقتي دمي."
انكمشت على نفسها تتفادى زمجرته فخبأت وجهها بذراعيها حتى غادر من أمامها مباشرة.
بينما خفق قلبها خفقًا لا يخمد مطلقًا وبرزت ابتسامة النصر على شفتيها.
ورغم اعترافه لها في غفلة ومدة لا تتجاوز الثانية، إلا أن مذاق المشاعر منه لا يضاهيه كل اللحظات الجميلة التي عاشتها في عمرها كله.
أسرعت بوضع كفها أعلى يسار صدرها فوجدت أن الأمر يزداد سوءًا وأن قلبها أعلن عن مراسم تتويجه الرجل الأكثر تأثيرًا عليه وجذبًا له.
ألقى بالسيجارة أيضًا ثم دعسها بقدمه وهو ينتظر قدومها وقد تأخرت عليه كثيرًا هذه المرة.
كلما استقرت أمواج هذه العلاقة وهدأت، كلما فعلت هي ما يدفع الأمواج للهياج مرة أخرى.
فقد أخبرها سابقًا أنه جاء لتأمينها وقيادة السيارة من أجلها وهذا ليس معناه أن يكون شيئًا آخر كخادم أو طوع أمرها.
وعليها أن تحترم شخصه الذي لا يتقبل المساس بكبريائه وأن احترام المواعيد أمر لا يستهان به بالنسبة إليه.
زفر متأففًا حتى وقعت عيناه على أعواد الثقاب الملقاة تحت أقدامه وكذلك عدد السجائر التي استهلكها وهو ينتظر مجيئها.
فزاد غضبه الضعفين.
لحظات ولمحها تأتي من بعيد ولكنها ليست بمفردها.
فقد جاء معها شقيقها الذي يسمع عنه كثيرًا ولم يره من قبل.
سارت تدفع مقعد شقيقها أمامها إلى أن وصلت إليه.
وبنبرة هادئة قالت:
"آسفة على التأخير يا كاسب.. عمر أخويا هنوصله في طريقنا للمطعم اللي هيتقابل فيه مع أصحابه."
أمد "كاسب" كفه نحو الأخير وقال بابتسامة ودودة:
"إزيك يا عمر؟"
صافحه "عمر" مبادلًا إياه ابتسامة مثيلة وقال:
"الحمد لله."
"يارب دايمًا."
استدار كاسب حتى قبض على الكرسي من الخلف ثم دفعه نحو الباب.
بينما أسرعت "سكون" بفتح الباب.
انحنى "كاسب" إلى الأخير ثم قام بحمله بين ذراعيه حتى أجلسه داخل السيارة.
وبعد ذلك قام بطي الكرسي حتى تضاءل حجمه وتمكن من وضعه على المقعد المجاور لمقعد القيادة.
صعدت "سكون" إلى السيارة جالسةً بجوار شقيقها وهي في طريقها لإنجاز مشوار تأجل لعدة مرات وحان الوقت للقيام به.
"عُمر؟.. علشان خاطري متتهورش وفكر مليون مرة في اللي قولته لك."
تنهد بحرارة ثم قال بحزم:
"ممكن تبطلي خوف ملوش داعي، أنا مش طفل يا بنتي."
"يعني أشوفك بترمي نفسك في الخطر وأقف أتفرج وأقول دا مش طفل؟!.. مش كل اللي بيرموا نفسهم في المخاطر أطفال، في ناس بتكون واعية كفاية وكل خطواتها بحساب وبتقع يا عمر!"
"أنا كدا كدا واقع يا بنتي، إنتِ شيفاني واقف مثلًا!"
تنهدت تنهيدة ممدودة بعمق قبل أن تقول باستسلام:
"ربنا يهديك يا عمر وتبطل تحطيم لمقاديف نفسك."
أشاحت بوجهها للنافذة وعلامات الضيق تكسو وجهها الحزين.
كان يتابعهما عبر مرآة السيارة القابعة أمام عينيه.
ولأول مرة يأخذه الفضول نحو معرفة الأمر وهو الذي لا يبالي بشؤون الناس على الإطلاق.
ساد الصمت المكان حتى تابعت هي بهدوء:
"لحظة هنا يا كاسب."
توقف "كاسب" على الفور أمام مطعم شهير لتقديم المشاوي.
نزل من السيارة وعاونته "سكون" على إخراج المقعد.
فيما حمل الأخير "عمر" وأجلسه في مكانه.
وما هي إلا لحظات حتى جاء "غسان" الذي تولى مهمة دفع مقعد صديقه والتوجه داخل المطعم.
لم يشعر "كاسب" بنفسه إلا والأخيرة تدفع كتفه برفق بعد أن فشل في سماع كلماتها وهي تطلب منه أن يركب كي تتمكن من اللحاق بالموعد الخاص بها.
ولكنها تعجبت من وقوفه متسمرًا ينظر إلى أخيها في حالة من التركيز والصمت الغريب.
لكزته في كتفه مرة أخرى وقالت:
"كاسب؟ إنتَ روحت فين؟"
حرك أهدابه لعدة مرات قبل أن يستدير برأسه لها ويقول باستيقاظ:
"معلش.. سرحت شوية."
أومأت برأسها تصعد إلى المقعد الأمامي.
فيما لحق بها هو وقاد السيارة منطلقًا على الفور.
وما زال الحوار الذي دار بينهما مرابطًا داخل رأسه لم ينفك عنها حتى قال بفضول جامح:
"هو إيه الخطر اللي قولتي عليه ده؟ هو عمر واقع في مشكلة؟"
"إنت ليه مهتم أوي كدا؟ متقلقش أخويا في أمان طول ما أنا جنبه ومقدرة جدًا رغبتك في مساعدتك له."
"مش عارف ليه حسيت للحظة بالمسؤولية ناحيته!"
اخترقت قلبها بؤرة منيرة من السعادة.
فتابعت برقة:
"ممتنة جدًا على شعورك النبيل ناحية أخويا.. إنت متعرفش كبرت في نظري قد إيه.. أنا اللي يحب أخواتي يكسبني للنهاية."
"ربنا يديم الحب والخير بينكم."
وقف بشموخه المعتاد أمام المرآة التي عكست له مظهره الأنيق بداية من لحيته المشذبة اللامعة مرورًا بربطة عنقه والدبوس القابع على صدره على هيئة ثمرة ما.
وكذلك أزرار سترته ذات الذوق الرفيع المطعم بماء الفضة الذي يتلاءم مع لون البذلة الرمادي والقميص الأبيض.
افتر ثغره عن ابتسامة ساحرة وهو يطالع هيئته في المرآة.
ويجد السعادة المهللة على وجه صديقه تغمر الغرفة بأكملها.
استدار "نوح" حتى وقف قبالته مباشرة ثم قال بإعجاب كبير:
"عريس زي الكتاب ما قال، مبارك يا رفيقي."
أسرع بالارتماء بين ذراعي "تليد" الذي شد على ظهره بامتنان كبير.
وتطايرت السعادة من حولهما.
إلى أن تنحنح "نوح" وهو يبتعد قليلًا مضيفًا باهتمام:
"مبسوط إنك بتحقق حلم طفولتك!"
"مش متخيل إن كلها كام ساعة وهتبقى حرمي.. حلالي.. مش هعمل حساب لكل نظرة مني ليها أو أخاف ألمس إيديها فأكون آثم، دي كانت حلم وكنت شايف مستحيل في تحقيقه بس ربنا مهانش عليه حلمي وشوقي ليها وأنا بألح كل يوم وادعي له.. الإلحاح في الدعاء بيغير الأقدار يا نوح.. خليك لحوح."
"أنت نبتة الأمل ليا.. كل ما بشوف صدقك مع ربنا بسعى أكون عندي جزء ولو بسيط من الرضا اللي جواك.. أنا سعيد لأنك وصلت لبر الأمان مع اللي قلبك اختارها."
"العقبى لك، المحبوبة موجودة وبرا الأمان مستني."
"قريب يا صاحبي.. قريب أوي."
سكت هنيهة ثم أضاف متذكرًا:
"أنا دلوقتي هكون موجود في الحفلة إمتى؟"
"هنروح مع بعض بس مش هتظهر في الصورة إلا بعد كتب الكتاب عشان متشوش عليها."
"عُلم ويُنفذ."
"مش عايز أشوف حد يا نبيلة، محتاج أقعد مع نفسي شوية!"
صاح بصوت هادر يمنعها من اختراق خصوصيته والابتعاد عن الغرفة تمامًا.
فهو في حالة تمنعه من الاحتكاك بالآخرين.
ابتلعت غصة مريرة في حلقها وهي تقول بنبرة مرتجفة من خلف الباب الموصد:
"عثمان، إنت مأكلتش حاجة من يومين؟.. علشان خاطري.. بلاش تقعد على السفرة أنا هجيب لك أكلك في المكتب!"
"قولت لأ."
انتفض جسدها ذعرًا وأثرت الابتعاد عن الغرفة فضلًا عن إثارة حنقه.
سارت مبتعدة عن الغرفة في إذعان.
فيما تحرك نحو النافذة وراح ينظر من خلالها ولا يرى أمامه سوى ذلك المشهد في تلك الليلة حينما هاجم مزرعة الشيخ "سليمان" عندما علم برغبة تليد السروجي من الزواج بابنة خادم قصره.
فقد ظن عثمان أن تليد فعل ذلك رغبة في الاتفاق عليه مع هذه الفتاة وأهلها كما اتفق مع حمدي زهران على الإيقاع بشركته ومصانعه والنيل منه.
هذه الظنون هي التي يتبناها دون أن يتأكد حتى من صحتها أو خطئها.
فار فائره كلما تخيل أن ابنة علام ستصبح فردًا من هذه العائلة الكبيرة وسيكون لها إرث من أملاك أبيه وأجداده.
وتتساوى الرؤوس التي كانت محال أن تلتقي يومًا.
ضغط على أنيابه بحنق وهو يتذكر كل تفصيلة بذلك اليوم والسبب الذي أدى إلى وجود ندوب خفيفة على وجهه.
"الشيخ سليمان مش موجود يا أستاذ."
أردفت "مُهرة" بثبات.
فيما أسرع أحد رجاله بدفعها بقوة حتى سقطت على ذراعها أرضًا.
صرخت "مُهرة" بألم جامح وصل إلى مسامع الأخير الذي هرول بنيران مشتعلة في داخله قبل عينيه.
صرخ "نوح" عاليًا باسمها حينما وجدها ملقاة بالأرض ورجال عثمان يلتفون حولها غير عابئين بما فعلوه من كارثة:
"مُهررررررة!!"
هرع إليها فورًا بعينين يتطاير الشرر منهما.
وما أن وصل إليها حتى قبض على ذراعها لتنهض.
بينما أجهشت بالبكاء وهي تشكي ألمًا في ذراعها بصرخات مكتومة.
تركها مهرولًا إليهم حتى أنه بدأ يضرب بقبضته كل من يعترض طريقه.
ولكنه هيهات أن ينتصر على عصبة.
أسرع أحد الرجال بتقييد ذراعيه ثم قاده نحو سيارة عثمان الذي راح ينظر إليه بكره من خلف الزجاج.
بينما سأله الرجل بلهجة صارمة:
"فين مكان الشيخ سليمان؟"
"ابعد إيدك الأول واتكلم معايا راجل لراجل."
أشار له "عثمان" أن يتركه ففعل الرجل.
وكانت هذه الضربة القاضية بالنسبة لعثمان الذي لم يتخيل تجرؤ شاب عليه أو ترك بصمته على وجه "عثمان السروجي".
انتهز "نوح" التحرر من قبضة رجال عثمان وقام بتوجيه ضربة ضارية نحو زجاج النافذة التي يجلس عثمان وراءها.
مما أدى إلى تهشم الزجاج إلى شظايا أصابت وجه عثمان الذي حدق مذهولًا.
وقد كان لكف "نوح" حصة من هذه الشظايا.
صرخ "عثمان" متألمًا وهو يتوعد للأخير بالقتل والانتقام.
فأمر رجاله أن ينهالون عليه بالضرب حتى تنقطع أنفاسه.
ظلت "مُهرة" تصرخ بانهيار حينما تجمع الرجال حوله وبدأوا يكيلون له لكمات ضارية ومميتة.
وما كان منها إلا أن هرولت تصرخ في أرجاء المزرعة وتجمع العمال لنجدة "نوح".
وبالفعل تجمع عمال المزرعة وفي أيديهم عُصيان غليظة.
وما أن رأى رجال عثمان هذا المشهد حتى ركبوا سياراتهم ورحلوا في الحال.
لا يستطيع "عثمان" أن ينسى وجه "نوح" وهو يرمقه بكره ويقذف شظايا الزجاج في وجهه.
ولم يكتف بما أصابه بل يريد أن يحقق عليه انتصارًا أكبر.
فما فعله لم يكن كافيًا لإشباع غريزة الانتقام داخله.
وقفت تحبس غضبها داخلها حينما طلبت منها السكرتيرة أن تتجه إلى مكتب مديرتها التي علمت بقدومها وتنتظرها.
أومأت "سكون" إيماءة خفيفة قبل أن تسير بشموخ إلى غرفة المكتب.
طرقت الباب بهدوء ثم فتحته متجهة داخل الغرفة.
حدقت "سكون" في الجالسة أمامها بانبهار ودهشة لا تنكر.
أنها تقف أمام أيقونة من الرقة والأنوثة.
أيقونة لا يليق بها حرب عالم الأعمال والتجارة.
أطالت التحديق فيها إلى أن سمعت صوت نجلا يقول بثبات:
"اتفضلي يا آنسة سكون!"
أومأت بهدوء وهي تتجه كي تجلس على الكرسي المقابل لها.
لم تكن "سكون" تقل عنها ثقة بنفسها بل إنهما في نفس الدرجة تقريبًا.
تنحنحت "سكون" بهدوء قبل أن تقول بلهجة ثابتة:
"أنا سكون عثمان السروجي.. أعتقد سمعتي اسم والدي قبل كدا؟"
في لحظة سريعة من هذا الاعتراف تغيرت معالم وجهها في الحال.
رمقتها "نجلا" ببضع نظرات غريبة لا تفسير لها.
ولكنها تداركت هذا فورًا وراحت تشبك يديها ثم تقول بهدوء:
"عثمان السروجي عدو زوجي اللدود واللي نهايته هتكون على إيدي أنا!"
حدقت فيها "سكون" بصدمة كبيرة وعينان تقدحان بالشرر.
ثم قالت بنبرة حادة لا تقبل من خلالها التجاوز في حق شخص والدها:
"جايبة الثقة دي منين يا مدام نجلا؟ وليه متكونش نهايتك إنتِ على إيدينا؟"
افتر ثغر "نجلا" عن ابتسامة ساخرة ثم أردفت بثقة:
"والله الساحة قدامنا والعبرة بالنهاية وجود لاك!"
استنشقت "سكون" الهواء داخلها في محاولة منها لكظم غيظها والتريث حتى تستطيع قراءة ما تسعى له الأخيرة.
فقالت ببرود:
"إنتِ عايزة إيه من الآخر؟"
"روح أبوكِ."
وسرعان ما ارتفعت ضحكتها وهي تقول بتصحيح طفيف:
"روحه في عالم التجارة لو فاهمة غلط يعني!"
"أيه رأيك نسعى لإذابة الجليد بينا ونحسن العلاقات ودا هيكون أفضل لينا وليكِ!!!"
"أنا كويسة طول ما عثمان السروجي مش كويس.. مع السلامة."
"الحرب بينا هتكلفك خساير كبيرة أوي يا مدام نجلا.. حاولي وإنتِ في حربك معانا تكوني رقيقة زي هيئتك علشان لما تقعي نعاملك برحمة.. بدل ما ندبحك بسكين تلم يكون حامي عشان متحسيش بالألم وتتعذبي موتًا!"
حدجتها "نجلا" بحدة دون أن تنبس ببنت شفة.
لتنطلق الأخيرة خارج المكتب.
فيما ارتتمت "نجلا" على كرسيها مرة أخرى وراحت تطبق أسنانها وهي تردد باختناق وعينين دامعتين:
"نهايتك قربت يا ابن السروجي.. مبقاش نجلا زهران لو ممحيتش اسمك من على وش الدنيا."
"عثمان.. عثمان.. اهدا يا عثمان وقول لي واخد السلاح دا ورايح على فين؟"
صرخت "نبيلة" فيه بنبرة باكية متقطعة وهي تتشبث بذراعه.
فيما يقبض هو على سلاحه ويتجه خارج بوابة القصر.
لم تتوقف "نبيلة" عن الصراخ خاصة بعد أن دفعها بقوة نارية لتسقط على الأرض.
بينما تابع هو مرددًا بلهجة انتقامية:
"هخليه مأتم مش فرح.. نهايته هتكون دم!"