تحميل رواية «ومجبل علي الصعيد» PDF
بقلم رانيا الخولي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
سقط عمران على المقعد وقد شعر بصعوبة بالغة في التنفس بعد تلك الصدمة التي تلقاها. وأي صدمة! فقد كانت صدمة قاتلة هزت ذلك الجبل الذي ظل ثابتًا رغم تلك المحن التي مرت عليه. كيف فعل ذلك بنفسه وبأولاده، وقد خسر كل شيء وأصبح خالي الوفاض. خسر ميراث أجداده والحائط المتين الذي كان مستندًا عليه، فينتهي به الحال داخل ذلك المنزل الذي أصبح بين ليلة وضحاها لا يملك سواه. انتهى كل شيء الآن. زواج ابنه الأكبر، ومشروع ابنه الأصغر. كل ذلك تلاشى بعد أن كان بين يديه. شعر بنغزة حادة في قلبه وازدادت وتيرة تنفسه، فأصبح يت...
رواية ومجبل علي الصعيد الفصل الأول 1 - بقلم رانيا الخولي
سقط عمران على المقعد وقد شعر بصعوبة بالغة في التنفس بعد تلك الصدمة التي تلقاها.
وأي صدمة! فقد كانت صدمة قاتلة هزت ذلك الجبل الذي ظل ثابتًا رغم تلك المحن التي مرت عليه.
كيف فعل ذلك بنفسه وبأولاده، وقد خسر كل شيء وأصبح خالي الوفاض.
خسر ميراث أجداده والحائط المتين الذي كان مستندًا عليه، فينتهي به الحال داخل ذلك المنزل الذي أصبح بين ليلة وضحاها لا يملك سواه.
انتهى كل شيء الآن. زواج ابنه الأكبر، ومشروع ابنه الأصغر. كل ذلك تلاشى بعد أن كان بين يديه.
شعر بنغزة حادة في قلبه وازدادت وتيرة تنفسه، فأصبح يترنح في وقفته.
حاول الوقوف لكن قدميه أصبحت كالهلام لم تستطع حمله، وقبل أن يسقط أرضًا كانت تلك اليد الداعمة له دائمًا تنتشله من السقوط.
فسأله جمال بلهفة:
مالك ياحاج؟
لم يستطع عمران التحدث من شدة الصدمة التي تلقاها لتوه، وساعده جمال على الجلوس فوق الأريكة وأسرع بإعطائه كوبًا من الماء الذي تجرعه بظمأ.
فيعاود جمال سؤاله بخوف:
مالك يا بوي؛ انت زين؟ أبعت أشيعلك الدكتور؟
رد عمران بتعب وقد هدئ تنفسه قليلًا:
أنا بخير يا ولدي متجلجش؛ أنا زين.
لم يقتنع جمال بكلامه وقد ظهر الشحوب واضحًا عليه، فقال بإصرار:
لا أحنا لازمن نروح للدكتور، أنت شكلك تعبان جوي خلينا نطمن.
لم يستطع عمران إخفاء الأمر على ابنه الذي كان وما زال ذراعه الأيمن والداعم له في كل معضلاته، فقال بألم:
خلاص يا ولدي مفيش داعي؛ بعد ما كل شئ راح وانتهى.
لم يستوعب جمال معنى كلماته وسأله مستفسرًا:
بتجول إيه ياحاج، مش فاهم.
رد بألم:
حامد الخليلي مات امبارح؛ جطاعين الطريج طلعوا عليه عشية وضربوه بالنار وأخدوا الفلوس اللي معاه.
رغم الصدمة التي الجمته لثوانٍ معدودة، إلا أنه تحدث بثبات:
فداك الدنيا وكل شيء يابوي، كفاية علينا حسك في الدنيا.
تساءل عمران بألم:
كيف بس يا ولدي؛ وفرحك اللي بجيله سبوعين، ومشروع أخوك اللي بيحلم بيه من سنين؟!
رد جمال بحكمة:
فرحي يتأجل ياحاج، وإن كان على منصور أخوي هو عمره ما هيفضل مصلحته عليك، هناخد فلوس المشروع وندفع بيها چزء من رهنية الأرض، ومع الوقت كل حاجة هترجع كيف لول وأحسن كمان.
لم يقتنع عمران بكلام ابنه، فهو يعلم منصور جيدًا لن يتنازل عن حلمه لأجل أحد حتى وإن كان والده.
أردف جمال:
تعالى معي تروح اوضتك وترتاح على فرشتك وأرمي حمولك كلها عليا؛ وبعون الله هنعدي الأزمة دي زي ما عدّينا كتير غيرها.
هز عمران رأسه بيأس:
بس المرة دي واعرة جوي.
أكد له جمال وهو يمد يده يسنده:
هتعدي يابوي، هتعدي.
استند عمران على جذعه الذي لم يلين يومًا، ومنذ صغره وهو دائمًا جدار صلب يستند عليه إذا مال ولو قليلًا.
وعند خروجهم من الغرفة تفاجئت جليلة برؤية معشوقها الذي لم يهدئ حبهم مهما مرت الأعوام. تراه الآن وهو خارجًا من مكتبه مستندًا على ولدها، بقلب ملتاع أسرعت إليهم وهي تسأله بخوف:
مالك ياحاج؟
نظرت لابنها وأردفت:
أبوك ماله يا جمال؟
قال عمران بتعب:
متجلجيش يا جلية أنا زين والحمد لله.
أمسكت ذراعه الأخرى وساندته حتى صعدت به غرفتهم واستلقى على الفراش بمساعدة ابنه.
دثرته جليلة جيدًا ثم نظرت إلى ابنها قائلة:
روح انت يا ولدي وأنا هفضل معاه.
نظر جمال إلى أبيه وقال بصوت أجش:
إن احتاچتني يابوي فأنا ديمًا في ضهرك، متجلجش من حاجة واصل طول ما أنا عايش.
أومأ له بعينيه.
فتناول يد أبيه ليقبلها ثم خرج من الغرفة كي يذهب إلى أخيه ويخبره بما حدث.
❈-❈-❈
صعدت جليلة على الفراش بجواره وقلبها يأن ألمًا على رؤيته بتلك الحالة.
فهذا حبيبها منذ الصغير ورغم كل الصعوبات التي وقفت تهدد صفوهم، إلا إن عشقهم حارب تلك الصعوبات ببسالة حتى تلاشت وانتصر العشق حينها.
مالك ياعمران أحكيلي..
❈-❈-❈
وقف مذهولاً من رده وكأن من أمامه قد تلاشت من قلبه الرحمة.
لم يرأف بحالة أبيه ولا ما سيحدث له لو ضاعت تلك الأرض من بين أيديهم.
يعلم جيدًا بأنه لا يبالي بأحد، لكن لم يتخيل يومًا أن تصل به الأنانية لدرجة الانحطاط.
وكان من أمامه نزعت من قلبه الرحمة.
للدرجة دي محناش فارجين معاك؟!
علا صوته قليلاً وهو يتابع:
للدرجة دي انت أناني وميهمكش غير مصلحتك وبس؟
استدار منصور حتى يوليه ظهره ورد قائلاً بجحود:
أبوك اللي غلط ولازم يتحمل لوحده نتيجة غلطه، قلتله ونبهته إنه لازم يضمن حقه بشيك ولا أي حاجة؛ بس هو مهتمش حتى بكلامي، اهو الراجل مات وريني بقى هيقدر يثبت حقه إزاي.
لم يتخيل يومًا أن يكون أخاه بكل تلك الحقارة، يتحدث عن والده وكأنه عدو.
وسأله بتوجس:
أنت شمتان ف أبوك إياك؟!
نفى منصور قائلاً:
أنا مش شمتان ولا حاجة، وبعدين دي مش قصتنا، أنا مستحيل أتخلى عن حلمي لأي سبب من الأسباب، المشروع ده هو اللي هيرفعني لفوق مش أرض وكلام فاضي.
لم يصدق جمال ما نطق به لسان أخيه وشعر بأن من يقف أمامه متبجحًا الآن لا ينتمي إليه بقيد أنملة.
رآه يخرج من الغرفة وهو يحمل حقيبته مستعدًا للذهاب ويبدو أنه ذهاب دون عودة.
فيصيح به جمال:
بردك هتمشي وتهملنا؟
رد بإصرار وهو يتابع خروجه:
أيوة ومش راجع هنا تاني..
❈-❈-❈
انتهى عمران من سرد ما حدث معه منذ أن اتفق مع رفيق عمره على إنشاء ذلك المشروع الذين حلموا به كثيرًا منذ صغره.
لكن يشاء القدر أن ينتهي به الحال مقتولاً من قاطعي الطريق وسرقة ما بحوزته.
بعد أن رهن كليهما أراضيهم حتى يستطيع كلاهما توفير المال المطلوب منهم.
هي دي كل الحكاية يا جليلة، معرفش أعمل إيه دلوجت.
ربتت جليلة على كتفه تحاول تهون الأمر عليه:
إن شاء الله هتتحل وربك مش هيسيبنا واصل، وإن كان على الرهنية أنا هسحب الفلوس اللي بأسمي في البنك ودهبي وكل شيء حداي، وبردك فلوس المشروع بتاع منصور، وإن اتسلفنا جرشين عليهم ونفكوا الرهنية.
ابتسم عمران بحزن وقال بيأس:
كل اللي بتجولي عليه ده مش هيكفي نص الفلوس حتى.
ردت جليلة بتفاؤل وهي تضغط على يده:
لو كفت نص الدين يبجا زين جوي، ويعالم يمكن ربنا يفرجها من عنديه.
ردد بتمنى:
يارب.
طرقات خافتة على باب الغرفة تلاها دخول جمال الذي لم يستطع اخفاء حزنه تلك المرة وقال لوالده:
كيفك دلوجت يابوي؟
أيقن عمران من نظرات ابنه بأن منصور لم يوافق على التنازل.
فأراد التأكد أكثر:
بخير يا ولدي أومال فينه منصور؟
ارتبك جمال ولم يستطع الرد، فعلم حينها أنه رفض إعطاءه المال الذي بحوزته.
وسأله بغصة:
سافر مش إكده؟
التزم الصمت ولم يستطع البوح بما في داخله، فأردف عمران:
ولدي وأنا خابره زين، كل اللي يهمه مصلحته وبس.
هزت جليلة رأسها بحزن من ذلك الذي لم ولن يتغير مهما حدث.
فقال جمال بثقة:
متجلجش يابوي وزي ما جلتلك سيب كل حاجة عليا، وأنا جدها إن شاء الله.
نظرت جليلة إلى ولدها الذي يحاول بصعوبة اخفاء حزنه لتقول بثقة:
جدها يا ولدي وخابرة إن الحمل تجيل عليك، بس إن شاء الله ربنا هيخلف عليك بالزين ويجبر بخاطرك.
….
خرج جمال من منزله متجهًا إلى منزل محبوبته.
عليه أن يخبرها بكل شيء ويترك لها حرية الاختيار.
إذا أرادت أن تبتعد فلن يلومها على ذلك، فهو لا يعرف حتى الآن ما يخبئه له القدر.
لكن بوادره تخبره بأنها أيام عسيرة، وربما لا ترحم.
وصل إلى منزلها فيجد والدها وأخيها في المنزل.
وعندما رأوه رحبوا به بسعة:
أهلًا بولد الغالي.
قالها والدها وصديق أبيه عند ولوجه للمنزل مما جعل الكلمات التي نوى قولها تنحشر في حلقه فتأبى الخروج.
جلسوا جميعًا في مضيفة المنزل وجمال يحاول بصعوبة بالغة انتقاء الكلمات التي سيلقيها عليهم.
فتحدث بإحراج:
لو سمحت ياعمي كنت رايد أتحدت معاك في موضوع مهم ولازم وسيلة تكون موچودة.
شعر عاصم بالقلق وسأله بتوجس:
جلجتني يا ولد عمران خير.
رد بإحراج أشد:
معلش زي ما جولتلك لازمن تكون موجودة لأن الكلام ده يخصها بردك.
نظر عاصم إلى ولده وأمره باستدعائها.
فآتت على الفور.
تقدمت منهم ولأول مرة ينقبض قلبها عند رؤيتها لملامحه التي لا تبشر بخير مطلقًا.
السلام عليكم.
رد الجميع السلام، ثم أمرها والدها بالجلوس معهم ونظر إلى جمال قائلاً:
أهي چات جول بجى اللي عنديك.
ازدرأ ريقه بصعوبة وما زال يهرب بعينيه بعيدًا عن محيط عينيها التي تنظر إليه بتساؤل.
وقال بثبات زائف:
أنا رايد أكون صريح معاكم وخبركم باللي حُصل، وبعدها هسيبلكم حرية الاختيار، ولو رفضتم مجدرش ألومك وهعملكم اللي رايدينه.
ٱانقبض قلبها أكثر وأرادت أن تخرج الجميع وتبقى معه وحدها حتى تعرف ما يود قوله.
لكن وليد أخيها سبقها قائلاً:
متجول في إيه من غير مجدمات.
بدأ جمال بسرد كل شيء حتى أردف في النهاية:
وأنا چاي دلوجت عشان أجولكم إني بعفيكم من الچوازه دي لأن الأيام الچاية دي هتكون صعبة جوي وحرام أظلمها معاي.
ساد الصمت قليلًا بين الجميع وكلٌ ينظر للأمر بمنظور آخر.
حتى تحدث عاصم باستياء:
ردي مش هيكون ليك يا ولد عمران ده هيكون لأبوك اللي عتابي ليه هيكون جاسي جوي.
حاول جمال التحدث لكنه منعه قائلًا:
جلت ولا كلمة.
خرج عاصم دون قول شيء وترك جمال الذي لا يعرف ماذا يفعل الآن ينسحب بهدوء أم يبقى أمام تلك التي تنظر إليه بعتاب أقسى مما يتحمل.
تحدث وليد بثبات:
طيب أنا هسيبكم دجيجتين وراجع تاني.
خرج وليد تاركًا الاثنين في حيرة من أمرهما.
تهربت الكلمات منه وكأنه تلاشت منه أبجدية الكلمات.
حتى قاطعت هي ذلك الصمت بعتاب:
للدرجة شايفني جليلة الأصل يا جمال؟
أصابته الكلمة في مقتل ليرد مسرعًا:
حشى لله يابنت الناس، كل الحكاية إني مش رايد أظلمك معاى واني معرفش الأيام اللي چاية دي هتكون كيف وعشان أكده جلت أخبرك بكل شئ.
تابعت عتابها:
وانت لما تبعد عني جبل فرحنا بإسبوعين ده مش ظلم بردك؟
قالتها بلوم جعلته يستاء من نفسه، لم يفكر في ذلك الأمر، كل ما جال بخاطره هو انقاذها من براثين الفقر الذي سيعاني منهم في الأيام المقبلة.
فيرد بنفي:
أنا مقصدش واصل اللي فهمتيه، بس كان لازمن أخبرك بكل حاجة غير كمان أنا معدش حيلتي حاجة واصل اجدمهالك، ولا حتى مصاريف الفرح.
تابعت بلوم أشد أرادت به إيلامه كما آلمها:
يعني عادي أكده تتخلى عني تسيبني لغيرك.
تحول الحزن إلى غيرة قاتلة عند ذكر تلك الكلمة، لكنه تحكم في غيرته وتحدث باقتضاب:
جلتلك.
غصب عني ومش بيدي.
هم بالإنصراف لكنها وقفت أمامه تمنعه وقالت بحكمة:
أنا بحبك يا جمال ومعاك مهما تكون ظروفك، هكون سند ليك؛ الحضن اللي ترمي فيه همومك، الجلب اللي هيحس بيك لو جلت آه وأنت بعيد عنيده اكتر وجت محتاچني فيه، مستحيل أتخلى عنيك واصل مهما حُصل.
تهرب بعينيه منها وقد لامست بكلماتها قلبه العاشق لها وتحدث بألم:
خايف عليكي من اللي چاى.
ردت بنفي:
بخاف عليكي من بعدي، مش ده كلامك ليا، ليه دلوقت خايف عليا من جربك.
لاحت ابتسامة صافية على محياه مما جعلها تبتسم بدورها وأردفت بصدق:
الحياة من غيرك ملهاش طعم ولا عازه يبجى إزاى عايزني أفارج الروح اللي متعلجه بروحي.
تاهت الكلمات بين شفتيه واكتفى بالنظر لتلك العينين التي تشبه صفاء شمس الشروق.
فيفيق كلاهما من تلك الفقاعة الوردية على صوت وليد أخيها:
معلش يا چمال بس الحاچ مشيعلك تاچي دلوجت.
حمحم جمال بإحراج وأومأ له ليخرج دون قول شيء.
❈-❈-❈
بعد خروج عاصم من منزله ذهب مسرعًا إلى صديقه الذي أخفى عليه ذلك الأمر.
لقد أخبره بشأن تلك الصفقة لكن رفض المشاركة بها وحاول اثناءه عن ذلك لكنه صمم كي يساعد ولديه.
دلف إلى المنزل يسأل عنه فتخبره الخادمة بأنه قد تعب قليلًا وهو الآن في غرفته.
قال عاصم بإصرار:
جوليلوا إني رايده ضروري ولازم اجابله.
صعدت أم حسين لغرفته لتطرق الباب فتفتح جليلة وتسألها:
خير يا أم حسين أنا مش جيلالك أنه عايز يرتاح.
ردت أم حسين:
الحاج عاصم تحت ومصر أنه يجابله.
سمعوا صوت عمران الذي تحدث بتعب:
دخليه المكتب وأنا چاي دلوجت.
أنصرفت أم حسين وتدلف جليلة فتجده ينهض من الفراش بتعب.
حاولت منعه لكنه أصر قائلاً:
أكيد ابنك خبره بكل شئ لأنه جال هيأجل چوازته.
ساعدته بارتداء جلبابه ونزل للأسفل وهو يحاول الثبات أمام صديقه الذي وقف ينظر إليه بعتاب.
فأشار له بالولوج إلى غرفة المكتب ليتحدث عاصم بعتاب:
أيه اللي حُصل ياخوي.
سقط قناع الثبات أمام صديقه وبئر أسراره ليرتمي على الأريكة وهو يقول بألم:
وكأن صدمة واحدة مش كفاية چاتني التانية بعدها طولي.
جلس عاصم بجواره ليسأله بحيرة:
كيف ده أحكيلي.
تنهد بألم وتابع:
أكيد چمال ولدي حكالك كل شئ بس اللي جهرني هو منصور ابني اللي رفض يجف جانبي في محنتي ورفض يعطيني الفلوس اللي أخدها واللي عمل كل ده عشان أحجج له حلمه، أخد الفلوس واتخلى عنينا وهمل البلد وسافر.
لم تكن حالته تسمح بالعتاب مما جعل عاصم يقول بدعم:
أحنا عشنا عمرنا كله نجف جانب بعضينا، ياما وجعت وملجتش غير يدك اللي بتساعدني أجف على رچلي من تاني، ويوم انت ما تجع هتلاجي يدي وضهري سندينك.
حاول عمران الاعتراض لكن عاصم منعه بحزم:
ألغي أي كلام دلوجت، أهم حاجة أننا نلحج الأرض جبل ما تضيع منينا وبعدين يبجى نتحاسب.
لم يزده حديث عاصم سوى مرارة وحزن آلَم قلبه عندما قارن حديثه وموقفه معه بحديث ابنه.
طرق الباب ويدلف حينها جمال الذي ما أن رآه عاصم حتى تحدث بلوم:
كمان باعتلي ابنك يرچع في كلمته اللي أدهاني جبل الفرح بسبوعين؟! عيب عليك جوي.
تفاجئ عمران مما يقول ونظر إلى جمال الذي تهرب بعينيه بعيدًا عن عين أبيه وسأله بسخط:
صُح الكلام ده؟
لأول مرة يشعر جمال بحماقة تسرعه وتحدث باقتضاب:
الموضوع مش أكده يابوى.
تحامل عمران على نفسه وهمّ واقفًا رغم تعبه وسأله بأنفعال:
أومال إيه؟
حاول ان يتحدث بثبات وألا يشعر أحدهما بالضعف الذي يكتسحه الآن:
كل الحكاية إني خيرتها لأن الأيام الچاية هتكون عسيرة جوي وأني خايف أظلمها معاي، دي كل الحكاية.
لم يريد عاصم توبيخه أكثر من ذلك لعلمه بصدق حديثه ومدى تعلقه بابنته.
وإن كان تسرع بقول تلك الكلمات التي تحدث بها من خلف قلبه فعليه أن يكون لينًا قليلًا معه ليقول بجدية:
اللي جولته ده يزعل يا ولدي، بنتنا بنت أصول تعيش مع چوزها على الحلوة والمرة.
الفرح إن شاء الله هيتم في ميعاده، ومش رايد حديت تاني في الموضوع ده.
بس المهم لول إننا نفك رهنية الأرض.
الدهب اللي جيبته لبنتي ده حجك.
حاول عمران الرفض لكنه لم يمهله فرصة للحديث ليتابع بحزم:
الدهب ده دهبكم وبعد ما تتفك الأزمة دي يبجى تعوضه المهم إننا نعدي المحنة دي كل واحد فينا يتصرف من جباله ونجهزوا أي مبلغ ونبعته للحاج عتمان.
تقدم من جمال وتابع بلوم قبل ذهابه:
الكلام اللي جلته ده حسابه واعر جوي بس بعدين، يالا أسيبكم دلوجت ونتجابل بعد صلاة العشا.
بعد انصرافه اخفض جمال عينيه أمام نظرات أبيه العاتبة وتحدث بارتباك:
أنا خابر زين إني غلطت بس كان لازمن أعرف رد فعلها لما تعرف الحجيجة.
كلمات واهية تحدث بها كي يتجنب تعنيف والده له.
وهو فعل ذلك كي يسمع منها تلك الكلمات التي أطربت قلبه وجعلت الصعب لينًا.
وكان والده يعلم ذلك علم اليقين فيقول بتفاهم:
قبل يد والده وهو يقول بحب:
ربنا يخليك لينا يابوى.
ابتسم عمران رغم الألم الذي احتل قلبه بفعلة منصور الذي أخذ مبلغًا كان بوسعه تغطية قدر كبير من الرهنية.
لكن عليه الدعاء له بالنجاح حتى يشعر بأن ماله لم يضيع هدرًا.
❈-❈-❈
ظل ينظر إلى الحقيبة التي وضعها على المقعد بجواره وفي داخله صراع لا يرحم.
بين الوقوف بجوار والده وبين تحقيق ما سعى كثيرًا لتحقيقه.
الآن حلمه بين يديه لما يفرط به ولأجل ما لا يغني ولا يسمن من جوع.
عادات وتقاليد عفى عليها الزمن لكنهم حتى الآن متشبثين بها.
أوقف السيارة على جانب الطريق يحاول بصعوبة الوصول لقرار.
أمامه طريقان إما المضى قدمًا وتحقيق حلمه؛ وإما العودة لوالده كي ينقذه من تلك المحنة.
شتان بين الاثنين حتى قرر في النهاية……
ياترى منصور هيرجع لأبوه ويتخلى عن حلمه ولا هيختار حلمه؟
رواية ومجبل علي الصعيد الفصل الثاني 2 - بقلم رانيا الخولي
نظر في مرآة السيارة ينظر إلى تلك البلدة وهو ينطلق بسيارته، وكأنه يودعها الوداع الأخير، لا ينكر تعلقه الشديد بها كموطنًا له، رغم تعلقة الأشد بحياة المدينة.
كلما أبتعد بسيارته؛ كلما ضغط على قلبه الذي يحن لمن تركهم خلفه، عليه الثبات إذا أراد السعى خلف حلمه، لن يلتفت خلفه بعد الآن، هو أكثر من يعلم بأخيه ويعلم جيدًا بأنه يستطيع بسهولة إنقاذ والده من تلك المعضلة.
هكذا أقنع ضميره الذى يعاتبه على تركه لهم.
***
في منزل عاصم
كان عاصم جالسًا في مكتبه عندما ولجت وسيلة ووالدتها تحمل بين يديها حقيبة صغيرة.
تقدمت من والدها ووضعت الحقيبة أمامه وهى تقول بجدية:
_ أتفضل يابوي.
نظر عاصم إلى الحقيبة ثم سألها بأهتمام:
_ أيه ده؟
أجابته بهدوء:
_ دي دهباتي كلها بيعها يابوي وأدي تمنها لچمال هو أولى بتمنهم.
نظر عاصم إلى أبنته وأراد التأكد إذا فعلت ذلك بدافع الواجب أو شئٍ فرض عليها فسألها بتوجس:
_ برضاكي ولا مغلوبه على أمرك؟
ردت وسيلة بصدق:
_ چال دلوجت في حكم زوچي والزوچة اللي متجفش مع راجلها في محنته يبجى متستهلش تعيش معاه وچمال عمره مابخل عليا بشئ ولازمن لما يتعرض لأزمة زي دي يلاجينى واجفه في ضهره، ولو بـ يدي شئ تاني كنت عملته.
نظرة لخاتم الزواج الذي لم تستطيع التفريط به وتابعت بثبات:
_ أنا مخلتش غير دبلته لإني مجدرتش أخلعها، بس لو أحتاچها أدهاله بطيب خاطر.
ابتسم عاصم بفخر لوردته التي أحسن تربيتها وتحدث بفخر:
_ بنت أبوكي صُح.
تقدم منها يربت على كتفها وتابع بجدية:
_ في حاچه بردك لازمن تعرفيها، إن الست لما تجف جانب زوچها لازمن مـ تحسسوش بإكده واصل، وأنها صاحبت چميل علية، ده اللي ربنا آمرنا بيه، الأيام اللي چاية دي هتكون صعبة جوي عليه وعايزك ديمًا تكوني الحضن الدافي اللي ياچي يترمي چواه وينسى همومه، أنتي مش هتكوني زوچه وبس، لا أنتي هتكوني كل حاچه محتاچها في الوجت ده لحد ما تمر المشكلة دى، وإن شاء الله هتعدي على خير.
تعلم ذلك جيدًا وستظل تدعمه حتى يعود كما كان:
_ متجلجش يابوى أني خابره ده زين وربنا يجدرني وأكون جد المسؤلية.
أكدت أم وليد بثقة:
_ جدها وجدود يابنتى.
ثم نظرت إلى عاصم وأردفت:
_ وأني كمان چهزتلك دهباتي كمل عليهم بالفلوس اللي ركنها لزواچة وليد، دول ياما وجفوا معانا.
***
وصل إلى القاهرة متوجهًا إلى منزلها، يريد أن يشرح لها ما حدث حتى تخفف عنه ذلك الألم.
فأشد آلم هو آلم الضمير.
طرق الباب حتى فتحت له وفور رؤية ملامحه المتجهمه تلاعب الخوف بها فتحدثت بإرتباك:
_ أهلاً يامنصور أتفضل.
دلف منصور المنزل وهو يسألها:
_ أومال عمي فين؟
سألته بتوجس:
_ مالك يا منصور شكلك بيقول إن فيه مشكلة، أوعى يكون باباك رفض يديك الفلوس.
هز رأسه بنفي وتحدث باقطتاب:
_ متقلقيش الفلوس كلها معايا.
لم تستطيع أخفاء سعادتها بهذا الخبر وقالت بفرحة:
_ بجد ياحبيبي أومال مالك مكشر كده ليه، رعبتني.
ابتسم لسعادتها رغم حزنه ورد بهدوء:
_ متشغليش بالك أنا كويسة.
تقدمت منه تجلس بجواره وقالت بقلق:
_ كويس إزاي وأنت باين إن فيه حاجه مضيقاك.
لم يستطيع أخفاء الأمر عليها وبدأ بسرد كل شئ من البداية حتى مجيئه إليها وتابع بجدية:
_ أنا كده غلطت في حاجه؟
ردت سمر بنفي:
_ طبعًا لأ، ده حقك ووالدك غلط لما عمل كده ولازم يتحمل نتيجة غلطة، ده مستقبلك ولازم تتمسك بيه ، تقدر تقولي لو كنت ادتهم الفلوس كانوا هيعملوا أيه؟
هيرجعوا شوية تراب وخلاص، وأنا شايفه إن الأرض دي مكسبها خسارة.
_ بس الأرض عند الصعايدة شرف اللي يتخلى عنها يبقى بيتخلى عن شرفه.
_ بس محدش أتخلى عنها، دي مجرد رهنيه ووقت ما يجهزوا الفلوس يقدروا يستردوها من تاني ، يعني الموضوع أبسط من اللى أنت عامله ده.
أستطاعت بمهارة أن تخسر صوت ضميره وتابعت بمكر:
_ وبعدين كل واحد فيكم بيجري ورا هدفه، بمعنى إن جمال هدفه الأول والأخير هى الأرض، وأنت هدفك هو المشروع يبقى ليه عايزك أنت اللى تتخلى عشانه، ليه هو متخلاش عشانك.
تابعت بث سمومها عندما لاحظت شروده:
_ لو كنت فاكر إنك باللي عملته كده تبقى أناني فبالعكس جمال هو اللي أناني ومش بيفكر غير في مصلحته وبس.
فكر أنت كمان في مصلحتك وشوف حياتك.
أجادت دورها بأتقان وجعلته يسقط في براثينها، وقد قضت على ما تبقى بداخله من شيم الرجال.
***
طرق جمال باب والده فخرجت له جليلة وهى تحاول الثبات أمامه وخاصةً عندما سألها عنه:
_ أبوى عامل أيه دلوجت؟
لم تستطيع التظاهر بالثبات أكثر من ذلك ليسقط ذلك القناع وهي تقول بألم:
_ مجدرش حتى يصلب طوله، خايفه عليه جوى.
ربت جمال على كتفها وقد آلمه رؤيتها بتلك الحالة وقال بتعاطف:
_ متجلجيش إن شاء الله هيبجى زين، بس إنتي خليكي چانبه وأنا هروح دلوجت مع عمي عاصم نسدوا رهنية الأرض.
سألته بسعادة:
_ كيف ده؟ عملت ايه.
ابتسم بحب وهو يقول:
_ بعت عربيتي والفلوس اللي كانت بأسمي في البنك، وعمي عاصم جهز مبلغ كبير جوي والحمد لله قدرنا نجمع جزء كبير وهنروح دلوجت نجابل الحاج عتمان ونفك الرهنية.
ازدادت سعادته بذالك الخبر:
_ الحمد لله، كان ظني في الله خير، احمده وأشكر فضله، هدخل أفرح أبوكم.
منعته جمال من الولوج وهو يقول:
_ استني ياأمّاى لما نشوف لول هنعملوا ايه، لما ارجع إن شاء الله انا بنفسي اللى هخبره، هسيبك دلوجت لإن عمي ووليد مستنيينى تحت.
_ بالسلامه ياولدي.
ذهبوا جميعًا إلى منزل عتمان الذي كان بإنتظارهم وفور جلوسهم تحدث عاصم:
_ أحنا جايين نفك رهنية الأرض ياحاچ عتمان، صحيح مش المبلغ كلياته بس چهزنا چزء كبير منيه والباجى إن شاء الله هنكتب بيه وصل آمانه لحد ما نچهزه.
رد عتمان بعتاب:
_ أنا مكنتش موافج على العجد ياحاچ عاصم عشان أمضيكم على وصل آمانه.
تقدم عتمان من درج مكتبه وأخرج عقد الرهنية من أحد الأدراج وتقدم منهم وهو يتابع بجدية:
_ عيب جوى الكلام ده؛ اللي بينا كلمة رچالة مش حبر على ورجنا.
ناوله العقد ثم أردف:
_ العجد معاك وإن كان على الفلوس الباچيه براحتكم كأنها متشاله مع الحاچ عمران.
نظر إلى جمال وتحدث بصدق:
_ اللي عنده ولد زيك ياچمال ياولدي ميسجطش واصل.
أيد عاصم رأيه وهو يقول بفخر:
_ مش ولد عمران النعماني.
ثم نهض من مقعده وهو يردف:
_ طيب نستأذن احنا بجى وهيبجى لينا كلام تاني.
خرجوا جميعًا من المنزل وأثناء عودتهم قال عاصم لجمال:
_ إحنا إكده الحمد لله حلينا المشكلة ، انا خابر إن الأيام الچاية هتكون تجيله عليك بس أنت جدها ولو مش واثق إنك جدها مكنتش اديتك حته مني، يالا بجى شد حيلك عايزين حاچه تفرحنا بعد اللى شوفناه اليومين اللي فاتوا دول، والفرح زي ما اتفاجنا في ميعادة.
أيد جمال رأيه:
_ الغمه آخرها فرح، والحمد لله مرت الغمه والفرحه على الأبواب.
ابتسم جمال بأمتنان لذلك الرجل الذي لم يتخلى عنهم وظل بجوارهم هو وإبنه حتى مرت تلك المحنه:
_ البركة فيك أنت ووليد وربنا يجدرني واردلكم كل الفلوس اللي دفعتوه.
رد عاصم بحده:
_ بلاش كلام ملوش عازه، أنا وأبوك مفيش بناتنا الحديت الماسخ ده.
حاول جمال التحدث لكن وليد قاطعه:
_ بزيداك عاد ملوش لازمه الكلام دلوجت، المهم تلحج تبشر عمي اللي لولا إن الوجت وخري كنت روحت فرحته بنفسي.
رد جمال بإمتنان:
_ ربنا يزيد المحبه بينا.
انصرف كلًا إلى وجهته وعاد جمال إلى المنزل سريعًا.
***
عاد والدها إلى المنزل ليجد منصور في إنتظاره ليقول بترحيب:
_ السلام عليكم إزيك يامنصور.
رد منصور بتهذيب:
_ الحمد لله ياعمي.
تقدمت منه سمر وهى تقول بسعادة:
_ على فكرة يابابا منصور جهز الفلوس وهى معاه دلوقت، وعايزين نبدأ فيه من بكرة.
اومأ شريف بفرحة وهو يجلس على المقعد:
_ خلاص بكرة الصبح إن شاء الله هنبدأ نجهز المعدات، والمكان جاهز زي ما اتفقنا.
تحدثت سمر بحماس:
_ أنا مش مصدقة إن أخيرًا المشروع هيتم.
_ مدام الفلوس جاهزه كل حاجه هتم بسرعة، هنكلم بردوا المحامي يجهز عقود الشراكة اللي هتكون بينا وربنا معانا.
***
دلف جمال غرفة والده بعد أن سمحت له والدته بالدخول ليقول بسعادة:
_ السلام عليكم.
ردت جليلة:
_ وعليكم السلام ياجلبي، عملت أيه؟ طمني.
أقترب من والده ليقبل رأسه بحب وقال بسعادة:
_ الحمد لله الأرض ورجعت يابوى.
أندهش عمران مما سمعه وسأله بجدية:
_ كيف ده؟ وچيبت الفلوس منين؟
قص عليه ما حدث منذ البداية لينهى حديثه قائلًا:
_ والحاج عتمان رفض نمضيله على وصل آمانه وجالنا هاتوها على ماهلكم.
ظهر الحزن واضحًا على وجه عمران وقد لمعت العبرات داخل عينيه فتسأله جليلة بقلق:
_ مالك ياحاچ هتبكي ليه دلوجت؟ خلاص كل حاچه أتحلت والأرض رچعت، أيه بجى اللي مزعلك.
كان يريد البوح بما يدور بداخله، وذلك القهر الذي شعر به من فعلة ابنه لكنه كتم بداخله حتى لا يحزن تلك التي تحاول بقدر الإمكان الثبات أمامه، لكن بداخلها قهر يوازي قهره وربما أكثر.
_ ده من الفرحه يا جليلة، الحمد لله على كل شيء.
ربتت على يده التي لم تتركه لحظه واحده وظلت حاضنه إياها بين يديها وهى تقول براحه:
_ غمة وأنزاحت ومع شوية صبر هنرچع كيف لول وأحسن كمان.
نظرت إلى ابنها وتابعت:
_ ربنا يخليك ضهر وسند لينا ياولدي ويرزجك من غامض علمه.
ابتسم لها بسماحه وهو يقبل رأسها ويقول بحب:
_ وأني كفاية عليا الدعوة دي ياست الناس.
ثم نظر إلى والده وسأله بأهتمام:
_ عايز مني حاچه يابوى.
نفى عمران قائلًا:
_ مش عايز غير سلامتك ياولدي.
خرج جمال تاركًا والده ينظر إلى أثره فتعلم جليلة ما يدور بداخله فتهون عليه قائله:
_ كفاية تفكير ياعمران، ربنا يوفقه في دنيته اللي أختارها إنت خابر من زمان أنه ملوش في الأرض ولا يفهم فيها وعشان إكده معرفش جيمتها.
لم يستطيع الثبات أكتر من ذلك ليرد بألم:
_ خابر ياجليلة، بس هو كمان خابر زين إني وافجت على المشروع ده لجل ما أجهزله فلوس مشروعه يبجى أبسط ما فيها يتنازل لحد الموچه دي ما تعدي.
أرادت التخفيف عنه لكن لم تجد الكلمات التي تستطيع بها التخفيف عنه لتجد أن تغيير مجرى الحديث أفضل بكثير:
_ المهم لازمن تجوم وتشد حيلك عشان تستعد للفرحه الكبيرة، فرح چمال ياحاچ.
نعم فرحه كبيرة لكن ناقصه:
_ تفتكري منصور هياچي؟
تستبعد ذلك لكن عليها تطمئنه حتى لا تسوء حالته أكثر من ذلك:
_ أومال أيه، ده فرح أخوه الكبير وعمر الدم ما يبجى مايه.
***
بعد مرور يومين
بدأ الجميع الأستعداد للزفاف الذي هدئ الحزن الذي سيطر على الجميع، لكن جليلة برغم سعادتها بزواج بكريها إلا أنها قلبها يأن ألمًا على فراق قطعة منها وهذا ما قد لاحظه جمال ليقترب منها وهى جالسة في وجوم قائلًا بمرح يحاول به التخفيف عنها:
_ مالك ياست الناس قاعده حزينه أكده؟ مش فرحانه لولدك ولا أيه؟
نظرت إليه بإبتسامتها الصافية التي تنير دربه وتحدثت بحب:
_ كيف ده وأنى بستعدله من وجت ما فتحت عينيك على الدنيا.
تحدث بإمتعاض:
_ أومالك مالك بجى هتكشري أكده ليه؟
عاد الحزن إلى ملامحها وقالت بحزن:
_ ماانت خابر اللي فيها، مجدراش افرح وهو مش موچود.
رد جمال بتفاهم:
_ خابر زين من غير ما تجولي وأني أتصلت عليه دلوجت وخبرته إن فرحي في ميعاده وهو جالي أنه هياچي.
سألته بسعادة:
_ صُح ياولدي؟
أكد قائلًا:
_ صُح متجلجيش ده بردوا أخوى وعمر الدم ما يبجى مايه.
ردت بإمتنان:
_ ربنا يكملك بعجلك ياولدي ويهدي أخوك ويرچعه لينا من تاني.
اومأ له دون النطق بشئ وهو يتذكر تلك المكالمة التى لم تتعدي ثواني معدودة.
فلاش باك
كان جالسًا في المطعم بجوارها عندما رن هاتفه فيظهر القلق عليه عندما وجده رقم جمال أخيه، فسألته بترقب:
_ مين اللى بيتصل؟
رد باقطتاب:
_ ده جمال أخوي.
رد بأمتعاض:
_ خير؟ ليكونوا محتاجين فلوس ولا حاجه؟
أستاء من حديثها عن عائلته لكنه التزم الصمت ورد على أخيه الذي تحدث بعتاب:
_ أيه ياخوي مش رايد ترد عليا ولا ايه؟
نفى جمال بصدق:
_ لا طبعًا ياجمال كيفك وكيف أبوي وأمي.
رد جمال ببرود:
_ زين الحمد لله، أنا بتصل بس عشان أجولك إن الفرح في ميعاده.
تراقص الأمل بداخله ظنًا منه أنهم قد مرت تلك المحنة ولم يعلم أنها في بدايتها:
_ صُح يا خوي الف مبروك.
تحدث بأقتطاب:
_ صُح ياخوي هستناك إن شاء الله.
_ إن شاء الله.
باك
عاد من شروده على صوت والدته:
_ جمال أنت روحت فين ياولدي؟
رد بإنتباه مشتت:
_ ها.. معاكي ياأماى بتجولي أيه؟
_ بجول أنا رايحة لعروستك لو رايد تاچي معاى.
رد بإبتسامه:
_ ياريت بس دي محرچه عليا، بتجول مـ ينفعش لحد يوم الفرح، جاسية آوى ياحاچه.
ضحكت جليلة وردت بمكر:
_ عشان تتلهف عليها أكتر، ربنا يسعدكم ويفرحكم قادر ياكريم.
***
أما في مكان آخر
فجلست تبث سمومها التي لم تكف عنها:
_ صدقت كلامي؟ أديهم فكوا رهنية الأرض وعايشين حياتهم عادي وبيجهزوا كمان لفرح أخوك، يعني معاهم فلوس، عرفت بقى إن كلامي صح؟
تحدث بحيرة:
_ بس الفرح أصلًا كان متحدد من زمان وكل حاجه كانت جاهزة، أظن إن الموضوع مكلفهمش حاجه.
ابتسمت بسخرية:
_ والله؟ والفرح ده إن شاء الله مش هيكلفهم حاجه بردوا يعني هيجيب العروسه من بيتها بشنطة هدومها وياخدها البيت عنده وخلاص على كده؟ وخصوصاً إني بسمع إن أفرحكم بتتكلف كتير ولا أيه؟ ولو عايز ناصحتي بلاش تروح الفرح ده.
نظر إليها قائلًا بدهشة:
_ إنتي بتقولي أيه؟
ردت بإصرار:
_ اللي لازم يحصل، أنت متضمنش ممكن في الوقت ده أخوك يطلب منك إنك تتنازل عن حقك في الأرض مقابل المبلغ اللي أخدته، ووقته مش هتقدر تقول لأ، فالأفضل تخليك بعيد وأنتبه لمشروعك.
أقنعته رغم إنه يعلم جيداً بأن أخيه لم يكن يومًا ظالمًا، وكأنه أراد تصديق ذلك.
لم يهتم لوالدته التي رغم كل ما فعله إلا إنها تتوقى شوقًا لرؤيته، ولا والده الذي ظل يقارن بينه وبين الغريب الذي وقف بجواره بكل ما يملك.
مرت الأيام وقد تحسنت صحة عمران وها قد تم الزواج ودلف جمال بصحبة عروسه التي حلما بها كثيرًا ليتحقق حلمه وتصبح زوجته بعد ذلك الشقاء.
جلست في غرفتها تنتظر قدومه حتى طل عليها بهلته التي خطفت قلبها منذ أن عرف الحب طريق قلبها؛ وها هو ذا يقف أمامها بعينيه الصافية التي تشبه صفاء قلبه ويقول بحب:
_ مبروك ياجلبي.
ردت عليه بخجل وهى تخفض عينيها:
_ الله يبارك فيك.
سألها بمكر:
_ يا أيه؟
وضع انامله أسفل ذقنها يرفع وجهها إليه كى تواجه عينيه التي تشتاق لعينيها وتابع بخبث:
_ أنا جلت مبروك ياجلبي، وإنتي؟
تاهت في عينيه التي تلتهم ملامحها وكأنها يراها للمره الأولى مما جعلها ترد بدون وعي:
_ إنت جلبي وكل دنيتي.
رفع حاجبيه متسائلًا:
_ بس إكده؟
حاولت خفض عينيها لكنه منعها قائلاً:
_ أوعاكي تخبيها عني، أنا حالمت كتير باللحظه دي ومصدجت لقيتها.
حاوطها بذراعيه ليضمها إليه وقد تركزت عينيه على شفتيها وهو يقول بعشق:
_ خليهم ديمًا جدامي ميبعدوش عني واصل، بحبك ومش رايد من الدنيا غيرك إنتي.
تاهت باقي الكلمات عندما قرب وجهها أكثر إليه كى يقبل تلك الشفاه التي حلم بها وتمنى تذوقها.
أما هى فقد أختبرت معه أبجادية العشق وها هو يعلمها فنونه مستسلمه له ومرحبه بذلك…
***
دلف جليلة غرفتها كي تحرر عبراتها التي حبستها حتى لا يشعر أحد بشئ.
لم يتفاجئ بحالتها التي تشبه حالته بعد أن خذلهم مره أخرى ورفض المجئ دون حتى أعتذار.
تقدم منها يجلس بجوارها على الفراش وقد شعرت به يربت على كتفها قائلًا:
_ بكفياكي عاد، هو خلاص أختار طريجه وربنا يوفجه فيه، ملوش عازه اللي بتعمليه ده.
رفعت وجهها إليه لتقول بقهر:
_ للدرچة دي بايعنا، مهنش عليه حتى يتصل علينا يطمن عايشين ولا ميتين، حتى فرح أخوه رفض ياچيه.
تنهد بيأس وهو يقول بحزن:
_ يعني أيه هنسيبه إكده؟
_ لساته صغير هنكتفه ونچيبه إياك! هو أختار طريجه بعيد عنينا وهمل البلد وسافر متلفتش حتى وراه، عايزاني أرخص نفسي عشانه.
ردت جليلة بنفي وهي تضع يدها على يده:
_ أني مجلتش أكده واصل، بس غصب عني أنا أم ومجدراش على فراجه.
تعاطف معها لعلمه الشديد بمدى تعلقه به وتحدث بتعاطف:
_ هيرچع ياجلية متجلجيش وبكرة أفكرك.
دعت ربها بتمني:
_ يارب 🤲
رواية ومجبل علي الصعيد الفصل الثالث 3 - بقلم رانيا الخولي
وقف ينظر إلى تلك الأرض التي عنا كثيرًا حتى أنهى باقي ديونها وأصبحت الآن وأخيرًا بين يدي والده بعد ذلك الشقاء. انتبه على تلك اليد التي وضعت على كتفه وصوت يقول:
_ مبروك السداد يا كبير.
التفت جمال إلى وليد الذي كان داعمًا له ليقول بسعادة:
_ الله يبارك فيك، بس الكلمة دي تجولهالي لما أسد الفلوس اللي عليا ليكم.
هز وليد رأسه بيأس من إصراره على تسديد تلك النقود وقال بغيظ:
_ هو الدماغ الناشف ده مش هيلين واصل، مفيش فايدة فيك.
ضحك جمال وقال بامتنان:
_ كفاية لحد أكده، ربنا يجدرني وأسدد باجي الدين عشان أحس فعلًا إن الأرض عادت كامله لأبوي. كل ما اشوفه وهو بيتسند عـ العكاز ومش جادر يمشي بحس بسكاكين بتجطع جلبي، لازمن أسد ديونها كامله لجل ما يسند طوله كيف لول وأحسن كمان.
قارن وليد الأخوين ببعضهم ليندهش حقًا، فليس هناك وجه مقارنه بين الإثنين. جمال الذي ينحت في الصخر لأجل والده وأرضه، والآخر لاذ بالفرار كي لا يتخلى عن حلمه، ولم يهتم لأمرهم.
علما جمال ما يفكر به فتحدث بثبات:
_ متفكرش كتير، ادعيله بصلاح الحال وخلاص.
قاطع حديثهم صوت الهاتف ليخرجه جمال من جيبه ليشعر بالقلق عندما وجد رقم وسيلة:
_ دي وسيلة، واني اليومين جلج من اتصالها.
_ طب رد وشوف في أيه.
وبالفعل عندما أجاب سمع صوت صرخاتها وصوت والدته تقول:
_ أيوة يا جمال تعال بسرعة، مرتك بتولد.
انحفق قلبه ورد مسرعًا:
_ حاضر أنا چاى دلوج.
تسأله وليد بقلق:
_ في ايه مالها وسيلة.
رد جمال بقلب ملتاع:
_ أختك بتولد.
***
ما إن خطت قدماه داخل المنزل حتى سمع صوت صرخات طفله لينتفض قلبه بسعادة لم يشعر بمثلها من قبل ليصعد مسرعًا إلى غرفتها. دالفًا الغرفه دون استأذن فيجدها مستلقية على الفراش بوهن وطفله يبكي بين يدي والدته.
وعند رؤيته قالت جليلة بسعادة:
_ تعالى يا ولدي شوف عوضك كيف البدر المنور.
رغم لهفته الشديدة لرؤيته إلا إنه دنى من محبوبته يجلس بجوارها على الفراش ليقبل رأسه ويقول بحب:
_ حمد لله على سلامتك يا غالية.
ردت بوهن:
_ الله يبارك فيك ياحبيبي.
أقتربت جليلة منه لتضع طفله بين يديه بحرص شديد وقالت بسعادة:
_ يالا سمي الله وأذن له.
حمله جمال برهبه وكأنه يحمل الدنيا بين يديه ليقبل وجنته الرطبه ثم يأذن له في أذنيه ووسيلة تنظر إليهم بسعادة بالغة وقد جسدوا صورة تُعد أجمل ما رأت عينيها.
وبعد انتهاءه سألته وسيلة بصوت واهن:
_ هتسميه ايه؟
نظر إلى طفله الذي جعد وجهه بصورة مضحكة جعلته يبتسم وهو يقول بفخر:
_ هسميه جاسر، يعني شجاع ميهابش حد واصل.
نظر إلى والدته وتابع بمزاح:
_ ولا حتى جده عمران.
أضحك الجميع ويدلف وليد مسندًاعمران على تلك الكلمة ليقول بعتاب مرح:
_ والله عال، بتجسي الواد عليا من دلوجت.
نهضت جمال ليقترب من والده يقبل يده ثم يناوله الطفل:
_ كيف ده؟ أنا اجدر أجول أكده.
نظر إلى وسيلة وسألها:
_ أنا جولت أكده بردك؟
ردت وسلية:
_ حصل.
علت ضحكاتهم ليقول وليد بغيظ:
_ بجى عايزها تكدب وهي لساتها والده؟ عيب عليك ياراچل.
علت الزغاريد بالاسفل فعلم وليد إنها والدته ليتابع بمزاح:
_ وادي الحاچ عاصم وصل هو ومرته.
دخل عاصم وهو يقول بغيظ:
_ عيب يا جليل الرباية.
نظر إلى عمران وقال بفرحة:
_ مبروك يا حاچ عمران أول حفيد ينور العيلتين، يتربى فـ عزك وعز ابوه.
رد بفرحة مماثلة:
_ الله يبارك فيك وعقبال وليد إن شاء الله.
رد وليد بمرحه المعتاد:
_ چوزني إنت بس وأنا أشيلك العيل بعد تسع شهور بالظبط.
قالت ام وليد بغيظ وهى توكزه في كتفه:
_ اتحشم يا ولد.
رد وليد باستياء:
_ واني جلت ايه دلوجت، على العموم أنا مهملكم وخارچ.
خرج وليد وبارك الجميع لوسيلة وخرجوا بعدها حتى تستطيع إرضاع الطفل.
عارض جمال طلبهم قائلاً:
_ بلاش دلوجت دي لساته تعبانه.
ردت والدته بنفي:
_ لازمن يا ولدي يرضع وبعدها ينام على طول ويبجى ترتاح كيف ما بدها.
وافق على مضض.
دنا منها ليسعادها على الجلوس ثم يأخذ طفله من والدتها ويضعه برفق بين يديه.
نظرت إليه بإحراج فعلم حينها بضرورة خروجه.
خرج من الغرفة كي لا يحرجها أمامهم.
***
جلس منصور ينتظر إنتهاء الطبيب من الكشف عليها وبعد الانتهاء جلس على مقعده وهو يقول بأسف:
_ أنا بفضل أكون صريح معاكم.
جلست سمر بجوار منصور وهى تسأله بخوف:
_ خير يادكتور قلقتني.
يرد الطبيب بعملية:
_ للأسف الحمل في الفترة دي هيكون صعبه شوية.
بدأ يشرح الحالة بالتفصيل وهم في وجوم تام حتى انتهى الطبيب قائلاً:
_ بس لو مستعجلين ممكن نعمل حقن مجهري ونسبة نجاحها بردو هتكون ضعيفة.
حاولت سمر التظاهر بالثبات لكنه لم يدوم طويلًا وبدأت العبرات تتجمع في عينيها.
مما جعل منصور يشعر بالحزن عليها وسأل الطبيب بجدية:
_ طيب أيه الحل يادكتور؟
رد الطبيب بعملية:
_ الحل إننا نحاول الأول نهئ الرحم لأستقبال الحمل وأول ما نلاقيه جاهز هنعمل الحقن على طول.
بدأ الطبيب يدون الأدوية اللازمه ثم أعطاهم إياها.
فـ أومأ له منصور بصمت ونظر إلى سمر التى كانت جالسه بضياع وقال بتعاطف:
_ يالا ياسمر.
تحركت معه مثل الروبوت وظلت على تلك الحاله حتى وصلوا إلى منزلهم وفور دخولهم أسرعت بالولوج إلى غرفتها وأغلقت الباب وقد سقط قناع الثبات فور ولوجها.
حاول منصور الدخول والتخفيف عنها لكنها أغلقت الباب جيدًا لا تريده أن يرى ضعفها.
حاول التحدث لكنها لم تجيبه.
ليس حزنها رغبةً في الأنجاب ولكن منذ أن علمت بولادة وسيلة وهى تتحرى شوقًا للأنجاب مثلها، لن تأخذ لقب عقيمة لا تنجب، وتنعم هي بأولادها، سـ تحاول بكل الطرق حتى تنجب مثلها.
اغمضت عينيها تحاول رسم قناع الثبات مرة أخرى ونظرت إلى صورتها في المرآة لتقول بتحدي:
_ أنتي أقوى من كده، بلاش تخلى حد يشوف ضعفك، انتى أقوى منهم كلهم.
غسلت وجهها جيدًا ثم قامت بفتح الباب لتجده واقفًا على بابها بقلق ويسألها بلهفه:
_ حبيبتي إنتي كويسة؟
سألته بجدية:
_ جبت العلاج؟
أندهش منصور من تحولها لذلك الثبات بعد أن كانت في قمة انهيارها ورد بهدوء:
_ هبعت البواب يجيبه بس طمنيني عليا.
سارت حتى جلست على الأريكة وقالت بلا مبالاة:
_ عادي، المهم ابعت حد يجيب العلاج.
إزدادت دهشته من ذلك التظاهر وهو أكثر من يعلم بـ النار المشتعله بداخلها، تقدم منها يجلس بجوارها ممسكًا بيدها التي وضعتها على ساقها وقال بتعاطف:
_ خلينا نروح لدكتور تاني نتأكد منه، ونعيد التحليل من تاني يمكن تكون غلطة معمل ولا ……
قاطعته سمر بلهجه حازمه:
_ لو سمحت يامنصور مش عايزة كلام في الموضوع ده تاني، لأى سبب من الأسباب بلاش تفتحه تاني كأننا معرفناش حاجة.
أومأ لها بتفاهم، لا يريد الضغط عليها يكفي ما تشعر به الآن فسألها بإبتسامه:
_ طيب أيه رأيك نخرج نتعشى بره، بقالنا فترة طويلة آوى مخرجناش مع بعض.
نظرت إليه لترى ذلك القلق الذي يحاول أخفاءه خلف ابتسامته، كما ترى إيضًا أنه نابع من خوفه عليها، تعلم جيدًا مدى حبه الشديد لها وهى أيضًا كذلك لكن عليها ان تخفي حبها له بداخلها كي يظل دائمًا يفعل المستحيل كي ينول رضاها.
_ عايز تفهمني إنك مش زعلان، ومش متأثر بالكلام اللي قاله الدكتور؟!
هز رأسه بنفي وتحدث بصدق:
_ صدقيني ياقلبي أنا كل اللي يهمني إنتي وبس مش عايز حاجه تاني، اه نفسي يكون ليا إبن منك بس لو ربنا مـ أردش خلاص مش عايز.
ابتسمت بسعادة رغم ما بداخلها من قهر وقالت بحب:
_ خلاص هقوم اغير هدومي ونخرج.
ولجت غرفتها لتتركه لأحزانه، وقد شعر بالاختناق جراء ذلك الخبر الذي سقط عليه كالصاعقة لكنه تماسك بصعوبة بالغة كي لا يجرحها فـ يكفي ما بها الآن.
لم يمضي على زواجهم سوى عشرة أشهر لكنها منذ أن علمت بولادة وسيلة وهى تتحرى شوقًا للأنجاب.
لا يعرف إذا كانت غيرة أم حنين للأمومة.
لقد رزقهم الله بكل شئٍ رغبوا به لكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه ليهتز قلبه بتلك الفاجعة التي كتبت عليهم.
***
دلف جمال غرفته ليجدها مستلقية على الفراش وحيدة.
دنى منها ليجلس بجوارها ممسكًا بيدها يقبلها بعشق جارف مغتنمًا فرصة انشغالهم بطفله وينفرد بها قليلًا ليستلقي بجوارها مسندًا ظهره على الوسادة:
_ كيفك دلوجت يا أم جاسر؟
ردت بابتسامتها التي تنير دربه:
_ أني زينه الحمد لله.
تغيرت نبرتها لعتاب محب:
_ كان نفسي تكون معاي فـ اللحظه دي، بس شكلك هربت مني.
أبعد بأنامله خصلاتها التي تحجب عنه وجهها الذي يعشقه ورد بهدوء:
_ هـ تصدجيني لو جلتلك كنت جاصدها؟
اكتفت بنظرة العتاب التي وجهتها إليه ليردف قائلًا:
_ خابره ليه؟ لأني مجدرتش أشوفك وإنتي بتتوچعي جدامي ومـ جدرش أعملك حاچه.
وزي ما يكون ربنا عالم بيا؛ أول ما دخلت الدار دخلت على صوته.
تحولت نظرات العتاب إلى نظرات يملؤها العشق الذي أرهق كلاهما لتقول بحب:
_ تعرف أيه الحاچه الوحيدة اللى كانت بتهون علي؟
رفع حاجبه متسائلًا لتجيب بعشق:
_ إن جطعة منك چواى ورايده تشوف النور، وكنت مستعدة لأكتر من إكده عشان أشوف الفرحة اللي شوفتها في عينيك أول ما شلته بين إيدك.
اتسعت ابتسامته لكلماتها التي اطربت قلبه ويقول بسعادة:
_ هى كانت فرحة بعجل، دا أنا حسيت إني شايل الدنيا كلياتها بين إيديه.
جذبها إليه كي يضع رأسها على كتفه وقال بتعب:
_ الليلة اللي فاتت خالتيني نمت لوحدي وكانت أصعب ليلة مرت عليا؛ عينيه مـ شفتش النوم واصل.
أغمض عينيه وقد غلبه النوم وهو يقول:
_ بس الليلة دي لازمن أنام فـ حضنك عشان أعوض الليلة اللي فاتت.
ردت عليه بخجل:
_ واني كمان معرفتش أنام زين وانت بعيد عني.
شدد من احتضانه لها وقال بنعاس:
_ خلاص خلينا نناملنا ساعتين وهم مشغولين بالواد أكده.
غفى الأثنين بسعادة وكأن كلاهما قد وجد ضالته فتعاود والدته غلق الباب بعد ان وجدت كلاهما ينام في حضن الآخر وهى تقول لذلك الصغير:
_ تعالى أني وأنت ننام ويا چدك عمران ونسيبهم.
عادت جليلة إلى عمران الذي إندهش من عودتها به وسأله بقلق:
_ يعني عاودتي بيه؟ وسيلة تعبانه ولا حاچه.
وضعت الطفل بجواره على الفراش وردت بضحك:
_ إبنك زي مـ يكون مـ صدق غيبنا عنيها شوية روحت لقيته واخدها في حضنه ونايم جلت اسيبهم وأرچع بيه تاني.
أيد عمران رأيها:
_ خير مـ عملتى أني كمان معرفتش أنام وانتي بعيدة عني.
سأله بـ بهجه:
_ صُح يا عمران؟ لسه بتشتاجلي زي زمان.
ضحك عمران وهو يتذكر سبب خلافهما الوحيد فيما مضى، فـ يقول بصوت محب:
_ فاكره زمان لما كنت بتباتي عند أهلك واني بجى هتچنن وأخدك من عنديهم غصب، فاكره كمان لما وجفت قصاد عمي وجلتله لا مراتي مش هتبات تاني بره داري، وجتها عمي زعل وجال لو خدتها من الدار لا هتبجى أبن أخوى ولا أعرفك.
تابعت عنه:
_ عمي جاه وجتها وهدى الموضوع وأچبرك إنك تسيبني أبات الليلة دي.
ضحكت عندما تذكرت تلك اللحظة:
_ وجتها دخلت من شباك اوضتى واني نايمه ونمت چاري، ونفس اللي حصل معايا دلوجت نفس اللي حصل مع أمي لما دخلت عليا الصبح ولجيتك نايم چارى.
ضحك أيضًا على تلك الذكرى وقال:
_ وجتها حسيت بيها بس مجدرتش افتح عينيه فيها وعشان أكده مثلت إني نايم وأول ما خرجت خرجت أني كمان من الشباك طوالي.
يضحك اثنتيهم على تلك الذكرى وقالت جليلة:
_ربنا يخليك لينا ياعمران.
تبدلت ملامحه فجأة مما جعلها تيقن بأنه تذكر منصور فربتت على يده بتفاؤل:
_ بكرة الدنيا تعلمه إنه ملوش غير أهله وعزوته، ويرچع من تاني وسطينا.
تنهد بألم شديد وقال بتهكم:
_ منصور عمره مـ هيفكر يرچع تاني طول مـ الحية دي وياه، ده مفكرش حتى يدعينا كيف الغريب على فرحه، وكأنه بيستعر منينا.
شُعور مألم مزق قلبيهما حينما أخبرهم خالد الذي ينقل لهم أخباره بزواجه.
لم يتخيل يومًا أن يصل به الإنحطاط لتلك الدرجة، لكن ليس بيدهم شئ سوى الدعاء له بالهداية.
لم تجد جليلة الكلمات التي تخفف بها عنه ذلك الجرح الذي استوطن قلبه لتلتزم الصمت وهى تنظر لذلك الطفل الذي يشبهه وكأنه نسخة مصغرة عنه، تتمنى بداخلها أن يعوضهم عن فراقه.
***
وقفت تنظر إلى الأطفال وهم يمرحون في تلك الحديقة، تتمنى بداخلها أن تكون مثل تلك الأم التي تجري خلف أولادها تمازحهم، فتزداد غيرتها من وسيلة التي لم تراها يومًا لكنها أصبحت غريمتها منذ أن علمت بعلتها.
اليوم سيحدد الطبيب مصيرها.
رن هاتفها من عيادة الطبيب تخبرها عن ميعادها معه لتزداد ضربات قلبها خوفًا من القادم.
فقد مضى عامين وهى تطبق تعليماته بحذافيرها، لن تكون أقل من تلك المرأة.
ها هم الآن جالسين أمامه منتظرين تحديد مصيرهم حتى نظر إليهم الطبيب قائلًا بابتسامة:
_ كده الرحم الحمد لله أصبح مهيأ لعملية الحقن.
أندهش منصور وسأله بقلق:
_ يعني بعد كل ده ومش هيبقى حمل طبيعي؟
نفى الطبيب:
_ الحمل الطبيعي في حالتها هيكون صعب جدًا وهيحتاج وقت، والمشكلة إني شايفكم مستعجلين اوى وده هيأثر على نفسيتها فـ بالتالي الحمل هيكون أصعب.
فـ أنا من رأيي تستعجلوا بالعملية.
هو محق؛ لن تنتظر أكثر من ذلك، لتأكد له:
_ تمام يا دكتور لو عايز نعملها من بكرة معنديش مانع.
هز رأسه بتفهم وتحدث بعملية:
_ تمام.
خرجوا من عيادة الطبيب بصمت مطبق يحاول منصور قدر استطاعته الثبات أمامها وألا يظهر مدى رفضه لتلك الطريقة.
***
عاد جمال إلى منزله في وقت متأخر، وكان التعب والإجهاد واضحًا عليه، صعد الدرج إلى غرفته ليتوقف حينما سمع صوت والدته:
_ جمال؟ إيه اللي مأخرك بره البيت لحد دلوجت؟
إقترب منها بـ ٱبتسامه يحاول بها إخفاء تعبه حتى لا يوجع قلبها عليه وقال بثبات:
_ ماجلجيش يا ست الكل أني بس كنت سهران شوية مع أصحابي.
تعلم جيدًا بأنه لا يخبرها الحقيقة كي لاتحزن على حاله وقالت بتعاطف:
_ ارحم نفسك شوية يا ولدي ومتجهدش نفسك اكتر من أكده.
هربت على كتفها ليقول بأقطاب لعدم استطاعته الوقوف أكثر من ذلك:
_ هانت يا اما اطمني، يلا تصبحي على خير.
ردت بحب:
_ وانت من اهل الخير يا جلبي.
ولج غرفته ليجدها تحمل صغيره الذي غفى بين يديها ليقول بتعب:
_ السلام عليكم.
ردت بابتسامتها المحبه لقلبه:
_ وعليكم السلام.
وضعت الصغير على الفراش ودنت منه تسأله باهتمام:
_ أخرت ليه؟ اني كنت لساتني هتصل على وليد لما لقيت تليفونك مجفول.
رد بتعب وهو يخلع جلبابه:
_ حضريلي لول حاچه خفيفه إكده لحد ما تحمى وبعدين احكيلك.
أومأت له ونزلت للأسفل كي تحضر له العشاء.
ليخرج هو بعد قليل مرتميًا على الفراش بإجهاد وقد أخذ التعب منه مبلغه لم يستطيع مقاومة النعاس ليغرق في سبات عميق ما أن وضع جسده على الفراش.
دلفت الغرفة وهى تحمل الطعام بين يديها لتجده غارقًا فـ النوم، فقامت بوضعه على الطاولة وأقتربت منه كي توقظه بصوت هادئ:
_ جوم يا جلبي الوكل چاهز.
لم يرد عليها بل جذبها حتى تستلقي بجواره واضعًا رأسه على صدرها.
حاولت معارضته حتى تطعمه أولًا لكنه منعها قائلًا:
_ اششش سيبيني أنام.
ثواني معدودة وانتظم تنفسه فعلمت أنه قد عاد لسباته، ابعدت رأسها قليلًا عنه حتى تنظر إلى ملامحه العاشقه لتفاصيلها وقالت بوله:
_ بحبك جوي يا غالي، ربنا يديمك في حياتنا.
ثم ملست بأناملها في خصلاتها حتى غلبها النعاس.
***
مرت الأيام شاقه على الجميع، وبعد محاولات عديدة باءت بالفشل أراد الله أن يرزقهم تلك المرة ليخبرهم الطبيب بسعادة:
_ الف مبروك يامدام سمر الحمل المره دي نجح.
هلل الجميع بذلك الخبر وسألته بفرحة:
_ بجد يا دكتور؟
أومأ الطبيب وهو ينهض من مقعده:
_ اه ياستي بس نفضل ماشيين على التعليمات زي ما اتفقنا لان اي غلطه هتكلفنا كتير.
أكد منصور وهو يساعدها على النهوض:
_ متقلقش يادكتور هنمشي على التعليمات زي ما قلت.
_ انا حددت نوع الجنين زي ما قلتوا؛ ولد وبنت.
تحدث والدها بسعادة:
_ مبروك ياقلبي.
ردت بسعادة:
_ الله يبارك فيك يابابا.
قال الطبيب:
_ تقدري تخرجي النهارده بس المتابعه هتبقى كل ١٥ يوم ولو فيه أى حاجة اتصلوا عليا وأنا هجلكم.
خرجوا من المشفى وكانت ابتسامتها كأنها خاضت معركة ضارية واستطاعت الفوز بالنصر أخيرًا.
***
أجتمع الجميع على سعادة أخرى، وقد أصبح عمران يسير وحده أخيرًا لكن بمساعدة تلك اليد الصغيرة التي تدعمه دائمًا:
_ زين يا چدي كمل.
ضحك الجميع على ذلك الطفل الذي يبدوا أكبر من سنه، النسخه المصغره من ملامح منصور لكن بهيبة وطيبة والده، فتقول تلك الصغيرة التى لم يتعدى عمرها الرابعة:
_ لما أكبر يا چدي هبجى دكتوره لجل ما أساعدك تبجي زين.
ردت جليلة التي كانت تحملها على قدميها:
_ وهتبقي أچمل دكتوره في الدنيا يا جلب ستك أنتي.
تحدثت وسيلة بعتاب:
_ افضلي انتي وأبوها أمرعوها علينا أكده لحد مـ بجتش عارفه أتحددت معها واصل.
أكدت جليلة:
_ من حجها وتعمل اللي ريداه، دي بنت الغالي.
تحدث جاسر الذي الذي قد أتم الثامنة من عمره:
_ وأني ياستي؟
فتحت چليلة الذراع الآخر لتحتويه بحب وهي تقول بفخر:
_ أنت جلب ستك ودنيتها، انتي البكري اللي نورت البيت كله بطلتك، ربنا يحرسكم ويبارك فيكم ويحفظكم من كل سوء.
آمن الجميع خلفها.
تتغير ملامح جليلة وهى تقول بحزن:
_ وربنا يتم لولدي فرحته ويقومها له بالسلامة.
تحدث جمال بأمر لطفليه:
_ يالا يا جاسر خد أختك والعبوا فـ الجنينه بره.
نظر لوالدته بعد خروج طفليه وطمئن والديه قائلًا:
_اطمني يا اماى خالد جالي أن العملية نچحت والحمد لله.
ردت بسعادة كبيرة:
_ الحمد لله، ربنا يسعده ويتم فرحته على خير.
آمنت وسيلة خلفها:
_ يارب يامرات عم.
تحدث عمران بجمود رغم الاشتياق الذي يكتمه بداخله:
_ عمره مـ هيشوف السعادة طول مـ الحية دي وراه.
رد جمال بحكمه وهو يساعد والده على الجلوس:
_ ملوش لازمه الحديت ده يابوى خلاص بجى فيه روح بتربطنا بيها، الأفضل ندعو لهم بالهداية.
هز عمران رأسه بألم وهو يقول:
_ ربنا يهديه ويبعد عنه النفوس المريضة كلها.
***
دلت الغرفة بعد ان آوت طفليها إلى فراشهم وعادت إليه؛ بل إلى موطنها كما يخبرها دائمًا ” لا وطن لك خارج أحضاني” لتجده مستلقيًا على الفراش ينتظرها، وعندما رآها بسط لها ذراعه كي تعود إلى مسكنها لتندس في حضنه الآمن وتتحدث بـ عتاب محب:
_ ممكن تعرفني ليه الراچل لما يعاود بعد غياب عن بيته بيسلم على الكل بالأحضان إلا مرته، بيكتفي بأنه يسلم عليها بيده وخلاص وبكتيره جوى يبوس راسها.
ضحك جمال غامزًا لها بعينيه وهو يقول بمكر:
_ وبعد مـ ينجفل عليهم باب واحد بيعاود سلامه عليها كيف؟
وكزته في صدره وردت بخجل:
_ أنا مش بتحدت عن الحاجه اللي فـ دماغك دي، أنا بقصد أدام الأهل.
قطب جبينه متسائلًا:
_ كيف ده؟ السلام بين الزوچين بعد غيبه بيكون حاچه تانيه مينفعش واصل تبجى ادام حد، ولا أنتي أيه اللي فـ دماغك عاد.
هزت رأسها بيأس منه لقلب الأمور دائمًا وقالت بغيظ:
_ اللي يشوف حديتك معي مجولش أبدًا إن ده چمال اللي مبيرفعش عينيه فـ حدا واصل.
أيد حديثها قائلًا:
_ أديكي جلتيها، في حدا غيرك ممكن اخده في حضني أكده ولا حتى بشتاجله كيف ما بشتاجلك؟
هزت رأسها بالنفي ليتابع هو بعشق عاتب:
_ بيجى كيف بتجولي إني مـبرحبش بيك زيهم.
تاهت في عينيه التي تلتهم ملامحها وكأنه يراها بعد طول غياب، فتقول بحب:
_ اول ما بشوفك ببجى نفسي اترمي في حضنك وخبرك جد أيه أتوحشتك.
كان ينظر لثغرها الذي يطربه بأجمل الكلمات؛ برغم بساطتها إلا إن صدق مشاعرها يجعله يحلق في سماء العشق ويقول بحب:
_ نفس احساسي بس انا خابرك بتخجلي من نظرة جريئة مني ادام حدا وعشان اكده بستنى لما يتجفل علينا باب واحد عشان ( غمز بعينيه) أجولك أني مشتاقلك جد إيه؟
تابع بخبث:
_ المرة الجاية مش رايد اشوفك بره اوضتنا، تستنيني أهنه لحد ما أطلعلك وخبرك بطريجتي جد ايه مشتاقلك.
تخجل دائما من كلماته التي يصف بها مدى عشقه الذي لم يتغير قيد أنمله إنما يزداد ويزداد مع مرور الوقت.
مهلًا هل أخبرها بمره أخرى؟ سألته بحيرة:
_ چمال انت ناوي تسافر تاني؟
هز رأسه بحيرة وقالت.
تعدلت كي تنظر إليه جيدًا وسألته بجدية:
_ بس أحنا خلاص سدينا ديونا والحمد لله مش محتاجين السفر في حاچه.
_ انتي بتسمي اليومين اللى باغيبهم في مصر دول سفر. انا بجمع المحاصيل وبوديها بنفسي المصنع يعني مره ولا أتنين في الشهر، وبعدين متنسيش ان لولاها كان زمانا محلك سر، رايد أعمل جرشين لعيالي يتسندوا عليهم.
ردت برجاء:
_ أرچوك يا جمال بكفياك سفر وتعب احنا الحمد لله سدينا اللى علينا وخلاص اللى هتجيبه الأرض هيكفينا ويفيض وبعدين أنا بفضل مرعوبه عليك من وجت ما تروح لحد ما ترجع، أرچوك يا غالي بكفياك بجى.
تعاطف مع خوفها عليه ورد بثبات:
_ خلاص مش هسافر تاني، ورزق هنا رزق هناك.
عاد لمكره وهو يسأله:
_ مالك جلبتيها هم أكده.
تابع بتحذير:
_ هترحبي بيا زين ولا أنام أحسن ويبجى أنتي اللي مجصره؟
ضحكت بدلال مما جعله لا يطيق صبرًا واقترب من شفتيها يقبلها بحب وشوق لينسى همومه داخل أحضانها.
رواية ومجبل علي الصعيد الفصل الرابع 4 - بقلم رانيا الخولي
بعد مرور عدة أعوام
استيقظت من نومها على صوت أخيها الذي تسلل إلى غرفتها صباحًا كي لا يعرف أحد ما يخططون له، فيقول بهمس:
"سارة قومي بسرعة."
رفعت جفنيها بصعوبة ونظرت إليه باستياء:
"في إيه يا مصطفى؟ عايزة أنام."
جذبت الغطاء عليها كي تعاود للنوم ولكنه منعها قائلًا وهو يجذبه من فوقها:
"بقولك قومي، أنا جاتني فكرة بمليون جنيه لما تعرفيها هتقومي تبوسيني دلوقت."
اعتدلت سارة وهي تزيح الغطاء من فوقها وتقول بااستياء:
"أفكارك كلها مش مقنعة، تمشي على بابا آه لكن ماما لأ."
جلس على الفراش بجوارها:
"لا دي حاجة تاني، محدش منهم هيشك في حاجة."
"وأيه هي بقى؟"
"شوفي يا ستي، الجامعة عاملة رحلة السخنة لمدة ثلاث أيام، هنا هنقولهم إننا عايزين نقدم فيها و..."
قاطعته سارة بسأم:
"وأنت عارف كويس أنهم يرفضون أي رحلات إلا وهما معانا."
"بس دي بالأخص مش هيقولوا فيها حاجة لأنهم زي ما أنتي عارفة مشغولين الفترة دي بالصفقة اللي مخلياهم مش شايفنا أصلًا، وهنا هنخلي جدو هو اللي يقنعهم."
شردت قليلًا في فكرته لكن القلق سيطر عليها لتقول برفض:
"لأ، أنت عارف ماما بتبص في عنينا بتكشف كدبنا، نشوف غيرها أحسن."
هز رأسه بنفي:
"لأ مفيش غير الطريقة دي، لو موافقتيش أنا هروح لوحدي، قلتي أيه؟"
لا تعرف لما يساورها القلق من تلك الفكرة، نعم تعد فكرة جيدة وخاصة تلك الفترة لانشغالهم بالعمل، لكن والدتهم إن علمت مخططهم لن يمر الأمر مرور الكرام.
"ها ردي قلتي أيه؟"
ردت بحيرة:
"مش عارفة بصراحة، الفكرة آه كويسة بس لو عرفوا هتبقى مصيبة."
تنهد بيأس منها وقال بغيظ:
"أنتي هتفضلي جبانة كده لحد أمتى؟ أنتي مش نفسك تشوفي أهل بابا وتتعرفي عليهم؟"
هزت رأسها بصمت ليتابع قائلًا:
"خلاص يبقى نروح، ولو عرفوا بعد كده عادي، ماما هتتعصب شوية وبابا هيعاقبنا يومين على كدبنا عليه وخلاص الموضوع هيعدي."
سألته بتوجس:
"تفتكر؟"
نظر إلى ساعته وقال:
"الساعة دلوقت سبعة، قومي غيري هدومك ونروح الجامعة ونيجي نقولهم على موضوع الرحلة وإن رفضوا نخلي جدو يقنعهم."
ردت باستسلام وهي تنهض من فراشها:
"خلاص نجرب، إحنا جربنا كتير مجتش على دي."
دلفت المرحاض وهو توجه إلى غرفته كي يستعد للذهاب.
***
في الصعيد
جلس عمران على طاولة الطعام بمساعدة جاسر حفيده وهو يقول بتعب:
"ما خبرش ليه مُصر على إكده، كنت فطرت في الأوضة أحسن."
تحدث جاسر بجدية:
"وبعدها لك عاد يا جدي، ما قلت لك ما بعرفش للأكل طعم من غيرك."
قالت جليلة بغيظ وهي تجلس على مقعدها:
"هو وبس يا ولد جمال؟"
ابتسم جاسر بحب لجدته وقال بمرح وهو يجلس بجوارها:
"وأنتي القاعدة ما بتحلاش غير معاكي يا حاجة جليلة."
دلفت وسيلة وهي تحمل باقي الطعام:
"ربنا يخليكم نعمة في حياتنا، أنتوا الخير والبركة."
ولج جمال وخلفه توأمه حازم ومعتز:
"السلام عليكم."
رد الجميع سلامه ليقترب من أبويه يقبل أيديهم ويأخذ مكانه بجوار والده بهيبته التي لم تقل يومًا بل تزداد يومًا بعد يوم:
"كيفك دلوقت يا بوي؟"
رد عمران بحب:
"زين يا ولدي الحمد لله."
نظر حوله فشعر بغيابها ليسأل باهتمام:
"أومال فينها الدكتورة؟"
رد أحد التوأم بمزاح:
"تلاقيها راحت تلحق نصيبها في الجثة قبل ما تتشرح."
ضحك التوأم على مزاحهم لتهز وسيلة رأسها بقلة حيلة ونظرت إلى جمال تجيبه:
"مشيت من بدري ع الجامعة، مش خايبة زي جماعة."
نظر حازم لجدته التي تأخذ صفه دائمًا وسألها ببراءة:
"بذمتك يا ستي أني خايب؟"
ردت جليلة بسعادة:
"جمال ولدي ما يكنش ليه خايب واصل، الراجل ما يخلفش إلا راجل زييه."
نظرت إلى جاسر وتابعت بفخر:
"زينة الشباب الله يحرسه ويحميه، والدكتورة اللي مشرفانا وين ما تروح."
تحدث معتز باشمئزاز عند ذكر ذلك اللقب:
"آه هي الدكتورة دي بالذات الواحد بيجرف يسلم عليها، دخلت في مرة أصحيها لقيتها نايمة وماسكة القلم في يد والتاني ماسكة جمجمة بتاعة قتيل."
هزت وسيلة رأسها بيأس من مزاحهم الدائم وقالت لجمال:
"با قولك إيه سكتهم يا إما ما هنخلصوش من وشهم."
تحدث جمال بجدية:
"بكفاكم عاد ويالا كملوا وكلكم عشان ما نتأخرش."
ثم وجه نظره إلى جاسر وتابع:
"وأنت يا جاسر بعد ما تخلص وكل استناني في المكتب لجل ما نخلص موضوع المحصول اللي عاود ده."
رد جاسر بجدية:
"حاضر يا بوي."
سأله عمران بقلق:
"بس ايه اللي خلاهم يعاودوا، إحنا بنتعامل معاهم من سنين وعمرهم ما شكوا من زرعنا."
"هي مش شكوى يا بوي، هما بس اكتفوا بالمحصول اللي عندهم وأنت خابر زين إن فيه شركات تصدير تتمنى نتعاملوا وياهم يعني ما تقلقش من حاجة واصل."
"أنا مش قلقان من حاجة يا ولدي، أنا خابر زين إن التراب في يدك يتحول دهب بس مستغرب من عملتهم دي."
ربت جاسر على يد جده وقال بحكمة:
"عادي يا جدي كله هيتحل زي ما قال أبوي، وبعدين في شركة عايزة تتعاقد معانا بس أني كنت مأجل الموضوع شوية عشان ما نرجع في كلمتنا مع الشركة دي، ومادام هما اللي عملوا أكده نوافق على شركة الأنصاري."
اندهش عمران من سماع ذلك الاسم وكأنه مر عليه من قبل ليردد في ذهنه حتى تذكره وقال لجمال:
"الأنصاري ده من نجعنا بس همل البلد من سنين وعايش دلوقت في مصر."
أكد جمال:
"بالضبط يا بوي بس سمعت أنه بيفكر يعاود البلد من تاني ويسيب الشغل لابنه."
أردف جاسر:
"هو حدثني من يومين وقلت له هاشور وأرد عليك، ها كلمه النهارده وابعت له المحصول."
نظر عمران لحفيده الذي كلما كبر كلما أصبح صورة أخرى لمنصور ابنه لكن برجولة وشهامة جمال.
"اللي تشوفه يا ولدي."
انتهوا جميعًا من تناول إفطارهم ثم ذهب كل منهم إلى مهمته.
***
جلس مصطفى بجوارها بعد انتهاء محاضرتهم فوجدها شاردة كعادتها فسألها بيأس منها:
"ممكن أفهم سبب واحد يخليكي قلقانة كده؟"
تنهدت بحيرة:
"خايفة، حاسة إن الموضوع مش سهل زي ما شايفين، إحنا هنروح الصعيد يعني 8 ساعات بالقطر لازم نفكر مرة واتنين وتلاتة."
تحدث مصطفى بعناد وهو يحمل كتبه ويتركها:
"والله بقى أنتي حرة أنا هسافر على أي وضع."
منعته سارة من الذهاب وهي تقول بأمر:
"استنى هنا."
التفت إليها قائلًا باستياء:
"خير."
فكرت قليلًا ولم تتوصل لرأي، ترغب بشدة في الذهاب إليهم، لكن لا تعلم لما يساورها الخوف من القادم، هل لأنها المرة الأولى التي تفعل شيء بدون علمهم، أم ماذا؟
فقررت في النهاية المجازفة ربما تنجح في فعلتهم ثم ردت باستسلام:
"تعالى نعدي على جدو في الشركة نقنعه هو الأول."
أومأ بسعادة:
"يلا بينا."
وقبل أن يتحرك أحدهما سمعوا صوتًا يناديهم:
"سارة، مصطفى."
تبدلت ملامح مصطفى للامتعاض عند رؤيتها لكن سارة رحبت بها بشدة وهي تحتضنها قائلة:
"ساندي أنتي فين بقالك فترة غايبة."
أجابت ساندي التي تلتهم مصطفى بنظراتها:
"كنت مع خالد في الغردقة ولسه راجعين إمبارح، المهم أنا عازماكم يوم الخميس على عيد ميلادي أوعى ما تجيش."
تحدثت سارة بسعادة:
"بجد؟ كل سنة وأنتي طيبة يا قلبي."
نظرت ساندي إلى مصطفى وقالت:
"وأنت يا مصطفى مش محتاج دعوة."
أومأ برأسه دون النطق بشيء ثم وجه حديثه لسارة:
"يلا يا سارة قبل جدو ما يمشي."
اغتاظت من طريقته مع صديقتها واعتذرت قائلة:
"معلش هنضطر نستأذن دلوقت عشان رايحين لجدو، باي."
ظلت ساندي تنظر في آثارهم وقالت بحقد:
"مش عارفة يا خالد إيه اللي عاجبك فيها."
"وأنت يا مصطفى صبرك عليا، إن ما خليتك تحفي ورايا ما بقاش أنا ساندي."
***
في الشركة
دلف الاثنين إلى مكتب جدهم الذي فور رؤيتهم نهض يستقبلهم بحفاوة:
"إيه المفاجأة الحلوة دي؟ أكيد وراها حاجة."
قبلت سارة وجنته بحب وهي تقول:
"وأنت تعرف عننا كده؟ عيب يا جدو."
نظر إلى مصطفى وضيق عينيه قائلًا:
"أنت بالذات ما تجيش الشركة إلا إذا كنت عايزني أقنع سمر ومنصور بحاجة."
أيد مصطفى رأيه:
"بالضبط كده، اقعد بقى واسمعني كويس عشان الموضوع مش سهل."
قطب شريف جبينه وقال بقلق:
"خير؟ اقعدوا الأول."
جلسوا جميعًا ليبدأ مصطفى قائلًا:
"شوف يا سيدي، الجامعة عاملة رحلة ثلاث أيام للسخنة وأنا وسارة عايزين نطلعها ومفيش غيرك هيقدر يقنع ماما بالموافقة."
زم فمه بتفكير ثم تحدث بجدية:
"بس أنت عارف رأي مامتك في مواضيع الرحلات والسفر ده، ما أظنش إنها هتوافق."
"بصراحة صعب أوي."
عادت سارة تقبل وجنته وتقول بدلال:
"هو حد بردوا يقدر يرفضلك طلب يا حبيبي؟"
أجاب شريف بتأكيد:
"آه أمك."
تحدث مصطفى بجدية:
"بجد يا جدو إحنا عايزين نطلعها ومفيش سبب يمنع، أنا مش صغير هتخاف عليا، الرحلة دي كل زمايلنا طالعين فيها."
فكر شريف قليلًا يحاول العثور على طريقة يقنع بها ابنته فهو يعلم جيدًا مدى خوفها عليهم فيتنهد باستسلام قائلًا:
"خلاص يا سيدي أول ما نخلص الاجتماع هاكلمهم وأشوف هاقدر أقنعها ولا لأ."
احتضنته سارة بسعادة بالغة وقالت:
"ميرسي يا أحلى جدو."
نهض مصطفى وهو يقول بفرحة:
"خلاص نروح ونستعد ليها."
رفع شريف يديه قائلًا:
"أنا مش ضامن توافق ولا لأ."
نهضت سارة بدورها وهي تقول بمرح:
"هتوافق طبعًا هو أنت حد يقدر عليك."
"ماشي لما أشوف، روحوا أنتوا بقى عشان ألحق الاجتماع."
***
في المساء تجمعوا في حديقة منزلهم يتسامرون كعادتهم بعد العشاء.
لاحظ جمال عبوس زهرته منذ أن عادت من جامعتها ليسألها بحب:
"مالك يا دكتورة من وقت ما رجعتي من الجامعة وأنتي مكدرة إكده، مش عادتك."
قال معتز بمزاح لحازم:
"تلاقيها ما عرفتش تشرح القتيل زين."
ضحك الاثنان لتقول ليلى بغيظ:
"أعجبك إكده يا بوي كل شوي يتمسخروا عليا؟"
نظرة واحدة من جمال أخرست كلاهما ليلتفت إليها مرة أخرى:
"قولي بقى إيه اللي مزعلك."
نظرت ليلى إلى جاسر بلوم وهي تقول:
"ما أنت تخبر زين اللي رايداه."
سألتها جليلة بجدية:
"قولي يا بنتي اللي رايداه وأنا بنفسي اللي هاعمله."
"لا."
كلمة حازمة خرجت من فم جاسر لعلمه بما تريد، مما جعلها تزداد غيظًا منه، فتتحدث وسيلة بحكمة:
"لو كان موضوع النجل فإحنا قفلنا الكلام فيه، إحنا خايفين عليكي."
ردت بحيرة:
"من إيه بس؟!"
مـ أني ليا زمايل كتير في الجامعة هناك، محدش من أهلهم اعترض زييكم.
تعب عمران من التحدث في ذلك الأمر ليسألها:
إيه الفرق بين هنا وهناك يا دكتورة؟
أجابت بضيق:
أولًا يا جدي، مع احترامي للجامعة أهنه، بس هناك أفضل بكتير بحكم المستشفيات الكتير هناك. وغير كمان إن الجثث اللي بنتدرب عليها بتبقى لساتها طازة بخيرها يعني، إنما الجثث أهنه بتبقى بقالها فترة في المشرحة.
صدحت ضحكة التوأم في المكان مما زاد غيظها منه وقالت بحدة:
بتضحكوا على إيه؟
تحدث جاسر بلهجة حادة لا تقبل نقاش:
مش هيحصل.
ثم نظر لوالده الذي ظهر الامتعاض واضحًا عليه للتحدث والمعارضة أثناء وجوده ليقول باعتذار:
أني آسف يا بوي، بس بيات بره البيت لا، وياريت تقدر خوفي عليها.
لم يرد عليه جمال كي لا يحرجه أمام إخوته ونظر لابنته ليقول بهدوء:
طيب اطلعي أنتي أوضتك دلوقت والصبح نتحدّثوا.
ونظر إلى توأمه وأمرهم بالصعود خلفها.
ذهبت ليلى وهي تنظر إلى جاسر باستياء ليبادلها النظرات بأخرى متوعدة حتى دلفت للداخل.
انتظر جمال حتى تأكد من ولوجهم ثم نظر لجاسر الذي أصبح يتحكم في كل ما يخصها وتحدث بحكمة:
جاسر أنت أخوها الكبير وليك كلمة عليها، ما قلناش حاجة. بس ده ما يديكش الحق إنك تتحكم فيها وأني لساتني عايش.
عقد جاسر حاجبيه بضيق من نفسه وقال باعتذار:
أني آسف يا بوي، ما قصدش اللي فهمته، أني بس خايف عليها.
أومأ برأسه قائلًا:
فاهم، بس يكون بيني وبينك، ما تحسسش أختك إنك ضدها.
رد جاسر بسرعة:
لا يا بوي، أنت خابر زين إني بحبها وأخاف عليها جد إيه، وهي بالأخص. وعشان أكده بخاف عليها من النسمة.
تحدث عمران بتفاهم:
خابرين يا ولدي وخابرين إن أنت كبيرهم، بس ده برضه ما يديكش الحق إنك تأمر واحنا موجودين. وبالنسبة لموضوع نقلها، لو فيه صالح ليها ما فيش مانع.
استطاع جاسر بصعوبة بالغة السيطرة على أعصابه كي لا يغضب والده مرة أخرى وخاصة عندما قالت والدته:
لا أني ما أقدرش آمن على بنتي بعيد عني.
رد جاسر بتأييد:
عين العقل.
نظر جمال إلى ولده الذي لن يتغير.
وشعر جاسر باستياء والده مما جعله ينهض قائلًا:
أني قايم أحسن.
ذهب جاسر ليهز جمال رأسه بيأس منه وقال بحيرة:
أني ما خبرش الواد ده طالع إكده لمين!
انزعجت جليلة من تحملهم عليه وقالت بانزعاج:
مالكم جايين على الواد أكده؟ هو راجل دمه حامي وخايف على أخته، مالكم بقى.
رد جمال بتفاهم:
ما قلناش حاجة يا أماي، بس برضه كلمته تكون بعد كلمتنا.
ردت وسيلة بضيق:
بس أني معاه في اللي قاله، ما هقدرش أتحمل بعدها عني، دي بنتي الوحيدة.
رد جمال بحكمة:
بس احنا رايدين مصلحتها.
ردت وسيلة بإصرار:
برضه مش هقدر، وبعدين دي سنتها الأخيرة والسنة الجاية هتكون امتياز كيف ما بتقول، يبقى لازمتها إيه البهدلة كل شوية في الطريق.
رد جمال بهدوء:
بس هي رايدة تكمل دراستها هناك وده فيه صالح ليها زي ما بتقول، وهي سنة هتخلصها وترجع طوالي.
نهضت من مقعدها كي لا تجادل معه أكثر من ذلك وقالت بغيظ:
خلاص، اللي يريحها اعمله، أني طالعة أوضتي.
نظرت إلى جليلة وسألتها:
عايزة حاجة يا مرات عمي؟
ردت جليلة بامتنان:
ما عوزش منك غير كل خير يا غالية.
لاحظ جمال انزعاجها فلم يستطع تركها على تلك الحالة وقام يستأذن والديه وذهب خلفها.
ضحك عمران على فعلته لتسأله جليلة:
مالك يا حاج بتضحك على إيه؟
نظر إلى جمال الذي أسرع خلف زوجته:
على ولدك ومرته يا جليلة، بيفكرني بيا أنا وأنتي، أنتي الوحيدة اللي ما كنتش أقولك لا واصل.
أيدت رأيه قائلة بحب:
ربنا يسعدهم، وسيلة بنت حلال وتستاهل كل خير.
آمن عمران خلفها وردد بشرود:
اللهم آمين، ويرجع الغايب وضي عيني برؤية ولاده.
***
صعد خلفها ليجدها جالسة على الأريكة بعبوس، وفور رؤيته أشاحت بوجهها بعيدًا عنه فيقترب منها جالسًا بجوارها.
ماله الجميل زعلان ليه إكده؟
نظرت إليه لتقول بعتاب مدلل ربما تستطيع ردعه عن رأيه:
يعني ما خبرش؟
هز رأسه بنفي وتحدث بعشق:
لا ما خبرش، أنتي خابرة زين أني ما بعرفش حاجة غير من عينيكي وأنتي حجباهم عني، هعرف إزاي دلوقت.
آه من ذلك الماكر الذي لم يتبدل رغم مرور السنين ليظل يتفنن في كلمات العشق التي تجعلها أسيرته فترضخ لسطوته ويتحطم ذلك الجدار الواهم التي وضعته على قلبها كي لا يستطيع اختراقه بكلماته المعسولة لتقول بضيق:
اضحك عليا بكلمتين، هي يعني عادتك ولا هتشتريها.
رفع حاجبيه متسائلًا بلوم:
أني بضحك عليكي؟
هزت رأسها بتأكيد:
تنكر؟
هز رأسه مثلها لكن بنفي:
لاه، ما أنكرش، بس صدقيني قلبي هو اللي بيتحدث مش لساني واصل.
ملس بأنامله على وجنتها الناعمة وتحدث برغبة:
تعرفي إنك كل مدى ما بتحلوي في عينيا أكتر من الأول.
ابتسمت عينيها قبل شفتيها من كلمات العشق التي لم يكف عنها يومًا وسألته بتيه:
صح يا جمال لساتني زينة في عينيك رغم إني كبرت.
ازدادت رغبته بها من ابتسامتها التي تطيح بتعقله وأكد وهو ينزل بأنامله على شفتيها يتلاعب بحمرتها الطبيعية:
صح يا قلب جمال، لو عايزة تتأكدي تعالي معاي وأني أأكدلك.
همَّ بأخذها إلى سحابته الوردية لكنها لن تطاوعه حتى تقنعه بالعدول عن سفر ابنته:
لما نخلص كلامنا الأول.
قطب جبينه متسائلًا بلوم:
هو ده وقته؟
هزت رأسها بتأكيد وقالت بقلق:
بلاش تطاوعها في موضوع السفر ده، أني خايفة عليها، مش هقدر على بعدها.
تعاطف مع خوفها على ابنتها الوحيدة ليرد بحكمة:
والله أنا زيك وأكتر كمان، بس أهم حاجة عندي راحتها، وبنتك زينة البنات كلهم ما يتخافش عليها واصل.
أيدت رأيه لعلمها بأخلاق ابنتها لتقول بعناد:
خابرة زين بس برضه مش هقدر على بعادها عن حضني.
طيب أحنا نأجلوا الحديث في الموضوع ده لحد ما تخلص السنة دي وبعدها نشوف هنعملوا إيه، الامتحانات خلاص عـ الأبواب.
عاد لمكره وهو يردف:
وبعدين حضن إيه اللي هتتحدثي عليه.
وضع يده على عنقها ليتابع بتملك:
الحضن ده لـ جمال وبس.
لفحت أنفاسه الساخنة وجنتيها مما جعلها تتمتم باعتراض واهم:
ما تغيرش الموضـ...
قاطع باقي جملتها بقبلة عصفت بكيانهما وجعلتها ترفع راية الاستسلام أمام هجومه الطاغي على مشاعرها الرقيقة فلم تستطع ردعه وترحب بتلك الفقاعات الوردية التي يسحبها بداخلها.
فقام بحملها وذهب بها إلى عالمه الذي اكتفى بها داخله ولم يسمح بغيرها لدخوله.
***
بعد انتهاء الاجتماع وخروج الإداريين قال شريف بسعادة:
مبروك يا منصور، مبروك يا سمر، أخيرًا الصفقة رست علينا.
رد منصور بثبات:
الله يبارك فيك يا عمي، الصفقة دي هترفعنا رفعة جامدة أوي.
أيدت سمر رأيه:
فعلًا يا بابا أنا ما كنتش مصدقة أنها هترسي علينا بعد كل التعب اللي شوفته ده.
اندهش منصور من قولها ولانتساب كل شيء لصالحها وهم بالانصراف لولا أبيها الذي أوقفه:
استنى يا منصور عايزكم لحظة.
حاول منصور التحكم في غضبه منها حتى يعودوا إلى منزلهم وقال بجمود:
خير يا عمي.
رد وهو ما زال جالسًا على طاولة الاجتماع:
الولاد جوم عندي وعايزين يطلعوا رحلة تبع الجامعة.
ردت سمر برفض قاطع:
لا، ومش عايزة كلام تاني في الموضوع ده.
ازداد ضيقه أكثر عندما لجأ أولاده إليه وتركوه هو مما جعله يقول بضيق:
استنى لما أروح الأول وأفهم منهم موضوع الرحلة ده.
نظرت إليه لترى ذلك العناد الذي أصبح ملازمًا له منذ أن عُين والدها رئيسًا لمجلس الإدارة وسألته:
يعني إيه الكلام ده؟
رد بضيق وهو يجمع الأوراق التي أمامه ويضعها داخل الملف:
قلت لما أروح وأسألهم الأول عن الرحلة، ولو لقيتهم مصرين هبعت معاهم حد من الأمن لحد ما يرجعوا.
همَّ بالخروج لكنها أوقفته قائلة:
مش هيروحوا.
لعب العناد دوره معهم ليقول باحتدام:
مش كلمتك أنتي اللي تمشي، إن كنت مشيتها قبل كده فخلاص خلص ما فيش منه تاني.
ردت باشمئزاز:
إيه الألفاظ السوقية دي.
رد منصور بحدة على كلمتها التي أغضبته:
والله السوقي اللي بتكلميه باشمئزاز ده هو اللي عيشك في المستوى اللي ما كنتش تحلمي بيه.
أخذ حقيبته وهو يقول:
أنا مروح، وإن لقيتهم مصرين هسيبهم يروحوا.
خرج من الغرفة مغلقًا الباب خلفه بحدة جعلتها تندهش من تحوله لتقول لوالدها بانفعال:
شايف يا بابا؟
رد شريف بهدوء:
لازم نتحمله لحد ما نثبت كل حاجة في إيدينا الأول، وبعدين عايز يفضل معانا أهلًا وسهلًا، مش عايز يبقى يتفضل مع ألف سلامة.
قالت بشك وهي تجلس بجواره:
بس منصور مش سهل زي ما أنت فاكر، منصور عند الفلوس ما بيعرفش حد، اللي خلاه باع أهله عشان الفلوس ممكن أي يعمل أي حاجة.
عاد شريف بظهره للوراء وهو يقول بخبث:
ما تقلقيش، ما يقدرش يعمل حاجة، المهم دلوقت إننا نضغط عليه بموضوع الفلوس اللي محتاجينها دي عشان ما يلاقيش قدامه غير القرض أو يطالب بحقه في الأرض.
عقدت جبينها بعدم فهم وسألته:
أرض إيه؟ هو هيكون ليه عين يبصلهم حتى.
رفع حاجبيه بتأييد:
وهو ده اللي أحنا عايزينه، منصور دلوقت لو رجع لأهله هينسوا كل حاجة وهيرحبوا بيه وكأن شيئًا لم يكن، ولو حصل حاجة هيقفوا معاه لأنه قدر بالفلوس دي يعمل شركة، يعني ما بهدلهاش. إنما لما نعرفه بالمستوى اللي أخوه أصبح فيه والأرض اللي زادت أضعاف مضاعفة هيطمع ويطالب بنصيبه، وهنا بقى هتكون انتهاء علاقتهم بيه نهائي فـ مهما نعمل فيه هيتحمل لأن ما فيش غيرنا قدامه، فهمتي.
أجاد حبك لعبته، لكنها تعلم جيدًا أن منصور لم يعد بيدها كما كان من قبل وإذا علم بمخططهم لن يرحمهم فقالت بقلق:
بس يا بابا.
قاطعها شريف بهدوء:
بلاش مقاطعة خلينا نشوف الأول هيعمل إيه.
***
عاد إلى منزله وهو في قمة غضبه، فقد أصبح أولاده ينتمون أكثر إلى جدهم، هل هو المخطئ في ذلك لبعده عنهم بسبب انشغاله أم أنها حيلة أخرى منهم كي يسيطروا عليه أكثر بهم.
فور دخوله سأل العاملة:
فين الولاد؟
ردت العاملة:
في أوضتهم يا بيه تحب أندهلهم؟
رد عليها وهو يدلف مكتبه:
خليهم يجوني عـ المكتب.
شعروا بالقلق عندما أخبرتهم العاملة برغبة أبيه في رؤيتهم.
وقفوا أمام المكتب لتقول سارة بقلق:
أنا خايفة لتكون لعبتنا انكشفت.
رد مصطفى بضيق:
هو احنا عملنا حاجة عشان تنكشف؟ تعالي نقعد معاه ونقنعه يمكن يوافق.
دلف الاثنان في توجس وعند رؤيتهم أشار لهم بالجلوس ليجلس كلاهما في ثبات زائف.
قام بوضع الملف في أحد الأدراج ثم رفع نظره لهم فلاحظ ارتباكهم ورهبتهم منه فقال بابتسامة أراد بها بث الاطمئنان بداخلهم:
إيه بقى موضوع الرحلة ده؟ وليه ما جيتوش قلتولي على طول.
ارتبك مصطفى أكثر ليرد بإحراج:
ما أحنا خوفنا ترفضوا وعشان كده قلنا لجدو يقنعكم.
رغم غضبه الشديد من تصرفهم إلا إنه تعامل معهم بلين:
هتروحوا فين وهتقعدوا كام يوم؟
لم تصدق سارة ما تسمعه أذناها لتنظر إلى مصطفى الذي أجاب مسرعًا:
السخنة وهتبقى ثلاث أيام.
تردد كثيرًا لكنه عليه اكتساب ودهم كي لا ينفروا منه فيرد بثبات:
تمام موافق، هتروحوا أمتى.
ردت سارة بسعادة:
بعد بكرة.
هز رأسه بتفاهم وعاد يسألهم:
دفعتوا الفلوس ولا لسه؟
رد مصطفى بهدوء:
لأ لسه، قلنا لما نعرف رأيكم الأول.
عاد بظهره للوراء وقال بإرهاق:
أسرعت إليه سارة تقبله بسعادة:
ميرسي يا أحلى بابا في الدنيا.
ثم أسرعوا بالذهاب إلى غرفتهم كي يستعدوا للذهاب.
رواية ومجبل علي الصعيد الفصل الخامس 5 - بقلم رانيا الخولي
استيقظ على تلك الآلام التي أصبحت ملازمة له منذ فترة، حتى الأدوية لم تعد تجدي معه نفعًا.
تحامل على نفسه كي لا يشعر والده بشيء، وقام بالولوج إلى المرحاض وتبديل ملابسه وخرج من الغرفة.
نزل للأسفل ليجد والده جالسًا على الطاولة يتناول قهوته، فيقترب منه وهو يحاول الثبات.
"صباح الخير يا بابا."
ابتسم صابر لأبنه قائلًا بحب:
"صباح النور ياحبيبي، معلش بقى فطرت من غيرك، قلت راجع متأخر ومش هيقوم دلوقت."
جلس أمجد بجوار والده يحاول أن يبدو طبيعيًا كي لا يلاحظ والده شيئًا.
"لازم أقوم بدري عشان أسافر البلد وأشوف الجماعة اللي هتعاقد معاهم."
تذكر والده وسأله باهتمام:
"تقصد عمران المنياوي؟!"
هز رأسه بتأكيد وهو يتناول إفطاره بالإجبار:
"آه، بس التعامل مع ابنه جمال وحفيده، وهروح النهارده أتفق معاهم على كل حاجة."
لاحظ صابر على ابنه تبدل ملامحه مما جعله يشك في أمره فسأله بشك:
"أمجد أنت كويس؟"
رمش بعينيه وهو يقول بثبات:
"آه يابابا كويس، ليه بتقول كده؟"
ازداد شكه أكثر وعاد يسأله:
"انت بتتابع مع الدكتور زي ما طلبت منك ولا طنشت زي عادتك؟"
أومأ برأسه:
"بتابع متقلقش، كل الحكاية إنه زيادة مجهود مش أكتر."
تحدث صابر برجاء:
"ياريت يا أمجد تحافظ على صحتك أكتر من كده، أنا خلاص من وقت اخواتك ما اتجوزوا وسافروا مع أجوازهم وأنا معدش ليا غيرك."
ربت أمجد على يده يطمئنه وقال بهدوء:
"متخافش عليا، وعشان أطمنك أكتر هروح للدكتور عصام النهارده لو رجعت بدري وأخليه يطمنك بنفسه."
رد صابر بتمنى:
"ياريت يا أمجد."
نهض أمجد من مقعده وقال بثبات:
"طيب أنا ماشي، عايز مني حاجة؟"
"عايز سلامتك، وياريت لو تخلي السواق يروح معاك عشان الطريق."
"لأ أنا مش هروح بالعربية، هروح إن شاء الله بالطيارة عشان أكسب وقت."
خرج أمجد وقد قرر الذهاب إلى الطبيب المعالج لحالته بعد عودته من الصعيد.
***
كـ عادتهم دائمًا يجتمع الجميع على طاولة الطعام، ويكون أولهم جاسر الذي يمر بغرفة جده ويساعده على السير إلى غرفة الطعام.
وآخرهم جمال الذي لا يتناول طعامه إلا باكتمال الجميع.
لكنه تلك المرة شعر بالأستياء عندما لم يجدها.
"اومال فينها ليلى؟"
ردت وسيلة بعدم اكتراث وهى تساعد العاملة في وضع الأطباق على الطاولة:
"في أوضتها، بتجول ملهاش نفس."
علم جمال من ردها أنها تحدثت معها في هذا الأمور.
"طيب أني طالع لها."
وقبل أن تمنعه كان يصعد الدرج ذهابًا إليها.
طرق على بابها ودلف فور أن سمحت له بالولوج، فيجدها منطوية على نفسها في الفراش، وفور رؤيته اعتدلت قائلة:
"صباح الخير يابو."
رد جمال وهو يتقدم منها قائلًا:
"صباح النور، مالك مش رايدة تفطري معانا ليه؟"
نهضت لتقف أمامه قائلة بإحراج:
"لا مفيش حاچه، بس مليش نفس."
تتهرب بعينيها دائمًا كلما أُطرت للكذب، وقد فهم سبب استياءها ليقول بتفاهم:
"أني خابر اللى مزعلك، وخابر إن أمك بتشد جصادك في الموضوع ده، بس رايد أعرفك حاچه مهمة جوى، كلنا أكده متهمناش غير راحتك وسعادتك، بس خوفنا عليكي اللي بيجبرنا."
ردت بحيرة:
"من ايه بس؟"
تنهد بتعب وقال:
"الحياة مش وردية زي ما انتي فاكرة، لا، الحياة جاسية آوى وأحيانًا مبترحمش، طول ما انتي چامبينا انتي في حمايتنا ومطمنين عليكي، إنما وأنتي بعيد فكرنا هيكون مشغول عليكي."
ردت برجاء وهي تقترب منه:
"بس هي سنة واحدة بس وهرجع البلد ومش هعملها واصل."
لم يرد احزانها عندما رأى إصرارها على تحقيق أمنيتها ليرد بحكمة:
"طيب أيه رأيك نأجل الكلام في الموضوع ده لحد ما تخلصي امتحانات، وأني أوعدك إني هفكر فيه وألاجيلك حل يريح الكل؟"
تراقص الأمل بداخلها وسألته بلهفة:
"صحيح يابوي؟"
أكد جمال:
"صحيح، يالا بجى اغسلي وشك وتعالي عشان نفطروا مع بعض."
هزت رأسها بفرحه وأسرعت بالولوج للمرحاض.
عاد جمال بصحبتها لتفهم وسيلة من سعادتها بأنه طاوع رغبته لتأجل كل شيء وتستمتع بإبتسامة ابنتها التي أضاءت وجهها.
أقتربت ليلى لتقبل يد جدها وجدتها وتجلس بجوار جاسر وهى تنظر إليه بتحدي، فيبتسم هو بتوعد بكسر ذلك التحدي.
فيقول حازم بهمس لمعتز:
"شكلها أقنعت أبوك وهتكمل علامها في مصر."
يجيبه معتز مؤكدًا:
"تصدج صُح، شايفها بتبص لجاسر كيف وكأنها بتقوله أخبط راسك في الحيط."
فتلاحظ جليلة تهامسهم فتسألهم:
"خير بتتودد منك ليه على مين؟"
ضحك حازم قائلًا:
"لا داني بقوله إن جدك حالته اتحسنت اليومين دول ربنا يبارك لينا فيه."
رد معتز بمزاح:
"امبارح بالليل كان سهران مع جدتي چاه يجوم عشان يدخل اوضته لجيتها بتقوله أتسند عليا ياحاجو چدي زي ما يكون مصدق ومسك إيدها ودخلوا اوضتهم وجفلوا الباب وراه."
نظر إلى جدتها وتابع بغمز:
"شكلك منتايش هينة واصل ياحاچه جليلة."
ضحك اثنتيهم على مزاحهم الذين لا يكفوا عنه، ولم يسلم أحدًا منه لتقول جليلة بحده:
"اتحشم ياجليل الرباية انت وهو."
رد معتز ببراءة زائفة:
"هو أني جولت أيه عصبك أكده؟"
ثم نظر إلى عمران وأردف:
"اني جولت حاچه عفة لا سمح الله؟"
هز عمران رأسه بيأس منهم وقال:
"لا مجلتش حاچه يا ولدي يلا كملوا كلكم."
همّ بالتحدث مرة أخرى ليمنعهم جمال بأمر:
"ولا كلمة زيادة وخلصوا عشان تلحقوا مدرستكم."
التزموا الصمت لينظر جمال إلى جاسر قائلًا:
"أمجد الأنصاري چاي النهارده، چهزت الأوراق المطلوبة."
أكد جاسر:
"كل حاچه چاهزه زي ما أتفقنا وچاهزه عـ الأمضة."
"زين."
ثم نظر إلى وسيلة وتابع:
"ياريت يا وسيلة تچهزوا الأوضة اللي چانب المضيفة، ممكن يحتاج يرتاح شوية من الطريق."
ردت وسيلة:
"من عينيه."
***
"يعني إيه الكلام ده؟ هتمشي كلمتهم عليا؟"
هكذا كان ردها عندما أخبرها بموافقته على سفرهم، فيرد ببرود أغضبها:
"من حقهم يسافروا مع أصحابهم، مش هقيد حريتهم أكتر من كده."
حاولت التحكم في أعصابها كما أخبرها والدها وقالت بانفعال:
"بس أنا مش موافقة."
هز كتفيه بعدم اكتراث وهو يضع الملف في حقيبته:
"مش مهم، المهم موافقتي أنا."
ازداد ضيقها منه لتقول بحدة:
"يعني إيه مبقاش ليا كلمة معاهم؟"
أومأ لها وهو ينهض من مقعده:
"بالظبط كده."
تركها وغادر من مكتبه ليذهب إلى الشركة، وهى تشتعل بنار غضبها.
صعدت إلى غرفة ابنتها دالفة إياها دون إذن، لتجدها تستعد للذهاب إلى جامعتها، فتسألها بحده:
"إيه حكاية الرحلة دي؟ انتي مش عارفه إني برفض موضوع السفر ده من غيري؟"
ارتبكت سارة وقالت بخوف:
"ماما أحنا مش صغيرين، وبعدين كل أصحابنا طالعين الرحلة دي، وهيكون فيه أمن الجامعة والدكاترة يعني مفيش خوف أبدًا، أرجوكي ياماما بلاش تمنعيني."
لم تستجب لرجاءها وقالت بتبرير:
"أنا مش بمنعكم ولا عمري وقفت ضد سعادتكم، بس كل الحكاية إني بخاف عليكم."
ردت عليها برجاء:
"متخافيش علينا، هما كلهم تلات أيام ونرجع على طول."
"يعني مصرين؟"
أومأت سارة برأسها، فحاولت سمر كتم غيظها منها وقررت تركهم الآن حتى تقرر ما تنوي فعله.
خرجت لتغلق الباب خلفها بحده، ثم اخذت حقيبتها وذهبت إلى الشركة.
دلف مصطفى غرفتها بعد ذهاب والدته وهو يسألها بقلق:
"كانت بتزعق ليه؟"
تنهدت بتعب وجلست على الفراش وهى تقول بضيق:
"أنا زهقت من الكدب ده، فيه إيه يعني لو روحنا بعلمهم."
جلس مصطفى بجوارها وقال بتهكم:
"بعلمهم مرة واحدة؟ انتي فاكرة لما سألنا بس عليهم ماما عملت إيه فينا؟ دي مش بعيد لو عرفت تقتلنا."
تحدثت بحيرة:
"نفسي أعرف إيه السبب، مع إن عمو خالد وهو بيحكي عنهم بيبين أد إيه هما كويسين ونفسهم يشوفونا."
"وليه بابا مش بيودهم ولا هما بيودونا؟!"
رد بنفس حيرتها:
"مش عارف، وعشان كده لازم نروح ونعرف إذا كانوا فعلاً كويسين زي عمو قال ولا لأ، ونعرف بردوا إيه سبب بعدهم عنا."
"خلاص أحنا هنروح الجامعة عادي وبعدين نطلع على محطة القطار ونسأل عن ميعاد طلوعه."
أيد رأيها:
"تمام، يالا بينا."
***
حطت الطائرة في موقعها في مطار قنا، ويقف جاسر بسيارته ينتظر خروجه حتى خرج إليه من المطار.
فور رؤيته اقترب منه يصافحه:
"جاسر مش كده؟"
أومأ له جاسر مبتسمًا:
"صُح جاسر المنشاوي، أهلًا بيك في نجّعنا."
رد أمجد بمرح وبلهجة صعيدية أراد بها الاندماج والتخفيف من ذلك الألم:
"أهلًا إيه أنا باجي أهنه كل سنة وعارفها من أولها لآخرها."
رد جاسر على مزاحه:
"خلاص بما إنك خابر الطريج زين، سوج انت وورينا شطارتك."
"لأ خليها مرة تانية."
استقلا السيارة وظل أمجد يتابع الطريق من نافذة السيارة، الصعيد بحقوله وماشيته الذي تعلق بهم منذ صغره.
وكم كان يتحرى شوقًا للبقاء به، لكن والده كان يرفض متعللًا بعمله وكأنه يهرب منه.
انتبه على صوت جاسر:
"بجالك كتير مجيتش أهنه؟"
أومأ برأسه قائلًا:
"من خمس سنين لما استلمت الشغل مكان بابا."
"وعلى كده أهنه أفضل ولا البندر؟"
رفع حاجبيه بتأييد:
"هنا طبعًا لو هنتكلم عن الحنين لموطنك، إنما لو هنتكلم عن الشغل هنقول القاهرة."
"وأنت؟"
"لآآآ أنا حياتي أهنه وعمري ما فكرت أهمل البلد واصل، حتى في الجامعة فضلت إني أدرس أهنه ولا إني أفارقها لحظة واحدة."
ظلوا يتسامرون حتى وصلوا إلى المنزل.
ليقول جاسر بترحيب:
"أهلًا بيك مرة تانيه فـ بيت الحاج عمران."
ضحك امجد ورد ترحيبه:
"إن كان كده ماشي."
ترجل الاثنين من السيارة وكان جمال في استقباله، يرحب به بحفاوة وكذلك التوأم الذين لم يكفوا عن مزاحهم مما جعل أمجد يتناسى تعبه قليلًا.
ثم تحدث أمجد بجدية:
"المحصول اللي اتبعت كان كويس جدًا وده خلاني أصر على التعامل معاكم، وبعد ما شوفتكم واتعاملت معاكم خلاني أرحب أكتر بالتعاقد ده."
رد جمال بصدق:
"الشرف لينا أحنا يا ولدي وربنا يديم المعروف بينا."
قال عمران مؤيدًا رأى ولده:
"الشرف لينا صُح لأننا هنتعامل مع ولد صابر وحفيد مهران الأنصاري."
بعد الانتهاء تحدث أمجد بامتنان:
"أنا متشكر جدًا على المقابلة الجميلة دي وياريت تردوها عندي في القاهرة."
رد جمال:
"إن شاء الله، بس أتفضل ريح شوية من الطريق لحد ما يجهزوا الغدا."
رفض أمجد بتهذيب:
"أعفيني معلش لأني لازم أرجع القاهرة النهارده."
تحدث عمران بجدية:
"عيب يا ولدي دا أبوك سيد من يفهم فـ الأصول، بات معانا والصبح يبجى عاود."
لم يستطع الرفض تحت إصرارهم لكنه اعترض على بياته في منزلهم.
"طيب مش هينفع أتقل عليكم أكتر من كده وهروح أبات في بيتكم."
رد جمال بإصرار:
"عيب عليك أكده، أنا خلتهم يجهزوا الأوضة اللي چانب المضيفة ومش عايز اعتراض تاني."
وافق أمجد مرغمًا ليبيت ليلته في تلك الغرفة التي تحاوطها الحديقة من كل جانب.
خيم الليل وبدأ يشعر بـ عودة الألم مرة أخرى.
تناول دواءه لكنه لم يجدي نفعًا.
وقف في الشرفة يحاول التنفس بعمق كما أمره الطبيب، فيقع بصره على تلك القابعة على المقعد تُذاكر بجدية، ويبدو أنها تدرس بـ كلية الطب مما يراه أمامها.
شعر بالضيق من نفسه لاختلاس النظر لحرمة منزلهم.
فعاد إلى فراشه يحاول النوم لكن لا فائدة.
رن هاتفه ليجده والده، فتذكر أنه لم يخبره ببقائه في البلدة ومن المؤكد أنه قلق عليه.
"إيه يا أمجد إيه اللي آخرك كده؟"
رد أمجد باعتذار:
"معلش يابابا نسيت أعرفك إني هبات الليلة وأصبح أجلك على طول."
عاد الشك يزحف إليه ليسأله بتوجس:
"أنت كويس، في حاجة حصلت؟"
رغم الألم الذي يشعر به إلا إنه رد بثبات:
"آه كويس متقلقش، بس هما أصروا إني أبات معاهم والصبح أمشي."
"تمام ياحبيبي خلي بالك من نفسك."
أغلق أمجد الهاتف ولم ينتبه بأنه عاد إلى الشرفة وعينيه مسلطة عليها، فينهر نفسه مرة أخرى ويعاود إلى فراشه.
ظل على ذلك الحال حتى استطاع النوم أخيرًا بعد عناء.
***
في الصباح استيقظت سارة على صوت مصطفى:
"سارة قومي بسرعة عشان نلحق القطار."
استيقظت سارة وهى تحاول رفع جفنيها بصعوبة وتقول بنعاس:
"أنا منمتش طول الليل ولسه يادوب نايمة."
رد بضيق يجذبها من ذراعها كي تنهض:
"يبقى نامي في القطار، قومي بقى."
قامت بصعوبة بالغة لتدلف المرحاض لتغسل وجهها ثم تبدل ملابسها وتستعد للسفر.
بعد انتهائها دلف مصطفى مرة أخرى ليسألها بجدية:
"انتي معاكي التذاكر؟"
أجابت بدهشة:
"لأ مش معايا، كانت معاك أنت."
فكر قليلاً ثم قال بعدم اكتراث:
"مش مشكلة نقطع تذاكر غيرها."
خرج كلًا منهم يحمل حقيبته، لكنهم تسمروا في أماكنهم عندما وجدوا والدتهم تجلس في الردهة وتضع كرسي فوق الآخر وهي تقول بهدوء رغم الغضب الذي يتأهب للانفجار:
"على فين؟"
نظر مصطفى إلى سارة بدهشة ثم نظر إلى والدته قائلاً:
"رايحين الرحلة زي ما قولنا."
نهضت بثبات واقتربت منهم وهي تشير لهم بتذاكر القطار:
"أومال إيه ده؟"
انحسر الدم عن وجههم وينقبض قلبهم بخوف من القادم، وخاصةً عندما أردفت بحده:
"بسألكم إيه ده؟ والتذاكر دي بتعمل إيه معاكم؟"
أرتبك مصطفى والتزمت سارة الصمت من شدة خوفها، مما جعل سمر تتيقن بخدعتهم حتى يذهبوا إلى أهل والدهم.
وقالت بانفعال:
"يعني عايزين تستغفلوني وتروحوا عندهم."
خرج منصور على صوتها يسألها بحده:
"صوتك عالى ليه؟ إيه اللي حصل؟"
قذفت التذاكر في وجههم وهي تقول بحده:
"تعالى شوف ولادك اللي استغفلونا وقالوا أنهم طالعين الرحلة وهما مرتبين أنهم يروحوا عند أهلك في الصعيد."
اندهش منصور من قولها ثم نظر لأبناءه وسألهم بدهشة:
"الكلام ده صحيح؟"
لم يجيب أحد منهم لتقول سمر بغضب:
"هيقولوا إيه؟ هيكذبوا تاني؟"
صاح بها قائلاً:
"استنى أنتي؟"
ثم عاد بنظره إليهم:
"ما تردوا ساكتين ليه؟"
رد مصطفى بأسف:
"أنا آسف يابابا بس أنا طلبت منكم كتير وانتوا بترفضوا، وأحنا من حقنا نعرف أهلنا ونودهم."
تحدثت سمر بإنفعال:
"أهلكم مين اللي عمرهم ما سألوا عليكم، أهلكم مين اللي طردوا أبوكم من بيته عشان طالب بحق من حقوقه."
رفع الأثنين رأسهم إليها بصدمة.
فيقاطعها صوت منصور الحاد:
"سمر أخرسي."
ردت بعناد كي تشوه صورتهم أمام أولادها كي لا يكرروا فعلتهم:
"لأ مش هخرس، وهعرفهم حقيقتهم، جدكم كان عايز ياخد فلوس المشروع بتاع أبوكم اللي تعب وشقى لحد ما كونها عشان يحطها في الأرض اللي عمك حط إيده عليها، ولما أبوكم رفض طردوه من البيت وقاطعوه، ولو مش مصدقين اسألوا جدكم."
"ساب لهم كل حاجة؛ حقه في البيت وحقه في الأرض يتمتعوا بيه، وهو اكتفى بالقرشين اللي حوشهم وعمل بيهم المشروع اللي حلم بيه، ولما شافوا نجاحه زاد حقدهم عليه أكتر ومبقاش حد منهم بيسأل علينا."
غضب منصور من تشويهها لصورة أهله في نظر أولاده وصاح بها:
"قلت كفاية."
تابعت بإصرار:
"لأ مش كفاية لازم يعرفوا حقيقته."
نظرت إلى أولادها الذين وقفوا بدون حراك وكأن على رؤوسهم الطير وأردفت:
"عايزين تروحوا عند اللي ظلموا باباكم انتوا حرين، بس انسوا وقتها إن ليكم أب وأم تعبوا عشانكم."
انسحبت سارة بصمت ولم تستطع البقاء لتسمع المزيد، فيكفي ما سمعته حتى الآن.
وكذلك مصطفى الذي دلف غرفته مغلقًا الباب خلفه بحده وقلبه يخبره بألا يخوض معهم جدال عقيم لن يجني منه شيئًا.
بعد دخولهم نظر منصور إليها وقال بغضب:
"ممكن أعرف إيه اللي قولتي للولاد ده؟"
ردت ببساطة وهي تجلس على المقعد وقد شعرت بالنصر بعد تشويه صورتهم أمام أولادها:
"وأنا قولت إيه؟ مش دي الحقيقة إن أخوك ضحك عليك وكوش على كل حاجة وأنت خرجت بالقرشين اللي كانوا حتى طمعانين فيها."
اغتاظ من إهانتها الدائمة لأهله وتحدث باحتدام:
"أنا مسمحلكيش تتكلمي عن أهلي بالأسلوب ده."
رفعت حاجبيها وهي تتحدث بتهكم:
"من إمتى الكلام ده؟"
اشتد الجدال بينهما وقد أحيا أولاده الحنين بداخله ليقول بحدة:
"دول مهما كان أهلي ومسمحش بأي إهانة ليهم."
ابتسمت بسخرية وهى تنهض لتقترب منه تقف أمامه وتقول بثقة:
"متحاولش تضحك على نفسك لأننا كلنا عارفين إن منصور مبيحبش إلا نفسه وبس."
"ممكن هدوءك مع أولادك ده ليك مصلحة من وراه."
قطب جبينه متسائلاً:
"تقصدي إيه؟"
أجابته بهدوء:
"أنت ناسي إن الصفقة اللي دخلنا فيها ومضينا على شروطهم محتاجة فلوس."
رد بحده:
"هنجيب قرض زي ما اتفقنا."
هزت رأسها برفض:
"مستحيل، أنا مش موافقة."
رد بعناد:
"ميهمنيش رأيك أو قبولك، أنا صاحب أكبر نسبة في الشركة، والآخر اديت رئاسة المجلس لأبوك."
ردت باستياء:
"والله كله لولادك في الآخر، ولو طالبت بحقك عند أخوك هيحقلك رئاسة مجلس الإدارة بدون منازع."
ابتسمت بخبث عندما لاحظت تأثره بحديثها وتابعت:
"والله أنت بتطالب بحقك ومحدش هيقدر يغلطك."
تحدث برفض لفكرتها:
"انتي بتقولي إيه، عايزاني أطالب بورث وأبويا لسه عايش؟"
ردت بخبث:
"أومال هتستنى لما أبوك يموت وجمال ومراته يستولوا على كل حاجة؟"
"جمال اللي كان عايز يضحك عليك وياخد فلوسك بحجة الأرض والكلام الفارغ ده وبعدها بأسبوع اتجوز وعمل فرح ودلوقت الفلوس مش عارف يوديها فين."
"يبقى أحنا محتاجين لكل جنيه وهو بيشيل الفلوس في البنك؟!"
رد منصور وهو يقنع نفسه قبل أن يقنعها هي:
"بس جمال تعب وشقى لحد ما سد رهنية الأرض…"
قاطعت حديثه وهو تقول بامتعاض:
"الأرض هي اللي سدت ديونها، الخير اللي كان بيطلع منها هو اللي سد تمن الرهنية وأكتر كمان."
"ودلوقت الخير اللي بيطلع منها في جيب أخوك ومراته."
نجحت بجدارة مثل كل مرة لتتابع بمكر:
"طالب بحقك السنين اللي فاتت دي كلها محدش هيقدر يقولك لأ."
أومأ برأسه قائلًا:
"عندك حق."
ابتسامة انتصار لاحت على شفتيها عندما استطاعت بسهولة إقناعه بفكرتها، وقررت ألا تتراجع عن أخذ ما هو له.
***
استيقظ من نومه وقد اشتد الألم عليه، فلم يستطع التحمل أكثر من ذلك.
حاول النهوض لكن كلما تحرك كلما ازداد الألم أضعاف وأضعاف.
أخذ يتنفس بعمق كي تمر تلك النوبة لكن لا فائدة.
تناول هاتفه كي يحدث طبيبه، وعندما أجابه تحدث بألم:
"دكتور عصام إزي حضرتك؟"
أجاب الطبيب قائلًا:
"أنا كويس، وأنت؟"
وضع يده مكان الألم وتحدث باقتضاب:
"معلش سافرت الصعيد واضطريت إني أبات، إن شاء الله على آخر النهار أكون عندك."
تحدث الطبيب بشك:
"بس صوتك بيقول أنك تعبان."
حاول أمجد أن يبدو صوته طبيعيًا كي لا يخبر أبيه وقال بجدية:
"صدقني أنا كويس، بلاش تعرف بابا بأي حاجة، وأنا وقت ما أرجع القاهرة هاجي لحضرتك على طول."
"لو حاسس بأي تعب حتى لو كان بسيط أجل السفر وروح لأقرب دكتور، وإذا لزم هجيلك أنا، اتفقنا؟"
ازدرد ريقه بصعوبة وهو يتحامل على نفسه:
"حاضر."
أغلق أمجد الهاتف ووضعه على المنضدة.
وهم بملء الكوب كي يأخذ دواءه، لكن الألم أشتد أكثر بقلبه فسقط الكوب من يده وشعر بتنفسه يضيق.
رواية ومجبل علي الصعيد الفصل السادس 6 - بقلم رانيا الخولي
أستيقظت صباحًا لتنتفض من نومها عندما نظرت في ساعتها وقد وجدتها تعدت الثامنة.
أسرعت بالدلوف إلى المرحاض وقامت بتبديل ملابسها.
نزلت الدرج مسرعة وقد تأخرت على محاضرتها الأولى لتجد والدتها تخرج من المطبخ لتسألها بدهشة:
_ على وين بدري أكدة؟
أجابت ليلى وهى تسرع بالخروج من المنزل:
_ عـ الچامعة لاحسن أخرت جوي.
خرجت من المنزل وهى تسرع الخطى لتمر بجوار المضيفة وتسمع صوت تحطيم قوى مما جعلها تتسمر مكانها خوفًا من أن يكون أحد اللصوص أقتحم المنزل.
دفعها فضولها لإلقاء نظرة سريعة وقد تناست تمامًا أمر ذلك الغريب الذي يقيم في تلك الغرفة.
فتحت باب الشرفه بهدوء لتلقى نظرة سريعة داخلها لتتفاجئ بذلك الغريب مستلقيًا على الفراش لتتذكر فورًا أمره فتنسحب بهدوء لتعاود الخروج.
لكن مهلًا، هل سمعت صوتًا يناديها؟ أم خيل لها؟
التفتت إليه لتجده صوت أنفاسه وكأنه يعافر كي ينظم انفاسه.
أقتربت منه بحذر لتجده واضعًا يده على قلبه ويتعرق بشدة، وقد أزدادت وتيرة تنفسه مما جعلها تيقن بأنها أزمة قلبية لتسأله بفضول مهني:
_ انت مريض قلب؟
لم يستطيع الرد عليه فاكتفى بإيماءة من رأسه.
فأسرعت بإخراج هاتفها والاتصال على أبيها الذي كان يتناول إفطاره ورد بدهشة:
_ خير يا ليلي في حاچ؟
انتفض مسرعًا عندما أجابته بهلع:
_ الحج يابوى أتصل عـ الأسعاف بسرعة وخليها تاچي.
سألها برعب جعل الجميع ينتفض بجواره:
_ في أيه بس عرفينى أنتي زينه؟
ردت بخوف:
_ مش أنى ده الضيف اللي عندينا، بسرعة الله يخليك.
أغلق جمال معها ثم أمر جاسر:
_ ألحج بسرعة أتصل عـ الأسعاف وحصلنى عـ المضيفة.
سألته وسيلة بخوف:
_ بتي مالها؟
أجابها جمال وهو يخرج ويسرع خلفه توأمه وجاسر:
_ متجلجيش ده الضيف اللي في المضيفة.
دقائق معدودة وكانت الأسعاف تأخذه إلى المشفى.
لم تستطيع ليلى تركه وأصرت على البقاء معه داخل السيارة تحسبًا لأى ظرف.
شعر جاسر بالضيق من فعلتها وقال بانفعال:
_ ايه يابوي هتسيبها تركب معاه وحديها؟
رد جمال بضيق:
_ مش وجته يا ولدي، وبعدين دي مهنتها مش حبًا فيه يعني، يلا نلحجهم بسرعة ربنا يستر.
تذكر جاسر هاتفه ليقول لوالده:
_ أستنى لول أچيب تلفونه يمكن نحتاچه.
أمر حازم بالذهاب الى المضيفه وجلب هاتفه وصعد سيارته بجوار والده وانطلقوا بها خلفه.
رن هاتف أمجد الذي كان بحوزة جاسر ليجد المتصل مدون بإسم الدكتور عصام.
فقال لوالده وهو يقود السيارة خلف سيارة الإسعاف:
_ دا باينه الدكتور اللى بيعالچه رد عليه وخبره باللي حُصل.
تناول جمال الهاتف من يده وأجاب مسرعًا:
_ السلام عليكم.
اندهش الطبيب من صاحب الصوت وأجاب بقلق:
_ وعليكم السلام، اومال فين أمجد؟
رد جمال بقلق وهو ينظر إلى السيارة أمامه:
_ أمجد تعب شوية ورايحين بيه دلوجت على المستشفى.
قال الطبيب بقلق:
_ هو تعب أمتى وايه اللى حصل؟
لم يستطيع جمال أجابته بشئ سوى ما علمه من ابنته أزمة قلبية.
فقال الطبيب بأمر:
_ لازم دكتور متخصص اللي يتابعه وأنا هاجي على اول طيارة جايه عـ الصعيد.
اغلق جمال الهاتف وقال بقلق:
_ الموضوع شكله واعر جوى ربنا ينچيه منها على خير.
تحدث جاسر بقلق:
_ يارب يابوي.
تحولت نظرات جاسر إلى غضب عارم عندما تذكر ذلك الأمر وسأل والده باتهام:
_ بس أيه اللي وداها عنديه؟ كيف يعني تدخل المضيفة وهى خابرة أن فيها راچل غريب.
انتبه جمال أيضًا لذلك الأمر لكنه رد بإمتعاض:
_ مش وجته ياجاسر لما نطمنوا عليه لول.
كتم غيظه حتى يعودوا إلى المنزل منتويًا لها بأشد عقاب.
***
وقف الجميع بقلق أمام غرفة الرعاية حتى خرج الطبيب وخلفه ليلى التى طلبت من الطبيب وأستاذها أن تدلف معه وسمح لها بذلك.
أسرع إليه جمال وجاسر الذي سأله باهتمام:
_ خير يادكتور.
أجاب الطبيب قائلًا:
_ الحمد لله هو جاه في الوقت المناسب والفضل يرجع لليلى اللي عملت اللازم لحد ما وصل لينا، بس أنا بفضل أن الدكتور المتابع لحالته يكون موجود دلوقت.
أكد جاسر:
_ كلمناه وجال إنه هياچي على أول طيارة.
أكد الطبيب:
_ يستحسن بردوا، بعد أذنكم.
أنصرف الطبيب وأقترب جاسر منها يجذبها من ذراعها قائلًا بحده:
_ أيه اللي دخلك المضيفة وأنتي خابره إن فيها راچل غريب.
نهره جمال بحده:
_ بكفياك عاد، الكلام ده مينفعش أهنه.
نظر إله أبنته وتابع بحزم:
_ روحي دلوجت على چامعتك ولما تاچي هيكون لينا حديت تاني.
أومأت ليلى برأسها وذهبت إلى جامعتها.
اما جاسر فقد حاول بصعوبة التحكم في أعصابه لينهره جمال:
_ ميبجاش دمك حامي أكده، أستنى لما نروحوا وبعدين نعرف أيه اللي حُصل.
رد بـ احتدام:
_ هيكون عرفت منين يعني أنه مريض إلا إذا دخلت وشافته.
تيأس جمال من أبنه ومن الجدال الذي لا يكف عنه ولا يعى بالمكان حوله، مما جعله يفضل الصمت حتى يعودوا للمنزل.
***
ظل جالسًا في مكتبه يفكر في حيلة حتى يأخذ باقي حقه منهم.
كان عليه التودد إليهم حتى يستطيع أخذ ذلك المال بالتراضي وكى لا يشك أحدًا منهم بأنه يطالب بحق من حقوقه في ميراثه.
ظل يزرع الغرفة ذهابًا وإيابًا حتى تذكر أمر خالد.
هو الوحيد الذي باستطاعته التحدث مع جمال أخيه.
إذًا عليه ان يطلب بحقه عن طريق خالد.
سيذهب إليه ويطلب منه أن يحدث جمال في ذلك الأمر.
***
أستيقظ أمجد ليجد نفسه في المشفى ووجد الممرضة واقفة تبدل له المحاليل فأبتسمت له قائله:
_ حمد لله على السلامه.
رد بوهن:
_ الله يسلمك، أنا جيت هنا إزاى؟
أجابت الممرضة بعد ما أنهت مهمتها:
_ مش عارفه، كل اللى اعرفه إن حضرتك تعبت وجابوك هنا حتى هما لسه قاعدين بره.
يقن أمجد بأنهم جاسر ووالده.
لابد أنه تسبب بذعر.
_ طيب خليهم يدخلوا.
خرجت الممرضة ليدلف بعدها جاسر وجمال الذي نظر إليه بسرور عندما لاحظ تحسن حالته وقال:
_ حمد لله على السلامه، ينفع يعني تجلجنا عليك بالشكل ده؟
رد أمجد بامتنان وقد تذكر ما حدث:
_ معلش تعبتكم معاي.
ارد جاسر بصدق:
_ متجولش إكده تعبك راحه، بس مكنش لازمن تداري علينا تعبك ده، كنا حتى لحجناك من الاول.
رد أمجد باعتذار:
_ معلش محبتش أقلقكم، الحمد لله أنها عدت على خير.
كان يود أن يسألهم عنها لكن الممرضة دلفت قائله:
_ كفاية كده عشان صحة المريض.
أخرج جاسر هاتفه وأعطاه إياه قائلًا:
_ ده تلفونك چيبته معاي.
تحدث أمجد بامتنان:
_ متشكر جدًا.
_ لا شكر على واچب، إن أحتاچت حاچه رني علينا وأحنا نچيك طوالي هنطر نستأذن ساعة بالكتير وهنرچع على طول.
خرج جمال وجاسر ليتركوا أمجد الذي ما ان أختلى بنفسه حتى تذكرها.
وخاصةً عندما تذكر ملامحها التي كانت تنظر إليه بزعر وتحاول مساعدته قدر الإمكان.
من أين أتيتِ أيتها الفاتنة، هل ظهرت من العدم لتدبي الحياة في قلبٍ زهد الدنيا وروح تنتظر أجلها؟
أم لتكتبي على قلبك أنت الشقاء والتشبث بأحبال ذائبة.
***
أنتهت محاضراتها وقررت الذهاب إلى المشفى كي تتابع تدريبها مع ذلك الطبيب.
فقد وعدها بحضور إحدى العمليات لجراحة القلب التي ستتم اليوم، لكن عليها العودة إلى المنزل قبل ذهابها واستأذن والدها.
عادت إلى المنزل لتصادف جاسر على الدرج ينظر إليها متحدثًا بحدة:
_ غيري خلجاتك وانزلي.
وأومأت له ثم صعدت غرفتها لتبدل ملابسها وهي لا تعرف ماذا تقول لهم، هل تخبرهم بفضولها الذي دفعها للولوج إلى ذلك المكان ظنًا منها أنه أحد اللصوص، وإذا كان ذلك ما الذي جعلها تدخل إليه وتخاطر بحياتها، لكن ما لا يعرفهم كلاهما أنها مشيئت الله كي تكون سببًا في إنقاذ حياته.
حزنت لأجله ولأجل شبابه عندما علمت بمرضه وكم آلمها قلبها وهى تنظر إليه وإلى شبابه الذي لم يسعد به.
تذكرت ملامحه الهادئه التي جذبتها بشدة وتجعل من يراها يتمنى رؤيتها مرة أخرى.
مهلاً هل جُنت حتى تفكر في مريض لديها بتلك الطريقة، أم ما يجعلها تفكر به هو الشفقة والتعاطف.
هكذا أقنعت نفسها متعلله بذلك كي تحلل رغبتها برؤيته.
خرجت من الغرفة.
وجدت والدها يخرج أيضًا من غرفته فتقترب منه بترقب عندما وجدته يقف وينظر إليها بـ وجوم وتقول بتحشرج:
_ على فكرة يابوى أنا مدخلتش عنديه زي ما انتوا فاكرين لا؛ اني كنت رايحة الچامعة وفجأة سمعت صوت خبطة چامدة وكنت ناسيه خالص أن في حدا چوه، دخلت أشوف في أيه اتصادفت بيه وچيت أخرج بسرعة لجيته بالحاله دي، والله هو ده اللي حُصل.
ربت على كتفها وقال بتفاهم:
_ مصدجك بس مكنش ينفع واصل اللي عملتيه ده.
همت بالتحدث لكنه منعها:
_ بس نرچع نجول أن ربنا عمل أكده لجل ما نلحجوا، ياريت اللي حصل ده ميتكررش تاني واصل لأى سبب من الأسباب، المره دي چات سليمة إنما المرة الچاية نركنوا فضلونا ده على چانب ونخلينا في طريجنا.
أومأت برأسها:
_ حاضر ياسيد الناس مش هتتكرر تاني.
بس…..
قطب جبينه متسائلًا:
_ بس أيه تاني؟
تحدثت بارتباك وهي تفرك يديها:
_ أني عندي تدريب كمان ساعة في المستشفي وجاسر كيف مـ انت خابره مش هيوافج بعد اللى حصل.
اومأ لها مبتسمًا:
_ متجلجيش اني رايح عنديه عشان مينفعش يضل لوحده في المستشفى اكتر من إكده ويبجى روحي معايا.
احتضنته ليلى بسعادة بالغة وهي تقول:
_ تسلملي ياغالي.
ضحك جمال لسعادتها:
_ أنى كل اللي يهمنى سعادتكم وبس، يالا نتغدوا ونروح.
أما عن جاسر فلم يستطيع النطق بشئ إذ وجدها تنزل مع والده والابتسامة تشرق وجهها فعلم حينها أنها ثبتته بمهارة ولن يستطيع التحدث، فليلزم الصمت إذًا فليس هناك ما قد يقال بعد أن أخذته لصفها تلك الماكرة.
***
ذهبت مع والدها إلى المشفى وهى تشعر بسعادة غامرة إذ وعدها الدكتور عامر بمساعدته في تلك العملية الكبير.
عليها أن تكون جديرة بتلك الثقة التى أعطاها لها.
وفور ولوجهم شعرت بحنين جارف يأخذها لرؤيته لتتردد كثيرًا قبل أن تقول لوالدها:
_ لو سمحت يابوى كنت رايده أدخل معاك عنده اعرف الحاله وصلت لحد فين لأن زي ما جولتلك ان ده تخصصي؛ يعني هكون بصفتي دكتورة.
هز جمال رأسه بيأس منها وقال:
_ وبعدهالك عاد يادكتورة، طلباتك كترت جوي.
تحدثت ليلى برجاء:
_ بس ده بيفدني في دراستي، ولا رايد يعني تقديرى يجل عن كل سنة.
كالعادة تثبته بكلمة واحدة منها فتجعله يرضخ لكل ما تريد ليرد باستسلام:
_ لا طبعًا ميرضنيش يالا معايا.
أتجهوا إلى غرفته ليطرق جمال الباب ثم يدلف وهى خلفه فوجدت أستاذها يقف مع أحد الأطباء وفور ولوجها أشار لها دكتور عامر قائلًا:
_ تعالي ياليلى.
نظر إلى الدكتور عصام الذي وصل لتوه من القاهرة كى يطمئن بنفسه على حالته.
وتابع:
_ دكتورة ليلى هى اللي قامت بدورها لحد ما جالنا هنا تقدر تسألها عن أى حاجة عايز تعرفها، ليلى طالبة مميزة الأولى على دفعتها كل سنة.
رحب بها عصام:
_ أهلًا يا دكتورة ليلي شكلك هتبقى دكتورة مميزة.
كانت عيناها تأخذها إليه وهو مستلقيًا على السرير ساندًا ظهره على الوسادة ينظر إليه بامتنان وترد بثبات زائف:
_ إن شاء الله.
تحدث عامر باعتذار:
_ مطر اسيبكم دلوقتى أستأذن أنا لأن عندي عملية كمان نص ساعة ولازم نستعد لها بعد أذنكم.
خرج الطبيب ثم نظر أمجد إليها باشتياق.
ثم تحدث جمال:
_ كيفك دلوجت؟
ابتسم بامتنان قائلًا:
_ الحمد لله أحسن بكتير.
ثم نظر إلى ليلى وأردف:
_ والفضل كله يرجع للدكتورة ليلى.
ارتبكت ليلى ونظرت إلى والدها بإحراج وهي تقول بأقتطاب:
_ على أيه لا شكر على واچب، أنا جومت بدوري بسبـ.
د الدكتور عصام يسألها بعض الأسئلة وهى تجاوب بدقة أذهلت الجميع وخاصةً ذلك الذي لم يستطيع مطلقًا التحكم في نظراته وكأنه يدرسها كما تدرس هى حالته فينتبه على عصام وهو يقول بإعجاب:
_ ما شاء الله، ربنا يوفقك.
ازداد إحراجها عندما وجدت أمجد ينظر إليها بإبتسامه.
وأردف عصام:
_ أيه رأيك لو تشتغلي معايا في مستشفى…….
اتسعت عيناها ذهولًا ولم تصدق ما تسمعه أذنها فلم تحلم يومًا بالعمل داخل ذلك المكان فنظرت لـ والدها برجاء أن يوافق ليرد جمال بحكمته المعهودة:
_ ربنا يسهل المهم بس تخلص السنه دي بنفس التجدير ونشوف ظروفها هتسمح بأية.
أخرج عصام الكارد الخاص به وأعطاه لجمال قائلًا:
_ ده الكارت بتاعى وقت مـ تقرروا رن عليا.
أومأ جمال:
_ تمام، بس هو أمچد هيخرج ميتى؟
تطلع إلى أمجد وقال:
_ انا بفضل إننا نرجع النهارده، بس هنخليه بردوا تحت الملاحظة وإن لقينا استقرار في حالته هنسافر بكرة إن شاء الله.
تذكر جمال أمر حساب المشفى واستاذن قائلًا:
_ طيب أنا دجيجتين وراجع يالا يا ليلى.
خرجت ليلى تحت نظرات أمجد الذى ظل ينظر إليها حتى خرجت من الغرفة.
***
خرجت مع والدها لتقول بفرحة:
_ أنا مش مصدجه نفسي، معجول هشتغل في المستشفى دي، أنى حاسه إني حلم.
ضحك جمال وقال بدهشة:
_ للدرچة دي؟
أكدت ليلى:
_ واكتر كمان، انت مخابرش إن المستشفى دي فيها دكاترة كبيرة جوى تدريبى فيها هيبجى ميزة في الملف بتاعي.
اراد ألا يكسر فرحتها وأيضًا لا يريد ان يعطيها أملًا كاذبًا ليقول بجدية:
_ الأهم خليكي دلوجت في دراستك، ولما تتخرجي نشوف الموضوع ده؟
سألته بقلق:
_ بس أنت وعدتني يابوى.
تحدث جمال بحيادية:
_ أنا بجولك حسب الظروف لا رفضت ولا وافجت، وياعالم.
يالا بجى شوفي الدكتور بتاعك وأنى هروح أشوف حساب المستشفى، هستناكي عنديه لحد ما تخلصي.
أومأت برأسها في صمت وذهبت إلى عملها.
***
فور خروجهم قال عصام بجدية لأمجد:
_ على فكرة ياأمجد الحاله كل مدى بتسوء وللأسف عضلة القلب كل مدى مـ بتضعف إن أستمريت على كده مش هيكون أدامنا بديل غير التبرع، ودي حاجه صعبه اوى.
تنهد بألم وقال برضى:
_ خليها على الله، كلها أعمار بإيد ربنا.
أكد عصام:
_ ونعم بالله بس عدم الأخذ بالأسباب حرام، فالمطلوب منك اليومين دول الراحة التامة لحد ما الدكتور ليونايدس يرد عليا، وهو أضافك على اول القائمة.
_ إن شاء الله بس أهم حاجه إن بابا ميعرفش حاجه عن الموضوع ده.
رد بإستسلام:
_ مع إني بفضل أنه يكون عنده علم عشان يجبرك ترتاح شوية بس خلاص اللى تشوفه.
***
_ أنت بتقول أيه؟ أنت باين عليك اتجننته.
كذا قال خالد عندما أخبره منصور بطلبه ليقول منصور بحده:
_ مجنون عشان بطالب بحقي؟
رد خالد باحتدام:
_ حقك وأخذته ولا نسيت!
أجاب مسرعًا:
_ لأ منسيتش بس دي حاجه تانيه خالص، دي فلوس اخدتهم من أبويا يعني ملهاش دعوة بحقي في الأرض.
وشوف أنت بقى ٢٨ سنه الأرض هتكون طلعت فلوس أد أيه.
هز رأسه بيأس منه، لم يتغير ولن يتغير:
_ أنت عارف أخوك تعب وشقى اد أيه عشان يرجع الأرض دي……
قاطعه منصور بحده:
_ أكل من خيرها اللي دفعه وزيادة كمان.
ذهل خالد من تحدثه عن أخيه بتلك الطريقة وتحدث بأنفعال:
_ أنت أيه ياأخي مش بتفكر غير في نفسك وبس؟ انت عارف أخوك اتبهدل وشقى اد أيه لحد مـ سدد الديون دي؟
اهتزت نظراته لكنه استطاع التغلب على ما تبقى بداخله من حنين:
_ أنا محتاج فلوس ضروري ومينفعش يبقى ليا حق واسيبه وأجرى على قروض.
جدال عقيم لن يجدي نفعًا ليقول خالد بجدية:
_ تمام مدام انت عايز كده ماشي هكلم جمال النهارده وهـ قوله وأنا واثق إن جمال مش هيغدر بيك زي مـ عملت معاه.
يعني لو ليك حق هتاخده وزيادة كمان.
***
جلس جميعهم في حديقة المنزل كعادتهم بعد العشاء.
لينظر إليهم عمران بحب ولكنه عندما يتذكر ولده الغائب تتبدل ملامحه لحزن أرهقه.
يتساءل دائمًا ألم يشتاق لهم كما يشتاقوا له؟
ألم يتحرك قلبه شوقًا لرؤيتهم كما يأن قلبهم شوقًا لرؤيته.
ماذا فعل له كي يقسوا عليهم بتلك الحده وكأن ما يجري في أوردته ليس دماء واحدة.
ولم يخفى على جليلة حزنه الشديد وأشتياقه للغائب قاسي القلب.
لتربت على يده وتقول بتعاطف:
_ مسير الغايب يعود.
أومأ برأسه دون قول شيء لينظر إلى جمال ويسأله باهتمام:
_ أمچد كيفه دلوجت؟
رد جمال:
_ الحمد لله بجى زين وهيرچع بكرة الصبح مع الدكتور اللي بيعالچه.
تحدث عمران براحة:
_ الحمد لله، ربنا عالم بابوه اللي محلتوش غيرة.
نظر إلى ليلى وتابع بعتاب:
_ بس ياريت اللي حُصل ده ميتكررش تاني.
ردت ليلى بخفوت:
_ حاضر ياچدي.
قال معتز لحازم توأمه:
_ شايف جاسر أخوك الود وده يجوم يعلجها من رجليها، ماخبرش أخوك ده طالع اكده لمين؟
نظر حازم إلى والده وقال:
_ مع إن أبوك على حدته دي بيبجى كيف العاشج الولهان وهو بيبص لأمك حتى شوف.
نظر معتز لوالدته التي تضع القهوة بأهتمام أمام والده الذي ينظر إليها بنظرات عشق لم تخفى على أحد:
_ اللي يشوفهم ميجولش واصل أنهم مخلفين جاسر أخوك ده، تحس أنهم لجيينوا على باب چامعة.
ضحك كلاهما ليكمل معتز:
_ إنما ليلى أختك دي خليط ما بين أبوك وأمك، چمالها اللي مبيتغيرش واصل، وعجل أبوك وحكمته.
لولا يدها اللى عايزة جطعها دي، بستغرب هى بتاكل بأيديها دي كيف بعد ما بترچع من المشرحة.
هز جمال رأسه بيأس منهم ليقول لوسيلة:
_ مفيش فايدة في الولاد دول، تعبت منيهم، يتمسخروا على خلج الله وخلاص.
ردت وسيلة بيأس:
_ عندك حج ياجمال، مش عارفه مالهم مـ طلعينش لخواتهم ليه.
وجه نظره إلى جاسر الذي يرمق أخته بتوعد بين الحين والآخر وقال:
_ على أساس أن كبيرهم اللي زين جوى، الواد ده دماغه ناشفه جوى وحجيجى الله يعينها بنت وليد، ماخبرش هتعشجه على أيه؟
هتستحمله كيف ده، دي البنت كيف النسمه.
قال معتز وهو يغمز لوالده قائلًا:
_ هتفضلوا تتودودوا أكده كتير؟
رد حازم مصطنع الجدية:
_ يظهر أنهم فرحانين إن ليلى دخلت العمليات النهارده عجبال المشرحة.
ردت ليلى بغيظ:
_ المشرحة دي اللي هحطكم فيها لو مبطلتوش تتريجة عليا.
قالت جليلة بخوف:
_ الشر بره وبعيد ربنا يكفينا شرها، هما يعنى جالوا أيه، بيهزروا معاكي.
ازداد غيظها من دفعها عنهم وقالت باستياء:
_ لا ياچده مش هزار هما أكده بيفضلوا يتريجوا عليا.
تحدث جمال بأمر:
_ كفاياكم أكده ويالا على اوضتكم.
نهض التوأم بامتعاض تلاهم ليلى التى قالت:
_ وانى كمان هطلع عشان أذاكر.
بعد انصرافهم قالت وسيلة بيأس:
_ مفيش فايدة ناجر ونجير.
تحدثت جليلة بحب لأحفادها:
_ زين وملاح ربنا يحميهم.
رن هاتف جمال الموضوع أمامه على الطاولة ليجده خالد.
تناول هاتفه ليقول لوالده:
_ ده خالد أكيد چاليبلنا أخبار عن منصور.
قالت جليلة بلهفه:
_ طب ردي ياودى وطمني عليه.
أجاب جمال بترقب:
_ السلام عليكم كيفك ياخالد.
رد خالد بتهذيب:
_ وعليكم السلام الحمد لله زين ياچمال كيفك أنت وكيفه عمي.
_ زين الحمد لله.
تحدث خالد بتردد:
_ أنى…كنت…..يعني…
علم جمال من تردده بأن الأمر شاق عليه فقال بثبات:
_ جول ياخالد على طول.
أخذ خالد نفس عميق وقال:
_ منصور أخوك رايد … أقصد محتاچ مبلغ أكده وبيجول أنه رايده من حجه.
نهض جمال مبتعدًا من جوار والديه كي يتحدث بأريحية وقال بتروي:
_ حج ايه اللي بيتحددت عنيه؟
_ بيجول حجه في الأرض لأنه محتاچ فلوس ضرورى عشان شغله.
_ لو ليه حاچه ياچي بنفسه يطلبها، الأخوات مبينهمش وسيط.
جولوه الكلمتين دول.
أنهى جمال المكالمة معه ثم عاد إليهم ليسأله عمران باهتمام:
_ خير ياولدى.
رد بأبتسامه لم تصل لعينيه:
_ مفيس حاچه يابوى ده كان بيطمن عليكم.
علم عمران ان ابنه يخفي عليه شيئًا هامًا ليسأله بجدية:
_ جولت في أيه؟ ولا شايفني كبرت واتركنت على جانب خلاص.
رد جمال مسرعًا:
_ العفو يابوى بس كل الحكاية إني مش عايز ازعلك.
اهتزت نظراته وهو يتابع:
_ منصور أخوي عايز حجه.
التزم الجميع الصمت ولم يستطيع أى منهم التفوه بكلمة.
عمران الذي سقطت عليه الكلمة حتى ألجمت قسوتها لسانه.
وجليلة التي انهار أملها في تغييره وعودته إليه.
أما وسيلة فقد نظرت إليهم بإشفاق على حال ابنهم الذي لم ولن يتغير.
وكذلك جاسر الذي إزداد بغضه لعمه الذي لم يراه يومًا لكن ما سمعه عنه كافيًا لأن يبغضه كل هذا البغض الذي يحمله له.
وأول من تحدث هو عمران الذي خاب أمله في عودته للمرة التي لا يعلم عددها:
_ لو ليه حج ياچي أهنه ويجف جدامي ويطالب بيه.
وافقه جمال قائلًا:
_ وده اللي جولته يابوى.
نظر عمران إلى جاسر وقال:
_ عاودني لمجعدي ياجاسر.
_ حاضر ياجدي.
ساعده جاسر على النهوض وذهب به إلى غرفته لا يريد أن يتحدث بشئ الآن.
عليه التفكير مليًا قبل اتخاذ أى قرار.
ساعده جاسر على الاستلقاء بفراشه وسأله بقلق:
_ چدي أنت زين؟
ربت عمران على يده التي وضعها على صدره وقال بوهن:
_ زين ياولدي متجلجش بس رايدك بكره الصبح في مشوار ضروري.
اوما له بطاعة:
_ إن شاء الله ، لو احتاچت حاچه أبعتلي وأنا تحت طوعك.
تحدث عمران بحب:
_ تسلم ياغالي.
يخرج جاسر وبقي عمران وحيدًا لينتهز الفرصة ويخرج ما يكتمه بداخله كل تلك السنين.
عاد جاسر إلى والده كي يعرف ما ينوى فعله ليجده جالسًا بوجوم ولكنه لم يجد جدته التي من المؤكد أنها وجدت مكانًا خاصًا لكي تنهار به بعيدًا عن الجميع.
جلس أمامه يسأله باهتمام:
_ هتعمل أيه يابوى؟
رد جمال بحيرة:
_ العمل في يد چدك مش أني، مع إني خايف يخالف شرع ربنا ويعمل اللى منعته منيه جبل سابج.
شعر بالضيق من تصرف والده وقال بضيق:
_ بس يابوى ده حجك انت اللي تعبت وشجيت فيه.
تحدث جمال بتحذير لولده:
_ ولا كلمة زيادة، ونبهتك جبل سابج بلاش تدخل في الموضوع ده بالذات.
نهض جاسر من مقعده وهو يقول باستياء:
_ اللي تشوفه يابوى.
ثم تركهم ودلف إلى المنزل.
نظرت وسيلة إليه وقالت بعتاب:
_ مليكش حج ياجمال.
قاطعها جمال بانفعال:
_ مـ عيزتش حديت كتير جولت الموضوع ده يخصني أنا وأبوي وأخوي محدش يدخل فيه واصل حتى انتي.
نهض هو الآخر صاعدًا إلى غرفته لا يرد التحدث مع أحد.
أما وسيلة فقد قامت وذهبت إلى غرفة ابنها كى تطيب خاطره فدلفت لغرفته وهى أكثر من يعلم بحالته الان فكلما ذكر أسم منصور أمامه كلما شعر بالضيق منه.
وبالفعل كان جاسر في قمة غضبه من ذلك الشخص الذي أُرغم أن يكون له عمًا مثله.
دلفت وسيلة لتجده بتلك الحالة فاقتربت منه لتقول بتعاطف:
_ متزعلش من أبوك أنت خابر الحديت معاه في الموضوع ده بيعصبوا جد أيه.
نهض من مقعده ليقترب منها قائلاً بحيرة:
_ ليه يااماى. ليه ساكت أكده وبيتحدت بكل هدوء.
حجه ايه اللي بيتحدت عنيه بعد اللى عمله.
عايز يورث چدي وهو لساته عايش؟! عايز أيه تاني بعد اللى خده.
تحدث وسيلة بخوفٍ عليه:
_ شاغل نفسك ليه بس ياولدي، الكلمة في الأول والآخر لچدك هو اللي بيده كل حاچه.
_ وچدي اللي طلب منيه أنه يكتب الأرض باسمه رفض ليه؟ نسي التعب والمرار اللي شافه وهو هناك عايش بيتمتع بالفلوس اللي اخدها منيه، ولا دريان بحاچه.
ابويا هيتكلم عن عدل ربنا بس اللي بيجول عليه ده مفهوش عدل واصل، ده كله ظلم لأبوى.
ردت وسيلة بهدوء:
_ وأبوك راضي بالظلم ده تاعب أنت نفسك ليه؟
ياابني صدجني جدك عمره مـ يظلم ابوك واصل، وبعدين من ميتى وانت بتهمك الفلوس والحاجات دي.
_ عمر الحاچات دي مـ همتني بس كل الحكاية إني مش ناسي تعب أبوي وشجاه فـ الأرض دي لحد مـ خلص ديونها وهو عايش حياته مفكرش حتى يسأل عن ابوه وأمه، وياچي في الاخر يطالب بحجه؟
صاح بها:
_ حجه أيه يااما حج أيه؟!
شعرت بالخوف عليه لتربت على صدره وتحاول تهدئته قائله:
_ طيب أهدى ياولدي أهدى الله يرضى عليك وإن شاء الله الموضوع ده هيعدي على خير.
استهدى بالله أكده وادخل اتوضى وصلى ركعتين.
تنهد بضيق وحاول السيطرة على حريق قلبه وهو يقول بثبات زائف:
_ حاضر يااماي بس اللي جدي هيأمرني بيه هنفذه من غير مـ ارچع لحد.
تركها ودلف المرحاض قبل أن تستفهم منه معنى كلامه لتنسحب بهدوء إلى غرفتها.
ياترى عمران هيعمل أيه.
رواية ومجبل علي الصعيد الفصل السابع 7 - بقلم رانيا الخولي
التزمت غرفتها منذ ذلك اليوم، لا تريد رؤية أحد بعد تلك الصدمة التي تلقتها.
تساورها الشكوك في حديثهم، الذي يتنافى تمامًا عما أخبرهم به خالد، صديق والدهم.
تتساءل دائمًا؛ من الصادق إذًا ومن الكاذب.
نشلتها من أفكارها دخول سمر الغرفة، لتجدها بتلك الحالة.
زفرت بضيق، وهمت بتعنيفها، لكنها فضلت التروي حتى لا تنفر منها.
فاقتربت لتجلس بجوارها، وتقول بهدوء:
_ ممكن أعرف هتفضلي كده لحد أمتى؟
اعتدلت سارة في فراشها، وقالت بثبات:
_ عايزاني أعمل إيه؟
تحدثت سمر بحدة:
_ هو إيه اللي تعملي إيه؟ أنتي ناسيه إن عندك امتحانات وكمان هتبدأ من بكرة.
ردت باقتضاب:
_ متقلقيش، أنا لميت المنهج كله.
اغتاظت أكثر من برودها، ومن تعلقها الشديد بأشخاص لم تراهم ولم تسمع عنهم من قبل، وخاصةً أنهم يُعدوا ألد أعدائها.
فقالت بحدة:
_ أنا مش فاهمة كل ده ليه؟ عشان مين؟ أومال لو كانوا سألوا فيكم كنتوا عملتوا إيه.
تنهدت سارة بضيق، لا تريد الخوض معها في جدال عقيم.
وقد شعرت بأن هناك شيء غامض وعليها معرفته، لكن عليها التمهل قليلًا حتى يظنوا أنهم تناسوا ذلك الأمر، وبعدها ستعمل على معرفة الحقيقة.
فقالت بجدية:
_ لو سمحتي يا ماما، أنا خلاص نسيت الموضوع ده ومش عايزة أتكلم فيه تاني.
نهضت من الفراش لتدلف إلى المرحاض، كي تهرب من تعنيفها الدائم في كل شيء تفعله، ولا تعرف لماذا.
زمت سمر فمها بضيق، وهي تقول بتهكم:
_ فعلًا نسخة تانية من جليلة هانم، دي زي ما قال أبوكي.
خرجت من الغرفة متجهة لغرفة مصطفى، الذي كان جالسًا على مكتبه يذاكر بجدية.
وفور رؤيتها سألها باهتمام:
_ في حاجة يا ماما؟
اقتربت منه بابتسامة ناعمة، وقالت بحب:
_ لا يا حبيبي، أنا بس كنت بطمن عليك، عايز حاجة أعملهالك؟
تناول مصطفى يدها يقبلها بحب، وقال:
_ لا يا حبيبتي، أنا أصلًا شوية كده وهقوم أنام.
أومأت برأسها وهي تقول:
_ تمام، لو احتاجت حاجة نادي عليا.
أومأ لها وعاد ينظر لكتابه.
وخرجت هي من الغرفة متجهة إلى غرفتها، لتجد منصور مستلقيًا على الفراش، ساندًا ظهره فوق الوسادة بشرود.
علمت ما يفكر به، وعليها أن تشجعه على ذلك.
فأقتربت منه لتجلس بجواره، وتقول بدهاء:
_ سرحان في إيه يا حبيبي؟
يعلم جيدًا تلك النظرة، ويعلم جيدًا ما وراءها.
فيقول بابتسامة ساخرة:
_ حبيبي دي وراها حاجة، ياترى إيه هي الحاجة دي؟
حاولت بصعوبة كتم غيظها، وردت بابتسامة زائفة:
_ أنا طول عمري بقولها، ليه مستغربها دلوقتي؟
رفع حاجبه ليجيب بفطنة:
_ لأن طول عمرك عايزة، مش بتكتفي أبدًا، فبالتالي لازم تقوليها على طول.
لم تعد ألاعيبها تجدي معه نفعًا، فقررت التحدث بجدية:
_ تمام، عملت إيه مع جمال؟
هز رأسه قائلاً بثبات:
_ ولا حاجة.
_ يعني إيه ولا حاجة؟
رد بضيق وهو يضع الهاتف على المنضدة ويغلق الضوء:
_ يعني حاجة متخصكيش، ومتسأليش عنها.
ردت بحدة:
_ لأ تخصني، أي حاجة تخصك بردوا تخصني أنا كمان، وده حقنا وحق ولادنا.
اعتدل منصور ليقول بغضب:
_ حقك اللي بتتكلمي عنه ده، أخذتيه وزيادة كمان، وهو الخير اللي انتي وأبوكي عايشين فيه.
ولو هنتكلم عن الحقوق، فأحنا أخذناه وزيادة، بلاش نضحك على نفسنا ونقول حق.
اشتعلت النيران بداخلها، لكنها فضلت التروي كما قال والدها، حتى يأخذ المال من أخيه لأجل الصفقة، وبعد ذلك تفعل به ما تريد.
_ أومال هتجيب فلوس الصفقة منين؟
تهرب منها قائلًا:
_ ميخصكيش.
لا يريد التحدث معها في شيء.
عليه أن يتحرك في صمت حتى يسترد ما هو له منهم، وبعد ذلك سيفاجئهم بضربة قاتلة تطيح بكليهما.
فمنذ أن استمع لحوارهم في الشركة، وهو يتوعد لهم بأشد عقاب، لكن عليه التروي قليلًا قبل اتخاذ أي خطوة.
❈-❈-❈
دَلفت الغرفة لتجده غارقًا في شروده.
لم تستطع التحدث معه وهو بتلك الحالة، ستنتظر حتى يهدأ قليلًا ثم تتحدث معه.
فهي أكثر من يعلم بحالته الآن، وهو يتمزق شوقًا لرؤية أخيه الذي لم يبالي لهم يومًا، بل يزداد جشعًا وحقدًا عليهم.
اقتربت منه لتجلس بجواره، وتقول بتعاطف:
_ تحب أعملك حاجة تشربها؟
هز رأسه دون النطق بشيء.
حاولت البحث عن كلمات تخفف بها عنه، لكنه لم يتركها تحتار أكثر من ذلك.
وقال بهدوء:
_ أطفي النور ونامي يا وسيلة، لإني مش راضي أسمع كلام ملوش لازمة.
أدارت ظهرها متظاهرة بالنوم، لتستسلم هي أيضًا وتغلق الضوء وتستلقي بجواره تنظر إليه نظرة يملؤها الحزن.
أما هو، فظل ساهرًا طوال الليل يفكر فيما ينوي عليه والده.
❈-❈-❈
ظلت طوال الليل تراجع دروسها كي لا تفكر به، لكن لم يترك مخيلتها لحظة واحدة.
حتى اندهشت من ذلك، ماذا يحدث لها؟
لما التفكير به، رغم أنها لم تراه سوى مرات عديدة.
أغلقت الكتاب ووضعته على المنضدة بجوارها، بعد أن يئست من طرده خارج مخيلتها.
لتلجأ إلى النوم، ربما يرحمها ولو قليلًا.
منهجذبة الغطاء عليها تحاول النوم، لكن النوم أيضًا أبى أن يرحمها ولو قليلًا.
تركت نفسها للتأمل كي تعرف ما يريد تفكيرها الوصول إليه، لتتفاجئ بدقات متسارعة من قلبها، الذي كان دائمًا محاطًا بجدار صلب لم يستطيع أحدًا اختراقه.
كيف استطاعت تلك العينين أن تدمره بتلك السهولة؟
منذ متى وقلبها بتلك السطحية، حتى يرضخ بنظرة واحدة ويقع أسيرًا لديها؟
فتفكيرها به ليس سوى ضرب من الجنون، ولن تجني منه سوى المزيد من الألم.
بدأت المخاوف تضرب عقلها بقوة.
سيرحل غدًا ولن تراه مرة أخرى.
ماذا ستفعل حينها، سوى معالجة قلبها من الألم الذي سينهشه بدون رحمة.
عليها أن تعمل بكل ما أوتيت من عزم على نسيانه بكل الطرق، حتى تتخلص من ذلك الوليد الذي نبش أظافره بداخلها، ويعود ذلك الجدار إلى موضعه.
فهل ستستطيع ذلك، أم أن القلب إذا هوى، لن تستطيع فعل شيء حينها.
❈-❈-❈
خرج الدكتور عصام من المرحاض، ليجد أمجد شاردًا في تفكيره.
فعلم فيما يشرد عقله، فسأله بابتسامة:
_ لحقت تشغل بالك أوام كده؟
انتبه أمجد ليسأله مستفسرًا:
_ هي مين؟
تقدم منه ليجلس على المقعد بجوار الفراش، ويجيب بتسويف:
_ اللي أخدت تفكيرك.
ابتسم أمجد بحزن وهو يجيبه:
_ مش عارف، بس كل اللي أعرفه إن مينفعش أفكر فيها أو في غيرها دلوقتي، أنا حالًا بنام ومش عارف هصحى من النوم ولا لأ، خارج ومش عارف هرجع ولا لأ.
كل الحكاية إني حسيت ناحيتها بإحساس غريب محستش بيه مع شاهي اللي ارتباطنا استمر خمس سنين.
فيها حاجة بتجذبني ليها، بس مش عارف هي إيه.
_ يمكن عشان جميلة مثلًا؟
هز رأسه بنفي:
_ عمر الجمال بالنسبة لي ما كان مقياس.
_ متحاولش تفهمني إنك لحقت تحبها من مرة ولا اتنين، انت عمرك ما اعترفت بالحب اللي من أول نظرة ده.
أومأ له ليرد بشرود:
_ ولسه عند رأيي، لكن هو في فعلًا في حب من النظرة الأولى، بس بيبقى وليد وبيبدأ يكبر مع الوقت.
وعشان كده أنا واخد الموضوع ببساطة، لأني متأكد إني مش هشوفها تاني.
رفع عصام حاجبه متسائلًا:
_ إيه اللي مخليك واثق كده؟
_ لإني أولًا راجع القاهرة، ومظنش إن هيكون فيه فرصة تانية تخليني أجي الصعيد دي حاجة.
الحاجة التانية زي ما قلت، الحالة كل مادي بتتأخر، ممكن في أي وقت حياتي تنتهي.
رد عصام بتعاطف:
_ بس أحنا أملنا في ربنا كبير، وإن شاء الله هنلاقي المتبرع.
قاطعه أمجد بثبات:
_ بلاش نضحك على نفسنا ونقول هنلاقي متبرع، لإن ده شيء صعب قوي في مصر.
وعشان نقول هنعملها بره مصر، فلازم وقت وجود المتبرع وقت وجودي في المستشفى، وده أصعب منها.
_ وعشان كده طلبت منك تسافر اليونان، بحيث إن وقت ما نلاقي المتبرع تكون أنت موجود.
تنهد بألم شديد وقال بيأس:
_ صعب حاليًا.
تحدث عصام بجدية:
_ أمجد، أنت عارف كويس إنك بالنسبة لي مش مجرد مريض، ولا ابن صديق عمري؛ انت بالنسبالي الابن اللي عوضني عن غياب ابني.
بلاش تستسلم، لأن في ناس محتاجالك، فكر في أبوك اللي ممكن يموت فيها لو حصلك حاجة، فكر في أخواتك البنات، وغير كل ده شبابك اللي هيضيع.
أومأ برأسه دون قول شيء.
لتعود صورتها في مخيلته مرة أخرى.
_ سيبها على الله.
❈-❈-❈
في الصباح وعلى مائدة الإفطار اجتمع الجميع ماعدا جاسر وعمران.
ليندهش جمال ويسأل والدته:
_ أومال فين أبوي وجاسر؟
هزت جليلة كتفيها قائلة:
_ معرفش يا ولدي، لما سألته قالي لما أرجع هتعرفي كل حاجة وخد جاسر ومشيوا.
أخرج هاتفه ليتصل على ابنه، لكن وجده قيد الإغلاق.
وضع الهاتف على المائدة أمامه، وقد ساوره الشك في أمرهم، لكن ليس بيده شيء سوى الانتظار.
ولم يمضي الكثير إلا وقد وجدهم يدلفون المنزل، ويبدو أنهم فعلوا ما كان يخشاه.
ساعد جاسر جده على الدخول وأجلسه على المقعد، متهربًا من نظرات والده الحادة.
وقال لجده:
_ أنا رايح الأرض، عايز حاجة؟
ربت عمران على يده قائلاً:
_ لا يا ولدي، عايز سلامتك.
وقبل أن يهرب جاسر، كان صوت جمال يأمره قائلاً:
_ استنى عندك.
ازدرد ريقه بصعوبة، ثم سمعه يوجه حديثه إلى جده قائلاً:
_ كنت فين يا بوي؟
تنهد عمران بتعب، وقال بهدوء:
_ كنت عند المحامي.
هز جمال رأسه بيأس منه، وقال بعتاب:
_ ليه بس يا بوي؟ إحنا مش اتكلمنا في الحتة دي ونهيناه؟
أنت أكده ظلمت حالك وظلمت أخوي.
ضرب عمران بعصاه الأرض، وقال بغضب:
_ أنا مظلمتش حد، الأرض دي حقك لوحدك، هو سبج وأخذ حقه وأكتر كمان، أنت اللي شجيت وتعبت لحد ما رجعت الأرض لينا بعد ما كانت خلاص ضاعت وضاع كل شيء.
هو اللي هملنا ومشي من غير ما يسأل راحوا فين ولا عملوا إيه.
وبعد ده كله جاي يطالب بحقه، ملوش عندنا حقوق.
رد جمال برفض:
_ لا يا بوي، ليه بعد عمر طويل ليك، ليه نص الأرض ونص البيت؟
الفلوس اللي أخذها دي كانت وهبة منك ملهاش صالح بالورث، أنت أكده بتغضب ربنا.
احتدم الجدال بينهم، ليقول عمران باحتدام:
_ لو كان زي ما بتقول، يبقى الأرض دي كمان وهبة مني ليك.
الفلوس اللي أخذها كانت بتمن الأرض، لو هتبص للأرض دلوقتي فدي من شقاك وتعبك السنين اللي فاتت دي، متفتكرش إني كنت راقد في فرشتي معرفش أنت تعبت قد إيه.
لا إني كان قلبي حاسس بيك وبيبكي بدل الدموع دم، لحد ما وقفت على رجليك من تاني وبقيت أحسن من الأول.
الأرض دي ملك لوحدك ولأولادك من بعدك، غير كده محدش هيخطاها برجله.
وهو خلاص أنا نفذت ومفيش كلام تاني هيتقال.
لن يفعلها، ولن يستطيع أن يتحمل أبيه ذلك الوزر.
فقط سيهاوده، وبعد ذلك سيفعل ما يملي عليه ضميره.
_ حاضر يا بوي، اللي تشوفه.
❈-❈-❈
فتحت عينيها بتكاسل بعد تلك الليلة التي قضتها في سهاد، وكأن صوره طُبعت داخل قلبها قبل عينيها.
شيء بداخلها يدفعها للذهاب إليه ورؤيته قبل ذهابه.
لكن عقلها أبى ذلك.
وأصبحت في صراع بين ذلك القلب الذي يئن شوقًا لرؤيته؛ وبين عقلها الذي يتمسك برأيه.
فالفرار من الحب الآن أهون بكثير من الفرار بعد.
قامت بتبديل ملابسها ونزلت لأسفل، لتجد أباها جالسًا مع أخيها في وجوم تام، وكأن هناك شيئًا قد أزعجهما.
اقتربت منه تقبل يده:
_ صباح الخير.
رد جمال بابتسامة أشرقت لها:
_ صباح الورد.
نظر في ساعته وأكمل:
_ متأخرة النهارده يعني.
ازدردت ريقها بصعوبة، وردت بثبات:
_ عندي تدريب النهارده في المستشفى، محتاجة حاجة قبل ما أمشي؟
أجاب بحب:
_ عايز سلامتك، بس استني أخلي جاسر يوصلك.
ردت مسرعة:
_ لا، خليه، أنا رايحة مع أصحابي، وبعدين المستشفى قريبة من هنا يعني مش مستاهلة، بعد إذنك.
انصرفت مسرعة، تلاحقها عين جاسر الذي لاحظ ارتباكها، لكنه لم يشك مطلقًا بها.
❈-❈-❈
استعد أمجد للذهاب مع طبيبه، لكنه لم يستطع العودة إلى القاهرة دون رؤيتها.
ظل يتعلل بأعذار واهيه على أمل مجيئها، لكن لا فائدة.
حتى استسلم أخيرًا واستعد للذهاب.
وقفت هي مترددة أمام الغرفة، ما بين الولوج بزيها الطبي بحجة الاطمئنان عليه مثله مثل أي مريض،
أم تلوذ بالفرار وتهرب من ذلك الحب الذي لن تجني منه سوى الألم.
انتصر العقل حينها، وهمت بالذهاب، ولكن كان للقدر رأي آخر، حين انفتح الباب ووجدته أمامها، لتتسع عيناها ذهولًا، كما اتسعت عينيه سرورًا برؤيتها.
ويقول بسعادة:
_ دكتورة ليلى؟
رمشت بعينيها مرات متتالية من شدة الإحراج، وردت بارتباك وهي تبحث عن كلمات تساعدها على الخروج من ذلك المأزق:
_ أ..أنا ..جيت أطمن عليك أقصد على صحتك و….
انتشلها من ذلك الإحراج الدكتور عصام، الذي خرج أيضًا خلفه.
وعند رؤيتها قال مرحبًا:
_ أهلًا دكتورة ليلى، أخبارك إيه؟
ردت ليلى بصوت خافت:
_ الحمد لله بخير.
تهربت من أعين الجميع، لتتابع بثبات زائف:
_ أنا عندي تدريب هنا، وقلت أطمن على مستر أمجد قبل ما يمشي.
رد أمجد بامتنان، وعينيه تحفظ ملامحها عن كثب:
_ الحمد لله، أنا بقيت كويس دلوقتي، معلش تعبتك معايا.
رفعت عينيها التي خفضتها إحراجًا من الموقف، وردت بتلعثم:
_ أنا.. معملتش حاجة، أنا بس كنت بقوم بدوري مش أكتر.
_ ليلى؟!
كان ذلك صوت جمال، الذي جاء ليطمئن على أمجد قبل ذهابه، ليتفاجأ بها معهم.
ما جعل قلبها ينقبض خوفًا من الموقف، وقبل أن تجيبه، أنقذها عصام للمرة الأخرى قائلاً:
_ أهلًا يا حاج جمال، كويس إنك جيت، كنت لسه بقنع دكتورة ليلى بأنها تكمل تدريبها معانا في المستشفى، وشكلها كده مترددة.
نظر إليها جمال بوجوم، ثم رد قائلاً:
_ إن شاء الله، بس زي ما قلت، لما تخلص السنة دي بالتقدير اللي منتظره منها، ومش عايز أي حاجة دلوقتي تشغلها عنها.
ثم نظر إلى أمجد، الذي استطاع بعد عناء إبعاد عينيها عنها، وسأله بجدية:
_ كيفك دلوقتي؟
رد أمجد بابتسامة تحمل احترام وتقدير له:
_ الحمد لله كويس، وآسف على القلق اللي سببته لحضرتك.
رد جمال بصدق:
_ متقولش كده، إنت زي جاسر ابني.
تحدثت ليلى بثبات:
_ طيب، أنا هستأذن عشان أكمل مرور.
أومأ الجميع لها، لتلوذ بالفرار من نظرات أبيها.
وقد حالفها الحظ عندما أتى جاسر بعد ذهابها، كي ينقل أمجد بسيارته إلى المطار.
❈-❈-❈
ظل يزرع الغرفة ذهابًا وإيابًا، وهو يفكر في حيلة أخرى غير الذهاب إليهم.
نعم، اشتاق لهم، ولوالدته التي يتمنى رؤيتها في كل لحظة تمر عليه.
لكنه لن يستطيع تحمل نظرات العتاب التي سيراها في أعين الجميع.
كان ينتظر منهم إرسال النقود دون النطق بشيء، ليخلف أخيه ظنه به ويقبل بطلبه بمقابل العودة إليهم، وهو لن يستطيع فعلها.
ولن يستطيع أيضًا التصدي لهم خشيةً من عناد أبيه، ومن الممكن أن يسجل كل شيء باسم أخيه.
لكن ماذا سيفعل بشأن تلك الصفقة؟
فكر قليلًا، لتنتابه فكرة شيطانية، مقررًا العمل عليها، لكن عليه أن تكون بإتقان حتى لا يشك أحدًا به.
❈-❈-❈
وقفت تنظر إليه وهو يخرج من المشفى بصحبتهم، تتساءل:
هل ستراه مرة أخرى؟
أم ستسجل تلك النظرة الوداع الأخير الذي لا لقاء بعده.
ظلت تنظر للسيارة بدقات قلب غير رتيبة، حتى اختفت من أمام عينيها.
إلى أين يا من تركت قلبًا ينبض بعشقٍ لم يختبره من قبل، ولا يعرف كيف ينزعه من داخله.
أما هو، فقد شعر بأنه فارق قلبه كما فارقها، وآبى قلبه الذهاب معه وبقى مع تلك العينين التي وقع صريعًا بعشقهما.
تقلع الطائرة وهو ما زال شاردًا بها دون إرادته.
لديه شعور غريب بأنه ترك شيئًا هامًا وعليه العودة إليه.
وكان طبيبه يرمقه بنظرات مشفقة، وقد لاحظ أيضًا تبادل المشاعر من الطرفين.
لم يخفَ عليه نظراتها المشتتة، وهي تحاول بصعوبة بالغة كبت مشاعرها.
عليه أن يقربها منه حتى تكون دافعًا له للتشبث بالبقاء.
عاد أمجد إلى القاهرة، وقد تحسنت صحته بعد تلك الليلة التي قضاها في المشفى.
عاد إلى منزله وإلى حياته، ضاربًا بتنبيهات الطبيب عرض الحائط.
فقد اقترب أجله، وعليه أن ينهي كل المعضلات التي ستواجه والده بعد وفاته.
فقد نجا تلك المرة بأعجوبة، وقد لا ينجي مرة أخرى.
لم تغب عن مخيلته لحظة واحدة، لكن عليه نسيانها.
فليس له أمل في عيش حياة هنيئة سواءً معها أو مع غيرها.
وخاصةً بعد تلك التي تخلت عنه وقت أن علمت بمرضه.
لا يلومها على تركها له، فهي من حقها أن تقضي حياتها مع من يسعدها.
وليس رجلًا تقضي ما تبقى له في المشفى.
❈-❈-❈
عادت ليلى إلى المنزل، وهي تحاول بصعوبة الثبات أمام الجميع.
وخاصةً والدها الذي كان يرمقها بنظرات غريبة، وكأنه يستشف ما يدور بخلدها الآن.
يتساءل: هل رؤيتها معه بمحض الصدفة، أم رغبةً منها في رؤيته؟
فما يراه الآن في عينيها التي تتهرب منه، يجعله يوقن بأن هناك شيئًا بداخلها تحاول إخفاءه، وعليه معرفته.
لينهض من مقعده موجهاً حديثه لها:
_ ليلى تعالي ورايا.
انقبض قلبها خوفًا، لكنها استطاعت بعد عناء الثبات كي لا يشعر أحد بشيء.
ودلفت خلفه المكتب، لتجده واقفًا موليًا لها ظهره.
_ نعم يا بوي.
التفت إليها لينظر داخل عينيها التي لا تستطيع الكذب، ولأول مرة ينظر داخلهم ولا يستطيع أن يقرأ ما بداخلهم.
إذًا، عليه أن يكون هادئًا معها حتى لا تضطر للكذب.
فأشار لها بالجلوس، ويجلس بجوارها يسألها بجدية:
_ ممكن أعرف من وقت ما رجعتي من المستشفى، وانتي مسهمة كده ليه؟
ازدردت ريقها بصعوبة، وهي تجيب بثبات كي لا يشك بشيء.
وقررت الخروج من دائرة الشك بأن تسايره في حديث آخر، لتقول بعتاب:
_ بفكر في عرض الدكتور عصام اللي أنت رفضته.
نظر داخل عينيها يستشف صدق كلامها، واستطاعت هي بعد عناء أن ترتدي قناع الثبات.
مما جعله يسألها مرة أخرى:
_ بس كده.
هزت رأسها بتأكيد:
_ هو ده مستقبلي، وفرصة مش هتتعوض.
بلاش تقف قدام مستقبلي، دي فرصة ولو ضاعت مني، هخسر كتير.
أمسكت يده لتقول برجاء:
_ أرجوك يا بوي توافق، وأنا أوعدك إني وقت ما أخلص سنة الامتياز هرجع على طول.
قلت إيه؟
هربت بيده الأخرى على يدها التي تتشبث بيده برجاء، وتحدث بهدوء:
_ حاضر موافق، بس على شرط.
ردت بلهفة:
_ موافقة على أي شيء.
ضحك جمال على لهفتها، ليتابع:
_ يكون أول الدراسه، لأني مش هطمن عليكي وإنتي لوحدك.
همت بمقاطعة حديثه، لكنه منعها مردفًا:
_ أخواتك عايزين يدرسوا في جامعة القاهرة، وأنا قررت آخد لكم شقة هناك، وتكوني معاهم لحد ما تخلصي السنة دي.
اندفعت تعانقه بسعادة غامرة، مما جعله يضحك بسرور لسعادتها.
❈-❈-❈
في اليوم التالي، وفي الشركة، جلس منصور وشريف وسمر في مكتبه حتى يصلوا لحل، حتى يستطيعوا تحضير المبلغ المطلوب.
فيقول منصور:
_ أنا موافق على القرض، بس بشرط.
سألته سمر بتوجس:
_ شرط؟! شرط إيه؟
عاد منصور بظهره للخلف، ويقول بمكر:
_ هنعدل شوية حاجات في الشركة.
اندهش شريف ليسأله مستفسرًا:
_ يعني إيه مش فاهم؟
أجاب بجدية:
_ يعني القرض ده هجيبه باسمي، وأنا اللي هسدده، وهنا هتكون نسبتي في الأسهم هتعلى، يعني بدل ما هتكون ٦٠٪ هتكون ٨٠٪.
وأنا اللي همسك منصب رئيس مجلس الإدارة، وكده ولا كده هو من نصيبي، يعني مش بطالب بحق مش حقي.
نظر شريف بصدمة إلى ابنته، التي قالت برفض:
_ مستحيل أوافق على اللي انت بتقوله ده.
هز كتفه ببساطة قائلاً:
_ والله اللي تشوفيه، أنا عن نفسي مش متشجع لموضوع القرض ده، لو عايز تسحبه أنت باسمك معنديش مانع، بس متخافش، كلنا هنشارك فيه.
ها، قلت إيه؟
حاول شريف بصعوبة كظم غيظه منه، لكن عليه الموافقة كي لا يشك بشيء.
ورد بهدوء رغم الحقد الذي يشتعل بداخله:
_ تمام، اللي تشوفه.
همت سمر بالاعتراض، لكن شريف منعها:
_ من حقه، وأنا معنديش مانع، ولو عايز تمضي العقود من بكرة موافق.
وقف منصور، وهو يقول بثبات كي لا أحد يشك بأنه كشف ألاعيبهم:
_ تمام، أنا هروح البنك وأبدأ في الإجراءات، وهكلم المحامي يجهز العقود، بعد إذنكم.
خرج من المكتب، وابتسامة نصر مرتسمة على وجهه، متوعدًا لهم بالمزيد والمزيد حتى يلقيهم خارج الشركة كما أدخلهم فيها.
بعد انصرافه، نظرت سمر إلى والدها لتسأله بانفعال:
_ انت إزاي توافقه على حاجة زي دي؟ كده هتكون كل حاجة بيده، ومهنقدرش نوصل لحاجة.
عاد شريف بظهره للخلف، وهو يقول:
_ كنتي عايزاني أعمل إيه؟ لو عارضته في حاجة زي دي، كان هيشك فينا.
وإنتي بالذات مينفعش تعارضي، لأنه جوزك، وكل ده في الأول والآخر لأولادك.
وأنا لو اتكلمت مش هيكون ليا حق، لإن نسبتي أقل بكتير من نسبته.
سألته بغضب:
_ طب وبعدين؟
تنهد بحيرة:
_ مش عارف، بس كل اللي خططنا ليه خلاص مبقاش ليه لازمة، ولازم نشوف خطة غيرها.
رواية ومجبل علي الصعيد الفصل الثامن 8 - بقلم رانيا الخولي
دلفوا إلى الشقة التي ابتاعها لهم جمال بسعادة لا توصف، وهي تخطو أولى خطواتها بداخلها.
نظرت إلى جاسر الذي يرمقها ببهجة على سعادتها تلك، وكأنها خاضت حربًا ضارية وانتهت بالفوز.
نظرت إليه لتجده يرمقها بنظرات محبة، تعلم جيدًا مدى تعلقه الشديد بها، لكن خوفه الأشد عليها يظهر عكس ذلك، وتعلم جيدًا بأنه يصعب عليه بعدها عنه.
فقالت بغيظ:
"طبعًا أنت مش طايق نفسك دلوقت."
ضحك جاسر واقترب منها قائلًا بمرح:
"مين جال إكده، دا أنا سعادتي لا توصف إني أخيرًا هرتاح منكم ومن نقاركم كل دجيجة. صحيح إني كنت رافض الفكرة دي، بس مدام هشوف السعادة الذي طاله من عنيكي دي فلازم أوافق."
تحدثت ليلى بحب:
"ربنا يخليك ليا وميحرمني منك واصل، اطمن عليا أختك بميت راچل."
رد بصدق:
"خابر زين وواثق من إكده، بس انا بردو هفضل جلجان عليك."
قبل جبينها بحب، ثم نظر إلى عينيها ليتابع بحب:
"أوعي تفتكري إني بجف في طريق سعادتك، أنا بس خوفي عليكي هو اللي بيخليني أعارضك إكده."
نظر إلى أخويه الذين دلفوا غرفهم.
ابتسمت بامتنان:
"عارفه وعشان كده عمري مـ زعلت منك."
ربت على كتفها ثم قال بجدية:
"طيب أنا هنزل أجيب عشا لحد ما تغيروا."
***
استيقظ أمجد من نومه على آلام مفرطة في قدمه.
نهض من فراشه ناظرًا إليها ليجدها متورمة قليلًا.
حاول التحامل والوقوف عليها، لكنه شعر بالألم يزداد.
حتى آلام قلبه أصبحت تلك الفترة لا تحتمل.
أمسك هاتفه ليحدث طبيبه، الذي ما إن وجده يتصل عليه حتى أسرع بالرد قائلًا:
"وبعدين يا أمجد، أنت مجتش ليه في ميعادك؟"
رد أمجد بألم وهو يعاود الجلوس على الفراش:
"غصب عني، البنات كانوا موجودين ومكنش ينفع أسيبهم، بس أنا جاي لحضرتك النهارده وبتصل عشان تحدد أجيلك أمتى."
"صوتك بيأكد إنك تعبان."
وضع يده مكان الألم:
"شوية بس، المشلكة دلوقت في رجلي، لاحظت إن فيها تورم."
"حدث ما كان يخشاه. طيب تعالى دلوقت، أنا موجود في المستشفى."
تحامل على نفسه وقام بأخذ حمام دافئ ربما يساعده ولو قليلًا، ثم ذهب إلى المشفى.
***
استعدت ساندي للذهاب إلى الجامعة لتجد أخيها يخرج من غرفته، فقالت بابتسامة:
"صباح الخير يا وائل."
اقترب منها ليقبل رأسها قائلاً:
"صباح الخير يا حبيبتي، رايحة الجامعة؟"
أومأت برأسها وهي تحمل حقيبتها:
"آه، انت عارف النهارده أول يوم."
أخرج بعض النقود من حافظته ليشير بهم:
"ها، على اتفاقنا؟ ولا غيرتي رأيك؟"
ردت ساندي ببغض وهى تأخذ منه النقود:
"انت محسسني إن اللي خلقها مخلقش غيرها، ما فيه بنات كتير أجمل واحسن منها، أشمعني ده بالذات؟ وبعدين دي أهلها صعايدة، لو عرفوا حاجة زي دي مش هيرحموك."
رد وائل بضيق:
"أولًا، اه هي بالنسبالي متخلقش غيرها. وثانيًا، هي متقدرش تفتح بوقها لأنها ببساطة هتخاف من أهلها و هتطر أنها توافق على أي وضع. ولو اعترفت لأهلها هنكر وأقول إنها بتقول كده عشان تخليني أتجوزها، ولو مش متأكدين اكشفوا على بنتكم وتأكدوا، وهناك هتطلع هي اللي كدبت."
تعلم مكر أخيها جيدًا، لكن لم تتخيل يومًا أن يكون بكل ذلك الدهاء.
"طيب لو اتجوزتها وعرفت إنك كنت بتضحك عليها هتعمل إيه وقتها؟"
رد ببساطة:
"ولا أي حاجة، وقتها هتكون وقعت بين إيديه وخلاص. وبعدين متنسيش أني هاخدها وأسافر على طول، يعني مش هتلاقي حد تلجأله."
"ماشي يا سيدي، بس هي توافق تيجي معايا؟"
"انتي وشطارتك بقى، عايز أخلص كل حاجة قبل ميعاد السفر."
"تمام."
***
خرجت من المحاضرة بصحبة أخيها لتتوقف عن السير عندما سمعت نداءها:
"سارة."
التفتت إليها سارة لتبتسم بسعادة وهى تقول:
"ساندي، إزيك؟"
نظر إليها مصطفى ببغض لم يستطع إخفاءه وقال لأخته:
"طيب أنا هستناكي بره، بااى."
اقتربت منها ساندي تقبلها بترحيب وهى تنظر إلى مصطفى الذي تركهم وغادر:
"عاملة إيه ياقلبي؟"
ردت سارة بحب:
"بخير الحمد لله، المهم انتي طمنيني عليكي."
تحدثت ساندي بخبث:
"والله أنا النهارده محتاجالك جدًا وعايزاكي تساعديني."
قطبت سارة جبينها وهي تسألها:
"خير يا ساندي؟"
تحدثت ساندي بمكر:
"أصل النهارده وائل أخويا راجع من السفر، وبما إن النهاردة عيد ميلاده فكنت عايزة أعمله مفاجأة وكنت عايزة أساعديني."
تراجعت سارة عند ذكر اسمه، فهى لم تتقبله مطلقًا وتخشى دائمًا من نظراته لها، فقالت باعتذار:
"أنا آسفة والله كان نفسي أساعدك، بس زي ما انتي عارفة مينفعش آجي عندك وهو موجود."
ردت ساندي بسرعة:
"لأ متخافيش، هو مش هييجي إلا بالليل، يعني نكون خلصنا كل حاجة وروحتي كمان. معلش ياسارة بس انتي عارفة إني مليش أصحاب غيرك."
ترددت كثيرًا قبل أن ترد باستسلام:
"تمام، بس لازم أرجع البيت قبل ما يوصل."
هزت رأسها بتأكيد:
"اكيد طبعًا، يالا بقى بسرعة."
***
دلف ليلى المشفى بسعادة بالغة لتسأل عن مكتب الدكتور عصام الذي كان ينتظرها.
طرقت الباب ودخلت عندما سمح لها بالولوج، وعند رؤيتها نهض يستقبلها بترحاب:
"أهلًا ياليلى، أخيرًا الحاج وافق إنك تكملي عندنا."
أشار لها بالجلوس وهي تقول بحبور:
"الحمد لله وافق أخيرًا."
ظل يتحدث معها عن طبيعة عملها في المشفى حتى طرق الباب ودلف أمجد، الذي هم بالإعتذار والعودة، لكن الكلمات وقفت في حلقه من هول المفاجأة.
هل ما يراه الآن حقيقة أم يخيل له كما يحدث معه دائمًا منذ أن فارقها؟
هل هي حقًا تقف الآن أمامه بعينيها التي ألقت عليه سحرها من النظرة الأولى، أم أنه أصبح يراها في كل امرأة تقع عيناه عليها؟
أما هي، فقد ألجمتها الصدمة وعادت إليها تلك المشاعر التي ظنت يومًا أنها فارقتها لتعود الآن، لكن بقوة وعنف جعلت وتيرة تنفسها تزداد وتزداد.
لتنظر لعصام وكأنها تطالبه أن ينتشلها من تلك اللحظة، كما يفعل دائمًا.
وكأنه قرأ أفكارها ليقول بهدوء:
"أهلًا يا أمجد، اتفضل."
ازدردت أمجد ريقه وهو يتقدم منهم قائلًا بترحيب:
"إزيك يادكتورة ليلى؟"
اهتزت نظراتها وأصبحت تبحث عن كلمات تجيب بها، لكن وكأنها تناست أبجدية الكلمات.
ليرحمها عصام من حالتها تلك:
"الدكتورة ليلى اتعينت معانا هنا في المستشفى، وتقدر تقول كده هتكون دراعي اليمين."
رغم الفرحة التي اعترته برؤيتها، إلا أنه شعر بالاستياء لبقائها في مكان شديد التواجد به.
كان يعمل على نسيانها بكل الطرق، وقد بائت محاولاته بالفشل عند رؤيتها الآن.
ليرد باقتضاب:
"الف مبروك."
ضغط عصام على الزر لتدلف إحدى الممرضات وتسأله:
"أُمر يافندم؟"
أشار لها على ليلى قائلًا:
"وصلي دكتورة ليلى لمكتبها في قسم الجراحة."
نهضت ليلى بسرعة وتلوذ بالفرار من أمامه، وقالت بجدية:
"متشكرة جدًا لحضرتك، بعد إذنك."
وبدون إرادة منها التفتت عيناها إليه وهى تمر من جواره، لتجده ينظر إليها بنظرات مبهمة، لتتشابك العينان قليلًا قبل أن تخرج وتغلق الممرضة الباب خلفها.
جلس أمجد على المقعد في وجوم وقد اعتراه القلق من تواجدها.
فبنظرة واحدة منها أحيت بداخله ذلك العشق الذي عمل تلك الفترة الفائتة على إخماده، نعم لم ينجح بذلك، لكنه أيضًا استطاع التحكم به.
لابد أن يبتعد وإلا سيحكم على كلاهما بالشقاء، فليس له أمل بحياة هانئة معها أو مع غيرها.
ابتسامة رضى لاحظها على وجه عصام، فتطلع إليه بحيرة ويسأله:
"ليه الإبتسامه دي؟"
رد بهدوء وهو يتلاعب بقلمه:
"عادي يعني، أصلي كنت منتظر منك ترحب بيها اكتر من كده."
أخفض عينيه وهو يقول بثبات زائف:
"كده أفضل."
رفع حاجبه متسائلًا:
"أفضل في أيه، أنا شايف إن البنت جميلة ورقيقة وبنت ناس، أيه اللي يخليك تكتم حبها جواك ومتديش نفسك فرصة تعيش الحب ده؟"
ابتسم بتهكم وقد تحولت نظراته إلى حزن قاتم:
"لو فـ ظروف تانية مكنتش اترددت ثانية واحدة، إنما واحد في ظروفي دي صعب آوى."
"بس أنا مش شايف سبب يمنع، وخصوصًا إن إني ملاحظ إن هي كمان بتبادلك نفس المشاعر."
هز رأسه بنفي وأكد قائلًا:
"ده أسمه تعاطف مش أكتر، إيه اللي يخليها تعلق نفسها بواحد بينه وبين الموت خطوة واحدة؟ وزي ما قلت دكتورة وجميلة وبنت ناس وأي واحد يتمناها."
آلمه حالة اليأس التي تمكنت منه وجعلته زاهد دنياه بكل ذلك اليأس:
"بس إحنا أملنا في ربنا كبير والدكتور ليون بيجاهد معانا، ووقت ما بيلاقي حالة أدامه بيعمل التحاليل فورًا، بس للأسف بيبقى أختلاف في زمرات الدم أو العمر. ووقت مـ يلاقي توافق هنسافر على طول."
تراقص الأمل بداخله ليقول بمزاح:
"وقتها بقى لو رفضتني أقدر أقولك إني هخطفها وأتجوزها بالأجبار."
ضحك الأثنين ثم تحدث عصام بجدية:
"المهم هتيجي معايا دلوقت أعملك الفحوصات اللي جنابك أتخرت عليها ونشوف هنعمل ايه."
***
دلفت سارة بصحبة ساندي إلى شقتهم وقد ابتاعت ما يلزمهم من أشياء وقامت بوضعها على الطاولة وهي تنادي:
"تعالي ياسارة، مفيش حد."
وضعت سارة باقي الأشياء على الطاولة وهي تقول:
"بسرعة بس عشان مأخرش."
"أكيد طبعًا، بس هعمل حاجة نشربها عشان الحر ده."
أخرجت العصائر من المبرد ووضعت نوعها المفضل في الكوب بعد أن أضافت المخدر الذي تركه لها أخيها، ثم قامت بالأتصال به:
"أيوة يا وائل، أنا حطيت المخدر في العصير زي ما قلت."
رد وائل بخبث:
"خلاص خمس دقايق كده وأتحججي بأي حاجة واخرج."
أغلقت الهاتف ووضعت الكوب على الحامل وخرجت إليها لتجدها تخرج الأشياء من الحقائب، فتناولها الكوب قائلة:
"اتفضلي الأول يا سارة أشربي العصير ده."
أخذت سارة الكوب من يدها وقد شعرت بالظمأ، فتتناوله بسرعة كي تنهي تلك الأشياء وتعود سريعًا قبل مجيئه.
***
انتهى عصام من فحصه ليتحدث بعده بجدية:
"للأسف يا أمجد، الحالة كل مدى مـ بتزداد سوء بسبب المجهود اللي بتعرض نفسك ليه، فأنا مطر أحجزك عندي في المستشفى لحد ما نشوف رد الدكتور ليون ايدس."
نهض أمجد من السرير وتحدث برفض:
"مش هينفع، أنت عارف كويس إني مش بحب جو المستشفيات ده."
تحدث عصام بحده:
"دي مش رحلة مش حابب جوها، دي صحتك اللي بتدمرها وبتدمر ابوك معاك، واللي انت متعرفوش إنه كلمني امبارح عشان يتأكد إن كنت جنبك كويس ولا لأ، واضطريت إني أكذب عليه. ودي هتكون آخر مرة، يا تسمع كلامي وتسافر ياإما تفضل هنا لحد ما نلاقي المتبرع."
لم ينتبه لشئ مما قيل سوى والده الذي يشك بأمره والذي لن يتحمل إذا علم بحقيقة مرضه.
"بس أنا مش عايز بابا ياخد خبر بالموضوع."
تحدث عصام بجدية:
"لأ طبعًا ضروري يعرف لأنه لازم يكون موجود أثناء العملية. وبما إننا لازم نكون جاهزين لأتصال الدكتور في أي وقت، فـ لازم يعرف."
فكر قليلًا ثم قال بتسويف:
"خلاص نأجل الموضوع شوية لحد ما الدكتور يأكد ووقتها نعرفه، وأنا هقوله إني مسافر تبع الشغل."
همهم عصام بالرفض، لكنه قاطعه برجاء:
"أرجوك ياعمي، أنا عارف بابا كويس، لو عرف هتلاقيه بيموت كل لحظة وهو شايفني. ادامه بالشكل ده، أرجوك ده لمصلحته هو."
وافق عصام مرغمًا لأنه أدرى بصديقه الذي حقًا لن يتحمل رؤية ابنه الوحيد وهو يضيع أمامه.
***
كانت سارة تعمل على إنهاء الأمر بسرعة حتى تعود إلى منزلها قبل عودة والدتها.
شعرت بنعاس شديد وظنت أنه بسبب الأرق الذي تنتابها الفترة الأخيرة.
وعندما لاحظت ساندي ذلك قالت بخبث:
"معلش ياسارة، هسيبك خمس دقايق أروح بسرعة أجيب التورته لإني نسيتها خالص."
لم تنتبه لكلامها بسبب الدوار الذي اشتد بها، كانت تود أن تطالبها بعدم الذهاب لكنها لم تستطع التفوه بشيء.
حتى خرجت ساندي من المنزل ولفها الظلام، لا تدري بشيءٍ بعدها.
***
عاد جمال إلى منزله مساءًا ليجدها منزوية في غرفتها وقد ذبلت عينيها من البكاء.
تقدم منها ليجلس بجوارها وقد آلمه رؤيتها بتلك الحالة.
تحدث بتعاطف:
"هتفضلي أكده كتير؟ أومال لما تزوچيها هتعملي أيه؟"
رفعت عينيها التي احمرت من شدة البكاء وقالت:
"ومين جالك إني هزوچها بعيد عني."
أجابها بهدوء:
"النصيب اللي بيجول مش إحنا."
هزت رأسها برفض وهى تقول بعناد:
"لاه شرطي للي رايد يتزوچها إنها متبعدش عني، أني مجدرش أعيش وهى بعيد عن عينيه."
ضحك جمال ورد بمزاح:
"وماله، ولو رايده كمان يعيشوا معانا أهنه معنديش مانع. بس وجهتها متحزنيش لو چات واحدة واخدت منك جاسر وجالت أمها مجدرش أعيش وهي بعيد عني."
تنهدت بضيق وردت بنفور:
"أعمل ايه بس، أول مرة تبات بعيد عني وجلجانه جوي عليها."
أحاطها بذراعيه ليقربها إليه ويطبع قبله حانية على جبينها:
"متحلجيش ليلى، ميتخافش عليها واصل."
تحولت نظراته إلى مكر وهو يقول:
"بجالك سبوعين جلباها علينا نكد ونسيتي جمال وشاغله نفسك بولاده، ينفع إكده؟"
ابتسمت مرغمة وهى تتطلع إليه بحب لم يقل يومًا بل يزداد يومًا بعد يوم:
"لازم اشغل نفسي بيهم لأنهم حتة منك، كل واحد فيهم واخد منك حاجة وكلهم على بعضيهم أكده بيكملوا جمال تاني."
عقد حاجبيه متسائلًا:
"عايزة تجولي إني جاسر فيه حاجة واحدة مني؟ ده في الشكل منصور أخوي، وفي الطبع جده عمران واخد أيه مني؟"
ردت بحب وهى تملي عينيها من ملامحه العاشقة لتفصيلها:
"واخد منك حنيتك وحبك للي حواليك وقلبك الأبيض، صحيح هو حمجي حبتين ومش بيعرف بين عواطفه بس حنية الدنيا كلها فيه. وهو حازم ومعتز دول واخدين خفت دمك. أما ليلى دي واخده عقلك الكبير وأخلاقك اللي مفيش زييها، صحيح هي مندفع حبتين بس بتعرف في الآخر تصلح أخطائها. كل الحاجات الحلوة دي فيك أنت واتوزعت على ولادك."
لم يجد الكلمات التي يوصف بها جمال تلك المرأة التي تقبع الآن أمامه، وقال بحب:
"إنتي أحلى حاجة دخلت حياتي ونورتها، وبتمنى دايمًا إن ربنا يقدرني واعوضك عن الشجى اللي عيشتيه معايا و…"
وضعت يدها على فمه تمنعه من مواصلة حديثه وتقول بعتاب:
"أوعاك تجول الكلام ده تاني، أنت نعمة كبيرة جوي في حياتي وبحسد نفسي عليها. أيام التعب اللي بتجول عليها دي كنت لما بترجع وتترمي في حضني كنت وجتها بنسى كل حاجة وبكتفي بيك عن الدنيا كلها، هو ده كان أحلى عوض، وجودك في حياتي يا أغلى الناس."
التزمت الصمت لكن شفتيه عزفت أجمل الألحان وهى تأسر شفتيها بينهم في قبله حانية أراد بها إثبات مدى حبه لها بالأفعال وليس بالكلمات.
أما هي، فكانت مرحبة بتلك المشاعر التي لم تهدأ بينهم رغم مرور السنين، بل يزداد الاشتياق أكثر وأكثر.
ليأخذها تغرق معه في بحور العشق والهوى الذي كتب عليهم.
***
استيقظت من غفوتها لتجد نفسها في غرفة غريبة مستلقية على ذلك الفراش.
انقبض قلبها خوفًا لتنتفض بخوف عندما وجدته يقف أمام المرآة يهندم من ملابسه.
وعندما رأى انعكاس صورتها في المرآة قال بابتسامة خبيثة:
"أخيرًا صحيتي."
التفت إليها ليردف وهو يقترب منها:
"مش عارف أقولك صباحية مباركة لأننا بقينا المغرب."
تظاهر بالتفكير وهو يتابع:
"نمشيها مساء الورد لأحلى عروسة شوفتها في حياتي."
رواية ومجبل علي الصعيد الفصل التاسع 9 - بقلم رانيا الخولي
استيقظت من غفوتها لتجد نفسها في غرفة غريبة، مستلقية على الفراش. انقبض قلبها خوفًا، لتنتفض برعب عندما وجدته يقف أمام المرآة يهندم من ملابسه. وعندما رأى انعكاس صورتها في المرآة، قال بابتسامة خبيثة:
"أخيرًا صحيتي."
التفت إليها ليردف وهو يقترب منها بخطوات بطيئة جعلت قلبها تزداد وتيرته:
"مش عارف أقولك صباحية مباركة، لأننا بقينا المغرب."
تظاهر بالتفكير ثم تابع قائلًا:
"نمشيها مساء الورد لأحلى عروسة شوفتها في حياتي."
اتسعت عينيها ذهولًا مما يحدث، وزاد أكثر عندما وجدت نفسها عارية تمامًا إلا من ذلك الغطاء الذي يسترها من نظراته الوقحة. لتهز رأسها بعدم استيعاب لما يحدث، وكأنها داخل كابوس وتريد بشدة الإستيقاظ منه. فتردد برعب:
"أنت عملت فيا إيه؟"
"عملت فيا إيه؟"
تقدم منها ونظراته تلتهمها برغبة، مما جعلها تنزوي في الفراش بخوف وتشدد الغطاء أكثر عليها:
"متخافيش، أنا مستعد أصلح غلطتي. أنا عملت كده بس عشان أجبرك توافقي عليا. بس أوعدك إني مش هكررها تاني إلا برضاك."
"عايزك كده زي الشاطرة تاخديلي ميعاد من أبوكي عشان نلحق الموضوع قبل ما نتفضح. قلتي إيه؟"
لم تجد الكلمات التي تصف بها مدى الاشمئزاز الذي شعرت به في تلك اللحظة، وكأنها تقف أمام شيطان. استحل ما ليس له، ليزداد بغضها له أضعافًا، وهى تقول بحرقة:
"مستحيل أتجوز واحد ندل وحقير زيك، حتى لو فيها موتي."
تُرفع حاجبيه وهو يقول ببساطة:
"براحتك، بس متزعليش مني بقى. فـ اللي هعمله... مع إنك هتبقي مراتي ولازم أخاف على سمعتك، بس إنتي اللي بتطريني أعمل كده."
تحولت نظراته إلى غضب وهو يميل عليها ويتابع بتهديد:
"يا توافقي تتجوزيني، يا إما متزعليش من اللي هعمله."
"أنا خارج قبل ما ساندي ترجع وتشوفك في الموقف ده. وإنتي البسي هدومك وفكري براحتك."
"جوازنا قدام، فضيحتك، وأبوكي الصعيدي لما يعرف إن بنته كانت بتستغفله ومقضياها مع كل واحد شوية."
خرج من الغرفة ليتركها تصرخ بألم على حظها العثر الذي أوقعها في شباكه.
بيد مرتعشة تناولت ملابسها الملقاة بإهمال على الأرض، وقامت بارتدائها. وخرجت من الغرفة لتجده جالسًا على المقعد بهدوء، وكأنه لم يفعل شيئًا.
تقدمت منه وهي تنظر إليه باشمئزاز قائلة:
"من وقت ما شوفتك وأنا عارفه إنك إنسان حقير وملكش أمان، بس متخيلتش إن الحقارة توصل بيك للشكل ده."
"عارفه إني مهما أقولك مش هيصحى ضميرك الميت ده، بس كل اللي هقوله: حسبي الله ونعم الوكيل فيك."
انتهت جملتها ثم أسرعت بالخروج من المنزل، وهى لا تعرف إلى أين. لن تعود إلى المنزل كي لا يعلموا بالحقيقة كما هددها ويجبرونها على الزواج منه. عليها أن تلوذ بالفرار من براثن ذلك الشيطان الذي سيظل يطاردها أينما ذهبت.
لكن مازالت تتساءل: إلى أين؟
لم تدري كيف ومتى وجدت نفسها داخل محطة القطار، وكأن قوة خفية ساقتها إلى هناك دون أن تدري.
إذًا، فقد حان الوقت لتذهب إليهم، تحتمي بهم من غدر الدنيا وقسوتها.
خطت بقدميها داخل القطار لتجلس على المقعد، تنظر من نافذته وكأنها تودع كل شئ من حولها. ولا تدري هل ستعود يومًا أم ستذهب دون عودة.
***
وقفت سمر في الردهة تنظر في ساعتها بين الحين والآخر، تتساءل عن تأخيرها كل هذا الوقت.
حاولت الاتصال مرارًا وتكرارًا، لكن لا فائدة، مازال قيد الإغلاق.
عاد منصور من الخارج ليجدها بتلك الحالة، فيسألها مستفسرًا:
"واقفه كده ليه؟"
أجابته بقلق:
"بنتك مرجعتش لحد دلوقتي."
وضع حقيبته على المقعد وسألها بقلق:
"مسألتيش مصطفى ليه؟"
"سألته وقال لي إنها خرجت مع ساندي، والمشكلة إني معرفش رقمها ولا بيتها حتى."
نظر في ساعته ليجدها قد تعدت التاسعة مساءً. ازداد قلقه أكثر عليها، ليسألها باهتمام:
"أومال فين مصطفى؟"
"راح يشوف حد يوصله لصاحبته."
لم تكمل جملتها حتى سمعوا صوت الجرس. ليظن كلاهما أنها عادت. أسرع منصور بفتح الباب ليجده مصطفى، فيسأله بلهفة:
"لقيت أختك؟"
دلف مصطفى من الباب وهو يهز رأسه بنفي:
"لأ ملقتهاش، بس قدرت أوصل لرقم البنت دي."
صاح به:
"طيب مستني إيه؟ رن بسرعة."
أخرج الهاتف ليتصل على الرقم، منتظرين الرد. وعند سماع صوتها، أخذت سمر الهاتف بسرعة:
"أيوة يا ساندي، أنا مامت سارة."
ارتبك ساندي وهي تنظر إلى أخيها، فيشير لها بفتح سماعة الهاتف وتجيب:
"أهلًا وسهلًا يا طنط، خير؟"
سألتها بخوف:
"سارة كانت معاكي النهاردة صح؟"
أشار لها أن تجاريها، لتجيب بتلعثم:
"آه كانت معايا بتساعدني في حاجة في البيت، بس مشيت من بدري."
ازداد قلق الجميع، ليأخذ منصور الهاتف ويسألها بحده:
"خرجت من عندك امتى بالظبط؟"
ازداد ارتباكها أكثر، وأجابت بخوف:
"على المغرب كده، ليه؟ هى لسه مرجعتش؟"
انقبض قلب الجميع وهم لا يعرفون ماذا حدث لها. لتأخذ سمر الهاتف وتحدثها برجاء:
"أرجوكي يا ساندي لو تعرفي أي حاجة قولي. وهى خارجة من عندك ما قالتش هى رايحة فين؟"
ازداد خوفها أكثر، وكذلك وائل الذي يستمع للمحادثة وتفكيره ذهب به إلى انتحارها:
"لأ مقلتش هى رايحة فين، وأنا افتكرت أنها روحت."
ازدادت الأسئلة من سمر، وساندي تجيبها بمقدار معرفتها، حتى انتهت المحادثة وأغلقت ساندي الهاتف.
نظرت إلى أخيها برعب وهي تصيح به:
"عجبك كده؟ البنت شكلها كده انتحرت."
ظهر الخوف واضحًا عليه، وقد ساوره الشك أيضًا بأنها لجأت إلى الانتحار.
فيجيبها بخوف:
"مظنش إنها ممكن تعمل حاجة زي دي، مع أني طلبت منها تاخد ميعاد مع أبوها."
جلست على المقعد، لهى تقول برعب:
"أنا خايفة للموضوع ده ينكشف وأهلها يخلصوا علينا."
ازداد خوفه حقًا، وقال يطمئنها:
"لأ أكيد راحت عند حد من قرايبها لحد ما تهدي وترجع تاني."
هكذا أقنع أخته، كما أقنع نفسه أيضًا، مقررًا الذهاب لخطبتها غدًا.
***
انتهى دوامها في المشفى، وقد استفادت كثيرًا من تواجدها مع في المكان.
لكن أكثر ما كان يأخذ تفكيرها هو صدمته عند رؤيتها، والوجوم الذي ظهر عليه بعدها.
كانت تود أن تسأل عن صحته، لكن خشيت أن تجرحه بكلمتها، ولذلك التزمت الصمت.
طرق الباب ليخرجها من شرودها، ودخلت الممرضة تخبرها بأن المدير يود مقابلتها.
حملت حقيبتها وذهبت إليه، لتطرق الباب وتدخل.
وعند رؤيتها، قال د. عصام:
"تعالي يا ليلى، اقعدي."
دلف ليلى لتجده يضع أمامه مجموعة من الأشعة والتحاليل، فيضعهم أمامها قائلًا:
"الحالة دي أنا عايزك تراجعيها كويس، لأنك هتتابعيها معايا."
وتناولت منه الملفات، وردت بهدوء:
"مريض قلب؟"
هز رأسه بتأكيد:
"آه، عنده عيب خلقي في عضلة القلب. كل حاجة عايزة تعرفيها هتلاقيها في التقارير اللي قدامك."
"بس عايز أقولك إن الحالة دي بالذات تخصني قوي، تقدري تقولي كده ابني اللي مخلفتوش."
لا تعرف لما انقبض قلبها خوفًا من كلماته، وكأنه يلمح لشيءٍ ما.
نظرت إلى الاسم لتزداد وتيرة تنفسها وهي تتأكد من صحته، لتحاول بصعوبة التماسك أمامه:
"أنا فكرة الحالة دي كويس، ده مستر أمجد مش كده؟"
أكد قائلًا:
"بالظبط، بس للأسف الحالة كل مدى مبتسوأش، ولحد دلوقتي مش لاقيين متبرع بنفس زمرة الدم."
"والأدهى إنه مش حتى بيساعد نفسه ومستسلم لليأس تمامًا."
"وزي ما إنتِ عارفة، أهم حاجة في العلاج نفسية المريض، وإن يكون فيه دافع يخليه يتمسك بالحياة."
شعرت ليلى بأنه يقصدها بذلك. تساءلت: هل لاحظ نظرات الحب بداخل عينيها؟ هل أصبحت بتلك الشفافية حتى يلاحظ عليها ذلك من مرات قليلة تواجدت فيها معه؟
لترد بكلمات مقتضبة:
"حاضر، أنا هدرس الحالة كويس، وإن شاء الله خير."
"بعد إذن حضرتك."
***
توقف القطار، ولكن عبراتها لم تتوقف. أخرجت هاتفها من حقيبتها لتبعث لهم برسالة صوتية تخبرهم فيها بذهابها إلى أهلها، ثم أغلقت الهاتف حتى لا يستطيع ذلك الرجل الوصول إليها.
ترجلت من القطار وسارت بضياع، وهى تنظر إلى تلك القرية التي تمنت كثيرًا المجيء إليها. وها قد جائتها، لكن مكسورة الخاطر والفؤاد. آتت هاربة من براثن ذلك الشيطان الذي دمرها وقضى عليها بكل جبروت. ترى هل ستجد الراحة والسلوان في ذلك المكان التي آتت إليه تلتمس منه العزاء؟ أم كتب عليها أينما ذهبت تلاحقها الشياطين.
سارت بخطوات منهكة، وقد تأخر الوقت كثيرًا.
لم تخطئ العنوان الذي علمته من خالد، لتقف الآن أمام ذلك المنزل الذي يحتوي تلك العائلة التي سمعت عنها الكثير والكثير منه. لكن ماذا سيكون رد فعلهم عندما يعلموا من تكون.
طرقت الباب قبل أن يفتح ذلك الذي يعد نسخة مطابقة لأبيها، مما جعلها تتأكد أكثر من أنها لم تخطئ هدفها. فتسأله بتوجس:
"مش ده بيت الحاج عمران المنشاوي؟"
اندهش جاسر من رؤية تلك الفتاة التي تأكد لهجتها وملابسها أنها لا تنتمي إلى البلدة، ليجيب بتعجب:
"آيوة، هو. عايزة مين؟"
شعرت بالبرودة تجتاح جسدها رغم حرارة جو الصعيد. وردت بثبات على ذلك اللفظ، وهي تخبره باسمها كاملًا:
"أنا سارة منصور عمر."
ساد الصمت قليلًا، وقد ألجمته الصدمة لحظات قبل أن يستعيد وعيه. وقبل أن يجيب، سمعت صوت قوي يتقدم منهم ويسأل مستفسرًا:
"مين يا جاسر؟"
نظر جمال إلى تلك الفتاة التي تقف بإنهاك، ويجيب جاسر باستياء:
"دي واحدة بنت. بيقولوا إنها بنت منصور."
رغم الصدمة التي اعترته برؤيتها، إلا أن الشبه الذي يقربها من والدته جعله يصدق ما تقول دون أن يستفهم منها. أو بالأصح، هيئتها تلك وكأنها على وشك الإغماء، لا تسمح بالاستفسار. ابتسم بحب وهو يرحب بها:
"أهلًا يا بنتي، اتفضلي، نورتي الدار."
دلف معه المنزل، لتشعر براحة عجيبة داخله. إلا من تلك العينين التي تخترقها. لتقف أمام أعين أخرى تتساءل من تكون. ليقترب منها جمال ويخبرها بسعادة وهو يعرفها عليهم:
"ده جدك عمران وجدتك جليلة."
ثم أشار على زوجته وأردف:
"ودي وسيلة مرات عمك."
ثم قدمها إليهم:
"ودي بنت منصور أخويا."
نهض الجميع من أماكنهم، إلا من عمران الذي لم تسعفه قدماه على الوقوف، ويكتفي بالنظر إليها. ليسمع جليلة تقول بسعادة:
"إنتي سارة بنت منصور ولدي."
اندهشت من معرفتها لاسمها، وأومأت دون قول شيء. لكنها أقتربت منها لتجذبها جليلة لأحضانها، وهي تقول بسعادة:
"أهلًا ببنت الغالي، نورتي الدار يا غالية."
اندهشت من استقبالهم الحار لها. ثم تقدمت من جدها الذي كان ينظر إليها بعتاب واضح، كأنه يعاتبها على تأخرها عليه. لتقبل يده بإحترام وتقول بصوت خافت:
"إزيَك جدو؟"
ربت على كتفها وهو يقول بحب:
"زين والحمد لله، كيفك إنتِ وكيفه أخوكي؟"
ازدردت ريقها بصعوبة، وردت بثبات:
"الحمد لله كويس، كان نفسه ييجي معايا بس مقدرش."
نظرت إليها وسيلة التي ترمقها بامتنان، واقتربت منها قائلة:
"إزيَك يا طنط؟"
رحبت بها وسيلة بسعادة:
"بخير الحمد لله، نورتي الدار والنجع كله."
نظرت إلى عمها الذي ينظر إليها بحب، وردت:
"منورة بأهله."
ربت بيده على كتفها، ونظر إلى وسيلة قائلاً:
"يلا يا أم جاسر، خلي سعدية تحضر العشا بسرعة عشان تتعشي وتطلع ترتاح في أوضة ليلى، لأنها بينها مش واخدة عـ السفر وجو الصعيد. والصبح يبجى اتحددتوا معاها كيف ما إنتوا عايزين."
ردت وسيلة:
"لأ أنا بنفسي اللي هحضر لها العشاء."
لم تجادل، لأنها حقًا تشعر بالجوع. فأشار لها جمال بالجلوس، لتجلس بجوار جليلة التي لم تصدق عيناها حتى الآن.
لم تتخيل يومًا ذلك الاستقبال منهم، لولا تلك العينين التي تنظر إليها بغضب جحيمي. ولما لا؟ وقد تلاعب الشك بداخله، ظنًا منه أنهم بعثوها إليهم كي تحنن قلب جدها عليه. فسألها بهدوء:
"وإنتي جاية لحالك إكدة؟"
اهتزت نظراتها بارتباك عندما تذكرت ما حدث، لتجيب بألم لم تستطيع إخفاءه:
"أنا جاية لوحدي."
تحولت نظراته لاستهزاء، وعاد يسألها:
"ومنصور سابك تيجي لحالك؟"
"جاسر بكفيَك أسئلة."
قالها جمال بتحذير من تماديه في أسئلته، ليقول جاسر بامتعاض وهو يهم بالذهاب:
"أني داخل أوضة."
نظرت سارة في أثره، وهى تجاهد كي لا تتحرر دموعها. وعندما لاحظ جمال، ظن أنها حزنت من بغض ابنه معها، فرفع عنها الحرج قائلًا:
"المهم إنك طمنتيه عليكي."
أومأت برأسها دون قول شيء، حتى دخلت وسيلة:
"العشا جاهز، تعالي."
جلست سارة على المائدة لتناول طعامها بشرود.
مندهشة من طريقة استقبالهم لها وفرحتهم بها. تتساءل: لما شوهت والدتها صورتهم بكل ذلك الكذب؟
فما تراه الآن لا ينتمي بصلة لتلك الصور التي رسمتها لها.
أبيها لم يتحدث، بل كان ينهرها إذا تحدثت عنهم بالسوء.
إذًا، هناك حلقة مفقودة، وعليها معرفة الحقيقة من جدها.
***
كانت سمر تزرع الردهة ذهابًا وإيابًا، وكأنها تسير على جمر ملتهب.
"المجرمة تستغفلنا كلنا وتعمل العميلة دي."
ثم نظرت لمصطفى الذي كان أيضًا مصدومًا من فعلتها، وسألته باتهام:
"إنت كنت عارف إنها رايحة عندهم؟"
رد مصطفى بشرود:
"خالص، أنا مستغرب زيكم، وأكتر كمان."
أما منصور، فقد كان ملتزمًا الصمت، يفكر في رد فعلهم عندما يعلموا من تكون. كيف تم استقبالهم لها؟ هل رحبوا بها؟ هل يتخذها جمال فرصة كي يخبرها بحقيقته؟
كل تلك الأسئلة تدور بخلده الآن.
لينتبه على صوتها وهي تسأله:
"ممكن أعرف إنت ساكت ليه؟"
نهض منصور ليقول بحدة:
"عايزاني أعمل إيه؟ أروح أجيبها من شعرها؟"
صرخت به:
"يعني إيه هتسيبها كده تروح لهم عادي وتبقى فرصة لجمال ومراته يشوهوا صورتنا قدامها؟"
مسح بيده على وجهه، يحاول السيطرة على أعصابه، وقال بثبات:
"هتصرف."
"هتعمل إيه؟"
أغمض عينيه محاولًا ضبط أعصابه، قائلًا بهدوء:
"هكلم خالد يروح يجيبها."
همت بالمعارضة، لكنه تحدث بتحذير:
"كلمة تاني وهطربق البيت عـ اللي فيه، أنا مش طايق نفسي."
ثم تركها وصعد إلى غرفته.
جلست سمر على المقعد تهز قدميها بغضب شديد، تفكر في طريقة تعيد بها ابنتها دون الذهاب إليهم.
تقدم مصطفى منها ليجلس بجوارها، وقال بهدوء:
"معلش يا ماما، هي كان نفسها تشوفهم وتتعرف عليهم. وبعدين هترجع تاني، يعني يومين بالكتير وهتلاقيها رجعت."
زمّت شفتيها بضيق، تحاول العثور على حل.
نظرت إلى مصطفى وقالت بأمر:
"روح إنت أوضتك وسيبني دلوقتي."
ذهب مصطفى إلى غرفته، وهو يعاتبها على ذهابها من دون أن تخبره.
حاول الاتصال بها، لكنه ما زال قيد الإغلاق.
ألقى هاتفه على الفراش، وهو يفكر في طريقة يقنعهم بها، فـ الذهاب إليها.
***
ولجت الغرفة مع وسيلة، التي قالت بسرور:
"اتفضلي، دي أوضة ليلى."
تساءلت سارة عندما لم ترَ أحدًا آخر غير ذلك الشاب:
"أومال هي فين؟"
أجابت وسيلة:
"في مصر. أصرت إنها تكمل سنة الامتياز في مستشفى مش فاكرة اسمها. كان هيجرالها حاجة لو مراحتش، مرديناش نزعلها. راحت مع أخواتها حازم ومعتز، هما كمان يكملوا علامهم هناك."
ردت بهدوء:
"ربنا يوفقهم."
لم تريد أن تطيل عليهم أكثر من ذلك:
"طيب أسيبك أنا بقى، ترتاحي من الطريق. والصبح نكملوا حديثنا."
خرجت وسيلة لتتركها لعذابها، ولحظة استيقاظها لا تترك مخيلتها لحظة واحدة.
***
جلست بجواره تسأله باهتمام:
"سرحان في إيه؟"
هز جمال رأسه بحيرة وهو يقول:
"مش عارف أقولك إيه، بس جلبي حاسس إن في مشكلة كبيرة خلتها تيجي من ورا منصور كده. وشاكك أكتر إن ممكن يكون السبب فيها منصور أو سمر."
ردت وسيلة بنفس حيرته:
"أنا كمان مستغربة زيك، وأكتر كمان. بس البنت شكلها زينة جوي وكيف النسمة. أكيد حدا منهم زعلها، وهو ده اللي خلاها تيجي غصب عنهم."
أومأ جمال، ثم قال بجدية:
"أني عايزك تاخدي بالك منها زين، وأوعاكم تحكولها حاجة عن اللي عمله أبوها زمان."
"وخلي ابنك ميضيقهاش بأسئلته البايخة دي، ولا يتحدت معاها واصل."
"لحد ما تهدى وترتاح، وبعدين هقعد معاها وأعرف إيه اللي مزعلها منهم."
رواية ومجبل علي الصعيد الفصل العاشر 10 - بقلم رانيا الخولي
استيقظت سارة من نومها بعد ليل شاق مليء بالمآسي، وما أن تذكرت ما حدث حتى تجمعت العبرات داخل عينيها لتعاود البكاء بحزن وقهر مرة أخرى.
طرقات خافته على باب الغرفة جعلتها تقوم بمسح دموعها بسرعة، ثم سمحت للطارق بالدخول لتجد زوجة عمها تدخل وهي تقول بابتسامة عريضة:
_ صباح الخير يا سارة، كيفك دلوقت؟
حاولت الابتسام كي لا تلاحظ حزنها وقالت بثبات:
_ الحمد لله أحسن.
_ يارب ديمًا، يلا بقى عشان كلنا مستنينك تحت تفطري معانا.
هربت سارة قائلة:
_ لأ معلش افطروا أنتوا، أنا مليش نفس.
ردت وسيلة بإصرار:
_ لما تقعدي معانا هتتفتح نفسك على الأكل، يلا بقى عشان جدك وجدتك اللي الفرحة مش سايعاهم بشوفتك.
أومأت برأسها وهمت بالخروج معها، لكن وسيلة تذكرت أمر ملابسها فقالت لها:
_ معلش نسيت خالص أجيبلك حاجة تلبسيها.
فتحت الخزانة لتخرج منها عباءة خاصة بليلى وتناولها إياها قائلة:
_ إلبسي دي، وبعد ما تفطري هاخدك وتروحي معايا تنجي اللبس اللي يعجبك.
هزت رأسها برفض وهي تقول مسرعة:
_ لأ مفيش داعي، أنا هلبس من هدوم ليلى، هي نفس مقاس.
ردت وسيلة:
_ غيري هدومك وتعالي نفطروا وبعدين نتحادل براحتنا.
خرجت وسيلة لتتركها تبدل ملابسها، ثم نزلت إلى الأسفل لتجدهم مجتمعين على الطاولة يرأسهم جدها الذي استقبلها بابتسامة حانية.
وما أن تقدمت منهم حتى تظاهر جاسر بإنهاء طعامه وهو يقول:
_ الحمد لله.
ثم نظر إلى والده مردفًا:
_ أنا هسبقك على الأرض يا بوي بعد إذنكم.
هز جمال رأسه بيأس من ذلك الشخص الذي لن يتغير، لتداري وسيلة الموقف بعد خروجه:
_ تعالي يا سارة اجعدي مكان جاسر جار ست الكل.
لمت جليلة الموقف أكثر كي ترفع الأحراج عنها:
_ تعالي يا غالية، أنا قومتلك جاسر لجل ما تجعدي جاري.
تقدمت سارة لتجلس بجوارهم وتتناول إفطارها في جو أسري لم تختبره من قبل، لم تتذكر يومًا بأن تجمعوا جميعهم على طاولة واحدة بل كلًا في واديه.
كانوا يتسامرون ببهجة وحب أثناء تناولهم القهوة، ودائمًا ما تُشركها زوجة عمها في الحديث حتى لا تتركها للشرود الذي أصبح ملازمًا لها.
وفي المساء أصرت وسيلة عليها بأن تذهب معها لأختيار الملابس، لتصر سارة على رفضها:
_ معلش يا طنط بس فعلًا مش عايزة أخرج.
فكرت وسيلة قليلًا ثم قالت باقتراح:
_ طيب أيه رأيك أنا هبعت سعدية تشيع للبنت بدور وهى تنجيلك هدمتين لحد ما تروحي انتي بنفسك تختارى.
وافقت سارة تحت إصرارها وقالت بامتنان:
_ متشكرة أوي واسفة أني بتعبك معايا.
ردت وسيلة بصدق:
_ تعبك راحة يا جلبي، المهم تكوني مبسوطة معانا.
ردت سارة بتأكيد:
_ أوي.
مر اليوم وهى معهم، لم يتركها أحد والجميع سعيد بها، وخاصةً جليلة التي شعرت بعودة المياه لمجاريها رويدًا رويدًا، لكن ما أن تختلي بنفسها حتى يعود إليها ذلك الخوف من القادم.
❈-❈-❈
في منزل عاصم، عادت زينة من جامعتها فتجد جاسر جالسًا مع والدها ويبدو عليه الانزعاج.
شعرت بالقلق مما دفعها فضولها بالتصنت عليهم كي تعلم ما يزعجه.
وعندما اقتربت من الباب سمعته يتحدث بغضب:
_ مستحيل أجبل ببنت منصور تقعد معانا تحت سقف واحد.
رد عاصم بيأس من صلابة رأسه:
_ أولًا اسمه عمك منصور، ثانيًا هي في الأول والآخر ضيفة عندكم، والأهم من كل ده هي ملهاش ذنب في اللي عمله أبوها، هي جايلة لحالها تتعرف على أهلها ودي حاجة تأكد إنها غير أبوها.
نهض جاسر وقد تمكن منه غضبه وجعله غير مدركًا لما يقول:
_ لا دي لعبة عاملها منصور وياها عشان تحنن قلب جدي عليه وتخليه يبعتله الفلوس اللي طلبها.
صدقني يا جدي البنت دي مش سهلة، وللأسف جدي وجدتي صدقوا، وأخدت الكل في صفي حتى أبوي.
تحدث وليد بهدوء:
_ أهدى يا جاسر، الموضوع مش مستاهل كل ده، وبعدين ربنا بيقول "أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ".
لو أبوها أخطأ هي ذنبها إيه، بلاش تظلمها، الظلم ظلمات يا ولدي.
لم يلين قيد أنملة بل ظل على رأيه مما جعل زينة تزداد خوفًا منه.
هي لا تبغضه بل تكمن له مشاعر أخوة وليس زوجًا تنتظر منه حبًا وحنانًا.
وهذا ما لم يعترف به جدها عندما أخبرته بأنها لا تكمن له حبًا، أخبرها بأن جاسر هو شخص جدير بها وكلًا يأتي بعد الزواج إذا أعطت نفسها فرصة لتعرفه حقًا.
انسحبت بهدوء وذهبت إلى غرفتها كي لا يراها أحد.
لاحظت ياسمين والدتها ذلك الحزن المرتسم على وجهها وهي تدلف الغرفة مغلقة الباب خلفها.
ولجت خلفها لتجدها جالسة على الفراش في سكون تام.
تقدمت منها وهي تسألها باهتمام:
_ مالك يا زينة، في حاجة؟
هزت زينة رأسها بصمت.
جلست ياسمين بجوارها وعادت تسألها بقلق:
_ مفيش إزاي وأنتي مكدرة أكده؟
نظرت إليها زينة بعتاب:
_ انتوا ليه مصرين على ارتباطي بجاسر؟
تنهدت ياسمين بتعب من ابنتها التي لا تكف عن قول تلك الكلمة وردت بهدوء:
_ وليه منوافقش عليه؟ جاسر يا زينة الشاب ميتعيبش، راجل يعتمد عليه، وكفاية أنه ابن عمتك اللي بتموتي فيها وأخو ليلى اللي بتعتبريها أختك التانية، يبقى نرفضه ليه؟
نعم والدتها محقة في كل ذلك، لكن ينقصه الحب وهي تعلم جيدًا بأنه لن يطرق الحب قلبها لأجله.
_ بس يا أمي أنا مش شايفاه غير أخ بعزه وباحترمه أكتر من كده صعب عليا، حاولت كتير أحبه بس مجدرش، أرجوكي يا أمي ساعديني.
سألتها بشك:
_ في حد تاني في حياتك؟
ردت بصدق:
_ لا تاني ولا تالت، وعشان كده نفسي أحسه مع الإنسان اللي هرتبط بيه، مش في جوازة اتفرضت علينا.
ده عمره ما فكر حتى يكلمني ويسأل عني، ولو جاه عندينا بيبقى عشان جدي وخلاص، وأحيانًا كتير بياجي ويمشي ميسألش عني.
نفسي أشوف في عينيه النظرات اللي بشوفها في عينين عمي جمال وهو بيطلع في عمتي وسيلة، ولا أبوي وعينيه اللي بتضحك قبل شفايفه أول ما بيشوفك، ليه عايزين تحرموني من الحب ده.
تنهدت ياسمين بيأس من ابنتها وقالت:
_ أنتي عارفة أنا اتجوزت أبوكي إزاي؟
هزت رأسها بنفي، فتابعت ياسمين:
_ أبوكي تقدري تقولي كده اتجوزني شفقة، جدي الله يرحمه لما مات، وطبعًا عارفه مات إزاي لما الحرامية طلعوا عليه جـ.ـتلوه وأخدوا اللي الفلوس اللي معاه، وبقيت أنا وجدتك عايشين لوحدينا، جدي عاصم و عم جمال طلبوا من أبوكي يتجوزني عشان مينفعش نفضل لحالنا. كان مرغم عليا وأني كمان، بس بعد الجواز بدأ الحب اللي بجد لدرجة أني مبقدرش أتحمل بعده عني يوم واحد. يعني لو كنت رفضته كنت هخسر كتير جوي، فكري زين يا بنتي عشان متندميش الآخر.
لم تقتنع زينة بحديثها واصرت على موقفها، لا تريد الزواج بتلك الطريقة، جاسر لا يهتم لأمرها وهى أيضًا، فلما إذا الحكم عليهم بزواج لن يجني منه سوى الألم.
❈-❈-❈
انتهى أمجد من ذلك الاجتماع الذي عقده في شركته وقد شعر بآلام حادة في صدره، كان يشعر به من بداية الاجتماع لكنه تحامل على نفسه كي لا يسقط أمام أحد.
قام بتدليك منطقة الصدر كما أخبره الطبيب، لكن تلك المرة تختلف تمامًا.
أخرج الدواء من جيبه ليأخذه وانتظر قليلًا لكن لا فائدة.
ضيق شديد في التنفس وكأنه يجاهد كي يأخذ أنفاسًا رتيبة، لكنه يزداد ويزداد.
قام بحل ربطة عنقه عندما زاد شعوره بالاختناق.
وقد نضح عرقه بغزارة.
اشتد الضغط في صدره ولم يعد يستطيع التحمل.
قام بالضغط على الزر لتدلف مديرة مكتبه لتجده بتلك الحالة، صرخت باسمه:
_ مستر أمجد.
وكان هذا آخر ما سمعه أمجد قبل أن يلفه الظلام.
انقلبت المشفى رأسًا على عقب وهم يتوجهون به إلى غرفة العناية المركزة.
وكان عصام وليلى في استقباله عندما اتصل فارس صديق أمجد به يطلب منه إرسال سيارة إسعاف مجهزة بأسرع وقت.
طلبت منه ليلى أن تذهب مع السيارة كي تقوم باللازم، لكن عصام منعها وطلب منها البقاء استعدادًا له.
فور دخوله، أسرعوا بمداواته قبل أن تتضرر شرايينه وتزداد حالته سوءًا.
ولم يكن قلبها بأفضل حال منه، فقد كان ينقبض بشدة من هول الموقف خوفًا من عدم تحمل قلبه تلك الجلطة.
في الخارج، كان صابر يقف أمام الغرفة بقلب ملتاع على ابنه الوحيد.
وشعر بأن قدميه أصبحت كهلام حتى إنها لم تستطع حمله.
يدعو ربه تضرعًا أن ينجيه من تلك النوبة.
ويعاتب نفسه ويجلدها على إهماله له كل تلك المدة.
لكن الملام حقًا هو عصام الذي أخفى عليه حالة ابنه.
نظر إلى فارس الذي كان يقف مستندًا بظهره على الحائط، يريد أن يعاتب الجميع على إخفائهم عليه، لكن عليه الاطمئنان عليه أولًا.
مرت اللحظات صعبة على الجميع ولا أحد يخرج من الغرفة ويطمئنهم.
في الداخل، تنهد الجميع براحة عندما تأكدوا من مرور تلك الجلطة وعدم تضرر شرايينه، فقلبه لن يتحمل جراحة الآن.
نظر عصام إلى ليلى التي ترتدي قناع الثبات، لكن عينيها لم تستطع.
وقفت تنظر إليه وهو مستلقى على السرير محاطًا بالأجهزة من كل جانب.
تحاول بصعوبة بالغة ردع تلك العبرات التي تهدد بالنزول، ليشعر بها عصام الذي حاله ليس أفضل من حالها ليطمئنها قائلاً:
_ اطمني، الحمد لله عدت على خير.
تدحرجت دمعة من عينيها لتسقط ثباتها عند تلك اللحظة وتقول بخوف:
_ لو اتعرض لجلطة تاني القلب مش هيقدر يتحمل.
رد بتعاطف:
_ إن شاء الله خير، وأنا هبعت التقارير للدكتور في أثينا عشان يرفع اسمه على رأس القائمة.
خرج عصام لكنها لم تستطع وأصرت على البقاء معه.
أما صابر، ما إن خرج عصام من الغرفة حتى أسرع هو وفارس.
سأله بلهفة:
_ ابني عامل إيه يا عصام؟
رد عصام بتعاطف:
_ اطمن، الأزمة الحمد لله عدت على خير.
تدحرجت دموعه بغزارة وهو يقول بقهر:
_ أطمن إزاي وابني بيموت مني، وأنت عارف كل المدة دي وساكت.
تنهد عصام وتظاهر بالهدوء:
_ صدقني أنا حاولت معاه كتير إني أعرفك، بس هو كان رافض تمامًا، ودلوقتي بس عرفت انه كان عنده حق.
لازم تجمد شوية يا صابر، ابنك لو شافك بالحالة دي هيتعب أكتر، هو دلوقتي محتاج قوتك.
تحدث صابر بألم:
_ أنا عايز أشوفه.
هز رأسه برفض:
_ للأسف مش هينفع دلوقتي، بس أنا أحب أطمنك إن ابنك في إيد أمينة.
تعالى معايا المكتب عشان هتمضي على شوية أوراق.
لم يكن صابر بحال يجعله يتساءل عن حديثه، ليساعده فارس على السير ويأخذه إلى مكتب عصام.
❈-❈-❈
مرت الأيام وهو داخل تلك الغيبوبة، ولم تستطيع تركه سوى بضع ساعات قليلة عندما تذهب إلى المنزل لترتاح قليلًا ثم تسرع بالعودة إليه.
تظل معه بالغرفة.
احتل الحزن قسماتها حتى ذبلت مثلما ذبل هو، وتلونت شفاه بلونٍ قاتم كما حال أظافره.
دلَف د. عصام ليجدها تجلس على المقعد تنظر إليه بحزن.
تعاطف مع كلاهما فيقترب منها قائلًا بهدوء:
_ هتفضلي حبسة نفسك معاه؟
لم تستطيع رفع عينيها إليه كي لا يرى دموعها التي تتساقط بغزارة وردت بألم:
_ مش هقدر أسيبه إلا لما يفتح عينيه ويقولي إنه بقى كويس.
اندهش عصام من ذلك الحب الذي جمعهم بتلك القوة رغم أنهم لم يروا أحدهم الآخر سوى مرات عديدة:
_ بس أنا عايزك تكوني أقوى من كده، المرحلة الجاية دي هي أصعب مرحلة هتمر عليكم، وهو محتاج قوتك لأنه هيستمد منها قوته.
مسحت عبراتها بظهر يدها وقالت بقهر:
_ للأسف القوة اللي كنت بتحرك بيها انتهت تمامًا، وأنا شايفاه بيموت قدامي ومش عارفة أعمل حاجة.
إيديا ورجليا مربوطين ومفيش في مقدرتي غير الدعاء.
تأثر عصام بكلماتها وقال بتعاطف:
_ طيب روحي دلوقتي أرتاحي شوية وأنا هفضل جنبه.
همت بالمعارضة لكنه تحدث بجدية:
_ لازم ترتاحي عشان تقدري تكملي معاه، المشوار لسه طويل.
هخلي السواق يوصلك ولو فيه أي جديد هقولك.
أومأت دون قول شيء لتنهض في صمت وتوجهت إلى الغرفة تبدل ملابسها وتترك المشفى بقلب ملتاع.
❈-❈-❈
عادت ليلى إلى المنزل لتجد حازم ومعتز في انتظارها.
وعند وصولها سألها حازم بقلق:
_ إيه يا ليلى آخرتي كده ليه وكمان قافلة تليفونك؟
جلست ليلى بإرهاق على المقعد وهي تحاول بصعوبة التغلب على دموعها:
_ معلش غصب عني.
شعر معتز بوجود خطب ما فسألها بتوجس:
_ ليلى في حاجة مضايقاكي من وقت ما جينا هنا وأنتي مش طبيعية.
بقلق بالغ أقترب منها حازم ليجلس بجوارها عندما لاحظ تجمع العبرات في عينيها ليسألها باهتمام:
_ لو حد زعلك جولي وأني أطربق المستشفى على اللي فيه.
تنفست ليلى بعمق حتى تسيطر على دموعها وتجيبهم بألم لم تستطيع إخفاءه:
_ مفيش حاجة، أني بس تعبانة شوية.
لم يصدق أحدهم شيئًا مما تقول، فأقترب منها حازم أكثر وقلبه يتمزق ألمًا عليها ليسألها بإصرار:
_ لأ فيه ولازم نعرف إيه اللي مزعلك كده، طمنيني الله يرضى عليكي.
لم تستطيع الثبات أكثر من ذلك أمام ذلك الحنان الذي يغدقها به أخويها لتجهش أكثر في البكاء مما جعل الخوف يزداد والشك تلاعب بداخلهما.
نظر حازم إلى معتز ليهز كتفه بعدم فهم، ويجلس الآخر بجوارها ويسألها بقلق:
_ أهدي يا ليلى واحكي لنا مالك إنتي كده هتموتينا من الجلج.
رفع وجهها إليه وقام بمسح عبراتها وتحدث بجدية:
_ أهدي يا لالا واحكي لنا.
تحدثت ليلى بكل شيء تحت إصرارهم حتى تلك اللحظة.
ساد الصمت قليلًا بعد انتهائها وكأنهم لم يجدوا الكلمات التي تصف ما بداخلهم.
قطع حازم ذلك الصمت وهو يقول بحزم:
_ ادخلي ارتاحي دلوقتي والصبح هيبقى لينا حديث تاني.
لم تجادل معهم وأنسحبت بهدوء تدلف غرفتها تحت نظرات حازم الرافضة لما يحدث.
وبعد ولوجها قال معتز بعتاب:
_ مكنش ينفع تتحدث معها بالأسلوب ده.
رد حازم بإنفعال:
_ اومال عايزني أقولها إيه وأني شايفها بتدمر نفسها بكيفها وبتعلق نفسها بواحد مفيش أمل له في الحياة.
وأديك شايف حالتها بمجرد انه تعب شوية، اومال هتعمل إيه لو مات.
نهره معتز بحده:
_ وطي صوتك لتسمعك وهي مش متحملة.
مسح حازم بيده على وجهه يحاول بصعوبة السيطرة على انفعاله:
_ أني خايف عليها، لازم تفوق من الوهم اللي هي فيه ده، تقدري تقوليلي لحاجة تحبه متى؟
هما مرتين ولا تلاتة اللي شافته فيهم، ده اسمه تعاطف وخصوصًا إنها مجربتش الحب قبل سابق ولا تعرفه، افتكرت تعاطفها معاه حب وهو أبعد ما يكون عنه.
اندهش معتز من حديثه القاسي، نعم هو محق في كل كلمة نطق بها لكن عليه أن يكون رحيمًا بها:
_ أنا معاك في كل كلمة بتقولها بس كان لازم تحتويها الأول وبعدين تعرفها، هي دلوقتي محتاجة كلمة زينة تطمنها وبعدين تفهمها غلطها مش تصدها بالشكل ده.
أدخلها الله يرضى عليك، أنا مش قادر أدخل وأشوفها تاني في الحالة دي.
زفر حازم بحيرة وهو لا يعرف ماذا يفعل.
حتى قرر في الأخير أن يدخل إليها كي يهون عليها قليلًا.
كانت مستلقية على الفراش تنظر إلى الهاتف بترقب.
دخل حازم بعد أن طرق الباب ليجدها تتظاهر بالنوم.
تقدم منها يجلس بجوارها وقال بهدوء:
_ طول عمرك وانتي فاشلة في التمثيل، قومي يا لالا.
فتحت عينيها تتطلع إليه وهي تقول بعتاب واضح:
_ أنا مش بمثل، أنا فعلًا تعبانة وعايزة أنام.
مرت على يدها وقال بحب:
_ ليلى انتي أختي وطبيعي أخاف عليكي وأغير من الهوا الطاير لو لمسك بسنة.
نهضت لتجلس قبالته وتقول بحزن:
_ أنا معملتش حاجة تخليك تغير عليا، بالعكس بحس من نظراته ديمًا إنه بيقولي ابعدي عشان مش هتشوفي من حبي غير الألم.
بس أنا غصب عني حبيته، متسألش إزاي وامتى لأن أنا نفسي معرفش.
أخذت نفس عميق ربما يهدئ ولو قليلًا تلك النيران المشتعلة بداخلها وأردفت:
_ أنا مجربتش الحب قبل كده ولا عمري فكرت فيه، معرفش إزاي في يوم وليلة لقيتني حبيت، ومتقولش إنه تعاطف لأن بحكم مهنتي أنا صادفت كتير زي حالته دي وعمري ما نظرتي تعدت غير أنه مريض.
_ وهو؟
_ معرفش، بس قلبي بيقولي إنه هو كمان بس كاتمه جواه.
رد حازم بعقلانية:
_ عشان بيفكر صح، وده عين العقل.
إنتي بنفسك بتقولي أن لو ملقاش قلب في خلال الفترة دي هيموت رغم إن الأعمار بيد الله.
يبقى ليه تتعبي في نفسك وتعذبيها بالشكل ده؟
ألغي عواطفك واتعاملي معاه على أنه مريض وبس عشان مصلحتك أنت، وصدقيني لو فيه أمل كنت أول واحد هيقف معاكي وهساندك بس زي ما بتقولي أيام معدودة.
قبل رأسها بحنو وأردف:
_ فكري زين في اللي قلتهولك، تصبحي على خير.
خرج حازم وتركها تفكر في حديثه.
❈-❈-❈