تحميل رواية «ومجبل علي الصعيد» PDF
بقلم رانيا الخولي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
سقط عمران على المقعد وقد شعر بصعوبة بالغة في التنفس بعد تلك الصدمة التي تلقاها. وأي صدمة! فقد كانت صدمة قاتلة هزت ذلك الجبل الذي ظل ثابتًا رغم تلك المحن التي مرت عليه. كيف فعل ذلك بنفسه وبأولاده، وقد خسر كل شيء وأصبح خالي الوفاض. خسر ميراث أجداده والحائط المتين الذي كان مستندًا عليه، فينتهي به الحال داخل ذلك المنزل الذي أصبح بين ليلة وضحاها لا يملك سواه. انتهى كل شيء الآن. زواج ابنه الأكبر، ومشروع ابنه الأصغر. كل ذلك تلاشى بعد أن كان بين يديه. شعر بنغزة حادة في قلبه وازدادت وتيرة تنفسه، فأصبح يت...
رواية ومجبل علي الصعيد الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم رانيا الخولي
بعد تردد وتفكير سأله مصطفى بشك:
"هي ماما مجاتش معاك ليه؟"
احْتار منصور هل يخبره ويحزنهم في تلك المناسبة أم ينتظر حتى انتهاء الزفاف، فقال بثبات:
"رفضت تيجي لأنها مش موافقة على الجوازة دي."
كما توقع مصطفى، فلم يمهله منصور للتفكير في هذا الأمر فسأله:
"معرفتش من أختك ليه سابت البيت وجات بالشكل ده؟"
علم أنه لا يريد التطرق في ذلك الأمر ورد بمغزى:
"عملت كدة لما يئست أنكم تسمحولها تجي، وبعدين هى مرحتش عند حد غريب، دول أهلنا."
حمحم منصور بإحراج عندما لاحظ تلميحات ابنه:
"مش وقته الكلام ده، تعالى نشوف أختك وبعدين ننزل مع الرجالة تحت."
أومأ مصطفى ونهضوا خارجين من الغرفة، ثم توجهوا إلى غرفة سارة وطرقوا الباب لتفتح ليلى بعد قليل، وعندما رأت منصور بجوار مصطفى علمت حينها بهويته فقالت بإقتضاب:
"أهلًا ياعمي، حمد لله على السلامة."
رد منصور بابتسامة:
"أهلًا يادكتورة ليلى، عاملة أيه؟"
ابتسمت بمجاملة:
"الحمد لله كويسة."
أشارت له بالدخول:
"أتفضل."
خرجت ليلى بعد ولوجهم كي تتركهم معًا قليلًا.
دخل منصور ليجد سارة واقفة تنظر إليه نظرة يملؤها العتاب.
أما هو فكان يود تعنيفها على فعلتها تلك وذهابها دون علمه، لكن عندما لاحظ جمودها ونظرة العتاب التي ترمقه بها جعله يشك في الأمر وأنها ربما علمت شيئًا من الحقيقة.
إذا فعلية أن يكون هادئ، فتحدث بلين:
"مبروك ياسارة."
حاولت الابتسام لكنها لم تستطع فأجابت بثبوت:
"الله يبارك فيك."
اهتزت نظراته وقد أيقن بأنها قد علمت الحقيقة، فتحدث بإضطراب:
"انا مش هعاتبك دلوقت واسيبك تفرحي، بس أكيد هيكون لينا كلام مع بعض."
لم تندهش لعدم وجود والدتها لكنها سألته بفضول:
"هي ماما مجتش معاك؟"
زم شفتيه بأسف:
"انتي عارفه مامتك مش بتحب حياة الصعيد وعشان كدة زعلت لما انتي سيبتيها وجيتي هنا، وخصوصاً إنك حتى مفكرتيش تكلميها."
أومأت بصمت ليزداد يقينه، ثم تعلل قائلاً:
"طيب أنا هنزل واسيبك تكملي لبسك."
تقدم منها وقبل رأسها ثم خرج من الغرفة، ويتركها تنظر في أثره بدموع لم تستطيع كبتها.
عادت ليلى إليها فور خروجه لتجدها تبكي بإنهيار.
تقدمت منها مسرعة لتحتضنها وتسألها بقلق:
"مالك ياسارة في أيه؟"
تشبثت سارة بها وقد تلاشى ثباتها عند تلك النقطة، فقد كانت على أمل مجيئها وقد خذلتها ورفضت المجيء.
ربتت ليلى على ظهرها وقد علمت سبب بكاءها وتحدثت بتعاطف:
"أهدي ياسارة أكيد في ظروف منعتها."
أبعدتها عنها قليلًا كي تقول بجدية:
"سارة الليلة حنتك وبتكون مرة في العمر، بلاش تضيعيها في العياط والحزن."
أومأت سارة بصمت ثم مسحت دموعها براحة يدها، مما جعل ليلى تنهرها بغيظ:
"كده بوظتي اللي انا عملته، نعيد من تاني."
❈-❈-❈
في منزل عاصم
انتهت زينة من ارتداء ثيابها وخرجت من الغرفة لتجد والدتها تنتظرها في الخارج، فنهرتها قائلة:
"كل ده بتلبسي؟ عمتك أكده هتزعل إننا أخرنا عليها."
كانت سعادتها لا توصف وهى تطلق لمشاعرها المكبوتة بداخلها العنان، فلم يعد هناك عائقًا يفصل بينهم الآن، فقالت بفرحة:
"عمتي مفيش حاچة في الدنيا تزعلها مننا."
تحدثت ياسمين بغيظ:
"طيب يالا يافالحة، لاحسن اخوكي برة شوية كمان وهيسيبنا ويمشي."
❈-❈-❈
طرقت زينة غرفة ليلى بعد أن أخبرتها وسيلة بتواجدهم في غرفتها.
فتحت ليلى الباب لتجد زينة أمامها، رحبت بها بحفاوة وقد اندهشت من السعادة التي تظهر عليها، فلم تتخيل حتى مجيئها:
"تعالي أعرفك على العروسة."
دَلفت زينة لتنبهر وهى ترى سارة بكل ذلك الجمال:
"ما شاء الله اللهم بارك، ليه حج جاسر يعجل بچوازكم، طالعة كيف البدر."
ابتسمت سارة بمجاملة وقالت ببسمة:
"شكرًا لذوقك."
أكدت ليلى:
"فعلًا ياسارة انتي طالعة زي القمر، أنا واثقة إن جاسر لو شافك مـش هينام الليلة."
ضحكت معهم، لكن داخلها يأن ألمًا على نصيبها من تلك الدنيا.
قدمتها ليلى:
"دي زينة بنت خالي وأختي التانية."
ابتسمت سارة بود وهي تصافحها:
"أهلاً وسهلاً."
ردت زينة بصدق:
"اهلًا بيكي، وسطنا جاسر ولد عمتي راچل صُح ويستاهل كل خير، وانتي شاكلك طيبة وبنت حلال وانتو الاتنين تستاهلوا بعض."
أومأت بصمت ليزداد شعور الخزي بداخلها، هو حقًا رجلًا يستحق كل خير، لكن هى ليست ذلك الخير، بل معضلة فرضت عليها ويقبلها هو مرغمًا.
❈-❈-❈
كانت وسيلة تقف في المطبخ تساعد العاملات عندما نداها جمال، خرجت مسرعة إليها ليخبرها:
"المأذون جاه، البنات خلصوا ولا لسة؟"
ردت وسيلة بفرحة:
"هطلع أشوفهم دلوجت، مبروك يابو جاسر."
غمز لها بعينيه وهو يقول بمكر:
"المباركة دي فوج مش أهنه جدام الخلج لإن ردها مينفعش جدامهم."
ضحكت وسيلة بخفوت وقالت بيأس منه:
"ماشي يا أبو العريس، هو اني بجدر أجولك لا على حاچة."
ضحك جمال ورد بمزاح:
"لما نشوف."
خرج جمال وصعدت وسيلة إليهم، وفور دخولها ابتسمت بسعادة غامرة وهى ترى سارة بكل ذلك الجمال:
"بسم الله ما شاء الله، طالعة كيف الجمر."
ضحكوا جميعهم لتندهش وسيلة:
"بتضحكوا على ايه؟"
أجابت زينة:
"أصل كل اللي يشوفها يجول الكلمتين دول."
تطلعت إليها لتقول بحب:
"لهم حج، هي أصلًا زينة من غير حاچة واصل."
خجلت سارة من مدحهم لتأخذها وسيلة في أحضانها بحب:
"يارب يفرح قلبك يابنتي ويسعدك انتي وجاسر."
طرق الباب وقامت ليلى بفتحة لتجد والدها الذي ما إن رآها أمامه حتى قال بحب:
"عقبالك ياليلى."
قبلته ليلى بحب:
"ربنا يخليك لينا."
ارتدت سارة الشال على كتفيها عندما علمت بدخوله، وفور رؤيتها تقدم منها يقبل رأسها وقال بسعادة:
"مبروك يابنتي."
ردت بخجل:
"الله يبارك فيك ياعمي."
قام بتقديم القسيمة لها وأمسكت القلم بيد مرتعشة وقامت بالإمضاء لتتعالى الزغاريد ويصل صداها إلى جاسر الذي يحاول مسح آثار البصمة عن أصبعه بقلب حائر.
أصبحت زوجته قولًا، وكانت قبله فعلًا.
نظر لمنصور الذي يتلقى التهنئة ممن حوله، ولا أحد منهم يعلم بما يعانيه هو.
كُتب عليه هو ووالده أن يتحملوا أخطاء منصور حتى في أبناءه.
عاد والده ليسلم الأوراق إلى المأذون ليوثق شهادة العذاب الي حكم به عليه.
أراد في تلك اللحظة تحطيم كل شئٍ من حوله، لكنه كبت تلك الرغبة بداخله وتظاهر بالابتسام كي لا يلاحظ أحد ذلك الصراع الذي يثور بداخله.
نزلت سارة إلى الأسفل وهى ترى السعادة في أعين الجميع، جدتها التي ظلت ترقيها بقلق من أعين الحاضرين، ووسيلة التي عوضتها عن غياب والدتها، وليلى التي وجودها هون عليها الكثير.
لن ترحل بعيدًا عنهم وستظل تحتضن بهم حتى لو قرر هو عكس ذلك…
❈-❈-❈
تذكرت وسيلة الشبكة التي ابتاعها جاسر أمس عندما طلب منه والده شراءها وأخبره أن يقدمها هدية لها في ذلك اليوم.
أرادت أن يرى جاسر كل هذا الجمال، فاقتربت من ليلى تحدثها بمكر:
"اني هطلع أجيب الشبكة وأنادي لجاسر يلبسها، وانتي داري الشال اللي لفحتيها بيه ده، خلينا نلحلحه شوية."
ضحكت ليلى وقالت:
"مطلعتيش سهلة واصل ياحاچة وسيلة."
وكزتها وسيلة بحدة:
"اتحشمي يابت وروحي زي مـ جلتلك."
عادت ليلى إلى سارة التي اندمجت مع الموجودين وفضولهم الذي لا يرحم.
تقدمت لتأخذ الشال من عليها وهى تقول ببراءة زائفة:
"الجو حار آوى، انتي طيقاه إزاي؟"
تمسكت سارة به وهي تقول:
"مينفعش ياليلى، ممكن حد يدخل فجأة."
طمأنتها ليلى بخبث:
"لأ متقلقيش، محدش بيدخل عند الحريم إلا بإذن."
أخذت الشال وغمزت لزينة التي فهمت مبتغاها، فتعثرت بزيف كي تسكب كوب العصير الذي تحمله بيدها عليه، وكان الشال باللون الأبيض فطبع العصير عليه ليصتبغ بلون العصير، ثم قالت باعتذار مصطنع:
"اني آسفه مكنش قصدي."
حزنت سارة عليه لأنه الوحيد الذي يتماشى مع الثوب، وقالت ليلى بهدوء:
"حصل خير، انا هخلي سعدية تغسله بسرعة وتكوية."
تحدثت زينة مسرعة:
"خليكي انتي معاها وانى هوديه لسعدية."
أخرجت وسيلة العلبة من الخزانة ونزلت للأسفل، وبعثت لجاسر الذي جاء يسألها بقلق:
"خير ياأمي، في حاچة؟"
أجابت وسيلة بابتسامة عريضة:
"خير ياولدي، متجلجش بس تعالى لبس عروستك الشبكة."
تجهم وجهه وقال برفض:
"ايه اللي بتجوليه ده يااماي، هدخل كيف عند الحريم واعمل اللي بتجولي عليه ده."
اغتاظت وسيلة من امتعاضه وقالت بأمر:
"انتي زودتها جوي، ادخل اعمل اللي جلتلك عليه."
عارض جاسر:
"جلتلك…."
قاطعته وسيلة بحدة:
"ولا كلمة، هتفضل كاسر بخاطرها لحد ميتي، دي خلاص بجت مرتك."
زفر بضيق ورد بصبر نافذ:
"طيب اتفضلي وسعيلي الطريج."
سار خلفها حتى اقترب منها، لكن ما إن رآها حتى تسمر مكانه عندما وقعت عيناه عليها ليراها بكل ذلك الجمال الذي لم يحلم به مطلقًا، وذلك الثوب الذي كشف عن فتنتها بطريقة تخطف الأنفاس.
خصلاتها التي تتناغم برقة مع حركاتها التلقائية، وابتسامتها التي يراها لأول مرة جعلت قلبه يدق بعنف.
عنقها المرمري مع أكتافها التي تدل على تناسق عودها الذي التف الثوب حوله بشكل لا يرحم، أما شفتيها التي اصطبغت بذلك اللون القاني جعلته ينتفض في وقفته.
يبدوا أنها لم تعلم بمجيئه، إذ اتسعت عينيها ذهولًا إثر رؤيته لها.
أخذ شهيقًا قويًا فيبدوا أنه نسي أن يتنفس إلا عندما شعر بحاجته للهواء.
حمحم بإحراج ليخفض عينيه عن ذلك الجمال الآخذ، وترحمه وسيلة من ذلك الإحراج:
"جاسر چاي عشان يلبسك الشبكة."
ازدرأت ريقها بصعوبة وهي تتهرب من نظراته، ليتقدم منها جاسر وهو لا يستطيع مقاومة ذلك السحر الذي رشق في قلبه منذ أن رآها.
تقابلت الأعين التي أخفت ببراعة اشتياقًا بعتابٍ قاسٍ لا يبالي بما حوله، وكأن تعويذة ألقت عليهم لتفصلهم عن من حولهم، ويبدأ كل واحدًا منهم نجواه.
هى تناجي ذلك القدر الذي جعلها تقف أمامه وتشعر بدقات قلبها الذي تسلل العشق إليه رويدًا رويدًا دون أن تدري، وتلعن حظها العاثر الذي جعلها تقف أمام من أحبته بخزي وإنكسار.
أما هو فقد كانت نظراته إليها تحمل عتاب لمس قلبه.
لماذا أتيتي وأسقطي ذلك القلب الذي كان يخشى عليه من الهوى؟
أتيتي بعينيكي التي أصاب سهمها قلبه الذي حافظ عليه من عذاب العشق لتدميه بعشق قاسٍ لا يرحم.
عاد لواقعه على يد والدته وهى تنبه:
"جاسر خد ياولدي لبس عروستك."
رمش بعينيه وحمحم بإحراج وهو يأخذ منها الخاتم وينظر إليها منتظرًا منها رفع يدها كي يضعه في إصبعه.
بتردد وريبة مدت يدها ليده لتتلامس وينتفض كلاهما إثر تلك المشاعر التي تخفق القلوب، ليزدرء ريقه وهو يحاول التماسك أمامها.
وتبدلت الأدوار لتأخذ هى خاتمه بيد مرتعشة وقامت بوضعه في إصبعه وعينيه تلتهم ملامحها دون إرادة منه.
تعالت الزغاريد من حولهم لكنهم لم ينتبهوا لشئ.
وها قد جاء الأصعب من كل ذلك، ذلك الطوق الذي سيجعله يلمس عنقها الذي جعل يده تهتز ما أن لامسه وهو يغلق الطوق.
مما جعله أمرًا شاقًا عليه وجعله يتعرق بشدة.
اقترب أكثر كي يستطيع غلقه لتخترق أنفه عطرها الآخذ وخصلاتها التي حجبت الرؤية عنه، وبدون وعي منه أبعد شعرها عن عنقها ليظهر أمامه بإغراء قاتل مما جعل تنفسه يزداد صعوبة، فيرفض متابعة ذلك ويرحم نفسه من ذلك العذاب تاركًا الأمر في يد أخته ويلوذ بالفرار.
مما جعل وسيلة تبتسم بمكر وتكمل الباقي هي وليلى.
❈-❈-❈
وفي القاهرة
كانت سمر مستلقية على فراش والدها تبكي بألم على كل شئ.
فقد ذاقت من نفس الكأس الذي تذوقه غيرها.
حُرمت من أولادها كما حرمته من أهله.
حُرمت من حضور زفاف ابنتها كما حرمتهم من حضور زفاف ابنهم.
أُخذت بغدر ممن علمته الغدر، فتجد نفسها وحيدة، منبوذة من الجميع.
كانت تود السفر إليها والبقاء معها، لكن لن تستطيع النظر في وجهه بعد ما فعله بها.
فهذا ما جنته يداها وعليها أن ترضى بما قسم لها.
شعرت بحنين جارف للوقوف بين يدي الله والتضرع إليه كي يهدئ من نيران قلبها.
❈-❈-❈
كان حازم يقف على أعتاب المنزل يتلهف شوقًا لرؤيتها، فقد رآها تدلف المنزل لكنه لم يستطع التحدث معها لوجود والدتها معه.
تقدم منه معتز الذي يعلم كل شيء من البداية فقال بمكر:
"تدفع كام و اخليك تشوفها وتتكلمها كمان."
تحدث حازم بلهفة:
"اللي تطلبه بس كيف؟"
أجاب ببساطة وهو يعد من ياقة جلبابه:
"مليكش صالح، استناني انت بس عند الباب الوراني واني چايلك."
سأله بتوجس:
"هتعمل ايه؟"
رد بثقة:
"جلتلك مليكش صالح انت."
تركه وغادر.
ولم يمضي الكثير حتى وجدها تخرج بطلتها التي تخطف أنفاسه منذ صغرهم من الباب الخلفي للمنزل تتلفت حولها وتتساءل:
"هو راح فين؟"
بلهفة وشوق ناداها حازم:
"زينة."
نظرت زينة إلى مصدر الصوت كي تتأكد من صحة ما سمعت، فتجده حقًا أمامها.
حاولت الثبات والتحكم في مشاعرها التي عادت تطلق لها العنان:
"حازم!"
تلفتت حولها:
"معتز جالي إن عمر عايزني."
حمحم بإحراج وهو يقول:
"بصراحة مش عمر اللي عايزك، أني اللي بعتلك عشان رايد أتكلم معاكي في كلمتين."
هزت نظراتها وقد دق قلبها كالطبول، وهم بالتحدث لكنها منعته قائلة:
"متجولش حاچة ياحازم، اني خابره زين اللي رايد تجوله، بس صدجني مينفعش."
اندهش حازم وسألها بقلق:
"ليه مينفعش، لو كنتي فاكرة إني ممكن…."
قاطعته مرة أخرى:
"لأننا لسه جدامنا طريق طويل، تلات سنين دراسة ومينفعش نتزوج، احنا بندرس، ياريت نأجل كلام في الموضوع ده لحد ما تعدي اول سنتين في الدراسة وبعدها ممكن تطلبني مع خالك."
اقتنع برأيها لكنه يخشى ضياعها منه مرة أخرى:
"بس اني خايف لتضيعي مني مرة تانية، المرة دي مش هتحمل."
ابتسمت زينة وهى تطمئنه:
"متجلجش، محدش هيجبرني على حاچة مش رايدها."
تلفتت حولها بقلق وقالت:
"اني ارجع لحد يوعلنا."
وقبل أن يتحدث أسرعت بالولوج إلى الداخل.
❈-❈-❈
انتهى الحفل وتجمعوا على طاولة العشاء، وأصرت جليلة أن تجلس سارة بجوار جاسر، وهى جلست بجوار ولدها الذي مهما فعل سيظل قلبها ودارها مفتوحًا له، وهذا حال الوالدين.
أما عمران فقد شعر أخيرًا بأكتمال عائلته وهو يترأس تلك الطاولة التي شملت كل عائلته.
أما جمال فكان يصب كامل اهتمامه لأخيه ويضع الطعام أمامه باهتمام، بالرغم مما جعل جاسر وجهه يتجهم وهو ينظر إلى والده بضيق.
أما سارة فمازالت تتذكر نظراته لها، لمساته لبشرتها دون قصدٍ منه، أنفاسه التي كادت تحرق عنقها وهو يطوقه بهذا الطوق الذي مازال ملتفًا حول عنقها.
أما هو فقد كان ينظر إليها بجانب عينيه بين الحين والآخر كي يتأكد من وضع الشال حول كتفيها، لكن تلك المرة وجده متزحزقًا قليلًا مما جعل الغيرة تأخذ منحنى آخر وهو ينظر إلى أعين الجميع من حولهم، فعاد ينظر إليها قائلًا بأمر:
"ياريت تطلعي تغيري الفستان ده."
انتبهت إليهم جليلة وقالت باستغراب:
"مـ تسيبها ياولدي لما تخلص وكلها، هو في حد غريب وسطينا؟"
أكد حازم قائلاً بمزاح:
"اني ومعتز يا چدتي، بس متجلجش أحنا خلصنا وكل وجايمين، خليها براحتها."
ارتبكت سارة ومنعتهم بإصرار وهي تنهض من مقعدها:
"لأ خليكم، أنا أصلًا شبعت."
لم يتقبل منصور رضوخها له بهذا الشكل مما جعله يرفض ذلك ويقول بانفعال:
"انا مش شايف يعني أن الموضوع ميستاهلش أنها تقوم من على الأكل عشانه، وزي ما قالت أمي مفيش حد غريب."
لم يعد جاسر يستطيع التحكم في أعصابه أكثر من ذلك فقال بحدة:
"وأني شايف ان دي حاجة بيني وبين مراتي محدش ليه صالح بيها."
صاح به منصور:
"يعني أيه الكلام ده؟ أنت هتتحكم فيها من دلوقت."
أجاب جاسر باحتدام:
"دي عمرها مـ كانت تحكمات، أني راچل صعيدي ودمي حامي وبخاف على أهل بيتي، وزي مـ انت شايف تربية جمال لابسة الحچاب جدامنا كلنا وزي ما بتجول مفيش حد غريب."
انفعل منصور من تلميحه وقال بغضب:
"أنت زودتها أوي."
وقف جمال حائلًا بينهما وقال بلهجة حادة لا تقبل نقاش:
"أهدوا ياچماعة، مينفعش أكده."
نظر إلى جاسر وتحدث بأمر:
"وانت ياجاسر اطلع على اوضتك دلوجت."
كان جاسر يشتعل غضبًا بداخله، لكنه لم يريد التقليل من شأن والده كما فعل هو من قبل، ونظر إلى سارة التي ترتعد خوفًا، وتركها ودلف غرفته.
قالت جليلة بقلق:
"دي عين وصابتنا، اغزوا الشيطان وبلاش تكبروا الموضوع."
نظرت إلى ليلى وأردفت:
"وانتي ياليلى خدي بنت عمك واطلعي اوضتكم انتوا كمان."
أخذتها ليلى وصعدوا إلى غرفتهم، وحينها تحدث عمران بفتور:
"في أيه يامنصور، أني شايف إن جاسر مغلطش، مرته وبيغير عليها أيه المشكلة؟"
تحدث منصور برفض:
"دي مش غيرة ده تحكم، وانا مقبلش أن أى حد يجرحها او يضايقها بكلمة."
"تجصد مين بحد ده يامنصور؟"
شعر منصور بحماقة قوله وتحدث باعتذار:
"مقصديش يا حاج، أنا اقصد جاسر اللي بدأ يتحكم فيها من أول يوم."
رغم الاستياء الشديد الذي شعر به جمال إلا إنه تحدث بحيادية:
"جاسر مش بيتحكم فيها هي، بس مسألة غيرة، ودي حاچة تسعدها، الواحدة بتفرح لما چوزها يغير عليها حتى لو من أبوها، وبنتك هي بنتنا ومعزتها من معزت ليلى، واللي مجبلوش على بنتي مجبلوش عليها."
"أطمن يامنصور بنتك وسط أهلها."
أيد مصطفى رأي عمه قائلًا:
"فعلًا يابابا، أنا شايف إن جاسر مغلطش مراته ومن حقه يغير عليها، ممكن يكون التعبير خانه شوية بس هو ميقصدش حاجة، من المدة البسيطة اللي قعدتها معاه اقدر اقولك إن ده اللي أسيب أختي معاه وانا مطمن."
أومأ عمران رأسه برضى عندما تحدث مصطفى برجاحة عقل، وقال بأمر:
"جاسر ومرته محدش يتدخل بيناتهم إلا إذا لزم الأمر او طلبوا هما إننا ندخل، غير كدة محدش ليه صالح بيهم."
رواية ومجبل علي الصعيد الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم رانيا الخولي
تحدثت وسيلة كي تهدئ الوضع.
أستهدوا بالله يا جماعة، دي عين وصابتنا زي ما قالت مرات عمي. هعمل لكم الشاي وأجيبه في الجنينة يهدي أعصابكم شوية.
ربت جمال على كتفه وقال بابتسامة.
تعالي نجعد في الجنينة.
نظر إلى والده.
يالا يا بوي.
تحدث عمران بفتور.
روحوا انتوا، اني داخل أوضتي أرتاح.
نظر إلى مصطفى وقال.
دخلني يا ولد.
ساعد مصطفى جده على الولوج لغرفته.
وذهب الجميع إلى غرفهم ما عدا جمال ومنصور الذين خرجوا إلى الحديقة كي يتحدثوا في أمر الزفاف غدًا.
***
في المشفى
مر اليوم عليه ببطء حتى شعر بأن عقارب الساعات قد توقفت عن الدوران.
بدأ يشعر بالاختناق من المكان وعاد اليأس يأخذ طريقه إلى قلبه الواهن.
بدأ الألم يشتد، لكن هناك أيضًا ألم من نوع آخر وهو ألم الفراق يشتد أكثر عليه.
يشتاقها بكل كيانه حتى تساءل كيف كانت تمر أيامه قبل معرفتها.
سبق وظل أيام داخل ذلك المكان، لكن لم يشعر بوحشيته كما يشعر بها الآن.
ماذا فعلت به تلك الفتاة؟
أراد سماع صوتها بحنين جارف، لكن يعلم جيدًا إن سماع صوتها سيجعل الأمر شاقًا عليه.
دَلفت سهى الغرفة هي والدكتور ساهر كي يطمئن عليه أثناء غياب الدكتور عصام.
عامل إيه يا مستر أمجد؟
أجاب أمجد بجمود.
بخير الحمد لله.
قام الطبيب بالكشف عليه ليظهر العبوس على ملامحه وقال.
أنا شايف إنك مكنش لازم أبدًا تسيب غرفة العناية، وأنا من رأيي إنك لازم ترجعها تاني.
رد أمجد باقتضاب.
لأ.
اندهش ساهر وسأله بجدية.
يعني إيه لأ؟ وجودك في العناية ضروري.
قاطعه أمجد بلهجة لا تقبل نقاش.
قلت لأ ومش عايز أسمع كلام كتير.
وياريت تسيبوني لوحدي.
لم يريد الطبيب الضغط عليه كي لا يتعبه وخرج من الغرفة.
***
في غرفة ليلى
كانت سارة تجلس على الفراش بثبات زائف وشعرت ليلى بما يدور بخلدها.
فجلست بجوارها وهي تقول بتعاطف.
متزعليش يا سارة، هو جاسر أسلوبه حاد شوية، بس مفيش أطيب وأحن منه.
والموضوع جاه معاه غيرة مش أكتر.
حاولت سارة الابتسام وهي تقول بتفاهم.
عارفه يا ليلى وصدقيني مزعلتش.
أنا بس قلقانه إنه يشد قصاد بابا والأمور تتعقد بينهم تاني.
طمأنتها ليلى قائلة.
لا ياستي من الجهة دي اطمني، جاسر على قد جبروته ده، بكلمة واحدة من عمك جمال بيرجع عيل صغير من تاني.
أرادت التخفيف عنها قليلًا فقالت بمكر.
بس ما أخدتيش بالك من جاسر لما شافك من غير الشال كان عامل إزاي، بجد كان عايز اللي يصوره.
كنت خايفة يتهور ويعمل حاجة.
ابتسمت سارة بألم وهي تتذكر تلك اللحظات التي عاشتها معه.
كانت تتمنى أن تعيش حقًا تلك اللحظة دون شعورها بالخزي الذي يجعلها منكسرة أمامها.
حارت ليلى من شرودها الذي لا تكف عنه، لكنها أقنعت نفسها بأنها تشتاق لوالدتها ليس أكثر.
ولم تدري عن تلك المعاناة التي تعيشها وحدها دون أن تجد من يهون عليها.
تبدلت ملامح ليلى عندما رن هاتفها برقم سهى.
أخذت الهاتف وخرجت إلى الشرفة وقلبها يدق بعنف.
خير يا سهى.
أجابت سهى.
أستاذ أمجد أصر إنه يخرج من العناية ومن وقتها وهو تعبان ورافض إن حد يدخل عنده.
انخفق قلبها خوفًا وسألتها بريبة.
وفين دكتور عصام؟
دكتور عصام مش موجود والدكتور ساهر حاول يقنعه أنه يرجع.
بس رافض.
طيب ادخلي عنده واديله الفون.
ارتبكت سهى وقالت بتوجس.
بس ده مش طايق حد وكل اللي بيدخل عنده بيتعصب عليه ويخرجه تاني.
آلمها حالته فقالت لسهى برجاء.
معلش يا سهى ادخلي بس وقوليله إني عايزة أكلمه.
وافقت سهى على مضض ودلفت الغرفة، لكن ما إن رآها حتى عنفها قائلاً.
أنا مش قلت مش عايز حد يدخل.
أشارت سهى بالهاتف وهي تقول.
دي دكتورة ليلى عايزة تكلمك.
ازداد غضبه أكثر وقال بحدة.
قلت مش عايز أكلم حد.
خرجت سهى من الغرفة.
زي ما سمعتي كده، مش عايز يشوف.
طيب سيبيه لحد ما يهدى ومتدخليش حد عنده عشان الانفعال غلط عليه.
قالت سهى بتعاطف.
من وقت ما سافرتي وهو بالحالة دي.
أخذت نفس طويل تهدئ به روعها وقالت بحزن.
إن شاء الله هيكون كويس وبكرة الصبح هكون عندك.
أغلقت الهاتف وعادت إلى الغرفة بوجه متجهم لترمقها سارة بقلق.
في إيه يا ليلى، حاجة حصلت؟
ملامحها التي تبدلت لحزن ووجع جعلت سارة تتناسى أوجاعها وتقترب منها بلهفة عندما رأت الدموع تلمع في عينيها.
طمنيني عليكي.
لم تستطع ليلى التظاهر بالثبات أكثر من ذلك فقالت بحزن.
بيضيع مني ومش قادرة أعمله حاجة.
تحيرت نظراتها لتقص وسألتها بقلق.
هو مين؟ وبيضيع إزاي؟
قصت عليها ليلى كل شيء منذ البداية حتى تلك المكالمة التي رفضها.
تعاطفت سارة معها وقالت بهدوء.
متزعليش مني يا ليلى، انتي غلطتي لما سيبتي مشاعرك تتمادى مع مريض عندك وخصوصًا واحد في حالته.
وعلى فكرة حبك ليه هيتعبه أكتر وأكبر دليل على كده أنه كل شوية بحال معاكي، مرة يقولك قربي والتانية يقولك ابعد.
عايز ينعم بحبك وفي نفس الوقت خايف عليكي من ألم الفراق.
يعني عايش في صراع طول الوقت.
نظرت إليها تسألها بتوجس.
انتي يعني عايزاني أبعد عنه؟
هزت رأسها برفض.
لا طبعًا، لأنكم ببساطة وصلتوا لنقطة مينفعش تهربوا منها.
خليكي معاه للآخر لإنه أكيد محتاجلك.
الصبح إن شاء الله حاولي تكلميه تاني هيكون هدي وممكن تلاقيه بيكلمك ويعتذر لك كمان.
مسحت دموعها براحة يدها وقالت بتمني.
يارب يا سارة.
وهنا الكل حكيم مادام القصة ليست قصته.
***
وى الجميع إلى فراشهم إلا هو ظل قابعًا في غرفته يفكر كيف ستكون حياته معها؟
فبعد ساعات ستجمعهما غرفة واحدة وربما فراش واحد.
ماذا سيفعل حينها!
وإن تجاهلها؛ فـ إلى متى؟
وإن استطاع تجاهلها كيف سيتجاهل تلك المشاعر التي لم يعد باستطاعته كبتها.
ها قد أشرقت شمس الصباح ومازال على وضعه.
وقف ينظر من شرفة غرفته ليجد الحديقة قد عمت بالعمال.
لم يبتسم وجهه كما يراها في وجه أصدقائه وفرحتهم بتلك المناسبة.
تمر عليه وهو قلبه يئن ألمًا.
ولم يختلف حالها عن حاله وهى تقف في الشرفة أعلى شرفته وكلاهما ينظر إلى استعدادات العمال بقلب مثقل بالألم.
عادت إلى غرفتها لتنظر إلى ذلك الثوب الأبيض الذي حلمت به كثيرًا، لكنها الآن تقف أمامه تنظر إليه بإنكسار.
لمسته بيدها تستشعر ملمسه بلوعة تتخيل ليلتها الأولى معه.
كيف ستكون حياتها معه؟
هل سيظل ينظر إليها بنظراته المبهمة؟
أم بنظرات العتاب التي تلمحها أحيانًا في عينيه؟
أم نظرة الإشمئزاز التي مرقها بها عندما علم الحقيقة ومازالت تتذكرها حتى الآن.
لم تغمض عينيها تلك الليلة وهى تفكر فيما سيحدث بعد غلق باب غرفتهم عليهم.
كيف تستطيع النظر إليه؟
تذكرت تلك الليلة عندما آوى الجميع إلى الفراش وظلت هي تجول بحديقة المنزل ولم تعلم بأنه واقفًا أمام شرفته التي تطل على حديقة المنزل.
فلاش باك
مرت في وقفتها عندما صادفته يقف أمام شرفة غرفته.
وعندما رآها اخفضت عينيها كي لا ترى نظراته التي لا ترحمها.
وعندما همت بالعودة أوقفها قائلًا.
استنير.
رفعت عينيها تنظر إليه بترقب فتقدم منها ليقف أمامها بطلته المهيبة وقال بلهجة حادة.
إيه اللي نزلك دلوقت من أوضتك؟
كانت تجابه عينيه الحادة لترى لونهما الرمادي والذي تشبه عين أبيها.
توجه إليها نظرات قاتلة لا ترحم فازدرأت ريقها بصعوبة.
مفيش أنا بس قلقت شوية وقلت انزل أتمشى في الجنينة.
رفع جفنيه بسخرية وقال متهكمًا.
وانتي متعودة انك تخرجي من أوضتك الساعة اتنين بالليل وتمشي في الضلمة كده؟
تهكمه جرحها لكنها قالت بقوة زائفة.
أنا خرجت لإني عارفه إن المكان آمان، واه في البيت عندنا كنت بطلع من أوضتي في وقت زي ده لإن البيت فيه حراسة يعني آمان برده.
ابتسامة متهكمة مع لهجة ساخرة وجهها إليها.
وياترى بجى كان بيمشي وراكي حراسة بردك ولا كان سايبك تدوري براحتك.
التفتت إليه بحدة وعينيها تلك المرة تنظر إليه بغضب عارم وقالت بحدة.
أنا مسمحلكش إنك تتكلم عني بالطريقة دي.
تحولت نظراته من السخرية إلى غضب وعينيه تطلق لهيب حارق وهو يقول من بين أسنانه.
مش دي الحقيقة؟ ولا تنكري؟
لم تزيدها كلماته سوى مرارة وإزدراء فأرادت إيلامه كما يفعل هو وقالت بحدة.
هو ميختلفش عنك كتير، هو غدر بيا وبثقتي في أخته، وانت بتكمل غدره وبتقتلني في كل نظرة بتبصلي بيها بكل كلمة بتوجهها لي.
بتحاسبني على شيء خارج إرادتي واتخذت فيه غدر من صاحبتي.
لو زي ما بتقول أنا اللي رميت نفسي في التهلكة، فهي كانت محتاجاني ومرحتش معاها إلا لما أكدتلي إنه مش موجود.
أول ما شربت القهوة محستش بنفسي؛ وفقت لقيته واقف قدام المرايا.
وقالي إنه عمل كده لما يأس إني أوافق اتجوزه.
فكرت في الانتحار بس خفت من عذاب ربنا ولجأت ليكم اتحامى فيكم والآخر عرفتك وانت للأسف مرحمتنيش.
بس هلوم عليه ليه؛ وأنا أقرب الناس ليا بيعمل فيا كده.
اهتزت نظراته وشعر بحماقة فعله ليلقي اللوم عليها كي يقنع نفسه قبل أن يقنعها بأنها هي المخطئة.
بس انتي بردك اللي رميتي نفسك في التهلكة متجيش تجولي غصب عني.
ردت بألم.
وأنا لو أعرف إن ده هيحصل كنت حبست نفسي بين أربع حيطان ولا إني أنجبر أتزوج واحد قاسي ومبيرحمش زيك.
ساد الصمت بينهم وبدأت العيون حديثها بما لا تقوى الشفاه على التفوه به.
عينيها التي ترمقه بإزدراء جعلت نظراته تهتز.
ودقات قلبه التي تزداد وتزداد كلما رآها جعلته يعترف لنفسه أخيرًا بما يكبته بداخله وينكره.
واعترف لنفسه بأنه عاشق متيم مهما أنكر ذلك.
أما هي فكانت نظرتها تحمل عتابًا حادًا جعلته يقول بهدوء تام رغم ما بداخله من نيران.
أرجع أوضتك دلوقتي ومتخرجيش منها في وقت زي ده لأي سبب من الأسباب.
لم تجادل أو تناقش بل انسحبت بكل هدوء وعادت إلى غرفتها.
عادت إلى واقعها على صوت ليلى التي رأتها تقف أمام الثوب بشرود فقالت بمرح.
صباح الخير على أحلى عروسة.
ابتسمت سارة بامتنان وقالت.
صباح النور، شكلي قلقتك.
نظرت ليلى في ساعتها لتجدها العاشرة صباحًا.
قلقتيني إيه، أنا أول مرة أتأخر في النوم كده.
يالا بسرعة عشان زمان جليلة ووسيلة محتاسين تحت.
***
خرجت ليلى وسارة من الغرفة لتتفاجئ بهم وسيلة وهي تخرج من غرفتها وتسألهم.
انتوا رايحين فين؟
اندهشت ليلى ونظرت إلى سارة.
نفطر معاكم ونشوف إذا كنتوا محتاجين حاجة.
تحدثت برفض.
لا مش محتاجين حاجة، ارجعوا يالا أوضتكم واني هبعتلكم الفطار مع سعدية.
نظرت إلى سارة وقالت بتحذير.
وانتي يا سارة مش عايزاكي تخرجي من أوضتك نهائي لحد ما الكوفيرة اللي بتجولوا عليها دي تيجي.
أومأت بتفاهم.
حاضر يا طنط.
عادوا إلى الغرفة مرة أخرى.
خرج جمال من الغرفة ليجدها مازالت واقفة أمامها فسألها باهتمام.
واقفة كده ليه يا وسيلة؟ في حاجة؟
أجابت وسيلة بابتسامة عريضة.
لا يا جلبي، أنا بس لقيت ليلى وسارة نازلين خلتهم عاودوا تاني.
عقد حاجبيه مندهشًا وتسائل بحيرة.
ليه؟ كنتي خليهم يفطروا معانا.
اقتربت منه لتمسك ياقة جلبابه تعدلها وهي تقول بمكر.
خلينا نشوجه شوية، حكم إني خبراه زين جفل ومفيش حاجة هتحركه غير طريقتي دي، أراهنك إنه فضل صاحي طول الليل من تفكيره فيها.
ضيق عينيه متسائلًا.
عملتي إيه يا وسيلة مش مطمنالك.
ضحكت وسيلة واقتربت من أذنه لتتابع مكرها.
كل خير وبكرة تجول وسيلة جالت.
تضحك جمال وقال بمزاح.
بخاف إني من مكر الحريم ده، بس مادام شايفة إنه هيحرك الجفل اللي مخلفه ده أنا معاك.
كان حازم ومعتز خارجين من غرفتهم عندما وجدوا هذا المشهد ليوكز حازم معتز قائلًا.
شايف المحن بتاع أبوك وامك، تحس إنهم عرسان جداد.
ضحكهم لفت انتباه جمال ووسيلة الذي أبعد عنها قليلًا ونظر إليهم ليقول بصلابة.
واقفين كده ليه، ما تنزلوا تقفوا جنب أخوكم.
تحدث حازم بجدية مصطنعة.
ما كنا نازلين بس قولنا نشوفكم لو محتاجين حاجة.
حرك رأسه بيأس منهم وقال بنفي.
لا مش محتاجين حاجة، يالا على تحت.
نزل حازم ومعتز وهم يتحدثون بخفوت وتعلو ضحكاتهم وجمال ينظر إليهم بيأس.
الولد ده بيفكرني بخاله وليد، كل حاجة يتمسخر عليها.
ضحكت وسيلة وقالت بحب.
ربنا يخليك ليهم، يالا بجى لحسن أخرنا جوي على عمي وزمان سعدية محتاسة.
أومأ لها وترجلوا إلى الأسفل ليجدوا الجميع على طاولة الإفطار إلا من جاسر ولده.
صباح الخير.
رد الجميع ثم سألهم وهو يجلس في مقعده.
أومال جاسر وينه؟
أجاب عمران.
فطر من بدري وواقف برة مع الرجالة.
أومأ جمال ثم سأله منصور.
وسارة لسة مصحيتش؟
أجابت وسيلة.
صحت من بدري بس مينفعش تطلع من أوضتها النهارده وخلت ليلى معاها وبعتلهم فطارهم.
***
بعد محاولات عديدة رد عليها أمجد الذي أجابها بجمود.
نعم يا ليلى.
تحدثت ليلى بعتاب.
مش بترد ليه؟
تنهد أمجد بتعب وأجابها بفتور.
ما أنا رديت أهه.
بعد كم محاولة.
ساد الصمت قليلًا وكلًا يتحرى شوقًا لرؤية الآخر ثم رد بهدوء.
مكنتش عايز أكلم أي حد.
تحدثت بعتاب.
وأنا أي حد؟
عاد لصمته يهرب منها إليه وهى علمت بذاك فقالت بتفاهم.
خلاص يا أمجد أنا هسيبك دلوقت وبكرة الصبح إن شاء الله هكون عندك.
أغلقت الهاتف دون أن تنتظر منه ردًا، وألقى هو الهاتف على الفراش بغضب من نفسه على أحزانه.
يحتار بشدة ولا يعرف ماذا يفعل.
يبعد فلا يستطيع.
يبعدها فيندم.
شتان ولا يعرف أي طريق يتخذ.
يسخر من نفسه؛ وهل له طريق حتى يختار.
***
وقف ينظر إلى انعكاس صورته في المرآة وقد أصبحت عينيه الرمادية قاتمة وهو يتخيل حياته بعد ساعات قليلة من الآن.
هل فرض عليه أن يتزوج رغمًا عنه، سواء ابنة خاله التي أقنعه بها والده.
أم ابنة عمه التي فرضتها الظروف عليه أو بمسمى أدق فرضها هو على نفسه.
دقات قلبه الرتيبة جعلته ينتبه إلى شيءٍ آخر وهو عشقه الخفي لها والذي تصدى له كثيرًا لكنه لم يستطيع الصمود أكثر من ذلك وليرضخ لذلك العشق الذي استوطن قلبه بعد أن جابه بكل بسالة.
كتب عليه مرارته وعليه التحمل.
طرقات خافتة على باب غرفته أعادته من شروده.
سمح للطارق وهو يجذب سترته ليرتديه.
دلف حازم ومعتز وهم ينظرون إليه بإعجاب وقد زادته بدلته جاذبية فصفر حازم بإعجاب.
إيه الشياكة دي كلها، دا انت طالع ولا نجوم السينما.
أيد معتز رأيه.
فعلًا دي الحاجة جليلة لو شافتك مش هتخرجك بره الأوضة دي.
نظر إليهم وهو يرتدي ساعته وقال بثبات.
عقبالكم.
آمن الاثنين خلفه ليعاود ينظر لهيئته في المرآة فقال حازم.
عارف أحلى حاجة لحظتها فيك دلوقتي.
نظر إليه بطرف عينيه وهو يعدل رابطة عنقه.
خير؟
اقترب منه ليعدلها بدلاً عنه وهو يقول.
إن الكرافتة دي شبه لون عينيك.
لم يستطع الثبات أكثر من ذلك أمام مزاحهم ليبتسم لهم بحب.
طيب يلا بجى لان كلهم مستنيينك برة.
خرجوا من الغرفة ليجدوا الجميع منتظرينه بالخارج.
تعالت الزغاريد والكل بيشارك له بفرحة عارمة وهو يرسم ابتسامة زائفة على محياه يخفي بها ما بداخله من ألم.
تحدث جمال بفخر وهو يتقدم منه.
مبروك يا جاسر.
كانت ابتسامته تلك المرة صادقة وهو يقبل يد والده ويقول بامتنان.
الله يبارك فيك يا بوي.
ربت جمال على كتفه وقال.
يالا بجى أطلع هات عروستك.
أومأ برأسه وصعد إليها في سعادة فرحة من الجميع.
***
في غرفة سارة
دلف مصطفى الغرفة ليجدها تقف أمام المرآة بطلتها التي تخطف الأنظار وثوبها الأبيض الذي جعلها تبدو كأميرة الأحلام.
دنى منها أكثر وهو مأخوذًا بجمالها وتحدث بولع.
إيه الجمال ده كله؟
ابتسمت سارة بود وقالت.
انت اللي عينيك حلوة عشان كده ديمًا بتشوفني حلوة.
هز رأسه بنفي وقال.
لأ انتي فعلاً جميلة أوي بالفستان الأبيض والحجاب اللي مخليكي زي الملايكة ده.
جذبها إليه ليحتضنها بشوق.
النهاردة أجمل يوم في حياتي وأنا شايفك عروسة وبسلمك للإنسان اللي فعلًا يستاهلك بإيدي.
اختفت ابتسامتها عند سماعها تلك الكلمة لتخفي وجهها أكثر في صدره كي تداري ذلك الوجع الذي بات يؤلمها أكثر من ذي قبل.
أبعدها عنه قليلًا لينظر داخل عينيها وقال بحب.
مبروك يا قلبي.
ابتسمت سارة رغماً عنها وهي تقول بامتنان.
أمعن النظر بها ليتوقف قلبه عن النبض عندما طلت عليه بإطلالة تخطف الأنفاس وجعلته يجاهد كي يتنفس.
ازدرد ريقه بصعوبة وهو يراها تتقدم منه بكل هذا الجمال الذي يلقي سحره على من يراه.
كانت تخفض عينيها وتحجبها عنه إلى أن رفعتها إليه عندما اقترب بها مصطفى منه لتقف أمامه وياليتها لم تفعل.
ازدادت وتيرة تنفسه ودقات قلبه تعلو بصخب حتى أيقن بأن الجميع يسمعها بوضوح عندما رمشت بأهدابها الساجية خجلًا من نظراته.
ومن عينيه التي تلتهم ملامحها دون هوادة وكأنه فقد السيطرة عليهم كما فقد لسانه النطق.
وليكن صادقًا أكثر فـ قد فقد حتى السيطرة على مشاعره التي أخمد نيرانها التي تهدد بالانفجار.
أما هي فكانت عينيها تنظر إليه نظرة يملؤها الإمتنان، نعم الإمتنان له على وقفته بجوارها وسترها من ذلك العار على حساب سعادته.
انتشله حازم من تلك الفقاعة الوردية عندما وضع يده على كتفه ينبه بأن الجميع ينتظره.
فحمحم بإحراج وتقدم منها يأخذها من يد أخيها وهو يغصب نفسه على الابتسام أمام الجميع ويقول بثبات.
رواية ومجبل علي الصعيد الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم رانيا الخولي
في غرفة سارة، دلف مصطفى الغرفة ليجدها تقف أمام المرآة، بطلتها التي تخطف الأنظار، وثوبها الأبيض الذي جعلها تبدو كأميرة الأحلام.
دنى منها أكثر وهو مأخوذ بجمالها، وتحدث بولع:
_ إيه الجمال ده كله؟
ابتسمت سارة بود وقالت:
_ إنت اللي عينيك حلوة، عشان كده ديمًا بتشوفني حلوة.
هز رأسه بنفي وقال:
_ لأ، إنتي فعلاً جميلة أوي بالفستان الأبيض والحجاب اللي مخليكي زي الملايكة ده.
جذبها إليه ليحتضنها بشوق.
_ النهاردة أجمل يوم في حياتي وأنا شايفك عروسة وبسلمك للإنسان اللي فعلًا يستاهلك بإيدي.
أختفت ابتسامتها عند سماعها تلك الكلمة، لتخفي وجهها أكثر في صدره كي تداري ذلك الوجع الذي بات يؤلمها أكثر من ذي قبل.
أبعدها عنه قليلًا لينظر داخل عينيها وقال بحب:
_ مبروك يا قلبي.
ابتسمت سارة رغماً عنها وهي تقول بامتنان:
_ الله يبارك فيك.
تناول يدها وخرج بها من الغرفة لتجد جاسر أمامها، وقد أخذ ينظر إليها مزدر ريقه بصعوبة وهو يراها تتقدم منه بكل هذا الجمال الذي يلقي سحره على من يراه.
كانت تخفض عينيها وتحجبها عنه، إلى أن رفعتها إليه عندما اقترب بها مصطفى منه، لتقف أمامه، وياليتها لم تفعل.
إزدادت وتيرة تنفسه ودقات قلبه تعلو بصخب، حتى أيقن بأن الجميع يسمعها بوضوح، عندما رمشت بأهدابها الساجية خجلًا من نظراته، ومن عينيه التي تلتهم ملامحها دون هوادة، وكأنه فقد السيطرة عليهم، كما فقد لسانه النطق.
وليكن صادقًا أكثر، فقد فقد حتى السيطرة على مشاعره التي أخمد نيرانها التي تهدد بالانفجار.
انتشله حازم من تلك الفقاعة الوردية عندما وضع يده على كتفه، ينبه بأن الجميع ينتظره.
فحمحم بإحراج، وتقدم منها يأخذها من يد أخيها، وهو يغصب نفسه على الابتسام أمام الجميع، ويقول بثبات:
_ مبروك يا سارة.
إنها المرة الأولى التي تسمعه ينطق اسمها، وقد شعرت برعشة تسري في أوصالها جعلتها ترتجف لوهلة، وهو يمد يده ليمسك يدها التي أصبحت باردة كالثلج.
وليس حالها بأفضل من حاله، وقد عكس الأمر ليشعر هو بدمائه تفور داخل أوردته، وخاصةً عندما أجابت:
_ الله يبارك فيك يا جاسر.
كان منصور وجمال يشاهدون الموقف بسعادة، لكن شتان بين الاثنين.
فسعادة منصور لها أهدافها الذاتية، أما جمال، فكانت سعادته بنظرات الحب التي يرمق ابنه بها حبيبته.
_ إيه يا جماعة، هنفضل واقفين كده كتير؟
نظر جاسر إلى والده بابتسامة لم تصل لعينيه، وأومأ له، وهو يأخذها ويذهب معهم إلى حيث ينتظرهم الجميع بسعادة كبيرة.
بدأ الاحتفال، وكان جاسر ينظر إليها بين الحين والآخر، يجابه شوقه الذي يحسه على أن يتناسى كل شيء وينعم في تلك اللحظة التي ربما لن يعيشها مرة أخرى.
كما يريد أن يرتوي من بحور العشق التي يعيشها لأول مرة.
لكن يتلاشى كل شيء عندما يتخيل أن غيره نعم بها قبله، مما يجعل فمه يتشنج بغضب أصبح من الصعب اخفاؤه.
وقفت وسيلة بجوار جمال، الذي نظر إليها وقال بحب:
_ مبروك يا أم جابر.
بادلته وسيلة الابتسامة التي تشرق ظلمته، وردت بلهفة:
_ الله يبارك فيك يا غالي، وعقبال ما تفرح بليلى.
نظر جمال ناحية ليلى التي تقف بجوار أخيها بسعادة بالغة، وتحدث بتبرم:
_ إني مش قادر أتخيل إنها في يوم من الأيام هتهملنا وتبجى في حضن حد غيري.
ضحكت وسيلة وقالت بتذمر:
_ إني كل ما غيرتي منها تهدي، بتيجي إنت تشعللها بكلامك ده.
رفع حاجبيه بمكر وهو يقول:
_ بس حبك إنت حاجة تانية، واخده القلب والعجل وكل كياني، هتجومي تحسديها على الحبة البسيطة دي.
ضيقت عينيها بغيظ منه.
_ ثبتني كعادتك بكلمتين، بس المرة دي هيكون عقابها جاسي عليك.
ضحك جمال بعلو صوته، مما جذب انتباه معتز، الذي قال لأخيه:
_ وبعدين في أبوك وأمك اللي فضحينا دول.
انتشل حازم عينيه بصعوبة عن زينة التي تقف بالقرب من ليلى، وقال بضيق:
_ وإنت مالك، مركز معاهم ليه؟
_ وإني يعني هركز مع مين! إنت مركز مع زينة اللي كل ما عينها تيجي في عينك تتكسف وتبص بعيد.
وجاسر أخوك اللي كل شوية بيتحول، مرة يبصلها بحب ومرة بحس إنه عايز يقوم يديها ألمين.
وستك اللي قاعدة جنب الحاج عمران بتتوود، معرفش بيقولوا إيه.
وعمك منصور اللي مبطلش كلام في التليفون.
حتى مصطفى عينيه متشالتش من على صفوة صاحبت زينة.
أنا بقى ليا مين أركز معاه؟
أجابه حازم بغيظ:
_ وإني مالي بكل اللي بتقول عليهم دول، أقولك روح اقف مع أبوك، خليه يهدى شوية، دا العريس نفسه مش مبسوط كده.
وبالفعل اقترب معتز من أبيه، الذي تعجب من فعلته عندما وقف حائلًا بينهما، وسأله:
_ إنت واقف كده ليه؟
مال معتز على وسيلة يقبلها، ورد بمكر:
_ أصلها وحشتني جوي ولسة مشبعتش منها، وإني كمان مسافر الصبح.
تحدث جمال بأمر:
_ طب اتحشم شوية، إحنا قدام الخلق.
نظر معتز لوالده متسائلًا بعدم فهم:
_ إنت بتجولي إني الكلام ده.
عقد حاجبيه مندهشًا:
_ تقصد إيه يا مخبول إنت.
تدخلت وسيلة:
_ ميقصدش حاجة.
نظرت لمعتز وتابعت:
_ المهم إنت خلي بالك من أختك، إني أصلاً حالها مش عاجبني من وقت ما رجعت.
_ متقلقيش يا وسيلة، هي في عينيها.
اقترب من أذنها وقال بخفوت:
_ بس اخفوا إنتوا شوية، الناس هتحسدكم.
أومأت وسيلة بابتسامة، ثم تركهم وغادر.
سألها جمال:
_ بيقولك إيه المخبول ده؟
_ ولا حاجة، سيبك منه، المهم إني هروح أشوف عشا العرسان جهز ولا لسه.
همت بتركه، لكنه أوقفها قائلاً:
_ وعشايا أنا فين؟ أوعى يكون أجل مني، إني كمان الليلة عريس، مش معقول ابنك يبجى عريس لوحده.
هزت رأسها بيأس منه، وقالت بغيظ:
_ اهدى يا جمال، الله يرضى عليك، كلها سنة وهتبجى جد.
تابع بمكره:
_ وهو مين اللي يشوف الجمر ده جدامه ويفكر غير كده.
ازدادت سعادتها بكلماته التي تجعل قلبها يهتز ثباته، وقالت بلهفة:
_ ربنا يخليك لينا وما يحرمنا منك أبدًا.
آمن بحب:
_ ولا منك يا غالية.
انتبه جمال على صوت من خلفه يقول:
_ لسه عايش في المحنة دي، ولد الحاج عمران.
التفت جمال لصاحب الصوت، الذي لم يكن أحدًا غيره، خالد صديق عمره، فأجابه بتأكيد وهو يحتضنه بسعادة:
_ إني جلت هتطلع ندل ومتاجيش.
ضحك خالد وقال بنفي:
_ مقدرش طبعًا أتأخر عن فرح ولادي، بس غصب عني معرفتش أجي بدري عن كده.
رحبت وسيلة به وبزوجته:
_ الصعيد نورت بأهلها، حمد لله على السلامة.
أجابت منال بصدق:
_ منورة بوجودك إنت يا أم جاسر، تعالي معايا بقى نروح نبارك للولاد.
وافقتها وسيلة:
_ تعالي يا جلبي.
ذهبوا وتركوا خالد، الذي تلفت حوله:
_ أومال فين أبو العروسة؟
أجاب جمال باستغراب:
_ أكيد بيتحدث في التليفون، من وقت ما جاه وهو مبطلش كلام فيه.
أومأ بتفاهم، وسأله بجدية:
_ عملت إيه معاه؟
أجاب بهدوء:
_ ولا حاجة، ومرديتش أفتح معاه أي مواضيع، ولا حتى أبويا وأمي محاولوش يعاتبوه وسكتوا.
_ أحسن حاجة عملتوها، لأن العتاب هيفتح جروح كتيرة، مصدقنا إنها اندملت.
المهم، تعالى نبارك للعرسان.
تقدموا من جاسر وسارة، التي ما إن رأته حتى ابتسمت بسعادة.
نهض جاسر ليصافح خالد بود، وقال:
_ كنت خايف متجيش.
نفى خالد قائلاً:
_ وإني أقدر برده.
نظر إلى سارة وصافحها:
_ مبروك يا عروسة، ألف مبروك.
ردت سارة بحب:
_ الله يبارك فيك يا عمي، مبسوطة أوي إني شوفتك.
أكد خالد بفرحة:
_ وإني أكتر يا حبيبتي، إنتي عارفة غلاوتك عندي قد إيه.
رغم شعور الغيرة الذي اعتراه، لكنه قال بامتنان:
_ متشكر أوي لجيتك، وحمد لله على السلامة.
ربت على كتفه:
_ الله يسلمك، هسيبكم أنا بقى وأروح أقعد شوية مع الحاج عمران.
وقبل ذهابه، أوقفته سارة:
_ عمي، إنت عملت إيه في أوراق النقل؟ أنا بقالي شهر بعيد عن الجامعة.
طمأنها خالد:
_ متقلقيش، أنا عامل حساب كل حاجة، وإن شاء الله في خلال يومين أوراق النقل هتكون خلصانة.
نظر إلى جاسر وتابع:
_ ومعلش بقى، هنتعب العريس وييجي يستلم مني الأوراق ويقدمها في الجامعة هنا.
أومأ جاسر:
_ إن شاء الله.
❈-❈-❈
كان مصطفى واقفًا ينظر إلى تلك الفتاة التي تقف بجوار ليلى، وقد شعر بالإنجذاب تجاهها.
لكن وجد يد توضع على كتفه، ليلتفت إليه فيجده معتز، الذي تحدث بهدوء:
_ انسى، دي بالذات متفكرش حتى.
قطب جبينه بدهشة وسأله:
_ هي مين؟
أشار له بعينيه:
_ اللي عينيك متشالتش من عليها، دي مخطوبة لابن عمها، أو مجبورة زي ما بتقول ليلى، لأنهم مبيدخلوش حد غريب وسطيهم.
اندهش مصطفى من تلك العادات التي لم تتغير، رغم التقدم والازدهار الذي وجده في الصعيد، وسأله:
_ أومال إيه اللي اتغير فيكم، مادام لسة متمسكين بالأعراف دي.
_ ومين جابك إننا متغيرناش! وأكبر دليل على كده إنها بتكمل علامها في كلية الطب وفي القاهرة كمان، وحاجات كتير اتغيرت، بس في ناس قليلة جوي اللي لسه متمسكة بعرفها، ودول منهم.
اشتعلت النيران بداخله وهو يسأله بغيرة:
_ وهو شغال إيه ابن عمها ده؟
_ هو اللي ماسك أعمالهم بعد موت أبوها، الأرض والمزرعة.
هز رأسه بتفهم:
_ المقصود إن خيرهم ميطلعش بره.
وضع معتز يده على صدره مؤكدًا:
_ عليك نور، بالظبط كده، وعشان كده بقولك متعلجش نفسك بحبال دايبة.
زم فمه بحيرة:
_ بس البنت حلوة أوي، وحرام إنها تدفن نفسها مع واحد زي ابن عمها ده، أخده طمع.
أجابه معتز بتعب:
_ وهي خابرة ده زين، بس دي عوايدنا، ومش هتجدر تهرب منها.
عاد بنظره إليها، وقد أشفق عليها من تلك الحياة التي فرضتها عليها الظروف.
وشيء بداخله يدفعه إلى أن يكون هو دافعًا لها للمقاومة ورفض ذلك التسلط.
وهذا ما لاحظه معتز، لينبه:
_ أوعاك يا ولد عمي تعاند، الناس دي مبترحمش، جبروت بمعنى الكلمة.
تنهد مصطفى، وشعر بأن القادم أصعب.
❈-❈-❈
وكزت ليلى حلم، وهى تقف بجوارها، وقالت بمكر:
_ خدي بالك من الواد الحليوة اللي واقف جنب معتز أخويا.
نظرت حلم إلى حيث أشارت، فوقع نظرها على مصطفى، فسألتها ببراءة:
_ ماله؟
أجابت ليلى بفطنة:
_ أصله عينيه مترفعتش من عليكي من وقت ما جيتي.
لاح الحزن على ملامحها، وردت باستياء:
_ شكلك رايحة، وإني مش ناجصة، إني جيت دلوقتي بمعجزة، ولولا إن جدي ومهران مسافرين، ما كنت جيت واصل.
_ إنت هتسافري إمتى؟
_ مش هقدر أسافر إلا لما جدي ييجي، وأخد منه المصروف، غير كده مجدرش.
_ تعرفي يا حلم، مفيش حاجة هتخليكي تتحركي وتعترضي، إلا لما تحبي بجد.
ضحكت باستهزاء، وهى تسألها:
_ ومين ده بقى اللي هيقدر يقف جدامهم؟
وكزتها في ذراعها، وقالت بمكر:
_ شكله هيكون الواد ابن عمي ده، وصراحة هيكون أحسن واحد ليكي، لأنه هيخلص السنة دي ويسافر طوالي، يبجى تسافري معاه وتخلصي منهم.
هزت رأسها بنفي، وقالت:
_ إني خلاص عرفت نصيبي من الدنيا، ومستحيل أفكر في حب وكلام من ده، ولو زي ما بتقولي، قوليله مفيش أمل منه.
نظرت ليلى إليه، لتجده يرمقها بنظرات تعلمها جيدًا، فقررت أن تقرب المسافات بينهم، ربما يستطيع هو انتشالها من هذا الجحيم.
❈-❈-❈
انتهى الزفاف، وها قد جاء ما يخشاه كلاهما، وهو ذلك الباب الذي أغلق عليهم فور دخولهما.
نظرت سارة إلى الغرفة التي تراها لأول مرة، بعد أن منعت وسيلة كلاهما بالولوج إليها قبل تلك اللحظة.
استقرت عينيها على ذلك الفراش الذي زين بالورود، ولم يعلموا بأن تلك الورود قد سحقت من قبل، ولم يعد لها بريق.
أما هو، فقد عقد حاجبيه مندهشًا، عندما لم يجد الأريكة التي ابتاعها خصيصًا للاستلقاء عليها، ليست في الغرفة.
نظر إليها ليقول بجمود:
_ ادخلي إنتِ الحمام، غيري هدومك.
أومأت بصمت، وأخرجت ملابس لها من الخزانة، ودلفت المرحاض.
أما هو، فأخرج هاتفه من سترته، وقام بالاتصال على والده، الذي خرج من المرحاض لتوه، وعندما وجده المتصل، أجاب بقلق:
_ خير يا جاسر، في حاجة؟
سأله جاسر بدون تفكير:
_ فين يا بوي الكنبة اللي جبتها مع الفراش؟
اندهش جمال من سؤاله، وقال بعدم استيعاب:
_ هو ده وقته تسأل عن حاجة زي كده؟
زم جاسر فمه بضيق من تسرعه، وقال:
_ لا، إني بس استغربت لما ملجتهاش في الأوضة.
تنهد جمال بيأس منه، وتحدث بلين:
_ خليك في عروستك دلوقتي، والصبح أشوف اللي بتقول عليه ده، لأنه مش وقته.
أغلق جمال الهاتف، وجلس على الأريكة يفكر في أمر ابنه.
ولما لاحظ غياب الأريكة فور دخوله، وكأنه دلف ليبحث عنها.
ولجت وسيلة الغرفة، لتندهش عندما وجدته يجلس على الأريكة شاردًا، فتقدمت منه تجلس بجواره وتسأله بتوجس:
_ مالك يا جمال؟
هز رأسه بحيرة، وهو يجيبها:
_ إني قلقان من ولدك يا وسيلة.
قطبت جبينها بعدم فهم، وجلست بجواره تسأله بريبة:
_ ولدي مين؟
تنهد وهو يجيبها:
_ هو فيه غيره، جاسر اللي تعبني.
ازدادت حيرتها:
_ قلقان منه في إيه؟
نظر إليها جمال بوجوم، وأجابها قائلاً:
_ ابنك لما دخل، مفيش دقيقتين، ولقيته بيتصل يسأل على الكنبة.
تقدري تقوليلي ليه؟ وإيه السبب؟
احتارت هي أيضًا، لكنها قالت بثبوت كي لا تقلقه:
_ عادي يعني، تلجاه ملجاش حاجة يريح عليها، وعشان كده سأله.
هز رأسه بنفي:
_ لا، ده كان بيسأل عليها وهو متضايق، زي ما يكون...
قاطعته وسيلة بصبر نافذ:
_ لو كنت فاكر إنه هيسيبها وينام على الكنبة، فبقولك إنت غلطان، إنت مش واخد بالك هو بيطلع لها كيف.
وبعدين، حتى لو هينام على الكنبة، يمكن حب يسيبها براحتها لحد ما تتعود عليه، أو هي خجلانة منه.
حياته ودنيته مع مراته، محدش ليه دخل بيها.
وإني الصبح إن شاء الله هدخل أطمن عليهم.
ابتسمت عينيه قبل شفتيه، وهو ينظر إليها بنظرات رضا، تحمل لها كل الحب الذي يكنه بداخله لها وحدها.
تلك المرأة التي كانت ومازالت مستمرة في العطاء دون مقابل.
لكن كيف يظن بأنه دون عطاء، وهو ينعم عليها بكل هذا العشق.
❈-❈-❈
في غرفة جاسر.
خرجت سارة من المرحاض، وقد ارتدت منامة قطنية فضفاضة.
وحررت خصلاتها المموجة لتنساب حول وجهها بأريحية.
وها قد بدأت رحلة العذاب، والأدهى من كل ذلك، اقترابها منه، وهى تتهادى بخطوات مترددة.
ثم رفعت عينيها إليه تسأله بريبة:
_ أنا هنام فين؟
حمحم كي يسترد ثباته، وأشار لها بجمود ناحية الفراش:
_ على السرير، هيكون فين يعني.
نظرت ناحية الفراش، وقد اهتزت نظراتها بارتباك، وعلم هو ما يدور بخلدها.
فتقدم من الخزانة يخرج ملابس له، وتحدث بلين وهو يدلف المرحاض:
_ متقلقيش، إني هنام على الأرض.
وقبل أن ترفض أو تعترض، كان جاسر يغلق الباب خلفه دالفًا إلى المرحاض.
نظرت إلى الفراش، وظلت تفكر، هل ستتركه يستلقي على الأرضية!
لكن إلى متى؟
انتبهت لذلك السؤال حقًا، "إلى متى؟" سيظلان على هذا الحال.
وماذا ستفعل هي إذا أراد يومًا الزواج؟
فلن يظل دون زوجة وأولاد طوال عمره.
لا تعرف لما شعرت بإنقباض حاد في قلبها، عندما تخيلت زواجه من أخرى.
أما هو، فقد ظل قابعًا على حافة حوض الاستحمام يفكر، ماذا يفعل؟
هل ينسحب بهدوء دون أن يراه أحدًا ويعود إلى غرفته؟!
لكن ماذا إن رآه أحدًا!
وضع رأسه بين يديه، لا يعرف ماذا يفعل، لن يستطيع البقاء معها، فهو لم يعد يثق في مشاعره بعد الآن.
تخللت أصابعه في خصلاته، وقام بجذبها حتى كاد أن يقتلعها، يريد أن يجد حلًا لتلك المعضلة، لكنه لم يجد.
نهض من مجلسه بغضب، عندما يأس من الوصول لحل.
قرر ألا يضعف، وعليه أن يكون حازمًا معها، بغيض، حتى لا يسمح لمشاعره بالانسياق خلف هواه.
خرج من المرحاض، وقد ارتدى منامة من قطعتين، فوجدها تجلس على الفراش في وجوم وحزن، جعل قلبه يدق بعنف.
ألمه رؤيتها بكل ذلك الحزن المرتسم على ملامحها، لكن عليه ألا يرضخ لها، ويوضح لها كل شيء من البداية.
تقدم منها ليقف أمامها، ويتحدث بجمود:
_ إني كنت رايد أتحدت معاكي شوية.
أومأت برأسها، ثم جلس هو على المقعد بجوار الفراش، وقال بامتعاض يتنافى تمامًا عما بداخله من نيران الشوق:
_ جلتلك جبل سابج، حاولي تبيني جدامهم إنك مبسوطة وسعيدة بزواجنا، وإنتي طبعًا منفذتيش حاجة من اللي جلت عليه.
أومأت له قائلة:
_ حاجة تاني؟
لم يعجبه ردها، لكنه تابع:
_ الطرحة متخلعيهاش واصل، طول ما معتز وحازم موجودين في البيت، والأفضل إنك تفضلي بيها.
هزت رأسها باستسلام، مما جعله يستاء من هدوئها، وتابع:
_ كمان موضوع الجامعة، كلها يومين وهروح عشان أجيب الورق، زي ما جال الدكتور خالد.
بس في حاجة تانية.
مفيش مرواح الجامعة.
رواية ومجبل علي الصعيد الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم رانيا الخولي
لم تفهم معنى حديثه فسألته بعدم استيعاب:
"يعني إيه مش فاهمة؟"
عاد بظهره إلى الوراء وهو يقول بلهجة لا تقبل نقاش:
"زي ما قلت، مفيش روحة جامعة ولا حتى خروج برة البيت من غيري."
وقفت تنظر إليه بصدمة وهي تحاول استيعاب ما يأمر به ويتحدث عنه بكل بساطة، وقالت برفض لأوامره:
"وأنا مستحيل أقبل باللي أنت بتقوله ده وأضيع مستقبلي."
تعدل في جلسته ورد بحدة:
"أنا مش بضيع مستقبلك ولا حاجة، هسيبك تكملي السنة دي بس من غير ما تروحي."
قطبت جبينها بعدم فهم وسألته بتهكم:
"وده إزاي بقى؟"
غضب من تهكمها عليه ونهض ليقف أمامها ويتحدث بحدة:
"اتكلمي عدل وإنتي بتتحدتي معايا."
ردت بحدة مماثلة:
"أومال عايزني أتكلم إزاي وإنت بتضيع مستقبلي بإيدك؟"
أشاح بوجهه بعيدًا عنها كي يظل على ثباته وألا يضعف أمامها:
"مش هتروحي غير على الامتحانات."
عقدت حاجبيها بدهشة وسألته بعدم فهم:
"إزاي؟"
أجاب باستياء:
"زي الخلج، وإن كان على المحاضرات فأنا هتصرف."
لم تعد تستطيع التحمل أكثر من ذلك وقد اشتد ضغطه عليها، فقالت بعذاب:
"إنت ليه بتعمل معايا كده؟ وليه بتعاقبني على حاجة أنا مليش ذنب فيها؟"
ما كان عليها التطرق في هذا الأمر الذي جعله يتذكر كل شيء، مما جعل الغضب الجحيمي يزحف إلى وجنتيه وتشنج فمه وهو يتحدث من بين أسنانه كي يتحكم في صوته:
"إنتي اللي عملتي في نفسك كده، إنتي اللي روحتي للهلاك برجليكي، فـ مش هتفرق كان برضاكي أو غصب عنيكي."
عادت نظرة الانكسار إلى عينيها وهي تسمع كلماته التي لا ترحم، لن ينسى ولن تستطيع التعايش مع هذا العذاب.
هزت رأسها بألم وهي تقول بعذاب:
"حرام عليك بقى، كفاية اتهام."
لن يضعف أمامها، عليه أن يواصل إذا أراد أن يظل على ثباته:
"هي ديمًا كده الحقيقة بتجرح، فمتحاوليش تعيشي دور البريئة لأنه مش هيخيل عليا."
تركها واقترب من الخزانة وأخرج بعض الأغطية ووضعهم على الأرضية كي يستلقي عليهم ويهرب للنوم الذي سيرحم قلبه من هذا الألم.
أما هي فقد كانت تنظر إليه بنظرات يملؤها الخذلان.
عليها هي أيضًا أن تهرب منه إلى النوم، ربما تنجح تلك المرة وتستطيع النوم.
استلقت على الفراش وقد أولته ظهرها، لكن ثباتها انتهى عندما توسدت الوسادة وبدأت عبراتها بالانهما. كانت تكتم شهقاتها كي لا يشعر بها، لكن كيف لذلك القلب الذي أصبح فقط ينبض لأجلها ألا يشعر بما تعانيه الآن، وكم حارب شوقه الذي يجبره على الاستسلام والاقتراب منها كي يكتنفها بقلبه ومشاعره ويعتذر لها عن قسوته معها.
ظل يتقلب على صفيح ساخن حتى استطاع النوم أخيرًا بعد عناء.
وكذلك هي التي استطاعت الهرب إليه كي ينتشلها ولو قليلًا من تلك الدنيا التي كشفت عن وجهها الحقيقي.
***
وقفت ليلى بجوار حلم تنتظر السائق، لكنه لم يأت. حاولت الاتصال مرارًا وتكرارًا، لكن هاتفه مقفول.
وعندما يأست ليلى من حضوره:
"بقولك إيه، شكله كده مش هييجي، تعالي نخلي معتز ولا حازم يوصلنا."
أسرعت حلم بالرفض:
"لأ طبعًا، إنتي بتقولي إيه؟ دول ممكن يقتلوني فيها، أنا هحاول مرة تانية."
حاولت لكن لا فائدة.
"يا بنتي متخافيش، أنا هكون معاكم، ومادام هما مش في البيت وأمك خابرة إنتي فين يبقى خلاص، خايفة من إيه؟"
ترددت حلم، لكن ليلى أقنعتها:
"متجلجيش، أصلًا الوقت آخر ومفيش حد هياخد باله."
وافقت على مضض، ثم ذهبت ليلى لتبحث عن معتز، لكنها صادفت مصطفى أثناء ولوجها. نظرت إليه بمكر وهو جالس مع والده، فأشارت إليه.
وعندما رآها أسرع إليها وكأنه يعلم لما تريده، وعندما اقترب منها قالت بمكر:
"معلش يامصطفى، واحدة صاحبتي اتأخرت جوي والسواق تلفونه مقفول وكنت عايزك تيجي توصلنا."
حاول مصطفى إخفاء سعادته والثبات أمامها وقال بثبات:
"تمام، هاخد عربية عمي وأجي أوصلها، أقصد أوصلكم."
همّ بالدخول، لكنها أوقففته:
"لأ، اطلع إنت اقف جانب العربية لحد ما أجيبه."
أومأ لها وأسرع بالذهاب إلى حيث تقف بجوار السيارة، وقال بابتسامة:
"السلام عليكم."
نظرت حلم إليه لتجده ذلك الشاب الذي لم يرفع عينه من عليها طوال الوقت.
أشاحت بوجهها بعيدًا عنه ولم ترد عليه.
لم ييأس واقترب منها أكثر وتابع:
"أنا مصطفى ابن عم ليلى و..."
قاطعته بحدة:
"ميخصنيش."
أسند ظهره على السيارة وقال بلوع:
"بس أنا يخصني."
التفتت إليه بصدمة من جرأته وقالت بغضب:
"هو إيه إن شاء الله اللي يخصك؟"
أجاب مصطفى بابتسامة عريضة:
"إنك تعرفي كل حاجة عني، أنا بالنسبالي عرفت عنك اللي عايز أعرفه."
زاد حنقها منه وقالت بانفعال:
"لأ متعرفش حاجة عني، لإنك لو تعرف مكنتش هتجدر تقف جدامي دلوقت، وابعد لإن لو حد شافك معايا مش هيطلع عليك سم."
رفع حاجبيه بمكر وهو يقول:
"للدرجة دي خايفة عليا."
اتسعت عينها من حديثه الذي يدفعها للجنون وقالت باحتدام:
"يظهر إنك مخبول وإني معنديش وقت أضيعه معاك."
همت بالذهاب، لكن صوت ليلى أوقفها:
"استني ياحلم، رايحة فين؟"
نظرت إليه بشراسة وهى تقول:
"اسألي الأستاذ ده."
نظرت ليلى إلى مصطفى وسألته بغيظ:
"عملت إيه؟"
أجاب ببراءة زائفة:
"ولا حاجة، هي بس اللي محبكاها حبتين."
ناولته مفتاح السيارة وقالت بغيظ:
"طيب اتفضل أوصلنا."
غمز لها بعينيه وهو يأخذ مفتاح السيارة ويجلس في مقعده منتظرًا.
قالت ليلى:
"يالا ياحلم."
ردت بعناد:
"أنا مَركبش معاه، شوفي حد تاني يوصلنا."
تنهدت بيأس منها وقالت:
"مفيش غير جاسر اللي ممكن يوصلنا دلوقتي لإن حازم ومعتز محدش عارفهم راحوا فين."
ترددت قليلًا حتى أقنعتها ليلى:
"يا بنتي ده ربع ساعة وتكوني في البيت، اتحمليهم بقى."
طاوعتها حلم واستلقت السيارة وجلست ليلى بجوار مصطفى الذي وجه المرآة الأمامية عليها ثم تولى القيادة.
***
دلف عمران غرفته بمساعدة حازم وقد شعر بأنه افتقد جاسر.
لأول مرة يدلف غرفته بدونه وشعر حازم بذلك فقال بغيظ مرح:
"خابر زين إنك مفتقد جاسر."
ربت عمران على يده التي تسنده وقال بصدق:
"متجولش كده، إنتوا كلكم عندي واحد."
ساعده حازم في الاستلقاء على الفراش وتابع عمران:
"كل الحكاية إن اتعودت على جاسر هو اللي يقومني من فرشتي وهو اللي يرجعني ليها وعشان كده مفتقده زي ما بتجول."
جذب عليه الغطاء وهو يقول:
"اعمل حسابك بعد كده إن جاسر مبقاش ملك نفسه، وبقى عنده اللي يشغله."
ابتسم عمران وهو ينظر إليه ولمح قائلًا:
"عُقبالك إنت كمان لما تلاقي اللي يشغلك."
جلس حازم على حافة الفراش وقد شعر بأن جده يلمح لشيء فسأله:
"ولو لقيته؟"
ابتسم عمران وقال بلوع:
"مش لسه بدري على الكلام ده؟"
محق وهو يعلم ذلك لكنه يخشى من أن يسبقه أحدًا إليها:
"بس أنا خايف حد تاني يسبقني ليها."
طمأنه قائلًا:
"متخافش، أنا اتكلمت مع عاصم النهاردة ولمحتله إن زينة مينفعش تخرج برانا."
عقد حاجبيه متسائلًا:
"وإنت عرفت منين يا جدي إنها زينة؟"
رفع حاجبيه بمكر:
"فكرك يعني إني عجوز ومقدرش أمشي زي لول هبقى مليش لازمة ومعرفش إيه اللي بيدور حواليا؟"
رد مسرعًا:
"العفو ياسيد الناس، بس محدش يعرف الموضوع ده غير معتز ومحاولتش أفتح حد فيه؟"
وضع عمران يده على ساقه وقال بتعاطف:
"لو خبيت عن الدنيا كله، نظرة واحدة في عينيك بتعرفني كل حاجة، زي جاسر بالظبط، كلكم كتاب مفتوح قدامي، وبحاول أعملكم الصالح واللي يريحكم."
ارتبك حازم:
"جدي أنا..."
قاطعه عمران:
"متجولش حاجة، كل حاجة هتيجي في وقتها وبلاش نستعجل لإن الاستعجال بيخسرنا كتير."
أومأ حازم برأسه وقبل يد عمران الذي ابتسم بحب لحفيده وقال:
"ربنا ميحرمنيش منكم."
آمن حازم:
"ولا يحرمنا منك يا جدي."
***
كان جالسًا في غرفته يفكر فيما ينوي فعله معها عندما يعود. يبدو أنها قررت البقاء في منزل والده.
ماذا إن أرادت الطلاق؟
ماذا لو أخبرت أولاده؟
ظل على حاله حتى طرق الباب ودلفت جليلة.
نهض مسرعًا ليساعدها على السير وقالا:
"إيه اللي طلعك بس يا أمي؟ كنتي بعتيلي وأنا جيتلك."
جلست على الفراش وجلس هو بجوارها وقالت باشتياق:
"رايدة أقعد معاك لوحدنا ونتكلم معاك زي زمان وأعرف منك أخبارك."
ابتسم بود:
"أنا الحمد لله بخير متقلقيش عليا."
ابتسمت بحب:
"وإن مجلجتش عليك إنت أجلق على مين يا قلبي."
وضعت يدها على وجهه وأردفت:
"اتوحشتك جوي يا غالي، كنت كل ما أوحشك آجي هنا واتخيلك فيها، فضلت محافظة عليها زي ما سبتها ورفضت أي حد يدخلها، كنت بنضفها يوماتي كأنك موجود فيها، كان ديمًا عندي أمل إنك هترجع وعشان كده كنت بنضفها عشان تيجي تلاقيها زي ما سبتها."
قبل منصور يدها التي تضعها على خده وقال بأسف:
"سامحيني يا أمي، عارف إني غلطت في حقك."
وضعت يدها على فمه تمنعه من فتح جراح الماضي:
"بلاش نتكلم فـ اللي فات، ملوش لازة، خلينا في النهاردة."
أومأ بابتسامة:
"وأنا إن شاء الله هاجي أزورك على طول وأكلمك في الفون باستمرار."
تبدلت ملامحها للقلق عندما وجدت حقيبته بجوار الفراش وسألته:
"إنت هتمشي؟"
أجابها ببساطة:
"آه هركب طيارة الساعة تمانية، بس متقلقيش هفطر معاكي قبل ما أمشي."
أنزلت يدها من على وجهه وقالت بعتاب:
"فكرتك هتقعد معانا أسبوع على الأقل."
قبل يدها وقال بأسف:
"غصب عني والله مقدرش أسيب الشركة أكتر من كده وأوعدك كل ما تجيني الفرصة هجيلك على طول، أهم حاجة بس تخلي بالك من صحتك ومن سارة، أنا سايبها هنا في أمانتكم."
مررت على يده وقالت بتلميح:
"متجلجش عليها، بنتك وسط أهلها وناسها واللي وسط أهله مينضرش واصل."
ما زال كما هو لم يتغير ويبدو أنه لن يتغير.
***
توقفت السيارة أمام ذلك المنزل الشاهق والحرس الذين يحيطونه من كل جانب، لكن حلم توقف قلبها عن النبض لحظات عندما وجدته يقف أمام المنزل وعينيه تقدح شررًا قادرًا على حرق كل ما أمامه.
نظرت ليلى إليها وقالت:
"هنتقابل إن شاء الله أول ما توصلي القاهرة."
شعرت بأن الكلمات انحشرت في حلقها لفرط الخوف حتى خرج صوتها خافتًا:
"إ…ن… شاء… الله."
ترجلت من السيارة لتجده أمامها ينظر إليها بنظرات قاتلة جعلتها ترتجف بخوف.
وهذا ما لاحظه مصطفى لينظر إليها بتحدٍ، بادله إياها بسخط مدمر.
التف مصطفى بسيارته حتى جعله يرى ليلى كي لا يشك بالأمر ويعنفها على ذلك.
أما هي فقد كانت تنظر إلى السيارة حتى اختفت من أمامها ثم عادت بنظرها إليها لتنتفض في وقفتها عندما وجدته يسألها:
"كنتي فين؟"
ازدرأت ريقها بصعوبة حتى كادت تختنق لفرط الخوف وقالت بتلعثم:
"أ.. أنا.. كنت في فرح أخو ليلى صاحبتي."
أشار لها بالولوج، لكنها شعرت بأن قدميها ثابتة في الأرض لا تتحرك. تحاملت على نفسها ودلفت البوابة الشاهقة وقد احتل الخوف أوصالها وجعلها ترتعد بشدة.
وفور وصولها للداخل سمعته يهدر بغضب:
"مين يا فاجرة اللي كنتي راكبة معاه ده؟"
التفتت إليه بخوف وتحدثت برعب:
"ده.. ده أخو.. أقصد لما استعوج السواق ليلى جالت تخلي ابن عمها يوصلني وهي كانت معايا."
اقترب منها وعينيه تنذرها بغضب جحيمي جعلها ترتعد بشدة وقال بفحيح يشبه فحيح الأفعى:
"غريب؟ بقى تركبي مع غريب عربيته وعادي عندك كده؟"
هزت رأسها برفض وقالت:
"لأ والله بس مكنش ينفع أعود لحالي وعشان كده ليلى ركبت معانا، يعني مكنتش معاه لوحدي."
تقدم منها جاذبًا إياها من خصلاتها التي تخفيها خلف حجابها ليقربها من وجهه وقال بغضب عارم:
"إنتي خابرة لو فكرتي في يوم من الأيام تلعبي بديلك هعمل فيكي إيه؟"
هزت رأسها بخوف وتابع هو:
"مش هقولك هرميكي للديابة تنهش فيكي، لاء، ده أنا هخليكي تتمني الموت في كل لحظة ومطلهوش، وأمك اللي بتتحامي فيها دي تموت بحسرتها عليكي."
دفعها حتى كادت تسقط على الأرض وقال بتحذير:
"مفيش خروج من البيت إلا على جامعتك، وخذي بالك زين لإن النفس اللي بتتنفسيه بيوصلني وأنا نايم على السرير. فخليكي زينة كده ومتخلنيش أعرف جدي باللي حصل، لإنه لو عرف مش هيخليكي تفضلي دقيقة واحدة برة البيت، وافتكري زين إني أنا اللي أقنعته إنه يوافق على جوازك. ودلوقتي غوري من خلقتي."
أسرعت بالصعود إلى غرفتها وكانت والدتها تشاهد كل شيء من الأعلى، لكنها لم تستطع التفوه بكلمة خوفًا من بطشهم.
دلتفت الغرفة خلفها لتجدها جالسة على الأريكة تبكي بشدة.
تقدمت منها لتجلس بجوارها وتهون عليها:
"كفياكي بكى يا قلبي."
رفعت حلم وجهها إليها لتقول بألم:
"عايزاني أعمل إيه، وأنا انكتب عليا أعيش المرار ده طول عمري؟"
ربتت على كتفها:
"مفيش في إيدنا حاجة نعملها، دول ناس مبيرحموش وملناش مكان نهرب منهم فيه."
مسحت دموعها براحة يدها وقالت بألم:
"لأمتى بس هفضل متحملة، أنا أحيانًا بفكر أهرب منهم، بس أنا خابرة زين إنهم هيلاقوني لو رحت فين."
ابتسمت بتهكم وهي تقول:
"حاولت أعملها قبل منك بس جابوني ورموني في الحاصل كيف الكلاب من غير أكل ولا شرب وهددوني بيكي، ومن وقتها وأنا رضيت بجسمي واتحملت عشانك."
ربتت على كتفها وتابعت:
"نامي يا بنتي ويا عالم بكرة إيه اللي هيحصل فيه."
خرجت ريحانة من الغرفة وتركتها لأحزانها، ثم تذكرت أمر ذلك الشاب ونظرة الإصرار الذي يرمقها بها كأنه يخبرها بأنها إذا أرادوا حربًا فهو على أتم الاستعداد للتصدي لهم.
لكن عليها إبعاده عنهم كي لا يرى جحيمهم.
***
ظل أمجد قابضًا في غرفته ينتظر شروق الشمس على أحر من الجمر.
يشتاقها بكل كيانه وشعر بأنها غائبة عنه منذ أمد.
لم يتحدث معها منذ ذلك اليوم، علمًا بأنه كلما سمع صوتها كلما اشتاق أكثر إليها.
أما هي فحالها ليس بأفضل حال من حاله، وهي تزرع الغرفة ذهابًا وإيابًا تنتظر الصباح بفارغ الصبر.
حاولت النوم الذي سيرحمها من عذاب الانتظار، لكنها لم تستطع.
باقي من الزمن ثلاث ساعات حتى ميعاد الطائرة.
قررت أخذ حمام والصلاة مرة أخرى ثم تستعد للذهاب.
***
في غرفة سارة وجاسر.
ظلت طوال الليل مستلقية على الفراش تتظاهر بالنوم، ولم تجف الدموع في عينيها لحظة واحدة.
حاولت النوم كثيرًا، لكن لا فائدة.
أما هو فقد ظل يتقلب على الأرضية الصلبة التي لم ترحمه، وكأنها تعاتبه أيضًا على تركه لها.
وظل يتساءل إلى متى سيستمر على هذا الحال.
نهض جاسر، لكنه شعر بألم حاد في ظهره، لكنه تحامل على نفسه ونهض ليقوم بحمل الأغطية وأعادهم داخل الخزانة، ثم دلف إلى المرحاض.
فور ولوجه، نهضت سارة لتنظر إلى ساعة يدها لتجدها قد تعدت السابعة صباحًا. تذكرت طائرة ليلى ومصطفى، لن تتحمل ذهابه دون رؤيته.
قامت بتبديل ملابسها.
وهمت بالخروج من الغرفة، لكنه فور خروجه من المرحاض وأوقفها بحدة:
"إنتي رايحة فين؟"
لم تلتفت إليه وردت بفتور:
"رايحة أسلم على ليلى ومصطفى قبل ما يسافروا."
قطب جبينه بدهشة وتحدث بحدة:
"نعم يا اختي؟"
تقدم منها ليتابع بغضب:
"في واحدة المفروض تكون عروسة تخرج من أوضتها الساعة سبعة الصبح؟"
التفتت إليه لتقول بتمالك:
"لازم أسلم عليهم قبل ما يمشوا، وكمان ليلى..."
تجهم وجهه من برودها معه وقال بلهجة حادة لا تقبل نقاش:
"مفيش خروج بره الأوضة دلوقتي، ومتجلجيش مش هيمشوا إلا لما ييجوا يسلموا علينا."
وقبل أن ترفض تحكماته تلك، سمعت طرقات خافتة على باب الغرفة، وعندما همت بفتحه أوقفها بنفاذ صبر:
"بردك..."
تابع بأمر:
"ارجعي لورا، أنا اللي هفتح."
ارتدت للخلف كي تفسح له الطريق وفتح الباب ليجدها ليلى تقف أمامه بإحراج:
"معلش إني صحيتكم من النوم، بس أنا ماشية وعايزة أسلم عليكم قبل ما أمشي."
ابتسم لها جاسر بود وقال:
"لأ عادي يا قلبي، إحنا صاحيين من بدري، ادخلي."
دلتفت ليلى لتجد سارة تظهر من خلفه وهي تبتسم لها وتقول:
"كنت خايفة تمشي من غير ما تسلمي عليا."
احتضنتها بحب:
"مقدرش أمشي من غير ما أشوفك، مع إني مش بحب أسلم على حد وأنا ماشية، بس قلت لازم أبارك لكم."
نظرت إلى جاسر وتابعت:
"جاسر خلي بالك منها."
أومأ لها وقبل رأسها بحب وقال:
"خلي بالك إنتي من نفسك، وأول ما توصلي خبريني."
"إن شاء الله."
احتضنته بحب:
"ألف مبروك يا حبيبي."
همت بالخروج، لكنها وجدت مصطفى يدلف كي يودعهم قبل ذهابه.
خرج جاسر مع ليلى كي يتركهم قليلًا قبل فراقهم.
وعند خروج الجميع، نظر إليها مصطفى مطولًا ثم تحدث بحزن:
"مش عارف أيامي هتكون عاملة إزاي من غيرك، بتوحشيني أوي."
"وأنا كمان مش عارفة حياتي هتكون عاملة إزاي من غيرك."
أبعدها عنه قليلًا كي ينظر إلى عينيها وقال بحب:
"متقلقيش، أنا هكلمك كل يوم لحد ما تزهقي مني، وهحاول أقنع ماما إنها تكلمك."
ابتسمت بحزن وهي تقول:
"دي مفكرتش حتى تتصل عاملة إيه أو إني كنت محتاجة حاجة."
تحدث برجاحة:
"هتكلمك إزاي وإنتي قافلة فونك. أنا عني نفسي بقالي يومين بكلمها فونها غير متاح، ولما قلت لبابا قالي إنها قفلته عشان مشغولة اليومين دول."
قبل رأسها وهي تتابع:
"المهم خلي بالك من نفسك، وأنا أول ما أوصل هخليها تكلمك."
خرج من الغرفة، دلفت منصور بعدها وعند رؤيتها...
رواية ومجبل علي الصعيد الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم رانيا الخولي
وقف منصور أمامها ينظر إليها باشتياق وعينيه تدقق في ملامحها الجميلة وقال:
_ مبروك ياحبيبتي.
رغم شعور الخزي الذي تشعر بها تجاهه إلا أنها حقًا أشتاقت أيضًا إليه فردت بمصابرة:
_ الله يبارك فيك يابابا.
تقدم منها ليقبل جبينها بشوق ثم نظر إليها قائلًا:
_ مش مصدق إن بنوتي الصغيرة كبرت واتجوزت وخلاص هتبعد عني، بس أنا اديتك للي هيصونك وهيشيلك جوه عينيه. صحيح هو قفل شوية ومدب بس أنا واثق أنه فعلًا بيحبك.
هزت رأسها بتأكيد مزيف منها لذلك الحب المزعوم الذي يتحدث الجميع عنه. لم يعرف أحد أنه في الحقيقة حب مزيف أجاد إتقانه كي لا يعلم أحد منهم بحقيقة الأمر. حتى إخفاءه ليس بدافع خوفه عليها بل خوفًا من معرفة جده ويؤثر ذلك على صحته.
انتبهت على صوت والدها:
_ حبيبتي أنا مُطر انزل واسيبك وإن شاء الله في أول فرصة هجيلك على طول.
ذهب منصور وأغلقت الباب خلفه لتعود إلى الغرفة التي ستشهد على مآسيها منذ اليوم.
❈-❈-❈
تفاجئ عمران وهو ينهض من فراشة بطرق الباب ودخول جاسر عليه:
_ صباح الخير ياچدي.
اندهشت جليلة التي تساعد جده على النهوض وسألته بدهشة:
_ جاسر ياولدي أيه اللي جومك من چامب مرتك بدري أكدة.
حاول أن يداري الوجع الذي آلم به ورد بثبات:
_ عادة بجى ومش عايزين نجطعها.
تقدم من جده وساعده على النهوض فقال عمران بعتاب:
_ مكنش ينفع ياولدي تسيبها أكدة، وبعدين أنا مش تعبان للدرچة دي.
قبل جاسر يده ورد بصدق:
_ ربنا يديك الصحة وطولت العمر، احنا عايشين في البيت بحسك إنت وچدتي، ربنا يديمكم في حياتنا.
خرج جاسر من الغرفة وهو يساعد جده على السير ليتفاجئ بها تنزل الدرج وتنظر إليه بعتاب. أما نظراته لها فكانت تعبر تعبير قاتل على عدم طاعتها له.
تقدمت منهم ليبتسم لها عمران ويسألها:
_ وانتي بجى جايمة تساعدي مين؟
قبلت سارة يده بحب وأجابت:
_ انا قلت نفطر كلنا مع بعض قبل ما يسافرو.
اتحدثت جلية:
_ زين مـ عملتي تعالي ياغالية.
جلسوا جميعهم على المائدة يترأسها عمران الذي تحسنت صحته كثيرًا بعد عودة الجميع.
❈-❈-❈
في منزل الشرقاوي، كانت حلم تنزل الدرج وهي تحمل حقيبتها بجوار والدتها التي أخذت توصيها ألا تعرض نفسها لغضبهم كما تفعل كل مرة. كان جدها يجلس على رأس الطاولة بجبروت لا ترى مثله من قبل. مات أولاده لكنه لم ينكسر بل إزداد تجبره وسطوته على كل من حوله. وصنع من مهران نسخة اخرى منه.
تقدمت منه بوجل لتقبل يده:
_ صباح الخير يا چدي.
أشار لها بعينيه:
_ أجعدي.
نظرت إلى والدتها التي ظهر الخوف عليها ثم جلس على المقعد وهى تقول بريبة:
_ نعم ياچدي.
نظر إليها بقوة وهو يقول:
_ اللي حصل امبارح ده اني هخليه يعدي من غير عقاب وهجول بأنها صاحبتك وحبيتي تچامليها بما إن فرحك جربر.
رفع إصبعها في وجهها وأردف بتحذير جعل الدنيا تلتف من حولها:
_ بس لما حصل وخرچتي من البيت تاني بدون علمنا إنتي خابرة زي اني هعمل أيه؟ فاهمة ولا لا.
قال كلمته الأخير بصوت جهورى جعلها تنتفض في مقعدها وأومأت برأسها دون النطق بشئ. فتابع حديثه:
_ اتفضلي دلوجت عشان ميعاد الطيارة واعملي حسابك، زي ما في هنا رجيب هناك بردك فيه وبيوصلني كل أخبارك.
إزردرأت تلك الغصة التي انحشرت في جوفها وحملت حقيبتها وخرجت من المنزل لتجد السيارة في انتظارها. انطلقت إلى وجهتها ولم تجف دموعها لحظة واحدة حتى وصلت إلى المطار.
……….
في الطائرة، جلست ليلى تنتظر صعودها الطائرة حتى وجدتها تدلف للداخل. أشارت لها بالتقدم لتجلس بجوارها وتسألها بقلق:
_ انتي اخرتي كدة ليه انا قلت إنك مش هتيجي.
جلست حلم بجوارها واجابت بتأييد:
_ اني فعلًا مكنتش هاچي نهائي بعد مـ مهران شافني وانتو بتوصلوني امبارح، وكان يوم منيل.
اندهشت ليلى وسألتها:
_ هو اللي كان واجف جدام الباب ده مهران ابن عمك؟
أومأت بصمت فقالت ليلى بأسف:
_ حجك عليا لو كنت اعرف مكنتش خليت مصطفى يوصلك.
ابتسمت حلم بحزن وقالت:
_ خلاص اللي حصل حصل وهو ده اللي انا عايشة فيه.
كانوا يتحدثون ومصطفى خلفهم يسمع كل شئ. قرر التمسك بها وانتشالها من جحيمهم حتى لو اطُر لخطفها.
بعد قليل أشار لـ ليلى أنا يبدلو أماكنهم. حاولت ليلى الرفض لكنها وافقت تحت إصراره.
كانت حلم تنظر من نافذة السيارة بشرود عندما شعرت بحركة بجوارها. تفاجئت عندما وجدته هو من يجلس بجوارها اتسعت عينيها بخوف شديد وقالت:
_ انت بتعمل ايه اهنه؟
أجاب مصطفى ببساطة:
_ راجع القاهرة وانتي؟
ظلت تتلفت حولها بخوف وقالت برجاء:
_ أرچوك الله يكرمك جوم لو حد وعيلنا دلوجت هنروح في داهية.
أجاب بأريحية:
_ متقلقيش محدش في البلد يعرفني وبعدين ده مكاني أصله مش باص هو هتحددي من يقعد جامبك.
تحدثت بغيظ:
_ انت شكلك ناوي على موتي، ابعد عني وخايك في حالك.
أجاب بمزاح وهو يقلد لهجتها:
_ اخليني في حالي كيف وانتي بجيتي كل حالي.
إزداد غيظها منها فنهضت لتتركه لكنه منعها:
_ ارجوكي اسمعيني هما كلمتين بس وهسيبك براحتك.
نظرت إليه بشك فأكد:
_ صدقيني هما كلمتين.
جلست تستمع إليه على مضد حتى تحدث:
_ حلم صدقيني انا اخد الموضوع جد وعايز اتجوزك.
ابتسمت بسخرية ثم تحدثت بتهكم:
_ بالبساطة دي؟
ضايقته بتهكمها عليه ثم تحدث بجدية:
_ انا عارف عنك كل حاجة……
قاطعته بحدة:
_ انت متعرفش أي حاچة واصل لإنك لو تعرف مكنتش جلتلي الكلام ده، مكنتش فكرت حتى انك تجعد چاري إكدة بكل سهولة. ابعدي عني وابعد حالك عني لإن اللي انت بتجوله ده مش هنچني من وراه غير الموت.
تركها تنهض من جواره وهو يفكر في كل كلمة نطقت بها.
❈-❈-❈
عادوا جميعًا إلى القاهرة لكن كلًا إلى وجهته. عاد منصور إلى شركته. ومصطفى الذي أخذ ينظر في أثرها حتى استلقت السيارة التي كانت بانتظارها. عاد إلى منزله ليندهش عندما لم يجد والدته في المنزل فظن أنها في العمل وبدأ هو في مراجعة ما فاته تلك الأيام التي ابتعادهم عن دراسته.
أما ليلى فقد تركت حقيبتها داخل الغرفة وقامت بأخذ حمام سريع وأسرعت إلى المشفى. طرقت الباب لتدلف بعدها عندما سمح لها بالولوج. فوجدته مستيقظًا في فراشه وقد ازداد شحوبه عن ذي قبل فتبسمت في وجهه وهي تقول بسعادة:
_ صدقت في وعدي ولا لأ؟
تبخر استياءه منها على تركها له كل هذه المدة وقال بنفي:
_ لا.
قطبت جبينها بعدم فهم وسألته وهى تتقدم لتجلس على المقعد بجواره:
_ إزاي بقى؟ أنا وعدتك اني هرجع يوم السبت الصبح واديني رجعت.
صحح لها:
_ بس احنا بقينا الضهر يعني مش الصبح زي مـ وعدتي.
تظاهرت ليلى بالغضب:
_ تصدق أنا غلطانه إني سايبة فرح أخويا عشانك وبردوا زعلانة.
ابتسم وهو يقول باشتياق:
_ وحشتينى.
ارتبكت ليلى وغيرت مجرى الحديث:
_ ممكن اعرف ايه اللي عملته ده؟
عقد حاجبيه متسائلًا:
_ عملت ايه؟
تحدثت بعتاب:
_ رفضت تاخد العلاج واصرت تخرج من العناية.
تنهد أمجد وقال بتعب:
_ انتي عارفة كويس إني مش بحب جو العناية ده بس بستحمله لما تكوني معايا، انتي عارفه إن وجودك بيهون عليا حاجات كتير آوي، ولما بتغيبي كل حاجة بتبقى صعبه مهما كانت سهولته.
تورّد وجهها رغم الخجل الذي يعتريه وخاصةً عندما أردف:
_ الحياة من غيرك صعبة آوي.
لاح الحزن على ملامحها وقالت وهى تنظر داخل عينيه لأول مرة بأسى:
_ أنا كمان كنت زيك، واللي تعبني اكتر إني مكنتش قادرة اعبر عن اللي جوايا. بضحك وبهزر بس كان جوايا ليك أشتياق ولهفة عمري مـ حسيتهم قبل كدة. حاولت اتأقلم واتوه بس لما سهى كلمتني وقالتلي إنك رافض تاخد العلاج، كنت زي العاجزة وانا متكتفه ومش قادرة اعمل حاجة، والأدهى لما رفضت تكلمني فـ الفون….
قاطعها بعذاب:
_ صوتك مكنش بيرحمني وبيخليني اشتقتلك اكتر وعشان كدة رفضت اكلمك، حتى المكالمة الوحيدة اللي كانت بينا تعبتنى اوى وعشان كده قفلت على طول ورفضت اكررها. ليلى انتي الوحيدة اللي بتديني دافع للمقاومة اوعي تبعدي تاني.
أومأت له بابتسامة جعلت تماسكه يتلاشى وقال بكمد:
_ نفسي اعيش عشان اعوضك عن المآسي اللي عيشاها بسببي، مش هخليكي تبعدي لحظة واحدة بس بعيد عن حضني.
شعرت بأن حديثه يأخذ مجرى آخر فتطرقت إلى حديث آخر وقبل أن تتحدث سبقها هو:
_ عارف هتهربي بأيه؛ أكيد مفطرتش! لا ياحبيبتي فطرت من بدري واخذت العلاج.
نظرت إليه بشك ليأكد هو:
_ حقيقي فطرت، بصراحة بعتولي ممرضة جديدة بس ايه حاجة من الآخر ولما جابت الفطار غصب عنى مقدرتش أرفض لها طلب وخصوصًا إنها كانت مستعدة تأكلني بأديها.
زمت فمها بغيظ وتحدثت بتعنيف:
_ تصدق انا غلطانه إني فضلت من غير فطار عشان افطر معاك؟!
رفع حاجبيه متسائلًا بعدم تصديق:
_ عايزة تفهميني يعني إنك ماكلتش حاجة كدة ولا كدة في الطيارة أو قبل ما تركبي حتى.
تظاهرة بالتفكير:
_ أمممم يعني ساندويتش اتنين مش أكتر يعني.
ضحك أمجد وقال:
_ بالهنا والشفا المهم احكيلي العريس اخباره أيه؟ تعرفي كان نفسي أحضر فرحه اوي.
_ عارفة لإني لقيتهم بيتكلموا عن باباك أنه اعتذر وقالهم إنك مسافر وهو صعب يسيب الشركة.
تحدث بتمني:
_ كان نفسي يبقى الفرحة فرحتين.
طررق الباب ودلف عصام الذي ما إن رآها حتى رحب بها بشدة:
_ ازيك ياليلى حمد لله على السلامة، اخبارك ايه؟
أجابت بابتسامة مجاملة:
_ الحمد لله بخير.
نظر إلى أمجد وتحدث برجاحة:
_ اظن كدة معندكش مانع ترجع العناية.
هم بالمعارضة لكنه منعه بحزم:
_ مش هسمح بأى تهاون بعد كدة، تواجدك في العناية ضروري الفترة دي.
نظرات الرجاء التي رمقته بها جعلته يرضخ كعادته ووافق مجبرًا.
❈-❈-❈
دلفت الخادمة غرفة مصطفى لتسأله عن غدائه:
_ لأ مش هاكل دلوقت خليه لما ماما ترجع.
اندهشت الخادمة وقالت:
_ بس مدام سمر عايشة في بيت باباها من وقت العزا.
قطب جبينه بعدم استيعاب:
_ عزا مين؟
ارتبكت الخادمة عندما شعرت بجهله عمّ حدث فصاح بها عندما التزمت الصمت:
_ مـ تردي، عزا مين؟
ارتدت للخلف بخوف عندما لاحظت انفعاله وقالت بارتباك:
_ جدك حضرتك تعيش انت.
اتسعت عينه ذهولًا مما نطقت به الخادمة وقال بصدمة:
_ انتي بتقولي ايه؟ وامتى الكلام ده؟
_ من أربع أيام.
أسرع مصطفى بالخروج من غرفته منتويًا الذهاب إليه. لما لم تخبره، لما أخفى عليه والده ذلك الخبر. أسئلة كثيرة تدور بخلده ويريد إجابة.
❈-❈-❈
عاد الاثنان إلى غرفتهم بعد إصرار من جليلة ليغلق باب العذاب خلفه كما يطلق عليه. كان يشعر برغبة شديدة في النوم، فقد بات ليالي ساهدًا لا يستطيع النوم. نظر إلى الفراش برغبة ملحة في الاستلقاء عليه وشعرت هى بذلك فتحدثت بجدية:
_ تقدر تنام على السرير براحتك وانا هذاكر شوية.
أومأ لها واستلقى على الفراش ليغمض عينيه على صورتها وهى تتناول كتابها وتجلس على المقعد لتبدأ في مراجعته. كانت تنظر إلى كلمات الكتاب وكأنها نسيت أبجديته واخذتها عيناها إليه وهو نائم بكل هدوء على فراشه. دققّت لأول مرة في ملامحه التي تشبه إلى حد كبير ملامح أبيها، لكن ملامحه هو أكثر رعونة وشدة. عينيه الرمادية التي تتحول لسوداء عندما يغضب. وخصلاته التي تحتار في وصف لونها مزيج من الأسود والبُنيْ معًا. تاهت في ملامحه وتساءلت. ماذا لو نجحت في خطتها الأولى وجاءت إليهم وتعرفت عليه وهي نقائها وقبل أن يحدث ما حدث؟
شعرت هى أيضًا برغبتها في النوم لكنها لا تعرف أين تنام. فكرت أن تنام هي على الأرضية لكنها تعلم جيدًا أنها لن تستطيع النوم هكذا. استلقت على الفراش بجواره بعد تردد كثير عندما أقنعت نفسها بأنها ستستيقظ قبله ولن يشعر بها. كان يوليها ظهره لهذا استطاعت النوم بسهولة دون قلق.
❈-❈-❈
أسرعت سمر بالخروج من غرفتها أثر صوت طرقات عنيفة على الباب. ذهبت الخادمة لتفتح لكنها أوقفتها:
_ استني انتي انا هفتح.
نزلت الدرج وذهبت لتفتح لتتفاجئ بمصطفى أمامها ومن هيئته شعرت بأنه قد علم ما حدث. نظرت إليه باشتياق وهى تردد اسمه بشوق:
_ مصطفى.
…….
جلس مصطفى بجوارها على الأريكة بعد أن عادوا من سيارة جده، فحدثها بعتاب:
_ ليه ياماما مقولتليش؟ إزاي جدي يموت ويدفن من غير مـ اعرف.
ربتت سمر على ساقه وهي تقول بروية:
_ محبتش اكسر فرحتكم، وبعدين انا نفسي ملحقتش أودعها.
احتار مصطفى وسألها:
_ بس انا كنت سايبه كويس أيه اللي حصل؟
ها قد جاءت فرصتها ولن تضيعها. شرحت له ما حدث منذ البداية حتى تلك اللحظة وإندهشت هي عندما شعرت بأنه لم يبدي أي رد فعل فسألته بتوجس:
_ سكت ليه؟
تنهد مصطفى:
_ عايزاني اقول أيه؟
_ في ايه مالك.
ابتسم بسخرية وهو يقول:
_ في إني عرفت كل حاجة.
ضيقت عينيها بعدم استيعاب:
_ تقصد أيه؟
نظر إليها بقوة وهو يقول:
_ انتي فاهمة كويس انا اقصد ايه.
اهتزت نظراتها وقالت بتلعثم:
_ أنا كنت بعيد تمامًا عن الموضوع.
وبعده هو عمل كدة لإنه عارف إن أخوه ادها وهيقدر يخرج من المشكلة دي بسهولة. إنما بقى لو كان دفع الفلوس اللي معاه مكنش هيقدر يعمل حاجة ولا يقدر يوصل للمستوى ده.
تحدث مصطفى بحدة:
_ بس دول اهله وكان لازم يقف جانبهم، كان لازم يبقى ضهر وسند زي مـ عمي عمل، إنما هو كان اناني وانتي شجعتيه على كدة.
أجابت بنفي:
_ لا هو اللي كان جاي وعينيه بتطلب مني أشجعه على ده، انا مكنتش معاهم وعمك بيطلب منه الفلوس. مكنتش معاه لما سابهم في أزمتهم وفي مرض أبوه ومشيه. وهو صحيح اخد رأيي وانا قلتله ده مستقبلك ولازم تفكر فيه كويس، وده اللي حصل لا اكتر ولا اقل.
جدال عقيم لن يخرج منه بشئ. فقال بجمود:
_ وانا كمان قررت اشوف مستقبلي وهخلص السنة دي واسافر اكمل دراستي بره.
قطبت جبينها بعدم فهم وسألته:
_ يعني ايه الكلام ده؟
أجاب ببساطة:
_ زي ما سمعتي، انا هروح البيت اجيب شنطتي وآجي اعيش معاكي لأن أصولي تمنعني إني أسيبك تعيشي لوحدك.
ثم تركها وغادر.
❈-❈-❈
أستيقظ جاسر ليفتح عينيه بتثاقل وقد وجد الغرفة تسبح في ظلام دامس إلا من إضاءة خافتة من الشرفة. رفع جفنيه أكثر ليتفاجئ بوجهها في مد بصره وقد أحجبت خصلاتها جزء كبير منه. تفاجئ بفعلتها لكنه لا ينكر سعادته بذلك. مهما عاند او انكر إلا إنه يعلم جيدًا أنه عاشق حتى النخاع. وكم جابه شوقه الذي يحسه على طوي صفحات الماضي وبدأ صفحة اخرى بيضاء، لكن عقله يرفض ذلك.
دقق النظر في محياها ويده التي تحركت دون إرادة منه ليرفع خصلاتها التي احجبت وجهها عنها. اخذ يتطلع إليها بأريحية ويحفر ملامحها في عقله ربما يلين ولو قليلاً. نزلت يديها إلى شفتيها التي استبغت بحمرة طبيعية دون زيف، نعم يعترف لنفسه بأنها لا تتصنع ولا تزيف، واضحة كوضوح الشمس أمامه. حارب شوقه الذي يأخذه لتذوق تلك الشفاه برغبة ملحة، لكن عقله يأبى الرضوخ لمشاعره. اكتفى بأن مرر إصبعه على شفتيها الرخوة ليشعر بنعومتها مما جعل تحكمه يزداد صعوبة.
ارتدت يده سريعًا عندما وجدها ترمش بعينيها فأسرع هو بتغميض عينيه متظاهرًا بالنوم كي لا يخرجها. فتحت عينيها بتثاقل لتندهش من ظلام الغرفة. أسرعت بالنظر إلى جاسر لتتنهد براحة عندما وجدته مازال نايمًا. نهضت بريبة ثم نظرت في ساعة يدها لوحدها السابعة مساءًا. كيف استطاعوا النوم كل هذه المدة. لكنها حمدت ربها بأنه لم يستيقظ ويجدها بجواره على الفراش. همت بالولوج إلى المرحاض لكنها سمعت طرق خافت على الباب. ذهبت لتفتح لوحدها وسيلة التي قالت باحراج:
_ معلش يا سارة اني جلجتكم بس جبتلكم لجنة تاكلوها، انتو مـ اكلتوش حاچة طول النهار.
رد جاسر وهو ينهض من فراشه:
_ خلي الوكيل تحت ياامي هننزل نتعشا معاكم.
_ كيف ده يا ولدي…
قاطعها بلهجة لا تقبل نقاش:
_ مفيش حاچة اتغيرت ياأمي قلتلك هنزل اتعشا معاكم.
نظرت إلى سارة كي تقنعه لكنها أيضًا أيدته:
_ أنا بردوا عايزة اتعشا معاكم.
ردت باستسلام:
_ اللي تشفوه.
خرجت من الغرفة واغلقت الباب خلفها. أما جاسر فتحدث بجدية:
_ اللي هجوله دلوجت يتنفذ بالحرف. حياتنا قبل الچواز زي بعده، مفيش حاچة اتغيرت…
قاطعته سارة بجمود:
_ من غير مـ تقول انا فاهمه ومش محتاجة اللى يعرفني. دول مش أهلك لوحدك، ومش انت بس اللى بتحبهم. انا حاربت كتير اوي عشان اوصلهم.
شعر بأنه قد تمادى في قسوته عليها. تركها ودلف المرحاض صافقًا الباب خلفه بحدة.
❈-❈-❈
رواية ومجبل علي الصعيد الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم رانيا الخولي
مرت أيام على أبطالنا كلًا في واديه
جاسر الذي يحارب شوقه ويظل مستيقظًا طوال الليل ما بين قلبه الذي يطالبه بطوي صفحات الماضي السوداء وبدأ صفحة جديدة
وبين عقله الذي يذكره دائمًا بتلك الفاجعة التي ستظل حائلًا بينهما
لم يستطيع النوم تلك الليلة وهى لا ترحمه بتلك البراءة المرتسمة على وجهها وهى نائمة
أنسحب بهدوء وقرر النوم في شرفة غرفتهم ربما يستطيع حينها النوم
لكن هيهات، وكيف يأتي النوم والمعشوق المتجبر نسائمه تحيطه من كل جانب
أما هى فقد كانت تشعر بتقلبه طوال الليل ولم يكن حاله بأفضل من حالها وهي تتقلب على جمر من نار بذلك العشق الذي ادمى قلبها
قلبها الخائن الذي يطالب بعشق من لا يرى منه سوى كل تجبر
شعرت به يخرج إلى الشرفة ويستلقى على الأريكة لينام عليها بعيدًا عنها
ورغم حزنها منه إلا إنها شعرت بالقلق عليه
فقد أصبح الجو تشتد برودته ليلًا
ظلت تراقبه من الباب الزجاجي حتى تأكدت من نومه
أخذت غطاء وذهبت إليه كي تغطيه به فطمأنت عندنا وجدت أنفاسه منتظمه وقامت بفرده عليه
همت بالعودة إلى الداخل لكن شيئًا بداخلها دفعها بالبقاء معه ولو قليلًا تروي عطشها له
جلست أمامه تنظر إلى محياه الذي نحت وكأنه لوحة فنية رسمت بإتقان
ودون إرادة منها وجدت يدها تتسلل إلى خصلاته الفاحمة كي تتلمس نعومتها
وياليتها لم تفعل إذا سقط قلبها عندما وجدته يفتح عينيه ويده امتدت لتمسك برسغها تمنعها من الوصول إليه
تقابلت الأعين في نظرات مبهمة لا يعرف أحدهم ما يدور في خلد الآخر
ظلوا على هذا الحال ثواني معدودة ينظر إلى ملامحها التي حُفرت بداخله منذ أن وقعت عيناه عليها وظل يجوب بعينيه على محياها كأنه يستكشف تفاصيله حتى استقرت أخيرًا على ثغرها الذي أصبحت مشاعره تحثه على تذوقه
رفع عينيه إلى عينيها التي لم تمانع ولم تحتج مما جعل عناده يتلاشى ويجذبها من رسغها الذي مازال يملكه بيده قرب وجهها من وجهه وعينيه لا تنزاح من على شفتيها لكن دق نقوس الخطر عندما تذكر أنها لن تكن قبلتها الأولى ازدرد ريقه بصعوبة وكلما قادته مشاعره إليها يبعده عقله الذي مازال يرفض تقبله للأمر
أبعدها عنه بحدة ونحاها من أمامه وهو ينهض من مرقده جعلت عينيها تتسع من تلك الإهانة التي تلقتها لتوها
وخاصةً عندما وجدته ينظر لها بازدراء ويقول بحنق
_ ادخلي چوة مينفعش تجفي بلبسك ده
نهضت وهي تشعر بانكسار لرفضه لها
وقد ظنت لوهلة أنه سينحي كل ماضيهم جانبًا وينعم بتلك اللحظة معها
لكن يبدوا أن الماضي سيظل سدًا مانعًا في طريقهم ولن يقابل أحدهم الآخر.
دلفت للغرفة وقامت بجذب الستار كي لا يراها وهي تنتحب.
طفح بها الكيل ولم تعد تستطيع التحمل أكثر من ذلك
لكن ليس بوسعها فعل شئ، كما أنه محق في ردات فعله
ماذا تنتظر منه؟ يكفى أنه سترها ولم يخبر أحد بتلك الفاجعة.
❈-❈-❈
في المشفى
بدأت صحة أمجد بالتدهور فأصبح قلبه لا يستطيع المقاومة أكثر من ذلك، و حالات الإغماض التي يتعرض لها تزداد كثيرًا تلك الفترة
أما ليلى فقد تركت كل شئ وكذلك دراستها وظلت بجواره لا تستطيع مفارقته لحظة واحدة
لم يمانع أمجد عندما تركته لتحضر إحدى العمليات الهامة وظل ينتظرها بشوقٍ حتى عادت إليه
دلفت الغرفة وقد بدا عليها الإجهاد
وعندما رأته مستيقظًا تحدثت بابتسامة مشرقة
_ انا قلت هلاقيك نايم
تقدمت منه لتجلس بجواره وقالت بتعب
_ العملية النهاردة كانت متعبه أوي
لم يجيبها وظل ناظرًا إليها مما جعلها تندهش من ذلك وسألته
_ مالك بتبصلي كدة ليه؟
رفع حاجبيه مجيبًا
_ لا أبدًا انا بس مستغرب إزاي بنت رقيقة وكيوت زيك تدخل مجال جراحة القلب ده.
هزت كتفيها بحيرة
_ هتصدقني لو قلتلك مش عارفه؟!
بس انا طول عمري بحب اختار الصعب، وبالأخص في دراستي.
بابا كان معارض دخولي كلية الطب وكان عايزني ادخل كلية غيرها بس أنا أصريت
اخترت جراحة القلب لأنه أهم جزء في الإنسان، يعني عندك مثلًا المخ لما بيقف، ممكن الإنسان يعيش على الأجهزة سنين، صحيح بيبقى ميت إكلنيكيًا بس القلب بيقوم بدوره، حتى المشاعر صحيح بتبقى من خلايا المخ بس اللي بيعبر عنها القلب.
تحدث بمكر
_ يعني انا لو غيرت قلبي هفضل احبك بردو
_ القلب بيدي رد فعل بس ملوش دعوة بالمشاعر، صحيح ليه دور مهم بس مش أساسي
التزم الصمت قليلًا جعلها تشعر بالقلق عليه وقبل أن تتحدث سبقها هو
_ تعرفي انا كتير اوي بفكر في الشخص اللي هيتبرعلي ده، هو مين؟ وياترى هو عايش دلوقت وسعيد بأيامه؟ ياترى عارف انه هيموت وقلبه ده هيكون من نصيب حد تاني.
ليه حبيبة قلبه بيدق ليها؟
ديمًا الأفكار دي ملزماني ومش بعرف اهرب منها.
رغم الألم الذي يأرق قلبها إلا إنها تحدثت بابتسامة
_ أولًا التبرع مش بيكون بالشكل اللي انت بتفكر فيه، بمعنى إن واحد عنده سكتة دماغية ده ميت بالفعل بس كل أعضائه شغالة وبتقوم بدورها، فـ بالتالي مش هيفضل عايش تحت الاجهزة كدة، أحيانًا الأهل بيطلبوا رفع الأجهزة عنه وهنا المستشفى بتسألهم لو يوافقوا على التبرع وبيبقى الشخص ده عايش جوة كتير أوي اللي محتاج زرع كبد او كليه أو قلب او قرنية.
وفي تاني اللي بيتبرع بأعضائه لو اتعرض لحادث هنا مش بناخد براي الأهل لأنه هو بنفسه إللي ماضي على إقرار بده.
سأله بدهشة
_ والإقرار ده بيبقى مع مين؟
_ يبقى معاه هو، كارت صغير وبيكون معاه
_ عندي إحساس إني مش هلاقيه.
أجابت بتفاؤل
_ وانا عندي احساس إننا هنلاقيه وفي اسرع وقت
وضع يده على قلبه وقد ازدادت وغزاته
_ بس انا فعلًا مبقتش قادر اقاوم أكتر من كدة، الألم أصبح غير محتمل
ضغطت على شفتيها كي تتحكم في عبراتها التي تحاول التحرر من أسرها وقالت
_ كل ده هيعدي ونفتكرها انا وانت ونضحك عليها.
هز راسه بنفي
_ مظنش، انا فعليلًا بدأت استسلم للموت…..
قاطعته برجاء
_ ارجوك بلاش الكلام ده
اقولك انا….
قاطعها تلك المرة
_ عارفك هتقولي إيه؟ جعانه وايه رأيك لو نتعشا مع بعض.
ضحكت ليلى وضحك هو ايضًا وقال
_ عايز اقولك انك أغلب الوقت يابتاكلي يا إما بتقولي جعانه.
ضيقت عينيها بغضب مصطنع
_ انت بتعد عليا؟! ايه رأيك بقى إني كنت بسيب المذاكرة الساعة اتنين بالليل وانزل المطبخ اعملي أكل مش سندوتشات واطلع اكمل مذاكرة.
أيدها أمجد
_ واضح طبعًا مفيش كلام.
نهضت من مقعدها
_ طيب انا هقول لسهى لتجبلنا عشا خفيف كدة
لم يجادله رغم انه لا يريد ذلك
عادت بعد قليل وهي تحمل الطعام ووضعته على الطاولة وقربتها منه
_ يالا بقى هى حاجة خفيفة كدة بس مش مشكلة انا نبطشية النهاردة ويبقى اتعشا تاني، يلا بقى
هز راسه برفض
_ مش قادر.
ردت بإصرار
_ لازم تاكل عشان العلاج.
قال بوهن
_ انا فعلًا مش قادر أرفع إيدي
تحدثت بمزاح رغم الألم الذي تشعر به
_ يبقى حضرتك داخل على طمع وعايزني أجيبلك ممرضة تأكلك.
ابتسم بوهن
_ وتجيبي ممرضة وانتي موجودة
اهتزت نظراتها بخجل وهمت بالرفض لكنها أكثر من يعلم بحالته لن يقوى بعد الان على التحرك مطلقًا
وبدن نقاش اخذت المعلقة بيدها ثم قربتها من فمه بخجل فاخفض عينيه كي لا يحرجها
لكنه لم يستطيع تكملت طعامه
_ كفاية كدة
همت بالمعارضة لكنه منعها
_ بجد مش قادر بلاش تضغطي عليا المهم كملي اكلك
اومأت بصمت وبدات هى بتناول طعامها في صمت..
❈-❈-❈
بدأ منصور يشعر بالوحدة بعد أن تركه أولاده، أصبح المنزل فارغًا خاليًا من أى روح
رغم انشغاله والشركة التي أصبحت على عاتقه لا تعطيه الوقت ليفكر بشئ إلا إنه يشعر بحنين جارف إليهم
لقد كان معتاد منهم على ذلك، لكن أيضًا كان يعلم بأنهم داخل دائرته.
فرغ المنزل وشعر بحنين جارف إليهم
وقسوة الاشتياق لا ترحمه
لقد تجرع من نفس الكأس الذي تجرعه والداه
لكن عقله آبى أن يعترف بذلك، لم يخطئ؛ هذه حياته وكان عليه النظر لمستقلبه حتى يصل إلى مبتغاه.
وها قد اهداهم ابنته بديلًا له ولن يضطر إلى ان يطالب بحقه فـ ابنته الآن ستنعم به
نعم عليه الصمت إزاء هذا الأمر
ثم سيذهب إلى سمر ومصطفى يجبرهم على العودة
في منزل سمر
كانت تتناول طعامها مع مصطفى الذي استقر معها ورفض العودة إلى والده وعندما سمعوا طرقات حادة على باب المنزل نظرت إلى مصطفى بقلق وسألته
_ مين اللي بيخبط كدة
هز مصطفى كتفه بحيره
_ مش عارف
ذهبت الخادمة لتفتح لكنه منعها وتوجه هو ناحية الباب ليفتحه فتفاجئ بمنصور يقف أمامه
الأعين في نظرات جمود تحولت بعد.ذلك لعتاب
قاطع منصور تلك النظرات قائلًا
_ هنفضل واقفين كدة كتير؟
تراجع مصطفى للوراء كي يفسح له المكان
_ اتفضل.
دلف منصور ليجدها جالسة تنظر إليه ببرود استغربه في البداية، لكن ما يدهشه اكثر صمتها وكأن شيئًا لم يكن
تحدث بحدة
_ هتفضلي هنا كتير؟
لم تجيبه بل نظرت في طبقها وتكمل طعامها بهدوء جعله يهدر بها
_ انا مش بكلمك
عند تلك النقطة وانتهى ثباتها فـ وقفت امامها لتهدر هي ايضًا
_ انت مش موجد أصلًا عشان اسمعك، ازاي جاي تقف ادامي وبكل بساطة تقولي الكلام ده وكأن اللي مات حد غريب موقفش جانبك ولا ساندك لحد مـ وقفت على رجليك، والاخر حرمته من حقوقه.
ضرب منصور بيده على الطاولة جعل كل ما عليها يهتز حتى سقط على الأرض وهو يقول باحتدام
_ واللي كنتوا ناويين تعملوه ده كان ايه؟
فلوسي وشقى عمري اللي كنتوا هتمضوني على تنازل عنه اسميه ايه؟
مين اللي خاين انا ولا انتو
شعر مصطفى ان الوضع سيشتعل بينهم فتقدم منه قائلًا
_ ياربت نهدى شوية مينفعش كدة
نظر إلى منصور وتابع بمغزى
_ وانت يابابا لو كنت جاي عشان ترجعنا فـ انا بقولك لأ مش هرجع
قطب منصور جبينه بعدم فهم وسأله
_ يعني ايه مش فاهم؟
رد بجمود
_ يعني كل ساقٍ سيروى، ماما رافضة انها ترجع وانا مقدرش اتخلى عنها واسيبها لوحدها
اشتد غضبه منها ونظر إليها بقوة
_ عرفتي تقوي ابني عليا…..
قاطعه مصطفى
_ محدش قواني عليك بس يظهر ان القدر بيعيد نفسه، حرمت جدي وجدتي منك ودلوقت اتحرمت من ولادك.
ضيق منصور عينيه يستفهم معنى حديثه ليتابع مصطفى
_متستغربش من اللي بقوله لإني عرفت كل حاجة، وعشان متتهمش حد انا عرفت من سارة اللي سمعت الكلام بالصدفه ومحدش هناك يعرف اننا عرفنا ولا حاولوا يفتحوا الموضوع معانا
اهتزت نظراته أمام ابنه وقال بتسويف وهو يدير الدفة ناحيتها
_ انا معملتش كدة برضايا الهانم هى اللي قواني عليهم
همت سمر بالمعارضة لكن مصطفى منعها
_ بس دول مش أهلها، بمعني انا لو حبيت واحدة ولقيتها بتحرضني على اهلي مش هسمعلها من الأساس، انا اه بغلطها فـ اللي عملته بس برجع اقول اخدت عقابها وندمت انما انت لسة زي مـ انت
سوري يابابا بس انا مش هرجع معاك واسيبها لوحدها
لم يجد منصور شيئًا يخرج به غضبه سوى تلك الطاولة التي أمامه ليقلبها رأسًا على عقب ثم يخرج صافقًا الباب خلفه بعنف
❈-❈-❈
في الجامعة
جلست حلم في كافتيريا الجامعة تتناول مشروبها عندما سمعت صوته يقول
_ مش غريبة شوية إننا نكون بلديات وفي جامعة واحدة ومنعرفش بعض
انتفضت بخوف عندما تأكدت منه ثم تلفتت حولها وهي تقول بخوف
_ انت بتعمل ايه هتوديني في داهية
جلس مصطفى على المقعد بكل هدوء قائلًا
_ ولا داهية ولا حاجة متخافيش كل اللي موجودين دول اعرفهم محدش منهم من الصعيد
اندهشت من الهدوء الذي يتحدث به وقال بحدة
_ انت عايز مني ايه؟
اشار لها بالجلوس
_ اقعدي الاول عشان نتكلم.
اخذت حقيبتها وردت بامتعاض
_ مفيش كلام بينا نتحددوا فيه.
همت بالذهاب لكنه اوقفها قائلاً
_ حلم استني.
استدارت إليه لتقول بحنق
_ وبعدهالك عاد؟ سيبني لحالي الله يرضى عليك وابعد عني، انا واحدة ميتة والموت أجربلك منيها، لو خايف على عمرك بلاش تقف في وشي تاني لإنك مش هتشوف من ورايا غير الخراب
_ بس انا عايزك
هزت راسها برفض
_ مينفعش لو في ظروف تانيه كان ممكن بس صدجني مينفعش واصل.
تركته وغادرت رغم قلبها الذي يحثها على البقاء، لكن عليها البعد إذا أرادت له النجاة.
كان حازم ومعتز يشاهدون من بعيد وعند ذهابها أسرعوا إليه ليقول حازم بحدة
_ انت بردك مش ناوي ترچع عن اللي في دماغك، جلتلك الناس دي مبترحمش واسهل حاچة عندهم الجتل.
كان مصطفى مازال ينظر في أثرها
_ مش قادر
تحدث معتز بجدية
_ انت اكدة بتلعب بالنار والنار دي لما تطولك مش هنجف نتفرجوا عليك.
أكد حازم
_ صح كلامك
ثم نظر إلى مصطفى وتابع
_ فإهدي اكدة وشيل الموضوع من دماغك.
التزم مصطفى الصمت كي لا يخوض جدال عقيم معهم وقرر المضي قدمًا فيما ينتوى فعله.
❈-❈-❈
خرجت سارة من المرحاض وعيناها تجوب الغرفة تبحث عنه
سمعت صوته في شرفة الغرفة فدفعها فضولها لمعرفة ما يحدث.
وقفت خلف الباب الزجاجي الذي تركه مواربًا مما جعلها تستمع له جيدًا
_ زين جوي ابعتلي العنوان في رسالة
_…….
_ التنين، عنوان شغله وبيته لإن في بينا تار ولازم انهيه.
_…..
تحدث بحدة
_ جلتلك متسألش كتير ومش عايز حد يعرف بالموضوع ده
أغلق هاتفه واستدار ليعود للداخل لكنه تفاجئ بها تقف أمامه
هم بتخطيها لكنها منعته وسألته بريية
_ انت رايح فين؟
نحاها من أمامه كي يدلف ويتركها
_ ملكيش صالح.
أسرعت خلفه لتقف أمامه تسأله بجدية
_ مش هسيبك الا لما تقولي ناوي على أيه
لم يهتم لها وأخرج ملابس له من الخزانة مما أكد شكها
_ انت مسافر القاهرة
رد بحدة وهو يهم بالولوج إلى المرحاض
_ قلتلك ملكيش صالح وابعدي من جدامي.
هزت راسها برفض ووقفت حائلًا بينه وبين الباب وهي تقول بإصرار
_ مش هسيبك تسافر
تحولت نظراته إلى نذير غضب وهدر بها
_ احذري غضبي واوعي من جدامي
تحدثت بإصرار
_ مستحيل أسيبك تضيع نفسك
ظن لوهلة أن تمنعه خوفًا عليه لكن شكه آبى تصديق ذلك وتحول ظنه إلى الشك وهو يسأله بغضب هادر
_ خايفة عليه؟!
هزت راسها بنفي وهي تقول برجاء
_ خايفة عليك انت، بلاش تضيع نفسك مع واحد زي ده
جذبها ليبعدها عنه حتى كادت تسقط على الفراش ودلف المرحاض صافقًا الباب خلفه بعنف
لم تستسلم ولن تستسلم لن تتركه يضيع مستقبله لأجل ذلك الحقير.
لقد فوضت أمرها إلى الله وتعلم يقينًا بأنه لن يخذلها.
ظلت واقفة أمام المرحاض تنتظر خروجه حتى خرج بعد قليل وعينيه كجذوتين نار
حاولت التحدث معه لكنه تقدم من الخزانة وأخرج سلاحة ووضعه في بنطاله لتتسع عينيها خوفًا عليه
_ انت هتعمل ايه.
لم يجيبها وهم بالخروج لكنها وقفت أمام الباب تمنعه من الذهاب فصاح بها والغضب يعميه
_ أوعى من جدامي.
تحدثت بإصرار
_ مش هتخرج ولو وصلت هصرخ واخلي عمي يلحقك.
رفع حاجبيه متسائلًا بحدة
_ هتجوليلهم إيه؟ هتجوليلهم حجيجتك؟!
هزت رأسها بتأكيد
_ عندي اعرفهم الحقيقة ولا انى أسيبك تدمر نفسك، انا فوضت امري لله وانا واثقة انه هينتقملي منه
تساقطت دموعها كنهرٍ جارف وهى تتابع برجاء
_ أرجوك ياجاسر بلاش تضيع نفسك مع واحد ميستهلش
كان لدموعها ونطقها باسمه مفعول السحر على قلبه مما جعل غضبه يتلاشى تدريجيًا فقال بجمود
_ انت فكرك لو أبوي وچدي عرفوا اللي حصل حد هيجدر يمنعني؟
هز راسه بنفي
_ يبجى متعرفيش مين هو جمال المنياوي
أبوي على جد طيبته وحكمته بس إن حد يتعدى على شرفه يطير فيها رجاب.
اتسعت عينيها بخوف وتابع هو
_ هو الصعيدي إكدة دمه حامي واللي يرشه بالمايه يرشه بالدم
أمسكت يده برجاء وهي تقول
_ أرجوك بلاش، لو حصلك حاجة مش هقدر اسامح نفسي
فكر في عمي وجدي اللي لو جرالك حاجة ممكن يروح فيها، فكر في الفضيحة اللي هنتعرض ليها كلنا لو اذيت نفسك بيه، صدقني انا امنية حياتي اني اشوف مذلول مكسور زي ما كسرني؛ إنما الموت هيبقى رحمة ليه، اصبر وخلينا نشوف عدل ربنا لإن ربنا مش هيخذل دعوة مظلوم
وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين
خلينا نصبر ونشوف عدل ربنا.
لو تدري ما فعلته بلمستها تلك التي جعلت جبل الجليد يذوب بين يديها ونثر سحرها الاخذ على مشاعره التي استكانت بهدوء وتحولت نظراته إلى رئفةً بدموعها.
فسألها بغصة
_ خايفة على مين بالظبط؟
أخطأ بسؤاله لكنه يريد به الوصول لمبتغاه فردت بأسى
_ مبقاش عندي غيرك أخاف عليه
انتفض قلبه بولة وقد اهتزت نظراته وهو يرى مدى صدقها
نظرتها التي غلفها الحزن ورموشها الرطبة من أثر البكاء جعلت مشاعر الغضب تتحول لرغبة ملحة في إزالة تلك العبرات التي تسقط على وجنتها فتكوي قلبه بنيرانها
رفع يده ليسمح دمعة اخذت طريقها حتى وصلت إلى جانب ثغرها فلمست انامله شفتيها الرخوة مما جعله يستسلم تلك المرة لمشاعره ويمرر ابهامه عليهم برغبة وكانت ضربات قلبه بداخله تهدر بقوة وهو يتطلع في سكون إلى ملامحها التي لم تخفي شتات مشاعرها أيضًا
كانت المسافة قريبه لدرجة انها شعرت بأنفاسه المتلاحقة على وجهها مما جعلها تغمض عينيها كي لا يرى مشاعر الحب فيهما
جرحته بأهدابها التي صفت باتقان كـ حد السيف جعلته يزدرد لعابه برغبة وقبل ان يستمع لاعتراض عقله كان يميل عليها ليقرب فمه المتعطش لشهدها رويدًا رويدًا حتى تلامست الشفاة لينتفض كلاهما من تلك الأحاسيس والمشاعر التي غلفت كلاهما داخل فقاعة وردية أخذتهم لعالم آخر يعيش كلاهما بداخلها لأول مرة.
كانت قبلته هادئة كأنه يخشى عليه من قسوة شفتاه
تسللت يده إلى خصرها جعلها تتصلب بوجل شعر بها هو لكنه لم يبالي وظل غارقًا في بحور شهدها يقاوم ذلك الناقوس الذي الذي عاد يدق لينتشله من الغرق
عاند وأصبحت قبلاته أكثر ضراوة كي يتخلص من ذلك الصوت الذي يذكره بما حدث معها
تحولت قبلاته لعنف جعلها تشعر بالخوف منه مما جعلها تضع يدها على صدره تبعدها عنها لكنه امسك يديها وثبتها على صدره وواصل عنفه وذلك الصوت لا يرحمه
وكلما ازداد الصوت كلما ازدادت ضراوة قبلاته حتى استطاع التحكم في مشاعره وأبعدها عنه قليلًا كي ينظر إليها، فوجد الخوف والذعر مرتسم على وجهها
فتحدث بتحشرج
_ اطلعي برة
لم تفكر او تترد وأسرعت بالخروج من الغرفة وجسدها ينتفض بخوف.
دلفت غرفة ليلى وقلبها تزداد وتيرته بحدة وضعت يدها على دقاته تحاول تهدئته لكنه توقف فعليًا عندما سمعت صوت سيارته في الخارج
أسرعت بالنظر من النافذة لتجده ينطلق بها
أسندت جبينها على العارضة وهي تهز رأسها بخوفٍ عليه من تهوره.
❈-❈-❈
انقلبت المشفى رأسًا على عقب عندما تعرض أمجد لأزمة أخرى جعلت قلبه يتوقف للحظات
ولم يعد إلا بعد محاولات عديدة من إنعاشه حتى عاد ينبض من جديد
وها هو ذا مستلقي على الفراش تحيطة الأجهزة من كل جانب لا يدري شيئًا عن الذي القلب الذي يبكي ألمًا عليه.
لم يعد باستطاعتهم شيئًا سوى التضرع لرب العالمين
تركت كل شئ وظلت بجوارة ما بين صلاة وقرآن والاهتمام بأدويته
دلفت سهى الغرفة وهى تحمل الطعام إليها
_ دكتورة ليلى انا جبلتلك حاجة تاكليها…
قاطعتها ليلى الذي أصبحت كوردة ذابلة من شدة الحزن
_ رجعي الأكل ياسهى مليش نفس.
تعاطفت معها اكثر وتقدمت منها لتقول برجاء
_ بس انتي لازم تاكلي انتي مـ اكلتيش حاجة من امبارح، وبعدين لازم تاكلي عشان تقدري تكملي معاه
تدحرجت دمعه حاره على وجنتها وهى تراه مستسلمًا ينتظر الموت في أي لحظة وقالت بألم
_ مش قادرة ياسهى، انا بموت كل لحظة وانا شيفاه كدة ادامي ومش قادرة اعمله حاجة
ربتت سهى على كتفها بحزن
_ مـ هو للاسف مفيش في ايدينا حاجة نعملها، بس مين عالم يمكن ييجى الفرج من عند ربنا
لم تنهي سهى حديثها حتى وجدوا الباب يفتح وتندفع الممرضة وهي تقول بلهفة
_ دكتورة ليلى الدكتور عصام عايزك ضروري في مكتبه.
انقبض قلبها أكثر ونظرت لسهى بوجل وسألت الممرضة بتوجس
_ ليه؟
_ مش عارفة بس الموضوع شكله كبير وعايزك ضروري
رغم الخوف الذي يعتريها إلا إنها تحلت بالثبات ونظرت لسهى
_ خليكي ياسهى معاه لحد مـ ارجع
اسرعت بالذهاب إلى مكتب المدير فوجدت الدكتور عصام واضعًا التقارير الخاصة بـ أمجد وعند رؤيتها تحدث بجدية
_ الدكتور ليون لسة مكلمني حالاً وقالي انه لقى المتبرع ولازم نسافر اليونان حالًا
لم تصدق اذنها من شدة السعادة وقالت بعدما استيعاب
_ بجد؟ يعني ….
قاطعها عصام
_ مش وقته ياليلى ويلا بسرعة جهزي الباسبور بتاعك عشان الطيارة هتكون جاهزة بعد نص ساعة
أومأت بفرحة وأسرعت بالخروج من المكتب وعادت لغرفتها كي تحدث أخويها وتخبرهم بسفرها
اجابها حازم
_ ايوة ياليلى اخرتي ليه
صمتت ليلى قليلاً كي تستجمع شتات امرها وقالت
_ حازم انا لازم اسافر اليونان دلوقت
لم يستوعب حديثها وعاد يسألها
_ تسافري فين مش فاهم
اغمضت عينيها قليلًا ثم قالت برجاء
_ حازم أرجوك أنا لازم أسافر معاه مينفعش اسيبه دلوقت وانا اوعدك اني اول ما يفوق من العملية هرجع على طول.
رد بإصرار
_ جلتلك لا، وان اصريتي اني هخبر جاسر وهو يتصرف معاكي.
انهمرت دموعها بألم وقالت برجاء
_ حازم عشان خاطري سيبني اسافر هما يومين بالظبط وهرجع على طول، بلاش تبصلها من جهة سيئة، بصلها إني طبيبة وبقوم بواجبي، انا حاسة اني لو مرحتش معاه هيروح مني أرجوك ياحازم
أخذ معتز الذي استمع لكل شئ الهاتف من يده وتحدث بتعاطف
_ سافري ياليلى واني مسؤول عن إكدة
حاول حازم أخذ الهاتف وهو يمانع
_ انت بتجول ايه يامخبول انت
رد معتز بحزم
_ مليكش صالح انت ده واچبها ولازمن تعمله، اني عارف اختي زين وواثق فيها
عاد يوجه حديثه لها
_ سافري ياليلى واطمني محدش هيعرف حاچة
اغلق معتز الهاتف مما جعل حازم يجذبه من تلابيبه ويهدر به
_ انت مش راچل يالا ولا إيه؟ ازاي توافجها عـ اللي بتعمله ده.
_ اني راچل وانت خابر اكدة زين، بس كل الحكاية إني مش عايز اكسر بخاطرها ولا اضيع فرصة زي دي من بين ايديها
لم يقتنع حازم بحديثه فقال بعناد
_ كل ده كلام فارغ واني لازم اتصل على جاسر وخبره بكل شئ.
_ هتخبر جاسر بإيه
تسمر الاثنين في أماكنهم عندما سمعوا صوته وهو يدلف من باب الشقة قاطبًا جبينه بعدم فهم.
تقدم منهم وهو يسألهم
_ في أيه؟
نظر معتز إلى حازم يمنعه من التحدث لكنه قال بعناد
_ انا هجولك على كل شئ.
❈-❈-❈
توقفت سيارة الإسعاف أمام المطار وقاموا بإنزال الحامل الذي يحمل جسده ومعه ليلى التي أصرت على البقاء معه داخل السيارة
اسرعوا بالحامل إلى الداخل وليلى تسير خلفه لكنها توقفت عندما سمعت صوت يناديها
_ ليلى
استدارت ليلى بتوجس وهى تزدرد ريقها بخوف عندما علمت بهويته لتجد عينيه تحمل غضب عارم وقالت بخوف وهي تراه يقترب منها و……..
رواية ومجبل علي الصعيد الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم رانيا الخولي
وقفت تنظر إليه بخوف جعل اوصالها ترتعد خوفًا وهو يتقدم منها كفهد يقترب من فريسته.
مما جعلها تتحدث بخوف:
_ جاسر أنا….
قاطعها بحدة وهو يتقدم منها جاذبًا إياها من ذراعها يهزها بعنف وعينيه كجذوتين نار:
_ انتي ايه يافاچرة، هى دى اخرت ثقته الزايدة فيكي؟
هزت راسها بنفي وهي تقول برجاء:
_ والله مخنت ثقتكم فيا، بس صدقني غصب عني.
تحدث من بين أسنانه كي يتحكم في صوته الذي يريد الهدر بها:
_ غصب عنك كيف وانتي عاشقة اللي آمناه ودخلناه بيتنا ومصنش ده.
نظرت إلى الحامل الذي اختفي في الداخل ثم عادت تطلع إليه بألم:
_ أرجوك ياجاسر بلاش تمنعني، لازم اسافر معاه.
_ بلاش تبصلي على إني رايحة مع الإنسان اللي حبيته، بصيلي على إني دكتورة وحالة محتاجة لمساعدتي.
تدفقت دموعها بألم وتابعت برجاء:
_ أرجوك ياجاسر مفيش وقت، أمجد خلاص بيموت مننا، لو حصله حاجة انا ممكن اموت فيها، انت لو سبتني هتكون بتنقذني انا مش بس هو.
صاح بها:
_ ومين جالك اني عايز انقذك دلوجت، اني عايز اخلص عليكي باديه.
امسكت يديه وهي ترجوه ببكاء يهشم القلوب:
_ أرجوك ياجاسر سيبني اسافر معاه وأوعدك اول مايفوق هرجع على طول، انا مستحيل اعمل حاجة تقل منكم، اللي حصلي ده غصب عني دي حاجة مش بادينا، جاسر انت مجرب الحب وعارف كويس انه مش بارادتنا.
سمعت صوت يناديها:
_ دكتورة ليلى يلا بسرعة مفيش وقت.
أومأت له ثم عادت تطلع إليه وقد لانت ملامحه قليلًا:
_ سيبني اسافر أرجوك.
نظرات الخوف التي رآها داخل عينيها والحزن الذي غلف صوتها جعل غضبه يهدأ قليلًا لكنه تحدث بعناد:
_ مستحيل اسمح بالمهزلة دي يلا معايا.
هزت راسها وقالت بعذاب:
_ لو اخدتني هموت بجد سيبني أرجوك هما يومين بس مش اكتر.
قلبه رأف بها لكن رجولته ترفض ترك أخته تسافر مع رجل لا تربطها به أي صلة.
فتحدث برعونة:
_ جلتلك لأ.
أغمضت عينيها بقهر ثم اقتربت منه أكثر لتقول بتوسل:
_ جاسر صدقني أنا مبعملش حاجة غلط أنا بس بقوم بدوري كطبيبة، دي رسالتي ودي حياة بين إيديا مينفعش أتخلى عنها، جاسر انت بتحب وعارف ناره بتكوي اد إيه، أنا واقفة قدامك دلوقتي وبصارع الموت زيه بالظبط، سيبني وأنا أوعدك إني هرجع على طول.
زم فمه بضيق شديد وهو يرى بعينيه توسلاتها له، شعر أنها حقًا تصارع الموت معه.
فوقف حائرًا لا يعرف ماذا يفعل.
***
ظلت تتقلب على جمر ملتهب وقد خيم الظلام ولم يعد.
لم تستطع الاتصال به، فما زال هاتفه قيد الإغلاق وتخشى حتى الاقتراب منه.
ماذا تفعل إذًا والقلق ينهش قلبها بلا رحمة.
فكرت بالاتصال بساندي لكنها لن تتحمل سماع.
لكنها أيضًا لن تقف مكتوفة الأيدي حتى يدمر نفسه، عليه أن تنبههم وتجعله يهرب.
هل تقوم بالاتصال على ليلى؟ فمن المؤكد أنه سيمر عليهم.
هزت رأسها برفض.
وفكرت قليلًا حتى توصلت لفكرة جيدة.
قامت بفتح هاتفها الذي أخذ يدوي بصوت الرسائل من والدتها وأخرى من والدها وكل أصدقائها.
وكذلك رسائل من ذلك الكريه.
تلاشت كل ذلك وأخذت تبحث عن رقمها حتى وصلت إليه وقامت بكتابة رسالة لها:
"خلي أخوكي يختفي اليومين دول جوزي عرف كل حاجة وجاي عشان 🔪🔪"
ثم قامت بالضغط على زر الإرسال وأغلقت الهاتف مرة أخرى ثم أعادته إلى الدرج.
***
ظل واقفًا مكانه ينظر إلى الطائرة التي حلقت في عنان السماء رغم الضيق الذي يشعر به.
كيف استطاع موافقتها على سفرها بهذه السهولة.
لكن ماذا يفعل وقلبه لم يستطع الصمود أمام دموعها التي لمست صدقها قلبه.
نظر في ساعته فوجدها السابعة مساءًا ميعاد عودة ذلك الذي تطاول على ممتلكاته.
سيكسر أولًا تلك اليد التي لمستها ثم يقوم بقتله دون شفقة ولا رحمة.
عاد إلى سيارته وانطلق بها إلى وجهته.
***
كانت ساندي جالسة في غرفتها عندما وصلتها الرسالة.
اندهشت في البداية عندما علمت بهوية المرسل لكنها انتفضت بخوف عندما قرأت محتواها مما جعلها تتصل على أخيها الذي كان عائدًا من عمله:
_ وائل اهرب بسرعة سارة اتجوزت وجوزها عرف كل حاجة وجاي عشان يـ.ـتلك.
لم يفهم وائل شيئًا في البداية:
_ انتي بتقولي إيه براحة شوية وفهميني.
_ بقولك جوز سارة جاي في الطريق عشان يـ.ـتلك حاول تهرب في أي مكان لحد ما يرجع تاني.
زم فمه بغضب إذا فقد انكشفت لعبتهم هذا ما قاله لنفسه عندما التف بسيارته يغير وجهته بخوف.
عليه حقًا أن يبعد تلك الفترة حتى يسلم منهم.
فكر في حسام صديقه فهو يعيش وحيدًا في شقته ولن يمانع بقاءه عنده تلك الفترة حتى يجد حلًا لتلك المصيبة التي حطت فوق رأسه.
لم يمانع حسام رغم شعوره بالضيق فقد استطاع أخيرًا إقناعها بالمجيء لشقته، وعندما لاحظ وائل:
_ لو مضايق أنا ممكن أمشي.
رد بسرعة:
_ لا طبعًا دا البيت بيتك تيجي في أي وقت، أنا بس خايف لو عرفك مكانك بما إننا أصحاب يعني أكيد أول مكان هيدور فيه.
_ لا متقلقش هما يومين بس كده وآخر ما يزهق هينسى خصوصًا إن أنا فعلًا مقربتش منها مع إني كنت هموت وأعملها بس عملت حساب حاجة زي كده، ولو لقاني هقوله هي اللي بتتبلى عليا.
وبعدين المفروض يشكرني لما عرف إنها لسه بنت.
هز رأسه بنفي:
_ بس انت لعبت مع الناس الغلط وخصوصًا إن البنت دي أنا أعرفها كويس أخلاقها عالية جدًا تجبر أي حد قدامها إنه يحترمه.
تحدث بضيق:
_ اهو اللي حصل حصل وخلاص واديها اتجوزت وفلتت مني.
نهض من مقعده أنا هدخل أريح شوية لإني بجد تعبان.
أردف وائل الغرفة عندما رن هاتفه برقم ساندي فنظر ناحية الباب الذي أغلقه خلفه وأجابها:
_ حبيبة قلبي وحشتيني أوي……
***
مل جاسر من الانتظار فما زال واقفًا أسفل البناية ولم يعد حتى الآن.
ازداد غضبه.
قام بمهاتفة صديقه الذي استطاع الوصول إليه:
_ أيوه يا مراد أنت جلتلي إنه بيرجع بيته على سبعة بالليل والساعة دلوقتي عدت تسعة ومرجعش.
رد مراد بيأس منه:
_ يا ابني أنا ذنب اللي جابوني إيه، أنت قلتلي اعرفلي كل حاجة عن الشخص ده وأنا عرفتك؛ أعمل إيه تاني؟
زم فمه بغضب ثم أغلق الهاتف دون أن يرد عليه وألقاه على المقعد المجاور له.
ظل على ذلك الحال حتى قرر التحدث مع بواب العمارة ربما يفيده بشيء.
تحدث جاسر بلهجة عادية حتى لا يشك بشيء:
_ السلام عليكم.
رد البواب باحترام لذلك الشخص الذي أقدم عليه بهيبة ووقار جعله ينهض مرحبًا به:
_ وعليكم السلام يابيه أمرني.
حاول جاسر بصعوبة أن يبدو هادئًا وهو يسأله:
_ هو وائل الحسيني لسه مرجعش من شغله لاني عايزه ضروري وفونه غير متاح.
أجاب الرجل بنفي:
_ لا يابيه هو كلمني من يومين وقالي إنه مش راجع الإجازة دي وأنه هيسافر لمدة شهرين.
انتابه الضيق لكنه سيطر عليه وسأله:
_ متعرفش سافر فين؟
_ لا والله معرفش بس إن شاء الله أول ما يرجع هقوله إنك سألت عليه، أقوله مين؟
لم يجبه من شدة الغضب الذي يعتريه وتركه وعاد إلى سيارته وانطلق بها تحت نظرات ذلك الرجل الذي ما إن تأكد من ذهابه حتى اتصل به:
_ أيوه يا وائل بيه، لسه ماشي دلوقتي أول ما سألني عليك عرفته على طول….
***
جلست تنظر إليه بألم وهو مستلقي على الحامل دون حراك.
لم تكف عن الدعاء لحظة واحدة فليس بيدهم شيئًا سواها.
نظرت إلى والده الذي انحصر الدم عن وجهه من شدة خوفه عليه وهو أيضًا يصارع القدر بالدعاء.
حطت الطائرة على الأراضي اليونانية وسيارة الإسعاف تقف بالقرب منها حتى تنقله إلى المشفى القريبة منهم.
القلب ضعفت وتيرته والوضع أصبح غير محتمل.
توقفت السيارة أمام المشفى وقد انقلبت الدنيا من حولهم.
خُطف منها متجهين به إلى غرفة العمليات التي كانت على أتم الاستعداد لاستقبال تلك الجراحة الضخمة التي ترهب الجميع.
كما أرهبت قلبها الذي يرتعد خوفًا عليه.
دلفت غرفة الجراحة لتجده مستلقيًا على سرير العمليات.
ليتمزق قلبها ألمًا على من سكن الروح والفؤاد، تدحرجت دمعة حارة على وجنتها مسحتها بظهر يدها قبل أن يراها ذلك الطبيب الذي إن علم بمكانته عندها لم يكن ليقبل مطلقًا بحضورها.
لم يستطع أحدًا ردعها عن حضور تلك الجراحة وكأن وجودها معه سيجعله دافعًا للتشبث بالحياة.
نظرت للطبيب الذي أستعد للبدء بتلك الجراحة وهو مستلقيًا أمامه عاري الصدر لينتشل ذلك القلب الذي كان يدق دومًا بعشقها.
وقفت تراقب مؤشراته بقلب ملتاع تريد منعهم من الاقتراب منه لكن عليها التحمل إذا أرادت له الشفاء.
لم يكن ما شعرت به تجاهه حبًا بل عشقًا يتغنى به قلبها.
فلتعود يا من حاربت الكون لأجلك، تشبث بالحياة كما تشبثت أنا بروحك، فإذا فارقتها؛ فارقتني الروح معك.
***
خرجت من الجامعة وهي تنتظر السائق الذي ينقلها إلى المنزل لكنه تأخر على غير عادته.
أخرجت هاتفها وقامت بالاتصال به:
_ أيوه يا عم حسين انت فين؟
أجاب حسين الذي تعطلت السيارة به في منتصف الطريق:
_ معلش يابنتي العربية عطلت بيا لو مستعجلة خدي تاكسي لإن قدامي وقت لحد ما تتصلح.
أغلقت الهاتف واشارت لسيارة الأجرة بالتوقف ثم صعدت إليها وانطلق السائق بها.
كانت شاردة ولم تنتبه لانعطاف السيارة في شارع جانبي.
تلاها شارع آخر لكن تلك المرة انتبهت عليه وشعرت بالقلق:
_ انت رايح فين؟
لم يجيبها مما جعلها ترتعب أكثر فصاحت به:
_ وقف العربية.
نظر إليها في المرآة وقال بهدوء:
_ اهدي يا آنسة متخافيش خلاص وصلنا.
همت بفتح باب السيارة والقفز منها، لكنه أوقف السيارة حينها وهمت بالترجل والهرب بسرعة لكنها فوجئت بمصطفى أمامها:
_ أنا آسف لو كنت خوفتك بس ملقيتش طريقة تانية أشوفك بيها غير دي.
صدمتها تحولت لحنق وهي تنقل بصرها بينه وبين السائق الذي سأل مصطفى:
_ أي خدمة تانى؟
ابتسم له بمجاملة:
_ لا كدة كويس أوي.
انطلق السائق بسيارته ونظرت هي إليه بغضب تضربه على صدره:
_ انت مجنون انت عايز مني إيه.
امسك يدها يمنعها من مواصلة ضرباتها لكنها جذبتها بحدة وصاحت به:
_ انت إيه حكايتك معايا؟ عايز مني إيه؟
أشار لها على سيارته وقال بهدوء:
_ تعالي الأول نركب عربيتي عشان محدش ياخد باله.
رفضت بعناد:
_ لازم.
فمه بغيظ وقال باحتدام:
_ لاحظي إن الناس بتتفرج علينا وبعدين متضمنيش ممكن حد يعرفك ويشوفنا مع بعض ويقول لأهلك.
انتابها الخوف للحظات لكنها أصرت على عنادها وقالت بحدة:
_ جلت لا مش هيحصل ولو اصريت هصرخ وأجول إنك خاطفني.
ازداد غيظه من عنادها وقال بغضب:
_ أنا مش فاهم انتي بتعملي معايا كدة ليه، لما انت شخصيتك قوية أوي كدة وبتعرفي تقولي لأ ، مقولتهاش لأهلك ليه بدل الذل والعذاب اللي معيشينك فيه ده؟ أنا مطلبتش منك حاجة غريبة أنا بقولك إني بحبك ومتمسك بيكي ولو وافقتي هحارب الدنيا كلها معاكي إيه اللي مخليكي بتصديني بالشكل ده.
قتلها حرفيًا بكلماته التي خرجت منه دون أن يشعر.
عندما لاحظ الحزن في عينيها لم يقصد ذلك لكنها تخرجه حقًا عن شعوره بعنادها:
_ أنا آسف، مكنتش أقصد….
قاطعته بثبات:
_ ولا تجصد أنا خلاص مبجاش حاجة تفرج معايا، إني فعلًا زي ما جولتك مليش شخصية مع أهلي وسيباهم يتحكموا فيا، وده أكبر دليل إنك متعرفش هما مين، ابعد عني يا ابن الناس لإن طريقي مليان شوك هترجع منه خسران.
همت بالذهاب لكنه وقف أمامها يمنعها وتحدث بتعاطف:
_ أنا عارف كل ده ومستعد أعمل أي حاجة عشانك، حلم أنا بجد حبيتك ومش قادر أبعد عنك.
ازدردت تلك الغصة التي توقفت في حلقها وقالت:
_ لازم تقدر ولازم كل واحد فينا يتحمل نصيبه من الألم اللي انكتب علينا.
رفعت عينيها إليه وتابعت:
_ أنا مش بهاجمك بس كل الحكاية إني خايفة عليك وكل ما هحبك كل ما أهاجمك أكتر لإني هخاف عليك أكتر، ابعد عني وسيبني لحالي وشوف حياتك مع واحدة غيري.
رد بإصرار:
_ مش هتفرق لإن فراقك والموت واحد.
ابتسمت بحزن وهي تقول:
_ اللي جواك ده مش حب ده عناد وحبك للمستحيل.
لإن أنا فعلًا الحب المستحيل اللي بيقولوا عليه.
وبعدين أنا لو وافقتك دلوقتي تقدر تقولي هتعمل إيه؟
رد بتأكيد:
_ هتقدملك.
هزت رأسها بتفهم وعادت تسأله:
_ هتطلبني من مين بجى؟ من خطيبي ولا من جدي؟ ولا من أبويا اللي مات وإني لسه صغيرة، ولا من أمي اللي حالها أمر من حالي؟
_ جدك مش عايز خيركم يطلع بره وأنا بعذره وعشان كده أنا هخليكي تتنازلي عن كل حاجة وأخدك ونسافر.
قطبت جبينها بعدم استيعاب وسألته:
_ كيف ده مفهماش؟
أكد مصطفى:
_ يعني أنا هطلبك منهم وأقولهم…..
قاطعته:
_ مش هتلحق تجول حاجة لإنهم وقتها هيجتلوك.
تحدث باحتدام:
_ ليه التشاؤم ده؟
أجابته بألم:
_ لإنك ببساطة متربي في القاهرة ومتعرفش حاجة عن الصعيد اللي مهما اتقدم إلا إنه لسه متمسك بعاداته وتقليده، روح للحاج عمران وجوله على طلبك ده وشوف هيقولك إيه؟
صمت قليلًا ثم سألها:
_ انتي شايفة كده؟
أومأت برأسها:
_ إني مش شايفة غير كده، خلي اللي في قلبك ليك لوحدك وبلاش تتكلم فيه.
همت بالذهاب لكنها فوجئت بسيارة تتوقف أمامهم ويترجل منها أربع رجال بأحجام قوية تقدموا منهم وقبل أن يستوعبوا شيئًا كانوا يهجموا عليه ويقومون بضربه ضربات مبرحة لم يستطيع تفاديها.
صرخة حلم باسمه:
_ مصطفى…
لم تكمل فوجدت اثنين منهم يقومون بجذبها وألقوها في السيارة وهي تحاول الإفلات منهم كي تذهب إليه، لكنها فوجئت بضربة في منتصف رأسها جعلها تفقد الوعي.
***
عاد جاسر إلى المنزل ليجد أخويه في انتظاره، لكن اندهش كلاهما عندما وجدوه عائدًا إليهم وحيدًا من دونها فسأله حازم بتوجس:
_ اوعاك تجول إنك ملحجتهاش؟
ارتمى جاسر على المقعد بإرهاق وأجاب بهدوء:
_ لا لحقتها.
نظر إلى معتز بدهشة ثم عاد يسأله:
_ اومال هي فين؟
عاد جاسر برأسه للوراء مستندًا على المقعد بتعب:
_ سيبتها تسافر.
ضيق حازم عينيه بعدم فهم وسأله:
_ يعني إيه مش فاهم.
حالته لا تسمح باستجواب، ولا يريد التعصب عليهم.
فنهض قائلًا بحزم وحنين جارف يأخذه إليها بقوة.
استلقى على الفراش وقد شعر بتيبس عضلاته ورغبة ملحة في النوم.
لكن من أين يأتيه النوم وقد عود عينيه على أن يغمضها على صورتها وهي مستلقية على الفراش تتظاهر بالنوم.
كان يظل يراقبها وهي نائمة، وأحيانًا أخرى كان يشعر بها تراقبه بعينيها التي لا تُرحم.
لن يستطيع الصمود أكثر من ذلك.
نهض من فراشه وأخذ مفاتيحه وخرج من المنزل دون أن يشعر به أحد.
صعد سيارته وانطلق بها يريد العودة إليها والإرتواء من شهدها حتى التشبع، لكنه يعلم جيدًا أنه لن يكتفي منها يومًا في أصبحت بالنسبة له كالمياه كلما شعر بالظمأ كلما ارتوى أكثر وأكثر منه.
لم يسامحها ولم يتقبل الأمر مطلقًا لكنه حقًا يريد بدء حياة جديدة معها.
وكلما اشتد شوقه لها كلما أسرع بالسيارة يريد أن يصل إليها قبل الفجر.
يريد أن يبدأ حياته معها في أول الشروق كي تشرق حياتهم معًا وينطوي الماضي مع انطواء الليل.
شرد بها ولم ينتبه لنفسه إلا على بوق عالٍ أخرجه من شروده على ضربة شديدة لم يدري من أين جاءته.
***
انتهى ثباتها وانتهى كل شيء وهي تخرج من باب الغرفة وترتمي على أقرب مقعد تجهش في البكاء.
انتهى ثباتها عند تلك اللحظة وهي ترى بعينيها محبوبها بذلك الوضع الذي لا يتحمله قلب.
انهارت وانهار كل شيء معها.
رواية ومجبل علي الصعيد الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم رانيا الخولي
فتح جاسر باب السيارة بعد أن توقفت اثر تلك الصدام الذي تلقاه من سيارة أخرى
ترجل بمساعدة احد للأشخاص الذين أسرعوا للمساعدة فقال احدهم
_ اتصلوا على الاسعاف.
رفض جاسر
_ لا اني زين مفيش حاچة
قال أحدهم
_ إزاي بس يابني وانت وشك كله جروح
رغم الالم الذي يشعر به إلا إنه أخفاه قائلاً
_ صدجني اني زين بس لو سمحت وجفلي تاكسي لإني لازمن اروح دلوجت.
لم يستطيع أحد اقناعه بالذهاب إلى المشفى فقال آخر
_ انا معايا تاكسي اتفضل معايا هوصلك
نظر إلى سيارته التي تحطم زجاجها والجزء الأمامي
فعلم الرجل ما يدور بخلده فطمئنه
_ متخافش على العربية هكلم الميكانيكي اللي قريب من هنا ييجي ياخدها
أومأ بتفاهم ثم صعد معه السيارة وانطلق.
لم يكف الرجل عن الحديث وعن كم الحوادث التي يصادفها يوميًا لكن جاسر كان بعالم آخر ليس به سواها
يتحرى شوقًا لرؤيتها وكأنها غائبة عنه منذ أمد بعيد
لم يمضي على زواجهما سوى عشرون يومًا إلا إن العشق بداخله وصل لمنتهاه
كان يقضي لياليه وهو يتقلب على فراشه الذي اصبح شديد القسوة يحارب شوقه الذي يطالبه بالغرق في بحور عشقها
ولولا عقله الذي يجبره على الثبات لكان الآن يروي ظمأه من شهدها
يمر الوقت ويزداد حنينه لها وصورتها التي حفرة بقلبه لا تتركه لحظة واحدة
عينيها التي تخفي حزنًا وانكسارًا يمزق قلبه كلما نظر بداخلهما
ابتسامتها التي لا يراها إلا نادرًا إما ردًا لحديث أو مجاملة.
انتبه على صوت السائق الذي اقترح عليه أن يسمح وجهه من الدماء كي لا يفزع اهله عليه عندما اقترب من منزله
توقفت السيارة أمام المنزل ليلتفت السائق له
_ تحب أساعدك
رفض جاسر
_ لا متشكر
ثم اخرج الحافظة واخرج منها بعض النقود وقدمها له
_ اتفضل.
رفض الرجل بتهذيب
_ بلاش دلوقت خليها لما تيجي تاخد عربيتك
دون له رقمه في ورقة وأعطاها له
_ ده رقمي اول ما تتحسن يبقى كلمني وهجيبلك العربية لحد عندك
حاول جاسر اثناءه عن رأيه لكنه اصر على ذلك وانطلق بسيارته
دلف جاسر المنزل بهدوء كي لا يشعر به أحد ويراه بتلك الحالة
دلف غرفته ليجدها جالسة على الفراش تنتظر عودته
اتسعت عيناها عندما وجدته بتلك الحالة
مما جعلها تهز رأسها بخوفٍ ظنًا منها أن وائل تربص له وفعل به ذلك
اسرعت اليه بلهفة
_ جاسر.
ايه اللي حصل.
لم يستطيع الوقوف
فتقدم يجلس على الفراش وأجاب بتعب
_ مفيش حاجة دي حادثة بسيطة
انقبض قلبها أكثر وكانت تود أن تسأله عن سببها لكن ليس وقته تقدمت منه
_ طيب انت كويس؟
أومأ لها
_ اه زين مفيش حاچة.
دققت في الجروح التي ظهرت واضحة على وجهه وتحدثت بقلق
_ طيب ادخل خد شاور لحد ما اجهز اسعافات اعقم بيها الجروح دي.
لم يجادل لأنه حقًا يرغب بحمام دافئ يهدئ عضلاته قليلًا
دلف المرحاض بأرهاق وأحضرت له ملابسه وهمت بطرق الباب كي تناولها له لكنها شعرت بالإحراج فقامت بتركها على الفراش وخرجت كي تأتي بحقيبة الإسعافات التي صادفتها في غرفة ليلى
ثم ذهبت إلى المطبخ لتعد عشاءًا خفيفًا قبل أخذ الدواء..
بعد الانتهاء تذكر أنه لم يأخذ ملابس له فقرر الخروج لأخذ الملابس لعلمه أنها لم تعد منذ أن سمع صوت الباب
انتهى من ارتداء ملابسه لكنه لم يستطيع تحمل منامته على ذلك الجرح الذي أصاب كتفه
انتهت سارة من تحضير الطعام وعادت إلى الغرفة لتجده جالسًا على الفراش والألم واضحًا على ملامحه
وضعت الطعام على الطاولة ثم تقدمت منه وهي تحمل الحقيبة وقالت بتعاطف
_ تسمحلي اعقملك الجروح دي
اومأ برأسه بصمت فجلست بجواره ليزداد قربهم وهي تداوي جراحه حتى شعر بأنفاسها تداعب وجهه مما جعله يتناسى آلامه ويستنشق عبيرها الذي أسكره بعطره الأخاذ
كانت جروح سطحية لا تأخذ بعين الاعتبار نسبةً لجراح قلبه الذي يدق بعنف
وتوقفت يدها عندما وجدت يده تمسك يدها تمنعها من مواصلة ما تفعله وعيناه تنظر إلى عينيها بعمق جعلها تحبس انفاسها بخوف وهمت بالابتعاد لكن يده التي تمسك رسغها منعتها من الابتعاد وقال بتحشرج
_ متبعديش.
تاهت نظراتها في محيط عينيه وتلك العيون الرمادية تجذبها حتى تجعلها مسلوبة الإرادة أمامه.
أما هو فقد تنسى كل شئ وقرر عيش تلك اللحظة
وينعم بعشقها ولو قليلًا
رفع يده الأخرى ووضعها على عنقها يتحسسه بشوق وهى مستسلمة له تمامًا
كانت عينيه تنظر إلى شفتيها برغبة جعلته يزدرد لعابه بصعوبة فأصبح لا يطيق صبرا
قربها إليه أكثر لتتلاقى الشفاه في قبله عصفت بكليهما وجعلت كل شيء يتلاشى من حولهم.
كانت قبله هادئه كأنه يخشى عليها من حدة شفتاه
أما هى فقد كانت مرحبة بتلك المشاعر التي تختبرها لأول مرة وما كانت تعلم بأن لها وجود من الأساس
انجرفت خلف مشاعرها وبدأت تبادله قبلاته بجهل جعل رغبته بها تزداد أكثر وأكثر
كانت تطلب منه بقبلاتها أن يمحي أى أثر للمسات ذلك البغيض
رفعت يدها تضعها على صدره لكنه صدرت منه أهه جعلتها ترتد للخلف قليلًا وتنظر إلى موضع يدها لتجد بقعت دماء على منامته تطلعت إليه بخوف وسألته بريبة
_ جاسر انت متعور في كتفك؟
هز رأسه كي يفيق مما كان به وقال بتشتت
_ جرح بسيط متجلجيش.
ترددت قليلًا قبل ان تقول
_ طيب ممكن تقلع التي شيرت عشان اشوفه؟
اومأ بصمت ثم قام بخلعه لتلاحظ حقًا مدى عمقه.
_ الجرح عميق ولازم خياطة، نروح للدكتور ولا اخيطه انا
نظر إليها بعد استيعاب لتطمئنه
_ متقلقش أنا اخذت كورس في الاسعافات وبعدين هما غرزتين مش اكتر
اومأ لها ثم أخرجت بنج موضعي ووضعته على الجرح وهو يراقبها بحب حتى انتهت
كانت السعادة واضحه عليها وهى تنظر إلى الجرح مما جعله يسألها مبتسمًا
_ عچبتك الخياطة؟
وضعت اللازق عليه وردت قائلة
_ ملاحظة انك بتستهزء بقدراتي، صحيح انا اول مرة اخيط، بس الخياطة جميلة جدًا ومش باينه
رفع حاجبيه مندهشًا من البساطة التي تتحدث بها
_ واضح فعلًا.
نهضت من جواره كي تتركه يرتدي منامته وقامت بحمل الطعام ووضعته أمامه
_ يلا كُل بقى عشان تاخد العلاج وترتاح شوية
حاول الرفض لكنها أصرت
_ لازم تاكل بجد ، دي سندوتشات خفيفة عشان العلاج
أخذه من يدها وبدأ في تناوله وقامت هى بإعادة الأشياء داخل الحقيبة وعادت إليه
اخذ دوائه واستلقى على الفراش بتعب وقد بدأ مفعول المخدر بالتلاشي، وعندما لاحظت ذلك تحدثت بتعاطف
_ المسكن اللي أخدته هيريحك حاول تنام والصبح هتكون كويس.
اوما بألم ثم أغمض عينيه لينام
❈-❈-❈
وقفت أمام النافذة الزجاجة تراقبه بقلب ملتاع وقد رفضوا بقاءها بجانبه
حاول الدكتور عصام اقناعها بالعودة إلى الفندق كي ترتاح قليلًا لكنها لم تستطيع
وظلت بجواره تتحجج بأى شئ كي تدلف إليه تطمئن قلبها ثم تخرج وتتركه في تلك الغيبوبة التي تهدد بأخذه منها
وعندما رآها الدكتور عصام على هذا الحال هز رأسه بيأس منها
_ هتفضلي كدة كتير، جسمك محتاج للراحة.
نظرت إليه بحزن وقالت
_ مش قادرة يادكتور بحس إني لو سبته هرجع مش هلاقيه خليني كدة لحد مـ اطمن عليه.
رد عصام بتعب
_ يابنتي الدكتور اكدلنا إن العملية نجحت والقلب بيعمل بشكل جيد بس الغيبوبة دي شئ طبيعي عشان كمية البنج اللي أخذها
الموضوع مسألة وقت مش أكتر.
يلا بقى روحي الفندق وارتاحي شوية وبعدين يبقي تيجي مع عمك
وما إن حركت قدميها حتى سقطت على الأرض دون حراك.
❈-❈-❈
أستيقظت لتجد نفسها في مكان مظلم لكن تعرفه جيدًا، فليس هذه مرتها الأولى، بل مرات لا تعد ولا تحصى
ظلت مكانها حتى وجدت الباب يفتح ويدلف منه جدها الذي نظر إليها بقوة جلت أوصالها ترتعد بخوف
وخاصةً عندما سمعته يقول بغضب هادر
_ يظهر إن تحذيري ليكي مجبش نتيچة وانتي أكدة اللي چانيتي على نفسك.
هزت راسها بخوف وقد انقبض قلبها بخوف مما هو آتي وقالت برعب
_ والله ياچدي مـ عملت حاچة، انا ركبت التاكسي وكان هيخطفني بس هو اللي انقذنـ….
قاطعتها صفعة قوية جعلتها تسقط أرضًا وتنزف الدماء من جانب فمها
مال عليها يجذبها من خصلاتها وقال بغضب
_ رايده تحطي راسنا في الطين وتجيبلنا العار؟
هزت راسها بنفي وهي تقول بألم
_ والله مـ عملت حاچة وماشية على طوعك، الله يخليك صدجني.
دفعها بحدة جعل رأسها يرتطم بالأرضية الصلبة
_ اكدة وماشية على طوعي؟! أومال لو عصتيني هتعملي أيه؟
ضرب بعصاة الأرض وتابع
_خروج من البيت بعد النهاردة مفيش، وچامعتك تنسيها
اتسعت عيناها ذهولًا مما سمعت فنهضت حلم وأسرعت إليه تقبل يده
_ لا ياچدي، چامعتي لأ
دفعها مرة أخرى بيدها وقال بأمر
_ احمدي ربنا اني مجتلتكيش فيها ومنعتك بس من الچامعة أني منعت مهران بالعافية وهو اللي حكم إنك متروحيش تاني
خرج من الغرفة واغلق الباب خلفه وتركها تصرخ وترجوه أن يسامحها.
❈-❈-❈
أستيقظ مصطفى ليجد نفسه في المشفى هم بالنهوض لكنه شعر بألم حاد في ذراعه وصوت معتز
_ خليك زي ماانت متتحركش
نظر إلى حازم الذي ينظر إليه بغيظ فقال بضيق
_ بقولك ايه اعدل خلقتك دي عشان مش نقصاك.
ثم وضع يده على ذراعه مكان فقال حازم بتشفي
_ والله تستاهل اكتر من أكده
تحدث معتز بامتعاض
_ انت شايف ان ده وجته، مـ تهدى شوية
ثم نظر إلى مصطفى ولم يستطع الثبات
_ بصراحة عنده حجك، انت زودتها جوي، بس ده قرصة ودن عشان تشيل الموضوع ده من دماغك
نظر إليهم باستياء
_ هو كنت بتصل عليكم عشان تكدروني ده.
رد حازم
_ احمد ربنا إنك لسة عايش وربنا يستر بقى والموضوع ده يعدي على خير
تذكر مصطفى أمر حلم فسألهم بقلق
_ طيب حلم معرفتوش عنها حاجة؟
زم حازم فمه بغيظ ثم قال لمعتز
_ عجله المخبوله ده وإني هكلم أبوك اشوفه هيعمل أيه؟
خرج حازم ونظر معتز لمصطفى وقال بجدية
_ لساتك مصر عـ اللي في دماغك؟
اشاح بوجهه بعيدًا عنه وقال
_ مـ انت لسه قايل مش وقته.
تحدث معتز بإصرار
_ اومال وجته ميتي لما يخلصوا عليك؟ البنت دي نجوم السما اقربلك منيها وهجولها تاني وعاشر ومليون شيلها من دماغك وعيش حياتك بعيد عنها، المرة دي كانت ضرب على الإيد المرة التانية هتكون واعرة جوي
رد مصطفى بعذاب
_ حاولت ومقدرتش.
_ هو انت لحجت دا معداش عليكم شهر حتى لحجت تتعلج بيها في الفترة دي.
أومأ له
_ واكتر كمان، انا زيك مستغرب من نفسي وخصوصًا انها ديمًا صداني يعني مش مدياني أي أمل بس بردوا مش قادر أبعد
تحدث معتز بجدية
_ لازمن تجدر وتشيلها من نفوخك ياإما اللي جاي هيكون أصعب، ده إن چاه من أساسه
_ بابا عرف حاجة؟
_ لأ ميعرفش بس زمانه حازم جال لعمك دلوجت والجيامة هتجوم في البلد
اندهش مصطفى وسأله بريية
_ هتقوم ليه
تحدث بتهكم هو يربت على كتفه المصاب جعله يتأوه
_ لإن اللي حصل مينفعش يتسكت عليه، ولازمن يكون الرد عليه واعر
بدا بالتأوه عندما حاول النهوض وتحدث بحدة
_ مكنش لازم تعرفوا عمي باللي حصل
_ لازمن يعرف ولازمن يكون في رد عـ اللي حصل، الموضوع مش سهل زي مـ انت فاكر.
تحامل مصطفى على نفسه وهو ينهض
_ انا لازم أروح البلد
أعاده معتز إلى فراشه وقال بأمر
_ خليك مكانك وكفاياك تهور بجى خلينا نشوفوا هنعملوا ايه
رد بإصرار أقوى
_ مش هيحصل ولازم اروح البلد، لازم اتكلم معاهم براحة واطلبها منهم واللي هما عايزينه هعمله.
نهض وهو يتحامل على نفسه بصعوبة، حاول معتز تعديله عن رأيه لكنه أصر على ذلك
_ مهما تحول تقنعني لازم اسافر
دلف حازم الذي انهى المكالمة لتوه ليجده يحاول النهوض
_ انت بتعمل ايه؟
أجاب معتز بحدة
_ البية عايز يرچع البلد، وكمان عايز يطلبها من أهلها
نظر إليه ببرود قائلاً
_ وماله، هى ديتك طلجتين ويرتاحوا منيك وخلصت الحكاية.
أخذ يرتدي قميصه وهو يقول بلهجة لا تقبل نقاش.
_ مش هسيبها ولو السما أطبقت على الأرض.
نظر معتز إلى حازم يسأله ماذا سيفعل فتحدث بانفعال
_ سيبه خليه يروح ويشوف الوش التاني لأبوك، وهو وحظه بجى.
تحدث بإصرار
_ موافق يلا حد منكم يجيبلي هدوم بسرعة
خرج معتز
بحث عن هاتفه الذي وجده مع معتز وقام بالاتصال
على والدته التي ما إن وجدت رقمه حتى اجابة بلهفة
_ ايوة يا مصطفى انت اخرت ليه؟
نظر مصطفى إلى حازم الذي ينظر إليه بغيظ وقال
_ معلش اصلي كنت مع حازم ومعتز وكنت عايز اسافر معاهم البلد لإني جدي تعبان شوية
كانت تود الرفض لكن بعد ما حدث وبعد أن تأكدت بأن داين تدان وافقت وبداخلها حنين جارف لإبنتها وقالت
_ طيب لما تروح هناك يبقى خليني اكلم سارة لأن فونها غير متاح ديمًا
_ حاضر ياأمي
أغلق هاتفه ثم نظر إليهم باستياء ليسأله معتز
_ مش هتجول لابوك؟
هز رأسه بنفي
_ مبقاش فضيلنا، هتودوني ولا اروح لوحدي؟
رد حازم بتهكم
_ هتركب الجطر كيف بحالتك دي.
رد بهدوء
_ هروح بالطيارة.
رفع حاجبيه مندهشًا من البساطة التي يتحدث بها
_ هو انت فاكرها باص هتركب وتروح بلدكم
نهى معتز النقاش
_ انا هتصل على المطار واعرف طيارة المنيا طالعة ميتي.
أجرى معتز اتصاله وعلم باقلاع الطائرة بعد ساعة منذ الآن فقام بحجز التذاكر وأخبرهم بالميعاد
نظر حازم إلى مصطفى ببرود رغم استيائه منه
_ تمشي لوحدك ولا أجيبلك كرسي.
نهض مصطفى متحاملًا على نفسه رغم الألم الذي يشعر به
_ لا همشي
أسنده معتز وخرج به من المشفى متجهين إلى المطار
❈-❈-❈
في غرفة المتمرد
استيقظ الاثنين بعد أن نعما كلاهما بنومًا هنيئًا بجوار بعضهما البعض
فتحت عينيها لتجده مستيقظًا ينظر إليها بنظرة هادئها تراها بعينيه لأول مرة، تاهت في بحورها واندهشت من ذلك التغيير الذي لامسته بكل شئ
لم تعرف شيئًا مما حدث أمس
كانت تود أن تسأله عمّ حدث لكنها خشيت أن تعرض نفسها لغضب لن تقوى على تحمله.
نهضت من جواره بخجل وهى تسأله
_ عامل ايه دلوقت؟
قبل أن يجيبها طرق الباب ليعتدل جاسر في فراشه وقال
_ دي اكيد أمي افتحي انتي، وقوليلها إني لساتني نايم عشان متجلجش.
اومأت له وقامت بفتح الباب لتجد وسيلة تسألها بقلق
_ صباح الخير ياسارة، جاسر صحي ولا لساته نايم
شعرت سارة بالقلق من لهجتها وسألتها بتوجس
_ في حاجة ياطنط
لم يستطيع جاسر البقاء وأسرع إليها يسألها
_ خير ياأمي؟
اتسعت عين وسيلة بارتياع وهي تري ابنها بتلك الحالة وسألته بصدمة
_ أيه اللي حصل ياجاسر؟
طمئنها بهدوء وهو يتقدم منها
_ اني زين الحمد لله، دي بس حادثة بسيطة؛ المهم ايه اللي حُصل؟
التاع قلبها عليه وقالت بخوف وهي تتقدم منه أكثر تطالعه بخوف
_لا حول ولاقوة الا بالله ايه اللي حُصل بالظبط؟ وازاي متخبرش حد منينا؟
أجابها بقلق
_ اني زين والله بس جولي أيه اللي حصل؟
نظرت لسارة بتردد ثم تهربت قائله
_ انزل شوف أبوك تحت خارب الدنيا
تخطاهم جاسر بقلق ونزل للاسف ليجد جمال في مكتبه يهدر بغضب في هاتفه
_ وليه مجلتليش من لول؟
_……..
تحدث بتوعد
_ طب اجفل دلوجت لحد مـ أشوف حل للمصيبة دي، ولما أشوفكم هيكون ليا كلام تاني معاكم.
ألقى جمال الهاتف على الأريكة بغضب واستدار ليتفاجئ بجاسر يتقدم منه وهو بتلك الحالة
زم فمه بغضب رغم قلقه وتحدث بحدة
_ وانت كمان اتخانجت مع مين؟
اجابه باضطراب
_ دي حادثة بسيطة واني راچع امبارح
انقبض قلبه بخوف وسأله بتوجس
_ كيف ده؟ وليه مـ جولتش؟
طمئنه جاسر
_ دي حاچة بسيطة وانا بجيت كويس المهم ايه اللي حُصل؟
عاد الغضب لملامحه وقال بانفعال
_ البيه ولد عمك رايح يعشجلي بنت الهواري والاتنين التنيين كانوا خابرين وساكتين.
اندهش جاسر وسأله بتوجس
_ اوعى تكون بنت سالم الهواري؟
اجاب بحدة
_ هي بعينها لا وكمان رايح يخطفها بالعربية، وأول ما شفوه معها طلعوا عليه وضربوه
قطب جبينه بغضب وتحدث بانفعال
_ كيف ده؟ وازاي يمدوا ايدهم على فرد من أولاد عمران المنياوي؟ اني لازمن أرد عليهم
رغم تأييده لما يقول لكنه قال بامتعاض
_ بس الغلط علينا احنا واللي هيسمع اللي حصل هيقف معاهم
تحدث جاسر باستياء
_ يعني ايه هنعدي اللي حصل اكدة ونضيع هيبتنا في البلد.
قبل أن يرد عليه سمع صوت الباب الذي يطرق بحدة
همّ جاسر بالذهاب لفتح الباب لولا أن منعه جمال
_ استنى عندك ده أكيد سالم مينفعش يشوفك أكدة، اطلع انت فوج
هم بالمعارضة لكنه منعه بحزم
_ ولا كلمة زيادة اطلع زي مـ جلتلك.
خرج جاسر على مضد ليجد وسيلة تقف اسفل الدرج بجوار سارة التي انتابها القلق وهى لا تعرف شيئًا مما يدور، أسرعت إليه وسيلة ما انت رأتهم يخرجوا من المكتب وسألتهم بقلق
_ هتعمل ايه
تحدث جمال بأمر
_ اطلعوا كلكم فوج واني وأبوي اللي هنرد عليهم
صعدوا جميعًا وقام جمال بفتح الباب ليجد سالم ومهران يقفوا على أعتاب منزله والغضب ظاهرًا عليهم
❈-❈-❈
في غرفة ليلى
خرج عصام من الغرفة ليجد صابر واقفًا أمام الغرفة بقلق، وعند رؤيته سأله
_ خير ياعصام البنت مالها؟
طمئنته عصام
_ مفيش حاجة هى الحمد لله كويسة بس ده لأنها ارهقت نفسها الفترة اللي فاتت انا علقتلها محاليل ولما تفوق هتكون كويسة
شعر صابر بأن الحمل أثقل كاهله فقال بألم
_ طيب وأمجد انا خايف أوي.
ربت على كتفه وقال بثقة
_ ابنك الحمد لله بقى كويس والغيبوبة دي شئ طبيعي العملية مكنتش سهلة والحمد لله القلب بيقوم بدوره كويس
أومأ له بتفاهم ثم عاد إلى مقعده أمام غرفة ابنه.
أستيقظت ليلى وهى ترفع عينيها بتثاقل، وتشعر بدوار شديد جعلها لا تستطيع النهوض لكن صوتٍ منعها بالإنجليزية
_ إبقى مكانك كي لا تؤذني نفسك
نظرت إليها بوهن لتجدها إحدى الممرضات وقد أبدلت لها المحاليل
لم تستطيع صياغة الكلمات كي تسألها عنه فالتزمت الصمت حتى تسترد وعيها أكثر من ذلك
ولوهلة شعرت بوحدة قاتلة وشعرت بأن ليس لها مكان بدونه
انتظرت بصعوبة حتى انتهى المحلول وقامت هى برفعه من يدها ونهضت من السرير رغم الدوار الذي يكتنفها
خرجت من الغرفة لتتفاجئ بالممرضة تمنعها
_ إلى أين؟ لا يجوز لكِ ترك السرير وانتِ بـ هذه الحالة.
ابتسمت ليلى بمجاملة
_ لا تقلقِ فـ أنا بخير وأريد الاطمئنان على السيد أمجد.
أومأت لها الممرضة وتركتها تمضي
فسارت وهي تشعر بفراغ كبير بداخلها من تلك الفترة التي بعدها عنه وعليها أن تملئه بالنظر إليه
دلفت الغرفة لتجده كما تركته بدون حراك
وقفت تنظر إليه بألم وهي تراه يسارع الموت الذي يسعى لأخذه منها
كانت الأجهزة تحاوطه من كل جانب ويبدو أنها لا تبشر بخير مطلقًا رغم ان الجميع بشرها بسلامته، لكن خوفها من الفقد يتلاعب بقلبها.
تساقطت دموعها وهي تتقدم منه تراقب مؤشراته التي تعلو وتهبط برتابة
جعلت قلبها هى ينتفض خوفًا
ماذا إن استسلام وتركها، ماذا سيكون مصيرها؟
فليس لها حياة بدونه
هو حبيبها الذي أسر قلبها منذ أن وقعت عيناها عليه ولن ترضى بغيره بديلًا
عليه أن يقاوم لأجلها، هو مجبر على ذلك، هو من اوقعها بعشقة وملزم ان يعود إليها
اقتربت منه لتقول بقلب ملتاع
_ لازم تقوم عشان توعدني إنك عمرك مـ هتسبني
انت مجبر انك تفضل معايا متتخلاش عني..
قاطع حديثها تلك التي اقتحمت الغرفة وتلاها دخول صابر الذي تحدث برفض لما يحدث
_ يا بنتي مينفعش كده الدكاترة مانعين اى حد يدخله
أجابت بـ النفي
_ أنا مش أى حد أنا خطيبته وهو اكيد محتاجني معاه
الجمتها الصدمة وجعلتها غير مدركة لما يحدث حولها
تناست تمامًا يدها التي مازالت تمسك يده بإحكام مما جعل تلك الفتاة تنظر إليها باستنكار وسألتها
_ انتي مين؟
نظرت إلى صابر الذي لم ينفي ما قالته ثم تطلعت إليها بصدمة وكأنها داخل كابوس مزعج وعليها الاستيقاظ منه.
رواية ومجبل علي الصعيد الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم رانيا الخولي
دلفوا غرفة المكتب ليشير لهم جمال بالجلوس لكن سالم رفض وتحدث بحدة:
_ إحنا مش چايين نضاف، أني چاي أحكمك وأحكم الحاج عمران اللي عايشين مع بعض بجالنا سنين ومحدش منينا اتخطى العيبة عشان ييجي في الآخر شوية عيال يتعدوا الأصول ويوجعوا بينتنا.
دلف عمران غرفة المكتب بعد أن علم كل شيء من جاسر الذي أبى الاختباء وأصر على الدخول معه:
_ السلام عليكم.
رد الجميع السلام ثم وقف عمران بشموخ أمام سالم وقال:
_ بعتو خير ياسالم.
تقدم منه سالم وهو يقول باحتدام:
_ وهيا تيجي منين الخير بعد اللي ولد منصور عمله ده، دي عاملة واعرة جوي وتطير فيها رجاب.
انفعل عمران وتحدث بقوة:
_ تقصد إيه بحديثك ده؟
أجاب بتحذير:
_ يعني المرة دي كانت جرصة ودن، المرة الجاية هيكون فيها دم.
ضرب عمران عصاه الأرض وتحدث بغضب:
_ لا عاش ولا كان اللي يمد يده على حد من ولادي وأني لسه عايش على وش الدنيا، ويا ريت متركبش نفسك الغلط عشان إني كمان ردي هيكون جاسي.
_ يعني إيه هتسيبوا ولدكم يخطف في بنات الناس ومطلوب منه يسكتوا.
_ أني كمان ردي هيكون أجسى منكم ولو عايزها حرب وتار معنديش أيتها مانع.
تقدم منه أكثر ليتابع بحزم:
_ بس هتكون حرب واعرة جوي.
نظر إلى جاسر وتابع:
_ وإن كان خرج مرة سليم المرة الجاية الله أعلم هيخرج منها ولا لأ.
همّ جاسر بالتحدث لكن عمران منعه:
_ أعلى ما في خيلك أركبه، وبالنسبة لضربك ليه دي ردها هيكون جاسي بردك، ولدي غلط ومنكرش وهيتحاسب عليها بس إن رجالتك يتطولوا عليه أكده دي اللي مستحيل أتساهل فيها.
نظرات التحدي احتدت بينهما مما جعل سالم يهدأ قليلاً لأنه يعلم جيدًا محبة أهل القرية لعمران وأولاده، كما يعلم أيضًا مدى بغضهم له ولحفيده.
الأفضل له الانسحاب حاليًا كي لا يخوض حربًا هو الخاسر الوحيد فيها.
نظر إلى مهران:
_ يلا يامهران.
خرجوا من المكان بغضب شديد ثم نظر عمران لجمال وتحدث بأمر:
_ كلم لي منصور.
_ هنجلجه ليه بس ياحاج أ….
قاطعه عمران باحتدام:
_ لازم يدير باله عليه، سالم غدار والجتل سهل عنده.
نظر إلى جاسر وتابع:
_ وانت مفيش سفر تاني لأي سبب من الأسباب.
حاول الاعتراض لكنه منعه بحدة:
_ ولا كلمة زيادة والحمد لله أنها چات على جد أكده.
كانت سارة تستمع لحديثهم بقلب ملتاع على أخيها وكذلك زوجها الذي أصبح مهددًا أيضًا.
***
في أثناء ذلك، مشت ليلى بعينيها مرات متتالية كي تستوعب ما يحدث:
_ انتي دكتورة؟! أنا أول مرة أشوفك هنا.
قالتها تلك الفتاة وعينيها تتطلع إليها بقوة.
رد صابر بهدوء:
_ دي دكتورة ليلى اللي متابعة حالة أمجد من البداية.
ازدردت ليلى ريقها وهي تهز رأسها بنفي لما يحدث، وخاصةً عندما تابعت باستنكار وهي تنظر إلى يده التي تتملكها ليلى:
_ بس شكلها واخدة عليه أوي.
جذبت ليلى يدها التي مازالت ممسكة بيده دون أن تدري وأجابت بتلعثم:
_ لأ أنا…
أنقذها صابر قائلًا:
_ مش وقته الكلام ده ويلا دلوقت لأن لو الدكتور دخل وشاف المنظر ده هيطردنا كلنا بره.
نظرت لها الفتاة بازدراء وخرجت من الغرفة تلاها صابر الذي نظر إليها بتعاطف دون أن يقول شيء.
عادت تتطلع إليه بحيرة وتساءلت: هل كان يخدعها كل تلك الفترة؟ هل كان يوهمها بالحب وهو مرتبط بغيرها، ألهذا السبب لم يعدها بالزواج متحججًا بمرضه؟ أم كان حبًا وليد مرضٍ سيمحى بشفائه؟
عليها الانسحاب والاعتزاز بما تبقى لها من كرامة.
لن تخبر أحدًا وترى نظرات الشفقة في أعينهم كما رأتها منذ قليل في أعين والده الذي لم ينفي ما قالته تلك الفتاة.
لن تبقى هي أيضًا فقد انتهى دورها الآن ولم يعد هناك داعي لوجودها.
عليها الرحيل وتعود إلى بلدها كما جاءت، لكن مكسورة الفؤاد.
تطلعت إليه بنظرة وداع ثم خرجت من الغرفة ومن المشفى بأكملها وهي تدعي الصمود.
أوقفت سيارة أجرة وتوجهت بها إلى الفندق كي تأخذ أشياءها وقد حالفها الحظ بآخر طائرة متجهة إلى القاهرة.
أخذت أشياءها وذهبت إلى المطار بعد أن بعثت رسالة صوتية إلى الدكتور عصام تخبره فيها بضرورة عودتها إلى القاهرة.
جلست في مقعدها داخل الطائرة تنظر من نافذتها وقد انتهى ثباتها عند تلك اللحظة.
تساقطت العبرات من عينيها والحزن أفحم قلبها وهي تناجيه بألم:
(يا من هواه قلبي وعشقته روحي، كيف السبيل إلى لقياك؟ أراك تذكرني أم أصبحت عدم لا يخطر على ذكراك؟ يا من سكنت فؤادي وعشقته روحي، أتراني بحبك قد بليت؟ أعشقك داء أم دواء؟ قد كان حلمي القرب منك والعيش معك والآن أرى غيري في هذا المكان "رشا صابر").
أقلعت الطائرة لتعود إلى القاهرة، لكن دون قلبٍ ينبض، فقد خذلها كعادتها به منذ أن رآه وظل معه.
خائن قلبها كمن أحب.
***
انصدم الجميع برؤيتهم لمصطفى الذي دلف عليهم بصحبة حازم ومعتز.
لم يستطع جمال التحكم في أعصابه وهدر بهم:
_ أنت إيه اللي جابك دلوقت؟
رد مصطفى الذي أصر على تنفيذ ما انتواه وأجاب بهدوء:
_ كي عشان أتفاهم معاهم.
عقد جمال حاجبيه مندهشًا مما يقول وسأله بتعجب وهو يتقدم منه:
_ تقصد إيه مش فاهم؟
ازدرد ريقه بريبة من ملامح عمه التي أصبحت حادة يراها لأول مرة:
_ أنا هروح أطلبها منهم وأوافق على كل شروطهم، مستحيل أتخلى عنها بعد اللي حصل.
تطلع إليه مطولًا ثم أومأ جمال برأسه وأمسكه من تلابيبه وصاح به:
_ كأنك اتخبلت وعايز اللي يرجعك لعقلك ياولد منصور.
وقف جاسر حائلًا بينهما وتحدث برصانة:
_ اهدى يابوي الموضوع ما يتخدش أكده.
ثم نظر إلى مصطفى وتابع بحزم:
_ وانت يا مصطفى اهدى أكده واوعى لكلامك، الناس دي مبترحموش واللي بيجف في طريقهم بيخلصوا عليه، ولو حكمنا الخلق محدش هيجيب العيبة عندهم، لإن العيب ركبنا احنه.
رد مصطفى بإصرار:
_ بس أنا بحبها وعايزها ومش هسيبها بعد اللي حصل.
كانت سارة ترى ما يحدث وهي تتدارى في وسيلة التي شحب وجهها خوفًا مما هو آتٍ.
تضيق جمال عينيه متسائلًا:
_ يعني إيه؟
نظر إليه مصطفى بمهابة:
_ يعني زي ما قلت لك أنا هروح أطلبها منهم ولو زي ما بتقولوا مش عايزين خيرهم يخرج براهم أنا هخليها تتنازل عن كل حاجة وهاخدها ونسافر.
رفع جمال حاجبيه وهو يقول بثبات:
_ بالبساطة دي؟ بهيمة دي هتسحبها من الزريبة وتمشي؟
نظر لجاسر وتحدث بحزم:
_ خده من وشي الساعة دي.
حاول الاعتراض لكن جاسر أخذه عنوة وخرج به من المكان.
أما عن حازم ومعتز فقد وقفا بجوار جليلة كأنهم يتحاموا بها فأشار لهم بالتقدم منه لينظر كلاهما إلى جليلة التي هزت كتفيها بقلة حيلة.
ليقتربوا منه برهبة وقال حازم:
_ والله ما كنت أعرف حاجة من أكده لولا إني سمعتهم بالصدفة حتى أسأل معتز.
ارتبك معتز وقال ببريئة:
_ والله إني نبهته كتير بس هو اللي أصر عليها.
أومأ بصمت ثم سألهم بهدوء قاتل:
_ وليه مجلتوش من وجتها.
ازدرد حازم ريقه بصعوبة:
_ إني مكنتش أتخيل إنه يعمل أكده.
تذكر جمال أمر ليلى فتحولت نظراته إلى رعب وسألهم بارتياع:
_ أومال فين اختكم؟
نظر الاثنين لبعضهما البعض وقد توقفت قلوبهم عن النبض وقال حازم بمهابة:
_ ليلى في المستشفى مكنش ينفع تيجي معانا.
هدر بهم جمال:
_ أومال كان ينفع تسيبوها لحالها؟
لم يستطيع كلاهما النطق بشيء وازداد خوفهم عندما أخرج هاتفه من جيبه ليتصل عليها.
اطمئن عندما أجابته:
_ السلام عليكم.
اندهش حازم ونظر إلى معتز الذي ظهرت عليه الدهشة أيضًا، وخاصةً عندما تحدث جمال بقلق:
_ وعليكم السلام، انتي فين دلوقت ياليلى؟
كانت ليلى حينها تخرج من المطار واجابت:
_ أنا رايحة الشقة خير يابابا في إيه؟
لم يريد إرباكها فقال بثبات:
_ مفيش حاجة بس عايزك تركبي القطر دلوقت وتاجي.
كنت ليلى في أقصى تعبها لكنها لم تجادل فهي حقًا تشتاق إليهم وإلى بلدتها:
_ حاضر اللي تشوفه.
اندهش جمال من عدم معارضتها مثل كل مرة يطلب منها العودة.
لكن حقًا ليس وقته.
أما حازم ومعتز فقد تنفسوا الصعداء عندما علموا بعودتها.
***
في غرفة جاسر القديمة.
حاول جاسر إقناعه بالعدول عن تفكيره لكن هيهات، وكيف ذلك وقد احتل العشق قلبه ولن يستطيع أحد نزعه من داخله:
_ إني هسيبك تفكر زين وياريتك تحكم عقلك لإن الموضوع ده بالذات مينفعش معاه غيره.
خرج جاسر ليعلم ما توصلوا إليه وترك مصطفى الذي مازال على نفس إصراره.
لم يتخلى عنها وسيذهب إليهم مهما كلفه الأمر.
خرج من شرفة الغرفة وتوجه إلى الخارج منتويًا الذهاب إليها.
سيقف على أعتابهم ولن يرحل حتى يسمعونه.
وقف أمام ذلك المنزل الشاهق وبحرسه الذي يحيطه من كل جانب تقدم أحدهم منه وسأله بحدة:
_ أنت مين وجاي أهنه ليه؟
رد مصطفى بهدوء:
_ أنا مصطفي المنياوي وجاي أتكلم مع الحاج سالم.
تطلع إليه الرجل بشك ثم نظر إلى آخر بجواره وقال:
_ ادخل خبر مهران بيه….
قاطعه مصطفى بحدة:
_ أنا قلت عايز أقابل الحاج سالم مش مهران.
رن هاتف الرجل ليجيب ويستمع بصمت ثم أغلقه مرة أخرى.
نظر إلى الرجال وتحدث بأمر:
_ هاتوه على المخزن.
حاوطوه من كل جانب لكنه رفض الذهاب معهم:
_ أنا مش هتنقل من هنا إلا لما أقابل….
لم يكمل حديثه حتى شعر بضربة حادة على رأسه أفقدته الوعي.
***
في القطار.
أمسكت هاتفها تتلاعب به لا تريد التفكير بشيء، لكن كانت أناملها تأخذها إلى صورته.
كانت تتلمس الصورة بيدها وهي تشعر بحنين جارف إليه، لما جعلها تعشقه كل هذا العشق وهو ملكًا لغيرها!
لكن شيء بداخلها يخبرها بأنها أخطأت وكان عليها البقاء بجواره حتى يسترد وعيه والتأكد منه، لا أن تفضل الانسحاب دون أن تواجهه.
وشيءٍ آخر يخبرها بأنها من أخطأت من البداية عندما سلمت قلبها له وصارحته بذلك.
نظرت إلى تلك الصورة التي أخذتها له وهو نائم، قبل سفرها لحضور زفاف جاسر.
وصورة أخرى لهم معًا وهما يتناولان الطعام وقد أصر على التقاطها كي تكون ذكرى لها بعد وفاته.
وأخذ أخرى على هاتفه حتى ينظر إليها كلما اشتاقها.
همت بحذفها لكنها لم تستطع وقامت بإخفائها ثم أغلقت الهاتف ولم تنتبه لتلك الأعين التي تراقبها.
***
عاد جاسر إلى غرفته كي يأخذ بهاتفه وهم بالخروج لكنه وجدها تدلف الغرفة وهي تسأله بقلق:
_ فين مصطفى أنا دخلت الأوضة ملقتوش؟
طمئنها بهدوء:
_ تلجأ في الحمام ولا في الجنينة متقلجيش.
تخطاها كي يخرج من الغرفة لكنها أوقفته:
_ طيب استنى أغير لك على الجرح المفروض كنا غيرنا عليه الصبح.
حمحم بإحراج لأنه لم يعد يثق في مشاعره التي تتحرك بنظرة واحدة منها وبلمسة أخرى تجعل مشاعره تذوب بين يديها فتحدث برفض:
_ لا مش وقته.
لكنها منعته بإصرار:
_ مش هينفع لازم تغير عليه ولما ليلى توصل يبقى تشوفه بنفسها.
ذهبت للمرحاض كي تأتي بالحقيبة وخلع هو جلبابه تلاها منامته التي تذكر أنه لم يقم بتبديلها وارتدى جلبابه عليها.
خرجت سارة من المرحاض وقد اهتزت نظراتها عندما رأته بتلك الهيئة التي تخطف بصرها.
دنت منه وجلست بجواره على الفراش وقد حاولت بصعوبة لملمت شتاتها وهي تنزع الضمادة التي وضعتها عليه ليتصلب جسده بألم فقالت باعتذار:
_ معلش.
عادت حرب المشاعر مرة أخرى وشعرت بأنها أخطأت وكان عليها الانتظار حتى عودة ليلى.
لن تستطيع الصمود أمام تلك المشاعر التي لا ترحمها.
وكذلك حاله وهو يتنفس بصعوبة وعيناه لا تنزاح من عليها.
خصلاتها التي تتمرد دائمًا وتنزل كشلال أسود يعانق وجهها فيجسد لوحة لا تشوبها شائبة.
بها سحر آخذ يجذبه إليها بقوة لا يعرف ماهيته.
آآهٍ لو قابلها قبل ذلك الحادث لكان أسعد الناس بها، ولكان الآن يروي ظمأه من شهدها الذي أصبح كالخمر كلما ارتوى منه كلما رغب به أكثر وأكثر.
ورغم رغبته الشديدة بها إلا إن ما حدث سيظل عائقًا بينهما ولن يستطيع نسيانه.
انتهت سارة من وضع الضمادة ورفعت عيناها إليه لتجده ينظر وتلاقت النظرات التي تحدثت بما تشعر به قلوبهم.
قلوب لم تختبر الحب يومًا وعندما صادفهم شن حربًا ضارية حتى استطاع احتلاله ليفرض سيطرته على نبضه وسكناته.
رفع أنامله لشفتيها الرخوة التي أصبحت كالإدمان لا يستطيع مقاومتها.
أما هي ورغم رغبتها الشديدة في تركه يفعل ما يشاء إلا إنها وضعت يدها على صدره تبعدها عنها بخجل ونهضت من أمامه.
نظر إليها وهي تولج المرحاض لتختفي بداخله وهو مندهش من تصرفها، فهو يعلم جيدًا بأن قلبها يطالب به مثله.
فقام بارتداء جلبابه وخرج من الغرفة مسرعًا كي لا يضعف أكثر من ذلك.
***
انتبهت ليلى على تلك العيون التي تراقبها منذ أن صعدت القطار حتى تلك اللحظة.
نظرت إليه بشك لتجده ينظر إليها بابتسامة.
أشاحت بوجهها بعيدًا عنه ثم نظرت من النافذة لتعود إلى شرودها ولصدمتها التي مزقت قلبها.
لكنها لم تسلم منه عندما نهض من مقعده ودنى منها قائلًا:
_ السلام عليكم.
لم تلتفت له أو تجيبه لكنه أصر على التعرف عليها.
فقال وهو يجلس على المقعد المقابل لها:
_ انتي من الصعيد ولا رايحة زيارة ولا حتى عمل زي حلاتي؟
ظلت على وضعها لا تريد التحدث بشيء فيكفي ما هي به.
أما هو فكان يريد معرفة أي شيء عنها ويدعو بداخله ألا تكون من أهل الصعيد.
وظل يراقبها لا يستطيع إبعاد عينيه عنها.
***
_ أنت بتقول إيه يامخبول أنت؟ كيف يعني نقتلوا ونعادي عمران وولده واحنا داخلين على انتخابات مجلس.
قالها سالم بغضب لمهران الذي أصر على قتل مصطفى.
فرد بانفعال:
_ يعني عايزني أقف أتفرج عليه وهو بيلف حواليها كيف الحية.
تقدم منه سالم وقال بفتور:
_ لا مش أكده، بس في طريق تانية غير القتل.
قطب جبينه وتحدث بنفور:
_ إيه هي؟
تحرك سالم في الغرفة واجاب بعد تفكير:
_ دلوقت هتلاقي جمال جاي وجايب معاه رجالة العيلة كلها، طبعًا جايين ياخدوا ولدهم.
_ ومؤكد لما يعرفوا اللي حصل هيغلطوهم، صحيح بردك هيقفوا في صف ولاد عمران بس لما يكررها تاني ونجتله محدش منهم هيقدر يقف جصادنا.
ضيق مهران عينيه وهو يتحدث بعدم فهم:
_ بس إحنا كده بنشوشر على سمعتنا.
_ ومين جالك إنهم هيعرفوا؟ كل اللي هنقوله إنه غريب وجاي يتقدم لحفيدتي ولما قولنا له إنها مخطوبة لابن عمها مسكتش بردك وجاي يتهجم علينا في بيتنا.
_ ولو عجله وازة وكررها تاني يبقى هو الجاني على روحه واحنا كده عدانا العيب.
ابتسم مهران بشر وقال:
_ تسلم دماغك دي ياجدي.
***
ظل جاسر يبحث عنه في كل مكان لكن لا أثر له.
راوده الشك في ذهابه إليهم وقرر التأكد قبل اتخاذ أي خطوة.
رن على هاتفه لكنه لم يجيب.
ذهب إلى والده يسأله بتردد:
_ أنت شوفت مصطفى؟
عقد جمال حاجبيه متسائلًا:
_ مش كان معاك؟
ارتبك جاسر ورد بقلق:
_ إني سيبته وطلعت أجيب تلفوني نزلت ملجتوش.
راوده القلق عليه وسأله بتوجس:
_ متصلتش عليه ليه؟
_ اتصلت بس مردش عليا.
أصبح الشك يقين وأسرع بالاتصال به من هاتفه هو ليأتيه الرد بعد محاولات عديدة:
_ أهلًا ياأبو جاسر كيف.
انقبض قلب جمال عندما أجابه سالم وقال بتحذير:
_ الولد إن يد كلب من كلابك اتمدت عليه يبقى انت اللي أعلنت حرب مش أنت جدها.
صدعت ضحكة عالية من الهاتف وتحدث بعدها:
_ يظهر إنك أنت اللي نسيت إني مين وأقدر أعمل إيه، ابن أخوك جاي يتهجم عليا في بيتي ولو قتلته دلوقتي محدش هيلوم عليا، مرة حاول يخطف حفيدتي وفي شهود على كده والمرة التانية بيتهجم على حرمة بيتي.
هدر به جمال:
_ مهما حصل منه هو ليه أهل يترد عليهم لكن اللي بتعمله ده هيفتح عليك نار جهنم.
_ نار جهنم ابن أخوك اللي فتحها على نفسه، مش إحنا اللي فتحناها عليه ومتزعلش من اللي هيحصل.
أغلق جمال الهاتف وهمّ بإطاحته لكنه تراجع وقال بغضب لجاسر:
_ جمع لي رجالة العيلة كلهم وخليهم يحصلوني على بيت الهواري.
نظر إلى توأمه:
_ وانتوا تعالوا معاي.
***
هز رأسه يحاول التخلص من ذلك الألم الذي يؤلم ذراعه وكذلك رأسه الذي يكاد يفتك به وتلفت حوله ليجد نفسه محاط بالكثير من الرجال المحملين بالسلاح.
حاول التحرر من قيوده لكنه لم يستطيع فصاح بهم:
_ إنتوا ربطني كده ليه فكوني.
قال أحدهم:
_ مجتلناش أوامر بكده.
كز على أسنانه بغضب وصاح به:
_ قول للجبان ده ييجي يواجهني راجل لراجل وبلاش يتحامى في الكلاب بتوعه.
_ ومين جالك إني بتحامى في رجالتك.
كان هذا صوت مهران الذي دلف المكان وهو ينظر إلى مصطفى بحقد وتابع:
_ جاي ليه ياولد المنياوي؟
نظر إليه بغضب وتحدث بانفعال:
_ فكني عشان نعرف نتكلم راجل لراجل.
ابتسم مهران بسخرية وتقدم منه لينظر إليه بتشفي وقال:
_ للأسف أنت لعبت مع الناس الغلط، جاي وطمعان في ملكنا زي ما أبوك عملها زمان مع أهله وهمل البلد وسافر وسابهم ينحتوا في الصخر وهو عايش حياته ولا همه، ودلوقت جاي أنت تعملهم علينا بس أحب أقولك كان غيرك أشطر، إحنا ولاد الهواري اللي يجف في وشهم يمحوه من الدنيا كلها.
ازداد حنقه منه وقال بغضب هادر:
_ أنا مش جاي طمعان فيكم ولا يهمني كنوز الدنيا كلها أنا كل اللي بطلبه منكم إني أتجوزها وهنسيب البلد ونسافر وهخليها تتنازل عن كل حاجة.
ضحكة عالية صدحت في المكان بأكمله عندما استمع لكلمته الأخيرة مما جعله يتحدث بصعوبة:
_ تصدق ضحكتني، تتجوزها وكمان تهملوا البلد وتسافروا.
وتحولت نظراته لشر مطلق وهي يقول بتوعد:
_ اللي يجرب من حاجة تخص مهران الهواري ينجطع نسله من على وش الدنيا، ودي بالذات….
دنى منه أكثر ونظر إلى عيني مصطفى التي تجابهه بتحدي ظاهر جعل غضبه يزداد وتابع:
_ خط أحمر اللي يجرب مني يبقى هو الجاني على روحه.
_ إني هعدي اللي حصل وأقول عيل طايش ومعرفش حاجة وهعديها المرة دي بس بعد أكده السلاح هو اللي هيرد عليك.
رواية ومجبل علي الصعيد الفصل الثلاثون 30 - بقلم رانيا الخولي
وقف عمران بأحفاده وباقي العائلة أمام منزل سالم الذي أمر رجاله بفتح بوابة القصر على مصراعيه لاستقبالهم.
دلف الجميع بهيبة وشموخ، ووقف سالم يستقبلهم أمام البوابة الداخلية وهو يقول:
"أهلًا ياحاچ عمران، نورت بيتيا."
اقترب عمران منه وهو يتسند على عصاه وقال بثبوت:
"فينه حفيدي؟"
ترجل سالم الدرج ليدنو منه أكثر وتحدث بإباء:
"موچود، بس اني راضي ذمتك وعارف إنك بتجول الحج، ولو على رجبتك، ينفع اللي عمله حفيدك ده؟"
رد عمران باحتدام:
"حفيدي مـ عاش في الصعيد ولا يعرف عادته، غلط وخابرين زين، بس إنك تبعتله رچالتك يضربوه، وحتى لما يخبط على بابكم تكرروها، دي غلطة كبيرة جوي."
نظر سالم لرجال عمران وقال بتسويف:
"واني چيتلكم وجلتلكم أمنعوا ولدكم، لجيته بردك چاي يتهچم عليا في بيتي، عايزني اعمل ايه ياحاچ؟"
"وبعدين اني مبعتش رچال يضربوه، مهران هو اللي عمل إكدة، يعني شغل عيال، بلاش نجعوا احنا فيهم."
"مهران دي بنت عمه وخطيبته ولقى حد بيتعرض ليها، فطبيعي رد يكون عنيف شويتين."
يعلم عمران جيدًا بأنه محق في كل كلمة نطق بها، وأن حفيده هو من أخطأ من البداية، لكنه تحدث بحدة:
"ولدي كان چاي يتفاهم معاكم، مكنش چاي يتهچم زي مـ بتجولوا، ومهما كان ده ضيف وجف على بابكم والضيف مهما كان ليه واچبه، وإن معچبكش كلامه يبجى اخد واچبه ويتفضل مع السلامة، لكن انت سمحت لرچالتك يمدوا يدهم عليه للمرة التانية، فلو سامحنا في الأولى مش هنسامح في التانية."
"لا ياجدي مفيش داعي لكل ده."
كان هذا صوت مصطفى الذي خرج من البوابة الجانبية، فأسرع إليه حازم ومعتز يتأكدوا من صحته.
دنى منهم ليسالوه بلهفة:
"انت زين؟ حد منهم مد يده عليك؟"
هز رأسه بالنفي وقال بهدوء:
"لا انا كويس متقلقوش."
وقف أمام جده وأكمل:
"جدي انا مش عايز اكبر الموضوع ولا اعمل عداء بين عيلتين."
تحدث عمران باستنكار:
"بس دول مدوا يدهم عليك."
نظر إلى مهران ثم تطلع إلى جده وقال:
"لا محدش منهم مد ايده عليا، انا جاي اقول كلمتين ليهم وهنمشي على طول."
تقدم من سالم وقال بهدوء:
"انا جاي اطلب منك ايد حفيدتك، وانا تحت امرك في اللي تطلبه."
تطلع سالم إلى الرجال من حولهم وقال بمكر:
"هو ينفع بردك إن واحد غريب ياچي يطلب بنت من ولد عمها وخطيبها؟"
أجاب أحد الرجال:
"اديك جولتها غريب وميعرفش انها مخطوبة، وده طلب يا توافج يا ترفض."
وقال الآخر:
"صُح كلامك، واليد اللي تتمد على ولد كبيرنا لازمن تنجطع."
تحدث جمال برزانه:
"يعني طلبنا مرفوض؟"
أومأ سالم بجمود:
"بالظبط اكدة، اني معنديش بنات للچواز."
أومأ جمال برأسه ثم نظر إلى مصطفى وقال بأمر:
"يلا."
"هندمهم مصطفى بالمعارضة لكنه منعه بحزم."
"جلت يلا."
كل ذلك يحدث وهى تراقبهم من الأعلى.
كانت عينيها قد تورمت من شدة البكاء، وقلبها يدق بعنف خوفًا مما هو آتي.
ظلت تتطلع إليهم وهم ينسحبون بهدوء وصعدوا سياراتهم وانطلقوا بها.
سقطت على الأرضية مستنده بظهرها على الحائط تبكي بقهر.
فقد ضاع كل شئٍ بين ليلةٍ وضحاها.
حبها الذي طرق قلبها دون استأذان، ومستقلبها الذي تمسكت به بكل مـ أتيت من قوة حتى رضخوا لها.
والآن أصبحت حبيسة تلك الجدران التي تضيق عليها حد الاختناق.
❈-❈-❈
كانت سارة تزرع الغرفة ذهابًا وإيابًا من شدة قلقها.
أما وسيلة فكانت تقف في الشرفة تنتظر عودتهم على جمر ملتهب.
هي تعرف زوجها جيدًا، رغم طيبته، لكن عندما يغضب يتحول لآخر أكثر شراسة.
لكن الشئ الوحيد الذي يطمئنها هو وجود والده معه، لن يستطيع التفوه بحرف في وجود والده.
لكن هي تعلم جيدًا بأنه لن يصمد إن اشتد الجدال معهم، وتلك العائلة لا تهاب أحد.
أما جليلة فقد كانت تضع يدها على قلبها خوفًا على زوجها واولادها.
تعلم سالم جيدًا وانه لن يستطيع فعل شئ في وجود عمران.
لكن هي الوحيدة التي تعلم ضغائنه من زوجه.
لم يخرج عشقها من قلبه رغم مرور كل تلك الأعوام، ورأت ذلك في عينية حينما صادفته وهو يخرج من منزلهم.
ذكرت محاولته التخلص من عمران حتى ذهبت إليه تناشده أن يتركه دون المساس به.
تتذكر نظراته التي كانت تنظر إليها بعشق يناجي قلبٍ لا يبالي به، لأنه ملئ بعشق روحٍ لا ترى غيرها.
حاول كثيرًا أن يجتث ذلك الحب من قلبيهما لكنه لم يستطيع.
عرض عليها أن يضع كل ما يملك بين يديها لكنها أبت ذلك وترجته أن يتركهم هانئين بحبهم.
استسلم في النهاية وتركها ترحل.
لكن لم يرحل حبه لها من قلبه.
وظلت تدعوا أن يعودوا إليها سالمين.
توقفت السيارات أمام المنزل وترجل منها الجميع، مما جعلهم يتنهدون براحة.
دلف عمران وخلفه اولاده، وقد ظهر الغضب واضحًا عليه.
دلف مكتبه بعد أن سمح لجمال ومصطفى فقط بالولوج، مما جعل قلب جليلة ينقبض بخوف.
تقدمت من جاسر تسأله بقلق:
"عملتوا ايه؟"
جلس جاسر على المقعد بتعب ورد باقتضاب:
"متجلجييش، احنا حلينا الموضوع وإن شاء الله خير."
نظر إلى اخويه وقال:
"روحوا انتو استنوا ليلى جدام محطة الجطر، زمانها على وصول."
أومأ كلاهما وذهبوا دون النطق بشئ، ثم نظر إلى سارة التي ترمقه بقلق بالغ لا يعرف ماهيته.
في الداخل.
أغلق مصطفى الباب خلفه ليواجه عين جده وعمه التى تنظره بغض جحيمي لن يسلم منه.
فكان جمال اول المتحدث إذ سأله بهدوء قاتل:
"عاچبك اللي حُصل ده؟"
ارتبك مصطفى وتحدث بتلعثم:
"انا معملتش حاجة غلط، انا حبيتها وكنت عايز اتقدم مش اكتر."
تقدم منه جمال وعينيه كجذوتين نار وقد انتهى ثباته عند تلك اللحظة، مما جعل مصطفى يرتد للخلف عندما هدر به:
"بعد اللي عملته ده وبردك مبتعترفش بغلطك."
اجاب بتسويف:
"والله ياعمي انا كنت رايح اتفاهم معاهم…."
قاطعه جمال بان جذبه من تلابيبه وصاح به:
"إلا الناس دي، جلتلك الناس دي مـ بترحمش ومسمعتش كلامي، ودلوجت بعد مـ شهدوا الناس علينا، لو كررتها مرة تانية هيجتلوك ومحدش هيجدر يغلطهم حتى."
تحدث مصطفى بألم:
"بس انا بحبها."
"ملجتش غير دي وتحبها!"
اقترب منهم عمران كي يجذبه من بين يديه وقال:
"أهدى ياچمال خلينا نتكلموا بالعجل."
صاح جمال:
"هو خلى فيها عجل، خلصت البنات جدامه ملقاش غيرها؟!"
نظر عمران إلى مصطفى وقال بحزم:
"الحديت اللي هجوله ده مش هكرره تاني."
"البنت دي تشيلها من دماغك نهائي، وأي غلطة هتعملها تاني حسابك هيكون معاي، أبوك ميعرفش حاجة عن اللي حُصل، بس لو اتهورة مرة تانية هخليه ياخدك من أهنه ويحبسك كيف الحريم في البيت لحد ما ترچع لعجلك، فاهم ولا لأ؟"
لم يجيبه مصطفى مما جعل عمران يشتد غضبه:
"رد عليا، فاهم ولا لأ؟"
أومأ مصطفى كي يهدئه وتحدث باقتضاب:
"فاهم."
رغم الشك الذي اعتمر قلبه إلا إنه لن يستطيع فعل شئ.
"اطلع اوضتك دلوجت والصباح رباح."
خرج مصطفى من المكتب متجهًا إلى غرفته ولم يستمع لنداء أحد، حتى وصل إليها واغلق الباب خلفه بحدة.
اقترب القطار من البلدة وليلى تائه في أحزانها.
تناجي شوقها الذي لا يرحمها ولا يرأف بها.
ماذا ستفعل الآن؟
لن تستطيع العودة إلى القاهرة بعد ما حدث، لن تبقى في مكان يذكرها به.
لكن كيف ذلك، وكل شئٍ حولها يذكرها به، حتى منزلها.
آهٍ من روحٍ أضناها الهوا…
ويُسألونني عنك فماذا أقول…
هو نور عيني وفرحة عمري وعشق روحي، هو حلمي الجميل الذي لم يكن لي في واقعه نصيب…
ويُسألونني عنك فأقول…
هو عشق قلبي وروح فؤادي، هو فرحي الذي زراني في العمر مرة ولم يعد.
هو ساكن روحي وأسير نبضي، هو أجمل من رأت عيني، هو أطيب روح سارت في جسدي ومرت في حياتي، هو مجري دمي، هو نبض قلبي ووتين فؤادي، هو إشراقة أيامي…
ولمعة عيني، هو الغائب الحاضر، هو مصدر إلهامي…
هو عمري وسكوني وشغفي الدائم وجنون روحي، هو حلمي الدائم، هو دعوة قلبي للربِ، هو ما يتمناه القلب وتعشقه الروح، هو فرحي وحزني ودمعي وضحكاتي…
هو أقرب من أنفاسي وأغلى من روحي، هو حلمي الجميل وحبي الضائع، فهل سيذكرني ويذكر أيامي…
لكن ما سيبرد قلبي أن أراه سعيدًا حتى لو كان مع غيري ( رشا صابر ).
توقف القطار لتترجل هي بخطوات ضائعة.
وشرود جعلها غير واعية لما يحدث.
أما ذلك الشاب فقد كان ينظر إليها مندهشًا من حالتها.
فقد تعدت الساعة الواحدة صباحًا وهي تخرج من محطة القطار وحيدة، مما جعله ينتهز الفرصة ويتقدم منها يسألها:
"ياآنسة انتي هتمشي لوحدك كدة في وقت زي دها؟"
أخرجها صوته من شرودها مما جعلها تتأفف بضيق وقالت باقتضاب:
"ميخصكش."
رغم أسلوبها اللاذع إلا إنه لم يستطيع تركها ترج وحيدة:
"طيب اسمحيلي اوصلك حتى."
لم تعد تتحمل تطفله أكثر من ذلك واستدارت إليه لتوبخه قائلة:
"يخصك في ايه انت، مليكش صالح."
رفع حاجبيه بصدمة وردد حديثها:
"مليكش صالح! انتي من الصعيد؟"
ازداد حنقها منه وفضلت تركه أفضل من ذلك.
خرجت من محطة القطار لتجد اخويها في انتظارها.
أسرعت بالذهاب إليهم لتنقبض قلوبهم ما إن رؤها بتلك الحالة.
سألها معتز بلهفة:
"مالك ياليلى في ايه؟"
أشارت لهم بالصمت وقالت باقتضاب:
"تعبانه بس مفيش حاجة."
لم يريد أحد الضغط عليها وتركوها تدلف للسيارة خوفًا من إجابة سؤالهم.
أما ذلك الشخص فظل ينظر إلى السيارة وهى تبتعد حتى اختفت من امامه.
❈-❈-❈
خرج عمران من المكتب ليجدهم جالسين في الردهة فتحدث بأمر:
"والد ده ميخرجش من برة البيت لأي سبب من الأسباب لحد الأمور مـ تهدى ويرچع تاني للقاهرة."
ثم تطلع إلى جاسر وتابع بامتعاض:
"وانت مفيش سفر تاني بالعربية تحت أى ظرف، فاهم ولا لا؟"
أومأ جاسر باقتضاب:
"فاهم."
وجه نظره لجمال:
"وانت تقنع ليلى أنها تنجل في المستشفى اللي أهنه، بعد اللي حصل ده مش هجدر أغمض عينيه وهي بعيدة عنينا."
أيدت وسيلة رأيه:
"صُح حديتك ياعمي."
قال لجاسر:
"خد مرتك واطلعوا اوضتكم."
دلفت ليلى المنزل لتجد الجميع مجتمع في الردهة ويبدوا عليهم الانزعاج.
تقدمت منهم:
"السلام عليكم."
رد الجميع السلام، فتقدمت منها وسيلة تحتضنها بلهفة عندما لاحظت شحوبها وقالت بقلق:
"كيفيك يابنتي."
ابتسمت ليلى كي تطمئنها:
"الحمد لله بخير."
نظرت إلى الجميع وقالت:
"معلش انا تعبانه من السفر وعايزة ارتاح."
صعدت الدرج وصعدت سارة معها كي تطمئن عليها.
وفور دخولهم.
جلست ليلى على الفراش وقد انتهى ثباتها واجهشت في البكاء.
اغلقت سارة الباب خلفها وجلست بجوارها تسألها بقلق:
"مالك ياليلى ايه اللي حصل؟"
لم تجيبها وهى تخفي وجهها بين يديها ويزداد نحيبها.
جذبتها سارة إلى احضانها تربت على كتفها وهى تهون عليها قائلة:
"اهدي ياليلى، كل حاجة هتتحل بس أهدي."
ابتعدت ليلى عنها قليلًا كي تنظر إليها وقالت من بين شهقاتها:
"كان بيغشني وبيوهمني بالحب وهو مرتبط بواحدة تانيه."
لم تفهم سارة شيئًا منها وتحدثت بتعاطف:
"طيب بطلي عياط وفهميني ايه اللي حصل."
قصت عليها كل شئ حتى خروجها من المشفى وساد الصمت قليلًا وسارة تحاول البحث عن كلمات تخفف بها نارها حتى استطاعت القول أخيرًا:
"كان لازم تصبري ياليلى لما يفوق وبعدين تواجهيه، مكنش ينفع تمشي كدة على طول."
نظرت لها بعدم استيعاب:
"عايزاني اعمل أيه؟ اقل من كرامتي اكتر من كدة واقوله انت كنت بتخدعني ولا لأ؟"
أكدت حديثها:
"ايوة كان لازم تعملي كدة، انما هروبك من غير مواجهة هيحسسه انك اتخليتي عنه، انا بأكدلك انه فعلًا بيحبك وأكيد ده سوء تفاهم."
عقدت حاجبيها بدهشة:
"سوء تفاهم ازاي ووالده مـ انكرش كلامها، وبعدين انتي لو شفتي الثقة اللي بتتكلم بيها مكنتيش هتقولي كدة، وبعدين اواجهين مين وهو لسة في غيبوبة من آثر العملية، وادامه ولا شهرين عشان يقدر يتكلم ويتناقش."
"هو مش خلاص عمل العملية؟"
"اه عملها بس الموضوع مش بالسهولة دي، أمجد ادامه من ست شهور لسنة عشان يقدر يمارس حياته طبيعي."
"خلاص كنتي تسألي والده يمكن هو مقدرش يكدبها عشان ميحرجهاش."
هزت رأسها برفض:
"مينفعش ياسارة، لازم اخرج بكرامتي، كفاية لحد كدة."
ربتت على يدها:
"خلاص أهدي ومتزعلش نفسك وهو لو فعلًا بيحبك هيعمل المستحيل عشان يوصلك."
أومأت بصمت ثم قالت برجاء:
"بلاش تعرفي جاسر حاجة من اللي حصل."
تقطبت جبينها بعدم فهم:
"انا مستغرفة اصلًا إن جاسر سابك تسافري، انتي عرفاه متعصب وبيغير أوي على أهل بيته."
ابتسمت بحزن:
"انتي لو شوفتيه وهو جايلي المطار كان هاين عليه يضربني بالنار ويخلص مني، بس لما اترجيته وقلتله انت مجرب الحب وعارف ناره، بعدها سمحلي اني أسافر."
انقبض قلب سارة خوفًا من أن يكون جاسر عاشقًا لأخرى، لكنها لم تستطيع التفوه بحرف والتزمت الصمت.
❈-❈-❈
عادت سارة إلى الغرفة لتجد جاسر مستلقيًا على الارضية واضعًا ذراعه على وجهه ويبدو عليه التعب.
فقد كان يومًا شاقًا على الجميع وهو لم يسترد عافيته بعد.
تقدمت منه بتردد لتقول بوجل:
"بلاش تنام على الأرض انت لسه تعبان ومينفعش، خليك انت على السرير وانا هنام في الأرض."
تحدث جاسر باقتضاب:
"اني مرتاح إكدة، نامي انتي."
لم تريد الضغط عليه وتركته لتدلف المرحاض بعد أن اخذت ملابس لها من الخزانة وأغلقت الباب خلفها.
نهض جاسر من مرقده وقد شعر حقًا بالألم يجتاح جسده من تلك النومة.
لم يعد يتحمل الاستلقاء على تلك الأرضية الصلبة.
نظر إلى الفراش وتذكر الليلة التي قضاها بجوارها وكم نعم تلك الليلة بنومًا هنيئًا لم ينعم بمثله من قبل.
لكن ماذا يفعل في مشاعره التي لا ترحمه وتطالبه بالتشبع من رحيقها.
فـ بنظرة واحدة منها تجعله يرضخ لذلك العشق الذي حرمه على نفسه وعلى قلبه ليجابهه بضراوة كي لا يضعف أمامها.
كلما قرر أن ينحي الماضي ويبدأ حياة جديدة معها يجد ظلام الماضي يسدل ستائرة السوداء أمامه فيرتد تلك الخطوة التي أقدم بها إليها.
خرجت من المرحاض وهي ترتدي منامة من قطعتين وبدون أكمام لتخطف أنفاسه بعفويتها.
هل تختبر صبره؟!
أم تزيد من عذابه؟
وقفت امامه تنظر إليه وكان لنظراتها اسأله تخشى البوح بها وهو يعلمها جيدًا، همت بسؤاله.
لكنه طمئنها:
"الحظ خدمه وملجتوش."
الراحة التي ظهرت على وجهها جعلت الغيرة تنهش قلبه مما جعله ينظر إليها بضيق وقال باحتدام:
"ومالك فرحتي إكدة ليه؟"
تطلعت إليه برهبة وردت بارتباك:
"لا مش فرحانة ولا حاجة، انا بس مش عايزاك تضيع نفسك عشان واحد ميستهلش."
ضيق عينيه بشجب وسألها بانفعال:
"وانتي شايفة إن اللي حُصل ده يتعدى إكدة بالساهل؟"
عادت إلى عينيها نظرة الانكسار مما جعلها تخفضها بخزي علمًا بأنه لن يغفر لها مهما فعلت.
وسيظل الحزن ملازمًا لها والبعد سيكون مصيرهم حتمًا، لن يستطيع كلاهما الاستمرار في هذا العذاب.
لم تجيبه بل انسحبت بصمت مطلق وتوجهت إلى الفراش لتستلقي عليه وهي توجه ظهرها له.
❈-❈-❈
ظلت وسيلة مستيقظة وقد جفاها النوم حزنًا على ما يحدث معهم.
فقد تبدل حال اولادها وأصبح الحزن ملازمًا لهم حتى في ضحكاتهم.
"مالك ياوسيلة في حاچة تعباكي؟"
حاولت الابتسام كي لا تقلقه بعد ذلك اليوم الشاق الذي انهكه، لكنها لم تستطيع، وتحدثت بما يجول بخاطرها:
"خايفة جوي على ولادنا، حاسه بيهم وبالحزن اللي بيداروه عني، بس اني جلبي حاسس بيهم وبآلامه."
"ليه بتجولي أكدة؟ جاسر واتزوچ اللي رايدها وليلى حججت اللي نفسها فيه وخلاص السنة دي وهتتخرج وتبجى دكتورة وحازم ومعتز ميتخافش عليهم."
هزت رأسها بنفي وقالت بحزن:
"لا، مش دي ليلى بنتي اللي كانت الضحكة مـبتفارجش وشها ولا نقارها مع أخواتها كل دجيحة، بجيت دايمًا مطفية وسرحانة حتى وهى بتهزر عينيها بيبجى كلها حزن."
"وجاسر اللي لو دارى حزنه عن الدنيا كلها مش هيجدر يداريه عني."
"ابنك مش مبسوط ياجمال زي ماانتوا فاكرين."
"أني بحس بكسرته وبألمه."
نظرت إليه بحزن وتابعت:
"جلبي شاغلني عليهم جوي."
راوده نفس إحساسها لكن لم يريد التطرق به كي لا يقلقها وقال بثبوت:
"اولًا جاسر ممكن يكون لسه مـ اخدش على مرته لإن زي مـ انتي خابر شافوا بعض اتزوچوا في أيام."
"فطبيعي اللي بيحصل بينهم، بس حجيجي نظراته ليها بتأكد انه بيجبها."
هزت رأسها بنفي وقالت بحزن:
"لا نظراته ليها كلها عتاب مش بس حب، أني متأكدة، في حاچة بينهم ومخبينها جلبي بيجولي أكدة."
بدأ الشك يتلاعب به وسألها بريبة:
"وليه متكلمتيش معها وعرفتي ايه اللي بينهم؟"
"سألتها كتير بس بتجولهم انهم كويسين ومفيش أى حاچة، بس بردك مش مصدجة."
تنهد جمال بيأس منها:
"اني واثق ان مفيش حاچة، كل دي اوهام من خوفك الزايد عليهم."
تحدثت بتمني:
"ياريت ياجمال، بدعي إن ربنا يخيب ظني."
❈-❈-❈
أشرقت شمس الصباح بعد تلك الليلة العصيبة التي مرت على الجميع بألم ومشقة.
ليلى التي ظلت طوال الليل تبكي حبها الضائع.
وتتردد كلمات تلك الفتاة في أذنها حتى الآن.
وتتساءل بوجع:
أكان يخدعها كل تلك الفترة ويوهمها بعشقٍ زائف وهو عاشقًا لغيرها.
لكن لم تجد من يجيبها لتظل تائهة في بحور الوصب الذي لا يرأف بمن يلقى به.
وكلما احجبت خصلاتها وجهها يمد يده ليرفعها بتروي كي ينعم بملمسه الناعم ويضع خلف أذنها.
أما مصطفى فقد بات ليلته وهو يفكر في حل.
كيف الوصول إليها؟
حتى توصل إلى حل أخير، وهو أن يوهم الجميع انه استسلم، لكنه لن يتخلى أبدًا وسيظل خلفها حتى ينتشلها من بأسها…