تحميل رواية «ومجبل علي الصعيد» PDF
بقلم رانيا الخولي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
سقط عمران على المقعد وقد شعر بصعوبة بالغة في التنفس بعد تلك الصدمة التي تلقاها. وأي صدمة! فقد كانت صدمة قاتلة هزت ذلك الجبل الذي ظل ثابتًا رغم تلك المحن التي مرت عليه. كيف فعل ذلك بنفسه وبأولاده، وقد خسر كل شيء وأصبح خالي الوفاض. خسر ميراث أجداده والحائط المتين الذي كان مستندًا عليه، فينتهي به الحال داخل ذلك المنزل الذي أصبح بين ليلة وضحاها لا يملك سواه. انتهى كل شيء الآن. زواج ابنه الأكبر، ومشروع ابنه الأصغر. كل ذلك تلاشى بعد أن كان بين يديه. شعر بنغزة حادة في قلبه وازدادت وتيرة تنفسه، فأصبح يت...
رواية ومجبل علي الصعيد الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم رانيا الخولي
في اليوم التالي، في منزل سالم.
يجلس سالم في مكتبه عندما طرق الباب.
دَلَفَت والدة حلم، وقد احمرت عيناها من شدة البكاء على ابنتها الوحيدة وما تعانيه من ظلم على يدهم.
تقدمت منه وهي تقول بريبة:
_ عمي، انت مش ناوي تسامح حلم؟ هي خلاص عرفت غلطها ومهتكرروش تاني واصل.
رفع سالم عينيه ليتطلع إليها بقوة وقال بحنق:
_ وهي فاكرة إن اللي عملته ده ممكن اغفره ولا أعديه؟
نهض من مقعده وأردف بغضب:
_ بـ عملتها دي مفيش حاچة هتشفعلها عندي.
تقدمت منه أكثر وقالت برجاء:
_ بس انت اكدة بتضيع مستجبلها وهتخليها…
قاطعها سالم بصوته الجهوري:
_ هي اللي ضيعت مستجبلها بإديها لما وافجت تجف وتتحدت مع الغريب. بس دي غلطتي إني طوعتها من لول وسيبتها تكمل علامها، كان لازمن أزوچها لولد عمها من وجتها. بس جلت اسيبها تدخل الطب عشان اكون جدمت رسالتي معها للاخر. بس هي اللي مصنتش الفرصة دي وضيعتها من ايديها. وتحمد ربها إني مجتلتهاش فيها.
_ بس ياعمي، حرام التلات سنين اللي هيضيعوا هدر دول. خليها حتى تنجل في الچامعة اهنه و خلي غفر يودوها ويچبوها، واني أضمنلك إن اللي حُصل ميتكررش تاني.
التزم الصمت قليلًا يفكر في كلامها، ثم قال بأمر:
_ روحي انتي دلوجت، واني هشوف الموضوع ده.
خرجت من المكتب وقلبها يتمزق على حال ابنتها وعلى تلك الحياة التي تشبه الموت بقبره.
***
استيقظت سارة صباحًا لتتفاجأ بـ من يستلقي بجوارها على الفراش ووجهه قريبًا من وجهها.
تراجعت قليلًا للخلف في ريبة، لكن ملامحه الهادئة التي تتبدل فور استيقاظه جعلتها تطمئن ولو قليلًا.
نظرت إليه وعينيها تجوب ملامحه بلوعة.
وجهه الحاد الذي يتحول وهو نائمًا ويصبح أكثر لين.
عينيه التي تتمنى النظر بداخلها بشوق، ربما ترى فيهما لمحات الحب التي تراها أحيانًا.
لكنها تتبدل بثواني قليلة وكأنه يراها ضعفًا.
وأحيانًا أخرى تتواجد عندما ينظر إليها برغبة.
ورغم عدم رغبتها هي بذلك بسبب ما حدث معها، إلا إنها لا تستطيع ردعه.
فهذا أقل حقوقه، ويكفي أنه رضيًا ببقايا غيره.
نظرت إلى فمه القاسي الذي يبدأ قبلاته معها بحنو ولين، لكن بعد ذلك يكون أشد قسوة يجعلها ترتعب منه وتود الفرار.
تذكرت آخر قبله بينهم وكم كان حنونًا معها جعل قلبها ينبض بعنف.
لكنها تراجعت عندما وجدت يديه تضمها إليه أكثر ولمساته تأخذ منحنى آخر.
هي تعترف حقًا بأنها أصبحت متيمةً به وتتمنى ذلك بشوق.
لكنها ليست مستعدة لذلك الآن.
اغمضت عينيها فور إن وجدته يتحرك في نومته وتظاهرت بالنوم كي لا تحرجه وتحرج نفسها أمامه.
أما هو، فما إن فتح عينيه ورآها أمامه حتى نهض مسرعًا ودلف المرحاض قبل أن تستيقظ وتعلم أنه نام بجوارها.
مما جعلها تيقن بأن هناك صراع بداخله ما بين قلبه وعقله، وعليها التحمل قليلًا حتى ترى من الفائز، القلب أم العقل.
***
في غرفة مصطفى.
دَلَفَت سارة كي توقظه كما طلب منها جمال كي يتناول إفطاره معهم.
لكنها وجدته مستيقظًا ويقف أمام المرآة يمشط خصلاته.
لا تعرف لما عادت إليها تلك الذكريات الأليمة واهتز جسدها عندما تخيلته وائل حينما استيقظت من غفوتها فوجدته أمامها في نفس الهيئة.
وخاصةً عندما تطلع إليها مصطفى، فامتثل أمامها المشهد مرة أخرى وتمد ذراعيها دون إرادة تحمي جسدها وقد زادت رعشته.
مما جعل مصطفى يسرع إليها يسألها بخوف:
_ مالك ياسارة؟
وما إن إقترب منها يلمسها حتى انتهى ثباتها ووجدها تنهار بين يديه وتصرخ به تبعده عنها، وصرخاتها ترج المكان من حولها.
فزع وارتعب عليها وهو يحاول بصعوبة السيطرة على حركاتها.
أحاطها بذراعيه كي يتحكم في حركاتها التي تعافر وكأن هناك من يهاجمها وتدافع هي عن نفسها.
جلس بها على الارضية كي يتحكم أكثر، لكن لا فائدة.
انتبه الجميع إلى صرخاتها فأسرعوا إليها ليجدها.
جاسر بين يدي أخيه تعافر.
مُنى منها بلهفة ليأخذها من يده بقلب ملتاع وسأله بحدة:
_ ايه اللي حُصل؟ عملتلها ايه؟
نظر إليه مصطفى بغضب وسأله بانفعال:
_ قولي انت ايه اللي حصل وصلها للانهيار ده.
تطلع إليها جمال بقلق وقال لوسيلة:
_ اندهي لـ ليلى بسرعة.
ثم نظر إلى جاسر:
_ وانت خدها على اوضتها بسرعة.
أومأ جاسر ليحملها بين يديه بلهفة ثم دلف بها غرفتهم.
وقد هدئت حركتها قليلًا لكنها مازالت تعافر.
ووضعها على الفراش بروية وحدثها بصوتٍ خافت:
_ متخافيش، أني چامبك.
أمرهم جمال بالخروج من الغرفة عندما دلفت ليلى وبقى معها وسيلة وجليلة التي شحب وجهها خوفًا على حفيدتها.
وعندما رأتها ليلى بتلك الحالة، نظرت إلى جاسر وسألته بدهشة:
_ ايه اللي حصل وصلها للحالة ديه؟
تَجَسَّرَ جاسر ظنًا منه أن ما حدث لها نتيجة ما قاله لها أمس، فلم يجد ردًا عليها.
فتأكد شك مصطفى وتحدث بانفعال:
_ مـ ترد ساكت ليه؟
تحدث جمال بلهجة حادة لا تقبل نقاش:
_ جلت كلكم تطلعوا برة، يلا جدامي.
زم مصطفى فمه وهو ينظر إلى جاسر بنظرات حادة وخرجوا من الغرفة.
نظر جمال إليهم وتحدث بحدة:
_ ايه اللي حُصل؟
رمش جاسر بعينيه وقال بتسويف:
_ مفيش، احنا نزلنا الصبح جدامك ومكنش فيه حاچة وانت بنفسك طلبت منها انها تصحيه وبعدها حصل اللي حصل.
نظر إلى مصطفى وتابع:
_ وانت؟
كان مصطفى يتطلع إلى جاسر الذي يتمزق من داخله خوفًا عليها ورد باحتدام:
_ انا اتفاجئت بيها داخلة الاوضة وانا ادام المرايا واول ما بصتلها لقيتها بتتنفض جامد وانتو شفتوا الباقي.
شرد جاسر في حديثه وتذكر عندما اخبرته بما حدث وأنها استيقظت لتجده واقفًا أمام المرآة.
هل تخيلت لوهلة أن المشهد يعاد أمامها بعد حديثه معها تلك الليلة.
شعر بغصة حادة في قلبه.
ونظر إلى والده الذي يتطلع إليه بشك ثم أخفض عينيه بألم يتهرب من نظراته.
في الداخل.
ارتخى جسدها بعد تلك الإبرة التي حقناها بها ليلى.
وسألتها جليلة بخوف:
_ مالها يابنتي؟
ردت ليلى بثبوت وهى ترفع الغطاء عليها:
_ متقليش يا جدتي، هى زينة بس ده إرهاق مش اكتر.
لم تقتنع وسيلة بحديثها وازداد شكها، لكنه لم يصبح يقين بعد.
عليها أولًا التحدث مع ولدها ومعرفة كل شيء.
_ سيبيها ترتاح دلوجت ولما تفوج هتبجى زينة إن شاء الله.
تحدثت وسيلة برفض:
_ لا مش هجدر اسيبها بحالتها دي لوحدها.
قالت جليلة بإصرار:
_ انا هبجى معاها بس روحوا طمنوا چدكم لأنه لساته في اوضته.
خرجوا وتركوا جليلة معها التى بدأت تتلوا آيات الله وهى تضع يدها على رأسها حتى وجدت تنفسها ينتظم.
خرجت ليلى ليسأله الجميع بلهفة إلا هو التزم الصمت ولم يتحرك من مكانها.
جابتهم ليلى بثبات:
_ اهدوا ياچماعة، مفيش حاچة. هي بس اعصابها تعبت شوية من اللي حصل امبارح واول مـ تفوج هتبجى زينة.
نظرت إلى جاسر وتابعت:
_ ياريت ياجاسر تخليك چمبها، هي اكيد محتچالك.
أومأ لها على نفس صمته وقال جمال بمغزى:
_ ادخل لمرتك وخليك چامبه.
دلف جاسر ليجد جليلة جالسة على الفراش بجوارها.
فدنا منها قائلًا:
_ روحي انتي عشان چدي واني هفضل معاها.
شعرت جليلة بأنه يود البقاء معها وحدهم فاومأت بتفاهم:
_ حاضر ياضي عيني، ربنا يجومهالك بالسلامة.
نهضت وخرجت من الغرفة ودنى جاسر منها يستلقي بجوارها ويمسك بيدها التي أصبحت باردة كالثلج.
وتطلع لوجهها الذي يعشقه من أول وهلة.
قرر البوح بما يجول بخاطره علمًا بأنها لن تسمعه.
سيعترف بما يؤرقه ويجعله ساهدًا طوال الليل فيتحدث بخفوت وهو يمسك يدها بتملك عاشق.
_ جوايا كلام كتير رايد اجوله وخابر زين إنك مسمعنيش وده اللي هيخليني اتحدت براحتي.
اني بعشجك من اول مـ عيني شافتك لما فتحتلك الباب ووجتها فتحت قلبي معاه.
كنت بهاچمك في كل كلمة بس انا كنت بهاچم مشاعري اللي كانت بتزيد في كل كلمة بسمعها منيكي وكل وحركة مش مقصودة.
لما عينيك كانت بتيجي في عيني كان قلبي بيدج ومع كل دجة كانت بيجولك بحبك، بس كنت ديمًا بهاچمه وبمشي ورا عجلي.
إن أبوكي هيفضل بينتنا.
لما سمعتك بتتحدتي في التليفون وعرفت الحجيجة كأنك طعنتيني بسكينة تلمة حاسس بطعنتها لحد النهاردة.
خابر إنك مظلومة ونفسي ابدأ معاكي من چديد بس كل مـ اجرب منيكي افتكر اللي حصلك وبيبجى نفسى انتجم منه اشد انتجام.
بس فلت مني المرة دي، بس وحياتك لدفعه تمن عملته دي غالي جوي، كله باوانه.
أغمض عينيه لينام بجوارها كي يشاركها حتى ولو غفوتها.
***
جلس الجميع في الردهة ويبدو عليهم الآسى بعد ما حدث لـ سارة.
كان مصطفى جالسًا متكأ على مرفقه خافضًا رأسه.
حزنًا على ما يحدث له ولتوأمه.
منذ أن قرر كلاهما الذهاب إلى الصعيد وهم في دوامة من الألم.
كلما ظنوا أنهم خارجين منها تأجذبهم أكثر إلى أعماقها.
حقيقة والديهم، زواجها المفاجئ من جاسر الذي يعلم جيدًا بأن هناك غردٍ ما وراءه.
وبعدها موت جدهم ويليها ما يحدث له وآخرهم ما حدث لها.
انتبه على صوت جده وهو يسأل ليلى:
_ هى هتفضل أكدة كتير؟
هزت راسها بنفي:
_ لا ياچدي، ساعة بالكتير وهتفوج وهتكون احسن من لول، هى بس تلجاها خافت على مصطفى مش أكتر.
لم يقتنع مصطفى بحديثها وقال بجدية:
_ أنا من رأيي اخدها القاهرة تغير جو شوية وبعدين تبقي ترجع.
ردت جليلة برفض:
_ لا ياولدي، مينفعش دلوجت دي لساتها عروسة.
تحدث باستياء:
_ عادي هتسافر تغير جو يومين كدة وهترجع وبعدين عدا عليهم اكتر من شهر مفيهاش حاجة لما تبعد يومين.
تحدث عمران باستنكار:
_ مينفعش دلوجت وهى كمان بالحالة دي، واول مـ تتحسن أني هخلي جاسر ياخدها ويسافروا يومين أكدة.
متجلجش عليها بس المهم دلوجت لازمن تهمل البلد ومتچيش اهنه إلا لما اسمح بـ اكدة، فاهم ولا لأ.
أشاح مصطفى بوجهه ورد باقتضاب:
_ فاهم.
نظر إلى معتز وحازم وقال بحزم:
_ تخلوا عينيكم عليه وتاچيني أخباره أول بأول، فاهمين؟
أومأ كلاهما:
_ فاهمين ياچدي.
***
ومضات خافتة، وضحكات تتردد صداها في أذنه تحسه على الاستيقاظ من تلك الغفوة التي دامت لأيام.
أصوات آتية من البعيد يحاول تمييز صوتها بينهم لكن لا فائدة.
فعاد إلى سباته مرة أخرى.
فتحت عينيها لتجده مستلقيًا بجوارها ويمسك بيدها بين يديه بتملك.
كانت عيناها تجوب ملامحه بلوعة وكأنها تطبع ملامحه داخلها كي تكون سلواها عندما يحين وقت الفراق.
قادم لا محالة، لكن الأمر مسألة وقت.
لن تجبره على العيش مع بقايا أنثى وتظلمه بتلك الوحشية.
ويكفي أنها أثقلت كاهله بخطيئة غيره وتحملها هو بشهامة.
أو بالأصح، احتوى تلك الطامة التي كانت ستسقط على رؤوس الجميع بخزي وعار يوشم بها تلك العائلة مدى الحياة.
تذكرت عندما دلفت غرفة مصطفى ورأته يقف أمام المرأة بنفس الهيئة حتى ملابسه كانت هبيه له فخيل إليها أنه هو وتمثل المشهد أمامها.
كانت تحيط جسدها بذراعيها تحميها وكأنها بتلك الطريقة ستمنع ما كتب عليها.
صرخت بما أوتيت من قوة كي يسمعها.
كانت تناچيه هو كي ينقذها، كي يحميها، وعندما شعرت بنفسها بين ذراعيه فالتمست الأمان بين ذراعيه.
ظنت لوهلة أنه أنقذها، لكن كيف السبيل لإنقاذ روحٍ فارقت الجسد ولن تعود.
لكن ما ذنبها هي؟
لكن أيضًا ما ذنبه هو؟
كتب عليهم أن يذوق عشقهم العذاب وعليهم التحمل.
استيقظ هو أيضًا، لكن تلك المرة لم تدعي النوم بل ظلت على وضعها.
تلاقت الأعين وبدأت لغة النظرات وما افضلها من لغة، لا تستطيع الزيف ولا الكذب.
نظراته كلها حب لكن مغلفةً بالعتاب، هكذا هي حياتهم ولن تتغير.
تعلم علم اليقين أنه يعشقها، لكن عشق واهن.
ولم تدري عن عشقه شيئًا، فقد عشقها حتى هوى قلبه بعشقه.
ولكنه ينتظر حتى ينتقم لها وبعدها سيأتي إليها فاردًا جناحيه يحتويها بدفئ يذيب به الجليد الذي وقف حائلًا بينهما.
فـ لتنتظر قليلًا.
رمشت بعينيها لتعتدل قائله بصوت مبحوح قليلًا من شدة صرخاتها:
_ هي الساعة كام؟
اعتدل أيضًا وسألها باهتمام:
_ كيفك دلوجت؟
ردت بابتسامة مجاملة لم تصل لعينيها:
_ الحمد لله احسن.
نظر في ساعته ليجدها الثانية ظهرًا فنهض قائلًا:
_ احنا اخرنا جوي عليهم وزمانهم جلجانين.
نهضت هي أيضًا من الفراش وقبل أن تتحرك خطوة واحدة سمعت طرقًا خافتًا على الباب.
همت بالذهاب لفتحه لكنه منعها:
_ خليكي انتي، انى هفتح.
فتح جاسر الباب ليجد مصطفى يقف ينظر إليه بجمود ويسأله بفتور:
_ سارة صحيت؟
أومأ له جاسر ليدلف مصطفى ويخرج هو كي يتركه معها وحدهم.
تقدم مصطفى منها وسألها باهتمام:
_ حبيبتي، انتي كويسة؟
ابتسمت سارة لتطمئنه ودنت منه تحتضنه بحب:
_ طول مـ انت في حياتي لازم اكون كويسة.
حاوطها مصطفى بذراعيه وتحدث بصدق:
_ أنا اللي حاسس نفسي محظوظ إنك اختي وفي حياتي بنت قمر زيك.
باعدها عنه قليلًا كي ينظر إليها وأردف:
_ انتي مش بس اختي؛ انتي اختي وبنتي وحبيبتي وكل دنيتي، عشنا حياتنا كلها مع بعض وبنعوض بعض عن غيابهم. أنا موجود ياسارة، احنا بعدنا اه بس متفرقناش، وهفضل سند وضهر ليكي طول ما انا عايش.
لو حد في يوم داسلك على طرف قولي وانا اخدلك حقك منه.
أومأت له دون قول شيء، لن تجازف به وتخبره ما حدث، لن تجازف بأعز اثنين على قلبها.
فأردف هو:
_ أنا مسافر دلوقت وهصدق ان اللي حصلك ده بسبب اللي حصل امبارح. بس أنا بقولها تاني، أنا أخوكي وفي ضهرك لو احتجتيني في ظرف ساعة هكون عندك.
اه قبل مـ ماما عايزة تكلمك.
تبدلت ملامحها للحزن وشعرت بحنين جارف إليها.
فقال مصطفى بتعاطف:
_ صدقيني ماما اتغيرت وعايزة فعلًا تكلمك.
ازدردت لعابها بصعوبة وقالت بثبوت:
_ معلش يا مصطفى، أنا مش عايزة اتواصل مع اى حد الفترة دي. أنا اول مـ احس اني مهيئة هكلمها على طول بس بلاش دلوقت.
أومأ لها:
_ خلاص، متضغطيش على نفسك.
ضمها إليه مرة أخرى وخرجوا من الغرفة.
سعد الجميع برؤيتها وذهب مصطفى الذي أوهمهم انه تناسى الأمر، لكنه لن يستسلم، بل مجرد هدنة حتى يطمئن الجميع وتعود هي إلى جامعتها وعندها سينفذ خطته.
أما ليلى التي لم تعد تستطيع أخفاء آلامها وتتهرب من الجميع متحججة بمداولة دروسها.
آلام قلبها لم تعد تحتمل وعينيها لا تكف عن النحيب.
حاول اخوانها التحدث معها لمعرفة ما توصلت إليه معه، لكنها تتهرب إما بالنوم أو المذاكرة.
حتى والدتها لم تستطيع التحدث معها.
وجمال وزوجته الذين أصبحوا يقضون لياليهم ساهدين من قلقٍ ينهش قلوبهم على اولادهم.
وعمران الظن ظن الجميع بأنه لا يعرف شيئًا عمّ يدور حوله، لكنه يعلم كل شىء، فقط ينتظر الوقت المناسب.
أما جاسر فقد كان مستلقيًا على الفراش ينظر إليها وهي جالسة في شرفة غرفتهم تبكي وتنتحب ظنًا منها أنه لا يراه.
لكنه يراها بقلبه قبل عينيه والذي يتمزق ألمًا عليها.
فدموعها التي تنزل بغزارة تكوية بلا شفقة ولا رحمة.
كان يود الذهاب إليها ويحتويها بذراعيه ويسحب آلامها إليه، لكن لن يستطيع الان.
عليها فقط التحمل قليلًا وحينها لن يبعده عنها شيئًا.
***
نفس الأصوات ونفس الالام.
ومحاولاته الفاشلة في البحث عن صوتها، عن عطرها الآخذ الذي لم يعد له وجود.
حاول رفع جفنيه كي يبحث عنها بين الوجوه، لكنه لم يستطيع.
شعر بلمسة لكنها لا تنتمي للمستها التي تجعل قلبه يرتج بعنف.
إذًا، لا عودة لي بدونك.
ليستسلم ثانيةً مرحبًا بذلك الظلام الذي يأخذه إلى أحلامه ينعم فيه بدفئها.
بعد مرور يومين كانت سارة تقف مع وسيلة في المطبخ بسعادة لمشاركتها في عمل بعض الاطعمة التي يعشقها جاسر.
_ أنا هجولك تعملي ايه وانتي تنفذي عشان لما يرچع بالسلامة اجوله انك انتي اللي عملتيه بيدك.
أومأت سارة بسعادة:
_ طيب، وان طلع مش حلو نلبسه لسعدية.
نظرت إليها سعدية بامتعاض:
_ واه، وعلى ايه ياست سارة، سيبيني اني اعمله أحسن.
ضحكت سارة ووسيلة وقالت وهى تحيط سعدية بمزاح:
_ ده انتى الخير والبركة ياسوسو، هو الاكل بيحلى الا من إيديك.
نظرت إليها وسيلة بغيظ فتابعت بمرح:
_ بعد أكل ماما وسيلة طبعًا.
تحدثت سعدية بامتنان:
_ ربنا يباركلنا فيكي ياست سارة ويرزجك بالخلف الصالح إن شاء الله.
تبدلت ملامحها للحزن وشعرت بها وسيلة ليعاود القلق يزحف إلى قلبها، وخاصةً عندما وجدتها تعاود مرحها لكن بحزن واضح.
عاد جاسر لتنتبه له وسيلة وقالت بابتسامة:
_ چوزك رچع ياجلبي، روحي شوفيه لول وبعدين كملي الوكل.
أومأت سارة وخرجت من المطبخ لتصعد خلفه كما طلبت منها وسيلة.
دَلَفَت الغرفة لتجده جالسًا عالفراش ويبدو عليه الألم.
شعرت بالقلق عليه ودنت منه تسأله بقلق:
_ انت كويس؟
وضع يده على الجرح الذي لم يلتئم حتى الآن وقال بثبوت:
_ الچرح ده تاعبني جوي.
سألته باحراج:
_ ممكن اشوفه؟
أومأ له وقام بالكشف عنه لتجده توهج باحمرار شديد.
فقالت بقلق:
_ الجرح شكله ملتهب أوي، ثواني هقول لـ ليلى تيجي تشوفه.
همت بالذهاب لكنه امسك يدها يمنعها وقال بهدوء:
_ لأ، بلاش تجلجيها، داوية انتي.
تحدثت باعتراض:
_ بس الجرح فعلًا ملتهب.
قاطعها بامتعاض:
_ نفذي اللي جلتلك عليه ياإما بلاش خالص.
همت بالنهوض لكنها منعته:
_ خلاص، غير هدومك لحد ما أجيب الشنطة.
أومأ لها ودلف المرحاض يبدل ملابسه ويخرج بعد قليل وهو عاري الصدر والجرح يبدو عليه الالتهاب.
جلس على الفراش وتقدمت لتجلس بجواره وتبدأ بعملها.
كان يتألم من يدها فتعتذر بتعاطف.
ولم تعرف أن بنظرة واحدة منها تجعله يتوه في بحورهما ولا يشعر بشيء سوى قلبه الذي يدق بعنف لها ولأجلها.
عادت المشاعر لتقوم بدورها وبدأت الدماء تهدر بعروقه لذلك التقارب بينهما.
وانتهى ثباته الزائف عندما رفعت عينيها إليه وتقابلت النظرات التي لم يعد باستطاعتها إخفاء عشقهم أكثر من ذلك.
ساد الصمت لكن العيون تحدثت بما لم تتحدث به الشفاة.
أمسك بوجهها يرفعه إليها عندما أخفضت عينيها تهرب من نظراته.
وكانت دقات قلبه تهدر بقوة ويتطلع إلى سكون ملامحها التي ظهر التشتت عليه.
دنى بشفتيه من شفتيها الرخوة ليشعر بنعومتها مما جعل قلب تزداد وتيرته وتهدر الدماء أكثر بعروقه.
كانت قلبه هادئة لوهلة لتزداد وتصبح أشد ضراوة ثم أصبحت عنيفة عندما تذكر ماضيها.
شعرت بالخوف منه وحاولت الابتعاد لكنها احكم قبضته حولها.
حاولت الابتعاد لكن احكم قبضته حولها وهو يجابه عقله الذي يجبره على الابتعاد.
ازدادت ضراوة قبلاته حتى أصبحت أشد عنفًا وهي تحاول الافلات منه.
يحاول اتباع مشاعره ومحو عقله الذي يجبره على الابتعاد.
يرغبها ويريدها ولكن علقه لا يتركه هنيئًا بها حتى ازاحها ليبعدها عنه بعنف فسقطت على الفراش حتى كاد راسها ان يرتطم في العارضة لولا أن حامتها الوسادة.
وقف ليصيح بها بغضب هادر:
_ اطلعي برة.
اتسعت عينيها ذهولًا من اهانته لها التي اصبحت لا تحتمل، وخاصةً عندما عادها بصوت جهوري:
_ جلت اطلعي برة.
نهضت من الفراش واسرعت بالخروج من الغرفة.
أما هو فارتمى على المقعد بتعب شديد ويخفي وجهه بين يديه.
رواية ومجبل علي الصعيد الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم رانيا الخولي
خرج وائل من الغرفة التي خصصها له حسام وهو يحمل حقيبته عائدًا إلى عمله.
ارتبك حسام فورًا عندما رآه، وأخفض الهاتف الذي كان يتحدث به من يده، مما جعل وائل يندهش من فعلته، لكنه لم يبالِ.
قال حسام بارتباك:
"إيه ده يا وائل، انت ماشي؟"
أومأ له وائل:
"آه، خلاص الإجازة خلصت ولازم أرجع، متشكر جدًا على وقفتك معايا."
ترك هاتفه على الأريكة وحمحم قائلًا:
"على إيه يعني، أنا ما عملتش حاجة، بس أنا من رأيي تحاول كدة تبعد الفترة دي لحد ما الشخص ده ييأس خالص وميدورش عليك تاني."
تنهد وائل وقال بقلق:
"أنا هعمل كدة فعلًا، مع إني مش عارف هو عايز يأذيني ليه مادام اتجوزها وعرف إنها سليمة، مش فاهم يعني."
نظر إليه حسام وتابع بمغزى:
"ما هو بردو اللي عملته مش هين، انت ضحكت على مراته أو اللي أصبحت مراته وأوهمتها إنها مغتصبه، فطبيعي لما يكتشف الحقيقة مش هيرحمك."
عقد حاجبيه بعدم فهم وقال بحيرة:
"بس المفروض كان عمل كدة قبل ما يعرف إنها بنت، هي أكيد حكتله على كل حاجة قبل الجواز."
تقدم منه حسام وهو يحاول إخفاء نظرات الاستهزاء في عينيه:
"ومين قالك إنها قالتله؟ مش يمكن خبت عليه وهي بنفسها اتفاجئت إنها بنت وعشان كده صارحته؟ أو يمكن هي اعترفت يوم فرحها وعلى الأساس ده جاي ينتقم منك."
هز رأسه بنفي:
"لأ، الرسالة بتقول إن جوزها عرف كل حاجة وجاي عشان ينتقم مني."
"مشكلتك يا وائل إنك لعبت مع الناس الغلط. دول مهما كان صعايدة وده شرفهم، واللي انت عملته ده عقابه الوحيد القتل."
سرى الخوف بداخله وقال بارتباك:
"بس أنا ما اتخيلتش إنها هتعرفهم، قلت هتخاف وتضطر إنها توافق عليا، مش تهرب وتروح لأهلها."
زفر بضيق وتابع:
"المهم أنا راجع الشغل ومش هرجع غير بعد فترة طويلة، يمكن يكون نسي أو تقبل الموضوع. يلا أشوف وشك بخير."
خرج وائل من الشقة، ليزفر حسام براحة ويعود للأريكة ويعاود الاتصال بها. وما إن أجابته حتى تحدث بخبث:
"أيوه ياقلبي، وائل خلاص مشي ومبقاش عندك حجة، هستناكي النهاردة متتأخريش."
"………"
رد بإصرار:
"مش هقبل أي أعذار، وبعدين إحنا هنعمل إيه يعني، كل الحكاية إننا هنقعد مع بعض بحريتنا، لا تقولي حد يشوفنا ولا جوز عمتي شافني ولا حاجة من الوش ده."
"………"
اتسعت ابتسامته خبثًا:
"أيوه كده، تعالى بقى عشان هموت وأشوفك."
أغلق الهاتف وألقاه بسعادة وابتسامة ماكرة مرتسمة على وجهه.
***
جلست على المائدة تنظر إلى الطعام بنفور، فقد استيقظت اليوم على ألم حاد في معدتها.
سألها جمال بقلق:
"مالك يابتي، ما بتاكليش ليه؟"
هزت رأسها برفض:
"معلش ياعمي، يظهر إني أخدت برد في معدتي وعشان كده مش متحملة أكل."
بادرت أمل تراقصت في قلب وسيلة ظنًا منها أنها بشرى لحمل، لكنها كتمتها بداخلها كي تتأكد أولًا.
"طيب، هخلي سعدية تعملك أكل خفيف كده عشان متتعبيش."
أسرعت سارة بالرفض:
"لأ، صدقيني مليش نفس، أنا شوية كده وهبقى آكل حاجة خفيفة."
حاول جاسر بصعوبة إخفاء قلقه عليها وقال بثبوت:
"تحبي نروح لدكتور؟"
نظرت جليلة إلى ليلى التي تتناول طعامها، لكنها في عالم آخر لا تدري شيئًا عما يدور حولها، وقالت:
"دكتور ليه، وست الدكاترة كلهم موجودة، ولا إيه ياليلى؟"
ما زالت على نفس وضعها، مما جعل الجميع يندهش من الحالة التي أصبحت عليها، وخاصةً جاسر الذي لا يعرف حتى الآن ما حدث هناك وتتهرب من التحدث معه.
"ليلى، إنتي زينة؟"
انتبهت ليلى أخيرًا على صوت جمال الذي يسألها بقلق ونظرات الجميع المصوبة عليها، وتحدثت بارتباك:
"ها.. في حاجة؟"
اندهش الجميع من الحالة التي وصلت إليها، وقالت وسيلة بحيرة:
"حاجة إيه يابتي، انتي مش معانا خالص."
ازدردت لعابها بصعوبة عندما لاحظت نظرات الجميع إليها، وردت بوجل:
"لا، أنا بس كنت بفكر…"
انتشلتها سارة من اضطرابها:
"تيتا بس بتسألك عن حاجة للمعدة لإني تعبانة شوية."
رمشت بعينيها تحاول التحدث بانضباط، وقالت بثبات:
"آه، عندي دوا كويس، هطلع أجيبه."
همت بالنهوض، لكن سارة منعتها:
"لأ، كملي أكلك الأول."
"أنا خلاص شبعت، ثواني هجيبه ليكي."
صعدت ليلى للأعلى ونظرات الجميع مصوبة إليها، وخاصةً وسيلة التي نظرت إلى جمال لتطمئنها بعينيه.
تحدثت سارة:
"طيب، أنا هطلع آخد منها الدوا وأرتاح شوية بعد إذنكم."
صعدت سارة خلفها، تتبعها عيون جاسر الذي يحاول بصعوبة إخفاء قلقه عليها. فمنذ ما حدث بينهما، وهي تتجنب التواجد معه. وعاد هو ليستلقي على الأرضية مرة أخرى.
دَلفت سارة الغرفة لتجد ليلى تبحث في الدرج عن الدواء حتى عثرت عليه وناولته إياه قائلة:
"اتفضلي ياسارة، ده هيريحك."
أخذت منها الدواء وجلست بجوارها على الفراش وهى تسألها بقلق:
"وبعدين ياليلى، هتفضلي كده لحد امتى؟"
ارتسم الحزن على ملامحها وقالت بألم:
"لحد ما أطمن عليه وأعرف إنه بقى كويس."
"هو مش خلاص عمل العملية واتحسن؟"
هزت رأسها بنفي:
"لأ، لسه ما فاقش من الغيبوبة، بيفوق ثواني كده ويرجع تاني."
"بس أنا مش شايف سبب يخليكي تقلقي بالشكل ده، لإن الموضوع مسألة وقت وهيفوق ويبقى أحسن من الأول. وبعدين انتي خلاص دورك انتهى لحد كده، ويا ريت تنسي الموضوع ده وتعيشي حياتك."
تساقطت دموعها بألم وقالت بحزن:
"مش قادرة أشيله لحظة واحدة من تفكيري، ومش قادرة أصدق إنه كان بيضحك عليا الفترة دي كلها."
رفعت عينيها إليها وتابعت بأسى:
"كل ما افتكره، غصب عني بحن ليه."
تساءلت بحيرة:
"أنا مش فاهمة ياليلى، لما انتي مش قادرة تصدقي خداعه ليكي، ليه مفضلتش جنبه واستنيتي لما يفوق وواجهتيه بالحقيقة؟"
أجابت بألم وهى تمسح عبراتها بظهر يدها:
"الموضوع مش سهل زي ما انتي متخيلة. أمجد قدامه ولا شهرين وأكتر لما يقدر يتكلم ويتناقش زي ما بتقولي، العملية مش سهلة كده. وبعدين أنا وعدت جاسر إني هرجع أول ما العملية تخلص، ومكنش ينفع أقعد معاه أكتر من كده."
ربتت سارة على يدها وقالت بتعاطف:
"انتي عملتي اللي عليكي وأكتر كمان، ولحد هنا ودورك انتهى. ولو فعلاً بيحبك هيرجع، ولو خاطب مية واحدة هسيبهم ويرجعلك. يلا قومي اغسلي وشك وأنا هاخد العلاج وأرتاح شوية لأن الألم شديد قوي."
سألتها بتوجس:
"نسيت أسألك الأول، ليكون في حمل ومينفعش تاخدي العلاج ده؟"
انصدمت سارة من قولها، لكنها أخفت بسرعة صدمتها، فالألم ليس بمعدتها فقط، بل أسفل بطنها أيضًا. فأسرعت بالنفي:
"لأ..لأ.. مفيش حمل ولا حاجة، أنا هسيبك دلوقتي."
خرجت سارة من الغرفة وكلمات ليلى تتردد في أذنها، فلم تنتبه لنفسها وهي تنزل الدرج، لا ترى أمامها من شدة الخوف، ولم تنتبه لجاسر الذي يصعد وهو يتحدث في هاتفه. لتصطدم به وكادت أن تسقط على الدرج لولا يده التي تمسكت بها ومنعتها من السقوط، ليسقط هاتفه هو على الدرج فيتهشم عند آخرها.
اعتدلت سارة وأبعدت نفسها عنه قليلاً وهي تقول بأسف:
"أنا آسفة، معلش ما أخدتش بالي وأنا نازلة."
نظر إلى هاتفه الذي سقط وتحطم وهو يجري مكالمة هامة، وقال بثبات:
"حصل خير."
ترجل حتى وصل للهاتف والتقطه ليحاول فتحه، لكن لا فائدة. شعرت بالاستياء من نفسها، فعرضت عليه:
"طيب، أنا هجيبلك الجهاز بتاعي لحد ما تصلح فونك."
وقبل أن تجد منه ردًا، كانت تصعد إلى غرفتهم وتخرج هاتفها من الخزانة واخرجت منه الشريحة، وقبل أن تخرج، وجدته يدلف الغرفة وهو يحاول فتحه، لكن لا فائدة. تقدمت منه تناوله هاتفها:
"اتفضل خده، أنا مش محتاجه."
أخذه منها بعد تردد لضرورة هذه المكالمة التي كان يجريها، و قام بتبديل الشريحة، وتركته هي ودلفت إلى المرحاض.
فتح جاسر الهاتف ليجد العديد من الرسائل الخاصة بشبكات التواصل الاجتماعي، وهم بتبديلهم، لكن لفت نظره رسالة خاصة، فقام بفتحها ليجد محتواها:
"متشكر جدًا ياسارة إنك نبهتيني قبل جوزك ما يلاقييني، مع إن مقهور جدًا إنك سبتيني واتجوزتي غيري."
بدا لعينه كل شيء أسود، واشتعلت عينيه بنيران غضب تكاد تحرق كل ما حوله. رفع عينيه إليها وهو يراها تخرج من المرحاض ولم ينتبه لعلامات الألم البادية عليها. فتقدم منها كفهد يقترب من فريسته، ورفع الهاتف أمام عينيها وهو يريها الرسالة ويقول من بين أسنانه:
"بقى كنتي بتستغفليني الفترة دي كلها؟"
اتسعت عينيها بخوف عندما علمت بهوية المرسل، وحاولت الدفاع عن نفسها، لكن صفعة قوية سقطت على وجهها كادت أن تطيح بها أرضًا.
"بقى انتي يا… اللي بعتيله الرسالة وعرفتيه إني رايحله؟"
صفعة أخرى أشد من الأولى جعلتها تصرخ من شدتها، وقالت بنفي:
"محصلش والله…"
قاطعتها ضربة أخرى وصوته الهادر يقول:
"متجيبيش اسم ربنا على لسانك يا…"
صرخت بألم وهي تقول بإصرار:
"أقسم لك فعلاً إني…"
قاطعها بجذبها من خصلاتها وقال من بين أسنانه:
"كيف ده وهو بيشكرك إنك نبهتيه؟ بس العيب مش عليكي، العيب على اللي قال يلم عارك ويديكي اسمه وشرفه، وانتي خاينة ومصنتيش اللي عملته معاكي وبتطعنيني في ضهري."
تحدثت بنحيب:
"صدقني، أنا عملت كده عشان خفت عليك…"
صرخت عندما اشتدت قبضته على شعرها وقال بصرامة:
"قلت اخرسي، كان لازم أعرف من الأول إن منصور عمره ما هيربي تربية زينة، بس الحج عليا إني ما رميتكيش ليه من البداية وشيلت مصيبتك لوحدي."
انفتح الباب فجأة ودلف منه جمال الذي سمع صرخاتها وصوته الهادر ليغضب بشدة وهو يرى ذلك المشهد أمامه وصاح به:
"انت بتعمل إيه يامخبول انت؟!"
تقدم منهم كي يأخذها منه، لكن جاسر منعه بغضب:
"محدش يدخل بيني وبين مرتي."
انصدم جمال من الغضب الذي يراه على ملامح ابنه وهدر به:
"انت اتجننت؟ إياك، سيبها بقولك."
دَلفت وسيلة أيضًا على صوته ورأت ابنها بحالة لم ترى مثلها من قبل وجاذبًا زوجته من خصلاتها:
"في إيه؟ إيه اللي بيحصل؟"
نظرت إليها سارة باستغاثة جعلت قلب جمال ينتفض، وتقدم من ابنه يجذبها من خلفه، لكن جاسر لم يكن بوعيه وصاح في والده:
"قلت محدش يدخل."
اتسعت عينا جمال من هيئة ابنه وكأنه تحول لشخص آخر، يرفع صوته لأول مرة عليه:
"انت بتعلي صوتك عليا؟"
الغضب أعمى بصيرته فلم ينتبه لما يقول:
"وهيعلى أكتر من كده لو دخلتوا."
صفعة أخرى، لكن تلك المرة كانت من نصيب جاسر لينصدم من فعلة والده التي لم يفعلها من قبل، وزادت صدمته عندما جذب سارة من يده لتحتمي به، لكنه سلمها لوسيلة التي احتضنتها بحب وخوف. وقال جمال باحتدام:
"اللي يمد يده على مرته مبيقاش راجل، يبجى حرمة زيها، وكان لازم تاخد الضربة دي عشان تفوق لحالك."
تلوت سارة بين يدي وسيلة من شدة الألم الذي لم يعد يحتمل، وانتبهوا على صرخاتها وهي تضع يدها على بطنها. وسألتها وسيلة بخوف:
"مالك يابتي؟"
لم يعد الألم يحتمل، فصرخت بوجع:
"الحقيني ياماما، مش قادرة."
أسرع إليها جمال يسندها مع وسيلة التي نظرت إليه لتقول بتوجس:
"لتكون حامل و…."
لم يستمع جاسر لشيء بعدها من هول الصدمة التي تلقاها، وكأن صدمة واحدة لا تكفي. لم يتخيل شيئًا كهذا ولم يكن في الحسبان. يرى دخول ليلى وخروج الجميع بها وهو لا يعي شيئًا مما يحدث. الدنيا تلتف به ثم تضيق عليه حتى أصبح تنفسه ضعيف. كان يجاهد ليأخذ أنفاسًا رتيبة وكأن الهواء انعدم من الغرفة. سقط على المقعد خلفه وشعر بأن عينيه أصبحت ترى شيئًا قاتمًا من حوله. الذي فعله بنفسه؟ لما وثق بها وصدقها؟ لما عشق من قامت بذبحه بكل ذلك البرود؟ ماذا سيفعل إذا اكتشف حقًا أنها حامل؟ وضع وجهه بين يديه مغمضًا عينيه بشدة. لا يستطيع تحمل كل تلك الصدمات.
***
كانت مستلقية على سرير الكشف تتلوى من الألم والطبيبة تقوم بعمل السونار، فسألتها وسيلة بخوف:
"طمنيني يادكتورة."
أزمت الطبيبة شفتيها وقالت:
"أنا مش شايفة حمل قدامي، بس ممكن الألم ده يكون انقباضات في الرحم."
نظرت إلى سارة وسألتها:
"ممكن أكشف عليكي؟"
رن هاتف ليلى مما جعلها تستأذن وتخرج من الغرفة.
بعد الانتهاء، جلست الطبيبة على مكتبها وساعدت وسيلة ليلى على النهوض وجلسوا أمامه. نظرت إلى كلاهما وبالأخص سارة التي يظهر على وجهها آثار عنف واضح، وسألتها:
"انتي متجوزة بقالك قد إيه؟"
كادت وسيلة أن تجيب، لكن الطبيبة منعتها:
"عايزة أسمعها هي، لإنها أكيد فهماني."
ردت سارة بتعب:
"شهرين."
اندهشت الطبيبة من البساطة التي تتحدث بها، وعادت أسألتها:
"في علاقة بينك وبين جوزك؟"
لم تفهم كلاهما ما ترمي إليه الطبيبة، وسألته وسيلة بحيرة:
"أمال إحنا جايين نسأل على حمل ليه؟"
قالت بعدم استيعاب:
"حمل إيه اللي بتتكلموا عنه، وهي لسه بنت أصلًا."
اتسعت عيونهم بصدمة حتى ألجمتهم لحظات، ونظرت وسيلة إلى سارة ومنها إلى الطبيبة وسألته بريبة:
"إنتي بتقولي إيه؟"
أكدت لهم:
"بقول اللي أنا شيفاه، إنها بنت، وهنا العيب عند ابنك مش عندها."
أغمضت وسيلة عينيها قهرًا على ولدها، ولم تنتبه لتلك التي كادت تجن من هول الصدمة، حتى إنها تناست آلامها وكل شيء، فأخذت تهز رأسها بعدم استيعاب لما يحدث. هل كانت داخل لعبة حقيرة من ذلك الكريه حتى يجبرها على الزواج منه وجعلها تلقي نفسها بين يدي من لا يرحم؟ لم تستطع البقاء لحظة واحدة. نهضت ولم تعِ بآلامها وخرجت من الغرفة مسرعة.
اندهشت ليلى من خروجها بتلك الهيئة، تلاها خروج والدتها وهي تناديها. أسرعت خلفهم تسأل والدتها:
"خير يا أمي، إيه اللي حصل؟"
اندهش جمال الذي كان واقفًا أمام السيارة منتظر اتصالهم، ليجد سارة تخرج من المشفى بتلك الحالة. أسرع إليها يسألها، ليتفاجئ بها تلقي نفسها في أحضانه وتبكي بانهيار. لم يفهم شيء مما يحدث، مما جعل قلبه ينقبض خوفًا عليها. فيسألها بلهفة:
"سارة، انت…"
لم تدعه يكمل جملته وشددت من احتضانها له أكثر وكأنها تلتمس منه الأمان. وهذا ما شعر به ليحتضنها بحب أبوي، مربتًا على ظهره. لم يفهم شيء مما يحدث عندما وجد ليلى ووسيلة يخرجون أيضًا من المكان ويبدو على وجوههم الدهشة. نظر إلى ابنة أخيه التي تبكي بانهيار وإلى زوجته وابنته الذين يقتربون منهم بقلق. كان نحيبها يمزق القلوب وهي تكتشف أنها داخل لعبة كادت تقضي على حياته، دمروا أحلامها حتى أوصلوها حد الهوان، ذل وانكسار. شاركوا جميعًا في تدميرها، وشارك هو أيضًا في ذلك. لن تغفر أو تسامح بعد الآن.
انتبهت على صوت ليلى التي سألتهم بريبة:
"إيه اللي حصل؟"
تحدث جمال بقلق:
"انتوا اللي فيه إيه؟ الدكتورة قالت إيه وصلها للحالة دي؟"
لم تعرف وسيلة بماذا تجيب، فقالت بتحير:
"مش وقته، خلينا نروح الأول."
ساندها جمال حتى جلست داخل السيارة لترمي رأسها على ظهر المقعد بضياع، وجلست ليلى بجوارها لا تفهم. وحدها وسيلة التي كانت تنظر إليها بين الحين والآخر بتشتت. جمال الذي تمزق قلبه وهو ينظر إليها من مرآة السيارة ولا يعرف ما بها. ماذا حدث حتى جعل ابنه يعاملها بذلك العنف؟ ماذا أخبرتها الطبيبة حتى جعلتها بتلك الحالة؟ ضغط على مقود السيارة بعجز وشعر أن المسافة للمنزل أصبحت بعيدة. أما سارة، فقد كانت تبكي بصمت، يبكي الورود.
***
ما زال على نفس حالته جالسًا على المقعد بضياع، لا يعرف ماذا يفعل. يشعر بطعنة حادة في قلبه، فقد قهرته حقًا بفعلتها. ذهب ليثأر لها ممن ظلمها كما كان اعتقاده، وهي بكل غدر تهاتفه وتنبهه خوفًا عليه. أمسك الهاتف يبحث به عن رسائل أخرى ليتفاجئ برسالتها لأخته. ازدادت وتيرة تنفسه وهي يقرأ محتوى الرسالة ليتسمر مكانه من شدة الصدمة. إذاً هي لم تهاتفه، لم تخبره خوفاً عليه كما اتهمها، بل كان لأجله هو، خوفًا عليه هو. وماذا فعل بالمقابل؟ أهانها وصفعها أمام الجميع، حتى عندما تألمت لم يهتم لها وتركها لوالده. انقبض قلبه بخوف. نهض مسرعًا وقرر الذهاب إليها. يكفي ما حدث حتى الآن. سيمحي الماضي ويمزق صفحاته. سيبدأ بصفحة أخرى بيضاء ويزهرها بعشقه. لن يؤذيها بعد الآن وسيعتذر لها أمام الجميع معترفًا بخطئه. وقبل أن يخطو خطوة واحدة خارج المنزل، وجد سيارة والده تدلف من البوابة الخارجية. نزل الدرج وتقدم من السيارة التي توقفت أمامه. ترجل جمال منها متجاهلاً وقوفه وفتح الباب ليساعد سارة على الخروج منها، ووجدها تنزل منها وتخبئ وجهها في صدر والده وكأنها تحتمي منه. نحاه جمال بذراعه كي يستطيع المرور بها، وأخذ ينظر إليها وهي تبتعد للداخل وتلاها مرور أخته ووالدته التي نظرت إليه بعتاب وتركوه وحيدًا. لم يدري أحد ما يعانيه قلبه. آآه، دلف خلفهم وصعدوا بها إلى غرفتهم ووضعها جمال على الفراش بحنان أبوي لم تراه من والدها. جلس على الفراش بجوارها وقال بابتسامة:
"حاولي تنامي شوية وهتقومي تلاقيني محضّرة لك مفاجأة زينة جوي."
أومأت له بعينيها لعدم قدرتها على التحدث وأغمضت عينيها كي تتظاهر بالنوم. أخذ جمال وسيلة وليلى وخرج بهم من الغرفة. فوجد جاسر واقفًا بجوار الغرفة ساندًا بظهره على الحائط. كان الندم ظاهرًا عليه، وهم بتعنيفه، لكن وسيلة منعته:
"بلاش دلوقتي، إني عايزاك في حاجة أهم."
أطاعها جمال وذهب معها إلى غرفتهم وأغلقت الباب خلفها. وقفت وسيلة أمامه لا تعرف ماذا تفعل، هل تخبره بسر ولده أم تكتم بداخلها حتى تتفاقم المشكلة بينهما. أما هو، فقد كان ينتظر حديثها وذلك الأمر الهام الذي جعلته يترك كل شيء ويصعد إليها. فسألها بصبر نافذ:
"متجولي يا وسيلة، البنت فيها إيه؟"
ازدردت ريقها بصعوبة ورفعت وجهها إليه فوجدته ينظر إليها ينتظر حديثها. أربكها أكثر، لكن عليها التحلي بالشجاعة والتحدث معه. فقالت بارتباك:
"سارة زينة الحمد لله، مفيهاش حاجة."
ارتاح قلبه قليلًا ثم سألها:
"أومال كانت مالها بتعيط ليه؟"
هزت نظراتها وشعرت بأن الكلمات وقفت في حلقها لا تستطيع الخروج. أغمض عينيه بيأس:
"أستغفر الله العظيم، إني نازل ولما تقرري يبقى نادي عليا."
هم بالذهاب، لكنها امسكت يده تمنعه من المغادرة وقالت:
"خلاص خلاص، هتكلم."
عاد إلى وضعه، وهى قررت الاعتراف كي يجدوا حلًا لتلك المعضلة، وتحدثت بارتباك:
"جـ… جاسر ابنك…"
قطب جبينه بقلق وهو يسألها:
"ماله جاسر، أوى يكون عمل حاجة…"
قاطعته مسرعة:
"لأ، متخافش، بس الدكتورة النهاردة جالت يعني…"
صاح بها جمال:
"ما تخلصي يا وسيلة وجولي في إيه."
أغمضت عينيها تستجمع شجاعتها وقالت بإحراج:
"اصل الدكتورة جالت إن بنت أخوك…"
انتفض جمال في وقفته وخشى أن يكون بها شيء وسألها بخوف:
"مالها بنت أخوي، انتي مش جولتي إنها زينة؟"
أكدت مسرعة:
"أيوه، هي زينة، بس…" ترددت قليلًا قبل أن تقول: "بس اللي عرفته من الدكتورة إنها.. يعني لسه بنت."
لم يستوعب معنى حديثها وسألها بعدم استيعاب:
"بنت إزاي مش فاهم."
خفضت عينيها بإحراج وتابعت:
"بنت يعني بنت يا جمال، يعني ابنك ملمسهاش."
رمش بعينيه وعقله يرفض تصديق ما سمعه الآن وسألها بريبة:
"يعني إيه بردك مش فاهم."
لم تجبه وسيلة، مما أكد ما لا يستوعبه عقله. هل من الممكن أن يكون ولده… رفض تصديق ذلك، لكن ما معنى أن يظل معها كل تلك المدة وما زالت كما هي؟! هل هذا سبب نظرة الانكسار التي يراها دائمًا بعينيها؟ هل ذلك أيضًا سببًا في ذلك الشجار الذي يسمعه كل ليلة في غرفتهم؟ انتبه على صوت وسيلة:
"إني جلتلك بس عشان تتحدت انت معاه وتشوف إيه الحكاية بالظبط."
ارتمى جمال على المقعد وقد اسودت الدنيا أمامه وعقله لا يستوعب ما عرفه الآن. أسند جبهته على يده ورد بفتور:
"ياريتك ما كنتي جولتيلي."
جلست وسيلة على المقعد بجواره وتحدثت بحزن:
"لازم أقولك عشان تتحدت معاه."
رفع وجهه إليها وقال بحزن:
"أجوله إيه؟ أجوله إني عرفت إنك عاجز، ولا أجوله إن سرك اتعرف والدكتورة جالتها صريحة."
تذكر أمرًا هامًا وسألها بريبة:
"بس الدكتورة عرفت كيف؟"
حمحمت بإحراج وقالت:
"كانت بتعملها أشعة تشوف الوجع ده من إيه."
تلاعب الشك بداخله ظنًا منه أن سارة تقصد معرفة الطبيبة بذلك، وعاد يسألها:
"وليه سارة وافقت تعملها الأشعة وهي خابرة إن الطريقة دي هتعرف الدكتورة؟"
احتارت وسيلة أيضًا وتذكرت ملامح سارة التي ظهرت عليها الصدمة:
"مش عارفه، بس أنا حسيتها اتصدمت لما الدكتورة جالت كده. روحي اتكلم معاه وشوف إيه الحكاية."
نهض جمال وهو يقول بحدة:
"حكاية إيه بس! حكاية إيه غير إن ابنك مش طبيعي، وياترى ضربه ليها النهارده كان سببه إيه؟"
"يمكن يعني…."
قاطعه بعذاب:
"مفيش يمكن، واحد متزوج بقاله أكتر من شهر وبنوم عليهم باب واحد وبيناموا على سرير واحد وزي ما بتجولي بيحبها يبقى إيه اللي هيمنعه غير ده؟!"
"اتكلم معاه واعرف."
تنهد بضيق شديد ثم سألها:
"طيب متكلمتيش معاها ليه؟ ممكن تكون هي اللي رافضة إنه يجرب منها."
"أجولها إيه بس؟ وبعدين الصدمة خلتني مش عارفة أجول ولا أعلم إيه."
هز رأسه بحيرة:
"أكيد ده السبب."
نظر إليها وتابع:
"أني من رأيي انتي اللي تتحدتي وياهم، مش هقدر أشوف نظرة انكسار في عينيه."
"بس إني مش هقدر أتحدت وياه في حاجة زي دي."
"حديثك معاه انتي أسهل بكتير مني، اعرفي بس السبب وإني هتحدت معاه."
خرج من الغرفة صافقًا الباب خلفه بحدة، لا يعلم إلى أين.
***
هم جاسر بالولوج إليها بعد خروجهم، لكن ليلى منعته:
"سيبها دلوقتي، ولما تهدى يبقى ادخلها."
أوجعتها نظراته، لكن عليها أن تكون حازمة معه كي لا يعيدها مرة أخرى، فسألها بخوف:
"هي الدكتورة جالت إيه؟"
هزت كتفيها:
"مش عارفه، أنا جاني فون مهم وخرجت أرد عليه، بس الدكتورة كانت بتقول إن مفيش حمل ولا حاجة."
أشرق وجهه بسعادة، لكنه لم يبدها أمام أخته التي تركته وعادت إلى مخبئها كما تطلق عليه وسيلة.
رآى والده يخرج من الغرفة، فاخفض عينيه بأسف جعل قلب جمال ينتفض بألم عليه. فتركه وخرج من المنزل بأكمله.
خرجت وسيلة لتجده واقفًا أمام غرفتها، فتقدمت منه لتقول بتعاطف:
"تعالى يا جاسر، رايدة أتحدت معاك في كلمتين."
أومأ لها وذهب معها إلى الغرفة، ليجدها تقف أمامه وتسأله:
"أيه اللي بينك وبين بنت عمك؟"
رواية ومجبل علي الصعيد الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم رانيا الخولي
ضاع كل شيء واصبحت حبيسة تلك الجدران.
ظهر في حياتها لحظات هدمت حلمها الوحيد.
ضاع عام من دراستها وربما تكون أعوام كثيرة.
وتم تحديد موعد زفافها.
طرق بابها ودخل مهران الذي أخذ ينظر إليها بشر.
لم تبالي به، فقد ضاع كل شيء وانتهى الأمر.
تقدم منها وقال بحدة:
"اعملي حسابك الفرح هيكون بعد شهرين من دلوقتي."
أشاحت بوجهها بعيدًا عنه دون قول شيء، مما جعل غضبه يشتد أكثر وقال بحدة:
"ايه مش عاجبك؟"
نهضت حلم وتقدمت منه تسأله بحيرة:
"حاجة واحدة بس هي اللي عايزة اعرفها منك، ايه اللي يجبرك تتجوز واحدة مش طايقاك وبتحب واحد تاني؟"
اندهش مهران من جرأتها التي تتحدث بها وقال ببساطة:
"لأن العرف عندنا بيقول كده، بيقول أولاً إن البنت لابن عمها.
وثانياً إن الورث اللي سابه أبوكي مينفعش يروح للغريب."
"طيب لو اتنازلت لك عن حقي كله..."
ضيق عينيه بشك وقال:
"تقصدي إيه بالظبط؟"
تحدثت بقوة لم تعهدها من قبل:
"أقصد إني مستعدة اتنازلك عن كل حاجة بمقابل إنك تساعدني أرجع الجامعة تاني."
قطب جبينه بغضب شديد ثم قال بغضب:
"انتي بقولك إيه، شكلك اتجننتي."
أجابته بحدة:
"لأ متجننتش، ده حقي.
كل اللي بطالب به هو أكمل دراستي وتأجل الفرح بعد الامتحانات.
وإني إيه اللي يجبرني أوافق وإني لو اتجوزتك دلوقتي كل حاجة هتكون تحت إيدي.
بس المزرعة والارض اللي وراها باسمي ملهاش دعوة بالورث اللي عند جدي، يعني حتى لو اتجوزتني دول بردك هيكونوا ليا أنا.
أما انت لو طاوعتني هيكون الورث وعليهم المزرعة واللي وراها ملكك."
التزم الصمت قليلًا يفكر في كلامها ثم نظر إليها قائلًا بشك:
"وإيه اللي يضمنلي؟"
"تقنع جدي الأول وأرجع الجامعة وبعدين هكتبلك كل حاجة، ها قلت إيه؟
ووعدي ليك ضمان."
أخذ يفكر قليلًا ثم قال بفتور:
"سيبني أفكر شوية وبعدين أقولك."
أنهى حديثه ثم تركها وغادر.
لن يرفض، فهي تعلمه جيدًا يبيع أي شيء مقابل المال.
***
اندهش جاسر من سؤالها وقال بحيرة:
"تخصدي إيه، مش فاهم؟"
"انت خابر زين أنا أقصد إيه."
اهتزت نظراته باحراج:
"عادي يعني، سوء تفاهم بيحصل بين أي اتنين متجوزين."
تقدمت منه أكثر وقالت بتهكم:
"متجوزين بردك؟"
قطب جبينه بعدم فهم فهو لا يعرف ما ترمي إليه وسألها بحيرة:
"بزيادة لكِ الألغاز وقولي يا أمي إيه اللي في دماغك."
تظاهرت بالقوة رغم الاحراج الذي تشعر به وقالت:
"متجوزين كيف وهي لسه بنت؟"
عقد جاسر حاجبيه مندهشًا من قولها:
"يعني إيه، مش فاهم؟"
استغربت وسيلة من حيرته:
"هو إيه اللي مش فاهمه، إني اللي عايزة أفهم ليه الدكتورة قالت كده."
هز جاسر رأسه بانفعال حاول بصعوبة السيطرة عليه:
"متتكلمي دغري وجولي إني مفهمش حاجة."
نظرت إليه بعدم استيعاب:
"هل ينتظر توضيح أكثر من ذلك؟"
"فيه إن مراتك لسه بنت متلمستش، وده اللي بسألك عليه.
مش انت اللي تسألني؟"
وكأن دلواً من الماء البارد سُكب عليه وتصنم جسده وهو يحاول استيعاب ما سمعته أذناه.
فأراد التأكد أكثر فسألها بتيه:
"يعني إيه الكلام اللي بتجوليه ده؟"
اتسعت عينيها ذهولًا من حديثه:
"هو مين اللي يسأل التاني؟
في إيه بينك وبين مراتك يا جاسر؟"
صاح بها جاسر بوجع:
"ردي عليا يا لول وأكدلي إن الكلام ده صح؟"
أجابت وسيلة بحدة:
"الدكتورة اللي أكدت لما كشفت عليها وقالت كده."
رمش بعينيه يحاول لملمة شتات أمره وتساءل عن معنى ذلك؟
هل تقصد..؟
لكن كيف؟
نظر إلى والدته باستنجاد:
"انتي بتجولي إيه؟"
الضياع الذي ظهر عليه طعن وهو يتحدث جعل قلبها ينقبض خوفاً عليه.
فدنت منه تسأله بقلق:
"صارحني يا ولدي وجولي مالك فيك إيه؟
وأوعدك إنه هيفضل سر بينا."
حاول أن يبتلع تلك الغصة التي توقفت في حلقه، لكنها ظلت ثابتة حتى كاد يختنق منها.
جلس على المقعد عندما شعر بقدميه كالهلام لا تستطيع حمله:
"جات متأخر جوي."
بقلب ملتاع دنت منه تجلس بجواره وسألته بريبة:
"جولي يا ولدي الحقيقة وريحني."
رفع نظره لها بتشتت وقال بألم:
"رايدة تعرفي الحقيقة؟
بس لو عرفتيها مش هترضي تبصي في وشي."
اهتزت نظراتها بقلق لكنها طمأنته:
"مش هيحصل يا ولدي، بس طمني وجول في إيه."
***
استطاع أخيرًا فتح عينيه ليغلقهما فورًا إثر ذلك الضوء الذي يملأ الغرفة.
سمع صوت يعرفه جيدًا يردد اسمه، مما جعله يصارع كي يرفع جفنيه ويتأكد من وجودها.
فتح عينيه بروية لتقع عيناه عليها وهي تنظر إليه بابتسامة وصوتها يناديه:
"أمجد، انت كويس؟"
كان يود أن يرفع يده كي يتأكد من وجودها، لكنه شعر بثقل فيها فلم يستطع.
حاول نطق اسمها لكن حلقه كان جافاً لم يستطع النطق.
يشعر بألم حاد غير محتمل في صدره فنطق اسمها بوهن:
"لـ…ـيلـ..ـي."
تلك المرة كان الصوت أوضح صوت عصام الذي تحدث بجدية:
"أمجد، انت سامعني؟"
أومأ بعينيه فالمجهود الذي بذله في نطق اسمها أهدر طاقته.
أين هي؟
لقد كان يسمع صوتها ويرى طيفها الخافت.
أين ذهبت وتركته؟
تحاول نطق اسمها مرة أخرى لكن لا فائدة، الألم شديد ولا يستطيع التحدث بما يؤلمه، هي وحدها كانت تشعر به دون أن يتفوه بشكوى.
رفع إصبعه كأنها إشارة لها بالاقتراب، لكن لا فائدة.
تلك المرة كان صوت والده:
"أمجد، حمد الله على السلامة يا ابني."
صوت أنثوي كان يتقدم منه، يعرفه جيداً.
فقط يندهش من تواجده.
بعد عناء دام لحظات وضحت الرؤية أمامه.
نظرة شاملة لكل الموجودين ولم يرى فيهما طيفها.
تحدث بجهد:
"ليـ..ـلى."
ربت عصام على يده وقال بابتسامة:
"ليلى كويسة، متقلقش، المهم مترهقش نفسك وارتاح."
تقدمت منه لتنظر إليه بسعادة:
"أمجد حبيبي، حمد الله على السلامة."
اندهش من تواجدها وتسلل القلق إلى قلبه وعقله، لكنه لم يستطع التحدث معها.
فعاد إلى غفوته ليعود إليها في أحلامه.
***
صدمة قوية تلقتها وسيلة في ابنها التي كانت تفتخر به دائماً.
كانت تستمع له ليخرجها من صدمة ويلقيها في أخرى أشد وأقوى.
تنظر إليه بعدم استيعاب وكأن من أمامها الآن يروي قصة من وحي الخيال.
محال أن يكون ولدها بكل تلك القسوة.
ومع من؟
ابنة عمه التي اتخذته درعاً تتحامى فيه، ليكون هو بكل تلك القسوة معها.
كيف سولت له نفسه بأن يذيقها الهوان وقد جاءت إليهم تلتمس منهم الأمان.
تذكرت نظرات الإنكسار التي كانت ملازمة لعينيها والحزن الذي كان يغلف صوتها.
استطاعت أخيرًا التحدث وهي تنظر إليه بخزي:
"ياخسارة تربيتي فيك، انت مستحيل تكون ولدنا اللي ربيناه على الرجولة والشهامة عشان يستقوى على حرمة جات تتحامى فيه ومش أي حرمة دي بت عمه."
أغمض عينيه بألم وهي تابعت دون أن ترفق بحالته:
"بدل ما تحتويها وتحسسها بالامان اللي فقدته، زدت انت في جسوتك وجبروتك عليها ونسيت انها لجأت لينا احنا عشان نحميها، تجوم انت تتجبر عليها."
"انت شاركت معاهم في اللعبة دي واكتر كمان."
"هما أوهموا وانت حكمت وعذبت فيها لحد ما وصلتها للحالة اللي هي فيها دي."
"انت زيك زيهم متفرجش عنه كتير."
كان يستمع إليها وهو خافضاً رأسه بانكسار.
تابعت وسيلة جلده:
"كان ذنبها إيه عشان تعذبها أكده؟
هي اتعرضت لحاجة أي واحدة في الدنيا ممكن تتعرض ليها وحقيقة بنسمع عنها كل يوم."
"لجأت نفسك مش هتجدر تتحمل وضع زي ده، كنت صارحتنا واحنا اتصرفنا."
"والآخر ضربتها وهنتها عشان خافت عليك تضيع مستقبلك في واحد زي ده ونبهت أخته."
"صدقني كل اللي عرفته ده خلاني أتعلق بيها أكتر وأتأكد إنها فعلاً بنت أصول، بس للأسف وقعت في إيدين مبترحمشي وأولهم يدك انت."
تحدث بألم وهو يهز رأسه بين يديه:
"ارحمني كفاية."
تابعت وسيلة عتابها:
"وليه انت مرحمتهاش، تفرج انت إيه عن اللي ظلموها على الأجل هما وهموها، إنما إنت هنت وجسيت ومديت إيدك."
"مظنش إن اللي عملته ده ممكن حاجة تغفرلك عندها."
"تعرف لما عرفت الحقيقة جريت على حضن مين؟"
"حضن أبوك لأنه كان أحن عليها من حضنك."
"المفروض في الوقت ده تكون في أسعد لحظاتها وهي بتكتشف إنها بريئة، وبدل ما تترمى في حضنك انت رمت همومها وأحزانها في حضن أبوك."
رفع جاسر وجهه إليها وقال بألم:
"أعمل إيه؟"
تنهدت بحيرة:
"العمل عمل ربنا، بس روح لها واعتذر لها يمكن تسامحك."
"واعمل حسابك إنها دلوقتي مذبوحة، ممكن متسامحش بسهولة، اتحملها مهما عملت."
هز رأسه بضياع ثم نهض من مقعده.
فتطلع إلى والدته التي أشاحت بوجهها بعيدًا عنه ثم خرج من الغرفة.
وقف أمام غرفتها يحاول لملمة شتات أمره، لا يعرف ماذا يفعل.
كيف ستغفر له ما فعله معها.
نظر إلى يده التي امتدت عليها بكل قسوة ثم قبضها بحدة يعاتبها على ما فعلت.
طرق بابها وقام بفتحه ليتفاجأ بأن الغرفة فارغة.
تقدم من المرحاض وقد انقبض قلبه بخوفٍ وطرقه أيضاً، لكن ما من مجيب.
ازدادت حدة انقباضت قلبه وخرج مسرعاً ليدلف غرفة سارة دون استئذان ليجدها مستلقية على فراشها وفي عالم آخر.
نهضت مندهشة من فعلته وسألته بريبة:
"في إيه يا جاسر؟"
سألها بتوجس:
"انتي شوفتي سارة؟"
هزت رأسها بنفي وقالت:
"من وقت رجعنا مشوفتهاش."
تلجأها…
لم يستمع للباقي وخرج مسرعاً يبحث عنها في كل الغرف لكن لا فائدة.
خرج مسرعاً للباب الرئيسي يسأل أحد الرجال المكلفين بحراسة المنزل:
"هي مرتي خرجت دلوقت؟"
أومأ الرجل:
"آيوة يا بيه، مشيت من نص ساعة، حتى لما سألتها مردتش علي."
مستحيل أن تفعل ذلك، لم تتركه، لن يستطيع العيش من دونها.
أدلف مسرعاً ليأخذ سيارته وانطلق بها إلى محطة القطار الذي شعر بمدى بعدها حتى شعر بأن السيارة ثابتة لا تتحرك.
كان يناجيها أن تعود، سيجثو أمامها ويطلب منها العفو، لكن لا تفعل به ذلك.
فل تنتقم منه كما تريد، لكن لا ترحل وتتركه في عذابٍ لا يرحم.
فل تعود وتكويه بنارها ولن يشكو.
وإن أراد أن تذيقه العذاب الذي تجرعته فلتفعل ولن يأنف.
بعدها عنه هو الموت بحد ذاته، فالموت بعذابها أرحم بكثير من الموت ببعدها.
تباطأت سيارته وهو يسمع صوت القطار المنطلق من البلدة وأخذ ينظر إليه بدمعة سقطت على وجنته وهو يراه ينطلق آخذاً معه أعز الأحباب.
كانت جالسة في القطار ترتدي نظارة سوداء تخفي بها عينيها التي لم تكف لحظة واحدة عن البكاء.
تبكي على كل شيء، على تلك الخدعة التي أتقنوها عليها ببراعة.
وعلى قلبٍ نبض بعشق رجلٍ قاسي تحملت منه الكثير.
تذكرت كل إهانته لها، نعتها بالخاطئة، تزوجها غصباً كي ينتشل أهله من الفضيحة وليس شهامة منه.
منعها من جامعتها حتى لم يهتم بنقل أوراقها.
سجنها في المنزل ولم تخرج منه منذ مجيئه.
لن ترحم ولن تغفر ولن تظل بذلك الضعف بعد الآن.
ستخرج من حياته ولن تعود.
***
وقف في ذلك الخلاء مستنداً بظهره على السيارة وينظر للفراغ الذي أمامه بوجوم.
لكن قلبه الذي ينزف دماً ويصرخ ألماً على فراقها يعاتبه بقسوة ولا يرفق به.
لم يتخيل يوماً أن يكون بُعدها قاسياً لتلك الدرجة.
رن هاتفه أو بالاصح هاتفها.
أخرجه من جيبه ليجد المتصل والدته.
فلم يستطع الرد عليها.
انتظر لحظات حتى يأست والدته ثم دفعه شوقه ليتطلع إلى الصور المحفوظة به ويملي عينيه من صورتها.
وقع نظره على صورة التقطت لها في الجامعة وقد كان نسمات عليلة تتلاعب بخصلاتها التي يعشقها ويرى بعينيه المشتاقة أجمل ابتسامة محاها هو بغلظته.
وضع أنامله على شاشة الهاتف يتلمس صورتها وتلك الابتسامة التي تشق ثغرها بسحرٍ آخذ يسري في القلوب.
وكأنها التقطت عن عمد كي يجعله يخرج من جوفه آه آه ألم لم يعلم بها سوى خالقه.
الألم يمزق قلبه دون رحمة ويطالبه بالاسراع إليه.
لكن لن يستطيع الوقوف أمامها الآن، سيتركها تهدأ وبعدها سيذهب إليها ويطلب العفو مراراً.
***
عادت ساندي إلى شقة والده والدموع تنهمر من عينيها.
لم تستطع العودة إلى منزل عمتها بعد ما حدث.
انسحبت بخزي من شقته وجاءت إلى هنا كي تبكي بانهيار.
ما كان عليها الذهاب إلى منزله، لكن هذه عدالة القدر لما فعلته في صديقتها.
طرقات حادة على الباب جعلتها تنتفض بخوف، لكن عندما زاد الإصرار تقدمت من الباب بريبة وتساءلت:
"مين؟"
رد الطارق باقتضاب:
"افتحي."
لم تستطع التهرب بل قررت المواجهة كي تعتذر منها آلاف المرات، ربما ذلك يشفع لها ولو قليلاً فقد ذاقت مرارته وكان هذا أشد عقاب.
فتحت الباب لتجد سارة أمامها تنظر إليها بعتاب حارق مما جعلها تخفض عينيها وقالت بخزي:
"ادخلي ياسارة."
لم تخطُ خطوة واحدة داخل ذلك المنزل، لكنها قالت باحتدام:
"ليه؟"
أغمضت عينيها بألم من عتابها الذي مزق داخلها لتكمل سارة عتابها:
"أنا كنت بعتبرك أختي، ليه عملتي فيا كده؟"
مسحت ساندي دمعة حارة سقطت على وجنتها وقالت بألم:
"ادخلي نتكلم جوة."
صرخت بها سارة بوجع:
"مش هدخل."
أشارت لها بيدها أن تهدئ:
"خلاص بس ارجوكي أهدي."
صرخت مرة أخرى:
"قوليلي على حاجة واحدة بس تخليكي تعملي فيا كده."
ازدردت لعابها بصعوبة والألم يفعم قلبها لتجيب عليها:
"محدش منا اذاكي، كل الحكاية إني وائل أوهمك عشان تقبلي تتجوزيه بعد ما ياس من إقناعك."
"بس أقسم لك إني ما سمحت له إنه يشوفك حتى، أنا اللي عملت كل حاجة وأنا اللي قلعتك الهدوم وغطيتك وفضلت جنبك ولما لقيتك بتفوقي خرجت بسرعة ودخلته هو، وأكيد اتأكدتي بنفسك بما إنك اتجوزتي."
لم يزيدها كلماتها سوى مرارة وازدراء شعرت بهم تجاهها.
ابتسمت بتهكم:
"لا كتر خيرك حافظتي عليا."
تحول تهكمها لعتاب قاسٍ:
"بس كسرتيني وذللتيني وخلتيني أتحمل اللي مفيش واحدة تقدر تتحمل وأنا بطعن كل لحظة في كرامتي والشرفي.
لما تلاقي جوزك كل ما يقرب منك يبصلك باشمئزاز ويحسسك دايماً إنك خاطية، دمرتيني وكسرتيني، منك لله."
ابتسمت بوجع وهي تقول:
"متقلقيش ربنا أخد لك حقك يا سارة وانتقم مني ومن أخوكي."
سقطت دموعها بألم وتابعت:
"بس أنا بقى حقيقي وكان بمزاجي.
دلوقتي بس حسيت بيكي وباللي عملته وعرفت إن غيرتي منك ما أخدتش من وراها غير الدمار ليا أنا مش انتي."
عقدت سارة حاجبيها بدهشة لتأكد لها:
"أيوة كنت بغير منك، كانت نظرات الكل ليكي كلها إعجاب.
أغلب الشباب في الجامعة كانوا بيتمنوا نظرة منك، واحنا داخلين المحاضرة بلاقي عيونهم كلها بتتمنى تقعدي جانبه وفي منهم اللي كان بيفضيلك مكان عشان تكوني جنبه مع إنك كنتي دايماً حازمة في تعاملك معاهم."
"عشان كده لما لقيت اهتمام من صاحب وائل جريت وراه واتخدعت بوهم الحب، كنت بخاف أزعله وهو عرف يدخلي من المكان ده لحد ما سلمت له نفسي بإرادتي."
رفعت عينيها لتطلع إليها بندم:
"دلوقتي بس جربت الإحساس ده وعيشت فيه.
ربنا انتقم مني وأخد لك حقك."
تراجعت عما كانت تنوي فعله معها وتركتها في عذابها الذي تعلم جيداً مدى قسوته وآلامه.
تركتها ورحلت لتعود كما كانت.
ابتسمت بألم:
"لكن كيف وذلك وقد تحطم كل شيءٍ بداخلها، وأصبحت فتاة أخرى لم ترحمها الحياة."
تذكرت عندما مرت من هنا بعد استيقاظها ونظرت لذلك السور الذي تقدمت منه تنوي الانتحـ.ـار لولا أن تذكرت أن لها أهلاً وعليها الفرار من الموت إليهم.
تقدمت من السور تنظر إلى المياه التي كانت أرحم لها من الخزي الذي عاشته.
تساقطت دموعها بغزارة وهي تتذكره واندهشت من ذلك القلب الذي مازال ينبض بعشقه رغم ما فعلها به.
أخذت شهيقاً عميقاً كي تهدئ به من روعها، لكنها لم تعد تتحمل.
أثقلت الهموم عليها بعد ما علمت الحقيقة وياليتها لم تعلم.
***
جالسًا في مكتبه يحاول العثور على حل لتلك المعضلة.
فـ الشركة أصبحت في الانخفاض بسبب تلك الصفقة الخاسرة التي أقحم نفسه داخلها.
وأصبح كل شيء يتلاشى من حوله.
لا يوجد سوى الوحيد التي تلازمه أينما ذهب.
عليه التصرف كي لا يشمت به الأعداء.
انزعج من تلك الطرقات التي لم تيأس فنهض يبحث عن أحد من الخدم فتذكر بأنه سمح لهم بالذهاب.
فتح الباب ليتفاجأ بـ سارة تقف أمامه لكن وحيدة.
ابتسم لها بسعادة وهو يحتضنها:
"سارة، إزيك ياحبيبتي عامله إيه؟"
لم تشعر سارة بحرارة الحنان الذي تشعر به في أحضان عمها مما جعلها تتسمر مكانها ولا تبادله الاحتضان.
مما جعله يبتعد عنها بتوجس:
"انتي كويسة؟"
دلف سارة إلى الداخل وهي ترد بفتور:
"آه كويسة."
سألها بدهشة:
"انتي جاية لوحدك ولا إيه؟"
التفتت إليه لتجيب باقتضاب:
"آه جاية لوحدي."
أغلق الباب ليشير لها بالجلوس حتى يستفهم منها عما حدث:
"وإزاي جاسر يسيبك تسافري لوحدك؟"
قاطعته بثبوت:
"أنا جاية لحضرتك عشان تكلم عمي وتتفقوا على الطلاق."
الجمته الصدمة لثواني لكنه انتبه لها وسألها بريبة:
"تطلقي يعني إيه؟"
ردت بجمود:
"يعني زي الناس، أنا سبت البلد وجيالك عشان تتفق مع عمي."
شعر منصور بالغضب ظناً منه أن أحداً منهم قام بجرحها أو إهانتها وسألها بحدة:
"عمل إيه ابن جمال خليكي تطلبي طلب زي ده وانتوا لسه مكملتوش حاجة؟"
استاءت من طريقته في ذكر عمها وقالت:
"ابن جمال؟"
تنهدت بتعب منه وقالت:
"ابن جمال معملش معايا غير كل خير، كلهم بلا استثناء كانوا بيعملوني بكل حب اللي للأسف كنت مفتقدته معاك انت وماما."
"حسيت لأول مرة بجو العيلة والحب والتفاهم."
"ورغم اللي عملته فيهم الا ان عمي كان بيعملني زي ليلى ويمكن أكتر كمان."
اتسعت عينيه بصدمة وسألها بحدة:
"هو اللي حكالك؟"
هزت رأسها بنفي وقالت بحزن:
"للأسف لأ، محدش منهم اتكلم معايا ولا حتى حسسني بأي شيء بس سمعت الحوار بالصدفة."
"كان عمي بينبه على ابنه إنه ميعرفنيش أي حاجة عن الموضوع وهدده بالعقاب لو لمح لي حتى."
تساقطت دموعها باشتياق وتابعت:
"عايز تعرف أنا ابن جمال عمل معايا إيه؟"
هزت رأسها بألم وأجابت:
"ابن جمال سترني، ابن جمال جاه على نفسه وحماني من العار."
قطعت حديثها عندما لاحظت الذهول على وجه والدها لتتابع:
"متخافش أنا زي ما أنا بس كانت لعبة سخيفة من كد حقير عشان يجبرني اتجوزه."
"هربت منه ليهم بدل ما أهرب منه ليك انت."
"اتحاميت فيهم وهما احتضنوني وعوضوني."
"وجاسر ده اللي عرض يتجوزني عشان يحميني من الفضيحة."
"وانتوا عايشين هنا ولا على بالكم."
"حتى لما عمي طلبني منك جيت زيك زي الغريب ومشيت بردوا زي الغريب."
"حتى أمي اللي المفروض بعيد عن كل الحوارات دي رفضت تحضر فرحي وسابتني لوحدي."
"بس أنا مش بلوم عليها لأن دول مش أهلها، عمرها ما شافتهم ولا داقت حنانهم."
"والأمر من كل ده أنها مخنتش أبوها ولا اتخلت عنه بالعكس كانت بتاخد منك وتديله والنوع اللي بار بأهله متخافش منه."
"للأسف أنا رجعت عشان مجبرة، كان عليا مكنتش هرجع أبداً."
ظهر الغضب على وجه جمال وهو يستمع لما قالت ثم دنا منها ليمسك ذراعها بحدة وسألها بانفعال:
"سيبك من الكلام الفارغ ده وقولي مين اللي عمل فيكي كده."
سحبت سارة ذراعها من يد أبيها وردت بثبوت:
"مفيش داعي لأن خلاص ربنا انتقم لي منه والحمد لله إني طلعت سليمة."
"بعد إذنك."
تركته في صدمته التي لم يفوق منها حتى الآن وصعدت إلى غرفتها لتغلق الباب خلفها وتستند عليه بظهرها وتسمح لنفسها بالانهيار.
***
عاد جاسر إلى غرفته بعد وقت متأخر من الليل كي لا يرى أحدًا ويسأله عما حدث.
دلف الغرفة وارتمى على الفراش وأخذ ينظر إلى جانبها منه.
يتخيلها نائمة بجواره وبالفعل يراها تنظر إليه نظرة عاتبة.
مد يده ليمحو دمعة حارة سقطت على وجنتها لكنها اختفت من أمامه فور أن طرقت وسيلة ودلفت إليها.
أوجعها قلبها عليه وهي تراه بتلك الحالة.
تقدمت منه وهو على نفس وضعه وجلست بجانبه لتقول بألم:
"اللي انت بتعمله ده عمره ما هيرجعها."
تحدث بثبوت:
"عايزاني أعمل إيه؟"
"تروح لها يا ولدي وتطلب منها تسامحك، وهي بتحبك وأكيد هتسامح."
هز رأسه بنفي:
"عمرها ما هتسامحني."
ردت بتأكيد:
"اللي يحب ميكرهش."
ابتسم بتهكم:
"ومين جالك إنها بتحبني، مستحيل تحبني وأنا كنت بهينها في كل كلمة وفي كل حركة."
"كان كل ما أحس إن مشاعري بتضعف، ألاقيني بقسى عليها لدرجة الإهانة."
"وهي عمرها ما احتجت ولا رفضت معاملتي معها، وده اللي قهرني."
"روح لها يا قلبي، وإن رفضت أنا وأبوك هنروح لها وأكيد مش هتحرجنا."
"هسيبك تنام دلوقتي والصبح تروح لها وتطلب منها تسامحك."
أومأ بعينيه لتتركه وسيلة بحالته التي وإن دلت على شيء فأنها تدل على مدى الضياع الذي يشعر به.
***
استيقظت سارة لتجد نفسها نائمة على الأرضية كما كانت.
شعرت بألم شديد في رأسها من شدة البكاء فدلف المرحاض لتاخذ حمام دافئ ربما يهدئ ذلك الألم.
خرجت من الغرفة لترى والدتها وهي تتظاهر بالثبات، عليها ألا تبدي ضعفها أمام أحد.
وجدت والدها يخرج من غرفته.
بداخله أسئلة كثيرة لكن ليس الآن، سيتركها حتى تهدأ قليلاً ثم سيتحدث معها عما حدث.
أما الآن هو مشغول بأمور الشركة التي على وشك الضياع من بين يديه.
"صباح الخير."
ردت بفتور:
"صباح النور، ماما صحيت؟"
حمحم بإحراج لأنه يعلم أنها لا تعلم شيئاً مما حدث:
"ماما زعلت شوية وقاعدة في بيت جدك."
قطبت جبينها بعدم فهم ثم سألته:
"ومصطفى؟"
"معاها، أنا مستعجل دلوقتي ولما أرجع هنتكلم مع بعض."
أومأت له وظلت تنظر إليه حتى خرج من المنزل.
عادت إلى غرفتها كي تبدل ملابسها وتذهب إليهم.
كما أن عليها الذهاب إلى الجامعة كي تستطيع تجميع ما فاتها.
أبدلت ملابسها وهمت بفتح الباب والخروج منه لتتفاجئ به أمامها.
كانت لرؤيته بتلك الحالة تأثيراً سيئاً على قلبها، لكنها لم تبدِ ذلك وتظاهرت بقوة زائفة وهي تتحدث بجمود:
"بابا مش موجود."
وهمت بغلق الباب لكنها منعها من ذلك ودلف إليها ليقول برجاء:
"بس إني جايلك انتي وارجوكي اسمعيني."
بقوة زائفة تحدثت:
"خلص الكلام بينا ومفيش دلوقتي غير الطلاق."
انتفض قلبه بين أضلعه من سماع تلك الكلمة وقال برفض:
"انتي بتطلبي المستحيل، أنا جاي أقولك ارجعي وأنا…."
قاطعته بألم:
"انت؟ انت إيه عايز تعمل إيه تاني بعد اللي عملته فيا؟"
"إهانة وذل وضرب، فاضل إيه تاني عايز تعمله؟"
أغمض عينيه بألم شديد يخفي ذلك الألم المرتسم بهم وقال:
"سارة…."
قاطعته لتقول بوجع:
"سارة! انت عارف أنا أول مرة بسمع اسمي منك، كنت بتتكلم على طول كأنك بتكلم حيطة ولا سرير وده لو اتكلمت أصلاً."
"مستحيل أرجع للذل ده تاني."
تحدث برجاء:
"هعوضك بس ارجعي معايا، إني مقدرش أعيش من غيرك."
هزت رأسها برفض:
"تعرف لو كنت سمعت الكلمة دي قبل ما يحصل اللي حصل كنت هبقى أسعد واحدة في الدنيا ويمكن كانت حاجات كتير أوي اتغيرت، بس للأسف جيت متأخر."
"جيت بعد ما اتأكدت إني سليمة متلمستش ولا عارة زي ما كنت بتعاملني."
"حتى لما كنت بتقرب مني كنت بشوف في عينيك رغبة مش حب."
"كنت بسيبك رغم إني ببقى رافضة حاجة زي دي بس كنت عايزة اسمح أي لمسة لحد قبلك."
"كنت بضغطي على نفسي واتحمل وانت في الآخر بكل جبروت تزقني وتبص لي باشمئزاز كأني واحدة من الشارع."
"اخرج من حياتي وسيبني، معدش ليك مكان فيها."
هي محقة في كل كلمة.
عليه الانسحاب الآن كي لا تنهار أعصابها التي تتظاهر فيها بالقوة والثبات.
ألقى إليها نظرة رجاء أخيرة لتشيح بوجهها بعيدًا عنه كي لا يرى تلك الدموع التي تجمعت في عينيها.
استدار هو أيضاً ليمضي تاركاً إياها تنظر في أثره بحزن ودموع تنهمر إلى أن خرج من البوابة الرئيسية واختفى تماماً.
وقفت تنظر إليه وهو يعافر كي ينهي هذا التمرين الشاق لتهز رأسها بيأس منه:
"حبيبي كفاية كده، انت بقيت ترهق نفسك أوي."
توقف أمجد عن التمرين وأخذ منشفة يجفف بها عرقه وقال بانهاك:
"ده تحدي ولازم أكسبه."
رواية ومجبل علي الصعيد الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم رانيا الخولي
خرجت سارة من الجامعة لتشيح بوجهها فور أن وجدته يخرج من السيارة متجهًا إليها.
لم يمل يومًا وظل يحاول معها، لكنها أبت الرضوخ له وظلت على عنادها.
أشارت لسيارة أجرة قبل أن يقترب منها، لكنه وصل قبله ووقف أمامها ليقول بأمر:
_ تعالي معي أوصلك.
ردت بعناد:
_ لا متشكرة، أنا هركب تاكسي.
زم فمه بغضب من عنادها وقال بحدة:
_ وبعدهالك عاد، هتفضلي إكدة لحد ميتي، هعمل إيه تاني أكتر من اللي عملته؟
صاحت به سارة باستنكار:
_ وأنا مقلتلكش تعمل حاجة، كل اللي عايزاه منك إنك تبعد عني، ياريت تريح نفسك وتريحني لأن مفيش أمل نرجع لبعض.
احتدت ملامحه وقد تعب من رعونتها معه وقال من بين أسنانه:
_ قلت امش معي، متخلنيش آخدك عافية.
أجابته بتهديد:
_ لا، ولو ممشيتش من قدامي هنادي على الأمن ييجوا يتصرفوا معاك.
تقدم منها أكثر وقال بتحذير:
_ اعمليها وشوفي ردي هيكون كيف، امشِ معي من سكات خلينا نتحدتوا زي الخلج.
تعبت سارة من الجدال معه وصرخت به:
_ ابعد عني بقى، أنت عايز مني إيه تاني بعد اللي عملته؟
نظر جاسر إليها قليلًا وزم فمه بضيق من تلك التي تدفعه دائمًا للجنون وقال بتسويف:
_ تعالي واني أخبرك عايزك في إيه.
جذبها من ذراعها لكنها جذبته بحدة وصاحت به:
_ قتلك ابعد عني، مش هروح معاك في مكان.
عندما لاحظ أمن الجامعة شجارهم، تقدم منها أحدهم وسألها:
_ في حاجة يا آنسة سارة؟
احتدت ملامح جاسر بغضب من ذلك المتطفل وذكر اسمها بتلك البساطة، فرد باحتدام:
_ لا مفيش، دي مرتي وبتحدت مع بعض.
اعتذر الرجل وذهب تاركًا سارة تشتعل غيظًا منه وقالت بحنق:
_ أنت إزاي...
قاطعتها صرخة خرجت منها عندما جذبها من ذراعها بعنف واجبرها على الذهاب معه إلى السيارة ولم يبالي باحتجاجها.
قام بوضعها في السيارة وأغلق الباب خلفها كي لا تخرج منه، ثم التف ليتولى القيادة وانطلق بها.
***
وقف أمجد في شرفة غرفته يتنفس الهواء بأريحية.
فاليوم بإمكانه الخروج من المشفى بقلب آخر وبحياة هانئة مع من أحب.
سيذهب إليها ويعاتبها على تركها له.
حاول كثيرًا الوصول إليها لكنها كانت تأبى التحدث معه.
لا يعلم سببًا لذلك، لذا عليه معرفته ويجبرها على الرضوخ لعشقه مهما كلفه الأمر.
كم يشتاقها، وكم يود أن يملأ عينيه من محياها العاشق له، ويملأ صدره من رائحتها المسكرة كي يكتمل شفاءه.
أخبره الطبيب بأنه لن يستطيع التصرف بأريحية إلا بعد مرور عام، لكنه أبى ذلك وقاوم حتى استطاع الوقوف على قدمه في فترة وجيزة.
أيام قليلة وسيذهب إليها وسيعاقبها بطريقته، وهي واحدة فقط سيخبرها بها عندما يراها.
لم ينتبه في البداية لتلك التي تقدمت منه لتحاوط كتفيه بتملك مما جعله يرتد للخلف كي يبتعد عنها وقال بحدة:
_ أسيل أنا قلتلك مبحبش الحركات دي.
اغتاظت من صده الدائم لها وقالت بثبات رغم ما بداخلها من ضيق:
_ في إيه يا أمجد، إحنا مش مخطوبين؟
أغمض عينيه بضيق ورد بحدة:
_ لا مش مخطوبين، ولو نسيتي اللي عملتيه أنا ممكن أفكرك عادي.
تظاهرت بالحزن وهي تتقدم منه وقالت بزيف:
_ بس دي كانت غلطة وخلاص، ربنا شفاك وتقدر تكمل حياتك معي.
رفع حاجبيه مندهشًا من قولها:
_ بالبساطة دي؟ مشاعري اللي حطمتيها وتخليك عني في عز محنتي بتسميها غلطة وانتهت؟
ارتبكت لكنها لم تبد ذلك، فتقدمت منه أكثر تحاول التأثير عليه بأي طريقة.
_ أمجد أنا...
قاطعها وهو يبتعد عنها بغضب:
_ قلتلك مية مرة مش بحب الحركات دي، ياريت تبطليها بقى.
اشتد حنقها منه وتحدثت بحدة:
_ لسه بتفكر فيها؟ ما هي كمان اتخلت عنك في عز احتياجك ليها ومع ذلك هتموت وتشوفها.
نظر إليها مطولًا مندهشًا من حديثها مما جعله يؤكد لها كي تمحي الأمل في الوصول إليه:
_ فعلاً هموت وأشوفها بس عارفه ليه؟ لأنها فضلت جانبي، مسبتنيش لحظة واحدة، قامت معي بكل الأدوار. الطبيبة والأم والحبيبة، فمهما تعمل هلتمس لها ألف عذر لإني عارف كويس إن في أسباب كتير خلتها تبعد كده.
قطبت جبينها متسائلة:
_ وأنا؟!
تقدم منها وهو ينظر لداخل عينيها ليقول بلهجة صارمة:
_ أنتي انتهيتي من حياتي وقت ما عرفتي بمرضي وانسحبتي من غير حتى ما تودعيني.
تفاجئت بسفرك زيي زي أي حد، وبعدها لقيت والدتك بعتالي الدبلة في ظرف. تعرفي جرحتني قد إيه؟
هز رأسه بالنفي وأردف:
_ أكيد طبعًا متعرفيش، ومش هتعب نفسي وأشرحلك لإني مش مجبر. أنتي دلوقتي دكتورة وخلاص مهمتك خلصت ومفيش داعي لوجودك. ياريت تتفضلي بره دلوقتي عشان أغير هدومي.
نظرت إليه باستياء وهمت بالتحدث لكن نظرات الجمود التي رآتها في عينيها جعلتها تتركه وتخرج من الغرفة.
***
خرجت ليلى من غرفة العمليات وقد بدا عليها الإرهاق، فقد أصبحت فتاة أخرى لا تبالي بشيء سوى دراستها.
أصبحت أكثر انطوائية، إما في المشفى أو داخل غرفتها.
كانت تتبعها تلك العيون التي لم تكف يومًا عن التأمل فيها بجمالها الهادئ وعينيها التي يملؤها الحزن، لكن لم يشوب جمالها شائبة.
تقدم منه أحد الأطباء الذي ربت على كتفه قائلًا:
_ ريح نفسك بقى وكفاية صدها ليك كل شوية.
هز رأسه بيأس وهو ما زال ينظر إليها وقال:
_ حاولت كتير بس للأسف مش عارف، كل مدى بتعلق بيها أكتر. من وقت ما شوفتها في القطر وأنا هتجنن عليها لدرجة إني لما شوفتها في المستشفى مصدقتش نفسي.
تحدث زميله بامتعاض لعناده:
_ طيب شيلها من دماغك خالص، الصعيد لسه على نفس عاداتهم، جواز غريب.
رد باستنكار:
_ إزاي وأحمد زميلنا متجوز من الصعيد وكانت زميلته في الجامعة ومفيش صلة قرابة تجمعهم.
تنهد بيأس منه وقال:
_ ده لأن أبوها نفسه كان رافض حياة الصعيد وعاش في القاهرة. وبعدين مش كل الأماكن زي بعضها. في أماكن الصعيد تقدمت جدًا حتى في اللهجة، وفي أماكن تانية أشد وأصعب. أه هنا القرية متحريين شوية بس في الأول والآخر بتحكمهم أعراف. مش شرط جواز ابن العم بس المهم يكون منهم. ياريت تكون فهمت.
زم فمه بأسف:
_ لو بس تديني فرصة؟
_ ابعد ياحاتم وبلاش تضيع نفسك.
***
عاد جمال من عمله ليجد الجميع جالسًا في الحديقة، فيتقدم من والده يقبل يده وقال:
_ السلام عليكم.
رد الجميع السلام ثم تابع:
_ عندي ليك خبر زين جوي ياحاج.
ردت جليلة بحزن:
_ قول يا ولدي من زمان أوي مسمعناش أخبار زينة، قول وفرحنا.
جلس جمال بجوارهم وقال بابتسامة:
_ ليلى جالها عريس زين جوي ولد الحاج وهدان. راجع من السفر الأسبوع الجاي وهييجوا يخطبوها، قلت إيه يا بوي؟
تحدثت جليلة:
_ هيقول إيه في حاجة زي دي، لا وهدان ولا ابنه يترفضوا وهو كمان دكتور زيها ومكمل علمه بره.
قال عمران بهدوء:
_ اللي تشوفه يا ولدي، ليلى زينة البنات وقاسم محدش يقدر يقول فيه حاجة. بس المهم رأيها ولو وافقت على خيرة الله.
الجميع قدم رأيه إلا وسيلة التي احتل الحزن ملامحها على أولادها الذين أصبح حالهم يرثى له.
ليلى التي انعزلت عن الجميع ما بين المشفى وغرفتها ولا تعرف سببًا لذلك.
وجاسر الذي عاد لغرفته القديمة متخذها مأوى له بعد رحيله.
تذكرت حالته بعد رفضها العودة معه، وكيف أنه عاد في انهيار لم تراه من قبل.
فلاش باك.
دلف غرفته لتجده جالسًا على الفراش واضعًا رأسه بين يديه، وقد شعر بأن الدنيا اسودت في عينيه برفضها له.
تقدمت منه لتقول بتعاطف:
_ عملت إيه يا جاسر؟
أغمض جاسر عينيه يعتصرها بألم ثم رفع وجهه إليها وقد تجمعت العبرات فيهما وقال بألم:
_ رفضت.
تألم قلبها لآلمه فجلست جواره تربت عليه:
_ هي بردك لساتها مجروحة منك. هي كانت بتحاول تراضيك بأي شكل وأنت كنت بتجرحها في كل حاجة. وده طبعًا غير الصدمة اللي أخدتها من الدكتورة.
تألم بوجع وهو ينظر إليها بأسى:
_ تعرفي إن دي أكتر حاجة قتـ.ـلتني. إننا نعرف الحقيقة من دكتورة مع إن لو سبت مشاعري كنا هنتأكد بنفسنا وكانت كل حاجة اختلفت. مكنتش هظهر قدام نفسي وقدامها بالضعة دي وكان السر هيفضل بيناتنا ويمكن كانت حبتني. لكن بعد اللي حصل لقيت نظرات الاستسلام اللي كانت في عينيها كلها نظرات كره ورفض دمرني.
كان يتحدث والألم يمزق قلبه حتى تدحرجت الدموع على وجنته.
_ إني بحبها ومقدرش أعيش لحظة واحدة من غيرها بس مقدرش أقول إكدة لأني حسيت نفسي صغير أوي قدامها. خابريه ليه؟
تدحرجت الدموع من عين وسيلة عندما سمعته يردف:
_ لأني كنت بحسسها ديمًا إنها خاطية. كنت كل ما مشاعري تاخدني ليها كنت ببعدها باشمئزاز وأسيبها وأمشي. مـسمعتش مني كلمة حلوة. دلوقتي كانت واقفة قدامي بتبصلي بنفس النظرة اللي كنت ببصلها فيها. غضب وكره واشمئزاز.
نظر لوالدته وتابع بضياع:
_ قوليلي أنتِ لو مكانها إيه اللي يراضيها واني أعمله.
تمزق قلب وسيلة على ابنها الذي ينهار بين يديها ولا تعرف ماذا تفعل له.
وضعت نفسها مكان سارة التي ذاقت مع ابنها الهوان، ولتكون صادقة مع نفسها؛ لن تغفر ولن ترحم ضعفه، هي محقة في كل كلمة نطقت بها.
تعلم جيدًا بحقيقة مشاعرها تجاه ابنها لكن تعلم أيضًا بأنه من أوصلها إلى حد الهوان ولن تغفر له بسهولة.
_ للأسف يا ولدي إني لو مكانها مش هسامح ولا أغفر، بس مع الوقت ومع محاولتك أنت معها هتسامح. حاول مرة واتنين وتلاتة لحد ما تسامحك، واني واثقة إنها بتحبك وهتسامحك، زي ما هي اتحملتك أنت كمان لازم تتحملها.
تنهد جاسر بتعب:
_ هعتذر في كل دقيقة وفـ كل لحظة بس تغفر وتسامح.
طرق الباب وذهبت وسيلة لتفتح لتجده عمران الذي يتعكز على عصاه.
_ اتفضل يا عم.
نظر إليها عمران بمغزى مما جعلها تؤمئ له وتخرج من الغرفة.
كان جاسر يخفض عينيه بخزي من جده.
وبعد خروج وسيلة:
_ إيه يا جاسر هتفضل حاطت وشك في الأرض وسايبني واقف أكدة.
اهتزت نظراته وتقدم منه ليساعده على الجلوس:
_ اقعدي جامبي واحكيلي على كل حاجة من البداية.
حمحم باحراج وقال بثبوت زائف:
_ مفيش حاجة يا جدي، مشكلة بسيطة بتحصل بين أي اتنين وبكرة ترجع.
رفع حاجبيه متسائلًا:
_ وأنت فاكر إنك بعد اللي عملته ده ممكن تسامحك؟
رمش بعينيه يحاول فهم حديثها وتابع عمران:
_ لو فاكر إني عايش في البيت ده على عمايا تبقى غلطان يا ولدي.
تطلع إليه جاسر بشك مما جعل عمران يومئ له:
_ أيوه خابر كل حاجة من البداية، من وقت ما سمعتها بتتحدت في الجنينة وسمعت صوتك وأنت معها.
عقد حاجبيه مندهشًا وسأله بتوجس:
_ سمعت إيه؟
عاد عمران بظهره للوراء:
_ هتلاوع معي ولا هتتحدت زين؟
أومأ له باستسلام وجلس على المقعد المقابل له في وجوم.
لاحظ عمران آثار الدموع في عينيه مما جعله يرق قلبه حزنًا عليه وقال:
_ إني مش هلومك على أي شيء لإن اللي حصل حصل وانتهى بالتمسك العذر واشهد بشهامتك وفي نفس الوقت بشهد بقسوتك. بلتمسك العذر لإنك في الأول والآخر راجل وكنت صعب تقبل حاجة زي أكدة. كتمت سرها حتى عن أقرب الناس ليكم وشيلت حملها على أكتافك، وده اللي كان مخليها صابرة ومتحملة إهانتك ليها كل شوية. بس أنت كل مدى ما تتمادى في قسوتك عليها وكل ده كتمته جواتها. إني كنت مراقب كل تحركاتك وعارف إنك روحت له وملقتوش.
كان يستمع إليه وهو يقطب جبينه بدهشة وخاصةً عندما تابع:
_ يومها إني كنت خابر مكانه بس الشر اللي كان جوة عينيك خلاني أخاف ومنعت الرجالة يدخلوا. كنت خابر إنك هتأذي حالك وكان لازم أمنعك بأي طريقة. وأنت بتهورك أصريت إنك ترجع في الليلة دي ومحدش من الرجالة اللي بعتها وراك يعرف برجعتبس لما اتفاجئت بيك الصبح عرفت إنك مقدرتش تبعد عنها وخلاص على وشك إنك تسامحبس اللي حصل بعدها غير كل حاجة. معرفش إيه اللي حصل خلاك تعمل أكدة فيها، ولا أعرف ليه رجعت منهارة إكدة، بس لما ضغطت على وسيلة عرفت منها كل حاجة.
تطلع إليه بأسف وأردف:
_ واتصدمت في اللي ربيته على إيديا وعملت منه راجل افتخر بيه وبشهامته. لقيته استضعف بنت عمه اللي اتحامت فيه. واللي زاد أكتر ضربك ليها من غير ما تسمعها.
لم يتحمل جاسر عتاب جده مما جعله يدافع عن نفسه:
_ هو أنت ليه كلكم شايفيني شرير وقاسي أوي أكدة؟ ليه محدش منكم حط نفسه مكاني! إني مش ملاك، إني إنسان وليا طباعي. أنا حبيتها وكنت رايح أعترف بحبي ليها وأتغاضى عن اللي أبوها عمله زمان.
أكمل بوجع وانكسار:
_ بس اتصدمت بالمكالمة دي اللي هدمت كل حاجة. كسرتني بمعنى الكلمة. إني مهما كان راجل وصعب عليه مهما كان إنه يتحمل غلطة غيره، بس اتحملت وقررت أتزوجها لأسباب كتير مفيش داعي لذكرهالما اتقفل علينا باب واحد حسيت بالضياع وكنت مشتغلبي بيقولي انسى اللي حصل وخدها في حضنك وأبدأ حياة جديدة معها وعقلي يرفض ويفكرني باللي حصل. ورجعت تاني للأول إني أهاجمها عشان أتخلص من ضعفي قدامها. لحد ما وصلت لمرحلة الاستسلام. وقررت إني أنسى وأبدأ معها بس لما آخد حقها الأول.
تنهد بمعاناة وهو يتذكر ما حدث:
_ قدرت بعد معاناة إني أوصله واتصدمت لما ملقتوش لإني كنت متأكد من رجوعه. في الليلة دي مقدرتش أنام بعيد عنها وأصرت إني أرجع ليها. كنت راجع ومقرر إني هـخدها في حضني وأعتذر عن أي إساءة سببتهلها. ولما عملت الحادثة أصرت إني أرجع وأتداوى وأنا في حضنها. قلبي كان بيجبرني أرجع ورجعتبس هي المرة دي اللي صدتني، وسيبتها براحتها من غير ما أضغط عليها. لحد ما شفت الرسالة. متتخيلش القهر اللي حسيت بيه وقتها. قتلتني بمعنى الكلمة.
أخذ نفس عميق كي يهدئ به من روعه وتابع:
_ أي حد مكاني كان هيعمل اللي عملته وأكتر كمان. بس أنتوا حكمتوا عليا من غير ما تسمعوا. زي ما حكمت أنا عليها من غير ما أسمعها.
تدحرجت دمعة حارة لتكوي قلب عمران الذي يلتاع على حفيده وقال بحكمة:
_ اهدى يا ولدي واني واثق إن كل حاجة هتتحل ومرتك هترجع تاني، بس هي رايدة تفضل لحالها فترة أكدة لحد ما تهدي أعصابها. المهم أنت تتحملها زي ما اتحملتك.
نهض عمران ليربت على كتف حفيده وأردف:
_ متخافش كل حاجة هترجع أحسن من لول.
انتبه جمال على شرودها فنبهها:
_ وسيلة في حاجة؟
التفتت وسيلة إليهم وقالت:
_ ها.. لا أبدًا مفيش، إني بس سرحت شوية.
_ أومال فين جاسر؟
لاح الحزن على ملامح جليلة وأجابت بأسى:
_ جاسر راح لمرته يمكن ربنا يهديها وترجع معاه.
آمن جمال خلفها:
_ يارب. أنا عن نفسي تعبت من الكلام معها وهي بردك مصرة على رأيها.
قال عمران بحيادية:
_ سيبهم يا ولدي براحتهم، هيعاندوا شوية والاخر هيرجعوا لبعض تاني.
عادت ليلى من المشفى لتلقي عليهم السلام ثم تصعد إلى غرفتها كـ عادته.
نظرت وسيلة إلى جمال الذي يستطيع ببراعة إخفاء حزنه على أولاده أمام زوجته كي لا يحزنها أكثر من ذلك وتحدث بثبات:
_ ما تطلع تتحدت معاها.
ردت برفض:
_ اطلع أنت، إني لما بتحدت معاها بتعصبني وبنتخانق.
أومأ لها ثم نهض ليصعد خلفها.
دلف ليلى الغرفة لتجلس على المقعد بتعب وإنهاك.
فقد ضغطت على نفسها تلك الفترة بمحاولة فاشلة منها لنسيانه.
نظرت إلى هاتفها الذي أعلن بوصول رسالة أخرى منه لكنها لن تجيب.
ماذا ينتظر منها بعد أن أخفى عليها حقيقته؟ لما جعلها فريسة لعشقٍ خائن وهو مرتبطًا بأخرى؟
لكنها ابتسمت برضى فور إن رأت جمال يدخل مبتسمًا لها.
_ تعالي يا بابا اتفضل.
دنت منها جمال ليجلس بجوارها وقال بابتسامة عريضة:
_ هتفضلي حابسة حالك أكدة؟
حاولت إخفاء تلك الغصة التي تعلقت في حلقها وقالت بابتسامة زائفة:
_ ما أنت عارف الامتحانات لازم يكون التقدير عالي زي كل سنة.
أومأ دون تصديق لحديثها الذي يخفي الكثير خلفه لكن لن يضغط عليها ويتركها حتى تخبره بنفسها.
_ طيب إني عايز أتحدت وياكي في موضوع أكدة.
انتبهت له وسألته بقلق:
_ خير؟
طمئنها:
_ خير إن شاء الله. إني بس كنت عايز أقولك إن في عريس متقدم لك وكنت عايز آخد رأيك.
انقبض قلبها بخوف ونظرات والدها مصوبة عليها وكأنه ينتظر رد فعلها كي يؤكد شكه، فأصبحت محاصرة بين عينين والدها وقالت.
رواية ومجبل علي الصعيد الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم رانيا الخولي
توقفت السيارة على ضفة النيل ليلتفت إليها جاسر ويجدها صامته تشيح بوجهها بعيدًا.
اشتاقها حد الجنون وقد مرت عليه تلك الشهور وكأنها دهور.
ملامحها التي أصبحت أكثر جدية، ونظراتها الهادئة تحولت لشراسة راقته قليلًا.
أما هي، فقد كانت تتخبط في مشاعرها ما بين قلبها الذي يتمنى العودة إليه، وبين عقلها الذي يذكرها دائمًا بأفعاله وكم الإهانات التي تحملتها.
مد يده كي يلمس يدها التي اشتاق ملمسها، لكنها نزعتها من يده عنوة وقالت باستياء:
_ ممكن أعرف أنت عايز إيه؟
رغم غيظه الشديد من ردها، إلا أنه رد بهدوء:
_ عايزك ترجعي معايا.
ضحكت بتهكم وهي تسأله:
_ بالبساطة دي؟ أنت فاكر إني ممكن أرجع تاني بعد اللي حصل؟
نظر جاسر أمامه بكمد علمًا بأنها لن تغفر له مهما فعل، وخاصةً عندما تابعت:
_ شوف عشان متتعبش نفسك، أنا عمري ما هرجع معاك تحت أي ظرف. أنت اتجوزتني عشان تداري فضيحة وعار زي ما قلتوا، وخلاص اطمنا لا بقى فيه فضيحة ولا غيره، وبكدة دورك خلاص انتهى ومش مطلوب منك غير إنك تطلقني.
مزقت قلبه بكلمتها التي أهدرت الدماء بعروقه، ونظر إليها ليجد في عينيها ندوب لم تشفى بعد، مما جعله يقول بغصة:
_ بس أنا متجوزتكيش عشان أداري الفضيحة بس، أنا اتجوزتك برضه عشان حبيتك.
قطبت جبينها بعدم استيعاب وكأن ما نطق به ضرب من الجنون، وقالت بمثابرة:
_ ده فين الحب ده؟ محستش بيه ولا لحظة واحدة، ولا أنت محستش بيه إلا وقت ما عرفت الحقيقة؟
تحولت نظراتها لعتاب وهي تضيف:
_ أنت عارف لو كنت قلتلي الكلمة دي قبل ما يحصل اللي حصل ده واعرف الحقيقة، كنت هبقى أسعد واحدة في الدنيا. كنت هتلاقيني أنا اللي بترمي في حضنك وأقولك سامحني، كان غصب عني، بس أنت استكترت عليا حبك المزعوم ده وجاي دلوقتي تضحك بيه عليا.
تفتكر إني هقدر أنسى إهانتك ليا في كل كلمة؟
ولا نظرات النفور وأنت بتبعدني عنك؟
ولا ضربك ليا اللي كان بمنتهى القسوة؟
تفتكر إني هقدر أرجعلك وأنسى كل ده؟
تحدث برجاء:
_ هنسيكي، أوعدك إنـ…
قاطعته بانفعال وهي تتحدث بوجع:
_ مش هنسى، مش هسامح أي حد فيكم، مش هسمح أكون لعبة في إيد حد تاني.
نظرت للأمام بضياع وهي تتابع:
_ أنا اعتزلت كل حاجة ومش ناوية اسمح لحد تاني إنه يحطمني زي ما عملتوا معايا.
وياريت تنسى إني دخلت حياتك في يوم من الأيام.
كان يسمعها ويرى كم العذاب الذي تجرعته على يده.
وكلما صبرت وتحملت، كلما زاد بغضه لها.
لن ترحم بعد الآن وستنتقم منه على ما فعله غيره بها.
لكن عليه التحمل كما تحملت هي من قبل.
جذبها من يدها يمنعها حينما فتحت باب السيارة وهمت بالخروج، فصرخت به وهي تجذب يدها منه:
_ متلمسنيش.
تحولت نظراتها لغضب هادر لم يراها عليه من قبل، وخاصةً عندما تابعت:
_ أنا كمان بقيت بأشمئز من لمساتك دي.
اتسعت عينيه ذهولًا من كلماتها مما جعله يضغط بقبضته على مقود السيارة يحاول تهدئة أعصابه كي لا يعاقبها على قولها، وقال بتحذير:
_ بلاش تتمادي وتفتكري إن صمتي ده ضعف مني.
واحفظي لسانك.
تحدثت بسخرية:
_ عايزني أحفظ لساني، يبقى بلاش تظهر قدامي خالص.
فتحت باب السيارة وترجلت منها تحت نظراته الغاضبة.
ترجل أيضًا وذهب خلفها ليوقفها:
_ استني.
عندما أجابته بل ظلت في طريقها وهو خلفها حتى وصل إليها وامسكها هذه المرة عنوة ليجبرها على الوقوف أمامه وصاح بها:
_ قلتلك اقفي وكلميني.
ضاق بها ذرعًا ولم تعد تستطيع الثبات أكثر من ذلك، فدفعته بيديها في صدره تبعده عنها وصاحت به:
_ أنت عايز مني إيه؟ قلتلك بكرهك يا جاسر بكرهك مش طايقة أشوفك، ابعد عني بقى.
كانت كل كلمة تنطق بها تدفعه بيديها وهو يرتد للخلف كي يهديها.
هرولت بعيدًا عنه لتشير لإحدى سيارات الأجرة التي توقفت أمامها وأسرعت بالصعود إليها قبل أن يصل.
انطلقت بها.
أما هو، فقد كاد يجن وهو يراها تبتعد عنه دون أن يستطيع منعها.
ظل مكانه يفكر ماذا يفعل كي تسامحه وتعود إليه.
خرجه من شروده صوت هاتفه الذي ما إن علم بهوية المتصل حتى أجابه:
_ أيوه يا حماد، عملت إيه؟
تحدث حامد من الجانب الآخر:
_ عيب عليك، المرة دي تحت عيني وشايفه بنفسي وهو داخل العمارة.
صعد سيارته مسرعًا وتحدث قبل أن يغلق هاتفه:
_ طيب خليك عندك وأنا چايلك.
أحدثت السيارة صريرًا قويًا وهو ينطلق بها إلى وجهته والشر يتطاير من عينيه.
سيخرج ما بجعبته من الألم تسببت بها ذلك الشخص لكلاهما.
وسيكون انتقامه أشد وأقوى مما كان ينوي فعله المرة السابقة.
❈-❈-❈
حلقت الطائرة المتجهة إلى مطار القاهرة بشوق وحنين لذلك الذي جلس بداخلها ينظر في ساعته بين الحين والآخر.
كانت سعادته لا توصف وهو يرى تبدل حاله للأفضل، ولم يعد شيئًا يمنعه عنه.
تلك الحبيبة التي روت قلبه القاحل بشهد عشقها واختبر معها دقات قلب هائمة.
أخذ يعيد قراءة الرسالة التي بعثها إليها قبل انطلاقها.
وكان محتواها:
"حبيبتي لقد عدت.. لكِ أنت عدت.. عدت لمن أضاء لي دربي بنور الحياة.. لمن أحيت نبض قلب مات فيه الأمل في هذه الحياة.. وحدك حبيبتي من أعطتني القوة للتشبث بهذا العالم الملئ بالألام والأوجاع.. فحبك لي وإيمانك وثقتك بنجاتي جعلني أقواى وأتحدى الموت وأدعو الله أن يكتب لي النجاة.. وأعيش ما تبقى من عمري بجانبك يا ساحرتي فعينيكِ شعاع أمل أغاث قلب توقف عن الحياة.. عدت لكي أنتِ.. ولكن أين أنتِ؟ لقد تركتي يدي وفارقتي روحي وأضعتي أيامي.. فهل لي أن أعرف لماذا أعطيتي قلبي حياة ووهبتي روحًا أملًا.. ثم تركتيها ضائعة في طرقات الغياب."
رشا صابر.
أغلق هاتفه وعاد لخلده الذي يأخذه إليها.
ساعات قليلة ويراها ويعلم منها سبب رفضها التحدث معه.
هبطت الطائرة على تلك الأراضي التي اشتاقها وتمنى كثيرًا العودة إليها.
وها هو ذا يستقل السيارة ويعود إلى منزله بسعادة منتويًا الذهاب إليها غدًا.
استقبله فارس بحفاوة:
_ حمد الله على السلامة يا بطل.
احتضنه أمجد باشتياق:
_ الله يسلمك يا فارس، أخبارك إيه؟
تحدث فارس وهو يصعد السيارة:
_ اركب بس وأنا أقولك أخباري، لأن أبوك كان عايز ييجي بنفسه ومنعته بالعافية نلحق نروح له الأول.
صعد أمجد بجواره وقال بضحك:
_ أنت هتقولي، المهم عملت اللي قلتلك عليه.
رفع حاجبيه مؤكدًا:
_ أومال، متقلقش أنا متابعها أول بأول. حتى فيه دكتور زميلها كده بيلف حواليها من فترة، بس بصراحة هي صداه ديمًا.
بس اللي أمر من كل ده إن سمعت إن فيه عريس متقدم وشكلهم موافقين عليه.
تبدلت ملامحه وسأله بفتور:
_ مين ده؟
هز كتفيه:
_ لسه مجتليش معلومات عنه، بس إن شاء الله كل حاجة هتوصلني عنه النهاردة.
سأله باحتدام:
_ وهي رأيها إيه؟
_ المعلومات اللي بتجيني من بره البيت يعني اللي بيحصل جوه معرفش عنه حاجة.
زفر بغضب لم يستطع السيطرة عليه ثم التزم الصمت حتى يصل إليها.
❈-❈-❈
وجدت نفسها محاصرة بين نظرات والدها التي تنظر إلى عينيها يحاول أن يستشف ما يدور بخلدها، فهي دائمًا كتاب مفتوح أمامه يستطيع بسهولة معرفة كل شيء من نظرة واحدة.
مما جعلها ترد باستسلام:
_ تمام، بس سيبني أفكر الأول.
رفع حاجبيه متسائلًا:
_ مش تعرفي لو هو مين؟
تاهت عينيها وهي تجيب بألم:
_ مش هتفرق، أكيد مش هتكلمني في الموضوع إلا إذا كان حد كويس.
تأكد شكه، لكنه لن يتحدث معها الآن، فقال بثبوت:
_ اللي تشوفيه، إني هسيبك دلوقتي ولما توصلي لقرار خبريني.
تركها جمال وخرج من الغرفة ليجد وسيلة تنتظره أمامها.
وعند رؤيته أسرعت إليه تجذبه من يده وتدلف به غرفتهما:
_ عملت إيه؟ رفضت كالعادة ولا إيه؟
هز رأسه بتعب منها وأجابها:
_ لا ياستي ارتاحي، وافقت مبدئيًا.
قطبت جبينها بعدم فهم وسألته بريبة:
_ يعني إيه؟
تنهد بتعب منها وهو يجلس على الفراش:
_ يعني قالت هفكر، وأني سيبتها براحتها في حاجة تاني.
دنت منه لتجلس بجواره وسألته باستياء:
_ يعني إيه مبدئيًا، إني مفهمش حاجة.
رد جمال بتفكير وهو يستند بظهره على الوسادة:
_ يعني اللي كنت شاكك فيه طلع حقيقي، وبنتك في حد في حياتها وهو السبب في الحالة اللي هي فيها.
قطبت جبينها بعدم استيعاب وقالت بنفي:
_ لا، لو فيه حد زي ما بتقول كانت عرفتني، هي عمرها ما خبت عليا حاجة.
زم فمه بضيق وقال بثبوت:
_ أنا قريت ده في عينيها، بس مقدرتش أتكلم معاها في حاجة زي دي.
مش رايد أتصدم فيها وأعرف إنها حبت واتكلمت مع حد.
ردت وسيلة باستنكار:
_ لا، مصدقش ليلى مستحيل تعمل كده، إني خبراها زين.
_ إني مقولتش إنها عملت كده، بس قلت حسيت من نظراتها من وقت ما رجعت من القاهرة وهي حالها مش طبيعي.
واللي استغربتله أكتر إني لما قلتلها لازم ترجعي وتكملي في المستشفى اللي عندنا، سكتت ومرفضتش زي كل مرة.
حاجات كتير بتأكد، بس مش عارف أواجه.
بس الغلط كله عليكي.
اندهشت وسيلة من حديثه وسألته بريبة:
_ كيف ده؟
اعتدل جمال وأكد لها:
_ بعدتي عنها الفترة دي وبقيتي شديدة معاها.
ومن وقت ما قررت إنها تكمل في القاهرة، وأنتي بتناقديها في كل حاجة.
مبقتيش زي لول.
ردت بدفاع عن نفسها:
_ إني مبعدتش عنها، إني بس….
قاطع حديثها:
_ لا بعدتي، وحتى لو فيه بينكم كلام، فكنتي ديمًا شديدة وحازمة معاها، خليتيها بعدت عنيكي، وأنتي بنفسك اعترفتي بده.
قربي من بنتك واحتويها، واعرفي منها إيه اللي في دماغها بالظبط.
تنهدت وسيلة باستسلام، فهو محق في كل كلمة يتفوه بها.
فقررت الذهاب إليها والتحدث معها.
❈-❈-❈
عادت إلى منزل والدها والتي اختارت البقاء فيه وألا تتركه وحيدًا، ويكفي تواجد مصطفى مع والدتها.
هي حقًا تغيرت كثيرًا عن ذي قبل، لكنها ستظل سببًا فيما حدث لها.
لو كانت تركتها تذهب إليهم لكان كل شيءٍ اختلف الآن.
ما كانت لتتعرض لتلك المعضلة، ولا أن تتحمل ذلك الهوان الذي تجرعته على يده.
كل أخْطَأ في حقها وعلى الجميع تحمل عقابه.
تذكرت أول مقابلة لهما بعد عودتها..
فلاش باك.
كانت صدمتها لا توصف عندما علمت بوفاة جدها.
صدمة أخرى أضيفت في رصيد خذلانه لها.
لم يخبرها منصور بوفاته حتى لا تفشل خطته بزرعها داخلهم حتى يسترد ما لا يستحقه.
دلفت المنزل لتتفاجئ بوالدتها جالسة على الأريكة في بهو المنزل وكأنها امرأة أخرى.
ملامحها أنهكها الحزن، وصمتها الذي يعلن استسلامه لحياة قاحلة جفت منها المشاعر.
تقدمت منها تبحث في ملامحها عن تلك القوة التي كانت تتجبر بها عليهم، فلم تجد سوى ضعف وذبول.
آلمها قلبها عليها، لكن هي من أوصلت حالها لتلك الحياة.
تحدثت دون أن تنتبه لها:
_ مين اللي كان بيخبط؟
حتى صوتها غلفه الحزن مما جعل قلبها يتألم عليها.
وعندما لم تجد ردًا رفعت وجهها إليها تسألها:
_ بسألك مـ….
ألجمتها الصدمة لحظات عندما وقع نظرها على ابنتها التي اشتاقتها كثيرًا.
نهضت من مقعدها وقد تجمعت العبرات في عينيها وهي تقول بعدم استيعاب:
_ سارة.
تقدمت منها سارة لتستسلم لتلك الأذرع التي ضمتها بلهفة واشتياق.
لم تبادلها سارة الاحتضان، بل ظلت على موقفها من الجمود حتى أبعدتها سمر عنها قليلًا كي تتأكد من وجودها:
_ وحشتيني أوي يا حبيبتي.
لم تندهش من جمودها معها، فقد علمت كل شيءٍ من أخيه.
ردت سارة بفتور:
_ وأنتي كمان.
جذبتها لتجلس بجوارها وهي تمسك يدها بلهفة وسألتها:
_ أنتِ جيتي إمتى؟
تحدثت على نفس فتورها:
_ وصلت امبارح.
لم يخفى عليها فنورها في الحديث، لكنها لم تبالي، يكفي تواجدها معها الآن:
_ هتقعدي معانا فترة ولا هترجعي على طول؟
لم تستطع ازدراد تلك الغصة التي تجمعت في حلقها عندما ذكرتها بهم، وردت بحشرجة:
_ لا مش راجعة.
اندهشت سمر من إجابتها وسألتها بتوجس:
_ إزاي مش راجعة، أنتِ زعلتي مع جوزك؟
انتهى ثباتها وتركت لدموعها العنان عندما تذكرت ما حدث، فلم تجد سوى حضن والدتها الشائك كما كانت تطلق عليه من قبل، لكن لن تفعل.
ستذيقها ما أذاقته لجدتها، فقامت بمسح دموعها بظهر يدها وقالت بألم:
_ أنا خلاص سبت البلد ومش هرجع تاني.
قطبت جبينها متسائلة بقلق:
_ إيه اللي حصل، فهميني، عمل فيكي إيه؟
أغمضت عينيها بألم تحاول الثبات، لكنها لم تستطع.
وعندما حاولت سمر أخذها داخل أحضانها نهرتها سارة بحدة تمنعها من الاقتراب منه:
_ متقربيش.
اندهشت سمر من حدتها وسألتها بخوفٍ عليها:
_ في إيه يا سارة، مالك يا حبيبتي؟
نظرت إليها من بين دموعها واجابت بألم:
_ عايزة تعرفي عملوا معايا إيه؟
تساءلت بعينيها، رغم أنها تعلم الإجابة جيدًا، لتأكد لها بحزن:
_ عملوا معايا كل خير، عملوا اللي عمركم ما فكرتوا تعملوه معايا.
عمي ومراته اللي مفيش كلام في الدنيا كلها يقدر يوصفهم، عوضوني عن جمودكم، ووقفت معايا في فرحي، لو أنتِ موجودة مش هتقفي معايا كده.
أخذت نفس عميق تهدئ به من روعها وأضافت:
_ جدي وجدتي اللي ضحكتي علينا وفهمتينا إنهم ظلموكم وأخدوا حقكم، مع إنه العكس تمامًا.
نفوس صافية للأسف عرفتها متأخر.
أما جاسر، فـ على قد قسوته، على قد طببته ورجولته.
كنت أتمنى أعرفه بظروف تانية، يمكن كنا حبينا بعض من غير قسوة.
بس للأسف عرفنا بعض بظروف أنتوا اللي رميتونا فيها.
رفعت عينيها إليها وتابعت بعتاب:
_ منعك ليا إني أسافر كان أكبر غلط ارتكبتيه في حقي، لو كنتي سبتيني كان زماني دلوقتي أسعد واحدة في الدنيا.
اهتزت نظرات سمر وهي لا تعرف عن ماذا تتحدث، وسألتها بتوجس:
_ علمتي إيه؟
ضحكت بحزن وأجابت:
_ تقصدي معملتيش إيه.
عادت نظرات العتاب إليها وهي تسألها:
_ وجودك في حياة بابا كان عبارة عن إيه؟ كان مرايا يشوف بيها أخطاءه زي أي زوجة صالحة بتعمل مع جوزها؟
ولا كنتي شيطان بياخد بأيده للهلاك.
بعدته عن أهله وحرمتيهم منه وحرمتينا إحنا كمان منهم ومن حنانهم.
دافعت سمر عن نفسها:
_ هو كان جاي ومعاه الفلوس، ولما حكالي قلتله دي حياتك ومستقبلك ولازم يفكر فيهم، وهو اختار.
صرخت بها سارة:
_ بس كان دورك تفوقيه مش تخليه يبيع أهله وناسه.
_ هو اللي باع، أنا مبعتش، وده خلاني رغم حبي ليه، أخاف منه، لإن اللي يبيع أهله ممكن يبيع حتى ولاده.
فكرت إني أأمن نفسي من غدره، بس للأسف خسرت كل حاجة ولقيت نفسي وحيدة.
بابا مات من غير حتى ما أودعه، وولادي بعدوا عني، ولقيت نفسي بدوق من نفس الكاس اللي شربوا منها.
خوكي مُصر أنه يسافر بعد الامتحانات، وأنتي شكلك بيقول إنك مش هتفضلي معايا.
وفجأة لقيت نفسي محرومة من كل حاجة وعرفت إن ده انتقام من ربنا، زي ما قال داين تدان.
لم تكثر معها في الحديث، فحالتها تلك تأكد أنها لن تتحمل أكثر من ذلك، فانسحبت بهدوء دون أن تنظر خلفها.
باك.
صعدت إلى غرفتها لتتوقف على الدرج عندما استمعت إلى صوت منصور يناديها:
_ سارة.
استدارت إليه وردت بفتور:
_ نعم يا بابا.
_ تعالي عايزك.
درجت الدرج بضيق لإنها تعلم جيدًا لما يريده.
دخلت معه غرفة المكتب ليشير لها بالجلوس، فجلست على مضض:
_ سارة، أظن إن كفاية كده وترجعي لجوزك.
تنهدت سارة بملل وتحدثت باستياء:
_ بابا، أنت مش بتزهق من الكلام في الموضوع ده؟ قلتلك مية مرة مش هرجع.
فكر منصور بأن عليه إقناعها حتى يصل لهدفه، والطريقة الوحيدة له هي عودة ابنته مهما كلفه الأمر.
فقال بثبوت:
_ قوليلي سبب واحد يخليكي ترفضيني.
كنت مستنية منه إيه؟
جاسر قام بدوره على أكمل وجه، يكفي أنه مفضحكيش وستر عليكي وشيلك اسمه وهو ميعرفكيش ولا يعرف أخلاقك عشان يتأكد إن كان تعدي صحيح ولا كان برضاكي.
أي واحد مكانه كان هيقتلك ومحدش هيقدر يلومه.
صدقيني أنا نفسي لو مكانه كنت هعمل كده.
بس هو غير، قف جانبك ونشلك من الفضيحة اللي كنتي هتتعرضي ليها.
ولو كان على ضربه ليكي، فـ ده رد فعل طبيعي بعد الرسالة اللي قراها.
ارجعي لجوزك وانسي اللي فات.
كانت تحاول بصعوبة إخفاء نظرات الاستهزاء التي ترمقه بها، علمًا بأن هناك سببًا خلف ذلك ويبدو ذلك من حديثه، الذي فسألته بفتور:
_ يعني أنت عايزني أرجع بعد الإهانة اللي اتحملتها دي كلها؟
أحرجته بسؤالها مما جعله يتراجع عن إصراره:
_ أنا مقصدش، بس كل الحكاية إني بقول كفاية عليه لحد كده، وبعدين جدك وعمك بيكلموني باستمرار وعايزين يجوا بنفسهم ياخدوكي.
نظراته وحديثه كل شيءٍ يأكد حسها وعليها أن تحبط مخططه.
رواية ومجبل علي الصعيد الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم رانيا الخولي
الآن تأكدت من شكها وعليها أن تظل على رفضها كي تبعدهم عنه.
تعلم جيدًا بأنهم لن يسلموا منه فقد علمت بالمصادفة أنه على وشك خسارة كل شيء وحينها لن يجد سواهم كي يطالب بما ليس له به من حق.
تحدثت بهدوء رغم ما تشعر به من خذلان.
_ اطمن أنا كلمت عمي وجدي وطلبت منهم ميضغطوش عليّا فياريت إنت كمان تسيبني ومتضغطش عليّا.
نهضت من مقعدها وتركته وذهبت إلى غرفتها مقررة الاتصال بجدها كي تطلب منه ألا يضغط على والدها في هذا الأمر.
عادت ساندي مع وائل إلى شقة والدهم بعد غياب دام لأكثر من خمسة أشهر خوفًا من عثور جاسر عليه.
فعاد ظنًا منه إنه تناسى الأمر.
مر على عمته ليأخذ أخته ويظل معها فترة إجازته كما يفعل دائمًا.
كان يراقب صمتها والوجوم الذي يظهر عليها بحيرة وأثناء تناولهم الطعام سألها.
_ ساندي إنتي كويسة؟
انتبهت ساندي من شرودها على صوته.
_ نعم يا وائل بتقول حاجة؟
ازداد شكه بها وسألها بريبة.
_ بسألك من وقت ما رجعنا وإنتي سرحانة في إيه؟
رمشت بعينيها مرات متتالية وقالت بارتباك.
_ عادي.. مفيش حاجة أنا بس كنت حاسة بالوحدة وإنت بعيد عني.
ربت على يدها وقال بأسف.
_ معلش يا حبيبتي كان لازم أعمل كده عشان أطمن إن الشخص ده نسي الموضوع.
سألها بحيرة.
_ متعرفيش هما انفصلوا ليه؟
هزت رأسها بنفي وقالت بحزن.
_ من وقت ما رجعت وهي مش بتكلمني، حاولت كتير أقرب منها بس رفضت تمامًا.
هز رأسه بحيرة.
_ أنا مش عارف إيه اللي مضايقه كده، هو مش خلاص اتأكد إني معملتش حاجة؟ ليه بقى عايز يوصلي؟
قاطع حديثهم صوت الباب مما جعله ينظر إليها متسائلًا.
_ إنتي مستنية حد؟
شعرت بالخوف من إن يكون حسام فهزت رأسها بخوف.
_ لأ محدش يعرف إني هنا غير عمتي.
ذهب ليفتح الباب ليتفاجئ بذلك الشبح الذي كان يطارده في نومه يقف أمامه الآن ليفزع من هيئته.
وخاصةً عندما أطبق بقبضته على ملابسه وهو يقول بصوت جهوري.
_ بقى بتتعدى على بنت عمران المنياوي يا.......
أطاحه من أمامه ليسقط أرضًا بلكمة كادت أن تكسر أنفه لكنه لم يتركه.
ليميل عليه ويجذبه ويرفعه أمامه ليوجه إليه واحدة أخرى في عينه تحت نظرات ساندي المصدومة مما يحدث وخاصةً عندما تابع جاسر بغضب جحيمي.
_ بقى سايب شيطانك يوزك وتبص لبنت عمي يا.....
صرخ وائل بألم.
_ والله العظيم مـ....
لم يكمل حديثه وأعقبه جاسر بأخرى في بطنه جلّعته يصرخ بألم.
ولم يتركه يلتقط أنفاسه وهو يمسك ذراعه ويثنيه بقسوة وهو يقول من بين أسنانه.
_ إيدك دي اللي فكرت بس تتمد عليها لازم تتكسر.
تلاها صوت تحطم عظام ذراعه مما جعل صراخه يعلو من شدة الألم.
وشبح الغضب جعل جاسر لا يعي لما يفعل.
وجه إليه ضربة أخرى في عينه وهو يضيف بصوت هادر.
_ وعينيك اللي بصتلها دي لازم متشوفش النور بيها تاني.
أخرج السلاح من ملابسه ورفعه في وجهه منتويًا التخلص منه مما جعل ساندي تفوق من صدمتها وتسرع إليه تمسك يده التي تحمل السلاح تمنعه برجاء.
_ لا أرجوك أوعى تقـ.ـتله.
أزاحها عنه بنفور وعينيه الغاضبة تنذرها بغضب جحيمي.
_ إنتي دورك جاي بس بعد ما أخلص عليه الأول وأنتقم منه.
نهضت لتحاول إنقاذ أخيها من يده وقالت بأعتراف.
_ أرجوك سيبه هو خلاص ربنا انتقم لكم مننا.
رغم الألم الذي يجتاح وائل إلا إنه تطلّع إليها بصدمة.
ونحاها جاسر من أمامه مرة أخرى قائلًا بحزم.
_ قلتلك ابعدي بدل ما أفرغ السلاح فيكي.
أمسكت يده برجاء.
_ أقسملك إن ربنا انتقم لسارة مني ومنه، وأتردت ليه بس المرة دي بجد.
لم يفهم جاسر شيئًا مما تقول لكن عين وائل التي لم يعد يستطيع بها الرؤية جيدًا اتسعت بذهول فأكدت.
_ أيوة يا وائل كان لازم تتردلك بأشد وأصعب.
اللي خدعت بيه ولاد الناس اتردلك بس بجد، وعارف من مين؟
من أعز أصحابك عشان توجع أكتر زي سارة متوجعت مني.
تطلّع جاسر إليه بتشفي وهو ينزل سلاحه، لن يفعلها فيكفي ما به الآن.
فقال بنفور.
_ أول مرة أشمت في حد حتى لو ميستاهلش، بس بجد شمتان فيك أوي.
وجه نظرة غاضبة إلى ساندي لتنكس رأسها بخزي وهو يضيف.
_ وإنتي كفاية أوي اللي إنتي فيه.
ثم تركهم وغادر.
بقلق وخوف أسرعت ساندي إلى أخيها ليدفعها من أمامه بكل ما أوتي من قوة وهو يصيح بها.
_ أبعدي عني.
سقطت ساندي على الأرض واجهشت في البكاء.
لم يذق أمجد طعم النوم في تلك الليلة وظل ينتظر الصباح على أحر من الجمر.
يريد أن يسألها، أن يعرف منها سبب تبدل حالها.
هَمّ بالاتصال بها لكنه تراجع، عليه أن يراها وجهًا لوجه حتى يراقب تعبيرات وجهها عن كثب.
ظل على هذا الحال حتى أشرقت شمس الصباح وأشرق معها أمل جديد لحياته معها.
كانت في مكتبها عندما دخلت عليها إحدى الممرضات تقول.
_ دكتورة ليلى في واحد بره عايز حضرتك.
اندهشت ليلى وسألتها.
_ مـ قالش هو مين؟
هزت رأسها بنفي.
_ لا مقالش.
_ طيب روحي إنتي وأنا جاية.
خرجت الممرضة وخرجت ليلى بعد أن عدّلت من وضع حجابها وخرجت من مكتبها لتفاجئ بمن يقف أمامها بطلته الخاطفة لأنفاسها.
فيتوقف الزمن عند تلك اللحظة.
وساد الصمت من حولهما وكأن لا وجود لغيرهم في المكان.
توقفت الشفاه لتتحدث العيون بلغتها الخاصة فهي أفضل من يعبر في تلك اللحظة.
عاتبها على تركها له وهو في أشد الحاجة لسماع صوتها الذي كان ومازال هو لحن الهوى.
أما هي فقد كان عتابها على خداعه لها بينما هو مرتبط بأخرى وقف أمامها الآن ليكمل خداعه.
ومازال يفعل حتى الآن، يقف أمامها ويرمقها بنظرات عاتبة كأنها هي من طعنته بغدر عشقه الزائف.
توقف قلبها عن النبض للحظات عندما سمعت صوته ينطق اسمها.
_ ازيك يا ليلى.
اهتزت نظراتها وشعرت بأن الدنيا تدور من حولها فتهربت من نظراته وهي تجيب بثبات زائف.
_ الحمد لله بخير، وإنت؟
تهادت ابتسامة على محياه جعلت قلبها ينبض بعنف.
_ أنا الحمد لله بقيت كويس، وجاي أوفي بوعد قطعته على نفسي.
تطلّعت إليه برهبة وقد هدرت الدماء بعروقها وهي تسأله بعينيها ليأكد لها.
_ أيوة وعدتك إني لو كان ليّا عمر هيكون بين إيديكي.
رمشت بعينيها تحاول استيعاب ما يقوله وسألته بارتباك.
_ بس إنت عمرك ما وعدتني بحاجة.
تقدم منها خطوة صحح لها.
_ لأ وعدتك إن لو ربنا شفاني فـ عمري كله هيكون ليكي، والحمد لله ربنا شفاني وقدرت أرجعلك.
تقدم منها خطوة أخرى وأردف بولَه.
_ ليلى تقبلي تتجوزيني؟
اتسعت عينيها ذهولًا من طلبه الذي حلمت به كثيرًا فينتفض قلبها بسعادة استطاعت بصعوبة إخمادها.
وسألته بريبة.
_ ازاي وإنت مرتبط بواحدة تانية وكنت معها الفترة دي كلها؟
قطب جبينه بعدم فهم وسألها.
_ مرتبط؟!
تظاهرت بالقوة وهي تضيف.
_ وباباك كان موجود وما انكرش ده.
فهم أمجد ما ترمي إليه فسألها بهدوء.
_ هي اللي قالتلك.
اهتزت نظراتها وهي تتذكر تلك اللحظة التي ظلت بخلدها وقالت.
_ أه قالت إنها خطيبتك وعمي كانت موجود وقتها.
أومأ لها وقد فهم سبب بعدها عنه تلك الفترة وقال بعتاب.
_ وليه مسألتنيش؟
ازدردت لعابها بصعوبة وتحدثت بارتباك.
_ مكنش ينفع استنى أكتر من كده وخصوصًا إن جاسر كان عارف بسفري.
رفع حاجبيه مندهشًا وسألها.
_ يعني جاسر عارف؟
أومأت بصمت وتابع أسئلته.
_ طيب ليه مكنتيش بتردي على تليفونك؟ كنت رديتي واتأكدتي مني، وعلى العموم أنا هريّحك بس خليني أرتاح الأول من الطريق أنا بقالي ليلتين منمتش.
فين واجب الضيافة بتاعكم ولا إنتوا بخلا ولا إيه الحكاية؟
حاولت منع الابتسامة التي تود الظهور وقالت بثبات.
_ الضيافة في بيت الحاج عمران مش هنا.
غمز لها بمكر.
_ مستعجلة أوي كده؟
اتسعت عينيها بغيظ وقالت.
_ أنا مقصدتش اللي جاي في دماغك أنا أقصد إني مينفعش أقعد معاك لوحدنا، الأول كنت مريض إنما دلوقت مفيش سبب لوجودي معاك.
رد باستسلام.
_ خلاص اللي تشوفيه على العموم أنا هسبقك على هناك وأشوف إيه قصة عريس الغفلة ده.
قطبت جبينها بعدم فهم وسألته.
_ وإنت عرفت منين؟
_ إيه كنتي فاكراني عايش هناك نايم على وداني أنا أخبارك كانت بتوصلني أول بأول.
تلفت حوله وأردف.
_ حظه خدمة بصراحة إنه مشفتوش.
ازدت عقدة حبيبها ليتابع بمكر.
_ مش قلتلك عارف عنك كل حاجة، أنا هسبقك على هناك متأخريش.
استدار ليذهب لكنه توقف عندما تذكر.
_ أه كنت هنسى، أسيل مش خطيبتي هي كانت خطيبتي، يلا نتقابل في البيت.
تركها وغادر وقلبها ينبض بسعادة حتى جعلت الدموع تتجمع في عينيها.
كان مصطفى وحازم ومعتز يتناولون الغداء في إحدى المطاعم قبل عودتهم إلى الصعيد.
وكان حازم يرمق مصطفى بشك مما جعله يسأله.
_ مالك بتبصلي كده ليه؟
ضيّق عينيه بشك وقال.
_ مش عارف ليه مش مطمنلك وحاسس إن رجوعك معانا وراه حاجة.
كان مصطفى يتناول طعامه ببساطة.
_ تقصد يعني عشان الموضوع إياه، لا اطمن أنا شلته من دماغي، من وقت ما عرفت إني كنت هكون السبب في إنها متكملش تعليمها وأنا قررت أبعد عنها.
أنا رايح البلد بس عشان هنشغل الفترة الجاية دي عشان السفر.
كان الشك تلك المرة من نصيب معتز ليسأله.
_ وعرفت منين بقى إنها كانت هتسيب علامها؟
هز كتفيه وهو يجيب ببساطة.
_ الفترة اللي بعدت فيها والغفر اللي موقفهم أدّام الجامعة توديها وتجيبها كل ده يأكد.
_ أتمنى تصدق.
تطلّع إليه وهو يقول بجدية.
_ لا صدق يلا خلصوا أكلكم عشان ميعاد الطيارة.
أه نسيت هو جاسر مش هيرجع معانا؟
أجاب معتز.
_ جاسر يا سيدي حالف على نفسه ما هيرجع من غير أختك.
ضحك باستهزاء.
_ لاا قوله ينسى دي أختي وأنا عارفها.
أكد حازم.
_ فعلًا دي بتخلّص القديم والجديد على دماغه، لدرجة إنه بقى بيصعب عليّا..
ضحك معتز.
_ أومال بقى لو شفتوه وهو بيترجاها متقولش إن ده جاسر اللي مكانش بيهمه حد خالص.
_ ربنا بيسلط أبدان على أبدان، خليها تاخد لنا حقنا منه.
نظر مصطفى في ساعته وقال وهو ينهض من مقعده.
_ طيب يلا بسرعة عشان منتأخرش.
كانت جالسة في غرفتها عندما وصلتها رسالة من جاسر وكان محتواها.
"خلاص ارتاحي اخدتلك حقك منهم"
لم تفهم شيئًا من محتواها.
فسألته بريبة.
"تقصد إيه؟"
أجابها بأخرى.
"ميخصكيش المهم إني اخدت حقك لو عايزة تتأكدي أنا في الشقة تعالي"
انقبض قلبها خوفًا عليه فهي تعلم جيدًا مدى تهوره.
قامت بالاتصال على ساندي كي تتأكد منها لكن هاتفها قيد الإغلاق.
نهضت مسرعة تبدّل ملابسها ثم خرجت من المنزل متجهة إليه.
عليها أن تعلم ما فعله حتى تجد له مخرجًا.
ظلت طول الطريق تحاول الاتصال به لكنه لم يجبها.
كذلك فعلت مع حازم ومعتز لكنها تذكرت سفرهم اليوم.
ظلت تتخبّط في تفكيرها واستنتاجاتها حتى وصلت إلى البناية.
تترددت قليلًا داخل السيارة حتى فاز القلب تلك الجولة وترجّلت من السيارة متجهة إلى شقته.
كان مستلقيًا على الأريكة وهو يتطلّع إلى صورها التي ما زال محتفظًا بها في هاتفه بعد إن حفظها عليه ولم يرسلها إليها عندما طالبت باستعادته.
فقام بإرسال جهاز أخرى واحتفظ به لنفسه.
أخرجه من تأمله صوت الباب الذي يطرق بحدة،
فلاحت ابتسامة ماكرة على محياه.
فنهض متباطئًا وهو يضع الهاتف على الطاولة أمامه،
وذهب ليفتح.
لم ينتظر ليرى من الطارق بل فتحه وعاد إلى مجلسه
مما جعلها تغتاظ من فعلته.
تركت الباب مفتوحًا ودلفت لتجده جالسًا على الأريكة
يشاهد التلفاز دون أن يأبه لها فقالت باحتدام:
_ ممكن أعرف الرسالة دي معناها إيه؟
رفع عينيه إليها وسألها بفتور:
_ خايفة عليه، ولا خايفة عليَّ.
نطقت من بين أسنانها:
_ لا عليك ولا عليه، أنا بس خايفة على عمي مش أكتر.
عاد بظهره للوراء وهو يجيبها على نفس هدوءه:
_ لا متقلقيش على عمك، في غيري اتنين مش هيكون لوحده.
انقبض قلبها خوفًا من حديثه الذي يؤكد مدى تهوره
وسألته بتوجس:
_ إنت عملت إيه بالظبط؟
هز كتفيه ببساطة شديدة:
_ اللي كنت ناوي أعمله من زمان.
شهقت بخوف شديد وقالت بعدم استيعاب:
_ أوعى تكون قتلته؟
نهشت الغيرة قلبه لكن ظل على نفس هدوءه:
_ ومالك اترعبتي كده؟
نهض من مكانه وتوجه إليها مما جعلها ترتد للخلف بخوف
حتى صدمت في الباب وقالت بصدمة:
_ إنت هتعمل إيه؟
جذبها من أمامه لتخرج منها صرخة خافتة لكنها أوقفتها
عندما وجدته يغلق الباب وينظر إليها بحدة:
_ بتصرخي ليه؟
ازدردت ريقها بإحراج:
_ لا أنا بس افتكرتك…
التزمت الصمت بإحراج لينظر إليها ويقول بسخرية:
_ لا متفكريش، أنا كان لازم أقفل الباب عشان محدش يشوفك هنا.
_ خلاص فهّمني بقى إيه اللي حصل.
تقدم منها لينظر إليها باحتدام:
_ عايزة تعرفي عملت فيه إيه؟
رمشت بعينيها وقلبها يدق بعنف وتابع بمغزى:
_ كنت خلاص على وشك إني أخلّص عليه بس صعب عليَّ بعد اللي عرفته.
ازدردت لعابها بصعوبة وتحدثت بارتباك:
_ هو إيه اللي عرفته؟
تنهد بتعب منها وأجابها بتسويف:
_ تعبيراتك بتقول إنك عرفتي يبقى تسألي ليه.
وبعدين متشغليش بالك، أنا أخذت حق بنت عمي وبس، غيرك كده مفيش.
عقدت حاجبيها بعدم فهم وهي تسأله:
_ معناه إيه كلامك ده؟
أجاب ببساطة:
_ زي ما فهمتي، إنتي اخترتي تبعدي وأنا زهقت من إني أحايل وأطبطب كل شوية ويا ريت جايب نتيجة.
أنا خلاص قررت أنفذ طلبك وأطلّقك.
_ عايز تطلّقني؟
جلس على المقعد بأريحية وهو يجيبها بفتور:
_ والله بقى اللي تشوفيه، مبقاش يفرق معايا وجودك بقى زي عدمه.
زمت فمها بغيظ وصاحت به:
_ إنت سافل وأنا غلطت إني جيت من أساسه.
متضيع ولا تروح في ستين داهية أنا مالي.
أخذت حقيبتها وأسرعت بالخروج لكن يده منعتها عن مقبض الباب
وقد تبدلت نظراته لرجاء لامسَ قلبَها وخاصةً عندما تحدَّث بُولَة:
_ سارة أرجوكي متمشيش…
…….
خرجت من البناية وهي تبكي بانهيار وجاسر يسرع خلفها
وهو يناديها بخوف:
_ سارة استني!
لم تلتفت إليه بل أسرعت تقطع الطريق
ليتوقف قلبه عندما سمع صوت صرير قوي……
رواية ومجبل علي الصعيد الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم رانيا الخولي
خرجت سارة من باب الشقة بانهيار وعيناها تذرفان الدمع الغزير.
تريد الهرب منه ومن نفسها.
ضغطت على زر المصعد لينفتح أمامها وتدلف إليه قبل أن يخرج جاسر من الباب وهو يناديها.
_ سارة استني!
أغلقت باب المصعد قبل أن يصل إليه جاسر، ثم جلست على الأرضية تضع وجهها بين يديها ويزداد نحيبها.
ندمًا على استسلامها له.
كيف استطاعت فعل ذلك واهدار كرامتها التي أصرت على أن تعيدها بعد أن أهدرها في كل مرة لمسها فيها ثم يدفعها بعيدًا عنه مشمئزًا منها.
كيف سمحت لنفسها ولقلبها أن يستسلم له بتلك السهولة وقد أقسمت من قبل أن تذيقه العذاب ألوانًا حتى تسترد كرامته.
لكن ضاع كل شيءٍ وعادت كدمية بين يديه مرةً أخرى.
توقف المصعد وأسرعت بالخروج منه قبل أن يصل إليه.
لكنها تفاجئت به على آخر الدرج لاهثًا بشدة في محاولة للحاق بها، مما جعلها تسرع بالخروج من البناية وهي تسمعه يناديها.
_ سارة ارجوكي استني واسمعيني!
استطاع الوصول إليها وجذبها من ذراعها فتصرخ به وهي تجذب ذراعها من يده وتقول بتحذير.
_ متلمسنيش!
أشار لها بيده أن تهدأ وقال بثبات.
_ طيب اهدي واسمعيني.
هزت رأسها برفض قاطع وهي تقول.
_ لأ مش هسمعك، زي ما كنت بترفض تسمعني أنا كمان هرفض اسمعك.
صرخت به بألم.
_ ابعد عنى بقى.
أومأ لها محاولًا تهدئتها وتحدث بهدوء.
_ سارة أهدي، احنا معملناش حاجة غلط، دا الطبيعي بين أي اتنين متجوزين.
هزت رأسها بنفي وهي تصرخ به.
_ لا مش طبيعي، وجودك في حياتي نفسه مكنش طبيعي، انت كان فيه شك في دماغك وحبيت بس تتأكد منه واديك اتأكدت، اتفضل بقى أخرج من حياتي.
تركته واسرعت بقطع الطريق لتفاجئ بتلك السيارة التي أحدثت صريراً عالياً جعل قلب جاسر ينقبض خوفاً، ثم يلتقط أنفاسه براحة ويهدأ وجيب قلبه عندما رآها تكمل طريقها دون أن تمسها.
تذكر بأنه لم يأخذ مفتاح سيارته مما جعله يسرع بالعودة إلى شقته منتويًا عدم تركها مهما كلفه الأمر.
***
عاد جمال من عمله وهو يتوعد لـ جاسر الذي تركه تلك الفترة منشغلاً بزوجته مما جعل الحمل كله يتركز عليه.
دلف وسيلة خلفه فترى ملامح الإجهاد ظاهرة عليه فقالت بتعاطف.
_ اني شايفة ان كفاية لحد أكده وتبعت لجاسر.
جلس على الأريكة وهو يقول بغيظ.
_ اللي مجنني أنه عمال يضغط عليها واني رايدها تاچي بإرادتها.
جلست بجواره وهي تؤيد سارة في موقفها.
_ بصراحة هى ليها حق واني لو مكانها كنت هعمل اكتر من أكده.
نظر إليها بغيظ وهو يتذكر الخلاف الوحيد الذي حدث بينهما منذ زمن بعيد.
_ اومال ليه معملتيهاش لما اتخانقنا في مرة وجسيت عليكي؟
ابتسمت لتذكرها تلك المرة الوحيدة فنظرت إليه بحب وهي تجيب.
_ لإني كنت خابرة انت بتعمل أكده ليه، وإن عصبيتك عليا دي كانت من ورا قلبك. كنت عايزني أروح بيت أهلي عشان تبعدني شوية عن الحياة الصعبة اللي كنا عايشينها؛ ونسيت ان مليش حياة بعيد عنك، زي السمكة اللي لو خرجت من المايه تموت. وخابرة إنك انت كمان متقدرش تبعد عني ولا تعيش من غيري، وعشان كدة سكت والاخر لقيت نفسي بترمي في حضنك وبقولك هو ده بيتي اللي لما بزعل منك بتدارى فيه.
ابتسم بحب لتلك الذكرى وقال ببوله.
_ وقتها كنت خايف لتسمعي كلامي وتسيبيني ومكنتش هقدر وقتها أكمل وانتي بعيدة عني لإنك كنتي أكبر دافع ليا.
أخذ يدها ليقبلها بعشق وتابع.
_ اني لو لفيت الدنيا كلها مش هلاقي زيك واحدة تقف جانبي وتساندني وتشيلني في عينيها زي ما عملتي يا غالية.
اتسعت ابتسامتها وهي تؤيده.
_ واني كمان لو لفيت الدنيا كلها مش هلاقي زيك ياضي عيني، طول عمرك وانت سند وضهر وعمرك ما زعلتني.
رد باستنكار.
_ عمري ما زعلتك لإنك عمرك ما عملتي حاچة تستاهل إني ازعلك عشانها.
_ بس اللي رايد يزعل حد هيدور له على اى سبب.
قاطع حديث عشقهم رنين هاتفه الذي يعلن عن اتصال وارد فتطلع إليه ليندهش عندما علم بهويته.
سالته وسيلة.
_ مين؟
_ ده أمجد صاحب الشركة اللي بتاخد مننا المحاصيل.
تذكرته وسيلة وسألته.
_ مش ده اللي تعب عندينا؟
أومأ لها ثم اجاب.
_ السلام عليكم، ازيك يا أمجد؟
رد أمجد.
_ وعليكم السلام، الحمد لله يا عمي بخير. انا في البلد وكنت عايز آجي أقعد مع حضرتك شوية.
رد جمال بترحيب.
_ اتفضل يا ولدي تنور في أي وقت.
_ متشكر لحضرتك، نص ساعة واكون عندك.
_ وانا في انتظارك.
أغلق جمال الهاتف ثم نظر إلى وسيلة التي سألته.
_ خير؟
وضع الهاتف على الطاولة أمامه وأجابها.
_ بيقول انه في البلد وچاي رايد يقعد معايا شوية.
ضيقت عينيها بحيرة وهي تقول.
_ حاسة إن الزيارة دي وراها حاچة.
ضحك جمال وسألها.
_ حاچة زي ايه؟
هزت رأسها بحيرة.
_ قلبي بيقولي أكده.
ربت على يدها وهو يقول.
_ لا اطمني، هو في البلد بالصدفة وچاي يسلم علينا ويمشي. المهم خلي البنات يستعجلوا الغدا عشان زمان الولاد چايين ومعاهم مصطفى.
أومأت له.
_ حاضر من عيني.
خرجت من الغرفة بسعادة كي تستعد لاستقبال أولادها.
***
عادت سارة إلى المنزل بحالة يرثى لها فأسرعت بالصعود إلى غرفتها رافضة التحدث مع أحد.
وقفت أسفل المياه تحاول التخلص من أي أثر لمساته.
وأخذت تبكي وتنتحب بضياع وهي تسخط من نفسها على تهورها.
لما رخصت نفسها لتلك الدرجة وسمحت له بالتمادى.
كان عليها أن ترد له الصاع صاعين وتهينه كما كان يفعل معها.
لكن قلبها أبى ذلك واستسلم لعشقه الآخذ وعليها الآن ألا ترحمه.
تعلم جيداً أنه سيأتي خلفها وهنا ستتفنن في تعذيبه.
وصل جاسر أمام منزلها الذي يبغض الدخول إليه لكن سيتحمل لأجلها، عليه اقناعها بالعودة.
طرق الباب حتى فتحت له الخادمة فيندفع للداخل وهو يسألها.
_ هى فين؟
تحدثت الخادمة بهدوء.
_ آنسة سارة في اوضتها ورافضة إن حد يدخلها.
اغتاظ من كلمتها ثم تركها وصعد إلى الأعلى لتحاول الخادمة إيقافه.
خرجت من المرحاض فسمعت صوت شجار بالخارج تلاه اقتحامه لغرفتها والخادمة تدلف خلفه.
_ مينفعش اللي انت بتعمله ده!
أشارت لها سارة بالانصراف لتخرج الخادمة وتنظر إليه سارة بحدة.
_ ممكن أعرف انت جاي هنا ليه؟
أجابها بلهجة حادة.
_ جاي عشان آخدك معايا.
رفعت حاجبيها بدهشة مصطنعة وسألته.
_ وهتاخدني إزاي بقى؟
الغضب الذي يكمن في حديثها جعله يهدأ قليلاً ويتعامل معها بلين، فيتقدم منها خطوة وهو يقول بثبات.
_ سارة أنا آسف لو كنت خليتك عملتي حاجة غصب عنك بس صدقيني أنا بحبك ومش قادر أتحمل بعدك عني اكتر من كدة.
تقدم منها خطوة أخرى لينظر داخل عينيها التي تخفي بداخلها شوقاً وحنينًا بالغين وتابع.
_ المفروض اللي حصل بينا ده كان حصل من زمان…
قاطعته سارة بجمود.
_ وايه اللي كان منعك؟ على الاقل كنت عرفت بطريقة أشرفلي من كدة، مكنش حد هيعرف حاجة والموضوع كان هيفضل سر بينا مكنتش برفض وكنت بسيبك عشان تمحي أي لمسات لحد غيرك بس كنت بتبعدني عندك بطريقة كانت بتدمرني وبتكسرني. فاكر آخر مرة عملت أيه؟ بس المرة دي غير.
كملت لأنك خلاص اطمنت انك الأول، أو الله أعلم يمكن عملت كدة عشان تثبت رجولتك قدام أهلك وتغير فكرتهم عنك.
أومأ برأسه بثبات رغم ما بداخله من غضب وقال.
_ تمام أوي مادام دي فكرتك عني يبقى كفاية لحد كدة. احنا فعلًا مينفعش نكمل مع بعض، بس في كلمتين عايز اقولهملك قبل ما أمشي من غير ما تشوفيني تاني. أنا حبيتك من أول مرة شوفتك فيها، واتعلقت بيكي بجنون. وكل ما اتعلق بيكي كل ما اهاجمك عشان كنت شايف منصور بينا لحد ما وصلت لدرجة مش قادر أتحملها. كنت بدور عليكي عشان أعترفلك ولما شوفتك بتبعدي في الجنينة قلت دي فرصة أكلمك وأعترف لك بعيد عنهم. بس انصدمت لما سمعتكم. تعرفيش المكالمة دي عملت فيا إيه ولا دمرتني اد إيه. أي حد مكاني كان مؤكد هيقـ.ـتلك فيها حتى لو كان مصطفى أخوك. بس حبي وضعفي منعني أعمل كدة. خفت عليكي مني وقررت إني أبعدك وابعتك لأبوكي. بس لما شفت انكسارك وانتي بتترجيني وكنتي هتموتي نفسك خفت عليكي اكتر. خفت أرجعك تأذي نفسك لإن حالتك في الوقت ده تأكد كدة. فكان لازم اتجوزك عشان أحميكي من أي حاجة وكل حاجة. من الزمن اللي مش هيرحمك، ومن الشخص اللي اقسمت اني انتقملك منه، وعشان أكون صادق أكتر عشان أحافظ على سمعة العيلة، بس اللي أشد وأقوى هو حبي اللي متغيرش لحظة واحدة. أنا مكنتش ببعدك عني زي ما بتقولي بس مكنتش قادر أقرب من غير ما اخد حقك وعشان كدة كنت ببعدك، صحيح كنت بانفعل عليكي بس ده لإني متكتف ومش عارف أوصله. فاكرة لم عملت الحادثة؟؟
كانت تنظر إليه بحيرة و تيه ليردف هو.
_ لما ملقتوش ورجعت الشقة مقدرتش أنام بعيد عنك وأصريت إني أرجعلك وابدأ صفحة جديدة معاك. بس الحادثة دي بدلت كل حاجة. حتى لما طلبوا مني اني اروح المستشفى اطمن رفضت واصريت إنك انتي اللي تداويني. كانت نظرة واحدة منك قادرة انها تشفيني. لحد ما لقيت الرسالة. الدنيا وقتها اسودت في وشي ومكنتش عارف انا بعمل ايه. لما لقيتك بتتألمي متحملتش أقسى اكتر من كدة وقلبي ضعف بس كلمة أمي دمرت كل حاجة وهي بتقول ممكن تكون حامل. أي حد مكاني مكنش هيقدر يتحمل كل ده. وفضلت مكاني مش عارف لو كان حمل فعلاً هعمل ايه. حاجة جوايا خلتني قلبت في الرسايل وقريت تهديداته ليكي. والرسالة اللي بعتيها لأخته. دعيت من جوايا أنه ميكنش حمل لحد ما رجعتي وعرفت الحقيقة.
تنهد بألم وتابع.
_ كأنكم قتلتوني بسكينة تلمة، ولما فقت لنفسي جريت عليكي عشان اعترفلك بحبي وأتأسفلك على أي كلمة او حتى حرف جرحتك بيه، بس دورت عليكي ملقتكيش. اه غلطت ومنكرش بس أنا راجل وغصب عني عملت كدة. أنا ماشي ومش هحاول أضايقك تاني ولو هتقدري تعيشي من غيري انتي حرة.
تركها وخرج من الغرفة ليتركها وقد انتهى ثباتها فتلقي نفسها على الفراش تبكي بألم.
***
عاد مصطفى إلى البلدة ولكن تلك المرة تختلف كثيراً.
المرة الأولى كانت تحمل شوقاً لأهله لكن تلك المرة كانت تحمل شوقاً من نوع آخر.
شوق عاشق ظن الجميع بأنه استسلم لمصيره.
لكن كيف ذلك والقلب هوى وما على القلب من سلطان.
استقبلهم الجميع بحفاوة ليمتلئ المنزل بمزاح حازم ومعتز وبضحكاتهم التي تملئ قلوبهم سعادة.
وعندما جاء أمجد كان سعيداً باستقبالهم له إلا من حازم الذي كان يرمقه بنظرات عاتبة.
انتبه لها أمجد مما جعله يدخل في صلب الموضوع فقال لجمال الذي استمع إليه بانتباه.
_ لو سمحت ياعمي انا يشرفني أطلب منك ايد آنسة ليلى.
التزم الجميع الصمت واندهش حازم ومعتز لعلمهم بأنه مرتبط بأخرى كما أخبرتهم ليلى.
تحدث حازم بمغزى.
_ بس اني سمعت انك خاطب.
فهم أمجد ما يرمي إليه حازم ووجد الجميع ينظر إليه منتظر الإجابة فتحدث بثبات موجها نظره لجمال.
_ انا كنت مريض قلب خطيبتي كانت دكتورة ولما صارحتها بحالتي سابتني بحجة انها هتسافر برة البلد وانها فرصة ومينفعش تضيعها وانا احترمت رغبتها وسيبتها. والحمد لله ربنا كتبلي عمر جديد، ولما عرفت إني عملت العملية واتحسنت كانت عايزة ترجع بس انا رفضت وعايز ابدأ حياتي مع بنت حضرتك.
التزم جمال الصمت يفكر في كلامه، وفي كلمة أخرى أعطاها لغيره فقال بأسف.
_ اني كان بودي اوافق لإني مش هلاقي أحسن منك لبنتي بس للأسف اني اديت كلمة لحد تاني ومينفعش ارجع فيها.
انقبض قلب أمجد وقال بدون تفكير.
_ بس أنا عايز بنتك بجد ومستعد لكل طلابتكم، لو مش عايزينها تبعد عنكم حاضر هعملها بيت هنا بس ارجوك توافق.
لهفته والخوف البادي عليه جعل الشك يتلاعب بجمال وبدأ بربط الخيوط ببعضها ليسأله بمكر.
_ بس غريبة يعني تتمسك بيها أكدة من مرة واحدة شفتها فيه؟
نظر أمجد لمعتز وحازم كي ينتشلاه من ذلك الموقف مما جعل زاد الشك في قلب جمال عندما لاحظ تبدل نظراتهم.
وهنا تحدث مصطفى بجدية.
_ هو جاي يناسب عمران المنياوي وده لوحده كفاية غير كمان ليلى معروفة بادبها واخلاقها اللي تخلي أي حد يتمسك بيها حتى من غير ما يشوفها.
والحديث تلك المرة كان لعمران الذي قال برجاحة عقله المعهودة.
_ والله يا ابني ده شرف كبير لينا بس الرأي في الأول والآخر لبنتنا إن وافقت احنا معندناش مانع.
نظرات السعادة والراحة التي ظهرت في عينيه جعلت شك جمال يتأكد وكل شيءٍ اصبح واضحاً وضوح الشمس.
وخاصةً عندما تحدث أمجد.
_ طيب انا هستأذن وهاجي بكرة مع الحاج عشان نتفق على كل حاجة.
أغمض حازم عينيه بيأس منه فقد كشف كل شيءٍ بغبائه و تسرعه مما جعل جمال يسأله.
_ واثق انت من الرد؟
ارتبك أمجد فقال بمواربة.
_ كلمة جدي كفاية أوي تديني ثقة في موافقتكم.
هز رأسه بوجوم وقال.
_ حيث كدة استنى منى تليفون أخبرك فيه بالرد، بس لول لازمن تتغدا معانا.
اعتذر أمجد بإصرار.
_ معلش خليها وقت تاني لاني لازم ارجع دلوقت.
بعد إذنك.
نهض أمجد فأسرع حازم ومعتز خلفه بحجة توصيله للخارج بينما في الحقيقة هما يحاولان الهرب من تحت أعين والدهما التي تترصد لهما مثل جهاز متطور لكشف الكذب.
نهر ه حازم قائلاً.
_ انت ايه اللي هببته ده!
اندهش أمجد وسأله.
_ عملت ايه مش فاهم؟
فهم أمجد يرمون إليه وقال بأسف.
_ هعمل ايه؟ خفت من رده ومعرفتش انا بقول ايه.
تنهد حازم بحيرة.
_ اني معرفش هعمل ايه دلوقت وهو اكيد مستنينا نرجع عشان يقعدنا على حيلنا ويستجوبنا زي ظباط المباحث.
ضحك أمجد وطمئنه قائلاً.
_ مادام دخلت البيت من بابه مفيش أي حاجة هتحصل انا عايز أختكم ومتمسك بيها وعايزكم تقفوا جنبي.
قال معتز بقلق.
_ هنقف جنبك وكل حاجة بس مش على حساب رقبتنا.
تحدث حازم بغيظ منه.
_ على رقبتك انت، انت اللي كنت بتشجعها وانا كنت بحاول أبعدها.
قال أمجد بتفاهم.
_ انا مقدر الخوف اللي انتو فيه بس احنا معملناش حاجة غلط انا كنت مريض وهى كانت بتقوم بدورها هو ده بس المطلوب منكم يلا سلام.
تركهم وغادر بسعادة تحت نظرات حازم الغاضبة منه و نظر إلى معتز بغيظ مشوب بالقلق و هو يقول.
_ فلت وسابنا نواجه مصيرنا لحالنا ابوك..
رواية ومجبل علي الصعيد الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم رانيا الخولي
عادت حلم إلى الصعيد تحت رقابة مشددة منذ مغادرتها إلى الجامعة وحتى عودتها باتفاق بينها وبين مهران. فقد تنازلت بالفعل عن المزرعة والأرض التي تركهم والدها لها مقابل إقناع جدها بضرورة عودتها للدراسة تحت الرقابة اللصيقة.
دلت المنزل لتجد جدها جالسًا في مقعده كعادته. تقدمت منه لتقبل يده وقالت بهدوء:
_ ازيك يا جدي.
أومأ لها بفتور:
_ زين، خلصتي امتحانك؟
ازدردت لعابها بصعوبة لعلمها ما يسأل لأجله، وتحدثت بارتباك:
_ أيوه يا جدي.
هز رأسه ليقول بحبور:
_ يعني مبقاش عندك حجة تانية تهربي بيها، إني عايز أعجل بزواجك.
انقبض قلبها خوفًا من ذلك المصير الذي لا مهرب منه، وقالت بثبات:
_ بس يا جدي، إني اتفقت مع مهران إن الفرح بعد ظهور النتيجة وهو وافق، على الأقل أرتـاح شوية من حرقة الأعصاب بتاعت الامتحانات.
ضرب سالم بعصاه الأرض وتحدث بقوة:
_ وأيه اللي يخليني أستنى الوقت ده كله؟
ازداد خوفها أكثر وقالت بثبات زائف:
_ هو إحنا هنروح فين، إني معاكم ومفيش حاجة تخليك تقلق.
رفع نظره إليها ليقول بمغزى:
_ على أساس إنك تقدري تفكري تعملي حاجة كده ولا كده؟
هزت رأسها بنفي وقالت بخوف:
_ لا طبعًا يا جدي، إني مستحيل أعمل حاجة تغضبك، بس معلش أجل الفرح الفترة دي.
التزم الصمت قليلًا ثم تحدث بجدية:
_ طيب روحي دلوقت ويبقى أشوف الموضوع ده مع مهران.
انسحبت بهدوء وصعدت للأعلى، وكانت والدتها في انتظارها لتأخذها وتدلف بها الغرفة. أغلقت الباب بإحكام حتى لا يستمع إليهم أحد، وقالت بقلق:
_ عملتي إيه يا حلم؟
جلست حلم على الفراش وأجابتها بهدوء:
_ ولا حاجة، خلاص نهيت الموضوع زي ما قولتي، رضيت بنصيبي.
جلست والدتها بجوارها وقالت بحزن على حال ابنتها:
_ معلش يا بنتي، نصيبك من الدنيا كده، ويا عالم يمكن ربنا يهدي مهران ويكون زوج صالح ليكي.
ابتسمت بتهكم وهي تقول:
_ زوج صالح؟ إن كان أبويا زوج صالح ليكي ولا عمي اللي خلى مراته تموت نفسها من القسوة اللي شفتها منه، يبقى هو كمان يتغير. طول ما جدي عايش على وش الدنيا مفيش حاجة هتتغير.
أيدت ريحانة رأي ابنتها:
_ عندك حق في كل كلمة، حتى لما ولاده الاتنين ماتوا في الحادثة قولنا هيتغير، بس بالعكس بقى أقسى من الأول. يمكن انتي اترحمتي شوية بعلامك، إنما أنا ومرت عمك مكناش بنشوف الشمس. بس نصيبنا كده، نحمد ربنا على كل حال.
أومأت حلم في صمت وداخلها يبكي بقهر.
انتهت ليلى من عملها وأخذت حقيبتها كي ترى هاتفها الذي اعتادت أن تضعه على وضع الصامت أثناء معاينة المرضى، لتجد عشرات المكالمات من أمجد وحازم. شعرت بالقلق وهمت بالاتصال بهم، لكن الهاتف أغلق بسبب نفاذ البطارية. زمّت فمها بضيق:
_ هو ده وقته.
أعادته للحقيبة ثم أخذتها وخرجت من المشفى عائدة للمنزل بقلق بالغ. فور وصولها وجدت معتز وحازم جالسين في الحديقة، والقلق والتوتر باديًا عليهم. وفور رؤيتها أسرعوا إليها ليقول حازم:
_ انتي كنتي خابرة إن أمجد جاي النهاردة؟
ازداد قلقها وسألتهم بريبة:
_ لأ مكنتش أعرف إلا من ساعة كده، ليه؟
قال معتز بغيظ:
_ أن البيه عك في الكلام قدام أبوكي وشك في الموضوع، وطول القعدة وهو مراقبنا، وعشان كده هربنا منه.
انقبض قلبها خوفًا وهي تقول بريبة:
_ وبعدين إيه اللي حصل؟
_ ولا حاجة، قال الكلمتين بتوعه وخلع وسابنا إحنا لأبوكي.
ارتعب قلبها أكثر لعلمها بحالة والدها عندما يغضب، فقالت بانسحاب:
_ إني راجعة المستشفى تاني.
أوقفها صوت جمال الذي ينادي عليهم وهو يقول بلهجة حادة:
_ مستنيين الأكل يجي لحد عندكوا ولا بتهربوا من حاجة؟
نظر كل واحدٍ منهم للآخر بارتباك، فقالت ليلى بارتياب:
_ لا جايين.
سار الجميع تحت نظرات جمال الذي أخذ يراقبهم بوجوم حتى مروا من أمامه ودلفوا للداخل. جلسوا جميعًا على المائدة وأعينهم لا تنزاح من أطباقهم خوفًا من أبيهم الذي مازال ينظر إليهم بحدة.
وقد لاحظت وسيلة نظراته القاتمة لهم فسألته:
_ مالك يا جمال بتبص للولاد كده ليه؟
نظر إليها وهو يحاول السيطرة على غضبه:
_ هتعرفي بس بعد ما يتغدوا.
ازداد قلقها وسألته:
_ عملوا إيه، طمني.
نظر إلى ليلى التي ظهر الخوف على وجهها جليًا:
_ مش كنت قايلك إن في حد في حياة بنتك.
قطّبت جبينها بقلق:
_ واتحدثت معاها وقالت مفيش.
أكد لها بغيظ:
_ لأ فيه، وخابرة يبقى مين؟
سألته بشك:
_ اوعى تقول إنه…
أومأ لها:
_ أيوه هو، كان واضح من حديثه، ومن وقتها وهما خايفين مني زي ما انتي شايفة.
نظرت إليهم لتجدهم يتناولون طعامهم في وجوم على غير عادتهم، فقالت بتردد:
_ مش عايزين نظلمهم، اتحدث معاهم الأول.
كز معتز وحازم وهو يقول بصوت خافت:
_ مادام اتوددوا كده يبقى أكيد بيحكي.
رد حازم بضيق:
_ كله من اللي اسمه أمجد ده، دبسنا وخلع، بس وديني لأرداله.
تذكر معتز أمر جاسر فقال مسرعًا:
_ أحنا نسينا جاسر، إيه رأيك نلبسه الليلة.
لمعت الفكرة بعقله وأيده قائلاً:
_ أول مرة تقول حاجة صح، إحنا فعلًا لما عرفنا خبرناه وهو اللي سكت، هنقول لأبوك إننا لما عرفنا كلمنا جاسر ومنعرفش حاجة بعدها.
أومأ بتأييد:
_ خلاص اتحلت.
تذكر معتز أمر ليلى وسأله:
_ وليلى؟
تحدث بغيظ:
_ تشيل هي الليلة، هو كده ولا كده مبيقدرش يتحدث معاها ولا يزعلها، هيقولها كلمتين وخلاص، إنما إحنا ما بيصدق يمسك علينا غلطة. هو جاسر قال هيرجع إمتى؟
_ هيرجع بالليل لأنه جاي بالعربية.
ابتسم بخبث وقد وجد حلًا أخيرًا للخروج من تلك المصيبة التي حطت فوق رأسهم، وقال:
_ حلو أوي كده، هنشيله الليلة ونفلت إحنا، أنا هتدارى في جليلة وانت شوفلك مكان تاني لحد ما يرجع.
قال معتز باقتراح:
_ لأ روح انت عند جدك عاصم وبالمرة تشوف زينة، وأنا هتدارى في جدتي.
أما عن ليلى فكانت تتناول طعامها وتترقب كل نظرة من والدها إليها، وعندما تتقابل نظراتهم تخفضها بخوف، خاصةً عندما تحدث بأمر وهو ينهض من مقعده:
_ بعد ما تخلصوا أكل تعالوا على المكتب.
سبقهم إلى المكتب تحت نظرات عمران المتسائلة، وخاصةً عندما وجد ثلاثتهم ينهضون باستسلام متجهين إلى غرفة المكتب. نظر إلى وسيلة كي يعرف منها ما يحدث، لكنها هزت كتفيها بقلة حيلة.
في الداخل، وقف جمال ينقل بصره بينهما، فشعرت ليلى بأن قلبها على وشك التوقف من شدة الرعب، وخاصةً عندما تحدث بصرامة:
_ رايد أعرف بالظبط إيه اللي كان بيحصل من ورا ضهري.
أغمضت ليلى عينيها بخوف وقررت الاعتراف بما حدث مع إخفاء بعض الحقائق، فقالت بخوف:
_ أ..أنا.. معملتش حاجة، كل الحكاية إنه كان مريض في المستشفى اللي كنت فيها، وطبعًا بما إن مرضه نفس تخصصي، فكنت بتابع الحالة مع دكتور عصام.
نظرت إلى حازم ومعتز بتوعد إن لم يؤكدا حديثها، وتابعت:
_ كنت معرفاهم كل حاجة وإني بعالجه، وكانوا بيزوروه في المستشفى باستمرار، وأول ما سافر عشان يعمل العملية رجعت على طول زي ما طلبت مني.
أكد معتز ببلاهة:
_ آه حصل.
وكذلك حازم:
_ آه حقيقي، وحتى جاسر أخوي راح شافه قبل ما يسافر، كان في الوقت ده ما بين الحياة والموت.
اتسعت عين ليلى بذهول من إقحامهما لجاسر في الأمر حتى يتمكنا من النجاة بنفسيهما منه.
فقال جمال بلهجة آمرة لمعتز وحازم:
_ اطلعوا انتوا برة دلوقت.
أومأ الاثنان وأسرعا بالخروج، مما جعل قلب ليلى يرتعد بخوف، وخاصةً عندما تحدث جمال بصرامة:
_ لو كنت أعرف إنك هتخوني ثقتي فيكي مكنتش وافقت أصل إنك تسافري وتبعدي عن النجع.
حاولت الدفاع عن نفسها لكنه منعها:
_ خابرة اللي رايدة تقوليه، بس الحالة اللي كنتي فيها بعد ما رجعتي تأكد إن الموضوع أكتر من مريض ودكتورة، ممكن يكون الموضوع متخاطاش الحدود اللي علمتهالك. بس المشاعر اللي كانت بينكم دي لوحدها خيانة لثقتنا. إني مش هعاقبك، لإن لو حد يستاهل العقاب يبقى أنا مش انتي. اتفضلي دلوقت على أوضتك ومتخرجيش منها.
خرجت ليلى من الغرفة فور دخول وسيلة التي أسرع إليها حازم ومعتز كي تدلف وتهدئ الأمور بينهما. لتجد جمال ينظر إلى ليلى باحتدام. تقدمت منه بعد خروج ابنتها وقالت بثبات:
_ قولتلها إيه، خلتها تطلع معيطة كده.
نظر إليها كي ينالها نصيبًا من غضبه وقال بخشونة:
_ عايزاني أقولها إيه؟ واقفة قدامي وبتكدب عليا وبتستغفلني، حتى بعد عرفت الحقيقة. تطلع إليها بعتاب حارق وتابع: بس العيب عليكي انتي عشان انشغلتي عنهم. بقى كل واحد فيهم ليه مصيبة ومداريها عنينا، وانتي ولا انتي هنا.
لم تغضب منه لعلمها بحالته وبغيرته على ابنته الوحيدة، فقالت بهدوء:
_ يا جمال ولادك كبروا وكل واحد فيهم بقى ليه أسراره الخاصة، مش عايز تطفل منينا. انت عودتهم إننا نشاركهم مشاكلهم بس وهما صغيرين، إنما دلوقتي خلاص كبروا. وجاسر لما خبى علينا اللي حصل ده مكنش غلط منه، بالعكس انت نفسك شهدت له بشهامته ورجولته إنه ستر على بنت عمه ومفضحهاش. ليلى كمان كبرت وحبت وده شيء مش بإيديها، زي أنا ما شوفتك وحبيتك، هي كمان شافت وحبت.
قاطعها جمال باستنكار:
_ بس مقدرتش أتحدث وياكي إلا لما كتبنا الكتاب.
_ زمانا غير زمانهم يا جمال، وولادك متربيين زين وعارفين حدودهم. وبعدين الراجل أول ما قدر يقف على رجليه دخل البيت من بابه وجاي يطلبها منك وبصراحة هو ميتعيبش، وياريت توافق ومتكسرش بخاطرها.
استطاعت بأسلوبها أن تهدئ من غضبه ولو قليلاً، لكنه لن يتنازل بتلك السهولة:
_ مش بالبساطة دي، لازم تتعاقب لول وبعدين أحدد إن كنت هوافق ولا لأ.
أرضت كبرياءه بكلماتها المعسولة وهي تأيده:
_ حقك طبعًا، هي غلطت لما خبت علينا ولازم تتعاقب، بس إحنا بنقول هي بنت واحدة ومش عايزين نكسر بخاطرها، وانت عارف هي متعلقة بيك قد إيه، عشان خاطري بلاش تقسى عليها.
قضت الماكرة على ما تبقى بداخله من غضب وتابعت:
_ طول عمرك وانت بتعاقبها بالخصام، لإنه عارف إن بعدك عنها أكبر عقاب، وكانت بتيجي وتعتذرلك. ارجع للعقاب ده، لإنك مينفعش تستخدم غيره دلوقتي.
جلس على المقعد وهو يقول بامتعاض:
_ اتصدمت فيها وفي الكبير التاني اللي كان خابر ودارى عليا.
جلست بجواره وتحدثت بعقلانية:
_ أولاً انت خابر جاسر زين وخابر إنه دمه حامي، مستحيل هيشوفها بتعمل حاجة غلط ويقف ساكت. أبسط ما فيها هيخليها تسيب المستشفى وترجع النجع، إنما ده متكلمش لإنه لقى الموضوع بسيط ومتعداش الحدود. وبعدين بنتك متقدرش تتعدى الأصول عشان تتصدم فيها، هي كانت بتقوم بدورها كطبيبة. يعني لو مكنتش دكتورة؛ لا كانت هتشوفه ولا تتكلم معاه حتى. استهدى بالله كده واني هروح أعملك كوباية شاي تروق بيها.
خرجت من الغرفة لتجد حازم ومعتز يسترقوا السمع أمام الغرفة، فتحدثت من بين أسنانها:
_ بتعملوا إيه؟
حمْحَمَ حازم بإحراج:
_ لا أبدًا، إحنا بس كنا بنشوفك عملتي إيه.
جذبت حازم من أذنيه وهي تنهره بحدة:
_ أكيد انت اللي لبست الليلة لـ جاسر، هو أخوك ناقص يوقعه لأبوك.
أكد معتز:
_ حصل وهو اللي قال أشيل الليلة لجاسر وأطلع أنا منها.
هزت رأسها بيأس منهما وتركتها لجمال الذي خرج من مكتبه ليجدهما أمامه، فقال متوعدًا:
_ الحديث معاكم مخلصش وهيكون فيه بينا كلام تاني.
أومأ الاثنين بصمت ليتركهم جمال ويصعد لغرفته. فيقول حازم بعدم استيعاب:
_ هموت وأعرف هي بتقدر تسيطر عليه إزاي كده.
صحح له معتز:
_ هي مش مسيطرة زي ما بتقول، بس بصراحة أمك عاقلة بزيادة وبتعرف إزاي تتعامل معاه، وحديثها دائمًا بيكون بالعقل. أتمنى إني ألاقي حد زيها.
أخذ طول الطريق يفكر في حل للمشاكل التي تتفاقم بينهما. ظن لوهلة إن ما حدث سيجعلها ترضخ له ويأخذها حنينها إليه، لكنه رأى عكس ذلك.
فلاش باك
عندما وضعت يدها على مقبض الباب كي تخرج، حينها انتهى ثباته الذي تظاهر به وأسرع إليها يمسك يدها يمنعها من المغادرة وهو يقول برجاء:
_ سارة ارجوكي مـ تمشيش.
اهتزت نظراتها إثر تلك المشاعر التي اجتاحتها من همسه، لكنها عاندت:
_ انت مش خلاص زهقت وعايز تطلقني؟
أبعد يدها عن مقبض الباب ليضعها على قلبه الذي ينبض بعنف وكأنه يطالبها بالرفق به وقال بوله:
_ ده اللي بيقولوا عليه المستحيل بحد ذاته.
قربها إليه أكثر وأردف بعشق وهو ينظر إلى عينيها التي امتلأت بالمشاعر الجياشة:
_ أنا بتعذب في كل لحظة وانتي بعيدة عني.
تاهت عينيها في بحور عينيه التي جذبتها وتغرقها في دوامة العشق وهمسه الذي جعل مقاومتها تتلاشى ببطء.
لهمست هي أيضًا بنظرات عاتبة:
_ مش قادرة أسامح في إهانتك ليا.
ازدرد لعابه بوله وقد تنقلت عينيه إلى ملامحها التي اشتاقها كثيرًا وكم سهد ليالي كثيرة قابعًا أمامها يملي عينيه منها، وقال بعشق:
_ ارجعيلي وسيبيني أعوضك عن كل كلمة جرحتك بـيه.
تاهت نظراته على شفتيها التي اشتاق شهدها وحلم بها كثيرًا منذ بعدها عنه.
كانت نسمات انفاسه تلفح وجهها النديْ مما جعلها تغمض عينيها مرحبةً بتلك المشاعر التي يغدقها عليها بسخاء.
كان وجهه قريبًا من وجهها مما جعلها تنظر داخل عينيه الرمادية التي تشكو إليها قسوة الشوق.
أخذها الحنين لأن تلقي بنفسها في أحضانه ولم تتردد ثانية واحدة عن فعلها، فهي في أشد الحاجة لالتماس الأمان بين يديه. ولم يبخل عليها بذلك، بل أحاطها بذراعيه بحب وشوق ليالي طويلة، هي معشوقته التي روت روحه القاحلة بحبها ولن يرضى بغيرها مهما حدث.
أما هي فقد أغمضت عينيها تستمتع بتلك اللحظة التي جعلت قلبها ينبض بوله. تعلم كم مر عليها من الوقت وهي بين ذراعيه عندما رفع وجهها من فوق صدره الذي كانت دقات قلبه تهدر بقوة، يبعدها عنه قليلًا كي ينظر إلى ملامحها التي أصبح مجنونها، وقال بحشرجة:
_ بحبك.
بإرادة ضعيفة منها حاولت دفعه برفق بعيدًا عنها، لكنها تذكرت تلك المرة التي دفعته بها وتألم من جرحه، فخيل إليها إن فعلتها ستؤلمه كما فعلتها من قبل. وشعر هو بترددها، فأمسك يدها وثبتها فوق صدره وقال بوله وهو يبعد عنها وجهه للحظة واحدة:
_ محتاجلك.
كانت ثباتها بعد تلك الكلمة لترحب بقبلاته التي كانت أكثر ضراوة عن زي قبل، وذراعيه التي احتوتها بتملك عاشق.
باكتنهد بتعب وعينيه تنظر للطريق، لكن عقله وتفكيره معها وحدها. كان يتخيلها عائدة معه جالسة بجواره والابتسامة تشق ثغرها بسعادة، لكن أبت العيش في دائرة عشقه واختارت الحزن لكليهما.
عاد إلى المنزل وحيدًا كعادته، يذهب منتويًا إحضارها معه مهما كلفه الأمر، ولكن يعود فارغ اليدين وبقلب يئن ألمًا من بعدها.
انتبه على صوت يناديه:
_ جاسر…
رواية ومجبل علي الصعيد الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم رانيا الخولي
عاد أمجد إلى منزله بسعادة لا توصف، فقد كان حلمًا صعب المنال والآن أصبح بين يديه.
وجد والده في انتظاره كي يسمع منه البشرى لحياة هنيئة له.
"السلام عليكم."
تبسم صابر عندما لاحظ السعادة الظاهرة على وجه ابنه ورد بسعادة مماثلة.
"وعليكم السلام. تعالي احكيلي عملت ايه، مع ان شكلك بيأكد انه تم."
جلس أمجد بجواره وقال:
"مش بالظبط، بس كفاية إني شفتها واطمنت عليها."
تحولت لهجته لعتاب وهو يسأله:
"ليه مـ انكرتش كلام أسيل لما قالت انها خطيبتي؟"
تذكر صابر ذلك الأمر وقال بضيق من تلك الذكرى المؤلمة لقلبه:
"تفكر يعني واحد ابنه بين الحياة والموت هيهتم يوضح مين خطيبته ومين حبيبته، وبعدين اتفاجئت انها مشيت."
"بس كان لازم على الاقل تعرفني، انا كنت خلاص هخسرها."
طمئنه والده بسعادة غامرة:
"والحمد لله لقيتها لسه مستنياك، وانا يومين بالكتير واروح للحاج عمران وجمال واطلبها منهم."
ابتسم بسعادة وعينيه تشع أمل:
"طيب انا هقوم اكلمها واعرف منها الأخبار."
"اتفضل ياحبيبي ربنا يسعدك."
خرج هاتفه وهو يصعد الدرج ليتصل عليها لكنها لم تجب.
دلف غرفته وجلس على فراشه وليبعث إليها برسالة:
"مش بتردي ليه؟"
كانت جالسة في غرفتها ولم تخرج منها كما طلب منها والدها. لم تحزن فهو محق في كل كلمة، لكنها تعلم تأثيرها عليه وتعلم جيدًا بأنه لن يستطيع تجاهلها اكثر من يومين.
رن هاتفها فتبتسم بسعادة لعلمها بهوية المتصل، لكنها لن تستطيع الرد عليه.
لن تفعل ما يغضب والدها بعد.
انتبهت لوصل رساله تعلم جيدًا محتواه.
تناولت هاتفها لتقرأها فتبسمت بمكر وهى تجيب بأخرى:
"انا متعاقبة بسببك ومينفعش ازعل بابا تاني واكلمك."
"او
"اوعى تقولي انه عرف."
"اه عرف ومن وقتها وهو مش بيكلمني حتى العشا بعته في اوضتي ورافض يكلمني."
"يعني ايه؟ اوعي ينشف دماغه ويرفض."
"لأ متقلقش هو كدة عرف أن سعادتي معك ومستحيل يكسر فرحتي أبدًا."
"يعني اطمن؟"
"لأ موعدكش، على العموم يومين ويبقى كلمه تاني وشوف رده هيكون إيه."
"مش هينفع اطول اكتر من كدة."
كانت هذه رسالتها الأخيرة ولم تجيبه مرة أخرى.
❈-❈-❈
دلف جاسر المنزل ليجد الهدوء يعم المكان.
نظر في ساعته ليجدها تعدت الثانية صباحًا.
انتبه على صوت ليلى تناديه من شرفتها:
"جاسر."
تطلع إليها وسألها بدهشة:
"انتي صاحية ليه لحد دلوقتي؟"
أشارت له بالصمت وقالت بخفوت:
"اطلع عايزاك."
قطب جبينه بعدم فهم لكنه طاوعها وصعد إلى غرفتها فوجدها تنتظره أمامها وهم بسؤالها لكنها أشارت له بالصمت وجذبته للداخل وهو مندهشًا من فعلتها.
اغلقت الباب خلفه وهو يتطلع إليها بعدم استيعاب لما تفعله فسألها بقلق:
"في ايه قلقتينى؟"
بابتسامه خجوله تحدث باضطراب:
"أمجد كان هنا النهاردة."
تعجب أمجد من قولها وسألها باهتمام:
"أمجد مين؟"
نظرت إليه بغيظ لنسيانه الأمر:
"أمجد ياجاسر."
تذكر جاسر أمره وسألها بعدم فهم:
"جاي ليه مش فاهم، وبعدين هي ايه الحكاية بالظبط مكنتش بتديني فرصة أسألك."
ارتبكت من داخلها لكنها اقتربت منه تستعطفه وقالت:
"مفيش ياجاسر كل الحكاية أنه كان مريض زي ماانت عارف وانا كنت بتابع حالته وحصل بينا قبول بس حالته مكنتش تسمح انه ييجي يطلبني من ابوك والحمد لله بعد ما العملية نجحت جاه على طول يطلبني."
السعادة التي ظهرت عليها جعله يبتسم لها وتمنى في تلك اللحظة أن تكون بجوارهم وتشاركهم فرحتهم.
فقال بابتسامة تخفي خلفها وجعًا لا يحتمل:
"مبروك ياقلبي."
لاحظت ليلى الحزن الكامن في صوته مهما اظهر عكس ذلك فقالت بمزاح:
"بابا عرف وحازم ومعتز لبسوك الليلة."
عقد حاجبيه بعدم استيعاب وسأله بتوجس:
"لبستها كيف مش فاهم. ومين اللي عرف ابوكي من أساسه."
حمحمت باحراج وردت بوجل:
"امم امجد وقع بالكلام ادامه وتقدر تقول ربط الاحداث ببعضها ومن وقتها وهو حابسني في الاوضة ومش عايز يكلمني."
اغمض عينيه بضيق منهم وقال بغيظ:
"واني ذمبي ايه في كل ده؟ بس لما اشوف."
ضحكت ليلى وضحك جاسر معها يشاركها فرحتها وقال بحب:
"متقلقيش من حاجة اني هتكلم مع ابوكي الصبح وهخلص معاه الموضوع."
تطلعت إليه بنظرة امتنان وقالت بحب:
"ربنا مـ يحرمني منك."
"ولا منك، المهم متشغليش بالك باي حاجة واني الصبح هتحدت مع ابوكي واقنعه يوافق."
عانقته بسعادة وهى لا تصدق حتى الآن بأنه عاد إليها.
سمعوا صوت هاتفها معلنًا عن اتصال لذلك العاشق فيبعدها جاسر عنه قليلًا كي ينظر إليها بتحذير فقالت بضحك:
"والله بيرن من وقت ما مشي ومردتش عليها."
"ايوة كدة جننيه شوية."
خرج جاسر من غرفة ليلى ليتفاجئ بمصطفى يصعد الدرج فيتلاعب الشك بداخله.
وكذلك تفاجئ مصطفى الذي حاول الثبات أمامه وهو يقول بثبوت:
"أهلًا ياجاسر، انت وصلت امتى؟"
دقق جاسر النظر في عينيه وسأله بشك:
"انت جاي منين في وقت زي ده؟"
تظاهر مصطفى بالدهشة وهو يجيبه:
"كنت في الجنينة، بتسأل ليه؟"
لم يقتنع بإجابته وعاد يسأله:
"كنت فين؟"
تهب منه قائلًا:
"انت شكلك رايق وانا عايز أنام."
هم بالذهاب لكن جاسر أمسك ذراعه يمنعه من الذهاب وقال باحتدام:
"انت مش هترجع عن اللي في دماغك؟"
جذب مصطفى ذراعه من يده وقال بتسويف:
"أنا معرفش انت بتتكلم عن أيه، بس على العموم انا هريحك مني وهرجع بكرة القاهرة."
لم يستطع جاسر تمالك اعصابه مما جعله يجذب مصطفى من ذراعه ويدلف به غرفتها.
اغلق الباب خلفه وسأله بحدة:
"بلاش لوع معايا وقولي ايه اللي في دماغك بالظبط."
تنهد بضيق ورد بهدوء:
"قلتلك مفيش حاجة في دماغي، ولو كان على اللي في دماغك انت فـ احب اطمنك اني مبقتش بفكر فيه.
وجاي بس عشان اشوفكم قبل مـ اسافر."
تقدم منه جاسر ورفع اصبعه في وجهه ليقول بتحذير:
"لو اللي في دماغي ده طلع صح محدش هيرحمك، وخصوصاً أنهم شهدوا عليك عيلتك انك انت اللي اتعديت عليهم وعلى بنتهم.
ودي ناس مبترحمش انت متتخيلش الشر اللي عملوه في حياتهم واللي هيعملوه لو لعبت معاهم تاني.
انت بس مش هتدمرك نفسك انت هتدمر كل اللي حواليك لإن محدش منا هيقف يتفرج عليك وانت بتؤذيهم.
فكر كويس قبل ما حتى مـ تفكر تعمل أى حاجة."
تلاعب الخوف بداخله خوفًا عليهم لكنه تحدث بعناد:
"متخافش انا عارف انا بعمل ايه كويس."
تأكد شكه الآن مما جعل جاسر ينفعل:
"انت مخبرش حاچة واصل، انت عايش في الصعيد اللي مهما اتغيرت بس في حاچات كتير متغيرتش فيهم وأولهم إن حاچة تمس شرفهم، واللي انت متعرفوش اننا مش هنجدر نرد عليهم زي ما حل قبل سابق ومقدرناش نرد عليهم.
لو قاموا وقتـ.ـلوك مش هيقف معانا لانهم حذرونا كتير وخصوصاً إنك بتتعدى على شرفهم.
عايز تضيع نفسك وتضيعها معاك انت حر بس اني مش هقف اتفرچ عليك وانت بتضيع كل اللي عمله أبويا وجدي.
فكر زين وبلاش تبقى اناني زي ابوك."
ثم تركه وغادر.
❈-❈-❈
دموع لا تجف وقلب لا يهدئ واشتياق جارف لا يرحم، هذا وصف مبسط لحالتها وهي مستلقية على الفراش بضياع لا تعرف هل تطاوع عقلها الذي يجبرها على الثبات كي يسلموا من مكر ابيها أم تطاوع قلبها الذي لا يرحمها ويظل يناجيها ان تهرع إليه.
فقد اعترفت الآن بأن ليس لها حياة بدونه.
نعم اخطأت عندما سلمت نفسها له في هذا الوقت لكنها كانت تود أن ترى في عينيه لمحت نفور كما كان يحدث معهم من قبل.
فينقلب السحر على الساحر عندما لم تجد في عينيه سوى عشق جارف اخذها معه إليه.
لقد هربت من منزل والدها وجاءت إلى والدتها كي تهرب من حديثه الذي يجبرها فيه على العودة إليه.
وعندما رأت حالتها لم تسألها عن سببها بل طلبت منها ان تدلف غرفتها كي تستريح أولاً.
لكن كيف لها الراحة وهي تتعذب شوقًا وحنينًا إليه.
❈-❈-❈
في الصباح.
استيقظ جاسر اثر الم شديد في رأسه، فلم ينام إلا في شروق الشمس.
نظر في ساعته ليجدها لم تتعدى الثامنة صباحاً.
نهض بتثاقل منتويًا أخذ حمام دافئ ربما يخلصه من ذلك الألم.
انتبه على طرقات خافته على الباب تلاها دخول مصطفى الذي قال بإحراج:
"هتساعدني ولا اشوف حد غيرك….."
في الأسفل.
جلس جمال مع والده في مكتبه كي يتحدث معه في امور العمل وبعد الانتهاء سأله جمال:
"انت كنت تعرف حاچة عن موضوع أمجد؟"
تنهد جاسر بتعب وقال برصانة:
"عادي يابوي الموضوع ابسط من اكدة."
تحدث جمال:
"يعني كنت عارف ان حاچة بيناتهم وسكت."
انكر جاسر:
"مكنش فيه حاجة بينهم عشان اعاقبها عليها، وبعدين الحالة اللي كان فيه مكنتش تسمحله بأي تجاوز، يعني حبه ليها كان خالي من أى رغبة ودي اللي اقدر آمان على اختي معاه.
أمجد انسان كويس وأول ما وقف على رجليه جلنا على طول يطلبها زي الأصول مابتقول.
ومفيش اى سبب تعاقبها عشانه."
اومأ له جمال بتفاهم ثم سأله:
"وعملت ايه مع بنت عمك."
"ولا حاجة، زي كل مرة رافضة انها ترجع معايا."
ربت جمال على كتفه وهو يقول بتعاطف:
"سيبها ياولدي فترة اكدة واني واثق انها هترچع من حالها، بس اديها فرصة تراچع امورها وان شاء الله هترچع برضاها.
المهم …."
قاطعه حديثه أصوات عالية آتية من الخارج مما جعلهم يسرعون إلى الخارج ليتفاجؤا بمهران ورجاله يقتحمون المنزل.
تقدم منهم جمال وقد سمح لهم بالولوج وقال بصرامة:
"أيه اللي بيحصل ده، وازاي تتهچموا على البيت إكدة."
تقدم منه مهران وقد وأخذ الغضب منه مبلغه وقال بصوت غاضب:
"زي مـ ابن اخوك اتهجم علينا بالليل كيف الحرامية وخطف بنتنا."
نظر جمال إلى مصطفى الذي خرج من الداخل ليقول بنفي:
"محصلش، انا مخرجتش من البيت امبارح ولا شوفتها من وقت اللي حصل، وخلاص الموضوع انتهى بالنسبالي روحوا شوفوا عملتوا فيها ايه خلاها تهرب منكم."
احتد غضب مهران من تطاوله معه وقال باحتدام:
"كلمة زيادة وهفرغ الطبنچة دي في دماغك."
هنا تدخل جاسر وهو يبعد مصطفى عن طريقة وقال بحدة:
"قلنالك بنتك مش عندينا ولا هى بالسذاجة دي عشان تاجي تدارى في بيتنا لأنه أول مكان هتدوروا فيه."
اراد جمال ان ينهي ذلك الاحتدام فقال بحكمة:
"كان بودي اقولك ادخلي دوروا بنفسيكم بس الدار ليه حرمه ومينفعش يتخطوا جوة عتبت الدار."
خرج عمران كي يفض ذلك التجمع وقال بثبوت:
"بنت عمك لو في بيتي اني أول واحد هرفض وهرچعها بنفسي لدارها اللي مقبلوش على بناتي مقبلوش على بنات الناس.
وبعدين ايه اللي اكدلكم انها عندينا؟"
ظهر سالم من بين الجمع وقال بحدة:
"اللي اكدلنا وجود حفيدك ياحاچ عمران.
تقدر تقولنا چاي ليه، وليه بنتنا تختفي في اليوم اللي چاه فيه."
رد عمران بتحدي:
"ولو حفيدي زي ما بتقول هو اللي هربها ليه استنى لما ترچع البلد وبعدين يهربها، كان من الأولى انه يعملها وهو بره البلد، لا من شاف ولا من دري.
ولا هى حكايات قديمة وعايز تنتقملها."
ضرب سالم بعصاه الأرض وتحدث بقوة:
"مكنش فيه حكايات قديمة عشان انتقملها ياعمران.
اني چاي أدور على حفيدتي واني خابر ان حفيدك هو اللي هربه."
نظر عمران إلى مصطفى الذي أنكر ذلك:
"انا معملتش حاجة واكبر دليل إني موجود وسطيكم ومش همشي كمان إلا بعد اسبوع عشان."
تحد جمال بحبور:
"أظن إن الحديت خلص لحد اكدة وبنتكم مش موجودة عندينا، وانت خابر زين أننا منرضاش بالغلط."
لم يستطيع سالم فعل شئ وهو يعلك عمران وابنه جيدًا لن يسمحوا بفعل ذلك علمًا بأنه لن يرحم من يتعدى على شئٍ يخصه.
فقال بتحذير:
"كلامنا لسه منتهايش ولسه له باقي وصدقني لو شكيت ان ابن منصور ليه يد في هربها صدقني مش هرحم حد منيكم."
ابتسم عمران بسخرية وهو يقول بلهجة تحمل تهديد:
"كلامك ده هيخلينا نفتح دفاتر قديمة اتفاقنا إننا نطويها ولو لمست حد من عيلتي انت خابر اني ممكن اعمل ايه."
كان حديثه يحمل تحذير واضح جعل سالم يضغط بقبضته على عصاه حتى اليضت مفاصله.
ثم نظر لرجاله وقال بحدة:
"يلا يارچالة."
ذهب سالم ورجاله وحينها انتهى ثبات جمال فدنى من مصطفى يجذبه من تلابيبه وسأله بغضب:
"انت ليك يد فـ هروبها."
هز مصطفى رأسه بنفي فهزه جمال وهو يهدر به:
"اومال البنت راحت فين؟"
وقف جاسر حائلًا بينهما وتحدث برصانة:
"اهدي يابوي الموضوع مـ يتخدش أكدة خلينا نفهموا منه اللي حصل."
تحدث عمران بصرامة:
" خلينا ندخلوا چوة ونشوف ايه الحكاية بالظبط."
دلفوا جميعًا إلى الداخل ونظرات جاسر تعاتب مصطفى على تهوره.
نظر عمران إلى مصطفى وقد لاح الغضب على وجهه وقال بهدر:
"يظهر إن مفيش فايده فيك وناوي تغرق نفسك وتغرفنا معاك."
"ياجدي…"
قاطعه عمران بلهجة لا تقبل نقاش:
"اني مش عايز اسمع ولا كلمة في الموضوع ده تاني، لس هو سؤال أول وأخير، انت ليك علاقه بهروبها؟"
نفى مصطفى قائلًا:
"لأ محصلش."
هز رأسه بعدم إقتناع ثم قال بلهجة أمره:
"انت مش هتتنقل بره البيت ده إلا على المطار وقت ما تاچي تسافر، قبل اكدة مش هتخطي خطوة واحدة."
أومأ جاسر له لكن مصطفى آبى الرضوخ فهم بالمعارضه لكن جاسر منعه:
"متقلقش ياچدي انا هاخد بالي منه."
ثم اخذ مصطفى وذهب إلى غرفته.
نظر جمال إلى والده وسأله:
"ناوي على ايه؟"
جلس عمران على مقعده وأجاب بهدوء:
"ولا حاچة، سالم ميقدرش يلمسه بعد الكلمتين اللي سمعهم بس لازم ناخد بالنا منه."
رواية ومجبل علي الصعيد الفصل الأربعون 40 - بقلم رانيا الخولي
كانت تنظر إلى والدها الشارد فى أفكاره وهي تعلم تمام العلم بما يدور فى عقله، لكنها ستعمل على إفشال مخططاته، لن تسمح له بالتلاعب بهم وأخذ ما ليس له بحق.
نهدت بضياع وهي تفكر في تلك المقابلة التي ستكون أصعب من غيرها.
لو يعلم كم تشتاقه؟
لكان صبر وتحمل معها حتى تمر تلك الأزمة، لكنها تعلمه جيدًا.
وتعلم على وشك الانسحاب من تلك العلاقة المنهكة للأعصاب، وربما تكون هذه فرصتها كي تقطع أى أمل لوالدها فى حصوله على المال.
هبطت الطائرة وترجل منها الجميع، ولكنها لا تستطيع تحريك قدمها.
خارج،
سابقت دموعها على وجنتيها من تحت نظارتها وهي تتذكر زيارتها الاولى لهم.
كيف جاءت إلي تلك البلد مكسورة الفؤاد وخرجت منها أيضًا مكسورة الخاطر.
قلبها يناجيها أن تسامحه وتعود إليه تنعم بعشقه.
لكنها نظرت لأبيها بعتاب لاستمراره في تعذيبه.
لو تركهم من البداية لكانت الآن تنعم بالحب بين يديه دون غدرٍ أو خداع.
حاملت على نفسها وهي تنزل سلم الطائرة وتستنشق هواء المدينة وكأنه محمل برائحة أفخر أنواع العطور بما تحمل من شوق وحنين لمن ملك قلبها وعقلها.
وها هو ذا يقف أمام المطار ينتظر خروجها على أحر من الجمر.
كانت ترى نظراته التي تحمل عتاب آلم قلبها وقد أخفت نظارتها عينيها الذابلتين من كثرة ما ذرفت من دموع.
تقدم منهما ليصافحهما فقال بفتور:
_ حمد لله على السلامة.
رد منصور بابتسامة مجاملة:
_ أهلًا ياجاسر عامل ايه؟
كان ينظر إليها وهو يحدثه بمغزي:
_ بخير الحمد لله.
ارتبكت نظراتها وهي ترى كم العتاب الذي يظهره له.
مد يده يأخذ منها الحقيبة ليضعها في السيارة، لكنها أبت ذلك وتركته ودلفت من الباب الخلفي لتجلس دونما اكتراث لذلك الذى يحترق شوقاً لقربه.
لكن حينما بدأت السيارة فى التحرك ندمت اشد ندم لأنها وضعت نفسها تحت مرأى عينيه المتلهفتين، حيث كان يراقبها من المرآة الداخلية للسيارة وهو ينطلق بها.
في دق قلبها بعنف من لوعة الاشتياق.
كانت نظراته موزعة ما بين الطريق وبين المرآة التي تعكس صورتها.
وعندما رأى دمعة تسيل على وجنتها من خلف نظارتها قبض بألم على مقود السيارة لعجزه عن مسحها بيده.
الحياة بدونها أصبحت لا تطاق.
وأوهامة هي إن ظنت أنها تستطيع إخفاء عينيها خلف زجاج نظارتها الداكن، لكن كيف تخبىء حزنها عمن يراها بعين قلبه.
كان منصور يلاحظ نظراته لها ويلاحظ أيضًا وجوم ابنته، لكنه لا يعرف كيف يقنعها بضرورة عودتها لزوجها مراعاة لمصالحه.
فقد أصبح على وشك الإفلاس والبنك يبعث له بالإنذار تلو الآخر مع تحذيرات بالحجز على أملاكه سدادا لديونه المتراكمة.
إذا استطاع أن يقنع جمال بحقه في الميراث دون أن يعرف والده سيستطيع بذلك سداد دفعة من القرض، وسيعمل حينها على تعويض تلك الخسائر التي تراكمت فوق رأسه.
ظلوا على تلك الحالة حتى وصلوا إلى المنزل مما جعلها تلقف انفاسها براحة.
لحظات عذاب مرت عليها وهو يرمقها بسهام نارية لا ترأف بقلبها العاشق.
وظنت لوهلة وهي تترجل من السيارة بأنها ستُرحم منها، لكن كيف ذلك وقد جمعهم سقفٍ آخر.
دلفت المنزل لتجد عمها يصافح أبيها بود ومحبه وكأنه لم يغدر بهم يومًا.
أما هى فقد أخذها الحنين و الشوق إلى وسيلة التي ما أن رأتها حتى أسرعت إليها تعانقها بحب.
_ وحشتيني اوي ياطنط.
تحدثت وسيلة بصدق:
_ وانتي اكتر ياغالية.
ثم تحدثت بعتاب:
_ مع إني زعلانه منك متفكريش تاچي تشوفي مرات عمك ولو ليوم واحد.
ابتسمت سارة بإحراج:
_ معلش بقى كان غصب عني.
أومأت لها وسيلة بتفهم:
_ طيب ادخلي سلمي على جدتك لأنها مستنياكي من الفچر وانا هخلي سعدية تطلعلك الشنطة في اوضتي.
تبدلت ملامح سارة وقالت برفض:
_ لا.. لا.. انا هنام مع ليلى.
فهمت وسيلة سبب رفضها فطمئنتها قائله:
_ متقلقيش جاسر سابها من وقت ما مشيتي ورجع لاوضته القديمة.
لم تقتنع سارة بحديثها فقالت برجاء:
_ معلش سيبيني على راحتي انا عايزة افضل مع ليلى.
أومأت وسيلة بتفهم:
_ اللي تشوفيه.
أسرعت سارة إلى الداخل كي تسلم على عمها الذي استقبلها بحفاوة، وكذلك مصطفى الذي عانقها بحب تحت نظرات الغيرة من جاسر.
وكذلك البقية.
وعندما لم تجد ليلى سألت جليلة:
_ تيتا أومال فين ليلى؟
أجابت وسيلة وهى تنظر لجمال بحدة:
_ بقالها تلات ايام في اوضتها مبتخرجش منيها.
قطبت جبينها بدهشة:
_ ليه مكسوفه؟
أجاب حازم بمزاح:
_ لا متعاقبة.
وكزه جاسر ليلتزم الصمت فقالت وسيلة:
_ هي فوق في اوضتها اطلعيلها.
نظرت إليهم وقالت:
_ بعد إذنكم.
ذهبت إلى غرفة ليلى لتطرق بابها قبل أن تدلف إليها التي ما ان رآتها حتى عانقتها بسعادة غامرة.
_ سارة حمد لله على السلامة.
بادلتها سارة العناق وهي تجيب بحب:
_ الله يسلمك يا ليلى ألف ألف مبروك.
أجابت بسعادة:
_ الله يبارك فيكي يا قلبي تعالي.
أخذتها وجلست معها على الفراش وسألتها سارة وهى تحاول ابعاد تفكيرها عنه:
_ قولي ايه اللي حصل؟
شرحت لها ليلى كل شئ من البداية حتى تلك اللحظة.
_ ومن وقتها وانا محبوسة في الاوضة زي المساجين، ومش عارفه لما ييجوا هيرضى يخليني أخرج أقابلهم ولا لأ.
طمئنتها سارة:
_ لأ مش للدرجة دي، انتي صحيح غلطتي بس في نفس الوقت كان غصب عنك.
ردت باعتراف:
_ صدقيني حاولت احارب مشاعري دي بس فشلت ولقتني فجأة بستسلم لقلبي.
أومأت بتفهم وهى تأكد بحزن فشلت في إخفاءه:
_ دي الحاجة الوحيدة اللي مش بتقدري تتحكمي فيها، وكل ما تهاجميها كل ما تتمكن منك أكتر.
بابـتسامة لم تصل لعينيها غيرت حديثها بمرح:
_ طيب يلا مفيش وقت وريني هتلبسي ايه.
همت بالنهوض لكن ليلى منعتها وهى تسألها:
_ مش كفاية بقى يا سارة.
بوغتت سارة بسؤالها ليسقط قناع الثبات ويظهر ذلك الضياع الذي يصف مدى آلامها وأجابت بحزن:
_ مبقاش ينفع خلاص، اللي بينا عمره ماهيتصلح.
آلمها رؤيتها بتلك الحالة وكذلك أخيها الذي أصبح منطويًا ونادرًا ما يجلس معهم.
_ انا معرفش ايه اللي حصل بينكم بس صدقيني جاسر بيموت حرفياً من غيرك، وبعدين أي اتنين متجوزين بيحصل بينهم خلافات بس مش لدرجة البعد ده.
انا معاكي انه زودها لما مد ايده بس اقسملك انتي لو شفتي حالته بعد ما رجعنا من المستشفى واللهفة اللي كان بيسأل عنك بيها كنتي التمستي ليه ألف عذر.
كانت تستمع إليها وقلبها يتمزق ألمًا على حالهم.
لتتابع ليلى جلدها:
_ صدقيني جاسر ميستهلش كدة، برغم شدته وعصبيته إلا إنه فيه حنان الدنيا كلها، والأهم من كل ده انه بيحبك وكلنا عارفين ده، اديله فرصة تانية وانا واثقة انه اتعلم ومش هيكررها تاني، خلي فرحتنا تتم وارجعي بقى.
تنهدت سارة بضياع لكن طمئنتها قائله:
_ هيحصل يا ليلى بس مش دلوقت، يلا بقى قبل ما العريس ييجي.
لم تضغط عليها وتركتها ربما تواجدها معه يلين قلبها ولو قليلاً.
كان أمجد يقف أمام غرفة والده في منزلهما في البلدة يستعجل والده كل دقيقة.
_ بابا ارجوك بسرعة شوية اتأخرنا عليهم.
أجابه والده من الداخل:
_ حاضر يا أمجد خارج حالاً.
أمسك هاتفه يحاول الاتصال بها لكنها كـ العادة لا تجيبه، فقال بتوعد:
_ ماشي ياليلى لما اشوف حجتك دي.
خرج والده من الداخل وهو يقول باستياء:
_ في ايه يابني مستعجل ليه دي كلها خمس دقايق ونكون هناك.
_ ايه ياجماعة متحسوا بيا انا صابر داخل في سنة مش قادر اصبر اكتر من كدة، اه وقبل ما تمشي الفرح هيكون بعد شهر عشان البنات يكونوا موجودين.
ربت صابر على كتفه وقال بحب:
_ ان شاء الله.
أخذ والده وذهبوا إلى منزلهم وكانت الفرحة تعم المكان بعد تلك المآسي التى عاشوها.
كان استقبالاً حارًا من تلك العائلة المترابطة لأمجد ووالده.
كان ينظر إلى الغرفة التي بات فيها ليلته ورآها فيها لأول مرة.
لم يكن يتخيل يومًا أن زيارته المقبلة لهم ستكون بتلك المناسبة.
كان مهران يتلوى على صفيح ساخن وقد بحث عنها في كل مكان ولم يجد لها آثر.
شعر بأنه تلقى ضربة قاتلـ.ـة على رأسه وهو لا يعرف أين هي.
ماذا فعلت؟ هل لاذت للانتحار كما فعلت والدته؟ أم فضلت نار الطريق على الزواج منه.
والأدهى من ذلك هو جده الذي يعلم جيدًا بأنه لا يبالي سوى بسمعة العائلة.
كيف ترك نفسه لجده ليصنع منه نسخة أخرى منه بقسوته وحدته.
كيف سمح لنفسه بأن يستقوى على تلك الضعيفة التي لم ترد شيئًا من الحياة سوى أن تعيش بسكينة و هدوء دون ان تشعر بالخوف الذي اصبح ملازمًا لها منذ صغره.
لن يلومها على فعلتها فالقسوة التي ذاقتها على يدهم جعلتها لا تفكر سوى بالخلاص من جحيمهم.
ولم تفكر لحظة واحدة في عواقب فعلته.
لقد راقبه وراقب عائلته حتى أصدقاءه المقربين مما اكد بأنه ليس طرفًا في هروبها وهذا ما جعل الخوف يتمكن منه.
كان ينظر لزوجة عمه التي تؤكد حالتها أيضًا تأكد بجهلها التام بحالة ابنتها أو مكانها الحالى.
وها هي ذى تنزل الدرج وهى تحمل حقيبتها والدموع تسيل من عينيه.
تقدمت منهم لتنظر لذلك الذي يقبع على مقعده بثبات بالغ فتقول له باستياء:
_ ياريت تكون ارتحت دلوقت بعد ما دمرت بنتي وخليتها تهرب منى.
جبـهـا وظل على صمته مما جعلها تتابع بشماته:
_ تعرف على قد ما قلبي بيتقطع من الخوف على بنتى على قد ما انا شمتانه فيكم.
تطلع إليها بتحذير لكنها أكملت بعناد:
_ أيوة شمتانه فيكم انكم مش هتقدروا ترفعوا راسكم وتتجبروا على خلق الله بعد النهاردة.
بس اللي قهرني أنها جات في بتيانا ماشية لإن اللي كنت متحملة عشانها راحت خلاص.
تقدم منها مهران وهو يقول بصوت متحشرج:
_ مرات عمي خليكي وانا أوعدك إني هرچعهالك.
قاطعته بحدة:
_ ولا كلمة زيادة انا عارفة انك عايزني افضل هنه عشان تضمن رجوعها، بس صدقني بتي لما بتمشي مش بتبص وراها، وكمان أنا خلاص جبت اخري منكم ولازم امشى.
حملت حقيبتها وخرجت من المنزل تاركة وراءها قلب نادم.
وقلب آخر جاحد لا يكترث لشىء و لا يشغله سوى مرارة الفضيحة.
دلفت ليلى ألى المضيفة وهى تحمل القهوة بيدين ترتعدان من شدة الارتباك بعدما سمح لها جمال بالولوج إليه.
ساعدها الجميع في عمل القهوة بسعادة عامرة فأخذتها وسارت بها بخطوات هادئه وصادفها حينها دلوف حازم للدار يسألها عن تأخرها.
_ كل ده بتعملي القهوة.
نظرت إليه شزرًا وهي تقول بغيظ:
_ اوعى من قدامي بسرعة لاحسن ادلقها عليك.
هم بالحديث لكنها منعته:
_ انت هترغي بقولك اوعى من قدامي قبل القهوة ما تبوظ والوش يسقط.
أخذ منها القهوة وقال بغيظ:
_ اتفضلي قدامي.
حاولت الرفض لكنه قاطعها:
_ انتي هترغي خلصي بسرعة قبل الوش ما يسقط.
اومأت له وأسرعت خلفه حتى وصلا للمضيفة.
تقدمت منهم لتضع القهوة على الطاولة ثم تستدير لتخرج لكن جمال اوقفها.
_ مش تسلمي الأول.
ازدادت وتيرة تنفسها عندما وقعت عيناها عليه لتجده يغمز لها بمرح جعلها تنتفض في وقفتها فزمت فمها بتوعد ثم تقدمت من صابر تلقي عليه السلام بخجل.
_ إزي حضرتك ياعمي.
ابتسم لها بود:
_ الله يسلمك يا بنتي، مش هتديني القهوة من إيدك ولا أيه.
حمحمت باحراج:
_ اه طبعًا اتفضل.
قدمت له قهوته وكذلك فعلت مع جدها ووالدها ثم انصرفت تحت نظرات أمجد العاشقة الذي مازال لا يصدق مدى تبدل الأحوال.
هم جاسر بأخذ الفنجان ليعطيه لأمجد الذي أبى أن يأخذه منه وهو يقول:
_ بصراحة المسلسلات التركي خلتني أخاف أشرب فـ خليني فى الأمان أحسن.
طمئنه جاسر:
_ لأ اطمن ليلى ملهاش في الدراما عامةً.
تردد كثيرًا وهو ينظر إلى القهوة بتمني لكنه أصر قائلاً:
_ الأمر برضو ميسلمش خليها مايه أحسن.
اعتدل صابر فى جلسته متنحنحا لإجلاء صوته و هو يتحدث لعمران بجدية قائلاً:
_ انا يشرفني إني اطلب منك ايد حفيدتك لأبني أمجد واحنا تحت أمركم في اللي تطلبوه قلت ايه ياحاج عمران.
رد عمران بصدق:
_ والله الولد ابنك والبنت بنتك واحنا مش هنلاقي أحسن منك نأمن عليها في بيته.
رد صابر بامتنان:
_ وده العشم برضو انا معنديش أغلى من أمجد ابني وان شاء الله ليلى هتعيش فى بيتى معززة مكرمة.
تحدث جمال برصانة:
_ واحنا مش رايدين أكتر من إكدة.
تحدث أمجد بسعادة:
_ خلاص يبقى نقرا الفاتحة.
التفت الجميع إليه مما جعله يشعر بالاحراج و الخجل منهم.
_ مش بيقولوا بردوا خير البر عاجله.
أومأ له عمران:
_ اللي تشوفوه.
علت الزغاريد داخل المنزل بسعادة غامرة.
سوى من القلبين الذين يتذكر كلاهما لحظات مشابهة لكنها كانت اشد قسوة و ضراوة.
لم ينتبه أحد لمصطفى الذي تسلل من جوارهم ليعد في حديقة المنزل ويخرج هاتفه ليجري تلك المكالمة التي ما أن جاءه الرد حتى تبسم قائلًا:
_ حبيبتي عامله ايه النهاردة؟
ذهب جاسر للداخل كي يرى والدته لكنه لم يجدها.
فأخبرته الخادمة بأنها في غرفة ليلى.
صعد إليها ليتفاجئ بها تخرج من غرفة أخته.
فتتقابل أعينهم لحظات وقلبه الخائن يدق بعنف حد الجنون.
ولم يكن حالها أفضل منه وهي تزدرد ريقها بصعوبة.
بمحاولة فاشلة منها للتظاهر بالقوة.
وعندما لاحظ شتاتها قام بجذبها إلى غرفتهما التي تركها منذ ذهابها وأغلق الباب خلفهم رغم رفضها ومحاولاتها للإفلات منه وصرخت به:
_ انت بتعمل ايه؟ سيبني.
أجبرها جاسر على الوقوف أمامه لتواجهه وقال بحدة:
_ مش هسيبك الا لما اعرف سبب لنشفان دماغك ده، عايزة ايه تاني، عايزاني اعمل ايه أكتر من اللي عملته، عمال اراضي فيكي وانتي كل مدى ما تزدادي عناد، ايه اللي يرضيكي وانا اعمله.
تسلحت بسلاح القوة كي لا يرى مدى ضعفها من كلماته التي تعذبها وقالت بحدة:
_ مش عايزة غير إنك تسيبني في حالي، رجوع لبعض تاني مش هيحصل لأي سبب من الأسباب.
نظر إليها بشك وسألها باحتدام:
_ يعني أيه؟
كانت تبعد عينيها عن مرمى عينيها كي لا يضيع ثباتها وردت بامتعاض:
_ زي ما قلتلك مش هسامحك مهما حصل، ولو كنت فاكر إن اللي حصل بينا ده هيرجع حاجة فتبقى غلطان، دي كانت لحظة ضعف وخلاص وفقت منها.
الاستياء الواضح في حديثها جعله يشعر بطعنه حادة في صدره ويسألها بهدوء بعكس ما بداخله من لهيب:
_ يعني متعنيش ليكي اى شئ؟
أجابت بعناد كي تقطع أمامه أى خيط يربطهما ببعضهما:
_ بالظبط كدة، انت لو تعرف الاشمئزاز اللي حسيت به بعدها هترأف بحالي وتطلقني.
وصلت لما أرادته عندما نظر إليها بوجوم ليقول بعدها بهدوء قاتـ.ـل:
_ انتي طالق.
نزلت تلك الكلمة كالصاعقة المدوية على قلبها الذي أخذ يهدر بعنف وخاصةً عندما نحاها من أمامه كي يخرج ويصفق الباب خلفه بعنف ليتركها في صدمة قوية لم تتخيل مدى قسوته.
نعم كان ذلك ما تسعى إليه لكن لم تكن تعلم أن وقعها سيكون بتلك القسوة عليها.
سقطت على الأرض ودموعها تنهمر بغزارة وهي تجهش في بكاء يمزق القلوب حتى أخذ صوت بكاءها يعلو ليصل إلى ذلك الذي وقف يستند بظهره على باب الغرفة يسمع نحيبها.
إذا كانت هذا ما تريده فلما البكاء إذًا.
تدحرجت دمعه على خده ولم يعد يستطيع الثبات أكثر من ذلك لتنهار قوته الزائفة.
وكم أراد في تلك اللحظة أن يصرخ بأعلى صوته ربما بتلك الطريقة يخرج نيران قلبه المشتعلة.
زاد نحيبها وازدادت آلامه حتى دقات قلبه اخذت تنبض عنف آلمه.
أرادت الفراق فـ لتتحمل ألمه.
أما هو فسيعمل على نسيانها مهما كلفه الأمر.
ارتدى قناع الثبات وعاد إليهم متظاهرًا بقوة واهنه.
جلس معهم وترك لقلبه العنان ليبكي كيفما يشاء.
رغم أنها لا تستحق تلك الدموع.
فيهمس قلبه:
_ انت من اخترت وعليك التحمل.
اندهش منصور من عدم تواجدها في المكان منذ مجيئهما.
استأذن منهم وذهب لوالدته يسألها:
_ أمي هى فين سارة انا مشفتهاش من وجت ماجين.
ناردت جليلة:
_ تلاقيها فوق مع ليلى.
اومأ لها:
_ طيب انا هعطلع لها عشان ابارك لليلى قبل ما امشي.
لاح الحزن على وجه جليلة من قسوة ابنها فردت بثبات:
_ اللي تشوفه.
قرر منصور الذهاب إليها كي يعرف قرارها.
وعند مروره من أمام الغرفة استمع لنحيبها الذي اربكه.
دلف الغرفة ليجدها مستلقية على الأرضية تضم قدماها لصدرها وتنتحب بشدة.
أسرع إليها يسألها بلهفة.
قاطعته سارة وهي تبعد يده التي امتدت إليها كي يساعدها على النهوض وصرخت به وهي تعتدل:
_ ابعد عني.
زاد قلقه عليها وسألها بوجل:
_ في ايه قلقتينى.
هزت راسها وهي تجيبه بضياع:
_ انت السبب فـ كل اللي انا فيه.
عقد حاجبيه مندهشًا من قولها وسألها بريبة:
_ أنا؟
اومأت بألم وهي تصرخ به ببكاء:
_ جاسر طلقني.
أربكته تلك الكلمة وشعر بانهيار كل شئٍ من حوله وفقد كل أمل له في اكتمال خطته.
هزت رأسها لتقول بمرارة:
_ طبعًا انت كل اللي همك خطتك اللي هتفشل انا مفرقش معاكم.
مفرقش النار اللي قايدة جوايا وانا بتخلى عن اقرب الناس لقلبي عشان خاطر احميهم منك.
انا سبت ماما وعشت معاك على امل انك هتتغير بس انت زي ماانت مش هتتغير.
بقيت تايه مش لاقية مكان اروحه.
انت انتهيت بالنسبالي انتهيت.
قالت كلمتها الاخير بضياع ونهضت لتخرج من الغرفة وهي تائهة لا تعرف إلى أين.