تحميل رواية «ومجبل علي الصعيد» PDF
بقلم رانيا الخولي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
سقط عمران على المقعد وقد شعر بصعوبة بالغة في التنفس بعد تلك الصدمة التي تلقاها. وأي صدمة! فقد كانت صدمة قاتلة هزت ذلك الجبل الذي ظل ثابتًا رغم تلك المحن التي مرت عليه. كيف فعل ذلك بنفسه وبأولاده، وقد خسر كل شيء وأصبح خالي الوفاض. خسر ميراث أجداده والحائط المتين الذي كان مستندًا عليه، فينتهي به الحال داخل ذلك المنزل الذي أصبح بين ليلة وضحاها لا يملك سواه. انتهى كل شيء الآن. زواج ابنه الأكبر، ومشروع ابنه الأصغر. كل ذلك تلاشى بعد أن كان بين يديه. شعر بنغزة حادة في قلبه وازدادت وتيرة تنفسه، فأصبح يت...
رواية ومجبل علي الصعيد الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم رانيا الخولي
بعد الكثير من الترجّي من قبل أمجد لوالده للتحدث بشأن الزفاف، تحدث صابر معهم.
"طيب، إيه رأيكم نخلي الفرح وكتب الكتاب الشهر الجاي؟"
جمال بعدم استيعاب: "يعني خطوبة وكتب كتاب وفرح في خلال شهر واحد؟"
صابر بوقار: "خير البر عاجله. وأنا شايف إن مفيش سبب يمنع. وبعدين بناتي راجعين من السفر كمان أسبوعين، هيفضلوا في مصر شهر واحد ويمشوا، ولازم يحضروا فرح أخوهم. فالوقت ده هيكون أحسن من إنهم يسافروا ويضطروا يرجعوا تاني."
جمال نظر إلى والده متحدثًا: "ما تقول حاجة يا بوي."
عمران أيد رأيه: "زي ما قالك خير البر عاجله، خلي البنات يفرحوا بأخوهم."
وافق جمال على تحديد موعد الزفاف كما طلب منه صابر بعد شهرٍ من الآن.
كان واقفًا ينظر إلى الجميع والسعادة التي تشع من وجوههم. ولم يعلم أحد منهم بشيءٍ مما يدور بداخله.
أراد الهرب في تلك اللحظة، لكنه لم يستطع فعل ذلك. فليس من الأصول أن يترك ضيفًا في بيته، فضلاً عن كونه خاطبًا لأخته.
عندما شعر بالاختناق، وقف في الشرفة بعيدًا عنهم. فرآها تهرع من المنزل إلى الحديقة الخلفية للمنزل، ويبدو عليها البكاء.
اندهش من فعلتها وأراد أن يذهب إليها ليعرف منها سبب بكاءها، فهي التي طلبت الطلاق بل وأصرت عليه.
لكنه تراجع عندما تذكر تلك المرة التي ذهب إليها ليعترف بعشقه، ففوجئ بتلك المكالمة التي دمرت أحلامه.
خشي من تكرار الأمر، ربما يستمع لأخرى تهدم كل شيء كـذي قبل.
حاول الصمود وحاول وحاول، لكن بلا فائدة. فقلبه يأخذه إليها وعقله يأبى الرضوخ له.
طال الصراع بداخله دون أن يستطيع الانتصار لأحدهما على الآخر.
لكنه شعر بالقلق عليها. ماذا إذا حدث لها شيء وهي وحيدة وبتلك الحالة؟
انتصر القلب أخيرًا، فأخذته قدماه إليها يبحث عنها بقلبٍ يرتجف.
حتى انتبه لصوتها الباكي خلف تلك الشجرة العتيقة.
اهتز بدنه بريبة وهو يراها جالسة على ركبتيها مستندة برأسها على الشجرة.
اندهش من سبب بكاءها، أليس هذا ما كانت تسعى إليه؟ لما البكاء إذًا؟
تقدم منها أكثر وتحدث بتردد: "ممكن أفهم بتعيطي ليه؟"
انتفضت بوجل من سماع صوته، ورفعت عينيها إليه. وقد ظهر أمامها نسخة أخرى من والدها، مما جعل الغضب يزحف إليها.
مسحت عينيها بظهر يدها ونهضت لتقف أمامه، تدفعه في صدره وتخرج فيه أخطاء غيره: "جاي ورايا ليه؟ عايز مني إيه؟ إنت مش طلقتني؟"
كانت كل جملة تنطقها تدفعه بعنف في صدره، وهو يتراجع مع دفعاتها كي يتركها تخرج ما بداخلها.
صاحت به: "إنت بتكره منصور وشايف نفسك أحسن منه، بس إنت نسخة تانية منه، بغدره وقسوته وجبروته."
وصلت حالتها حد الانهيار وصرخت فيه بكل ما يكمن داخلها من آلام، وهو يقف عاجزًا لا يستطيع احتواءها والتخفيف عنها: "أنا هفضل عمري كله أكرهكم، إنت وهو هتفضلوا نقطة سودة في حياتي."
انتبه الجميع بعد ذهاب أمجد ووالده على صرخاتها التي تعم المكان.
فأسرعوا إليها ليجدوها تقف أمامه تبكي وتصرخ بانهيار: "ابعد عني وسيبني بقى."
دنى منها مصطفى ليبعدها عنه ويحتويها بذراعيه ويصيح به: "عملت إيه فيها تاني؟"
وقف عاجزًا مرة أخرى لا يستطيع النطق بشيء، وهو يرى نظرات والده والجميع تدينه دون أن يعرفوا ما حدث.
فضل الانسحاب فهو الأسلم حاليًا لكليهما.
وتركها وهو يستمع لصوت نحيبها الذي ظل ملازمًا له حتى بعد أن انطلق بسيارته بعيدًا عنهم.
كان يقود سيارته ولا يعرف إلى أين يذهب، ولكن قرر الابتعاد لمكان لا يرى فيه دموعها ولا يسمع صوت نحيبها. ولكن هيهات.
فكلما ابتعد علا صوتها، وكلما أغمض عينيه رأى وجهها بشكل أوضح وأحرقته دموعها أكثر وأكثر.
فك قيد دموعه بعد أسر طويل.
بمعنى أدق، منذ أن تلقى صدمته الخادعة.
أوقف سيارته على جانب الطريق بين الزراعات دون أن يعرف إلى أين وصل.
وجد الظلام حالكًا من حوله.
وهنا سمح لنفسه بالبكاء بأعلى صوته. بل انطلقت صرخاته تشق سكون الليل.
كان يبكي للمرةِ الأولى في حياته.
طوال عمره يعتبر البكاء ضعفًا واستسلامًا، وهو الآن يعاني من كليهما.
الضعف والاستسلام.
اشتد بكاؤه وعلا صراخه واشتدت معهما أوجاعه.
وقد خسر كل شيء بكلمة واحدة، ضاعت منه وانتهى كل شيء.
أما هي، فقد كانت بحالة يرثى لها وهي ترى نفسها ضائعة وبلا مأوى.
لم يسألها أحد منهم عن سبب ذلك مراعاةً لحالتها.
بل وجدت حبًا وقلقًا من الجميع، لكن ظالميها ليس لهما وجود.
استسلمت لأخيها الذي أخذها إلى غرفتها ووضعها على الفراش، وهو يسألها بقلق: "تحبي نتكلم دلوقتي ولا نستنى لما تهدي؟"
تساقطت دموعها بألم ليمنعها مصطفى: "من غير عياط."
أخذ يربت على خصلاتها حتى تهدأ قليلًا، لكن بلا فائدة.
وفي النهاية سمعها تقول بضياع: "طلقني."
صعق من قولها حتى أن الصدمة قد ألجمته للحظات، وهو لا يتخيل ما تقوله.
فسألها بانفعال: "يعني إيه الكلام ده؟ هي سايبة يتجوزك وقت ما يحب ويطلقك وقت ما يحب؟ أنا لازم أتكلم مع جدي وعمي ولازم يوقفوه عند حده."
نهض بالصعود، لكنها منعته برجاء ممسكة بذراعه: "أرجوك بلاش. متضيعش فرحة ليلى. صدقني أي حد مكانه كان هيعمل كدة. أنا هنته وجرحته عشان أجبره يطلقني، بس متخيلتش إن الكلمة دي هتكون بالقسوة اللي حسيت بيها دي."
قطب جبينه بحيرة وسألها بدهشة: "طيب ليه طلبتيها مادام بتحبيه كدة؟"
أغمضت عينيها في محاولة فاشلة للتحكم بدموعها وأجابت سؤاله بألم: "عشان أقطع أي أمل لأبوك. بابا عايز يرجعني بأي شكل عشان يقدر يطلب من عمك ورثه. وطبعًا عمك مش هيرفض، أولًا لأنه عارف قد إيه هو اتعلق بينا، وثانيًا هيدخل من جهة كله لأولادنا في الآخر. فكان لازم أقطع أي أمل له."
سألها بحيرة: "طيب ليه مقلتيش لجاسر بدل اللي بتعمليه فيه وفي نفسك؟"
هزت رأسها برفض: "مش هينفع أصدمهم فيه أكتر من كدة. جدك وجدتك تعبوا ومبقوش حمل لصدمات تانية منه. وحرام إن عمك بعد العذاب اللي شافه، ييجي أبوك يعيده من تاني."
تعاطف معها وقال بتماسك: "خلاص أنا هكلم جاسر و..."
قاطعته قائلة برجاء: "أرجوك بلاش. إنت عارف إنه مش مسامحه. ولو عرف هيزيد كرهه ليه أكتر، وإنت عارفه مندفع وممكن يعمل أي حاجة. خلينا نمشي من سكات، لإننا من وقت ما دخلنا حياتهم وهما عايشين في وجع. أبوك خلاص فقد الأمل بعد ما واجهته بحقيقته. وممكن الصبح تلاقيه سافر من غير ما حتى يقولنا."
ربت على يدها وهو يقول بتعاطف: "أوعدك إن كل حاجة هتتحل، بس الصبر. ولو عايزة تسافري معايا أنا موافق."
هزت رأسها برفض: "مش هقدر أبعد وأسيب."
ربت على يدها وهو يقول بصوت هادئ: "إن شاء الله كل حاجة هتتحل وهترجعوا لبعض تاني."
تنهدت بتعب: "يالعالم."
❈-❈-❈
خرج مصطفى من غرفتها ليذهب إليهم ويطمئنهم.
فوجدهم جميعًا جالسين في الردهة إلا والده، بالضبط كما أخبرته سارة.
سأله جمال بقلق: "سارة عاملة إيه دلوقتي؟"
طمأنهم بهدوء وهو يتقدم منهم: "اطمنوا مفيش حاجة. هي بس أعصابها تعبت من ضغط جاسر عليها، والحمد لله بقت أحسن."
لم يقتنع جمال بحديثه، لكن لن يضغط عليه وسينتظر مجيء ابنه الذي أغلق هاتفه كي يفهم منه ما حدث.
عادت ليلى لغرفتها وقد شعرت بضياع فرحتها بعد ما حدث.
نظرت إلى هاتفها الذي لم يكف عن الرنين، لتجيب باقتضاب: "أيوه يا أمجد."
شعر بالقلق من صوتها وسألها بتوجس: "مالك يا ليلى؟ إنتي كويسة؟ حد زعلك؟"
طمأنته ليلى بثبات كي لا يشعر بشيء يعكر صفو فرحته: "لا خالص. أنا بس مجهدة شوية."
لم يقتنع بحديثها، لكنه لم يرد أن يضغط عليها وقال بسعادة: "مبروك."
ابتسمت دون إرادتها وتناست كل شيء فور سماعها لتلك الكلمة، وردت بابتسامة عاشقة: "الله يبارك فيك."
غلف الخجل صوتها وهي تتابع: "حاسة إني بحلم."
صدحت ضحكته الصاخبة عاليًا تدل على مدى سعادته وقال: "أنا نفسي مش مصدق. بس أوعدك إني هعوضك عن كل دقيقة مرت من عمرك وانتي بعيدة عني. وعن كل دمعة نزلت منك بسببي."
اتسعت ابتسامتها أكثر، فاتحة المجال لتلك السعادة التي طرقت بابها، فأرادت التطرق في موضوع آخر نظرًا لخجلها منه، لكنها تذكرت أمر تلك الفتاة فسألته باحتدام: "آه تعالى قولي، إيه قصة البنت دي؟ وإزاي قالت إنها خطيبتك وإنتوا منفصلين؟ وبرضه من حقي أعرف سبب الانفصال."
أعادته لفترة من الآلام أقسم أن يمحوها من ذاكرته، لكن من حقها أن تعلم كل شيء عن علاقته بأسيل، فقال بهدوء: "أنا وأسيل نعرف بعض من وإحنا صغيرين. ولما كبرنا افتكرنا تعودنا على بعض. حب وهو كان أبعد ما يكون عنه. تقدمتلها ووافقت. السعادة اللي كانت باينة عليها أكدت لي الوهم اللي كنت عايش فيه. قررنا إن الفرح يكون بعد ما تتخرج من الكلية، لأنها زيك كلية طب. كان عمري خمسة وعشرين سنة لما حسيت بألم شديد في القلب. ولما الألم اشتد أوي روحت للدكتور عصام لإنه زي ما إنتِ عرفة صديق لبابا. اكتشفت وقتها إني عندي عيب خلقي في القلب مظهرش إلا في السن ده. بدأت أدخل في دوامات عمليات، وهي لأنها تخصص علاج طبيعي فكانت متواجدة معايا بعد كل عملية على أمل إني أتحسن، لحد ما القلب وصل لمرحلة صعبة. هنا كان من حقها تبعد لإن مفيش حاجة تجبرها ترتبط بواحد بين الحياة والموت في أي لحظة. انسحبت واحترمت قرارها. سافرت وانقطعت أخبارها لحد ما اتفاجئت بيها لما فقت من العملية ولقيتها قدامي. بس كنت في حالة متسمحليش أفكر في سبب تواجدها في المكان، وطبعًا تواجدها ضروري عشان تخصصها. بعدها عرفت إنها سافرت اليونان واتجوزت واتطلقت بحجة إنها مقدرتش تنساني."
تنهد بتعب لذكرى تلك الأيام التي كان يعذبه فيها بعدها عنه وتابع: "بس لما عرفت إن في حد في حياتي وفشلت كل محاولاتها إنها ترجعني، استسلمت وانسحبت بهدوء. ها كده ريحتك؟"
"يعني مش أوي."
سألها بحيرة: "ليه؟"
أجابت بقلق: "مش عارفة، بس خايفة تظهر في حياتك تاني ووقتها أنا مش هقدر أتحمل."
طمأنها بهدوء: "متقلقيش، هي مقدرتش تحركني وإنتي بعيدة عني وفي الحالة اللي كنت فيها، تفتكري هتقدر وإنتي جوة حياتي نفسها؟"
ابتسمت دون أن تظهر ذلك وتابعت وهي تتظاهر بالجدية: "اللي زي دي مش بتبقى سهلة وبتحاول بكل الطرق إنها توصل لهدفها."
أكد لها بصدق: "صدقيني بيكي أو من غيرك هي خارج حياتي ومستحيل تحت أي ظرف تدخلها تاني."
"كده اطمنتي ولا لسه؟"
أجابت بابتسامة عريضة: "أنا مش شكيت فيك عشان أطمن، بس كنت عايزة أسمع الكلام ده منك."
ابتسم أيضًا رغم غيظه من مكرها وقال: "وسمعتي؟"
"آه سمعت."
نظرت في ساعتها وقالت بأسف: "معلش أنا هضطر أقفل لإن في عملية مهمة لازم أحضرها الصبح."
لم تعطه فرصة للرد وأغلقت الهاتف.
ازداد غيظه منها متوعدًا لها بأشد عقاب.
في الصباح
استيقظت سارة على صوت منصور الذي يحثها على الاستيقاظ.
فتحت عينيها بتثاقل بعد سهد طويل لم يفارقها سوى بعد الفجر.
اعتدلت وهي تسأله بتوجس: "في حاجة؟"
رد بجمود: "يلا عشان ميعاد الطيارة، مينفعش أمشي وأسيبك هنا بعد اللي حصل."
أومأت له بصمت وخرج هو من الغرفة كي يتركها تستعد. وذهب لمصطفى ليدلف غرفته دون طرقها، فيرتبك مصطفى عند رؤية والده ويبعد الهاتف عن أذنه.
مما جعل منصور يندهش من فعلته فسأله بشك: "إنت بتكلم مين؟"
حاول مصطفى الثبات: "ها لا أبدًا، دي ماما بتطمن علينا."
أومأ له بعدم اقتناع، لكنه كعادته لا يبالي: "طيب اجهز عشان هنسافر دلوقتي."
رغم اندهاشه من قوله إلا إنه قال برفض: "مش هينفع."
عقد حاجبيه متسائلًا: "ليه مش هينفع؟"
"لإن جدي رافض إني أخرج من هنا إلا على ميعاد الطيارة."
تساءل مستفسرًا: "واوراقك؟"
حمحم بإحراج وقال: "ما أنا كنت هطلب من حضرتك تخلص إنت الأوراق لإن..."
قاطعه منصور بملل: "تمام، اللي تشوفه. أنا همشي أنا وأختك لإن مينفعش تفضل هنا بعد اللي حصل."
أنهى حديثه ثم تركه وغادر. ليعود هو لهاتفه ويتحدث به: "لا متقلقيش، ده كان بابا ومشي خلاص."
❈-❈-❈
فتح جاسر عينيه بصعوبة أثر أشعة الشمس التي اخترقت زجاج السيارة.
نظر في ساعته ليجدها تعدت السابعة صباحًا.
شعر بالألم يجتاح كامل جسده.
خرج من السيارة كي يعرف أين هو، ليفاجئ بأنه لا يعرف هذا المكان.
ظل للحظات يتأمل المكان ولا يتخيل كيف استطاع البقاء في هذا المقفر ليلًا.
عاد إلى سيارته ليعود بها من نفس الطريق الذي أتى منه.
وقد عادت الذكرى تعصف بعقله وقلبه بقوة.
عاد إلى المنزل وهو يبحث عن الهرب من مواجهة أخرى.
لكنه صدم عندما وجدها تنزل الدرج وهي تحمل حقيبته.
لم تنظر إليه ومرت من جواره لتودعه نسماتها العطرة برحيل قاسي.
تلاها منصور الذي نظر إليه بحدة، لكنه لم يهتم له وتركه يرحل دون حديث.
بالصعود، لكنه توقف عندما نادته وسيلة: "جاسر."
استدار لينظر إليها بعينين ظهر عليهما الإجهاد جليًا وقال بتماسك: "خير يا أمي؟"
تقدمت منه وهي تنظر إليه بتعاطف: "كنت فين؟ قلقتني عليك."
ربت على كتفها بتمالك: "متقلقيش. أنا بس كنت عايز أقعد لوحدي شوية."
تنهدت بتعب: "مراتك ماشية مع أبوها."
أومأ لها بتفهم: "عارف. سيبيها براحتها، وبلاش حد منكم يضغط عليها."
بدا أنها لا تعلم شيئًا عما حدث بينهما، وهو لم يرد أن يكسر فرحتهم بخطوبة ليلى.
فصعد الدرج ووسيلة تنظر إليه وقد آلمها قلبها عند رؤيته بذلك الاستسلام.
وعندما رآه جمال وهو يصعد الدرج، أراد أن يوقفه، لكن وسيلة منعته: "سيبه دلوقتي الله يرضى عليك. إنت مش شايف حالته؟"
تحدث جمال باحتدام: "لحد إمتى؟"
قالت برجاء: "لحد ما يهدي."
صمتت قليلًا ثم أكملت بألم: "بس أنا قلبي بيتقطع عليه."
رآها وهي تستقل السيارة وتنظر إليه من نافذتها، لتتقابل أعينهم للحظات قبل أن تنطلق السيارة بها.
وكلما ابتعدت كلما تألم قلبيهما.
شعر بدقاتها تنبض بعنف، آلمها وكأن القلب يعافر كي يخرج ويذهب لعاشقه.
فتستنجد بنظراتها قبل أن تنهمل الدموع من عينيها.
رواية ومجبل علي الصعيد الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم رانيا الخولي
بضياع وتشتت أوقف جواده لينظر إلى الأفق البعيد أمامه وهو مازال يعاتب نفسه على قسوته عليها بعد أن أفاق من ظلمه لكن للأسف بعد فوات الأوان.
قاطع جده وانعزل في ذلك المنزل البعيد وحياته أصبحت قاحلة بدونها.
قام ببناء قبر لها ظنًا منه أنها لاذت بالموت حتى يرحمها من عذاب جحيمهم كما فعلت والدته من قبل، لكن كان لموتها ذبحـ.ًـا له من الوريد للوريد.
فعلتها كما فعلتها والدته من قبل وفضلت الموت وتخلت عنه.
لتعيد هي آلام الماضي وتوقظ ذكريات ظن أنها تلاشت وانمحت من داخله بمرور السنين.
وأحيت بداخله ومضات خافتة من الماضي لذكرى والدته وهي تودعه قبل موتها ودموعها التي تنهمر وهي تحتضنه بلهف.
***
**فلاش باك**
كان في غرفته ينظر بصعوبة من النافذة العالية كي يستمع لتلك الأصوات التي تستنجد بالخارج وصوت والده القاسي يدوي في المكان.
أرتعب بخوف عندما فتح باب الغرفة ظنًا أنه والده مما جعله ينزوي بخوف، لكن تنفس براحة عندما وجدها والدته الذي اصطبغ وجهها باللون الأزرق القاتم.
كانت تبكي بحرقة وهي تنظر إليه كأنها تودعه.
أسرع إليها مهران ليحاوطها بذراعين صغيرين وكأنه بتلك الطريقة يحميها من بطشهم.
"متعيطيش أنا لما أكبر هاخدك ونمشي من هنا ونبعد عنيهم."
أبعدته والدته عنها قليلًا كي تجلس أمامه وتقول بألم.
"ليه بتقول أكده؟"
رفع يده الناعمة الرقيقة كي يمسح عبراتها التي تؤلم قلبه الصغير وقال بحزن.
"عشان أبوي ضربك تاني."
هزت رأسها وهي تحاول التحكم في دموعها وقالت بنفي.
"بس أبوك مضربنيش أنا اللي وقعت على السلالم."
ببراءة طفل لم يتعدى الست أعوام سألها.
"أومال بتبكي ليه؟"
أغمضت عينيها بألم شديد وقالت بأسى.
"بعيط من الدنيا."
احتواها هو بذراعيه يربت على ظهرها وهو يقول بلهجة حانية.
"واني هخاصم الدنيا اللي زعلتك دي."
أبعدته عنه قليلًا وقد تحولت ملامحها لصلابة تصل حد القسوة التي تحاول بثها في روحه البريئة وهي تقول بقوة.
"لا أوعاك تخاصمها، حبها وصاحبها بس خلي حبك ليها بقوة وجبروت زيهم لإنك لو ضعفت قدامهم هيكلوك محدش منهم هيرحمك."
نظر إليها بخوف شديد لتهزه بحدة.
"وبلاش نظرة الضعف اللي شايفاها في عينيك دي لإنهم لو شافوها مش هيكون ليك شأن وياهم."
"أظهر قوتك ليهم من دلوقتي لأنهم لو شافوا ضعفك هتكون مداس في رجليهم."
***
**باك**
عاد من ذكريات ليغوص داخل ذكريات وكلاهما لا رحمة فيه.
***
في القاهرة.
طرق خافت على باب المنزل تلاها فتح الباب وظهر ذلك المسن على أبوابه ينظر إلى تلك المنتقبة بدهشة وسألها.
"مين حضرتك؟"
دون رد منها دلفت المنزل واغلقت الباب فور دخولها مما جعل ذلك الرجل يندهش من فعلتها وقبل أن يتفوه بكلمة رفعت النقاب ليظهر أمامه وجه حلم الذي آلمه اختفاءها.
"أنا حلم يا خالي."
لم يصدق عينيه وقد تخيل أنها أقدمت على الانتحار كما فعلت زوجة عمه وسألها بعدم استيعاب.
"حلم، انتي حلم؟"
أومأت له برأسها وعاد يسألها بقلق.
"كنتي فين الفترة دي قلقتينا عليكي."
ردت حلم بابتسامة.
"هحكيلك كل حاجة بس اطمني أمي الأول."
أخذها للداخل.
"تعالي دي لما تشوفك هترد فيها الروح."
دلفت حلم الغرفة لتجد والدتها مستلقية على الفراش بضياع فأسرعت إليها وهي تعاتب نفسها على عدم إخبارها.
"أمي، قومي أنا حلم."
رفعت ريحانة عينيها بعدم تصديق ولم تصدق إلا عندما سمعت صوت أخيها.
"وجعتي قلبي وبنتي ماتت وانتحرت وهي قدامك أههنه."
نهضت ريحانة وهي تنظر إليها بسعادة.
"حلم بنتي، انتي كويسة؟"
أومأت لها حلم لتحتضنها ريحانة بولع وقد عادت الحياة تنبض بداخلها برؤية ابنتها.
ابتعدت عنها قليلاً وهي تتحسس وجهها وكتفيها كي تتأكد من وجودها وسألتها.
"كنتي فين يا حلم وليه خبّتي عليا؟"
قبلت حلم يدها وقالت بتعاطف.
"حقك عليا بس الموضوع جاه فجأة أنا هحكيلك على كل حاجة."
***
**فلاش باك**
كانت جالسة في غرفتها كالمحكوم عليه بالإعدام الذي ينتظر موعده عندما دلفت الخادمة الغرفة وهي تتسلل بوجل.
اندهشت حلم من فعلتها وسألتها بدهشة.
"سامية انتي بتعملي ايه؟"
أشارت لها سامية بالصمت ثم تقدمت منها وهي تقول بخفوت.
"سيدي مهران طالع على السلالم خفت يسألني رايحة فين؟"
قطبت جبينها بعدم فهم وسألتها.
"وانتي بتعملي ايه بره أوضتك دلوقتي؟"
خرجت الخادمة ورقة من بين طيات ثيابها وهي تتقدم منها وتسلمها لها.
"سي مصطفى ابن عم الدكتورة ليلى صاحبتك اداني الورقة دي وقالي أوصلها ليكي."
نظرت حلم إلى الورقة بين يديها وقالت بدهشة.
"انتي شوفتيه فين؟"
تقدمت منها أكثر وتحدثت بريبة.
"هو قاعد تحت ومش راضي يتنقل من مكانه."
انقبض قلبها خوفًا عليه وقامت بفتح الورقة وقرأت محتواها.
"حلم أنا جاي يا قاتـ.ـل يا مقتول، مش همشي من هنا إلا بيكي. أنا جهزت كل حاجة وهاخدك ونسافر بره مصر. أنا مستنيكي تحت لو بتحبيني انزلي وخلينا نخلص من العذاب اللي عايشين فيه. لو رفضتي فالموت عندي أفضل من إنك تتجوزي اللي اسمه مهران ده."
ارتبكت نظراتها وشعرت بأن الأرض تهتز تحت قدميها.
لن تستطيع فعلها، هي ترغب في ذلك لكن لا تمتلك الجرأة لفعلها.
ولن تستطيع تركه بالأسفل فإذا عثر عليه حقًا سيقومون بقتله دون أن يرف لهم جفن.
ليس هناك حتى فرصة للتفكير.
طوت الورقة بين يديها ونظرت للخادمة تسألها.
"هو فين؟"
أشارت لها سامية.
"تعالي معايا."
ذهبت حلم معها إلى اسطبل الخيل كما أخبرها مصطفى لتجده واقفًا في الداخل.
وعندما رأته تحدثت بصوت حاد.
"انت اتجننت إيه اللي جابك هنا؟"
أشار لها بخفض صوتها وقال بهدوء.
"اهدي ووطي صوتك. أنا جاي ومش هت نقل من غيرك، في عربية هتخدك وتوديكي لمكان أنا ضامنه لحد ميعاد السفر."
هزت رأسها برفض.
"يبقى بتجري ورا الموت برجليك."
هز رأسه بتأكيد.
"وبعدي عنك برضه موت، وأنا مش هقدر أسيبك ليهم وأسافر، وبعدين أنا مأمن نفسي كويس متقلقيش."
"هنسافر في خلال أسبوع ولو عايزة نتجوز هنا ماشي عايزاني أكتب الكتاب هناك برده اللي تشوفيه قلتي أي حاجة."
اشتد الخوف بداخلها لكن عندما تذكرت حياتها معهم وما ستكون عليه بعد زواجها من مهران أومأت له واسرعوا بالذهاب.
***
**باك**
"بس ياستي هي دي كل الحكاية وأنا أصرت إننا نكتب الكتاب هنا قبل السفر."
نظرت إلى خالها وتابعت.
"هنكتبه بكرة يعني قبل السفر بيوم قلتوا إيه؟"
رد خالها بحيرة.
"رغم إني مش مقتنع باللي عملتيه بس ارحم من الحياة اللي كنتوا عايشينها، على خيرة الله."
نهضت من مقعدها وقالت بثبات.
"طيب أنا لازم أمشي دلوقتي عشان محدش يحس بحاجة وخصوصاً إن جدي مخلي رجالة واقفين قدام البيت تراقب اللي داخل واللي طالع."
قالت ريحانة بعتاب.
"ليه مقلتليش يا بنتي، ليه سبتيني أتوجع من الخوف عليكي."
قبلت حلم يدها وقالت باعتذار.
"والله كان غصب عني أنا لو عرفتك كان هيبان عليكي وأنا خفت لجدي يأذيكي، وخلاص أديكي شوفتيني واطمنتي عليا."
***
في مطار القاهرة.
خرجت سارة من المطار بصحبة والدها فوجدته يقول بجمود.
"أنا هطلع على الشركة وانتي روحي البيت."
قاطعته بجمود مماثل.
"لأ أنا هروح عند ماما، مينفعش أسيبها لوحدها بعد سفر مصطفى."
تطلع إليها قليلاً وقد شعر بالغضب منها ليرد بعدم اهتمام.
"اللي تشوفيه."
صعدا إلى السيارة التي كانت بانتظارهما حتى وصلا أمام منزل جدها وترجلت منها دون النظر إليه.
توجهت للداخل تبحث عن والدتها لتجدها واقفة في مكتب جدها وتنظر إلى ورقة بين يديها و ملامح الصدمة تتجلى على ملامحها.
تقدمت منها وسألتها بقلق.
"ماما، في حاجة؟"
نظرت إليها سمر بشرود ثم انتبهت وأجابت بقلق.
"ده إنذار أخير من البنك يا الدفع يا إما هيتحفظ على كل حاجة باسم أبوكي، شكلهم كانوا باعتين إنذار من فترة وهو مسألش."
جلست سارة على المقعد وكأن ما يحدث لا يخصها بشئ وقالت بفتور.
"عارفة شفت زيه في البيت هنا."
اندهشت سمر من اللامبالاة التي تتحدث بها فجلست قبالتها وهي تسألها.
"ومالك بتتكلمي ببساطة كده وكأنك شمتانة؟"
هزت رأسها بنفي.
"مش قصة شمتانة بس الموضوع إنه داين تدان واتخلى عن أهله في عز محنتهم وسابهم ومسألش فيهم. وأدي الزمن بيعيد نفسه بس بأقسى وأشد. جدي لقى عمي يقف معاه، لكن هو مفيش حد. مصطفى وهيسافر ويبني نفسه بنفسه من غير أي مساعدة منه وأنا هشتغل وأصرف على نفسي وعليكي ونعيش بعيد عنه وهو حر بقى بخسارته."
اندهشت سمر من الجمود الذي تتحدث به ابنتها.
"أنا حاسة إني بتكلم مع واحدة معرفهاش، مش انتي سارة بنتي أبداً، وبعدين إذا بتنتقدوا أبوكم فـ اللي عملوا زمان وانتوا بتكرروه معاه."
تنهدت سارة بتعب.
"واحنا في إيدينا إيه نعمله، هو كان معاه الفلوس اللي كانت من حق جدي وأخدها ومشي إنما إحنا مأخدناش حاجة."
"بس برده ده مهما كان أبوكم ومـ..."
قاطعتها سارة بتساؤل.
"وليه مقولتيش الكلام ده لبابا لما جالك بالفلوس، ليه مقولتيش ارجع ده مهما كان أبوك ولازم تقف جنبه."
خفضت عينيها بخزي وقالت بحزن.
"بس أنا مش عايزكم تغلطوا غلطتنا، إحنا دفعنا التمن غالي أوي بلاش تجربوا الإحساس ده."
ابتسمت بسخرية.
"على أساس إنه اتعلم؟"
هزت رأسها برفض.
"لسه زي ما هو، تعرفي كان بيقنعني أرجع لجاسر ليه؟ عشان يعيد اللي عمله زمان ويطالب بحقه في الميراث وجدي لسه عايش."
تألمت من تلك الذكرى وهي تتابع.
"ولما فشلت خطته وطلبت الطلاق اضطر إنه يسكت ومينطقش بكلمة، وبعد ده كله عايزانا نقف جنبه طب بأيه. واحد مسافر وميمتلكش غير التذكرة وأنا بقيت مطلقة ولسه متخرجة جديد."
تعاطفت سمر معها وقالت بحيرة.
"طيب ليه مقلتش لجاسر؟"
هزت رأسها برفض.
"مش عايزة أشوه صورته أكتر من كده، وفي نفس الوقت جدي مبقاش حمل صدمات تانية."
"أنا بستغرب أوي للمثل اللي بيقول البطن قلابة ومكونتش عارفة معناه إيه لحد ما شوفت بنفسي عمي وبابا. فارق شاسع بين الاتنين، نقي. عمي بطيبته وبحنيته وبشهامته ورجولته وبابا اللي مستعد يدوس على ولاده عشان نفسه. بس بحمد ربنا إن مصطفى مطلعش زيه."
"يعني انتي شايفة إن تضحيتك دي تستاهل؟"
نهضت من مقعدها وتقدمت من النافذة لتقول بألم.
"يستاهل إني أضحي بعمري كله عشانه، بس بعد اللي حصل اكتشفت إني أنا الجسد وهو الروح. يعني بمعنى أدق بقيت جسد من غير روح."
"بس انتي في إيدك ترجعي كل حاجة."
هزت رأسها برفض.
"بعد اللي حصل مستحيل."
أكدت لها.
"لو بيحبك هيرجعلك."
تنهدت بكل الألم الذي تحمله بداخلها وقالت بحزن.
"بتتكلمي عشان متعرفيش جاسر، عمره ما بيتلفت لحد آذاه وأنا أذيته وجرحته ومستحيل هيرجع مهما حصل."
نهضت سمر لتتقدم منها وتربت على كتفها بتعاطف.
"هيرجع ومهما عملتي هيسامح، اللي خلاه قبل إنه يتجوزك بعد اللي سمعه هيرفض عشان زلة لسان."
"يا عالم الزمن مخبي لنا إيه."
***
في المشفي.
دلفت ساندي غرفة أخيها الذي مازال يرفض التحدث إليها لكنها لم تيأس وتحاول بكل الطرق أن تجعله يسامحها.
تقدمت منه وهي تقول بريبة.
"أنا كنت مع الدكتور دلوقتي وقالي إنك تقدر تخرج النهاردة."
أومأ لها بصمت مما جعلها تتحدث بحزن.
"هتفضل مخاصمني كتير؟"
رد بجمود وهو يشيح بوجهها بعيدًا عنها.
"ده اللي أقدر أعمله دلوقتي."
تساقطت دموع الندم من عينيها وقالت بأسف.
"أرجوك سامحني انت عارف إني مليش غيرك."
هز رأسه بندم.
"المفروض إني أنا اللي أطلب منك تسامحيني مش العكس. أنا اللي لعبت بأعراض الناس ونسيت إن كما تدين تدان، فـ تردت بس الرد كان شديد أوي."
نظر إليها وتحدث بغصة.
"عايزك تكلمي سارة وتحاولي تقنعيها تيجي عشان أطلب منها تسامحني."
***
لم يكف أمجد عن مشاركتها لكل شئ في غرفتهم سواء في منزل القاهرة أو بمنزل البلدة وهي تعيش معه لحظات من السعادة لم تكن تتخيلها يومًا.
كانت تجلس معه في المضيفة ومهم جاسر الذي كان معهم بجسده لكن عقله وقلبه معها هي.
كان يتظاهر بالتجاوب معهم لكنه أبعد ما يكون عن ذلك.
نهض عندما لم يستطيع الثبات أكثر من ذلك وغادر من الغرفة متعللًا بإجراء مكالمة.
كانت ليلى تنظر إليه بتعاطف مما جعل أمجد يسألها بقلق.
"مالك يا ليلى وشك اتغير ليه؟"
نظرت إليه لتقول بحزن.
"جاسر صعبان عليا أوي حالته كل مدى ما بتزداد سوء."
تنهد بحيرة.
"أنا مش فاهم إيه سبب العناد ده، ليه مستسلم كده ومحاولش يكلمها تاني وتالت ومليون، لازم يظهر لها إد إيه هو متمسك بيها ومش قادر على بعدها. إنما بطريقته دي هيخسرها بجد وهيحسسها إنها مش فارقة معاه."
تحدثت ليلى باستنكار.
"لا طبعًا جاسر عمل المستحيل عشان يرجعها بس هو يأس وهي كل مدى ما بتعند قصاده. اللي أنا مستغربه ليه إني واثقة من حبها لجاسر بس مش عارفة إيه سبب العند ده."
"طيب ليه متدخلتيش انتي وعرفتي منها سبب عنادها؟"
حركت رأسها بنفي متمتمة.
"حاولت كتير بس ديمًا بتتهرب، وأنا مردتش أضغط عليها."
اندهش أمجد أكثر وسألها.
"طيب وباباكي وجدك فين من كل ده؟"
"جدي رافض إن أي حد يدخل ما بينهم وبابا كل ما يفتح الموضوع مع جاسر يقول إنه عمل اللي عليه وهي حرة. وعمي طبعًا في عالم تاني بعيد عن أولاده."
طمئنها أمجد قائلاً بثقة.
"إن شاء الله هيرجعوا لبعض، هي مش هتيجي تحضر الفرح."
أماءت مغمغمة.
"أكيد."
"يبقى اتحل."
قطبت جبينها بعدم فهم وسألته.
"اتحلت إزاي؟"
لاحت ابتسامة جذابة على وجهه جعلت ضربات قلبها تزداد وتيرته وقال بثقة.
"هتعرفي بس لما ييجي معاد الفرح عشان تبقى الفرحة فرحتين، المهم وحشتيني وعمال أعد في الأيام عشان ييجي اليوم اللي بحلم بيه من يوم ما شفتك."
ابتسمت رغم شعورها بالخجل من كلماته.
وقالت برقة لاقت بها.
"حاسة إني بحلم."
وافقها قائلاً.
"نفس احساسي أنا كمان، لدرجة بقوم من النوم وخايف أفتح عينيه يكون كل ده مجرد حلم وتضيع فرحتي."
نفت بحب.
"مش عارف لولا وجودك في حياتي كنت عملت إيه."
انتبه اثنتيهم على صوت جاسر الذي كان يتحدث بانفعال.
"انت بتقول إيه؟..."
رواية ومجبل علي الصعيد الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم رانيا الخولي
وقفت سارة أمام الغرفة بتردد، تعلم جيدًا بأنها تخطئ فيما تفعله وإن علم جاسر لن يرحمها، لكنها تريد أن ترى في عينيه نظرة الانكسار التي لازمتها شهورًا عدة.
لذلك عندما طلبت منها ساندي الحضور وافقت دون تردد.
طرقت الباب لتفتح لها ساندي وتدعوها للدخول.
"اتفضلي يا سارة."
دلفت سارة للداخل وياليتها لم تفعل.
فور رؤيته عادت إليها تلك الذكريات الأليمة ليهتز داخلها بوجل، لكنها استطاعت بصعوبة إظهار عكس ذلك ودلفت بقوة وثبات نجحت في إظهاره بوضوح على حركاتها وسكناتها.
كان في حالة يرثى لها.
ولما لا وهو قد وقع بين براثن جاسر الذي لم تترك مكانًا في وجهه إلا وقد أعطته ما يستحق، فضلًا عما حدث لذراعه من كسور مركبة تحتاج وقتًا طويلاً لتشفى وقد لا تعود لطبيعتها مطلقًا.
ما شهدته أثلج صدرها وشفى غليلها منه.
تلاشى الخوف بداخلها عندما لاحظت نظرات الانكسار في عينيه وصوته الذي امتلأ بالخزي وهو يقول:
"أهلًا يا سارة، متشكر أوي إنك جيتي."
بثبات وهدوء تام تحدثت:
"معقول بتشكرني عشان جاية أشمت فيك؟"
خفض عينيه بانكسار وهو يقول:
"عندك حق، انتي ربنا انتقملك مننا أشد انتقام، أنا بس كنت عايزك تسامحيني وتغفريلي اللي عملته فيكي."
انكسارهما والخزي الذي ظهر عليهما جعلها تشتاق أكثر لذلك الذي انتقم لها من ظالميها.
فردت بثبات:
"بالعكس، أنا بعتبره جميل عملته معايا عشان أروح لأهلي وأتعرف على جاسر، يمكن لو مكنش ده حصل مكنتش هروح هناك ولا أتعرف عليه، أو يمكن أروح بعد ما يكون فات الأوان ويكون ارتبط بغيري. دي الحاجة الوحيدة اللي هتخليني أغفرلك اللي حصل. أنا كنت جاية بس عشان أشمت فيكم بس لقيت إنكم حتى متستهلوش إني أشمت."
خرجت من الغرفة دون إضافة كلمة أخرى.
لم يكف هاتفها عن الرنين منذ خروجها من الغرفة، فقامت بإخراجه من حقيبتها لتجده جاسر مما جعلها تشعر بالقلق من حدوث شيء ما.
وصلتها رسالة منه فتحتها لترى محتواها المتوعد:
"افتحي الفون لآجي أكسره على دماغك."
ابتسمت بيأس ممن خدعها فقال:
"تغير كثيرًا بعد فراقك."
واهمًا لا محالة، رن هاتفها مرة أخرى.
وما إن فتحت حتى دوى صوته الهادر الذي يكاد يخرق طبلة أذنها مما جعلها تبعد الهاتف عنها بإنزعاج.
"انتي فين ياهانم؟"
قلبت عينيها بغيظ وقد وضحت أمامها الرؤية بمراقبته لها وقالت بهدوء:
"وانت مالك؟ بتسأل بصفتك إيه؟"
صاح بها بانفعال:
"بصفتي كتير ياهانم ولو عايزة تعرفيها هاجي أعرفهالك، وإذا كان منصور سايبك تدوري زي ما انتي عايزة فانتي ليكي أهل يحكموكي."
ضغطت على أسنانها بغيظ وتحدثت بحدة:
"وانت بقى اللي هتحكمني؟"
تابع هدره:
"أيوه هحكمك، لما تروحي تزوري واحد زي ده وبعد اللي عمله فيكي يبقى لازم أحكمك."
راقتها غيرته عليها رغم غلاظة كلماته وواصلت تحديها له:
"والله اللي ليه كلمة عليا بعد بابا هو جدي وعمي من بعده يعني مفيش حد تاني له كلمة عليا، ولعلمك أنا مش جاية أزوره زي ما الغفير اللي باعته مـ وصلك، أنا كنت جاية أشوف انتقام ربنا ليا مش أكتر."
إزداد غضبه منها وهي تمحو وجوده من حياتها وقال باحتدام:
"يظهر إن منصور دلعك بزيادة وأنا بقي اللي هعلمك الأدب وأربيكي من أول وجديد."
تابعت إشعال نيران الغضب بداخله قائلة بإستفزاز:
"لما يكون ليك صفة."
أشعلت النار بداخله بالفعل وصاح بها:
"بصفتي جوزك ياهانم."
صححت له بفتور:
"تقصد اللي كان جوزي، انت نسيت إنك طلقتني."
كان واقفًا على جمر ملتهب وقد أسود كل شيءٍ من حوله من شدة الغضب الذي سيطر عليه، تمتم من بين أسنانه:
"متلوعيش معايا وقولي انتي روحتي عنده ليه؟"
ردت بنفس فتورها وهي تشير لسيارة أجرة:
"ساندي قالت لي إن أخوها عايز يعتذر، وبصراحة كان نفسي أشوفه وهو مذلول كده، والحمد لله راضيت فضولي وفضولك، وتسمح لي أقفل عشان هركب العربية."
لم تمهله فرصة للتحدث وأغلقت الهاتف مما جعله يضغط على الهاتف بيده حتى كاد يكسر الهاتف أو أصابعه أيهما أقرب.
كان يهدر بقوة مما جعل أمجد وليلى يستمعون لحديثه رغم المسافة بينهم، ثم وجدوه يدلف الغرفة ويأخذ مفاتيحه وهو يقول باعتذار:
"أنا مضطر أستأذن لإني عندي مشوار ضروري."
خرج دون أن يستمع إليهم.
فقالت ليلى بقلق:
"أنا هروح أشوف في إيه."
منعه أمجد من التحرك:
"لا بلاش تدخلي، أنا دلوقتي مع جدك فـ اللي قاله، وممكن اللي حصل ده يكون سبب لرجوعهم لبعض."
ردت بتمني:
"يارب يا أمجد، بصراحة الاثنين صعبانين عليا أوي."
طمئنها بهدوء:
"إن شاء الله هيرجعوا لبعض، بس سيبك من جاسر وخليكي معايا."
أشار لها بعينه وهو يغمز لها:
"فاكرة الأوضة اللي جنبنا دي، متيجي نعيد المشهد من تاني، بس هيكون بطريقة مختلفة عن كدة."
زمت فمها بغيظ وقالت بحدة:
"كلمة زيادة وهقوم من قدامك."
قال بخبث وهو ينظر إليها بلوع:
"براحتك، بس كلها أسبوع وهيتعاد برضاكي، بس لما تيجي تقربي مني هخطفك في حضني."
اشتد غيظها منه وهمت بالنهوض وتركه، لكنه نهض مسرعًا ووقف أمامها يمنعها وقال:
"إيه مالك حمقية كدة ليه، هو أنا كنت قلت حاجة عيب."
رفعت حاجبيها بدهشة وقالت بغيظ:
"لا مقلتش حاجة."
ابتسم لها بحب وهو ينظر إلى ملامحها التي حفرت داخل قلبه وعقله وبكل كيانه، تلك الحبيبة التي أسرت قلبه وجعلته يسير وفقًا لرغباتها.
فقال بوله:
"مش عارف انتي عملتي فيا إيه، كل مدى حبك جوايا بيزيد لدرجة إني بقيت مسلوب الإرادة قدامك."
ابتسمت بخجل وقد أخذ قلبها يهدر بقوة من كلماته التي وصل صداها لأعماق قلبها فقالت بخجل:
"أنا واقفة قدامك وخايفة أكون بحلم."
أكد لها بولع:
"وأنا كمان خايف أكون بحلم."
ليقاطعهما صوت متهكم:
"وأنا بقى اللي جاي أفوقكم من الأحلام دي."
عادت سارة إلى المنزل وعاد هاتفها يرن بإزعاج.
تجاهلت وصعدت إلى غرفتها.
محاولات كثير منه لكنها عاندت وقامت بأغلاق هاتفها ووضعته على المنضدة بعناد.
محاولة أخرى منه فوجد هاتفها قيد الأغلاق مما جعله يزداد غضبًا فتمتم متوعدًا:
"ماشي، بكرة بالكتير وهطلعه على عينك يا بنت المنياوي."
يعاود الاتصال بمصطفى الذي ما إن أجابه حتى تحدث باقتضاب:
"استناني مع أمجد أنا جاي حالًا."
ثم أغلق الهاتف وألقاه على المقعد المجاور وبدأ في استرجاع ذكرى قريبة.
فتح جاسر باب غرفته ليجد مصطفى أمامه يقول بإحراج:
"محتاج مساعدتك، هتساعدني ولا أشوف حد تاني."
فهم جاسر مقصده فأشار له بالدخول ليجلس مصطفى وهو بجواره لينظر إليه بشك:
"خير، عملت إيه تاني؟"
رد مصطفى باحراج:
"أنا هربت حلم وهى دلوقتي في طريقها للقاهرة."
مسح جاسر على وجهه يحاول تمالك أعصابه كي لا ينفعل عليه وسأله بجمود يحاول به الحفاظ على ثباته الانفعالي:
"تقصد حلم بنت الهواري؟"
أومأ له في صمت مما جعل جاسر يضغط على قبضته محاولًا السيطرة أكثر على غضبه مما جعله يتمتم من بين أسنانه:
"وديتها فيها؟"
حمحم بإحراج وهو يجيب:
"مش عارف لسه، أنا كنت عامل حسابي إنها تروح عند أمي بس لقيت إنه أول مكان هيدوروا فيه، هما وصلوا دلوقتي للقاهرة ومش عارف اخليها تروح بيت جدي ولا اعمل إيه."
هز رأسه وهو يحاول تهدئة انفعاله، فما حدث؛ حدث وانتهى:
"وانت جاي تسألني بعد الدنيا ما خربت؟"
هز كتفه مغمغمًا بضيق:
"كنت خايف لتقف قصادي وتمنعني، وأنا دلوقتي بطلب مساعدتك، هتساعدني ولا أشوف حد تاني."
تنهد جاسر بيأس:
"وناوي على إيه بعد اللي عملته ده؟"
"هاخدها ونسافر بره نكمل تعليمنا."
هز رأسه قائلًا بصعوبة تحكم:
"بما إن المصيبة حصلت وخلاص فغصب عني هساعد."
سأله بتوجس:
"إزاي؟"
فكر قليلًا ثم أخرج هاتفه ليجرى مكالمة وعندما أجابه تحدث بدون مقدمات:
"محتاجين مساعدتك ضروري."
رحب قائلًا:
"أكيد طبعًا قول."
"الأول في بنت في مشكلة واحنا بنحاول نساعدها، هي دلوقتي في القاهرة وعايزين حد نثق فيه تكون عنده الفترة دي لحد ميعاد سفرها."
تردد قليلًا ثم تحدث بجدية:
"قصة بنت دي تقلق، بس بما إنها تبعك فـ حاضر هساعد باللي أقدر عليه، هي فين دلوقتي؟"
نظر جاسر لمصطفى يسأله فأجابه:
"خليه يبعت لك العنوان وأنا هكلمهم."
"هي في القاهرة دلوقتي، قول العنوان."
"وأنا جيت بقى عشان أفوقكم من الحلم ده."
ضحك أمجد وقال بتسويف:
"بلاش انت لإنك عملت اللي مـ في حد يقدر يعمله."
تحدثت ليلى باستنكار:
"ولا كان هيقدر يعمل حاجة من غيري."
اتسعت عينا أمجد بعدم استيعاب لما تقول وسألها:
"عملتي إيه ياعملي الأسود؟"
تحدثت بغرور مصطنع وهي تجلس على المقعد:
"ولا حاجة، عرفته طريق سامية اللي حلم بتثق فيه."
نظرت إلى مصطفى وتابعت بغيظ:
"بس كان ممكن يودي نفسه في داهية بجرأته دي."
جلس مصطفى وهو يجيبها:
"على أساس سفرك لليونان مكنش جرأة، بصراحة أحفاد الحاج عمران دول مصيبة، كل واحد فيهم ليه حركة جريئة كده إنما إيه تودي في داهية."
اتسعت أعينهما بصدمة وسأله أمجد بحيرة:
"وانت عرفت منين؟"
قاطعهم دخول جاسر الذي ظهر عليه الهدوء قليلًا بعد تلك العاصفة التي خرج بها:
"السلام عليكم."
ردوا جميعًا السلام ثم جلس معهم فقالت ليلى:
"طيب أسيبكم أنا بقى."
ظل أمجد ينظر إليها وهي تذهب حتى نبهه جاسر:
"خليك معانا هنا.. هنعمل إيه؟"
التفت اليه أمجد قائلاً:
"متخافش ياسيدي كل حاجة ماشية زي ما اتفقنا، بكرة الصبح هيكون المأذون معانا وإن شاء الله يخلصوا ويطلعوا على الطيارة، بس كل واحد فيهم من طريق."
سأله مصطفى بقلق:
"وفيه إيه لما تروح معايا؟"
نظر إلى جاسر وقال بيأس:
"تهوره ده هيوديه في داهية، يا ابني انت أكيد هتكون متراقب من وقت ما تخرج من البيت لحد ما تركب الطيارة، ولما يشوفوها معاك مش بعيد يقتلوك ويقتلوها."
أيده جاسر:
"مش لوحدهم، كل اللي ساعدهم هيروح معاهم، يعني نهدي كده ونتصرف بحكمة."
تحدث أمجد بجدية:
"مصطفى الموضوع مش سهل زي مـ انت فاكر فلازم كل خطوة تكون محسوبة ومن غير تهور، اتفقنا؟"
أومأ له على مضض:
"اتفقنا، بس..."
قاطعه جاسر بحدة:
"مفيش بس، اللي قولنا عليه يتنفذ بالحرف، مش عايز أقولك إن لو جدك وعمك عرفوا حاجة زي دي هما بنفسهم اللي هيقفوا قصادك ويرجعوا البنت لأهلها، وأنا أول واحد كنت هعمل كده بس لقيت إن خلاص المصيبة حصلت واللي كان كان."
أيد أمجد رأيه:
"فعلاً جاسر عنده حق، ولولا إني بثق في تصرفاته مكنتش وافقت."
رد مصطفى باستنكار لقسوتهم عليه:
"بس الكلام ده لو هي عايشة مبسوطة مع أهلها وأنا جيت خطفتها منهم، ده الجحيم أرحم من اللي هي فيه."
وافقه أمجد بتعاطف:
"عارفين، وده السبب الوحيد اللي مخلينا واقفين جنبكم، واحنا مش بنطلب منك تسيبها، إحنا بس عايزينك تكون هادي ومتتصرفش بتهور."
أومأ لهم:
"تمام، اللي تشوفوه."
خرج جاسر التذاكر من جيبه وقال بثبات:
"وأنا جبت التذاكر، وإن شاء الله الموضوع يعدي على خير."
أصبح مصطفى على أتم الاستعداد للسفر، وغدًا في الصباح سيذهب مع جاسر وأمجد إلى القاهرة كي يتم عقد قرانه على حلم ويأخذها ذاهبين إلى الخارج.
ترجل مصطفى، ورغم فرحته الكبيرة بحلم إلا إنه كان يتمنى أن يشاركهم فرحته.
دلف الغرفة ليجدهم جالسين بوجوم لحزنهم على فراقه.
تقدم منهم ليصافح جده ويقبل يده وهو يقول بأسف:
"عارف إن فراقي صعب عليك، بس أوعدك إني هكلمك كل يوم وأطمن عليك."
ربت عمران على كتفه ورد بحب:
"تروح بألف سلامة يا ولدي ويكفيك شر الطريق."
أومأ له بابتسامة ثم تقدم من جليلة التي سبقتها دموعها وقالت بحزن:
"خلاص هتفارقنا."
ابتسم بحب ودنى منها يقبل رأسها وقال بثبات:
"مين قال كده، إن شاء الله هكلمك كل يوم وفيديو كمان كأني معاكم."
ثم دنى من عمه الذي كان ومازال بمثابة أب له وقال بصدق:
"بصراحة اتعودت عليك في حياتي، مش عارف إزاي هقعد المدة دي كلها من غيرك."
ابتسم جمال بود ليربت على كتفه بقوة:
"وانت كمان بعتبرك واحد من ولادي زيك زيهم بالظبط، بس ياريت أول ما تخلص علامك ترجع على طول."
ابتسم بحب وقال بتأكيد:
"من غير ما تقول، آخر يوم في الامتحانات هرجع على طول."
"إن شاء الله، أنا حولتلك مبلغ بسيط على حسابك تمشي به نفسك لحد ما تستقر."
تذكر مصطفى أمر الرسالة التي وصلته أمس وقد ظن أنها من والده فلم ينتبه لاسم المرسل فقال:
"بس المبلغ كبير أوي و..."
قاطعه جمال:
"مش كبير ولا حاجة، أنا لسه قايلك انت زيك زي جاسر وطبيعي إني أعمل كده معاه."
لم يجد كلمات يصف بها مدى امتنانه له فقال بحب:
"متشكر أوي يا عم."
نظر إلى وسيلة التي وجد معها حنان لا يوصف:
"هتوحشيني أوي."
"وانت كمان، اتعودت عليك معانا."
أكد لها:
"هكون معاكم برده، بس خلي بالك من سارة."
أكدت له:
"سارة جوة قلبي، بس ربنا يهديها وترجع."
نظر إلى جاسر وتابع بمغزي:
"هترجع إن شاء الله."
اهتزت نظرات جاسر وقال بحدة:
"خلصت محن ولا لسه؟"
وما له:
"اه خلصت، هكمل الباقي في المطار مع حازم ومعتز."
"وبالمرة تعدي على ليلى في المستشفى."
ضحكوا جميعًا:
"لأ كفاية المحن اللي هي فيه دلوقتي، يلا ياسيدي."
خرجوا من المنزل ومروا على المشفى وكان أمجد بانتظارهم هناك.
في المشفى.
جلس أمجد معها في كافتريا المشفى وهو ينظر إليها بغيظ:
"عاجبك كده والكل عمال يبصلنا زي اللي أول مرة يشوفوا اتنين مخطوبين؟"
ردت هي بغيظ من فعلته:
"طبيعي، لإن مجيك أصلًا هنا مينفعش."
"بت اتعدلي لاعدلك، انتي بقيتي خطيبتي خلاص وأشوفك في المكان اللي يعجبني."
نظر إلى تلك العيون التي تراقبهما وقال:
"ولا فيه سبب تاني؟"
اتسعت عينيها ذهولًا من حديثه وقالت بحدة:
"إيه سبب تاني ده؟"
عاد ينظر إليه بحنق:
"اللي قاعد مش شايل عينيه من علينا ده."
لم تستطع النظر إلى حيث يشير وقالت بعتاب:
"يعني انت جاي عشان كده بس؟"
ابتسم لها بحب عندما رأى عبوسها وقال بمرح:
"للسببين، وحياتك السبب الأول إنك هتوحشيني والتاني عشان أخليه يفقد الأمل من جواه."
لم يعجبها تصرفه وقالت بجدية:
"بس يا أمجد كده مينفعش، احترم مشاعر الناس لإنها حاجة مش بأديهم، إحنا مش هندخل جواهم ونعاتبهم على احاسيسهم."
عقد حاجبيه بغيرة واضحة وسألها بحدة:
"ومالك متعاطفة معاه ليه؟"
"لإني جربت الاحساس ده وعارفه قد إيه هو مؤلم، بلاش نخلي غيرنا يعيشه، هو خلاص قطع أي أمل من قبل حتى مانتخطب فمكنش ليه لزوم اللي انت عملته ده."
تطلعت إليه قليلًا ثم سألها:
"انتي شايفة كده؟"
لاحظت الضيق الذي يتحدث به وقالت بهدوء:
"أنا مش شايفة حاجة، كل اللي بقوله إننا نحترم مشاعر الغير مش أكتر."
رن هاتفه ليجد المتصل جاسر فنهض قائلًا بحزم:
"أنا ماشي دلوقتي، بس أي حد هيفكر بخياله إنه ياخدك مني هيكون حسابه عسير معايا."
تركها وغادر من المشفى ليجد جاسر ينتظره بالسيارة أمام المشفى.
صعد بجوارهم:
"السلام عليكم."
ردوا جميعًا السلام.
فسأله جاسر بشك:
"والبرد ده مجاش إلا النهاردة ولا إيه؟ انت امبارح كنت كويس."
أومأ له متظاهرًا بالتعب:
"اه بالظبط، قومت من النوم لقيتني بعاني من البرد."
هز رأسه بشك وسأله:
"البرد راح خلاص؟"
أومأ له بتأكيد:
"اه الحمد لله."
"ربنا يشفيك."
نظر إلى مصطفى وسأله:
"كلمت ابوك؟"
أومأ له بعدم اهتمام:
"اه كلمته ووافق، تحسه أصلًا هو مش عارف بيوافق على إيه."
ربت جاسر على ساقه:
"المهم إنك تكون مع اللي بتحبها، أي حاجة تاني مش مهم."
ابتسم له بود وقال بجدية:
"خلي بالك من سارة، أنا مقدرش أأمن حد عليها غيرك، سارة اه مندفعة وتفكيرها يمكن يكون غير منطقي بس اللي أنا واثق فيه أنها بتحبك."
التزم جاسر الصمت وعينيه تنظر للطريق أمامه بشرود.
"بارك لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير."
تلك الجملة التي نهى بها المأذون قرانهما تحت فرحه وسعادة من الجميع.
كان جاسر ينظر إلى سارة بملامح مبهمة مما جعلها تشعر بالقلق منه.
هي تعلم جيدًا تلك النظرات يخفى خلفها توعد عسير.
هربت من عينيه ونهضت لتبارك لأخيها ومازال داخلها يرتعد خوفًا من تلك النظرات التي لا ترفق به.
نهض أمجد ليهنئ الجميع:
"الف مبروك يا جماعة، بس خلاص لازم نمشي دلوقتي عشان ميعاد الطيارة."
نهض جاسر أيضًا وهو يؤيده:
"فعلاً مفيش وقت، أنا هاخد سارة وحلم وأخرج من الباب الوراني للعمارة وأسبقكم على هناك وانتوا حصلوني."
ارتعد داخل سارة خوفًا وقد تأكدت بأنه ينوي فعل شيء، لكنها استسلمت له وخرجت معه هي وحلم وذهبوا دون نقاش.
في المطار.
ظل مصطفى يبحث عنها لكنه لم يجدها، اتصل على جاسر وليلى لكن لا أحد منهم يجيب.
للنداء الأخير وهي ليس لها وجود هم بالخروج من المطار لولا تلك الرسالة التي جعلته يتصلب في وقفته.
ومقبل على الصعيد.
رانيا الخولي.
الفصل الأخير.
انخفق قلبه خوفًا عليها وهو يبحث في كل مكان لكن لا يجد لها أثر.
تلاعب الشك بداخله وحاول الاتصال مرارًا وتكرارًا وهم بالعودة والبحث عنها لولا وصل تلك الرسالة التي قرأها بخوف:
"المطار متلغم برجالة سالم، اركب الطيارة وإياك تبين حاجة."
لم تطمئنه تلك الرسالة بل زاد خوفه وهو يتجه إلى الطائرة بقلب منقبض.
صعد إليها وهو يلتفت حوله يبحث عنها بقلبه قبل عينيه.
يخشى من عثورهم عليها ويكون بذلك بعثها للموت بيديه.
دلف الطائرة وجلس على مقعده ينظر إلى مكانها الفارغ.
أُغلق باب الطائرة وأُغلق معه أي أمل في مجيئه.
لأ لن يحدث ويذهب دونها.
هم بالنهوض لكنه سمع صوتها الحاني يقول:
"مكاني لو سمحت."
رفع عينيه إليها ليراها أمامه بعينيها التي أسرته وتحدث بولع:
"مكانك مـ انتي استوليتي عليه خلاص، قلبي واسمي وعمري، عايزة إيه تاني."
جلست على المقعد المجاور وقالت بابتسامة أرهقت قلبه:
"عايزة كل حاجة تخصك تخصني أنا كمان."
تناول يدها يقبلها بعشق جارف:
"وأنا كلي ملكك، اعملي اللي انتي عايزاه."
اتسعت ابتسامتها وهي تتشبث به أكثر:
"أنا مش مصدقة نفسي، حاسة إني جوة حلم."
طمئنها بحب:
"لأ ياستي مش بتحلمي ولا حاجة، بقيتي مراتي وحبيبتي وعمري كله."
انطلقت الطائرة بعد أن بعث برسالة لجاسر يطمئنه فيها مما جعل جاسر يبتسم بانتصار.
ثم نظر إليها وكأنه يتوعد لها مما جعلها ترتبك ثم تهم بالهروب من جواره، لكنه علم ما تنتوي فعله فقام بجذبها من ذراعها وأغلق باب السيارة وهو يقول بتوعد:
"بتهربي على فين؟ انتي فكرك اللي حصل ده هيعدي بالساهل."
جذبت ذراعها من يده وقالت بحدة تتسلح بها كي تنحي ضعفها:
"وانت مالك؟ يخصك في إيه؟"
نظر إليها بقوة وغمغم من بين أسنانه:
"احفظي لسانك ومتزوديش حسابك معايا، هيبقى لينا كلام كتير بس لما نوصل البلد."
اتسعت عينيها بصدمة من حديثه وقالت بحدة:
"ومين قالك إني هرجع معاك؟"
انطلق جاسر بسيارته وهو يجيب باتهام:
"مش بمزاجك هترجعي غصب عنك، مينفعش أسيبك هنا وتدوري على حل شعرك من غير رقيب."
صاحت به غيظًا من اتهامه لها:
"أنا مسمحلكش تتكلم عني كده."
ضغط على مكابح السيارة حتى جعلها تصرخ بصدمة ثم التفت إليها وعينيه تقدح شررًا وقال بحنق:
"لأ هتسمحي واللي هقوله بعد كده تنفذيه، فاهمة ولا لأ."
قال كلمته الأخيرة بحدة جعلتها تنتفض بخوف.
لكن عنادها آبي الرضوخ له وقالت بعناد:
"لأ مش فاهمة، انت خلاص مبقاش ليك حكم عليا، ولا انت ناسي إنك طلقتني."
كانت تتحدث وكأنها تعاتبه على ما فعل مما جعله يندهش من ذلك.
ليست هي من طلبت ذلك وأصرت عليه، لما ذلك التذمر إذًا.
ظل يتطلع إليها للحظات وقد آلمه اشتياقه لها فقال بهدوء:
"لأ مش ناسي، بس أنا خلاص رجعتك."
انقبض قلبها خوفًا وعقلها لا يستوعب ما سمعته، فسألته بريبة:
"يعني إيه رجعتني؟"
ضغط مقود السيارة وانطلق بها وهو يجيب بثبات:
"زي الناسر."
رغم سعادتها بذلك الخبر إلا إنها لن تستطيع العودة الآن، لم يأن الأوان بعد عليها الإصرار على البقاء ورفض العودة معه.
فقالت بأمر:
"نزلني."
لم يهتم بما تقول وظلت عينيه مصوبة على الطريق وهي لا تريد الاستسلام فصرخت به:
"مش هرجع معاك مهما عملت."
لم يبالي بما تقول مما جعلها تزداد عنادًا وقالت بتهديد:
"إن موقفتش العربية أنا اللي هوقفه."
نظر لها من جانب عينيه يتطلع على غضبها الطفولي ثم عاد ينظر إلى الطريق أمامه.
انعطف بسيارته ليأخذ طريقه للصعيد مما جعلها تنظر إلى زر الفتح بجواره فاندفعت مسرعة تضغط عليه دون أن يستطيع منعها منشغلًا بالمقود الذي اهتز من فعلتها وقال بغضب:
"بتعملي إيه؟"
فتحت باب السيارة وقالت بتهديد:
"وقف العربية."
اندهش جاسر من إصرارها على عدم العودة وتذكر موقف مشابه لهما، لكن كانت تتوسله كي لا يعيدها إلى القاهرة، وهي الآن تعيدها لكن تلك المرة تريد العودة إليه.
توقف بالسيارة على جانب الطريق ثم نظر إليها ليقول بهدوء:
"اتفضلي إنزلي."
بدون تردد ترجلت من السيارة ونزلت منها تحت نظراته القاتلة، وأخذ ينظر إليها بغضب وهي تشير إلى إحدى سيارات الأجرة التي توقفت أمامها، وقبل أن تقترب منه اندفع هو وتقدم منها يجذبها بعنف من ذراعها ويقول بحنق:
"انتي فاكرة نفسك بتعملي إيه؟"
حاولت الإفلات منه وهي تقول بقوة:
"أوعى سيبني أنا مش هرجع معاك."
صاح بها بهدر:
"هترجعي غصب عنك."
ترجل السائق من سيارته عندما رأى تهجمه عليها وتحدث بتهديد:
"انت هتسيبها ولا اتصرف معاك."
نظر إليه جاسر بغضب وقال بهدر:
"خليك في حالك وشوف رايح فين."
بغضبه وصوته الهادر جعل الرجل المتظاهر بالقوة يرتد سريعًا عندما لاحظ أيضًا لهجته الصعيدية.
وصعد سيارته وانطلق بها.
نظرت إليه بغضب شديد وقالت بحدة:
"انت عايز مني إيه تاني؟ مش كفاية اللي عملته فيه؟"
نيران تشتعل بداخله لكن عليه أن يهدئها قليلًا حتى تعود معه فقال بخشونة:
"هترجعي معايا من سكات ولا أجبرك؟"
أجابت بعناد وهي تزم فمها بغيظ:
"مش هرجع وأعلى ما في خيلك اركبه."
ضاق به ذرعًا من عنادها وهم بالتقدم منها لكنها أسرعت بالهرب من أمامه.
اندهش للحظات من فعلتها لكنه انتبه لنفسه فأسرع إليها حتى دنى منها يوقفها لكنها صرخت بغضب وهي تحاول الإفلات منه:
"سيبني بقولك مش هرجع معاك."
عاد يجذبها إلى السيارة وهي تعافر معه وتضربه بقبضتها الضعيفة لكنه لم يتأثر.
فتح السيارة وألقاها داخلها بغضب مما جعل الغيظ يشتعل أكثر بداخلها.
أخذ مقعده متوليًا القيادة وانطلق بها في وجوم تام حتى وصل بها إلى البلدة.
ظلت على وجومها ولم تتحرك من مكانها، فقال لها بأمر:
"إنزلي."
لم تجبه وظلت على ثباتها مما جعله يترجل من السيارة متلفًا لجهتها وفتح الباب وجذبها منها رغم تمنعها وهي تقول برفض:
"قلت لك مش هنزل."
رد بحدة:
"وأنا قلت لك مش بمزاجك."
أخرجها عنوة من السيارة وجذبها إلى داخل المنزل لينصدم الجميع مما يرون.
نهض جمال ووسيلة كي يعرفوا ما يحدث لكن جاسر تحدث بحزم:
"محدش يتدخل بيني."
لم يجادله جمال لعلمه بحالة ابنه فقال بهدوء:
"طيب براحتها."
ذهلت سارة من حديث عمها وقالت برجاء:
"انت هتسيبني ليه؟"
حاول جمال اخفاء ابتسامته وهو يقول:
"متخافيش ميقدرش يعملك حاجة وأنا موجود."
نظرت لجدها تستنجد بها وقبل أن تتفوه بحرف، جذبتها إلى الأعلى ودلف بها غرفتهم مغلقًا الباب خلفه بحدة.
تقدم منها بخطوات لترتد هي للخلف وقد ازدردت لعابها بخوف وقالت بتخذير واهن:
"لو قربت مني هصرخ وأفضحك."
انصدمت عندما سمعته يقول بلهجة حازمة:
"ممكن أعرف انتي بتعملي كده ليه؟"
اهتزت نظراتها وشعرت بعينيه الحادة تخترق داخلها فقالت بصوت مرتبك:
"بعمل إيه أنا، كل الحكاية إني مش عايزة أعيش معاك بعد اللي عملته."
رفع حاجبيه متسائلًا:
"أنا عملت إيه؟"
رمشت بعينيها مرات متتالية تحاول الثبات أمامه وقالت بحدة:
"تقصد معملتش إيه، لو كنت فاكر إن بالطريقة دي هتجبرني أعيش معاك تبقى غلطان، أنا هروح لجدي وأخليه يحميني منك."
لمحة واحدة إلى عينيها أظهرت له مدى التشتت والضياع التي تشعر به.
تقدم منها خطوة وقد لانت ملامحه وهو يسألها بلهجة بثت الاطمئنان بداخلها:
"مخبية عني إيه؟"
ارتبكت نظراتها واشاحت بوجهها بعيدًا عنه وقالت باحتدام:
"مفيش حاجة عشان أخبيها."
رفع يده إلى وجهها كي يجعلها تنظر إليه وقد ظهر على وجهها عذاب لم يراه عليها من قبل مما جعله يشعر بالقلق عليها وقال بلوعة:
"قولي وأوعدك إن مهما حكيتي مفيش حاجة هتتغير."
تشتت نظراتها والحزن المرتسم بداخلهما جعله يوقن بأن هناك سبب قوى دفعها لفعل ذلك كما أخبره مصطفى:
"سارة أنا بحبك وعايز أبدأ حياتي معاكي، مش هقدر أتحمل تبعدي عني أكتر من كده."
تساقطت دمعة حارة على وجنتها آلمت قلبه فقام بمسحها بإبهامه وتطلع إليها بكل الحب الذي يحمله لها وهو يقول بصوت هادئ بث الآمان بداخلها:
"طول ما أنا جنبك متخافيش من حاجة، قولي وريحي قلبي."
هزت رأسها والدموع تنهمر من عينيها وقالت بأسف:
"لو كان ينفع كنت قلت من الأول."
أومأ لها بتفاهم فيكفي بأنه علم بوجود سبب لما قالته فتحدث بعشق:
"مش هضغط عليكي وهسيبك لحد ما تيجي تحكي بنفسك."
أومأت له بألم وهو ابتسم لها بحب ومسح دموعها بابهامه وتحدث بشوق:
"خليكي واثقة إني عمري مـ هغير مهما كان السبب اللي مخبياه، ودموعك دي مش عايز أشوفها تاني لإنها بتقتلـ.ـلني."
ابتسمت عينيها ودق قلبها بعنف يجبرها على الرضوخ لعشقه الآخذ لكنها تخشى عليه من قسوة والدها.
فهمت بالاعتراض لكنه وضع يده على شفتيها يمنعها من الاعتراض وقال بوله:
"مش عايز أي اعتراض، كفاية بعد لحد كده، ولو على العقاب أنا بعترف إني اتعاقبت بما فيه الكفاية."
"ارجوكي حني عليا وكفاية بقى."
أومأت له بابتسامة وبنظرات عشق يراها لأول مرة في عينيها مما جعلت الدماء تهدر بقوة في عروقه واقترب منها أكثر ليرفع وجهها إليه ليملي عينيه من قسمات وجهها الهادئ وقال بوله:
"بحبك."
اتسعت ابتسامتها بخجل واخفضت وجهها ليرفعه لمرمى عينيه ويقول بلوعة:
"بلاش تبعديهم عني خليهم ديمًا قدامي."
هزت رأسها بإيماءة خافتة وقد تاهت نظراته في ملامحها حتى استقرت على ثغرها المهلك لقلبه وقد اشتاق لملمسهم الرخو وتذوق شهدهم.
لمس عليه بإبهامه وهو يتطلع إليهم برغبة وقال بتحشرج:
"وحشتيني آوي."
مال عليها ليأخذهم في قبلة فقد فيها تحكمه في مشاعره وكأنه يغوص في بحور العشق وكلما يستمتع بحلاوته كلما يغوص به أكثر وأكثر.
لم تقاوم ولم ترفض بل كانت أكثر من مرحبة بتلك المشاعر التي اختبرتها على يده هو.
وأخذ يقبلها بلهفة وشوق جعلها تستسلم ليديه التي حاوطتها بعشق متملك ولم يترك لها فرصة للتراجع.
في غرفة جمال.
دلتفت وسيلة خلفه وهي تقول بقلق:
"أنا خايفة ابنك يعمل حاجة تزعلها تاني."
جلس جمال على المقعد وقال بثقة:
"متخافيش جاسر اتعلم الأدب على ايديها ومش هيقدر يعمل حاجة تضايقها تاني."
لم تقتنع بحديثه وجلست على المقعد بجواره وهي تقول بريبة:
"انت مش شايف شكله كان عامل إزاي."
هز رأسه بغيظ:
"اه شفت، أنا الفترة دي شفت كتير من ابنك تاني مرة يتحداني بعد مـ كان مبيقدرش يرفع عينيه في."
تمتمت وسيلة بتعاطف:
"غصب عنه برده، الفترة اللي فاتت دي كانت قاسية عليه أوي، ربنا يهديهم ويصلح حالهم."
في غرفة جاسر.
كانت تتوسد صدره تستمع لدقات قلبه الرتيبة بسعادة بالغة، فهذا مسكنها ولن تبعد عنه مهما حدث، لن تضحي بسعادة معه لأجل أحد، ومن اخطأ فعليه تحمل نتيجته.
رفعت رأسها لتنظر إليه وتحدثت بهمس:
"جاسر انت نمت."
أجابها وهو مازال مغمض العينين:
"تؤ، بس سيبك تسمعي دقات قلبي اللي بتقولك أحلى كلام."
ابتسمت بخجل من كلماته المعسولة والتي لم يكف عنها منذ رجوعهم فسألته بلوع:
"بس أنا مفهمتش حاجة، شكلي كدة مليش في لغة القلوب."
فتح عينيه لينظر إليها ثم اعتدل ليستلقي على جانبه كي ينظر إلى ملامحها التي يعشقها وتحدث بوله:
"بيقول إنه بيحبك وإنك أجمل حاجة حصلت في حياته، بيعترفلك بأنك الروح اللي رجعت ليه الحياة بعد ما كان زاهدها ومش منتظر منها حاجة."
"انتي النفس اللي بيخليني عايش ومن غيرك أموت."
وضعت يدها على فمه تمنعه من قسوة تلك الكلمة.
وقالت بخوف:
"أوعى تقول الكلمة دي تاني لإنها قاسية أوي."
تحولت نظراته لعتاب وهو يسألها:
"ولما هي قاسية كده ليه سيبتيني أوموت من غيرك."
لاح الحزن في عينيها وأخفضتها بألم وهي تتذكر قسوة الماضي:
"للأسف يا جاسر إحنا اتعرفنا على بعض في أوقات صعبة أوي، وكل حاجة حوالينا كانت واقفة ضدنا."
"كرهك لبابا بماضيه؛ والمشكلة اللي كنت فيها وخاصةً لما اتهمتني بإني جاية أدري مصيبتي عندكم."
حاول جاسر ان يمنعها لكنها أصرت:
"ارجوك سيبني أخرج اللي جوايا."
"أنا أولًا مكنش ليا أصحاب، ساندي الوحيدة اللي فرضت نفسها عليا وللأسف بقينا أصدقاء."
"أخوها لما بيرجع من السفر كان بيعدي عليها في الجامعة ياخدها."
"لما شافني معاها طلب يتقدملي بس كنت برفض."
"آخر ما زهق عمل اللي عمله ده وأوهمني إنه لمسني."
سحنت الغيرة بداخله عندما تذكر هذا الأمر لكنه ظل صامتًا يستمع بصبر وروية:
"في الوقت ده مكنش قدامي حل غير إني أموت نفسي لإني مكنتش هتحمل وجوده في حياتي وخاصةً بعد اللي حصل."
"كنت خلاص هرمي نفسي في النيل بس حاجة جوايا فكرتني بيكم وبتشدني لي بشكل عجيب."
"كنت جاية اتحامى فيكم لإني لو فضلت وبابا عرف كان هيجبرني اتجوزه."
"محستش بنفسي غير وأنا بركب القطر وسافرت ليكم."
"ممكنتش عارفة هتقبلوني إزاي بس لما فتحت لي انت الباب قلبي انقبض بخوف."
"وبعدها شفت مقابلتكم ليا وحبكم اللي مش شكت فيه لحظة واحدة."
"وقتها ندمت إني معملتش كده من زمان وجيت غصب عنهم وبدأت أحملهم الذنب لدرجة إني مكنتش عايزة أشوفهم تاني."
"وجيت انت عرفت كل حاجة."
"منكرش إني في البداية كنت مش بطيقك بس لما طلبت تتجوزني وتكتم الموضوع عليَّ قوي في نظري."
"وكنت بعذرك لما تكلمني بحدة أو تقسى عليا لإنك مكنش ليك ذنب تتحمل نتيجة غيرك."
"بس أكتر حاجة كانت بتجرحني لما كنت بتقرب مني وبعدها تبعدني عنك بمنتهى القسوة."
قاطعها جاسر بإصرار ولم يعد يستطيع تحمل الحزن والانكسار الذي غلف صوتها:
"كفاية لحد كده لإن الباقي أنا عارفه كويس."
"سارة اللي فات خلاص راح وانتهى وكل اللي عايزك تعرفيه إني كنت ببعدك عني لإني مش مستعد إني أقرب منك واللي ظلمك عايش حياته عادي، كان لازم انتقملك منه الأول وبعدها كنت هرجعلك واعترف لك بحبي زي ما حصل في القاهرة."
"خلينا ننسى اللي فات ونبدأ حياتنا من غير أوجاع."
أومأت له لكنها تذكرت أمر والدها فقالت بتشتت:
"بس في حاجة عايزة أطلبها منك."
قطب جبينه متسائلًا فتابعت برجاء:
"أرجوك بلاش بابا يعرف إننا رجعنا لبعض."
تأكد ظنه وعلم بأنه السبب الرئيسي خلف عنادها فقال بتعجب:
"هو أصلًا محسش بغيابك عشان يسأل، أنا بقيت مستغرب في كتب الكتاب النهاردة كأنه واحد غريب جاي يقوم بدور الوكيل ويمشي على طول، يمكن أمك اللي كانت مهتمية أكتر وباين عليها القلق."
"إنما هو تحس إنه في عالم تاني."
اخفضت عينيها بحزن مما جعله ينهره نفسه على اندفاعه بالحديث فرفع وجهها بأنامله وقال بحب:
"من النهاردة أنا هكون جوزك وأبوكي وأخوكي وأمك لو حبيتي كمان."
ضحكت سارة مما جعله يسرح بها وقال بولع:
"مش عارف انت عملتي فيا إيه؟ من أول مرة شفتك فيها وأنا مبقتش ملك نفسي."
تحولت نبرته بتوعد:
"بس وديني لطلعه على عينيك."
حاولت الأفلات منه لكنه جذبها إليه ليدخلها في عالمه الخاص.
في غرفة ليلى.
محاولات للاتصال بها لا تكل وهي ترد برسالة مقتضبة بأنها مشغولة.
لكنه لم يمل وعاود الاتصال مرةً وتكرارًا حتى أشفق عليه وردت بفتور:
"نعم."
اغتاظ من ردها ورد بحدة:
"إيه نعم دي إن شاء الله، ماتتدلع لي عدل."
ردت بعناد:
"والله ده اللي عندي."
"كل ده عشان إيه؟"
ردت بعتاب حاد:
"اسأل نفسك."
"سألتها ومعرفتش، قولي بقى إيه اللي زعلك؟"
ردت بغيظ:
"عشان كنت فاكرة إن حضرتك جاي المستشفى عشان وحشتك وعايز تشوفني قبل ما تسافر، لقيت جاي تستهزئ بمشاعر غيرك."
اشتعلت الغيرة بداخله وقال بانفعال:
"وانتي مالك شاغلة نفسك بيه ليه؟"
اغتاظت أكثر من اتهامه وقالت بحدة:
"أنا مش شاغلة نفسي بيه أو بغيرة بستنهد بضيق."
"إحنا هنقضي المكالمة في خناق."
ردت باستنكار:
"انت اللي بتتخانق مش أنا."
أومأ لها بغيظ:
"ماشي ياستي حقك عليا، بس أنا برده جيت عشان وحشتيني."
ابتسمت بحب وقالت بثبات:
"مش مصدقة."
رد بصدق:
"لأ صدقي أنا فعلًا كنت جاي عشانك بس لما لقيته في الكافتيريا عرفته على طول من نظراته وعشان كده اضايقت."
"ماشي هصدقك، قولي بقى عملتوا إيه النهاردة، كان نفسي أعيش معاكم المغامرة دي."
في الصباح.
خرجت وسيلة من غرفته وهي تنتوي الذهاب إليهم كي تطمئن عليهم.
خرج خلفها جمال وقد اندهش عندما وجدها تقترب من غرفتهم وقال بدهشة:
"انتي رايحة فين؟"
استدارت إليه وردت بقلق:
"هشوفهم عموا إيه، أنا خايفة تكون انهارت تاني."
"مينفعش، قولنا محدش يدخل بينهم."
لم تقتنع بحديثه وهمت بطرق الباب لكنها توقفت عندما سمعت ضحكة جاسر التي لم تطرق أذنها منذ وقت طويل مما جعلها تبتسم بسعادة غامرة.
فيقول جاسر بسعادة أيضًا:
"ارتحتي كده، يعني منكده عليا طول الليل بسببهم وهما مقضينها ضحك."
نظرت إليه بفرحة:
"الحمد لله، أنا هروح أعملهم فطار محصلش."
تركته ليسير هو خلفها يسألها:
"وأنا؟"
رواية ومجبل علي الصعيد الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم رانيا الخولي
لحظات من الخيال وهي داخل أحضان ذلك العاشق الذي لم يكف لحظة واحدة عن بثها مدى ولعه به.
لم يغمض لهم جفن خوفًا من أن يستيقظوا فيجدوا أنهم داخل حلم جميل وتم الاستيقاظ منه.
لكن أخذ التعب منها مبلغه وغفت بين ذراعيه بإرهاق.
أما هو فرفض النوم وفضل أن يتأملها وهي نائمة في أحضانه الساجية.
كان يتلاعب بخصلاتها التي يعشقها ويتأمل ملامحها الهادئة.
فهي من علمته الحب وأبجديته.
مال عليها يقبل جبينها لتشعر هي بلمسته تلك.
فتحت عينيها بتثاقل لتلتقي بعينيه التي تنظر إليها بعشق فقالت بنعاس:
"مصحتنيش معاك ليه؟"
أخذ يدها يقبلها بشوق وحنين وقال بتوق:
"أنا منمتش عشان أصحيك."
تطلعت إليه لتسأله:
"ومنمتش ليه؟"
أجابها بشغف وهو يتتبع بأنامله خطوط وجهها:
"مش قادر أغمض عينيه عنك، كل ماأغمضها توحشيني افتحها تاني."
ضحكت سارة بخفوت وهي لا تتخيل أن جاسر باستطاعته قول مثل تلك الكلمات التي تذيب قلبها.
مما جعله يسألها بحدة مصطنعة:
"بتضحكي على أيه؟"
تطلعت إليه بنظرة يملؤها الولع:
"مكنتش اعرف إنك بتقول كلام حلو كده، كنت ديمًا شديد وصعب التعامل معاك."
رفع حاجبيه متسائلًا:
"عارفه ليه؟"
هزت راسها بنفي فأجاب:
"عشان كنت بتخبط مابين قلبي ومابين عقلي."
تنهد بتعب من ذكرى تلك الأيام وتابع:
"لو تعرفي انا كنت بحارب نفسي ومشاعري اد أيه كنتي هترأفي بي."
"بمعنى دق كنت هصعب عليك."
"في البداية كنت بشوف فيكي منصور وانه هو اللي بعتك لغرد، كنت بهاجمك وفي الأول بس بعدها يأست ومقدرتش أقاوم اكتر من كده."
كان يتحدث وعينيه تجوب ملامحها بهيام وأردف باعتراف:
"سارة أنا اتجوزتك لإني حبيتك، صدقيني لو مكنتش حبيتك وجودك مكنش هيفرق معايا، بل بالعكس كان ممكن أعرف غيرك واكمل حياتي معها."
ضغطت على اسنانها بحنق ووكزته في كتفه وهي تتمتم بغيظ:
"معنى كده إنك كنت هتتجوز عليا؟"
راقته غيرتها عليه وأكد بغرور:
"وليه لأ إنتي عارفه كويس إن أى واحدة تتمناني."
تحدثت بانبهار مصطنع:
"ياسلام عـ التواضع."
ضحك بسعادة افتقدها كثيرًا وتحدث بحبور:
"اتجوز واحب ازاي وانتي خلاص مليتي قلبي وعقلي ومشاعري غيرك ملوش مكان فيها."
تبدلت ملامحها لصلابة عندما أشتد الجوع عليها وقالت بضيق:
"جاسر انت مش ملاحظ حاجة؟"
قطب جبينه بعدم فهم وسألها بريبة:
"حاجة أيه؟ خير."
اجابت باحراج:
"إنك مجوعني من امبارح الصبح والساعة بقيت عشرة ولسه برده مجوعني."
فرحته بها لم تجعله ينتبه لذلك مما جعله يشعر بالاحراج منها.
وقبل أن يعتذر طرق الباب ليعلم حينها بأنها والدته:
"دي أكيد وسيلة جاية تطمن."
شعرت سارة بالخجل واعتدلت وهي تغمغم باحراج:
"بلاش تفتح انا هكون محرجة منها."
أوينهض جاسر من جوارها وهو يتحدث بضحك:
"انتي هتتحرجي من وسيلة؟ أنا نفسي مبتحرجش منها."
تقدم من الباب ليفتحه فأسرعت هي بجذب الغطاء على وجهها كي لا تراها وتشعر بالاحراج.
فتح جاسر الباب ليجد والدته أمامه وتحمل الطعام لتقدمه إليهم بسعادة:
"صباح الخير ياقلبي."
رد جاسر بابتسامة مشرقة اشرقت عين وسيلة وهو ياخذ منها الطعام:
"صباح الورد ياسوسو، انتي بنفسك اللي جايبة الأكل."
أومأت بسعادة لفرحته التي ظهرت واضحة على وجهه لكنها تذكرت تلك الكلمة التي كان يشاكس بها والده وقالت بتوبيخ:
"رجعت للكلمة دي تاني؟ انت عارف لو ابوك سمعها منك هيعمل فيك ايه؟"
رد بثقة:
"ولا حاجة هو اليومين دول تحسي انه رمى طوبتي مبقاش بيدققلي على أفعال أو كلام."
كانت سعادة وسيلة لا توصف وهي ترى ابنها يعود لطبيعته لكن بسعادة اشد وأقوى فسألته بريبة:
"قولي الأول اتراضيتوا ولا لسه."
أومأ لها وقال ببهجة:
"أخيرًا ياأمي الحمد لله."
تتسعت ابتسامتها وقالت بسرور:
"الحمد لله، يلا بقى ادخل صحيها عشان تفطر وبعدين تكمل نومها."
أومأ لها بتفاهم:
"تمام، بس إن شاء الله الغدا هيكون معاكم."
رفضت وسيلة لإصرار:
"لأ غدا أيه! مينفعش….."
قاطعها بجدية:
"أمي وجود سارة مش هيغير أى حاجة وانتي عارفة كويس إني مش بعرف اكل من غيركم."
أومأت له لكنها بقيت على نفس اصرارها:
"خلاص خليها في العشا لإن أصلًا شكلكم منمتوش."
استسلم لها جاسر وعاد إلى سارة التي مازالت تخفي وجهها بالغطاء.
وضع الطعام على الطاولة ثم تقدمت منها ليجلس بجوارها ويتمتم بخفوت:
"اطمني خلاص مشيت."
ضحك عليها عندما وجدها تخفض الغطاء بروية وسألته بلهفة:
"عرفت حاجة."
هز رأسه بتأكيد:
"اه حكتلها اللي حصل بالتفصيل."
تناولت الوسادة لتقذفه بها فيتفادها وهي تقول بغيظ:
"انت رخمت."
تظاهر جاسر بالجدية وهو يقترب منها متوعدًا:
"ضرب بالمخدة وكمان رخم! لا انتي شكلك مش مريحني ولازم اسلخلك القطة من أولها."
وقبل أن يتقدم منها أسرعت بالنهوض والولوج إلى المرحاض مغلقة الباب خلفها قبل الوصول إليها.
❈-❈-❈
في الخارج، دلف مصطفى ومعه حلم إلى تلك الشقة الصغيرة التي استأجرها في مكان قريب من الجامعة كي تكون قريبة منها، ولم تكن بنفس المستوى التي رغد به كلاهما.
كانت حلم تنظر إلى المكان بسعادة غامرة وكأنها داخل قصر مهيب تريد ان تتلمس جدرانه بانبهار وقالت بفرحة:
"جميلة أوي."
ظن مصطفى أنها تقول ذلك كي لا تحزنه فتحدث بآسف:
"أنا عارف أنها صغيرة أوي ومش بنفس المستوى اللي كنتي عايشة فيه بس الفلوس اللي معايا يادوب تكفينا السنة دي و….."
قاطعته حلم وهي تقول بصدق:
"الشقة اللي مش عجباك دي وجودك فيها هيحولها لقصر في عينيه، مصطفى انت حولت حياتي اللي كانت جوة الجحيم وعرفتها الجنة وحلوتها مش عايزة حاجة تاني من الدنيا."
كان في قمة سعادته وهو يستمع لكلماتها التي اشعلت نار الحب بقلبه فتقدم منها ليأسر يدها بين يديه وقال بشغف:
"وأنا هعيش حياتي عشان اسعدك واعوضك عن كل لحظة حزن عشتيها بعيد عني."
دنى منها ليلغي تلك الخطوة الفاصلة بينهما وقال بشوق:
"لو تعرفي ان عشت بحلم باللحظة دي اد ايه؟!!"
"لدرجة إني بقيت بحلم بيكي حتى وانا صاحي."
كانت تائهة في عينيه التي تبث لها مدى عشقه اللامتناهي وخاصةً حينما تابع:
"حلم أنا بحبك وعارف إن الطريقة اللي اتجوزنا بيها فيها ظلم كبير ليكي، بس أوعدك…."
وضعت يدها على فمه تمنعه من مواصلة حديثه وقالت بنفي:
"مين قال كده، الظلم اللي بجد لو كنت سبتنى وتخليت عني، بس انت قاومت وحاربو وعرضت نفسك للموت ووقفت أدام الدنيا كلها عشاني وده كفاية عليا اوي."
لم يجد الكلمات التي يصف بها مدى سعادته لها وغمغم بوله:
"وأنا كمان مكتفي بيكي عن الدنيا كلها."
طبع قبلة خفيفة على وجنتها مما جعلها تخجل من فعلته وكم راقه ذلك الحياء الذي زادها جمالًا وهمس بشوق:
"أنا قلتلك قبل كدة إني بحبك."
رفعت رأسها إليه لتومأ بخجل مما جعله يبتسم بمرح:
"يعني مش عايزة تسمعيها تاني؟"
هزت راسها بنفي وقالت بخجل:
"لا عايزة اسمعها تاني وتالت ومليون."
قرب وجهه اكثر منها وهمس بولع:
"بحبك."
كان لهمسه مفعول السحر بقلبها الذي أخذ ينبض بعنف وخاصةً عندما وجدته يميل ليأخذ شفتيها في قبلة أطاحت بعقلها وجعلها تستسلم له ولعشقه الذي أخذها لعالمه.
❈-❈-❈
في المساء، تجمعت الأسرة كعادتها على طاولة العشاء لكن ينقصها جاسر وسارة.
قال حازم بمكر:
"هو جاسر اعتكف في اوضته ولا ايه، من وقت مـ جاه امبارح ومحدش شافة لعل المانع خير."
نهرته وسيلة:
"خليك فـ حالك."
تمتم معتز بجوار أذنه:
"هي مش أمك طلعتله الفطار، والفرحة مش سيعاها يبقى تم يامعلم."
ضحك كلاهما تحت نظرات ليلى الحانقة وقالت بغيظ:
"بتقعدوا تتوشوش كده وبتضحكوا على ايه؟"
تحدث حازم باستياء:
"خليكي في حالك والنبي باديكي اللي عايزة قطعها دي."
"وبعدين في خناقتكم اللي مش بتفض ديك."
كان هذا صوت جاسر الذي أصر على العشاء معهم رغم رفضها خجلًا منهم.
رحب الجميع بهما بسعادة وجلسوا في مقاعدهم ليقول عمران بسعادة:
"حمد لله على السلامة ياسارة."
ردت ليلى بسعادة:
"الله يسلمك ياجدو."
تحدث جليلة بحبور:
"ها ياسارة ناوي تفضلي معانا ولا هتعاندي زي عوايدك."
نظرت سارة إلى جاسر الذي يتطلع إليها ببهجة وتمتمت بخفوت:
"العمر كله معاكم ووسطيكم إن شاء الله."
لم يجد الكلمات التي تصف ما يشعر به بعدما سمع منها كلماتها التي أطربت قلبه لينتبه على صوت جمال:
"نورتي بيتك ياسارة."
نظرت إليه بتقدير وقالت بود:
"منور بجدي وبيك يا عمو منور بيكم كلكم."
أمسكت ليلى بيدها وقالت بسرور:
"مبسوطة أوي انك رجعتي، متعرفيش كنت محتجالك اد ايه."
"معاكي ياحبيبتي متقلقيش."
اقترب حازم من معتز ليقول بخفوت:
"اخدت بالك شوف نازلين مبسوطين إزاي؟"
"الاول كانوا بينزلوا زي اللي مقتولهم قتيل إنما دلوقت ما شاء الله داخل علينا ماسك ايديها زي مـ يكون خايف تهرب منه."
ضحك معتز بحفوت واردف له:
"لأ وكمان عمال يحطلها الأكل قدامها ناقص يأكلها قدامنا."
ترك جاسر الملعقة من يده ونظر إليهما بحزم جعلهما ينظران في اطباقهما بصمت مطبق.
وكزته سارة وتحدثت بعتاب:
"مالك ومالهم."
كز على اسنانه بغيظ:
"ولو مشدتش عليهم مش هيبطلوا ودوده، المهم سيبك منهم ايه رأيك نطلع شهر عسل مع ليلى وأمجد."
اتسعت ابتسامتها بسعادة كبيرة وسألته:
"بجد؟"
أكد لها بحبور:
"ايه بجد هو أمجد وليلى أحسن مننا في أيه."
"بس هنروح في مكان تاني غير اللي هيروحوه."
هزت رأسها له بسرور جعلت قلب جليلة يدق ببهجة عارمة وهي ترى أحفادها بكل تلك السعادة.
اما عمران فقد شعر بالرضى وقد عادت البهجة تدق ابوابهم بعد طول انتظار.
❈-❈-❈
في حديقة المنزل، أخذها جاسر وذهب بها عند تلك الشجرة العتيقة التي تركت يومًا جرحًا غائرا بداخل قلبه فأراد أن يبدل تلك الجراح بلحظات من ذلك الحلم الذي يعيشه.
سألته بدهشة:
"جاسر انت جايبني هنا ليه؟"
وقف بها أمام تلك الشجرة وحاوط خصرها بتملك وهو يقول بهيام:
"عايز أمحي من حياتنا أي ذكرى صعبة عدت علينا."
"بدأنا بأوضتنا، بعدها بالسفرة بعدها المكان ده اللي تقدري تقولي كدة اندبحنا فيه."
"عايز أغيره الذكرى السيئة بلحظات حلوة، مع ضحكت عمري اللي مصدقت لقيتها."
"عايز امحي من حياتنا كل اللحظات الصعبة اللي مرت علينا."
قربها إليه أكثر ليعانقها بحب وأردف:
"عايزك لما تيجي تبشريني بأول حمل لينا يكون هنا."
حاوطت عنقه بحب وهي تنعم بذلك الدفئ الذي يحيطها وهي بين ذراعيه بعد ذلك الجفاء الذي أرهقهم وقالت بوله:
"وأنا هعيش عمري كله عشان اسعدك وعمري ماهسمح للحزن انه يدخل بينا تاني."
أبعدها عنه قليلًا كي ينظر داخل عينيها الاسير لسحرها:
"وأنا بشهد عليا الدنيا والأيام إن حبي ليكى عمره ما هيقل، وهعمل المستحيل عشان أسعدك."
كانت تنظر إليه وهي لا تصدق بأنها تسمع مثل ذلك الكلام منه وتحدثت بهيام:
"تعرف إن المشاكل أحيانا بتزود الحب جوانا؟"
عقد حاجبيه مندهشًا من قولها وسألها باهتمام:
"إزاي بقى؟"
أكدت له بثقة:
"لإن لما بيزعلوا من بعض طبيعي أنهم يبعدوا والبعد بيبقى صعب محدش منهم بيقدر يتحمله والعند اللي جواه بيمحيه الاشتياق وهنا بيتأكدوا أنهم ميقدروش يبعدوا عن بعض وهما كانت حدة المشاكل بينهم بيرجعوا لبعض وحبهم اللي بقى اقوى بينسيهم."
كان يستمع إليها بأهتمام لكنه قال بتحذير:
"أوعي، مش معنى كده انك تسوقي فيها وكل شوية تنكدي علينا بحجة إننا بنجدد حبنا."
ضحكت ابتهاجا وردت بتأكيد:
"لازم طبعًا مش هنقضيها حب في حب وكلام من ده، اكيد هنزعل."
قطب جبينه بعتاب:
"وااهون عليكي تجرحي قلبي."
هزت راسها بنفي وهي تضع يدها على قلبه وقالت بهوى:
"مستحيل اقدر أجرحه انا عايشه عشان أسعده وبس."
أطرب قلبه حديثها الذي جعله يدق ببهجة عارمة وتحدث بعشق:
"وأنا بأكدلك إن كل اللي جوايا ليكي فرحة هتملا حياتنا كلها."
تذكر جاسر أمر جده وقال بخفوت:
"زمان جليلة وعمران مش عارفين يناموا مننا."
اندهشت من خفوته وسألته بخفوت مماثل:
"ليه؟"
غمز لها بعينيه ناحية النافذة:
"عشان شباكهم قريب مننا ومفتوح كمان."
انتبهت سارة له وقالت بضحك:
"طيب يلا بسرعة قبل ما ياخدوا بالهم مننا."
جذبها جاسر ليعودوا إلى غرفتهم:
"يلا بسرعة."
❈-❈-❈
وقف حازم بتردد أمام غرفة جمال يرفع يده للطرق ثم ينزلها حتى استقر أخيرًا وطرقها.
ثواني قليلة وفتحت وسيلة التي اندهشت من رؤيته:
"حازم في حاجة ياقلبي؟"
حمحم بإحراج وقال بتردد:
"كنت عايز اتكلم مع ابويا في كلمتين."
أشارت له بالولوج:
"ادخل هو بيتكلم في التليفون."
دخل حازم بتردد فوجد والده جالسًا على الأريكة يتحدث في الهاتف فأشار له جمال بالجلوس ليتردد قليلًا قبل أن يفعلها لكنه عزم امره ولن يتراجع.
انتهى جمال من مكالمته ووضع الهاتف بجواره ونظر إلى حازم الذي ارتبك قليلًا ثم تحدث بجدية:
"أنا كنت كلمت جدي في موضوع زينه بنت خالي وهو وافق، وجدي عاصم بردوا وافق وكنت عايزك تكلمهم ونقرا فتحة في فرح ليلى."
"ومقبل على الصعيد."
"رانيا الخولي."
"الخاتمة ٢."
❈-❈-❈
في غرفة جمال، التزم حازم الصمت منتظرًا لرد أبيه الذي أخذ ينظر أمامه بوجوم أقلقه.
فسأله بريبة:
"قلت أيه."
تنهد جمال وقال بتعب:
"قلت لا إله إلا الله."
ردت وسيلة:
"محمد رسول الله."
نظر إلى حازم وتحدث بجدية:
"أولًا انت عارف معزت زينا عندي من معزت ليلى وسارة وانا لما اخترتها؛ أخترتها لجاسر لأنه مناسب ليها، إنما انت لسه ادامك تلات سنين جامعة…."
قاطعه حازم برجاحة:
"أنا عارف كل ده، وعارف كويس انه مينفعش دلوقت إلا لما اتخرج بس بصراحة انا بحبها وهي رافضة أى كلام بينا لإن مفيش حاجة تربطنا وعشان كده كنت عايز نقرأ فاتحة وبعد التخرج يبقى نتجوز."
عاد جمال لوجومه لكن وسيلة تحدثت بجدية:
"أنا شايفة إن كلامه صح، وانا بصراحة مش عايزة بنت أخويا تبعد عني، كلم وليد واتفقوا على قراية فاتحة وبعد التخرج يبقى يتجوز."
تحدث جمال بحيرة:
"انا مش عايز اشغله بحاجة غير الدراسة."
أسرع حازم بالرد:
"لا متقلقش هجتهد وده هيكون دافع ليا قلت، ايه؟"
ابتسم جمال لأبنه عندما رأى لهفة الشوق في عينيه وقال:
"اللي تشفوه من بكرة هكلم وليد ونخلي الفرحة فرحتين."
دنى حازم من والده يقبل رأسه وقال بفرحة:
"متشكر جدًا."
ثم نظر لوسيلة وقال:
"ربنا يخليكي ياست الكل بعد اذنكم."
خرج حازم من الغرفة ونظر جمال لوسيلة ليقول بحيرة:
"مش عارف اللي هعمله ده صح ولا غلط؟"
تبسمت وسيلة برقة:
"مش غلط ولا حاجة وبعدين ده هيكون دافع ليهم أنهم يهتموا بتعلمهم عشان ميفوتوش سنة."
هز رأسه بيأس:
"خلاص اللي تشوفوه."
اتسعت ابتسامتها بسعادة:
"كده احنا اطمنا على التلاتة عقبال معتز."
ابتسم جمال على ذكر اسمه وقال بتقدير:
"تعرفي إن معتز ليه غلاوة تانية خالص غير باقي الولاد."
"بحسه عاقل بزيادة وبيوزن الأمور وخطواته ديمًا بيخطيها بعقل وحكمة، معندش الاندفاع والتهور اللي عند جاسر وحازم."
"حتى المشاكل بيعاملها برصانة ويحاول يلمها على قد مـ يقدر."
❈-❈-❈
مرت الأيام وسارة تنعم بذلك الدفئ والحنان الذي يغدقها به جاسر.
وليلى التي تستعد لزفافها الذي سيقيم في البلدة بسعادة بالغة تختار كل شئٍ بعناية وساعدتها سارة في ذلك.
وها هي ذا تقف في المطبخ تعد العشاء بسعادة وتتابعها وسيلة التي أخبرتها بالأكلات التي يفضلها جاسر:
"إن شاء الله الاكل هيعجبه."
كانت سعدية تقف في المطبخ وهي تداري ضحكها على سارة التي تتخبط في كل شئ من حولها وقالت:
"كفاية أنك انت اللي عملاه ياست سارة لازم هيعجبه."
أيدت سارة رأيها:
"اه طبعًا لازم يعجبه وإلا…."
رفعت السكينة التي في يدها وقالت بتوعد:
"هنكد عليه نكد عمره."
ضحكت وسيلة بسعادة على تلك الشخصية التي تحولت إليها سارة وقالت بحبور:
"وعلى ايه الطيب أحسن."
انتهت سارة من اعداد الطعام وقامت بغسل يدها وهي تقول بارهاق:
"كفاية لحد كده وهطلع أشوف ليلى زمانها محتاسه من غيري."
أكدت وسيلة:
"فعلًا كفاية كده والحق ليلى."
خرجت سارة من المطبخ وذهبت لغرفة ليلى كي تساعدها في تجهيز الحقائب لينتهوا بعد فترة طويلة وقالت سارة بتعب:
"أخيرًا خلصنا."
ابتسمت ليلى بامتنان لسارة التي ساعدتها في اختيار كل شئ ولم تتركها:
"متشكرة اوي ياسارة تعبتك معايا."
تقدمت سارة منها تعانقها بحب:
"متقوليش كدة احنا اخوات."
ابتعدت عنها قليلًا كي تنظر إليها وقالت بمرح:
"هقولك على خبر حلو اوي، بصراحة انا مش قادرة أخبي عليكي اكتر من كده، انا وجاسر طالعين معاكم شهر عسل."
تهللت ليلى بسعادة:
"بجد؟ يعني هنطلع كلنا مع بعض؟"
ضغطت ليلى على شفتيها وقالت بأسف:
"للاسف لأ، جاسر قالي هنكون في مكان تاني."
أحبطت ليلى لكن سارة اقنعتها بمكر:
"عبيطة، لو جاسر راح معاكم اعرفي انكم مش هتتهنوا دقيقة واحدة هتاخدوا راحتكم خالص."
أومأت بتفاهم:
"اه عندك حق، دا انا مـ هصدق اخلص منه، ربنا يعينك عليه."
"بقى كده؟ ماشي ياستي متشكرين."
اتسعت اعينهم بصدمة عندما وجدوا جاسر يدلف الغرفة فضحكت سارة وهي تأكد لها:
"اجهه هتلاقيه كل شوية فوق دماغكم زي كده."
تقدم منهم ليدنوا من ليلى ليسألها بعتاب مرح:
"عايزة ترتاحي مني؟"
تقدمت ليلى منه لتقول برقة:
"لأ طبعًا انا اقدر، احنا كنا بنهزر."
قبل رأسها بحب:
"أنا واثق من ده."
نظر إلى سارة التي رفعت كتفها ببراءة زائفة:
"كنت لسه هقولها ده جاسر ده أطيب وأحن واحد في الدنيا بس انت دخلتن."
نظرت إلى ليلى وتابعت:
"مش كده ياليلى؟"
زم ليلى فمها بغيظ ثم اجابت باستسلام:
"اه اه حصل بس انت دخلت قبل ماتتكلم، لو كنت بس أخرت شوية."
تطلع جاسر إليها بغيظ وقال:
"انتي هتقوليلي؟ المهم يلا عشان العشا جاهز وأمي بتقول أن سارة اللي عملاه بإديها ربنا يستر."
غمغمت سارة باحتدام:
"ايه؟ مش عجبك أكلي؟"
رد بتسويف:
"هو انا لسه دقته! لما ادوقه هقولك، يلا بقى عشان اخرنا عليهم."
أجتمعوا جميعًا على الطاولة والكل ينتظر تذوق الطعام الذي أعدته سارة وهي تحلس بسعادة تنتظر رأيهم.
كان جاسر ينظر للطعام بسعادة لا توصف وينظر إلى سارة وهي تضع الطعام أمامه:
"يلا دوق وقولي رأيك."
أومأ لها وقبل ان يتذوق سمع حازم يتحدث بغيظ لمعتز:
"طيب هي عايزة تاكل جوزها من إيديها احنا ذنبنا ايه."
وكزه معتز بضيق:
"مـ تاكل وانت ساكت بلاش تزعلها."
وتحدث جمال بخفوت لوسيلة:
"ايه ياوسيلة الاكل ده؟ انتي عارفه انها عمرها مادخلت مطبخ تقومي تخليها تعمل الاكل ده كله."
ردت وسيلة بزعل:
"مهنش عليا ازعلها وسيبتها براحتها."
تردد جاسر بعد ان سمع حديث حازم فنظر إلى سارة التي قالت بابتسامة بريئة:
"كل ياحبيبي هيعجبك."
حدثه حازم بمغزى:
"اه كل هيعجبك أوي."
تناول جاسر الطعام بريبة، فلم يروقه مطلقًاليس بالسئ ولكن إن دل على شئ فأنه يدل على انها تجربتها الأولى، ويا لها من تجربة.
"ها ياحبيبي عجبك؟"
نظر إليها بأسف وقال بنفي:
"لا ياحبيبتي للأسف معجبنيش."
اتسعت عينيها بغيظ منه وقالت بحنق:
"بقى كده؟ شكل نومك على الارض وحشك، وديني لطلعه على عينيك النهاردة."
نظر إليها باحتدام:
"عايزاني اغشك يعني، واديكي شايفة عمك بياكل ازاي، ولا حازم ومعتز اللي بيبلعوا من غير ميستطعموا، مفيش إلا ليلى لأنها اخدة على أكل المستشفى."
"وتوسيلة حطته جواها وسكتت."
تزداد حنقها منه وقالت بغيظ:
"بس تيتا وجدي بياكلوا عادي."
"هما كدة، العادي بتاعهم بيكلوا في صمت، بس لو اتكلموا هيقولوا كتير."
تزداد استياءها منه وقالت بحدة:
"تقل حسابك معايا اصبر بس لما نطلع اوضتنا."
نظر جمال ليلى وسألها باهتمام:
"ناقصك حاجة تاني ياليلى؟"
هزت راسها برفض:
"لأ يابابا كل حاجة خلصت خلاص."
تمتمت سارة ببعض الكلمات في اذن جاسر الذي ما إن سمعها وهو يرتوي من المياة حتى سعل بقوة انتبه لها الجميع.
فقالت جليلة بخوف:
"سلامتك يا ضي عيني."
ربتت سارة على ظهره بقوة وهي تقول بتوعد:
"متخافيش ياتيتا دي شرقة بسيطة مش هتعمله حاجة."
قربت إليه الكوب وهي تقول بتوعد خافت:
"اشرب ياحبيبي اشرب دا انا هشربك المر النهاردة."
في الغرفة، دلفت سارة إلى الغرفة ودلف هو خلفها يسألها بحدة:
"مالك مبوزة كده ليه."
شاحت بوجهها بعيدًا عنه وقالت باحتدام:
"خليك في حالك واعمل حسابك إنك هتنام على الأرض النهاردة."
عقد حاجبيه متسائلًا:
"هو مين اللي ينام على الأرض؟ لا بقولك ايه الدلع اللي شفتيه عند منصور ده تنسيه خالص، يعني ميمشيش معايا هنا."
ضغطت على أسنانها بغيظ ونظرت إليه بغضب:
"ده مش دلع ده عقابك عشان اتعب طول النهار في المطبخ عشانك والآخر تقولي الأكل وحش ومش عاجبك."
أكد لها وهو يجلس على الفراش:
"أنا مقولتش وحش بالظبط، أنا قلتلك حلو بالنسبة لأول مرة، بعد كده؛ دا إن حد سمحلك تدخلي المطبخ تاني يبقى هيكون أحسن إن شاء الله."
زمت فمها بغيظ وصاحت به:
"تصدق انا غلطانة، ايه رأيك بقى أنا اللي مش هدخله تاني."
استلقى جاسر على الفراش وتحدث بعدم اهتمام:
"احسن برده، المهم تعالي جانبي عشان وحشتيني اوي النهاردة."
اقتربت منه تجبره على النهوض:
"قلتلك مش هتنام جانبي."
تنهد جاسر بتعب وقال من بين أسنانه:
"أغزى الشيطان وبلاش تخليني ارجع انا للوش القديم."
تطلعت إليه بثقة وقالت بتحدى:
"ولا تقدر تعمل حاجة، الكلام ده كان زمان إنما دلوقت خلاص الامر أختلف وهنا عايشة في حماية جدي وعمي يعنى متقدرش تعملي حاجة."
أوما لها ثم نهض وهو يقول بتوعد:
"طب وريني بقى هتتحامي فيهم إزاي."
وقبل أن يقترب منها انتفضت هي بخوف واسرعت بالخروج من الغرفة لتتفاجئ بجمال ذاهبًا لغرفته لتتحامى خلفه بخوف:
"الحقني ياعمي."
اندهش جمال مما يحدث وخاصةً عندما وجد جاسر يخرج خلفها وهو يغمغم بغضب:
"وريني بقى هتتحامي فيهم إزاي."
وقبل أن يصل إليها منعه جمال بحدة:
"في ايه؟ مالك ومالها؟"
اجابت سارة بحزن زائف كي تأخذه في صفها:
"كان بيتخانق معايا ولما قلتله اني هنا في حماية جدي وعمي جري ورايا زي ما انت شايف."
هز جمال رأسه بيأس من ولده الذي مهما حدث لن يتغير.
فقام جاسر بالدفاع عن نفسه قائلًا:
"انت بتصدقها، كل الحكاية اني بقولها متعمليش أكل تاني."
"قلبت عليا ومش عايزاني أنام على السرير."
بمكر ودهاء دافعت هي ايضًا عن نفسها:
"يعني هو ينفع إني افضل طول اليوم في المطبخ عشان اعمله الاكل بإيدي وهو يقولي اكلك وحش متعمليش تاني."
تعاطف جمال مع دهائها وتحدث بثبوت:
"لأ طبعًا مينفعش، بس هو قالك كده عشان مـ يتعبكيش بس خانه التعبير مش اكتر."
نفى جاسر وهو يتطلع إليها بغيظ:
"بتعرفي تمثلي، ماشي."
تقدم منها رغمًا عن والده وجذبها من ذراعها الذي يشاهد ما يحدث ببهجة.
❈-❈-❈
أصبح الجميع على قدم وساق أستعدادًا للزفاف والفرحة قد ملئت قلوب الجميع.
جاء منصور بعد أن تعلل بالانشغالوهو حينما قال منشغلًا كان يتلقى بلاغ الإخلاء بكل شئ يتعلق به، إلا من ذلك المنزل وأصبح خالي الوفاض حتى أولاده وزوجته.
لكن عليه أن يذهب إليهم ويطالب بميراثه، فهذا حقه ولن يتنازل عنه.
وقف أمجد أمام المرآة ينظر إلى انعكاس صورة فارس الذي ينظر إليه بابتسامة عريضة وسأله:
"مالك بتبصلي كدة ليه؟"
هز كتفيه وهو يجيب:
"مش مصدق بصراحة، الفترة الاخيرة اللي عيشتها معاك في المستشفى تخليني مش مصدق."
عاد ينظر لصورته في المرآة وهو يرتدي ساعته وأكد بجدية:
"أنا نفسي مش مصدق، بس برجع أقول إن اللي حصل ده عرفني الحلو من الوحش."
التفت إليه وتابع:
"عندك مثلاً أسيل لو مكنش حصل اللي حصل ده كنت هعيش مخدوع فيها، ومكنتش صادفت ليلى ولا حبيتها."
"واقتنعت إن الشر ديمًا وراه خير."
ربت فارس على كتفه وقال بحب:
"المهم انك رجعت أحسن من الأول واختيارك المرة دي كان أفضل أختيار، يلا بقى عشان عمي تحت محسسني أنه فرحه هو مش فرح ابنه."
ضحك الاثنين ثم خرجوا من الغرفة.
❈-❈-❈
وقفت ليلى أمام المرآة لا تصدق حتى الآن أنها ترتديه لمن أحبته وعشقته بكل كيانه.
نظرت إلى سارة وكأنها تستنجد بها أن تخبرها بأنها حقيقة فأومأت لها سارة بسعادة كبيرة:
"اه حقيقة متخافيش."
ضحك كلاهما وعانقتها سارة بسعادة:
"الف مبروك ياقلبي."
دلف وسلية التي ما إن رآتها حتى دنت منها تنظر إليها بفرحة وقالت بسرور:
"بسم الله اللهم بارك، طالعة زي القمر ياليلى."
اتسعت ابتسامتها وقالت بحب:
"عشان انتي عيونك حلوة ياأحلى ماما في الدنيا."
عانقت والدتها التي انتظرت كثيرًا حتى رآتها بذلك الثوب ثم ابعدتها عنها قليلًا كي تنظر إليها وقالت ببهجة:
"الف مبروك ياقلبي ربنا يتمملك على خير."
"يلا بسرعة عشان أمجد وصل."
أومأت لها ثم طرق الباب ودخل جاسر الذي يبتسم بسعادة وهو ينظر إلى أغلى الأحباب بلوعة فتقدم من ليلى وهو يقول بحبور:
"مبروك ياجميل."
ردت بخجل:
"الله يبارك فيك ياحبيبي."
"امجد واقف بره مستنيكي هتطلعي ولا امشيه، انا عن نفسي عايز امشيه."
ضحكت بخفوت وقالت بخجل:
"لأ سيبه بلاش تمشيه."
قبل جبينها واخذها وخرج بها من الغرفة ليجد امجد واقفًا ينظر إليها بولع.
ثم دنى منها مأخوذًا بسحرها ولم يبالي بمن حوله عندما تحدث بسعادة:
"تعرفي إن النهاردة اجمل يوم في حياتي."
أومأت له بخجل:
"اه عارفه."
رفع حاجبيه متسائلًا:
"واثقة اوي كده."
هزت راسها بنفي وقالت بخجل:
"لأ بختصر معاك الكلام عشان جاسر اللي هياكلك بعينيه ده."
نظر إلى جاسر الذي استعجله:
"ياعم خلص في ناس مستانيه بره."
أومأ له أمجد وأخذها خارجًا بها إلى حديقة المنزل حيث أقام لها احتفالًا بهارًا بسعادة من الجميع.
كان ينظر إليها وكأنها حورية صعبت المنال وأستطاع أخيرًا امتلاكها بعشقٍ جارف.
توقف ليديرها إليه ينظر إلى ملامحها التي يعشقها ويتأمل عينيها التي تبثه أجمل الكلمات التي لم يستطيع اللسان التفوه بها.
صدحت أغنية كلمات لماجدة الرومي فضمها إليه يراقصها على الحانها وهى منبهره بتلك الفرحة التي تشعر بها وكأنها امتلكت العالم بين يديها.
ولم يمهلها فرصة بل اغدقها بكلمات الغز التي لم تكن حتى تسمع عنها.
كانت سارة تنظر إليهم بسعادة ثم دنت من جاسر لتقول برجاء:
"جاسو ايه رأيك نرقص معاهم."
اندهش جاسر من ذلك الاسم وتحدث بحدة:
"ايه جاسو دي ماتدعيلي يابت، وبعدين نرقص فين انتي اتجننتي."
أمسكت ذراعه لتقول بدلال:
"وايه يعني، وبعدين وبعدين انا كان نفسي اعيش اللحظات دي يوم فرحي وانت معملتش معايا كده."
"اعملها معاكي إزاي وانتي كنتي منكده على أمي."
تحدثت برجاء:
"خلاص يبقى عوضني دلوقتي."
قربت على كتفها كطفلة صغيرة:
"حاضر ياحبيبتي لما نطلع اوضتنا هعوضك."
حاولت المعارضة لكنه تحدث بتحذير:
"كلمة زيادة هديكي في اسنانك، اهدي كده وخلي يومك يعدي على خير."
ضيقت عينيها بتوعد لم ينتبه له منتوية له بأشد عقاب.
لكنها تصلبت في وقفتها عندما وجدت والدها يتقدم من عمها يصافحه.
شخب وجهها وارتدت إلى الخلف قليلًا كي لا يراها ثم انسحبت بهدوء كي لا يراها ويعلم بعدتها لجاسر.
انتبه جاسر لأنسحابها مما جعله يسير خلفها حتى وصل إليها بعيدًا عن الجميع عند تلك الشجرة.
فتلاعب الشك بداخله وهو يتوقف منها يوقفها بقلق:
"سارة في أيه؟ مال وشك اتقلب كده لما شفتي منصور؟"
ازدردت لعابها بصعوبة وتحدثت بارتباك:
"مفيش بس زي ماقلتلك إني مش عايزاه يعرف إننا رجعنا لبعض."
عقد حاجبيه مندهشًا وسألها باهتمام:
"ليه؟ أيه السبب انك تخبي عليه؟"
رمشت بعينيها تحاول التحدث بثبات لكنها لم تستطيع:
"جاسر لو سمحت بلاش السؤال ده."
تنهد بتعب منها وقام بتغيير مجرى الحديث كي لا يحزنها اكثر من ذلك:
"تعرفي انا لما شفتك رايحة ناحية الشجرة قلت انتي هتقوليلي إنك حامل."
قدت حاجبيها للحظات ثم هزت راسها برفض وقالت:
"لأ طبعاً احنا لسه مكملناش شهر حتى."
"مين قالك كده احنا متجوزين بقالنا اكتر من شهر، بس عادي ياستي انا مش مستعجل."
"المهم انا مش عايزك تخافي من حاجة خالص انا جانبك ومستحيل اخلي حاجة تمسك."
دنت منه تلقي نفسها بين ذراعيه التي احتواتها بتملك عاشق وحنان مفرط:
"طول ماأنا جانبك متخافيش."
عودة للعروسين، كانت بين ذراعيه تسرح في كلمات الأغنية التي تنطبق عليهم الان وهي تستمع منه كلمات غزل لم تسمع عنها من قبل.
عينيه التي كانت تقول ما لم يستطيع اللسان قوله.
لكنها قرأتها باتقان عاشقة، فقالت بهيام:
"تعرف ان عيونك بتقولي كلام كتير أوي، انت مش قادر تقوله."
رفع حاجبيه متسائلًا بحب:
"طيب ماتسمعيني؟"
هزت رأسها بنفي وهي تقول بوله:
"بس دي حاجات بتتحس عشان كده اللسان مبيقدرش يقولها."
ضحك أمجد وقال بلوعة:
"لأ دا احنا اتغيرنا خالص وبقينا بنقول كلام حلو."
أومأت له بسعادة:
"كل الكلام اللي في الدنيا مش هيكفي لو فكرت اعبر بيه عن اللى جوايا."
"أمجد أنا بحبك ، حبيتك من أول يوم شوفتك فيه."
"لما قلبي اتاخد اول ما شوفتها افتكرته دق كده خوف عليك بس بعد ما رجعت البيت لقيته بيدق برده بس حب ولهفة مش حاجة تانية."
اتسعت ابتسامته وهو ينظر إليها بسعادة وقال بمرح:
"اقولك على سر."
أومأت له وتابع:
"أنا شوفتك وانتى قاعدة بتذاكري في الجنينة وغصب عني دققت في ملامحك، جذبتيني بشكل غير طبيعي، وقتها قلت دي اللي كنت بدور عليها."
"واتمنيت في الوقت ده انك تكوني من نصيبي، والحمد لله امنيتي اتحققت وبقيتي من نصيبي."
"تسمعي خاطرة."
أومأت له بسعادة غامرة ليتابع هو:
"أنا مدين لكي بسعادتي كلها فأنا لم أشعر بهذا الدفئ في روحي الا معك أشعر أني فزت بالحياة دفعة واحدة فأنتي الصباح الذي يأسر عيون الناظرين وانتي نور الليل الذي أضاء ظلماتي فأنا أحبك لأني ببساطه لم أجد روحي ألا معك ولا أستطيع التوقف عن عشقك فأنتي نورا أضاء ظلماتيانتهى الزفاف بسعادة لقلبين ارهقهما قسوة الفراق ليلتقوا ببهجة أحيت قلوبهم.
ليأخذها في سيارته منطلقين بها إلى عشهم.
ولكن قلوب اخرى لم ترحم ولا تعرف عن الرحمة شئ، إذا تقدم منصور من جمال وهو يقول بثبوت:
"جمال كنت عايزك في موضوع مهم."
أومأ له جمال:
"تمام تعالي ندخل المكتب نتكلم براحتنا."
دلف جمال مع منصور الذي ما ان اغلق الباب حتى تقدم من جمال وهو يقول بصوت ثابت:
"أنا مش هلف وادور معاك في الكلام."
"بس انا بتعرض لأزمة مالية ومحتاج فلوس ضروري."
عقد جمال حاجبيه مندهشًا لكن لم يهتم وقال بثبوت:
"قول اللى محتاجه وانا تحت امرك."
ازداد الطمع بداخله وتحدث بقوة:
"بس انا مش عايزها مجاملة."
زاد الشك بداخله وسأله بتوجس:
"يعني انا ليا حق في البيت والأرض وبطالب بيهم."
تواجهت النظرات ما بين حاقدة وطامعة وأخرى تشعر بخيبة أمل في عيون لن تتغير مهما حدث.
إلى اللقاء في الجزء الثاني إن شاء الله.
اقتباس من الجزء الثاني.
وقف أمام قبرها الذي شيده لها بكل جوارحه وكأنه بتلك الطريقة يجلد قلبه الذي قسى عليها يومًا.
فلتعود ولن يحزنها مرة أخرى وسيعمل بكل الطرق على إرضاءها.
انتبه على ذلك الصوت الذي قال بخوف:
"الحق يامهران بيه لقينا واحدة مقتوله في الأرض بتاعتك…."