تحميل رواية «و بالعشق اهتدي» PDF
بقلم ندى محمود توفيق
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تسمرت فريال بأرضها تراقب المشهد الذي أمام عينيها.. تحتضن كفه بين يديها وتحدقه بهيام وتوسل وسط عبارتها الأخيرة التي التقطتها أذنها للأسف وهي تشير له صراحة أن بإمكانهم العودة مجددًا ويمكنها أن تصبح زوجته طالما أن عدة طلاقها لم تنتهي بعد. التفت جلال تجاه الباب وسحب يده بهدوء فور رؤيته لفريال. ورغم الضيق الذي صابه من مجرد تخيل الشجار والاكتئاب المقبل عليه، إلا أنه أظهر الثبات الانفعالي الغريب. على عكس فريال التي احتقنت نظراتها وأظلمت عينيها وأصبح وجهها مخيفًا يبشر بطوفان مدمر قادم وأول من سيغرق فيه...
رواية و بالعشق اهتدي الفصل الأول 1 - بقلم ندى محمود توفيق
تسمرت فريال بأرضها تراقب المشهد الذي أمام عينيها.. تحتضن كفه بين يديها وتحدقه بهيام وتوسل وسط عبارتها الأخيرة التي التقطتها أذنها للأسف وهي تشير له صراحة أن بإمكانهم العودة مجددًا ويمكنها أن تصبح زوجته طالما أن عدة طلاقها لم تنتهي بعد.
التفت جلال تجاه الباب وسحب يده بهدوء فور رؤيته لفريال. ورغم الضيق الذي صابه من مجرد تخيل الشجار والاكتئاب المقبل عليه، إلا أنه أظهر الثبات الانفعالي الغريب. على عكس فريال التي احتقنت نظراتها وأظلمت عينيها وأصبح وجهها مخيفًا يبشر بطوفان مدمر قادم وأول من سيغرق فيه هو!
انتقلت عيني فريال على منيرة تتمعنها بمعالم وجه تقذف الرعب في الأبدان حتى لو كان ذلك ينافي طبيعتها الناعمة. لكن في تلك اللحظة تبدلت وكأنها أصبحت امرأة أخرى متشبعة بالشر والجبروت. وفي عقلها يتردد شيء واحد ألا وهو: "واقفة على قرار وكلمة واحدة منك أنك تردني لعصمتك".
عقد جلال عينيه متعجبًا وقد استشعرته حواسه أن القادم لن يكون خير عندما رأى البسمة المتهكمة فوق ثغر زوجته. التي تحركت بخطى متريثة باتجاه منيرة وخرج صوتها أخيرًا متحدثة تقول:
"لساتك إيه؟"
فهمت منيرة مقصدها فرمقتها بتحدي وأجابتها بشدة:
"لساتني في حكم مرته يافريال."
اتسعت عيني فريال متصنعة الدهشة وهي مازالت تحافظ على بسمتها المزيفة لتجيبها في خفوت مريب:
"امممم وياترى چاية ليه دلوك؟"
التفتت منيرة برأسها نحو جلال الذي يقف يتابعهم بأعين مشتعلة وينتظر ليسمع حديث زوجته ويراقب ردة فعلها. ازدردت ريقها بتوتر وحزن وهي تتمتم دون أن تحيد بنظرها عنه:
"چاية عشان اطلب السماح واخليه يردني."
ثارت فريال وتأججت نيران قلبها وهي تراها تتودد له بنظراتها أمامها وتستسمحه ظنًا منها أنه قد يعود لها ثانية. قبضت فريال على فكها بقسوة وأدارت وجهها باتجاهها لترغمها على النظر لها صائحة بها:
"بصيلي إهنه وأنتي بتتكلمي."
تألمت منيرة بصوت مكتوم وبحركة قوية دفعت يد فريال عنها صائحة بها بعصبية ووقاحة:
"أنتي متستحقيش چلال ومبتحبهوش.. لو كنتي مكفياه زين مكنش راح بص برا ولا اتچوزني."
خرجت فريال عن طور ثباتها المزيف بعد تلك الكلمات العبثية والوقحة. وها هي تسحب الغطاء عن مخالبها الشرسة مرتدية ثوبًا جديدًا غير مألوف عليها. بحركة مباغتة كانت ترفع يدها في الهواء وتهوى بها بكل عنف فوق وجنة منيرة. ودون أن تمنحها الثانية لاستيعاب الصفعة التي تلقتها للتو كانت تجذبها من شعرها صارخة بها وهي بيدها الأخرى تقبض على فكها تعتصره:
"هو أنتي فاكرة روحك ست لا وبتقفي قصادي وبتقارني روحك بيا كيف الستات، أنا قادرة دلوك احطك تحت رچلي بس هبقى بنزل من قيمتي قصاد شيء مفكر روحه حاچة وبيقول على نفسه ست."
ارتفعت صراخ منيرة متألمة من هجوم فريال عليها. بتلك اللحظة فاق جلال وتدخل بسرعة متذكرًا أنه بمقر عمله وجميع الرجال والعمال بالخارج. لم يكن عليه السكوت من بداية الحوار وهو يعرف أن نهايته لن تكون مرضية.
صرخ بهم بصوته الرجولي الجهوري:
"اكتمي حسك أنتي وهي، اقسم برب العزة لو نفس واحدة طلع لاقطع نفسها واصل، نسيتوا روحكم قصادي ولا إيه."
استقرت نظراته الملتهبة على فريال التي كانت تطالعه بالمثل وهتف بلهجة آمرة مرعبة:
"همليها وبعدي يدك عنها يافريال."
رفعت حاجبها بحدة وغضب لكنها امتثلت لأوامره رغمًا عنها بعد لهجته ونظرته. وكانت من الداخل تتوعد له. أما هو فقد مال برأسه نحو منيرة وطالعها بأعين مميتة أرعبتها ودون تردد كان يقبض على ذراعها هاتفًا بصوت يبدو هادئًا لكنه ملتهب بنيران الوعيد والسخط:
"أنا مش هحاسبك على اللي قولتيه ولا چيتك إهنه بكل بچاحة وأنتي بتقولي لساتني مرتك وهعديها، بس اقسم بالله لو شوفت خلقتك تاني يامنيرة مش هرحمك."
سكت للحظة ثم تابع بنبرة منذرة حقيقية:
"تطلعي من المعرض ومش عاوز اشوف وشك تاني واصل، انسى كل حاچة وأنك كنتي مرتي في يوم وده لمصلحتك، فاهمة ولا لا؟"
أنهى حديثه بعبارته الأخيرة الصارخة التي نفضتها في أرضها وقتلت معها الأمل الأخير في صدرها بأن يعود لها. فانهمرت دموعها فوق وجنتيها. ودون وعي بتصرف نابع من خوفها منه كانت تهز رأسها له بالموافقة كردًا على آخر كلماته مؤكدة أنها استوعبت تحذيره القاسي.
ترك ذراعها دافعًا إياه وهو يهتف لها بغضب مشيرًا لها بعيناه ويده على الباب:
"يلا اتكلي على الله يابت الناس."
ألقت منيرة نظرة أخيرة منكسرة وعاجزة على جلال قبل أن ترمق فريال بعكسها تمامًا كل شر وبغض. وفي الأخير تحركت باتجاه الباب في خطوات مسرعة مغادرة.
رغم مشاعر الرضا والفرحة في نفس فريال بعدما شهدت بعينها على ردة فعل زوجها، إلا أنها حافظت على معالم الانزعاج والجفاء فوق وجهها بسبب صراخه عليها أمام تلك النكرة ومحادثتها بهذا الأسلوب البشع. وأيضًا الوضع الذي رأتهم عليه منذ قليل كان يزيد من اتقاد جحيم غيرتها. رأته يطالعها بنفس التعابير الغاضبة الذي كان عليها للتو فبادلته إياها ودون التفوه بكلمة استدارت وهمت بالرحيل وتركه. لكنه أوقفها بصوت رجولي خشن:
"رايحة وين؟"
ردت على مضض دون أن تلتفت له:
"راچعة البيت."
جلال بغلظة وصوت محتقن من فرط الغيظ:
"استنيني في العربية."
أجابته بكِبر وخنق مبدية عن رفضها:
"أنا هروح لحالي."
هتف بعصبية وصوت أربكها:
"فريــال."
مازالت لا تنظر له وتوليه ظهرها لكنها رغمًا عنها خضعت لأمره وأظهرت تأففًا عاليًا بخنق قبل أن تندفع لخارج الغرفة متجهة لسيارته بالخارج. استدار هو واتجه نحو المكتب ليجذب مفاتيحه لكن استوقفه صوت أحد العمال بالمعرض الذي دخل عليه الغرفة وهو يهتف بفضول وقلق:
"معلم چلال.. هو في حد چراله حاچة؟"
لم يعيره اهتمام وراح يدس هاتفه بجيب جلبابه ويلتقط مفاتيحه بيده ليستدير ويهم بالرحيل. لكن نفس الصوت أوقفه. وكان هذه المرة ينوي أن يناله نصيبًا من الأذى:
"اصل كان في صوت صريخ وقولت أسألك واطمن."
صرخ به جلال بصوت جهوري نفضه بأرضه وملأ المكان كله:
"وأنت مالك أنت تخليك في شغلك وبس أنت وكل اللي برا، يلا غور شوف مصالحك."
أنهى عبارته واندفع كالشعلة الملتهبة للخارج وسط نظرات الجميع الفضولية والقلقة منه. وهم يتبادلون النظرات فيما بينهم بحيرة.
***
خرجت آسيا من غرفتها وهي ترتدي عباءتها السوداء الفضفاضة وفوق شعرها حجابها من اللون الأبيض وبيدها حقيبتها المتوسطة. قادت خطواتها المتريثة باتجاه الطابق الأرضي فوق الدرج وهي تتلفت حولها خشية من أن يلمحها أحد. هي تدرك جيدًا عواقب ما تفعله إذا علم زوجها لكنها مضطرة لفعله. انتهت من الدرج وبينما كانت باتجاه الباب لترحل أوقفها صوت إخلاص هاتفة بغلظة:
"رايحة وين؟"
توقفت آسيا وأغلقت عيناها مصدرة تأففًا منخفضًا يدل على خنقها وقلقها فمن كانت تحاول الهرب منها أمسكت بها. أخذت نفسًا عميقًا واستدارت بجسدها نحو إخلاص تطالعها بقوة وبسمة صفراء:
"مشوار سريع وراچعة."
رفعت إخلاص حاجبها وهي تسألها:
"مشوار إيه اللي على الصبح ده؟!"
اختفى اللطف المزيف فوق قسمات وجه آسيا حيث ردت عليها بحدة:
"وهو أنا من ميتا بديكي تقرير بمواعيد خروچي ورايحة وين ياحماتي!!"
سكتت ثم تابعت بغضب:
"طالما چوزي عارف وماخدة الأذن منه محدش له الحق يتدخل فيا."
أنهت عبارتها واستدارت مندفعة لخارج المنزل وهي تعرف أن ينتظرها طوفان عند عودتها. إخلاص لن تتريث في الاتصال بابنها وإخباره بخروجها المفاجيء.
وصلت للشارع العام واوقفت سيارة أجرة خاصة لتستقل بها وتطلب منه الاتجاه بعنوان محدد أملته عليه. وبعد دقائق طويلة توقفت السيارة أخيرًا أمام بناية ضخمة. فأخرجت النقود من حقيبتها واعطت السائق حقه ثم نزلت من السيارة ووقفت بالشارع أمام البناية ترفع نظرها لأعلى تقيس ارتفاعها الشاهق وهي تدعي ربها أن يكون بالداخل مصعد كهربائي وإلا لن تستطيع الصعود للطابق السادس على قدميها وهي تحمل طفلها بداخلها.
تحركت لداخل البناية ووقفت تتلفت حولها بحثًا عن مصعد فسقط نظرها عليه في آخر مدخل البناية. لتتنهد الصعداء براحة وتتجه نحوه لتدخل وتضغط على زر الطابق السادس. وانتظرت للحظات طويلة وحدها داخله وهو يصعد بها لأعلى حتى توقف أخيرًا أمام الطابق المطلوب. كان الطابق يحتوى على ثلاث شقق. فتلفتت حولها تقرأ رقم الشقة المدوّن فوق الباب وعندما قرأت رقم 18 اتجهت نحوها ووقفت ترفع يدها لتطرق الباب لكنها وجدت الباب يندفع للداخل بمجرد طرقها عليه. ضيقت عينيها باستغراب تتساءل لماذا الباب مفتوح. وقفت للحظة مترددة قبل أن تدفعه اكثر ببطء وهي تدخل صائحة:
"خلود أنتي چوا.. خلود!!"
لم تحصل على رد منها فتنفست الصعداء لتبث الشجاعة لصدرها وقررت الدخول والبحث عنها. فتحركت بخطواتها المترددة نحو الصالة وكانت فارغة والمنزل كان هادئًا تمامًا فظنت أنه لا يوجد أحد. وللحظة كانت ستتراجع خشية من أن يكون فخ نصبته لها حتى تأذيها. لكنها توقفت على أثر صوت آهات ضعيفة منبعثة من أحد الغرف. تتبعت الصوت بسرعة حتى وصلت للغرفة وفتحت الباب ودخلت لتتسمر بأرضها مندهشة عندما سقط نظرها على خلود وهي نائمة فوق الأرض وحالتها مزرية وسط آهاتها المتوجعة. اقتربت آسيا منها بزعر وهي تهتف:
"خلود إيه اللي عمل فيكي إكده؟!"
التفتت لها خلود برأسها وكانت الصدمة أكبر لآسيا عندما رأت وجهها المتورم والكدمات التي أسفل عينيها وبجوار ثغرها ترسم لوحة مأسوية عن العنف والتعذيب الذي تتلقاه بذلك المنزل. أسرعت آسيا نحوها وجثث على الأرض بجوارها تساعدها في النهوض والجلوس متمتمة لها:
"قومي وريحي جسمك على السرير.. قومي معايا يلا."
استقامت خلود بصعوبة من على الأرض بمساعدة آسيا وتسطحت فوق الفراش وهي تطلق تأوهات متألمة. ثم نظرت لآسيا بعينان دامعة وعاجزة تتوسلها هاتفة:
"متهملنيش يا آسيا أبوس يدك ساعديني وانچديني."
طالت نظرات آسيا المشفقة وهي تتأمل حالة وجهها وجسدها وشعرها البشعة. مهما وصل العداء الذي بينهم لكنها ليست عديمة الرحمة لهذه الدرجة حتى تشمت في وضع كهذا. خرج صوت آسيا المنخفض وهي تسألها:
"چوزك اللي عمل فيكي إكده؟"
هزت خلود رأسها بالإيجاب ودموعها تنهمر بغزارة فوق وجنتيها متمتمة في ضعف:
"دي مش أول مرة.. بس أنا تعبت معدتش متحملة وحاولت اموت نفسي واخلص من اللي أنا فيه بس مكنتش بعرف وكل مرة كان بيكشفني."
لوت آسيا فمها بأسى وسألتها بلطف:
"وهو بيعمل إكده ليه؟!"
رفعت خلود كتفيها لأعلى مجيبة بصوت مبحوح وباكي:
"معرفش يمكن بيعاقبني عشان دبسته واتچوزني غصب ويمكن هو بيستمتع وهو بيعذبني إكده."
لم تجب آسيا واكتفت بنظرتها المشفقة. أما خلود فتابعت وقد انهارت في البكاء أكثر:
"في واحدة يعرفها وعلى علاقة بيها وكل يوم بيچيبها إهنه يا آسيا وبيقضى الليل كله معاها في البيت معايا وبسمع صوتهم طول الليل وهما مع بعض، أنا مكنتش اتخيل واصل أن يكون بيكرهني إكده بعد ما ضحك عليا وخسرت ناسي وكل حاچة عشانه."
مازال الصمت مهيمنًا على آسيا حتى أكملت خلود وهي تمسك بيد آسيا تتشبث بها بقوة وتهتف متوسلة ببكاء:
"ساعديني يا آسيا أبوس يدك.. أنا عارفة أني اذيتك ومليش الحق اطلب منك المساعدة وأنتي عندك حق بس أنا بدفع تمن ذنوبي أهو وربنا بياخدلك حقك مني."
آسيا بصوت قوي:
"هساعدك كيف يعني ياخلود.. واللي بيعمل فيكي إكده چوزك مش حد غريب حتى وأنتي بعضمة لساتك قايلة أنك خسرتي ناسك، وابوكي معدش موجود وعلي مستحيل يبص في وشك تاني لا هو ولا چدي، هعملك إيه أنا وحدي!!"
انفجرت في البكاء بشدة متمتمة بانكسار وعجز:
"اعملي أي حاچة أنتي هتقدري كيف ما قدرتي تلبسيني في جوازتي منه وتفضحيني قصاد الكل أكيد هتلاقي حل وتساعديني بيه."
جذبت آسيا يدها من قبضة خلود بعنف هاتفة بنظرة مميتة وبهجة صارمة:
"لا أنا ملبستكيش في حاچة، أنتي اللي بدأتي معايا حرب منتيش قدها، وأنا مضربتكيش على يدك وقولتلك حبيه واغلطي معاه واحملي منه كمان واديكي شوفتي طلع راچل **** كيف."
أماءت خلود برأسها في خنوع تام وهي تترجاها باكية:
"أنا آسفة وعارفة أني غلطانة واللي حُصل حُصل، لكن دلوك أنا بطلب منك تساعديني، صدقيني لو فضلت مكملة معاه هموت ومش هتحمل يا آسيا، انتي شايفة حالتي كيف أبوس يدك اقفي چاري ومتسبنيش."
سكنت آسيا أمام نظرات خلود المتوسلة وهنها الصعب وهي تترجاها كأنها طوق النجاة الوحيد لها للبقاء على قيد الحياة والخروج من ذلك الوحل القذر الذي تلطخت به. لان قلبها ولم يطاوعها لتركها تتعذب كالحيوانات التي بلا صاحب هكذا.
طال صمتها وسط التلهف الظاهر في عيني خلود من انتظار الأجابة منها. وبينما كانت على وشك الرد اقتحم الغرفة ودخل سمير الذي تسمر وهو يرمق آسيا مندهشًا ويهتف بحدة:
"إنتي بتعملي إيه إهنه؟"
استقامت آسيا واقفة والتفتت بجسدها كاملًا نحوه بينما خلود فقد التصقت بآسيا خلفها تلوذ إليها من بطش زوجها وهي ترتجف وتبكي بخوف. تمعنت آسيا هيئة سمير المبعثرة بقرف وبلحظة تحولت معالمها من اللطف للشراسة والجبروت لتجيبه بحدة:
"چيت اطمن على بت عمي."
يضحك سمير ساخرًا متمتمًا:
"بت عمك!!!.. أنتي بلسانك اللي بتقولي إكده بعد اللي عملته فيكي."
ابتسمت آسيا بأعين مشتعلة وهي تهمس:
"لو مكنتش شوفتك وشوفت اللي عامله فيها مكنتش هقول إكده لاني مكنتش هصدق أن لسا في الدنيا في ناس عايزة الحرق بجاز و*** وحلال فيها."
التهبت نظرات سمير الذي تقدم نحو آسيا بخطواته وهو يهتف بلهجة تهديدية:
"لمي لسانك ومتخبطيش في الحديت معايا عشان متندميش.. أنتي لساتك متعرفنيش زين."
ابتسمت آسيا باستهزاء وهي تجيبه بفظاظة:
"لا عارفاك وعارفة أخرك إنك تمد يدك وتتفالح على الحريم بس، بس أنت اللي متعرفش أخرى لسا."
جز سمير على أسنانه بغيظ وهتف محاولًا تمالك أعصابه:
"اطلعي برا يا آسيا قبل ما اندمك أن رچلك عتبت بيتي."
التفتت برأسها نحو خلود التي أرسلت لها إشارات بعيناها تطلب منها الرحيل خشية من أن يأذيها حقًا. ورغم الرعب المستحوذ عليها في نظراتها إلا أنها كانت تطلب منها الرحيل. فعادت آسيا برأسها نحوه مجددًا وهتفت محذرة إياه بغضب:
"اوعاك تمد يدك عليها فاهم ولا لا."
مال ثغره للجانب في سخرية من تحذيرها له ظنًا منها أنه سيخضع لها فورًا ويفعل. وعلى عكس المتوقع ضحك باستفزاز وهو يمد يده خلف ظهر آسيا يجذب خلود من خلفها بعنف ويضمها لصدره متمتمًا في صوت مريب وهو يلثم شعرها:
"وهو أنا أقدر امد يدي عليها دي مرتي الغالية حبيبتي."
رأت آسيا خلود وهي ترتجف بين ذراعيه وتبكي بصمت مغلقة عيناها بقوة من فرط الخوف. بينما هو فكان يضغط على ذراعها بقسوة كإشارة لما ينتظرها فور رحيل ابنة عمها. فحزنت عليها بشدة وربما أول مرة تصيبها تلك المشاعر نحوها. لكن ليس بيدها شيء الآن لتفعله لها وبقائها ماهو إلا فقط مجرد تأجيل قصير لجلسة إعدامها. فأخذت نفسًا عميقًا بشجن وأخبرتها بنظراتها أنها لن تتركها وستعود مجددًا. ألقت نظرة نارية على سمير أخيرًا قبل أن تبتعد وتقود خطواتها لخارج المنزل بأكمله. تسير في طريق العودة لمنزلها.
دفعها سمير بعيدًا عن ذراعيه بنفور فسقطت فوق الفراش وهي تبكي بشدة وترتجف برعب. ثم وجدته يقبض عليها يجذبها من شعرها ويصفعها فوق وجنتيها بعنف صارخًا بصوت رجولي مخيف:
"بتتصلي ببت عمك وبتچبيها بيتي.. فاكرة هتقدر تحميكي مني يعني."
ارتفع صراخ خلود بين يديه وهي تتوسله بضعف:
"ابوس يدك ياسمير هملني ومتمدش يدك عليا أنا معدتش متحملة."
صاح بقسوة وعدم رحمة وهو يقبض على فكها:
"هو أنتي لساتك شوفتي حاچة.. مش كفاية ادبست فيكي وحياتي ادمرت بسببك أنتي وبت عمك دي."
كانت تنتفض بعنف وهي تصرخ بهستيريا تحاول الفرار من بطشه:
"أنا آسفة أول وآخر مرة مش هكلمها تاني والله.. بس هملني ومتعمليش حاچة."
أجابها بنظرة شيطانية تحمل الوعيد الحقيقي:
"لا أنا عايزك تكلميها وتحذريها وتقوليلها أنها لو فكرت تچرب منك ولا تعمل حاچة وقتها هي حرة في اللي هيحصلها."
هزت خلود رأسها بالموافقة وهي تذرف الدموع الحارقة بصمت ومازالت ترتجف أسفله. حتى ابتعد عنها واستقام واقفًا ليجذب هاتفها ويقول بغضب:
"بس دلوك عقابًا ليكي مفيش تلفون واصل وهتفضلي إكده من غير تلفون ولو عقلك وزك بس أنك تطلعي ولا تاخدي التلفون وتكلمي حد تبقي فتحتي طاقة جهنم على روحك."
رمقته بعيناها المنكسرة ووجهها الغارق بدموعها دون أن تجيب وتابعته وهو يأخذ هاتفها ويغادر ويتركها. فتدفن وجهها في الفراش وتنهار باكية بعنف.
***
اتجهت منى بخطواتها البطيئة تجاه باب المنزل لتفتح للطارق. وعندما جذبت الباب وفتحت وجدت بشار أمامها فابتسم لها بود وتمتم:
"كيفك يامنى؟"
أفسحت له الطريق للعبور وهي تبادله الابتسامة هامسة:
"زينة الحمدلله يابشار.. ادخل اتفضل."
تنحنح ودخل وهو يتلفت برأسه حوله باحثًا عن شخص بعينه ثم سألها بتعجب:
"امال عمتي وين؟"
أجابته منى بعبوس وهي تشير بعيناها نحو غرفة أمها:
"في اوضتها كيف ما هي مفيش تحسن يابشار ومهما نعملها مبتطلعش من الحالة اللي فيها دي، حتى أبوك كان إهنه امبارح."
تنهد الصعداء بحزن وتحرك بخطواته تجاه غرفتها. وكانت منى تلحق به. فتحت هي الباب ودخلت أولًا تقول لأمها:
"بشار إهنه ياما؟"
اعتدلت فتحية في جلستها ونظرت نحو الباب تتطلع لابن أخيها بابتسامة عريضة وتردف بترحيب دافيء:
"تعالي ياولدي.. تعالي يابشار اتوحشتك ياواد."
لمعت عيني بشار واتسع ثغره ببسمته وهو يقترب من عمته ليعانقها مقبلًا رأسها بحنو متمتمًا:
"وأنتي كمان ياعمتي.. عاملة إيه دلوك؟"
أماءت برأسها مجيبة عن سؤاله في وجه بدأ يظهر عليه العبوس مجددًا والأسى:
"نحمد ربنا."
صدح صوت منى وهي تسأل بشار بلباقة:
"تشرب إيه يابشار؟"
أجابها بالرفض المهذب:
"شكرًا يامنى مش عاوز حاچة."
اتسعت عيني فتحية بقوة وراحت ترمق بشار بقوة هاتفة وهي توجه حديثها لابنتها:
"مش عاوز كيف يعني.. روحي يابت اعمليله عصير الليمون اللي بيحبه وهاتيله معاه من البسبوسة اللي عملتها."
مال ثغر بشار للجانب في بسمة مندهشة وهو يقول مداعبًا:
"بسبوسة مرة واحدة ومن يدك كمان ياتوحا.. طب ما أنتي زي الفل أهو امال بيضحكوا علينا عاد ولا إيه بناتك وبيقلقونا عليكي."
ابتسمت له فتحية بدفء وراحت تمسح فوق وجنته ولحيته هامسة بوجع:
"الحزن في القلب ياولدي، ولغاية دلوك لساتني مش قادرة اصدق موت أخوي، ابراهيم ده كان حتة من قلبي وراحت مني."
بشار بحزن محاولًا مواساتها:
"ربنا يرحمه ادعيله هو محتاچ الدعاء اكتر من البكا والنواح عليه ياعمتي."
ظهر النقم والغضب في عيناها وهي تسأله:
"لسا مفيش خبر عن منصور!!.. عمران كان عندي من يومين بس مدنيش عقاد نافع."
هز بشار رأسه بالنفي مجيبًا عليها بغلظة:
"لسا بس مسيرنا نعتر فيه مش هيفضل هربان العمر كله."
هيمن الصمت بينهم للحظات طويلة حتى عادت فتحية تتحدث مجددًا وهذه المرة عادت اشراقة وجهها وهي تسأله باهتمام:
"أخبار خطيبتك إيه؟.. عاملين مع بعض إيه ومبسوط ولا."
تنهد بشار الصعداء مطولًا ورد على عمته برزانة جميلة:
"كويسين الحمدلله ياعمتي.. هي بت حلال وتستاهل مني كل خير."
لمعت عيناها بسعادة وراحة ثم استطردت تسأله في مداعبة لطيفة:
"بتكلمها ولا لا اوعاك تكون مطنشها احسن البت تطفش منك."
انطلقت منه ضحكة رجولية جذابة ثم هتف بود:
"لا بكلمها اطمني ياتوحا."
تبادلته الضحكة البسيطة لكنهم انتفضوا مفزوعين على أثر صراخ منى التي كانت تقول بهلع:
"ياما الح رحاب ياما."
قفز قلب فتحية من صدرها وبلحظة كانت تثب من الفراش وتهرول للخارج باتجاه غرفة ابنتها ولحق بها بشار المزعور. لكنها وقفت أمام غرفة رحاب ولم يتمكن من الدخول وهتف من الخارج بصوت قلق:
"عمتي رحاب زينة؟"
سمع صوت فتحية تستغيث به برعب:
"تعالي يابشار تعالي بسرعة."
لم يتريث للحظة بعد سماع عبارة عمته واندفع للداخل متلهفًا فرآها ملقية على الأرض وفاقدة لوعيها. أسرع نحوها وجثى أمامها يحاول إفاقتها وهو يسأل بخوف حقيقي يلمع في مقلتيه:
"إيه اللي حصلها؟!"
ردت منى بزعر وعينان دامعة:
"معرفش أنا دخلت عليها لقيتها إكده."
بدأت فتحية في البكاء الشديد خوفًا على ابنتها. أما بشار فحملها بين ذراعيه ووضعها فوق الفراش برفق ثم ابتعد خطوتين للخلف وراح يخرج هاتفه يقول باضطراب شديد:
"أنا هتصل بالدكتور."
جلست فتحية بجوارها من جهة والجهة الأخرى كانت منى وهم يحاولون إفاقتها. وبشار يقف أمام النافذة يوليهم ظهره والهاتف فوق أذنه يجري اتصال بالطبيب يستمع للرنين وينتظر الرد. لكنه التفت برأسه حين سمع عبارة منى المتلهفة:
"فاقت يابشار فاقت."
أنزل الهاتف من فوق أذنه وثبت نظراته المرتعدة والدافئة عليها. يتابعها وهي تفتح عينيها ببطء وتعتدل في جلستها متمتمة بضعف:
"إيه اللي حصل ياما."
ضمتها فتحية لصدرها بقوة تهتف وسط بكائها وهي تشكر ربها:
"الحمدلله يارب.. إيه اللي حُصلك يابتي اغمى عليكي إكده ليه؟"
كانت ستهم بالإجابة لكنها انتبهت لذلك الجسد الرجولي القوي الذي يقف أمام فراشها. وحين رفعت رأسها جيدًا ورأت بشار ارتبكت بشدة وظهر احمرار وجنتيها. تلعثمت وانعقد لسانها فزحزحت نظرها بسرعة بعيدًا عنه خجلًا واجابت على أمها بصوت خافت:
"معرفش ياما دوخت ومحستش بروحي."
صاحت بها فتحية منزعجة وهي تعنفها بغضب من خوفها:
"ما لازم تدوخي ما أنتي مبتاكليش كيف الخلق أكل يسند ويرم العضم، عاچبك اللي حُصلك ده يعني."
ثم رفعت نظرها لمنى وقالت بحدة:
"قومي يامنى هاتيلها وكل وعصير عشان تقدر تسند طولها."
نهضت شقيقتها الصغرى واتجهت للخارج مسرعة نحو المطبخ لكي تقوم بتحضير الطعام لها. أما بشار فكان يتأملها بأعين محبة وقلقة. لكنه لم يسمح لنفسه ولا تلك المشاعر المحرمة بالاستحواذ عليه أكثر خصوصًا وأن كلاهما الآن مرتبطان وفرصة اجتماعهما مستحيلة. تنحنح واقفًا وتمتم بصوت رجولي أجش:
"حمدلله على السلامة يارحاب."
ردت عليه بخفوت واستحياء ملحوظ وهي تشيح بنظرها للجانب الآخر:
"الله يسلمك."
استرسل هو موجهًا حديثه لعمته وهو يودعها:
"أنا همشي ياعمتي عاوزة مني حاچة."
ردت فتحية بالرفض في حنو جميل:
"لا ياولدي عاوزة سلامتك وابقى سلملي على أبوك وعمران."
أماء لها بالموافقة وهو يبتسم في لطف قبل أن يستدير ويغادر الغرفة ومنها المنزل بأكملها. أما رحاب فعبس وجهها بيأس وحزن فور رحيله وظلت ساكنة في فراشها كالصنم بجوار أمها دون حركة ولا كلمة.
***
داخل منزل خليل صفوان.......
كانت فريال تسرع في خطواتها شبه ركضًا باتجاه الدرج وتصعد بسرعة دون اكتراث لصوت جلال من خلفها وهو يأمرها بالتوقف. لكنها لم تهتم وتابعت صعودها بغضب شديد أصبح يستحوذ عليه هو أيضًا بسبب تجاهلها له. بتلك الأثناء كانت جليلة تجلس بصالة المنزل بالأسفل ورأت حالة الثوران والاستياء المستحوذة على ابنها وزوجته فغضنت حاجبيها بحيرة لكنها ظلت مكانها وفضلت عدم التدخل الآن ولاحقًا تسأله ماذا حدث معهم!.
فتحت فريال الباب ودفعته بعنف لتدخل ثائرة لغرفتها ووقفت بمنتصف الغرفة وهي تجوب بضع خطوات يمينًا ويسارًا عاقدة ذراعيها بخصرها ووجهها عبارة عن جمرة من النيران المشتعلة. دماؤها تغلي في عروقها من فرط السخط والغيرة وعقلها لا يتوقف عن تذكر لحظة دخولها عليهم وهي ممسكة بيده بحميمية وقريبة منه بقدر خطير. ربما لو تأخرت قليلًا كنت ستدخل وستجدها تعانقه وبين ذراعيه.
دخل جلال خلفها بعدما وصل وأغلق الباب ثم اندفع نحوها يصيح منفعلًا:
"أنا مش بنده عليكي."
لم تبالي بصياحه ولا غضبه حيث استدارت له ورمقته شزرًا وهي تقول بغيرة حارقة تعيد عبارة منيرة بسخرية:
"لساتني في حكم مرتك ياچلال.. كنت خدتها معاك على الشقة بالمرة كمان طالما لساتها مرتك."
أظلمت عينيه بشكل مخيف وصاح بها في صوت رجولي هادر بعدما فهم تلميحها القبيح:
"فــريـال.. چرا إيه لمي لسانك واقفلي خشمك ده."
لم تكترث وظلت ثابتة أمامه كالصخر تطالعه بشموخ وقوة وتكمل صياحها الغاضب ونظراتها تشتعل أمامه:
"اسكت ليه ماهو أنا عاد ممكفيكش وعشان إكده اتچوزت عليك."
رفع جلال يده لشعره يمسح عليه نزولًا لوجهه وهو يتأفف بعصبية محاولًا تمالك انفعالاته القاسية ورد عليها بهدوء متصنع:
"بلاش الكلام الفارغ ده واعقلي ياست البنات."
استرسلت فريال بصياح مرتفع:
"مش هعقل ياچلال أنتوا جننتوني خلاص، ده أنا كان ناقص ادخل الاقيكم بتحبوا في بعض وماخدها في حضنك، كنت رديتها، مردتيهاش ليه!"
فقد أعصابه ولم يتمكن من البقاء ساكنًا وهادئًا أكثر من ذلك أمام كلماتها السخيفة التي تثبت أنها ليست واعية لما تتفوه به وصرخ بها بصوت نفضها بأرضها:
"فريال اقسم بالله كلمة كمان وهتزعلي مني صُح وقتها، مش كفاية الفضايح اللي عملتوها ليا في المعرض قصاد الخلق والرچالة كله."
رفعت يدها تشير على نفسها تحديدًا عند صدرها بسبابتها صائحة بصدمة وغضب:
"فضايح!!.. أنا اللي عملتلك فضايح!.. خليك فاكر زين أن أنت اللي اديتها وش وخليتها تتچرأ إكده عليك وتعمل فضايح في شغلك مش أنا يامعلم چلال."
لم تترك له فرصة ليجيبها حيث استرسلت حديثها بشراسة جديدة عليها وهي تقترب منه أكثر وتقف أمامه مباشرة تهتف بنبرة منذرة:
"أنا معدتش فريال القديمة ياچلال اللي هتسكت مغلوبة على أمرها وتاخد عيالها وتهمل البيت وتمشي تروح على بيت ناسها عشان خاطر خرابة بيوت، ده بيتي وبيت عيالي وأنت چوزي ومش هسمح لمخلوق يخرب عليا ويفرقني عن عيالي وچوزي، محدش يقدر يدوسلي على طرف من إهنه ورايح ولا حتى أنت، احذر مني ياچلال وصدقني المرة دي مفيهاش سماح وهاخد عيالي ومش هتعرفلي طريق واصل."
توقفت عن الحديث للحظة وراحت تتفحص ملامحه ترى تأثير ما قالته على وجهه وكما توقعت بالضبط كان يحدقها مذهولًا دون أن يتفوه ببنت شفة. تراجعت خطوة للخلف وهي تنظر له بكل عنجهية وتابعت بلهجة محذرة:
"اوعاك تفكر لسانك يخاطبها تاني لمجرد كلام بس ولا حتى بالنظرات، أنا المرة دي چبتها من شعرها بس المرة الچاية هتشوف بعينك الفضايح على حق يا أبو معاذ."
أنهت أخيرًا وصلة تحذيراتها وتنبيهاتها الجادة عليه، وتركته مكانه متسمرًا بذهول لتذهب للحمام حتى تبدل ملابسها وتأخذ حمامًا دافيء. فاق من صدمته على صوت صفع باب الحمام فراح يحدق به بعدم استيعاب محاولًا تصديق أن ما حدث للتو كان حقيقة وليس مجرد تخيلات عبثية. هل تلك المرأة غريبة الأطوار كانت حقًا فريال زوجته؟!!.. حتمًا هذه تحولات مؤقتة نابعة من هورمونات الحمل وستعود لطبيعتها قريبًا، أو ربما أخذت بعض النصائح من شقيقته كيف تصبح مثلها وهي الآن تنفذ النصائح!.
تحرك واقترب من الفراش ليجلس فوقه ويدفن وجهه بين راحتي كفيه وهو يزفر بقوة ويمسح على وجهه ولحيته بعنف في خنق. ليرفع رأسه بعد لحظات طويلة نسبيًا بعدما أعاد في عقله كلماتها التهديدية له وطريقتها الغريبة ليقول بقلق:
"أن شاء الله يكون ده برنامچ الكاميرا الخفية."
***
داخل منزل ابراهيم الصاوي.......
علقت إخلاص نظرها على باب المنزل فور دخول ابنها منه. ألقى عمران السلام على أمه وقاد خطواته باتجاه الدرج قاصدًا غرفته بالأعلى لكن أوقفه صوتها القوي وهي تسأله بعين شيطانية:
"مرتك وين؟"
غضن عمران حاجبيه بتعجب والتفت بجسده نحوها ليجيب بغلظة:
"كيف وين يعني.. هي مش قاعدة في اوضتها فوق؟!!"
ابتسمت إخلاص بسخرية وهبت واقفة من مقعدها لتتقدم نحو ابنها وتقول بغل:
"مرتك طلعت من الصبح ووقفت قصادي بعين قوية وتقولي أنا چوزي عارف ومحدش له حكم عليا."
تقوست ملامح وجه عمران وظهر الغضب البسيط في نظراته وهو يهتف:
"طلعت راحت وين؟"
إخلاص باستهزاء:
"إذا كان أنت مش عارف مرتك راحت وين هعرف أنا كيف!"
أظلمت عيني عمران وظهرت شرارات الجموح المخيف. ثم رفع كفيه يمسح على شعره نزولًا لوجهه ولحيته ويهتف بعصبية مجيبًا على عبارة أمه المثيرة للأعصاب:
"أنتي عاوزة إيه يعني دلوك ياما.. عاوزاني أطلقها عشان ترتاحي؟!"
لمعت عين إخلاص بوميض شيطاني وقالت بتمنى:
"ياريت ياولدي.. أنا من البداية مكنتش راضية عن الچوازة دي من أساسه ولا البت دي تنفع ليك ولا تليق بيك.. ياريتك تسمع كلامي وتتچوز."
صاح عمران منفعلًا:
"بزيادة عاد ياما.. مش عاوزاك تفتحي الموضوع ده تاني واصل.. ده بدل ما تفرحي أن مرتي حامل وقريب هتشيلي ولدي عاوزاني اطلقها!"
ألقت بقنبلتها الأخيرة وهي مدركة تمامًا مقدار الدمار الذي ستحدثه خلفها وأنها ربما ستشهد على التحول الحقيقي لابنها:
"افرح لما يكون ولدي متچوز واحدة ممشيها على كلمته مش هي اللي ممشياه وملبساه العمة وبتطلع وتدخل على هواها وهو حتى مش عارف راحت وين.. ولدي المعلم عمران الصاوي اللي كل بيهابه مرته سيقاه وراها."
اكفهرت معالم وجه عمران ورأت بشائر لطوفان مرعب في عيناه. بينما عمران فحاول تمالك أعصابه أمام أمه وقال بصوت محتقن وخافت لكنه مرعب:
"معلم إيه عاد ياحچة إخلاص بعد اللي قولتيه هو أنتي خليتي فيها معلم ولا غيره.. ما أنا راچل **** ومرتي سيقاني وراها كيف الحريم مش هو ده قصدك."
سكنت إخلاص للحظة وهي تلوي فمها بضيق من نفسها ثم ردت محاولة تصحيح كلماتها القاسية:
"قطع لسان اللي يقول عليك إكده ياولدي ده أنت راچل وسيد الرچال كلهم.. أنا بس مش عچباني مرتك ولا راضية عن چوازك وعاوزالك واحدة تليق بيك ياحبيبي."
رقمها عمران بطرف عينيه في سخرية وانزعاج شديد قبل أن يتركها دون أن يتفوه ببنت شفة ويصعد المقعد قاصدًا غرفته وهو يشتعل بنيران الغضب وداخله يتوعد لزوجته بعقاب عسير. فما لم تنله أمه سيكون من نصيبها هي.
***
كان عمران كجمرة من النيران المتأججة يجلس على مقعد عريض وكبير بالغرفة ويحاول الاتصال بزوجته لكنها لا تجيب على اتصالاته. مما ساعد على تفاقم الموقف الناري وزاد من جموحه الداخلى تجاهها. وبالطبع كان هناك دور لأمه في توتر الأجواء وزرع الغضب الهادر في ثناياه.
هب واقفًا من مقعده وهو يمسح على شعره نزولًا لوجهه مصدرًا تأففًا قوي وزفيرًا ناري. وعيناه عالقة على الهاتف الذي يستمر في الرنين دون إجابه منها وكأنها تتعمد أن تثير جنونه أكثر لتزيد من فرصة حصولها على باقة جيدة من الانفجارات القاتلة عند عودتها. بدأت معالم وجهه تتبدل للأسوء وأظلمت عينيه بشكل مريب. لكن كل هذا لم يكن سوى مجرد بداية صغيرة وما قادم سيكون حقًا مرعب.
ارتفع رنين هاتفه برقم مجهول وظن أنها زوجته فراح يجيب ثائرًا عليها لكن أتاه صوت رجولي يهتف بغلظة:
"كيفك يامعلم عمران."
رفع حاجبه متعجبًا وأجابه بهدوء يتنافى مع وضعه الحالي:
"مين؟"
هدر الطرف الآخر بكل ثقة ولهجة تحذيرية تظهر الغضب والوعيد الحقيقي:
"مرتك كانت في بيتي ولسا يدوبك ماشية، انا متصل أقولك بس عقلها وأمسك لچام مرتك زين وخليها تبعد واصل عن خلود وملهاش صالح بيها عشان لو شفتها بتحوم حوالين مرتي تاني مش هيحصل طيب يامعلم."
لم يمهل عمران الوقت ليجيب عليه حيث أنهى كلامه واغلق الاتصال. فراح عمران يحدق في شاشة الهاتف مذهولًا وهو يشتعل وكانت تعابير وجهه بالضبط كبركان تفوح حممه البركانية على سطحه. أخذ يلفظ السباب والألفاظ النابية ناعتًا بها ذلك الوغد على تجرأه بتهديده بزوجته وعبارته الشيطانية المتعمد بها إثارة جنونه وهو يخبره بأنها كانت في منزله. يبدو أن اليوم لا يحالف حظ آسيا على الإطلاق وستشهد على نهار كاحل تمامًا كظلام ليلة بلا نجوم أو قمر حتى.
عاود الاتصال بها مجددًا ومن سوء حظها أنها أجابت هذه المرة، فقد ظلت تحدق في شاشة الهاتف بتردد تخشى أن تجيبه دون أن يكون لديها سبب مقنع تفسر به خروجها. فهو بالتأكيد عاد للمنزل ولم يجدها. رغم أنها كانت تنوي العودة قبله لكن الظروف لم تحالفها وتقف منذ وقت بالشارع تنتظر سيارة أجرة ولا يوجد!
بمجرد أن فتحت الاتصال وجدت قنبلة انفجرت بها وهو يصرخ:
"أنتي فين؟!"
انتفض قلبها وارتبكت بشدة وبلحظة واحدة نسيت كل ما كانت مستعدة لقوله في الكذب عليه فردت متلعثمة:
"كـ..كنت بشتري كام حاچة من السوق وراچعة ياعمران."
جز على أسنانه محاولًا التحكم بزمام انفعالاته وهو يسمع كذبها عليه وصرخ بعصبية مخيفة:
"أنا سألتك أنتي فين دلوك وعايز رد من غير كذب."
تلفتت حولها وهي تتمنى من الله أن يبعث لها سيارة لتستقل بها وتذهب من هنا. لكن الشارع كان فارغًا تمامًا وبالنهاية اضطرت أن تخبره بمكانها الحقيقي موضحة أنها لا تجد سيارات أجرة. وما ثار حيرتها أنه لم يسألها عن سبب ذهابها لذلك المكان بل بصوت بدا لها هادئًا قليلًا لكن مرعب يشير إلى الطوفان القادم بعده وبالأخص نبرة الوعيد التي كان يتحدث بها:
"خليكي عندك أنا چايلك."
كانت ستجيب معترضة لكن صك سمعها صوت صافرة انتهاء المكالمة فانزلت الهاتف من فوق أذنها وهي تحدق به مندهشة وبثناياها توتر حقيقي. عقلها يطرح أسئلة كثيرة لكن كلها تدور في حلقة واحدة دون العثور على إجابة لها. أثرت أخيرًا البقاء كما أمرها وانتظار جحيمها.
***
توقف بلال بسيارته تحديدًا أمام أحد المحلات الكبيرة القريبة من منزل خليل صفوان. ونزل متجهًا للمحل لشراء بعض الأشياء وبينما اقترب وكان على وشك الدخول أوقفه صوت طفيف منبعث من الشارع الجانبي المجاور للمحل حيث يقطن منزل خليل. وعندما دقق سمعه تعرف على صاحب الصوت وكان على يتحدث في الهاتف ولم يسمع سوى عبارة واحدة يقول فيها:
"طيب يابوي متقلقش أنا چاي دلوك."
تحرك بلال بسرعة ليستطيع رؤيته فوجده يستقل بسيارته وينطلق متجهًا لأبيه. فعاد بلال مسرعًا لسيارته يستقل هو أيضًا بها ويلحق به متعقبًا إياه.
رواية و بالعشق اهتدي الفصل الثاني 2 - بقلم ندى محمود توفيق
شعورها وكأن الطريق لا ينتهي، كان نابعًا من اضطرابها الملحوظ. رغم أنها لم تشعر به أثناء قدومها، لكن الآن وهي معه وفي طريقهما للمنزل، كان الوقت يمر ببطء شديد. تستمر في اختلاس النظرات السريعة، محاولة اختراق عقله ومعرفة ما يدور بداخله وما سبب سكونه المريب هذا. هو لم يتفوه بكلمة منذ أن استقلت السيارة، وهذا لا يزيد من فضولها إلا الارتباك. لكنها حاولت الثبات كعادتها، وكأنها لا تبالي بحالته المخيفة.
وراحت تسأله بصوت خافت:
"أنت ساكت إكده ليه؟"
تجاهل سؤالها كأنه لم يسمعها، ولم يرفع نظره عن الطريق أمامه للحظة واحدة، مما جعلها تلوي فمها بضيق من تجاهله لها. وعادت تهتف بنبرة أكثر وضوحًا هذه المرة:
"عمران أنا بكلمك!!"
التفت لها هذه المرة، ورمقها بأعين بثت التوتر في صدرها، جعلت من تعابير وجهها التي كانت متشبعة بالثقة تتخبط وسط انفعالات توترها المختلفة. ونبرته المتوعدة وهو يقول:
"وأنا سامعك.. يستحسن مسمعش حسك واصل لغاية ما نوصل، وفي البيت لينا حساب ووقتها هعرف ارد عليكي زين."
ابتلعت في جوفها أي كلمة أخرى كانت تنوي قولها بعد عباراته، وامتثلت الصمت كما أمرها. فهذا ليس الوقت ولا المكان المناسب لجدالهما.
دقائق أخرى مرت في صمت مريب بينهم حتى وصلوا للمنزل. وسبقته هي بالخروج من السيارة والإسراع للداخل، وكان هو يلحق بها. لكن أوقفها صوت إخلاص وهي تبتسم بسخرية وتردف بحقد:
"على أخر الزمن بقى عندينا حريم بتطلع وتدخل على هواها من غير علم ولا أذن جوزها، وكمان بتكدب وتقول أنا جوزي عارف."
صرت آسيا على أسنانها بغيظ، واستدارت نحو إخلاص تطالعها بنارية هاتفة:
"الكدب ده صح يتقالي لما اكدب على حد ليه حكم عليا.. لكن أنتي ملكيش حق يا حجة إخلاص."
خرج صوت عمران من خلفها وهو يصيح بها منفعلًا بحدة:
"لمي لسانك وردي زين وبأدب."
لمعت عيني إخلاص بنصر، وراحت تنظر لابنها وهي تبتسم بخزي وتقول:
"شايف بترد عليا كيف؟ أنا مش قولتلك يا ولدي دي هملت ومعدتش بتعمل حساب لحد."
اشتعلت عيني آسيا وهي تحدق بإخلاص في وعيد. ثم سمعتها وهي تهمس بضيق:
"وفوق ده كله رايح تجيب منها عيل يا ولدي. آه ياني."
يبدو أن عمران لم يسمع كلمات أمه. حيث وجه حديثه الغاضب لزوجته يقول:
"يلا قصادي على فوق."
ألقت نظرة أخيرة حاقدة على حماتها قبل أن تندفع ثائرة باتجاه الدرج، تصعد للطابق الثاني وهي كجمرة من النيران. بينما عمران فهم بالصعود خلفها، لكن أوقفته إخلاص وهي تمسك بذراعه متمتمة بخوف واهتمام مزيفين:
"براحة عليها يا ولدي، متنساش أنها حامل بردك."
ربت عمران على كفها بلطف وهو يهز رأسه بالموافقة، ثم أزاحه من فوق ذراعه واتجه للأعلى حيث غرفته. فور دخوله رأى آسيا وهي تجوب الغرفة إيابًا وذهابًا، وتأفف بقوة في عصبية شديدة. وتحولت فجأة لأخرى بعد أن كانت منذ قليل في السيارة مطيعة وخائفة. عادت لطبيعتها الشريرة والشرسة وهي تنظر له بقوة وتهتف:
"قالتلك إيه؟ خليتك توصل للحالة دي، أمك قالت إيه يا عمران وولعت الدنيا."
هتف بنبرة تحذيرية:
"وطي حسك وأنتي بتكلميني."
صرخت بانفعال شديد، متعمدة رفع نبرتها أكثر، غير مبالية لتحذيره:
"أمك اللي كانت من يومين بتتوعدلي وتقولي أنها هتخليك تطلقني وتجوزك لبت عمتك. وليه تستني؟ ما يمكن تجوزها لك وأنا لساتني مرتك. بس حط في دماغك زين يا معلم، أنا مش أختك اللي هتسكت وتسيب بيتها. كيف ما قدرت أعملها قبل كده وكنت هقتلك لو فكرت تعملها يا عمران أنت وهي. هاخد روحكم."
أثارت جنونه بعد أن كان ينوي الجدال معها بهدوء قليلًا، مراعاة منه أنها حامل. لكنها لن تترك يومها يمر مر الكرام. حيث اقترب منها وقبض على ذراعها بعنف، يهتف بصوت أشبه بفحيح الأفعى المرعب:
"وتستني ليه لما أتجوز عليكي؟ طالما لساتك مندمتيش على اللي عملتيه معايا رغم أني نسيته وعندك استعداد تكرريه. يلا وريني هتعمليه كيف؟ بس خليكي فاكرة أن اللي قصادك مش عمران القديم اللي هيسامح ويعدي الموضوع."
شعرت أن الدموع تسير في طريقها لعينيها، فردت عليه بغضب:
"أنا مش هقعد في بيت واحد مع أمك. يا أما نرجع القاهرة يا تتشتريلي شقة هنا بعيد عن البيت ده."
ابتسم لها بسخرية ورد بقسوة أصابت أعماق قلبها:
"مفيش رجوع القاهرة ولا في بيوت، وهتقعدي هنا ورجلك فوق رقبتك. ولو حسك طلع وفتحتِ موضوع البيت ده تاني، أنتي حرة."
ترك ذراعها وقال بأعين لا تحمل أي حنو أو شفقة:
"وممنوع الخروج من البيت لغاية ما تتعلمي تردي باحترام على أمي وعليا، وتعملي حساب لجوزك اللي بتطلعي وتدخلي من غير علمه."
ثم استطرد بعد لحظة من متابعته لتعابير وجهه الملتهبة وعينيها اللامعة بالعبرات:
"ولو عرفت أنك بس اتواصلتي، مجرد تواصل، مع خلود يا آسيا، مش هعمل حساب لأي حاجة بينا وهتشوفي اللي عمرك ما شوفتيه مني. روحتك بيت الـ**** ده النهاردة عشان تشوفي بت عمك ومن غير إذني. خلصت رصيدك عندي وهعديهالك بمزاجي."
استدار بعدما أنهى عباراته واتجه لخارج الغرفة ليتركها. لكنه بعد أن تمسك بمقبض الباب وجذبه عليه ليفتحه، توقف والتفت لها وقال بجفاء:
"احمدي ربك أنك حامل في ولدي، وهو اللي منعني عنك. لولاه كنتي شوفتي أنا هعمل فيكي إيه على روحتك بيت الـ*** ده وكدبك عليا."
انهارت قواها وسقطت دموعها المتحجرة فوق وجنتيها دون أن تجيب عليه بكلمة. كانت أذنها تتلقى السهوم المسمومة التي تخرج من بين شفتيه دون رحمة، لتصيب وجدانها بلا هوادة. وتستمر عبارته الأخيرة في التردد على مسامعها كالشريط الذي يعيد نفسه، وهو يخبرها أن لولا ابنه لكان فعل وسوى بها. وسؤال واحد تطرحه على عقلها: ماذا كان سيفعل لي لولا حملي؟ هل أصبح لا يهتم لأمري لهذه الدرجة التي تجعله مستعدًا لفعل أي شيء لي!
توقف بلال بسيارته مضطرًا بسبب إشارة المرور، وكانت سيارة "علي" متخفية بين السيارات أمامه وبالكاد يراها بصعوبة. ثوانٍ معدودة وانفتحت الإشارة، وبدأت السيارات كلها بالانطلاق. ولسوء حظ بلال أن السيارة التي كانت أمامه يبدو أنها عطلت، وكان صاحبها يحاول التحرك لكن دون فائدة. فـتأفف بلال بخنق، وبسرعة حاول الانحراف على الجانب للمرور. وخلال ذلك الوقت، كانت سيارة "علي" اختفت من أمامه وفقد أثرها. فراح يضرب المقود بيده بقوة وهو يصرخ بعصبية:
"اووووف."
ارتفع صوت رنين هاتفه الصاخب، وتجاهله. لكن الرنين استمر في أزعاجه أكثر، بجذب الهاتف ورد منفعلًا دون أن يتفقد اسم المتصل أولًا:
"خير؟!"
اتسعت عيني حور بفزع من صياحه بها، وراحت تغضن حاجبيها وهي تجيبه بضيق بسيط:
"إيه يا بلال؟ بتزعقلي كده ليه؟"
هدأت حدة ملامحه فور سماعه للصوت الأنثوي الذي يحفظه عن ظهر قلب. وبسرعة رفع سماعة الهاتف عن أذنه وهو يمسح على وجهه متأففًا، وفي ظرف ثوانٍ حدث كل هذا قبل أن يعود بالهاتف لأذنه ويجيب عليه بحنو يختلف كليًا عن نبرته منذ قليل:
"آسف يا حبيبتي، مأخدتش بالي إنه انتي.. أصل كان في رقم قارفني فرديت على التليفون أول ما رن وافتكرته هو."
صك سمعها كلمة "حبيبتي" التي يلفظها لأول مرة وهو ينعتها بحبيبته، فتوردت وجنتاها بخجل، وارتفعت البسمة السعيدة لثغرها وهي ترد متنحنحة باستحياء:
"احم.. طيب أنت فين بقى؟ أنا ليا وقت طويل مستنياك، زهقت."
ضيق عينيه بدهشة وهو يردد في عدم فهم:
"مستنياني؟!"
لحظات من الصمت مرت بينهم على الهاتف، حتى صدح صوت حور الغاضب عندما توقعت ما حدث:
"بلال متقولش أنك نسيتني وأنا قاعدة كل ده مستنياك في الكافيه!"
سكت لثوانٍ وهو يحاول تذكر أي كافيه. وباللحظة التالية كان يرفع يده ويضرب على وجهه فور تذكره أنهم كانوا على اتفاق حول مقابلتهم في ذلك الكافيه ليتحدثوا في بعض الأمور المهمة الخاصة بخطبتهم التي بعد يومين. كيف نسي الأمر وتركها تنتظره كل هذه الوقت؟ فقد مر ساعة تقريبًا على الموعد المتفق عليه.
أسرع وحاول تفادي الموقف بالكذب عليها وهو يقول:
"لا نسيت إيه بس أنا كنت في شغل ومعرفتش أطلع وجايلك دلوقتي. حتى أنا في الطريق أهو."
صاحت حور بعصبية وحزن:
"متكدبش عليا يا بلال، أنت نسيتني ومتجيش. أنا أصلا خلاص همشي، يعني لو جيت مش هتلاقيني."
هتف مسرعًا يحاول تدارك الأمر حتى لا يزداد سوءًا:
"حور استنى والله اااا....."
لم تمهله الفرصة ليعتذر أو حتى يحاول تبرير موقفه، حيث أغلقت الاتصال في وجهه قبل أن ينهي عبارته. فتوقف هو عن الحديث عندما سمع صافرة إنهاء الاتصال، وأنزل الهاتف من على أذنه وهو يزفر بخنق ويتأفف متمتمًا:
"غبي يا بلال.. ورينا هتصالحها دلوقتي كيف عاد."
حاول الاتصال بها مجددًا لأكثر من مرة، وكل مرة كان ينتهي الرنين بنفس النتيجة وهي عدم الرد. فتنهد الصعداء بيأس مردفًا:
"حقها متردش عليا. هترد على واحد حلوف مشاعر ليه.. سايبها ملطوعة بالساعة مستنياه وهو ناسيها أصلا.. شيل شيلتك يلا يا برنس."
داخل منزل خليل صفوان.....
كان جلال يجلس مع الجد حمزة بغرفة الجلوس ويتحدثون ببعض الأمور الهامة. حتى قطع حديثهم الجاد اقتحام أولاده الاثنين الغرفة وهم يهتفون مع بعضهم في نفس واحد:
"الحق يا بوي."
التفت كل من جلال والجد مفزوعين على أثر صوت الأولاد وهتف جلال مسرعًا بقلق:
"في إيه؟"
رد عمار الصغير بوجه مذعور وعابس:
"أمي تعبانة وبتبكي جامد."
هب جلال واقفًا بتلهف، وأسرع باتجاه أولاده ينوي الذهاب لزوجته وهو يسألهم:
"تعبانة كيف يعني؟ إيه اللي حصلها؟"
هزوا هما الاثنين كتفهم بجهل، بينما جلال فكان في طريقه لغرفته بالأعلى وهم خلفه يبادلوه نفس التلهف على أمهم. فور وصوله رأى فريال تجلس فوق فراشها وغارقة في بكائها الشديد. فهرول نحوها مفزوعًا وجلس بجوارها ليلتقط كفها يتحضنه بين كفيه بدفء متمتمًا:
"مالك يا حبيبتي؟ أنتي زينة؟"
رمقت فريال أولادها الذين يقفون على بضع سنتيمترات من فراشها بكل غضب وصاحت:
"بتندهوا أبوكم ليه؟ أنا مش قولتلكم متندهوش وأنا زينة."
لوى الأولاد فمهم بحزن، بينما جلال فهتف باستغراب من انفعالها غير المبرر على الأولاد:
"في إيه يا فريال؟ العيال قلقوا عليكي وجوا يندهوني. إيه يعني!؟"
رمقته بنارية وقالت بغيظ:
"جوا كتير.. قومي من جنبي وهملني لحالي، أنا كويسة."
ارتفع حاجب جلال بدهشة من أسلوبها الفظ في الحديث معه وأمام أطفالهم، فقال بلهجة تحذيرية:
"بلاش الجنان ده يا فريال قصاد العيال واعقلي."
طالعته بشراسة وهي تجيب ساخرة دون مبالاة:
"هو أنت خليت فيا عقل؟ ما أنت اللي جننتني بعمايلك."
مسح جلال على وجهه وهو يتأفف مستغفرًا ربه، ثم التفت نحو أولاده وحدثهم بلهجة آمرة:
"يلا يا معاذ أنت وعمار اطلعوا كملوا واجبكم في أوضتكم."
دامت نظرات الأولاد المتفحصة لأمهم وأبيهم لثوانٍ، قبل أن يزموا شفتيهم وبيأس ويمتثلوا لأمر والدهم ويغادروا الغرفة ليتركوهم على انفراد. وبمجرد رحيلهم، توقف عمار وقال محدثًا أخيه بخنق:
"هما هيتخانقوا تاني يا معاذ، صح؟"
هز معاذ رأسه بالإيجاب بن عبوس ردًا على سؤال أخيه الصغير الذي تابع بخوف:
"تفتكر أمي ممكن تمشي وتهملنا وتهمل البيت تاني؟"
اتسعت عيني معاذ هو الآخر بدهشة ورعب لمجرد تخيل الفكرة، وراح يهز رأسه بالرفض بثقة:
"لا لا أمي مش هتهمل البيت تاني خلاص. منيرة معدتش قاعدة."
رفع عمار أنامله وهو يحك ذقنه الذي لم ينبت بعد، ويرد بتفكير شيطاني لا يناسب عمره أبدًا:
"وإحنا إيه اللي يضمنلنا أنها متهملش البيت وتسيبنا إحنا وأبوي تاني؟"
مط معاذ شفتيه بجهل متمتمًا بتفكير:
"مش عارف.. نعمل إيه يعني؟"
ابتسم عمار بخبث وأشار لأخيه الأكبر أن ينحني عليه بسبب فرق الطول بينهم، لكي يهمس في أذنه:
"قرب هقولك في ودنك هنعمل إيه!"
انحنى عليه معاذ يصدر له أذنه، ليبدأ عمار بسرد خطته على أخيه، الذي ارتفعت ابتسامة الماكرة على ثغره وهو يسمع لأخيه الصغير اللئيم، ويبدو أن الخطة قد نالت استحسانه.
بالداخل، عودة لجلال وفريال. كان يهتف هو منزعجًا:
"جرالك إيه يا فريال؟ إيه اللي حصل؟"
فريال بغيظ وهي تعقد ذراعيها أسفل صدرها وتقول:
"وهو أنت عايز يحصل حاجة جديدة يعني؟ لسه في اللي حصل الصبح في المعرض."
رد جلال بنفاذ صبر:
"لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.. هو إحنا مش قفلنا الموضوع ده خلاص يا بنت الناس، وإنتي قولتي اللي في نفسك ومنيرة دي خدت نصيبها مني وراحت لحالها."
التفتت له فريال ورمقته شزرًا صائحة بغيرة حارقة وانفعال:
"أنا مقفلتش حاجة. وبعدين إيه خدت نصيبها دي؟ آه ماهي خدت نصيبها صح، وكانت متمسكة في إيدك كده وبتترجاك عشان تردها."
أنهت عبارتها الأخيرة وهي تمسك بكفيه بنفس الطريقة التي كانت تمسكهم بها منيرة، لكن هي فعلت بقوة وغل. فسحب هو كفيه من قبضتها متمتمًا بضيق:
"وبعدين عاد يا فريال؟ أعملك إيه عشان نقفل على السيرة الغم دي؟ إنتي شايفاني مبسوط باللي حصل يعني؟"
اقتربت بوجهها من وجهه وتطلعت في عينيه بتدقيق، وكأنها تضعه تحت الضغط حتى يعترف دون مراوغة، وهتفت باستياء:
"ولما أنت كنت مضايق ومش مبسوط سبتها تمسك إيدك ليه؟ وكمان مش عاجبك لما جبتيها من شعرها وزعقتلي؟"
جلال مبررًا موقفه بانزعاج حقيقي:
"زعقتلك عشان اللي عملتيه ده فضايح وفي مكان شغلي. لو كان هنا في البيت مكنش هيهمني حتى لو حطتيها تحت رجلك وطلعتي كل غلك فيها، مش جبتيها من شعرها بس ومكنتش هفتح خشمي."
أشاحت بوجهها عنه للجهة الأخرى ترد بتذمر:
"برضه مش مبرر."
تنهد الصعداء بقلة حيلة ورد عليها بازدراء:
"طب إنتي عايزة إيه دلوقتي عشان ترتاحي؟"
التزمت الصمت ولم تجيبه، لكن عدم إجابتها لم يكن غضبًا، بل كان لأنه لا يوجد إجابة من الأساس لديها. وعندما لم يجد ردًا منها على سؤاله، قال معتاظًا منها:
"شوفتي؟ إنتي حتى معندكيش رد. يعني كل اللي بتعمليه ده لمجرد النكد وخلاص."
التفتت نحوه وردت بعناد تتحداه:
"لا عندي رد."
تطلع في عينيها بترقب ينتظر ردها الذي تتدعي أن لديها. طال سكوتها وهي تحاول إيجاد رد أو شيء يرضيها، لكنها حقًا كما وصفها، ما تفعله نكد لا أكثر، نابع من غيرتها المفرطة عليه. فزفر مغلوبًا منها واستقام واقفًا وهو يمسح على شعرها بلطف متمتمًا:
"نامي يا فريال وارتاحي. ربنا يهديكي يا حبيبتي."
تابعته بنظره العابس وهو يغادر الغرفة مجددًا ليتركها بمفردها تشتعل وهي تنعت نفسها الحمقاء وتهتف مغتاظة:
"كيف يعني أنا معنديش رد لحاجة زي كده؟ كنت طلبت منه أي حاجة.. أديني طلعت أنا اللي نكدية دلوقتي."
بتمام الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل داخل منزل سمير.....
بينما كانت خلود تقف بالمطبخ تقوم بتنظيف بعض الصحون، سمعت صوت رنين هاتف زوجها النائم. استمر الرنين للحظات وانتهى دون أن يجيب عليه، فقد كان غارقًا في النوم بسبب عمله الجديد الذي يستهلك طاقته كلها. وربما هذا كان في صالحها، لأنه بهذا الشكل سترتاح قليلًا من جلسات التعذيب التي تتلقاها يوميًا على يده.
صك سمعها صوت وصول رسالة على هاتفها، ولا تعرف لماذا قادها فضولها الذهاب ورؤية تلك الرسالة ومعرفة من أين جاءت. فتحركت باتجاه غرفته ودخلت. كان هو نائمًا في فراشه. اقتربت منه وانحنت على هاتفه لتجذبه وتقرأ الرسالة التي كانت من تلك الفتاة التي تأتي معه للمنزل دومًا، تكتب له بكل وقاحة:
"أنت فينك يا حبيبي؟ مش بترد عليا ليه؟ أنت وحشتني أوي وأنا كنت مجهزالك ليلة حلوة النهارده. لو مش فاضي أو تعبان، رد عليا وقولي وأنا أجلك أهون عنك شوية."
تقوست معالم وجه خلود للاشمئزاز والنفور من نفسها وهي تتساءل كيف كانت تحب ذلك الوغد وخسرت كل شيء بسببه. ليت أهلها قتلوها ولم يزوجوها له.
لم تنتبه له عندما فتح عينيه ولمحها تقف بجوار فراشه ممسكة بهاتفه. فاشتعلت نظراته وجذب الهاتف من يدها وهو يصيح بها:
"بتعملي إيه؟!"
نظرت له ولأول مرة تتطلعه بقرف دون خوف. حتى الأمس هي كانت تأمل أن يصلح حاله يومًا ما ويعود ذلك الرجل الذي أحبته. لكنها أدركت أنها كانت تعيش على سراب ووهم لن يحدث حتى في أحلامها، فمن اتصف بالقذارة لن تنظفه الحياة مهما فعلت به.
هتفت ساخرة باشمئزاز واضح على معالمها:
"حبيبة القلب كانت بتتصل بيك، شوفها شكلها محتاجاك قوي وانت اتوحشتها."
هب سمير واقفًا من فراشه وهو يصرخ بها جاذبًا إياها من ذراعها بعنف:
"أنتي بتقلبي في تليفوني كمان يا ****."
لم ترد على إهانته الصريحة لها بلفظ دنيء مثله. ورغم علامات الألم البادية على وجهها من قبضته فوق ذراعها، إلا أنها ظلت واقفة بشموخ، وكأنها هذه المرة تستعد لجلستها اليومية بكل حفاوة. متيقنة أنه عقابها على أفعالها وعلى الانغماس في المحرمات مع ذلك السافل، وهي الآن تنال العقاب الذي تستحقه. وبالفعل، لم يتأخر كثير قبل أن ينزل بكفه على وجنتها يصفعها بكل عنف ويجذبها من شعرها صارخًا بها:
"إنتي شكلك بنت عمك قوة قلبك وخليتك تنسي نفسك. بس أنا هفكرك إنتي مين كويس يا ****."
ردت عليه بغضب وقد سالت دموعها من فرط الألم:
"إنت بني آدم مريض وأنا معرفش حبيتك كيف وضيعت نفسي وأهلي عشانك. ياخي حسبي الله ونعم الوكيل فيك."
نزل بصفعة أخرى على وجنتها أسقطتها أرضًا وهو يصرخ بها:
"كمان بتحاسبني فيا؟ طب أنا هربيكي من أول وجديد."
ارتفع صراخها وهي تحاول دفعه بعيدًا عنها والفرار من بين براثنه عندما وجدته يحاول الاعتداء عليها جنسيًا. لكن قوتها الضعيفة كانت لا تقارن بقوته الجسمانية الرجولية والقوية التي أخمدت مقاومتها وأخرست صوتها رغمًا عنها، حتى لو استمر قلبها في الصراخ من الداخل، لكن صوتها لم يعد يستطيع الخروج بعد الآن، وعيناها فقط التي كانت تملك حرية ذرف الدموع.
داخل منزل إبراهيم الصاوي تحديدًا بغرفة عمران...
كانت تجلس فوق الفراش وتضم ساقيها لصدرها وتحتضن قدميها بذراعيها. وعيناها تدور في أرجاء الغرفة الفارغة بعبوس. وجهها يملؤه الحزن والندم على شجارهم معًا بالصباح وما تفوهت به من طيش، رغم معرفتها أنها على خطأ ولا يحق لها قول شيء سوى الاعتذار منه. لكنها استمرت في الكبر ورفضت الخنوع أمام خطئها.
ربما لو لم يتركها لتقضي هذه الليلة بمفردها في الغرفة.. لم تكن لتندم على فعلتها. ورغم ندمها، إلا أن كلماته القاسية لا تزال عالقة بذاكرتها وتؤلم قلبها. وهذا ما يجعلها حتى الآن ترفض الاعتذار، ففكرة أنه أيضًا جرحها بما قاله تعزز من شعور الاحتجاج عن أخذ الخطوة اللازمة لتصحيح خطئها. وأصبحت تنتظر منه هو أن يرضيها.
لكن ذلك لم ينجح في كبح ذلك الصوت العاشق الذي في قلبها ويلح عليها بالذهاب له. فوجودها بمفردها في تلك الغرفة دونه كان يثير في نفسها مشاعرًا متضاربة ما بين الخنق والملل والشوق. استجابت لصوت قلبها واستقامت واقفة وارتدت ملابسها الفضفاضة وحجابها وخرجت من غرفتها متجهة نحو الدرج المؤدي للطابق الثالث، حيث تكمن غرفته الصغيرة المفضلة والتي بالتأكيد يقضي ليلته فيها.
وصلت ووقفت أمام الباب لثوانٍ مترددة، ثم حسمت قرارها في النهاية وفتحته بكل بطء. لتدخل رأسها أولًا تلقي نظرة فاحصة في الغرفة باحثة عنه، فوجدته نائمًا على الأريكة الصغيرة مقارنة بحجم جسده، وبالتأكيد ليست مريحة كفراشه. أصدرت تنهيدة حارة في أسر ودخلت على أطراف أصابعها وبكل حذر أغلقت الباب خلفها، وتقدمت نحوه حتى أصبحت أمام الأريكة مباشرة فانحنت عليه ودثرته بالغطاء جيدًا. ثم أخذت نفسًا عميقًا وراحت تجثو على الأرض بجوار الأريكة مستندة بساعديها على طرفها وعينيها عالقة عليه تتأمل ملامحه الرجولية المهيبة. للحظة، فقدت السيطرة على نفسها وتأملها له ولوجهه أثرها وأصبحت كالمغيبة، للدرجة التي لو فاق الآن لتوسلته أن يغفر لها ذلتها ولا يوليها ظهره ويحرمها من دفء صدره وحبه.
ظلت جالسة بجوار رأسه لدقائق طويلة، وعندما هبت واقفة واستدارت كانت تنوي الرحيل، سمعت صوته الناعس يسألها بعدما فتح عينيه ورآها:
"بتعملي إيه هنا؟"
لوت فمها بحزن والتفتت له تجيب بنظرة ثاقبة:
"جيت أشوفك إذا كنت نايم هنا ولا سبت البيت واصل."
وضع ذراعه فوق عينيه وشاح بوجهه عنها وهو يجيبها بعدم اكتراث مكملًا نومه:
"واديكي شوفتي انزلي يلا على أوضتك."
كانت سترحل، لكنها سرعان ما غيرت خطتها وردت عليه بوجه مرهق:
"مش عايزة أقعد في الأوضة."
رد عليها ساخرًا غير متوقعًا للرد الذي سيسمعه منها:
"امال عايزة تقعدي وين؟"
ردت بثقة تامة دون أي تردد:
"معاك."
رفع ذراعه عن عينيه والتفت لها يرمقها رافعًا حاجبه بنظرة قوية، لتتابع هي مفسرة رغبتها في وجودها بجواره حتى لو كانت كذبًا ولا تقول السبب الحقيقي وهو شوقها له:
"مش عارفة أنام وبحلم بكوابيس وحشة عاملهالي قلق ورعب."
اعتدل في نومته جالسًا وهو يطالعها بحدة، مدركًا غايتها من ذلك الحديث كله. فقرر أن يقصر عليها الطريق ويسألها بوضوح:
"وإنتي عايزة إيه دلوقتي؟"
تنحنت باستحياء بسيط بعدما أدركت أنه يفهم جيدًا ما تحاول الوصول إليه، وردت عليه بخفوت دون أن تنظر في وجهه:
"عايزاك تنزل تقعد جنبي في الأوضة عشان خايفة أقعد لوحدي."
لم يدهشه ردها، فكان هذا هو المتوقع بالنسبة له، ليستقيم واقفًا من الأريكة ويتقدم منها بخطى متريثة حتى يقف أمامها مباشرة ويجيبها بسخرية عاقدًا ذراعيه أمام صدره:
"يعني إنتي عاملة المسرحية دي كلها عشان تخليني أفضل جارك وتحاولي تليني قلبي عليكي وتجري كلام ما بينا ومش هاين عليكي تعترفي بغلطك ولا تعتذري وتقولي حقك عليا أنا أسفة وكنت غلطانة."
اغتاظت بشدة من كلماته، وليس لأنه وصفها بأنها تتدعي الخوف، بل كان غيظها الأكبر نابعًا من أنه يقرأها كالكتاب المفتوح وبكل سهولة. فردت عليه بعصبية:
"أنا مش عاملة مسرحية يا عمران وبراحتك لو مش عايز تنزل خلاص، خليك هنا أنا هقعد لوحدي تحت."
أنهت عباراتها واندفعت للخارج تتركه يقف بثبات تام يتابعها. كانت تتمنى أن تسمع صوته وهو يوقفها ليخبرها بأنه سيأتي معها، لكنه لم يفعل وحطم آمالها، فعادت لغرفتها مجددًا وهي عابسة أكثر من الأول. وراحت تجلس فوق الفراش وقدميها تهتز بعنف على الأرض وعينيها بدأت في ذرف الدموع الحارقة. لكن لم يمر الكثير من الوقت حتى وجدت الباب ينفتح، فـأشاحت بوجهها بسرعة وكفكفت دموعها حتى لا يراها، وبلحظة تحول عبوسها بفرحة عندما رأته يدخل من الباب وبيده وسادته وغطاءه الذي أخذهم معه للأعلى. يبدو أن قلبه لم يطاوعه وقرر تلبية رغبتها في بقائه معها.
تابعته بنظراتها المتلهفة وكانت تنتظره أن يقترب من الفراش ليشاركها إياه، لكن وجدتـه يتمدد على الأريكة أيضًا، لتجد لسانها يتفوه دون وعي منها:
"إنت هتنام على الكنبة؟!"
طالعها بطرف عينيه ليجيبها بلهجة مستنكرة سؤالها الساذج:
"إنتي شايفة إيه! .. ولا عايزاني أنام جارك كمان عشان الكوابيس متكبسش عليكي."
تمتمت بصوت منخفض في أسى:
"يا ريت."
هتف محاولًا التقاط ما تفوهت به للتو:
"بتقولي حاجة؟"
هزت رأسها بالنفي في يأس وردت:
"لا مبقولش. تصبح على خير يا معلم."
تعمدت قول "معلم" وهي تنتظر منه ردًا مميزًا اعتادت عليه، لكنها سمعته يرد ببرود مستفز:
"وإنتي من أهله."
للمرة الثانية يدمر توقعاتها وآمالها، فراحت ترمقه مندهشة بضيق وحزن قبل أن تهمس بتلقائية جميلة:
"مقولتش ليه وإنتي من أهله يا غزالي.. للدرجادي شايل مني؟"
تململ في الأريكة ليوليها ظهره وهو يرد عليها بجفاء في عدم مبالاة:
"آه للدرجادي ونامي يلا عشان أنا عاوز أنام."
عبس ثغرها ومالت شفتيها للأسفل في حزن، ثم تأففت بخنق شديد وراحت تتدثر في الغطاء على الفراش بمفردها وهي توعد كل من كان السبب في تلك الفجوة التي بينهم.
بصباح اليوم التالي بمنزل خليل صفوان.....
استيقظ جلال من النوم مفزوعًا على أثر صوت طرق الباب القوي، وبسرعة هب واقفًا من فراشه يسرع ليفتح الباب فيجد ابنه الأكبر أمامه. حدقه بحدة وهتف غاضبًا:
"إيه الخبيط ده وإيه اللي مصحيك من دلوقتي؟"
اضطرب معاذ وخاف أبيه من غضبه وصياحه، وبلحظة كاد يفسد خطته هو وأخيه، لكنه تحلى بالشجاعة ورد على أبيه بقلق متصنع:
"عمار تعبان قوي يا بوي وبيكح جامد من الصبح."
كانت فريال في تلك اللحظات قد استيقظت وفور التقاط أذنها كلمات ابنها هبت مفزوعة وهي تسأله وتهرول نحوه:
"ماله أخوك يا معاذ؟"
هز كتفيه بجهل يجيب على أمه في خوف:
"معرفش يا أما تعالي شوفيه."
أسرعت فريال وارتدت حجابها ولحقت بجلال الذي سبقها مع معاذ لغرفة أولاده حتى يطمئن على ابنه الصغير. بينما عمار فور رؤيته لأبيه أخذ يسعل بقوة. فاقترب منه جلال ومسح على شعره يسأله بقلق:
"مالك يا عمار؟ إيه اللي تاعبك؟"
وصلت فريال وبلهفة جلست بجانب ابنها وراحت تتحسس جبينه ووجهه كله تقيس درجة حرارته، لكنها وجدت جسده باردًا. فردت بحيرة:
"ما أنت جسمك مش سخن يا حبيبي، أمال بتكح كده ليه؟"
التفتت باتجاه معاذ وسألته بغضب:
"إنتوا كنتوا نايمين على المروحة امبارح وهي عالية يا معاذ؟"
احتار فيما يجيب على أمه وتعلثم ليهز رأسه في النهاية بالإيجاب. راحت فريال توبخهم بعصبية من فرط قلقها عليهم:
"أنا مش نبهت مليون مرة متفتحوش المروحة بالليل."
مسح جلال على وجهه متأففًا وقال بصوت رجولي غليظ:
"جهزيه وخليه يلبس وأنتي كمان البسي عشان نوديه للدكتور."
تبادلوا الأثنين النظرات المرتعدة فيما بينهم فور سماعهم لرغبة والدهم في أخذ عمار للطبيب. وبسرعة رد الصغير معترضًا حتى لا يتم كشف مخططه:
"لا أنا مش عايز أروح للدكتور، مش بحبه."
ردت عليه فريال بحدة ترفض الموافقة على اعتراضه الطفولي:
"مينفعش يا عمار، لازم تروح للدكتور."
ارتمى عمار بين ذراعين أمه وراح يهتف معترضًا أكثر بطفولية:
"لا مش عايز أروح يا أما، إنتي خليكي جنبي وأنا هخف من غير دكتور."
ضيقت عينيها بتعجب وردت بحنو:
"ما أنا جنبك أهو يا عمار، يعني هو أنا هروح وين يا ولدي؟"
لمعت عيني الاثنين بفرحة وابتعد عمار بسرعة عنها ليسألها:
"يعني إنتي مش هتهملينا وتمشي كيف ما عملتي قبل كده عشان امبارح إنتي وأبوي اتخانقتوا؟"
انعقد لسان فريال وفرت الكلمات من بين شفتيها. أما جلال فقد اشتدت حدة نظراته وراح يتطلع لابنه بقوة بعدما فهم حيلته وقال:
"أه، وإنت طبعًا بتمثل المرض عشان أمك متمشيش."
أجفل عمار نظره أيضًا خوفًا وخجلًا من أبيه الذي تابع بعصبية وهو يوجه حديثه لمعاذ أيضًا:
"إيه، وإنت بدل ما توعي أخوك الصغير وتقوله ده غلط بتشاركه في الكذب واللي بيعمله، وتصحينا أنا وأمك مفزوعين من النوم. ماشي يا معاذ حسابك معايا بعدين."
كانت فريال تتابع توبيخ جلال لهم وانفعاله عليهم بصمت، فهم يستحقوا العقاب. وعندما غادر الغرفة، استقامت هي أيضًا ورمقتهم بضيق بعدما رأت العبرات قد تجمعت في عيونهم بسبب التوبيخ والصياح الذي تلقوه للتو، لتقول لهم بحزم:
"يلا روحوا اغسلوا وشكم والبسوا واجهزوا عشان متتأخروش على المدرسة."
دخلت فريال غرفتها خلف جلال واغلقت الباب، لتضيق عينيها بتعجب عندما رأته يجلس فوق الفراش وهو ثائرًا من فرط الغضب. فتقدمت إليه وجلست بجواره تقول في رقة محاولة امتصاص غضبه:
"خلاص اهدى يا جلال، هما العيال فعلًا غلطوا وأنت عرفتهم غلطهم وزعقتلهم. ملوش داعي العصبية دي كلها."
طالعها منفعلًا وهتف:
"وهما غلطوا بسبب مين يعني؟"
لم تفهم تلميحه وما يرمي إليه، فتابع هو بعصبية:
"بسبب خناقك معايا كل يوم والتاني. العيال خافوا لترجعي تهمليهم تاني كيف ما عملتي سابق ومهتمتيش بيهم. طبيعي لما يسمعوا ويشوفوا خناقنا دايمًا هيعملوا كده."
ردت بصدمة وهي تشير بسبابتها على نفسها:
"أنا هملتهم ومهتمتش بعيالي!!.. أنا عمري ما أسيب عيالي يا جلال، ولو في حد سيبته فهو إنت بسبب جوازك عليا. ولما طلبت منهم ييجوا معايا هما اللي اختاروا يفضلوا جارك."
ابتسم بمرارة وقال ساخرًا بعدما أشاح بوجهه بعيدًا عنها:
"زين إن عيالي اختاروني على الأقل وفضلوا جار أبوهم، مش كيف أمهم اللي لغاية دلوقتي عندها استعداد تهملنا تاني."
تألقت العبرات في عيون فريال التي صاحت به بانهيار وخزي:
"ليه؟ وهو أنا مختارتكش يا جلال لما سامحتك ورجعتلك؟ أنا كنت بقف قصاد ناسي عشانك، لكن إنت اللي ضيعت كل حاجة باللي عملته. آه، وأنا منعديش استعداد أسيبك إنت وعيالي تاني، لكن لو إنت عايز فالكلام هيختلف وقتها."
استقام واقفًا وهو يجيبها بنفاذ صبر وخنق:
"آه أنا دايمًا اللي وحش وظالم وإنتي الملاك."
كان يتفوه بتلك الكلمات وهو متجه للحمام تاركًا إياها غارقة في دموع عيونها التي سالت بغزارة فوق وجنتيها. فراحت تصيح عليه بقهر وصوت باكي:
"أنا كنت متأكدة إنك معدتش بتحبني كيف الأول."
سمع كلماتها من الداخل وهو يقف أمام حوض غسل الوجه وراح يهز رأسه مغلوبًا، في تعابير وجهه تدل على استنكاره وخنقه من تلك السخافة التي تتفوه بها. فستظل كما هي، لن تتغير أبدًا.
فتح بشار عينيه بخمول وهو يتأفف بسبب رنين الهاتف الذي لا يتوقف، أزعج نومه. مد يده والتقط الهاتف ليفتح ويجيب بخنق:
"مين؟"
وصله الرد أنثوي ناعم يقول بدهشة:
"إنت لسا نايم يا بشار؟"
أدرك أنها خطيبته فأجابها بنعاس مؤكدًا على كلامها:
"أيوة نايم يا مريم، حرام عليكي مصحيني من الساعة سبعة ليه؟"
ضحكت برقة وأجابته في برود تام تحثه على النهوض والاستيقاظ:
"هو مش إنت اللي قولتيلي امبارح صحيني الصبح بدري؟"
مسح على وجه وهو يزفر بنفاذ صبر ويجيبها مغتاظًا:
"قولتلك بدري بس مش من الساعة سبعة يا بنت الناس."
كتمت ضحكتها بصعوبة وهتفت بحدة مزيفة لا تليق بصوتها الهادئ:
"أيوه يدوب عشان تلحق تجهز لمشوارك. قوم يلا بلاش كسل."
بشار بخمول وخنق:
"طيب خلاص هقوم اقفلي إنتي عشان أقوم ألبس."
هتفت بحدة ضاحكة:
"بشار اوعي تنام تاني."
ضرب على وجهه بغيظ منها وهو يجيبها مغلوبًا منها:
"ياستي ملكيش صالح بيا عاد إنتي، خلصتي مهمتك لغاية هنا. لو نمت تاني هبقى أنا اللي هشيل شيلتي."
ردت بكل ثقة ولؤم:
"وإنت فاكر إني هسيبك تنام تاني أصلا."
ابتسم لا إراديًا ورد بلطف هذه المرة في نبرة جادة:
"خلاص عاد يا مريم، قولتلك فوق و وقت ومش هنام. يلا سلام."
التفتت بنعومة وهي تودعه:
"ماشي سلام ومتتأخرش النهارده عليا. هستناك لما تخلص شغلك وترن عليا تمام."
"حاضر من عيوني."
ابتسمت بساحرية بعد سماع رده ثم أنهت الاتصال، لتتركه يتجهز لعمله.
بتمام الساعة الثانية عشر ظهرًا داخل الجامعة...
كانت حور قد انتهت من محاضراتها وفي طريقها للرحيل. ولم تنتبه لذلك الجالس في الكافتيريا ينتظرها. هي حتى لم تلقِ في عقلها فكرة احتمالية وجوده. فبعدما انتهى من امتحانات سنته الدراسية الأخيرة، لا يأتي للجامعة إلا لو كان لأجلها فقط لكي يأخذها معه، أما للمنزل أو لمكان آخر.
لمحها وهي تعبر من أمام الكافتيريا وفي طريقها للخارج، فترك كوب الشاي الذي بيده فوق الطاولة وهب واقفًا يسرع خلفها. وبينما كان يسير خلفها همس بصوت لا يسمعه سواهم:
"هو الحلو مش ناوي يحن ولا إيه!"
انتفضت بفزع وبسرعة التفتت له تسأله في صدمة:
"إنت بتعمل إيه هنا؟"
رد عليها بلال مازحًا مستنكرًا سؤالها:
"مفيش، أنا لقيت نفسي زهقان فقولت أما آجي أسقي الحمامات مع عمال النضافة شوية.. هكون جاي ليه يعني يا حور؟!.. جاي عشانك."
كانت ستضحك على مزحته، لكنها حافظت على موقفها وتصنعت البرود وهي توليه ظهرها وتكمل طريقها هاتفة:
"وأنا مش عايزك تيجي عشاني. امشي يلا."
استمر في ملاحقتها وهو يهتف بمرح محاولًا كسر حاجز التوتر الذي بينهم:
"لا مهو أنا النهارده فاضي وقاعدلك، فـمشي أروح وين؟"
ردت مغتاظة وهي ترمي بتلميحاتها المشتعلة:
"آه وامبارح مكنتش فاضيلي وعشان كده نسيتني أو طنشتني."
أصبح يسير بجوارها مباشرًا وأكمل محاولاته الجميلة في نيل رضاها:
"أنا أنسى الدنيا كلها ومقدرش أنساكي والله يا حبيبتي."
رمقته بطرف عينيها بسخرية ثم أسرعت في خطواتها لتبتعد عنه وهي ترد بصوت تعمدت أن يصل بأذنه:
"منافق."
ردد كلمتها بصدمة:
"أنا منافق!!.. ماشي يا حور."
وصلوا لخارج أسوار الجامعة ومرت من جانب سيارته وعبرتها دون اهتمام. فسمعته يقول ساخرًا وهو يقف مستندًا بساعديه فوق السيارة:
"إيه ناوية تاخديها مشي على رجلك؟"
ردت عليه بعناد وغضب:
"ملكش دعوة بيا. أنا قولتلك امشي."
ظل واقفًا وهو يراقبها وعلى ثغره ابتسامة ثقة أنها لن تجد سيارة، فاليوم تكون المواصلات قليلة جدًا. كانت هي بين كل ثانية وأخرى تختبئ النظر إليه بطرف عينيها، فتجده كما هو على حاله يقف ينتظرها ويرمقها بكل ثقة أنها ستعود له مجددًا.
مر تقريبًا خمسة عشر دقيقة وهم بانتظار أي سيارة وسط الشمس الحارقة التي بدأت تزعجها بشدة وتتعبها. فا استقل هو بسيارته أخيرًا وظنت أنه سيرحل ويتركها، لكن وجدته يتحرك ويدور بالسيارة ليصبح أمامها مباشرة وينظر لها من النافذة يقول مبتسمًا بمكر:
"إنتي كده فاضلك خمس دقايق كمان وتوصلي لدرجة التحميص المطلوبة. يعني إنتي دلوقتي وشك كله قلب وبقى كيف الطماطم.. الله أعلم كمان شوية اللون الأحمر ده هيقلب على إيه. لو حابة تفضلي واقفة وتشاهدي الحدث مباشر خليكي."
جزت على أسنانها بغيظ منه، وكما توقع استسلمت والتفت حول السيارة لتستقل بالمقعد المجاور له وهي تشتعل، ليس فقط من حرارة الشمس بل أيضًا من نيران صدرها. فجذب هو زجاجة المياه الباردة التي بجواره ومدها لها يقول مازحًا:
"خدي اشربي يا قمر. ماله بس لو نسمع الكلام من الأول؟ شوفتي آخرة العناد مش حلوة كيف."
جذبت زجاجة المياه من يده وأخذت تروي عطشها حتى أوشكت على إنهاء الزجاجة. وبعدما أعادته له، شرب هو أيضًا وراح يكمل مازحه ومحاولاته اللطيفة متمتمًا:
"بصي أنا عندي فكرة حلوة، إيه رأيك نعيد الاتفاق تاني والمرة دي أوعدك مش هنسى."
طالعته شزرًا وصاحت منفعلة:
"بلال إنت عايز تعصبني وتجنني أكتر يعني ولا إيه!"
هتف بنفاذ صبر وضيق:
"لا عايزك تضحكي يا حور.. كفاية عاد ميبقاش قلبك أسود كده. مش معقول خطوبتنا بكرة وهنبقى متخانقين."
ردت عليه بتمنع أنثوي جميل:
"بكرة إن شاء الله هبقى أفكر أسامحك ولا لأ. دلوقتي يلا بقى وديني البيت بسرعة عشان ورايا تجهيزات وحاجات كتير عايزة أعملها."
رفع حاجبه مستنكرًا حماسها الشديد في التجهيز لخطبتهم غدًا، وهي تتشاجر معه الآن ولا تريد التحدث معه. فراح يلوح بكفه مندهشًا وهو يستغفر ربه ويتمتم مغلوبًا:
"على رأي أبو الليف.. اللي فاهمهم راسه تعبانة صح والله."
داخل منزل إبراهيم الصاوي.....
كانت آسيا في طريقها للدرج حتى تذهب للطابق الأرضي حيث المطبخ، لكنها توقفت عندما رأت إخلاص تقف أمام السلم وتتحدث في الهاتف. وعندما استمعت لحديثها بتركيز، فهمت أنها تتحدث مع منى وتتفق معها على الموعد الذي ستعود فيه للمنزل لكي يبدأوا مخططهم الثاني في سرقة زوجها منها. فاشتعلت نيران غيرتها وتحولت لوحش كاسر، حيث اندفعت مسرعة نحو حماتها تصيح بها:
"لسه مصممة إن البت دي هتدخل البيت هنا تاني؟"
ردت عليها إخلاص ببرود مستفز:
"حسك ميعلاش عليا يا بت جليلة، وده بيتي أجييب فيه اللي أنا عايزه، مش هاخد الإذن منك."
اقتربت منها آسيا أكثر وتطلعت في عينيها بوعيد شيطاني ونظرات لا تحمل الشفقة:
"وأنا سبق وحذرتك إنك لو فكرتي تخربي بيني وبين جوزي والبت دي عدت عتبة البيت تاني، ساعتها هخليكي تخسري ولدك واصل، وإنتي عارفة زين إني أقدر أعمل كده وأكتر كمان يا حماتي."
ابتسمت إخلاص باستخفاف منها وراحت تتقدم بخطواتها إليها، وآسيا تتراجع للخلف وتقول إخلاص بتشفٍ:
"ولدي اللي امبارح قلبها فوق راسك عشان بس عليتي حسك على أمه واتكلمتي معاها بعدم احترام هتخليني أخسره."
كانت آسيا تستمر في التقهقر للخلف وهي لا تحيد بنظرها الملتهب عن إخلاص، وغير منتبهة لحافة الدرج التي تقترب منها كلما تقهقرت للخلف. أما إخلاص فتابعت بغل وهي تقبض على ذراعها:
"إنتي لولا العيل اللي في بطنك ده كنت خليت ولدي طلقك من زمان، يعني احمدي ربك على العيل ده."
حاولت آسيا نزع ذراعها من قبضة إخلاص وهي تصرخ بها بعصبية:
"سيبِـي إيدي."
وسط جدالهما وشجارهما ومحاولات آسيا لدفع إخلاص عنها وجذب ذراعها من قبضتها، انزلقت قدمها على حين غرة دون أن تنتبه، وسقطت من فوق الدرج الطويل...........
نهاية الفصل.
رواية و بالعشق اهتدي الفصل الثالث 3 - بقلم ندى محمود توفيق
رواية و بالعشق اهتدي الفصل الرابع 4 - بقلم ندى محمود توفيق
تجمدت بأرضها وتعابيرها الرقيقة احتلها الاضطراب الشديد من نظراتهم الغريبة لها، جميعهم كانت أعينهم مسلطة على ملابسها ومظهرها المنافي للعادات والتقاليد والدين، كانت ترتدي ثوبًا قصيرًا يصل للركبة من اللون الأخضر وبحمالات عريضة بالكاد تغطي اكتفاها، وشعرها الأسود الناعم ينسدل بانسيابية على ظهرها وذراعيها، بشرتها بيضاء وناعمة وملامح وجهها كانت ملفتة للنظر من فرط رقتها وجمالها.
ظلت واقفة مكانها وهي تتنقل بنظرها بينهم والخجل تملكها من أعينهم التي تتفحصها بتدقيق، حتى أخيرًا رأت جدها والذي كان الوحيد الذي تعرفه شكلًا من بينهم يقف ويفتح لها ذراعيه مرحبًا بها بابتسامة وجه دافئة.
"حمدلله على السلامة تعالي تعالي يابنت الغالية تعالي."
تقدمت نحو جدها بخطوات بطيئة وفور وصولها له جذبها لصدره معانقًا إياها بحنو وهو يقبل شعرها، رغم أنه مثل الجميع كان ممتعضًا من ملابسها إلا أنه تريث ولن يرغب في تعكير صفوها فور وصولها.
ابتعدت هي عن جدها وابتسمت له برقة فقال حمزة بعينين لامعتين بالسعادة لرؤيتها:
"عاملة إيه يابتي.. ماشاء الله عليك."
ردت عليه بصوت خافت ونبرة أنثوية ناعمة:
"أنا fine يا جدو الحمدلله."
لف حمزة ذراعه حول كتفها وهو يديرها للجميع متمتمًا بابتسامة:
"طبعًا انتي متعرفيش حد واصل من اللي قاعدين."
تجولت بعينيها البنية على وجوههم في توتر وعندما استقر نظرها بمحض الصدفة على "علي" الجالس تحديدًا على يمينها ورأت عينيه التي تتفحصها بحدة وانزعاج شديد فاضطربت أكثر وردت على جدها بابتسامة باهتة:
"أه بس أنا مبسوطة إني شوفتهم."
حثها حمزة على الجلوس، وكان أقرب مقعد لها هو المجاور لـ "علي" فتوقفت وراحت تنقل نظرها بين المقعد وبينه بارتباك واستسلمت في النهاية وجلست لكنها كانت تزحف بالمقعد بعيدًا عنه قدر الإمكان، وبيدها كانت تجذب ثوبها للأسفل لتغطي قدميها فنظراتهم لها أشعرتها وكأنها عارية.
انتشلها من خوفها الشديد صوت جدها وهو يشير أولًا إلى جلال ليعرفها على العائلة:
"ده جلال ابن خالك خليل الله يرحمه."
ابتسمت لجلال بتكلف، رغم أن تعابيره لم تكن مرعبة بقدر التي فوق وجه "علي"، لكنها كانت مريبة وأربكتها فاكتفت بهز رأسها له مع ابتسامتها، ثم انتقلت يد الجد على فريال وهو يعرفها على أنها زوجة جلال، ولم تندهش فقد توقعت منذ البداية أنها زوجته فهي تنظر لها بكره غريب وكأنها صائدة رجال جاءت لتأخذ زوجها منها.
وعندما أشار حمزة على آسيا قال بابتسامة محبة:
"ودي بتي الغالية التانية أخت چلال."
الوحيدة آسيا التي لم ترَ في نظراتها أي من الخنق أو الاشمئزاز ورغم أنها ترمقها بفضول وتعجب، لكنها فورًا ابتسمت لها بود فبادلتها الابتسامة بسرعة وكأنها أخيرًا وجدت شخصًا طبيعيًا آخر غير جدها في هذه العائلة الغريبة وراحت تهتف برقة محدثة آسيا:
"nice to meet you آسيا."
لم تكن آسيا علاقتها بالإنجليزية جيدة ووجدت صعوبة في فهمها لكنها توقعت أنها تقول شيئًا جيدًا فردت عليها ضاحكة:
"وأنا كمان مع أني مش فاهمة."
تنهدت الصعداء براحة بعدما تحدثت لآسيا لكن سرعان ما اختفى ذلك الاطمئنان عندما تحول نظرها لجليلة التي كانت تنظر لها بعينين فاحصتين أرعبتها وعرفت بالنهاية أنها زوجة خالها خليل ووالدة جلال وآسيا، لم تبتسم لها حتى من فرط خوفها منها وكانت تحاول تخطيها بأي شكل، وليتها لم تفعل فقد سقطت عينيها على امرأة مرعبة أكثر منها وهي إنصاف كانت تنظر لها بنفس النظرات الفاحصة لكنها كانت ممتلئة بالاستهجان رغم أنها كانت تبتسم لها لكن نظراتها كانت تقول كل ما بصدرها، وعلمت أنها أيضًا زوجة خالها الثاني منصور الذي يبدو أنه لا يشاركهم هذه الأمسية المرعبة.
وأخيرًا هتف الجد وهو يشير لغريب الأطوار الجالس بجوارها:
"وده علي واد خالك منصور، هو وچلال رچالة البيت إهنه من بعد."
تعمدت تفادي النظر له خوفًا من نظراته لها وثبتت عينيها على جدها وهي تبتسم له برقة، بينما علي فكان يرمقها بخنق وبالأخص لأنها تجلس بجواره فكان يرى كل شيء بوضوح بداية من ذراعيها حتى قدميها العارية وراح يتأفف بصوت مسموع هامسًا بينه وبين نفسه:
"استغفر الله العظيم يارب."
دام صمت للحظات بينهم ثم قال حمزة بدفء:
"مدي يدك وكُلي يابتي تلاقيكي متعشتيش."
هزت رأسها له بالرفض المهذب وهي تقول بمعالم وجه مضطربة ونظرات زائغة:
"لا أنا tired ومحتاجة أخد rest يا جدو معلش."
رأت حمزة يرمقها بعدم فهم وعندما التفتت لهم رأت نفس علامات الاستفهام على محياهم فقالت بتوضيح أكثر وابتسامة مرتبكة:
"قصدي تعبانة ومحتاجة أرتاح شوية من السفر يعني مش جعانة ميرسي."
هز رأسه بتفهم وأشار لآسيا بنظره وهو يقول:
"قومي يا آسيا خديها يابتي وريها أوضتها خليها ترتاح."
أومأت آسيا لجدها بالموافقة واستقامت واقفة وفعلت كذلك هي الأخرى وتحركت بسرعة باتجاه الدرج وكأنها تهرب من نظراتهم وقبل أن تلحق آسيا بها سمعت صوت جدها وهو ينده عليها فاقتربت منه ومالت عليه عندما طلب منها أن تميل حتى لا يسمعه أحد ووجدته يقول بجدية:
"شوفيلها حاچة زينة وحشمة تلبسها بدل الخلچات المخلعة اللي لابساها دي."
أومأت آسيا ضاحكة وردت على جدها بابتسامة خفيفة:
"حاضر يا جدو."
فور رحيلهم هتفت جليلة محدثة حمزة بحزم:
"إيه اللي البت لبساه ده يابوي!"
رد حمزة بجدية ولهجة قوية:
"يعني هطلعها تغير خلچاتها من أول ما تدخل يا جليلة؟ چرا إيه، البت اترعبت منكم ومن عيونكم دي ضيفة."
هتف علي بغضب:
"هي كانت چاية قصاد الخلق بالهدوم دي؟"
نظر حمزة لعلي وقال بنظرة صارمة:
"چات بعربية مخصوص."
تابع علي منزعجًا:
"هو أبوها بيخليها تطلع إكده هناك كيف؟"
بدأت الحنق تتملك حمزة الذي رد بحدة:
"احنا ملناش صالح بابوها ولا لما كانت هناك، هي رچعت لينا دلوك والوضع هيختلف، محدش له صالح بيها أنا عارف هتكلم معاها كيف."
التزم الصمت على مضض وهو يهمس بصوت منخفض لكن وصل لأذن حمزة:
"ادي اللي ناقص كمان تطلع قصاد الخلق بالمنظر ده أصل احنا ناقصين فضايح."
صاح به حمزة منفعلًا وبلهجة آمرة:
"علي، اقفل خشمك ومتتكلمش ولا كلمة زيادة فاهم ولا لأ، قولت محدش له صالح دي بت بتي وأنا هتصرف معاها بطريقتي والكلام للكل فاهمين."
كان جلال يلتزم الصمت ليس لأن الأمر كان على هواه ولكنه فضل الصمت حتى لا يفتح على نفسه بابًا جديدًا للجدال والنكد بينه وبين زوجته.
***
داخل منزل إبراهيم الصاوي......
بعد رحيل داليا وابنتها، صعدت إخلاص لغرفتها فورًا فلحق بها عمران ليتحدث معها قليلًا، وقف أمام باب غرفتها وطرق عدة طرقات خفيفة حتى سمع صوتها من الداخل وهي تهتف بـ "ادخل"، ففتح الباب ودخل وهو يبتسم لها بحنو.
بادلته الابتسامة الأمومية الدافئة، تقدم إليها وجلس بجواره على الفراش ثم التقط كفها وقبل ظاهره متمتمًا:
"عاملة إيه ياما؟"
ردت عليه بملامح وجه عابسة:
"زينة يا ولدي الحمدلله."
ابتسم لها بعطف وأردف برزانة:
"ياما معلش استحملي واتقبلي داليا عاد، اللي حُصل حُصل والبت الصغيرة ملهاش ذنب في حاچة، هي محتاچة تحس بوجود عيلتها واخواتها حواليها وحقها."
ظهر الخنق فوق معالم إخلاص وقالت بعصبية:
"أنا معنديش مشكلة مع البت الصغيرة بس مش عاوزة أشوف اللي ما تتسمي داليا دي واصل."
عمران بنفاذ صبر:
"ولغاية ميتا يعني مهو ده بيت چوزها ياما وهي كانت عاوزة تقعد إهنه وأنا اللي رچعتها بيتها عشان المشاكل."
صاحت إخلاص بقهر:
"وتقعد إهنه ليه وأبوك مشترليها شقة بحالها باسمها هي وبته."
تمسح على وجهه متأففًا بقلة حيلة، بينما هي فتابعت بعينين ممتلئتين بالعبرات وصوت متحشرج:
"أنا لغاية دلوك بسأل روحي أنا قصرت مع أبوك في إيه عشان بتچوز عليا تلات مرات، ويخليني أعيش مع ضرتي في نفس البيت وفوق من ده كله اتچوز التالتة في السر من ورانا واشترالها شقة بحالها ليها وحديها."
ارتخت تعابير وجه عمران وتحولت للحزن والشفقة واقترب من أمه يقبل جبينها بمحبة ودفء متمتمًا:
"أنتي ست الكل إهنه ومقصرتيش في حاچة، كفاية إنك ربيتي عياله أحسن تربية واستحملتي كل ده، وصدقيني ملوش لازمة الكلام ده دلوك ياما هو خلاص معدش وسطينا والحاجة الوحيدة اللي محتاجاها وهتنفعه هي الرحمة والدعاء."
سالت دموعها رغمًا عنها حزنًا على حالها وشوقًا له رغم كل شيء. أما عمران فمد أنامله ومسح عبراتها بلطف وعاد يقبل جبينها ويدها مرة أخرى حتى سمعها تسأله باهتمام:
"آسيا هتقعد لغاية ميتا عند ناسها؟"
رد بصوت رجولي صارم:
"بالكتير بكرا وترچع يا ما."
تجمعت العبرات في مقلتيها مجددًا وهي تقول له:
"اوعاك تكون مصدق اللي قالته يا ولدي وأني زقتيها من فوق السلم صُح!"
أخذ نفسًا عميقًا وأخرجه زفيرًا حارًا قبل أن يهتف بخنق ملحوظ:
"لا ياما مش مصدق بس بردك معرفش إيه اللي يخليها تكدب وتقول إكده وآسيا مش من عادتها تكدب في الحچات اللي زي دي."
أشارت إخلاص لنفسها بدهشة وقد انهمرت دموعها فوق وجنتيها أخيرًا:
"يعني هكون أنا اللي زقتيها يا ولدي وكنت قاصدة أموت ولدك اللي في بطنها."
عمران بضيق مصححًا له مقصده:
"ياما مش قصدي أنا بقولك إيه اللي يخليها تقول إكده، يعني أنتوا كنتوا بتتكلموا مع بعض مثلا وقت ما وقعت؟"
ارتبكت إخلاص وتلعثمت في الرد عليه لكنها استجمعت شجاعتها وردت عليه ببكاء تخفي به حقيقتها الشيطانية:
"ايوة كنا بنتكلم وهي بعد إكده سابتني وكانت نازلة السلم فوقعت، يمكن عشان إكده بتقول أن أنا اللي زقتيها وافتكرتني أنا اللي وقعتها يا عمران، وأنت عارف علاقتنا أنا وهي مش قد إكده فهي ما صدقت تلاقي حاچة تمسكها عليا بس أنا والله ما قربتلها يا ولدي وعمري ما أفكر أذي مرتك وولدك ده أنا فرحانة بيه ومستنياه كيف ما أنت فرحان بالظبط."
ارتخت تعابير وجهه وراح يستغفر ربه بضيق عندما رأى بكائها الشديد ومد يده يربت فوق ذراعها بحنو متمتمًا:
"خلاص ياما، اللي حُصل حُصل الحمدلله أنها بخير وأنا هتصرف مع آسيا بزيادة بكا عاد."
هزت رأسها له بالموافقة وهي ترفع أناملها وتجفف دموعها بينما هو فاستقام واقفًا وقال بخشونة:
"أنا هروح أنام عاوزة حاچة مني؟"
أجابته بالرفض ونبرة محبة:
"لا يا حبيبي عاوزة سلامتك تصبح على خير."
"وانت من أهله."
فتح الباب وغادر وتركها بمفردها تحدق في الفراغ بشرود تفكر في آسيا التي تحاول إفساد العلاقة بينها وبين ابنها وراحت تتوعد لها بنقم.
***
داخل غرفة جلال كان يقف بالشرفة يتحدث في الهاتف بانزعاج شديد ونبرة مرتفعة قليلًا وهو يقول:
"يا عمي أنت خليك في البيت ومتطلعش منه ومتقلقش مفيش حد منهم هيعرف يوصلك."
هتف منصور بغضب:
"ولغاية ميتا ماهو مسير عمران والحكومة تعرف مكاني يا چلال."
جلال بلهجة رجولية حادة:
"أنا سبق وقولتلك سلم نفسك وده أسلم حل وقضي الكام سنة اللي هتاخدهم وخلاص لكن أنت رافض."
صاح منصور منفعلًا:
"مش هسلم نفسي وأنت اعمل كيف ما قولتلك أنا اتكلمت مع 'علي' وأنت ظبط معاه طريقة عشان أطلع بيها من البلد إهنه واص."
مسح جلال على وجهه وهو يزفر بخنق محاولًا البقاء هادئًا:
"طيب يا عمي ربنا يستر."
التفت مفزوعًا على صوت فريال التي كانت تقف خلفه وتسأله بنظرات دقيقة:
"بتكلم مين يا چلال؟"
أنهى الاتصال مع عمه ثم رد عليها بإيجاز بوجه منزعج:
"شغل يا فريال."
دقق النظر فيه أكثر وقالت بريبة:
"ومالك متعصب إكده ليه.. في مشكلة ولا إيه؟"
هتف جلال بعصبية بسيطة ونفاذ صبر:
"مش متعصب ولا حاجة."
تقدمت خطوة منه وهي تتمنعه بشك وجدية متمتمة في ضيق حقيقي:
"چلال أنت مخبي عليا حاجة؟"
صاح بها منفعلًا من إلحاحها وأسألتها المثيرة والتي أزعجته أكثر:
"ما قولتلك مفيش حاجة يا فريال هو تحقيق ولا إيه!"
فزعت من صيحته المرتفعة بها ولا إراديًا تقهقرت خطوة للخلف وهي تحاول الثبات أمامه والتصرف وكأن الأمر بسيط، رغم من أن تعابير وجهها تحولت للعبوس والحزن الشديد ردت عليه بجمود غريب:
"طيب العيال عايزين يقولولك حاجة."
ولم تمهله اللحظة ليتدارك عباراتها ويسألها ماذا يريدون الأولاد حيث التفتت برأسها تجاه الباب وصاحت:
"معاذ.. عمار.. تعالوا."
انفتح الباب ودخلا الأثنين وهم يسيرون بخطى متعثرة وبطيئة أمام والدهم، حتى وقفوا على بعد سنتيمترات منه وهم يعقدون أذرعهم خلف ظهرهم وانظارهم عالقة على الأرض، أما فريال فكانت تقف تراقبهم بابتسامة دافئة منتظرة منهم أن ينفذوا اتفاقهم، وماهي إلا لحظات حتى هتفوا معًا في صوت واحد:
"احنا آسفين يا بوي.. آخر مرة ومش هنكررها تاني."
ارتخت تعابير وجه جلال بعدما كانت متشنجة وهو يتأملهم بنظراته وهم يقفون أمامه لا يرفعون نظرهم في وجهه خجلًا وندمًا، أما معاذ فقد رفع نظره لأمه فوجدها تشير له بعينيها أن يكملوا ما اتفقا عليه، ففعل على الفور واقترب من والده ولحقه عمار وكل منهم أمسك بيد من يدي أبيهم وقبلوا ظاهرها وهم يهتفون:
"متزعلش مننا."
ظهر شبح الابتسامة الأبوية على ثغر جلال لا إراديًا فقد استطاعوا بلحظة تبديل مزاجه، مسح بيده على شعر كل منهم وانحنى على رأسهم يقبلهم هاتفًا:
"انتوا إكده عيالي الرچالة، طالما عرفتوا غلطكم وندمتوا وبتعتذروا أنا مش زعلان منكم خلاص."
رفعوا هم الاثنين نظرهم لوالدهم وشقت الابتسامة العريضة طريقها لوجههم ثم راحوا يتبادلوا النظرات من أمهم بسعادة التي كانت تتابعهم بابتسامة محبة، ارتموا على والدهم يعانقوه بحرارة وفرحة فضحك هو وضمهم إليه بدفء، وعندما التقت عينيه بعيني فريال رآها تشيح بنظرها عنه للجهة الأخرى في سخط فتنهد الصعداء مغلوبًا وابعد أولاده عنهم بلطف وهو يهتف لهم بجدية:
"يلا روحوا انتوا دلوك عشان عاوز أتكلم مع أمكم شوية."
تبادلوا النظرات المتعجبة فيما بينهم لكنهم امتثلوا لوالدهم وهزوا رؤوسهم له بالموافقة ثم استداروا وغادروا الغرفة بأكملها.
استدارت فريال وولته ظهرها بدلال جميل وهي عاقدة ذراعيها أسفل صدرها وتزم شفتيها وترسم تعابير الامتعاض على وجهها باحترافية، فابتسم هو وتقدم إليها ثم لف ذراعيه حولها من الخلف معانقًا إياها وهو يهمس بجانب أذنها في صوت رجولي ساحر وانفاسه الحارة تلفح بشرتها الناعمة فتقشعر بدنها:
"حقك عليا يا فريالي مقصدش أتعصب عليكي."
رفعت رأسها قليلًا بغنج وتمنع لطيف ترفض النظر له فضحك بصمت وراح يضع يده فوق بطنها المرتفعة متمتمًا وهو يقبل كتفها بغرام:
"متزعليش مني يا أم وصال."
ضيقَت عينيها بتعجب عندما سمعت الاسم الذي وضعه لابنتهم فالتفتت برأسها له تحدقه بنظرات مستفهمة ليتابع هو بعيون تفيض عشقًا:
"وصال هو أكتر اسم لايق عليها، لولاها يمكن مكنش أرچعنا لبعض تاني.. هي اللي چمعتنا تاني رغم كل المسافات والمشاكل اللي كانت بينا."
امتلأت عيني فريال بهيام وهي تتأمله وارتسم ثغرها الجميل بابتسامتها، فاستدارت له بجسدها كاملًا وهمست في صوت أنثوي ناعم:
"حلو قوي يا چلال."
ثم انحنت عليه وقبلته من وجنته بكل رقة وهي تتطلعه بنظراتها الساحرة التي تأثره وتسلبه عقله، فانحنى عليها ببطء وكأنه مغيب وسط ابتسامة ثغره العاشقة والمشتاقة لكن فجأة انتفضوا على صوت طرق الباب وصوت عمار وهو يهتف بصوت مرتفع:
"أبـويا."
اشتعلت عيني جلال وراح يصيح بابنه منفعلًا:
"ولاد ال**** دول دايمًا كدا.. أنا مش قولت بتكلم مع أمكم."
هتف عمار بخوف بسيط من غضب أبيه:
"چدي حمزة قالي اندهك يا بوي، عايزك ومستنيك تحت."
تأفف بخنق وهتف بخشونة:
"خلاص، امشي."
ابتعدت فريال عنه وهي تضحك وتربت فوق كتفه بحنو متمتمة في غنج:
"أنا هروح أشوف آسيا وأنت روح شوف چدك عاوزك في إيه."
تستفزه بتلك النظرات أكثر ولولا جده الذي طلبه لم يكن ليتركها أبدًا، راقبها بنظراته الجريئة وهي تتجه نحو الباب وتغادر وبين كل خطوة والأخرى تلتفت له وتضحك بدلع فتزيد من غيظه وتوعده لها عندما يعود.
***
داخل منزل إبراهيم الصاوي......
كان بلال يجلس بغرفة الجلوس التي بالطابق الثالث ويجري اتصال بحور التي لم تجيب عليه إلا بعد إلحاح وإصرار منه ورنين كثير. أصدر هو زفيرًا حارًا بسعادة فور توقف الرنين وفتح الاتصال، وصله صوتها الرقيق وهي تقول بجفاء متصنع:
"افندم خير."
رد عليها بلوعة وابتسامة وجه واسعة:
"اتوحشتك ياحور."
تلونت وجنتيها بحمرة الخجل وهي تضحك بصمت في حب لكن حافظت على موقفها وردت عليه بحدة مزيفة:
"أنت هتاكل بعقلي حلاوة وتثبتني يعني بالكلمتين دول مثلا؟"
كبح ضحكته صعوبة وتابع وهو تغزله العاشق بها هاتفًا بولع:
"ده أنتي اللي واكلة عقلي وتفكيري كله والله."
ذابت تمامًا ولم تتمكن من الصمود أكثر أمام سيل مشاعره العاطفية التي يغمرها بها فأجابته مغلوبة:
"عايز إيه يا بلال؟"
لمعت عينيه بوميض السعادة عندما تأكد من استسلامها وأنه نجح في نيل رضاها فقال ضاحكًا بمرح:
"كل خير يا چميل.. بطمن على مرتي المستقبلية."
هزت رأسها بقلة حيلة منه وهي تضحك بصمت وتجيبه متهكمة:
"احنا لسا حتى مفيش حاجة رسمي بتربطنا وخطوبتنا بكرا وتقولي مراتي.. ده أنت غريب أوي."
تابع مرحه وهو يشرح لها وجهة نظره بكل ثقة:
"وهي الخطوبة دي إيه مش وعد بالزواج.. يعني أنا معتبرك مرتي من زمان قوي ومجهز أسماء عيالنا كمان."
هزت رأسها وهي تمط شفتيها بسخرية من تفكيره وتضحك مجيبة إياه:
"امممم عيالنا ماشاء الله وإيه كمان؟"
قهقه برجولية ساحرة ثم تابع بخبث وجرأة وقحة:
"وحاجات كتير قوي عاد تاني.. بس مش هينفع أتكلم عشان الرقابة."
اتسعت عينيها بصدمة على كلماته التي تحمل معاني منحرفة وصاحت به بغضب وخجل شديد:
"أنا غلطانة إني رديت عليك أصلا.. سلام يا بلال."
هتف بسرعة معتذرًا قبل أن تغلق الاتصال في وجهه:
"لا سلام إيه أنا آسف.. ده أنا بهزر والله يا حورية."
هتفت حور بلهجة صارمة ومستاءة:
"مش هتقول حاجة تاني يعني وهتفضل محترم؟"
بلال بإيجاز ونفس النبرة المرحة التي كان يتحدث بها منذ قليل:
"أه أوعدك هفضل محترم لغاية كتب الكتاب بس."
قالت مغتاظة:
"تــاني!"
صاح متعجبًا بصوت رجولي مميز:
"إيــه أنا قولت إيه!!!"
كتمت بكفها ضحكتها التي كانت ستنطلق منها لا إراديًا على صيحته ونبرته الغريبة، بينما هو فتابع وراح يسألها بحماس ولهفة عن ماذا ستفعل في خطبتهم غدًا وماذا سترتدي وما التجهيزات التي فعلتها، فأخذت هي الأخرى تسرد عليه بحماس مماثل وتسأله هو أيضًا نفس الأسئلة.
***
داخل غرفة عمران، كان جالسًا على الأريكة وعيناه عالقة فوق الفراش بشرود. غيابها أحدث أثرًا في نفسه ورغم جدالاتهم واستيائه منها إلا أن فراقها له حتى لو ليوم واحد يزعجه أكثر من أفعالها، ولا يمكنه إنكار حقيقة أنه بدأ يشتاق لها.
مسح على وجهه نزولًا إلى لحيته متأففًا بقلة حيلة وسط همسه المحب:
"وبعدين معاكي يا غزل."
مد يده على الهاتف والتقطه ينوي الاتصال بها والاطمئنان عليها، رفع الهاتف لأذنه واستمع لصوت الرنين منتظرًا الرد منها، بينما على الجانب الآخر فقد كانت آسيا تقف في شرفة غرفتها شاردة الذهن تفكر به أيضًا وعندما سمعت صوت رنين الهاتف دخلت واقتربت من فراشها لتلتقطه وتطلعت في شاشته فقرأت اسمه، للحظة ابتسمت بحب وسعادة لكن فورًا تذكرت أفعاله معها فاختفت بسمتها وتحولت لغضب وهي تلقي بالهاتف فوق الفراش مجددًا دون أن تجيب عليه، أخذت تشاهد الهاتف وهو يستمر في الرنين دون توقف متمتمة في وعيد مغتاظة:
"خليك إكده على نار يا معلم عشان تعرف أن مش كل طير لحمه يتاكل."
ثم ابتعدت عن الفراش وسارت باتجاه الشرفة مجددًا تاركة الهاتف يرن وهي تهتف ساخرة تقلده بطريقة كوميدية من فرط كيدها:
"غزالي.. عيون الغزال، ادينا شوفنا بتعمل في غزالك إيه، اتفرچ أنت عاد على اللي هيعمله الغزال فيك وكيف هيخليك تدور حوالين نفسك يا.. مـ..علم."
على الجهة الأخرى أنزل عمران الهاتف من فوق أذنه وهو يستشيط غضبًا بعدما انتهت محاولته الثالثة في الاتصال بها وبكل مرة ينتهي الرنين دون ردًا فهتف بانفعال متوعدًا لها:
"ماشي يا آسيا.. من الصبح هترجعي وهتكوني في البيت إهنه عشان تبقي تتجاهليني زين ومترديش عليا."
استقام واقفًا وسار باتجاه الحمام لكنه توقف عندما سمع صوت رنين الهاتف، ظنها هي فعاد للهاتف ثانية والتقطه ينوي الرد عليها وتلقينها درسًا على تجاهلها لاتصالاته لكنه وجد المتصل رقم مجهول، فأجاب عليه بغلظة:
"الو."
وصله صوت رجولي صارم يقول:
"إيه الأخبار يا معلم عمران؟"
ضيق عمران عينيه باستغراب وهتف بهدوء:
"مين معايا؟"
أجاب الآخر بابتسامة سمجة أحسها في نبرة صوته:
"المعلم صابر."
احتقنت تعابير وجه عمران وأظلمت عينيه فور سماعه لذلك الاسم فهتف بصوت حاد وأجش:
"خير يا معلم."
تابع الآخر بنفس لهجته المستفزة:
"كل خير إن شاء الله.. إيه رأيك نتكلم بكرا على رواق وأقولك الخير اللي محتاجك فيه."
خرج صوت عمران غليظ وجاف رافضًا:
"كل الكلام خلص في آخر مرة معدش في حاجة تاني نتكلم فيها مش إكده ولا إيه."
"لا كيف غلطان يا معلم ده لسا الكلام كتير قوي ومبيخلصش، نتقابل بكرا ونبقى نشوف الكلام خلص ولا لسا، سلام يا معلم."
لم يمهل عمران الفرصة ليجيب عليه حيث أنهى عبارته الأخيرة وأنهى الاتصال، فمسح عمران على وجهه وهو يتأفف بغضب شديد محاولًا تمالك انفعالاته والحفاظ على ثباته.
***
بصباح اليوم التالي داخل منزل خليل صفوان.....
خرجت غزل من غرفتها وقد حرصت على شيء مناسب لتلك البيئة الجديدة التي انضمت لها، خوفًا من التعرض لنفس النظرات التي تلقتها أمس من العائلة وامتثالًا لتحذيرات آسيا لها حول ارتداء شيء أكثر احتشامًا، وقد ارتدت بنطال قماش فضفاض قليلًا من اللون الأبيض ويعلوه كنزة حمراء بحمالات عريضة تغطي أكتافها وبداية ذراعيها وتركت شعرها مناسبًا على ظهرها، تحركت بخطوات هادئة حتى وصلت الدرج ونزلت للطابق الثاني ثم وقفت وراحت تتلفت حولها بحثًا عن غرفة آسيا فقد كان هناك الكثير من الغرف وخشيت أن تطرق على أحد في هذا الصباح وتزعجه، ظلت تتجول بنظرها على الغرفة محاولة تذكر أي غرفة قالت لها آسيا بالأمس أنها غرفتها، وقع نظرها على غرفة بجوار الدرج وقد هيأ لها أنها قالت إن غرفتها بجوار الدرج مباشرة، فاقتربت من الغرفة ورفعت يدها بكل ثقة تطرق الباب وهي على ثغرها ابتسامة مشرقة تستقبل بها آسيا فور فتحها للباب، انتظرت بعد الطرق الأولى ثواني ولم تجد ردًا فعادت الطرق ثانية وثالثًا حتى أخيرًا وجدت الباب ينفتح ووجهها كله إشراقة من فرط حماسها ليومها الأول في منزل جدها، رغم أن ليلة أمس لم تسير بشكل لطيف لكنها متفائلة اليوم، لكن سرعان ما تبدد واختفى ذلك الأمل وظهر الذهول والاضطراب على محياها عندما رأت "علي" هو من يفتح الباب وهو يفرك عينيه بخنق من ذلك الطارق المزعج الذي أيقظه من الصباح الباكر، اتسعت عينيها وتمنت أن الأرض تنشق وتبلعها قبل أن يقع نظره عليها، رفع علي نظره للطرق وفور رؤيته لتلك الدخيلة تجهم وجهه وراح يتفحصها بنظراته من أعلاها لأسفلها يرى تلك الملابس المختلفة كليًا عن تلك الفاضحة التي كانت ترتديها بالأمس، بينما غزل فقالت بسرعة بتوتر معتذرة:
"l'm sorry أنا كنت فاكرة دي أوضة آسيا."
ابتسم لها بتهكم متمتمًا بمضض:
"وهي آسيا مقالتلكيش ليه أوضتها فين؟!"
أجابته بنفس الارتباك وحاولت التصرف بلباقة معه رغم أنها مدركة لنظراته المستهزئة وعدم رغبته بها:
"she told me بس أنا نسيت واختلطت عليا الأوض."
حافظ "علي" على ابتسامته السمجة وهو يرمقها وقال بلهجة فظة عكس لباقتها معه:
"طيب ابقى المرة الچاية متنسيش تاني عاد عشان متصحيش الخلق من النوم وتزعجيه."
اندهشت من رده غير المهذب عليها فهي ضيفة، هل يعاملون ضيوفهم هكذا، انزعجت بشدة منه وقال بخفوت في جدية:
"آسفة."
ثم استدارت وقالت بغيظ وهي تهم بالانصراف:
"rude."
التقطت أذن "علي" ما قالته فاستشاطت نظراته وهتف لها بحدة:
"بتقولي إيه؟!"
التفتت له بجسدها كاملًا وطالعته بنفس طريقته وهي تبتسم له ببرود وعادت ما قالته بكل ثقة ظنًا منها أنه لن يفهمها كما الجميع هنا:
"بقول rude."
تحول "علي" لجمرة من النيران المشتعلة بسبب ثقتها المفرطة في نفسها وهي تسبه أمامه دون خجل فقال بنظرة مرعبة وبهجة رجولية مهيبة:
"أنا وقح؟!"
فغرت عينيها وشفتيها بصدمة ورغم الرعب الذي تملكها من سخطه إلا أنها استجمعت شجاعته وردت عليه بغضب رقيق مثلها:
"yes لأن دي مش طريقة مهذبة أبدًا تتكلم بيها مع شخص المفروض ضيف عندك."
تقدم منها خطوة وهو يصر على أسنانه بغيظ فتقهقرت هي للخلف بخوف وراح قلبها يدق في صدرها بعنف، ظلت تتراجع حتى وجدته أمامها مباشرة ويقول لها بغيظ محاولًا تمالك انفعالاته:
"ده اللي عندي إذا كان عاجبك."
خرج صوت غزل متلثعمًا وهي ترفع سبابته في وجهه تأمره بحدة لا تلائم تعابيرها الناعمة:
"ارجع لورا من فضلك."
نظر لأصبعها بتهكم ثم طالعها ثانية بنظرة قذفت الرعب في أوصالها محذرًا إياها:
"اسمعي يابت أنتي، أنا هعديلك اللي قولتي بس عشان انتي ضيفة كيف ما قولتي واحمدي ربك إنك ضيفة، ومن إهنه ورايح نصيحة متحاوليش تخاطبيني تاني واصل وتجاهليني تمامًا لمصلحتك فاهمة ولا لـ."
تجمدت غزل في أرضها ولم تتمكن من فتح فمها بكلمة أخرى خوفًا وضيقًا بينما هو فاستدار وعاد لغرفته وصفع الباب خلفه بقوة جعل جسدها ينتفض فزعًا ولا إراديًا وجدت الدموع تنهمر فوق وجنتيها غزيرة، لم تفق سوى على صوت إنصاف التي اقتربت منها بدهشة وسألتها:
"مالك بتبكي إكده ليه يا حبيبتي في حد ضايقك؟"
هزت غزل رأسها له بالإيجاب وهي مستمرة في البكاء وتجيبها بصوت مبحوح:
"your son."
فغرت إنصاف شفتيها ببلاهة في عدم فهم وردت عليها:
"هي إيه دي اللي مصننة؟!"
طالعتها غزل بتعجب وأردفت باللغة العربية:
"ابنك يا طنط بيعاملني معاملة بشعة جدا وكان بيزعقلي كل ده عشان خبطت على أوضته بالغلط بدل أوضة آسيا."
ابتسمت إنصاف بإعجاب على تلك الفتاة الناعمة والرقيقة وقالت باستغراب وسعادة:
"طنط!!"
ثم رتبت على ذراعها بحنو محاولة تهدأتها وهي تهتف لها بود:
"معلش يا حبيبتي متزعليش هو ولدي غشيم بس شوية، متقلقيش أنا هشدله ودنه وأخليه يعتذر منك متزعليش خلاص.. قوليلي عاد أنتي اسمك إيه إحنا محدش لحق يتكلم معاكي امبارح."
ردت غزل بصوت خافت وهي تجفف دموعها:
"اسمي غزل."
هتفت إنصاف ببسمة عريضة وهي تحثها على السير معها:
"اسمك حلو كيفك يا غزل.. تعالي يلا نكمل كلامنا في المطبخ تحت."
***
داخل غرفة آسيا كانت جالسة مع فريال يتحدثون وكان أساس حديثهم بالتأكيد هو عمران ومحاولة فريال أن تلين عناد آسيا ولكن كل محاولاتها باتت بالفشل فتنهدت في النهاية بنفاذ صبر منها وبينما كانت على النهوض والذهاب وتركها، صدح صوت رنين هاتف آسيا ووجدته زوجها، طالت النظر في الهاتف بتفكير تتساءل بينها وبين نفسها "أجيب أم لا". صاحت بها فريال مغتاظة:
"ماتردي أنتي عايزة توصلي خناقكم ده لإيه بعنادك."
لوت فمها بخنق وأجابت عليه أخيرًا وكأنها فتحت أنبوبة وانفجرت بها حيث وجدته يصيح بغضب:
"أخيرًا رديتي ياهانم.. چيتي على نفسك واتنازلتي ليه!"
انتفضت فزعًا من صياحه ووجدت نفسها تلقائيًا تصيح به أيضًا:
"متزعقليش."
خرج صوته متحشرج ومرعب وهو يأمرها بلهجة لا تقبل الجدال:
"من غير ولا كلمة تچهزي نفسك وهدومك عشان أنا چاي أخدك فاهمة."
ربما لو كان تحدث معها بأسلوب لطيف واطمئن عليها حتى أولًا وأظهر اهتمامه بها وخوفه عليها كانت ستتراجع عن قرارها وتوافق على العودة معه، لكن الآن أصرت على قرارها أكثر وقالت له بعناد شديد وغضب:
"أنا مش هرجع يا عمران."
هدأت نبرته قليلًا وقال بهدوء ما قبل العاصفة يعيد عباراتها بتهكم:
"مش هترجعي كيف يعني؟!"
التزمت الصمت ولم تجيبه فباغتها بصرخة نفضتها مكانها:
"هو على مزاچك ولا إيه، ولا متجوزة فزاعة هتروحي وتآجي على هواكي كأنك ملكيش حد يحكمك."
كان صوته مرتفع لدرجة أنه وصل لأذن فريال التي كانت تقف بالقرب من آسيا وتتابع الشجار المحتدم بينهم، ودون تردد جذبت الهاتف من يد آسيا وتحدثت مع أخيها بهدوء وهي تبتعد عن مسامع آسيا:
"عمران اهدى الأمور مش بتتحل إكده."
سكت للحظة عندما أدرك صوت أخته ثم تابع منفعلًا ونبرة مرتفعة قليلًا:
"قوليلها يافريال تلبس أنا چاي وياويلها لو قالت مش راجعة تاني."
تمتمت فريال برزانة محاولة تهدأته:
"يا حبيبي اهدى.. معلش يا عمران سيبها يومين كمان لغاية ما تهدي وأنت كمان تهدي متخليهاش ترجع وانتوا شايطين إكده المشاكل هتكبر بينكم، هي حتى ملحقتش ترتاح شوية من التعب."
صاح بعصبية أشد وإصرار تام:
"ولا لحظة كمان يافريال دلوك هترجع على بيتها وتبقى ترتاح فيه براحتها."
تنهدت فريال الصعداء بقلة حيلة من عنادهم وحاولت معه لآخر مرة:
"يا عمران اسمع مني، أنت وآسيا مينفعش تقعدوا مع بعض وانتوا بالوضع ده، سيبها لغاية ما تهدي وهي بنفسها هترجع وابقى قول اختي قالت، هي زعلانة منك وواخدة على خاطرها عشان اللي عملته معاها وانك مهتمتش أنها تعبانة وراجعة من المستشفى وأغمى عليها، يعني كلها يومين وزعلها ده هيروح وهترجعلك."
هدأ ثورانه قليلًا بعد كلمات شقيقته وقال بغيظ واستياء:
"هي حكتلك على ده بس ومقالتلكيش على اللي هي عملته."
بدأ الأمل يعود لها مجددًا عندما شعرت بأنه هدأ قليلًا وقالت مأيدة رأيه بشدة حتى تنجح في امتصاص غضبه كله:
"عندك حق هي غلطانة واحنا عارفين إكده، بس معلش اعذرها هي حامل ونفسيتها تعبانة اصبر عليها شوية كمان واوعدك إني هتكلم معاها وأعقلها."
مسح عمران على وجهه وهو يصدر زفيرًا ملتهبًا وقد اقتنع بكلام شقيقته وهدأ تمامًا فقال باستسلام ووحدة:
"ماشي يافريال عشان خاطرك بس هسيبها يومين كمان بس أقسم بالله لو بعد اليومين عملت نفس الحركات دي لتشوف أنيل من اللي شافته مني، يعني قوليلها ترجع برضاها أحسن ما يبقى غصب عنها."
بتلك اللحظة قد اقتربت آسيا من فريال ووقفت بجوارها تحاول سماع ما يقوله في الهاتف لكنه لم تسمع وعندما قالت فريال بالنهاية:
"ماشي يا أخويا.. بقولك هي معاها معاد مع الدكتور النهاردة هتروح دلوك وأنا هروح معاها تمام؟"
هتف عمران بصوت رجولي غليظ رافضًا:
"لا متروحيش انتي يافريال أنا هاجي أوديها وأروح معاها."
سمعت آسيا عبارته هذه فردت عليه بصوت مرتفع حتى يسمعها:
"أنا هروح مع فريال!"
هتف يسأل فريال بغيظ:
"بتقول إيه دي؟!"
رمقتها آسيا بحدة وغضب لكي تسكت ثم ردت على أخيها بلطف:
"بتقولك ماشي يا عمران هتلبس وتجهز وتستناك."
هدأ وسكت ثم أنهى الاتصال مع شقيقته وفورًا صاحت آسيا باعتراض:
"أنا مش هروح معاه يا فريال."
صاحت بها فريال مغتاظة من عنادها:
"آسيا بزيادة عناد أنا هديته بالعافية واقنعته إنك تقعدي يومين كمان، البسي دلوك وروحي معاه للدكتور متخليش يتجنن عليكي تاني."
التفت آسيا بقهر وحزن:
"أروح معاه ليه يافريال.. ده أنا أول ما فتحت هب فيا زي البابور ومهنش عليه حتى يسألني عاملة إيه ولا يطمن عليا وأنا كنت تعبانة وراجعة من المستشفى وأغمى عليا بسببه."
قالت فريال بحزم وهي ترمقها بقوة:
"طب ما أنتي اللي عصبتيه لما فضلت ترني عليه امبارح ومردتيش عليه، ما يمكن كان بيتصل بيكي عايز يطمن عليكي وانتي معبرتهوش عشان كده اتعصب."
هزت رأسها رافضة الاقتناع بأنه كان في نيته حقًا الاطمئنان عليها بينما فريال فقالت لها بجدية:
"البسي يلا يا آسيا واجهزي وبلاش عند لغاية ما يجيلك."
راقبت فريال وهي تستدير وتنصرف وعيناها ممتلئة بالدموع الحارقة وبداخلها تتوعد له أنها لن تسامحه على أفعاله الهمجية معها...
***
كان بشار جالسًا في الوكالة ينهي بعض الأعمال مع والده عندما لمح رحاب وهي تسير من أمام الوكالة في خطوات سريعة وتجفف دموعها من على وجهها بعدما أنزلت الهاتف من فوق وجنتيها، فاستقام واقفًا بسرعة وقال لوالده بلهفة:
"خمسة وراجعلك يا بوي."
ولم يمهل عبد العزيز الوقت ليسأله إلى أين ذاهب حيث لحق برحاب شبه ركضًا وجدها تتجه نحو أحد الشوارع الجانبية الخالية من الناس، فأسرع في خطاه خلفها وقبض على ذراعها ليوقفها وهو يهتف لها بقلق:
"رحاب رايحة وين وليه بتبكي؟"
انتفضت فزعًا على أثر لمسته لها وتلعثمت في الأجابة عليه وهي تقول:
"مفيش حاجة يا بشار أنا كويسة."
دقق النظر في وجهها بحدة وسألها ثانية:
"رايحة وين إكده؟"
اضطربت واجابته بتوتر ملحوظ استطاع أن يميزه جيدًا:
"مش رايحة مكان.. رايحة البيت وقولت أعدي من الشارع المختصر ده."
هز رأسه لها بالإيجاب رغم نظرات الشك التي في عينيه لها وتركها ترحل تكمل طريقها واستدار وهو يعود بخطواته باتجاه الوكالة ليوهمها أنه صدقها وسيتركها بينما هي فأسرعت في خطواتها وهي تتلفت حولها كل لحظة والأخرى لتتأكد من أنه لا يتبعها.
***
بمكان آخر تحديدًا بمنزل سمير، استغلت خلود فرصة غيابه عن المنزل وأنه نسي إغلاق الباب بالمفتاح بعد رحيله، جهزت ملابسها وتجهزت هي وغادرت المنزل تنوي الهروب من ذلك السجن الذي فُرض عليها، كان كل شيء في البداية يسير بشكل رائع حتى أنها كانت لا تصدق نفسها أنها ستستطيع أخيرًا الفرار من بين براثين ذلك الذئب المفترس، وصلت للطابق الأرضي بحقيبة ملابسها وهي سعيدة فكان لم يتبقى بينها وبين بوابة البناية سوى خطوات صغيرة، لكن حدث ما كانت تخشاه حيث وجدته يدخل من البناية وهو يتجه للمنزل بالأعلى فتسمرت بأرضها بصدمة ورعب فقد أدركت أنها منتهية لا محال هذه المرة...
***
عودة لمنزل خليل صفوان......
نزلت فريال الدرج متجهة لغرفة الجلوس الكبيرة حيث يجلس زوجها وهي على ثغرها ابتسامة عريضة وعاشقة، تحركت بخطوات واثقة حتى وصلت للغرفة وفتحت الباب ودخلت بثقة تامة غير متوقعة ما ستراه بالداخل أبدًا، الذي جعلها تتصلب بأرضها في ذهول وسرعان ما تحول وجهها وعيناها للون الأحمر من فرط الغيظ عندما رأت تلك المشؤومة المدعوة منيرة تجلس مع جليلة وتتحدث معها، كيف تجرأت ودخلت منزلها مرة أخرى تلك الأفعى!!
رواية و بالعشق اهتدي الفصل الخامس 5 - بقلم ندى محمود توفيق
رواية و بالعشق اهتدي الفصل السادس 6 - بقلم ندى محمود توفيق
راحت تلكز ابنها خفية في قدمه تحثه على فعل ما اتفقا عليه، لكن لم يجيب عليها وظل معلق نظراته النارية على ابنة عمته فعادت تلكزه مجددًا بقوة مما جعله ينفجر صائحًا بانفعال:
"في إيه ياما!!"
انتفضت إنصاف زعرًا على أثر صيحته الغير متوقعة حتى أن غزل داهمها شعور بسيط بالقلق عندما رأت تعابيره النارية، أما "علي" فقد تجاهل اتفاقه مع أمه تمامًا وكأنه لم يكن وراح يتطلع لغزل بغضب هاتفًا في حدة:
"إيه اللي لبساه ده؟ هي مش آسيا قالتلك أن هنا معندناش حريم بتلبس الخلجات اللي كيف بدل الرقاصات دي، انتي فاكرة روحك لساتك في أمريكا؟"
اتسعت عين غزل بذهول عندما سمعته يصفها ويصف ملابسها بالراقصات المنحرفات، فاشتعلت نظراتها بنيران الغيظ والعصبية حيث هبت واقفة وصاحت به منفعلة:
"It's not your business, وأنت إنسان مش محترم."
أظلمت عيناه بشكل مرعب أكثر بعدما صاحت بوجهه أنه ليس لديه الحق في التحكم بها وهذا لا يعنيه ووصفته بعدم الاحترام، فتقدم منها بخطواته المتريثة وهو يبتسم لها بغل، تراجعت هي للخلف ورفعت سبابتها في وجهه صائحة بصوتها الأنثوي الناعم:
"Stay away from me, I warn you."
اتسعت بسمته المتوعدة لها وهو يجيبها بنظرة مميتة:
"مش أنا مش محترم وريني هتعملي إيه عاد؟"
وثبت إنصاف واقفة بخوف وراحت تمسك بذراع ابنها محاولة ردعه تجذبه للخلف صائحة به بحزم:
"علي! إيه اللي بتعمله ده؟ بعد أكده عن بت عمك."
التفت لأمه وهو يصرخ بعصبية:
"أنتي مش شايفاها ياما بتقول إيه.. هي دي اللي كنتي عايزاني أعتذر منها؟!"
كانت دماء غزل تغلي في عروقها من فرط الغيظ منه، والنقم يظهر بوضوح فوق تعابيرها الرقيقة فراحت تهتف له بحقد:
"Barbaric."
رقمها "علي" بنارية وتشنجت معالمه وأصبح وجهه وعيناه حمراء كالدم فراح يصيح بها بغيظ:
"يابت متجننيش عليكي ولمي لسانك."
صرخت إنصاف بنفاذ صبر وهي تكبله بذراعيها تحاول منعه عنها:
"بزيادة يا علي! هي قالتلك إيه يعني؟!"
"بتقولي بربري وهمجي، دي ناقصة تربية وعايزة تتربى من أول وجديد."
التفتت إنصاف لها ورمقتها بعتاب في إشارات منها تطلب منها الصمت وعدم لفظ أي كلمة أخرى لكن غزل لم تبالي واكملت صياحها وتهديدها لـ "علي":
"أنا مش هسكت على أسلوبك الهمجي ده معايا وهقول لجدو وخليه هو يتصرف معاك عشان بعد كدا تتكلم معايا باحترام."
رفع "علي" يده لوجهه يمسح عليه نزولًا للحيته البسيطة متمتمًا بهدوء مزيف يحاول تمالك أعصابه:
"اللهم طولك ياروح.. طيب يلا يابنت الناس اطلعي على أوضتك وغيري اللي لبساه ده من غير مشاكل."
"لا مش هطلع ومش هغير وقولتلك ده ميخصكش. البس اللي أنا عايزه.. أنا دادي مش بيقولي البس إيه وملبسش إيه، هتقولي أنت؟!"
عض على شفاه السفلية مغتاظًا وراح يصيح دون وعي:
"عشان دادي بتاعك ده اااا...."
توقف قبل أن يلفظ كلمته ويسب أبيها ويشتمه وتمتم وهو يتأفف ماسحًا على وجهه:
"هتخليني أغلط الله يسامحك.. اطلعي فوق وغيري يلا القرف ده قولتلك."
صاحت به إنصاف مغلوبة من ابنها الذي لا يهدأ أبدًا:
"بزيادة يا علي.. أنت مالك صح تلبس إيه ولا متلبسش إيه؟ جدك لما ييجي هو يتكلم معاها."
رمق أمه مندهشًا وقبل أن يجيبها انفتح الباب يعلن عن وصول حمزة الذي ركضت غزل إليه مسرعة وارتمت بين ذراعيه هاتفة بحزن وعبوس:
"كويس إنك جيت يا جدو في الوقت المناسب."
تجول حمزة بنظره على وجوه ثلاثتهم بحيرة ثم لف ذراعه بحنو حول كتفي حفيدته وضمها إليه متمتمًا في اهتمام:
"مالك يا غزل إيه اللي حصل ياحبيبة جدك؟"
أجابته بصوت ناعم وعينان دامعة:
"علي كل ما يشوفني بيتكلم معايا بأسلوب مش محترم وبيزعق فيا."
رفع حمزة رأسه وتطلع لحفيده بحدة ونظرة كلها عتاب ووعيد حقيقي له فقال "علي" بصرامة ولهجة مهذبة أمام جده:
"سبق وقولنالها يا جدي اللبس ده ميتلبسش هنا وهي مصممة تلبسه ومش عاجبها لما بنقولها غيريه."
خرج صوت حمزة صلب وعالي لا يقبل النقاش:
"أنا اللي أقول مش أنت.. أنت ملكش صالح بيها، ودلوك اعتذر من بت عمك يلا."
رأى في عين غزل نظرة نصر وشماتة فأظلمت عيناه وحاول إظهار الثبات الانفعالي قدر الإمكان وهو يجيب على جده بالرفض في أدب:
"اعتذر لما أكون على غلط يا جدي لكن أنا على حق، يعني أنا مبعتذرش من حد وابقى انصحها تلم لسانها شوية عشان مش كل مرة هعديها لما تغلط فيا."
أنهى عباراته واستدار يقود خطواته السريعة للأعلى حيث غرفته ولحقت به إنصاف وهي تضرب كف على كف، فقد فسدت خطتها وبدل من إصلاح علاقتهم تعقدت أكثر.
نظر حمزة لغزل وقال بجدية:
"تعالي معايا يا غزل عاوز اتكلم معاكي شوية!"
***
داخل قاعة الأفراح حيث تقام حفلة خطبة بلال وحور.......
ارتفع صوت رنين هاتف آسيا وعندما نظرت في الشاشة رأت رقم مجهول دون اسم، تجاهلته وكتمت صوت الرنين واعادت الهاتف على سطح الطاولة مجددًا، لكن دقيقة بالضبط وعاد يصدح صوت الرنين مرة أخرى فتأففت بنفاذ صبر وقررت الرد على ذلك المزعج كما وصفته.
فتحت الاتصال ورفعت الهاتف لأذنها تجيب بحدة:
"الو مين؟!"
وصل لأذنها صوت خلود الخافت والمبحوح وهي تستنجد بها:
"أنا خلود يا آسيا الحقيني أبوس يدك."
ارتخت عضلات وجهها وتحولت من الحدة للدهشة وراحت تتلفتت حولها تتأكد من عدم متابعة أحد لها وبالأخص زوجها وبسرعة هبت واقفة وقادت خطواتها السريعة باتجاه إحدى الزوايا المعزولة عن الناس والصوت بالقاعة من الخلف لتتمكن من التحدث براحة وعند وصولها قالت بقلق:
"مالك يا خلود؟ الحيوان ده عملك إيه تاني؟"
حاولت خلود كتم صوت بكائها وهي تهمس لآسيا في الهاتف بصوت يمزق القلب:
"قولي معمليش إيه، أنا خلاص يا آسيا لو ملقتش طريقة أهرب بيها منه هموت نفسي وأرتاح، امبارح حاولت أهرب بس مسكني وحبسني في الأوضة من وقتها من غير أكل ولا شرب وأنا قدرت آخد التلفون من غير ما يحس عشان أكلمك."
صاحت آسيا بعصبية وحقد:
"ده بني آدم مريض مستحيل يكون طبيعي، انتي من امبارح من غير أكل ولا شرب؟!"
ردت خلود بالإيجاب وهي تتوسلها بعجز:
"أيوة.. أبوس يدك يا آسيا انقذيني منه قبل ما يخلص عليا."
مسحت آسيا على وجهها وهي تتنهد الصعداء بضيق وتردف بقلة حيلة:
"هساعدك إزاي يا خلود، أنا وعمران من وقت ما جيت عندك البيت واحنا مش بنتكلم وأنا سايبة البيت وقاعدة في بيت أبوي ولو عرف أني كلمتك بس تاني القيامة هتقوم."
ظهر صوت بكائها أخيرًا ممزوج بخوفها ورعبها وهي تجيب على آسيا باستسلام:
"خلاص يا آسيا أنا هتصرف وهحاول ألاقي طريقة، وأنا مش عارفة أشكرك كيف أنك جيتي لغاية عندي المرة اللي فاتت وبتردي عليا رغم كل اللي عملته معاكي وحاولتي تساعديني على قد ما تقدري."
لأن قلبها واشفقت على حالتها البائسة فأخذت نفسًا عميقًا وهتفت بجدية ولهجة قوية:
"طيب بصي يا خلود أنا هحاول أساعدك والاقي حل وهتصرف بس متتصليش بيا تاني غير للضرورة أحسن الحيوان اللي عندك ده يعرف ويعمل فيكي حاجة تاني."
ظهر شبح بسمة خلود الفرحة وهي تجيب على آسيا بامتنان:
"حاضر وشكراً قوي يا آسيا."
كادت آسيا أن تجيب وتنهي الاتصال لكنها انتفضت بأرضها على أثر ذلك الصوت الرجولي المهيب من خلفها وهو يسألها بحدة:
"بتعملي إيه هنا وبتكلمي مين؟!"
انزلت الهاتف فورًا من فوق أذنها باضطراب عندما أدركت من صوته أنه عمران، استدارت له بجسدها في بطء وتطلعت في عيناه السوداء الثاقبة وهي تزدرد ريقها بصعوبة، ثم خرج صوتها خافت تجيب على سؤاله:
"بكلم أمي."
يهتف عمران بعينان حادة النظر:
"ومتكلميش أمك من مكانك هناك ليه.. إيه اللي جايبك هنا؟"
سيطرت على ارتباكها من حصاره لها واردف بخنق ولهجة منزعجة:
"مش سامعاها يا عمران جوه بسبب الأغاني، هو تحقيق ولا إيه؟!"
تحركت بخطوتين تنوي الفرار من ذلك الحصار قبل أن يكشف أمرها لكنه قبض على رسغها يوقفها مكانها متمتمًا:
"أنا لساتني مخلصتش كلامي!"
تأففت بصوت عالٍ وادبرت بوجهها للجهة الأخرى عنه قبل أن تعود له وتقول بغضب:
"وانا خلصت ومعدش في حاجة نتكلم فيها."
أحكم قبضته حول رسغها ثم التفت حوله يتأكد من خلو المكان من أي أنظار تتابعهم، والخطوة التالية كانت مفاجأة لها حيث لف ذراعه الثاني حول خصرها وجذبها إليه لتلتصق بصدره، فشهقت بفزع ورفعت رأسها تتطلع لوجهه بدهشة.. كان فرق الطول بينهما ملحوظ جعلها كالعصفور الصغير بين ذراعيه، ولم تلبث لتحاول الفرار منه حيث وجدته يهمس بنظرة ذات معنى:
"تخلص لما أقول أنا خلصت."
تلوت كالأفعى بين ذراعيه محاولة الإفلات من قبضته لكن دون جدوى فقالت بغيظ منه متعمدة إثارة جنونه:
"أنا عاوزاها تخلص مش كل حاجة هتمشي على كيفك، أنت مش هتخوفني بالشويتين اللي بتعملهم دول ومش فارق معايا ومش عاوزاك يا عمران ومش هرجعلك لغاية ما تعرف قيمتي زين."
رأت ظلام لا يبشر بالخير في عينيه وهو يصر على أسنانه مغتاظًا ومتوعدًا لها، كل ما أدركته بتلك اللحظة أنها إن لم تفر هاربة من بين يديه ستكون العواقب وخيمة ولكن هيهات أن تفعل، فوجدته يجذبها خلفه بقوة باتجاه غرفة كانت بالقرب منهم مباشرة وفتح الباب ودفعها بلطف للداخل فدخلت والتفتت حولها بارتياد وهي تتساءل "ماذا سيفعل بي هل سيعلقني بالسقف ويتركني معلقة أم ماذا؟" وجدته يتقدم منها بخطوات متريثة أسقطت قلبها من بين أضلعها وأخذت تتقهقر للخلف حتى وصلت لطريق مسدود وهو الحائط فنظرت له وقالت بشقعريرة:
"عمران بلاش جنان وفضايح وخليني أطلع!"
لم يكترث لها وتابع تقدمه منها حتى وصل لها مباشرة ووقف أمامها ينظر لها بأعين زادت من دقات قلبها خوفًا منه، كان ينوي أن يعاقبها حقًا لكن بذلك القرب وجد أنه يعاقب نفسه ونيران شوقه لها الذي كان يحاول إطفائها اشتعلت والتهبت في صدره، فطال تمعنه بها بنظرات تحولت من الغضب إلي الهيام والشوق، أما هي فقد حدقته بحيرة وعدم فهم من تحول تعبير وجهه فجأة، وبينما كانت على وشك أن تدفعه بعيدًا عنه وتستغل الفرصة لتفر فات الأوان وسقطت أسيرة بين ذراعيه وهو يغدق عليها دون بخل بشوقه وحبه لها، فابحرت معه في محيط عشقهم العميق معلنة عن رفع راية استسلامها بشوقها له أيضًا، لم ينتشلهم من سيل المشاعر الجارف ذلك سوى سماعهم لصوت خطوات أقدام تتحرك بالخارج، فانتفضت وابتعدت عنه بتوتر وخجل، مال هو على النافذة خلفها يزيح الستار قليلًا ينظر بطرف عينه فرأى رجل يتحدث في الهاتف ويتجه بخطواته لمكان آخر، هدأ توترها عندما تأكدت من عدم وجود أحد وراحت تتطلع له بأعين تقول الكثير وهي ترى في عينيه الرغبة في المزيد فابتسمت بثقة ونصر وهي تهمس مربتة فوق صدره:
"للدرجة دي مش قادر على بعدي، لا واضح الصراحة مين اللي هيفضل ثابت للنهاية."
انحنى عليها ناحية أذنها وهمس بنبرة رجولية قشعرت بدنها:
"إحنا مش في سباق يا غزال.. يعني احمدي ربك أني اكتفيت بده بس.. أما راسك الناشفة دي لو مليتيهاش بمزاجك هكسرها."
كامل ثغرها للجانب في بسمة مغرمة وملتذذة ثم طالعته بتحدٍ وأخرجت منديل من حقيبتها الصغيرة ووضعته بكفه متمتمة في غنج أنثوي وعنجهية جميلة:
"طيب خد امسك يامعلم.. امسح بقايا ثباتك العاطفي أمام غزالك كتلة الجمال الصارخ."
خفض نظره للمنديل الورقي الذي بيده ورفع رأسه مجددًا يتابعها وهي تبتعد عنه تغادر الغرفة بكل دلال وثقة وهي تلتفت برأسها لها وتبتسم بثقة، فلم يتمكن من كبح بسمته هو الآخر على عباراتها الأخيرة وراح يرفع منديلها يمسح بقايا أثر الحرب الغرامية التي كانت بينهم منذ قليل وبعدما انتهي القى بالمنديل في سلة القمامة وخرج خلفها، وجدها ذهبت وجلست على مقعدها فالتفتت هي برأسها للخلف ورأته وهو يتقدم بهيبته الرجولية متحركًا تجاه باب القاعة مرة أخرى وبيديه يهندم من عباءته بوقار، فابتسمت له بلؤم وحب وزادت ضحكتها عندما رأته يرمقها بطرف عينيه وهو يسير رافعًا حاجبيه وعلى تعابيره بسمة خفية لم يلاحظها سواها.
***
عودة لمنزل خليل صفوان داخل غرفة الجلوس الكبيرة حيث يجلس كل من الجد حمزة وغزل......
كانت تجلس أمام جدها بهدوء تام وتفرك أصابعها ببعضهم بتوتر. وبين كل لحظة والأخرى تتطلع لجدها بترقب منتظرة منه أن يبدأ حديثه الذي شعرت بأنه سيكون توبيخ قاسي، لكنه ادهشها عندما قال بكل حنو:
"مالك خايفة مني كده ليه؟ هو أنا هعلقلك المشنقة ولا إيه، ارتاحي أنا عايز أتكلم معاكي وندردش شوية."
ابتسمت له برقة وتمتمت وهي توميء برأسها بالإيجاب:
"اتفضل."
أخذ حمزة نفسًا عميقًا وهو يعتدل ليجلس بكل وقار ويتطلع في حفيدته مطولًا بجدية حتى قال في صوت غليظ:
"اسمعي يا غزل ياحبيبتي هنا مش أمريكا، وأنا مليش صالح بابوكي كان بيسمحلك بإيه ولا مبيسمحلكيش بإيه، انتي بعد موت أمك الله يرحمها أبوكي اللي رباكي ودلوك هو بعتك عندي عشان أراعيكي وتقعدي وسط ناسك واهلك لأنه مش فاضي بسبب شغله، فـ هنا العيشة تختلف واصل عن هناك، انتي دلوك في الصعيد واحنا معندناش حريم بتطلع على البلكونة بس من غير طرحتها فاهمة قصدي."
سكت للحظة ثم تابع بحدة بسيطة:
"صحيح أنا مش عاجبني أسلوب "علي" وطريقته معاكي بس هو عنده حق وميصحش يابتي تطلعي بالخلجات دي قصاد الكل كده وإهنا في ولاد عمك رجالة.. جلال و"علي" بالذات ده لسه حتى متجوزش مينفعش يابتي تطلعي وتدخلي قصاد الكل كده مش الغريب بس."
عندما ذكر نقطة عدم زواج "علي" لا تعرف لماذا قذف بعقلها فورًا الأفكار السيئة وراحت تضع كفيها فوق صدرها برعب وهي تهتف:
"Oh my god.. يعني هو ممكن يحاول يقربلي أو يأذيني؟"
ضيق حمزة عينيه بتعجب وسرعان ما هتف بغضب بسيط ولهجة صارمة اربكتها:
"عيال عمك متربين أحسن تربية ورجالة مفيش واحد فيهم يقدر يبصلك بصة عفشة يعني أنتي بنسبالهم كيف أختهم."
شعرت غزل بأنها أخطأت فيما تفوهت به عندما رأت غضب جدها واكتفت بهز رأسها بتفهم وهي تطرق رأسها أرضًا احراجًا واضطرابًا منه، ثم وجدته يكمل بحزم ولهجة لا تقبل النقاش:
"مش عاوز أشوفك لابسة الخلچات دي تاني، ولو معندكيش حاجة زينة وحشمة قولي لآسيا وهي تديكي أو تطلعي وتشتري اللي تحبيه، تمام؟"
رغم أن تلك القوانين والأوامر المعقدة لم تعجبها لكنها لم تصدر أي صوت وأبدت عن موافقتها واستسلامها التام لأوامر جدها، ثم استقامت واقفة وودعته بتهذيب قبل أن تترك الغرفة وتغادر متجهة لغرفتها بالأعلى وهي منزعجة.
***
بمكان آخر داخل أحد مراكز التجميل، كان يقف بلال بالخارج أمام باب الغرفة التي تتجهز بها حور، وبين كل لحظة والأخرى يتفقد ساعة يده بعدم صبر، لم يعد بإمكانه الانتظار أكثر حيث راح يقترب من الباب ويطرق عليه بقوة هاتفًا:
"هو أنا هقعد مستني كده كتير ولا إيه، يلا يا حور."
رتب بشار على كتفه وهو يضحك بمرح:
"اصبر يا روميو متستعجلش على إيه."
التفت بلال برأسه يحدقه بغيظ وهو يجيبه:
"مش وقتك خالص والله يابشار."
اقترب بشار منه وهمس بابتسامة عريضة:
"انت ناوي تقولها امتى في قاعة الفرح قدام المأذون ولا إيه؟!"
رد بلال بنبرة متوترة وهو يضحك:
"هقولها دلوقتي وربنا يستر بس هي تطلع الأول."
كبحوا هم الاثنين ضحكتهم بصعوبة وبعد دقائق قصيرة خرجت أخيرًا فتاة من الداخل وهي تخبره أن العروس جاهزة فابتسم لها وشكرها ثم أسرع لها بالداخل وظل بشار بالخارج ينتظره.
تسمر بأرضه وعلى ثغره ابتسامة بلهاء كلها غرام وفرحة ودهشة بجمالها الملائكي وهي ترتدي فستان هادئ من اللون الأزرق وتزين ملامحها الطفولية بمساحيق الجمال البسيطة التي زادتها رقة وجمالًا، ظل مكانه يتأملها بعينان تتفحصها بكل دقة وهيام مما جعلها تجفل رأسها أرضًا خجلًا وهي تبتسم وتهتف:
"بلال مش كفاية ولا إيه؟ يلا بينا؟"
تقدم منها بخطوات بطيئة دون أن يزيح بنظراته العاشقة عنها حتى وقف أمامها مباشرة ومد يده ليحتضن يدها الناعمة بين كفه الصلب وهو يتطلع في عيناها ويهمس بإعجاب شديد:
"إيه الجمال ده يا حوريتي، الأزرق ده إثبات يعني على أن حورية من البحر خطفت قلبي، طب آخدك وأطلع بيكي قصاد الخلق كيف أنا دلوقتي.. ده أنا عايز أحطك في قلبي وأقفل عليكي عشان محدش غيري يشوفك."
سحبت يدها من كفه ببطء وهي تضحك بخجل شديد وقد تلونت وجنتيها بالأحمر الجميل وراحت تهتف في رقة دون أن ترفع نظرها في وجهه:
"بس بقى يا بلال كسفتني الله، وبعدين مينفعش تمسك إيدي كده لسه لما نكتب الكتاب."
مصمص شفتيه بسكون مريب وهو يبتسم بطريقة غريبة ثم قال في بلاهة ومرح:
"يقطعني هو أنا مقولتلش ولا إيه؟!"
تجمدت معالم وجه حور واختفت بسمتها فورًا بارتياد وراحت تسأل بتردد:
"مقولتليش إيه؟"
تنحنح برجولية وهو يبتسم لها بحب ويقول في حماس:
"قبل أي حاجة أنا عايزك تتمالكي أعصابك وتهدي خالص، وتعرفي أني بحبك وعشان كده قررت أفاجئك."
صاحت به مغتاظة وبخوف وتوتر شديد بعدما تذكرت إجراءات الزواج التي أنهتها من يومين معه وبسبب قلة خبرتها وسذاجتها هو أقنعها أنها تتم قبل الزواج بفترة كبيرة:
"متقولش أنك عملتها برضوا يا بلال.. متقولش."
صاح هو الآخر محاولًا كبح ضحكته:
"ما أنا لازم أقول.. المأذون مستنينا في القاعة، وأمك وأبوكي وأخواتك والناس كلها عارفة أنا بس حبيت أعملها مفاجأة ليكي ومقولكيش."
صاحت بخوف طفولي وهي ترمقه شزرًا:
"هي دي حاجة تتعمل مفاجأة.. متفكرش تاني أبدًا يا بلال تفاجئني، إزاي بابا وماما ميقولوش ليا يعني، وأنت جاي دلوقتي تقولي دي خطوبة وكتب كتاب أنت أكيد مش طبيعي."
رغم اضطرابه من انفعالها وخوفه إلا أنه كان يحاول منع ضحكته بصعوبة والتصرف بكل جدية وهو يقول لها:
"أنا اتفقت مع أبوكي نخليها مفاجأة ليكي. اهدي في إيه؟!"
"أهدى إزاي يعني أنت عايز تفهمني أن بعد كام ساعة هتجوز وتقولي اهدى؟ لا ده أنت عايز تجنني، إحنا متفقناش على كده.. وأقولك على حاجة أنا مش هتجوز خالص ولا هحضر أفراح وهروح أقلع البتاع اللي لبساه ده وأمشي الناس اللي في القاعة دي كمان."
اتسعت عين بلال بصدمة وبسرعة أسرع نحوها وهو يمسك بيدها يحاول تهدأتها وسط ضحكته القوية:
"لا أبوس يدك مش وقت جنان خالص، بعدين إيه مش هتجوز دي.. ده أنا أخطفك وأكتب عليكي غصب، بعد الصبر ده كله والمصاريف والليلة اللي أنا عاملها وتقوليلي أمشي الناس، صلي على النبي كده يابنت الناس واستهدي بالله."
جذبت يدها من يده بقوة وهي تقول بغيظ:
"عليه الصلاة والسلام وبرضوا مش هتجوز يا بلال."
مسح على وجهه وهو يتأفف بقلة حيلة مستغفرًا ربه ويجيبها بابتسامة دافئة محاولًا إقناعها:
"يا حبيبتي هو أنا بقولك هكتب عليكي وأخدك على بيتي؟ ما إحنا هنخلص ليلتنا وهترجعي بيت أبوكي عادي، إحنا بس هنكتب الكتاب عشان ناخد راحتنا ونستمتع بفترة خطوبتنا من غير ما نكون بنعمل حاجة حرام، ده انتي مش عايزاني أمسك يدك وبتقوليلي بعد كتب الكتاب، ادينا هنكتبه عشان أمسكها عاد."
رفعت حاجبها وقد هدأت ثورتها وهيجانها وراحت تجيبه بتهكم:
"ياسلام يعني أنت هتكتب الكتاب عشان تمسك إيدي بس؟!"
"مش أوي يعني بس ماشي، بعدين انتي مسكتي في الكلمة ليه؟!"
ثم بدل تعابيره بلحظة لأخرى حازمة ورجولية قوية وهو يمسك بذراعها ويقول بلهجة آمرة تضمر في ثناياها الحنو:
"أنا هفضل أداوي فيكي كده كتير ولا إيه والناس مستنية، ولا عايزة الخلق تاكل وشي، اتحركي يلا أنتي هتتجوزي عفريت يعني ولا أنا همارس عليكي أساليب التعذيب أول ما تبقي مرتي."
عضت شفتيها باستسلامها في حزن ورعب فوجدته عاد ليبتسم لها بغرام ويعلق ذراعها بذراعه هامسًا لها في نبرة تذيب القلب:
"كلها دقايق وتبقي حلالي ومرتي ياحوريتي، اضحكي بقى بالله عليكي وإلا والله أمشي المأذون خالص لو مش عايزة نتجوز.. ها؟ أمشيه؟"
لوت فمها وهي تهز رأسها له بالرفض معبرة عن موافقتها أخيرًا ورغبتها في أن تكون زوجته، فاستحوذه الحماس والفرحة وانحنى عليها دون وعي ينوي احتضانها وتقبيلها فتراجعت للخلف فورًا وهي ترمقه بحدة وذهول، فتدارك نفسه فورًا وهو يتنحنح بإحراج ويهمس معتذرًا بضحكة ساحرية:
"لا مؤاخذة عاد الحماسة خدتني ونسيت نفسي، أنا مش عارف أنا مستعجل على إيه ما كلها شوية وأحضنك براحتي."
ابتعدت بوجهها ومالت للجهة الأخرى وهي تضحك بصمت عليه في خجل ثم قادت خطواتها معه للخارج لتجد عائلتها بانتظارها بالخارج واستقبلوها بالزغاريد والهتافات والتهنئات في فرحة غامرة، وفعلت مثلهم عفاف التي احتضنتها بقوة وهي تهتف لها من بين كلماتها بأنها أخيرًا ستصبح زوجة ابنها، أما هي فكانت في حالة ذهول وارتباك شديد مازالت حتى الآن لا تستوعب أنها ستصبح زوجته بعد دقائق، ومع ذلك حاولت التحكم بدقات قلبها والتشبث به بقوة وكأنها تستنجد به لينقذها من نفسها ويهدأ من روعها، وبالفعل شعر هو بقدر خوفها وتوترها فمسح على يدها بدفء وانحنى عليها يهمس في أذنها بعشق:
"اهدي متتوتريش مفيش حاجة أنا جارك أهو."
رفعت نظرها له وابتسمت له بعينان تفيض حبًا ووجه ينضج باللون الأحمر من فرط الخجل.
***
داخل قاعة الأفراح بعد وصول العروسين والانتهاء من مراسم الزواج كاملة وسط التهئنات الهتافات العالية من الجميع وتوتر حور الشديد المحلوظ على ملامحها رغم أن بلال كان يحاول قدر الإمكان تهدأتها وهو لا يطيق الانتظار حتى ينتهي ذلك الحفل ويجلس مع زوجته وحدهم لأول مرة.
لمح بشار رحاب وهي تجلس على إحدى الطاولات بجوار أمها وشقيقتها وزوجة عمه إخلاص، فأخذ نفسًا عميقًا وتحرك بالقرب منهم وهو يثبت نظره عليها وفور رؤيتها له وجدته يشير لها بأن تأتي خلفه، فهمت أنه يريد التحدث معها حول ما حدث بصباح الأمس، فتنهدت الصعداء مغلوبة وهي تزفر في ضيق وتوتر لكنها حاولت الحفاظ على مظهرها الطبيعي أمام الجميع واخبرت والدتها بكل هدوء أنها ستذهب للحمام، فاستقامت واقفة وتبعته بخطواتها الرقيقة وهي تتلفت خلفها نحو أمها لتتأكد من أنها لا تراقبها وفورًا أسرعت في خطاها حتى وصلت له ووجدت نفسها بمكان بعيد عن الأنظار خلف القاعة وهو يقف أمامها واضعًا كفيه في جيب بنطاله وينظر لها بجدية هاتفًا:
"هاا أنا سامعك؟"
تنحنحت رحاب بارتباك وردت عليه ببلاهة متصنعة:
"سامعني في إيه.. ليه طلبت نتكلم هنا يابشار؟"
انفجر بها فجأة بعصبية يقول:
"رحاب متعمليش نفسك عبيطة.. إيه اللي وداكي تقابلي ال**** خطيبك ده في مكان زي كده ومن غير ما تقولي لحد."
انتفضت مفزوعة على أثر صرخته بها وابتلعت ريقها بخوف بسيط وهي تجيبه بصوت يكاد لا يسمع في حزن:
"هددني أني لو مرحتش أقابله هيعملي مشاكل وهيقول لناسي على حاجات حصلت بينا وهي محصلتش."
باللحظات الأولى رأت الدهشة تعتلي ملامحه لكن سرعان ما تحولت لسخط ونظرات مريعة زادت من دقات قلبها التي لا تتوقف عن الضرب في صدرها بعنف، وراح يصيح بها منفعلًا:
"وانتي طبعًا سمعتي كلامه وروحتِ، أنتي عارفة أنا لو مكنتش لحقتك كان هيعمل فيكي إيه!!!"
ظهر وجوم ملامحها وهي تطرق رأسها أرضًا وتهز بالإيجاب كرد على عبارته الأخيرة وسط دموع عيناها السابحة ثم ردت عليه في صوت مبحوح دون أن ترفع رأسها وتنظر لوجهه:
"كنت عايزني أعمل إيه يعني يا بشار؟ ملقيتش حل تاني غير أني أروحه."
لم تهدأ عاصفته بل ازداد هيجانه أكثر وهو يكمل صياحه الغاضب بها:
"كنتي تقولي لأمك مثلاً ومتروحيش أو على الأقل لما شوفتك وسألتك رايحة وين كنت تعرفيني، مش تكدبي عليا عشان معرفش حاجة، أنتي دماغك كانت فين؟!"
سالت دموعها بغزارة فوق وجنتيها ورفعت رأسها له تصيح هي الأخرى بامتعاض شديد:
"حصل اللي حصل يابشار وخلاص وشكراً إنك نجدتني منه، المرة الجاية ابقى سيبني عشان أتحمل نتائج قراراتي الغبية."
استدارت وكانت تنوي الرحيل لكنه قبض على ذراعها يوقفها عنوة، وزمجر بها بغيظ:
"ده أنتي غبية صح.. إيه اللي بتقوليه ده؟ اوزني كلامك قبل ما تقوليه مش أي حاجة تتقال."
رفضت النظر لوجهه وظلت تنظر للجهة الأخرى بعيدًا عنه حتى سمعته يقول بخشونة:
"امسحي دموعك دي."
نظرت له بنفاذ صبر وغيظ بسبب لهجته الآمرة حتى في أكثر عبارة لا يجب أن يتم الأمر فيها، وراحت ترفع أناملها تجفف دموعها بقوة وهي تقول له بخنق:
"أهو مسحتها حلو كده! .. ممكن تسيب إيدي عاد عشان أرجع."
تنهد الصعداء وهو يلوى فمه بعدما نظر ليده الممسكة بذراعها بقوة وتملك، فتنحنح بإحراج بسيط وتركها بكل هدوء وحاول الحفاظ على ثباته وهو يسألها بجدية:
"أنتي أكيد مش ناوية تكملي معاه وهتفسخي الخطوبة؟"
أخذت نفسًا عميقًا مجيبة بجدية تامة:
"أيوة أنا كنت ناوية أفسخها من بدري بسبب أني مش مرتاحة معاه ولما قولتله إني هفسخ الخطوبة بعدها طلب يقابلني."
رغم أنه لم يعد متاحًا لها كالسابق والآن مرتبط لكن لا يعرف لماذا قلبه تراقص فرحًا بعدما أعطته بشرى انفصالها ولا إداريًا ظهرت بسمة غامضة على ثغره تبعها صوته المهتم وهو يحذرها:
"طيب مترديش عليه واصل تاني وابعدي عنه نهائي ولو ضايقك في أي حاجة تاني قوليلي ومتتصرفيش من نفسك تاني يارحاب."
حلقت الفراشات في معدتها بشعور غريب يداهمها للوهلة الأولى وهي الأخرى ابتسمت له لا إراديًا بعينان تقول الكثير وبينما كانت على وشك الرد عليه، صدح صوت هاتفه فاوقفها عن الحديث وعندما أخرجه ونظر لشاشته لمحت هي اسم "مريم" خطيبته، فتلاشت ابتسامتها واختفت تمامًا وظهر العبوس عليها وهي تهتف له بحزم بسيط:
"طيب أنا هسيبك ترد على خطيبتك سلام."
راقبها بنظراته الحائرة وهي تبتعد عنه وأخذ ينقل نظره بينها وبين الهاتف بخنق، فهو الآن في وضع لا يحسد عليه ولا يعرف حتى ماهو التصرف الصحيح في مثل هذه المواقف وكأنه يحتاج لمن يرشده.. هل يعود لمالكة قلبه أم يكمل مع الفتاة الذي اختارها عقله ولا يتمكن من مبادلتها نفس المشاعر؟ .
***
تحديدًا بالطاولة التي يجلس حولها كل من إخلاص وفتحيه وبناتها، انحنت إخلاص على أذن "منى" التي كانت بجوارها مباشرة وهمست لها في خبث:
"جهزتي نفسك وشنطتك لبكرة؟"
هزت منى رأسها بالإيجاب وهمست لها هي الأخرى بيأس:
"أيوه بس تفتكري يا مرت خالي عمران هيوافق أصلًا ولا هيجيب نتيجة؟"
نظرت له إخلاص بقوة وقالت في حقد:
"طبعًا هيجيب بقولك اللي متتسمى آسيا مهملة البيت وهما الاتنين في بينهم مشاكل وممكن يتطلقوا."
اتسعت عيني منى بدهشة وتهللت أسرارها وراحت تسألها بفرحة:
"تفتكري هيطلقوا صح يا مرت خالي؟"
رفعت إخلاص يديها للسماء تدعي من قلبها:
"يسمع من بوقك ربنا، عشان أخلص من العقربة بت جليلة دي وأجوز ولدي ست ستها واحدة تليق بيه كيفك كده."
أجفلت منى نظرها أرضًا وهي تبتسم بحياء وسعادة وقد عاد الأمل يجد طريقه لقلبها من جديد في الحصول على عمران.
***
بمكان آخر بمنزل جلال الجديد كان يجلس هو على أحد المقاعد الخشبية القديمة كان يستخدمها العمال أثناء توضيب الشقة، وبينما يتمعن النظر في المنزل ويتفحصه كليًا بابتسامة واسعة ودافئة، استقام واقفًا وقاد خطواته باتجاه غرفة أولاده يتفحص أفرشتهم الجديدة التي اشتراها اليوم من ضمن تجهيزات المنزل حتى لو لم يشتري كل شيء الآن لكنه سيكمل خلال الأيام القادم وسيملأ منزلهم بكل شيء يتمناه أولاده وزوجته، خرج من غرفة أولاده وتحرك نحو غرفة نومه وكان يوجد بها أيضًا فراش كبير وعريض فتقدم يجلس فوقه وشرد بعقله متذكرًا إياها عندما كانوا هنا.
وقفت فريال وراحت تتجول بنظرها في الغرفة بحماس وهي تقول بسعادة لم يراها على وجهها من قبل أبدًا واخذت تشير بسبابتها على كل مكان متزامنًا مع كلماتها:
"هنا هنحط السرير وإهنا الدولاب وعاوز يكون في المكان ده في انتريه صغير ومش عاوزة تسريحة عاوزة مراية تكون بطول الحيطة ومكتب صغير عشان أحط فيه وفوقه حاجتي."
ثم التفتت له بعدما انتهت من حديثها ورغباتها وامنياتها وقالت له مبتسمة:
"إيه رأيك؟"
ابتسم لها بعشق وانحنى عليها يعانقها من الخلف وهو يلثم رقبتها بعدة قبلات حميمية متمتمًا:
"رأي في إيه.. سبق وقلتلك ملكيش صالح بيا واصل البيت ده انتي اللي هتختاري فيه كل حاجة، انتي أتمني بس وأنا هحقق يافريالي."
ابتعدت عنه واستدارت له ترمقه بعينان لامعة تفيض غرامًا وعانقته بحرارة وهي تقبله بكل مكان تطوله شفتيها وسط همسها له بكلمة واحدة "بحبك". ثم ابتعدت عنه وجذبته من يده للخارج كطفلة صغيرة تريد أن تعرض على والدها شيء أعجبها وهي تقول له بحماس جميل:
"تعالي يلا أقولك عايزة المطبخ يكون كيف.. أنا مش مصدقة أن أخيرًا هيكون ليا مطبخ وحدي وهطبخلك وأعملك كل الأكل اللي بتحبه براحتي."
يضحك بقوة هاتفًا في مرح ولؤم:
"أيوة هو ده الدلع اللي أنا مستنيه، ولما أدخل ألاقيكي لابسة فساتينك القصيرة اللي مبشوفكيش بتلبيسها خالص."
توقفت والتفتت له بكل دلال وراحت تقترب منه وتلف ذراعيها حول رقبته متمتمة في دلع أنثوي مثير:
"هلبسلك كل حاجة وكل يوم هتلاقيني بحاجة جديدة تخطف عقلك."
فاق من شروده وهو على ثغره نفس البسمة الهائمة ودون تفكير أخرج هاتفه واجري اتصال بها ووضعه على أذنه ينتظر ردها بلهفة وفور سماعه لصافرة فتح الاتصال قال:
"فريالي."
سمع صوتها الناعم تجيبه:
"أيوة يا جلال."
رد عليها بنبرة ذائبة من فرط الغرام:
"عيون جلال وقلبه."
رفعت حاجبها باستغراب وسط بسمتها التي شقت طريقها لثغرها، وبكل هدوء استقامت واقفة من جانب آسيا وابتعدت عن مسامعها لتجيبه وهي تضحك:
"مالك يا حبيبي إيه اللي حصل؟"
أكمل كلماته الغرامية وهو يغدق عليها بسيل مشاعره الجياشة:
"اللي حصل أني مرة واحدة كده حسيت إني اتوحشتك.. هي الخطوبة لسه مخلصتش؟"
قهقهت بصوت عالي وراحت تجيبه بغنج أثر قلبه:
"لا لسه.. لو وحشتك قوي كده تعالي خدني."
أجابها باسمًا بخبث:
"بلاش أنتي عارفاني ممكن أعملها صح ومخليكيش تكملي خطوبة أخوكي."
تابعت الضحك وهي تجيب بالرفض بسرعة:
"لا خلاص ده أنا كنت بهزر."
تنهد الصعداء بكل بطء وهتف لها في دفء:
"أنا قاعد في شقتنا وظبطها واشتريت السراير والمطبخ وصل والأجهزة الكهربائية كلها، حتى لو لسه في حاجات لسه هنجيبها تاني كتير بس دلوقتي هي مش ناقصة غيرك انتي والعيال."
أدمعت عيناها من فرط فرحتها والمشاعر التي اجتاحتها في تلك اللحظة ما بين السعادة والحب والآمان وراحت تجيبه بصوت يغلبه البكاء:
"أنا بحبك قوي ربنا ما يحرمنا منك أبدًا يا حبيبي، متخلينيش عاد أسيب الفرح وأجيلك على هناك عشان أشوف العفش الجديد."
جلال بنبرة شعرت وكأنها تحتضنها من فرط حنانه:
"بكرة تتفرجي عليها براحتك.. بس أوعي تنسي الفساتين القصيرة!"
تمكن من إضحاكها مجددًا وراحت تجيبه بخجل ودلال جميل:
"مش هنساها متقلقش بعدين هو ده وقتها يا جلال بلاش وقاحة."
جلال بتأييد لرأيها في مكر أشد:
"عندك حق لما ترجعي نبقى نتكلم وجهًا لوجه براحتنا، روحي يلا كملي الفرح."
ابتسمت مغلوبة منه وهي تهز رأسها ثم ودعته وأنهت الاتصال وعادت لآسيا وهي تبتسم باتساع.
***
بعد مرور ساعات قصيرة داخل منزل خليل صفوان......
قادت جليلة خطواتها تجاه غرفة ابنها وأخذت تطرق الباب منادية عليه من الخارج ظنًا منها أنه بغرفته، وعندما لم تحصل على رد فتحت الباب وقررت الدخول لعلمها بأن فريال بخطبة أخيها وليست موجودة أيضًا، فور دخولها تسمرت بأرضها عندما لمحت الحقائب الكبيرة والكثيرة الموضوعة فوق الفراش والأرض.............
رواية و بالعشق اهتدي الفصل السابع 7 - بقلم ندى محمود توفيق
عندما دخلت جليلة الغرفة، كان جلال قد وصل إلى المنزل. وعندما دخل غرفته ورأى أمه تقف بجوار الباب تحدق في الحقائب بتعبيرات يستحوذها الذهول، أخذ نفسًا عميقًا وتنحنح خلفها بنبرته الرجولية ليجذب انتباهها لوجوده.
التفتت هي بجسدها للخلف فورًا واستقرت نظراتها المتألمة عليه لبرهة من الوقت قبل أن تسأله:
"إيه الشنط دي يا چلال؟"
تقدم نحوها بخطوات هادئة وهو يجيب بجدية:
"بكرى الصبح هنقل أنا وعيالي ومراتي على شقتي ياما."
رغم أنها كانت تتوقع ذلك الرد، لكن عند سماعه اختلف كثيرًا وكأنه صابها في مقتل. اتسعت عينيها وأدمعت، وراحت تهرول نحوه وتمسك بيده تترجاه:
"لو هتمشي عشان اللي حصل وأني دخلت منيرة حقك عليا يا ولدي. أنا والله ما كان في نيتي أعمل مشاكل بينك وبين مراتك أبدًا. معقول أنا هبقى عايزة واحدة سحارة وعقربة كيف منيرة دي ترجعلك تاني بعد اللي عملته فيك وكنت هتروح فيها بسبب السحر والأعمال اللي كانت بتعملها. أنا بس دخلتها عشان أشوفها عايزة تقول إيه وكنت هطردها بعدين، لكن ورحمة أبوك الغالي ما كان في نيتي حاجة وحشة."
قالت عبارتها الأخيرة وقد انهارت في البكاء العنيف. انفطر قلبه لبكائها وحن عليها، فراح يمسح فوق ذراعها ورأسها بحنو متمتمًا:
"أنا عارف ياما ومش همشي بسببك.. لكن أنا مش مرتاح هنا في البيت وكل يوم في مشكلة مختلفة وأنا عايز أرتاح مع مراتي وعيالي. وعايز أشوف فريال واخدة راحتها في بيتها. أنا حرمتها من حقها ده من وقت جوازنا وعمرها ما حست إنها ليها مملكة خاصة بيها ولا أنا كنت عارف أتمتع وأنبسط معاها ومع عيالي."
التفتت جليلة بلهفة محاولة إقناعه وسط دموعها التي تنهمر دون توقف:
"طب أنا أوعدك مفيش حد هيضايقك أنت وفريال واصل وخدوا راحتكم يا ولدي بس خليك جاري أبوس يدك."
تنهد جلال بقلة حيلة وعاد يهتف بجدية محاولة شرح وجهة نظره لها بوضوح أكثر:
"ياما ملوش علاقة بحد. أنا بقولك أنا مش مرتاح وعايز آخد راحتي في بيتي لوحدي. بزيادة عاد وأنا اللي أبوس يدك ما تعملي حاجة وخلينا على الأقل أقضي الليلة اللي فاضلة ليا هنا مرتاح وانقل على شقتي وأنا مبسوط مش متعكنن."
ظهر الجمود فجأة على معالم جليلة ونظرات العتاب كانت في عينيها، ثم قالت له بغضب ولهجة صارمة:
"فريال هي اللي عايزة تنقل وحطتها في دماغك صح."
تبدلت ملامحه من السكون والدفء للانزعاج ليقول بحدة:
"فريال ملهاش صالح ياما. أنا اللي قولت لها وأنا اللي عايز. هي لا قالت عايزة شقة ولا عايزة تنقل. كله أنا اللي عملته."
ابتعدت وتراجعت خطوة للخلف وهي ترمقه بشجن وتقول في يأس:
"يعني أنت خلاص مصمم وهتهملني."
فرد ذراعه وضمها إليه في حنان وقبَّل رأسها ثم أردف:
"مقدرش أهملك يا ست الكل. وأنا مش رايح آخر الدنيا وكل يوم هاجي أطمن عليكي وأقعد معاكي شوية. كفاية بما عاد عشان خاطري أنا مش هقدر أمشي وأنتي زعلانة ومش راضية كده."
توقفت عن البكاء أخيرًا ورغم عدم رضاها التام عن رحيله، لكنها التزمت الصمت وتقبلت الأمر الواقع. فوجدته يبتسم ويعود يقبل رأسها من جديد.
***
بعد انتهاء حفل الخطبة بينما كان الجميع يرحل تدريجيًا، كانت آسيا تقف في الزاوية في انتظار وصول فريال ليرحلوا ليعودوا معًا للمنزل. لكنها انتفضت على أثر صوت غليظ من خلفها يهتف:
"واقفة كده ليه يلا تعالي هوصلك البيت."
التفتت خلفها بعدما ميزت الصوت الرجولي الذي كان لزوجها وقالت له بهدوء:
"أنا هرجع مع فريال."
عمران بجدية:
"فريال هترجع مع أمي والباقي.. يلا هتقعدي واقفة كده كتير ولا إيه!"
تنهدت الصعداء مغلوبة وهزت رأسها له بالموافقة ثم سارت خلفه باتجاه السيارة وهي تبتسم كلما تتذكر مشهد الغرفة وهم معًا وكيف لم يتمكن من الصمود أمامها وخر مستسلمًا أمام شوقه لها وقبَّلها.
فتحت باب السيارة واستقلت بجانبه في المقعد المجاور له. انطلق بالسيارة وهو يشق بها الطرق والصمت كان سيد الموقف بينهم. تارة هو يختلس النظرات إليها دون أن تلاحظه وتارة هي. ومع طول الطريق وضعت رأسها على المقعد واسترخت تمامًا فغطت في ثبات هادئ.
عندما توقفت السيارة أمام منزل خليل صفوان، راح يتمعنها بعينان مهمومة. لو تعرف ما الذي يعانيه داخله الآن وصراعه الذي لا ينتهي بأي شكل. يرغب في العودة بها لمنزلهم حتى لو رغمًا عنها، لكن كلماتها الأخيرة بيوم زيارة الطبيب مازالت عالقة بذهنه ولم ينساها. جرحته وزاد امتعاضه منها. لكنها مهما تفعل لا تنجح في جعل ذلك القلب يغضب منها ويظل ينبض بعشقها ويصرخ من عذاب شوقه لها.
أخذ نفسًا عميقًا وانحنى عليها يهتف في صوت رخيم:
"آسيا فوقي، احنا وصلنا."
لم يحصل على ردة فعل منها ولم تتحرك فكانت غاطة في نوم عميق. ابتسم لا إراديًا واقترب منها أكثر ليهمس في أذنها ببحته الرجولية التي تذهب العقل:
"يا غزالي."
ظهرت بسمة غرامية على ثغرها وسط نعاسها ومالت برأسها لجهته وهي تبتسم ومغلقة عيناها. فقد ظنته حلم مما يعني أنها لم تفق بعد بشكل كامل. وجدها ترفع ذراعيها دون وعي وتلفها حول رقبته وتنحني عليه لتعانقه وهي تردد بصوت يكاد يُسمع بصعوبة من تأثير النعاس عليها:
"عمران."
رفع حاجبه بتعجب وقد ازدادت ابتسامته اتساعًا وبقى ساكنًا دون حركة يتركها متشبثة به وتعانقه بقوة. لحظات قصيرة وفتحت عيناها تدريجيًا وكأن عقرب لدغتها انتفضت بعيدًا عنه وهي ترمقه مندهشة وتقول بخمول وصوت ضعيف:
"إيه ده.. في إيه؟"
رأت على وجهه بسمة عابثة كلها مكر وهو يجيبها باستمتاع:
"حمدلله على السلامة يا غزال، وصلنا!"
طالعته ببلاهة لثواني وكأنها مازالت حتى الآن لم تدرك ما حدث للتو. وراحت ترفع أناملها تفرك عينيها وتمسح على وجهها ثم تسأله بصوت خافت يظهر عليه الإحراج من معانقتها له:
"هو أنا نايمة من بدري."
رأته يكتفي بابتسامته الخبيثة دون إجابة عليها. فحاولت تفادي النظر إليه وعندما أدركت أن لا مفر منه فنظرت له وقالت بضيق وخجل:
"بتبصلي كده ليه أنا كنت نايمة ومش حاسة بروحي على فكرة."
لاحت في عيناه نظرة شيطانية ماكرة وهتف غامزًا:
"وأنا كمان مكنتش حاسس بروحي في الفرح. كده نبقى متعادلين."
أشاحت بوجهها عنه ثانية للجهة الأخرى وهي تبتسم بنفاذ صبر ثم نظرت له وقالت في جدية:
"متقدرش تنكر إنك اشتقتلي بس مش عايز تعترف إنك غلطان في حقي وظلمتني."
اختفت بسمته ورد عليها بامتعاض حقيقي:
"وهو إني ميحقليش أزعل بعد اللي عملتيه وقولتيه ليا في العربية يوم الدكتور."
زمت شفتيها وهتفت بحزن وهي تتمنع عنه بدلال:
"يحقلك بس أنا كمان يحقلي. ولغاية ما تدرك غلطك وتقرر تعتذر أنا في بيت أبويا يا معلم."
أنهت عبارتها وفتحت الباب السيارة لتنزل لكنه قبض على ذراعها يوقفها بنبرة منزعجة:
"رايحة فين؟!"
ردت عليه بكل هدوء وهي تبتسم:
"تعبت ومحتاجة أرتاح.. تصبح على خير."
لوى فمه وهو يصر على أسنانه بغيظ منها ثم ترك يدها مجبرًا واخذ يتابعها وهي تدخل لمنزل والدها وداخله يشتعل من نيران الغضب والشوق معًا.
***
بتمام الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل.
خرجت غزل من المطبخ بعدما انتهت من تحضير كوب عصير من الليمون البارد لها وكانت في طريقها للصالون لتجلس به وحدها بينما تشرب مشروبها بتلذذ. بعد خلود الكل للنوم أصبح المنزل هادئ.
تسمرت بأرضها باضطراب عندما وصلت للصالون ورأت "علي" يجلس على الأريكة ويبدو أنه هو أيضًا مثلها كان بحاجة لمزيد من الاسترخاء في الهدوء بعيدًا عن الضجيج في هذا الليل. تردد وخجلت من الجلوس وبينما كانت على وشك الاستدارة والعودة لغرفتها أوقفها صوته الغليظ سامحًا لها بنبرة بدت لأول مرة طبيعية ومهذبة:
"تعالي اقعدي ماشية ليه؟"
التفتت له برأسها وابتسمت في تكلف تجيبه:
"مش حابة أزعجك أنا هطلع أقعد في my room."
أخذ علي نفسًا عميقًا وأخرجه زفيرًا متهملًا قبل أن يسألها بنبرة بدت مهتمة ولكنها أحستها لا مبالية ويتصنع الاهتمام:
"انتي قولتي اسمك إيه؟"
رفعت حاجبها باستنكار وقد تبدلت ملامحها الغيظ لاجئين في شراسة جميلة:
"أنا مقولتلش أصلًا من الأول عشان تحاول تفتكره دلوقتي، واسمي غزل!"
رأت على ثغره بسمة نصر وكأنه يحتفل بداخله أنه نجح في إزعاجها. فاشتعلت كيدًا منه وعنادًا قررت الجلوس لكي تزعجه هي أيضًا كما يفعل ذلك المزعج.
جلست على الأريكة المجاورة لتلك التي يجلس عليها، ومر عليهم وقت طويل وهم يلتزمون الصمت حتى سمعته يسألها بكل تحضر عكس تصرفاته السابقة معها:
"وانتي عاد خلصتي دراسة ولا لسا بتدرسي؟"
طالعته بطرف عينيها في خنق وردت عليه في مضض:
"خلصت السنة دي كانت the last year."
هز رأسه وهو يمط شفتيه ببرود ويجيب متعمدًا إثارة جنونها:
"امممم لسه أنتِ عيلة يعني."
لم يفشل في جعلها تستشيط وتهتف بغضب:
"أنا مش طفلة، أنا عندي 22 سنة وبعدين ده جسم طفلة ولا شكل طفلة."
اخفض نظره لجسدها يتفحصها بتدقيق وهز رأسه بالرفض وهو مستمر في تمعنها وسط همسه:
"لا طبعًا كل ده جسم طفلة كيف!!"
لمست شيء غير مريح في تمتمته التي لا تسمعها فراحت تسأله بحدة:
"what did you said?"
ابتعد بنظراته عن جسدها وتطلع في وجهها بابتسامة سمجة مجيبًا:
"قلت كل خير يا غندورة."
تأففت بنفاذ صبر وقالت له في غيظ حقيقي:
"مين غندورة.. قولتلك اسمي غزل."
رفع حاجبه ورد مبتسمًا:
"والفرق إيه مهو الاتنين نفس المعنى."
زمت شفتيها بانزعاج وقالت وهي تهم بالوقوف:
"أنت واضح أنك مصمم تعصبني أنا غلطانة إني قعدت معاك."
زم شفتيه بعدم حيلة وهو يقول في استغراب متصنعًا البراءة:
"يعني هو نتكلم زين مش عاجب نتكلم عفش مش عاجب!"
سكتت للحظات وهي تحاول استيعاب من هو "زين" ومن "عفش" محاولة ربط الجملة ببعضها فقالت له في النهاية مغلوبة:
"ممكن تتكلم مصري عشان مش فاهمة أنت بتقول إيه!!"
ضحك لا إراديًا ورد عليها ساخرًا:
"ليه وهو أنا بتكلم إيه افغنستاني!!"
لوت فمها في تعابير وجه متقرفة تدل على عدم إعجابها بمزحته السخيفة:
"أشكرك على المحادثة اللطيفة دي كانت جلسة قصيرة أتمنى متتكررش تاني، تصبح على خير."
تمت ضحكته بصعوبة وحافظ على تعابيره الباردة ليرد عليها وهي تتجه لغرفتها بصوت مرتفع قليلًا متعمدًا إزعاجها:
"وانتي من أهله يا غندورة."
التفتت له برأسها ورمقته بنارية ثم أشاحت بوجهها وهي تتأفف وتهمس بسخط شديد:
"اوووف بني آدم مش طبيعي."
***
بمكان آخر تحديدًا بمنزل حور أخيرًا جلست هي وبلال بمفردهم. رغم أنها كانت تحاول الهرب منه قدر الإمكان، لكن لا مفر وفي النهاية وجدت نفسها في الغرفة معه وحيدة.
استمرت في التلفت حولها وتفقد السقف وتفحصه وكأنها تراه للوهلة الأولى. كانت تقريبًا تنظر على كل شيء إلا وجهه وهو يتابعها بصمت منتظر منها أن تدرك أنه موجود بجوارها ولديه وجه يمكنها النظر إليه إذا أرادت فهو ليس شفافًا!
انحنى عليها وهمس بالقرب من أذنها في مرح:
"حور طمنيني عليكي انتي شيفاني طيب ولا إيه أنا حاسس نفسي غير مرئي!"
التفتت له وانتفضت مفزوعة واجابته بتعلثم:
"أيوه شيفاك طبعًا يابلال في إيه؟!"
تصنع الدهشة وهو يجيبها:
"صح والله شيفاني.. طب قولي شيفاني من وين بالظبط يمكن أشوف نفسي معاكي، في انهي ركن في الأوضة يعني شيفاني قاعد فيه مثلا بما إنك مسبتيش حتة مبصتيش عليها غير مكاني."
ضحكت بصمت في خجل وراحت تهتف مغلوبة:
"بس بقى يا بلال بلاش رخامة."
ابتسم لضحكتها وتمتم بفرحة:
"أيوه كده اضحكي يا عروسة، فكي واتكلمي معايا."
أطرقت رأسها أرضًا وقد تلونت وجنتيها بالأحمر من فرط الحياء أما هو فقد مد يديه ليمسك بكفيها ويحتضنهم بين يديه ثم يرفع واحدًا تلو الآخر لشفتيه يقبل ظاهره وهو يثبت نظراته على عينيها الزائغة. شعر بارتعاشة جسدها فور ملامسة شفتيه لبشرتها الناعمة فازدادت ابتسامته اتساعًا والح عليه قبله العاشق أن يتجرأ أكثر فالآن لم يعد هناك شيء يعيقه بعدما أصبحت زوجته. اقترب منها ينوي خطف قبلة سريعة لكنها انتفضت وابتعدت بسرعة متقهقرة للخلف وراحت تهتف له بارتباك شديد:
"لو قربتلي هنده على بابا."
أضاق عينيه بذهول وراح يقول لها بجدية:
"بابا إيه هو أنا هاكل منك حتة."
هزت رأسها بالنفي وهي تقول بلهجة طفولية من فرط اضطرابها:
"لا أنا عارفة أنت كنت عايز تعمل إيه!"
هتف مازحًا وهو يضحك:
"يبقى أكيد كمان عرفتي أن غرضي شريف."
أصبحت كالبندورة من فرط الاستحياء وراحت تهمس له بتوتر:
"بلال والله أعيط."
مسح على وجهه مستغفرًا ربه وهي زفر بنفاذ صبر ويتمتم:
"يارب صبرني ادي آخرة اللي يتجوز طفلة، أحلفلك بإيه إني بقيت جوزك دلوقتي خلاص ده حتى لسه البصمة في صباعك."
رجته والأطفال وهي تبتسم ببلاهة أضحكته:
"معلش معلش خدني على قد عقلي واعتبرني هبلة ولسه مستوعبتش اللي حصل، أنت جوزي دلوقتي ماشي بس ممكن نقعد مؤدبين وزي الناس المتحضرة."
تجمدت تعابير وجهه وتحولت للغيظ منها وهو يقول بتهكم مجيبًا عليها:
"أنا تملكني الفضول أعرف الناس المتحضرة دي كيف بتقعد مع مراتهم.. ممكن تحكيلي يابنك المعرفة والثقافة؟"
قهقهت عاليًا رغمًا عنها وردت بعدما اعتدلت في جلستها وجلست التربيعة أمامه وهي تشرح له ما طلب بكل حماس ومرح:
"يعني مثلا بيفضلوا يتكلموا عن حصل إيه في الخطوبة وكتب الكتاب ويضحكوا ويهزروا ويقولوا خططهم لتجهيز شقتهم وفرحهم و..."
توقفت عن الكلام عندما رأته يستمع إليها وهو يهز رأسه بكل عدم مبالاة ويتصنع الاهتمام بكلماتها ثمينة المعنى كما تظن هي. قرأته يسأله بكل برود يؤكد على أن ما قالته للتو لم يكترث له بمقدار ذرة:
"خلصتي؟ .. أيوه أنا إمتى هاخدها برضوا؟"
حور بعدم فهم:
"هي إيه دي؟!"
رد بجرأة ووقاحة صدمتها:
"البوسة!"
لكزته في كتفه بقوة مغتاظة وهي تصيح به بخجل شديد:
"إيه الوقاحة دي يا بلال أنا ما كنت أعرف إنك كده، صدمتني فيك!"
رفع يده يحك مؤخرة رأسه بعدما مال برأسه بعيدًا عنها وتمتم مغلوبًا وهو يهز رأسه في إيماءات متتالية:
"اتصدمتي فيا!!.. امممم هي باينة من أولها."
التفت لها ثانية وقال لها بابتسامة متكلفة محاولًا اخفاء غيظه:
"بقولك إيه ياحبيبتي معندكمش ليمون؟"
حور بإيجاب واستغراب من سؤاله:
"آه عندنا ليه؟!!"
بلال وهو مازال محتفظًا ببسمته المريبة:
"طب ما تقومي تعمليلي كوباية أحسن أنا حاسس إني بدأت أفقد أعصابي ومحتاج حاجة تهديني."
غضنت حاجبيها بحيرة من أمره وقلق بسيط فوجدته يحثها على النهوض وهو يدفعها للنهوض بلطف ويبتسم لها بحب. ففعلت بصمت وهي لا تتوقف عن التحديق به بتعجب واتجهت للمطبخ لكي تحضر له كوب من عصير الليمون كما طلب منها!
***
صباح اليوم التالي داخل منزل إبراهيم الصاوي.
اتجه عمران لغرفة أمه مباشرة بعدما رأى منى تجلس في الصالون منذ الصباح وترتدي ملابس منزلية مما يوضح أنها ليست ذاهبة ثانية.
طرق الباب وفتح الباب ثم دخل فرأى إخلاص تؤدي صلاة الظهر. جلس على طرف السرير ينتظر إنهاء صلاتها ثم هتف لها بغضب:
"منى بتعمل إيه هنا ياما.. أنا مش قولت مش هتدخل وتقعد هنا تاني."
استقامت إخلاص واقفة من فوق المصلاة والتقطتها من فوق الأرض وطوتها ثم وضعتها على ظهر المقعد وقالت لابنها بهدوء تام:
"أنا اللي طلبت منها تيجي يا ولدي."
صح عمران منفعلًا:
"أنا مش بسأل مين اللي قالها تيجي.. أنا كان كلامي واضح لما قولت مش هتقعد هنا تاني ياما وأنتي كسرتي كلمتي ومعملتيش حساب ليا."
اقتربت منه بسرعة وقالت بحنو محاولة امتصاص غضبه واقناعه ببقائها:
"لا يا ولدي أنا مقدرش أكسر كلمتك أبدًا، بس أنت شايف صحتي بقت كيف الحمدلله ومش بقدر أعمل مجهود كبير واختك حامل وتعبانة ومش هتقدر تقعد جاري وحتى مراتك مش قاعدة فأنا طلبت منها تقعد جاري يومين بس واهي تساعدني وتشيل عني شوية."
عمران بنفاذ صبر وصوت جهوري مخيف:
"أما أنا مش عايز مشاكل ووجع راس ولا عايزها."
أمسكت بيده وهي تتوسله محاولة استعطافه:
"يا ولدي عشان خاطري وافق، هي مش هتقرب منك واصل وهتبقى قاعدة جاري طول الوقت وكلها يومين وتمشي، ولو على المشاكل متقلقش مفيش أي حاجة هتحصل ومراتك مش قاعدة ولغاية ما ترجع هتكون منى مشيت من زمان.. متكسرش بخاطري عاد وخليها قاعدة معايا اليومين دول أنا محتاجاها."
طال تمعنه للنظر في وجه أمه ونظرة الرجاء التي بعينيها جعلته يلين وتهدأ ثورته قليلًا ليجيبها في النهاية بحزم وضيق:
"طيب ياما بس يومين بالظبط وترجع بيتهم."
ابتسمت إخلاص بفرحة وعينان ممتلئة نصر وشيطانية:
"حاضر يا حبيبي متقلقش يومين بالتمام هتمشي."
أصدر تأففًا حارًا باستياء واستدار وغادر الغرفة ليتركها تسعد وتحتفل بأولى انتصاراتها على آسيا.
***
على الجانب الآخر داخل غرفة آسيا، وجدت فريال تقتحم عليها الغرفة وتدخل وعلى وجهها قسمات لا تبشر بالخير. فضيقت آسيا عيناها وقالت لها متعجبة:
"انتوا لسه ما مشيتوش أنا قولت دول مشيوا من زمان."
اندفعت فريال نحوها مسرعة وهي تقول بإيجاز:
"ماشيين دلوقتي بس سيبك مني واسمعي اللي هقوله."
أصغت آسيا أذنيها لتسمع ما تريد قوله لها فقالت فريال بانزعاج وجدية تامة:
"أمي اتصلت بيا تطمن عليا وبالصدفة وقعت في الكلام وقالت أن منى في البيت."
فغرت آسيا عيناها وشفتيها بصدمة تردد:
"بيت إيه؟"
فريال بنبرة مرتفعة بعض الشيء:
"في بيت أبويا يا آسيا يعني بيت مين واللي فهمته أنها رايحة تقعد فترة هناك مش زيارة كام ساعة وماشية."
أظلمت عيني آسيا وتحولت ملامحها لأخرى كلها شر وحقد وأخذت تهمس بابتسامة مخيفة:
"تقعد فترة.. آه السحلية رجعت للموت برجليها."
وباللحظة التالية فورًا دون تفكير كانت تندفع نحو خزانتها وتخرج حقيبة ملابسها وتبدأ في دي ملابسها بها بطريقة عشوائية. هتفت فريال بدهشة وعدم استيعاب:
"هتعملي إيه؟!"
آسيا بابتسامة تحمل وعد شيطاني:
"هنضف البيت من الحشرات واعلق السحلية من زورها على باب البيت عشان تبقى عبرة لبقية السحالي."
ضحكت فريال لا إراديًا رغمًا عنها واقتربت من آسياها تردف برزانة:
"طيب اهدي يا آسيا هترجعي البيت بشنطتك وكيف هتشيليها لوحدك وانتي حامل وتعبانة كده."
التفتت لها ورمقتها بنارية هاتفة:
"هدحرجها قصادي على الأرض يا فريال حلو كده."
حاولت كبح ضحكاتها وهتفت بصوت رخيم:
"اسمعي الكلام طيب الأول واهدي."
انفجرت آسيا بشكل مرعب وكأنها تحولت بلحظة لشبح عاد لينتقم ولن يرحم أحد:
"ملكيش صالح بيا يا فريال سبيني أعمل اللي عايزاه."
فهمت فريال أنها أخذت قرارها ولن تتراجع وفي الغالب منى ستصبح مع الأموات عندما تصل لهم. تمتمت في جدية:
"طيب هبعت معاكي معاذ وعمار يشيلوا منك الشنطة لغاية البيت."
لم تجبها أكثر بل لم تسمعها من الأساس فقد كان عقلها مشغول بتلك الأفعى أو السحلية كما تسميها التي استغلت عدم وجودها لتتودد لزوجها وتقترب منه.
***
بعد مرور ساعة تقريبًا داخل منزل إبراهيم الصاوي اتجهت منى للباب لكي تفتح بعدما سمعت صوت الرنين العنيف، ولم تكن تدرك ما الذي ينتظرها خلف ذلك الباب. ربما لو علمت لما خطت خطوة نحوه.
وقفت وامسكت بالمقبض لتديره وتجذب الباب عليها فتجمدت ملامحها عندما رأت آسيا أمامها وتبتسم له بطريقة مريبة وتقول بمزح لم يكن الهدف منه الضحك أبدًا:
"سبحان الله أول مرة أشوف سحلية بتفتح الباب!"
رواية و بالعشق اهتدي الفصل الثامن 8 - بقلم ندى محمود توفيق
ابتلعت منى الإهانة في جوفها رغم اشتعالها من الداخل وظلت تحدق بآسيا في غل وضغينة.
وبالمقابل كانت الأخرى تتمعّنها ببسمة مريبة ونظرات مليئة بالشر،
ثم فجأة وقفت بكل شموخ وانحنت لتمسك بحقيبتها وتدفع منى من طريقها بكل عنف لتدخل وهي تجر حقيبتها خلفها هاتفة:
_أنتي ربنا بيحبك قوي عشان فتحتيلي الباب بنفسك_
عقدت منى ذراعيها أسفل صدرها وراحت تتطلّع لآسيا بكل ثقة وقرف مما جعلها تضحك بقوة عليها وتدريجيًا تتلاشى ضحكتها للتحوّل لوجه شيطاني مرعب بالأخص عندما هتفت منى بشجاعة ستكلّفها الكثير:
_مشكلتك أنك شايفة روحك محدش بيقدر عليكي يا آسيا بس أنتي غلطانة_
آسيا ببسمة متوعّدة:
_طب ما تاجي نشوف كلامك ولا كلامي اللي صح_
وبظرف لحظة انحنت للأمام عند قدميها ونزعت حذاءها العالي وقد ارتدته خصوصًا لها،
ثم التقطته بين يدها وأخذت تقترب منها وهي ممسكة به..
لا إراديًا كانت منى تتقهقر للخلف وترمق آسيا بعينين متسعّتين عندما سمعتها تهمس باستهزاء ونبرة فظة:
_شايفة الجزمة دي لا مؤاخذة اشتريتها مخصوص عشان أدعس بيها السحالي واقطم رقبتهم بيها_
حاولت منى البقاء صامدة دون حركة رغم أنها ترتجف من الداخل وكانت مستعدّة لأي هجوم لكن باغتتها آسيا بحركة غير متوقّعة وهي جذبها من حجابها بكل بقوة وصفعها فوق وجنتها بكل عنف صائحة بها:
_هو أنا عشان مش قاعدة افتكرني روحك تتعرّفي تقرّبي من جوزي يا سحلية_
حاولت منى دفعها بعيدًا عنها لكن آسيا كانت تحكم قبضتها عليها جيّدًا،
وتمكّنت من إسقاطها فوق الأرض وجلست فوقها وبيد جذبتها من شعرها وباليد الأخرى نزلت عليها بالضربات المتتالية بحذاء الكعب العالي الخاصّ بها وسط صراخ منى وهي تحاول دفع آسيا عنها وتفادي ضرباتها بينما الأخرى فكانت لا تتوقّف وتفرّغ بها شحنة غيظها بكل شماتة وسعادة وهي تصرخ بها:
_دي عشان تعرفي بس أنا بتعامل مع الجراد والسحالي اللي كيفك ازاي، ده أنا هعملك عاهة مستديمة يا خطّافة الرجالة_
أخذت منى تصرخ بكل ما تبقى لديها من صوت:
_يا مرت خالي الحقيني.. عـمـران_
التهبت نظرات آسيا وتحوّلت لجمرة من النيران المشتعلة عندما وجدتها تصرخ باسم زوجها وتستنجد به لينقذها من بين براثنها،
وجدت نفسها دون وعي تزيد من ضربها الهستيري وهي تصرخ بها:
_عمران ايه يا **** .. هو هينجّدك مني يعني، صدقيني ما في مخلوق هيعرف ينجّدك مني الليلة دي.. أنا أمّا ربّيتك يا **** يا خرّابة البيوت مبقاش آسيا بت خليل صفوان_
تجمّع جميع من بالمنزل مفزوعًا وهم يركضون على أثر الصراخ المرتفع لمنى،
أما هي فقد استطاعت أخيرًا بإعجوبة الفرار من بين مخالب تلك المتوحّشة ودفعتها من فوقها فسقطت آسيا على الأرض ولحسن الحظ أنها لم تتألم أو تتأذّى وبسرعة البرق هبَت واقفة تنزع حذاء القدم الأخرى وتلتفت خلفها لتلقيه على منى التي تركض بعيدًا عنها تنوي إصابتها به لتكسر أضلاعها لكن وجدت الحذاء سقط بين يدي عمران الذي وصل للتو ويقف منذهلًا ومنى راحت تقف خلفه تحتمي به،
مما زاد من هيجان آسيا عليها وراحت تركض نحوها وهي تصرخ بها تنوي جذبها من شعرها بعيدًا عنه:
_ده أنا هنحلّك شعرك في يدي وهاكلك بسنّاني يا ****، بعدي من وراه_
تلقاها عمران قبل أن تلتقط منى من خلفه بذراعها وكبّلها بذراعيه يلفّهم حول ظهرها ويضمّها إليه ليمنعها من الوصول لها،
ولكن ذلك لم يشل حركتها كاملة فقد كانت كالثور الهائج الذي لا يرى أمامه وأخذت تصرخ بها وتلوّح بيدها من جانب كتف عمران وهي بين ذراعيه تمامًا بحضنه وتصرخ بمنى التي أخذت تتقهقر للخلف خوفًا منها:
_تعالي بترجّعي لورا ليه.. قربي مني عشان أجيبك تحت رجلي واكسرلك ضلوعك كلها يا سحلية_
أسرعت نحوها إخلاص لتجذبها من ذراعها وتضمّها لصدرها تتفحّصها بزعر بعدما رأت منظرها وهيئتها المزرية،
فقد كانت ملابسها وحجابها مبدّدين ووجهها مليء بالخدوش الطويلة وكأن قطّة مفترسة هجمت عليها ولم ترحمها من مخالبها الحادّة،
جذبها معها الأعلى فصاحت آسيا بغضب:
_وخداها على وين دي مش هتقعْد أهنا دقيقة واحدة_
كان بلال يقف من الأعلى يشاهد زوجة أخيه وهو يبتسم عليها،
رغم أنه أشفق على منى قليلًا لكنها استحقت..
وعفّاف تشاهد بذهول وسط ضحكها المكتوم مثل بلال،
ولم يكن لبشار وعبد العزيز نصيب من مشاهدة ذلك الفيلم الأكشن.
انحنى عمران على أذن آسيا يهتف لها بجدّية:
_خلاص يا آسيا مش مكفيكي اللي عملتيه فيها، اثبتي واهدي_
لم تكترث له وكانت ما زالت تتلوّى بين ذراعيه كالأفعى تحاول الهروب لتجذب منى من شعرها ثانية لكنه عاد يهتف لها بحدّة هذه المرّة:
_آسيا قولت بزيادة.. يلا تعالي على الأوضة فوق_
أفلتها من بين ذراعيه ببطء حتى لا تهرب وأبعدها عن صدره ثم قبض على ذراعها وجذبها معه للأعلى عنوّة،
رغم نظراتها الناريّة له وكأنها تقول له أن سأتفرّغ لك بعدما أنتهي من تلك السحلية.
وصلوا لغرفتهم وفتح الباب ليدفعها هو أولًا للداخل بلطف ويدخل خلفها ويغلق الباب فيجدها تنفجر بها صائحة:
_أمّك جابتها صُح؟.. وأنت مقولتش حاجة ووافقت وقولت أصْل آسيا مش قاعدة هتعرف من وين_
رآها يقف أمامها بثبات انفعالي غريب وتعبيرات جامدة لا تحمل أي مشاعر فاستاءت أكثر واقتربت منه أكثر تكمّل صياحها المرتفع بغيرة حارقة:
_ولا عشان أنا مرجّعتش معاك وقولتلك مش هرجّع كنت ناوي تطلّقني ووافقت تقعّدها عشان تتجوز السحلية دي، أو ممكن تكون ناوي تتجوز عليّا كمان من غير ما تطلّقني_
لا يزال يحتفظ بتعبيراته وبروده المستفزّ دون أن يجيب عليها بحرف واحد،
هو حتى لا يفتح فمه فأصبح وجهها كلّه أحمر من فرط العصبيّة والغيرة وهي تراه يتجاهلها ويقف أمامها كلوح الثلج حتى لا يصرخ ويتشاجَر معها كعادته،
فوجدت نفسها دون وعي تصرخ به بهستيريا وهي تدفعه بعنف وتلكمه فوق صدره:
_ما ترد عليّا ساكت إكده ليه.. رد عليّا!_
انتفضت رعبًا عندما وجدته يقبض على يديها بقوّة ليوقّف ضربها له،
وظنّت أنها أيقظت الوحش وقد تمنّت أن يصرخ بها حتّى وها هو سيفعل لكنه صدمها بسؤاله الذي يشبه تعابير وجه تمامًا:
_رجّعتي ليه؟_
هدأت ثورتها بفعل الدهشة من سؤاله الغير متوقّع وارتَخَت عضلاتها المتشنّجة والتزَمَت الصمت للحظات لا تعرف لماذا تجيبه وبالنهاية قرّرت الإجابة بسؤال آخر في غيظ:
_قاعدة إهنا في البيت من إمتى؟!_
فهم أنها تقصد منى فلاح في عينيه التهكّم وابتسامة تكاد لا تُرى على ثغره ظهرت قبل أن يهتف ببحة رجوليّة مميّزة وهو ينظر في عينيها بعمق:
_لو أعرف أن غيرتك ومنى هيخلّوكي ترجّعي جَرّي إكده على ملّي وشك أوّل ما تعرفي كنت أنا اللي جبتها، ومستنّيتش أمّي لما تجيبها_
اشتعلت غيظًا وصاحت به ثانية وهي تجذب يديها من قبضته:
_أنت اللي جبتها ده إيه.. البتّ دي مش هتقعْد إهنا ولا ساعة كمان_
كان بروده غريب لها حيث وجدته يبتَعِد عنها بخطواته الهادئة ويتجه نحو الخزانة يفتحها ليخرج ملابس له لكي يستحم ويرد بكلّ بساطة متعمّدًا إثارة غيرتها أكثر:
_أنا مليش صالح بحوارات الحريم دي ومشاكلهم، الرجالة مبتدخلش فيها.. أنتي مش عاوزها تقعْد اهي قصادك وابقي اطْرَدِيها بنفسك_
اندفعت نحوه ثائرة وهي تهتف:
_كيف يعني ملكش صالح.. أنت اللي هتمشّيها يا عمران_
هَزَ رأسه بالرفض وهو يبتسم لها باستمتاع ويقول:
_لا أنا مبعرفش أطْرَد حد من بيتي.. وبعدين مش أنتي اللي غيرتك عليّا هتجنّنك يلا وريني همّتك عاد يا غزال_
اشتعلت غيظًا منه وصاحت به بقسوة وهي تضحك يدها على بطنها المنتفخة:
_أنا مش غيرانة عليك.. أنا بحافظ على بيتي عشان ولدي اللي جاي ده ميتربّاش بعيد عن أبوه_
سَخَفْضَ نظره لبطنها وابتسم ثم مدّ كفه هو الآخر يتحسّس عليها بحنٍو متمْتَمًا في نظرة قويّة ومنزعجة:
_ولما كنتي بتقولي مش راجعة معاك ومش عاوزاك ومش حاسّة بالأمان معاك كان ولدك مش موجود في بطنك ولا إيه؟!!.. ولا دلوقتي بس افتكرتي أن في بينا عيل هيجي للدنيا بعد كام شهر ومحتاج يتربّى جَوّا أبوه_
التزَمَت الصمت رَغْمًا عنها ولم تجد ما تجيب عليه به أمّا هو فتركها واتجَه نحو الحمّام لتشتعل غيظًا وغيرة أكثر وهتفت متوعّدة له:
_ماشي يا عمران بكرة نشوف مين اللي غلطان صُح_
اتجَهَت لتجلس على الفراش وهي تفكّر بطريقة تدفع بها منى خارج المنزل،
لكن فجأة قذفت بعقلها فكرة شيطانيّة جعلتها تغيّر خطّتها تمامًا وتقرّر السماح لمنى بالبقاء.
***
بمكان آخر كان جلال يقف أمام باب منزله الجديد ويفتّش في جيبه عن المفتاح بينما أولاده الأثنين يقفون بجواره ويتطلّعون له بلهفة وحماس فلا يطيقون الانتظار حتّى يدخلوا لمنازلهم الجديد ويروا الأثاث الذي اشتراه والدهم،
هتف عمّار الصغير بعدم صبر:
_يلا يا بوي عاد طلّع المفتاح عشان ندخل!_
عثر جلال على المفتاح بجيبه لكنه واصَل التفتيش الكاذب وهو يمثّل أمامهم أنه لم يجده وتحوّلت تعبيراته للضيْق والانزعاج المزيّف وهو يبحث في جيبه بقوّة ثم يقول بجدّيّة:
_المفتاح مش لاقيه!_
صاح معاذ بصدمة:
_مش لاقيه ازاي!!.. كيف هندخل دلوقتي_
حتّى أن فريال صابَها القلق عندما علِمَت بضياع المفتاح لكنّها وجدَتْه يلتفت لها ويسألها بخنق شديد لكن في عينَيْها نظرة فهَمَتْها جيّدًا جعلَتْها تفهم حيلَتَه:
_دوري في شنطتك يمكن أكون أدّتهالك يا فريال مش معقول أكون نسيته.. ده شكله وقع مني!_
اتّسَعَتْ عَيْنَي الصّغيرَيْنِ بدهشة بعدما قال إنّ المفتاح ربنا سقط منه،
وبسرعة البرق ظهر العبوس والحزن على محياهِمْ وجلسوا بجانب الباب على الأرض وهم يضعون يديهم على وجَنتَيْهِمْ ويهمس عمّار بيأس:
_ضاع المفتاح إكده هنرجع بيت جدّي تاني_
القَتْ فريال نظرة على أولادها وهي تكْتُمْ ضحكاتها ثم نظرَتْ لجلال بعدما انتهَتْ من بحثها المزيّف في حقيبتها وقالَتْ:
_لا مش معايا_
التفت هو بطرف عينه نحو أطفاله وعلى ثغره ابتسامة أبويّة عابِثَة ثم أخرج يده بالمفتاح من جيبه وهو يلوّح به أمامهم صائحًا:
_لقينا المفتاح!_
وثَبُوا معًا في نفس اللحظة واقفين وهم يصرخون فرحًا فَنَهَتْهُمْ فريال فورًا وطالَبَتْ إخفاض صوتهم حتّى لا يسبّبوا الإزعاج للجيران،
بينما جلال فوضع المفتاح في القفل وفتحه ثم دَفَعَ الباب للداخل بهدوء ودخل وهو يتمْتَمْ بالبسملة وفعَلَتْ فريال مثلَهُ أمّا الصّغار فقد اندَفَعُوا للداخل ركْضًا وهم يضحكون ويتجولون بالمنزل كلّه،
انتظَرْ جلال دخول فريال وبدَأَ في حمل الحقائب الكثيرة وإدْخَالْها واحدة تلو الأخرى ثم أغلَقَ الباب بعدما انتهَى،
وجدَ فريال كما هي تقف متصَلْبَة بأرْضِهَا دون حركة تتأمَّلْ المنزل بعينَيْنِ دامِعَتَيْنِ فاقْتَرَبَ منها ولفّ ذراعَهُ حول كَتْفَيْهَا من الخَلْفِ وانْحَنَى يقبِّل جانب رأسها هامِسًا لها بغَرَامْ:
_بقيتي في مملكتك خلاص_
مَالَتْ بوجهِهَا نَحْوَهُ وطَالَعْتْهُ بعَيْنٍ تَفِيضْ بالدُّمُوعْ وسط هَمْسِهَا النَّاعِمْ وصَوْتِهَا الَّذِي بَعْلَقْهُ البُكَاءْ من فَرْطْ سَعَادَتِهَا:
_أنا مش مصدّقة يا جلال.. أنت من وقت ما قولتلي وأنا كنت حاطّة يدي على قلبي خايفة حاجة تحصل ومننقلش أو أمّك تعمل حاجة عشان تمنعنا، أنا كنت فاقدة الأمل أنّنا نقعد في بيت وحدّنا بعد كلّ المشاكل اللي مرّينا بيها دي_
أَدَارَهَا لتَكُونْ في مُوَاجَهَتِهِ مُبَاشَرَةً وَمَدَّ أَنَامِلَهُ يَمْسَحْ دُمُوعَهَا بِحُبٍّ مُتَمْتِمًا فِي نَبْرَةٍ رَجُولِيَّةٍ دَافِئَةْ:
_أنا وَعَدْتْكِ وَوَفَيْتْ بِوَعْدِي، أنا ظَلَمْتْكِ كَتِيرْ قَوِيْ مَعَايَا وَأَنْتِي المَفْرُوضْ كُنْتِي تَكُونِي فِي الْبَيْتْ دَهْ مِنْ زَمَانْ بَسْ أَنَا الْلِي اتَّأَخَّرْتْ_
ارْتَمَتْ بَيْنَ ذِرَاعَيْهِ تُعَانِقْهُ بِقُوَّةْ وَهِيَ تَقْبِلْ رَأْسَهُ وَرَقْبَتَهُ بِغَرَامْ بَيْنَ عَبْرَاتِهَا الَّتِي بَدَأَتْ فِي الْاِنْهِمَارْ مُجْدَدًا،
ضَمَّهَا لَهُ أَكْثَرْ وَهُوَ يَهْمِسْ فِي أُذُنْهَا بِمَرْحْ لِيُضْحِكْهَا:
_مِشْ وَقْتْ الْبُكَا دَلْوَقْتِيْ عَادْ اَحْنَا فِيْ أَحْلَامْ مُحْتَاجِيْنْ نُحَقِّقْهَا وَجَايْ لَحْظَةْ، وَأَوْلُهُمْ إِنِّيْ هَنْزِلْ أَرُوحْ أَجِيْبْ طَلَبَاتْ الْوَقْلْ عَشَانْ تَعْمِلِيْلَنَا غَدَا مِنْ يَدْكِ الْحْلْوَةْ دِيْ_
ضَحِكَتْ بِخَفَّةْ وَابْتَعَدَتْ بِرَأْسِهَا عَنْ كَتْفِهِ لِتَقُولْ بِرِقَّةْ وَحَمَاسْ:
_وَأَنْتَ هَتْسَاعِدْنِيْ_
أَجَابَهَا بِنَفْسْ الْمَرْحْ وَهُوَ يُبَادِلْهَا الْضَّحِكْ لَكِنَّْهُ بِلَهْجَةْ مَاكِرَةْ:
_بَسْ بَسْ مِنْ عُيُونِيْ الْجَوْزْ.. بَسْ مَفِيْشْ حَاجَةْ بِبَلَاشْ_
رَفَعَتْ حَاجِبْهَا مُنْدَهِشَةْ مِنْ اسْتِغْلَالْهُ الْمَوْقِفْ وَهِيَ تَبْتَسِمْ لَهُ بِلُؤْمْ مُمَاثِلْ وَتَهْتِفْ:
_وَالْتَّمْنْ إِيهْ عَادْ يَا سَيْدْيْ جَلَالْ_
غَمَزْ لَهَا بِعَيْنِهِ فِيْ خُبْثْ وَهُوَ يَهْمِسْ بِصَوْتْ مُنْخَفِضْ:
_يَعْنِيْ نَسْتَعِيْدْ لَيْلَةْ مِنْ لَيَالِيْ الْغَرَامْ بَعْدْ مَا الْعِيَالْ دُولْ يِنَامُوا،
وانتِ كلك مفهومية عادي.
هقهقت بقوة وكادت أن تجيب عليه لولا صوت معاذ القوي وهو يصيح من الداخل:
_يا بوي تعالوا بسرعة عاوز أوريكم حاجة_
لوى فمه جلال بقلة حيلة وهو يجيب عليه:
_جايين خلاص مش لازم الزعير ده_
ارتفعت ضحكة فريال وهي تسبقه بخطواتها نحو غرفة أولادها لترى ما الذي يريدون أن يعرضوه عليهم....
***
توقفت السيارة الأجرة أمام البناية وخرجت منها حور بعدما دفعت الأجرة وكانت تتحدث في الهاتف مع بلال وتضحك بسبب مزاحه معها.
عبرت الطريق وقادت خطواتها باتجاه بوابة البناية وهي تجيب على بلال الذي يسألها باهتمام:
_وصلتِ ولا لسا؟_
ردت برقة تذهب العقل:
_وصلت أنا خلاص دخلت مدخل العمارة_
دسّت يدها في الحقيبة تبحث عن المفتاح وهي تنظر داخلها وتتحدث مع بلال بنفس الوقت، فاصطدمت فجأة بشاب طويل وأصدرت شهقة عالية فزعة وعندما رفعت رأسها ونظرت له اتسعت عيناها بدهشة وصاحت بعدم تصديق وهي تضحك:
_مروان!!_
ابتسم لها بعذوبة وهو يقول لها مازحًا:
_حظي حلو أني لحقت وشوفتك يا عروسة_
فرحتها برؤيته أنستها زوجها الذي تتحدث معه في الهاتف، وأجابت عليه من بين ضحكها بسعادة غامرة:
_أنت جيت إمتى؟_
مروان بنبرة رخيمة:
_إمبارح وقولت آجي أسلم عليكم وعلى عمي_
ظهر العبوس على وجهها وهي تهتف له بحزم:
_اوعى تقول إنك ماشي تاني!_
ابتسم وهز رأسه بالنفي وهو يجيبها:
_لا ما خدتش أجازة حلوة وهقعد شوية_
تهلّلت أساريرها وقالت له بحماس وتلقائية:
_طيب أنت رايح فين أنا ملحقتش أقعد معاك تعالى نطلع فوق ونقعد_
كان بلال يستمع للحديث الذي يدور بينها وبين ذلك الرجل الذي لا يعرفه ويجز على أسنانه بغضب مخيف ويتوعد لها، أنا هي فكانت تتجاهله تمامًا وقد نسيته بالفعل واستمعت لرد مروان وهو يقول بلطف:
_لا خليها مرة تانية عشان معايا مشوار مهم دلوقتي ومستعجل_
زمت حور شفتيها بحزن وردت عليه عابسة:
_لا بطل رخامة يا مروان بجد، هو الواحد بيشوفك كل قد إيه يا جدع_
ضحك بخفة وقال بدفء ليرضيها:
_متقلقيش هاجي تاني أنا بقولك لسا قاعد شوية، يلا بقى عايزة حاجة مني قبل ما أمشي يا غالية_
ابتسمت له بصفاء وقالت برقة وهي تهز رأسها بالنفي مودعة إياه:
_لا عايزة سلامتك، ابقى تعالى تاني يا مروان_
أما هو فأما لها بالموافقة وهو يسير مبتعدًا عنها يغادر المبنى بأكمله ويستقل بسيارته ذات الموديل الحديث.
وعندما التفتت وكادت تكمل طريقها للأعلى حيث منزلها تسمّرت بأرضها فور تذكّرها بلال، رفعت الهاتف الذي بيدها ورأت الاتصال ما زال مفتوحًا فوضعت يدها على فمها تكتم شهقتها المرتعدة.
دار بذهنها في اللحظة ألف سيناريو مرعب ستشهده منه بسبب نسيانها له وحديثها التلقائي المغلّف بالضحك والمرح مع ابن عمها، أخذت تفكر كيف تتصرف وتجيب عليه لكن خوفها كان يستحوذ عليها أكثر وبالنهاية وجدت طريقة لتهرب من العاصفة المميتة التي على الهاتف، فرفعت الهاتف على أذنها وهي تهمس بصوت مرتعش:
_بلال_
انفجر بها كالقنبلة الموقوتة صائحًا:
_أتِّي تحمدي ربك أنك مش قصادي دلوقتي وإلا كـ..._
ارتعدت أكثر وبسرعة قذفت في عقلها حل وأخذت تهتف بتمثيل وصوت يبدو عليه الاضطراب:
_ألو.. بلال.. أنت سامعني.. أنا مش سامعة حاجة خالص.. بلال_
صرخ بها منفعلًا:
_أنتِ هتستعبطِي يا حور_
انتفضت خوفًا من صرخته واكملت خدعتها رغم معرفتها أنها ستزيد الأمر سوءًا لكنه أفضل من تلقي توبيخه وسخطه المرعب الآن:
_بلال أنا مش سمعتك.. بص أنت لو سامعني أنا هقفل وشوية هتصل بيك تاني تكون الشبكة ظبطت_
ولم تمهله اللحظة ليواصل الصياح بها وبسرعة أنهت الاتصال وهي تاخذ أنفاسها السريعة باضطراب وتهمس بخوف بعدما أدركت فعلتها وأنها أغلقت الهاتف بوجهه:
_ده أنا هتعلّق، مش بعيد يشرب من دمي لما يشوفني، يا مامي أعمل إيه!_
وقفت للحظات وهي تتخيل سيناريوهات مرعبة في عقلها قد تحدث عندما يراها أو يتحدث إليها ثانية وبسرعة هرولت مسرعة للدرج تصعد لمنزلهم.
أما هو فأخذ يحدّق في شاشة الهاتف بعدما أغلقت في وجهه، وقد تشنّجت عضلاته بطريقة مرعبة فمن جهة يشتعل غضبًا من عدم معرفته لذلك الرجل وطريقة تحدّثها التلقائية معه ووصفه الأخير لها بأنها "غاليته" والحاحها عليه بالصعود معها للمنزل ليتحدثوا ومن جهة أخرى خدعة الشبكة السخيفة لكي تجد عذرًا وتتهرب منه وكأنها تحدّث طفل صغير، وكل هذا بكفّة وأغلاقها الاتصال بوجهه دون إكمال حديثه بكفّة أخرى.
***
بمكان آخر تحديدًا بالعطارة الخاصة بعائلة الصاوي، استغلت رحاب فرصة ذهاب والدتها للعطارة لرؤية أخيها (عبد العزيز) والتحدّث معه حول بعض الأمور وذهبت معها فورًا دون تفكير، رغبة منها في رؤية بشار فقد انتابها شعور غريب امتزج بين الشوق والحماس لرؤيته، وربما كانت هذه المرة الأولى التي يداهمها مثل ذلك الشعور ولم تدفنه في ثناياها بل تركت العنان لنفسها ولقلبها لينعم بقربه، ولماذا تدفنه وهي الآن فارغة ولا يوجد بإصبعها خاتمًا يقيّدها.
دخلوا العطارة وعانقت فتحية شقيقها أولًا في حب وفعلت بعدها رحاب المثل ليضمّها خالها بكل حنان، ثم جلست على أحد المقاعد البعيدة نسبيًا عنهم وعيناها تتجول بكل مكان بحثًا عن سبب مجيئها لهنا لكن لا أثر له فتبدّد حماسها وظهر العبوس على وجهها ودون وعي وجدت نفسها تسأل خالها:
_إمال بشار مش قاعد ولا إيه يا خالي؟!_
التفت لها يطالعها باستغراب لسؤالها عن ابنه بهذا الاهتمام وقال لها بهدوء:
_قاعد جوا في الأوضة بيخلّص شوية حسابات، أنتِ عاوزاه في حاجة ولا إيه؟!_
ارتبكت بشدة بعدما لاحظت نظراته لها هو وأمها وهزّت رأسها بالنفي مسرعة تجيب بخفوت محاولة التصرّف بطبيعية:
_لا هعوزه في إيه.. أنا بسأل عادي عشان أول مرة أشوفك قاعد لحالك يعني في العطارة_
هز رأسه لها بتفهّم رغم أن فتحية لم تصدّق ابنتها بشكل كامل وكانت تشعر بأن هناك شيء تخفيه عنها، التزمت رحاب السكون التام حتى لا تلفت أنظارهم لها أبدًا وبعد تقريبًا عشر دقائق استقامت واقفة وهي تخبرهم أنها ذاهبة للحمام.
هبّت واقفة وأسرعت نحو الحمام لكن فور اختفائها عن أنظارهم غيّرت اتجاهها وتحرّكت باتجاه غرفة بشار وعندما وصلت أمام الباب توقفت متردّدة بخجل ماذا تفعل، هل تطرق أم تذهب؟.. وعندما حسمت قرارها بالطرق وانحنت على الباب وهي تطرق سمعت صوته يتحدّث في الهاتف مع فتاة ويقول:
_مينفعش أنا سبق وقولتلك رأيي في الموضوع ده_
صمت بعد عبارته للحظات حتى عاد يجيب بحدّة وقد أوضح هويّة تلك الفتاة أخيرًا:
_وبعدين عاد يا مريم هنعيدوا ونزيدوا كتير!!_
صمت مرة أخرى ليردّف هذه المرة لكن بنبرة دافئة:
_لا طبعًا أنا معاوزش أزعلك وميهنش عليّا، بس مش كل حاجة هوافقك عليها وأنتِ لازم تفهمي ده_
كانت على ثغر رحاب بسمة ناعمة قبل أن تسمع حديثه مع خطيبته لكن بالنهاية اختفت تلك البسمة وأصبحت عابسة ومنزعجة، وبالأخص عندما سمعت عبارته الأخيرة وهو يجيب عليها بنبرة رخيمة وجميلة:
_خلاص يا مريم متزعليش لو ده اللي هيبسّطك اعمليه أنا موافق، مبسوطة إكده يا عماش_
اشتعلت رحاب بالغيرة وحقدًا على تلك الفتاة لا تعرف السبب لكن سخطها وغيرتها جعلها لا تنتبه لما خلفها عندما تراجعت وقرّرت الرحيل فاصطدمت بعبوّة زجاجيّة بالأرض وسقطت محدّثة ضجيجًا مرتفعًا جعل بشار يعتدل في جلسته مضيّقًا عينيه بحيرة وقوع وبسرعة أنهى الاتصال مع مريم واستقام واقفًا ليتجه للباب ويفتحه ولكنه لم يجد أحد وفقط رأى الزجاجة متهشّمة على الأرض، قاد خطواته للخارج فوجد والده وعمّته يتحدّثون غضّن حاجبيه ورحّب بعمّته ثم سأل والده بتعجّب:
_هو كان في حد جوا يا بوي؟_
أجابه عبد العزيز دون اهتمام بسبب انشغاله بالحديث مع شقيقته:
_أه بنت عمّتك رحاب دخلت الحمام جوا وطلعت دلوقتي ومشيت_
تبدّلت تعبيرات وجه بشار من الحيرة للدهشة والضيق وبخفّة النظر اندفع للخارج ليلحق بها ولحسن الحظ أن كل من فتحية وعبد العزيز لم ينتبهوا له بسبب حديثهم المهم.
خرج بشار خلفها ولحق بها فوجدها تسير بخطوات سريعة وغاضبة تسلك طريق العودة لمنزلها، كانت قد ابتعدت عنه بمسافة طويلة وحتى لو حاول لن يلحق بها، فرفع يده لشعره الغزير يمسح عليه وهو يتأفّف بخنق ولا يزيح عينيه عنها حتى اختفت عن أنظاره تمامًا فاستدار وعاد للعطارة مجددًا.
***
بتمام الساعة الحادية عشر قبل منتصف الليل....
فتح عمران باب غرفته ودخل ثم أغلقه ببطء وعندما استقر نظره على الفراش وجدها نائمة بثبات، لمعت عينيه بوميض الغرام وارتفعت بسمته تزيّن ثغره ليشرق وجهه كله سعادة وراحة، حتى لو كانت علاقتهم مضطربة لكن يكفيه أن يعود كل ليلة ويجدها تنتظره، بالأيام السابقة كان لا يطيق تحمّل دخول الغرفة حتى وخصوصًا ليلًا لعمه بغيابها، فقد خلّفت فراغًا بشعًا بنفسه ولا ينوي تكرار نفس الشعور أبدًا.
نزع عنه حذائه وتقدّم نحوها بخطوات متريّثة حتى لا يزعجها في نومها ثم صعد بجوارها على الفراش واستقرّت عينيه أول شيء على بطنها المرتفعة فمدّ كفه وأخذ يتحسّسها بحنان وشوق لطفله وولي عهده، انحنى على بطنها وأخذ يلثّمها بعدة قبلات متتالية وأنامله مستمرّة في التحسّس عليها بين قبلاته، فتحت عيناها عندما شعرت به وقالت له بجدّية:
_بتعمل إيه؟_
رفع رأسه عن بطنها وقال لها بنبرة جافّة قليلًا يتصنّع عدم الاكتراث بأمرها:
_بطمّن على ولدي واسلم عليه.. إيه عندك مانع!!_
استقامت جالسة وهي تبعده عنها هاتفة بغيظ منه:
_أه عندي أنت مش شايف إني نايمة وبعدين بتقرّب مني ليه!_
اقترب بوجهه منها وقال في حزم ونظرات أربكتها:
_أنا لو عاوز أقرّب منك مش هتمنّعيني، يعني مش بمزاجك_
اشتاطت غيظًا منه وقالت وهي تجذب وسادتها وتعبى واقفة هاتفة بتحدّي وهي تتجه نحو الأريكة الصغيرة:
_تمام يبقى نام لوحدك عاد على السرير من إهنه ورايحة_
اتّسعت عيني عمران وهو يتابعها تتجه حقًا نحو الأريكة وتمدّد جسدها عليها، هل كان ينتظر عودتها بفارغ الصبر لتتركه يكمّل نوم وحيدًا على الفراش وتنام هي على الأريكة، بالتأكيد لن يسمح لها حتى لو لن تطلب الأمر الإجبار.
هتف عمران بغضب يحاول التحجّج بطفله وحملها حتى لا يظهر لها رغبته الشّديدة بها:
_هتنامي كيف عندك.. الكنبة صغيرة ومش هترتاحي ببطنك.. تعالي إهنه على السرير بلاش شغل عيال_
ردّت آسيا ببرود مستفز وهي ترفض متعمّدة حتى تزعجه أكثر:
_لا أنا مرتاحة ملكش صالح بيا نام أنت واتهنّى بالسرير كله لحالك_
جزّ على أسنانه مغتاظًا وهو يحاول الحفاظ على ثباته الانفعالي ويقول لها بنبرة محذّرة:
_اسمعي الكلام وبلاش نشفّن الراس ده.. والكلمة اللي أقولها تتنفّذ_
انتشت وهي ترى غضبه المحتقن ومحاولاته البائسة في التحكّم بنفسه لكنها لن تتركه حتى تخرجه عن إطار ثباته المزيّف لترى ما الذي سيفعله بها، فقالت بتمنّع وقرف مقصود:
_إيه أنت حتى دي عاوز تغصّبني فيها.. مش عاوزة أنام جارك أنا حرّة_
نجحت في إنفجار بركانه ووجدته يقِل واقفًا وهو ثائرًا ويندفع نحوها باستياء فخافت قليلًا ومالَت يدَيْها للخلف على ظهر الأريكة، حتى شعرت به يحملها بين ذراعيه ويقول:
_لو على الغصب لسه ما غصبتكيش على حاجة بس شكلي هغصبك دلوقتي_
راحت تصرخ بصوت مرتفع محاولة التحرّر من ذراعيه فأسكتها بصرخته المخيفة:
_اقفلِي خشمك ومسمعش صوتك واصلّ_
سكتّت مجبرة خوفًا منه حتى وجدته يضعها على الفراش برفق فهمت بالفرار هي لكنه أقْبَضَ عليها وهو يكبّل ذراعيها ويشلّ حركتها بجسده ليمنعها من الحركة:
_قسمًا بالله لو فكّرتِي تقومي لأكون رابطك إهنه في السرير_
تطلّعت في عينيه المتوهّجة بنيران الغضب الحقيقي وشعرت أنه لا يمزح وقد يفعلها حقًا إن حاولت الفرار، انتابها الضحك على منظره وأنها أوصلته لتلك الحالة لكنها تمالكت أعصابها وارتخَت أعصابها وهي تقول له باستسلام:
_طيب خلاص مش هتحرّك سيب يدي في إيه_
نظر في عينيها بتدقيق يحاول التأكّد من صدق كلماتها ففعلت هي وهزّت رأسها له بصدق لتأكّد له فترك يدها وابتعد عنها وفور ابتعاده عنها استقامت واقفة وهرولت مسرعة نحو الحمام تفر من بين براثنه،
سمعت صوته من الخارج يصرخ عليها مستاءً:
_لما تطلعي يا آسيا هو انتي هتروحي مني فين!_
انفجرت ضاحكة بالداخل عليه، وكانت تحاول كتم صوت ضحكاتها بصعوبة، وراحت تجيبه باستمتاع:
_متعصبش نفسك يا معلم، أخاف عليك لتجرالك حاجة وأنا وولدك محتاجينك_
لحظة بالظبط، وباغتها بحركة مفاجأة منه عندما فتح باب الحمام ودخل، فانتفضت هي للخلف وراحت ترفع سبابتها في وجهه تهتف محذرة وهي تحاول منع ضحكتها من الظهور:
_لا بقولك إيه، أنا مش عاوزة تهور، والله أصرخ والم عليك الخلق كلها وأقول إنك بتعذبني_
رفع حاجبه بتهكم وقال بنبرة متوعدة وعين ماكرة:
_هو أنتي لسا شوفتي تهور.. ده أنا هعلمك الأدب من أول وجديد يا غزال_
أخذت تتقهقر للخلف حتى اصطدمت بحائط الحمام، وعندما وصل لها وحملها رغمًا عنها، أنطلقت منها ضحكة لا إرادية وهي تدفعه وتتمنع عنه صائحة بأنها لا تريده، لكن تعبيراتها وضحكها يقول العكس...
***
داخل منزل خليل صفوان...
كانت غزل تجلس بغرفتها وتتصفح على هاتفها وسائل التواصل الاجتماعي، وكل شيء كان جميلًا وهادئ حتى لمحت شيئًا كبيرًا يركض بالغرفة واختبأ بوابة صغيرة خلف الخزانة.
ارتعدت وانكمشت على نفسها في الفراش وهي تنظر للزاوية التي اختبأ خلفها وتحاول تخمين نوع ذلك الشيء وماذا قد يكون.
حاولت إقناع عقلها بأنها تتوهم وتشجعت لكي تقوم وتتأكد بعينها ماذا يكون، كانت تقدم خطوة وتأخر الخطوة من فرط رعبها، وبعد وقت أخيرًا وصلت للخزانة ووقفت بجسدها بعيدًا نسبيًا فقط مدت رأسها خلف الخزانة لتنظر، فإذا بعيناها تتسع صدمة عندما رأت فأر كبير وينظر لها في الظلام، فانتفضت واقفة وأخذت تصرخ بهستيريا واندفعت لخارج لغرفتها ركضًا لا تعرف لأين تذهب لكن يكفيها أن تفر هاربة من ذلك الفأر.
اصطدمت بشدة بـ"علي" وهي تركض وكادت أن تسقط من قوة الاصطدام، لكنه أمسكها وهو يحدقها مندهشًا فوجدها تبتعد عنه وتصرخ برعب:
_mouse .. mouse_
هتف برزانة ولهجة حازمة يحاول فهم منها ما الذي حدث:
_اهدي في إيه.. فار إيه ده؟!_
قالت له وهي ترتجف خوفًا وقد امتلأت عيناها بالدموع:
_في فار في أوضتي شوفته and he looks to me بطريقة مرعبة أوي.. please يا علي طلعه i'm very scard_
لا إراديًا انحرفت عينيه على جسدها ورأى ملابسها التي كانت عبارة عن ملابس نوم، ترتدي ثوب حريري لونه أسود يصل لفخذيها وبحمالات رفيعة وينزل بفتحة مثلثية عند صدرها، فاتسعت عينيه بذهول واحتقنت نظراته لها وتشنجت عضلات وجهه فصاح بها بغضب:
_ادخلي استري نفسك إيه اللي لابساه ده وطالعة بيه_
انتفضت فزعًا على أثر صرخته بها وقالت له مسرعة بدموع وهي تتوسله:
_okay.. okay هغير هدومي واوعدك مش هلبس أي حاجة وحشة تاني بس please طلعه الأول انا مش هقدر ادخل الأوضة وهو موجود impossiple_
أظلمت عينيه أكثر وهتف محذرًا إياها بلهجة جافة:
_ادخلي البسي حاجة واستري جسمك بدل ما قسمًا بالله ادخلك بنفسي وابقي خلي الفار يتعشى بيكي جوا_
رمقته بنارية وصاحت به مغتاظة وهي تبكي:
_أنت بني آدم معندكش mercy وأنا غلطانة أني طلبت منك help هروح الأوضة عند طنط إنصاف_
قبض على ذراعها بعدما تحركت خطوتين بالظبط وجذبها صارخًا بها:
_رايحة وين أنتي عاوزة تتمشي في البيت بقميص النوم اللي لبساه ده وتخبطي على أمي وأبويا إكده، صدقيني لو جدي ولا أبويا شافك هتقولي علي والفار ارحم، اتحركي يلا وغوري على الأوضة البسي أي حاجة_
حاولت نزع قبضته عن ذراعها وتنفيذ ما قالته وهو الذهاب لأمه، فاستشاط منها غيظًا وجذبها معها عنوة نحو غرفتها وهو يهتف:
_احمدي ربك أن جدي مش قاعد ومفيش غيري، أنتي عاوزة تتربى من أول وجديد_
صرخت به وهي تتلوى في سيرها معه:
_سيب إيدي يا متخلف يا همجي_
التفت لها وطالعها بنظرة مرعبة لا تبشر بالخير أبدًا، ثم دفعها داخل غرفتها بقسوة وصاح بها محذرًا بلهجة لا تمزح:
_عشان لسانك الطويل هتفضلي في أوضتك وهتنامي جوا الفار ولو شفت رجلك بس عتبت برا عتبة الأوضة هكسرهالك، سامعة ولا لا_
ولم يمهلها اللحظة للاعتراض حيث أغلق الباب وتركها وحيدة بالداخل وهي ترتجف وتبكي وتصرخ به تسبه وتشتمته بالإنجليزية، حاول هو كبح نفسه عنها بصعوبة حتى لا يقبض على رقبتها ويخنقها وقال بعصبية وهو يستدير ليبتعد بخطواته عن غرفتها:
_الخير خسارة فيكي.. خليكي إكده وحدك عشان تبقى تتربى زين وتلمي لسانك_
بعدما ابتعد بخطوات بعيدة نسبيًا عنها سمع صراخها المرتفع وهي تستنجد به ببكاء:
_عـلـي_
توقف وهو يلوى فمه ما بين صراع تجاهلها لتتعلم التربية وبين قلبه الذي لم يطاوعه وأنه أشفق عليها، وبالنهاية أثر صوت قلبه فالتفت وعاد لها، وعندما فتح الباب وجدها جالسة على الأرض وتبكي وترتجف بعنف، تسمر بأرضه بذهول واسرع نحوها يجثو أمامها يسألها:
_في إيه؟!_
هتفت بصوت متقطع وبكاء هستيري:
_he tou..ch ..me لمس رجلي ومعرفش راح فين_
لام نفسه بشدة عندما رأى حالتها المزرية التي تمزق القلب، فابتعد عنها وتجول بالغرفة يبحث بكل بقعة وكل جزء بالغرفة عنه لكن لا أثر له، وعندما لمح النافذة مفتوحة خمن أنه قد يكون هرب، فعاد لها مجددًا وقال بدفء محاولًا تهدئتها:
_غزل خلاص اهدي طلع.. الفار طلع من الشباك ملوش أثر في الأوضة واصلر_
رفعت رأسها ليرى وجهها الغارق بالدموع وعيناها الحمراء وشفتيها ترتجف بعنف ثم التفتت حولها بارتعاش وهي تقول له:
_بجد مشي من الأوضة_
هز رأسه لها بالإيجاب وهو يتمعنها بينما هي فور استعادة وعيها وقوتها رمقته شزرًا وصاحت به بنقم وغضب:
_أنت سبتي وأنا قولتلك خايفة، لو كنت ساعدتني مكنش ده هيحصل_
هتف لها بحدة وغضب:
_وأنتي لو كنتي سمعتي الكلام ودخلتي لبستي أي حاجة كنت هساعدك لكن لسانك الطويل هو اللي جايبلك_
استقامت واقفة ودفعته بعنف وغضب صائحة:
_اطلع برا مش عايزة منك حاجة أنت إنسان معدوم الأحساس أصلًا_
علي بتهكم:
_ما كنتي بتصرخي بعلو صوتك دلوقتي وتقولي يا "علي" .. لما جيت واتأكدتي أن مفيش فار مش عاوزة حاجة مني_
قالت له محذرة إياه بسخط:
_اطلع بدل ما اصرخ واصحي الكل_
انحنى عليها وهمس أمام وجهها مباشرة بنبرة أربكتها ونظرة شيطانية:
_عارفة أنا هطلع بس مش عشان خايف منك لا عشان معنديش استعداد اتدبس فيكي لو حد جيه وشافني معاكي في الأوضة وأنتي بقميص النوم ده_
ثم ابتعد عنها واستدار وقاد خطواته للخارج ثم التفت لها برأسه وهو يقول لها عابثًا بخبث:
_ابقي استحمي وادعكي رجلك زين، أصل احنا الفيران عندنا عندها خرد معدي، الحقي نفسك قبل ما تلاقي روحك مصابة بداء الفار وده ملوش علاج وبعدها بتلات أيام بتتكلي على الله_
بعدما كانت ترمقه شزرًا بسبب عباراته الفظة تحولت للرعب بعد ما قاله بالأخير وفورًا اندفعت نحو الحمام لستحم فور رحيله...
***
داخل منزل جلال وفريال الجديد...
كانت تجلس فريال بين ذراعي جلال وهو يحاوطها بذراع والذراع الآخر يمسك هاتفه ويقلب بين صور الأثاث وهي تشاهد معه، وفجأة صاحت:
_ارجع يا جلال على صورة الانتريه اللي فات ده_
عاد الصورة السابقة وأخذ يدقق النظر فيه فقالت له بحماس:
_إيه رأيك فيه حلو مش إكده؟_
رد عليها بعدم اقتناع:
_لو أنتي عاجبك خلاص نخلي النقاش يعمله_
نظرت لتعبيراته الجامدة وقالت بعبوس:
_لا طبعًا هو بيتي وحدي لازم يكون عاجبك أنت كمان، خلاص نشوف واحد تاني ويعجبنا احنا الاتنين_
لم يعترض واكتفى بابتسامته له وهو يقبل شعرها ثم عاد يقلب بين الصور حتى استقروا على واحد أخيرًا ونال إعجابهم هم الاثنين.
فرغبت هي في الانتقال إلى بقية أثاث المنزل وهو خزانة غرفتهم وغرفة الأطفال لكنه أغلق الهاتف وقال بخنق:
_لا مش وقته عاد كفاية إكده النهاردة نكمل بكرا_
فريال معترضة بعبوس:
_يا جلال بكرا إيه خلينا نخلص النهاردة كله.. احنا كل يوم هتفضل ننقي حاجة!!_
ألقى بالهاتف بعيدًا وأخذ يقترب منها بشوق متمتمًا:
_هنقي كل حاجة وزي ما أنتي عاوزة بس نخلص موضوعنا الأهم_
ضحكت بخفة وهي تقترب منه أيضًا وتبتسم بحب ثم لفت ذراعيها حول رقبته، وبينما كانوا على وشك الاندماج معًا في لحظاتهم الخاصة، صدح صوت رنين هاتف جلال تجاهله ولم يبتعد عن زوجته، لكن مع الرنة الثانية ابتعد منزعجًا، وعندما التقط الهاتف ونظر لشاشته قرأ اسم عمه وعبس، وجها هي فور رؤيتها لاسم منصور.
بينما هو فتنهد مغلوبًا واستقام واقفًا وابتعد ليتجه للشرفة يتحدث معه، وبعد لحظات عاد لها وهو غاضب فقالت له بانزعاج حقيقي:
_جلال أنت عارف مكان عمك فين صح؟_
رد عليها بخنق وإيجاز:
_لا مش عارف يا فريال_
فريال بعصبية:
_لا عارف متكدبش عليا، مداري عليه ليه وهو مسيره هيتمسك لو ملقتهوش الحكومة عمران هيلاقيه مش هينفد بعملته وقتله لأبويا_
جلال بنظرة نارية:
_طب ما أنتي أبوكي نفد رغم أنه قتل أبوي وسط الخلق كله_
صاحت منفعلة بعينان دامعة:
_وفي الآخر إيه اخدتوا بتاركم وقتلتوه برضو_
جلال بعين ملتهبة وصوت مخيف:
_عشان ده حق ربنا وحقنا_
مالت برأسها للجهة الأخرى بعيدًا عنه وهي تبكي بصمت بينما هو فمسح على وجهه متأففًا بنفاذ صبر واستدار ليغادر الغرفة بأكملها ويتركها وحيدة...
***
بصباح اليوم التالي داخل منزل خليل صفوان...
عادت آسيا لمنزل والدها ولكن لهدف آخر وهو الاجتماع بـ"علي" والتحدث معه.
جلست بغرفة الجلوس الكبيرة تنتظر وصوله، وفور وصوله قال لها مبتسمًا بعذوبة:
_خير يا آسيا طلبتيني على ملى وشي إكده ليه؟!_
أخذت نفسًا عميقًا لتتشجع وتبدأ في الأمر الذي تريده، حاولت البقاء صامدة والتصدي لأي عواصف ستواجهها منه عندما تبدأ حديثها فقط، قالت له بخفوت:
_بص أنا عاوزاك تحاول تفضل هادي لغاية ما اخلص كلامي واصل وتسمعني يعني متتعصبش_
ضيق عينيه بعدم فهم واستغراب وقال لها بلهجة جادة:
_قولي يا آسيا في إيه علطول مش لازم المقدمة دي_
أخذت نفسًا عميقًا وأطلقت زفيرًا متهملا قبل أن تهمس بكلمة واحدة كانت قادرة على إشعال فتيل النيران في صدره:
_خلود_
***
على الجهة الأخرى بمنزل الصاوي...
أسرع بشار خلف منى وأوقفها مناديًا عليها:
_منى استني_
توقفت واستدارت بجسدها للخلف لتتطلع ببشار باستفهام، وعندما وصل لها ووقف أمامها سمعته يقول بلهجة قوية:
_عاوز رقم رحاب منك_
رفعت حاجبها بدهشة ولاحظت ابتسامة ماكرة على ثغرها وهي تقعد ذراعيها أسفل صدرها وتسأله بعينان شيطانية:
_وأنت عاوز رقم رحاب ليه عاد يا بشار؟!_
***
خرجت حور من الجامعة بعدما انتهت من محاضرتها وكانت في طريقها للشارع العمومي لكي تستقل بسيارة أجرة تأخذها للمنزل، لكنها تسمرت بأرضها عندما رأت زوجها ينتظرها بجانب الرصيف وهو يقف يستند على السيارة بظهره ويدس يديه في جيبي بنطاله ويطالعها بأعين مرعبة...
رواية و بالعشق اهتدي الفصل التاسع 9 - بقلم ندى محمود توفيق
ظلت نظراتها المرتبكة عالقة على زوجها، تقرأ تعبيرات وجهه المرعبة وتحاول تخمين ردة فعله عندما تقترب منه وتصبح بين يديه. نفس الصوت الذي صرخ عليها بالأمس أن تخدعه بانقطاع الشبكة كان يصرخ عليها الآن أن تفر هاربة منه، ولكن ذلك مستحيل. ستكون النتائج وخيمة.
أخذت نفسًا عميقًا وازدردت ريقها بتوتر. ثم تقدمت بخطوة تقدمها وخطوة تأخرها. ومع سيرها المتردد والبطيء، وصلت أخيرًا له ووقفت أمامه تنظر في ملامحه الغريبة التي تشهدها لأول مرة، وهذا كان أكثر ما يرعبها منه. رسمت بسمة مضطربة على ثغرها وهي تتطلع له محاولة تلطيف الأجواء قليلًا.
لكنه كما هو. حتى هتف أخيرًا بصوت يثير الرهبة وهو يستدير ليستقل بمقعده:
"اركبي."
ترددت وردت عليه محاولة الاعتراض، تخترع حجة واهية وكاذبة لتفر من بين براثنه:
"بلال، أنا في واحدة صحبتي مستنياني ومتفقين نخرج مع بعض، مش عايزة أتأخر عليها."
وليتها لم تتحدث والتزمت الصمت، فحتى كذبتها أثارت جنونه أكثر. صاح بها من داخل السيارة بعصبية:
"اركبي ياحور."
انتفضت على أثر صرخته وركبت بسرعة دون أي نقاش. فوجدته يكمل صياحه المرعب:
"متفقة مع صحبتك!!.. وطالعين مع بعض؟ اصلك متچوزة رچل كنبة بتطلعي وتدخلي على هواكي حتى من غير ما تقوليلي وتاخدي أذني."
كانت ساكنة تمامًا تحاول السيطرة على نفسها المرتعدة ولا تجيبه أبدًا، تستمع لتوبيخه بصمت دون أن تنظر له حتى. بينما هو فانطلق بالسيارة يشق بها الطرقات سريعًا.
بعد دقائق قصيرة سألته بفضول وصوت خافت:
"احنا رايحين فين؟"
التفت لها وطالعها بعين حمار كالدم ويجيبها بخشونة:
"چهنم الحمرا."
ومرة أخرى تسكت دون جدال، رغم أن تود الصراخ به والبكاء، لكنها تحاول الصمود قدر الإمكان. مرت دقائق طويلة حتى توقفت سيارته على جانب طريق سريع ومن جانبها مجموعة من الأشجار وخلفها المياه. كان الطريق هادئ لا يوجد به أحد سوى حركة السيارات القليلة.
تحدثت هي أخيرًا متمتمة بصوت يغلبه البكاء:
"انت جايبني في الطريق الفاضي ده عشان تزعق وتتعصب براحتك عليا!!"
بلال بنبرة محتقنة من فرط الغيظ:
"مين اللي كنتي بتتكلمي معاه امبارح؟"
كانت تتوقع سؤاله وتنتظره وقد جهزت الرد عليه حتى فقالت:
"ده مروان ابن عمي كان مسافر ورجع من السفر وشفته امبارح بالصدفة وهو نازل من عندنا."
أكمل وهو يجز على أسنانه كلما يتذكر حديثهم وطريقتها معه:
"وانتي واخدة على مروان ده قوي إكده ولا إيه عاد؟"
ردت حور بخفوت وهي تحاول التحكم بدموعها دون أن تنظر له:
"مروان زي اخويا وهو بيعتبرني أخته الصغيرة."
انتفض جسدها على أثر صيحته الجهورية بها الممتلئة بالغيرة والغضب:
"مفيش حاچة اسمها اخوكي أنتي دلوك متچوزة يعني يبقى في حدود بينك وبين أي راچل غريب عنك، لكن اللي سمعته امبارح ده قسمًا بالله يا حور لو...."
انفعلت رغمًا عنها وصاحت به باكية:
"هتعمل إيه يعني وبعدين انا معملتش حاچة، كنت بتكلم معاه عادي."
هاج أكثر وزاد جموحه الضعفين بعد صياحها به فاسكتها بصوته الرجولي:
"انتي مقولتيش حاجة واصل وانتي بتترچيه يطلع يقعد معاكي فوق وتحكوا ولا هو وبيوعدك أنه هياچي تاني ويشوفك ياغالــيـة."
أكد على حروف كلمته الأخيرة ليثبت لها أنه سمع كل كلمة تفوه بها وبالأخص وصفه لها بأنها غاليته. ثم تابع بانفعال هادر جعلها تنتفض في مقعدها:
"ولما اكلمك بتشتغليني وتستعبطي عليا وتقفلي السكة في وشي قال مش سمعاني ومش بتردي عليا لما ارن عليكي، كل ده ومعملتيش حاچة!!"
انهمرت دموعها بصمت وهي تطرق رأسها أرضًا تحاول التحكم بصوت شهقاتها. بينما هو فقد أعمى الغضب عينيه ولم يهتم لأمرها وتابع صياحه وهو يلقي عليها تحذيراته الحقيقية بجموح قاسي ومرعب:
"أول وآخر مرة ياحور اللي حصل ده يتكرر صدقيني المرة الچاية مش هتعچبك ردة فعلي واصل، وحذاري اعرف بس أنك اتكلمتي مع واد عمك ده بالطريقة اللي سمعتها امبارح مفهوم ولا لا."
صاحت به باكية بقوة وهي تدفن وجهها بين كفيها وتبكي بصوت مرتفع وجسدها يرتجف مع كل شهقة والأخرى:
"فاهمة يابلال.. خلاص كفاية.. انا آسفة ارتحت كدا!"
ثم فتحت باب مقعدها ونزلت من السيارة تنوي عبر الشارع والذهاب للجهة الأخرى حيث الأشجار والمياه. كانت في حالة مزرية واندفعت نحو الطريق تعبره دون أن تنتبه لحركة السيارات به. بينما هو فخرج من السيارة مفزوعًا عندما رأى سيارة مسرعة تتجه نحوها فهرول خلفها يصرخ بها بزعر لكي تقف:
"حــــور."
لم تجيبه وكانت كالمغيبة لا تشعر بشيء. وعندما التفتت برأسها للجانب ورأت السيارة مسرعة نحوها والسائق يطلق صافرات الانذار العالية. تصلبت بأرضها وصاب قدماها شلل مؤقت ناتج عن الصدمة لم يمكنها من الحركة. وللحظة ظنت نفسها ميتة لا محال.
لكن فجأة وجدت ذراع يجذبها بعنف عن الطريق لتسقط بين ذراعيه وينتشلها من الصدمة التي استحوذت عليها. وباللحظة التالية فورًا كانت السيارة تعبر مسرعة من جانبهم. استقرت بين ذراعين بلال وهو يضمها بقوة ويديه ترتجف حتى أن نبضات قلبه كانت تسمعها في أذنها من فرط عنفها. لم يبعدها عن ذراعيه لوقت طويل نسبيًا وكأنه يخشى من تركها مجددًا فمنذ قليل كان سيفقدها للأبد. ولم يكن حالها أفضل منه فحتى هي جسدها كان يرتجف بعنف بين ذراعيه.
أبعدها عنه أخيرًا ليصيح بها موبخًا إياها بعصبية وخوف:
"إيه الچنان اللي عملتيه ده!"
شفتيها ترتجف بقوة من الفزع وأجابته بصوت مبحوح وهي تمسك بيده لتسند عليه:
"بلال دخلني العربية أنا حاسة أن رجلي مش شايلاني من الخضة."
حاوطها بذراعيه فورًا وفتح باب السيارة الخلفي وساعدها على الدخول واستقل هو بجوارها بالمقعد الخلف واغلق الباب ثم هتف لها بعتاب شديد ونبرة مفعمة بالغرام:
"حرام عليكي ده أنا مكنتش حاسس بروحي وبقيت اچري عليكي كيف المچنون، ليه بتعملي إكده بس ياحور.. أنا عمري ما كنت هسامح نفسي لو كان چرالك حاچة."
تطلعت إليه بعينين دامعة ولامعة بالحب والامتنان وشعور الآمان. لا تعرف كيف تجرأت وارتمت بين ذراعيه تعانقه بقوة وهي تبكي. فلف هو ذراعيه حولها وضمها إليه بقوة وبشفتيه أمطرها بوابل من قبلاته فوق رأسها وهو يهمس لها بحنو:
"اهدى أنا چارك أهو انسى ومتفكريش في اللي حصل."
تمتمت بصوت ضعيف ومكتوم وهي داخل أحضانه:
"متتعصبش عليا تاني أنا كنت خايفة منك أوي."
ابتسم لها بعشق وعاد يقبلها من رأسها مجددًا هامسًا بصوت رجولي يذهب العقل:
"حقك عليا متزعليش أنا اتعصبت ومكنتش شايف قصادي بس اوعدك أني بعد إكده هحاول أتمالك أعصابي وانتي كمان توعديني تسمعي الكلام واللي حُصل ده ميتكررش تاني."
أبعدها عنه بلطف وأخذ يحدق في وجهها الغارق بالدموع وينتظر منها سماع الرد. فهزت رأسها له بالموافقة وقالت في رقة جميلة:
"حاضر اوعدك."
اتسعت بسمته أكثر وراح يرفع أنامله يمسح عبراتها. وهي تجفل نظرها أرضًا خجلًا منه فقد فاقت من حالة الصدمة التي كانت تستحوذ عليها وتملكها الخجل الشديد من مجرد فكرة أنها كانت كل هذا الوقت بين ذراعيه باحضانه. واتسعت عينيها بذهول عندما وجدته ينحني عليها بعدما انتهي من مسح دموعها وطبع قبلة دافئة فوق وجنتها وهي يبتسم ويهمس لها غامزًا بخبث:
"حابة نقعد شوية مع بعض ونطلع نقعد على البحر ولا عاوزة تروحي البيت؟"
هزت رأسها بالرفض فورًا في استحياء شديد دون أن تجرؤ على رفع عينيها بخاصته وهمست:
"لا وديني البيت."
قهقه بقوة عليها بعدما فهم ارتباكها منه وخجلها وقال وهو يمسك بكفها الناعم ويقبل ظاهره:
"ماشي ياحوريت."
سحبت كفها من قبضته بخجل شديد وهي تميل بوجهها للجهة الأخرى تخفي بسمتها المستحية عن أنظاره. بينما هو فخرج من المقعد الخلفي واستقل بمقعده الامامي المخصص للقيادة لينطلق مسرعًا عائدًا بها للمنزل.
***
داخل منزل خليل صفوان.
وثب "على" واقفًا وهو يصيح منفعلًا بآسيا:
"انا مليش اخوات بنات وعيلة صفوان معدش عندها بنات اسمها خلود يا آسيا."
لم يهز صياحه بها شعرة واحدة منها بل كانت تجلس بكل ثبات واستقامت واقفة هي الأخرى ترد عليه بحكمة محاولة إقناعه:
"يا على أنا مش بقولك سامحها، بس صدقني اختك لو ملحقتهاش الحيوان اللي متچوزاه ده هيخلص عليها."
على بعينان نارية وهو دماؤه تغلي بعروقه كلما يتذكر فعلة شقيقته الفاضحة ليرد على آسيا بقسوة غير مباليًا:
"يلا اهو يبقى عمل اللي مقدرناش نعمله، مش هو ده اللي حطت راسنا في الطين وچابتلنا العار بسببه."
تنفست آسيا الصعداء بقلة حيلة وتقدمت نحوه خطوة تهتف له برزانة محاولة تلين قلبه على شقيقته:
"يا على والله أنا لما روحت وشوفتها رغم كل اللي عملته معايا صعبت عليا قوي يعني اللي بيعمله فيها ده ميرضيش أي بني آدم، بيعذبها ودلوك حابسها من غير وكل ولا شرب عشان حاولت تهرب منه."
اتسعت عينيه بدهشة وراح يسألها بحدة:
"روحتي وشوفتيها كيف يعني.. أنتي روحتي بيت الـ***** ده يا آسيا."
لوت فمها بإحراج وهزت رأسها له بالإيجاب فانفجر بها صائحًا بعصبية:
"وانتي إيه اللي يوديكي هناك وكيف تدخلي بيته، انتي اتخبلتي في نافوخك."
صاحت به آسيا بنفاذ صبر في جدية:
"مش وقته الكلام في الحديت ده دلوك.. اللي حُصل حُصل وخلاص.. خلينا في موضوعنا هتساعد اختك؟"
أجابها بنفس القسوة والجفاء فكل ما قالته لم يحرك أي شيء بقلبه تجاهها ولم يطفأ نيران صدره:
"سبق وقولتلك أنا مليش اخوات ومتچبيش سيرتها قصادي تاني واصل."
كان سيهم بالانصراف فلحقت به واوقفته وهي تترجاه تحاول للمرة الأخيرة استمالة مشاعره:
"يا على أنت عمرك ما كنت قاسي إكده، وكان روحك في خلود، انا مش هقدر اتكلم مع أبوك هو كيف ما أنت شايف هربان وچدي عمره ما هيسامحها، مفيش حد هيبقى حنين عليها اكتر منك أنا متأكدة أنك لساتك بتحبها مهما عملت هتفضل اختك وأنا مش بقولك انسى اللي عملته، على الأقل انقذها من يد الحيوان ده وهي ندمانة على اللي عملته والله."
صرخ بها منفعلًا دون أن يبدو عليه أي تأثر:
"آسيا قولتلك قفلي على سيرتها معاوزش اسمع أي حاچة عنها، خليها تعيش مع الـ**** اللي ضيعت روحها وخسرت ناسها وغضبت ربها عشانه ولو عرفت تفلت منه قبل ما يموتها يبقى حظها حلو، وأنتي حذاري تتواصلي معاها تاني ولا تكلميها."
أنهى عباراته واندفع لخارج الغرفة لكنه اصطدم بغزل عندما فتح الباب وكان يبدو عليها أنها استمعت لحديثهم كله فكانت تحدق به بمشاعر مختلطة ما بين الغضب والخوف. وهو رمقها بنظرة مميتة قبل أن يعبر من چوارها وينطلق ليغادر المنزل بأكمله.
أسرعت غزل ودخلت لآسيا التي كانت تقف وتزم شفتيها بيأس وراحت تسألها بدهشة:
"آسيا هو عمي منصور معاه بنت اسمها خلود فعلا وأخت على؟"
طالعتها آسيا بوجه عابس دون أن تجيب عليها وكانت الأخرى تنظر لها بفضول تنتظر سماع الرد بل والقصة كاملة منها. ما الذي فعلته تلك الفتاة لتجعل الجميع يكرهها بهذا الشكل ولا يهتم بأمرها ولا يذكر اسمها حتى، ولماذا عمها هارب!!
***
داخل منزل جلال.
كانت فريال تجلس بالصالة فوق الأريكة المقابلة للتلفاز وعيناها تشاهد الشاشة لكن عقلها شارد بزوجها الذي خرج بصباح اليوم للعمل دون أن ينظر بوجهها وكان منزعج منها. وهي الآن تجلس بذلك المنزل الكبير وحيدة بعد ذهاب أولادها المدرسة. راحت تضع يدها فوق بطنها تتحدث مع ابنتها بعبوس:
"حتى لو أنا غلطانة وزودتها مع أبوكي بس هو كمان غلطان ومينفعش يفضل مداري على عمه إكده كتير."
سكتت للحظة ثم تابعت حديثها مع ابنتها متمتمة بحزن:
"هو فاكر أني مش هاممني حاجة غير حق أبويا بس أنا خايفة عليه هو اكتر، لو الحكومة عرفت أنه مداري على مكانه هيتمسك، أبوكي عنيد وأنا تعبت معاه اعمل إيه بس!"
سالت دمعة متمردة فوق وجنتها وقالت بصوت مبحوح:
"طلع الصبح من غير ما يبص في وشي حتي.. يرضيكي اللي عمله ده."
أصدرت شهقة بسيطة بدهشة وألم عندما شعرت بحركة ابنتها في بطنها وضربها بقدمها الصغيرة وكأنها تسمعها وتجيب عليها فقالت فريال باستغراب:
"ايه متقوليش أنك عايزاني اصالحه، لا مش هتكلم معاه بعد اللي عمله الصبح."
استمرت الصغيرة في لكم أمها بقدمها فهتفت فريال بألم وغضب بعد نفاذ صبر:
"أوف خلاص لم ياچي هتكلم معاه بس لكن مش هصالحه."
ولكن الصغيرة لم تتوقف عن اللكم فتأففت فريال بغيظ واستقامت واقفة من مكانها عل تلك الشقية تتوقف عن الحركة وبالفعل بعد لحظات قصيرة هدأت أخيرًا.
سمعت صوت الباب ينفتح فمالت برأسها نحو الباب لتنظر له وهو يدخل ثم ينزع حذائه بجانب الباب ويلقي عليها تحية السلام دون أن ينظر لها ويتجه نحو غرفته بالداخل. فاستشاطت غيظًا أكثر وزاد حزنها وبسرعة البرق اندفعت خلفه ووقفت بجواره الخزانة تستند عليها بذراعها وتراقبه وهو يبدل ملابسه متجاهلًا إياها فهتفت تسأله:
"احضرلك الغدا دلوك ولا شوية؟"
أجابها بإيجاز دون أن ينظر بوجهها:
"مش عاوز.. شبعان اتغدي أنتي والعيال لما يچوا من المدرسة."
لوت فمها وهي تحاول التحكم بانفعالاتها وسألته مجددًا بفضول:
"أنت چيت بدري ليه النهاردة في حاجة ولا إيه!"
رد عليها بنفس النبرة السابقة:
"خلصت الشغل في المعرض وچيت يافريال، إيه التحقيق ده!!"
تحركت وتقدمت نحوه بعبوس وهي تقول بعتاب:
"مش بعاتبك أنا بسألك يعني چزاتي أني مهتمة بيك وأنت حتى مش بتبص في وشي وبتكلمني من تحت الضرس."
أخذ نفسًا عميقًا مستغفرًا ربه ثم نظر في وجهها وقال بهدوء:
"اديني بصيت اتبسطتي إكده."
امتلأت عيناها بالعبرات واقتربت منه أكثر حتى أصبحت شبه ملتصقة به ومدت يدها لتمسك بكفه الكبير وتنظر في عينيه متمتمة في حزن ونعومة:
"طيب متزعلش مني أنا امبارح زوتها شوية، بس أنا كنت خايفة عليك والله مش موضوع حق أبويا بس، احنا اتفقنا مش هنقلب في القديم ونخلي حاجة تأثر على علاقتنا تاني."
طالت نظرات جلال الجامدة وهي تتطلعه بتلك الأعين الساحرة. فخر مستسلمًا ورفع أنامله يمسح على وجهها وشعرها بحنو متمتمًا في بسمة دافئة:
"مش زعلان منك."
زَمت شفتيها بعبوس وعدم اقتناع وتجيبه:
"لا لسا باين عليك أنك زعلان."
ضحك بخفة وقال مغلوبًا:
"طب اثبتلك كيف أني مش زعلان."
هزت كتفيها ورفعتهم للأعلى بجهل ودلال وهي تمط شفتيها فزدادت ابتسامته اتساعًا وانحنى عليها يوزع قبلاته على وجهها كله وسط همسه الغرامي لها وهو يضحك لتبتسم هي برضا وحب وتركته يقبلها دون أن تمنعه حتى توقف هو وابتعد عنها لينظر في عينيها الفرحة ويقول لها مبتسمًا:
"چهزي نفسك أنتي والعيال عشان شوية بليل هننزل نكمل عفش البيت وننقي اللي ناقص."
أومأت له بالموافقة وراحت ترمي عليه تعانقه بحرارة وهذه المرة كانت هي من تغدقه بقبلاتها الناعمة والحميمية فأغلق عينيه وترك روحه تنعم بجمال قبلاتها الرقيقة على بشرته الرجولية الغليظة.
***
داخل منزل ابراهيم الصاوي تحديدًا بغرفة آسيا بمنزل خليل صفوان.
أصرت غزل على سماع الحكاية كاملة من آسيا ومنعتها من الرحيل قبل أن تعرف ماذا حدث لعمها وكذلك ابنته. وبعد وقت طويل نسبيًا من الحديث وانتهاء آسيا من سرد كل شيء لغزل كانت الأخرى تحدق بها بذهول وعدم تصديق لما تسمعه أذنيها وصاحت بصدمة:
"OMG ( يا الهي ) انتي بتقولي إيه يا آسيا."
سكتت للحظة تحاول استيعاب كم الصدمات التي تلقتها للتو وعادت تهتف لآسيا بدهشة:
"يعني عمي خليل اللي هو your dad قتله ابو جوزك اللي أنتي اتجوزتيه غصب ومكنتيش بتحبيه وعشتي معاهم في نفس البيت ودلوقتي عمي منصور اخد حق أخوه زي ما انتي بتقولي وقتل أبو جوزك!.. وجوزك وعيتله والبوليس بيدوروا على عمي منصور!"
طالعتها آسيا بجمود تام دون أن تظهر أي تعبير مما جعل غزل تهب واقفة منفعلة وتصيح بانفعال:
"انتوا فاكرين نفسكم إيه المفروض أن في شرطة وفي police هو اللي بيسجن ويعدم وياخد الحق، لكن تقتلوا في بعض ازاي هي animal barn!!.. وبعدين ايه تار ده انتوا لا يمكن تكونوا طبيعين انتوا متوحشين وأنا هرجع امريكا عند dady فورًا."
تنهدت آسيا الصعداء بنفاذ صبر واستقامت واقفة ثم اقتربت من غزل بنظرات مهيبة وتطلعت لها بحدة وهمست:
"اسمعي ياحلوة أنا صُح حبيتك بس ده ميعنيش أنك تغلطي في الكل إكده وفي ناسك، انتي اتربيتي وعيشتي في بلاد برا ومتعرفيس حاجة واصل لا عن مصر ولا الصعيد بالأخص وكل اللي شوفتيه وعرفتيه ولا حاجة قصاد اللي لسا معرفتهوش، هتقعدي وسطينا يبقى تتعايشي وتتقبلي عيلتك المتوحشة كيف ما بتقولي عنها لو مش عاجبك يبقى اتفضلي ارجعي لأبوكي."
أظهرت غزل على أنيابها الشرسة ونظرت لآسيا بغضب واكملت صياح:
"انتي بتدافعي عنهم وهما كانوا هيقتلوكي انتي وخلود، عملتوا كل ده معاها ورمتوها كأنها ملهاش أهل لواحد بيعذبها بس عشان حبته وهو خدعها ودلوقتي لما بتطلبي من الهمجي البربري ده اللي اسمه " علي" بيقولك ما عنديش أخوات دول بجد ما عندهمش mercy."
تابعت آسيا بنفس نظراتها ونبرتها المخيفة:
"إهنه مفيش حاجة عندنا اسمها بنت تحب وتمشي مع راچل في الحرام، في حاجة اسمها اللي عاوزك بيدخل البيت من بابه ويطلب يدك قصاد الكل، غير إكده تبقى البت چابت العار لناسها كلهم وعقابها كيف ما حصل مع خلود وكانوا هيعملوا معايا."
ضحكت غزل مستهزئة الفكر المتخلف والرجعي من وجهة نظرها وقالت لآسيا بقوة:
"يعني أنا على كدا لو عرفوا أني عندي boyfriend هيعملوا معايا زي خلود."
اتسعت عيني آسيا مندهشة ورفعت حاجبها وهي تحدق بابنة عمها في صمت حتى قالت لها في الأخير بحكمة وهي تربت على كتفها:
"بصي ياغزل انتي لساتك متعرفيش حاجة عنينا يابت العم، ونصيحة اعتبريها من أخت اقطعي علاقتك بيه احسن ولو مش عايزة براحتك أنا مليش صالح بيكي كل واحد هو عارف هو بيعمل إيه كويس قوي، بس بلاش تچيبي سيرة قصاد چدك ولا "علي" على موضوع البوي فريند ده لمصلحتك."
ابتعدت عنها والتقطت حقيبتها وقالت لها بابتسامة طبيعية:
"انا همشي عشان اتأخرت وعمران زمانه على وصول، ومتنسيش نصيحتي هااا."
تابعتها غزل بضيق وهي تغادر الغرفة وتتركها وحيدة، وداخلها قد اقسمت أنها لن تبقى معهم بهذا المنزل أبدًا أكثر من ذلك وستعود لوالدها في أمريكا فورًا.
***
داخل منزل ابراهيم الصاوي بعد عودة آسيا وتبدليها لملابسها.
كانت تجلس بالصالة الكبيرة على الأريكة وتريح ظهرها على ظهر الأريكة لتظهر بطنها المرتفعة بوضوح أكثر وكان بيدها صحن من السلطة تأكل منه بكل بطء وهي نظراتها عالقة على منى التي تتحرك ذهابًا وإيابًا من المطبخ للصالة تساعد إخلاص في تحضير الطعام وأعمال المنزل. كانت أعين آسيا نارية على منى وهي تراقبها بشر متوعد وكأنها تخبرها أنها مازالت بالمنزل الآن لأنها فقط أرادت ذلك.
هناك بعض البشر لا يجب التعامل معهم بآدمية لأنك إذا فعلت ستصبح فريسة سهلة بين أنيابهم، ومنى من بين هؤلاء البشر، لذلك آسيا ستتبع أسلوبها المتوحش في الحرب حتى تلتهم فريستها هي أولًا.
استقامت واقفة وهي تبتسم بشيطانية بعدما انتهت من صحن السلطة خاصتها واتجهت نحو المطبخ وهي تتصنع الود واللطف، وتقول لأخلاص وهي تنضم لهم لتساعدهم في أعمالهم:
"هاتي ياحماتي اساعدك."
منعت إخلاص بضيق هاتفة:
"لا شكرًا معوزاش منك حاجة اطلعي على اوضتك ملكيش صالح بحاجة أنا منى بتساعدني."
التفتت آسيا تجاه منى ورنقتها بنظرة قذفت الرعب في قلب الأخرى، لكن سرعان ما عادت تبتسم بعطف مزيف وتقول:
"لا منى تساعدك كيف دي ضيفة لازم تقعد وترتاح، بعدين أنتي مش شايفة وشها كيف مفهوش حتة سليمة ياحرام، هي محتاچة ترتاح وتحط مراهم وعلاج لوشها قبل ما الحالة تسوء، مش إكده ولا إيه يامنى؟!"
كانت منى تحدق لآسيا في حقد ونقم شديد وإخلاص رغم خوفها لكنها التزمت الصمت ولم تتمكن من الاعتراض بالأخص عندما تابعت آسيا بحزم:
"بعدين ميصحش تفضلي أنتي واقفة في المطبخ إكده والضيفة بتساعدك ومرت ولدك قاعدة، ولا أنتي عاد مش معتبراني مرت ولدك وواحدة من البيت."
لوت إخلاص فمها مغتاظة والتزمت الصمت وتركت آسيا تساعدهم، وسط نظراتهم النارية هي ومنى لبعضهم البعض. جلسوا على الطاولة الصغيرة وهم يقومون بقطف اوراق " الملوخية " الخضراء، فتحدثت آسيا بنظرة ماكرة كلها كيد لمنى وإخلاص:
"معلش عاد أنا صحيت متأخر النهاردة وبعدين روحت بيت أبوي وملحقتش اساعدكم من الصبح بدري بس أصل أنا وعمران فضلنا الليل كله امبارح سهرانين."
لاحظت خنق منى واستنكار إخلاص فتابعت آسيا بنفس الأسلوب المستفز الذي يثير الجنون:
"ربنا ما يحرمني منه واصل المعلم چوزي وحبيبي، الليل كله كان بيراضيني ويصالحني ويقولي أنه ميقدرش على بعدي ولو غبت عنه ساعة واحدة بس بوحشه."
لاحظت الغيظ على معالم منى فتابعت بغل مكتوم وهي تحاول الحفاظ على هدوئها وثباتها المزيف ونظراتها عالقة على إخلاص ومنى:
"أصل عمران مش بيسمح لحد واصل أنه ياچي عليا ولا يزعلني ويأذيني ولو عداها في مرة فده بس كان عشان طيبة قلبه وأنه مشايفش الحقيقة، اللي مسيرها تتكشف وكل واحد المفروض يجهز روحه للي هيعمله وهيحصل من دلوك."
اضطربت إخلاص بعدما أدركت أنها تلقي بتلمحياتها وتهديداتها عليها، فمدت يدها تلتقط كوب الماء لتشرب منه لكن المياه علقت بحلقها وأخذت تسعل بقوة فابتسمت آسيا بخبث وراحت تربت فوق ظهرها بلطف متمتمة:
"اسم الله عليكي ياحماتي اشربي اشربي مايه."
أما منى فقد استشاطت وفاض كيلها من آسيا ولم تعد تتحملها فاستقامت واقفة تنوي الابتعاد عنهم تمامًا لكن آسيا استغلت فرصة عبورها من جوارها وفردت قدمها بالأرض لتتعثر منى أثناء سيرها وتسقط على قدمها ويرتفع صوت صراخها المتألم فتثب إخلاص واقفة وتسرع نحوها تسألها ماذا بها وآسيا تتابعهم بشر وابتسامة شيطانية ثم استقامت واقفة وقالت بتصنع الاهتمام مع أن نظراتها تقول العكس وكانت كلها شماتة:
"ألف سلامة يامنى ياحبيبتي أنا عندي مرهم زين قوي مسكن للألم هروح اچبلك منه عشان تحطيه قبل ما تورم."
ثم ولتها ظهرها وسارت لخارج المطبخ بكل عنجهية وعدم اكتراث تاركة منى تصرخ من الألم وإخلاص تحاول معالجتها، بينما كانت في طريقها لغرفتها بالأعلى رأت عمران الذي وصل للتو كان يتجه نحو المطبخ بعدما سمع صوت منى فأسرعت نحوه وامسكت بذراعه توقفه هاتفة:
"رايح وين؟!"
عمران بحدة:
"رايح اشوف في إيه، مش ده صوت منى!!"
آسيا بنظرة قوية وجبارة:
"أه صوتها بس هي كانت بتكلم أمها في التلفون واتخانقوا وبتبكي وتزعق عشان إكده صوتها عالي، سيبك منها أنت مالك بيها!!"
رفع عمران حاجبه وهو يطالع زوجته بشك وعدم اقتناع فوجدها تجذبه معها لغرفتهم بالأعلى هاتفة:
"تعالي معايا عاوزاك اتكلم معاك ضروري."
ضيق عينيه باستغراب منها وقال وهو يحاول جذب يده من قبضتها:
"طيب سيبي يدي مالك يا آسيا هو أنا ههرب منك!"
لم تكترث له واحكمت قبضتها على يده أكثر وهي مستمرة في جذبه معها للاعلى، لا إراديًا ابتسم مغلوبًا منها وسار معها باستسلام حتى وصلوا لغرفتهم.
***
اتجهت رحاب نحو غرفتها بعدما سمعت صوت رنين الهاتف، جذبت الهاتف من فوق الفراش وتطلعت في شاشته لتقرأ اسم المتصل لكنه كان مجهول وبلا اسم فغضنت حاجبيها باستغراب وأجابت في حزم:
"الو مين معايا."
وصل بأذنها صوت بشار وهو يهتف:
"كيفك يارحاب؟"
تلعثمت بالبداية وتسارعت دقات قلبها فردت عليها بذهول:
"بشار!!.. أنا كويسة الحمدلله أنت اخدت رقمي من مين؟"
بشار بنبرة جادة وهادئة:
"أنا واقف في الشارع اللي ورا بيتكم لو تقدري تطلعي عايز اتكلم معاكي يارحاب."
قطعت الصوت واستحوذتها الدهشة حتى هتفت بعدم فهم:
"شارع إيه وواقف ليه يابشار أنا مش فاهمة حاجة، هو في حاجة حُصلت ولا إيه؟!"
سمعت تنهيدته الطويلة في الهاتف وهو يجيب بلهجة رجولية:
"مفيش حاجة يارحاب أنا قولتلك عايز اتكلم معاكي، يلا البسي واطلعي أنا مستنيكي."
صمتت للحظات مترددة ما بين توتر وفرحة وخجل وعدم فهم لسبب رغبته في التحدث معها وتساؤلها حول الأمر الذي يريد محادثتها فيه، لكنها ردت بالنهاية عليه:
"حاضر خمس دقائق واچيلك."
أنهى الاتصال معها بينما هي فظلت تحدق في الهاتف بذهول وابتسامة ثغرها تملأ وجهها كله، وبسرعة البرق اندفعت نحو خزانتها تخرج ملابسها لكي تجهز وتذهب له.
بالخارج ظل بشار لدقائق طويلة بانتظارها داخل سيارته حتى رآها أخيرًا وهي تتجه نحوه بخفة كالفراشة وتبتسم برقة فبادلها الابتسامة حتى وصلت له واستقلت بجواره في السيارة وهي تسأله بخجل:
"عامل إيه؟"
بشار مبتسمًا بود:
"في نعمة الحمدلله."
رددت خلفه "الحمدلله" وهي مازالت محتفظة ببسمتها بينما هو فاختفت تدريجيًا حتى راح يسألها باهتمام:
"رحاب انتي كنتي قاعدة امبارح في الوكالة صُح؟"
تلعثمت عند ذكره الأمس واكتفت بهز رأسها بالإيجاب فسمعت سؤالًا آخر كان أكثر جراءة من السابق:
"طيب ليه مشيتي لما سمعتيني وأنا بكلم مريم!"
ازدردت ريقها بتوتر رغم الضيق الذي تملكها عند ذكره لاسم خطيبته وردت عليه بثبات مزيف:
"انا مسمعتش حاجة وحتى لو سمعتك ايه اللي هيخليني امشي، واحد وبيكلم خطيبته أنا مالي عاد!"
مال بشار بوجهه عليها ليقترب منها أكثر وتصبح أنظاره أكثر دقة وتركيزًا على عيناها وهو يسألها وكأنه ينتظر سماع إجابة معينة منها:
"ما أنا برضوا بقول إكده، إيه اللي يخليكي تمشي بعد ما تسمعي كلامي مع خطيبتي إلا لو كان في سبب."
اضطربت من نظراته وخجلت فردت بصوت خافت وهي تتفادى النظر لوجهه:
"قصدك إيه؟!"
ابتسم لا إراديًا ورد بنظرة دافئة وهو يضحك:
"ولا حاجة أنا اخدت چوابي خلاص."
رحاب بخنق وغيظ منه بعدما ابتعد عنها وهو يضحك بمتعة:
"چواب إيه وبعدين أنت چايبني إهنه ليه عشان تسأل السؤال ده!!.. هو ده الموضوع المهم يعني اللي عايز تتحدت فيه معايا!"
هتف وهو مازال محافظًا على بسمته المستمتعة:
"لا أنا كنت عاوز أتأكد من حاجة واتأكدت."
كانت لا تشعر بقدميها من فرط التوتر ودقات قلبها في تزايد مستمر فانفعلت وهتفت بخجل شديد وضيق:
"أنا ماشية يابشار."
أوقفها هاتفًا بجدية وهو يضحك:
"استنى رايحة وين.. خطيبك عمل حاجة تاني كلمك أو ضايقك؟"
رحاب بدلال امتزج بغيظها منه:
"ملكش صالح، سلام."
أنهت عبارتها واندفعت لخارج السيارة تعود للمنزل وهي تتلفت برأسها للخلف وتنظر له داخل السيارة فتراه يراقبها وهو يضحك بمتعة فتبتسم هي أيضًا رغمًا عنها.
***
داخل منزل ابراهيم الصاوي تحديدًا بغرفة عمران وآسيا.
أغلقت آسيا الباب خلفها بعد دخولهم واستدار لها عمران يطالعها بحيرة ونظرة ثاقبة، فوجدها تقف ساكنة دون أن تقول أي شيء وتحدقه بنظرات زائغة فسألها بثقة وهو يبتسم:
"هاا عاوزة تتكلمي في إيه معايا، عرفتي غلطك أخيرًا وحابة تعتذري!"
رمقته شزرًا واندفعت نحوه ثائرة وهي تهتف:
"اتأكد إني مش هعتذر منك غير لما تعرف أنت غلطك الأول لأنك لغاية دلوك أنت مش مدرك اللي عملته معايا ومنشف راسك حتى مش عاوز تحاول تصدقني بس غصب عنك هنشوف وتعرف إني كنت على حق."
تأملها الصامت بها وجمود تعابير وجهه ثم ولاها ظهره دون أن يجيب عليها معبرًا عن انزعاجه من كلامها وأنه لم يعجبه، وتحرك بخطوات هادئة تجاه الخزانة ليبدأ في تبديل ملابسه دون أن يتفوه ببنت شفة معها فإذا تحدث سينشب شجار جديد بينهم وهو في غنى عنه الآن.
أما هي فلم تكترث لصمته كثيرًا يكفيها أنه معها بالغرفة ولن يغادر، فوجود تلك السحلية "منى" يجعلها تشتعل من الغيرة وتريد سجنه معها بالغرفة اليوم كله حتى يأتي معاد عمله مرة أخرى، لا تريده أن يلتقى معها وجهًا لوجه أبدًا. ولكن كيف تجعله يرغب في البقاء معها بالغرفة اليوم كله وهي حتى لا تبتسم في وجهه ودومًا تجادله، بالطبع سينفر منها ويتركها ويخرج لتلك السحلية، لولا فقط خطتها لما كانت تركتها تظل بهذا المنزل لحظة واحدة لكنها تحتاجها للأسف.
بعدما دخل الحمام ليأخذ حمامًا دافيء، جلست هي على الفراش بشرود تفكر في طريقة فعالة لتبقيه معها بالغرفة، اقترح عليها عقلها فكرة تصنع المرض ولكنه ليس ساذجًا وسيكشف حيلتها بالتأكيد، وإذا حاولت استخدام الإجبار منه لن يجدي بنفع أبدًا وستنعكس نتائجه بالسلب.
هتفت بحيرة وهتف:
"امال إيه طيب؟!"
بعد دقائق طويلة نسبيًا خرج من الحمام وبعدما انتهى من تجفيف شعره قاد خطواته باتجاه باب الغرفة، فوثبت واقفة بزعر وهرولت نحوه لتقف حائل بينه وبين الباب وهي تنظر له وتهتف بجدية:
"رايح وين؟!"
عمران رافعًا حاجبه بتعجب:
"طالع أوضة الجلوس فوق يا آسيا مالك؟!"
همست بصوت منخفض لا يسمع في غيظ:
"اوضة الجلوس عشان السحلية دي تستغل الفرصة وتجري تطلع وراك وتتلزق فيك."
رفعت رأسها له وتطلعت في وجهه بحزم وهي تقول دون وعي توجه له الأوامر:
"لا مش هتطلع."
ازدادت رفعة حاجبه وتحولت نظراته للحدة وهو يرد عليها بخشونة:
"قولتي إيه؟!"
تنحنحت بارتباك وبسرعة تداركت الموقف وراحت تضع يدها فوق بطنها وتصدر تأوهًا متألمًا مزيف فتبدلت تعبيرات وجهه للقلق والاهتمام وهو يسألها:
"مالك؟"
مدت يدها وجذبت كفه الكبير تضعه على بطنها وهي تنظر له وتقول بحماس وسط تعبيرات الألم المزيفة على وجهها:
"ولدك بيتحرك جامد وبيضرب برجلي، حط يدك إكده وحس بحركته."
لمعت عينيه في لحظة ووضع يده بكل رفق يحاول استشعار أي حركة منه ولكن لا يوجد، فنظر لها بعبث وقال في عين انطفأ بريقها:
"مفيش حركة أنا مش حاسس بحاحة!"
أمسكت بيدها وغيرت مكانها وهي تقول له بدهشة وجدية:
"كيف يعني ركز يا عمران اهو بيتحرك أنا حاسة بيه."
حاول التركيز كما طلبت منه ولكن النتيجة صفر أيضًا فقال بخنق:
"مفيش حاجة يا آسيا أنتي بتشتغليني عشان مطلعش!"
مالت برأسها للجانب وهمست بيأس وضيق:
"اووف هو مفيش حاجة بتخيل عليه واصل، كيف بيفهم معرفش!!"
عندما عادت برأسها له ونظرت له وجدته يتطلعها بقوة ويبدو أنه سمع همسها المنخفض فابتسمت له ببلاهة وقررت تنفيذ الخطة ب واستخدام دلالها وأنوثتها، ستضطر أن تضع جدالهم وعنادهم وغضبها منه جانبًا الآن.
زَمت شفتيها للأمام في عبوس وقالت له بحزن:
"الصراحة مش عاوزة اقعد لحالي حاسة روحي مخنوقة قوي وداخلة على حالة اكتئاب والزعل والاكتئاب غلط على الحامل وبيأثر على العيل."
رأته يتأملها وعلى ثغره بسمة خفية تؤكد فهمه لحيلتها البائسة ولكنه لم تكترث وتابعت بنظرات استعطاف كله براءة وأنوثة:
"ههون عليك يامعلم تسيبني أنا وولدك واحنا مكتئبين وزهقانين."
التزم الصمت للمرة الثانية لكن هذه المرة ظهرت بسمته بوضوح أكثر وعينيه لمعت بوميض الحب لا إراديًا، مما جعلها ترقص فرحًا من الداخل ودون تفكير مالت عليه ولثمت وجنته ولحيته بعدة قبلات متتالية في غرام ثم قالت بحماس:
"إيه رأيك اعملك المساچ اللي بتحبه وبيريحك أنت أكيد راجع تعبان من الشغل ومحتاج ترتاح."
قهقه رغمًا عنه على تصرفاتها الطفولية ومحاولاتها الممتعة بالنسبة له وهي تقنعه للبقاء معها، ويؤسفه القول أنه رغم فهمه لها سقط في فخ سحرها وذاب أمام نظراتها الأنثوية المستعطفة والمدللة، فوجد لسانه يتحدث دون وعي في عين تفيض حبًا:
"ماشي ياغزال."
ظهر شبح بسمتها الساحرة على وجهها كله، ثم تابعته وهو ينزع عنه ملابسه ليبقى عاري الصدر ولا يرتدي سوى بنطال فقط، واقترب من الفراش ليتمدد فوقه على بطنه ويترك يديها الناعمة تتولى مهمة تدليك ظهره وجسده لتخفيف الألم عنه، وعندما اقتربت يدها من كتفيه لتدلكهم وجدته يلتقط كفها ويجذبه لثغره يلثم باطنه بعدة قبلات متتالية في نظرات رجولية مغرمة تذهب العقل وتذيب القلوب.
***
بتمام الساعة العاشرة مساءًا داخل وكالة عائلة ابراهيم الصاوي كان يجلس عمران بمفرده عندما اقتحم عليه الوكالة رجل مسن تقريبًا من نفس سن والده، ملامح وجه صارمة ومريبة، ونظراته كلها شر ووعيد.
جلس عمران بكل أريحية وتيه وهو ينظر له مبتسمًا ويقول في لهجة ساخرة:
"أهلًا يامعلم صابر نورت الوكالة كلها."
ابتسم له صابر باستهزاء وخنق من طريقة ترحيبه الغير مهذبة به وقال بغلظة:
"شكل ابراهيم الله يرحمه نسى يعلمك كيف ترحب بالضيوف ياعمران."
أظلمت عيني عمران وبلحظة وثب واقفًا وضرب بقبضة يده القوية على سطح المكتب هاتفًا في أعين مخيفة:
"معلم عمران.. وبعدين ضيوف إيه هو أنت غريب ولا إيه!"
صرخ صابر على أسنانه مغتاظًا ثم هتف بحدة ونظرة لا تمزح أبدًا:
"مش موضوعنا يااامــعلـم.. خلينا في الأهم أنا چيتلك بنفسي عشان نكمل حديتنا واشوفك بنفسي واعرض عليك تخلص باقي حساب أبوك ولو حابب تكمل معانا في الشغل ولا لا."
عمران بصوت رجولي مخيف ونظرات نارية لا تقبل الجدال والنقاش:
"وأنا سبق ورديت عليك ولو حابب تسمع مني تاني مفيش مانع، أنا مليش في الشغل الحرام واللي كان ليك فلوس عنده راح لرحمة الله لكن أنا ملكش حاجة عندي."
ابتسم صابر ساخرًا وقد اشتدت حدة نظراته وأصبحت ملتهبة:
"وأنت وأبوك إيه مش واحد يامعلم، يعني فلوسه هي فلوسك وأنا ليا باقي حساب عند أبوك ومفيش غيرك اللي هيدفع."
مسح عمران على وجهه متأففًا بنفاذ صبر ثم قال بغضب حقيقي:
"وأنا قولتلك ملكش حاجة عندي ومش هدفع حاجة تحب اقولهالك كيف عشان تفهم."
رفع صابر حاجبيه باستنكار وقد ظهر في عينيه لهيب الشر الحقيقي والوعيد وهو يرد على عمران بلهجة مريبة:
"أنا فهمت زين يامعلم عمران، بس شكلك أنت اللي لساتك مفهمتنيش وطالما مصمم إنك متدفعش يبقى أنا هفهمك بطريقتي، أنا مكنتش حابب تبقى العلاقة بينا إكده وتفتح بينا طاقة من جهنم بس أنت اللي أچبرتني."
لم يكترث عمران لتهديداته وظل يتمعنه ببرود تام وعدم اهتمام حتى وجده يستدير ويرحل هو ورجاله فقال له بصوت رجولي قوي:
"نورتنا يامعلم ياريت متكررهاش تاني."
التفت له صابر وابتسم بسخرية وأعين تكن له الشر والثأر ثم اشاح بنظره وأكمل طريقه.
***
داخل منزل سمير.
فتح الباب لها الباب أخيرًا ليدخل ويطمئن عليها ليس حبًا واهتمامًا بها ولكن ليتأكد أنها مازالت على قيد الحياة، وكان يحمل معه طعامًا وماء لها. فور دخوله وحدها ملقية على الأرض وعيناها مفتوحة تحدق في الفراغ بانطفاء وكأنها جسد بلا روح. لم يشفق عليها ولم يكترث لأمرها حتى فقال لها وهو يضع الطعام أمامها على الأرض صائحًا:
"رغم أنك متستحقيش حاجة بس عشان متچرالكش حاجة واتدبس فيكي اكترا."
اعتدلت فورًا وهبتت جالسة وهي تحدثه شزرًا بنظرة كلها غل ونقم لم يراه في عينيها من قبل أبدًا، كانت نظراتها تتحدث وتتوعد له ولا يمكنه إنكار أنها قلق منها قليلًا فراح يصيح بها بقسوة:
"اطفحي يلا."
وعندما استدار وولاها ظهره ليرحل وثبت هي واقفة والتقطت زجاجة المياه الفارغة الموجودة بجوارها وركضت خلفه ونزلت بها بكل قوة فوق رأسه لتتهشم وتتناثر الزجاجة على رأسه ويسقط هو بعدها على الأرض والدماء تسيل منه على الأرض.
رواية و بالعشق اهتدي الفصل العاشر 10 - بقلم ندى محمود توفيق
تسمرت بمكانها كالصنم وظلت تحدق بزوجها وهي جاحظة العينين لا تستوعب ما فعلته للتو. منظر الدماء وهي تسيل من رأسه على الأرض زاد من دقات قلبها وخوفها، وبدأت أوصالها ترتعش رعبًا.
تقدمت خطوة نحوه بقدم مرتجلة وانحنت عليه تمد يدها بخوف لتهزه وهي تهتف بصوت باكي:
"سمير رد عليا.. سمير أنا مكنش قصدي والله ومعرفش عملت إكده."
عادت تهزه مرة أخرى ولكن بعنف صائحة ببكاء هستيري:
"سمير متموتش ابوس يدك."
توقفت عن البكاء بعد لحظات وهي تحدقه بأعين مرتعدة وحائرة. دار بعقلها ألف سيناريو مرعب جعلها تتقهقر للخلف بعيدًا عنه وكأنه داء تحاول حماية نفسها منه. بعد وقت من التفكير المشتت، استمعت لصوت واحد في عقلها يصرخ: "ويلك عليها" دون توقف.
هبت واقفة وركضت لخارج الغرفة متجهة لغرفتها، وأخرجت الحقيبة وبدأت في جمع ملابسها. لم تترك سوى القليل فقط لكنها أخذت كل ما ستحتاجه. بسرعة عادت له سريعًا والتقطت هاتفه. ولحسن الحظ أنها كانت تعرف الرقم السري للهاتف، فتحته ثم أرسلت رسالة لفتاته تطلب منها باسمه أن تأتي له فورًا مرفقة معها عبارة أنه يحتاجها بشدة والأمر عاجل.
ألقت بالهاتف بجواره ومسحت يدها لرقبته تتفقد نبضه، فوجدته طبيعي أي أنه فاقد الوعي فقط. حمدت ربها وبسرعة استقامت وأخذت حقيبتها وأشيائها وغادرت المنزل وهي تركض على الدرج وتتلفت حولها خوفًا من أن يلمحها أحد.
حمدت ربها أنها وصلت لبوابة البناية دون أي عوائق، وظلت تسير بالشارع وسط الظلام شبه ركضًا وهي لا تعرف إلى أين وجهتها وماذا ستفعل في هذا الليل. فقط كانت تتبع صوت عقلها الذي يصرخ عليها دون توقف أن تهرب لأبعد نقطة ممكنة عن ذلك الوحش. كانت تعبر الشارع ولم تنتبه للسيارات من فرط ذعرها وارتباكها، ولم تفق من غياب عقلها إلا عندما وجدت نفسها على الأرض بعدما صدمتها سيارة.
***
داخل منزل إبراهيم الصاوي، تحديدًا بغرفة الجلوس الصغيرة بالطابق الثالث حيث المكان المفضل لعمران.
كان يجلس على الأريكة بجوار النافذة ويلقي بعينيه للخارج وهو شارد الذهن، يفكر في ذلك اللقاء المزعج الذي حدث بالوكالة مع صابر. أكثر ما يقلقه معرفته أن ذلك الرجل خطير حقًا وقد يفعل أي شيء، وتهديده لن يذهب سدى بالتأكيد. لكن قلقه الأكثر لم يكن على نفسه بل على عائلته وزوجته. ماذا إذا حاول إلحاق الأذى بهم؟ أو حاول استغلال وجودهم ليجعله يخضع له؟
ألف سؤال وفكرة كانت بعقله، ولكن مازالت الحيرة تستحوذ عليه ولم يصل لأفضل قرار أو طريقة تمكنه من التخلص من ذلك الرجل أو حتى تفادي شره. أكثر شيء يعرفه الآن أنه يجب أن يأخذ حذره جيدًا حتى يتسنى له تنفيذ خطة جيدة يتعامل بها مع الوضع.
وسط شروده التام، انفتح الباب ودخلت آسيا بخطوات هادئة بعد أن أغلقت الباب خلفها مجددًا. تحركت نحوه بتريث وجلست بجواره على الأريكة تتطلع له بتعجب من عدم انتباهه لوجودها، وقالت بلهجة قوية حتى ينتبه له ويفق من شروده:
"عــمــران."
التفت إليها ورمقها بأعين تائهة ومندهشة من وجودها أمامه، فسألها باهتمام:
"سرحان في إيه إكده؟"
هز رأسه لها بالنفي في تعبيرات وجه مقتضبة وقال بشدة:
"ولا حاچة. أنتي إيه اللي چابك.. في حاچة ولا إيه؟"
انزعجت من أسلوبه الجاف لكنها تجاهلت وردت عليه بجدية تامة:
"چيت اقولك أني عاوزة لفريال وچلال بكرا بيتهم الچديد اباركلهم وكمان عشان انزل أنا وهي بعدين نروح نشتري هدوم العيل."
حصلت على الرد منه بالصمت التام وهو يحدقها بنظرات غامضة لم تفهمها. ثم سمعته يجيب أخيرًا بعد ثوانٍ طويلة من السكون وهو يهتف بنبرة رجولية غليظة:
"لا متروحيش."
ضيقت عيناها باستغراب وقالت في ضيق:
"مروحش ليه؟!"
عمران بغضب بسيط ولهجة لا تقبل النقاش:
"من غير ليه.. كلمة واحدة يا آسيا. قولت مفيش طلوع يبقى مفيش، ومن غير نقاش."
تمكن منها الغيظ وتحول وجهها كله لكتلة من الدماء الحمراء، فراحت تهتف بانزعاج شديد:
"وأنا عاوزة اعرف السبب.. مش عاوزني اروح ليه وبتكلمني إكده ليه؟!!"
أشاح بوجهه بعيدًا عنها وهو يتأفف بقوة ويمسح على وجهه مرددًا بنفاذ صبر:
"لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.. انتي متعرفيش تقولي حاضر واصل؟ لازم تعاندي وتنرفزيني عليكي!"
هتفت مغتاظة وبشجاعة دون خوف منه:
"أنا مش بعاند. أنا بسألك على السبب. لكن أنت اللي مش طايق ليا كلمة."
عمران بعصبية وهو مازال ينظر للجهة الأخرى بعيدًا عنها:
"طيب أنا مش طايق ليكي كلمة، ارتحتي إكده. بلاش عند عاد واسمعي الكلام من غير رط."
امتلأت عيناها بالدموع وهي تتمعنه بعتاب شديد وقهر. ثم استقامت واقفة وقالت له بصوت مبحوح:
"ماشي ياعمران هسمع الكلام. الحق عليا أني كنت ناوية اعتذر منك ونتصالح وانسى اللي عملته معايا.. بس أنا اللي غلطانة اني اتنازلت عشانك.. ومعلش يامعلم أنا آسفة ازعجتك وصدعتك بالرط بتاعي."
أنهت عباراتها واندفعت لخارج الغرفة مسرعة تتسارع مع دموعها التي تنهمر فوق وجنتيها بغزارة، بينما هو ظل يتأفف ويزفر بخنق مستغفرًا ربه.
***
داخل منزل خليل صفوان.
كان علي يجلس بالخارج على الأريكة العريضة وحديث جده حمزة وغزل يصل لمسامعه وهي تهتف بإصرار للجد:
"ياجدو أنا عايزة ارجع لدادي."
حمزة أجابها بحدة:
"ترجعي كيف يعني ياغزل؟ أنتي لسا جايه من كام يوم. وبعدين أبوكي بنفسه هو اللي جابك إهنه، وأنتي عارفة السبب."
لوت فمها بغيظ عندما تذكرت قرار والدها بالزواج مرة أخرى بعد سنين طويلة قضاها وحيدًا يهتم بها وبعمله فقط بعد وفاة والدتها منذ صغرها. وبسبب الخلافات الشديدة التي حدثت بينهم، اقترح عليها أن تذهب لعائلة أمها بمصر حتى تهدأ قليلًا وترفه عن نفسها وهي وافقت. لكنها لم تعد تريد البقاء هنا أيضًا بعدما عرفت بكل شيء.
هتفت غزل برجاء وخنق:
"ياجدو خلاص أنا هرجع وهقعد مع دادي بس مش حابة أقعد هنا تاني."
اقترب منها حمزة وهتف برزانة وحزن:
"ليه بس يابتي؟ قوليلي لو في حد ضايقك وأنا أبهدلك الكل إهنه. لو "علي" ضايقك ولا حاجة قوليلي متخافيش، وليكي عليا أخليه يجي دلوك ويعتذر منك."
سمع "علي" صوتها من الداخل وهي تهتف بنبرة شبه مرتفعة قليلًا ومغتاظة عند ذكر اسمه:
"وأنا هخاف ليه منه الكائن ده؟ وهو ميقدرش يعملي حاجة ولا يضايقني اصلا.. مين "علي" ده عشان أخاف منه؟"
رفع حمزة حاجبيه باستغراب من انفعالها الغريب فجأة بمجرد ذكر اسم "علي"، ولكنه لم يعقب ورد عليها بلهجة حازمة لا تقبل النقاش:
"يبقى خلص الكلام ومتفتحيش عاد موضوع السفر ده تاني. أنا لسا ملحقتش أشبع منك. أنتي إهنه فوق راسي وراسنا كلنا ومفيش حد يقدر يزعلك بكلمة."
تنهدت بصعداء بقلة حيلة وامتعاض، ثم ردت على جدها بابتسامة متكلفة:
"thanks ياجدو."
حمزة بابتسامة دافئة وهو يسألها بترقب:
"يعني خلاص مش هنفتح الموضوع ده؟"
هزت رأسها له بالإيجاب على مضض، بينما هو تفتحت أساريره واقترب منها يلثم رأسها بلطف دافئ. وتوقفت هي بعدها تقول برقة:
"عند إذنك ياجدو أنا هطلع أوضتي. محتاج حاجة مني؟"
حمزة بحب صافي:
"لا ياحبيبتي. عاوز سلامتك."
ابتسمت له ثم استدار وغادرت الغرفة. وبينما كانت في طريقها للأعلى حيث غرفتها وبعدما صعدت أولى درجات السلم، أوقفها صوت رجولي أصبحت تحفظه عن ظهر قلب:
"غزل!"
قلبت عينيها متأففة بخنق ووقفت دون أن تلتفت له، حتى سمعت خطواته من الخلف وهي تقترب منها فاستدارت مجبرة وهي تحدقه بقوة هاتفة:
"what?"
كان أمامها مباشرة ويتمعن في عينيها بنظرات ثاقبة قبل أن يسألها بنبرة لمست بها الفضول والاهتمام:
"انتي عاوزة ترجعي أمريكا ليه؟"
ابتسمت بتهكم رغم اندهاشها من سؤاله واهتمامه من الأساس، لكن ذلك لا ينفي حقيقة أنها أصبحت تبغضه أكثر بعدما عرفت بحكايته مع شقيقته. ردت عليه بنبرة فظة:
"شيء ميخصكش اعتقد!"
استشاط "علي" غيظًا منها وقال بصوت محتقن:
"لا يخصني وإذا كان عاجبك، والمفروض من الاحترام لما أتكلم معاكي وأسألك باحترام تردي بالمثل."
ضحكت بسخرية شديدة منه وهي تتكلم بصوت منخفض لكن وصل لمسامعه:
"الاحترام.. ده على أساس إنك أنت كنت تعرفه أوي!"
علي بلهجة صارمة وغاضبة:
"بصي في وشي ومتبرطمشيش وقولي اللي عاوزة تقوليه."
ثبتت نظرها على وجهه بتحدي وقالت ببرود مستفز:
"بقول يخصك بصفتك إيه.. أنت مين أصلًا عشان تقولي أعمل إيه ولا معملش إيه أو ألبس إيه وملبسش إيه؟"
جز على أسنانه يحاول تمالك أعصابه حتى لا ينفعل عليها، ثم هتف:
"هو حتى لما نتكلم بأدب وهدوء مش عاجبك."
غزل بانفعال وحقد شديد:
"حابب تعرف ليه عايزة أمشي؟ عشان مش عايزة أقعد في البيت هنا بعد كل اللي عرفته. واحد معدوم الرحمة والإنسانية ومريض سايب أخته لبني آدم مريض تاني بيعذبها وهيخلص عليها بس عشان غلطت غلط وندمت عليه وهو مش فارق معاه حتى يحاول يساعدها."
ترقبت ردة فعله بعد عباراتها فوجدته ساكن لكن وجهه كله محتقن بالدماء وعيناه مظلمة. وعندما اندفعت للأعلى تكمل طريقها، وجدته يسرع خلفها ويجذبها من ذراعها صائحًا بها وعي:
"الكلام اللي عرفتيه ده محدش يعرفه واصل يعني اياكي تقولي لحد. خلود اتجوزت ليه؟ الكل عارف أنها اتجوزت عادي كيف ما البنات كلها بتتجوز. حذاري تجيبي سيرة لحد."
رغم الألم الذي يجتاح ذراعها من قبضته عليها، إلا أنها قالت ساخرة باشمئزاز:
"ليه؟ عشان خايف على الفضيحة زي ما بتقولوا؟ لكن هي مش مهم ترموها لإنسان مريض يموتها ولا يعذبها عادي."
لا إراديًا ضغط بأصابعه على ذراعها بقسوة شديدة كادت أن تهرس لحمها، فصاحت به بألم وعينان دامعة:
"آاااه سيب إيدي أنت إنسان متوحش ومش طبيعي."
ترك يدها فورًا بعدما فاق من حالة الهياج التي كانت تستحوذ عليه، فوجدها تندفع نحو غرفتها وهي تبكي بحرقة. فـتأفف بضيق واندفع نحوها ينادي عليها لكن دون رد منها. لحقها قبل أن تدخل غرفتها وقال بلهجة مختلفة تمامًا وهو يعتذر منها لأول مرة:
"أنا مكنش قصدي أوجعك. متزعليش."
انفجرت به صائحة بحرقة وهي تدخل غرفتها وتغلق الباب في وجهه:
"متتكلمش معايا تاني أبدًا واعتذارك مش مقبول."
كاد أن يجيبها محاولًا الاعتذار مجددًا لكنه اصطدم بالباب الذي أغلقته بوجهه وصيحتها من الداخل وهي تنعته:
"إنسان بربري وهمجي!"
لا يعرف كيف ظهرت البسمة لا إراديًا على ثغره بعد الإهانة التي سمعها للتو منها، وهو يتمتم متوعدًا لها بمتعة:
"طب حتى غيري الشتيمة.. كل ما تتعصبي تبرطمي بنفس الكلمتين.. أنا هخليكي تشوفي البربري على حق ياغندورة."
***
فتحت عينيها بصعوبة على صوت رجولي قوي يقف فوق رأسها ويهتف بزعر:
"يا آنسة.. يا آنسة انتي كويسة؟"
رفعت رأسها له ورأت شاب طويل البنية ينظر لها بارتياع. وفور رؤيته لها تفتح عينيها هتف باهتمام:
"انتي كويسة؟ أوديكي المستشفى؟"
اعتدلت خلود واقفة وهي تمسك برأسها بألم وتهز رأسها له بالنفي في صوت ضعيف هامسة:
"لا لا أنا كويسة."
ثم أخذت تتلفت حولها بزعر وهي تهتف بهلع:
"شنطتي وين.. شنطتي؟!"
ضيق عينيه بتعجب. هل تبحث عن شنطتها بكل هذا الاهتمام وهي صدمتها سيارة للتو! تقدم إليها خطوة يحاول تهدئتها وهو يتمتم بلطف بعدما حمل شنطتها ووضعها أمامها:
"أهي الشنطة اهدي.. انتي متأكدة إنك كويسة.. تعالي نروح المستشفى ونطمنك."
جذبت الحقيبة من يده وهي تهز رأسها بالنفي له في تعبيرات مرتعدة وتتلفت حولها خوفًا من أن يلمحها أحد، وبالأخص أحد معارف زوجها. أجابته وهي تهم بالرحيل رغم الدوار الذي يداهمها إلا أنها تحاملت على نفسها. فأوقفها هو بصوته الرجولي الغليظ:
"طيب استنى رايحة فين؟ تعالي أوصلك."
خلود بالرفض القاطع:
"لا شكرًا مش عاوزة."
أسرع خلفها ليوقفها مجددًا فقد تأكد أنها بها شيء وربما تحتاج مساعدته خصوصًا بعدما صدمها بسيارته. هتف لها برجاء:
"مش هتلاقي مواصلات ولا عربيات دلوقتي.. من فضلك وافقي وخليني أوصلك، واهو على الأقل أتلافى اللي حصل من شوية وإني خبطتك."
التفتت له برأسها وطالعته مطولًا بتفكير. هي لا تعرف إلى أين تتجه لكنها أيضًا لم تبتعد عن المنزل كثيرًا وربما بأي لحظة يجده سمير مجددًا أن استعاد وعيه. ففكرة قبول عرض ذلك الشاب ليست سيئة، بل بالواقع في صالحها.
هزت خلود رأسها له بالموافقة أخيرًا، فأشار هو لها بسرعة تجاه باب المقعد المجاور له وفتح لها الباب لتستقل بالمقعد، ثم يلتف هو حول السيارة ليستقل بمقعده المجاور لها والمخصص للقيادة. وقبل أن ينطلق بالسيارة، التفت لها وطالعها مبتسمًا وهو يقول بعذوبة:
"أنا بعتذر منك جدًا بس حقيقي انتي ظهرتي قصادي مرة واحدة، ولسا بقولك لو حاسة نفسك تعبانة نروح المستشفى فورًا."
هزت رأسها له بالنفي متمتمة:
"لا أنا كويسة وحصل خير. أنا اللي غلطانة فعلا ومخدتش بالي من الطريق."
أومأ لها بتفهم وراحة أنها بخير، ثم انطلق بالسيارة يشق بها الطرقات. وأثناء قيادته، أجاب على الهاتف وسمعت الطرف الآخر كان يبدو أنه صديقه وهو يناديه باسم مروان ويسأله أين هو ولما تأخر عليهم.
***
داخل منزل إبراهيم الصاوي، كان كل من عمران وبشار يجلسون معًا بغرفة الجلوس ويتبادلون أطراف الحديث في أمور مختلفة حتى انحرف الحديث لموضوع مثير وجعل من بشار يتحول تمامًا لشخص آخر عندما سأله عمران باهتمام:
"إيه ناوي تعمل الفرح امتى؟"
تنهد بشار بقوة وقال في امتعاض:
"معرفش لسا محددتش."
شعر بغرابة في رده وطريقته العابسة، فسأله بجدية:
"في مشاكل بينك أنت وخطيبتك ولا إيه؟"
هز رأسه له بالنفي، فتابع عمران باهتمام وحزم:
"امال في إيه مالك إكده بترد وكأنك مغصوب على الجوازة؟!"
هتف بشار بنظرة تائهة ووجه عابس:
"مش عارف ياعمران بس أنا حاسس إني بظلمها معايا."
أجابه عمران بحزم:
"وتظلمها ليه؟ هو مش أنت اللي اخترتها ولا حد غصبك.. وأنت اللي قررت يابشار تخطب."
مسح بشار على وجهه متأففًا بحيرة وهو يهتف بخنق:
"عارف أن ده قراري وأنا اللي اخترت بس حاسس إني اتسرعت."
حدقه عمران بصمت دون أن يتفوه بكلمة أخرى، وقد بدأ على ملامحه الانزعاج والرفض التام لأفكار ابن عمه وقراراته الخاطئة. أما بشار فنظر لعمران ثانية وتمتم بحزن وقد بدا عليه وكأنه حسم قراره الأخير:
"بزيادة لغاية إكده. أنا حاولت كتير أحبها ومعرفتش، ومش عاوز أظلمها معايا أكتر."
أشاح عمران بوجهه للجهة الأخرى وقال بثقة تامة:
"طبعًا اللي خلاك تقول إكده وتغير رأيك وعايز تفسخ خطوبتك لما رحاب فسخت الخطوبة وبدأ يبقى في فرصة ليكم مع بعض."
لوى بشار فمه وقال بصراحة دون ملاوعة:
"هكدب عليك وأقولك لا.. الصراحة أيوة أنا مهما حاولت أنساها معرفش ياعمران ولا عارف أشيلها من قلبي."
التفت له وهتف بعصبية:
"وخطيبتك ذنبها إيه تعلقها بيك وبعدين تسيبها عشان أنت كنت بتخونها بقلبك وعقلك ومش بتحبها ولا معاها؟"
بشار بكل بساطة وغضب بسيط:
"وأنا بقولك أهو ننهي كل حاجة من دلوك أحسن عشان مظلمهاش معايا أكتر.. أعمل إيه أكتر من إكده؟!"
مسح عمران على وجهه متأففًا بنفاذ صبر، ثم استقام وربت على كتفه بلطف هاتفًا في صرامة وبهجة تحمل الحكمة والرزانة:
"اسمع ياولد عمي أنت عارف أنك أخويا مش ولد عمي بس، ولو عايز نصيحة أخوك، ازعل، سيب خطيبتك وكمل معاها وادي علاقتكم فرصة تانية.. عشان رحاب متنفعكش والله يا بشار اسمع مني أنا خايف تندم بعدين."
استدار وغادر وتركه بعدما أنهى كلماته. وظل بشار في حيرة يحاول فهم ما قاله ولماذا يقول أنها ليست الفتاة المناسبة له. ألف سؤال طرح بعقله لكن عمران لم يمهله الفرصة حتى ليطرح واحد منهم.
***
داخل منزل جلال وفريال.
استيقظت فريال من النوم وفتحت عينيها على ظلام الغرفة، فمدت يدها تفتح إضاءة الغرفة. وعندما التفتت بجوارها لم تجد زوجها، فرجحت أنه ربما لم يعد من العمل حتى الآن. اعتدلت في نومها بصعوبة وحرص شديد بسبب حملها بطنها المرتفعة، ثم استقامت واقفة من الفراش وقادت خطواتها البطيئة لخارج غرفتها. وكانت وجهتها الأولى غرفة أولادها لتطمئن عليهم عندما لم تسمع أي صوت لهم بالمنزل.
فتحت باب غرفتهم وأضاءت المصباح ولكن الغرفة كانت فارغة، فضيقت عيناها بتعجب وشعرت بانقباضة في قلبها. فراحت تصيح منادية عليهم بخوف بسيط:
"معاذ.. عمار انتوا فين؟"
انتظرت سماع الرد منهم ولكن لم تسمع. فتسارعت نبضات قلبها وأنفاسها واستحوذها القلق الشديد والرعب. أخذت تجوب المنزل كله وهي تصيح عليهم بصوت مرتجف، وكل سيناريو كان يخطر بعقلها أكثر رعبًا من السابق وكان يزيد من دقات قلبها وخوفها أن يكون قد أصاب أطفالها مكروه أو خرجوا من المنزل دون علمها.