تحميل رواية «و بالعشق اهتدي» PDF
بقلم ندى محمود توفيق
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تسمرت فريال بأرضها تراقب المشهد الذي أمام عينيها.. تحتضن كفه بين يديها وتحدقه بهيام وتوسل وسط عبارتها الأخيرة التي التقطتها أذنها للأسف وهي تشير له صراحة أن بإمكانهم العودة مجددًا ويمكنها أن تصبح زوجته طالما أن عدة طلاقها لم تنتهي بعد. التفت جلال تجاه الباب وسحب يده بهدوء فور رؤيته لفريال. ورغم الضيق الذي صابه من مجرد تخيل الشجار والاكتئاب المقبل عليه، إلا أنه أظهر الثبات الانفعالي الغريب. على عكس فريال التي احتقنت نظراتها وأظلمت عينيها وأصبح وجهها مخيفًا يبشر بطوفان مدمر قادم وأول من سيغرق فيه...
رواية و بالعشق اهتدي الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم ندى محمود توفيق
رواية و بالعشق اهتدي الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم ندى محمود توفيق
التفتت خلود برأسها تجاه باب المنزل بعدما سمعت صوت الرنين.
اخفضت صوت التلفاز فورًا، ثم استقامت واقفة وارتدت حجابها لتفتح الباب.
وصلت أمام الباب وألقت نظرة من العين السحرية للباب، فرأت "مروان" يقف بالخارج.
اطمأنت وفتحت له الباب دون تردد وهي تستقبله بابتسامة مشرقة.
فبادلها هو الابتسامة متمتمًا:
_ عاملة إيه يا خلود؟
أجابته بعين لامعة بوميض جديد دون أن تتخلى عن ابتسامتها:
_ كويسة، أنت مقولتش إنك چاي؟
دخل للمنزل على عجالة وهو يجيبها بابتسامة لينة امتزجت بجديته:
_ آه أصل چاي آخد حاجة بسرعة من أوضة المكتب بتاعتي وماشي.
هزت رأسها بتفهم دون أن تتفوه بكلمة أخرى، لكن سارت خلفه وسألته بقلق بسيط بعدما رأت الصلابة على ملامحها والعجلة في خطواتها مما أكد لها أنه هناك أمر طارئ:
_ هو في حاجة ولا إيه يا مروان؟
هز رأسه بالنفي وأجابها في لطف ليطمئنها وهو ما زال في طريقه لغرفة مكتبه:
_ لا متقلقيش، كل حاجة زي الفل.
ارتاحت وابتسمت له بود حقيقي، واستمرت في السير خلفه حتى وقفت أمام باب غرفة مكتبه تراقبه وهو يبحث بالأدراج على بعض أوراقه الخاصة باهتمام شديد حتى عثر عليها.
فتنهد الصعداء بارتياح واستقام واقفًا من مقعده ثم تحرك باتجاه الباب وهو يبتسم لها ويقول بنظراته المفعمة بالآمان:
_ اقفلي الباب عليكي كويس ولو احتجتي أي حاجة اتصلي بيا تمام.
أجابته خلود بابتسامة رقيقة:
_ حاضر.. هو الورق ده كان مهم قوي إكده؟
هز رأسه لها بالإيجاب وقال بجدية وهو يسير باتجاه الباب:
_ آه ورق مهم جدًا تبع الشغل وأنا كنت سايبه هنا في البيت من وقت طويل.
وقف أمام باب المنزل وفتحه ثم ودعها ملوحًا لها بيده هاتفًا:
_ أنا همشي عشان متأخرش على الراجل اللي مستنيني تحت، وعلى تلفون أنا وأنتي لو حصل أي حاجة زي ما قولتلك، سلام.
هزت رأسها بالموافقة وراقبته بعينها وهو يغادر ويغلق الباب.
ثم تحركت بسرعة إلى الشرفة لترضي فضولها وتشاهد ذلك الصديق المجهول الذي ينتظره بالأسفل.
وقفت بالشرفة ونزلت برأسها للأسفل تنظر للشارع، فتتسع عيناها وتفغر شفتيها بذهول عندما تكتشف هوية صديقه.
لقد كان زوجها سمير بعينه ودقيقة بالضبط.
وخرج مروان من البناية ثم عانق سمير ورتب على كتفه يحثه على الصعود بالسيارة معه.
ولسوء الحظ أن بسبب صدمتها من ذلك المشهد الذي تراه أمام عينيها لم تنتبه لزوجها وهو يرفع رأسه للأعلى بمحض الصدفة.
فارتدت للخلف بزعر وهي تكتم شهقتها المرتعدة بيديها الاثنين وعيناها متسعة ومفتوحة على آخرهم من فرط الصدمة.
بينما بالأسفل، رفع مروان رأيه للأعلى إلى حيث ينظر سمير وقال بتعجب:
_ بتبص على إيه؟
هز سمير رأسه بالنفي بعدما ظن أنه بدأ يرى التهيؤات وخيالات زوجته من فرط جنونه ومحاولاته التي لا تتوقف في البحث عنها.
فأجاب على مروان بطبيعية وهو يتحرك باتجاه باب السيارة ليستقل بها:
_ ولا حاجة متشغلش بالك، يلا عشان منتأخرش.
بالأعلى داخل منزل مروان، استندت خلود بظهرها على الحائط ونزلت ببطء حتى جلست على الأرض وهي ما زالت تضع يديها على فمها تكتم صوتها من هول الصدمة.
انهارت على الأرض وعيناها امتلأت بالعبرات ومشهد مروان وهو يعانق زوجها لا يفارق عقلها.
ألف سؤال وسؤال يتجولون في عقلها الآن، والإجابة الوحيدة التي استطاعت استنتاجها أن من المحتمل أن يكون مروان على اتفاق مع زوجها ضدها.
وربما تكون كل محاولاته اللطيفة معاها واهتمامه بقضية طلاقها ما هو إلا كذبة والأمر مسألة وقت فقط وسيسلمها لجلادها مرة أخرى.
انهارت في البكاء بصوت مرتفع، ألمًا وخذلانًا.
لا تستطيع استيعاب أنه فعل بها هكذا وخدعها بعدما وثقت به، حتى أنها كانت قد بدأت تسلمه قلبها وتتعلق به.
ظلت مكانها لوقت طويل وهي داخلة حالة بكاء شديد، وبالنهاية استطاعت لملمة شتات نفسها واستقامت واقفة واتجهت نحو غرفتها بسرعة.
وأخرجت حقيبة ملابسها وبدأت في جمع ملابسها واغراضها كلها.
***
داخل المستشفى....
كان يجوب الطرقة إيابًا وذهابًا وهو يمسح على شعره ووجه بقوة من فرط القلق على زوجته وطفلتها الصغيرة التي ستأتي للحياة الآن.
وعلى المقاعد الحديدية بجواره كان يجلس أولاده الاثنين الذي ظهر الخوف الشديد على ملامحهم هم أيضًا وقلق والدهم زادهم خوفًا.
فاستقام عمار واقفًا واقترب من والده ووقف بجواره يهمس له بخوف وعينان دامعة:
_ أبوي هي أمي هتبقى كويسة واختي كمان صح؟
تسمر جلال بأرضه والتفت لابنه يطالعه بحيرة.
ثم أخذ نفسًا عميقًا وأخرجه زفيرًا متهملًا بعدما أدرك أن أولاده معه ويجب عليه الاحتفاظ بهدوئه حتى لا يفزعهم.
ضم عمار إليه وقال له مبتسمًا بحنو أبوي:
_ أيوه هتبقى زي الفل يا ولدي متقلقش، هي شوية والدكتور هيطلع بعد ما تولد.
بمعاذ واقفًا هو الآخر واقترب من أخيه الصغير يربت على كتفه ويمسح على ظهره بدفء ويقول بابتسامة شجاعة ليبث الطمأنينة لنفس شقيقه الأصغر:
_ متخافش يا عمار، شوية وهتطلع أمي وكمان هنشوف اختنا.
ابتسم لهم جلال بنظرة أبوية محبة ومسح على شعرهم ثم انحنى عليهم ولثم رأسهم بقبلات دافئة واتجه معهم إلى التقاعد ليجلس بجوارهم في انتظار خروج الطبيب.
وبهذه الأثناء وصل كل من الجد حمزة وإخلاص وعمران بعدما أبلغهم جلال بالهاتف أن فريال في غرفة الولادة.
جلس الجميع بانتظار انتهاء العملية.
وبعد مرور نصف ساعة تقريبًا منذ وصولهم خرج الطبيب أخيرًا.
فاستقام جلال أولهم وهرول متلهفًا للطبيب وهو يسأله باهتمام:
_ إيه يا دكتور طمنا؟
ابتسم له الطبيب بود متمتمًا:
_ متقلقوش المدام زي الفل الحمد لله وهتطلع دلوقتي من أوضة العمليات.
أطلقوا جميعهم زفيرًا حارًا بارتياح وابتسامة عريضة باستثناء جلال الذي أكمل حديثه بالسؤال الثاني في قلق:
_ والبت؟
تبدلت تعابير وجه الطبيب للعبوس قليلًا وتنهد الصعداء بقوة ثم تمتم في صوت منخفض لجلال وعمران فقط دون أن يصل لأذن إخلاص:
_ للأسف هنضطر ندخلها الحضانة، هي عندها مشاكل في الجهاز التنفسي والرئة.
هتف جلال بقلق وضيق:
_ يعني هتقعد قد إيه في الحضانة والمشاكل دي خطيرة يعني ولا إيه؟
لاحظ الطبيب قلقه الشديد وخوفه فلم يرغب في إعطائه معلومات أكثر قد تزيد من خوفه على ابنته الصغيرة.
واكتفى بأنه ربت على كتفه في لطف وهتف:
_ متقلقش إن شاء الله تبقى كويسة في الحضانة ومتخدش وقت طويل فيها.
أنهى الطبيب كلماته ثم ابتعد عنهم متجهًا لغرفته الخاصة.
بينما عمران فلحق به عندما وجد أن جلال انشغل بأسئلة إخلاص وأولاده الصغار.
صاح عمران مناديًا على الطبيب ليتوقف.
وعندما توقف والتفت له سأله باهتمام وثبات انفعالي في رزانة:
_ هي البت حالتها صعبة يا دكتور ولا إيه؟
ألقى الطبيب نظرة على جلال والأولاد وعائلتها ثم نظر لعمران بأسى وقال متأسفًا:
_ للأسف أيوة الطفل اللي بيتولد بالمشاكل اللي عندها دي وبذات في الجهاز التنفسي بتبقى حالته خطيرة، بس إن شاء الله هنحاول نعمل كل اللي نقدر عليه وهي تصمد وتكمل!
وكأن كلمات الطبيب كانت كخنجر سام وحاد طعنه به في يساره.
ورغم الانهيار والحزن الشديد الذي شعر به على ابنة شقيقته الصغيرة إلا أنه جاهد في الحفاظ على ثباته وهو يشكر الطبيب متمتمًا:
_ تمام يا دكتور شكرًا.. إحنا مش هنشوفها طيب قبل ما تدخل الحضانة؟
الطبيب بصوت رخيم:
_ لا هتشوفوها الممرضة دلوقتي بتجهزها وهتطلع وتشوفوها.
هز رأسه له بالموافقة ثم ظل واقفًا مكانه وهو يراقب الطبيب وهو يتجه بخطواته مبتعدًا عنه.
ولم يفق سوى على صوت جلال من خلفه وهو يسأله باهتمام:
_ كنت بتتكلم معاه في إيه؟
التفت عمران لجلال وربت على كتفه مبتسمًا بود وهو يقول محاولًا عدم إظهار أي شيء له:
_ كنت بسأله وبستفسر بس عن حالة البت وطمني، متقلقش عليها إن شاء الله هتبقى زي الفل.
مسح جلال على وجهه وهو يستغفر ربه وعلامات الحزن بادية على ملامحه.
ثم ردد خلف عمران "يارب" متمنيًا الشفاء العاجل لطفلته.
***
داخل إحدى المستشفيات الأخرى حيث توجد مريم.......
كان بشار يتجه بخطواته لغرفتها وعلى ثغره ابتسامة بسيطة لكنها مفعمة بالحب والشوق لرؤيتها ويحمل بين يديه باقة صغيرة من الورد المفضل لها.
وبلحظة تسمر بأرضه عندما كان لا يفصله عن غرفتها سوى خطوات معدودة ورأى رحاب وهي تخرج من غرفتها وعلى ثغرها ابتسامة نصر وتشفي.
فاختفت تعبيراته العاطفية التي كانت تستحوذ عليه وخل محلها الغضب والخوف الشديد من احتمالية أن تكون أخبرتها بكل شيء وأفسدت كل ما كان ينوي بنائه من جديد بينهم.
بينما رحاب فتوقفت هي الأخرى عندما رأته وما زالت محتفظة ببسمتها المستفزة وعيناها عالقة على باقة الزهور التي بين يديه بحقد.
اندفع بشار نحوها ثائرًا وهو يسألها بغضب:
_ بتعملي إيه هنا يارحاب؟
ابتسمت له ساخرة وقالت بقوة:
_ چيت لزيارة مريض.
مسح بشار على وجهه وهو يستغفر ويحاول تمالك انفعالاته.
ثم قبض على ذراع رحاب وجذبها معه بعيدًا عن الغرفة ليهتف لها بعصبية بسيطة:
_ رحاب بلاش تستغلي الموقف، دي مريضة كيف ما قولتي ومش هتستحمل تدخل في صدمة، اعقلي وبلاش مشاكل.
قهقهت بخفة وقالت بغل وكره:
_ خايفة عليها قوي ولا خايفة من إنها تعرف الحقيقة، تعرف يا بشار أنا وهي مظلومين وأنت الأناني لعبت بمشاعرها وبمشاعري ودلوقتي خايف حقيقتك تتكشف قصادها.
خرج عن طور هدوئه المزيف منذ رؤيته لها وصاح بها منفعلًا وهو يرفع سبابته في وجهه يحذرها بنظرة مرعبة:
_ حاسبي على كلامك وإنتي بتتحدتي معايا فاهمة ولا لا، أنا ملعبتش بمشاعر حد أنا بس كنت ضالل طريقي ودلوقتي عرفت الطريق الصح وأنا اللي شوفت الحقيقة، لو فاكراني نايم على وداني ومش حاسس بحاجة تبقي متعرفنيش، چاية تقفي قصادي بكل بجاحة وإنتي لسه بتكلمي خطيبك الـ**** ده.
اتسعت عينا رحاب بصدمة وظهر الارتباك الملحوظ على ملامحها لكنها حاولت إخفائه وقالت بتوتر وغضب:
_ إيه الكلام الفارغ ده، محصلش أنا لا يمكن أكلمه تاني ولا أرجعله بعد اللي عمله معايا.
كان بشار عبارة عن قنبلة موقوتة وعلى وشك الانفجار من فرط غيظه وسخطه المخيف.
هي خدعته وأوهمته أنها تحبه لكن يشاء الله أن يكشف له حقيقة الفتاة التي كان قلبه ينبض لسنوات طوال بعشقه لها وفي النهاية اتضح أنها أفعى وحرباء تتلون بكل الألوان لتحاول إثارة شفقة الجميع.
رمقها بنظرة مميتة وصوت رجولي يحمل بحة أرعبتها أثبتت لها أنه بالفعل لم يكن مغفلًا كما كانت تظنه:
_ لما حسيتي إني ممكن أروح من بين يدك وأرجع لمريم قولتي مبدهاش عاد وأرجع لـ**** اللي كان بيهيني وحاول يأذيني وأهو على الأقل معاه فلوس زين هتعيشني مبسوطة.
التزمت الصمت بعد عباراته ليس خوفًا بقدر ما كان ذهول وعدم إيجاد الكلمات التي تمكنها من الدفاع عن نفسها أمامه.
بينما هو فتابع وهو يصر على أسنانه:
_ عرفتي عاد مين فينا اللي خاين وميستحقش التاني، أول مرة أحس روحي ندمان على حبي ليكي وأبقى قرفان منك، أنا دلوقتي عشان مشغول مع خطيبتي مجبتش سيرة لعمتي بس أفوق وهبلغها ومش خوفًا عليكي مثلًا منه، لا ده عشان بس عيلة الصاوي متتشرفش تناسب واحد و*** كيف خطيبك ده.
مدت يدها وهمت بمسك كفه وهي تنظر له في عينيه باستعطاف لتثير عاطفته وتظهر البراءة المزيفة أمامه متمتمة:
_ بشار أنت فاهم الموضوع غلط والله خليني أفهمك وأحكيلك كل حاجة، بس متعملش فيا كده وتهملني.
جذب يده بنفور من لمستها وهتف محذرًا إياها باستياء شديد:
_ لأول مرة هحذرك يا رحاب، خليكي بعيدة عن مريم وملكيش صالح بيها، وإلا قسمًا بالله هخليكي تتصدمي من ردة فعلي واللي هعمله، يلا ارجعي على البيت ومتجيش المستشفى هنا تاني.
ظلت تحدقه بصدمة دون أن تتحرك من تهديده القاسي لها كشخص غريب لا نعرفه.
حتى رأت نظراته تزداد تحذيرًا مرعبًا وهو يشير لها بالذهاب فورًا.
ففعلت مضطرة وسارت وهي يائسة والحقد والغل يملأ صدرها تجاه مريم.
بينما بشار فاندفع للداخل إلى غرفة مريم وهو يتخبط خوفًا في نفسه أن تكون أخبرتها بشيء.
لكن فور دخوله ورؤيتها له صدمته برد فعلها التلقائي عندما ابتسمت بود وسعادة وهي تقول له:
_ بشــار.
اختفى القلق من على ملامحه تدريجيًا وارتفعت البسمة المحبة لثغره بالبطيء بعدما تأكد أنها لم تخبرها بشيء.
بينما مريم فاستقرت نظراتها على باقة الورد التي بين يديه وابتسمت بفرحة غامرة ودهشة متمتمة:
_ الله ده الورد اللي أنا بحبه.
خفض رأسه ونظر للورد مبتسمًا بحب ثم تقدم نحوها وجلس على المقعد المجاور لفراشه ومد يده بباقة الورد لها هامسًا في نبرة عاطفية جميلة:
_ عارف.
التقطته من بين يديه وهتفت بعين لامعة بوميض جميل وهي تنظر للورد:
_ شكله جميل أوي يا بشار ميرسي.
أجابها بهيام دون أن يحيد بنظره عنها وصوت رجولي يذيب القلوب:
_ أنتي أجمل منه.
رمقته بطرف عينيها مبتسمة في خجل شديد وسرعان ما دفنت وجهها بين الزهور تشم رائحتها وهي تضحك بخجل.
ثم رفعت رأسها له مجددًا وقالت له بعفوية تامة:
_ صحيح بنت عمتك دي لطيفة أوي، أنت أكيد شفتها هي وطالعة؟
ظهر الضيق على معالم وجهه مرة أخرى وقال باقتضاب:
_ آه شفتها، هي چات ليه وقالتلك إيه؟
مريم برقة تليق بها وتلقائية شديدة:
_ چاية تزورني عادي لما عرفت إني عملت حادث وفضلت تتكلم معايا كتير وكانت لطيفة جدًا، أنا حبيتها يعني.
يهز رأسه بتفهم وما زالت تعبيراته محتقنة.
ثم سألها بدقة أكثر ليمطئن ويتأكد:
_ اتكلمت معاكي في إيه؟
ضيقت مريم عينيها ورفعت حاجبها متعجبة من اهتمامه الشديد لمعرفة ما تحدثوا عنها وتبدل حاله للحنق الشديد فور ذكرها اسم ابنة عمته.
فقالت له:
_ كلام عادي يا بشار هو في إيه؟
أطلق زفيرًا حارًا محاولًا التحكم بنفسه الثائرة حتى لا يشعرها بشيء.
وقال في لطف مبتسمًا:
_ لا مفيش أنا بسأل عادي.
فمها بقلة حيلة والتزمت الصمت.
ثم عادت وتمعن في باقة الورد وهي تضحك بعفوية جميلة وتستنشق رائحتها العبقة.
وهو يستمر في تأملها بعين تحمل نظرات العشق الجديدة.
***
عودة إلى المستشفى حيث توجد فريال بعد خروجها من غرفة العمليات لغرفة خاصة.
كانت ممدة على الفراش وهي تحدق في السقف صامتة وعيناها تذرف الدموع في صمت.
وبجوارها تجلس إخلاص تمسح على شعرها وكتفها بحزن محاولة التخفيف عنها:
_ يابنتي بلاش تعملي في روحك كده.. إن شاء الله بتك هتبقى زي الفل متخافيش.
التفتت فريال لأمها وقالت بعينان باكية:
_ أنا عاوزة أشوف بتي يا أما أبوس يدك خليهم يجيبوهالي أشوفها.
إخلاص بحنو وموافقة على طلبها:
_ حاضر هيخلوكي تشوفيها، جوزك ياچي بس وهيجيبها ليكي تشوفيها.
سكنت فريال واستمرت في البكاء الصامت.
حتى مرت نصف ساعة تقريبًا وانفتح الباب ليظهر من خلفه جلال وهو يحمل بين ذراعيه ابنته الصغيرة.
لمعت عين فريال بفرحة وزاد انهمار دموعها وراحت تهم بالجلوس بمفردها.
فوقفت إخلاص وساعدتها في الجلوس ببطء.
واقترب منها جلال وهو ينظر لها بعين بائسة وحزينة مثلها.
ثم وضع طفلتهم بين ذراعيها.
فضمتها لصدرها وهي تبكي وتقبلها من وجنتيها بحنو أمومي وتهتف من بين بكائها:
_ بتي ياحبيبتي.
انحنى عليها جلال ولثم رأس زوجته بعدة قبلات دافئة وطويلة وهو يحاول الصمود أمامها حتى لا تشعر بانهياره الداخلي بعدما أخبره الطبيب بالوضع الحقيقي لابنته.
همس في أذنها في ابتسامة ولدت من رحم الألم:
_ شبهك قوي يا فريال.
رفعت رأسها له وابتسمت بود وهي تهز رأسها بالإيجاب وسط دموع وجهها:
_ بس واخدة نفس عيونك.
ضحك بخفة وهو يعيد تقبيلها وتقبيل طفلته وهي بين ذراعين أمها.
وبذلك اللحظة دخلت الممرضة وطلبت منهم أخذ الطفلة لتتلقى العلاج اللازم في "حضانة الأطفال".
ظلت فريال متمسكة بطفلتها ترفض إعطائها الممرضة.
فهتف لها جلال برزانة يحاول بث الطمأنينة لنفسه:
_ اديها البت يا فريال متخافيش يا حبيبتي هتبقى زي الفل إن شاء الله.
انهارت دموع فريال الغزيرة ومع ضغط زوجها والممرضة أعطتها ابنتها وهي ترتجف من فرط الألم والخوف عليها.
انحنى جلال على طفلته ولثم وجنتها بقبلة أبوية دافئة قبل أن تغادر بها الممرضة.
انهارت فريال باكية وهي تتشبث بذراع زوجها كطفل صغير هاتفة:
_ بتي يا جلال بتي، أنا سمعت الدكتور وعارفة كل حاجة.
حاولت الثبات أمامها وجلس بجوارها على طرف الفراش.
ثم ضمها لصدره ماسحًا على ظهرها بحنو ويهمس بصوت رخيم ليهدأ من روعها:
_ متقلقيش يا حبيبتي هتبقى كويسة إن شاء الله، اهدى أبوس يدك عشان خاطري.
استمرت في البكاء الصامت بين ذراعيه وعلى صدره وشفتيها تلفظ بدعوات لابنتها الصغيرة.
وهو يهمس لها في أذنها بحب وقوة:
_ هتبقى كيف أمها قوية وهترجع لحضنك، أنتي كمان خليكي قوية بس.
رفعت رأسها عن صدره ونظرت له بعينيها الغارقة بدموعها ونظراتها الضعيفة.
تخبره من خلالهم أن يعيد لها طفلتها.
ورغمًا عنه تلألأت العبرات في عينيه هو أيضًا فعاد يضمها لصدره مجددًا ويقبّل رأسها بألم هامسًا:
_ بزيادة يا فريال أبوس يدك متقطعيش قلبي أكتر من كده.
كانت إخلاص تحاول تهدئة ابنتها من الجانب الآخر ودموعها تنهمر على وجنتيها تزامنًا مع دموع فريال.
أما جلال فبرغم كل شيء ما زال صامدًا ويتصرف بهدوء تام مقنعًا نفسه بأن ابنته ستكون بخير وستعود لأحضانهم.
***
بتمام الساعة العاشرة مساءًا......
كان عمران في طريقه داخل منزل خليل صفوان لغرفة زوجته بالأعلى.
بعدما جاء ليطمئن عليها هي وابنه واستقبلته على الباب جليلة التي رحبت به وأخبرته بأن "آسيا" في غرفتها.
وصل أمام غرفتها ووقف للحظة يأخذ نفسًا عميقًا.
ثم مد يده لمقبض الباب وفتحه ببطء ودخل.
وجدها نائمة في الفراش وصغيره في فراشه الصغير الهزاز بجوار فراش أمه.
ابتسم بحب واغلق الباب بحذر شديد ثم اقترب منهم في خطوات هادئة حتى وقف أمام فراش ابنه وكان نائم مثل أمه.
فانحنى عليه وطلع قبلة أبوية دافئة على رأسه وهو يتأمله مبتسمًا.
وبينما كان منشغلًا مع ابنه التقطت أذنه همسات آسيا الخافتة وهي تهمس باسمه في زعر وتميل برأسها يمينًا ويسارًا، تصارع أحد كوابيسها المزعجة.
فاقترب من الفراش وجلس بجوارها وبكل حنو همس لها وهو يمسح على شعرها حتى يفيقها من كابوسها:
_ آسيا.. آســيـا.
لكنها لم تجب عليه واستمرت محبوسة داخل كابوسها وهي تصارعه حتى أن العرق بدأ يتصبب من جبينها وهتافها باسمه بدأ يصبح أكثر هلعًا.
فهتف بصوته الرجولي القوي حتى يجعلها تستيقظ:
_ آسيا اصحي.. آسيا.
فتحت عيناها مفزوعة وعندما رأت وجهه أمامها نظرت له بعينان ضائعة ومرتعدة.
ودون تردد كانت تعتدل جالسة وتلقي بجسدها المرتجف بين ذراعيه، والعبرات بدأت تتجمع في مقلتيها وهي تهمس له بصوت خافت:
_ كابوس وحش قوي يا عمران!
مسح على شعرها وظهرها بحنو وهمس في أذنها ببحته الرجولية التي تذيب القلوب:
_ اهدى.. أنا جارك يا غزال متخافيش.
سكن جسدها المرتجف داخل أحضانه وعلى أثر لمساته الساحرة على جسدها.
وارتخت عضلاتها المتشنجة وهدأت أنفاسها، لكن الخوف والفزع ما زال يستحوذ على قلبها حيث ظلت بين ذراعيه ولم تبتعد عنه متناسية تمامًا الخلافات التي بينهم والفجوات العميقة التي صنعتها الظروف من حولهم في علاقتهم.
رغم تعجبه من رد فعلها المفاجيء إلا أنه كان يحلق عاليًا من السعادة بعدما رأى بصيص أمل لعودتها له وغفرانها.
ربما حتى هي سامحته ولكنها ترفض الاعتراف.
سمع عكسها المصحوب بصوتها الباكي:
_ أوعاك تفكر تهملنا أنا وسليم وتمشي يا عمران، إحنا مش هنقدر نستحمل غيابك.
كانت تلك الكلمات الصدمة الحقيقية وكأن كل ما فعلته بكفة وهذه العبارة في كفة أخرى تمامًا.
جعلت البسمة العريضة تحتل تعابيره الرجولية الجذابة ويهمس لها بعينان تلمع بوميض الغرام والأمل:
_ اعتبر الكلام ده يعني إنك شلتي الطلاق من راسك وهترجعي بيت جوزك معايا خلاص.
تجمدت بين يديه بعد عباراته وسكنت للحظات تفكر في رد تجيب به عليه.
ثم ابتعدت عنه ببطء شديد وأبدت عن عدم إعجابها بكلماته وأنها لا تتفق معه فيما قاله.
حتى إنها أشاحت بوجهها للجهة الأخرى ترفض النظر إليه كدليل على رفضها العودة معه والغفران التام له.
بينما هو فاختلف العبوس ملامحه مجددًا ومد يده يعبث في خصلات شعرها بنظرة عاشقة كلها شوق وندم متمتمًا:
_ بزيادة عاد يا أم سليم، أنا ندمت وعرفت غلطي ومستعد أعملك كل اللي تعوزيه عشان ترضي عني وتسامحيني، متحرمنيش منك أنتي وولدي أكتر من كده!
رمقته آسيا بنظرة مقهورة وهتفت بضيق وخذلان:
_ عمران اللي أنت عملته معايا وقولته ليا مش قليل وأنا مش هقدر أنساه بسهولة، أنا لغاية دلوقتي كل ما افتكر كلامك قلبي بيوجعني وكأنك طعنتني بخنجر مسموم، أنت كنت بتعايرني بناسي وأنهم رموني وأنت اللي سترتني وحميتني منهم وأني لو لسه عايشة لغاية دلوقتي يبقى بسببك أنت و......
كتم فمها بكفه الكبير يمنعها من استرسال حديثها هاتفًا بأسف وحزن شديد:
_ متكمليش يا غزالتي، والله ما كان قصدي كده ده كان في لحظة شيطان وأنا مكنتش داري باللي بقوله والكلام طلع من غير ما أعرف كيف طلع ولساني نطقه.
فمها باقتضاب دليل على أنها لم تستسلم له بعد.
بينما هو فانحنى على رأسها ووجهها ينكرها بوابل من قبلاته الحارة وسط همسه واعتذاره المتكرر لها:
_ حقك عليا يا ست البنات كلهم.. وأم الغالي.. ومرتي وحبيبتي.. أنا آسف سامحيني.
للحظة شعرت نفسها سترفع الراية البيضاء وتذوب أمام سيل مشاعره الجارف، لتنخرط معه في بحور عشقهم الأبدية.
لكن بسرعة تداركت نفسها وهتفت له بحزم بسيط تحاول من خلاله إخفاء ضعفها أمامه وهي تبعد شفتيه عن وجهها:
_ كفاية يا عمران خلاص!!
مال ثغره للجانب في ابتسامة ماكرة بعدما فهم وضعها وأنها لانت له فضحك وقال مبتسمًا في جدية:
_ طيب جهزي نفسك عشان بكرة الصبح هاخدك على شقتنا وأفرجك عليها.
أرادت الاعتراض على أي شيء حتى لو لم يكن يستحق فقط لتحافظ على موقفها الذي اهتز أمامه وظهر استسلامها وحبها له الذي غلب غضبها:
_ لا مش عاوزة أروح معاك مكان!
تمالك نفسه من الضحك بصعوبة ورد عليها بحدة رجولية متصنعة:
_ بس أنا قلت هتروحي يا غزالتي ومفيش حرية الاختيار.
عقدت ذراعيها أمام صدرها وهي تتأفف بنفاذ صبر مغتاظة.
بينما هو فاستقام واقفًا وانحنى عليها بقبل شعرها مجددًا وهو يهمس لها مودعًا إياها:
_ تصبحي على خير يا روح قلبي.
كانت تتفادى النظر إليه متعمدة حتى لا يرى الاستسلام في نظراتها.
بينما هو فاتجه نحو فراش صغيره وفعل المثل معه يودعه ثم تحرك وغادر الغرفة.
لتنطلق منها لا إراديًا ابتسامة على ثغرها مغلوبة بعد عبارته التي سمعتها لأول مرة منه "روح قلبي".
***
بمكان آخر تحديدًا بمنزل مروان....
كان قد وصل للمنزل بعد رنين طويل ومتكرر عليها ليخبرها أنه قادم إليها لكنها لا تجيبه، فقرر الذهاب لها فورًا ليطمئن عليها خشية من أن يكون أصابها مكروه.
وقف أمام الباب وهو يطرق بيده بقوة وينتظر لحظات على أمل أن تفتح له لكن دون جدوى.
استمر في الطرق بقوة والقلق استحوذ عليه وسط هتافه عليها من الخارج وهو يقول:
_ خــلود!
مع عدم حصوله على رد منها لم يتردد في إخراج مفاتيحه الاحتياطية وفتح الباب ثم دخل متلهفًا يبحث عنها في المنزل بفزع ظنًا منه أنها ليست بخير.
استمر في التجول بالمنزل وهو يصيح عليها:
_ خلود أنتي فين.. خلود!!
بعد الانتهاء من البحث في المنزل كله لم يتبقى سوى غرفتها فدخل فورًا دون تردد ولم تكن بها أيضًا.
لكن الصدمة الحقيقية عندما رأى باب الخزانة مفتوحًا فاقترب منه بتريث وعندما نظر داخله وجده فارغًا من ملابسها وكل شيء يخصها.
تجمد بأرضه مندهشًا لا يصدق أنها تركت المنزل ورحلت.
هو حتى لا يفهم لماذا فعلت وما الذي حدث ليدفعها لهذا التصرف دون أن تخبره.
جلس على فراشها وأخرج هاتفه يعاود الاتصال بها للمرة الألف هذا اليوم على أمل أن تجيب ولكن باتت كل محاولاته بالفشل.
فوضع رأسه بين راحتي كفيه وهو يزفر بخنق وقلق متمتمًا:
_ روحتي فين بس يا خلود، إيه اللي حصل خلاكي تمشي!!!
***
بصباح اليوم التالي........
استعدت آسيا وارتدت ملابسها بالإجبار بعد ضغطه عليها المستمر للذهاب معه لمنازلهم الجديد.
ورغم سعادتها وحماسها لرؤيته إلا أنها كانت تحاول إنقاذ صورتها المهزوزة.
وقررت ترك طفلها مع أمها لترعاه إلى حين عودتها.
خرجت من غرفتها ونزلت الدرج متجهة لخارج المنزل بعدما وصلها اتصال منه محتواه أنه ينتظرها بالأسفل.
فور خروجها من باب المنزل اقتربت من سيارته واستقلت بجواره وهي صامتة في وجه خالي من التعابير.
لم يعقب هو عليها وتفهم ردة فعلها بصدر رحب وهو يضحك عليها ثم انطلق بالسيارة يشق الطرقات في اتجاه منزلهم الخاص.
بعد دقائق طويلة نسبيًا توقف بالسيارة أخيرًا أمام بناية ضخمة كل طابق يحتوي على العديد من الشقق السكنية.
خرجت من السيارة وهي ترفع رأسها لأعلى تتمعن النظر في البناية بتعجب ودهشة بسيطة من ارتفاعها الشاهق وضخامتها.
بينما هو وقف خلفها ولف ذراعه حول خصرها وهو يهمس في أذنها يحثها على السير معها:
_ يلا يا غزالتي.
أبعد ذراعه عن جسدها ببطء في امتعاض مزيف وتحركت أمامه بخطواتها الواثقة متجهة نحو المصعد الكهربائي التي استقلت به أولًا.
ولحق هو بها ليضغط على زر الطابق الخامس.
فـنظرت له بدهشة وقالت في خوف بسيط:
_ لا أنا مش هفضل في الاسانسير لغاية الدور الخامس، أنا هطلع على السلم.
عمران بلهجة دافئة مبتسمًا:
_ أنتي تعبانة ومينفعش تطلعي على السلم وبعدين خايفة من إيه، أنا معاكي أهو!
آسيا بخوف ملحوظ وشديد:
_ لا يا عمران طلعني أنا مش متعودة أطلع الأدوار العالية دي بالاسانسير.
لف ذراعه حول كتفيها وهمس لها بحنو في نظرة مفعمة بالأمان:
_ متخافيش!
وبالحظة التالية فورًا كان يضغط على الزر وينطلق المصعد للأعلى.
فتشبثت بذراعه لا إراديًا في قلق مغلقة عينيها.
وشعرت بشفتيه ككل مرة فوق بشرتها الناعمة.
لم تكن في حال لتمنعه فكل ما كان يشغل بالها الآن أن تصل سالمة للطابق الخامس.
توقف المصعد أخيرًا وانفتح الباب.
ففتحت عينيها وهي تطلق زفيرًا حارًا بارتياح وتنظر له فتجده يتأملها مبتسمًا بحب.
لتقول له مغتاظة وهي تهم بالمغادرة من المصعد:
_ استغلالك للموقف جوا الاسانسير مش هعديه أنا بس مكنش عندي طاقة للخناق معاك بسبب خوفي.
قبض على ذراعها يوقفها ويهمس في أذنها بعبث وخبث:
_ نتخانق براحتنا جوا شقتنا يا غزالة.
دفعت يده بعيدًا عنها في غيظ وخرجت من المصعد ولحق هو بها الذي توقف متسمرًا بأرضه عندما رأى "صابر" يقف أمام باب منزله بانتظاره وعلى ثغره ابتسامة صفراء وشيطانية............
رواية و بالعشق اهتدي الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم ندى محمود توفيق
توقف متسمرًا بأرضه عندما رأى "صابر" يقف أمام باب منزله بانتظاره وعلى ثغره ابتسامة صفراء وشيطانية.
تطلعت آسيا في وجه صابر بتعجب، تتساءل في قرارة نفسها عن هوية ذلك الرجل الذي يقف أمام باب منزلهم.
ثم نظرت في وجه زوجها فوجدت عينيه أظلمت بشكل مرعب، وتعابيره تبدلت لتحتلها السخط والوعيد.
ودون أن ينظر لها، شعرت بكفه الضخم يمسك بكفها ويحتضنه بقوة ويضمها إليه أكثر، وكأنه يحميها من شر ذلك الرجل.
لا تفهم شيئًا، لكن معالم وجه عمران وتصرفاته ونظرات ذلك الرجل أثارت القلق في صدرها.
ولا إراديًا، وجدت جسدها يحتمي بجسد زوجها، ملاذها الوحيد.
خرج صوت صابر الخبيث وهو يبتسم:
"عامل إيه يا معلم عمران؟ أنا أول ما عرفت إنك قاعد إهنه في شقتك الجديدة، قولت لازم آجي أباركلك."
رفعت آسيا نظرها لعمران تراقب تعبيراته وتترقب ردة فعله، فوجدته ينظر شزرًا بطريقة أرعبتها.
لم يكن خوفها منه، لكن كان عليه من ذلك الرجل المجهول.
لم يدم وقوفهم لوقت طويل حتى وجدت عمران يصعد الدرج ويسحبها خلفه برفق، حتى وقف أمام باب وأخرج المفتاح ووضعه بالقفل ليفتح الباب.
ثم نظر لآسيا وهمس لها بنظرة حادة وصوت رجولي غليظ:
"ادخلي چوا واقفلي الباب عليك."
نقلت آسيا نظرها بين عمران وبين ذلك الرجل بخوف، بدأ يظهر علاماته بوضوح على وجهها، وقالت له في قلق:
"في إيه ياعمران؟"
لم يجيبها، واكتفى بنظراته الصارمة لها، ثم دفعها برفق لداخل المنزل وأغلق الباب.
وفورًا، التفت بجسده كاملًا لصابر ورمقه بنظرة مميتة، ثم انقض عليه وهو يقبض على فكيه.
رغم فرق السن بينهم، وأن صابر يكاد يكون مقارب لسن إبراهيم، لكن بتلك اللحظة عمران لم يكن يبالي بأي شيء.
وعينيه غطت العمامة عليها، فلم يعد يرى أي شيء، سوى أن ذلك الشيطان ماهو إلا تهديدًا على سلام زوجته وابنه، ولابد من إيقافه عند حده.
انتفضت آسيا فزعًا، وتسارعت نبضات قلبها فور رؤيتها لردة فعل عمران.
فقد كانت تنظر من العين السحرية للباب، ولسوء الحظ أن صوتهم لم يكن يصل لأذنها جيدًا، واستمعت فقط لكلمات غير مفهومة خلال حديثهم.
عمران بنظرة تطلق شرارات الوعيد الحقيقية:
"شكل إكده الكلام بالحسنة معاك ممنهوش فايدة، چاي تقف قصاد بيتي اللي كان ممكن تكون فيه مرتي وولدي؟"
دفع صابر يد عمران بقوة عنه ونظر له بشر وقال:
"أنا سبق وحذرتك وأنا مسمعتش كلامي ياولد الصاوي، وافتكرتني بقول كلام في الهوا والسلام."
صرخ به عمران بصوت جهوري يشيب الشعر:
"اقسم بالله لو فكرت تقرب من مرتي ولا ولدي، لاخد روحك بيدي ومفيش حد هينجدك مني. خليك بعيد عني أحسنلك، أنت لساتك متعرفنيش زين، أنا مش كيف أبوي واصل. أنا لدغتي والقبر."
ابتسم صابر بشيطانية وعينيه تنضج بالحقد والانتقام، ثم دس يده في جيب بنطاله وأخرج منه سلاحًا ناريًا.
ثم رفعه وغرسه في جانب عمران وهو ينظر في عينيه بشر حقيقي ويهمس:
"متقلقش يامعلم، إحنا مبناخدش حقوقنا من حريم. لو لينا حق هناخده منك أنت."
انتفضت آسيا عندما رأت صابر يخرج السلاح ويغرسه في جسد عمران.
للحظة، شعرت بتوقف قلبها وأطلقت شهقة قوية في هلع، وبسرعة فتحت الباب وهي تصرخ في عمران بعينان دامعة:
"عمران!"
أعاد صابر السلاح فورًا في جيبه، وألقى نظرة بابتسامة صفراء على آسيا، ثم انحنى على أذن عمران وهمس له يلقي تحذيره الأخير عليه:
"اعتبرها كيف ما بيقولوا عليها يامعلم، بروڤا عشان تشوف بعينك أنا قادر أعمل إيه. لو خايف على روحك يبقى تصفي حساب أبوك وتدفع الدين اللي عليه. آه، أصل دي فلوس ناس والحق لازم يرجع لصحابه، ولا أنت مش صاحب حق عاد يامعلم."
كان عمران يجز على أسنانه ويتمالك انفعالاته واعصابه بصعوبة حتى لا يقبض على رقبته ويخنقه.
فقط احتفظ بسكونه حتى لا يشتد الجدال بينهم أمام زوجته، مراعاة لمشاعرها.
أما صابر، فألقى نظرة أخيرة على عمران وهو يودعه، ثم ابتعد ونزل الدرج حتى اختفى عن أنظارهم ورحل.
فركضت آسيا لعمران بعينان غارقة بالدموع وهو تسأله بخوف:
"أنت كويس؟"
ابتسم لها بحنو، ثم ضمها لصدرها وسار معها لداخل منزلهم وأغلق الباب وهو ينظر في عينيه ويمسح دموعها متمتمًا:
"في إيه يا آسيا؟ أنا كيف الحصان قصادك. مالك بتبكي ليه؟ مفيش حاجة، اهدى!!"
صاحت به باكية بانهيار وعصبية:
"اهدى كيف؟ الراجل حط السلاح على بطنك وكان بيهددك! لولا إني طلعت كان يمكن يعملك حاجة!"
مسح على رأسها ووجهها بحب وقال في نبرة رجولية هادئة كلها وقار وصلابة:
"متخافيش، مكنش يقدر يعمل حاجة من الأساس. وأنا أهو واقف قصادك بخير."
نظرت آسيا في عينيه بحدة وسألته باهتمام وقلق:
"مين الراجل ده ياعمران وعاوز منك إيه؟!!"
أطلق تنهيدة حارة بتعب وقال في إيجاز دون أن يجيب على سؤالها مباشرة وبالصدق:
"واحد في مشاكل بيني وبينه من بدري وبيحاول ينبش في الدفاتر القديمة دلوك. بس أنا هعرف أتصرف معاه وأحل الموضوع ده، متقلقيش."
آسيا بنظرة شك وصوت قوي وهي تستجوبه فعليًا:
"لا ياعمران، ده مش دفاتر قديمة وإلا مكنش يقف قصاد بيتك إكده ويرفع عليك السلاح. أنت في حاجة ومداريها عني ومش عاوز تقول."
رسم الابتسامة اللطيفة على محياه ولف ذراعه حول كتفيها، ثم انحنى على خدها ولثمه بعدة قبلات متتالية وسط همسه الغرامي لها:
"لا يا غزال، أنا مقدرش أخبي عنك حاجة أصلًا."
دفعته بعيدًا عنها برفق وهتفت بغضب حقيقي:
"بعد عني.. بتداري عليا وتكذب وعاوزني أسامحك كمان؟"
قالت عبارتها واندفعت لداخل المنزل، شائت فلحق بها وهو يهتف مازحًا:
"يعني لو قولتلك الحقيقة هترضي عني وتسامحيني؟!"
ردت بقسوة وجفاء من خارج قلبها:
"لا!"
ابتسم بقلة حيلة منها وأكمل لحاقه به هاتفًا بضحكة رجولية ساحرة:
"طيب رايحة وين؟ مش لما أفرجك على البيت الأول؟ ده أنتي كأنك عارفة البيت أكتر مني."
توقفت مرغمًا وهي تلزم شفتيها وتعقد ذراعيها أمام صدرها.
ثم جاء من خلفها ولف ذراعه حول خصرها، فرمقته بغيظ وأبعدت ذراعه عنها، ثم أشاحت بوجهها بعيدًا عنه.
فابتسم هو وهمس لها وهو يشير إلى المطبخ الذي كانوا يقفون بجواره:
"طيب بصي واتفرجي على المطبخ. إيه رأيك؟"
التفتت برأسها تجاهه، ثم اقترب بخطواته إلى المطبخ وقد ارتفعت البسمة التلقائية على ثغرها وهي تتمعن في مملكتها الخاصة بها التي ستكون ملكها وحدها أخيرًا.
لقد قام باختيار الألوان وكل شيء، وكان يملك ذوقًا رفيعًا انبهرت به.
لكن لم تلبث لتنغمس في تأمل مطبخها الجديد حتى شعرت بذراعه يلتف حول خصرها من جديد، فالتفتت له وصاحت مغتاظة:
"عمران! وبعدين!"
لوى فمه بيأس وتنحنح في ابتسامة خافتة، ثم اقترب منها ووقف بجوارها لينحنى على أذنها ويهمس في مكر ولهجة منذرة:
"هنفضل صابرين على الغزال العنيد ده إكده لغاية ما ينخ ويستسلم. بس يارب مينشفش راسه ونضطر نصطاده ونتعشى بيه."
رمقته آسيا بنظرة جانبية رافعة حاجبها بشموخ وقالت مبتسمة:
"آه، يعني عاوز تصطادني غصب عني!"
لمعت عينيه بوميض شيطاني وقال مبتسمًا وهو يغمز بلؤم:
"شكلك إكده متعرفيش قواعد الصيد.. الصياد بيعمل الفخ للفريسة وهي برجليها اللي بتجيله وتقع في الفخ. بس متخافيش، هبقى حنين عليكي لما تقعي في شبكة الصياد."
حاولت كبح ابتسامتها على تلميحاته الماكرة لها والعاشقة في نفس الوقت، ثم قالت بنظرة كلها ثقة وغنج:
"طب متنساش أن الفريسة دي ليها أنياب ومخالب يامعلم."
قهقه بقوة في ضحكة رجولية ملكت قلبها، لكنها كالعادة تصرفت ببرود وكأنها لا تبالي، ثم ابتعدت عنه وقادت خطواتها لأول غرفة وجدتها أمامها لتكمل استكشافها لمنزلها.
***
قضى مروان الليل كله بمنزله بالأمس متأملًا أن تعود ثانية، يجلس على الأريكة بالصالة موضع جلوسها الدائم ويفكر ويحلل ويراجع نفسه.
هل فعل لها سوء فامتعضت منه ورحلت عنه؟
هل خرج من شفتيه كلام دون قصد فجرحها به وأخذت على خاطرها؟
هل صدر عنه تصرف أهوج أشعرها أنها حمل ثقيل يحمله على كتفيه أم ماذا؟
ألف سؤال وسؤال يطرحه على عقله من ليلة أمس الذي لم يذق فيها طعم النوم.
تتخبط مشاعره ما بين الخوف عليها والحب لها، وهو يقول الحب بكل ثقة.
فقد استحوذت على رقعة كبيرة في قلبه بتلك الأيام القليلة التي بقيت معه فيها.
كان يراها كالطير المجروح العاجز الذي لا يستطيع حتى الرفرفة بجناحيه والتحليق في السماء، وكان هو النسر الشامخ القوي الذي يحميه من شرور الحيوانات الأخرى التي قد تأكله دون رحمة.
والآن هو فقد طيره الصغير، وربما قد حل به ما كان يخشاه.
ظلت الأفكار تتوالى على عقله ويتساءل هل وصل لها زوجها وأخذها عنوة ولذلك هي لا تجيب عليه حتى لا تلحق به الضرر!
بالنهاية وجد أن لا فائدة من طرح الأسئلة، وقد طفح كيله من الانتظار وقرر لأخر مرة أن يجرب الاتصال بها ثانية.
وإن لم تجب، فسيندفع يبحث عنها في كل مكان حتى لو اضطر إلى أن يجوب الشوارع شارع شارع بحثًا عنها.
بمكان آخر داخل أحد الفنادق البسيطة، كانت تجلس خلود بإحدى الغرف التي استأجرتها ليلة أمس.
كانت جالسة على الفراش تضم قدميها لصدرها وعيناها ممتلئة بالدموع وتحدق في اللاشيء أمامها، لكن عقلها مشغول بالتفكير به.
تحاول إيجاد سبب لآخر للقائه مع زوجها حتى لا تظلمه وتعود له، فهي لا تستوعب أنه يفعل هذا.
لكن لا تجد مبررًا آخر لما رأته سوى هذا.
انتفضت جالسة في فراشها على أثر صوت رنين هاتفها الذي أصبحت تعرف من المتصل دون أن تنظر للشاشة، فمنذ ليلة أمس هاتفها لا يتوقف عن الرنين بسببه، وإلحاحه الشديد في التحدث معها.
ترددت هذه المرة وفكرت أتجيب أم لا؟
وقررت في الأخير أن تجيبه وتضع النقاط على الحروف حتى لا يستمر في ملاحقتها.
فتحت الاتصال ولم تتحدث، بل بالوصف الأدق هو لم يترك لها الفرصة لتتحدث، حيث صاح متلهفًا بمجرد إجابتها على اتصاله:
"خلود! أنتي فين؟"
سكتت تستجمع عباراتها التي ستنهي الحكاية، بينما هو فتابع بقلق شديد واهتمام صادق:
"خلود! ردي عليا أنتي كويسة؟!"
خرج صوتها ضعيفًا ويغلبه البكاء، تحاول الثبات حتى لا تنهار وهي تحذره:
"اسمع يامروان، أنا وثقت فيك واديتك الأمان في وقت أنا كنت واخدة عهد على روحي ما أثق في صنف الرجالة ده تاني واصل. بس قولت يمكن أنت تكون مختلف، لكن بردك خذلتني وخليتني أندم على الثقة دي. بس رغم كل ده، تشكر يابشمهندس. دخلتني بيتك بدل ما كنت هبقى في الشوارع. حتى لو كانت نواياك مش زينة، بس على الأقل ما أذتنيش أو يمكن كنت لسه وكنت هتعمل إكده. إن شاء الله قريب هبعتلك كل مليم وقرش صرفته عليا و...."
قاطعها منفعلًا بعد كم السخافة التي تفوهت بها من وجهة نظره:
"إيه الكلام الفارغ اللي بتقوليه ده؟ فلوس إيه وعبط إيه؟ بعدين أنا عملت إيه يخليني تندمي على ثقتك فيا؟ أنا من امبارح عيني ما غفلتش لحظة من القلق عليكي والتفكير روحتي فين وإيه اللي خلاكي تمشي وانتي تقوليلي فلوس؟ إيه اللي حصل لده كله؟!"
خلود بعصبية وقد ارتفعت نبرة صوتها مثلها:
"راجع روحك وأنت هتعرف حصل إيه وعملت إيه يامروان!"
مسح على وجهه متأففًا بنفاد صبر وحاول امتصاص غضبه قدر الإمكان وقال لها بحكمة:
"طيب ياخلود، قوليلي أنتي فين وأنا هجيلك ونتكلم ونحل المشكلة أي كانت هي إيه. وأنا عندي استعداد أعملك كل اللي أنتي عايزاه حتى لو مكنش الغلط مني."
ردت بقوة ورفض قاطع:
"مروان، كل واحد يروح لحاله وبعد عني واصل. أنا مش حمل مشاكل تاني بزيادة اللي أنا فيه. هملوني في حالي عاد، أنتوا عايزين مني إيه تاني!"
ضيق عينيه باستغراب من عباراتها الأخيرة وهو يتساءل من تقصد بصيغة الجمع وجمعتهم مع من!
لكنه حافظ على هدوئه أيضًا وحاول تهدأتها وهو ينصحها بلطف وحب:
"خلود، بلاش عند أبوس إيدك. أنتي عارفة أن ده خطر عليكي ولو الحيوان جوزك ده شافك ممكن يأذيكي. قوليلي مكانك فين وأوعدك أني لو فعلًا عملت حاجة غلط وضايقتك، ساعتها هبعد عنك زي ما أنتي عايزة. متفقين؟!"
ابتسمت ساخرة عندما ذكر زوجها ووصفه بالحيوان وكأنه ليس صديقه وعلى اتفاق معه، وهما الاثنان خدعوها.
فقالت له بثبات وصلابة حقيقية:
"متقلقش، ربنا معايا ومش هيضيعني إن شاء الله. وابقى روح قول لچوزي ده إنه لو عمل إيه مش هيقدر يلاقيني ولا يأذيني."
أنهت كلماتها الأخيرة وأغلقت الاتصال في وجهه دون أن تمهله اللحظة ليجيبها حتى.
فاتسعت عينيه بدهشة وانزل الهاتف من فوق أذنه يحدق في شاشته بذهول والغضب يحتل ملامحه ويهتف بكيظ:
"أنا هروح أقوله! لا أنتي شكلك اتجننتي رسمي."
ثم وثب واقفًا وهو ثائر ويهتف متوعدًا لها بنبرة رجولية:
"ماشي ياخلود، لو هو مش هيقدر يوصلك، فهتشوف أنا هعرف أجيبك إزاي والنهاردة كمان."
التقط مفاتيحه سيارته والمنزل وحافظة نقوده وانطلق لخارج المنزل مسرعًا متجهًا إلى وجهة معينة ستساعده في معرفة مكانها فورًا بكل سهولة.
***
داخل أسوار المستشفى، خرجت فريال من غرفتها بعدما سمح لها الطبيب بالمغادرة والعودة لمنزلها.
كانت تسير متكئة على جلال الذي يسندها ويحتويها بذراعيه.
أصرت على الذهاب بحضانة الأطفال لترى ابنتها قبل رحيلها، فلن تغادر المستشفى دون أن تراها بعينها وتطمئن عليها.
هي منذ أن ولدتها لم تراها سوى مرة واحدة وهذه ستكون الثانية.
قد حرمت من ضمها لصدرها وشم رائحتها وقلبها ينزف دمًا حزنًا وخوفًا عليها.
وافق جلال ولم يرد طلبها وساروا باتجاه الحضانة ليطمئنوا على طفلتهم.
توقفوا أمام الزجاج الذي يظهر الأطفال في أفرشتهم الصغيرة من الداخل.
راحت عينها تجوب بين الأطفال بحثًا عن صغيرتها حتى أشار لها جلال بعين دامعة على فراش صغيرتهم التي لا تظهر منه بوضوح وقال لها مبتسمًا:
"أهي حبيبتنا!"
أدمعت عين فريال فور رؤيتها لها وسماعها لجلال وهو يناديها بحبيبتهم تغزلًا بها بعدما اتفقوا على تسميتها حبيبة.
وضعت يدها على الزجاج الذي يفصل بينها وبين ابنتها ويمنعها من لمسها وضمها لصدرها واجشمت بالبكاء الشديد.
فلف جلال ذراعيه حول كتفيها وضمها لحضنه وهو يمسح على ذراعها وظهرها بحنو ويهمس لها بثبات يليق بصوته الرجولي:
"هتبقى زينة بإذن الله وهتطلع وتاخديها في حضنك لغاية ما تشبعي منها يافريال."
هتفت بصوت يرتجف من فرط البكاء:
"خايفة عليها قوي ياچلال، ومتوحشاها. نفسي أضمها وأشبع منها، أنا مشوفتهاش غير مرة واحدة. قلبي بيتقطع عليها."
ابتسم لها وقال بعطف وحب ليبث الطمأنينة في صدرها:
"هتضميها وتشبعي منها لغاية ما تزهقي منها كمان، بس أنتي خلي عندك ثقة في ربنا وإن شاء الله هو هيشفيها."
رفعت يديها للسماء وهي تدعي ربها بقلب أم صادق وحب نقي ودموعها تنهمر فوق وجنتيها غزيرة.
بينما جلال فهمس لها بجدية بسيطة:
"يلا عاد عشان أمك مستنيانا برا وكمان العيال مستنينك في البيت هما كمان اشتاقولك."
ابتسمت عندما ذكر بأولادها وحبيبيها الصغيرين، ثم هزت رأسها له بالموافقة وألقت نظرة على ابنتها وهي تسأله باهتمام:
"أنا هاچي بكرة تاني عشان أطمن عليها وأشوفها."
رد جلال بالرفض في لطف وهو يمسح عن وجنتيها دموعها:
"لا ياحبيبتي أنتي متچيش لساتك مينفعش لساتك تعبانة. أنا ما يوم هاچي أطمن عليها وأشوفها وكمان أشوف لو محتاجين أي حاجة في الحضانة لبن أو حفاضات أو غيره وهچيبه وهطمنك كل يوم."
بدت على فريال علامات الرفض وهي تهز رأسها له بالنفي وعادت تبكي من جديد.
فتنهد جلال الصعداء بقلة حيلة وقال بحزم بسيط:
"فريال!!.. مينفعش تطلعي كل يوم هتتعبي وغلط عليكي وعلى صحتك وانتي لساتك نفسة وانتي عارفة ده كويس. متصعبهاش عليا عاد أبوس يدك ياحبيبتي، أنا خايف عليكي وعايزك بخير وتفضلي چاري وچار ولادك."
ظهر اليأس على ملامحها وتطرقت رأسها باستسلام دون أن ترد بأي عبارة تظهر رفضها.
بينما هو فابتسم وانحنى على رأسها يقبلها بغرام وهمس في صوت مبحوح:
"ربنا يحفظكم ليا يارب ويشفي حبيبتنا وترجع لحضن."
رددت خلفه "أمين" من صميم قلبها، ثم اتكأت على ذراعه تستند عليه وسارت معه باتجاه الخارج قبل أن تلقي نظرة أخيرة على طفلتها تودعها.
***
داخل منزل خليل صفوان، كان "علي" يجلس مع "حمزة" جده في غرفة الجلوس الكبيرة يتحدثون عن العمل ومشاكل متعددة.
قطع حديثهم طرق الباب الرقيق ثم دخول غزل وهي تحمل بين يديها صينية فوقها كأس شاي، وترتدي فستان طويل لآخر قدميها وبأكمام طويلة وتترك الحرية لشعرها الناعم يستدل على ظهرها وكتفيها بانسابية.
كان "علي" أول مرة يراها ترتدي ملابس محتشمة وجميلة هكذا جعلتها كالأميرة المتوجة.
فعلقت نظراته عليها وهو يبتسم لا إراديًا لغندورته متأملًا جمالها الملفت، حتى وصلت لهم وانحنت أمام جدها تضع كأس الشاي على المنضدة الصغيرة أمامه متمتمة في رقة وابتسامة ناعمة:
"الشاي اللي طلبته باچدو اتفضل."
ابتسم لها حمزة بحنو وقال متغزلًا في حبه لحفيدته:
"تسلم يدك ياحبيبة چدو."
كان علي يتابع الحديث الجاري بينهم وهو مازال محتفظًا بابتسامته وعينيه لا تحيد عنها، حتى قرر أن يعبث معها قليلًا وكأن شجارهم المستمر مع بعض أصبح كالدم يجري في عروقه بل ويستمتع بها ولا يزعجه.
فقال لها بلؤم وهو يرفع حاجبيه:
"هو چدو بس اللي ليه نفس يشرب الشاي يعني؟!"
لوت فمها مغلوبة منه بعدما فهمت مقصده ومحاولاته لإشعال فتيل النيران بينهم ككل مرة، لكنها ردت عليه بكل برود لتثبت له أن هذه المرة لن تستطيع إزعاجي أيها المزعج:
"أنا مكنتش أعرف إنك موجود وأنت مطلبتش مني."
فهم ما تحاول إثباته له، فضحك بخفة وقال بوقار وشموخ:
"مش لازم أطلب منك ده، من الزوق والأدب إهنه إن الشاي يتعمل لكل اللي قاعدين في مجلس الرجالة مش اللي يطلب بس."
شعر حمزة بأن بشائر شجار وجدال بين تحفة سينشب كعادتهم مع بعض، فقال لـ "علي" بنظرة حادة وصوت رجولي مهيب:
"علي! مش وقته الكلام ده دلوك ورانا كلام أهم، چرا إيه؟!"
أجابت غزل على جدها ببرود رغم أن نظراتها لـ "علي" كانت نارية تظهر غيظها الحقيقي الذي تحاول إخفائه حتى لا تخسر أمام ذلك الشيطان:
"عادي ياجدو، أنا متعودة عليه، هو دايمًا كدا بيحب يضايقني في كل فرصة يلاقيها قصاده."
كأنه دل من الثلج مسكوب على "علي" لا يجعله يشعر بأي غضب أو احتراق من الداخل، بل يضحك بكل استفزاز ومتعة في عينيه وهو يجيبها في النهاية بالعبارة التي وضعت نقطة النهاية لحربهم الباردة:
"لا مسمهاش بحب أضايقك، اسمها بحب أناكفك وأنكشك."
التفتت غزل لجدها الذي كان ينظر لـ "علي" ويرفع حاجبه مبتسمًا بدهشة من رده، عندما التفت تجاه غزل ورآها تتطلع فيه باستفهام تريده أن يشرح لها مقصده، فضحك حمزة ومسح على يدها بلطف متمتمًا:
"روحي يابتي روحي ملكيش صالح بيه، ربنا يصلح حاله، روحي شوفي مصالحك يلا."
أطلقت غزل تأففًا قوي غيظًا من "علي" وألقت عليه نظرة متوعدة وشرسة، فقابلته بأخرى متلذذة وباردة منه بتشتغل نيرانها أكثر وتندفع لخارج الغرفة مسرعة، فتتركه يضحك عليها مستمتعًا.
بينما حمزة فظل يراقب حفيده بنظرة ماكرة رافعًا حاجبه، ثم التقط كأس الشاي وقربه من فمه يرتشف منه، وعندما أبعده عن فمه سأله برجولية ونظرة ثاقبة:
"بصلي إهنه ياولد منصور، أنت إيه حكايتك بالظبط مع بت عمتك؟!"
التفت علي برأسه تجاه جده وتنحنح بإحراج وتأدب ليجيبه مبتسمًا ببلاهة:
"حكايتي كيف يعني!!.. مفيش حاجة ياچدي."
رفع حمزة عصاه وضربه بها في ذراعه برفق هاتفًا وهو يضحك بدهاء يليق به:
"هو أنت شايفني أعمى قصادك ولا عبيط يا واد مش فاهم حركاتك ولا نظراتك؟!"
تنحنح علي ثانية بإحراج أشد بعدما أدرك أنه انكشف أمره أمام جده، وهذه المرة التزم الصمت ولم يجد ما يناسب من الرد ليجيب على كلام جده الذي تابع وهو يغمز لها مازحًا إياه وبحب:
"لو عجباك قولي.. قول لچدك.. ياچدي أنا عجبتني بت عمتي وعاوزها.. وأنا أخطبهالك طوالي.. لكن شغل النظرات والابتسامات والكلام ده ميصحش.. الرجالة صح تقف وتقول طوالي من غير لف ودوران أنا رايد فلانة."
اتسعت عيني "علي" بصدمة من تصريح جده الحقيقي له وهو يعطيه الإنذار الأخضر للانطلاق إذا أراد خطبتها بالفعل، فردد خلف جده كلمته مجددًا ليتأكد من صدق كلامه:
"تخطبهالي؟!"
حمزة بتأكيد وجدية تامة:
"أيوة، بس أنت عاوزها ولا لا الأول ولا كل اللي بتعمله ده تـ..."
قاطعه "علي" فورًا بنبرة رجولية بعدما فهم ما سيقوله جده وقال بغلظة وصلابة:
"لا طبعًا، أنت عارف ياچدي أنا مش إكده واصل، بس استغربت لما لقيتك بتقول إنك موافق ومستعد تخطبهالي لو رايدها."
طال حمزة النظر في حفيده بصمت بين "علي" فسرح للحظة وهو يتخيل أنها أصبحت زوجته حقًا، فظهر شبح ابتسامته الصغيرة على ثغره وسرعان ما اختفت عندما تذكر شيء وفورًا قاله لجده وهو يسأله بضيق:
"تفتكر هي هتوافق أصلًا!!.. دي مش بطيقني ياچدي."
انحنى عليه حمزة ورتب على كتفه بحنان أبوي وقال مبتسمًا بلهجة حازمة:
"ملكش صالح بالباقي، أنت عليك تشاور وأنا هظبط الباقي. بت عمتك ملهاش حد كيف المقطوعة من شجرة من وقت موت أمها، وأنا كنت خايف عليها لما ترجع لأبوها تتجوز واحد ميصونهاش ولا يراعيها. دي هي الأمانة الوحيدة اللي فاضلة ليا من بتي، وأنا متأكد دلوك إن مفيش حد هيصون الأمانة كيفك، أنا مربيك على يدي وعارف زين إنك هتحافظ عليها ياولدي."
ابتسم علي بعذوبة وتمتم في صوت رجولي قوي:
"إن شاء الله ياچدي، متقلقش. المهم بس هي توافق أصلًا."
هز حمزة رأسه بثقة وقال مبتسمًا بخبث:
"هتوافق."
***
بمنزل إبراهيم الصاوي.......
وصل عمران بسيارته أمام منزل والده بعدما أوصل زوجته لمنزلها.
اليوم يدخل منزل والده أول مرة منذ غياب يومين عنه بعد شجاره الأخير مع أمه.
خرج من سيارته وقاد خطواته تجاه ثم فتح بمفتاحه الخاص ودخل.
أحسن الحظ أنه لم يجد أحد بالصالة في هذا الوقت، فتحرك فورًا تجاه الدرج يقصد غرفته بالأعلى ليأخذ ملابسه ويغادر قبل أن تلمحه أمه.
هو من فرط غضبه منها لا يريد رؤيتها حتى.
وصل لغرفته وفتح الباب ودخل، لكن إخلاص قد رأته وهو يدخل، فهي أيضًا عادت من المستشفى قبل قليل بعدما أصرت فريال أن تذهب لمنزل زوجها وتبقى بجوار أولادها وزوجها.
تهللت أسارير إخلاص وظنت للحظة أن عمران قد زال غضبه وعاد للمنزل مجددًا، فأسرعت خلفه للغرفة متلهفة لتضمه وتعانقه وتروي شوقها لنجلها وحبيبها الوحيد.
لكن تسمرت بأرضها فور دخولها عندما رأته يجمع ملابسه في حقيبة، فهرولت نحوه وهي تصرخ به وتجذب الملابس من يده بهستيريا:
"بتلم هدومك ورايح وين ياعمران.. أنت مش هتهملني!"
رمقها بنظرة مشتعلة وساخجة ثم قال بصوت رجولي مهيب:
"چرا إيه ياما، هو أنا عيل صغير ولا إيه.. بعدي عني ملكيش صالح بيا."
لم يكمل جمع ملابسها، فاوقفته ثانية تمنعه من إكمال عمله وهي تحتضن ذراعه وتتوسله باكية:
"ياولدي حرام عليك اللي بتعمله فيا ده، أنا مليش غيرك بعد أبوك هتهملني لمين؟ سامحني أبوس يدك وأوعدك هشيل مرتك فوق راسي والله بس تفضل چاري."
جذب عمران يده من قبضتها ببطء وهو على ملامحه علامات الضيق، ثم قال بصوت غليظ:
"مرتي وولدي هيقعدوا في بيتهم وأنا هكون معاهم. من إهنه ورايح راحتهم أهم حاجة عندي وراحة آسيا مستحيل تكون في بيت أبوي إهنه. كفاية إني بحاول دلوك أصلح علاقتنا وأنقذ چوازي وبيتي اللي أنتي كنت السبب في خرابه ياما."
انهارت إخلاص باكية وراحت تبرر له أفعالها بندم متمتمة:
"لا ياولدي والله أنا كنت عاوزاك تبقى مبسوط وكنت شايفة بت خليل مش مناسبة ليك."
عمران بلهجة ساخرة واستياء مرعب:
"وولدي كنتي شايفة إنه لما يموت أنا هبقى مبسوط برضوا؟!"
أطرقت رأسها أرضًا بأسف لا تعرف بماذا تجيب أو تبرر فعلتها المعترفة بذنبها فيها، أجهشت في البكاء ورفعت نظرها له تقول برجاء وأسف:
"حقك عليا ياولدي غلطت وندمانة والله، سامحني ومتعاقبنيش بفراقك عنيا."
استطاع بصعوبة أن يقسي قلبه عليها حتى يعاقبها على أخطائها في حقه وحق زوجته وحق طفله، حيث راح يكمل جمع ملابسها هاتفًا بصوت رجولي جاف لا يحمل الشفقة ولا اللين:
"بعدي ياما عني خليني أخلص وأروح أشوف شغلي. سبق وقولتلك اللي عملتيه ملوش غفران عندي."
قالها وهو يعلم جيدًا أنه حتمًا سيسامحها حتى لو بعد عشر سنوات، لكنه يقولها فقط ليشعرها بفداحة ذنبها أكثر علها تتغير للأفضل والله يصلح حالها ويهديها.
بينما هي فانهارت باكية وجلست على فراشه وأخذت تراقبه بعينيها الدامعة حتى انتهى واغلق حقيبته وانزلها على الأرض ليحملها، فاستقام هي واقفة وهرولت إليه وعانقته بحرارة أمومية لتروي عطش روحها لابنها الحبيب.
لم يبعدها عنه ولم يضمها حتى لا يوهمها أنه لان لها، تركها تحتضنه وتعانقه وهي تقبل رأسه ورقبته وتردد بصدق:
"متغيبش عني، ابقى تعالي اطمن عليا وخليني أشوفك حتى لو مش هتسامحني، بس متحرمنيش من شوفتك ياولدي."
ابتعدت عن أحضانه ونظرت لوجهه وهي تحتضنه بين يديها وتهز رأسها له تحية على الرد عليها وتأكيده أنه سيأتي لها ويطمئن على أحوالها.
أبعد هو يديها عن وجهه وانزلها ثم أجاب بقوة دون أن يعطيها الجواب الذي تريده:
"سلام ياما."
تركها تتعذب مقهورة على خسارتها لابنها وانصرف.
قابل بلال أثناء مغادرته للمنزل، عندما رأى بلال الحقيبة في يد أخيه ابتسم بحب ورتب على كتفه مهنئًا إياه:
"مبروك يا أبو سليم على البيت الجديد."
ضمه عمران إليه بحب أخوي وهو يضحك ثم همس عمران في أذن بلال بجدية واهتمام:
"بلال مش هوصيك على أمي، خد بالك منها ولو حصل أي حاجة اتصل بيا وبلغني."
هز بلال رأسه بالموافقة وتمتم في صوت رجولي ساحر كلها دفء:
"متقلقش عليها دي كيف أمي، المشكلة الوحيدة إن أنت هتهملني وحدي بينهم هما الاتنين وأنا مش حملهم."
ضحك عمران وقال غامزًا له بمرح:
"ما أنت خلاص كلها أسبوع وتدخل عش الزوجية وتهملهم كمان."
هز رأسه بلال ضاحكًا مؤيدًا كلامه، بينما عمران فحمل حقيبته وودع أخيه ثم غادر المنزل ليستقل بسيارته وينطلق بها متجهًا لمنزله أولًا ومن ثم سيذهب لاستئناف عمله....
***
بتمام الساعة الحادية عشر مساءً من ذلك اليوم.....
كان عمران يجلس بغرفته في منزله الجديد، متسطح على فراشه يحاول النوم منذ أكثر من نصف ساعة.
لكن وحشته كانت أشد وأصعب عليه، كان يستوحش زوجته وابنه، ولا يطيق البقاء بمفرده.
ومن المفترض أن يكون هذا منزلهم الجديد الذي ستشاركه فيه زوجته وتؤنسه في وحدته، لكن تلك العنيد ترفض الاستسلام.
ظل يتكامل في فراشه يمينًا ويسارًا يحاول بكل الطرق لينام ولكن هيهات، فقد عزمت الليلة على ألا تفارق عقله ولا تدعه يذق للنوم طعم.
ألا يكفيها عقابها له بهجره والآن تريد حرمانه من النوم والراحة في الليل كالبشر.
كلما يغلق عينيه في الفراش يتخيلها أمامه، وكلما يفتحها ويسقط نظره على جانب الفراش الفراغ يراها متسطحة به بجانبه.
تلك الساحرة، هل أقامت طقوس سحرها عليه وجعلته يهلوس بها وهو مستيقظ أم هذا فقط من فرط شوقه وعشقه لها.
رفع يده يضعها على شعره ثم نزل من شعره لآخر وجهه ماسحًا وهو يستغفر ربه ويتأفف بنفاد صبر.
وإذا به يثب جالسًا في فراشه وهو يفكر ونظراته مشتعلة من الغيظ والوعيد قد لاحت بشائر في نظراته الرجولية.
وقد عزم النية على أن الليلة ستكون تلك العنيد في فراشه حتى وإن كان رغمًا عنها.
يكفيه عذاب.. إلى متى ستظل تمارس عليه هذه القسوة؟
هو يتحرق شوقًا لها ولا يطيق فراقها وهي رأسها كرأس الماعز العنيد لا تتهاون.
تحدث بينه وبين نفسه في عقله مغتاظًا ومتوعدًا لها:
"الليلة ستكونين بمنزل زوجك أيتها الماعز العنيد، شئت أم أبيتي."
مد يده والتقط هاتفه ليجري اتصال بها فأجابته هي بعد وقت قصير لتسمع صوته الغليظ يدخل في جوف الموضوع فورًا:
"أنا چاي أخدك ناوية ترجعي معايا برضاكي ولا غصب عنك يابت خليل؟!"
ضيقت آسيا عيناها لعدم فهم ودهشة من كلماته ثم قالت بشراسة معتادة عليها:
"كيف يعني چاي تاخدني؟ أنا مقولتش إني هرجعلك وبعدين إيه غصب عني؟ وبت خليل دي من مِتّى بتقولي بت خليل؟ طب مش راجعة ياعمران ووريني عاد هتعمل إيه."
عمران بصوت محتقن من فرط الغيظ ونبرة رجولية مخيفة كلها وعيد:
"طبب جهزي روحك عاد عشان أوريكي هعمل إيه!"
ولم يمهلها الفرصة لتجيبه حيث أنهى الاتصال وتركها تحدق في شاشة الهاتف بذهول لا تصدقه ولا تستوعب ما حدث للتو وقاله.
تسارعت نبضات قلبها خوفًا من وعيده لها وهي تعلم أنه إذا وعد لابد إن يفي به.
ويبدو أنها حقًا ستعود معه رغمًا عن أنفها فقد أصدر مرسومه الذي لا رجعة فيه.
***
بمكان آخر داخل منزل بلال وحور، بينما كانت تقف حور بجواره يتفقون على بعض الأشياء في منزلهم ويتشاورون فقالت وهي تشير على غرفة حوائط غرفة بعد دخولها المطلية بلون أبيض (أوف وايت):
"إيه اللون القديم ده يابلال؟"
رفع حاجبه ونظر لها بغيظ من سخريتها لزوجه وقال:
"انتي عايزة إيه بقى؟ أخلي لونها بامبي، ونقلب البيت كله باربي؟"
ابتسمت وقالت بطفولية جميلة:
"أه ياريت."
غمزها بطرف عينه في قرف ثم قال بحدة:
"لا أنا ما أنامش في أوضة كلها بامبي ليه؟ شايفاني عيل لسه متفطمش. إحنا اتفقنا انتي تختاري ألوان البيت كله براحتك بس عند أوضة النوم استوب. أنا ما بعرفش أنام في ألوان المهرجانات اللي بتحبيها دي."
اتسعت عين حور بصدمة وقالت بحزن وغضب متصنع:
"أنت بتسخر من زوقي يابلال.. أه قول بقى إني مبفهمش وحمارة ووو...."
قاطعها فورًا قبل أن يعاني الليل كله من وسائل النكد المختلفة التي ستمارسها عليه، وراح يضمها لصدره ويقبل رأسها بحب متمتمًا:
"يتقطع لسانه ياحوريتي اللي يقول عنك إكده. أنا بس كان قصدي إن أنا وأنتي زوقنا مختلف في الألوان، فمعلش بقى أرضيني وتقبلي ألوان الأوضة عشان أتبسط وأبسطك أنا كمان."
رفعت رأسها عن صدره ونظرت له مبتسمة تقول بعينان تلمع بوميض طفولي:
"هتبسطني إزاي؟ هتجبلي كل يوم شيكولاتة؟"
هز رأسه بالنفي وقال متغزلًا بها وهو يغمز بعينيه بلؤم:
"لا الشيكولاتة اللي معايا أحلى مليون مرة وتتاكل أكل كمان."
تجاهلت تلميحاته الجريئة وحتى مغازلته لها وابتعدت عنه فورًا بعد أن رسمت الانزعاج الشديد على ملامحها الطفولية وصاحت به:
"قصدك يعني إن أنت شايفني سمرة ومش حلوة؟"
نظر لها بعدم فهم وهو يرمش بعينيه تمامًا كشخص فقد القدرة على النطق من هول طريقة تفكيرها الطفولية والسخيفة، أما هي فعندما رأته على هذا الحال انفجرت ضاحكة بقوة وارتمت بين ذراعيه ثانية متمتمة برقة:
"بهزر معاك والله، أنت اتصدمت كدا ليه؟!"
لاحت بسمته على ثغره مغلوبًا منها، ثم لف ذراعه حولها وضمها إليه أكثر وهو يهمس لها مبتسمًا:
"أنتي هتجيبي أجلي من اللي بتعمليه فيا."
رفعت رأسها له وبكل تلقائية وعفوية طبعت قبلة على وجنته ولحيته الخفيفة متمتمة بكل غرام:
"متقولش كدا، ربنا يحفظك ليا ويباركلي فيك ياحبيبي."
رأت بلال ينظر لها بعين متسعة وابتسامة تشق وجهه حتى كادت تصل لأذنه من فرط سعادته ودهشته من تصرفها العفوي، لو علمت ماذا فعلت به قبلتها الرقيقة تلك وشفتيها الناعمتين لفرت هاربة خجلًا منه.
أدركت هي فعلتها وبسرعة ابتعدت عنه وهي تهمس باستحياء شديد معتذرة:
"طلعت بتلقائية على فكرة مكنتش أقصد، أنا آسفة."
بلال ضاحكًا وبحماس أشبه بحماس طفولي:
"انتي بتتأسفي! ده أنا عايز واحدة تاني.. اللهم ديم التلقائية دي دايمًا يارب."
مال ثغرها للجانب في بسمة خجلة وهي تجفل نظرها أرضًا بعيدًا عنه، ثم قالت بارتباك وجدية:
"طيب الوقت اتأخر مش يلا عشان توصلني البيت؟ مينفعش أتأخر أكتر من كدا."
بلال بصوت خشن وجاد:
"هو إيه اللي مينفعش؟ أنتي مع چوزك وبعدين أنا واخد تصريح من أبوكي يعني متقلقيش."
رفعت رأسها له وقالت متوسلة إياه بوجه أحمر من فرط الخجل:
"بلال روحني عشان خاطري، أنا مكسوفة والله."
قهقه بصوت مرتفع جعلها تضحك لا إراديًا في صمت على ضحكه، ثم وجدته يحتضن وجهها بين كفيه وينحنى عليها يقبلها من وجنتها متمتمًا:
"ده أنا ربنا يصبرني على الكسوف ده لغاية ما يتقفل علينا باب وأرتاح."
ثم تركها وقال وهو يشير إلى الباب فقط ليرضيها:
"يلا ياحورية عشان أوصلك، ميهنش عليا أرفضلك طلب خصوصًا وأنتي مكسوفة مني ووشك كله أحمر إكده."
ضحكت على مزاحه ولم تجيب وفقط غادرت الغرفة تسبقه وهو لحق بها ثم لف ذراعه حول كتفيها وسارا معًا جنبًا إلى جنب لخارج المنزل.
***
بمنزل جلال تحديدًا بغرفته هو وفريال، كانت تجلس على الفراش وحولها أولادها الاثنين يسألونها عن بعض المعلومات العامة التي كانت تشغل تفكيرهم وكانت هي تجيبهم بقدر معرفتها وسط ضحكهم ومزاحهم معها الذي أخرجها من نوبة حزنها على ابنتها قليلًا وأعاد لها الأمل في قلبها.
دخل جلال الغرفة بعد وصوله من عمله وإذا يدخل في لحظة ضم فريال لأولادها وهو تقبلهم من رأسهم بكل حنان أمومي وتهمس لهم:
"ربنا يحفظكم ليا وميورينيش فيكم أي سوء ولا يحرمني منكم.. انتوا وأبوكم سندي في الدنيا دي."
ابتسم جلال باتساع عندما رأى ذلك المشهد وسمع اعترافها الأخير الذي أسعد قلبه بشدة، ثم تقدم للداخل وهو مازال محتفظًا بابتسامته.
وفور رؤية عمار الصغير لوالده قفز من حضن أمه وركض لحضن أبيه ليضمه جلال بقوة مقبلًا شعره وهو يهتف ويغمز لمعاذ بخبث:
"إكده أقول ولادي رجالة صح ويعتمد عليهم وعملوا بكلام أبوهم."
فهم معاذ ما يلمح إليه أبيه، لأنه بالصباح بعد عودتهم من المستشفى وقبل مغادرته لعمله أوصاه أن يهتم بأمه هو وأخيه ويحاولوا إسعادها وإخراجها من تلك الحالة النفسية إلى حين عودته ولا يتركوها حزينة هكذا.
وها هو نجله الكبير فعل بوصية والدته واعتنى بأمه.
على النقيض كانت فريال لا تفهم ما يجول بين أولادها والوهم من نظرات وتلميحات غريبة فراحت تسأل معاذ بحيرة:
"هو في إيه؟"
نظر معاذ لأبيه يستأذنه هل يخبرها أم لا، فأشار جلال بعينه له بالرفض وهو يبتسم.
فضحك معاذ ولم يجيب على أمه بل فقط انحنى عليها وقبلها من وجنتها متمتمًا:
"تصبح على خير ياما."
وفعل خلفه فورًا عمار المثل مرددًا نفس كلمات أخيه الأخرى، فاسعدت فريال بشدة وتعالت أساريرها وردت بكل حب عليهم:
"وأنتم من أهل الخير ياحبايب أمكم."
ثم غادروا غرفة والديهم واتجهوا لغرفتهم ليخلدوا للنوم، فاقترب جلال منها وجلس بجوارها ثم مسح على شعرها بعينان تفيضان حبًا فسألته هي دون تفكير بلهفة:
"روحت شوفت حبيبة تاني؟"
سكت لثواني وهو يتذكر محادثته مع الطبيب وماذا قال له "والله يا چلال للأسف الوضع مش مطمن، إحنا بنحاول نعمل اللي نقدر عليه في الحضانة وننقذها لأن عندها مشاكل صعبة جدًا وبتتنفس بصعوبة، إحنا حطينا لها جهاز تنفس، وفي وضعها ده خطر تدخل عمليات حتى فبنحاول بكل الطرق الممكنة نعالجها دون تدخل جراحي، ادعيلها ربنا يشفيها."
كظم حزنه وألمه في قلبه ولم يظهره لها بل ورسم ابتسامة هادئة ومطمئنة وهو يجيبها:
"لا مروحتش، الزيارة مرة واحدة في اليوم وإحنا ما كناش عندها الصبح، بكرة هروح أشوفها تاني إن شاء الله، بس أنا ليا دكتور معرفة في المستشفى كلمته وسألته عليها وهي بخير متقلقيش."
تنفست الصعداء براحة وهي مبتسمة وراحت تدعي ربها أن يشفي لها طفلتها الرضيعة.
بينما جلال فانحنى على فريال وراح يلثم شعرها بقبلة مطولة وهو يغلق عينه التي تلألأت بدموعه من الحزن على ابنته، وبسرعة مسح عينيه قبل أن تلاحظه ونهض من جوارها ليبدأ في تبديل ملابسه.
وبعد برهة من الوقت بعدما خرج من الحمام اقترب منها مجددًا وتمدد بجوارها ثم فرد لها ذراعه بحثها على الانضمام لحضنه هذه الليلة وتنام وتسكن بين ذراعيه.
فلبت الطلب بكل حب وفرحة ووضعت رأسها فوق صدره وبذراعه تضمها من خصره إليه أكثر مبتسمًا، فقرر هو أن يفتح معها حديث مختلف حتى يلهيها عن التفكير بطفلتهم:
"تعرفي يا فريال أول مرة هعترف ليكي إن آسيا چبارة فعلًا."
ضحكت فريال بصمت وسألته بفضول شديد:
"ليه؟"
رد جلال وهو يزم شفتيه بغيظ من شقيقته:
"حارمة الراجل منها ومن ولده اللي لسه يدوب چاي على الدنيا من كام يوم. كتر خير عمران عليها وعلى راسها الناشفة، حتى لو ما نعرفش إيه اللي حصل بينهم وهي مش عاوزة تقول المشكلة، بس حرام عليكي تحرمي الراجل من ولده إكده ياقادرة."
قهقهت فريال بقوة وفورًا ابتعدت عنه وقالت بصدمة:
"لا مش معقول.. أنت بتدافع عن عمران ياچلال؟!"
جلال بجدية متراجعًا بسرعة في كلماته:
"لا أنا مش بدافع عنه، أنا مش عاجبني تصرف أختي وإنها حارماه من ولده."
قالت فريال بضحكة ماكرة وهي تغمز له:
"لا أنت بس عشان مشغول مش عارف اللي بيحصل، هي مش حارماه ولا حاجة، عمران كل يوم بيروح يشوف ولده في بيت أبوك، هي حرماه منها هي بس كيف ما قولت، لكن إيه رأيك أنت تحاول تتكلم معاها وتعقلها وأهو تاخد ثواب فيهم."
جلال برفض وهو يضحك بصمت:
"لا أنا مليش صالح بمشاكلهم الاتنين دول، رأسهم أنشف من بعض. خليهم إكده وهما وحديهم هيعرفوا قيمة بعض ويرجعوا."
ضحكت فريال بقوة ثم عادت تنام بين ذراعيه مجددًا وداخل حضنه متمتمة بتأييد لرأيه:
"عندك حق والله، أنا اتكلمت معاهم هما الاتنين كتير ومفيش فايدة."
***
استقامت خلود من فراشها بعدما سمعت صوت طرق الباب وظنت أن خدمة الفندق قد وصلت.
فارتدت حجابها وملابسها الفضفاضة ثم اتجهت إلى الباب لتفتح، وإذا بها تنصدم بمروان أمامها وقد نفذ وعده لها بأنه سيجدها حتى لو دخلت في قاع المحيط.
اتسعت عيناها بذهول ورأت على معالم وجه مروان نظرات مرعبة وابتسامة مغتاظة تزين ثغره فخافت منه أكثر وبسرعة راحت تهم بغلق الباب ثانية حتى لا يكون له فرصة في الدخول، لكنه وضع قدمه بين الباب وأحال دون إغلاقه يقول لها مبتسمًا في غيظ:
"هي وصلت لدرجة تقفلي الباب في وشي؟!"
***
عودة لمنزل خليل صفوان حيث كانت آسيا بغرفتها تجول الغرفة يمينًا ويسارًا وتفرك يديها ببعضهم وكأنها تنتظر وصول جلادها وليس زوجها من فرط الخوف منه.
رسمت عدة سيناريوهات في عقلها عن الطريقة التي يأخذها بها عنوة كما أخبرها، ولكنها متأكدة أنه سيدهشها بطريقته المختلفة.
بالأسفل وصل عمران وفتحت له جليلة التي استقبلته بابتسامة ودية وقالت له:
"آسيا فوق بس يارب متكونش نامت، اطلع لها."
تنهد عمران الصعداء بقوة وكان يقف أمامها بكل وقار وعزة ويقول:
"أنا چاي أخدها هي وولدي عشان يرجعوا بيتهم."
اختفت بسمة جليلة وسألته بحزم:
"وهي بتي وافقت ياولد الصاوي؟"
هز عمران رأسه بالنفي فتابعت جليلة بغضب بسيط وهي تعاتبه:
"يعني هي موافقتش وانت كمان عاوز تاخدها بالغصب وترجعها بيت أبوك وعند أمك اللي كانت بتأذيها و...."
قاطعها عمران بنبرة رجولية مهيبة:
"آسيا هترجع بيتها مش بيت أبوي، شقتنا وبيتنا أنا كنت مجهزه من فترة ودلوك جه وقته إننا ننقل فيه."
تهللت أسارير جليلة فورًا، واستحوذتها الشماتة في تلك الأفعى إخلاص التي سيفارقها ابنها ردًا على أفعالها مع ابنتها.
بينما عمران فقال وهو يسأل جليلة بأدب وكأنه يأخذ الإذن منها:
"تسمحيلي آخدها بطريقتي حتى لو رفضت؟"
أومأت له بكل موافقة تعطيه التفويض الكامل في فعل كل ما يريد مع زوجته، وهي تبتسم باتساع فرحًا وشماتة في إخلاص.
ولولا خوفها عليها من العودة لمنزل إبراهيم الصاوي رغم معرفتها بأنها تحب زوجها وتعشقه وفقط تعاند معه، لم نكن لتغطي تصريحًا كهذا أبدًا أن يأخذها رغمًا عنها ويذهب بها لمنزلهم الجديد.
اندفع عمران للأعلى حيث غرفة زوجته مسرعًا ولحقت به جليلة.
فور وصوله لغرفتها فتح الباب على مصراعيه وهو ثائر دون أي إنذار، فانتفضت هي فزعًا وتقهقرت للخلف خوفًا منه ورفعت سبابتها في وجهه تحذره بقلق:
"بعد عني ياعمران اوعاك تقرب مني!"
للحظة خافت جليلة على ابنتها وندمت أنها وافقت عمران على طلبه وظنت أنه قد يفعل السوء بابنتها.
وكانت تتهم وتقف بطريقه تمنعه من أخذها، لكنها وجدته يسألها بهدوء مريب لكن نظراته كانت على النقيض تمامًا:
"هسألك لآخر مرة، هترجعي معايا بيتك برضاكي يابت الناس ولا لأ؟"
هزت رأسها بالرفض في عناد ونظرات مرتعدة منه فوجدته يندفع نحوها بسرعة افزعتها وكادت أن تصرخ لكنه كتم على فمها وقال لها محذرًا بنظرة مميتة:
"حسك ميطلعش واصل فاهمة.. في خلق نايمة في البيت ولا أنتي عاوزة تلمي علينا البيت كله؟"
دفعت يده بعيدًا عن فمها بغيظ وصاحت به مغتاظة وخائفة:
"هتعمل إيه؟!"
انحنى عليها وحملها بين ذراعيه في قوة واحكم قبضتيه عليها حتى لا تحاول الفرار منه مجيبًا عليها بابتسامة مخيفة قليلًا:
"هعمل إكده."
ثم سار بها لخارج الغرفة وعندما مروا من جانب جليلة صاحت على أمها المبتسمة لتنقذها وهي تترجاها:
"ياما الحقيني...."
نهاية الفصل ...........
رواية و بالعشق اهتدي الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم ندى محمود توفيق
ثم سار بها لخارج الغرفة.
وعندما مروا من جانب جليلة صاحت على أمها المبتسمة لتنقذها وهي تترجاها:
_ياما الحقيني!
اتسعت ابتسامة جليلة أكثر لدرجة أن آسيا ظنت أمها تشمت فيها.
فجحظت عيناها بدهشة وراحت تنظر لعمران وتصرخ به بغضب وهو يسير بها وينزل الدرج:
_نزلني ياعمران!
رمقها بنظرة مميتة وتحذيرية ثم همس بصوت منخفض ولكنه مرعب:
_أنا مش قولتلك وطي حسك الناس نايمة في البيت.
انكمشت بين يديه خوفًا من نظراته ونبرته المهيبة فالتزمت الصمت رغمًا عنها وهى تشتعل من الغيظ.
ارتخت عضلاتها المتشنجة واعلنت استسلامها المؤقت وبقت تنتظر أن يخرج بها من المنزل.
وعندما وقف أمام سيارته انزلها على الأرض وفتح الباب ثم أشار لها بعينه على المقعد ووجه لها الأمر بحزم:
_اركبي يلا.
نظرت له مطولًا في تردد ورفض يلوح في نظراتها بوضوح.
فقابلها هو بنظراته الصارمة وهو يعيد عليها أمره ثانية:
_اركبي يا آسيا يلا بدل ما اركبك بنفسي كيف ما نزلتك من اوضتك.
أصدرت تأففًا قوي في نفاذ صبر ثم استقلت بالمقعد فأغلق الباب.
وسمعها تهتف من الداخل مغتاظة:
_ولدي فين ولا ناوي تاخدني من غيره!
انحنى عليها واطل برأسه من نافذة المقعد ليهمس لها مبتسمًا ببرود استفزها:
_اسمه ولدنا.. وأمك نازلة بيه دلوك هتاخديه في حضنك وهتناموا الليلة دي انتوا الاتنين في حضني.
مال ثغرها للجانب في ابتسامة شبه ساخرة.
رغم شعورها بالرضا الداخلي إلا أنها أبت إظهاره له وابتسمت بسخرية تقول له:
_تبقى بتحلم يامعلم.
ابتسم عمران لها وقال بثقة تامة:
_وماله نخلي الحلم حقيقة.
مالت بوجهها للجانب الآخر وهي تبتسم مغلوبة.
بينما هو فانتصب واقفًا وكان في طريقه للداخل ليجلب طفله.
لكن جليلة خرجت وهي تحمل بين ذراعيها ثم اتجهت نحو ابنتها بعدما أشار لها عمران الباب.
ووضعت حفيدها بين ذراعين أمها التي نظرت لها مغتاظة وقالت معاتبة:
_اتفقتي مع ولد الصاوي على بتك ياما!!!
التفتت جليلة لعمران الذي رفع حاجبه مستنكرًا نعتها له بـ (ابن الصاوي) وكأنه رجل غريب عنها ولا تريده ولا تحبه.
بينما جليلة فابتسمت وردت على ابنتها بذكاء:
_وهو مش ولد الصاوي ده چوزك وأبو ولدك اللي أنتي رفضتي ترچعلينا وصممتي أنك هتفضلي چاره.
رمقت آسيا عمران بطرف عينها وقد رأت البسمة والانتشاء على تعبيراته من رد جليلة الذي ارضى غروره.
فقررت آسيا أن تكيده وقالت باستهزاء متصنعة الندم:
_كان طيش شباب عاد ياما.
وبالفعل رأت تعبيراته تتبدل وينظر لها بغيظ متوعدًا فتحول الانتشاء والتلذذ لصدرها هي.
بينما جليلة فانحنت على أذن آسيا وهمست لها بخبث ومكر أنثوي:
_متهمليش چوزك يابت وتخلي إخلاص تنول مرادها، بالعند فيها أفضلي چاره وطالما هو رايدك وبيحبك ملكيش صالح بيها الحرباية دي، كيديها كيف ما كانت بتكيدك.
ابتسمت آسيا ابتسامة شيطانية على نصيحة أمها ونظرت لعمران الذي كان يراقبهم بنظراته المستفهمة لأنه لا يسمع ما يتهامسون به سرًا عنه.
ثم انتصبت جليلة في وقفتها بقوة ونظرت لعمران تقول في جدية:
_يلا ياولد الصاوي خد مرتك وولدك وروحوا على بيتكم وخد بالك منها.
ابتسم لها عمران بامتنان على وقوفها بصفه هذه الليلة ورد عليها بأدب:
_تصبحي على خير ياحجة.
ثم تحرك والتفت حول السيارة ليستقل بها.
وردت إخلاص بصوت منخفض وهي تراهم ينطلقون بها في طريقهم إلى منزلهم:
_وأنتوا من أهل الخير.
داخل السيارة كانت آسيا تضم صغيرها بين ذراعيه وتنظر لعمران مغتاظة أنه اخذها عنوة بل خطفها حرفيًا من قلب غرفتها.
خرج صوتها المحتقن:
_أنتي لا أخدت ليا هدوم ولا لولدك ولا في أي حاچة معانا هنقعد من غير هدوم عاد ولا إيه.
كان يدرك محاولاتها لافتعال مشكلة بينهم فكان يقابل ثورانها ببروده وهو يبتسم ويرد:
_لا ياغزال بكرا الصبح هاچي بيت أبوكي واخد هدومك وشنطك أنتي وسليم، يعني معلش مشي نفسي الليلة دي بأي حاچة أو نامي باللي لبساه ده ولو على الواد هشتريله البامبرز والأكل والحاچة اللي محتاچها ولغاية الصبح ربنا يحلهالي.
تريد أن تضع له عقدة في كل شيء أي شيء حيث قالت ببرود مماثل له:
_لا أنا مبعرفش أنام بالهدوم دي بليل لازم البس هدوم مريحة وأنت عارف إكده لكن أنت مش هامك غير روحك طبعًا مش بتفكر فيا.
تظن أنها ستسفزه وتغضبه هكذا ولكن العكس تمامًا كان يستمتع ويتلذذ بنواحها وشكوتها حيث رد عليها بجرأة لم تكن تتوقعها:
_وماله أنتي عاملة مشكلة إكده ليه ياغزالة، اقلعيها ونامي براحتك.
اتسعت عيناها بدهشة وخجل شديد من تلميحه الوقح والصريح فراحت توبخه مغتاظة:
_انا غلطانة أني بتكلم معاك، معرفش إيه اللي يخليني اتكلم مع راچل أنا متخانقة معاه وهو واخدني وخاطفني من بيت أبوي، وفوق ده كله قليل الأدب.
نظر لها بطرف عينه وفد بدا وكأنه على وشك الانزعاج أخيرًا منها فقال مبتسمة بنظرة منذرة:
_طاب بزيادة عاد بدل ما اوريكي قلة الأدب على حق لما نوصل، اقفلي خشمك وخليكي هادية يابت الناس لغاية ما نوصل بالسلامة، ربنا يهديكي ياغالية.
لوت فمها في نفاذ صبر والتزمت الصمت كما أمرها مرغمة ثم انزلت رأسها لطفلها تتأمله وهي تبتسم له بحنو أمومي.
***
داخل الفندق الذي تبقى فيه خلود.
اتسعت عيناها بذهول ورأت على معالم وجه مروان نظرات مرعبة وابتسامة مغتاظة تزين ثغره فخافت منه أكثر.
وبسرعة راحت تهم بغلق الباب ثانية حتى لا يكون له فرصة في الدخول لكنه وضع قدمه بين الباب وأحال دون إغلاقه يقول لها مبتسمًا في غيظ:
_هي وصلت لدرجة تقفلي الباب في وشي!!
هتفت خلود في خوف حقيقي منه وغضب وهي تنظر من طرف الباب:
_مروان امشي من غير مشاكل أبوس يدك.
اعتدل في وقفته وانتصب وقد ظهر على وجهه السخط الحقيقي الذي قد يكون مخيفًا حقًا وقال لها رغم غضبه بنبرة مهذبة وهادئة:
_مشاكل إيه ياخلود إيه اللي بتقوليه ده!!.. ممكن تفتحي الباب وتخليني ادخل ونتكلم ولا ادخل بالغصب.
أحست أنه لا مجال من الهرب منه الليلة حقًا فاستسلمت وفتحت الباب كله لتسمح له بالداخل.
وفور دخوله اغلق الباب ورمقها باستياء شديد ثم أشار لها بكفه تجاه الداخل تحديدًا الي الفراش المكان الوحيد في الغرفة الذي يمكنها الجلوس عليه.
فسارت مغلوبة على أمرها تجاه الفراش وجلست على طرفه ثم وجدته يتقدم نحوها ليقف أمامها وينظر لها كالصقر وهي تحاول تفادي نظراته خوفًا منها دون أن تتفوه بكلمة واحدة.
لكنه هتف بعصبية بسيطة:
_ساكتة ليه اتكلمي يلا، أنا سامعك ومستني منك تفسير لكل اللي عملتيه ومازالتي بتعمليه ده.
عندما كانت تفكر في لقائهم كانت قد جهزت في عقلها حديث وكلام ستقوله وتوبيخ عنيف ستلقيه عليه.
لكن فجأة كل هذا تبعثر وانعقد لسانها وكأنها لا تجيد الكلام حتى للرد عليه.
فهتف ثانية وقد ارتفعت نبرته وصوته الرجولي أصبح غليظًا أكثر:
_خلود ردي عليا أنا بسألك؟!!
رفعت رأسها له ورمقته مطولًا بتفكير.
للحظة عاد عقلها برأسها وراحت تتساءل كيف لرجل أظنه خان ثقتي فيه ويكن لي السوء أن يقف أمامي بكل هذه الثقة والغضب وهو ينتظر مني تفسير على تصرفاتي الهوجاء.
ترى هل ظلمته؟
وقد كان ذلك آخر سؤال تطرحه على نفسها قبل أن تجيبه بغضب فرغم شعورها بأنه ربما قد تكون ظلمته لكن شيطانها لا يزال يسيطر عليها:
_أنا اللي المفروض أسألك السؤال ده واستنى منك تفسير!!
ضيق عينيه باستغراب وقال بوقار وثقة بنفسه بأنه لن يرتكب خطأ في حقها:
_تفسير لإيه بقى بظبط؟!
جمعت خلود شجاعتها كلها وصاحت به بعصبية:
_أنت إيه علاقتك بسمير يامروان؟
غضن حاجبيه بتعجب وقال بعدم فهم، فهو لهذه الدرجة حتى لم يستوعب بعد من تقصد بسمير:
_سمير!!!
تابعت هي وهي تصب به كامل نقمها وسخطها منه:
_أنا وثقت فيك واديتك الأمان وأنت طعنتني في ضهري وخدعتني وطلعت متفق مع الـ***** چوزي ده، الله اعلم كنتوا ناويلي على إيه أنت وهو.
انفعل من اتهماتها البشعة في حقه وهو حتى لا يفهم شيء مما تقوله فصاح بها لا إراديًا:
_أنتي بتتهميني بحاجة أنا مش فاهمها أصلًا، طعنتك وخدعتك إيه!!!.. بعدين أنا مالي ومال الـ***** جوزك ده ، هعمل معاه إيه.. وإيه ليا شغل معاه.
ابتسمت بسخرية وراحت تصرخ به مثلما فعل هو:
_أسأل روحك يابشمهندش إيه ليك شغل معاه، أنا شوفتك امبارح وأنت واقف معاه تحت العمارة وبتتكلموا وبعدين ركبتوا العربية.
تجمدت جسد مروان للحظة وهو يحاول استيعاب ما تقوله وربط الأمور والأحداث ببعضها البعض.
ثم فغر شفتيه وعينيه بصدمة بعدما أدرك الحقيقة التي كان لا يراها طوال هذه الفترة.
وأظلمت عينيه فجأة وتشجنت عضلات وجهه حتى أنه اغلق على قبضتيه بقوة ثم نظر في عين خلود بطريقة مخيفة قليلًا وسألها:
_هو سمير اللي شوفتيني معاه امبارح ده كان جوزك؟!
هدأت ثورتها وعلت علامات الاستفهام على وجهها بعد سؤال فسكتت لا تعرف بماذا تجيب.
فسؤاله وحالته أثبتت لها شكوكها حول ظلمها له.
لكن لا تزال الأسئلة تدور في ذهنها إن لم يكن يعرف أنه زوجها حقًا فماذا يفعل معه!!.
انتفضت على أثر صوته الغاضب والمرعب وهو يعيد عليها سؤاله للمرة الثانية:
_ردي عليه الراجل ده جوزك!!!
هزت رأسها له بالإيجاب في نظرات مضطربة.
بينما تحول لجمرة من النيران أو قنبلة موقوتة على وشك الانفجار وراح يتحرك أمامها يمينًا ويسارًا وهو يمسح على شعره نزولًا لوجهه بقوة ولم تفهم ما الذي يحول في عقله بتلك اللحظة حتى وجدته ينفجر بها كالثور ويصيح:
_وأنتي طبعًا أول ما شوفتيني معاه لميتي هدومك ومشيتي أو هربتي بمعنى أصح، قبل ما أعمل فيكي حاجة افتكرتيني زيه، من غير ما تسأليني ولا تواجهيني وتسمعي ردي سبتيني ومشيتي رغم كل اللي عملته معاكي.
أطرقت رأسها أرضًا ندمًا بعدما أدركت خطأها ثم ردت عليه بغضب بسيط وهي تحاول الدفاع عن نفسها:
_حط نفسك مكاني يامروان، أنا وقتها مكنش في راسي حاچة غير ده ومن كتر خوفي منه أنه وصل لمكاني ملقيتش قصادي حل غير أني امشي طواليا.
اقترب منها وهو ثائرًا يكمل صياحه بها وهو في أشد حالاته انفعالًا لم تراه هكذا منذ أن تعرفت عليه:
_وأنتي مفكرتيش بعقلك ده أبدًا، أن هل ممكن مروان يكون شخص مش كويس وعايز يأذيني فعلًا، راجل دخلني بيته وحماني وبيحاول ينقذني ويطلقني من الراجل اللي بيهيني ويعذبني، وفوق كل ده عمره ما حاول يقرب مني ولا يبصلي بنظرة مش كويسة حتى، هل ممكن أنا فعلًا أذيكي وأكون بخدعك بعد كل ده، عقلك كان فين لما ظنيتي بيا بالشكل ده ياخلود!!!
امتلأت عيناها بعبارات الأسف ونظرت له بضعف وتمتمت:
_متلومنيش أنا مليش ذنب ومعذورة بعد كل اللي چرالي، أنا وثقت فيك بصعوبة وخوفت أكون اخترت غلط للمرة الثانية.
ابتسم مروان بمرارة وضيق ثم هتف بنظرة كلها خزي:
_عارفة إيه اللي قاهرني أنك حتى مدتنيش فرصة افهمك واتكلم وادافع، أنا الليل كله كنت بفكر فيكي وقلقان عليكي وأنتي كنتي بتشكي أني متفق مع جوزك وعايز أذيكي.
توقف عن الكلام للحظة ثم تابع وهو ينظر لها بقوة ويقول بنبرة رجولية خشنة:
_عارفة سمير ده مين؟!
ضيقت عيناها بتعجب ولاحت نظرات الاستفهام في عقلها فأكمل هو بغضب:
_ابن عمي.
فغر شفتيها وعيناها بصدمة وانعقد لسانها حتى أنها فقدت القدرة على النطق.
لكن هو تابع مبتسمًا بمرارة:
_سبحان القدر، عمري ما كنت اتخيل أنه يكون هو أو يحصل معايا كدا، أنا كنت هساعدك ترفعي القضية عليه.. على ابن عمي متخيلة وانتي بتقوليلي متفق معاه!!
مازالت في حالة الذهول وعدم القدرة على الرد فتابع هو بآخر عباراته المتوعدة:
_بس أنا عارف هعمل إيه وهتصرف ازاي كويس أوي.
ثم اندفع ثائرًا لخارج الغرفة وهو كالبركان الذي على وشك الانفجار.
ركضت خلفه ولحقت به لتقبض على ذراعه وتوقفه بالقوة وهي تسأله بقلق:
_رايح وين وهتعمل إيه؟
التفت لها وقال بنظرة نارية وهو يوعدها بالخلاص من ذلك الجلاد الذي يضع سيفه على رقبتها:
_هخلصك منه مش هو ده اللي أنتي عايزاه.
خافت عليه وارتعدت من أن يقحم نفسه في مشكلة كبيرة بسببها مع عائلته فقالت له وهي تترجاه:
_عشان خاطري أبوس يدك اهدى واقعد وفهمني كل حاچة وعاوز تعمل إيه، أنا لساتني مش مستوعبة اللي قولته من شوية ودلوك بتقولي هخلصك منه، تعالي يامروان ادخل ومتتصرفش وأنت متعصب إكده.. عشان خاطري!
كان على وشك أن يهدأ ثورانه بعد كلامها وتوسلها لكنه ثار أكثر وغليت دمائه وحقده على ابن عمه عندما انتبه لرسغها الذي يلاحظه لأول مرة وكان عليه علامات تعذيب بالحبال.
فأغلق عينيه وحاول امتلاك انفعالاته ثم أبعد يدها عن ذراعه بلطف ونظر في عينيها بقوة وقال بنظرة رجولية مخيفة رغم أنها كانت كلها أمان وحب:
_مهو عشان خاطرك مينفعش اهدى.
ألقى عبارته ثم اندفع لخارج الغرفة وتركها من بين ذهول من الحقيقة التي عرفتها وبين خوف وقلق عليه.
وراحت تجلس على فراشها وهي تدعي ربها أن تمر الأمور بسلام.
***
داخل منزل خليل صفوان.
فتح "علي" باب المنزل بعد عودته من الخارج وقاد خطواته للأعلى حيث غرفته ليريح جسده ويأخذ قسطًا من الراحة إلى الصباح.
لكنه سمع صوت جده من غرفة الجلوس الخاصة وهو يتحدث مع أحد الرجال ويتبادلون أطراف الحديث بصوت مسموع وبجدية.
وعندما تطرق لمعرفة موضوع حديثهم وجد أن يتحدثون عن العمل وأمور عادية في الحياة.
فتجاهل تمامًا وأكمل طريقه على الدرج لغرفته فهو ليس في حال يسمح له أن يدخل في حوار مع أي أحد من فرط الإرهاق.
عند وصوله للطابق الثاني وكان سيكمل طريقه لغرفته بالطابق الثالث لكن اصطدم بغزل التي كانت تنزل الدرج.
فنظر لها مطولًا للحظات وهي تبادله النظرات المستغربة من تمعنه بها.
ثم راحت تتنحى يمينًا لتعبر وبنفس اللحظة كان هو يتنحى في نفس الاتجاه ليتركها تعبر لكنهم اصطدموا مجددًا.
فأطلقت زفيرًا مغلوبًا وبنفس اللحظة معًا تنحوا يسارًا.
فوقفت هي ونظرت له بنفاذ صبر وقالت:
_إيه يا "علي" عديني وبعدين بقى!
كبح ابتسامته بصعوبة وقال لها في قوة وهو يهز كتفيه بتعجب:
_ما تعدي هو أنا حايشك يعني!
رمقته بطرف نظرها في قلة حيلة ولأنها لم تكن في مزاج الشجار معه لم تعقب عليه وتجاهلته وراحت تتنحى يمينًا مجددًا لتمر وتذهب.
لكنه هذه المرة هو من اعترض طريقها ومنعها من العبور قصدًا ونظر لها في عبث وهو يسألها:
_رايحة وين؟
قلبت عيناها للأعلى في نفاذ صبر منه.
ثم نظرت له وقالت مغلوبة في رقة:
_رايحة عند جدو هتكلم معاه شوية في موضوع، ممكن بقى تعديني!
هز رأسه بالرفض وبنظرة حازمة أجابها في غلظة:
_لا مش ممكن لأن چدو مش فاضي ومعاه ضيف تحت في المندرة بيتكلموا.
سألت بفضول وحيرة من ذلك الضيف الذي يأتي في الليل هكذا:
_ضيف مين؟!!
تجاهل "علي" سؤالها وأخفض نظرها بجسدها يتفحص ملابسها التي كعادتها لا تعجبه لأنها تظهر مفاتنها ومحاسنها.
وهذه المرة غيرته أصبحت الضعف عندما تذكر أنها قريبًا قد تصبح زوجته.
هل سيتركها تخرج أمام الرجال هكذا ليرى الجميع مهو ملكه وحده.
اشتعلت النيران في صدره ورفع عينه يرمقها بنارية وهو يوبخها في صيغة سؤال:
_إيه اللي لبساه ده!
لم تستغرب من سؤاله فـ فالواقع كانت ستستغرب أن لم يسأل كعادته ويتشاجر معها.
تنفست الصعداء وأجابته بكل برود وهي تبتسم:
_دي clothes يا "علي" تخيل، أنت ليه مش عايز تقتنع أن ده لبسي وطريقتي!
تجاهل سخافة كلماتها حتى لا يفقد السيطرة على نفسه وقال بهدوء متصنع:
_طيب اطلعي غيري هدومك دي يلا.
اتسعت ابتسامتها بكل استفزاز وسألته في سخرية:
_why?
مازال يحافظ على هدوئه أمامها ورد بكل رزانة:
_عشان مش عاچبني!!
ضحكت غزل باستهزاء وقالت:
_وهو أنت إيه اللي بيعجبك أصلا يا علي، أنا مفيش حاجة لبستها معترضتش عليها أو عجبتك.
ابتسم أخيرًا ولاحت في عينه نظرة مغرمة وهو يهمس في مكر:
_لا الفستان اللي كنتي لبساه امبارح عچبني قوي وكان محترم وحشم، مخليكي كيف الأميرة.
تذكرت الثوب الذي كانت ترتديه أمس وأنه رآها به عندما دخلت إلى جدها لتعطيه الشاي وكان هو يجلس معه.
أعجبها الاطراء الذي ألقاه على سمعها الآن وأنه يتغزل بها بشكل غير مباشر.
فارتفعت بسمتها إلى ثغرها لا إراديًا وراحت تسأله بعفوية كالأطفال وهي خجلة:
_بجد كان شكله حلو عليا؟
حرك حاجبيه بالإيجاب ردًا على سؤالها وهو يبتسم بحنو ويتأمل خجلها الجميل.
بينما هي فازاحت نظرها بعيدًا عنه خجلًا حتى وجدته ينحنى عليها ويهمس في أذنها مبتسمًا:
_انتي كل حاچة بتلبسيها حلوة ياغندورة ولكن في حچات مبحبش حد يشوفك بيها غيري، كيف اللي أنتي لبساه ده.
نزلت بنظرها إلى ملابسها بتلقائية في دهشة وخجل شديد ثم نظرت له بارتباك مطولًا حتى قالت له وهي تتقهقر للخلف:
_أنت مش طبيعي وفيك حاجة غريبة.
ألقت عباراتها على مسامعه ثم استدارت وانطلقت مسرعة إلى غرفتها مجددًا تهرب من نظراته وتلميحاته الجريئة.
وتركته هو يقف مكانه يبتسم على ما قالته للتو.
***
داخل منزل عمران الصاوي.
فتح عمران باب المنزل ثم تنحى جامبًا وافسح الطريق لآسيا لتدخل أولًا وهي تحمل بين ذراعيها ابنه.
دخل خلفهم ثم اغلق الباب.
تحركت آسيا بخطواتها دون أن تقف إلى غرفة النوم.
لكن عمران لحق بها واوقفها ثم حمل منها طفله حتى لا يتعبها.
ضمه إلى حضنه وهو ينظر له مبتسمًا بحنو.
أما آسيا فأكملت طريقها إلى الغرفة ودخلت ثم جلست على الفراش لتستريح.
وإذا بها تسمع صوت طفلها يبكي ليدخل به عمران وهو يحاول اسكاته.
فجلست آسيا على الفراش بالطريقة المناسبة لكي تستطيع إرضاع صغيرها.
ثم بسطت ذراعيها لعمران الذي وضع الصغير في حضنها.
فأخرجت هي ثديها وبدأت تطعمه.
جلس عمران بجوارها وهو ملتصق بها وعيناه عالقة على ابنه الذي سكن وهدأ بين أحضان أمه عندما بدأت في اطعامه.
كان يشكر الله ويحمده في تلك اللحظة أنه يرى ذلك المشهد أمام عينيه.
وأنه لم يحرمه من زوجته وابنه وهم الآن بجانبه وسيقضي ليلته أخيرًا وهم بحضنه.
لن يتقلب طوال الليل في فراشه محاولًا النوم بسبب وحشته وشوقه لغزالته وابنه.
ربما الليلة أول ليلة سينام بكل راحة بعد ليالي طويلة من الفراق.
لف ذراعه حول خصر آسيا وضمها إليه برفق وبيده الأخرى كان يحاوط ابنه ثم انحنى عليها ولثم رأسها ورقبتها بقبلات متتالية.
حتى سمعته يهمس في أذنها بغرام وصوت رخيم:
_آه لو تعرفي يا آسيا أنا قد إيه مشتاقلك!
أغلقت عيناها لتشعر بلمساته الدافئة وصوته الذي يستقر في فؤادها.
زينت الابتسامة العاشقة ثغرها وودت لو اعترفت له أنها اشتاقت له أيضًا ولكن مازال عنادها يمنعها من الاستسلام.
فبقت ساكنة وهي تشعر بأنفاسه تلفح بشرتها الناعمة حتى سمعته يكمل مبتسمًا:
_مكنتش بقدر انام الليل من شوقي ليكي ودلوك العذاب بقى بالضعف بقيت بشتاقلك انتي وولديا.
احتفظت بصمتها هذه المرة أيضًا ولم تجبه وكانت تعلق نظرها على ابنها الذي يرضع بكل سكون غير مدرك لما يحدث بين والديه.
وللمرة الثالثة أكمل عمران وهذه المرة كان يضحك بخفة وهو يسرد لها سبب ما فعله بهذه الليلة:
_أنا كنت ناوي اسيبك على راحتك لغاية ما تهدي واحاول اقنعك وارچعك البيت، لكن لقيت روحي مش قادر اتحمل ولا عارف أنام وعشان إكده صممت أني هرچعك حتى بالغصب.
هنا نظرت له آسيا وقالت بغيظ بسيط:
_هو اللي عملته فيا ده بتسميه غصب ده أنا حسيتك بتخطفني كان ناقص تحط قماشة على بقي وتكتم نفسي عشان محدش يحس بالچريمة اللي بتعملها.
انطلقت ضحكته الرجولية بقوة ثم رد عليها وهو يبتسم شفتيه مغلوبًا ويتمتم ببرود:
_أعمل إيه عاد ياغزالي أنتي مكنش ينفع معاكي غير إكده، حاولت اچيلك بالحسنة منفعتش.
طالعته بطرف نظرها مبتسمة في خبث ثم نظرت إلى ابنها الذي ترك ثديها بعدما شبع فوضعته فوق الفراش برفق شديد ثم عادت والتفتت لعمران مجددًا لتهمس له بلؤم ودلال وعينان ممتلئة بنظرات الوعيد:
_وماله خليك تعرف قيمتي شوية يامعلم، وعشان تعرف زين أنك متقدرش تعيش من غيري يوم واحد.
رفع عمران حاجبه بدهشة من ردها الغير متوقع بينما هي فابتعدت عنه ونهضت من الفراش بكل غنج واتجهت للحمام.
اما هو فظل يراقبها بابتسامة جانبية ساحرة وعندما اختفت داخل الحمام تنهد الصعداء بقلة حيلة وانحنى على ابنه ليقبله من رأسه بحنو ويهتف يشتكيه من أمه وهو يضحك:
_احنا ربنا يعينا على أمك دي يا ولدي.. عاچبك اللي بتعمله في أبوك ده!!
أطلق زفيرًا حارًا بنفاذ صبر وأكمل:
_أنا احترت معاها ومعدتش عارف اعمل معاها إيه.
استند برأسه على ظهر الفراش وهو يحدق في الفراغ بشرود.
لكنه قطع تفكيره رنين هاتفه فاستقام واقفًا وغادر الغرفة ليجيب على المتصل.
خرجت آسيا بعد دقائق طويلة نسبيًا ووجدت سليم الصغير نام وعمران ليس بالغرفة لكن سمعت صوته بالخارج يتحدث في الهاتف.
اتجت إلى المرآة ووقفت أمامها ثم نزعت حجابها وبدأت تطلق شعرها لينساب بحرية على ظهرها.
نظرت للعباءة المنزلية التي ترتديها وشعرت بالخنق وهي تفكر كيف ستنام بها.
ولحسن الحظ أنها كانت ترتدي أسفلها ثوب حريري ناعم سيساعدها على الاسترخاء والنوم براحة أكثر في هذه الليلة.
نزعت العباءة عنها ومدت يدها على طاولة التسريحة عندما وجدت فوقها بعض أنواع العطور المختلفة فالتقطت واحدًا منهم تعرفه باسمه تحديدًا ونثرت على جسدها وملابسها.
تحركت باتجاه الفراش وتمددت بجوار طفلها لكي تنام.
فسمعت صوت الباب ينفتح ويدخل عمران.
لم تلتفت له وبقت كما هي تولي الباب ظهرها.
وتسمع صوت خطواته في الغرفة حتى اقتربت تلك الخطوات منها ووجدته ينضم للفراش بجوارها.
وبينما كانت على وشك أن تلتفت وتعترض وجدته يلتصق بها ويعانقها من الخلف ويهمس لها مبتسمًا بخبث:
_ما أنتي طلعتي لابسة الهدوم المريحة بتاعتك ياغزال أهو، كنتي عارفة أني هخطفك ولا إيه الليلة دي وعملتي حسابك.
التفتت له وحاولت التملص من قبضته والابتعاد عن حضنه هاتفة بغيظ مزيف:
_عمران بعد عني قولتلك مش هتنام چارت.
تجاهل كلماتها كأنه لا يسمعها وراح يدفن رأسه في ثنايا شعرها ورقبتها يستنشق رائحتها ويهمس بهيام:
_ريحتك كيف الخمر اللي بيسكرني.
تنهدت بنفاذ صبر وقالت له منزعجة من تجاهله كلماتها:
_عمران أنا بكلمك!
تبدلت تعابير وجهه وأخرج وجهه من رقبتها ليرمقها بحزم ويقول في لهجة استياء:
_وأنا كمان بكلمك، أنتي شايفة أن اللي أنتي بتقوليه أهم من اللحظة اللي احنا فيها دي، يعني عنادك ده هل يستحق تخربي علينا سعادتنا.
شعرت بالندم قليلًا بعد كلماته ولكنها كانت ستعود وتعاتبه مجددًا لتلقي عليه اللوم فيما حدث وآلت إليه الأوضاع بينهم فقالت بضيق:
_عمران أنت ااااا....
قاطعها ومنعها من استرسال كلماته وتولى هو مهمة تكملتها على طريقته بكل حب وشوق:
_أنا بحبك تعرفي ده ولا متعرفيش!
ابتسمت وقد اختفى كل الضيق الذي كان يحتلها للتو بعد هذا الاعتراف المفعم بالمشاعر.
لتجيبه بثقة وابتسامة شيطانية:
_عارفة يامعلم ولو مكنتش عارفة كان زمانا مطلقين من بدري، صحيح أنا تراچعت عن الطلاق ويمكن أكون بدأت اسامحك لكن لساتني شايلة منك ودي مهمتك أنت عاد إنك ترضيني.
لاحت ابتسامته على ثغره وامتلأ قلبه سعادة وأمل بعدما أعطته الإشارة أنها سامحته.
فرااح يلثم شعرها بدفء ويهمس في استرخاء تام وهي بين ذراعيه:
_إكده عاد الواحد يعرف ينام أخيرًا.
***
اتجه سمير لباب غرفته ليخرج وهو يلتفت خلفه لتلك الفتاة النائمة في فراشه وملتفة بفرشته وهي تضحك بغنج ودلال.
فيغمز لها ويهتف بلهفة وجرأة:
_هروح اشوف الباب وارچعلك عشان نكمل چولتنا ياروحي.
قهقهت بقوة في صوت أنثوي يكاد يكون وصل لخارج المنزل.
بينما هو فخرج من الغرفة واغلق الباب خلفه واتجه إلى باب المنزل ليفتح وهو يرتدي فقط بنطال.
فتح الباب لتتسع عينيه بدهشة واستغراب عندما رأى مروان أمامه.
لكن سرعان ما رسم الابتسامة الواسعة على ثغره وقال مرحبًا به:
_أهلًا يا ابن العم عاش من شافك يا راجل.
رمقه مروان باشمئزاز ونظرات ملتهبة فلم يتمالك نفسه عندما تذكر خلود وما كان يفعله بها.
فانقض عليه ووجه له لكمة اختل توازنه على أثرها وكاد أن يسقط لولا أنه تشبث بالحائط ونظر لمروان بصدمة وصاح:
_إيه يامروان اتچنيت ولا إيه!
سأله مروان بنظرة قاتلة وابتسامة مخيفة:
_مراتك فين ياسمير؟!
ضيق عينيه باستغراب من سؤاله لكنه رد بكل تلقائية دون أن يظهر عليه أي اضطراب:
_چوا هتكون وين يعني، بعدين أنت مالك بمرتي وبتسأل عليها ليه؟!
صور مروان على أسنانه مغتاظًا وضم قبضتيه بقوة يحاول تمالك انفعالاته لكنه لم يستطع فراح يلكم سمير مجددًا ويصرخ به بعدما علا رقبته بكل غل:
_ياخي أنت إيه شيطان، كل ما نقول حالك هيتصلح مفيش منك فايدة، وياما قولت لأبوك ده مفيش منه فايدة وهو كان عنده امل فيك برضوا، ده أنا النهاردة أول مرة في حياتي احس نفسي مستعر منك وأنك ابن عمي.
دفعه سمير بغضب شديد بعدما تلقى لكمتين من مروان وهو لا يفهم السبب حتى.
صرخ به بغضب:
_چرا إيه يامروان چاي في بيتي وتضربني!
صاح مروان متوعدًا له:
_ده أنا هخلص عليك خالص ياسمير.
بتلك اللحظة خرجت الفتاة من الغرفة وهي ترتدي ثوب نوم يكشف أكثر ما يستر وتنظر لسمير بفزع وتصيح في قلق:
_سمير في إيه ومين ده أنت كويس؟!
التفت مروان برأسه للخلف ونظر لتلك الفتاة باشمئزاز وقرف ثم اشاح بنظره بعيدًا وعاد ينظر لسمير يرمقه بنظرة وضيعة ويقول ساخرًا:
_هي دي مراتك اللي جوا !!
نظر سمير للفتاة التي كانت حبيبته وصرخ بها منفعلًا:
_أنتي إيه اللي طلعك أنا مش قولتلك متطلعيش، غوري على الأوضة يلا.
استدارت وعادت الغرفة مجددًا وهي منزعجة بشدة منه.
بينما سمير فقد نظر لابن عمه بعينان مشتعلة وقد أظهر عن أنيابه وشره الحقيقي أخيرًا حيث اندفع نحو مروان وهو يدفعه للخلف بغضب هادر ويهتف:
_مش معنى أنك ابن عمي هبقى اسيبك تدخل بيتي وتضربني وتغلط فيا، أنا لو ساكت يامروان فساكت احترامًا لعمي بس غير إكده كنت هتشوف مني تصرف مش هيعچبك واصل.
ضحك مروان بخفة في سخرية من تهديده ثم قال له بنظرة مرعبة وصوت رجولي مهيب:
_بكرا الصبح هتجهز نفسك عشان هنروح للمأذون وتطلق خلود، فاهم ولا لا.
اتسعت عين سمير بصدمة عند ذكره لاسم زوجته وسرعان ما أظلمت بشكل مرعب فانقض على مروان يقبض على لياقة ملابسه ويصرخ به بعصبية شديدة:
_أنت تعرف خلود ازاي؟
رمقه مروان بقرف دون أن يجيبه فصرخ سمير ثانية بانفعال أشد:
_هي فين.. مرتي وين يامروان؟
نزع مروان قبضة سمير عن ملابسه وقال له مبتسمًا بقوة:
_متقلقش هتشوفها بكرا عند المأذون وتبقى بنفسك تسألها هي كانت فينا.
ابتعد سمير عنه وهو يضحك بطريقة غريبة ويقول وسط سخطه الشديد وحقده على خلود:
_أه كانت معاك طبعًا ماهي مش چديد عليها الـ***** ضحكت عليك وفهمتك أنها شريفة ومظلومة وأنا العفش اللي كنت بظلمها.
اشتعلت النيران في صدر مروان وغليت دمائه في عروقه بعد الكلمات المهينة التي اطلقها في حق وشرف خلود وكأنه ليست زوجته بل فتاة من الشوارع يقضي معها الليالي في السر.
فقد مروان القدرة على التحكم بزمام نفسه وأعلن عن خروج الوحش الحقيقي من داخله حيث انقض على سمير وانهالت عليه باللكمات وهو يصرخ به بصوت جهوري:
_أنت إيه يا **** دي مراتك اللي بتغلط فيها قدامي، وبعد كل اللي عملته فيها ده ليك عين تتكلم وتلومها ده انت القتل حلال فيك ياخي.
استطاع سمير أن يفلت من بين قبضتي مروان بصعوبة وراح يرد له اللكمات وهو يصرخ:
_خلود وين يامروان؟!
رفع يده ومسح نقطة الدماء الذي خرجت من شفتيه على أثر لكمات سمير ثم رمقه بابتسامة وقال في صوت رجولي غليظ:
_خلود معايا وأنت هتطلقها غصب عنك ياسمير وإلا أنت عارف كويس أوي أنا ممكن اعمل فيك إيه، فمتضطرنيش اعمل كدا وطلقها بالذوق من غير شوشرة.
نظر له سمير بغل وقال مبتسمًا في نظرة كلها شر وغل بعدما وجد مروان يستدير ويهم بالرحيل:
_إيه عاوزاني أطلقها عشان تتچوزها أنت ولا إيه!
توقف مروان والتفت له يرمقه بنظرة وضيعة كلها اشمئزاز منه ومن رجولته التي لا يستحقها.
لم يعقب عليه ولم يجيبه وأكمل سيره في اتجاه الباب ليغادر.
لكنه توقف ثانية على أثر عبارة سمير الأخيرة وهو يقول بغضب وقد حسم قراره:
_أنا مش هطلق وقولها تستناني عشان أنا هچيلها وهتصرف معاها على طريقتي اللي هي عارفاها.
التفت له مروان وعلى غير المتوقع لم ينفعل بل تصرف بكل برود وقال في وقار وقوة تليق به:
_طول ماهي في حمايتي ومعايا متقدرش تلمسها ولا تقربلها.
ثم التفت برأسه للجهة الأخرى حيث توجد غرفة نومه التي خرجت منها الفتاة وعاد له مجددًا بنظره ليقول مبتسمًا في جرأة تناسب سمير وأفعاله المقرفة:
_ارجع للبنت اللي مستنياك جوا متتأخرش عليها احسن تزود عليك الأجر، في عداد بيعد ودول الساعة عندهم ليها قيمتها.
فهم تلميحاته ومقصده المهين للفتاة وله فطالعه بغيظ وداخله يتوعد له بغيظ.
حتى غادر مروان وترك سمير يفكر في حل لتلك المعضلة وكيف سينتقم من خلود على ما فعلته.
***
بصباح اليوم التالي داخل منزل جلال.
كانت تجلس فريال بجواره وتتوسله هاتفية بقلق ولهفة:
_ياچلال أنا كويسة والله خدني معاك أشوفها واطمن عليها.
تنهد الصعداء بقلة حيلة وأجابها في لطف يحاول إقناعها بعدم الذهاب:
_يافريال متعانديش ياحبيبتي في التعب أنتي لساتك تعبانة ولو طلعتي هتتعبي اكتر.
هزت رأسها بالنفي وهتفت بابتسامة دافئة لتطمئنه:
_لا متقلقش عليا مش هتعمل أن شاء الله، عشان خاطري خدني ليها أشوفها أنا اشتقتلها ونفسي اشوفها، الليل كله امبارح كنت بحلم احلام مش حلوة وقلقت عليها.
حدقها جلال مغلوبًا وبدا على ملامحه الاستسلام بعدما ضعف من الحاحها وتوسلها له.
فابتسمت هي باتساع في فرحة غامرة وقالت وهي تهب واقفة:
_السكوت علامة الرضا، أنا هقوم البس وخمس دقائق واكون خلصت.
ابتسم لها مغلوبًا ثم هز رأسه بالموافقة وخرج من الغرفة لينتظرها بالصالة حتى تنتهي.
دقائق معدودة كما أخبرته ولم تتأخر ثم خرجت فاستقام واقفًا وراحت هي تقترب منه وتتعلق بذراعه تتكأ عليه في سيرها حتى يساندها وكان هو يضمها ويساعدها بكل حب وحنو.
حتى غادروا المنزل والبناية كلها.
ترك يدها أمام باب السيارة وفتحه لها ثم ساعدها على الصعود والجلوس بمقعدها.
ثم التف حول السيارة من الجهة الأخرى ليستقل بمقعده المخصص للقيادة وينطلق متجهًا نحو المستشفى.
وبالطريق كانت تنظر له وتقول بحزن:
_اول مرة اتحرم من عيلي ياچلال ويبقى بعيد عني وماخدهوش في حضني من ساعة ما يتولد، الليل كله معرفتش انام كويس من كتر الخوف والقلق عليها ولو نمت كنت بحلم احلام عفشة بتضايقني وتقلقني اكتر.
التفت لها والتقط يدها يحتضنها بين كفه الكبير ويقول في ابتسامة دافئة ليبث الطمأنينة لصدرها:
_متخافيش بأذن الله ربنا هيشفيها وترچع لحضنك انتي ادعيلها بس ومتفكريش في السوء.
رددت بعض الأدعية بصوت منخفض تدعو ربها أن يشفي ابنتها.
وبتلك اللحظة صدح صوت رنين هاتف جلال فأخرجه من جيبه ونظر لاسم المتصل فوجده طبيب المستشفى.
تسارعت ضربات قلبه رعبًا لكنه حاول التحكم بمشاعره حتى لا تظهر على فريال ويقلقها.
أما هي فنظرت له بحيرة وسألته:
_مين اللي بيرن؟
رسم ابتسامة متكلفة على ثغره وهو يجيبها بطبيعية متصنعة ويكذب عليها:
_تبع الشغل.
ثم ضغط على زر فتح المكالمة وأجاب بصوت مرتجف من فرط القلق:
_الو.
***
بمكان آخر خرج عمران على عجالة من المنزل بعدما وصله هاتف يؤكد له مكان منصور الجديد.
هرولت آسيا خلفه إلى باب المنزل تحاول إيقافه:
_عمران أبوس يدك متروحش استنى.. ياعــمــران!
ولكنه لم يسمعها حتى من فرط غضبه وأنه أخيرًا عثر على مكانه.
أما هي فظلت مكانها تقف بذهول ومستمرة بأرضها لا تعرف ماذا تفعل حتى عقلها توقف عن التفكير بتلك اللحظة من فرط خوفها وقلقها على زوجها.
فلم تكن تهتم لأمر عمها بقدر عمران.
راحت تجوب يمينًا ويسارًا تفكر ماذا تفعل وبمن تستنجد.
أن فعلت وأخبرت بلال قد يزيد الأمور سوءًا ولن يهدأ من غضب أخيه بل سيكون بحاجة لمن يهديه هو أيضًا.
هي تحتاج لشخص سيتصرف بوسطية دون تهور ويمنع عمران من ارتكاب جريمة.
بسرعة البرق قذف في عقلها بشار فهرولت إلى غرفتها بسرعة حيث هاتفها لتتصل به وتخبره.
***
كان "علي" يقف أمام أحد الفنادق بسيارته وعيناه عالقة على باب الفندق ينتظر خروج أحد أصدقائه الذي عاد من الخارج ويبقى بالفندق مؤقتًا حتى يجد منزلًا مناسبًا له.
وبينما كان عقله مشغول بغزل يفكر في طريقة مناسبة ليخبرها بقراره ورغبته في الزواج منها.
وقع نظره على شقيقته وهي تدخل من باب الفندق وتحمل بيديها أكياس ممتلئة بمستلزمات مختلفة من أكل وغيره.
دقيقة بالضبط ولم يكن ليفق من صدمته حتى رأى سمير يخرج من سيارة أجرة ويندفع لداخل الفندق مهرولًا.
رواية و بالعشق اهتدي الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم ندى محمود توفيق
دخلت خلود غرفتها بالفندق وما لبثت أن أغلقت الباب وقادت خطواتها للفراش حتى سمعت صوت طرق الباب، فظنت أن الطارق هو مروان وبسرعة وتلهف عادت للباب لتفتح وتطمئن عليه ويخبرها بما حدث معه بالأمس بعد تركها وأصر أن يذهب لزوجها، فتحت الباب وعلى وجهها ابتسامة محبة تستقبل بها مروان كمان تظن، لكنها صدمت بوجه سمير أمامها فاتسعت عيناها بذهول وتسارعت أنفاسها ودقات قلبها ودب الرعب في أوصالها من ذلك الوحش المتجسد في صورة بشر، وكل ذلك حدث بظرف ثواني وفورًا راحت تغلق الباب بقوة لتحمي نفسها منه لكنه وضع قدمه حائل حتى لا ينغلق الباب وظلت هي من الداخل تحاول دفع الباب وإخراج قدمه لتغلقه لكنه بحركة واحدة وبقوته الجسمانية كرجل مقارنة بجسدها الأنثوي الضعيف دفع الباب بكل عنف فارتدت خلود للخلف وسقطت على الأرض من شدة الدفعة، بينما هو فدخل للغرفة وهو ينظر لها بكل غل وقسوة، تعبيرات وجهه كانت تثبت لها الجحيم الذي ستراه الآن فقد كان كالوحش المفترس والجائع الذي وجد فريسته أخيرًا، ظلت تتقهقر للخلف وهي على الأرض برعب منه وتتوسله باكية: _سمير لو قربتلي هصرخ وهلم عليك الخلق كلها وهتصل بالبوليس._ لم يعيرها اهتمام بل دخل وأغلق الباب خلفه ثم التفت ونظر لها بابتسامة شيطانية وقال بحقد: _وتتصلي بالبوليس ليه، البطل مروان اللي حاميكي وبتخونيني معاه ده راح وين!!_ لم تستطع تحمل إهانته القاسية لها فصرخت به ببكاء شديد: _أنا مخنتكش ومروان كان بيساعدني._ اتسعت بسمة سمير بطريقة مرعبة وهو مازال يقترب منها وهي تتراجع وتزحف على الأرض للخلف خوفًا من أن تسقط بين يديه فيذيقها الضرب والإهانة والذل كما اعتادت منه، وبالفعل لم تسلم منه حيث أنها عندما توقفت عن الزحف وجدت نفسها تصطدم بالحائط خلفها انحنى هو عليها وصفعها بقسوة على وجهها ثم جذبها من شعرها صارخًا بها: _وتلاقيه هو اللي ساعدك في الهروب كمان وكنتي بتخونيني معاه من بدري وأنا مش داري وقررتي تهربي معاه يا ****._ صرخت باكية وهي ترتجف بين يديه رعبًا وراحت تصيح به تدافع عن نفسها من التهم البشعة التي يوجهها لها: _منك لله يا خي ارحمني.. أنا أشرف منك ومن عيلتك كلها._ قهقه سمير ساخرًا وهو ينظر لها بنظرة انتزعت منها الرحمة والشفقة ويده مازالت تقبض على شعرها ثم قال بنظرة احتقار: _انتي هتقوليلي على الشرف والدليل أنك حملتي مني في الحرام وياريتك عرفتي تتصرفي وتنزليه لا دبستيني في خلقتك وخربتي حياتي وعذبتي روحك بالعيشة معايا._ استمعت لكلماته المسمومة وقلبها كان يبكي مع عينيها من فرط الألم والقهر، فقد أشعرها بحقارتها ووضاعتها حقًا أنها سلمت نفسها لإنسان وغد مثله وعصت ربها والآن هي تجني ثمار أفعالها وتتوب إلى ربها، رفعت رأسها له ونظرت له بوجه غارق في الدموع وتوسلته في عجز: _أبوس يدك طلقني وهملني يا سمير!_ وجدت صفعة ثانية تنزل على وجهها أدمت شفتيها على أثرها وشعرت بأن وجهها تورم من فرط قوتها وراح يصرخ بها في كره حقيقي: _اطلقك عشان تتجوزي واد عمي يا ****، أنا بتهربي مني وتخونيني يا *** ده أنا هخليكي تشوفي سمير الو *** اللي هيوريكي العذاب على حقانهارت._ انهارت باكية بقوة وجسدها كله ينتفض خوفًا وألمًا من اعتدائه عليها بالضرب، وفي قرارة نفسها تدعو ربها أن ينجدها من بين يدين ذلك المريض، أما هو فقد جذبها من ذراعها بعنف وأوقفها عنوة وهو يصرخ بها: _يلا اطلعي قصادي._ هزت رأسها له بالنفي في بكاء وخوف وثبتت قدمها في الأرض ترفض الحركة فراح هو يدفعها بكل قوته وقسوته صارخًا: _اتحركي قصادي قولتلك، هترجعي على البيت وهناك هربيكي صح وابقي وريني مروان يعرف ينجدك من بين يدي كيف._ سارت معه بالإجبار وهي تبكي بقوة وقبل أن تبتعد عن الفراش ويغادروا التقطت حجابها لترتديه وتستر شعرها، وهو كان يجرها خلفه كالغنيمة من ذراعها. بالأسفل داخل سيارة "علي" بعد دقائق قصيرة نسبيًا من رؤيته لشقيقته وزوجها وهم يدخلون خلف بعضهم، وجدهم يخرجون ثانية وهذه المرة كان سمير يجر خلود خلفه بكل قسوة وهي تبكي بشدة وحتى حجابها لا يستر شعرها جيدًا وحالتها مزرية، فاتسعت عينيه بصدمة من منظر شقيقته، ثم وجد سمير يوقف سيارة أجرة ويدخل خلود بها عنوة ثم يستقل بجوارها وتنطلق السيارة، تذكر بتلك اللحظة كلمات آسيا عندما كانت تحاول إقناعه أن ينقذ شقيقته من بين براثن ذلك الذئب الذي يعذبها ويفعل بها الأفاعيل، وهو لم يصدقها أو لم يهتم بما تقوله وقد اتضح أن ما قالته آسيا كان الحقيقة. *** أجاب بشار على رنين هاتفه بعد رأى رقم مجهول ليس من ضمن الأرقام المسجلة وعندما رد على الاتصال وصله صوت آسيا المناهل وهي تستنجد به هاتفة: _بشار الحق عمران._ عرفها من صوتها ولم يكن بحاجة للاستفسار عن هوية تلك المرأة التي تحدثه، بل صوتها المزعور واستنجادها به أفزعه فرد عليها بقلق: _في إيه يا آسيا ماله عمران._ آسيا بصوت مضطرب ومرتعد من فرط الخوف: _عمران عرف مكان عمي منصور وطلع جري عشان يروحله ومقدرتش أمنعه._ هل بشار واقفًا مفزوعًا وقال باهتمام شديد يسألها: _منصور!!.. طيب أنتي متعرفيش فين مكانه وراح وين؟!_ هزت رأسها بالنفي وهتفت بنفس نبرة صوتها التي لا تتغير: _لا معرفش أنا ملحقتش أتكلم معاه أصلًا، الحقه يا بشار أبوس يدك احسن يعمل فيه حاجة ويضيع روحه._ هدأت من روعها بصوته الرجولي القوي وهو يقول: _ماشي يا آسيا أنا هتصرف وهعرف مكانه وهروحله الحقه، اهدى._ آسيا بإيجاب وهي تترجاه: _طمني يا بشار بالله عليك أوعي تنسى._ _حاضر هطمنك.. يلا سلام._ أنهت الاتصال معه وجلست على الفراش تحدق في الفراغ بشرود وقلق وادمعت عيناها خوفًا وقلقًا على زوجها أن يقحم نفسه في مصيبة وتخسره. *** داخل سيارة جلال، التفتت له فريال بقلق عندما وجدته أوقف السيارة على جانب الطريق وهو يتحدث في الهاتف أو بالمعنى الأدق يسمع للطرف الآخر الذي يحادثه وتعبيرات وجهه أثارت الرعب والقلق في صدرها فراحت تتشبث بيده وتنظر في عينيه بخوف وتهمس بصوت مرتجف: _بتي جرتالها حاجة يا جلال؟!_ كان جلال يستمع للطبيب في الهاتف وهو يصف له تطورات حالة طفلته الأخيرة ويقول له بكل أسف وحزن: _احنا حاولنا نعمل اللي نقدر عليه يا جلال بس ده قضاء الله وقدره وهي عمرها كدا، ربنا يعوضك خير أنت والمدام يارب ويحفظلكم ولادكم._ خنجر مسموم انغرز في أعماق قلبه بعد تلك العبارات، حتى أن قلبه ضاق عليه وأنفاسه كتمت في صدره فأصبح كأن حجر يطبق على صدره ولا يستطيع التنفس بسببه، ومن جهة أخرى فريال التي تنظر له وتنتظره أن يطمئنها أن كان ذلك طبيب طفلتها، انقطع صوت جلال عن الهاتف لوقت وهو في صدمة يحاول لملمة شتات نفسه حتى سمع صوت الطبيب وهو يهتف: _جلال أنت معايا؟.. جلال أنت كويس؟!!_ خرج صوت جلال أخيرًا بجدية وثبات يعكس الانهيار الذي داخله يجيب على الطبيب: _أنا جاي دلوقتي._ ثم أنهى الاتصال معه ليلتفت على صوت فريال المتعلق وعيناها الدامعة وهي تسأله بارتعاش: _ده الدكتور صح؟.. بتي مالها يا جلال أياك تكذب عليا._ تمالك أعصابه وأظهر الثبات والبرود بكل احترافية أمامها حتى لا يشعرها بأي شيء الآن وقال مبتسمًا وهو يلتقط يدها ويقربها من شفتيه يلثمها بحب ويتمتم معتذرًا لها: _لا يا حبيبتي ده تبع الشغل بس في مشكلة إكدا كبيرة شوية ولازم أروح دلوقتي المعرض عشان أحلها، معلش عاد خلينا نأجل مشوار المستشفى ده شوية بس لغاية ما أحل المشكلة دي.. إيه رأيك؟_ طالت نظرات فريال الدقيقة له، تفحص تعبيراته لتتأكد من صدق كلماته فراحت تهز رأسها بالنفي وعدم الاقتناع بعدما شعرت بعدم صدقه وقالت باكية: _لا أنت بتكذب عليا، والبت جرتالها حاجة وحتى وشك باين عليه._ استمر في تمثيله الاحترافي وابتسمت باتساع أكثر ليقنعها أكثر بكلامه وقال بدفء: _يا فريالي مفيش حاجة صدقيني، ولازم أضايق وأتتعصب مش بقولك في مشكلة في المعرض عشان إكده وشي اتغير بعد المكالمة، هروح دلوقتي أحلها وإن شاء الله كل حاجة تبقى زي الفل._ اقتنعت أخيرًا وظهر الهدوء على ملامحها ثم اعتدلت في جلستها وهي تنظر له بطرف عينها ومازال القلق يستحوذ عليها، بينما هو فاعتبر سكوتها علامة الرضا وانطلق بالسيارة عائدًا إلى منزله مجددًا، بعد وقت طويل نسبيًا توقف أمام البناية ونزلت فريال من السيارة بعدما ودعته وانطلق هو ثانية ولكن هذه المرة كان يتجه إلى المستشفى ليرى طفلته أو يستلم جسدها الصغير بالتعبير الأدق!. أما فريال فلم تقتنع بكلمة واحدة من كلماته اللي حاول إقناعها بها داخل السيارة وفقت كانت تمثل التصديق والاقتناع، فور رحيله بالسيارة أوقفت هي سيارة أجرة واستقلت بها وطلبت من السائق أن يتبع سيارة زوجها... *** وصل عمران أمام المنزل المقصود الذي يختبأ به منصور، وخرج من سيارته ثم قاد خطواته الواثقة للمنزل والشر يتطاير من عينيه، وقف أمامه ثم راح يطرق عدة طرقات عنيفة على الباب، بالداخل استقام منصور واقفًا واتجه للباب ليفتح بعدما كان يعتقد أن الطارق جلال أو علي لكنه اندهش بوجه عمران أمامه وهو ينظر له مبتسمًا بشر ويقول في خبث: _كنت فاكر روحك هتفضل هربان مني إكده لغاية ميتك يا منصور!_ تقوست معالم وجه منصور بالغضب وعلى العكس تمامًا لم يظهر عليه أي خوف بل وقف أمام عمران بكل ثقة وشجاعة وقال: _أنت عرفت مكاني كيف يا ولد الصاوي!_ دفع عمران الباب بيده ليفتحه على آخره ويدخل وهو يبتسم له بشيطانية ويقول في غل: _لو كنت نزلت سابع أرض كنت هجيبك ومكنتش هتعرف تهرب مني._ لم يجبه منصور واكتفى بنظراته الحاقدة على عمران الذي دخل للمنزل وراح يتجول به بنظره يتفحصه في سخرية ثم يقول: _طالما أنت شجاع قوي إكده وقادر تقتل وتاخد حق أخوك بتهرب من الحكومة ومني ليه!_ لوى منصور فمه في خنق واستياء ثم هتف بغلظة وحدة تامة: _وأنت عاد جاي عشان تقتلني ولا تسلمني للحكومة يا ولد إبراهيم!_ التفت له عمران ورماه بنظرة قاتلة كلها شر ثم قال بابتسامة لا تنم عن خير أبدًا: _واحد قتل أبويا في نص أوضته ووسط مرته وعياله وبيته تفتكر أنا هعمل معاه إيه!_ ابتسم منصور باستهزاء ليثبت له أنه لا يهتم بكلامه ولا يخيفه بمقدار ذرة ثم قال بنقم شديد وعدم ندم على فعلته: _أبوك هو اللي بدأ الدم ده وغدر بأخوي وقتله وكان لازم يبقى مصيره الموت.. ده تار والدم مبيتردش عليه غير بالدم ولا إيه يا معلم._ لوى عمران فمه بطريقة مرعبة وصر على أسنانه وقد أظلمت عيناه وظهرت عضلات وجهه من فرط الغضب، وإذا به فجأة يدس يده في جيب جلبابه ليخرج سلاحه ويرفعه ليوجهه على منصور ويضعه بمنتصف جبهته وهو يقول بنظرة ثاقبة كالصقر: _ودلوقتي دوري أنا عشان أرد مش إكده ولا إيه!!_ رغم ثبات منصور التام أمام عمران لكنه شعر بقلبه يخفق بعدما وضع السلاح على رأسه، وراح عمران يضع إصبعه على الزناد ليوهمه بأنه سيضغط عليه ويطلق الرصاصة في منتصف جبهته، ومع مرور ثواني كانت كالسنين، مشحونة بأجواء مضطربة ومرعبة ابتسم عمران باشمئزاز وقال بعدما أنزل السلاح من فوق رأس منصور: _متخافش أنا مش برد بالدم زيكم، ومش هوسخ يدي بدمك اللي ميستاهلش، لو رديت بالدم عمره ما هيخلص وهيبقى سلسال ومحدش هيقدر يوقفه وهيجي يوم ويقع فيه عيالنا مش احنا بس._ ابتسم منصور ساخرًا وقال في كره ينبع من أعماقه: _بس أبوك كان يستاهل أوسخ يدي بدمه، راجل **** وخاين غدر بينا وبأخوي وقتله بدم بارد، كان لازم يكون مصيره زي مصير خليل يتقتل بالغدر ويتاخد على خيانة._ هاج عمران وفقد السيطرة على انفعالاته فاندفع نحو منصور وهو يقبض على رقبته ويصرخ به منفعلًا بتحذير وغضب: _احمد ربك يا منصور أني مقتلكش وهسلمك للحكومة من غير ما أعمل فيك حاجة، بس أقسم بالله لو فكرت بعد إكده مش تقرب مني أو من ولدي لا تقرب من عيلة الصاوي كلها سعتها مش هتردد لحظة وأفرغ الطبعة دي في نافوخك، وحتى آسيا تنساها معدتش بت أخوك بقت مرتي ومن عيلتي وأنت ملكش صالح بيها واصل فاهم ولا لا._ بتلك اللحظة اقتحمهم المنزل دخول الشرطة وأسرع أحد العساكر ليفلت منصور من بين يدي عمران ويبعده عنه والضابط اقترب من عمران ثم رتب على كتفه يقول بجدية: _اهدى يا عمران،
اللي أنت عملته ده عين العقل وهو هياخد جزائه بالقانون.
مسح عمران على وجهه بعصبية شديدة ثم قال للضابط بصوت مكتوم:
_خليهم ياخدوه ياباشا من قدامي قبل ما ارتكب فيه جريمة وتاخدوني أنا بداله.
تنهد الضابط الصعداء ثم أشار للعساكر بأن يأخذوا منصور لسيارة الشرطة بالخارج فنفذوا على الفور،
وبتلك اللحظة وصل بشار فاتسعت عينيه بصدمة عندما رأى منصور يصعد في سيارة الشرطة
وما أدهشه أكثر أنه كان سليم بكامل صحته ولا يخرج منه نقطة دم واحدة،
لا يعرف كيف لكن ذلك الأمر أرعبه أكثر واندفع لداخل المنزل مهرولًا وهو يصيح:
_عــمــران.
فوجده يقف يتحدث مع الضابط بكل هدوء مما جعله يغضن حاجبيه باستغراب وعدم فهم،
ثم تقدم منهم ووقف يسأل عمران بخشونة:
_إيه اللي حصل ياعمران؟
رد عليه عمران بهدوء بسيط رغم الغضب الذي يحتل ملامحه:
_كيف ما أنت شايف الحكومة خدت منصور!
التفت بشار للضابط وقال بحيرة:
_مين اللي بلغكم ياباشا؟
ابتسم الضابط على ذهول بشار وأشار بعينه على عمران كإجابة على سؤاله
فعاد بشار ينظر لعمران ثانية وبدهشة أشد لكن سرعان ما مال ثغره للجانب في ابتسامة فخر وراحة
ثم رفع يده وربت على كتفه متمتمًا:
_زين ما عملت ياولد عمي.
***
توقف "علي" بسيارته أمام أحد البنايات بعدما توقفت السيارة التي ركبها منصور وخلود،
رآه وهو يخرج الأول من السيارة ثم يجذب شقيقته من يدها بعنف ويجرها خلفه داخل البناية بكل عنف وكأنه يجر غنيمة،
للحظة اشتعلت نيران الغيظ في صدره من معاملته لها وكان سيخرج من سيارته ويلحق بهم ويلقن ذلك الوغد الذي يدعى سمير درسًا لن ينساه،
لكن شيطانه أوقفه لبرهة عندما راح يذكره بما فعلته شقيقته وكيف الحقت العار بعائلتها وبه بالأخص هو وأبوها،
وأن ذلك الرجل حتى لو يعذبها فهي تستحق لأنها اختارته وسلمت له نفسها وخانت ثقة عائلتها بها،
ظل هكذا داخل سيارته لدقائق يحارب بين نفسه وقلبه الذي حن لشقيقته وبين شيطانه الذي يحاول ردعه ومنعه عنها،
وبالأخير انتصر على ذلك الشيطان وخرج من السيارة يسير مسرعًا لداخل البناية يلحق بهم
لكنه توقف بعد دخوله البناية عندما تذكر أنه لا يعرف أي طابق توجد شقته أو رقمها،
ولحسن الحظ أنه رأى أحد سكان البناية ينزل من على الدرج فأسرع إليه وسأله عن رقم شقة سمير أمين وبأي طابق،
وبمجرد ما أن أخبره اندفع على الدرج يصعد مهرولًا يقصد الطابق الرابع شقة رقم 11.
بعد ثلاث دقائق تقريبًا وقف أمام باب المنزل فسمع صوت صراخ أخته وبكائها من الداخل
فاستشاط غيظًا أكثر وراح يطرق بكل عنف وحدة على الباب وهو يصرخ:
_سمير افتح الباب بدل ما أكسره فوق نافوخك.
لحظات معدودة حتى فتح سمير الباب وهو ينظر لـ"علي" بصدمة
أما خلود فاتسعت عيناها وفغرت شفتيها بعدم استيعاب أن الذي يقف أمامها شقيقها،
كان وجهها كلها غارق بالدموع وشفتيها أدميت من صفعاته وضربه العنيف لها،
وقع نظر "علي" على أخته ورأى حالتها المزرية ودماء شفتيها ووجها الأحمر والمتورم من العنف الجسدي التي تعرضت له،
فشعر بنغزة مميتة في صدره وفي رجولته، دفع سمير من أمامه وعبر ليدخل ويقترب من خلود
التي هرولت وبكل تلقائية احتمت خلف ظهره ونظرت لسمير بكل شجاعة وثقة وكأنها تقول له أن استطعت حاول تأذني.
التفت علي برأسه للخلف ينظر إلى شقيقته التي تحتمي به وتبكي ووجها متورم وشفتيها أدميت
ثم أعاد نظره لسمير وهتف بغضب مرعب:
_إيه اللي أنت عامله فيها ده، كمان بتمد يدك عليها يا***.
ابتسم سمير ببرود ونظرة شيطانية ثم قال وهو ينظر لزوجته المحتمية خلف ظهر أخيها:
_مش تسألها الأول أنا مديت يدي عليها ليه!!، ولا أنت دول افتكرت أن ليكم بت وسامحتوها وجايين تحاسبوني،
ده بدل ما تشكروني أني بربيها بدل منكم.
التفت "علي" لخلود مجددًا وهذه المرة كان ينظر لها بغضب ووعيد واشمئزاز،
أما هي فنظرت له بعينان ضعيفتين تستعطفه تتوسله من خلال نظراتها أن لا يصدق ذلك الشيطان الكاذب،
عندما عاد برأسه تجاه سمير وجده يقول في غضب ونظرة نارية:
_ضربتها ولساتني هضربها كمان وكمان لغاية ما أخلص عليها واصل.
فقد "علي" القدرة في السيطرة على نفسه وانقض عليه ثائرًا يلكمه في وجهه بعصبية ويجذبه من ملابسه صارخًا به:
_اتكلم زين قصادي واعرف اللي بتقوله واحسب كلامك يا****،
وإلا اقسم بالله أنا اللي أخلص عليك وأدفنك في أرضك إهنها.
استشاط سمير غيظًا وصاح بغل ونقم وهو يدفع يدي "علي" عنه:
_أختك كانت بتلف على حل شعرها مع واد عمي لما لقيت مفيش مني فايدة وأنا معاوزهاش قالت أما أدور على راجل غيره
وكانت بتخوني مع واد عمي وهربانة معاه ليها أسبوعين واكتر،
أنا هقتلها بيدي الفاجرة دي ما هي متعودة اللي خلاها تمشي معايا في الحرام تعملها مع غيري
لكن أنا اللي كنت حمار واتخدعت فيها.
اتسعت عيني "علي" بذهول وأظلمت نظراته بشكل مرعب فالتفت لخلود وسألها بصوت رجولي دب الرعب في أوصالها:
_إيه اللي بيقوله ده!!!
انهارت خلود باكية خوفًا من أن يقف شقيقه في صفه ويصدقه فتصبح فريسة بين يديهم
وراحت تهتف وتقسم بالله لشقيقها هاتفة:
_كذاب يا "علي" والله العظيم كذاب،
أنا هربت منه عشان كان بيعذبني وبيضربني وهو اللي كان بيجيب الحريم كل ليلة في البيت وأنا قاعدة وينام معاهم،
والله ياخوي أنا ندمت على اللي عملته وتوبت لله وعمري ما أكرر ذنبي وغلطي تاني واصل.
طال نظرات "علي" لها يتفحص تعبيرات وجهها وهي تقسم له أنها لم تخطئ ثانية وأن زوجها كاذب،
أما هي فعندما شعرت بأنه يشك بصدقها راحت تتوسله وتمسك بيده وتنحني عليه تهم بتقبيله
لكن سحب يده فورًا بنظرة غاضبة يرفض أن تقبل يده:
_متهملنيش معاه يا "علي" أبوس يدك ده هيموتني،
سامحني ياخوي وصدقني والله أنا بقول الحقيقة.
رفع يده بتردد ومسح على كتفها بلطف ثم قال في صوت رجولي غليظ بعدما لان قلبه لها وشعر أنها صادقة حقًا:
_طيب روحي يلا لو في حاجة ليكي في البيت إهنها لميها وتعالي عشان أخدك.
اتسعت عيني خلود بدهشة وابتسمت بسعادة غامرة
أما سمير فاستشاط غيظًا وصاح بـ"علي" في رفض قاطع:
_تاخدها وين، دي مش هتطلع من بيتي وبيت جوزها، أنتي هتاخد مرتي غصب عني!!
التفت له "علي" بكل ثبات لكنه كان هدوء ما قبل العاصفة حيث رمقه بنظرة مميتة دبت الرعب في أوصاله
وباللحظة التالية كان ينقض عليه يلكمه للمرة الثانية في وجهه ثم يجذبه من ملابسه صارخًا به بانفعال وصوت رجولي مهيب:
_أنت حسك مسمعهوش واصل، بعد اللي أنت عامله فيها ده احمد ربك أنك لساتك واقف قصادي على رجليك،
ضحكت عليها وخليتها تسلم روحها ليك وتخسر ناسها وكمان بتمد يدك عليها وبتجيب نسوان في البيت معاها يا****.
لكمه للمرة الثانية بقوة أبرحته أرضًا وصرخ "علي" محذرًا إياه بكل وضوح وكان تحذيره أشبه بتهديد:
_أنا هاخدها معايا دول، ويارب تحاول تقربلها ولا تأذيها وقتها اترحم على روحك
وأنت عارف زين أننا معندناش هزار في الكلام ده.
كانت خلود تقف تراقب كل ما يحدث وبعدما كانت تبكي وتتلقى العذاب على يد ذلك الوغد
الآن قلبها يرفرف فرحة وسعادة بوجود شقيقها ودفاعه عنها،
انتصب "علي" واقفًا والتفت لها يرمقها بحدة ويقول:
_لساتك ملمتيش حاجتك ليه؟!
ردت خلود باضطراب بسيط من نظراته:
_حاجتي لميتها كلها لما هربت منه وقاعدة في الفندق.
نظر "علي" بنظرة قوية:
_طيب يلا اطلعي قصادي.
تحركت فورًا دون أي اعتراض وسارعت تجاه باب المنزل لتغادر
لكن أوقفهم صوت سمير المشتعل وهو يسأل علي:
_هتاخدها وين؟
التفت له "علي" ورمقه بنظرة مرعبة ثم قال برجولة طاغية:
_ملكش صالح أخدها مطرح ما أنا عاوز،
وبعدين هبقى أفكر أعمل معاك إيه هل هترجعلك ولا هتطلقها.
ابتسمت خلود بغل وهي تنظر لزوجها الملقى على الأرض بشماتة
ثم التفتت لأخيها وسارت أمامه تنزل الدرج وهي لأول مرة تشعر بالأمان والراحة والسعادة أن ذلك الحيوان لن يؤذيها ثانية.
***
توقفت سيارة جلال أمام بوابة المستشفى ومن خلفها توقفت السيارة الأجرة التي كانت تجلس بها فريال،
وفور رؤيتها لزوجها وهو يخرج من سيارته ويهرول لداخل المستشفى ركضًا خرجت من السيارة ولحقت به ودموعها تسبقها
وقد تأكدت أن مكروه قد أصاب طفلتها.
لحقت بجلال حتى وصل لغرفة أحد الأطباء ودخل ثم أغلق الباب،
بقت هي بالخارج تتلفت حولها وتبكي وللحظة شعرت بأن قدميها اختل توازنهما ولم تعد تستطيع الوقوف عليهما أكثر من ذلك
فاتجهت إلى أقرب مقعد حديدي وجلست عليه تلتقط أنفاسها وعيناها تذرف الدموع في صمت.
بداخل الغرفة كان جلال يجلس ساكنًا يستمع للطبيب الذي يجلس أمامه ويمسح على كتفه جلال ليخفف عنه ألمه متمتمًا:
_ربنا يعوضكم ياجلال، شد حيلك كدا عشان حتى تقدر تسند المدام لما تعرف.
مسح جلال على وجهه وقد تلألأت العبرات في عينه وقال يردد الآية القرآنية بحزن:
_وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ .. الحمدلله.
ثم رفع رأسه ونظر للطبيب يقول بصوت مهموم ونظرة تمزق القلب:
_هي فين عاوز أشوفها الأول.
استقام الطبيب واقفًا وقال له بهدوء:
_تعالى معايا.
خرج الطبيب من الغرفة ولحق به جلال الذي تسمر بأرضه عندما رأى فريال أمامه وهي تنظر له بوجه غارق بالدموع وتقول في وجع:
_كذبت عليا وقولتلي أنها كويسة!
طالعها بعين دامعة ومتألمة على فراق ابنته الصغيرة التي كان ينتظرها بفارغ الصبر،
اقترب من فريال وضمها لصدره وهو يلثم رأسها بقبلات دافئة ويهمس:
_اهدي يافريال أبوس يدك.
سكنت بين ذراعيه للحظات دون أن يصدر لها صوت بكاء حتى مما يثبت أنها دخلت بصدمة،
وإذا بها فجأة تدفعه عنها وتصرخ بهستيريا وتبكي:
_سبتني وجيت لوحدك كنت عاوز تحرمني من أني أشوفها آخر مرة حتى، حتى عاوز تدفنها ومشوفهاش.
استغرقت في عينيه نظرات يتوسلها بها أن تهدأ وقد شعر بأن أنفاسه تضيق عليه من فرط الحزن والضغط العصبي
فراح يقترب منها ثانية لكنها نفرت منه وابتعدت عنه وهي تصرخ به:
_بعد عني متقربش مني، أنا عاوزة أشوف بتي هي عايشة ولا ميتة.
شأدرك الطبيب أن حالتها قد تخرج عن السيطرة وتحتاج لتهدئة إجبارية فأشار للممرضات أن يسرعوا بإحضار حقنة المهدئ لها،
أما جلال فاقترب منها رغمًا عنها وضمها لصدره ثانية وهو يحاول إخماد مقاومتها وتهدئتها وسط همسه لها:
_اهدي ياحبيبتي اهدي متعمليش في روحك إكده، قولي الحمدلله.. لله ما أخذ، وله ما أعطى.
انهارت باكية بين ذراعيه بكاء بنحيب شديد وهي ترتجف بين يديه حتى وصلت الممرضة وغرزت إبرة مهدئة في ذراعها
فارتخت بين ذراعي جلال بعد ثوانٍ وهو لا إراديًا سقطت من عينه دمعة حارقة وموجوعة على حال زوجته وفراق ابنته،
استقام واقفًا وحملها بين ذراعيه ثم سار بها باتجاه الغرفة التي أشارت له عليها الممرضة أن يبقيها بها،
ودخل الغرفة ثم اقترب من الفراش ووضع فريال فوقه برفق وكانت هي أعصابها منتخية تمامًا لكنها ما زالت مستيقظة وتهلوس بكلمات مسموعة وتقول:
_حبيبتي ميتاتش.. أنا عاوزة أشوف بتي.. أنت كذبت عليا يا جلال.. مش مسمحاك.
جلس على المقعد المجاور لفراشها وأمسك بيدها ثم ضمها لشفتيه يلثم ظاهرها وانفجر باكيًا بحرقة كالطفل الصغير،
أما هي فقد سحبت يدها من قبضته بعنف وغضب ونظرت له تقول بحدة:
_بعد عني قولتلك، أنا عاوزة أشوف بتي.
رفع جلال يده لوجهه وجفف دموعه فور دخول الممرضة الغرفة ثم استقام واقفًا وسمعها تقول:
_لسا الحقنة مخدتش مفعولها كويس معاها، دقائق وهتهدي خالص وهتنام،
البقاء لله ربنا يعوضكم يارب ويصبركم.
ردد جلال بصوت خافت لا يسمع:
_يارب.
ثم نظر إلى فريال فوجدها بدأت تغلق عيناها تدريجيًا لتغط في نوم عميق كما أخبرته الممرضة
وعندما وجده ينظر لها بقلق واهتمام قالت له لتطمئنه:
_متقلقش أنا هفضل موجودة معاها ولو حصل أي حاجة هبلغك،
تقدر تروح للدكتور وتشوف البنت وتخلص الإجراءات الأخيرة.
هز جلال رأسه بالموافقة والقى على الممرضة نظرة شكر وامتنان ثم غادر الغرفة.
***
داخل منزل عمران، كان آسيا تجوب الغرفة يمينًا ويسارًا من فرط قلقها وخوفها على زوجها
ولولا طفلها الصغير لكانت لحقت بعمران فورًا،
ولكنها الآن مجبرة على الانتظار، حتى لو كان الانتظار قد يقتلها من شدة توترها،
لكن ليس بيدها حل آخر سوى الانتظار والدعاء.
بيدها هاتفها تنظر له كل لحظة والأخرى على أمل أن يصدح باتصال من بشار ويخبرها بالوضع وأن كل شيء على ما يرام.
عندما طفح ميلها لجأت الشرفة وقررت أن تقف بها وتراقب الطريق تنتظر عودته بفارغ الصبر.
لكن ما رأت بالشارع أسفل البناية قذف الرعب في قلبها أكثر، حيث رأت رجل غريب الهيئة وملامح وكأنه مجرم خرج للتو من السجن، ينظر لها ولمنزلها بكل شر، تمامًا كان كرجل مأجور ينتظر فقط الإشارة ليقتلها هي وابنها.
فظلت تنظر له بشراسة رغم خوفها الذي لم تظهره، وأول شخص قذف بعقلها هو ذلك الرجل الذي حدث شجار بينه وبين زوجها ذلك اليوم واخبرها عمران كان بينهم مشاكل قديمة وقد انتهت وهي لم تصدقه، والآن اتضح أن المشاكل انتهت بالفعل!
دقائق حتى وجدت ذلك الرجل سار بسرعة واختبأ بسيارة كلاسيكية قديمة عندما رأى سيارة عمران وهي تصطف بجوار البناية ويخرج منها.
تخللت أسارير آسيا فور رؤيتها لزوجها وهو يخرج سالمًا وبسرعة دخلت وهرولت نحو الباب ركضًا وفتحت ووقف تنتظره عند باب المنزل بكل لهفة وعينان دامعة.
عندما وصل إلى طابق منزله قبل أن يصعد الدرج المؤدي لباب المنزل توقف عندما رآها تنتظره بكل هذه اللهفة فابتسم لها بغرام، وصعد درجات الدرج وفور وصوله لها ارتمت عليه تعانقه بحرارة وهي تبكي وتعاتبه بغضب:
_كنت هتچنن من القلق عليك، حرام عليك ياعمران_
انحنى على رأسها ولثم شعرها بقبلات دافئة ثم ابعدها عنها وجذبها لداخل المنزل متمتمًا:
_طيب تعالي ندخل چوا الأول ميصحش إكده على الباب_
دخلت معه ثم اغلق هو الباب والتفت له وراح يحتضن وجهها بين يديه وينحنى عليها يلثم وجنتها بحب ويسألها يترقب:
_يعني أنتي كنتي خايفة عليا أنا ومش فارق معاكي عمك احسن اعمل فيه حاچة؟!!_
نظرت بحدة وقالت بانزعاج حقيقي:
_عمي إيه اللي ابديه عليك ده، عمي اللي مصدقنيش وضربني وطردني من بيت أبوي وشك فيا وفي شرفي بعد اللي بته عملته، أنا كنت خايفة عليك أنت لتضيع روحك وتعمل فيه حاچة_
رأت عيناه تلمع بوميض جديد والسعادة تظهر على ملامحه بوضوح حتى انحنى عليها وهمس مداعبًا إياها:
_أنتي شايفة إيه.. عملت فيه حاچة ولا لا؟_
هتفت بسخط حقيقي وتوسل:
_ياعمران انا على اعصابي بلاش توترني اكتر قول وطمني إيه اللي حُصل؟_
قهقه برجولية جميلة وقال لها مبتسمًا فى رزانة:
_متخافيش معملتلهوش حاچة بلغت البوليس وچه اخذه_
اتسعت عيني آسيا بصدمة فآخر شيء كانت تتوقعه أن يسلمه بيده للشرطة، لكن هذه الصدمة اسعدتها أكثر وسألته بعدم تصديق:
_عملت إكده صُح ياعمران؟!!!_
عمران بحدة بسيطة ولهجة رجولية خشنة:
_امال هكذب عليكي يعني!!_
لمعت عيناها بحب ونظرة الفخر والعشق وضحت في نظراتها له ودون تردد كانت ترتمي بين ذراعيه ثانية وهي تهمس:
_كنت عارفة ومتأكدة أنك مش هتفرط فيا أنا وولدك، بس كنت خايفة احسن شيطانك يغلبك ويعمي عيونك_
هتف عمران بنبرة صلبة وجادة بعدما لف ذراعيه حول جسدها وهي تعانقه وبين ذراعيه:
_أنتي عاشرتيني وتعرفيني زين، والمفروض مكنتش تقلقي ولا تخافي يا آسيا لأنك المفروض تكوني عارفة إني مشبهش أبوي ولا كيف عمك، أنا مبلطخش يدي بالدم وعمري ما كنت راضي عن التار ده، فمش معقول دلوك لما بقى ليا بيت وعيل ومعايا مرتي اضيع روحي واحرم ولدي مني، صحيح أنا غضبي عفش قوي لكن اللي هداني انتوا لما فكرت فيكم_
ابتعدت آسيا عنه ونظرت له بعين ممتلئة بالدموع ثم رفعت جسدها ووقفت على أطرافها لتصل لمستواه وانحنت على وجنته تقبله بجوار لحيته وهي تقول في حب:
_ربنا ما يحرمنا منك يامعلم_
ابتسم لها بغرام وقال بخبث وهو يغمز لها:
_طيب وانتي ناوية تفضلي حارمة المعلم منك لغاية ميتا عاد؟!_
استدارت وولته ظهرها وقالت بدلال أنثوي وهي تسير باتجاه غرفتها:
_لغاية ما يچيلي مزاچ اسامحه_
سار خلفه بعصبية وقال مغتاظًا:
_وهو أنا لساتني هستنى مزاچك ولا إيه.. مش معنى إني حنين معاكي ويراضيكي وبحاول اچيلك بالهداوة، ابقى مقدرش عليكي، تحبي افكرك بالمعلم عمران بتاع زمان اللي كنت بتترعبي منه في أول چوازنا ولا إيه ياست آسيا!_
توقفت وهي تبتسم باستمتاع ثم التفتت له وقالت بغنج وهي تقترب منه وتتمايل بكل دلال في حركات ونظرات مثيرة، حتى وقفت أمامها ورفعت أناملها تعبث بملابسه وهي تحدثه:
_المعلم عمران بتاع زمان لا هو كان بيحبني لسا ولا أنا كمان، لكن دلوك هو ميقدرش يخوفني وحتى لو قدر أنا مش هبقى خايفة منه عشان عارفة زين أنه بيبقى من ورا قلبه وعمره ما يقدر يأذيني_
رفع حاجبه بابتسامة مندهشة ثم قال بعشق وهو يضحك:
_بتاكلي بعقلي حلاوة انتي، ولما هو أنا بيبقى من ورا قلبي وانتي عارفة إكده مش عاوزة تسامحيني عاد في اللي قولته ليه وتقولي أنه من ورا قلبي برضوا!!_
ابتسمت وقالت بثقة ودلال:
_وأنا سامحتك يامعلم بس قولتلك لازم اعاقبك شوية كدا وادلع عليك وانت ترضيني، ولا أنت مش عاوزني ادلع عليك كمان_
عمران بضحكة رجولية تذهب العقل:
_لا طبعًا أداعب براحتك ياغزال.. بس إيه رأيك تدلعي واحنا حلوين مع بعض من غير العذاب ده_
هزت رأسها بالرفض وهي تمط شفتيها في دلع وتقول:
_لا يبقى الدلع ملوش طعم.. لكن إكده احلى_
رفع عمران رأسه للأعلى وقال مغلوبًا في نفاذ صبر من تلك العنيدة:
_يارب صبرني_
قهقهت بخفة ثم التفتت خلفه وراحت تنزع عنه العباءة وهي تقول في دلال:
_عنك يامعلم_
عمران ساخرًا في غيظ:
_هو أنتي خليتها فيها معلم عاد بعد اللي بتعمليه فيا_
صدح صوت ضحكها العالي ليبتسم هو عليها بحب، أما آسيا فقد ألقت نظرها من الشرفة وهي تساعد عمران في نزع ملابسه، ورأت ذلك الرجل عاد يقف مكانه ليراقب المنزل، رغم القلق والخوف لكنها خشيت أن تخبر زوجها وهي تعلم جيدًا أن هذه المرة لن ينجح أي شيء في امتصاص غضبه، فعندما يتعلق الأمر بها هي وابنه لن يرى أمامه أي شيء...
***
داخل منزل مريم بعد خروجها من المستشفى، كانت تجلس بشرفة منزلهم بالصالة وتراقب الطريق بالأسفل بعيناها فقط لكن عقلها كان مشغول بشيء آخر، حتى أن قسماتها كانت لا تنم عن أن ذلك الشيء الذي يشغل تفكيرها أمر خير أبدًا، مشتتة ومرهقة جسديًا وفكريًا ولا تدري أي طريق تسلكه وأي قرار تتخذه، هل تختار ظلام قلبها أم نور عقلها.
قطعت أمها حبل تفكيرها وانشغالها بأمورها الخاصة التي لا تخبر بها حتى أقرب الناس إليها عندما جلست على المقعد المجاور لها وقالت بحنو:
_ايه ياحبيبتي سرحانة في إيه كدا وقاعدة وحدك ليه؟_
التفتت لأمها وابتسمت لها بحب ثم قالت في نبرة رخيمة:
_مفيش ياماما حبيت اشم هوا شوية بدل قعدة الأوضة والسرير_
هزت أمها رأسها بتفهم ثم غمزت لها بمداعبة وقالت ضاحكة:
_بتشمي هوا برضوا ولا قاعدة بتراقبي الطريق ومستنية بشار!_
ضحكت مريم برقة على مزاح أمها ومحاولاتها المستمرة في إخراجها من حالتها المنعزلة والمنطوية منذ ذلك الحادث، همست وهي تشكر في بشار وتثنيه بكل خير:
_والله بشار ده ربنا يباركله أنا مكنتش متوقعة أنه يطلع ابن حلال كدا، أبوكي كان دايما يشكرلي فيه ويقولي ده راجل كويس ومحترم هيصون بنتنا ويحافظ عليها زي عينه، واهو معدنه الأصلي ظهر في الشدة، من وقت الحادث وهو مش بيبعد عنك لحظة واحدة وكان بيفضل جمبك في المستشفى اليوم كله وبيحاول بكل الطرق عشان يخليكي تسترجعي ذاكرتك وتفتكري كل حاجة_
ابتسمت مريم بنعومة وهزت رأسها بتأييد لكلام أمها وتمتمت:
_ايوة ياماما هو كويس أوي فعلًا، وكان طول الوقت جنبي ومسبنيش_
قالت أمها بود وأمل:
_طيب انتي مفتكرتيش أي حاجة لسا؟!_
هزت مريم رأسها بالنفي وقالت في عبوس:
_لا لسا للأسف بس بحاول افتكر وان شاء الله قريب افتكر_
تنهدت الأم بيأس بسيط ولكن سرعان ما تبدل العبوس بضحكة بسيطة عندما رأت سيارة بشارة تصطف بالشارع أسفل البناية وينزل منها فقالت لابنتها في حنو:
_أهو خطيبك جه اروح اقول لأبوكي عشان يفتح له الباب ويستقبله_
راقبته مريم بتعبيرات وجه جامدة وهي تراه يخرج من السيارة أكياس ويحملها بين يديه ثم يغلق الباب ويقود خطواته للداخل، وقد كان يرتدي بنطال وقميص رجالي مثير على معالم جسده الرجولية والرياضية، وكانت هذه أول مرة تراه يرتدي هذه الملابس منذ الحادث فقد اعتادت عليه دومًا بالجلباب الصعيدي.
دقائق معدودة حتى سمعت صوت فتح الباب وترحيب والدها به وكذلك أمها وهم يسألونه عن أحواله وهو كذلك، ثم تحركوا وجلسوا على الأريكة بالصالة وراحوا يتبادلوا أطراف الحديث الذي تارة يكون جاد وتارة أخرى يأخذ منعطف المرح والضحك، وهي تسمعهم من داخل الشرفة ولا يحرك ضحكهم أنشًا واحدًا من ثغرها لتبتسم على سماعها لضحكهم مع بعض، بقت على هذا الحال لدقائق طويل حتى توقف صوتهم أخيرًا وسمعت صوت خطوات تقترب من الشرفة فعلمت أنها خطواته هو.
عندما التفتت برأسها للخلف رأته فابتسمت له بود وقالت في رقة:
_اتأخرت ليه؟!_
ابتسم بشار بسعادة لاهتمامه بتأخره عنها وراح يجلس على المقعد المجاور لها وهو يقول مداعبًا إياها:
_إيه اضايقتي أني اتأخرت عليكي ولا اشتقتيلي؟!_
مالت بوجهها للجهة الأخرى وهي تبتسم بخجل شديد دون أن تجيبه ليضحك هو برجولية مميزة وسألها باهتمام وحب:
_عاملة إيه طمنيني عليكي؟_
عادت برأسها له مجددًا وابتسمت في لطف ثم ردت:
_الحمدلله بخير بقيت احسن بكتير وكمان نفسيتي بقت أفضل من وقت ما خرجت من المستشفى كنت مخنوقة أوي هنا_
طالعها بعينان تفيضان حبًا وقال بمشاعر صادقة:
_ربنا يحفظك من كل شر ومتشوفيش المستشفى دي تاني واصل ياغالية_
احفلت نظرها عنه في استحياء بسيط ورددت خلفه:
_يارب_
ظل لحظات طويلة يتأملها بنظرات مغرمة لأول مرة تشهدها منه حتى هتف بنبرة رجولية جادة لكنها محبة:
_غمضي عينك يامريم_
نظرت له باستغراب وضيقت عينيها في حيرة لكنه أشار لها بعيناه أن تمتثل لطلبه وتنفذه، فتنهدت مغلوبة وأغلقت عيناها، دس هو يده في جيب بنطاله وأخرج علبة صغيرة ومربعة ثم فتحها ليقول لها في صوت رخيم:
_فتحي_
فتحت عيناها لتسقط على تلك العلبة التي بين يديه أول شيء وترى خاتم بنقوش بسيطة جدًا من الذهب فاتسعت عيناها بدهشة وسألته:
_إيه ده يا بشار؟!_
بشار بابتسامة تذهب العقل ونظرة كلها عشق:
_هاتي يدك الأول بس_
مدت لها يده دون اعتراض وكأنها مغيبة فوجدته يخرج الخاتم من العلبة ويضعه في خنصرها وهو يقول بحب:
_وقت الحادث كنتي لابسة الدبلة في يدك والممرضات ادوهاني لما دخلتي العمليات وأنا مع الوضع اللي كنت فيه معرفش راحت وين وضاعت مني كيف، بس أن چيتي للحق أنا بقول احسن أنها ضاعت عشان نبدأ من أول چديد في كل حاچة حتى الدبلة_
نظرت الخاتم في إصبعها بابتسامة دافئة ثم رفعت رأسها له ونظرت بدقة وسألته:
_أنت ليه دايما بتقولي نبدأ من أول وجديد؟!_
ابتسم وقال ببساطة:
_عشان بنسبالي اللي حصل ده على قد ماهو احنا نشوفه شر لكنه خير كبير وفرصة لينا احنا الاتنين عشان نقرب من بعض اكتر واحنا بالفعل ده اللي حُصل مش إكده ولا إيه_
هزت رأسها بتفهم وهي ترسم بسمة خفيفة على فمها، فجأة صدح صوت هاتف بشار الذي كان يضعه على المنضدة الصغيرة أمامه وعندما نظرت للهاتف وقرأت اسم المتصل وجدته رحاب، فطالت نظراتها للهاتف بشرود حتى وجدته يمد يده ويغلق اتصالها دون أن يجيبها فتلتفت له وترمقه بجدية وهي تسأل:
_كنسلت عليها ليه، كنت رديت!!!_
بشار بنظرة دافئة وصوت رجولي حازم:
_بعدين ابقي اكلمها تلاقيها عمتي بتتصل من تليفون رحاب وعاوزة تسألني عليكي وتتطمن_
أماّت مريم برأسها دون أن تنظر له وسكنت للحظة ثم عادت تحدق به وتقول بحماس غريب:
_رحاب دي هي نفس اللي جاتلي المستشفى مش كدا، بنت كويسة أوي ربنا يباركلها وفضلت تتكلم معايا وحكتلي عنك كتير_
تبدلت تعبيرات بشار بعد عباراتها الأخيرة وراح يسألها فورًا باهتمام:
_حكتلك عني قالتلك إيه؟!!_
ابتسمت ببرود مريب وقالت ضاحكة:
_ولا حاجة أنت مالك اتخضيت كدا ليه،
كانت بتحكي لي عنك إنكم كنتوا صحاب أوي وإنتوا أطفال ومازالتو قريبين من بعض وهي عشان كدا أول ما عرفت اللي حصلي زعلت أوي وجات تزورني وقالتلي كمان أن أنت كنت متردد قبل ما نتخطب وهي اللي اقنعتك.
رفع بشار حاجبه بدهشة من كلماتها وأردف بنظرة ثاقبة: _هي قالتلك إكده؟!
هزت مريم رأسها بالإيجاب ثم اعتدلت في جلستها لتصبح في مواجهته مباشرة وراحت تسأله بفضول ونظرة غريبة: _كنت متردد ليه بقى ومش عايز تخطبني؟!!
طال سكون بشار وهو يحدق بمريم في نظرة تحمل الشك والحيرة من طريقتها وأسألتها لكنه أجاب بكل طبيعية حتى لا يفسد علاقتهم: _مش مهما، مكنتش عاوز أخطبك، اسمها كنت متردد لأني كنت مش حابب فكرة الارتباط والجواز في الوقت ده.
ابتسمت مريم باتساع وعادت تسأله للمرة الثانية بنفس طريقتها: _وكنت رافض الجواز ليه بقى يا أستاذ بشار؟
رفع حاجبه بتعجب شديد منها ثم رد بكل هدوء ورزانة: _كنت حاسس إني مش مستعد وقلقان من الخطوة دي لكن مرت عمي إخلاص أنتي عارفاها أكيد فضلت ورايا لغاية ما اقنعتني.. يعني مرت عمي اللي اقنعتك مش رحاب وهي اللي قالتلي ورشحتك ليا.
أماّت مريم برأسها في تفهم وهي مازالت محتفظة ببسمتها أما هو فكان ملامحه جامدة ويبدو عليها الحزم وهو يفكر في رحاب وأنها قد تكون حقًا أخبرت مريم، ولكن إذا أخبرتها فلماذا هي ساكنة هكذا وتطرح عليه الأسئلة بكل بساطة ومرح بدلًا من أن تتركه أو تعاتبه وتغضب منه.
***
وصل "علي" وخلود إلى الفندق وقادت خلود خطواتها قبل شقيقها للداخل وهي تقصد المصعد الكهربائي ليستقلوا به وتضغط على زر الطابق السادس وبعد لحظات طويلة يتوقف المصعد ويفتح فتخرج هي ويخرج "علي" خلفها، لكنها تتسمر بأرضها عندما ترى مروان أمامها وهو يسألها بقلق فور رؤيتها لها: _خلود أنتي كنتي فين أنا كنت قالب الدنيا عليكي.. اوعى يكون سمير عملك حاجة؟!!
رواية و بالعشق اهتدي الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم ندى محمود توفيق
تسمرت بمكانها عندما رأت مروان أمامها وهو يسألها بقلق فور رؤيته لها:
"خلود أنتي كنتي فين؟ أنا كنت قالب الدنيا عليكي.. اوعى يكون سمير عملك حاجة؟!"
اضطربت خلود بشدة وتجمدت بمكانها ثم التفتت برأسها لـ "علي" الذي كان خلفها وازدردت ريقها بارتباك شديد وملحوظ. ظلت تدعي ربها في نفسها أن ينقذها ويمر الموقف بسلام، فقد تخسر ثقة أخيها بها ثانية ويتركها، وربما يكون هو جلادها بدلًا من سمير إذا شك بأنها على علاقة بمروان فعلًا.
تلاقت أعين كل من مروان و"علي" مع بعضهما البعض في نظرات حادة، وهي تقف بينهما بالمنتصف ولا تدري كيف تتصرف وتقنع شقيقها أن الأمر ليس كما يبدو أمامه. انتفضت على أثر صوت "علي" الغليظ وهو يوجه سؤاله لها بنظرة مميتة:
"مين ده؟!"
التفتت إليه وهي تتطلع له بنظرة مضطربة وخائفة، ولم تلبث لتجيبه حتى وصلها صوت مروان وهو يسأل "علي" بغضب وكأنه على استعداد أن يدخل في شجار عنيف معه:
"أنت اللي مين وبتعمل معاها إيه؟!"
أظلمت عين "علي" وأثر الفعل في هذه اللحظة بدلًا من الكلام. فلقد كان نصيب مروان أن يشهد على طوفان "علي" الذي يتحكم به منذ ذهابه لمنزل سمير، وتمالكه لأعصابه حتى لا يقتله بين يديه. والآن سيندلع الطوفان.
انقض عليه "علي" يكلمه في وجهه بغل وهو يصرخ به:
"أنت ابن عم الـ**** سمير ده مش إكده؟"
لم يكترث مروان لسؤاله أو عباراته أكثر من اللكمة التي تلقاها وضربه له، فراح مروان يرد له اللكمات بقوة أشد، وبالفعل نشب شجار عنيف بينهم.
انتفضت خلود زعرًا وهرولت بسرعة لتفرق بين مروان وأخيها، ثم صرخت بمروان الذي كان على وشك أن يلكم أخيها بضربة مرعبة:
"مروان ده أخويا بتعمل إيه.. كفاية!!"
ثم التفتت لأخيها وامسكت بذراع "علي" لتقف أمامه حائلًا بينهم وهي تتوسله بخوف وعينان دامعة:
"علي أبوس يدك اهدى ياخوي، وتعالي معايا في الأوضة هفهمك كل حاجة."
صرخ علي بصوت رجولي مهيب نفضها في أرضها:
"ده بيعمل إيه إهنه ياخلود، متخلنيش أنا اللي ادفنك في أرضك بدل سمير."
انهارت خلود باكية أمامه بعجز وهي تترجاه بصدق:
"والله العظيم مفيش حاجة، تعالي بس أنا هحكيلك كل حاجة وبعدين أنت احكم ولو عاوز تقتلني أنا مش همنعك، تعالي أبوس يدك."
ألقى "علي" نظرة قاتلة وحاقدة على مروان الذي كان يطالعه بدهشة بعدما اكتشف أنه شقيقها. لكن بالنهاية سار مع خلود التي قبضت على يده وجذبته معها تجاه غرفتها. وأثناء سيرها التفتت برأسها للخلف إلى مروان وأرسلت له نظرة أسف وحزن وأنها ستعاود الاتصال به، وهو بدوره تفهم الوضع وهز رأسه لها بتفهم في ابتسامة باهتة.
عندما لاحظ "علي" أنها تنظر لمروان بالخلف فصرخ بها في صوت جهوري أرعبها:
"امشي قصادي واعدلي راسك دي بدل ما أكسرهالك."
امتثلت لأوامره فورًا دون جدال وأصبحت هي التي تسير أمامه وهو خلفها مباشرة، حتى وصلوا لغرفتها ففتحت الباب ودخلت وهو بعدها. توقفت والتفتت لأخيها وهي تطرق رأسها أرضًا بضعف وأسى. أما "علي" فكان الشك يأكل رأسه وصدره ملتهب بنيران الغيظ، ولم يجد من نفسه سوى أنه غار على خلود وراح يجذبها من ذراعها بقسوة صارخًا بها:
"اللي قاله سمير صُح.. وأنتي ماشية على حل شعرك مع الراجل ده.. انطقي؟!"
انتفضت خلود زعرًا على أثر صرخته بها وقبضته على ذراعها وراحت تبكي بحرقة وتقسم له بالصدق وسط بكائها:
"والله ما في حاجة بيني وبينه مروان كان بيساعدني بس.. وسمير كذاب."
"مروان منفعلًا صائحًا:"
"بيساعدك كيف يعني وهو إيه علاقته بيكي ويعرفك كيف؟!"
"خل بصوت ضعيف وهي تترجاه في أسى:"
"أنا هحكيلك كل حاجة بس اهدى واسمعني وتعالى نقعد يا 'علي' أبوس يدك اديني فرصة ادافع عن نفسي وافهمك كل حاجة حصلت معايا في غيابكم."
ارتخت قبضة يده على ذراعها وبدأ ثورانه المخيف يهدأ قليلًا، ثم ترك ذراعه وأشار لها بعينه أن تتجه إلى المقعد لتجلس وتبدأ بسرد تفاصيل الحكاية كاملة. ففعلت على الفور وراحت تجلس على المقعد وهو جلس أمامها على طرف الفراش وراح يستمع لحديثها، وهي تبدأ بالكلام من البداية قائلة:
"من وقت ما اتجوزته وهو بيضربني كل يوم ووصل لدرجة أنه بيجيب الحريم بليل البيت وأنا قاعدة وبيدخل معاها الأوضة اللي جار أوضتي وأنا ببقى سامعة صوتهم طول الليل. وكنت مستحملة ومش بتكلم لأني عارفة أني مليش حد ومقدرش أرجع لكم ولا أشكي لكم بعد اللي عملته، لكن العذاب الجسدي والنفسي اللي كان بيعذبوني مكنتش قادرة استحمله. وفي يوم قررت أهرب بس ملحقتش ومسكني قبل ما أطلع من العمارة وبعدها ضربني وحبسني في أوضة من غير أكل ولا شرب لمدة يومين، فلما دخل في اليوم التالت بالوكل ليا أنا ضربته على راسه وهربت من البيت واصل. وكان الكلام ده بليل، فضلت ألف في الشوارع وأنا مش عارفة أروح وين ولا معايا فلوس ولا إيه حاجة ولا حتى تلفون. وفي الشارع قابلت مروان وعرض عليا يساعدني لما حس إني في مشكلة، بس أنا رفضت وخوفت منه ومشيت وفضلت ألف لغاية ما دخلت عمارة واستخبيت فيها عشان أنام شوية لغاية ما النهار يطلع. خوفت من البلطجية اللي بيبقوا في الشوارع بليل أحسن حد منهم ياذيني. والحمدلله محدش حس بيا في العمارة دي ونمت لغاية النهار. ولما صحيت لقيت مروان في وشي وطلع هو ساكن في العمارة دي. وقتها رفض يسيبني وأصر أنه يساعدني وفضل يحاول يقنعني أنه مش هيأذيني وعاوز يساعدني، بس وأنا قبلت في الآخر مجبورة تكمن مكنش في يدي حل تاني. بعدين هو عرض عليا أقعد في شقة بتاعته هو مش قاعد فيها ومحدش بيروح فيها ولا يعرفها. رفضت بس هو حلفلي مية يمين أنه مش في نيته حاجة وحشة وأنا برضوا كنت مصممة على الرفض لغاية ما وافقت لما..."
قاطعها علي بعصبية وصوت رجولي مهيب:
"وافقتي كيف تقعدي في شقته؟!"
أجابت على شقيقها بسرعة لتوضح له الوضع باستفاضة أكثر:
"يا 'علي' أنا كنت هقعد في الشوارع لو موافقتش أقعد في شقته وكان سمير هيوصل لي ولو كان وصلي كان هيقتلني. ومروان والله العظيم راجل ومحترم وأبدًا ما حاول يقرب لي ولا حتى يضايقني بكلمة واحدة عفشة، وكان مقعدني في بيته كأني في بيتي بالضبط وحتى كان بيساعدني وجاب لي محامية عشان أرفع قضية خلع وأطلق من سمير وكنا ماشيين في الإجراءات لغاية ما اللي حصل ده ومروان اكتشف أن سمير ابن عمه."
شعر "علي" بالخزي من نفسه والألم أن شقيقته عانت كل هذه المعاناة وهم لا يدرون بها حتى. رغم ذنبها وأخطائها، لكن الذي فعله معها سمير لا يمكن لرجل سوى أن يتقبله أبدًا. ليته سمع توسلات آسيا وهي ترجوه أن ينسى الماضي مؤقتًا وما فعلته أخته ويساعدها في التخلص من ذلك الوحش قبل أن يقتلها، لكنه لم يهتم!
وجد خلود تنظر في عينيه بعجز وتقول في صوت مهموم ودموعها تنهمر بصمت:
"علي أنا أقسم بالله ندمت على غلطي وتبت لربنا ومستحيل أكرر الذنب تاني. ولولا أني عارفة أن محدش منكم هيتقبلني ولا عاوز يشوف وشي كنت جريت عليكم طوالي واحتميت في ناسي منه، بس عجزي وقلة حيلتي هي اللي خلتني أقبل مساعدة مروان وأقعد في بيته، بس والله العظيم ما كان في أي حاجة بينا، كل اللي كان بينا أنه كان بيقدم لي المساعدة وبيحميني من سمير."
ثم شجعت نفسها وراحت تمسك بيده وهي تبكي وتترجاه بوجع:
"سامحني يا 'علي' سامحني ياخوي وخليك جاري أنا مليش غيرك دلوقت."
سحب علي يده من قبضتها ببطء وهو يتنهد الصعداء بخنق، ثم استقام واقفًا وقال له بلهجة حازمة:
"لمي حاجتك يلا عشان آخدك أوديكي مكان ميحوش عنه الـ**** جوزك ده لغاية ما أشوف هعمل معاه إيه."
كانت تلك الكلمات بمثابة بريق الأمل لها وجعلتها تبتسم باتساع وفرحة أن شقيقها سيكون بصفها وسيُحميها. فهزت رأسها له بالموافقة وهبت واقفة مهرولة وبدأت تلملم أشياءها بحماس وفرحة.
***
بتمام الساعة السابعة مساءً.. داخل المستشفى تحديدًا بغرفة فريال النائمة منذ أن أخذت الحقن المهدئة، وكان جلال قد عاد إليها ليطمئن عليها ومن ثم يعود ليكمل الإجراءات الأخيرة لخروج جثة ابنته الصغيرة ويدفنها. جلس على طرف الفراش بجوارها ورفع أنامله لشعرها يمسح عليه بحنو ويتأملها في وجه مهموم وعينان دامعة. ربما هو الآن في أمس الحاجة إليها، لكنها قررت الانفصال عن العالم تمامًا منذ أن تلقت خبر وفاة صغيرتهم لتتركه يتخبط ويتعذر بمفرده. قد يبدو أمام الجميع أنه ثابت وشامخ كالجبال، ولكن الحقيقة أنه منهار من داخله. لا يدري على أيهم يحزن.. على موت ابنته ولا حالة زوجته ولا على نفسه ولا على أولادهم الذين ذهبوا منذ صباح اليوم لمنزل جدهم ولا يعرفون شيئًا حتى الآن عن موت شقيقتهم ووضع أمهم.
انحنى على فريال وراح يلثم رأسها وقد سقطت دموعه من عينيه فوق شعرها وهو يهمس لها بصوت مبحوح:
"متعمليش فيا كده يا فريال، متقلقنيش عليكي أنا مش حمل أشوف فيكي أي مكروه زيادة اللي أنا فيه.. لو فاكرة أني مش موجوع كيفك على بتي تبقي غلطانة.. أنا قلبي بيتقطع بس مش بتكلم ومتحمل، فوقي وخليكي قوية واقفي جاري متهملنيش لحالي أبوس يدك."
ثم فجأة انهار في البكاء كالطفل الصغير وراح يكمل همسه لها وسط بكائه وهو مازال يضع جبينه على خاصتها:
"ربنا هيعوضنا خير والحمدلله معانا عمار ومعاذ ربنا يحفظهم لينا ويبارك لنا فيهم. عيالنا محتاجين نقف صامدين جاري.. مش عاوزك تنهاري.. كده هتعذبينا كلنا معاكي."
لم يكن ليكمل حديثه معها حتى سمع صوت طرق الباب فراح يمسح دموعه فورًا وعندما التفت وجد عمران يدخل وخلفه إخلاص التي ركضت تجاه ابنتها النائمة وهي تبكي وتنظر لجلال وتسأله بحرقة:
"إيه اللي حصل والبت جرالها إيه يا جلال، هي مش كانت كويسة في الحضانة؟!"
رد بصوت ضعيف يكاد لا يخرج من فرط الأسى:
"الحمدلله يا حاجة إخلاص قضاء الله وقدره، هي كانت تعبانة من وقت ما دخلت الحضانة والدكاترة حاولوا يعملوا اللي قدروا عليه."
نظر عمران لشقيقته النائمة وسأله بقلق:
"وفريال مالها؟!"
التفت جلال للريال ونظر لها بنظرة بائسة ثم أجابه:
"أول ما عرفت الخبر الصبح انهارت والدكاترة ادوها مهدئات ونايمة من وقتها."
انحنت إخلاص على ابنتها وراحت تلثم شعرها وجبهتها ووجهها وهي تبكي وتردد بوجع:
"يا بتي يا حبيبتي."
أما عمران فراح يربت على كتف جلال الذي وقف ثم راح يعانقه وهو يربت على ظهره برفق ويهمس له في حزن شديد وألم:
"البقاء لله.. ربنا يعوضكم خير يا جلال، لله ما أخذ وله ما أعطى."
ردد جلال بصوت مهموم بعدما ابتعد عن عمران:
"ونعمة بالله."
التفت برأسه ونظرته المتحسرة على زوجته النائمة، وكان عمران بالمثل ينظر لشقيقته في أسى وحزن.
***
بعد مرور ثلاث ساعات بتوقيت الساعة العاشرة مساءً داخل سيارة "علي" كانت خلود تجلس على المقعد المجاور لمقعده في السيارة وتتابع الطريق بشرود، وراحة نفسية واطمئنان تشعر به لأول مرة منذ وقت طويل. ووسط انشغالها بالطريق وانتظارها أن يصل بها أخاها إلى المكان الذي أخبرها بأنه سيبقيها فيه مؤقتًا حتى يتسنى له التفكير والتأهيل فيما سيفعله بزوجها وكيف سيطلقها منه.. وجدت السيارة تشق الطرق الضيقة التي بمنطقة منزل والدها ويسير بها "علي" متجهًا إلى منزل خليل صفوان. اتسعت عيناها وتسارعت دقات قلبها خوفًا وقلقًا والتفتت بسرعة إلى "علي" تسأله بارتباك:
"علي أنت جايبني بيت أبوي ليه؟!.. مش قولت هتوديني مكان بعيد وآمن لغاية ما تتصرف مع سمير."
رد عليه بصوت رجولي غليظ دون أن يحيد بنظره عن الطريق أمامه:
"وهو في مكان آمن أكتر من بيت أبوكي؟!"
غضنت حاجبيها باستغراب وحيرة من أمر شقيقها وراحت تتمعنه وتدقق النظر في وجهه محاولة اختراق عقله وفهم ما يدور بداخله، وبين كل لحظة والأخرى تتلفتت حولها وتشاهد شوارع منطقتهم بعيون مضطربة، حتى توقفت السيارة أمام المنزل أخيرًا. بتلك اللحظة شعرت خلود وكأن قلبها سيقفز من موقعه لفرط خوفها من القادم، وتذكرت كل شيء في ثواني كيف خرجت من منزل والدها وماذا فعلوا بها وكيف تزوجت ذلك الوغد سمير، فارتجفت في مقعدها وانكمشت بارتياع ثم نظرت لأخيها وتوسلته:
"رجعني الفندق حتى يا 'علي' مش عايزة أدخل بيت أبوي أنا مش هقدر أبص في وشهم."
التفت علي لها ورمقها بنظرة مميتة وقال بحدة:
"هتبصي كيف ما بصيتي في وشي، وطالما أنتي توبتي وندمتي كيف ما بتقولي يبقى خلاص تدخلي وتحبي على راس أمك وراس جدك وتطلبي منهم السماح."
امتلأت عيناها بالدموع وقالت بصوت مبحوح:
"أبوي وجدي وجلال محدش فيهم هيقبل يدخلني البيت وهتقوم القيامة، رجعني أبوس يدك وبلاش مشاكل أنا خايفة منهم."
تأفف "علي" بنفاد صبر ثم فتح باب السيارة ونزل وراح يلتف حتى وصل لباب مقعدها هي ففتحه بقوة وصاح بها منفعلًا:
"انزلي يا خلود من غير حدت كتير.. طالما أنا اللي جيبتك بنفسي متهابيش حد، مفيش مكان ينفع تقعدي فيه غير هنا مينفعش تقعد في شقة لوحدك."
امتثلت لأوامر أخيها بعد لحظات من التفكير والصمت الممتزج بخوفها من القادم. خرجت من السيارة وإذا به يجدها تتشبث بذراعه وهي تنظر له بضعف وتقول:
"جدي وأبوي هيخربوا الدنيا لو شافوني."
رد بصوت مقتضب:
"معدش في رجالة في البيت غيري أنا وجدك."
رغم أنها تعجبت من رده لكنها لم تعقب كثيرًا وحمدت ربها أن جدها فقط موجود ليخف حدة الصراع الذي سيقوم الآن بسببها بين جدها وأخيها.
سارت مع "علي" وهي تتعلق بذراعه تحتمي به، رغم أنها تشعر بانزعاجه البسيط لكنها كانت تريد أن تذكره أنها الآن ليس لديها غيره ليحميها. تعلم أنه لم يسامحها حتى لو يساعدها ولا يرضى بظلمها ولكن مازال غضبه منها لم ينتهي وبالتأكيد لن يسامحها بسهولة.
***
داخل المستشفى بغرفة فريال، جالسة فوق الفراش وتستند بظهرها على ظهر الفراش وعيناها عالقة على الفراغ أمامها بسكون مريب. تتذكر اللحظة التي أخذها فيها جلال بعد استيقاظها لترى ابنتها للمرة الأخيرة قبل أن يأخذوها للدفن. إن سألوها الآن كيف كان حالك وبماذا شعرتي لن تستطيع الإجابة، فهي لا تتذكر أي شيء وكأن ما حدث كان كابوس ولا تريد تذكره. نظرت لطفلتها واعتبرتها نائمة في سباتها العميق. رفضت في عقلها الباطن تصديق أنها فارقت الحياة ولم تعد موجودة بينهم، أن روحها الصغيرة صعدت لربها وخالقها. روحها تتألم على فراق تلك الصغيرة التي لم تشبع من ضمها أو رائحتها.. هي لم تحفظ ملامحها جيدًا حتى.
بينما تلك الأفكار كانت في مخيلتها وعقلها كانت عيناها تذرف الدموع دون توقف بصمت، وقد كانت إخلاص في تلك الأثناء ذهبت لتجلب لها طعامًا وعصيرًا ودواءها. وفريال أصبحت بعالم آخر لدرجة أنها لم تشعر بالباب الذي انفتح ولا خطوات جلال الذي دخل واقترب منها ثم جلس على طرف الفراش بجوارها وراح يمد يده يمسح على شعرها بحنو متمتمًا:
"فريال أنتي بخير يا حبيبتي؟"
التفتت له بوجهها الذابل وعيناها المنتفخة ثم سألته بروح ضائعة:
"دفنتوها؟!"
انكمش وجهه واحتل العبوس قسماته ليأخذ نفسًا عميقًا في أسى ويهز رأسه لها بالإيجاب ثم ينحنى عليها ويضمها لصدره ويلثم رأسها وجبهتها بقبلات متتالية في دفء. أما هي فابتسمت بمرارة وقالت بوجع:
"كانت كيف الملاك يا جلال، كانت نايمة أنا ملحقتش آخدها في حضني ولا أشبع منها."
شدد من ضمه لها واستمر في قبلاته محاولًا التخفيف عنها ويجيبها بابتسامة حزينة:
"هي ملاك فعلًا يا فريال.. ملاك صغير وطلعت للسما. قولي الحمدلله وربنا إن شاء الله هيعوضنا قريب تاني، هي مكنتش لينا ورجعت للي خلقها ومتغلاش عليه.. اللهم لك الحمد والشكر."
رددت خلف زوجها "الحمدلله" وهي تبكي بحرقة وصوت مرتفع، وهو يمسح على شعرها وظهرها ويقبلها بحنو هامسًا لها:
"ابكي لو البكاء هيريحك، متكتميش في روحك."
ارتفعت صوت نحيبها بين ذراعيها وأصبحت تعتريها رجفة مع شهقاتها العالية. رغم أن حالتها كانت تمزق قلبها أكثر، لكنه تركها حتى تفرغ طاقتها المشحونة ولا تتعبها أكثر إذا كتمتها في صدرها. بعد وقت طويل نسبيًا توقفت عن البكاء ودخلت بتلك اللحظة إخلاص بعدما اشترت لها ما تحتاجه، فأسرعت إليه مفزوعة عندما رأتها تبكي هكذا تسألها:
"مالك يا فريال؟"
رد عليها جلال بنظرة خيمة وصوت رزين:
"ملهاش يا حاجة، كانت بتفرغ عن نفسها شوية."
هدأت نفسها المرتعدة ثم اقتربت من ابنتها وجلست بجوارها من الجانب الآخر من الفراش وراحت تسألها باهتمام:
"أنتي زينة يا بتي؟"
هزت فريال رأسها بالإيجاب ووجهها غارق بدموعها. دخل عمران من باب الغرفة ووقف على مسافة بعيدة نسبيًا يراقب تعبيرات وجه شقيقته التي نظرت له بحسرة وعجز جعلاه يقترب منها فورًا ويجلس مكان إخلاص ويضمها لصدره مقبلًا رأسها بحنان أخوي جميل ويهمس لها:
"دموعك دي غالية قوي عندي يا بت أبوي، وقلبي بيتقطع عليكي وأنا شايفك بالمنظر ده، متعمليش في روحك كده. وادعي وقولي اللهم اجرني في مصيبتي واخلفني خيرًا منها، عيالك محتاجينك وحتى جوزك مش متحمل يشوفك كده."
انهارت بين ذراعين أخيها وراحت تقول وسط بكائها بقلة حيلة:
"غصب عني والله يا عمران غصب عني مش قادرة أتحمل وجع قلبي عليها."
أجابها عمران بصوت رجولي دافئ:
"ربنا يصبرك يا غالية."
استقام جلال واقفًا بعدما شعر بأنه أنفاسه ضاقت عليه ثانية كما كان بالصباح وقال موجهًا حديثه لزوجته:
"يلا يا فريال قومي البسي طرحتك عشان نمشي ونرجع البيت يا حبيبتي."
هزت رأسها له بالموافقة ثم ابتعدت عن أحضان أخيها الذي ابتسم لها بحب ومسح على ظهرها بلطف. هبت إخلاص واقفة وراحت تساعدها في الوقوف على قدميها لترتدي حجابها وتنهدم من ملابسها وتغسل وجهها قبل أن تذهب.
***
داخل منزل خليل صفوان........فتح "علي" باب المنزل ودخل أولًا قبلها خلود التي بقيت واقفة عند باب المنزل بخوف لم تدخل إلا عندما رأته يلتفت لها برأسه ويشير بنظراته الصارمة أن تدخل ففعلت بخطوات متعثرة ومترددة، وكان بصالة المنزل بالأسفل يجلس كل من غزل وإنصاف التي وقع نظرها على ابنتها واتسعت عيناها وفغرت شفتيها بصدمة لا تستوعب ولا تصدق ما تراه عيناها. أما غزل فقد أصابها الذهول واضطرب قلبها وللحظة اشتعلت نيران الغيظ في صدرها وهي تراه يدخل المنزل مع فتاة لا تعرفها وظنتها حبيبته.
وقفت خلود خلف أخيها تحتمي به دون أن ترفع رأسها أو نظرها وتتطلع للجالسين أمامها. وثبتت إنصاف واقفة تنقل نظرها بذهول بين ابنها وابنتها بعدم فهم. أما "علي" فقد تصرف بطبيعية وبرود مع صدمة أمه ونظراتها وراح يسأل غزل بصوت غليظ:
"جدي وين يا غزل؟"
ألقت غزل نظرة متفحصة على خلود في غيظ تتفحصها من أعلاها لأسفلها وهي ملتصقة بظهر "علي" تحتمي به، ثم ردت عليه باقتضاب وخنق:
"جوا في أوضة الجلوس."
فجأة ارتفع وصدح صوت "علي" الرجولي المرتفع وهو يصيح مناديًا على جده بكل ثقة:
"جــــدي.. جــــدي."
المشاعر بين كل من غزل وإنصاف مختلفة، لواحدة تنظر لخلود بكل خنق وكره، والأخرى تتفحص في ملامح ابنتها الذابلة ومنظرها المزري وكأنها أصبحت واحدة أخرى وللحظة شعرت بأنها لا تعرفها بسبب ما تعرضت له من ظلم وخسرانها بوزنها وبريق وجهها وانطفاء نظراتها وكسرتها، فهذه ليست خلود التي كانت تقف بكل شموخ وقوة أمام الجميع. أين ذهبت ابنتها!
خرج حمزة من غرفة الجلوس على أثر صوت صياح "علي" وندائه عليه، كان يتحرك وبيده عصاه الغليظة يتكأ عليها في سيره ويجيب على "علي" قبل أن يرفع رأسه له:
"جرا إيه بتزعق كده ليه يا 'علي'؟"
رفع رأسه بعدما غلق الباب ونظر لهم فرأى خلود تقف خلف أخيها وترتجف من الخوف، فاتسعت عين حمزة بصدمة وسرعان ما أظلمت نظراته واحتقن وجهه بدماء الغضب والحقد وراح يصيح بـ "علي" في صوت جهوري:
"إيه اللي جايبها معاك دي، سبق وقلنا رجلها متعتبش عتبة البيت تاني واصل مش مكفياها الفضايح والعار اللي جابتهولنا، وأنها حطت راسنا في الطين."
التصقت خلود بظهر "علي" أكثر وبدأت دموعها في الإنهمار على وجنتيها، حتى سمعت صوت أخيها الخشن وهو يجيب على جده:
"خلود هتقعد هنا يا جدي، ولا عاوزني أسيبها في الشوارع وكلاب الطرق تنهش فيها."
ابتسم حمزة ساخرًا وقال بقسوة:
"شوارع!!.. وسيد الرجال الـ*** اللي لطخت شرفها بسببه راح فين، ولا بعد ما خد غايته منها رماها عضم للكلاب."
رد علي بغضب:
"اديك قولت عليه ال*** وهو اللي عامل فيها كل ده، لو سبتها ليه هيخلص عليها واصل."
نظر حمزة لخلود بتفحص يدقق النظر في وجهها المتورم من أثر الضرب والاعتداءات الجسدية عليها ورغم ذلك لم يشفق عليها وصاح بانفعال ورفض قاطع:
"خليها ترجع له ويخلص عليها، الفاجرة دي مش هتدخل البيت ولا تقعد فيه."
انتفضت خلود على أثر صياح جدها وانهارت باكية ثم استدارت وهمت بأن ترحل من المنزل لكن أوقفها صوت "علي" المرعب:
"أنا مقولتش تتحركي اقفي عندك يا خلود."
وقفت مجبرة امتثالًا لأمر أخيها بينما حمزة فنظر لـ "علي" باستياء شديد وصاح به:
"أنت هتكسر كلمتي يا 'علي'؟!"
رد "علي" بثبات ووقار زاده رجولة وقوة:
"استغفر الله يا حج حمزة مقدرش، بس كمان مقدرش أهملها تطلع في الشوارع دلوقتي، مهما عملت هتفضل بتنا للأسف وعيبة في رجولتي لما أسيبها للـ *** يعذب فيها كل يوم لغاية ما هيخلص عليها."
ضرب حمزة بعصاه الأرض بقوة وصرخ يلقي كلمته القاطعة التي لا رجعة فيها:
"وأنا قولت كلمتي يا ولد منصور ملهاش قعاد هنا، وبنات معندناش غير آسيا وغزل.. دي لا بتنا ولا نعرفها."
بدأ صوت نحيب خلود يرتفع وشهقاتها تظهر، حتى وجدت "علي" يتجه إلى جدها ويطلب منه التحدث معه بالداخل بمفردهما، وبعد محاولات كثيرة لإقناعه وافق أن يدخل ويتحدث مع "علي". أما غزل فتحولت نظراتها من الخنق للدهشة والشفقة على خلود التي اكتشفت أنها شقيقته التي حكت لها عنها آسيا.
***
داخل منزل عمران، كانت آسيا تقف بالشرفة تتابع الطريق تنتظر وصول عمران بفارغ الصبر وسط قلقها على فريال وحزنها على ابنة أخيها الصغيرة. كانت تعاني من نوبات الفزع على زوجها من ذلك الرجل الذي مترصد له أسفل المنزل وقد عزمت النية أن تخبره تلك الليلة ليتخذ احتياطاته.
انتظرت لدقائق طويلة حتى رأت سيارة عمران تصطف أمام بوابة البناية وكانت عين تثبتها على عمران والأخرى على ذلك الرجل خوفًا من أن يخطو أي خطوة باتجاه ويأذيه، لكن مرت تلك اللحظات بسلام ودخل عمران البناية، إذا بها ترى ذلك الرجل يرفع رأسه وينظر لها مبتسمًا بشيطانية. رغم ارتباطها البسيط إلا أنها كعادتها أظهرت عن أنيابها وراحت ترمقه بنظرة ثاقبة ومتجبرة توعد له من خلالها، ثم دخلت واسرعت لتفتح الباب لزوجها.
انتظرت وصول عمران أمام باب المنزل وفتحت هي فورًا فوجدته بيده مفتاح المنزل ويرفع يده كان على وشك أن يضعه بالقفل ليفتح. مال ثغره للجانب بتعجب ودهشة بسيطة منها ثم دخل وأغلق الباب وهو يقول بلطف:
"إنني لسا صاحية، أنا قولت هلاقيكي نايمة أنتي وسليم!"
آسيا بوجه عابس وحزين:
"أنام كيف يعني يا عمران بعد اللي حصل، ده أنا زعلانة وشايلة منك إنك مأخدتنيش معاك."
لف ذراعه حول كتفيها وضمها لصدره وقال بحنو وهو يسير معها لغرفتهم:
"آخدك كيف بس يا غزال أنتي مش شايفة الجو ساقعة كيف أنا خفت عليكي تتعبي وأنتي لسه تعبانة من الولادة، وكمان الولد كنتي هتسبيه مع مين مينفعش تطلعي بيه بالليل كده."
نظرت له آسيا باستنكار وقالت في انزعاج:
"يا عمران ده أخويا ودي بت أخويا وأنت عارف زين معزة أختك عندي، كيف أسيبها في الحالة دي."
انحنى عليها ولثم شعرها بقبلة محبة وتمتم:
"حاضر بكرا الصبح هاخدك وتروحي تشوفيها وتطمني عليها، هي بخير وروحت بيتها مع جوزها."
ابتعدت عنها ثم جلس هو على الفراش وبدأ ينزع عنه عباءته وهو يطلق زفيرًا حارًا في إرهاق وحزن، فجلست آسيا بجواره ونظرت له بأسى ثم سألته في حسرة:
"دفنتوها؟"
هز رأسه بالإيجاب في تعبيرات وجه بائسة، فتنهدت آسيا بوجه وقالت في صوت مبحوح:
"قلبي موجوع عليها قوي البت، كتر خير فريال."
"العمران بعبوس شديد:"
"ادعيلها ربنا يصبرها."
رددت آسيا من أعماق صدرها "يارب". أما هو فقد استقام واقفًا بعدما سمع صوت حركة ابنه في فراشه الصغير، اقترب منها بكل شوق ولهفة وانحنى عليه يحمله بين ذراعيه ثم يقبله من رأسه هامسًا له:
"أنت مش ناوي تكبر عاد ولا إيه وتنزل مع أبوك الوكالة والشغل وتقف جاري وتساعدني."
وقفت آسيا واقتربت منهم لتقف بجوار عمران وتنظر لابنها الذي ينظر لأبيه بتركيز وكأنه يدرك كل كلمة يقولها، فابتسمت بخفة وقالت له في نعومة:
"متستعجلش عليه ليه يا معلم، مسيره يكبر ويسندك ويقف في ضهرك، وتفرح بيه وبشهادته وتجوزه وتشوف عياله كمان."
نظر لها مبتسمًا وقال مازحًا:
"ربنا يدينا الصحة وأشوف عيال عيالي، عاد أنت شايفة الصحة بقت على قدها يا غزال والواحد ممكن يودع في أي لحظة."
انقبض قلبها على أثر عباراته وهتفت تعنفه برفق وتعاتبه في ضيق:
"متقولش كده ربنا يبارك في عمرك وميحرمناش منك، بعدين صحة إيه اللي على قدها يا معلم ده أنت الله أكبر لسه في عز شبابك."
نظر لابنه وقال مبتسمًا في مرارة وحزن:
"الهم بيكبر ويهد يا آسيا وأنا شايل هم تقيل قوي فوق كتافي، وأبويا الله يسامحه مشيلني الهم حتى بعد مماته."
انحنت عليه واستندت برأسها على ذراعه وهي تتعلق به كأنه طوق نجاتها الوحيد وتقول بحزن وشفقة عليه:
"بعد الشر عليك من الهم، ارمي حمولك عليا وفضفض ومتحملش على روحك، أنا وولدك منقدرش نتحمل لو جرى لك حاجة لا قدر الله."
كان بذراع يحمل ابنه الصغير والذراع الآخر راح يلفه حولها ويضمها إليه متمتمًا في غرام جميل:
"ربنا ما يحرمني منك يا أم الغالي يا حبيبة قلبي."
ثم سكت للحظة وقال مبتسمًا يتصنع الحزن:
"رغم كل ده وهونت عليكي وزودتي عليا الهم بزعلك مني وبعدك عني."
ابتعدت عن حضنه فورًا ورفعت قدميها لتصل لوجهه وطبعت قبلة عاشقة على وجنته ولحيته هاتفة:
"مليش حق يا معلم، بعدين أنت عمرك ما تهون عليا ده أنا كنت بدلع عليك بس، ودلوقتي اعتبرني خلاص من يدك دي ليدك دي."
يضحك بخفة على تدللها عليه وكلماتها الحلوة التي استقرت في قلبه وأسعدته، ثم مال عليها ولثم وجنتيها وجانب ثغرها بقبلات حميمية وعاطفية، فابتسمت هي بحب وسكينة، لكن سرعان ما اختفت تلك السكينة عندما تذكرت الخطر الذي يحاوطه وأنها قررت أن تخبره ولا تخفي عنه، فتنهدت الصعداء بقلق بعدما تبدلت تعبيراتها للجدية وقالت له:
"عمران عاوزة أقولك على حاجة."
نظر لها باستغراب وقلق وهتف:
"حاجة إيه دي؟"
قبل أن تتحدث قطعها صوت رنين هاتفها المرتفع، فخاف أن يستيقظ ابنه الذي نام بين ذراعيها، فاعطاها إياه بسرعة وراح يجيب على هاتفه. كانت تراقبه وهو يتحدث في الهاتف فوجدت الغضب بدأ يحتل تعبيراته وهو يجيب على المتصل بعصبية ويخبره بأنه قادم الآن.
سألته بقلق بعدما انتهى من مكالمته ووجدته يجذب هاتفه ومفاتيحه على عجالة ويهم بالرحيل:
"في إيه يا عمران؟!"
رد عليها بإيجاز وهو يتجه إلى خارج الغرفة:
"مشكلة في الشغل ولازم أروح دلوقتي، خدي بالك من روحك انتي والواد وأنا مش هتأخر إن شاء الله."
وقفت مكانها متسمرة بعدما رحل، بين ذراعيها صغيرها وهم وحيدين في المنزل من جديد. هي حتى لم تستطع أن تحذره من الخطر الذي يلاحقه وتركها ورحل، فور تذكرها لذلك الرجل، وضعت صغيرها في فراشه برفق وهرولت إلى الشرفة لتطمئن أن زوجها غادر بسلام فلم تجد سيارته وعندما نظرت إلى الجانب الآخر وجدت ذلك الرجل وسيارته أيضًا ليست موجودة، فاستنتجت وتوقعت أن ذلك الرجل لحق بعمران، تسارعت أنفاسها ودقات قلبها فزعًا عليه ودخلت الغرفة تلتقط هاتفها تجري اتصالها بعمران، اتصال خلف اتصال وهو لا يجيبها مما أفقدها قدرتها على الوقوف على قدميها من شدة ارتعادها وتوترها.
***
بمكان آخر داخل منزل بلال وحور......كانت تجلس بجواره على الأريكة وتتفحص تعبيراته البائسة حزنًا على شقيقته وابنتها الصغيرة. فرفعت يدها ومسحت على ذراعه وكتفه بنعومة هامسة:
"ربنا يصبرها يا بلال، هي عاملة إيه دلوقتي فريال؟"
رد عليها بعبوس بسيط وهو يتنهد بقوة:
"كويسة الحمدلله بس نفسيتها تعبانة قوي، وروحت بيتها مع جوزها بعد ما خلصنا كل حاجة ودفنا البت."
تمتمت حور بأسف شديد وحزن:
"ربنا يعوضهم خير يا رب."
رفع بلال يده ومسح على وجهه متأففًا بخنق ثم استقام واقفًا وقال لها في نظرة حانية وابتسامة دافئة:
"يلا تعالي عشان أوريكي التجديدات وتشوفي لو في حاجة مش عاجباكي وعايزة تغييرها عشان نمشي قبل ما الوقت يتأخر."
استقامت هي الأخرى واقفة وتقدمت إليه لتقف أمامه مباشرة وتنظر إليه بدلال متمتمة في حب:
"طالما أنت اللي مختارها تبقى هتعجبني أكيد."
قهقه بخفة على دلعها وهمس لها مازحًا:
"بحبك وأنتي بتاكلي بعقلي حلاوة كده."
ابتسمت ابتسامة في ثقة وغرور زادها جمال وأنوثة، ثم سارت معه للداخل يتفقدوا الغرف ويريها التجديدات الأخيرة الذي فعلها باليومين السابقين.
وكمان كانت متوقعة أعجبت بزوقه في اختيار الألوان والأشكال وكل شيء وأبدت عن سعادتها وحماسها الشديد. وقف خلفها يراقب تعبيراتها وهي تتفحص المنزل والغرف وعلى ثغره ابتسامة عاشقة، فانحنى عليها من الخلف وطبع قبلة رقيقة فوق رأسها، فالتفتت له وابتسمت بخجل ثم عاتبته في رقة:
"وبعدين بقى يا بلال قولنا نقعد باحترام لغاية ما نمشي."
ضيق عينيه باستغراب وقال مداعبًا وهو يضحك:
"هو أنا عملت حاجة؟ دي البوسة دي أنا ببوسها لأمي!!!"
ضحكت بقوة عليه واكتفت بضحكتها دون أن تجيبه وتابعت تفقدها لمنزلها المستقبلي وهو خلفها يراقبها ينتظر منها أن تملي عليه أي تعديلات بشأن تجديدات المنزل ولكنها أبدت عن إعجابها الشديد بكل شيء نفذه.
سألها بحب وصوت دافئ:
"إيه رأيك عاجبك؟"
التفتت له ورمقته بحب هاتفة في فرحة:
"جميل أوي يا بلال ربنا يبارك لك فيك وميحرمنيش منك يا حبيبي."
ضمه لصدره بحنو وتمتم في غرام:
"ولا يحرمني منك يا حوريتي، عقبال فرحنا والليلة الكبيرة يا عروسة."
رددت خلفه في استحياء من ضمه لها "يارب" ثم ابتعدت عنه وقالت بجدية بسيطة:
"يلا نمشي عشان منتأخرش وتوصلني البيت."
هز رأسه لها بالموافقة ثم أخبرها بأن تسبقه للخارج وهو سيلحق بها، ففعلت وبعد دقائق معدودة خرج معها وغادروا المنزل واستقلوا بالمصعد الكهربائي الذي نزل بهم إلى الطابق الأرضي حيث مدخل البناية. وبينما كانوا في طريقهم للسيارة استوقف حور صوت رجولي من خلفها يهتف:
"حور!"
توقفت والتفتت خلفها فإذا بها ترى ابن عمتها أمامها، ابتسمت له بود وقالت بكل عفوية:
"عمرو عامل إيه؟"
كان بلال يعرفه ولم يعقب أن يصدر أي رد فعل على سلام زوجته عليه وتصرف بطبيعية تمامًا، حتى لاحظ نظراته المحتقنة له وهو يرمقه بغل وقرف ثم هتف لحور يحاسبها وكأنه والدها:
"انتوا كنتوا مع بعض في الشقة فوق لوحدكم ولا إيه؟!"
............. نهاية الفصل ............
رواية و بالعشق اهتدي الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم ندى محمود توفيق
وصل عمران بسيارته أمام مخزن السمك الخاص بعائلة الصاوي، وخرج من السيارة ثم سار بخطواته مسرعًا للداخل، يضرب الأرض بقدمه في كل قوة وثقة.
وفور دخوله وجد جميع العمال ومساعديه الشباب يجلسون على الأرض وحولهم صناديق السمك الممتلئة. وقف مكانه وراح ينقل نظره بين الصناديق يتفحص السمك بعينه فوجده في حالة جيدة، ثم رفع نظره للشباب وصاح بهم بصوت جهوري نفضهم في الأرض:
"ما هو كل حاجة زين، امال جايبني على ملا وشي ليه منك له؟"
استقام أحد الشباب واقفًا وقال بخوف شديد:
"يا معلم السمك كله مدسوس جوه بطنه كياس بودرة."
اتسعت عينا عمران بصدمة واحتدمت نظراته في لحظة واشتعلت بنيران الغضب المرعبة وصاح وهو يندفع تجاه الصناديق:
"بودرة إيه انتوا اتجننتوا؟ نافخوكم جاية منين البودرة دي؟ انتوا عاوزين تلبسونا تهمة!"
رد نفس الشاب بتوتر وارتعاش:
"منعرفش يا معلم، احنا الطلبية وصلت لينا كده ولما جينا نحسبها ونعد الصناديق ونطمن أن السمك طازة ومش بايظ لقيناه كله بودرة."
جلس عمران أمام الصناديق على الأرض القرفصاء وراح يمسك بالأسماك بين يديه ويفتح بطن كل واحدة تلو الأخرى فيجد داخلها أكياس صغيرة من المخدرات. فصرخ بهم بصوت جهوري وانفعال:
"وانتوا كيف تعدي عليكم حاجة كيف كده؟ انا منبه أن البضاعة تتشيك عليها زين قبل ما التجار يمشوا ولو فيها أي حاجة ترجع معاهم تاني."
رد أحد الشباب بنظرة نارية ومحتقنة بالغيظ:
"يا معلم ده باين له ملعوب وحد قاصد يعمل كده ويلبسك تهمة."
التفت عمران برأسه تجاه الشاب يتطلعها مطولًا يفكر في استنتاجه الذي غاب عن عقله، وأنه على حق فبالتأكيد أن "صابر" هو الذي فعل هذا. ولم يلبث لدقيقة حتى سمع صوت رنين هاتفه، فأخرجه وأحال على رقم مجهول ليأتيه صوت صابر الضاحك وهو يقول بشيطانية:
"إيه رأيك يا معلم في السمك؟ الحج إبراهيم الله يرحمه كان دائمًا توصله الطلبية كده مني ومعاها الحلاوة في الدار كان يوزعها على حبايبه ويستفاد منها بس انت عاد ملكش في الطيب نصيب والحلاوة دي مبصص فيها عشان كده مش ليك وهتروح للحكومة اللي زمانها على وصول دلوقتي واعتبر ده بداية تصفية حسابي طالما انت مش عاوز تصفيه برضاك، هتصفيه بطريقتي أنا عاد."
عصر عمران على أسنانه محاولًا تمالك انفعالاته رغم أن عينيه أظلمت وتلونت بالأحمر من فرط الغضب، ثم خرج صوته الرجولي الخافت الأشبه بصوت فحيح الأفعى وهو يتوعد لصابر بكل شر وغل:
"بتلعب بالنار وانت مش فاهمها وهتطولك وتحرقك. لو فاكر إنك كده كسرت دراعي وهتخليني أهبط لك تبقى متعرفنيش واصل. اللي عملته ده مش هيعدي على خير يا صابر وهدفعك تمنه غالي قوي وخليك فاكر الكلام ده زين، عشان قريب هعرفك على المعلم عمران الصاوي على حق."
لم ينتظر عمران أن يسمع منه ردًا حيث أنهى كلماته وأنزل الهاتف ثم أنهى الاتصال وتحدث للعمال بعصبية صارخًا:
"لموا الصناديق دي يلا بسرعة واطلعوا بيها من الباب الوراني على المخزن التاني من غير ما حد ياخد باله منكم، يلا اتحركوا الحكومة ممكن تقع علينا في أي لحظة."
هرولوا مفزوعين عند ذكره الشرطة وبدأ كل منهم يحمل صندوق بين يديه ويهرول به تجاه الباب الخلفي لينقله إلى المخزن الثاني. وعمران يتتبعهم ويراقبهم بنظراته، ورغم ثباته الظاهر إلا أنه كان مضطربًا أن يتم الإمساك بهم، فلن يكون وحده هو الضحية بل حتى هؤلاء الشباب الأبرياء.
بينما كانوا على وشك نقل آخر صندوق، دخل أحد الشباب من الخارج وهو يركض ويلهث هاتفًا:
"الحكومة وصلت يا معلم."
التفت عمران حوله ونقل نظره بين العمال ثم صرخ بهم بصوت أفزعهم في أرضهم:
"محدش منكم يفضل واقف، كله يطلع من الباب الوراني يلا، هموا كله يطلع يلا."
رد أحدهم بخوف وقلق عليه:
"طيب والصندوق اللي قاعد ده يا معلم؟"
عمران بغضب:
"ملكمش صالح، قلت اطلعوا يلا."
جميعهم انتقلوا لأوامره وخرجوا فارين زارعين من الشرطة باستثناء واحد الذي قرر أن يأخذ الصندوق معه ويضعه مع بقية الصناديق، حتى لا يترك عمران طعمًا وتأخذه الشرطة. وبينما كان على وشك أن يحمل الصندوق، انفتح الباب واقتحمت الشرطة المخزن. تجمد ذلك الشاب مكانه بارتعاش ونقل نظره بين الضابط وعمران الذي رماه بعتاب أنه لم يسمع كلامه وغادر.
اقترب منه الضابط وسأله مبتسمًا بسخرية:
"واخد الصندوق ده ورايح بيه على فين؟"
وقف عمران بكل وقار وهيبة وقال للضابط يجيب بدلًا من الشاب الصغير الذي يرتجف:
"خير يا باشا، إيه سبب الزيارة؟"
التفت له الضابط وقال مبتسمًا بثقة:
"خير إن شاء الله."
ثم التفت برأسه للخلف إلى العساكر وهتف بحزم:
"تعالوا يا ابني شوفوا لي السمك ده كويس وفتشوا المخزن كله."
كان عمران يقف بكل ثبات انفعالي ونظراته الثاقبة تثبت براءته وعدم احترامه بأي شيء سيجدوه. فور تفتيشهم لصندوق السمك، أخرجوا أكياس المخدرات الصغيرة من داخله. فأمسك بأحدهم الضابط ورفعه أمام عمران يسأله باستهزاء وحدة:
"بودرة مرة واحدة يا معلم.. وياترى بقية الصناديق فين؟"
نظر عمران نظرة الاستهزاء وقال بكل برود:
"اهي الصناديق قدامك يا باشا."
استشاط الضابط غيظًا منه وصرخ على العساكر:
"لقيتوا حاجة يا ابني انت وهو؟"
خرج أحد العساكر من إحدى الغرف الصغيرة بالمخزن وقال للضابط نافيًا:
"لا يا باشا مفيش حاجة، المخزن كله نضيف."
التفت الضابط إلى عمران بحقد وصاح بعصبية:
"بقية الشحنة والصناديق فين يا معلم عمران؟ كده أنت هتلبس نفسك في تهمة أكبر."
ابتسم عمران بكل ثقة وقال بنظرة مميتة وصوت رجولي مهيب:
"هو ده كل اللي وصل قصادك يا حضرة الظابط، أنت عايز إيه تاني أكتر من كده؟"
صر الضابط على أسنانه محاولًا تمالك انفعالاته ثم قال لعمران متوعدًا:
"هتعرف في القسم إن شاء الله."
ثم التفت العساكر وأشار لهم بعينه أن يأخذوه هو وذلك الشاب الذي معه على سيارة الشرطة. وقف عمران ثابتًا وبسط ذراعيه أمامه للعسكري الذي قيد يديه وجذبه للسيارة، وهو يسير بكل برود وثقة على الرغم من النيران الملتهبة في صدره وهو يتوعد لصابر بأنه سيذيقه من العذاب ألوانًا.
التفتت حور برأسها تجاه زوجها بعد سؤال "عمرو" المحرج وكأنها تراقب تعبيرات وجه بلال بعد ذلك السؤال. فوجدت نظراته مشتعلة ومغتاظة ثم يجيب على عمرو بحدة:
"آه، كنا وحدينا في حاجة ولا إيه؟"
التفت عمرو لحور وقال بحزم:
"هي حور عارفة في إيه كويس، وإن مهما كان مينفعش تقعد معاك في شقة وحدكم ولسا الفرح متم."
شُغلت بشدة من جرأة ابن عمتها في الحديث عنها هكذا أمام زوجها وأمامه، وراحت تميل بوجهها للجهة الأخرى تتفادى النظر لكلاهما. أما بلال فقد طفح كيله واندفع إلى عمرو يهتف بصوت رجولي مرتفع وهو على وشك الانقضاض عليه:
"وانت مالك وبصفتك إيه تقولها ينفع ومينفعش؟ وهي معايا.. مع جوزها.. سامع جوزها دي حطها في عقلك زين ومتنسهاش لمصلحتك."
ابتسم عمرو ساخرًا ورد يجيب على بلال بغضب:
"الأصول متزعلش.. ولا إيه يا ابن الأصول؟ ومينفعش تطلع وتدخل معاك الشقة كده ولسا الفرح متم."
استشاط بلال غيظًا وغار عليه يجذبه من ياقة ملابسه صارخًا به:
"انت هتعلمني الأصول يعني؟ ولا إيه؟ دي مرتي واللي يفكر يدخل بينا ولا يقولي أعمل إيه ومعملش إيه ولا يحاسبها قصادي يبقى يقول على نفسه يا رحمن يا رحيم، فاهم ولا لا؟"
ارتعدت حور وخشيت أن يزداد الجدال والشجار بينهم أكثر ويصبح خطرًا وعنيفًا، فأسرعت تفرق بينهم وتبعد زوجها عن ابن عمتها هاتفة لبلال:
"خلاص يا بلال عشان خاطري بلاش مشاكل، اهدى هو مش قاصده أكيد زي ما فهمت."
التفت لها بلال ورمقها بنظرة قاتلة أرعبتها:
"قصده أنا فاهمه زين قوي."
التفتت حور إلى عمرو وصاحت به بارتباك شديد وخوف:
"امشي يا عمرو أنت لسا واقف ليه؟ امشي بالله عليك.. امشي بقى بلاش مشاكل."
تنهد الصعداء بخنق ثم امتثل لطلبها وألقى نظرة ملتهبة على بلال قبل أن يستدير ويقترب من دراجته النارية ويركب فوق مقعدها ثم يرحل.
التفت بلال لحور فور انصرافه وهتف بانفعال:
"شافنا كيف وامتى ده.. وهو إيه دخله بينا؟ لا وواقف قصادي يحاسبك؟"
ردت حور محاولة تهدأته بلطف:
"يا بلال عمرو مش قاصده، هو بس بيعزني وخاف الناس تفهم غلط عشان كده بيعاتبني ويقولي ده غلط."
بلال بعصبية صائحًا:
"ما اللي يفهم يفهم، ملناش صالح. احنا مش بنعمل حاجة غلط وانتِ مرتي. أقسم بالله لو كان كتر في الكلام كلمة زيادة معايا لكنت قطعت لسانه في إيدي وخليته يطلع على المستشفى طوالي."
اقتربت منه أكثر وامسكت بكفه في نعومة وضغطت عليه برقة وهي تنظر لعينيه وتترجاه بحب:
"خلاص بقى حصل خير يا بلال عشان خاطري اهدى ومتعصبش نفسك، وخلينا نروح يلا."
ضعف أمام نظراتها وخبرتها فهدأت نفسها الثائرة ورفع يده يمسح على وجهه متأففًا ثم أجابها باستسلام وهدوء محذرًا إياها:
"ماشي يا حور، هعديها عشان خاطرك، بس الواد ده ميبقاش ليكي حديث معاه واصل وياويلك لو اديتيله وش واتكلمتي معاه، مفهوم؟"
هزت رأسها له بالموافقة في خنوع تام وقالت بنبرة مطيعة:
"حاضر زي ما أنت عايز.. يلا بقى."
ابتسم بحب على إطاعتها له دون أي جدال ثم مد يده واحتضن كفها الناعم بين كفه الكبير ثم جذبها معه باتجاه السيارة وفتح لها باب المقعد المجاور له فاستقلت به وهي تنظر له مبتسمة بغرام. أغلق الباب بعدم جلست في المقعد والتف من الجهة الأخرى ليستقل هو بمقعده وينطلق بالسيارة عائدًا إلى منزلها.
داخل منزل خليل صفوان تحديدًا بغرفة خلود.
فتحت إنصاف باب الغرفة لابنتها التي بقيت متسمرة أمام الباب دون حركة وهي تستعيد كل الذكريات التي مرت بها داخل تلك الغرفة بعدما اكتشفت عائلتها علاقتها بزوجها. امتلأت عيناها بعبرات الندم والكسرة، ليتها لم تخن ثقة عائلتها وتغضب ربها فقد خسرت نفسها من أجل ذلك الوغد الذي لا يستحق حتى حبها له.
تنحت إنصاف جانبًا تفسح الطريق لخلود لكي تعبر وتدخل، لكنها وجدتها ثابتة في أرضها لا تتحرك وتنظر للغرفة بأسى ودموعها تسيل فوق وجنتيها بغزارة دون توقف، فخرج صوت إنصاف الحازم:
"ادخلي."
رفعت خلود نظرها لأمها وطالعتها بحسرة وعجز ثم امتثلت لأمرها ودخلت الغرفة بخطوات متعثرة وفور دخولها ارتفع صوت نحيبها وبكائها، ثم استدارت إلى أمها ونظرت لها بكل ندم وأسف وإذا بها تسرع عليها وتجلس على الأرض بجوار قدمها وتهم بالانحناء لتقبيل قدمها وهي تبكي بحرقة تطلب العفو والسماح من أمها هاتفة:
"سامحيني يا ماما.. بتك غلطت وعرفت غلطها وندمانة والله العظيم.. سامحيني."
سحبت إنصاف قدمها للخلف بسرعة قبل أن تطولها خلود وتقبلها، رغم غضبها الشديد وانزعاجها منها إلا أنها تعلم أن شوقها وحبها لابنتها سيغلبها.
استقامت خلود واقفة بعدما سحبت أمها قدمها وانحنت على يدها تمسكها وتقبلها وهي تشهق بصوت مرتفع وتهتف:
"اتوحشتك قوي يا ماما.. واتبهدلت قوي من بعدكم، أنا ربنا عاقبني وتوبت وندمت، لو تعرفي الـ ***** سمير ده كان بيعمل فيا إيه، بصي على وشي وانتي تعرفي العذاب اللي كان بيعذبه ليا، أنا محتاجة قوي سامحيني يا ماما ومتدينيش انتي كمان ضهرك أنا معدش ليا حد خلاص."
صدقت إنصاف النظر في وجه ابنتها وقرأت علامات التعذيب الجسدي التي كانت تتعرض له، ورأت نظرات الندم والشوق في عينيها، فلم تتمكن من حجب نفسها عنها وتمثيل القسوة أكثر، فقلبها يحترق شوقًا وخوفًا عليها كل ليلة وهي تفكر وتتساءل كيف حال ابنتي الآن وماذا تفعل مع ذلك الرجل وكيف يعاملها، والآن كيف تصمد أمامها وهي بهذه الحالة بينما هي كانت تتمنى رؤيتها وضمها لصدرها.
ضمّتها إنصاف لحضنها وراحت تشاركها البكاء الشديد متمتمة وسط صوتها المتقطع:
"بتي.. بتي."
انهارت خلود قواها بين ذراعين أمها وارتفع صوتها أكثر وأكثر ومستمرة في ترديد كلمات الاعتذار والندم، أما إنصاف فكانت مكتفية بالبكاء وضمها فقط. وبعد دقائق أبعدتها عنها واحتضنت وجهها بين كفيها وهي تنظر له بدقة وتقول في ألم:
"كان بيعمل فيكي إيه يا بتي، ليه بس عملتي في روحك كده وضيعتي نفسك وضيعتينا معاك؟"
ردت خلود بأسف وصوت مبحوح يكاد لا يسمع من فرط بكائها:
"حقكم عليا يا ماما، أنا حطيت راسكم في الطين وخنت ثقتكم فيا، وليكم حق تعملوا فيا اللي تعملوه، بس أنا دلوقتي ندمت ومش طالبة منكم غير أنكم بس تحموني منه، أنا لو رجعت له تاني هيقتلني ويخلص عليا واصل."
رفعت إنصاف يده تمسح دموعها بنظرة قوية وترد على ابنتها بحدة وجبروت:
"بعد الشر متقوليش كده.. يقتل مين؟ هي سايبة ولا إيه؟ ده أنا آخد روحه بيدي مش كفاية اللي عمله فيكي وإنه ضحك عليكي، متخافيش أخوكي جارك ومحدش يقدر يقربلك وأنا معاكي وهتفضلي هنا في بيت أبوكي وجدك في الحما والصون."
ابتسمت خلود بفرحة واطمئنان ثم انحنت على يد أمها تقبلها ثانية وهي تقول بشكر وامتنان وحب صادق:
"ربنا ما يحرمني منكم يا ماما انتي و"علي" واصل."
مسحت إنصاف على ذراع خلود بلطف ثم قالت لها بهدوء:
"يلا غيري هدومك وارتاحي وأنا هنزل أشوف أخوكي عمل إيه مع جدك."
هزت خلود رأسها بالموافقة وهي ترسم على ثغرها ابتسامة منطفئة، أما إنصاف فقد استدارت وغادرت الغرفة وأغلقت الباب خلفها لتتركها بمفردها وحيدة وهي تفكر بألف سؤال، وأولهم كان مروان.. ماذا فعل مع سمير وكيف تتواصل معه وتطمئنه عليها.
داخل منزل جلال.
كانت فريال بغرفتها تجلس فوق الفراش وساكنة تحدق في الفراغ بوجه عابس وشارد بعدما تركوها أولادها وذهبوا للنوم. بقيت هي بمفردها لدقائق طويلة نسبيًا حتى دخل الغرفة جلال وهو يحمل فوق يديه صينية فوقها صحون من الطعام المختلف. اقترب منها وجلس بجوارها ثم وضع الصينية أمامها على الفراش وتمتم في حب:
"يلا يا فريال أنا جبتلك الوكل لغاية عندك أهو اتعشى عاد وكُلي."
هزت رأسها بالرفض وأشارت بيدها بالنفي قائلة:
"معوزاش آكل يا جلال مليش نفس."
لوى فمه بضيق ثم أجاب بنبرة حازمة قليلًا نابعة من اهتمامه وقلقه عليها:
"مفيش حاجة اسمها مليش نفس، لازم تاكلي وأنا هاكل معاكي كمان."
نظرت للطعام بانعدام شهية ثم أشاحت بوجهها بعيدًا وقال بصوت ضعيف ووجه ذابل:
"لا مش قادرة شيله من قصادي."
تنهد الصعداء بحنق من عنادها ورفضها الطعام، لكنه رسم البسمة المحبة على ثغره وراح يفرد ذراعه ويلفه حول كتفيها ثم يضمها إلى صدره متمتمًا بحنو مقبلًا رأسها:
"طب حتى كلي عشان خاطري ده أنا عامله بإيدي ليكي، أهون عليكي تضيعي تعبي كده عشانك ومتكليش لقمة حتى؟!"
التفتت له بدفء لكن تلألأت العبرات في عينها وقالت له بأسى:
"مليش نفس لأي حاجة يا جلال!"
زم شفتيه بعبوس ثم أخذ نفسًا عميقًا وانحنى عليها بقبل شعرها ووجهها بقبلات دافئة وهو يهمس لها بصوت رخيم ويبعث الطمأنينة والراحة في القلب:
"معلش يا حبيبتي لازم تاكلي عشان تقدري تسندي طولك وتقفي، لو فاكرة إني ليا نفس تبقي غلطانة أنا هاكل عشان خاطرك وعشان خاطر العيال، انتي شوفتيهم كيف زعلانين عليكي وعلى اختهم، شدي حيلك عاد ومتعمليش في روحك كده."
مالت برأسها على صدره وارتاحت عليها ثم لفت ذراعيها حوله تعانقه بقوة وتقول بنبرة احتياج:
"أنت مش عاوز أكل، عاوزاك جاري يا جلال."
ابتسم لها بعاطفة وراح يلثم رأسها بعدة قبلات متتالية ويهمس بخفوت جميل:
"أنا جارك أهو يا فريالي، متقلقيش طول ما انتي محتاجاني أنا هكون جنبك."
أغلقت عيناها داخل أحضانه وهي تستنشق رائحته وتتشبث به بقوة كأنها تستمد القوة منه. ورغم أن عيناها تذرف الدموع لا إراديًا لكنها مطمئنة وساكنة بين ذراعيه، وهو لم يضغط عليه أكثر في الطعام، وتركها تنعم بشعور الراحة بين ذراعيه وبحضنه حتى تهدأ ومن ثم يعيد إلحاحه عليها ثانية من أجل الطعام.
داخل قسم الشرطة تحديدًا بغرفة أحد ضباط القسم.
كان عمران يجلس على المقعد المقابل لمكتب الضابط ويتعرض للأسئلة المختلفة والمتكررة من الضابط وهو يجيب عليه بنفس الردود بذكاء دون أن يعطيه الإجابة التي يريدها. فهتف الضابط بالنهاية في غضب:
"يا عمران ردودك دي مش هتفيدك كده، الأفضل أنك تعترف على نفسك وتقول وديت بقية الصناديق فين ومين مشترك معاك وبيمولك ويبعتلك المخدرات دي في السمك، ومن امتى كلها دي إجابات هتدعم موقفك."
رد عمران مبتسمًا بثبات ووقار:
"يا باشا أجوب وأعترف على حاجة أنا عملتها لكن حاجة مليش يد فيها أقول إيه، ولا أنت عاد عاوز تسمع مني رد معين؟"
تأفف الضابط بنفاذ صبر وقال بحدة:
"أنت عايز تفهمني إن الشحنة اللي وصلتك كانت الصندوق ده بس ومفيش صناديق تاني أنت مخبيها؟"
أخذ عمران نفسًا طويلًا بكل ثقة ثم اعتدل في جلسته وهندم من عبائته قائلًا بهدوء مثير للأعصاب:
"هو أنا لو وصلت ليا صناديق تاني هداريها ليه؟ ما أنا كده أو كده اتمسكت فخلاص عاد كل المستخبي انكشف، ثم أن أنا قولتلك أنا لو بتاجر صح في المخدرات مكنتش هغلط الغلطة دي واصل اللي تخلي الحكومة تكشفني واتمسك."
رد الضابط بنظرة دقيقة واهتمام:
"قصدك يعني إن كل ده متلفق لك وحد عايز يلبسك تهمة ويأذيك؟"
ابتسم عمران ساخرًا وقال بنظرة كلها دهاء ووقار:
"هتفرق إيه لو قولتلك إنه متلفق صح.. طول ما أنا معيش دليل أبقى متهم قصاد القانون مش كده ولا إيه!"
نظر الضابط الابتسامة وقال باستغراب ونفاذ صبر:
"عليك نور أهو أنت فاهم كويس أوي كده.. مع أني مش فاهم أنت بتبرأ نفسك ولا بتتهمها مرة تقول مش بتاعتي ومرة تقول معيش دليل كلامك متناقض."
أخذ عمران نفسًا طويلًا وأخرجه زفيرًا متهملًا ثم أجاب على الضابط بكل ثقة ورزانة:
"مصير الحق يظهر يا حضرة الظابط وأنا مش هطول هنا كتير متقلقش، اللي عمل كده هيكشف نفسه بنفسه، هو محسبهاش صح لما لفقلي تهمة كده."
راقب الضابط تعبيرات وجه عمران الغريبة ودقق النظر في وجهه بحنق ثم نظر الرجل الذي بجواره وطلب منه أن يكتب في الدفتر أنه سيتم سجن عمران ثلاث أيام إلى أن يتم نقله إلى المحكمة ويتم الحكم عليه في تهمته المتوجهة إليه في الإتجار بالمواد الممنوعة.
كان عمران يستمع إلى كلام الضابط بكل ثبات ونظرات ثاقبة وطبيعية وكان الأمور كلها تسير على ما يرام. ثم استقام واقفًا عندما طلب الضابط من العسكري أن يأخذ عمران إلى زنزانة الحجز. فهب واقفًا ومد يده العسكري الذي قيدها وجذبه معه للخارج. فور خروجه قابل كل من بشار وبلال الذي أسرع إلى أخيه وسأله بقلق:
"إيه اللي حصل؟"
رد عمران بوجه خالي من التعبيرات:
"تلات أيام سجن لغاية ما أتعرض على المحكمة."
هتف بشار بغضب وغل من صابر وهو يتوعد له:
"متقلقش يا ولد عمي هتطلع من هنا، وسابر الـ ***** ده ليه حساب تقيل قوي معانا."
ابتسم عمران بنظرة شيطانية كلها خبث وشر ثم رد على كل من أخيه وابن عمه:
"تقيل معايا أنا لما أطلع وأنا مش هطول هنا."
ثم انحنى على بشار وراح يعانقه متصنعًا الشوق والحزن على الفراق ولكنه في الواقع كان عناقه له لغرض آخر حيث مسك يده ودس بها ورقة وأشار له بعينه في حدة أن يغلق قبضته ولا يظهر شيء. ففعل بشار وابتسم لعمران الذي ابتعد عنه وقال لبلال بجدية وقلق:
"روح لآسيا البيت يا بلال وخدها ووديها بيت أبوي تقعد جاركم ومعاكم وخلوا بالكم عليها وعلى الواد لغاية ما أطلع، وأن قاوت معاك وقالت لأ قولها إن اللي أمرت، ومتخليهاش تروح بين خليل هناك مش أمان."
ربت بلال على كتف أخيه بحكمة وقال بصوت غليظ ورجولي:
"متقلقش مراتك وولدك هيبقوا في الحفظ والصون يا خوي لغاية ما تطلع بالسلامة إن شاء الله، خد بالك من روحك أنت بس والمحامي على وصول دلوقتي وكل حاجة هتتحل."
هز رأسه لهم بالإيجاب والإيجاب ثم أرسل له بعينه مودعًا إياهم قبل أن يستدير ويغادر مع العسكري. وكان يسير مع العسكري وهو يتذكر اللحظة التي غادر بها الضابط الغرفة وتركها لدقائق بمفردها في الداخل فاستغل عمران الفرصة وأخذ ورقة من فوق مكتب الضابط والتقط القلم وكتب تلك الرسالة التي أعطاها لبشار. وفور مغادرته نظر بشار للورقة التي وضعها عمران في يده فرأى بلال ينظر له باستغراب واستفهام فقال له بحزم:
"تعالى برا القسم مش هينفع هنا!"
قادوا خطواتهم إلى الخارج وعند مغادرتهم فتح بشار الورقة ليقرأ ما دونه بها عمران. وبعد انتهائهم من القراءة تبادلوا هم الاثنين النظرات مع بعضهم بابتسامة واسعة التي تحولت لضحكة شيطانية وخبيثة ثم هتف بلال متوعدًا:
"محدش قاله يلعب مع المعلم، يستحمل عاد اللي هيحصل فيه."
قال بشار ضاحكًا وهو يتحرك باتجاه السيارة ويسير بجواره بلال:
"كنسل المحامي يا بلال بعد تخطيط عمران مش هنحتاجه."
فتح بلال باب السيارة بعد وصولهم وقال وهو يستقل بها يكمل المزاح مع بشار:
"عندك حق."
عودة لمنزل خليل صفوان.
كانت غزل تنتظر خروج "علي" من غرفة الجلوس بعد انتهاء حديثه مع جده، وهي تبتسم كلما تتذكر حديث آسيا عندما سردت لها قصة خلود كاملة. مشاعرها الآن اختلفت تمامًا وربما يراودها شعور الحماس الشديد للتعرف على خلود بعدما رأتها، فقد اشتقت عليها وعلى حالها وشعرت بأنها مغلوبة الحال وليست سيئة كما كانت تظنها.
أخيرًا خرج "علي" من الغرفة رغم أن إنصاف ظلت بالداخل مع حمزة. كان "علي" لا يرى أمامه من انزعاجه وضيقه لدرجة أنه لم يراها واندفع إلى الدرج يقصد غرفته بالأعلى بعدما نجح في إقناع جده بصعوبة في إبقاء شقيقته معهم بالمنزل. هرولت غزل خلفه تصعد الدرج ثم أوقفته عند الطابق الثاني بالقرب من غرفته بعدما صاحت منادية عليه:
"علي!"
توقف على أثر صوتها الناعم والتفت لها بجسده كاملًا فوجدها تطالعه بابتسامة ساحرة تسلب العقل ثم تقدمت إليها حتى وقفت أمامه مباشرة وسألته برقة واهتمام:
"جدو قال إيه وافق أن خلود تفضل هنا؟"
ضيق "علي" نظراته من سؤالها ثم هتف بجدية:
"وانتي عرفتي موضوع خلود وقصتها كيف؟"
تنحنت غزل بإحراج بسيط وقالت في خفوت:
"آسيا حكتلي قبل كده من فترة."
هز "علي" رأسه بتفهم ثم تمتم متنهدًا:
"اممم."
نظرت له مطولًا بعين لامعة ثم قالت بابتسامة جذابة:
"تعرف أنت كبرت أوي في نظري النهارده."
رفع حاجبه بتعجب ثم مال ثغره للجانب بابتسامة إعجاب من مدحها له وقال:
"وياترى إيه السبب عاد يا ست البنات؟"
ضحكت بخفة وقالت في نظرة ناعمة ومعجبة:
"هو اللي أنت عملته مع أختك ده مش كفاية يعني إنك تكبر في نظري؟"
مال بوجهه للجهة الأخرى وهو يضحك عليها ثم التفت لها مجددًا وقال مبتسمًا في نظرة مريبة بعض الشيء:
"اللي عملته بس عشان رجولتي مسمحتش إني أسيبها تتعذب كده ومتربتش على كده، لكن لو فاكرة إني سامحتها تبقى غلطانة، اللي عملته خلود ميتغفرش في عرفنا."
أنهى كلماته واستدار ثم قاد خطواته إلى غرفته فقالت غول بصوت منخفض وثقة تامة:
"هتسامحها."
ثم صاحت منادية عليه قبل أن يدخل غرفته فتوقف هو والتفت له يقول مازحًا وهو يتصنع الحنق منها:
"وبعدين معاكي عاد أنا تعبان وعاوز أرتاح."
زم شفتيها بعبوس بعدما ظنت أن منزعج منها حقًا وقالت بتراجع:
"كنت هقولك على حاجة مهمة على فكرة."
قهقه بخفة وتمتم في لطف:
"قولي يا غندورة أنا كنت بهزر معاكي."
تقدمت إليها حتى أصبحت لا يفصلها عنه سوى سنتيمترات وقالت مبتسمة في خجل وهي تتفادى النظر لوجهه:
"أنا معنديش boyfriend، اللي كنت بكلمه ده كان صديقي بس مش أكتر."
رفع حاجبه ومال ثغره في ابتسامة ماكرة ثم تمتم بإعجاب:
"وأنتي بتقوليلي الكلام ده دلوقتي ليه؟"
غزل باستحياء بسيط:
"عشان أنت كنت مضايق من الموضوع وبتتخانق معايا بسببه."
تجاهل الرسالة التي أوصلتها له من خلال اعترافها بأنها ليست في علاقة مع ذلك الشاب أنها مهتمة بانزعاجه منه ولا تريده أن يغضب وتحاول إرضائه وقال غامزًا لها بضحكة رجولية ساحرة:
"طب ما أنا عارف إنه مش boyfriend."
اتسعت عيني غول بصدمة وسألته بفضول وعدم فهم:
"what, عارف ازاي يعني؟!"
طالعها بطرف عينه وهو يستدير ليكمل طريقه لغرفته وقال بعبث مفضلًا الاحتفاظ بالإجابة لنفسه:
"تصبحي على خير يا غندورة."
بقت متسمرة مكانها تراقبه وهو يتجه لغرفته حتى توارى عن انتظارها داخل الغرفة، وهي تتساءل بفضول وحيرة شديدة.. كيف عرف ومتى ولماذا لم يخبرها؟!.
كانت آسيا داخل المنزل تجوب الصالة إيابًا وذهابًا وتحمل بين ذراعيها طفلها الصغير الذي يبكي وتحاول إسكاته بهزها له وضمه لصدرها. وبين كل هذا كان قلبها يرتجف خوفًا عن زوجها الذي لم تحصل على خبر منه حتى الآن وهاتفه مغلق. تلك الوساوس الشيطانية لا تغادر عقلها وهي لا تريد الاستماع إليها وتصديقها، وتحاول تهدأ روعها مرددة أنه بخير وسيعود سالمًا لها ولابنه. وسط الضغط وتفكيرها بعمران وخوفها عليه واهتمامها بابنه انهارت باكية بعجز وراحت تنظر لابنها تحدثه كأنها ناضج ويسمعها ويفهمها:
"أبوك بخير يا سليم مش كده.. أنا خايفة قوي عليه ومش عارفة أعمل إيه.. أتصل بمين طيب ولا أطمن عليه إزاي.. بس هو أبوك كويس أنا متأكدة وكمان شوية هيرجع البيت ولما يرجع أنا هزعل وهاخد منه موقف شديد على القلق اللي هو سايبني فيه، بس أنا كمان غلطانة إني مقولتهوش على الراجل اللي بيراقب البيت وبيراقبه، أنا السبب يا سليم."
سمعت صوت طرق الباب فتهللت أساريرها واتسعت عيناها بفرحة وقالت لابنها بحماس شديد وسعادة:
"أهو أبوك جه أنا مش قولتك هيرجع."
وضعت ابنها في سريره الهزاز برفق وهرولت مسرعة تجاه الباب في شوق وحماس وفتحت الباب وهي تضحك باتساع ووجه مشرق مستعدة لاستقبال زوجها، لكنها صدمت برؤية بلال أمامها فتلاشت ابتسامتها تدريجيًا وتجمدت تعبيراتها واحتل محلها الارتعاش والقلق فراحت تسأل بلال بصوت مرتجف:
"عمران بخير صح، طمني وقولي إنه كويس يا بلال أبوس إيدك."
هتف بلال فورًا مبتسمًا ليهدأ من روعها ويطمئنها:
"عمران زي الفل والله اهدى متخافيش."
ارتخت عضلاتها المتشنجة وسألته باستغراب وعدم فهم:
"امال هو فين مرجعش البيت ليه؟!"
قبل أن يجيبها سمع صوت بكاء ابن أخيه الصغير فقال له بحنو:
"روحي شوفي الواد وهقولك كل حاجة جوه وأفهمك."
دخلت إلى الصالة لتحمل طفلها بين ذراعيها من جديد وهي مازال القلق والخوف مستحوذ على قلبها طالما لم تر زوجها بعينها حتى الآن. راحت تنظر لبلال بترقب منتظرة منه أن يبدأ في أخبارها بكل شيء وأين زوجها، فتنهد هو الصعداء مطولًا وقال بهدوء ليجعلها تشعر أن الأمر ليس بالخطورة التي ستظنها:
"فيه راجل بينه وبين عمران مشاكل وبيكرهه وعاوز يأذيه، فعمله كمين ولفقله تهمة بودرة ومخدرات في السمك اللي وصل امبارح، وبلغ عليه والحكومة أخدت عمران..."
لم تتركه آسيا يكمل سرده لها وراحت تضرب فوق صدرها وتصيح بصدمة وخوف:
"ياترى حكومة إيه اللي أخدته ومخدرات كيف؟"
بلال بجدية:
"عمران كويس يا آسيا قولتلك، وهيطلع منها كلها يومين بالكتير ويكون طلع مش هيلحق يتعرض على النيابة."
امتلأت عيناها بالعبرات وقالت مولولة:
"نيابة!!.. ياريتني قلت له وحذرته مكنش ده هيحصل، أنا عاوزة أشوفه يا بلال."
"مينفعش دلوقتي يا آسيا وأنا بقولك يومين ويرجعلك متقلقيش."
انهارت باكية وهتفت بارتعاش حقيقي:
"مقلقش كيف وانت بتقولي اتقبض عليه ومتلفق ليه تهمة كبيرة؟"
بلال بثقة ونبرة رجولية:
"فكرك إني هسيب أخويا يتسجن عشان اتلفق ليه تهمة وهو مظلوم، اطمني عليه هو بس طلب مني آجي وأخدك ونروح بيت أبوي عشان هنا مش أمان ليكي انتي والواد تقعدوا وحدكم."
هزت رأسها بالنفي وقالت بصوت مبحوح بسبب بكائها:
"لا أنا مش هروح مكان ولو اتحركت من بيتي هروح بيت أبويا مش هروح بيت الصاوي وأقعد فيه من غير جوزي."
بلال بحزم محاولًا إقناعه بحكمة:
"يا آسيا عمران اللي منبه كده عليا، وهو عنده حق دلوقتي ليكي أكتر في بيت أبويا، اسمعي الكلام عاد وروحي يلا لمي هدومك انتي والواد عشان نمشي."
لم تكن في حال لتجادل كثيرًا معه فهمها يكفيها وكل تفكيرها منصب على زوجها وقلبها منفطر عليه من الخوف والحزن، فنظرت لبلال وقالت له برجاء:
"قولي الحقيقة يا بلال اوعاك تداري عليا، عمران هيطلع منها صح؟"
أجابها بلال بإيجاب:
"هيطلع إن شاء الله اطمني."
رفعت أناملها لوجهها وجففت دموعها ثم استقامت واقفة واتجهت لغرفتها لكي ترتب ملابسها وتجمع ملابسها هي وابنها في الحقيبة وتذهب مع بلال امتثالًا لأوامر زوجها، وبينما كانت ترتدي ملابسها انهارت على الأرض تبكي بشدة مرددة اسمه من بين بكائها، وشعور الخوف يأكلها من الداخل أن لا يعود لها ثانية.
صباح اليوم التالي داخل منزل حور.
خرجت من غرفتها بعدما استيقظت من نومها وغسلت وجهها وكانت بطريقها للصالون فسمعت صوت رجولي غريب قادم من الخارج وعندما دَققت في ذلك الصوت تعرفت عليه أنه كان لابن عمتها عمرو، فغضنت حاجبيها باستغراب من قدومه بذلك الوقت وتحديدًا بعد حادثة الأمس وارتعدت بشدة من أن يكون قد أخبر والدها بشيء، فأسرعت إليهم وعند وصولها وقفت عند بداية الصالة تنقل نظرها بين أبيها وعمرو بارتباك شديد ورعب. وما زادها اضطرابها نظرة والدها الغريبة لها وهو يقول بجدية:
"تعالي يا حور اقعدي!"
منزل خليل بغرفة غزل.
خرجت من الحمام على صوت طرق الباب وعندما سألت من الطارق جاءها الصوت من إنصاف فسمحت لها بالدخول.
دخلت إنصاف وهي مبتسمة بإشراقة وجه كبيرة ثم قالت لغزل:
"صباح الخير يا حلوة."
ابتسمت غزل على طريقتها المختلفة والغريبة وردت عليها برقة:
"صباح النور يا طنط اتفضلي."
دخلت إنصاف وجلست على الفراش ثم أشارت إلى غزل أن تجلس بجوارها، فضيقت غزل عيناها باستغراب لكنها امتثلت وفعلت بصمت دون اعتراض أو حتى سؤال وراحت تجلس بجوارها وهي مازالت تحتفظ بابتسامتها، فوجدت إنصاف تقول لها في حماس:
"أنا جايه اتكلم معاكي في موضوع كده؟"
سألت غزل بحيرة:
"موضوع إيه؟"
تنحنت إنصاف وهي تبتسم بخبث وتقول لها غامزة:
"خير إن شاء الله.. عريس؟"
غضنت حاجبيها بعدم فهم وتمتمت ببساطة تحاول الفهم:
"عريس إيه ولمين؟"
إنصاف بضحكة قوية وهي ترد عليها ساخرة:
"ليكي يا بت هيكون لمين يعني."
غزل بدهشة وهي تضحك بازدراء:
"what, ليا أنا!!.. وياترى مين بقى ده يا طنط؟"
إنصاف بثقة في فخر وهي تمدح ابنها بلؤم:
"سيد الرجال كلهم.. "علي" ولدي."
نهاية الفصل.
رواية و بالعشق اهتدي الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم ندى محمود توفيق
اتسعت عيني غزل بصدمة بعدما سمعت اسم الرجل الذي يريد الزواج منها. تقولها إنصاف بكل بساطة وفخر وكأن الأمر طبيعيًا، وهي لا تدري ما يجول بذهن غزل الآن. "علي" كان آخر رجل تتوقع أنه سيرغب بها بعد كل الشجارات والجدالات التي بينهم. هما تمامًا كقطبين متنافرين، هو بالشرق وهي بالغرب. بل أن السؤال الحقيقي الآن كيف يريد الزواج منها؟ هل هو من طلب هذا أم أمه تقترح مجرد اقتراح دون أن يعرف ابنها؟ وإن كان هو الذي طلب.. فلماذا؟
فاقت من صدمتها بعد لحظات طويلة وتطلعت في إنصاف بعدم استيعاب، ثم انطلقت منها ضحكة عالية وردت باستهزاء:
"no way.. أنتي أكيد بتهزري ياطنط إنصاف صح؟"
تعجب إنصاف من ضحكها وسخريتها فردت عليها بكل جدية:
"وهو الحديت ده فيه هزار!! إيه اللي بيضحكك عاد؟!!"
اتسعت عيني غزل بعدم تصديق بعدما أكدت لها أن الأمر جاد ولا تمزح. فضحكت بصمت تحاول استيعاب ما يحدث، ثم راحت تسألها بفضول وعدم فهم:
"ثانية واحدة ياطنط معلش، هو علي ميعرفش بالكلام ده صح وانتي لسا هتفتاحيه فيه وانتي بس بتعرضي عليا وبتشوفي رأى مقدمًا قبل ما تتكلمي معاه، right؟"
كان دور إنصاف هذه المرة حيث انطلقت قهقهتها عاليًا على سذاجة تلك الفتاة وعفويتها. ثم اجابتها وسط ضحكتها بازدراء:
"وهو ينفع نتكلم مع العروسة من غير ما يكون العريس عارف يابت، انا معرفش أنتي كنتي عايشة كيف في أمريكا ولا إيه عاداتكم هناك عاد، بس إهنه ياغالية العريس يا أما حد من ناسه بيرشح العروسة ليه وبيشوفها وبعدين بنكلم العروسة وهي تشوفه كمان وناخد رأيها يا أما بيكون هو شافها وعچبته وبيروح يقول لناسه أنه عاوزها كيف ما حُصل مع ولدي دلوك."
عباراتها الأخيرة جعلت غزل ترمش بعينيها عدة مرات في دهشة، ثم سألتها سؤال ساذج لتتأكد مما سمعته:
"يعني أنتي قصدك أن "علي" هو اللي طلب منك أنك تتكلمي معايا وتاخدي رأي؟!!"
إنصاف بنفاذ صبر وهي تضحك:
"أيوة امال هيكون مين يعني، أنتي مالك إكده بقى فهمك على قدك يابت؟!!"
عادت تسأل مرة أخرى بكل بلاهة:
"معقول يعني هو اللي عاوز يتجوزني؟!"
ضربت إنصاف كف على كف مغلوبًا ومتعجبة منها مرددة بصوت مسموع:
"لا حول ولا قوة إلا بالله.. أنا عارفة أن ولدي وسيم مش لدرچة تتصدمي إكده يعني."
مالت غزل بوجهها للجهة الأخرى واتغنست في صدمتها تفكر بالأمر من جميع جوانبه، وتحاول تخمين سبب طلبه الزواج منها. وكلما تقذف في ذهنها احتمالية أو فكرة إعجابه بها وحبه لها تحركها فورًا رافضة تصديقها. فهي لم تكن تتخيل أبدًا أن "علي" يكن لها المشاعر في قلبه وكانت دائمًا تنظر له على أنه لا يستلطفها ويكرهها.
قطع حبل أفكارها صوت إنصاف وهي تسألها بحماس وابتسامة عريضة:
"هااا قولتي إيه يا عروسة نقول مبروك ولا إيه؟"
انتفضت في جلستها كالتي لدغتها عقرب وردت على إنصاف بسرعة في ارتباك وخجل:
"لا لا لا مبروك إيه.. أنا لسا هفكر وممكن أرفض كمان."
تجهم وجه إنصاف فورًا واختفت بسمتها مندهشة من ردها. ثم اجابتها بقوة بعد لحظات من الصمت وهي تهب واقفة وتمسح على ذراعها:
"طيب فكري براحتك ياحبيبتي، بس خليكي عارفة أنك مهما تلفي وتدوري مش هتلاقي راچل احسن من ولدي يصونك ويحبك ويحافظ عليكي، وأهو القريب احسن من الغريب وده واد عمك ومن دمك ومحدش هيخاف عليكي زيه."
أنهت إنصاف كلماتها ثم استدارت وسارت لخارج الغرفة تترك غزل وحدها غارقة في تفكيرها ومحاولاتها لاستيعاب ما حدث للتو، لا تفكر في رد بالموافقة أو الرفض الآن بل تحاول أن تدرك الأمر أولًا ومن ثم تفكر كيف ستتصرف.
***
بمكان آخر داخل منزل حور.
تقدمت إلى والدها بخطواتها المرتبطة بعدما طلب منها أن تشاركهم في جلستهم. فاقتربت حتى جلست بجواره على الأريكة ثم رفعت رأسها ونظرت لابن عمتها "عمرو" بخزي وضيق. أما هو فكان يتفادي النظر إليها وكأنه لا يراها غير مكترثًا بالموقف الذي تركها فيه أمام والدها. كانت هي متيقنة من أنه أخبر والدها بما حدث عندما رأت تعبيرات وجه والدها المنزعجة. وما هي إلا لحظات معدودة حتى سمعت صوت والدها وهو يقول بحزم بسيط:
"عمرو حكالي على اللي حصل."
أطرقت حور رأسها بإحراج وقلق من رد فعل والدها. بينما أبيها فتابع بضيق:
"مهما كان تصرف عمرو إيه بس هو بيعتبرك زي أخته وكان مهتم لأمرك وعشان كدا معجبهوش اللي شافه وهو معجبنيش أنا حتى."
تشجعت ورفعت رأسها تجيب على والدها بنبرة مهذبة وسط نظراتها المحتقنة لعمرو:
"طيب يابابا ممكن نتكلم جوا وحدنا وأنا هشرحلك وافهمك كل حاجة لاني مش حابة اتكلم قدام حد في حاجة حساسة زي كدا تخصني أنا وجوزي."
ضغطت بقوة على كلمة "جوزي" أمام عمرو لتظهر له حزمها وانزعاجه الحقيقي منه. أما والدها فالتفت برأسه إلى عمرو الذي هب واقفًا فورًا بعد سماعه تلك العبرات من حور وقال لخاله:
"طيب ياخالي انا هستأذن بقى عايز حاجة منيرد والد حور بدفء:
"خليك يابني اتعشى معانا."
عمرو مبتسمًا بلطف:
"لا مرة تاني أن شاء الله وكمان عشان حور تاخد راحتها في الكلام معاك."
هز رأسها بالموافقة وودع ابن أخته بعينيه مبتسمًا له. أما حور فقد استقامت واقفة وقالت لوالدها على عجالة:
"لحظة يابابا أنا هروح اقول لعمرو حاجة وارجعلك."
لم يهمل والدها الفرصة ليعترض أو يسألها عن ماذا تريد أن تتحدث مع ابن عمتها. اندفعت خلف عمرو مسرعة ونادت عليه عند باب المنزل بالضبط قبل أن يفتحه وينصرف:
"عمرو استنى."
توقف على أثر صوتها والتفت لها ليقف بكل ثبات وشموخ ينظر لها بثقة منتظرًا أن تبدأ في الحديث. أما هي فرمقته بغيظ وقالت بخزي:
"تعرف أنت نزلت من نظري أوي بعد اللي عملته ده، بجد لو كان في خاطر ليك عندي للعشرة اللي بينا وأنك ابن عمتي وكنا في يوم من الأيام اكتر من اصحاب فحتى دي خسرتها."
أجابها بغل وغيرة:
"خسرتها ليه عشان عرفتك غلطك وكنت خايف عليكي."
صاحت بعصبية في أول جملة لكن سرعان ما تحكمت في نظرتها حتى لا تصل لمسامع أحد من عائلتها:
"خايف عليا من إيه.. ده جوزي بعدين أنت مالك نقعد في شقتنا ولا في الشارع حتى أنا مش صغيرة وعارفة الصح من الغلط، ولو في حد ليه الحق أنه يعرفني غلطي فهو بابا مش أنت، وبعدين متضحكش على نفسك وعليا أنا مش عبيطة وفاهمة أوي أنت عملت كدا ليه.. قال خايف عليا!!"
تبدلت تعابير وجهه بعد عباراتها الأخيرة لكنه تصرف ببرود واجابها ضاحكًا بسخرية:
"اللي بتفكري فيه ده مش صح ومتحطيش الخرفات دي في عقلك."
ضحكت باستهزاء وهي في قمة انفعالها، ولأول مرة تشهر عن أنيابها الشرسة وتقول بنظرة نارية وكلها تحدي:
"بابا اللي أنت جاي تشتكيله عشان تعمل مشاكل بيني وبين جوزي وهو فاكر انك بتعتبرني زي اختك وخايف عليا، لو عرف أن أنت كل همك أنك تخرب بيني وبين بلال بسبب حقدك وغيرتك أني وافقتش عليك لما اتقدمتلي.. هيقول إيه، صدقني أنا مش عايزة اعمل مشاكل واجيب سيرة لبابا ولا بلال حتى أن أنت بتعمل كدا ليه فبلاش أنت اللي تبدأ المشاكل وتضطرني اتصرف تصرف مش لطيف ياعمرو."
ابتسم بسخرية رغم غيظه من تهديدها الصريح له:
"أنتي بتهدديني كمان؟!"
حور بكل ثبات وقوة:
"لا أنا مش بهددك أنا بحذرك وبعرفك عواقب تصرفاتك دي إيه، صدقني بلال أنا حوشته عنك بالعافية النهاردة فمتضطرنيش احكيله واحكي لبابا على كل حاجة."
مسح على وجهه بغيظ ثم تأفف بقوة وقال بعصبية:
"قولتلك أنا مفيش حاجة من ناحيتي وكل ده خرفات، ومتخافيش مش هتضطري تحكي لحد حاجة.. أنا غلطان إني فكرت فيكي وحبيت اوعيكي، اعملي اللي تعمليه انا مليش دعوة بيكي بعد كدا تاني."
أنهى عباراته ثم التفت بجسده تجاه الباب وفتحه لينصرف وترد هي من خلفه بصوت مسموع في حنق:
"ياريت برضوا يكون أفضل."
***
داخل منزل إبراهيم الصاوي.
فتح بلال الباب ثم دخل وهو يحمل بين يديه حقيبة ملابس زوجة أخيه وافسح الطريق لها لكي تدخل. دخلت آسيا وهي تحمل ابنها الصغير في حضنها وكان جميع العائلة بالصالة. وفور رؤية إخلاص لبلال وثبت واقفة بلهفة لتسأله عن حال ابنها وتطمئن عليه، لكنها تجمدت عندما رأت آسيا تدخل خلفه. نقل بلال نظره بين زوجة أبيه وأمه وعمه في جدية ثم قال موضحًا لهم الأمر عندما رأوا حقيبة ملابس آسيا في يده وصابهم الفزع:
"متقلقوش عمران بس طلب مني اجيب آسيا هي وسليم إهنه عشان يبقوا في آمان ويطمن عليهم."
كانت آسيا في عالم آخر تنظر لابنها وعيناها غارقة بدموع الندم وهي لا تتوقف عن لوم واتهام نفسها بأنها السبب في سجن زوجها؛ لأنها لم تحذره واخفت عليه ما تعرفه. فاقت على صوت عبد العزيز وهو يقول لها بلطف:
"تعالي يابنتي خشي واقفة عندك إكده ليه؟!"
تحركت آسيا باتجاه الأريكة وجلست عليها وهي شاردة الذهن ولم تكترث بإخلاص بذرة واحدة فـ همها يكفيها. أما إخلاص فبرغم حنقها من آسيا وكرهها لها المستمر إلا أنها لم تصدر أي ردة فعل لأجل ابنها. فقد عزمت النية وأخذت عهدًا على نفسها أن تعامل زوجته بكل حسنة لكي يسامحها ولا تخسره مجددًا.
نظر عبد العزيز لبلال الذي اقترب وجلس بجوار أمه وهو يتنفس الصعداء بضيق. وقبل أن يسأله سبقته إخلاص وهي تسأله بخوف ودموع في عينيها:
"أخوك عامل إيه يابلال، طمني وقولي أنه هيطلع منه."
نظر لها وقال مبتسمًا بثقة وهدوء:
"متقلقيش يامرت أبويا هيطلع أن شاء الله يومين بالكتير ويرچعلنا."
ضيق عبد العزيز عينيه باستغراب من ثقة بلال التامة وهو يتحدث وشك بأن هناك أمور خفية لا يعرفها. فراح يهتف لبلال بصوت غليظ:
"تعالي يابلال في اوضة الجلوس ورايا عاوزك في كلمتين."
أجابه بكل طواعية قبل أن يستقيم واقفًا:
"حاضر ياعمي."
كانت عفاف تنظر لآسيا الجالسة بجوارها من الجهة الآخرى وقالت لها بجفاء نابع من حقدها عليها:
"قومي يابت خليل ريحي في أوضة چوزك فوق ونومي ولدك على السرير، متقلقيش مهو بلال قالك هيطلع منها."
صمت قاتل لمدة خمس ثواني مر بينهم وهم في انتظار الرد من آسيا. التي كانت كفتيل قنبلة تنتظر أن يشعلها أحد لتنفجر بالجميع. إن وافقت ودخلت ذلك المنزل مجددًا فهو فقط لخاطر زوجها وهو في محنته حتى لا يكون بين الحوائط الأربعة منشغل بها وبابنه. لكن يبدو أنها سيتحتم عليها أن تشهر عن ردائها الشرير أمام هؤلاء الوحوش حتى لا يلتهموها. فالحزن والضعف الذي أظهرته للتو لن يجلب لها سوى المتاعب.
التفتت فجأة بوجهها إلى عفاف والذي كان يشبه وجه الأشباح تمامًا بسبب تعبيراتها المرعبة. وراحت تجيب على عفاف منذرة إياها بصوت مريب:
"ميغركش الحال اللي أنا فيه ياعفاف وحزني على چوزي، لساتني آسيا زي ما أنا، يعني تيچي عندي تقفي وتحطي مية خط، والكلام للكل مش ليكي وحدك أنا إهنه ليومين بس لغاية ما يطلع چوزي وبعدين هرچع بيتي.. فحاولوا متتعاملوش معايا واصل لغاية ما امشيه."
هبت إخلاص واقفة وتجاهلت كلماتها حتى لا تخلف وعدها مع نفسها وتدخل في شجار معها. ثم اقترب من آسيا وانحنت تهم بحمل حفيدها لكن آسيا ضمت ابنها لحضنها بتلقائية تحميه من جدته. التي نظرت لها بغضب وقالت:
"چرا إيه يا آسيا هاتي واد ولدي اشيله.. اتوحشته، أنتي هتحرميني منه ولا إيه، مش كفاية حرمتيني من أبوهم."
مدت آسيا يدها بابنها تعطيه لجدته وهي ترد عليها مبتسمة بسخرية وقوة:
"لا أنا محرمتش حد من حاچة.. أنتي اللي حرمتي نفسك من ولدك بعمايلك."
إخلاص بحنق ووجه عابس:
"خلاص عاد اللي فات مات معدش له لزمة نقلب في القديم دلوك وولدي في المصيبة دي، اطلعي ريحي وأنا هقعد مع سليم شوية وبعدين هطلعه ليكي."
ردت آسيا بعناد ونظرة حادة:
"لا أنا مبعرفش أنام من غير ما يكون ولدي چاري، هستناكي لغاية ما تشبعي منه وبعدين اخده معايا فوق على اوضتي وننام أنا وهو."
رمقتها إخلاص بغيظ أنها لا تستأمنها على حفيدها وكأنها ستأذيه ولا تريد أن تتركه معها وحده. لكنها للمرة الثانية تتمالك أعصابها ولم تبدي ردة فعل بل تصرفت بلامبالاة وجلست على المقعد وهي تحمل حفيدها بين ذراعيها وراحت تقبله بحب وحنان وتحدثه وهي تضحك وسعيدة برؤيته. في حين أن عفاف وآسيا كانوا يتبادلون النظرات النارية فيما بينهم.
***
داخل غرفة خلود بمنزل خليل صفوان.
منذ أن وصلت للمنزل وهي بغرفتها لم تخرج منها، وكل من يريدها يدخل لها ولكنها لا تخرج. مشاعر ما بين الخوف والخجل من النظر في وجه عائلتها وبالأخص جدها وأخيها كانت تسيطر عليها. والآن هي شاردة الذهن تفكر فيما سيحدث وكيف سيتصرف أخوها مع زوجها وكيف ستتخلص منه. وبين كل هذا كان قلقها على مروان يمزق قلبها، والرعب يستحوذها من أن يخبره سمير بكل شيء. تفكر في الاتصال به والاطمئنان عليها وتخبره بأنها بخير ولكنها تخشى أن تكون كذبتها قد انكشفت.
حسمت قرارها بالنهاية وقررت الاتصال به فشوقها وخوفها عليه كان أكثر من أي شعور آخر. التقطت هاتفها وآجرت اتصال به ثم وضعت الهاتف على أذنها تسمع صوت الرنين في انتظار الرد منه. وبعد طول انتظار آخيرًا وصلها صوته المتلهف وهو يجيبها:
"خلود فينك كل ده أنا كنت هتجنن من القلق عليكي ومش عارف اوصلك."
رغم اضطراب نبضات قلبها من مجرد سماع صوته إلا أنها ابتسمت بحب على كلماته واعترافه بقلقه عليها. فردت عليه برقة:
"أنا بخير الحمدلله يامروان متقلقش أنت عامل إيه طمني عليك؟"
أجابها متنهدًا براحة:
"الحمدلله تمام.. انتي في بيت أهلك؟"
ردت خلود بالإيجاب ثم سألته بعبوس:
"أيوة.. مفيش أي أخبار عنه؟!"
مروان بغضب شديد ووعيد:
"مفيش.. بس متقلقيش مش هنستنى لغاية ما نخلص أوراق القضية ولا غيره.. هخليه يطلقك غصب عنه ويجي برجله على المأذون ويرمي عليكي يمين الطلاق وتاخدي حقك تالت ومتلت منه كمان."
تهللت أسراريرها ورغم استغرابها إلا أنها قالت بحماس:
"صُح يامروان.. كيف هتعمل إكده طيب؟"
مروان بنبرة رجولية حانية:
"ملكيش دعوة بقى أنتي.. هو مش ابن عمي للأسف أنا عارف هخليه يطلقك ازاي ال**** ده، بس محتاج منك تخليني اقابل اخوكي واتكلم معاه عشان افهمه اللي اعمله ويكون عارف انا بعمل إيه، طالما بقوا موجودين دلوقتي فلازم اهلك يكونوا على علم واخد رأيهم الأول."
ألزمت شفتيها بعبوس عند ذكره أخيها وقالت له بتوتر:
"اقوله كيف يامروان بس.. "علي" من وقت اللي حُصل في الفندق وهو مش حابك واصل ومقدرش أجيب سيرتك قصاده تاني."
يضحك بخفة وأجابها بمرح مبتسمًا:
"ليه كل ده بس.. على العموم ياستي متخافيش قوليلوا بس اني كلمتك واصريت عليكي تخليني أكلمه ولما اشوفه أنا هبقى اخليه يحبني، وفهميه أنا عايزه ليها."
أخذت نفسًا عميقًا مغلوبة ثم أجابته بالموافقة:
"حاضر يامروان بكرا هكلمه واديك رقمه تكلمه وتتفقوا وتتقابلو."
مروان بصوت رزين:
"تمام زي الفل هستنى مكالمة منك بكرا."
خلود بنعومة:
"أن شاء الله.. تصبح على خير."
رد بنبرة دافئة تضمر في ثناياها الحب والاهتمام:
"وانتي من أهله.. خلي بالك من نفسك ياخلود."
ابتسمت بخجل ثم أجابته في خفوت:
"حاضر.. يلا سلام."
ودعها ولم يرد أن ينهي هو الاتصال بل انتظرها أن تنهيها هي. ثم انزل الهاتف من على أذنه وهو ينظر لشاشات ويتنهد بشوق وعينان تلمع بوميض العشق وهو يتمتم:
"شقلبتي حالي ومبقتش عارف اتحكم في قلبي ياخلود."
***
داخل منزل جلال.
فتحت فريال عيناها في الظلام بعدما استيقظت من نومها في تمام الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل. مدت يدها بجوارها على الفراش تطمئن بوجود زوجها بجوارها ولكن وجدت يدها تسقط في الفراغ على الفراش. فضيقت عيناها باستغراب وبسرعة راحت تمد يدها لتشعل إضاءة الغرفة وتضغط على الزر فتنير الإضاءة الغرفة كلها. راحت تلتفت فريال حولها تبحث عن جلال الذي لا أثر له، لا تعرف لماذا انقبض قلبها خوفًا كطفلة صغيرة تركها والدها ورحل. استقامت من فراشها واقفة واتجهت إلى الحمام ثم طرقت عدة طرقات خفيفة وسط صوتها وهي تنادي عليه:
"چلال أنت في الحمام؟"
لم يصلها رد منه ففتحت الباب ووجدت الحمام فارغ. ازداد قلقها أكثر واندفعت بسرعة للخارج تذهب أولًا لغرفة أولادها تطمئن عليهم. لا تعرف ماذا يحدث لها منذ أن فقدت طفلتها ولكنها أصبح لديها هوس الفقد والخوف من أن تفقد أحد أفراد عائلتها ثانية. فتحت باب غرفة الأولاد فوجدتهم نائمين في أفرشتهم بعمق، فتنهدت الصعداء براحة وأغلقت الباب مجددًا في حذر حتى لا توقظهم. ثم اتجهت إلى الصالة لتبحث عن زوجها وهي تصيح منادية عليه بصوت عالي نسبيًا:
"چلال أنت فين؟!"
بحثت عنه في المنزل كله ولم تجده، فتسارعت نبضات قلبها وانفاسها أصبحت غير منتظمة. تفكر بقلق إلى أين ذهب في هذا الوقت من الليل، فقد كان بجوارها بعدما تناولوا عشائهم وهي نامت بين ذراعيه. ماذا حدث وجعله يخرج من المنزل في هذا الوقت المتأخر.
عادت إلى الصالة مجددًا بعدما تأكدت أنه ليس بالمنزل وجلست على الأريكة وراحت تدفن وجهها بين كفيها تطلق زفيرًا حارًا بتوتر. وقدميها تهتز بعنف دون توقف من فرط قلقها عليه، أما عقلها لا يتأني لحظة في خلق سيناريوهات مرعبة عن سبب خروجه فجأة دون أن يخبرها.
مرت دقائق طويلة حوالي خمسة عشر دقيقة تقريبًا وهي على وضعها تنتظره بعدما اتصلت به ولم يجيبها. كانت الدقائق تمر كالسيوف التي تمزق قلبها ولكنها حاولت بث الطمأنينة لصدرها بأن كل شيء على ما يرام وسيعود الآن. وبالفعل سمعت صوت باب المنزل ينفتح فوثبت واقفة بلهفة وهرولت بسرعة إليه لتجده يدخل من الباب وهو يحمل بين يديه أكياس مختلفة لا تعرف ماذا تحتوي بداخلها، وكان ينزع حذائه بجوار الباب قبل أن يرفع نظره لها بعدما انتبه لوجودها وقال بتعجب:
"أنتي صحيتي امتى؟!"
كانت تقف على بعد أمتار منه وتنظر له صامتة بعينان دامعة من فرط القلق الذي كانت تشعر به للتو قبل وصوله. فغضن حاجبيه باستغراب من نظراتها وسكونها الغريب وعندما رأى الدموع في عينيها تقدم إليها فورًا بفزع خوفًا من أن يكون حدث شيء في غيابه وراح يسألها باهتمام:
"مالك يافريال أنتي والعيال بخير؟!"
هزت رأسها له بالإيجاب ثم سألته بصوت مبحوح:
"أنت كنت فين؟"
أجابها بدفء ونظرة استغراب:
"في بضاعة وصلت المعرض ونزلت أشيك عليها وجبت شوية طلبات معايا أنا وچايانهم."
مرت دموعها فوق وجنتيها رغمًا عنها وردت معاتبة إياه بحزن:
"وليه مصحتنيش وقولتلي أنا قلقت قوي عليك لما مقلتكش چاري ولا في البيت."
ضمه بسرعة لصدره وأخذ يقبّل رأسها وشعرها بحب ويجيبها بأسف وحزن جميل:
"حقك عليا أنا مكنتش عاوز اصحيكي من نومك، أصله مشوار سريع وراچع تاني."
ردت بصوت ضعيف وهي تتشبث به وبملابسه:
"خوفت لما ملاقتكش چاري ولا في البيت واللي طمني شوية أني لقيت العيال نايمين في اوضتهم."
ابتسم عليها وقال وهو يشدد من ضمه لها مداعبًا إياها:
"هكون روحت وين يعني يافريالي، متقلقيش مش هتعرفي تخلصي مني واصل."
لزقته برفق في صدره ثم أجابته بضيق تعنفه برقة:
"متقولش إكده ربنا ما يحرمني منك أبدًا."
اتسعت بسمته العاشقة ثم انحنى عليها ولثم وجنتيها بقبلة حميمية، ثم قال لها بحزم بسيط:
"يلا عاد تعالي عشان تكملي نومك وترتاح."
هزت رأسها له بالموافقة وسارت معه إلى غرفتهم بينما هو فكان عقله شارد يفكر في عمران بعدما عرف آخر التطورات التي حدثت معه. حمد ربه أن زوجته لم يصلها الخبر حتى الآن ولم يخبرها أحد فهي ليست في وضع يحتمل أن تسمع أي أخبار سيئة جديدة.
***
عودة لمنزل حور بعد رحيل عمرو.
عادت هي مرة أخرى لوالدها لتكمل حديثها معه. ثم جلست بجواره على الأريكة فسألها بحدة:
"قولتي إيه لابن عمتك؟!"
ردت حور بغضب بسيط محاولة التحكم بنبرة صوتها أمام والدها:
"قولتله أنه ملوش حق يتدخل في تفاصيل زي كدا بيني وبين جوزي يابابا."
صاح والدها بعصبية وصرامة:
"ناقص تقوليلي أنا كمان مليش حق أتدخل بينك وبين جوزي."
أجفلت رأسها أرضًا بأدب وردت في صوت خافت معتذرة:
"مقصدش يابابا طبعًا بس أنا قصدي على عمرو إيه دخله وليه يعمل مشاكل بيني وبين بلال."
هتف أبيها بصوت رجولي حازم:
"هو ده كل اللي هامك أن متحصلش مشاكل ومش هامك أن اللي عملتيه غلط وكان المفروض تبلغيني قبلها إنك رايحة الشقة حتى لو ده جوزك."
دافعت عن نفسها محاولة توضيح الأمر له:
"يابابا والله روحت بس اشوف الألوان الاخيرة اللي عملها وأنا اللي طلبت منه كمان يوديني أشوفها ومقعدناش يدوبك خمس دقايق ونزلنا."
مسح أبيها على وجهه متأففًا بنفاذ صبر ثم أخذ نفسًا عميقًا وحاول امتصاص غضبه قبل أن يكمل حديثه مع ابنته ويقول بحزم في نبرة هادئة وحكيمة:
"يابنتي أنا مقولتش حاجة أنا عارف أنه جوزك ومفيش حاجة حرام وعارف بلال أنه ابن حلال وراجل وإلا عمري ما كنت هجوزك ليه، بس الأصول أصول وهو أكيد عارف الكلام ده.. مدام لسا الفرح متمش يبقى مينفعش من الأصول أنكم تروحوا الشقة وحدكم برضوا."
تنهدت مغلوبة واردفت بطاعة تامة لوالدها وهي تعتذر بأدب:
"حاضر يابابا أنا آسفة، أنا كل اللي كان معصبني بس هو عمرو وتدخله في اللي ملوش فيه."
ابتسم لها بحنو ثم مسح على ذراعها بحب أبوي صادق وقال في صوت رخيم:
"معلش يابنتي هو برضوا بيعزك ويهمه مصلحتك عشان كدا كلمك واتكلم معايا."
مالت بوجهه للجانب لتهمس بصوت مسموع ساخرة وهي تضحك:
"اه تهمه مصلحتي أوي فعلا."
ثم نظرت لأبيها وقالت مبتسمة بلطف:
"طيب يابابا أنا هقوم ادخل اوضتي وانام محتاج حاجة مني تاني؟"
"لا ياحبيبتي تصبحي على خير روحي."
"وانت من أهله."
تجهت إلى غرفتها ثم دخلت واغلق الباب خلفها ووقفت مستندة بظهرها على الباب وهي تزفر بصوت عالي ودموعها تقف على أعتاب عينيها تنتظر الإشارة للسقوط. توبيخ والدها لها وموقف عمرو وشجاره مع زوجها، كل هذا كان ثقيل عليها ولم تتحمله. صمدت للحظات معدودة لكنها انهارت في النهاية باكية كطفلة صغيرة تلقت التوبيخ للتو من والديها.
اتجهت إلى فراشها والتقطت هاتفها لتتصل بزوجها وهي تبكي بحرقة فوصلها صوته المغرم يقول:
"وحشتيني ياحوريتي في الكام ساعة دول."
سمع صوت شهيقها وبكائها دون أن تجيبه فغضن حاجبيه بحيرة وسألها بقلق:
"مالك ياحور في حد عملك حاچة ولا إيه؟!!"
ردت عليه بصوت مبحوح كطفلة صغيرة متذمرة:
"بلال احنا امتى هنتجوز بقى أنا زهقت!"
استحوذت عليه الدهشة للحظات من ردها غير المتوقع، ثم انطلقت ضحكته المرتفعة وراح يجيبها مازحًا:
"أنتي بتبكي عشان إكده!!!"
حور بعبوس شديد:
"أيوة."
هتف بخبث وجرأة متغزلًا بها:
"إيه للدرچادي مش قادرة تتحملي بعدي خلاص، صدقيني حتى أن نفسي أنا أخدك على شقتنا واحبسك چوا ويبقوا يوروني هيعرفوا يخدوكي كيف مني."
قالت بحنق وشوق يظهر بشدة في صوتها:
"طيب امتى بقى هنعمل فرحنا؟!"
رد بلال بضيق وقلة حيلة:
"في مشكلة كدا حصلت النهاردة مع عمران هحلها وهاچي اقعد مع أبوكي ونحدد المعاد.. انتي عارفة اللي حصل مع فريال خلانا نأجل شوية بس خلاص ان شاء الله ده آخر معاد ولو حصل ايه هنعملوه الفرح ده.. أن شاء الله ندخل سكوتي حتى عشان أنا مبقتش قادر استحمل تاني خلاص."
اختفى العبوس من وجهها وابتسمت بفرحة ثم قالت له بحماس:
"تمام وأنا منتظراك."
بلال بنبرة شك وصوت رجولي حازم:
"بس أنتي متأكدة أن مفيش حاجة حُصلت.. أصل مش حور اللي اعرفها اللي تقول إكده إلا لو في حاجة كبيرة حُصلت."
أجابت بالنفي في رقة:
"لا هيكون في إيه حصل يعني متقلقش أنا بس كنت مخنوقة ونفسي نعمل فرحنا ونبقى أنا وأنت مع بعض في بيتنا."
تنهد بقوة مطولًا في عدم اقتناع ثم سألها للمرة الثانية بدقة أكثر في تحديد الأمر الذي قد يكون ازعجها:
"واد عمتك ده عمل حاجة تاني ضايقتك ولا إيه!"
ارتبكت عند ذكره "لعمرو" وقالت بسرعة في اضطراب وهي تضحك:
"لا لا عمرو إيه اللي يضايقني ده موضوع وعدى خلاص مفيش حاجة صدقني."
رد بلال باستسلام رغم أنه لم يقتنع بشكل كلي لكلامها:
"ماشي ياحور."
فقررت مجرى الحديث فورًا وراحت تتبادل معه أطراف الحديث في أمور مختلفة حتى تنسى حزنها وأيضًا لكي لا تجعله يفكر في "عمرو". كانت تحاول تفادي المشاكل الذي قد يقع فيها زوجها بسبب غضبه وبسبب ذلك المتطفل ابن عمتها.
***
بصباح اليوم التالي.
توقف بشار بسيارته بأحد المناطق المكتظة بالسكان، وتحديدًا توقف أمام أحد المخازن التابعة للمعلم صابر. فتح بلال باب السيارة أولًا ونزل منها ثم تبعه بشار فالتفت بلال برأسه للخلف إليه وسأله بجدية بعدما رأى رجالهم مصطفين أمام باب المخزن يحرسوه:
"الرچالة خلصوا كل حاجة صُح؟"
هز بشار رأسه بالإيجاب ثم اتجهوا هما الأثنين إلى المخزن، فافسح لهم الرجال الطريق بعدما رحبوا بهم وفتحوا الباب. عندما دخلوا وجدوا رجال صابر وعماله مكبلين بالحبال في الأرض. ابتسم بلال بنظرة شيطانية أما بشار فلم يبدي أي ردة فعل واتجه إلى أقرب مقعد ليجلس عليه بكل ثقة دون أن يحيد بنظره عن هؤلاء الشباب الذي اقترب منهم بلال وراح يقول ضاحكًا بشر:
"إيه يا**** منك له.. خايفين إكده ليه امال انتوا عاوزين تعملوا العملة وتنفدوا بچلدكم."
رد أحدهم وهو يرتجف من الخوف:
"يامعلم بلال والله احنا ما لينا دعوة ده المعلم صابر هو اللي خطط لكل حاجة واحنا عبد مأمور عنده إهنه، أحب على رچلك ما تبلغ عننا الحكومة."
انتصب بلال في وقفته وهو يرمقهم مبتسمًا بعدم رحمة وقال بعدم مبالغة وهو يقترب من بشار ليجلس بجواره:
"هو خطط وانتوا نفذتوا."
ثم نظر لبشار وسأله بجدية:
"صاحب الليلة دي كلها وينه؟"
التفت له بشار وابتسم ثم هتف بتريث:
"زمانه چاي دلوك.. اتقل."
رد بلال بكل أريحية قبل أن يصبح مناديًا على أحد رجالهم:
"وماله التقل صنعة برضوا، ياعـبـدالفتاح."
جاء الرجل فورًا على أثر صياح بلال عليه فقال له بلال مبتسمًا:
"اعملنا كوبايتين شاي خلينا نظبط دماغنا إكده لغاية ما يوصل صابر الـ*****."
هز رأسه موافقًا وذهب ليحضر لهم كأسين من الشاي وبعد دقائق معدودة قدمه لهم واخذ كل منهم يشرب بثبات انفعالي وبرود غريب، حتى وصل صابر الذي اقتحم المخزن وهو يصيح بغضب:
"إيه اللي بيحُصل إهنه ده؟!!!"
تسمر صابر بأرضه عندما رأى رجاله مكبلين في الأرض بالحبال وكل من بشار وبلال يجلسون على مقاعده يضعون قدم فوق الأخرى. ليسمع جملة ترحيب من بلال بابتسامة شيطانية:
"أهلًا يامعلم، إكده برضوا تتأخر على ضيفوك مش من الأصول دي برضوا."
صاح بهم صابر منفعلًا في صوت جهوري:
"انتوا بتعملوا إيه إهنه في مخزني."
استقام بشار واقفًا ليردف بصوت رجولي مهيب دون أن يظهر على وجهه أي ابتسامة:
"كان ليك أمانة عندينا ورچعنهالك."
ثم آشار بعينه على صناديق السمك الذي ارسلها لمخزنهم. فتبدلت تعابير صابر للزعر وتابع بشار حديثه مبتسمًا بغل:
"عيبك أنك رميت الصنارة في مكان ممنوع فيه الصيد يامعلم، ونسيت أن الصيد ده شغلانتا احنا."
ابتسم صابر ساخرًا رغم الخوف الذي استحوذت وقال بعدم اكتراث وثبات مزيف:
"وانتوا دلوك ناويين تبلغوا عني صُح."
اقترب منه بلال حتى وقف أمامه مباشرة وقال بعين مشتعلة بنيران الثأر:
"عليك نور وباتصال واحد بس تكون الحكومة إهنه إلا لو نفذت طلباتنا."
نقل صابر نظره بين بشار وبلال بغيظ ثم سألهم بامتعاض:
"وهي إيه طلباتكم؟"
بلال بنبرة مخيفة:
"تبعت واحد من صبيانك الـ**** دول للقسم ويقول أنه هو اللي حط الصناديق لعمران في المخزن."
ضحك صابر باستهزاء وقال بثقة وغرور:
"انا مبتهددش يا ولد ابراهيم وأعلى ما خيلكم اركبوه."
ثم استدار واتجه إلى باب المخزن ينوي الرحيل لكن اعترض طريقه رجال بشار وبلال. فتوقف واغلق عينيه وهو يجز على أسنانه ثم التفت لهم مجددًا وصاح بجهورية:
"بلاش تلعبوا معايا بالنار انتوا مش قدي."
لم يبالي بشار به وأشار لعينه لأحد رجالهم أن يجري اتصال بالشرطة وعندما رفع الرجل هاتفه ينوي الاتصال قال صابر مستسملًا بغيظ:
"ماشي هبعت حد من صبياني القسم عشان يشيل الليلة."
بلال بنظرة تضمر في ثناياها كل الشر والغدر:
"إكده تبقى بتفكر صُح.. قصادك دقيقة تنقي واحد منهم وتبعته القسم ولغاية ما يوصل ويشهد ونتأكد أن المعلم هيطلع نبقى سعتها نهملك مع امانتك ونمشي."
التفت صابر لرجاله واقترب على إذن واحد منهم وهمس في أذنه بكلمات لم يسمعها أحد ثم راح يفك وثاقه ويشير له بأن يذهب. اقترب منه بشار بعدما رحل الشاب وهمس لصابر بصوت مرعب يحذره ويهدده دون أن يعرف له جفن:
"صدقني ياصابر أي حركة غدر منك إكده أو إكده مش هتاخد في يدي غلوة ومش هستنى الحكومة لما تيچي ده أنا هقتلك وادفنك إهنه مع الصناديق بتاعتك، عمران لو مطلعش من السچن كيف ما دخل روحك هتودع الدنيا."
نظر له صابر مبتسمًا بمكر ولا مبالاة دون أن يجيب. أما بلال فقد أشار لأثنين من رجالهم أن يلحقوا بذلك الشاب إلى القسم ويتأكدوا أنه أدلى بإفادته وأن كل شيء يسير كما خططوا بالضبط.
طال انتظارهم لمدة ساعة تقريبًا حتى وصل لبلال اتصال من رجاله الذين ذهبوا خلف الشاب فأجاب بلال فورًا ونظره ثبات على صابر:
"هااا إيه الأخبار؟"
رد عليه الرجل مبتسمًا بثقة:
"اطمن يابشمهندش.. كل حاجة زي الفل الواد ده دخل شهد وهو اللي اتمسك وشال الليلة واللي وصلنا دلوك أنه خلاص كلها ساعة ولا اتنين بالكتير والمعلم عمران يطلع لغاية ما يخلصوا شوية الإجراءات الأخيرة."
التفت بلال لبشار وهو يبتسم باتساع ثم اغلق للاتصال وقال في شموخ وثقة:
"المعلم طالع."
تنهد بشار الصعداء براحة وفرحة ثم نظر لصابر وقال بخبث:
"نهملك احنا عاد دلوك عشان توزع الصناديق دي على حبايبك وتتصرف فيهم."
ثم تركه واتجه لخارج المخزن وبلال يسير خلفه. وفور مغادرتهم للمخزن انحنى بلال على أذن أحد الرجال وهمس له بحدة:
"اتصل بالحكومة ومحدش منكم يتحرك من إهنه لغاية ما توصل واوعاكم يهرب منكم."
هز الرجل رأسه بالموافقة ممتثلًا لأوامر بلال، الذي استقل بالسيارة بجوار بشار وانطلقوا في طريقهم للقسم لينتظروا خروج عمران.
***
داخل منزل خليل صفوان تحديدًا بالطابق الرابع فوق السطح.
كانت غزل تجلس على الأريكة الخشبية بالسطح وفوقها مباشرة السماء تنظر لها بتأمل وهي شاردة تفكر في عرض الزواج الذي عُرض عليها بالأمس. تائهة ولا تعرف كيف تتصرف ولا بماذا ترد عليهم. ترفض وتكون تصرفت بالمنطق أم توافق وتسمع لذلك الهمس الغريب الذي يقلبها.
وسط شرودها وجدت فجأة "علي" يصعد على الدرج وهو يتحدث في الهاتف ويبدو أنه سيكمل حديثه في السطح هنا. فارتبكت بشدة وفورًا استقامت واقفة واسرعت لتغادر قبل أن ينهي حديثه حتى لا تضطر أن تكون في مواجهة مخجلة معه. أما هو فتعجب من فزعها واحركتها السريعة وهي تنوي الرحيل لمجرد أن رأته. ما أن عبرت بجواره حتى قبض على ذراعها ليوقفها رغمًا عنها ويشير لها بعينيه أن تقف دون حركة. حاولت التملص من قبضته وهي تنوي التحدث بغضب لكي يتركها فرمقها بنظرة محذرة ومرعبة أن تصمت لأنه يتحدث في الهاتف، فسكتت مجبرة وهي تلوي فمها باقتضاب حتى سمعته أخيرًا ينهي حديثه هاتفًا:
"تمام نبقى نكمل كلامنا بعدين ونشوف الميزانية كام.. سلام."
فور أن أنهى الاتصال صاحت به مغتاظة:
"أنت ماسك إيدي كدا ليه سيبني عايزة امشي!!"
علي مبتسمًا بخبث:
"وأنتي خدتي بعضك وچريتي إكده ليه أول ما شوفتيني وكأنك شوفتي عفريت."
ردت بثبات متصنع وقوة:
"وأنا هجري ليه.. عادي زهقت من القعدة وحبيت انزل اوضتي تاني فيها مشكلة دي!"
رفع حاجبيه بلؤم وهمس لها بعبث:
"اممممم.. يعني مش عشان مكسوفة مني مثلًا؟!"
تسارعت نبضات قلبها خجلًا وارتباكًا وقالت بتلعثم:
"نـ..عم وأنا اتكسف منك ليه.. أكيد لا طبعًا، ممكن بقى تسيب إيدي."
قهقه بخفة على توترها وخجلها الذي يشهده لأول مرة وقال غامزًا لها بجرأة متعمدًا أن يزيد من ذلك الخجل الجميل:
"امممم.. طيب قولتي إيه ياعروسة ولا لساتك بتفكري؟"
رغم خجلها إلا اغتاظت بشدة من جرأته معها وهتفت بغضب:
"عروسة إيه!!.. ده الموضوع طلع بجد بقى.. أنتي أكيد مش طبيعي."
رد مستنكرًا ردها الساذج:
"هي المواضيع دي بيبقى فيها هزار وأنا معرفش ولا إيه؟!"
أشاحت بوجهها للجهة الأخرى وهي تتألف بنفاذ صبر ثم عادت له وقالت بجدية وحدة:
"علي فوق أنت أصلًا دائمًا بتتخانق معايا ومش بيعجبك لبسي ولا طريقتي ولا اسلوبي ولا أي حاجة عايز تتجوزني ازاي وليه أصلًا؟!"
هتف بكل بساطة وبرود وهو يضحك:
"نصيب عاد ياغندورة هتقولي إيه!"
غزل بنفاذ صبر وغيظ محاولة أن تجعله يتراجع عن قراره:
"ياربي ارحمني.. طيب ولبسي اللي مش بيعجبك."
غمز له بنظرة جعلت القشعريرة تسير في جسدها كله من الخجل وقال مبتسمًا بثقة:
"لا متقلقيش ما أنتي هتوبي على يدي أن شاء الله ومش هتلبسي قمصان النوم دي غير ليا أنا بس."
اتسعت عينها بصدمة من رده الجرئ وسرعان ما تحول خجلها ووجها الأحمر من فرط الأستحياء إلى غضب وصاحت به:
"أنت قليل الأدب وأنا مش هتجوزك ومش موافقة."
أنهت توبيخها الصريح له وابتعدت عنه تنزل الدرج ثائرة ومسرعة فتسمعه يقول وهو يضحك بتحدٍ:
"هتوافقي ياغزل وهتچوزك."
***
داخل منزل جلال.
كانت فريال تجلس بشرفة غرفتها وشاردة الذهن وملامح وجهها مهمومة. لم تشعر بخطوات جلال من خلفها الذي اقترب منها وجلس على المقعد المجاور منها ثم لف ذراعه حول كتفيها وهمس لها بحب:
"سرحانة في إيه ياروح قلبي."
التفتت له فريال وقالت بقلق وعينان ضائعة:
"العيال اتأخروا في المدرسة ليه ياچلال؟"
تلاشت ابتسامته بعد سؤالها وحالتها التي أصبحت تمزق قلبه من الحزن ثم رد عليها برزانة:
"لا ياحبيبتي متأخروش هما يدوب لسا طالعين وتلاقيهم في الطريق متقلقيش."
أرتاحت قليلًا لكنها سألته لتطمئن أكثر:
"انت كلمت معاذ واتصلت بيه يعني؟"
جلال مبتسمًا ليبث الطمأنينة في قلبها:
"اه كلمته اطمني وهو وعمار كويسين وچايين في الطريق."
ابتسمت وهي تهز رأسها له بإيجاب وراحة. بينما هو فانحنى عليها ولثم شعرها بقبلة دافئة ثم انحنى على أذنها وهمس لها:
"بحبك يافريالي."
ظهر شبح ابتسامتها العاطفية على ثغرها والتفتت له ترنقه بعينان تهيمان عشقًا ثم مالت عليه ولثمت جانب ثغره بقبلة تعبر عن مشاعرها تجاهه وهي تهمس:
"وأنا كمان بحبك قوي."
طال نظراته العاشقة وتأمله لها حتى قال غامزًا بمرح:
"أنا ظبط كل حاجة وبكرا هنطلع رحلة كدا في مرسى مطروح نقضي يومين حلوين احنا والعيال ونشم نفسنا إيه رأيك؟"
عبست ملامحها وقالت برفض بسيط:
"لا مليش نفس ياچلال اطلع واتفسح انا إكده زي الفل صدقني."
رد عليها مازحًا بكل سلاسة وحب:
"بس أنا مش زي الفل ياستي وعاوز اطلع اقضي يومين حلوين مع مرتي وعيالي واتبسط معاهم."
تنهدت الصعداء بقلة حيلة وقالت في ضيق:
"طيب ومدرسة العيال وشغلك ياچلال."
جلال ببساطة تامة:
"يغيبوا أسبوع من المدرسة أنا اتكلمت مع المدرسين والمديرة في المدرسة وفهمتها كل حاجة، وشغلي ملكيش صالح بيه أنا مظبط كل حاجة."
صمتت للحظات تفكر في الأمر ثم راحت تهز رأسها بالنفي مجددًا وقالت له رافضة:
"لا لا ياچلال الغيها أنا مش عاوزة اروح مكانه."
هتف بجدية وجزم بسيط:
"الغي إيه خلاص أنا اخدت القرار وبكرا أن شاء الله هنسافر، مش عاوز اسمع أي اعتراض عاد."
أصدرت تأففًا قوي بنفاذ صبر منه ثم لوت فمها كدليل على استسلامها لزوجها ورغبته التي تفهم سببه منها جيدًا وهو أن يخرجها من حالة الحزن التي دفنت نفسها فيها وينسيها همها.
***
في منزل مريم تحديدًا داخل غرفتها.
كانت جالسة فوق فراشها شاردة تفكر في ذكرياتها مع بشار قبل الحادث. تتذكر تعامله معها وتصرفاته التي كانت تتعجب منها وتشكي دومًا وشقيقتها أنه يعاملها ببرود وكانت تصبرها وتبرر له بأنه ربما يكون غير معتاد عليها وأن تعطيه بعض الوقت. ولكنها أصبحت تفهم كل شيء الآن. أدركت أنها كانت المغفلة والساذجة في تلك العلاقة.
سرحت أكثر وتذكرت حديثها مع رحاب في المستشفى الذي كان كالآتي.
مريم باستغراب من سؤالها:
"محكليش عنك إزاي انا اول مرة اشوفك وأعرف أنك بنت عمته أصلًا."
رحاب بخبث وهي تضحك:
"أه يعني محكليش أني حبيبته وكنا المفروض هنتچوز."
اتسعت عيني مريم بدهشة وتحولت تعبيراتها للحظة وهي تقول:
"نعم حبيبته ده إيه.. أنتي جاية تستعبطي عليا؟!"
قهقهت رحاب بكل برود أعصاب وأجابتها بغرور وغل:
"لا دي الحقيقة ياحبيبتي أن أنتي كنتي مغفلة وبشار مكنش بيحبك من الأساس ولا عاوزك ده خطبك بس عشان ينساني بيكي عشان كنت مخطوبة ودلوك لما فسخت الخطوبة هو رچعلي تاني وكنا هنتچوز لولا الحادث اللي عملتيه ده."
كانت مريم تستمع لحديثها بذهول وعدم استيعاب ثم راحت تهز رأسها بالنفي تقول رافضة التصديق:
"لا أنتي كدابة بشار ميعملش كدا أبدًا."
رحاب بابتسامة جانبية شيطانية:
"لا يعمل ياحلوة وعاوزة تعرفي الكبيرة كمان.. يوم الحادث هو كان رايح يقابلك عشان يفسخ الخطوبة وبعد كدا نتچوز انا وهو ومش بعيد يكون هو مكمل معاكي بس دلوك شفقة على حالك مش اكتر، يعني اوعاكي تصدقي أنه بيحبك والكلام ده، بشار بيحبني أنا بس."
أغلقت مريم عيناها بعدما شعرت بأن دموعها ستنهمر فوق وجنتيها من قسوة ما تسمعه من كلمات وحقيقة مريرة وصاحت برحاب في عصبية:
"اطلعي برا فورًا اطلعي بـــرا."
فاقت مريم من شروطها ودموعها على وجنتيها غزيرة. تشعر بالقهر وأن كرامتها قد تم دعسها بالأقدام. هل حقًا في ذلك اليوم كان ينوي الأنفصال عنها. هي عبرت الطريق متلهفة لتصل له بفرحة وسعادة وكانت ستخسر حياتها بسببه وهو كان يريد أن ينفصل عنها وكان يكذب عليها ويخونها. إلى متى سيستمر كذبه عليها حتى وهي تحاول أن تجعله يتحدث الآن يكذب، لكنها تعرف جيدًا كيف ستثأر لكرامتها المهدرة.
***
بمكان آخر مختلف داخل السجن.
كان عمران في انتظار مرسوم الخروج والإفراج قبل أن يدخل أحد الشباب على الغرفة الذي بقى فيها ليلة الأمس. عرف عمران فورًا أنه أحد رجال صابر فابتسم له بنظرة نارية ولم يتفوه ببنت شفة. أما ذلك الشاب ففور مغادرة العسكري الغرفة وإغلاقه للباب اقترب من عمران وقال له بحقد:
"ازيك يامعلم."
رَمقه عمران بطرف عينه في عدم اكتراث له ثم تجاهله كأنه لم يسمعه. أما الآخر فكان هذا هو ما يريده حيث صاح بعمران في غضب ولهجة فظة:
"چرا إيه يامعلم أنا بكلمك ما ترد عليا."
رَمقه عمران بنظرة مميتة ثم هل واقفًا وقبض على ياقة قميصه يجذبه منها ويهتف له بصوت رجولي مرعب:
"شكلك إكده عطشان على روحك، اقف قصادي زين ومتنساش نفسك وأنت بتكلمني يا****."
دفع الشاب عمران بكل قوة لديه ثم انحنى على قدمه بالأسفل وأخرج من حذائه
رواية و بالعشق اهتدي الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم ندى محمود توفيق
دفع عمران بكل قوة لديه ثم انحنى على قدمه بالأسفل وأخرج من حذائه سكين حادة صغيرة وأشهر بها في وجه عمران ينوي أن يقتله ولم يتريث للحظة حتى حيث غار عليه وبيده السكين وهدفه أن يغرز تلك السكين في يساره بالضبط، لكن عمران كان يقظ وقبل أن تلمسه السكين مسك بذراع ذلك الشاب واسقط السكين منه ثم لوى ذراعه خلف ظهرها ووجه لكه ضربة عنيفة من الخلف في قدمه جعلته يسقط على الأرض صائحًا بألم، انحنى عليه عمران ينوي أن يكمل ما بدأه ويبرحه ضربًا لكن بقية الذين كانوا بالسجن معهم اسرعوا وابعدوا عمران عنه، فنظر له شزرًا ثم انحنى عليه على أذنه وهمس له بصوت مرعب:
"حتة عيل **** زيك عاوز يعلم عليا أنا.. احمد ربك أني طالع دلوك وإلا كنت خليت الأربع حيطان دول چهنم عليك"
ثم انتصب في وقفته ولكمه بعنف بقدمه في بطنه جعله يصرخ متأوهًا، ابتعد عنه وعاد لمكانه منتظرًا وصول العسكري لكي يخرج حرًا.
بالخارج كان بشار وبلال يجلسون بغرفة الضابط يتحدثون معه لوقت طويل نسبيًا، حتى سمعوا طرق الباب وانفتاح ليظهر من خلفه العسكري ومعه عمران الذي دخل بهيبته المعتادة فقال الضابط مبتسمًا:
"تعالى يامعلم مبروك الإفراج"
رد عمران بثقة وابتسامة جانبية:
"ما أنا قولتلك ياباشا إكده أو إكده طالع هي مسألة وقت بس مش اكتر"
استقام بلال واقفًا واقترب من عمران يعانقه بحرارة هاتفًا براحة:
"حمدلله على السلامة يا أبو سليم"
ربت على ظهر أخيه بود مبتسمًا بينما بشار فاستقام واقفًا وقال للضابط في جدية:
"دلوك نقدر نمشي ياباشا؟"
رد الضابط بتأكيد:
"طبعًا اتفضلوا تقدروا تمشوا"
ارسل عمران للضابط نظرة توديع بابتسامته الواثقة فرد عليه الضابط بمثلها وسط ابتسامته، وفور مغادرتهم غرفة الضابط وابتعادهم عن آذان الناس من حولهم قال عمران بحزم:
"عملتوا إيه؟!"
قال بشار ضاحكًا مازحًا:
"كيف ما قولت يامعلم.. الدماغ دي متكلفة صُح"
عمران براحة ونظرة نارية:
"زين.. انا هروح اصفي حسابي مع صابر الـ****"
أوقفه بشار بعبارته وهو ينظر لبلال:
"لا ماهو بعد ما طلعنا من المخزن بلال قال للرچالة تبلغ عن صابر واتمسك"
اتسعت عين عمران بدهشة ثم رمق أخيه بغضب وقال بصوت مرتفع نسبيًا:
"أنا مش قولت يابلال ملكمش صالح بيه أنا لما اطلع هخلص حسابي معاه وعشان إكده قولتلكم خليه يسلم حد من صبيانه"
رد بلال بصرامة وانفعال بسيط:
"اه وتدخل روحك في سين وچيم تاني واحنا ما صدقنا طلعت منها بخير، اللي عملته هو عين العقل.. اتمسك وخلصنا منه بدل ما تدخل معاه في مشاكل تاني احنا في غنا عنها وده راچل يده طايله ومش هيهمه حاچة والله اعلم ممكن يحاول يعمل فيك إيه"
عمران بعصبية ونظرة كلها غل:
"أنا لو كنت عاوز ادخل نفسي في سين وچيم كنت عملت فيه حاچة وخلصت منه من زمان لكن أنا حسابي معاه ميخلصش إكده واصل"
تأفف بشار بنفاذ صبر ثم ربت على كتف عمران بجدية وقال في صوت رجولي غليظ:
"خلاص عاد ياعمران وبعدين كلام بلال صُح، بزيادة لغاية إكده خلينا نخلص منه الراچل ده، وأنت يلا بينا عشان نرچع البيت.. مرتك وأمك هيتچننوا من القلق والخوف عليك"
عندما تذكر ابنه وزوجته وأمه هدأت نفسه الثائرة، واشتعلت في قلبه نيران الشوق لابنه فجعلته يسير قبل بشار وبلال إلى الخارج قسم الشرطة متجهًا لسيارته لكي يعود لمنزله ويروى عطش شوقه لابنه ويطمئن على زوجته.
داخل منزل خليل صفوان.......
خرجت خلود من غرفتها ووقفت تأخذ نفسًا عميقًا، أصبحت تخجل وتخاف من أن تتجول بمنزلها في حرية كالسابق، بل تشعر نفسها وكأنها لصة تخشى أن يمسك بها، ولا سيما إذا كانت تريد الذهاب لغرفة أخيها والتحدث معه وهي تعلم جيدًا أنه مازال غاضب منها ولا يريد رؤيتها والدليل أنه لم يأتي لها في غرفتها ويطمئن عليها منذ أن أعادها للمنزل، لا يزورها في غرفتها سوى أمها فقط.. مما أثبت لها أن جميع من في المنزل لا يريدوها ولم يسامحوها، لكنها عادت لتنال رضاهم عنها وتثبت لهم ندمها الصادق.
تحركت بخطواتها البطيئة والمترددة إلى غرفة "علي" وعندما وصلت لها وقفت أمام الباب بارتباك وخوف من أن تطرق، لكن بعد لحظات طويلة من التفكير حسمت قرارها ورفعت يدها ثم طرقت عدة طرقات خفيفة على الباب فسمعت صوته من الداخل يقول:
"ادخل"
أردت ريقها بتوتر ثم أمسكت بمقبض الباب وأدارته ثم فتحت الباب ببطء وأدخلت رأسها أولًا لتنظر له ومن ثم جزء من جسدها عندما رأته يجلس على المقعد المجاور للشرفة، ونظر لها بقوة عندما رآها فوقفت باضطراب وهي تجفل نظرها عنه وتقول:
"كنت عاوز اكلمك في موضوع إكده ياعلي، ممكن ادخل؟"
تنفس الصعداء بحنق ورد بالموافقة في صوته الغليظ:
"تعالي"
تقدمت إليه بعد أن أغلقت الباب ثم جلست على المقعد المقابل له وقال بخوف بسيط وهي تتفادى النظر لوجهه:
"أنا هقولك على حاچة الأول قبل ما ادخل في الموضوع الأساسي، بس أبوس يدك ما تتعصب عليا ولا تزعل مني لأني مش عاوزة تحبي عليكي حاجة ولا كمان اكدب عليك"
رفع حاجبه بنظرة مريبة وقال بصوت اجشَّ:
"خير سمعيني"
ابتلعت ريقها الجاف بصعوبة في توتر ثم قالت بصوت خافت ومضطرب:
"أنا كلمت مروان امبارح، ومقولناش أي حاچة والله بس طمنته أني بخير وشكرته على اللي هو عمله معايا الفترة اللي فاتت"
تبدلت تعابيره من الهدوء الغضب وفجأة صاح بها منفعلًا:
"أنا مش قولت ونبهت ياخلود ملكيش صالح بيه الراچل تاني واصل وانسيه، ساعدك وحماكي من جوزك الـ*** ويشكر وخلاص على إكده"
ارتعدت وانتفضت فزعًا وخوفًا منه ثم قالت بسرعة معتذرة محاولة تلافي خطأها:
"حقك عليا اعتبرها آخر مرة والله ياعلي خلاص لو مش عاوزني أكلمه تاني واصل اعتبره حُصل ياخوي.. أنا معدش في حد عندي أهم منكم، بس هو امبارح طلب مني طلب وأصر أني أقوله ليك"
هدأت نفسه الثائرة قليلًا بعد اعتذارها وكلماتها الذكية التي نجحت في امتصاص غضبه وسألها بخشونة:
"طلب إيه ده؟!!!"
رد خلود تشرح له الوضع ببساطة وحماس:
"أنا قولتلك قبل إكده أنه كان بيساعدني ووكل ليا محامية عشان اتطلق من سمير، ده كان قبل ما يعرف أن چوزي يبقى واد عمه، دلوك امبارح قالي أنه هيخليه يطلقني من غير ما نحتاچ محامين ولا أي حاچة وكمان هاخد حقوقي منه كاملة، أنا مش فارق معايا ومش عاوزة منه فلوس ولا غيره بس كفاية أنه يطلقني واخلص منه، بس مروان قالي أنه عاوز يقابلك ويفهمك كل حاچة وهو ناوي يعمل إيه وياخد رأيك عشان ميعملش حاچة من غير ما يرچع ليك ولناسي يعني، في الأول وفي الآخر القرار بيدك أنت وچدي وأنت اللي تقرر نعمل إيه ونتصرف كيف ياخوي"
طالعها "علي" مطولًا بنظرات ثاقبة ومربكة بعض الشيء دون أن يجيب بحرف واحد على اقتراحها وطلبها، بينما هي توترت من نظراته وقالت بخوف بسيط:
"هااا ياعلي قولت إيه، اديك رقمه تكلمه وتتفق معاه وتتقابلوا؟"
هب "علي" واقفًا ومسح على وجهه وهو يزفر بقوة ويفكر فيما قالته شقيقته للتو، وهي كانت بمكانها تنظر له بترقب تنتظر رده حتى سمعته يجيبها بصوته الرجولي المميز:
"هاتي الرقما"
أعلن أساريرها وابتسمت باتساع ثم وثبت واقفة بسرعة وقالت بحماس:
"حاضر هروح أچيب تلفوني من الأوضة وارچعلك عشان اديك الرقم"
أنهت عباراتها واندفعت لخارج الغرفة مسرعة متجهة إلى غرفتها في فرحة لكي تجلب هاتفها وتغطيه الرقم، ظنًا منها أن هذه إشارة جيدة على بداية تحسن علاقة شقيقها ومروان، طالما وافق على مقابلته.
بمنزل ابراهيم الصاوي......
توقف بشار بالسيارة أمام باب المنزل، فحرج أولًا عمران وخلفه بلال ثم بشار بالأخير، تحرك بلال أولًا إلى الباب ثم مد يده في جيب بنطاله وأخرج المفتاح ثم وضعه في القفل وفتح الباب ودخل، كان كل من أمه وزوجة أبيه وعمته وكذلك بنات عمته بالصالة يتحدثون، فور رؤيته لعمته ومنى رفع حاجبه ولوى فمه لكنه لم يعقب والتفت بالخلف إلى أخيه الذي كان يتحدث مع بشار بالخارج قبل أن يدخل، هتفت عفاف باستغراب عندما رأت ابنها يقف عند الباب ويلتفت خلفه هكذا:
"واقف بتبص على مين وراك يابلال ادخل ياولدي؟!"
التفت بلال لهم ونقل نظره إلى زوجة أبيه إخلاص وقال مبتسمًا وهو يغمز لها بعيناه مداعبًا إياها:
"قومي ياسلطانة إخلاص استقبلي المعلم"
اتسعت عين إخلاص بصدمة وراحت تتلفتت حولها للجالسين ثم وثبت واقفة وصاحت فرحًا:
"ولدي رچع"
عمران ركضًا للباب وبتلك اللحظة كان عمران قد وصل للباب ودخل فلم يتثنى له أن يخطو اولى خطواته للداخل حتى وجد أمه ترتمي بين ذراعيه وهو على عتبة الباب وتهتف باكية:
"حمدلله على السلامة ياولدي، الحمدلله أنك رچعت سالم لينا"
أخذ عمران نفسًا عميقًا ورفع يده يضم أمه ويمسح على ظهرها بلطف رغم أنه مازال غاضبًا منها ولم يسامحها لكنه تفهم خوفها وحبها له وقابله بحنو حيث رد بصوت مكتوم:
"أنا بخير ياما الحمدلله"
ابتعدت عنه ونظرت في وجهه بعينان دامعة وابتسامة عريضة متمتمة:
"الحمدلله ياولدي"
اقتربت منه فتحية وعانقته هي الأخرى مهنئة إياه بحب:
"حمدلله على سلامتك ياولدي"
رد عليها عمران وهو يضمها وعيناه عالقة على منى الواقفة وتنظر في وجهه دون خجل:
"الله يسلمك ياعمة"
التقطت عين بشار ورحاب للحظة لكنه اشاح بوجهه بعيدًا عنها فورًا بنفور واضح مما جعلها تزداد نقمًا وحقدًا على مريم التي نجحت في سرقة حبيبها منها.
دار عمران بنظره حوله بعدما ابتعدت عنه عمته وقال باهتمام عندما لم يجد ما يبحث عنه:
"آسيا وين؟"
ردت عليه إخلاص مبتسمة:
"في اوضتها فوق ياولدي اطلع لمرتك وولدك"
اندفع الدرج مسرعًا يقود خطواته السريعة لغرفته بالأعلى حتى يزيل شوقه لزوجته وابنه ويطمئن برؤيتهم بعينيه أنهم سالمين، بالأخص بعد رؤيته لـ "منى" بالأسفل، أما بشار فقد قاد خطواته هو أيضًا إلى غرفته لرغبته في عدم البقاء بنفس المكان المتواجدة فيه رحاب، لكنها فورًا لحقت به بعد ثواني متحججة بالذهاب للحمام.
توقف بشار وهو يصعد الدرج الأخير المؤدي لغرفته على أثر صوتها الأنثوي، وعندما التفت لها وجدها اقتربت ووقفت أمامه بشكل مباشر وراحت تنظر في عيناه بنظرات ليست بريئة أبدًا، فقد كان هدفها من تلك النظرات أن تلين قلبه وتسيطر عليه مجددًا وتستعيده لها، لكنه تأفف بحنق وقال وهو يصيح بوجهه بعيدًا عنها:
"خير يارحاب؟!!"
أجفلت نظرها أرضًا بندم وأسى وقالت له في صوت خافت:
"أنا عارفة أني چرحتك بكلامي في المستشفى، حقك عليا والله ما كنت اقصد يابشار أنا بس من غيرتي عليك مكنتش دارية بروحي ولا عارفة كنت بقول إيه"
رفع يده ومسح على وجهه متأففًا بنفاذ صبر ثم أجابها في ضيق:
"أنا مش فارق معايا يارحاب أصلًا وحتى نسيت أنتي قولتي إيه، لأن كل حاچة انتهت خلاص بينا، انتي من طريق وأنا من طريق يابت العمة وطريقي معروف فين ومع مين"
استدار وهم بالرحيل لكنها قبضت على ذراعه لتوقفه وتهتف بأسف وعينان دامعة وهي تتوسله:
"بشار أبوس يدك متهملنيش أنا بحبك، أنت فاهم غلط أنا مرچعتش اكلم خطيبي صدقني ومستحيل ارچعله، سامحني واوعدك أني مش هخرچ عن طوعك وهكون خدامة تحت رچليك بس تعالى نتچوز احنا بنحب بعض"
سحب ذراعه من قبضتها ببطء وقال في صوت رجولي قوي:
"شكلك مفهمتيش اللي قولته، بقولك معدش فيه حاچة اسمها احنا يارحاب، خلاص خلصت"
تحولت بلحظة من الضعف والعجز إلى القوة والشرعية وراحت تنظر له بنارية بعيناها الممتلئة بالدموع وهتفت:
"أنت مش بتحب مريم دي هتعيش مع واحدة مش بتحبها ولا عاوزها، عشان بس تنتقم مني"
مال ثغره للجانب مبتسمًا في استهزاء منها ثم تمتم بنظرة استحقار:
"مين اللي فهمك إني عاوز انتقم منك!!.. وبعدين إيه عرفك أني مبحبهاش مش يمكن أكون حبيتها"
سكن للحظات يلاحظ أثر كلماته على تعبيرات وجه رحاب الذي تحول لجمرة من النيران، فاتسعت بسمته ثم استدار وابتعد عنها بخطواته يكمل طريقه لغرفته ليسمعها تهتف باستياء شديد:
"مش هتتچوزك يابشار ومسيرك تلف تلف وترچعلي ووقتها أنا اللي هرفض ارچعلك"
ثم تابعت بغل وصوت منخفض وهي تعقد ذراعيها في خصرها:
"حبها قال !!.. ميتا لحقت تحبها أنت، وتحب دي وتفضلها عليا أنا، مش عارفة هي مكملة معاك لغاية دلوك ليه رغم كل اللي قولته ليها!!"
فتح عمران الباب ودخل ثم أغلق الباب خلفه ببطء، فلم يجد آسيا وسمع صوت المياه بالحمام وعندما على الفراش رأى ابنه فوقه نائم، فابتسم بشوق وحب أبوي واسرع نحوه ليجلس بجواره على طرف الفراش وينحنى عليه يلثم رأسه بعدة قبلات متتالية هامسًا له:
"اتوحشتك قوي ياحبيب أبوك"
وبينما كان منشغل بابنه وتقبيله وإشباع نفسه المشتاقة، خرجت آسيا من الحمام وتسمرت بأرضها عندما رأى زوجها أمامها بجوار صغيرهم، تهللت اسراريها وهتفت بصدمة:
"عمران!!!"
رفع رأسه وأزاح عينه عن ابنه لينظر لحبيبته ويقول لها مبتسمًا بعشق:
"غزالي"
امتلأت عيناها بعبرات الفرح وارتسمت على ثغرها بسمة حزينة ثم هرولت إليه وارتمت بين ذراعيه تعانقه بكل قوة وتبكي بين ذراعيه وفوق صدره هاتفة:
"لو مكنتش شفتك تاني ولا طلعت من التهمة دي كان هيچرالي حاچة ياعمران"
انحنى على رأسها وقبلها بحب هامسًا:
"بعد الشر عليك"
ازداد بكائها أكثر فوق صدره وراحت تهتف بصوت مرتجف وهي متشبثة به بقوة:
"خوفت قوي ياعمران اخسرك، أنا مقدرش اعيش من غيرك ياحبيبي"
ابتسم بغرام ثم ضم كفيه واحتضن وجهها وأبعدها عن حضنه لينظر في عينيه بنظرة تهيم عشقًا:
"أنا قصادك أهو ياغزالي بزيادة بكا عاد ده أنا كنت مستني اشوفك فرحانة لما اطلع مش بتبكي"
مالت بوجهها للجانب على كفه ترتاح بوجنتها على باطنه وتقول في نظرات تفيض حبًا وندمًا:
"ببكي من الفرحة أنك رچعتلي سالم ياحبيبي"
لمعت عينيه بوميض حماسي وقال ضاحكًا بمرح:
"أيوة إكده هو ده الكلام، بس أنا مش عاوزك تبكي أنا عاوزك تدلعيني، أنا اتوحشتك قوي وانتي مقيمة عليا الحد ليكي فترة طويلة"
ضحكت وسط دموعها التي تملأ وجهها ثم رفع أناملها لوجهها ومسحت عبراتها ونظرت له غامزة بدلع وهي تهمس:
"من إهنه ورايح مفيش غير دلع وبس يامعلم"
لمعت عيناه برغبة شديدة وأشرق وجهه بسعادة فانحنى عليها ودفن وجهه في رقبتها وبذراعيه لفها حول خصرها وضمها إليه ليهمس لها بلهفة:
"أه ياغزال أنا محتاچ الدلع ده قوي.. ودلوك كمان"
قهقهت بصوت عالي ثم أبعدته عنها وهي تلكزه في صدره برقة وتهتف بحزم امتزج بدلالها:
"الله عيب ياعمران ميصحش.. اصبر لما نروح بيتنا وأنا هدلعك آخر دلع يامعلم"
ابتعد عنه ونظر لها بهيام ليقول بصوت مسكر:
"إذا كان إكده وماله نصبر عشان خاطر عيون الغزال"
ارتفع صوت ضحكها الأنثوي فمال عليها وقبلها من وجنتيها بحميمية ثم ابتعد عنها وتبدلت تعابير وجهه بعدما تذكر منى وراح يسألها باهتمام:
"في حد ضايقك ولا قالك أي حاچة في غيابي يا آسيا؟"
أجابته باستغراب وهي تهز رأسها بالنفي:
"لا محدش بالعكس دي أمك بتعاملني احسن معاملة لدرچة أني مش مصدقة كيف اتغيرت إكده"
عمران بصوت رجولي غليظ وهو يتأفف بحنق:
"مش قصدي على أمي يا آسيا، أنا قصدي على منى!!"
تحولت نظرات آسيا الغيظ وقالت فورًا بنظرة نارية:
"وهي السحلية دي بتعمل إيه إهنه، وكيف ليها عين تدخل البيت تاني"
قالت كلماتها وهمت بالانفصاع للخارج لتذهب لمنى لكنه قبض على ذراعها واوقفها عنوة بصوت المرعب والحازم:
"آسيا رايحة وين؟!"
التفتت له وقال بانفعال وغيرة شديدة:
"رايحة اعرفها حدودها خرابة البيوت دي، إيه اللي چايبها النهاردة في اليوم اللي أنت طالع فيه إلا لو في دماغها نية سودة"
عمران بحدة:
"محدش كان يعرف أصلًا أني طالع النهاردة وهي چاية مع عمتي هي ورحاب، يعني شكلها زيارة"
آسيا بإصرار وحقد شديد على منى:
"ولو لازم اشفي غليلي منها، طبعا تلاقيها فضلت تبصلك تحت وتتلزق فيك كيف عادتها ماهي معندهاش دم ولا كرامة"
أطلق عمران زفيرًا حارًا بنفاذ صبر ثم رفع يده ومسح على وجهه متأففًا وترك ذراع آسيا ثم اقترب منها وحاوطها بذراعيه من كتفيها، ثم نظر لعينيها بلطف وقال في رزانة:
"احنا ملناش صالح بتعمل إيه إهنه ولا إيه اللي چابها، احنا معدناش عايشين في البيت ودلوك بقينا كيف الضيوف وهنرچع بيتنا، أنا اللي چابني إهنه عشان أخدك انتي وولدي بس ونروح شقتنا، بلاش عاد تعملي مشاكل وأنا مش متحمل ملكيش صالح بيها يا آسيا.. تمام؟"
لوت فمها باقتضاب ثم هزت رأسها له بالموافقة في مضض تجيبه إياه بانصياع لأوامره:
"حاضر"
مال على رأسها وقبلها من شعرها بحنو متمتمًا لها:
"تعچبيني إكده وأنتي مطيعة يا أم الغالي، يلا لمي حاچتك وشنطتك أنتي والواد عشان نرچع شقتنا، أنا تعبان قوي وعاوز ارتاح في بيتي، هروح اتكلم شوية مع بشار وبلال عقبال ما تكوني چهزتي"
اتسعت بسمتها بعد كلماته واستعجاله ورغبته في العودة لمنزلهم بأسرع وقت، لترد عليه بكل حماس وامتثال لأوامره:
"أنت تؤمر ياسيد الرچال"
بصباح اليوم التالي في مدينة مرسى مطروح بأحد الفنادق المطلة على البحر، كانت تقف فريال في شرفة غرفتهم تتأمل مياه البحر من أمامها ومرتدية ثوب أبيض طويل وتاركة العنان لشعرها يتطاير مع نسمات الهواء الدافئة، ومن الداخل كانت تسمع حديث اولادها مع بعضهم ولعبهم وضحكهم وهم يخططون إلى أين سيذهبون ويتنزهون في رحلتهم، كانت تسمعهم وتبتسم عليهم دون أن تلتفت لهم حتى انفتح باب الغرفة ودخل جلال الذي ركض عليه أولاده وعانقوه بقوة وصاح عمار بحماس:
"ميتا هننزل البحر يابويا؟"
يضحك جلال وقال بود أبوي:
"شوية إكده بعد ما نفطر ونريح من السفر نبقى ننزل لسا اليوم طويل واحنا مش هنمشي بكرا يعني اصبر"
سأل معاذ بفرحة وهو ينقل نظره بين أخيه وأبيه:
"وبليل كل يوم هنروح نتفسح وناكل في المطعم صُح؟"
نظر جلال لابنه الكبير بدهشة رافعًا حاجبه ثم قال مازحًا وسط ضحكته:
"كل يوم!!!.. اممم وماله ما انتوا ناويين تخربوا بيت ابوكم، نتعشى كل يوم برا ياحبايب ابوكم ولا يهمكم"
كانت فريال من الداخل تسمع حديثهم وتضحك على ردود زوجها حتى شعرت بخطواته تقترب من الشرفة وهو ينادي عليها وعندما وصل لها اشتعلت عينيه والتهبت بالغضب والغيرة وقال:
"فــريال.. واقفة كيف إكده على البلكونة؟!"
التفتت له بسرعة على أثر صوته الغاضب وقالت برقة:
"مفيش حد أصلًا موچود ياچلال تحت على الشاطئ ومحدش شايفني"
اقترب منها وجذبها للداخل بحدة ونظرة مرعبة صائحًا:
"وحتى لو محدش شايفك تقفي بقميص نوم على البلكونة دي أنتي نهارك أسود"
ازدردت ريقها بتوتر وقالت في خوف منه وابتسامة لطيفة محاولة امتصاص غضبه:
"قميص نوم إيه بس ده فستان وكمان مش مكشوف قوي"
جلال بعصبية وقد ارتفعت نبرة صوته:
"انتي كمان بتقاوحي معايا!!.. ادخلي چوا يلا وحسك عينك اشوفك طالعة على البلكونة من غير طرحة مش بفستان"
ابتسمت له بحب واقتربت منه ثم لفت ذراعيها حول رقبته ومالت عليه تقبله من وجنته بحب ثم وضعت رأسها فوق صدره وقالت معتذرة:
"حاضر حقك عليا ياچلالي أنا آسفة أول وآخر مرة"
لان وارتخت عضلاته المتشنجة بعد قبلتها وعناقها له لكن غضبه لم يزل بعد حيث قال بسخط:
"بعدي عني عصبتيني وعكننتيني"
ضحكت عليه وراحت تلثمه بقبلة دافئة على وجنته مجددًا وهي تهمس:
"متزعلش مني ياچلالي أنا آسفة"
مع كل قبلة كان يشعر بنفسه تنهار بين يديها أكثر فقال لها بحدة وغضب ليظهر أنه مازال ثابتًا:
"فريال"
فهمت المعادلة وضحكت ثم راحت واقتربت منه للمرة الثالثة وهذه المرة القبلة كانت بجوار ثغره وهي تهمس:
"عيون فريال"
أعلن أخيرًا رفع راية استسلامه وكانت ستنطلق على ثغره بسمة لكنها كبحها وقال بحزم وهو يحاول لآخر لحظة أن يحافظ على صموده:
"العيال چوا متنسيش نفسك وتخليني أنا كمان انسى روحي معاكي"
ضحكت بخفة عليه ثم ارتمت بين ذراعيه مجددًا تضع رأسها فوق صدره وتعني بعشق:
"ربنا ما يحرمني منك واصل ياحبيبي ويحفظك ليا أنت وعيالي ومشوفش فيكم حاچة عفشة واصل"
ضمها إليه أكثر عندما لف ذراعيه حول ظهرها وخصرها وردد خلفها مبتسمًا:
"ولا يحرمني منكم ياروح قلبي"
بأحد المقاهي الرجالية كان "علي" يجلس بانتظار وصول مروان بنتءًا على اتفاقهم أن يلتقوا في هذا المكان وبهذا الوقت، واثناء انتظاره له كان يمر الوقت مع "علي" وهو يشرب كأس الشاي الصباحي الخاص به، حتى رأى مروان أخيرًا وهو يقف بسيارته أمام المقهى ويخرج منها ثم يقف ويتلفت حوله بحثًا عنه، فرفع "علي" يده في الهواء ولوح لمروان حتى يراه، فاتجه الآخر نحوه فور رؤيته، استقام "علي" واقفًا بعدما وصل إليه وكان مروان له الأسبقية في مد كفه للمصافحة هاتفًا باعتذار لبق:
"آسف لو اتأخرت عليك"
رد عليه "علي" على مضض وهو يمد يده ويصافحه:
"ولا يهمك يابشمهندس"
توقف بشار بسيارته أمام منزل عمته وعيناه تطلق شرارات الغل والغضب ثم اخرج هاتفه وأجرى اتصال برحاب، وانتظر ردها حتى أجابته برقة وفرحًا ظنًا منها أنه يريد مقابلته لكي يخبرها بأنه سيعود لها:
"وصلت يابشار"
رد عليها بصوت محتقن ومريب:
"أنا تحت بالعربية انزلي"
قالت بحماس ولهفة:
"أنت هتاخدني وين؟"
رد بشار بصوت منخفض دون أن تسمعه بعدما أبعد الهاتف عن أذنه:
"على چهنم الحمرا أن شاء الله"
***
داخل منزل عمران الصاوي.......
فتح عمران باب المنزل ودخل ثم نزع حذائه بجوار الباب وهو حاملًا بين يديه باقة من الورود الحمراء مغلفة بطريقة رومانسية وجميلة، وصاح مناديًا على آسيا بحب:
"ياغزالتي"
كانت هي بالصالة تجلس على ذراع الأريكة المواجهة للشرفة وتنظر للخارج، مرتدية ثوب أزرق من القماش الناعم وبقدميها مرتدية حذاء بكعب عالي شفاف وتاركة العنان لشعرها ينسدل على كتفيها وظهرها بحرية.. واضعة قدم فوق الأخرى، وعلى مائدة الطعام كانت الصحون كلها ممتلئة بأصناف الطعام المختلفة الذي حضرتها لزوجها ولـ ليلتهم الغرامية الخاصة.
التفتت تجاه الباب فور سماعها صوت ندائه عليها وابتسمت بدلال وبقت كما هي على حالها دون حركة تنظر تجاه الباب منتظرة وصوله لها، وعندما وصل لبداية الصالة ورآها بهذا المنظر الأنثوي المثير، وجمالها الصارخ تسمر بأرضه وراح يتأملها بذهول وإعجاب، فاستقامت هي واقفة برقة وهي تضحك ثم تقدمت نحوها بخطواتها الرقيقة وهي تتمايل في سيرها بغنج حتى وصلت إليه ووقفت أمامه ثم راحت تلف ذراعيها حول رقبته وتنظر في عينيه بجرأة وتقول:
"حمدلله على السلامة يامعلم"
تمعن النظر في نظرة عينيها المثيرة وشعر وكأن كل ما تعمله عن الثبات والتحكم برغباته القت به تلك الساحرة عرض الحائط وتهشم، فراح يتأملها من أسفلها لأعلاها بلذة ثم عاد ينظر في وجهها الذي يلقي عليه تعويذة سحرية من تعويذاتها وقال:
"إكده كتير قوي عليا ياغزال"
انطلقت ضحكتها الأنثوية عالية ثم نظرت ليده ولباقة الورد وقالت بفرحة:
"الورد دي ليا ياسيد المعلم؟"
ابتسم لفرحتها وضحكتها التي اخترقت أسوار قلبه ورفع باقة الورد لتكون في مستوى نظرها وأمام وجهها وقال عاشقًا:
"ليكي ياست البنات طبعًا، مع العلم أنه ميچيش حاچة چنب چمالك وحلاوتك"
ابتسمت بخجل من الإطراء التي حصلت عليه للتو منه والمغازلة وقالت ضاحكة بدلع وهي تلكزه في صدره:
"الله وبعدين عاد ياعمران"
رد مغازلًا إليها بجرأة أكثر وهو يغمز:
"هو أنا لسا قولت حاچة، دي الدلع للركب الليلة دي"
نظرت له بطرف عيناها في حب وقالت بفرحة:
"يعني عچبتك صُح؟!"
ألقى بباقة الورد التي بيده على المقعد الذي بجواره ثم لف ذراعيه حول خصرها بحميمية وجذبها إليه بقوة لتلتصق بصدره ويقول وهو يدنو منها:
"ده أنتي طيرتي الحتة السليمة اللي في نافوخي مش عچبتيني بس"
رجعت برأسها للخلف قبل أن ينل منها وقالت ضاحكة بدلال:
"طيب تعالي نتعشى الاول أنا محضرالك وكل إنما إيه هتاكل صوابعك وراه"
هز رأسه بالنفي وهو مثبتًا نظره على عيناها الساحرة:
"لا مش عاوز آكل مش وقته الوكل دلوك"
قالت وهي تترجاه بنعومة:
"عشان خاطري ياعمران ده أنا تعبانة في الوكل ومحضرالك بيدي هتسيبه إكده كله من غير ماتدوق منه حتى، يلا تعالى كل لقمة"
تنهد الصعداء بقلة حيلة وقال محاولًا التحكم بمشاعره واجبارها على الصبر قليلًا:
"ماشي ناكل عشان خاطر عيون الغزال اللي عاشقها قلبي"
ضحكت بلوعة واستحياء بسيط بسبب معازلته المستمرة لها، ثم سارت معه باتجاه المائدة وجلس هو في بداية المائدة على المقعد الذي يتوسط في المنتصف وجلست هي على المقعد المجاور له من اليمين، ثم بدأوا في تناول طعامهم ووسط الأكل مدت يدها بقطعة لحم صغيرة إلى فمه لتطعمه بيدها فابتسم لها بعشق وفتح فمه ثم تناولها من يدها بكل تلذذ وهو يقول:
"اممممم تسلم يدك ياغزالي"
ردت بهيام وهي تتأمله:
"بالهنا والشفا ياحبيبي"
راقبته وهو يتناول طعامه بشراهة وتلذذ وكانت بين كل لقمة وأخرى تمد يدها بالطعام إلى فمه لتطعمه بيدها فيضحك هو ويهتف غامزًا بخبث:
"وأنا اقول الوكل بيحلو ليه اكتر كل ما توكليني بيدك"
ثم أمسك بكفها وراح يلثم ظاهره وباطنه واصابعها وسط همسه المغرم:
"اتاري السر في يد غزالي"
قشعر جسدها وسرت قشعريرة فيه من ملمس شفتيه الغليظة ودغدغة شاربه ولحيته لبشرتها، فنظرت لها بعشق وعاطفة جيّاشة لتجده يردف ضاحكًا:
"لو اعرف أني لما اتسچن هتدلع الدلع ده كله كنت سچنت نفسي بنفسي من زمان"
ظهر الغضب على ملامحها وقالت بحدة توبخه برقة:
"متقولش الكلام الماسخ ده تاني ياعمران، ولعلمك أنا كنت ناوية اعملك الليلة دي من قبل ما تدخل القسم يعني كدليل إني سامحتك خلاص ومعدش في زعل بينا"
عاد يقبل يدها مجددًا وهو يهمس:
"ربنا ما يچيب زعل واصل بينا تاني ياحبيبي"
رددت خلفه "آمين" بعاطفة بينما هو فسألها باهتمام وقلق فور تذكره لابنه الصغير:
"رضعتي الواد زين وغيرتيله، احسن يبوظ علينا الليلة، ده أنا تچرالي فيها حاچة دي"
قهقهت عاليًا ثم قالت له بثقة:
"لا متقلقش نايم ومش هيصحى دلوك"
هبت واقفاً وقال بلهفة وحماس ضاحكًا:
"مش هيصحى إيه ده ملوش آمان، بزيادة وكل يلا قبل ما يصحى"
ازداد ضحكها أكثر على منظره فوجدته يغمز لها بمكر ويقول بوقاحة:
"أنا هروح اغسل يدي وانتي استنيني في الأوضة"
ضربت كف على كف وهي تضحك ثم راقبته وهو يبتعد عنها حتى توارى داخل الحمام، فاستقامت واقفة وبدأت في حمل صحون الطعام والذهاب بها للمطبخ والثلاجة، دقائق معدودة كانت قد انتهت من وضع الطعام كله بالثلاجة وغسلت يدها فشعرت به يعانقها من الخلف ثم يحملها بين ذراعيه ويقول معاتبًا إياها بغيظ:
"بتعملي إيه في المطبخ هو كلامي معدش بيتسمع ولا إيه"
هتفت وسط ضحكها بدلال:
"فشر يامعلم، ده أنت كلامك كله مطاع"
نظر لها بطرف عينه مبتسمًا وغمز لها ثم دخل إلى غرفتهم حاملًا إياها بين ذراعيه واغلق الباب خلفه بطرف قدمه.
***
بصباح اليوم التالي في مدينة مرسى مطروح بأحد الفنادق المطلة على البحر، كانت تقف فريال في شرفة غرفتهم تتأمل مياه البحر من أمامها ومرتدية ثوب أبيض طويل وتاركة العنان لشعرها يتطاير مع نسمات الهواء الدافئة، ومن الداخل كانت تسمع حديث اولادها مع بعضهم ولعبهم وضحكهم وهم يخططون إلى أين سيذهبون ويتنزهون في رحلتهم، كانت تسمعهم وتبتسم عليهم دون أن تلتفت لهم حتى انفتح باب الغرفة ودخل جلال الذي ركض عليه أولاده وعانقوه بقوة وصاح عمار بحماس:
"ميتا هننزل البحر يابويا؟"
يضحك جلال وقال بود أبوي:
"شوية إكده بعد ما نفطر ونريح من السفر نبقى ننزل لسا اليوم طويل واحنا مش هنمشي بكرا يعني اصبر"
سأل معاذ بفرحة وهو ينقل نظره بين أخيه وأبيه:
"وبليل كل يوم هنروح نتفسح وناكل في المطعم صُح؟"
نظر جلال لابنه الكبير بدهشة رافعًا حاجبه ثم قال مازحًا وسط ضحكته:
"كل يوم!!!.. اممم وماله ما انتوا ناويين تخربوا بيت ابوكم، نتعشى كل يوم برا ياحبايب ابوكم ولا يهمكم"
كانت فريال من الداخل تسمع حديثهم وتضحك على ردود زوجها حتى شعرت بخطواته تقترب من الشرفة وهو ينادي عليها وعندما وصل لها اشتعلت عينيه والتهبت بالغضب والغيرة وقال:
"فــريال.. واقفة كيف إكده على البلكونة؟!"
التفتت له بسرعة على أثر صوته الغاضب وقالت برقة:
"مفيش حد أصلًا موچود ياچلال تحت على الشاطئ ومحدش شايفني"
اقترب منها وجذبها للداخل بحدة ونظرة مرعبة صائحًا:
"وحتى لو محدش شايفك تقفي بقميص نوم على البلكونة دي أنتي نهارك أسود"
ازدردت ريقها بتوتر وقالت في خوف منه وابتسامة لطيفة محاولة امتصاص غضبه:
"قميص نوم إيه بس ده فستان وكمان مش مكشوف قوي"
جلال بعصبية وقد ارتفعت نبرة صوته:
"انتي كمان بتقاوحي معايا!!.. ادخلي چوا يلا وحسك عينك اشوفك طالعة على البلكونة من غير طرحة مش بفستان"
ابتسمت له بحب واقتربت منه ثم لفت ذراعيها حول رقبته ومالت عليه تقبله من وجنته بحب ثم وضعت رأسها فوق صدره وقالت معتذرة:
"حاضر حقك عليا ياچلالي أنا آسفة أول وآخر مرة"
لان وارتخت عضلاته المتشنجة بعد قبلتها وعناقها له لكن غضبه لم يزل بعد حيث قال بسخط:
"بعدي عني عصبتيني وعكننتيني"
ضحكت عليه وراحت تلثمه بقبلة دافئة على وجنته مجددًا وهي تهمس:
"متزعلش مني ياچلالي أنا آسفة"
مع كل قبلة كان يشعر بنفسه تنهار بين يديها أكثر فقال لها بحدة وغضب ليظهر أنه مازال ثابتًا:
"فريال"
فهمت المعادلة وضحكت ثم راحت واقتربت منه للمرة الثالثة وهذه المرة القبلة كانت بجوار ثغره وهي تهمس:
"عيون فريال"
أعلن أخيرًا رفع راية استسلامه وكانت ستنطلق على ثغره بسمة لكنها كبحها وقال بحزم وهو يحاول لآخر لحظة أن يحافظ على صموده:
"العيال چوا متنسيش نفسك وتخليني أنا كمان انسى روحي معاكي"
ضحكت بخفة عليه ثم ارتمت بين ذراعيه مجددًا تضع رأسها فوق صدره وتعني بعشق:
"ربنا ما يحرمني منك واصل ياحبيبي ويحفظك ليا أنت وعيالي ومشوفش فيكم حاچة عفشة واصل"
ضمها إليه أكثر عندما لف ذراعيه حول ظهرها وخصرها وردد خلفها مبتسمًا:
"ولا يحرمني منكم ياروح قلبي"
***
بأحد المقاهي الرجالية كان "علي" يجلس بانتظار وصول مروان بنتءًا على اتفاقهم أن يلتقوا في هذا المكان وبهذا الوقت، واثناء انتظاره له كان يمر الوقت مع "علي" وهو يشرب كأس الشاي الصباحي الخاص به، حتى رأى مروان أخيرًا وهو يقف بسيارته أمام المقهى ويخرج منها ثم يقف ويتلفت حوله بحثًا عنه، فرفع "علي" يده في الهواء ولوح لمروان حتى يراه، فاتجه الآخر نحوه فور رؤيته، استقام "علي" واقفًا بعدما وصل إليه وكان مروان له الأسبقية في مد كفه للمصافحة هاتفًا باعتذار لبق:
"آسف لو اتأخرت عليك"
رد عليه "علي" على مضض وهو يمد يده ويصافحه:
"ولا يهمك يابشمهندس"
***
توقف بشار بسيارته أمام منزل عمته وعيناه تطلق شرارات الغل والغضب ثم اخرج هاتفه وأجرى اتصال برحاب، وانتظر ردها حتى أجابته برقة وفرحًا ظنًا منها أنه يريد مقابلته لكي يخبرها بأنه سيعود لها:
"وصلت يابشار"
رد عليها بصوت محتقن ومريب:
"أنا تحت بالعربية انزلي"
قالت بحماس ولهفة:
"أنت هتاخدني وين؟"
رد بشار بصوت منخفض دون أن تسمعه بعدما أبعد الهاتف عن أذنه:
"على چهنم الحمرا أن شاء الله"
***
داخل منزل عمران الصاوي.......
فتح عمران باب المنزل ودخل ثم نزع حذائه بجوار الباب وهو حاملًا بين يديه باقة من الورود الحمراء مغلفة بطريقة رومانسية وجميلة، وصاح مناديًا على آسيا بحب:
"ياغزالتي"
كانت هي بالصالة تجلس على ذراع الأريكة المواجهة للشرفة وتنظر للخارج، مرتدية ثوب أزرق من القماش الناعم وبقدميها مرتدية حذاء بكعب عالي شفاف وتاركة العنان لشعرها ينسدل على كتفيها وظهرها بحرية.. واضعة قدم فوق الأخرى، وعلى مائدة الطعام كانت الصحون كلها ممتلئة بأصناف الطعام المختلفة الذي حضرتها لزوجها ولـ ليلتهم الغرامية الخاصة.
التفتت تجاه الباب فور سماعها صوت ندائه عليها وابتسمت بدلال وبقت كما هي على حالها دون حركة تنظر تجاه الباب منتظرة وصوله لها، وعندما وصل لبداية الصالة ورآها بهذا المنظر الأنثوي المثير، وجمالها الصارخ تسمر بأرضه وراح يتأملها بذهول وإعجاب، فاستقامت هي واقفة برقة وهي تضحك ثم تقدمت نحوها بخطواتها الرقيقة وهي تتمايل في سيرها بغنج حتى وصلت إليه ووقفت أمامه ثم راحت تلف ذراعيها حول رقبته وتنظر في عينيه بجرأة وتقول:
"حمدلله على السلامة يامعلم"
تمعن النظر في نظرة عينيها المثيرة وشعر وكأن كل ما تعمله عن الثبات والتحكم برغباته القت به تلك الساحرة عرض الحائط وتهشم، فراح يتأملها من أسفلها لأعلاها بلذة ثم عاد ينظر في وجهها الذي يلقي عليه تعويذة سحرية من تعويذاتها وقال:
"إكده كتير قوي عليا ياغزال"
انطلقت ضحكتها الأنثوية عالية ثم نظرت ليده ولباقة الورد وقالت بفرحة:
"الورد دي ليا ياسيد المعلم؟"
ابتسم لفرحتها وضحكتها التي اخترقت أسوار قلبه ورفع باقة الورد لتكون في مستوى نظرها وأمام وجهها وقال عاشقًا:
"ليكي ياست البنات طبعًا، مع العلم أنه ميچيش حاچة چنب چمالك وحلاوتك"
ابتسمت بخجل من الإطراء التي حصلت عليه للتو منه والمغازلة وقالت ضاحكة بدلع وهي تلكزه في صدره:
"الله وبعدين عاد ياعمران"
رد مغازلًا إليها بجرأة أكثر وهو يغمز:
"هو أنا لسا قولت حاچة، دي الدلع للركب الليلة دي"
نظرت له بطرف عيناها في حب وقالت بفرحة:
"يعني عچبتك صُح؟!"
ألقى بباقة الورد التي بيده على المقعد الذي بجواره ثم لف ذراعيه حول خصرها بحميمية وجذبها إليه بقوة لتلتصق بصدره ويقول وهو يدنو منها:
"ده أنتي طيرتي الحتة السليمة اللي في نافوخي مش عچبتيني بس"
رجعت برأسها للخلف قبل أن ينل منها وقالت ضاحكة بدلال:
"طيب تعالي نتعشى الاول أنا محضرالك وكل إنما إيه هتاكل صوابعك وراه"
هز رأسه بالنفي وهو مثبتًا نظره على عيناها الساحرة:
"لا مش عاوز آكل مش وقته الوكل دلوك"
قالت وهي تترجاه بنعومة:
"عشان خاطري ياعمران ده أنا تعبانة في الوكل ومحضرالك بيدي هتسيبه إكده كله من غير ماتدوق منه حتى، يلا تعالى كل لقمة"
تنهد الصعداء بقلة حيلة وقال محاولًا التحكم بمشاعره واجبارها على الصبر قليلًا:
"ماشي ناكل عشان خاطر عيون الغزال اللي عاشقها قلبي"
ضحكت بلوعة واستحياء بسيط بسبب معازلته المستمرة لها، ثم سارت معه باتجاه المائدة وجلس هو في بداية المائدة على المقعد الذي يتوسط في المنتصف وجلست هي على المقعد المجاور له من اليمين، ثم بدأوا في تناول طعامهم ووسط الأكل مدت يدها بقطعة لحم صغيرة إلى فمه لتطعمه بيدها فابتسم لها بعشق وفتح فمه ثم تناولها من يدها بكل تلذذ وهو يقول:
"اممممم تسلم يدك ياغزالي"
ردت بهيام وهي تتأمله:
"بالهنا والشفا ياحبيبي"
راقبته وهو يتناول طعامه بشراهة وتلذذ وكانت بين كل لقمة وأخرى تمد يدها بالطعام إلى فمه لتطعمه بيدها فيضحك هو ويهتف غامزًا بخبث:
"وأنا اقول الوكل بيحلو ليه اكتر كل ما توكليني بيدك"
ثم أمسك بكفها وراح يلثم ظاهره وباطنه واصابعها وسط همسه المغرم:
"اتاري السر في يد غزالي"
قشعر جسدها وسرت قشعريرة فيه من ملمس شفتيه الغليظة ودغدغة شاربه ولحيته لبشرتها، فنظرت لها بعشق وعاطفة جيّاشة لتجده يردف ضاحكًا:
"لو اعرف أني لما اتسچن هتدلع الدلع ده كله كنت سچنت نفسي بنفسي من زمان"
ظهر الغضب على ملامحها وقالت بحدة توبخه برقة:
"متقولش الكلام الماسخ ده تاني ياعمران، ولعلمك أنا كنت ناوية اعملك الليلة دي من قبل ما تدخل القسم يعني كدليل إني سامحتك خلاص ومعدش في زعل بينا"
عاد يقبل يدها مجددًا وهو يهمس:
"ربنا ما يچيب زعل واصل بينا تاني ياحبيبي"
رددت خلفه "آمين" بعاطفة بينما هو فسألها باهتمام وقلق فور تذكره لابنه الصغير:
"رضعتي الواد زين وغيرتيله، احسن يبوظ علينا الليلة، ده أنا تچرالي فيها حاچة دي"
قهقهت عاليًا ثم قالت له بثقة:
"لا متقلقش نايم ومش هيصحى دلوك"
هبت واقفاً وقال بلهفة وحماس ضاحكًا:
"مش هيصحى إيه ده ملوش آمان، بزيادة وكل يلا قبل ما يصحى"
ازداد ضحكها أكثر على منظره فوجدته يغمز لها بمكر ويقول بوقاحة:
"أنا هروح اغسل يدي وانتي استنيني في الأوضة"
ضربت كف على كف وهي تضحك ثم راقبته وهو يبتعد عنها حتى توارى داخل الحمام، فاستقامت واقفة وبدأت في حمل صحون الطعام والذهاب بها للمطبخ والثلاجة، دقائق معدودة كانت قد انتهت من وضع الطعام كله بالثلاجة وغسلت يدها فشعرت به يعانقها من الخلف ثم يحملها بين ذراعيه ويقول معاتبًا إياها بغيظ:
"بتعملي إيه في المطبخ هو كلامي معدش بيتسمع ولا إيه"
هتفت وسط ضحكها بدلال:
"فشر يامعلم، ده أنت كلامك كله مطاع"
نظر لها بطرف عينه مبتسمًا وغمز لها ثم دخل إلى غرفتهم حاملًا إياها بين ذراعيه واغلق الباب خلفه بطرف قدمه.
***
بصباح اليوم التالي في مدينة مرسى مطروح بأحد الفنادق المطلة على البحر، كانت تقف فريال في شرفة غرفتهم تتأمل مياه البحر من أمامها ومرتدية ثوب أبيض طويل وتاركة العنان لشعرها يتطاير مع نسمات الهواء الدافئة، ومن الداخل كانت تسمع حديث اولادها مع بعضهم ولعبهم وضحكهم وهم يخططون إلى أين سيذهبون ويتنزهون في رحلتهم، كانت تسمعهم وتبتسم عليهم دون أن تلتفت لهم حتى انفتح باب الغرفة ودخل جلال الذي ركض عليه أولاده وعانقوه بقوة وصاح عمار بحماس:
"ميتا هننزل البحر يابويا؟"
يضحك جلال وقال بود أبوي:
"شوية إكده بعد ما نفطر ونريح من السفر نبقى ننزل لسا اليوم طويل واحنا مش هنمشي بكرا يعني اصبر"
سأل معاذ بفرحة وهو ينقل نظره بين أخيه وأبيه:
"وبليل كل يوم هنروح نتفسح وناكل في المطعم صُح؟"
نظر جلال لابنه الكبير بدهشة رافعًا حاجبه ثم قال مازحًا وسط ضحكته:
"كل يوم!!!.. اممم وماله ما انتوا ناويين تخربوا بيت ابوكم، نتعشى كل يوم برا ياحبايب ابوكم ولا يهمكم"
كانت فريال من الداخل تسمع حديثهم وتضحك على ردود زوجها حتى شعرت بخطواته تقترب من الشرفة وهو ينادي عليها وعندما وصل لها اشتعلت عينيه والتهبت بالغضب والغيرة وقال:
"فــريال.. واقفة كيف إكده على البلكونة؟!"
التفتت له بسرعة على أثر صوته الغاضب وقالت برقة:
"مفيش حد أصلًا موچود ياچلال تحت على الشاطئ ومحدش شايفني"
اقترب منها وجذبها للداخل بحدة ونظرة مرعبة صائحًا:
"وحتى لو محدش شايفك تقفي بقميص نوم على البلكونة دي أنتي نهارك أسود"
ازدردت ريقها بتوتر وقالت في خوف منه وابتسامة لطيفة محاولة امتصاص غضبه:
"قميص نوم إيه بس ده فستان وكمان مش مكشوف قوي"
جلال بعصبية وقد ارتفعت نبرة صوته:
"انتي كمان بتقاوحي معايا!!.. ادخلي چوا يلا وحسك عينك اشوفك طالعة على البلكونة من غير طرحة مش بفستان"
ابتسمت له بحب واقتربت منه ثم لفت ذراعيها حول رقبته ومالت عليه تقبله من وجنته بحب ثم وضعت رأسها فوق صدره وقالت معتذرة:
"حاضر حقك عليا ياچلالي أنا آسفة أول وآخر مرة"
لان وارتخت عضلاته المتشنجة بعد قبلتها وعناقها له لكن غضبه لم يزل بعد حيث قال بسخط:
"بعدي عني عصبتيني وعكننتيني"
ضحكت عليه وراحت تلثمه بقبلة دافئة على وجنته مجددًا وهي تهمس:
"متزعلش مني ياچلالي أنا آسفة"
مع كل قبلة كان يشعر بنفسه تنهار بين يديها أكثر فقال لها بحدة وغضب ليظهر أنه مازال ثابتًا:
"فريال"
فهمت المعادلة وضحكت ثم راحت واقتربت منه للمرة الثالثة وهذه المرة القبلة كانت بجوار ثغره وهي تهمس:
"عيون فريال"
أعلن أخيرًا رفع راية استسلامه وكانت ستنطلق على ثغره بسمة لكنها كبحها وقال بحزم وهو يحاول لآخر لحظة أن يحافظ على صموده:
"العيال چوا متنسيش نفسك وتخليني أنا كمان انسى روحي معاكي"
ضحكت بخفة عليه ثم ارتمت بين ذراعيه مجددًا تضع رأسها فوق صدره وتعني بعشق:
"ربنا ما يحرمني منك واصل ياحبيبي ويحفظك ليا أنت وعيالي ومشوفش فيكم حاچة عفشة واصل"
ضمها إليه أكثر عندما لف ذراعيه حول ظهرها وخصرها وردد خلفها مبتسمًا:
"ولا يحرمني منكم ياروح قلبي"
***
بأحد المقاهي الرجالية كان "علي" يجلس بانتظار وصول مروان بنتءًا على اتفاقهم أن يلتقوا في هذا المكان وبهذا الوقت، واثناء انتظاره له كان يمر الوقت مع "علي" وهو يشرب كأس الشاي الصباحي الخاص به، حتى رأى مروان أخيرًا وهو يقف بسيارته أمام المقهى ويخرج منها ثم يقف ويتلفت حوله بحثًا عنه، فرفع "علي" يده في الهواء ولوح لمروان حتى يراه، فاتجه الآخر نحوه فور رؤيته، استقام "علي" واقفًا بعدما وصل إليه وكان مروان له الأسبقية في مد كفه للمصافحة هاتفًا باعتذار لبق:
"آسف لو اتأخرت عليك"
رد عليه "علي" على مضض وهو يمد يده ويصافحه:
"ولا يهمك يابشمهندس"
***
توقف بشار بسيارته أمام منزل عمته وعيناه تطلق شرارات الغل والغضب ثم اخرج هاتفه وأجرى اتصال برحاب، وانتظر ردها حتى أجابته برقة وفرحًا ظنًا منها أنه يريد مقابلته لكي يخبرها بأنه سيعود لها:
"وصلت يابشار"
رد عليها بصوت محتقن ومريب:
"أنا تحت بالعربية انزلي"
قالت بحماس ولهفة:
"أنت هتاخدني وين؟"
رد بشار بصوت منخفض دون أن تسمعه بعدما أبعد الهاتف عن أذنه:
"على چهنم الحمرا أن شاء الله"
***
داخل منزل عمران الصاوي.......
فتح عمران باب المنزل ودخل ثم نزع حذائه بجوار الباب وهو حاملًا بين يديه باقة من الورود الحمراء مغلفة بطريقة رومانسية وجميلة، وصاح مناديًا على آسيا بحب:
"ياغزالتي"
كانت هي بالصالة تجلس على ذراع الأريكة المواجهة للشرفة وتنظر للخارج، مرتدية ثوب أزرق من القماش الناعم وبقدميها مرتدية حذاء بكعب عالي شفاف وتاركة العنان لشعرها ينسدل على كتفيها وظهرها بحرية.. واضعة قدم فوق الأخرى، وعلى مائدة الطعام كانت الصحون كلها ممتلئة بأصناف الطعام المختلفة الذي حضرتها لزوجها ولـ ليلتهم الغرامية الخاصة.
التفتت تجاه الباب فور سماعها صوت ندائه عليها وابتسمت بدلال وبقت كما هي على حالها دون حركة تنظر تجاه الباب منتظرة وصوله لها، وعندما وصل لبداية الصالة ورآها بهذا المنظر الأنثوي المثير، وجمالها الصارخ تسمر بأرضه وراح يتأملها بذهول وإعجاب، فاستقامت هي واقفة برقة وهي تضحك ثم تقدمت نحوها بخطواتها الرقيقة وهي تتمايل في سيرها بغنج حتى وصلت إليه ووقفت أمامه ثم راحت تلف ذراعيها حول رقبته وتنظر في عينيه بجرأة وتقول:
"حمدلله على السلامة يامعلم"
تمعن النظر في نظرة عينيها المثيرة وشعر وكأن كل ما تعمله عن الثبات والتحكم برغباته القت به تلك الساحرة عرض الحائط وتهشم، فراح يتأملها من أسفلها لأعلاها بلذة ثم عاد ينظر في وجهها الذي يلقي عليه تعويذة سحرية من تعويذاتها وقال:
"إكده كتير قوي عليا ياغزال"
انطلقت ضحكتها الأنثوية عالية ثم نظرت ليده ولباقة الورد وقالت بفرحة:
"الورد دي ليا ياسيد المعلم؟"
ابتسم لفرحتها وضحكتها التي اخترقت أسوار قلبه ورفع باقة الورد لتكون في مستوى نظرها وأمام وجهها وقال عاشقًا:
"ليكي ياست البنات طبعًا، مع العلم أنه ميچيش حاچة چنب چمالك وحلاوتك"
ابتسمت بخجل من الإطراء التي حصلت عليه للتو منه والمغازلة وقالت ضاحكة بدلع وهي تلكزه في صدره:
"الله وبعدين عاد ياعمران"
رد مغازلًا إليها بجرأة أكثر وهو يغمز:
"هو أنا لسا قولت حاچة، دي الدلع للركب الليلة دي"
نظرت له بطرف عيناها في حب وقالت بفرحة:
"يعني عچبتك صُح؟!"
ألقى بباقة الورد التي بيده على المقعد الذي بجواره ثم لف ذراعيه حول خصرها بحميمية وجذبها إليه بقوة لتلتصق بصدره ويقول وهو يدنو منها:
"ده أنتي طيرتي الحتة السليمة اللي في نافوخي مش عچبتيني بس"
رجعت برأسها للخلف قبل أن ينل منها وقالت ضاحكة بدلال:
"طيب تعالي نتعشى الاول أنا محضرالك وكل إنما إيه هتاكل صوابعك وراه"
هز رأسه بالنفي وهو مثبتًا نظره على عيناها الساحرة:
"لا مش عاوز آكل مش وقته الوكل دلوك"
قالت وهي تترجاه بنعومة:
"عشان خاطري ياعمران ده أنا تعبانة في الوكل ومحضرالك بيدي هتسيبه إكده كله من غير ماتدوق منه حتى، يلا تعالى كل لقمة"
تنهد الصعداء بقلة حيلة وقال محاولًا التحكم بمشاعره واجبارها على الصبر قليلًا:
"ماشي ناكل عشان خاطر عيون الغزال اللي عاشقها قلبي"
ضحكت بلوعة واستحياء بسيط بسبب معازلته المستمرة لها، ثم سارت معه باتجاه المائدة وجلس هو في بداية المائدة على المقعد الذي يتوسط في المنتصف وجلست هي على المقعد المجاور له من اليمين، ثم بدأوا في تناول طعامهم ووسط الأكل مدت يدها بقطعة لحم صغيرة إلى فمه لتطعمه بيدها فابتسم لها بعشق وفتح فمه ثم تناولها من يدها بكل تلذذ وهو يقول:
"اممممم تسلم يدك ياغزالي"
ردت بهيام وهي تتأمله:
"بالهنا والشفا ياحبيبي"
راقبته وهو يتناول طعامه بشراهة وتلذذ وكانت بين كل لقمة وأخرى تمد يدها بالطعام إلى فمه لتطعمه بيدها فيضحك هو ويهتف غامزًا بخبث:
"وأنا اقول الوكل بيحلو ليه اكتر كل ما توكليني بيدك"
ثم أمسك بكفها وراح يلثم ظاهره وباطنه واصابعها وسط همسه المغرم:
"اتاري السر في يد غزالي"
قشعر جسدها وسرت قشعريرة فيه من ملمس شفتيه الغليظة ودغدغة شاربه ولحيته لبشرتها، فنظرت لها بعشق وعاطفة جيّاشة لتجده يردف ضاحكًا:
"لو اعرف أني لما اتسچن هتدلع الدلع ده كله كنت سچنت نفسي بنفسي من زمان"
ظهر الغضب على ملامحها وقالت بحدة توبخه برقة:
"متقولش الكلام الماسخ ده تاني ياعمران، ولعلمك أنا كنت ناوية اعملك الليلة دي من قبل ما تدخل القسم يعني كدليل إني سامحتك خلاص ومعدش في زعل بينا"
عاد يقبل يدها مجددًا وهو يهمس:
"ربنا ما يچيب زعل واصل بينا تاني ياحبيبي"
رددت خلفه "آمين" بعاطفة بينما هو فسألها باهتمام وقلق فور تذكره لابنه الصغير:
"رضعتي الواد زين وغيرتيله، احسن يبوظ علينا الليلة، ده أنا تچرالي فيها حاچة دي"
قهقهت عاليًا ثم قالت له بثقة:
"لا متقلقش نايم ومش هيصحى دلوك"
هبت واقفاً وقال بلهفة وحماس ضاحكًا:
"مش هيصحى إيه ده ملوش آمان، بزيادة وكل يلا قبل ما يصحى"
ازداد ضحكها أكثر على منظره فوجدته يغمز لها بمكر ويقول بوقاحة:
"أنا هروح اغسل يدي وانتي استنيني في الأوضة"
ضربت كف على كف وهي تضحك ثم راقبته وهو يبتعد عنها حتى توارى داخل الحمام، فاستقامت واقفة وبدأت في حمل صحون الطعام والذهاب بها للمطبخ والثلاجة، دقائق معدودة كانت قد انتهت من وضع الطعام كله بالثلاجة وغسلت يدها فشعرت به يعانقها من الخلف ثم يحملها بين ذراعيه ويقول معاتبًا إياها بغيظ:
"بتعملي إيه في المطبخ هو كلامي معدش بيتسمع ولا إيه"
هتفت وسط ضحكها بدلال:
"فشر يامعلم، ده أنت كلامك كله مطاع"
نظر لها بطرف عينه مبتسمًا وغمز لها ثم دخل إلى غرفتهم حاملًا إياها بين ذراعيه واغلق الباب خلفه بطرف قدمه.
***
بصباح اليوم التالي في مدينة مرسى مطروح بأحد الفنادق المطلة على البحر، كانت تقف فريال في شرفة غرفتهم تتأمل مياه البحر من أمامها ومرتدية ثوب أبيض طويل وتاركة العنان لشعرها يتطاير مع نسمات الهواء الدافئة، ومن الداخل كانت تسمع حديث اولادها مع بعضهم ولعبهم وضحكهم وهم يخططون إلى أين سيذهبون ويتنزهون في رحلتهم، كانت تسمعهم وتبتسم عليهم دون أن تلتفت لهم حتى انفتح باب الغرفة ودخل جلال الذي ركض عليه أولاده وعانقوه بقوة وصاح عمار بحماس:
"ميتا هننزل البحر يابويا؟"
يضحك جلال وقال بود أبوي:
"شوية إكده بعد ما نفطر ونريح من السفر نبقى ننزل لسا اليوم طويل واحنا مش هنمشي بكرا يعني اصبر"
سأل معاذ بفرحة وهو ينقل نظره بين أخيه وأبيه:
"وبليل كل يوم هنروح نتفسح وناكل في المطعم صُح؟"
نظر جلال لابنه الكبير بدهشة رافعًا حاجبه ثم قال مازحًا وسط ضحكته:
"كل يوم!!!.. اممم وماله ما انتوا ناويين تخربوا بيت ابوكم، نتعشى كل يوم برا ياحبايب ابوكم ولا يهمكم"
كانت فريال من الداخل تسمع حديثهم وتضحك على ردود زوجها حتى شعرت بخطواته تقترب من الشرفة وهو ينادي عليها وعندما وصل لها اشتعلت عينيه والتهبت بالغضب والغيرة وقال:
"فــريال.. واقفة كيف إكده على البلكونة؟!"
التفتت له بسرعة على أثر صوته الغاضب وقالت برقة:
"مفيش حد أصلًا موچود ياچلال تحت على الشاطئ ومحدش شايفني"
اقترب منها وجذبها للداخل بحدة ونظرة مرعبة صائحًا:
"وحتى لو محدش شايفك تقفي بقميص نوم على البلكونة دي أنتي نهارك أسود"
ازدردت ريقها بتوتر وقالت في خوف منه وابتسامة لطيفة محاولة امتصاص غضبه:
"قميص نوم إيه بس ده فستان وكمان مش مكشوف قوي"
جلال بعصبية وقد ارتفعت نبرة صوته:
"انتي كمان بتقاوحي معايا!!.. ادخلي چوا يلا وحسك عينك اشوفك طالعة على البلكونة من غير طرحة مش بفستان"
ابتسمت له بحب واقتربت منه ثم لفت ذراعيها حول رقبته ومالت عليه تقبله من وجنته بحب ثم وضعت رأسها فوق صدره وقالت معتذرة:
"حاضر حقك عليا ياچلالي أنا آسفة أول وآخر مرة"
لان وارتخت عضلاته المتشنجة بعد قبلتها وعناقها له لكن غضبه لم يزل بعد حيث قال بسخط:
"بعدي عني عصبتيني وعكننتيني"
ضحكت عليه وراحت تلثمه بقبلة دافئة على وجنته مجددًا وهي تهمس:
"متزعلش مني ياچلالي أنا آسفة"
مع كل قبلة كان يشعر بنفسه تنهار بين يديها أكثر فقال لها بحدة وغضب ليظهر أنه مازال ثابتًا:
"فريال"
فهمت المعادلة وضحكت ثم راحت واقتربت منه للمرة الثالثة وهذه المرة القبلة كانت بجوار ثغره وهي تهمس:
"عيون فريال"
أعلن أخيرًا رفع راية استسلامه وكانت ستنطلق على ثغره بسمة لكنها كبحها وقال بحزم وهو يحاول لآخر لحظة أن يحافظ على صموده:
"العيال چوا متنسيش نفسك وتخليني أنا كمان انسى روحي معاكي"
ضحكت بخفة عليه ثم ارتمت بين ذراعيه مجددًا تضع رأسها فوق صدره وتعني بعشق:
"ربنا ما يحرمني منك واصل ياحبيبي ويحفظك ليا أنت وعيالي ومشوفش فيكم حاچة عفشة واصل"
ضمها إليه أكثر عندما لف ذراعيه حول ظهرها وخصرها وردد خلفها مبتسمًا:
"ولا يحرمني منكم ياروح قلبي"
***
بأحد المقاهي الرجالية كان "علي" يجلس بانتظار وصول مروان بنتءًا على اتفاقهم أن يلتقوا في هذا المكان وبهذا الوقت، واثناء انتظاره له كان يمر الوقت مع "علي" وهو يشرب كأس الشاي الصباحي الخاص به، حتى رأى مروان أخيرًا وهو يقف بسيارته أمام المقهى ويخرج منها ثم يقف ويتلفت حوله بحثًا عنه، فرفع "علي" يده في الهواء ولوح لمروان حتى يراه، فاتجه الآخر نحوه فور رؤيته، استقام "علي" واقفًا بعدما وصل إليه وكان مروان له الأسبقية في مد كفه للمصافحة هاتفًا باعتذار لبق:
"آسف لو اتأخرت عليك"
رد عليه "علي" على مضض وهو يمد يده ويصافحه:
"ولا يهمك يابشمهندس"
***
توقف بشار بسيارته أمام منزل عمته وعيناه تطلق شرارات الغل والغضب ثم اخرج هاتفه وأجرى اتصال برحاب، وانتظر ردها حتى أجابته برقة وفرحًا ظنًا منها أنه يريد مقابلته لكي يخبرها بأنه سيعود لها:
"وصلت يابشار"
رد عليها بصوت محتقن ومريب:
"أنا تحت بالعربية انزلي"
قالت بحماس ولهفة:
"أنت هتاخدني وين؟"
رواية و بالعشق اهتدي الفصل الثلاثون 30 - بقلم ندى محمود توفيق
داخل المقهى حيث يجلس كل من مروان و "علي" حول إحدى الطاولات الصغيرة وأمام كل واحد منهم كأس شاي صغير الحجم.
بعد مرور دقيقتين تقريبًا منذ وصول مروان، رفع "علي" الكأس لفمه وارتشف رشفة من الشاي ثم أنزله ونظر لمروان يقول بخشونة:
_طلبت تقابلني وتتكلم معايا وأنا سامعك أهوا.
أخذ مروان نفسًا عميق قبل أن يبدأ حديثه بسؤال استفتاحي:
_خلود بلغتك وقالتلك إني كنت موكل محامي عشان تتطلق من سمير، وده كان قبل ما أعرف أنه ابن عمي. ودلوقتي طلبت أقابلك عشان أتكلم معاك في النقطة دي؟
هز "علي" رأسه بالإيجاب مجيبًا على سؤاله.
فرجع مروان يأخذ نفسًا مرة أخرى ويطلقه زفيرًا متهللًا، ثم مال للأمام على "علي" واستند بساعديه على سطح الطاولة وقال بجدية:
_أنا متأكد أنك مستحيل ترجع أختك للبني آدم ده تاني، وزي ما هي عايزة تطلق منه، أنت كمان عايز تطلقها. وأنا أقدر من غير حوارات كتير ومحامين وغيره أخليه يطلقها وتاخد حقوقها منه كاملة.
طالت نظرة "علي" المستفهمة لمروان ثم سأله باهتمام ملحوظ في نبرته ونظراته:
_كيف؟
مروان بابتسامة جانبية خبيثة:
_تقدر تقول همسكه من إيده اللي بتوجعه. بس أنا قولت أبلغك الأول وأخد رأيك وأشوفك موافق ولا لأ أني أتدخل وأساعدكم. وليك عليا أنه في ظرف يوم مش يومين كمان يكون مستنيكم عند باب المأذون عشان يطلقها.
حدق "علي" بنظرة ثاقبة للحظات، وتعابير وجهه تبدلت من الاهتمام والفضول الذي كان قبل قليل لحدة وغلظة، يتطلع لمروان بشك واستفهام حتى سأله بغضب مكتوم:
_وأنت بتعمل كل ده ليه، وإيه اللي يخليك تدخل في مشاكل مع ناسك؟
رفع مروان يده ومسح على وجهه متنهدًا ثم أجاب برزانة:
_اسمع يا "علي" أنا مقدر كويس أوي نظرتك ليا وعدم ثقتك، والصراحة عندك حق، أنا لو مكانك هبقى كده وأكتر. بس ربنا يشهد عليا، أختك أنا مكنش في نيتي حاجة من أول ما قابلتها غير أني أساعدها لما حسيت أنها فعلًا مظلومة وملهاش حد زي ما قالتلي.
التهبت نيران "علي" وبدأ الشر يتطاير في عينيه وظهر بوضوح عندما مال على مروان وقال بنظرة نارية:
_وبعدين إيه نيتك اتغيرت؟
رد مروان بكل هدوء وحكمة:
_لأ لسا زي ما هي. الفرق اللي مش هخبيه عليك أن خلود معزتها زادت عندي واصراري على أني أساعدها وأخلصها من سمير زاد كمان، وخصوصًا بعد ما عرفت أنه ابن عمي.
رفع "علي" يده على وجهه ومسح عليه نزولًا للحيته مطلقًا زفيرًا حارًا. رغم الغضب الذي يستحوذة إلا أنه تحكم به بمهارة وتصرف بهدوء مرعب وهو يوجه تحذيراته لمروان:
_طيب اسمعني أنت عاد يابشمهندس، لو فاكر أنك هتضحك عليا بالكلمتين دول وأنا هصدقك كيف العبيط تبقى لا مؤاخذة أنت اللي مش عارف تحبكها صُح عليا. أنا فاهمك وفاهم أختي زين وعارف اللي داير فمتضحكش عليا وتقولي نيتك صافية. عشان أنا فاهم نيتك زي قوي. بس تقدر تقول إكده هسوق العبط قصادك وأعمل نفسي مصدقك وأنك عاوز تساعدها صُح وأنا هقدر الخدمة اللي كنت عاوز تقدمها لنا على طبق من دهب وهشكرك على تفكيرك كمان. بس الحمدلله إحنا مش محتاجين لخدمات حد، رجالتنا مخلصتش يعني، ولما نحتاج نعلم على حد بنعلم عليه زين.
أنهى "علي" كلامه وهي واقفًا كدليل على إنهاء المقابلة ورغبته في الرحيل. فهب مروان هو الآخر واقفًا وقال بجدية ولهجة قوية:
_علي أنا مكنش قصدي كدا أنت فهمتني غلط. أنا عارف ومتأكد أنك تقدر تطلق أختك منه. بس أنا كمان عارف ابن عمي وأنه ***** وشيطان وهيعملكم مشاكل كتير لغاية ما يطلقها. عشان كدا عرضت عليك المساعدة لأني هخليه يطلقها بكل سهولة ودون أي مشاكل.
ابتسم "علي" بثقة وراح يربت على كتف مروان بامتنان متصنع وهو يجيبه:
_تسلم يابشمهندس، أنا لو احتجتك في أي حاجة هبقى أكلمك.
لوى مروان فمه بحنق بينما "علي" فتوقف والتفت بعدما ابتعد بخطواته عن مروان وعاد له مجددًا يوجه له تحذيراته الثانية التي كانت مريبة:
_أنت شكلك إكده ابن ناس ومحترم يامروان وأنا مش عاوز أدخل في مشاكل معاك خصوصًا إنك قدمت معروف لأختي وحميتها. أنا اتكلمت معاك وفهمتك إني فاهم زين أنت بتفكر إزاي. أتمنى عاد تتصرف على هذا الأساس. لأنك أكيد فاهم أننا صعايدة ودمنا حامي يعني خليك بعيد عن خلود وشغل الاتصالات والمكالمات ده مينفعش. لو عاوز تقولها حاجة رقم تليفوني معاك تقدر تكلمني أنا. وبعدين أنت شكلك إكده لسه متعرفش حاجة واصل ونصيحتي ليك خليك بعيد عن الموضوع ده لأن فيه حاجات أنت متعرفهاش في القصة دي.
سمر مروان بأرضه مندهشًا بعد كلمات "علي" وتابعه بنظراته وهو يبتعد عنه ويغادر المقهى بأكمله. وبعقله لا يدور سوى سؤال واحد (ماهي الأسرار والأشياء التي لا يعرفها عن خلود وابن عمه؟).
داخل سيارة بشار، كانت رحاب تنقل نظرها بين الطريق أمامها وبينه تراقب تعابير وجهه المريبة. تملكها الشك والخوف منه وتأكدت أن ظنونها حول عودتها له خاطئة وربما هو ينوي لها عقاب عسير الآن، ولكن المرعب أكثر أنها لا تعرف لأي سبب هو غاضب منها وماذا سيفعل وإلى أين سيأخذها؟
خرج صوت رحاب المضطرب وهي تسأله:
_بشار أنت واخدني وين.. وليه متعصب إكده؟
التفت لها ورمقها بقسوة ثم قال:
_واخدك عند أبوكي عشان هو اللي يربيكي زين طالما عمتي معرفتك.
كان دلو من الماء البارد سكبه فوق جسدها حيث انتفضت في مقعده عند ذكره والدها. راحت تصيح به بسرعة متوسلة إياه برعب:
_لا أبوس إيدك يا بشار متودنيش لأبويا أنت عارفه صعب وقاسي كيف. قولي بس أنا عملت إيه وأنا هعتذر منك وأعملك كل اللي أنت عاوزه، بس بالله عليك ما توصل أي حاجة لأبويا وتعمل مشاكل.
صرخ بها بصوت جهوري نفضها في مقعدها:
_والمشاكل اللي عملتيها ليا ده أنتي هتحليها كمان!!!
أدركت أنه يتحدث عن خطيبته، وأن علاقتهم فسدت بسبب ما قالته لها وربما تكون قد تركته أيضًا بما أنه غاضب لهذه الدرجة. تلألأت الدموع في عينيها خوفًا من أبيها الذي سيأخذها إليه ويخبره بكل شيء وراحت تمسك بذراع بشار وهو يقود وتتوسله ببكاء حتى لو كان صعب عليها أن تتوسله بهذه الطريقة لكنها فعلت لكي تنقذ نفسها من بطش والدها:
_بشار متخدنيش لأبويا وغلاوة مريم عندك!
ارتدت للأمام على أثر توقف السيارة فجأة بعد جملتها ونظر لها بعصبية صائحًا:
_متجيبش سيرة مريم على لسانك.
انهارت باكية وهي تهز رأسها بالموافقة خوفًا منه. بينما هو فراقب انهيارها وبكائها وللحظة أشفق عليها وشعر بحجم الخطأ الذي كان سيرتكبه إذا أخذها لوالدها منعدم الرحمة. رفع يده ومسح على وجهه متأففًا بغيظ ثم نظر لها باشمئزاز وقال لها:
_مع كل تصرف بتعمليه بتنزلي من نظري أكتر وأكتر يارحاب، وبتثبتيلي قد إيه أنا كنت مغفل وغبي أني حبيتك، وبحمد ربنا أنه كشفلي حقيقتك قبل ما اتخدع فيكي أكتر وأتجوزك وأتخلي عن مريم.
رفعت نظرها لها وقالت بعينان دامعة:
_أنا بحبك يابشار والله.
غلت دماؤه في عروقه وانفجر بها صارخًا:
_بزيادة كذب عاد.. ملعون أبو الحب اللي بتحبهولي، بتحبيني وتستغفليني وترجعي تكلمي خطيبك الو**** ده، بتحبيني وبتاخديني كوبري عشان تعملي روحك مظلومة من خطيبك وأني أنا اللي دايب في حبك وعاوزك. أنا لغاية دلوقت مش عارف دماغي كانت فين لما كنت مهووس بيكي.
أجهشت في البكاء بصوت مرتفع وراحت تدافع عن نفسها وتكذب من جديد:
_لأ أنا مرجعتش أكلمه عشان عاوزاه أنا كنت عاوزة أخليك تغير عليا وترجعلي.
ضحك بشار بصمت في استهزاء مما قالته، ما زالت تظنه أحمق وسيصدق تلك الترهات. نظر لها وقال بخزي وقرف:
_أنتي عاوزة إيه مني مكفكيش اللي عملتيه فيا والعذاب اللي عذبتيهولي طول السنين اللي فاتت وأنتي كنتي عارفة أني بحبك ومكملة مع خطيبك الو*** ده عشان فلوسه بس. ودلوقتي شوفتي السعادة كتيرة عليا وخربتي بيني وبين مريم بعد ما حبيتها هي كمان.
وكأن عقرب لدغتها حيث انتفضت وراحت تصيح به بالرفض التام لهذه الحقيقة:
_لأ أنت مش بتحبها، أنت بتحبني أنا.
قاطعها بنظرة مميتة وقال وهو يهددها دون رحمة أو شفقة:
_بحبها يارحاب وهتجوزها، وأنتي قدرتي تخليني أكرهك بسبب عمايلك. وأقسم بالله لو حاولت بس تقربي من مريم وتخربي بينا تاني ساعتها مش هيهمني حاجة وهقول للكل على عمايلك مش أبوكي بس. حطي عقلك في راسك تعرفي خلاصك. بلاش تخليني أوريكي وشي العفش ولساني الزفر. لو عندك شوية من الحياء وشوية كرامة هتخافي على روحك مني وهتبعدي عني وعن خطيبتي أو قولي مرتي المستقبلية.
كانت تتطلع إليه فاغرة عيناها وشفتيها بصدمة من تهديداته القاسية والصريحة لها، ولم تلبث لتفق من صدمة كلماته حتى بلغتها بعبارة أخرى وهو يقول بعدم مبالاة دون أن ينظر لوجهها:
_يلا انزلي من العربية.
رحاب بذهول وعدم استيعاب لما قاله:
_انزل من العربية!!.. انزل أروح وين؟!
التفت لها ورمقها بحدة يقول بنقم حقيقي في نظراته لها:
_ترجعي البيت، ولا أنتي فاكرة أني كمان هرجعك البيت بعد كل ده. انتي احمدي ربك أني مخدتكيش لأبوكي.
كان ذلك التصرف إهانة حقيقية منه لها، وألمها بشدة حيث نظرت له بانكسار وقالت في أسى واستسلام بعدما قررت التخلي عنه والحفاظ على ما تبقى من كرامتها:
_ماشي يابشار هنزل. هقولك حاجة واحدة قبل ما أمشي بس. أنا صحيح غلطانة في حاجات كتير بس كنت بحبك وحبي ليك خلاني أعمل كل ده. عمومًا أنا هحافظ على اللي باقيلي وهبعد عنك وعن خطيبتك مش هجبرك تتجوزني ولا تحبني. كل حاجة انتهت من اللحظة دي ومن هنا ورايح أنت ابن خالي وبس. وحقك عليا سامحني لو كنت السبب أنك تخسر مريم.
أنهت حديثها ثم فتحت باب السيارة ونزلت وراحت تقف على جانب الطريق في انتظار سيارة أجرة لكي تأخذها للمنزل. أما هو فرد بغيظ ووعيد نابع من تمسكه وحبه:
_مخسرتهاش ولا عمري هخسرها، مش انتي اللي تخليني أخسرها يارحاب.
داخل منزل خليل صفوان تحديدًا بغرفة خلود....
سمعت خلود صوت طرق الباب فسمحت للطارق فورًا بالدخول ظنًا منها أنها أمها أو أخيها لأن لا أحد يدخل عليها غرفتها سواهم. لكن انفتح الباب ببطء وظهر من خلفه جسد جميل وناعم بملابس غريبة ومتحررة لا ترتديها النساء هنا أبدًا، وعلى وجهها ابتسامة رقيقة مثلها وهي تنظر لخلود وتسأله بأدب:
_ممكن أدخل؟
نظرت لها خلود بتعجب فهي تقريبًا لم ترى تلك الفتاة سوى مرة واحدة عندما وصلت المنزل مع أخيها ولم تسأل حتى من هي ولم تهتم لأمرها. لكن اتضح الآن لها أنها تعيش معهم بالمنزل فسألتها:
_أنتي مين؟!!
غزل مبتسمة بعذوبة ومرح:
_طيب ممكن أدخل الأول وبعدين أفهمك أنا مين!
هزت خلود رأسها بالموافقة رغم نظراتها الحائرة لغزل وتفحصها لملابسها وهيئتها التي لا تشبههم أبدًا. أما غزل فاقتربت منها وجلست بجوارها على الفراش ثم بدأت حديثها بالسؤال عن حالها في لطف:
_عاملة إيه؟
أجابت خلود وهي ما زالت تتفحص جسد غزل وملابسها:
_كويسة الحمدلله.
تنهدت غزل مبتسمة وهي تكبت ضحكتها على نظرات خلود وقالت لها مازحة:
_نظراتك دي أجمل وأرحم بكتير من النظرات اللي كانت على وش أخوكي وجدو وجلال لما شافوني أول مرة.
رددت خلود خلفها باستغراب وعدم فهم:
_جدو!!!
بسطت غزل كفها أمام خلود في دعوة للمصافحة والترحيب وهي تقول لها بحماس:
_أنا غزل بنت عمتك ورد. انتي هتعرفيني وتفتكري ماما ولا لا I don't know، بس عمومًا أنا كنت عايشة مع بابا في أمريكا وجيت هنا مصر من فترة وقاعدة في البيت.
رفعت خلود حاجبها مندهشة بعدما اكتشفت أن تلك الفتاة ابنة عمتها. ثم نظرت ليدها وراحت هي أيضًا تمد يدها وتصافحها بسؤال لم يكن في محله:
_وانتي مش هترجعي تاني يعني خلاص؟!
غضنت غزل حاجبيها بتعجب من سؤالها لكنها ضحكت وتصرفت بلطف مازحة:
_إيه هو أنتي زهقتي مني من قبل ما تتعرفي عليا ومش عايزاني أقعد معاكم يا خلود؟
ابتسمت لها خلود بنقاء وقالت بدفء:
_انتي عارفة اسمي كمان!!.. لأ أنا مش قصدي يعني بس استغربت إنك جيتي فجأة، يعني إيه اللي يخليكي تسيبي أمريكا وتيجي هنا مصر وفي الصعيد كمان!
زمخت غزل شفتيها بعبوس وقالت في ضيق:
_تقدري تقولي الظروف أجبرتني. أنا ماما طبعًا متوفية من وأنا صغيرة وبابا دلوقتي قرر يتجوز وأنا متقبلتش الفكرة ورفضت أني أعيش معاه هو ومراته وقررت أني أجي أعيش مع جدو هنا واتفقت معاه أني هسافر أمريكا زيارات أشوفه.
هزت خلود رأسها بتفهم وهي تبتسم لغزل التي قالت لها بنظرة كلها دفء:
_تعرفي أنا فرحت أوي لما شوفت "علي" جايبك معاه، محدش كان متوقع أن "علي" يعمل حاجة زي كدا وياخد الخطوة دي.
رمقتها خلود باستغراب وقلق من كلماتها التي تدل على أنها تعرف قصتها. تفهمت غزل نظراتها وقالت لها مبتسمة تشرح لها الأمر:
_أنا عارفة كل حاجة يعني آسيا حكتلي عنك، وحتى أني مكنتش موافقة ولا عاجبني أبدًا اللي عملوه معاكي. انتي حتى لو غلطتي مينفعش يسبوكي مع إنسان مريض زي ده وخصوصًا إنك ندمتي على غلطك. بس الحمدلله أن ربنا خلصك منه وأخوكي معاكي دلوقتي وقريب تتطلقي منه إن شاء الله كمان.
رددت خلود "يارب" من صميم قلبها ثم نظرت لغزل ورفعت حاجبها وقالت لها مبتسمة:
_سيبك مني أنا مبحبش أتكلم في الموضوع ده كتير كيف ما قولتي من كتر ندمي على غلطي وذنبي مبحبش حتى أفتكره. احكيلي أنتِ عاد جدو والرجالة اللي في البيت كيف سايبنك باللبس ده.
ضحكت غزل وقالت مازحة:
_كنت منتظرة السؤال ده منك على فكرة.. بصي هما مش عاجبهم بس محدش قادر يتدخل أو هو مفيش غير "علي" بس اللي بيتدخل ومش عاجبه وجدو رغم أنه مش عاجبه بس قرر يسيبني على راحتي. لكن أعتقد هو سايبني كدا مؤقتًا الآن.
بادلته خلود الضحك وهتفت:
_دي معجزة أنه سايبنك كده أصلًا، لكن هو "علي" بيتدخل ليه وإيه ليه عشان ميعجبهوش لبسك!
لوت غزل فمها باستحياء بسيط من أن تخبرها بنية شقيقها وقبل أن تجيب قطع حديثها صوت طرق الباب الذي لحقه فتحه وظهور "علي" من خلفه. توقف متسمرًا بتعجب بعدما رأى غزل مع أخته وسألها بجدية:
_أنتي بتعملي إيه هنا؟!
غزل ببساطة شديدة وثقة:
_زي ما أنت شايف قاعدة مع خلود بتعرف عليها وبنتكلم.
تقدم نحوهم بخطواته ونظراته المغتاظة من غزل لعدم موافقتها على طلبه للزواج منها حتى الآن وقال وهو يجز على أسنانه:
_آه وانتي ما شاء الله اجتماعية مع الخلق كلها ولطيفة معاهم.
رسمت ابتسامة صفراء على وجهها وردت عليه ببرود:
_Sure عندك شك في كدا.
تمالك أعصابه بصعوبة وقال وهو يطلق زفيرًا حارًا:
_طيب اطلعي يا غزل استنيني برا وأنا هوريكي عندي شك ولا لأ.
التفتت غزل لخلود التي كانت تتابع الحديث الدائر بينهم بعدم فهم وحيرة. فابتسمت لها وودعتها بنظراتها ثم استقامت واقفة وتحركت باتجاه الباب لتغادر. لكن أثناء مرورها من جانبه توقفت وهمست له بصوت لم يسمعه سواهم في دلع متعمد لإثارة جنونه:
_استمر في معاملتك ليا بهذا الشكل عشان أنا أفضل مصممة على رفضي.
يرفع يده ومسح على وجهه متأففًا بغيظ وهو يرد بصوت منخفض ومحتقن:
_يارب الصبر من عندك.
ضحكت غزل بتلذذ وخبث ثم ابتعدت عنه ورحلت لتتركه مع خلود التي كانت تراقبهم بشك واستغراب. لكنها قررت التريث وستعرف ما الذي يدور بينهم فيما بعد، وراحت تسأل أخيها بلهفة حاولت عدم إظهارها:
_قابلت مروان يا "علي"؟
علي بنظرة صارمة وهو يوجه تحذيراته لها:
_آه قابلته وقولتله مش محتاجين المساعدة الحمدلله. ونبهت عليه زي ما هنبه عليكي دلوقت يا خلود. من هنا ورايح مفيش المكالمات والاتصالات اللي بينكم دي. هو لو عاوز حاجة يتصل بيا أنا. متفكرنيش مش فاهم ولا مغفل أنا فاهمك كويس وفاهمه. اعتبره أول وآخر تحذير لأن المرة الجاية مش هيكون كلام كيف ما بتكلم معاكي كده. لأ هيبقى فعل ومش هيعجبك. بزيادة اللي عملتيه قبل سابق مش هنرجع نعيد الكرة من أول وجديد.
هزت خلود رأسها بالموافقة امتثالًا لأوامره رغم عينيها الممتلئة بالدموع لعدم ثقته بها وخوفه من أن ترتكب نفس الخطأ مجددًا وتنجرف وراء مشاعرها تجاه مروان، وتحذيره لها بأن هذه المرة سيكون العقاب حياتها.
داخل منزل عمران الصاوي......
وصلت آسيا إلى الباب لتفتح وعلى وجهها ابتسامة مشرقة تستقبل بها زوجها بعد عودته من العمل. جذبت الباب نحوها وهي ما زالت محتفظة ببسمتها التي سرعان ما تلاشت فورًا عندما رأت "سمير" أمامها. تسارعت نبضات قلبها خوفًا من ذلك المعتوه أن يحاول أذيتها هي وابنها لكنها لم تشعره بذلك ووقفت بكل ثبات وهتفت بغضب:
_انت بتعمل إيه هنا وكيف عرفت بيتي!
سمير مبتسمًا ببرود مستفز:
_مش هيغلب عليا أعرف بيت المعلم عمران بقدره يعني يا آسيا.
قاطعته شزرًا وقالت له بغيظ محذرة إياه:
_طب كويس أنك عارف أنه بيت عمران، اتكل على الله من هنا لو باقي على روحك.
رد ببرود أكثر وهو ما زال محتفظًا ببسمته:
_هأكل على الله متقلقيش. أنتي سبق وحرضتي مرتي على الهرب وهربت وأنا سكت. ودلوقتي روحتي وقولتي لأخوها عشان يطلقها مني، مع إني حذرتك ونبهت عليكي ملكيش صالح بخلود وابعدي عنها يا آسيا.
ابتسمت آسيا بتشفي وفرحة إن "علي" أخذ خطوة ووقف بصف شقيقته وقالت لسمير بعدم اكتراث:
_طب كويس أن واد عمي نقذ أخته من يدك.
اختفت بسمة سمير وقال لها بغل وحقد مرعب:
_هو مش انتي اللي كنتي السبب في جوازنا برضه؟ عاوزة تخلصيها مني ليه دلوقتي؟ فكرك أني هطلقها وأسيبها عشان تروح لمروان؟ خلود بتاعتي وملكي أنا بس.
آسيا بثقة وغضب:
_هطلقها غصب عنك.. وامشي يلا من هنا.
سمير بنظرة شيطانية كلها وعيد وتوضح نواياه السيئة قال وهو يتقدم إليها ينوي دخول المنزل:
_امشي ده إيه.. مش قبل ما ترجعيلي مرتي كيف ما كنتي السبب أنهم ياخدوها مني.
ارتعدت آسيا خوفًا منه عندما وجدته يتقدم نحوها وفجأة سمعت صوت صراخ ابنها، فارتجفت أكثر عندما رأت نظراته التي اخترقت للداخل من حيث يأتي صوت سليم وهو يبتسم بخبث. راحت بسرعة تغلق الباب في وجهه تصرخ به:
_امشي من هنا يا سمير وإلا والله العظيم أتصل بعمران وهيخلص عليك.
وضع قدمه بين الباب ليمنع غلقه وقال مبتسمًا بلؤم وشر:
_انتي خايفة كده ليه ده أنا هدخل بس أشوف الواد اللي بيبكي ده.
أدركت أنه يحاول اقتحام المنزل عليها، ورغم خوفها لكنها أظهرت قوتها وجبروتها عندما التقطت عصاة صغيرة كانت بجوار الباب وغرزتها في قدمه التي كان يحاول بها إغلاق الباب فاطلق هو صرخة متألمة وسحب قدمه فورًا كرد فعل على الألم، فأغلقت هي الباب بسرعة بالمفتاح لتسمعه يقول لها من الخارج متوعدًا:
_ماشي يا آسيا ورحمة أمي ما هسيبك إلا لما ترجعلي خلود كيف ما خلتيهم ياخدوها مني.
كانت تقف خلف الباب بالداخل وممسكة بالمفتاح وهي تتنفس بسرعة وارتعاش وصوت بكاء صغيرها لا يتوقف، أما سمير فقد نزل الدرج ثائرًا ليصطدم بعمران أمامه الذي نظر لها باستغراب على تعجله وغضبه الشديد. أما سمير فرمق عمران مبتسمًا بخبث ثم ابتعد من أمامه وغادر، ليلتفت عمران خلفه يراقب سمير وهو ينزل الدرج بنظرات ثاقبة ومتعجبة من ابتسامته المريبة له، لكنه لم يهتم كثيرًا له وظنه مجنون أو معتوه وأكمل طريقه لمنزله. وقف أمام باب الشقة وطرق عدة طرقات فيأتيه صوت زوجته المرتعد من الداخل وهي تصيح:
_أقسم بالله لو ممشيت من هنا لاتصل بالبوليس.
غضن عمران حاجبيه بتعجب وقلق من ردها فهتف بسرعة بصوته الغليظ:
_افتحي يا آسيا أنا عمران!
وكأن الله أرسله لها بالوقت المناسب، ردت روحها إليها وفتحت الباب بتلهف وهي تهمس باحتياج:
_عمران.
ثم ارتمت عليه تعانقه بقوة وتتشبث بجلبابه الصعيدي. كانت تحتاج لملاذها الآمن وها هي بين يديه الآن تلقي عن صدرها شعور الخوف والقلق الذي كان يستحوذها للتو. أما هو فهتف باهتمام ووحدة يسألها:
_هو مين ده اللي كان هنا وهتتصلي بالبوليس يجيه؟
ابتعدت عنه وهي تتفادى النظر لوجهه باضطراب وخوف من أن تخبره بالحقيقة فتواجه جموحه وسخطه المرعب، وقررت أن تكذب عليه وتقنعه برد يخالف الحقيقة:
_أصل كان فيه واحد غريب كده شغال يرن الجرس وأنا خوفت منه وقولتله هتصل بالبوليس عشان يمشي افتكرتك هو لما رنيت.
عمران بنظرة مرعبة وغاضبة:
_مين ده أصلًا وبيرن على الباب ليه ويعرفك منين؟
آسيا بارتباك ملحوظ وانزعاج من أسلوبه الفظ:
_هو إيه اللي يعرفني منين يا عمران، وأنا إيه عرفني أنا معرفهوش أصلًا اهو تلاقيه واحد سافل ومش محترم بيرن على الأبواب وخلاص.
عمران بصوت غليظ يقذف الرعب في البدن:
_أنا شوفت واحد أنا وطالع وكان بيبصلي ويضحك يعني باين عليه قوي أنه يعرفني.
تلعثمت وردت مبتسمة برقة محاولة تغيير الموضوع:
_آه تلاقيه هو. بس صدقني ده شكله واحد مجنون أصلًا أنت هتاخد على واحد مجنون. المهم تعالي يلا ادخل وغير هدومك لغاية ما أحضرلك الغداء.
قاطعها عمران بنظرة جعلت قلبها يرتجف خوفًا منه، ثم سمعت صوته الرجولي المميت الذي لا ينم عن خير أبدًا:
_قصادك عشر دقايق أكون أنا دخلت وغيرت هدومي، لو ملقتكيش عندي في الأوضة وبتقوليلي مين ده وكان بيعمل إيه هنا. ساعتها متلومنيش على اللي هعمله معاكي فاهمة ولا لأ.. فــاهــــمــة؟
انتفضت فزعًا على أثر صرخته الأخيرة بها وهزت رأسها له بالموافقة فورًا دون أي جدال أو كلمة أخرى، بينما هو فاندفع للداخل إلى غرفته وهو مشتعل من الغيظ والغضب.
بمدينة مرسى مطروح تحديدًا على شاطيء البحر......
كانت فريال جالسة على أحد مقاعد الاسترخاء الطويلة أمام البحر على الشاطئ، وتراقب زوجها وأولادها وهم في المياه. كان معاذ يسبح بمفرده وعمار مع والده الذي يعلمه السباحة. كانت تراقب تفاعلات عمار المضحكة مع والده وخوفه من المياه وتشبثه بأبيه خوفًا من الغرق. كانت تسمع توسلاته الكوميدية لأبيه لكي ينهي هذا التدريب ويتركه يلعب في المياه على الشط دون أن يسبح كأخيه الكبير، لكن جلال كان مُصر أن يعلمه السباحة. وبين كل دقيقة والأخرى يرفع نظره إلى فريال يطمئن عليها فيجدها تضحك على ابنها. بتلك الأثناء خرج معاذ من المياه ليستريح قليلًا وجلس بجوار أمه بعدما التقط المنشفة ولفها حول صدره وراح يتابع أخيه الصغير وأبيه بجوار أمه ويضحك عاليًا على أخيه.
التقطت عين فريال بالصدفة البحتة نظرات ثلاث فتيات يتهامسون ويضحكون مع بعضهم وهم ينظرون لزوجها. كانت عيونهم تلمع بالإعجاب وهم يحدقون ويتأملون جلال بكل وقاحة وجرأة، فرفعت عينيها عن تلك الفتاة وراحت تنظر لزوجها محاولة فهم ما الذي جذبهم إليه، ربما لأنه زوجها ومعتادة عليه لا تركز كثيرًا في كل شيء لكن عندما تفحصته بتدقيق أنه يرتدي سروال قصير من اللون الأسود وعاري الصدر مما أبرز فتولة عضلاته وجسده الرياضي، رغم أنه لا يمارس الرياضة لكن جسده قوي ورياضي بشكل مثير. كل هذا كان مع بشرته البرونزية واشعة الشمس التي تضرب عليه تجعله أكثر إثارة.
اشتعلت نيران الغيرة في صدر فريال وعادت تنظر للفتيات بنارية وهم ما زالوا لا يزيحون أنظارهم عن زوجها ويتهامسون ويتغزلون به، فمالت فريال على معاذ وقالت له بحدة:
_روح انده أبوك وقوله أمي بتقولك كفاية هي تعبت وعاوزة تطلع الأوضة.
زم معاذ شفتيه بعبوس وقال بحزن متوسلًا أمه:
_ليه ياما خلينا كمان شوية عشان خاطري.
فريال بعصبية ونظرة صارمة:
_معاذ اسمع الكلام، قوم يلا انده أبوك.
تأفف الصغير بيأس ثم هب واقفًا واتجه نحو أبيه ممتثلًا لأوامر أمه، وعندما وصل له داخل المياه وانحنى على أذنه وهمس له بما قالته له فريال، رفع جلال نظره وحدق بها بقلق ثم خرج من الماء فورًا هو والأولاد. في تلك اللحظة كانت فريال عيناها ثابتة على الفتيات تراقبهم وهم يتابعون زوجها في خطواته إليها. كانت على وشك أن تهب واقفة وتنقض عليهم وتلقنهم درسًا لن ينسوه بعدما طفح كيلها لكن وصول جلال إليها وجلوسه بجوارها وهو يحتضن كفيها وينظر في عينيها باهتمام وحنو:
_مالك يافريالي أنتي كويسة؟
ردت فريال بنبرة متقضبة:
_كويسة بس زهقت وتعبت من القعدة عاوزة أطلع أريح في الأوضة، يلا بينا.
ضيق عينيه باستغراب من تعابيرها المنزعجة ولن يلبث ليسألها ماذا حدث ولماذا غاضبة حتى وجدتها تلتقط المنشفة وتلفها حول صدره بإحكام كأنها تخفيه عن الأنظار وتقول مغتاظة بغضب:
_حط ده على كتفك كده، أنت منزلتش الماية بالتيشرت بتاعك ليه؟!
جلال متعجبًا تصرفاتها المريبة وانفعالها عليه:
_مالك يافريال متعصبة كده ليه؟!!
فريال بمضض محاولة التصرف بطبيعية:
_مليش، بغطيك أحسن تستهوي وتتعب.
لوى فمه بنفاذ صبر وحنق من أسلوبها لكنه لم يغضب عليها وتمالك أعصابه ثم استقام واقفًا وقال بخشونة:
_طيب قومي يلا عشان نطلع أوضتنا طالما عاوزة تطلعي.
استقامت واقفة فورًا دون أي اعتراض، لتجده يسبقها هو والأولاد إلى الفندق وهي لحقت بهم بعدما التفتت برأسها والقت نظرة ملتهبة ومخيفة على الفتيات فزاحوا نظراتهم عنها وعن جلال فور إدراكهم أنها انتبهت لهم.
داخل إحدى متاجر فساتين الزفاف كانت تقف حور بجوار شقيقتها والتي تساعدها في اختيار فستان زفاف الذي لم يتبقى عليه سوى أيامًا معدودة. بعد وقت طويل من البحث والتفكير والتردد وهي ما زالت لا تجد ما تريده أو شيئًا يناسب ذوقها، توقفت هي وشقيقتها خارج المتجر بعدما خرجت منه وتأففت بعُبوس شديد وقالت منفعلة:
_وبعدين بقى أنا زهقت ومش لاقية حاجة عجبتني والفرح خلاص بعد كام يوم أعمل إيه؟
ردت عليها شقيقتها برفق وحب متمتمة في نبرة مفعمة بالأمل:
_هتعملي إيه يعني ياحور هنكمل لف إحنا لسه في أتيليات كتير مروحناهاش وإن شاء الله هنلاقي فستان يعجبك.
زَمَت حور شفتيها بيأس وأخذت تفكر في متجر جيد يمكنها أن تجد فيه الفستان الذي تريده، لكن قطع حبل أفكارها صوت رنين هاتفها وعندما نظرت لهاتفها رأت اسم زوجها ولم تتردد في الإجابة وأن تشكو له بحزن أنها لا تستطيع شراء فستان زفافهم.
ابتعدت عنها شقيقتها بضع خطوات لكي تتمكن من التحدث مع زوجها براحة وراحت حور تهتف لبلال بحزن شديد:
_بلال كويس أنك اتصلت.
ضيق عينيه باستغراب وسألها بقلق:
_ليه في حاجة حصلت معاكي ولا إيه؟
أجابته في صوت شبه باكي من فرط الحزن:
_أيوه من الصبح بلف أنا وأختي عشان فستان الفرح ومش لاقية حاجة عجبتني قربت أخلص كل الأتيليات اللي أعرفها.
ضحك بلال بدفء واجابها في غرام:
_وانتي هو ده اللي مزعلك كده، جيتي في جمل يعني ولا تزعلي روحك ياحوريتي، أنا أعرف واحد صاحبي معاه أتيلييه وتقريبًا عنده شغل حلو قوي، أجلك وأوديكي ليه وتنقي براحتك هناك.
تلت أسرارها واتسعت بسمتها وهي تجيبه بفرحة:
_بجد يابلال!
لكن سرعان ما تراجعت وتبدلت ملامحها للحزم وهي تقول:
_لأ بس أنت مينفعش تشوف الفستان غير يوم الفرح.
قهقه عاليًا ورد عليها ببساطة:
_ياستي هستناكي برا لغاية ما تخلصي.
تنهدت الصعداء وعادت بسمتها لوجهها من جديد وهتفت:
_آه إذا كان كده ماشي يلا بقى تعالي مستنياك أنا عند (.........).
_تمام جايلك مسافة السكة وأكون عندك.
أنهت الاتصال معه ونظرت لشقيقتها وهي في غاية السعادة وراحت تسرد لها حديثه معه وأنه سيأتي ليأخذهم لأحد المتاجر التي تحتوي على فساتين جميلة.
وقفوا بانتظاره لدقائق طويلة حتى أخيرًا وصل لهم، فاستقلت حور بالمقعد المجاور له وشقيقتها بالمقعد الخلفي ثم انطلق بهم إلى المتجر، وظل ينتظرهم بالخارج داخل السيارة وهم بالداخل يختارون.
مر ما يقارب من نصف ساعة وهو بانتظارهم حتى كاد يفقد صبره من طول الانتظار وينزعج، فأخرج هاتفه ينوي الاتصال بزوجته لكنه توقف عندما رآها تخرج من المتجر مع شقيقتها وهي تحمل بيدها كيس بني كبير وداخله فستان الزفاف حتى أن شقيقتها كانت تساعدها في حمله، وعلى ثغرها ابتسامة عريضة تكاد تشق طريقها إلى أذنها من فرط سعادتها، ففتح هو باب السيارة وخرج وهو يبتسم بحب على سعادتها ثم التف حول السيارة وفتح حقيبتها من الخلف لكي يضع فيه الفستان ونظر لها بغرام وهو يضحك وقال غامزًا لها:
_مبروووك ياعروسة.
ردت حور بفرحة وابتسامة استحياء بسيط:
_الله يبارك فيك مش مصدقة أني لقيت أخيرًا حاجة عجبتني.
ردد بلال بصوت رخيم "الحمدلله" بينما شقيقة حور فانحنت على أذنها وهمست لها بجدية:
_حور أنا هروح بقى لصحبتي زي ما قولتلك طالما خلصنا بدري.
نظرت لها وهزت رأسها بالموافقة وقالت في صرامة:
_ماشي بس متتأخريش.
_حاضر مش هتأخر يلا سلام.
ودعت شقيقتها وكذلك لوحت لبلال قبل أن تغادر وتتركهم. فور رحيل أختها ودخولها السيارة بجوار زوجها وجدتها ينحني عليها ويغمز لها مبتسمًا بعاطفة:
_إيه رأيك أعزمك النهاردة على الغدا يا ست البنات.
ابتسمت حور بخجل يمتزج بغرور مزيف وهي تدلل عليه بطريقة مرحة:
_اوكي مفيش مشكلة.
راقب تعابيرها وردها وهو يضحك بصمت ثم مد يده والتقط كفها وانحنى عليه يلثم باطنه بحب هامسًا لها في لهفة وشوق:
_امتى عاد يتقفل علينا باب واحد ياحوريتي خلاص معدتش مستحمل، أنا خايف تحصل حاجة تاني قبل الفرح ويتأجل تاني بس صدقيني المرة دي هاخدك من يدك على بيتنا طول.
حور بخوف وحزن:
_لأ متقولش كده يابلال أنا زهقت أكتر منك والله ونفسي نعمل الفرح بقى وإن شاء الله مش هيحصل حاجة وهنتجوز على خير.
عاد يلثم كفها مجددًا هامسًا:
_يارب ياحبيبتي يارب.
داخل منزل عمران الصاوي........
دخلت آسيا الغرفة ورأت عمران يجلس على مقعد خشبي مبطن من اللون الأسود وينظر لها بطريقة مرعبة، فتزادت ريقها باضطراب وتقدمت نحوه في خطوات بطيئة ثم جلست على المقعد المجاور له وراحت تنظر إليه في صمت وارتباك من هيئته المخيفة حتى وجدته يرفع يده ويشير لها بأصبعه أن تبدأ في الحديث وتخبره بكل شيء. تنهدت الصعداء بقلق من ردة فعله ثم بدأت في سرد حديثها مع سمير وماذا حدث معها، وعندما انتهت رأت تعبيراته أصبحت مميتة وأظلمت عينيه وفجأة صرخ بها منفعلًا:
_هو أنا مش سبق ونبهت عليكي ملكيش صالح بخلود وجوزها الـ**** ده تاني يا آسيا وحصلت مشاكل كبيرة بينا.
انتفضت فزعًا من صراخه وقالت له مسرعة بخوف مدافعة عن نفسها:
_والله أنا ما كسرت كلمتك ونفذت كلامك بالحرف وبعدت عنهم. بس أنا معرفش هو عرف البيت كيف ومين اللي فهمه أني أنا اللي خليت "علي" ياخد خلود منه، ده أنا حتى معرفش أن ده كله حصل غير منه دلوقتي.
رمقها عمران بعينيه الملتهبة وقال في صوت رجولي يشيب الرأس:
_ده على أساس أنك مروحتيش لـ "علي" وطلبتي منه يروح ينقذ أخته.
ابتلعت ريقها بصعوبة وردت متلعثمة بارتباك:
_طلبت منه بس ده كان من بدري والله قبل ما أنت تنبه عليا وأنا أبعد عنهم خالص، ووقتها "علي" مسمعش مني الكلام ولا وافق حتى.
رفع عمران يده لوجهه وراح يمسح على شعره ولحيته وهو يطلق زفيرًا ملتهبًا من فرط الغيظ والعصبية. فاقتربت منه آسيا بندم وحزن وراحت تمسح على ذراعه برقة تعتذر منه:
_حقك عليا ياعمران متزعلش مني عشان خاطري، أنا آسفة.
أبعد يده عن وجهه وحدقها بنظرة جعلتها تتقهقر للخلف خطوة خوفًا منه، ثم سمعته يهتف بصوت محتقن محاولًا التحكم بانفعالاته:
_لولا أني شكيت وشوفته وأنا طالع واستخدمت أسلوبي معاكي كنتي هتكذبي عليا وتخبي والله أعلم خبيتي إيه عني قبل كده كمان ومخبية إيه دلوقتي وأنا مش داري.
هزت رأسها بالنفي عدة مرات في أسى شديد من انزعاجه وامتعاضه منها وراحت تحتضن كفه وتنظر له برجاء متأسفة:
_لأ وغلاوتك مش مدارية أي حاجة عنك، أنا بس كذبت عليك عشان الصراحة خوفت منك وفي نفس الوقت خوفت عليك مش عاوزاك تدخل في مشاكل.
أجابها عمران بعين تنضج بوميض الشر والغضب:
_واحد وقف قصاد بيتي وبيهدد مرتي وحاول يتهجم عليها وأنا مش قاعد، وأنتي تقوليلي مش عاوزاك تدخل في مشاكل!
هتفت بقلق محاولة إقناعه بعدم الاصطدام مع ذلك المعتوه:
_ده كلب ولا يسوى يا عمران هتدخل روحك في مشاكل معاه على الفاضي.
مال ثغره ببسمة شيطانية وقال في نظرة جعلتها تخشاه للحظة:
_الكلب اللي يتجرأ النهاردة عليكي ويرفع صوته وينبح بكرا تطلعله سنان ويعض، والحل مع الكلب ده أن يتقطع حسه واصل عشان بعد كده ميفكرش يتجرأ عليكي تاني.
طالعته آسيا بدهشة بسيطة وقلق من جموحه الذي سيقوده لطرق خطرة، بينما هو فاستقام واقفًا وهم بالانصراف لولا أنها أوقفته بصوتها المرتعد:
_رايح وين؟
رد بصوت مهيب ونظرة متوعدة لا تنم عن خير أبدًا:
_رايح أرد الزيارة.
ثم استدار وأكمل طريقه وصاح عليها بحدة وهو ما زال مستمرًا في سيره لباب المنزل:
_اقفلي الباب زين بالمفتاح واياكي تفتحي لحد لغاية ما أرجع.
وقفت على بعد مسافة قصيرة من الباب بعد رحيله وهي تتأفف بضيق وخوف شديد عليه امتزج بندمها أنها السبب في كل المصائب التي تسقط فوق رأسه.
في المساء بتمام الساعة السابعة.......
خرجت مريم من غرفتها واتجهت إلى المطبخ حيث تقف والدتها وتقوم بتحضير الطعام ثم سألتها باهتمام:
_بابا فين ياما؟
أجابتها أمها بإيجاز دون أن تنظر لها بسبب انشغالها:
_معرفش يابنتي تلاقيه في البلكونة زي ما متعود.
هزت رأسها موافقة واتجهت إلى أبيها في الشرفة لتتحدث معه عن وضعها مع بشار وتخبره بأنها تريد فسخ الخطوبة والانفصال عنه، لكن توقفت في منتصف الطريق عندما سمعت صوت رنين الجرس وعادت إلى باب المنزل لتفتح للطارق الذي كان بشار يقف أمامها ويحمل بين يديه علبة متوسطة ممتلئة بالحلويات. لم تلبث لتستوعب الموقف حتى سمعت صوت والدها من الداخل وهو يهتف مرحبًا به:
_أهلًا وسهلًا يابني اتفضل، موقفة خطيبك كده على الباب ليه يابنتي!!
التفتت مريم إلى والدها تنظر له بصدمة حتى سمعت صوت بشار وهو يجيب على أبيها بعد دخوله معتذرًا:
_معلش ياعمي اتأخرت على معادنا.
داخل منزل خليل صفوان تحديدًا بغرفة غزل التي استقامت واقفة من فراشها بعدما سمعت صوت طرق الباب واتجهت لتفتح، وجدت "علي" أمامها ينظر لها بطريقة مريبة ويبتسم فسألته هي بارتباك بسيط:
_في إيه يا "علي"؟
لم يكترث لسؤالها ثم تلفت يمينًا ويسارًا يتأكد من عدم وجود أحد بالطرقة ثم فجأة وجدته يبعدها عن الطريق ويدخل الغرفة ثم يغلق الباب عليهم، فاتسعت عيناها بصدمة وفغرت شفتيها ثم صاحت به بحدة:
_أنت بتعمل إيه اااا....
بتر بقية عباراتها وكتم على فمها بكفه ثم رفع سبابة يده الأخرى وأشار بها على فمه هامسًا بنظرة محذرة وغاضبة:
_ششششششش..........