تحميل رواية «و بالعشق اهتدي» PDF
بقلم ندى محمود توفيق
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تسمرت فريال بأرضها تراقب المشهد الذي أمام عينيها.. تحتضن كفه بين يديها وتحدقه بهيام وتوسل وسط عبارتها الأخيرة التي التقطتها أذنها للأسف وهي تشير له صراحة أن بإمكانهم العودة مجددًا ويمكنها أن تصبح زوجته طالما أن عدة طلاقها لم تنتهي بعد. التفت جلال تجاه الباب وسحب يده بهدوء فور رؤيته لفريال. ورغم الضيق الذي صابه من مجرد تخيل الشجار والاكتئاب المقبل عليه، إلا أنه أظهر الثبات الانفعالي الغريب. على عكس فريال التي احتقنت نظراتها وأظلمت عينيها وأصبح وجهها مخيفًا يبشر بطوفان مدمر قادم وأول من سيغرق فيه...
رواية و بالعشق اهتدي الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم ندى محمود توفيق
طالعته باضطراب وخوف بعد تلك النظرات.
ثم أبدت عن سكوتها التام أمامه وارخت جسدها حتى يتأكد أنها لن تحدث ضجة وتصيح.
فأبعد هو اصبعه عن فمها ومازالت تلك النظرات المريبة يرمقها بها.
لكن أظهرت الثبات والثقة أمامه وهي تسأله بحدة:
_ممكن تفهمني بتعمل إيه هنا في اوضتي وعايز إيه؟!
راقب تعبيرات ها وأسلوبها الفظ معه وازداد حنقه منها أكثر.
فراح يجز على أسنانه ويعض شفته السفلية أمامها في محاولة لكظم غيظه عنها.
أما هي فارتبكت من ذلك التصرف وخافت أن يتهور وينفعل عليها.
لكنه تحكم في جموحه وازدادت نظراته رعبًا وهو يسألها مباشرة دون مراوغة:
_أنتي كنتي بتحبي حد في أمريكا وعلى علاقة بيه؟!
اتسعت عين غزل بصدمة من سؤاله الجرئ الذي يعتبر إهانة صريحة منه.
فاستاءت بشدة وصاحت به منفعلة:
_احترم نفسك إيه على علاقة بيه دي وبعدين أنت مالك!!
اغلق على قبضة يده بقوة من فرط العصبية وهتف محذرًا إياها بغضب هادر:
_بلاش تچننيني بكلمة أنت مالك دي، ولما أنتي مبتحبيش حد مش عاوزة توافقي تتچوزيني ليه؟!
مالت برأسها للجانب الآخر وضحكت بسخرية بعدما فهمت سبب هذا الثوران الذي يستحوذه.
ثم عادت بوجهها تنظر إليه وتجيب بثبات:
_عشان مش عايزاك يا " علي " !
أصابت قلبه بردها القاسي لكنه لم يظهر لها تأثره.
وهدأ غضبه قليلًا حتى أن عضلات وجهه المتشنجة ارتخت.
وراح يسألها بفضول حقيقي وضيق اتضح في صوته، مهما حاول إخفائه لن ينجح في ذلك:
_ومش عاوزاني ليه عاد، إيه يعيبني ولا ينقصني عن بقية الرچال مثلًا ؟!!
اندهشت من رده الغريب وقالت له بحزم وجدية:
_إيه التفكير الـ weird ده، أكيد أنت مفيش أي حاجة نقصاك وبالعكس أنت الف واحدة تتمناك، بس الفكرة أني مش حاسة ناحيتك بمشاعر.
للمرة الثانية تطعنه في قلبه بسهومها القاسية.
وهذه المرة ظهر عليه الضيق الشديد ورأت على تعبيرات وجهه الألم.
فأخذ هو نفسًا عميقًا وقال لها مبتسمًا بمرارة:
_وأنا مش هغصبك ولا أچبرك عليا طالما معاوزنيش اعتبريني معرضتش عليكي الچواز من أساسه.
ثم ابتعد من أمامها وهم بأن يفتح الباب وينصرف.
لكنها قبضت على رسغه واوقفته بسؤالها ونظراتها المترقبة لرده:
_" علي " أنت عايز تتجوزني ليه؟
أخفض نظره ليدها الممسكة بيده واطال النظر إليها في أسى.
ثم جذب يده من قبضتها واجابها بسخرية وصوت رجولي قوي:
_خلاص عاد معدش له لزمة تعرفي السبب بعد اللي قولتيه، انتي كفيتي ووفيتي بكلامك ومخلتيش في مكان لحاچة تاني تتقال.
فتح الباب بعدما انهي كلماته.
فتسمر بأرضه مندهشًا عندما رأى شقيقته أمامه.
التي انتفضت فزعًا وراحت تحدق بأخيها في صدمة وعدم استيعاب أنه يخرج من غرفة غزل في الليل.
هتف " علي " يسألها بغضب وثبات تام:
_بتعملي إيه إهنه؟
نقلت خلود نظرها بينه وبين غزل المرتبكة والخجلة.
ثم اجابته بهدوء ونظرات تنم عن الآف الأسئلة في عقلها:
_كنت چاية اتكلم مع غزل شوية في حاچة!!
التفت " علي " برأسه لغزل ورمقها بانزعاج.
ثم قاد خطواته مبتعدًا عنهم يتجه إلى غرفته.
أما خلود فظلت مثبتة نظرها على أخيها بذهول وراحت تنقل نظرها إلى غزل بنفس النظرة.
لتجيبها غزل وتقضي على فضولها وصدمتها:
_تعالي ياخلود هفهمك كل حاجة.
ادخلت خلود كما دعتها غزل التي أغلقت الباب فور دخولها ليتحدثوا براحة دون أن يسمعهم أحد.
***
كانت مريم تقف متخفية بجوار باب الغرفة التي يجلس فيها كل من أبيها وبشار.
وتستمع لحديثهم وهي فاغرة شفتيها وعيناها بصدمة مما تسمعه وما يتفقوا عليه.
كيف له أن يأتي لمنزلهم بعدما فعله وما حدث بينهم ويتفق مع والدها على شيء كهذا.
لقد انفصلت عنه وأعادت له خاتم الخطبة.
ما يفعله الآن ليس له سوى تفسيرين أما أنه مجنون أو وقح.
هرولت مبتعدة من عند الباب عندما سمعت صوت خطوات أمها تقترب منها.
لكنها رأتها وسألتها باستغراب:
_بتعملي إيه يامريم عند الباب؟!
أشارت إلى فمها بالسبابة تحث أمها على خفض صوتها والسكوت.
وقالت لها بخفوت:
_ولا حاجة كنت بفكر ادخل بس لقيتهم لسا بيتكلموا.
ابتسمت أمها التي لم تقتنع بكذبتها وقالت لها غامزة:
_اه لما يخلصوا أبوكي هيناديكي عشان تقعدي مع خطيبك متستعجليش مسيرك تعرفي بيتكلموا عن إيه.
لوت مريم فمها باقتضاب بعدما فهمت أن أمها كشفت كذبها.
وابتعدت بخطواتها عنها متجهة إلى غرفتها.
وفور دخولها وإغلاقها الباب هتفت متوعدة لبشار بغيظ:
_أنت فاكر أنك كدا هتحطني قدام الأمر الواقع يعني، ماشي يابشار ابقى وريني هتخليني ارجعلك ازاي!
جلست على فراشها واخذت قدميها تهتز بقوة من فرط العصبية.
منتظرة إنهاء حديثهم حتى تذهب وتجلس مع بشار بمفردهم.
ولم يدم انتظارها طويلًا حتى وجدت باب غرفتها ينفتح وتخبرها والدتها بأن تذهب لتجلس مع بشار.
فاستقامت فورًا وقادت خطواتها الثائرة إلى غرفة الجلوس حيث ينتظرها فيها.
كان بشار يجلس براحة على المقعد حتى وجدها تقتحم عليه الغرفة كالوحش.
وتندفع لتجلس على المقعد المجاور له وتقول له منفعلة:
_أنت بتعمل إيه هنا، وبعدين ازاي تتفق مع بابا على معاد الفرح وكتب الكتاب، واحنا انفصلنا.
بشار بجدية وصلابة:
_لا احنا منفصلناش وأنا موافقتش على الانفصال ده، أنتي اللي عاوزة تفسخي الخطوبة مش أنا.
مريم بغضب شديد وقسوة:
_وأنا عايزة افسخها ليه مش عشان أنت كذبت عليا وخدعتني وكنت بتخوني.
انفعل وكان سيصيح بها لكنه تحكم في نبرة صوته وقال باستياء:
_صحيح أنا كذبت عليكي لكن مخنتكيش يامريم.
هتفت بإصرار على رأيها ونقم شديد:
_هو أنت فاكر الخيانة جسدية بس، طالما قلبك كان مع واحدة غيري وانت مرتبط بيا يبقى اسمها بتخوني بمشاعرك.
رفع يده ومسح على وجهه متأففًا بضيق وحزن.
ثم نظر لها بحب وقال متوسلًا إياها معتذرًا:
_مكنش بإيدي والله يامريم أنا كنت معمي ومش شايف الحقيقة وبعدين عرفت قيمتك، وصدقيني أنا من بداية خطوبتنا وأنا كانت نيتي أني اكمل معاكي وتكوني مرتي ويكون قلبي ليكي أنتي وبس، سامحيني واديني فرصة تاني اثبتلك حبي ليكيا.
أشاحت بوجهها بعيدًا عنه للجهة الأخرى وقالت في جفاء:
_أنا اديتلك مليون فرصة يابشار أنك تحكيلي الحقيقة بنفسك وأنت في كل مرة كنت بتختار الكذب وضيعت كل الفرصة اللي ادتهالك.
هتف بانزعاج ويأس:
_يعني برضوا لساتك مصممة على اللي في دماغك!
هزت رأسها بالإيجاب وقالت في قوة:
_ايوة مصممة وكمان هقول لبابا على كل حاجة بعد ما تمشي.
بشار بثقة تامة:
_مش هتقدري.
ابتسمت بسخرية وردت:
_وده ليه بقى أن شاء الله؟!!
مال بوجهه عليها واقترب منها وهو ينظر في عينيها بثقة وغرام ويهمس:
_عشان بتحبيني كيف ما أنا بحبك ورغم غضبك مني إلا أنك نفسك تديني فرصة ومتبعديش عني لكن كرامتك وعزة نفسك منعاكي، وعشان اكون حقاني انتي ليكي الحق في كل اللي بتعمليه وأنا مش طالب منك غير أن تسمحيلي اردلك كرامتك واعوضك واثبتلك أنك ملكة تستحقي أنك تتوچي على عرش قلبي.
لمعت عيناها وهي تستمع لكلامه المعسول وغزله وتسارعت نبضات قلبها.
حتى أنها شعرت للحظة أنها ستستلم له لكن عادت لرشدها بسرعة وضحكت باستهزاء مجيبة عليه:
_ماشاء الله واثق من نفسك أوي أني بحبك!
ابتسم على محاولاتها الساذجة في إظهار تجلد مشاعرها وكأنها لم يؤثر بها ما قاله.
ثم استقام واقفًا وهمس لها غامزًا بعشق:
_أنا كنت هخسرك مرة واتخلي عنك بس مش هغلط نفس الغلط تاني، يعني أنا مش ههملك يامريم ولا هتخلي عن حبي ليكي واعتبريه وعد رچال مني أني هنول رضاكي واخليكي تسامحيني قريب.
أنهى كلامه واتجه لباب الغرفة ليغادر.
لكن اصطدم بوالدتها التي كانت تحمل العصير فوق يديها وقالت له مندهشة:
_رايح فين بس يابني هو أنت لحقت!!
ابتسم لها بود وقال معتذرًا:
_معلش أصل ورايا شغل ومستعجل.
_طيب كنت شربت العصير حتى الأول يابشار.
التفت لمريم وابتسم لها بخبث ثم رد على أمها وهو يثبت نظره عليها:
_مرة تاني أن شاء الله يكون حلاوة كتب الكتاب كمان مش عصير بس.
قهقهت أمها بقوة ثم ردت عليه بعذوبة ودفء:
_ربنا يسعدكم يابني ويتمملكم على خير يارب.
رد بابتسامة عريضة:
_آمين يارب.. استأذن أنا عاد.
خرجت أمها معه للخارج لكي تودعه.
بينما مريم فظلت جالسة مكانها وهي تشتعل غيظًا منه وتقول بعدم تصديق:
_اقوله أنا فسخت الخطوبة وانفصلنا وهو يقول كتب كتاب، ده إيه ده ياربي أنا مش فاهمة!!!
***
داخل منزل سمير.
كان يجلس هو فوق الأريكة بالصالة أمام شاشة التلفاز وتدخل في حضنه فتاة ترتدي ملابس فاضحة تكشف أكثر مما تستر.
ويضحك معها ويبداعبها بوقاحة.
حتى قطع جلستهم الرومانسية صوت جرس الباب.
فنظر لها وقال مبتسمًا بجدية:
_متتحركيش من إهنه أنا هقوم اشوف مين وارچعلك، ده تلاقيه البواب چاب الطلبات اللي قولتله عليها.
هزت رأسها له بالموافقة وهي تبتسم له بخبث.
فغمز لها بشهوانية ثم ابتعد عنها واستقام واقفًا متجهًا إلى الباب ليفتح وهو مرتديًا بنطال فقط وعاري الصدر، ومستعد لمقابلة البواب وأخذ طلباته منه.
لكنه اصطدم بعمران أمامه وهو ينظر له بوجه اشبه بوجه شبح عاد لينتقم.
اضطرب سمير قليلًا لكنها حاول الوقوف بصلابة دون أي تراجع.
أما عمران فتفحصه بنظراته من أسفله لأعلاه واستقرت عيناه عند رقبته عندما لمح أثر قبلة لأحمر الشفاة مطبوعة على بشرته.
فمال ثغر عمران للجانب في بسمة شيطانية وهمس له:
_ده أنا شكلي إكده چيت في الوقت المناسب.
ظهر اضطراب سمير بوضوح أكثر ولم يرغب في أن يخاطر أكثر.
فأعلن هزيمته عندما هم بغلق الباب في وجه عمران ليفلت من بين براثينه.
لكنه دفع الباب بقوة قبل أن يغقله جعلت سمير يرتد للخلف وكاد أن يسقط على الارض لولا أنه تحكم في توازنه على آخر لحظة.
وأشرف عليه عمران بهيبته وجسده العريض يخطو اولى خطواته لداخل منزله وهو ينظر له بشر منذر ويهمس:
_أنت يا***** تتچرأ وتوصل لغاية بيتي وتتهچم على مرتي.
هتف سمير بغضب وحقد شديد:
_مرتك هي اللي بدأت كل ده رغم أني حذرتها وهي مسمعتش كلامي.
ظهرت بسمة عمران المرعبة مجددًا التي رآه قبل قليل وتنم عن أن القادم سيكون أكثر رعبًا.
فاقترب منه عمران بخطوة أخرى وراح سمير يتقهقهر للخلف خوفًا منه.
حتى سمع همس عمران الأقرب لفحيح الأفعى:
_أنت عارف أنا بعمل إيه مع الـ**** اللي بتتجرأ عليا وعلى أهل بيتي؟!
كان سمير على وشك أن يصرخ على فتاته التي في الداخل يستنجد بها لتتصل بالشرطة.
لكن عمران لم يهمله الفرصة لينكق بحرف واحد.
حيث غار عليه يلكمه بالضربات المتتالية.
وبالكاد هو استطاع أن يرد لعمران لكمة واحدة مما أعطاه له عندما أخذ نفسه.
لكن عمران عاد يتحكم في الساحة مجددًا حتى سقط سمير على الأرض من قوة وعنف اللكلمات التي يتلقاها.
فراح عمران يلكمه هذه المرة بقدمه في بطنه وجسده وهو يأن بألم مع كل لكمه ووجهه كله غرق بالدماء.
توقف عمران أخيرًا عن لكمه.
لكنه انحنى عليه وجلس القرفصاء أمامه على الأرض.
ثم قبض على ذراعها ولفه خلف ظهره بعنف متعمد وقوة جعلت سمير يطلق صرخة عالية تأججت في المنزل كله.
ليبتسم عمران ويهتف بشر وعينان مظلمة لا تحمل أي رحمة:
_ودي يدك اللي حاولت بيها تتهچم على بيتي، عشان بعد إكده عقلك ميوزكش ولا تفكر أنك تقرب من مرتي تاني، المرة دي كانت كسر المرة الچاية هتبقى قطع.
ثم انتصب واقفًا وعندما من جلبابه وعباءته الصعيدية يهم بالانصراف.
لكنه لمح تلك الفتاة الساقطة التي تقف على مسافة تشاهد ما يحدث بعينان متسعة ورعب.
فرمقها باشمئزاز على منظرها الذي جعله يرغب في التقيؤ للحظة.
ثم استدار وغادر المنزل تاركًا سمير يصرخ ويأن من الألم الشديد.
وفور رحيله ركضت تلك الفتاة إلي سمير وسألته بقلق وخوف:
_سمير أنت كويس؟
حدقها شزرًا وصرخ بها متألمًا:
_كسرلي يدي وبتسأليني كويس ولا لا.
قالت له باهتمام وارتباك:
_طيب قوم نروح المستشفى بسرعة يلابقى مكانه على الألم يتأوه ويصرخ من الألم الذي يأكل جسده كله وليس ذراعه فقط.
أما هي فهبت واقفة وركضت إلى الغرفة لترتدي ملابسها بسرعة وعادت له وساعدته على الوقوف لكي يذهبوا للمستشفى.
***
داخل غرفة غزل بمنزل خليل صفوان.....
كانت خلود مازالت على وضعها تستحوذها الصدمة.
وهي تفكر أن ربما قد يكون هناك وضع ليس جيد بينها وبين أخيها.
فراحت تقول له بخوف وقلق:
_اوعي يكون اللي في دماغي صُح ياغزل، في إيه بينك وبين " علي" وكان بيعمل إيه في أوضتك؟
ردت بسرعة غزل تنفي ظنون خلود وتشرح لها الأمر:
_لا لا مفيش حاجة من الكلام ده خالص والله، أنتي فاهمة غلط، أنا هفهمك واحكيلك كل حاجة من البداية.
ارتخت عضلات خلود وهدأت نفسها المضطربة قليلًا بعدما اطمأنت أن الأمور على ما يرام وشكوكها خاطئة.
وراحت تستمع لغزل وهي تسرد لها القصة منذ بداية وصولها للمنزل وكيف انتهى بها المطاف أنها حصلت على عرض زواج من أخيها.
وأنهت حديثها بإخبارها بماذا كان يفعل في غرفتها الآن وماذا كان يريد.
فسكتت خلود للحظات وعلامة التعجب تظهر على محياها وهو تقول مبتسمة:
_شكل " علي " وقع ولا حد سما عليه.
لم تفهم مقصدها وراحت تتطلعها باستغراب.
حتى هتفت خلود مجددًا وهي تسألها بفضول:
_وانتي رديتي عليه قولتيله إيه دلوك طيب لما سألك مش عاوزة توافقي ليه؟
تنهدت غزل الصعداء بحنق وقالت في عبوس وهي تجفل نظرها أرضًا وتعبث في أصابعها:
_قولتله أني مش عاوزاه وأني مش حاسة ناحيته بمشاعر.
اتسعت عيني خلود بذهول من ردها الجريء.
ثم لوت فمها بيأس فراحت غزل تردف بحزن شديد وندم تسألها:
_كنت وقحة أوي واحرجته صح؟
زفرت خلود بقوة وردت عليها مبتسمة بمكر:
_لا هو مش ده السؤال، لكن السؤال اللي المفروض بتسأل هل اللي قولتيه ليه حقيقي وأنتي صُح مش عاوزاه ولا حاسة ناحيته بحاچة.
سكتت غزل وهي تحدق في خلود بشرود وكأن سؤالها ادهشها لأنها لم تتوقعه.
والآن هي تتردد وتخجل في الإجابة بالحقيقة.
لكنها حسمت قرارها وردت وهي تطرق رأسها خجلًا:
_الصراحة كنت بكذب عليه، لكن أنا فعلًا مترددة وخايفة اوافق رغم أني منكرش اعجابي بـ " علي " لكن اختلاف أفكارنا والبيئة اللي اتربينا فيها وعقليتنا مخلياني حاسة أننا مش هنتفق مع بعض وهتكون علاقة فاشلة.
ابتسمت خلود بود ثم رفعت يدها ومسحت على ذراعها بلطف متمتمة:
_بصي ياغزل أنا هكلمك عن تچربة وأنا اكتر واحدة فاهمة كويس قوي الكلام ده، " علي " مهما كان عنده عيوب كتير لكن كمان عنده مميزات كتير قوي، انا مش هقولك أخوي ملاك ومش بيغلط لكن هقولك مفيش حد كامل حتى أنتي والاختلافات دي اللي بينكم يمكن هي اللي تحلي حياتكم ومتكنش سبب في المشاكل زي ما أنت متخيلة، لو اتحطيتي في اختيار بين راچل بيحبك وراچل أنتي بتحبيه اختاري اللي بيحبك لأن هو ده اللي هيسعدك وهيصونك ويحافظ عليكي.. و" علي " بيحبك وأنا عارفة اخوي كويس لما بيحب.. بيقيد صوابعه العشر شمع للي بيحبه.
سكنت تمامًا وهي تستمع لنصائح خلود وأخذت تفكر في كلامها بعقلانية وحكمة.
لكن مازالت لم تحسم قرارها النهائي والتردد يلازمها.
ففهمت خلود وضعها وابتسمت لها باتساع ثم قالت لها برزانة:
_خدي وقتك وفكري زين قبل ما تاخدي قرارك ومتتسرعيش عشان متندميش كيف ما ندمتي دلوك على اللي قولتيه.
مطت غزل شفتيها بأسى وقالت في عبوس شديد ويأس:
_تفتكري هو هيسامحني ولا هيبص في وشي تاني أصلًا بعد اللي قولته، أنا جرحت كرامته أويا.
استقامت خلود واقفة وقالت لها ضاحكة وهي تغمز لها بلؤم:
_راضيه.. ولا أنتي عاد بتعرفي تزعلي الناس منك بس ومبتعرفيش تراضي.
سألتها غزل بلهفة ورجاء:
_طيب ما تقوليلي اعمل إيه واصالحه ازاي، أنتي أخته وأكيد فاهمة دماغه.
هزت خلود كتفيها بجهل وردت بالرفض القاطع:
_لا أنا معدتش بتدخل في حاچة واصل ودي حاچة بينك وبينه أنا مليش صالح بيكم، راضيه أنتي بطريقتك عاد أنا كان عليا النصيحة وقدمتها الحمدلله.
زمت غزل شفتيها للأمام بيأس وزفرت بقلة حيلة.
ثم ودعت خلود التي غادرت وتركتها تفكر في طريقة مناسبة وحل فعال لتجعله يسامحها.
ولكن قبل كل هذا يجب عليها أن تحسم قرارها في أمر الزواج.
***
داخل منزل عمران الصاوي.....
تحديدًا بغرفة النوم كان عمران مازال نائمًا بعمق في فراشه وآسيا بجواره لكنها مستيقظة تستند بمرفقها على الوسادة وتضنع وجنتها فوق كف يدها متأملة وجهه وهو نائم.
تتمعنه بعينان ضائعة ووجه عابس يملأه الأسى والقهر كلما تستعيد في عقلها شريط ليلة الأمس ومعاملته القاسية لها تدمع عيناها.
هو حتى لم يترك لها الفرصة لتعتذر منه ولتبدي عن ندمها وأسفها.
أسلوبه الجاف كان عقابًا اقسى من غضبه وصراخه بها.
كانت تتأمل ملامح وجهه الرجولية أثناء النوم، شاربه ولحيته الغزيرة وحتى حواجبه وأهدابه الطويلة وبشرته السمراء التي زادته وسامة ورجولة.
ابتسمت بغرام ثم مدت أناملها لشعره تعبث به وتخلل أصابعها داخله.
ثم مالت عليه وانحنت على وجهه وراحت تطبع قبلاتها الحارة بجانب ثغره.
ففتح عينيه على أثر قبلاتها وغضن حاجبيه باستغراب ثم هتف بدهشة من تقبيلها له أثناء نومه:
_بتعملي إيه؟!!!
ابتسمت له بهيام وقالت في رقة:
_صباح الخير.
رفع حاجبه اليسار بحيرة من أمرها.
ثم أخذ نفسًا عميقًا وهب جالسًا يجيبها:
_صباح النور.
طالعته مطولًا بلوعة للحظات ثم مالت عليه وهمست بعينان تفيضان عشقًا:
_احضرلك الحمام يامعلم؟
رمقها متعجبًا من تحولها الغريب بين الأمس والآن.
يبدو أنها تسعى لهدف خبيث في عقلها كالعادة، وتستخدم ضده أساليب استراتيجية ماكرة لتكسب رضاه عنها.
فإجابها بنظرة لئيمة ليثبت لها أنه يفهم جيدًا ما تحاول فعله:
_وماله حضريه.
هزت رأسها بالموافقة ثم استقامت واقفة من الفراش واتجهت إلى الخزانة تخرج له ملابسه النظيفة.
ثم تتجه بها للحمام وهو يراقبها بنظراته الثاقبة والقوية.
مازال محتفظ بجمود تعابيره وقسوته أمامها.
لكن فور دخولها الحمام ابتسم بحب على تصرفاتها التي رغم التوتر الذي بينهم إلا أنها اعجبته وراقت له.
وراح يميل بظهره للخلف يستند على ظهر الفراش واضعًا كفيه خلف رأسه وقدمه فوق الأخرى ينتظر خروجها بعد انتهائها من تجهيز الحمام له.
خمس دقائق بالضبط مرت حتى خرجت ووقفت بجوار باب الحمام وهي تهمس له مبتسمة:
_الحمام جاهز، وأنا هروح أحضرلك الفطار لغاية ما تخلص حمامك.
رأت نظراته الماكرة لها وكانت جريئة وقوية فاخجلتها واربكتها.
وبنفس الوقت احييت داخلها شعور الأمل بأن محاولتها ربما قد تكون نجحت في امتصاص غضبه قليلًا ونالت إعجابه ورضاه.
تابعته بترقب وهو يستقيم من الفراش ثم يقترب من الحمام ومنها.
ويحدقها بتفحص من أعلى رأسها لآخر قدميها بقوة هامسًا:
_چهزيلي الچلابية واكويها عشان هفطر وانزل.
أماءت له بالموافقة في ابتسامة ناعمة جعلته يدخل الحمام وهو يزفر مغلوبًا ويضحك عليها.
دقائق طويلة مرت حتى خرج بعدما انتهى من حمامه الصباحي.
وكانت هي تقوم بكي جلبابه الصعيدي كما طلب منها بعدما انتهت من تحضير الفطار.
فجلس على الفراش واضعًا المنشفة فوق كتفيه وقطرات المياه تتساقط من شعره المبلل عليها.
وبقى يراقبها في حركاتها الرقيقة وهي مرتدية ثوب ضيق وقصير بحاملات رفيعة.
ذاب من جمال منظرها الأنثوي المثير وظل هكذا يتأملها بهيام لا إراديًا.
حتى وجدها تلتفت له برأسها ثم تتجه إليه وتلتقط المنشفة من فوق كتفيه وتبدأ في تجفيف شعره من المياه برقة هاتفة:
_سايب شعرك مبلول إكده ليه؟!.. هتاخد برد.
أبعد يدها عنه بلطف ثم هتف بانزعاج:
_آسيا كفاية متتصرفيش كأن مفيش حاچة حصل.
احتلت معالمها العبوس الشديد واجابته بغضب وقهر:
_عاوزني اعمل إيه يعني رغم الطريقة اللي بتعاملني بيها من امبارح أنا بحاول ارضيك واثبتلك ندمي على غلطي.
صاح بها منفعلًا بسخط:
_ياريت بتندمي وتتعلمي من غلطك، دي مش أول مرة تكذبي عليا لا وكمان بتكذبي في حاچة مينفعش فيها الكذب، واحد جه على باب بيتي وحاول يتهچم عليكي وأنتي بتكذبي عليا.
أطرقت رأسها أرضًا معترفة بخطأها وقالت له معتذرة بصوت مبحوح وعينان لامعة بالعبرات:
_عندك حق أنا غلطانة، حقك عليا أنا آسفة صدقني دي آخر مرة اكذب عليك فيها.
مسح على وجهه وهو يتأفف بعصبية شديدة ثم قال لها بصوت غليظ يوضح عدم رغبته في إكمال هذا الحديث:
_روحي حطي الوكل على السفرة يا آسيا.
لوت فمها بحزن واحترمت رغبته في عدم متابعة الحديث.
لململت شتات قلبها المنفطر واتجهت إلى الخارج لتبدأ في ملأ الصحون بالطعام.
***
داخل منزل مروان تحديدًا بالصالة كان جالسًا فوق الأريكة مبتسمًا بفرحة أن خلود تطلقت أخيرًا.
أصبحت حرة ولكنها ستكون له قريبًا، ستنير حياته بوجوده فيها وتسعد قلبه بحبها الجميل.
ستكون زوجته وحبيبته وأم أولاده.
قطع شروده الهائم في محبوبته صوت طرق الباب فاستقام واقفًا واتجه ليفتح.
فيقابل سمير أمامه وهو يبتسم له بغل ويقول مغتاظًا:
_أنا چيت اقولك أن اللي أنت عاوزه تم وطلقتها يابن العم.
ابتسم مروان بنظرة شيطانية متذكرًا حديثه مع سمير بصباح اليوم.
بعدما أخبرته خلود في الهاتف أن طلاقها سيتم اليوم وأنها تذهب الآن لمكتب المأذون.
فاجرى هو اتصالًا بسمير الذي كان في تلك اللحظة في غرفته يرتدي ملابسه و" علي " ينتظره بالخارج لكي يأخذه للمأذون.
كان يفكر في طريقة يهرب بها من بين براثن " علي " وهؤلاء الثيران البشرية التي بصحبته.
لكن وصله اتصالًا من مروان والذي كان محتوى حديثهم كالآتي.
هتف سمير في الهاتف مغتاظًا بغضب:
_أكيد أنت اللي مدبر كل ده ومش بعيد تكون أنت اللي مدبر لـ " علي " الرچالة اللي معاه دي.
ابتسم مروان وأجابه بثقة:
_لا الحقيقة أنا كنت معرفش أي حاجة إلا من نص ساعة بظبط و" علي " شكله ناويلك على نية مش تمام ولو حاولت ترفض مش بعيد يخلي رچالته دي يعملوا معاك الواجب فعلًا.
سمير بإصرار ووعيد يحمل الشر والحقد:
_مرتي مش هطلقها يامروان ومش هسيبهالك ولو على جثتي.
يرد مروان بثبات وثقة تمام امتزجت بصوته الرجولي الأجشَّ:
_هتطلقها لو مش عايز الحكومة تشم خبر بالمخدرات اللي بتاجر فيها وبتبيعها ومحدش يعرف أبدًا باللي بتعمله حتى أبوك، لو حاولت تعمل أي حركة غدر ومتطلقهاش اقسم بالله ياسمير هروح بالأدلة اللي معايا على القسم ووقتها هخليك تطلقها غصب عنك وأنت في السجن، فطلقها بمزاجك وخد حريتك افضلك.
انتظر مروان للحظات ليسمع رده.
ولكن كان السكون والصدمة الممتزجة بجموحه هما رده الوحيد على ما قاله.
فضحك مروان وقال ساخرًا:
_يلا اسيبك بقى عشان تلحق تجهز اصل اللي عرفته عن علي أنه غشيم وممكن يعمل فيك أي حاجة واحنا محتجاينك سليم لغاية ما تطلقها.
عاد مروان للواقع بعدما انتهي من تذكره لهذا الحديث المشتعل بينهم.
ورد على عبارة سمير بابتسامة مستفزة:
_مبروك ربنا خلصها منك.
فجأة اختفت تعابير الغضب والغيظ من على محياه.
وازاح مروان قليلًا من الطريق ليتمكن من الدخول وهو يضحك ويقول بخبث:
_لا أنا اللي ربنا خلصني منها، أنا كنت مستحملها بقول أهو ست برضوا تقضي الغرض وتخدمني وكنت يشفي غليلي فيها من اللي عملته فيا.
جز مروان على أسنانه بعصبية وهتف محذرًا إياه بصوت متحشرج:
_اطلع برا ياسمير متخلنيش ارتكب فيك جريمة.
أكمل طريقه للداخل ببرود اعصاب مستفز وهو يبتسم حتى جلس على الأريكة بالصالة عاقدًا قدمًا فوق الأخرى.
ونظر لمروان بشيطانية وهمس له في تصنع البراءة:
_الصراحة يامروان رغم كل اللي بينا أنا بعزك قوي و بيني وبينك أنا مهنش عليا اسيبك إكده على عماك واخليك تتدبس فيها كيف ما ابن عمك ادبس واضحك عليه، فحبيت آچي اوعيك بما أني طلقتها والحقك قبل ما تغلط غلطة عمرك وتندم عليها.
ضيق مروان عينيها بعدم فهم واستغراب لثواني.
قبل أن ينفعل ثانية ويندفع نحوه ثم يجذبه من ذراعه ليوقفه عنوة ويصيح به:
_أنا مش ناقص تخاريف وكلام فارغ، اطلع برا يلا.
قهقه سمير بطريقة مستفزة ودفع يد مروان عنه هاتفًا بجدية:
_طب اسمع اللي هقولهولك حتى الأول يابشمهندش قبل ما تطردني مش يمكن أكون عاوز مصلحتك صُح وعاوز افتح عينيك على الحقيقة.
سكن مروان للحظة ولا إراديًا جذبت كلماته فضوله لمعرفة ما الحقيقة الذي يريد أن يخبره بها.
ربما تكون هي نفسها التي حاول " علي " أن يخبرها عندما قال له أن هناك خفايا كثيرة لا يعرفها.
أما سمير فأخذه نفسًا عميقًا بعدما رأى الهدوء على وجه مروان وواصبح متفتح لسماع ما سيقوله.
فهتف له مبتسمًا بتشفي:
_هي طبعًا محكتلكش اتچوزتني ليه ولا أنا كنت بعمل فيها إكده ليه ولا حتى ناسها رموها ليه!!.. بس أنا هقولك يابن عمي ورغم أنك حاولت تعمل معايا الغلط أن هعمل بأصلي معاك، اللي ضحكت عليك كيف ما ضحكت عليا وخلتك تحبها وعاوز تتچوزها دلوك، سلمتلي نفسها قبل ما اتچوزها وكانت على علاقة بيا كانت بتچيلي البيت بكامل رغبتها وهي اللي كانت بتچرني أني أعمل علاقة معاها رغم أني كنت رافض بس سيطرت عليا ووقعتني في شباكها وبعدين حملت مني وعشان تداري على فضيحتها وتكمل علاقتها معايا نزلت العيل اللي في بطنها بس ناسها عرفوا بعدين وخربوا الدنيا وكانوا هيقتلوها بس أنا قولت اصلح غلطي واتجوزتها لغاية ما اكتشفت بعد الچواز أنها بتخوني وكانت بتكلم رچالة عشان إكده اتغيرت معاها وبقيت اعاملها بالطريقة دي لغاية ما هربت مني ولفت عليك أنت ودلوك بتمثل عليك دور الشريفة وهي مش بعيد تعمل معاك كيف ما عملت معايا وتخونك بعدين.
تجمد مروان بأرضه وهو يستمع للحقائق التي يخبره بها سمير.
كانت الصدمة تحتل معالم وجهه وعدم الاستيعاب يظهر على تعبيراته النافرة لهذه التراهات التي يخبره بها.
وسرعان ما تحول من حالة الذهول إلى الغضب المرعبة وهو ينقض على سمير ويحذبها من ياقة قنيصه صارخًا به بصوت جهوري:
_أنت بتقول إيه يابني آدم، أنت وصلت بيك الو***** أنك بتشوه سمعه مراتك وبتتهمها في شرفها.
رد سمير بثبات وبرود اعصاب أثار جنون مروان أكثر:
_أنا بقولك الحقيقة مش بتبلى عليها، بعدين ده معدتش مراتي بقت طليقتي، وأنا قولتلك الحقيقة عاوز تصدق أو متصدقش دي حاچة ترچعلك أنت عاد.
فقد مروان السيطرة على انفعالاته ولا إراديًا غار على سمير يوجه له لكمة مميتة سالت دماء فمه على أثرها.
وصرخ به محذرًا إياه بنظرات تنذر بالشر الحقيقي:
_اطلع برا متورنيش وشك احسن اخلص عليك خالص ياسمير، غور يلا.
ضحك سمير باستهزاء وتشفي بعدما تأكد من نجاح مخططه الشيطاني.
واتتصب في وقفته بثبات ثم القى نظرة خبيثة على مروان قبل أن يتحرك باتجاه باب المنزل ليغادر ويتركه وهو ثائر وسجين صدمته وشعور الخذلان واكتشافه لحماقته ونفسه المغفلة...
***
داخل السجن......
كان يجلس صابر بتلك الساحة الكبيرة المخصصة للزيارات في السجن وبجواره يجلس أحد رجاله الأوفياء ويخبره عن أمور العمل ومشاكله في غيابه.
حتى وجد صابر يقول له بصوت منخفض حتى لا يصل لأذن العساكر:
_عاوزك تعمل اللازم مع ولد الصاوي يا طايع.
ضيق عينيه بحيرة وسأله باستفهام واهتمام:
_اللازم ده اللي هو إيه بظبط يامعلم؟!
ابتسم صابر ساخرًا وقال بشر نابع من صميمه:
_توديه في سكة اللي بيروح مبيرجعش يعني چار أبوه.
ظهر شبح الابتسامة الشيطانية على ثغر ذلك الرجل المدعو " طايع" وهمس مادحًا صابر على شره:
_ده أنت بتخاف منك يامعلم.
أجاب بنظرة نارية وساخطة كلها وعيد وغل:
_ما أنت عارف يا طايع شغلانتنا علمتنا أن اللي يأذينا نأذيه بس بطريقتنا عاد.
هتف مؤيدًا إياه بابتسامة خبيثة:
_طبعًا يامعلم لازم كل واحد يعرف مقامه.
ثم سكت للحظة وقال له ضاحكًا بمكر ونظرة تلمع بوميض شيطاني:
_ندعيله بالرحمة من دلوك اصله كان ابن حلال ويستاهل.
انفجروا هم الاثنين ضاحكين بقوة، ضحكة امتلأت بالحقد والشر النابع من صدورهم المريضة.
***
داخل منزل خليل الصاوي بعد عودة خلود وإنصاف و" علي " إلى المنزل.
كانت غزل تجلس في غرفتها تفكر في طريقة تصلح بها ما أفسدته في علاقتها مع " علي ".
ولم تجد في النهاية أفضل من قرارها النهائي الذي اتخذته وهو الموافقة على الزواج منه ومنحه فرصه.
خرجت من غرفتها وقادت خطواتها المرتبكة إلى غرفته.
ثم وقفت أمام الباب للحظات مترددة ومضطربة.
وبينما كانت على وشك أن تتراجع وجدته يفتح الباب فجأة وكان يبدو عليه أنه في طريقه لقضاء أمر ما بالخارج.
لكن عندما رآها تسمى مكانه وهو يرمقها بنظراته الغاضبة.
فاستحمعت هي شجاعتها وقررت أن تلقي ما في صدرها كله أمامه مرة واحدة قبل أن يمنعها خجلها وتوترها ويجعلها تتراجع:
_علي أنا آسفة على الطريقة اللي كلمتك بيها امبارح، أنا بجد كنت مشوشة ومش عارفة اقول ايه ولا اخد قرار مناسب حتى بس بعد ما فكرت مع نفسي حسيت أني ممكن اندم لو ضيعتك وأن مش هخسر حاجة لو اديت نفسي واديتك فرصة يمكن علاقتنا فعلا تكون ناجحة، فـ أنا دلوقتي جاية اقولك أني موافقة!
أطال النظر إليه بجمود وتبادل مشاعر ثم هتف:
_موافقة على إيه؟!!
ارتبكت من نظراته ولهجته الصارمة حتى سؤاله الغريب.
فردت متلعثمة بخجل:
_موافقة ياعلي!!.. يعني موافقة على اللي أنت كنت حابب تعرف رأي فيه على طلبك.
حدقها بنظرة ممتلئة بالسخط عندما تذكر كلماتها السامة له وهي تخبره بكل برود أنها لا تريده دون مراعاة لمشاعره.
جرحت كرامته واهانته والآن تقف أمامه وكأن شيء لم يكن لتخبره بموافقتها على الزواج منه بعد كل ما قالته.
ليجيبها بقسوة منصاعًا خلف مشاعر الغضب الذي تحتل قلبه:
_بس أنا غيرت رأي ومعدتش عاوزك خلاص.
***
بمدينة مرسى مطروح تحديدًا أمام الشاطيء كانت فريال تجلس على المقعد كعادتها تراقب اولادها وهم يلعبون في المياه.
وفي هذا الوقت تحديدًا لسوء الحظ أنها كانت بمفردها مع عمار بعدما ذهب جلال ومعاذ لشراء الطعام لهم.
وكان عمار يلعب في المياه أما هي فكانت تنظر في هاتفها تتصفح عليه غير منتبة لابنها.
الذي وقف في المياه حتى غطت نصفه وراح ينظر للبحر بنظرة تحدي وحماس.
بعدما تذكر كلمات أخيه له بالأمس وهو يعايره بأنه لا يجيد العوم.
وبعقله الطفولي ظن أنه أن حاول العوم سينجح وبالأخص بعدما حاول أبيه بالأمس تعليمه بعض الأساسيات البسيطة.
وفي غصون لحظات انتفضت فريال في مقعدها مزعورة على أثر صوت صرخات الاستغاثة النابعة من ابنها.
وعندما نظرت في المياه رأته يضرب بذراعيه في المياه محاولًا النجاة بروحه من الغرق..................
نهاية الفصل ............
رواية و بالعشق اهتدي الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم ندى محمود توفيق
انتفضت فريال في مقعدها مزعورة على أثر صوت صرخات الاستغاثة النابعة من ابنها. عندما نظرت في المياه، رأته يضرب بذراعيه محاولًا النجاة من الغرق. غرت عيناها وشفتيها بذهول وانطلقت منها صرخة عالية جعلت كل من يجلس على الشاطئ ينتفض فزعًا. وقفت مكتوفة الأيدي تشاهد ابنها وهو يغرق، فتسارعت أنفاسها وضاق صدرها. شعرت بكل شيء يدور من حولها، لكنها تحاملت وراحت تصرخ باكية بهلع:
"عمار، ولدي بيغرق حد يلحقه."
في تلك اللحظة التي صرخت بها بالضبط، وصل جلال ومعاذ يحملون أكياسًا ممتلئة بالأطعمة والحلوى المختلفة ويضحكون مع بعضهم. لكن التفت جلال مزعورًا على أثر صوت صرخة عالية وصوت أنثوي كان يحفظه عن ظهر قلب. عندما نظر تجاه الصوت، وجد فريال تصرخ تستغيث بأحد لينقذ ابنها من الغرق. في ثانية، كان يلتفت تجاه البحر في هلع ويرى ابنه يصارع الموت ويحارب الغرق بمفرده. بدافع الخوف والفزع الطبيعي، ألقى ما بيده على الأرض وركض مهرولًا تجاه البحر ليقفز فيه ويكون هو أول من يقفز لإنقاذ ابنه ويسبح إليه بكل سرعة ممكنة.
عندما وصل إليه، كان عمار قد توقف عن الضرب في المياه والتلويح وغطس في المياه. لكنه التقطه وحمله بذراعه ضامًا إياه إلى صدره وأخذ يسبح بذراعه الثاني وعاد به إلى الشاطئ. عندما رأت فريال ابنها بهذا الحال، فقدت عقلها وانهارت باكية حتى خرت على الأرض فاقدة الوعي.
أما جلال، فقد خرج بابنه من المياه وسطحه على رمال الشاطئ وراح يقوم بالإسعافات الأولية والإنعاش الرئوي. يداه ترتجف بقوة من فرط الخوف وينظر لابنه بعينان دامعة هاتفًا له:
"يلا يا عمار فوق، أبوس يدك يا ولدي، قوم أوعاك تعملها."
ثم انحنى عليه وألصق فمه بفمه يقوم بالتنفس الصناعي له. والجميع من حوله التف يشاهدون يترقب وهو يدعون أن يعود ذلك الطفل للحياة. في المنتصف بين كل هذا، كان يقف معاذ، عين عالقة على شقيقه الذي يصارع الموت وعين على أمه التي فقدت وعيها والنساء ملتفون من حولها يحاولن إفاقتها. انهار باكيًا بقوة وجلس على الأرض مكانه يبكي بصوت مرتفع.
أما جلال، فقد سالت دموعه الحارقة وهو مازال يحاول محاولاته لإعادة ابنه للحياة دون كلل. وبينما الجميع كان اليأس قد تمكن منهم وفقدوا أملهم، فجأة انتفض جسده الصغير وهو يسعل بقوة ويستفرغ المياه التي ابتلعها من البحر. لمعت عين جلال بفرحة لا يمكن يوصفها وراح يضم ابنه لصدره بقوة ويمطره بوابل من قبلاته فوق شعره وعلى وجهه مرددًا بصوت مسموع:
"الحمدلله.. اللهم لك الحمد والشكر يا رب."
بدأ عمار يستعيد وعيه وانفاسه المتسارعة تنتظم قليلًا وهو ينظر لوالده بفزع وارتعاش. لكن جلال، بتلك اللحظة، بدأ عقله يدرك وجود زوجته وابنه الأكبر وراح يبحث بنظره عنهم من حوله. فوجد معاذ يجلس على الأرض ويبكي. ثم مال برأسه للجهة الأخرى أكثر فرأى فريال مسطحة على المقعد الطويل والنساء من حولها يحاولن إفاقتها. لم يتمكن من التقاط أنفاسه وتذوق الفرحة بعودة ابنه للحياة حتى انقبض قلبه خوفًا على زوجته الغائبة عن الوعي.
فهب واقفًا ثم حمل ابنه على ذراعيه وأسرع في خطواته تجاه زوجته. وأثناء طريقه، صاح على معاذ هاتفًا:
"معاذ قوم."
انتبه على صوت أبيه وعندما نظر له، رأى أخيه على ذراعيه بخير. فلم يعد يعرف هل يفرح أم يحزن على أمه الغائبة عن الوعي. لكنه هب واقفًا فورًا ولحق بأبيه مهرولًا، الذي أبعد النساء عن زوجته وأنزل ابنه من على ذراعيه ليحمل فريال بدلًا منها ويتجه بها مسرعًا إلى الفندق حيث غرفتهم.
بعد دقائق معدودة، وصلوا إلى الغرفة فدخل هو أولًا ولحق به الأولاد الذين كانوا يراقبون أمهم بهلع. والتقوا حولها بمجرد ما أن وضعها جلال على الفراش وبدأ هو يستخدم العطر عله يجدي نفعًا معها. والمحاولة الأخيرة كانت بسكب بعض المياه في يده ونثرها على وجهها، ففاقت مزعورة.
وفور ما أن فتحت عيناها ورأت جلال أمامها، صاحت به هستيريا:
"عمار فين.. ولدي فين؟!"
احتضن جلال وجهها بين كفيه وقال لها بحنو وصوت رخيم ليهدأ من روعها:
"اهدي يا حبيبتي، عمار وراكي أهو زي الفل."
التفتت خلفها متلهفة ورأت صغيرها ينظر لها بعينان دامعة من الخوف عليها. فلمعت عيناها وتلألأت بالعبرات ثم فردت ذراعيها وجذبته لحضنها تضمه بقوة. ثم بدأ صوت بكائها يرتفع. فمسح جلال على ذراعها بحب هامسًا:
"بزيادة يا فريال، الحمدلله هو بخير أهو قصادك."
تحدثت لعمار هامسة بصوت مبحوح ومتقطع دون أن تكترث لكلمات زوجها:
"كنت عاوز تحرمني منك أنت كمان، ده أنا كنت أروح فيها يا عمار، أنا مليش غيرك أنت وأخوك، حرام عليك يا ولدي تعمل فيا إكدة ليه."
هتف الصغير بين أحضان أمه معتذرًا بحزن على الحال الذي وصلت إليه أمه بسببه:
"حقك عليا يا ما، أنا آسف مش هعمل إكدة تاني!"
أبعدته عنها فجأة وتحولت نظراتها المرتعدة إلى أخرى غاضبة وهي توبخه بحدة:
"إنت إيه اللي دخلك البحر في الغويط (عميق) إكدة؟"
أجفل نظره أرضًا بندم وهتف:
"كنت عاوز أجرب أعوم لوحدي، كنت فاكر نفسي هعرف أعوم كيف معاذ بعد ما علمني أبويا امبارح."
كادت فريال أن تصيح به غاضبة تكمل وصلة توبيخها التابعة من خوفها عليه، لكن أوقفها جلال بنظرة رزينة مبتسمًا بدفء أبوي جميل:
"خلاص يا فريال ملوش لازمة الحديث ده دلوقتي، اللي حصل حصل والحمدلله أن ربنا ستر وهو عرف غلطه ومش هيكرره تاني، مش إكده يا عمار؟"
هز رأسه بالإيجاب لأبيه مبتسمًا. أما معاذ، ففجأة ودون أي مقدمات مال على أخيه وعانقه بحب هاتفًا له:
"متنزلش المايه تاني يا عمار لغاية ما تتعلم العوم."
اتسعت بسمة عمار بفرحة ومشاعر مفعمة بالحب والامتنان لعناق أخيه الكبير ولف ذراعيه حول ظهره يعانقه هو أيضًا. وسط نظرات جلال وفريال الدافئة وبسمتهم الأبوية على ثغرهم وهم يشاهدون مشهد تحفه مشاعر الأخوة الصادقة ويتمنى كل أب وأم أن يراه بين أولادهم.
استقام جلال واقفًا واقترب منهم، ثم مال على رأس كل منهم وطبع قبلة أبوية حانية. ثم همس لعمار مازحًا:
"الله يسامحك شيبت شعر راسي يا ولدي وقطعتلي الخلف وأنا لسه عايز أجبلكم أخوات تانيه."
هتف معاذ ضاحكًا يجاري أبيه في مزحه:
"لا يا بوي لسه شعرك أسود، كمان كام سنة إكده وعمار هيخليهولك أبيض على الآخر."
انطلقت ضحكة فريال العالية وهتف جلال ضاحكًا مؤيدًا وجهة نظر ابنه الكبير:
"آه على رأيك صح والله يا معاذ."
كان هو يتابع مزاحهم عليه وهو يبتسم حتى سمع صوت أمه تقول له:
"يلا يا عمار يا حبيبي ادخل خد حمام واستحمى عشان أخوك يدخل بعدك."
رد عمار بوجه مرهق:
"لا يا ما، خلي معاذ يدخل الأول وأنا هدخل بعده، وهدخل الأوضة جوه استناه."
ردت فريال بلطف:
"مينفعش، أنت اللي تدخل الأول هدومك مبلولة ولو قعدت إكده هتاخد برد، معاذ نزل المايه قبلك وهدومه نشفت، يلا روح."
أطلق تنهيدة حارة مغلوبًا وانصاع لأوامر أمه ثم اتجه للحمام كما أمرته ليأخذ حمامًا دافئًا، بينما معاذ فتركهم واتجه إلى غرفته بالداخل لكي يخرج ملابسه ويجهزها.
داخل منزل خليل صفوان، تحديدًا أمام غرفة "علي"، وقع أثر كلماته الأخيرة التي سمعتها غزل كالصاعقة التي أحرقته بأرضها. تحاول استيعاب ما سمعته للتو منه وهو يرفضها بشكل مباشر، لكن لا تستطيع. فراحت تسأله بذهول وبلاهة نابعة من صدمتها:
"مش فاهمة!!"
أجابها بقسوة أدمت قلبها:
"هو إيه اللي مش فهماه! بقولك معدتش عايزك يا غزل."
ضيقت عيناها بدهشة وعلامات الاستفهام تحتل معالمها الرقيقة. ثم التزمت الصمت للحظات طويلة نسبيًا تحاول إيجاد سبب واضح لذلك الرد السخيف والمريض منه، فلم تجد إلا سبب واحد والذي جعلها تضحك بصمت ساخرة. ثم تنظر له بغيظ وتقول:
"إنت بتردهالي يعني زي ما رفضتك دلوقتي بتقولي مش عايزني."
نظرت في عينيه مترقبة ردة فعله أو نظرة حب وندم، لكنها لم ترى سوى الغضب وعدم المبالاة. فاستشاطت غيظًا وغلا دمها في عروقها وانفجرت به صائحة بعصبية ونقم متصنع:
"إنت فاكر أن اللي بتعمله ده رجولة يعني وبترد كرامتك كدا، ده مسموش غير حاجة واحدة بس وهو قلة أصل وحقارة منك."
جز على أسنانه بغضب وحاول كظم غيظه عنها، لكنها أكملت منفعلة تفرغ شحنة غيظها المكتظة منه:
"إنت بني آدم مريض، وأحب أقولك أن دلوقتي أنا اللي مستحيل أتجوزك أصلًا حتى لو أنت اللي حبيت."
طفح كيله وفقد صبره على تحمل لسانها السليط وهي تهينه وتشتمه بكل وقاحة. وقبل أن تنصرف، كان يجذبها من ذراعها إليه. فأطلق شهقة مزعورة تضامنت مع وقوعها بين ذراعيه واصطدامها بصدره. ولم تلبث لتستوعب ما حدث وتوبخه حتى وجدته يدفعها للداخل ويغلق الباب ثم يحاصرها بينه وبين الحائط ويستند بكفه بجانب رأسها على الحائط ويهتف بنظرات مرعبة:
"إيه يا غندورة استصعبتي رفضي ليكي وشوفتيها إهانة، جربتي شعوري وقتها لما رفضتك دلوقتي بنفس الطريقة ولا لسه؟"
اضطربت من اقترابه الشديد منها، لكنها وقفت بشموخ ونظرت في عينيه بثقة وقالت:
"بعد عني وإلا هصرخ وأفضحك يا بربري!"
صرخ بها بعصبية:
"لمي لسانك ده ومتغلطيش بدل ما أقصهولك."
صاحت مستاءة بشراسة دون خوف منه:
"تقص إيه، إنت فاكر نفسك مين؟ صدقني يا "علي"، لو انطبقت السما على الأرض أنا مش هتجوزك."
ارتخت عضلات وجهه وهدأ غضبه ليس تأثرًا بما قالته بل متحسرًا على نفسه. حيث همس لها بنظرة خزي وأسف وهو يعترف لها لأول مرة:
"أنا حبيتك.. رغم كل مشاكلنا مع بعض بس حبيتك وتغاضيت عن كل عيوبك اللي مش عجباني، وقولت مش مشكلة نحلها مع بعضينا بعد الجواز. مهتمتيش لحاجة وكنت مستعد أرضيكي بأي طريقة وأخليكي تشوفي "علي" مختلف عن اللي تعرفيه واصل، تشوفيه لما يحبك هيبقى كيف، بس إنتي رفضتي النعمة برجليك."
سكت للحظة ثم أكمل مبتسمًا بمرارة:
"أنا مش قاهرني إنك رفضتيني ولا ده اللي مضايقني ومخليني شايل منك ومش عاوزك، إنتي جرحتيني في كرامتي بكلامك يا غزل وحتى لو كنت بعشقك بعد اللي قولتي ده معادش ينفع أقولك أني لسه عايزك وإلا أبقى بضحك على نفسي وعليكي."
أخذ نفسًا عميقًا وهو يلاحظ الذهول على ملامحها مما تسمعه منه. ثم قال بجفاء وانزعاج:
"اعتبريني معرضتش عليكي الجواز أصلًا ولا حتى قولت الكلام ده دلوقتي. ولو هتفضلي عايشة هنا معانا يبقى ياريت تتجاهليني على قد ما تقدري وبلاش تتعاملي معايا أصلًا يا غزل تمام!"
أنهى عباراته ثم ابتعد عنها وفتح باب الغرفة ثم رحل وتركها بمفردها داخل غرفته تقف تحدق في الفراغ بصدمة. اختلطت عليها مشاعرها ولم تعد تعرف هل يجب أن تفرح لاعترافه بحبه لها أم تغضب وتنزعج من الرفض التي حصلت عليه منه.
التفتت برأسها لغرفته وراحت تتفحصها بنظراتها في دقة. ثم تقدمت للداخل أكثر وهي تتتمعن تفاصيلها باهتمام. فراشه الواسع وخزانته الضخمة وملابسه الملقية على الفراش بعشوائية. تقدمت إلى الفراش وجلست ثم التقطت ملابسه التي كانت جلبابه الصعيدي وأخذت تتأمله بشرود وهي تتذكر اعترافه الأسطوري لها "أنا حبيتك رغم كل مشاكلنا مع بعض بس حبيتك". وعندما فاقت من شرودها، كان ثغرها يبتسم بخجل وفرحة. لكن فورًا لحقت بسمتها وألقت ملابسه هاتفة بحدة محاولة الثبات على موقفها:
"لا مش هتضعفي يا غزل، أنا قولته مستحيل أتزوجك."
ثم هبت واقفة وقالت مغتاظة في صرامة لتضبط مشاعرها الهائمة:
"وأنا كلمتي متنزليش الأرض أبدًا، I don't like him، غزل إنتي مش بتحبيه ومش هتضعفي بسبب كلامه ليكي."
في تمام الساعة التاسعة مساءً داخل منزل عمران الصاوي.
كانت آسيا تجلس على الأريكة في الصالة بجوار عمران الذي يشاهد التلفاز وتحمل ابنها في حضنها وتهزه بلطف ليخلد للنوم. وتختلس النظرات إلى عمران الذي أطال الخصام والزعل هذا المرة بينهم ولا يعاملها كما اعتادت منه. كانت تحاول إلهاء نفسها مع طفلها وعدم التفكير في وضعهم حتى لا تكتئب أكثر. وفجأة ارتفع صوت رنين الباب فوجدتها فرصة لتبتعد عنه قليلًا واستقامت واقفة قبله بعدما أشارت له بعينيها أنها ستفتح هي. راقبها بنظراته وهي تبتعد عنه تجاه الباب حتى اختفت من أمام عينيه.
فتحت هي الباب وتجمدت في أرضها بدهشة عندما رأت إخلاص أمامها. التي ابتسمت لها بصفاء وقالت:
"كيفك يا آسيا؟"
ردت آسيا بصوت انخفض من أثر دهشتها:
"زينة الحمدلله."
أنزلت إخلاص نظرها واستقر على حفيدها الصغير بين يدي أمّه فدخلت للمنزل بخطواتها وفردت ذراعيها وجذبت الصغير من أحضان آسيا وهي تضحك له وتلاعبه بشوق. أما عمران، فصاح عليها من الداخل يسألها باهتمام عندما وجدها تأخرت على الباب:
"مين يا آسيا؟"
نظرت لإخلاص ورسمت ابتسامة خافتة على ثغرها وهي تشجعها على الدخول:
"ادخلي ليه جوه يا حماتي."
تنهدت إخلاص الصعداء بقلق من ردة فعل ابنها الذي ربما سينزعج من قدومها أو رؤيتها. أما آسيا، فقد أغلقت الباب بهدوء وردت على عمران بصوت عالٍ مبتسمة:
"ضيف جاي يشوفك."
ثم سارت خلف إخلاص التي تسير بأقدام مرتبكة. ثم وقفت عند بداية الصالة عندما رأت ابنها يهب واقفًا ينوي الخروج إلى الباب ليرى ذلك الضيف الذي جاء من أجله. فتسمر بأرضه عندما رآها تقف بوجهه. كانت آسيا تقف بالخلف تشاهد الموقف بترقب منتظرة ردة فعل زوجها. ولكنها لم ترى على وجهه سوى العبوس والضيق من أمه. وعندما نظرت لإخلاص، رأت في عينيها عبارات الندم والأسف وكأنها تتوسله أن يسمح لها بالحديث معه حتى. فأطلقت آسيا زفيرًا حارًا مغلوبة. ثم قالت لإخلاص وهي تهم بحمل ابنها منها:
"هاتي الواد يا حماتي عشان تعرفي تتكلمي مع ولدك وأنا هدخل أنومه جوه."
نظرت لها إخلاص وأعطتها إياه وهي ترجو منها مبتسمة:
"ماشي بس متخليهوش ينام، أنا اتوحشته وعايزة أقعد معاه شوية."
هزت آسيا رأسها بالموافقة لها ثم أخذت ابنها ودخلت به لغرفتها بعدما ألقت نظرة ذات معنى على زوجها. أما إخلاص، فقد اقتربت من عمران الذي عاد وجلس على الأريكة مجددًا دون أن يتفوه بكلمة واحدة حتى. جلست إخلاص بجواره ورفعت كفها تمسح على شعره بحنو أمومي هاتفة له:
"طمني عليك يا ولدي أخبارك إيه؟"
رد عليها بامتعاض وصوت مكتوم دون أن ينظر لوجهها:
"زين الحمدلله."
استصعبت عدم رغبته في النظر لوجهها فقالت له بعينان دامعة:
"ليه يا ولدي تحرمني منك إكده، هو أنا ليا مين سند غيرك، حرام عليك يا عمران بزيادة يا ولدي خصام وزعل لغاية إكده."
مسح على وجهه متنهدًا بوجه مهموم دون أن يجيب. بينما هي فتابعت بعدما تساقطت دموعها:
"أنا ندمت يا ولدي على اللي عملته وعشان خاطرك وعشان أرضيك ومزعلكش مني بقيت بعامل مراتك كيف ما أنت عايز وقصادك أهو شوفت بعينك، أعمل إيه تاني عشان تصفالي وترجعلي."
حصلت على رده الصامت للمرة الثانية فانزعجت وقالت منفعلة:
"هتفضل ساكت إكده ما ترد عليا يا عمران."
أجابها أخيرًا بغضب:
"أرد عليكي أقولك إيه يا أمي، أنا لو على اللي عملتيه في آسيا بس كنت ممكن أسامحك عليه، لكن اللي قاهرني أنك إنتي اللي تحاولي تموتي ولدي وهو في بطن أمه بسبب حقدك وغيرتك منها ومفكرتيش في ولدك وأن العيل ده حفيدك قبل ما يبقى ولدها وولديا."
أطرقت رأسها أرضًا بندم وخزي من نفسها وقالت معترفة بفعلتها وهي تبكي:
"أنا غلطت عارفة بس الشيطان لعب في دماغي وغلبني يا ولدي والله، ودلوقتي ندمانة على غلطي."
حدق في أمه مطولًا يتمعن دموعها وملامحه الذابلة وحتى صوتها المقهور. فخر قلبه مستسلمًا لها يعلن عن بداية جديدة، فهي مهما فعلت ستظل أمه الغالية.
فرد ذراعه ولفه حول كتفيها ثم ضمها إلى صدره وقبَّل رأسها بحنو هامسًا:
"خلاص يا أمي متتبكيش بزيادة."
تهللت أسارير إخلاص من الفرحة بعدما ضمها وابتعدت عنه بسرعة تقول بأعين لامعة بالأمل:
"يعني خلاص سامحتني مش إكده؟"
هز رأسه بالإيجاب مبتسمًا وسرعان ما اختفت بسمته وهو يلقي عليها تنبيهاته الحازمة:
"آه بس توعديني تعاملي مراتي زين وكفاية مشاكل وشغل الحموات وكيد النسا ده مفيش منه تاني."
ضحكت بخفة وهتفت بانصياع وطاعة تامة له:
"بس إكده أنت تؤمر بس ياسيد الرجال، ده أنا هشيلها فوق راسي مراتك اطمن."
ضحك باتساع حتى برزت أسنانه ومال عليها يمسك برأسها ويقبل جبهتها متمتمًا برزانة:
"لا مش عايزك تشيليها فوق راسك عايزك تعامليها بما يرضي الله ومتنسيش أن كرامتها من كرامتي."
إخلاص بدفء:
"حاضر من عيوني يا ولدي."
عاد يقبلها ثانية وهو مندهش ومعجب من التحول الذي طرأ فجأة على شخصية أمه. ثم قال لها بلطف:
"تسلميلي عيونك ياست الكل، ربنا يهديكي دايمًا إكده يا أمي."
ثم ابتعد عنها ورفع أنامله يمسح دموعها من فوق وجنتيها. فهتفت وهي تهب بالوقوف:
"أنا هروح أشوف سليم وأقعد معاه شوية عاد قبل ما أمشي."
أجابه ثانية بحزم بسيط هاتفًا:
"اقعدي خليها تنومه شوية وانتي خليكي معانا الليلة دي وبكرة أبقى أرجعك البيت."
ردت إخلاص معترضة:
"لا أخليني إيه يا عمران، أنا هرجع بيتي يا ولدين."
نظر لها بحدة وقال في صوت رجولي مهيب:
"وبعدين يا أمي متعارضنيش في كل حاجة إكده، الليلة دي هتباتي معانا خلاص."
تنهدت إخلاص الصعداء بنفاذ صبر من عناد ابنها ومحاولاته بطريقته المعتادة ليفرض عليها ما يريده. فعقدت كفيها فوق بعضهم أمام صدرها كدليل على قلة حيلتها واستسلامها.
داخل منزل مروان.
جالسًا على الأريكة في الصالة وهو يسند ساعديه على قدميه التي تهتز بعنف من فرط التفكير والغضب، يعيد شريط طويل من مواقفها الكثيرة معها ليتذكر ردودها ويتأكد بنفسه من صحة كلام سمير واتهماته الخطيرة التي وجهها لها.
بداية من كذبها المستمر بأن زواجها منه كان إجباريًا واخفائها عليه حقيقة علاقتها الفاسدة مع عائلتها وما سبب الخلافات التي بينهم أو حتى إخباره بأن سمير كان يمارس عليها أساليب التعذيب دون سبب. ربما هي صدقت في أمر واحد فقط وهو خيانته وأنه كان يعشق فتاة غيرها. ولكن ماذا أن كان كلامه حقيقي وما فعله لم يكن سوى ردة فعل لخيانتها له في البداية. وانهى شريط تذكره بمقابلته مع شقيقها وكلماته المريبة التي انهى بها حديثهم عندما حذره من التوغل والفحص في حقيقة هذا الأمر وأن هناك أشياء لا يعرفها وستصدمه بشدة. يبدو أنه كان يقصد ما قاله سمير!
استقام ثائرًا وراح يمسح على شعره نزولًا لوجهه وهو يطلق زفيرًا ناريًا وجسده كله يرتجف من فرط الغضب. ثم راح يجوب يمينًا ويسارًا مرددًا بصوت مقهور امتزج بسخطه:
"بعد كل اللي عملته معاكي وعشانك تعملي معايا كدا وتخدعيني، طب كنتي احكيلي الحقيقة وسبيني أنا أقرر، يمكن على الأقل مكنتش حبيتك."
تأفف بألم ثم جلس على الأريكة مجددًا ودفن رأسه بين راحتي يديه، يفكر كيف سيتصرف وماذا سيفعل الآن. أيواجهها أم ينهي كل شيء قبل أن يبدأ دون أي لقاء آخر بينهم.
بعد مرور تقريبًا ساعات من التفكير العميق والعقلاني، حسم قراره النهائي. ثم مد يده على الطاولة التي أمامه وأجرى اتصالًا بأحدهم.
أجابه الطرف الآخر بعد ثوانٍ بمرح:
"عاش من سمع صوتك يا عم فينك كدا، من وقت ما نزلت مصر وأنت ناسيني."
هتف مروان بصوت هادئ ومهموم:
"معلش يا صاحبي غصب عني مشاغل الدنيا وأنت عارف، بس قولي أنت لسه شغال في المطار؟"
ضيّق صديقه حاجبيه باستغراب وأجاب:
"آه لسه، هو في حاجة ولا إيه؟!"
تجاهل مروان سؤاله وطرح سؤال مختلف تمامًا في جدية:
"طيب إيه أقرب طيارة طالعة إيطاليا الليلة دي؟"
اتسعت عيني صديقه بدهشة ثم هتف يسأله بتعجب:
"هو أنت لحقت تقعد في مصر عشان ترجع تاني يا ابني!"
مروان بخنق:
"في شغل معايا هناك ولازم أروح أكمله والقعدة هناك أفضل ليا صدقني."
زم صديقه شفتيه بقلة حيلة ثم نظر في جهاز الحاسوب الذي أمامه يتفقد مواعيد طائرات الليلة المتجهة لإيطاليا. وبعد لحظات أجابه:
"تمام يا صاحبي براحتك، عمومًا هو في طيارة طالعة كمان ساعتين ومن حظك أن في مكان كرسي فاضي فيها، يعني يدوب تلحق."
أجابه مروان بالموافقة وشكره ثم أنهى معه الاتصال واستقام واقفًا. ثم اتجه إلى غرفته ليبدأ في جمع ملابسه وأشيائه في الحقائب بسرعة لكي يستطيع اللحاق بالطائرة. وأثناء ذلك سمع صوت رنين هاتفه فنظر لشاشته ورأى اسمها يضيء الشاشة. أطال النظر إلى الهاتف بشرود ووجع ثم تجاهل اتصالها وأكمل ما يفعله غير مكترثًا بذلك الهاتف الذي يلح عليه ليجيب.
بمدينة مرسى مطروح تحديدًا بالغرفة الخاصة بجلال وفريال في الفندق.
كانت فريال ممدة جسدها على الفراش ومستندة على ظهر الفراش وتتحدث في زوجها الذي يتحدث في الهاتف في الشرفة ويبدو أنه يتحدث عن أمور جدية تخص العمل. في الواقع، كانت عيناها فقط العالقة عليه لكن ذهنها كان بمكان آخر. تفكر في كل شيء حدث معهم والذي انتهى بحادث صباح اليوم الذي كاد يتسبب في أزمة قلبية لها. ودون تردد، قررت النهوض والذهاب لغرفة أولادها لتطمئن عليهم وعلى عمار بالأخص.
فتحت باب الغرفة ببطء شديد ظنًا منها أنهم نائمين. لكنها وجدت عمار مستيقظًا وجالسًا على الفراش ساكنًا يحدق في الفراغ بنظرات غريبة. وفور انتباهه لدخولها، انتصب في جلسته وحدق بأمه مبتسمًا ليظهر لها ثباته وكأن كل شيء على ما يرام. لكن فريال بادلته الابتسامة بنظرة ماكرة. ثم اقترب منه حتى جلست بجواره على الفراش وفردت ذراعيها. ثم لفته حول كتفيه وضمته لصدرها وراحت توزع قبلاتها الحانية على شعره ورأسه. ثم همست له:
"احكيلي وقولي إيه اللي مصحيك لغاية دلوقتي؟"
سكن بين ذراعين أمه للحظات طويلة ثم ابتعد عنها وزم شفتيه للأمام بضيق وراح يسألها:
"هو أنا إكده مش هتعلم السباحة تاني يا ما صح؟"
غضنت حاجبيها بتعجب من سؤاله وسألته:
"ليه هو أنت بعد اللي حصل ده لسه عايز تتعلم وتنزل تاني البحر؟!!"
سكت لثواني يتذكر ما حدث بالصباح معه. وبنفس اللحظة يفكر في سؤال أمه. ثم أجابها بعد تفكير عميق بشجاعة، لكنها امتزجت ببعض الخوف الطفولي الطبيعي:
"لا أنا خوفت قوي من البحر ومش عايز أنزله تاني، بس برضه أنا نفسي أتعلم السباحة كيف معاذ."
أطالت فريال النظر في تعابير وجهه وللحظة أحست وكأنها تنظر لجلال. ورث عن والده الإصرار والشجاعة والقوة. أما أخيه الأكبر فأخذ من أبيه العطف والحنان ولباقة اللسان والرزانة. فاقت من شرودها وهي تبتسم لعمار الذي قررت سؤاله بترقب:
"كيف عايز تتعلم وكيف مش عايز تنزل البحر تاني؟"
عبس وجهه بحيرة وقال في حنق:
"مش عارف.. أنا عايز أتعلم ومش عايز أنزل البحر."
ضحكت ثم تنهدت الصعداء مطولًا وانحنت عليه تطبع قبلة فوق رأسه وتهمس له بحنو:
"يعدي فترة إكده على اللي حصل ده نكون حتى نسينا وأنت نسيت وتتشجع تاني ووقتها هخليك تتعلم. رغم أني مش عايزة أنزلك لا أنت ولا أخوك المايه تاني بعد اللي عشته الصبح بس مقدرش أمنعكم وأربي فيكم الخوف والجبن."
التزم الصمت يفكر في كلامات أمه وأنه سمحت له بالنزول مجددًا والتعلم. لكنه لم يكن سعيدًا بل كان يفكر هل هو يريد تجربة البحر ثانية أم لا.
استقامت فريال واقفة وقالت له بدفء مبتسمة:
"يلا عاد نام يا عموري الوقت اتأخر يا حبيبي."
هز رأسه بالموافقة لأمه وبصمت تسطح على الفراش وتدثر بعطائه. ثم أغلق عينيه يهيئ عقله وعينيه للنوم. أما هي، فقد خرجت من الغرفة ووجدت جلال قد أنهى حديثه في الهاتف ويجلس على الفراش. اقتربت وجلست على الفراش بجواره وقالت له مغلوبة وهي تبتسم:
"خايف ومرعوب من اللي حصل وبرضه عايز يكمل السباحة، يشبهك في العناد، مش فارق معاه المهم يعمل اللي عايزه حتى لو كان مرعوب."
قهقه جلال عاليًا ثم قال مفتخرًا بابنه:
"أمال إنتي عايزاه يطلع جبان، والحمدلله أن هو زين وبخير، أنا ياما شربت مايه في البحر إكده وكنت هغرق وأنا في سنه."
التزمت الصمت لثوانٍ تفكر في الأمر من الجانب السيء. فامتلأت عيناها بالدموع وقالت له بصوت مبحوح:
"بس إنت لو مكنتش لحقته على آخر لحظة كنا هنخسره يا جلال، يعني الحمدلله أن ربنا نجاه، صدقني أنا لو كان حصل حاجة لعمار كمان وخسرته كنت هموت وراه ومش هتحمل."
ضمها جلال لصدره فورًا دون تردد ونهرها بلطف في جدية:
"إيه الكلام اللي بتقوليه ده، إنتي بنفسك بتقولي الحمدلله ربنا نجاه بتفكري في العفش ليه دلوقتي، بلاش الكلام اللي يضايق ده عاد يا فريال موت ومعرفش إيه، إياكِ أسمعك بتقولي إكده تاني."
ابتعدت عنه بعد ثلاث ثوانٍ بالضبط ونظرت في عينيه برجاء وقلق:
"أنا مكنتش عايزة نسافر السفيرة دي مكنتش مستريحالها وإحساسي كان في محله، خلينا نرجع بيتنا يا حبيبي عشان خاطري ريحني يا جلال."
أطلق تنهيدة حارة في قلة حيلة ثم دنى منها ولثم وجنتها بحنو متمتمًا:
"حاضر يا فريالي اللي يريحك، بعد بكرة نرجع إن شاء الله عشان أنا كنت واعد العيال هوديهم مكان إكده.. أوديهم بكرة الأول وبعدين نرجع."
ابتسمت براحة وهزت رأسها بالموافقة له في نظرات كلها رضا وسكينة. ثم مالت عليه مجددًا ووضعت رأسها فوق صدره تتسمت في أحضانه.
عودة لمنزل عمران.
كانت آسيا تستمع لحديثه مع أمه والذي انتهى بعودة المياه لمجاريها بينهم مجددًا وانتهاء الخصام. وهي تجز على أسنانها وتعض شفتيها بغيظ منه وتتوعد له في نظرات مشتعلة. حتى سمعت صوت أقدامه تقترب من الغرفة بعد انتهاء حديثهم وهو يجبرها على البقاء معهم هذه الليلة.
فور دخوله، قابل أمامه جمرة من النيران الملتهبة تقف وتحدقه شرزًا. فغضن حاجبيه باستغراب وهتف بصوت قوي:
"في إيه بتبصي إكده ليه؟!"
ردت مغتاظة:
"سامحتها يعني بعد اللي عملته؟!"
رفع حاجبه مندهشًا من ردها ولم يستطع أن يلومها فلديها الحق في الغضب بعد ما فعلته أمه معها. لكنه تحرك بكل هدوء تجاه الفراش وأجابها بصوت رخيم:
"أنا عارف أمي زين قوي، وشوفت في عينيها الندم على اللي عملته وإلا مكنتش هسامحها أبدًا، وهي وعدتني أنها هتتغير من هنا ورايح وهتعاملك زين."
تلألأت العبرات في عينيها بقهر وألم. ثم صاحت به باستياء وقلب منفطر:
"أنا مش ده اللي مضايقني، سامحها براحتك دي أمك، لكن اللي مزعلني أنك سامحتها رغم كل اللي عملته وأنا مش عايز تسامحني وبتعاملني بقسوة وجفا عشان كذبت عليك وياريت كذبت عشان مصلحتي، ده أنا كذبت بسبب خوفي عليك وأن نيتي كانت كويسة ومكنتش عايزك تدخل في مشاكل وتتأذي تاني، لدرجة أني قولت مش مهم أتأذى أنا وإنت لا."
صدمته برد فعلها وكلماتها النابعة من صميم قلبها الذي اتضح أنه ينزف دمًا بسبب قسوته عليها. وبقي يحدقها بعينان متسعة وعدم استيعاب لما يسمعه ويراه من انهيار وانفعال تام منها. حتى وجدها تندفع تجاه ابنهم النائم في الفراش وحملته. ثم غادرت الغرفة واتجهت للغرفة المجاورة وأغلقت الباب عليها هي وابنه. فاق من صدمته بعد لحظات واستقام واقفًا فورًا. ثم لحق بها ووقفت أمام الباب وراح يطرق عليه ويهتف في صوت منخفض حتى لا يصل لمسامع أمه الجالسة بالصالة:
"آسيا افتحي الباب."
صاحت من الداخل باكية:
"هملني يا عمران لحالي أنا هناك الليلة دي هنا أنا وولدي."
التفت برأسه تجاه الصالة حيث توجد أمه. ثم رجع برأسه إلى الباب وقال له بلطف ورزانة:
"طيب افتحي بس خلينا نتكلم."
هتفت بإصرار تام وغضب:
"قولتلك لا مش هفتح روح كمل سهرتك مع أمك يلا، وهملني ملكش صالح بيا."
يمسح على وجهه متأففًا بقوة في انزعاج شديد وهو يستغفر ربه. ثم قرر أن يتركها على راحتها حتى تهدأ ثم يتحدث معها ويطيب خاطرها. وابتعد عن الباب متجهًا إلى الصالة حيث تنتظره أمه ليجلس معها.
بالأسفل تحديدًا بالصالة حيث يجلس كل من حمزة وغزل يتحدثون حول رأيها في الزواج من "علي". كانت آخر عبارات حمزة وهو يسأل غزل التي تطرق رأسها أرضًا تأدبًا واحترامًا لجدها:
"يعني ده قرارك الأخير يا بتي خلاص؟"
هزت رأسها بالإيجاب دون النظر لوجهه. وبتلك اللحظة، كان علي ينزل الدرج في طريقه لمغادرة المنزل لكنه توقف واختبأ بجانب الدرج ليسمع حديثهم. وسمع جده وهو يضرب كفًا على كف ويقول:
"لا حول ولا قوة إلا بالله."
رفعت رأسها وتطلعت في جدها بأسف ثم ردت في هدوء:
"معلش بقى يا جدو بعدين ده نصيب مش كدا ولا إيه وأكيد ملناش نصيب مع بعض."
رد حمزة بعبوس وجه وقلة حيلة:
"أيوة يا بتي ما أنا عارف أنه نصيب، بس إنتي خطّابك كتروا من دلوقتي ما شاء الله وأنا الصراحة مكنتش عايز حد ياخدك غير "علي" لأني متأكد أنه هيراعي ربنا فيكي ويحافظ عليكي."
ضيقت عيناها باستغراب وعدم فهم ثم سألته باستفسار:
"يعني إيه خطّابك دي يا جدو مش فاهمة؟!"
ابتسم حمزة وقال ببراءة مزيفة تضمر خلفها الخبث:
"يعني عرسان يا غزل.. أصل يدوبك الصبح مرات خالك جليلة قالتلي أن في عريس جايلك."
............ نهاية الفصل ..............
رواية و بالعشق اهتدي الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم ندى محمود توفيق
رواية و بالعشق اهتدي الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم ندى محمود توفيق
(( وبالعشق اهتدى ))
_ميثاق الحرب والغفران ج2_
_ الفصل الخامس والثلاثون _
اغلق باب السيارة وانتصب في جلسته وقبل أن يلتفت لها ليفهم سبب صراخها كانت الرصاصة قد استقرت بظهره من الخلف، فتشنج جسده فور شعوره بذلك الجسم الصلب الذي اخترق عظمه وبدأ الألم يحتل موقعه على صفحة وجهه حتى فقد قدرته على الوقوف فخر على الأرض جالسًا على ركبتيه وهو يحاول التقاط انفاسه، بينما آسيا فتعالت صراختها وهرولت راكضة إلى زوجها وابنها الصغير يبكي بين ذراعيها بسبب صوت صراخها وصوت إطلاق النيران.
جثت أمامه على الأرض تسنده بذراع والذراع الآخر تحمل به ابنها وتهتف له باكية وبهلع عندما رأته لا يستطيع التنفس بطبيعية:
_عمران خد نفس براحة
هرولوا الجيران إليه عندما سمعوا صوت السلاح وحتى من في منزل الصاوي خرجوا وكان أول من يركض تجاه عمران هو بشار وإخلاص خلفه وسط صراخها المصحوب بكلمة واحدة " ولــدي "، ساعده بشار مع أحد شباب جيرانهم على الوقوف واجلسوه في مقعد السيارة الخلفي وهو يتأوه عاليًا، أعطت آسيا "سيلم " لإخلاص وركبت بجوار زوجها في الخلف وكل من إخلاص وبشار الذي يقود السيارة بالأمام.
كان عمران ممد في المقعد ونصف جسده يليقه على زوجته ورأسه فوق صدرها، أما هي فكانت تنظر له وتبكي فقط بنشيج عالي، فرمقها بعينان لا يقوي على فتحهم جيدًا من فرط الألم وابتسم لها بحب ثم أمسك بكف يده وهمس لها بصوت ضعيف بالكاد سمعته هي:
_أنا كويس متخافيش
مال ثغرها بابتسامة ممتلئة بالحزن والقلق ثم رفعت كفه الممسك بكفها وقبّلت ظاهره بعمق ثم انتقلت لجبهته وأخذت توزع القبلات عليها وعلى رأسه وهي تبكي وتهمس له بصوت منخفض:
_أوعاك تهملنا أنا مقدرش اعيش من غيرك
لم يجيبها واغلق عيناه يصارع الألم ويلتقط أنفاسه بصعوبة فقد فقد الكثير من الدماء ومازال يفقد، فزعت آسيا وانتفضت في جلستها عندما اغلق عيناه ثم رفعت رأسها لبشار وصاحت باكية بخوف:
_بشار عمران قفل عينه، سرع ابوس يدك
التفت بشار برأسه للخلف في قلق بينما آسيا فراحت تضرب على وجهه برفق شديد صائحة وسط بكائها المرتفع:
_عمران فتح عينك ابوس يدك خليكي معايا.. عمرااان
ظهر الاضطراب على وجه بشار وإخلاص اخذت تبكي وتصيح منتديات على ابنها متأملة أن يفتح عينيه ثم صاحت على بشار:
_سرع يابشار بسرعة
هتف بشار بارتباك وخوف شديد:
_آسيا اتطمني على نبضه
مدت يدها المرتجفة والملطخة بدمائه لكن قبل أن تضعها فوق بشرته خرج صوته المعالم والضعيف وهو يقول:
_أنا صاحي أنت بس سرع
أطلقوا ثلاثتهم زفيرًا حارًا ببعض الارتياح وانطلق بشار بالسيارة بسرعة يشق بها الطرقات حتى وصل أخيرًا إلى المستشفى.
***
بعد مرور ساعة تقريبًا منذ دخوله غرفة العمليات، الجميع كان في حالة انهيار عصبي بسبب الخوف والقلق، كانت إخلاص تجوب البهو إيابًا وذهابًا وتبكي وهي تضرب على قدميها هاتفة بحقد:
_كان مستخبيلك فين ده بس ياولدي.. منه لله اللي عمل فيك إكده اشوف فيه يوم يارب
رفعت آسيا نظرها لإخلاص فور سماعها دعائها على من فعل هكذا بابنها وتذكرت وجوه الشابين وهيئتهم رغم أنهم كانوا ملثمين لكن أن رأتهم ستتعرف عليهم جيدًا، غلت الدماء في عروقها وأظلمت عيناها وفجأة وصلوا الشباب الذين يعملون مع عمران ليطمئنوا عليه ومن ضمنهم كان شابًا تعرفه آسيا جيدًا فلمعت عيناها بوميض الشر والانتقام ثم التفتت برأسها إلى بشار فرأته جالسًا ويحدث في الفراغ أمامه بشرود وحزن، استغلت الفرصة واستقامت واقفة وهي تحمل ابنها النائم بحضنها ثم اقتربت من الشباب وأشارت بعيناها الثاقبة لذلك الشاب أن يلحق بها فهز رأسه بالموافقة ولحق بها فورًا دون أن يلاحظه أحد.
وقفت آسيا في إحدى الزوايا بعيدًا عن أنظار الجميع ووصل إليها ذلك الشباب في غصون لحظات ووقف أمامها يسألها بجدية وتأدب:
_اؤمري ياست آسيا؟
ابتسمت له بود وقالت:
_ميؤمرش عليك ظالم ياصالح.. كنت عايزاك في خدمة تخص اللي حصل للمعلم بتاعك
رد عليها بكل حماس ولهجة تحمل الاحترام والحب:
_انا رقبتي سدادة للمعلم هو بس يقوم بالسلامة يارب
رددت آسيا بتمني " يارب " ثم رمقت الشاب بنظرة شيطانية وقالت بغل:
_اللي عملوا إكده في المعلم من رچالة صابر، عايزاك تقلب الدنيا عليهم وتچيبهم وانا عارفة أنك هتعرف تچيبهم عشان إكده كلمتك أنت
ابتسم بمكر وهتف بالموافقة:
_نچيبهم لو كانوا تحت الأرض، أنتي بس رسيني يعني شوفتي شكلهم أو المكنة اللي كانوا راكبينها
هزت آسيا رأسها بالرفض وقالت بتنهيدة حارة:
_لا كانوا حاطين شيلان على وشهم والمكنة كانت من غير نمر
التزم الصمت لثواني ثم قال بتفكير وعين تحمل ألف معنى:
_طيب اوصفيلي المكنة وأنا أعرف اچيبها كيف
بدأت تصف له شكل الدراجة النارية ولونها فلمعت عيناها بوميض خبيث ثم قال لها مبتسمًا:
_فل قوي إكده
آسيا بثبات وقوة تليق بها:
_بس اتحرك من دلوك احسن يفلتوا من يدك هما تلاقيهم لساتهم مبعدوش كتير عن المنطقة يعني هتعرف تجيبهم بسهولة
هز رأسه بالموافقة وقال في صلابة:
_حاضر وأول ما الاقيهم هبلغك
اماءت له بالإيجاب ثم ابتعدت عنه وعادت مجددًا إليهم لتجلس على مقعدها وعيناها عالقة على باب غرفة العمليات تنتظر خروج الطبيب، كال انتظارهم لساعة أخرى واصبحوا ساعتين حتى خرج الطبيب أخيرًا وخلفه خرج الممرضين وعمران وهو محمول على نقال المرضي وغائب عن الوعي، هرولت آسيا بتلهف إليه فور رؤيته فقدت الرؤية أمامها ولم ترى أحدًا سواه، وقفت بجواره وتطلعت إليه بعينان غارقة بالدموع ثم انحنت عليه وطبعت قبلتها المحبة على رأسه ثم طلبت منها الممرضة الابتعاد لكي يأخذوه إلى غرفته ويضعون في فراشه وتحت الأجهزة التي تراقب حالته الصحية، نظرت آسيا إلى الممرضة وسألتها بحزن:
_طيب أنا هقدر ادخله في الأوضة واقعد چاره
ردت بالإيجاب في لطف:
_أن شاء الله بس الأول الدكاترة تتطمن على حالته بعد العملية وتعمله فحص شامل
ابتسمت آسيا بفرحة واماءت لها بالموافقة ثم ابتعدت عن طريقهم ليأخذوه إلى غرفته الخاصة ثم التفتت للخلف فرأت بشار يتحدث مع الطبيب وسمعته يقول بقلة حيلة:
_احنا عملنا اللي علينا والحمدلله العملية كانت كويسة وهو حالته مستقرة وكويس بس للأسف الأصابة كانت في مكان حساس في الضهر وممكن لقدر الله تسبب الشلل
اتسعت عيني بشار بصدمة وقال له في عدم استيعاب:
_يعني إيه يادكتور هو إكده مش هيقدر يمشي تاني
هز الطبيب رأسه بالنفي فورًا وقال ببصيص من الأمل:
_لا طبعًا منقدرش نقول كدا الكلام ده نحدده أن شاء الله لما يفوق وقتها هنطمن على حالته ونعرف العملية نجحت ولا لا، أن شاء الله يكون كويس متقلقوش
فور انصراف الطبيب اخذت إخلاص تبكي بنحيب شديد وصوت علي مرددة اسم ابنها من بقهر وتقول لبشار:
_أنا عايزة حق ولدي من اللي عملوا فيه إكده، ولدي مش هيقف تاني على رچله
اقترب منها بشار وقال بحزم:
_اهدي يامرت عمي مش هيقف تاني إيه بلاش تفولي على ولدك الدكتور بيقول لما يفوق هيطمنوا وان شاء الله ميبقاش فيه حاچة
أما آسيا فكانت تقف متصنمة بأرضها تحدق بهم في صدمة وعدم استيعاب لما سمعته للتو بأذنها، ما بين صوت الطبيب في أذنها وصوتها الداخلي صراع.. يصرخ ذلك الصوت ويرفض تصديق هذا الكلام ويصرّ بأنه سيعود لها بكامل صحته، جلست على أقرب مقعد ونظرت لابنها الذي فتح عيناه مؤخرًا وهمست له بصوت مبحوح:
_أبوك هيبقى زي الفل وهيرچعلنا ياسليم، أنا عارفاه زين مش بيستسلم
***
بمكان آخر داخل منزل بلال الصاوي......
كان نائم في فراشه عاري الصدر ويرتدي بنطال أبيض قطني، تململ في نومته عندما ازعجته آشعة الشمس التي تضرب عينيه ثم فتح جزء من عيناه وهو يتأفف ويقول بضيق يوجه حديثه إلى حور:
_فاتحة الشباك ده ليه؟!
لم يجد رد منها ففتح عيناه كاملة وراح يتلفت في الغرفة بحثاً عنها لم يجدها معه، ضيق عيناه باستغراب ثم رفع يده يمسح على وجهه ويفرك عيناه من أثر النوم واعتدل جالسًا لينهض من الفراش ويتجه إلى الحمام ليغسل وجهه ثم خرج بعد خمس دقائق تقريبًا وغادر الغرفة ظنًا منه أنه سيجدها بالمطبخ لكنه سمع صوت التلفاز بالصالة، فرفع حاجبه مندهشًا واتجه إليها في خطواته المتريثة ثم وقف خلفها وألقي نظره على شاشة التلفاز التي تعرض فيلمًا كوميديًا وهي تشاهده ثم نظر لها مبتسمًا بخبث ومال عليها من الخلف بعدما استند بكفيه على ظهر الأريكة من الجانبين وقال لها فجأة بصوت خشن:
_في واحدة تسيب چوزها نايم ليلة الصباحية وتقعد تتفرچ على التلفزيون!!
أطلقت صرخة مفزوعة ممتزجة بنفضتها من مكانها والتفاتها إليه ثم هتفت له بانزعاج:
_إيه يابلال حرام عليكي خضتني!
رفع حاجبه ثم التف حول الأريكة ليجلس بجوارها ويسألها بحزم مزيف:
_المفروض تصحيني يا إما تفضلي نايمة چاري!
اشاحت بوجهها بعيدًا عنه وثبتته على التلفاز ثم قالت في خجل شديد وابتسامة مثيرة:
_لا الصراحة أنا مقدرتش اصحيك مكسوفة منك أصلًا
تلاشى ذلك الحزم المزيف وحل محله الابتسامة اللعوب وهو يرفع حاجبه له ثم اقترب منها حتى التصق بها وهمس لها في جرأة:
_ليه ده أنا كنت مؤدب امبارح حتى لما اااا.......
كتمت على فمه بكفها بسرعة وتلونت وجنتيها باللون الاحمر من شدة استحيائها وتوسلته:
_ابوس ايدك متقولش حاجة تاني كفاية اللي سمعته امبارح
قهقه عاليًا بتلذذ ثم غمز لها بخبث يسألها:
_سمعتي إيه فكريني عشان أنا مش فاكر
مالت بوجهها للجهة الأخرى وهي تبتسم بخجل وتقول مغلوبة منه:
_وبعدين بقى.. أنا هقوم احضر الفطار احسن عشان نفطر
قبض على ذراعها واجلسها بجواره عنوة ثم جذبها إليه وهو يلف ذراعه حول خصرها وظهرها بإحكام ويقول باستمتاع:
_فطار إيه دلوك مش وقته أنا في قدامي قطعة بسبوبة مغرية مقدرش اهملها
مالت برأسها للخلف عندما وجدته يميل عليها فرأته يرمقها بغيظ وحدة عندما ابتعدت وانطلقت منها الضحكات الأنثوية فلانت تعبابيره المنزعجة فورًا على أثر ضحكاتها وانقض عليها وسط ضحكهم يعيشون لحظاتهم الرومانسية، وبجوارهم هاتف بلال يستمر في الرنين دون توقف وهو يتجاهله لكن حور ابعدته عنها وقالت له بجدية:
_شوف مين يابلال ليكون في حاجة مهمة
ابتعد عنها وهو يتأفف بنفاذ صبر ثم اعتدل جالسًا والتقط هاتفه يجيب على بشار بغيظ:
_هو محدش قالك أني عريس في ليلة صباحيته ولا إيه يا ابن العم
رد عليه بشار بصوت صلب وعابس:
_أخوك في المستشفى
اتسعت عين بلال بصدمة وهتف بعدم استيعاب:
_مستشفى!! .. حُصل إيه؟!
بشار بصوت غليظ:
_حد كان مستقصده وعاوز يأذيه وأجر شوية عيال **** ضربوا عليه نار.. هو طلع من العمليات دلوقتي وكويس الحمدلله ولما تاچي هبقى افهمك الباقي
وثب بلال واقفًا بقلق وقال بصوته الرجولي:
_طيب انا چاي دلوك مسافة السكة وأكون عندكم
انهي معه الاتصال واندفع لداخل غرفته مسرعًا لكي يرتدي ملابسه ويذهب يطمئن على أخيه، هرولت خلفه حور تسأله بخوف:
_في إيه يابلال مين في المستشفى؟
رد عليها بإيجاز وهو يشرع في ارتداء ملابسه:
_عمران في حد ضرب عليه نار
شهقت بهلع ووضعت كفها على فمها من أثر الصدمة ثم جلست على الفراش وراقبته وهو يرتدي ملابسه حتى انتهي وقبل أن يغادر الغرفة قالت له باهتمام:
_اتصل وطمني يابلال متنساش
هز رأسه له بالموافقة وهو في سيره للخارج دون أن ينظر لها من فرط تعجله وتلهفه عليه أخيه...
***
داخل منزل خليل صفوان.....
كان " علي " في طريقه لباب المنزل بعد نزوله من الدرج ينوي الذهاب للعمل لكنه توقف أثناء مروره بجوار المطبخ وسمع صوت غزل وهي تتحدث بالهاتف، رفع حاجبه وحاول سماع حديثها فقاده فضوله للاقتراب من المطبخ اكثر ليتمكن من سماعها بوضوح أكثر، حتى وقف خلف الباب بضبط متواريًا عن انظارها وأخذ يستمع إلى حديثها الذي كان مع إحدى صديقاتها وكانت تتحدث معها بالعربية وتقول بطريقتها الناعمة في الحديث وهي تتنهد بقلة حيلة وضيق:
_اوكي يا لين انا فاهمة اللي أنتي بتقوليه بس الموضوع صعب عليا أنا عمري ما اتوقعت أني اوافق على حاجة زي كدا، الموضوع ده بيقولوا عليه إيه في مصر ؟!!... أه جواز صالونات
توقفت عن الكلام وانقطع صوتها للثواني حتى عادت تتحدث مجددًا تجيب على صديقتها التي يبدو أنها سألتها سؤال مثير واصابت الهدف بذلك السؤال:
_تمام أنا مش هكدب عليكي واقولك اني مش حاسة بـ any feelings ناحيته بل بالعكس أنا بدأت أحس بمشاعر غريبة ورغم اني دايما بصده بس بفرح بوجوده جمبي، لكن رغم كل ده still أنا قلقانة وخايفة اخد الخطوة دي واندم وتكون مشاعري دي زائفة وملهاش أي معني وتروح بعدين واحنا منعرفش نتفق مع بعض بعد marriage
كان يستمع لتلك الكلمات من الخارج وابتسامته تشق وجهه إلى أذنيه من فرط السعادة، وقلبه يرفرف فرحًا وأصبحت تعابيره مشرقة وتهللت اساريره، ثم انتظر حتى انتهت من مكالمتها مع صديقتها وتقدم بخطواته المتريثة من خلفها مزينًا وجهه بابتسامة خبيثة، حتى وقف بجوارها مباشرة وهي تقف تقطع الخيار على الرخام فمد يده والتقط قطعة خيار صغيرة والقاها في فمه باستمتاع ثم همس لها وهو يغمز بنظرة مريبة:
_كنتي بتكلمي مين ياغندورة؟
رغم أن ظهوره المفاجئ افزعها قليلًا لكنها تصنعت الثبات أمامه وافادت النظر في عينيه المربكة وقالت ببرود:
_عايز تعرف ليه؟!
مد أنامله لطبق الخيار يلتقط آخر قطعة قطعتها للتو والقاها في فمه وهو يجيب بمتعة ونظرة مفعمة بالحماس والرغبة:
_فضول.. حابب اعرف كنت بتكلمي مين مش يمكن تكوني كنتي بتچيبي في سيرتي وأنا معرفش
طالعته لثواني بنظرات مرتبكة وهي تفكر هل سمع حديثها؟، ثم نظرت لصحن الخيار وانزعجت من أكله له فقالت بضيق وتوتر ملحوظ:
_وأنا اجيب سيرتك ليه أنا كنت بكلم صحبتي، أي اللي يخلينا نتكلم عنك!!!
رفع حاجبه وهو يلاحظة اضطرابها الشديد منه وعلى ثغره ابتسامته الماكرة ثم أجاب بتصنع البراءة:
_يعني مثلا مخدتيش رأيها في چوزانا!
تسارعت نبضات قلبها وأصبحت شبه متأكدة أنه سمع حديثها فقالت له بغيظ تحاول الفرار من محاصرته لها واسألته المتكررة:
_وبعدين يا "علي " بقى ابعد عني، ثم أن إيه جوازنا دي هو أنا وافقت مثلا
اقترب منها أكثر ثم رفع أنامله لشعرها يعبث في خصلاتها كعادته بكل حنو وهو يطالعها بلوعة ويقول بصوت رجولي أصابها في الصميم:
_هتوافقي لأني مش هسيبك ياحبيبتي هتچوزك يعني هتچوزك
ارتخت عضلات جسدها وغرقت بنظرته الساحرة فأصبحت كالمغيبة وهي تتأمله حتى لمساته الدافئة لشعرها زادت من استسلامها له، ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن حيث دخلت إنصاف المطبخ فجأة وفور رؤيتها لهم وهم بهذا الوضع العاطفي تسمرت بأرضها ورمقتهم بعين متسعة، أما غزل التي انتبهت لزوجة عمها انتفضت مبتعدة عنه بسرعة بفزع وراحت تدفن رأسها أرضًا من الخجل، ضيق " علي " عينيه بتعجب والتفت خلفه ليري أمه وهي تقف عاقدة ذراعيها أسفل صدرها وترمقهم بحدة، اعتدل في وقفته وتنحنح بإحراج بسيط وهو يبتسم ويقول محاولًا تبرير الوضع الذي رأتهم فيه:
_متبصليش إكده ياست الكل أنا كنت بس بكلمها وبقترح عليها تلبس الحچاب عشان مش عاچبني تفضل إكده بشعرها.. صُح ولا لا؟
وجه سؤال الأخير لغزل وهو ينظر لها بجدية لكي توافقه الكلام حتى ينقذوا نفسهم لكنها اغتاظت من ذكره أمره الحجاب وتفكيره في محاولته لفرضه عليها فقالت تنفي ما قاله:
_لا محصلش ياطنط هو كان اااا....
حدقها " علي " مغتاظًا وبتوعد ثم قطع كلامها في منتصف ونظر لأمه يقول بنفاذ صبر وغضب:
_أه محصلش وبصراحة إكده لو موافقتش أنها تتچوزني محدش يلومني بعدين عشان أنا خلاص تعبت، اتكلمي عاد معاها واقنعيها بأي طريقة قبل ما اكتب عليها غصب عنها
قم القي نظرة أخيرة على غزل يتوعد لها بنظرة نارية فتصنعت أمامه الثبات وهي بالواقع ترغب بالضحك الشديد بعد كلماته الأخيرة، ومشاعره اختلطت ما بين الصدمة والخجل، أما إنصاف فكانت مازالت في ذهولها بالأخص بعد ما قاله للتو، راقبوه هم الأثنين وهو يندفع لخارج المطبخ ويتركهم بمفردهم....
***
على الجانب الآخر في المنزل خرجت خلود من غرفتها بخطوات مترددة ومتوترة وهي في طريقها لغرفة جدها، منذ الحادثة الأخير وتأكدها من أن مروان تخلي عنها دون أن يمنحها فرصة للدفاع عن نفسها حتى أو يكلف نفسه عناة سماعها، اختار الطريق الأفضل وهو الهروب من مواجهة الواقع وتركها وغادر.
ربما الحب ليس مقدر لها وربما قد حُكم عليها بالسجن داخل وحدتها للأبد، أو ربما هي لا تستحق الحب، وأنها أصدرت مرسوم عذابها بنفسها عندما ارتكبت ذلك الخطأ في الماضي...
رغم الألم الذي يجتاح صدرها كلما تتذكر حبها له وتخليه عنها بكل سهولة، إلا أن ذلك يمنحها القوة والإصرار على مواصلة حياتها وتحقيق ذاتها دون الحاجة لأي أحد وبالأخص الرجال.
وصلت إلى غرفة الجد حمزة ووقفت أمام الباب للحظات طويلة تأخذ أنفاسها وتطلقها في زفيرًا متهملًا، ثم رفعت كفها أخيرًا وطرقت على الباب ثلاث طرقات خفيفة متتالية حتى سمعت صوته يسمح للطارق بالدخول ففتحت الباب ببطء ونظرت له فوجدته جالسًا على مقعده الوثير وبيده مسبحته ورمقها بنظرة صارمة عندما رآها فأجفلت رأسها هي أرضًا ودخلت على استحياء وخوف منه ووقفت بجوار الباب تمامًا دون حركة حتى سمعت صوته الغليظ يأمرها:
_تعالي اقعدي واقفلي الباب واقفة عندك إكده ليه!
أغلقت الباب كما أمرها وتقدمت نحوه ثم جلست على الأريكة المجاورة لمقعده ونظرت في الأرض بقلق ويديها تفركم ببعضهم ليقول حمزة لها بقسوة:
_إيه هتقعدي ساكتة من غير نفس إكده، إيه اللي چايبك!
لمعت عين خلود بالعبرات ثم رفعت رأسها والقت نظرة سريعة على جدها بعيناها الغارقة بالدموع ويملأها الندم، وللحظة كانت تجلس على الأرض أسفل قدميه وتلتقط كفه تقبله وتردد وسط بكائها وصوتها المبحوح:
_حقك عليا ياچدي أنا غلطت وندمانة سامحني، انا تبت لربنا والله ومش عاوز بس غير أنك تسامحني أنت و " علي "
طالعها حمزة مطولًا وهي تقبل يده ودموعها تنهمر بغزارة على وجنتيها وبكائها يزداد من شدة ندمها وحزنها، أطلق تنهيدة حارة ثم جذب كفه من قبضتها ببطء وقال لها في قوة:
_حطيتي راس ناسك وعيلتك في الطين عشان و***** ميستهلش حاچة ومحدش فينا بقى عنده ثقة فيكي ودلوك بتقولي سامحوني
رفعت رأسها له ونظرت إليه بانكسار تترجاه وتقول:
_انت بتقولي دايمًا يابتي، وبتك غلطت ياچدي وندمت وعرفت غلطها ومن إهنه ورايح مش هتطلع عن طوعكم تاني واصل، مش حد مبيغلطش
حدقها حمزة بحدة وهتف:
_وغلط عن غلط يفرق، سامحناكي في اللي عملتيه في بت عمك لكن عملتك كانت أكبر
قالت بصوت مبحوح وعين تلمع بوميض الأمل:
_حتى آسيا سامحتني لما حست أني صُح ندمت، أنت بس قولي عاوزني اعمل إيه وأنا من يدك دي يدك دي ليدك دي أنت و" علي " واللي هتقولولي عليه هنفذه وادوني فرصة اثبتلكم أني ندمت صُح، واقولك على حاچة تاني كمان من إهنه ورايح مش هخبي عليك أي حاچة ياچدي أقل حاچة تحصل معايا هتكون أنت أول من يعرف
طالت نظراته في عينها النادمة والغارقة بالدموع فلان قلبه لها قليلًا لكنه أيضًا أجابها بحزم:
_طيب روحي ياخلود دلوك ونبقى نشوف بعدين هتبقي عند كلامك صح وهتنفذي اللي عاوزينه ومش هتخبي عننا حاچة ولا لا
لمعت عيناها بوميض الفرح بعدما استشعرت من كلامه أنها نجحت في الحصول على رضاه وبدأ قلبه يلين وسيسامحها، فانشق وجهها بابتسامة واسعة وهبت واقفة فورًا ثم انحنت على رأسه تقبلها وتقول:
_متقلقش مش هخيب ثقتكم فيا تاني واصل ياچدي
رمقها بطرف عينه في ابتسامة جانبيه تكاد لا ترى لكنها لاحظتها فطالعته بسعادة ثم استأذنت منه وغادرت الغرفة وهي في قمة سعادتها، فقد أتمت أول مهمة وتبقت لها المهمة الأصعب وهي إرضاء " علي " .
***
داخل المستشفى تحديدًا بالغرفة التي خصصها له الطبيب ليمكث فيها فترة علاجه إلى حين خروجه من المستشفى، كانت آسيا تجلس بجوار فراشه تمامًا تتأمله بعينان حزينة وتحتضن كفه بين يديها، وعلى أحد المقاعد البعيدة نسبيًا عن فراشه كانت تجلس إخلاص أيضًا وهم الاثنين في انتظاره استيقاظه.
لمعت عين آسيا بلهفة عندما رأته بدأ بفتح عينيه ببطء واصابعه تحركت فنظرت له بترقب وفرحة وكانت هي أول من تلتقطها عيناه حيث ابتسم لها بتعب وهمس:
_غزال!
تلألأت عيناها بالعبرات وهبت واقفة ثم ارتمت عليه تعانقه بقوة وهي تبكي وتقول له:
_الحمدلله أنك قومت بالسلامة أنا كنت هعمل إيه من غيرك ياعمران أنا وسليم
رفع يده ببطء ومسح على ظهرها بحنو وهو مبتسم فلا يستطيع التحدث كثيرًا، أما إخلاص فكانت تقف بجواره رأسه وهي تضحك بفرحة وعينان لامعة وفور ابتعاد آسيا عنه مالت هي عليه وضمته وقبلت رأسه هاتفة:
_حمدلله على سلامتك ياولدي، ربنا ردك لينا سالم الحمدلله
أجاب أمه بخفوت ولطف:
_الحمدلله ياما أنا زين متقلقيش عليا
ثم نظر لآسيا وسألها باهتمام:
_سليم وين؟
_ مع أمي في بيتنا
ظهر القلق على محياه وقال بضيق وحزم بسيط:
_وليه متخلهوش چارنا إهنه!!
مسحت آسيا على شعره بحنو بعدما فهمت سبب قلقه وانفعاله وقالت له بهدوء تام:
_متقلقش ياحبيبي البيت هناك مليان وچدي وعلي قاعدين وأمي بتراعيله مفيش حد يقدر يقرب من بيتنا، وأنا مش هينفع أخليه معايا في المستشفى إهنه أخاف عليه احسن يتعب
رتبت إخلاص على كتف ابنها بدفء وهمست له مبتسمة:
_اطمن ولدك زي الفل وفي أمان اهدي أنت بس عشان تتحسن بسرعة وتطلع من إهنه
أطلق تمهيدة حارة بحنق بعد كلامهم الذي امتص غضبه قليلًا وهدأ من روعه، بتلك اللحظة دخل الطبيب لكي يجري فحصه عليه وفور رؤيته له قال مبتسمًا:
_حمدلله على السلامة طالما فوقت بالسرعة دي تبقى زي الفل أكيد
اكتفى عمران بابتسامته الصافية بينما الطبيب فاقترب وبدأ يجري فحصه عليه ونظرات كل من آسيا وإخلاص مرتعدة، فمزالت كلمات الطبيب حول احتمالية حصول شلل تتردد في أذانهم، انتبهت آسيا على صوت الطبيب وهو يطلب من عمران أن يحرك قدميه وعندما فعل سأله:
_هاا إيه الأخبار مش حاسس بأي صعوبة وأنت بتحركها
هز عمران رأسه بالنفي وهو لا يفهم سبب اسألته الغريبة، فاقترب الطبيب وكشف عن قدمه وطلب منه أن يحركها أمامه مجددًا ليراقب بعينيه، ثم اطلق تنهيدة وابتسامته الواسعة احتلت وجهه ثم نظر لكل من إخلاص وآسيا يرسل لهم إشارات بعيناه ليطمئنهم ويقول:
_الحمدلله كدا أنت زي الفل بس هتفضل الليلة دي في المستشفى لغاية ما تتحسن شوية وبكرا الصبح ان شاء الله اقدر ترجع البيت
ردت وخلاص بفرحة غامرة بعدما أخذهم البشرى من الطبيب وقالت:
_كتر ألف خيرك يادكتور متشكرين
ارسل لهم الطبيب ابتسامة عذبة ثم غادر الغرفة وتركهم، فكان عمران يراقب تعابير وجه زوجته وأمه في بداية دخول الطبيب وأثناء خروجه كيف تحولت مئة وثمانون درجة، مما أكد له أن هناك أمر في وضعه الصحي ويخفوه عنه، خرج صوته الرجولي الغليظ وهو يسألهم:
_الدكتور كان بيسألني الأسألة دي ليه، هو شاكك في حاچة ولا إيه؟!
همت آسيا بأن تجيبه وهي مبتسمة تنوي الكذب عليه لكنه رمقها بنظرة مخيفة أثبت لها أنه لا يريد الكذب فأخذت نفسًا عميقًا وقالت مجبرة:
_كان شاكك أن الرصاصة تكون أثرت على المشي عندك بس الحمدلله مفيش حاچة وقال قصادك أنك زي الفل
هز رأسه بتفهم والتزم الصمت دون أن يجيب بأي كلمة بينما آسيا فجلست على المقعد بجواره مجددًا ومالت برأسها على كتفه وهي تبتسم وتمسك بيده، أما إخلاص فتركتهم بعدما قالت أنها ستذهب لتخبر كل من بلال وبشار أنه استيقظ.
***
بتمام الساعة التاسعة مساءًا داخل منزل مريم.....
استقامت من فراشها بعدما سمعت صوت رنين هاتفها الموضوع فوق طاولة المكياچ الخاصة بها، التقطت الهاتف ونظرت في شاشته فقرأت اسم بشار، لاحت على ثغرها ابتسامة مغرمة لكن سرعان ما رسمت الجدية على تعابيره واظهرتها في نبرة صوتها وهي تجيبه:
_أيوة
بشار بصوت رجولي هادئ لكنه يحمل من الجدية ما يكفي لجعلها تصدق ما يقوله:
_أنا واقف تحت عمارتكم ومش همشي من إهنه غير لما نتكلم
فغرت شفتيها بصدمة واسرعت إلى الشرفة تنظر منها الأسفل فرأت بالفعل يقف بسيارته أمام بوابة البناية وينظر للأعلى إليها وهو يتحدث معها فقالت له بعدم استيعاب:
_أنت بتعمل إيه هنا يابشار إيه الجنان ده، بعدين إيه نتكلم دي مش فاهمة!
بشار بكل بساطة:
_يعني انزلي عشان نتكلم عشر دقائق بظبط وبعدين اطلعي تاني
مريم برفض قاطع:
_نعم لا طبعًا انزل إيه، قول اللي عايز تقوله في التلفون
بشار برفض وجدية تامة:
_اللي عاوز أقوله مينفعش في التلفون يامريم ومينفعش يتأخر لأنه ضروري، لو سمحتي انزلي خلينا نتكلم
أطلقت زفيرًا حارًا بنفاذ صبر وقالت له:
_انزل ازاي اقولهم إيه يعني في البيت؟!!
ابتسم بشار بكل بساطة وقال بنبرة محبة:
_هي دي مشكلتك يعني خلاص اطلعلك أنا وأهو العشر دقايق تبقى عشرين وبالنسبالي احلى
هتفت بسرعة في رفض وارتباك:
_لا لا لا متطلعش أنا هقول لماما وانزلك بس عشر دقايق بظبط اوكي
بشار بمرح وغرام:
_ اوكي ياحبيبتي
أنهت معه الاتصال وهي تتنهد بقلة حيلة ثم ارتدت ملابسها وتجهزت وخرجت لتخبر أمها وتأخذ أذنها لعشر دقائق فقط وعندما سمحت لها، أطلقت تمهيدا حارة بارتياح وسعادة وبسرعة غادرت المنزل ونزلت له، فوجدته يجلس بمقعده في السيارة ففهمت أن يريد التحدث معها داخل السيارة ليكونوا في وضع مريح أكثر، اقتربت من السيارة وفتحت باب المقعد المقابل له وجلست بجواره ثم أغلقت الباب وقالت مغلوبة:
_هااا إيه بقى الموضوع الضروري ده اللي مينفعش يتأخر
تمنعها بحب وإعجاب مطولًا ثم رسم العبوس والأسف على ملامحه قبل أن يقول:
_تعرفي أن أنا كنت في المستشفى وچاي من هناك!
اتسعت عيناها بصدمة وهتفت في فزع ولهفة عليه وهي تتفحص بنظرها جسده:
_مستشفى إيه أنت كويس إيه اللي حصل؟!
ضحك بحب بعدما رأي لهفتها عليه وقال:
_أنا كويس بس كنت مع واد عمي عمران
عندما رأت ضحكته اغتاظت بشدة وقالت له:
_أنت قاصد تشوف قلقي عليكي بقى ما تقول من الأول أنه ابن عمك
زم شفتيه بحزن متصنع وقال:
_أنا حاليًا كويس بس لو فضلتي بتعذبيني إكده كتير قلبي مش هيستحمل وهقعد مكان عمران في المستشفى
رمقته بغضب وقالت في ضيق:
_إيه الكلام اللي بتقوله ده يابشار بعد الشر
مال عليها بوجهه مبتسمًا بنظرة عاشقة وتحمل من المكر ما يناسب الوضع:
_إيه خايفة عليا قوي إكده ومتقدريش على بعدي
أطلقت زفيرًا بنفاذ صبر وهي تبتسم بخجل ثم قالت له بصرامة مزيفة:
_ممكن تقول عايزني في إيه طيب ولا امشي
هتف دون تردد أو تفكير ومرواغة:
_عاوز اقولك أني عاوز اتچوزك واكلم أبوكي عشان نحدد الفرح
اطالت النظر في وجهه دون أن تجيبه، لا تعرف سكوتها كان خجل أم دهشة أم ماذا، لكن في تلك اللحظة انعقد لسانها وظلت تحدق بها ساكنة تحاول إيجاد الكلمات لتجيب عليه، حتى حاربت توترها وخجلها وقالت بالرفض البسيط:
_لا تحدد فرح إيه، بعدين أنت نسيت أني قولتلك هديك فرصة لغاية ما أتأكد من حبك ليا هو أنت لحقت تثبتلي حاجة
مال عليها وهتف برجاء ولوعة:
_حرام عليكي يامريم كل ده ولساتك متأكدتيش من حبي ليكي، أنا تعبت ومعدتش قادر استحمل بعدك عاوزك تبقي چاري وحلالي ومرتي.. كفاية لغاية إكده ابوس يدك
سكت للحظات يراقب تعابير وجهها التي بدا عليها أنها لانت وستوافق بعد ما قاله، فتابع مازحًا وهو يضحك:
_ ولو على الأثبات ياست البنات هكتبلك وصلات أمانة عليا عشان لو عملت أي حاچة ضايقتك بعد الچواز ولا حسيتي أني مستحقش الفرصة اللي ادتهاني تنتقمي مني وتحبسيني بالوصلات، إيه رأيك في الفكرة دي؟
هزت رأسها بالموافقة وهي تريد فكرته وسط ضحكها:
_حلوة الفكرة دي
بشار بعين تلمع بالفرحة والأمل:
_افهم من إكده أنك موافقة خلاص ونتوكل على الله
مريم بتردد وابتسامة متدللة:
_لا اديني فرصة افكر وارد عليك
دس يده في جيب بنطاله وأخرج خاتم خطبتهم الذي اعطته له يوم قررت الانفصال عنه والتقط يدها وراح يلبسها إياه وهو يقول بلهفة:
_لا مفيش تفكير أنا هكلم الحچ الليلة وبكرا نبقى نتفق على كل حاچة
نظرت للخاتم الذي يزين إصبعها وهي تبتسم بخجل فسمعته يهمس بصوت دافيء ومغرم:
_قولتلك هلبسهولك بنفسي تاني وأهو نفذت وعدي
طالعته بعين ممتلئة بمشاعر العشق والفرحة ومن فرط خجلها فتحت باب السيارة تنوي المغادرة فورًا لكنه أوقفها بعبارته اللئيمة:
_رايحة وين حتى اجبري خاطر چوزك المستقبلي بكلمة حلوة
رمقته بطرف عينها مبتسمة بدلع وقالت في ثقة:
_أنت قولت بنفسك جوزي المستقبلي، لما تبقى جوزي رسمي أن شاء الله وقتها ابقى أجبر بخاطرك
رفع حاجبه مندهشًا من ردها الذي نال إعجابه وهو يضحك ثم راقبها بنظراته وتدخل البناية مجددًا ويهمس:
_وماله حقك تتدلعي عليا
***
عودة للمستشفى... كانت آسيا تقف خارج الغرفة مع بلال الذي يتحدث ويخبرها بأنه يبحث عن الذي أطلق النيران على أخيه فقالت له بخفوت:
_أنا عارفة مكانهم
ضيق بلال عيناه بدهشة وقال:
_عارفة مكانهم كيف؟
ازدردت آسيا ريقها بتوتر بسيط من ردة فعله وقالت في هدوء:
_اتكلمت مع صالح اللي شغال مع عمران الصبح وقولتله يدور عليهم ووصفتله الموتسيكل اللي كانوا راكبينه وهو كلمني من حوالي ساعة وقالي أنهم مسكوهم وحاطينهم في مخزن السمك
تبدلت تعابير بلال للغضب من أفعال زوجة أخيه وقال لها بعصبية:
_أنتي روحتي تتكلمي مع صالح يا آسيا ده واد صايع ومشيه مش تمام وحتى عمران مش بيشغله معاه دايمًا وكان هيقطع عيشه واصل في مرة من المرات
آسيا بثبات بعدما عقدت ذراعيها أسفل صدرها:
_مهو أنا عشان إكده بذات طلبت منه هو بالأخص عشان متأكدة أن هو اللي يعرف يچيبهم لو نزلوا سابع أرض عشان هو شبههم والشباب اللي إكده بيعرفوا بعض زين
مسح بلال على وجهه وهو يصر على أسنانه مغتاظًا منها وهتف منفعلًا:
_وأنتي إيه دخلك يا آسيا، عارفة لو عمران عرف هيعمل إيه أذا كان أنا ودمي غلي من اللي عملتيه أمال هو هيعمل إيه فيكي
هتفت آسيا بعدم مبالاة وقوة تليق بها:
_يعمل اللي يعمله كنت عاوزني اسكت يعني واسيب اللي عملوا فيه إكده ينفدوا بعملتهم، لو كنا صبرنا أو اتأخرنا كانوا العيال دول هيطلعوا من المنطقة ومش هنعرف نتلم عليهم تاني بسهولة، بعدين متقلقش أنا بنفسي هقول لعمران دلوك واحكيله كل حاچة
بلال بحدة:
_زين عشان لو مكنتيش قولتيله أنتي كنت أنا هقوله، خشي كلميه وأنا هروح المخزن اشوف الـ**** اللي مأجرهم صابر
أجابته آسيا برزانة:
_خليها الصبح يابلال هما مش هيهربوا الشباب مأمنين عليهم زين وأنت روح لعروستك سايبها من الصبح وحدها وأنتوا في أول يوم چواز
مسح على وجهه وهو يتأفف بخنق يجيبها:
_عندك حق، بس ملكيش صالح بحاچة تاني يا آسيا ومتتكلميش مع أي حد أنا هكلم صالح ده وأتابع معاه وافهم منه اللي حُصل
هزت رأسها بالموافقة له مبتسمة بينما هو فاستدار واتجه إلى خارج المستشفى وهي اتجهت إلى غرفة عمران حيث يوجد كل من فريال وجلال بالداخل معه.
كانت فريال جالسة على الفراش بجوار أخيها ويتبادلون أطراف الحديث بمرح بينهم وعندما دخلت آسيا استقرت العيون عليها وسألها عمران بتعجب:
_كنتي وين؟
ابتسمت وأجابت بهدوء تام:
_كنت مع بلال برا بكلمه وبقوله يمشي لعروسته سايبها من الصبح وحدها
هتفت فريال ضاحكة:
_ايوة هما حظهم قليل كل شوية كان فرحهم يتأجل ولما اتجوزوا حصل اللي حصل مع عمران ده في ليلة صباحيته
نظر جلال لشقيقته وقال غامزًا لها بفرحة تظهر في عينيه بوضوح:
_شكلك إكده لساتك متعرفيش بخبر حمل فريال
نقلت آسيا نظرها بينهم باندهاش فوجدت الكل مبتسم ويبدو أن الجميع لديه علم معادا هي، شقت ابتسامتها الواسعة طريقها لثغرها واقتربت من فريال تعانقها بحب وتهنئها:
_الف مبرووك ياحبيبتي الحمدلله ربنا عوضكم وربنا يتمم الحمل على خير يا أم معاذ
هتفت فريال بابتسامة دافئة ومرح:
_اللهم امين وعقبال ما تفرحونا كدا أنتوا كمان بالتاني وتخاوا سليم
كان اول ما يجيب عمران بابتسامة عريضة وتمنى شديد:
_امييين قريب ان شاء الله ياحبيبة أخوكي
رمقته آسيا بعين متسعة وهي تبتسم بخجل من تلمحيه الصريح أمام أخيها وشقيقته بأنه ينوي ويريد الطفل الثاني.
انحنت فريال على رأسها أخيها وثباته بحب وهي تقول له في حنو:
_احنا هنمشي ياعمران عاوز حاچة منينا ياخويا
التقطت عمران كفها وقبل ظاهره بحب هاتفًا:
_لا ياست أخوكي عاوز سلامتك خدي بالك من روحك
فريال مبتسمة:
_حاضر وأنت كمان متهملش في العلاج والوكل عشان تخف بسرعة وتقف على رچلك
هز رأسه لها بالموافقة ثم استقامت واقفة وودعت آسيا أخيها بهتاف أخوي دافيء وراح جلال يودع عمران بالأخير قبل رحيلهم.
كانوا في طريقهم لخارج المستشفى ثم استقلوا بالسيارة فقالت فريال بضيق:
_أنا محبتش اقول قصاد آسيا بس أنا خايفة على أخويا ياچلال معقول يحاولوا يأذوه تاني
جلال بجدية وهو يهز رأسه بالنفي ليطمئنها:
_لا ميقدروش يقربوله تاني متقلقيش والعيال اللي عملت إكده هنچيبهم ساهلة
تنهدت الصعداء بقلق على أخيها لكن فجأة شعرت بألم شديد يجتاح رحمها فوضعت كفها على بطنها ومالت للأمام قليلًا وتأوهت بألم، فسألها جلال بقلق واهتمام:
_مالك يافريال؟
فريال بألم يظهر في نبرة صوتها الضعيفة:
_معرفش ألم شديد قوي في بطني آاااه
***
داخل غرفة عمران....
فرد عمران ذراعه على الفراش وافسح المجال لآسيا وترك لها مسافة تناسبها وهو يدعوها للانضمام إليه وتدخل في حضنه هاتفًا بهيام:
_تعالي ياغزالي
رمقته باندهاش وقالت في خجل:
_آچي إيه ياعمران احنا في المستشفى ممكن أي حد يدخل
غمز لها بخبث وقال:
_محدش هيدخل دلوك ولو حد من الممرضين دخل بيخبط الأول
اطالت النظر في عيناها التي تدعوها بإصرار فلم تستطع رفض الطلب وانضمت إليه في الفراش ودخلت في حضنه لتضع رأسها فوق صدره وتلف ذراعها حول خصره وهو يلف ذراعه حول ظهرها، مال عليها وطبع قبلات متتالية على شعرها بشوق وغرام ثم قال بنبرة لعوب:
_بس إيه رأيك في اللي قالته فريال أنا من رأي نستعچل ونچيب التاني عشان يكبر مع أخوه
آسيا ساخرة منه بضحك:
_أه وماله الكلام سهل يامعلم.. هو احنا لحقت أخد نفسي ده ولدك لسا مكملش شهرين حتى
غمز لها وقال بجرأة مبتسمًا:
_والفعل ساهل برضوا ياغزالة
لكزته في صدره بخفة وهي تضحك بخجل من تلمحياته الوقحة، ثم سكنت بين ذراعيه لدقائق معدودة قبل أن تأخذ نفسًا طويلًا وتقرر أن تبدأ في حديثها الذي سيغير ذلك الوضع الرومانسي تمامًا، حيث قالت له باضطراب يظهر في نبرة صوتها بوضوح:
_عمران أنا وعدتك أني مش هخبي عنك أي حاچة تاني واصل، عشان إكده أنا بنفسي هحكيلك
........... نهاية الفصل ..........
رواية و بالعشق اهتدي الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم ندى محمود توفيق
حدقها عمران مطولًا رافعًا حاجبيه بحيرة مترقبًا سماع الأمر الذي تخفيه عنه.
بينما هي فابتعدت عن حضنه واعتدلت جالسة تأخذ نفسًا عميقًا ثم تخرجه زفيرًا متهملًا قبل أن تستجمع شجاعتها وتبدأ في الحديث.
تهمد له ما فعلته دون علمه:
"الاثنين اللي ضربوا عليك النار كانوا راكبين على موتوسيكل وكانوا ملثمين يعني مش شفتش وشهم."
ازدادت نظراته ترقبًا للتكملة رغم أنه لا يفهم شيء وعلامات الاستفهام تحلق فوق صفحة وجهه.
فاسترسلت هي في مقدمتها الطويلة وتمهيدها:
"وسمعتك وأنت بتتكلم في التلفون امبارح قبل فرح بلال أن في واحد تبع صابر بيراقبك و..."
بدأ يفقد صبره وهدوئه فهتف بحدة بعدما شعر بأن تلك المقدمة سيتبعها كارثة:
"ادخلي في الموضوع طوالي يا آسيا عملتي إيه من دون علمي!"
ازدردت ريقها بتوتر ورمقته بتوسل متمتمة وهي تمسح على كتفه:
"هقولك بس بالله عليك ما تتعصب أنت لسه تعبان، أنا اللي عملته ده كان بسبب خوفي عليك وأني مكنتش عايزة أضيع حقك."
رفع عمران يده إلى وجهه وراح يمسح عليه بداية من رأسه إلى ذقنه متأففًا بغيظ مكتوم ثم هتف بصوت رجولي مخيف:
"آسيا أنت لسه هادي لو فضلت بتلفي وتدوري كده كتير، أنتي عارفة قلبي، اتكلمي يلا."
مصمصت شفتيها بخوف وارتباك ثم همست له في نظرات زائغة:
"الشباب اللي شغالين معاك لما عرفوا باللي حصل جم يزوروك في المستشفى لما كنت لسه في العمليات ومن ضمنهم كان صالح، فأنا اتكلمت معاه ووصف له شكل العيال والموتوسيكل اللي كانوا راكبينه وطلبت منه يجيبهم قبل ما يهربوا وهو جابهم ودلوقتي حابسهم في المخزن بتاع السمك."
اتسعت عينا عمران بين الدهشة وبين عدم الفهم والغضب البسيط ليسألها بنظرة مميتة:
"وأنتي تعرفي صالح ده منين وإيه ليكي علاقة بيه؟!"
تنحنحت آسيا باضطراب شديد والخوف الحقيقي ظهر على محياها فالقسم الذي سيصيبه بالجنون حقًا قد أتى:
"اصل أنا قبل كده طلبت منه يساعدني في موضوع خلود لما كنت عايزة آخد حقي منها وهو اللي عرف لي مكان سمير وجاب لي معلومات عنه."
تشنجت عضلات وجهه وأظلمت عيناه بشكل مرعب ثم اعتدل في جلسته ببطء وهو مازال يرمقها بطريقة مرعبة جعلتها ترتجف خوفًا منه ثم صاح بها منفعلًا:
"كل ده بيدور من ورايا وأنا مش داري بحاجة، الهانم بتروح تكلم رجال وتتفق معاهم وتخطط وجوزها نايم على ودانه كيف الأطرش!"
همهمت آسيا بأن تدافع عن نفسها وتهدأ من ثورانه فقاطعه هو.
وقبل أن تبدأ حتى صارخًا بعصبية:
"أنني عايزاني أرتكب فيكي جريمة يا آسيا!"
آسيا بعينان دامعة من فرط التوتر:
"والله غصب عني أنا كنت مقهورة على اللي حصل لك ومكنتش عايزة حقك يضيع ولو كنا اتأخرنا ما كناش هنلحقهم وكانوا هيهربوا، حقك عليا يا حبيبي."
عمران صارخًا بصوت جهوري نفضها في مكانها:
"وأنتي مالك بالكلام ده شيفاني عاجز مقدرش آخد حقي، بتتصرفي من دماغك ومن غير ما ترجعي لي وتتكلمي مع الرجال وكأن اللي متزوجاه مش راجل وميقدرش يحكم!"
هتفت آسيا بالنفي وعين متسعة:
"فشر ده أنت راجل وسيد الرجال يا معلم، حقك عليا أنا آسفة سامحني أنا غلطت."
قالت عباراتها وهي تمد يدها لتمسح على كتفه ووجهه بحب لكن نفر منها ودفع يدها بعيدًا عنها:
"بعدي يدك دي، أنا قسمًا بالله اللي حايشني عنك الوضع اللي أنا فيه دلوقتي وإلا كان كسرت عضمك و..."
قطع كلماته في منتصفها وظهر الألم على وجهه ثم أطلق تأوهًا بسبب الألم الذي اجتاح ظهره جراء عمليته الجراحية التي تحتاج لراحة وما يفعله يزيد من ألمه أكثر.
اقتربت منه بفزع وقلق وهي تهم بمساعدته على الاستلقاء مجددًا لكنه رمقها بنظرة نارية وهتف:
"قومي من جنبي."
آسيا فمها بعبوس وحزن وظلت مكانها تحدقه بنظرات مستعطفة على أمل أن يلين قلبه لها ويسامحها لكنها وجدته لا ينظر لوجهها من فرط حنقه منها، فهتفت له بضيق:
"طيب أنت مش عايزني جنبك أنا هنام فين؟!"
نظر لها بقسوة وأمسك بهاتفه يهم بالاتصال بابن عمه وهو يقول:
"يبقى اتصل ببشار ييجي ياخدك وتروحي تقعدي مع الولد بدل ما أنت سيباه لوحده مع أمك وأنا مش عايزك معايا."
عزمت شفتيها بأسى حقيقي ورمقته بنظرة عتاب ثم تمتمت:
"اخص عليك يا عمران.. أنا عارفة أني غلطت أني اتصرفت من غير علمك وجيت بنفسي وحكيت لك معقول كل ده ملوش خاطر عندك، وبتقول مش عايزاني دلوقتي."
عندما وجدته مصممًا على الاتصال ببشار انزعجت بشدة وجذبت الهاتف من يده بعصبية ثم قالت بحدة ونظرة مشتعلة وقد أشهرت عن أنيابها:
"متزودهاش عاد يا عمران بشار إيه اللي تتصل بيه، عايزني أروح مع ولد عمك في نص الليل دلوقتي!!، شكلك كده الطلقة أثرت عليك، أنا مش هعتذر من هنا وهفضل جنبك مش هسيب جوزي لحاله وهو طالع من عمليات النهاردة."
رقمها بغضب وقال ساخرًا في غيظ:
"ده على أساس أن جوزك فارق معاكي قوي يعني."
ردت آسيا بعناد وقد اختفى الخوف الذي يحتل ملامحها وتبدل بالشراسة والقوة:
"أيوة فارق معايا طبعًا.. لو مش هيفرق معايا جوزي وأبو ولدي وحبيبي هيفرق معايا مين يعني."
رأته يحدقها رافعًا حاجبه بازدراء معبرًا عن عدم اقتناعه أو حتى إعجابه بما تقوله فتابعت هي بإصرار كيدًا فيه:
"ومش هقوم من جنبك كمان، واعمل اللي عاوز تعمله فيا."
طالعها مطولًا وهو يجز على أسنانه مغتاظًا ثم رفع كفه في الهواء واغلق قبضة يده بقوة من فرط الغيظ منها ثم قال متوعدًا لها:
"اصبري عليا يا بت خليل بس أقوم من اللي أنا فيه وهربيكي على حق."
ابتسمت له بسماجة وقالت في غرام:
"أنت قوم بس بالسلامة وربيني براحتك يا معلم."
مال بوجهه للجهة الأخرى يتأفف بنفاذ صبر ويستغفر ربه محاولًا تمالك انفعالاته حتى لا يرتكب الجرائم في حقها، بينما هي فكانت في كامل ثباتها وبرودها الانفعالي وهي تبتسم له.
في الجانب الآخر من المستشفى داخل العيادات الخاصة.
كان كل من فريال وجلال داخل عيادة إحدى طبيبات النسا تقوم بفحصها الشامل على الطفل والحمل.
وكان يقف جلال بجوار الفراش الصغير الممددة عليه فريال ويمسك بيدها في قلق وعيناه عالقة على جهاز السونار يحاول فهم أي شيء لكن دون فائدة.
وبعد لحظات طويلة من الفحص انتهت الطبيبة ونظرت لها بابتسامة جميلة وهتفت:
"متقلقوش كل حاجة زي الفل الحمد لله والبيبي بخير كمان."
أطلقت فريال تنهيدة حارة بارتياح وفرحة بينما جلال لاحت الابتسامة المطمئنة على ثغره.
ثم اقترب من مكتب الطبيبة وجلس على المقعد المقابل لها وجلست مقابله مباشرة على المقعد الآخر فريال التي بدأت الحديث مع الطبيبة بسؤالها:
"طيب إيه سبب اللي حصل معايا ده يا دكتورة؟"
أجابتها ببساطة وهدوء تام:
"واضح أنك بذلتي مجهود كبير في اليومين اللي فاتوا وأنتي في فترة محتاجة راحة عشان كده حصل معاكي الألم ده، وطبعًا أنا أكيد مش محتاجة أقولك أن المجهود الشديد ممكن يؤدي للإجهاض، فلازم خلال الثلاث شهور الأولى على الأقل نبقى في راحة تامة ونايمين على السرير فقط."
تنهدت فريال الصعداء بقلق بسيط ثم هزت رأسها بالموافقة على تعليمات الطبيبة التي ابتسمت لهم باتساع وقالت في بشاشة:
"في خبر حلو كمان وهو أنك حامل في توأم."
كانت الصدمة من نصيب جلال أولًا حيث اتسعت عيناه بذهول وراح ينقل نظره بين الطبيبة وزوجته بعدم استيعاب ثم سألها بتأكيد:
"متأكدة يا دكتورة؟"
ضحكت الطبيبة باستنكار من سؤاله وقالت مؤكدة لهم الخبر:
"أيوة طبعًا متأكدة وظهر في السونار أن في كيسين مش كيس واحد."
كانت مشاعر فريال مختلطة ما بين الفرحة والخوف والصدمة والصمت التام يهيمن عليها تراقب ردة فعل زوجها وحواره مع الطبيبة الذي يظهر سعادته الشديدة بذلك الخبر.
ثم أخيرًا انتبهت بصوت الطبيبة وهي تبدأ في وصف دواء ستحتاج المواظبة عليه لأيام ووجهت لها تعليماتها مجددًا فشكرتها فريال بامتنان واستقامت واقفة تلحق بزوجها الذي سبقها للخارج وكان ينتظرها وعلى وجهه ابتسامة تكاد تشق طريقها إلى أذنيه من شدة اتساعها.
مال عليها وهمس بحماس غريب لم تشهده عليه عندما تلقى خبر حملها بابنهم الأول حتى:
"لولا المكان اللي إحنا فيه وقصاد الخلق كنت خدتك بالحضن يا فريالي ولفيت بيكي المكان كله من كتر فرحتي."
ضحكت بصمت ثم سألته باستغراب:
"معقول أنت فرحان للدرجادي يا جلال!"
أجاب مبتسمًا:
"فرحان دي كلمة قليلة، ربنا عوضنا بدل الواحد اتنين."
لمعت عيناها بوميض حزين رغم ابتسامتها التي تزين ثغرها وتمتمت بكلمات الشكر لربها:
"اللهم لك الحمد والشكر يارب.. بس أنا خايفة يا جلال!"
ضيق عينيه بتعجب وسألها:
"ليه؟"
قالت ضاحكة بمرح يمتزج بتعابير الخوف على وجهها:
"الحمل هيبقى صعب قوي دول اتنين."
جلال بحنو وابتسامة دافئة هتف بعدما احتضن كفها بين كفه:
"متخافيش إن شاء الله ربنا هيقويكي والفترة دي هتعدي بسرعة من غير ما تحسي بيها، يلا عاد عشان نرجع البيت وترتاحي."
هزت رأسها له بالموافقة بابتسامة محبة وسارت بجواره يدًا بيد وهي لا تتوقف عن ذكر ربها بالحمد وشكره.
داخل منزل خليل صفوان تحديدًا بغرفة غزل.
كانت تجلس أمامها على الفراش إنصاف وتتحدث معها باهتمام وحماس يلمع في عيناها وهي تغمز لها بخبث:
"أنا عارفة أنك في الأول رفضتي، بس بعد اللي شفته امبارح شكلك كده موافقة."
فهمت غزل مقصدها وتلميحاتها فقالت بسرعة في خجل شديد محاولة الدفاع عن نفسها وتحسين صورتها:
"لا يا طنط والله صدقيني مفيش حاجة يعني اااا...."
قاطعتها إنصاف وهي تضحك وتقول بإيجاز:
"يابت أنا مش هبلة وواعية زين وعارفة ولدي كيف دايب فيكي وبيحبك وعارفة كمان وشايفة أنك بدأتي أنتي كمان تتعلقي بيه، عشان كده جيتلك أسألك تاني وأشوفك لسه مصممة على قرارك ورفضك ولا غيرتي رأيك."
أجفلت غزل نظرها واطرقت رأسها أرضًا خجلًا وسكتت مترددة لا تعرف أتسمع لصوت عقلها أم قلبها، بينما مشاعرها تميل إلى ذلك البربري كما كانت تصفه. عقلها يخشى من تلك التجربة، لتجد نفسها عالقة في المنتصف لا تدري أي طريق تسلك.
قطع ترددها وتفكيرها العميق صوت إنصاف المحمل بالحكمة والرزانة وهي تبتسم وتقول:
"لو عايزة نصيحتي يا بتي، وأنا مش بقولك الكلام ده عشان "علي" ولدي، لا أنتي كمان أنا بحبك وبعتبرك كيف بتي وصدقيني لو "علي" من الشباب العفشة اللي بنشوفهم أنا ذات نفسي هقولك متوافقيش عليه ومش هوافق على الجوازة دي، لكن ده ولدي وأنا عارفاه زين وعمري ما شوفت عيونه بتلمع ووشه بينور لما بيشوف حد كيف لما بيشوفك أنتي، بلاش تخسري حد بيحبك صح."
أطالت غزل النظر في وجه إنصاف بتفكير، وبتلك اللحظات قذفت بعقلها ذكرى مشاهدتهم الأخيرة معًا، مشاكسه لها ومزاحه ولمساته العاشقة ونظراته حتى كلمات الغزل التي يقولها لها وسط حديثهم، فلاح شبح ابتسامتها المحبة على ثغرها وهي غارقة في التفكير به ولم ينتشلها ويعيدها للواقع سوى صوت إنصاف وهي تسألها لآخر مرة مبتسمة ومنتظرة الحصول على إجابة مؤكدة:
"هااا قولتي إيه موافقة؟"
ابتسمت غزل باتساع وحياء جميل يليق بوجهها وجمالها الساحر ثم هزت رأسها لها بالموافقة، فلمعت عين إنصاف بفرحة غامرة وبنفس اللحظة أطلقت زغروطة مرتفعة دليلًا على الفرح الذي سيملأ المنزل قريبًا، ثم استقامت واقفة وانحنت على غزل تعانقها بحنان وتقول بسعادة غامرة:
"مبروك يا عروسة أنا هروح أبشر العريس عاد وأديله البشرى أحسن هو مستنيني."
أنهت كلماتها واندفعت لخارج الغرفة مسرعة دون أن تنتظر ردًا من غزل التي ارتبكت بمجرد معرفتها بأنها في طريقها بإخبار "علي" بموافقتها على الزواج منه.
بالأسفل كان "علي" يقف وينظر إلى الدرج بابتسامة عريضة تكاد تشق أذنيه من فرط اتساعها وفرحته عندما سمع الزغاريد من أمه، التي وصلت إليه وهي تضحك وتقول:
"مبروك يا عريس أخيرًا هفرح بيك يا ولد."
سأل "علي" بعدم استيعاب وهو مبتسم:
"وافقت؟"
"أيوة طبعًا وافقت، كيف تقدر ترفض لازم هتوافق دي دايبة في غرامك."
شاركه للحظة يفكر بها ثم اندفع بلهفة ينوي الذهاب لها وهو في قمة حماسه وفرحته، لكن قبضت أمه على ذراعه وأوقفاته هاتفة بجدية:
"رايح فين؟"
علي بكل بساطة وأعين لامعة:
"هطلع أتكلم معاها."
أجابته إنصاف معترضة بحدة:
"تطلع فين هو إحنا ناقصين مشاكل مع جدك، اتقل يا ولدي لغاية ما تتجوزها وبعدين اعمل اللي تعمله لما تبقى مراتك، ميصحش تطلع تتكلم معاها في أوضتها."
ارتخت عضلات جسده المتشنجة من فرط الحماس وراح يتأفف بقوة في حزب ثم قال ممتثلًا لأمه:
"طيب يا ماما خلاص مش طالع لها لازم كده تكسري بفرحتي، هطلع أوضتي."
ثم جذب ذراعه من قبضتها وقاد خطواته على الدرج فسمع تنبيهاتها الصارمة وهي تؤكد عليه:
"متروحش عندها يا "علي" سامعني."
اكتفى بهز رأسه لها بالموافقة والطاعة وهو يبتسم دون أن يلتفت لها وأكمل صعوده حتى وصل للطابق الثاني حيث يوجد كل من غرفته وغرفتها، فتقدم بحرص نحو غرفتها حتى وصل للباب وأخذ يتلفت حوله يتأكد من عدم وجود أعين تراقبه ثم رفع يده وطرق على باب غرفتها عدة مرات متتالية ليسمع صوتها من الداخل وهي تجيب على الطارق بأنها قادمة وماهي إلا ثواني حتى فتحت الباب باعتقاد منها أن الطارق إنصاف، وفور سقوط نظرها عليه اتسعت عيناها بدهشة، وهو على النقيض دون أي كلمة وفجأة بعدما تأكد ثانية أن لا أحد يراه أبعدها عن الطريق بيده ثم دخل واغلق الباب خلفه، فمالت هي برأسها للخلف متأففة بنفاذ صبر منه ثم قالت بحزم:
"وبعدين يا "علي" مينفعش كده اطلع برا عيب، مش كفاية الموقف اللي سبتني فيه امبارح قدام مامتك."
كان لا يبالي بأي كلمة تتفوه بها ويتمعنها بنظرات يملأها العشق ثم تقدم نحوها خطوة فتراجعت هي بمثلها وهمس لها غامزًا بفرحة تظهر في نبرة صوته بوضوح:
"سيبك من أمي بس دلوقتي، وافقتي تتجوزيني يعني يا غندورة!"
مالت بوجهها للجانب بعيدًا عنه وهي تبتسم بخجل بعدما تجمعت الحمرة في وجنتيها البيضاء، أنا هو فتلك الابتسامة والخجل الذي يستحوذها أصابه بالجنون أكثر وزادت رغبته ولهفته بها فقال فورًا بإصرار:
"كده أنت تجهزي نفسك عاد الليلة عشان بكرة معانا كتب كتاب يا عروسة."
اختفت ابتسامتها وحل محلها الصدمة فور التقاط أذنيها "كتب كتاب".
نظرت له وهتفت بذهول:
"ايه كتب كتاب إيه أنت أكيد بتهزر لا مستحيل نتجوز بالسرعة دي أنا وافقت بس على خطوبة عشان نتعرف على بعض أكتر لغاية الجواز."
رفع حاجبه مبتسمًا بنظرة لئيمة وكلها ثقة ورزانة ثم رفع أنامله ببطء حتى وصل إلى خصلات شعرها وراح يعبث بهم بكل رقة ويرسل لها نظراته الساحرة ليؤثرها بهم هامسًا في صوت انسدل كالحرير ناعمًا:
"أنتي قلقانة مني ليه يا حبيبتي هو أنا هعلق لك حبل المشنقة بعد الجواز، ده بالعكس هتشوفي الدلع كله مني، وبعدين ده كتب كتاب بس لكن الفرح لسه براحتك وقت ما تحبي وتكوني جاهزة نبقى نعمله، ونتعرف على بعض إيه وخطوبة إيه هو إحنا غرب عن بعض يعني أنتي متعرفنيش!"
ارتبكت بشدة من لمساته الساحرة وهمست له بصوت ذائب وخافت لتطلب منه أن يبتعد عنها:
"علي ابعد...."
قاطعها واسترسل هو كلامه بهيام وعشق تلمعان بهم عيناه:
"وبيني وبينك كده أنا مش هقدر أتحمل نفضل الفترة دي كلها في خطوبة، يرضيكي اللي بنعمله ده عشان محدش يشوفنا لكن نكتب الكتاب هتبقى مرتي وناخد راحتنا لغاية الفرح."
تسارعت نبضات قلبها بشدة وللحظة شعرت نفسها ستسقط بين ذراعيه من فرط الخجل، فجمعت ما تبقى منها من ثبات وابعدت أنامله عن شعرها وقالت باعتراض بسيط وتوتر:
"لا وبعدين بابا لسه ميعرفش بالكلام ده هنتجوز وبابا ميعرفش."
"علي" مبتسمًا بثقة ونبرة رجولية:
"كده بتغلطي في جوزك هو إحنا منعرفش في الأصول ولا إيه، أنتي فكرك أني طلبت يدك للجواز وأبوكي معرفش يعني!!.. إحنا أول حاجة عملناها أنا وجدك أخدنا رأي أبوكي وهو وافق وكلمته على كتب الكتاب وبرضه رفضش وقالي آخد رأيك لو وافقتي هو مستعد يركب في طيارة الصبح ويجيلك عشان يحضر جواز بنته."
غرغرت غزل عيناها بصدمة ثم هتفت بعدم تصديق:
"بجد بابا هينزل مصر؟"
"علي" بجدية:
"طبعًا لازم ينزل ده فرح بنته، المهم بس دلوقتي أنتي قولتي إيه؟"
التزمت الصمت وهي تفكر بتردد فتقدم هو نحوها بخطوات متأنية كالأسد ونظرات لعوب فتقهقرت هي للخلف خوفًا منه ورفعت سبابتها في وجهه تحذره بابتسامة مرتبكة:
"خليك بعيد متقربش وإلا هصوت."
عزم شفتيه بعدم مبالاة وقال ضاحكًا بخبث:
"ياريت ده كده نتجوز الليلة قبل بكرة."
وجدته مازال يقترب فصاحت بغيظ منه واستسلام وسط ضحكها:
"خلاص يا "علي" موافقة اقف عندك بقى ومتقربش تاني."
توقف بأرضه بعد تلك العبارة وهو يبتسم بنصر ثم غمز لها بخبث وقال متغزلًا بها:
"طالما موافقة يبقى منقربش ونستحمل لغاية بكرة ونقرب براحتنا يا عروسة، جهزي نفسك المأذون هييجي بكرة بليل."
بقت متصنمة بأرضها تراقبه بنظراتها المرتبكة والخجلة حتى وجدته يرسل لها قبلة في الهواء قبل أن يستدير ويتجه إلى باب الغرفة ليغادر، فوضعت هي كفها على فمها تكتم ضحكتها وهي تهمس بصوت منخفض بعد انصرافه:
"قليل الأدب صحيح."
بعد مرور ساعة تقريبًا داخل غرفة "علي".
كان ممددًا فوق الفراش ويضع كفيه خلف رأسه مستندًا على ظهر الفراش وهو مبتسم بفرحة ويفكر في تلك الجميلة التي استحوذت على قلبه في فترة قصيرة رغم كل محاولاته وإنكاره حقيقة أنه لا يحبها لكن في النهاية استسلم لمشاعره الملتهبة، والآن لا يفصله عن الزواج منها سوى ساعات وستبقى زوجته وله وحده، لا يطيق الانتظار إلى تلك اللحظة التي سيأخذها بين ذراعيه ويضمها ويقبلها دون أن يخشى أي شيء.
قطع شروده الغرامي في محبوبته طرق الباب الخفيف ثم دخول شقيقته التي وقفت بجوار الباب تنظر له بقلق وتسأله:
"ممكن أدخل يا "علي"؟"
تلاشت ابتسامته تدريجيًا حتى اختفت تمامًا ثم اعتدل جالسًا فوق الفراش وأشار لها بعينيه أن تدخل، ففعلت وأغلقت الباب خلفها ثم تقدمت نحوه بخطوات متعثرة حتى وصلت إليه وجلست أمامه على الفراش وهي تطرق رأسها أرضًا من الندم، ثواني معدودة حتى خرج صوتها الخافت:
"أنا آسفة يا خوي سامحني."
ابتسم ساخرًا وقال بنظرة خزي وضيق:
"على إيه ولا إيه يا خلود!!"
لمعت عيناها بالدموع وقالت في صوت مقهور:
"على غلطي كله وبالأخص على آخر حاجة عملتها لما روحت له من وراك، صدقني مكنش في نيتي حاجة غير أني أحكيله الحقيقة وأفهمه، غصب عني روحت بسبب مشاعري، بس لو كنت أعرف أنه يتخلى عني ويهملني من غير ما يسمع مني حتى ما كنتش فكرت فيه ولا اهتميت، ندمانة على ثقتي فيه أنه مستحيل يهملني وندمانة أكتر أني كسرت كلمتك وزعلتك مني تاني بسببه."
انهمرت الدموع فوق وجنتيها مع آخر كلمة تفوهت بها ودون أي تردد كانت ترمي على أخيها تعانقه وتلف ذراعيها حول رقبته وتبكي بانكسار وقوة وهي تتوسله في ضعف:
"سامحني يا "علي" الشيطان ضحك عليا وغصب عني عملت كل ده لو رجع بيا الزمن كنت قتلت نفسي قبل ما أعمل فيكم وفي روحي كده، كنت جاهلة وغبية يا خوي واكتشفت أني غبية أكتر لما فكرت أن مروان ممكن يحبني صح ويقبلني بعد اللي عملته، أنا اكتشفت أني مليش غيرك أنتي وأمي وجدي ومن هنا ورايح مش هخرج عن طوعكم واصل واللي تقولي عليه هنفذه وهتشوف خلود جديدة ومختلفة."
بقت ذراعيه معلقة في الهواء مترددًا هل يضمها أن يبعدها عنه، رغم أن دموعها وبكائها أصاب قلبه وأشفق عليها إلا أنه لا يستطيع نسيان فعلتها، لكنها استمرت في البكاء بشدة وهي تترجاه أن يسامحها حتى استسلم لحبه الأخوي لها ولف ذراعه حول ظهرها يطبطب عليها بحنو ثم أبعدها عنه وقال بهدوء:
"خلاص يا خلود بزيادة بكاء."
سألته بعينان عاجزة وممتلئة بالأسى:
"يعني سامحتني؟"
تنهد "علي" الصعداء ثم أجابها بنبرة رزينة ونظرة حكيمة:
"أنا مصدق ندمك وأنك عرفتي غلطك وندمانة وده حاجة كويسة قوي بالنسبة لي، اعتبريني سامحتك مقدمًا لغاية ما أتأكد أنك صح مش هتعملي أي حاجة من ورايا تاني وهتنفذي كلامي ومش هتكسري كلمتي."
تهللت أساريرها ولمعت عيناها والإبتسامة شقت طريقها باتساع وسط دموعها من فرط الفرحة وراحت ترمي عليه مجددًا تعانقه وهي تشكره بحب أخوي صادق، ثم ابتعدت عنه وقالت بنظرة كلها ثقة ووعيد:
"أوعدك أني مش هخيب ظنك فيا تاني، وكمان عاوزة آخد رأيك في حاجة عشان أثبت لك أني مش هفكر في أي حاجة من غير ما أشاركك الأول وأخذ الأذن منك."
"علي" باستغراب وفضول:
"حاجة إيه؟"
تنحنحت خلود باضطراب بسيط وقلق من ردة فعله ثم بدأت تمهد له بذكاء:
"أنا الصراحة مش بفكر في جواز تاني واصل وأنا عارفة أن مليش جواز خلاص، بس نفسي أعمل حاجة لنفسي أفتخر بيها يعني يكون ليا شغلي وحياتي ومبقاش محتاجة لحد واصل، مش عايزة أفضل حابسة روحي وقاتلة نفسي بالحياة."
رفع حاجبه وأجابها بابتسامة جانبية ساخرة:
"يعني عايزة تقولي أنك عايزة تشتغلي؟!"
هزت رأسها بالإيجاب وتابعت محاولة إقناعه:
"أيوة نفسي أنجح في حياتي وقولت آخد رأيك الأول وأشوفك هتوافق ولا لا لأني لسه حتى مدورتش على شغل مناسب وأنا معايا شهادتي حلوة قوي وممكن أشتغل في شركات وأماكن كويسة ومحترمة."
أطال "علي" النظر بها بصمت يفكر بحكمة في رغبتها، يريد منحها الفرصة ولكنه يخشى أن تخونها ثانية، وعندما نظر في عينيها ورأى لمعة الأمل والرغبة الحقيقية في صنع ذاتها كما تقول تنهد بقلة حيلة وقال مستسلمًا:
"تمام دوري وشوفي يا خلود بس الشغل ده واقف على المكان اللي هتشتغلي فيه لو مكان محترم ومناسب وقتها معنديش مانع."
غرغرت شفتيها بصدمة من موافقته السريعة، فهي كانت تعتقد أنها ستحاول معه أكثر من مرة ليوافق على طلبها ومن فرط سعادتها للمرة الثالثة عانقته وهي تهتف بتلقائية ضاحكة:
"شكرًا يا "علي" ويا رب كده أشوفك مبسوط وتتجوز غزل وتعيشوا في هنا وسعادة مع بعض."
ضحك مغلوبًا منها ثم أبعدها عنه برفق وقال في هدوء امتزج بجديته:
"يارب، يلا عاد سيبيني عشان عايز أنام بكرة ورايا يوم طويل."
هزت رأسها بالموافقة واستقامت واقفة وغمزت له بمكر متمتمة:
"ماشي يا عريس تصبح على خير."
ثم اتجهت إلى الباب لتنصرف وتتركه ينظر على أثرها شاردًا في الحال التي وصلت إليه شقيقته بسبب خطأها وجهلها.
صباح اليوم التالي داخل المستشفى تحديدًا بغرفة عمران في تمام الساعة التاسعة صباحًا.
فتحت آسيا عيناها ببطء وعندما شعرت بذلك الملمس المختلف عن ذراع زوجها الذي كانت تنام عليه طوال الليل، فتحت عيناها دفعة واحدة بفزع وراحت تتلفت حولها بحثًا عنه ثم صاحت منادية عليه بقلق:
"عمران أنت فين؟"
لم تسمع ردًا منه لكن التقطت أذنيها صوت المياه في الحمام فديقت عينيها بتعجب وانزعجت بشدة منه لأنه نهض من الفراش وذهب للحمام بمفرده دون أن يوقظها لتساعده، رفعت يدها إلى وجهها ومسحت عليه بتأفف وقلة حيلة ثم التفتت بجوارها حيث يوجد هاتفها فوق المنضدة والتقطته ثم أجرت اتصالًا لتطمئن على ابنها الصغير وبعد مكالمة دامت لثلاث دقائق تقريبًا كان محتواها الأساسي أن جليلة طمأنتها أن ابنها بخير.
استقامت واقفة بعد الانتهاء من المكالمة الهاتفية مع أمها واقتربت من الحمام حتى وقفت أمام الباب وطرقت عليه بالتزامن مع سؤالها المهتم:
"عمران محتاج حاجة أدخل أساعدك؟"
وصلها صوته الغليظ بالرفض:
"لا."
لاحظت نبرته القاسية فلوت فمها بضيق واتجهت إلى مقعد بحوار الفراش وجلست عليه وهي تفكر في ذلك التوتر الذي حدث بينهم امبارح بسبب ما فعلته، وعلى الرغم من أنه تظهر أمامه ندمها ليُسامحها لكنها في الواقع ليست نادمة ولو بمقدار ذرة ولو عاد بها الزمن لفعلت مجددًا، لم تكن لتترك من الحق به الضرر وكاد أن يقتله أن يهرب ويعيش حر طليق دون عقاب.
يصفها بالغزال ولكنه يعلم جيدًا أن في ثناياها مساحة واسعة تخبئها لجانب آخر من شخصيتها يشبه تمامًا الأسود، فلا ينتظر منها إظهار اللطف والرقة في لحظات اصطيادها لفريستها.
خرج من الحمام بعد دقائق معدودة وكان يسير ببطء فاستقامت هي واقفة وهرولت إليه لتمسك بذراعه وتساعده في سيره إلى الفراش، لتجده يرمقها بانزعاج لكنه لم يبدي اعتراض وسار معها إلى الفراش ثم ساعدته في التسطح عليه وقالت معاتبة إياه بحزم:
"ليه مصحتنيش وقمت وحدك!"
رمقها بطرف عينيه في غيظ ولم يجيبها ثم قال بعد لحظات بلهجة صارمة:
"جهزي نفسك ولمي أي حاجة ليا وليكي في الأوضة عشان بشار جاي هيخلص الإجراءات وهنروح البيت."
راقبت تعبيراته المنزعجة منها ونبرته في ابتسامة لئيمة ثم راحت تجلس بأريحية بجواره على الفراش ملتصقة به وتميل عليه تقول مشاكسة إياه:
"واضح أنك شايل مني قوي وعايز تروح البيت بأسرع وقت عشان تربيني."
عمران بجفاء ليس حقيقي دون أن ينظر لوجهها:
"زين أنك عارفة."
مالت عليه أكثر بدلال ورفعت أناملها تعبث في خصلات شعره ولحيته هامسة:
"وماله يا معلم هو أنا أطول، وبنسبة لي نروح بيتنا أفضل أصل أنا عايزة أهتم بجوزي زين وأدلعه وأهشتكه."
رفع حاجبه بابتسامة جانبية يثبت لها إدراكه لما تحاول فعله رغم إعجابه بأسلوبها الجديد في إرضائه إلا أنه يريد أن يطيل ذلك الخصام ليرى محاولاته المختلفة ودلالها عليه، قال بخبث ونظرة شبه ساخرة:
"وهتدلعيني كيف عاد؟!"
رواية و بالعشق اهتدي الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم ندى محمود توفيق
رفع حاجبه بابتسامة جانبية يثبت لها إدراكه لما تحاول فعله رغم إعجابه بأسلوبها الجديد في إرضائه إلا أنه يريد أن يطيل ذلك الخصام ليرى محاولاته المختلفة ودلالها عليه.
قال بخبث ونظرة شبه ساخرة:
_ وهتدلعيني كيف عاد؟!
حدقته بنظرة أنثوية مثيرة وقالت غامزة له:
_ زي ما تحب يامعلم.
زادت ابتسامته اتساعًا ومازالت الدهشة تظهر على صفحة وجهه، ثم وجدها تميل عليه أكثر وتطبع قبلة حميمية فوق وجنته بشفتيها الناعمتين وسط همسها:
_ هو أنا ليا مين غيرك ياعمران، مقدرش على زعلك مني.
أغلق عينيه محاولًا التحكم في شهواته التي أشعلتها تلك الساحرة بقبلاتها وهمساتها وتغزلها به، ثم أخذ نفسًا عميقًا وأطلق زفيرًا ناريًا ونظر لها بحدة مزيفة وقال:
_ طيب بعدي شوية لحد يدخل، إحنا مش في البيت.
انحنت عليه مجددًا غير مكترثة بتنبيهاته وقبلته بعمق أكثر متمتمة في لؤم:
_ وأنت من امتى بيهمك حد، ولا عشان لقيت نفسك ضعفت قصاد غزالتك.
عمران بنظرة صارمة وصوت رجولي بعد قبلتها الثانية:
_ آسيا.
وبعدين.
قهقهت عاليًا على محاولاته الفاشلة في الصمود أمامها وإظهار ثبات مشاعره ورغباته بها، فهزت رأسها بالموافقة وقالت وهي تغمز له بثقة:
_ حاضر، لما نروح البيت هنشوف هتصمد قصاد الغزال قد إيه.
ثم استقامت واقفة واتجهت إلى الحمام وهي تتمايل في سيرها أمامه عمدًا وتهتز منحنيات جسدها مع تمايلها، وقبل دخولها الحمام التفتت له وهي تبتسم بساحرية ثم توارت داخل الحمام وأغلقت الباب لتتركه هو يشتعل ويهمس متوعدًا لها:
_ ماشي يا آسيا، اصبري عليا لما نروح.
***
بعد مرور ثلاث ساعات تقريبًا كان بشار في منزل مريم بعد انتهائه من إجراءات خروج عمران. ذهب لمنزل خطيبته ليتفق مع والدها على ميعاد زفافهم، دامت جلسته مع والد مريم لساعة وهم يتحدثون عن تجهيزات الزفاف وميعاده وأحاديث أخرى مختلفة تخص العمل وغيره.
وبالداخل كانت مريم تجلس والقلق يستحوذها كليًا، فضولها سيقتلها لتعرف ماهي القرارات التي اتخذوها ومتى سيتم الزفاف، رغم كل ما حدث بينهم ومروا به إلا أن حبها له يجعلها في قمة السعادة أنها ستصبح زوجته أخيرًا وأنها نجحت في الحصول على قلبه وأصبح ملكًا لها وحدها.
بعد نصف ساعة أخرى من الانتظار دخلت أمها وهي تخبرها بأن حديث والدها وبشار انتهى وهو ينتظرها ليتحدث معها قبل رحيله. فتسارعت نبضات قلبها ولمعت عيناها بفرحة وراحت تسأل أمها بفضول:
_ متعرفيش طيب حددوا الفرح امتى ياماما؟
هزت رأسها بالنفي وقالت مبتسمة على لهفة ابنتها:
_ لا لسا ملحقتش اتكلم مع أبوكي، هروح أكلمه دلوقتي وانتي اطلعي لخطيبك وهو هيقولك أكيد.
أومأت بالموافقة واسرعت للخارج حيث يجلس في غرفة الضيوف. فوجدته جالسًا فوق الأريكة وبيده كأس الشاي يشرب بهدوء. وقفت بجوار الباب وتمعنته بغرام لثواني دون أن يلاحظ وجودها. انزل هو الكأس ووضعه بمكانه ثم التفت بمحض الصدفة تجاه الباب فاندهش برؤيتها تقف تتأمله بشرود. ابتسم بحب وغمز لها هاتفًا:
_ أنا مش متعود على الحب ده كله!!
انتبهت لصوته وتنحنحت بخجل شديد وهي تطرق رأسها أرضًا ثم اقتربت منه وجلست بجواره وكان أول سؤال تطرحه هو:
_ حددت الفرح امتى مع بابا؟
قهقه بهدوء عليه وقال في نظرة عاشقة:
_ والله صدقيني بعد اللي شفته دلوك ده وبعد لهفتك دي أنا مستعد اچيب المأذون حالًا ونتچوز.
أزاحت بوجهها بعيدًا عنه في خجل وقالت متصنعة عدم المبالاة بثبات:
_ لهفة إيه، أنا مش ملهوفة ده فضول بس مش اكتر.
مال بوجهه عليها قليلًا وهمس في عين تنضج بالحب:
_ هو أنا قولتلك قبل إكده أني بحبك؟
ارتعش نظرها عنه خجلًا مبتسمة ثم هزت رأسها بالنفي ردًا على سؤاله. اطال هو التمعن في خجلها الجميل وهمس غامزًا:
_ معقول!!.. إزاي مقولكيش أني بحبك وأنك أجمل هدية في حياتي واني بحمد ربنا كل ليلة أنه رزقني بيكي.
تلونت وجنتيها بحمرة الخجل واتسعت ابتسامتها حبًا واستحياءًا من تغزله بها، لتسمعه يسألها بتعجب:
_ إيه مش هتقولي أي حاجة؟
همست بصوت خافت بالكاد يُسمع من فرط خجلها:
_ أقول إيه؟!
بشار مبتسمًا بمرح ومشاكسة:
_ يعني أي كلمة حلوة كدا منك.
نظرت له وقالت بدلع مبتسمة في ثقة:
_ تؤتؤ الكلام ده بعد ما نتجوز إن شاء الله.
ضحك عاليًا ثم غمز لها وقال في خبث:
_ وماله الحلال أحلى برضوا، واحنا مش هنستنى كتير هي كلها أسبوع.
فغرت شفتيها وعيناها بصدمة وراحت تسأله:
_ الفرح بعد أسبوع!
أجابها ضاحكًا يحاول تهدئة روعها:
_ في إيه مالك مفزوعة إكده ليه، كل ما في الموضوع إني هخطفك بس لمدة شهر إكده ننعزل عن الناس واصل ونقضي شهر العسل في المكان اللي تحبيه، الموضوع مش مخيف للدرجة يعني.
ابتسمت مغلوبة منه وقالت في عتاب بسيط:
_ أنت بتهزر.. أسبوع قريبة أوي يابشار مش هلحق أجهز نفسي وبابا إزاي وافقك على الكلام ده.
بشار بتصنع البراءة والحزن:
_ الحج الله يباركله حس إنّي غلبان ودايب في حبك ومش قادر أصبر أكتر من إكده في بعادك فرأف بحالي ووافق أننا نعمل الفرح بعد أسبوع.
_ يعني هو رأف بحالك أنت ومرأفش بحال بنته!!
قهقه بخفة ثم قال في مكر وعينان تلمع بوميض العشق:
_ مالها بنته ده أنا هدلعها آخر دلع هي بس تبقى على ذمتي وتدخل بيتي وهخليها تعيش ملكة.
ضحكت بخجل من مغازلته المستمرة لها وقالت في قلة حيلة:
_ بكاش أوي.
ارتخى جسده على الأريكة بإريحية أكثر وقال بثقة تامة وهو يحدقها بطرف عينه في خبث:
_ كلها أسبوع وتشوفي بعينك إذا كنت بكاش ولا لأ.
راقبته بابتسامة مغرمة وهو يجلس أمامها بعنجهية وثقة جميلة، وفي داخلها ألف شعور وأقواهم كان الهوى والفرحة باقتراب زواجها من حبيبها.
***
داخل منزل جلال صفوان....
فتح جلال الباب ودخل وهو يحمل بيديه أكياس ممتلئة بألعاب مختلفة لأولاده وملابس ومستلزمات أخرى تحتاجها فريال. اتجه نحو الأريكة في الصالة وجلس فوقها ثم وضع الأكياس في الأرض وصاح مناديًا على أولاده وزوجته:
_ معاذ.. عمار تعالوا عاوزكم.. فريال.
ركض الأولاد من غرفتهم وخرجوا لوالدهم ركضًا فوجدوه يشير لهم بعينيه غامزًا على الأكياس فلمعت عيناها بوميض الفضول والفرحة واسرعوا إليه لينقضوا على الأكياس ويكتشفوا محتواها لكنه أوقفهم بعباراته الحازمة:
_ استنوا كل واحد ليه كيسه وحاجته ولعبه عشان ميحصلش خناق.
التقط أحد الأكياس الكبيرة واعطاها لمعاذ وثم التقط كيس مماثل في الحجم وأعطاه لعمار، لينقضوا على اكياسهم ويفرغوا محتوياتها وهم يضحكون بفرحة غامرة والاندهاش يستحوذ على وجوههم من كثر الألعاب وجمالها. بتلك اللحظات كانت تقف فريال بجوارهم وتراقب تعبيرات وجه اولادها وفرحتهم وهي تضحك، لتجد جلال يلتقط أحد الأكياس مختلفة الشكل وجميلة يبدو أنها من أحد المحلات الغالية وأعطاها إياه فاتسعت عيناها بدهشة وقالت في فرحة طفولية:
_ وأنا كمان جايبلي منستنيش يعني.
جلال في حنو:
_ برضوا يافريالي هو أنا أقدر أنساكي ياحبيبتي ده أنتي الكل في الكل هنا وقبل العيال دول ذات نفسهم.
كان معاذ وعمار منشغلين بألعابهم غير منتخبيين للحوار الدائر بين والديهم وكل منهم يتفقد ألعاب الآخر ليرى ما الألعاب الذي اشتراها لهم والدهم. أما فريال فهمت بفتح ذلك الكيس المميز لتكتشف محتواه فوجدته يمنعها وهو يبتسم بخبث ويقول:
_ لا مش هنا، الكيس ده مينفعش يتفتح قصاد العيال.
ضيقت عيناها باستغراب ثم خمنت من نظراته اللعوب أن هناك أشياء حميمية وخاصة بالداخل، فرمقته بقلة حيلة ضاحكة وهمست:
_ مش مطمنالك.
جلال بحماس وعينان تشتعل بالرغبة:
_ هنسيب العيال الليلة دي في بيت أبوي بعد كتب كتاب "علي" واحنا نقضي الليلة وحدنا يا فريالي.
قهقهت فريال بقوة وقالت في إشفاق:
_ حرام عليك نسيبهم إيه.. "علي" أكيد هيبقى حابب يقعد مع مراته والعيال هيعملوا صداع في البيت.
جلال بعدم اكتراث وهو يضحك:
_ واحنا مالنا، بعدين خليه يشرب شوية انتي مش فاكرة كان بيعمل فينا إيه واحنا مخطوبين ده أنا هوصي العيال عليه وصاية.
انطلقت ضحكتها المرتفعة ثم قالت:
_ أنت لسا فاكر ده من عشر سنين يا جلال الكلام ده.
أجابها بكل بساطة وابتسامة شيطانية:
_ الحجات دي انتوا تنسوها الستات عادي لكن إحنا الرجالة مننسهاش، لأن اللحظات دي بتبقى مميزة بنسبالنا وبنستناها بفارغ الصبر، وأنا جه الوقت دلوقت أخُد حقي.
ضحكت هزت كتفيها بقلة حيلة منه، تتركه يفعل ما يريد مع ابن عمه ثم عادت تنظر لأولادها المنشغلين في اللعب وجلست بجوار زوجها الذي ضمها لصدره وقال مغتاظًا بضحك:
_ شايفة ولاد **** ولا حتى قالوا شكرا لأبوهم.
ضحكت فريال عليه بين ذراعيه وقالت مدافعة عن أولادها:
_ عاجبهم اللعب خليهم يفوقوا من الصدمة والفرحة الأول حتى يا جلال.
أمال على رأسها مبتسمًا بدفء وقبلها وهو يهمس:
_ ربنا ما يحرمني منكم أبدًا ياحبيبتي.
***
داخل منزل بلال الصاوي بتمام الساعة الثامنة مساءًا....
كان جالسًا بالصالة يشاهد التلفاز إلى حين انتهاء زوجته من تجهيز نفسها، لكن طال انتظاره حتى ضجر فهب واقفًا واتجه إلى غرفتهم وهو منزعج فوجدها تقف أمام المرآة تضع اللمسات الأخيرة في حجابها وهي ترتدي ثوب فضفاض متدرج من إحدى درجات اللون الأخضر ويزينه بعض الفصوص البيضاء والفراشات الصغيرة. فابتسم بعينان لامعة ثم تقدم نحوها بخطواتها الهادئة حتى وقف خلفها مباشرة ولف ذراعيه حول خصرها وجذبها إليه يعانقه من الخلف وينحني برأسه عليه ويرفع حجابها عن رقبتها قليلًا ليطبع قبلاته الحارة وسط همسه وانفاسه الساخنة:
_ إيه الجمال ده يا حوريتي.
نظرت له في انعكاس المرآة وابتسمت بحب ثم احتضنت ذراعيه الملتفين حول خصره وقالت له بدلع:
_ يعني الفستان حلو فيا بجد، أنا كنت خايفة يبقى شكله وحش.
بلال مبتسمًا وهو يتغزل بها:
_ أنتي أي حاجة بتلبسيها بتحليها ياحبيبتي مش هي اللي بتحليكي.
ضحكت بخجل وقالت وهي تميل برأسها للجانب في دلال لطيف:
_ الله بقى يابلال متكسفنيش أكتر من كده.
قهقه عليه بخفة ثم رمقها بعين لامعة بمكر وعاد يوزع قبلاته على رقبتها ووجهها مجددًا ويهمس لها:
_ إيه رأيك نكنسل الطلعة دي وافسحك أنا أحلى فسحة هنا بين الأربع حيطان في مملكتنا الصغيرة.
لوت فمها بضيق وقوست حاجبيها مغتاظة كدليل على اعتراضها التام على ذلك الاقتراح فانفجر ضاحكًا وقال باستسلام تام:
_ في إيه أنا كنت بهزر بس، هنطلع متخافيش بس على اتفاقنا كيف ما أنا هدلعك برا وافسحك انتي كمان تدلعيني في البيت لما نرجع.
عادت البسمة الواسعة تشق ثغرها مجددًا كالطفل الصغير وقالت بدلع:
_ اوكي، هو أنا ليا مين غيرك أدلعُه يابلبلتي.
لوى فمه بقرف من ذلك الدلع السمج الذي تستمر في قوله وابتعد عنها وقال بهدوء مزيف وهو يتجه لخارج الغرفة:
_ أنا مستنيكي برا يلا خلصي بسرعة.
فهمت سبب ذلك التحول فكتمت ضحكتها وردت عليه بابتسامة عريضة متعمدة إثارة غيظه أكثر:
_ حاضر يابلبلتي.
توقف والتفت لها يرمقها بنارية فانفجرت ضاحكة بقوة ورفعت كفها تشير له أنها الأخيرة دون أن تتوقف عن الضحك الهستيري، فيهز هو رأسه بنفاذ صبر ويكمل طريقه للخارج مبتسمًا على طفوليتها التي يعشقها.
***
داخل منزل خليل صفوان.....
كانت العائلة بأكملها مجتمعة في الصالة الكبيرة بالمنزل بالطابق الأرضي وبانتظار وصول المأذون. كان "علي" يجلس مع الرجال ويتحدثون في أمور مختلفة وهو يرتدي جلباب صعيدي أبيض اللون ويلف حول رقبته شالًا رجالي من اللون البني زاده وسامة ورجولة. أما غزل فما زالت بالأعلى ومعها كل من خلود وآسيا يساعدونها في تجهيز نفسها.
بعد مرور نصف ساعة تقريبًا وصل المأذون أخيرًا وصعدت إنصاف لغرفة غزل لتطلب منها النزول، كانت ترتدي ثوب بسيط وفضفاض باللون الأبيض أيضًا مثله، بأكمام طويلة وعريضة وتركت العنان لشعرها الحريري ينسدل على ظهرها وكتفيها بعدما جهزته بإحدى التسريحات المفضلة لديها. وفي قدمها حذاء عالي من نفس اللون تنزل به الدرج فيصدر صوتًا ناعمًا مثلها جعل الجميع يلتفت لها وينبهر بجمالها الساحر. تعالت الزغاريد من النساء فور رؤية العروس وهي كانت تسير بخطوات رقيقة مبتسمة في خجل وهي تجفل نظرها أرضًا حتى وصلت لتلك الطاولة التي يجلس حولها كل من المأذون وأبيها وجدها وجلال و"علي" وكان مكانها بجواره هو.
وفور جلوسها انحنى عليها وهمس في أذنها بصوت أصاب فؤادها:
_ كلها دقايق وتبقى مرتي ياغندورة.
لم تنظر له وظلت مطرقة رأسها أرضًا والإبتسامة الخجلة لا تفارق ثغرها، حتى وجدت المأذون يبدأ في إجراءات الزواج ووضع "علي" يده في يد والدها وبدأ كل منهم يردد خلف المأذون ما يقوله.
وبعد مرور دقائق طويلة نسبيًا بعد انتهاء كافة الإجراءات هتف المأذون بابتسامة صافية وهو يهنئهم:
_ بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.. مبروك.
العبارة سقطت عليها كقطع الثلج التي أصبحت جسدها كله، وبلحظة مر أمامها شريطها الكامل منذ قدومها لذلك المنزل، كيف كان حالها عند دخولها وكيف هو حالها الآن، لو أخبرها أحدهم أنها ستتزوج "علي" لكانت اتهمته بالخرف، لا تستوعب أنها أصبحت زوجته حقًا.
شعور متضارب بين الرعب والفرح، التردد والحماس، لكن كل هذا لا يهم ولا مجال للصدمة الآن، فهي تتلقى التهنئات من جميع العائلة بالفعل والجميع يحتضنها ويهنئها بزواجها وسط الزغاريد وأصوات الأغاني المرتفعة والأطفال من حولها يرقصون ويلعبون.
وعندما التفتت برأسها للخلف إلى "علي" كان على عكسها تمامًا في قمة سعادته وهو أيضًا يتلقى التهنئات، لكن ضحكاته تستطيع سماعها رغم ضجيج الأغاني وصخبها.
انحنت عليها آسيا التي لاحظت ذهولها وتوترها من ذلك الوضع وهمست في أذنها ضاحكة:
_ اضحكي وفكي أحسن الناس تفتكرك مغصوبة.
نظرت لآسيا بنظرة طفولية وقالت في ارتباك شديد:
_ أنا خايفة.
قهقهت آسيا عاليًا وردت عليها في قلة حيلة:
_ صدق اللي قال عليكي هبلة.
جربتها النساء بجوارهم وتعالت ضحكاتهم مع بعضهم، فاندامجت معهم مع مرور الوقت ونست توترها وحتى بدأت تشاركهم في الرقص.
ولا تعرف لماذا أو ما السبب لكن عيناها كانت دائمة البحث عنه، بين كل لحظة والأخرى تلتفت وتبحث عنه وعندما تراه يقف بين الرجال تعود وتكمل رقصها وضحكها من النساء، هي نفسها لا تدري هل بحثها عنه يبثها بالأمان أم ارتباك وتوتر.
بعد انتهاء تلك الليلة الجميلة ورحيل جميع المدعوين لم يتبقى سوى أهل المنزل فقط، وهي كانت تجلس بين نساء العائلة تستمع لمزاحهم وأحاديثهم، ثم استقام كل من جلال وفريال وآسيا ليرحلوا وأصبح المنزل فارغ تقريبًا.
وتسارعت نبضات قلبها بشدة عندما رأته يقترب منها ثم ينحني عليها ويمسك بيدها ثم ينظر لوالدها وجده ويطلب الإذن منهم بأدب ضاحكًا:
_ عن إذنكم عاد هاخد مرتي ونقعد شوية على انفراد.
رمقته غزل بحدة من كلماته الجريئة أمام الجميع لكنه لم يبالي بها وجذبها معه إلى غرفة الجلوس الخاصة بجدهم وأغلق الباب، فالتفتت له وقالت بخجل:
_ عيب يا "علي"، بتقفل الباب ليه؟ الكل قاعد برا إيه يقولوا دلوقتي.
علي بعدم اكتراث وضحكة واسعة وهو يقترب منها بتريث:
_ يقولوا اللي يقولوه، مليش صالح، مرتي وأنا حر، محدش له حاجة عندي.
تقهقهرت للخلف بارتباك من تقدمه الخبيث نحوها ورفعت سبابتها في وجهه وقالت محذرة إياه:
_ "علي"، أنت بتقرب كدا ليه؟ عارف لو فكرت تعمل أي حاجة هصوت وأنت عارفني أنا مجنونة وأعملها.
كبح ضحكاته بصعوبة وهو مستمر في التقدم نحوها ويقول بجدية ليطمئنها:
_ يابت هعمل إيه أنا، بس هاخدك بالحضن وأقولك مبروك.
أجابته بتوتر وخجل حقيقي وهي مازالت تتراجع قبل أن يصل لها:
_ قول لي مبروك بدون touch.
تصنع الغيظ والضيق وقال بحدة:
_ طيب ما تثبتي عشان أعرف أتكلم كلمتين على بعضهم معاكي.
توقفت مكانها بعدما نجح في إخافتها بنظراته الحادة، وقف أمامها مباشرة وهو يتمعنها بحب مبتسمًا ثم انحنى عليها ينوي أن يضمها، احضنه ويقبله من شعرها لكنها ظنته ينوي شيء آخر ودون أن تردد انطلقت منها صرخة لكنها أسرع وكتم على فمها قبل أن تلتقط آذانهم في الخارج تلك الصرخة.
ورمقه مغتاظًا ثم هتف:
_ إيه الچنان وشغل الفضايح ده!
دفعت يده عن فمها بعيدًا وهتفت بتحدي وشماتة:
_ عشان قولت لك وحذرتك لو عملت أي حاجة هصوت.
عض على شفاه مغتاظًا منها ثم قال بعين تلمع بشيطانية:
_ طب أنا كنت ناوي أحضنك بس وعشان اللي عملتيه ده لازم تاخدي عقاب.
تركها للحظة لتستوعب ما قاله حيث دنى منها وأبحر معها في لحظاتهم الخاصة الأولى، يعيشون أولى أحزانهم الغرامية كزوجين.
ابتعد عنها بعد لحظات طويلة ورفع شفتيه لجبهتها يطبع قبلة دافئة وهو يهمس:
_ مبروك ياغندورتي.. أخيرًا بقيتي ليا وحدي.
فتحت عيناها ببطء وحمرة الخجل تملأ وجنتيها وانفاسها متسارعة من فرط الاستحياء والتوتر، ثم راحت تلزكه في صدره بغيظ وتوبخه بلطف هاتفية:
_ أنت قليل الأدب على فكرة.
قهقه بخفة ثم ضمها لصدره وقال ببرود مبتسمًا:
_ وماله صفة حلوة وشغالة برضوا اليومين دول.
ضحكت بصمت بين ذراعيه مغلوبة على أمرها منه، رغم كل شيء لكن ربما هي الآن لأول مرة تشعر بالسعادة الحقيقية منذ بداية اليوم، تلك الفراشات التي تحلق في معدتها واجنحتها التي تكاد لا تسع الغرفة من فرحتها وحبها له.
***
داخل منزل عمران الصاوي....
كانت آسيا تقف في المطبخ تقوم بتحضير العشاء بعد عودتها من زواج "علي" وغزل، وكان عمران بالصالة متسطح فوق الأريكة ويشاهد التلفاز، كانت مازالت تخطط وقد فكرت بأن خطتها في إثارة رغباته فكرة جيدة وتجعلها يخضع ويسامحها.
بعدما انتهت من تحضير الطعام بدأت في نقل الصحون للخارج ووضعهم فوق طاولة الطعام وهي تتعمد تجاهله كأنها منشغلة في الطعام وغير منتبهة له، تتحرك أمامه كالفراشة بخفة وتتغنج في سيرها وتتمايل بذلك الثوب الأسود القصير الذي ترتديه، تخدعه أنها لا تراه لكنها كانت ملاحظتها قوية جدًا وتراقب نظراته المتفحصة لها.
بعد انتهائها من نقل الصحون اقتربت منه ومدت له يد المساعدة فطالعها بمكر مبتسمًا ثم قال بين ضحكه:
_ انتي بتمارسي عليا تعويذة من تعاويذ سحرك ولا إيه!
ضحكت بصمت وقالت في شموخ وثقة:
_ إيه اللي خلاك تفهم إكده!
مسك يدها وساعدته في الوقوف وهو يجيبها بهدوء:
_ أنا مش فاهم حاجة واصل.
ابتسمت له بلؤم وقال بدلع:
_ مش لازم تفهم، أهم حاجة الإحساس يا معلم.
قهقه بخفة على عبارتها ثم سار بجوارها حتى وصل لمقعده وجلس عليه وجلست هي بجواره وقبل أن يمد يده للطعام وأوقفاته وبدأت هي تطعمه بيدها وسط نظراته الحائرة والمغرمة، كانت لا تجعله يضع يده في الطعام أبدًا بل تطعمه بكل اهتمام وتدلله كابنها الصغير وتعني له غامزة:
_ أنا وعدتك أني هدلعك في البيت.
فتح فمه ليأخذ اللقمة من يدها ويجيبها مبتسمًا وهو يمضغ الطعام:
_ هتفضلي توكليني إكده ومتاكليش انتي.
رفعت يدها بلقمة أخرى ومدتها لفمه وهي تجيبه بحب:
_ لا أنا شبعانة.
أبعد يدها وأعادها لفمها هي متمتما بحزم بسيط:
_ كلي انتي يا آسيا، كفاية أنا هكمل وكل لوحدي.
همت بأن تعترض لكنه رمقها بنظرة صارمة لا تقبل النقاش جعلها تزم شفتيها بضيق وقلة حيلة وامتثلت لأوامره.
وسط تناول الطعام صدح صوت رنين هاتفه فالتقطه وأجاب على بشار بغلظة:
_ عملت إيه يابشار؟
بشار بنبرة رجولية:
_ الرجالة عملوا معاهم الواجب في المخزن وبعدين هما راحوا سلموا نفسهم.
عمران بغضب شديد:
_ بتخليهم يسلموا نفسهم ليه؟ أنا ما قولتلك عاوز اربيهم بنفسي الأول.
هتف بشار باستياء وحدة:
_ أنت في إيه ولا إيه ياعمران، لساتك طالع من عملية وفيك جرح في ضهرك وتقولي اربيهم أنا، ملوش لزمة يا ولد عمي، أحنا عملنا معاهم الواجب وأكتر كمان متقلقش وصابر الـ**** بعد اللي عمله ده معاك وهما هيعترفوا عليه مش هيطلع من السجن غير وهو بالكفن إن شاء الله.
مسح عمران على وجهه متأففًا بنفاذ صبر وقال لبشار في صوت محتقن:
_ طيب يابشار سلام.
ألقى الهاتف بجواره منزعجًا فتمعنته آسيا بحنو وتردد لكن حسمت قرارها ومدت يدها تمسح على ذراعه بدفء وانحنى عليه تُقبّل كتفه هامسة:
_ كمل وكلك ياعمران متضايقش نفسك، هما خدوا جزائهم والسجن هيربيهم أكتر، كفاية أنك جاري وبخير يا أبو سليم.
رمقها عمران بنظرة مميتة ثم دفع يدها بعيدًا عنه بنفور وقال بقسوة بعدما أشاح بوجهه للجهة الأخرى:
_ ما عاوزش أسمع حسك واصل يا آسيا دلوقتي.
تجمدت تعبيرات وجهها وتملكتها الصدمة من رده القاسي رغم كل ما تفعله من أجله ورغم محاولاتها المستميتة في إرضائه، لكنه ألقى بجهودها كلها عرض الحائط بتلك العبارة، استقامت واقفة بسخط واندفعت إلى غرفتها ثائرة في أسى.
أطلق تأففًا حارًا بحنق وندم على كلماته السامة، يبدو أنه كسر بخاطرها حقًا هذه المرة، بقى مكانه لدقائق طويلة محاولًا امتصاص ذلك الغضب ليذهب لها ويجبر بخاطر غزاله المنكسر.
استقام واقفًا وسار ببطء شديد وحرص إلى غرفتهم ثم فتح الباب ودخل فوجدها تقف أمام الخزانة وتهم بنزع ذلك الثوب الأسود الذي سحره، فاقترب منها وحاوطها من خصرها بذراعه هامسًا:
_ هتغيريه ليه؟ أنا عاچبني.
آسيا بامتعاض:
_ أنا مش عاچبني.
مال ثغره في ابتسامة رجولية ساحرة ثم دنى منها ولثم وجنتها بقبلة عاشقة ثم لف ذراعه الآخر حولها وجذبها إليه لتلتصق بصدره وهمس:
_ كل مرة بتسحريني وتسيطري عليا وتقلبي الطرابيزة عليا وفي النهاية أنا اللي آجي أصالحك.
ابتسمت وقالت في غرور:
_ عشان أنت عارف أني بحبك ومستاهلش إكده وأني كنت بعمل كل حاجة عشان أرضيك.
أكمل عليها بوجهه وراح يلثم وجهها بقبلاته المتفرقة في رغبة هامسًا:
_ وأنا كمان بحبك ياغزالي، بس ده ميمنعش أن اللي عملتيه الصبح في المستشفى وانتي قاصدة تچننيني عليكي لازم يبقى فيه رد عليه.
رمقته بنظرة جريئة ثم لفت ذراعيها حول رقبته وقالت في غنج:
_ وأنا منتظرة ردك يا معلم!
ضحك وقال في نظرة لعوب:
_ أنتي عاوزة إيه بالظبط يابت خليل؟ مش شايفة الوضع اللي أنا فيه.
قهقهت عاليًا بأنوثة ثم قالت متصنعة البراءة:
_ متفهمنيش غلط، أنا قصدي نسهر الليلة دي مع بعض ونحكي ونتفرج سوا على حاجة حلوة، إحنا من زمان مقعدناش القعدة دي مع بعض.
هز رأسه بتفهم وهو يبتسم بخبث ثم قال بوقاحة:
_ تمام، نقضي الليلة دي محترمين لغاية ما أستعيد صحتي بس وأربيكي كيف ما اتفقنا.
لمست على صدره بدلع وقالت في لؤم:
_ أنا من إيدك دي ليدك دي يا عمران.
انطلقت ضحكته الرجولية على تدللها المختلف وعاد يقبلها مجددًا ثم يضمها لصدره بعشق.
***
بينما كان كل من فريال وجلال بطريق عودتهم للمنزل كان هو يقود السيارة وهي تلقي نظرها خارج زجاج السيارة تراقب الطريق بشرود، فجأة وجدته توقف بجانب الرصيف بأحدى المناطق الهادئة المطلة على مياه البحر فالتفتت له وضيقت عيناها باستغراب وراحت تسأله:
_ وقفت ليه؟
جلال مبتسمًا بحنو:
_ انزلي هنقعد شوية قصاد البحر.
بادلته الابتسامة ثم امتثلت لطلبه وفتحت باب السيارة ونزلت، التف هو حول السيارة واحتضن كفها بين كفه الكبير ثم سار معها باتجاه إحدى المقاعد الخشبية العريضة أمام البحر وجلسوا بجوار بعضهم، دام صمتهم لثواني معدودة حتى قطع صمتهم صوتها وهي تقول برقة وعيناها عالقة على المياه أمامها:
_ إحنا مرينا بحاجات كتير قوي مع بعض يا جلال.
تنهد الصعداء بحنق بسيط وقال في جدية:
_ ليه بتجيبي في سيرة الماضي بس دلوقتي يا فريال؟
ابتسمت له بحب وقالت في ثبات تام:
_ متقلقش أنا مش بفكرك بيه عشان نزعل ونتخانق، أنا بس أدركت قد إيه حبنا لبعض كان أقوى من أي حاجة، لأن برغم كل ده إحنا لسه مع بعض.
أجابها بوجه عابس وصوت يحمل الندم:
_ أنا مبحبش أفتكره، لأن بفتكر غلطي وقد إيه أنا كنت أعمى ومغفل وازاي أنا ظلمتك وكنت هخسرك بغبائي، مش بفتكره لأني في كل مرة بفتكر الماضي إحساس الندم بيقتلني.
التفتت له وحدقها بدفء وعينان مفعمة بمشاعر العشق ثم وضعت يدها فوق كفه واحتضنته بقوة هامسة في شعور صادق:
_ صحيح أنت غلطت بس مفيش حد مبغلطش يا جلال وأنا مسامحاك ياحبيبي ونسيت كل ده، كفاية حبك ليا ووجودك جنبي أنت والعيال.
أمسك هو بكفها ورفعه لفمه واخذ يأثم ظاهره بعدة قبلات دافئة ثم تمتم بعينان تفيض عشقًا:
_ ربنا ما يحرمني منك واصل يا فريال.
تأملته بهيام ثم عادت بنظرها للمياه تتأمل ذلك المنظر الهادئ أمامها، حتى سمعته يضحك وهو يقول لها:
_ قعدتنا دي مفكرتكيش بحاجة؟
التفتت له وحدقته بحيرة وعدم فهم.
ثم دققت النظرة بتركيز في نظراته لها محاولة فهم مقصده وإذا بها تنفجر ضاحكة فور تذكرها لذلك اليوم الذي يقصده وقالت بين ضحكها:_فكرتني ليه حرام عليك ده كان يوم ميتنسيش من كتر المصايب اللي حُصلت فيهجلال بنظرة تحمل من الهوى ما يكفي لانتشاء روحها:_بس كان يوم چميل قوي كفاية أنه كان في شهر عسلنا هزت رأسها بالإيجار مبتسمة ثم نظرت له بنعومة وهمست:_طيب مش يلا بينا الچو برد وكمان عاوزة نروح البيت ونرتاحغمز لها بخبث وقال متحمسًا:_صُح عندك حق نروح البيت امال احنا سايبين العيال في بيت أبوي ليههبت واقفة وهي تقهقه بخفة ثم قادت خطواتها إلى السيارة وهو لحق بها، بعدما استقلوا بمقاعدهم وقبل أن ينطلق بالسيارة التقط كفها ورفعه لفمه ليقبله مجددًا. ***فتح بلال باب المنزل ودخل هو أولًا ثم لحقت به حور التي انتابتها موجة ضحكة هستيري، اغلق الباب فور دخولها ونظر لها بحزم لطيف وقال:_وبعدين عاد ياحور!! اتجهت إلى أقرب مقعد أمامها وجلست فوقه وهي مازالت تضحك بقوة وتقول:_مش قادرة انسى منظرك لما كنت هتتخانق مع الراجل تقدم نحوها وجلس على أقرب مقعد لها ثم قال بغضب حقيقي:_أنا قومت من چمبك بس روحت الحمام رچعت لقيت واحدة بتتعرف عليكي عاوزاكي لأخوها اللي قاعد بيتفرج عليكي من الطرابيزة اللي چمبنا المفروض كنت اخده بالحضن يعنيحور برقة وهو تحاول تمالك ضحكاتها:_سوء تفاهم يابلال هي البنت دي أنا اعرفها على فكرة وهي كانت فكراني متجوزتش لسابلال بعصبية وحنق شديد:_فكراكي مش فكراكي ميخصنيش انا غلطان أني طلعتك أصلًازمت شفتيها للأمام بعبوس طفولي ثم استقامت من مقعدها واقتربت منها لتجلس فوق قدميه كطفلة صغيرة تجلس بين احضان أبيها، ولفت ذراعيها حول رقبته ثم نظرت له بذلك المنظر البرئ تستعطفه وتثير عواطفه بهمسها الناعم:_اخص عليك يابلال اهون عليك كنت تكسر بخاطري، أنا أيه عرفني أن الطلعة هتبوظ ويتنكد علينا كدا أخفض نظره بجرأة يتفحص ما تفعله وكيف تجلس بين ذراعيه وفوق قدميه بدلال ثم قال متصنعًا الضيق:_أنا قولتلك بلاش وخلينا في بيتنا وهنتبسط اكتر ابتسمت بدلع أنثوي ثم دنت منه وطبعت قبلة حميمية على وجنته وتمتمت بنظرة ساحرة:_ولا تزعل ياحبيبي أنا هعوضك، ميهنش عليا اشوفك متعصب ومضايق كدا، قولي بس أنت إيه اللي يبسطك وأنا فورًا انفذحاول منع ابتسامته لكنه فشل فحدقها بطرف عينها في مكر وهمس:_كلك نظر ياحوريةفهمت ما يلمح إليه فقهقهت برقة ثم قالت بغنج بعدما نهضت من فوق قدميه:_عيوني اروح بس اغير هدومي الأولراقبها وهي تبتعد باتجاه غرفتهم ثم ارسل لها غمزة وقحة فانفجرت ضاحكة على أثرها، غابت داخل الغرفة لدقائق طويلة حتى انتابه الفضول حول سبب تأخرها فاستقام واقفًا واتجه إلى الغرفة، فتح الباب ودخل فوجدها تقف في الشرفة ، غضن حاجبيه بتعجب ثم اقترب منها ووقف بجوارها وراح يلف ذراعه حول خصرها ويجذبها إليه مردفًا ببسمة سخرية:_امال فين اللي هبسطك وادلعك سيباني وواقفة في البلكونة!!ابتسمت له بحب ثم همست بصوت هائم:_الجو جميل أوي قولت اقف شوية في الهوا دهمال على رأسها وطبع قبلة حانية ادفأت جسدها ثم هتف بصوته الرجولي المهتم:_لا ادخلي احسن تتعبي ياحبيبتيأغلقت عيناها واخذت نفسًا عميقًا بوجه صافي والسكينة والطمأنينة تنبعث من ملامحها الجميلة، ثم نظرت له بتمعن وغرام ومالت برأسها على صدره وتمتمت في لوعة:_مبسوطة أوي يابلال أنك معايا وان ربنا رزقني بيك، ومش مصدقة أننا في بيتنا واني واقفة في حضنك، لغاية دلوقتي بفضل افكر كل ده حصل ازاي وامتى، أنا فاكرة لُقانا اول مرة كأنه امبارح، معقول كل ده عدى بالسرعة دي واتجوزنالف ذراعه حولها بحميمية وضمها إليه أكثر وعلى ثغره ابتسامة عاشقة ثم أجابها بعين تلمع بوميض جميل:_الشال بتاعك لغاية دلوك محتفظ بيهرفعت رأسها عن صدره ونظرت إليه بدهشة وقالت:_بجد لسا موجود معاك!بلال بتأكيد وبسمة رجولية جذابة:_طبعًا لساته معايا ده غالي عليا قوي وكيف ما صاحبته غالية عندي ومقدرش أفرط فيها مقدرش أفرط فيه هو كمانرفعت جسدها ووقفت على أطراف أصابعها لتصل لطول جسده العريض والطويل وطبعت قبلة قوية بجانب ثغره ثم همست له بنعومة تذهب العقل:_أنا بحبك أويحدثنا مبتسمًا بغرام ثم مال بجزعه للأمام ووضع ذراع أسفل قدميها والأخرى في منتصف ظهرها وحملها بين ذراعيه ليدخل بها إلى غرفتهم هاتفًا بنظرة لعوب:_دوري عاد ارد عليكي واثبتلك حبي بالأفعال ***بعد مرور أسبوع تحديدًا بليلة زفاف بشار ومريم.......انتهى حفل الزفاف وانتهت بداية ليلتهم مع العائلة وبقاعة الزفاف وسط الفرحة التي تملأ قلوب الجميع وترسم البسمة على وجوههم والزغاريد والرقص والتهنئات من جميع المدعوين للعروسين وهم يتمنون لهم حياة زوجية سعيدة.كانت تقف مريم خلف بشار الذي يفتح باب منزلهم وهو يلقي عليها مزاحاته التي لا تتوقف منذ بداية اليوم:_الباب معصلق هي من أولها إكده، شكل عين حد رشقت في ليللتناضحكت مريم بقوة وأخذت تراقبه وهو يحاول مع الباب حتى نجح في فتحه أخيرًا فتنهد الصعداء بابتسامة عريضة وافسح لها الطريق لتدخل هي أولًا ثم دخل خلفها واغلق الباب، وقف خلفها ملتصق بها وهمس لها بحب:_مالك متصنمة في أرضك إكده ليه ياعروسةأطرقت مريم رأسها خجلًا وتلك الابتسامة الساحرة تزين ثغرها الناعم فمال عليها من الخلف ولف ذراعيه حول خصرها ثم دفع وجهه بين ثنايا رقبتها هامسًا:_أخيرًا يامريم اتقفل علينا باب واحد ده أنتي عذبتني لغاية ما رضيتي عنيلمساته العشوائية جعلت القشعريرة تسير في أطراف جسدها كله وتلك الفراشات تحلق في معدتها بقسوة، فازدردت ريقها بتوتر وابعدت ذراعيه عنها ثم استدارت له لتصبح مقابلة له وقالت في ثقة:_كان لازم تعرف قيمتي واتأكد من حبك لياأجابها بغمزة لعوب:_ودلوك اتأكدتي يعني؟! مطت شفتيها للأمام بتردد مزيف وقالت:_على حسبمال بوجهه عليها وقال في نظرات جريئة:_وماله العمر طويل قصادنا وهثبتلك بطرقي الخاصة مالت هي لا إراديًا للخلف كردة فعل مرتبكة على دنوه منها فتجده يضحك ثم يفتح لها ذراعيه كاملة ويقترب منها ليلفهم حول ظهرها ويضمها لحضنه وسط قبلاته التي يوزعها على رأسها ووجهها وهمساته الحانية:_ربنا يقدرني واعوضك عن كل اللي مرينا بيه ياحبيبتي، من إهنه ورايح سعادتك وراحتك هتبقى هي أهم حاچة عنديابتعدت عنه ببطء ثم نظرت لوجهه بهيام وعيون تفيض عشقًا:_وأنا اهم حاجة عندي هي أنت رفع كفيه واحتضن وجهها ثم دنى منها وراح يلثم وجنتيها بقبلاته الساخنة ثم ابتعد بشفتيه سنتي مترات عن بشرتها الناعمة وهمس بنظرة تشتعل بالرغبة والحب:_مش يلا ولا إيه، هو احنا هنقضيها رومانسيات وكلام وبساجفلت نظرها عنه أرضًا باستحياء شديد وقد تلونت وجنتيها بحمرة شديدة وظهر الارتباك الحقيقي علي محياها ليضحك هو برجولية ثم يميل بجزعه ويحملها بين ذراعيه متجهًا بها إلى غرفتهم. ***على الجانب الآخر داخل منزل خليل صفوان تحديدًا بغرفة " علي " خرج من الحمام واتجه إلى فراشه ليتلقط هاتفه الذي لا يتوقف عن الرنين منذ وقت طويل، وعندما قرأ اسم المتصل التي كانت زوجته ضيق عينيه باستغراب من اتصالها به وهي بنفس المنزل معه.أجاب عليها بحنو:_نعم ياحبيبتيهتفت غزل برقة تليق بصوتها الأنثوي:_تعالى عندي في الأوضة يا " علي " مستنياك رفع حاجبه مندهشًا وقال مازحًا بضحكة لئيمة:_وه في الأوضة مرة واحدة، ده احنا اتطورنا عاد!كتمت ضحكتها المغلوبة منه وقالت بجدية:_بلاش وقاحة انا مجهزالك مفاجأة هتعجبك أوي يلا تعالى" علي " بخبث وحماسة:_اكيد هتعجبني طالما بتقوليلي تعالى الأوضة، جايلك ياغندورةأغلقت الاتصال والقت بالهاتف على الفراش وهي تتنهد بقلة حيلة وتضحك عليه، ثم جلست على الفراش تنتظره حتى سمعت طرقة خفيفة منه على الباب ولم ينتظر وكان سيهم بفتح الباب لكنها صاحت عليه بسرعة:_لحظة متدخلشقرب شفتيه من الباب وهتف بصوت منخفض قليلًا في جرأة:_انا چوزك وستر وغطا عليكي ياحبيبتي هتتكسفي منيضربت على وجهها وهي تضحك بنفاذ صبر منه ثم اقتربت من الباب ووقفت خلفه وفتحت له الباب ببطء ثم قالت بلهجة حازمة:_ادخل وأنت مغمض عينك عشان المفأجاة، اوعى يا " علي " تفتح عينك okayاغلق عينيه كما طلبت ودخل وهو يردد خلفها ويقلدها بمزح:_اوكييييفور دخوله اغلق الباب ووقفت أمامه ثم أخذت نفسيًا عميق بحماس شديد وتشويق لردة فعله، وراحت تهتف له بفرحة:_Open your eyesفتح عينيه ببطء وهو يضحك ويهز رأسه بطريقة كوميدية ظنًا منه أنها ستكون مفاجأة عادية، لكن تجمدت تعبيرات وجهه فجأة واختفت ابتسامته من أثر الصدمة حتى أنه أخذ يتمعنها فاغرًا شفتيه كالأبله، كانت تقف أمامه ترتدي ثوب فضفاض وساتر لا يظهر من جسدها سنتي واحد وترتدي حجابًا كبيرًا يغطي شعرها وينزل إلى منطقة الصدر يخفيها أيضًا.دام ذهوله للحظات طويلة حتى سألها بعدم استيعاب:_ده انتي بتچربيه بس وبتورهوني ولا هتلبسيه واتحچبتي صُحهزت رأسها بالنفي في ابتسامة عريضة وقالت في ترقب لردة فعله الحقيقية:_لا هلبسه خلاص هتحجب، إيه رأيك في شكلي بقى؟ قالت عبارتها الأخيرة وهي تدور أمامه بجسدها لتمكنه من رؤية مظهرها الجديد بوضوح أكثر، فكان هو يتأملها بعينان لامعة بوميض مختلف لأول مرة تراه في عيناه، وعندما توقفت وجدت الرد منه بأنه فتح ذراعيه لها يحثها على الدخول إلى قوقعتها الآمنة، فلبت دعوته بصدر رحب وسعادة ليأخذها هو بين ذراعيه ويضمها بقوة وشفتيه تتنقل على رأسها وجبهتها ووجهها، حتى سمع سؤالها المتعجب:_أنت ساكت ليه يا عليأجابها مبتسمًا بغرام والذهول مازال يستحوذه:_مش عارف ارد اقول إيه من الصدمة ياغزل، الصراحة مكنتش اتوقع ده أبدًا انا كنت لساتني بفكر كيف هقنعك عشان تلبسي الحچابابتعدت عن حضنه ونظرت له بخجل بسيط وقال في وجه صافي وهاديء:_الصراحة خلود فضلت تتكلم معايا كتير واقنعتني أن لبسي حرام وممكن ادخل النار بسبب لبسي وفي الآخر حبيت الحجاب واقتنعت بيهرفع حاجبه مندهشًا وقال مبتسمًا بعد تصديق:_معقول خلود !!هزت رأسها بالإيجاب له ثم تابعت بعينان تلمع بوميض الحب: _وكمان أنا عارفة أنك بتغير عليا ومش بتحب لبسي ولا أني اطلع قدام حد غريب باللبس بتاعي اللي بيبين جسمي، فحبيت اخليك مبسوط وراضي عنياتسعت عينيه بدهشة مختلفة هذه المرة فمازالت تدهشه بكلماتها ومن فرط سعادته مال عليها وخطف قبلة سريعة منها وهو يقول:_الله اكبر على مرتي وحبيبتي اللي مهتمة براحة چوزها وعارفة أنه بيغير عليها وعاوزة تريحيهلكزته في صدره بخجل بعد قبلته وقالت معاتبة إيه بغيظ:_بلاش وقاحة بقى وقلة أدبدنى منها مجددًا واحتضن وجهها بين كفيه وراح يلثم وجنتيها من الجانبين بقبلات قوية وهو يهمس:_مش قادر من كتر فرحتي بيكي، أنتي مش هتتخيلي أنا مبسوط كيف دلوكاتسعت ابتسامتها بسعادة على فرحته بها وردة فعله الجميلة وتشجيعها لها ثم راحت تلقي بجسدها عليه وتتعلق في رقبته هاتفة بتلقائية:_أنا بحبك أوي ياعليلا يعرف كم عدد المرات التي أصابته فيها بالدهشة منذ دخوله الغرفة وكانت هذه الأخيرة غالبًا باعترافها بحبها له، فابعدها عنه ونظر في وجهها بعدم تصديق وقال:_يابركة دعاكي ياما، أخيرًا وداني سمعتها قوليها تاني إكدهابتسمت بخجل وراحت تهز كتفها بغنج أنثوي وتهمس في نعومة:_بحبكغار عليها من فرط فرحته وصدمته وراح يوزع قبلاته على وجهها في كل مكان تطوله شفتيه فدفعته بعيدًا عنها برفق في خجل شديد وقالت بوجنتين تلونوا بالأحمر :_ "علي " الله في إيه براحة،
بعدين راعي أني بتكسف.
أجابها وهو يحاول التحكم في رغباته ومشاعره الجيَّاشة تجاهها:
_أنا فعلاً لازم أراعي أننا لسه ما عملناش الفرح، ولازم أمشي لأني لو فضلت هنا دقيقة كمان مش ضامن روحي ممكن أعمل إيه.
فُغرت غزل شفتيها وعيناها بصدمة، بينما هو فابتعد وفتح باب الغرفة، ثم التفت لها قبل رحيله وغمز بعينيه في وقاحة وهمس:
_أنا عاوز اللبس اللي كنتي بتلبسيه لما أجيبك تكوني لبساه، كان بيعجبني قوي.
التقطت الوسادة من على الفراش وألقتها عليه بغيظ وهاتفة بضحكة خجلة:
_اطلع برا ياقليل الأدب.
تفادى هو اصطدام الوسادة به بذكاء وسط ضحكاته، ثم انصرف وأغلق الباب ليتركها تبتسم بهيام وهي تتذكر قبلاته وكلماته المعسولة.
***
بعد مرور سنتين.
داخل إحدى شركات الديكور والأثاث المشهورة والضخمة، كانت خلود تجلس فوق مقعدها داخل غرفة مكتبها الخاص تباشر أعمالها الغير منتهية، وترتدي بنطال فضفاض يعلوه بالطو رسمي من اللون الأخضر ويزينه حجابها الرقيق. فقد حققت مبتغاها منذ سنتين عندما حصلت على تلك الوظيفة وعملت بكل جهدها حتى ترقت إلى أن أصبحت نائب مدير عام. حققت ذاتها والآن هي حرة سيدة نفسها، لا يمكن لأحد أن يكسرها أو يحاول تحطيمها، ومن كان لديه الجرأة ليفعل، فليحاول ويلقى عقابه.
رفعت رأسها عن الأوراق عندما دخلت مساعدتها الخاصة وقالت:
_في ضيوف مهمين من طرف مستر أدهم يا أستاذة خلود، وهو قالي أوصلهم لحضرتك وتشوفي هما محتاجين إيه.
ردت خلود بثبات تام ووجه جامد:
_تمام يانورهان، خليهم يتفضلوا، وابقي بلغي مستر أدهم ينتظرني لغاية ما أخلص لأني عاوز أتكلم معاه.
هزت رأسها بالموافقة وخرجت من الغرفة تاركة الباب مفتوح. وكانت خلود قد أعادت رأسها تنظر وأوراقها مجددًا إلى حين دخول هؤلاء الضيوف.
بعد لحظات سمعت صوت أنثوي يقول:
_أستاذة خلود.
استقامت خلود واقفة لترحب بالضيوف وهي على ثغرها ابتسامة صادقة، لكن سرعان ما تلاشت تدريجيًا عندما سقط نظرها على مروان وهو بجواره تلك المرأة. لم تكن أبدًا تتوقع رؤيته مجددًا، وبالأخص بتلك الطريقة. تبادلوا هم الاثنين نظرات الصدمة للحظات، فلاحظت حتى لاحظت تلك المرأة، فقالت له بتعجب:
_مالك يامروان واقف كده ليه!
تملكت الصدمة من خلود، وللحظة شعرت بأن كل ما بنته بالسنتين دمرهم هو بلحظة واحدة. كانت نظراتها له تحكي ألف كلمة، لكن سرعان ما تمالكت مشاعرها ونجحت في إظهار ثباتها وقوتها التي اكتسبتها من نجاحها العملي وتحقيق ذاتها، ووقفت أمامهم بكل ثقة وابتسامة خفيفة، رغم أنه هو كان مازال يتأمل مظهرها المختلف كليًا بذهول. لولا أنه يحفظ شكلها جيدًا، كان ربما لن يعرفها.
نقلت المرأة التي بجوارها نظراتها بينهم بحيرة، ثم سألتهم بابتسامة هادئة:
_انتوا تعرفوا بعض ولا إيه؟
سبقته خلود بالرد في ثبات وقوة شخصية طاغية وهي تمد يدها لتصافح المرأة:
_لا خالص، أهلاً وسهلاً بيكم، اتفضلوا.
مدت يدها وصافحت خلود ببشاشة، ثم جلست على المقعد، وجلس بعدها مروان وهو بعالم آخر من أثر الصدمة. أما تلك المرأة فتحدثت وهي تشير إليه بيدها:
_أنا ريم ساهر، وده جوزي البشمهندس مروان.
التفتت خلود برأسها تنظر لمروان بابتسامة حكت الكثير، وقالت مرحبة به:
_أهلاً بخضرتك يابشمهندس.
ثم عادت بنظرها إلى زوجته وسألتها بلطافة:
_أقدر أساعدكم إزاي؟
ردت زوجته وهي تمدح خلود بود:
_والله إحنا مستر أدهم شكر في حضرتك كتير أوي، ولأنه معاه اجتماع ضروري قال لمروان هو صديق مروان جوزي نيجي عند حضرتك، وانتي هتساعدينا. إحنا كنا عايشين في إيطاليا وهننقل دلوقتي هنا وعايزين نجهز شقتنا من كل حاجة.
رفع مروان يده ومسح على وجهه وهو يتنفس الصعداء بحنق ويحاول تفادي النظر لخلود التي تتصرف كأنها لا تعرفه. وأجابت على زوجته بكل رسمية:
_تحت أمرك، هفرجك دلوقتي حالاً على التصاميم اللي موجودة عندنا في الشركة وتقدروا تختاروا منها اللي يعجبكم.
ثم رفعت هاتفها المتصل بمساعدتها، التي أجابت عليها فورًا، وقالت لها خلود برسمية:
_ابعتيلي التصميمات الجديدة اللي وصلت يانورهان بسرعة.
أنهت خلود اتصالها ونظرت لمروان الذي يحدقها بتمعن، ثم عادت بنظرها لزوجته وقالت بابتسامة تحمل خلفها الكثير:
_دي مجموعة جديدة لسه مطلعتش لأي حد حتى، بس عشان حضرتكم ضيوف مستر أدهم وهو غالي عندي، طلبت ليكم الأفضل.
ردت زوجته بامتنان شديد:
_متشكرين جدًا ليكي.
وصلت المساعدة بالتصميمات التي طلبتها منها خلود، ثم عرضتها عليهم، ودام نقاشهم لنصف ساعة تقريبًا، وأغلب الوقت كان مروان يلتزم الصمت ولا يتحدث إلا عندما تطرح زوجته عليه سؤالًا. ولخيرًا بعد انتهائهم والاتفاق على كل شيء، استقاموا، وودعت تلك المرأة خلود بعذوبة شديدة. وعندما نظرت لمروان قالت له بابتسامة ساخرة لم يفهمها سواهم، وكأنها تخبره أنها سعيدة أنهم انفصلوا:
_اتشرفت بحضرتك يا بشمهندس مروان.
على النقيض، رمقها هو بنظرة اعتذار وندم وأجاب:
_أنا أكتر، عن إذنك.
أشارت لهم بكفها باتجاه الباب في ابتسامة صافية. ليلقي هو عليها وعلى مظهرها نظرة أخيرة قبل أن يلحق بزوجته وينصرف. بينما هي فجلست على مقعدها وهي تتنفس الصعداء بحنق ووجع لمجرد تذكرها ذلك الماضي الأليم.
***
بمكان آخر، داخل منزل عمران الصاوي.
كان عمران جالسًا بشرفة غرفته وبيده كأس الشاي المفضل لديه يحتسيه بتلذذ. فقطع تلك الخلوة الهادئة مع نفسه صوت ابنه الصغير وهو يسير بخطواته الغير متوازنة إليه ويصرخ باكيًا:
_بابا.
التفت له عمران بفزع وفتح له ذراعيه ليستقبله ويحمله فوق ذراعيه بحنو وقلق وهو يسأله:
_مالك مين اللي زعلك ياحبيبي أبوك؟
نظر له سليم بعينان طفولية دامعة وأشار بأصابعه الصغيرة إلى الخارج حيث توجد أمه وهتف:
_مامي!
وصلت آسيا في تلك اللحظة إليهم وهي غاضبة من ابنها الصغير، أما عمران فنظر لها وراح يبخها مغتاظ:
_عاجبك هتضيعيلي الواد وتخليه كيف العيال الفرافير، مية مرة أقولك متخليهوش يقعد مع بت علي ومراته غزل دي، ده بيقولي مامي.
ثم التفت ونظر لابنه بغضب وقال في حدة وهو يوجه تعليماته الصارمة له:
_اوعاك أسمعك بتقول مامي دي تاني ياد، قول أمي، أبويا.. فاهم؟
رغم أنه لا يفهم الكلام جيدًا، لكنه فهم غضب والده وأدرك أنه يوجه له تعليمات من حركة سبابته، فهز رأسه بالموافقة في خوف. ليعيد عمران ويسأله بحدة وهو يشير إلى آسيا:
_دي اسمها إيه؟
رد الصغير بطفولية وبراءة:
_مامي!
انفجرت آسيا في تلك اللحظة ضاحكة عاليًا، بينما هو فمرقها بغيظ وحمل ابنه وأعطاها إياه وهو يقول متوعدًا:
_أنا حسابي مع واد عمك "علي" ده، كمان الواد اللي حيلتي هيضيعوه.
ثم نظر لابنه وهتف بغضب يحذره:
_مش عاوز أشوفك قاعد مع بت "علي" دي تاني ياسليم.
هتفت آسيا بين ضحكها القوي:
_ياعمران ده عيل صغير إيه اللي بتعمله ده، هو مش هيفهم الكلام ده دلوقتي.
طالعها بنارية واستياء حقيقي، فانزل ابنه الصغير من فوق ذراعيه، وقالت له بحنو:
_روح ياسليم ياحبيبي هات تليفوني من بره.
أسرع بخطواتها المضحكة وهي يتمايل لينفذ طلب أمه، بينما هي فاقتربت من عمران ولفت ذراعيها حول رقبته هامسة بغرام:
_أنا زعلانة منك يامعلم، ليك فترة مش مهتم بيا وطول الوقت في الشغل، ياما قاعد مع ولدك.
ابتسم لها بحب، ثم دنا منها وطبع قبلة حارة على وجنتها وهمس:
_وأنا ميهونش عليا زعلك ياغزال، بكرة أنا اليوم كله معاكي وهدلعك بس ياحبيبتي.
همت بأن تقترب منه وتقبله، لكن دخل سليم وهو يركض إلى أمه ممسكًا بهاتفها ويقول:
_مامي خد!
عندما انتبه لنظرة أبيه المشتعلة، قهقه بطفولية واختبأ خلف ظهر أمه ليثبت لأبيه أنه قالها عمدًا ليثير غضبه. انطلقت ضحكات آسيا على أفعاله، بينما عمران فبرغم غيظه منه، إلا أنه ضحك على ضحكاته التي تأثر قلبه وانقض عليه ليحمله وهو يقبله بحنو أبوي. ثم فتح ذراعه الآخر يدعو آسيا لتنضم إليهم، ففعلت ودخلت في حضنه هي أيضًا، ليرسموا صورة عائلية دافئة وجميلة.