تحميل رواية «و بالعشق اهتدي» PDF
بقلم ندى محمود توفيق
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تسمرت فريال بأرضها تراقب المشهد الذي أمام عينيها.. تحتضن كفه بين يديها وتحدقه بهيام وتوسل وسط عبارتها الأخيرة التي التقطتها أذنها للأسف وهي تشير له صراحة أن بإمكانهم العودة مجددًا ويمكنها أن تصبح زوجته طالما أن عدة طلاقها لم تنتهي بعد. التفت جلال تجاه الباب وسحب يده بهدوء فور رؤيته لفريال. ورغم الضيق الذي صابه من مجرد تخيل الشجار والاكتئاب المقبل عليه، إلا أنه أظهر الثبات الانفعالي الغريب. على عكس فريال التي احتقنت نظراتها وأظلمت عينيها وأصبح وجهها مخيفًا يبشر بطوفان مدمر قادم وأول من سيغرق فيه...
رواية و بالعشق اهتدي الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ندى محمود توفيق
كانت تحدق بالطريق من زجاج السيارة وهي لا تعرف إلى أين تتجه حتى سمعت صوت ذلك الجالس بجوارها ويقود يسألها باهتمام:
"أنتي مقولتيش اوصلك لفين؟"
اضطربت قليلًا وتلعثمت فالتفتت له وطالعته بأعين زائغة وهي تهمس:
"ممكن تنزلني إهنه أنا قربت خلاص من المكان اللي رايحله عشان معطلكش اكتر"
رقبها مروان بطرف عيناه في نظرة مريبة وجادة، ثم أخذ نفسًا عميقًا وفجأة وجدته يقف بالسيارة بجانب الرصيف وينظر لها يسألها بلهجة رجولية اربكتها:
"لو أنتي في مشكلة أو محتاجة حاجة قوليلي وأنا هساعدك"
طالت نظراتها لعينيه الغامضة وبسرعة أشاحت بوجهها عنه وهي تهز رأسها بالنفي في توتر:
"لا مفيش مشكلة، أنا هنزل إهنه وشكرًا ليك ممكن بس تطلعلي شنطتي من شنطة العربية"
فتحت باب السيارة ونزلت. فنزل هو أيضًا واتجه لحقيبة سيارته يفتحها ويخرج لها حقيبتها، وسط نظراته الثاقبة لها وكأنه يحاول اختراق عقلها ومعرفة أسرارها وما تفكر به، فزاد من اضطرابها أكثر وهي تحاول تفادي النظر إليه. وفور رؤيتها لحقيبتها جذبتها من يده بسرعة وحملتها وسارت مبتعدة عنه تسير في الطريق وهي لا تعرف أين تتجه. وبين كل خطوة والأخرى تلتفت خلفها فتجده مازال يقف مكانه ويراقبها بنظرة صقر، حاولت الإسراع في خطاها حتى تختفي عن أنظاره ولا تسقط أسيرة لتساؤلاته ومحاولاته لمعرفة مشكلتها.
أخرج مروان هاتفه من جيب بنطاله يجيب على صديقه الذي يوبخه مازحًا بسبب تأخره عليهم، فهتف مروان بحزم:
"أنا مش جاي الليلة دي معايا مشوار مهم ومش هلحق اجيلكم"
هتف صديقه بتذمر وضيق حقيقي:
"مشوار ايه اللي ظهر فجأة ده ياعم المهم.. اخلص تعالى احنا مستنينك من بدري وجهزنا الليلة.. دي حتى ميبقاش ليها طعم من غيرك يابوص"
هتف بعبارته الأخيرة مازحًا ليحاول إقناع صديقه بالمجيء، لكن مروان أجابه مبتسمًا بالإصرار بعدما استقل بسيارته وهو عيناه عالقة على الطريق التي اتجهت إليه تلك الفتاة:
"قولتلك مش فاضي يابني.. ابقى سلملي على الرجالة عندك وقولهم تتعوض بإذن الله يلا سلام دلوقتي عشان أنا سايق"
أنهى الاتصال دون انتظار سماع الرد من صديقه ولحق بخلود بالسيارة، لكنه لم يجد لها أثر وكأنها اختفت. فدبّ في الشارع فراح يتجول بنظره في أرجاء الشارع من حوله وهو يهتف بحيرة:
"راحت فين دي يدوب لسا داخلة الشارع ده!!"
ظل يجوب بسيارته بحثًا عنها لكن دون جدوى، فزفر بخنق وانزعاج واستسلم أخيرًا ليعود بسيارته ويتجه عائدًا نحو منزله الذي كان قريبًا من تلك المنطقة.
خرجت خلود من خلف أحد الأعمدة بعدما تأكدت من رحيله وهي تتنفس الصعداء براحة. وبدأت تفكر بعبوس وخوف وهي تتلفت حولها في الظلام إلى أين ستذهب. قادتها قدماها دون أن تعرف إلى أين، فقط تسير في الطرقات وهي تتلفت حولها كل ثانية خوفًا من أن يكون يتبعها أي مجرمين أو رجال سيئة. توقفت بعد وقت طويل من السير في الطرقات وقد أهلكت قدميها من فرط السير ولم تعد تستطيع الحركة أكثر من ذلك. وسقط نظرها على بناية ضخمة على الطراز الحديث وجميلة فتحركت تجاهها بخطوات بطيئة. ولحسن حظها أن حارس البناية لم يكن موجودًا فاستغلت الفرصة ودخلت بسرعة واختبئت بأحد أركان مدخل البناية، وهي تنوي بقاء الليلة هنا وبالصباح تقرر إلى أين تذهب، فحتى هاتفها سقط أثناء اصطدامها بالسيارة ولم تنتبه أنه سقط منها وذهبت وتركته.
***
داخل منزل جلال....
ركضت باتجاه غرفتها تلتقط هاتفها لتحري اتصال بزوجها وتخبره بعدم وجود أطفالهم بالمنزل. وعيناها بدأت تذرف الدموع بغزارة حتى أن يديها وجسدها كله يرتجف رعبًا عليهم. صوت رنين الاتصال في أذنها مستمر لكن دون إجابة. أعادت الاتصال مرة واثنين وثلاثة والنتيجة واحدة مما زاد من حالة انهيارها العصبي وأصبح صوت بكائها ومحبيها مسموع. ووصلت بالنهاية لقرار الخروج والبحث عن أولادها بنفسها. فاستقامت واقفة واتجهت نحو الخزانة لتخرج ملابسها ولكن بينما كانت تشرع في ارتدائها صابها دوار عنيف جعل الرؤية تتشوش وتصبح ضبابية أمام عيناها وكان كل شيء من حولها يدور بها وما هي إلا ثواني حتى فقدت الشعور بأي شيء بعدها.
بعد مرور نصف ساعة تقريبًا انفتح باب المنزل ودخل الأولاد أولًا وهو يضحكون وبيدهم ألعابًا جديدة ولحق بهم جلال وهو يبتسم عليهم بحنان أبوي. اندفعوا ركضًا تجاه غرفة أمهم ليقصوا عليها ما حدث ويعرضوا عليها ألعابهم الجديدة التي اشتراها لهم والدهم. لكن فجأة انتفض جلال فزعًا على أثر صراخ أولاده وهم يصيحون ينادون عليه، فهرول لهم ركضًا وتسمر بأرضه للحظات عندما رأى فريال على الأرض فاقدة وعيها. لكن سرعان ما تحرك وجثى أمامها على الأرض يحاول إفاقتها مجربًا كل الطرق الممكنة ليجعلها تستعيد وعيها لكن دون جدوى. وقد بدأ عمار ومعاذ في البكاء خوفًا على أمهم وجلال مازال مستمر في محاولاته البائسة وهو يهتف متوسلًا إياها بنظرات مرتعدة ويد ترتجف أسفل رأسها:
"فريال فوقي ياحبيبتي أبوس يدك.. فريال"
حملها بين ذراعيه ووضعها على الفراش والتقط هاتفه كان سيتصل بالطبيب ليأتي ويفحصها لكنه توقف عندما رآها بدأت تستعيد وعيها وتفتح عيناها تدريجيًا. والتفوا حولها الأولاد وهم يهتفون بعينان دامعة وصوت مبحوح:
"أنتي كويسة يا أمي"
فتحت فريال عيناها ببطء وعندما أدركت صوت أولادها اتسعت عيناها على آخرها وانتصبت جالسة كالتي لدغتها عقرب وراحت تضمهم لصدرها وقد بدأت في البكاء مجددًا وهي تصيح موبخة إياهم:
"انتوا كنتوا وين؟"
تعجبوا من حالة أمهم وبكائها وتوبيخها لهم فقال معاذ بخفوت:
"طلعنا مع ابوي يشترلينا لعب لما أنتي نمتي"
ابتعدت عنهم والتفتت تجاه جلال ترمقه بعتاب وغضب لكنه لم يبالي بنظراتها وراح يمسح على شعرها بحنو وهو يسألها بقلق:
"انتي كويسة يافريالي.. إيه اللي حصل ليه اغمى عليكي"
أبعدت يده عنها وهتفت بغضب ممتزج ببكائها:
"لا مش كويسة يا جلال تاخد العيال وتطلع من غير ما تقولي وأنت عارف إني بقلق وكمان مش بترد على تلفونك"
لوى فمه بضيق من نفسه أنه تسبب فيما حدث لها، وراح ينقل نظره بين طفليه وبينها وعيناه تعتذر قبل لسانه. ثم اقترب منها أكثر وضمها لصدره وهو يقبل رأسها بحنو متمتمًا في أسف وندم:
"حقك عليا أنا آسف مقصدش والله اقلقك والتليفون كان صامت مسمعتهوش، متزعليش مني المهم أن انتي كويسة دلوك"
اقترب معاذ وعمار أيضًا من أمهم وهو يعانقوها مع والدهم ويقبلوا وجهها وشعرها بدفء معتذرين بحزن:
"احنا آسفين مش هنطلع من غير ما نقولك تاني"
ابتسم لهم جلال وهو يغمز بإعجاب لتصرفهم الذكي واحتوائهم للموقف معه حتى يمتصوا غضب أمهم ويلينوا قلبها عليهم هم الثلاثة. وبالفعل هدأت ثورة فريال وتبدل غضبها بحنان أمومي محب وهو تبتسم بين ذراعيهم. ثم ابتعدت عنهم وقالت بخفوت رافعة سبابتها في وجههم تحذرهم:
"ماشي خلاص سماح المرة دي، وأول وآخر مرة"
هزوا رؤوسهم لها بالموافقة وابتسامتهم تملأ وجوههم وجلال يتابعهم بحب. ثم انحنى وقبل رأس فريال مرة أخرى وهو يتمتم:
"هروح اعملك عصير وحاچة تاكليها عشان تقدري تسندي طولك"
رقبته بغيظ وجذبته من ذراعه إليها لتهمس في أذنه بحدة:
"أنا سامحت العيال بس أنت"
لاتملك ضحكته بصعوبة ورأت فقط الابتسامة العريضة على ثغره وهو يجيبها بنفس الهمس ونظراته اللعوب:
"وأنا هصالحك يا أم العيال بس القرود دول يناموا الأول عشان اخد راحتي"
تمنعت عن النظر إليه في دلال وفور رحيله ضحكت بصمت وغرام لا إراديًا. ثم بدأت تستمع لأولادها وحكاياتهم وحماسهم وهم يعرضون عليها ألعابهم الجديدة ويأخذون رأيها.
***
داخل منزل سمير...
كان جالسًا على الأريكة يسند رأسه على ظهر الأريكة ومغلق عينيه بتعب. فقد وصلت إليه عشيقته في وقت قياسي وأسعفته فورًا وذهبت به لأقرب وحدة صحية حتى يوقفوا نزيف رأسه. وها هو الآن يجلس بمنزله وهي بجواره تتأمله بحزن وتهتف في غل وحقد على خلود:
"دي لا تتسجن كانت هتموتك يا سمير.. أنت أكيد مش هتسكت وهترفع عليها قضية"
أجابها بصوت ضعيف دون أن يفتح عينيه أو ينظر لها:
"افوق بس يا حبيبتي من اللي عملته فيا بنت الـ**** وهشوف هعمل فيها إيه!"
ردت بسخط وهي تحرضه عليها أكثر:
"متسكتش على اللي عملته يا سمير.. دي مجنونة انا قولتلك من زمان طلقها وسيبها أنت اللي موافقتش معرفش ليه!!"
فتح عينيه والتفت لها يرمقها بنظرة مريبة وكأنه يتوعد لها هي وليس لزوجته متمتمًا:
"ومش هسيبها موتها على يدي إن شاء الله.. بقى أنا بت ال*** دي تعمل فيا إكده وتهرب وتستغفلني.. بس هتروح مني وين مبقاش أنا سمير الهلالي أما جبتها من شعرها وكسرت ضلوعها كلها عشان تهرب زين بعدين وتضربني"
ارتبكت من نبرته الرجولية ونظراته فتراجعت وتوقفت عن إظهار غضبها حيث اتخذت الطريق الأسلم وهو محاولة تهدأته خوفًا من أن يزداد غضبه وحالته الصحية تسوء أكثر. اقتربت منه ووضعت قبلة رقيقة فوق وجنته وهي تقول له مبتسمة:
"طيب خلاص ياحبيبي متعصبش نفسك كفاية إنك كويس الحمدلله دلوقتي وبعد ما تفوق ابقى دور عليها وشوفها راحت فين بس بليز ياسمير طلقها كفاية بقى كدا"
رأته تحول فجأة من الغضب إلى الهدوء والرزانة التامة وهو يحدقها مبتسمًا بمكر وعينان تلمع بوميض شيطاني ويقول:
"طيب قومي معلش هاتيلي مايه ياروحي.. وبعد كدا نبقى نتكلم في موضوع مهم عشان مجهزةلك مفاجأة"
ضيق عيناها باستغراب ولمعت بالحماس والفرحة على ذكره " مفاجأة ". ودون تردد استقامت واقفة تتجه نحو المطبخ لتلبي طلبه وتجلب له الماء...
***
داخل منزل إبراهيم الصاوي تحديدًا بغرفة عمران....
فتح باب الغرفة ببطء شديد ودخل ثم أغلق خلفه بنفس الطريقة. لكنه توقف فور دخوله وهو فاغر العينين والشفتين عندما وجدها جالسة فوق الفراش وبجوارها عبوة المناديل الورقية وكل ثانية تجذب واحد من العبوة تمسح به سوائل أنفها من أثر البكاء وتلقيه بجوارها على الفراش الذي امتلأ بالمناديل. ظل مكانه مستمرًا وهو يتابعها بذهول ورغم أنه كان في حالة مزاجية سيئة ومعكرة إلا أنه ضحك لا إراديًا على منظرها، وجعله يتساءل بحيرة.. هل حقًا جدالهم البسيط منذ قليل وانفعاله عليها ورفضه لذهابها لأخيها كانت نتيجته تلك الحالة الغريبة التي هي عليها الآن أمامه؟، وكأنه يرى امرأة لا يعرفها هشة ورقيقة وليست زوجته الجبارة والصلبة.
تنحنح بصوت مسموع وهو يمسح على ذقنه وينظر لها محاولًا منع ضحكاته لكنها كانت تتفادى النظر إلى وجهه ومستمرة في بكائها الصامت. فأخذ نفسًا عميقًا وتقدم نحوها بخطوات متريثة حتى جلس على طرف الفراش بجوارها بعيدًا عن مناديلها المتسخة وهتف بأعين كلها حيرة:
"آسيا.. إيه اللي عملاه ده في السرير وإيه اللي حصل لده كله؟!"
التفتت له فجأة بطريقة مرعبة ورمقته شزرًا لتجيبه وهي تبكي وتمسك بالمناديل عبراتها وأنفها:
"أنت مش عارف يعني إيه اللي حصل وبتسأل بكل برود كمان!!"
عاد برأسه للخلف كرد فعل لا إرادي على هجومها عليها بالصوت والنظرات وقالت بكل بساطة ومازالت الحيرة تستحوذ على تعبيرات وجهه:
"لا عارف احنا اتخانقنا، بس انتي معملتيش إكده لما سبتي البيت وفضلنا بعاد عن بعض اسبوعين.. فمش معقول الجدال البسيط ده يعمل فيكي إكده يعني!!"
صاحت به منفعلة وهي تبكي بقوة وتعاتبه بقهر:
"لا يعمل يامعلم.. اصل أنت مبتشوفش روحك بقيت تعاملني كيف ومش بتعمل حساب حتى أني حامل ونفسيتي تعبانة ومش بتهتم بيا ولا بيفرق معاك أمري.. ده أنا بقولك هروح اشتري هدوم لولدنا وأنت حتى مهنش عليك تقولي هروح معاكي ونشتري سوا ده أول عيل وأول فرحة لينا لا كمان مش عايزني اطلع"
توقفت عن الكلام عندما صاب صوتها بحة شديدة لكنها تابعت بصوتها المبحوح وهي تبكي وترمقه بحزن ووهن:
"لو معدش يفرق معاك أمري ومش عاوزني ولا عدت بتحبني خلاص طلقني وروح اتجوز بت عمتك السحلية"
رفع حاجبه وقد ازداد ذهوله من تصرفاتها المريبة وإثارتها العواطف بإتباعها أسلوب المرأة المضطهدة الذي يعذبها زوجها ويسلبها حقوقها. وبين صدمته لم يكن يستطيع التحكم بابتسامته التي ترابطت مع تعبيراته المُضحكة وعدم فهمه لتلك الحالة النفسية العجيبة التي يشهدها لأول مرة عليها.
استشاطت هي غيظًا وصرخت به بغضب ونقم بعدما رأت ابتسامته:
"أنت كمان بتضحك!!.. أنا غلطانة أني اتكلمت معاك من الأساس"
هبت واقفة من الفراش وهي تنوي الذهاب للحمام لكنها وثب بسرعة خلفها أوقفها وهو ويحاوطها بذراعيه ويضمها لصدره عنوة هاتفًا بكل حب ودفء ويحاول منع ضحكاته من الخروج حتى لا يفسد الأمر أكثر:
"لا والله ما اقدر أنا بس مصدوم يعني لولا أنك كيف الحصان الحمدلله ومفكيش حاچة كنت قولت حرارتك عالية وبدأتي تخرفي يا آسيا"
انتزعت نفسها من بين ذراعيه بقوة وقالت له بنظرة مشتعلة:
"قصدك إني مجنونة يعني؟!"
ضم شفتيه على بعضهم يمنع نفسه من الضحك وعاد يضمها لصدره مجددًا هامسًا:
"لا ده أنت ست البنات كلها ياروح قلبي، أنا قصدي إني مستغرب بس عشان مش متعود عليكي إكده، عمومًا ادي راسك اهي ابوسها ياغالية وحقك عليا أنا كنت متعصب وانتي مراعتيش ده وعصبتيني اكتر متزعليش مني"
انحنى على رأسها يقلبها تزامنًا مع عبارته " ادي راسك ابوسها ". فوجدها سكنت قليلًا بين ذراعيه وابتعدت عنه ببطء تأبى النظر لوجهه. لا يمكنه إخفاء مشاعر الإعجاب بتلك الطريقة المختلفة التي تتبعها في الخصام، حتى لو كانت هي المخطئة أن فعلتها كل مرة بهذا القدر من الرقة واللطافة مستعد أن يراضيها بكل ما ترغب به ولن يأبى لنقطة من الخطأ بينهم.
ظل يتأملها بكل انبهار ورغبة فراح يحتضن وجهها بين كفيه هامسًا لها بصوت ينسدل كالحرير ناعمًا:
"بعدين إيه الكلام ده كيف يعني متفرقيش معايا، لما أنتي متهمنيش امال مين يهمني يعني ياحبيبتي، هو أنا عندي كام غزال يعني"
عقدت ذراعيها أسفل صدرها واستدارت توليه ظهرها وهي تتمنع عنه بدلال أنثوي رغم سعادتها الداخلية بغزله الغرامي بها لكن أرادت أن تسمع أكثر. وهو لن يتردد ولم يضن عليها في مشاعره حيث اقترب منها وعانقها من الخلف مكملًا بصوت رجولي مفعم بالعواطف آثار رعشة جميلة في جسدها وآذاب قلبها:
"ثم أن في حد عاقل يسيب غزاله وجمال عيون الغزال دول عشان ياخد سحلية كيف ما بتقولي عليها"
ضحكت بصمت رغمًا عنها والتفتت له وهي تبتسم وتقول بغنج:
"طب وهو مش المفروض اللي معاه غزال بالجمال ده كله ميزعلهوش بردك ولا إيه!"
مال عليها بوجهه وهو يغمز بخبث ويكالعها بنظراته اللعوب ويقول بوقاحة:
"لا لو بالجمال ده المفروض يتاكل أكل"
ابتسمت بخجل وحب وهي تسبح بوجهها عنه للجهة الأخرى استحياء ثم تسأله برقة:
"يعني خلاص هتوديني موافق؟"
أجاب عمران بإيجاب:
"موافق يا غزالي بس أنا هوصلك وأجيبك ولو عاوزة تطلعي تجيبي الهدوم نطلع أنا وأنتي بعد ما ترجعي من عند أخوكي"
تهللت أساريرها وقالت بفرحة طفولية:
"تمام"
ثم اقتربت منه وقبلته من وجنته متمتمة بنعومة تليق بأنوثتها الطاغية:
"أنا آسفة يامعلم.. أنا عارفة إني زودتها وكان لازم اراعي أنك مضايق، تعالي قولي عاد إيه اللي كان معصبك"
أجاب عمران برفض تام في ابتسامة دافئة:
"موضوع عادي وخُلص متشغليش بالك، المهم بس دلوك نلم الحفلة اللي عملاها على السرير بمناديلك دي عشان ننام ولا إيه يا غزالة"
قهقهت بخفة ولماحت له بالموافقة وفورًا بدأت في تنظيف الفراش وتبديل المفرش. ثم تسطح هو أولًا وانضمت له لتدخل بيت ذراعيه في حضنه وتضع رأسها فوق صدره بينما هو في يديه كانت تجد طريقها لبطنها المرتفعة تتحسس عليها بكل حنو وهي تغلق عيناها وتترك نفسها تنعم بشعور الدفء والحب بين ذراعين بطلها...
***
بصباح اليوم التالي داخل منزل خليل صفوان...
كان "علي" يجلس بالصالة يراجع بعض أوراق العمل الأخيرة قبل أن يغادر. لكن جذب انتباهه صوت حذاء بكعب عالي ينزل من الدرج محدثًا ضجيجًا ممتعًا ومثير، فرفع رأسه باستغراب وفضول ليرى صاحبة ذلك الصوت. على الرغم من أن لا يوجد امرأة بالمنزل يمكنها ارتداء ذلك الكعب سواها إلا أنه لم يكن يتوقع ما سيراه. فراشة زرقاء تنزل بكل دلال مرتدية ثوب أزرق طويل وبنصف أكمام ينزل عند منطقة الكتف مظهرًا بدايتها. وتترك العنان لشعرها الأسود الحريري ينسدل فوق ظهرها وكتفيها. ظل يتأملها بانبهار غريب وكأنه مغيب العقل وعيناه لا تحيد عنها وهو يراها تسير أمامه بكل ثقة دون أن تلتفت له حتى. ولم يفق من الغيبوبة المؤقتة إلا عندما توارت عن أنظاره داخل غرفة الجلوس حيث يجلس جده. فهز رأسه بسرعة ينفر تلك الأفكار التي قذفت بذهنه، مستنكرًا نفسه كيف سلبته عقله وجعلته يتمعنها بإعجاب وهيام هكذا، تلك الساحرة الصغيرة.
غابت داخل الغرفة لدقائق طويلة ثم خرجت أخيرًا وهو بنفس الطريقة يهيم بها مجددًا ويتأملها ولكن هذه المرة كانت تتجه نحوه حتى وقفت أمامه ولوت فمها بخنق وهي تقول له بمضض:
"أنا عايزة اطلع اشتري شوية حجات خاصة بيا وجدو رفض يطلعني وحدي وقالي أن أنت توصلني وتوديني.. ممكن ولا لا؟"
طالت نظراته وكانت بالنسبة لها مريبة ومربكة مما جعلها تلوح أمام عيناه بيدها هاتفة:
"Hey.. can you hear me?!"
تمالك نفسه وحاول التحكم بنظراته لها حتى لا يكشف أمره وبلحظة تحولت نظرته لحادة وهو يتفحصها بأعين ثاقبة ويهتف بلهجة رجولية غليظة تضمر معاني الغيرة في ثناياها:
"وأنتي عاوزة تطلعي بالبتاع اللي لبساه ده!!"
نزلت بنظرها لملابسها تتفحصها بتعجب تحاول فهم ما الغريب بها ثم عادت بنظرها له مجددًا وقالت بكل ثقة وبرود:
"ايوة هطلع كدا.. في مانع؟!"
على بنبرة رجولية مميزة:
"آه في"
رفعت حاجبها له بازدراء ثم قالت بعنجهية وهي تهم بالابتعاد والرحيل:
"اوكي انا هعتبر ردك ده إجابة بـ no على سؤالي.. وهروح وحدي mercy"
وثب "علي" واقفًا بسرعة ولحق بها يجذبها من ذراعها ليوقفها هاتفًا بغضب:
"تروحي وحدك ده إيه.. مفيش خروج وحدك أنا هوصلك"
ابتسمت له بتكلف وهي تجذب ذراعها من قبضته بكل بطء وتجيب بنعومة:
"okay, thanks"
"أنا هستناك برا قدام الـ car لغاية ما تيجي"
وجدها تسبقه بخطواتها وهي تتجه نحو باب المنزل فعاد بسرعة للمقعد يجذب هاتفه ومفاتيحه ويعود لها ليوقفها بصوته الخشن:
"استنى متطلعيش"
توقفت عند الباب مباشرة بعدما فتحته وهي تلتفت له برأسها وتضيق عيناها باستغراب بينما هو فاقترب منها وخرج هو أولًا وظل يتلفت حوله يراقب الشارع يتأكد من عدم وجود أي رجال وهي تقف تتابعه بعدم فهم واستنكار ثم قالت له بلهجة ساخرة:
"ممكن اطلع ولا لا يافندم؟!"
رقبها بنظرة حادة اربكتها قليلًا وجعلتها تتأفف بنفاذ صبر بينما هو فعاد لها ووقف أمامها ينظر إليها بطريقة احرجتها وفجأة وجدته يرفع أنامله لكتفيها ويرفع ثوبها ليغطي اكتافها العارية وهو يهتف بصرامة:
"غطي ده كده.. إيه لزمته يعني منزلاه"
فتحت شفتيها بصدمة وصاحت به بعصبية وطفولية وهي تحاول هندمة ثوبها مجددًا:
"ابعد ايدك اوووف بوظت شكل dress"
على بغيظ:
"مبوظش ولا حاجة مهو لسه زي الفل.. ومتنزليش الكتاف دي"
أعادتها لوضعها الطبيعي عنادًا به وهي تقول مغتاظة:
"اهو.. وأنت ملكش دعوة بيا"
صور على أسنانه يحاول التحكم في انفعالاته وهو يحذرها بغيرة شديدة:
"يابت متعصبنيش بدل ما قسمًا بالله أدخلك وألبسك شوال وأطلعك بيه.. ده انتي تحمدي ربك أني سايبك تطلعي كده معايا"
رددت عبارة شوال بتعجب لكن سرعان ما قالت بتيه وقرف منه:
"وأنت مين قالك أصلًا أني هروح معاك.. أنا خلاص غيرت رأي وهروح وحدي"
تقدم نحوها خطوة فتراجعت هي فورًا للخلف خوفًا منه ووجدته يقول بنبرة مرعبة:
"طب فكري كده وخلي رجلك تعتب برا عتبة البيت ده لوحدك وشوفي هيجرالك إيه مني.. مهو يا هتطلعي معايا يا مفيش طلوع واصل.. هااا تختاري إيه ياغندورة؟!"
لوت فمها بغيظ وهي تفكر وبالأخير قررت الإنصياع لذلك البربري بسبب حاجتها الحقيقية للخروج وشراء بعض مستلزماتها الشخصية، فضربت بكعبها الأرض في عصبية وهي تهتف:
"اوووف انسان همجي وأنا بكرهك لولا إني مضطرة مكنتش طلعت معاك أبدًا"
ثم دفعته وعبرت من أمامه تتجه نحو سيارته بينما هو فابتسم ببرود وقال لها بعدما استقلت بالسيارة:
"نسيتي بربري كمان"
لوت فمها بقرف واشاحت بوجهها بعيدًا عنه حتى استقل هو بالمقعد المجاور لها وانطلق بالسيارة وهو يلتفت لها كل لحظة والأخرى ويراقبها بأعين معجبة.
***
بمكان آخر، توقفت السيارة أمام إحدى البنايات الكبيرة، فألقت هي بنظرها خارج السيارة تنظر للبناية بعلامات استفهام. ثم نظرت له ورأته يتمعنها بابتسامة دافئة فهتفت تسأله بفضول:
"ايه المكان ده يابلال وليه جايبنا عند العمارة دي"
غمز لها بحب وهو يبتسم ويهمس:
"إيه مش عاوزة تشوفي شقتك المستقبلية ياحوريتي"
اتسعت عيناها بدهشة وقالت له بفرحة:
"بتتكلم جد احنا شقتنا هنا؟!"
كان صمته ونظرته ردًا بالإيجاب على سؤاله، فهتفت بحماس طفولي وهي تضحك:
"طيب مستنى ايه يلا بينا نطلع أنا متحمسة أوي وعايزة أشوفها"
قهقه بخفة ونزل من السيارة وتبعته هي ثم التفت حتى وقفت بجواره فأمسك هو بيدها يحتضن كفها بين كفه الضخم ليسيرا معًا لداخل البناية ويصعدوا الدرج فسألته بنصف الطريق:
"هي في الدور الكام يا بلال؟"
نظر لها بطرف عينه وقال في ابتسامة عابثة:
"الخامس"
شهقت بصدمة وقالت في تعب:
"ده احنا لسه في التاني وتعبت يابلال حرام عليك ملقتش غير الخامس.. بس يلا أحسن عشان اخس من الطلوع والنزول"
بلال باستنكار وضيق وهو ينهيها بحدة:
"تخسي إيه أكتر من كده.. ده أنتي لو تعرفي تتخني يبقى أحلى كمان"
توقفت بعدما وصلوا للطابق الثالث وهي تقول بغضب شديد:
"أنت قصدك أني مش حلوة وأنا رفيعة كده ولا إيه يعني؟!"
أدرك أنه فتح على نفسه بابًا من جهنم بسبب عبارته السخيفة التي لم يكن يقصد معناها كما فهمته أبدًا، وقال مسرعًا يحاول تفادي الأمر:
"لا طبعًا ياروحي انتي حلوة في كل حالاتك.. انا كان قصدي أن شكلك هيبقى أحلى واحلى كمان"
حور وهي تلوى فمها بغيظ:
"اممم يعني أنا مش عاجباك وأنا كده ولو تخنت هبقى حلوة وأعجبك"
مسح على وجهه بنفاذ صبر وراح يهتف بانفعال بسيط:
"هو أنا قولت كده متى يابنت الناس!!"
حور بعبوس وحزن أشبه بالأطفال:
"مش محتاج تقول يا بلال انا فهمتها.. شكرًا"
ثم قادت خطواتها السريعة تسبقه في صعود الدرج حتى وصلت للطابق الخامس قبله وظلت واقفة أمام باب منزلهم المستقبلي. وعندما وصل لها رمقه بقلة حيلة ثم أخرج المفتاح من جيبه وفتح الباب ليبسط ذراعه أمامه يشير لها بالدخول أولًا. ففعلت وهي عابسة الوجه، لكن فور دخولها تلاشى كل هذا وتحول لسعادة غامرة والابتسامة العريضة شقت طريقها لوجهها حتى سمعت صوته المحب من خلفها وهو يقول:
"إيه رأيك؟"
التفتت له وقالت بعفوية وقد نست تمامًا ما حدث منذ قليل بينهم:
"حلوة أوي يابلال"
ضحك بخفة وهتف مازحًا:
"الحمدلله الشقة مخلتكش تنكدي عليا"
لمعت شفتيها بضيق فور تذكرها فازداد ضحكه أكثر وراح ينحنى عليها ليقبل رأسها بغرام متمتمًا:
"خلاص عاد ميبقاش قلبك أسود ياروح قلبي"
ذابت كالثلج أمام نيران عشقه وابتسمت له بحب ثم أمسكت بيده وقالت وهي تجذبه معها للداخل:
"طيب يلا تعالي فرجني على باقي الشقة"
سار خلفها وهي تجره وسط ابتسامته اللعوب وهو يقول مازحًا:
"عاجباني ثقتك العمياء دي في"
توقفت والتفتت له برأسها ترمقه بحيرة وقد شعرت بالاضطراب من نظرته ونبرته فتمتمت بخفوت لطيف:
"قصدك إيه؟!"
لمعت عيناه بوميض خبيث وهو يضحك ويتقدم منها بخطواته المتريثة وهي تتراجع حتى حاصرها بينه وبين الحائط وبيديه حاوطها من خصرها وهو يقول:
"يعني احنا في شقتنا وحدينا كده والشيطان تالتنا مش خايفة أتحرش بيكي مثلا"
ثم بدأ يدغدغها بأنامله في خصرها وهو يردد " كده أو كده يعني " وهي تنتفض مع كل لمسة وتصرخ به وسط ضحكها هاتفة:
"بلال ابعد عني والله العظيم أخاصمك بجد ومش هكلمك تاني.. بس بقى اووووف"
لكنه تابع مداعبته لها متلذذًا وهو يضحك عليها حتى تمكنت من الفرار من بين براثنه أخيرًا وركضت باتجاه أقرب غرفة أمامها ودخلت وأغلقت الباب. فوقف هو بالخارج يطرق على الباب ويقول وسط ضحكه الهستيري عليها:
"افتحي متخافيش مش هعملك حاجة أنا بهزر معاكي"
حور بقلق:
"وأنا إيه ضمني!"
بلال بتصنع الحدة:
"كيف يعني إيه ضمني هو في واحدة متثقش في جوزها!"
حور بغيظ وهي تضحك:
"ما أنا وثقت فيك وأنت خنت الثقة"
قهقه برجولية جذابة ثم تمتم بحنو جميل:
"طيب غلطة ومش هتتكرر افتحي عاد يلا"
تنهدت الصعداء مغلوبة وفتحت له وهي ترمقه بغيظ وسط ابتسامتها الناعمة، فوجدته يبسط لها ذراعيه يحسها على الانضمام لحضنه ففعلت على استحياء وعانقته بعشق وهو بدوره ضمها إليه أكثر وسط قبلاته الدافئة لرأسها وجبينها. وبعد دقائق قصيرة أكملوا تجولهم بالمنزل بمحادثات جادة بينهم لكن لا تخلو من المرح وجرأة بلال التي باتت تعتاد عليها مع الوقت!.
***
بمنزل إبراهيم الصاوي..
انتهت آسيا من ارتداء ملابسها والاستعداد للذهاب وزيارة شقيقها في منزله الجديد. وكان عمران ينتظرها بالأسفل بالصالون حتى أطلت أخيرًا وهي ترتدي رداء أخضر فضفاض وفوقه حجابها من اللون الأبيض. فاستقام واقفًا وهو يبتسم لها ويشير لها بعينه أن يتحركوا ليذهبوا. لكن أوقفهم صوت إخلاص وهي تسأل ابنها بفضول:
"على وين كده يا ولدي من الصبح؟!!"
أجاب عمران بنبرة جادة على أمه:
"رايحين مشوار ياما.. أنتي عاوزة حاجة؟"
زمت إخلاص شفتيها وهي تحاول إظهار الود لزوجته متمتمة:
"لا يا ولدي هعوز إيه.. عاوزة سلامتكم بس"
التقطت عين آسيا "منى" وهي تنزل الدرج ودون أي مقدمات التصقت بعمران وتعلقت بذراعه بكل تملك وحب وردت على إخلاص بنظرة كلها لؤم وهي تتحسس بيدها فوق بطنها:
"أصل أنا والمعلم رايحين نشتري هدوم العيال"
اكتفت إخلاص ببسمتها المتكلفة. أما منى فكانت تتطلع في آسيا بغل وعمران يرمق زوجته بقلة حيلة. لكن آسيا نظرت لمنى وسألتها بسخرية:
"أخبار رجلك إيه دلوقت يامنى؟"
ردت بمضض وخنق:
"زينة الحمدلله"
انحنى عمران على أذن آسيا وقال بهدوء:
"مش كفاية كده ولا إيه ياغزال يلا بينا عشان أنا ورايا شغل هروح أخلصه بعد ما أوصلك عند أخوكي"
نظرت له وهمست بوعيد وغل:
"قريب قوي هرمي السحلية دي برا البيت أنا سيباها بس بمزاجي"
ضحك بصمت على عبارتها، ثم اتسعت عيناها بدهشة عندما وجدته ينحني عليها ويقبلها من وجنتها بكل حب غير مكترثًا لوجود أمه وتلك السحلية الحقودة. وكأنه يجيب عليها بتلك القبلة أنه لا يرى سواها ولا يهمه أحدًا غيرها.
فنظرت له مندهشة وهي تبتسم بفرحة غامرة ثم التفتت نحو إخلاص ومنى ترمقهم بنظرات كيد وعنجهية وتبتسم متعمدة أثارت نيران الغيرة في صدرهم. ثم عادت بنظرها لعمران وقالت له بكل دلال وعشق:
"يلا يامعلم عشان منتأخرش على مشوارنا"
أشار لها عمران بأن تسبقه هي بخطواتها وهو سيلحق بها. وبعد ابتعادها عنه اقترب من أمه وانحنى عليها ليمسك بكفها ويرفعه لشفتيه يقبل ظهره بحنان فتبتسم له إخلاص بحب أمومي وهي تربت فوق كتفه متمتمة:
"ربنا يحفظك ياحبيبي ويوقفلك ولاد الحلال"
استقام في وقفته ثم ألقى نظرة جافة على منى قبل أن يستدير ويلحق بزوجته التي تنتظره بالخارج...
***
داخل منزل جلال وفريال...
استمعت فريال لحديث جلال بالهاتف وهو منفعل وكان يبدو أنه يتحدث مع عمه مجددًا، فلوت فمها بضيق وانزعاج شديد واستمرت في سماع محادثته التي اتضح من خلالها أنه ينوي الانتقال من مكانه ليختبئ بمكان آخر بعدما أصبح مكانه صعب العثور عليه فيه.
انتظرت حتى انتهى من مكالمته تمامًا حتى دخلت له وهي تقول بابتسامة باهتة:
"الفطار جهز.. يلا"
جلال بتعبيرات وجه كلها امتعاض:
"افطروا انتوا أنا مش عاوز مستعجل وطالع ورايا مشوار"
أخذت نفسًا عميقًا بتبرم واضح ثم تقدمت نحوه حتى وقفت أمامه وقالت بجدية:
"مينفعش تطلع من غير فطار يا جلال وبعدين أختك جاية في الطريق وهتزعل لو جات وملقتكش هي عاوزة تشوفك اصبر شوية وافطر معانا لغاية ما تيجي آسيا وبعدين روح مشوارك"
صمت لبرهة من الوقت قبل أن يقول لها باستسلام:
"ماشي يافريال روحي وأنا جاي وراكي"
ابتسمت له بلين ومالت عليه تقبله من وجنته وهي تهمس:
"متتأخرش عشان الوكل ميبردش والعيال مستنينك برا مش عاوزين ياكلوا غير لما تيجي"
ظهر شبح ابتسامته على ثغره وهو يضمها لصدره ويسير معها للخارج هامسًا:
"يلا بينا.. بقولك إيه يافريالي إيه رأيك نودي العيال في بيت أبوي وناخدلنا احنا يومين وحدينا كده نستمتع مع بعض من غير إزعاج ولاد الـ*** دول اللي مبيخلونيش أتهنى معاكي بعشر دقايق على بعض"
قهقهت بصوت أنثوي مثير وردت بغنج رقيق مثلها:
"وهو ده وقته الكلام ده دلوقت بعدين نبقى نتكلم في الموضوع ده يا أبو العيال"
انحنى عليها ولثم شعرها بغرام وهو يجيب بمرح:
"حلوة أبو العيال دي أول مرة اسمعها منك"
رفسته بطرف عيناها في ابتسامة دافئة وابتعدت عنه بعدما وصلوا لطاولة الطعام وبدأوا في الأكل. وهي قد عزمت النية على التدخل والتصرف بأمر عمه، فلن تترك زوجها فريسة له وللشرطة يكفي أنها خسرت والدها بسببه فلن تتركه يؤذي زوجها وشقيقها أيضًا...
***
خرج مروان من المصعد الكهربائي بالطابق الأرضي وكان بطريقه لخارج البناية ليستقل بسيارته ويتجه لعمله. لكن أوقفه صوت بكاء بسيط منبعث من أحد الأركان المخيفة بمدخل البناية.
فتوقفت وهو يعقد حاجبيه باستغراب وتحرك بكل بطء وتريث يتبع ذلك الصوت حتى وصل له أخيرًا وإذا به يتسمر مكانه مندهشًا عندما وجد الصوت لنفس الفتاة التي اصطدمت بسيارته بالأمس، وهي الآن تختبئ بمدخل بنايته وتبكي.
وقف أمامها وقال بعدم تصديق وذهول:
"انتي بتعملي إيه هنا؟!"
انتفضت خلود واقفة بفزع وراحت تحدق في وجه مروان بصدمة مماثلة له. وبعقلها تطرح سؤال واحد كيف عثر عليها؟!.
***
بعدما خرجت آسيا من سيارة زوجها وقادت خطواتها لداخل البناية لتصعد لمنزل شقيقها، ظل عمران واقفًا يراقبها بنظراته حتى يطمئن أنها وصلت سالمة. لكن رنين هاتفه المستمر جعله يجيب مجبرًا بضيق وصوت غليظ:
"إيه يابشار إيه اللي حصل في إيه؟!"
هتف بشار بصوت رجولي صارم:
"عرفت مكان منصور صفوان ياعمران"
انتصب في جلسته بدهشة وأظلمت عيناه بلحظة ليهتف بصوت جهوري ومريب:
"مستخبي وين؟!"
بشار بنبرة منذرة:
"هقولك بس متروحش غير لما أجيبك ونروح مع بعض"
صاح عمران منفعلًا:
"اخلص يابشار قول وين مكانه!"
تنهد الصعداء بعدم حيلة واملى عليه العنوان بالتفصيل ودون أي انتظار انهي عمران الاتصال واندفع بسيارته يشق الطرقات قاصدًا ذلك العنوان حيث يختبئ منصور........
رواية و بالعشق اهتدي الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ندى محمود توفيق
رواية و بالعشق اهتدي الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ندى محمود توفيق
ظل واقفًا مكانه للحظات يستوعب ما سمعه للتو منها وتهديداتها الصريحة له، ليهتف بعد وقت قصير بصوت رجولي:
"مش هدخل الأوضة كيف يعني، افتحي يا آسيا متخلنيش افتحه غصب واكسره."
تفت بغضب شديد صائحة:
"أه مهو ده اللي ناقص كمان غلطان ومش عاچبك!"
كان سينفجر بها صارخًا لكنه تمالك أعصابه على آخر لحظة وهو يتلفت حوله ويقول بصوت محتقن:
"وأنا بقولك افتحي عشان افهمك اللي حُصل، واراضيكي."
آسيا بنبرة أثنوية شرسة وعناد شديد:
"أنا معاوزكش تراضيني بالكلام.. عاوزة أفعال وقولتلك هتعمل إيه.. وبعد ما السحلية دي تطلع من البيت ابقى وقتها افكر في عقابك الحقيقي على اللي شوفته وانت واخدها في حضني."
مسح على وجهه متأففًا وراح يقسم لها بصدق وضيق:
"يابت الناس بقولك والله ما اعرف كيف ده حُصل، هي مثلت أنها أغمى عليها واترمت في حضني."
جزت آسيا على أسنانها حقدًا وهي تشتعل بنيران غلها وغيرتها، وتتعهد لمنى بعقاب لم تكن تتخيله أبدًا سيجعلها تندم على مجرد تفكيرها في زوجها وسيمنعها من خطو خطوة واحدة لهذا المنزل مجددًا.
ردت على عمران بغضب هادر:
"مش هفتح ياعمران الباب شوفلك مكان تنام فيه الليلة دي.. أنا مش عاوزة اشوفك، ولغاية ما تنفذ اللي طلبته مفيش كلام بينا واصل ولا حتى عيني هتاچي في عينك."
تقوست عضلات وجهه بسخط حقيقي وهتف مغتاظًا:
"هي بقت إكده يعني هتمعنيني من دخول الأوضة يابت خليكي."
كانت بالداخل تقف مستندة بظهرها على الباب وتعقد ذراعيها أمام صدرها، وهي ترفع رأسها للأعلى بعنجهية وعناد تأبى الرد عليه،
حتى تسمعه يكمل بنفس نبرته السابقة:
"ماشي يا آسيا براحتك."
ثم ابتعد عن باب الغرفة وقاد خطواته عائدًا لغرفته بالأعلى متمتمًا غيظ شديد منها:
"بتلوي دراعي يعني، فاكرة أني اسلوب التهديد ده هيمشي معايا."
بينما آسيا فاندفعت نحو فراشها وجلست على الطرف تهز قدميها وتضرب الأرض بعنف كلما تتذكر ذلك المشهد، ويزداد نقمها أكثر على زوجها ووعيدها لمنى يصبح أكثر شرًا.
تركت افعى سامة بمنزلها وسمحت بوجودها ظنًا منها أنها لن تشكل خطرًا لكن اتضح أنها أصبحت فريستها.
***
داخل منزل مروان...
جلست خلود على الأريكة أمام شاشة التلفاز شاردة الذهن وهي تتذكر حديثهم بصباح اليوم، لا تعرف كيف وافقته على ذلك الاقتراح والآن هي بمنزله لكن لم يكن أمامها حرية الاختيار واضطرتها الظروف للاستسلام.
ظل يحدق في تعبيرات وجهها بفضول قبل أن يسألها مرة أخرى:
"لسا برضوا خايفة ما تحكيلي؟"
رفعت خلود نظرها لوجهه ورمقته مطولًا بأسى ثم استسلمت وقالت:
"چوزي كان بيضربني وبيعذبني ومش عاوز يطلقني وآخر مرة حاولت اهرب منه مسكني وحبسني من وقتها في اوضة من غير وكل ولا شرب لغاية ما قدرت اهرب منه دلوقتي."
ظهر النقم والاشمئزاز على تعبيرات مروان تجاه سمير لكنه حاول التحكم بانفعلاته وسألها باهتمام:
"طيب وأهلك ملكيش أي حد؟"
هزت رأسها بالنفي وهي تبكي بحرقة وتعكس بصوت ضعيف بالكاد يُسمع:
"اهلي في بينا مشاكل كبيرة ومفيش فيهم عاوزني ولا عاوز يشوف وشي ومقدرش اروحلهم واصل."
غضن حاجبيه باستغراب متسائلًا في نفسه عن سبب تلك الخلافات الأسرية التي تجعلها خائفة من اللجوء لعائلتها في مثل هذه الأمور الخطيرة، لكن أجل السؤال في ذلك الأمر الآن وهتف بجدية:
"بس اعتقد في الوضع ده اكيد الخلافات اللي بينكم اهلك هيركنوها على جمب."
لم تجب واستمرت في البكاء الشديد فمسح مروان على وجهه بحيرة وهتف في إشفاق:
"طيب أنتي هتعملي إيه دلوقتي؟"
رفعت كتفيها لأعلى بجهل وتهتف بصوتها المبحوح من شدة البكاء:
"معرفش معرفش.. بس هو أكيد بيدور عليا ولو عتر فيا مش بعيد يخلص عليا واصل."
انتصب مروان واقفًا وراح يجوب يمينًا ويسارًا وهو يمسح على ذقنه ويفكر في حل لتلك المعضلة، عله يتمكن من مساعدتها، مر وقت طويل نسبيًا حتى وجدته يجلس القرفصاء أمامها مجددًا ويقول بنظرة حادة لا تحمل أي مزح:
"أنا عندي اقتراح واتمنى متفهمنيش غلط وتسمعيني للآخر، تمام؟"
تطلعت في وجهه بفضول وراحت تهز رأسها له بالموافقة فأكمل هو بصوت رجولي قوي:
"أنتي مفيش مكان تروحيله ولو طلعتي ممكن الحيوان ده يوصلك، فأنا بقترح إنك تفضلي في شقتي هنا مؤقتًا لـ..."
قاطعته وصاحت به بغضب شديد وهي تستقيم واقفة منفعلة:
"شقتك ده إيه.. أنت شكلك إكده افتكرتني من البنات إياهم، أنا غلطانة أني وثقت فيك وحكتلك مشكلتي."
أردف مروان مسرعًا بجدية وصوت غليظ يحمل الرجولة والصدق:
"أنا مش قولتلك اسمعيني للآخر ومتفهمنيش غلط.. الشقة دي بتاعتي بس معايا شقة تاني بتاعت أهلي وممكن اقعد فيها وانتي تقعدي هنا واديكي المفتاح."
بدت وكأنها لم تقتنع ولم توافق فأكمل هو بنبرة دافئة يحاول بث الآمان لنفسها:
"متقلقيش والله أنا مش هأذيكي والمفتاح هيبقى معاكي وعشان تطمني اقفلي الباب بالمفتاح عليكي وتربسي الباب عشان تبقى مرتاحة، لكن هتطلعي وتمشي هتروحي فين بس؟!"
زمت شفتيها بخوف ملحوظ وحيرة وتوتر فظل هو يرمقها بنفس نظراته علها تقتنع وتوافق وتثق به، أخيرًا ظهر عليها ملامح الموافقة ولكنها مازالت تكابر وهتفت برفض وارتعاد:
"أنا مقدرش اقعد في شقتك أنا معرفش أنت مين ولا ممكن تستغلني كيف وتعمل معايا إيه؟!"
ابتسم مروان بساحرية وقال وهو رافعًا حاجبه بنبرة مميزة ومازال محافظ على بسمته:
"وهو أنا لو عاوز اعمل فيكي حاجة كنت عملتها من بدري ما أنتي أهو قاعدة في شقتي برضوا وانا قاعد معاكي وحدينا، متخافيش مني أنا بجد عايز اساعدك ومفيش في نيتي أي حاجة وحشة، ولو على أنا مين وده مسببلك مشكلة ومش مطمنك، أنا اسمي مروان العلايلي ومهندس معماري شغال وعايش في ايطاليا وبنزل اجازات هنا يعني عيلتي كلها في مصر هنا بس أنا وولدي ووالدتي واخواتي عايشين في ايطاليا، حابة تعرفي إيه تفاصيل تاني؟"
تعريفه لنفسه وأسلوبه المنمق في الحديث والواثق جعلها تطمئن له قليلًا، وتفكر بالموافقة بعدما أقنعها عقلها بأنه لا يبدو عليه شاب سيء وقد يلحق بها الأذى، التزمت الصمت ولم تجيب على سؤال فقد كانت منشغلة بالتفكير حتى انتشلها سؤاله الجديد:
"قولتي إيه موافقة ولا لا؟"
رفعت عيناها له وتطلعت في خاصته مطولًا بتدقيق ثم أصدرت زفيرًا قوي قبل أن توميء له بالموافقة أخيرًا...
عادت لواقعها وقد تذكرت سمير واستخوذها الارتعاد والقلق وهي تفكر ماذا حدث معه وهل اسعفته فتاته في الوقت المناسب ام حالته الصحية تدهورت، تخشى أن يكون صابه مكروه بسببها لكنها لا تستطيع الاطمئنان عليه، ولم تحكي لمروان أنها ضربت زوجها أثناء هروبها.
***
داخل منزل خليل صفوان......
صعد الدرج بخطوات بطيئة متجهًا نحو غرفته وملامحه تكشف عن مدى التعب الجسدي والإرهاق الذي يعاني منه بسبب اليوم الطويل، مر من أمام غرفة غزل ووجد الباب مفتوح فتوقف وضيق عينيه باستغراب متسائلًا عن سبب تركها الباب مفتوح في هذا الوقت المتأخر، ثم تقدم بتريث نحو غرفتها حتى وقف بجوار الباب وراح يطرق عليه بلطف هاتفًا:
"غزل!!"
نادي عليها مرة أخرى عندما لم تجب في الأولى لكنها لم تجب في الثانية أيضًا، فتحرك بخطواته لداخل الغرفة وهو يتلفت برأسه بحثًا عنها وقد بدأ القلق يتملكه خوفًا من أن يكون خرجت أو صابها مكروه، لفت نظره صورها المختلفة المعلقة على الحائط وكذلك الموضوع فوق المنضدة الصغيرة بجوار الفراش فمال بجزعة للأمام ليلتقط الأطار ويتأمل في تلك الصورة التي التقطتها أمام البحر وهي مرتدية نفس الثوب الذي كانت ترتديه بصباح اليوم وشعرها يتطاير حولها يفعل نسمات الهواء، للحظة نسى غيابها وهام بصورتها وظهر شبح ابتسامته على ثغره لكن تلك الأجواء الهائمة لم تكن كثيرًا حيث صوتها من خلفه عند باب الغرفة تقول بنعومة:
"علي!!.. بتعمل إيه في my room؟"
انتفض فزعًا ولا إراديًا سقط الأطار من يده وبلحظة واحدة حدث كل شيء ووجدت الإطار تهشم على الأرض، نقل هو نظره المندهش بين الأفكار والصورة وبين وجهها الذي تعلوه ملامح الصدمة وعيناها متسعة فتنحنح بإحراج بسيط وتمتم:
"احم.. مكنش قصدي."
تقوست فمها بطفولية وبدت وكأنها على وشك البكاء واسرعت نحو صورتها تجثوا على الأرض وتهتف بحزن وتوبيخ له:
"أوف ياعلي حرام عليك أنا بحب الصورة دي أوي، ليه كدالوى."
فمه بضيق من نفسه بينما هي فهبت واقفة وصاحت به بخنق:
"أنت إيه اللي دخلك اوضتي أصلًا."
هتف بصوت رجولي غليظ ومنزعج:
"ده چزاتي يعني أني دخلت اطمن عليكي لما لقيت الباب مفتوح."
غزل بغضب وعتاب شديد:
"وبتمسك حاجتي ليه!"
تنهد "على" الصعداء وقال بجدية ولطف جميل:
"حقك عليا ياست البنات هاتي الصورة اللي في يدك دي وأنا هعملك احلى برواز ليها تاني."
رفعت حاجبها باستنكار وبدا عليها عدم تصديقه فقالت له مستهزئة:
"أشك إنك هتعمل كدا أصلًا.. اكيد بتقولي كدا عشان تسكتني!"
" علي " بنبرة رجولية مهيبة كلها ثقة:
"معندناش رچالة بتكدب، طالما قولتلك هعملك واحد يبقى هعملهولك."
ضيقت عيناها بعدم ثقة وهي تنظر ليده منتظرًا منها أن تعطيه الصورة فمالت بوجهها عليه قليلًا وقالت:
"امتى هتعملها؟"
على ببرود تام:
"في اقرب وقت أول ما اكون فاضي."
ابتسمت له باستنكار وتطلعت في عيناه بتحدي هاتفة برقة معتادة:
"بكرة."
رفع حاجبه اليسار بدهشة من نظرات التحدي التي تحدقه بها، وابتسامتها المتلذذة وكأنها تنتقم منه، فابتسم رغمًا عنه على عفويتها ورضخ لها وهتف:
"بكرة ياغندورة، أي أوامر تاني!"
لوت فمها بقرف وقالت بانزعاج حقيقي وهي تعرض وجهها عنه:
"ومتقولش ياغندورة دي تاني لأنها مستفزة."
على متنهدًا بقلة حيلة وهو مازال محتفظ بابتسامته:
"طيب.. هاتي عاد الصورة دي خليني اروح اريح وأنام في اوضتي."
مدت يدها له بالصورة ووضعتها في كفه بامتعاض فاستدار وتحرك تجاه باب الغرفة لينصرف لكنها أوقفته فجأة بصورتها الرقيق والحماسي وهي تلحق به:
"علي استنى!"
توقف واستدار لها برأسه فوجدها تبتسم له بخبث ومتعة وهي تسأله:
"مردتش على سؤالي بتاع العربية في الصبح يعني، أنت ليه مهتم لأمري؟"
تجمدت تعبيرات وجهه وبدا وكأنه داخل حصار خطير، لكنه نجح في الهروب منه حيث أجابها بكل برود متصنعًا عدم المبالاة:
"تصبحي على خير ياغندورة."
ولم يترك لها فرصة طرح سؤال آخر أو الإلحاح في الحصول على إجابة حيث تركها وانصرف، وكانت هي تشتعل غيظًا من نعته لها بـ " غندورة " ثانية.
***
بصباح اليوم التالي.......
استيقظ كل من جلال و فريال فزعًا على أثر صوت صحة عنيفة منبعثة من المطبخ ناتجة عن سقوط الأواني والصحون، لم تفكر بشيء سوى أبنائها ووثبت واقفة تخرج من غرفتها وهي بملابس النوم عبارة عن ثوب حريري قصير من اللون الأحمر، وقد نست تمامًا أن جليلة بالمنزل معهم بعدما تأخرت عمدًا بالأمس فاقترح عليها جلال قضاء الليلة معهم وهي فورًا وافقت.
وصلت فريال المطبخ وتسمرت بأرضها مندهشة عندما وجدت جليلة بالمطبخ وقد قامت بتحضير الفطور كاملًا، نظرت جليلة لها هي وابنها وقالت بتصنع الحزن:
"يقطعني هو انا صحيتكم، معلش عاد ياولدي بس قولت احضرلكم الفطور لقيت مرتك نايمة لغاية دلوك والعيال معاهم مدرسة وانت معاك شغل."
لوت فريال فمها بغيظ محاولة تمالك أعصابها بينما جلال فرد على أمه بود:
"كتر خيرك ياما.. تعبتي نفسك."
جليلة بكل حب أمومي:
"تعبك راحة ياولدي أنت وعيالك."
كانت فريال تجاهد في البقاء هادئة ومتبلدة المشاعر رغم أنها تشتعل غيظًا من حماتها، وبالأخص عندما وجهت لها الحديث بلهجة جافة ومتهكمة:
"روحي غيري خلچاتك والبسي حاچة زينة، هتقعدي إكده قصاد ولادك دول كبروا وبقوا رچالة."
طفح كيلها وكانت على وشك الانفجار بها والرد عليها لكن أوقفها لمسة جلال الحانية لها وهو يشير بعينيه أن تذهب لغرفتها وتبدل ملابسها، فكتمت حنقها في نفسها وتحركت تجاه غرفتها وهي عبارة عن جمرة مشتعلة وتتمتم بكلمات غير مفهومة تدل على انزعاجها الشديد من تدخلها بحياتها حتى بعدما تركت لها المنزل كله، ونيرانها تشتعل أكثر من فكرة أنها دخلت مطبخها وحضرت فطورهم فقط بنية إظهارها أمام زوجها أنها غير مؤهلة لتحمل مسؤولية منزل كامل بمفردها ولن تستطيع الاهتمام بزوجها أولادها ومنزلها.
خرجت من الغرفة بعد دقائق طويلة نسبيًا وقد ارتدي عباءة منزلية مطرزة باللون الأخضر، فوجدتهم تجمعوا حول طاولة الطعام وبدأوا في تناول فطورهم، رسمت بسمة باهتة لأولادها وهو يهتفون بحماس طفولي:
"الچدة عملت لينا الفطور اللي بنحبه يا ماما."
ردت جليلة بحنو:
"بالهنا والشفا ياولاد الغالية."
اقتربت فريال وجلست بجوار زوجها الذي كان يلاحظ ملامحها المكفهرة ولكنه محاصر بين زوجته وأمه ولا يعرف كيف عليه أن يتصرف، ومن الذي سيراضيه بينهما ففضل الصمت تمامًا كاسلم حل في هذه المواقف، لكن جليلة سألته:
"أيه رأيك في الوكل يا چلال؟"
تسأله وكأنه يأكل الطعام من يدها أول مرة!!.. رفع رأسه لها وابتسم بدفء لأمه وقال بامتنان:
"تسلم يدك ياما الوكل زي العسل."
نظرت لفريال وقالت بنظرات تضمر خلفها الكيد والحقد:
"لو فضلتوا على الحال ده كل يوم إكده.. العيال وچوزك هيطلعوا على لحم بطنهم الصبح، لازم تعودي روحك من إهنه ورايح على الصحيان بدري، أنتي دلوك ست البيت إهنه ومفيش حد غيرك يعني كل حاچة عليكي مش كيف ما كنتي في البيت عندينا، يعني محدش هيشيل عنك حاچة."
تدارك جلال الموقف بسرعة قبل أن تنفجر زوجته وينشب بينهم شجار عنيف أمام أولادهم، راح يلف ذراعه حول كتفي فريال ويضمها إليه وهو يقبل شعرها بحب حقيقي ويتمتم مبتسمًا:
"وهو احنا من غيرها نعمل إيه ياما.. ده احنا نتوه من غيرها ربنا يخليها لينا ويقومها بالسلامة."
أخيرًا ابتسمت فريال من القلب بمشاعر فرحة وحب حقيقي وهي تنظر له بامتنان وغرام، رغم أن جلال كان يعلم أن كلماته ستثير غيرة أمه ولكن كان عليه أن يضحي بأحدهم في سبيل إنقاذ الموقف، عاد يلثم رأس فريال مجددًا وهو يهمس لها بصوت يذيب القلب لم يسمعه سواها:
"بحبك يافريالي."
تلونت وجنة فريال بحمرة الخجل رغم محاولاتها لأخفاء مشاعرها وتعبيراتها لكنها فشلت، فهتفت جليلة بود مزيف:
"ربنا يخليكم لبعض ياولدي وتفرحوا بولادكم أن شاء الله."
ردد بتمنى وابتسامة:
"امين يارب."
بدأت فريال في تناول طعامها بنفس مشتهية وتلذذ بعد ردة الفعل الغير متوقعة من زوجها التي أدخلت السرور على قلبها.
***
داخل منزل ابراهيم الصاوي...
خرجت آسيا من غرفتها وهي تنوي بدأ خطتها في كشف حقيقة حماتها لزوجها وطرد منى من المنزل أو فضحها بالمعنى الأدق، لكنها اصطدمت فجأة برحاب أمامها التي كانت غاضبة بشدة وترمق آسيا بنارية!.
رحبت بها آسيا في ابتسامة متكلفة:
"أهلًا وسهلًا يا رحاب.. ياريت تكوني چاية تاخدي أختك السحلية."
رحاب بسخط شديد ونبرة قوية:
"انتي اللي عملتي ٱكده في وش منى يا آسيا؟!"
ابتسمت آسيا ببرود مستفز وردت عليها:
"آه لقيت روحي زهقانة فقلت أما ارسم لوحة تذكارية على وشها عشان تفضل فكراني بيها طول العمر."
صاحت رحاب منفعلة:
"أنتي روحك إيه محدش هيقدر عليكي يعني ولا إيه.. مع أني معرفش كيف سكتولك وسمحولك تعملي إكده في منى بس أنا مش هسكت."
تابعت آسيا بنفس تعبيراتها وبرودها المريب الذي لا يبشر بالخير أبدًا:
"أه محدش بيقدر عليا وفي البيت ده بذات، ولو على سمحولي كيف فالكل إهنه عارف أن اختك سحلية ومعندهاش كرامة وتستاهل اللي يچرالها مني."
رفعت رحاب سبابتها في وجه آسيا توجه لها تهديداتها الحقيقية بزمجرة:
"خليكي بعيدة عن أختي يا آسيا وقسمًا بالله لو يدك اترفعت على اختي تاني ولا قربتي منها هتشوفي وشي الحقيقي وقتها."
أظهرت آسيا عن أنيابها أخيرًا ونزعت قناع البرود والهدوء المزيف حيث تقوست تعبيراتها بشكل مرعب وهي تنظر لأصبع رحاب وتقول لها بعين ملتهبة:
"أنا مبتهددش ياحلوة، ونصيحة متخلنيش أنا اللي اوريكي وش آسيا صفوان الحقيقي، يعني بلاش تفتحي على روحك باب مش هتعرفي تقفليه."
ضحكت رحاب بسخرية منها دون أن يهتز لها شعرة واحدة من نظرات آسيا وتهديداتها لها:
"لو فكراني منى اللي هتخاف منك وترچع ورا تبقى غلطانة، أنتي تقفي عندي أنا وتفكري مية مرة قبل ما تحبي تهدديني."
عادت بسمة آسيا لثغرها مجددًا لكن هذه المرة كانت متهكمة وكلها مكر ثم مالت عليها بالقرب من أذنها وهمست بشيطانية:
"عندك حق أصل اللي بوشين زيك إكده لازم تكتكيله زين قبل ما تتعاملي معاه، على الأقل اختك مكشوفة وباينة للكل إنها عشفة وعاوزة تخطف چوزي مني، لكن إنتي عاملة ملاك مكسور الجناح وعاوزة تخطفي بشار من خطيبته، مهو كان قصاك دايمًا ولا هو حلي في عينك لما خطب كيف ما چوزي حلي في عين اختك لما اتچوزني، أنا برأى أنتي واختك عندكم مشكلة ومحتاچين تتعالچوا منها.. مبتعچبكمش غير الرچالة المتچوزة.. يعني خرابين بيوت."
تلون وجه رحاب باللون الأحمر القاتم من فرط الغيظ وعيناها اشتعلت بنيران النقم والغضب على آسيا ولا إراديًا رفعت يدها وكانت تنوي صفعها على وجهها لكن علقت يدها بالهواء على أثر صوت عمران المخيف:
"رحاب بتعملي إيه؟!!!"
انزلت يدها بالبطيء وهي لا تحيد بنظرها الملتهب عن آسيا وتجيب على عمران بسخط شديد:
"أسال مرتك الأول بتقولي إيه ياعمران، معدتش عارفة توزن كلامها وبتخرف بالكلام."
عمران بنبرة رجولية قاسية وملامح حادة:
"مرتي الحمدلله عقلها يوزن بلد، ولو قالتلك حاچة ضايقتك فـ ده أكيد رد فعل.. وده ميدكيش الحق ترفعي يدك عليها."
التفتت آسيا تجاه عمران بدهشة من رده وسرعان ما عادت بوجهها لرحاب وعقدت ذراعيها أمام صدرها تحدقها بنظرة تشفي وعنجهية، كادت رحاب تجيب على عمران لكن اسميتها صوت بشار الذي وصل للتو من الخارج وهتف بغلظة:
"في إيه يارحاب؟!!"
التفتت له وردت بهدوء في خنق:
"مفيش حاچة."
نقل بشار نظره بين عمران وآسيا محاولًا فهم الموقف الذي دار بينهم لكنه فشل فخاف بجدية:
"طيب تعالي أنا كنت عاوزة اكلمك في حاچة كويس إنك چيتي."
رأى بشار نظرة انزعاج في عين عمران وكأنه يريد توبيخه لكنه لا يستطيع، فتجاهل نظراته وابتعد بخطواته عنهم ولحقت به رحاب غير مبالية بنظرات كل من عمران وآسيا لها.
التفت عمران تجاه آسيا بعد انصرافهم وسألها بحزم:
"إيه اللي حُصل؟!"
ابتسمت آسيا له بغنج أنثوي وهي تنظر له بطرف عيناها وتمسك على صدره بنعومة متمتمة:
"مشاكل حريم متشغلش بالك بيها يامعلم، بس متفتكرش أن اللي عملته دلوك هيشفعلك ويخليني انسى اللي حُصل امبارح.. يعني انا لسا عند كلامي ولساتني محارباك ومش هرضى عنك غير لما تعمل اللي قولتلك عليه."
أنهت عباراتها وابتعدت بخطواتها بعيدًا عنه تتركه يقف محتارًا من بين الغيظ الشديد منها وبين الحب والإعجاب بدلالها عليه، ولأن هذه المرة هي على حق لا يمكنه حتى الاعتراض على دلالها وطلباتها وعقابها له.
***
غادر بشار المنزل بأكمله واستقل بسيارته ولحقت رحاب به واستقلت بجواره، فوجدته يطرح سؤاله عليها باهتمام:
"إيه اللي كان بيحصل فوق؟!"
ردت بخنق وإيجاز شديد:
"ولا حاچة شديت أنا وآسيا شوية."
ضيق عينيه باستغراب وهتف:
"ليه؟"
رحاب محاولة تخطي السؤال وتجاهله:
"متشغلش بالك يا بشار.. المهم قولي أنت كنت عاوز تتكلم معايا في موضوع إيه؟"
تنهد الصعداء مطولًا وظل ساكنًا للحظات يفكر في كلماته وكيف سيبدأ حديثه، وأثر بالنهاية أن يبدأ بسؤال عن أهم شيء:
"انتوا خلاص رچعتوا الدهب وكل حاچة لخطيبك والموضوع خلص صُح؟"
هزت رأسها له بالإيجاب وهي لا تفهم سبب سؤاله فمسح على وجهه بارتباك ملحوظ وهو يطلق زفيرًا حارًا، ثم تمتم وهو ينظر لها بحب:
"أنا عارف أنه مش وقته ومينفعش اقول الكلام ده دلوك وخصوصًا أني لساتني مرتبط، بس أنا تعبت ومش قادر اخبي اكتر من إكده يارحاب."
ظهر شبح ابتسامتها الخجلة على ثغرها الناعم وهي تطرق رأسها أرضًا بعدما فهمت ما يلمح إليه فتابع هو بجدية ومشاعر جيَّاشة:
"أنتي أكيد واخدة بالك وعارفة مشاعري ناحيتك ازاي، وإني من زمان مش عارف اشيلك من عقلي وقلبي."
رغم السعادة المفرطة التي استحوذت عليه وقلبها الذي يتراقص فرحًا، إلا أنها رفعت رأسها له وطالعته بعين حزينة متمتمة:
"بشار أنت بنفسك قولتلها الكلام ده مينفعش، وأنت مرتبط وخاطب."
أجابها مسرعًا بنبرة مغرمة وجادة:
"أنا عارف.. بس أنا مش هقدر اكمل في علاقتي مع خطيبتي، هي كويسة وبنت حلال وتستاهل واحد يحبها صُح وأنا مش هقدر أمامها معايا وأنا قلبي مع غيرها عشان إكده هفسخ الخطوبة، أنا بس حبيت اقولك الكلام ده واعرفك أني مش هكمل معاها، خايف تروحي من يدي تاني وعشان إكده اعترفتلك بمشاعري."
عرضت وجهها عنه خجلًا واستحياء ثم همست له برقة ودلال:
"متقلقش مش هضيع من يدك تاني.. بس لغاية ما تفسخ خطوبتك ويبقى في حاچة رسمي بينا متنتظرش مني أي حاچة."
ابتسم لها بدفء وتمتم في صوت رجولي ساحري:
"أنا مش منتظر منك حاچة اصلًا، كفاية أنك تستنيني لغاية ما اظبط اموري بس."
رحاب بصوت ضعيف بسبب خجلها منه:
"انا هرچع البيت چوا عشان اشوف منى."
لم يعترض واكتفى بالصمت ومتابعته لها وهي تخرج من السيارة وتقود خطواتها نحو المنزل مجددًا، وعلى ثغره ابتسامة عاشقة وفرحة، رغم تأنيب ضميره الذي يعكر عليه صفوه وصوت عقله الذي يصرخ عليه دون توقف أنه يخون خطيبته لكنه اسكته بحجة أنه لن يتركها معلقة بحبال ذائبة معه وسينهى علاقتهم حتى تتمكن هي من استكمال حياتها وربما تجد الرجل المناسب لها.
***
بمكان آخر داخل منزل مروان حيث تسكن خلود....
بينما تقف بالمطبخ تقوم بتحضير وجبة صغيرة لها للإفطار، انتفضت فزعًا على أثر سماعها لصوت رنين الباب وتسمرت بأرضها دون حركة في خوف شديد بعدما قذف بعقلها فكرة احتمالية أن يكون سمير عرف مكانها، ظل مكانها كالصنم ودقات قلبها تسارعت وصدرها يرتفع وينزل متازمنًا مع أنفاسها، ورنين الباب لا يتوقف بل وتحول لطرق قوي فقادت خطواتها أخيرًا لكن كانت متعثرة تقدم خطوة وتأخر الأخرى، حتى وصلت للباب أخيرًا ووقفت خلفه وهي تحاول السيطرة على أنفاسها لتهتف بصوت مرتجف:
"مين؟"
وصلها صوت رجولي مألوف عليها من الخارج هاتفًا:
"أنا مروان ياخلود!"
وضعت كفها على صدرها مطلقة زفيرًا حارًا بارتياح وردت عليه متلعثمة وبصوت ضعيف:
"طيب ثانية واحدة."
اتجهت للداخل وارتدت رداء طويل محتشم وفضفاض وعادت له مجددًا لتفتح الباب فتجده يقابلها بابتسامته البشوشة ويقول معاتبًا إياها:
"أنتي كنتي نايمة ولا إيه أنا قلقت لما مردتيش."
فسحت له الطريق باستحياء ملحوظ وهي تهمس:
"كنت في الحمام."
تنحنح بإحراج بسيط ولم يجيب بينما هو فنزع حذائه بجوار الباب وأشار لها بيده على الداخل وهو يبتسم وكأنه يأخذ الأذن منها ليدخل، فقالت له بتعجب وجدية:
"اتفضل طبعا ده بيتك أنت هتاخد الأذن مني!"
قاد خطواته للداخل حتى وصل للأريكة وجلس فجلست هي على المقعد المقابل له وهي ساكنة تمامًا، والصمت بينهم سيد الموقف حتى هتفت بارتياح ملحوظ على تعبيراتها:
"هو سمير ممكن يعرف مكاني ده ويوصلي؟"
مروان بنظرة دقيقة:
"سمير ده جوزك صح؟"
هزت رأسها له بالإيجار فتنهد مروان بقوة وقال بلهجة جادة:
"لا متقلقيش مش هيعرف أنتي بس حاولي متطلعيش من البيت غير للضرورة لغاية أما نشوف هنعمل إيه وتطلقي منه."
لمعت عيناها بوميض مختلف وقالت:
"هو أنا صُح أقدر أطلق منه؟!"
" أيوة طبعًا تقدري متقدريش ليه، أنا عندي واحد صاحبي محامي شاطر اوي هسأله ونشوف هيقول إيه."
زمت خلود شفتيها بيأس بعدما تذكرت وقالت:
"بس المحامي هيحتاچ فلوس أتعاب ومصاريف كتير."
مروان بنبرة رجولية صلبة:
"ملكيش دعوة بالموضوع ده وبعدين بقولك صاحبي يعني ممكن مياخدش حاجة."
هزت رأسها بتفهم واستسلام واجفلت عيناها أرضًا للحظات قبل أن ترفع نظرها له مجددًا وتقول بامتنان حقيقي وعين دامعة:
"أنا مش عارفة اشكرك ازاي بچد يا أستاذ مروان."
استصعب لقب " استاذ " لكنه لم يعقب وتجاهله ليجيب عليها مبتسمًا بود بعدما أخرج من جيبه هاتف حديث:
"متكشرنيش أنا مش عايز شكر ولا حاجة، بس خدي التلفون ده خليه معاكي أنا سجلتلك عليه رقمي عشان لما تعوزي أي حاجة تتصلي بيا."
نظرت خلود للهاتف الذي بيده مطولًا بدهشة وسرعان ما هزت رأسها بالرفض القاطع هاتفة:
"لا أنا مش هقدر اخد التلفون ده كفاية اللي أنت عملته معايا وأنك ادتني شقتك وبتساعدني رغم أنك متعرفنيش."
أطلق زفيرًا حارًا بقلة حيلة منها ثم هتف برزانة ليقنعها بذكاء:
"طيب ياستي متخدهوش بس خليه معاكي الفترة دي بس عشان اعرف اتواصل معاكي وانتي كمان، عشان مينفعش تقعدي من غير تلفون كداب."
بدت وكأنها اقتنعت ولكنها ظلت تنقل نظرها بينه وبين الهاتف بتردد فابتسم هو لها ووضع الهاتف على سطح الطاولة الصغيرة بالمنتصف بينهم واستقام واقفًا وهو يقول:
"زي ما قولتلك لو احتجتي اي حاجة اتصلي بيا، أنا همشي عايزة حاجة؟"
استقامت هي أيضًا واقفة وهزت رأسها له بالنفي دون أن تنظر لوجهه بسبب احراجها منه وهمست في رقة:
"لا شكرًا."
سار باتجاه الباب بعدما سمع ردها وظلت هي مكانها تراقبه بنظرها في امتنان وهي تحمد ربها أنه أخرج ذلك الرجل بطريقها ليساعدها في التخلص من زوجها الظالم...
***
داخل أحد المقاهي الصغيرة والهادئة كان بلال يجلس على مقعده حول الطاولة ينتظر عودة حور من الخارج بعدما ذهبت لتلقي التحية على صديقتها التي رأتها بالصدفة.
دقائق قصيرة حتى عادت له وجلست على مقعدها أمامه وهي تهتف بحماس جميل:
"فرحت أوي أني شوفتها لينا سنين متقابلناش يابلال والله."
اكتفى ببسمته الدافئة لها فتابعت هي بوجه مشرق:
"هاا كنا بنقول إيه بقى قبل ما اقوم."
تنهد مطولًا وقال بهيام وغرام:
"كنت بقول إيه رأيك نقدم الفرح شوية؟"
عادت برأسها للخلف وهي تتأفف بيأس وتقول ضاحكة:
"وبعدين بقى.. قولت لا لسا بدري على الفرح أنا في حجات كتير ناقصاني."
بلال بضيق وتمرد:
"وأنا مش قادر اصبر إيه الحل بقى!"
قهقهت لا إراديًا لتجيبه بدلال:
"هتصبر يا بلال مجبور.. ولا أنت عايز تكروتني زي ما كروتني في كتب الكتاب.. أنا خايفة من جنانك ده احسن الاقيك مرة واحدة جايبلي فستان الفرح وبتقولي فرحنا بعد ساعتين في القاعة يلا البسي بسرعة."
كبح ضحكته بصعوبة وقال بجدية مزيفة:
"مهو انتي لو فضلتي مصممة إكده وبتأخري في الفرح.. أنا ممكن اعملها صُح!"
اتسعت عيناها بصدمة وللحظة صدقت كلامها فصاحت به مغتاظة:
"عشان وقتها تلاقيني في نص القاعة بقولك طلقني.. وجنان بجنان بقى."
ارتفعت ضحكته الرجولية المميزة فهدأت هي بعدما تأكدت أنه كان يمزح، وراحت ترمقه بنارية وسط ابتسامتها الخفية، بينما هو فاستند بساعديه على سطح الطاولة وانحنى بوجهه عليها للأمام هامسًا في لهفة وعاطفة جيَّاشة:
"طيب حنى على العبد لله ده حتى بأي حاچة تصبيرة."
ضيقت عيناها بعدم فهم فأكمل هو غامزًا بجرأة:
"يعني مش ناوية تديني البوسة إياها ولا إيه!!"
فغرت عيناها وشفتيها بصدمة وأخذت تتلفت حولها بتوتر وكأن الناس كلها سمعت ما قاله للتو، ثم نظرت له وهتفت موبخة إياه بشدة بوجنتين تلونا بالأحمر من فرط خجلها:
"بلال إيه الوقاحة دي، احترم نفسك."
قهقه بقوة وكاد يجيب عليها لكن قطع حديثهم صوت أنثوي ناعم وقف بجوار طاولتهم وهتف بعين متسعة:
"بــلال."
التفتت حور أولًا نحو الصور لترى أمامها فتاة مدللة ترتدي ملابس ضيقة وتضع الكثير من مساحيق الجمال على وجهها، وتنظر لزوجها بكل جرأة.. فانتقلت حور بنظرها لبلال لتراقب ردة فعله فوجدته يرسم بسمة باهتة ومتكلفة على ثغره وهو يجيبها مقتضبًا:
"أهلًا يا نورهان كيفك؟"
ردت عليه بغنج ونعومة مستفزة:
"الحمدلله بخير أنت عامل إيه، من زمان أوي متقابلناش."
تنحنح بلال بخشونة بعدما لاحظ نظرات زوجته المشتعلة وراح يشير بيده عليها وهو يعرفها على تلك الفتاة المجهولة:
"حور مراتى."
اتسعت عين تلك المتطفلة وراحت تحدق بحور في نظرات متفحصة بحنق من أعلاها لأسفلها، وحور تقابلها بأخرى نارية، ثم هتفت أخيرًا بود مزيف:
"بجد الف مبروك ربنا يسعدكم يارب.. أنا هسيبكم بقى تاخدوا راحتكم."
أنهت عباراتها واستدارت تسير مبتعدة عنه لتلفت حور بنظرها نحو بلال وتطالعه شزرًا وهي تهتف بغضب شديد:
"مين دي؟!"
تنحنح بصوت مسموع في اضطراب بسيط وقال مبتسمًا محاولًا تلطيف الأجواء:
"دي واحدة كانت معايا في شغل من بدري."
رفعت حاجبها وبدت وكأنها لم تقتنع لكنها هزت رأسها له بإيجاب وهي تكتم نيرانها داخلها، لتهتف بحدة:
"طيب أنا رايحة الحمام."
استقامت واقفة وبلحظة اندفعت مسرعة نحو الحمام، وفور دخوله اصطدمت بتلك الفتاة وهي بالداخل تقف أمام مرآة المرحاض تنعدم من مظهرها الخارجي، حزنت حور على أسنانها وعبرت لتقف على المرحاض المجاور لها وتفتح المياه لتبدأ في غسل وجهها وسط نظرات الأخرى الماكرة لها، التي أنهت الصمت الذي بينهم بسؤالها وهي تسألها:
"انتوا اتجوزتوا امتى؟"
انفجرت بها حور فجأة هاتفة:
"بتسألي ليه؟!"
زمت الفتاة شفتيها بكل برود وتابعت:
"عادي مجرد سؤال.. هو بلال مقلكيش أنا مين!"
مسحت حور على وجهها بالمياه محاولًا تمالك أعصابها وردت بصوت محتقن:
"قالي وحتى لو مقلكيش مش مهتمة اعرف."
ابتسمت الأخرى بخبث وهمست لها في نظرة شيطانية:
"قالك أننا كنا مرتبطين وكنا داخلين في مشروع خطوبة وجواز."
***
داخل منزل ابراهيم الصاوي تحديدًا بغرفة عمران....
استمعت آسيا لصوت زوجها وهو يصيح مناديًا عليها من الأسفل، رغم أن المسافة كانت بعيدة لكن صوته الرجولي كان قوي وسمعته بوضوح، فاستقامت واقفة بسرعة وارتدت حجابها وهرولت لخارج الغرفة ومنها الدرج تنزل بحذر حتى وصلت للطابق الأرضي حيث كان الجميع موجود بما فيهم منى، وعندما نظرت بجوارها على الأرض رأت حقيبة ملابسها.........
نهاية الفصل ...........
رواية و بالعشق اهتدي الفصل الرابع عشر 14 - بقلم ندى محمود توفيق
لم يدرك متى وكيف حدث ذلك المشهد المؤلم أمام عينيه وانتهى الأمر برؤيته لها وهي على الأرض بعدما صدمتها السيارة وفر صاحبها هاربًا.
رآها مسطحة على الأرض والدماء تسيل من رأسها كانت تمامًا كالجثة الهامدة، الصدمة استحوذته وشلت حركته وتفكيره للحظات، لكن مع صوت أبواق السيارات وحركة الناس والتفافهم حولها فاق من صدمته وراح يركض نحوها مذعورًا ومرتعبًا ليبعد الناس عنها بقوة ويجثو على الأرض أمامها ممسكًا برأسها فوق يديه غير مبالٍ بدمائها ويهتف بصوت مرتعد ومبحوح:
"مريم ردي عليا.. مريم"
كان يسمع أصوات الناس من حولها بعضهم يدعو على ذلك السائق الخسيس الذي صدمها وهرب وبعضهم يصيح ليتصلوا بالإسعاف، لكنه لم يكن يبالي بأي شيء يسمعه حتى أنه ليس لديه الصبر وقوة التحمل التي تمكنه من الانتظار حتى وصول الإسعاف، حيث حملها على ذراعيه واتجه بها نحو سيارته وسط محاولات الناس لردعه موضحين له أنه من الخطأ حملها والذهاب بها للمستشفى دون انتظار الإسعاف، لكنه لم يكترث لهم ووضعها بكل حرص بالمقعد الخلفي للسيارة ثم التف إلى الأمام واستقل بمقعده المخصص للقيادة وانطلق به وهو تارة ينظر للطريق وتارة لها بعينان يملأها الرعب والهلع ويقود السيارة بأقصى سرعة ممكنة، كان يتسابق مع الزمن ليصل للمستشفى في أقل وقت ممكن.
دقائق قصيرة ورغم بعد المسافة إلا أنه قطعها في وقت قياسي ووصل المستشفى، دخل إلى قسم الطوارئ راكضًا يطلب المساعدة منهم وبظرف دقائق معدودة كانوا يحملوها على نقالة المرضى ويتجهون بها نحو غرفة العمليات.
جلس هو على أحد المقاعد بردهة المستشفى وانتبه لملابسه الغارقة بدمائها وتذكر ذلك المشهد البشع فراح يدفن رأسه بين راحتي يديه الملطخة بالدماء وهو على وشك البكاء حزنًا عليها، يلوم نفسه أنه السبب ويقول ربما لو لم أطلب منها مقابلتها لكانت الآن بخير.
***
بمكان آخر تحديدًا بمنزل إبراهيم الصاوي...
دققت النظر بالحقيبة واكتشفت أنها ليست لها بل لمنى، وكانت هي تقف بجوارها ويبدو أنها استعدت وتجهزت للرحيل، فلاح شبح ابتسامة آسيا المتشفية على ثغرها لكنها أخفته بمهارة وتصرفت بجمود دون أن تظهر أي تعبير على وجهها، حتى سمعت صوت زوجها وهو ينظر لها ويقول بخشونة:
"منى كانت عاوزة تودعك وتسلم عليكي يا آسيا قبل ما تمشي."
نقلت آسيا نظرها بين زوجها ومنى وكذلك إخلاص وعفاف بملامح قاسية لكن سرعان ما تحولت لأخرى بشوشة وكل ود وهي تجيب:
"بس بس ده من عنينا!"
تحركت بخطواتها في بطء وثقة أثارت حنق إخلاص ومنى التي عندما وصلت إليها دون أي مقدمات جذبتها لحضنها تعانقها بغل، وحدها منى من شعرت بزيف ذلك العناق الثعباني من آسيا وهي تقول لها بكل حزن:
"الجميع يعرف تصنعك له أمامهم. هتفضّي علينا البيت والله يا منى.. ابقي متقطعيش رجلك عنينا وطلي علينا كل شوية لاحسن أنا بتوحش طلتك عليا كده كل فترة والتانية."
فشل عمران في تمالك نفسه من الضحك على تمثيل زوجته الكوميدي من رأيه وراح يميل بوجهه للجهة الأخرى فورًا ليخفي ابتسامته عن أنظارهم، بينما آسيا فتابعت كلامها ولكن بهمس لم يسمعه سوى منى:
"لتكوني فاكرة إني هكتفي بطرد جوزي ليكي يا سحلية، أنا حذرتك كتير وأنتي مصدقتنيش ودلوقتي هتشوفي بت خليل صفوان لم توعد كيف توفي."
ابتعدت عنها بعدما أنهت عباراتها والتفتت لعمران ترمقه بنظرة محبة، ثم قالت لمنى بنظرة ماكرة:
"مع السلامة يا منى."
اقتربت منها إخلاص وعانقتها مودعة إياها رغم أنها همست لها في أذنها بكلمات لم يسمعها أحد منهم، لكن آسيا هذه المرة لم تبالي فخطتها لم تنتهِ بعد وعندما تنفذ آخر خطوة سيصبح دخول منى لهذا البيت شبه مستحيل طالما عمران به.
تحركت منى وهي تحمل حقيبتها لخارج المنزل بعدما ودعتهم، فابتسمت آسيا بنصر واستدارت تصعد لغرفتها مجددًا لكي تكمل خطتها كان سيلحق بها عمران لكن صوت رنين هاتفه أوقفه وعندما أجاب عليه بإيجاز:
"بعدين يا بشار بعدين هكلمك."
سمع صوته غريبًا وتائهًا في الهاتف وهو يجيبه:
"تعالى يا عمران أنا في المستشفى، مريم عملت حادث وفي العمليات دلوقتي."
صاح عمران بصدمة:
"إيه.. طيب مستشفى إيه قولي بسرعة وأنا جايلك."
كامل عليه اسم المستشفى وبتلك اللحظات كانت إخلاص وعفاف التفوا حول عمران ظنًا منهم أن بشار قد صابه مكروه وراحت إخلاص تصيح بعمران في ذعر:
"ماله بشار يا عمران.. ماله جراله إيه؟"
رد عليهم عمران بهدوء وإيجاز ليهدأ من روعهم:
"كويس الحمد لله متقلقوش بس مريم عملت حادث."
ضربة إخلاص على صدرها كانت متزامنة مع صيحتها المدهشة في رعب وحزن "يامري" وكذلك عفاف مثلها بينما هو فانطلق لخارج المنزل مسرعًا ليذهب إلى ابن عمه ويقف معه في محنته.
بينما بالغرفة بالأعلى حيث توجد آسيا، أخرجت هاتفها وأجرت اتصال بـ "فتحة" عمة عمران ووالدة منى وانتظرت للحظات طويلة حتى وصلها الرد منها وهي تقول:
"الو مين؟"
أجابتها آسيا بنبرة عذبة:
"أنا آسيا مرت عمران يا حاجة فتحية.. عاملة إيه؟"
غضنت فتحية عينيها بتعجب لكن ردت على آسيا بود مماثل:
"بخير الحمد لله يا بنتي.. أنتي عاملة إيه وأخبار حملك وعمران كيفه؟"
آسيا بنفس النبرة السابقة:
"كلنا بخير الله يبارك فيكي يا حاجة.. معلش أنا بس اتصلت بيكي وكنت عاوزة أكلمك في حاجة كده تخص منى."
ارتعدت فتحية وهتفت بسرعة في فزع:
"مالها منى جرالها حاجة ولا إيه؟"
آسيا بنفس ورزانة تامة:
"لأ اطمني هي كيف الحصان حتى زمانها على وصول دلوقتي عندك."
فتحة باستغراب:
"مقلتليش أنها جايه يعني!!"
آسيا في صوت ظهر عليه العبوس والحنق:
"أصله حصل مرة واحدة كده وقررت تمشي، بصراحة يعني يا حاجة فتحية أنا لو مكنتش بعزك مكنتش هقولك الكلام ده وكنت ممكن أعمل أي حاجة تاني، بس كمان الموضوع زاد عن حده قوي وأنا مقدرش أتحمل الصراحة أكتر من كده وقولت لازم انتي تشوفي حل مع منى."
بدأ القلق الحقيقي يتسرب لقلب فتحية وراحت تهتف بلهجة صارمة لآسيا:
"ما تقولي يا بنتي إيه اللي حصل وغوشتيني (قلقتيني)."
تنهدت آسيا بحزم وراحت تهتف بصوت أظهرته مغلوبًا ومقهورًا باحترافية:
"بصراحة كده منى بتيجي هنا بيت خالها عشان عمران، أنا عارفة من زمان وساكتة هي شايلة في قلبها مشاعر لجوزي وبتحاول تتقرب منه وتخطفه مني وأنا كذا مرة اتكلمت معاها بالحسنى وحذرتها وهي مش عاوزة تسمع مني، وآخر ما غلبت لجأت ليكي انتي، صدقيني أنا والله أبداً ما بتبلى عليها وبشوف اللي شيفاه قصادي حتى لو سألتيها عن علاقتها بعمران مش هتعرف ترد عليكي لأن حتى هو بقى فاهمها ومش بيتكلم معاها أصل واكتر من مرة حذرها أنها تبعد عني وعنه، أنا اتصلت بيكي وقولتلك انتي عشان تعقليها والمواضيع متكبرش وتتعرض للكل ويبقى فيها مشاكل كبيرة."
استشاطت فتحية غيظًا وصاحت بغضب هادر:
"إيه اللي بتقوليه ده أنا بنتي متربية زين وعمرها ما تعمل كده، حد قالك عنها أنها خطافة رجالة ولا بايرة عشان تجري ورا ولد خالها المتجوز؟"
حافظت آسيا على أسلوبها المهذب والبريء وهي تكمل لها موضحة:
"أنا مقصديش كده طبعاً أنا بقولك فهميها يمكن لسه صغيرة ومعرفتش الصح من الغلط، وحقك طبعاً متصدقنيش بس جربي كده واسأليها على الكلام اللي قولتهلك عليه ده وشوفيها هترد تقولك إيه وانتِ أمها وأكيد فاهمة بتك زين وهتعرفي إذا كانت بتكذب عليكي ولا لأ."
لم تحصل على رد من فتحية وفقط كانت تسمع صوت أنفاسها العالية التي تثبت مدى غضبها وزمجرتها، فهتفت آسيا مكملة تنهي حديثها واتصالها كله:
"أنا حبيت أعرفك وأقولك.. مع السلامة يا حاجة."
أنزلت الهاتف من فوق أذنها وأنهت الاتصال ثم راحت تحدق في الهاتف مطولاً حتى رسمت بسمتها الشيطانية والمتشفية على ثغرها.
***
بمكان آخر داخل المقهى حيث يجلس بلال ينتظر عودة حور من الحمام، بعد دقائق طويلة نسبيًا رآها وهي تتجه نحوه وتعبيرات وجهها مريبة وكأن بركان انفجر داخلها وتفوح حكمه البركانية على صفحة وجهها وجعلته أحمر كالدم، ضيق عينيه باستغراب وانتظرها حتى وصلت له فوجدها تهتف بغضب دون أن تجلس على المقعد حتى:
"يلا بينا أنا عايزة أمشي."
بلال بحيرة وجدية:
"إيه اللي حصل، مالك؟"
أجابته بنظرة متوعدة ونارية:
"هتعرف مالي بس برا لما نطلع مش هنا قدام الناس."
ظل مكانه ساكنًا يستوعب من تقوله وما حدث بظرف دقائق، فهي ذهبت للحمام بحال وعادت بآخر، لم يلبث للحظة حتى وحدها تندفع لخارج المقهي ثائرة فاستقام واقفًا واتجه نحو ماكينة الدفع ليدفع الحساب ثم لحق بها للخارج، وكانت هي تنتظره بالسيارة، استقل بمقعده المخصص للقيادة بجوارها والتفت لها ينظر باهتمام ويسألها في صوت غليظ:
"ممكن أفهم عاد اللي بيحصل؟"
رمقته حور شزرًا وهتفت بنظرة مترقبة لرده:
"مين البنت اللي سلمت علينا من شوية؟"
غضن حاجبيه بتعجب من سؤالها عنه مرة أخرى وقال ببساطة:
"أنا مش قوللتلك أنها واحدة كانت معرفة من شغل قديم كنت شغال فيه."
صاحت به حور منفعلة:
"بلال متكذبش عليا."
اتسعت عينيه مندهشًا من صياحها به من اللا شيء ولا إراديًا خرج صوت حادًا ومنزعجًا:
"جرالك إيه يا حور، وطي حسك وبعدين أنا هكذب عليكي ليه خايف منك مثلاً؟"
لم تبالي بتحذيره لها لإخفاض نبرة صوتها فتابعت بعصبية وغيرة شديدة:
"أيوه كذبت عليا ومقولتليش أنك كنت مرتبط قبلي وخاطب."
رفع حاجبه بصدمة وهتف بصوت رجولي غليظ:
"نعم، مرتبط ده إيه؟!"
حور بثقة تامة ونظرة ملتهبة:
"أيوه كنت مرتبط بالبنت دي."
تحول صوته وأصبح مخيفًا وصاح بها منفعلًا:
"مين اللي قالك الكلام ده؟!"
اعتدلت حور واستحت بوجهها بعيداً عنه لتحدق الطريق أمامها رافضة النظر لوجهه وهي تهتف:
"هي قالتلي."
ارتسمت ابتسامة متهكمة على ثغر بلال الذي تمتم بدهشة:
"وأنتي صدقتيها؟!"
التفتت له ورمقته بنارية لتكمل بغيظ:
"ومصدقهاش ليه هو أنا قولتلي الحقيقة ولا فهمتني حتى."
صاح بها فجأة بصوت رجولي مخيف نفضها بمقعدها:
"وأنا قولتلك واحدة كانت كل علاقتي بيها شغل وبس وهي كانت بتحاول تقرب مني وأنا مش بديها سكة، وطبعاً لما شافتك معايا شغل كيد الحريم والغيرة ده أكيد قالت أغظها وأكذب عليها من غيرتها منك، وأنتي صدقتي واحدة غريبة ومش بتصدقيني."
تبدلت تعبيرات وجه حور وقد بدأ عليها وكأنها شعرت بالندم البسيط بعدما أدركت سذاجة فعلتها والشجار السخيف الذي صنعته بينهم من لا شيء، فالتزمت الصمت ضيقًا واطرقت رأسها أيضًا بينما بلال فتابع مغتاظًا بصوت رجولي أجش:
"لكن أنتي عايزة بس تعملي مشكلة والسلام وتفسدي أي لحظة حلوة بينا بشكك وعدم ثقتك فيا."
رفعت رأسها بسرعة وطالعته بصدمة وهتفت بانزعاج من عبارته الأخيرة:
"إيه اللي بتقوله ده أنا عمري ما شكيت فيك وبثق فيك، هو أنا لو مكنتش بثق فيك كنت هوافق أتجوزك يا بلال."
بلال بعصبية شديدة:
"لأ مبتثقيش لما تصدقي كلام الغريب إنها ومتصدقينيش يبقى معندكيش ذرة ثقة فيا، وأنا لو عملت كيف ما بتقولي معاكي هتقولي نفس الكلام."
لوت فمها بإحراج وحنق ثم قالت له في وجه عابس:
"أعمل إيه يا بلال مهو أنا كمان من غيرتي وعصبيتي إنك ممكن تكون حبيت عني حاجة زي كده مبقتش عارفة أنا بقول إيه."
طلق بلال زفيرًا حارًا بغضب حقيقي وقال بخشونة وهو يشغل محرك السيارة:
"متعمليش حاجة أصل، احنا أحسن حاجة نعملها دلوقتي أوصلك البيت عشان منجرحش بعض أكتر."
لوت فمها بأسى وضيق أنها تسببت في زعل وأشجار بينهم بسبب غيرتها وعدم ثقتها بزوجها كما قال للتو...
***
توقفت سيارة جلال أمام أحد المنازل المكونة من طابق واحد بمنطقة شعبية ومكتظة بالناس، وكان خلفه سيارة الأجرة التي خرجت منها فريال واختبأت بمكان بعيد عن أنظاره حتى لا يراها ووقفت تراقبه وتراقب ذلك المنزل الذي وقف أمامه ويطرق الباب، هي تعرف جيدًا منزل منه هذا ومن يسكن به لكنها تريد التأكد. وبالفعل عندما انفتح الباب رأت منصور يرحب بجلال ودخلوا وأغلقوا الباب، فتأففت في صوت عالي بخنق وقالت بعصبية:
"سبق وقولتلك يا جلال مش هسيبك تضيع روحك عشان عمك اللي ميستهلش ده، سامحني على اللي هعمله بعد كده."
ثم استدارت ووقفت تنتظر مرور أي سيارة أجرة أخرى لتأخذها للمنزل مجددًا، وبعد دقائق قصيرة توقفت لها سيارة واستقلت بها وانطلقت عائدة لمنزلها قبل عودة أطفالها أو ملاحظة زوجها لخروجها من المنزل دون علمه ومراقبتها له.
***
داخل المستشفى.....
ساعات طويلة مرت وطال انتظاره وهو يحترق من عذاب ضميره وحزنه وخوفه عليها، حتى أنه لم يبدأ ملابسه الملطخة بدمائها حتى الآن، ينظر ليده الملطخة بالدم كل لحظة والأخرى وهو يتذكر منظرها الأليم وعيناه تدمع، أما قدميه فكانت تهتز بعنف وقوة وهو جالس فوق المقعد الحديدي حتى سمع صوت عمران بجواره يهتف وهو يربت على قدمه:
"إن شاء الله هتطلع زي الفل من العمليات وتقوم بالسلامة، اهدى عاد يا بشار."
التفت برأسه لعمران وتطلعه بعينان تائهة وهو يقول بوجع:
"أنا شوفتها قصاد عيني مش قادر أنسى المنظر يا عمران وقلبي بيتقطع عليها، بس الـ*** اللي عملها وخبطها وجري هجيبه لو نزل سابع أرض."
تنهد عمران الصعداء بحزن على حال تلك المسكينة وحال ابن عمه وصديقه وقبل أن يجيبه، لمح الطبيب يخرج من غرفة العمليات فلكز بشار في كتفه لينتبه له فوقف الآخر بلهفة بسرعة وهرول نحو الطبيب الذي كانت تعبيرات وجهه عابسة، فظهر الارتعاب على وجه بشار مجددًا بعدما أصبح متأملًا في سماع الأخبار الجيدة عنها، وراح يسأل الطبيب بخوف:
"خير يا دكتور طمني، هي كويسة صح؟"
مط الطبيب شفتيه للأمام بأسف وقال في صوت حزين:
"احنا حاولنا نعمل كل اللي نقدر عليه أثناء العمليات بس الحادث كان صعب وخطير وللأسف..."
قذف قلب بشار من مكانه ذعرًا وهتف بوجه مرتعد:
"للأسف إيه؟!!"
زم الطبيب شفتيه وقال بأسى:
"هي دخلت في غيبوبة وهتفضل تحت العناية المشددة."
ظهر الجمود المريب على وجه بشار نتيجة لصدمته وحزنه فراح عمران يسأل الطبيب مستفسرًا أكثر:
"طيب والغيبوبة دي هتستمر لغاية امتى يا دكتور؟"
أجابه الدكتور بيأس:
"للأسف مقدرش أحدد معاد معين الغيبوبة ممكن تستمر لسنين بس إن شاء الله هي حالته تستقر وتفوق في أقرب وقت، ادعولها انتوا بس."
ابتعد الطبيب وتركهم وعندما التفت عمران بجواره وجد بشار جلس فوق المقعد ودفن رأسه بين راحتي كفيه، فاقترب منها وجلس بجواره وراح يربت فوق ظهره هاتفًا:
"اجمد يا بشار امال متقلقش إن شاء الله هتقوم بالسلامة وهتفوق."
خرج صوته مبحوحًا يحمل الندم والشجن:
"أنا طلبت منها نتقابل عشان أقولها أني عاوز أفسخ الخطوبة، أنا السبب يا عمران يمكن لو مكنتش طلبت منها مكنش ده هيجرالها."
هتف عمران بأسف:
"ده نصيب وقدر مكتوبلها يا بشار، وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم، ومريم بإذن الله هتفوق وترجع لناسها ولك بالسلامة، اجمد أنت بس كده عشان هي محتاجة جارها في المحنة دي."
رفع أنامله يجفف دموعه المتمردة وهو يزيح بوجهه للجهة الأخرى يخفي عبراته عن عمران ثم يستقيم واقفًا ويتجه للحمام ليغسل يديه من الدماء.
***
داخل منزل خليل صفوان.....
توقف "علي" أمام غرفة غزل وبيده الإطار الجديد الذي اشتراه لها وبداخله صورتها كما وعدها، راح يتمعن النظر في الصورة والإطار للحظات ثم مد يده داخل جيبه وأخرج نفس الصورة لكن نسخة منها، لا يعرف كيف اتبع عقله ونفذ ما طلب ونسخ من صورتها نسخة له ليحتفظ بها، رغم شعوره بالخطر مع الوقت والأيام يزداد قربه منه وأن تصرفاته ليست طبيعية لكنه لا يتمكن من حجب نفسه عنها أو حتى التوقف عن التفكير بها.
ظل يتأمل في صورتها وهو يبتسم بملامح أشبه بعاشق ولهان، لكن لم يدم طويلاً عندما فتحت الباب فجأة ويبدو أنها كانت تنوي الخروج فانتفض هو فزعًا وبسرعة دس يده في جيبه يخفي نسخة صورتها، بينما هي اتسعت عيناها بدهشة وقالت:
"علي.. هو أنا كل يوم كده هتصدم بيك قدام أوضتي!"
ابتسم لها وقال بعبث:
"نعمل إيه عاد القلوب عند بعضيها."
ضيقت عينيها باستغراب عندما لم تفهم عبارته وقالت:
"what?!"
تجاهل سؤالها ورفع الإطار أمام وجهها هاتفًا بنظرة تحمل معاني جمة:
"وأدي يا غندورة البرواز اللي كسرتهولك امبارح، وكيف ما وعدتك أني هعمله النهارده وأهو عملته عشان تعرفي بس أن الرجالة بتبقى قد كلمتها."
ظهر إشراق وجهها العفوي وجذبت من يده الإطار وقد كان شكله لطيف وجميل فابتسمت بفرحة وقالت له بنعومة:
"حلو أوي، thank you يا علي بجد، بس ممكن متقوليش غندورة دي وأنا قوللتلك أكتر من مرة على فكرة."
رفع حاجبه وقال مبتسمًا:
"بس مقولتيش السبب؟!"
قلبت عينيها بقلة حيلة منه وهتفت في رقة:
"مش عاجبني، وحاساه very weird وكمان حاسة أنك بتقوله بأسلوب تريقة أو سخرية مني."
طالت نظرته لها وهو يبتسم بطريقة أثارت حيرتها واربكتها ثم وجدته يجيب بكل ثبات:
"بس أنا عاجبني."
هزت رأسها بنفاذ صبر منه وقررت عدم النقاش معه أكثر وغيرت مجرى الحديث حيث قالت:
"anyway, بجد أنت امبارح أدهشتني مكنتش متوقعة منك كده يعني فجأة اتغيرت وبقيت إنسان متحضر ولطيف ومش rude في كلامك."
غمز لها ضاحكًا وتمتم:
"ليه مش كنت بربري وهمجي؟"
عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت بكل عنجهية وتمسك برأيها عنه:
"ومازلت بربري، بس أنا بقول امبارح بس يعني كان أسلوب لطيف وبشكرك عليه مش أكتر."
هز رأسه بنظرة دقيقة أخجلتها وقال وهو يخفي ابتسامته:
"امممم ماشي يا غندورة العفو."
أطلقت زفيرًا وتأففًا مسموع على نعته لها بـ "غندورة" ثانية فضحك هو وبعدما تحرك خطوة مبتعدًا عنها توقف والتفت لها وقال غامزًا بنظرة ذات معنى:
"جربي تبحثي أو تسألي حد وتعرفي معنى غندورة إيه عندنا هنا."
ظهرت علامات الاستفهام على ملامحها وظلت تراقبه بنظراتها وهو يبتعد عنها، ثم نظرت للإطار الجديد الذي أهداه لها وابتسمت خلت غرفتها مجددًا.
بينما هو فاصطدم بأمه أثناء طريقه لغرفته واوقفته وهي تنظر له مبتسمة بخبث وتسأله:
"كنت واقف بتتكلم مع غزل في إيه يا ولد؟"
علي مندهشًا:
"أنتي بتراقيني ولا إيه يا أمي؟"
هتفت إنصاف بحدة مزيفة لتجعله يتكلم:
"متوهش في الكلام يا ولد، ورد على سؤالي كنتوا بتتودودوا في إيه؟!"
غضن حاجبيها وضيق عينيه بحيرة من أسلوب أمه وأسألتها بينما هي فبلحظة عادت للخبث والبسمة المستمتعة وهي تسأله للمرة الثالثة:
"البت عجبتك ودخلت دماغك مش كده، قول يا ولد متتكسفش ده أنا أمك."
زادت علامات الاستفهام والدهشة على ملامح "علي" لكن تلقائيًا انطلقت منه ضحكة على كلمات أمه التي تابعت بحماس غريب:
"أنا كنت عارفة ومتأكدة هو أنا هتوه عن ولدي يعني، فاكرني هبلة ومش واخدة بالي أنك لازق ليها طول الوقت وبتغير عليها ومش عاجبك لبسها، بس إن جيت للحق البت كيف القمر وأنا حبيتها قوي زوق يا ولد وبتعرف تنقي، إيه رأيك أجوزهالك يا "علي".. واهو يبقى زينتها في دقيقنا."
اتسعت عينيه بصدمة من تطور الأمر لدى أمه وأنه وصل للزواج ورغبتها في زواجه من ابنة عمته، فهتف بجدية ولهجة قوية:
"إيه يا أمي اللي بتقوليه ده، مالك كده أنتي فيكي حاجة ولا إيه، جواز إيه ده وبعدين إيه زينتها في دقيقنا هو مسابقة سحب، وسعي يا أمي كده خليني أروح أوضتي الله يهديكي."
أبعدها بيده في رفق من أمامه ليعبر فقالت له إنصاف بثقة وهي تراه يصعد الدرج:
"مصيرك تجيني برجليك كده وتقولي جوزهالي يا أمي وهتشوف وتقول أمي قالت يا علي."
ابتسم رغمًا عنه على كلماتها وردد بخفوت مغلوبًا وهو بطريقه لغرفته:
"أجوزهالك وزينتنا في دقيقنا!"
***
بتام الساعة العاشرة مساءًا داخل منزل إبراهيم الصاوي بعد عودة عمران من المستشفى، قاد خطواته لغرفته بالأعلى بعد حديث طويل دار بين العائلة كلها بالأسفل وكان هو يسرد لهم تفاصيل ما حدث ويطمئنهم على حالة مريم الصحية أنها مستقرة نسبيًا ولكنها مازالت داخل الغيبوبة.
فتح باب غرفته ودخل فوجد آسيا انتفضت واقفة واتجهت نحوه مسرعة تسأله بحزن:
"طمني يا عمران عاملة إيه خطيبة بشار، أنا زعلت قوي عليها لما عرفت."
أخذ نفسًا عميقًا ونزع حذائه عنها وهو يجيب عليها:
"الحمد لله حتى الآن الأوضاع مستقرة بس الله أعلم هتفوق امتى عاد من الغيبوبة."
عبست آسيا وقالت بإشفاق:
"إن شاء الله تقوم بالسلامة قريب وتفوق، أكيد بشار حالته صعبة."
هز عمران رأسه بالإيجاب ونحوه الفراش يجلس فوقه ليهتف بضيق:
"فضل قاعد هناك مع أبوها مرضيش يرجع البيت، بيلوم نفسه طول الوقت أنه كان عاوز يفسخ الخطوبة وطلب منها نتقابل."
صاحت آسيا بدهشة:
"إيه يفسخ ده إيه، دي البنت كويسة قوي وتتحط على الجرح يطيب، ولا هو عاد لسه بيفكر في رحاب الصفرا دي!"
أطلق عمران زفيرًا حارًا بحنق من ابن عمه وتمتم:
"للأسف مع أني حذرته وقولتله هتندم لو هملت خطيبتك عشان رحاب، لسه مجنون بيها ومش عاوز يطلعها من راسه ولا ينساها ويدي فرصة لنفسه ولخطيبته."
طالت نظرات آسيا الدقيقة لعمران ثم سألته باهتمام ونبرة حازمة:
"عمران هو انت عارف إيه عن رحاب ومش قايل لحد؟"
التفت له وقال بحدة ليسكتها عن طرح الأسئلة:
"هكون عارف إيه يعني يا آسيا، كل ما في الموضوع أنهم مينفعوش لبعض وبشار في غلاوة بلال عندي وأنا عاوزله الخيرة."
هزت رأسها باستسلام على الرغم من أنها لم تصدقه لكنها آثرت عدم النقاش معه في هذا الأمر أكثر والتزمت الصمت حتى وجدته ينظر لها بابتسامة جانبية ويغمز مبتسمًا:
"أظن كده معدش ليكي حجة عاد يا غزال، ونفذتلك كل طلباتك."
ضحكت بغنج أنثوي واقتربت منه وراحت تلف ذراعيها حول رقبته هامسة:
"ربنا ما يحرمني منك أصل يا معلم."
قهقه عليها بحب وهتف مازحًا:
"أما منى دي كانت عاملة أزمة صح بينا، بيني وبينك يا غزال أنا مكنتش طايق وجودها واللي حصل ده كان حجة عشان نمشيها."
استشاطت آسيا وهتفت بغل شديد ونظرات ملتهبة:
"دي سحلية جايه هنا عشان تلف عليك وتاخدك مني فكرها هسيبها تقرب منك ده أنا هقرشها بسناني."
ابتسم لها بغرام ومال عليها ليلثم جانب ثغرها بحنو ويهمس في صوت رجولي يسلب العقل:
"هي غزالة واحدة اللي في قلبي ومفيش غيرها يملى عيني."
تلونت وجنتيها بحمرة الخجل ومالت بوجهها بعيدًا عنه وهي تضحك بحب وتهمس:
"متكسفنيش يا عمران الله!"
هتف ضاحكًا وهو يغمز بوقاحة:
"ده حتى غزل عفيف أمال لو قولت غزل صريح عاد هتعملي إيه؟!"
حاربت خجلها منها والتصقت به أكثر لتهمس بهيام ونبرات متيمة:
"ولا حاجة هحبك أكتر بس يا معلم."
طال تأمله العاشق بها بعد عبارتها ولم يجيبها بشفتيه ولكن عينيه كانت تقول ألف كلمة وتصف ألف شعور، وبتلك اللحظة فضل الفعل على الكلام حيث انغمسوا معًا في لحظاتهم الغرامية...
***
داخل منزل جلال بعدم عودته من الخارج استقبلته فريال بحفاوة وحب وهي تعانقه فيضمها إليه أكثر، وبعد لحظات تبتعد عنه وتسأله بحنو:
"احضرلك العشا؟"
هز رأسه له بالإيجاب مبتسمًا بحب، فقد كان مرهقًا لدرجة أنه لا يستطيع حتى التحدث، تركته فريال واتجهت للمطبخ لتقوم بتحضير وجبة العشاء لهم بعد خلود أولادهم للنوم، وبعد دقائق قصيرة نسبيًا انضم لها في المطبخ ومد يده إلى صحن الخيار يلتقط واحدة ويلقيها في فمه متمتمًا بتعب:
"أنا ميت من الجوع يا فريال."
ابتسمت له بعاطفة وتمتمت:
"بعد الشر عليك يا حبيبي، أنا خلاص كلها دقائق وأكون خلصت."
وجده يقترب منها وينحنى عليها ليقبلها من وجنتها بحرارة فتبتسم له بحب وتقرر أن تسأله أخيرًا:
"جلال أنت مش ناوي عاد تنهي العداوة اللي بينك وبين عمران، اللي حصل حصل وانتوا الاتنين مكنش ليكم ذنب في اللي حصل بزيادة عداوة عاد."
اختفت بسمة جلال وتحولت تعابيره للحدة وهو يهتف:
"إيه اللي خلاكي تجيبي السيرة دي دلوقتي؟"
ردت بكل بساطة ونعومة:
"أنت جوزي وهو أخويا وأنا نفسي أشوف العداوة اللي بينكم تخلص وترجعوا كيف الأول، وصدقني دلوقتي حتى آسيا نفسها كده برضو."
جلال بصوت رجولي غليظ وغاضب:
"فريال اللي أنتي بتقوليه ده مستحيل أنا وعمران مش هنرجع كيف الأول أبدًا، ومتفتحيش الموضوع ده تاني أبداً."
التفتت له بجسدها كاملًا وصاحت بعينان دامعة وصوت مبحوح:
"أنت حتى مش عاوز تسلم عمك للحكومة عشان ياخد جزاه."
مسح جلال على وجهه متأففًا بنفاذ صبر وصاح منفعلًا:
"تاني يا فريال تاني!!.. احنا مش هنخلص من الموضوع ده ولا إيه يعني."
صرخت بعصبية ونظرات متوعدة:
"تاني وتالت وعاشر كمان يا جلال، وأنا مش هسمحلك تضيع روحك عشان خاطره لو أنت مش فارق معاك عيالك ولا إحنا أنا فارق معايا ومش عاوزة عيالي يتربوا وابوهم في السجن."
أجابها بحنق ونفاذ صبر:
"أنا هطلع برا أحسن، عشان مهما اتكلمت معاكي وفهمتك ملوش فايدة، وأنا معنديش خلق للخناق دلوقتي."
استدار واندفع للخارج يتركها وحيدة وهي تبكي بصمت وتتوعد لمنصور...
***
بصباح اليوم التالي داخل غرفة عمران وآسيا..
كانت آسيا بانتظار خروج عمران من الحمام وهي ممسكة بيدها هاتفها وجاهزة لتجعله يسمع تسجيل أمه ويكتشف حقيقتها.
بعد دقائق طويلة نسبيًا خرج من الحمام وعندما وجدها تجلس على الفراش تنظر له بنظرات غامضة ومريبة سألها بحيرة:
"مالك؟"
استقامت واقفة وتقدمت نحوه وهي تهتف بحزم:
"لأنا سبق وقولتلك أن أمك اللي زقتني من على السلم صدقتها هي وكدبتني أنا ودي كانت أول مرة متقفش فيها في صفي يا عمران وتاخدلي حقي."
تأفف بنفاذ صبر وقال بحدة:
"تاني يا آسيا هنتكلم في الموضوع ده، احنا مش قفلناه وخلص."
آسيا بنظرة تحدي وثقة:
"أنت قفلته أنا لا، ودلوقتي أنا هسمعك الدليل اللي هيثبتلك أنك ظلمتني وجيت عليا باللي عملته معايا وقتها."
طالعها بنظرات مستفهمة ومتعجبة واخفض عينيه بيدها يرى هاتفها وهي تمسكه وترفعه لأعلى قليلاً مشيرة له أن الدليل هنا.
***
بمكان آخر تحديدًا بمنزل مروان.......
أنهت خلود للتو مكالمتها معه بعدما اتصل بها ليطمئن عليها ويتأكد من عدم احتياجها لشيء وهي شكرته بامتنان شديد، وأخبرته بأنها بخير ولا تحتاج لشيء، وفور انتهائها من مكالمتهم اتجهت للمطبخ لتنهي أعمالها المنزلية المتبقية وإذا فجأة تسمع صوت رنين جرس الباب، فرفعت رأسها عن الذي كانت منشغلة بفعله واتسعت عينيها بدهشة ورعب، وبعقلها قذف سؤال واحد فقط "لا يمكن أن يكون مروان فلو كان هو كان قد أخبرني في الهاتف أنه قادم، إذ لم يكن هو فمن الطارق إذًا؟" .................
رواية و بالعشق اهتدي الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ندى محمود توفيق
تقدمت بخطواتها المرتجفة نحو الباب، تسير خطوة وتقف للحظات تفكر ماذا تفعل لو كان زوجها.
كانت بالبداية قد قررت التصرف بشجاعة ولكن بالنهاية أثرت الحل الأسلم وهو اللجوء لمروان.
هرولت مسرعة وعادت إلى هاتفها لتحري اتصال بها ويجيبها هو بكل لطف بعد ثواني معدودة.
"نعم يا خلود."
أجابته بصوت مرتجف ويغلبه البكاء:
"مروان تعالى بسرعة أنا خايفة قوي.. في حد بيخبط على الباب وخايفة يكون سمير عرف مكاني."
تحولت نبرته للجدية مجيبًا إياها بهدوء ليهدأ من روعها:
"وهو هيعرف مكانك منين يا خلود اهدى يمكن يكون حد من الجيران أو حتى بتاع الزبالة."
بدأت دموعها في الانهمار بغزارة على وجنتيها وهي تهتف متوسلة إياه:
"أنا خايفة تعالى أبوس يدك."
يهتف مروان بدفء ونبرة رجولية ساحرة:
"طيب أنا جايلك دلوقتي. متفتحيش الباب لغاية ما آجي وحاولي تهدي ومتخافيش."
هزت رأسها برأسها عدة مرات لتحاول التحكم في خوفها المفرط وأنها معه.
ظلت واقفة تنظر باتجاه الباب، وعاد رنين الباب يصدح مرة أخرى فانتفضت رعبًا.
بقيت متسمرة بأرضها حتى شعرت بالفضول لتتأكد بنفسها من الطارق، ربما يكون عامل القمامة كما أوضح لها للتو.
ارتدت ملابسها الفضفاضة فورًا وتحركت بخطوات متعثرة نحو الباب حتى وصلت إليه واقتربت بوجهها تلقى بنظرها من العين السحرية لترى من بالخارج.
فوجدت سيدة مسنة ذات ملامح دافئة وهادئة، فأطلقت زفيرًا حارًا وهي تبتسم بفرحة ودون تردد فتحت لها الباب من فرط سعادتها بأن الطارق ليس زوجها.
فوجدت تلك السيدة تبتسم لها بعذوبة وتهتف معتذرة:
"ازيك ياحبيبتي عاملة إيه؟"
"الحمدلله كويسة."
تابعت السيدة بوجه مشرق وهي تحمل بين يديها صحن ممتليء بالطعام ولكن مغطاة ومدته لها هاتفة:
"أنا ساكنة في الشقة اللي فوقيكي، ومروان ده زي ابني الله يرحمه كانوا صحاب اوي بس هو بقى ليه سنين مسافر برا مصر ومحدش شافه من زمان ولا يعرف عنه حاجة، وفرحت اوي لما شوفتك معاه ومصدقتش انه اتجوز وقولت لازم آجي اباركله وأسلم عليكي واقولك مبروك."
تجمدت خلود مكانها وانعقد لسانها، فبقت تحدق في السيدة بابتسامة بلهاء وهي لا تدري بماذا تجيبها.
تظنها زوجته وهي الآن يجب عليها تأكيد تلك المعلومة حتى لا تثير الشك حولهما.
فاقت من حالة الذهول المستحوذة عليها على صوته وهو يقف على الدرج ويهتف مندهشًا:
"حجة كوثر؟"
التفتت السيدة تجاه مروان واتسعت ضحكتها لتهتف فرحة:
"عاش من شافك يابشمهندس أخيرًا نورت مصر."
ابتسم لها بنقاء وأكمل صعوده الدرج حتى وصل لها.
فضمته هي بعناق أمومي كأنه ابنها تمامًا ثم ابعدته عنه وراحت تعاتبه بحزم وضيق وهي تشير على خلود:
"بقى كدا تتجوز من غير ما تقول لحد طيب حتى قولنا عشان نفرح معاك."
تجمد مكانه للحظة بعد عباراتها.
وعندما التفت تجاه خلود وجدها تتفادى النظر إليه خجلًا من الموقف المحرج الذي وضعته به.
فعاد بوجهه للسيدة وهتف مبتسمًا برزانة:
"معلش بقى ياحجة غصب عني الموضوع حصل مرة واحدة والظروف حكمت."
تربتت كوثر على كتفه بحنو متمتمة:
"ولا يهمك يابني ربنا يسعدكم يارب ده الاهم بس."
ثم نظرت يدها بالصحن لخلود هاتفة في لطف:
"دي حاجة بسيطة كدا أنا عملاها بإيدي اعتبروها حلاوة جوازكم، أنا بس مكنتش عاملة حسابي والزيارة الجاية ان شاء الله تكون حاجة عليها القيمة كدا."
مدت خلود يدها والتقطت الصحن منها دون أن تشكرها حتى من فرط ارتباكها وذهولها من الوضع الذي سقطت به.
بينما مروان فشكرها بامتنان شديد وهتف:
"حاجة عليها القيمة إيه بس ده أنتي جيتك وحدها كفاية والله ومكنش له لزمة تتعبي نفسك ياست الكل."
"تعبكم راحة يابني."
أصر عليها مروان عندما وجدها تنوي الرحيل:
"رايحة فين تعالي ادخلى هتمشي كدا من غير ما تدخلى."
كانت ساهم بالاعتراض فقاطعها مازحًا وهو يلقى نظرة على خلود فهمت أنه يرغب بالضحك على وضعهم:
"لا مش عايز اعتراض هو انتي مش جاية تباركيلي برضوا، ينفع تباركيلي من على الباب يلا تعالي."
دخلت معه كوثر مغلوبة على أمرها عندما ألح عليها وسبقتهم بخطواتها للداخل.
وقف هو بجوار خلود يهمس لها شبه ضاحكًا:
"معلش بقى مضطرين نتعامل مع الموقف، بما إنك جبتيني على ملى وشي وأنتي بتقولي سمير سمير على الباب، اهو الحجة كوثر اخطر من سمير."
ضحكت لا إراديًا على مزحته وقالت باهتمام وتوتر:
"هي ممكن تسأل على تفاصيل بما انها فاكرة اننا يعني."
خجلت من أن تنطق بعبارة أنهم زوجين فأجابها هو بتأكيد:
"طبعًا هتسأل، أنتي بس اللي أنا هقوله تأكدي عليه متجاوبيش على أي سؤال غير بعد ما أنا ارد، لأن مينفعش حد يعرف اننا مش متجوزين وانتي قاعدة في بيتي."
هزت رأسها بالإيجاب وقد عبس وجهها وشعرت بأنها ورطته بمشاكلها والآن هو مضطرًا للتعامل أمام الجميع وكأنها زوجته.
***
داخل منزل ابراهيم الصاوي....
لسوء حظ آسيا وحسن حظ إخلاص أنها كانت بطريقها لغرفة عمران لتتحدث معه بأمر ما.
وعندما وصلت ووقفت أمام الباب سمعت حديثهم معًا، وأن آسيا لديها دليل أنها قامت بدفعها من فوق الدرج وكانت ستتسبب بموت طفلها.
اتسعت عيني إخلاص بصدمة واحتارت فيما عليها فعله لتنقذ نفسها قبل فوات الآوان.
انتفض عمران وآسيا على أثر صوت صراخ مرتفع بالخارج.
فهول هو مفزوعًا وفتح باب غرفته وخرج يتبع الصوت وآسيا خلفه حتى وصلوا الدرج ووجدوا إخلاص جالسة على أحد الدرجات وممسكة بقدمها وتتألم بشدة.
فأسرع نحوها عمران وجثى على قدميه أمامها هاتفًا:
"مالك ياما إيه اللي حصل؟"
"وقعت يا ولدي وأنا نازلة رجلي اتزحلقت من غير ما آخد بالي."
تجمع كل من في المنزل على أثر صراخ إخلاص والتفوا حولها معادا آسيا التي كانت تحدق بها بشك، لا تعرف سببه ولكن صوت داخلي حدثها بأنه لم يكن حادث بمحض الصدفة كما تتدعى.
ساعدها عمران في الوقوف على قدميها وهو يهتف لها بحزم:
"طيب يلا بينا ياما على الدكتور نطمن على رجلك."
"لا دكتور إيه أنا بس هريح على السرير وهتخف وحديها مش محتاجة دكتور يا ولد."
يهتف بلال باهتمام ونبرة جادة:
"مينفعش يامرت أبوي لازم تروحي تطمني طالما بتتألمي جامد."
"لا قولتلكم مش عاوزة دكاترة دي وقعة بسيطة وهحط مرهم على رجلي والألم هيروح، سندني بس أنت يا عمران لغاية أوضتي."
كان عمران لا يعجبه إصرار أمه على عدم الذهاب للطبيب لكنه استسلم لعنادها وهتف بلهجة رجولية مخيفة:
"ماشي ياما براحتك بس لو فضل الألم قاعد ومخفش هنروح طوالي للدكتور ومش عايز اسمع أي اعتراض."
ابتسمت له إخلاص بحنو أمومي وهزت رأسها بالموافقة متمتمة:
"حاضر يا غالي."
ساعدها في السير على قدميها وهم يتجهون نحو غرفتها.
وآسيا تقف عاقدة ذراعيها تراقبهم بنظرات ثاقبة كلها شك ونقم.
أما بلال فالتفت لزوجة أخيه ورمقها باستغراب متمتمًا:
"مالك يا آسيا؟"
انتبهت على صوته وابتسمت له متمتمة في بشاشة:
"لا مفيش حاجة متشغلش بالك، أنت أخبار العروسة إيه ولا نقول مراتك خلاص."
ضحك بلال بخفة ثم أجاب بعبوس وقلة حيلة عندما تذكر شجارهم الأخير واضطراب علاقتهم:
"تمام اهو ربنا يهديها عليا يا آسيا."
ردت آسيا بدهشة بسيطة:
"من دلوك بدأت المشاكل لسا بدري على الكلام ده، معلش راضيها وعدى هي باين عليها غلبانة وكتكوتة قوي في نفسها."
قهقه بقوة ثم قال مغلوبًا في عينان تلمع بالحب:
"ربنا يصبرني عليها الكتكوتة دي."
قطع حديثهم صوت رنين هاتفه فأشار لآسيا بعيناه يعتذر منها أنه سيجيب على الهاتف فهزت له رأسها برقة في ابتسامة خافتة.
وبعد رحيله عادت لغرفتها وهي تفكر في إخلاص ونفس السؤال يستمر في الدوران بعقلها دون إجابة "هل حقًا سقطت أم تلك كانت حركة متعمدة منها لسبب ما هي لا تعرفه".
***
داخل منزل جلال.......
كان يجلس فوق الأريكة بالصالة أمام التلفاز يشاهد أحد المسرحيات الكلاسيكية.
عندما جلست فريال بجواره ومالت برأسها على كتفه تضعه عليه فابتسم لها بحب.
ثم لف ذراعه حول كتفيها وضمها إليه هامسًا:
"إيه رأيك يافريالي ناخد فترة إجازة ونسيب العيال ونسافر أنا وأنتي بس، انا حاسس اني محتاج اريح راسي وارتاح من زن الشغل وكل حاجة وعايز تنبسط أنا وأنتي، احنا لينا زمان منبسطناش مع بعض."
"بجد يا جلال.. ياريت انا نفسي قوي اسافر واتفسح وزهقانة من قعدة البيت وفعلا احنا لينا وقت طويل متستمتعناش مع بعض كيف زمان."
ثم سكتت للحظة وأكمل بوجه عابس:
"بس العيال هوديهم فين؟"
"عندك أمك أو أمي المكان اللي حابين يقعدوا فيه."
هزت شفتيه بضيق وقال بمشاعر امومية دافئة:
"بس حرام هنروح من غيرهم ونسيبهم، هما ملهمش نفس يتفسحوا يعني زينا."
ضحك عليها بحب وتمتم في حكمة ونبرة رخيمة:
"ومين قالك أننا هننتفسح احنا هناخد يومين بس في أي مكان كده نريح فيه راسنا ونستجم وحدينا ياست البنات، وأنا مظبط رحلة بعدين نطلعها كلنا مع العيال وفيها فسح ولعب وكل حاجة."
سكنت وبدت وكأنها اقتنعت ووافقت.
ثم لاح شبح ابتسامتها العبثية وهي تشير بيدها على بطنها وتقول ضاحكة:
"طيب ودي هنعمل فيها إيه؟!"
قهقه عليها بخفة وقال مغلوبًا:
"لا دي عاد مجبورين ناخدوها معانا هنعملوا فيها إيه، كلها شهر وتشرف مع اخواتها وبعد كده تقعد معاهم."
انطلقت ضحكة فريال الأنثوية بقوة.
وخرج معاذ وعمار من غرفتهم على أثر صوت ضحك والديهم وانضموا لهم يجلسوا بجوارهم وهم يحدقون بهم بابتسامة عريضة ينتظرون من والديهم أن يكملوا حديثهم لكي يشاركوهم في الضحك.
لكن جلال وفريال توقفوا عن الكلام فعبس وجه الأثنين وهتف عمار:
"سكتوا ليه؟"
تبادل جلال النظرات مع فريال بدهشة متصنعة وهو يقول مبتسمًا:
"هو احنا كنا بنتكلم يافريال؟!"
زمت شفتيها بجهل تشاركه في مزحته.
بينما معاذ فقال بتأكيد:
"ايوة وكنتوا بتضحكوا كمان؟!"
انفجرت فريال ضاحكة على اولادها وفضولهم الطفولي ولم تستطيع التفريط بهم فقالت لهم مبتسمة:
"ابوكم كان بيقولي انه هيطلعنا رحلة قريب ونتفسح كلنا."
وثبوا في مكانها وهم يصيحون فرحًا ويهتفون بلا توقف:
"امتى امتى؟"
"لسا مش دلوقتي قريب، اهدوا عاد بدل ما أغير رأي."
ثبتوا مكانهم فورًا كالصنم خوفًا من أن يغير والدهم قراره حقًا كما أخبرهم للتو.
لتضحك عليهم فريال وتهتف بحزم بسيط:
"يلا روحوا كملوا الواجب بتاعكم عشان معاكم مدرسة بكره."
"انتي هتيجي تاخدينا من المدرسة زي المرة اللي فاتت ياما؟"
اتسعت عيني فريال بدهشة وانعقد لسانها ولم تعرف بماذا تجيب على ابنها فقد وضعها بمأزق الآن.
أما جلال فغضن حاجبيها باستغراب وسأل أولاده بلهجة جادة:
"ميتا راحت تاخدكم من المدرسة أمكم؟"
أجابوا على والدهم بكل تلقائية أنها ذهبت لهم بالمدرسة بصباح الأمس.
فالتفت لها جلال متعجبًا وسألها بحدة:
"انتي مش قولتيلي طالعة تشتري كام حاجة من السوبر ماركت يافريال وأنا نزلتك بالعربية قصاد المكان؟"
ازدادت ريقها باضطراب لكن حاولت الحفاظ على ثباتها التام أمامه وقالت مبتسمة لتلطف الأجواء وتذهب الشكوك أو الغضب عنه:
"آه ما أنا نزلت واشتريت وبعدين قولت اروح اعدي على العيال طالما نزلت واجيبهم معايا من المدرسة."
"وليه مقولتيش الكلام ده، ولما كلمتك قولتيلي العيال لسا مجوش وجايين بالاتوبيس بتاع المدرسة."
تملكها الارتعاش الشديد وشعرت بدقات قلبها تتسارع أكثر ومع ذلك حاولت الحفاظ على هدوئها وهي تجيبه:
"ما أنا خوفت تبهدلني وتقولي إيه اللي وداكي وأنتي تعبانة ومحبتش أقولك."
بان فمه بانزعاج ملحوظ وانحنى عليها يهمس لها بصرامة:
"ماشي يافريال بس تاني مرة متكدبيش عليا في حاجة وتقوليلي عليها أي كان هي إيه، يعني متروحيش مكان من غير ما تبلغني وابقى عارف الأول."
هزت رأسها له بالموافقة في تعبيرات وجه مرتبكة بشدة وهمست:
"حاضر."
عاد لجلسته الطبيعية وقد بدأ الانزعاج الذي كان يستحوذ على ملامحه يتلاشي تدريجيًا وكأنه نسى الأمر.
فأطلقت زفيرًا حارًا بارتياح أنه لم يشك بأمرها وأنها كانت تتعقبها لتعرف مكان عمه.
***
عودة لمنزل مروان، بعد رحيل تلك السيدة التي جاءت على حين غرة دون استعداد لزيارتها المفاجأة.
جلست خلود مقابلة مروان بالضبط هو يجلس على الأريكة وهي على المقعد أمامه.
وتتذكر حديثه مع السيدة وكيف كان يسرد لها عن علاقة حبهم المزيفة وأن قرار زواجهم كان سريع.
للحظة ظنت أنه زوجها حقًا من شدة اتقانه للدور باحترافية واحتوائه للموقف بذكاء ليظهر أمام السيدة أنهم حقًا زوجين ببداية زواجهم.
كانت تتفادى النظر لوجهه عمدًا من فرط الخجل وتشعر بدقات قلبها المتسارعة من شدة الارتباك.
حتى سمعت صوته المميز وهو يهتف:
"أنا اتكلمت مع المحامي اللي قولتلك أنه صاحبي وقالي الموضوع ساهل ممكن ترفعي عليه قضية خلع وتكسبيها بسهولة كمان بما إنه كان يعني.. معاملته يعني مش كويسة معاك."
فهمت أنه يلمح بكلماته للاعتداء الجسدي والعنف الذي تعرضت له على يد زوجها.
فأطرقت رأسها بانكسار وألم لتهتف بعينان دامعة وصوت محتقن:
"أنا مش عاوزة أي حاجة منه يامروان كفاية أنه يطلقني."
"مش عايزة ده إيه، بعد كل اللي عمله فيكي ومش عايزة ده انتي هتاخدي حقك تالت ومتل."
رفعت رأسها له وطالعتته بعينها الدامعة في ابتسامة امتنان حقيقية.
فبادلها هو الابتسامة ومد يده لها بمنديل ورقي يهتف بحنو:
"ميستاهلش والله دموعك دي ابدًا، ان شاء الله هتطلقي منه وترجعي لاهلك وأنا معاكي للآخر."
نقلت نظرها بين المنديل وبينه وللحظة عيناها لمعت بوميض جديد لكن سرعان ما انطفأ عندما تخيلت ردة فعله إذا عرف بقصتها الحقيقية.
هل سيستمر في مساندتها وسيبقى معها أم يتركها مثل أهلها.
انهمرت دموعها بغزارة لمجرد التخيل فقط ومدت يدها تجذب المنديل منه وهي تبكي بشدة.
مما جعله يغضن حاجبيه بحيرة وللحظة ظن أنه قال شيء أزعجها فهتف بسرعة بعدما استقام واقفًا وجلس على المقعد المقابل لها:
"أنا قولت حاجة ضايقتك طيب يا خلود ولا إيه اهدى، أنا آسف والله مقصدش أضايقك بحاجة لو عشان فكرتك بأهلك."
رفعت أناملها وجففت دموعها هامسة بصوت مبحوح وهي تهز كتفيها برقة:
"بالعكس انا مش عارفة اشكرك كيف على اللي بتعمله معايا بجد وأحيانا بحمد ربنا أنه بعتك ليا، شكرًا يامروان."
ظهر شبح ابتسامته الجذابة على ثغره وهو بجيبها للصوت رجولي يذهب العقل:
"شكرا على إيه بس أنا لسا معملتش حاجة، تشكريني صح بعد ما تكسبي القضية ان شاء الله وتطلقي منه."
ارتفعت بسمتها مجددًا لثغرها لتجيبه بأمل:
"ان شاء الله يارب."
"طلعتي بنظرة اربكتها وقال مبتسمًا برقة:
"خلاص هتوقفي عياط ولا لسا أنا عايز أمشي!"
عادت تمسح دموعها ثانية بتأكيد له أنها لا تبكي وقالت ضاحكة:
"لا انا زينة متقلقش.. امشي أنت عشان متتأخرش على شغلك."
هز رأسه لها بالإيجار وهب واقفًا وهو يهتف بلطف:
"لو احتجتي أي حاجة كلميني."
أومأت له بالموافقة وتابعته بنظرها وهو يسير متجهًا نحو الباب وعلى ثغرها ابتسامة مختلفة وجديدة تمامًا حتى غادر المنزل كليًا وظلت هي على حالها.
***
داخل منزل ابراهيم الصاوي تحديدًا بغرفة عمران بتمام الساعة العاشرة مساءًا.....
التفتت آسيا بنظرها تجاه الباب عندما سمعته ينفتح ودخل عمران.
وحينما نظر إليها ابتسم بدفء فبادلته الابتسامة.
وهبت واقفة من الفراش لتقترب منه وتساعده في نزع العباءة عنه وتبديل ملابسه بكل دلال وحنو.
فيرمقها هو بنظرات عاشقة وينحنى عليها ليلثم وجنتها بقبلة حميمية متمتمًا:
"ربنا ما يحرمني من دلعك ده واصل يا غزال."
"ولا يحرمني منك يا معلم."
رأته يتأملها بأعين تفيض عشقًا وغرامًا.
فضحكت برقة ثم وجدتة ينهال عليها بالقبل الغرامية.
وبصعوبة فرت من بين يديه وهي تضحك وتهتف بدلال وسط ضحكها:
"بزيادة عاد يا عمران عاوزة اتكلم معاك في موضوع مهم."
غمز لها بعبث وخبث متمتمًا:
"اهم من اللي احنا بنتكلم فيه ده؟!"
انفجرت ضاحكة وهزت رأسها له بالإيجاب.
ثم اقترب منه ثانية وقالت باهتمام:
"أمك رجليها عاملة إيه، أصل هي مطلعتش من الأوضة من الصبح ومعرفش حاجة عنها وانت عارف علاقتنا كيف مع بعض يعني محبتش اروح الأوضة عندها."
تلاشت ابتسامته تدريجيًا وهتف بجدية:
"الحمدلله كويسة."
"رجليها خفت يعني ومش هتوديها للدكتور؟"
يهز رأسه بالنفي هاتفًا:
"لا بتقول بقت زينة والألم خف مش محتاجة دكتور."
رفعت آسيا حاجبها وقد اتضحت الرؤية الآن أمامها.
تلك الأفعى كانت تعرف أنها ستكشفها أمام ابنها ولهذا اخترعت كذبة السقوط من الدرج لتمتنعها من إخباره.
ولكن أن نجحت في كسب بعض الوقت بالصباح لن تنجح الآن في تأخيرها أكثر من ذلك.
هتفت آسيا بنظرة كلها غل وحقد:
"طيب استنى بما أني الصلح ملحقتش اسمعك التسجيل جه وقته دلوقتي عاد."
التقطت هاتفها وراحت تبحث في التسجيلات الصوتية عن آخر تسجيل الذي كان بينها وبين إخلاص.
ولكن الصدمة أنها لم تجده.
زلت تبحث بكل مكان بالهاتف ولا يوجد أثر له وكأن أحدًا ما قام بحذفه.
رفعت رأسها وتطلعت بوجه عمران مندهشة وصاحت بغضب:
"التسجيل مش قاعد في حد مسحه يا عمران من تلفوني."
"انتي تسجيل إيه ده اللي عاوزة تسمعهولي؟!"
هتفت آسيا باستياء شديد ووجه كلها تحول للون الأحمر القاتم بسبب احتقان الدماء به:
"الدليل اللي هيثبتلك أني مكنتش بكذب عليك وأن أمك صح هي اللي زقتني."
تشنجت عضلات وجهه وظهر السخط على محياه ليهتف منزعجًا منه:
"وبعدهالك عاد يا آسيا ما قلنا قفلي على الموضوع ده وانسيه، وأنا قولتلك ميت مرة أنا مش بكذبك بس بقولك يمكن أنتي تهيألك كده وافتكرتي أن أمي اللي زقتك وهي مزقتكيش.. وبعدين هتعمل إيه كده وليه؟!.. أنا فاهم أنها بتكرهك ومش بتحبك بس مستحيل تعمل فيكي كده وتحاول تأذيكي وهي عارفة أنك حامل في ولدي."
ضحكت آسيا بتهكم وقالت في أعين تلمع بوميض شيطاني مخيف وصوت ينبض بالوعيد:
"وتعمل أكتر كمان بس أنت اللي مخدوع فيها وفاكرها ملاك، أنا مش هتناقش معاك عشان متأكدة أنك مش هتصدقني بس مسيرك تعرف الحقيقة وتندم إنك مصدقتنيش."
أنهت عباراتها واستدارت لتتركه وتتجه نحو الحمام لكي تترك العنان لدموعها المقهورة في الانسياب على وجنتيها بغزارة...
***
بمنزل خليل صفوان تحديدًا بالطابق الأخير ( السطح ) كانت تجلس غزل وتتحدث في الهاتف بكل عفوية وهي تضحك وتتبادل أطراف الحديث مع الطرف الآخر في الهاتف.
سمع "علي" صوت ضحكها فابتسم بساحرية وقادته قدماه لا إراديًا إليها يتبع صوت ضحكها كالمغيب.
إلى أن وصل للسطح ووقف بالجانب متخفي حتى لا تراه وراقبها بنظراته المتيمة وهي تضحك.
لكن فجأة اختفت بسمته وتحولت تعبيراته من الحب للغضب المرعب عندما سمع محتوى حديثها مع الطرف الآخر الذي كان رجل ويبدو أنه ذلك الشاب الذي قالت أنها على علاقة غرامية به.
حاول التحكم بانفعالاته والحفاظ على ثباته وأن لا يتصرف بتهور لكن كلماتها وهي تجيب عليه بكل رقة ونعومة أثارت جنونه واشعلت نيران الغيرة في صدره.
فوجد نفسه دون أن يشعر يندفع نحوها ثائرًا كالثور ويصيح بصوت رجولي مرعب:
"اقفلي التلفون ده."
انتفضت غزل بهلع من ظهوره المفاجيء أمامها وهو بذلك الشكل المرعب وللحظة ظنته شبح يتجسد بصورته، فانكمشت على نفسها بخوف وهي تتطلعه بذهول.
فانحنى هو عليها وجذب الهاتف من يدها عنوة لينهي الاتصال وهو يصرخ بعصبية:
"أنا مش بقول تقفلي الزفت ده."
كانت نظراتها مازالت تظهر الذهول وعدم الاستيعاب لما يحدث.
لكن حركته الهمجية عندما جذب الهاتف من يدها واغلق الاتصال في وجه صديقها أو حبيبها كما تدعوه جعلتها تثور ونقل واقفة لتصرخ به:
"إيه الهمجية دي وبعدين أنت مالك بيا وبتوجهلي أوامر بصفتك إيه!"
مال بوجهه عليها في نظرات قذفت الرعب في قلبها وهمس:
"بصفتي اللي هيربيكي من أول وجديد ان شاء الله."
حاربت خوفها منها وتابعت صياحها الغاضب:
"احترم نفسك أنا متربية غصب عنك."
"آه مهو واضح وانتي بتكلمي رجالة في التلفون في الليالي وتتسهوكي معاهم وتقوليلي ده my boyfriend، إهنه معندناش حريم بتتكلم مع رجالة غريبة وإلا بيتقطع راسها فاهمة."
اتسعت عين غزل بصدمة وصرخت به بهستيريا:
"بجد!!.. طيب ومستني إيه يلا اقتلني بما أنكم هنا بتقطعوا راس البنات اللي بتتكلم مع boys."
جز على أسنانه مغتاظًا وهو يحاول التحكم بزمام نفسه وقال لها محذرًا:
"غزل متستفزنيش عشان متندميش يابت الناس بعد كده، أنا قولت اللي عندي وخُلص الكلام، اقسم بالله لو شفتك بتتكلمي مع العيل ده تاني لأكون أوريكي وشي الحقيقي."
"أولًا أنا مش خايفة منك وثانيًا أنا مبتهددش واعلى ما في خيلك اركبه زي ما بتقولوا، وثالثًا وده الأهم مسموش عيل ده man."
رفع حاجبه وهو يحدقها بنظرة مرعبة ومتهكمة ليتمتم بنبرة رجولية تثير الرهبة بلهجته الصعيدية:
"ولما أجببهولك من امريكا وتشوفيه قصاد عينك وهو كيف القطة بيتنفض نبقى نشوف وقتها هو man صح ولا woman."
فغرت عيناها بدهشة من رده الغير متوقع لتجده يكمل وهو يلقى تحذيراته الأخيرة عليها قبل رحيله:
"حذراي يا غزل اشوفك بتكلميه تاني، تقطعي علاقتك بيه واصل وإلا أنتي حرة.. أنا حذرتك وعداني العيب."
ألقى عليها نظرة أخيرة اربكتها وارعبتها أكثر ثم هتف بلهجة آمرة بغضب:
"يلا انزلي على أوضتك تحت ومتطلعيش هنا تاني باللبس المخلع اللي لبساه ده، في عماير هنا حواليكي وممكن أي راجل يقف يشوفك."
رغم أنها كانت ترتدي بنطال جينز وفوقه بلوزة بحمالات عريضة وتنحدر للأسفل بفتحة دائرية عند الصدر، لا تعرف كيف يصف ملابسها بأنها خليعة.
انتفضت واقفة بفزع على أثر صرخته بها:
"اتحركي انتي لساتك واقفة!"
تحركت قدماها لا إراديًا امتثالًا لأوامره وخوفًا وهي لا تفهم شيء مما يحدث.
لكن بعدما وصلت لبداية الدرج وقفت والتفتت برأسها له فوجدته يقف يراقبها بنظراته الحادة ويشير لها بأن تنزل وتذهب لغرفتها.
فعادت برأسها للأمام وضحكت مندهشة في تهكم:
"لا لا، لا يمكن البني آدم ده يكون طبيعي، he is crazy."
نزلت الدرج مغتاظة وهي تبتسم وتهتف متوعدة له:
"ماشي يا علي استنى عليا، مش أنت بيضايقك لبسي الخليع زي ما بتقول عليه اتفرج بقى على الخليع بجد من هنا ورايح."
***
بمكان آخر داخل غرفة بلال...
كان ممسكًا بهاتفه ويراقب الرنين المستمر لزوجته عليه ولا يجيب عليها متعمدًا، ليثبت لها أنه يأخذ موقف ومنزعج منها ولا يريد التحدث معها.
والحقيقة هو كان يستمتع بإتباع اسلوب التجاهل معها ليجعلها تتذوق من نفس الكاس.
رغم أنها تفعل ذلك بكل برود وثبات انفعالي لكنه الآن يتعذب وهو يراها تستمر في الرنين دون توقف ولا يجيب عليها.
قلبه لا يطاوعه أن يتركها هكذا وهي تلح عليه دون ملل، ويصرخ عليه أن يجيب عليها ويتخلى عن ذلك الزعل المزيف.
لكن نجح بمعجزة في البقاء ثابتًا على مبدأه، حتى توقف الرنين أخيرًا ووجد رسالة منها محتواها كالآتي:
(ماشي يابلال متردش عليا براحتك وأنا مش عايزة اكلمك، لما يحصلي حاجة ويرنوا عليك من تلفوني ابقى متردش كمان عليهم.)
استفزته بعبارتها وكان على وشك أن يتصل بها ليوبخها توبيخ قاسي على تلك السخافة التي تتفوه بها.
لكنه تراجع في آخر لحظة بعدما فكر بأنها تقول هكذا لتجعله يتصل بها وترفع هي راية النصر.
غير رأيه وتوعد لها بأنه سيعطيها الدرس المناسب عندما ينتهي الخصام بينهم.
أما هي فـ على الطرف الآخر كانت تبكي بغيظ وتتحدث مع شقيقتها هاتفة:
"مردش عليا برضوا شايفة يانور، حتى بعد اللي قولته ده مفرقش معاه ومتصلش، لا هو شكله مش بيحبني بجد وأنا اتسعت في الجوازة دي."
"مش بيحبك إيه بس ياهبلة، ده شكله بيتقل عليكي وعايزكي تصالحيه بقى وتدلعيه كده شوية، مش بعيد يكون بيولع دلوقتي بسبب اللي قولتي، سبيه براحته."
صاحت حور باستياء وغيظ:
"يعني إيه اسيبه براحته يانور.. يعني إيه هو حتى مش عايز يرد عليا ولا يكلمني عشان يخليني اصالحه هصالحه إزاي بقى."
غمزت لها اختها بلؤم وهمست بنظرة شيطانية:
"طيب واللي يقولك فكرة يخليه يجيلك جري كده تديله إيه؟"
"هديله على وشه لو متكلمش بسرعة.. اخلصي يانور اتكلمي بقى اعمل إيه وإيه الفكرة؟"
***
بصباح اليوم التالي داخل غرفة الجلوس الكبيرة بمنزل ابراهيم الصاوي حيث يجلس عمران بمفرده ينهي أعماله.
دخلت الغرفة إخلاص ثم تحركت نحوها و جلست بجوار ابنها ونظرت له بطرف عيناها.
والتزمت الصمت لدقائق لكي تنظم كلماتها بالضبط ثم هتفت أخيرًا بنظرة متهكمة:
"هي آسيا إيه اللي وداها لفريال وأنت ليه خليتها تروح وحديها يا عمران؟"
التفت لها ورمقها بتعجب ليقول بقوة:
"فريال! هي قالتلي طالعة تشتري كام حاجة من الشارع اللي ورانا ولما لقيتها مضايقة ومصممة تطلع وافقت، إيه اللي هيوديها لفريال؟!"
هزت إخلاص كتفيها بجهل وقالت بعين تحمل نظرات شيطانية:
"معرفش أنا سمعتها بتتكلم مع حد في التلفون وبتقوله أنها جاية ليه وزي ما اكون سمعت اسم فريال معرفش عاد كانت بتكلم فريال ولا حد تاني."
اتسعت عين عمران وتبدلت ملامحه بلحظة لتصبح أكثر غلظة وقسوة بعدما ألقت والدته بتلميحاتها المثيرة للجنون.
فمجرد تلك الكلمات أثارت جنونه وأيضًا فكرة أن زوجته قد تكون كذبت عليه بالفعل بشأن مكان وسبب خروجها.
ليهتف بصوت رجولي مخيف:
"حد تاني كيف يعني؟!"
هزت إخلاص كتفيها بجهل وهي تهتف:
"معرفش يا ولدي أنا إيه اللي يعرفني أنا بقولك اللي سمعته."
"تبقى سمعتي غلط يا ماما."
زمت شفتيها مغلوبة وقالت:
"يمكن يا ولدي، المهم تحب اعملك كوباية شاي عشان تعرف تكمل شغلك زين."
هز رأسه بالموافقة دون أن يجيبها ومازالت تعابير وجهه غاضبة.
فاستقامت هي واقفة وسارت باتجاه الباب لتغادر وتتركه وحده من وساوس الشيطان.
وقفت خلف الباب تنتظر خطوته القادمة المتيقنة منها.
وبالفعل بعد دقائق نظرت من طرف الباب وجدته يضع الهاتف على أذنه ويجري اتصال بها فابتسمت بخبث وتحركت باتجاه المطبخ لتعد له كأس الشاي.
أما عمران فقد استمر في الرنين دون توقف ولكن النتيجة كانت بلا إجابة في كل مرة، مما زاد من شكوكه واشتعال نيران غضبه أكثر وأصبح يتوعد لها عند عودتها.
***
داخل منزل جلال.....
أسرعت فريال فور انصراف جلال وذهابه للعمل وراحت تمسك هاتفه وقررت أن تنهي تلك السخافة ستبلغ عن عمه لتأخذه الشرطة وينال جزائه وترتاح هي من الخوف المستمر على زوجها.
أجرت اتصال بالشرطة وفور إجابة الضباط عليها هتفت بكل ثبات وثقة:
"أنا عاوزة ابلغ عن مكان منصور صفوان المتهم في قتل ابراهيم الصاوي."
مكان آخر داخل سيارة جلال أجاب على هاتفه وقال بغلظة:
"ماشي يا عمي هخلص الشغل اللي ورايا وأجيلك نتكلم ونشوف المشكلة دي."
"دلوقتي يا جلال بقولك مينفعش نتأخر تعالى علطول عشان نتكلم وأجل شغلك شوية."
تأفف جلال بقلة حيلة وقال مستسلمًا:
"حاضر يا عمي جاي."
رواية و بالعشق اهتدي الفصل السادس عشر 16 - بقلم ندى محمود توفيق
داخل زوايا المستشفى تحديدًا بالطابق الثالث حيث غرفة العناية المشددة، كان بشار يقف أمام الغرفة ينظر من الزجاج لها ويراقبها بنظراته التائهة. اليوم هو اليوم الثاني منذ الحادثة ومازالت لم تفتح عينيها، مازالت ترفض العودة لذلك الواقع الأليم. لا يعرف إلى متى سيظل ينتظر استيقاظها وهو يراقب الأبواب والزجاج على أمل أن يرصد أي حركة أو إشارة منها تؤكد له أنها عادت لوعيها.
صراخ أمها ونحيبها المرتفع بعدما علمت بما أصاب ابنتها مزق قلبه حزنًا عليها أكثر، وازداد شعور الذنب بنفسه وأصبح يأكله أكل. حاول تهدأتها وهو يؤكد لها أنها ستعود لوعيها قريبًا وستصبح بينهم من جديد ولكن لا فائدة. ظلت كما هي تصرخ وتبكي على ابنتها وفلذة كبدها، وبصعوبة أقنعوها بالعودة إلى المنزل في الليل والعودة لها مرة أخرى بالصباح.
فاق من شروده عندما لمح الممرضة وهي تخرج من غرفة مريم بعدما انتهت من الفحص الروتيني على حالتها الصحية، فأسرع نحوها ليوقفها وهو يسألها باهتمام:
_ مفيش أي جديد؟
هزت الممرضة رأسها بأسف وقالت وهي تحاول بث الأمل لنفسه اليائسة:
_ للأسف حتى الآن مفيش بس حالتها الصحية مستقرة وأن شاء الله قريب تفوق.
التفت بشار برأسه للخلف ينظر لها من الزجاج ثم عاد للممرضة أخرى وقال برجاء ووجه مهموم وتائه:
_ ينفع أدخلها وأشوفها؟
سكتت الممرضة وهي تزم شفتيها كإشارة على الرفض بأسف، فهتف بسرعة متوسلًا:
_ أنا مش هطول خمس دقائق بالظبط وهطلع، هشوفها بس وأقعد چارها شوية.
أطالت الممرضة النظر لوجهه وقد اشفقت على حاله وشعرت بحبه الصادق وشوقه لها، فردت باستسلام:
_ ماشي بس خمس دقائق بالظبط لأن أنا لو حد عرف أني سمحتلك تدخل هتجازى.
هز بشار رأسه لها بالموافقة في ابتسامة ممتنة، ثم طلبت منه ارتداء القناع الطبي قبل الدخول وتعقيم يديه جيدًا وكذلك ارتداء كيس طبي بقدمه ونفذ جميع التعليمات. وفور دخوله من باب الغرفة توقف للحظة وهو يتمعنها بأسى ثم تقدم بخطواته منها حتى أصبح أمامها مباشرة وجثى على قدميه أمامها وهو يتمعنها بأعين دامعة يملأها الندم والحزن عليها. ثم رفع يديه واحتضن بكفيه كفها في كل رفق وهمس لها بصوت مبحوح:
_ حقك عليا يامريم أنا السبب، أنا مش هسامح روحي واصل على اللي حصلك ده.
توقف لثواني وتابع بصوت بدا يظهر به بحة البكاء بوضوح:
_ فوقي وارچعي أبوس يدك، انا عارف أنك متستاهليش مني كل ده ولا تستاهلي اللي حصلك، أنا كنت عاوز أسيبك عشان عارف أنك تستاهلي واحد أحسن مني وتستاهلي كل خير يابت الناس، ومكنتش عاوز أظلمك معايا، وده ميمنعش غلاوتك ومعزتك في قلبي وأن قلبي بيتقطع عليكي وأنا شايفك إكده قصادي.
رفع أنامله ومسح دمعة حارة سقطت من عينه ثم راح يربت فوق كفه بكل حنو وهو يتمعن النظر في ملامحها الطفولية البريئة وكأنها أشبه بطفل صغير في ثباته العميق. لم ينتشله من تلك اللحظات إلا دخول الممرضة بعد مرور الخمس دقائق وهي تطلب منه الخروج، فاستقام واقفًا وطبع قبلة دافئة على كف مريم قبل أن يستدير ويغادر.
***
بمنزل إبراهيم الصاوي بغرفة الجلوس حيث يمكث فيها عمران من ساعتين تقريبًا وهو بانتظار آسيا التي لا تجيب على اتصالاته ولم تعد للمنزل. كان قد وصل لأقصى مراحل الثوران وعلى أتم الاستعداد لينفجر بها فور رؤيته لها. ولا يمكن إيقاف وساوسات الشيطان الذي يوسوس له بأنها حقًا كذبت عليه وذهبت لأخته أو ربما ذهبت لتقابل شخص مجهول لا يعرفه. رغمًا عنه أصبح شبه مستسلمًا لتلك الأفكار المُسممة بسبب تأخرها وعدم ردها على اتصالاته.
أخيرًا سمع صوت باب المنزل وهو ينفتح وينغلق وصوت أمه وهي توجه حديثها الحاد لزوجته هاتفة:
_ جوزك مستنيكي چوا يابت چليلة.
ضيقت آسيا عيناها باستغراب ورمقته إخلاص بحنق لكنها قررت عدم الاكتراث لأمرها، وتحركت باتجاه غرفة الجلوس حيث ينتظرها زوجها وكانت تحمل بيديها أكياس بها مستلزمات مختلفة ما بين ألعاب لطفلها وملابس وأشياء خاصة بها هي. دخلت الغرفة وهي تضحك باتساع ووجهها ممتلأ بالحماس لكي ترى عمران ما اشترته، لكنها اصطدمت بوحش ثائر يصرخ:
_ كنتي وين ياست هانم؟
ضيقت عيناها بحيرة وقلق من منظره المخيف لتجيبه في هدوء:
_ چرا إيه ياعمران ما أنا قولتلك أني طالعة أشتري كام حاجة ليا ولولدي.
عمران بصوت جهوري مرعب بعدما اندفع نحوها كالثور الهائج:
_ ومش بتردي على الزفت التلفون اللي ماسكاه في يدك ده ليه، ولا هو ماسكاه كده عياقة ملوش أي تلاتين لازمة!
آسيا بخفوت واضطراب بسيط منه:
_ التلفون بيعمل صامت لوحده ياعمران، أنت إيه اللي معصبك كده؟
مال بوجهه للجانب وهو يمسح على شعره نزولًا للحيته ثم عاد لها بنظره مجددًا وقال بنظرة تحمل الشك وتعبيرات وجه مرعبة لا تبشر بالخير أبدًا:
_ يعني أنتي مرحتيش عند فريال ولا قابلتي حد من ورايا.
اتسعت عيناها بدهشة وقالت بنبرة ارتفع صوتها قليلًا وحزم وهي ترفع أمامه يديهم بالأكياس:
_ أنا إيه اللي يوديني لفريال وبعدين أنا قولتلك طالعة أشتري واهي الكياس قصاد عينك افتح وشوف فيها إيه لو مش مصدق.
تراخت عضلات وجهه قليلًا ولكن نظرته أصبحت أكثر رعبًا وهو يسطلها عليها كالأسد ويهتف بنبرة هادئة عن السابقة لكن بصوت مهيب:
_ يعني أنتي مروحتيش مكان يا آسيا وبعد كده روحتي اشتريتي الحاجة دي عشان تسكتيني وتثبتيلي إنك طلعتي صُح تشتري حاجات ليكي وللعيل كيف ما قولتيلي.
فغرت شفتيها بصدمة من كلماته واشتعلت عيناها بلهيب الغيظ فصاحت به منفعلة:
_ انت بتشك فيا ولا إيه ياعمران!
عمران بحدة وصوت غليظ:
_ محدش جاب سيرة الشك متخرفيش بالكلام، أنا بسألك وبفهم منك اللي حصل وعاوز الرد بصراحة ومن غير مراوغة وكذب.
التهبت نيران صدرها بحرقة وشعرت بغصة مريرة في حلقها من تلميحاته واتهاماته القاسية لها فقالت بثبات محاولة الحفاظ على صمودها أمامه:
_ الصراحة إني مكدبتش عليك وطلعت أشتري حاجات صُح واهو الدليل، والتلفون كان صامت عشان كده مردتش عليك، مين عاد اللي حط في دماغك الكلام الفارغ ده وأني روحت لفريال وكذبت عليك وكنت بقابل حد من وراك أنا عارفة زين مين هو، بس مش دي المشكلة.. المشكلة أنك صدقته وشكيت فيا.
أنهت عباراتها والتفتت تهم بالانصراف لكنه قبض على ذراعها يوقفها بصوت حاد وهو يهتف:
_ اقفي عندك أنا لسه مخلصتش كلام.
توقفت والتفتت له بنظرة يملأه الخزي والعتاب متمتمة:
_ وأنا خلصت كل الكلام، يعني معدش في حاجة تاني تقولها يامعلم.
ثم انتشلت ذراعها من قبضته واندفعت لخارج الغرفة ثائرة، فاصطدمت بإخلاص في وجهها وهي تبتسم لها بخبث وشماتة، فرمقتها آسيا شرزًا وفضلت هذه المرة أن تلتزم الصمت فالأفعال دومًا تكون أجمل من الكلام.
***
وقف جلال أمام باب المنزل وأخرج المفتاح من جيبه ثم وضعه بالفعل وفتح الباب ودخل. أطلق زفيرًا حارًا بحنق فور دخوله وتحرك باتجاه الأريكة ليجلس فوقها وهو يمسح على رأسه نزولًا لوجهه ولحيته. وبعينيه يتجول في أرجاء المنزل يبحث عن الشيء الذي جاء من أجله، ثم استقام واقفًا وراح يتنقل بين الغرف يبحث بكل مكان يقطع نظره عليه. بحث في الأدراج والخزائن وحتى أسفل الفرش. وبعد مجهود شاق ووقت طويل أخيرًا عثر عليه. كان هاتف صغير كلاسيكي، فراح يضغط على أزراره بسرعة ويغلقه تمامًا وهو يتأفف مستنكرًا عمه الذي عطله عن عمله بسبب ذلك الهاتف فقط.
وضعه في جيبه وتحرك عائدًا للخارج حيث الباب ليرحل، لكنه تسمر بأرضه عندما سمع صوت الطرق العنيف على الباب وغضن حاجبيه بحيرة يحاول تخمين من الطارق ومن الذي يعرف مكان هذه الشقة من الأساس. استمر الطرق وأصبح يزداد عنفًا، فتحرك بخطواته وقرر اكتشاف بنفسه هوية الطارق وعندما فتح الباب قابل أمامه ضابط ومعه مجموعة من العساكر المسلحين، ولسوء الحظ أن الضابط كان على معرفة به وحقق معه سابقًا بخصوص عمه. وبمجرد رؤيته لجلال في هذا المنزل ابتسم لها بتهكم وقال:
_ مكنتش أحب أشوفك هنا أبدًا يامعلم جلال.
لم يلبث ليسأل ما الذي يحدث حتى وجد الضابط يسير العساكر بالانتشار داخل المنزل والبدء في البحث عن ما جاءوا لأجله ألا وهو منصور. وقف جلال بصلابة وقال بكل ثقة وهو ينظر في عين الضابط:
_ ممكن أفهم إيه اللي بيحصل ياباشا؟
رقمه الضابط بطرف عينه في استنكار وتمتم:
_ هنفهم كلنا دلوقتي!
دقائق قصيرة جدًا وخرج العساكر من الغرفة بعدما انتهوا من البحث وهتف واحدًا منهم:
_ مفيش حد يافندم والبيت فاضي تمامًا.
تجمع وجه الضابط وهتف بحدة:
_ فتشتوا الدولايب كويس وكل حتة، لقيتوا أي حاجة؟
أجابه بإيجاب:
_ أيوه يافندم مفيش أي حاجة والدولايب فاضية والبيت مفهوش أي حاجة.
لوى الضابط فمه بغيظ والتفت تجاه جلال الذي كان يقف يراقبهم بكل برود وثبات انفعالي مستفز. ثم هتف بثقة ووقار:
_ اللي بتدوروا عليه مش إهنه ياباشا، دي شقتي ومفيش حد بيدخلها غيري، وأنا من حقي أسأل على أي أساس حضرتك بتفتش في شقتي؟
طالت نظرات الضابط المستاءة لجلال ثم قال له بحزم:
_ السؤال ده هجاوبك عليه في القسم مش هنا يامعلم جلال، اتفضل معانا.
رغم أن جلال كان يشتعل من الداخل لكنه حافظ على ثباته وهدوئه التام حيث أومأ للضابط بكل استسلام وثقة مستفزة وتحرك معهم للخارج واستقل بسيارة الشرطة وانطلقت متجهة به إلى القسم.
***
داخل منزل خليل صفوان...
كانت العائلة ملتفة حول مائدة الطعام يتناولون الفطار، وكل من "علي" وغزل يجلسان في مقابلة بعضهما البعض. مرة هي ترمقه بغيظ ووعيد ومرة هو. كان كلما يتذكر ليلة أمس وشجارهم وحديثها الحميمي مع ذلك الشاب يستشيط وتلتهب نيران غيرته أكثر، وما يزيد غضبه هو ردودها المستفزة عليه وعدم خنوعها لأوامره، وإصرارها على أنها تفعل الصواب وهو لا يحق له إصدار الأوامر لها. كلما تذكره بأنه لا يحق له التحكم بها يتحول لجمرة ملتهبة وتقذف بعقله أفكار شيطانية لن ترضي أي أحد وبالأخص تلك المتمردة.
انتبه على صوتها وهي تتحدث للجد حمزة متمتمة برقتها المعهودة:
_ جدو أنا كنت عايزة آخد إذنك وأطلع النهاردة.
جاء الرد غير متوقع وتلقائي من "علي" هاتفا بغلظة:
_ تطلعي تروحي وين؟
التفت الجميع باستغراب تجاه علي باستثناء غزل التي رمقته بنارية ولم تكترث له حيث ثبتت نظرها على جدها تنتظر منه سماع الرد وكأنها لم تسمع سؤال "علي" من الأساس، ووجدت نفس السؤال من جدها لكن بنبرة حانية:
_ عايزة تروحي وين ياغزل، هو أنتي تعرفي مكان إهنه يابتي؟
ردت بكل عفوية ونظرات متحمسة:
_ لا أنا هروح المطار أصل my friend صحبتي يعني نزلت مصر وكنت حابة أشوفها وأسلم عليها.
أظلمت عينا "علي" وتحول لثور هائج فور سماعه لكلماتها وخيل إليه فورًا أن صديقتها التي تتحدث عنها هي نفسها ذلك الشاب الذي تحدثه في الهاتف كل ليلة، فهتف بعصبية ولهجة حادة:
_ صحبتك مين دي؟!
نظرت له غزل بغيظ وقالت منزعجة:
_ أظن دي حاجة متخصكش مين صحبتي، أنا بتكلم مع جدو وباخد رأيه وأذنه مش رأيك أنت.
كان الجميع يراقب تعبيرات وجه "علي" وتحوله المريب بلحظة وانفعاله الذي دون سبب حتى صاح بصوت رجولي مخيف وهو يضرب فوق سطح الطاولة بكفه:
_ وأنا بقولك مفيش طلوع ياغزل ووريني عاد هتطلعي وتروحي تقابلي صحبتك دي كيف.
اتسعت عينا غزل بدهشة من تهديده الصريح لها وراحت تلتفت برأسها حولها تنقل نظرها على وجوه زوجات أعمامها وبالأخص إنصاف ثم التفتت تجاه جدها الذي وجدته يرمق "علي" بصرامة ويهتف:
_ چرا إيه يا علي هو أنا مش موجود ولا معدش في احترام لوجودي.
هدأت نبرة "علي" قليلًا ورد على حدته بنبرة مهذبة:
_ العفو يا جدي أنت فوق راسنا.
ارتفعت نبرة حمزة وصاح بغضب:
_ امال إيه اللي بتعمله ده مع بت عمتك قصادي.
حدق "علي" في وجه غزل بغيظ وقال بصوت محتقن:
_ أصل أنت مش فاهم حاجة يا جدي، بت بتك مينفعش معاها غير كده.. عايزة اللي يمسك لجامها عاملة كيف الفرس الهايجة واللي طايح في الكل ولا كبير ولا صغير هامه.
ابتسم حمزة بسخرية وقال بتعجب:
_ آه وأنت عاد اللي هتمسك لجامها يا جواد، ولو في حاجة أنا مش فاهمها رسيني ورسينا كلنا وفهمنا يلا، أصل كل ما عاوزين نفهم سبب اللي بتعمله ده إيه؟
ثبت "علي" نظره على غزل وهو يرمقها بوعيد ونظرة رجولية أربكتها وكأنه يقول لها لو أفشيت بأفعالك أمام جدك الذي تحتمي به لن يرحمك من تحت يده أحد سواي. ثم عاد بنظره لجده وقال بلهجة حازمة:
_ يكفي أنها عارفة السبب زين يا جدي، وملهاش طلوع من البيت وده لمصلحتها لأنها فاهمة أنا هعمل إيه!
ألقى تلميحاته بأنها سيخبر الجميع بعلاقتها مع ذلك الشاب المجهول ليثير مشاعر الخوف في نفسها فقط لا غير، ليس لأنه سيفعلها حقًا، بينما هي فرمقته باستياء ونقم شديد وكادت أن تصيح منفعلة لكن أوقفه صوت رنين هاتفه وأجابته على الفور عليه وكان أول عبارة يهتف لها هي:
_ أيوة يا جلال.
صمت تام سيطر على الجميع وهم ينتظرون فهم حديثهم من باب الفضول، حتى رأوا تبدل تعبيرات "علي" للجدية والحزم الشديد وهو يثب واقفًا ويقول بصوت رجولي أجشَّ:
_ ماشي إحنا جايين ليك حالًا مسافة الطريق.
هتف حمزة باستغراب وقلق:
_ خير يا "علي" ماله جلال.
انقبض قلب جليلة رعبًا واستقامت واقفة تهتف بهلع وهي تسألهم:
_ ولدي ماله.. ولدي جراله حاجة؟
هتف علي ليهدأ من روعها ويطمئنها:
_ مفيش حاجة يا مرت عمي متقلقيش مشكلة في الشغل بس ورايحين نحلها.
ثم انحنى على أذن جده وهتف له بوضع جلال وأنه بقسم الشرطة الآن بعدما وصل بلاغ من شخص مجهول أفشى عن مكان والده ولسوء الحظ أن جلال كان بالمنزل في ذلك الوقت. اتسعت عينا حمزة بصدمة وظهر القلق والغضب على محياه وفورًا هب واقفًا واندفع للخارج مسرعًا ليلحق بحفيده ولحق به "علي" وسط دموع جليلة ونحيبها وإصرارها بأن ابنها صابه مكروه وكلٌ من إنصاف وغزل يحاولون التخفيف عنها وتهدئتها ولكن دون جدوى.
***
كان بلال يقود سيارته متجهًا لشقته لكي ينهي بعض الأعمال المتبقية في تجهيزات المنزل، لكن صوت رنين هاتفه المستمر تزعجه واضطره إلى الوقوف بالسيارة على جانب الرصيف ليخرج هاتفه وينظر في شاشته يقرأ اسم المتصل وكانت زوجته، فأطلق زفيرًا حارًا مغلوبًا وأخيرًا قرر الرد عليها فأجاب بصوت رجولي غليظ:
_ نعم يا حور.
وصله صوتها الباكي والضعيف وهي تستنجد به متمتمة:
_ بلال أنت فين تعالى بسرعة.
ظهرت معالم الفزع على وجهه وهتف بجدية:
_ في إيه مالك أنتي كويسة؟
حور ببكاء وصوت مرتجف:
_ في واحد على الموتوسيكل خطف شنطتي وخبطني وأنا مش قادرة أقف على رجلي.
تسارعت نبضات قلبه قلقًا وهتف باهتمام وصوت قوي:
_ أنتي فين طيب؟
وصفت له مكانها بالتفصيل فقال بحنو ونبرة رجولية صارمة:
_ أنا قريب منك وجايلك دلوقتي، خليكي عندك متتحركيش واهدي.
أجابته بالموافقة وأنهت معه الاتصال، ثم التفتت برأسها للجانب تحدق في شقيقتها وهي تلوى فمها بندم وتقول:
_ أنا إيه اللي خلاني اسمع كلامك شكلك هتلبسيني في الحيط، أدي آخرة اللي يسمع كلام عيلة.
هتفت شقيقتها بعدم فهم:
_ قالك إيه الأول اخلصي.
حور وهي تزم شفتيها بعبوس:
_ قلق طبعًا وجاي دلوقتي هو قريب من هنا.
قالت شقيقتها بحماس وفرحة:
_ طيب ما دي حاجة حلوة هو ده اللي احنا عايزينه، إيه اللي مضايقك يا فقر بس؟!
صاحت حور مغتاظة:
_ مفيش حاجة مضيقاني خالص، عارفة لو بلال إني بشتغل هيعلقني وبدل ما كانت خناقة بسيطة ممكن نحلها لو فضلت وراه واعتذرتله مش هيعديلي دي بسهولة بقى.
لوت أختها فمها بتهكم، لا يعجبها محاولات شقيقتها لأفساد اللحظة الجميلة التي ستشهدها بعد لحظات، بينما حور فكان شعور الذنب والندم يأكلها والخوف تعشش في قلبها وهي تتخيل ردة فعله إذا عرف أنها كانت تكذب عليه. بينما أختها فقالت بجدية:
_ أنا همشي قبل ما يجي ويشوفني وابقى ممثلة كويس احسن اكشفي نفسك يا هبلة.
رمقتها حور بطرف عينها في قرف وهي تهمس نادمة:
_ أنا ابقى حقيرة فعلًا لو سمعت كلامك في حاجة تاني، يارب ما يكشفني.
غادرت شقيقتها وتركتها وحيدة تقف بانتظار وصول زوجها. بعد دقائق قليلة وصل أخيرًا بسيارته ونزل منها متلهفًا مهرولًا نحوها وهو يهتف بخوف:
_ حور أنتي كويسة؟
هزت رأسها له بالإيجاب في صمت دون أن تجيب عليه بأي كلمة، بينما هو فراح يتلفت حوله ويسألها بغضب ويسب في ذلك الوغد الذي سرق حقيبتها وصدمها بالدراجة النارية:
_ هرب طبعًا الـ**** اللي عمل كده، مشوفتيش رقم الرخصة بتاعه؟
هزت رأسها بالنفي وهي تهتف بنظرات زائغة تخشى أن يكشفها من مجرد النظر لعيونها فقط:
_ لا مكنش مركب رخصة، أنا كويسة يابلال بس رجلي وجعاني شوية ولما أرتاح هتخف.
بلال باهتمام ونظرات دافئة:
_ يلا نروح المستشفى ونطمن.
هتفت مسرعة وكان عقرب لدغتها ورفضت رفض قاطع:
_ لا مستشفى إيه بقولك أنا كويسة مش مستاهلة كل ده، أنا بس اتخضيت وخوفت لما حصل الموقف واتصلت بيك وقتها وأنا متوترة بس دلوقتي هديت.
طالعها باستغراب من انفعالها فور ذكره للمستشفى، لكنه لم يعقب كثيرًا وقرر تجاهل الأمر، يكفي أنها بخير، فحاوطها بذراعيه وقال في حب:
_ طيب تعالي يلا اركبي عشان أوصلك البيت.
سارت معه ببطء تجاه السيارة واستقلت بالمقعد المجاور له وهو استقل بمقعده وراح يسألها باهتمام:
_ شنطتك فيها حاجة مهمة، أنا ليا معارف في القسم وهجيبه الـ****.
ارتعدت بشدة خوفًا من أن يكشف أمرها وقالت بحزم:
_ يابلال حصل خير خلاص الشنطة كانت فاضية وأنا كويسة متدخلش نفسك في حوارات، واللي عمل كده ربنا يسامحه هنعمله إيه يعني.
استفزته بسلبيتها ورفضها الغير مبرر في العثور على ذلك السارق فصاح بها منفعلًا:
_ هنعمله إيه.. هنحب على رأسه لما نشوفه وهنقوله متعملش كده تاني عشان اللي عملته ده غلط ياباض.
ضحكت رغمًا عنها ومالت بوجهها للجهة الأخرى تخفي ضحكها محاولة الثبات والاستمرار في حيلتها حتى لا تُكشف، لكنه لسبب ما شعر بغرابة بها فدقق النظر بها وقال بحدة:
_ حور بصيلي انتي بتضحكي على إيه شايفة الموضوع يضحك للدرجة دي يعني، واحد سرق شنطتك وخبطك و الله أعلم كان ممكن يعمل إيه أكتر لولا ستر ربنا.
فشلت في التحكم بضحكاتها واستمرت في الضحك حتى بعد كلماته فراحت تحدق به بعينان تفيضان بالاعتذار والحب وسط محاولاتها البائسة لحجب ضحكاتها وهمست له بأسف وغرام حقيقي:
_ أنا آسفة بجد.
بعدما كانت علامات الاستفهام تعلو ملامحه تحولت لأخرى منزعجة واحتدمت نظراته وأدرك أن كل هذا كان حيلة سخيفة منها فقط لتثير خوفه وقلقه عليها أو ربما حتى لتجعله يسامحها وتنهي خلافهم.
***
داخل وكالة عائلة الصاوي كان يجلس بشار بعد عودته من المستشفى. رغم أنه لم يكن في حال يسمح له لمباشرة أعماله أبدًا لكنه أمل أن يخرجه العمل قليلًا من حالته النفسية ويلهيه عن تفكيره وحزنه على مريم.
بينما كان جالسًا على مقعده أمام المكتب وشارد الذهن يفكر بها وبيده الهاتف ينوي الاتصال بأحد معارفه من المستشفى ليطمئن على حالتها الصحية، سمع صوت أنثوي يحفظه عن ظهر قلب يهتف لها برقة:
_ بشار!!
رفع رأسه ونظره عن الهاتف ليسقط على رحاب التي تقف أمامه وتحدقه بعينان متعجبة وتسأله باهتمام:
_ أنت كويس؟
هز رأسه لها بالإيجاب دون رد في تعبيرات وجه عابسة ومهمومة.
فلوت فمها هي بحنق حاولت إخفائه وجلست على أقرب مقعد بجواره لتسأله بفضول:
_ مريم عاملة إيه.. خطيبتك يعني؟
لاحظ في نبرتها وهي تنعتها بخطيبته بأسلوب استهجان لكنه لم يكترث وأجابها في خفوت:
_ لسه مفاقتش ومحدش عارفة امتى هتفوق.
هزت رأسها بتفهم دون أن يظهر في محياها أي تعبيرات تأثر وحزن أو حتى إشفاق على وضع تلك المسكينة، بل بالعكس كانت الغيرة تأكلها أكل عندما رأته مهموم وحزين لهذه الدرجة عليها فقالت بكل صراحة:
_ أنت زعلان قوي كده عليها ليه؟!
رقمها بشار بنظرة مخيفة وهتف بغضب حقيقي:
_ امال أزعلش يعني يارحاب ده لو الواحد مربي حيوان عنده وجراله حاجة هيزعل عليه، أنا مقولتكش إني بكرهها وطبيعي أزعل عليها خصوصًا أن اللي جرالها ده ليا سبب فيه.
أستاءت بشدة وهتفت متهكمة:
_ ليك سبب في إيه، هو كنت أنت اللي خبطتها بالعربية مثلًا.. ده نصيبها وربنا كاتبلها كده.
بشار بصوت رجولي أجشَّ ونادم:
_ بس أنا اللي طلبت منها نتقابل عشان أقولها نفسخ الخطوبة.
رحاب بجفاء وانزعاج:
_ يبقى اللي جرالها أنت ملكش صالح بيه، ده قدر ومكتوب وأن شاء الله تقوم منها بالسلامة وبعد كده تنهي كل حاجة ولا أنت غيرت رأيك؟!
طالعها بشار بذهول وعدم استيعاب لما تتفوه به، أليست مدركة للوضع والمكان الذي تتحدث به عن ذلك الأمر؟ أردف بشار بحدة:
_ رحاب أنا في إيه ولا إيه دلوقتي، المسكينة دي في العناية المركزة والله أعلم هتفوق من غيبوبتها امتى وانتي تقوليلي نفسخ الخطوبة وننهي الموضوع، تفوق الأول وترجع لبيتها وأهلها سالمة وبعد كده نتكلم في كل حاجة.
تلألأت العبرات في عينيها ومالت بوجهها بعيدًا عنه لتخفيف دموعها وهي تجيبه بعدما استقامت واقفة:
_ حقك عليا يابشار متأخذنيش زودت عليك همك وضايقت، على العموم أنا ماشية.
تحركت بخطواتها مندفعة للخارج فلحق هو بها واوقفها عنوة بعدما جذبها من ذراعها وقال بعينان دافئة:
_ متزعليش مقصدش والله أنا اعصابي تعبانة بس من ساعة اللي حصل، ومتخافيش أنا لسه عند كلامي ليكي ومش هسيبك تضيعي من يدي تاني.
كانت ترمقه بعينيها الدامعة والمقهورة واكتفت فقط بسماع تلك الكلمات منه دون الرد، وجذبت ذراعها من قبضته لتستدير وتتركه وتنصرف، فيراقبها بنظراته حتى غادرت الوكالة بأكملها ويمسح على شعره نزولًا لوجهه وهو يتأفف بنفاذ صبر وحنق.
***
داخل منزل إبراهيم الصاوي....
بعد مرور وقت طويل نسبيًا من شجارهم العنيف، هدأت روح عمران الثائرة وقرر مصالحتها وإرضائها فلم تهون عليه، لكن عندما فتح باب غرفته ودخل وجدها تجلس على الأريكة المقابلة للفراش وتحدق في الفراغ بنظرات نارية ممتزجة بالقهر والضيق. فتنهد الصعداء وتقدم نحوها بخطوات متريثة حتى جلس بجوارها لكنها لا تعيره اهتمام ولا تنظر له حتى، فرفع يده ومد أنامله لشعرها ليمسح عليه بحنو لكن فور ملامسته لها دفعت يده بعيدًا عنها وصرخت به منفعلة:
_ بعد يدك عني.. متلمسنيش واصل.
اتسعت عينه بدهشة من ردة فعلها الشرسة وتحذيرها الصريح له بعدم لمسها، ليقول بعد برهة من الصمت:
_ صحيح أنا اتعصبت عليكي بس أنتي كمان غلطانة، أنتي عارفة زين أني بتعفرت لما مبترديش على تلفونك.
ابتسمت بتهكم وقالت في حدة:
_ وأنت عاد جاي تقعد چاري عشان تقولي أني أنا كمان غلطانة!!
لوى فمه بحنق من أسلوبها الفظ وقال بجدية ولطف:
_ لا يا آسيا جاي عشان أراضيكي وأصالحك، مش الاقيكي بتقوليلي متلمسنيش.
استقامت واقفة وقالت بنظرة جافة ومتحدية:
_ أيوه لما تبقى تثق فيا وفي مرتي أم ولدي اللي كلها كام أسبوع جاي.. يبقى وقتها تقرب مني تلمسني يامعلم.
لفظت عبارتها الأخيرة وهي تنعته بـ "معلم" في استهجان وغيظ متعمدة إثارة جنونه وبالفعل هب واقفًا وهتف بسخط:
_ إيه الكلام الفارغ اللي بتقوليه ده، هو أنا لو مبثقكيش فيكي هخليكي على ذمتي لحظة واحدة، بلاش تخرفي بالكلام يا آسيا كل ما في الموضوع أني اتعصبت لما مردتيش عليا وفكرت أنك فعلا ممكن تكوني بتعملي حاجة من دون عملي أو روحتي مكان وكذبتي عليا.
وقفت أمامه بكل شموخ وتطلعت في عينه بحدة لتهمس:
_ وتفكيرك ده معناه إيه مش عدم ثقة فيا برضو!
عمران بنظرة مرعبة:
_ واللي خلاني أفكر كده أنك سبق وعملتيها كتير فمستبعدتهاش منك.
آسيا بابتسامة قوية وتعبيرات قاسية:
_ تمام يامعلم وقت ما تقرر تثق فيا كيف ما بثق فيك يبقى لينا كلام تاني.
استدارت وتحركت خطوتين باتجاه الحمام لكنه قبض على ذراعها وجذبها إليها هاتفًا بغيظ واستياء شديد:
_ آسيا متكبريش الموضوع أنا جيتلك أهو وبقولك حقك عليا وعاوز أصالحك وأراضيكي بلاش عاد العناد ونشفان الراس ده.
نقلت نظرها بين يده القابضة على ذراعها وبين وجهه ونظراته الصادقة لكن لم تؤثر بها وقالت بجفاء وغضب:
_ الموضوع لازم يكبر طالما دخل في عدم الثقة والشك وأنت بدأت تصدق عني أي حاجة وتسمع لأمك اللي أنت عارف زين أنها عاوزة تخرب علينا ومتحبنيش.
أنهت عباراتها ودفعت يده بعيدًا عنها بقوة لتكمل طريقها باتجاه الحمام وتتركه يقف ساكنًا دون حركة يفكر في كلامها بحنق، لكن تبدلت تعبيرات وجهه عندما سقطت عينه على الأكياس التي جاءت بها من الخارج فقاده فضوله إليها وجلس على الفراش وبدأ يفتش ويخرج ما بها ليجد ملابس صغيرة لطفلة الذي لم يولد بعد، فأخذ يقلب بينهم ويتتمعن النظر فيهم كلهم بعينان لامعة بوميض أبوي جديد وابتسامة مشرقة ومتلهفة.
***
بمكان آخر كانت خلود تقف بالمحل التجاري الذي بجوار البناية التي تسكن بها في شقة مروان، وكانت تقوم بشراء نوع طعام تحتاج إليه وبعدما انتهت من حساب صاحب المحل واستدارت لتغادر توقفت عندما رأت مروان يقف بسيارته أمام البناية وتجلس بجواره فتاة شابة في مقتبل العمر بملامح جميلة وملابس متحررة قليلًا، وتتبادل معه أطراف الحديث بضحك ومرح. ضيقت عيناها بحيرة وفضول لكن سرعان ما عبس وجهها عندما استنتجت أنها ربما تكون حبيبته أو خطيبته فهي حتى الآن لا تعرف عنه أي تفاصيل شخصية ولا تستبعد فكرة ارتباطه.
ظلت تراقبهم بنظراتها الحزينة والبائسة ولم تنتبه أنهم خرجوا من السيارة وأن مروان وقع نظره عليها ولمحها وهي تقف أمام المحل تتابعهم فراح يشير لها بيده لكنه لا تنتبه له وكأنها بعالم آخر، فإشار للفتاة التي معه أن تنتظره قليلًا وتحرك هو بخطواته الواسعة تجاه خلود التي انتبهت له أخيرًا عندما رأته يقترب منها واطرق رأسها أيضًا خجلًا عندما أدركت أنه بالتأكيد لاحظ تمنعها وشرودها به.
مروان بتعجب وصوت حازم:
_ خلود بتعملي إيه هنا؟
رفعت رأسها وأجابته وهي عيناها عالقة على تلك الفتاة التي ترتدي بنطال أبيض ضيق ويعلوه بلوزة بحمالات عريضة من نفس اللون وتلقي على كتفيها جاكت صيفي من اللون الأسود الذي يشبه لون شعرها الحريري المنسدل على ظهرها وجانب وجهها:
_ نزلت أشتري حاجة محتاجاها من السوبر ماركت.
هتف بعتاب وانزعاج ملحوظ:
_ إحنا متفقين إيه.. مش قولنا أي حاجة تعوزيها اتصلي بيا وأنك متنزليش من البيت لوحدك.
أجابته وهي مازالت عيناها ثابتة على الفتاة:
_ محبتش أتعبك والمكان قريب مش بعيد فقولت أنزل أجيب اللي عاوزاه لوحدي.
لاحظ مروان اهتمامها المبالغ فيه بتلك الفتاة وتمنعها لها بنظرات مريبة فابتسم وقال بلطف يليق به لينهي فضولها الذي سيقتلها مكانها لمعرفة هوية تلك الفتاة:
_ طيب تعالي أعرفك على ريهام.
أزاحت نظرها أخيرًا عن تلك الفتاة التي اتضح أن اسمها "ريهام" وتطلعت لوجه مروان بقسمات محتقنة وبدا عليها عدم الراحة والضيق. لكن لم تعقب وسارت معه بصمت تجاه الفتاة وهي تجهز نفسها لتتعرف على فتاته وحبيبته. وعندما وقفت أمامها وجدت مروان يهتف وهو يقدم الفتاة لها:
_ دي ريهام صديقة ليا محامية وهي اللي هتتابع معانا قضية الطلاق.
تجمدت خلود مكانها بعدما اكتشفت هويتها الحقيقية ووجدتها تمد يدها لها لتصافحها وهي تقول بكل عذوبة:
_ مروان حكالي عنك كتير.
ظهرت البسمة العريضة على ثغر خلود وتحول حزنها لفرحة بعدما اكتشفت أنها ليست حبيبته وراحت تصافحها بكل ود وهي تجيب بإحراج:
_ أهلًا بيكي اتشرفت بحضرتك.
ضحكت ريهام وردت بمرح:
_ لا حضرتك إيه بقى أنا ريهام بس، إحنا هيكون في بينا كلام كتير من هنا ورايح وحتى قضيتنا واحد بنحارب المجتمع الذكوري.
قالت عباراتها الأخيرة متعمدة وهي تنظر لوجه مروان لتشاكسه وبالفعل وجدته يرمقها بنظرة متهمكة رافعًا حاجبه ثم يقول بغلظة صوته الرجولي:
_ طيب تعالوا يلا نكمل كلامنا فوق يا محاربة الذكور أنتي.
تحركوا لداخل البناية واتجهوا نحو المصعد الكهربائي وكانت خلود تسير بجوارهم في صمت تام وإخراج ملحوظ بالأخص عندما أخبرتها أنه تحدث عنها كثيرًا وصابها فضول قاتل لمعرفة ماذا قال عنها. لكن خجلها لم يفسد عليها سعادتها الغامرة لمعرفتها أن تلك الفتاة ليست أكثر من مجرد صديقة له.
***
كانت فريال تجوب الغرفة يمينًا ويسارًا وهي تفرك يديها بحيرة وقلق، فمنذ ساعات وهي تحاول الاتصال بزوجها لتطمئن عليه وتعرف منه آخر التفاصيل هل تم القبض على منصور أم لا، لكنه لا يجيب على اتصالاتها مما أدخل شعور الخوف لصدرها ورغم محاولاتها البائسة لتهدئة نفسها بأنه بخير وفقط ربما يكون مشغول بأمر ما لكن دون فائدة.
أخيرًا سمعت صوت رنين هاتفها فهرولت راكضة والتقطته تجيب دون النظر لاسم المتصل حتى فسمعت صوت جليلة وهي توبخها بعنف وتصرخ:
_ ولدي إيه اللي وداه القسم يابت ابراهيم، إيه بلغتي عن جوزك مع عمه!
للحظة شعرت فريال بتوقف قلبها عندما سمعت عبارة "قسم الشرطة" وازدردت ريقها بتوتر ورعب وهي تسأل بصوت مرتجف:
_ جلال وينه؟
صاحت جليلة ببكاء هادر ووعيد حقيقي بغل وحقد:
_ جلال اتمسك في القسم وبيحققوا معاه ومفيش غيرك اللي هيبلغ عن مكان منصور، لو ولدي جراله أي حاجة أو مطلعش منها يابت ابراهيم مش هيكفيني فيكي روحك فاهمة.
تسمرت فريال بأرضها وشعرت وكأن كل شيء من حولها يدور في حلقة دائرية وضاقت أنفاسها حتى أعصابها ارتخت تمامًا فسقط الهاتف من يدها وراحت تضع كفها على فمها لتبكي بصوت مرتفع محاولة كتم صوتها حتى لا يصل لأولادها بالخارج، ولا تلفظ سوى بكلمة واحدة وسط بكائها وارتجافها الشديد:
_ جـــلال.
جلست على الأرض ودفنت رأسها بين راحتي كفيها تبكي بحرقة على زوجها الذي سقط في الوحل وهو بريء بسببها.
***
داخل قسم الشرطة....
بعدما انتهى الضابط من تحقيقه مع جلال الذي أخبره أنه كان على خلاف مع زوجته واراد أن يرتاح قليلًا وذهب بشقته الثانية ليبقى فيها بعض الوقت، لكن الضابط لم يصدقه وأصر على دليل واضح أمامه يثبت له صدق كلامه وأنه بالفعل لا يعرف مكان عمه أو أنه لم يكن في هذا المنزل بالفعل وتم تهريبه.
خرج جلال من غرفة الضابط والعسكري يكبل يديه ليأخذه على الحبس لكنه توقف بالخارج يتحدث مع "علي" وجده الذي هتف له بوعيد:
_ متقلقش كلها كام ساعة وتطلع يا ولدي مش هنسيبك هنا.
هتف "علي" بنبرة حازمة وجادة:
_ المحامي زمانه على وصول وكيف ما قال جدي كام ساعة بالكتير وتطلع، هو الظابط حاطك في دماغه بس لما ملاقيش عليك دليل هيطلعك والبلاغ هيعتبره بلاغ كاذب.
هز جلال رأسه بتفهم وقال في ثبات وبرود تام:
_ عارف يا علي أنا مرتاح في اللي بتقوله ده ويمكن اطلع قبل ما يوصل المحامي كمان، بس انتوا متجيبوش سيرة لحد وبذات فريال.
لوى "علي" فمه بنظرة مريبة وبدأ عليه الضيق البسيط بعد ذكره لفريال ثم انحنى على جلال وهمس له في أذنه بجدية:
_ أنا عارف أنه مش وقته بس تقريبًا فريال هي اللي بلغت لأن كيف ما عرفت أن البلاغ كان من ست............. نهاية الفصل ..........
رواية و بالعشق اهتدي الفصل السابع عشر 17 - بقلم ندى محمود توفيق
منذ أن اكتشف حيلتها وهو يقود السيارة بطريق منزلها دون محادثتها بكلمة واحدة.
وهي محاولاتها مستمرة في الاعتذار ونيل السماح منه، لكنه يجيب على كل محاولاتها بالامبالاة والصمت، وتعبيراته تظهر الغضب الحقيقي الذي يستحوذ عليه.
زمت حور شفتيها بيأس وقالت:
هتفضل متردش عليا لغاية ما نوصل يعني ولا إيه؟!
تجاهل سؤالها والتزم الصمت، فهتفت مغتاظة بضيق حقيقي:
بلال خلاص بقى، قولتلك أنا آسفة مليون مرة، أعمل إيه تاني. وبعدين أنت اللي اضطرتني إني أعمل كدا.
بعد عبارتها الأخيرة، وجدت ملامحه تبدلت. رمقها بنظرة نارية أرعبتها. وباللحظة التالية فورًا كان يقف بالسيارة على جانب الرصيف في قوة جعلتها ترتد للأمام، وانفجر بها صائحًا:
متعلقيش شماعة أخطائك عليا.
ارتجف جسدها فزعًا من صيحته بها، وثواني بالضبط حتى اختفت تعبيرات الدهشة وتبدلت الغيظ وهي تصيح مثله:
أنا ليا يومين بحاول أكلمك وأنت مش بترد عليا، ولو رديت بتقولي أنا في شغل مش فاضي. ومش عارفة حتى أعتذر منك وأصالحك. ملقتش حل عشان اخليكم تجيني ونعرف نتكلم غير ده. وكمان أنت اللي مضايق أني فارق معايا زعلك وعايزة اصالحك وبحاول بكل الطرق.
بلال جازًا على أسنانه وهو يحاول التحكم في انفعالاته:
كل طرقك دي اللي هي تجيبيني على ملى وشي مفزوع وملهوف عليكي بعد ما تقوليلي أن واحد سرقك وخبطك بالموتوسيكل!
التفت بوجهها للجانب الآخر وقالت بصوت مبحوح معتذرة:
أنا آسفة يا بلال. المرة الجاية لو حاولت اصالحك ابقي اضربني بالجزمة عشان أنا أستاهل.
مسح على وجهه مستغفرًا ربه، ثم طال النظر بها بأعين ثاقبة تحمل الثقة التامة في شكوكه وهو يسألها بنظرة حادة:
دي مش دماغك اللي تفكر في الأفكار دي، مين اللي اقترح عليكي الفكرة دي ياحور، ومن غير لف ودوران مفهوم.
عادت بوجهها نحوه ببطء وأخذت تحدق في ملامحه بارتباك وصمت. تخشى أن تخبره أنها فكرة شقيقتها الصغرى فينفجر بها أكثر. بينما هو فكان يتمعنها بنظراته القوية ويحثها على التحدث بسرعة. وبسبابته يشير لها أن تسرع في إفراغ جوفها لها وأخباره بالحقيقة.
تنحنحت حور بخوف بسيط وقالت في صوت يكاد لا يُسمع:
نور.
هتف وهو يميل بإذنه لها ليسمع ما قالته بوضوح أكثر:
مين؟
حور بقلق ملحوظ وصوت واضح قليلًا:
احم، نــور.
هز رأسه مغتاظًا وهو يتمتم:
نور اختك الصغيرة.. اممم ما أنا كنت متوقع أصل الأفكار دي متجيش من واحدة عاقلة ومسؤولة واصل.
لمعت عين حور بلهفة طفولية وهي تقول مبتسمة في حب:
بس تقدر تنكر أن خطتها جابتك على ملى وشك زي ما بتقول ولا لا ونجحت. لولا أني بس مبعرفش أكدب وفاشلة كنت مش هتكتشف حاجة.
رمقها بغضب وقال متوعدًا لشقيقتها الصغيرة:
أنا لما أشوفها اختك المفعوصة دي هعلقها في السقف، وأنتي يارب تسمعي كلامها تاني وتعملي كل حاجة أي حد يقولها عليها كيف العيل الصغير اللي مش عارف الصح من الغلط.
تلت أساريرها وامسكت بكف يده الكبير في نعومة وهي تنظر لعينيه بفرحة وتقول:
يعني خلاص مش زعلان مني، صافي يا لبن؟
طال النظر في عينيها بهيام وهو يحاول الصمود أمامها ويقول بنظرة لعوب:
ماشي صافي يا لبن بس بشرط.
قالت بلهفة وحماس طفولي:
إيه هو الشرط؟
رسم الجدية على ملامحه وقال بحزم:
بس قبل ما أقول الشرط لازم تكوني قد كلمتك يعني تنفذيه وإلا الخصام هيطول قوي، متفقين؟
حور بنفاذ صبر وفضول لمعرفة شرطه:
ماشي متفقين يابلال يلا بقى قول.
طال تتمعنه الخبيث بها وهو يبتسم للحظات قبل أن يهمس وهو يغمز بلؤم:
عاوز البوسة بتاعت يوم كتب الكتاب.
فغرت شفتيها وعينيها بصدمة وفورًا انتشلت يدها من قبضته بقوة ووجنتيها تلونتا بالأحمر القاتم من فرط الخجل وصاحت به:
أنت مش هتبطل سفالة، أنا غلطانة إني عايزة أصلحك، اقولك على حاجة روحني البيت وخلينا متخاصمين.
لعبه برجولية مميزة وقال متلذذًا:
بس أنا عاد طبت في نافوخي وعاوز اتصالح دلوقتي.
أشاحت بوجهها بعيدًا عنه وهتفت في استحياء شديد تتوسله:
بلال بس بقى أبوس إيدك، روحني بدل ما أصرخ وألم عليك الناس.
استمر في ضحكه القوي عليها وقال في النهاية رافعًا راية الاستسلام مؤقتًا:
ماشي هروحك البيت دلوقتي واسيبك تفكري كده على رواق تصالحيني انتي برضاكي ولا أنا أصالح نفسي بنفسي عاد.
التفتت له ورمقته بذهول وعدم استيعاب لما يتفوه به وتلميحاته الوقحة أنه سيفعلها رغمًا عنها إن لم تفعلها هي بكامل رغبتها. وجدته يحدقها بطرف عينه في خبث مبتسمًا وقد بدأ يحرك محرك السيارة لينطلق بها عائدًا لمنزلها.
***
داخل قسم الشرطة.....
توقفت سيارة أجرة أمام القسم وخرجت منها فريال وهرولت للداخل وهي تسرع في خطتها التي كانت أشبه بالركض وعيناها حمراء من فرط البكاء الشديد على زوجها. لم تكترث للمجرمين والضباط من حولها الذين ينظرون لها بتفحص وكان همها الوحيد هو العثور على زوجها، وكانت تتلفت حولها كالمجنونة. حتى رأت حمزة وعلي يتجهون نحوها بخطوات سريعة ويصيح بها حمزة غاضبًا:
بتعملي إيه هنا في القسم؟
فريال بعينان دامعة:
فين جلال؟ أنا عاوزة أشوفه يا عمي، إيه اللي حصل معاه؟
حمزة بعصبية ونظرة خازية:
يعني انتي مش عارفة إيه اللي حصل يابت إبراهيم، هو مش أنتي برضك اللي بلغتِ على جوزك جاية تبكي عليه ليه دلوقتي قصادنا.
اتسعت عيني فريال بصدمة وأشارت على نفسها بسبابتها وهي تبكي بحرقة وتقول:
أنا!!.. أنا أبلغ على جوزي كيف، ده أنا عملت كده عشانه هو.
ابتسم حمزة بسخرية وقال بعدم تصديق:
آه بلغتي عنه هو ومنصور عشان خاطره صح!
صاحت فريال بغضب ونظرة حادة وقد أظهرت عن أنيابها الشرسة:
لا أنا مبلغتش عن جوزي، أنا بلغت على منصور اللي أذنب ولازم يتحاكم ومكنتش هفضل حاطة رجل على رجل مستنية لحد ما الحكومة تعرف مكانه وجوزي يتمسك معاه، عشان كده بلغت عنه.
حمزة بنظرة نارية وهو يحاول حجب روحه الثائرة عنها:
ودلوقتي جوزك مراحش في الرجلين بسببك يعني واتمسك أهو.
تدخل "علي" أخيرًا وربت على كتف جده بلطف ليهدأ من روعه متمتمًا:
خلاص يا جدي اهدى مش وقته الكلام ده دلوقتي، إحنا في القسم، وأنتي يافريال تعالي معايا يلا.
ظلت فريال ثابتة بأرضها ترفض الحركة، فتابع "علي" بلهجة رجولية آمرة ونظرة مخيفة:
فريال بقولك اتحركي يلا، هتفضلي قاعدة هنا في القسم ولا إيه وسط الحشاشين والـ**** دول.
فمها بحنق وتحركت مع "علي" مجبرة وهي تمسح دموعها بظهر يدها حتى وصلوا لخارج القسم وقال له بصرامة:
هوقفلك تاكسي وترجعي بيتك لعيالك ومتجيش هنا تاني.
قالت بعناد ووجه غارق بالدموع:
لا أنا مش هتحرك من هنا غير لما أطمن على جلال.
مسح "علي" على وجهه متأففًا بنفاذ صبر وقال بغضب بسيط:
فريال اسمعي الكلام الله يهديكي، جلال كويس اطمني كلها كام ساعة ويطلع ولو طول بالكتير هياخد الليلة بستة.
تقدمت خطوة من "علي" ونظرت في عينه بتوسل وهي تهتف بألم:
أبوس إيدك يا علي قولي الحقيقة متكدبش عليا.
علي بحدة:
هي دي الحقيقة يافريال، أنا هكدب عليكي ليه، يلا بس اتحركي يابت الناس مينفعش وقفتك هنا بالمنظر ده.
فريال باهتمام وقلق:
هو ازاي اتمسك عليه؟
علي بغضب:
الحكومة راحت على المكان اللي بلغتي عنه طبعًا وأبويا مكنش هناك واللي كان قاعد جلال واتمسك.
وضعت كفها على فمها تكتم صوتها بكائها القوي، بينما "علي" فأوقف سيارة أجرة بإشارة من يده والتفت لفريال يحثها على الركوب بعدما فتح لها باب المقعد الخلفي. فتحركت مغلوبة على أمرها واستقلت بالمقعد لكن قبل أن يغلق الباب قالت برجاء:
اتصل بيا وطمني يا "علي" أبوس إيدك.
لم يجيبها وتجاهل عبارتها ثم أغلق الباب وأشار للسائق بأن يتحرك.
***
داخل منزل مروان،
عادت خلود من المطبخ وهي تحمل فوق يديها أكواب العصير الطازج وقدمته لكل من مروان وريهام. ثم جلست على أقرب مقعد بجوارهم وراحت تصغي لحديثهم باهتمام حتى وجدت ريهام تسألها بجدية:
أنتي حابة تبلغي جوزك يا خلود أنك هترفعي عليه قضية خلع ولا لأ؟
علت علامات الاستفهام على وجه خلود ثم سألتها بعدم فهم:
هو أنا ينفع أرفعها من غير ما أقوله أصلًا؟
تنهدت ريهام بقوة وقالت في حزم:
ينفع وفي حالتك دي الأفضل أنك متبلغيهوش دلوقتي لأن ممكن يعمل أي حاجة ويقلب الطرابيزة علينا أو حتى يأذيكي. بعد ما نكسب القضية وقتها بلغيه بحيث أنه وقتها هتكوني اتطلقتي منه ولو حاول أن يستخدم معاكي أي عنف أو يأذيكي وقتها فورًا هنرفع محضر تعدي وهيتحبس.
كانت عين خلود متسعة وهي تستمع لريهام وعلامات الاندهاش تظهر بوضوح على وجهها. ثم التفتت تجاه مروان ورمقته بعين لامعة بالفرحة والطمأنينة وهزت رأسها بالموافقة وقالت:
تمام أنا موافقة المهم أخلص منه ومشوفش خلقته دي تاني واصل.
ضحكت ريهام بلطف وهتفت متوعدة:
هتخلصي منه متقلقيش، وكمان أنتي معاكي مروان أهو يعني مش هيقدر يقرب منك ولا يأذيكي إطلاقًا.
تفوهت بكلماتها الأخيرة وهي ترمق مروان بنظرة ماكرة تلقي بتلميحاتها الذي يفهمها جيدًا، فحدقها بغيظ متوعدًا لها بينما خلود فأطرقت رأسها أرضًا خجلًا دون أن تقوى على رفع نظرها بنظر مروان.
هبت ريهام واقفة وهي تضحك بعدما أدركت الوضع المحرج الذي وضعتهم به وقالت مبتسمة:
أنا همشي عشان معايا شغل ولو احتجتي أي حاجة اتصلي بيا، رقمي معاكي طبعًا وبالذات لو البشمهندس ضايقك قوليلي بس واحنا نرفع عليه قضية علطول.
مروان بنظرة ملتهبة ومتوعدة لها:
يلا ياريهام عشان متتأخريش على شغلك يلا.
انفجرت ضاحكة بقوة بعدما تأكدت من أنها نجحت في إشعال فتيل غيظه، بينما خلود فودعتها بلطف ورقة ومراقبتها وهي تتجه أولًا إلى باب المنزل وكان مروان خلفها وأثناء مروره من جانبها انحنى على خلود وهتف بحزم:
لسه حسابنا مخلصش، لما أرجع هتبقى نتكلم على موضوع خروجك وانك مش حابة تتابعني وتشتري الحاجة بنفسك وانتي عارفة أكتر مني أن الـ**** ده ممكن يشوفك في أي مكان.
ابتسمت بحياء وعينان لامعة بوميض مختلف ثم قالت له في نعومة متجاهلة كل كلماته الحادة:
شكرًا يامروان.
ارتخت عضلات وجهه لا إراديًا وحدقها بنظرة دافئة ثم همس بصوت رجولي يذهب العقل:
مبقاش في شكر بينا خلاص بقى يا خلود.
أجفلت نظرها أرضًا خجلًا واكتفت بالصمت فرمقها بأعين تحمل معاني مميزة ثم تحرك وأكمل طريقه ليلحق بصديقته.
***
داخل منزل إبراهيم الصاوي.....
خرجت آسيا من الحمام بعدما انتهت من حمامها الدافئ واتجهت نحو هاتفها الذي لا يتوقف عن الرنين منذ عشر دقائق. التقطته من فوق الفراش وأجابت على أمها هاتفة:
أيوة يا ماما عاملة إيه؟
هتفت جليلة باكية وهي تصيح بصوت أشبه بالعويل:
شفتي اللي جرى لأخوكي يا آسيا، أخوكي اتمسك الحكومة مسكته وفي القسم دلوقتي والله أعلم هيطلع ولا لا منها.
ضربت آسيا على صدرها مندهشة وصاحت بزعر وعدم استيعاب:
إيه اللي بتقوليه ده يا ماما، اتمسك كيف وليه؟!!
هتفت جليلة بغل وحقد وهي تبكي وتشهق بقوة:
مراته الحرباية اللي انتي كنتي بتحوشيني عنها، بلغت عن عمك وعن أخوكي.
آسيا هزت رأسها بالرفض وقالت بعدم تصديق:
لا يا ماما فريال متعملش كده.
صاحت جليلة مستاءة من دفاع ابنتها عنها:
أنت بقولك عملت وهي بنفسها قالت لجَدك وواد عمك كده.
مسحت آسيا على وجهها وهي تتأفف بقوة وقلق على أخيها ثم قالت لأمها بجدية:
طيب اقفلي يا ماما دلوقتي وهبقى أتصل بيكي تاني.
أنهت الاتصال مع أمها وشرعت فورًا في ارتداء ملابسها واستغلت فرصة خروج عمران، فهي لا تريد إخباره بأن شقيقته عرفت مكان منصور وإلا لن تكون النتائج مرضية. دقائق معدودة وانتهت من ارتداء ملابسها وخرجت من الغرفة وهي تتلفت حولها حتى لا تقع فريسة أمام أعين إخلاص التي حتماً ستفشي بها لزوجها. سارت بحرص شديد دون أن يلاحظها أحد حتى غادرت المنزل بسلام واستقلت بسيارة أجرة لتأخذها إلى منزل أخيها.
نصف ساعة بالضبط وتوقفت السيارة أمام البناية، نزلت آسيا من السيارة بعدما دفعت الأجرة للسائق، وقادت خطواتها لداخل البناية واستقلت بالمصعد الكهربائي وبعد لحظات توقف بها أمام الطابق المطلوب، خرجت وتحركت حتى أصبحت أمام باب المنزل وطرقت عدة طرقات متتالية.
فتحت فريال الباب متلهفة ظنًا منها أن زوجها عاد لكن خاب أملها عندما رأت آسيا أمامها ولا إراديًا أدمعت عيناها وسالت دموعها وهي تهتف لها باكية:
أنا بلغت على عمك والله عشان خايفة على جلال يا آسيا متوقعتش أن ده يحصل.
دخلت آسيا من باب المنزل واغلقته ثم هتفت لها بغضب:
وأنتي عرفتي مكان عمي كيف يافريال أصلًا.
هتفت فريال وهي تبكي بحرقة وصوت متقطع:
راقبت جلال وعرفت المكان.
تحركت آسيا للداخل وجلست فوق الأريكة وهي تتأفف بقلة حيلة وتتمتم:
وادي جوزك هو اللي وقع في الرجلين، حاجة كيف كده بتتصرفي فيها من نفسك ليه يافريال.
جلست فريال على المقعد المقابل لها وانخرطا في نوبة بكاء قوية وهي تهتف:
معرفش أن ده هيحصل يا آسيا، أنا كنت خايفة على جلال وبلغت على عمك عشانه هو مش عشان تار أبويا، أنا كل اللي كان فارق معايا جوزي أنه ميتخدش في الرجلين مع عمه وهو ملوش ذنب.
مسحت آسيا على وجهها وتنهدت مغلوبة ثم اقتربت من فريال ورتبت على كتفها بحنو متمتمة:
طيب خلاص اهدى وجلال هيطلع منها إن شاء الله أكيد متقلقيش.
نظرت فريال لوجه آسيا وتطلعتها بعينان عاجزة وهمست:
تفتكري جلال لما يطلع ويعرف أني اللي بلغت هيسامحني؟!!
مسحت آسيا على كتفها وظهرها بلطف وهتفت بجدية:
متفكريش دلوقتي في الكلام ده، يطلع هو الأول وبعد كده كل المشاكل تتحل بإذن الله، وأنتي اتعلمتي الدرس زين إنك متتصرفيش من دماغك تاني.
رتمت فريال بين ذراعي آسيا وانفجرت في البكاء بحرقة فأخذت آسيا تربت على ظهرها بدفء لتهدأها ولكنها كانت في حالة مزرية.
***
في تمام الساعة الثامنة مساءًا.......
وصل علي للمنزل أخيرًا بعد انتهاء ذلك اليوم الشاق والصعب وكان بطريقه لداخل المنزل لكنه توقف واصطدم بغزل قبل أن يتخطى عتبة الباب. اخفض نظره لملابسها واستشاط غضبًا.. كانت ترتدي تنورة قصيرة تظهر ساقيها كلها تقريبًا وبالأعلى بلوزة بحمالات رفيعة وتنحدر للأسفل بفتحة مثلثية عند الصدر تكاد تظهر داخلها وتترك العنان لشعرها يتطاير فوق كتفيها وظهرها بحرية ويقدمها ترتدي حذاء ذو كعب عالي.
كانت تقف أمامه بكل ثبات وتنظر في عينيه بتحدي مما أثار جنونه أكثر وجعله يسألها منفعلًا:
إيه اللي لبساه ده وإيه اللي مطلعك برا كده.
قالت غزل بكل برود متعمدة إشعال نيران غيظه أكثر:
هو أنت متعرفش ولا إيه I think أن أنت كنت موجود الصبح لما قولت لجدو أني عايزة أروح أستقبل my friend من المطار وهو accepted.
رسم على ابتسامة صفراء على ثغره محاولًا التحكم بانفعالاته فهو قضى يوم طويل ومليء بالأحداث الموترة الأعصاب ولا يريد الآن أن يكون نصيب من ذلك اليوم العصيب:
آه بس أنا مأكسبتش ياغندورة!
لم تفهم كلمته التي بالمنتصف وهتفت بعدم فهم:
what؟!!
علي بلهجة آمرة ونظرة مرعبة:
يعني ادخلي جوه ورجلك دي متعتبش برا عتبة البيت فاهمة ولا لأ.
غزل بغيظ من تحكماته بها والأوامر التي يلقيها عليها باستمرار:
No مش هدخل يا علي وأنت مش هتتحكم فيا وهروح المطار.
أنهت عباراتها وتحركت خطوة بالضبط بعدما دفعته من أمامها تنوي عدم الانصياع لأوامره والذهاب عنادًا به، فوجدته يقبض على ذراعها بقسوة غريبة وينظر لها محذرًا إياها:
غزل متخلنيش أستخدم معاكي أسلوب مش هيعجبك يابت الناس، ادخلي وغيري الخلجات اللي كيف قلتها دي قبل ما حد يلمحك، عشان لو حد لمحك بيها هتشوفي مني النجوم في عز الظهر.
صاحت به منفعلة بعناد شديد وعدم اكتراث لتحذيراته:
قلتلك مش هدخل وأنا مش خايفة منك.
ودت الفرار من قبضته وتنفيذ رغبتها رغمًا عنه، فمال بوجهه للجانب بعدما مصمص شفتيه بنفاذ صبر وقد طفح كيله منها ولم يتبقى سوى حل واحد مع تلك المتمردة، بحركة احترافية منه لفها فأصبح ظهرها مقابل لظهره ولف ذراعيها خلف ظهرها وأمسك بهم بإحكام وباليد الأخرى كتم بها على فمها وهتف له بصرامة:
اتحركي يلا على جوه قصادي.
تمنعت وحاولت التحدث لكن صوتها لا يخرج بسبب يده، ظل تتلوى بين ذراعيه رافضة التحرك فارغمها هو على الحركة وسارت معه مجبرة وهي تتلوى في سيرها تحاول الإفلات من قبضته.
أطلق علي تأوهًا بألم عندما شعر بأسنانها الحادة تغرز في باطن كفه ولا إراديًا رفع يده عن فمها متأوهًا بينما هو فاستغلت الفرصة وهرولت راكضة باتجاه الباب لتهرب منه، لكنه ركض خلفه ولحق بها وبظرف لحظة كانت فوق كتفه وتلكمه في ظهره بغضب صائحة به:
نزلني يابربري ياهمجي، هصوت وألم عليك البيت كله.
لم يكترث لها لعمله بأن لا يوجد بالمنزل أحد سوى أمه فالجميع خرج ليطمئن على جلال ومازالوا بالخارج. قاد خطواته الأعلى يصعد الدرج بها بكل برود وهي تصرخ بعصبية:
"علي" نزلني أنت مجنون إيه اللي بتعمله ده!
قال متوعدًا لها بحنق:
أنتي لسه مشوفتيش الجنان اللي على حق مني.
أدركت أن لا جدوى من المحاولة معه فلا يوجد أحد لينقذها من بين براثن ذلك البربري فحتى والدته نائمة بغرفتها ولن تسمعها أبدًا، ارتخت عضلاتها واستسلمت له وهي تشتمه باللغة الإنجليزية في كلمات وصلت لأذنه وفهمها جيدًا فقال لها برجولة:
لمي لسانك بدل ما اقصهولك.
تأففت بصوت عالي منزعجة وانزلها أخيرًا داخل غرفتها ورفع سبابته في وجهها يحذرها بحدة:
غيري اللي لبساه ده وياويلك وسواد ليلك ياغزل لو شفتك لابسة كيف الخلجات دي تاني وطالعة بيهم قصاد حد.
تقدمت خطوة إليه ووقفت أمامه مباشرة لعيناه بخبث:
ليه هو أنت بتغير عليا!!!!
ارتبك بالقوانين الأولى واختار بماذا يجيبها لكنه قال بثبات مزيف:
أنا نبهتك وعملت اللي عليا.
أنهى كلماتها واستدار ينوي الرحيل بينما هي فعقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت بلؤم:
طالما مش بتغير عليا يبقى براحتي بقى وعود نفسك أنك هتشوفني باللبس المخلع ده كتير.
ضغطت على كلمة " مخلع " بشدة لتذكره به فالتفت هو لها ثانية ورميها بنارية وعاد يندفع نحوها ثائرًا مجددًا فترتدت هي للخلف خوفًا منه ووجدته يهتف بوعيد حقيقي:
طب ابقي البسيه كده واعمليها وخليني أشوف هتقدري تعمليها كيف قصادي.
ابتسمت بمكر وعينان تلمع بوميض التحدي والاستمتاع ثم قالت له في برود مستفز:
ممكن تطلع عشان أغير خلجاتي المخلعة أحسن أطلع بيا تاني قدام الناس ويشوفوني يا.... بتقولوه إيه عندكم.. آه.. يا أبو علي.
جز على أسنانه مغتاظًا منها لكنه هذه المرة لم يعقب واكتفى بالصمت ونظرات الوعيد والتحذير لها، ثم استدار وغادر الغرفة وتركها تقف مكانها كما هي تعقد ذراعيها أسفل صدرها وتبتسم بلؤم.
***
داخل المستشفى....
كان بشار يجلس فوق المقاعد الحديدية وعلى وجهه علامات الراحة بعدما أخبره الطبيب أن " مريم " أصبحت حالتها الصحية مستقرة وسيتم نقلها لغرفة خاصة بناءًا على رغبة بشار وستظل تحت المراقبة الطبية والمتابعة إلى حين استيقاظها من غيبوبتها، وبث الطمأنينة في صدره موضحًا له أنها ربما تفوق خلال أيام قليلة ولن تستمر الغيبوبة لفترة طويلة.
استقام واقفًا بعد وقت طويل من التفكير والشرود عندما أخبرته الممرضة أنه تم نقلها للغرفة الخاصة ويستطيع رؤيتها إذا أراد، فأسرع متلهفًا وكان على وشك دخول الغرفة لكن أوقفه وصول والدها وشقيقها وهم متلهفون ويسأله والدها بقلق:
إيه يابشار طلعت من العناية؟
هز بشار رأسه بالإيجاب وهتف:
آه نقلوها وهي كويسة الدكتور طمني متقلقش، ادخل يا عمي شوفها واطمن عليها.
نظر شقيقها لوالده وقال بلهجة جادة:
ادخلها أنت يا بابا وأنا هروح أتكلم مع الدكتور واسأله عن كام حاجة وبعدين هاجيلك.
أماء له أبيه بالموافقة واستدار ليتجه نحو الغرفة ويدخل وأشار لبشار بأن يدخل معه ويطمئن عليها. جلس والدها على مقعد جانب فراشها وأمسك كفها الناعم وراح يتمعن في ملامحها وهي نائمة وحولها الأجهزة وعيناه امتلأت بالدموع رغمًا عنه، بينما بشار فبقى واقفًا يتأملها في حزن وحسرة، فالندم مازال يأكله من الداخل ويلوم نفسه أنه كان سببًا فيما أصابها. قذف بعقله مشهدًا لطيفًا لهم معًا وسرح يتذكره بكل تفاصيله.
كانوا بمكان مفتوح وتحاوطهم المياه من الأربع جهات، وكانت هي بانتظاره تحدق في المياه بفراغ تنتظر انتهائه من مكالمته الهاتفية، حيث كان يقف على مسافة بعيدة نسبيًا عن طاولتهم ويتحدث في الهاتف وهي تنقل نظرها بينه وبين المياه كل لحظة والأخرى لكنها كانت تتأمله وعلى ثغرها ابتسامة مغرمة وهائمة، وما هي إلا دقائق معدودة وانتهى أخيرًا من مكالمته وعندما التفت له ورآه يتمعنه بنظرة ذائبة ابتسم لا إراديًا وتقدم نحوها ثم جلس على مقعده أمامها هامسًا بمداعبة:
كده أنا هتغار في نفسي.
أشاحت بوجهها عنه وهي تبتسم بخجل بسيط دون أن تجيبه ثم همست بعد ثواني:
يمكن أول مرة أقولك الكلام ده يابشار بس أنا حقيقي لما بشوفك أو بسمع صوتك برتاح وبنبسط أوي.
طالت نظرته الدافئة لها رغم أنها لم تكن مفعمة بالمشاعر كخاصتها لكنها كانت كلها ود وحنو وتمتم له بصوت رجولي هاديء:
ربنا يقدرني وأبسطك دايمًا ياست البنات.
لاحت ابتسامة أنثوية ناعمة على ثغرها وهي تردد برقة تليق بها:
وربنا يديمك ليا وميحرمنيش منك.
دام صمتهم لدقائق وهي يتمعنها بلطف وهي تحاول تفادي نظراته استحياء منه، لكن قررت الخروج من فقاعة الصمت والكشف عن مفاجأتها له فقالت له بحماس طفولي جميل:
هو أنت نسيت ولا إيه أن النهاردة عيد ميلادك؟
اتسعت عينيه وقال بعد تفكير بسيط وقد شكر أن يوم يوم مولده بالفعل:
أنا نسيت فعلًا، انتي عارفة أنا مش بفتكر الحاجات دي ولا يهتم بيها.
رفعت مريم حاجبيها وابتسمت له هاتفة بدهشة:
يعني قصدك أن يوم عيد ميلادي مش هتهتم بيا؟
قهقه بخفة عليها ورد عليه مغازلًا:
لا ياست البنات هو أنا أقدر، انتي غير بردوا.
مال ثغرها للجانب بابتسامة دافئة وعاشقة ثم أخرجت من حقيبتها علبة صغيرة مستطيلة وملونة ومدتها له وهي تهمس بحب:
كل سنة وأنت طيب ومعايا.
اتسعت عيني بشار مندهشًا وظهرت بسمته العريضة ثم مد يده وجذب العلبة من يدها ليفتحها ويجد ساعة رجالية فاخرة وجميلة فلمعت عينه بفرحة وامتنان واضح ولم يلبث للحظة حتى سمعها تسأله باهتمام وحماس:
إيه رأيك؟
تمتم بشار بحب ونظرة دافئة:
طالما أنتي اللي جايباها تبقى حلوة زيك ياغالية.
قالت بسعادة:
طيب يلا البسهالك بقى.
أعطاها له ومد رسغه لها لتلبسه الساعة بيدها وهو يراقبها بعينان تفيضان ودًا.
فاق من شروده وعاد لواقعه وهو ينظر ليده والساعة التي يرتديها وابتسم بنظرة مريرة وراح ينقل نظره بينها وبين الساعة، وكأنها أهدته إياها ليحسب الساعات والأيام لحين عودتها له.
***
عادت آسيا للمنزل ودخلت وهي تتمنى أن لا تقابل أحد لكنها اصطدمت بإخلاص أمامها وهي تبتسم لها بشيطانية وهتف:
حمدلله على السلامة يامرت الغالي.
رمقتها آسيا مطولًا بحنق وحدة ولم تجيبها ثم تحركت باتجاه الدرج تصعد ببطء وهي تلتفت خلفها كل لحظة والأخرى إلى إخلاص فترى نفس نظرة الشماتة في عينيها، ضيقت عيناها باستغراب ولكنها تجاهلت الأمر وكانت في قرارة نفسها تقول " لا يهم أي شيء طالما عمران ليس بالمنزل ".
وصلت لغرفتها وفتحت الباب بكل راحة وطمأنينة لكنها تسمرت بأرضها عندما سقط نظرها على عمران الجالس فوق الفراش ينتظرها وهو ينظر باتجاه الباب.. عليها تحديدًا بعين قذفت الرعب في أوصالها.
***
على الجهة الأخرى كان جلال في طريق عودته للمنزل بعدما أثبتت براءته، وعقله مازال لا يصدق حقيقة أن زوجته هي التي قدمت بلاغ عنه للشرطة، ويستمر في طرح الأسئلة أهمها كيف عرفت بمكان عمه ولماذا فعلت؟!.
توقف بجوار المحل الكبير الذي بالقرب من منزله ونزل ثم اتجه نحوه وهو ينوي التأكد من شكوكه لينتهي أسئلته ويتأكد بنفسه. رحب به صاحب المحل بحفاوة وهو يهتف:
أهلًا وسهلًا يا معلم جلال المحل نور والله.
ابتسم له جلال بصفاء وهتف:
بنورك يا عم حامد.
ثم راح يلتفت حوله يتفحص محتويات المحل وبضاعته ثم قال بأعين مترقبة لسماع الإجابة:
اديني يا عم حامد من نوع المكرونة اللي أخدت منها أم معاذ امبارح.
ضيق الرجل عينيه باستغراب وقال بحيرة:
بس أم معاذ مجتش اشترت حاجة من عندي من حوالي أسبوع. آخر مرة جات لما كنتوا لسه ناقلين جديد.
لم تظهر معالم الدهشة على تعبيرات جلال فتلك الإجابة كان يتوقع سماعها، والآن تأكد من شكوكه كلها ووجدت الإجابة على كل أسئلته.
ابتسم للرجل وقال له بهدوء:
يمكن أنا سمعت غلطت منها عاد، اديني تلات كياس طيب.
_ أجيبلك نوع إيه؟
أجابه جلال بعدم اهتمام:
أي حاجة.
أعطاه طلبه وحاسبه جلال ثم غادر المحل واستقل بسيارته لينطلق بها حتى وصل أمام بنايته ونزل ثم دخل واستقل بالمصعد الكهربائي. وقف أمام طابقه وخرج ثم اقترب من باب منزل وأخرج المفتاح من جيبه ليفتح الباب وتعبيرات وجهه لا تبشر بالخير أبدًا فعيناه كانت حمراء كالدم من فرط الغضب ويقسم بالعقاب العسير لزوجته على أفعالها.
فور دخوله سمع صوت فريال التي هرولت من الداخل راكضة عندما سمعت صوت الباب ينفتح وتأكدت أن زوجها عاد:
جلال أنت رجعت...........
رواية و بالعشق اهتدي الفصل الثامن عشر 18 - بقلم ندى محمود توفيق
وصلت لغرفتها وفتحت الباب بكل راحة وطمأنينة، لكنها تسمرت بأرضها عندما سقط نظرها على عمران الجالس فوق الفراش ينتظرها، وهو ينظر باتجاه الباب، عليها تحديدًا بعين قذفت الرعب في أوصالها.
ابتلعت ريقها بتوتر وعيناها المضطربة استقرت عليه، وهي تفكر بحجة أو كذبة جيدة يمكنه تصديقها.
قررت بدء الحديث بسؤال عشوائي، ولكن ليتها لم تسأل.
"أنت جيت ميت؟"
فرك أصابعه ببعضهم واستقام واقفًا وقال وهو يتقدم نحوها بخطوات متريثة:
"آه طبعًا أنتي كان في نيتك تطلعي وترجعي بسرعة قبل ما أنا أرجع البيت عشان تغطسيني زين ومعرفش حاجة وابقى كيف راجل السرير اللي كنت قاعد عليه."
هزت رأسها له بالنفي في خوف حقيقي من نظراته وتقدمه البطيء نحوها وكأنه أسد يستعد للانقضاض على فريسته. فقدت القدرة على النطق وهربت الكلمات كلها من عقلها، ولم تعد تجد ما تقوله وتبرر موقفها أمامه، فالتزمت الصمت.
بينما هو وقف مباشرة أمام جسدها وعينيه الثاقبة يصوبها نحو خاصتها، وراح يصرخ بها بصوت جهوري نفضها:
"إحنا لسه مكملناش كام ساعة على موضوع طلوعك من غير إذني ده، ويدوب أنا طلعت من البيت بس وأنتي طلعتي تاني من ورايا، لا وكمان طلعتي كيف الحرامية بتتسحبي ومحدش شافك ولا لمحك واصل في البيت."
تحدثت أخيرًا بصدق وهي تحاول إنقاذ نفسها من ذلك المأزق:
"أنا روحت لفريال يا عمران والله."
ابتسم متهكمًا وبدا وكأنه لم يصدقها، حيث هتف بانفعال أشد:
"لما أنتي روحتي لفريال مقولتيش ليه وكنتي طالعة بتتسحبي من البيت؟"
ازدادت ريقها بارتباك ملحوظ، فقد حاصرها بسؤال لن تستطيع الإجابة عليه، وإلا ستكشف أمر عمها ودخول شقيقها السجن وبلاغ فريال عن منصور. بينما عمران، فصمتها أثار جنونه أكثر وزاد الشك داخله. فراح يصرخ بها بصوت مرعب:
"ما تنتطقي ولا القط أكل لسانك، كنتي فين يا آسيا وإياكي تفكري تكذبي عليا تاني."
قالت بصوت مهزوز وعينان متعجبة من شك به وعدم تصديقه لها:
"أنا مكذبتش عليك يا عمران، أنا كنت عند فريال فعلًا، حتى اتصل وأسألها لو مش مصدقني."
طالت نظرته المريبة لها ثم قال بنبرة قاسية:
"أنا هصدقك يا آسيا ومش هتصل بحد، أو هعمل روحي مصدقك، بس خلي في علمك دي المرة التانية يعني التالتة مفيهاش رجعة."
اتسعت عيني آسيا ورفعت حاجبها باستغراب لتسأله بقوة:
"قصدك إيه يعني؟!"
عمران بحدة وجفاء:
"أنتي فاهمة قصدي زين، أنا لو مش عاوز المواضيع تكبر فده عشان ولدي اللي في بطنك."
ابتسمت آسيا بسخرية ثم تقدمت نحوه خطوة لتقترب منه أكثر وهتفت بعصبية:
"عشان ولدك بس يعني، لا وجاي على روحك كده ليه يا معلم خليها تكبر وتخلص خالص."
استشاط غيظًا من انفعالها عليه ونبرتها المرتفعة، فهتف منذرًا إياها بلهجة آمرة:
"وطي حسك، صوتك ميعلاش عليا فاهمة ولا لا."
آسيا باستهزاء ونظرة نارية كلها شر وغل:
"إيه رأيك تطلقني مدام معدتش بتثقي وبتشك فيا وتخلي الست إخلاص تجوزك مني اللي كانت بتلف وتدور كيف الحية حواليك وهتموت عليك، أصلها هي الوحيدة اللي معندهاش كرامة وهتستحمل أنك متثقش فيها، وتستحمل راجل ميقفش في ظهرها ولا يجيب لها حقها ولا ينصفها، لا وكمان فوق ده كله بيسمع لأمه اللي بتبخ سمها في ودنه."
هاج وثار ودون وعي قبض على ذراعها بقوة يصيح بها بصوت أرعبها:
"لمي لسانك ده بدل ما أقصهولك وأكتم حسك على الآخر."
ثارت هي الأخرى وكانت على وشك أن تنفجر به صارخة، لكن صوت رنين هاتفها خلق شحنة من الفضول لديه وجعلها تصمت وتخرج الهاتف لتنظر لشاشته وتقرأ اسم المتصل "علي". فترفع رأسها لعمران وتنظر لتعبيرات وجهه التي تحولت وأصبحت أشبه بجهنم الحمراء، وهتف يسألها بهدوء ما قبل العاصفة:
"بيتصل بيكي ليه 'علي'؟"
مالت بوجهها للجانب وهي تتأفف وتزفر، تستغفر ربها بنفاذ صبر، ثم عادت له بنظرها وقالت في برود محاولة الإجابة برد يخفف من حدة الشجار بينهم لأنها انزعجت بشدة:
"معرفش، ممكن يكون بيتصل يسأل عادي."
صرخ بصوت جهوري جعل جسدها ينتفض فزعًا:
"ميتصلش وأنتي مترديش، قال بيسأل؟!"
صرت آسيا على أسنانها بغيظ، ووسط محاولاتها القوية للحفاظ على ثباتها وهدوئها المزيف، إلا أنها كانت تشتعل من الداخل ولم تتمكن من منع نفسها لقول آخر كلماتها التي كانت بمثابة النقطة الفاصلة في علاقتهم:
"عمران أنا معرفش أمك ملت راسك وودانك بإيه، بس صدقني لو الوضع ده استمر على كده كتير وأنت متغيرتش هتخسرني. أنا سكت على كل حاجة بس مش هسكت على شكك فيا، فاهمني ولا لا. حط عقلك في راسك لو مش عاوز تنهي اللي بينا، وخليك فاكر زين مين آسيا بنت خليل صفوان، ومتقولش إني مش هقدر أهملك ولا أبعد عنك عشان بحبك. سبق وعملت اللي محدش كان يتخيل إني أقدر أعمله، وحاجة كيف كده مش صعبة عليا أعملها طالما حسيت إني في مكان محدش فيه بيحترمني ويقدرني ومع راجل ميعرفش قيمتي. أظن أنت فاهم قصدي كويس قوي!"
رفع عمران حاجبه وقال بنظرة رجولية كلها وقار وشموخ دون أن يعي لما يتفوه به وأنه قد يصنع شرخ بعلاقتهم لن يصلحه أي شيء ويكون نقطة النهاية:
"انتي بتهدديني يعني وبتلوي دراعي أني لو مغيرتش من نفسي هتهمليني. انتي لو كنتي تقدري تسبيني كنتي عملتيها من زمان بس متقدريش عشان عارفة أنك ملكيش غيري ومفيش حد هيفضل جارك ولا في ضهرك ويحميكي غيري، ولا حتى ناسك اللي رموكي ليا ومسألوش عليكي وأنا اللي حميتك منهم وسترتك وسترتك وخليتك هنا فوق الكل ومحدش بيقدر يقول كلمة عنك ولا يقلل منك. انتي لو عارفة أن ليكي ضهر هيحميكي أحسن مني كنتي عملتيها من أول ما اتجوزنا. أنا مش من الرجالة اللي بيضعفوا وينخوا تحت رجلين حريمهم عشان بيحبوهم ولا بيتلوى دراعهم يا بت خليل، وسبق وقولتلك أنا لو بشك فيكي مكنتش خليتك على ذمتي يوم واحد، وقرار أنك تهمليني ولا لا ده مش بمزاجك.. أنا اللي أقرره ويا سمحتلك بده ولا لأ."
كانت تستمع لما يتفوه به ويخرج من فمه وهي لا تستوعب أنه هو الذي يتحدث. كانت في حالة ذهول وصدمة حتى أن عيناها امتلأت بعبرات الخزي والحسرة. لكنها لملمت شتات قلبها المبعثر وردت بصوت مبحوح وابتسامة مريرة وباهتة لكن بعينان كلها وعيد:
"عندك حق يا معلم عمران، أنا مقدرش أهملك عشان مليش غيرك ضهر وسند يا راجلـي، وشكرًا أنك فكرتني أني مليش حد أتسند عليه غيرك وأني لو أهملتك ناسي هيرموني في الشارع كيف ما عملوا قبل سابق وأنت اللي سترتني وداريت على فضيحتي وكان ليك الفضل عليا يا تاج راسي."
توقفت على الكلام واكتفت بهذا القدر عندما شعرت بأنها ستنهار باكية أمامه وتفقد صمودها، وهذا آخر شيء يمكنها السماح به بالأخص بعد كلامه المسمم. تركته وعبرت من جانبه بقوة حتى أنها اصطدمت بكتفه بقوة وهي تعبر لتبعده عن طريقها واتجهت للحمام وأغلقت الباب عليها لتنهار باكية بحرقة. ورغم كل هذا كانت تكتم صوت بكائها حتى لا يصل لأذنيه وتظهر أمامه ضعيفة وهشة. بينما هو وقف يحدق على أثرها تجاه الحمام وعقله مشتت لا يمكنه التفكير بشكل سليم، لكن غضبه ازداد ضعفًا واندفع لخارج الغرفة ثائرًا.
***
فور دخوله سمع صوت فريال التي هرولت من الداخل راكضة عندما سمعت صوت الباب ينفتح وتأكدت أن زوجها عاد:
"جلال أنت رجعت؟"
وجدها تقف على مسافة بعيدة منه بعدما وصلت وهي تحدقه بعينان مشتاقة وممتلئة بالدموع. ثم أسرعت نحوه وألقت بجسدها عليه تعانقه بحميمية وحرارة وهي تردد بصوت يغلبه البكاء:
"الحمد لله أنك بخير، أنا كانت هتجرالي حاجة من الخوف عليك والقلق."
كان ساكنًا وجامدًا كالصنم لا يتحرك، ولم يلف ذراعيه حولها حتى. فابتعدت هي عنه ببطء بعدما اختفت ابتسامة، ورمقته باضطراب بسيط وهي تسأله بتعجب:
"مالك يا جلال؟"
خرج صوته غليظ يسألها:
"العيال فين؟"
بدأ التوتر يتمكن منها أكثر وأصبحت شبه متأكدة أنه اكتشف أنها هي من قدمت البلاغ للشرطة. أجابته بخفوت:
"نايمين ليه؟!"
لم يجيب عليها وقبض على ذراعها فجأة ثم جذبها معه عنوة باتجاه أقرب غرفة من باب المنزل بحيث يكونوا بعاد عن أذن أولادهم وأغلق الباب خلفهم. ثم التفت لها ونظر في عينيها المرتعدة بغضب مرعب ليقول مبتسمًا بتهكم:
"بلغتي عني يا فريال عشان حق أبوكي؟!"
هزت رأسها بالنفي مسرعة وقالت بصدق تحاول تبرير موقفها له:
"لا لا أنا مبلقش عنك والله."
صرخ بصوت جهوري مرعب جعلها تتقهقر للخلف لا إراديًا خوفًا منه:
"متكذبيش، انتي اللي بلغتِ الحكومة على المكان، وكذبتي عليا يومها إنك رايحة تشتري طلبات من عند الحاج حامد و انتي طلعتي ورايا تراقبيني عشان تعرفي المكان."
ظلت تهز رأسها بالنفي وقد انهمرت دموعها فوق وجنتيها بغزارة وراحت تهمس بصوت متقطع من حدة البكاء:
"أنا بلغت على عمك والله عشان كنت خايفة عليك."
جلال بانفعال شديد:
"عمي مكنش قاعد في الشقة، أنا اللي كنت فيها وكنا بنتقابل هناك عشان محدش يشك فيه."
جلست على أقرب مقعد وراحت تشهق وتبكي بحرقة وتقول بصدق:
"والله ما كنت أعرف أنه مش موجود هناك ومكنتش أعرف أنك هتروح عنده، أنت قولتلي رايح الشغل."
تقدم جلال منها وجلس القرفصاء أمامها ثم قال بنظرة غاضبة وحادة:
"فريال لو لسه ليا غلاوة عندك قولي الحقيقة، انتي كنتي قاصدة تبلغي عني؟"
رفعت رأسها له ورمقته بدهشة ثم صاحت بعدم استيعاب لما يتفوه به:
"أنت بتقول إيه؟ أبلغ عنك كيف؟ ده أنا عملت كده عشانك وعشان أحميك."
أجابها بخشونة واستنكار:
"عشاني أنا ولا عشان حق أبوكي؟!"
بكت عاجزة عن الرد، فقد كانت تظنه لن يشك بها وسيتفهم موقفها حتى لو ثار وهاج عليها بالبداية. لكن اتضح أنها أخطأت الظن به. بينما هو فاستقام واقفًا مجددًا وقال بنظرة عتاب وغضب:
"لسه بتفكري غير في نفسك، ورغم أنك عارفة أن اللي عملتيه ده ممكن يأذيني وهو بالفعل حصل، بس برضه عملتيه عشان تطفي نارك وتاخدي حق أبوكي."
ألقى عليها نظرة أخيرة كلها خزي وحنق ثم استدار وتحرك باتجاه الباب. فهبت هي واقفة وركضت خلفه لتمسك بذراعه ترغمه على الوقوف وهي تهتف له بشجن ويأس:
"جلال أبوس يدك ما تعمل كده معايا، معقول أنت مش مصدقني.. معقول تصدق أني ممكن أفكر أذيك وأعمل حاجة أنا عارفة أنها ممكن تأذيك."
صاح بها منفعلًا باستياء شديد وقسوة:
"مصدق أو مش مصدق مش هتفرق، انتي اللي عملتيه ميتغفرش يا فريال.. خططتي ونفذتي من دون علمي وخرجتي عن طوعي وكسرتي كلمتي لما نبهت عليكي وقولتلك ملكيش صالح بالموضوع واصل وإياكي تدخلي فيه."
رمقته بعين متوسلة وهمست بندم حقيقي:
"أنا آسفة، حقك عليا، سامحني يا سيد الرجال."
لم تلين نظراته لها وظل يطالعها بنفس الجفاء ثم جذب ذراعه من قبضتها بسخط وابتعد عنها وانصرف ليتركها تنخرط في نوبة بكاء من جديد وهي تائهة لا تعرف كيف تصلح خطأها وكيف تجعله يغفر لها ذلتها. فمهما فعل ومهما ثار وهاج عليها تعرف جيدًا أنه على حق وهي المذنبة، حتى لو كان فعل بنية صافية وبدافع حبها وخوفها عليه.
***
داخل المستشفى......
كالعادة كان الوحيد الذي يمكث أغلب الوقت بجانب "مريم" هو بشار. إن غاب عنها لا يغيب أكثر من بضع ساعات، أما خلاص ساعات العمل المهمة أو آخر الليل عندما يرهقه طول اليوم ويظهر على جسده الخمول ويبدأ عقله يلح طالبًا أخذ استراحته من النوم فيضطر أن يلبي النداء ويذهب للمنزل لينام ويعود لها بالصباح الباكر من اليوم التالي.
تلك الليلة كان يجلس معها بنفس الغرفة، وهذه المرة لم يكن ملزمًا بعدد دقائق محدد للزيارة أو حتى ارتداء الأقنعة وأخذ الاحتياطات اللازمة من تعقيم وغيره قبل الدخول لغرفة العناية المشددة، بل كان يجلس على المقعد بجوار فراشها ويراقبها بكل حرية ويتشاركون الأنفاس بين الأربع حوائط دون حائل بينهم. وبيده كان يمسك بكتاب الله (المصحف الكريم) ويقرأ آيات متفرقة من القرآن سائلًا الله الشفاء العاجل لها. وبعد انتهائه وضع المصحف فوق المنضدة الصغيرة بجواره، ثم مال عليها بجذعه للأمام ليتأملها بشرود وحزن. لكن فجأة ظهر شبح ابتسامته الباهتة على ثغره وراح يتحدث معها ويهتف وكأنها تسمعه:
"بيني وبينك يا مريم أنا الصراحة مكنتش أعرف أنك غالية عندي كده ومكنتش أتخيل واصل أن ده ممكن يكون حالي لو جالك حاجة."
أخذ نفسًا عميقًا ثم تابع بمشاعر صادقة ونابعة من أعماق فؤاده:
"أحيانًا بتيجي عليا لحظة غريبة وبفكر هل القرار اللي أنا أخدته صح ولا غلط، حاسس أني تايه وضليت طريقي، خايف أختارها وأندم إني سبتك.. وخايف أسيبها وأندم إني ضيعت مني حب سنين كنت بتمناه."
ابتلع ريقه واردف بسرعة يدافع عن نفسه وكأنها مدركة لكل شيء يقوله:
"أنا مفيش في نيتي واصل أني أخونك والله وعشان كده أخدت قرار أننا ننفصل.. عشان مظلمكيش معايا وعشان أنا خائف أكمل معاكي ومعرفش أحبك ولا أنسى رحاب. أنا عارف أنك ممكن تقولي عليا خسيس وأنانِي وراجل متديلوش الأمان وأنه أول ما خطيبته اللي بيحبها فسخت قرر يتخلى عني ويروح لها، وأنه كان واخدني احتياطي مش أكتر، بس أقسم بالله أنا مش كده يا مريم، صدقيني أنا لما قررت أدخل البيت من بيتكم وأطلب يدك كان نيتي العمار وأنك تكوني مرتي وأن عيالي في المستقبل وأحبك وقولت يمكن تكوني إنتي العوض اللي ربنا يعوضني بيه، وكنت خلاص شبه نسيت رحاب وبحاول أكمل حياتي معاكي، معرفش إيه اللي حصل فجأة وموضوع فسخ خطوبتها ده غير الموازين كلها، بقيت حاسس أن الفرصة جاتلي لغاية عندي إني أكون مع اللي كنت بحبها وكمان أسيبك إنتي تكملي حياتك ومظلمكيش معايا يمكن تلاقي الشخص اللي يحبك صح ويسعدك لأنك تستاهلي أكتر من كده كمان."
توقف عن الكلام وسكت وهو يفكر، ثم لاحت ابتسامة مريرة على ثغره ورفع عينيه لها يطالعها بود ويتمتم:
"رغم كل اللي قولتهولك ده مقدرش أنكر حقيقة أني اشتقتلك واشتقت لصوتك وحديثنا مع بعض وأنك كنتي الركن الدافي اللي دايمًا بشكيله همومي وأحكيله مشاكلي وتخففي عني، انتي مكنتيش خطيبتي بس لا كمان كنتي صديقتي اللي بشاركها أسراري."
يتنفس الصعداء بقلة حيلة وحزن وهتف بحيرة:
"أنا تايه ومش عارف أنا عاوز إيه يا مريم صدقيني، بس أنا متأكد زين أن ربنا هينورلي طريقي وينور بصيرتي للطريق الصح اللي فيه الخير ليا، ولو في حاجة أنا عاوزها ومتأكد منها دلوقتي هي أنك تفوقي وترجعيلي وترجع ضحكتك وصوتك يملوا المكان."
قطع حديثه الدافئ معها صوت رنين هاتفه فأخرجه وأجاب بعدما قرأ اسم المتصل، وسمعه يهتف برقة في الهاتف:
"بشار!"
رد بلطف وهدوء تام:
"نعم يا رحاب!"
تمتمت بنعومة وحب:
"أخبارك إيه؟"
تنهد بإرهاق وقال في جدية:
"بخير الحمد لله يا رحاب."
تلك اللحظة دخلت الممرضة الغرفة، وعندما رأت بشار بجوار فراش مريم ويتحدث في الهاتف ابتسمت له بصفاء. فراقبها وهي تقوم بالفحص الروتيني على مريم، ثم سألها باهتمام:
"في أي جديد في حالتها؟"
هزت الممرضة رأسها بالنفي في أسف، لكنها ردت عليه بمشاعر صادقة وهي معجبة بحبه وإخلاصه لها:
"للأسف لسه بس إن شاء الله في أقرب وقت تفوقي، وهي محظوظة أن ربنا كرمها بواحد زيك قاعد جنبها طول اليوم، في حالات مرضى كتير نفس الوضع وأهلهم وأولادهم مش بيسألوا عليهم بالأيام لولا إدارة المستشفى ما تتصل بيهم وتبلغهم لو في أي جديد يخص حالة مريضهم، ربنا يخليكم لبعض ويقومها بالسلامة ويشفيها."
اكتفى بشار بابتسامة ودودة لتلك الممرضة وشكرها بنظراته فقط، بينما رحاب لسوء الحظ أنها سمعت كل كلمة واستساطت غيظًا وراحت تهتف لبشار بانزعاج ملحوظ:
"بشار أنت لسه قاعد في المستشفى مع مريم دي!"
رفع حاجبه باستغراب وردد خلفها بلهجة جادة:
"دي؟.. آه قاعد معاها."
رحاب بعصبية وغيرة حارقة:
"أنت مش ملاحظ أنك مهتم زيادة عن اللزوم بواحدة قبل الحادثة كنت ناوي تفسخ خطوبتكم ومش بتحبها؟"
بشار بحدة ولهجة رجولية غريبة:
"مش معنى أني مش بحبها يبقى مهتمش لأمرها يا رحاب، مهما كان دي واحدة كان في بيني وبينها عشرة وخطيبتي، أنا مش ندل للدرجة اللي تخليني أسيبها وهي في الحالة دي."
هتفت باستياء شديد تصحح له عبارته لتؤكد له فكرة انفصالهم وتذكره بوعده لها:
"كانت خطيبتك يا بشار، أنت في نيتك أن كل حاجة انتهت بينكم وخلاص مش محتاج تستنى لما تفوق عشان تنهيه.. هو بالفعل منتهي من ناحيتك وكل ما في الأمر أنها لما تفوق هبلغها عشان نتجوز إحنا."
أطلق زفيرًا حارًا بخنق وتمتم بعدم مبالاة:
"يا مسهل يا رحاب، أنا هقفل عشان تعبان وهروح البيت أرتاح وأنام."
لم يمهلها الفرصة لتتحدث حيث أنهى الاتصال فورًا وتركها ثائرة وتتوعد له متمتمة بخبث:
"متفتكرش أني ممكن أسيبك تضيع من إيدي تاني، حتى لو كان غصب عنك أنا سبق وغلطت لما اتخطبت للي ما يتسمى ده وسبتك بس دلوقتي مش هتخلى عنك تاني حتى لو كان إيه."
***
داخل منزل إبراهيم الصاوي تحديدًا بغرفة الجلوس الخاصة بعمران بالطابق الثالث، كان جالسًا بها بعد الشجار العنيف بينه وبين زوجته ويحاول الاسترخاء والهدوء. فإذا ترك نفسه الثائرة تطيح بكل شيء لن يتبقى سوى بقايا مهشمة وسيكون أصدر حكم الإعدام. وجد الباب ينفتح وللحظة ظن آسيا حتى لو كان احتمال مستحيل لكنه أراد في نفسه أن تكون هي.
ظهرت إخلاص من خلف الباب التي ابتسمت له بحنو ثم أغلقت الباب بهدوء وتقدمت إليه بخطوات بطيئة حتى أصبحت بجواره على الأريكة وتنظر له باهتمام تسأله بثقة:
"طبعًا كذبت عليك ومقلتش الحقيقة."
هتف عمران بغضب يرفض الحديث:
"أما أنا شايط لوحدي ومش متحمل أسمع ولا كلمة."
لوت إخلاص فمها بحنق وقالت بازدراء وهي تهمس بصوت خافت:
"ليك حق يا ولدي هي بنت خليل دي تطفش بلد."
مسح على وجهه وهو يزفر بنفاذ صبر وانزعاج، بينما إخلاص فتابعت بنبرة بدت مهتمة لأمره لكن العكس، فهي لا ترى شيء سوى كرهها لآسيا:
"أنا قولتلك يا عمران مصدقتش كلامي، قولتلك متنفعلكش يا ولدي وهتتعبك وأنها بنت مش سهلة ولا شبهنا. أنا مكنتش موافقة على الجوازة من البداية وقولتلك أنت وأبوك الله يرحمه شوفوا أي حل تاني، بس أنتوا اللي صممتوا على رأيكم ونفذتوا اللي في دماغكم، وأهو ناسها قتلوا أبوك وهي مش بعيد كمان تكون عارفة مكان عمها ومخبية عليك عشان مش عاوزاك تاخد حق أبوك وعمها يتسجن يعني بتداري عليه وبتحميه، هي بس اتحسبت عليك جوازة وحتى ما فرحنا بيك كيف الخلق ولا عملنالك فرح وليلة يشهد بيها الكل، ولما قولتلك طلقها وأجوزك ست ستها كنت بتنهب فيا كيف البابور."
طفح كيله من إصرار أمه على ذلك الكلام المستفز الذي يثير الأعصاب أكثر، فصاح منفعلًا:
"وبعدين عاد يا أمي ما بزيادة الكلام اللي يفور الدم ده، همليني إنتي عاوزة مني إيه؟"
طالعته بعين دافئة مفعهة بحنان الأم وهي تقول بحزن:
"معوزاش حاجة يا ولدي، أنا عاوزاك تكون مبسوط بس ومرتاح، وأنا شايفة حالك لا يسر عدو ولا حبيب، والله أعلم مراتك دي كمان بتعمل إيه من وراك وبتكذب عليك، ما يمكن تكون اتعرفتلها على حد وبتطلع تقابله، مهو مش بعيد عليها قادرة وتعملها."
فارت الدماء في عروقه وعيناه أظلمت بشكل مرعب. تشجنت عضلات وجهه وصاح بأمه في صوت رجولي مهيب:
"احسبي كلامك يا أمي قبل ما تقوليه في وشي، انتي كده مش بتعيبي فيها هي، انتي بتعيبي في رجولتي وشرفي، أنا عارف مراتي زين وواثق فيها، وأنتي حذاري أسمعك بتقولي الكلام ده تاني وإلا هيبقى فيه زعل كبير قوي بينا."
كانت ستهم بالرد عليه وتعتذر منه وتكمل ما بدأته، فوجدته يهب واقفًا ويندفع باتجاه الباب، فسألته بتعجب:
"رايح فين يا عمران؟"
لم يجيبها سوى بصوت صفع الباب الذي اهتزت له أركان الغرفة وانتفضت هي مفزوعة، لكن سرعان ما ارتسمت البسمة الشيطانية على ثغرها وهي تهمس بوعيد:
"إما طلعتك من بيتي وخليت ولدي يطلقك مبقاش أنا إخلاص الصاوي يا بنت جليلة، أنا سبق وقولتلك مش هسيبلك ولدي ولا عاوزة انتي وناسك تقتلوا لي أبوكي كيف ما قتلوا أبوك."
ألتقت بنظرها من النافذة على الشارع فرأت ابنها يستقل بسيارته وينطلق بها مسرعًا، فهي ألقت عود الكبريت فوق الغاز وتنتظر اشتعاله.
***
صباح اليوم التالي داخل منزل جلال.......
كان يجلس على الأريكة بالصالة، عيناه عالقة على التلفاز المغلق وعقله بمكان آخر. خرجت فريال من الغرفة بعدما استيقظت ولم تجده بالغرفة. ليلة أمس لم يشاركها النوم بنفس الغرفة إلا بعد صلاة الفجر ونام على الأريكة بعيدًا عنها.
وجدته جالسًا بالصالة وشارد الذهن وجهه عابس، فتنهدت بحزن وتقدمت نحوه بخطوات بطيئة حتى جلست بجواره وراحت تتمعنه بعينان منطفئة وهو لا ينظر لوجهها حتى. ازدردت مرارة ريقها ومدت يدها تضعها فوق كفها تمسكه بحنو وتهمس:
"جلال."
أشاح بوجهه بعيدًا عنها وهو يزفر بحنق ثم جذب يده ببطء من قبضتها دون أن يتفوه بحرف واحد، فأمتلأت عيناها بالعبرات وتمتمت بوجع يظهر في صوتها بوضوح:
"للدرجة دي مش طايق صوتي ولا لمستي؟"
أثر الصمت للمرة الثانية ولم يجيب، فهتفت بأسى:
"جلال رد عليا."
التفت لها أخيرًا ورمقها بقسوة ثم صاح بعصبية:
"عاوزاني أرد أقولك إيه يا فريال، مفيش كلام يتقال بعد اللي عملتيه."
حاولت الثبات أمامه وقالت بأسف ورجاء:
"أنت ليك حق في كل حاجة تقولها والله وأنا عارفة أني غلطانة إني اتصرفت من دماغي من غير ما أقولك بس أنت اللي وصلتني للمرحلة دي وأنا كنت خايفة عليك."
قال مزمجرًا وصوت رجولي قوي:
"لو خوفك عليا بالمنظر ده متخفيش عليا يا فريال، ومتفكريش فيا واصل حتى، أنا في دماغي مليون مصيبة كانت ممكن تحصل بسبب عملتك دي وبحمد ربنا أنه سترها ومكنتش هتأذيني أنا بس دي كانت حتى انتي هتأذيكي، لكن انتي طبعًا مبتفكريش في ده كله.. بتعملي اللي في راسك وفاكرة روحك صح."
طالقت رأسها أرضًا بقلة حيلة وعجز. ورغم كل هذا ما زالت تتحكم في عبراتها بصعوبة وتحاول الصمود لتكمل حديثهم للنهاية وتحاول استمالته ونيل السماح منه. لكن يبدو أنه لن يغفر لها بسهولة وأنه سيعاقبها بقسوة على فعلتها. رفعت رأسها له مجددًا بعد دقيقة وسألته باستسلام وصوت مبحوح:
"طيب أعمل إيه عشان أخليك تسامحني؟"
هب واقفًا وهو يمسح على وجهه ويزفر بامتعاض ثم نظر لها وقال بحزم ولهجة قاسية قليلًا:
"روحي يا فريال على بيت أبوكي."
وقعت الكلمات على أذنها كوقع الصاعقة واتسعت عينيها بذهول وعدم استيعاب لما خرج من فمه للتو، فوثبت واقفة وتمتمت بصدمة:
"إيه؟!"
أخذ نفسًا عميقًا واكمل بنبرة بدت أكثر رزانة وحكمة عن السابق:
"يعني روحي ارتاحي يا فريال وريحي راسك شوية وأنا كمان أكون هديت من ناحيتك."
فريال بعدم تصديق وقد تغرغرت الدموع في عينيها وهي تقول:
"جلال أنت بتتكلم جد، عاوزني أمشي من البيت؟!"
راح يستغفر ربه مرارًا وتكرارًا وقال لها بهدوء وصوت رخيم رغم أن نظراته كانت حازمة:
"أيوة بتكلم جد.. وأنا مش بقولك امشي ومترجعيش بيتك تاني أنا بقولك الأفضل نبعد كام يوم عن بعض لغاية ما أهدى لأني مش عاوز الموضوع يكبر بينا ولا أقول كلام يجرحك وأندم بعدين، يعني اللي بقوله في صالحنا."
انهمرت دموعها بغزارة على وجنتيها في حرقة وقهر، وقلبها ينزف الدماء ألمًا وهي تستصعب فكرة أنه يريد أن يبتعد عنها ولا يريد رؤيتها حتى لو كان لبضع أيام. هل ما فعلته استحق كل هذه القسوة والعتاب منه؟!.
أجابته بصوت حاولت إخراجه طبيعيًا وسط دموعها:
"لا ده في صالحك أنت مش في صالحي، أنت اللي غضبك مني وصلك لمرحلة أنك مش طايق تشوفني، متقلقش أنا مش هخليك تشوفني أصلًا لغاية ما تهدى كيف ما بتقول."
أنهت عباراتها واندفعت لداخل غرفتها لكي تترك العنان بروحها المتألمة أن تبكي وتفرغ شحنتها المكتظة.
***
بمنزل إبراهيم الصاوي داخل غرفة عمران....
كانت آسيا تقف في الشرفة تتحدث في الهاتف مع "علي" وتتناقش معه حول أمر شقيقته. مازالت تحاول إقناعه وهي تهتف:
"يا علي بزيادة عاد اللي بتعمله ده، أنا ليا فترة بيكلمها ومش عارفة أوصلها أصلًا وخايفة يكون المجنون ده عمل فيها حاجة وأنا مقدرش أروح لها في بيته هناك."
علي بانفعال ونفاذ صبر من إلحاحها:
"وبعدين معاكي أنتي يا آسيا بتعيدي وتزيدي في موضوع منتهي وأنا قولتلك مليش أخوات بنات."
تأففت بانزعاج منه وقالت:
"أنت الكلام معاك ملوش فايدة صح، أنا بحاول ألين قلبك على أختك ليا قد إيه وأنت مفيش فايدة معاك، أنا عملت اللي عليا وريحت ضميري خلاص."
توقفت عن الكلام عندما سمعت صوت الباب ينفتح، فالتفتت برأسها للخلف ورأت عمران يدخل، فأنهت الاتصال مع علي وظلت بمكانها لم تتحرك ولا حتى غادرت الغرفة. بينما هو فتقدم نحوها ووقف خلفها يسألها بصوت غليظ:
"كنتي بتكلمي مين؟!"
التفتت له ورمقته ببغض لأول مرة يراه في عينيها وأجابت بكل ثبات وشجاعة:
"بكلم 'علي'."
رأت عينيه أظلمت وعضلات وجهه تشجنت بشكل مرعب، ثم هتف بهدوء ما قبل العاصفة:
"وبتكلميه ليه؟"
تقدمت خطوة إليه بنظرات كلها قوة تليق بها، وكأنها عادت تلك الساحرة الشريرة التي كانت تحاول قتله والتخلص منه، وقالت بجرأة:
"عشان بخونك، مش أنت بتشك فيا وبتفكر كده ولا أنا غلطانة؟"
ثار عليها وصرخ بها بصوت جهوري وهو يقبض على ذراعها بقسوة:
"أقسم برب العزة لو ما لميتي لسانك ده وقفلتي خشمك لتكوني شايفة اللي عمرك ما شفتيه مني."
رغم الألم الذي اجتاح ذراعها إلا أنها ابتسمت بكل برود وهتفت بنظرة ملتهبة كلها نقم وتهكم:
"ليه هو أنا هشوف وأسمع منك إيه أكتر من اللي سمعته امبارح؟ هو أنت لسه ناوي تثبتلي وشك الحقيقي أكتر من كده ولا إيه.. يا مـعــلــم وسيد المعلمين كلها اللي عارف الأصول والصح والغلط وبتعاير مرتك بفضلك عليها."
ارتخت عضلات وجهه وكذلك قبضته على ذراعها وبدا على ملامحه وكأن كلماتها ذكرته بخطأه المعترف به، فترك يدها والتزم الصمت. لكنها تابعت، فهي تكلمت بالأمس وهي استمعت والآن حان دوره:
"العيب مش عليك، العيب عليا أنا إني اللي رخصت روحي ورجعتلك بعد اللي عملته أمك معايا وأنت مخدتليش حقي ولا نصفتني، فافتكرت أني كل مرة هعدي وأسكت على حقي. العيب عليا يا معلم عمران إني حبيت ولد إبراهيم الصاوي اللي قتل أبويا وغدر بيه وقولت أنك غيرهم ومختلف عن العيلة دي كلها بس شكلي اتخدعت فيك وطلعت شبه أبوك. أنا اللي غلطانة إني وافقت اتجوزك واستسلمت لناسي اللي أنت كنت بتعايرني بيهم امبارح أنهم رموني ليك كيف الزبالة وانت اللي سترتني واتفضلت عليا وأني مليش حد غيرك وأني خلاص فات الأوان لو حبيت أهملك وأمشي يعني مش هقدر للأسف لأن طبعًا أنت راجلي وأبو ولدي وسندي وضهري ومليش غيرك، صدقني يا عمران أنت مش غلطان في حاجة أنت فكرتني بس باللي نسيته وفوقتني، وعرفتني أني أنا اللي غلطانة من البداية."
التزمت الصمت للحظة وراقبت تعابير وجهه التي تبدلت تمامًا لأخرى نادمة وتابعت مبتسمة بمرارة:
"تعرف أنت امبارح خليتني ندمت إني سمحتلك يكون ليك فضل عليا، خليتني أقول ياريتني سبت ناسي قتلوني على الأقل كان أكرم لي، أنا حتى حسيت بالندم إني هجيب عيل منك."
أنهت كلماتها وتحركت بخطواتها تنوي الرحيل وتركه، لكنه قبض على ذراعها يوقفه وهو يقول بصوت رجولي يحمل نبرة الصدق:
"آسيا أنا مكنش في نيتي أعايرك ولا كان قصدي كده أنا ااااا......"
أوقفته عن استرسال حديثه بصرختها الغريبة التي ذكرته بتلك الفتاة التي كانت قبل زواجهم بالضبط وهي لا تكن له سوى مشاعر الكره. وجذبت يدها من قبضته بعنف:
"يدك دي متلمسنيش واصل فاهم ولا لا، بقيت بقرف منها."
ضيق عينيه بدهشة من عبارتها الأخيرة، بينما هي فابتعدت واكملت طريقها لخارج الغرفة بأكملها لتتركه متسمرًا بأرضه وهو مشتت الذهن.
***
بمساء ذلك اليوم داخل منزل خليل صفوان.....
كانت غزل تقف بالمطبخ تقوم بمساعدة إنصاف في بعض أعمال المطبخ وتحضير الطعام، وشاردة الذهن تفكر في حيلة ذكية تثير بها جنون "علي" مجددًا. ولم تجد سوى أن تكمل في حيلة الملابس المتحررة والمكشوفة. سمعت صوت إنصاف وهي تسألها ضاحكة:
"إيه اللي واخد عقلك يا حلوة؟"
التفتت لها غزل وسألتها بعفوية تامة وفضول:
"طنط إنصاف هو علي قالك حاجة عني؟"
ابتسمت إنصاف بخبث وردت غامزة بدفء:
"حاجة كيف إيه يعني؟!"
غزل بتلقائية ورقة تليق بها:
"يعني قصدي أنه بيكرهني أو مش حابب وجودي كده يعني."
قهقهت إنصاف بخفة وأجابتها بنظرة ماكرة:
"أنتي إيه رأيك، شايفة أنه بيكرهك؟!"
سكتت وشردت تتذكر مواقفه معها وتحذيراته الدائمة لها من ارتداء الملابس غير المحتشمة. ربما هي لا تفهم بعاداتهم وتقاليدهم كثيرًا وأن فسرت هذه التصرفات كما اعتادت في أمريكا ستقول أنه إنسان رجعي ومتخلف، لكن في هذه البيئة ومع رجل شرقي بالطبع ستختلف. وتذكرت أيضًا عندما أصلح لها إطار صورتها وأهداها واحد جديد. لا إراديًا ارتفعت البسمة لثغرها الوردي ونظرت لإنصاف تهز كتفيها لأعلى بجهل وهي تبتسم، لتجدها تكمل ضحك وتجيبها بجدية بسيطة وكأنها تعطيها بعض النصائح عن ابنها:
"علي دمه حامي وممكن تحسيه قاسي شوية بس الحقيقة أنه طيب وحنين قوي كمان، هو مبيعرفش يبين ده بس للأسف، وكمان بيحب يحس أنك مقدراه وفارق معاكي وأنك واثقة فيه وفي كلامه وتصرفاته عشان كده مبيحبش اللي يعانده، طيب استنى هحكيلك حكاية عنه كان لسه في الثانوي وكان في بنت معاه في المدرسة عاجباه قوي، وإحنا هنا عندنا البنات بتلبس الحجاب بدري ومفيش بنت بتقعد بشعرها طالما دخلت الثانوي وكبرت وبقت عروسة، بس البنت دي كانت بشعرها وناسها كانوا مدلعينها قوي وسايبنها على راحتها وكان لبسها كمان ضيق قوي غير بقية البنات، بس كانت عاجباه، من كتر غيرته عليها كان كل يوم بيرجع متعارك مع العيال في المدرسة، بسبب أن مرة واحد كلمها أو ضايقها أو وقف معاها وهزر في الكلام، ومكنش عاجبه واصل لبسها وشعرها وأنها غير البنات وأكمنها كده كان الكل في المدرسة عينه عليها والولاد وراها كيف ضلها وعينهم مش بتتشال من عليها."
سألت غزل السؤال الأهم بالنسبة لها والذي سيرضي فضولها:
"وهي البنت دي فين دلوقتي؟"
ردت إنصاف مبتسمة بمرح:
"لا فين إيه عاد دي اتجوزت ومعاها عيال دلوقتي."
سألت للمرة الثانية حتى تطمئن:
"طيب هو لسه بيحبها؟"
ضيقت إنصاف عينيها باستغراب من سؤالها الساذج واجابتها بجدية:
"بقولك متجوزة ومعاها عيال يا غزل تقوليلي بيحبها؟ بعدين دي حكاية قديمة كان لسه عيل صغير هو مش بعيد يكون ناسي الكلام ده من أساسه."
هزت رأسها بتفهم مبتسمة وهي تتنفس الصعداء براحة ثم تقول بنعومة:
"OKay معلش بقى يا طنط أنا هطلع أكلم بابا لإنني بكلمه كل يوم في الوقت ده وأكيد هو مستنيني دلوقتي."
هزت إنصاف رأسها بالموافقة وودعتها بنظراتها الدافئة وابتسامتها العذبة، بينما هي فغادرت وهي تفكر في الحكاية التي سردتها لها عنه وربطت بين الماضي والحاضر وطرحت سؤال بحيرة في عقلها "هل هذا يعني أنه يحبني أيضًا؟". نفرت عن رأسها تلك الأفكار وابتسمت بخجل واكملت طريقها بسرعة للأعلى لكي تتحدث مع والدها.
بعد مرور نصف ساعة تقريبًا انتهت من حديثها الطويل مع والدها وهو يسرد لها عن مشاكل عمله الصعب وهي كذلك شاركته تفاصيل يومها. استقامت واقفة واتجهت للشرفة تنظر للشارع بالصدفة فرأته وهو يدخل المنزل فسكنت للحظات واشتعلت في ذهنها فكرة إثارة غيرته مجددًا. فهي لن تستسلم حتى تتأكد من شكوكها حوله.
اتجهت لخزانتها وبسرعة في ظرف دقيقتين كانت ترتدي تنورة قصيرة لا تكاد تصل لركبتها من الأساس وبالأعلى قميص قطني بحمالات رفيعة ومجسم بالضبط على انحناءات جسدها العلوية، واسرعت لتقف خلف الباب وتضع أذنها عليه تنتظر سماع صوت خطواته وهو يتجه لغرفته التي فور سماعها فتحت الباب وهي تضع الهاتف على أذنها متصنعة التحدث في الهاتف باللغة الإنجليزية، وتصرفت كأنها لا تراه حيث اتجهت نحوه دون أن تنظر لوجهه وهي تتصنع الانشغال بالحديث الهاتفي. ولم يغفل عنها طبعًا نظراته النارية لملابسها وعندما وصلت له وعبرت من جانبه وجدته يقبض على ذراعها ويهتف غاضبًا:
"إيه اللي طالعة بيه ده؟!"
رمقته شزرًا ومثلت الغضب بعدما انهت الاتصال المزيف وتحدثت إليه:
"سبق وقولتلك this is none of your business."
جز على أسنانه محاولًا التحكم بانفعالاته وهتف:
"طيب ادخلي أوضتك وغيري اللي لبساه ده بدل ما أوريكي بنفسي يخصني ولا ميخصني."
عقدت ذراعيها أمام صدرها ووقفت بكل غنج وهي تقول بعناد مبتسمة بتحدي:
"ولو مدخلتش هتعمل إيه؟"
شعرت بقبضته العنيفة فوق ذراعها وهو يجذبها معه تجاه غرفتها عنوة ويدفعها للداخل بغيظ ثم يدخل خلفها ويغلق الباب حتى لا يسمعهم أحد وينفجر بها منفعلًا:
"أنا مش نبهت عليكي وحذرتك يا غزل امبارح متلبسيش اللبس ده تاني!"
بدت باردة المشاعر بشكل مستفز وهي تجيبه بتلذذ بغيرته:
"أه قولتلي بس أنت not my dad or my brother يعني هسمع كلامك وانفذه بصفتك إيه؟"
تثيره جنونه أكثر وتستفزه لدرجة أن النتائج لن تكون في صالحهم أبدًا. دون أن يعي اندفع نحوها ثائرًا، فارتدت هي للخلف فزعة منه والتصقت بالحائط خلفها لتجده يشرف عليها بـجسده الضخم الذي يفوقها طولًا وحجمًا ويهتف لها بنظرة ثاقبة كالصقر:
"وهي الهانم عاوزاني أكون بالنسبالها إيه عشان تسمع الكلام؟"
اضطربت بشدة من اقترابه وتسارعت نبضات قلبها حتى أن لسانها انعقد ولا تتمكن من الرد عليه، لكن طرق الباب المصحوب بصوت حمزة وهو يهتف:
"غزل أنتي جوا يا بتي!"
انتفضت بفزع وصاحت لعلي بخوف:
"Oh my god my grandpa!"
كتم على فمها فورًا بحدة هامسًا لها بحدة:
"وطي حسك دي فيها قطع رقاب!"
التفت حوله يبحث عن أي مكان يمكن الاختباء فيه، بينما هي فسألته بارتياع شديد:
"هنعمل إيه؟"
سمعوا صوت طرق حمزة مجددًا وهو يهتف باسمها بصوت أعلى، فوجدت نفسها تجيب على جدها بصوت خائف:
"حاضر يا جدو ثانية هلبس هدومي."
رأت "علي" ينظر لها بعينان متسعة من الدهشة على ردها، فهتفت بحيرة:
"إيه؟ عايزني أقوله إيه؟!.. مش أحسن ما يدخل ويشوفك."
علي ساخرًا بنفاذ صبر:
"عشان لو دخل وشافني يبقى اتمسكنا بالجرم المشهود وأنتي بتقوليله بلبس هدومي."
كانت على وشك البكاء من فرط الخوف والتوتر وصاحت به مغتاظة:
"أنت إيه اللي دخلك أوضتي، أنت أصلًا مش محترم!"
رفع كفه في الهواء وهو يضغط على قبضة يده مغتاظًا منها ويهتف متوعدًا لها:
"ما انتي لو تبطلي نشفان الراس ده وتسمعي الكلام مكنش ده حصل، بس ماشي يا غزل أنا هربيكي نطلعوا بس من المصيبة اللي ورطتينا فيها دي."
قالت له بارتباك شديد وغضب:
"اخلص هتستخبى فين كده جدو هيشك."
على عصبية:
"مش عارف هو في مكان عدل أتنيل فيه، اطلع على السقف يعني ولا إيه؟"
أمسكت بيده وجذبته معها بسرعة شبه ركضًا حتى وصلوا للحمام الصغير الملحق بالغرفة ودفعته بداخله ثم أغلقت الباب عليه، لتتركه وهو يستشيط بنيران الغيظ ويتوعد لها هامسًا باحتدام وهو يجوب الحمام يمينًا ويسارًا:
"على آخر الزمن أستخبى في حمامات الأوض، ماشي يا غزل حسابك معايا بعدين أنا هربيكي من أول وجديد."
***
وصل عمران للمنزل بعد يوم طويل في العمل حاول فيه نسيان مشاكله وهمومه لكنه فشل. صعد الدرج يقصد غرفته بالأعلى دون أن يلقي التحية حتى على أمه وبعدما وقف أمام غرفته ومسك بمقبض الباب، تردد في الدخول كأنه سيدخل غرفة ليست له والمرأة التي بالداخل غريبة عنه. تنهد الصعداء وحسم قراره ثم فتح الباب ودخل ولكنه لم يجدها بالغرفة، فغضن حاجبيه باستغراب وأغلق الباب خلفه ثم تلتفت حوله في أرجاء الغرفة بحثًا عنها وصاح مناديًا عليها:
"آســيا."
اتجه إلى الحمام وفتح الباب وكانت ليست بالداخل، للحظة أنها خرجت مجددًا دون علمه، لكن سقطت عينيه على طرف الخزانة المفتوح وبدت له من بعيد وكأنها فارغة، فاندفع مسرعًا له وفتحها ولم يكن يخيل إليه بل كانت بالفعل فارغة. راح يفتش في بقية الغرفة عن أغراضها عله يجد لها أي شيء يطمئنه أنها لم تترك المنزل، لكن الغرفة كلها كانت فارغة ولا يوجد أثر لها ولا لأي شيء منها. وبتلك اللحظة دخلت إخلاص الغرفة ونظرت لابنها بعبوس متصنع وهي تقول:
"مراتك هملت البيت ولمت خلجاتها وحاجاتها ومشيت يا عمران."
رواية و بالعشق اهتدي الفصل التاسع عشر 19 - بقلم ندى محمود توفيق
رواية و بالعشق اهتدي الفصل العشرون 20 - بقلم ندى محمود توفيق
صدح صوت عمران الغليظ وهو يقول بنظرة نارية لزوجته:
"أنتي هترجعي بيتك وبيت جوزك معايا مش بيت أبوك."
رمقته بطرف عينها في نظرة قوية غير مكترثة للأوامر التي يمليها عليها. استشاط غيظًا بعدما رأى تلك النظرة. وهب واقفًا، ثم وضع ابنه على الفراش برفق واندفع نحوها ثائرًا، ليقف أمامها ويهتف بنظرة منذرة لا تقبل الاعتراض:
"آسيا، بزيادة عناد لغاية كده. ومتخليش المشاكل تكبر أكتر قبل ما تخرج عن سيطرتنا. أنا بقول هترجعي معايا يبقى هترجعي من غير اعتراض."
عقدت آسيا ذراعيها أسفل صدرها وطالعته بنظرة تحدي كلها شجاعة وهي تقول بإصرار:
"هي المشاكل كبرت من بدري قوي يا معلم مش مستنياني أنا لما أخليها تكبر. ولو على الرجوع، قلتلك مش راجعة."
أظلمت عينيه بشكل مرعب. وقبل أن ينفجر بها، التفتت تجاه أمها وطلبت منها برجاء مهذب:
"ممكن تسيبيني يا ماما نتكلم شوية وحدينا."
تنهدت جليلة الصعداء مغلوبة وقالت بإيجاز:
"ماشي يا بنتي، ربنا يصلح حالكم."
راقب بعينها خطوات أمها حتى غادرت الغرفة. وفورًا التفتت له وقالت بنظرة ممتلئة بالخزي:
"أرجع ليه مع راجل بيعايرني بفضله عليا وبيشك فيا، وفوق ده كله مش واقف في ضهري ولا سند ليا ولا بياخدلي حقي. بدل ما تروح تقف قصاد أمك وتعاتبها حتى مش تعاقبها، واقف قصادي وبتوجه لي أوامر وبتغلطني. الحمد لله أن ربنا حفظ لي ولدي وحماني منها. جه على الدنيا بخير وسلامة. أنت بسبب أمك، مكنتش هتشوف ولدك اللي طاير من الفرحة بيه ده. رغم كل ده، أنا استحملت وسكتت يا عمران، بس كلامك آخر مرة ليا كان النهاية. أنا كنت أتوقع الكلام ده من أي مخلوق، بس منك أنت لا. وكنت دايماً أتباهى بيك وأحمد ربنا أنه كرمني براجل واقف في ضهري كيف الوتد. وكنت بقول أنا ليا ملجأ وحمى، كل ما الدنيا تخبط فيا وناسي يجوا عليا، هجري في حضنه أستخبى. لكن طلعت غلطانة."
كلماتها أصابته في مقتل وأشعرته بالخزي من نفسه والاشمئزاز. فنظر لها بدفء أخيرًا بعد شجارات طويلة بينهم وعناد، وقال باستسلام نسبي:
"أنا مكنتش داري بروحي ولا عارف أنا بقول إيه. أنتي عارفة أن غضبي عفش، وأنا مكنتش شايف قصادي. يعني الكلام ده قلته في لحظة غضب يا آسيا."
هتفت بعينان دامعة ومقهورة:
"مهي المشكلة أنه اتقال في وقت غضب... ووقت الغضب اللي بيتقال بيكون هو الحقيقة. أنت كنت شايل كل ده جواك ومدكنه ومنستش ولا سامحت على اللي عملته معاك زمان، ولسه شايل."
مسح على وجهه وهو يزفر بنفاذ صبر، ثم قال في لهجة رجولية رزينة:
"فكرك أنا لو لسه منسيتش اللي عملتيه معايا، كنت هقدر أحبك ولا أخلف منك؟ أعقلي الكلام اللي بتقوليه في مخك الأول وفكري بالمنطق."
سالت دموعها الحارقة فوق وجنتيها وصاحت به منفعلة بألم:
"وأنا إيه يضمن لي بعد اللي قولتهولي أنك بتحبني صح؟ إيه يضمنلي أنك متجيش عليا ولا تكسرني كيف ما عملوا معايا ناسي؟ ما أنت عاد شايف نفسك أنك كنت البطل اللي أنقذني منهم واللي ضحى بسعادته ونفسه في سبيل ينقذني، وليه الفضل عليا، ولولاك أنا كان زماني..."
منعها من استرسال حديثها بغضب حقيقي وحدة:
"كفاية يا آسيا خلاص متكمليش. مش عارف أفهمك ولا أقولك إيه تاني عشان تصدقي أن مكنش قصدي أقول الكلام ده."
رفعت أناملها لوجنتيها ومسحت دموعها، ثم أجابته بقسوة وهي تشيح بوجهها للجهة الأخرى وتتحرك بعيدًا عنه:
"متقولش حاجة. هملني وبعد عني يا عمران."
قبض على ذراعها ليوقفها عنوة، ثم أدارها لجهته وقال بهدوء امتزج بنظراته الصارمة:
"أنا مش هسيبك أنتي وولدي تفضلوا بعيد عني، فاهمة ولا لأ."
دفعت يده بعيدًا عنها وصاحت به بعصبية:
"قلتلك مش هرجع معاك، عاوز تسمعها كام مرة عشان تفهم."
خرج عن طور هدوئه المزيف هو أيضًا وصرخ بها:
"وأنا الكلمة اللي بقولها بتتنفذ. أنا مبحبش العناد ونشفان الراس."
دخلت جليلة في تلك اللحظة مسرعة لتفصل بينهم وهي تهتف بحدة:
"وطوا حسكم، جرالكم إيه؟ وبعدين الواد نايم هيصحى مفزوع منكم. تعالي معايا يا عمران، هتكلم معاك."
قالت عبارتها الأخيرة وهي تجذب عمران من ذراعه عنوة معها للخارج. وسط نظراته الملتهبة التي لا يحيدها عن زوجته، فور مغادرتهم الغرفة، وقفت جليلة أمامه وقالت بحكمة وجدية:
"أنت لو عاوز تتطلقوا صح، مش هتتعامل معاها كده. دي بنتي وأنا عارفاها وحافظاها، وطريقتك دي هتخليها تعاند وتنشف راسها أكتر. لو صح عايز ترجعها ليك، راضيها وبين لها حبك ليها. هتلين وهتبقى في يدك."
رفع عمران حاجبه بتعجب ثم همس بشك:
"خير يا حماتي، من ميتا وأنتي في صفي؟ ما أنتِ دايماً كنتي مش راضية عن الجوازة دي ولا حباني. إيه اللي اتغير دلوقتي؟"
لوت جليلة فمها بحنق وقالت في مضض:
"وما زالت مش بحبك يا ولد إخلاص، بس هنعمله إيه خلاص معدش في رجعة. وأنا عارفة أن بنتي بتحبك، ودلوقتي بقى في بينكم عيل ملوش ذنب في عنادكم ومشاكلكم دي."
مال ثغر عمران بابتسامة متهكمة رغم إعجابه بمحاولاتها لإصلاح الوضع المضطرب بينهم، واستمع هي بإصغاء تام وهي تكمل بحزم:
"متقولش دلوقتي هترجع معاك. هي حتى لو وافقت، أنا مش هوافق. البت لسه والدة امبارح وأول ولادة ليها، يعني تقعد معايا في بيت أبوها أراعيها وأخدمها لغاية ما تقف على رجليها وتسند روحها. لكن أنت هتاخدها معاك بيتكم، مين هيراعيها؟ أمك هتراعي بنتي مثلاً؟"
عمران بصوت رجولي أجش:
"دي مرتي وأنا هاخد بالي منها وأراعيها."
جليلة بغضب وجبروت:
"اسمع الكلام يا ولد الصاوي، لو عايز مراتك ترجع لك. متجبرهاش على حاجة وخليها تهدى، وأنا بنفسي لما تبقى زينة وتقف على رجليها، هقنعها وأرجعها لك. سيبها في بيت أبوها ترتاح بعد الولادة شوية، وبعدين يبقى يحلها ربنا."
صاح عمران بعصبية وصوت جهوري:
"هسيبها لغاية ميتا؟ دي كل مالها بتنشف دماغها أكتر وتصمم على الطلاق ده، يعني أحسن حل أنها ترجع وتقعد في بيتها."
جليلة بحدة شديد وصوت صلب:
"وباللي أنت بتعمله ده مش هتنشف راسها يعني؟ سيبها خليها تعرف قيمتك في قلبها وأنها متقدرش تبعد عنك، ووحديها هتلين لك وترجع معاك، وأنت كمان تراضيها."
رفع يده يمسح على شعره نزولًا لوجهه وهو يطلق تأففًا حارًا بعصبية وقلة حيلة. ثم ألقى عليها نظرة استسلام مضطرًا، فابتسمت له بثقة ورتبت على كتفه متمتمة:
"متقلقش، هترجع لك. بس أنت خليك ناصح واتعامل معاها صح وبحنية مش كحتية وقسوة."
أنهت عبارتها ودخلت للغرفة وتركته بالخارج يقف وهو يدور يمينًا ويسارًا بحيرة وهيّاج. يمسح على لحيته بقسوة يفكر في حل لمأزقه. لقد كان لا يتحمل غيابها ويتعذب كل ليلة، فكيف سيتحمل غياب طفله أيضًا الآن؟ تلك الساحرة الشريرة تمارس عليه تعاويذها السحرية وتعذبه دون هوادة.
داخل منزل مروان، كانت خلود بغرفتها جالسة على الفراش وبيدها هاتفها الذكي تتصفح موقع التواصل الاجتماعي "الانستغرام". وبعد بحث طويل داخل الحسابات الشخصية، أخيرًا عثرت على حسابه. وجدت به الكثير من الصور والذكريات المختلفة له في إيطاليا وفي مصر. بعضها كانت صور جماعية مع أصدقائه أو عائلته، لكن معظمها كانت له. أخذت تقلب بين صوره وتتأملها بعينان هائمة وابتسامة ثغر محبة تزين وجهها. لا تعرف متى وكيف اخترق قلبها هكذا. ورغم خوفها من تلك المشاعر بسبب تجربتها السابقة ومحاولاتها للسيطرة عليها، لكنه كل مرة يضرب بمحاولاتها السخيفة عرض الحائط بسبب أفعاله الرجولية ونبرته ونظراته اللطيفة.
وسط ذوبانها وهيامها بصوره ووسامته، انتفضت فزعًا عندما وجدت الهاتف يصدح رنينه فجأة بين يديها معلنًا عن اتصال منه، فبدت مضطربة وخائفة كمن مسك بالجرم المشهود. حاولت التحكم بانفاسها وردت عليه بصوت خافت:
"الوو."
وصلها صوته الذي يذيب قلبها:
"كمان عشر دقائق بالضبط والباب هيرن، هتفتحي هتلاقي علبة. خديها وادخلي."
غمضت حاجبيها بحيرة وسألت بعدم فهم:
"علبة إيه دي؟"
تمتم بصوت رجولي مفعم بالحنو ونبرة مرحة:
"بصي يا ست البنات، أنا الصراحة في معايا فرح واحد صاحبي شوية بليل. وأنا وقعت بلساني قدام والدته وأنا عنده وقولتلها أني اتجوزت في إيطاليا، وهي صممت تشوفك وأجيبك معايا الفرح. فأعتقد دلوقتي أنتي خمنتي العلبة دي فيها إيه؟"
اتسعت عيني خلود بعدم استيعاب وانعقد لسانها من الصدمة. فسمعته يكمل باعتذار شديد وأسف حقيقي:
"قبل ما تردي وتقولي أي حاجة، أنا عارف أنك هتتعصبي واللي أنا عملته ده تهور وغباء، بس والله أنا لغاية دلوقتي مش عارف أنا قولته كده إزاي. فمعلش، خلينا نمشي الليلة دي بس وتعالي معايا، وأوعدك مش هتتكرر تاني. ولو أي حد سألني عنك بعد كده، هقوله أنك سافرتي ومش موجودة."
مسحت على وجهها وتألقت بصوت مسموع، ثم ردت عليه منزعجة بحزم:
"مروان، أنت كيف تقولها أننا متجوزين؟ أنا متجوزة ولسا حتى مطلقتش من سمير."
وصلها صوته الهادئ والمترقب لردها:
"يعني أنتي لو كنتي اتطلقتي منه، مكنش هيبقى عندك مشكلة؟"
ارتبكت بشدة وتلعثمت، لكن بسرعة ردت عليه بحدة:
"مروان، إيه اللي بتقوله ده؟!"
تنحنح بإحراج بسيط وهو يضحك ويقول معتذرًا:
"عندك حق، أنا مش عارف أنا بقول إيه أصلًا. انسي اللي قولته ده خالص دلوقتي. المهم، قولتي إيه؟ هتيجي؟"
قالت بحسم ولهجة قوية:
"لا يا مروان، مقدرش آجي. مينفعش، وعايزني كمان ألبس فستان وأتزوق... مستحيل."
تلف برجاء ونبرة رجولية لا تقاوم:
"عشان خاطري يا خلود، ولا أنا مليش خاطر عندك؟ أقولها إيه الست دي بس لو قالت لي فين مراتك؟"
تسارعت دقات قلبها بعد عبارته الأخيرة وخجلت بشدة، فصاحت به بحدة:
"بردك بتقول مرتك؟!"
كتم ضحكته بصعوبة وقال متأسفًا:
"أنا آسف يا ست البنات، قصدي أنها فاكرة كده يعني بعد اللي قولته. يلا بقى وافقي عشاني... ده أنا حتى نقيت لك دريس روعة، أنا واثق أنه هيعجبك قوي."
هزت رأسها بالرفض وقالت بإصرار تام وحدة:
"لا لا يا مروان، متحاولش. مش هقدر."
اختفت بسمته وتقومت تعابير وجهه بشكل غريب، ثم أجابها مضيقًا عينيه بتعجب:
"مش هتقدري ليه؟"
التزمت الصمت ولم تجيبه لعدم معرفتها بماذا تجيب عليه وكيف تقول. بينما فاحتقن صوته الرجولي وهو يعيد سؤاله عليها بانزعاج ملحوظ:
"ردي يا خلود، أنا بسألك مش هتقدري ليه؟"
ردت مجبرة بسبب إلحاحه، رغم معرفتها بأنها ستجرحه:
"أنا لسه متجوزة، مقدرش أطلع معاك قصاد الخلق على إني مراتك."
تعرف أنه بالتأكيد سيفهم عبارتها خطأ، وربما سيظنها ما زالت تكن الحب لزوجها في قلبها ولا تتقبل فكرة خروجها مع رجل غيره. لكنها لديها أسباب مختلفة، أهمها أنها لن تتقبل نفسها أبدًا. هي بدأت تكن له مشاعر الحب في قلبها، وإذا فعلتها، ستشعر وكأنها خيانة لنفسها وقلبها وهي ما زالت متزوجة.
سمعت صوته المقتضب وهو يجيبها بغلظة:
"تمام، براحتك يا خلود. مش هغصب عليكي. سلام."
ودعته بنفس الكلمة وهي عابسة الوجه وبقت على فراشها حزينة. حتى سمعت صوت رنين الباب، فوثبت واقفة وهرولت مسرعة لتفتح وترى ذلك الفستان الذي اشتراه لها. عندما فتحت، لم تجد أحد ووجدت العلبة أمام الباب على الأرض كما أخبرتها، فحملتها ودخلت بها للغرفة مجددًا وفتحت الغطاء، فرأت فستانًا من اللون الأزرق بأكمام طويلة ومطرز بفصوص لامعة عند منطقة الصدر. التقطته فورًا بعينان متسعة بإعجاب، فانسدل أمامه بطوله كله ليظهر جماله أكثر وهي تضحك بفرحة. وضعته على جسدها أمام المرآة تنظر لنفسها بوجه مشرق، لكن سرعان ما ظهر العبوس مجددًا على وجهها وأبعدت الفستان عنها لتنظر له من بعيد وهي تهمس بأسف تقصد مروان:
"حقك عليا، عارفة أنك أكيد دلوقتي زعلت مني قوي. بس أعمل إيه، غصب عني كان على عيني أروح معاك، بس مقدرش."
وضعت الفستان على الفراش وجلست بجواره عابسة الوجه، ثم لمحت الحذاء الأبيض العالي الذي كان في أحد زوايا العلبة من الداخل، فاخرجته ونظرت له وهي تبتسم بحب. أسرعت والتقطت هاتفها وفتحت الدردشة بينهم لتراسلها وتقول: "الفستان والجزمة حلوين قوي يا مروان، شكرًا."
خرجت حور من بوابة الجامعة بعد انتهائها من آخر امتحان في السنة الدراسية ووقفت على جانب الطريق تنتظر وصول أي سيارة أجرة. لكن التفتت ناحية اليسار فور سماعها لصوت بوق سيارة مرتفع، فرأت زوجها وهو يشير لها من داخل السيارة. رمقته بضيق وعتاب شديد، ثم سارت إليه بخطواتها البطيئة وفتحت باب السيارة لتستقل بجواره دون أن تنظر لوجهه. فزفر هو بيأس وسألها باهتمام حقيقي:
"أخبار الامتحان إيه؟ حليتي زين؟"
ردت بمضض وهي ما زالت مضربة عن النظر إليه عقابًا له:
"الحمد لله."
تنهد بلال الصعداء وقال مازحًا ليلطف الأجواء المشحونة بينهم:
"اممممم، شكلك واخدة على خاطرك قوي مني. احنا نروح شقتنا عشان أوريك التجديدات الأخيرة اللي عملتها، وهناك نتكلم على راحتنا."
التفتت له ورمقته بنارية، ثم قالت بغضب واعتراض قاطع:
"لا مش عايزة أروح معاك مكان. روحني البيت."
ابتسم لها بثبات انفعالي وعينان مفعمة بالحب، ثم مد يده والتقط كفها الصغير والناعم وانحنى عليه يلثم باطنه وهو يهمس:
"ما إحنا مروحين البيت يا حوريتي، بس بيتنا إحنا."
جذبت يدها من قلتها بقوة وهي توفر بنفاذ صبر وتهتف له بعصبية:
"بلال!"
أجابها بهيام وهو يرسل لها قبلة في الهواء:
"عيوني."
مالت بوجهه للجانب وهي تتأفف مغلوبة منه، بينما هو فانطلق بالسيارة يشق بها الطرق متجهًا لشقتهم الزوجية. وهي تجلس بجواره ساكنة تراقب الطريق فقط دون أن تخاطبه أو حتى تنظر له. دام الطريق لنصف ساعة تقريبًا حتى توقف أمام البناية، فنزل هو أولًا والتف بسرعة من الجهة الأخرى حيث مقعدها وفتح لها الباب، ثم بسط ذراعه بابتسامة عاشقة. فحدقته بنظرة جانبية تدل على قلة حيلتها. تجاهلت يده الممتدة أمامها ونزلت من السيارة بمفردها، ودفعته برفق بعيدًا عن طريقها، وعلى ثغرها شبه ابتسامة تكاد لا ترى، جعلتها يبتسم تلقائيًا ويتأكد أنه نجح في نيل رضاها قليلًا.
أسرع خلفها لداخل البناية يصعد خلفها الدرج وهو يتأملها بغرام، حتى وصلوا أمام باب الشقة، فأفسحت له الطريق ليمر من أمامها ويفتح الباب. ففعل ودخل قبلها، ثم لحقته وتركتها يغلق الباب خلفها وهو يضحك عليها. وقفت بمنتصف الصالة واستدارت له تسأله بفضول ونبرة مقتضبة:
"فين التجديدات اللي قلت عليها دي؟"
تقدم إليها بخطوات متريثة، ثم حاوطها بذراعيه باحتواء وجذبها معه باتجاه الأريكة متمتمًا:
"تعالي بس الأول، تجديدات إيه وبتاع إيه؟ هو في حاجة أهم منك ومن زعلك."
لوت فمها مغلوبة من كلامه المعسول الذي يلين قلبها رغمًا عنها. وجدته يجلسها بجواره دون أن يكون لها أي اختيار، ويديه حول خصرها ونظرته الحانية مسلطة عليها وسط صوته الرجولي العذب:
"حقك عليا، متزعليش مني. أنا عارف أني قلقتك عليا، بس..."
قاطعته استياء وعينان امتلأت بالعبرات:
"بس إيه يا بلال؟ أنت كان عندك استعداد تروح للراجل ده وتقتله، وميهمنيش حاجة."
حاولت تلطيف الأجواء وإضفاء جو المرح، فقال مازحًا وهو يضحك:
"قتل إيه بس؟ ده أنتي كبرتي الموضوع قوي. بزمتك ده منظر واحد يقتل؟ ده أنا حتى طيب وغلبان ومبعرفش أذي نملة."
لم تضحك على مزحته، بل صاحت به بشدة وهتفت بصوت مرتجف وهي توبخه بقسوة:
"أنت حتى مكنتش بترد عليا، وطلعت من غير ما تديني فرصة أحاول أتكلم معاك. أنا من كتر ما حسيت نفسي عاجزة وهتجنن من الخوف عليك، فضلت أدور على رقم أخوك، وأخدته من تلفون بابا من غير ما يعرف، وكلمته عشان يلحقك قبل ما تتهور وتعمل في الراجل حاجة. مفكرتش فيا ولا في وضعي كان إزاي وأنت طالع من عندي ناوي تضيع نفسك وشايل كفنك على إيدك..."
انهارت باكية أمامه كالطفل الصغير ولم تستطع إكمال آخر كلماتها. فبسط ذراعيه فورًا وضمها لصدره ماسحًا على ظهرها بحنو وبشفتيها يتجول على رأسها بالقبلات الدافئة ويهمس بصوت مفعم بالأمان والحب:
"اهدأ طيب، أنا آسف. خلاص عشان خاطري متوجعيش قلبي."
توقفت عن البكاء، لكن جسدها ما زال تزوره نفضة بسيطة من أثر بكائها الشديد. فأبعدها عنه بلطف وهو يحتضن وجهها بكفيه وينظر في عينيها بغرام هامسًا:
"سامحيني، أنا مقدرش على زعلك مني والله."
ارتخت عضلاتها المتشنجة وهدأت نوبتها، فنظرت له بعين محبة وقوية وهمست:
"توعدني أنك متكررهاش ومتعملش فيا كده تاني؟"
مال ثغره للجانب بابتسامة عاشقة ورفع أنامله يمسح دموعها بكل رقة ويميل عليها بوجهه يلثم وجنتها بحميمية هامسًا في صوت رجولي أثر قلبها:
"وعد يا حوريتي."
ابتسمت له أخيرًا بخجل بعد قبلته ودفعته بعيدًا عنها برفق هاتفة بحدة متصنعة:
"أنت مش هتبطل تستغل كل موقف كده."
حرك حاجبيه بنظرات لعوب وعبثية، فضحكت هي مغلوبة واستقامت واقفة تهرول راكضة تجاه أحد الغرف وتغلق الباب عليها من الداخل. وقف هو أمام الباب وطرق عليه يقول بضحكة عالية:
"افتحي، مش هعمل لك حاجة تاني والله، دي كانت بوسة كده لزوم الصلح بس."
داخل منزل جلال وفريال...
فاق جلال مفزوعًا هو وفريال على أثر طرق الباب القوي، فصاح بصوت غاضب على أولاده:
"إيه الخبيط ده!"
انتفض معاذ وعمار بالخارج ندمًا وخوفًا من والدهم، بينما فريال فقبضت على ذراع جلال هامسة له بلطف:
"براحة عليهم، متزعقلهمش قوي... عيال يا جلال وتلاقيهم عاوزين حاجة كيف عوايدهم."
هب واقفًا من الفراش وقال بعصبية:
"اللي عاوزينه يستنى، لكن يصحونا مفزوعين كده."
كانوا يستمعون لصباح والدهم الغاضب من الداخل وهم يتمنون أن تنشق الأرض وتبتلعهم. كان عمار سيهم بالفرار وترك شقيقه الأكبر في وجه العاصفة بمفرده، لكن معاذ قبض على ذراعه يوقفه ويجذبه عنوة:
"تعالى هنا رايح فين؟ مش أنت اللي كنت بتخبط وقولت لك أبويا هيتعصب لو صحى بسبب الخبط الجامد ده؟"
ازدرد عمار ريقه بتوتر وخوف ووقف مضطرًا بجوار شقيقه. لمن كلامها انتفضا فزعًا عندما فتح جلال الباب على مصراعيه وهو ثائر. لا إراديًا ارتفعت يد عمار وأشارت على شقيقه تقول لوالده بارتياد:
"ده معاذ يا أبوي اللي كان بيخبط مش أنا!"
رمقه معاذ بصدمة ونظرة نارية متوعدة، بينما جلال فصاح بصوت جهوري:
"أنا مش نبهت مليون مرة مفيش خبط بالمنظر ده على الباب."
طرقوا رأسهم أرضًا وهتف معاذ بصوت رزين على عكس شقيقه ذو الشخصية المتهورة والجنونية:
"إحنا آسفين يا أبوي، مش هتتكرر تاني."
ثم رفع رأسه ونظر لشقيقه وأكمل مغتاظًا:
"بس أصل عمار عرف أن عمتي آسيا ولدت وكان عايز يقولك عشان تودينا نشوف العيل."
رفع عمار رأسه لوالده وقال بحماس طفولي مضحك:
"أيوه يا أبوي، خدنا أبوك يدك خلينا نشوف ولد عمتنا وخالنا، وأوعدك مش هنخبط على الباب تاني أصلًا حتى لو حصل إيه."
لانت تعبيرات وجه جلال المتشنجة وهدأت ثورته، فقال شبه مبتسمًا:
"روحوا على أوضتكم البسوا يلا."
قفز عمار وهو يصيح فرحًا بجنون، بينما معاذ فاكتفى بالابتسامة الهادئة واتجه لغرفته ليرتدي ملابسه.
دخل جلال غرفته ثانية وأغلق الباب ليرى فريال تضحك بقوة على تصرفات ابنها الصغير، فيقول لها مغلوبًا:
"معرفش أنا جايب الجنان ده منين، بيخليني أطلع عن شعوري."
قهقهت فريال بنعومة ثم استقامت من الفراش وردت عليه بنظرة جانبية مبتسمة:
"مش عارفة يعني جايبه منين؟ مهو طالع شبهك، ومعاذ معاذ من خاله عشان كده هما الاتنين دايماً بيتخانقوا زيك أنت وعمران."
اقترب منها بتريث ووقف أمامها ثم انحنى عليها وخطف قبلة دافئة من جانب ثغرها متمتمًا بسعادة:
"أنا اعتبر الضحك والهزار ده خلاص معدش في زعل."
لوت فمها ورمقته بطرف عينها في مكر، ثم قالت بجفاء متصنع:
"هو أنا عشان اتكلمت معاك أبقى خلاص نسيت؟ تحب نرجع مفيش كلام حتى بيننا؟"
يمسح على وجهه متأففًا بنفاذ صبر وقال بجدية:
"ل علمك المفروض أنا اللي أزعل وأخد على خاطري. لو ناسية أفكرك أن أنتي اللي غلطانة واتصرفتي من ورا ضهري."
فريال بثقة وصلابة وهي تعقد ذراعيها أسفل صدرها:
"وأنا اعتذرت منك وكان عندي استعداد أكمل اعتذار لغاية ما تسامحني، لكن أنت جرحتني لما مشيتني من البيت. واحدة غيري كانت هتهمل البيت وتمشي أصلًا، بس أنا عملت حساب أني أنا كمان غلطانة زيك وقررت أعاقبك وأنا في بيتي."
يضحك رغمًا عنه وتمتم مرددًا عبارتها:
"قررتي تعاقبيني؟ ماشي، وادي عاقبتيني وكيف ما قولتي، إحنا الاتنين غلطنا بزيادة عاد... إحنا كده متصافيين يا فريال؟"
ترفع حاجبها مبتسمة بدلال وقال بعناد جميل وهي توليه ظهرها وتتجه نحو الحمام:
"لا، لما تعرف قيمتي الأول وتندم على اللي قولته. لازم أخليك تشتاق لي وأنا جارك عشان بعدين متطلبش مني كده تاني تحت أي ظرف."
لحق بها بلهفة وحاوطها من الخلف يحتضنها بغرام حقيقي ويهتف بصوت يملأه الندم والشوق:
"ومين قالك أني مندمتش؟ بعدين هتخليني أشتاق لك أكتر من كده إيه؟ بلاش تقسّي قلبك عليا عاد يا حبيبتي، غلطة ومش هتتكرر."
ابتسمت فريال بحب وعاطفة جيّاشة وسكنت لعناقه لها. لكن لم يدم استسلامها سوى للحظات معدودة، حيث رسمت الحزم على تعابيرها مجددًا وابعدته عنها برفق متمتمة:
"لا، لسه. أنا مش حاسة أنك اشتقت لي كفاية."
تركته واتجهت إلى الحمام وهي تتمايل بغنج في خطواتها، فتظهر منحنيات جسدها الأنثوي لتثير جنونه أكثر. بينما هو فوقف واضعًا كفيه فوق خصره من الجانبين ويهتف مناديًا عليها بغيظ:
"فريال!"
وقفت عند باب الحمام والتفتت له برأسها وهي تبتسم بدلع وتحرك أصابعها برقة مودعة إياه، ثم دخلت الحمام وأغلقت الباب لتتركه بالخارج بتحرق من شوقه وغيظه منها.
داخل منزل خليل صفوان بتمام الساعة الثامنة مساءً، اتجهت جليلة للباب لتفتح للطارق بعدما ظنته ابنها أو فريال. لكن تجمدت مكانها عندما رأت إخلاص أمامها وهي تبتسم له بشيطانية وتقول بود مزيف:
"كيفك يا جليلة؟"
طالعتها جليلة بنظرة ملتهبة ووقفت بكل جبروت أمامها وشموخ وقالت بابتسامة متهكمة:
"كنت زينة قبل ما أشوفك."
قهقهت إخلاص باستهزاء واضح وتمتمت بنظرة يملأها الحقد:
"هتفضلي دايماً كارهاني ومبتحبنيش كده عشان عارفة أني أحسن منك."
كتمت جليلة انفعالاتها بصعوبة وردت عليها بثبات مزيف يعكس العواصف التي قامت بداخلها من مجرد رؤية تلك المرأة الحرباء:
"جاية بيتي ليه يا إخلاص؟"
إخلاص ببرود مستفز وثقة تامة:
"جاية أشوف ولد ولدي... حفيدي وأطمن عليه."
للحظة كانت ستغلق الباب في وجهها وترفض إدخالها منزلها، لكن لم تفعل وافسحت لها الطريق هاتفة بنظرة مشبعة بالنقم:
"دلوقتي ولد ولدك افتكرتيه؟ كنتي فين امبارح طول اليوم وبتي كانت في العمليات؟"
ابتسمت إخلاص وقالت بنبرة فظة وقاسية:
"أنا ميهمنيش بنتك طالما حفيدي جه الدنيا بخير وسلامة."
اشتعلت عين جليلة بنظرات نارية مخيفة وخرجت من طور ثباتها المزيف لتظهر مخالبها وحقيقتها البشعة والشريرة. حيث غارت على إخلاص وقبضت على رقبتها تخنقها دون شفقة وهي تهددها بصوت أقرب لفحيح الأفعى:
"اسمعي يا ولية يا سوء انتي، أنا دلوقتي هخليكي تطلعي تشوفي حفيدك ده اللي هامك قوي، بس قسماً بالله لو قولتي لبنتي كلمة ولا عملتي أي حاجة تضايقها، لادفنك في أرضك ومفيش حاجة هتهمني، فاهمة ولا لأ؟"
دفعت إخلاص يد جليلة عنها بعنف وأخذت تسعل بقوة وهي تصيح بها غاضبة:
"أنتي اتجننتي في نافوخك ولا إيه؟ أنتي عايزة تموتيني يا مجنونة؟"
جليلة بنظرة مرعبة ومحذرة:
"اطلعي شوفي ولد ولدك يا إخلاص قبل ما أطردك ومخليكيش تشوفيه أصلًا."
نظرت لها بوعيد شيطاني وغل وبغض حقيقي متمتمة:
"ماشي يا جليلة، مبقاش أنا إخلاص الصاوي أما دفعتك تمن اللي عملتيه معايا ده."
دفعت إخلاص للأعلى حيث الطابق الثاني تجاه غرفة آسيا ووقفت أمامها ثم دخلت دون إذن. فزعت آسيا عندما رأت إخلاص أمامها وبمنزلهم وكانت خلفها أمها. هتفت آسيا تسألها بذهول:
"بتعملي إيه هنا؟"
ردت إخلاص ببرود مستفز وعينان تبحث عن حفيدها في الغرفة:
"جاية أشوف الغالي ولد الغالي."
سقطت عينها على الفراش الهزاز الصغير بجوار فراش آسيا والنائم به حفيدها الصغير، فاتجهت نحوه بعينان تلمع من السعادة. وبينما كانت على وشك أن تنحني عليه وتحمله، صرخت بها آسيا برعب ووقفت حائل بينها وبين فراش ابنها تقول بغضب وخوف:
"بتعملي إيه؟ بعدي عن ولدي متقربيش منه!"
ضيقت إخلاص عينيها باستغراب والتفتت تجاه جليلة التي كانت تنظر بنفس علامات الاستفهام والحيرة. ثم عادت بوجهها لآسيا مجددًا وابتسمت بسخرية تقول:
"مقربش منه ده إيه؟ حفيدي وعايزة أشوفه وأخده في حضني، مالك يا بت خليل هتمنعيني عن ولد ولدي ولا إيه؟"
وقفت آسيا أمامها بكل شراسة وقالت بنظرة مميتة:
"آه، همنعك ومش هتقربي من ولدي يا إخلاص. لو أنتي نسيتي، فأنا لسه فاكرة."
فهمت إخلاص ما تلمح إليه، فتقوست تعابير وجهها باحتدام شديد وقالت في نبرة صوت رخيمة وابتسامة متكلفة لتهدأ من حدة الأجواء:
"ده موضوع وخلص يا آسيا... دلوقتي ولد ولدي جه على الدنيا ومفيش حد فرحان بيه قدي."
ضحكت آسيا بقوة في استهزاء منها وصرخت بصوت جهوري مرعب:
"أنتي فكراني هبلة هتضحكي عليا؟ قلتلك مش هخليكي تلمسي ولدي."
في تلك اللحظة تحديدًا، كان عمران وصل بالأسفل مع جلال بعدما تقابلوا أثناء طريقهم للمنزل. سمع كل منهم صوت صياح آسيا المرتفع، وكان عمران يسبق جلال في الركض للأعلى مفزوعًا ومرتعدًا على زوجته وابنه. وقف بالغرفة وهو يلهث أنفاسه وينظر لأمه وزوجته وهم يقفون أمام بعض بتحدي في دهشة. بينما إخلاص فالتفتت تجاه ابنها وهتفت بحرقة وغضب:
"مرتك مش عايزاني أشيل ولدك يا عمران، بتقولي مش هتقربي منه ولا تلمسيه."
نظرت آسيا لزوجها بكل جبروت وبدت مصممة على قرارها. أخذ عمران نفسًا عميقًا بعدما فهم سبب تصرف آسيا واتجه نحوهم لخطوات متريثة وبهدوء مريب، ثم اقترب من فراش ابنه وانحنى عليه ليحمله بين ذراعيه ويضمها لحضنه مقبلًا رأسه بحنو مبتسمًا، ثم انتصب في وقفته ونظر لآسيا بحدة يقول:
"بعدي يا آسيا، مينفعش اللي بتعمليه ده ولا يليق بيكي يا بت الأصول."
رمقته بنارية وغل ومدت يدها لتجذب ابنها من بين ذراعيه هاتفة:
"هات الواد يا عمران، أمك مش هتقرب من ولدي ولا تلمسه."
مال بنصف جسده العلوي بعيدًا عنها وهو يضم صغيره بحضنه وينظر لها بحدة ويقول بصوته الرجولي يحذرها:
"آســيــا."
كانت جليلة ساهمة بالاندفاع نحوهم والدفاع عن ابنتها والوقوف بصفها، لكن جلال قبض على ذراعها يمنعها بنظراته الصارمة وهو يهمس:
"استنى يا أمي، ملكيش صالح."
راقبت آسيا عمران وهو يضع ابنها بين ذراعي جدته بنظرات محتقنة ومتلألأة بالعبرات. التزمت الصمت المؤقت وسكنت وهي تراقب تفاعل إخلاص وفرحتها الحقيقية وهي تمطر حفيدها بوابل من قبلاتها الدافئة.
كانت إخلاص تتأمله بعينان دافئة كلها حب صادق، وللحظة كرهت نفسها لأنها حاولت قتله والتخلص منه. ندمت أشد الندم بعدما وضعته بين ذراعيها. رفعت رأسها لعمران وقالت له بعين يملأها العبرات:
"فولة واتقسمت نصين، هيطلع راجل ليه هيبته وشنته ورنته كيف أبوه."
ابتسم لها عمران بحب ومسح على كتفها بود، بينما هي فظل تداعب في حفيدها الصغيرة وتقبله لدقائق، ثم أعادته لأحضان أبيه مرة أخرى وهي تردد بصدق:
"يتربى في عزك يا ولدي، وعقبال ما تفرح بيه وبشهادته وجوازه."
حمل ابنه بين ذراعيه ورد على أمه بابتسامة عذبة:
"آمين يا أمي."
تنهدت إخلاص ثم نظرت لآسيا وقالت على مضض وهي تهم بالانصراف:
"حمد لله على السلامة."
رمقته آسيا شزرًا، ثم راقبتها وهي تغادر الغرفة بوعيد شيطاني، ولحقت بها جليلة، وكذلك جلال غادر وترك آسيا وعمران بمفردهم. انحنى عمران على فراش ابنه ووضعه به برفق، ثم اتجه نحو باب الغرفة واغلقه وعاد بخطواته لآسيا التي كانت ترمقه بنظرة خزي وكره. ليهتف صائحًا:
"بتبصيلي كده ليه؟ إيه أنتي عايزاني أحرم ولدي من جدته؟"
اندفعت نحوه ثائرة وصاحت بقهر:
"آه، جدته اللي كانت هتحرمك منه وكانت هتسقطني وتموته."
عمران بنفاذ صبر وسخط شديد:
"لسه في الموضوع ده، مش هنخلص منه!"
حدقته بشراسة وقالت بتحدي وعناد يليق بأنثى متجبرة مثلها:
"مش هنخلص، وأنا النهاردة سكت وعديت اللي حصل، بس أمك مش هتقرب من ولدي تاني."
عمران بعصبية حقيقية:
"أنتي اتجننتي في نافوخك ولا إيه؟"
نظرت له بخزي وعين متلألأة بعبرات الانكسار والقهر وهمست:
"كان نفسي تخيب ظني مرة واحدة وتقف جاري، لكن كيف كل مرة بتقف في صف أمك وبتاجي عليا أنا ومش بتنصفني. بتخليني أحس نفسي عريانة ومليش ضهر أتحامى فيه. بحس إني وحيدة أنا وولدي."
اتسعت عيني عمران بدهشة من كلماتها المأساوية وقال لها بانزعاج بسيط محاولًا الدفاع عن نفسه في قلة حيلة:
"أنا عملت إيه لكل ده؟ أنتي عايزاني أعمل إيه يعني؟ مهو من جهة أنتي وولدي ومن جهة أمي، وأنتوا الاتنين مقدرش أخسركم."
ابتسمت بتهكم وعينان غارقة بالدموع، ثم دفعته في صدره وهي تضربه بغل متمتمة:
"أنت خسرتني أصلًا من بدري. اطلع برا، مش عايزة أشوفك... اطلع!"
كانت تضربه في صدره تحاول دفعه تجاه الباب، لكنه كان كالحصن يقف شامخًا وصلبًا، ودفعاتها لا تؤثر به، فصرخت به بهستيريا وبكاء شديد:
"اطلع برا قلت لك، مش عايزك... اطــ..لــ..ع برا!"
احتضن كفيها بين يديه الكبيرة ليمنعها عن ضربه أكثر وهو ينظر في عينيها بلهيب مرعب ويصيح بها:
"أنتي أكتر واحدة عارفة أنا كيف كنت بحبك وعاشقك وبتمناك كل ليلة تكون مرتي وجاري."
ارتخت أعصابها المتشنجة واتسعت عينيها بصدمة مرددة كلمته:
"كنت!!!"
تجاهل كلمتها وتابع بانفعال وجموح غريب وهو يخرج ما دفنه بقلبه منذ سنوات، يخرج كل البشاعات التي كانت تؤرقه كل ليلة في فراشه وتجرحه من أعمق نقطة في قلبه:
"أنتي لما اتخطبتي للـ**** ده، كنتي عارفة إني بحبك وعارفة إني اتكلمت مع عمتي وكنت ناوي آجي أتقدملك. بس أول ما لقيتي فرصة أحسن وأحلى وواحد هيريحك بالفلوس، خدتيه هو ومهتمتيش بيا. كنت بتعذب وأنا بحاول أنساكي ومش عارف. وآخر حاجة خطبت على أمل إني أطلعك من قلبي وأحب خطيبتي."
سكت للحظة ثم تابع بنظرة حزينة ونبرة مريرة:
"بس كنت بضحك على نفسي ولقيت نفسي بظلم الغلبانة مريم معايا وهي ملهاش ذنب. ورغم إني عارف كل ده عنك وعارف إنك اخترتيه هو ومهتمتيش بيا أنا، وافقت أكمل معاكي لما فسختي خطوبتك من كتر حبي ليكي، وقولت معلش غلطت وكلنا بنغلط وهي لسه قليلة الخبرة، واكيد عرفت أن محدش هيحبها قدي وقررت إني أسيب خطيبتي وأكمل معاكي أنتي ونتجوز. بس اللي حصل غير كل حاجة. وأنتي دلوقتي بتتهميني وتقوليلي أني أناني ومش بحبك بعد كل ده."
امتلأت عين رحاب بعبرات القهر والصدمة ثم تمتمت بصوت مبحوح وخافت:
"ياه، كل ده شايله في قلبك ومعبي مني. بس عموماً، أنا مش هجبرك تكمل معايا وتسيب خطيبتك عشاني يا بشار. خلاص، كل واحد يروح لحاله."
أنهت عباراتها واستدارت وهي تندفع لخارج الغرفة والوكالة بأكملها مسرعة وتبكي، بينما هو فوقف مكانه لثواني يستوعب ما حدث للتو وما قاله دون وعي. فمسح على وجهه متأففًا ولحق بها ركضًا وهو يصيح مناديًا عليها:
"رحـــاب، استني... رحــــاب."
ولكنه تأخر عنها فقد كانت غادرت بالفعل الوكالة وتسير في الطريق مسرعة باتجاه منزلها، فظل بأرضه يمسح على شعره بعصبية وندم على السخافة التي تفوه بها.
بمنزل إبراهيم الصاوي...
وصل عمران للمنزل بعد عودته من منزل خليل من عند زوجته وابنه. قاد خطواته بثقل تجاه الدرج من فرط التعب والإرهاق طوال اليوم. ثم صعد درجات السلم حتى وصل للطابق الثاني. لا يعرف لماذا قدميه قادته تجاه غرفة أمه بدلًا من غرفته، لكنه كان ينوي التحدث معها عن ما حدث بمنزل خليل. وصل إلى باب غرفتها ورفع يده ليكرف على الباب قبل أن يدخل، لكن كف يده توقف في الهواء عندما سمعها وهي تتحدث في الهاتف مع منى وتضحك بشماتة متمتمة:
"لو كنتي شوفتي وشها يا منى لما عمران خد من يدها الواد وحطه في حضني غصب عنها، كانت هتولع من غيرتها وغيظها."
أنزل كف يده المعلق في الهواء ببطء شديد بعدما جذب انتباهه موضوع حديثها مع منى وقرر أن يسمعه للنهاية. فوجدها تكمل بعدما جاءها الرد من الأخرى:
"متقدرش تعمل حاجة، عمران هيطلقها خلاص. أنا مش قلت لك مبقاش أنا إخلاص الصاوي أما بعدت الحرباية دي وخلصت ولدي منها خالص. وأهم هيطلقوا كيف ما قلت يا بتا."
اختفى صوتها للحظات ثم تابعت بنبرة حماسية وشيطانية:
"يطلقها بس ونخلص منها ومتقلقيش، أنا هفضل ورا عمران لغاية ما يتقبلك ويوافق يتجوزك وتبقى أنتي مرات المعلم عمران الصاوي يا غالية."
لحظات أخرى وصدح صوتها بالكلمات التي كانت بمثابة نقطة النهاية والتي جعلت البركان الخامد في ثناياه ويحاول السيطرة عليه ينفجر، وستكون هي من أول ما يطولها حممه النارية:
"عمران ما يعرفش ومش هيعرف، هي كام مرة تحاول تقوله عشان تخليه يصدق أني أنا اللي زقيتها من على السلم وهو مش مصدقها، وحتى التسجيل اللي سجلته ليا أنا مسحته. يعني الحرباية دي بت جليلة مش هتقدر تفرقني عن ولدي مهما عملت."
فتح الباب فجأة على مصراعيه، فانتفضت هي فزعًا والتفتت خلفها لترى ابنها يقف كالثور الهائج وتعبيرات وجهه لا تنم عن خير أبدًا. فازدردت ريقها بتوتر وقالت:
"عمران!!"
.......... نهاية الجزء الأول من الفصل ...........