تحميل رواية «كرسي لا يتسع لسلطانك» PDF
بقلم مريم غريب
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تكوّرت “فريال” في سريرها محدقة به. دفتر مذكرات أمها. لقد حصلت عليه و لم تدري كيف. لم تعلم به من قبل، قبل أن تذهب و ينتهي لقائها بشقيقها “إركان” ظهر اليوم. أعطاها إيّاها و أخبرها بأنه وصيّة والدتهما، ألا يطّلع أحدٌ غيرها عليه. و لكن للغرابة أن أمها أمنت “إركان” على شيء خاص كهذا! و الأكثر غرابة أن يصون “إركان” أمانة والدته، و هو نفسه الذي خان دمه و عِرضه بل و أعتدى عليه! تنهدت “فريال” بحرارة و قد أعيّتها الحيلة. إلى متى تتجنّب فتح المذكّرات؟ عليها أن تفعل في الأخير. عليها أن تعلم ماضيها. هذا ما تح...
رواية كرسي لا يتسع لسلطانك الفصل الأول 1 - بقلم مريم غريب
تكوّرت “فريال” في سريرها محدقة به. دفتر مذكرات أمها. لقد حصلت عليه و لم تدري كيف. لم تعلم به من قبل، قبل أن تذهب و ينتهي لقائها بشقيقها “إركان” ظهر اليوم. أعطاها إيّاها و أخبرها بأنه وصيّة والدتهما، ألا يطّلع أحدٌ غيرها عليه. و لكن للغرابة أن أمها أمنت “إركان” على شيء خاص كهذا! و الأكثر غرابة أن يصون “إركان” أمانة والدته، و هو نفسه الذي خان دمه و عِرضه بل و أعتدى عليه!
تنهدت “فريال” بحرارة و قد أعيّتها الحيلة. إلى متى تتجنّب فتح المذكّرات؟ عليها أن تفعل في الأخير. عليها أن تعلم ماضيها. هذا ما تحتاجه. طيّ صفحة الماضي حتى تتمكن من المضي إلى المستقبل في سلامٍ. حتى تتمكن من التعافي و السماح لأقرب الناس إليها بمداواتها.
تحاملت “فريال” على نفسها و جلست في الفراش. أمسكت بالدفتر ذي المغلّف المصنوع من الجلد المصقول. فتحت دفّتيه و غاصت من فورها دون أدنى ترددٍ.
***
أسمي “جهان شاهينك”. و هذه ليست مذكرات أو ما شابه. بل هي رسالة. رسالة أتركها هنا من أجل يوم قلبي يشعر بأنكِ سوف تحتاجين فيه للشرح. عزيزتي. ابنتي الغالية “فريال”. هذه أمك. أكتب لكِ هذا لتعلمي أنّي لم أخذلكِ تمامًا. على الأقل من منظوري. أنا مجرد أم. لكِ و لأخيكِ. ها أنتِ اليوم و قد رزقت بطفلك الأول عزيزي “عثمان” الصغير. هل أتجرأ و أطلب إليكِ أن تضعي نفسكِ بمكاني؟
أنتِ ابنتي. “إركان” ابني. ماذا كان عليَّ أن أفعل؟
لقد أجرم بحقك. و أقترف ذنبًا لا يُغتفر. و لكن يا حبيبتي. الأم هي الوحيدة التي تمنح الغفران. قلبي ما كان ليتقبّل أن أفرّط بكِ أو به. فبذلتُ فوق طاقتي لكي أحافظ على كليكما. قمتُ بإقصائه بعيدًا عنكِ. و من جهة أخرى لم أسكن حتى ضمنتُ لكِ حياةً سالمة. هانئة. أنظري أين أنتِ اليوم. أنظري من حولكِ. زوجًا يحببك. و طفلًا أنا واثقة من إنه سوف ينسيكِ كل آلامك بمجرد نظرةً في وجهه. و إن جاء يا ابنتي اليوم و فقدتِ الزوج المُحب. أو شعرتِ أنكِ بحاجة للشرح. فها هي أمك تمنحكِ ما تنشدين. و أتركها لكِ مع عقدة ماضيكِ. لا شيء سوى أن تتحرري. لتتحرري يا حبيبتي.
***
عزيزتي “فريال”. إنه شابٌ رائع. حقًا. طيب القلب. دمث الخُلق. و يعشقك. اليوم مرّ على زواجكما عامان و نصف. تعلمين أن والدكِ قد رحل. و أنا أيضًا تركتكِ و عدتُ إلى إسطنبول. قلتُ لكِ بأنّي لا أحب العيش بعيدًا عن موطني. و لكن هذه أوراق الصراحة فيجب أن أصارحكِ. عدتُ من أجل “إركان”. و دون الخوض في تفاصيلٍ قد تزعجك. وددتُ كثيرًا أن أعلمكِ بمدى امتناني لأنّكِ زوجةً لـ”يحيى”. ما زلتُ أذكر فترة صباكِ و مراهقتك معه. و كم كان يحببك و يخشى عليكِ. لأكون صريحةً معكِ ما كنت ألقي بالًا لجديّة العلاقة بينكما. ظننتُ إنها مجرد لحظات و سوف تنتهي. إلى أن جئتِ إليَّ و أبلغتني بأنه يود مقابلة أبيكِ و سيحضر والديه ليطلبا يدكِ له. في هذه اللحظة أدركتُ إلى أيّ مدى صار وضعكما حقيقيًا. و كان عليَّ أن أتدخل. كان لديَّ هذا الإصرار. “يحيى” يجب أن يعلم بما صار معكِ على يد “إركان”. و لم أفعل ذلك إلا حين تأكدتُ بأنه أهلٌ للثقة. و لأجل مصلحتكِ. كنتُ سآخذكِ و نعود إلى “إسطنبول” فور أن ألقي بالحقيقة في وجهه. في حالة رفض الاستمرار معكِ. ما كنت لأعرّضكِ لخيبةٍ كهذه. و لكنه حطّم سوء ظنوني به و أبدى تفانيًا لم أره طوال حياتي.
دعوته للتحدث بمكانٍ ما بعيدًا عنكِ و عن الجميع. أخبرته بكل شيء صار لكِ. أراهن بأنكِ تتحرّقين شوقًا لسماع حديثه. ألستِ كذلك؟ سأذكر لكِ بالضبط ما قاله.
- من فعلها؟
ألقى سؤاله هذا ما إن فرغت من إخباره بأنكِ تعرّضتِ لاعتداءً. وجهه لم يكن مقرؤوً أمامي. و كأنه يمتصّ أجوبتي بتركيزٍ أغناه عن التقرير قبل الاستماع إلى النهاية.
- أخيها!
جاوبته و كنتُ في منتهى الصراحة معه. أردته أن يعلم كل شيء. حتى يأخذكِ كما أنتِ. حتى يعرف ما الذي سيخوضه إذا أختار الزواج منكِ على تلك الحال.
و كما ظننت. تزعزعت دفاعاته كلها. و سقط درع الصلابة الذي حمله أمامي طوال الوقت. تمكنت من رؤية الذهول. الصدمة. و حتى الاستنكار بعينيه. لكنّي أكدتُ مرةً أخرى.
- إركان شقيق فريال الوحيد. قام باغتصابها و هما أطفالًا.
كانت بالكاد تبلغ الرابعة عشرة. و إركان يكبرها بعامين. ما إن عرفت بذلك حتى أبعدته عنها. و جئنا إلى هنا و قابلتك. ابنتي لم تتحسّن إلا حين إلتقت بك يا يحيى. لذلك أنا أصارحك بكل هذا الآن.
إن كنت لا تزال ترغب بها هكذا فقد طابت نفسي بذلك و يسرّني أن تكون زوجها. و إن أبيتَ فلا ألومك أبدًا. أنت صاحب القرار!
هل تعرفي يا عزيزتي ماذا كان قراره؟ هذا واضحٌ على أيّة حال. ما إن عرف بأنكِ في حالة رفضه الاستمرار معكِ ستغادرين معي أنا و أبيكِ بغير رجعةٍ. لم يتردد للحظة و هو يبلغني بقبوله. بل و يتوّسل إليَّ للوساطة عندك والدك حتى يبارك الزواج في أسرع وقتٍ. و كما تعلمين ما حدث لاحقًا. تمت الزيجة. و كنتِ أجمل عروس رأتها عينيَّ.
تساءلت و أنا أراكِ تزدهرين مع حبيبك يومًا بعد يوم. هل ما فعلته صواب؟ أجل يا حلوتي. إنه عين الصواب. لقد سلّمت ابنتي لرجل حقيقي. رجل لن يجعلني أندم أبدًا على الوثوق به. إنه حقًا يحببك. لم أعد أشك بهذا. كما أنا أيضًا. على استعدادٍ لبذل حياتي في سبيلك.
أمّك.
“جهان”.
***
أقفلت “فريال” دفتر المذكّرات. لا تندهش من كمّية الدموع التي تساقطت فوق خدّيها و أغرقت الأوراق. في حين تكوّنت ابتسامة ملتوّية و ساخرة على فمها. كم كانت أمها حسنة النيّة. و كم كانت “فريال” نفسها بتلك السذاجة. كلتاهما وضعتا الثقة بشخص لا يؤتمن. شخص من وجهة نظر “فريال” الأكثر أنانية على الإطلاق. و استطاع خداعها لسنوات. لماذا؟
هذا السؤال هو وحده من يستطيع الإجابة عنه. أين هو؟
لقد رحل. و ما من عودةً له.
قامت “فريال” من السرير. سارت مترنّحة صوب نافذة الغرفة العريضة. لقد اختارت غرفة مميّزة بهذا الفندق. بحيث يمكنها الاشراف على جسر البوسفور من حيث تقف. و صدقًا. إنه أكثر الأشياء التي يهفو إليها حنينها. و بالنظر إليه لم تستطع منع أفكارها من الشرود مجددًا. التفاصيل التي سردها “إركان” عليها. أكثر شيء علق برأسها. ليلة زفافها. و ما حدث خلف الكواليس.
***
من دون دعوة. حتى دون علم والديه. قرر “إركان المهدي” السفر إلى “مصر” و حضور زفاف شقيقته. لم يكن مسموحًا لغير حاملي كارت الدعوة الدخول إلى قصر عائلة “البحيري”. لذا قدّم “إركان” اسمه فقط و انتظر على البوابة. ليُفاجأ بعد قليل برجال الأمن يسحبونه بهمجية قسرًا عنه إلى غرفة نائية بحديقة القصر الخلفية و الخاضة للاستصلاح. لم تتسنّى له فرصة لإبداء أيّ ردة فعل. رأى شابًا قوي البنية. رائحة الثراء و الأصالة تفوح منه. يقبل عليه مرتديًا بذلة العرس. أيقن بأنه زوج أخته المزعوم. فلم يسعه إلا أن يبتسم له بتهكمٍ و هو يشمله بنظراتٍ مستخفّة.
- ماذا تريد؟
رفع “إركان” حاجبه مدهوشًا ما إن سمع عبارة الأخير و قد نطقها بهذه الحدة. حك طرف ذقنه و هو يرد عليه بذات الأسلوب التهكمي.
- أنت العريس إذن. و تتحدث التركية؟ ترى من علّمك؟ دعني أحزر. فريال صحيح؟ أختي الحبيبة!
كان عليه أن يذكر أسمها. و أن يقول هذا تمامًا. لكي يندفع “يحيى البحيري” صوبه بخطواتٍ هوجاء. أمسكه من تلابيب قميصه. ليأتي رد “إركان” بدفع نسيبه إلى الحائط المقابل. اندفع “يحيى” نحوه مرةً أخرى بعزمٍ أكبر و عنف أشدّ. دفع بساعِده إلى حلق “إركان” و قام بثبيته إلى الجدار من خلفه و هو يهسّ من بين أسنانه.
- أنطق اسمها مرةً أخرى. و سأدفنك هنا حيًّا أيها القذر اللعين!!!
كان “إركان” يوازي “يحيى” في سعّة الجسم تقريبًا. لكن غضب “يحيى” جعله يتفوّق عليه في القوة. تركه “يحيى” بعد لحظاتٍ مبتعدًا عنه خطوة واسعة حين بدأ يُعاني من صعوبة شديدة بالتنفس. أمهله دقيقة. بقى يسعل و يتنفس جاهدًا. ثم تطلّع إليه قائلًا بلهجةٍ ماكرة.
- ما هذا الحقد كله؟ لا يعني سلوكك أيّ شيء سوى أن تكون على علمٍ بما جرى. و لكنّي لا أصدق أن تكون قد أبلغتك بنفسها. إن فعلت فهي غبيّة بلا شك!!
يرفع “يحيى” قبضته محذرًا.
- حتى هذه اللحظة أنا أراعي الوعد الذي قطعته لوالدتك. و أنّي لن أطوي الأرض بحثًا عنك لكي أقتلك جزاء ما فعلته بشقيقتك. شقيقتك أيها الوغد السافل!!!
- و هل تظن أنت أو أمي بأنّ كلاكما تحبانها أكثر مني؟ و تزعم بأنك تحميها مني أنا؟ إنها ملكًا لي قبل أن تكون زوجتك. لقد امتلكتها بالفعل أيها الأحمق. انت الليلة ستأخذ ما هو ملكي!!
يستعين “يحيى” بكل قوته حتى لا يفقد عقله و يقتله ها هنا. و بكل منطقٍ لديه بأن اللية ليلة عرسه. و لن يسمح لشيء على هذه البسيطة بتخريبها. مضى يقول بصوتٍ أهدأ. لكنه الأكثر خطورة.
- أسمعني جيدًا. أنت مجرد حثالة عديم القيمة. و لكن والدتك و مع الأسف أمٌ تهتم لأمر طفلّيها. و قد أجبرتني على قطع هذا الوعد بألا أتعرّض إليك ما حييت. إنما دعني أوضح لك أمرًا. فريال عثمان المهدي هي الآن زوجتي. أتفهم هذا؟ إن تجرأت يومًا على التواصل معها بأيّ شكلٍ من الأشكال فسيكون من دواعي سروري الإتيان بكَ أينما كنت و إزهاق روحك بأشدّ الطرق قسوةً.
و أشار ناحية الباب مكملًا.
- ستخرج من هذا البيت الآن. و بخروجك منه سوف تنسى نهائيًا بأن كان لك أخت. سمعتني؟ إن رأيتك أو سمعت بك مجددًا فلا تلومن سوى نفسك!!!
***
تفيق “فريال” من الذكرى التي رواها أخيها عليها خلال لقائهما. تستمع إلى صوت طرقات على باب غرفتها. فتسحب نفسًا عميقًا و تستدير ماضية لاستطلاع الطارق. كانت ابنتها كما حزرت. تلقتها بابتسامة واسعة و هي تقول بصوتٍ مبتهج.
- مامي. انتي لسا زي ما انتي من ساعة ما سبتك؟ يلا يا حبيبتي احنا مش جايين نقعد. يلا ننزل نلف في البلد شوية و نتفسح.
إن استمعت لوسواسها فإنه سيأمرها بالخضوع لأشباح الماضي التي تتوق للإجهاز عليها. لكنه دحرته الآن.
ابتسمت “فريال” بوجه ابنتها. و قالت.
- أوكي يا صافي. ماشي كلامك. ننزل نلف في البلد و نتفسح!
صفّقت “صفيّة” بحماسٍ.
- أيوة بقى يا مامي. ده أنا محظوظة هامشي مع واحدة شافت البلد و عرفاها حتة حتة هاتبقى فسحة ماحصلتش!!
ضحكت “فريال” و أفسحت لها لتدخل.
- طيب ادخلي. إديني عشر دقايق أغيّر هدومي و بعدين ننزل!
رواية كرسي لا يتسع لسلطانك الفصل الثاني 2 - بقلم مريم غريب
حين تلج من الباب المفضي إلى المطبخ، تزداد عجلة العمل الدائرة بالداخل إلى بدأب مجنون بظهور المالكة التي كثيرًا ما تشارك بإعداد الأطباق والطبخات بنفسها.
تباشر "رحمة" بتفحص جميع الأطباق الجاهزة، بينما يتناولها كبير الطهاة ويضعها على صواني التقديم قبل أن يحملها النُدُل ويختفون بها عبر الباب المزدوج المفضي لقاعة الطعام.
تشير بيدها، فتأتي إحدى المساعدات لتساعدها في ارتداء معطف الطهاة الأبيض، وفورًا تتخذ "رحمة" مكانتها وراء الموقد وتشرع بتحضير بعض الأطباق الخاصة بيديها.
بالكاد قضت بعض الدقائق تعمل وتصيح ببعض التوجيهات والنصائح. بدا العاملين لديها في حالة من الحبور والاحتفاء لوجودها بينهم، وكأنها لم تشاركهم منذ مدة طويلة.
كانت تنهي اللمسات الأخيرة لأول طبق لديها، حين جاءت مساعدتها ونبهتها بحلول زائر لها هنا بالمطبخ.
استدارت "رحمة"، لتراه من وراء أكتاف العاملين، يقف هناك بجوار الباب ليفسح مجالًا لحركة المرور السريعة، وفي نفس الوقت يستمتع بمراقبتها عاقدًا ساعديه وراسمًا تلك البسمة غير المكتملة على شفتيه.
"إبراهيم!"
رددت اسمه بهمس، فاكتملت ابتسامته وكأنه سمعها جيدًا. شملها بنظرة فاحصة من أعلى لأسفل والعكس، ثم استقرت عيناه على وجهها من جديد، حيث تمكنت من رؤية نظرة الغزل الصريح بعينه، قبل أن يغمز لها ويتسبب بارتباك كبير جعلها تكف يديها تمامًا عن المزيد من العمل.
"إيه اللي جابك يا إبراهيم؟"
ألقت "رحمة" سؤالها ما إن دخلت غرفة مكتبها بالطابق الثاني للمطعم. تبعها الأخير مغلقًا الباب ورائهما وهو يقول بأسلوبه العابث:
"مش دي أهلًا؟ وحشتني ولا قولتي أي كلمة من اللي كنت مستني أسمعها؟"
تطلق "رحمة" تنهيدة وتلتفت ناحيته. الآن يقفا قبالة بعضهما، ولكن كالعادة في حضوره تشعر "رحمة" بأن الكون بأسره لا يمكن أن يتسع لها، فما بال غرفة مكتبها الفسيحة ذات الديكور الكلاسيكي والطلاء الفاتح المعزز لمساحته الواسعة، كل هذا لا يفلح ما دام هو هنا أمامها.
"إبراهيم!" نادت اسمه ثانية.
فابتسم لها بدفء:
"روحه!"
تدير "رحمة" عينيها تغيظًا منه، فهو كالعادة يستخدم مهاراته للإيقاع بها وسحره الخاص. يرتد بصرها إليه مجددًا، ومرة أخرى ينعقد لسانها. لا يمكنها تجاهل شوقها الصارخ بأعماقها إليه. منذ متى لم تراه؟ اثنان وثلاثون يومًا. أجل، لقد قامت بإحصائهم فعلًا.
منذ قامت بطرده من مقر عملها الجديد وليلة الافتتاح، اندهشت لسرعة ذهابه. لم يظل رغمًا عنها كعادته، ما سبب لها الأرق والكآبة لأيام. لكنها حاولت بشتى الطرق أن تتأقلم. فلماذا ظهر الآن بحق الله؟
"تعرفي إني بحسدك على القسوة اللي بقيتي فيها دي؟"
نظرت إليه واجمة، لم ترد، فقط تحدق فيه مليًا. إنه قطعًا لم يعد نفس الشاب الذي عرفته منذ ثلاثة عشر عامًا. لم يعد ذاك الحارس الشخصي أو "الجاسوس" الذي عينه زوجها الراحل ليراقبها دون أن تشعر به ويزوده بأخبارها أولًا بأول.
لقد كانت صدمة شديدة الوقع عليها حين عادت إلى "لندن" برفقة صغيرتها. زارها "إبراهيم" لأول مرة بالفرع القديم لمطعمها وعرّف عن نفسه. أخبرها القصة كاملة، بل والأدهى صارحها بحقيقة مشاعره تجاهها، ما قلب حياتها كلها رأسًا على عقب. في البداية قامت بطرده وزجره بأشد العبارات قسوة، لكنه لم يتوقف يومًا عن ملاحقتها، وتدريجيًا لم تستطع "رحمة" مقاومة اهتمامه بها، حمايته لها، وجاذبيته الخاصة التي لم تر مثلها أبدًا.
"رحمة!"
أجفلت عندما صار قريبًا منها فجأة. لم يحاول لمسها بعد، لكنه قريب جدًا، حتى إنها تشعر بحرارة جسده. إنه يذكرها مجددًا باختلاف الحجم بينهما، وبأنه ضخم بشكل لا يصدق، وأيضًا يذكرها بوسامته الشرقية التي تذيب النساء فيه أينما راح وغدى.
نظرت "رحمة" إلى عينيه البنيتين مثل حبّات القهوة، وشعره الداكن القصير، ولاحظت لحيته التي ازدادت كثافة وكذا شاربه.
"لحد إمتى هتفضلي بعيدة عني؟"
أقشعرّت لسؤاله الذي نطقه بهذه الطريقة المهلهلة والتي تناقض مظهره البربري كليّةً. حافظت على ثبات صوتها وصرامته وهي ترد عليه:
"إحنا عمرنا ما كنا قريبين يا إبراهيم. إحنا اتفقنا من البداية نكون مجرد أصدقاء."
"إبراهيم باستنكار: لا والله! انتي بتضحكي على مين يا رحمة؟ عليا ولا على نفسك؟ انتي عارفة ومتأكد إننا ولا لحظة كنا مجرد أصدقاء. ومع ذلك فضلت طول الوقت بحترم رغبتك وكلامك عن بنتك وأنها أهم حد في حياتك ولازم تطمنّي عليها الأول وبعدين تفوقي لنفسك. مش بس كده يا رحمة، ده أنا اتغابيت مرة وسمعت كلامك وروحت اتجوزت وخلّفت."
"بس حصل إيه بعد كده؟"
"طلّقتها. طلّقتها عشان مش شايف ولا قلبي قادر يحب غيرك."
تتنحنح "رحمة" لتجلي صوتها وتقول محاولة ألا تبدو متوترة:
"ده كلام فارغ. انت ماحبتنيش. اللي انت حاسه ده يمكن إعجاب، لكن مش حب. مش حب."
وحاولت أن تمر من حوله، لكنه منعها ممسكًا برسغها بقوة.
"أنا مش هاسيبك المرة دي يا رحمة!"
ازدردت ريقها بصعوبة وهي ترنو إليه بعينين متسعتين. أحيانًا يظهر جانب عنيف يذكرها بلمحات من الماضي تتمنى نسيانها. يشعر "إبراهيم" باضطرابها ويرى الخوف بنظرتها، فيخفف قبضته عليها. لا يتركها تمامًا، يسحب نفسًا عميقًا ويمسح على وجهه، كأنما يزيل أثر الحنق عن ملامح، ليعاود التحديق فيها مرة أخرى وهو يقول بصوت أهدأ:
"أنا وانتي عارفين كويس حقيقة مشاعرنا. إحنا لبعض يا رحمة وماينفعش نكون لحد تاني. انتي اتجوزتي مرة وماكنتيش سعيدة طول الوقت، كنتي على الهامش ومش حاسة بالدنيا. وأنا كنت ماشي كده ماعنديش هدف. كنت عايش لحظة بلحظة ومش بفكر في بكرة. لكن من يوم ما شوفتك وأنا حاسس إن بقى عندي هدف. ولما جوزك مات وبقتي لوحدك اتأكدت إن القدر جمعنا سوا. دي مش صدفة يا رحمة. صدقيني. مش هاتعرفي تكملي من غيري، ولا أنا كمان. لازم نكون مع بعض. رحمة، أرجوكي!"
يتعقد جبينها وهي تغمض عينيها الآن، وتهمس بقلة حيلة:
"أنا اللي أرجوك يا إبراهيم، ماتصعبهاش عليا. أنا عندي بنتي هي كل دنيتي. من يوم ما جت للدنيا وأنا عايشة ومستحملة كل حاجة عشانها."
رد منفعلًا:
"طيب وهي فين دلوقتي يا رحمة؟ أنا عرفت إنها رجعت مصر وسابتك. بنتك بدأت تعيش حياتها وبكرة ترتبط وتتجوز وتنساكي خالص. تقدري تقوليلي هاتفضلي فانية حياتك عشانها لحد إمتى؟ ردي عليا. كل حاجة مهمة بالنسبة لك: المطعم وشمس وأهل شمس... إلا أنا. أنا مش في دماغك أصلًا يا رحمة!!!"
وتركها بغتةً موليًا لها ظهره، يمسك رأسه بكلتا يديه، وكأنه على وشك الانفجار. يبقيا صامتين لبرهة، ثم تبادر "رحمة" بعد تردد وتخطو تجاهه. تمد يدها إلى كتفه، بالكاد تلمسه فتشعر بتشنجاته أسفل كفها. أفرجت عن نهدة عميقة وسمحت لضعفها بالخروج إلى العراء الآن، لثقتها التامة به:
"إبراهيم، أنا بحبك!"
يلتفت إليها بعد لحظات ويقول بصلابة:
"أنا عارف. عارف يا رحمة، وأنا كمان بحبك. بس الحب لوحده مش كفاية. أنا عايزك. عايز أتجوزك!!"
اللمعت عيناها بطبقة رقيقة من الدموع وهي تقول:
"أنا متقيّدة بشمس يا إبراهيم، مش هقدر أعيش حياتي قبل ما أطمن عليها!"
"-شمس رجعت لأهلها يا رحمة. انتي ماتعرفيش أخوها يبقى مين؟ عثمان البحيري ده اسمه لوحده كفاية. إزاي تقلقي عليها وهي معاه!؟"
"-أنا ماعرفوش. عمري ما عرفت عنه حاجة غير إنه ابن جوزي الكبير ووريثه. شمس رجعت مصر وراحت له من ورايا، وأنا مش ههدا قبل ما أطمن عليها."
وأكملت بحزم:
"أنا هسافر لها. خلاص رتبت أموري على كده وحجزت تذكرة. بكرة الصبح هاكون في الإسكندرية."
اقترب "إبراهيم" خطوةً منها وقال بتصميم لا يخضع للنقاش:
"يبقى رجلي على رجلك!"
لا يمكنها القول إنها تشتاق لطقس مدينة الضباب، حيث البرودة تسود الأجواء على مدار العام، ولا يمكنها أن تنعم بيوم مثالي أسفل أشعة الشمس الدافئة دون أن تحول الغيوم دون ذلك. انبهرت كثيرًا بقصر عائلتها، ولا زالت لم تقضي به سوى ليلة واحدة.
ما إن بزغ الصباح حتى قامت بنشاط وارتدت لباس السباحة خاصتها، والمكون من قطعتين "البيكيني". أخذت منشفة وروب مجفف ونزلت إلى الحديقة الرئيسية على الفور، حيث أكبر حوض سباحة رأته على الإطلاق.
أقبلت عليه بحماسة حافية القدمين، تدور من حول حافته الرخامية بلون الزبد، معجبة بتصميمه الفريد، حيث يُدار إلكترونيًا للتحكم بدرجة حرارته ودرجة صفاء الماء.
خلعت "شمس" روبها وألقته على كرسي قابل للطي، لتظهر لثوانٍ بلباس السباحة قرمزي اللون، قبل أن تقفز برشاقة في الماء. لم تطفو رأسها إلا بعد نصف دقيقة تقريبًا، وأخذت تسبح بظهرها بعرض الحوض مستمتعة بمنظر السماء الصافية فوقها، ونسيم المدينة العليل، مسقط رأسها، بل وبيت أبيها.
تكاد لا تصدق ما تعيشه. إنها أخيرًا هنا، حيث تنتمي. تعيش بمنزل عائلتها، وتعُلن أسمها بكل اريحية وفخر: "شمس البحيري". إنها "شمس"، ابنة "يحيى البحيري". إنها فرد من العائلة الآن.
"شـمـــــــــــــس!"
انتبهت من فورها إلى صوت أخيها الهادر. شرئبت بعنقها لتراه يقف في شرفة جناحه، متحفزًا، بل ويبدو غاضبًا! كأنما ينقل بصره بينها وبين شخص آخر. تلفتت "شمس" حولها، وقعت عيناها على شخصان: رجل وامرأة. بالتحديق إليهما تعرفت "شمس" على ذات القوام "الكاريكاتيري". أشرق وجهها بابتسامة واسعة وهي ترفع ذراعها لتلوح للأخيرة هاتفة:
"هـالـــة.. هـااااي!"
صعدت "شمس" من حوض السباحة في الحال ما إن رأت ابنة عمها. مشيت صوبها وهي تعتصر شعرها الطويل بيديها، بينما تتميز "هالة" غضبًا من تلك التي استقطبت أنظار زوجها، لكن كبريائها يمنعها من مجرد وكزه وتنبيه لإسرافه بالنظر إلى شابة شبه عارية.
"هالة صح؟"
تلقت "هالة" سؤال الغريبة عابسة، حتى جاءت "شمس" ووقفت أمام الزوجين مباشرةً مستطردة بذات الابتسامة الواسعة:
"انتي هالة بنت أنكل رفعت؟"
أومأت "هالة" مرة واحدة وقالت بجمود:
"أيوة أنا. انتي بقى مين؟"
"-أنا شمس."
واستكملت ناظرة لرفيقها:
"-بس ده أكيد مش صالح. أيوة أنا عارف شكل صالح!"
تململت "هالة" بتأفف قائلة بسلوك عصبي:
"-لأ ده مش صالح. ده فادي جوزي!!"
"شـمـــس!!!"
تنتبه "شمس" للمرة الثانية إلى صوت أخيها ذي النبرات الغاضبة، لكنه أقرب الآن. استدارت، لتجده يجر الخطى ناحيتها وقد التقط مئزرها في طريقه إليها. رباه! إنه يبدو غاضبًا بالفعل. لِمَ كل هذا الغضب لا تعرف!
"اتفضلي إلبسي حالًا!!"
قالها "عثمان" ما إن وصل إليها. أحاطها بالمئزر، لترفع حاجبيها متمتمة:
"في إيه يا عثمان مـ آ ا..."
"أنا قلت حــالًا!"
قاطعها بعنف أجفلها بخوف:
"سـامعة؟ إلبســـي!!!!"
أطاعته من فورها وأدخلت ذراعيها بالمئزر، بينما يواريها "عثمان" بجسده عن أعين "فادي" بالخصوص، حتى اطمئن إلى أنها قد سترت جسدها. أطلق زفرة حادة والتفت ليلتقي بصهره، وكما توقع، نفس التعبير التهكمي يجلل محياه.
"أهلًا يا فادي!"
ألقى "عثمان" بصوت أجش.
ابتسم له "فادي" بتكلف وقال:
"أهلًا بيك يابو النسب. بس ماعرفتناش يعني على الهانم مين دي يا باشا؟ انت اتجوزت على أختي تاني ولا إيه!"
حدجه "عثمان" بنظرة فاترة مطولة، ثم قال بابتسامة باردة:
"معلش يا فادي هاخيّب ظنك فيا المرة دي كمان. أقدم لك شمس."
وأشار إلى الواقفة وراء ظهره بالكاد تُلاحظ من فوق كتفه:
"شمس يحيى البحيري.. أختي!"
"أختك!"
نطقها الزوجان، "فادي" و"هالة"، بصدمة في صوت واحد. بينما تتشبث "شمس" بكتفيّ أخيها، تستمد منه الحماية والحب اللذان يبثهما لها دائمًا، وبدون شروط.
اليوم، اليوم فرصتها الأخيرة، ونهاية المهلة التي منحها إياها زوجها لتُهيئ نفسها لأجله! إنه يتوقع منها أن تكون مطيعة الليلة، ولم يكن يمزح، بل وقد بر بوعده ولم يعترضها لمدة يومان. إذن فعليها هي أن تبر بوعدها الليلة. ولكنها حقيقةً لم تعده بشيء. هو الذي قرر من تلقائه، وما زالت غير جاهزة لتلك الخطوة، فأين المفر منه!؟
أطلقت "سمر" من صدرها زفيرًا ساخنًا وألقت نظرة أخيرة على نفسها بالمرآة. لقد أعادت ضبط حجابها الأبيض وأغلقت سترة ثوبها الأصفر بزهو يُبهج النظر. انتعلت حذاء مكشوف، ثم خرجت من الجناح. كانت خطتها أن تطوف على غرف الصغار لتتفقدهم، إلا إن منظر شقيقتها وهي تجر حقيبة سفر كبيرة عبر الرواق المؤدي للمصعد قد استوقفها.
"مـلك!"
توقفت "ملك" عن السير حين سمعت نداء أختها. وصلت إليها سائلة على الفور:
"رايحة على فين وإيه اللي في إيدك ده!"
تطلعت الفتاة إلى شقيقتها بنظرات خاوية، وقالت بآلية:
"ماشية. مسافرة مع فادي!"
أُخذت "سمر" بالخبر وعقبت:
"مسافرة مع فادي؟ طيب إزاي من غير ما أعرف؟ انتي اللي عايزة تسافري ولا هو صمم ياخدك!؟"
هزت "ملك" رأسها:
"أنا اللي عايزة أسافر. فادي وحشني وأنا من زمان نفسي أسافر وأغير جو. أشوف بلد وناس جديدة!"
رفرفت "سمر" بأجفانها مرارًا، في محاولة للاستيعاب. إنها بالكاد تعرفت إلى شقيقتها بسبب فقدان الذاكرة اللعين. لا يمكنها استشفاف الحقيقة، ولا يوجد أمامها إلا أن تقر بعجزها. تلك الواقفة أمامها حقيقةً تكون أختها، لكنها لا تتذكرها هكذا، ولا تعلم عنها أي شيء. فهل تلومها لو أرادت الرحيل؟ إنها لا تحس ناحيتها بأي عاطفة، وهذا شعور محبط، يبعث على كآبة مميتة.
"لو ده اللي هيريحك، مش هاقف في طريقك!"
منحتها "ملك" ابتسامة باهتة وهي تقول:
"شكرًا يا سمر. شكرًا على كل حاجة عملتيها عشاني زمان، ودلوقتي!"
رواية كرسي لا يتسع لسلطانك الفصل الثالث 3 - بقلم مريم غريب
خرجت “شمس” على الفور من الحمام الملحق بغرفتها.
لتجد أخيها لا يزال بانتظارها.
كانت قد ارتدت ثوبًا أكثر احتشامًا الآن.
من قماش الأورجانزا بطبعةٍ موّردة، ثلثيّ أكمام، طويلًا بفتحةٍ تصل لأعلى الساق.
وقد جفّفت شعرها، ولا تزال مبقية وجهها على نضارته الطبيعية دون قطرة مكياج.
"ها! كده حلو؟"
التفت “عثمان” مبتعدًا عن النافذة ليوجه عيناه صوب أخته.
طالعها بنظراتٍ عابسة، ثم استقرت عيناه على وجهها.
ارتبكت ابتسامتها، بينما يقول بتجهمٍ:
"أول ما وصلتي هنا، فاكرة كلامنا؟ فاكرة كلامي معاكي عن ستايل لبسك تحديدًا يا شمس؟"
أومأت برأسها مرةً واحدة، وقالت:
"فاكرة يا عثمان، وأنا وعدتك إنّي هاغير ستايلي كله. فعلًا بدأت أجيب هدوم وحاجات كتير أون لاين!"
عثمان بحدة:
"المنظر إللي ظهرتي بيه إنهاردة ده مش مقبول يا شمس!"
بررت في الحال:
"انت قلت لي اتعامل هنا كأني في بيتي، وقلت لي إن ده بيتي فعلًا مش مجرد كلام. أنا ظهرت كده عشان كنت فاكرة إني في بيتي!"
انقبضت عضلات فكه وهو يتريّث لبرهةٍ قبل أن يقول بسلوكٍ أكثر تفاهمًا:
"ده بيتك يا شمس، بيتك ولكِ فيه ورث زيي وزي صافي. بس البيت ده فيه حراسة وخدم وأحيانًا كتير ضيوف زي ما شفتي إنهاردة. أنا ما أقبلش حد يشوفك كده، ومجرد فكرة ظهورك بالبكيني سواء دلوقتي أو حتى قبل ما أعرف بوجودك بتجنّنني. أختي أنا، ماتبقاش عرضة لنظر إللي يسوى وإللي مايسواش!"
تمعنت “شمس” بكلماته، وابتسمت لا إراديًا ملتمسة غيرة الأخ على أخته.
وسعدت كثيرًا لسماعها كلمة "أختي" التي خرجت من فاهه.
لحظة ثمينة لطالما حلمت بعيشها حتى ولو كلّفتها الكثير.
"انتي بتضحكي!؟"
اتسعت ابتسامتها عندما رأته وقد صار أكثر نزعًا للعصبية.
أخاها الذي اشتهر ببرودة أعصابه، لم تتخيل أن تكون سببًا لتحطيم الثوابت الذي جُبل عليها.
ردت عليه من بين ضحكاتها:
"لأ و الله، مش بضحك على كلامك. أنا بس مبسوطة أوي!"
"مبسوطة!" عقّب بغرابة.
فأومأت قائلة وهي تسير تجاهه:
"أمم.. أصلي بصراحة طول عمري كنت بتمنى أعيش معاك موقف زي ده وأحس إن ليا أخ. أنا عرفت لما كان عندي 10 سنين إن ليا أخ، بابي قالّي وورّاني صورتكم. من يومها وأنا نفسي أشوفك وأقرّب منك، بس وصية بابي كانت مقيّداني. تعرف إننا اتقابلنا قبل كده؟ قبل ما أجلك وتعرف إني أختك!"
لوهلةٍ نسي نقطة الخلاف بينهما، وولّى ما تقوله تركيزه.
أطال النظر إليها يحثّها على الإفصاح.
ابتسمت “شمس” وأخبرته وعيناها ملؤهما الحب والاعتزاز به:
"عيد جوازك العاشر، كنت عامل حفلة على اليخت بتاعك وعزمت صحابك. عرفت إن صحابك مسموح لهم يعزموا أصحابهم وحظي إن في عندي أصحاب مشتركين بين الناس إللي عزمتهم. ركبت أول طيّارة ونزلت الإسكندرية من ورا ماما. حضرت الحفلة وقعدت طول السهرة متنحة فيك، ماشلتش عيني من عليك وكنت في خناقة مع نفسي. منعت نفسي 1000 مرة ليلتها كل ما أحس إني عايزة أقوم وأترمي في حضنك، أشم ريحة بابي فيك، وأحس إني مش لوحدي في الدنيا دي!"
اختنق صوتها بالدموع فجأة، وتفاجأت أكثر بنوبةٍ عنيفة من البكاء.
إتيانها على سيرة أبيها جعل شيئًا ما بداخلها ينفجر.
توتر “عثمان” بشدة ممّا طرق عليها بلحظةٍ هكذا، ولكن ردة فعله جاءت بسرعة.
اندفع نحوها ولف ذراعه حول خصرها، ضمّها بين أحضانه على الفور.
فتركت لنفسها العنان ومضت تبكي بحرارةٍ على صدره.
أخذ “عثمان” يهدئها ماسحًا على رأسها بحنو:
"شمس، إهدي شوية يا حبيبتي، إيه بس ده كله؟"
وتركها تفرغ ما بصدرها لبضع دقائق أُخر.
ولم يكترث أنها فعليًا قد أغرقت قميصه بدموعها.
أحسّت “شمس” بالحرج فورًا عندما رأت صدره مبللًا بالكامل.
حاولت إصلاحه عبثًا وهي تربت على صدره مغمغمة بصوتها الباكي:
"أنا آسفة جدًا، أنا آسفة يا عثمان، أنا آ..."
"خلاص يا شمس!" قاطعها بلطفٍ.
"ماحصلش حاجة."
وابتسم مكملًا وهو يمسك بكتفيها:
"ياريتك جيتيلي من زمان، أنا لو كنت أعرف ما كنتش سيبتك لحظة واحدة بعيد عني. صدقيني، لو كنت عرفت، لو كان بابا صارحني قبل ما يموت حتى، كنت هاجيلك برجلي، حتى لو هو حاول يمنعني، ما كنتش هاسيبك."
ابتسمت له ولا زالت الدموع عالقة بأهدابها.
مد “عثمان” يده وأزال ما تبقّى من دموعها وهو يقول:
"انتي مش لوحدك يا شمس، طول ما أنا عايش على وش الدنيا مش هاخليكي تحسي بالوحدة أبدًا. أطمني خالص، أنا جنبك دايمًا."
تألقّت عيناها بابتسامةٍ مشرقة الآن.
اقتربت منه ثانيةً وعانقته مرةً أخرى، ولكن هذه المرة دون دموع.
***
في مطعم شهير بمجمّع الترفيه العالمي.
جلس “نبيل الألفي” إلى طاولة لفردين، يتناول وجبته الشهية باستمتاعٍ، دون أن يلقي بالًا للشخص الجالس قبالته منذ ساعةٍ تقريبًا.
وقد بدأ صبر الأخير ينفذ بالفعل.
"صحتين وعافية يا باشا!" هتف الشاب العشريني بسأمٍ واضح.
لم تهتز شعرةً من “نبيل” وتناول ملعقة الأرز المدخن وأعقبها برشفةٍ من كأس العصير.
ثم أخيرًا تطلّع إليه، ولكن دون أن يترك طعامه تمامًا.
"الرز المدخن في المطعم ده حقيقي ماحصلش، وصفة الشيف تُدرّس!"
بدت نبرة التهكم واضحة بصوت “نبيل”، ما أثار حفيظة الأخير وهو يرد عليه محتدًا:
"بقولك إيه باشا، انت شكلك واخدني جولة وبهواك تتسلّى عليّ. بس أنا لا مؤاخذة مش صايع ولا عاطل، أنا راجل ورايا مشاغل، وبصراحة ضيّعت وقت كفاية في البلد دي. لو جاي في تفاهم نتكلم أحسن، أو أقوم أمشي وأنا عارف هاتصرف إزاي."
أظلمت عينا “نبيل” في هذه اللحظة، لكنه ما زال ثابتًا وهو يقول بهدوء:
"بص يالا، أنا أسهل حاجة عليا دلوقتي أعمل تليفون صغير تترمي بيه في أقذر سجن هنا في البلد وتقعد جوا لحد ما يبان لك صاحب. بس أنا حتى مش شايف إنك تستاهل إني أبذل أقل مجهود وأعمل حاجة زي كده."
هتف الشاب بنزقٍ مغتاظ:
"أومال طلبت تقابلني ليه معاليك؟ لعلمك أنا مش عيّل هفأ وهأبلع أي كلمة تقلّ مني. انت شكلك فهمان بص كويس. شوف مين قاعد قدا آ."
بتر الشاب عبارته.
بلحظة واحدة كانت طاولة الطعام بينهما قد انقلبت بفعل قبضة “نبيل”، الذي لم يدّخر ثانية أخرى وانقض عليه ساحبًا إيّاه من ياقة قميصه.
كانت لدى “نبيل” نظرة مستقبلية، حين تواصل مع زوج إبنة شريكه ووافق الأخير على اللقاء به على أرض محايدة، فقام بحجز المطعم بالكامل تحسبًا لأيّ ظرف.
وقد أستحق هذا.
"إلـ..حـ..ـقـ.ونـ..ي!!!"
بالكاد نطقها الشاب بصعوبةٍ، عندما زج “نبيل” به نحو الحائط وحشر ساعده بمنتصف حلقه فكاد يختنق.
قسا فم “نبيل” وهو يهسّ من بين أسنانه:
"شوف حواليك يا نجم، المكان ده كله ليا أنا وانت طول ما احنا لسا قاعدين. عاملّي دكر ياض؟ ده أنا أفعصك وماخدش فيك يوم!"
قوة الشاب العشريني الجسدية بدت إنها لا تُذكر مقارنةً بقوة “نبيل” الذي تجاوز منتصف الأربعينيات.
تخبط الشاب بعنفٍ طلبًا للهواء، ولكن عبثًا لم يتركه “نبيل” طرفة عينٍ.
استجدى وهو يتنفس بصعوبةٍ بالغة:
"طيب خلاص، يا باشا، نتكلم. هأعمل.. إللي انت.. عايزه.. يا باشا!"
التوى ثغر “نبيل” بابتسامةٍ شيطانية.
أفلته مرةً واحدة، لينتفض الشاب منخرطًا في نوبةٍ قوية من السعال الشديد.
سوّى “نبيل” ثيابه وعدل هِندامها وكان شيئًا لم يكن.
عاد إلى مقعده بخطى واثقة وانتظر بصبرٍ.
انضم إليه الشاب بعد لحظاتٍ.
أعاد الطاولة ومقعده إلى مكانهما، وجلس أمامه ثانيةً، لكن نظراته صارت أكثر خنوعًا بعد ما أظهره “نبيل” من قوة بأسٍ لا يُستهان بها.
"أنا اسمي وليد يا باشا!" عرّف الشاب عن نفسه.
نبيل بصلابةٍ:
"عارف أسمك، عارف عنك كل حاجة من يوم ما اتولدت لحد اللحظة إللي شايفك فيها قدامي دي. تحب أقولك لون لِباسك الداخلي؟"
أجفل المدعو “وليد” مرتبكًا، بينما يستطرد “نبيل”:
"أنجز وهات من الآخر، عايز إيه من مايا عزام؟"
قطب “وليد” جبينه قائلًا بنزعةٍ عصبية:
"لو زي ما سيادتك بتقول عارف عني كل حاجة من يوم ما اتولدت، يبقى أكيد تعرف إن مايا مراتي، أنا أتجوزتها من خمس سنين."
"أيوة عارف، وعارف كمان إنها قطعت علاقتها بيك من 3 سنين. يعني ما طاقتش تعيش معاك أكتر من سنتين. رجعت ترازيها وتضايقها تاني ليه؟ والسؤال الأهم ما طلّقتهاش ليه؟"
"عشان جوازنا ماكنش عادي، لما يخلص برضه مش بطريقة عادي ودي الأصول."
عبس “نبيل” قائلًا:
"مش فاهم! تقصد إيه بجوازكوا ماكنش عادي!؟"
تنهد “وليد” ومد جسده للأمام.
عقد ساعديه أمامه فوق الطاولة ومضى يقول:
"أنا اتعرفت على مايا في مول تجاري، كنت وقتها شغال في وكالة تابعة لبراند برفانات ومكياج مشهورة. دخلت مايا تشتري وكنت معاها خطوة بخطوة. كلمة مني كلمة منها اتعرفنا وتبادلنا أرقام التليفونات. كنت متوقع إننا هانقضي فترة في الأول لحد ما نعرف بعض عشان يعني لو اتفقنا وحصل ارتباط وكده. بس فاجئتني في أول مقابلة لينا، بعد ما اتكلمنا شوية وتقريبًا عرفنا عن بعض كل حاجة في قاعدة واحدة. لقيتها بتطلب مني الجواز!"
بالرغم من ثبات “نبيل”، إلا إن “وليد” تمكن بسهولةٍ من استشفاف الذهول بعينيه.
أردف “وليد” مفصحًا عن السر الأكثر فداحةً وبلا أدنى ترددٍ:
"زي ما سمعت كده، مايا طلبت تتجوزني، وحددت كمان شروط للجواز ده وخيّرتني بـ آه أو لأ."
نبيل بإنصات:
"كانت إيه الشروط!؟"
"- أول شرط الجواز له هدف واحد بس.. المتعـة! "
حدق فيه “نبيل” بعدم فهمٍ، لم يفهم مقصده تحديدًا، وشكّ بأنه قد سمع الكلمة الأخيرة أساسًا.
ولكن “وليد” أكدها قائلًا:
"مايا كانت واضحة معايا من أول لحظة، الجواز مالوش أي التزامات. مجرد ليالي، أوقات بنقضيها مع بعض في السرير، وبس. ده كان شرطها الأول. الشرط التاني في المدة، اتفقنا إن كل سنة نجدد مدة الجواز، لو طرف حس بالملل لازم ننفصل وفورًا. والشرط التالت إن محدش مهما كان مين يعرف بجوازنا. وفي مقابل كل ده اتفقت معايا على راتب شهري، يعني بالبلدي كده اشترتني عشان تـ.."
"- بـس!!! " صاح “نبيل” مقاطعًا إيّاه قبل أن يكمل.
تقلّص وجهه بمشاعر عنيفة هي مزيج من الحنق والغضب الشديد.
كزّ على أسنانه بقوة وشدّ قبضتيه على حافة الطاولة من الأسفل حتى كاد الخشب أن يتفتّت.
أندهش “نبيل” بداخله لإستجابته لهذا الكمّ من المشاعر المتناقضة.
منذ زمنٍ طويل لم يشعر هكذا، وحقًا لا يدري سببًا واحدًا أو أيّ مبرر لتساؤلاته.
ماذا يعنيه في هذا؟ بل ماذا تعني له “مايا” في الأصل؟
لماذا هو غاضبانٌ إلى هذا الحد؟
لماذا!؟
زفر “نبيل” نفسًا حارقًا، ثم نظر مجددًا إلى “وليد” ذاك وقال بخشونةٍ:
"أسمع يالا، انت تنسالي كل الكلام إللي حكيته دلوقتي ده. تاخد كام وتغور من هنا؟ أنا عارف إنك طمعان وكل إللي يهمك القرشين. أنطـق!!"
أجفل “وليد” لحدته المفاجئة، وقال بتوترٍ:
"يا باشا ماينفعش تلوم عليا، أنا دخلت الحوار ده وأنا لعبة في إيد واحدة ست. سبت شغلي وأهلي قاطعوني وفجأة صحيت لقيت المدام زهقت مني. اترميت في الشارع، كنت هأعمل إيه يعني!؟"
نبيل بغلظةٍ:
"خلّــص، مش هاتحكيلي قصة حياتك. قول عايز كام وتطلّقها في هدوء؟"
صمت “وليد” لهنيهةٍ، وسماه المبلغ الذي يريد، وهو بالنسبة لرجل مثل “نبيل” بسيطًا مقارنةً بثروته الضخمة.
أستلّ “نبيل” من جيب سترته دفتر الشيكات، وسحب قلمًا مرفقٌ به.
سند فوق الطاولة وخطّ بيده بضعة أرقام وحروف، ثم وضع توقيعه البنكي أدناه.
قطع الشيك من الدفتر ودفعه نحو “وليد” الذي التقطته بأعينٍ لامعة، غير مصدقًا بأنه حصل على ذلك المبلغ بسهولةٍ.
هب “نبيل” واقفًا فجأةً، حدّقه بنظرةٍ مستعليّة وقال بصرامةٍ وهو يتهيأ للرحيل:
"بكرة الصبح قبل ما تصرف الشيك ده هاتكون مطلّق مايا رسمي. المحامي بتاعي هايفوت عليك وها يتمّم معاك كل الإجراءات. بعد كده لو سمعت عنك بس أو حتى قابلتك صدفة، صدقني، مش هارحمك، سمعتني كويس؟"
رواية كرسي لا يتسع لسلطانك الفصل الرابع 4 - بقلم مريم غريب
انقضى النهار في قصر آل البحيري، رواحًا بين تناول غداء عائلي، ثم الجلوس بالحديقة الداخلية امتثالًا لرغبة رب العائلة.
كان عثمان يختتم إحدى نقاشاته العقيمة مع صهره، بأن تنازل عن الجدال تمامًا ليريح رأسه فقط، عندما عادت سمر وأقبلت على المجلس منفرجة الأسارير.
تعلّقت نظرات عثمان بها، وقد لاحظ بأنها بدّلت ثيابها، بل إنها في الحقيقة خلعت حجابها وتركت شعرها الذي استطال حتى لامس كتفيها، حرًا بانسيابية حريرية. تولّد بداخله شوق جارف إليها، ولم يستطع إلا أن يُغذّي التوق الشديد بصدره على اعتبار إنهما أخيرًا سيمارسان حياتهما الزوجية بدءًا من الليلة.
تلك البادرة التي قامت بها رغم إنها زادته اشتعالًا، لكنها أسعدته كثيرًا. فكرة إنها أعلنت له عن قبولها إياه بظهورها هكذا، جعلته يتعجّل الوقت للإختلاء بها بغرفتهما دون أن يزعجهما أحد. لقد انتهت المهلة التي حددها لزوجته وقد توقّع أن تعاند وتزداد نفورًا منه، لكنها الآن تقدم له دعوة صريحة. يا لفرحته.
"حبيبتي!"
نطقها عثمان بلا تحفظ وهو يمد ذراعه لزوجته. لبّت سمر دعوته وسارت تجاه الأريكة الصغيرة التي جلس فوقها طائعة، على مرأى من أخيها وزوجته. جلست سمر ملاصقة لعثمان دون أن تبدي ذرة رفض، بل على العكس وغير المتوقع تمامًا، كانت هادئة، مبتسمة وهي تلقي بيديها فوق قدمه، بينما يلف ذراعه حول خصرها الدقيق.
قرّب فمه من أذنها هامسًا بحرارة:
"أنا مش مصدق نفسي، إللي أنا شايفه ده حقيقي؟ انتي طلعتي تغيري هدومك وتلبسي الفستان ده عشاني؟ قلعتي الحجاب عشاني يا سمر؟"
داعبت أنفاسه الساخنة أذنها وجانب عنقها، ما جعل القشعريرة تسري بأوصالها وهي بالكاد تحافظ على أعصابها من الإنفلات. كل ما تفعله ما هو إلا اكتساب مزيدًا من الوقت. لم تكن تنوي حقًا قضاء ليلة حميمية معه، إنما مجرد مداهنة، خباثة إن صح القول لكي توهمه بتقبلها إياه وستطلب منه أخذ الأمور تدريجيًا. بالتحايل ربما كل شيء يسير وفق إرادتها، وإن كان حقًا يحبها كما يدعي فسيذعن لرغبتها، ولكن السر في الطريقة. يجب ألا يلتمس منها رفضًا وإلا فإنها الملامة.
"أنا وعدتك إني هحاول!"
بادلته الهمس مديرة رأسها قليلًا نحوه. فامتزجت أنفاسهما معًا، مما ولّد أجواء من اللهفة والتوتر في آن. انبلجت ابتسامة جانبية على ثغر عثمان وهو يمشّط ملامح وجهها الجميلة مسبلًا عيناه بجاذبية لا تقاوم. لوهلة كاد ينسيا الرفقة من حولهما، لولا أن برز صوت فادي مبدّدًا سحر اللحظة.
"إيه يا أبو النسب هاتعطف وتلطف قدامنا ولا إيه؟ احترم وجودي أنا وبنت عمك على الأقل!"
استجابت سمر على الفور لتعليق فادي وقد نجح بإثارة اضطرابها بشدة، بينما عثمان يتصرف بقمة البرود وهو يدير رأسه لينظر إلى صهره المتحزلق قائلًا:
"أديك قلتها، انت وبنت عمي مش أغراب يا فادي. دي بنت عمي، وإللي جنبي دي أختك."
"على أساس يعني الحب والغرام مقطعين بعضهم معاك، ده أنا شاهد على الليلة كلها."
تنهد عثمان بعمق وهو يسحب سمر إلى حضنه أكثر، ثم قال دون أن يخفي بريق نظراته الشيطانية مصوبة إلى الأخير:
"بصراحة يا فادي مش هاخبي عليك، أنا أبقى قوي لأي حد إلا مع سمر. ضعيف جدًا، بحبها أوي يا فادي، ومش بقدر أتحمل بعدها عني. عايزها جنبي وفي حضني طول الوقت. لو مش هاتكون قلة ذوق مني كنت خدتها حالًا وطلعنا على أوضتنا. أنا عمري ما بشبع من أختك، مش بشبع منها خااالص!"
وقد أتت كلماته أكلها، ولم يغفل عن البخار الذي كاد يخرج من أذني فادي تأثرًا بكلماته التي أثارت حفيظته بشدة. ابتسم عثمان بظفر وهو يضاعف من استفزازه لـ فادي بأن يداعب زوجته ويقبّله قبلات سطحية أمامه. بدأت هالة تتململ بدورها وقد خشيت تفاقم غضب زوجها الذي تعرفه جيدًا، بقيت تنظر له بترقب قلق. لم يخيّب فادي توقعاتها، وانفجر فجأة مدفوعًا بكل الحنق والحقد بداخله على زوج أخته.
"طبعًا، ما هو ده مربط الفرس مش قصة حب والهري إللي شغال تقوله. راجل كازانوفا زيك، هايعجبه إيه في أختي البسيطة يعني؟ عشان كده ما استغربتش لما اتجوزت عليها من كام سنة، ولا أستبعد حتى إنك تكون اتجوزت عليها تاني. يمكن بقى مش رسمي، عرفي، فعرفي زي ما عملت معاها هي نفسها وسرقتها سرقة. فاكر يابن الأصول؟ فاكر جوازك العرفي من أختي؟"
"انت بتقول إيه!؟"
رددت سمر بصدمة. التفت لها الجميع عدا عثمان. جمد بمكانه. رفع فادي حاجبه وهو ينقل نظراته بين أخته وزوجها قائلًا:
"الله! هو ما حكالكش ولا إيه؟"
"حكالي إيه؟ إيه إللي تعرفه ومخبيه عني يا فادي؟"
سخر فادي منها.
"إللي أعرفه ومخبيه عنك؟ ده أمة لا إله إلا الله كلها تعرف القصة دي، بس شكل الباشا هو إللي مخبيها عنك."
وحت منه التفاتة نحو عثمان الذي احمرّ وجهه من شدة الغضب، لكنه التزم الصمت رغم ذلك، ليستطرد فادي مستمتعًا بإشعال الفتنة بين الزوجين.
"معقولة ما قولتلهاش إزاي اتعرفت عليها؟ ولا جبت حتى سيرة العقد العرفي إللي سرقتها بيه قبل ما تكتب عليها رسمي؟ معقولة!؟"
اتقدت عينا عثمان وهو يرمق شقيق زوجته بنظرات كانت لتحرقه عن آخره، وتمتم من بين أسنانه بلفظ نابٍ وقد نجح لأول مرة بحياته بإخراجه عن طوره.
"يابن الو×××!!!"
***
في هذا التوقيت عادةً ما يكون شريكه العجوز لا يزال بمقر عمله، وقد عرف منذ بضعة أيام بأن الابن الضال والذكر الوحيد المتبقي بعائلة عزام يقضي عطلة ترفيهية بوسط المدينة، لذا كان يدرك بأنها بمفردها الآن في المنزل، فلم يتردد بالتوجه إلى هناك فور أن انتهى لقائه مع ذاك الشاب المتشرد من وجهة نظره.
كان في اقتحامه للمنزل جنونًا لم يعهد نفسه عليه قط في حياته، وكأن قوى أخرى تحركه، وكأنه قد عاد بالزمن للوراء، لسنوات طويلة كان لا يزال على أبواب مرحلة شبابه. كان يحب ويعشق بجنون، فتاته الجميلة شاهناز وصديقة صباه. كان مهووسًا بها وذلك قبل أن تعلمه المعنى الحقيقي والمجرد للغضب، يوم اكتشف خيانتها له مع ابن عائلة البحيري، عثمان البحيري، نده وعدوه اللدود.
ذلك الغضب هو عينه الذي يستشعره الآن، والذي يجتاحه بضراوة لا يفقه لها أدنى مبرر وهو يندفع بمنزل شريكه غير عابئ بتوقيف الخدم إليه. صعد الدرج للطابق الثاني خلال لحظات، ولم يكن بحاجة لإرشاد، إذ انبعث صوتها تدندن مع غنوة أنثوية رقيعة بصوت سكب بنزينًا فوق نيران غضبه الحارقة.
ثاني اقتحام لغرفتها كان الأعنف، انتزع منها شهقة فزعة وهي تلتفت من حيث كانت تقف أمام المرآة، تستعرض على جسمها المغري ثوبًا رياضيًا أسود اللون، قصير وبلا أكمام، وضيق جدًا حتى خُيّل إليه بأنه عرضة لأن يتمزق تحت وطأة تضاريسها البارزة بإغواء.
"الشيطانة!!!"
"انت اتجننت! إزاي تدخل عليا بالشكل ده؟ مين سمح لك تطلع هنا أصلاً؟"
تجاوز نبيل الألفي عتبة باب غرفتها مغلقًا الباب من خلفه بركلة قوية من قدمه، واتجه نحوها رأسًا. تصرفات لم تفعل بها إلا شحنها بمزيد من الغضب.
"قوليلي إنه كداب!!!"
"هس نبيل من بين أنفاسه العنيفة."
كان قد وقف أمامها مباشرة، لا تفصله عنها سوى خطوة واحدة. بقيت مايا تواجهه بوجه خالٍ من أي تعبير، حتى تابع كلامه بينما تزداد ملامح وجهه الوسيمة تقلصًا بفعل الغضب.
"قوليلي إن الواد ده بيكدب، لما قال إنك اتفقتي معاه على جواز متعة. انتي.. انتي إللي طلبتي منه كمان، قوليلي إنه كداب يا بنت حسين وأنا هاصدقك. مش بس كده، ده أنا هاجيب رقبته تحت رجلي كمان، قوووولي!!!"
لكنها أبدًا لم تشفِ صدره بجواب كان يتوق لسماعه ولو كذبًا، بل ابتسمت ولم تصل إلى عيناها وهي تقول ببرود:
"لأ مش كداب، كل إللي قاله وليد صح من غير ما أسمعه. وأنا بصراحة مش فاهمة سبب حميتك ده شيء أصلًا ما يخصكش. بس اللوم مش عليك، أبويا إللي موليك أمور مش من حقك."
"آ آااااااااااااااه!"
بترت عبارتها متأوهة، حين امتدت قبضته وكمشت ذراعها العاري، كاد يدميها فعليًا وهو يمسك بها هكذا هادرًا بعنف.
"انتي عارفة انتي إيه؟ انتي ×××××××، واحدة زيك استحالة تعيش حياة طبيعية بعد إللي عملتيه. مين راااجل يقبل على نفسه يشيّل وحدة زيك اسمه ويخلف منها ولاده؟ ميـــــن؟؟؟"
رفعت يديها ودفعته بكل ما أوتيت من قوة عبثًا، لكنه أفلتها فجأة بإرادته، بينما تصيح به.
"محـدش.. انت مين قال لك أصلاً إني باصة لجواز وولاد؟ أنا دفنت الأوهام دي من زمـااان أوي يا نبيل بيه. مايا عزام إللي قدامك دي بقت واحدة ست، ست وبس، ما عندهاش قلب ولا مشاعر. ف أي كلمة قولتها دلوقتي لا أثرت ولا هتأثر فيا، لأني ما بقتش حاسة بحاجة. عارف إيه إللي بقيت بحس بيه؟ جسمي.. بحس بجسمي بس."
انتفخت فتحتي أنفه وهو ينفث عبرهما أنفاسه الملتهبة.
"لأ انتي بقيتي ×××× بس!!"
ابتسمت من جديد ولم ترد عليه، فأردف بخشونة تنافس حرائق عينيه الزرقاوين.
"أبوكي عمل إيه عشان تحطيه في الموقف ده قصاد نفسه؟ أنا مش عارف أعمل إيه! أروح أقوله إيه؟ أروح أقوله بنتك تبقى..."
وطبق فمه عاجزًا عن نطقها، فحثته هي ملوحة بذراعيها الناصعين.
"كمل.. كمل ماتتكسفش. إذا كنت أنا مش مكسوفة.. أنا إللي هقول لباباه. هقوله إن هي دي بقت حياتي، إني لا يمكن أفكر في جواز واستقرار. أنا بفكر في حاجة واحدة بس.. متعتي في الدنيا دي. أنا باخد متعتي في أي وقت وبأي طريقة يا نبيل. وليد كان مجرد بداية.. أنا بس انشغلت في حياتي المنهية وما كنتش فاضية لنفسي. ولكن خلاص أنا جيت هنا، دبي. أرض المتعة الحقيقية، وهلاقي كل يوم ألف فرصة وألف صيد!"
تكوّرت قبضته رغمًا عنه، وكم أراد تسديد لكمة لأي شخص، لأي شيء، عداها. يا للتناقض. كيف يراها؟ ما هي نظرته عنها في هذه اللحظة؟ أهي عاهرة؟ أم مجرد فتاة طائشة؟ ولكنها ليست بفتاة، بحق الله، إنها امرأة بالغة، راشدة، تدرك ماهية أفعالها جيدًا. من عذر لها، من عذر على الإطلاق.
رغم كل هذا، ورغم كل ما سمعه من فاها، تقدم ناحيتها ببطء قائلًا بهدوء لا يشي بأي مشاعر حقيقية يطمرها صدره.
"طالما ده هدفك الأساسي، ومافيش حاجة غير المتعة تهمك، يبقى ليه مانتفقش يا مايا؟ ما أنا في الآخر راجل بردو، وراجل عازب والمتعة مهمة في حياتي، مهمة جدًا."
ظلّت ثابتة بمكانها، بينما يقف وهو يكاد يلامس جسدها بجسده. نظراتهما معلّقة ببعض، أنفها الدقيق مقابل ذقنه العريض، تشعر بتردد أنفاسه الدافئة وهو يهمس لها بخطورة وتلك النظرة الواعدة والمتوعدة في آن تطل من عينيه.
"مش محتاجة تدوري على صيد يا مايا، أنا هنا قدامك. بعرض عليكي علاقة معايا، وبشروطك كمان. وأوعدك.. هاعيشك أيام عمرك ما حلمتي بيها، وهاعلمك.. يعني إيه متعة بجد!"
رواية كرسي لا يتسع لسلطانك الفصل الخامس 5 - بقلم مريم غريب
على بُعد أمتارٍ من المجلس العائلي.. ذرعت “شمس” مساحة محدّدة من الحديقة جيئة و ذهابًا و هي تتحدث عبر هاتفها بصوتٍ خافت.. و قد كانت أعصابها على المحك فعلًا.. كلّما استمعت إلى صوته الهادر.. لم يكن يمنحها أيّ فرصها و هي بالكاد ترد عليه ردودًا قصيرة.. يُباغتها بسيلٍ من الكلمات العنيفة تتركها مذعورة.. خائفة منه حتى النخاع ..هو الشيء الأكثر تناقضًا بحياتها.. أن تدمنه و تعشقه حد الجنون.. و في نفس الوقت تخافه و ترهبه إلى أقصى الحدود ..و بما إنها برعت على مر سنوات ارتباطهما القليلة بدراسة شخصيته و أجادت مهادنته على أيّ حالةٍ صعبة تتلبّسه.. كانت الآن أكثر ذكاءً و هي تتعامل مع غضبه العاصف الذي تخيّلته و هو يكاد يتحرّر من مجرد خط هاتفي ليظهر أمامها بأيّ لحظة و يحاصرها في قبضته …
- رامز.. ممكن تسمعني بس !
صوتها الرقيق لم يزيد وضعه إلا سوءً و هو يصيح على الطرف الآخر:
- سمعتك كتير.. كتير أوي يا شمسو لما جه دورك انتي عشان تسمعيني.. لما رجعتي بعد ما هربتي مني.. خلفتي وعدك تـاني.. تاني يا شمس و هربتي مني تـااانـي !!!
- و الله ما هربت !!
كان سينفجر مرةً أخرى حين قاطعته بحزمٍ حرصت على أن يبدو باللطف المناسب:
- اسمعني يا حبيبي.. اسمعني يا رامز.. أنا لو هربت منك إزاي كنت هقولك على مكاني ؟ انت بقيت عارف كل أسراري.. كل حاجة عني كشفتها قدامك.. رامز انت عارف ظروفي.. أفهم.. أنا بحبك.. و وعدتك إني هقف قصاد أي حد يحاول يبعدنا تاني حتى لو مامي ..
تقريبًا.. لا بل غالبًا طريقتها معه لاقت الصدى المنشود.. ساد الصمت من طرفه للحظاتٍ طويلة.. حتى ظنّت بأنه قطع المكالمة.. لكنها و قبل أن تستطلع سمعت صوته ينبعث مكتومًا:
- مابقاش عندي صبر يا شمس.. انتي مش مستوعبة حالتي !؟
- لأ عارفة.. و حاسة بيك.. رامز أنا بحبك.. انت عارف إن أنا بحبك.
توقّعت أن يرد بذات الكلمات اللطيفة.. خالت بأنها تمكّنت من جرّه إلى أرض آمنة و تهدئة حنقه و لو بشكلٍ مؤقت ..لتُفاجأ بالغضب في صوته مستفحلًا.. مستوحشًا:
- لأ.. لأ يا شمس.. مش هاتخدعيني تاني.. أنا وثقت فيكي كتير.. و انتي و لا مرة كنتي أد ثقتي.
- طيب أسمعنـ ..
- لأ مش هاسمـع !! .. قاطعها بعنفٍ و أردف بوعيدٍ جعل كل الدماء تتجمّد بعروقها:
- اسمعيني انتي يا شمس.. بكرة هاستناكي تجيلي على الفندق.. هانتحرك أول ما توصلي و ننزل على القاهرة عشان نتمم جوازنا و بعدين نبقى نرجع نبلّغ أهلك و ننشر الخبر و نعمل كل إللي انتي عايزاه.. بكـرة يا شمس هاستناكي و أقسم بالله.. لو مانفذتيش كلامي بالحرف.. أنا هاخلّيكي تندمي على اليوم إللي قررتي ترجعي فيه مصر تاني بعد ما هربتي مني.. هاخلّيكي تتمنّي لو الزمن يرجع بس عشان تمحي فكرة الرجوع من راسك.. من إللي هاعمله فيكي و هاتشوفيه بعينك.. لو مانفذتيش كلامي يا شمس !
و انقطع الخط فجأة ..ليتوقّف بها الزمن لبرهةٍ.. و قد توقفت عن السير اثناء تلقّيها تهديداته.. تسمّرت بمكانها و لم تحرك ساكنًا.. حتى أن تأكدت بأنه قد أنهى الاتصال ..أفاقت مرتعدة بشكلٍ مزري و هي تنظر إلى شاشة الهاتف المعتمة.. ثم ترفع وجهها متطلّعة نحو مصدر الجلبة المفاجئ ..رأت بالضبط حيث كانت تجلس برفقة العائلة هناك قرب الشرفة الكبيرة.. أخيها و قد هبّ واقفًا قبالة زوجته.. كأنما يتجادلا.. لا.. بل كأنهما يتشاجرا ..استطاعت أن تسمع صياح “سمر” المشوّب بنبراتٍ باكية.. يطغى عليه صوت “عثمان” الحاد.. و لدهشتها جلست إبنة عمها و زوجها متفرجان ..لم يحاول أحدهما التدخل للتهدئة بين الزوجين.. مِمّا جعلها تتناسى مشكلتها الجسيمة مع حبيبها المتهوّر.. لتدس الهاتف بجيب ثوبها.. ثم تتجه عائدة من فورها نحو المجلس العائلي …
- احنا متجوزين من 14 سنة يا سمر.. القصة دي انتهت من زمان.. أفهمي بقى.. احنا قفلنا الموضوع ده من أول سنة جواز و عمره ما أثر على علاقتنا !!
انتحبت “سمر” و هي تنظر إليه عبر دموعها قائلة بصوتٍ مختنق:
- اتقفل ؟ هو إيه ده إللي اتقفل ؟أنا مش قادرة أصدق.. أنا عملت كده إزاي ؟ .. و انت.. انت عملت فيا كده فعلًا !؟و كمان اتجوزت تاني عليا ؟ .. و بتقول اتقفل ؟مافيش حاجة اتقفلت.. أنا دلوقتي بس عرفت أنا ليه مش قادرة أفتكرك.. ليه مش بحس بالأمان و أنا معاك و مش عارفة أعيش حياتي هنا جنبك و تحت سقف بيتك.. أنا متأكدة إني عمري ما حبيتك.. مافيش واحدة عاقلة تحب واحد زيك !!!
كز على أسنانه كأنما يكبح إنفعالًا مدمرًا من الإفلات منه.. و قال بخشونةٍ:
- لأ يا سمر.. انتي حبتيني.. و من قبل الجواز الرسمي.. انتي عيشتي معايا بإرادتك الكاملة.. و خلّفتي ولادنا.. يحيى و فريدة.. احنا كنا عايشين في استقرار و سعادة.. لحد ما حصلت لك الحادثة و نسيتي.. نسيتيني يا سمر ..
هزت رأسها بعنفٍ.. ترفض التصديق على أيّ كلمة قالها.. لتقول بتصميمٍ بينما عيناها تتسعان مع انتفاضات جسمها العنيفة:
- لأ.. لأ مستحيل.. أنا مش ممكن أكون حبيتك.. أكيد كل ده حصل غصب عني.. أكيد من جوايا كنت كرهاك.. و ده الافتراض الوحيد إللي بيفسر انا ليه فاكرة في حياتي كل حاجة.. إلا انت.. و السنين إللي عيشتها معاك.. أنا عمري ما أحب راجل زيك.. انت استغلتني.. انت ضيّعتني !!!
انعقدا حاجبيه في ذهولٍ مِمّا تقول.. عقله يأبى الانسياق وراء ادعائها بأنها حقًا نسيته متعمّدة.. نسيت الحقبة من حياتها و التي جمعته بها لا لشيء سوى إنها لم تحبّه فعلًا.. و إنها إنما عاشت معه مجبرة لأنها لا تمتلك أمامه أيّ خيارات أخرى ..لم يخطر كل هذا على باله و لا حتى بينه و بين نفسه.. حتى ذكرته هي الآن ..كان هذا الشعور قاسيًا.. صادمًا.. لم يحتمله و لم يتقبّله ..لا شعوريًا وجد نفسه يلتفت صوب “فادي” الذي جلس في هدوءٍ تام يشاهد العراك و كأنه لم يشدّ الفتيل بيده.. تكوّرت قبضة “عثمان” و قد تملّكه الحقد لأول مرة على صهره.. كان جاهزًا و تمامًا لإفراغ كل إحباط و غضب الفترة الخيرة كلها به هو ..لولا عودة أخته التي شتت الفكرة برأسه بتساؤلاتها:
- إيه في إيه ؟ .. إللي بيحصل هنا ؟
عثمان !
بمعجزة تمكن “عثمان” من إزاحة بصره عن “فادي”.. و مرر عينيه سريعًا على وجه “هالة” الشاحب من الخوف و القلق جرّاء ما يحدث و ما يمكن أن يحدث بعد ..استدار “عثمان” صوب كلًا من زوجته و أخته.. نقل ناظريه بينهما.. لكنه لم يكن في وارد الرد على أيّ من أسئلة “شمس”.. “شمس” التي لم يحالفها الحظ بعد للتعرّف إلى عائلتها ..إنها بالكاد قابلت “سمر” الليلة.. لم تتبادل معها أيّ حديث.. و لكنه كالعادة.. المُفسد.. “فادي” و كأنه أقسم منذ زمنٍ بألا يجعل لحياة شقيقته استقرارٍ.. و كأنه يعيش فقط من أجل الإنتقام.. منها.. و من “عثمان” نفسه …
- سمر.. ماينفعش كلامنا يكون هنا.. تعالي هانطلع على أوضتنا !
لم تعبأ للصلابة في كلماته الآمرة.. هزت رأسها برفض صريح و قالت بجمودٍ:
- مافيش كلام بيني و بينك.. أنا مش هاجي على نفسي أكتر من كده.
سألها بحذرٍ لا يخلو من التهديد:
- يعني إيه !؟
رفعت ذقنها المدبب و هي تقول بحزمٍ:
- يعني أنا مكاني مش هنا.. أنا مش متقبلاكو مش هقدر أعيش في مكان واحد معاك.. طلقني !
و كأنه كان ينتظر ان تقول ذلك تمامًا ..أطلق ضحكة قاسية أجفلتها.. و قال بصوتٍ أجش:
- آه.. قولتيلي بقى.. عايزة نعيده تاني يا سمر.. بتطلبي الطلاق ؟ .. على جثتي ..و هتف يأمرها باقتضابٍ:
- اتفضلي قدامي على فوق.. يـلا !!
ازدردت ريقها بتوترٍ على إثر استحالة إنفعالاته إلى هذا السوء.. ألقت نظرة من وراء كتفه صوب أخيها.. تناشده المساعدة.. لكنه لم يجسر على التدخل الآن.. كما لم يفعل مسبقًا.. كما لم يفعل دائمًا ..
- اتحركي ! .. تمتم “عثمان” بهدوء خطر
لكنها أبت الإنصياع.. قائلة بشيء من الجبن:
- مـ.. مش.. مش هاتنقل معاك.. لأي مكان لوحدنا.. أنا ماعرفكش !!
- كده ؟ طيب ..
و لم تستوعب ما حدث خلال لحظتين ..اقترب منها بخطوة.. و انحنى حاملًا إيّاها على كتفه بحركةٍ واحدة.. انفجرت صارخة بهلعٍ بينما يمضي بها نحو الداخل على رؤوس الأشهاد.. أمام العائلة غير عابئًا بنفرٍ منهم ..كانت تضرب ظهره بقبضتيها.. تركل بساقيها دون أن تكف عن الصرا لحظةً واحدة مطالبةً إيّاه بإنزالها.. لكنه كان أصمًا صلبًا كالصخر ..قابلا “ملك” في طريقهما للأعلى.. و كانت الفتاة تراقبهما مذهولة.. حتى غابا عن ناظريها ..هرعت إلى البقيّة.. وقفت أمام الثلاثة.. أخيها و زوجته و الوافدة الجديدة.. “شمس” ..خرج من فمها السؤال موجهًا إلى “فادي” مباشرةً:
- إيه إللي حصل ؟؟
لم تستقر “سمر” على قدميها ثانيةً إلا عندما دخل بها “عثمان” إلى جناحهما الخاص و أغلق الباب بقدمه بقوةٍ ..ترنّحت للحظةٍ قبل أن تتمالك نفسها و تقف في مواجهته منقطعة الأنفاس.. تحدق فيه بوجلٍ مثل أرنب سقط بين براثن ذئب مفترس ..
- كنتي بتقولي إيه تحت بقى ؟
لا يزال هدوئه يثير أعصابها.. إلا إنها جاهدت لتبدو أكثر تماسكًا و هي ترد عليه بعدائية واضحة:
- انت لو انسان متفهم و متحضر بجد.. هاتقدر موقفي.. هاتحترم رغبتي.
بدا فجأة نافذ الصبر و هو يسألها من بين أسنانه:
- إللي هي إيه رغبتك دي ؟؟
لم تفكر مرتين و هي تكرر بشحوبٍ لا أسباب له سوى خوفها منه:
- الطلاق.. أنا مش عايزة أفضل على ذمتك !
أومأ مرارًا و قال:
- أمم.. طيب بغض النظر عن الدوافع إللي خليتك تطلبي الطلب ده.. انتي مش شايفة إن طلبك أناني أوي ؟ .. و مش هقولك إنك لسا متأثرة بالحادثة و حكمك على حياتنا خدتيه منغير أي اعتبارات و إنك لما تفوقي لنفسك هاتندمي.. مش هقول كل الكلام ده عشان أحتفظ بيكي و أكسب وقته.. هقولك حاجة واحدة بس يا سمر.. ولادك.. ولادك إللي انتي واثقة و متأكدة إنهم حتة منك.. و مني.. انتي مستعدة فعلًا تمشي و تسبيهم ؟ما انتي لو خرجتي من هنا.. لو طلقتك زي ما انتي عايزة.. إستحالة أخليكي تقربي منهم.. و لا تلمحي طيف حد فيهم طول حياتك.. و أنا مستعد أوعدك بده.. و انتي كنتي دايمًا عارفة.. عثمان البحيري لما بيوعد.. بيوفي !
تصفعها الحقيقة ..حقيقة كلماته.. يرى ذلك في إجفالها و ابتلاعها لريقها بصعوبةٍ.. فيخف تحفّزه قليلًا و هو يستكمل متقرّبًا إليها:
- شوفتي إزاي اترددتي !؟
انتبهت لخطواته الآخذة بالاقتراب منها ببطٍ.. فانتفضت متراجعة للخلف و هي لا تحيد عنه بنظراتها.. بينما يستطرد و شيء من الألم يقلّص قسمات وجهه:
- لما كلمتك عن ولادنا.. رغم إنك المفروض مش فاكرة أي حاجة عنهم.. و مافيش في راسك و لا ذكرى عن حد فيهم.. بس متمسكة بيهم.. ف ليه بايعاني كده يا سمر ؟
كلمته الأخيرة وخزة نقطةٍ ما بداخلها.. كما وخز الحائط البارد ظهرها ما إن اصطدمت به بالغة أقصى مدى أمكنها به الابتعاد عنه.. لكنه صار قريبًا.. قريبًا جدًا …
- أنا حبيبك ! .. قالها و هو يدنو أكثر منها واضعًا يداه على الحائط بجوار رأسه..
تشعر بجسدها كله يتوتر من هذا التقارب.. لكنها لا تجسر على إبداء أيّ ردة فعلٍ.. بينما يقترب أكثر.. أكثر بكثير الآن.. و يخفض رأسه هامسًا بأذنها بأنفاس سببت لها قشعريرة:
- صدقتي و لا لأ.. أنا و انتي حبينا بعض.. أنا لسا بحبك يا سمر.. و عمري ما حبيت واحدة غيرك.. مش هاتقنعيني إن إللي بينا طول السنين دي كان كدبة.. أنا مش هاسمح لك بده أصلًا انتي فاهمة ؟
كم شعرت بضآلة حجمها في هذه الأثناء.. إلا إنها بالفعل كانت صغيرة جدًا مقارنةً به.. بطول قامته.. و ضخامته و صلابة جسده الذي خلق لأجل رجلٍ مثله.. بهيمنته و جاذبيته الطاغية ..لا تنكر إنجذابها الفطري إليه.. لا تنكر إعجابها بشخصيته خلال معرفتها القصيرة به _ نسبة لآثار حادثتها _ و حتمًا لا تنكر تأثيره عليها.. و تعلم جيدًا بأنها لا قِبل لها بصده إن هو أراد أن يخضعها لإرادته أيًّا كانت ..تعلّقت نظراتها المتضرعة غريزيًا بنظراته الحادة.. لم تنبس بحرف حتى الآن.. فرفع يده و لامس ذقنها بإبهامه.. قبل أن يمرر أنامله ببطءٍ مدروس عبر عنقها.. وصولًا إلى مفرق صدرها ..تلاحقت أنفاسها بعنفٍ واضح و هي تحس نفسها مكبّلة.. عاجزة تمامًا بين يديه …
- أنا ماكدبتش في كلمة واحدة قولتها تحت يا سمر.. أنا طول عمري قوي.. طول عمري بعرف أتحكم في رغباتي و غريزتي كويس.. إلا لما قابلتك.. أنا حبيتك بكل ذرة في كياني.. بعقلي و بقلبي و بجسمي.. و انتي عارفة.. انتي عارفة يا سمر !!
يا للبؤس !
لا.. حقًا لا.. لا تعلم أيّ شيء و لا تذكر أيّ شيء.. كم تتمنّى حقًا لو أنها تستعيد ذاكرتها الآن.. و لكنها لا تقدر.. و كأن حاجز منيع يأبى أن ينقشع لئلا تعثر على نقطة التلاقي بماضيها.. بتلك الحقبة المفقودة تحديدًا ..و كأنه شيطان خبيث ذاك الذي يعبث بحياتها.. أقتحمها فجأة متمثّلًا بالحادث ليخرّب استقرارها و سلامها.. و ماذا بعد ؟
ماذا بعد !؟؟
بدا تنفسه ثقيلًا و هو يتفرّص بها مسبلًا عينيه.. و كأن مجرد قربه منها يثمله.. يثقله بالرغبة التي لا تكف عن الإلحاح عليه لينالها.. فقط لينالها و يروي شوقه إليها بعد هجر و جفاء دام أكثر من اللازم …
- سمر ! .. نطق أسمها بلوعةٍ
و لا تصدق أن كيانًا مثل “عثمان البحيري”.. الرجل الذي يفترض أن يكون زوجها هي.. بل هو حقًا زوجها كما أقرّت الوثيقة الرسمية و الصور و الأولاد و العالم أجمع ..رجل عظيم مثله.. مسؤول.. رصين.. إنه فعليًا يستجدي عاطفتها الآن ..حين أطلق الزفير الساخن الذي ملأ صدره ليندفع فيتخلل شعرها.. قبل أن يعانق وجهها بكفّيه الكبيرين قائلًا بصوتٍ مكتوم:
- إديني فرصة بس.. خلّيني أساعدك.. و حتى و أنا مش مؤمن بفكرة إنك ممكن تنسيني.. أنا مقدر وضعك.. لكن إني أبعد عنك.. إني أسمح لك تمشي.. لأ و ألف لأ.. انتي مراتي.. انتي جزء مني.. و فوق كل ده انتي حبيبتي.. سمر.. أنا محتاج لك.. أرجوكي !!
ساد الهدوء التام بينهما لدقيقة ..قبل أن تضمهما لحظة واحدة من التردد.. وقعت بالفخ.. نجحت الغواية ..و إذا بهما يشرعان في التقبيل ..هكذا بلا مقدمات.. تحركا تجاه بعضهما.. تلك.. أول قبلة لها.. مضطربة.. ذاهلة.. متخبّطة.. بينما هو.. ثابتًا.. كأنما يعرفها.. كأنما يحفظها ..هذا الجسد بين ذراعيه.. ملكًا لها بالفعل.. و هو خبيرًا به ..
- بحبك ! .. تمتم متخللًا القبلة
و لا يتردد بعد ذلك.. يمسك بفخذها و يرفعها على ذراعيه.. فتطبق ذراعيها حول عنقه تلقائيًا.. بينما يحملها إلى سريرهما العريض ..هناك.. حيث بدأ الجليد بالذوبان.. و قد بدأت هي نفسها تذوب تحت لمساته.. قبلاته.. عقلها لم يكن موجود الآن.. لا شيء يحول بينهما ..منحته الفرصة التي أراد.. تركته يساعدها و رفعت كل رايات الاستسلام.. بينما يمضي في الأمر ببطءٍ و تمهل كعادته.. مغتنمًا كل لحظة.. مستمتعًا بكل التفاصيل ..
هكذا بدأت …
رواية كرسي لا يتسع لسلطانك الفصل السادس 6 - بقلم مريم غريب
لم تستطع أن تفكر في أي شيء آخر فور استيقاظها.. لم تحرك ساكنًا للحظات.. الصدمة تعتريها بقوة.
إلا إنها ارتعدت فجأة مديرة رأسها إلى جانبه الخاص بالسرير.. لم يكن موجودًا.. هو لم يكن موجودًا.. ما بعثها على الاسترخاء قليلًا.
لكنها ارتجفت وهي تشعر بحقيقة وضعها.. إنها فعليًا في سريره لا يستر جسدها شيء سوى غطاء بسيط.
ليلة الأمس.. ليلة الأمس هو قد نالها كما وعدها مسبقًا.. وهي.. لم تحاول إيقافه ولو لمرة واحدة.
غطت "سمر" وجهها بكفيها.. كأنما تمنع الرؤى الملموسة من المرور أمام عينيها.. ولكنها لم تكن بحاجة لعينين كي تراها.
فكل لحظة مرت بينهما أمس كانت محفورة بعقلها.. غير قابلة للنسيان.
همساته.. لمساته.. وحتى قبلاته.. إنها تقشعر كلما طرقت أدق التفاصيل ذاكرتها.
رباه! لم تكن تتخيل أن تضعف بين يديه إلى هذا الحد.
على الرغم من تطلبه وتسلطه أثناء العلاقة، فإن طريقته كانت لطيفة جدًا.
وكم كانت صدمتها قوية وهي تستمع إلى نفسها.. الأصوات التي صدرت عنها لم تكن تعرف إنها قادرة على إصدارها البتة.
و صدمت أكثر وهي تتعاطى معه مطالبة بالمزيد.. تستجيب لكل حركة يقوم بها بتناغم مدهش.
كان هو نفسه مدهشًا.. واثقًا.. يعرف بالضبط أين يلمسها.. كيف يقبلها.
يفترض أن تكون هذه هي مرتها الأولى.. حتى اللحظة الأخيرة كانت تصدق بأنها.. عذراء!
لكنها لم تكن كذلك.
تذكر تلك اللحظة الحاسمة.. بمجرد أن تمكن من السيطرة الكاملة عليها.. فإنه لم يتردد وأخذها بوقاحة صدمتها وانتزعت منها صرخة.. صرخة مستنكرة.. مذعورة.. متألمة.
ولم تعد قادرة بعدها على فعل أي شيء سوى الاستسلام له.
ولكن أليس مؤسفًا؟
حتى بعد كل هذا.. بقدر ما كان هذا فوضويًا وممتعًا بالتدريج، لم يساعد.. وهي ما زالت لا تذكر شيئًا عن حياتها معه.. ما زالت لا تتذكره!!!
علقت شهقة بحلقها.. عندما دوى هاتفها بنغمة صاخبة تنبه لوصول رسالة.
نظرت إلى الهاتف حيث لا يزال كما تركته بالأمس فوق الكومود المحاذي للسرير.
مدت ذراعها والتقطته بسهولة.. أضاءت الشاشة فإذا بثلاث رسائل فائتة.. جميعها منه.
بأنامل مرتجفة فتحت المحادثة بينهما.
عثمان: لسا نايمة يا بيبي؟
عثمان: أنا مش حابب أزعجك بس محتاج أسمع صوتك.
عثمان: وحشتيني.
عثمان: سمر..
كانت تطالع رسائله متحسسة صدرها.. موضع قلبها الخافق بعنف.
رأته يشرع بالكتابة إليها.. لكنه بدا كأنه انتبه إلى إنها قد فتحت المحادثة.. فاختفت النقاط الثلاثة الدالة على كتابته.
انتفضت "سمر" لدى ظهور اتصاله المباغت.
ازدردت ريقها الجاف بصعوبة وهي تقوم نصف جالسة فوق الفراش.. متشبثة بالغطاء حول جسمها.
لا تزال تحدق باسمه الذي يتوسط الشاشة.. وبالخلفية المرافقة لاسمه.. صورة تجمعه بها.. هنا بحديقة القصر.. تجلس في حجره فوق الأرجوحة.. تنظر إليها مبتسمة بهيام بينما يضمها إلى صدره مداعبًا عنقها ملامسًا خط فكها بأنامله.
بالكاد تنفست.. قبل أن ترد بصوت متحشرج بآثار النوم.
آلو!
نظفت حنجرتها على الفور.. بينما يرد عليها بصوته الرجولي الجذاب مذكرًا إياها في الحال بعبارات الغزل الساخنة التي أخذ يسكبها بأذنيها طوال الليل.
كل ده نوم يا سمر؟ تعرفي لو ماكنتيش فتحتي كنت هاسيب إللي في إيدي كله وأرجع لك.
بقيت صامتة.. لا تدري ما الكلمات المناسبة للرد عليه.. وكأنها طفلة صغيرة لم تتعلم الكلام بعد.
سمعته يقول بعد لحظات.
سمر.. انتي معايا!؟
تنحنحت قائلة باقتضاب.
معاك!
وكأنه أدرك حالتها المضطربة.. قال بلهجة أكثر لطفًا.
أنا آسف إنك صحيتي ومالاقتنيش معاكي.. اضطريت أسيبك وأمشي بدري عشان إنهاردة معاد الاجتماع الأسبوعي للإدارة.
ماينفعش يتأجل وماينفعش أغيب عنه.
قابلت كلماته بالصمت مرة أخرى.. فأردف.
فطرتي؟
لسا!
أوكي هاسيبك تقومي وتفوقي كده.. أفطري كويس وكلّميني.
لو ما رديتش أعرفي إني لسا في الاجتماع.. بس أول ما أخرج كده كده هاكلمك.
عندما لم يحصل منها على وعد بإعادة الاتصال به على أية حال.. قال بلهجة مرنة.
أنا مش هتأخر عمومًا.. هاجي في معاد الغدا.. شمس هاتكون موجودة في البيت.
ممكن أطلب منها تاخد بالها من يحيى وفريدة ونخرج أنا وأنتي نتغدا برا.
إيه رأيك؟
تعللت غريزيًا باندفاع.
مش هاينفع عشان ملك هـ آ..
وبترت عبارتها فجأة متذكرة شيئًا هام.. ما لبث "عثمان" أن أكده لها بفتور.
ملك مشيت إمبارح مع فادي وهالة.. زمانهم وصلوا دبي دلوقت.
للأسف ما لحقناش نودعها.. بس ممكن تكلميها.. مش معاكي أرقام فادي وهالة؟
معايا.
طيب حلو.. إيه تاني؟ عندك أي أعذار تانية؟
وكما توقّع لم تجد ردًا.. فقال بحزم.
جهزي نفسك.. الساعة 5 هابعت لك العربية بالسواق.. ولا تحبي أجي آخدك بنفسي؟
تلعثمت وهي تحاول تكوين جملة مفيدة.. فأعفاها من ذلك قائلًا بصوته العميق.
خلاص هابعت لك السواق.. 5 بالظبط يا سمر.
ماتنسيش!
وأغلق الخط.
هكذا فجأةً.. أنزلت الهاتف عن أذنها جاعلة صوته يتغلغل بحواسها أكثر.. وكلماته تردد بأذنيها.
هل كانت بحاجة لإحساس بسلطته عليها كي تبدي كل هذا الخنوع!؟
ما بالها؟ هل تستسلم بهذه السهولة؟ هل تواصل العيش معه متجاهلة تعمد عقلها نسيانه؟
لماذا تتذكر كل شيء عداه؟
ماذا فعل لها؟
لا يمكنها المضي قدمًا معه دون أن تعرف.. يتعين أن تكشف هذا الأمر.. يجب أن تستعيد ذاكرتها وبأسرع وقت.. وإلا فإنها لن تستمر معه.. وهذا قرارها النهائي.
**
لا بد أن تلقي نظرة إلى هذا الكتالوج الخاص بتنسيق الحفلات.. كما أوصاها أخيها.. إذ ينوي إقامة حفل استقبال لأجلها هنا بالقصر.. يود أن يعلنها أمام العائلة والأصدقاء.. بل أمام مجتمع النخبة كله كإبنة شرعية ووريثة لوالدهما الراحل.
وطبقًا لكلامه معها.. فإن هذه الحفلة ستُقام بحلول نهاية الأسبوع.. فقد كان حريصًا على أن تتم قبيل عودة السيدة "فريال المهدي" من سفرتها.. لذا ما من وقت تضيعه.. عليها أن تساعده.
ولكن كيف تفعل هذا وهي محاصرة تحت وطأة الخوف الشديد.. بل الرعب من تصرفات حبيبها.
لقد أعطاها اليوم فرصة لتذهب إليه طوعًا ليتمما الزواج.. وإلا فسيكون عليها أن تواجه غضبه.
وهي بالفعل لديها فكرة عن كيف يبدو غضبه.
إنها حتى تعجز من مغادرة غرفتها.. تجلس منذ بكرة الصباح بالشرفة.. تضم ساقيها إلى صدرها وتنظرف إلى الهاتف الملقى فوق الطاولة المستديرة.. تنتظر بقلب مثقل بالقلق.. تترقب اتصالًا منه بأي لحظة.
رغم إنها قد اتخذت قرارها سلفًا.. لن تذهب إليه.. لن تتزوجه بهذه الطريقة.. ليس بعد أن جاءت وعرفت عن نفسها لأخيها.. لن تخذل "عثمان".. ولن تجعله يندم على وقوفه بصفها ودعمه لها.
إنه الأخ الذي تاقت له طوال عمرها.. ولن تخسره حتى ولو كان الثمن علاقتها بـ "رامز الأمير".. صديقه.
توقف قلبها للحظة واحدة.. ما إن دق هاتفها.. هربت الدماء من وجهها وهي تعتدل مشرئبة بعنقها.. تخشى لو كان هو المتصل.
رطبت شفتها المكتنزة بطرف لسانها.. ثم مدت يدها في الأخير وأخذت الهاتف.
طالعت الشاشة ببطء.. وزفرت براحة لأنه ببساطة لم يكن هو من يتصل بها.. بل رقمًا غير معنون.
فتحت الخط وأجابت في الحال.
آلو!
شمـس!
بكلمة واحدة.. استطاعت التعرف على هوية المتصل.. لتردد بعدم تصديق.
مامـي!!
وأردفت بسرعة.
مامي انتي بتتكلمي منين؟ انتي هنا؟ انتي في مصر؟
جاء رد "رحمة" صلبًا.. صارمًا.
أنا على بوابة القصر.. قصر البحيري.
قدامك اختيار من اتنين.. يا تنزلي حالًا وتيجي معايا.. يا هادخل وأجيبك بنفسي!
رواية كرسي لا يتسع لسلطانك الفصل السابع 7 - بقلم مريم غريب
أنهى ما تبقّى من فنجان قهوته الداكنة في جرعة واحدة، قبل أن ينهض عن مكتبه أخيرًا ليلحق بمدراء أقسام شركته بغرفة الاجتماعات.
إلا إن الدخول المفاجئ لابن عمه جعله يرتد إلى مقعده ثانيةً.
ركضت سكرتيرته الخاصة وراء "صالح البحيري" تحاول منعه من اقتحام المكتب وهي تقول له:
يا صالح بيه قلت لك هاديله خبر!
لكن فات الأوان، لقد صار أمام "عثمان" بالفعل.
ترفع السكرتيرة يديها في استجداءٍ حتى يعرف رئيسها بأنها حاولت منع الأخير من الدخول هكذا.
يومئ "عثمان" برأسه مخاطبًا سكرتيرته:
أوكي يا رشا، ممكن تستني برا 5 دقايق.
أكدي إن أفراد الـ Board كلهم في الـ Meeting Room.
أنا مش هتأخر.
أطاعته "رشا" على الفور وانسحبت في صمت.
ابتسم "عثمان" ببساطة وهو يتطلع إلى ابن عمه. لقد مضى وقت طويل منذ رآه آخر مرة، ربما عام وبضعة أشهر. مع ذلك لم يطرأ عليه تغييرٌ كبير، باستثناء قصة شعره الخفيفة التي أعطته مظهرًا أكثر نضجًا من المعتاد.
أهلًا يا صالح! رحّب "عثمان" به.
أخيرًا جيت يا راجل، ده أنا كنت مفكرك نسيت.
هي القاهرة بتنسّي الأهل كمان؟
لا يرد "صالح" على مبادرة ابن عمه المعاتبة، ينظر إليه عابسًا وهو يقول بحدة واضحة:
أنا سايب شغلي كله، ووقفت حياتي كلها بالمعنى الحرفي يا عثمان وسمعت كلامكو.
وأديني هنا أهو واقف قصادك، فين صفية بقى؟
لو روحت القصر دلوقتي هالاقيها؟
يشير "عثمان" بيده نحو أحد المقعدين أمامه وهو يتحدث إليه بهدوء:
طيب أقعد يا صالح، واقف ليه؟
أقعد وإديني فرصة أتكلم معاك.
على مضض شديد، أذعن "صالح" لطلب "عثمان" وجلس قبالته زامًا فمه.
لم يمهله الوقت الكافي لبدء حديثه، ليباغته على الفور باقتضاب:
فهمّني إيه اللي بيحصل، عشان انت لو ما عندكش شك في ذكائي، تفهم إن تصرفات أختك دي ما فيش راجل يقبلها على نفسه.
ولو انت حقّاني مش هاتقول غير كده!
تنهد "عثمان" بصبر قائلًا:
ممكن تهدا شوية؟
اهدا واسمعني، لو سمحت ما تقاطعنيش.
أنا مستحيل أسمعك وأنت بتتكلم بالأسلوب ده!
يضغط "صالح" شفتيه بقوة مجبرًا نفسه على الانصياع.
ليسحب "عثمان" نفسًا عميقًا، ويمد جسده للأمام قليلًا وهو يقول بصوته الهادئ:
بص يا صالح، أنا طبعًا معاك إن أختي غلطت، في حاجة واحدة بس، وهي إنها سافرت من غير ما تاخد موافقتك.
بس آخر معلوماتي منها شخصيًا إن أساسًا علاقتكوا بقت متوترة جدًا في الفترة الأخيرة.
أنا ما أعرفش تفاصيل ومش مهتم أعرف، طالما أختي ما جتش بإرادتها وطلبت مني أتدخل يبقى عمري ما هتحشر بينكوا.
العقل هنا بيقول، ما دامت صافي مصممة فجأة إنها عايزة تسيبك، ودي في نظري مشكلة كبيرة جدًا لو هاحط نفسي مكانك، هاتفرّغ تمامًا عشان أحلّها، لأن عيلتي دايمًا بتيجي في المقام الأول.
انت جاي عصبي وغضبان عشان سيبت شغلك وده حقك، لكن من حق صافي كمان إنها تعترض على أسلوب أو سلوك فيك مش مريحها.
ولأني عارفك كويس وفاهم طبعك العنيد، مش قادر ألومها أوي.
وحط في اعتبارك إني لسه ما عرفتش أسبابها.
أثار حديث "عثمان" حفيظة "صالح" كليًا، ليصيح باستهجان:
انت بتبرر لها إيه؟ أنا مش فاهمك بجد.
دي سافرت من ورايا، وفوق كده بمنتهى البرود باعتالي مسج وبتطلب الطلاق.
انت سامعني؟
صفية عايزاني أطلقها!
يستعين "عثمان" بكل قوته حتى يبقى هادئًا في مواجهة ابن عمه.
يشبّك أصابع يديه فوق سطح المكتب معًا وهو يرد عليه بذات الهدوء:
أنا عاذرك والله، وما قلتش إنها ما غلطتش، بس غلطها هايفضل نسبي بالنسبة لي.
أنا لسه ما عرفتش دوافعها زي ما قلت لك يا صالح.
تخبط "صالح" بمكانه وهو يزمجر بعصبية متزايدة:
انت بتنصرها عليا وانت بتعترف إنها غلطانة!
هز "عثمان" كتفه بحركة خفيفة وقال:
دي أختي يا صالح أكيد هانصرها.
عليكماتتخيّليش لحظة إني ممكن أجي عليها لأي سبب، لو حصل واضطريت آخد صف حد فيكوا أكيد هاكون في صفها هي، وهاتلاقيني أنا اللي في وشك أصلًا.
ارتفعت حاجبا "صالح" باستنكار وعجز عن الرد لوهلة، إلا إن "عثمان" لم يسمح له بالتحدث أكثر، فقاطعه قبل أن يفتح فاهه قائلًا بسأم:
بقولك إيه يا صالح، الكلام ده سابق لأوانه، وبعدين انت عارف إن صافي سافرت مع فريال هانم.
انت عارف إن أمي تعبانة نفسيًا ومحتاجة كلنا ندعمها وناخد بالنا منها.
صافي ما سافرتش تتفسح، ولو انت ذكي كفاية هاتعرف إنها ما طلبتش الطلاق غير بعد المشكلة اللي حصلت في البيت.
فكر كده هاتفهم ببساطة إنها هي كمان جايز جدًا تكون حالتها النفسية مش مظبوطة.
ما تبقاش اندفاعي، والأهم...
ماتبقاش أناني وما بتفكرش غير في نفسك!
يصمت "عثمان" عند هذا الحد محدقًا بغضب إلى ابن عمه.
بينما يزداد الأخير إجفالًا، لا ينكر أن كلمات "عثمان" هزّته حتى النخاع، لدرجة أنها تركته معقود اللسان تمامًا.
زفر "عثمان" بنفاذ صبر وهو يلقي نظرة إلى ساعة معصمه قائلًا بصوت أجش:
أنا اتأخرت على الـ Meeting، وأصلًا ده مش مكان نناقش فيه داخلياتنا.
ثم هب واقفًا وهو يجمع أدواته وأوراقه الهامة بحقيبته الخاصة مستطردًا:
امشي يا صالح، روح على القصر وشوف بنتك.
أكيد وحشتك زي ما انت واحشها.
وأشوفك الليلة دي على العشا إن شاء الله.
وأهي فرصة تقابل شمس.
عقد "صالح" حاجبيه متسائلًا:
شمس مين؟
هتف "عثمان" مجاوبًا إياه وهو يمر من جواره إلى الخارج:
شمس يحيى البحيري، بنت عمك!
هكذا تركه "عثمان" على صدمة أعتى من سابقيها و ولّى إلى عمله غير مباليًا.
***
مرّ أربعة وعشرون ساعة منذ أن خرج "نبيل الألفي" من بيت أبيها مطرودًا من قبلها.
وها هو بكل صفاقة وتبجح يتصل بها وكأنه لم يسمعها جيدًا عندما أخبرته بألا يحاول الاقتراب منها، وأنها لن تتوانى عن التصدي له بنفسها مستغنية عن حماية أبيها أو حتى أخيها.
إلا إنه لم يفهم كما ترى، لم تخاله قد بهذه الوقاحة.
رغم إنها هي التي منحته عن نفسها تلك الصورة الوضيعة، هي ومن أجل أن توضح له حقيقتها حتى لا يجرؤ على المساس بها، حتى ترى بعينيه النفور منها فلا يعد يرغب بالتحدث إليها أو حتى رؤيتها.
لم يحدث ما أرادت، بل العكس تمامًا، حين فاجأها بطلبه، بل عرضه بتقديم خدمات خاصة بالفراش، إن هي وافقت على إقامة علاقة سرية معه بدلًا من الذهاب إلى الغرباء.
كانت وجهة نظره أنه هو الأولى بها.
النذل، الحقير.
كزّت "مايا" على أسنانها وهي تلتقط هاتفها من فوق طاولة صغيرة بزاوية جانبية هنا، بصالة "الجيم" المترفة.
جففت جبينها المتعرّق بمنشفة صغيرة وعلقتها على كتفها العاري، ثم فتحت الخط وردت بنزق:
أنا ماشوفتش في برودك ولا بجاحتك بصراحة.
هو أنا مش طردتك من بيت أبويا امبارح يا بني آدم انت؟
انت إيه؟ ما عندكش دم؟
ما عندكش كرامة؟
جاء صوت "نبيل" هادئًا رصينًا بطريقة من شأنها أن تفقدها عقلها:
مايا، أعتقد دي مش طريقة مهذبة تكلميني بيها.
حبيبتي احنا لازم نبني علاقتنا على الاحترام المتبادل.
ده بغض النظر طبعًا عن إن العلاقة اللي هاتربط بينّا هاتكون من جوا بعيدة تمامًا عن أي احترام!
كان بإمكانها سماع نبرة الخبث في كلماته الأخيرة، ما أجج نيران غضبها أكثر وهي ترد عليه بخشونة:
ده في أحلامك، انت لو آخر راجل على الأرض كلهامش هاطول منك شعرة يا اللي اسمك نبيل الألفي!
ده رهان ممكن أخده عليكي لما نوصل لمرحلة معينة في علاقتنا، وصدقيني ده قريب قوي.
انتي عجبتيني يا مايا ودخلتي دماغي، وأنا مش هاسيبك.
خليك عايش في الأوهام، أنا مش بطيقك ومن أول يوم.
مش مهم تطيقيني، احنا الاثنين هانعمل علاقة ليها أهداف محددة.
علاقة محصورة في سرير يا مايا، تحبي أوضح أكتر؟
أعتقد ده اللي كنتي بتسعي وراه مش صح؟
تبًا له، إنه حقًا لا ينطق بكلمة لا تهدف إلا لإثارة غضبها.
لعله محقًا، ولعلها مريضة إلى هذا الحد لتسعى وراء غرائز حيوانية بحتة.
لكنها عندما تفكر بمشاركة هذا الجانب الفاسق منها معه، لا تقبله، لا تقبله أبدًا ولا تعرف سببًا مقنعًا لذلك.
لأن "نبيل الألفي" رجل لا يقاوم، رجل تتمناه أجمل النساء وأرفعهن مقامًا وثراءً.
إنه حتى من ذلك النوع الذي ترضى أي امرأة بإقامة علاقة عابرة معه لأن كل شيء به غير قابل للتقييم.
إنه مثالي، وسيم، جذاب، راجح العقل، وذو شخصية فريدة.
لماذا تمتنع في حين أنه يجمع بين كل هذه الصفات؟
إغراء التفكير دفعها للحظة أن تتخيل نفسها بين أحضانه، أن تتخيل علاقة خاصة معه.
أقشعرّت وارتعدت بعنف من حسية الشعور، مغري، خطير، معذب.
مش هايحصل! هسّت "مايا" تحت أنفاسها الثقيلة.
سمعته يضحك بطريقة مؤذية لمشاعرها الهشة في الحقيقة، ثم يقول:
صدقيني يا مايا، هايحصل.
القصة محتاجة مقابلة كمان بيني وبينك وهاقنعك، لكن عمومًا أنا مش بتصل دلوقتي عشان أكلمك في الموضوع ده.
الموضوع ده بالذات ماينفعش نناقشه على التلفيون.
استشاطت غيظًا منه وسألته من بين أسنانها:
إنجز، عايز مني إيه؟
تريّث للحظة، قبل أن يخبرها بهدوء:
مبروك، ورقة طلاقك وصلت.
أنا ماسكها في إيدي في اللحظة اللي بكلمك فيها دلوقتي، تحبي أبعتها لك مع حسين؟
ولا أخليها معايا لحد ما أشوفك؟
لم تعد قادرة على تحمل الضغط الذي يمارسه عليها أكثر.
وآخر ما كانت بحاجة إلى سماعه سخريته منها، أو أي خبر يشير إلى زواجها المخزي وطلاقها الذي لا يقل عنه خزيًا.
لا شعوريًا وجدت نفسها تغلق الخط بوجهه، ثم تعبث بهاتفها حتى وضعت رقمه على قائمة الحظر.
أفلتت منها صرخة منفعلة وهي تضرب الأرض بقدمها كالأطفال.
ولم تحسب بنفس اللحظة إنها كانت محط نظرات رواد الصالة الرياضية قاطبةً.
كانت صرختها البائسة واليائسة وحدها كفيلة بتوقيفهم لثوانٍ عما يفعلون.
رواية كرسي لا يتسع لسلطانك الفصل الثامن 8 - بقلم مريم غريب
ترك بقيّة دموعه تسيل بلا أدنى تحفظٍ أمام شريكه الأصغر سنًا، بعد أن أبقاه على اطلاع تام بما دار بينه و بين ابنته خلال المكالمة الهاتفية.
ما إن تأكد “نبيل” من إغلاق الخط، سحب “حسين عزام” محرمًا ورقيًا و كفكف دموعه عن وجنتاه الهرِمتان.
إلتزم “نبيل” الصمت مانحًا إيّاه دقيقة ليستجمع نفسه من جديد، ثم قال بهدوء واضعًا هاتفه فوق سطح المكتب الزجاجي:
- أنا آسف يا حسين.. آسف إني اضطريتك تسمع المكالمة ديبس كان لازم أعمل كده عشان تتأكد من كل كلمة قولتهالك.. عشان تصدق إللي مايا قالته بلسانها لما كنت معاها في بيتك.
هز “حسين” رأسه قائلًا بصوتٍ متحشرج:
- أنا مصدقك يا نبيل.. و منغير ما أسمع أي حاجة، ثقتي فيكي كبيرة أوي.
رمقه “نبيل” بنظرات مشفقة، تؤذيه رؤية الرجل الذي أنقذ حياته من الضياع في وقتٍ يبدو مكسورًا إلى هذا الحد، و بسبب أقرب الناس إليه.. بسبب ابنته.
لم يتحمل “نبيل” الصمت أكثر و قال بجمود:
- طيب أنا مش هاقعد اتفرج عليك كده يا حسين.. إيه مالك ؟ انت طول عمرك راجل قوي.. هاتخلّي أزمة زي دي تكسرك ؟ أنا معاك إنها مشكلة حساسة.. بس بفكرك.. بنتك كانت متجوزة على سنة الله و رسوله.. ماعملتش حاجة غلط.
تطلّع “حسين” إليه بنظرة ملؤها الإذلال و هو يقول:
- بنتي حطت رجليها على أول الطريق يا نبيل.. انت مافهمتش كلامها ؟ الجواز الرسمي إللي بتصبرني بيه ده مجرد شكليات.. و من بعده مايا هاتدوس في السكة الشمال دي و محدش هايقدر يوقفها.
قطب “نبيل”.. اخشوشن صوته و هو يبغته بنزعةٍ غاضبة:
- يعني إيه محدش هايقدر يوقفها ؟ انت أبوها.. انت ليك سلطة كاملة عليها !!
أطلّ العجز من عينيّ “حسين عزام” لأول مرة بحياته و هو يقرّ بخزي مرير:
- أنا فقدت السلطة دي من زمان أوي يا نبيل.. من يوم ما صحيت فجأة مش طايق مراتي و ولادي.. ماكنتش طايقهم بجد.. و حسيت إني كارههم.. تخيّل ؟ أب بيكره ولاده.. ماكنتش لاقي مبرر و لا تفسير لإحساسي.. و كنت مخنوق لدرجة إني ماترددتش و أنا بحضر شنطة السفر و بتحجج بالشغل عشان أسيبهم و أسيب البلد كلها و أجي هنا هربان.. أنا اتخلّيت عنهم يا نبيل.. جايز مراتي تستاهل إللي عملته و أكتر.. لكن ولادي.. سيف ابني الكبير كان لسا في المدرسة.. و مايا كانت يدوب بدأت تتعلّم الكلام.. و مالك.. كان لسا حتة لحمة حمرا.. أنا رميت ولادي.. أنا بغيابي عنهم.. بجهلي عن حقيقة إن ليهم أم زي راجية.. اتسببت في ضياع التلاتة.. سيف أول واحد فيهم ضاع.. لما بدأت أتقرّب منهم و أرجع بلدي.. ما لحقتهوش.. مات.. مات منغير ما أعرفه و لا يعرفني زي أي أب و ابنه.. أنا السبب في موت ابني يا نبيل.. و أنا بردو السبب في إن مالك يتسجن.. الأكيد إني بردو السبب في سوء أخلاق بنتي.. صدقني و أنا على استعداد أقسم لك.. لو مايا عملت أكتر من كده.. لو وصلت للقاع.. أنا عمري ما هاجرؤ.. إني ألومها.. فات الأوان يا نبيل.. فات الأوان !
اعترافات “حسين” التي مرّت على أذنيّ “نبيل” للتو كانت بمثابة صدمة له.. بغض الطرف عن إنها ليست المرة الأولى التي ينفتح “حسين” بالحديث الشخصي أمامه إلى هذه الدرجة.. لكن المعلومات الجديدة.. إنها حساسة للغاية.. حتى إن أثرها ينعكس الآن على الرجل الذي قارب السبعين من عمره.. أنفاسه ثقيلة و كأنه يكافح من أجل التنفس.. عيناه تغلّفها طبقة سميكة من الدموع.. إنه لا يرى الحسرة فقط في ملامحه.. بل عذابًا يفوق احتماله.
يمسك “نبيل” نفسه عن إطلاق غضبه.. لأن الغضب لن يفيد صديقه الآن.. بل العكس تمامًا.. ربما يسوء وضعه و يتفاقم.. ربما ينتكس مجددًا و تعاوده ذات الأزمة الصحيّة التي كادت تقتله منذ خمسة أعوام.. تحديدًا بعد مكالمة هاتفية أجراها مع أرملة ابنه البِكر.. المرأة تزوجت من ابن خالتها و انتقلت معه هي و ابنتها للعيش بإحدى المدن الأوروبية.. لم يمانع “حسين” انتقالها بحفيدته.. و لم يفكر و لو لمرة بالتنازع معها لكي يحصل على “لمى”.. الذكرى الوحيدة التي تبقّت من “سيف”.. لكن يبدو أن أمها.. “إيمان” لم تنسى بعد ما جرى لها على أيدي كلًا من ولديه.. “سيف” و “مالك”.. حتى “راجية” نفسها.
لقد حصل على رقم هاتفها.. تحدث إليها بمنتهى الود و الرفق.. أعرب ببساطةٍ عن رغبته بالتواصل مع حفيدته.. و بشوقه الكبير لرؤيتها و قضاء العطلة برفقتها.. لكنه بوغت في الحال بثورة اندلعت من فاه “إيمان”.. كانت تصرخ فعليًا على الطرف الآخر و هي تبلغه بقسوة بأن صغيرتها لم تعد تنتمي إليه.. لم تعد فردًا من أسرته اللعينة.. و إنه مهما فعل لن يتمكن من أخذها أو حتى رؤيتها لأنها و بدعم من زوجها الثري واسع النفوذ لن تدّخر جهدًا من أيّ نوع لتوفي بوعدها هذا.
كسرت “إيمان” قلبه حين اختتمت المكالمة جاعلة ابنتها تعلن قرب الهاتف و بصوتٍ واضح بأنها لا تريد أيّ صلة تربطها أو تذكرها بعائلة أبيها.. لا تريدهم في حياتها أبدًا.
لا يزال “نبيل” يذكر ذلك اليوم.. عندما هرعت إليه سكرتيرة “حسين” تبلغه بتدهور حالة رئيسها المفاجئ.. ركض “نبيل” إليه على الفور.. و قد بدا كأنه في النزع الأخير حرفيًا.. لم يشعر بنفسه إلا حاملًا إيّاه بمعاونة بعض الموظفون و أفراد الأمن.. نقله إلى المشفى بسرعة حيث تلقّى العناية الطبيّة الفائقة بشكلٍ فوري.. لم يكن هناك سواه.. كان “نبيل” فقط كل من يملك “حسين عزام” في هذا الوقت الذي أضحى فيه عاجزًا.. أكثر عرضةً للكسر و المرض.. و هو لا يمانع أبدًا أن يكون له الابن الذي فقده.. الابن الكبير الذي سيحمل عنه كل الصعاب و المشقّة.. أجل.. هذا أقل ما يدين به “نبيل” لهذا الرجل.. بل الأقل.
- مافيش حل غير إنك تسمحلي أكمل إللي بدأته معاها يا حسين !
نظر “حسين” إليه بتعبيرٍ مشوّش و سأله:
- تقصد إيه ؟
احتفظ “نبيل” بوجهٍ جاد إزاء شريكه و هو يقول:
- أقصد إني هاقلب اللعبة و هاخلّيها بجد.. أنا بطلب منك إيد مايا.. جوزهالي.. و أنا بوعدك بمجرد ما تبقى مراتي مش هاتشيل همها.. أنا هاتكفّل بيها.
يظن “نبيل” أن كلماته أربكت “حسين”.. بل زعزعت ثباته و هو يردد مشدوهًا:
- نبيل.. انت بتتكلم جد ؟ انت حقيقي عايز تتجوز بنتي ؟ حتى بعد إللي عرفته عنها !؟؟
أومأ “نبيل” قائلًا بحزم:
- أيوة يا حسين عايز أتجوزها.. لو موافق و عندك ثقة فيا هابدأ خطتي معاها من بكرة.
أظهر “حسين” قبوله في الحال و هو يقول بتلهّف:
- أنا موافق.. طبعًا موافق يا نبيل.. قلت لك ثقتي فيك مالهاش حدود.. و بعدين ده أكتر من إللي بحلم بيه لبنتي.. إنها تتجوز راجل زيك.. و انت تحديدًا.. أنا واثق و متأكد إنك هاتصونها و هاتحافظ عليها و الهم هاتحميها من نفسها !
و أكمل لمجرد الفضول:
- بس قولّي.. خطة إيه إللي بتفكر فيها ؟
يتقلّص فك “نبيل”.. لكن دون ذلك تبقى ملامحه بلا تعبير و هو يقول بغموض:
- أنا عايزك تطمن.. كفاية بس تكون على علم بجوازنا و مفوّضني في كل التصرفات معاها.. أنا مش طالب منك أكتر من كده !!
يُصدر هاتفها نغمة ورود رسالة جديدة أثناء جلوسها بالمقعد الخلفي لسيارة زوجها الخاصّة.
كان قد بعث لها بالسائق ليحضرها إليه بمقر عمله.. و ها هي هنا بالفعل منذ عشرة دقائق تقريبًا.. ما إن وصلت حتى بعثت له برسالة.. و الآن هو يرد عليها أخيرًا.
فتحت “سمر” هاتفها على المحادثة بينهما و حدقّت في نصه.
عثمان: إنزلي من العربية يا بيبي و ادخلي مبنى الشركة.. هاقبلك في اللوبي بعد خمس دقايق بالظبط و هانخرج سوا.
تنهدت “سمر” بشيء من التوتر.. لكنها لم تجد بدًا من الامتثال لطلبه.. أعادت الهاتف إلى حقيبة يدها الصغيرة.. ثم همّت بالخروج من السيارة.
إلا إنها و قبل أن تمد يدها للمقبض.. وجدت السائق الشاب و قد ظهر فجأة بالجوار فاتحًا لها باب السيارة.
مرّت “سمر” إليه ابتسامةٍ عذبة تشكره.. ثم ترجلت من السيارة و انتصبت واقفة بمكانها للحظاتٍ.. ترمق الصرح التجاري بانهبارٍ غير مستوعبة بأن كل هذا يعود لرجل يفترض أنه زوجها.
هذا الرجل الذي يمتلك كل شيء حرفيًا.. الثراء.. السلطة و النفوذ.. و الوسامة الخشنة التي تخوّله الاستحواذ على قلوب أجمل النساء و الفتيات أيضًا إن أراد.
لكنه لا يريد سواها هي.. و هذا ما أوضحه أكثر من مرة.. لماذا هي ؟
السؤال الذي لم تجد له إجابة مقنعة.. إذ إنها أقل منه بكل شيء.. المستوى المادي.. و التعليمي.. و الفرق الطبقي.
كيف أحبّها ؟.. ما المميز الذي جذبه إليها ؟.. لماذا هي ؟
لماذا ؟
بلغت “سمر” بوابة الشركة التي فتحت إلكترونيًا ما إن اقتربت منها.. استقبلها فرديّ الأمن بابتسامة و تحيّات حارّة أكدت لها بأنها معروفة هنا.. و إن هذه لم تكن زيارتها الأولى لمقر عمل زوجها.
كانت متوترة بما يكفي من نظرات الجميع إليها.. رغم إنها لم تكن ملفتة بثيابها.. فقد حرصت على ارتداء شيء بسيط لا يوحي لزوجها بأي أمل أو حتى رضا عمّا حدث بينهما ليلة الأمس.
هذا الثوب السماوي الفضفاض الذي إنساب بنعومةٍ حول قوامها الرشيق.. يتوّسطه حزام ذهبي رفيع حدد قطر خصرها الدقيق.. و الحجاب الأبيض الصغير حول وجهها الخالي من مساحيق التجميل.
كانت تعرف حقيقة إنها جميلة.. ملامحها الطفولية و خضرة عينيها التي ورثتها هي و أخويها عن أمهم.. كلها مزايا تذكر جيدًا كم كانت محط أنظار الرجال بسببها.. و حتى غيّرة و حسد النساء.
كانت “سمر” أجمل فتاة مرّت على الحيّ الشعبي الذي ترعرعت به.. كانت مطمع.. لذلك هي في شوق و فضول شديدين لمعرفة كيف ربطتها تلك العلاقة غير الأخلاقية مع زوجها في البادئ.. و كيف استسلمت له.. كيف مكّنته من نفسها !؟؟؟
- اتفضلي يافندم.. تحبي أساعدك في حاجة ؟
إلتفتت “سمر” نحو الصوت.. كان شابًا ربما جاوز الثلاثين بعام أو عامين.. على قدر من الجاذبية.. بدا كأنه يعمل هنا بالشركة.
تطلّعت “سمر” إليه مقطبة و هي تقول بلهجةٍ رسمية:
- شكرًا.. أنا مستنية حد هنا.
كادت تستدير عنه لتجلس بصالون القاعة المفتوحة.. لكنه استوقفها معترضًا طريقها و هو يقول:
- لو حضرتك تقوليلي بس محتاجة إيه.. على فكرة أنا أقدر أساعدك بجد.. جرّبيني !
تأكدت “سمر” من حدسها المبدئي بأن هذا الشاب لعوب.. ظهر على هيئته و أسلوبه العابث.
عقدت “سمر” حاجبيها مرددة بلهجةٍ غاضبة:
- ما قلت لك شكرًا.. انت مابتفهمش ؟؟
رفع الشاب حاجبه شاملًا إيّاها بنظرةٍ وقحة و هو يقول:
- أنا لو مش بفهم ماكنتش جيت أول ما شوفتك داخلة من بابا الشركة و وقفت أتكلم معاكي و أحاول أطوّل على قد ما أقدر.. اسمحيلي أقولك.. انتي حلوة أوي.. مش بس حلوة.. انتي جذابة جدًا حتى و انتي لابسة هدوم مش مبيّنة من جسمك شبر.. ممكن أخد رقمك ؟
جرأته أثارت غضبها بشدة.. و كادت ترد عليه ردًا عنيفًا.. لو أن سمعت الصوت المميّز جدًا.. ينبعث من ورائها مباشرةً.. هادئًا.. خطير:
- انت قبل ما تعاكس مراتي .. سألت مين جوزها ؟
كان مزاجها طيبٌ.. على عكس ما توقّعت “شمس”.. لا زالت لا تصدق بأنها ترى أمها في هذه اللحظة أمامها.
لقد فاجأتها اليوم عندما اتصلت بها و أبلغتها بوصولها.. بل وقوفها أمام قصر “البحيري”.. تشكر الله بأن أخيها لم يكن موجودًا.. و إلا كانت مشكلة كبيرة لتحدث لو أنه صادف ضرّة أمه.
لم تفكر “شمس” مرتين و هي تلحق بها عند البوابة.. و بدون مقدمات طلبت منها الذهاب إلى مطعم شهير كانتا من رواده خلال المرات القليلة التي زارتا فيها الإسكندرية بعد الهجرة إلى “لندن”.
تجلسا قبالة بعضهما بركنٍ منزوٍ بالمطعم ذو الوجهات الزجاحية.. و لا تستطيع “شمس” رغم كل شيء أن تشيح بناظريها عن أمها.. لا يمكنها إنكار شوقها إليها.. إنها لم تغيب طويلًا على أيّة حال.. لكنها لم تفارقها منذ ولادتها.. لذلك حتى لو غابت عنها ليومٍ واحد فهي تشعر بخواء و حنين كبيرين.
أمها الفاتنة.. الجميلة.. لا زالت يانعة مثل زهرة ربيعية.. و لكنها ازدادت نضجًا.. و لعلها فقدت عفويتها بفقدان أبيها.. “يحيى البحيري” رغم كل مساوئه إلا إنه كان الداعم الوحيد.. و مصدر القوة التي اكتسبتها “رحمة” على مر السنين.. حتى و هو يستنزفها من جهةٍ أخرى.. كانت و مازالت بفضله عالية المقام.. لا تُمس.
- وحشتيني يا مامي !
ترفع “رحمة” عينيها الناعستين بالفطرة نحو ابنتها.. في نفس الوقت تستلّ أخيرًا علبة بلاتينية صغيرة من حقيبتها.. تفتحها و تسحب منها سيجارة رفيعة بنكهة “البطيخ”.. تدسها بين شفاهها المكتنزة.. ثم تشعلها بوّلاعةٍ ذهبية تذكر إنها قدمت إليها كهدية من إحدى صديقاتها العربيات بالحيّ الإنجليزي الراقي.
سحبت “رحمة” نفسًا عميقًا من سيجارتها و نفثته لأعلى دون أن تشيح ببصرها عن صغيرتها.. بينما تعبس “شمس” قائلة بعتاب:
- مامي.. انتي مش وعدتيني إنك هاتبطلي تدخين ؟
لم تكن “رحمة” مدخنة شرهة بارادتها حقًا.. كما إن لم يكن لديها أيّ ميول لتجربة كهذه.. لكنها رغمًا عنها وجدت نفسها تتقبّلها.. بعد وفاة “يحيى” مباشرةً.. كان التدخين بالنسة إليها نوع من أنواع التمرد.. استعادة شيء من الثقة بنفسها و التي حرص “يحيى” طوال سنوات زواجهما ألا يمنحها إيّاها.
موته حطّمها.. هذا حقيقي و لا شك به.. لكنه أعطاها فرصة أيضًا لتعيش حياة طبيعية بدونه.. حياة تكون فيها هي صاحبة القرار.. لكن أتراها نجحت حتى الآن !؟
رفرفرت “رحمة” بأهدابها مرارًا في حركة تنم عن عصبية مبطنة.. و قالت بهدوء:
- أنا بطلت فعلًا.. ده نوع أهبل مش بيعمل حاجة.. عشان أبطل تدخين لازم أسيبه بالتدريج مش مرة واحدة يا شمس.
يأتي النادل في هذه اللحظة.. يضع الأطباق و المشروبات أمامهما.. و يرص أدوات الطعام بترتيب.. ثم يغادر محافظًا على ابتسامته.
تغمض “رحمة” عينيها و هي تستنشق بانتشاء رائحة طبقها المخصوص.. حساء فواكه البحر بإضافة حليب جوز الهند.. لم يكن السر في طبخه.. بل ميزة إنه تم استخراجه من مياه الإسكندرية.. مسقط رأسها.
لم تقاوم “رحمة” الاغراء و سحقت سيجارتها بالمنفضة في الحال.. لتشرع بتناول صحنها على الفور.
ابتسمت “شمس” و هي تراها بهذه الحيوية.. فضلت أن تراقبها لأنها حقًا لا تشعر بالرغبة في الطعام.. و قد أحسّت “رحمة” بها بمرور الوقت.
تطلّعت إليها متسائلة:
- مش بتاكلي ليه ؟
لوّحت “شمس” بيدها في الهواء و قالت:
- مش حاسة إني جعانة.. أنا هقعد أبص لك كده لحد ما تخلّصي.. كُلي انتي يا مامي.
تحدق “رحمة” فيها بينما تلوك الطعام بفمها.. تراها “شمس” و هي تضع شوكتها من يدها على الطاولة.. و تمد يدها إلى كأس المياه لتتجرّع نصفه مرةً واحدة.
تأكدت “رحمة” بأن فمها خالي تمامًا من الطعام.. أزاحت صحنها جانبًا و عقفت يديها فوق الطاولة.. ثم استهلّت حديثها بروّية:
- انتي لو مفكراني جاية هنا عشان أقضي معاكي وقت لطيف.. نخرج و نتفسح زي كل مرة.. و بعدين نرجع.. تبقي غلطانة يا شمس.. احنا هانرجع لندن انهاردة.. قبل الصبح ما يطلع هانكون مشينا من هنا !
بقيت “شمس” مسالمة للغاية و هي تستقبل كلمات أمها.. ثم ردت عليها بتهذيبٍ لا يخلو من الحزم:
- مامي.. أنا مش هارجع معاكي لندن.. أنا هافضل هنا.. مع أخويا.. مع عثمان.
تلمح “شمس” أصابع أمها ترتعش و هي تقبض لا شعوريًا على الشرشف الناعم للطاولة.. أرادت أن تستطرد كلامها.. إلا إن “رحمة” سبقتها متمتمة بغضب بارد:
- وصل بيكي الحال للدرجة دي صح ؟ إنك تفضّلي أخ عمرك ما شوفتيه و لا عرفتيه على أمك.. عليا أنا يا شمس !!
هزت “شمس” رأسها نافية ادعائها و هي تقول بسرعة:
- لأ.. لأ طبعًا.. أنا مستحيل أفضّل أي شخص عليكي يا مامي.. خليكي واثقة إنك لو في مقارنة مع أي حد مهما كانت مكانته في حياتي.. أنا مش هختار حد غيرك.. بليز افهميني.
هتفت “رحمة” من بين أسنانها:
- أفهم إيـه ؟ أفهم انك كسرتي وصيّة أبوكي ؟ .. أفهم إنك رجعتي برجليكي للبلد إللي فيها ناس مستنيين تظهري عشان يئذوكي ؟ .. ده إللي عايزاني أفهمه !؟؟
كان في كلماتها الأخيرة تلميحًا صريح إلى “رامز الأمير”.. ما دفعها للرد فورًا:
- مامي رامز عمره ما حاول يئذيني.. أنا كل مرة بفهمّك إني وافقت امضي على العقد العرفي بارادتي.. و هو ماطلبش مني حاجة في المقابل.. انتي بس لما صارحتك بكده اترعبتي و صممتي إننا نمشي.. لكن هو حتى لما رجعت ماكنش بيهددني زي ما انتي فاكرة.. رامز مش وحش يا مامي.
ارتسم الذعر على ملامح “رحمة” و هي تسألها:
- انتي.. انتي قابلتيه ؟ ردي عليا يا شمس.. عملّك حاجة ؟ .. آذاكي انطقـي !!!
تاففت “شمس” بضيق قائلة:
- إهدي يا مامي.. قلت لك رامز مش وحش للدرجة إللي انتي متخيّلاها.. أيوة قابلته و مافيش أي مشاكل بيني و بينه.. قوليلي أطمنك إزاي من ناحيته ؟؟
رحمة بغلظةٍ:
- مش هاتقدري تطمنيني.. ده إنسان حقير و مش ممكن آمن عليكي معاه.
لم تتقبّل “شمس” قرارات أمها و قالت مصممة على قرارها هي:
- و أنا بحبه يا مامي.. أنا بحب رامز الأمير و هاتجوزه.. لأن ببساطة جوازي منه مش هايضرك و لا هايضر أي حد.. أنا بحبه.. بحبه و مقدرش أكون لحد غيره.. لازم تفهميني في كده و ماتحلميش إني ممكن أسيبه.. أنا مش هاقبل أتجوز و لا أدخل في أي علاقة مع راجل تاني و أسلّمه نفسي و قلبي و أنا مش بحبه و مش قابلاه.. رامز و بس إللي في قلبي.. و أنا مش هاسيبه عشان خوفك إللي مالوش أي مبرر.
ران الصمت بينهما.. إلا من ضجيج الناس حولهما.. لم تقطع “رحمة” التواصل البصري الجامد مع ابنتها.. إلا حين داهمها شعورٌ مفاجئ بالغثيان.
انقبضت بلحظةٍ مصدرة آهة مكتومة.. لطالما يحدث لها ذلك كلّما تعرّضت لضغطٍ ما.
و عرفت “شمس” ما تمر به على الفور.. لتسألها بقلق و هي تهم بالقيام:
- مامي انتي كويسة ؟
جمدتها “رحمة” بمكانها باشارة من يدها و قالت بصوتٍ أقرب للأنين و هي تتراجع بمقعدها:
- خليكي.. أنا هاروح التويليت.. دقايق و راجعة !
و قامت “رحمة” من فورها متجهة إلى ممر جانبي يفضي إلى كابينة الحمام.
حاولت “شمس” تهدئة قلقها.. فانخرطت بتقليب محتويات صحنها تارة.. و العبث بهاتفها الذي لم يرده مكالمة أو رسالة من الشخص المرتقب حتى الآن.
هذا الاكتشاف جعل القلق يراودها بشكلٍ أكبر.
لكنها لم تفكر كثيرًا.. و فجأة شعرت بشخص يندس إلى جوارها في مقعدٍ إضافي.. و قبل أن تدير رأسها لتستطلع هويته.. سمعت صوته الذي تعرفه جيدًا:
- الغدا على مامي.. و الحلو عليا يا روحي !
علقت شهقة ملتاعة بحلق “شمس”.. بينما تستقر عيناها عليه في هذه اللحظة.. إنه.. هو.. “رامز”.. وسيمٌ و غضوب كما لم تره من قبل.. رغم إنه يبتسم.
باعدت بين شفتاها لتقول شيئًا.. لكنه قاطعها رافعًا حاجبه:
- من سكات هاتقومي تخرجي معايا دلوقتي.. أو أقسم بالله.. أمك هاتكون حديث البلد كلها لسنين قدام من إللي هاعمله فيها لو رجعت و شوفتها قصادي تاني !!!
رواية كرسي لا يتسع لسلطانك الفصل التاسع 9 - بقلم مريم غريب
لم يتحدث معها طوال الوقت الذي قاد فيه السائق سيارته الخاصة.
و لم تجرؤ هي على النطق بكلمة.
إنها شبه فقدت النطق أصلًا.
بقيت هادئة و هي تجلس إلى جواره بالمقعد الخلفي.
تسترق النظر إليه بين الفينة و الأخرى.
عقلها لا يكفّ عن تكرار الحدث الرهيب الذي عايشته قبل دقائق.
لحظة ظهوره المفاجئ بينما يضايقها ذلك الشاب.
حرفيًا ذعر الشاب عندما سأله “عثمان” إن كان يعلم بأن السيدة التي يغازلها تكون زوجته هو.
لم تتسنّى له فرصة الرد.
تلقّى لكمة عنيفة من رئيسه أطاحت به في الحال.
لولا الجدار الرخامي من خلفه و الذي كسر سقوطه.
أطلقت “سمر” صرخة غريزيًا.
لكن صرختها لم تمنع “عثمان” حين إندفع نحوه دون ترددٍ.
حاصره بجسده الضخم بينه و بين الجدار.
أحكم قبضته حول عنقه الهزيل يعتصره بقوة كادت تخنقه.
لا زال صوت الشاب يتردد بأذنيها ضعيفًا متوسلًا لزوجها بأن يتركه.
لم يتوقف عن الاعتذار منها و منه في آنٍ.
لكن “عثمان” لم يرحمه أبدًا و كان يسكته بقبضته التي كادت تحطّم وجهه و قد أسال منه الدماء.
لم تتحمل “سمر” رؤية هذا العنف كله.
لتوليه ظهرها مرتعشة من رأسها لأخمص قدميها.
في نفس اللحظة يحتشد بعض الموظفون فجأة.
يهبّوا لنجدة الشاب و محاولة إنقاذه من بين يديّ “عثمان”.
و مع ذلك لم يجرؤ أحد على التدخل مباشرةً.
فقط نائبه و المكلّف من بعده بإدارة شئون الموظفين.
تقدّم ناحيته مبقيًا على مسافة آمنة بينهما.
طلب منه بكل هدوء و دبلوماسية بأن يترك الشاب و سيتولّى أمره بنفسه.
لم تسمع “سمر” أيّ صوت آخر.
فقط شعرت بعد ثوانٍ بقبضة تحيط برسغها.
علقت شهقة بحنجرتها.
بينما تكتشف بأنه هو الذي يمسك بها.
سمحت له بأن يسحبها معه إلى الخارج.
و لم تنكر امتنانها له.
لأن برغم غضبه حرص على أن تكون تصرفاته أمام الناس إزائها تميل إلى الاحترام و التقدير التام.
و كأنها حقًا شيء خاص جدًا.
لا تُمس !!
"إنزلي !"
أفاقت “سمر” من شرودها على صوته الآمر.
بالكاد لمحته قبل أن ينزل من السيارة.
لقد نزل فور أن توقفت.
أطاعت أمره و ترجلت بدورها من السيارة.
الطقس مائل للبرودة و الهواء يعصف قليلًا.
نظرت حولها فإذا بها بمرفأ قوارب.
مجرد رصيف يفصل بينها و بين قارب معين.
بالنظر إليه و إلى أيّ مدى وصلت فخامته.
لا يمكن أن تراه سوى يخت.
يخت كبير.
لامعٌ.
مذهل.
"عدّي !"
أخرجها صوته للمرة الثانية من أفكارها.
إلتفتت نحوه.
لتراه قد تخلّص من سترته و شمر عن ساعديه.
كان يقف عند حافة الرصيف.
يحل الوثاق بين اليخت و المرسى.
سارت “سمر” تجاه الجسر الخشبي الصغير.
و مرّت بحذرٍ فوقه حتى عبرت إلى و حطّت قدميها على اليخت.
لحظات و تبعها “عثمان”.
قبض على رسغها و شدّها ورائه إلى طابق الاستقبال المقابل.
وقفا أمام باب جانبي.
مد “عثمان” يده و اجتذب مقبضه المعدني.
تبيّنت “سمر” بأنه مصعد.
و قبل أن تستوعب شيئًا آخر.
دفعها “عثمان” بداخله قائلًا باقتضاب:
"اطعلي الدور التاني.. استنيني في الجناح بتاعنا.
خلص شوية حاجات و جايلك !"
و بدون كلمة أخرى أغلق باب المصعد عليها بعد أن ضغط لها زر الطابق الثاني.
لحظات و انفتح باب المصعد.
لتسارع “سمر” بالعدو إلى الأمام و هي لا تنفك من أول وهلة تتأمل المساحة الواسعة من حولها.
كانت عبارة عن جناحٌ.
جناح متكامل بالفعل.
الأرض تحت قدميها كلها من الخشب المصقول.
كذا الجدران.
أمامها مباشرةً يقع سرير عريض مكدّس بالوسائد الصغيرة و الشراشف النظيفة.
أخذت تدور حول نفسها ببطءٍ مستكشفة.
رأت في جهة شرفة زجاجية عريضة تطلّ على البحر يقابلها صالون مزوّد بركنٍ أشبه بمطبخ يضم ثلّاجة صغيرة و رفّ به آلات صنع القهوة و “المايكرويف” و موقد كهربائي.
و في الجهة الأخرى كابينة استحمام مكشوفة.
يليها باب جانبي موارب بدا إنه يفضي إلى قاعة حمامٍ صغيرة.
سرت رعشة في أوصالها و هي تفكر قياسًا على كلمته “جناحنا”.
هذا يعني بأن هذا المكان لم تزوره للمرة الأولى.
و إنها هنا.
كانت تمارس دورها كزوجة لـ”عثمان البحيري”.
هناك فوق هذا السرير تحديدًا.
و لمدة أربعة عشر سنة.
أخذ جسمها كله يرتعش الآن بشكلٍ مزري.
و هي تتخيّل نفسها معه.
بين ذراعيه كما كانت ليلة أمس.
لقد كان يعرفها.
و هي.. أحبّت ما حدث.
و ما من تفسير.
فقط الحيرة.
و الضياع.
الضياع هو كل ما تشعر به.
جمدت “سمر” بمكانها.
حين أصدر المصعد صوت ينبّه لوصول أحدهم.
و قد كانت تدير ظهرها له.
لم تتحرك.
حتى سمعت صوته يصجمها بقربه الشديد منها:
"سمـر !"
أغمضت عينيها بقوة.
في نفس اللحظة التي شعرت بيداه تمسكان بها.
قبضة على كتفها.
و أخرى فوق خاصرتها.
حبست أنفاسها.
بينما يلف ذراعيه حولها فجأةً.
يضمّها إلى صدره بإحكامٍ.
يشعرها بدفئه.
و سيطرته.
يبث لها مشاعر الثقة و هو يهمس فوق أذنها مباشرةً بصوتٍ خشن:
"محتاجة أثبت لك كام مرة إنك ليا أنا ؟
ملكي.. انتي كلّك ملكية خاصة بيا أنا.. عايزاني أعمل إيه تاني عشان تتأكديردي عليا ؟"
أرخى قبضته من حولها.
ليلُفّها في مواجهته.
لا زالت مغمضة العينين.
أفرجت عن أنفاسها المعتقلة بصدرها ما إن أحسّت بلمسة إبهامه على شفتها السفلى.
و سمعت صوته من جديد يقول آمرًا:
"بصيلي !"
مرةً أخرى لا يسعها إلا الإذعان له.
باعدت بين جفنيها بتثاقلٍ لتنظر إليه.
مستضعفة تحت وطأة تسلّطه.
حضوره القوي برمته.
يرفع يده ليخلع وشاح رأسها خلال لحظاتٍ.
يسقط أرضًا عند قدميها.
بينما يمسح كفّه مفرق رأسها إلى نهاية أطرافه و هو يقول بزمجرة مكتومة:
"هاتفتكريني يا سمر.. هاتفتكريني غصب عنك !!"
و لم يمهلها فرصة الفهم حتى.
أخذها على حين غرّة.
أخذًا قويًا لا يشبه البتّة ما كانا عليه ليلة الأمس.
عندما عادت “رحمة” من المرحاض.
لم تجد ابنتها على الطاولة.
و لم يكن هناك ما يشير إلى وجودها.
لقد اختفت.
"ماشي يا شمس !"
غمغمت “رحمة” من بين أنفاسها.
إلتقطت حقيبة يدها و استلّت جزدانها.
ألقت ببضعة أوراقٍ نقدية فوق الطاولة.
ثم اتجهت إلى الخارج و هي تضع الهاتف على أذنها.
وصلت إلى مرأب السيارات المفتوح حين تلقّت ردًا على اتصالها.
استقلّت خلف المقود و هي ترد بنزقٍ:
"إبراهيم.. أنا هتأخر شوية.
بليز خد غداك و ماتستنانيش."
انبثق سؤال “إبراهيم” قلقًا عبر السماعة:
"خير يا رحمة حصل إيه ؟
انتي فين ؟؟"
زفرت “رحمة” بحنقٍ و هي تشغل محرك السيارة و تنطلق على الفور و هي ترد عليه بلهجةٍ عصبية:
"شمس هانم هربت مني تاني.. أنا هاوريها شغلهابس لما أشوفها."
"طيب اهدي.. ممكن تهدي ؟
كلّميها."
"مش هاكلمها.. أنا هاعرفها أمها ممكن تعمل إيه.
هاروح قصر البحيري و هاجيبها من هناك غصب عنها و تبقى توريني نفسها."
بدا الغضب في صوته و هو يقول:
"لأ يا رحمة.. إوعي تدخلي البيت ده لوحدكانتي سامعة ؟؟"
لم تكن في وارد السماع لأيّ من زاجراته.
طغى تصميمها على غضبه و هي تقول بصرامةٍ:
"أنا مش هاسيب لهم بنتي يا إبراهيم.. حتى لو شمس عندها حق بخصوص عثمان.
أكيد ماعندهش حق بخصوص أمه.. أنا مش هاسيب لهم بنتي و لا هاسمح لحد إنه يمّس منها شعرة !!!"
أول إدراك بعد إنقطاع الوعي فجاةً.
كان الأقسى مطلقًا.
كان أول شيء بدر منها هي آهةٍ.
"على مهلك !"
يديه تمسكان بها.
تلمسان جسمها برفقٍ و لطف شديد.
حاولت “شمس” فتح عيناها.
لكن هذا كان صعبٌ للغاية.
ربما نجحت بعد برهةٍ و هي تحاول حشد قوتها لتتحرك من مكانها.
إلا إنها شعرت بيده تثبتها بكتفها.
بينما يقول بصوته القوي:
"شمس.. خلّيكي مرتاحة.. ماينفعش تترحكي و لا تقومي فورًاهاتدوخي و تقعي !"
عبست “شمس” جاهلة قصده.
ما زال عقلها مشوّشًا.
كما رؤيتها و هي تعاود اغماض عينيها بقوةٍ ثم تفتحهما من جديد.
ليستقر بصرها عليه بوضوحٍ.
"رامـز !"
أحسّت بألم رهيب ما أن تكلّمت.
فأصدرت أنينٍ قوي.
في نفس الوقت جالت بعينيها أرجاء المكان.
فإذا بها غرفة نوم.
إن لم تكن مخطئة.
فهي نفسها تلك الغرفة التي استفاقت مرة فيها بعد أن عمد إلى خطفها.
يبدو أنه كرر فعلته.
"أنا فين ؟؟"
نطقت “شمس” بصعوبة و هي تتحامل على نفسها لتجلس فوق ذات الفراش.
جاوبها “رامز” بفتورٍ دون أن يتزحزح إنشًا من مكانه:
"انتي معايا.. مش هاتخرجي من هنا المرة دي إلا لما كل حاجة تتم زي ما أنا عايز !"
كان يتحدث هكذا.
بينما عقلها لا يكف عن التفكير.
آخر لمحة من الأحداث قبل فقدانها الوعي.
عندما ظهر أمامها فجأة بالمطعم أثناء غياب أمها داخل الحمام.
ساومها لتخرج معه في هدوء و إلا سيطال أمها غضبه.
أطاعته و ذهبت معه.
ركبا سيارته.
و لم تفلح معه أيّ محاولة منها للتحدث.
في خضم كل محاولاتها المختلفة.
ضغط مكابح سيارته و أوقفها بشكلٍ مفاجئ أرعبها.
ما كادت تستوعب شيئًا.
اندفعت يده صوب وجهها مسددًا لها صفعةٍ عنيفة أفقدتها الوعي في الحال.
"انت ضربتني !؟"
لم يكن سؤالًا بقدر ما كان تقرير مصدوم.
استطاعت الشعور بدموعها تنهمر على خدّيها الآن.
بينما ترفع يدها متحسسة جانب فمها المكدوم بفعل صفعته.
كان ألم قلبها من ذلك الاكتشاف أقوى بكثير من الألم المادي.
و قد تجلّى هذا واضحًا في نظراتها إليه.
لم يبدو عليه أيّ تأثر.
تجاهل جملتها و مضى يقول بهدوء مخيف:
"أنا مش هاقرب منك و انتي بالشكل ده طبعًا.. هاديكي وقتك عشان ترتاحيانا طلبت أكل و زمانه على وصول.. و هانزل أجيب لك علاج و مسكن.. في الوقت ده نامي شوية.. و لما أرجع لك هانحل كل إللي بينا سوا يا شمس !"
قام من مكانه على مهلٍ.
تعلّقت عيناها به في وجلٍ و هي تزدرد ريقها بخوفٍ.
لأول مرة تخاف منه هكذا.
إلى هذا الحد.
تراه بنظرةٍ مختلفة.
راقبته و هو يسير تجاه باب الغرفة.
و قبل أن يخرج تمامًا.
نظر لها من فوق كتفه قائلًا باقتضاب:
"نصيحة.. ماتحاوليش تهربي يا شمس.. أنا واخد كل الاحتياطات إللي ممكن تتخيّليهاغير كده.. هاتتعبي نفسم على الفاضي.. و بردو هاعمل إللي أنا عايزه."
و لم يضيف كلمة أخرى.
خرج و غادر تاركًا إيّاها وحيدة.
مجرّدة من كل دفاعاتها.
رواية كرسي لا يتسع لسلطانك الفصل العاشر 10 - بقلم مريم غريب
اندهشت “سمر” عندما صعدت مع زوجها على سطح اليخت.. لتجد طاولة بيضاوية حملت أشهى أصناف المأكولات البحرية.. ليس هذا فحسب ..تضاعفت دهشتها حين تلفتت حولها و رأت اليابسة و قد اختفت.. ليس هناك سوى البحر.. البحر بموجه الأزرق الزبدي …
- اقعدي يا بيبي!
انتبهت لصوته.. نظرت إليه فإذا به يشد لها المقعد لتجلس.. تقدّمت خطوتين و جلست و هي ترفع حاشية الروب الحريري قليلًا حتى لا تتعثّر به.
تأكد “عثمان” من جلوسها بشكلٍ جيد.. ثم مضى ليجلس فوق مقعده قبالتها تمامًا. لم تفارق الابتسامة وجهه منذ نالها للمرة الثانية _ طبقًا لذاكرتها حديثة العهد به _ و لم يكف عن النظر إليها.. كان مفتونًا بجمالها الفطري.. جذّابة و جميلة دون أيّ مجهود.. حتى و هي لا ترتدي سوى روب مغلق بإحكامٍ.. و شعرها متوسط الطول ينساب حول وجهها بعشوائية زادتها جاذبية.
مد “عثمان” يده عبر الطاولة ليمسك بيدها المسندة إلى الحافة الزجاجية. حدقت مضطربة إلى قبضته التي ضمّت يدها بقوة.. ثم رفعت وجهها لتنظر في وجهه.. الآن تتجرأ لتنظر إلى عينيه مباشرةً بعد الذي صار بينهما.. و رغمًا عنها تتأثر به.. بوجهه الوسيم.. بشخصيته المعقّدة المثيرة للاهتمام.. و بحقيقة إنها منذ دقائق قليلة كانت بين ذراعيه.. مسلوبة الإرادة.. منساقة وراء رغبتها المفاجئة به و التي شعر بها على الفور و بفضلها بددت شيئًا من قسوته عليها. هذه المرة أخذها بقوة.. مدفوعًا بغيرته.. بقلقه من إنه قد يخسرها بأيّ شكل.. إلا إن ما حدث بينهما أكد له بأنها ما زالت هناك.. حبيبته “سمر”.. زوجته.. إنها تختبئ منه فقط تحت ركام الذكريات.. لكنه لم يعد خائفًا.. سوف تعود.. هو بنفسه سيعيدها.. و قريبًا جدًا.
- بحبك!
تلقّت الكلمة التي خرجت من فاهه بهذا الصوت الرجولي الواثق مجفلة.. سحبت نفسًا مرتعشًا.. و طردته قائلة بصوتٍ متقطّع:
- مش ممكن تبرد كده؟
رفع حاجبه كأنما لم يتوقع كلماتها.. و ابتسم و هو يخفض بصره عرضيًا لينظر إلى جزعه العاري.. لم يكن يرتدي سوى سروال بيجامته.. حاله لم يكن أقل فوضوية منها.
- خايفة عليا؟ سألها برقة.
تنحنحت و هي تجيل عينيها في كل اتجاه بعيدًا عنه و قالت:
- الجو برد.. عشان كده بقول يعني!
ثم حوّلت مجرى الحديث فورًا:
- هو احنا فين؟ و الأكل ده جه هنا إزاي؟
بقي “عثمان” ممسكًا بيدها و هو يرد على تساؤلاتها:
- احنا بعيد عن رصيف الإسكندرية بـ 3 ميل بحري.. يعني نص ساعة كده لو حبينا نرجع في أي وقت.
- الأكل ده الكابتن جابه و هو جاي من قبل ما نوصل انا و انتي.
ذعرت “سمر” في الحال و هي تقول بتشنجٍ واضح:
- كابتن.. احنا مش لوحدنا هنا و أنا قاعدة بالمنظر ده؟؟
حلّ نوع من الغضب محل الابتسامة على وجه “عثمان” و هو يقول بحدة:
- إهدي.. كابتن إيه إللي هاسمح لك تخرجي بالمنظر ده في وجوده؟
- الراجل جابنا لحد هنا بتعليمات مني و بعدين أخد الـBoat الاحتياطي و رجع لوحده.. لمعلوماتك الجديدة أنا بعرف أطلع باليخت من و أنا عندي 14 سنة.. لكن إنهاردة بالذات كنت مشغول بحاجة واحدة بس و ماحبتش ألتفت لأي شيء تاني.
- كنت مشغول بيكي انتي يا سمر.
صمتت و لم تعقّب على كلماته الأخيرة تحديدًا.. ترك يدها الآن متنهدًا بعمق.. مسح على وجهه بتعبٍ واضح.. تعب معنوي على وجه الخصوص.. ثم قال بصوتٍ مكتوم:
- أنا تعبت يا سمر.. تعبتيني.. لحد إمتى هانعيش بالشكل ده؟ احنا مرّينا بأزمات كتير في حياتنا.. بس عمري ما فكرت إنك هاتيجي في يوم و تنسيني.
- ممكن أبان رجعي بالتفكير ده.. لكن حتى لو الافتراض ده صح.. أنا مش مصدق إنك نسيتي كل إللي بينا.. سمر.. إستحالة تنسيني.. أنا كنت أقرب حد ليكي أقرب حتى من نفسك.. و انتي.. انتي حبيبتي.. لأ.. أنا رافض إللي بيحصل ده.. رفضه و عمري ما هقبله.. سمّيني بقى رجعي مجنون.. أنا مش هاتعامل معاكي كأني واحد غريب عنك.
- أنا جوزك.. في بينا ولاد.. و حب يا سمر.. قبل كل شيء في حب!!
أصغت إليه مبلبلة الفكر.. تشعر بالدموع تلسع عينيها مُهددة بالهطول.. شهقت فجأة مشيحة بوجهها تجاه البحر.. كتفاها يرتفعان و ينخفضان لعنف تنفسها.. مهما حاولت فإن محاولاتها تذهب سُدى.. و لا تتذكر أيّ شيء.
تفر من عينها دمعة يائسة.. تسارع بنزحها بظاهر يدها.. ثم تقول بصوتٍ مرتعش و هي لا تزال مولية بصرها إلى البحر:
- أنا محتاجة أعرف.. الفترة إللي اتمسحت من عقلي.
- إللي انت ظهرت فيها في حياتي تحديدًا.. احكيلي اتعرفنا إزاي.. حبينا بعض إزاي.
و نظرت إليه في هذه اللحظة من خلال دموعها.. و قالت بنبرة إتهامية:
- و اتجوزنا إزاي!؟؟
كان ثابتًا في مواجهتها.. لم تختلج عضلةً واحدة بجسده.. باستثناء شعره الذي أخذ الهواء المنعش يعبث فيه جيئة رواحًا.
أخذ “عثمان” نفسًا عميقًا.. و قال بصوته العميق و هو يومئ لها:
- حاضر يا سمر.. هاحكيلك.. هاقولك كل إللي محتاجة تعرفيه.
- بس قبل ما أتكلم.. لازم تعرفي إن كل إللي حصل في بداية علاقتنا على أد ما كان صعب و رخيص في نظر أي حد وقتها.
- إلا إنه كان نقطة تحول في حياتي.. أنا كنت ماسح أوبشن الارتباط و الجواز من حياتي.. ما بالك الحب؟
- أنا حبيتك يا سمر.. و بكررها لك للمرة الألف.. أقسم بالله.. لو ماكنتش حبيتك.. ماكنتش شيّلتك اسمي.. ماكنتيش هاتبقي قاعدة قدامي إنهاردة و انتي مراتي على سنة الله و رسوله.. ماكنتيش جبيتلي أغلى الناس.. يحيى و فريدة.. ولادنا.
ترفع “سمر” ذقنها و تنظر إليه بقوة أكثر.. و تعيد طلبها ثانيةً بلهجة هادئة:
- أحكيلي!
***
بقيت “مايا” تحدق بنص رسالة “نبيل” على “واتساب” الخاص بها.. و الصورة المرفقة به.. لقد بعث لها فعليًا بصورة لثوب نسائي فاضح. و الأدهى.. تلك المعلومات الجنسية عن نفسه.. لقد أبدى فسوقًا لم تره طوال حياتها.. حتى إنها ظنّت منذ وقت طويل بأنها فقدت حيائها.. لا.. لم تفقده كليةً. ذاك الماجن.. الفاسق.. إنه جاد تمامًا.. إن هلاكها حتمًا على يديه.
ارتعدت “مايا” بعنفٍ.. عندما دق الهاتف في يدها معلنًا اتصالًا من “نبيل”.
قامت من أمام مرآتها محررة شعرها من المنشفة الندية.. أسرعت لتقف قرب نافذتها.. تمارس عملية الشهيق و الزفير بانتظام لبرهة قبل أن تتلقّى اتصاله. و فور أن ضمنت سيطرتها على أعصابها التي دمّرها بتصرفاته.. ردت عليه بشجاعة:
- أفندم!!
انبعث صوتها أجشًا لعوبًا على الفور:
- بقالك ساعة بتبحلقي في الماسدج.. قلت أتصل بيكي يمكن أسمع حاجة.
- إيه.. مافيش أي كومنت؟
رفعت “مايا” كفها البارد لتلمس خدّها الملتهب بشدة جرّاء ما يسببه لها من خجل شديد.. لكن رغم من هذا حرصت أن يخرج صوتها صلبًا ثابتًا:
- على فكرة يا نبيل.. انت سافل و منحط!
جلجلت ضحكته على الطرف الآخر.. ضحكة مؤذية للمشاعر.. تماسكت لأقصى حد بينما يقول باسلوبه العابث:
- مايا أنا بحاول أوصل لمعاييرك مش أكتر.. انتي مضايقة من جرأتي؟
- غريبة.. مع إنك وصلتي ليا جرأتك بمنتهى البساطة.. و انا حبيتها.
مايا بصبر:
- هي إيه دي إللي حبيتها؟
- جرأتك.. انتي بالجرأة دي هاتوفري علينا حاجات كتير أوي.
- فعلًا؟ زي إيه مثلًا!؟
- لأ ده سؤال يطول شرحه.. بصي أنا عايز أشوفك.. تعالي نخرج سوا الليلة دي.
ردت بعدائية شديدة:
- مش هاخرج معاك في أي مكان!
- إيه سبب الرفض ده يا مايا؟ يعني معقول خايفة مني؟
- أنا مابخافش يا نبيل.
مهما حاولت إظهار القوة أمامه.. فإنها موقنة بداخلها كم هي ضعيفة.
سمعته يصدر تنهيدة سريعة.. قبل أن يقول بهدوء:
- اسمعي يا مايا.. أنا مش بغصبك على حاجة.. و لو كنتي بيّنتي لي أي رفض أو صد و أنا بحاول معاكي صدقيني ماكنتش قرّبت منك.. لكن انتي بالعكس.
- بتفتحي ماسدجاتي.. بتردي عليا لما بكلمك.. كل دي ردود منك بتقبل تصرفاتي حتى لو مش بتقوليها.
كادت ترد عليه لتنفي مزاعمه التي تقرّ بصحتها فر قرارة نفسها.. إلا إنه قاطعها بحزمٍ:
- مايا.. انتي خلاص بقيتي مرتبطة بيا Anyway.
- و ماتقدريش تنكري إن في كيميا بيني و بينك.. حتى لو بتتظاهري إنك مش طايقاني.. أنا عارف إللي جواكي.
دوى خفقان قلبها في أذنيها و هي تسأله باستخفافٍ متكلّف:
- كمان عارف إللي جوايا.. طيب ما تقول كده و تعرّفني إيه إللي جوايا؟
بانت الابتسامة بصوته و هو يرد عليها:
- هاقولك.. بس لما أشوفك.
- قابليني الليلة دي يا مايا و مش هاتندمي.. و ماتقلقيش مش هاخدك في حتة كده و لا كده.
- لسا شوية على المرحلة دي.. هانروح مكان لطيف نتعشّى و نتكلم على راحتنا.. مش هحاول أضايقك و لو حبيتي تمشي في أي لحظة هاقوم و أوصلك لحد بيتها. قولتي إيه؟
ازدردت ريقها بتوتر.. مجرد مكالمة تعبث بها و بأعصابها هكذا.. فماذا لو إلتقيا!؟؟
برغم ذلك.. لم تفكر طويلًا.. و خرج منها فمها الرد الذي صدمها في نفس اللحظة:
- موافقة!
ران الصمت لبرهة ندمت خلالها على تسرعها.. ثم جاء صوته منفرجًا واعدًا:
- حلو.
- هكون عندك الساعة 8 بالظبط.. استني مكالمة مني.
- باي مؤقت يا مايا.
و أغلق معها.. لتظل هي بلا حراكٍ لدقائق.. واقعة تحت تاثير كلماته.. و الحوار بينهما يتردد مرارًا و تكرارًا بأذنيها.
***
يخرج “رامز الأمير” من متجر الصيدلة حاملًا كيسًا كبيرًا من العلاج. عاد إلى سيارته متأففًا من هاتف “شمس” الذي لم ينفك عنه الاتصالات.. كلها واردة من رقم والدتها.. ضاق “رامز” ذرعًا بالمرأة التي لا تظهر إلا لكي تنغص عليه حياته. غمره حقد شديد عليها.. فعقد النيّة مدفوعًا بغضبه.. أمسك بهاتف “شمس” المُلقى بالكرسي المجوار له حيث كانت تجلس من قبل. فتح الخط ليصطدم بصياح “رحمة” العصبي فورًا:
- شمـس.. أطلعيلي حالًا يا شمس.
- الحراسة إللي على باب القصر دي مش هاتمنعني عنك.. قسمًا بالله لو ماطلعتيش في ظرف خمس دقايق هاتشوفي تصرف من أمك عمرك ما تتخيّليه.. و أخوكي إللي فرحانة بيه ده هاوديه في ستين داهية.. انتي سامعـة؟؟
إلتوى ثغر “رامز” بابتسامة تهكمية أثناء سماعه لوعيد “رحمة”.. و لم يقاوم الاغراء ما إن صمتت عن الكلام.. باغتها في الحال:
- أهلًا.. إزيك يا حماتي؟
- من زمان ماسمعتش صوتك.
اتسعت ابتسامته أكثر حين أطالت في صمتها.. ليأتي صوتها يكنف رجفة رغم صلابته:
- انت.. انت بترد على موبايل بنتي ليه؟ فين شمس؟ إدهالي حالًا!!
ضحك بانطلاقٍ و قال بتشفٍ واضح:
- هي مش جنبي دلوقتي.. بس بعد شوية مش هاتكون جنبي.
- هاتكون في حضني!
اتسعت ابتسامته بشدة و هو يستمع إلى الذعر في صوت “رحمة” الذي انفجر بغتةً:
- انت عارف لو لمستها؟ لو قرّبت منها ..مش هايكفّيني عمرك.. بنتي فيـن أنطـق؟
- خدتها فيـن و عملت فيها إيــه؟؟؟
انحسرت ابتسامة “رامز” تدريجيًا و هو يرد عليها بغضبٍ بارد:
- انتي عارفة إن دي أحلى مكالمة عملتها من سنين؟
- صوتك إللي بينقّط رعب ده غسلني من جوا يا.. حماتي.. أنا عمري ما نسيت لك إنك خدتي شمس و بعدتيها عني.. و مع كده أنا هاطلع أحسن منك.. مش هابعدها عنك.
- بس بردو مش هارجعهالك إلا زي ما وعدتها.. إنهاردة دخلتي على بنتك.. بموجب عقد الجواز إللي معايا و إللي هي ماضية عليه.. جوازنا قانوني مية المية.
- أوعدك أول ما أتأكد إن شمس حامل.. هاسيبها ترجع لك.. مش هاحرمك منها زي ما كنتي عايزة تعملي معايا يا.. حماتي!
و لم ينتظر ليسمع ثورتها التي اندلعت بمجرد أن أبعد الهاتف عن أذنه. لم يسمع ما قالته و لم يرغب.. أغلق الخط بوجهها.. ثم أغلق الهاتف تمامًا و أدار محرك سيارته. أنطلق عائدًا أدراجه إليها.. إلى زوجته لكي يحسم أمره معها بالضبط كما أراد!