تحميل رواية «كرسي لا يتسع لسلطانك» PDF
بقلم مريم غريب
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تكوّرت “فريال” في سريرها محدقة به. دفتر مذكرات أمها. لقد حصلت عليه و لم تدري كيف. لم تعلم به من قبل، قبل أن تذهب و ينتهي لقائها بشقيقها “إركان” ظهر اليوم. أعطاها إيّاها و أخبرها بأنه وصيّة والدتهما، ألا يطّلع أحدٌ غيرها عليه. و لكن للغرابة أن أمها أمنت “إركان” على شيء خاص كهذا! و الأكثر غرابة أن يصون “إركان” أمانة والدته، و هو نفسه الذي خان دمه و عِرضه بل و أعتدى عليه! تنهدت “فريال” بحرارة و قد أعيّتها الحيلة. إلى متى تتجنّب فتح المذكّرات؟ عليها أن تفعل في الأخير. عليها أن تعلم ماضيها. هذا ما تح...
رواية كرسي لا يتسع لسلطانك الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم مريم غريب
الصخب يحيط بها ها هنا. إنها ليست غريبة عن هذا العالم، ولا حتى عن هؤلاء كلهم. هي بالفعل تعرف أغلبهم. البعض هنا ضمن دائرة أصدقائها، لولا أن تذرعت بالتوق إلى صحبتهم الليلة خاصةً لما تمكنت من الحضور. ولكن حضور ماذا؟
ذكرى زواج “عثمان البحيري” من امرأته العجيبة “سمر حفظي”. تلك التي سمعت عنها روايات على مدار السنوات القليلة الفائتة. إنها تراها الآن، أخيرًا حظيت بالفرصة لتراه هو أولاً، ثم زوجته بجواره. إنهما أمامها مباشرةً على ظهر اليخت التابع له، وفي نفس الوقت يحمل اسم زوجته. إذن الشائعات كلها صحيحة و”عثمان البحيري” قد وقع في غرام تلك الفتاة رأسًا على عقب. الأعمى سيرى كم يعشقها حقًا، من طريقته في لمسها، النظر إليها، الاهتمام بأدق تفاصيلها وعدم سماحه لها بالابتعاد عنه طرفة عينٍ. كان يحاصرها طوال الوقت ملاصقًا إيّاها به. ألهذا الحد يحبّها؟
لم تنسى بعد ما سمعته عن الطريقة التي تم بها الزواج. لقد أقاما علاقة قبيل عقد القران الرسمي، وكان هذا الخبر حديث المدينة والطبقة المخملية قاطبةً. تضمن حرفيًا: “فتاة متسلّقة تسطو على قلب ابن أعرق وأثرى عائلات المدينة وتدفعه للزواج بها”. إن “سمر حفظي” فعليًا لم تكن سيئة، كما ترى. فهي امرأة جميلة، ملتزمة، وتبدو مطيعة وهادئة للغاية. ليست كما وصفوها بأنها متسلّقة ومتصيّدة ومتطفلة على عالم الأثرياء. إنها أعذب وأرق من ذلك، هذا واضحٌ جدًا، إلا إذا كانت ممثلة بارعة وتتقن دورها.
- هاي!
أجفلت لسماع صوتًا رجوليًا أتى من الجوار مباشرةً، قريبًا جدًا. أدرات رأسها مستطلعة، لترى شيء. كائن، جعل نبضات قلبها تسكت لجزء من الثانية. إنها تحبس أنفاسها بالفعل بينما نظراتها تنزلق عليه كليةً. رجل بدا في قمّة نضجه سواء في العمر والوسامة. تقسم بأنها لم ترى مثله قط، حتى في البلاد التي نشأت بها، وجميع الرجال والشباب الذين تعرفت إليهم واشتهروا بالفتنة والجمال، إنهم لا شيء إلى جانبه. ذاك الماكث أمامها، بدا إنه لا يحب التقيّد بالرسمية، إذ تجرّد من سترة بذلته الأنيقة، وكذا ربطة عنقه وقد شمر عن ساعديه أيضًا ليكشف عن ساعدان قويّان. تاهت حقًا في تأمل تفاصيله. جلده البرونزي الفريد، يناقض زرقة عينيه وشقرة شعره الذي تهدّلت بعض خصيلاته الطويلة على جبينه. أنفه المستقيم وفمه الممتلئ بمثالية غير معهودة. لحيته الخفيفة زيتونية تلتمع تحت الأضواء الملوّنة كالآلئ. إن له بنية مميزة، ضخمة، ومتناسقة. إذا وقفت إلى جواره حتمًا ستبدو في غاية الضآلة، فأين تذهب فيه؟
الآن فقط انتبهت لتلك السيجارة المتوارية خلف كفّه الغليظ، حين رفعها ليدسّها بين شفتيه الورديتين ويمتصّ عبقها بقوة قبل أن يصل إلى عقبها، فيسحقها بمنفضة فوق الطاولة التي جلست إليها قائلًا وهو يمد لها يده للمصافحة:
- أنا أسمي رامز. رامز الأمير!
تغلغل صوته عميقًا بأذنيها، خاصةً مع نطقه بهذا الاسم. اسمه. مع اقترابه النسبي منها تاخمت رائحة عطره الثقيلة الجو المعبّق بعبير البحر، فكان مزيجًا لعينًا أثملها. ظلّت تحدق فيه ببلاهةٍ، وكأنه لم يتحدث ولم يعرف عن نفسه للتو.
داعبت ابتسامة معابثة ثغر “رامز الأمير” بينما يمرر عيناه مرارًا وتكرارًا على كل جزء منها. وجهها، وجسمها صارخ الأنوثة، والذي كان أول شيء اجتذبه إليها وجرّه جرًّا إليها حتى أفضى به إلى الوقوف أمامها مترقبًا ردًا منها، كما يفعل الآن بالضبط.
- أنا حابب أتعرّف عليكي!
تحدّث إليها ثانيةً ولا يزال مادًا يده.
- قولّي لو مضايقك هابعد فورًا.
ارتفعت حاجباها دهشةً وهي تقول غير مستوعبة شيئًا:
- نعم! عاوز إيه؟
ضحك “رامز” بخفةٍ وبطريقة أذت مشاعرها المرهفة، ثم قال من جديد:
- بقول ممكن نتعرّف؟ أنا سألت صحابي عليكي بس محدش عارفك. وشوفتك قاعدة لوحدك، يضايقك لو قعدت معاكي؟
رغم إن حدسها أنبأها بأنها على وشك ارتكاب أكبر حماقة بعمرها، لكنها لم تقاوم رغبتها الشديدة بالتنعم بصحبة هذا الرجل خطر الوسامة، نوع لم تصادفه طوال عمرها وتجزم بأنها لن تفعل مرةً أخرى. هزت رأسها سامحةً له بالجلوس إلى طاولتها التي تتّسع لفردان فقط. فشدّ كرسي وجلس قبالتها متكئًا بطرف زندِه إلى سطح الطاولة الزجاجي.
أبعدت عينيها بصعوبة عن فتحة قميصه التي أبرزت من ورائها جزء من صدره الواسع العضلي. ركّزت فقط على عينيه الآن ولم تنبس بكلمةٍ بعد. لم يتعجل “رامز الأمير” خطبًا بينهما، ودام صمتهما لبضع لحظاتٍ طويلة. بقى يرنو إليها بتفحص أكبر. جميلة مثل حورية، فتنة، وليست مجرد جسد مثير فقط. ليست مثل الفتيات اللاتي اعتادت صحبتهن، لا في شكلها ولا ذلك النمط الرخيص منهن. كانت فخمة، وعلامائم الأصالة تبدو عليها. ملامحها الناعمة، بشرتها الخمرية توحي إليه بخاطر عجب منه، كأنها مقتبسة من الطبيعة النقيّة. ليست متكلّفة. حتى ثوبها المكشوف، ربما جريئًا، لكنه ساهم في تأكيد هذا الخاطر عليه. زينة وجهها بسيطة للغاية، إلا الكحل الأسود الذي خطّطت به عينيها. عينيها الذهبيتان، وتلك الشامة التي برزت فوق شفتها العلية. تلك الملامح المتفرّدة كلها، لم يرها في أنثى واحدة. ما أثار فضوله لمعرفتها لحظةً بلحظة. فهي لا تبدو مثل أقرانها من النساء الأخريات. إنها… مختلفة!
- اسمك إيه؟
سألها بغتةً. سؤاله هذه المرة جعلها تثوب إلى رشدها قسرًا. فتسحب نفسًا عميقًا قبل أن تجاوبه بثباتٍ:
- شمس. اسمي شمس.
- شمس!
قلّب أسمها بين شفاهه معجبًا بشدة. كم يلائمها الاسم حقًا. يستوقف “رامز” أحد النُدُل في هذه اللحظة ويأخذ منه كأسيّ شراب. يدفع لها بواحد ويحتسي رشفة من خاصته دون أن يحيد عنها بناظريه.
- مش بتشربي؟
كان أول اختبار لنيل بغيته منها الليلة. وجاء ردها في الحال هادئًا متزنًا:
- بشرب. سوفت درينك بس.
ورفعت كأسًا آخر كانت تشربه قبل أن ينضم إليها. أومأ لها وقال برويّة:
- ماقولتليش لسا.. انتي مين بقى؟ يعني جاية تبع مين؟
حانت منها إلتفاتة نحو “عثمان البحيري”. كان يراقص زوجته الآن على أنغام غنوة شعبية صاخبة. اندهشت “شمس” إنها قد نسيته لدقائق ما إن ظهر المدعو “رامز الأمير” أمامها. عاودت النظر إليه ثانيةً، وجدته يرنو إليها بترقب، فقالت بتوترٍ طفيف:
- أنا جاية مع صاحبتي. لينا الشقيري لو تسمع عنها.
رفع “رامز” حاجبه منبهرًا وقال:
- لينا الشقيري طبعًا نار على علم. دي أكبر بزنس ومان في البلد. بس غريبة يعني إنك بتقولي صاحبتي!
عبست “شمس”: إيه الغريب؟
- أصلها مش من سنّك. لينا ست متجوزة وعندها ولاد كبار. انتي شكلك صغيرة.
- فعلًا! تديني كام سنة يعني؟
خمن “رامز” بنصف عينٍ:
- ممم مش أكتر من 20 سنة!
ابتسمت “شمس” حتى بانت أسنانها اللؤلؤية، وكانت أول مرة تبتسم له فتبثه سحرها الذي أدمنه. أرهف لها جميع حواسه وهي تقول برقة فطرية:
- لأ أنا أكبر شوية. 23 سنة.
رامز بابتسامته الجذّابة:
- مابعدناش كتير. بردو صغيرة.
إنفتحت “شمس” أكثر له وانساقت بأسئلتها:
- وانت.. عمرك كام؟
- تديني كام؟
خمنت مثله زامة فمها بحركةٍ طفولية:
- ممم ممكن.. 30 سنة!؟
أطلق ضحكة صغيرة وقال بمرحٍ:
- لأ أنا كمان أكبر شوية. 34 سنة.
قلّدته في نفس اللحظة:
- مابعدناش كتير.
وضحكا معًا، لتنقشع من هنا غمامة الغرابة بينهما، يصبح كل شيء أسهل وأكثر مرونة.
- يعني انتي مش عايشة هنا؟
أجابته “شمس” وهي تعبث بكأسها الفارغة:
- لأ. أنا ومامي عايشين في لندن من زمان. من وأنا صغيرة أوي.
- وباباكي فين؟
نظرت له في صمت لهنيهةٍ، وقالت:
- بابي.. مات.
ساد التعاطف قسماته فورًا وهو يقول:
- أنا آسف جدًا!
ابتسمت بحزنٍ قائلة:
- عادي. أنا مش بزعل لما بفتكره.
- الظاهر كنتي بتحبيه أوي.
- آه. كنت ولسا بحبه أوي.
وصوّبت بصرها تجاه “عثمان” تلقي عليه نظرةً خاطفة، لتسمعه من الجهة الأخرى يقول:
- مامتك جت معاكي ولا سايباها في لندن؟
نظرت إليه “شمس” وقالت:
- مامي بتشتغل ومش سهل تسيب شغلها في أي وقت. أنا جيت مع لينا بس هارجع لوحدي.
استغربت “شمس” الألق الذي لمع بعينه للحظة. لم يرد في الحال، إنما احتسى بقيّة شرابه في جرعةٍ واحدة، ثم قام فجأةً ما سبب لها إجفالًا.
- تعالي نرقص.
لم يكن طلبًا حتى. ابتسمت “شمس” لثقته الشديدة بنفسه، ولم تمانع أبدًا. منحته يدها ووثبت من فوق مقعدها. سارت معه إلى حلبة الرقص البرّاقة. وكما توقعت، كان طوله الفارع محرجًا كثيرًا لها، وأوضح للعيّان كم هي قصيرة. لكنه سرعان ما أخذ كل مخاوفها وقلقها بعيدًا. بمجرد أن توسطا الحلبة، وضمه إليه محيطًا خصرها بساعديه، يراقصها على وقع موسيقى بطيئة، الأكثر حميمية على الإطلاق. تشابكت نظراتيهما، ولم تكن “شمس” بحاجة لتبادل كلمة معه. كان الحديث البصري أبلغ وأعمق، والإحساس به وبقربه ودفئه لا يقدّر بثمنٍ.
لكنه هو الذي تحدّث بصوتٍ خفيض للغاية:
- هاترجعي امتى لمامتك؟
علا صدرها وهبط متأثرًا بالحالة التي تخوضها لأول مرة بحياتها. بالكاد جاوبته:
- بكرة. طيارتي معادها 8 بليل.
- تؤ. انتي تنسي المعاد ده خالص. مافيش سفر بكرة.
- يعني إيه؟
- انتي قولتي إنك ماكملتيش هنا أسبوع. ماينفعش تنزلي مصر وتقضي فيها إجازة قصيرة أوي كده. خليكي شوية.
هزت “شمس” كتفاها قائلة:
- يعني هقعد أعمل إيه هنا؟
افتتن “رامز” أكثر بجمالها. مع هبوب الرياح المعاكسة التي عبثت بها وانتثر شعرها كله من حولها ملامسًا وجهه وعنقه:
- هاتقضي وقت حلو. معايا.
رمقته بذهول مرددة:
- معاك؟ إزاي!؟
- هالففك البلد حتة حتة. وكل يوم هاتشوفي حاجة مختلفة. بس الأول لازم أرجع القاهرة عشان أظبط شغلي. بكرة الصبح هاطلع على هناك وقبل ما الليل يلون السما هاتلاقيني هنا عندك.
رفرفت “شمس” بأجفانها محدقة فيه، وقالت:
- رامز. أنا ماعرفكش!
رد ببساطةٍ:
- هاتعرفيني يا شمس.
قطبت مفكرة، لتقول بتردد:
- مش عارفة!
واصل “رامز” الضغط عليها بحنكته وأسلوبه الخاص قائلًا:
- مافيش حاجة اسمها مش عارفة. مش هاتسافري. ولو قلقانة من قصة سفري للقاهرة خلاص مش هاسافر وهاخلص كل حاجة بتليفون. بس هاتقعدي زي ما قلت لك. ماتقلقيش أنا مش هاخطفك يعني. وعشان تطمني أكتر هاسيب الشقة إللي قاعد فيها وهاحجز في الفندق بتاعك.
رفعت “شمس” ذقنها لأعلى وقالت متحديّة:
- تنزل في الفندق إللي أنا فيه يعني؟ انت عارف الليلة في الفندق ده بأد إيه؟ انت غني ولا إيه يا رامز!؟
ابتسم بثقة وطفى عرقه المتعجرف في الحال وهو يقول بصوتٍ أجش:
- خليكي معايا شوية زي ما قلت لك. وهاتعرفي إجابة السؤال ده بنفسك.
شمس بعناد:
- لأ.. انت حتى ماقولتليش بتشتغل إيه!
لعق “رامز” طرف شفته السفلى وهو يتفرّس بها بشهوانية صريحة متمتمًا:
- أنا ممكن أقولك بشتغل إيه.. في مكان معيّن.
شمس بفضول:
- فين؟
مال صوبها ليهمس في أذنها:
- على السرير!
شهقت “شمس” بصدمةٍ عنيفة في الحال. دفعته بقبضتيها في صدره فورًا. لحسن الحظ كان الحضور أكثر انشغالًا من ملاحظة ما يجري بينهما. ساد العداء ملامح “شمس” وهي تلقيها بوجهه بخشونةٍ:
- ده في أحلامك. في أحلامك!
واستدارت عائدة إلى طاولتها. أخذت حقيبتها ومعطفها وانطلقت مهرولة إلى الطابق السفلي، حيث قسم آخر للحفل أكثر هدوءًا، حيث تتواجد “لينا الشقيري” وزوجها أيضًا.
من قمّة اليخت، وقف “رامز” مشرفًا عليها من وراء السور المعدني، يراقبها من حيث لا تراه، ويقسم بأنه ليس أخر المطاف معها.
**هكذا بدأ.. هكذا انتهى.. لا يمكنها أن تصدق.. قصة الحب.. العشق المتأجج الذي جمعها برجل عمرها.. أتنتهي هكذا!؟**
خالت “شمس البحيري” بأنها ستبكي دمًا بدل الدموع لشدة الحزن الذي ينهش من روحها. اليوم وبعد حادث اصطدامها بزوجة أبيها الراحل، منحتها سببًا إضافيًا لتغمر نفسها بحالة الكآبة أكثر. لم يعد أيّ شيء مستساغ من بعده هذه المرة. لقد تركته من قبل ولم تنهار إلى هذا الحد. كان لديها أمل بأنهما عائدان حتى ولو رغم أنف أمها. ولكن العائق الآن هو أخيها. كيف تجتمع بحبيبها ما دام الأخير يرفض هذا ويتوعده بالدمار!؟
إنها تحب “رامز الأمير”. تحبه ويمكنها أن تموت فعليًا لأجله. تحبه وتريده بكل ذرة في كيانها، بكل عرقٍ ينبض بجسدها. حياتها تتوقف عليه حقًا.
- رامـز!
همست “شمس” اسمه من بين شفتيها اللاهثانت. تكوّرت على نفسها بالسرير الفوضوي. الآن هي وحيدة، تتلظّى بالحمى وتهذي باسمه بلا انقطاع. ستعود أمها في أيّ لحظة، وربما “عثمان”. لكنها بحاجة لشخص واحد فقط حالًا. الجميع يعرفه. يعرفون علّتها ويعذبونها.
- رامـز!
هذا بالضبط. لن يداويها إلا داؤها نفسه. “رامز الأمير”.
**ما حدث للتو، كان كارثيًا!**
طوال إثنى عشر سنة زواج، لم يتخيله حتى في أكثر خواطره بشاعة. ماذا فعل!؟ لقد تعدّى على زوجته، ابنة عمه، حبيبته. إنها امرأته بطبيعة الحال ولا يمكن لأحد لومه. ولكن لماذا يشعر بأنه أقترف جريرةً نكراء!؟
فيما مضى كان الأمر يسير بينهما بكل شغفٍ وحب. حتى كلّما تظاهرت بالإعراض عنه، سرعان ما كانت تلين وتبادله الحب بحب أشدّ. أما هذه المرة، لم تمنحه أيّ شيء. لقد انتزع منها كل شيء حقيقةً، وضربه الواقع في الصميم، لحظة تأكد بأنها حقًا.. لم تعد تريده. من تريد إذن!؟ من؟
أطبقت شفاهه وإلتوت من شدة الغضب. إلتفت إلى جانبها من الفراش. كانت ترقد على وجهها، تتدفن رأسها بوسادتها لتكتم صوت بكائها. لم يترفّق “صالح البحيري” بحالها البتة وقبض على ذراعها مجتذبًا إيّاها بعنفٍ، لتنقلب في غضون لحظة راقدة على ظهرها، متشبثة بالملاءة حول صدرها.
- مين هو؟
سألها بهدوء مخيف. حدقت “صفيّة” فيه عبر دموعها الساخنة التي غشيت عيناها وأفاضت من حوافها. انحشر صوتها بحلقها، لم تستطع ردًا. ليستنفذ صبره ويصرخ بوجهها ممسكًا إيّاها بذراعيها بشدة كادت تكسر عظامها:
- انطقـــي ميــن هـو.. إللـي مابقتيـش تطيقـي حتـى لمستـي بسببـهميــن؟؟؟؟
نطقت بأعجوبة جملة من كلمتين:
- طلّقني يا صالح!
سحقًا لغبائها إذ ظنّت بأنها إن كررت ذلك على مسامعه فسوف يذعن. لقد استفزته أكثر إلى حد جعله يؤذيها، ودفعها للصراخ ألمًا بينما يشدد قبضتيه حول ذراعيها تاركًا علامات وكدمات هناك حتمًا.
- أنا هاعيّشك في سواد يا صافي!
تمتم بصوتٍ كالفحيح وقد أظلمت نظراته بخطورةٍ. وقف شعر رأسه الناعم وجسده كله وهو يتوعدها بالأسوأ:
- مابقاش صالح ابن رفعت البحيري. لو ماندّمتكيش على إللي قولتيوه شوفي مين يقدر ينقذك مني!!!
يكفي إنه ذكر من يكون أبيه ليلقي بها بأعمق أودية الفزع والعذاب. هل ذكر بأن التعدّي السابق عليها كان كارثيًا؟ حسنًا، إنه يفعل بها الآن أبشع ما يمكن تخيّله على الإطلاق. هو بنفسه، “صالح البحيري”، يدمر روح وجسد زوجته وابنة عمه انتقامًا لشيء لا يعلمه، شيء لم يجزم به، ولكن صمتها وإصرارها أفقداه صوابه.
رواية كرسي لا يتسع لسلطانك الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم مريم غريب
ضغطت هاتفها بين عضدها وأذنها، بينما كانت تغلق سحاب حقيبة سفرها.
في نفس الوقت، كانت تستمع إلى صوت أمها الهادر عبر الطرف الآخر من الخط:
- عمري ما هاسامحك يا شمس، عمري ما هاسامحك على إللي عملتيه فيا!
زفرت "شمس البحيري" بضيق شديد لسماعها ذات العبارة المكررة لمرة لا يحصيها العدد. تأكدت من إغلاق حقيبتها جيدًا، ثم ارتمت بجوارها فوق الفراش وهي ترد بهدوء على أمها:
- مامي، أنا أعتذرت أكتر من مرة. مش عشان نزلت مصر وروحت أشوف عثمان، لأ، عشان عملت كده من وراكي. أنا مش فاهمة إيه إللي مزعلك بالشكل ده؟ أنا أول مرة أسافر لوحدي!
انفجرت "رحمة" ساخطة بطريقةٍ أجفلت الأخيرة سأمًا:
- انتي مش بس عصيتي كلمتي، انتي كسرتي وصية أبوكي يا شمس. أبوكي وصّاكي وهو حيّ ماتروحيش للناس دي وروحتي بردو.
الحديث بالنسبة إليها انتهى عند هذا الحد، ولم تعد بقادرة على سماع مزيدًا من التقريع. فقالت أخر كلماتها بحزمٍ:
- أنا مش عارفة أتكلم معاكي بالطريقة دي يا مامي. بصي، أنا طالعة حالًا على المطار، كمان كام ساعة هاكون عندك وساعتها أتكلمي وبهدليني براحتك. باي.
وأغلقت الخط دون أن تستمع إلى أي رد منها.
ضاق صدرها بنفس الوقت وأحسّت وكأن الغرفة الفسيحة قد خلت من الأكسجين. ورغم أن السيارة التي طلبتها لتقلّها إلى المطار لن تأتي إلا بعد نصف ساعةٍ تقريبًا، لكنها لم تستطع المكوث هنا أكثر. قامت ساحبة مقبض حقيبتها وجرّتها ورائها متجهة نحو باب الغرفة. مدت يدها مجتذبة عتلة الباب الفضيّة.
كانت مندفعة بشكلٍ أهوج، لدرجة لم تراه في البداية وهو يقف على أعتاب الغرفة مباشرةً. اصطدمت به متأوهة بشدة وكاد توازنها أن يختلّ، لولا أمسك بها في اللحظة المناسبة. سقطت الحقيبة للوراء ما إن تركت المقبض من يدها، لتتشبث غريزيًا بكتفيّ الغريب. لا! ليس بغريب. رفعت بصرها لأعلى لتتمكن من استطلاع هوية الحائط البشري الذي أعترضها بهذه القوة. إنها تعرفه. تعرف هاتين العينين تحديدًا. لقد رأتهما مرةً واحدة ولم تنساهما للحظة. رأتهما البارحة. رباه! هذا هو. هو بنفسه. القرصان الذي سطى عليها ليلة أمس على يخت أخيها وراقصها. وليس هذا فحسب، لقد أبدى نواياه الخبيثة بسرعة أذعرتها ودفعتها للفرار منه في الحال. كنيّته تلك التي تراها بوضوح بنظرات عينيه الآن.
- انت!!! صاحت عبر إطباقة أسنانها.
ودفعته عنها على الفور، فأفلتها برضاه. تراجعت "شمس البحيري" خطوتين للخلف، بينما اتعدل "رامز الأمير" في وقفته ببطءٍ مسوّيًا ياقتيّ قميصه بيد، وفي يده الأخرى يرفع باقة الزهور قانية الحمرة مدققًا أيّ عطب صار لها. لحسن الحظ، لا زالت سليمة. مثالية. يفوح منها عبيرٌ زكي للغاية.
- مساء الورد على أحلى وردة!
قالها "رامز" مبتسمًا تلك الابتسامة التي يعتمدها لإذابة قلب أعتى النساء والفتيات جاذبيةً وغرور. بمجرد أن نطق ولامس صوته حسّيتها السمعية، ضاعت في تأمل تفاصيله مجددًا. كيف لرجل مثله أن يكون بهذه الجاذبية والفتنة، والخطورة!! بدأً من عينيه الزرقاوين، انتهاءً بذوقه في الزياء. قميصه المنشّى أسود اليوم، قد أدخله بسرواله الجينز الغامق، وأحاط خصره بحزامٍ من جلد السِباع، النمور على وجه التحديد. بالأعلى رأت قلائد ذهبية مدلاة من عنقه الصلب الطويل إلى صدره البارز من وراء تلابيب القميص. إن شكله أمس والآن رغم وسامته الفطرية، إلا إنه لم يمنع حذرًا ما بداخلها عن تنبيه غرائزها. هذا الرجل خطير. أجل كان مدعوًا إلى حفل أخيها، مختلطًا بالطبقة العلية وربما يكون مثلهم ثريًا ذو مستوى رفيع، لكنه لا يزال... خطر!
لم يصارحها أبدًا بطبيعة عمله ولم يتحدث عن شخصه مطلقًا، ما أتاح لمخيّلتها افتراضات بشأنه كارثية. فهل هو زعيم عصابة؟ تاجر مخدرات؟ أسلحة؟ أو الأسوأ... تاجر هوى، يصطاد التفيات الحسناوات ليتاجر بهن ويستمتع معهن في آنٍ. محتمل أن تكون على خطأ تمامًا، ويمكن أن يكون كل ما تفكر فيه. وبين هذا وذاك، يظل الرجل وسيمًا، ساحرًا، تخشى إن فرض غوايته عليها أن يسلبها إرادتها. ما جعلها تتساءل، إذا قام بخداعها هل ستصدقه؟
- على فكرة اسلوبك قديم اوي! عقّبت "شمس" بجفاءٍ لا تعلم كيف اعتمدته.
حتى رفع حاجبه تعبيرًا عن دهشته، وقال بهدوء:
- معقول، شايفة أسلوبي قديم؟ إللي عرفته منك إن حياتك كلها كانت برا مصر. يعني الغزل القديم هنا بالنسبة لك المفروض يبقى جديد لانج!
لوت شفتيها وقد استفزها هدوئه، لتهتف مسيطرة على حنقها بصعوبة:
- بقولك إيه، أنا مش فاضية لك. عندي طيارة بعد ساعتين. انت إيه إللي جابك عندي أصلًا وعرفّت رقم أوضتي إزاي؟
شعّت على وجهه ابتسامة جانبية وهو يجيبها:
- أولًا انتي تنسي طيارتك دي خاالص، مافيش سفر. ثانيًا، سألت الريسبشن عنك، وعرفّت رقم الوضة بسهولة.
شمس باستنكار:
- إزاي فندق زي ده يسرّب معلومات النزلاء؟ مستحيل!
- صدقيني حصل. أنا ليا أسلوبي الخاص. ولحسن حظي... البنت إللي ماسكة الريسبشن ما استحتملتش خمس دقايق من المغازلة إللي قولتي عليها قديمة. قالت لي كل المعلومات إللي عندها عنك. مش ناقص كانت تديني نسخة من مفتاح أوضتك لو طلبت.
ومضى ضاحكًا بطريقة أثارت غيظها، ثم ما لبث مزاجه المرح أن إنحسر فجأة، ليسألها بجدية:
- صحيح انتي إزاي ما قولتيليش إنك من عيلة البحيري؟
اجتاحتها رعشة قوية جرّاء عبارته الأخيرة. بأعجوبة كبحت اضطرابها وقالت بثباتٍ متقن:
- أنا ما قربش ليهم ولا حتى من بعيد.
رامز بغرابةٍ:
- إزاي؟ الريسبشنست قالت لي أسمك، شمس يحيى صالح. انتي أخت عثمان البحيري صح؟
ردت أسرع مِمّا يجب:
- ده مجرد تشابه أسماء. أنا اسمي شمس يحيى صالح الطوبجي!
هكذا ذكرت لقب جدّها لأمها، "جابر الطوبجي". جاء على خاطرها كطوق نجاة وقد صممت أن يبدو إدعائها حاسمًا لا يقبل الشك. لم تختلج عضلة بمحيّاها، بينما يومئ "رامز" متنهدًا بارتياح جمّ:
- طيب هايل جدًا، طمنتيني والله.
شمس باقتضاب:
- يعني إيه طمنتك؟
- أصل عثمان البحيري صاحبي، لأ وأكتر من صحاب. أنا كنت شايل الهم أول ما سمعت اسمك الثلاثي.
وأكمل لاعقًا شفته السفلى بطرف لسانه، ذات الفعل الذي رأته أمس وتأذت مشاعرها:
- انتي عجبتيني، وفي نفس الوقت تطلعي أخت صاحبي!
عصفت كلماته بكيانها للحظاتٍ طويلة حوصرت خلالها بين التوتر والصمت. لكنها حشدت عزيمتها أمام سلطان هيمنته الذكورية العاتية وصاحت بعصبيةٍ:
- وأفرض كنت أخت صاحبك، أو ما كنتيش أصلًا. انت عايز مني إيـه!؟
- عايزك!
كلمة واحدة قالها، ثم كأنما سأم التباعد عنها، خطى للأمام بإصرارٍ. فقامت متراجعة إلى داخل الغرفة. دلف "رامز" راكلًا الباب بقدمه. وضع باقة الزهور فوق أول طاولة قابله دون أن يزيح ناظريه عنها لثانية واحدة.
- انت مجنوون!!! صرخت فيه.
أومأ موافقًا إياها:
- أنا مجنون فعلًا.
وقبل أن تفكر بالالتفات إلى أيّ مكان لتفر منه، قبض على رسغيها بقوةٍ. لم تبرح الصرخة حدود حنجرتها. تسمّرت فجأة حين ركع على ركبةً واحدة أمامها. رفع "رامز الأمير" رأسه لينظر إليها قائلًا بنظراتٍ متضرعة، آسرة:
- أنا مجنون بيكي، من أول ما شوفتك. مارفعتش عنيا عنك. اسألي على رامز الأمير، هاتعرفي إن عمري ما مشيت خطوة لواحدة، بس مشيت ليكي انتي يا شمس. أيوة عجباني، وعايزك. أرجوكي، من فضلك، إديني فرصة واحدة بس!
المشاعر، الحالة الغريبة التي تبثها كلماته، كل هذا تخوضه لأول مرة بحياتها. لبرهةٍ خالت وكأنها دهرًا. بقيا يحدقان ببعضهما، إلى أن نطقت أخيرًا بصوتٍ أقرب للهذي:
- فرصة لإيه يا رامز؟ احنا مافيش حاجة بينا أصلًا، ولا أي حاجة!
قام "رامز" واقفًا قبل أن يرتد لها طرفها. أجفلت بينما لا يزال ممسكًا برسغيها، يدفعها بظهرها حتى وضع الحائط خلفها حدًا لتراجعها. أفلتت آهة لا تنم عن أيّ ألم من بين شفتيها. نظراتها متعلقة بنظراته حتى اللحظة. يوشك ما كانت تخشاه على الوقوع. إنها مستسلمة تمامًا بين يديه.
- هايبقى في! تمتم "رامز" بصوته الرخيم، مقربًا جسده من جسدها بشدة ولكن دون تلامس. كانت تحس فقط بالحرارة المنبعثة منه تكاد تحرقها، لكنها تحب ذلك. بل أغمضت عينيها فجأة، مستعذبة لمساته على طول مرفقها، لأعلى ذراعها، ثم كتفها. لمسات كالريشة، كأنه ينوّمها مغناطيسيًا وهو يضيف باسلوبه المقنع:
- أنا هانفذ كل شروطك. هانعرف بعض كويس. أنا مش طالب منك أكتر من فرصة شهر واحد بس. خليكي هنا معايا، شهر يا شمس، ولو حسيتي بعده إنك مش حابّة الموضوع كله هابعد. أوعدك إني هابعد ومش هحاول أقرب لك تاني. أرجوكي توافقي، وإلا هايجرالي حاجة بجد!!
الضعف العام الذي تستشعره الآن، في قربه. إنه أجمل شعور راودها على الإطلاق. لم يأتي رجل يجعلها تشعر هكذا. يبدو إنه قد أتى الآن. لا زالت "شمس" تمهل نفسها فرصة لتعثر على كلماتٍ مناسبة، وتزدرد لعابها الذي سال تأثرًا بمفاتنه وشذى عطره الثقيل الذي يلف رأسها ويخدّرها. قالت هامسة وكأنها تتمنى لو إنه لن يسمع ما ستقوله لأنها حتمًا سوف تندم عليه لاحقًا:
- رامز، انت كمان عاجبني!!
**بأوامر من سيد المنزل، تم نقل حقائب عائلة "مراد أبو المجد" إلى جناح آخر غير الذي تسكنه أخته نصف الشقيقة. وقادت كبيرة الخدم أفراد العائلة إلى مساكنهم. أما "عثمان البحيري" الذي خلا وجهه وذاته كليًّا من أيّ تعبير حيوي، لم يبرح مكانه ببهو القصر، يجلس هناك منذ غادرت أمه ولحق بها "مراد". صورتها تطارده، تعذّبه، صوت بكائها يؤلمه بشدة وكأن هناك قبضة قاسية تعتصر قلبه وتأبى أن تتركه. هل كان ليخطر هذا على باله بيومًا من الأيام؟ أن يخذل أمه، أن يبكيها ويسبب لها هذا الألم الجسيم! لقد حدث اليوم، وهو بنفسه الذي طالما صدّ عنها الأذى وحماها من كل شيء كما حمته ورعته في صغره. فشل اليوم بحمايتها وخيبة عمرها. السيدة "فريال المهدي"، أمه، حبيبته الأولى، حبه الأكبر، والأبدي، أغلى الناس على قلبه. لقد نبذته، ويخشى إنها كانت تتحدث بجدية، بجدية كبيرة.**
- عثمان!
انتزعه صوت صديقه من أفكاره الشاردة. نهض "عثمان" واقفًا ليستقبل "مراد" الذي اجتاز مدخل الباب وسار صوبه مباشرةً. بدون أي كلمة، تعانقا عناق الأخوين، وكلاهما يعتبر الآخر بمثابة أخًا له. تباعدا بعد نصف دقيقة تقريبًا، وكان أول ما قاله "عثمان" بصوتٍ مثخنٌ بالقلق:
- أمي يا مراد، راحت فين فريال هانم؟
طمأنه "مراد" رابتًا على كتفه:
- ماتقلقش يا عثمان، أنا وصلتها بنفسي للأوتيلو ماسيبتهاش إلا لما أطمنت عليها وحجزت لها بنفسي أوضتها كمان. أطمن.
أومأ "عثمان" مرارًا، ثم تساءل دون يتراخ عبوس وجهه شعرةً:
- ما قالتش حاجة؟
هز "مراد" رأسه قائلًا:
- مانطقتش طول الطريق. قالت بس عايزة تروح فين. كانت بتحاول تمسك دموعها بس!
أغمض "عثمان" عيناه بقوة حين وخزته الكلمات بعمق فؤاده. تنفس بثقلٍ جمّ وقد واجه حقًا صعوبة في التنفس، ما أثار قلق "مراد" الذي قال فورًا:
- عثمان، انت كويس!؟
لم يرفع "عثمان" رأسه فورًا، بل أمسك برسغ "مراد" وضغط عليه يطمئنه، ثم نظر إليه ببطءٍ قائلًا بهدوء:
- قولي هي فين؟
- هقولك، هقولك إللي عايز تعرفه كله. بس فهمني الأول في إيه؟ إيه حكاية شمس أختك دي؟ طلعت منين؟ وإيه إللي بينك وبين رامز الأمير؟ أنا نازل مخصوص لما كلّمني وقالّي إن بينكوا مشكلة مش هاتخلص إلا بموت حد فيكوا!
تستوحش نظرات "عثمان" الآن ويغدو صوته أكثر عداءً:
- وعنده حق. لما يكلمك تاني قوله أحسن له يبعد عن أختي، وإلا هو عارف كويس أنا أقدر اعمل فيه إيه.
مراد بدهشة:
- للدرجة دي يا عثمان!؟ إيه إللي حصل لكل ده؟ عثمان، ده رامز، رامز صاحبنا، احنا التلاتة عارفين بعض من سنين. إيه ممكن يقلبكم على بعض كده؟
صاح عثمان بغضبٍ:
- مـراد، النقاش في الموضوع ده منتهي بالنسبة لي. شمس أختي، مش هاتتجوز رامز الأمير، ولأخر مرة بقولك تقوله، لو فكر يقرب ناحيتها، أنا هاقتله. مش بهزر، هاقتله!
إنه يعرف صديقه كفايةً ليدرك تمامًا بأنه لا يقول هزلًا. "عثمان البحيري" لا يمزح الآن، ويبدو حقًا أن الوضع بين الأصدقاء ليس على ما يرام. المرة الأخيرة التي اجتمع ثلاثتهم كانوا على أتم وفاقٍ ووئام. ماذا حدث؟ ولماذا يرفض "عثمان" نسب "رامز"؟ لقد تناسبا فيما مضى عندما أقترن "مراد" بابنة عمه الراحل، "هالة رفعت البحيري". ما الفرق بين "مراد" و "رامز"؟ لماذا يرفضه بهذا الشكل الصارم!
- تسمحلي أخرج من هنا و أخد بنتي في إيدي؟
كان هذا الصوت لامرأة. كان لـ"رحمة" تحديدًا. انضمت إلى المشهد فجأة وتعلقّت فورًا نظرات "مراد" بها فضولًا، بينما يستدير "عثمان" ليواجهها قائلًا بحدة:
- قلت لك قبل كده يا رحمة، لو عايزة تمشي أنا مش مانعك، بس شمس مش هاتخرج من البيت ده إلا على بيت جوزها.
وقفت "رحمة" على بُعد ذراعين منه، في ثوبًا أنيقًا يبرز مفاتنها الأنثوية. يُعزز لون بشرتها الخمرية بلونه الزيتوني المزركش. اتّسمت ملامحها بالجدية وهي تقول:
- أنا من أول يوم وافقت تكون تحت رعايتك، لأني واثقة إنك قادر تحميها من الصايع ده إللي عايز يضحك عليها. لكن إنهاردة اكتشفت إنك مش هاتقدر تحميها من الست والدتكو. أنا استحالة أسمح لأي حد مهما كان يقرب من بنتي أو يئذيها!
وأكملت بتقريرٍ شامخة الرأس:
- أنا هامشي زي ما قلت لك، وشمس هاتيجي معايا. أنا أمها، وهقدر أخد بالي منها كويس يا عثمان.
- خلصتي؟ سألها دون أن ينفك عن النظر إليها باستخفافٍ.
ثم قال بهدوئه المعهود:
- أخر كلامي انتي سمعتيه، ومش هاكرره تاني يا رحمة. شمس وصية أبويا. أختي، أختي أنا. أمها على عيني مش مانعك تكلميها أو تشوفيها، ولكن تاخديها وتمشي، إنسي. أنا إللي مش هاسمح لك يا رحمة.
لفتها رعشة طفيفة من رأسها لأخمص قدميها، كلّما نطق أسمها ونظر إليها بهذه الطريقة. تخال وكأن "يحيى البحيري" قد قام من الأموات وعاد ليتجسّد فيه مرةً أخرى. زمّت "رحمة" فمها قائلة بتزّمتٍ حانق:
- طيب بص بقى يابن يحيى، أنا هامشي وهاسيبها لك. بس عايزاها تكلّمني وتقول إن أي حد اتعرض لها. شمس خط أحمر، ومنغير تحفظات لا انت ولا فريال هانم ولا ميّة زيكوا يقدروا يلمسوها طول ما أنا عايشة. أنا رحمة، أنا تربية يحيى البحيري، تربية أبوك!
أسفرت هذه الخطبة القصيرة التي ألقتها بسرعة تباعًا عن احمرارًا قوي افترش محيّاها، وتسرّت اللهاث عبر فمها وهي ترنو إليه بنديّة سافرة. ران الصمت بينهما لبضع ثوانٍ مطوّلة، وتحت أنظار "مراد" الذي وقف يراقب ما يجري بينهما بذات الفضول. من جهة "عثمان"، بدا هادئًا للغاية وهو ينظر في عينيها بتلك الطريقة التي دائمًا ما تهدد ثقتها. لكنها الآن لم تكن تحفل لأيّ شيء سوى ابنتها وسلامة وضعها هنا بعد ذهابها. قال "عثمان" فجأة باسلوبه البارد:
- انتي تربية يحيى البحيري، لكن أنا بقى اسمي عثمان البحيري. عثمان البحيري واحد بس في العيلة دي. لا يشبه أبوه ولا عمه ولا أي راجل اتخلق وعاش هنا. خليكي تحت إيدي أحسن يا رحمة، وماتخلنيش أحطك في دماغي. إللي بيني وبينك شمس.
وشملها بنظرة دونية أخيرة قائلًا:
- مع السلامة يا... مرات أبويا!
وأولاها ظهره ماضيًا نحو الخارج وهو يهتف:
- يلا يا مراد.
تبعه "مراد" على الفور، لتبقى "رحمة" بمفردها الآن، تتميّز حنقًا من قوة وسيطرة هذا الرجل الذي خرج من ظهر زوجها الراحل. إنه حقًا أعتى منه بمراحل. لقد مات "يحيى البحيري"، لكن على ما يبدو أنه قد حرص على أن يترك خليفةً له، أهلٌ لثقته وجديرٌ بكل ما تركه من سلطة ونفوذ. إنه يستحق كل هذا، هو فقط ولا غيره.
**باءت كل محاولاتها ببدء أيّ حديث معه بشأن حفل زفاف خالها. لقد وعدت الأخير بأنها ستحضر، وستفي بهذا الوعد مهما كلفها الأمر. ولكن كيف تقنع زوجها صعب المراس؟ إن ما بين "فادي حفظي" و"نبيل الألفي" ما يفوق العداوة والبغضاء. لقد كاد "نبيل" أن يعتدي على "سمر حفظي"، لولا أنقذها زوجها باللحظة الأخيرة. وكان إنتقام "عثمان الحيري" لأجلها حدثًا تداولته الصحف والمجلات لفترةٍ. لقد سلب منه كل شيء، وجعله يبدأ حياته العملية من الصفر، وها هو يزهر من جديد، بل ويتزوج. لم تصدق "هالة البحيري" أذنيها حين أخبرها خالها بموعد عقد قرانه وحفل زفافه معًا. لقد بكت فرحًا لأجله، ولا بد أن تشاطره سعادته. إنه الأقرب إليها الآن، بعد وفاة أبيها، وهجرتها مع زوجها بعيدًا عن أخيها وابن عمها الذي لم ينفك منذ كانت تطارده بحبّها أن يلقيها إلى أول رجل طالبًا لها. خالها "نبيل" هو من دعمها، وقف في صفها دائمًا، وهي تثق به أكثر حتى من ثقتها بزوجها ووالد صغيرها.**
- أنا مستنيكي!
أفاقت "هالة" من شرودها محدقة بـ"فادي". كان يجلس قبالتها، يستطلع حاسوبه الخاص بينما تصنع هي سندويشات الفطور لأجل صغيرها وعمته قبيل ذهابهما إلى المدرسة. تمتمت "هالة" باستفهام:
- بتقول حاجة يا فادي؟
رد عليها "فادي" دون أن يحيد بعينيه عن الحاسوب:
- بقالك ساعة عايزة تقولي حاجة ومترددة. أنا حافظك يا هالة. يلا قولي، أنا سامعك.
رفرفت بأجفانها مضطربة من حسّه الفذّ، لكنها لم تنبس بكلمة. ليرفع بصره الآن ناظرًا إليها:
- اتكلمي يا هالة، ماتخبيش عني حاجة.
أجل، هذه فرصتها يقدّمها إليها، وقد وفر عليها سيلٌ من المقدمات على أيّة حال. تنفست "هالة" بعمقٍ، ثم قالت بشجاعة:
- فادي، فرح خالو نبيل الخميس الجاي. وأنا هاحضر!
رواية كرسي لا يتسع لسلطانك الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم مريم غريب
قبل خمس سنوات..
كان من السهل كثيرًا في بعض الأحيان أن تنسى “شمس البحيري” أنها تتسكّع برفقة صديق أخيها المقرّب. كم لها تواعده منذ تلك الليلة في الفندق؟
لقد عرض عليها “رامز الأمير” أن تبقى معه شهرًا.. فإذا بها تقضي معه ثلاثة أشهرٍ كاملة.. ثلاثة أشهر من الشغف.. الإثارة.. و الغراميات المتأججة.
مكثا بالإسكندرية بضعة أسابيع.. ثم أقنعها “رامز” بالسفر معه إلى القاهرة لعلّة عمله.. أقامت بفندق شهير.. و كانا يلتقيان يوميًا منذ بكرة الصباح و لا يفترقا إلا بعد منتصف الليل.
و اليوم.. وعدها بأن يأخذها إلى مكانٍ خاص.. لم ترى مثله بالبلد قط. كان الحماس يملؤها حقًا.. و تأنقت لأجله كالعادة.
فما إن رآها حتى خلبت لبّه مجددًا و هو يتفحصها بنظراته الجائعة لجمالها الفريد. فتاته.. بل امرأته المستقبلية لها ذوق متحرر قليلًا سواء في اختيار أزيائها و أسلوب حياتها أيضًا.
أمام باحة الفندق هلالية التصميم.. كان “رامز الأمير” يقف مستندًا إلى مقدمة سيارته.. أسفل سماء النهار الصيفي المعتدل.
تظهر “شمس البحيري” فجأةً فتصطادها عيناه فورًا. ينتزع نظّارته الشمسية و هو يمسحها ببصره في بطءٍ من رأسها لأخمص قدميها.
الجنيّة الصغيرة.. سوف تجلب لنفسها وابلًا من عبارات التوبيخ لتعمّدها الظهور هكذا.. في كنزة زرقاء بلا أكمام احتضنت جزعها المنحوت.. و سروال جينز كان بمثابة جلد آخر فوق جلدها أبرز شكل ردفيها و منحنيات ساقيها بوضوحٍ. و بالطبع لا يمكنها السير على نعلٍ مسطّح أبدًا.. فدائمًا ما يكون الحذاء عالي الكعبين هو اختيارها لتثبت أنوثتها حتى في طريقة سيرها المتمايلة يمنة و يسرة.
الشيطانة.. إن كان للغواية مرادف.. فهي حتمًا “شمس”. إن أسمها فقط يُشكّل غواية بمجرد نطقه.
- شمس!
قال “رامز” اسمها بهدوءٍ فور وصولها أمامه.
ابتسمت له “شمس” متمتمة:
- حبيبي.
- انتي نهـارك أسـود إنهـاردة!!
أجفلت منتفضة بفزعٍ لعلو صوته المفاجئ.. و اضطربت بشدة و هي تعاتبه:
- رامز.. انت بتزعق في وشي جامد!
رامز بغضبٍ شديد:
- احمدي ربنا إن مافيش حد حوالينا يبحلق فيكي و انتي بالمنظر ده.. كنت طرّمت لك سنانك.. إللي فرحانة بيها دي.. إيه يا هانم الهدوم العريانة دي؟ أنا مش قلت اللبس ده ماشوفوش عليكي تاني!؟
بررت “شمس” في الحال و هي تهدئه:
- طيب اهدى شوية و اسمعني.. أنا مش بلبس كده غير و أنا معاك. لما بخرج لوحدي لبسي بيكون مقفول و واسع.
رامز بخشونة:
- شمـس.. أنا معاكي.. مش معاكي لبسك طول الوقت يبقى مقفول و واسع. انتي تنسي جو لندن ده خالص.. خلاص من وقت ما ظهرت في حياتك بقى في نمط تاني هاتمشي طول عمرك.. انتي فاهمة؟
أومأت له بالإيجاب قائلة:
- حاضر.. أوعدك مش هالبس كده تاني!
- لأ يا ماما مش هاتهبطيني بالوعود.. امشي أطلعي غيّري المسخرة دي. خمس دقايق و ألاقيكي قدامي.. و حسّك عينك ألمح فتحة صدر كده و لا حاجة قصيرة.. هانكّد عليكي يا شمس.
لم ترد له كلمة و انصرفت من أمامه دون أن تنبس ببنت شفة.
عادت بعد بضعة دقائق مرتدية ثوب زيتوني طويل من قماش الكريب التركي.. بأكمام قصيرة مفتوحة.. واسع للغاية يتوّسطه حزام عريض من قشّ الكتّان.. و حقيبة يد من نفس النسيج.
شملها “رامز” بنظرة راضية.. فتح لها باب السيارة و دعاها لتركب.. ثم استدار ليتخذ مكانه خلف المقود.
- هاتفضلي قالبة وشك؟
لم تلتفت إلى سؤاله و لم تلقي عليه نظرةً واحدة منذ أقلعا من الفندق.
تنهد “رامز” ناظرًا إلى الطرق ثانيةً.. و قال بهدوء يسترضيها:
- أنا آسف عشان زعقت في وشك.. بس مش آسف على غيرتي عليكي يا شمس. و مقدرش أوعدك إني مش هانفعل و لا أبهدل الدنيا لما يحصل تاني و تستفزيني زي ما عملتي.
و هنا أدارت “شمس” رأسها لتنظر إليه و تقول:
- انت كده مش بتغير يا رامز.. انت كده بتخوّفني. المعاملة الحادة دي أنا مقدرش أستحملها كتير.. ده بابي نفسه عمره ما زعق لي مرة واحدة!
رد عليها مبتسمًا بسخرية:
- الله يرحمه.. يمكن موته بدري ده إللي مصبرني عليكي لحد دلوقتي و مخلّيني مسايسك بالشكل ده.
عقدت حاجبيها معقّبة:
- مش فاهمة تقصد إيه؟
حانت منه نظرة نحوها و هو يقول:
- انتي تربية واحدة ست يا شمس.. و وحيدة. مافيش راجل في حياتك يعلّمك و يرشدك صح.. بس خلاص بقى.. أنا جيت.
نظرت إليه “شمس” مليًّا.. تمعنت بحزنٍ جمّ بكلماته. إنها فعلًا قد حرمت من أبيها في سنٍ مبكرة.. و لها أخًا ..لكنها حرمت منه أيضًا بأمرٍ من “يحيى البحيري” والدها الراحل. و أجل هو محق.. إنها لم تشعر قطّ بالحماية و الاحتواء إلا حين ظهوره بحياتها.. لقد شغف قلبها أمنًا و غرامًا.. و هي بالفعل على وشك الوقوع تمامًا بعشقه. هذا الرجل.. “رامز الأمير”.. هو فارس أحلامها.. من دون كل الرجال.. تختاره هو.
- سرحتي في مين!؟
صحّاها صوته ذي النبرة الغيّورة.
نظرت إليه منتبهة.. ثم سألته مباشرةً:
- احنا رايحين فين صحيح؟
رأت ابتسامته الجانبية تنمو على ثغره و هو يقول:
- بصي حواليكي.
إنصاعت لكلمته و نظرت حولها عبر زجاج السيارة.. لتجد شيء مذهل. واحة في قلب الصحراء. طريق مرصوف بالأسفلت.. يحدّه من الجانبين نخيلٍ و أشجار.. و من حوله الرمال الذهبية مترامية على مدّ الأبصار.
عاودت “شمس” النظر نحو “رامز” من جديد و قالت مبهورة الأنفاس:
- ايه المكان ده يا رامز؟
جاوبها “رامز” بعد لحظاتٍ حين انعطف بغتةٍ إلى ممر جانبي:
- سقّارة يا روحي.. أهلًا بيكي في مزرعة الأمير!
دقيقة واحدة.. و استقرت السيارة أمام مبنى من طابقٍ واحد.. عبارة بيت حجري كبير المساحة.. تطوّقه أرض واسعة انقسمت لقسمين.. قسم به حديقة جمعت أجمل و أزكى أنواع الزهور و الأشجار.. و قسم آخر فقط للفروسية.. أكشاك للخيول و حقول خاصة محجّزة.
-إيه رأيك؟ .. سألها و هي تترجل من من سيارته متمسّكة بيده.
كانت تجول بناظريها مستكشفة المكان الغني بالطبيعة.. مصريّ صِرف.. من موضعها تلمح هرم “سقّارة” حقًا يلوح من البعيد.
إلتفتت “شمس” بجسدها كليًا صوب “رامز”.. لتصير محاصرة بينه و بين باب السيارة. ثم سألته بخفوتٍ و صوتها الهادئ لا يخفي إنبهارها:
- المكان ده بتاعك يا رامز؟
أسند “رامز” كفّيه على جانبيّ رأسها.. و دنى بوجهه من وجهها مدمدمًا:
- كان بتاعي.. دلوقتي مزرعة الأمير.. و الأمير نفسه ملكك انتي لوحدك يا شمس.
- لأ بجد.. انت طلعت غني يا رامز؟
أرجع “رامز” رأسه للوراء مقهقهًا.. نظر لها من جديد و قال:
- يعني تقدري تقولي كده يا شمس.. أنا كمان وحيد أبويا و أمي الله يرحمهم. بعد ما ماتوا سوا في الحادثة إللي حكت لك عنها.. ورثتهم الاتنين.. المزرعة دي كانت ملك لأبويا.. و البيت و شوية مجوهرات و مدخرات ورثتهم عن أمي.. تحبي تعرفي إيه تاني عني؟
هزت رأسها مجفلة:
- مش قصدي حاجة.. انت بس إللي كنت غامض شوية و بتحكيلي قصة حياتك بالعافية!
ابتسم لها رامقًا محيّاها و جسدها باشتهاءٍ و ردد:
- حياتي قبلك مالهاش أي معنى يا شمس.. أنا بعتبر نفسي اتولدت من جديد أول ما شوفتك. مايهمكيش الماضي بتاعي.. إللي جاي بتاعنا.. و انتي بتاعتي أنا.
و بدون سابق إنذارٍ.. حتى رأسه بلحظةٍ آخذًا شفتيها بين شفتيه في قبلة عميقة.. جائعة.. من هولها لم تستطع “شمس” حراكًا. فهذه حقيقةً القبلة الأولى لهما.. الأولى لها مطلقًا.
ارتعشت و هي تحسّ بساعديه يطوّقانها الآن.. و يشددّ عليها ملصقًا إيّاها به دون أن يتوقف عن تقبيلها بشدة متمعنًا و متلذذًا بمذاقها العذب و الحلو في آنٍ.
حاولت “شمس”.. حاولت كثيرًا أن تبعده.. أو تبتعد عنه على الأقل.. لكنه كان يمتلك سلطة أشدّ بطشًا منها على جسدها.. بل كيانها برمّته. فلم تتحرر من سطوته إلا عندما أراد هو. أعتقها أخيرًا بعد أن بعثرتها قبلته على الأخير.
- بحبك يا شمس! .. همس “رامز” مضطرب الأنفاس فوق شفتيها المتوّرمتين.
تتشبثت الأخيرة بتلابيب قميصه السماوي محاولة تنظيم أنفاسها المختلجة بعد أن سرقها كلها في جوفه. رفعت وجهها متطلعة إليه.. تود أن تلومه على ما فعله. لكنها لا تقدر.. فقد شعرت بشيء لا يمكنها وصفه.. و قد ازداد انتمائها إليه أكثر.
- رامز! .. غمغمت بأسمه بلا هدفٍ.
فباغتها:
- تتجوزيني؟
حدقت فيه مأخوذة بالكلمة لبرهةٍ.. ثم ابتسمت فجأة.. و تحولت الابتسامة لضحكة متقطعة و هي تقول:
- رامز.. انت فاجئتني!!
رد بسرعة و هو يحتضن وجهها بين كفّيه:
- أنا بحبك.. و عايزك.. أقدر أخدك منغير جواز؟
أجابته في الحال بحدة:
- لأ طبعًا.. أنا قلت إني وعدت مامي عمري ما هاعمل علاقة برا الجواز.
- خلاص يبقى نتجوز.. و حالًا.
- حالًا إزاي يا رامز؟ و مامي.. أجيبها منين حالًا؟ لازم مامي تكون معايا.
رامز بصرامة:
- أنا عايزك تباتي في حضني الليلة دي.. مش هاسيبك تبعدي عني الليلة دي يا شمس.. بجواز أو منغيره انتي فاهمة!
رأى تعبيرها ينقلب مذعورًا.. فطمأنها مبادرًا قبلها:
- مش قصدي إللي فهمتيه.. أنا مش هاغتصبك أكيد. و لا عايز منك أي حاجة.
ارتسمت الحيرة على ملامحها و سألته:
- مش فاهمة.. يعني انت عايز إيه بالظبط!؟
- تعالى معايا ..و شبك يده في يدها ساحبًا إيّاها ورائه صوب البيت.
فتح الباب بمفتاحه الخاص.. و أخذها رأسًا إلى الجناح الرئيسي.. و هو ما كان مؤلفًا من غرفة نومٍ كبيرة و صالون أثري الطراز.. كل شيء هنا مترف.. الفرش السندسي و السجاد الإيراني الثمين.
أجلسها “رامز” فوق أحد المقاعد و ذهب أمام عينيها نحو الخزانة.. عبث بها للحظات.. ثم عاد حاملًا مجلّد كبير و قلم. جلس بجوارها و قرّب الطاولة منهما.. و على مرآى منها فتح المجلد و باعد بين ورقتين قائلًا:
- أنا و انتي هانمضي على العقدين دول.. و كل واحد فينا هايكون معاه نسخة.
شمس بتساؤل:
- إيه العقود دي؟
نظر لها مفصحًا:
- دي عقود جواز.. عرفي.
لم تفهم ما عناه فتساءلت من جديد:
- يعني إيه جواز عرفي!؟
تنهد “رامز” و شرح لها بصبرٍ:
- الجواز العرفي زيه زي الجواز المدني بالظبط.. يعني مش محتاجين مأذون يكتب الكتاب عشان نتجوز.. بمجرد ما نمضي العقدين دول ممكن نوثّق جوازنا في المحكمة و يكون جواز رسمي 100%.. و على فكرة في اتنين شهود ماضيين هنا أهو.. مش ناقص غير توقيعي أنا و انتي.
- طيب و ليه؟ ليه يا رامز نعمل كده لما ممكن نستنى لحد ما نتكب الكتاب في وجود مامي!؟
تحلّى “رامز” بمزيدًا من الصبر و رد عليها بهدوء:
- يا حبيبتي انتي بنفسك قولتي مامتك مش هاتقدر تنزل مصر إلا على أخر السنة.. و ده لسا بعيد جدًا.. أنا مش هاستحمل تكوني بعيدة عني المدة دي كلها.. و مش كل ما أقولك تعالي في حضني مثلًا تقوليلي عيب و الكلام ده.. أنا عايزك تبقي ملكي.. في أي وقت.. في أي لحظة.
رمقته بترددٍ و هي تعض على شفتها.. و قالت:
- أنا حاسة إن دي حاجة غلط يا رامز.. و بعدين انت وعدتني إنك هاتنفذلي كل شروطي من أول يوم.. و أنا شرطي الأساسي ان مافيش أي علاقة هاتحصل بيني و بينك غير بعد الجواز.. قصدي يعني كتب الكتاب و في وجود مامي!
- تمام يا حبيبتي.. و أنا عند وعدي ليكي.. مش هالمسك يا شمس أطمني. الحكاية كلها بس إني عايز أطمن.. و عايز أحس إنك بتاعتي و إنك هاتفضلي جنبي علطول.. لو مش واثقة فيا كفاية ماتمضيش على الورق.
و أكفهرّ وجهه فأحسّت إنها لو رفضت فمن الممكن أن تخسره.. أو أن يقلّ حبه لها تدريجيًا حتى يتلاشى نهائيًا. و هذا أخر شيء تريده. بل إن هذا لو حدث فستموت حقًا.. لن تتحمل فكرة ابتعاده عنها أو أن يتخلّى عنها.
رأته يسحب الورقة من أمامها.. فخفق قلبها وجلًا.. لتسارع مجتذبة منه الورقة معيدة إيّاها إلى مكانها.. أخذت القلم من يده.. ثم وقّعت بأسمها الثلاثي أمام عينيه المترقبتين.
دفع لها بالورقة الأخرى.. وقّعتها بدون تردد.. ثم تركت القلم من يدها مسندة ظهرها إلى ظهر المقعد الوثير.
راقبته و هو يطوي ورقتها و يضعها بحقيبتها.. ثم يطوي نسخته و يقوم آخذًا إيّاها إلى الخزانة خاصته.
عاد إليها مسرعًا.. أمسك برسغيها و شدّها لتقف قبالته. ضمّها إلى صدره بشدة.. اعتصرها بداخل أحضانه هامسًا بتوقٍ شديد:
- مبروك يا حبيبتي.. بقيتي ليا. قطنا نص الطريق يا شمس!
***
ظنّت “هالة” إن العالم أجمع قد توقف.. و الكرة الأرضية كفّت عن الدوران. إذ لم يبدو على “فادي” بأنه سيأتي بأيّ حركة لقرابة الدقيقتين.. ظل يحدق فيها فقط بعد أن بلّغته بخبر زفاف خالها الوشيك.. و بقرارها أيضًا بأنها سوف تحضر. لقد قررت.. فلماذا تسأله إذن!؟
-المطلوب مني إيه بعد ما قررتي؟
أخيرًا تحدث.
سحبت “هالة” نفسًا عميقًا و أتقّت قدر استطاعتها الغضب الكامن بنظراته رغم إدعائه الهدوء:
- أنا عارفة إنك واخد منه موقف.. بس ده خالي يا فادي.. و انت أجبرتني أقاطعه سنين طويلة.. كفاية كده أرجوك.
فادي بتهكم:
- لأ و انتي شهادة لله احترمتي إرادة جوزك أوي. واضح إنك ماكنتيش بتتواصلي معاه.. العصفورة قالت لك على معاد الفرح.. و لا لأ عشان ماظلمكيش.. أكيد عرفتي من الأخبار صح؟
هالة بضيق:
- فادي من فضلك.. أنا مش بطلب منك تتقبّله في حياتي. و لا حتى تشوفه أو تسمع عنه.. كل إللي بطلبه منك ماتصممش على رأيك و تمنعني عنه. سيبني أشوفه و أكلمه براحتي.. ده خالي.. نبيل الألفي خالي شقيق أمي الله يرحمها.
ضرب “فادي” الطاولة بقبضته السليمة بعنفٍ مجفلًا إيّاها و صاح:
- و هو نفسه إللي حاول يغتصب أختي.. شقيقتي!!!
ساد الصمت طويلًا هذه المرة.. قطعته “هالة” بهدوء مصمم:
- أنا هاحضر فرح خالي يا فادي.. مهما كان قرارك!
حدق فيها بصمتٍ و لم يعقّب. قام واقفًا فجأة.. جمع أدواته و حاسوبه في حقيبته الخاصة.. ثم ذهب من أمامها دون إضافة كلمةً.
راقبته “هالة” حتى اختفى بالردهة الداخلية.. تشعر بالصدمة و الجزع. لكنها تمسّكت بقرارها. مهما كان حجم خسارتها أمام هذا القرار.. سوف تذهب إلى خالها.. لا مزيد من التحدث إليه أو إلتقائه خفية بعد الآن.
***
بمجرد أن تركها لم تصدق نفسها. إنها كانت تعيش كابوسًا لم تتخيّل وقوعه عليها. ثلاث ساعاتٍ من الانتهاك لحرمها المنزّه.. ثلاث ساعاتٍ من العذاب النفسي قبل الجسدي. كانت على وشك أن تفقد الوعي.. لو لا أن كفّ عنها أخيرًا و نهض متجهًا إلى الحمام الملحق بالجناح.
أرادت أن تقاوم ثقل جسدها.. قبل أن يعود في أيّ لحظة. يتعيّن ان تقوم الآن و تهرب من قبضته. هل أتى هذا اليوم فعلًا؟ هل تخاف “صالح البحيري”؟ هل تخافه؟ .. زوجها و حبيبها.. والد طفلتها!!!
بأعجوبة.. تمكنت “صفيّة البحيري” من مغادرة السرير.. لافة جسدها في روب إلتقطته من حقيبة سفرها. تعثّرت و هي تقطع منتصف الجناح و وقعت بالفعل.. متأوهة.. منتحبة بمرارة. لم يعد بها جهد.. كأنما قضى “صالح” على قواها و حطّمها تحطيمًا.
عاندت “صفيّة” التعب الكاسح و قامت متكئة على الأثاث.. وصولًا إلى باب الجناح. مدت يدها إلى المقبض لتفتحه.. لم يفتح!
حاولت مرةً.. إثنان.. ثم اكتشفت بأنه موصد بالمفتاح. اللعنة!! أين هو المفتاح؟ أين هو؟؟
-على فين يا روحي؟
فزعت “صفيّة” لسماع صوته بالبادئ. لكنها سرعان ما تجاسرت.. بل استعادت قوة شخصيتها التي ضيّعتها صدمتها فيه و في كل من حولها. تمالكت رباطة جأشها و استدارت نحوه. كان يقف على مقربة منها.. في روب الاستحمام و الماء يقطر من شعره الغزير. ابتسم لها قائلًا بلهجته القاسية:
- عاوزة تخرجي؟ للأسف مش مسموح لك.. مش هاتخرجي من هنا إلا لما أنا أقرر إنك تخرجي. أنا لسا ماشبعتش من مراتي حبيبتي.
ترد “صفيّة” بصوتها القوي الجاف:
- صالح.. أنا لأخر مرة بقولك. إللي بتعمله ده نتايجه هاتكون كارثة.. أنا مش هاسمح لك تتمادى معايا أكتر من كده.. فوق و ماتنساش أنا مين!!
رمى “صالح” المنشفة الصغيرة من يده.. و أقبل عليها كعاصفةٍ.. استند بيدٍ واحدة إلى الباب من خلفها و قال بصوتٍ كالهسيس:
- أنا مش ناسي طبعًا.. انتي صفيّة البحيري.. بنت عمي و مراتي.. و ام بنتي. بس شكلك انتي إللي نسيتي أنا مين.. عشان كده و لحد ما تتعدلي هافضل افكرك بنفسي.. و الكارثة دي هاتحصل كده كده يا صفيّة.. لأني مش هاعدي كلامك على خير. و حلفت لتندمي.
لهثت “صفيّة” من شدة التعب المُلم بها.. لكنها هتفت بوجهه محتدة:
- انت إللي هاتندم يا صالح.. مابقاش في رصيدك عندي كتير. لو صممت على عمايلك دي صدقني.. مهما عملت بعدين.. مش هاتصعب عليا.. مش هاتصعب عليا حتى بنتنا!!
كزّ على أسنانه مغمغمًا بغضبٍ محتدم:
- انتي لسا ليكي عين تهدديني؟ انتي ناوية على خراب البيت ده كله يا صفيّة.. ماتراهنيش على صبري عشان أنا على شعرة.
صفيّة بعصبية مباغتة:
- هاتعمل إيه أكتر من إللي عملته؟ انت حيوان يا صالح.. سامعني؟ زيك زي أبوك و أبويا.. كلكوا عيّنة واحدة و أنا بكرهك.. بكرهكوا كلكــوووا…
صارت الدماء بعروقه بدرجة الغليان.. و تضرج وجهه بالحمرة الشديدة و هو يقول مرتجفًا من قمة الغضب:
- خلاص اختارتي يا صفيّة.. و مش هاتخلّيني أندم لحظة على إللي هاعمله فيكي!!!!
صرخت بالرفض ما إن أحكم قبضته عليها و أحاط خصرها.
- أنا مابقتش طايقاك.. مش عايزااااك. لو لسا عندك ذرة كرامة طلّقني.. طلّقني يا صالح!!!
كان يسحبها الآن صوب السرير و هو يقول بلهجةٍ قاتمة:
- أنا هاخلّيكي ماتطيقنيش أكتر.. أنا هاخليكي تكرهيني أكتر و أكتر يا صافي.
طرحها هناك فوق الفراش المبعثر.. و إلتقط حزامه من فوق الأرض عائدًا إليها بسرعة قبل أن تفر من جديد. ساعدته قوتها الواهية على إدراكها باللحظة المناسبة. أخذ معصميها فوق رأسها بينما كانت تصرخ. قيّدها بحزامه إلى عارضة السرير الخشبية.. ثم انحنى قابضًا على فكها بقسوة و هو يردد متوّعدًا بكلماته و نظراته الانتقامية:
- هاسيبك زي ما طلبتي.. هاسيبك يا صافي.. بس مش قبل ما أحوّلك لأبهت نسخة منك.. و أمحي فيكي كل لمحة حبيتها في يوم من الأيام.. أوعدك.. حتى إللي انتي عايزة تسبيني عشانه.. بمجرد ما أرميكي من إيدي.. مش هايبص لك!
يتبع…
رواية كرسي لا يتسع لسلطانك الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم مريم غريب
في الصباح.. تفيق “شمس البحيري” في سرير “رامز الأمير” ..
تشعر بالغرابة لوهلةٍ.. ثم سرعان ما تملأ ابتسامةً خجلة وجهها الناعس.. تغمرها الغبطة و هي تتمطى بالفراش الواسع منتبهة لخلوّه من الجهة الأخرى ..
أين هو “رامز” ؟
لقد برّ بوعده لها و جعلها تبات هنا في سريره.. بين أحضانه.. و ليت هذا فحسب !
تخضّبت وجنتا “شمس” و هي تتذكر أحداث الليلة الماضية.. ابتدآها بتناول عشاءً بسيطًا من صنع يديّ “رامز”.. و بعده أخذا قدحين من القهوة بالخارج في الهواء الطلق.. أمام الحطب المشتعل.. و إلى جوارهما كلب الحراسة الأشرس على الإطلاق من سلالة الـ”بيتبول ترير” ..
ذعرت “شمس” كثيرًا عندما تأهب الكلب الوحشي لمهاجمتها.. إلا إن “رامز” سيطر عليه في الحال بكلمةٍ واحدة.. و أمره بصرامة أن يتودد إلى “شمس” و أن يلتزم الأدب تمامًا معها ..
و كم بدا الكلب مطيعًا لسيده.. على الرغم من خوف “شمس” الكبير منه.. لكنها استجابت لتوجيهات “رامز” و شيئًا فشيء تلاشى خوفها.. بمجرد أن تعرّف الكلب على رائحتها و رآها تتوّسد أحضان سيده لم يعد يعتبرها غريبةً.. بل و رقد عند قدميها ما إن فرغ من إلتهام وجبة عشاؤه ..
-قلت لك سلطان هايحبك ! .. تمتم “رامز” بجوار أذنها
ابتسمت “شمس” متنعّمة بدفء جسده الذي يحاوطها باحكامٍ.. رفعت رأسها عن صدره قليلًا لتنظر إليه قائلة:
-انت مصمم تبهرني كل شوية.. إيه أخرة العالم بتاعك يا رامز ؟
إلتمع ألق عينيه الزرقاوين و هو ينظر إلى محيّاها النضر.. المتوّهج بفعل الألفة الحميمية التي تربطهما معًا في هذه اللحظات …
-انتي لسا ماشوفتيش حاجة !
و قام ساحبًا إيّاها من يدها:
-تعالي.
سارت معه ملتزمة الصمت.. حتى وصلا إلى الجناح الرئيسي ..
لم تمانع عندما شدّها من وسطها ليقبّلها.. و لم تمانع عندما شعرت بيداه تتحسسانها بجرأة بينما يغمغم من بين قبلاته الشغوفة:
-كنت بدوّر عليكي طول حياتي.. طول حياتي التافهة السخيفة
انتي كل حياتي دلوقتي يا شمس ..
صوته أجش و متهدّج.. ينسجم ثغراهما معًا بتناغمٍ أكبر بمجرد أن تغادر الكلمات شفتيه.. يقبّلها بقوة و حرارة جعلتها تفقد السيطرة تمامًا على نفسها.. فلا تعود متماسكة البتّة ..
لو لا أن هناك قبسٌ من التعقّل صدح برأسها عندما أخذها إلى السرير و قد شرع بتعريتها ..
أوقفت يده التي أمسكت بتلابيب ثوبها ليزيله عن كتفيها و هتفت بتوترٍ:
-راامـز !!
يجعّد “رامز” حاجبيه.. فيبدو في قمّة الجاذبية و هو يقول باقتضابٍ:
-انتي مراتي.
شمس باضطرابٍ: بس انت وعدتني.. مافيش دخلة دلوقتي !!
-و قلت لك انا عند وعدي.. انتي لسا مش واثقة فيا يا شمس ؟
ترنو إليه عاجزةً.. بينما يمسّد كتفها العاري براحة يده و هو يحدق في فمها الذي حمل آثار قبلاته ..
جفناه يتثاقلا و صوته يميل إلى الهمس الآن و هو يتابع:
-انتي بقيتي مراتي.. و عشان تصدقي إللي حصل إنهاردة.. لازم تسيبيني أعمل كده.
-هـ.ـاتعمـ.ـل إيـ.ـه !؟
بالكاد سألته ..لا يرد عليها فورًا.. إنما يميل و يقبّلها برقة متناهية مدروسة للحظاتٍ.. ثم يتراجع بمجرد أن يشعر بذوابانها ..
ينظر إلى عينيها الغائمتان متمتمًا برومانسية مثيرة:
-زي ما انا حافظ ملامحك.. صوتك.. ريحتك.. عايز أحفظ كل شِبر في جسمك
عايزك تصدقي إنك بقيتي ملكي فعلًا يا شمس !
تضعف مقاومتها كلّما أقنعها بحجة أقواله.. و تنهار كليًا و هي تحس بلمساته و هو يمررها أسفل ظهرها منتزعًا معها ثوبها.. ثم بتهوادٍ على ردفها.. ثم أعلى فخذها انتهاءً إلى ساقها ..
تقشعر و تنتفض تحت ملامساته الخبيرة.. و توقن الآن بأنها أبدًا لن تقف بوجه رغباته.. ستكون مقاومتها صفرًا.. و ليس في يديها إلا أن تضع ثقتها به كما أخبرها ..
هذه الليلة سوف تمضي وفق قوانينه هو.. هو القائد الليلة.. و هي في أدنى درجات استسلامها …
صحت “شمس” من الذكرى بأطنانٍ من الخجل فوق خجلها.. لقد وعدها بألا يقترب من عذريتها.. و قد صدق.. لكنها تشعر و كأنه فعل.. لأنه فعليًا امتكلها.. عاطفيًا و جسديًا.. و استطاع أن يعرّف جسمها إلى مكانه الصحيح ..
باتت “شمس البحيري” بين أحضان “رامز الأمير” أمس و هي واثقة و مصدقة من حقيقة إنتمائها إليه.. إلى زوجها و حبيبها الذي اختارته بمحض ارادتها !
قامت “شمس” من السرير الفوضوي لافة جسمها بالملاءة.. أخذت تتلفت حولها مجيلة بصرها عبر الغرفة الشاسعة.. لم تجد أيّ علامة تدل على وجوده ..
لكنها رأت ملابسهما منتثرة فوق الأرض حول السرير.. و الفوتيه الملاصق لعارضة السرير حمل حقيبتها القماشية التي تركتها بسيارته ذات يومٍ بعد العودة من إحدى السفرات القصيرة معه ..
ها قد أحضرها إليها.. و تركها أمام عينيها لتراها ما إن تفيق ..
ابتسمت “شمس” و هي تخطو نحوها.. تأخذها و تتوّجه مباشرةً صوب قاعة الحمام المترفة ..
أخذت حمامًا سريعًا ممتنة لتجهيز “رامز” حمامه بكافة المستلزمات التي تفضلها.. بل كانت سعيدة للغاية و هي تستخدم الأغراض الجديدة مدركة بأنه لطالما كان يسألها عن أدق تفاصيلها.. أكلاتها المفضلة.. عطرها المفضل.. حتى صابون استحمامها و نوع فرشاة الأسنان ..
كانت تستغرب كل هذه الأسئلة في البادئ.. لكنها لا تستطيع إلا أن تبتسم الآن.. لقد كان يجمع لها كل هذا لتجده هنا.. حتى لا يعوزها أيّ شيء و هي معه ..
خرجت “شمس” من الحمام بعد أن صففت شعرها و ارتدت سروالًا قصيرًا من الجينز بالكاد يغطي منتصف فخذيها.. تعلوه بلوزة ورديّة بلا أكمام مطرّزة بالورود الصغيرة ..
علّقت في عنقها قلادتها الذهبية التي لا تخلعها ابدًا.. إذ كانت هدية من أبيها حملت أول حرفٍ من أسمها مظللًا بنصف قرص الشمس المرصّع بحبيباتٍ دقيقة من الألماس …
حدّدت عينيها الواسعتين بكحلٍ أزرق.. و مشّطت رموشها الكثيفة بمسكارا داكنة.. لوّنت شفتاها بملمّعٍ كرزيّ.. و القليل من الحمرة الفاتحة على وجنتيها.. ثم وضعت الكثير من كريم الجسم الفوّاح و المعطر المرفق معه “Mad About You” من مجموعة “Bath&Body Works” ..
علّقت خلخالًا بقدمها اليسرى بدلّايات على شكل ثمار الفليفلة الحمراء.. و انتعلت حذاءً مكشوف أبرز أناقة قدماها و طلاء الأظافر الأحمر الذي لائم لون بشرتها البرونزية تمامًا …
و الآن صارت جاهزة لملاقاته.. تنطلق إلى الخارج و كأنها تطير بخفة الفراشات.. تشعر حقًا كما لو أنها عروس و قد بدأت شهر العسل …
أين هو “رامز” ؟
بحثت عنه داخل البيت في كل مكان.. لكنها لم تجده ..فخرجت لتجد “سلطان” رابضًا أمام باب البيت يحرسه كأنه يعلم بأنها بالداخل و هو الموكل بحراستها..
قفز الكلب منتبهًا ما أن رآى “شمس”.. لهث و هو يعوي بلطفٍ مهرولًا إليها …
ضحكت “شمس” و هي تتلقّى محبته برحابةٍ.. و لا تتذمر من لعقه ساقيها و رسغيها:
-أوكي أوكي.. عرفت دي صباح الخير بتاعتك
صباح النور يا سلطان ..
عوى الكلب بذكاءٍ ردًا على جملتها.. ابتعدت عنه خطوة و انحنت صوبه قليلُا رابتة على رأسه و هي تقول مقلّدة توجيهات “رامز” التي تعلّمتها منه البارحة:
-Sit.. أيوة برافو.. Good Boy سلطان.. يلا قولّي بقى.. فين رامز ؟
عوى الكلب من جديد مشرأبًا بعنقه الغليظ إلى نقطةٍ ما خلفها.. أدارت “شمس” رأسها لترى إلى أين يشير لها.. لكنها لم تحدد بدقة ..
فعاودت النظر إليها قائلة:
-تعالى معايا.. وديني عند رامز !
بمجرد أن استدارت “شمس” ماشية خطوتين للأمام.. حتى سبقها “سلطان” راكضًا حول البيت.. تبعته إلى أن اصطحبها عند اصطبل الخيل.. و هناك فعلًا وجدت “رامز الأمير” ..
كان يقف أمام كشك معيّن.. يعتني بفرس عاجيّ اللون يتلألأ شعره المشذّب تحت أشعة الشمس.. كما يتلألأ شعر صاحبه الشقر بالضبط …
أقبلت “شمس” نحو “رامز” مفتونة بهالته الفريدة.. لقد بدّل ثيابه إلى نقيض ما كان يرتديه البارحة تمامًا.. فكان يرتدي سروالًا قطنيًا أسود اللون.. و كنزة بيضاء ضيّقة بحمّالاتٍ عريضة.. و كانت قلائده الذهبية تحاوط عنقه القوي مبرزة صلابته و جاذبيته …
تنبّه “رامز” لحضورها ما إن سمع عواء كلبه.. إلتفت و ابتسم فور ان رآها مقبلةً عليه هكذا في كامل أناقتها.. كانت أجمل ما رأت عيناه مطلقًا.. و ندت عنه صافرة إعجابٍ أتبعها بقوله:
-ده كان إنذار كاذب بقى.. الشمس لسا طالعة حالًا !!
ضحكت “شمس” بمرحٍ و قد وصلت إليه.. رمت بنفسها بين ذراعيه في الحال مطوّقة عنقه.. ليحيط خصرها بساعديه قائلًا:
-إيه إللي قوّمك بدري ؟
الساعة لسا 8 !
أجابت “شمس” بنبرة خجل في صوتها:
-قلقت و ملاقيتكش جنبي.. ف قومت أدوّر عليك.. انت إيه إللي صحّاك بدري ؟
رد “رامز” مرتبًا لها خصيلات شعرها الملساء وراء أذنها:
-أنا علطول بصحى بدري يا روحي.. و خوفت أزعجك ف قلت لنفسي أما أطلع أشوف حرير عاملة إيه أصلها وحشتني.
تلاشت ابتسامة “شمس” كليًا و هي تعلّق باستنكار:
-نعم !؟
هي مين حرير دي إللي وحشتك بقى إن شاء الله ؟؟
ضحكة “رامز” بخفة و قال مشيرًا لها برأسه:
-حرير.. الفرسة بتاعتي.. أهيه.
ألقت “شمس” نظرةً نحوها.. و على الفور أدركت الفخ الذي وقعت فيه.. ها هي تجرب شعوره و تغار عليه.. حتى و لو كانت غيرتها من فرسة …
-و هي الفرسة أهم مني !؟ .. سألته محتدة
رامز بجدية: لأ طبعًا.. مافيش حاجة في الدنيا دي كلها أهم منك عندي
و إللي تؤمري بيه يحصل.. تحبي نرجع البيت ؟
خفّت حمائيتها قليلًا و هي تهز كتفاها بخفة.. ابتسم “رامز” و دنى مقبلًا وجنتها برقة.. ثم شفتاها بلطفٍ مطوّلًا.. و أسند جبينه إلى جبينها قائلًا بخفوت:
-كنت ناوي أرجع لك و أطلب الفطار بعدين أصحيكي أول ما يوصل.. انتي أكيد جوعتي صح ؟
رفرفت بأجفانها و ردت:
-لأ مش أوي.. أنا مش بفطر قبل الساعة 10 أصلًا ف لسا شوية.
-تمام على راحتك ! .. ثم سألها أو بالأحرى عرض عليها:
-طيب تحبي تتعرفي على حرير ؟
و لا نبدأ ببحر الأول ؟
و أشار إلى الكشك المجاور حيث يقبع فرسًا آخر من سلالةٍ أصيلة نادرة.. أسود اللون.. له عينان زرقاوان كعينيّ سيده.. و غرّة ملكية لامعة …
-لأ إنسى شكرًا.. أنا إستحالة أقرب منهم أصلًا.
هكذا رفضت “شمس” عرضه رفضًا قاطعًا.. ما أثار دهشته و دفعه لسؤالها فورًا:
-إيه سبب الرفض الكبير ده ؟
-مش بحبهم.. بخاف منهم.. بخاف من أي حاجة حجمها أكبر من حجمي يا رامز.
برقت ابتسامة لعوب على شفتيه و هو يسألها:
-يعنى على كده بتخافي مني يا شمّوسة ؟
ابتسمت “شمس” و هي تضربه في صدره بقبضتها معاتبة.. لم ترد.. فقال و هو يفتح الكشك الخاص بالفرس “بحر”:
-تعالي طيب.. هو بحر شكله له رهبة و عضلاته ممكن تخوّفك.. لكن هو مش شرس خالص.. بالعكس ده هادي و حنيّن أوي ..
-لأاااا ! .. صاحت “شمس” محاولة الفرار من قبضته
لكنه أحكم ساعده حول خصرها و شدّها أمامه لتواجه الفرس قائلًا:
-لأ إيه.. مافيش حاجة أسمها لأو انتي مش هاتخافي من أي حاجة طول ما انا معاكي انتي سامعة.. إلمسيه.. بقولك إلمسيه ..
انتفضت على إثر هتافه الحاد بها.. لكنها لم تذعن له و أحس برعشتها بين ذراعيه.. لكنه كان أكثر من مصممًا على قراره …
دفعها صوب الفرس أكثر دون أن يبعدها عن أحضانه.. أمسك رسغها بالقوة و قرّب يدها من رأس الفرس.. بكت “شمس” ما إن مسّت يدها معطف الفرس الناعم و توسّلت بصوتٍ ضعيف:
-رامز بليز.. هايغم عليا !
رامز بإصرار: مش هايحصلك حاجة.. أنا هنا جنبك.. انتي لسا مش فاهمة ؟
أنا مستعد أفديكي بروحي يا شمس.. و مش ممكن أسمح لأي حاجة في الدنيا تئذيكي أو تقرب منك.
كلماته اخترقت كافة أدرعتها و هزمت خوفها بسهولة.. لتفعل الشيء الذي أراده دومًا.. سلّمته زمامها.. و تركته يحطّ بيدها كلها على رأس الفرس …
نسيت “شمس” رهبتها.. و صدّقت فقط في “رامز” …
أثنى “رامز” على شجاعتها الملموسة متمتمًا:
-برافو عليكي.. شوفتي ؟
ماحصلش حاجة.. و لا أي حاجة.. تعالي نجربه سوا بقى.. أنا بقالي مدة ماركبتش عليه.
اهتزت لوهلةٍ آبية.. لكنها إنساقت ورائه في الأخير …
جهّز “رامز” فرسه و سحبه إلى الخارج.. مد يده إلى “شمس” التي عقدت ساعديها مكتسبة بعض الوقت قبل أن تستسلم لإرادته مجددًا …
منحته يدها بتباطؤ.. فشدّها بلطفٍ نحوه و قبّلها على جبهتها يطمئنها.. ثم رفعها بسهولةٍ من خصرها لتعتلي صهوة الفرس …
أخذ جسدها كله يرتجف كورقة في مهب الريح.. قبل أن يلحق “رامز” بها و يصعد ورائها.. تموضع جيدًا و مد ذراعيه للأمام ممسكًا بطرفيّ باللجام و محيطًا بها في آنٍ …
ضمّها إليه بشدة هامسًا في أذنها بحميمية:
-أنا معاكي يا شمس.. حبيبك معاكي.. اوعي تخافي.. اوعي تخافي و انتي في حضني !
إن لكلماته دومًا مفعول السحر عليها.. أطمأن قلبها لهدهدته.. و احساسها بحرارة جسمه تلفها و تمنحها حمايةً كاملة …
شعرت بالأمان التام.. و لم تخشى شيئًا بعد.. حتى حين شدّ اللجام و بدأ الفرس أن يستجيب لتوجيهات سيده.. عبرا ممر الاصطبل بتوأدة.. ما لبثت أن تحوّلت إلى هرولة عدّاءة ما إن لكز “رامز” خاصرة الفرس صائحًا:
-يلا يا بحر !
أطلق الفرس صهيلًا عاليًا.. و انطلق كالريح عابرًا حدود المزرعة …
لم يكن انطلاقه مخيفًا.. بقدر ما كان شيئًا مثيرًا.. مبهرًا.. كما أخبرها “رامز” بالضبط.. مرافقة فرس تجربة لا مثيل لها …
و ثقتها بأنها في حمايته.. آمنة بين ذراعيه.. جعلتها تستمتع بالتجربة و بكل لحظة منها …
هذا هو عالم “رامز الأمير”.. هذا هو عالم حبيبها.. و قد أنبأها بأنها لم تراه كله بعد ..
فما الذي ينتظرها بمستقبلها معه يا ترى !؟
**للمرة الثالثة يتعدّى عليها.. و قد كانت الأعنف.. الأقسى على الإطلاق …
بها تمكن “صالح البحيري” من كتابة تاريخ نهاية علاقته بابنة عمه و زوجته.. لعلّه لا يعلم ذلك أو لا يصدقه.. لعلّه فقد عقله بسبب غيرته و حبّه لها …
لكنه نجح تمامًا بدفعها لإقتلاعه من داخلها.. فبمجرد أن تخرج من هذه الغرفة.. لن يكون لـ”صالح البحيري” صفة بحياتها.. و لا حتى ابن عمها …
كان وعي “صفيّة البحيري” يتأرجح بين اليقظة و الإغماء.. لا زالا معصميّها مقيّدان بعارضة السرير في الحزام الجلدي.. بينما جسدها يُنتهك من جديد على يديّ زوجها.. يُمارس عليه وحشيته و ساديته …
أحسّت بأنها صارت وحيدة لبعض الوقت.. ما كان لشيء أن يشعرها بأيّ راحة الآن أكثر من ابتعاده عنها.. لكنه لم يمكث طويلًا بعيدًا عنها …
ارتعدت فرائصها لدى عودته إليها.. و إنفتحا جفناها دفعةً واحدة.. نظرت إليه بتشوّش.. و فزعت لما رأت بيده أداة حادة.. مقصّ معدني كبير …
-أنا عاهدتك ! .. قالها “صالح” بصوتٍ كالفحيح ممسكًا بأطرف شعرها البُندقي الجميل:
-مش هاسيبك إلا بعد ما أطفي فيكي كل حاجة ميّزتك في عيني.. أنا حبيت كل حاجة فيكي.. و شعرك.. شعرك كان من أكتر الحاجات إللي حبيتها يا صافي ..
لقد استنفزت كل طاقتها و جهدها بالفعل.. لكنها ذعرت من المعنى الجلي وراء كلماته المقبضة.. لتتلاحق أنفاسها بعنفٍ و هي تقول بصعوبة بصوتٍ بالكاد يُسمع:
-لأ.. لأ يا صالح.. كفاية إللي عملته فياو الله ما هسامحك.. مهما عملت مش هسامحك !!
إلتوى ثغره بابتسامةٍ قاسية و قال:
-مابقتش فارقة.. مش انتي عايزة تطلّقي ؟
خلاص.. الطلاق له تمن.. و تمنه ده يا صافي !!!
و اجتذب خصيلات شعرها بقبضةٍ عنيفة.. في نفس اللحظة التي دوى فيها صراخها أشدّ من المرات السابقة.. كان ينهال عليه قصًا عشوائيًا أبيًا أن يتركه إلا خربًا لا يصلح لوجه امرأة جميلة مثلها …
**المتلاعب ..هل يمضي معه الأمر على هذا النمط ؟
يأخذ منها مآربه ثم يتركها.. و يعاود الكرّة و يتركها !!
إلى أين ذهب الآن ؟
هذه المرة لن تمررها له.. و ستتعلم كيف إنها لن تضعف أمامه و لن تسلّمه نفسها مرةً أخرى عن طيب خاطرٍ …
أين هو ؟
تساءلت “سمر حفظي” في نفسها مجددًا و هي تحكم وضع الحجاب فوق رأسها.. وتحققت للمرة الأخيرة من مظهرها أمام المرآة.. كانت أنيقة للغاية و قد ارتدت فستان من الكتّان الأرجواني كان “عثمان” قد أقتناه من أجلها منذ بضعة أيامٍ.. و لتثير أعصابه تعمدت ملأ شفاهها المكتنزة بطلاء أحمر فاقع.. اللون الذي نهاها عن الظهور به أمام أحدٍ غيره هو …
ابتسمت لانعكاسها بتفاخر و مضت إلى خارج الغرفة و هي تفكر بردة فعله فور أن يراها هكذا.. و حبذا لو إنه ليس وحيدًا.. كما تعلم فإن ابن عمه هنا ..لترى ماذا سيفعل إن نجحت خطتها و لم يكن بمفرده عندما تعثر عليه …
مرّت “سمر” بالطابق المنفرد.. لم تأخذ المصعد و فضّلت أخذ الدرج.. استوقفها صراخًا حاد انتفضت على إثره ..
كان صراخ أنثوي.. انبعث من الطابق الثاني.. من جهة اليمين تحديدًا ..
إنه جناح عمّة ولديّها.. “صفيّة البحيري” …
تسمّرت “سمر” بمكانها و اضطربت بشدة حين اشتد الصراخ أكثر.. وقفت عاجزة عن فعل أيّ شيء.. لا تدري كيف تتصرّف.. الصراخ قوي جدًا و مفزع جدًا …
ما الذي يتعيّن عليها فعله !؟؟
إنها حتى لا تتذكر “صفيّة”.. و ليس لها أيّ حق لتقحم نفسها بخصوصيات الغير هنا …
ماذا تفعل إذن !!؟؟
-أنا عايزة مااااامــي.. أنا عايـزة ماااامــي ..
استرعى عويل طفولي انتباه “سمر”.. و صوّبت ناظريها نحو مصدره.. فإذا بها ترى الطفلة “ديالا”.. تحاول الإفلات من قبضة مربيتها الآسيوية عبثًا.. و قد كانت منهارة من شدة البكاء …
هرولت “سمر” ناحيتها في الحال و أمسكت بيدها مبعدة إيّاها عن مربيتها قائلة:
-إيه في إيه ؟ديالا حبيبتي.. إيه يا قلبي بتعيطي ليه ؟
حد عمل لك حاجة ؟
تطلّعت الصغيرة لها بعيناها الجميلتان دون أن تكفّ عن ذرف الدموع و جاوبتها من بين بكائها:
-أنا عايزة مامي.. عايزة أروح لمامي ..
تحدّثت “سمر” إلى المربية بالانجليزية.. و عرفت منها بأن أوامر السيد “صالح البحيري” تلزمها بإبقاء الصغيرة معها حتى يأذن لها بإحضارها إليه لاحقًا ..
لوت “سمر” شفتيها بتبرمٍ و تأكد حدسها بأن خطبًا ما يحدث مع الأبوين.. و يبدو بأنه خطبًا جلل.. خطير !
سحبت “سمر” نفسًا عميقًا و دنت صوب الصغيرة.. مسحت على شعرها العسلي الناعم بحنوٍ قائلة:
-ديالا.. أنا هاوديكي بنفسي عند مامي.. بس الأول هاعمل حاجة صغيرة
لحد ما أخلص الحاجة دي دادة جيانا هاتاخدك لأوضة فريدة.. أقعدي ألعبي معاها شوية بس.. و أنا بنفسي هاجي أخدك لمامي وعد.. أوكي يا حبيبتي ؟
أومات لها الصغيرة مطيعة كلمتها.. و أمرت “سمر” المربية بأخذها إلى غرفة الصغيرة “فريدة” ..
و بقيت وحدها ثانيةً.. وقفت بمنتصف الردهة حائرة.. لا يزال بإمكانها سماع صوت الصراخ …
اضطربت من جديد و تلقائيًا دسّت يدها بجيب الفستان مستلّة هاتفها الخلوي.. بحثت سريعًا عن رقم زوجها و تأهبت لطلبه ..
لكنها توقفت فجأة ..داهمها شعور بأنها لا يتوّجب أن تطلبه هو.. ما العمل إذن !؟
**-انت أكيد تعبان من السفر.. ماكنش لازم أخرجك معايا و أتعبك زيادة !
استخف “مراد” بحساسية صديقه المفاجئة رادًا عليه فورًا:
-آه تصدق.. كنت لسا هاعلّق محاليل
ما تبطل خيابة ياض.. انا لو كنت اعرف إللي بتمر بيه كان زماني عندك من بدري.
جاء النادل في هذه اللحظة ليضع فنجانين من القهوة أمام كليهما.. ثم انصرف …
هبّت نسماتٍ منعشة حاملة عبير البحر المُسكِر.. ما بعث “عثمان البحيري” على شيئًا من الاسترخاء.. كان ممتنًا لوجود صديقه المقرّب الآن.. و صحبته إلى هذا المكان المفتوح حيث الهواء المنعش و الشمس المشارفة على الغروب …
رشف “عثمان” أول رشفة من فنجانه.. بينما يستطرد “مراد” بهدوء:
-أنا مش عايزك تقلق أوي على فريال هانم.. صدقني هاتبقى كويسة.. بس لازم تديها وقتها.. مش هاينفع خالص تروح لها إنهاردة.. سيبها تهدا يا عثمان عشان تقدر تواجهها.
وافقه “عثمان” بالصمت.. و صرف بصره تجاه البحر الممتد بلا نهاية …
عبث الهواء الشديد بشعره الكستنائي و ضيّق عينيه غريزيًا ليقيهما دفقات الرياح …
و لوهلةٍ تردد “مراد” قبل أن يطرح كلماته التالية.. لكنه ألقاها بغتةً:
-على فكرة أنا عارفها.. و شوفتها مع أبوك كتير !
ينظر إليه “عثمان” في هذه اللحظة و يسأله بجمودٍ:
-شوفت مين ؟
صارحه “مراد” على الفور:
-رحمة الطوبجي.. لما كنا في لندن زمان قبل ما أنزل لوحدي و أستقر هنا شوية
كنت بشوف أبوك ساعات لوحدي و ساعات مع أهلي.. و رحمة كانت بتبقى معاه.. في الشارع.. في المول.. في المطاعم الكبيرة.. و لما عرفها علينا أول مرة قال إنها مديرة أعماله في لندن.. بس أنا عمري ما تخيّلت إنها تكون مراته.. عمري ما كنت أصدق.. لأني كنت شايف و عارف حجم الحب إللي كان بين أنكل يحيى و فريال هانم.. بصراحة أنا مصدوم جدًا.
ارتسم تعبيرًا مريرًا على وجه “عثمان” و قال:
-أنا بعيش إحساس أكبر من الصدمة بتاعتك دي يا مراد.. من يوم ما عرفت
من يوم ما شفت شمس !
-صحيح.. لازم تهدى و تستحملني و تخلّيني أقدر اتفاهم معاكانت ليه معترض على علاقة رامز و أختك شمس ؟
بالعقل كده.. ممكن تفهمني ؟؟
زفر “عثمان” بضيق شديد.. لكنه تجلّد بالصبر أكثر.. نظر صامتًا إلى صديقه لبضع لحظاتٍ.. ثم مضى قائلًا بصوتٍ هادئ للغاية:
-أنا و انت و رامز صحاب من زمان أوي.. عملنا كل حاجة تقريبًا مع بعض
أول سجارة.. أول كاس.. حتى أول مرة في علاقة مع واحدة كنا سوا ..
بتر “عثمان” عبارته.. حين افلتت ضحكة صغيرة من فاه “مراد” تعقيبًا مطبنًا على افتراضات صديقه الخاطئة بشأنه …
أعتذر “مراد” مسرعًا و حثّه على تكملة كلامه.. فتخطّى “عثمان” الأمر و تابع:
-المهم.. رامز الأمير.. بصرف النظر عن الصياعة و السفالة إللي كنا فيها سوا
و كل أسراره إللي أنا بس عارفها.. كنت ممكن أوافق بيه.. لو كان جالي و طلب أختي بالأصول.. لكن رامز عرف إنها أختي.. و مع كده كمل و داس في سكته الشمال.. عرف إن شمس البحيري أخت عثمان البحيري.. و صمم يلعب بشرفي.. شرف صاحبه.. انت عرفت انه مضّاها على عقد عرفي ؟
جللت صدمة أخرى وجه “مراد” و رد على الفور:
-لأ صدقني.. لما كلمني ماقالش إنه عامل حاجة زي كده !!
ابتسم “عثمان” بتهكمٍ و قال:
-طبعًا مش هايقولك.. هايقول بس إللي على هواه.
أخذ “مراد” وقتًا ليستوعب ما سمعه.. و نظر ثانيةً إلى صديقه قائلًا بشيء من التردد:
-بس معلش يا عثمان سامحني في كلامي.. ما انت عملتها من قبلهانت اتجوزت سمر مراتك في الأول عرفي و حملت في ابنك قبل ما تكتب عليها رسمي.. ليه شايف رامز عمل جريمة كبيرة يعني ؟
-عشـان رامـز صـاحبــي !!! .. هدر “عثمان” بعنفٍ استقطب نحوه أنظار روّاد المكان
تلفت “مراد” حوله بحرجٍ و إلتزم الصمت.. ليكمل “عثمان” بخشونة:
-إللي أنا عملته مع سمر مايتقارنش أبدًا بعملة رامز معايا و مع أختي.. و إياك انت أو هو تلعبوا معايا بالكارت ده.. زي ما خسرته هاخسرك انت كمان يا مراد !!
تراجع “مراد” في الحال عن موقفه الدفاعي و هو يقول بلطفٍ جمّ:
-أنا مقصدش و لا يجي في بالي ألعب عليك انت بالذات أي لعبة يا عثمان.. انت مش صاحبي انت أخويا.. و قبل ما أتكلم قلت لك استحملني و احنا بنتفاهملكن خلاص.. اعتبرني ماقولتش حاجة.. أي كلام ممكن يضايقك مش هاقوله تاني.
يسكت الغضب عن “عثمان” تدريجيًا.. و يسترخى في مقعده من جديد مشعلًا سيجارة لينفس قليلًا عن عصبيته …
تريّث “مراد” حتى استشف اللحظة المناسبة لينهي هذا الحديث قائلًا:
-بس واجبي أقولك حاجة أخيرة.. حرّص من رامز الأمير
عشان زي ما انت عارفه انا كمان عارف إنه مش هايسكت.. صوته و هو بيكلمني كان صوت راجل محروق على واحدة بيحبها.. و انت عارف يا عثمان الراجل ممكن يعمل إيه عشان الواحدة إللي بيحبها !
علا رد “عثمان” صارمًا يزخر بالوعيد:
-أنا عايزه يجيب آخره.. عشان في دي فعلًا هاتكون نهايته
و على إيدي !!!
**لم تتوّرع “سمر” عن قرع باب الجناح بكل ما أوتيت من قوة ..
حتى عندما كفّ الصراخ لم تتراجع.. و أصرت أكثر على التدخل و السير وراء مشاعرها التي حتّمت عليها الخوض في غمار هذا الشأن …
إنفتح باب الغرفة فجأة.. ليظهر “صالح البحيري” من ورائه متآزرًا بروبٍ منزلي.. بدت عليه علائم الغضب الشديد و هو يهتف بوجه “سمر”:
-نعـم !!
أنا مش فاهم إيه الإلحاح ده ؟
محدش قالّك إن ده اسمه إزعاج.. عاوزة إيه يا سمر ؟؟
لم تهتز شعرة من “سمر” و هي تقف قبالته بثباتٍ قائلة:
-أنا جاية عايزة أشوف صافي.. بقالي مدة ماشوفتهاش و سمعت إنها وصلت.
صالح بحدة: صافي مش فاضية لك.. و لو سمحتي الحركة دي ماتتكررش تانياحنا مش عايشين في حارة.. انتي هنا قصر البحيري.
كانت “سمر” لترد عليه فورًا ردًا يليق بعنجهيته المستفزة.. إلا إن صوتًا آخر أصرف تفكيرها عن ذلك تمامًا …
-سمر !
كان هذا الصوت لـ”صفيّة”.. يناديها هي بالذات.. فمدت “سمر” عنقها جانبًا متمتة:
-صافي دي إللي بتنادي عليا ..
امتدت ذراع “صالح البحيري” تعترض طريق “سمر” لأيّ محاولة للدخول أو حتى استراق مجرد النظر …
نظرت “سمر” إليه بقوة و قالت بخفوتٍ مُهدد:
-ممكن توّسع من طريقي !؟
رد عليها “صالح” بتحذيرٍ ضمني:
-لأخر مرة بقولك بالذوق.. امشي !
-إلحقيني يا سمر !!
للمرة الثانية صوت “صفيّة” بات أوضح و استغاثتها لا يخطئها السمع …
ازدادت “سمر” اصرارًا على إصرارها و خاطبته بغلظة واثقة:
-أسمع يابن الذوات.. أنا متربية و عارفة حدود أدبي كويس.. بس فعلًا أنا اتولدت و عشت في حارة.. عايز تقلّ من نفسك اجبرني أقلب على الوش التاني و أوريك لايف تربية الحواري إللي جوايا.. و كمان جرّب توجه لي كلمة تانية ماتعجبنيشماتنساش أنا مين.. أنا سمر حفظي.. أنا مرات عثمان البحيري !
جمد “صالح البحيري” من شدة الغضب.. فأضافت “سمر” ملوّحة بهاتفها أمام عينيه المتقدتين:
-هاتوعى من وشي.. و لا أكلمهلك يجي يشوف إيه إللي بيحصل بنفسه ؟
لدقيقة كاملة.. لم يتزحزح “صالح” من مكانه.. لكنه فعل في الأخير.. و تنحى جانبًا تاركًا إيّاه تلج ..
و هو ما لم تتردد عليه لحظةً ..لكنها لم تستطع منع تلك الشهقة الفزعة التي تجاوزت حنجرتها.. ما إن دخلت و رأت هذا المشهد المروّع أمامها …
شقيقة زوجها.. عمّة ولديّها.. ترقد نصف عارية و مكبّلة اليدين في السرير.. و شعرها كله قد تناثر من حولها و كأن أحدهم أزاله بأبشع الطرق …
**يعد يومان ..صبيحة زفـاف “مايا عزام” !
رواية كرسي لا يتسع لسلطانك الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم مريم غريب
لقد مرّ يومان على الحادثة المشؤومة.
يومان ولا زال البيت هادئًا. هادئًا للغاية.
لكنها تعلم إن هذا الهدوء شكليًا فقط. إنها مرعوبة رغم ذلك، ولم تشعر خلال حياتها بهذا الحزن غير المحتمل إلا عندما دلفت إلى تلك الغرفة ورأت الحالة التي كانت عليها "صفيّة البحيري". لا تعرف من أين واتتها كل هذه الشجاعة في هذا الموقف، لكنها لم تشعر بالبطولة على كل حال، لأن الموقف بدا كارثيًا، وما تلاه كان الأكثر فداحة.
***
"خديني من هنا يا سمر!"
كانت أخر كلمات نطقتها "صفيّة البحيري" بصوتها الضحل قبل أن يُغشى عليها بغتةً.
بالكاد تمالكت "سمر" رباطة جأشها ومنعت صرخة فزع من بلوغ حنجرتها. في نفس اللحظة شعرت بخطوات "صالح البحيري" تقترب من ورائها.
استدارت نحوه واعترضت طريقه هاتفة بحزمٍ:
"إيـاك.. إيـاك تقرب لها سامع!؟"
صاح فيها بغضبٍ مستطير:
"اوعي من قـدامي يا سمـر.. انتي مالكيش أي صفة هنا. ابعدي من قدامي بدل ما ابعدك بطريقتي!"
سمر بتحدٍ:
"جرّب كده.. عشان بعد إللي حصل ده عثمان أكيد هايصدقني مش هيصدقك انت."
هكذا عجّزته. وقف ينظر تارةً لها وتارة نحو "صفيّة" بقلّة حيلة، ليقول بنبرةٍ معذّبة:
"دي مراتـي!!!"
سمر بصرامة و جلد تُحسد عليهما:
"محدش هايلمسها.. لا أنا و لا انت.. غير لما يجي أخوها!"
و لم تنتظر منه أيّ تعليق أو حتى رد. أستلّت هاتفها من جيب ثوبها و شرعت بالاتصال بزوجها. أجاب من ثالث صافرة. لم تخبره الأمر تفصيليًا على الهاتف، و إنما أوجزت و هي تعلمه بحالة شقيقته المتدهورة، و طلبت إليه أن يعود مسرعًا إلى البيت.
في هذه الأثناء اختفى "صالح البحيري" بالحمام الملحق بالغرفة، و خرج بعد برهة قصيرة و قد بدّل ثيابه. لم تمر دقائق أيضًا إلا و أتى "عثمان البحيري". سبقه صوته الجهوري و يأمر صديقه بالخارج:
"خليك هنا يا مراد.. لما الدكتور يوصل دخّله."
يلج أخيـرًا لاهث الأنفاس، و تهبط الصدمة على رأسه كصاعقة فور أن يرى شقيقته على حالٍ لم يخيّله البتّة.
"صافـي!!!" تمتم "عثمان" مصدومًا، و هرول إليها فورًا. أول شيء فعله أن فك وثاق معصميّها و هو يخاطب زوجته في نفس اللحظة:
"إزاي تسيبيها كده يا سمر؟ مين إللـي عمل فيها كده أصـلًا؟"
كانت صدمته تتضاعف بقسوة كلّما تحقق من حالتها، و خاصةً شعرها الذي تناثر من حولها. شعرها الطويل المميّز. لقد تم قصّه و إزالته بيدٍ حاقدة.
يرفع "عثمان" بصره نحو زوجته مطالبًا بأجوبة على أسئلته. لم ترد "سمر"، لكن اكتفت برمي نظرة إتهامية مطوّلة صوب "صالح". تبع "عثمان" نظراتها، ليستقر ناظريه على ابن عمه، و يملؤه خليط من الذهول و الغضب الشديد، و لعل شيء من الاستنكار. فهو يعلم إلى أيّ مدى يعشق "صالح" شقيقته منذ نعومة أظافرها، و لم يسبق أن رفع يده عليها مطلقًا، فكيف بحق الله يفعل بها كل هذا!!!؟
لم تتسنّى له الفرصة ليأتي بأيّ ردة فعلٍ. وصل الطبيب. أدخله "مراد" دون أن يحاول الظهور حتى قرب أعتاب الغرفة مراعيًا خصوصية و حساسية الوضع برمته. و هنا أقبلت "سمر" حاملة روبًا لشقيقة زوجها. تركها "عثمان" لتستر عورة أخته و تراجع عنهما مشيحًا ببصره. واصل "صالح" التهرّب من عينيّ ابن عمه، و ظل مركّزًا نظراته نحو زوجته.
جرى الفحص في الحال و قد كان طبيب العائلة متوترًا، صامتًا و كأن صدمته لا تقل شيئًا عن الجميع هنا. بدا الأسف و الحزن الشديد على ملامحه بمرور الوقت. حتى فرغ من فحصه الدقيق و إلتفت موجّهًا حديثه إلى "عثمان البحيري" وحده:
"عثمان بيه حالة مدام صفيّة مش مستقرة، لازم تتنقل المستشفى دلوقتي حالًا. في نزيف لازم يوقف!"
و ألقى ذات نظرة الإتهام صوب "صالح البحيري". بينما ردد "عثمان" مشدوهًا:
"نزيف! أختي أنا!؟"
لم يكن "عثمان" بحاجة إلى مزيدًا من الشرح. فهم كل شيء. لكنه لم يريد أن يصدق بأن هذا حقًا صار لأخته.
استدار "عثمان" ليواجه "صالح" الآن. كان جسمه كله يرتعش من فرط الغضب، و كان قاب قوسين أو أدنى من فقدان صوابه عليه، لو لا جاءت "سمر" و وقفت بجواره متمسكة بذراعه و هي تقول بصوتٍ حازم:
"عثمان.. صفيّة لازم تتنقل المستشفى. مافيش وقت!"
و نفذت كلمتها. أرجأ "عثمان" المواجهة لوقتٍ لاحق، ليطمئن على شقيقته أولًا، ثم لكل حادثٍ حديث. حملها على ذراعيه إلى سيارته لضيق الوقت. لم يطلب سيارة إسعاف حتى. رافقتهما "سمر"، بينما "مراد" أخذ "صالح" معه في سيارته الخاصّة.
"عنف جنسي!"
جواب واضح و صريح نطقه الطبيب المختّص. ما إن سمعه "مراد" حتى انسحب للخلف تاركًا أفراد العائلة مع الطبيب على حدة تمامًا. بينما لم يتفاجأ "عثمان". فقد أدرك منذ الوهلة الأولى، و لكن الصدمة أعمته مؤقتًا.
"صافي كويسة يا دكتور!!؟" تساءل "عثمان" بقلقٍ حاد.
طمأنه الطبيب بهدوء:
"أطمن يا عثمان بيه.. مدام صفيّة هاتبقى كويسة جدًا. لكن هاتفضل تحت الملاحظة شوية و هاتستنى معانا لحد بكرة.. ماتقلقش.. مافيش حاجة خطيرة بس عشان نطمن عليها خالص."
و تريّث لثوانٍ، ثم سأله ضمنيًا:
"تحب نقوم بأي إجراءات تانية؟"
مرةً أخرى يدرك "عثمان" لأول وهلة مقصد الطبيب. فهو يستوضحه بمواربة إن كان يود تحرير محضر قانوني ضد زوج شقيقته. إلا إن "عثمان" نفى بصرامة:
"احنا تمام يا دكتور.. ما دامت أختي كويسة و بخير. أي حاجة تانية أنا هقدر أحلّها بنفسي.. شكرًا على تعبك معانا."
"العفو لا شكر على واجب.. طيب أنا هستأذن دلوقتي عشان عندي استدعاء. بعد أذنك."
و أنصرف الطبيب الآن، و قد خلت قاعة كبار الزوّار تمامًا إلا من أفراد العائلة، و صديق "عثمان البحيري" المقرّب. يستدير "عثمان" فجأةً مصوّبًا قبضته المتكوّرة إلى وجه ابن عمه. دوت صرخة "سمر" الفزعة للحظة قبل أن تكمّ فاها بكفّيها. بوغت "صالح البحيري" و لم يتخذ أيّ وضعٍ دفاعي. أنفجر أنفه نازفًا في الحال، و كان "عثمان" أسرع و أشرس من أن يردعه أحد. أرقده فوق الأرض الرخامية و برك فوقه يكيل له اللكمات بعنفٍ شديد.
"كفاية يا عثمان!!!"
تداخل صوت "مراد" بالمشهد و هو يحاول درء صديقه عن قتل "صالح" إذ بدا مستعدًا لإزهاق روحه. صاح "عثمان" بضراوة دون أن يُفلت ابن عمه قيد أنملة:
"سيبني يا مراد.. سيبني لازم أدفعه التمن. الحيوان.. إزاااي اتجرأت و عملت فيها كده؟ انت نسيت نفسك يابن رفعت.. نسيت إللي عملت فيها كل ده تبقى ميــن؟ ده أنا هاقتلك يالا!!!!"
بصعوبة تمكن "مراد" من سحب "عثمان" من ظهره و الفصال بينه و بين "صالح". بقي "مراد" ممسكًا به بينما يتوّعد "عثمان" بأغلظ الآيمان:
"و عزة الله لا تندم يا صالح.. صفيّة دي مش هاتشوف ضفرها تاني.. أبوها مات.. بس أنا لسا عايش و هاوريك إللي عمرك ما تخيّلت ان أنا اعمله فيك."
"أختك خاينة!" نطق "صالح" بشقّ الأنفس و هو ينهض واقفًا بأعجوبة.
حملق فيه "عثمان" بقوة هادرًا و هو يحاول الإفلات من "مراد" الذي أبقى عليه باستماتة:
"انت بتقول إيـه ياض؟ انت اتجننت؟"
جاوبه "صالح" و هو ينزح الدماء المنداحة من شفته و حاجبه في كمّ قميصه الناصع:
"إللي سمعته يابن عمي.. أختك عايزة تطلق مني منغير سبب.. و لما سألتها في حد تاني في حياتك ماردتش.. و لا حتى أنكرت.. أختك خاينة يا عثمان!!"
***
عادت "سمر حفظي" من الذكرى مستجيبة لصوت ابنها.
"ماما!"
تنظر إليه "سمر". ابنها الرائع، الوسيم مثل أبيه تمامًا. إنه يجلس بجوارها فوق سريرها، السرير الذي تشاطر زوجها إيّاه. ابتسم لها "يحيى" فابتسمت تلقائيًا، و أحسّت بالثقل يغادر صدرها بالتدريج. الحزن يتبدد برؤيته و لم تعد خائفة من المجهول.
"حبيبي!" تمتمت "سمر" و هي ترفع كفّها ممسدة على وجهه برقة.
يحيى بوداعة:
"أنا آسف اني دخلت من غير ما تأذني ليا.. كنت بخبط كتير و لما ماردتيش قلقت عليكي.. انتي كويسة؟"
هزت رأسها نفيًا و لكن دون أن تتخلّى عن ابتسامتها و قالت:
"بس لما شوفتك بقيت كويسة.. كنت جاي عاوزني في حاجة؟"
أومأ لها قائلًا:
"أيوة.. كنت جاي أسألك عن فريال هانم و عمتي صافي. انا سمعت إنهم رجعوا.. بس دوّرت عليهم في القصر كله و مش لاقيهم.. هما فين؟"
تنهدت "سمر" و جاوبته بصبر:
"فريال هانم وصلت من يومين بس راحت مشوار."
"مشوار إيه!؟"
"أنا ماعرفش.. بس ممكن تسأل باباك هو عارف!" و أكملت بشيء من التحفظ:
"عمتك صافي موجودة في القصر.. لكن مش هاتلاقيها في جناحها."
لمعت عينيّ الصبي و هو يقول:
"طيب قوليلي فينها عشان أروح أشوفها.. صافي وحشاني أوي."
سمر بلطف:
"مش هقدر أقولك يا حبيبي.. باباك مانع حد يروح عندها."
يحيى بدهشة:
"ليه؟"
اختلقت "سمر" كذبة بيضاء في الحال:
"أصلها تعبانة.. رجعت من السفر تعبانة شوية و باباك طلب لها الدكتور.. بقولك يا يحيى.. اوعى تقول لديالا ان مامتها هنا.. احنا ما صدقنا تهدا شوية و تبطل عياط."
هز "يحيى" رأسه للجانبين متمتمًا:
"مش هقول حاجة.. ماتقلقيش يا ماما. طيب بابا فين دلوقتي؟"
***
ينهي "عثمان البحيري" المكالمة الهامّة مشددًا على محدّثه:
"مش هقبل أعذار يا فارس.. مستنيك زي إنهاردة الأسبوع الجاي.. لو ماجتش الحفلة أول واحد اعتبر العقد إللي بينا لاغي."
و ضحك بانطلاقٍ. ثم اختتم الحوار معه بوداعٍ لبق و أغلق الخط طاردًا نهدة مشحونة من صدره. لقد سأم من التظاهر بأنه بخير و أن كل شيء على ما يرام. و لا يُصدق بأن النوائب لا تأتي فرادى حقًا. معضلة أخته "شمس" مع "رامز" من جهة، ذهاب أمه من جهة، و أخيرًا الكارثة التي ألمّت بشقيقته من جهة أخرى، و قد كانت الأشد وطأةً على قلبه.
يسحب "عثمان" نفسًا عميقًا عبر النافذة المفتوحة، ثم يزفره على مهلٍ مثبًا بصره على سماء النهار الصافية. ليستدير فجأةً ناظرًا تجاه شقيقته. كانت "صفيّة البحيري" تجلس في سريرها، ضامّة وسادةً صغيرها إلى صدرها، تكاد تخفي بها وجهها الذي أسدلت عليه خصلة أمامية طويلة كانت الناجية من بطش و جنون زوجها في ذلك اليوم.
سار "عثمان" ناحيتها بتوأدة. شد كرسي في طريقه و جلس قبالتها مستهلًا حديثه بهدوءٍ متكلّف:
"أظن كفاية سكوت بقى.. و لا إيه؟ لازم نتكلم يا صفيّة."
ردت "صفيّة" بصوتٍ خالٍ من الحياة:
"ماعنديش كلام أقول يا عثمان!"
عثمان بحدة:
"إزاي.. لأ عندك طبعً. ده بكلمة واحدة منك ردة فعلي واقفة.. أنا هادفّع صالح التمن غالي أوي على كل كلمة قالها عنك.. و كل تصرّف عمله فيكي.. بس قوليلي.. اتكلمي يا صافي!!"
كررت "صفيّة" بذات اللهجة:
"مافيش كلام يتقال!"
يخرج "عثمان" عن طوره في هذه اللحظة صائحًا و قد برزت أوردته:
"يعني إيــه؟ إللي قاله صح؟ ما لو ماسمعتش منك إنكار على كلامه هاتبقي فعلًا زي ما قال."
و هب من مكانه فجأة مجفلًا إيّاها. قبض على ذراعها بقوة آلمتها و أجبرها على النظر إليه مغمغمًا:
"إنطقي يا صافي.. إللي قاله صالح صح و لا غلط؟ إنطقي و قوليلي.. انتي فعلًا تعرفي عليه راجل تاني؟ إنـطـقــــــــــــــــــــــــــــي …"
كانت لتخاف منه لأول مرة بحياتها. و لكنها خاضت مواقف لم يعد قلبها يرتعد لشيء من بعدها. كل ما فعله صراخه بها أن أسال دموعها، و خنق صوتها بغصّةٍ مريرة و هي تقول بصعوبة:
"أنا ماخونتش صالح.. و ماعرفش راجل عليه.. و مستعدة أحلف لك على كده يا عثمان."
سكت عنه الغضب نوعًا ما و قد أراحه جوابها. سألها بصوتٍ أجش مخففًا قبضته على ذراعها:
"أومال طلبتي الطلاق منه ليه؟ و سبتيه يعمل فيكي كل ده ليه؟ ليه مأنكرتيش كلامه ليه سكتي؟"
غمرت الدموع خديّها الحمراوان و هي ترد منتحبة:
"عشان أسبابي ماينفعش تتقال.. مش هقدر أقولّه و لا أقولك و لا أقول لأي حد. أنا وعدت مامي!"
أُخذ "عثمان" على حين غرّة. لم توقع هذا، و سألها فورًا:
"فريال هانم! إيه علاقتها بطلاقك من صالح!؟"
هزت رأسها مفلتة بعض الشهقات من فاها قائلة:
"روح لها و أسألها.. أنا مش هافتح بؤي.. مش هقول حاجة.. مش هقول أي حاجة." و بقيت تردد آخر كلماتها لبرهةٍ.
يتركها "عثمان" الآن متراجعًا إلى كرسيه. شحب وجهه مدركًا فداحة الأمر الذي يجهل تفاصيله. إن أسباب "صفيّة" للطلاق تتعلّق بأمه إذن. و لكن لماذا؟ و ما علاقة "صالح البحيري" بأمه في هذا الشأن؟ آلاف التساؤلات، أسوأ الافتراضات، و لا يتمنى ألا يعلم. لكنه سيعلم. لن يكون "عثمان البحيري" إن لم يعلم!!!!
رواية كرسي لا يتسع لسلطانك الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم مريم غريب
قبل أربع سنوات …
حي الزمالك / القاهرة
مطلع أمسية قارصة البرودة من شهر تشرين الثاني / نوفمبر 2024
في أحد أفخم المطاعم الشهيرة بالضاحية الراقية العريقة.. يقوم “رامز الأمير” عن الطاولة التي سبق و حجزها قبل يومان.
ما إن رآى حبيبته.. زوجته الرائعة تلج عبر الباب المزدوج برفقة أمها التي تماثلها روعةً.
كان يرتدي الملابس الرسمية تلبيةً لرغبة “شمس” التي نوّهت عليه حتمية ظهوره في أحسن صورة أمام أمها.. فكما قالت الانطباع الأول يدوم للأبد.
ابتسم عندما رآها تبتسم له برضا مثنية بنظراتها على اختياره المنمّق.
بذلة أنيقة سوداء.. محلولة الأزرار العلوية لتبرز قلائده الذهبية المميزة.
تصفيفة شعره الطويل أعجبتها.
و قد مشّطه كله للوراء جامعًا إيّاه في رباطٍ مطّاطي داكن.
الآن كان وجهه الوسيم أكثر وضوحًا.
و عيناه الزرقاوان تذيبانها حتى النخاع.
“أهلًا أهلًا أهلًا!” هتف “رامز” باحتفاءً ماضيًا للأمام ليستقبل الأم و ابنته.
توّجه صوب “رحمة” أولًا.
عمد على الفور إلى تلبّس شخصيته اللعوب.
تناول يدها مبقيًا على مسافةٍ بسيطة بينهما.
يشملها بنظرة فاحصة مليئة بالإعجاب و هو يقول:
“أنا عمري ما تخيّلت كده.. الصور ظلمتك حقيقي.
أمك طلعت أحلى منك بكتير يا شمس!”
و ضحك مشاكسًا و هو ينحني ليقبّل يد “رحمة” برقي.
ضحكت “رحمة” بدورها و نظرت إلى ابنتها بتفكّه قائلة:
“ميرسي أوي يا رامز.. انت شكلك شاطر فعلًا في المجاملات زي ما قالت لي شمس.”
تأملها “رامز” في ثوبها البرّاق القصير متعدد الألوان القاتمة.
و قال:
“انتي ممكن تسألي أي حد في المكان ممكن يخمن علاقتك بشمس.. إستحالة حد يفكر انك أمها.. انتوا اخوات مش اكتر.”
أحمرّ خديّ “رحمة” لإطرائه و شكرته ثانيةً.
ليشد لها “رامز” كرسي و يجلسها.
ثم يتحوّل نحو “شمس”.
يرمقها بنظرات عشقٍ خالصة.
يعجبه إنها تلتزم بأوامره و تحتشم في لباسها.
و لكن حتى في هذا الثوب المغلق المنسوج من القطيفة الزيتوني تبدو فاتنة.
فاتنة جدًا و قد حددت تفاصيل جسمها.
لعل هذا فقط ما أثار حفيظته الآن تجاه اختيارها شيء يظهرها مثيرة أكثر ممّا هي عليه أصلًا.
لم يشأ “رامز” إفساد الأمسية و ترك أيّ انطباع سيئ لدى أمها.
فتخطّى هذه التفصيلة و مد يده آخذًا بيد “شمس” و هو يقول بتمتمة خفيضة:
“وحشتيني.. يومين بحالهم ماشوفتكيش!
ده انتي ليلتك مش هاتعدي!”
و اقتربت منها ليقبّلها على خدّها.
ضحكت “شمس” بخفوت هامسة في أذنه:
“بس اسكت.. مامي تسمعك.. اصبر شوية و هانتكلم زي ما انت عايز.
و بليز خليك هادي و جنتل مان معاها.. عشان خاطري خلّي بالك أكيد هاتختبرك.”
تنهد “رامز” و هو يومئ لها بصبرٍ.
شد لها كرسي بالقرب منه.
ثم جلس بمكانه راسمًا ابتسامةٍ واثقة على محيّاه الوسيم و قال مخاطبًا “رحمة”:
“لو كنت شوفتك الأول أكيد كنت وقعت في حبك انتي.. انتي إزاي سنجل أصلًا يا رحمة؟
تسمحي لي أرفع الألقاب من أولها و أندهلك باسمك؟”
رحمة بابتسامة حلوة:
“ماظنش إنك أكبر مني بكتير يا رامز!”
رامز بتسلية:
“تديني كام سنة؟”
رحمة بتفكير سريع:
“ممم 33.. 34 حاجة في الرينج ده.”
“-بالظبط 34.. انتي بقى مادكيش أكتر من 30.”
قهقت “رحمة” بأنوثة لم يتعجّب منها “رامز” لأنه سبق و اختبر نسختها مع “شمس”.
جاوبته من بين ضحكاتها اللطيفة:
“لأ مش أوي كده.. أنا تمّيت 42 سنة الشهر إللي فات.”
“-لا بجد.. مش باين عليكي خالص.
انتي ملكة جمال.”
و جاء النادل في هذه اللحظة.
مرر إليهما نسخ من قائمة الطعام و الشراب.
تركت “شمس” اختيار وجبتها و كذا مشروبها لـ”رامز”.
فاختار لكليهما بسرعة:
“أنا و شمس هاناخد سكالوب ناتير.. و جريك سالاد.”
و أعاد القائمة إلى النادل الذي بقى ينتظر طلب “رحمة” التي شملت القائمة بنظرات أبية مستخفة و كأنها مضطرة على الاختيار.
ندت عنها نهدة عميقة و قالت في الأخير و هي تطوي القائمة و تناولها للنادل:
“أنا هاخد ستك مشروم صوص ميديام ول.. و ماش بوتيتو.”
تساءل النادل بتهذيبٍ جمّ:
“تؤمروا بحاجة تانية؟”
رحمة بلهجةٍ متكاسلة:
“هات لي الأول توفي نت صودا.”
هز النادل برأسه آسفًا و قال:
“للأسف يافندم المشروب ده مش موجود عندنا!”
رفعت “رحمة” حاجبها مرددة بخيبة منتقصة:
“فعلًا مش موجود؟
المفروض التقييمات بتاعتكوا عالية.. إزاي مش بتوفروا كل الطلبات!؟”
و هزت كتفاها بأناقة مشيحة بوجهها بعيدًا.
تبادل “رامز” مع “شمس” نظرة مستنكرة و تطلّع إلى النادل قائلًا بلهجة مُلطفة:
“ممكن تجيب عصير تفاح.. مش كده يا شمس بتحبي التفاح؟”
أومأت له “شمس” قائلة:
“أيوة هات لي تفاح.”
و انصرف النادل مسرعًا من أمام “رحمة”.
امتقع وجه “رامز” قليلًا و رشق “شمس” بنظرة تكنف شيء من العصبية الدفينة.
استعطفته بنظراتها و توسلته بصمتٍ فتذرع بقليل من الصبر و جرّ “رحمة” إلى الحديث مجددًا:
“على فكرة يا رحمة ده أحسن مطعم في القاهرة كلها.. و زي ما قولتي واخد تقييمات عالية.. صاحب المكان صاحبي أصلًا.. مش قصدهم يقصروا طبعًا بس لو عندك أي ملاحظات قوليلي و أنا بنفسي هاوصلها.”
عاودت “رحمة” النظر إليه قائلة بلهجة أكثر مرونة:
“ماعنديش أي ملاحظات يا رامز.. المكان ظريف فعلًا.
ممكن بس ناقصه الخبرة لكن هو مميز.”
تدخلت “شمس” الآن:
“بس أكيد مش زي مكانك.. أنا قلت لرامز على شغلك و هو عارف إنك صاحبة أكبر مطاعم في لندن.”
رامز مبتسمًا:
“أيوة حصل قالت لي.. بس ماتكلمناش في تفاصيل.
أكيد لما أزورك هناك لازم أجي المطعم و أشوفه بنفسي.”
“-تنور! .. ثم سألته بغتةً:
-انت شغّال إيه يا رامز؟”
لم يرد عليها فورًا.
نظر بثباتٍ إلى عينيها الماكرتان.
ثم قال بهدوء:
“أنا عندي شركة استيراد و تصدير بمتلكها و بديرها بنفسي.”
“-و ياترى بتصدر و بتستورد إيه؟”
“-أي حاجة تخطر على بالك.. بصدرها.. و بستوردها! .. و أردف بذات مكر الثعالب:
-و أطمني.. شغلي كله في السليم.. و سمعتي سابقاني.
ممكن تسألي عليا لو تحبي.”
رحمة بنظرة تقييمية:
“انت شاطر أوي عشان تكون صاحب شركة في السن الصغير ده.. و كمان عربيتكو البيت.. و المزرعة.. شمس قالت لي ان عندك مزرعة كبيرة.”
“-آه فعلًا.. عندي مزرعة في سقّارة.. مساحتها 20 فدّان.”
“-أكيد بتستغلها في شغلك في التصدير صح؟”
“-لأ.. المزرعة من متعلّقاتي الشخصية.. ورثتها عن أبويا و مش فاتحها للشغل.
إن شاء الله تيجي تزوريها قريب.. أنا واثق إنها هاتعجبك.”
و نظر إلى “شمس” المتوترة بطريقة توحي بقرب نفاذ صبره.
لو لا أن لانت “رحمة” و هي تقول برقة مفرطة:
“أكيد.. إن شاء الله.. انت شخص Unique “فريد” جدًا.”
أُخذ “رامز” بالاطراء المفاجئ.
و رمش بأجفانه متمتمًا بابتسامته الجذابة:
“Thank You!”
***
“إيه رأيك في رامز يا مامي؟”
بقى سؤال “شمس البحيري” معلّقًا في الهواء للحظاتٍ.
بينما كانت أمها.. “رحمة جابر” تقود السيارة المستأجرة طوال مدة مكوثها بالقاهرة.
ردت عليها بفتورٍ شديد:
“مش بطّال يا شمس.. بس لسا طبعًا ماكونتش نظرتي عنه.
صعب تقيّمي شخص من أول مقابلة.. و ده مش أي شخص.. ده عايز يتجوز بنتي.. بنتي الوحيدة.”
و حانت منها نظرة خاطفة ذات مغزى نحوها.
زمت “شمس” فمها و هي تقول بضجر:
“يا مامي رامز مش محتاج تقييم أصلًا.. أديكي شوفتي انه شخص محترم و عنده البزنس بتاعه و مستواه ممتاز جدًا.. و فوق كل ده.. أنا بحبه!”
رحمة بهدوء:
“طيب فهمت.. عرفت انك بتحبيه و أنا مش معترضة.
بس من حقي أطمن عليكي.. انتي مستعجلة ليه؟”
“-مش أنا إللي مستعجلة.. رامز من وجهة نظره اننا طوّلنا في فترة التعارف و بصراحة عنده حق.. احنا بقالنا اكتر من سنة و هو على الأقل عايز يخطبني شهر أو شهرين أيًا كانت المدة إللي انتي قاعداها هنا في مصر عشان نتجوز قبل ما تسافري.”
“-طيب و لما هو عايز يخطبك ماقالش ليه؟
ما انا كنت قصاده من شوية!”
تأففت “شمس” بضيق معقّبة:
“أنا إللي طلبت منه يصبر.. كنت عايزة اول مرة تتقابلوا مانتكلمش في أي حاجة رسمية.
أنا غلطانة يعني لما قصدت تتعرفي عليه كويس قبل ما يتكلم معاكي على الجواز!؟”
هدأتها “رحمة” بلطفٍ:
“خلاص اهدي يا شمس.. مالك عصبية كده ليه؟
يا حبيبتي أنا ماليش في الدنيا غيرك.. و سعادتك أهم حاجة في حياتي.. أكيد أنا عايزاكي تحبي و تتجوزي و تعملي عيلة ناجحة و مستقرة و سعيدة.. عشان كده مش مستعجلة زيك.. حبك للراجل ده قالقني عليكي.. ف محتاجة شوية وقت عشان أطمن مش أكتر.”
“-إيه قلقك منه بس!؟؟”
لم تستطع “رحمة” إيجاد وصف دقيق لمشاعرها الغريزية كأم قلقة على صغيرتها.
تنهدت بحيرة كبيرة.
لكنها قالت أخيرًا باستسلام:
“أوكي يا شمس.. أنا موافقة على الخطوبة.
خليه يجي يكلمني بكرة.. و إن شاء الله.. يارب يا حبيبتي يكون خير ليكي!”
تصايحت “شمس” ضاحكة من شدة الفرحة.
و أخذت تحتضن أمها و تقبّلها بحرصٍ لئلا تفقد السيطرة على المقود.
ابتسمت “رحمة” مجاملة و من داخلها لا تزال قلقة.
لكنها لن تكسر أبدًا فرحة ابنتها.
و ستعطي هذا الرجل فرصة.
لعله حقًا جديرًا بها.
***
لمحات.. ومضاتٍ خاطفة..
هذا كل ما كانت تراه بكثرة خلال الأيام القليلة الماضية.
و حتى اللحظة.. سواء أكانت نائمة أو واعية.
رؤى متقطّعة.
من مواقف عاشتها بالماضي القريب.
رؤى مصيرية.
غرامية.
حميمية.
و أخرى كارثية!!!
لم يكن أيٌّ منها مكتمل الأوجه.
لكنها في كل مرة كانت تتأكد من حقيقتها.
حقيقة زواجها من “عثمان البحيري”.
لقد تزوجته.
أحبته.
أنجبت له طفلين.
و حدثت أشياء كثيرة بينهما لا زال عصيًا عليها تذكرها كلها.
لكن القليل منها جعل حياتها أكثر سهولة عن السابق.
لدرجة إنها استيقظت اليوم بنشاطٍ و نزلت إلى قسم الخدمات بالقصر.
و ها هي تقف وسط طاقم المطبخ.
تشرف بنفسها على تحضير أطباق الغداء.
“-انتي هنا بجد يا سمر!؟”
ذبذبات كهربائية مسّت عروقها ما إن صدح صوته الرخيم بالأجواء يعبّر عن دهشته.
استدارت “سمر” على الفور.
لتراه واقفًا على بُعد خطوتين منها.
وسيمًا.
أنيقًا في ثياب قاتمة عززت لون بشرته الفريد.
و شعره الكستنائي الناعم مصففًا و لامعًا.
هذا الرجل الذي يكون بالفعل زوجها.
“عثمان البحيري” بذاته.
حضوره مهيب.
نظيف.
كل شعره منه تنطق بالارستقراطية و الرقي.
“-أنا ماصدقتش لما قالولي سمر نزلت المطبخ!”
استطرد “عثمان” و ذات التعبير غير المصدق على وجهها.
قترب منها الخطوتين ليكون أمامها مباشرةً.
قريبًا إلى حد التلامس لكنهما لا يتلامسا.
أجفلت “سمر” باضطرابٍ و قد انعقد لسانها.
فما زالت الذكريات الشحيحة نابضة برأسها تربكها و تحيّرها أكثر و أكثر.
برزت مدبرة القصر في هذه اللحظة قائلة:
“أنا غلبت أقول لمدام سمر تريح نفسها خالص و احنا بنقوم باللازم.. مش كالعادة ماسمعتش كلامي و مصممة تساعدنا كمان في الطبخ.. اتصرف بقى يا عثمان بيه.”
نظر “عثمان” نحو السيدة “إيفون” كبيرة الخدم.
و قال بهدوء:
“ما انتي عارفة يا إيفون.. أنا مابقدرش آثر على سمر في الحاجات دي ..و مال على أذن زوجته مكملًا بهمس:
-بأثر في حاجات تانية!”
أطرقت برأسها مستحية من إيحاءاته الجريئة الصحيحة للغاية.
و حمدت الله أنه أخذ بيدها و شدها متمتمًا:
“تعالي معايا.”
لم تضطر إلى موجهة طاقم الخدم و هي على هذه الحال الخجلة.
سارت ورائه لا ترى سواه.
حتى أفضى بهما السير أخيرًا إلى إحدى الغرف الجانبية بالطابق السفلي.
غرفة صغيرة نوعًا ما.
لكنها مؤثثة بفخامة كدأب كل ركنٍ بهذا القصر.
و أيضًا نظيفة جدًا و كأن أحدهم يسكنها بالفعل.
شهقت “سمر” حين وجدت نفسها بدون مقدمات فوق السرير الصغير مقيّدة بجسد زوجها.
معتزمًا أمرًا تعرفه جيدًا.
و قبل أن يتطوّر الأمر الذي تطوّر أسرع ممّا توقعت بالفعل هتفت بصعوبة من بين قبلاته الشغوفة:
“عثمان!!”
أبدى إنزعاجًا فوريًا و هو يقول موبخًا إيّاها:
“ششش.. ماسمعش صوتك.. بطلي دلع بقى أنا عارف انك مشتاقة ليا أكتر ما انا مشتاق لك.. انا مش فاهم ازاي بتقدري تبعدي عني بالأيام كده.. مش قادر افهم ازاي.”
كان محق.
و هي بالفعل تشتاق إليه.
و تشعر بانجذاب أكبر نحوه بالفترة الأخيرة.
لكن لا زال هناك حاجزٌ ما.
لا تعرف كيف تتخطاه.
“-في ضيوف عندنا و معاد الغدا قرب!”
تعللت “سمر” علّه يتخلّى عن تصميمه.
لكنه جاوبها في الحال:
“لسا شوية على معاد الغدا.. و بعدين أنا مش مستني الغدا زيك.
معشان انتي الغدا يا سمر.. انتي و بس!!”
و سكتت عن الكلام تحت إصراره.
الكلام فقط.
لأن في حضوره.
في هذا الوضع الخاص كل مرة لا يمكنها أن تصمت تمامًا.
و هو أيضًا.
لا يحبها أن تصمت.
***
صباح مشرق بعد ليلة رهيبة من الكوابيس.
صباح يوم العرس.
و هي.. “مايا عزام”.. العروس المرتقبة.
كانت تجلس بغرفتها.
بعد أن أخذت حمام العروس.
تتأمل فستان الزفاف المغلّف و المعلّق قبالتها أمام الخزانة.
بعد ساعاتٍ قليلة سيتم عقد قرانها على “نبيل الألفي”.
بعد ساعاتٍ قليلة ستنتقل إلى منزله.
ستغدو زوجته.
و سيعاملها على هذا الأساس.
يقشعّر بدنها من الفكرة بنفس اللحظة.
ترد منه رسالة جديدة على تطبيق “واتساب”.
الهاتف لا يزال في يدها.
فتضيئ الشاشة لتقرأ السطر التالي:
“حمام الهنا يا عروسة.. بس لما أكلمك بعد كده تبقي تردي عليا.. أحسنلك!”
اتسعت عيناها برعب و تصلّب جزعها.
أخذت تتلفت حولها و نظرت نحو الباب الغرفة.
إنه موصد.
كيف علم بأنها فرغت للتو من الاستحمام!!؟؟
لم تكاد تعثر على إجابة.
وردتها رسالةٍ أخرى منه.
ففتحتها بسرعة لتقرأ:
“ماتتخضيش أوي كده.. انتي عروسة و طبيعي تاخدي حمام العرايس.. أنا كمان لسا واخد حمام العريس!”
الحقير!!!
كزّت “مايا” على أسنانها بغضبٍ جمّ و هبّت واقفة بغتةً.
أرادت أن ترمي بالهاتف عرض الحائط.
لكنه صدح معلنًا مكالمة واردة.
جمدت لثوانٍ تحدق باسمه بحقدٍ شديد.
ثم حسمت أمرها و ردت عليه:
“مش مستغربة وساختك!!”
انبعث صوته هادئًا متكاسلًا:
“الحال من بعضه يا حياتي.. انا أول ما عرفتك ماكنتيش تقية أوي يعني.”
مايا بغلظة:
“انت مالكش لازمة يا نبيل.. سامعني؟
و مافيش حاجة ممكن تتم لو أنا مش عايزة.. ببساطة جدًا ممكن أمشي دلوقتي حالًا و محدش فيكوا يقدر يمنعني.”
نبيل ببرود:
“طيب جرّبي كده.. عشان أكسرّلك رجليكي الحلوين يا طاهرة.”
طعنها نعته الأخير و استشاطت غضبًا و هي تغمغم من بين أسنانها:
“بكلمة واحدة مني هاهد الليلة كلها على دماغك.. أبويا إللي فرحان بيك أوي يشوف هايعمل فيك إيه لو عرف إللي عملته فيا.. يا حيوان.”
لم يبدو عليه أيّ تأثر بتهديها و قال ببساطة:
“مش هايعمل أي حاجة يا مايا.. خصوصا لو قلت له أد إيه انتي شجعتيني و رميتي نفسك عليا.. لحد ما عرفت بنفسي ان أنا أول راجل في حياتك.. مش وليد!”
فارت الدماء بعروقها لوقاحته و مكره الأرعن.
كيف إنه يُخطط لكل شيء.
كيف إنه رجلٌ وضيع آمنه أبيها على حياته و بيته و عمله!!!
أردف “نبيل” بلهجته العملية المستفزة:
“هكون في نظر حسين راجل بيصلح غلطته.. غلطة بنته في الأصل.
بنته إللي لازمها راجل يحكمها كويس و يسيطر عليها.. و انتي ماتعرفيش يا مايا أد إيه أنا متحمس عشان أوصل للحظة دي.. لحظة ما تبقي مراتي رسمي.”
ضغطت شفتاها معًا بقوة.
ثم أرختهما على مهلٍ و هي تقول متوّعدة:
“و أنا بوعدك.. هكون قدك الأسود يا نبيل!!”
و أغلقت الخط بوجهه مطلقة صرخة غيظٍ ثاقبة.
لا بد أن جميع من في البيت قد سمعها.
***
“-إلى تلميذة!!”
صوتها يتهدّج عندما تتحدث فجأة.
و تشعر بالدموع تدفق من مآقيها.
يهم “عثمان” بسرعة نحوها في السرير.
يلفها في الملاءة و يطلّ فوقها بملامحه المتأججة بوهج الحب.
و شعره الذي شعثّته أصابعها طوال الدقائق الفائتة.
يحاوط وجهها بكلتا يداه متمتمًا:
“قولتي إيه سمر!؟”
تتعلّق عيناها الدامعتان بعينيه العابستان بشدة.
تهز رأسها.
لا تعرف كيف تقولها.
لكنه لا ييأس منها.
يشجعها و يقنعها بنظراته و ايماءاته المستمرة.
مؤكدًا بأن كل شيء مرهونًا بما ستقوله.
لتهمس “سمر” و يدها ترتفع لا شعوريًا لتلمس عنقه و صدره العاري:
“قولتهالي.. أول مرة.. لما اتجوزنا.”
“بعد أول مرة!!”
الندم و الإقرار يكسيا ملامحه.
و في نفس الوقت سعادة غامرة.
بينما تستطرد “سمر” بنبرة باكية:
“أنا بفتكر.. بفتكر حاجات.. بس مش بقدر افتكرها كلها!”
يتنهد “عثمان” و هو يجذبها إلى صدره.
يلفها بذراعيه بشدة محتويًا ضعفها الفطري.
ثم قال و هو يقبّلها على شعرها:
“أنا عارف.. أنا عارف يا حبيبتي.. ماتخافيش.
أنا جنبك.. أنا هافضل دايمًا جنبك.”
تشبّثت “سمر” به أكثر مختبئة من أهوال لأشباح ذكريات أخرى لا تعرفها.
تجد الراحة و الطمأنينة بين ذراعيه و في حضنه الآمن.
و تسكن تمامًا عندما مضى صوته مرددًا بعذوبة القصيدة التي عنتها:
“مازلت في فن المحبة.. طفلةً
بيني و بينك أبحر و جبال
لم تستطيعي.. بعد.. أن تتفهمي
أن الرجال جميعهم أطفال
إني لأرفض أن أكون مهرجًا
قزمًا.. على كلماته يحتال
إذا وقفت أمام حسنك صامتًا
فالصمت في حرم الجمال جمال
كلماتنا في الحب.. تقتل حبنا
إن الحروف تموت حين تقال.
قصص الهوى قد أفسدتك.. فكلها
غيبوبة.. و خرافةٌ.. و خيال
الحب ليس روايةً شرقيةً
بختامها يتزوج الأبطال
لكنه الإبحار دون سفينةٍ
و شعورنا ان الوصول محاله
و أن تظل على الأصابع رعشةٌ
و على الشفاه المطبقات سؤاله
و جدول الأحزان في أعماقنا
تنمو كروم حوله.. و غلال.
هو هذه الأزمات تسحقنا معاً ..فنموت نحن.. و تزهر الآمال
هو أن نثور لأي شيءٍ تافهٍ
هو يأسنا.. هو شكنا القتال
هو هذه الكف التي تغتالنا
و نقبل الكف التي تغتال.”
لم تكن مجرد كلمات.
لأنها بالفعل تلميذته.
و هو معلمها.
هو مصدر كل معلوماتها و خبرتها في الحياة.
و هي ببساطة ضائعة بدونه.
آمنةً معه.
بداية كل شيء معه هو.
رواية كرسي لا يتسع لسلطانك الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم مريم غريب
رواية كرسي لا يتسع لسلطانك الفصل السابع و العشرون 27 - بقلم مريم غريب
الفصل السابع و العشرون _ لتنقذني _ :
قبل ثلاثة سنوات …
العاشرة صباحًا.. في مزرعة “الأمير” ..
كان “رامز الأمير” يغسل شعر “شمس البحيري” بشامبو رائحة اللافندر و هو نوعها المفضل.. كانا يجلسان معًا بحوض الاستحمام البيضوي أسفل الدش.. ضوء النهار يغمر قاعة الحمام المترف عبر النوافذ المائلة قرب السقيفة الهرمية ..
تسترخي “شمس” مريحة ظهرها أكثر إلى صدر “رامز” و هي تتنهد بقوة.. ممتنة للدقائق.. الثوانِ و اللحظات التي تقضيها بقربه ..
يشطف “رامز” شعرها من الرغوة و ينظفه جيدًا.. ثم يغلق الصنبور و يحيط خصرها بساعِديه القويين ملصقًا إيّاها به إلى أقصى حد.. يكاد يعتصرها من في هذا العناق المحكم …
-أوتش ! .. تصيح “شمس” ضاحكة و منبهة إيّاه في نفس الوقت بأنه يؤلمها
خفف “رامز” إطباقه عليها معتذرًا في الحال :
-آسف يا روحي.
و طبع قبلة على مؤخرة رأسها.. سند خده على خدها.. بينما يمرر يده لأعلى و أسفل ذراعها بتناغمٍ مع حركة ساقها التي تحتك بساقه أسفل المياه المزبّدة بصابون الاستحمام ..
ضحكا معًا إثر المداعبات اللطيفة.. و رفعت “شمس” يدها اليمنى تحديدًا لتتأمل خاتم الخطبة الذي يزيّن بنصرها ..
علّق “رامز” بنبرة سخرية على فكرتها الصامتة :
-ماتبصيش عليه و تتأملي أوي كده.. بصي أحسن لوضعنا إللي غايظني و قرب يجيب أخري !!
تنفست “شمس” بعمقٍ.. و استدارت قليلًا صوبه ملقية برأسها على حافة كتفه لتنظر إليه.. ثم قالت مداعبة ذقنه النامية بأناملها الناعمة :
-خلاص يا حبيبي.. فات كتير.. و مابقاش فاضل أكتر عشان نكون مع بعض
زي ما انت عاوز.
تنقبض عضلات فك “رامز” مرارًا و هو يقول بخشونةٍ :
-أنا مش مصدق انك مراتي و لسا يدوب مخطوبين.. انتي مراتي يا شمس و مش عارف ألمسك.. قوليلي و فهميني إيه المانع ؟
أنا مش مقتنع بمرراتك بصراحة.
شمس بصبر : المانع يا حبيبي هو وعدي لمامي.. جايز انت معاك حق.. ممكن وجهة نظرك تكون أصح.. بس أنا وعدت مامي.. و إلتزامي بالوعد ده أقل شكر و تقدير مني على سنين شبابها و كل التضحيات إللي عملتها عشاني.. انت ماتعرفش مامي اتنازلت عن إيه عشان تفضل جنبي.
أمسك “رامز” بيدها التي تلامس وجهه و عصرها بقبضته برفقٍ متمتمًا :
-شمس.. أنا مايهمنيش كل ده.. أنا عايزك انتي
انتي مش فاهمة أنا جوايا إيه.. أنا نفسي مش فاهم.. في الأول كنت مفكر إن علاقتنا هاتاخد وقتها و تنتهي.. بس كل ما الوقت كان بيعدي و أنا معاكي.. بتعلّق بيكي أكتر
أنا بحبك.. عمري ما قلتها لواحدة قبلك.. و لا هاتتقال بعدك.. انتي حب عمري يا شمس ..
بدت العاطفة مصحوبة بالحيرة تربك نظرات عينيها و هي تحدق بمحيط عينيه الأهوج.. و قالت بأسى واضح :
-أنا كمان بحبك.. و انت عارف.. و إلا ماكنتش وافقتك على كل ده
ماكنتش مضيت على الورقة دي.. أنا نفسي أكون ليك أكتر منك.. بس الصبر يا حبيبي.. أصبر شوية كمان عشان خاطري !
كان لينفجر غيظًا.. لكنه تمالك أعصابه بأخر لحظةٍ.. و سألها بهدوء متكلّف :
-طيب أصبر لحد امتى يا شمس ؟
أمك ست لطيفة.. بس متعلقة بيكي بشكل مرضي.. و ده محسسني انها متعمدة تطوّل فترة الخطوبة.. أنا كل ما اكلمها على الفرح تتوّه.. قوليلي إيه الحل !؟
شمس بثقة : أنا هاكلمها إنهاردة.. أوعدك مش هاتعدي الليلة دي غير و أنا بكلمك و بنحدد سوا معاد الفرح.. أوعدك.
و ابتسمت له..فابتسم تلقائيًا و حنى رأسه ليقبّلها على شفتيها بعمقٍ.. بتر القبلة بعد لحظاتٍ هامسًا :
-ان كان عليا.. نفسي يكون فرحنا امبارح
سنتين يا شمس.. سنتين مستني اللحظة دي.. ياااه.. أنا مستحمل كل ده إزاي ؟
أجابته بخفوتٍ و عيناها ترف بفتنةٍ :
-عشان بتحبني.
أومأ لها قائلًا :
-صح.. عشان بحبك.. و هو ده السبب الوحيد يا شمس.
-و هو بردو إللي خلاني واثقة فيك يا رامز.. و مسلّماك نفسي و أنا مطمنة ..
تألقت عيناه بلمعةٍ حماسية.. مغتبطًا باعترافاتها و ثقتها العمياء به ..
غاصت يده بمياه الحوض لينتزع السدّادة المطاطية.. صرخت “شمس” بغتةً حين حملها بين أحضانه ليضعها بمكانه بلحظةٍ.. إستحالت صرختها إلى ضحكة مجلجلة.. بينما يضغط “رامز” جسده فوق جسدها ..
انحسرت المياه تدريجيًا بشكلٍ متسارع.. أجفلت “شمس” عندما لفحت أنفاس “رامز” الساخنة وجهها و هو يتمتم أمام شفتيها :
-طيب سلّميني نفسك دلوقتي بقى.. و مش هاتندمي !
ابتسمت “شمس” بشدة مرددة :
-Gladly!
**
هي إحدى عاداتها السيئة.. احتساء القهوة في بعض الليالي متأخرًا ..
و قد دق منتصف الليل منذ دقائق.. لا تزال تجلس ببهو الشقة المستأجرة على طرازٍ فخم.. تنتظر عودة ابنتها التي خابرتها قبل ساعتين و أخبرتها بأنها في طريقها إلى البيت ..
لكنها لم تفي بكلمتها كالمعتاد.. و لتريح رأسها على الأخير أغلقت هاتفها ..
هذا التمرد و التهور كله بسبب ذلك المتلاعب الماكر.. خطيب ابنتها التي تضطر قسرًا عنها لتقبّله.. لأن و للأسف.. ابنتها تحبه كثيرًا ..
و لكن هي.. لم يعجبها اطلاقًا.. و من النظرة الأولى كان رأيها فيه محسومًا.. لو لا مشاعر ابنتها.. و قلبها المتعلّق به.. لم تستطع الاعتراض أو الحؤول دون إتمام الخطبة ..
وافقت عليه مجبرة.. و لا زالت تضعه تحت التقييم.. تتحيّن أقل خطأ قد يرتكبه بحق صغيرتها.. لتقتلعه تمامًا من حياتها و تأخذها من هنا و تعود بها إلى المكان الذي ألفتاه ..
حتمًا سيخطئ.. عاجلًا ام آجلًا.. و حينها !!!
-حمدلله على السلامة !
هتفت “رحمة” بصلابةٍ ما إن دلفت “شمس” من باب المنزل ..
شهقت “شمس” من المفاجأة.. و استدارت فورًا ناظرة نحو أمها …
-مامي ! .. تمتمت “شمس” بفتورٍ و هي تتنفس الصعداء :
-انتي لسا صاحية ؟
رحمة بجمودٍ : و أنا هايجيلي نوم و انتي لسا برا ؟
مع خطيبك الصايع ده !!
احتقن وجه “شمس” في الحال و هي ترد عليها محتدة :
-مامي لو سمحتي.. ماتقوليش على رامز صايع
ده خطيبي و قريب هايكون جوزي.
تترك “رحمة” فنجان القهوة جانبًا.. تنهض عن المقعد الوثير و تمشي بتوأدة نحو ابنتها و هي تقول بهدوء :
-و الله يا شمس.. أخر حاجة كنت اتمناها اني اكسر قلبك
بس شكلك كده مش هاتحققي مرادك ده.
عبست الأخيرة متسائلة :
-يعني إيه !؟
رحمة بصرامة : الراجل ده ماينفعكيش يا شمس.. ده كأنه عملك غسيل مخ.. ماشية وراه عمياني.. لازم تسيبيه !
-لأ !!! .. صاحت “شمس” بقوة
اعترى جسدها انتفاضات قصيرة و هي تستطرد بعدائية مفاجئة :
-انتي أمي.. و أنا بحترمك و بحبك.. بس مستحيل.. من رابع المستحيلات اسمع كلامك
رامز حبيبي.. و مافيش حاجة ممكن تخليني أسيبه حتى لو انتي.
رمقتها “رحمة” بذهولٍ و قالت :
-للدرجة دي يا شمس.. للدرجة دي الراجل ده ماثر عليكي
و خلاكي تقفي قصادي !!
زفرت “شمس” بضيقٍ قائلة :
-محدش مأثر عليا.. انتي إللي مش بتحبيه و مش قادرة تفهمي ان المهم انا احبه
انا بس مش انتي.. انتي مش عايزاني أكون مبسوطة ؟
انا مش هاكون مبسوطة إلا مع رامز.
ارتسمت مرارة عميقة بعينيّ “رحمة” و هي تنظر إلى ابنتها الوحيدة بخيبةٍ أملٍ.. و قالت بيأسٍ :
-يا شمس.. يا حبيبتي.. أنا عايزة مصلحتك.. صدقيني الراجل ده ماينفعكيش
انتي سمعاني بقول إيه ؟
يابنتي ده كبير عليكي.. الفرق في السن بينكوا أكتر من 10 سنين و ..
قاطعتها “شمس” بامتعاضٍ :
-بتكلميني عن فرق السن ؟
بابي كان أكبر منك بـ16 سنة.. و انتي كنتي بتحبيه.. انتي قولتيلي كده.
-أنا و باباكي حالة خاصة.. ماينفعش تقارني وضعك بوضعي أصلًا
أنا عايشة حياتي على أمل.. لأ مصممة اشوفك احسن مني.. و محققة كل إللي ماعرفتش احققه.. ليه عايزة تحرميني من حلمي الوحيد ؟؟
و قبل أن ترد عليها أردفت مسرعة :
-انتي مش قليلة.. انتي بنت يحيى البحيري.. حتى لو محدش يعرف
انتي قيمتك كبيرة أوي.. تستاهلي راجل أحسن من ده.. انا عمري ما هارتاح و انتي معاه و هفضل قلقانة عليكي.
شمس بتعجب شديد :
-لو تقوليلي سبب واحد مقنع لقلقك ده !!
هزت “رحمة” رأسها قائلة بشيء من العصبية :
-مش سبب واحد.. عندي أكتر من سبب.. أهمهم انه بيفكرني بأبوكي
و أنا إستحالة أسلّمك بإيدي لراجل من نوعية يحيى البحيري.. انتي سمعاني يا شمس.. مش هايحصل !!!!
بُهتت “شمس” عندما قالت أمها ذلك ..
خرست تمامًا.. بينما تحملق “رحمة” فيها بقوة و هي تتنفس بعنفٍ ..
و بعد لحظاتٍ طويلة.. طويلة جدًا.. نطقت “شمس” بصوتٍ خفيض :
-للأسف يا مامي.. كلامك عمره ما هايجيب نتيجة.. لا من قبل جوازي من رامز.. و لا حتى بعده !
عبست “رحمة” مستوضحة :
-قصدك إيه !؟؟
تنامى بينهما صمتٍ قصير.. لتقول “شمس” بغتةً :
-أنا و رامز متجوزين بقالنا اكتر من سنة.. متجوزين عرفي !
جمدت “رحمة” من هول ما تفوّهت به ابنتها ..
لوهلةٍ خشيت “شمس” عليها عندما لم تبدي أيّ ردة فعلٍ.. حتى قالت فجأة بصوتٍ بالكاد بلغ حلقها :
-يعني إيه ؟.. يعني إيه متجوزين ؟
ترقرقت الدموع بعينيّ “شمس” و هي تخبرها :
-اتجوزته.. مضيت على عقد عرفي و اتجوزته.. بس انا شرطت عليه
مش هايكون جواز حقيقي إلا في وجودك.. و عند مأذون زي ما فهمتيني ..
أجفلت “شمس” حين شهقت “رحمة” فجأة.. و ذعرت و هي تراها تتشنّج و تزداد شهقاتها.. ساقاها تضعفان و تترنّح بمكانها …
-مـامــي !!! .. صرخت “شمس” برعبٍ لحظة سقوط “رحمة” مغشيًا عليها
جثت أمامها فوق الأرض و حاولت إفاقتها بشتّى الطرق.. قامت لتجلب كأس مياه.. نثرت القليل على وجهها و هي تهتف باكية :
-يا مامي.. بليز ردي عليا.. أنا آسفة و الله
أنا عارفة انك زعلتي مني.. مقصدش أزعلك بليز قومي.. مامي ماتعمليش فيا كده حرام عليكي فتّحي عنيكي !!
بمرور الثوانِ.. بدأت وعي “رحمة” يستجيب لمحاولات “شمس” التي صاحت بتلهفٍ و هي تسند رأسها على فخذها :
-مامي.. انتي سمعاني صح ؟
عشان خاطري ردي عليا.. هموت لو حصلك حاجة بسببي.. عشان خاطري كلميني !!
تحدثت “رحمة” بلسانٍ ثقيل و هي تربت على يد ابنتها :
-ماتخافيش يا شمس.. أنا كويسة !
هزت “شمس” رأسها و دموعها تتساقط.. تعرف يقينًا بأنها ليست على ما يرام.. فهذه بعينها كانت الحالة التي ألمّت بها لحظة علمها بخبر موت “يحيى البحيري”.. انهارت “رحمة” كما لم تنهار من قبل.. كما هي الآن …
-تعالي نروح المستشفى.. أطلب اسعاف ؟
رحمة بضعفٍ : انا مش محتاجة مستشفى.. انتي عارفة انا محتاجة إيه.
شمس ببكاء : قوليلي.. أنا هاعملك إللي انتي عايزاه.. بس تكوني كويسة.
شدت “رحمة” على يد ابنتها قائلة :
-لو عايزاني أكون كويسة بجد.. لو مش عايزة تموتيني بالحيا
اقطعي علاقتك بالراجل ده.. ابوس ايدك يا شمس.. لو بتحبي أمك.. لو مش عايزاني اموت بحسرتي خسرانة كل حاجة في حياتي !
تسرّب أنين البكاء من بين شفتيّ “شمس” و هي تغمض عيناها بشدة لتنهمر دموعها ..
لقد حوصرت الآن.. و قد نجحت “رحمة” بمسعاها.. وقعت “شمس” بين خياران.. و في اللحظة الحتمية.. نطق لسانها عاصيًا نداء و صراخ قلبها :
-حاضر يا مامي.. انا هاقطع علاقتي برامز
هاسيبه.. هاسيبه عشانك.. هاسيب رامز !!!
**
بعد ساعتان ..
تضع “رحمة” حقيبتيّ سفرها هي و ابنتها فوق سير نقل الأمتعة للطائرة التي ستقلع بعد دقائق إلى العاصمة الإنجليزية.. “لندن” ..
نظرت خلفها نحو ابنتها.. لتراها شاردة.. تحمل هاتفها بيدها و كأنها تائهة.. لا تدري حتى ماذا تفعل أو إلى هي ذاهبة …
-شمس !
أخرجها نداء أمها من شرودها.. و نظرت إليها قائلة :
-هاعمل مكالمة.. مش هابعد ماتقلقيش.
أومأت لها “رحمة” دون أن تختفي نظرة القلق من عينيها ..
بينما ابتعدت “شمس” بضعة أمتار حتى توقف وسط صالة الانتظار المتخمة بالمسافرين.. حسمت ترددها و ضغطت زر الاتصال بالرقم الذي يتصدّر قوائم مكالماتها ..
و جاء الرد بمجرد أن وضعت الهاتف فوق أذنها :
-شمس !
إيه كل ده ؟.. كنتي فين و مابترديش على تلفونك ليه ؟
قلقتيني عليكي.. شمس !!
كانت تكتم صوت نحيبها بكفها و هي تستمع إلى صوته.. و اضطرت في الأخير للرد عليه.. فأجابت بصوتٍ متحشرج :
-رامز.. أنا آسفة.. مش عارفة بجد
مش عارفة أقولك أنا آسفة أد إيه !
-في إيه يا شمس مال صوتك ؟
انتي معيّطة ؟ .. ردي عليا.. انتي فين و إيه الدوشة إللي حواليكي دي !!؟؟
-أنا في المطار.. راجعة لندن مع مامي.. الطيارة باقي عليها نص ساعة.
-انتي بتقولي إيه ؟
مسافرة إزاي و ليه ؟ .. إيه إللي حصل يا شمس ؟؟؟
أفلت من حنجرتها نشيجًل مريرًا و هي ترد عليه متألمة كأنما قبضةٍ تعتصر قلبها :
-بحبك يا رامز.. بحبك أكتر من روحي
بس خلاص.. لازم أمشي.. و انت لازم تنساني.. علاقتنا انتهت.. أنا آسفة ..
-إيه إللي بتقوليه ده ؟ .. انتي اتجننتي ؟
علاقة مين إللي انتهت.. انتي مراتي يا شمس.. مراااتي مش صاحبتي
و مافيش سفر.. أنا جايلك حالًا.
-هاتيجي مش هاتلاقيني.. أنا مسافرة يا رامز.
-إياكي تتحركي من مكانك.. انتي سمعاني ؟
إيااااكي ..
سمعت جلبة من طرفه.. فعرفت بأنه يتحرك بالفعل.. فسارعت منهية المكالمة بصعوبةٍ :
-مع السلامة يا رامز.. انا عمري ما هانساك.. و هاتفضل الراجل الوحيد إللي معاه قلبي.. عمري ما هاحب حد غيرك.. مع السلامة ..
-شمـس.. شـمـــــ …
و أغلقت الخط مجهشة ببكاءٍ مرير ..
استقطبت نظرات المارّة و الجالسين.. سرعان ما أحسّت بذراعيّ أمها تحيطان بها.. ضمّتها “رحمة” إلى صدرها ممسدة على شعرها بحنوٍ متمتمة :
-بس يا حبيبتي.. إهدي.. خلاص كل حاجة هاتبقى كويسة
أنا جنبك.. أنا عمري ما هاسيبك !
و سارت بها نحو أكشاك المرور و التفتيش وصولًا إلى الطائرة.. دون أن تتوقف لحظةً عن مواساتها ..
**
وصل “رامز الأمير” إلى ساحة مطار “القاهـرة” في زمنٍ قياسي.. قبل انتهاء النصف ساعة بخمس دقائق ..
صطف سيارته بإهمالٍ بالخارج غير عابئًا بتلقي أيّ مخالفات ..
كان يركض مسابقًا الزمن.. لم يتوقف لحظة للراحة.. رئتاه تكادان تنفجران من قلّة الأكسجين ..
تقافز بين النوافذ.. استعلامات.. جوازات.. وصولًا إلى الطائرة التي أغلقت أبوابها.. اعترضا طريقه فرديّ أمن فتوسلهما منقطع الأنفاس :
-من فضلك.. مراتي على الطيارة.. ماينفعش تسافر
لازم أطلع أجيبها.. دقيقة واحدة بس.. أرجوك !!!
رد أحدهما بحزمٍ :
-ماينفعش يافندم بوابة الطيارة قفلت خلاص.. هاتطلع في أي لحظة دلوقتي
مستحيل تتفتح.
و قبل أن يحاول “رامز” مرةً أخرى.. رآى الطائرة تتحرك بالفعل عبر الواجهة الزجاجية ..
سار نحوها معلّقًا بصره بها.. توقف قبالة الزجاج.. بسط كفّيه فوقه مراقبًا رحيل زوجته.. حبيبته ..
أقلعت الطائرة.. غادرت خط الميناء الجوي.. و بمغادرتها سقطت دمعة واحدة من عينه ..
دمعة دمغت وثيقة هزيمته و فقدان أثمن شيء بحياته ..
حبّه.. لقد فقد حبيبته ..
لقد ذهبت “شمس”.. تركته !
___________________________
منذ فترة طويلة لم تكن في قمة أناقتها الأنثوية المغوية ..
وقفت “هالة البحيري” أمام مرآتها الكبيرة.. تستعرض ثوبًا من الحرير الأزرق.. طويل بقصّة ضيّقة.. و أكمام شفّافة.. مطرّزًا بفصوص برّاقة على الصدر و الذيل ..
كانت قد صففت شعرها الطويل و جعلته في استواءٍ واحد للخلف.. و زينة وجهها هادئة للغاية.. ما عدا حمرة شفاهها الفاقعة.. تعمّدت ابرازها ..
جلست على طرف الأريكة الوحيدة بغرفة الملابس تنتعل حذاء عالى الكعبين.. دون أن يتوقف توترها المتصاعد بمرور الوقت ..
لقد عاندت إرادة زوجها و أصرت على الذهاب إلى زفاف خالها.. حتى اللحظة لم تأخذ موافقته.. و تحمل عبء مواجهته بعد عودتها.. و ما الذي سيفعله بها لاحقًا ..
لكن رغم كل مخاوفها.. لا زالت على إصرارها.. لا مزيد من التظاهر بمقاطعة خالها.. “نبيل الألفي” هو عائلتها.. الشخص الوحيد الذي يشعرها بالاحتواء الأبوي بعد رحيل والدها ..
لن تخسره بعد الآن.. حتى لو كان الثمن خسارة “فادي حفظي”.. زوجها و الرجل الذي قهر غرورها و كبريائها و جعلها تقع في غرامه.. لم يمنعها من عشقه شيء و لا حتى إعاقته ..
لم تشعر يومًا بأيّ نقصانٍ يه.. كان و لا يزال أكثر جاذبية و رجولة من أيّ شخص قابلته في حياتها ..
لعله لا يملك كاريزما “عثمان البحيري” ابن عمها.. و لا وسامة “مراد أبو المجد” زوجها السابق.. و لكنه متفردًا بذاته ..
الشيء و نقيضه.. يجمع كل الصفّات التي تؤهله لكسب قلب أجمل و أرقى امرأة.. و قد هوت بالفعل من برجها العالي و توسلت حبّه ذات يومٍ.. و حتى اليوم تريده و تحبّه بنفس الدرجة …
-هالة !
انتبهت “هالة” إلى صوت شقيقة زوجها الصغرى ..
رفعت رأسها متطلعة نحوها.. و دهشت عندما رأتها ترتدي ثوب سهرة يماثل أناقة خاصتها تقريبًا.. سألتها مباشرةً :
-انتي لابسة كده ليه يا ملك ؟
نظرت “ملك” إلى ثوبها.. ثم نظرت إليها قائلة :
-فادي قال اني رايحة معاكي فرح خالك.. أنا جهزت
انتي جاهزة ؟ .. هانمشي امتى ؟
حدقت فيها “هالة” بدهشةٍ أكبر.. لم تصدق أذنيها.. “فادي” وافق أخيرًا على ذهابها إلى الزفاف ..
و أيضًا يرسل معها شقيقته !!!
-فين فادي ؟ .. تساءلت “هالة” على الفور
جاوبتها “ملك” منشغلة بتفحص حقيبة يدها الصغيرة :
-فادي أخد سليم و نزل.. بيقول هايفسحه في المول لحد ما نرجع
ها هانمشي دلوقتي و لا لسا شوية ؟
الساعة بقت 8 ..
تمتمت “هالة” شاردة ببصرها في جهةٍ أخرى :
-هانمشي.. دلوقتي !
**
استقرت “إيمان عمران” أخيرًا ..
أفرغت حقائبها و حقائب زوجها و طفليها بنفسها رافضة مساعدة خدم القصر.. عادت إلى الجناح المخصص لها و لزوجها بعد أن اطمأنت على الصغيران بغرفتهما الخاصّة ..
كان “مراد” قد عاد الآن.. و ابتهجت “إيمان” حين رأته مسترخيًا فوق السرير على ظهره.. حتى لم يخلع حذائه ..
أقفلت باب الغرفة ورائها و سارت إليه …
-أخيرًا رجعت ! .. همست و هي تقبّله قرب فمه
لم يفتح عينيه و هو يرد عليها بلهجةٍ متعبة :
-أنا مش قادر اتقلّب مكاني حتى.. معلش هاخرج عن القانون بتاعك المرة دي و مش هقوم أخد دش السفر.. لأني فعلًا هموت و أنام.
ضحكت “إيمان” و هي تجلس على طرف السرير عند قدمه.. تخلع له الحذاء من قدميه معقّبة :
-و لا يهمك يا حياتي.. نام و ريّح خالص و لما تصحى أنا بنفسي هاجهز لك أحلى دش.
لم يرد عليها ..
فقامت لتنزع عنه سترته.. طاوعها بنصف جهد.. و حلّت أزرار قميصه دون أن تجرّده منه.. بسطت فوقه غطاء خفيف.. ثم فكّت حجابها و خلعت ادناءها.. لتندس بجواره في السرير ..
توّسدت صدره و ضمّته بشدة مستشعرة دفئه و متنعمة بقربه.. و مرةً أخرى تجدد شعور عدم الراحة مِمّا جرى بينهما بالآونة الأخيرة.. فلم تستطع الامتناع و هي تناديه برفقٍ :
-مراد.. مرااد !
-ممممم ..
-حبيبي ممكن تسمعني شوية ؟
مراد بنعاس : عايزة إيه يا إيمان انا مش فايق لك نهائي.
-مش هاطوّل عليك.. انا بس عايزة اقولك و الله ما حبيت أضايقك باتصال جد لمى.. انا عارفة انك بتقف لينا في الموضوع ده بالأخص و بتوقف حسين عزام عند حده.. المرة دي ماحبتش أحطك في نفس الموقف لأني عارفة انه بيظهر بس عشان يضايقنا.. ف اتعاملت معاه بنفسي.. انا عمري ما بعمل حاجة من وراك و انت عارف !
كان ينصت لها باهتمام.. حتى فرغت.. انتظر هنيهةٍ ثم قال :
-طيب انا مش فايق زي ما قلت لك.. لما اصحى ان شاء الله نبقى نتكلم في الموضوع ده
و اعملي حسابك هانفطر الصبح مع عثمان و عيلته لاني اعتذرت عن الغدا انهاردة.. هاتصحي بدري و تجهزي انتي و الولاد.. تصبحي على خير.
و أبعدها عنه بلطفٍ شديد.. لينقلب على وجهه _ وضعيته المفضلة _ مستغرقًا بالنوم في الحال ..
تنهدت “إيمان” بأسى و هي ترنو إليه عاجزة ..
تعلم إنه صعب الإرضاء.. لن يكون رضاؤه سهلًا على الاطلاق و خاصةً هذه المرة.. فالأمر يتعلّق بـ”لمى”.. صغيرتها.. و ابنته التي لم ينجبها.. لكن روحه متعلّقة بها إلى أقصى الحدود ..
استسلمت “إيمان” لكلمته في الأخير.. أغلقت ضوء الأباجورة المحاذية للسرير.. ثم استلقت بجواره في هدوءٍ حتى غطت مثله في نومٍ عميق …
______________
كان “عثمان البحيري” يجلس بصالون جناحه.. يتفحص باهتمامٍ بالغ عبر هاتفه التقرير المفصّل عن خطوات أمه و خط سيرها منذ مغادرتها القصر ..
عندما دوت صرخة “سمر” فجأة من جهة الحمام ..
قفز “عثمان” بطرفةٍ عينٍ و دفع باب الحمام صائحًا بلهفةٍ :
-سمر انتي كويسة ؟
دلف فوجدها جالسة على الأرض.. شعرها يغطي وجهها و في يدها انبوبة بيضاء ..
تطلّعت إليه مغمغمة بنبرةٍ باكية :
-أزرق !!
عبس “عثمان” و نظر حوله.. ليجد أكثر من خمسة أنابيب مثل تلك في يدها ملقاة بجوارها فوق الأرض ..
ركع قبالتها ملتقطًا واحدًا من الأنابيب.. من نظرة فاحصة واحدة.. أدرك الأمر.. و انبلجت ابتسامة ذاهلة على محيّاه ..
نظر إليها.. من خلال شعرها المتشابك فوق وجهها و عيناها الحمروان من أثر البكاء.. ردد غير مصدقًا :
-حامل !
حامل يا سمر !!!
أومأت له و كانت لا تزال تبكي.. بينما يبتسم بشدة.. و لا يريد إلا أن يبتسم !
يتبع…
رواية كرسي لا يتسع لسلطانك الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم مريم غريب
كيف يمكن لامرأة واحدة أن تحرز كل سوء الحظ هذا؟
حقيقةً إن كان لسوء الحظ مصطلحٌ فهو بالتأكيد “مايا عزام”.. ولدت لأم مفسدة.. ساحرة شريرة.. و أب أناني.. وغد لعين تخلّى عنهم مدمرًا سنوات الزهور لصغاره.. حتى إنه لم يكن هناك عندما مات ابنه البِكر.. لم يستطع إنقاذه من البؤرة الحالكة التي زج نفسه بها ..و ابنه الصغير.. تركه لشياطينه التي أودت به إلى السجن الذي سرق من عمره و شبابه سنواتٍ طوال.. لم يتعلّم من أخطائه قط ..و ها هو اليوم يضيف جرمًا آخر إلى صحيفة إجرامه.. يجبرها على الاقتران برجلٍ سحق شموخها.. و دعس شرفها ..لعلها صدّرت عن نفسها أحطّ التصوّرات.. و لكنها أبدًا لا تستحق ما فعله بها.. مهما كانت.. ليس لديه أيّ حق ليبيح لنفسه التعدّي عليها متذرّعًا بالتهمة التي لبستها بالباطل لتثأر _ كما في اعتقادها _ من جنس الرجال ..لقد خسرت.. لم يخسر أحدٌ ها هنا سواها.. و يظن “نبيل” بأنه قادرٌ على تحطيم ما تبقّى من كبريائها.. ألا يعرف؟هل يضر الشاه سلخها بعد ذبحها!؟
بعد تفكيرٍ عميق و ليالٍ أمضتها بلا نوم.. قررت “مايا” أنها ستتزوج من “نبيل الألفي”.. ليس لأنها مغلوبةً على أمرها.. إن لم تكن تريد هذا الزواج فلا أبيها و لا “نبيل” و لا العالم بأسره كان ليقدر على إجبارها ..و لكنها في النهاية تقبّلت.. لأنها لن تترك ثأرها و تدفن رأسها بالرمل كالنعام.. لن تهرب.. و “نبيل الألفي”.. سيدفع ثمن ما فعله بها غاليًا ..
طرق أحدهم باب الغرفة.. لتخرج “مايا” من شرودها داعية أيًّا ما كان للدخول.
- ادخل!
كانت تقف أمام مرآتها بثوب الزفاف الكبير الذي ابتلع ثلث مساحة الغرفة.. برز الآن من وراء الباب شقيقها الذي يصغرها بعامٍ واحد ..كان يرتدي حلّة رسمية.. فابتسمت بعفوية.. لا يمكنها أن تصف مدى اشتياقها لرؤيته على هذه الصورة.. أنيقًا و مرتبًا كما كان بالماضي.. قبل أن يقتصّ منه القدر بذنوب أمه و ذنوبه أيضًا …
- وااااو!
هذا كل ما صدر عنه.. صيحة الاعجاب تلك.. و هو ينظر إلى شقيقته بسعادةٍ و اعتزاز كبيرين ..دلف “مالك عزام” مغلقًا باب الغرفة خلفه ..سار نحو “مايا” ببطءٍ ضامًا يديه أمام وجهه.. أسفل عينيه اللتان تبللتا بطبقةٍ رقيقة من الدموع ..و لا تعرف كيف و لماذا ..لكن عيناها دمعتا أيضًا.. بينما يقف “مالك” قبالتها الآن حريصًا ألا يطأ طرف فستانها بحذائه …
- أنا مش مصدق يا مايا! .. نطق بصوتٍ أجش يُغالب مشاعره.
ضغطت على شفتيها بشدة تمنع نفسها بصعوبةٍ من البكاء ..يسحب “مالك” نفسًا عميقًا مررًا يده في شعره المصفف و هو يقول بعاطفة أخوية صادقة:
- لما كنت مسجون و بعيد عنك.. كنت اتأكدت خلاص انك هاتتجوزي و مش هكون جنبك.. مش هشوفك و انتي بفستان الفرح.. ماكنتش متخيل اني هشوف اليوم ده يا مايا ..
و مد يده ممسكًا بيدها.. ضمّها بكفّيه إلى صدره مرددًا:
- أنا شايف قصادي أحلى عروسة.. ست البنات.. أختي.. ألف مبروك يا حبيبتي.. ربنا يسعدك و تكون فرحة عمرك كله الليلة دي.. خلاص جهزتي؟
أومأت له مشددة على باقة الزهور البيضاء بيدها الأخرى ..تنهد “مالك” بحبورٍ و علّق يدها بذراعه.. ثم خطى بحذر معها جنبًا إلى جنب إلى خارج الغرفة.. حيث ضرب صخب الاحتفال أذنيها ما إن تخطّت الرواق المؤدي للدرج …
**
احتفظ بجهازٍ واحد فقط من أجهزة اختبار الحمل الخمسة التي استخدمتهم زوجته ..ثم لملم البقيّة و ألقاهم بسلّة المهملات المنزوية بركنٍ ما بالمرحاض.. و إلتفت نحوها.. كانت لا تزال رابضة فوق الأرض.. شعرها مهوّوش و دموعها تسحّ حتى اللحظة فوق خدّيها ..تنهد “عثمان البحيري” و انحنى حاملًا زوجته على ساعِديه الشديدين.. إنها بحالةٍ مزرية حقًا.. و تعبّ الهواء إلى رئتيها على شكل شهقات قصيرة متقطعة ..عاد بها إلى الغرفة.. وضعها بالسرير و جلس أمامها.. مرر يديه على كتفيها العاريين صعودًا و هبوطًا و هو يقول بهدوء:
- إيه يا سمر.. مالك يا حبيبتي؟ممكن أفهم إيه سبب الانهيار ده كله؟
لم تستجيب له فورًا.. فقال بلهجةٍ آمرة:
- بصيلي يا سمر.
انبثقت دمعتين من عيناها.. و هي ترفع بصرها ليستقر على وجهه حاد الوسامة ..بدا تعبيره جاد تمامًا و هو يعاود سؤالها:
- إيه المشكلة انك طلعتي حامل؟ انتي ست متجوزة.. و خلّفتي مرتين.. زعلانة أوي كده ليه بسبب الحمل ده؟ ردي عليا!
تدلّى فكّها.. و استغرقت ثوانٍ لتعثر على صوتها.. ثم قالت بأسى واضح:
- مش زعلانة.. بس.. بس …
- بس إيـه؟ .. استنطقها ضاغطًا عليها.
أفصحت بهدوء بغتةً:
- أنا افتكرت.. افتكرت.. انت ضربتني ..
عبس بشدة و لم يفهم ما الذي تحاول قوله ..فأردفت و عينيها تسكبان مزيدًا من الدموع:
- لما كنت حامل أول مرة.. ضربتني.. كسّرت جسمي.. أنا كنت هموت يومها ..
الآن فهمها ..رفع “عثمان” يديه عنها.. و إلتزم الصمت و هو يسمعها تستطرد بنشيجٍ مكتوم:
- مش فاكرة السبب.. بس فاكرة إنك انت.. انت مارحمتنيش.. أنا عملت إيه؟ .. أنا عملت إيه عشان انت تعمل فيا كل ده.. عملت إيـه؟؟؟
كانت تفاصيل تلك الحادثة تُعاد مجددًا أمام عينيه بينما تتكلم.. كان قد نساها.. كلاهما نسياها.. و لم يتصوّر أن تتذكرها بهذا الشكل أو تأتي على ذكرها مرةً أخرى ..تنفس “عثمان” بعمقٍ و قال بثباتٍ:
- سمر.. دي حاجة كويسة انك بتفتكري الجزء إللي مرّينا بيه واحدة واحدة.. بس مش عارف ليه مصممة تفتكري ذنوبي معاكي.. أيوة إللي افتكرتيه حصل.. أنا عملت فيكي كده.. بس صدقيني.. الموضوع ماكنش بسيط.. و أنا ماكنتش في وعيي.. أبويا كان لسا ميت و في ناس حاولوا يوقعوا بينّا.
لم تعبأ “سمر” بمحاولاته لتهوين الأمر.. و رددت مشدوهة:
- أنا إزاي وافقت اتجوزك؟ بعد ما عملت فيا كل ده.. إزاي خلّفت منك؟ مرتين!!!
عثمان بثقة:
- مش بس خلّفتي.. انتي حبتيني.. زي ما أنا حبيتك بالظبط.
هزت رأسها قائلة بمرارةٍ:
- إللي تحب واحد عمل فيها كل ده.. تبقى مجنونة.. تبقى آ …
قاطعها مكممًا فاها بكفّه ..ابتعلت شهقتها و هي تحدق فيه بقوة.. بينما يضغط مؤخر
ة رأسها بيده الأخرى مانعًا إيّاها من الابتعاد أو التحرّك قيد أنملة.. و قال بخفوتٍ:
- كانت المرة الوحيدة.. كانت أول مرة.. و أخر مرة.. انتي عشتي معايا 14 سنة.. لما تفتكري باقي حياتك معايا.. هاتعرفي أد إيه كنتي أسعد واحدة في الدنيا.. و اني سخّرت كل يوم.. كل لحظة من عمري عشان أسعدك و أعوضك عن أي غلطة عملتها معاكي قبل.. قبل ما أحبك.
سالت دموعها على يده.. و أقحمت يدها بين قبضته و فمها لتبعده عنها.. لكي تقول بصوتٍ مهزوز:
- انت حبتني؟ .. طيب لو كرهتني كنت عملت فيا إيه زيادة عن كده؟
أغمض “عثمان” عينيه و هو يدلّك قصبة أنفه قائلًا:
- سمر.. أرجوكي.. مش هانعيده تاني.. أنا ما صدقت حياتنا استقرت.. ليه مصممة تخربي كل حاجة؟ ليه مش بتبصي للحاجات الحلوة.. بتشوفي الوحش بس.. بصي حواليكي.. بصي لنفسك.. معقول مش عايزة تفتكريلي غير الذكريات إللي وجعتك بس؟
و نظر لها مكملًا:
- أنا كام مرة فرحتك؟ .. قدمت لك كل حاجة عندي.. اسمي.. و بيت.. ليكي و لأختك.. ابني.. بنتي.. اخترتك انتي مش حد غيرك عشان تكون أم ولادي.. عملت كل ده عشانك.. و مش فاكرة غير الفترة دي.. إللي ماكنتش لسا واخد أي فرصة عشان أثبت لك أد إيه انتي غالية عندي.. و مهمة.. و إني بحبك.. بحبك يا سمر!
نطق أخر كلماته من بين أسنانه المطبقة ..و هب واقفًا فجأة.. فرك مؤخرة رأسه بعصبيةٍ و هو يتحرك حول نفسه بلا هدفٍ ..ثم جمد لبرهةٍ و نظر إليها قائلًا بجمودٍ:
- أنا وعدتك اني هفضل جنبك لحد ما تتخطي الأزمة دي يا سمر.. بس أعذريني.. في الوقت الحالي ماعنديش جهد و لا وقت أقعد أشرح لك تاريخ علاقتنا.. كل إللي اقدر أقوله ان انتي في بيتك.. جنبي و في وسط ولادك.. كل حاجة و أي حاجة تحتاجيها ماديًا أو معنويًا متوفرالك هنا حتى من قبل ما تطلبي.. هاسيبك الليلة دي لوحدك و مش هحاول أزعجك.. و أتمنى الصبح أشوفك و تكوني في حالة أحسن من كده.. تصبحي على خير.
و أولاها ظهره في الحال ماضيًا إلى خارج الغرفة ..هل قال بأنها ستكون جيدة إن تركها وحدها؟إنها تشك في ذلك …
**
كانت زفّة بازخة ..أُقلّت خلالها العروس من منزل أبيها.. في سيارة خاصة و قد رافقها شقيقها فقط.. وسط مجموعة من السيارات الملأى بفرق عربية شعبية أحدثوا عرضًا مبهرًا طوال الطريق إلى الفندق المُقرر إقامة العرس به ..كان “حسين عزام” يقف عند البوابة الرئيسية.. في انتظار وصول ابنته.. و قد كان متأنقًا بدوره و بدا أشبه بنجوم هوليوود الكبار.. ربما “ريتشارد جير” في وسامته.. و بشاشته الآخاذة ..استقبل “حسين” ابنته من ابنه مقبلًا خديّها و هو يهنئها بلطفٍ:
- تجنني يا حبيبتي.. زي القمر.. ألف مبروك يابنتي.. تعالي يلا.. كل الناس مستنيينك!
استسلمت “مايا” لأبيها و هو يسوقها على مهلٍ عبر أبواب الفندق.. مستقلًا بها المصعد الخاص بطابق العُلية.. حيث أكبر و أفخم قاعة احتفال بالمدينة قاطبةً ..وصل المصعد إلى وجهته في غضون ثوانٍ.. انفتح على مصراعيه.. لينكشف أمام ناظريّ “مايا” كوكب منفصل.. يضج بالاحتفال ..ألوان ساطعة.. أضواء برّاقة.. موسيقى صاخبة.. و أُناس من كل الجنسيات تقريبًا.. جميعهم في أتم الأناقة و قد تجلّى الثراء على مظهرهم و أشكال بعضهم المصطنعة.. فمعظم الجمال هنا زائفًا.. لا يمكن أن يكون طبيعيًا ..انطلقت مجموعة من الصيّحات بمجرد ظهور العروس برفقة أبيها ..شعرت “مايا” بالقلق يزحف إلى معدتها.. قبل أن حتى أن تستقر عيناها عليه.. من بين الحشد الكبير ..سهل على “نبيل الألفي” أن يشق طريقه بسلاسةٍ من بينهم.. نحوها ..كان يبدو كعريسٍ حقيقي.. وسيم و متألقًا في بذلةٍ بيضاء ناصعة كالثلج.. لم يكسر لونها قليلًا سوى ربطة عنقه السوداء.. و تلك الزهرة القرمزية المعلّقة على جيب سترته ..انتزعها “نبيل”.. ليمد يده بها صوب خطيبته مقدمًا لها إيّاها.. إلا إنها لم تتكبّد عناء تلقّيها منه.. فابتسم “نبيل” بتلك الطريقة التي تؤذي مشاعرها.. و علّق الزهرة وراء أذنها ..طلب الاذن من أبيها.. فتنحى “حسين عزام” جانبًا على الفور ليستلمها “نبيل” عنه ..أمسك بيدها مستشعرًا نبضات قلبها المتسارعة.. و جعلها تتأبط ذراعه قسرًا عنها و هو يقول مبديًا إعجابه بفستانها الفضّي الجميل.. و شعرها الطويل المنسدل ببراعةٍ على طول ظهرها:
- الفستان تحفة عليكي.. ماتخيّلتش إنك هاتحليه للدرجة دي.. شعرك كمان.. تسريحته حلوة أوي.
لم ترد عليها و بقيت تعابيرها جامدة.. لكنه لم يهتم لعدائيتها المبطنة.. طالما إنهما وصلا إلى هذه المرحلة.. و قد ضمنها في قبضته أخيرًا ..يصل “مالك عزام” في هذه اللحظة.. بينما يمضي “نبيل الألفي” بعروسه صوب ساحة عقد القران.. متلقّيًا عن كليهما التهنئات من شركاء العمل تارة.. و بعض الأصدقاء و الضيوف تارةً أخرى ..تم العقد خلال نصف ساعةٍ تقريبًا.. و توافد المقرّبين نحو العريس بأحر التهاني.. ليُفاجأ بقدوم ابنة أخته الراحلة أمامه:
- هـالة !! .. هتف “نبيل” غير مصدقًا.
استقرت “هالة البحيري” بين أحضان خالها “نبيل الألفي” دامعة العينين ..ضمّها “نبيل” بشدة متمتمًا:
- ماصدقتش لما قولتيلي جاية.. افتكرتك بتجامليني.
هالة بصوتٍ يخالجه بكاء طفيف:
- وحشتني أوي.. ألف مبروك يا بيلي.. أخيرًا شوفتك عريس!
و لم تتحكم بضحكتها تأثرًا بالدعابة.. فضحك معها “نبيل” ..كل هذا على مرآى و مسمع من “مايا” التي وقفت ورائهما.. تحدق في المشهد الحميمي باضطرابٍ.. و تحس كأنما الكل هنا يصوّب نظراته عليها ..انتظرت حتى تباعدا.. و عاد إليها “نبيل” بوجهٍ مشرق.. ليلاحظ هزال عينيها ..فتتلاشى ابتسامته فورًا و هو يسألها ممسكًا بيدها:
- مالك؟
لم تجيبه بكلمة.. و رغمًا عنها سرحت نظراتها تجاه “هالة” التي سارت نحو إحدى الطاولات مع فتاة يافعة لا تقل عن رفيقتها جمالًا و فتنةً ..تبع “نبيل” نظراتها.. فأدرك على الفور علّتها.. عاود النظر إليها و قال مواريًا نبرة الخبث بصوته:
- آه.. انتي فهمتي غلط.. دي هالة رفعت البحيري.. بنت أختي رضوى الله يرحمها.
صفعها الإدراك من الداخل.. لكنها ظاهريًا اكتسبت مظهرًا ساخرًا و هي تنظر إليه باستخفافٍ.. قبل أن تشيح بعينيها عنه ..ابتسم “نبيل” لتصرفاتها الطفولية.. و رفع يده مشيرًا لمنسّق الموسيقى الذي أبقى ناظريه على العريس كما أتفقا ..و في الحال.. صدحت موسيقى لغنوة بيطئة مميزة.. و أرتعدت “مايا” حين قبضت أصابع “نبيل” على رسغها ..تطلّعت إليه بنظراتٍ حانقة.. ليقابلها بنظراتٍ باردة و هو يقول:
- تعالي يا حياتي.. الـFirst Dance.. بتاعتنا!
**
بعد انتهاء الرقصة الأولى التي افتتحها العروسين و أدياها بحميميةٍ جديرة لإثارة المشاعر ..بدأت الأغاني الرائجة في الانتشار عبر جنابات القاعة المفتوحة.. كلٌ يستمتع بوقته.. و انشغل قسمًا من الرجال ببعضهم يتداولون أحاديث العمل.. و كذلك قسمًا من النساء يطرحن أخبار المجمتع الراقي و أخر الأحداث المثيرة ..و بين هذا و ذاك ..كان “مالك عزام” يقف وحيدًا.. غير مرئيًا.. وراء والده.. لا يستطع الإشاحة بعينيه عن كتلة الجمال هذه.. فتاة.. جمعت بين الفتنة و البراءة ..تبدو صغيرة للغاية.. لكنها جميلة جدًا.. تبدو كاللعبة.. كالدمية متقنة المعايير الجمالية لشدة مثاليتها ..شعر عسلي مجعّدٌ بنعومةٍ و لمعانٍ.. بشرة حليبية.. عينيان متسعتيّ البؤبؤين خضراوين اللون.. و ملامح دقيقة للغاية ..هذه الفتاة حتمًا تذكره بزوجة ابن خاله.. فهو أبدًا لا ينسى أجمل فتاة رآها بحياته.. كانت “سلاف البارودي”.. زوجة “أدهم عمران” التي لاذت بأحضان عمتها بعد وفاة أبيها ..لينتهي بها الأمر كنّةً و زوجة لابنها ..كانت شديدة الفتنة.. هو يتذكرها جيدًا رغم إنها منتقبة الآن.. لكنه لا يمكن أن ينساها.. كان جمالها غير عادي.. مثل تلك التي ينظر إليها الآن …
- واقف لوحدك ليه يابني؟
أخرجه من شروده صوت أبيه ..تطلّع “مالك” نحو “حسين” قائلًا:
- قلت حاجة يا بابا!
أعتذر “حسين” من محدثه الآخر و استدار قليلًا صوب ابنه:
- تعالى أعرفك على الشيخ حميد القصيمي.. ده أهم شريك ليا هنا.. و كمان جوز بنته راجل مهم في الدولة ..
لم يكن “مالك” منتبهًا لحديث أبيه.. فوبخه “حسين” منزعجًا:
- بتبص على إيه يابني.. ركز معايا أنا هاسيب لك الشغل كله في رقبتك الفترة الجاية.. عايزك تبقى أد المسؤلية.
- مين دي؟ .. تساءل “مالك” بغتةً و قد عجز عن الصمت أكثر.
نظر “حسين” حيث أشار له ابنه.. تمكن من تحديد النقطة بسهولةٍ لتميّزها.. و جاوبه بهدوء:
- دي ملك حفظي.. أخت مرات عثمان البحيري.. بس محدش متأكد!
عبس “مالك” –
- يعني إيه؟
تنهد “حسين” و شرح أكثر:
- عثمان طلّق مراته الأولى جيجي الحداد ليلة فرحهم. ماكنش حد عارف السبب بالظبط و الحكايات كانت كتيرة. كانت فضيحة ساعتها. بعد كام شهر صحينا على خبر جوازه من بنت ماتساواش قرش زي ما بيقولوا إلا إنها حلوة. خدها من البيئة الفقيرة إللي كانت فيها و عملها هانم و خلّف منها ولاده الاتنين. بس ملك.. في إشاعة طلعت إنه كان متجوز سمر مراته عرفي و من قبل ما يخطب جيجي و حملت منه و خلّفت ملك. عشان كده طلّق جيجي و اتجوز سمر.. و بصراحة أنا مصدق الإشاعة دي!!
ارتفع حاجبيّ “مالك” و هو يواصل النظر إلى الفتاة.. أثارت القصة اهتمامه إلى حدٍ كبير.. و جرى السؤال على لسانه تاليًا:
- عيلة البحيري دي بتاعة الإسكندرية صح؟ نبيل مناسب منهم!
- أخت نبيل الله يرحمها كانت متجوزة رفعت البحيري.. رفعت عم عثمان.. إللي قاعدة جنب ملك دي تبقى هالة بنت رفعت.. و نبيل يبقى خالها.
أومأ “مالك” برأسه مستوعبًا الحكاية أكثر الآن ..إلا إن اهتمامه أدهش “حسين”.. و سأله مباشرةً:
- انت بتسأل و مهتم أوي بالبنت دي ليه؟
نظر له “مالك” في هذه اللحظة.. أظهر له مزيدًا من الانتباه و رد ببساطةٍ:
- أبدًا.. شكلها مُلفت بس.
صمت “حسين” لهنيهةٍ.. و قال بلهجةٍ ذات مغزى:
- آه فعلًا.. شكلها يمكن أكبر من سنها.. بس كل إللي هنا عارفينها و عارفين أد إيه هي صغيرة.. ملك كانت طول عمرها ضل عثمان البحيري.. وماكنش بيفارقها في أي مناسبة.. مش فاهم إزاي جت هنا لوحدها !!
و ترك حديثه مع ابنه عالقًا.. ليعود ملبيًا نداء شركاؤه إلى حديثٍ آخر ..أما “مالك”.. فأحس بدفقاتٍ من الأدرينالين تسري بعروقه مع الدماء ..لقد راودته أفكار جنونية في هذه اللحظة !!!
رواية كرسي لا يتسع لسلطانك الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم مريم غريب
كانت ما تزال ترتعش و هي داخل سيارته.. الرجل الذي يقود بجوارها هو الآن زوجها مع الأسف.. و قد مضى على إنقضاء سهرة العرس و رحيلهما إلى منزله الخاص ما يقارب النصف ساعةٍ ..لم يسبق لـ"مايا عزام" أن شعرت بكل هذا الخوف.. و لا حتى في الليلة التي تم بها اعتداؤه عليها..
خوفها الآن منبعه إدراكها بأنها صارت ملكًا له.. ربما قبل سويعاتٍ لم يعدو الأمر معها إلا محض تحدٍ.. لكنه الآن.. شديد الجديّة.. ماذا ستفعل ؟
إنه مثل وحشٍ كاسر.. لقد جرّبت مواجهته من قبل فعلًا.. فماذا حدث لها !
لقد أخذها عنوةً.. و كم أحسّت حينها بالإذلال و الحطّ من كبريائها.. بالسنبة لرجلٍ يعرف بأنه ليس الأول بحياتها.. أباح لنفسه انتهاكها بأكثر الطرق عنفٍ و همجية.. ثم فوجئ بأنه الأول حقًا ..لعل ندمه كان لحظيًا.. لكنه ما لبث أن عاد متجبرًا.. سافلٌ و حقير ..ماذا ينوي لها يا ترى ما إن يُغلق عليهما بابٌ واحد !؟
الشيء الوحيد الذي تثق منه.. إنه لو استخدم قوته الجسدية عليها.. فلن تستطع صدّه أو ردعه أبدًا.. حتى لو حاولت ...
- وصلنا!
رف قلبها بقوةٍ عندما أعلن وصولهما.. و مدت عنقها قليلًا نحو النافذة الجانبة لها.. لترى بنايةٍ شاهقة الارتفاع.. من الطراز الرفيع.. حتمًا لا يسكنها إلا عُلية القوم و ذوي الثراء الفاحش ..
ارتعدت "مايا" داخليًا عندما وجدته يقف أمامها فجأة.. لم تشعر به يترجل من السيارة.. و أجفلت رغمًا عنها لما اجتذب مقبض بابها و دعاها للنزول مادًا لها يده:
- يلا.. انزليهاتي إيدك!
كزّت "مايا" على أسنانها بحنقٍ بائنٍ.. و طبعًا لم تذعن لأوامره.. إنما ترجلت فقط دون أن تودع يدها براحته الممدودة ..
ابتسم "نبيل الألفي" بإلتواءٍ و لا زال راسخًا بمكانه حتى و هي تمر بمحاذاته.. أغلق باب السيارة و أوصدها بضغطة زر على مفتاحه الالكتروني.. ثم استدار و سار خلفها على مهلٍ صوب بوابة البناية الواسعة ..
كانت تمسك بحاشية ثوبها الكبير و تمشي بصعوبةٍ بسبب الثقل الذي يحمله جسدها.. شعرت بخطواته خلفها حتى وصلت أمام المصعد الكهربي.. لم يستوقفها أفراد الأمن أثناء دخولها.. بالطبع.. فهي جاءت برفقة أحد قاطني البناية.. و لا بد أنهم عرفوا الآن بأيّ صفة ترافقه امرأة مثلها إلى محل إقامته ..
وصل "نبيل" إليها الآن.. استدعى المصعد الذي جاء في غضون لحظاتٍ.. استقلّا و قد مرّرها أمامه أولًا.. و ها هما ..شقتّه الخاصة التي تشغل طابقًا كاملًا.. فتح الباب و دعاها لتلج بلباقةٍ.. تقدّمت "مايا" للداخل مجيلة بصرها أرجاء المكان الفسيح ..
كما توقعت.. إنها شقة فاخرة.. مفروشة على الطراز العصري.. أثاث أنيق.. و مفروشات و تحفٍ ثمينة ..بدت الشقة و كأنها تعرّضت لحملة تنظيف للتو.. فالرائحة زكية للغاية من حولها.. و الأرض لامعة.. كل شيء مثالي و في مكانه الصحيح ..
انتفضت فور أن سمعت صوت إغلاق الباب و إلتفتت.. لتراه مثبتًا ناظريه عليها.. كان يحدق بجسدها و تفاصيلها التي يظهرها الفستان بشفافية عالية ..لكن ما إن استدارت هكذا.. رفع عينيه لينظر إلى وجهها.. و قال و هو يخطو نحوها ببطءٍ:
- نورتي بيتك يا عروسة.
لم ترد عليه ..فتخطّى صمتها و اقترب واقفًا قبالتها مباشرةً.. لا يفصلهما سوى خطوةً واحدة.. و قد دفعه موقفها المتحفز للابتسام مجددًا و هو يقول:
- ماسمعتش صوتك طول السهرة.. إيه.. القطة أكلت لسانك؟
من جديد لا تمنحه ردًا ..تنظر إليه بعداءٍ فقط.. ليكمل بتشدّق متفرّسًا بملامحها المثيرة المغطاة بطبقاتٍ مفرطة من المكياج:
- لسانك الطويل ده.. ماكنش بيسكت.. و الليلة دي بالذات.. ماينفعش يسكت.
و رأت نيّة حديثه بعينيه.. ما أجبرها على التخلّي عن جمودها و النطق أخيرًا بحدة شديدة:
- إللي في دمغاك ده انت تنساه خالص.. انت سامعني ؟مش معنى ان معاك ورقة تثبت شرعية العلاقة المهزلة دي يبقى تفكرني تحت أمرك.. لأ.. انت عمرك ما هاتلمسني و لا هاطّول شعرة مني.
لم يتوقف "نبيل" عن الابتسام و كأنه ينتشي بصوتها و كلماتها.. يغتبط بنفسه لأنه يثير فيها كل المشاعر العنيفة التي جعلتها تخرج عن صمتها بلحظةٍ ...
- لو عايز.. ماظنش هاتقدري تمنعيني! .. قالها بلهجةٍ كسولة نوعًا ما
عبست من غرابة ما يقوله.. لم تفهم جيدًا ما الذي يريده بالتحديد ..بينما يتنهد "نبيل" مضيفًا و هو ينتزع ربطة عنقه كأنما يتحرر من قيدٍ:
- بصي يا مايا.. أنا يمكن فيا كل العِبر.. و أكيد إني آذيتك.. بس ماتقدريش تنكري ان أي تصرف غلط عملته معاكي.. كنتي انتي سببه.. أنا مش عايز أتكلم في إللي فات.. و مش عايز آذيكي تاني.. انا غلطت معاكي.. و خلاص صلحت غلطتي و اتجوزتك.. اتجوزتك يعني بقيتي مراتي.. دي حقيقة لازم انا و انتي نتعامل معاها و نعيش مع بعض على أساسها.
مايا باستنكارٍ فظّ:
- بالبساطة دي عايزني أعيش و اتعايش.. مع الحقيقة إللي انت بتتكلم عنها.. انت فاكر إيه ؟ الموضوع تافه أد كده بالنسبة لك ؟الغلطة إللي بتتكلم عنها دي تمنها حياتك بالنسبة لي.. انت اغتصبتني.. و في الشارع زي أي واحدة رخيصة !!!
بدا حجم الجهد الذي يبذله ليتماسك أمامها بهذا الشكل.. و رد بعد برهةٍ قصيرة بصلابةٍ:
- أولًا.. انتي إللي صدّرتي عن نفسك الصورة الرخيصة دي يا مايا.. كل مرة كنتي بتحاولي تثبتي إنك كده فعلًا.. لحد ما صدقتك.. ف بتلوميني ليه دلوقتي؟
ثانيًا.. آه يمكن إللي حصل يكون ظاهريًا اغتصاب.. لكن انتي كنتي تقدري توقفيني بسهولة.. لو كنتي فتحت بؤك بس و اتكلمتي.. لو قولتيلي إنك لسا زي ما انتي ..
- كنت هاتعملها بردو !! .. صرخت به بانفعالٍ شديد
صمت.. بينما تمضي مكملة بنفس الطريقة العصبية:
- حتى لو كنت قولتلك إني زي ما أنا.. كنت هاتعمل نفس إللي عملته.. ماكنتش هاتصدقني ...
إلتزم الصمت أكثر.. أمام افتراضها الصحيح كليًا.. فعلى الأرجح كما تقول.. حتى لو كانت قد أخبرته عن عذريتها ..ما كان ذلك ليوقفه.. لأنه كان سيعتقد بأنها تضلله ..إنها محقة ..و هو المذنب دائمًا ...
- على أي حال.. انتي بقيتي مراتي!
كانت سترد بعنفٍ فقاطعها قائلًا بصرامة:
- مش هالمسك.. لو ده إللي هايريحك.. خلاص مش هقرب منك ..
أخذ صدرها يعلو و يهبط من شدة تنفسها.. لا تأمن له مهما قال.. مع ذلك أصغت لكلماته و هي ترمق محيّاه الحاد بقوة:
- بس في أصول للتعامل بينّا.. و في حدود في كل شيء من ساعة ما بقيتي على ذمتي.. نمط حياتك إللي فاتت ده تنسيه.. مش بطلب منك غير الاحترام المتبادل.. بيه هانعيش سوا في سلام.. و هكون وفّيت الدين إللي في رقبتي لأبوكي.
ابتسمت بسخرية على توصيفه غير الموفق.. فهو لم يحفظ حتى ثقة أبيها فيه ..أضاف "نبيل" بلهجةٍ أكثر حدة:
- حطي في بالك.. لو في يوم جرّبتي تتعدي حدودك في أي حاجة.. لبسك.. أسلوبك في الكلام سواء معايا أو مع أي حد.. مش هقولك أنا رد فعلي هايبقى إيه.. انتي هاتشوفي بنفسك!
و انتظر للحظاتٍ لكي تستوعب ما قاله.. ثم أردف:
- و بما إنك مش طايقة و لا متقبلة يكون بينا أي علاقة جوا أوضة النوم.. ف مش هاينفع ننام سوا في سرير واحد.. أنا هاخد أوضة الضيوف.. و هاسيب لك الأوضة الماستر.
نخرت "مايا" باستهجانٍ مشيحة عنه بوجهها:
- كتر خيرك و الله.. حقير!
- بتقولي حاجة؟ .. سألها بدهشةٍ
لم تجاوبه.. فتنفس بصبرٍ نافذ و قال:
- أخر حاجة.. أمورك كلها تخصني.. خروجك و دخولك بحساب.. مافيش حاجة اسمها براحتي و حياتي و خصوصيتي.. لأ.. انتي في وشي و على أسمي يبقى لازم أعرف عنك الكبيرة قبل الصغيرة.. إنما أنا ماخصكيش نهائي.
و هنا نظرت إليه معقّبة ببلاهةٍ:
- يعني إيه !؟
- يعني عكس كل إللي ألزمتك بيه.. مالكيش دعوة بأسلوب حياتي.. و لا تسأليني خارج فين و لا راجع منين.. لو مشيت مع نسوان.. مالكيش فيه.
نظرت له باسخفافٍ من أعلى لأسفل و قالت هازئة:
- ان شالله تولّع.. و أنا مالي ..
و رفعت سبابتها مكملة:
- بس ماتفكرش إن الوضع ده هايستمر يا نبيل.. مسير العلاقة دي تنتهي.. و في أقرب ممّا تتخيّل!
و انتزعت نظراتها عنه ملتفتة للوراء.. أمسكت بثوبها من الجانبين ثانيةً و مشيت للأمام هاتفة:
- منين الأوضة؟
صاح مجيبًا إيّاها و الغضب يعتمل عميقًا بداخله:
- أخر الطرقة على الشمال.
و ظل واقفًا بمكانه.. حتى عندما اختفت بالداخل ..أطلق أنفاسه الساخنة من صدره مسلّمًا بمآل الليلة.. فعلى كل.. هو لم يتوقّع أن يقضي شهر عسل معها ..خلع سترته و سار بدوره نحو الغرفة التي سيشغلها من الآن فصاعدًا ...
**في الصباح الباكر ..استقبلت مائدة الفطور بقصر "البحيري" عائلة "مراد أبو المجد".. و قد أظهر "عثمان البحيري" كل الترحيب و الحفاوة بهم فردًا فردًا ..أوصى منذ الأمس لهم على فطورٍ شهي.. و فطائر محلاة من أكبر المطاعم الشهيرة بالمدينة.. بعث في طلبها لأجل الصغار.. و لأجل صغيرته بالأخص ..كان "عثمان" يجلس مترأسًا المائدة.. و قد جلست "فريدة" ابنته في حِجره.. يُطعمها بيده بعض من الدوناتس التي تعشقها.. بينما على يمينه يجلس "مراد" جنبًا إلى جنب زوجته و صغيريّه.. "لمى" و "عمر" ...**
- بابا فريدة أكلت دوناتس كتير!
قالها "يحيى البحيري" الابن محاولًا لفت انتباه أبيه الذي انشغل بالحديث مع صديقه ..و بالفعل.. بترا الصديقين حديثهما و أدار "عثمان" رأسه نحو ابنه الذي تابع بكياسته المعهودة:
- ماما مش بتسمح لها بأكتر من واحدة في اليوم.. و أنا لاحظت إنها أكلت كتير.. جدًا.
وجّه "عثمان" أنظاره إلى طبق الفطائر أمامه.. فذهل فعلًا حين رأى واحدة فقط تبقّت.. من أصل أربعة.. نظر إلى اللقيمة الأخيرة بيده.. ثم إلى صغيرته التي رمقته باستعطافٍ لاعقة شفتيها الملتخطان بالشكولاتة ..انفجر "عثمان" ضاحكًا على شكلها الطفولي المُحبب إلى قلبه.. وضع اللقيمة بالطبق و ضمّها إلى صدره بقوة مرددًا:
- بقى كده يا فيري.. ضحكتي عليا و أكلتي كل ده و أنا مش واخد بالي.. مش اتفقنا واحدة بس؟
كانت الصغيرة كلّما أنهت واحدة أمسكت بيد أبيها و وضعت الأخرى دون أن يشعر مستغلّة إنهماكه بالحديث مع العم "مراد".. كما أوصاها أبيها بمناداته ..
حوّل "عثمان" نظراته نحو ابنه المراهق قائلًا بفخر:
- جدع يا يحيى.. يعجبني انك مركّز كده و بتاخد بالك من كل حاجة.. و بالأخص أختك.. برافو عليك ..
ابتسم "يحيى" محبورًا بثناء والده.. و قال "مراد" مشيدًا بدوره:
- ما شاء الله يا عثمان.. يحيى راجل صغير.. بيفكرني بيك لما كنا صغيرين و شبهك جدًا.. الله يبارك لك فيه.
أومأ "عثمان" موافقًا على كلماته و قال رامقًا ابنه بنظرات الاعتزاز:
- هو بالذات شاف معانا كل حاجة من أولها.. ده يحيى.. أمه تبقى سمري.. يحيى.. ابن العشق!
و مد يده ليفرك رأس الصبي بعاطفة أبوية ..قبّل صغيرته على خدّها و أنزلها عن قدمه قائلًا بلهجةٍ آمرة:
- خد أختك على أوضتها يا يحيى.. كلّم إيفون تطلع تغسل لها إيديها و تغير هدومها إللي بقت كلها Chocolate دي ..
أطاع "يحيى" في الحال:
- أوكي.. تعالي يا فيري ..
تغضّن أنف الصغيرة.. و مدت يدها على مضضٍ نحو أخيها الذي تسبّب بحرمانها من قطعة الدوناتس الأخيرة ...
- عثمان بيه!
إلتفت "عثمان" إلى نداء فرد الحراسة الذي وقف على أعتاب غرفة الطعام ...
- خير يا إكرامي؟
- الأنسة رانيا محفوظ وصلت و معاها البنات سعاتك.
- تمام.. دخّلهم الـPartition إللي في ضهر البيت و أنا هاحصّلك حالًا.
أومأ الأخير مطيعًا أمر سيده و ولّى خارجًا ...
- صحيح يا عثمان أنا شايف حركة في القصر من الصبح.. في حاجة و لا إيه؟
أجاب "عثمان" سؤال "مراد" و هو يمسح يديه بمنديل:
- آه الدفيليه بتاع سمر.. قررت نعمله هنا في القصر يوم حفلة شمسبس.. البروفات هاتبدأ من إنهاردة.. عن اذنك يا مراد هاخرج أقابل الـAssistant بتاعت سمر و أطمن بنفسي ان كله تمام.. البيت بيتك طبعًا.
و قام متوجهًا للخارج تتبعه نظرات "مراد" إلى أن تلاشى تمامًا ..تتطلّع "إيمان" إلى زوجها في هذه اللحظة قائلة:
- لطيف أوي صاحبك ده يا مراد.. و ذوق جدًا.
وافقها "مراد" و هو يلتقط قطعة خبز مدهونة بالقشدة:
- مافيش حد في كرم و ذوق عثمان البحيري.. و على فكرة ده طبع فريال هانم بالذات.. مش بقول أنكل يحيى الله يرحمه ماكنش زيهم.. بس فريال هانم أكتر.. شوفتي لما شوفناها في المطار عملت معانا إيه!
أومأت "إيمان" مبتسمة و قالت:
- لازم نعزمهم عندنا لما نرجع لندن.. بس أنا لحد دلوقتي ماشوفتش سمر مراته.
هز "مراد" كتفيه قائلًا:
- هاتشوفيها.. هاتروح فين يعني؟ ما هي تعتبر ست البيت ده.. في غياب فريال هانم.
**لم تكن جودة نومها جيدة مطلقًا ..لم تنم أكثر من ثلاث ساعاتٍ متواصلة.. و البقيّة قضتهو تتقلّب من جنبٍ إلى جنب.. عقلها لا يكفّ عن التفكير ..و قلبها الذي توخزه الذكريات.. لا يمكنه كراهيته تمامًا ..أجل ..إنها تعترف.. زوجها الذي رفضته بالبادئ.. و أبت مساكنته ببيتٍ واحد و غرفة واحدة ..لم تستطع إغماض جفنها و هو بعيدًا عنها.. طوال الليلة الماضية.. كانت تتحسس جانبه من السرير.. رغم آلامها منه.. و من الذكريات ..كان هنا صوتًا بداخلها يصرخ بأسمه.. إنها تحبه.. أحبّته في الماضي.. أنجبت منه.. عشات معه لسنوات فكيف لها ألا تحبّه !؟؟؟أليس كل بني آدم خطّاء؟ألم تختطئ هي أبدًا؟بلى ..لقد ارتكبت العديد من الأخطاء.. كلنا نخطئ.. و بالنظر إلى كل شيء جيد فعله لأجلها فإن خطؤه لا يُرى ..هكذا صرعت "سمر" أفكارها السيئة حول زوجها ..ما من داعي لتخرب استقرارها أكثر من ذلك.. لم يعد لها سواه.. رحلا شقيقيّها ..و هي هنا الآن.. معه.. و مع صغيريّها ..لتكسب ودّه من جديد.. إنها تريد هذا.. تريده بشدة ..تحسست "سمر" بطنها و هي تقف أمام المرآة.. بعد أن صدح الصوت العربي النسائي و الأقوى على الإطلاق.. "أصالة".. في أحب القصائد إلى قلبها "اضغب!" ..و لا يسعها بسماع أولى مقاطعها سوى تذكر لمحةٍ أخرى من ذكرياتها المفقودة.. حين أتاها قائلًا بأنه سيزوج من أخرى ..سالت دمعة من عينيها و هي تستمع للصوت و الألحان العذبة :**
"إغضب كما تشاء..
واجرح أحاسيسي كما تشاء
حطم أواني الزهر والمرايا
هدد بحب امرأةٍ سوايا..
فكل ما تفعله سواء..
كل ما تقوله سواء..
فأنت كالأطفال يا حبيبي
نحبهم.. مهما لنا أساؤوا.."
**ظلّت تتحسس بطنها فوق قماش قميصها الرقيق و هي تسير مع قوة جذبٍ غريبة صوب الشرفة.. هناك أسفل يدها.. جنينٍ ينمو بأحشائها.. طفلها.. طفل "عثمان البحيري" الثالث.. طفلهما ..إنها تحبّه و تريده قبل أن تراه.. تحبّه كما أحبّت والده.. و تحبّه أكثر مع كل خفقة.. مع كل شعورٍ غريب تختبره للمرة الولى بذاكرتها المولودة حديثًا ..ندت عن "سمر" نهدة عميقة و هي تقف وراء لوح الزجاج المرفق بالشرفة.. انصهرت مشاعرها العاطفية كلها لحظة وقوع بصرها عليه ..زوجها ..إنه يقف بالأسفل.. في الحديقة الخلفية.. يتحدّث عبر الهاتف بجديته المعهودة ..رباه !كم هو رزين.. كم هو آسر.. حنون.. و وسيم.. وسيمٌ جدًا ..رافق صوتها بقيّة كلمات الغنوة الشهيرة عبر المذياع الذكي.. كما ترافق نظراتها تحركاته أمامها.. غير قادرة على الإشاحة عنه طرفة عينٍ :**
"إغضب!
فأنت رائعٌ حقاً متى تثور
إغضب!
فلولا الموج ما تكونت بحور..
كن عاصفاً.. كن ممطراً..
فإن قلبي دائماً غفور
إغضب!
فلن أجيب بالتحدي
فأنت طفلٌ عابثٌ..
يملؤه الغرور.."
**و هنا توقف فجأةً و رفع رأسه.. كأنما أحس بمراقبتها.. تقابلت نظراتهما مباشرةً ..**
**تململت "سمر" بارتباكٍ لكنها لم تهرب.. لم تتحرك من مكانها و بقيت تنظر إليه عبر زجاج الشرفة ..**
**كانت ابتسامته الجانبية واضحة للغاية.. مُدغدغة لأوتارها الحسّاسة.. قبل أن تتصلّب كليّة و هي تلمح تلك الشقراء ..**
**اللعينة ظهرت الآن مقبلة عليه من الوراء و قد مدت يدها لتحطّ بها على كتفه ..**
**الساقطة ..**
**إنها هالكة !!!**
رواية كرسي لا يتسع لسلطانك الفصل الثلاثون 30 - بقلم مريم غريب
بالكاد أنهى المكالمة التي يجريها مع مكتب مساعدته الخاصة.. عندما أحسّ بيدٍ صغيرة تحطّ على كتفه من الخلف.
سحب نفسًا عميقًا.. و استدار لتقع عيناه على الشخصية النسائية المعروفة التي تقف أمامه.
"لارا الصفدي!" قالها "عثمان البحيري" بابتسامةٍ فاترة و رحب بضيفته.
"أهلًا يا لارا.. نوّرتي مصر.. و الإسكندرية كلها."
ابتسمت المرأة الشقراء ذات القوام الممشوق المثير و مدت يدها لتصافحه قائلة بلكنتها الشامية.
"مصر منوّرة بأهلها عثمان.. يا الله شو حليان. من مدة كبيرة ما شوفتك!"
و همّت بقطع المسافة بينهما لتعانقه.. إلا إنه قد جمدها بمكانها ممسكًا بكتفيها بلطفٍ و هو يقول بحزمٍ.
"شكرًا يا حبيبتي لذوقك.. بس على فكرة محدش حليان غيرك انتي و الله. مش عارف أشكرك إزاي لأنك لبّيتي دعوتي و وافقتي تشاركي في الدفيليه بتاع سمر مراتي."
امتقع وجه الأخيرة من جفائه غير المتوقع.. فهو لم يكن هكذا في السابق.. كان أكثر مرونة حتى في وجود زوجته ..فما باله الآن!؟
ردت "لارا" بلهجة أكثر جديّة.
"تكرم عينك حبيبي.. أهم شي انه البزنس و الديل تبعك انت و إلا ما إجيت."
أومأ "عثمان" قائلًا.
"أنا و سمر واحد فعلًا.. عشان كده لما تعبت شوية أنا مسكت عنها شغلها. و ماتقلقيش قيمتك بالذات هاتكون أهم حاجة عندي و إللي تطلبيه هاتاخديه يا لارا."
لارا بدهشة: "باينه هـ الدفيليه كتير مهم بالنسبة إلك."
عثمان بإقرار: "و من بداية تنفيذ الـ Collection.. سمر غابت عن شغلها مدة و حابب لما ترجع تلاقي كل حاجة مشيت زي ما هي عايزة و أحسن."
ثم قال مشيرًا لها للأمام.
"اتفضلي معايا.. هانمضي العقود الأول و أسلّمك الـ Check بتاعك."
***
أصابع دافئة تمر جيئة و ذهابًا فوق وجهها و جبينها.. بلمساتٍ خفيفة و ناعمة كالريشة.. نوعًا ما ..أحبّت ذلك!
لكنها أحسّت بالغرابة.. فهذا غير معتاد.. ترى ما الذي يحدث!؟
دفعت نفسها لتزيح جفناها.. لكنهما ثقيلان جدًا.. لا بد إنها لم تنم جيدًا.. الشيء الوحيد الذي يُبرر هذا هو اعتيادها قضاء معظم لياليها في البكاء.. لا بد إنها قضت ليلة مزرية أسرفت خلالها في الدموع حتى وقتٍ متأخر ..و لكن لماذا؟ .. ماذا حدث!؟
كررت السؤال بعقلها و قد تطلّب الأمر منها لحظاتٍ إضافية لتوقظ وعيها من غياهب السُبات.
"آااعععااااااممممم !!!"
ندت عنها تلك الصرخة ما إن فتحت عيناها لتصطدم برؤية "نبيل الألفي" الذي كمم فاها في الحال قبل أن تملأ جنابات الغرفة صراخًا.
"صباح النور!!" قالها زاجرًا و صدره يجثم فوق صدرها تقريبًا.
تلوّت "مايا عزام" بعصبيةٍ أسفله و حاولت نزع كفّه عن فمها عبثًا.. فقال بهدوءٍ خطر.
"انتي فايقة صح؟"
"لو شلت إيدي و صرختي هاتزعلي!"
اتسعت عينيها غضبًا و حاولت مرةً أخرى دفعه عنها كليّةً.
استجاب هذه المرة لصدّها متحفزًا.. لكنها لم تصرخ ثانيةً.. إنما تزحزحت بعيدًا عنه قدر استطاعتها حتى إلتصقت تقريبًا بحائط الفراش.
كان "نبيل" يشملها الآن بنظراته.. لا يعبأ لنظرة المقت بعينيها.. و لكن علّق باستجهانٍ.
"معقول نمتي بفستان الفرح؟ .. أد كده كبريائك منعك تطلبي مني المساعدة!!"
لم ترد عليه.. فتنهد و هو يهز رأسه أسفًا على حالها.. مكياجها الذي خرّب من البكاء.. و الكحل الذي لطّخ عيناها.. كان وضعها سيئ حقًا.. فلم يناقشها بهذا أكثر.
وقال مشيرًا بإبهامه صوب باب الغرفة.
"أبوكي جه برا.. عايز يطمن عليكي. مش هاتطلعي تقابليه؟"
خرج صوتها الآن حادًا و متحشرجًا من أثر النوم.
"اتفضل اخرج انت الأول.. و أنا جاية."
عبس مستوضحًا.
"هاتعرفي تفكي الفستان لوحدك؟"
مايا بحدة أكبر: "قبل ما بابا يمشي هاطلب منه يساعدني."
"نعـم ياختي؟!" صاح "نبيل" مستنكرًا.. و قد بدا غير نبيل على الإطلاق.. كان مجرّد رجل شوارع.. بربري و هو يقوم واقفًا و مستعرضًا ضخامته عليها لدرجة أرعبتها من الداخل لكنها حرصت على ألا يستشف منها خوفًا.
"بقى عايزة تقابلي أبوكي بفستان الفرح؟ .. عشان يقول إيه؟ و يفكرني كنت بعمل إيه بقى طول الليل.. أكيد ماشربتش اللبن و نمت زي الشاطر!!!"
رفت عيناها و هي تسأله بصوتٍ به رجفة.
"انت عايز إيه؟"
نبيل بصرامة: "عايزك تقومي تقفي قدامي عشان أفك لك الفستان ده.. و بعدين تلبسي حاجة شيك كده زيك زي أي عروسة محترمة و تخرجي تقابلي أبوكي."
ازدردت ريقها الجاف بصعوبة و هي تحدق فيه بدورها.. كان يرتدي بيجامة من نسيج الحرير الأسود.. و قد ترك أزرارها العلوية محلولة.. كان يتظاهر و كأنه عريسًا حقيقيًا على أكمل وجه.
في الأخير لم تجد "مايا" بدًا من الإذعان له.. تحرّكت بحرصٍ مرغمة نفسها على إطاعته.. نزلت من السرير و وقفت أمامه.. استدارت ببطءٍ حتى أولته ظهرها.
أغمضت عينيها كاتمة شهقة حين شعرت بيديه و هما تتحركا بسرعة فوق ظهرها.. أصابعه تلامسها من جديد و بشكلٍ مباشر.. أحيانًا يوخرها و هو يقسو بدون قصدٍ لحل أربطة الفستان المعقّدة.
و بعد مرور ثلاثة دقائق تقريبًا.. انتهى عمله.
"أنا خلصت!"
كانت تعلم هذا.. لأنها في نقطةٍ قريبة أحسّت و كأن الفستان سيسقط من حول جسمها.. فتشبثت بأطرافه بيديها بقوةٍ.
بقيت مغمضة العينين.. لا تود أن تواجهه أكثر من ذلك.. فسمعته يقول و هو يبتعد عنها بالفعل.
"هاخرج أستنى مع أبوكي.. متتأخريش."
سمعت صوت إغلاق الباب ..لتطلق أنفاسها المحبوسة.. و تفلت الفستان ليسقط من حولها أخيرًا.
***
كان اجتماعًا بالمبنى ذي الطابق الواحد المجاور للقصر.. جلس "عثمان البحيري" خلف مكتبٍ زجاجي.. أمامه كلًا من عارضة الأزياء الشهيرة "لارا الصفدي" و مساعدة زوجته الخاصة "رانيا محفوظ".
دفع ببعض الأوراق نحو "رانيا" قائلًا بلهجةٍ عملية.
"اتفضلي يا رانيا.. ده File تسويق الـ Line الجديد.. معمول عليه دراسة مظبوطة جدًا أنا بنفسي قررته و راجعته كمان بعد ما خلص.. أول ما يخلص الدفيليه تاني يوم علطول هاتتواصلي مع الـ Clients إللي أساميهم عندك هنا و هاتوّردي الكمّيات إللي حدّدتها لكل واحد."
تصفّحت "رانيا" بعض الوراق التي تهمها بالملف.. ثم تطلّعت إليه و قالت بابتسامة هادئة.
"تمام يافندم.. بس حضرتك مش شايف ان في تعديلات مش هاتناسب بعض الـ Clients الأساسيين بتوعنا؟"
تنهد "عثمان" مدركًا قصدها و قال بفتورٍ.
"فاهم عايزة تقولي إيه.. انتي قصدك ان الـ Fashion House بتاع سمر متخصص لأزياء المحجبات.. و الـ New Collection في Designs مالهاش علاقة بالحجاب أصلًا صح؟"
أومأت "رانيا" مقرّة بصحة كلماته.. فأردف ناقرًا بقلمٍ فوق سطح المكتب.
"سمر قبل ما تعمل الحادثة مضت عقد قوي جدًا مع الشركة الإماراتية إللي انتي عارفاها.. انتي حضرتي معاها الـ Meeting و عارفة العقد ده بنوده عاملة إزاي و لو حصل خلل أو تأخير الخسارة هاتطول اسمها في السوق جامد و دي حاجة أنا ماقبلش بيها طبعًا.. للأسف أنا لما بصيت على شغلها لاقيته لسا ماكملش و إللي كمل فيه مش كتير و مايغطيش الـ Collection كله.. ف بالصدفة لاقيت شغل فريال هانم.. كانت عاملة Designs من زمان و مركونة.. تقريبًا هي نفسها نسيتها.. قلت ده حل جالي في وقته و اعتمدته بجانب إللي خلص من شغل سمر.. الـ New Collection هايضم شغل فريال هانم و شغل سمر.. و كل واحدة فيهم ليها روّادها يا رانيا.. فهمتي؟"
تدلّى فك "رانيا" من قوة الإدراك المباغت.. و همهمت و هي ترمق عارضة الأزياء "لارا الصفدي" بنظرةٍ خاطفة.
"آااااااه.. عشان كده حضرتك طلبت مني أجمع لك مودلز معينين!"
ابتسم "عثمان" كإجابة صامتة و لم يرد.
هزت "رانيا" رأسها و قالت و هي تجمع أشيائها بحقيبة عملها.
"تمام يافندم.. أنا هاتمم كل الشغل ده و هابلّغ حضرتك بالجديد أول بأول. تحب أخد المودلز معايا و أمضّيهم و لا حضرتك عاوز تشوفهم كويس؟"
لوّح "عثمان" بيده قائلًا.
"لا لا شوفتهم خلاص.. خديهم و هاتلاقي في الـ File إللي معاكي Check لكل مودل. بس اتأكدي ان كل واحدة مضت عقدها."
"أوكي يافندم.. عن إذنك."
و قامت متهيأة للرحيل ..لتسمع صوت أشبه بالاقتحام فجأةً.. تلتفت.. لترى رئيستها.. "سمر حفظي" بنفسها. تقف على أعتاب الباب.. محيّاها الطفولي عادةً قد سبغ بأطنانٍ من الحمرة العدائية.. و قد بدت و كأنها تتوق لإرتكاب جريمةٍ.
***
أعد "نبيل الألفي" قدحيّ قهوة له و لحماه.
أخذ صينية التقديم و توّجه نحو الصالون الفخم حيث يجلس "حسين عزام".
قدّم له قدحه.. شكره الأخير.. و جلس "نبيل" قبالته قائلًا.
"بس انت ماقولتليش انك هاتسافر.. معقولة جت فجأة يعني؟"
أخذ "حسين" رشفةً من قهوته.. ثم نظر إلى صديقه الصغير و زوج ابنته و قال.
"صدقني جت فجأة.. أنا لسا عارف من ساعة بالظبط ان حفيدتي في مصر.. دي فرصتي يا نبيل."
نبيل مشدوهًا: "حفيدتك في مصر بجد.. طيب دي أخبار حلوة. أخيرًا هاتشوفها!"
رد "حسين" و قد إلتمعت عيناه بدموعٍ طفيفة.
"أيوة أخيرًا.. انت عارف بقالي أد إيه ماشوفتهاش يا نبيل؟"
أومأ له "نبيل" و هو يقول بلهجةٍ متضامنة.
"عارف.. عارف يا حسين."
أجابه "حسين" رغم ذلك.
"من لما كان عمرها 3 سنين.. و هي دلوقتي ما شاء الله بقت أنسة.. 16 سنة.. يعني بقالي 13 سنة ماشوفتهاش وش لوش يا نبيل.. لمى دي.. هي الحاجة الوحيدة إللي باقيالي من ريحة سيف إبني..مش فاهم ليه أمها مصممة تحرمني منها!!"
تأثر "نبيل" كثيرًا لحزن صديقه العجوز العميق.. ليس حزنًا على ابنه فقط.. بل على قطعةً منه على قيد الحياة و لا يمكنه رؤيتها.
كان الأخير على شفى الانهيار في البكاء دون تحفّظٍ أمامه كالعادة.. لولا ظهور ابنته في هذه اللحظة.
انتبه إليها "حسين" أولًا.. استعاد رباطة جأشه في الحال و وضع القهوة ليقوم مستقبلًا إيّاها بأحضانه.
"أهلًا أهلًا.. حبيبة أبوها يا صباح الورد."
في جهةٍ أخرى.. لا يزال "نبيل" جالسًا.. يبتأمل برضا ما ترتديه زوجته.. ثوب للنوم مخصص للعرائس.. أبيض اللون.. يعلوه روبًا صقيلًا من اللون لا يشف و لا يصف ما تحته. وجهها كان نظيفًا.. و قد اكتفت بحمرة خفيفة على وجنيها و فمها.. بدت الآن كعروسٍ حقيقية.. و هذا أرضاه كثيرًا.
تستقر "مايا" بين أحضان أبيها بآلية.. و تستمع لصوته اللطيف يداعبها بعاطفةٍ أبوية.
"صباحية مباركة يا عروسة.. إيه الحلاوة دي بسهو الجواز بيحلّي كده؟ .. ده أنا أروح اتجوز بقى."
و ضحك بانطلاقٍ.. يشاركه "نبيل" الضحك قائلًا بمزاح.
"و ماله سيبلي أنا الموضوع ده و أنا أنقي لك واحدة على أد سنك.. مش ناقصين تاخدها صغيرة و تقطع لنا نفسك يا راجل.. احنا لينا غيرك يعني."
ضحكا الرجلان أشدّ.. بينما تخضبتا وجنتيّ "مايا" من الخجل بسبب حديثهما و إلتزمت الصمت خلال الثوانِ التالية.
"تعالي يا حبيبتي أقعدي جنبي!" قالها "حسين" و هو يشدّها بلطفٍ لتجلس بقربه فوق الأريكة.
ندت عن "نبيل" نهدة و هو ينهض قائلًا.
"طيب عن اذنكوا."
حسين بدهشة: "رايح فين يا نبيل؟"
"هاسيبكوا لوحدكوا شوية.. ماتقلقش مش هابعد.. هادخل أعمل مكالمة شغل.. مش هتأخر."
و مضى للداخل تاركًا إيّاهما على إنفرادٍ.
"عاملة إيه يا حبيبتي؟"
ردت "مايا" على سؤال أبيها دون أن تنظر إليه مباشرةً.
"الحمدلله.. كويسة."
"مبسوطة مع نبيل؟ .. بيعاملك كويس يعني؟"
"آه.. بيعاملني كويس."
ابتسم "حسين" باطمئنانٍ.. ثم قال.
"طيب الحمدلله.. طمنتيني.. و لو ان انا عارف أصلًا نبيل هايشيلك جوا عنيه.. ماكنتش وافقت أجوزك له."
أسرّت "مايا" سخريتها في نفسها.. ليتابع "حسين".
"أنا مسافر يا مايا ..و هنا نظرت إليه."
"يعني إيه مسافر؟"
"نازل مصر.. لمى.. بنت أخوكي هناكهانزل أشوفها و راجع تاني."
صمتت "مايا" تمامًا.. فقال "حسين" يطمئنها.
"ماتقلقيش.. انتي مش لوحدك هنا.. معاكي جوزك.. و كمان أخوكي مالك موجود. و أنا مش هتأخر.. بس أشوف بنت أخوكي و أطمن عليها.. و بعدين أرجع لك علطول."
مايا بوجوم: "انت حر.. انت طول عمرك حر و محدش ماسكك. أعمل إللي انت عايزه."
نظر لها "حسين" بأسى مدركًا ما ترمي إليه بكلامها.. فهي لا تزال تلومه على هجره لهم حتى و لو لم تقولها صراحةً.. فتح فاه يريد الدفاع عن نفسه لأول مرة أمامها.
لكنها بادرت قائلة بابتسامة مصطنعة.
"متهيألي قهوتك بردت.. تحب أعملك غيرها!"
***
الآن و قد خلت الغرفة الواسعة لكليهما.
كان بإمكان "عثمان" من حيث يجلي أن يرى البخار يتصاعد من رأس زوجته.. و تقريبًا كان يدرك السبب.. لكنه آثر الادعاء بالجهل.
"إيه يا بيبي.. شكلك متعصبة أوي كده ليه؟ انت حتى ماردتيش السلام على رانيا.. صاحبتك و الـ Assistant بتاعتك.. بصراحة أحرجتيها أوي يا سمر!"
سمر بحدة سافرة: "معلش.. كان لازم أضرب لها سلام خصوصي!!"
عبس "عثمان" قائلًا ببرود.
"مالك بس يا حبيبتي؟ .. إيه إللي مضايقك أوي كده؟ أنا عملت حاجة زعلتك و أنا مش واخد بالي!؟"
"انت كمان عايز تطلّعني عبيطة!!؟?" انفجرت صارخة بوجهه.
ليكفهرّ وجهه بلحظةٍ و هو يقول بهدوءٍ مرعب.
"صوتك.. إوعك صوتك يعلى عليا. انتي فاهمة يا سمر؟"
سمر بعصبيةٍ شديدة: "لأ مش فاهمة.. أنا صفتي إيه في البيت ده؟ صفتي إيه في حياتك أصلًا؟؟"
يرفع حاجبه في تحذيرٍ قائلًا.
"قلت صوتك.. مايعـلاش!!"
أغاظها تسلّطه أكثر لترد بانفعالٍ أشدّ.
"بأمارة إيـه؟ .. انت حتى لو كنت جوزي.. لو كنت حبيبي زي ما الكل بيقول أنا مستحيل أكمل معاك.. يا خاين!!!"
أشار "عثمان" لنفسه معقّبًا ببراءة.
"أنا يا بيبي؟ أنا أخونك.. بقى ده جزائي سايب شغلي و ماسك شغلك لحد ما تروقي و ترجعي تستلميه من تاني.. بتتهميني بالخيانة؟ بعد كل إللي بينا."
سمر باستجهانٍ: "شغلي؟ شغل إيه ده إللي كله مسخرة و قلّة أدب؟ لما راجل زيك يكون وسط بنات كلهم قالعين!!"
ابتسم "عثمان" بخبثٍ و قال.
"و الله لو كنتي لسا بعقلك كنتي فهمتي إن دي طبيعة شغلك.. انتي واقفة في Dressing Room ..و أشار إلى الجهة المقابلة التي احتلتها زاوية دائرية محاطة بستارٍ سميك.. و أردف :-و دول مودلز لازم أختارهم بنفسي بدالك عشان يمثلّوا الـ New Collection بتاعك.. أومال إيه يا بيبي.. مصلحتك دي أهم حاجة عندي!"
لم تتحمل "سمر" كل هذا الكمّ من استفزازه لها فوق مشاعر الغيّرة الحمقاء التي تنهش قلبها بلا مبررات.. أو بمررات!!!
صرخت بقهرٍ و هي تندفع محطّمة و مطيحة بأيّ شيء في هذه الغرفة.
"مش عايزة الشغل ده.. ده مش شغلي.. ماعرفش عنه حاجة.. مش عايزااااه.. مش عـااايـزاااااااااااااااااااااااااااااااااااااه ..."
يلحق بها "عثمان" قبل أن تؤذي نفسها و حملها بالفعل بسبب نوبة الغضب العنيفة هذه.. أتى من خلفها مطوّقًا خصرها بساعديه.. صرخت بذعرٍ بينما يحملها إلى المكتب.
أدارها ليضعها بحرصٍ هناك فوق السطح الزجاجي.
"اعقلي يا مجنونة!!" هتف "عثمان" بخشونةٍ.
كان قد أمسكها بإحكامٍ مكبلًا يديها في قبضتيه.. و مثبتًا جسدها تحت ثقل جسده الصلب.
تشنّجت محاولة الإفلات منه و هي تهسّ بشراسةٍ.
"انت كداب.. انت مابتحبنيش.. انت عمرك ما حبتني."
زم فمه بقوةٍ و هو يحدق فيها بقساوةٍ.. بينما يجد ضعفٌ مفاجئ ثغرةً إلى أعماقها.. فتطل الدموع من عينيها الآن و هي تستطرد بصوتٍ مخنوقٍ كالأنين.
"انا تعبت.. تعبت منك.. سيبني بقى و ريّحني.. أنا مش قادرة أستحمل الحياة دي."
تغضّن وجه "عثمان" بشدة.. كم كره أن يراها في وضعٍ كهذا.. و قد عادت إلى نقطة الصفر في بادئ علاقتهما.. لا تثق به.. و تشك به. متى ينتهي هذا؟ .. متى تعود إليه حبيبته؟ .. أيّ شيء لعين يمكن أن يفعله ليجعلها تصدق مشاعره تجاهها!؟
"سمـر!" غمغم "عثمان" بخفوتٍ.
فأنبثقت الكلمة من بين شفتاها لا شعوريًا.
"أنا بحبـك."
خطفت أنفاسه بنطقها لهذه الكلمة.. هذه الكلمة التي طال عهده به.. و لم يسمعها منذ مدةٍ ليست بالقصيرة.. راح ينظر إليها مليًّا دون أن يقول شيئًا.
لو لا إنها انتحبت فجأةً.. ممّا دفعه لضمها دون لحظة ترددٍ.. أخذ يحتضنها بقوةٍ.. و ظلّت متجمّدة لثوانٍ طويلة بين ذراعيه.. ثم بدأت تسترخي ببطءٍ و هي تطلق تنهيداتٍ عميقة محاولة عبثًا السيطرة على نشيجها.
حاولت لمرةً واحدة رفع يدها لتلكم صدره.. و بعدها خارت قواها تمامًا.. ضغطت رأسها في حضنه و أجهشت بالبكاء.. لذا أحتضنها بشدة.. بكل ما عنده من قوة لدرجة إنه خاف أن يؤذِها.. فخفف عناقه عليها و هو يهمس في أذنها مغمضًا عينيه.
"و أنا بحبك يا سمر.. بحبك.. فوق ما تتخيّلي. انتي حبيبتي.. انتي و بس."
شعر بذراعيها تحيطان عنقه تاليًا.. و فمها يلامس جانب صدغه.
بعد ذلك جاء كل شيء بدون ترتيبٍ كالمعتاد.. عشوائي.. فوضوي. بطريقةٍ ما عثرتا شفاههما على بعضهما.. و تمازجتا في قبلةٍ طويلة.. محمومة.. كانت كفيلة لدفعه إلى التفكير جديًا بأخذها هنا.. في هذه الغرفة.. على مسمعٍ من أيّ عابر قد يمر بالجوار. الأرجح إنه لم يهتم.. كانت فاتنة.. في أقصى مراحل ضعفها و قمّة أنوثتها الفطرية التي يعشقها.
تأوهت "سمر" عندما ضغط جسده عليها.. و كان هذا المطلوب.. أن يستمع لصوت آهاتها ليُسكت أيّ صوت آخر في رأسه.
أزال حجابها بسهولةٍ.. ثم أنزل يديه و رفع تنورتها بتهملٍ.. مرر كفيّه على فخذيها مخللًا أصابعه بسروالها دون أن يتوقف عن تقبيلها.
كان الأمر وشيكًا.. جدًا.
و فجأة..
"عثمان بيه!" صاح الصوت الرجولي من الخارج بعد ثلاث طرقات متتالية.
قطع "عثمان" القبلة مرغمًا.. زفر بضيقٍ و هو يهتف بحدة من مكانه.
"عايز إيه يا إكرامي؟"
"صالح بيه واقف برا على البوابة.. و عندنا أوامر من حضرتك مايدخلش.. تؤمر بإيه؟"
فترت الرغبة لديه بغتةً ما إن سمع اسمه.. ابن عمه.. لقد عاد كما توقع.
لم يحِد بعينيه عن عينيّ زوجته طوال هذا الوقت.. و كانت تناشده بصمتٍ ألا يتركها.. لكنه صاح بحزمٍ.
"محدش يتحرك من مكانه.. أنا جاي!"
***
لأول مرة منذ غادرت القصر.. قصرها بلا رجعةٍ.. تبارح الغرفة التي نزلت بها هنا. لا تصدق بأنها باتت تقيم بالفنادق الآن.. لا تصدق بأن أقبح و أكبر كوابيسها قد تحقق و إنها تقريبًا صارت وحيدة.
فوق الوحدة التي تستشعرها مؤخرًا.. فهي قلقة.. هناك قلق لعين يستفحل بصدرها.. يؤرّق نومها و يجعل المكوث بالغرفة وحدها مميتًا.
لذلك اتخذت قرارها من بكرة الصباح و نزلت لتأخذ فطورها بالمطعم الرئيسي.
اختارت طاولة قرب الترّاث المفتوح.. حيث الهواء الطلق.. و الإطلالة الساحرة قبالة البحر مباشرةً.
و رغم قلّة شهيّتها.. أجبرت نفسها على تناول بعض لقيماتٍ من الخبز المحمّص و أصابع الجبن المطهّي.. قبل أن تحتسي قهوتها الداكنة كالمعتاد.
تنهدت بحدةٍ عندما ظهر نفس الرجل الذي لاحظته يتبعها مؤخرًا لكل مكانٍ تذهب إليه.. و فطنت على الفور من المرة الثانية و من طريقته في النظر المتوارب إليها و تظاهره بأنه محض غريبًا.
إنه يعمل تحت إمرة ابنها بالطبع.. هو الذي أرسله ورائها ليأتي له بأخبارها.. لو لا إن طاقتها قد استنزفت فعلًا لقامت إليه و تسببت له بالمتاعب.
لكنها لا تشعر بأنها بخير.. و لم تعد بقادرة على هدر مزيدًا من جهدها سُدى.. تعبت.
"فريال هانم!"
تطلّعت "فريال المهدي" نحو الصوت الأنثوي الذي ناداها. و تسمّرت فور أن رأتها.. هي بنفسها.. لا يمكن أن تنساها.
لم تنطق بحرفٍ و بقيت ترمقها فقط بنظراتٍ خالية من التعابير.. بينما تبتسم الأخيرة بشيء من الاضطراب.. و تقول بصوتها الرقيق.
"أنا رحمة.. رحمة جابر. أكيد انتي عارفاني.. أنا سيبت القصر و نزلت هنا في الفندق بالصدفة.. صدقيني ماعرفش نهائي إنك نازلة فيه.. و شوفتك دلوقتي بالصدفة.. انا قاعدة مع خطيبي في الترابيزة إللي هناك دي."
و أشارت لها صوب طاولة بمنتصف قاعة الطعام.
ألقت "فريال" نظرة واحدة تجاه الرجل الضخم الذي جلس مراقبًا باهتمامٍ ما تقوم به رفيقته.. ثم نظرت إليها ثانيةً.
سحبت "رحمة" نفسًا عميقًا.. و قالت.
"أنا مش حابة أضايقك.. و لا جيت عشان أسبب لك أي ازعاج.. بس كنت محتاجة أتكلم معاكي شوية.. تسمحيلي أقعد؟"
لم ترد "فريال".. فاعتبرت "رحمة" صمتها قبول.
شدت كرسي و جلست قبالتها.. لم تتكلم في الحال.. تركت بعض الثوانٍ لتمر في صمتٍ.. ثم استهّلت حديثها بلطفٍ.
"تعرفي ان طول عمري بحسدك؟ .. من أول ما عرفتك و أنا حسداكي. كل الناس.. كلهم اتفقوا على حبك.. و على إنك ست جميلة.. أيقونة زي ما بيقولوا.. مافكيش غلطة.. أنا عارفة ان انا حلوة.. بس الأكيد عمري ما كنت و لا هكون حاجة جنبك لا في جمال و لا حتى في أصل.. صدقيني اتأكدت من ده من زمان أوي."
كانت "فريال" تستمع إليها و هي تكتم بداخلها حسرتها.. حقيقة إن هذه المرأة كانت تشاركها زوجها.. لسنواتٍ كان زوجًا لها.. و قد أنجب منها ابنته الثانية. لم ينقصها إلا هذا العذاب أيضًا.. عذاب لا يُضاهيه أيّ عذاب آخر مرّت به.. خيانة زوجها و حبيبها تتجسد أمامها الآن.. و ترى كما لو بمعجزة كم و كيف كان يخونها.
انتبهت "رحمة" للصراع الذي يدور بأعماق السيدة الجميلة.. المجروحة بكبريائها و قلبها. أحسّت بحزنٍ حقيقي عليها.. و هي التي لم تتخيّل أن تتضامن معها بحياتها و لا بأيّ شكلٍ من الأشكال.
"كنتي اختياره الأول و الأخير!" تمتمت "رحمة" تلقاءً.
لم تهتز شعرة واحدة من "فريال".. بينما تستطرد الأخيرة دامعة العينين.
"ماكنش بيحب غيرك.. من أول يوم قالّي كده.. و فضل على كده سنين. بعد ما عايّشني مرار كتير و سعادة قليلة.. ماتفكريش إني كنت مبسوطة في حياتي معاه.. أنا حبيته.. و استحملت.. و اتنازلت عن حاجات كتير جدًا مش ممكن تتخيّليها.. أولهم كرامتي.. لكن أقولك الحق.. هو مع الوقت حبّني.. يحيى حبّني.. رغم اني من ساعة ما اتجوزته عمري ما تخيّلت ان ده يحصل بسببك.. بس.. لو كان جه يوم و لازم يختار... كان هايختارك انتي!"
لم تنتبه حتى تساقطت دموعها فوق ظاهر يديها بأنها كانت تبكي فعليًا.
أخفضت رأسها مخفية وجهها بشعرها ريثما تسحب محرمًا من حقيبتها الصغيرة.. كفكفت دموعها لبرهةٍ.. ثم نظرت إليها محتقنة الوجه.. ابتلعت غصّتها و قالت باقتضابٍ متمالكة أعصابها.
"فريال هانم.. صدقيني أنا ماكنتش حابة أتحط قصادك في أي مواجهة. من يوم ما مات يحيى مافكرتش أقرب من عيلتك و لا حدودك.. بس غصب عني.. بنتي مقدرتش أمنعها.. طول عمرها نفسها تقرب من أخواتها.. و للأسف أنا اتكتب عليا مايكونش عندي غير شمس.. عثمان و صفيّة ولادك هما أخواتها.. أنا برجوك.. ماتاخديش ولادنا بذنب أبوهم.. لو عليا أنا مش هقرب منك تاني و لا هاتشوفيني.. بس شمس.. شمس محتاجة عيلة.. و ماتستاهلش تعيش وحيدة زي ما أنا عشت.. على الأقل أنا ماليش حد في الدنيا دي كلها غيرها.. لكن هي حرام تتحرم من عيلتها.. و هما عايشين على وش الدنيا.. لأخر مرة بترجاكي.. أقبلي شمس في حياة ولادك.. شمس مالهاش ذنب."
و ندت عنها نهدة مطوّلة.. انتظرت حتى تمكنت من استعادة السيطرة على نفسها كليًا.. ثم نهضت ممسكة بحقيبتها.
و قبل أن تتحرك مبتعدة عنها قالت.
"على فكرة يا فريال هانم.. يحيى كلّمني.. بعد الحادثة. و هو بيموت.. و طلب مني أخد شمس و أرجع بيها مصر.. طلب مني أخدها لأخوها.. و ماحطش ثقتي في أي حد غيره.. أنا مافهمتش كلامه إلا لما شوفت عثمان.. عثمان طلع راجل بجد.. و حقيقي تسلمي على تربيتك... عن اذنك!"
و تركتها عائدة إلى طاولتها.. حيث يجلس خطيبها بانتظارها.
أما "فريال".. لم تكن تفكر في أيّ شيء الآن.. سوى آخر ما أدلت به "رحمة". لقد اتصل بها "يحيى" قبيل وفاته بلحظاتٍ ليخبرها بأن تأخذ ابنتها و تذهب إلى "عثمان".. و الأغرب من هذا.. يطلب إليها ألا تثق بأيّ أحدٍ سواه.
لماذا؟ .. ماذا عرف "يحيى" قبل وفاته؟ .. ما الذي دفعه لقول هذا؟
هل كان حادثه مدّبرًا؟ .. ترى ما سر اللحظات الأخيرة من حياة "يحيى البحيري"!؟
***
"بقى دي أخرتها يا عثمـان؟؟؟؟"
كان "عثمان البحيري" يستمع بالفعل من على بُعد أمتارٍ إلى صياح "صالح البحيري".
إلتزم "عثمان" هدوء الأعصاب و هو يُقبل نحو بوابة القصر العملاقة.. لم يعطِ أمرًا بأن تُفتح بعد.. إنما وقف ينظر لابن عمه من خلال السيّاج القاتمة.. يرى نسخة باهتة عنه.. و ليس "صالح" الذي يعرفه. فهذا الذي أمامه أنحف قليلًا.. مشعث.. و يبدو و كأنه يُعاني من نوبات اكتئابٍ حاد.. لكن كل هذا لم يحرّك ذرة من تعاطفه.. ليس بعد الذي فعله بشقيقته.
"جاي عايز إيه يا صالح؟" سأله "عثمان" بهدوء.
صالح بتبجّح: "إيه إللي جاي عايز إيه؟ .. جاي بيتي يا عثمان.. أخرتها موقفلي رجالتك يمنعوني أدخل بيتي!!"
عثمان بحزمٍ: "مابقاش بيتك يا صالح.. و انت عارف ده بيت مين دلوقتي."
انتصب شعر "صالح" من شدة الغضب و يقبض على السيّاج فجأة هاتفًا.
"يعني هو ده إللي كنت بتخطط له من الأول.. و خلتني أمضي لك تنازل عن البيت عشان يبقى ليك الحق تمنعني أدخله.. يا ترى كنت مطبّخها مع أختك و قرتصتوني انتوا الاتنين.. و كنت عارف إنها بتخونّي و ساكت."
"صـالـــــح !!!!" صاح "عثمان" بغضبٍ شديد.
أحمّر وجهه بخطورةٍ من قمّة الغضب و هو يرد عليه.
"لو نطقت كلمة تانية في الموضوع ده.. ماتلومش غير نفسك.. مش هاعمل حساب لأي حاجة!"
عبس "صالح" بشدة و لم ينبس ببنت شفة لدقيقةٍ كاملة.
ثم فجأة.. إنهار تمامًا.. و سطعت الدموع بعينيه و هو يقول بلهجةٍ محطّمة.
"عثمان.. أرجوك ساعدني.. أنا مش عارف أعيش.. مش عارف أعيش منغير صافي. أعمل أي حاجة.. أسألها طيب أنا عملت إيه.. عايزة تسيبني ليه؟ أنا مش مصدق إني عملت فيها كده.. هي إللي اضطرتني.. أنا مستعد أعمل أي حاجة عشان تسامحني.. مستعد أبوس على إيديها و رجليها كمان.. بس أعرف إيه إللي عملته و غيّرها عليا كده.. أنا هاتجنن يا عثمان.. ماتعملش زيها و تخلي عقلي يقف من التفكير.. إللي بينا مش ماينفعش ينتهي كده.. ماينفعش ينتهي أصلًا يا عثمان !!!"
سكت الغضب عن "عثمان" عندما شهد انهيار ابن عمه إلى هذا الحد.. و ترك الآن حيّزًا للتفاهم بأن يحلّ بينهما.
أشار برأسه لفرد من أفراد الحراسة.. لتنفتح البوابة خلال لحظاتٍ.. لم يعد هناك أي حاجز بينهما.. فلم ينتظر "صالح" لحظةً أخرى.
تعانق و ابن عمه عناق الأخوة و المواساة.. استمع "عثمان" إلى نهنهات "صالح" المكبوتة.. فقال بصوتٍ أجش يطمئنه.
"خلاص يا صالح.. أنا هاتصرف.. سيب لي الموضوع ده. أنا هاعرف أجيب أخره.. خلاص!"