تحميل رواية «كرسي لا يتسع لسلطانك» PDF
بقلم مريم غريب
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تكوّرت “فريال” في سريرها محدقة به. دفتر مذكرات أمها. لقد حصلت عليه و لم تدري كيف. لم تعلم به من قبل، قبل أن تذهب و ينتهي لقائها بشقيقها “إركان” ظهر اليوم. أعطاها إيّاها و أخبرها بأنه وصيّة والدتهما، ألا يطّلع أحدٌ غيرها عليه. و لكن للغرابة أن أمها أمنت “إركان” على شيء خاص كهذا! و الأكثر غرابة أن يصون “إركان” أمانة والدته، و هو نفسه الذي خان دمه و عِرضه بل و أعتدى عليه! تنهدت “فريال” بحرارة و قد أعيّتها الحيلة. إلى متى تتجنّب فتح المذكّرات؟ عليها أن تفعل في الأخير. عليها أن تعلم ماضيها. هذا ما تح...
رواية كرسي لا يتسع لسلطانك الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم مريم غريب
فوق فراشها الزهري الأنيق.. جلست أمام حاسوبها الذكي.. تستعرض بغنجٍ لا يخلو من الخجل جمالها الآخاذ ..في تسريحة شعرها المنسابة حول وجهها و كتفيّها.. و جزعها شبه العاري.. إذ كانت ترتدي كنزة ورديّة خفيفة بلا أكمامٍ.. و لا تضع نقطة مكياج على وجهها.. متباهية بحسنها النقيّ.. الذي جذبه إليها في المقام الأول ...
"باربي!"
ملأ وجه "ملك حفظي" عبوسًا مباغت و هي تكرر الكلمة بغرابةٍ:
"باربي.. مين باربي!؟"
جاوبها "مالك عزام" على الطرف الآخر من الكاميرا المفّعلة:
"انتي يا ملّوكة.. أنا أول ما شوفتك قلت لك إيه؟"
ابتسمت "ملك" تلقائيًا و هي تشرد مباشرةً في ذكرى إلتقائها به.. ليلة زفاف خال زوجة أخيها ..
نوعًا ما كان حفل مملًا.. بالرغم من أن مظاهر الاحتفال و قاعة العرس نفسها من أفخم ما يكون ..لكنها لم تحقق الاستمتاع المنشود.. لأنها تفتقد مشاعر و أشخاص اتضح لها إنها لم تسعد في حياتها بدون أيّ منهم.. أبرز من تشتاقه هو زوج شقيقها بالطبع.. أبيها الروحي.. "عثمان البحيري" ..بعد أن تركته.. بل بعد أن دفعته لطردها من بيته و حياته.. أدركت فداحة ما أقدمت على فعله.. هنا في هذا المنفى المقيت برفقة شقيقها و أسرته الصغيرة ..لم يمر يوم إلا و ندمت على ما قالته سلفًا.. على ما كادت أن تفعله.. كانت لتكون في كنفه الآن.. ما كانت لتخرج من بيته بهذه الطريقة أبدًا ..كيف استطاعت أن تفكر فيه هكذا ؟الرجل الذي آواها.. تكفّل بها و ربّاها و كأنها ابنته من دمه.. و هي التي أحبّته أكثر من غيره.. أكثر حتى من أخويها ..لا ريب إن صدمته فيها كانت بالقوة الكافية التي جعلته ينفر منها بهذا الشكل.. و يقتلعها من حياته نهائيًا.. إنه حتى لم يهاتفها مرةً واحدة منذ وصولها إلى هذه البلاد الغريبة ..حتى لم تسمع إذا كان قد اتصل بشقيقها بغيّة الاطمئنان عليها و التساؤل عن أحوالها.. لم يفعل أيّ شيء.. و كأنها باتت لا شيء بالنسبة إليه ..هذا أكثر إيلامًا من بُعدها عنه.. أكثر بكثير ..كادت الأفكار أن تدفعها للبكاء مجددًا.. و كانت لتستجيب منتهزة فرصة كثرة الضيوف و إنشغال بعضهم ببعض.. حيث لا يمكن أن يلاحظها أحد و هي تجلس مطرقة و متظاهرة بتصفح هاتفها ..و ولكن ...
"مساء الخير!"
رفعت "ملك" رأسها مجفلة.. لترى رجلٌ فارع الطويل.. وسيمٌ.. و.. ينطق بالخطر.. تلك الندبة البارزة أسفل عينه اليُسرى.. بدا بها و كأنه قرصان كاريبي عديم الشفقة.. و شديد الإثارة في آنٍ ...
"أهلًا!"
أجفلت "ملك" للمرة الثانية عندما تتداخل صوت "هالة البحيري".. زوجة أخيها ..نظرت إليها لتجدها تولي انتباهها لذاك الغريب.. و يخاطبها الأخير بكياسةٍ:
"أنا مالك عزام.. أخو العروسة.. منورين الفرح."
أومأت "هالة" بعينيها و هي تقول بابتسامتها الرقيقة:
"أهلًا يا مالك.. أنا هالة البحيري.. بنت أخت العريس."
مالك بدهشة:
"فعلًا ! نبيل الألفي خالك بجد؟"
"أيوة مستغرب ليه!؟"
"لا أبدًا مش استغراب.. بس افتكرتك أخته مثلًا.. البرنسيس إللي معاكي دي ممكن أصدق إنها بنت أخته عادي!"
نظرت "هالة" صوب "ملك" قائلة:
"لأ معلش هاخيّب ظنّك.. البرنسيس دي تبقى أخت جوزي فادي حفظي .. و أشارت نحوها معرّفة إيّاها: ملك حفظي."
عاود "مالك" النظر إليها قائلًا بلطفٍ:
"ملاك.. فعلًا ملاك ما شاء الله عليها.. بس باين مش مبسوطة إيه يا قمر الفرح مش عاجبك و لا إيه؟"
رفرفت "ملك" بأجفانها منظّفة حنجرتها.. ثم قالت بخفوتٍ بالكاد سمعه:
"لأ.. مبسوطة."
مالك بابتسامته الجذّابة:
"متأكدة ؟ طيب إيه رأيك نغيّر المود شوية What Everتسمحيلي بالرقصة دي؟"
و بسط يده داعيًا إيّاها لأداء الرقصة البطيئة التي صدحت قبل لحظاتٍ ..تفاجأت "ملك" بطلبه.. و نظرت إلى "هالة" التي هزت كتفيها قائلة:
"As You Like يا لوكا.. لو حابة ترقصي قومي!"
ما كان شقيقها ليقبل بذلك بالتأكيد.. و لكنه ليس هنا.. زوجته فقط.. و زوجته أكثر مرونةً منه بكثير ...
"أوكي!" .. قالتها "ملك" مودعة يدها الصغيرة بكفّه الكبير
قامت بسلاسةٍ و سارت معه إلى الحلبة المزدحمة مختالة بثوبها الأنيق الذي يبرز مفاتنها البِكر.. كانت عديمة الخبرة بلا أدنى شكٍ و كان يثق من هذا.. فأخذها على مهلٍ ..احتضن يدها برفقٍ.. و أمسك بخاصرتها باليد الأخرى مقرّبًا إيّاها منه بشدة.. حتى تلامسا مباشرةً ..ازدردت "ملك" ريقها بتوترٍ و هي ترنو إليه مبلبلة الأفكار.. لا تستطيع التركيز على أيّ شيء بسبب الوضع الغريب برمته.. فهي تخوض شيء غير معتاد لأول مرة بحياتها ..شيء يتعلّق بالمشاعر و الحسيّة التي لا تفقها ...
"باربي!" .. تمتم "مالك" بصوتٍ خفيض و هو يراقصها بمهارةٍ
عبست "ملك" و لم تفهم الكلمة بسبب زخم أفكارها المتضاربة.. فاستطرد "مالك" متفرّسًا بملامحها مثالية الجمال:
"انتي إيه يا ملاك.. انتي ملاك حقيقي و مخبيّة حقيقتك ؟عمرك أد إيه ؟"
ملك بارتباكٍ طفيف:
"بعد شهرين هاتم 16 سنة!"
ابتسم "مالك" بانتشاءٍ.. لا يعرف كيف لمعرفة صغر عمرها أن يتسبب له في هذا الكمّ من المتعة.. متعة حقيقة أن فتاة مثلها بين ذراعيه.. يراقصها هي بالذات ..منذ متى كان مهووسًا بالصغيرات !؟هو ليس عجوزًا على أيّة حال ...
"يعني لسا بتروحي المدرسة؟"
أحسّت "ملك" بانتقاصٍ يغلّف كلماته التي نطقها بصيغة عادية.. فقالت بشيء من العداء:
"أيوة بروح المدرسة.. عايز تقول إني طفلة يعني ؟على فكرة أنا مابقتش طفلة !!"
رفع "مالك" حاجبه مرددًا:
"طفلة.. أنا قلت طفلة ؟أنا مش شايفك طفلة خالص يا ملاك.. بالعكس.. ده انتي.. مزّة.. جامدة جدًا!"
أربكها مرةً أخرى بغزله الصريح.. و ابتسم من جديد و هو يرى الحمرة تكسو وجهها و قال مداعبًا:
"أنا مانزّلتش عيني من عليكي من أول ما دخلتي القاعة.. من أول نظرة فكرتك عروسة لعبة ماشية على الأرض.. من كتر ما جمالك مش طبيعي.. أنا سألتك بتروحي المدرسة عشان أعرف بتدرسي فين."
ملك بذات الاضطراب:
"و انت عايز تعرف ليه؟"
"عشان مش عايز دي تكون أخر مرة أشوفك.. و لا انتي مش حابة تشوفيني تاني؟"
رمشت عدة مراتٍ و كانت حالتها مزرية.. إنه يطالبها بردٍ و هي عاجزة عن قول أيّ شيء.. و كأن الأبجدية قد محيت من ذهنها ...
"أنا هاسهّلها عليكي!" .. تمتم و هو يستلّ بخفةٍ يد هاتفه من جيب سترته
و سألها على عجالةٍ:
"رقم موبايلك كام؟"
بلا إرادةٍ منها.. وجدت لسانها يمضي مجاوبًا سؤاله بالضبط ..سجل "مالك" رقمها و أعاد الهاتف إلى جيبه ثانيةً و هو يقول بغبطةٍ:
"لو لاقيتي رقم غريب بيكلمك في نص الليل لما قبل تنامي.. ردي.. غالبًا هايكون أنامش هاعوز حاجة.. بس أقولك تصبحي على خير!"
و انتهت الرقصة.. في هذه اللحظة تمامًا ..ليبتعد "مالك" عنها خطوةً.. فتخال لوهلةٍ بأن توازنها قد اختلّ.. لو لا إنه يمسك بيدها ..أعادها إلى الطاولة حيث تجلس زوجة أخيها بانتظارها.. شكر كلتاهما.. ثم ولّى مختفيًا بين الحشود تاركًا عيناها تلاحقانه بلا أملٍ ...
أفاقت "ملك" من شرودها على صوته الذي يناديها ...
"سرحتي مني فين؟"
ابتسمت "ملك" بحلاوةٍ و هي تنظر إليه قائلة:
"و لا حاجة.. سرحت فيك طبعًا."
"لا يا شيخة.. اوعي يكون في واد كده و لا كده شاغلك.. هي المدرسة إللي انتي فيها دي مش بنات بس؟"
"لأ طبعًا.. معانا ولاد."
مالك بخشونة:
"و بتقوليها في وشي!!"
ضحكت على عصبيته المحببة و قالت:
"في ولاد.. بس مجرد صحاب.. محدش شاغلني و لا حاجة من إللي قولتها دي.. أنا أصلًا مابحبش الولاد."
"إيه!؟"
"قصدي يعني لما أفكر في الارتباط لازم يكون حد كبير.. راجل يعني مش ولد من سنّي."
ابتسم "مالك" بإدراكٍ و قال:
"اممم.. فهمتك.. طيب يا ترى أنا في نظرك مرشح كويس لقصة الارتباط دي؟"
ردت عليه بصعوبة من شدة الخجل:
"لو مش كويس ماكنتش واقفت أتكلم معاك!"
تغيّرت تعابير "مالك" بسرعة الآن بشكلٍ أثار قلقها.. فسألته و قد تلاشى مزاجها السلس:
"إيه ساكت ليه؟ أنا قلت حاجة زعلتك!؟"
مالك بثباتٍ:
"لأ.. ماقولتيش.. هو أنا مش هشوفك بقى يا ملك ؟بقالنا كام يوم بنتكلم.. و انتي لسا مش عايزاني حتى أجيلك عند المدرسة!"
"عشان بروح مع سليم و برجع معاه في الباص.. مش هاعرف أشوفك .."
"طيب إيه الحل ؟ أنا زهقت بصراحة مش بحب جو المكالمات و الكلام عن بُعد ده.. عايز أشوفك .."
غزاها جزع شديد من فكرة ابتعاده عنها.. أو سأمه منها كما أوضح.. لترد بأسى محاولة كسب بعض الوقت:
"طيب حاضر.. خلاص أنا هاتصرف.. إديني يومين بس و هقولك هانتقابل إزاي .."
تنهد "مالك" بنفاذ صبرٍ.. و قال:
"أوكي يا ملك.. نصبر يومين!"
***
انتهت الجلسة بكلمةً من الطبيبة الأربعينية المخضرمة ..دعت مريضتها إلى اللحاق بها إلى قسم الصالون بمنتصف المكتب.. و قد استدعت الطبيبة الزوج من الخارج حيث يجلس بانتظار زوجته ..أتى "عثمان البحيري" قبل أن تجلس "سمر" تمامًا فوق مقعدها.. رف قلبها لوهلةٍ لدى ظهوره.. فإن كان هناك تجسيدًا للهيبة و الجاذبية على الأرض فهو حتمًا "عثمان البحيري".. زوجها هي.. والد طفلّيها.. و ذاك الجنين الذي ينمو بأحشائها ...
"إيه الأخبار يا دكتور!" .. هتف "عثمان" متسائلًا و هو يجلس في مقعد مجاور لزوجته
مد يده ممسكًا إحدى يديها بعفويةٍ.. لكنها ارتبكت على إثرها.. ارتباك لطيف.. لا يضايقها البتّة.. لأنها مؤخرًا لا ترى لحياتها معنى بدونه.. لا معنى لأيّ شيء بدونه بكل المقاييس ...
جلست الطبيبة في الأريكة المقابلة للزوجين.. و استهلّت حديثها بلباقتها المعهودة:
"أطمن خالص يا عثمان بيه.. مراتك مافيهاش أي حاجة و الجلسة كانت لطيفة.. احنا دردشنا شوية و كل حاجة كانت عال.. مش كده يا مدام سمر؟"
أومأت لها "سمر" مفضلة ألا تتكلم بعد كل ما أدلت به للطبيبة.. أو الأحرى كل ما أفصحت عنه من مشاعر تحديدًا تحت الضغط من قِبل الطبيبة ..نزعت الطبيبة عويناتها الطبيّة و مضت تخاطب "عثمان" مباشرةً:
"شوف يا عثمان بيه.. زي ما كل الدكاترة إللي قابلي قالولك.. مدام سمر مش مصابة عضويًا بأي شكل من الأشكال."
عثمان عاقدًا حاجبيه:
"طيب تفسري فقدان الذاكرة ده بإيه يا دكتور؟"
"مدام سمر مش ناسية حاجة.. ذاكرتها موجودة بالفعل."
ارتفع حاجبيّ "عثمان" ذهولًا و هو يلقي نظرة مطوّلة نحو زوجته.. ثم ينظر إلى الطبيبة ثانيةً و يسألها:
"ذاكرتها موجودة؟ أومال ناسياني و ناسية ولادها إزاي؟"
توجست "سمر" عقب نطقه الحاد لآخر كلماته.. أرادت أن تسحب يدها من قبضته.. لكنه شدد عليها ما إن حاولت.. فرضخت له ...
"موجودة بس مش بالمعنى الحرفي!" .. ردت الطبيبة بصوتٍ هادئ
عبس "عثمان" بشدة و قد أحس بدنو الغضب إلى أعصابه ..سارعت الطبيبة تشرح له أكثر:
"وضعها ببساطة نفسي.. زي ما حضرتك قررت إن لازمها علاج نفسي ده كان صح.. و لما جبتها عندي ده أكبر صح و هايقلل فترة العلاج.. المشكلة الأساسية هي لعبة بيمارسها عقلها الباطن.. عقلها الباطن مخزن ذكرياتها من أول ما عرفتك تحديدًا لحد يوم الحادثة.. لو كان فقدان ذاكرة عضوي كانت ذاكرتها كلها اتمسحت أصلًا.. لكن هي لسا فاكرة حياتها من قبلك.. و كمان بدأت تفتكر لمحات من حياتها معاك."
عثمان باهتمام:
"طيب هي امتى هاتستعيد كل ذكرياتها معايا يا دكتور؟ أو إيه إللي ممكن أعمله عشان أساعدها تفتكر؟"
"هي مش هاتفتكر بأي طريقة ممنهجة."
"يعني إيه!؟"
"يعني زي ما بيحصل.. العلاج تدريجي.. مدام سمر مرّت بصدمات كتير في حياتها.. الصدمات دي لسا مأثرة عليها نفسيًا لحد دلوقتي.. و كانت الحادثة و فقدان الذاكرة هي المحطة الأخيرة في سكة الصدمات دي.. العلاج منها المرة دي هايكون نهائي و لما ترجع و تفتكر كل حاجة مش هايحصل لها أي انتكاسات أو حتى تقلّبات.. لأنها هاتكون اتحررت من عقدها كلها و اختارت ترجع لحياتها.. و تكمل معاك للأبد.. هي بس كل إللي محتاجاه منك تشجيع و مساندة.. و ماتقلقش.. مش هاطوّل.. و كل الذكريات المحجوبة ورا عقلها الباطن هاترجع.. قريب أوي إن شاء الله."
استقرت كلمات الطبيبة بعقل "عثمان" كلمةً كلمة.. و أدار رأسه نحو زوجته ما إن فرغت.. نظر لها مليًّا ..بينما كانت تتحاشى النظر إليه قدر استطاعتها.. لكنها لم تصمد طويلًا و تواصلت معه بالعين ..لمح إلتماعٍ طفيفٍ للدموع بعينيها.. فشدد على يدها في قبضته بلطفٍ.. و ولكن دون أن يتغيّر تعبير وجهه المتجهم مطلقًا ...
***
السير ورائها في وسط النهار.. و حمل حقائب التسوّق خاصتها كان من أحب الأشياء إلى قلبه.. على الرغم من إنه ما كان ليطيق أن يؤدي مثل هذا الدور مع أيّ امرأة أخرى غيرها ..حتى أم طفله.. التي طلّقها لأنه لم يستطع نسيان المرأة التي يحب.. و أدرك بأنه حقًا فعل الصواب.. ها هي الفرصة سنحت لهما ليكونا معًا.. ها هي حبيبته معه.. صارت خطيبته.. و خلال فترة قصيرة ستكون زوجته ..إلى الأبد ...
"ماجعتيش يا حبيبتي؟"
إلتفتت "رحمة جابر" إلى سؤال خطيبها قائلة على الفور:
"قول ان انت إللي تعبت من اللف يا حبيبي.. عمومًا خلاص هانت.. ألاقي بس الـShoes المناسب هو ده إللي ناقص و بعدين نروح للمكان إللي انت عايزه."
قبض "إبراهيم النشار" على رسغها بلطفٍ حازم ليستوقفها قائلًا:
"أنا ماورايش حاجة و لا حد غيرك يا حبيبتي.. أنا ألف وراكي للصبح.. بس انتي إللي تاعبة نفسك بقالك فترة و مش بتقفي ترتاحي حتى.. مش ملاحظة ده؟"
نظرت له "رحمة" عاجزة عن إنكار حقيقة ملاحظاته.. فابتسم لها و قال:
"تعالي ننزل الـFood Court نشوف أي مطعم حلو يعجبك.. نقعد نتغدا و بعدين نرجع نلف زي ما تحبي.. بس تفصلي شوية و تاكلي حاجة.. يلا يا حبيبتي."
عندما يطلب منها أيّ شيء بهذه الطريقة فإنها لا تقدر إلا أن تمنحه كل ما يريد ..يأسرها أن رجلًا بقوته و الضخامة التي نشأ عليه جسده.. يبدو في أعين الناس كوحشٍ كاسرٍ.. لكنه معها هي أرق من الحمل الوديع ..هذا الرجل لا يمكنها أن تراه إلا معجزة هبطت عليها من السماء.. أتى ليعوّضها سنوات العذاب و الإذلال التي عاشتها و تحمّلتها فقط لأجل صغيرتها.. "إبراهيم".. هو هدية صبرها و صمودها كل هذا الوقت الذي يُشكّل نصف عمرها ...
"مش هاتقوليلي اتكلمتي مع الست دي في إيه؟" .. تساءل "إبراهيم" بمواربة و هو يرتشف مشروب الصودا من القشّة مباشرةً
توقفت "رحمة" عن قضم شريحة البيتزا خاصتها.. نظرت إليه و هي تقول بفتورٍ:
"المواجهة إللي حصلت بيني و بين فريال المهدي كانت لازم تحصل من زمان.. و إللي إتقال فيها يا إبراهيم مايخصش حد غيري و أنا و هي.. أنا آسفة بس مش هجاوب عن أي سؤال منك بخصوص إللي بيني و بين عيلة البحيري."
و قضمت قضمة كبيرة من الشريحة الساخنة ..غضّن "إبراهيم" جبينه مرددًا:
"إيه سبب رفضك لأي كلام عن حياتك إللي فاتت خصوصا حياتك مع أبو بنتك؟"
"رحمة بفكرك إني عرفتك عن طريقه أصلًا.. هو إللي كلّفني بمراقبتك لسنين.. و انتي ماكنتيش تعرفي و لا حاسة بوجودي وراكي في كل وقت و أي مكان تروحيه!"
زفرت "رحمة" بضيقٍ.. تركت طعامها نهائيًا و تراجعت في كرسيها.. ثم قالت بعد تمالكت رباطة جأشها ثانيةً:
"اسمع يا إبراهيم.. أنا الدنيا لطّشت فيها جامد.. يعني ماتفكرش عشان كنت مرات يحيى البحيري.. و عايّشني في مستوى ماكنتش أحلم بيه و كتب لي مطعم و بيت و عربية و رصيد في البنك.. إني كنت مرتاحة في حياتي معاه.. أنا قلت لك إني كنت بحبه.. و على فكرة لسا بحبه.. لأني واثقة إنه على أد كل المعاناة إللي عايّشني فيها.. كان بيحبني و بيهتم بيا.. و كمان.. هو كان أول راجل في حياتي.. و أبو بنتي و عشت معاه سنين.. مقدرش أنسى عمر بحاله مع الراجل ده يا إبراهيم.. و في نفس الوقت حاليًا.. مستحيل أحكي عنه لحد.. و لا حتى انت.. مش ممكن أحكي لك تفاصيل حياتي معاه.. و لا تفاصيل حياتي قبله."
إبراهيم بدهشةٍ حقيقية:
"ليه يا رحمة؟ انتي مش بثقي فيا؟ده أنا شوية و هبقى جوزك.. و فوق ده أنا و انتي بنحب بعض."
ابتسمت "رحمة" بمرارةٍ و قالت:
"أنا و يحيى كنا بنحب بعض.. بس الحب مامنعشوش عن أي حاجة عملها فياإبراهيم.. الانسان إللي مابيتعلّمش من أخطاؤه يبقى غبي.. و أنا اتعلّمت.. اتعلّمت ماحكيش إللي بيوجعني لأي حد.. مهما كنت بحبه و بثق فيه.. لأنه حتى لو بيحبني.. هايدوس على وجعي بالتحديد عشان يوصل لهدفه معايا بأي طريقة.. أنا تربية يحيى البحيري.. و كنت تلميذة ضعيفة و خاضعة قدامه طول حياتي معاه.. لكن من جهة تانية قوّاني.. خلّاني واحدة قوية.. تقدر تعيش منغيره و تتعامل مع البشر بنفس قوته و جبروته.. دي حاجة من ضمن حاجات قليلة عملها معايا و بشكره عليها .."
و سكتت "رحمة" فجأة.. بقيت تتبادل النظرات معه.. بينما يرمقها بنظراتٍ ملؤها الشفقة ..لا ريب إنها تعذّبت.. و تعانى من أزمة ثقة كان لزوجها السابق الفضل الأكبر بها.. لكن ماذا ستكون فائدته بحياتها لو لم يثبت لها إنه أهلًا لثقتها !؟ربما أحبّها "يحيى البحيري".. لكنه قطعًا لم يقدّرها حق قدرها.. لم يمنحها المكانة التي تستحق.. و لم يحترمها طوال حياته معها ..إنما هو.. "إبراهيم".. يتوق لإثبات كم هي أهم و أثمن شيء بحياته.. و عليها أن ترى ذلك.. و تصدقه.. عاجلًا أو آجلًا.. أمامهما العمر بأكمله ليحصلا عليه ...
امتدت يد "إبراهيم" عبر الطاولة.. شبك يده بيد "رحمة" و شدد عليها و هو يقول ناظرًا في عينيها بقوةٍ:
"و أنا حاليًا.. مش هسألك تاني.. و لا عايز أعرف تفاصيل حياتك قبليأنا عايز أعيش حياتك إللي جايّة.. عايزك.. عايزك انتي يا رحمة!"
***
في أحد أكبر مراكز التجميل المخصصة لروّاد الطبقة المخملية ..جلست "سمر" تحت يديّ خبيرة التجميل الأشهر بالمدينة.. تحدق في المرآة المقابلة لها.. بالتحديد تحدق إلى إنعكاس زوجها الذي جلس على مقربة منها واضعًا ساق فوق الأخرى.. يراقب في هدوءٍ ..أزالت المرأة الشابة حجاب "سمر".. فكّت عقدة شعرها و فركته مبدية إعجابها بكثافته و نعومته و طوله:
"ما شاء الله.. شعرك جميل أوي.. مش حاسة إنك محتاجة تغيّري فيه أي حاجة.. بس الأكيد ان أي حاجة هاتليق عليكي لأن وشك مايقلّش جمال عن شعرك!"
"قل أعوذ برب الفلق!" .. تمتمت "سمر" في سرّها
بينما تلتفت الأخيرة نحو "عثمان" قائلة:
"تحب نعمل لوك معيّن يا عثمان بيه؟"
رد "عثمان" بهدوء:
"مش أنا.. إللي تحبه سمر أعمليه يا مس كندا."
أدارت "كندا" رأسها لتنظر إلى "سمر" متسائلة:
"مدام سمر.. تحبي نعمل إيه؟نبدأ بقصّة شعر و لا أجيب لك كتالوج الـHair Dye تختاري لون؟"
لا زالت "سمر" تنظر إلى إنعكاس زوجها في المرآة.. تشعر بعظم الامتنان نحوه.. إنه فعليًا يبذل ما بوسعه ليساندها.. ليسعدها.. و ليكتسب ثقتها من جديد ..إنه يحبّها حقًا.. حب غير مشروط و قد باتت متأكدة من هذا.. ما أصبره عليها سوى عشقه لها ؟فهل يمكنها ألا تحبه ؟بلى إنها تحبه.. دائمًا ما كانت تحبه.. و لا تقايضه بأيّ شيء في الحياة.. لأنه ببساطة أغلى ما تمتلك ...
"عايزة أقص شعري الأول!" .. قالتها "سمر" و هي تشعر بخفقان قلبها
رأت لمعة الإغراء تشعّ من عينيه.. فعلًا تمكنت من رؤيتها.. و مضت الدقائق التالية و هما لا يكفّان عن النظر لبعضهما ..و كان "عثمان" محطّ أنظار السيدات و الفتيات من حوله.. صحيح إنه اختار مكانٍ قصيًّا بالصالون حيث يكون و زوجته بمعزلٍ عن محيط الأخريات.. إلا إن "سمر" استطاعت أن ترى تلصصهن عليه بالذات ..و من حينٍ لآخر كانت الهمسات تصل لمسامعها مضرمة بصدرها نيران الغيرة ..اللعنة عليهن فهذا زوجها هي.. لماذا يرمقنه و يتهامسن عليه ؟؟؟؟
أتمّت الخبيرة قصّة الشعر المطلوبة.. تمامًا كما اختارتها "سمر" و كما يحبّها "عثمان" ..ما إن أتمّتها حتى نادت "سمر" زوجها على عجالةٍ:
"حبيبي.. ممكن تيجي عندي شوية لو سمحت؟"
قام "عثمان" ليلبّي رغبتها شاعرًا ببعض الغرابة.. لكنه مضى إليها بالطبع لأنه تريده.. بالتأكيد سيفعل لها أيّ ما تريده.. فدائمًا ما كان يفعل ...
أتى من خلفها ملامسًا طرف كتفها براحته.. بينما ترفع صوبه كتالوج الصبغة قائلة:
"اختار لي لون!"
أخذ "عثمان" الكتالوج من يديها و راح يتصفّحه باهتمامٍ.. بينما تضع "سمر" يدها على رسغه مشرأبة بعنقها.. ترمق السيدات من مكانها بنظرات الزهو و الانتصار.. فهي قد أثبتت للتو ملكيتها له ..زوجها.. "عثمان البحيري".. لها.. لها هي فقط ...
"ده هايبقى تحفة عليكي!" .. قالها "عثمان" مشيرًا بسبابته إلى خصلة بمنتصف الكتالوج
تبعت "سمر" إشارته.. لترى اللون الفريد الذي انتقاه.. و تسمعه في اللحظة يتمتم كأنما يغازلها:
"عنّابي!"
تطلّعت إليه شابكة ناظريها بناظريه.. تأسرها عيناه.. تسحبانها من العالم المادي الذي تعرفه لتأخذاه إلى عالمه هو.. العالم الذي ذاقت حلاوة العيش فيه.. و لا تود مغادرته مطلقًا ...ما كانت لهذه اللحظة الطويلة أن تنتهي بسرعة.. لو لا أن نظّفت الخبيرة حنجرتها من خلفهما ..حررها "عثمان" من نظراته مخاطبًا الأخيرة:
"اختارنا اللون ده يا مس كندا."
و ناولها الكتالوج ..أومأت له "كندا" و دعته للجلوس بالقرب.. ثم بدأت عملها فورًا ..جلس مرةً أخرى يراقب ما يجري أمام عينيه.. كانت تجربة من شأنها أن تضجره.. إلا إن أيّ شيء يتعلّق بـ"سمر حفظي" لا يمكن أن يضجره ..
يشعر "عثمان" باهتزاز هاتفه بجيب سترته.. فيخرجه في الحال و يرد على اتصال التابع الذي كلّفه بملازمة "فريال" ...
"قول يا ريمون!"
"عثمان باشا.. فريال هانم خرجت من الفندق.. توّهتني وراها سعاتك شكلها لاحظت إني مراقبها."
انتفض "عثمان" من الغضب مغمغمًا و هو يخفض صوته قدر استطاعته:
"توّهتك!!!"
"يعني إيه توّهتك.. أنا قلت لك إياك تتوارب عن عينك يا ريمون إزاي تتوه منك!!؟"
"ماتقلقش يا باشا هي توّهتني بس أنا جبتها و ماشي وراها دلوقتي حالًا.. أنا لسا براقبها منغير ما تاخد بالها."
زفر "عثمان" بقوة مغمضًا عينيه و صمت لهنيهةٍ.. ثم قال:
"اوعى تغيب عينك يا ريمون.. خليك وراها فين ما تروح و بلّغني بالجديد أول بأول.. سامعني؟"
"أوامر يا باشا."
و أغلق "عثمان" معه .. شرد لثوانٍ متسائلًا أين قد تذهب أمه يا ترى !؟ إن القلق المستمر الذي يشعر به حيالها يعيق حياته بأن تسير بشكلٍ طبيعي.. متى تعود إليه.. متى تسمح له بأن يداوي كل جروحها و آلامها ..متى !!؟؟
***
كان من السهل عليها الإتيان بعنوان وصيفتها السابقة.. فهي لم تكن فقط مجرد وصيفة.. بل كانت بمثابة فرد من أفراد العائلة ..فهي قد ولدت بالقصر فعليًا.. والديها كانا يعملا معًا هناك.. تزوجا و أنجباها في القصر.. عاشت نصف عمرها به.. و بعد وفاة والدتها اتخذت مكانها بالعمل..و لم يمر وقت طويل و رحل أبيها عن الدنيا بدوره ..لتبقى هي فقط بالقصر.. و تلتقي بزوجة الإبن الأصغر للعائلة و تغدو وصيفتها الخاصّة.. و المؤتمنة على أسرار غرفتها الخاصة.. المخوّلة رسميًا بتولّي شؤن السيدة الصغيرة ..الوصيفة السابقة.. "حنان عرفة".. التي اتخذتها صديقةً يومًا ما.. حتمًا لديها أجوبة على كل التساؤلات التي تدور برأسها.. حتمًا ..
صطفت "فريال المهدي" سيارتها الفارهة هنا.. أمام مبنى من طابقٍ واحد داخل هذه الحارة الفقيرة.. ترجلت من خلف المقود و أغلقتها تمامًا بضغطة زر ..نظرت إلى البوابة المتهالكة مطوّلًا.. ثم حسمت ترددها.. و اتجهت بخطوات ثابتة إليها ..استوقفتها قبل أن تجتاز البوابة فتاة صغيرة.. ربما في العاشرة من عمرها.. ثيابها قذرة و تسير حافية القدمين:
"رايحة فين يا ست؟"
أجفلت "فريال" قائلة بصوتها اللطيف عادةً:
"مش ده بيت حنان عرفة يا قمر؟"
أجابت الفتاة و هي تحك فروة رأسها بأناملها الخمس:
"آه حنان دي ستي.. أنا بنت ابنها.. انتي عايزة ستي في حاجة؟"
أومأت لها "فريال" و قالت:
"أيوة عايزاها.. هي جوا و لا ليها عنوان تاني؟"
"لأ جوا.. تعالي ورايا."
سارت "فريال" وراء الفتاة بحذرٍ.. تخطو فوق الأرض الطينية الجافة و تتحاشى المرور بالحصى و القمامة المتناثرة بكل مكانٍ ..كان مدخل البيت شديد الرطوبة.. تملأه رائحة العفن ..صعدت أربعة درجات تؤدي إلى فسحةٍ ربما تكون صالة للجلوس.. و ولكن ليس هناك شيء ليجلس عليه أيّ أحد.. هناك بالواجهة فقط دراجة معطوبة مركونة إلى الجدار الحجري ..و على شمالها بوابتين إحداهما مفتوحة.. يطلّ منها نطاق محدود أشبه بالمطبخ ..كان هذا مبدئيًا لا يحتمل بتاتًا.. هذا البيت.. ليس به أيّ مظهر من مظاهر الحياة الآدمية.. فكيف به أُناس يعيشون به !؟
"ستــي!"
انتبهت "فريال" لصياح الفتاة التي سارت نحو البوابة المغلقة.. قرعت عليها مرتين.. ثم فتحت و أطلّت برأسها هاتفة:
"في واحدة ست عايزاكي."
"مين؟"
اقشعّر بدن "فريال" لوهلةٍ ما إن سمعت صوتها.. صوت "حنان" بذاتها.. لا يمكنها أن تنسى صوتها مهما مرّت من سنين ..
"ماعرفهاش يا ستي.. دي شكلها نضيفة أوي باينها مش مصرية أصلًا.. دي هانم."
"دخّليها."
بهذه البساطة.. تسمح لها "حنان" بالدخول ..استدارت الفتاة داعية "فريال" للدخول:
"اتفضلي خشي."
و تنحت لها.. بل خرجت من البيت مرةً أخرى ..ازدردت "فريال" ريقها بشيء من التوتر.. لكنها تجلّدت بمزيدًا من القوة و الإصرار.. عليها أن تكمل ما بدأته.. عليها تنهي هذا مهما كلّفها الأمر ..مضت رأسًا نحو الباب الموارب.. دفعته ببطءٍ و دلفت مجيلة بصرها أرجاء الغرفة.. كانت غرفة صغيرة ..بها أريكتين متقابلتين.. نافذة مسيّجة.. و سرير في الواجهة مباشرةً.. فوقه تلفاز قديم الطراز مثبت بالجدار ..و.. "حنان" ..ها هي.. ترقد نصف جالسة فوق الفراش النحاس ذي الشراشف المهترئة.. لقد بدت عجوز.. عجوزٌ للغاية.. رغم إنها لا تكبر "فريال" إلا بخمس سنواتٍ فقط ..لقد هرمت بشدة.. و اشتعل رأسها شيبًا ..نظرت إلى "فريال" بابتسامةٍ ذات مغزى و قالت:
"أهلًا يا هانم.. خطوة عزيزة.. اتأخرتي ليه؟"
نظرت لها "فريال" باستغرابٍ شديد.. فأردفت بنفس الطريقة:
"أنا كنت عارفة إنك جايّة.. اتفضلي اقعدي واقفة ليه ؟معلش لو كان بيتي مش أد المقام.. ما أصل ماعرفتش أعمل بيت عليه قيمة.. يحيى بيه الله يرحمه بقى كان واعدني إني مش هالاقي لقمة عيش في البلد كلها.. و بر بوعده و فضلت طول عمري قاعدة منغير شغل.. بشحت اللقمة و الهِدمة!"
تخطّت "فريال" ما قالته "حنان" و ما تعرفه هي سلفًا ..رأت كرسي من الخشب بالجوار.. فسحبته و جلست بمنتصف الغرفة.. نظرت إلى الشخصية التي عرفتها يومًا ما.. ثم قالت أخيرًا:
"حنان.. أنا جايّة أسألك سؤال واحد بس.. و مستعدة أديكي مقابل الإجابة عليه مبلغ يعيّشك الباقي من عمرك مرتاحة.. و مبسوطة كمان."
و لتبرهن على كلامها.. فتحت سحاب حقيبتها و أستلّت دفتر الشيكات.. عثرت على قلمها و خطّت رقمًا ثم وضعت امضتها.. قطعت الورقة من الدفتر و أشهرتها بوجه "حنان" قائلة:
"ده شيك بـ 10 مليون.. و لو عايزة أكتر هاديلك.. بس تجاوبيني على سؤالي."
نقلت "حنان" بصرها بين سيدتها و بين الشيك.. و قالت بهدوء:
"عايزة تعرفي إيه بالظبط؟إيه إللي عرفتيه.. و جاية تسأليني عنه؟"
فريال بثباتٍ:
"انتي كنتي خدّامتي.. كنتي الوحيدة في القصر المسموح لها تدخل جناحي في أي وقت.. و كنت المسؤولة عن أكلي و شربي.. تحديدًا .."
"فنجان شاي قبل النوم!" .. قاطعتها "حنان" مكملة الجملة عنها
صمتت "فريال" لثوانٍ.. ثم سألتها بصوتٍ أبح:
"احكيلي.. أرجوكي.. احكيلي إللي كان بيحصل!!"
تنهدت "حنان" بثقلٍ و جاوبتها بمنتهى البساطة:
"مافيش حاجة تخليني أخبي عنك يا فريال هانم.. يحيى بيه و أخوه رفعت بيه ماتوا.. صوباعي مش تحت ضرس حد.. و أنا أصلًا مابقتش باقية على الدنيا ف أسمعي كويس بقى.. رفعت بيه البحيري هو إللي وزّني أحط لك حبوب في الأكل عشان تسقّطك.. و وعدني إن محدش هايكشفني و بعدها يديني مبلغ كبير يغنيني عن الخدمة في البيوت.. رفعت بيه هو إللي سقّطك.. أنا كنت مجرد آداة في إيده مش أكتر."
اعتصر قلب "فريال" من شدة الألم الذي حلّ بها.. لكنها تحمّلته.. قليلًا فقط.. قليلًا ..تابعت سؤالها:
"و الشاي؟"
"الشاي بردو كان بيخلّيني أحط لك في حبوب.. ماعرفتش دي حبوب إيه غير لما جربت أحطها في أكل الكلب و نام بعدها.. عرفت إنها حبوب منوّمة.. و في مرة بعد ما طلعت لك الشاي استنيت في الطرقة ساعة بحالها.. لاقيت رفعت بيه بيدخل أوضتك.. طبعًا يحيى بيه كل مرة ماكنش بيبقى موجود لما رفعت بيه بيطلب مني أحط لك الحبوب في الشاي.. ليلتها عرفت كان بيعمل إيه.. عرفت إنه كان بيخدّرك.. عشان ماتوعيش و هو بيعمل فيكي إللي انتي عارفاه و جاية إنهاردة تسأليني عليه.. رفعت بيه عمل عملته فيكي.. و حملتي منه يا فريال هانم عشان كده سقّطك.. و لما يحيى بيه رماني في السجن جالي رفعت بيه و هددني.. لو فتحت بؤي مش بس هايحبسني.. هايّشرد عيالي و لما هاطلع مش هاعرف لهم طريق جرّة .."
و صمتت عند هذا الحد لتلقط أنفاسها.. ثم قالت برنّة سخرية:
"بس أهو مات هو أخوه.. و ماعادش حد يهمني أصلًا.. أديكي عرفتي إللي جراارتاحتي ؟ يارب تكوني ارتاحتي يا هانم."
يضيق صدر "فريال" بغتةً.. تجد صعوبة بالغة في التنفس.. فتنهض بسرعة و هي تقذف الشيك بوجه "حنان" ..ثم تركض خارجة من البيت ..هرعت إلى سيارتها.. استندت إلى مقدمتها محاولة تعبئة الهواء إلى رئتيها عبثًا.. أخذت تشهق بقوة.. و كأنها بالنزع الأخير ..صدح الطنين بأذنيها.. و بدأت الرؤية تتلاشى في عينيها ..أخر ما سمعته كان مجموعة أصوات متداخلة.. ثم لم تعد تسمع و لا ترى شيء!
رواية كرسي لا يتسع لسلطانك الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم مريم غريب
لم يحدث شيء.
لأول مرة لا يحدث شيء.
لا تشعر بأي ألم.
تلك القبضة التي اعتصرت حلقها منذ بداية الحدث الأخير الذي خرب ماضيها كله وحاضرها في آنٍ.
لقد اختفت.
عجبًا!
ترى ماذا حدث؟
ما هو آخر شيء عهدته؟
هذا غريب.
إنها لا تتذكر شيئًا.
أين كانت أخر مرة؟
ماذا فعلت؟
ما هو آخر شيء رأته عيناها قبل أن تفقد الوعي؟
هل فقدت وعيها حقًا؟
لا تظن ذلك.
فهي تعي.
فعليًا تعي.
إنها تستشعر برودة من حولها.
ولكنها برودة غير مؤذية.
ثقلها كأنه مُحمّل فوق بساطٍ حريري.
بل كأنها صارت في وزن ريشةٍ.
خفيفةً للغاية.
أين هي؟
أين؟
"فريـال!"
هذا الصوت.
لم تكن المرة الأولى التي يناديها.
منذ رحيله لم يتركها يومًا.
تركها منذ فترةً قصيرة فقط.
كأنما يخشى، أو يخجل بالأحرى، من مجرد طرق أذنها بهتافاته المعتادة.
"فريـال.. حبيبتي!"
مهلًا.
هذا ليس مجرد هِتاف.
إنه.. بطريقةٍ ما.. يبدو حقيقيًا.
رباه!
لا يمكن.
لا يمكن أن يكون حقيقيًا.
انفتح جفناها بغتةً.
فإذا بها تقف بأخر مكان توقعت التواجد به.
غرفة المكتب.
بقصر "البحيري".
ببيت الزوجية الذي قضت فيه عمرها كله تقريبًا.
قصرها.
ولكن الذي يقف أمامها.. زوجها.. "يحيى البحيري" بشحمه ولحمه.
يبدو كأخر مرة رأته.
بعمر الـ51.
لم يصغر ولم يكبر يومًا واحدًا.
"يحيى!"
نطقت "فريال" مشدوهةً.
لا تصدق ما تراه.
إنه هنا.
عاد.
لقد عاد!
"انت.. انت.. انت رجعت؟"
ربما توشك على فقدان عقلها.
ربما تناست كل ما حدث طوال الفترة الماضية.
ربما تغفر له كل شيء.
فقط لو أنه قد عاد حقًا.
يكفي أن يعود.
يكفي أن تستعيده مرةً أخرى.
هذا كل ما تريده.
إنها تريده.
إنها تعشقه حد الجنون.
هذا زوجها وحبيبها.
إنه هو.
هو.
كان يرتدي حلّته السوداء.
ذات القميص السماوي المطابق للون عينيه.
كان شعره المثالي الناعم مُصفف كالعادة.
كان نظيفًا ولامعًا كدأبه وكما عهدته طوال حياتها معه.
والآن.. كان يبتسم لها.
تلك الابتسامة الملائكية خاصته.
والتي لا تلائم سواه.
لم تستطع الإحادة عنه طرفة عينٍ.
إن كان حلمًا فلا تود أن تغادره.
لن تستيقظ.
لن تفعل وهي قادرة على ذلك.
ليس بعد أن وجدته.
"إزيك يا فريال؟"
أقشعرّت لسماع صوته ورؤيته في نفس اللحظة.
كم يبدو هذا حقيقيًا.
بل واقعيًا إلى أقصى حد.
تنفست بصعوبةٍ وهي تدفع بجسدها للأمام.
وكأنها تنجو من براثن وحلٍ مميت.
نجحت بطريقةٍ ما ووجدت ساقيها القوة للتحرك والسير تجاهه ببطءٍ.
بينما تقول بلهجةٍ مرتعشة:
"انت حقيقي.. انت رجعت بجد يا يحيى؟ سيبتني ليه؟"
تلّبدت نظراته بغشاوةٍ رقيقةٍ من الدموع في هذه اللحظة.
ربما لم تتوقع هذا.
لكنه مد يده نحوها.
فمدت يدها ليأخذها.
ثم وكأن المسافة بينهما قد تلاشت.
شدّها إليه برفقٍ.
لتغمرها رائحته المألوفة.
فتوقن بأن كل هذا لا يمكن أن يكون مجرد حلمًا.
إنها تشعر به.
تشعر بلمساته على جسدها.
تشم ريحه.
كيف لكل هذا أن يكون حلمًا؟
كانت لتعرف.
لقد سبق وحلمت به منذ رحيله آلاف المرات.
هذا لا يشبه البتة أحلامها ورؤياها به.
هذا أكثر حسية من أن يكون.
هذا واقعها.
هذا هو الواقع الذي فقدته وقد عثرت عليه أخيرًا.
ولربما ما فات كله كان كابوسًا.
والآن استفاقت منه.
أجل.
هذه هي الحقيقة.
زوجها لم يمت.
وكل ما عاشته طوال أربعة عشر عامًا كان محض أكذوبة.
كابوسٌ مزعج.
أجل.
"كان حقيقي يا فريال!"
نظرت إليه بتيهٍ.
بالكاد فهمت ما قاله.
فسألته على الفور دون أن تكف عن التشبّث به ملأ قبضتيها:
"انت سمعتني إزاي؟ انا فكرت بصوت عالي؟"
جاش الحنين بأعماقها حين مسح بكفّه على رأسها قائلًا بلطفه المعهود:
"انتي مش محتاجة تتكلمي عشان اسمعك. افتكري. مش انا وعدتك؟"
تلقائيًا رنّت بأذنيها تلك العبارة التي قالها عندما ضمّها إلى صدرها مودّعًا في هذا اليوم المشؤوم: "بحبك.. خليكي فاكرة إني جنبك دايمًا.. وبحبك دايمًا!".
يستطرد "يحيى البحيري" ممسّدًا خدّها بحنوٍ:
"أنا كنت معاكي. كنت موجود يا فريال حتى لو انتي مش شايفاني. أنا كنت حواليكي."
أغرورقت عيناها بالدموع وهي تكرر سؤالها:
"سيبتني ليه يا يحيى؟"
إلتزم الصمت الآن.
فمه مطبقًا بأسفٍ وكأن الإجابة لا يمكن معرفتها.
أو بمعنى أصح لا يمكنها هي أن تعرفها.
انفعلت مشاعر "فريال" وهي تستنطقه باكية بحرقةٍ:
"رد عليا يا يحيى. أنا تعبت. انت كسرتني وكسرت قلبي. قلبي إللي ماحبش غيرك. أنا عملت فيك إيه عشان تعمل فيا كل ده؟ أنا حبيبتك. أنا جبت لك عثمان وصفيّة. خونتني ليه؟ هنت عليك ليه يحيى. رد. رد عشان خاطري وريّحني!!!"
تابعت عيناه الدمعة المنحدرة على وجنتها.
رفع يده إلى وجهها على الفور ومسح دموعها متمتمًا:
"أنا آسف. أنا آسف على كل حاجة. على أي حاجة. لو يرجع الزمن بيا يا فريال.. صدقيني ماكنتش أكررها تاني. ماكنتش أجرحك أبدًا. لأخر يوم في عمري. كنت مصمم ماجرحكيش. ولا تعرفي أي حاجة."
كانت تقترب منه أكثر أثناء حديثه إليها.
تريح رأسها على صدرها وتستمع إلى نبضات قلبه الرتيبة.
رباه!
كيف لكل هذا ألا يكون حقيقيًا!!
تبلل قميصه الناعم بدموعها.
لم تستطع السيطرة على بكائها البتّة.
بينما يكمل:
"انتي اتعذّبتي كتير. أنا عرفت وشفت كل حاجة. وده كان عقابي يا فريال. صدقيني ده كان عقابي. ماتفكريش إني مرتاح!"
رفعت رأسها ونظرت إليه.
عيناها حمراوين ودامعتين.
ترى في نظرته الإدراك.
إنه يعرف إذن!
يعرف ماذا صار لها في بيته.
من شقيقه.
من الجميع.
"أنا آسف!"
قالها وقد دمعت عيناه بدوره.
نظرت له بارتباكٍ.
بينما يقول:
"أنا آسف لأني كنت السبب. أنا آسف يا فريال ومش هقدر أقولك سامحيني. مش عايزك تسماحيني."
ردت بصعوبةٍ من تحت وطأة غصّتها:
"هسامحك لو رجعت لي. أنا مش قادرة أعيش منغيرك. أرجع لي يا يحيى!"
تقلّصت تعابير وجهه بألمٍ شديد.
ألم فعلي وقال:
"ياريت.. ياريت أقدر!"
أمسك بمعصميّها الآن.
يحاول إبعادها عنه.
لكنها تتشبّث بقميصه أكثر.
تزداد ارتباكًا وهلعًا من فكرة فقدانه.
فيقول بهدوءٍ:
"لازم تسيبيني يا فريال."
هزّت رأسها بقوةٍ مغمغمة:
"لأ. أنا ماليش حاجة من بعدك. ماتسبنيش تاني. لو بتحبني يا يحيى ماتسبنيش. لو بتحبني خدني معاك. خدني معاك أنا مش قادرة أكمل منغيرك!"
أحاط وجهها بكفّيه.
نظر بعينيها قائلًا:
"انتي ليكي حاجات كتير أوي لازم ترجعي عشانها. لسا يا فريال. لسا وقتك مجاش. لازم ترجعي."
أنّت من شدة البكاء وهي ترد عليه:
"مش عايزة أرجع. أنا هنا مرتاحة. لو رجعت هاتعب أكتر وأنا خلاص مابقتش قادرة يا يحيى. مش عايزة أرجع!"
همس وهو يمرر يده برفقٍ على خدّها:
"ماتستعجليش. أنا مستنيكي. بس مش دلوقتي. مش دلوقتي يا فريال. عثمان.. صفيّة.. وشمس. لازم ترجعي عشانهم. لازم ترجعيلهم. لسا وقتك مجاش!"
وأغمض عينيه مقرّبًا رأسها إليه.
ثم لثم جبينها بقوةٍ في لحظاتٍ مطوّلة.
تركها مبعدًا يديها عنه بحزمٍ.
فكان كأنما يسلخ الشوك عن الحرير.
وقال بصوته القوي وهو يبتعد نحو الضوء المُبهر:
"ارجعي يا فريال. ارجعي وماتخافيش. أنا جنبك. دايمًا جنبك!"
كانت تحدق فيه بقوةٍ حتى كاد الضوء يعميها.
لم تشأ مراقبته يرحل ثانيةً.
لكنه قدر رحل بالفعل.
رحل وكان هذا أخر شيء رأته.
**بالكاد انتهت منها خبيرة التجميل.
بالكاد رآها بعد أن غيّرت من مظهرها.
كانت تتأهب لسماع ردّه بعد أن رأت الاعجاب الشديد بعينيه.
أتاه ذاك الاتصال الذي قلب حاله رأسًا على عقب.
وأحال تعبيره المرح إلى التجهّم التام.
لقد شحب لونه كليًا في لحظاتٍ.
وما لبث أن أغلق الخط وأمرها باتباعه في الحال.
فعلت بدون أن تتسنّى لها أيّ فرصة للاستفسار.
ارتدت حجابها على عجالةٍ وتبعته مهرولة إلى الخارج.
استقلّت السيارة بجواره.
فانطلق فورًا بشكلٍ أرعبها.
لتجرؤ الآن على سؤاله وقد خشيت أن مكروهًا قد أصاب صغيريها:**
"في إيه يا عثمان؟ قولّي إيه إللي حصل وإلا هايجرالي حاجة!"
لم يكن بحاجة ليستدير نحوها حتى ترى انقباضات وجهه.
يكفي الغصة التي اعترضت حلقه وهو يجاوبها باقتضابٍ:
"فريال هانم. وقعت ونقلوها المستشفى. أمي.. أمي بتروح مني يا سمر!"
**"هاتفضلي ساكتة يا شمس؟"**
لم تلتفت "شمس البحيري" إلى سؤال أمها.
بقيت تلتزم الصمت مكتفية بالنظر والتأمل في حديقة القصر الغنّاء من حيث تجلس بشرفة جناحها الأنيقة.
تنهدت "رحمة" بيأسٍ واضعة فنجان القهوة من يدها فوق الطاولة التي تفصل بينها وبين ابنتها.
ساءها للغاية أن تراها حزينة إلى هذا الحد.
لم يسبق أن وصلت بها المواصيل إلى ما تراها عليه الآن.
ألم تود طوال حياتها المجيء إلى هنا والتعرف إلى عائلتها؟
لقد فعلت.
لقد علم بها أخوها وصارت في كنفه.
لماذا هي حزينة إذن؟
لا تصدق أن هذا الرجل الذي تمكن من الإيقاع بقلبها استطاع أن يفعل بها كل ذلك.
حتى وهو بعيدًا عنها.
يفرض سيطرته عليها.
ولا يمكنها أن تكون هي.
هذه التي تجلس أمامها ليست "شمس" ذاتها التي تعرفها.
إنها حاضرة بجسدها فقط.
ولكن وجدانها وقلبها معه هو.
هو لا غيره.
"يا شمس ماتوجعيش قلبي!"
رددت "رحمة" بأسى.
تحدثت إليها رغم عدم ردها:
"يا بنتي. أنا ماليش في الدنيا غيرك. وانتي عارفة. مش عايزة من حياتي كلها حاجة غير إني أشوفك مبسوطة وسعيدة في حياتك. أنا عايشة على الأمل ده. انتي فكراني مبسوطة بحالتك دي؟ يا شمس فوقي. فوقي وعيشي حياتك. الدنيا مش واقفة على حد. بكرة تلاقي 1000 راجل يتمناكي. وده مش كلام. انتي عارفة وشوفتي بنفسك لما كنا في لندن أي حد كان يشوفك سواء راجل ألاقيه تاني يوم على باب مكتبي بيطلبك مني أو حتى ست بتجيلي تطلبك لابنها أو أخوها. مش فاكرة مدام ناهد صفوان؟ إللي جت لي عشان تطلبك لأخوها السفير. وغيرهم ناس محترمة ومراكز كبيرة. يا حبيبة قلبي انتي حلم أي راجل وكل راجل. بس مش أي حد يا شمس يستاهلك. انتي مش عايزة تفهمي كده!!"
لم تحصل منها على أي رد ولا زالت تؤثر الصمت.
فأضافت "رحمة" متمسكة بموقفها:
"عمومًا أنا ضميري مرتاح. وقلبي كمان مطمن لأنك تحت رعاية أخوكي. أنا مش هاسيبك يا شمس. مقدرش أسيبك. بس مش هقدر أطالب بيكي حاليًا ولا هقدر أعيش معاكي هنا. كل إللي أقدر أعمله إني أجي أزورك. انتي عارفة وضعي حسّاس أكتر منك وخصوصًا لما فريال هانم ترجع."
تدير "شمس" رأسها في هذه اللحظة.
تنظر إلى أمها نظرة جوفاء مطوّلة.
ثم تقول بجفافٍ:
"تيجي تزوريني؟ عشان ده بقى سجن صح؟ أنا بقيت مسجونة في القصر ده!"
"مش كده. احنا بنحميكي. وأخوكي أدرى بمصلحتك. أنا مش خايفة عليكي وأنتي معاه يا شمس. لأول مرة في حياتي مطمنة عليكي وحاسة بالأمان."
طفرت الدموع من عينيّ "شمس" وأطبقت شفتاها ببعضٍ غير قادرة على النطق بكلمةٍ أخرى.
أشاحت بوجهها عن والدتها ثانيةً.
سحبت "رحمة" نفسًا عميقًا لتُسكّن جزع غريزة الأمومة بداخلها التي تقوم ابنتها بابتزازها.
لن تغيّر موقفها مهما حدث.
لن تدع فرصة لهذا الرجل بأن يفسد حياة ابنتها ويستنزفها كما سبق وحدث لها هي مع في حياتها مع زوجها الراحل.
لن تعيش "شمس" ما عاشته "رحمة".
لن تفعل أبدًا.
أخذت تجمع متعلّقاتها من فوق الطاولة بحقيبة يدها وهي تقول:
"أنا لازم أمشي دلوقتي. بس بكرة هاجيلك وهاجيب معايا فستان الحفلة بتاعتك. الأوردر هايوصل على الأوتيل بكرة الصبح. ومانستش أوصي لك على البيرفيوم المخصوص بتاعك. أنا عارفة إنه Special Order وبيتعمل بالطلب. قوليلي لو ناقصك حاجة تانية؟"
تطلّعت إليها.
لتجدها تشرأب بعنقها.
وتنظربقوة واهتمام شديدين نحو نقطةٍ ما.
تبعت نظراتها.
فرأت بالأسفل.
"صفيّة البحير" تحمل صغيرتها مهرولة نحو إحدى السيارات بالجراج المكشوف.
يتبعها كلًا من الصبي "يحيى" وشقيقته الصغرى "فريدة".
استقلّوا أربعتهم السيارة.
ولحق بهم السائق الخاص في الحال.
كانت الطريقة التي غادروا بها مثيرة للريبة كثيرًا.
ما دفع "شمس" للقول لا شعوريًا:
"يا ترى إيه إللي بيحصل!؟"
**خبر زواجه كان حدثًا نادر الحدوث.
ولم يكتفي أصدقائه ومعارفه بالمباركة خلال حفل زفافه.
حتى الآن لا زالت التهنئات تصله في مكالماتٍ هاتفية وهدايا وباقات أزهار تطرق بابه كل ساعةٍ تقريبًا.
اليوم يوم رابع أيام زواجهما.
بعد زيارة أبيها لم يتصادفا وجهًا لوجه.
إذ كانت تجتنبه كما هو واضحٌ.
كان يسمع تحركاتها بالشقة فور أن يلج إلى غرفته الخاصّة ويغلق عليه الباب.
لم يضغط عليها بأيّ شكلٍ وترك لها مساحتها قدر استطاعته.
لكنه لم يشعر بها منذ يومان!
لقد مكث بغرفة المعيشة هادئًا من بكرة الصباح.
يتحيّن أيّ ظهور لها.
لكنها لم تظهر.
وقد ساوره القلق حقًا.
واتته الفكرة بأن يحضّر قدحيّ قهوة ويذهب إليها.
وإن كانت بادرة يعلم عاقبتها.
لكنه سيفعلها لأنه حقًا يشعر بالقلق عليها.
خرج "نبيل الألفي" من غرفته بعد أن أخذ حمامًا سريعًا وارتدى ثيابه شبابية الطراز المؤلفة من سروالًا قصير عاجي اللون.
وكنزة سوداء ضيّقة أبرزت عضلات ذراعيه المفتوليتين.
قام بتحضير القهوة الزكية التي اكتسب خبرة بعملها على مدى سنواتٍ.
ثم حمل فنجانين فوق صينية صغيرة وتوجّه نحو الغرفة الرئيسية.
غرفتها.
توقف أمام الباب وقرع عليه مرتان.
لم يأتي رد.
فقرع مرتان أخريتان.
وعندما لم ترد من جديد.
مد يده وأدار المقبض ليلج بلا ترددٍ.
لم تكن بالفراش حيث توقع.
إنما رآها بالأريكة المقابلة للحائط الذي تحتلّه شاشة التلفاز الضخمة.
كانت ممددة هناك.
ربما غافية.
ولعلها كانت تشاهد فيلمًا لم ترى آخره لأنه تقريبًا انتهى والشاشة تعرض شارة النهاية.
سار "نبيل" للداخل مغلقًا الباب من خلفه.
واقترب منها بتوأدة وهو يشملها بنظراتٍ متفحصة.
إنها تغفو بالفعل.
تغفو بشكلٍ مثالي وهي لا ترتدي سوى منامةٍ بيضاء شفّافة.
بالكاد تغطي فخذيها.
وشعرها المجعّد عادةً مفرودًا على حافة كتفها حتى لامس الأرض.
ازدرد "نبيل" ريقه بتوترٍ وهو يتوقف فوق رأسها مباشرةً.
لا يقدر إلا أن يحدق فيها والرغبة بها تستعر مجددًا بصدره.
يمنعه صوتًا بداخله.
توقف.
توقف عن التفكير بهذه الطريقة يا "نبيل"!
تنفس بعمقٍ واستدار ليضع الصينية فوق الطاولة المجانبة للأريكة.
ثم عاد إليها.
أمال جزعه نحوها قليلًا ومد يده يلامس كتفها العاري هاتفًا بلطفٍ:
"مايـا... مايـا..."**
فتحت عيناها من المرة الثانية.
فما إن رأته حتى انتفضت وتخبّطت بمكانها ممسكة بظهر الأريكة.
ابتعد عنها "نبيل" بهدوء.
لتسحب ساقيها في الحال متهافتة لتنزلهما على الأرض وهي تشد طرف المنامة لتخفي مفاتنها عن عينيه عبثًا.
"عايز إيه؟"
قالتها بحدةٍ.
وأخذت تسوّي مظهرها وشعرها بيدين نزقتين.
نظر إليها بتكاسلٍ وقال بفتور:
"جه على بالي اشرب فنجان قهوة. عملت حسابك. غلطان؟"
لوّحت بيدها قائلة بجمودٍ:
"أنا مأكلتش حاجة عشان أشرب قهوة."
عبس "نبيل" متسائلًا:
"ومأكلتيش ليه؟ التلاجة برا مليانة أكل وشرب. والمطاعم كلها حوالينا لو مش عايزة تاكلي من البيت ماعملتيش أوردر من برا ليه؟"
أشاحت بوجهها بعيدًا عنه.
وقالت:
"ماليش نِفس!"
ازداد عبوسه وهو يتأكد من صوتها بوجود خطبًا ما.
انحنى صوبها في طرفة عينٍ وجسّ جبينها بكفّه.
ارتعدت محاولة الابتعاد عنه.
لكنه أمسك بها صائحًا:
"يا خبر. انتي سخنة مولّعة!!!"
بذلت قصارى جهدها حتى أفلتت منه وهي تهتف بشقّ الأنفس:
"أنا كويسة. بس تبعد عني. سيبني في حالي أنا ماشتكتش."
احتد صوت "نبيل" الآن:
"يعني قصدك بتنتحري؟ اسمعي يا بنت عزام. أنا خُلقي ضيّق. مش هاصبر عليكي كتير!"
"طيب انت عايز مني إيه دلوقتي؟ أنا مش قادرة لك بجد."
رمقها بقساوةٍ وطرد زفيرًا حادًا.
لم يرد عليها وأستلّ من جيب سرواله هاتفه الخاص.
قام وخطى خطوتين بعيدًا عنها.
أجرى اتصالًا بصديقًا له يعمل بمجال الطب.
قدّم له وصفًا عن حالتها.
وتلقّى منه بعض التعليمات والأدوية التي دوّن اسمها بورقةٍ.
أغلق معه واتصل بإحدى الصيدليات المجاورة ليطلب العلاج من أجلها.
أغلق الخط أخيرًا ونظر لها.
كانت تراقبه كل هذا الوقت والانزعاج يبدو عليها.
رأته يمسك بجهاز التحكم الصغير ليغلق المكيّف وهو يقول:
"طبعًا سيادتك نايمالي عريانة ومعليّة التكييف لازم تبردي. ماشوفتش استهتار زي كده بصراحة!"
لم تعلّق على كلماته.
بينما سار نحو خزانتها.
أخرج لها ملابس قطنية فضفاضة وسميكة.
ألقاهم فوق السرير وعاد إليها.
"قومي يلا!"
قالها وهو يقبض على رسغها ويشدّها لتقف.
رنّحت في الحال مغمغمة بانفعالٍ:
"أقوم على فين؟ سيب إيدي."
لم يكن يمسك بيدها فقط الآن.
كانت لتسقط لو لم يحاوط خصرها بذراعه.
رد عليها ساخرًا:
"أسيب إيدك! انت لازم تشكريني عشان هاشيلك وأدخّلك الحمام بنفسي."
وقبل أن تستوعب ما قاله.
صرخت ما إن حملها على ذراعيه بخفةٍ.
رغم إن وزنها كان ثقيلًا بعض الشيء ولم يستطع إلا أن يعلّق:
"ما شاء الله. تصدقي أول مرة أخد بالي إنك مليانة كده. مع إني مش أول مرة أشيلك!"
صرخت فيه بضعفٍ جمّ:
"نزّلني.. انت عايز مني إيه؟ سيبني في حالي بقى انت مابتفهمش؟ انت عايز تموّتني.. موّتني وريّحني!!!"
"بالعكس يا قلبي. أنا عايز أساعدك. بكرة تشكريني."
وتجاهل صرخاتها التالية التي لم تدم طويلًا.
وانقطعت بمجرد ولوجه بها داخل قاعة الحمام الكبيرة.
أنزلها هناك وأجلسها على حافة الحوض البيضوي وقال آمرًا:
"يلا اقلعي!"
نظرت له بذعرٍ.
ليرد بضجرٍ:
"ماتبصليش كده. مش على أساس ميت عشان أشوف جسمك يعني. الدكتور قال لازم تنزلي تحت دُش بارد. أكيد مش هاتنزلي بهدومك. ها.. هاتقلعي ولا أساعدك بطريقتي؟"
ورفع يداه نحوها مهددًا.
استوقفته صارخة:
"إيـاك تلمسني!!"
لكنه لم يتقهقر عن موقفه.
فسالت دموعها وهي تردد باكيةً بحرقةٍ بينما تخفي وجهها بالعارضة الرخامية بالجوار:
"مش هقدر.. مش هقدر أعمل حاجة من دي. أنا مش قادرة أقف على رجلي!"
لقد تعلّم مرة بحياته ألا ينخدع بدموع النساء.
فما بال دموعها تنفذ كسهمٍ موخزٍ إلى قلبه؟
ربما لأنه يعلم بأنها ليست بموقف يخوّلها خداعه.
هي لا تكذب الآن ولا تدّعي أيّ شيء.
إنها في أقصى مراحل ضعفها مطلقًا.
لكنه لا ينوي تركها دون أن يعالجها كما تريده.
أمسك "نبيل" بكتفيها واجتذبها بقوةٍ غير مؤلمة.
استسلمت لكنها لم تتوقف عن البكاء.
فقال بخفوتٍ:
"لازم أعالجك يا مايا. أنا آسف. عارف إنك مش طايقاني ولا حابة إني ألمسك بأي طريقة. بس ده كله مش هايمنعني أعالجك. أنا آسف!"
وبالفعل.
لم تؤثر فيه دموعها باللحظات التالية.
بكائها وأنينها المكلوم بينما ينتزع ملابسها القليلة بيد صارمة.
لتكون عارية تمامًا بين يديه في غضون ثوانٍ.
حملها داخل المغطس وفتح الدش البارد فوق رأسها.
لتشهق بقوةٍ وتصرخ في الحال مطالبة بالخروج حالًا.
لكنه أبقى عليها محتضنًا إيّاها من الخلف بشدة.
تبلل معها عن طيب خاطرٍ وأخذ يهدهدها بلطفٍ جمّ:
"ششششش.. بس.. إهدي. ماحصلش حاجة. هاتبقي كويسة. هاتبقي كويسة!"
لم تعد تصرخ.
تلهج بأنفاسها فقط.
بتشنّج جسمها وينتفض من لحظة لأخرى بين ذراعيه.
الحمى تغادرها شيئًا فشيء.
فيتراخى جسدها وتلقي برأسها لا إراديًا فوق كتفه.
وما أن أحصى "نبيل" الدقيقة الثالثة كما أوصاه صديقه الطبيب.
حتى أغلق الدش أخيرًا!
**لم تترك يده.
منذ دخولهما المشفى التخصصي الكبرى التي نُقلت إليها السيدة "فريال".
وفقًا لأوامره عندما هاتفه الحارس الذي عيّنه ليتقفى آثار أمه.
سمعت الحارس وهو يخبره فور وصوله: "أنا كنت واقف بعربيتي عند البيت إللي دخلت فيه الهانم. قعدت جوا 10 دقايق بالظبط. ولما خرجت كان باين عليها التعب جدًا. وقبل ما تركب عربيتها شوفتها بتقع من طولها ف جريت عليها فورًا وكلمتك يا باشا!"
مكثت "فريال" بداخل "غرفة العناية الفائقة" لما يزيد عن ثلث ساعةٍ.
وها هي "صفيّة البحيري" قد جاءت قبل أن يعلم "عثمان البحيري" خبرًا عن أمه.
"عثمــان!!"**
إلتفت "عثمان" نحو هتاف شقيقته.
أقبلت عليه منهارة في البكاء.
الصغيرتان "فريدة" و "ديالا" وضعهما لا يقل سوءًا عن وضع "صفيّة".
ما عدا "يحيى" الصغير.
كان وضعه مطابقًا لوضع أبيه تقريبًا.
يتخذ الوجوم التام قناعًا يخفي ورائه كل انفعالاته ومشاعره.
ترتمي "صفيّة" بين ذراعيّ أخيها.
يترك "عثمان" يد زوجته ويضم أخته بشدة مرددًا بجلد:
"ماتخافيش يا صافي. ماتخافيش. فريال هانم هاترجع. هاترجعلنا!"
غمغمت "صفيّة" من بين دموعها الغزيرة:
"ماكنش لازم أسيبها. أنا السبب. مامشيتش معاها. كان لازم أفضل جنبها. أنا السبب يا عثمان كان لازم أفضل جنبها!!"
رد "عثمان" بصرامةٍ:
"مش انتي السبب يا صفيّة. سامعة؟ مش انتي السبب. ماتخافيش قلت لك. فريال هانم هاترجع. لازم ترجع."
وصل "مراد أبو المجد" في هذه اللحظة.
معه زوجته "إيمان عمران".
ترك "عثمان" شقيقته لزوجته وزوجة صديقه لتواسياها.
بينما يؤازر "مراد" صديق عمره وأخيه ممسكًا بكتفه:
"ماتقلقش يا عثمان. خير ان شاء الله."
نظر "عثمان" إليه بذات التعبير الواجم.
لا يستطيع إنكار ذلك الشعور المقبض بداخله.
والذي استشفه "مراد" من نظراته ليؤكد له مرةً أخرى:
"ربنا مش هايسبنا. هايسمع دعواتنا يا عثمان وفريال هانم هاتبقى كويسة. ماتقلقش."
لأول مرة لا يستطيع "عثمان" موافقته.
رغم إنه لا يكف عن ترديد هذا التأكيد على نفسه وعلى شقيقته.
لكنه من نقطةٍ ما بداخله.
يشعر بأنه فقدها بالفعل.
ولا يمكنه تخيّل ما الذي قد يحدث لو إنه فقدها حقًا.
"عثمان بيه!"
استدار "عثمان البحيري" في الحال نحو صوت الطبيب ورئيس المشفى الأشهر.
اتجه إليه من فوره وهو يقول مباشرةً:
"قولّي إنها كويسة يا دكتور. من فضلك قولّي إنها كويسة!"
مطّ الطبيب فمه بأسفٍ قائلًا:
"أنا آسف يا عثمان بيه. البقاء لله!"
رواية كرسي لا يتسع لسلطانك الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم مريم غريب
لم يسبق له أن ارتكب جريمة قتلٍ، لكنه ليس متأكدًا إذا كان سيفعلها الآن.
عندما تجرّأ كبير الأطباء وأدلى بهذا الخبر الذي زلزل قلبه بعنفٍ للحظةٍ، لم يترجمه عقله من الأساس. في خضم الصراخ المصدوم من خلفه، صراخ شقيقته، ارتبك. لم يتقبّل ما سمعه ورد في الحال محتدًا:
"لأ يا دكتور، لأ. الكلمة دي ماسمعهاش. فريال هانم عايشة، انت سامعني؟"
مط الطبيب فمه بأسفٍ وقال:
"أنا مقدّر صدمتك يا عثمان بيه، بس..."
"مــابــــسـش!" هدر "عثمان البحيري" مقاطعًا بغضبٍ عارمٍ.
التفت نحو "صفيّة" التي تلقّتها "سمر" بأحضانها محاولة تهدئتها دون أن تكف بدورها عن البكاء.
"اسكتي يا صفيّة، اسكتــي. ماما كويسة، فريال هانم كويسة."
واستدار ثانيةً لينظر إلى الأخير. انتفخت أوردته قاطبةً وهو يزجره بصياحٍ مُصمّ:
"اسمع يا دكتور، انت هاترجع لها، ولما تخرج تاني هاتقولّي إنها فاقت وبقت كويسة. وإلا مش هاخلي حجر فوق حجر في المستشفى دي. و قبل ما اعمل كده هاطلع بروحك. انت لسا وااقـــف!"
استقطبت الجلبة المثارة هنا أفراد طاقم التمريض وبعض الأطباء المتمرنين بالمشفى. حاول أحدهم التدخل قائلًا:
"يافندم من فضلك هدوء شوية، حضرتك في مستشـ..."
لم يزد أحد كلمةً أخرى، حين التفت "عثمان البحيري" تجاه فرد الحراسة الذي خصّصه لأجل أمه. سحب من حزامه ذاك السلاح المرخص وأشهره مباشرةً وبجديةٍ تخلو من أي هزل.
أفلتت صرخة من "سمر" مخافة على زوجها، وكذا الصغيرة "فريدة" التي انهارت باكية بين أحضان "إيمان عمران".
"عثمـان!!" هتف "مراد" مقتربًا من صديقه.
ليجمّده "عثمان" محذرًا بغلظةٍ مخيفة:
"أبعد عني يا مراد، أنا بحذرك."
بدا وكأنه قد فقد صوابه فعليًا، ولا يزال مشهرًا السلاح بوجه كبير الأطباء المذهول، وقال بلهجةٍ تقرّ صدق تهديده:
"3 ثواني مارجعتلهاش وعملت إللي قلت لك عليه، اتأكد إني هادخل فيك السجن إنهاردة."
وبدأ التعداد فورًا:
"واحد.."
جحظت عينيّ الطبيب من شدة الذعر.
"اتنين.."
"عثمــان!!!"
لم يكن "مراد" هذه المرة، بل كان أخر شخص توقع "عثمان" رؤيته. رآه بطرف عينه، أحد أصدقاؤه المكتسبين حديثًا وأكثرهم وثوقًا، "أدهم عمران"، ابن خالة "مراد أبو المجد"، و صهره في آنٍ.
ماذا أتى به يا ترى؟ ماذا يفعل هنا!؟
"إيه إللي بيحصل؟" تساءل "أدهم" وهو يقبل بثقةٍ نحو "عثمان".
جاوبه "عثمان" على الفور من بين أسنانه المطبقة:
"أمي.. أمي يا أدهم!!!"
كان "أدهم" يرتدي زيّ المشفى بالفعل. بالنظر إلى حالة صديقه وإشارته لأمه نحو قسم الطوارئ، فطن إلى واقع الأمر.
أومأ له عابسًا وقال بصوتٍ أجش:
"طيب هدي نفسك.. استنى هنا يا عثمان من فضلك ونزّل السلاح ده، من فضلك. أنا داخل لها!"
ولم يبقى ليسمع جوابه. أخفض "عثمان" السلاح بالفعل بينما يمضي "أدهم" صوب قسم الطوارئ يتبعه كبير الأطباء.
من جهةٍ أخرى، يضع "مراد" يده فوق كتف "عثمان"، يمسك بعضده ويضغط برفقٍ، يشد من أزره قائلًا:
"أمسك نفسك يا عثمان، خليك فاكر.. انت عثمان البحيري.. انت كبير العيلة دي.. ماينفعش تتهز!"
**
ما من شيءٍ خاطئ. إنه صباح مثل غيره. ما الذي قد يجعله صباحًا مميّزًا!؟
مهلًا، لعله مميّزٌ بالفعل. الهدوء المعتاد الذي ألفه يوميًا لم يكن موجودًا. بل أن ما أيقظه حقيقةً هو ذلك الصوت الضئيل من النحيب والنهنهات المكتومة.
يباعد "نبيل الألفي" بين أجفانه بتثاقلٍ، ليرى نفسه بمكانه المألوف، جناحه الرئيسي بشقته. وكما توقع، إنه الصباح، من خلال الضوء البسيط المنبثق عبر الستار الخفيف للنافذة.
بلحظةٍ ضرب الإدراك ذاكرته، فارتبعد بخفةٍ مديرًا رأسه للشطر الآخر من سريره العريض، ليراها. زوجته. كانت تجلس بجواره، لا ترتدي سوى روبها الستان القصير، تحتضن ركبتيها وتبكي بين ذراعيها. هكذا ببساطةٍ.
الآن فقط تذكر كل شيء. اللعنة. ليلة الأمس. القهوة التي لم يشرباها. الحمّى التي ألمّت بها. حوض الاستحمام. حوض الاستحمام!!!
كان من المفترض أن يحممها بدوشٍ باردٍ، وقد فعل. كان من المفترض أن يحملها إلى السرير ويعطيها دوائها ثم يدعها لتنام وتتعافى. لكنه لم يفعل. فماذا فعل!؟
إنه حتى لم يفكر. وما إن وضعها بالسرير بنيّة تجفيفها ومساعدتها على ارتداء تلك الملابس التي اختارها لأجلها، تبخّرت نواياه بلحظةٍ. وأغراه مستوى الضعف الذي وصلت إليه، إذ كانت في وضعٍ لم يسمح لها حتى بأقل مقاومة.
ربما ظنّ قلّة حيلتها رضا، رضوخًا، أيًّا ما كان. لقد أخذها ليلة أمس. يتذكر جيدًا إلى أيّ مدى استمتع بها دون أن يخالجه الشعور بالذنب، أو أن يوخزه ضميره قليلًا. لو كانت أبدت لمحة اعتراضٍ، ما كان ليفعل لها شيء. لكنها بقيت ساكتة عن الكلام، ولم تقاوم.
"مايا!"
لم ترد على ندائه الهادئ. فسحب نفسًا عميقًا وقام على مهلٍ ليرتدي سرواله الداخلي على الأقل، فقد لا تريد النظر إليه لأنه عاريًا في الواقع.
عاد "نبيل" ليجلس إلى جوارها. مد يده ملامسًا رسغها وهو يقول بهدوء:
"مايا.. ممكن أفهم بتعيّطي ليه على الصبح؟ انتي مانمتيش يعني؟ ردي عليا. طيب انتي كويسة؟ مايـا!"
شدّها من ذراعها برفقٍ ليجبرها على النظر إليه. وبالفعل، رفعت وجهها الغارق بالدموع وتطلّعت إليه من خلال شعرها المتشابك أمام عينيها وقالت بصعوبةٍ:
"خلاص بقى.. سيب مايا في حالها.. مش عايز تسيبني في حالي ليه؟"
تغضّن جبينه بعبسةٍ متأثرة. لسنوات لم ينخدع يومًا بدموع النساء، ولا زالت "مايا عزام" تهوى بمطرقتها على كل حصونه ضد بنات جنسها، أو تحديدًا ضدها هي. دموعها لا تؤثر فيه فقط، إنما تؤلمه. فقد كانت حقيقة، حقيقة للغاية وهو يعلم، ويدرك تمامًا كيف تتألم.
"حقك عليا!" تمتم معتذرًا منها.
لا يعرف على ماذا بالضبط، فقد فعل بحقها الكثير. لم يتوقع أن تتقبّل اعتذاره، ولكنه أيضًا لم يتوقع ما قالته الآن بجديةٍ تامّة:
"طلّقني يا نبيل."
نظر لها بجمودٍ وقد تلاشى التأثر السابق. أيّ شعور آخر إلا الحنق الكامن بصدره، لكنه لم يظهره. بينما تشد ذراعها من قبضته بحزمٍ وهي تقول مكفكفة دموعها بظاهر يدها:
"انت غلطت معايا و خلاص صلّحت غلطتك. اتجوزتني عشان ترد جمايل أبويا عليك. احنا خالصين يا نبيل. أنا دلوقتي بكلمك بجد. طلّقني. مش هقدر أستمر في العلاقة دي أكتر من كده!!"
ونهضت عن السرير، تتبعها نظراته. أضافت قبل أن تتخذ أيّ خطوة تالية:
"هاتكلم أبويا و تنهي معاه كل حاجة. لو عايز تجيب العيب فيا أنا مش مهم، المهم تخلّصني في أسرع وقت. الليلة دي هكون في مصر. كانت غلطتي أصلًا إني سيبتها و جيت هنا."
واستدارت ماضية نحو الخزانة. كادت تمد يدها لتخرج حقيبة السفر الكبيرة. ابتلعت شهقتها حين أحسّت بقبضته تمسك ذراعها بقوةٍ مؤلمة هذه المرة. سحبها مقفلًا دلفة الخزانة، أسندها هناك بين اللوح الخشبي و بين جسده الصلب مغمغمًا بخشونةٍ:
"انتي الظاهر فعلًا مش بتيجي الذوق و مش بينفع معاكي. طلاق إيه إللي عاوزاه يا ست هانم. انتي ناسية متجوزة مين؟ و لا لسا ماتعرفنيش؟ و متخيّلة إني ممكن أسمح لك تخطّي برا عتبة البيت ده أصلًا؟ طيب جرّبي تعمليها و أنا أكسرّ لك رجليكي إن شاء الله!!"
كانت تطبق فمها كلّما ضغط بقبضته عليها أكثر. تحمّلت الألم حتى صمت، لترد عليه بصوتٍ مختلج:
"و الله لو رجولتك تسمح إن واحدة تفضل على ذمتك و هي مش طايقاك.. خلاص.. إللي تشوفه يا نبيل."
ارتفعت زاوية فمه مبرزة ابتسامةٍ شيطانية. ثم سمعته يقول بصوتٍ هامس و أنفاسه الساخنة تطال بشرتها:
"حبيبتي.. انتي لو فعلًا مش طايقاني.. صدقيني كنت عرفت. و بالذات ليلة امبارح.. فاكرة ليلة امبارح يا مايا؟"
أغمضت عينيها بشدةٍ لتمنع الرؤى التي يثيرها صوته و طريقة كلامه من القفز أمام عينيها. اكتملت ابتسامته و هو يرى التوتر الذي أصابها به. تأكد من حدسه. إذن هي لم تكن رافضة. لم تقاومه لأنها أرادته. واستيقظ على بكائها لأنها تحارب مشاعرها من الداخل. "مايا عزام". إنها أشبه بقاع محيطٍ مظلم، وعليه استكشافها. فهي ليست كما تحاول أن تبدو. و قطعًا هو لن يتخلّى عنها. الأمر لم يعد يتعلّق برد المعروف الآن. لقد صارت زوجته، و يخشى لو أنه بات متوّرطًا بشيءٍ أكبر معها. لم يستوضحه بعد.
"دي مش أول مرة تغتصبني!" قالتها "مايا" و لا زالت مغمضة العينين.
فتحت عينيها بغتةً. رمقته بفتورٍ مكملة:
"أول مرة قاومتك.. منغير فايدة.. و تاني مرة امبارح.. وفرت مجهودي.. لأني عرفت إنه هايكون منغير فايدة. ماتفتكرش انك بتقرب مني بارادتي يا نبيل."
انقبضت عضلات فكّه لوهلةٍ. ثم مال صوب أذنها ليضيف بخفوتٍ شديد:
"أوعدك.. المرة الجاية.. هاخليكي تطلبيها بلسانك.. و تتوّسلي كمان يا مايا."
لم تستطع منع ضحكة مجلجلة من بلوغ شفتيها. أرجع رأسه للوراء مبتسمًا بدوره. ترك ذراعها أخيرًا، وقال مؤكدًا:
"أوعدك!"
**
"ارتخاء كامل في القلب.
توقف في الرئتين.
انخفاض حاد في درجة حرارة الجسم."
استمع "أدهم عمران" إلى جميع أفراد الطاقم الطبّي، وفي نفس الوقت كان يتفحص المؤشرات الحيوية عبر الأجهزة الموصولة بجسد "فريال" دون أن يضيع لحظةٍ. كان يطبّق عليها بنفسه عملية الإنعاش القلبي الرئوي.
يضغط بكلتا قبضتيه فوق قفصها الصدري مرارًا وتكرارًا وهو يقول من بين أنفاسه:
"بس لسا جسمها و أعضائها الحيوية شغالة.. مين قرر إنها ميتة؟"
تدخل الطبيب الأكبر سنًا:
"يا دكتور أدهم.. مش بتعرف تتنفس لوحدها.. قلبها واقف كمان.. دي مسألة وقت بمجرد ما نشيل الأجهزة أعضائها كلها هاتقف.. خلاص يا دكتور ده أمر واقع.. لازم نسيبها."
صاح "أدهم" بغلظةٍ:
"لأ.. مش هاسيبها.. دي فريال هانم أم عثمان البحيري.. قلبها لسا واقف.. بس مش هاعتبرها ميتة قبل ما أعضائها الحيوية تقف تمامًا."
جادله الأخير:
"دي بقالها ساعة يا دكتور.. ساعة قلبها واقف و مش بتستجيب للإنعاش!!"
هتف به "أدهم" بعنفٍ:
"سمعت قولت لي إيه؟ أنا دكتور.. أنا شفت بعيني حالات بتستجيب بعد 6 ساعات.. بعد يوم كامل.. شوفوا شغلكوا يا دكاترة.. هانعمل إللي علينا و نحتسب مجهودنا بين إيدين ربنا.. هاتولي فريق الجراحة هنا.. و حد يستدعي دكتور رؤوف من قسم المخ و الأعصاب.. يلا."
**
حالة من الصمت المطبق. الوجوم التام. والترقب المرتعب.
الجميع بالخارج تتملكهم مشاعر القلق والخوف. مجهزين للخبر الأكيد بأي لحظة. الجميع هنا. "سمر حفظي" و صغيريها. "صفيّة البحيري" و صغيرتها. "مراد أبو المجد" و زوجته. تركا الصغير "عمر" بعهدة "لمى عزام" في القصر.
أما عن "عثمان البحيري"، لقد اختفى منذ لحظاتٍ. توارى داخل أحد الغرف المجاورة ولم يخرج بعد. ما دفع "سمر" لترك "صفيّة" برفقٍ، والتسلل إلى حيث ذهب زوجها.
بوغتت ما إن وصلت عند أعتاب الغرفة التي تبيّنت بأنها صالة انتظار فارغة. ذلك لأنها وجدته. زوجها. "عثمان البحيري". في وضع السجود. إنه يصلي. لم تكن المرة الأولى التي رأته يصلي. لقد لاحظت طوال الفترة الماضية مواظبته على الصلاة في موعدها. لكنها المرة الأولى التي تراه يطيل في سجوده.
مرّت ثوانٍ. دقيقة. اثنتان. ثلاث. لم يقوم من سجوده. كانت لتقلق عليه لولا أن اختلاجات جسده طمأنتها بأنه بخير. لكنه بدا إنه لن يقوم حتى ينال ما يُلح بالدعاء لأجله بهذه الشكل. لن يقوم قبل أن يناله.
فرّت دمعة من عين "سمر" أزالتها سريعًا وهي ترفع عيناها إلى السماء مبتهلةً بصوتٍ خفيض:
"يارب.. يارب!"
**
تشبّثت "إيمان عمران" بيد زوجها. أدار "مراد" وجهه نحوها وتمتم:
"أنا قلقان على عثمان يا إيمان. انتي ماتعرفيش فريال هانم تبقى إيه بالنسبة له. لو حصلها حاجة هاينهار حقيقي."
طمأنته "إيمان" باسلوبها اللطيف:
"ماتقلقش يا حبيبي.. خير إن شاء الله.. أدهم معاها.. صدقني وجوده هنا مش صدفة ربنا بعته في الوقت المناسب."
عبس "مراد" وقد انتبه لتلك النقطة تحديدًا. وقال:
"صحيح.. أدهم هنا بيعمل إيه؟"
"أدهم و سلاف هنا بقالهم أسبوعين. المستشفى دي استوردت أجهزة جديدة و لسا الدكاترة تحت التمرين مأتقنوش استخدامها.. ف مدير المستشفى اتصل بأدهم و طلب منه يقضي شهر هنا يعلّم الدكاترة على الأجهزة. شفت يا مراد.. شفت تدابير ربنا؟"
رفع "مراد" حاجبيه مذهولًا. فابتسمت "إيمان" قائلة:
"عشان كده أنا مطمنة.. إن شاء الله فريال هانم هاتقوم.. هاترجع بالسلامة!"
**
يبكي. إنه يبكي. منذ بلغ طليعة صباه و حتى هذه اللحظة من حياته، لم يبكي سوى مرتان. مرة بعمر الثلاثين، حين مات أبيه. والمرة الثانية اليوم، حين بلّغه الطبيب بالخبر المفجع. لا يريد أن يقرّه. لا يريد أن يصدقه.
لأول مرة بحياته لا يعرف ما الذي يتوّجب أن يفعله. لأول مرة يشعر بأنه ضائعٌ. بأنه على شفى الإنهيار. كان يتخبّط في الظلام، وغُلّقت كل الأبواب بوجهه. هو الذي يمتلك كل شيء. ويحصل على أيّ شيء إن أراده.
وضع كل جاهِ جانبًا، وتجرّد من كل دفاعاته. لكنه لم يستسلم أمام القدر. بل ذهب لمسيّره. لمقرره. لموقعه. توضأ وأدّى ركعتي قضاء الحاجة. ثم ختمهما بسجدةٍ مطوّلة. سجدةٍ تعهّد أمام نفسه بأنه لن يقوم منها إلا بالغًا حاجته.
هذا "عثمان البحيري". البالغ من العمر اثنان و أربعون عامًا. لم يكن الآن سوى الصبي "عثمان" ذو السبع سنوات. المتعلّق بثوب أمه الجميلة. المغرم بحسنها و المدمن لطيب أحضانها. كان يلح ويبكي وهو يستجدي في سجوده بحرارةٍ:
"رجعها لي.. أرجوك يا رب.. رجعها لي.. ماتاخدهاش دلوقتي.. مش و هي زعلانة مني.. أرجوك يا رب.. مش هقوم.. مش ماشي قبل ما ترجعها لي.. لو ده القدر ف انت رب القدر.. رده يا رب و رجعها لي.. رجع لي أمي يا رب.. يا رب."
"عثمـان.. عثمـان.."
تداخل صوت زوجته مقاطعًا دعائه. انتفض قلبه وانهمرت الدموع من عينيه غزيرةً. لا يقوم. ولا يريد مواجهتها. لا يريد لأنه يخشى أن تؤكد ما سبق وأخبره إيّاه الطبيب. لا يريد.
أحس بكفها تلامس كتفه المتشنّج. وبصوتها الباكي يخبره:
"فريال هانم رجعت.. قلبها رجع يا عثمان.. رجعت.. رجعت!!"
لم يتمالك نفسه الآن. تآوه من أعماقه وقد أحس كما لو أن حجرًا هائلًا قد أطيح عن كاهله. ارتفع من سجوده آخذًا زوجته بين ذراعيه. ضمّها بأحضانه بشدة تحمّلتها بينما تضمه بدورها. تبكي من الفرحة. ويدمع مبتسمًا وهو يتمتم بامتنانٍ:
"شكرًا يارب.. شكرًا يارب!"
رواية كرسي لا يتسع لسلطانك الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم مريم غريب
فتحت عينيها بتثاقلٍ، تشعر بتعبٍ ألمّ بها. ظمأ شديد، وفمها جاف للغاية، وهذا ما شغلها أكثر من صحوتها. لم تنتبه حتى إلى المكان الذي استفاقت به، ولم يتسنّ لها الوقت لتدرك أيّ شيء.
اخترق الصوت العزيز مسامعها متلهفًا متلوّعًا:
"فريال هانم.. ماما.. ماما انتي سمعاني.. فتحي عنيكي و بصيلي.. أرجوكي.. ماما.."
لسانها الثقيل تحرّك بصعوبةٍ كبيرة وهي تترجم شعورها بالواقع إلى كلماتٍ. والحقيقة أنها كانت كلمةً واحدة، اسمه هو:
"عـ.ـثـ..ـمـ.ـان!"
سمعته يتأوه كما لو إنه يتألم بالفعل، ثم أحسّت بذراعيه تحيطان بها. إنه يحتضنها الآن، يضمها إلى صدره الخافق متمتمًا:
"روح عثمان.. روح عثمان و قلبه يا فريال هانم.. انتي كويسة؟ كلّميني.. سمعيني صوتك أرجوكي.. قولي أي حاجة.. كلّميني يا ماما!!"
أخذت النقاط السوداء في التلاشي أمام عينيها لترى وجهه بوضوحٍ، ويسعد قلبها بلقائه أخيرًا. فهذا فلذة كبدها، ابنها، رجلها والمعنى الوحيد لحياتها هو وشقيقته. أين هي "صفيّة" يا ترى؟
"عثمان!"
نطقت اسمه بطريقة أفضل هذه المرة. تشكلت ابتسامة متألمة على ثغر "عثمان"، مسّد على رأسها بحنوٍ قائلًا ودموعه تنهمر غزيرة من عينيه:
"أنا هنا.. أنا جنبك.. أنا معاكي يا ماما.. مش هاسيبك من إنهاردة.. مش هاسيبك أبدًا.. و هاعملك كل إللي انتي عايزاه.. شمس هاتمشي.. مش هاتشوفيها و لا تسمعي عنها تاني.. أوعدك."
ابتسمت ابتسامة لم تصل لعينيها وقالت بصوتٍ هامس:
"لأ.. أوعدني انها تفضل.. و انك ترعاها و تاخد بالك منها.. طول ما انت عايش.. دي أختك يا عثمان.. شمس أختك.. زي صافي بالظبط!"
عبس "عثمان" مدهوشًا. لوهلةٍ خشى أن تكون أمه لا تزال تحت تأثير المخدر، لكنه سمعها تؤكد من جديد وهي تضغط على يده القابضة على يدها:
"انت راجل العيلة دي.. انت مكان ابوك.. عمرك ما خيّبت ظنّه.. و لا ظنّي يا حبيبي.. انا آسفة يا عثمان.. آسفة عشان انا اللي خيّبت ظنّك."
"ششششش!" أسكتها واضعًا اصبعه فوق شفتيها وأردف مداعبًا خدّها برقةٍ:
"انتي عمرك ما خيّبتي ظنّي.. انتي اجمل و انقى واحدة شافتها عنيا.. انتي فريال هانم.. ست الهوانم."
ابتسمت له ثانيةً وقالت:
"ممكن أطلب منك حاجة؟"
رد فورًا:
"اؤمريني.. اللي انتي عايزاه مهما كان أجيبه تحت رجليكي و حالًا!!"
بللت دموع خفيفة عينيها وهي تقول:
"لما وقعت و كنت هموت.. خفت اموت و انا لوحدي.. و لسا خايفة.. احضنّي يا عثمان.. خدني في حضنك عشان يختفي الشعور ده."
تلوّى وجهه من شدة الألم الذي أحسّه على إثر كلامها. تمالك رباطة جأشه من أجلها، وبدون أن يتركها اعتلى السرير الطبّي بجوارها. كان بالحجم الكافِ ليسع كليهما. أحاط "عثمان" كتفيّ أمه بذراعٍ، وسّع لها حضّنه. توسّدت صدره مغمضة العينين، راحت تستنشق رائحته الذكية الدافئة، بينما يمسح "عثمان" برتابةٍ على رأسها وكتفها. والحقيقة أن هذا العناق لم تكن وحدها التي تحتاجه، لقد كان هو بأمسّ الحاجة إليه، أكثر منها، وأكثر من أيّ وقتٍ مضى بحياته كلها. لقد عادت له أمه.
في صبرٍ وأناة، جلس "أدهم عمران" يستمع إلى التاريخ الطبّي الخاص بـ"فريال المهدي" من ابنتها "صفيّة البحيري". هنا بكافيتيريا المشفى، حدّه من الجانبين كلًا من شقيقته "إيمان" وزوجها "مراد". والصغار قد جلسوا بطاولة أخرى أمام أعينهم.
"ده تاريخها الطبّي زي الفل ما شاء الله.. اللي حصل وقت وفاة والدك يا مدام صفيّة كان أسبابه نفسية."
أومأت "صفيّة" قائلة:
"أيوة الدكاترة كلهم قالوا كده.. بس المرة دي.. أنا مش فاهمة ايه اللي حصلها!"
ابتلع "أدهم" ما تبقّى بكوب قهوته في جرعةٍ واحدة. نظر لها وهو يشرح باسلوبٍ علمي مبسّط:
"اللي حصل المرة دي مش هانصنفه بعيد عن نفس الأسباب النفسية.. و لكن ده أثر عليها عضويًا.. نوبة قلبية اتطوّرت و حصل ارتخاء في عضلة القلب.. القلب وقف لمدة من الوقت لكن اللي فادنا ان درجة حرارة الجسم كانت منخفضة ف الدورة الدموية كانت بطيئة و بالتالي حافظت على الأعضاء الحيوية و ده بسببه كسبنا وقت لحد ما عملنا اللازم و أسعفناها."
برز صوت "مراد" محتدًا:
"أيوة يا أدهم بس الفريق الطبّي هنا يتحمل مسؤولية الأخطاء دي كلها.. فريال هانم كانت ممكن تروح من بين أيدينا بسبب اهمالهم.. لازم يتحاسبوا أنا متأكد عثمان مش هايعدي إللي حصل ده."
وافقه "أدهم" قائلًا:
"أنا معاك نص الخطأ اهمال.. و لازم اللي غلط يتحاسب.. منغير ما تقول عثمان ناوي على ايه.. أنا بنفسي هارفع تقرير عن المستشفى و هاذكر كل فرد من الفريق قصّر في شرف مهنته."
و نهض بغتةً مكملًا:
"استأذنوكم.. عندي استدعاء في العمليات.. هاخلص و أمرّ تاني عليكوا عشان اطمن بنفسي على فريال هانم."
قامت "صفيّة" بدورها لتعرب له عن امتنانها مرةً أخرى:
"أنا فعلًا متشكرة أوي ليك يا دكتور أدهم.. انت انقذتنا انهاردة."
أدهم بحزمٍ:
"الله المنقذ يا مدام صفيّة.. أنا مجرد سبب.. و بعدين ده واجبي.. عن اذنكوا."
و ذهب رأسًا إلى عمله. تنهدت "صفيّة" شاعرة بشيءٍ من الراحة، لتنتبه فجأةً إلى الصغيرة "فريدة" التي شدّت يدها متسائلة:
"أنطي صافي.. هي مامي راحت فين؟"
مدت "صفيّة" يدها تمسح على رأس الصغيرة وجاوبتها برقةٍ:
"سمر راحت البيت تجيب هدوم و شوية حاجات لفريال هانم و أخدت يحيى معاها.. زمانها جاية يا روحي.. مش هاتتأخر."
مرّ اسبوعًا. في ساعة الظهيرة، ها هي "فريال المهدي" تغادر المشفى برفقة ابنها "عثمان البحيري". تسير معه عبر البوابات متأبطة ذراعه. خرجت مجددًا إلى الحياة، في كامل أناقتها و بهائها، برغم التعب الواضح عليها، لكنها لم تكن أقل جمالًا قط عن السابق. تركها "عثمان" للحظة ريثما يفتح لها باب السيارة الخلفي. استقلّت سامحةً له بمساعدتها. تأكد من استقرارها جيدًا، ثم استدار ليستقلّ بجوارها. نزع نظّارته الواقية من الشمس وهو يهتف آمرًا سائقه الخاص:
"أطلع على القصر يا محروس."
أومأ السائق الشاب قائلًا وهو ينظر عبر المرآة الأمامية:
"أمرك يا عثمان بيه.. حمدلله على السلامة يا فريال هانم الدنيا كلها نوّرت انهاردة برجوع حضرتك لينا."
ابتسمت له "فريال" وقالت بصوتها العذب:
"ميرسي يا محروس."
أقلعت السيارة أخيرًا متجهة إلى قصر "البحيري". تمر بطرقات المدينة المتألقة ببحرها أسفل زرقة السماء المشمسة. تخفض "فريال" زجاج النافذة لتستنشق ملء رئتيها عبير البحر، وتوقن أن لا مكان على هذه الأرض يُضاهي أصالة وجمال هذه البقعة تحديدًا. هذه المدينة التي قضت فيها عمرها كله تقريبًا. إنها تعتبرها موطنها الأصلي وإن لم تكن مسقط رأسها. هنا عاشت، أحبّت، تزوّجت، وأنجبت أغلى شخصان على قلبها. هما الآن كل عائلتها وكل ما تملك، وقد عادت لأجلهما فقط.
"نوّرتي حياتي انهاردة يا فريال هانم!"
تلتفت "فريال" نحو ابنها عقب سماعها كلماته. ابتسمت بينما يرفع يده الممسكة بيدها ليقبّلها مطوّلًا، ثم يقول:
"كل حاجة حواليا كانت ضلمة.. دلوقتي بس قادر اتنفس.. و انتي جنبي يا ماما."
شددت "فريال" قبضتها حول يده متمتمة:
"ربنا يخليك ليا يا حبيبي.. انت فعلًا حبيبي يا عثمان.. اكتر حد بحبه في حياتي.. هو انت."
ابتسم "عثمان" مقبّلًا يدها مرةً ثانية، ثم قال بجدية:
"على فكرة.. أنا أجلت كل حاجة لحد ما تخرجي و ترجعي البيت بالسلامة.. معاد الـLaunching و حفلة شـ..."
بتر عبارته مسرعًا قبل أن يتمّ ذكر اسمها. حثته "فريال" بلطفٍ:
"كمل يا عثمان.. تقصد حفلة تقديم شمس؟ أنا قريت عنها في المجلات.. ايه المشكلة؟"
عثمان باقتضابٍ:
"انا مش هاعمل أي حاجة تسبب لك ازعاج.. لو حابة قبل نوصل هاتكون شمس مشيت من القصر.. و اعتبري حفلتها ملغية كمان كفاية اعلان في المجلات و الصفحات الرئيسية و خلاص."
تنهدت "فريال" وقالت:
"حبيبي.. انت مش فاكر كلامنا قبل أسبوع واحد؟ شمس أختك.. و مكانها معاك.. جنبك في بيت أبوها."
عثمان بترددٍ:
"أيوة يا ماما بس.."
قاطعته بإشارة من يدها قائلة:
"مافيش بس يا عثمان.. أنا عارفة انك كده كده مش هاتتخلّى عن اختك.. و لو فعلا هاتمشيها من القصر ف هايبقى عشاني انا لكن في نفس الوقت هتأمنلها مكان تاني و تاخد بالك منها.. بس دلوقتي انا اللي بقولك.. شمس مكانها معانا.. و انا مش هاسمح لك تمشيها من القصر و لا تلغي حفلة تقديمها."
حدجها "عثمان" بنظرة غير واثقة، وقال لآخر مرة:
"انتي متأكدة يا فريال هانم.. هو ده اللي انتي عايزاه؟"
فريال بجدية تامّة:
"هو ده اللي انا عايزاه يا عثمان."
أومأ لها مرتان، ثم قال بهدوء:
"أوكي.. بكرة هايكون معاد الـLaunching و حفلة تقديم شمس.. و بعدها يا فريال هانم هايكون لينا قاعدة طويلة مع بعض.. و هاتفهميني ايه اللي حصل طول الفترة اللي فاتت."
الآن وقد سبب لها حديثه اضطرابًا حاولت اخفاؤه قدر استطاعتها، تساءت مدّعية الجهل بقصده:
"مش فاهمة قاعدة ايه؟ .. و ايه اللي عايز تفهمه أصلًا يا عثمان!؟"
ارتبكت من نظرته المطوّلة ذات المعنى، وسمعته يقول بنفس الهدوء:
"فريال هانم.. انتي فاهماني كويس.. جه الوقت اللي لازم أحط حد لأي مهازل بتحصل من ورا ضهري.. لو كنتي مفكرة يا ماما انك لما تخبي عليا و تحاولي تتصرفي من ورايا هاتبقي بتحلّي أي مشكلة معاكي أو أي حاجة انتي واقعة فيها تبقي غلطانة.. انا مش بس ابنك.. انا عثمان البحيري.. لو المعلومة دي كانت بعيدة عنك.. انا بأكدها عليكي دلوقتي."
وتابع بصرامةٍ:
"بكرة بعد ما كل حاجة تخلص.. هانقعد مع بعض.. و هاتصرحيني بكل حاجة.. يا إما هاعرف بنفسي.. أوعدك."
بقيت تتظاهر أمامه بالثبات والتظاهر كما لو إنها لا تعلم عمّا يتحدث بالضبط، لكنها علمت من ملامحه الجامدة أن أي شيء ستحاول فعله أو قوله لن ينطلي عليه. لذلك أشاحت بوجهها نحو النافذة من جديد، مطمئنة نفسها بأن ما من دليلٍ على أيّ شيء. لن يجد خيطًا يتتبعه. و "صفيّة" وعدتها ألا تفشي لها سرًا، لهذا هو لن يعلم أبدًا. أجل.. لن يعلم شيئًا.
يـوم الحفــل...
العمل قائم بالقصر منذ مطلع الفجر على قدمٍ وساق، تحت إشراف منسّقة الحفلات الأشهر وإحدى صديقات "عثمان البحيري"، "سلوان البدري". خلال الأيام الماضية كان مكوثها بالمنزل اعتياديًا، لكن لم يكن لـ"سمر" أن تغار منها، خاصةً كلّما التقت بـ"عثمان" وتشاورت معه بشأن تفاصيل الاحتفال. في الحقيقة لا يمكن لأيّ امرأة أن تغار من "سلوان البدري"، لأنها حتى وإن كانت جميلة وتمتلك وجهًا كالقمر، إلا إن هذا الجمال لن ينفعها ما دامت تجلس على كرسي متحرك لعلة شللٍ جزئي أصاب كلتا قدميها. الفتاة الشابة البالغة من العمر ثلاثة وعشرين عامًا، لم يمنعها مرضها من خوض حياتها وممارسة العمل الذي تهواه. الشيء الوحيد الذي استغربته "سمر"، هو أنّى لـ"عثمان" أن يصادق فتاة صغيرة مثلها؟ وهو الرجل الأربعيني الناضج؟ كيف حصل على صداقتها! لم تمتنع عن سؤاله، وبدوره لم يحجب عنها جوابه الذي كان ببساطةٍ: "سلوان البدري مش مجرد بنت عادية.. دي من عيلة كبيرة و بيني و بين اخوها مصالح و شغل مهم.. من هنا اتعرفت عليها و عرفت حبها و شغفها بشغلها.. و على فكرة كنتي معايا لما شوفتها أول مرة في حفلة عيد ميلادها الـ20.. و حبتيها جدًا".
الفتاة لم تكن فقط جميلة، إنها كالملاك، ومحال لأيّ انسان أن يراها دون أن يعجب بها. إنها تمثل نوعًا فريدًا من النقاء. وبفضل جهودها، تحوّلت مساحة القصر الخلفية بحديقتها الشاسعة إلى بقعة مقتبسة من أروع اللوحات الفنيّة. كل شيء هنا مثالي. الإضاءة المتعددة، الطاولات والمقاعد حديثة الطراز، المفروشات، الأواني والكؤوس، الخزف والأزهار. لقد صممت ديناميكية متفردة، حيث ان الضيوف بإمكانهم أن يمتعّوا جميع حواسهم بالأمسية. حاسة النظر مرافقة للديكور والتصميم الرائع، حاسة السمع بالموسيقى المختارة بعنايةٍ على ذوقها، وحتى حاسة الشم. لقد اختارت باقاتها المفضلة من الأزهار الفوّاحة وأمرت بتوزيعها في كل مكان. هذه الفتاة العجيبة، صنعت أمسية الأحلام الليلة.
كلمات غنوة "ماريا كاري" الأيقونية "My All" تتردد في أذنيها، تصدح من خلف زجاج شرفتها معلنة بدء الحفل، ومثيرة بداخلها عواصف عاتية من المشاعر. فهذه الغنوة تحديدًا تحتلّ أهم ذكرياتها مع حب حياتها. يا للصدف! لطالما غنّتها بصوتها له، وتراقصا عليها، وتنزّها وهما يستمعان إليها.
تطايرت دمعة من عين "شمس البحيري". مسحتها بسرعة وخفةٍ كي لا تفسد مكياجها الصارخ المتقن. لقد غادرت خبيرة التجميل منذ دقائق، وها هي تقف أمام مرآة، بعد أن ارتدت فستانها الذي اختارته أمها لأجلها. فستانًا بسيطًا للغاية، من الحرير الليلكي، يضيق على جسدها في الأماكن المثالية، مزوّد بشريطين عريضين يحملان نهديها المكتنزين ويشدّهما معًا جيدًا منتهيًا بعقدة وراء عنقها. هذا التصميم الجريء ليس جديدًا عليها، يمنحها مظهرًا واثقًا ومثيرًا في الآن ذاته، مِمّا جعلها تتساءل، ترى ماذا ستكون ردة فعل أخيها عندما يراها هكذا؟ مبتذلة.. بعيدةً عن الاحتشام! لم تتعمّد ذلك، وسيُفاجأ. إلا إنها لم تلقي بالًا لتوبيخه لها فيما بعد. كانت مشغولة البال بأشياء أخرى، أشياء تتعلّق بعاطفتها المجروحة، وقلبها المستنزف. لقد طال الفراق، فراقها عن حبيبها الوحيد. متى يعودا؟ متى يسمح لهما القدر باللقاء والعيش معًا أخيرًا؟ متى!!؟؟؟
"شمس!"
خرجت "شمس" من شرودها مستجيبة للنداء المباغت. استدارت متسعة العينين، لترى أختها، نصف الشقيقة، "صفيّة البحيري" قد وقفت على أعتاب الغرفة مستأذنة:
"أنا خبطت 3 مرات.. قلقت عليكي.. ممكن ادخل؟"
أومأت لها "شمس" مرةً واحدة. ابتسمت "صفيّة" وهي تلج مغلقة الباب من خلفها. هي الأخرى لا تقل جمالًا عنها أبدًا، بل الواقع إنها تفوقها في الجمال بكثير، ولكن "شمس" الأشدّ جاذبية وأنوثة. أقبلت عليها "صفيّة" متأنقة بثوبها الأسود اللامع، كان على قدر من الاحتشام، طويل ومفتوح الأكمام، شفافٌ حول منطقة الصدر مبرزًا عقد الألماس الذي دفعته إليها أمها بعيد ميلادها السابق. وأيضًا تسريحة شعرها القصير كانت رائعة، بعد أن ذهبت إلى الصالون وعدّلت قصّته. كانت جميلة عندما كان شعرها طويلًا، لكنها صارت أجمل بالشعر القصير.
"عثمان بعتني اشوفك جهزتي و لا لسا!" قالتها "صفيّة" مبتسمة بخفة.
جاوبتها "شمس" بخفوتٍ:
"أنا جاهزة."
العلاقة بين الأختان لم تكن شديدة التوتر. هذه المرة الثانية التي تلتقيان فيها حقيقةً. المرة الأولى كانت يوم عودة "فريال" من المشفى إلى القصر، حيث بقيت العائلة بانتظارها في الأسفل، وبأمر من "عثمان البحيري" نزلت "شمس" من جناحها لتستقبل مع بقية أفراد العائلة سيدة المنزل. رغم تخوّفها من الالتقاء بزوجة أبيها الراحل، لكنه مضى على خير، ولم تبدي "فريال" أيّ امتعاض منها، بل لدهشتها ابتسمت ما إن رأتها، وصافحتها بلطفٍ. كان تصرفها ضربًا من الخيال، حتى في أحلامها لم تتخيّل أن يأتي اليوم وتتلقّى معاملة لطيفة من زوجة أبيها. "رحمة" أيضًا أبدت ذهولًا عندما سمعت من ابنتها، ولولا هذا ما تشجعت وقررت المجيء لحضور الحفل. ما كانت ستحضر، لكن استنادًا إلى حالة "فريال" المرنة وتقبّلها أخيرًا لوجود "شمس"، ما كان هناك داعٍ لانسحابها من حياة ابنتها خلال فترة تواجدها بقصر عائلتها. هذا ليس معناه أن تظل معها، سوف تحضر الحفل فقط وتغادر بعدها، فبغض الطرف عن أيّ اعتبارات، إن "رحمة" تكنّ الاحترام إلى "فريال"، ولا يمكن أن تفكر بمضايقتها بأيّ شكل من الأشكال.
"انتي ايدك ساقعة أوي!" علّقت "صفيّة" وهي تمسك بيد أختها فجأةً.
ردت "شمس" بلهجةٍ جوفاء:
"الجو بارد انهاردة."
وافقتها "صفيّة":
"عندك حق.. الشتا شادة اليومين دول.. بس ماتقلقيش الحركة تحت مش هاتحسسك بالبرد.. كمان ربع ساعة و يبدأ الدفيليه بتاع سمر.. عثمان عاوز يقدمك للناس الأول.. يلا بينا؟"
سحبت "شمس" نفسًا عميقًا وهي تومئ لها قائلة:
"يلا!"
ولا تعرف لماذا تشعر بأنها ليست ذاهبة لمواجهة المجتمع فقط، بل يراودها شعورٌ قوي بأنها تسير نحو القدر، قدرها المحتوم!
رواية كرسي لا يتسع لسلطانك الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم مريم غريب
مبروك علينا الشراكة عقبال النسب!
رد "عثمان البحيري" على عبارة صديق العمل الجديد غامزًا بمرح:
أكيد.. مش هالاقي ليحيى ابني نسب احسن من كده.. بنات عاصم الصبّاغ من جميلات مصر.. إلا لو حاطط عينك على بنتي فريدة.. أنا مش ناوي أجوزها.. هي اصلًا بتعتبر نفسها مراتي من دلوقتي.
ضحك الرجلين بانطلاقٍ.
رفعا كأسيهما في نخبٍ للشراكة الحديثة بينهما.
قال "عاصم الصبّاغ" بلهجةٍ لا تخفي إعجابه و غيرته في أنٍ:
محدش يقدر يغلبك في أي حاجة يا راجل.. عثمان البحيري بصحيح.. انت مافيش حاجة بتهزّك أبدًا.
شعّ ألق سريع بعينيّ "عثمان".
قال بابتسامةٍ جانبية:
يبقى انت لسا ماشوفتنيش مع سمر حفظي.. مراتي!
وتلقائيًا طارت نظراته نحوها.
حيث تقف هناك في الطرف المقابل من القاعة المجهّزة.. بجوار أمه.. ضمن حلقة من سيدات المجتمع و قد كانت الوحيدة المتألقة و البارزة بينهن.
في الحقيقة لقد تميّزت على كل امرأة هنا بالحفل.. بتفرّدها المُلفت للأنظار.
في ثوبًا أنيقًا و محتشمًا فضّي اللون.
و حجاب بنفس اللون مع مكياج بسيطٌ للغاية.
و قد اكتملت اطلالتها الساحرة بطقمٍ من الألماس النادر كان قد أهداها زوجها إيّاه بعيد زواجهما الخامسة.
لقد ارتدته الليلة خصيصًا لأنها تعرّفت على تلك الذكرى بمجرد أن رأت الطقم بصندوق مجوهراتها.
لم تخفى عنه نظراتها تجاهه منذ بدء الأمسية.
كان يشعر بها لحظً بلحظة حتى لو تظاهر بأنه لم يلاحظها.
الآن هو لا يرى سواها.
بابي!
تعالي يا سيلين.. تعالي اعرفك على عثمان باشا البيحري.
لو لم يسمع نداء صديقه بأذنيه لما أزاح عينيه عنها.
أدار رأسه نحو "عاصم الصبّاغ" ثانيةً.
و لم يكن بمفرده الآن.
وقفت بجواره فتاة شابة.. آية في الجمال و الجاذبية.
شقراء.. نحيلة مثل قوام الغزال.
ملامحها ملكيّة.
و كأنها تنتمي لزمنٍ خلى.. زمنٍ لا يحاكي شيئًا إلا الأصالة.
مثلها تمامًا.
مدت الفتاة يدها مصافحة "عثمان" و هي تقول بصوتٍ رقيق فريدٌ مثلها:
Enchanté عثمان باشا!
لم يترك "عثمان" يدها فورًا و قال بلطفٍ:
لأ باشا إيه.. البنات الجميلة اللي زيك يدّلعوا و بس.. و كلمة باشا و بيه دي ماتطلعش من بؤهم.. نوّرتي قصر البحيري و شرّفتيني يا سيلين.
و رفع يدها لمستوى فمه ليطبع قبلةً راقية فوق بشرتها الناعمة.
ابتسمت "سيلين الصبّاغ" قائلة:
ضحكا كلًا من "عثمان" و "عاصم" على كلماتها المداعبة.
رد "عثمان" بعد برهةٍ بدماثةٍ:
لو ماكانتش في واحدة اسمها سمر حفظي اتخلقت في الدنيا دي.. ماكنش عثمان البحيري اتجوز أبدًا يا سيلين.. لكن بالنسبة لك ف أنا واثق.. اللي هايفوز بالجمال و الكيان الأصيل اللي قدامي ده.. أكيد راجل محظوظ جدًا.. و أمه داعية له كمان.. لو كان يحيى ابني من سنك صدقيني ماكنتيش هاتفلتي من إيدي لكن يا خسارة.
أفلت يدها الآن مديرًا رأسه حيث رأى زوجته منذ قليل.
رآها كما هي.
ولكنها لم تعد تنظر إليه و قد استشف الغضب في لغة جسدها و محيّاها الجامد.
حتمًا غارت.
حتمًا غارت.
ابتسم "عثمان" و تأهب ليترك صديقه و ابنته مجددًا ليذهب إلى زوجته.
ولكن للمرة الثانية يستوقفه أحدهم.
وكانت "صفيّة" هذه المرة.
نادته من الخلف:
عثمـان!
كزّ على أسنانه ناقمًا.
يريد أن يذهب إليها.
فما الذي يعيقه!؟
استدار كليًا نحو شقيقته بنزقٍ.
ليتلاشى تعبير الحنق بلحظةٍ فور أن رؤيته لأخته الثانية.
تقبل عليه برفقة "صفيّة".
المارقة.. المتمردة.. "شمس البحيري".
لا شك أنها تعمّدت الظهور الجريئ لتثير حفيظة أخيها.
لكنها و لا ريب لم تفكر بالعواقب.
**
جاب نطاق الحفل كله مرتان بحثًا عنها.
وها هي ظهرت من جديد.
عثر "مراد" على زوجته "إيمان" بالقرب من المسبح الكبير.
كانت تتلفت حولها بسلوكٍ أقرب إلى الهستيرية.
هتف "مراد" ما إن صار ورائها و قد قبض على رسغها:
كنتي فين يا إيمان؟
بقالي ساعة قالب عليكي الدنيا.. مالك!؟
نظرت إليه "إيمان" بعينين متّسعتين و قالت:
مراد.. إلحقني
حسين عزام هنا.. حسين عزام هنا!!
لم تكن صدمته أقل من صدمتها.
لكنه على الأقل كان أكثر تحكمًا بانفعالاته و ردة فعله كانت أكثر تعقلًا و هدوءًا.
فين لمى؟
سألها "مراد" مباشرةً بصوتٍ خافتٍ حاد.
جاوبته بوجلٍ بدى في صوتها و رعشة يديها:
أول ما شوفته جريت بيها على جوا.. طلّعتها الأوضة و قفلت عليها.
تنفس "مراد" الصعداء و استرخى جسده قليلًا.
لكنه صوته لم يفقد حدته و هو يغمغم بعصبيةٍ:
و ده جه إزاي و عرف ان احنا هنا منين؟
إزاي دخل القصر أصلًا؟؟
ماعرفش.. ماعرفش يا مراد.. عشان خاطري اتصرف.. اعمل حاجة.
مراد بجزمٍ:
قلت خلاص إهدي يا إيمان.. محدش يقدر يهوّب ناحية لمى طول ما انا بتنفس.. انا هاشوف شغلي كويس مع الراجل ده.
و استدار باحثُا بعينيه عن صديقه المقرّب:
انت فين يا عثمان!؟
**
صعدت فوق منصّة الاستعراض المضاءة متأبّطة ذراع أخيها.
كانت لا تزال تشعر بذبذبات غضبه تسري بذراعه من خلال قماش حلّته.
حتى بعد أن لحق بها قبل أن يلاحظها أحد بثوبها الجريئ.
ارسال في طلب وشاحًا من الفراء ليغطي عري ظهرها و صدرها.
و في نفس الوقت يناسبها و يكلل أناقتها.
تحاشت "شمس البحيري" النظر إلى عشرات الوجوه التي انجذبت نحوها الآن.
بمجرد تلقّي "عثمان البحيري" مكبّر الصوت حديث الطراز.. استقطب بسهولةٍ انتباه الحضور من أول كلمة تفوّه بها:
مساء الخير!
انقطعت الموسيقى بعد بضع ثوانٍ.
استدار كل من بالساحة نحو "عثمان البحيري" و عمّ صمتٍ مطبق.
و سُلَّطت الأضواء أكثر عليه.
ما إن ضمن الهدوء التام حتى قال من جديد:
في البداية برحب بيكوا.. مبسوط جدًا بتشريفكوا حفلتنا.. و بقول حفلتنا لأنها مش بس بمناسبة الـLaunching الخاص بالـFashion House بتاع مراتي سمر حفظي.. لأ هي كمان ليها مناسبة تانية لا تقل أهمية عن الأولى.
و رفع يد أخته نصف الشقيقة يمدّها قليلًا للأمام مستطردًا:
بأسمي و باسم عيلة البحيري واحد واحد.. بقدم فرد ماكانش معروف بين الناس طول السنين إللي فاتت.. شمس يحيى صالح البحيري.. أختي.
انطلقت موجة من الصيحات و الهتافات المباركة من كل حدبٍ و صوب.
ولكنها سرعان ما خبت عندما بدا للحضور أنه لم ينهي خطابه بعد.
شمس البحيري.. كل المعلومات المسموح تتعرف عنها انها تبقى فرد درجة أولى من عيلة البحيري.. طبعًا الصحافة و الاعلام معانا الليلة.. و الخبر ده مش جديد و لكن تفاصيله هي اللي تهمني اكتر.. عشان كده بحذر من أي حرف زيادة يتكتب بعد كلامي.. أرجو تحذيري يكون واضح.. كل الصحف اللي هنا في القمّة.. و انا متأكد انها أد الثقة.
علا التصفيق الآن على إثر عبارته الأخيرة.
لكنه أضاف مختتمًا بصوتٍ طغى على الغوغاء الطفيفة:
مرة تانية شكرًا لحضوركم و بتمنى لكوا سهرة سعيدة.. دقايق و الشو هايبدأ.. Enjoy It!
الآن فقط تفجّرت الهتافات بشكلٍ أعلى و أكثر صخبًا.
بينما يسحب "عثمان البحيري" أخته نحوه.
يقبّل جانب رأسها و يتمتم شيئًا لطيفًا في أذنها قد جعلها تبتسم أمام أعين الحضور و عدسات المصوّريين.
ربما بدت ابتسامة عفوية بين أخوين.
لكنها حقيقةً كانت محض تكلّف.
لم تكن "شمس" أبدًا في وارد أيّ مزاجٍ طيب.
**
بعد خمس دقائق بالضبط.. بدأ العرض فعلًا.
و لم يتسنّى الوقت لـ"عثمان" حتى يتبادل كلمةً واحدة مع زوجته.
أخذها ليجلسا بالصفّ الأول لفئة الـ"VIP".
و تابعا باهتمامٍ العارضات يسرن فوق الـ"Cat Walk" برشاقةٍ جديرة بالإشادة.
انقسم العرض إلى قسمين.
حيث خرجت المجموعة الأولى من الفتيات يعرضن تصميمات "سمر حفظي".
و المجموعة الثانية يعرضن الآن مجموعة "فريال المهدي".
و قد كان أروع ما يكون.
بحلول انتهاء العرض.. كانت كل المعروضات قد بيعت بالفعل.
و تم حجز عددًا مهول من القطع من كلا المجموعتين عبر البث المباشر.
انتهى العرض و جمع "عثمان" زوجته و أمه في يديه ليجري بهما لقاءًا اعلاميًا.
التقطت لهم صور عديدة و تقابلا مع أشهر موّردي مجال الأزياء.
كان صبورًا للغاية.
و ما إن سنحت له الفرصة.. ابتعد قليلًا بزوجته.
أخذها في منطقةٍ بمحاذاة الكواليس الخاصة بالعارضات.
مبروك يا بيبي!
الله يبارك فيك.
عقد "عثمان" حاجبيه مستغربًا سلوك زوجته الغريب.
إنها حتى لا تنظر إليه و تؤثر الإشاحة للجهة الأخرى.
أمسك بيدها و ضغط عليها بلطفٍ قائلًا:
انتي مش مبسوطة و لا ايه يا سمر؟
ده الـCollection كسّر الدنيا.. لحد دلوقتي محجوز توريدات تكفّي لأخر الـSeason.. معقول مش فرحانة بنجاحك؟
سمر بجفافٍ:
فرحانة.
عثمان بحدةٍ:
أومال قالبة وشك ليه؟
نظرت له بصدمةٍ للحظاتٍ.
تمالك "عثمان" رباطة جأشه و قال بلهجةٍ أقل حدة:
ممكن أعرف مالك؟
اتكلمي عشان الموضوع مايوسعش!
بدا لها أسلوب التهديد في لهجته شديد الوضوح.
ما حثها على البوح له لأنها أدركت أخيرًا بأن لا مناص أمامه.
وإنه لو أحب أن يعرف أمرًا فإنه سيعرفه بأيّ طريقه.
وهي لا تخفي سرًا.
تخشى كثيرًا من أساليب ضغطه عليها.
جميعها بلا استثناء.
انت كنت مبسوط أوي من شوية وسط المودلز.. لأ و مش كده بس.. عينك كانت هاتطلع على البنت الشقرا أم فستان فراشة دي.. كانت عجباك لدرجة تبوس ايدها.. عجباك أوي كده!!؟
ابتسم "عثمان" غير قادرًا على حجب سعادته بغيرتها عليه.
وقال بهدوءٍ:
سمر.. البنت دي مش هقول زي أختي.. لكن تقريبًا في عمر ملك أكبر منها بسنتين تلاتة.. يعني زي بنتي.. فكرك يعني أنا ممكن أبص لبنت أد بنتي؟
فكرك ممكن أبص لأي واحدة غيرك أصلًا؟
سمر..من يوم ما شوفتك و انتي ماسكاني من نقطة حساسة جدًا.. لحد إنهاردة مش قادر أحدد مكانها.. أنا بحبك انتي.. و مش شايف غيرك.
لم ينتظر ليرى أوي يسمع ردة فعلها على كلماته.
سحبها نحوه لقبّلها على فمها بشغفٍ.
بعشقٍ و توقٍ جارف.
توق فريد من نوعه.
لا ينقص مثقال ذرةٍ.
بل في الواقع يزيد بمرور كل يومٍ جديدٍ معها.
طالت القبلة.
و فقد كليهما الإحساس بالزمان و المكان.
كانت غريزته المتملّكة تصبو لتذكيرها بأنها قعلًا ملكًا له.
وكان قلبها بحاجة للشعور بلمحةٍ من حبّه.
لكنه كالعادة لا يبخل عليها بأيّ شيء تطلبه.
كعهدها به كريمًا و يعطِ بسخاء.
حتى مشاعره لا يقطر عليها بها.
إحم.. عثمان!!
انقطعت القبلة.
و اننفضت "سمر" بين ذراعيّ زوجها.
أرادت الابتعاد عنه فور أن برز هذا الصوت مناديًا "عثمان".
لكنه لم يسمح لها.
أغلق "عثمان" عينيه بشدة.
و مرر جبينه على جانب رأسها.
وشعرت بشفتاه تمامًا فوق أذنها عندما همس لها:
روحي لفريال هانم.. ماتتنقليش من جنبها طول السهرة.. لحد ما أجي أخدك بنفسي.. سامعة؟
أومأت له محدقة بقوة إلى عينيه.
طبع قبلة خاطفة على حافة فمها و أفلتها.
فاستدارت بلحظةٍ مهرولة إلى حيث أملى عليها.
دون أن تنظر خلفها مرةً واحدة.
تنفس "عثمان" بعمقٍ.
وتريّث بضع لحظاتٍ حتى استعاد نفسه من جديد.
ثم إلتفت نحو صديقه المقرّب.
بدا الانزعاج جليًا على وجه "مراد".
الأمر الذي بدد شيئًا من حنق "عثمان" عليه لقطعه هذه اللحظة الحميمية بينه و بين زوجته.
مراد.. خير في حاجة و لا إيه؟
اقترب "مراد" خطوتين من صديقه قائلًا بجمودٍ:
انت عزمت حسين عزام على الحفلة يا عثمان؟
عبس "عثمان" مرددًا:
حسين عزام.. مين حسين عزام ماسمعتش الاسم ده قبل كده!!
مراد بتوترٍ عصبيّ:
ده يبقى جد لمى يا عثمان.. و لو ماتعرفوش فهو راجل تقيل أوي.. و طول الوقت بيطاردنا و بيحاول ياخد لمى مننا بأيّ طريقة.. لولا احنا كنا في لندن و مافيش في إيده حاجة يعملها.. اتفاجئنا بيه من شوية داخل القصر.. حسين عزام جاي عشان ياخد لمى يا عثمان.. انا مش هاسمح له ياخد بنتي مني!!!
هدئه "عثمان" في الحال ممسكًا بكتفه:
اهدا.. اهدا يا مراد.. محدش هاياخدها منك.. اسمعني كويس.
انا ماعرفش الراجل ده و عمري ما شوفته.. لو كان زي ما بتقول موجود هنا في القصر ف اتأكد مش انا اللي دعيته.. مادلين أبيض المسؤولة عن تنسيق الحفلة كلها و توزيع الدعوات أكيد بعتت له.. لو راجل مهم زي ما قلت أكيد وصلته دعوة لحضور الحفلة.. انت شايف بنفسك الضيوف مين.. كلهم شخصيات مهمة و معروفة.
مراد بانفعالٍ:
انا ماليش دعوة بكل ده يا عثمان.. انا جاي لك عشان تتصرف.. الراجل ده لازم يمشي من هنا.. انا كمان هاخد ايمان و الولاد و هاكلع على المطار حالًا.. لازم نرجع لندن في اسرع وقت.
سيطر "عثمان" على غضبه بصعوبةٍ و هو يرد عليه محتدًا:
يابني قلت لك اهدا.. مش طريقة دي.. خلّي عندك ثقة فيا.. لمى محدش هايقدر ياخدها منك و لا حتى جدها ده.. اطمن انا هاتصرف.. صدقني.
رمقه بنظرةٍ مطولةٍ ملؤها الأسى.
فلانت نظرة "عثمان" و قال بهدوءٍ رابتًا على كتف صديقه:
ماتقلقش.. و مافيش سفر.. سيب الموضوع ده عليا و مابقاش عثمان البحيري لو ماحلتوش.. لا حسين عزام و لا غيره يقدروا يقفوا قصادي اصلًا.
أومأ له "مراد" طاردًا نهدةً حارة من صدره.
ليضيف "عثمان" و هو يدفعه برفقٍ:
يلا امشي قدامي.. خلينا نشوف مين حسين عزام ده.
أذعن له "مراد" و سار أمامه متشنج العضلات.
بينما يتوقف "عثمان" لوهلةٍ.
محدقًا بمنضفة السجائر فوق إحدى الطاولات المجاورة.
لفافة التبغ المحترقة هناك.. رائحتها.. ليست بغريبة عليه مطلقًا.
عثمان!
خرج من شروده اللحظي على صوت صديقه.
أدار وجهه نحوه هاتفًا بصوته القوي:
جاي مراد.. وراك.
و تبعه على الفور بخطواته الواثقة!
رواية كرسي لا يتسع لسلطانك الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم مريم غريب
كل الأقاويل و التعليقات التي توقعتها.. سمعتها كلها منذ بدء الأمسية في الهمهمات من حولها.
سيدات الطبقة العليا ربما ظنن أنها لم تسمع.. لكنها سمعت و رأت كل شيء.. في غمزاتهن فور أن رأينها.. في لمزاتهن كلّما أدارت لهن ظهرها.
"فريال هانم مش باين عليها التعب.. غريبة دي لسا خارجة من المستشفى!"
"طول عمرها قوية و مش بتكبر أبدًا!"
"الله يكون في عونها ازاي قدرت تتقبل بنت يحيى البحيري من ست تانية!؟"
"محدش تخيّل انها تستسلم للأمر الواقع لأ و ترضى تعيش مع دليل الخيانة في مكان واحد!"
"معقول قصة الحب الكبيرة اللي كانت بينها و بين يحيى تبقى اخرتها خيانة!"
سمعت "فريال" كل هذا.. لكنها بقيت مصرّة على التظاهر بأنها لم تسمع.. و تابعت السهرة محافظة على ابتسامتها الرقيقة.. مختالةً بأناقتها و جمالها الآخاذ الذي لا يعرف معنى الهرم.
- مش معقول !!
أدارت "فريال" رأسها لتنظر إلى الصوت الرجولي الذي كان قريبًا منها للغاية.
ابتسمت له تلقائيًا.
كان رجلًا من نظرة واحدة بوجهه قدّرت عمره.. ربما جاوز أواسط الستينات.. لكنه بدا وسيمًا.. إمارات الثراء واضحة عليه بشدة.
- مساء الخير!
قالتها "فريال" بصوتها الرقيقة ملقية عليه التحيّة.
ضمّ الرجل كفيّه معًا أمام وجهه معربًا عن تأثره و هو يقول:
- فريال هانم.. فريال هانم المهدي.. انا مش مصدق عنيا.. بعد كل السنين دي بشوفك تاني!
عبست "فريال" و لا زالت مبتسمة و قالت:
- كنا نعرف بعض!؟
هز الأخير رأسه.. إلتمعت عيناه و هو يجاوبها:
- أصغر بنت في الإسكندرية.. قصر المنتزه في حفلة ملكات الجمال سنة 86.. قدّمتك على المسرح و بعد الإعلان عن النتيجة لبّستك التاج بإيدي.. وقتها صورنا مع بعض غرّقت الجرايد.. معقول لسا مش فكراني!؟
أضاء الإدراك تعابير وجهها و هي تصيح بذهولٍ بغتةً:
- حسيـــــن !!!
تصافحا على الفور بحرارةٍ كبيرة.
كان المشهد كفيلًا بجذب أعين الحضور قاطبةً.
بينما تستطرد "فريال" بعدم تصديق:
- أما مفاجأة صحيح.. مش معقول.. حسين عزام.. ده انا انسى أي حد الا انت بجد.. مش الحفلة بس اللي ربطت بينا يا حسين ده انت كنت جارنا.
أومأ "حسين" قائلًا بحنينٍ إلى زمنٍ خلى و لن يعود:
- و ياريت.. ياريتني فضلت جاركوا يا فريال هانم.. ياريتني ما سيبت الإسكندرية ابدًا.
عقدت حاجبيها مستغربة رنّة الإحباط بصوته و قالت:
- ايه يا حسين قلقتني جرالك ايه!؟
ابتسم "حسين" مبددًا انطباعها عنه و قال:
- و لا حاجة.. كله تمام.. المهم طمنيني عليكي انتي.. كنتي فين طول السنين دي!؟
- انت واقف في قصر البحيري.. قصري.
- قصرك!؟
- معقول ماعرفتش إني اتجوزت يحيى البحيري!؟ انت اللي كنت فين طول السنين دي!؟
رفع "حسين" حاجبيه و ردد مدهوشًا و محبطًا في آنٍ:
- يحيى البحيري صحيح.. ده كان دايما ماشي وراكي في أي مكان تروحيه و كان باين اعجابه بيكي.. للأسف انا مشيت و سيبت الإسكندرية بعد ما اتخرجت علطول.. كنت عامل حسابي ارجع.. بس ماحصلش نصيب.
فريال بفضولٍ:
- روحت فين طيب؟ اخبارك كلها اتقطعت من وقتها.. الكل نسي حسين عزام.. الا انا طبعًا!
و قهقهت بطريقةٍ أطربت قلبه.
راقبها لثوانٍ مبتسمًا.
ثم قال:
- انا نزلت القاهرة.. عشان ابدأ اول مشروع ليا بالشراكة مع واحد صاحبي من الجامعة.. بدأته فعلا.. بس و انا شغال فيه و مش عارف ازاي كل ده حصل.. اتجوزت و خلفت 3 عيال.
فريال بابتسامةٍ مشرقة:
- ما شاء الله.. اكيد بقيت جدو يا حسين.
امتلأت عيناه شجنًا و فتح فاهِ ليرد عليها.
ولكن أتى صوتًا مميزًا للغاية و قاطعه:
- فريال هانم بنفسها بترحب بالوجوه الجديدة.. مش جديد عليكي يا ماما!
تطلّعت "فريال" من فوق كتف "حسين".
لترى ابنها بجواره صديقه "مراد".
كلاهما بدت عليهما مظاهر الحنق و التوتر.
و كانت عينيّ "عثمان" معلّقةً بيد أمه الذي لا يزال في راحة الضيف الغريب و قد أطبق عليها بشكلٍ ما برح يستفزه منذ أول وهلةٍ.
- عثمان!
هتفت "فريال" بحبور.
و نظرت إلى "حسين" مكملة:
- تعالى يا حبيبي اعرفك على ضيفنا حسين بيه عزام.. حسين.. ده ابني.. عثمان البحيري.
الآن يترك "حسين" يدها.
ليستدير صوب "عثمان".
ويُفاجأ للحظاتٍ ما إن يرى "مراد" معه.
لكنه يبتسم ببساطةٍ و هو يمد يده للمصافحة:
- أهلًا أهلًا.. ما شاء الله.. ابنك راجل ملو هدومه يا فريال.. ده انا كأني واقف قصاد يحيى البحيري.. شبهه أوي!
تشكلت ابتسامة باهتة على ثغر "عثمان".
مد يده و صافح ضيفه على عجالةٍ.
ثم نظر إلى أمه قائلًا:
- ممكن دقيقة يا فريال هانم!؟
ارتبكت "فريال" من سلوك ابنها.
أحسّت بحرجٍ من معاملته الجافة للضيف.
لكنها أومأت له و اعتذرت من "حسين" قائلة:
- حسين.. بعد اذنك.. شوية و راجعة لك تاني اوعي تمشي قبل ما اشوفك.
طمأنها "حسين" بهدوءٍ:
- أكيد يا فريال.. لازم اشوفك قبل ما امشي.
تجاوزه "عثمان" ماضيًا نحو أمه.
أخذ بيدها و سار بها مبتعدًا.
ليبقى كلًا من "حسين عزام" و "مراد أبو المجد" وجهًا لوجه.
بعد سنواتٍ طويلة.
حانت ساعة اللقاء.
- ممكن اعرف مين الراجل ده!؟
تساءل "عثمان" ما إن ابتعد بأمه عن ذاك الغريب بالقدر الكافِ.
أبدت "فريال" انزعاجها في هذه اللحظة قائلة:
- عثمان.. ايه الأسلوب الحاد اللي بتتكلم بيه ده؟ انت احرجتني قصاد الضيف.. ليه عملت كده!؟
كزّ على أسنانه متمالكًا عصبيته بصعوبةٍ و قال بهدوءٍ متكلّف:
- فريال هانم.. جاوبيني من فضلك.. مين الراجل ده و ازاي تسمحيله يمسك إيدك بالشكل ده!؟
نظرت له بذهولٍ و قالت:
- انا مش مصدقة اللي بسمعه منك.. الراجل ضيفنا.. و كان جاري في بيتي القديم اللي كنت ساكنة فيه مع بابا و ماما قبل ما تجوز ابوك.. بقالي سنين ماشفتوش و كان بيسلّم عليا.. ايه اجرمت!؟ و لا عمرك ما شوفتني بسلّم على حد!؟
عثمان بحنقٍ:
- و الله السلام بالإيد بالنسبة لي مش ضروري.. و حتى لو حصل بيكون لثوانٍ.. انا عيني كانت متابعة الموقف من أوله و شوفته ماسك إيدك و مش هاين عليه يسيبها!
أفلتت منها ضحكة صغيرة مستنكرة.
وردت عليه:
- عثمان.. انت بتكلمني انا صح؟ انت عايز تقول ايه انا مش فاهماك!؟
سحب نفسًا عميقًا ليهدأ قليلًا.
ثم قال:
- فريال هانم.. انا راجل.. قدّري موقفي.. الراجل ده كان بيبص لك بطريقة انا فهمتها.. و سبحان اللي صبرني عليه.
هزت رأسها و هي تقول مجفلة:
- يا حبيبي ماحصلش حاجة.. و الله ما حصل حاجة.. كان بيسلّم عليا و بندردش مش اكتر.. ايه يا عثمان انت مش عارف امك!؟
انحسر غضبه كله في لحظةٍ عندما رمقته بنظرةٍ دلّت على خيبة أملها فيه.
تنهد بحرارةٍ و اقترب منها ممسكًا بيديها و هو يقول بلطفٍ:
- ماما.. انا كنت بغير عليكي من بابا.. و مش بستحمل اشوف حد يبص لك.. عندك حق دي مش اول مرة تتعاملي مع رجالة.. بس صدقيني لما اقولك نظرة الراجل ده ليكي مش تمام.. صدقيني.
ابتسمت بخفةٍ.
مسّدت باطن كفّه بإبهامها قائلة:
- اوكي مصدقاك طبعًا.. بس المهم ثقتك فيا انا.. و انك تكون متأكد ان من بعد ابوك مافيش راجل يقدر يوصل لقلبي.. و لا حتى يطلع لمستوى الاعجاب.. خلاص يا عثمان أصلا مابقاش ينفع.. الحقيقة دي كانت لازم تهدّيك!
عثمان بجدية:
- حقيقة ايه!؟ انتي اللي لازم تعرفي اني طول الوقت بصد عنك بلاوي.. طبعًا محدش يقدر يقف قدامي و يجيب سيرتك بس الكلام بيوصلني.. انتي لسا حلم أي راجل يا فريال هانم.. بس كلهم عارفين.. انتي بتاعتي انا.. بتاعتي.. انا!
وافقته "فريال" متمتمة:
- طبعًا.. انا مش عايشة غير عشانك انت اصلًا.. ربنا يخليك ليا يا حبيبي.
حنى رأسه ليقبّل يديها.
ثم نظر لها من جديد و تساءل بخفوتٍ:
- بس قوليلي.. انتي اللي عزمتي الراجل ده على الحفلة!؟
تنهدت "فريال" بنفاذ صبرٍ و أجابت:
- لأ.. مش انا اللي عزمته يا عثمان ارتحت!
***
القاعة المفتوحة فاخرة للغاية.
هذا كل ما طرأ على خاطر "رحمة جابر" ما إن عبرت أبواب قصر عائلة "البحيري" متأبطة ذراع خطيبها.. و حارسها الشخصي في آنٍ "إبراهيم النشار".
خوفها و هاجسها يتحقق الآن.
ترى مع كل خطوة تخطوها.. أنوار خافتة مرافقة لموسيقى هادئة.
الحضور من الطبقة الأرستقراطية.. أفراد لامعة من الجنسين.. يتنقلون بين المجموعات و يتبادلون الأحاديث.
وفجأة تلتفت أنظارهم إليها.
وكأنها نجمةً ساطعة أضاءت المكان بنورٍ مُبهر.
تظهر "رحمة" أمامهم أكثر.. امرأة في أوائل الأربعينيات.. جمالها يتحدث عن نفسه.. تحمل ملامح نضج و ثقة تامّة في مظهرها.. ترتدي فستانًا طويلًا من الحرير الأسود اللامع.. يلتف حول جسدها بانسيابيةٍ تامة.. مُصمّم بأناقة ملفتة للأنظار.
الفستان يحتوي على تطريز ناعم عند الياقة و الأكمام.. و كأنها اختارت أن تكون باذخة دون أن تبالغ.
شعرها المربوط بتسريحة بسيطة يضيف إلى جمالها هالة من الرقي.
بينما أحمر شفاهها الصارخ يعكس شخصيتها الجذّابة.
بجانبها.. يمشي إبراهيم.. في أواخر الثلاثينيات.. طويل القامة.. ذو ملامح حادة و وجه عابسٌ قليلاً.. يرتدي بذلة أنيقة باللون الأزرق الداكن تبرز معالم جسمه الرياضي.. يبدو واثقًا للغاية.
عيناه لم تترك نظرة واحدة عن أي شخص في القاعة.. كأنّه يقيس درجة أمان المكان بحكم وظيفته.
ولكنه انبهر بمستوى الآمان المحيط به.. كل شيء مثالي هنا.. كل شيء حرفيًا.
- ماتقلقيش.. كله هايعدي!
قالها "إبراهيم" و هو يمشي بثقةٍ.
صوته هادئ لكن معبر.
وأكمل:
- احنا جايين نكون جنب شمس و جزء من عيلتها.. مش مجرد مشاهدين.
ردت "رحمة" بابتسامة شبه هادئة.. لكنها تُخفِي الكثير من الأفكار:
- الأهم من ده كله.. اننا نكون هاديين قدام الناس دي و مانخليش أي حاجة تخرج عن سيطرتنا.
مع كل خطوة.. تبدو الأعين تلتفت نحوهما.. خاصةً عندما يصطدمان بنظرات الحضور المشحونة بالمشاعر.
الجميع يراقب.. و لكن لا أحد يجرؤ على الاقتراب.
نظرات الحضور بين الفضول والدهشة.
يستطرد "إبراهيم" بلغة جسده الواثقة.. لا يبدل من تعبير وجهه.
يحرك رأسه بعناية لـ"رحمة":
- خليكي معايا.. في حفلة زي دي.. الحاجة الوحيدة اللي تهم هي انك تبقي مطمّنة للي حواليكي.
تبتسم "رحمة" بارتياحٍ.
لكن ما بداخلها شيءٌ آخر.
فهي تعرف أن حضورها هنا ليس مجرد احتفالية.. بل إعادة ترتيب للأوراق العائلية.
تقول "رحمة" في نبرة ساخرة.. لكنها مستمتعة بما يحدث:
- مش جاي في بالي دلوقتي غير اللي بيدور في أفكار الناس دي عني.. تخيّل معايا.. اخيرًا شافوا الست اللي خطفت يحيى البحيري من مراته الجميلة بنت الحسب و النسب!
إبراهيم بنظرة جادة الآن:
- خلينا نكون فوق المستوى ده.. احنا هنا علشان نثبت وجودنا.. مش علشان ندور على مشاكل. و دي بداية جديدة.. لينا كلنا.
بينما يتحركان نحو مكان مخصص لهم وسط الحضور.. يتلاقى نظر "رحمة" مع "فريال هانم" التي تلاحظها و تنظر إليها بنظرةٍ باردة.
تبدو متأملة.. و كأنها تحاول تحديد نواياها.
تبتسم "رحمة" ابتسامة مصطنعة.. لكنها مشحونة بالمشاعر و تلقي التحيّة على "فريال" حيث وقفت على مقربةٍ منها:
- مساء الخير يا فريال هانم.. شوية و هاجي اكون معاكي.
رمقتها "فريال" بنظرة شديدة البرود.
محاولة إخفاء مشاعرها:
- أكيد.. رحمة.. نورتي!
و لم ترمق مرافقها مطلقًا.
عادت لتستكمل حديثها العالق من إحدى ضيوفها.
بينما تتنفس "رحمة" الصعداء.
ثم تسمح لخطيبها بإلهائها عن كل ما يدور حولهما.
رغم إن المشهد ينقل مشاعر التوتر المتبادلة بين الشخصيات.
فكل نظرة.. وكل كلمة.. تحمل وراءها طبقات من الصراع العائلي و المشاعر المخبأة.
حضور رحمة و خطيبها يفتح الباب لتساؤلات كثيرة.
و كل فرد في القاعة يبدو كأنه يتساءل عما سيحدث بعد ذلك.
***
وصل الضيف المنتظر.. الذي كان "عثمان البحيري" بنفسه يترقب وصوله.
رحبّ به بشدة و أخذه إلى طاولته المخصوصة.
جلسا معًا و ضايفه بسخائه الشهير مرددًا مرحٍ:
- فارس الزيني شرّف.. الإسكندرية اليوم في عيد!
ضحك "فارس الزيني" بانطلاقٍ و رد متناولًا كأس شرابه البريئ:
- و الله واحشني يا عثمان.. ده بقالنا اد ايه ماشوفناش بعض!؟
- لا بقالنا كتير يا بيه.. انت حتى اجتماعات النقابة بطلت تحضرها.. ده انا مستحلف لك.
- صدقني غصب عني.. انت ماتعرفش ظروف عيلتنا في الفترة الأخيرة.
تنهد "عثمان" و هو يومئ له بتفهمٍ متضامن:
- سمعت.. سمعت يا فارس.. و لا يهمك.. كله هايعدي.
و يلاحظ "عثمان" شقيقته في هذه اللحظة.
فكأنها مساعدات قدرية.
يشير لها بيده لتأتي.
يتتبع "فارس" اشارته.
ليراها قادمة.
امرأة تبدو في منتصف الثلاثينات.. جميلة جدًا بملامحها الجذابة.. شعرها الكستنائي قصيرٌ جدًا قد أحاط بوجهها تمامًا.. و فستانها البسيط لكن الأنيق يعزّز جاذبيتها.
تصل الآن و تقف بجوار شقيقها.
يبتسم "عثمان" ابتسامة خفيفة.
ثم يتوجه حديثه لـ"فارس":
- فارس.. اكيد سمعت عنها.. دي أختي صافي.. صافي.. ده فارس الزيني.. الراجل اللي زي ما تقولي.. مافيش حاجة في السوق ما يعرفهاش.
نظر "فارس" إلى "صفيّة" مادًا لها يده للمصافحة.
وعلّق و هو يشملها بنظراتٍ متفحصة.. مشدوهة و لا يزال مبقيًا على يدها الصغيرة بكفّه الكبير:
- إزاي الجمال ده كله ماكنتش تعرف بيه طول السنين دي يا عثمان!؟
رفع "عثمان" حاجبيه مرددًا بتفكّه:
- لأ انت إللي حياتك كلها كانت عبارة عن شغل و بس عشان كده ماكنتش فاضي و لا شوفت غير وشوش رجالة و بس.. دي أختي صفيّة يا فارس.. شمس لسا نازلة هناك أهيه!
لم يعير "فارس الزيني" ظهور نجمة الأمسية أيّ انتباه.. فقد استحوذت "صفيّة البحيري" على جلّ اهتمامه.
ليستطرد متمتمًا و هو يرفع يدها ليطبع قبلةً رقيقة فوق بشرتها الناعمة:
- لما كنت ولد صغير شوفت أجمل ست في حياتي كلها في حفلة زي دي في البيت ده.. الست دي كانت فريال هانم.. الليلة دي أنا بشوفها تاني قصاد عيني.. أصغر و أجمل و أنعم بكتير!
أجفلت "صفيّة" مرتبكة قليلًا لسماع اطراؤه.
و خاصةً لمجيئ الاطراء من شخصٌ مثله هو.
ف كما ترى.. إنه رجل... جذّاب!
"فارس الزيني".. يمتلك وجهًا رجوليًا بملامح حادة.. ممّا يمنحه هيبة و قوة غير ظاهرة.
عيناه داكنتان كأنهما عميقتان.. مليئتان بالحكمة و التجارب الحياتية.. ويُشعر من يراه أنه يراقب كل شيء حوله بعناية.
بشرته داكنة قليلاً.. متناسقة بشكلٍ جميل مع ملامحه.
وفمه مُرَكَّب بشكلٍ دقيق كأن هناك دائمًا ابتسامة خفيّة على وشك الظهور.
حين يبتسم.. يظهر بريق خفيف في عينيه يوحي بثقة كبيرة.
شعره أسود داكن.. قصير و مُمشط بعنايةٍ ليعكس أسلوبه الفاخر و المُرتَّب.
مع لمسةٍ من العصرية التي تبرز تفرده.
جسده متناسق.. قامته ربما تتجاوة الـ180 سم.. له بنية عضلية خفيفة تُظهر القوة و اللياقة البدنية التي يتمتع بها.
لكنه لا يبدو مبالغًا فيه.
يتحكم في انطباعه و يعكس الثقة في نفسه.
يرتدي بذلة فاخرة.. مُصممة بأحدث الموضات و أعلى الخامات.. داكنة السواد.. ممّا يبرز هيبته.
وجاءت مقاساتها متقنة لتظهر جسده بشكلٍ مناسب دون أن تكون ضيّقة أو فضفاضة.
مع قماش ناعم أسود يتناغم مع لون بشرته.
أما القميص الأبيض النقي فهو مفتوح عند الرقبة قليلاً ليُظهر جزءًا من أناقته البسيطة.
لا يوجد رباط عنقٍ.. مما يضيف لمسة من الراحة والعصرية على مظهره.
وعلى معصمه يُمكن رؤية ساعة فاخرة تُظهر ذوقه الرفيع.
يستطرد "فارس" بنبرةٍ محترمة و مهذبة.. مع ابتسامة دافئة موجهة لـ"صفيّة":
- اتشرفت بيكي يا صافي.. و فعلًا سمعت كتير عنك.. لكن مش هو ده اللي هايرد على الصورة اللي سمعتها.. أكيد كلنا عندنا شخصيات تانية بنخبيها.
يُظهر لها اهتمامًا واضحًا.
ولكنه يتحدث إليها بلطفٍ شديد.
تبتسم "صفيّة" بهدوء.. لكنها تشعر ببعض التوتر.
لاسيما أن الحديث يدور حولها منذ انضمّت لهما:
- شكرًا.. فارس.. بس أكيد أنا مش زي ما سمعت.. يمكن أقرب لكوني شخص عادي زي أي حد تاني.
ينقل "عثمان" ناظريه بينهما مراقبًا الأجواء.
ويقول بغتةً و هو يحاول تبديد شيء من التوتر الملحوظ:
- فارس صريح اوي يا صافي.. و ذكي جدًا أي حد بيبقى مستمتع بالحوار معاه.. زي ما بنقول عنه هو عقل السوق.. عشان كده تلاقيه دايمًا عملي في كلامه عامةً.
يلوح "فارس" بيده ضاحكًا.. وكأنّ كلمات عثمان موجهة للجميع بشكل غير مباشر و لكنها في الحقيقة تدور حوله هو:
- ممكن تتكلم عني بصراحة يا عثمان و لا يهمك.. انا مش قصدي أكون جد اوي.. أنا بس بحاول أكون واقعي.. مافيش حاجة أهم من الحقيقة.. بس الحقيقة دي بتختلف من شخص للتاني.. يعني كل واحد عنده زاويته الخاصة.
بنظرة هادئة.. تُلاحظ "صفيّة" كيف يُسلط "فارس" كل انتباهه عليها.
وقالت:
- ده ممكن يكون صحيح.. بس تعتقدوا ان الناس بتقدر دايمًا تشوف الصورة الحقيقية!؟ يمكن في حاجات مش بتبان من أول وهلة.
يبتسم "فارس" ابتسامة مُعجَبة.
وتزداد لهجته لباقة:
- أكيد.. في كتير مننا بيخبي جوانب في شخصيته عشان الدنيا مش دايمًا بتسمح بالحقيقة المطلقة.. لكن لما تلاقي حد ممكن يفهمك بدون ما تتكلم.. ده بيكون شيء نادر.
تتغيّر نظرة "عثمان" قليلاً.
يتابع الحوار و لكن يبدو في ذهنه شيء آخر.
ثم يقول بصوته الهادئ:
- عندك حق يا فارس.. بس الصراحة.. انا متأكد ان صافي شخص واضح جدًا.. يعني لو هي قررت حاجة مش هتغير رأيها بسهولة.
وكأنه يرمي كلامًا يهدف لشيئًا ما.
انتبهت "صفيّة" لذلك.
لكنها عمدت إلى صدّ محاولات أخيها فورا.
ضحكت بخفّة بخفّة قائلة:
- أظن ده صحيح يا عثمان.. بس مش دايمًا الواحد بيحب يقول رأيه بصراحة قدام الكل.. أحيانًا ممكن يكون أحسن لو الواحد بيسكت شوية.
يلاحظ "فارس" التوتر البسيط في كلام صافي.
و تبدأ ملامحه تبرز قليلاً من وراء ابتسامته:
- في الحقيقة.. السكوت مش دايمًا حل.. يمكن أوقات بيكون مفتاح للكلام الصحيح.
أحسّ "عثمان" بتوتر قليل.
يعيد ضبط جلسته الآن و يغير الموضوع بتهذيبٍ:
- على العموم.. أنا سعيد انكم قابلتوا بعض.. فارس مش بس رجل أعمال يا صافي.. ده كمان شخص يعرف يقرا الناس بشكل رهيب.
هزت "صفيّة" كتفيها قائلة:
- يمكن.. بس في ناس ممكن يتسرعوا في الحكم على الآخرين.. يمكن احسن ما نعرفش كل شيء عشان نقدر نقرا الناس بشكل دقيق من نفسنا.
بتعبير مختلف الآن.. يُظهر "فارس" اهتمامًا أعمق بها و هو يقول:
- انتي عندك نظرة حادة يا صفيّة.. ده شيء نادر.. بس زي ما قلت.. الناس مش دايمًا بتشوف الصورة زي ما هي!
بدا "عثمان" و كأنه يشعر بتفاقم التوتر في الجو بينهما.
فيحاول قطع الحديث بهدوء:
- تمام.. تمام.. النقاش ده كان ممتع جدًا.. و لكن عايز أعرف رأيك يا فارس في المشاريع الجديدة اللي بنشتغل عليها.. ممكن تكون فرصة كويسة لينا.
تنهد "فارس" متحولًا بتركيزه إلى عثمان.
وكأنه يودّ توجيه الموضوع بعيدًا عن الحديث عن "صفيّة":
- موافق طبعًا.. خليني أسمع أكثر عن مشاريعك.. وفي النهاية نقدر نحط خططنا سوا.
و ينتهي الحوار المتأجج إلى هنا بالفعل.
بينما يظل التوتر بين "صفيّة" و "فارس" واضحًا.
رغم محاولة عثمان تهدئة الأجواء.
"صفيّة" تلاحظ نوعًا من الاهتمام الذي يوجهه "فارس" تجاهها.
و هذا يشعرها بالحذر.
في حين أن "فارس" يبدأ في التأثر بشخصيتها دون أن يظهر ذلك بشكل صريح.
***
الساعة تقترب من منتصف الليل.
الضيوف بدأوا في التوافد أكثر.
و كل الأنظار على شمس.. التي خطفت القلوب بجمالها.
يبدو كأنها ملكة في وسط القاعة.
كانت تشعر بمزيج من التوتر والانبهار.
فقد كانت هذه هي المرة الأولى التي تظهر فيها أمام الجميع بهذه الطريقة.
و هي في قلب القصر الذي أصبح الآن ملكًا لأخيها بعد وفاة والدها و بعد أن حرمها "يحيى البحيري" الإرث فيه.
و قد دفع "عثمان" بقيّة العائلة للتنازل عن نصيبهم لقاء مبالغٌ طائلة.
هذا ليوّرثه لأولاده خالصًا لأجلهم.
وقفت "شمس" بين أمها و زوجها المستقبلي.
رغم الضوء و الابتسامات.. كان في قلبها شيء يثقلها.
كانت تحس بأن "رامز" معها.. إحساس غريب.. حدس يُلح عليها بأنه قريبٌ جدًا مع إنها تعلم يقينًا بأن هذا مستحيل.
لأن أخيها قد احطاط كثيرًا و بالغ بتدجيج القصر بالحراسة المشدّدة.
حبيبها.. ربما زوجها.. "رامز الأمير" دائمًا ما يثير فيها مشاعر التمرد.
ويجذبها نحو عالمه المظلم.
لكن هذه المرة كان الوضع مختلفًا.
إنها خائفة.
لاحظتها "رحمة" التي كانت تضحك على دعابة همس بها "إبراهيم" في أذنها.
تلاشى مرحها قليلًا عندما رأت ابنتها تنظر حولها.
وكأنها تشعر بشيء غير مريح في الأجواء.
- مالك يا شمس!؟
إلتفتت "شمس" إلى سؤال أمها.
رمشت بأجفانها قائلة بصوتٍ مرتبك:
- مافيش.. أنا كويسة يا مامي.
رحمة بشكٍ:
- Sure?
أومأت "شمس":
- Sure!
ثم سحبت نفسًا عميقًا.
وقالت:
- انا بس محتاجة ابعد عن الدوشة.. راسي وجعتني.
عبست "رحمة" بجزعٍ قائلة:
- طيب يا حبيبتي.. ماتجيش على نفسك.. ادخلي جوا ريّحي شوية.. تحبي اجي معاكي!؟
هزت "شمس" رأسها:
- لا لأ.. انا هادخل شوية و راجعة تاني.. شوية بس مش هتأخر.
وهبطت عن المقعد الطويل.
استدارت متوجهة إلى المنزل.
حقًا تشعر بالتعب.
ولكن يأتي أخيها فجأة من العدم.
يستوقفها واقفًا بوجهها:
- على فين يا شمس!؟
أجفلت "شمس" مجيبة في الحال:
- تعبت شوية.. قلت ادخل ارتاح.. و كنت هاخرج تاني!
همهم متفهمًا و هو لا ينفك يشملها بنظراتٍ مدققة.
ثم قال فجأة:
- ايه رأيك في الحفلة!؟ كله تمام!؟
تبتسم "شمس".. لكن هناك قلق في عينيها:
- الحفلة جميلة.. شكرًا يا عثمان.. بس مش عارفة ليه حاسة ان في حاجة مش مظبوطة.
تنظر حولها بحذر.
يعقد "عثمان" حاجبيه معقّبًا على كلماتها بصوته القوي:
- مفيش حاجة.. كل حاجة تحت السيطرة.. انتي قلقانة من حاجة معيّنة!؟
هزت رأسها نفيًا و هي تقول بتوتر:
- لأ.. مافيش حاجة معيّنة.. يمكن عشان الأجواء دي جديدة عليا.. أو مخضوضة من نظرات الناس!
عثمان بوجوم:
- يمكن.
ابتسمت له ابتسامة مرتجفة.
ثم اعتذرت منه و استأنفت سيرها تجاه المنزل.
ولكنها شعرت بنظراته تتبعها طوال الوقت.
حتى اختفت تمامًا عن ناظريه.
في هذه الأثناء.. كان قد دخل بالفعل محتالًا على إحداهنّ.
لم يكن مدعوًّا.
ولكن هناك الكثيرات ممن يردن مرافقته إلى حفلةٍ كهذه.
و هو ما استغله بمنتهى السهولة.
أيّ من كانت رفيقته فقد تركها منذ دقائق.
لم يره أحد.
بينما كان يقف ليراقبها من على بُعدٍ.
كانت تستمتع بلحظتها.
و لم تغفل عنها عيناه لحظةً.
يرى كيف أن المهرجان حولها يزداد صخبًا.
لكنه كان يعلم أن الوقت قد حان ليأخذها بعيدًا عن الجميع.
الليلة.. الآن.. عندما تحرّكت شاقة طريقًا للعودة داخل المنزل.
يردد بهمساتٍ لنفسه:
- "دلوقتي.. أنا لازم اخذها.. مش هاينفع أستنى أكتر!".
و وسط الحشد.. كان القصر يعج بالضيوف.
و كان الصخب يصعَّب على الجميع الانتباه للأشياء التي تحدث في الزوايا المظلمة.
هذه و لا ريب فرصته.
***
يزداد شعور "شمس" بالتعب.
مع الإحساس الحاد بشيء غريب.
تتمشى بجانب الممرات الداخلية للقصر.
وفجأة.. بينما كانت تسير في الممر الهادئ المُفضي إلى البهو الشاسع.. شعرت بشيء ثقيل يضغط على قلبها.
كاتن هناك ظلال تتحرك خلفها.
وقبل أن تستطيع التصرّف.. شعرت بأيدٍ قوية تمتد إليها من الخلف.
و تمسك بذراعها بشدة.
تأهبت لتصرخ ملء حنجرتها.
إلا إن كفٌ غليظة أطبقت على فمها.
و فمٌ مألوف إلتصق بأذنها قائلًا بصوتٍ خافت و غاضب:
- هاتيجي معايا.. دلوقتي!!!
الإدراك.. إنه هو.. إنه هو "رامز".. "رامز الأمير".
تحاول "شمس" أن تسحب يدها بعنفٍ.
ولكن يد "رامز" كانت أقوى بكثير.
و بالكاد رفع كفّه قليلًا عنه فمها ليسمع ماذا أرادت أن تقول.
لكنه كان شديد الحرص في آنٍ:
- رامز! مش معقول.. انت هنا بجد!؟
و ملأت الدموع عيناها.
لولاها ما رقت قلبه لها.
لم يتركها.
لكنه سمح لها بالالتفات و ضمّه بقوةٍ و هي تبكي مغمغمة:
- آااااه.. وحشتني.. انا.. انا كنت بموت.. كل يوم منغيرك.. انا مش قادرة ابعد عنك اكتر من كده.. وحشتني.. حبيبي.
يغمض "رامز" عينيه بشدة.
يلف ذراعه حولها و يجذبها إلى أحضانه في عناقٍ قويًا.
و يهمس:
- شوفتي وصلنا لفين!؟ شوفتي لما سمعت كلامك ايه اللي حصل!؟ و انتي عارفة اني مقدرتش و لا قادر أعيش منغيرك!؟
ترفع "شمس" رأسها لتنظر إليه.
تبتسم.
عيناها تتلألأ بدموع الحب:
- أنا كمان.. مش قادرة أعيش منغيرك.. بس خايفة من أخويا.. خايفة عليك.. خايفة من كل حاجة.
يسحبها "رامز" نحوه بقوة.
يدها في يده.
و كأن الدنيا توقفت للحظةٍ:
- انتي هاتيجي معايا.. دلوقتي.. مش هاتكوني ملك لغيري.
تهتز "شمس".
لكنها تستعيد قوتها و تبتعد خطوة:
- لا يا رامز.. مافيش حاجة هاتغير من الواقع.. عثمان مش هايسكت لك.
ولكن قبل أن تتمكن من الرد أو الابتعاد.. بدأ "رامز" يُظهر غضبه.
كانت عينيه تشتعل.
و هو يضغط أكثر على يدها و كأن لا مفر من خطته.
- إنتِ ملكي!
قالها بصوتٍ منخفض حاد.
و تابع:
- شمس.. مافيش حاجة هاتمنعني.. و أنا هاخدك معايا و دلوقتي.. حتى لو غصب عنك.
تتّسع أعين "شمس" و تتجمد في مكانها و هي تصرخ بقلقٍ:
- رامز.. لا.. مش هاروح معاك.. مش هاتعمل كده!!!
لكنه كان قد قرر بالفعل و منذ فترةٍ.
في لحظة اندفاعٍ.. قام بسحبها بعنفٍ نحو باب القصر الخلفي.
غير مهتم بأيّ شيء آخر.
***
في تلك اللحظات.. كان "عثمان" قد لاحظ تحرّكات "رامز" منذ البداية.
و كان يقف في زاوية القاعة يراقب عن كثب.
و عيناه على أخته شمس.
بمجرد أن شعر بحركة غير طبيعية و توجه رامز نحوها.. شعر بشيء سيئ في قلبه.
كان يعرف تمامًا نوايا "رامز".
تركه يتسلل إليها.
وبقى يراقب ما يجري بينهما من الخارج و لكن بطريقة تتيح له سماع كل كلمةٍ دارت بينهما.
حتى احتد الحوار و تأكد من شكوكه حول نوايا صديقه الغادر.
قرر "عثمان" التحرك بسرعة.
أخرج هاتفه مستدعيًا طاقم الحراسة و عينيه مليئة بالغضب.
***
- راااامز.. عشان خاطري.. بلاش.. ده مش صح.. ده مش صح!!!
لا يرد "رامز" أبدًا على أيّ من توسلات "شمس".
فقط يربط يديها خلف ظهرها بسرعة و يضغط على صدرها.
بينما يجرّها للخارج عبر الممرات الخلفية للقصر.
رغم مقاومتها.. كانت تحاول التحرر و لكن كان من الصعب عليها الهروب.
إذ كانت أيدي رامز كالحديد.
سحبها عبر الزوايا المظلمة للقصر الذي يحفظه جيدًا.
في قلبها خيبة أمل.
لكن في نفس الوقت كانت هناك رغبة لا يمكن إخفاؤها من داخلها.
رغبة غريبة جعلتها تتحمل ما يحدث.
كأنها أسيرة لعواطفها.
تمتمت "شمس" بحزنٍ.
و بصوتٍ منخفض:
- ليه يا رامز!؟ ليه كل ده!؟
و كأنها تطرح السؤال على نفسها حقيقةً.
تتنفس بصعوبة.
تشعر بشيء ثقيل في قلبها.
تنبلج ابتسامة قاسية على وجه "رامز" و هو يلقي نظرةً عليها ثم يهمس بحذر:
- عشان احنا مخلوقين لبعض.. مش هاتهربي مني أبدًا.
- اقف عندك يا رامز.. مكانك. مش هاتخرج بيها!!!
هكذا قبل أن يقتربا تمامًا من البوابة الضخمة المواربة.
كان واضحًا.. صوت "عثمان" منخفضًا و حازمًا بنفس الوقت.
يتوقف "رامز" لحظة سماع صوته.
ثم يلتفت له بابتسامةٍ ساخرة.
يقول و هو ينظر إليه بتحدٍ:
- أنت مش هتقدر توقفني يا عثمان.. شمس دي ملكي.. و محدش هايقدر يمنعني اخدها.
يصوّب "عثمان" إليه نظرةً مليئة بالغضب و العزم.
يقترب أكثر قائلًا:
- انت جذورك مقطوعة.. و مالكش عزيز.. عشان كده ماتعرفش يعني ايه اخ يحمي اخته.. هاتوقف كل ده هنا يا رامز.. و هاتدفع التمن لو حاولت تعصى كلامي.
يضحك "رامز" بسخرية وهو يضغط على يد "شمس".
وجهه مليء بالغضب و هو يقول:
- أنت فاكر انك هاتوقفني صحيح!؟ انا اخدت شمس من قبل كده.. ومحدش قدر يوقفني.. و لا أنت.. و لا أي حد تاني.
يقترب "عثمان" أكثر مقتحمًا المسافة بينه و بين "رامز".
و يتحدث بنبرةٍ صارمة:
- انت مش هاتخرج من هنا بيها يا رامز.. و اعتبر ان دي اخر مرة هاسمح لك تتخطى حدودك مع اختي.. مش هاسمح لك تجرّها معاك في حياة كلها ضلمة و قذارة.
يقوم "رامز" بسحب "شمس" إليه.
يهمس في أذنها بقوة:
- هانخرج مع بعض.. شمس.. ده وقتنا.. دي حياتنا و هانعيش مع بعض زي ما احنا عايزين!
في تلك اللحظة.. تشعر "شمس" بأن قلبها يتقطّع بين الولاء لأخيها و حبها لـ"رامز".
كان كل شيء يدور في ذهنها بسرعة.
و كل خطوة نحو مصيرها المحتوم تشعرها بمرارة أكبر.
تبدأ "شمس" في البكاء.
صوتها يكاد يكون غير مسموع من شدة الخوف و الضغط الداخلي:
- رامز.. اخويا.. ارجوك.. مش عايزة اخسره.. مش هقدر اكون معاك و اخسر عيلتي.. مش هقدر اكون كده.
و هي تمسك بيدها على قلبها.
محاولة أن تمنع نفسها من الانهيار.
يشد "رامز" يدها بقوة.
محاولًا أن يبتسم ليطمئنها.
ولكن هناك غضب يتصاعد في عينيه:
- انتي ملكي.. مش هقدر أعيش منغيرك.. مش هاتسبيني يا شمس.
يحاول "عثمان" أن يظل ثابتًا.
و عينيه تتوهجان بالتصميم و القوة و هو يهتف بصرامةٍ:
- انسى.. مالكش أي فرصة معاها.. أنا هنا عشان أوقفك.
بحركة مفاجئة.. يدفع "رامز" بـ"عثمان" و يعصر يده على معصم شمس مزمجرًا:
- هاخدها.. و ده أخر كلامي.
بغضب شديد يثبّت "عثمان" نفسه.
ثم يهجم عليه بكل قوته صائحًا:
- يبقى ده فعلًا هايكون اخر كلامك!!
ثم حدث ما لم يتوقعه رامز.
"عثمان" بكل قوته.. دفعه بعيدًا عن "شمس".
كانت ضربة حاسمة.
وكان "رامز" غير قادر على المقاومة.
سقط على الأرض بشكلٍ عنيف.
بينما كانت شمس تقف متجمدة في مكانها.
نظراتها مليئة بالدهشة والخوف.
يظهر طاقم الحراسة في هذه اللحظة.
عشرة أفراد.
اندفع نصفهم ليكبّلوا "رامز" إلى الأرض.
والنصف الآخر أحاط بجانبيّ "عثمان" الذي بدا وسطهم كملكًا لا يُمس.
تدخل "شمس" في حالة من الهلع.
و بينما كانت لا تستطيع أن تجد حلًا.. اندفعت فجأة نحو "عثمان" و حاولت أن تقف بينه و بين "رامز".
يديها ترتجفان و هي تستجديه:
- أرجوك يا عثمان.. ماتعملش فينا كده.. انت مش عارف ايه اللي في قلبي.. انا بحب رامز.. مش عايزة اعيش منغيره.. هو مش زي ما انت فاكر.. انا مش عايزة اخسره!
و تسقط على ركبتيها.
عينيها مليئة بالدموع و الرجاء.
ينظر "عثمان" إليها.
ويشعر بدموعها و هي تنهار.
لكن قلبه مليء بالتصميم و الحماية لها.
يضع يده على كتفها بقوة قائلًا بحزمٍ:
- شمس.. بكرة هاتشكريني لما تفهمي.. مش رامز الأمير اللي تستأمنيه على نفسك.. مش ده الراجل اللي اسمح له يعيشك في أي مكان ملكه.. انتي ماتعرفيهوش.. انا عارفه كويس.. مش هاتروحي معاه.. و انا هاحميكي حتى من نفسك.. المهم عندي دلوقتي حياتك و أمانك.. مش حاجة تانية.. أنا هنا عشانك.. لازم تصدقي ده و تثقي فيا.
تنهار "شمس" تمامًا.
تسقط على الأرض في حالة من الانهيار التام.
تبكي بشدة.
تتنفس بصعوبة و هي بالكاد تقول:
- مش قادرة يا عثمان.. مش قادرة اعيش كده.. بينكم أنا في وسط حرب.. مش هقدر اكمل كده.. مش هقدر!!
في تلك اللحظة.. "رامز" ينظر إليها بحزنٍ.
ثم ينظر إلى "عثمان" بغضبٍ مكبوت.
يحاول التخلص من قبضات أفراد الحراسة.
لكنهم سرعان ما سيطروا عليه في لحظةٍ.
ينظر "عثمان" إلى "رامز".
ويقول بصرامةٍ:
- خلاص يا رامز.. لعبتك انتهت الليلة دي.. مش هتقدر تضرها تاني.. لو حاولت.. مش هتعيش تشوف تاني يوم.
يشعر "رامز" بالغضب.
يحاول أن ينهض لكنه لا يستطيع.
فيهسّ من بين أنفاسه:
- هاتشوف.. هاتشوف مين اللي هايتنهي يا عثمان.. مش هاسيب شمس طول ما انا بتنفس.. و مش هاتقدر تبعدها عني.
تعلو زاوية فم "عثمان" بابتسامةٍ ساخرة مستخفّة.
ويُخاطب "شمس" دون أن يحيد بناظريه عن صديقه:
- خلاص يا شمس.. انتي في أمان دلوقتي.. مش هاخليكي تروحي معاه.. ده كان اخر تهديد.. و لو اتكرر تاني كل اللي حصل هنا متسجل صوت و صورة.. يعني دافع القتل له مبررات جاهزة فعلًا.. المرة الجاية مش هاتردد و انا بحط سلاحي في قلبك!
وزحفت يده ليتحسس موضع سلاحه أعلى خاصرته.
لكنه لم يجد شيئًا.
اختفى!!!
اتسعت عينيّ "عثمان" حين سمع صوت صمام سلاحه.
واستدار بلحظةٍ.
ليرى أخته تمسك به و قد وقفت على قدميها.
تصوّب فوّهته إلى صدرها ممسكة به بكلتا يديها.
- شمس!
ناداها "عثمان" بتحذيرٍ دون أن يحرّك ساكن.
تكهربت الأجواء في ثوانٍ.
وانتفض "رامز" مذعورًا ممّا يحدث.
لكنه أحس بالخرس.
انسكبت دموع "شمس" بغزارةٍ و هي تحدق بأخيها قائلة:
- يارتني ما جيت.. يارتني سمعت كلام بابي.. يارتني ما اتلهفت عليك أوي كده يا عثمان.. شوفت؟ انا اللي دمرت حياة الكل من ساعة ما ظهرت.. لازم احط حد لحياتي!
هتف بها "عثمان" بعنفٍ:
- إيـاااااكي.. سامعـة؟ إيـاكي يا شمس.. حياتك مش ملكك عشان تحطي حد ليها!
شمس بسخريةٍ مريرة:
- أيوه.. حياتي ملكك انت صح؟ انا اللي عملت في نفسي كده.. و لا تفتكر بابي هو السبب؟ انا ماكنش ينفع اتولد أصلا.. انا جيت ضد إرادة الكل.. انا عبئ عليكوا يا عثمان.
هز رأسه قائلًا:
- مش صح.. انتي اختي.. انتي مهما حصل من دمي و انا بحبك.. حتى لو ماعشتيش معايا العمر اللي فات.. انتي حتة مني.. سيبي السلاح من ايدك.. أي مشكلة ممكن نحلها.. انا موجود في حياتك عشان كده.
تنظر له "شمس" و هي تبتسم ابتسامة باهتة و تعلّق:
- مشكلة!؟ المشكلة انك بتتعمد تضيع حياتي.. انت ضد الشيء الوحيد اللي اتمنيته في حياتي.. رامز كان كل حاجة بالنسبة لي.. و كان عندي امل في الحياة عشانه.. لكن انت.. انت حطيت حد لكل حاجة.
برر "عثمان" بتصميمٍ:
- شمس.. انا عايز ليكي الأفضل.. رامز مش الشخص الصح ليكي.. و انا مش عايزك تتوجعي اكتر من كده. انتي أصلا موجوعة منه انا عارف.
انفجرت "شمس" بانهيارٍ:
- و انت كنت ايه في حياتي عشان تقرر مين الصح و مين الغلط؟ انا اللي جيت لحد عندك.. و من قبل ما تعرفني كان معايا رامز.. ماكنتش حاسة اني لوحدي.. لأول مرة بعد ما اختفى بابي من حياتي.. انت و رامز في حياتي كنتوا بتكملوا بعض.. لحد ما بعدتني عنه.. دلوقتي منغير واحد فيكوا انا لوحدي.. مش عارفة اعمل ايه!
يقول "عثمان" باصرارٍ.. بحاول أن يمسك بخيوط قلبها و التأثير عليها:
- انا هنا عشانك.. مش عايزك تضيّعي حياتك.. الحب مش كل حاجة يا شمس.. في حاجات تانية في الحياة لازم نبص ليها.. يمكن انا و انتي لسا مش فاهمين بعض.. لكن انا هاكون جنبك.. انا عمري ما هاتخلّى عنك.
تدمع عيناها قليلًا.
وتردد بصوتٍ ملؤه الأنين:
- انت عمرك ما هاتكون جنبي.. و انت ضد الحاجة اللي بتسعدني.. رامز بيحبني.. ليه كان لازم تفرّقنا!؟ ليه ماخلتنيش أعيش حياتي زي ما انا عايزة!؟
يحاول "عثمان" التحدث بصوت أكثر هدوءًا:
- انا مش ضد حبك يا شمس.. افهميني.. انا خايف عليكي.. مش عايزك تتوّرطي في علاقة هاتجرّك لمشاكل اكبر.. رامز مابيعرفش يحب.. رامز هايئذيكي بس.
تكف "شمس" عن البكاء في هذه اللحظة.
تنظر مطوّلًا إلى أخيها.
ثم تقول بجفافٍ:
- خلاص يا عثمان.. مابقاش حد هايقدر يئذيني بعد انهاردة!
***
في الجهة الأخرى من القصر.. الحفل في أوج تألقه.
و المكان مُضيء بالأضواء الذهبية و الفضيّة.
الموسيقى تنساب في الخلفية.
و الضيوف يتنقلون بين المجموعات يتبادلون الأحاديث.
و لكن هناك.. كانت "رحمة" تشعر بشيء غريب.
وكأن شيئًا ما ليس في مكانه.
تراقب الأجواء حولها.
و عيناها تتنقلان بين الحضور بشكل غير مريح.
بجانبها.. "إبراهيم" يتحدث مع بعض المدعوين في إحدى المجموعات.
لكن ملامح "رحمة" تعكس قلقًا واضحًا و لا تشارك بأيّ كلمة.
تحاول إخفاء قلقها.
لكنها تتحدث مع "إبراهيم" في همس:
- إبراهيم.. في حاجة مش مظبوطة هنا.. حاسة انه في حاجة غلط.. مش مرتاحة خالص.
يحدجها "إبراهيم" بابتسامةٍ خفيفة.
لكنه يلاحظ عليها قلق حقيقي.
فيحاول تهدئتها:
- مافيش حاجة يا حبيبتي.. الحفلة تمام.. و الجو ممتاز.. يمكن بس كنتي مرهقة أو مش قادرة تندمجي مع الناس.
تنظر "رحمة" حولها بتوترٍ.
وتحاول أن تتفحص الحضور بعيون مشوشة:
- لأ.. الموضوع مش كده.. في حاجة في الجو نفسه.. في حالة توتر مش طبيعية.. و شمس مش كويسة.. لسا ماظهرتش لحد دلوقتي.. أنا حاسة إن في حاجة.
يقترب "إبراهيم" منها قليلًا.
ثم يضع يده على كتفها ليشعرها بالطمأنينة:
- أنا فاهمك.. بس مش ممكن كل حاجة هاتحسي بيها هاتكون مرتبطة بحاجة وحشة.. يمكن شمس مش في أفضل حالاتها.. بس مش لازم نبالغ في التفسير.. خليكي مرتاحة.
تنظر إليه بتساؤلٍ.
لكنها تظل غير مرتاحة.
تقف في مكانها مرةً واحدة.
تتنفس بصعوبة.
ثم فجأة يُسمع صوت طلقة رصاص مدوي ينفجر في أرجاء القصر.
كأنه قادم من الحديقة الخلفية.
- إبراهيم! سمعت الصوت ده؟ كان صوت رصاصة!؟
تتجمد في مكانها.
قلبها يتسارع بدقاته.
ينتبه كل من بالحفل الآن و تتباطأ الموسيقى.
بينما يشعر "إبراهيم" بالصدمة.
ويشحب وجهه.
لكنه يحاول الحفاظ على هدوئه:
- إيه ده!؟ مستحيل يكون رصاص.. ممكن يكون صوت حاجة تانية.. مثلاً حاجة وقعت أو حد في الحفلة عمل حاجة!؟
لم تعد "رحمة" تنصت إليه.
دفعتها غريزتها في الحال.
بدأت في التحرك سريعًا نحو الباب المؤدي إلى الحديقة الخلفية و عيونها مليئة بالخوف.
و لا تستطيع أن تخفي قلقها و هلعها.
كانت تشعر بها.
كانت تشعر بابنتها.. صغيرتها "شمس".. طفلتها الوحيدة!
رواية كرسي لا يتسع لسلطانك الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم مريم غريب
في أعقاب الحفل الذي اجتمع فيه الأقارب و الأصدقاء.. كان الهدوء سائدًا في القصر.. قبل أن يتناثر فجأة دوي طلقة رصاص من الحديقة الخلفية ..
صوت الطلقة كان مدويًا و مفزعًا.. فغرق الجميع في حالة من الصمت.. أعينهم مشدوهة.. ثم تحولت النظرات نحو الخارج في حالة ذعرٍ .
"رحمة".. التي كانت تقف بين الحضور.. شعرت بشيءٍ غريب يجذبها نحو الحديقة.. قلبها بدأ ينبض بشدة.. و عقلها يُنذرها بشيءٍ لا تحب أن تراه ..
"شمس.. بنتي شمس ! ".. همست لنفسها.. بينما تجري خطواتها بسرعة نحو الحديقة.. و لم يكن في رأسها إلا "شمس" ..
وصلت إلى الحديقة بسرعة.. لترى المشهد أمامها الممتد على مسافةٍ بعيدة عنها ..
كان "عثمان" يحاول جاهدًا أن يمسك بـ"شمس" التي كانت على وشك إنهاء حياتها.. كان هناك ألم في عينيها.. و فقدان للأمل في ملامحها.. حاول "عثمان" بكل قوته أن يوقفها.. لكنه كان في صراع مع قدره ..
"اهدي يا شمس ! ".. هتف بها "عثمان" و هو يضغط على يديها كي يمنعها من إلحاق الأذى بنفسها..
"أرجوكي اهديِ... انا معاكي.. انتي مش لوحدك... ده مش الحل.. افتكري كل حاجة بتحبيها."
أخيرًا تمكن من انتزاع السلاح من يدها.. ألقاه نحو أحد أفراد الحراسة و تنفس الصعداء قليلًا ..
لكن "شمس" كانت في حالة من الانهيار التام.. نظراتها فارغة.. و كأنها فقدت كل شيء.. كل كلمة من "عثمان" كانت تذهب في الهواء دون أن تلامس قلبها المتألم ..
هزت رأسها بشكلٍ يائس.. و عينيها تتساقط منها دموعٍ ثقيلة.. و كأنها تريد الهروب من هذا العالم كله..
في لحظةٍ.. نظرت إلى عثمان بنظرةٍ مليئة بالحزن.. ثم همست بصوت مرتجف..
"انا مش قادرة اتحمل.. كل حاجة بتنهار من حواليا.. و انا مش قادرة اعيش كده !"
"عثمان".. الذي كان يحاول إظهار قوته.. امتلأ قلبه بالأسى.. هو يعلم أن هذا ليس مجرد ألمٌ نفسي.. بل هو صراعٌ بين قلبه و عقله.. لم تكن "شمس" أخته فحسب.. إنها وصيّة أبيه.. و لا يمكنه أن يقبل فكرة أن حياتها تتوقف بسبب شخصٌ آخر ..
كان "رامز" لا يزال في قبضة الحراس.. لكنه كان يصرخ باسم شمس و كأن عقله قد انفجر بسبب الأحداث الأخيرة التي جرت أمام عينيه و هو مسلوب الإرادة بهذا الشكل المزرٍ ..
"شمـس ! ".. نادى "رامز" بصوت يملؤه الخوف..
نقل عينيه نحو "عثمان" ينظر له بحقدٍ.. و قد ابتسم ابتسامةٍ مريرة وهو يهتف..
"ده اللي انت عايزه يا عثمـان ؟ لا انا و لا هي نقدر نعيش منغير بعض.. عايز تموتها.. شمس كانت احسن معايا.. معايا انا سـااامع ؟؟؟؟"
كانت "شمس" قد إلتفتت إليه حين سمعت صوته.. عينيها مليئة بالتساؤل.. و حبها المكبوت إليه يضغط على قلبها.. رغم كل شيء ...
"رامز ! ".. همست باسم حبيبها في صوتٍ خافت.. وكان كأنها تقول له شيئًا لم تستطع أن تقوله من قبل ..
اهتاج "رامز" و قد بدأ يفقد السيطرة على نفسه.. قال بلهفةٍ..
"انا بحبك يا شمس.. و دي مش نهاية.. مهما حصل.. انا هفضل جنبك.. مش هسيبك لحد .."
لكن "عثمان" الذي كان يستمع لكل كلمة.. شعر بأن قلبه ينفطر.. رمق "رامز" بنظرةٍ قاسية.. و قال بصوتٍ منخفض و لكنه ملييء بالغضب..
"انت مش هاتبني مستقبل على خراب.. و على دموعها اللي انت سبب فيها.. حبك ده مش هاينقذها من اللي احنا فيه !!"
تنظر "شمس" بين كلًا من "عثمان" و "رامز".. و كانت ملامح وجهها تعكس صراعًا داخليًا مريرًا.. على الرغم من حبها لـ"رامز".. إلا إن قلبها كان يثور ضد الواقع.. ضد الألم الذي تسببه هذه العلاقة في حياتها ..
قالت "شمس" بصوتٍ ضائع.. و كأنها تفقد نفسها في دوامة لا مفر منها..
"أنا مش قادرة أتحمل كل ده... أنا ضايعة بينكوا.. بين حب مش قادر أكمل فيه وبين أخ مش قادر يصدق فيا.. أنا تعبت.. تعبت.. تعـ ..."
و لم تستطع اكمال عبارتها.. سقطت مغشيًا عليها بين ذراعيّ أخيها ..
تصل "رحمة" في تلك اللحظة أخيرًا.. لم تتمكن من كبح دموعها.. فركضت نحو "شمس" صارخة و كأنها ترى الدنيا تنهار أمامها..
"شـمــــــــــس.. بنتـــــــــــــي !!! ".. صرخت بصوتٍ مبحوح و هي تنهار على ركبتيها بجانبها..
"ايه اللي حصل ؟ في ايه جرالك ايه !!؟؟؟"
و حانت منها نظرةً ضارية نحو "رامز" و صاحت بشراسةٍ..
"عملت فيها أيـه ؟؟؟ عملت في بنتي ايه ؟؟؟؟"
"لو جرالها حاجة مش هاتكفّيني روحك ..."
"إبراهيم" الذي لحق بـ"رحمة" على الفور خطوةً بخطوة.. تباطأ ما إن اقتربا ..
كان يراقب الموقف محافظًا على المسافة بينه و بين العائلة.. شعر بالعجز في البادئ.. فإنه على وشك أن يتخطّى حدوده.. تردد للحظةٍ.. ثم اقترب منها و قال بصوتٍ منخفض لكنه حازم..
"رحمة.. لازم نتصرف بسرعة.. دي مش لحظة انهيار.. شمس محتاجة تتنقل فورًا للمستشفى !!"
أما "رامز".. الحبيب الذي كان سبب كل هذا الخراب.. فقد كان لا يزال في قبضة الحرّاس.. يصيح في هستيريا.. يحاول أن يتملّص من قبضتهم لكنه فشل.. كان في حالةٍ من الانهيار.. غير قادرٍ على تصديق ما جرى ...
"لما كانت في ايدي مكانش لازم اسيبها.. مكانش لازم اسمع كلامها.. انتوا السبب.. انت و أمها يا عثمان.. انت اللي ضيعتوا شمس.. انتوا ..."
كان يصرخ و كأن عقله لا يستطيع استيعاب الحقيقة المرة التي كانت أمامه ..
الحرّاس كانوا يقفون حوله بثباتٍ.. لا يتركونه لحظة.. كان يزداد هياجًا بينما كان يفقد توازنه أكثر.. لكن لم يكن أمامه خيار سوى الاستسلام ..
الموقف أصبح أكثر تعقيدًا.. الكل كان في حالة اضطراب.. "شمس" في غيبوبةٍ شبه تامّة.. و "رحمة" في انهيارٍ.. و "عثمان" يحاول أن يحافظ على تماسكه رغم أنه يشعر و كأن الدنيا تنهار من حوله ..
أما "رامز" فكان يحاول الوصول إليها عبثًا.. و لكن الحراس كانوا قد قطعوا عليه أيّ فرصة للفرار ..
الجو كان مشحونًا بالألم.. و الدموع.. و الخيبة.. و السؤال الآن ..ماذا سيحدث بعد هذه اللحظة !؟
"أوكي.. فهمت يا عثمان.. بس بليز طمّني اول بأول.. مع السلامة يا حبيبي !"
أنهت "فريال" المكالمة القصيرة مع ابنها و هي تزفر بتوتر ..
لا تصدق ما أخبرها به بإيجازٍ.. تسلل صديقه القديم "رامز الأمير" إلى القصر ليختطف "شمس".. لم تعرف بعد لماذا قد يفعل ذلك صديق ابنتها الذي عرفته في وقتٍ خلى !؟
وما هي علاقته بـ"شمس" ؟
كيف يعرفها أصلًا !؟؟
أسفرت فعلته عن اشتباكٍ بينه و بين حراسة "عثمان".. اختتم بانهيار "شمس" و سقوطها فاقدةً للوعي ..
وأبلغها "عثمان" بأنه قد اضطر لأخذ أخته إلى المشفى.. مصطحبًا معه والدتها.. و بسؤالها عن مصير "رامز" فقد أخبرها بأنه قد أطلق سراحه.. مع التوّعد له بالسوء ما إذا حاول الاقتراب من عائلته مجددًا ..
اعمالًا لوصايا "عثمان".. عمدت "فريال" إلى إعادة الرتابة إلى الحفل.. و طمأنة الحضور بأن الصوت الذي سمعوه لم يكن سوى محاولة لإطلاق بعض الألعاب النارية و لكنها هي من أحبطتها لأنها ترى فيها خطورة و لا تحبذها مطلقًا ..
استطاعت أن تعيد أجواء الاحتفال إلى طبيعتها.. ثم بقيت بالقرب.. تحل محل ابنها متقنة دوره و دورها على أكمل وجهٍ ...
"حسين عزام" ..
الرجل الذي غاب عن حياة أبنائه ثم حفيدته لعقودٍ.. كان يجلس بثباٍت كأنه ينتظر لحظة المواجهة.. وجهه الذي حمل تجاعيد الزمن بدا قاسيًا.. و عينيه التي لم تفارق صورة "لمى" في طفولتها طوال السنوات الماضية كانت تنبض بالحزن و الشوق إليها ..
أمامه "مراد".. الذي كان يرمقه عن كثب.. لأول مرة شعر بقلقٍ غريب يتسلل إلى قلبه.. فهو كان يعرف تمامًا بأن "حسين" قد جاء خصيصًا من أجل شيءٌ واحد : أن يستعيد حفيدته ..
حاول "مراد" أن يبدو هادئًا.. لكن هذا كان صعبًا بعض الشيء.. فعينيّ "حسين" ظلتا ثابتتين عليه تؤرّقانه.. فكأنه ينتظره ليتحدث أولًا ..
كانا قد ابتعدا عن ضجّة الاحتفال.. و توّجها نحو الطاولة المنعزلة في الطرف الآخر من القاعة ..
جلسا قبالة بعضهما بهدوء.. وكانت نظرات "مراد" حادة.. تدل على الجدية التي حملها قلبه طوال سنوات من الحذر.. قال بصوت هادئ لكنه حازم..
"جيت لحد هنا عشان تزعجنا و تزعج الناس صحاب البيت منغير فايدة يا حسين بيه.. انت عارف كويس ان لمى مش هاترجع لك.. كلنا عايشين حياتنا دلوقتي و مافيش مجال للرجوع لورا."
تنهد "حسين" الذي كان يبدو هادئًا.. لكن وجهه يعكس سنوات من القلق و الألم.. رد بصوتٍ منخفض.. لكنه كان مليئًا بالإصرار..
"انا جاي عشان حفيدتي يا مراد.. مش عشان أتكلم عن الماضي و ارجع لورا.. انا مش بطلب كتير.. بس لمى هي حفيدتي و انا من حقي اشوفها.. كل سنين الغربة و انا مش قادر افهم ليه منعتوني منها !؟"
خفق قلب "مراد بقوةٍ و هو يقول بتصميمٍ..
"انت من جواك شايف الحقيقة و متأكد منها يا حسين بيه.. لما سافرت كانت لمى رضيعة.. سيبتها مع ايمان في مصر لمدة اربع سنين قبل ما اظهر في حياتهم.. انا اتجوزت إيمان.. و انت كنت بعيد عن حفيدتك اللي بتتكلم عنها.. لو كنت هنا معاها كانت حياتنا هاتبقى مختلفة.. بس انت ماكنتش موجود لما كان لازم تكون هنا."
نظر "حسين" إلى مراد بنظرةٍ ثابتة.. و عينيه مليئتين بكل ما مرّت به روحه طوال هذه السنين.. نظرته تجمع بين الشوق و الحزن و الندم.. ثم رد بصوتٍ منخفض لكنه محمّل بالثقل..
"انت فاكر ايه ؟ انت فاكر ان حياتي كانت سكة مفروشة ورد ؟ انت مهما فكرت عمرك ما هاتفهم انا مرّيت بإيه طول حياتي من ساعة ما شوفت راجية عمران.. بس برغم كل حاجة لمى دي تبقى حفيدتي يا مراد.. و مهما حاولت تبعدها انت و إيمان.. مش هاتقدر تاخد مني حقي.. انا بدوّر عن حقّي في حفيدتي.. طول السنين دي و انا بعيد عنها.. بتعذب لوحدي و بلوم نفسي في غربتي أكتر من مرة اني سيبتها.. و انا مش جاي هنا عشان اخرب حياتكوا."
شعر "مراد" بمزيج من الغضب و الحيرة.. تنهد بعمقٍ.. ثم رد بنبرةٍ جادة و صوت ثابت.. كأنما يريد أن يُغلق أيّ فرصة للمساومة..
"مش من حقك تيجي هنا و تطلب حقوقك في وقت متأخر.. لمى بنت إيمان.. و انا سواء انت رضيت و لا رفضت بقيت ابوها.. احنا تعبنا سنين عشان نربيها من و هي لسا طفلة.. ف ماتفكرش اني هابقى مجرد مشاهد في حياتها لما تكبر.. انت كنت غايب.. و كان وقتك ده كله اختيارك.. بس دلوقتي.. لما فوقت بعد فوات الآوان.. هكون انا اللي هنا.. مش انت."
شدّ "حسين" قبضته على الطاولة أمامه.. و كأن الكلمات التي قالها "مراد" قد أصابته بشكلٍ عميق.. لكنه ظل هادئًا و لم يرفع صوته.. أخذ نفسًا عميقًا.. ثم نظر إلى مراد و قال بصوتٍ ملييء بالأسف..
"انت مش فاهم.. أنا كنت مغترب.. مافيش حد جنبي حتى ولادي.. كانت علاقتي بيهم متوترة.. بس لما بدأت استعيدهم كنت دايمًا بحاول اتواصل مع لمى.. لكن إيمان مرّة و مرتين منعتني.. و مش عارف ليه.. انا مش جاي ازعج حد.. انا بس عايز حقّي في رؤية حفيدتي.. كل سنة بتمر.. و انا مش قادر استوعب ليه الناس اللي كنت مفكرهم اهل.. بيحرموها مني.. انا مش جاي اطلب منها تسيب حياتها.. و لا حتى بطالب بشيء.. لكن في النهاية هي حفيدتي.. و مش لازم تفضل بعيدة عني للأبد."
يتفاقم شعور "مراد" بالضغط عليه.. ظل صامتًا لبرهة.. و كان قلبه مشوشًا بين الشعور بالحماية المطلقة التي يجب أن يقدمها لإبنته الروحية.. و بين الشعور بوجود الرجل الذي يعبر عن نفسه الآن كجدها العجوز المستضعف لا يريد سوى رؤيتها ..
تحدّث "مراد" أخيرًا.. لكن بنبرة أكثر لطفًا هذه المرة.. رغم تحفظه..
"أنت خسرت وقت كتير يا حسين.. و محدش كان سبب في بُعدك عن لمى غيرك انت.. بس مش هي دي المسألة.. المهم دلوقتي هو ازاي نواجه الحقيقة مع بعض.. لمى اتربت معايا انا و إيمان.. و خلينا نكون واقعيين.. مش هقدر أسلمها لك لمجرد انك عاوز تشوفها.. لكن ممكن نبدأ من جديد.. عايز تكون جزء من حياتها ؟ .. دي حاجة مش بسيطة.. لو كانت حياتها هتتأثر من وجودك.. يبقى ما فيش مكان ليك فيها.. لكن هحاول معاها و اقيس رد فعلها.. طبعًا بدون ما اضغط عليها."
واصل "حسين" النظر إلى مراد.. و في عينيه كان هناك شيءٌ جديد.. شيء من التفهم.. و كأن الثقل الذي حمله على كتفيه طوال تلك السنوات بدأ يخف قليلاً.. قال بصوتٍ هادئ جدًا.. لكنه ميليء بالإصرار..
"انا مش عايز اكون مجرد شخص في الماضي بالنسبة لها يا مراد.. انا هنا عشانها.. مش عشان استرجع شيء ضاع.. دي دمي.. و معاك حق.. مافيش حد فينا يقدر يغير الواقع.. لكن ممكن نعمل بداية جديدة.. خليها هي اللي تقرر."
أومأ "مراد" برأسه.. شعر بشيء من التراجع بعد سماع كلمات "حسين".. تنفس بعمقٍ و قال أخيرًا بنبرةٍ هادئة.. وكأن الجرح الذي كان في قلبه منذ رآه و أحس بالتهديد حياله قد بدأ يندمل ببطء..
"احنا مش هانجبر لمى على حاجة يا حسين.. بس لو هي قررت هاتكون موجود في حياتها.. هي مش ملكيّة لأي حد.. وهي عندنا.. في أيدينا.. بس مش هانهمل أي فرصة لوجودك في حياتها... لو هي حابة."
رفع "حسين" نظره إلى مراد.. و كانت عيناه مشبّعة بالمرارة.. لكنه ابتسم ابتسامةٍ صغيرة و حزينة.. و قال بصوتٍ هادئ جدًا.. ملييء بالإحساس..
"مش جاي أطالب بحق ماستحقهوش يا مراد.. انا بس جاي احاول اني اكون جزء من حياة حفيدتي.. و هانتظر لما هي تقرر بنفسها."
تأمله "مراد" للحظةٍ.. ثم قال آخر كلماته.. لكن بلهجةٍ تنم عن احترام..
"احنا هانتكلم مع لمى.. لو هي حابة تشوفك.. هانكون موجودين.. بس حياتها مش لعبة في ايد حد حتى لو كنت انا او إيمان.. و لا هاتتغير على حسب أطماع أي طرف فينا."
هز "حسين" رأسه قليلًا.. و قال بصوتٍ خافت..
"انا ماجتش عشان اعمل قلق ليها و لا اغيّر في حياتها أي شيء.. بس لو هي محتاجة تشوفني.. انا هكون هنا."
جلس الرجلين في لحظة صمتٍ.. كأنهما توّصلا إلى تفاهمٍ ضمني.. لم تكن النهاية مُرضية تمامًا لكل واحد منهما.. لكنها كانت بداية لطريق صعب لكنه ممكن.. "مراد" شعر بتخفيفٍ من الضغط.. لكن في داخله كان يعرف أن هذا لم يكن نهاية للصراع.. بل بداية لفصل جديد في حياة "لمى" ..
في المستشفى التخصصي ..
كانت الأجواء مشحونة بالقلق.. "شمس البحيري" فاقدة الوعي في غرفة الطوارئ.. و الجميع في الممر ينتظرون الأخبار.. "عثمان البحيري" كان يقف أمام باب الغرفة.. يده على وجهه.. عينيه مليئتان بالهم و القلق ..
و "رحمة" كانت تقف ورائه مستندة إلى ذراعيّ خطيبها "إبراهيم النشار".. كانت صامتة في البداية.. ثم انفجرت فجأة بالكلمات.. و كأنها لا تستطيع كبح مشاعرها أكثر ...
"كل ده بسبب رامز.. لو ماكانش دخل في حياتها.. مكانتش هاتوصل لده !"
إلتفت "عثمان" إليها.. و عيناه مليئة بالحزن و الغضب معًا.. قال بصوتٍ حازم.. محاولًا الحفاظ على هدوئه رغم الغضب الذي يتصاعد داخله..
"اخر حد ممكن يشغلني في اللحظة دي.. هو رامز يا رحمة.. انا عارف انه كان ليه دور في اللي حصل.. لكن ده مش وقته.. شمس دلوقتي هي اللي محتاجانا نركز معاها.. مش رامز."
"رحمة" التي كانت تغلي من الداخل.. ردت بغضبٍ شديد.. و قد ارتفع صوتها قليلًا..
"مش وقته !؟ .. شمس اتدمرت عشان واحد زي رامز.. و بقولك دلوقتي.. مش هاسيبه يعدي بعملته بالساهل.. لازم ارجع حق بنتي.. عشان هو مش هايتحاسب لو سكتنا."
بقى "عثمان" يحاول تمالك أعصابه.. إلا إنه شعر بالضغط الشديد من كلامها.. نظر إليها بنظرةٍ ثابتة و قال بحزمٍ.. و كأن كلماتها قد أشعلت في قلبه نارًا لم يكن يعرف أنها موجودة في هذه اللحظة الحرجة..
"ما انتي لو كنتي ام بحق.. و متابعة بنتك كويس و مربياها.. لا كان رامز او غيره قدر يوصل معاها لحد النقطة دي.. و ماكانش دخل حياتها من الأصل.. ماكانش لعب بيها كده.. و لا كنا وصلنا للمرحلة دي كلنا.. بس الخبر السعيد.. أنا كمان مش هاسكت.. لو و لو مافيش حاجة قادرة توقفه.. هاوقفه بنفسي !!"
لم تستطع "رحمة" كبح مشاعرها بعد.. تمتمت بصوتٍ غاضب..
"انت بتلزمني و مش فاهم حاجة من اللي حصل.. ده مش مجرد شخص.. ده واحد مش سهل لعب بمشاعر شمس و وّرطها في قصص حب و غرام و قدر يسيطر عليها.. خلاها تحس انها مش قادرة تكمل.. بنتي كانت هاتموت نفسها عشانه.. هو السبب في كل اللي حصل .."
كان "إبراهيم" يراقب الموقف بصمتٍ.. شعر أن الحوار قد بدأ يخرج عن نطاق السيطرة.. فوضع يده على كتف "رحمة" قائلًا بحذر..
"رحمة.. الغضب مش هايفيدنا دلوقتي.. لازم نكون هاديين عشان نساعد شمس.. لو حست شمس اننا مشغولين بالانتقام من الراجل اللي بتحبه.. ده هايزيد من تعبها."
عجزت "رحمة" بالكامل عن إخفاء شعورها بالانتقام.. و أجابت بنبرةٍ قاسية مخاطبة شقيق ابنتها..
"الانتقام مش هايفيد ؟ شمس عمرها ما هاتشوف مصلحتها طول ما هي مش قادرة تنسى الراجل ده.. انا مش هقدر اسكت على اللي حصل.. انا بقولها لك دلوقتي يا عثمان.. رامز هايدفع تمن اللي عمله كله في بنتي .."
نظر "عثمان" إليها لحظة.. ثم قال بصوتٍ ثابت لكنه ملييء بالوعيد..
"رامز هايدفع التمن.. انا وعدتك.. بس لما شمس تبقى بخير.. و تكون في حالة أفضل.. انا مش هاعديها له المرة دي.. و ان كان لازم اتعامل معاه بنفسي.. هاعمل كده."
يحاول "إبراهيم" أن يحافظ على الهدوء.. رد برفقٍ..
"الانتقام مش هايشفي جروحها يا رحمة.. الغضب ممكن يدمر كل حاجة.. و لازم تركزوا على شمس دلوقتي."
كانت "رحمة" على وشك الانفجار.. قالت بصوتٍ خافت.. محاولة تمالك نفسها..
"انا مش هقدر اعيش و انا شايفة اللي بيحصل في بنتي بيعدي منغير رد.. لازم يجي اليوم اللي يتحاسب فيه.. مهما كان."
ضغطت كثيرًا على أعصاب "عثمان" الذي كان يحترق داخليًا من الألم و الغضب.. زأر بصوتٍ جاد..
"خلاص يا رحمـة.. قلت دلوقتي لازم نركز على شمس.. انا هخليه يعرف انه مش هايفلت من اللي عمله.. اسكتي بقى.. قفّلي على الموضوع و ماسمعكيش تتكلمي فيه تاني !"
و بالفعل ..انتهى الحوار.. و الجميع كان يعلم أن الأيام القادمة ستكون مليئة بالتوتر و الصراع.. "رحمة" كانت مُصممة على الانتقام من "رامز".. و "عثمان" كان يتوّعده ..
بينما "إبراهيم" كان يحاول جاهدًا أن يُهدئ الموقف و يذكرهم بأهمية دعم "شمس" في هذه اللحظة العصيبة ...
عودة إلى الحفل ..
في وسط قاعة الاحتفال.. لا زالت الأنوار تتلألأ و تخترق المسافات بين الحضور.. بينما كانت الموسيقى تُعزف بألحانها الناعمة في خلفية المكان ..
كانت "صفيّة البحيري" تقف وحدها مع "فارس الزيني".. تتبادل معه الحديث بابتسامة هادئة.. فيما عينيها تتجنب النظر إلى أيّ مكان آخر.. كانت تحاول أن تهدأ.. أن تجد لنفسها لحظةً من الهدوء بعيدًا عن كل هذا التوتر الذي يملأ حياتها مؤخرًا ..
لكن "صالح البحيري".. الذي دخل القاعة متأخرًا.. كان قد لاحظها.. لأنه لم يكن يرى غيرها حتى عثر بصره عليها ..
لم تكن عيناه تلاحقها بحب.. بل كان قلبه يغلي بالغيرة الآن.. كانت تلك مشاعره المكبوتة منذ وقتٍ طويل.. مشاعر لم يجرؤ على التعبير عنها تمامًا بعد الجريمة التي اقترفها بحق زوجته و ابنة عمه.. و أم طفلته ..
لكن رؤيتها مع "فارس الزيني".. أحد المدعوين المعروفين.. جعلت كل شيء يتفجّر دفعةً واحدة ..
اقترب صالح بخطوات سريعة.. و عينيه لا تترك "صفيّة" لحظةً.. ثم توقف فجأة أمامها.. قائلاً بلهجةٍ غاضبة و حادة..
"ممكن تيجي معايا شوية ؟"
توترت "صفيّة" التي كانت تحاول أن تظل هادئة.. شعرت ببرودة في قلبها حين سمعت صوته.. و كأن ذلك الصوت ما زال يرن في أذنيها منذ ذلك النهار.. كان الصوت نفسه الذي كانت تسمعه و هو يصرخ في وجهها.. و تلك اللمسات التي لا تُنسى... لكن هذه المرة.. كانت تحاول أن تكون أقوى.. هي لن تضعف أمامه الآن.. حتى لو كانت رهبتها منه تلازمها كل لحظةٍ ..
رفعت "صفيّة" رأسها.. و حاولت أن تكون صامتة للحظة.. ثم قالت بصوتٍ منخفض.. مشحون بالكراهية و المرارة..
"صالح.. مش دلوقتي.. مش قدام الناس.. لا انا و لا انت لازم نتكلم عن اللي بينا هنا !!"
الآن يشعر "فارس" بتوتر الجو فجأة.. منذ ظهور ذاك الرجل الذي جاء يُطالب بـ"صفيّة" إذ يبدو أنهما يعرفان بعضهما.. قرر أن يبتعد قليلاً.. فأخذ خطوة للوراء و قال بلطفٍ..
"آسف اذا كنت اسببت في ازعاج.. الظاهر ان الوقت مش مناسب عشان نكمل كلامنا.. عن اذنك يا صافي."
نظرت "صفيّة" إلى "فارس" و أسرعت بالاعتذار بصدق.. محاولة أن تبعده عن الموقف بشكلٍ نهائي و هي تقول بحذرٍ..
"مافيش مشكلة يا فارس.. اتفضل و انا اتشرفت جدا بمعرفتك."
ابتسم لها بكياسةٍ.. و ابتعد في هدوءٍ و ثقة ..
إلتفتت "صفيّة" إلى صالح الذي كان يقف أمامها.. و عينيه مشتعلة بالغضب و الغيرة.. لكن في داخله كان هناك شعور آخر يختلط مع تلك المشاعر المظلمة و هو الندم العميق ...
"كنتي واقفة مع فارس الزيني ليه و بتقولوا ايه ؟؟؟ ".. سألها مباشرةً و بحدةٍ قوية..
انعقدا حاجبيّ "صفيّة" التي كانت تشعر بأن قلبها يضغط عليها من كل ناحية.. قالت أخيرًا بصوتٍ ثابت.. محاولًة أن تُنهي هذا الفصل مرةً واحدة.. لكن دون أن تضعف أمامه..
"صالح.. مش هقبل انك تتدخل في حياتي كده.. موضوعنا منتهي.. و انا ماليش كلام معاك أصلا و مش مطالبة ابرر لك تصرفاتي.. انا مش مستنية منك حاجة غير ورقة طلاقي.. ف ارجوك ابعد عني كفاية اللي عملته فيا.. خلينا نسيب بعض باحترام على الأقل عشان خاطر ديالا."
صالح شعر بحواسه كلها تنفجر.. و كأن كلماتها كانت تفتح جروحًا عميقة في قلبه.. لم يكن بإمكانه أن ينكر بأنه أحبّها.. و لا زال.. لم يكن بإمكانه أن ينسى تلك الأيام التي كانت فيها ملكة في حياته ..
لكن المواقف التي جمعتهما كانت قد دمرت كل شيء.. و عندما تذكر الماضي.. تذكر كل كلمة جارحة تفوّه بها.. و كل لحظة انتقامية.. و كل لمسة كانت في وقتٍ غير مناسب... لكنها كانت موجودة.. و هو كان من تسبّب في ذلك ..
تنهد "صالح" بحزنٍ عميق.. ثم قال بصوتٍ منخفض.. محمّل بالندم..
"انا آسف... لو كنت قادر ارجع لورا و اصلح كل حاجة.. كنت هاعمل كده.. لكن انا ضيّعتك.. ضيّعت نفسي... ضيّعت كل حاجة.. بس انتي في قلبي يا صافي.. عارف انك مش هاتصدقيني.. لكن انا فعلًا ندمان.. اكتر من اي وقت !"
كانت "صفيّة" قد جمعت شجاعتها تمامًا.. كانت قد قررت بأنها لن تضعف أمامه مهما كان.. عيناه اللتان كانتا تحملان الندم، لن تُعيداها إليه.. قالت بصوتٍ صارم.. غير قابل للجدال..
"الندم مش كفاية يا صالح.. انت مش بس اذيتني من برا.. لكنك كمان اذيت كل شيء فيا من جوا.. و كل ما حاولت اكون قوية كنت تجرّني لورا و تضعفني.. بس دلوقتي قررت.. خلاص.. الطلاق هو الحل الوحيد !"
بدا "صالح" متجمدًا.. كأن الكلمات التي خرجت من فم "صفيّة" قد أصابته بصدمةٍ.. كانت هذه المرة الأولى التي تتحدث فيها بهذه الجديّة عن الطلاق.. كان يفكر في لحظاتٍ كثيرة مضت.. في محاولاته لإصلاح العلاقة.. لكنّه الآن يشعر أن كل شيء قد سقط من يديه ..
لحظاتٍ من الصمت تخلّلت الجو.. كانت العيون تراقب.. و كان "صالح" يحاول استجماع نفسه.. ثم قرر أخيرًا أن يأخذ الأمور إلى مستوى آخر.. قال بصوتٍ منخفض.. لكنه كان مليئًا بالأسى و المرارة..
"طيب مش هانقشك في قرارك.. و انا مستعد انفذ لك اللي انتي عاوزاه.. بس من فضلك يا صافي.. ارجوكي قوليلي السبب.. انا عملت ايه ؟ .. بعد كل اللي بينا ده.. ليه عايزة تسبيني ؟ .. ليه مصممة اوي بالشكل ده !؟؟"
خفضت رأسها قليلاً لتخفي عينيها عنه و هي تقول بهدوءٍ.. لكن صوتها كان يحمل رجاحة و استقرارًا غريبًا..
"صالح.. العلاقة بينا انتهت من زمان.. القرار بس جه متأخر.. مش هاينفع أكمل كده.. انا ماكنتش بحاول ازعلك طول سنين جوازنا.. و استحملت عشان بنتنا.. لكن الحقيقة ان مش كل شيء ممكن يتصلّح.. كنت عارفة انك رجعت تشرب رغم انك وعدتني مش هاترجع.. كنت بخاف اواجهك لأني عارفة بتكون عامل ازاي و انت عصبي.. و اتأكدت من قراري في اخر موقف حصل بينّا.. انا جربت كتير اديك فرصة.. بس بقت كل فرصة مأساة جديدة.. انا خلاص.. مابقتش شايفة حاجة تخليني استمر .."
تقلّصت ملامح "صالح" ألمًا.. يشعر بقسوة كلماتها في قلبه.. ظل ساكنًا للحظة.. و كأن الزمن توقف عند تلك اللحظة.. لم يستطع الرد.. كان فقط ينظر إليها.. عينيه تملؤها الملامة و التساؤلات ..
بينما "صفيّة" التي كانت على وشك الانهيار من الداخل.. توقفت عن الحديث تمامًا.. ثم ابتعدت قليلاً عنه.. و أخذت نفسًا عميقًا كي تسيطر على مشاعرها.. ثم قالت.. لكن هذه المرة بنبرةٍ حاسمة أكثر.. عينيها تلتقيان بعينيه دون أن تخشى أي شيء..
"أنا مش هاخلي خوف منك يحدد حياتي.. و لا هاخلي ندمك يخليني ارجع عن قراري.. لو كانت حياتنا كلها مبنيّة على أكاذيب و جرح.. ف الاحسن ننهي العلاقة.. اتفقنا ؟"
ثم أضافت.. محاولًة أن تظهر له القوة التي اكتسبتها أخيرًا..
"انا رجعت أعيش هنا.. في بيتي يا صالح.. مستنيّة ورقة طلاقي.. و ديالا بنتك زي ما هي بنتي.. اهلا بيك وقت ما تحب تشوفها في أي وقت.. عمري ما هامنعك عنها.. باي يا صالح."
و ابتعدت "صفيّة" عائدة إلى الحفل بخطواتٍ واثقة.. تاركةً خلفها قلبًا محطمًا لا يستطيع أن يقاوم تدمير نفسه.. "صالح" الذي كان يقف في مكانه.. شعر بالندم يعتصر قلبه ..
لكنه كان يعلم أن لا شيء يمكن أن يعود كما كان.. انتهت فرصه.. انتهى كل شيء !
رواية كرسي لا يتسع لسلطانك الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم مريم غريب
يحمل "عثمان البحيري" أخته "شمس" بين ذراعيه شاكرًا طاقم الإسعاف الذين أقلّوها في السيارة المخصّصة لتعود معه إلى المنزل بناءً على رغبته.
كانت في دِثارٍ خفيف هو يخطو بها نحو القصر.
وجهه يعكس القلق و العبء الذي يشعر به.
"شمس" فاقدة الوعي تمامًا بسبب جرعة المهدئ التي أعطاها لها الطبيب في المستشفى لتساعدها على الهدوء بعد محاولتها الانتحار.
عيون "عثمان" تلمع بالقلق الشديد على حال أخته.
و صوت تنفسه ثقيل مع كل خطوة يخطوها.
ترافقه "رحمة" ساعية خلفه.
و خطيبها "إبراهيم" الذي يظل صامتًا.
يتابع المشهد بهدوء.
لكنه يشعر بتوتر غير مُعلن.
يبدو أنه يفكر في شيء آخر.
يراقب الوضع عن كثب دون أن يتدخل.
يخطو "عثمان" بخطوات سريعة داخل القصر.
عينيه تركزان على "شمس" بين ذراعيه.
و هو يحاول أن يحافظ على توازنها بينما يرتقي بها إلى المصعد الكهربائي برفقٍ.
"رحمة" تستقلّ معه تاركة "إبراهيم" ينتظرها بالأسفل.
على وجهها تعبيرٌ من القلق العميق.
يرفع "عثمان" عينيه نحو "رحمة".
و لكن عينيه تعكسان مشاعر الإرهاق و التوتر.
يعترف في نفسه أنه ليس فقط قلقًا على "شمس" لكن أيضًا على كل ما يحدث من حوله.
شقيقته الأخرى.
و أمه.
لا يزال أمرها عالقًا و لم يبت فيه بعد.
يتابع خطواته خروجًا من المصعد إلى الطابق الثاني حيث غرفة "شمس".
لحظة دخولهم إلى الغرفة.
يضعها على السرير برفقٍ.
يهمس لأخته و هو يشدّ الغطاء على جسدها:
- انتي هاتكوني بخير يا شمس. مافيش حاجة تانية تهم دلوقتي!
ثم يرفع رأسه و ينظر إلى "رحمة" التي تراقب الموقف بتأثر.
قبل أن يوجّه كلامه إليها بجدية:
- خلّي بالك منها يا رحمة. لو احتاجت أي حاجة. خليكي جنبها طول الوقت. هاتحتاج راحة و مراقبة لحد ما ترجع لوعيها و نطمن عليها.
تدمع عينيّ "رحمة" و هي تقترب من السرير لتجلس بجوار ابنتها.
تمسح على شعرها متمتمة بهدوء:
- ماتقلقش يا عثمان. دي كانت مسؤوليتي لوحدي سنين طويلة قبل ما تكون مسؤوليتك دلوقتي. انا مش هاسيبها لحظة. هكون هنا لحد ما تقوم.
يستمع "عثمان" إلى كلماتها.
بينما يطيل النظر في "شمس".
متأكدًا من أنها في أيدٍ أمينة هنا معه.
تحت سقف بيته.
لم يقلقه "رامز" الآن و لا من قبل.
فهو كان واثقًا من انه سيأتي الليلة و تركه يلج إلى قصره لينهي هذه القضيّة مرةً واحدة و إلى الأبد.
و لكن كان لأخته رأيًا آخر.
أخته التي توّرطت بمشاعرها مع صديقه إلى أقصى الحدود فعلًا.
يشعر بحزنٍ عميق و هو يراها فاقدة الوعي.
و يدرك أنه رغم محاولاته لحمايتها.
فقد وصلت إلى هذه النقطة الصعبة من حياتها لأنها لا تساعده.
لا تقتنع بأنه لا يريد سوى مصلحتها.
لا تفهم بأنها الآن أولويته الأولى لأن أبيه تركها في رقبته.
لا يمكنه السماح لها بالانحدار إلى مستوى "رامز الأمير".
"رامز" لا يناسبها من وجهة نظره.
هو بامكانه أن يجد لها الأفضل.
لكنها لا ترى إلا "رامز".
إن كانت "صفيّة" بمكانها لربما تركها تخوض التجربة و تتحمّل تبعيات اختيارها.
و لكن "شمس" قضية مختلفة.
"شمس" وصيّة أبيه.
مسؤوليته.
الاختبار الأخير الذي فرضه عليه "يحيى البحيري".
لن يخفق فيه.
يتنهد "عثمان" مطوّلًا.
و يقرر أن يكون قويًا كما كان دائمًا لأجل عائلته.
يقول بصوتٍ ثقيل و عينيه على "شمس":
- خلّي بالك منها. هاتحتاج راحة تامّة. و ماتقلقيش. كل حاجة هاترجع لطبيعتها قريب إن شاء الله.
تومئ له "رحمة".
فيشعر "عثمان" بحاجة لترك المكان الآن.
لكن قلبه لا يزال مع "شمس" في تلك الغرفة.
قبل أن يخرج من الغرفة.
يلتفت مرةً أخرى إلى "شمس" و هو يتنهد بعمقٍ.
ثم يخرج ببطءٍ نحو الحفل.
و لكنه في ذهنه و قلبه لا يفكر في شيءٍ آخر سوى أخته.
الليل قد بدأ يلقي بظلاله الهادئة على العقار الشاهق المُحاط بالنوافذ الزجاجية الكبيرة.
في غرفة المعيشة.
"مايا عزام" جالسة على الأريكة.
و لكن عينيها لا تركزان في التلفاز.
أفكارها مشوشة.
تنقلها بين مشاعر الخوف و الاحتقار التي تحملها تجاه "نبيل الألفي".
و بين الإعجاب الذي لا تستطيع إخفاءه.
على الرغم من محاولاتها المتكررة.
أحيانًا.
تلتقط تفاصيل صغيرة في ملامحه.
نظرة حادة.
حركة يده.
صوته العميق.
الذي يُعيد كل شيء إلى توازنه.
لكن هي تحاول جاهدة أن تتجاهل كل هذا.
الباب ينفتح فجأة.
و يظهر "نبيل" و هو يدخل المنزل.
خطواته الواثقة تقطع الصمت.
نظراته حادة.
و شخصيته الطاغية تملأ المكان.
يخلع معطفه بسرعة.
و يلقيه على الكرسي القريب.
"مايا" تراقب حركاته في صمتٍ.
تحاول أن تبقى غير متأثرة.
رغم إنها تدرك تمامًا أن تأثيره عليها أكبر ممّا تود الاعتراف به.
- هاي مايا. اخبار يومك ايه انهاردة!
يتحدث إليها بهدوء.
ترد "مايا" ببرودٍ و هي تلتفت للنظر إليه:
- كالعادة. مافيش جديد.
يلاحظ "نبيل" البرود في ردها.
لكنه يتجاهل ذلك و يتجه إلى المطبخ ليشرب كأسًا من الماء.
عينيه تظل تراقبها في زاوية نظره.
الجو في الغرفة مشحون.
هناك حاجز بينهما لم يستطيعان تجاوزه حتى الآن.
يتوجه "نبيل" نحوها.
يقف أمامها للحظة.
يراقبها بنظراتٍ فاحصة.
هو لا يتوقع أن يجد سعادتها في عينيها.
و لكنه يلحظ شيئًا غريبًا.
شيء يتسرّب في أعماقها لدرجة أنه يطغى على لغة جسدها المتوترة دون أن تشعر.
لكنه لا يستطيع تحديده بعد.
بجلس "نبيل" بجوارها فوق الأريكة.
يقترب منها أكثر.
وعينيه تلتقط كل حركة فيها.
- الوضع ده هايستمر كتير يا مايا؟
تحاشت النظر إليه و هو يطرح عليها هذا السؤال.
لكنها ردت بجمودٍ:
- مش فاهمة. عايز تقول ايه!؟
تنهد "نبيل" بحدة قائلًا:
- انا مش واقف هنا عشان اسأل عن يومك صحيح. امتى هاتفوقي؟ احنا متجوزين خلاص ده بقى امر واقع. في حاجات بينّا لازم تتحل يا مايا!
تحاول "مايا" أن تبقى ثابتة.
و لكن قلبها ينبض بسرعة أكبر كلّما اقترب منها.
هي تحاول أن تركز في كلماتها.
لكن "نبيل" يتسلّل إلى أفكارها.
و في كل كلمةٍ ينطقها يشعرها بشيءٍ غريب يصعب عليها تفسيره.
تمتمت "مايا" بصوتٍ منخفض.
لكنه حازم:
- انا مش فاهمة بجد. ايه اللي عايز تقوله!!
يبتسم "نبيل" ابتسامة باردة.
يدرك أنها تخفي شيئًا.
يلاحظ كيف تتجنّب عينيه.
كما تتجنّب لمساته.
و كل هذا يُظهر له شيئًا ما عن نفسها تحاول إخفاءه.
هو يحب هذا النوع من القوة الواهية.
و هذا التحدّي.
بثقةٍ.
يقرّب "نبيل" وجهه منها قليلًا و هو يقول:
- انتي مش مضطرة تتجاهلي الحقيقة. انا شايفك كويس. شايف اكتر من اللي بتظهريه!
ترتبك "مايا".
تشعر بشيء غريب في صدرها.
مزيج من الإعجاب و الرفض.
هي تعرف أن ما يعبر عنه "نبيل" هو ليس مجرد رغبة في السيطرة.
بل هو رؤية حقيقية لضعفها و إن كانت تناضل لإظهار العكس.
و مع ذلك.
فإن الإعجاب بشخصيته الطاغية يدفعها لأن تنظر إليه رغم محاولاتها المستميتة لتجاهله.
اشتبكت نظراتهما الآن.
بينما تقول بصوتٍ منخفض مليئ بالحنق:
- ماتمثلش ان العلاقة دي كانت بيرفكت من الأول يا نبيل. مش كل شيء بينا لازم يكون واضح. مش معنى انك شخص متسلّط و مسيطر على حياتي يبقى تقدر تتحكم في مشاعري كمان.
يقترب "نبيل" منها أكثر.
عينيه تلمعان بالثقة.
يلاحظ ارتباكها.
و لكن في نفس الوقت يراه تحدّيًا.
هو يعلم أنه إذا استمر في الضغط عليها.
ستنهار حواجزها.
و ستعترف بما تخفيه.
ينخفض صوته أكثر.
ليصبح أقرب إلى همساتٍ تداعب مشاعرها بشكلٍ غير مباشر:
- انتي مش قادرة تخفي مشاعرك!
صوته ناعم و قوي في الوقت ذاته:
- و كل كلمة بتقوليها بتأكد لي انك محتاجة لوجودي في حياتك.
تشعر "مايا" بطنين في أذنيها من توتر الموقف.
هي تحاول أن تبقى على حذر.
لكنها تدرك أنها بدأت تفقد السيطرة على مشاعرها.
يحاول "نبيل" أن يسيطر عليها بكلماته.
لكن هذا الاندفاع بداخله يضفي شيئًا غير متوقع.
هي لا تستطيع إخفاء الإعجاب الذي بدأت تشعر به حيال شخصيته.
رغم إنها ترفضه بشدة.
- انت واهم!
تمتمت "مايا" و هي تمسك بأنفاسها بصعوبةٍ:
- ماتفكرش انك تقدر تأثر عليا بسهولة!!
يبتسم "نبيل" ابتسامة باردة.
لكنه يظل قريبًا منها.
يحاول استغلال ضعفها الذي بدأ يظهر شيئًا فشيئًا.
يهمس بثقةٍ.
يضغط عليها أكثر:
- مايا. لو كنتي فاكرة انك هاتقدري تهربي من مشاعرك. تبقي غلطانة. في حاجات بينّا مش هاتقدري تهربي منها.
تحاول "مايا" أن تبعد نظرها عن عينيه.
و لكن قلبها ينبض بسرعة.
هي لا تريده أن يعرف.
و لا تريد أن يكتشف هذا الإعجاب الذي يخالجها.
و لكن تلميحاته بالكلمات تزيد من تعقيد الموقف.
هتفت بصوتٍ عصبيّ.
و هي تحاول أن تتماسك قدر استطاعتها:
- مافيش حاجة بينّا. و انت مش من حقك تقرر مشاعري!!!
يتراجع "نبيل" عن إصراره خطوة إلى الوراء.
لكنه يظل يراقبها بنظرةٍ ساخرة و مليئة بالثقة.
هو يعلم جيدًا أن الأمر لم ينتهِ بعد.
و إنه سيظل يضغط عليها حتى تنهار.
يقوم أخيرًا من مكانه بجوارها.
يقول ببرودٍ و هو يلتفت ليغادر الغرفة:
- خلصنا كلام انهاردة. بس مش هاتبقي دايمًا في الأمان يا مايا. في حاجات بينّا هاتظهر قريب. و مش هاتقدري تسيطري عليها. تصبحي على خير.
أطبق الصمت عليها.
بقيت جالسة تراقب خطواته.
مشاعرها مختلطة.
هي تعرف أنه سيعود.
و أنه لن يتركها في حالها.
لكن رغم ذلك.
يوجد شيء في أعماقها يجعلها لا تستطيع إنكار ذلك الإعجاب العميق الذي بدأ يترسّخ في قلبها.
لقد استسلمت إلى جلّادها.
حتى و إن رفضت الاعتراف بذلك.
يعود "عثمان البحيري" إلى الحفل.
لكنه يشعر بأن كل شيء حوله بعيد.
الأصوات و الضحك في القاعة لا يلمس قلبه.
كل ما يهمّه الآن هو حالة "شمس" و كيف تركها في الغرفة.
أجبر نفسه على تحمّل الليلة.
و سار بين الحشود مبتسمًا بأريحية متكلّفة.
كان يراعي أن يكون حضوره ملحوظًا.
لكنه يشعر بأن قلبه خارج المكان.
كل شيء يبدو غير مهم الآن.
و بالكاد يستطيع التركيز على التفاصيل الصغيرة التي تحيط به.
عيناه تبحثان "سمر".
لأنها هي الوحيدة التي بإمكانها تخفيف وطأة كل ذلك عنه.
لكنه لا يجدها.
و الأمر يزداد سوءًا بمرور الوقت.
لا يستطيع أن يتجاهل قلقه العميق على أخته.
و من داخله يعلم بأن الحفل ليس إلا واجهة.
بينما همّه الأكبر هو راحة شمس وشفاءها.
يلمح "عثمان" أمه.
فيرتاح قلبه قليلًا.
يقترب منها و الابتسامة تتشكّل على ثغره بدون مجهود.
يطمئنها على حالة "شمس" بلهجةٍ فاترة:
- الحمد لله. شمس دلوقتي في امان. إن شاء الله هاتتعافى. الدكتور طمّني و قال ان حالتها مستقرة. بس محتاجين شوية وقت.
- الحمدلله!
تمتمت "فريال" بنهدة عميقة.
و أكملت و هي تنظر لابنها بعينين مشبّعتين بالهمّ:
- انت متأكد ان الموضوع مش اكبر من كده يا عثمان؟ ده مش وقت الاحتفال. ممكن ننهي الحفلة دلوقتي. في حاجات لازم نحطها في أولوياتنا!
يتنهد "عثمان".
و لكن يحاول أن يظهر لها الوضع طبيعيًا:
- الحفلة لازم تكمل يا فريال هانم. لازم نبقى طبيعيين قدام الناس. كله تمام ماتقلقيش.
يترك "عثمان" والدته و يعود للضيوف.
مستمرًا في محاولة الظهور بمظهر الأريحية و الدعابة.
يحاول أن يفرض جوًا من الفكاهة.
لكنه في داخله يواجه معركة مع نفسه.
و بينما الحفل مستمر.
يُفاجأ الجميع بالحضور المدهش لها.
هي بنفسها بعد سنواتٍ من الاختفاء.
"شاهيناز الكُردي".
المرأة التي كانت جزءًا من حياة "عثمان البحيري" في مطلع شبابه.
دخلت على غير توقع.
و كأن الزمن لم يمر.
كانت بينهما علاقة معقّدة بدأت بحب و انتهت بنهايةٍ صادمة حين اكتشفها خطيبها "نبيل الألفي" و دبّت الخصومة بينه و بين ابن عائلة "البحيري" البِكر.
لكن مع مرور السنوات أصبحت بينهما صداقة غير تقليدية.
مبنية على احترامٍ و حوار ناضج كلّما تقابلا.
إلا إنهما لم يلتقيا منذ ما يربو عن خمسة عشر عامًا.
و الآن هي أمامه.
يتبادلان النظرات.
و يبتسم كلٌ منهما للآخر ابتسامة لا تخلو من الدهشة.
الحنين إلى سنواتٍ خلت.
و التفهّم لما آلت إليه.
تجاذبت خطواتهما.
حتى صارا قبالة بعضٍ.
ليقول "عثمان" بابتسامةٍ هادئة و هو ينظر إليها بحذرٍ:
- شاهيناز. انتي هنا!؟
بابتسامة رقيقة.
ردت "شاهيناز" و في عينيها لمحة من ذكرياتٍ بعيدة:
- انت عارف ان مهما كانت الظروف. مش هقدر أعدي عنك بسهولة طالما زرت الاسكندرية. الزمن مابينسيش الحاجات الحلوة.
يتنهد "عثمان" مظهرًا شعورًا من السلام و هو يقول:
- عندك حق. حاجات كتير كانت حلوة. بس خلّيني أكون صريح معاكي. كنت شاب و مليان بأفكار غريبة. اختيارات صعبة.
تبتسم "شاهيناز" و هي تؤيده قائلة:
- كلنا كنا شباب. و كلنا كنا فاكرين اننا نعرف ازاي نعيش حياتنا. لكن لو كنت عرفت وقتها انك هاتسيبني بالطريقة دي. كنت هكون قادرة استعد للألم بشكل افضل.
يرمقها "عثمان" بنظرةٍ عميقة.
يحمل فيها شجاعة الندم.
و قال:
- مافيش كلام يعبّر عن اسفي ليكي يا شاهي. وقتها كنت شايف ان الحياة لازم تمشي بالطريقة اللي انا قررتها. و ماكنتش شايف ان في ناس ممكن تضّر.
بصوتٍ هادئ.
قالت "شاهيناز" و الحزن يكاد يراود صوتها:
- اللي حصل بينّا كان قاسي. بس ماتوقعتش ننك هاتسحب نفسك كده بعد كل اللي كان بينّا. انا مش زعلانة دلوقتي. انا بس اتعلمت. انك لازم تعرف امتى تترك اللي يحبك عشان تكمل في حياتك. انت علّمتني ده كويس يا عثمان!
شاهدا لحظاتٍ من الصمت بينهما.
ثم تكمل "شاهيناز" حديثها و تفتح موضوعًا حساسًا للغاية:
- لكن Anyways. انا مش جاية عشان نتكلم عن اللي فات. ده مش السبب اللي خلاّني اجي انهاردة. الموضوع اكبر مننا. انت فاكر جيجي؟
بدا على "عثمان" الاهتمام و التجهّم في آنٍ.
و قال بصلابةٍ:
- فاكرها؟ أكيد. ازاي انساها؟ حياتي اتغيّرت 180 درجة بعدها. و بيوم واحد بدون مبالغة. لكن دلوقتي كل واحد له طريقه.
تتنفس "شاهيناز" بعمقٍ.
ثم تتوجه إليه بنظرة مركزة.
و تردد همسًا غريبًا:
- لكن اللي خلاّني اتكلم هي نانسي. انت فاكرها؟ هي ضحية حربك مع جيجي. هي لسا ضحية سُمعة اختها و ابوها. بسبب اللي حصل بينها و بينك. و انت روحت بعيد في الانتقام منها هي اكتر من اختها يا عثمان.
رمقها "عثمان" بنظرةٍ جانبية.
و قال بجفافٍ:
- واضح انكوا بتتقابلوا كتير. انتي و نانسي. يا ترى قالت لك عني ايه كمان؟
شاهيناز بحزنٍ:
- ماكنتش مفكراك قاسي بالشكل ده يا عثمان. نانسي اتظلمت مع اهلها و انت كمّلت عليها.
عثمان باقتضابٍ:
- هي اللي بدأت. طالما ماتعرفيش الحقيقة كاملة ماتحكميش يا شاهي.
هزّت رأسها قائلة:
- عارفة يا عثمان. نانسي حكت ليا كل حاجة. قصتها مع عمك. و جوازكوا المزيّف.
عثمان بتهكمٍ:
- و حكت لك عملت ايه قبل ما تسافر؟ البريئة دي بعتت ورايا بلطجية عشان تنتقم مني. تنتقم على تصرفات كانت رد فعل على اللي جت تعمله فيا و في عيلتي.
أومأ "شاهيناز" و قالت:
- بس انت ماقصرّت. و عرفت انك اخدت حقك و زيادة منها و من اللي بعتتهم وراك كمان. بس ليه؟ ليه لحد دلوقتي حاطتها تحت عينك؟ و لسا عاوز تدمرها اكتر. البنت مش لاقية فرصة عشان تعيش يا عثمان. مش بتشتغل في مكان محترم. مش عارفة تكمل حياتها زي ما انت عملت.
ينظر "عثمان" إليها لحظة.
يصمت لثوانٍ.
ثم يقول:
- ماكنتش عارف انها وصلت لده. كنت شايف ان عندي حق. يمكن كنت اعمى في انتقامي. و عندي غضب بدافع اللي اتعمل معايا.
يشعر "عثمان" بشيءٍ من الندم يتسلل إلى قلبه.
لكنها تواصل.
و يبدو أن الكلمات تؤثر فيه أكثر ممّا يتوقع:
- لكن بعد كل السنين دي يا عثمان. مش حاسس انك ضيّعت جيل؟ نانسي كانت طفلة وقت ما دخلت بيتهم. و كانت شابة طايشة لما حبت تفرّغ غضبها من اللي حصل لأختها و ابوها عليك. بس هي دلوقتي حياتها مسلوبة منها بسبب سمعة العيلة. و بسبب طريقتك في الانتقام منها هي بالذات.
يرد بصوتٍ منخفض.
مليء بالأسف:
- ماكنتش أتصوّر. كنت شايف الانتقام خلاص هو الحل النهائي عشان توقف عند حدّها. لكن أنا دلوقتي شايف الأمور بمنظور مختلف. يمكن بعد فوات الأوان!
بإحساس عميق من الحزن و التفهم.
تنظر إليه "شاهيناز" قائلة:
- انا مش هنا عشان ألومك يا عثمان. انا هنا عشان اقولك اننا كلنا وقعنا في فخ الانتقام. و في الآخر دايمًا فيه ناس تانية بتدفع التمن. مش بس نانسي. في ناس تانية مش شايفين العواقب!!
لحظة صمت طويلة.
و كأن كلماتها أشاعت بداخله اضطرابات عنيفة من المشاعر.
و كأنها مضبوطة بالشعرة لتلائم كل الأحداث التي وقعت عليه مؤخرًا.
يتنهد "عثمان" بقوة.
و يعترف بخفوتٍ:
- شكلك جيتي في وقتك يا شاهي. انا دلوقتي و حالًا. اتأكدت ان ظهورك قدامي الليلة دي. مش صدفة ابدًا!
بابتسامةٍ صادقة.
تقول "شاهيناز" مُرفرفة بأجفانها:
- عثمان. مافيش حاجة بينّا كانت صدفة. و لا هايكون.
يكفّا عن الكلام في هذه اللحظة.
مع الاكتفاء بشعور من التفاهم العميق بينهما.
الصداقة التي ظهرت من بين غبار الماضي.
جاءت لتنقذه الآن.
لا يزال "عثمان" يقف مع "شاهيناز".
يتبادلان الحديث حول ذكرياتهما المرحة.
لكن الجو فجأة صار مشحونًا.
"سمر حفظي".
زوجة "عثمان" و حبيبته!!!
تلاحظ المشهد من بعيد.
رغم أنها لا تعرف "شاهيناز" جيدًا.
فقط بعض المعلومات المختصرة التقطتها أذنها و هي تمر بين الضيوف.
تبدو امرأة في أواسط الثلاثينات.
إلا إن جمالها و حضورها يثيران غيرة "سمر" بشكلٍ غير متوقع.
نظرات "سمر" تراقب المشهد بغضبٍ ملحوظ.
و فور أن تلتقي عينيها بعينيّ "عثمان".
يظهر عليها التوتر بدلًا من ذلك.
لكنها ترمقهما بنظرة غيظٍ.
ثم تميل رأسها قليلًا.
تحاول أن تخفي غيرتها.
تشعر الآن بخطواته تجاهها.
يبدو أنه قد ترك رفيقته أخيرًا.
لكنها أبدت عدم اكتراثها و كأنها لا تلاحظه.
حتى أتى و صار واقفًا قبالتها:
- ايه يا سمر. واقفة لوحدك ليه؟
ردت عليه بصوتٍ مكتوم:
- مبسوطة انك لسا مشغول في الحوار مع... صاحبتك القديمة. الناس مش مبطلين كلام عن الحكاية القديمة اللي كانت بينك و بينها!
يلاحظ "عثمان" توتر زوجته على الفور.
و ابتسامته بدأت تتلاشى حين يراها مضطربة و قلقة إلى هذا الحد.
يعرف بأنها ليست على ما يرام.
لكنه يحاول أن يهدئ الوضع بسرعة.
يرتسم على وجهه ابتسامة خفيفة.
و هو يقول محاولًا أن يكون لطيفًا:
- سمر. مافيش حاجة بيني و بين شاهيناز. كانت مجرد دردشة عن ايام زمان. مش أكتر. و بعدين دي ضيفة.
بصوتٍ باردٍ كلجيد.
و لكنه ملييء بالغيرة:
- ايام زمان؟ يعني هي لسا فاكرة ايام زمان؟ و انت مش لاقي غيرها تحكي معاه عن الماضي؟
يشعر "عثمان" بتوترها يزداد.
و يعرف بأن هذا ليس مجرد حديثٍ عادي.
لكن يقول محاولًا تهدئتها:
- سمر. في ايه؟ مش لازم تكوني متوترة كده. انتي عارفة اني بحب غيرتك. بس ماتوصلش انك تحسي بالمشاعر اللي شايفها في عنيكي دي!!
ترد "سمر" بتجهمٍ.
و لكن صوتها ينم عن التوتر:
- انا مش غيرانة يا عثمان. بس مش فاهمة ليه كل ما تلاقي واحدة جميلة بتقعد تتكلم معاها و كأن مافيش حاجة تانية في الدنيا غيرها!؟؟
يبتسم لها "عثمان" بحنانٍ.
يحاول أن يطمئنها.
و يأخذ بيدها بلطفٍ ليقودها بعيدًا عن الحفل.
- تعالي معايا!
يهمس في أذنها برقةٍ:
- هانتكلم جوا. هافهمك كل حاجة.
ويأخذها إلى غرفة المكتب بعيدًا عن الأنظار.
حيث يعمّ الصمت أيضًا و الخصوصية داخل الغرفة.
يغلق الباب خلفه برفقٍ و يلحق بها.
يجلس بجانبها على الأريكة الواسعة محاولًا أن يكون هادئًا و صبورًا.
يقول بنبرةٍ هادئة.
مع لمسةٍ من التفاهم:
- سمر. انتي عارفة كويس اد ايه بحبك. مافيش حد غيرك في حياتي. شاهيناز مجرد ذكرى من الماضي. وقتها انتهى.
تبتعد "سمر" عنه قليلاً.
نظراتها تحمل شرارات الغيرة و هي تقول:
- انا مش عارفة ليه حسيت انك مش هنا معايا. طول الحفلة. كنت بتختفي من قدامي كل شوية. انا خوفت و قلقت جدًا. انا مش عايزة تكون في حياتك اي واحدة تانية. عايزاك تكون ليا انا و بس.
يحاول "عثمان" أن يكون حريصًا في حديثه.
يبتسم بحنانٍ ثم يلمس يديها بلطفٍ في محاولة لتهدئتها.
- انا فعلًا ليكي انتي و بس يا سمر!
قالها بصوتٍ هادئ و هو يلمس خدّها برفقٍ:
- و انتي كل حاجة ليا. ماتزعليش. الموضوع ده ملوش اي اهمية. شاهيناز بالنسبة لي كانت مجرد صديقة قديمة. لكن بيني و بينك انتي كل الدنيا. مافيش حد تاني.
ترمقه بحزنٍ.
و تقول بنبرةٍ ضعيفة:
- انا مش عايزة اكون ضعيفة و اشكك فيك. بس ساعات بحس ان فيه حاجات بتتغير. انك بقيت تهتم بأمور تانية مش بس انا.
يتقرّب "عثمان" منها.
و يحاول أن يُعيد شعور الأمان و الراحة بينهما.
يقترب أكثر.
يحاوط كتفيها بذراعه.
ثم يضع يده على و جهها برفقٍ.
يمسح بهدوء دمعة كانت تسقط على خدها بلا شعورٍ منها.
ثم يقول بصوتٍ رقيق.
بحبٍ صادق:
- انتي الأهم يا سمر. و اي حاجة تانية مش هاتفرق لو انتي مش جنبي. الحاجات دي كلها. كل الاحداث اللي بتحصل معايا يوميًا زي الرياح. بتيجي و تمشي. لكن انتي ثابتة في حياتي.
تلتقط "سمر" نفسًا عميقًا.
و تبدأ في الهدوء تدريجيًا.
قلبها يطمئن بوجوده.
و تبدأ في الاستجابة له بشكلٍ أكثر مرونة.
تلتفت إليه بنظرةٍ هادئة.
و تبتسم قليلاً مرددة:
- مافيش حاجة بتهزّني غير لما تبعد عني. لما بتحسسني انك بعيد. بس دلوقتي. حسيت انك رجعت تاني ليا.
تشعّ ابتسامة دافئة في وجهه.
يقترب منها أكثر حد اللصوق هامسًا:
- انا مش بعيد ابدًا يا سمر. انا هنا جنبك. و مش هاخلّي أي حاجة في الدنيا تفرقنا.
ثم يأخذ يدها و يقبّلها برقةٍ.
ثم يهمس لها برومانسية شديدة:
- انتي كل حاجة ليا. و ده كان يوم مرهق ماحبش اعيشه تاني. خليني بس أعيش اللحظة دي معاكي. و ننسى كل حاجة تانية. اتفقنا؟
تظهر الإجابة في عينيّ "سمر" و هي ترنو له بلطفٍ.
و تلتقي أعينهم في لحظةٍ حميمية.
يشعران بأن الدنيا توقفت لحظة من أجلهما.
تتبدد كل الضغوط و المشاعر الصعبة.
و تبقى اللحظة فقط بينهما.
يقترب منها "عثمان" دافعًا بها تحت ثقل جسده لتستلقي فوق الأريكة.
يزيل حجابها و يجوس بأصابعه بين خصلات شعرها و يهمس في أذنها.
بينما يغمرها بكل ما يمكنه من حب و اهتمام:
- انا لسا بحبك. زي اول مرة. و اكتر.
في تلك اللحظة.
يتلاشى كل شيء آخر بينهما.
تصمت كل الأصوات.
ليعلو فقط صوت الحب.
برغم وجوده.
صار البيت أكثر هدوءً.
و الجو ثقيلٌ.
"مايا" تمرّ أمام الحمام في الرواق الطويل.
حيث يمكنها سماع صوت رذاذ الماء المتساقط من الدش.
نظراتها تتشتت بين القلق و الانجذاب تجاه "نبيل".
الرجل الذي لا تستطيع أن تفهمه تمامًا.
و لا تعرف كيف تتعامل مع مشاعرها تجاهه.
هي تقف للحظة أمام الباب الموارب للحمام.
عينيها تلاحق كل حركة داخل الغرفة من خلال الفتحة الضيّقة.
الصوت المغري للماء المتساقط يملأ أذنيها.
لكنها لا تجرؤ على الاقتراب.
فكرتها الوحيدة هي أنه رغم جفاءه.
هناك شيء غريب في هذا الرجل يجذبها إليه.
شيء يجعل قلبها ينبض بسرعة كلّما اقترب منها.
بعد لحظة من التردد.
تلتقط نفسها و تخطو عدة خطواتٍ إلى الأمام.
ثم تتوقف فجأة عند باب غرفته الموارب.
يظل ذهنها مشغولًا.
يتردد بين مشاعرها المتناقضة.
خلط بين الخوف منه.
من طبيعته المتسلّطة.
و بين الإعجاب الذي لا تستطيع إخفاءه.
تتخيّل كيف كان ليكون الأمر لو إنها قابلته في ظروفٍ أخرى؟
لو إنهما متحابّان حقًا؟
و هذه الفترة من المفترض أن تكون شهر العسل لهما معًا!!
إنه يمتلك شيء يجعلها غير قادرة على الابتعاد عنه.
و لكن كلّما اقتربت منه.
شعرت برغبة في الهروب.
و أثناء تأملها و استرسالها في أفكارها.
يخرج "نبيل" من الحمام دون أن يصدق بأنه خرج ليجدها أمامه.
إذ كان لا ينفك عن التفكير فيها طوال مدة مكوثه بالحمام.
يقترب منها ببطءٍ.
و جسده العاري أسفل رداء الاستحمام يلمع من قطرات الماء التي ما زالت تتساقط من شعره.
عينيه لا تتركها.
مليئة بالشغف و التصميم.
هو يلاحظ ارتباكها.
لكنه لم يكن مستعدًا لرؤيتها تقف بهذه الطريقة.
تحدق في غرفته.
و كأنها تنتظره.
بهذا الثوب القطني الذي لم يكن به ما يدعو للإثارة.
و لكن مجرد أنها ترتديه.
جسدها الممتلئ بتناسق يجعله يبدو عليها ككارثة بحاجة للتعامل الفوري معها.
يبتسم "نبيل" و هو يقترب خطوة أخرى منها.
يدرك جيدًا تأثيره عليها.
تلاحظه "مايا" الآن.
فترتجف من الخوف.
عينيها تبتعد عن عينيه.
و كأنها تريد أن تنفي نفسها من المكان.
لكن جسدها يبقى ثابتًا في مكانه.
رغم ترددها الشديد.
يقترب "نبيل" منها أكثر.
حتى دفعها للتراجع و الاصطدام بالجدار البارد من خلفها.
حاصرها هناك بين ذراعيه.
لا يترك لها مجالًا للتنفس.
يرى الخوف في عينيها.
و يرغب في السيطرة على تلك الهالة التي تملأ الفراغ بينهما.
يفكر للحظة.
ثم يتكلم بصوتٍ منخفض.
حاول أن يكون لطيفًا لكن بنبرةٍ قاسية في نفس الوقت:
- مش كبرنا على لعبة الاستغماية. حتى لو ينفع نلعبها. انتي طلعتي فاشلة أوي فيها. ايه يا مايا. لسا خايفة مني؟ مش هأذيكي. و لو انك لو كنتي خايفة مني صحيح ماكنتيش بقيتي واقفة هنا.
تشعر "مايا" بشيءٍ ثقيل يثقل صدرها.
تحاول أن تنأى بنفسها عنه.
لكن عينيه تلاحقها مثل الثقل الذي لا يمكنها دفعه.
هي تحاول أن تظهر ثباتها.
و ولكن كلمات نبيل تُشعل مشاعرها المختلطة.
- انت... انت مش فاهم. انا مش قادرة اكون معاك!
تتحدث "مايا" بصوتٍ مرتعش.
تحاول الابتعاد عبثًا.
يبتسم "نبيل" ابتسامة مائلة.
يعلم تمامًا ما يدور في ذهنها.
هو يرى صراعها.
و هذا الصراع هو ما يجذب انتباهه أكثر.
هو ليس بحاجة لأن يراها خائفة أو مترددة.
بل يريد أن يراها ضعيفة أمامه.
يريد أن يستولي على كل شيء فيها.
حتى مشاعرها المعقّدة.
- انتي فاكرة اني مش شايفك؟
تمتم بهدوء مقتربًا منها أكثر.
و تابع:
- شايفك كويس يا مايا. مش الخوف هو اللي هايسيطر عليكي. انتي اللي هاتسمحي لنفسك. انتي اللي هاترمي كل حاجة وراكي و تلتفتي ليا انا.
أصابها اضطرابٍ شديد.
بينما تلاحظ كيف يقترب منها أكثر.
حتى أصبحت المسافة بينهما ضئيلة جدًا.
"نبيل" يلمس جانب وجهها برقةٍ.
رغم إنها لا تظهر أيّ علامة تدل على الاستجابة.
إلا إنه يتقرب منها حتى يصبح جسده قريبًا جدًا من جسدها و تشعر بحرارته.
كما تشعر بالتوتر يزداد في الجو.
يردد "نبيل" بصوتٍ ناعم.
مع لمسة خفيفة من أنمله على خدّها:
- مايا. خليكي شجاعة. مش لازم تقاومي طول الوقت. مش هاتقدري تفضلي كده.
تشعر "مايا" بدنو انهيارها في هذا الموقف.
و رغم خوفها.
هي لا تستطيع منع نفسها من الانجذاب إليه أكثر.
نظرته تذيب مقاومتها شيئًا فشيئًا.
لكن هل ستستطيع أن تظل متماسكة أمامه؟
هل ستخضع أخيرًا لهذا التحدّي الذي يطرحه عليها؟
تختلج أنفاسها الآن.
بينما يداعب شعرها بحركةٍ رقيقة لكنها حاسمة.
و تبدأ "مايا" تدريجيًا في الاستسلام لتلك اللحظة التي طالما حاولت الهروب منها.
"نبيل" يراقب تعابير وجهها.
يشعر بأنه على وشك كسر حاجز آخر بينها و بين نفسها.
يهمس "نبيل" في أذنها:
- انا مش هاسيبك تهربيي مني اكتر من كده يا مايا. انتي من اللحظة دي ملكي انا.
تنهدت "مايا" بصوتٍ خافتٍ.
ثم في لحظة.
تغلق عينيها و تترك نفسها تمامًا له.
هي لا تعرف إذا كانت ستندم أم لا.
لكنها تعلم أن ما سيحدث الآن سيكون خارج قدرتها على التحكم.
غرفة المكتب هادئة بشكلٍ يعكس الراحة التي يسعى إليها كلٌ منهما.
الأضواء الخافتة لا تزال تملأ المكان.
بينما تتساقط خيوط من الضوء العسلي البرّاق على الأريكة الفاخرة التي تمددا فوقها "عثمان" و "سمر" معًا.
بعثت احساسًا بالراحة لأول مرة يكتشف "عثمان" مدى فعاليتها.
كان يفرش لها صدره لتتوّسده.
و هي تحاوط خصره بذراعيها بشدة.
الأجواء توحي بالسكينة.
كل شيء حولهما أصبح ضبابيًا باستثناءهما.
بعد أن مرّا بلحظاتٍ عميقة كانت أكثر من مجرد لحظاتٍ جسدية.
كانت لحظاتٍ أعمق.
لحظات حديث قلبي لم تجرؤ الكلمات على التعبير عنها بشكلٍ كامل.
"عثمان" الذي كان غارقًا في أفكاره بعد تلك اللحظات الحميمية.
يبتسم بحنانٍ و هو يراقب "سمر" التي كانت تغلق عينيها للحظة و كأنها تود امتصاص الراحة التي غمرتها فجأة و بددت كل مشاعر التوتر التي كانت تختزنها طوال اليوم.
لكنه يعرف بأنها لا تزال تشعر بالكثير من التردد.
و ذلك التعبير الذي على وجهها يعكس صراعًا داخليًا بين حبها له و خوفها من أن تُعرض نفسها لمزيد من التوّرط العاطفي.
تفتح "سمر" عينيها ببطءٍ.
و ترمق "عثمان" بنظرة رهبة قصيرة.
ثم ما لبثت أن ظهرت ابتسامة هادئة على شفتيها.
لكنها لا تقول شيئًا.
في تلك اللحظة.
يبدو و كأن الكلمات تصبح فارغة و غير ذات معنى أمام مشاعرها المتدفقة.
هي فقط تنظر إليه.
و أحيانًا لا تحتاج للكلمات كي تعبّر عن كل ما تشعر به.
يبدو أنه أدرك ما تشعر به.
يبتسم بدوره.
قلبه ما زال ينبض بذلك الارتياح الداخلي بعد اللحظات التي مرّا بها.
لكنه يشعر بشيء أكبر الآن.
تواصل أعمق مع "سمر".
هو يعرف بأنها كانت متوترة.
لكنه شعر الآن و كأن جسرًا جديدًا قد بُني بينهما.
يتمتم "عثمان" بصوتٍ منخفض.
محاولًا أن يكسر الصمت:
- مافيش حاجة في الدنيا تقدر تبعدنا عن بعض يا سمر. حتى لو احنا نفسنا حاولنا.
تبتسم "سمر" مرةً أخرى.
لكنها لا تجيب فورًا.
تتأمل يده التي لا تزال تفرك ذراعها و مرفقها.
ثم ترفع عينيها إليه بحذرٍ.
تتنهد ببطءٍ و كأنها تحاول جمع أفكارها.
يدرك "عثمان" عمك مشاعرها.
يضع يده على يدها برفقٍ.
يلامس أصابعها بحنان.
و كل حركة منه تعبر عن مشاعر لطيفة تريد أن تُوصل إليها رسالة أعمق مما تحمله الكلمات.
ثم يقول:
- لسا مش مصدقة. بعد كل ده؟ و لا لسا خايفة يا سمر؟
بصوتٍ عميق.
مليء بالارتياح تجاوبه:
- مش عارفة لو كنت هاتفهمني و لا لأ. بس انا المرة دي حسيت اننا قربنا من بعض بطريقة مختلفة. بطريقة حقيقية!
ينظر "عثمان" إليها بحب.
ثم يضمّها إليه قليلًا.
يضع يده على خدها بحنانٍ.
يحرّك أصابعه برفقٍ على بشرتها كما لو كان يريد أن يطمئنها.
هو يعرف بأنها كانت دائمًا تبحث عن الأمان.
و معه تشعر كأنما قد وجدته أخيرًا.
يهمس لها بصوتٍ دافئ:
- وانا كمان. كل مرة معاكي بتكون مختلفة. و حقيقية. معاكي كل شيء بيكون اهون. مش مهم الدنيا او الحاجات التانية. المهم اننا مع بعض.
تشعر "سمر" بشيءٍ غريب يتسلل إلى قلبها.
شيئًا لم تشعر به من قبل.
لم يكن مجرد التلامس الجسدي هو ما أثر فيها.
بل تلك الكلمات التي جعلتها ترى أن هناك جانبًا آخر لـ"عثمان".
جانبًا عميقًا يجسد القوة و الضعف في نفس الوقت لا يظهره إلا معها.
تلامس يده على وجهها يعزز شعورها بالأمان أيضًا.
و تبتسم ابتسامة أكثر سكينة.
ثم ترفع يدها.
و تضعها على قلبه.
تشعر بدقات قلبه المتسارعة بعد تلك اللحظات التي مرّا بها.
و تخفق هي أيضًا بتسارعٍ.
لكن بأمل.
تنتقل نظراتها إلى عينيه.
و تكتشف في نظراته مشاعرها هي أيضًا.
تلك التي لطالما كتمتها في داخلها.
تخبره "سمر" بهمساتٍ رقيقة:
عثمان. انا مش عايزة اي حاجة تفرق بينّا. مش عايزة اي حاجة تخليني بعيد عنك.
يطرب قلبه بكلماتها.
و يشعر بأن كل مشاعر القلق و التوتر التي مرّ بها طوال اليوم قد زالت الآن كلها.
يلتقط يدها.
ويضعها على قلبه مجددًا.
ثم يهمس إليها برقةٍ.
ليؤكد لها أنها أهم ما في حياته:
- انا معاكي يا سمر. كل حاجة هاتكون تمام طالما انتي جنبي. احنا مع بعض. و ده كل حاجة بالنسبة لي.
بينما تحاول "سمر" أن تُبقي ترددها بعيدًا و هي تستمع إلى كلماته.
تبدأ في إرخاء عضلاتها ثانيةً.
يديها تتحركان نحو صدره.
كما لو أنها تبحث عن الأمان.
عن حضن يأخذها بعيدًا عن أيّ معضلة تمرّ بها في الحياة.
يشعر "عثمان" بتلك الحركة.
و يفهم فورًا ما تعنيه.
يضغط على يدها برقةٍ.
و يُشعرها بأمانه.
يراقب عينيها للحظة.
و يبتسم ابتسامةٍ لطيفة.
ثم ينحني ببطءٍ ليقبّل رأسها برقة.
تشعر بأنفاسه القريبة.
و يتجدد ادراك بأن الزمن قد توقف من جديد.
و أنه لا يوجد سواهما في هذا العالم.
ترفع رأسها قليلاً.
و تقابله بنظرةٍ تحمل مزيجًا من الحب و التقدير.
تغمره السعادة و هو يشاهد عينيها تُشرق.
يبدأ في تحريك يده على كتفها برفقٍ.
ثم يدير جسده ببطءٍ نحوها حتى تلتقي شفتاه بشفتيها في قبلةٍ هادئة و مليئة بالحب.
القبلة تتطور ببطءٍ.
مع كل لمسة يشعران بها تجاه الآخر.
و كأن الوقت يتسارع حولهما.
تترك "سمر" نفسها لتغمرها تلك اللحظة مجددًا.
يديها تتحركان على جسده.
تتحسس قوامه المتماسك.
بينما يديه تتحركان أيضًا على ظهرها.
يلامسها بخفةٍ كما لو كانت قطعة من الزجاج الهشّ.
لكنه أيضًا يضغط بلطفٍ في نفس الوقت ليشعرها بوجوده و قوته.
القبلة تصبح أعمق.
و حركاتهما أكثر تناغمًا.
بينما يفصل بين شفتيهما لفترةٍ قصيرة.
ليقول بصوتٍ منخفض و عاطفي:
- سمر. نسيت اقولك. كل سنة و انتي احلى حاجة حصلت في حياتي. انهاردة عيد جوازنا!
تلتمع عينيّ "سمر" بينما تلتقي بعينيه.
راودها تساؤلٍ.
هل هي ذكرى ازواج العرفي أم الرسمي يا ترى!
لكنه لم يتيح لها فرصة لطرح السؤال بلسانها.
إذ قال الكلمة التي اسكتت بداخلها كل صوتٍ:
- بحبك.
شعورٌ غريب يتسلّل إلى قلبها الآن.
هي تعرف بأنه كان دائمًا هناك من أجلها.
لكن في تلك اللحظة.
تشعر بأنها تذوب بين يديه.
و تجد نفسها مستسلمة لتلك الرغبة التي كانت تقاومها من قبل.
تميل برأسها إليه مرةً أخرى بمحض ارادتها.
و تعيد قبلة أخرى بينهما.
هذه المرة أكثر شغفًا.
حيث تشعر بوجوده في كل خلية من جسدها.
يداه الآن تلامسان بشرتها بدفءٍ.
تنزلقان بحركةٍ بطيئة على جسدها.
كل لمسة تشعرها بالارتياح.
و كل همسة تعزز في قلبها ما كان في البداية مجرد مشاعر متأججة من رغبة و حب مختلط.
تغلق "سمر" عينيها للحظةٍ و تتنهد.
و كأنها أخيرًا في المكان الصحيح.
بل هي في المكان الصحيح.
مع الشخص الذي يملك قلبها بشكلٍ كامل.
يديها التي لطالما كانت تحاول أن تبقي مسافة بينهما.
تبدأ الآن في الاقتراب أكثر.
حتى تلامس قلبه وتغرق فيه.
يرفع "عثمان" يده ليقوم بتحريك خصلات شعرها التي تساقطت على وجهها.
و تبتسم "سمر" له.
بعد ذلك.
يتلاشى كل شيء آخر.
كل القلق و التوتر.
و يبدأ العالم في التراجع.
ليتركا كل شيء وراءهما و يكونا لبعضهما فقط!
رواية كرسي لا يتسع لسلطانك الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم مريم غريب
تتسلّل خيوط الشمس عبر الأشجار العتيقة وتغمر الحديقة بأشعتها الذهبية الناعمة. الأجواء هادئة مُعبّقة برائحة الزهور والعشب الطازج، حيث يجلس كلٌ من عثمان البحيري وزوجته سمر حفظي إلى طاولة خشبية في زاوية الحديقة، وكأنهما يُعيدان اكتشاف كل لحظة معًا.
وسط صمتٍ يملؤه الفهم المشترك والمحبة العميقة، ينظر عثمان إلى سمر بابتسامةٍ خفيفة، بينما هي تجلس قبالته مستمتعة بوجبة الإفطار التي أعدّها الخدم بتنسيق ذوقي رفيع.
يمد عثمان يده عبر الطاولة ملامسًا جانب وجهها وهو يقول بصوتٍ هادئ:
- أنا حاسس إننا رجعنا بالزمن، كأننا بنبدأ من أول وجديد يا سمر. حتى البيبي الجديد بيفكرني بذكريات، رغم قساوتها علينا إحنا الاتنين، لكن مشتاق لها جدًا.
تبتسم له سمر، لكن عينيها تلمعان بمشاعر مختلطة. فكرة أن تكون أمًا للمرة الثالثة تحملها بداخلها، هي التي لا تتذكر المرتين السابقتين بالتفصيل، وفي الوقت نفسه تشعر بالكثير من التفاؤل لما يحمله المستقبل.
تخطف يد عثمان لتطبع قبلة رقيقة في باطن كفه متمتمة:
- فاكر لما كنت بتقول وتحكي لي إن الحياة مع ولادنا يحيى وفريدة كانت مليانة تحديات؟ المرة دي أنا حاسة إن ده أكبر تحدي لينا.
عثمان مبتسمًا:
- صدقيني كل مرة بيكون لها طعمها الخاص، هاتيفتكري كل حاجة. المهم دلوقتي، اللحظة اللي بنعيشها مع بعض هي الأهم.
يملؤها شعورٌ قوي بالحب تجاهه، فتنتقل في كرسي بجواره، تضع رأسها على كتفه لفترةٍ قصيرة قبل أن تتنهد براحة. يبدو عليها الارتياح مؤخرًا بعد أن ضمنت معه الأمان الذي لطالما نشدته. كيف لها أن تنسى رجلًا مثله؟ كيف لعقلها أن يقترف مثل هذا؟
***
خرجا بعد أن فرغا من تناول الفطور مباشرةً. تنطلق سيارة عثمان الفارهة في الطريق المجاور للبحر الفيروزي الثائر، وزوجته في الكرسي المجانب له، والأجواء الرومانسية ما زالت تحيط بهما.
وبينما عثمان يقود بسلاسة، تصدح موسيقى هادئة عبر جنابات السيارة. إلا أن سمر شاردة في أفكارها ولا تستمع، كما لو أن ذهنها يسبح بين ذكريات الأمومة المفقودة والقلق على الجنين الذي ينمو في أحشائها. لكن برغم كل شيء، نظراتها لا تترك يد عثمان التي تمسك بالمقود بسيطرةٍ محكمة.
- كنت خايفة لما اكتشفت الحمل! قالتها سمر بغتةً بصوتٍ خافت. وأكملت:
- خصوصًا وإني لسه حاسة نفسي جوه دوامة ومش قادرة أفتكر تفاصيل حياتي اللي فاتت معاك ومع ولادنا. بس ده تالت طفل يا عثمان، يعني مسؤولية أكبر. انت شايف إن أنا قادرة؟
يرد عثمان بنبرةٍ مطمئنة بينما تركّز عيناه على الطريق:
- انتي مش لوحدك في ده يا سمر، إحنا مع بعض، وكل حاجة هتمشي زي ما ربنا كاتب لنا. أهم شيء تكوني هادية، وده عشان مصلحة البيبي اللي في بطنك لازم تحافظي عليه.
تلتفت إليه بنظرةٍ حانية، ثم تبتسم، وهي تشعر بالطمأنينة في قلبها بعد كلماته وتقول:
- وانت كمان، يعني مش بس البيبي، انت لازم تكون معايا خطوة بخطوة وتاخد بالك مني.
يبتسم لها وهو يرمقها بنظرة جانبية مفعمة بالحب، فكانت إجابة أبلغ من الكلمات. ضغط أحد مفاتيح السيارة لتسير أسرع قليلاً، وهو يشعر بمزيجٍ من السعادة والراحة في وجود سمر بجانبه. هذا الطفل الجديد سيكون بداية أخرى لفصلٍ جديد وسعيد في حياتهما، إنه بمثابة الأمل.
يصلا في غضون دقائق إلى عيادة الطبيبة النسائية. يرافق عثمان زوجته إلى غرفة الفحص. الطبيبة امرأة في منتصف الأربعينات، تستقبلهما بإبتسامة هادئة ودافئة. بدت مخضرمة وناجحة في مجالها وأنها معتادة على التعامل يوميًا مع مثل هذه الحالات، لكنها مع ذلك تُظهر اهتمامًا خاصًا بسمر. فسّرته الأخيرة لأسباب متعلّقة بزوجها، فهو حتمًا من يبالغ في تقديرها أينما حلّت ولا يقبل إلا أن تُعامل بأفضل طريقة ممكنة.
تمضي الطبيبة قائلة بتوجيه ابتسامةٍ مطمئِنة نحو الزوجين:
- أهلًا وسهلًا بيكوا، ازيك انهاردة يا مدام سمر؟ قوليلي في أي حاجة جديدة حاسة بيها؟
تتنهد سمر بشيءٍ من التوتر وتجيب بصوتٍ مليء بالحذر:
- أنا الحمد لله تمام، مافيش حاجة جديدة بحس بيها. من حوالي شهر وشوية بس بدأت أعراض زي الغثيان والإرهاق والحاجات المعروفة دي. أنا بس جاية وكنت عايزة أطمن على البيبي عشان حاسة إني اتأخرت!
- اطمني خالص، انتي تابعتي معايا في المرتين اللي قبل كده وكنتي زي الفل، وهاتبقي زي الفل المرة دي كمان ماتقلقيش.
- أيوه، بس حاسة المرة دي مختلفة شوية. يعني ده الحمل التالت، مش سهلة صح؟
هزّت الطبيبة رأسها:
- لا خالص، ده أسهل فوق ما تتخيلي. اتفضلي بس أكشف عليكي الأول.
وأشارت لها نحو سرير الكشف. قامت سمر وعيناها لا تفارقان عثمان.
بعد خمس دقائق، سمر تستلقي فوق سرير الفحص النسائي، عيناها تلمع قليلاً من القلق والتوتر لشعورها بأنها تخوض كل هذا لأول مرة. عثمان يجلس في كرسي صغير بجانبها، يمسك بيدها برفق، يحاول أن يبعث فيها الطمأنينة. الطبيبة تجلس في الجهة الأخرى قبالتها، وتبدأ فحصها بشكلٍ دقيق. ارتبكت سمر عدة مرات، فشد عثمان على يدها قليلاً، نظرته لا تفارقها، يراقب كل حركة وكل تعبير على وجهها، ملاحظًا القلق الذي يعتريها.
تهتف الطبيبة بإبتسامة مريحة وهي تواصل عملها، تطمئن سمر:
- ما تقلقيش يا مدام، ده فحص روتيني، كله تمام لحد دلوقتي.
تبتسم سمر قليلاً، ولكن قلبها ما زال يملؤه القلق. عثمان يضغط على يدها بحنان، وكأنما يرسل لها رسالة غير لفظية بأنه سيكون دائمًا هنا بجانبها، مهما حدث.
همس لها بذات الحنان وهو ينظر في عينيها بحب:
- أنا هنا، ماتخافيش، كل حاجة هاتكون تمام.
تطمئن سمر قليلاً لهدهدته. الطبيبة لا تزال ماضية بفحصها، بينما يتابع عثمان كل شيء بنظراته، لا يفارق يدها ولا يبتعد عنها. تسمع سمر صوت الأجهزة الطبية الدقيقة وهي تُستخدم في الفحص، لكن الأجواء لا تزال مريحة وصافية.
تتحدث الطبيبة أثناء الفحص مُبددة مشاعر قلق الحالة التي تتابعها:
- الحمل لسه في بدايته، كل حاجة عادية تمامًا، مافيش أي علامات مقلقة لحد دلوقتي، الجنين في وضع جيد جدًا.
يبتسم عثمان لزوجته، يشعر بالراحة بعد سماع تلك الكلمات التي طمأنته. سمر تشعر بالراحة تدريجيًا، ولكن لا تزال نظراتها تتبع كل حركة للطبيبة.
تنظر الطبيبة إلى عثمان وهي تقول بابتسامة مقدّمة بعض النصائح له:
- المرأة في بداية حملها بتحتاج لدعم معنوي قوي، وجسدي في نفس الوقت، خلّي بالك منها كويس يا عثمان بيه وحاول ماتجهدهاش، يعني زي ما انت فاهم وشرحت لك في المرتين اللي فاتوا، قلل شوية من مرات العلاقة في الأول بس وبعدين كل حاجة هاترجع طبيعية.
يبتسم عثمان بتفهمٍ ويومئ برأسه، عينيه مليئتين بالجدية. هو يعرف أهمية هذا الوقت بالنسبة لسمر ويشعر بمسؤولية كبيرة تجاهها وتجاه الجنين الذي ينمو بداخلها.
- اوكي يا دكتور، هاخلّي بالي.
ونظر إلى سمر مكملًا بصوتٍ خافت:
- كان لازم أسمع منها الكلمتين دول وإلا ماكنتش هاقتنع بسهولة زي كل مرة، كويس إني أصرّيت أجي معاكي!
تبتسم سمر بشكلٍ خجول وتشعر براحةٍ كبيرة في قلبها، خاصةً مع دعم عثمان المتواصل لها. وأخيرًا الطبيبة تنتهي من الفحص. تتنهد منتزعة القفازات المطاطية وتلقيها بسلة المهملات المجاورة وهي تتحدث إلى الزوجين:
- كل شيء تمام، ومافيش أي داعي للقلق، بس لازم تتابعوا معايا طبعًا وفي المواعيد زي ما اتفقنا. تلتزموا بالنصائح الصحية، مدام سمر الراحة التامة طول الفترة الجاية وابعدي عن أي مجهود كبير. أنا هانتظرك على مكتبي هكون كتبت لك على شوية فايتامينز وخطوات تمشي عليها لحد ما أشوفك المرة الجاية إن شاء الله.
يشكر عثمان الطبيبة قبل قيامها، ثم يلتفت إلى سمر. يعيد ترتيب ثيابها ويسوّيها بإتقانٍ كما كانت، ثم يساعدها على الوقوف بحذر. يظل ممسكًا بيديها بإحكام، وكأنه يحاول أن يمنحها الأمان الكامل.
تراقب سمر وجهه بابتسامةٍ خفيفة، ثم تقول بصوتٍ منخفض، تعبيرًا عن امتنانها لهذا الدعم المستمر منه:
- أنا محظوظة إنك معايا!
يُرافقها عثمان عائدًا بها إلى الطبيبة، دون أن تغادر ثغره تلك الابتسامة الخفيفة.
***
أجواء القصر لا تزال مستقرّة، ولكن التوتر يتطاير في شراراتٍ غير مرئية ويعمّ المكان. تجلس فريال هانم في البهو الفخم على أريكتها المفضلة، يديها معقودتين في هدوءٍ ظاهر، ولكن عيناها تترقب بقلق. هواء القصر البارد يسلل من النوافذ المفتوحة قليلاً، مع دخول خيوط الشمس الضعيفة التي لا تعكس إلا جزءًا من الحقيقة التي تخفيها فريال داخل قلبها. ربما اليوم ترتاح قليلاً، أو تزيد الأمر سوءًا!
تسمع صوت سيارة تقترب من المنزل، فتعلم بأنه قد وصل. جاء صالح البحيري ملبيًا دعوتها، ابن شقيق زوجها، مغتصبها. بعد فترةٍ طويلة من التوتر بينه وبين زوجته صفيّة، تعرف فريال تمامًا ما يمر به، لكنها لا تستطيع أن تخفي ما في قلبها من ألمٍ وحيرة. فهي لا زالت غير واثقة من أن ما قررته صائبٌ أم لا. عرفت أمرًا واحدًا فقط: إذا كانت صفيّة قد صممت على الطلاق، فإن أقل ما يستحقه صالح هو أن يعرف السبب. لا بد أن يعرف.
يدخل صالح في هذه اللحظة، يسير نحوها بهدوءٍ وهو يلاحظ شيئًا مختلفًا في الجو العام حوله، بينما هي تراقب كل حركة منه. تراه يحاول أن يخفي ما في قلبه من قلقٍ وتعب. حيّاها صالح بصوتٍ هادئ، لكن عينيه تنم عن توتر:
- صباح الخير يا فريال هانم، آسف على التأخير. كنت مستني مكالمة شغل مهمة وكل حاجتي في أوضة الأوتيل زي ما انتي عارفة.
تطلق فريال تنهيدة وهي تراقب وجهه بتركيز، ثم تقول:
- صباح النور يا صالح. مافيش مشكلة، أنا فاضية وكنت قاعدة مستنياك. اقعد يا حبيبي واقف ليه!
يعبس صالح قليلاً وهو يتراجع بضع خطواتٍ ليجلس أمامها، لكنه ما لبث أن ابتسم، إنما بتوترٍ واضح. يحاول إخفاء تأثير الضغوط النفسية التي يمر بها بسبب الخلافات المستمرة مع صفيّة، وخاصة أمر الطلاق الذي تصر عليه.
تشعر فريال بموجةٍ من التعاطف معه، لكنها في نفس الوقت تعرف أن هذه اللحظة ليست للتعاطف فقط. هناك شيء أكبر يجب أن يُقال.
- شكلك عايز تقول حاجة يا صالح! قالتها فريال تحثّه على البدء أولًا.
يرد صالح بصوتٍ متهدج قليلاً، محاولًا كبح مشاعره:
- الحقيقة... مش عارف أبدا منين. بس حضرتك أكيد عارفة، العلاقة بيني وبين صافي بقت متوترة جدًا، وهي مش بتجاوب على أسئلتي، ولا بتشرح لي سبب الخلافات اللي بينّنا. وكل ما بحاول أفهم بتتجنب الكلام عن الموضوع وترمي اللوم على أسباب مش مقنعة.
تستمع له فريال بهدوء، ولكن قلبها مليئًا بالحزن. صالح شخصٌ رائع وأب مثالي، لا يستحق النهاية التي آل إليها زواجه من حب حياته. إلا أنها لا يمكنها أن تتركه يتخبط في الظلام ويظل مقهورًا لآخر عمره. عليها أن تغلق له صفحة الحاضر حتى لو عنى ذلك الألم والتوتر الذي لا مفر فيه لسنوات، قبل أن تفتح له صفحة جديدة ليتسنّى له المضي بحياته ومستقبله.
تقول فريال بصوتٍ حنون، لكنه يحمل شيئًا من التردد:
- صالح، صحيح صافي مش بتتكلم، ده ساعات لأن الحكاية بتكون أكبر من مجرد السكوت نفسه، أو حتى الرفض. في مشاعر قوية جواها مش قادرة تعبر عنها، حاجات انت مش قادر تفهمها دلوقتي.
ينظر إليها صالح باهتمامٍ وتركيزٍ بالغين. يدرك بأن فريال تعرف أكثر مما تقول، ثم يشعر بشيءٍ من اليأس يكتسح قلبه، كأن كل الجدران التي بناها حول نفسه قبل أن يأتي إلى هنا تنهار ببطء. يتخلى عن تحفظه أمامها ويقول بصوتٍ حزين بينما عينيه تغرق في الأسئلة:
- إزاي؟ يعني إيه الحاجات دي طيب؟ صارحيني أرجوكي يا فريال هانم، إيه السبب اللي مخليها مش قادرة حتى تبص لي؟!
تأخذ فريال نفسًا عميقًا، ثم تنظر إليه بنظرةٍ مليئة بالأسف، وكأن الكلمات التي ستنطق بها ستفجر كل شيء. لكنها مجبرة، السر لن يبقى سرًا بعد اليوم. ببطء، تتكلم فريال وكل كلمةٍ تخرج منها كأنها تقتطع جزءًا من قلبها:
- صالح... في سر لازم تعرفه. أنا لما اكتشفته من فترة ماكنتش حابة أي حد يعرفه، ولا حتى صافي. لكن مقدرتش، وطالما صافي عرفته ومصممة تنهي حياتها معاك بسببه، يبقى انت كمان لازم تعرفه. رفعت... أبوك... في وقت من الأوقات، لما كان يحيى عايش، كان بيستغل غيابه عن البيت أحيانًا... كان... كان بيخدّرني... كان بيخدرني في بيتي... في أوضتي... وكان بيغتصبني...
الصدمة الشديدة تبدو واضحة على صالح الآن. عينيه تتسعان، وشفتاه ترتجفان وهو يحاول استيعاب ما سمعه للتو. لكنه لا يستطيع تصديق ما قالته فريال، وكأن الأرض قد ابتلعت قدميه. إذا حاول أن يقف فلن يقدر. لم يتوقع أبدًا أن يسمع هذه الكلمات ولا حتى مزحًا!
يردد صالح بهمسٍ مرتجف، يحاول استيعاب الكلمات التي نطقت بها:
- إيه؟ رفعت؟ أبويا؟! إزاي؟ إزاي ده حصل؟!
تغلق فريال عينيها للحظة، وكأنها لا تستطيع أن تذكر تفاصيل تلك الذكريات المؤلمة. تتنهد ثم تفتح عينيها لتلتقي بنظراته.
تكمل حديثها بدموعٍ تغلب على صوتها وهي تحاول الحفاظ على رباطة جأشها:
- في وقت، كان بيغيب يحيى لفترات طويلة عن البيت، ورفعت كان بيجي يزورني. كان بيخدّرني، وكان بيغتصبني في غياب أخوه. وكل ما كان يحصل، كنت أحس بحاجات غريبة لما أفوق، بس ماكنتش بحط في بالي، لحد ما اتأكدت. لما ظهرت شمس ومامتها، ولما روحت للخدامة اللي كانت بتشتغل عندنا وقتها، وكانت بتساعده في عملته معايا، كل حاجة كنت فاكراها أحلام، كوابيس، طلعت حقيقة. والخدامة أكدتها عليا، كلها.
يظل صالح ساكتًا للحظات، وعيناه مليئتان بالدموع. لا يستطيع أن يصدق ما سمعه، وكأن الهواء قد سحب من حوله. لم يكن يتخيل أبدًا بأن والده كان يفعل ذلك، لم يتخيل ولا في أسوأ افتراضاته بأن يكون هذا هو سبب طلب زوجته الانفصال عنه.
لا يستطيع السيطرة على عواطفه، وفمه يبقى مغلقًا لدقيقة في صدمة قاتلة.
- مستحيل! يردد صالح بصوتٍ ضعيف والدموع تغطي عينيه:
- أبويا... كان بيعمل كده؟... أنا مش قادر أصدق... إزاي؟... ليه؟... ليـه!!؟؟؟
تشعر فريال بشدة ألم صالح، وتحاول أن تهدئه قدر الإمكان، رغم إنها تعرف بأن الحقيقة ستكون أكبر من أن يستوعبها الآن أو حتى في المدى المنظور. لكنها أيضًا تعرف بأن هذه اللحظة كانت ضرورية له، كي يدرك سبب الأزمة العميقة التي تحدث الآن بينه وبين صفيّة.
تخاطبه فريال بتماسكٍ واهٍ وهي تدرك عمق الصدمة التي يعيشها وتبعاتها:
- أنا آسفة... مش سهل عليا أقولك كده، وكنت خايفة عليك من الصدمة. انت ابني يا صالح، أنا اللي ربّيتك انت وهالة، وها تفضلوا ولادي زي عثمان وصفيّة. انتوا بعيد عن ذنوب أبوكوا، بس صافي مش هاتفهم ده وأنا مش هقدر ألومها. في الأول اترددت كتير، كنت خايفة إزاي هاتقدر تتحمل الحقيقة دي، بس دلوقتي، صافي مش قادرة تتحملها، عشان كده انت كان لازم تعرف.
يغرق صالح في صمته، وعيناه تملؤهما الدموع. لا يستطيع أن يتحرك أو أن يقول أي شيء. كل شيء تغيّر في لحظة، علاقته بوالده الراحل، علاقته بفريال، وعلاقته بكل شيء حوله.
يظل جالسًا، يحدق في فريال وكأن الوقت قد توقف. بالكاد تمكن من القول بصوتٍ هامس:
- مافيش حاجة تقدر تعوض اللي حصل... مافيش كلام ممكن أقوله... ومافيش طريقة أقدر أتعامل بيها مع صفيّة بعد كده!!
تشعر فريال بمرارة الكلمات التي يرددها صالح، وكل كلمة منها تزداد في وزنها الثقيل. كانت تعرف بأن الحياة لن تعود كما كانت من قبل، لكن على الأقل، كان عليه أن يعرف الحقيقة، والآن، انتهت مهمتها في أن تنقذه من سرٍ كان سيظل يخنق حياته بالكامل لو لم يُكشف في هذه اللحظة.
***
الضوء الخفيف يدخل من بين الستائر المواربة، ينير الغرفة بنعومةٍ تامة. مايا تستيقظ ببطء، لا تزال متعبة قليلاً من السهر، وجسدها يشعر بثقل اللحظات التي مرّت بها. تحاول أن تفتح عينيها بالكامل، وتلتفت حولها بحذر. الغرفة تبدو هادئة، لكن شيئًا ما في داخلها يعكر صفو هذا الهدوء.
تنظر إلى السرير بجانبها، فتكتشف بأن نبيل غير موجود. لا صوت له، ولا أثر له في الغرفة. حتمًا أنه قد استيقظ قبلها وذهب إلى عمله، كما يبدو.
هذا الصمت الذي يملأ الغرفة يُعيد إليها ذكريات الليلة الماضية، ويفتح أمامها أبوابًا لمشاعر متناقضة. ترفع مايا يدها إلى جبهتها، تحاول استرجاع التفاصيل، لكنها سرعان ما تشعر بشيء ثقيل في قلبها.
تهكس لنفسها بصوتٍ هشّ:
- مرة تانية... ليه استسلمت كده؟ ليه؟
تنزل قدميها من على السرير ساحبة الملاءة حول جسدها. تمكث في مكانها بهدوء، ولكن قلبها غير هادئ بالمرة. كل شيء في داخلها يصرخ بحيرة وضياع. كيف كانت في تلك اللحظات؟ كيف رضخت؟ وسمحت له بأن يمارس سلطته عليها؟
تتذكر مايا الليلة الماضية بكل تفاصيلها، وتحاول أن تستعيد ما جرى بوضوح. كانت هناك لحظاتٍ، كثيرة شعرت فيها بأن نبيل ليس فقط يسيطر عليها جسديًا، بل عاطفيًا أيضًا. كلّما حاولت أن تبتعد أو تتوقف، كان يعود ليُشدد قبضته عليها أكثر. ثم و كأن هناك قوى أخرى غير قوته تجذبها إليه، تجبرها على الاستمرار.
في البداية حاولت أن تقاوم، حاولت أن تبقى بعيدة عاطفيًا، لكن مع مرور الوقت، بدأت تلاحظ بأن طريقة نبيل في التعامل معها لم تكن مجرد رغبة عابرة. كان يتعامل معها وكأنها قطعة ملكية، شيء يحق له التحكم فيه في كل لحظة. كانت أفعاله لطيفة في ظاهرها، ولكن خلف كل لمسة كان هناك إشعار بالسلطة. لم تكن مجرد لحظات حميمية، كانت لحظات ترويض وتحكم. كانت تابعة إليه فيها دون أن تدرك بأنها قد تكون قد بدأت تتقبل هذا الوضع، رغم إنها لم تكن مقتنعة به تمامًا.
تتنهد مايا بعصبية وهي تهب واقفة عن الفراش. تذهب إلى النافذة وتفتح الستائر أكثر. تراقب ضوء الشمس الذي يتسلل عبر الزجاج، كأنها تحاول أن تجد شيئًا يهدئ من اضطرابها. يراودها شعورٌ غريب، وغير مريح. لكنها دائمًا ما كانت تخفيه عن نفسها. الآن، وبعد أن صار كل شيء حقيقيًا، أصبحت تدرك أنه مهما كانت التفاصيل الصغيرة التي لم تُعطها أهمية، فقد صارت جزءًا من الحقيقة التي تعيشها الآن.
تحدثت إلى نفسها بهمساتٍ متلعثمة:
- مش هقدر... بعد كده مش هايصدقني... مش هايصدق إني مش عايزاه... هو قدر عليا... قدر عليا!!
ينتابها هلعٌ مفاجئ، تستدير فجأةً فصارت مواجهة للمرآة. وقفت تنظر إلى نفسها، عينيها تحملان مزيجًا من الخوف والارتباك. تمعن النظر إلى ملامحها كما لو كانت تفتش عن شيء جديد في نفسها لم تكن قد رأته من قبل. هل هي تلك الفتاة التي كانت تطمح في حياة هادئة؟ أم هي الشابة التي قد ضحت بالكثير من نفسها في سبيل شخص آخر وتخلى عنها؟ أم هي المرأة الناضجة التي سلكت طريق التمرد والخداع لتحمي نفسها ولكنها فشلت؟
شريط الأحداث يمر أمام عينيها. لحظات سيطرته عليها، نبيل الذي تزوجها لأسباب لا علاقة لها بالحب. كان يشد قبضته عليها في اللحظات التي كان من المفترض أن تكون لحظات الراحة والأمان لها. كان يتحكم بكل شيء، يتحكم في تنفسها، في نظرتها، في مشاعرها، حتى في اللحظات التي كانت تشعر فيها بالضعف، كانت تراه وكأنها تتخلى عن نفسها من أجل رضاه. حقًا، أكانت تحرص على رضاه؟
ذكريات القبلات الثقيلة، وأيديه التي كانت تلتف حولها كالسلاسل، تجعل قلبها ينقبض. لم يكن هناك مجال للراحة في تلك اللحظات، كل شيء كان مشروطًا. في البداية، كان يبدو كأن هذا فقط جزء من العلاقة الطبيعية بين الزوجين.
عندما سحبها إلى السرير، لم يكن هناك مجال للرفض. حاولت أن تبتعد، لكنه كان يدير وجهها تجاهه، يطلب منها أن تنظر في عينيه. كان يطالبها بصمتٍ بقبول سلطته، ولم يكن هناك مجال للحديث أو التفسير. كلّما حاولت إظهار ترددها، كان نبيل يعود ليذكرها بلطفه القاسي، بلمساتٍ ناعمة تساوي بين القوة والإغراء.
الشيء الذي أثار ارتباك مايا هو أنه في كل مرة كان يقترب منها، كان قلبها ينبض بسرعة، وكان هناك شعور غريب بالخوف والحاجة إليه في نفس الوقت. في تلك اللحظات، بدأ هذا الشعور يطمس مشاعرها الأخرى. لم تكن تعرف إذا كان هذا هو فخ الحب أم مجرد خوف من التسلّط.
تطلق مايا مزيدًا من النهادات، تحاول التمسك بأفكارها قبل أن تلتفت إلى النافذة ثانيةً وتنظر إلى العالم الخارجي. كانت تريد أن تكون بعيدة عن هذه الحياة التي فرضها عليها نبيل، الحياة التي بدأت تشعر بأنها تضيق حولها.
لكن رغم كل شيء، كان هناك شيء آخر يغرس في قلبها كل يوم. رغبتها في الهروب منه، وخوفها من فقدانه في آن. كانت تفكر في الماضي، كيف دخلت هذه العلاقة رغم إنها لم تكن متأكدة تمامًا من عواقبها، وكيف أن زواجها لم يكن ناتجًا عن حب حقيقي، بل عن احترام ووفاء لوالدها. نبيل الذي كان يراها "زوجة" أكثر من كونها شريكة حياة، كان قد تزوجها ليس لأنه يحبها، بل لأنه كان مدينًا لوالدها بعد أن ساعده في فترة عصيبة من حياته المهنية. كان نبيل يعتقد بأن الزواج سيكون وسيلة لشكر الرجل الذي أنقذه، وكانت هذه هي الطريقة التي قرر بها أن يرد الجميل لوالدها، حتى لو كان ذلك على حساب مشاعر مايا.
- محدش حبّني، وهو ماحبنيش، ولا عمره هايحبني!
قالت مايا لنفسها بهمساتٍ متألمة. ترفع يدها إلى قلبها، تحاول أن تتماسك، لكن مشاعرها تمزقها من الداخل، وتدرك شيئًا لا يمكنها تجاهله. سواء أعجبها أم لا، فقد أصبحت مرتبطة أكثر من اللازم به، رغم إنها كانت تخشى أن تصبح مجرد جزء من سيطرته. في قلبها، هناك خوف، وفي ذهنها تتصارع الأسئلة عن المستقبل.
***
رائحة القهوة الطازجة تعبق في الأجواء. الضوء الخافت للثريات العملاقة المدلاة من السقف العالِ ينعكس على الأثاث الفاخر، والهدوء يملأ المكان باستثناء الأصوات البسيطة لخطوات الخدم المتنقلة في القصر.
دخلا عثمان وسمر لتوّهما بعد زيارة الطبيبة النسائية، وتشبّ سمر على أطراف أصابعها قليلاً لتودّع زوجها مؤقتًا بقبلة رقيقة على خده، ثم تذهب لتستريح في غرفتهما.
كان عثمان سيتوجه إلى مكتبه ليحضر بعض الأوراق الهامّة من هناك ثم ينطلق إلى شركته، لكنه يجد صالح جالسًا في الصالون، يبدو عليه الإرهاق والتعب. يحاول إخفاء توتره، لكنه لم ينجح. يلاحظ عثمان بأن هناك شيئًا غير طبيعي في ملامحه.
لا يضيع الوقت في مزيدٍ من التساؤلات ويتوجه صوبه:
- صالح، انت هنا من امتى؟ وليه قاعد لوحدك؟ ديالا مش هنا ولا إيه؟
يرفع صالح وجهه متطلعًا إلى ابن عمه، يجاوبه بصوتٍ خفيض:
- أنا نسيت إنها بتروح النادي في الوقت ده من اليوم، جيت مالاقتهاش للأسف!
عبس عثمان سائلًا إياه:
- إيه يا صالح فيك إيه؟ وشك مش مريح انهاردة... في حاجة؟
يحاول صالح أن يبتسم، ولكن الابتسامة ضعيفة جدًا، تكاد أن تكون مزيّفة. يحاول أن يضبط نفسه، ولكنّه لا يستطيع أن يخفي علامات التعب النفسي التي تكشفت مؤخرًا على وجهه.
يرد عليه بصوتٍ هادئ محاولًا إخفاء شعوره:
- مافيش حاجة... تعبان شوية بس... الشغل... ومشاكلي مع صافي.
يقف عثمان أمامه يتأمله، عينيه مليئتين بالشك. كان يعلم بأن صالح مرّ بحالة من الاضطراب النفسي بسبب توتر العلاقة بينه وبين صفيّة. رغم إنه يحاول أن يتظاهر بالهدوء، لكن تجاعيد الجبين تفضح ما في داخله. يبتسم ابتسامة ضيّقة، لكنه لا يستطيع إخفاء التوتر الذي يبدو واضحًا عليه. يشعر عثمان بأن هناك شيئًا غير عادي يحدث.
يقترب منه، يجلس في كرسي مجاور له ويسأله بجديّة:
- مش معقول... مش ده اللي في عيونك. في حاجة حصلت؟ في مشكلة؟ قول لي!
يضغط صالح على شفتاه، يحاول كبح المشاعر التي تتدفق في داخله، لكنه يزداد توترًا مع كل لحظة تمر، حتى ينفجر أخيرًا. يهتف بصوتٍ حزين، وهو ينظر في عينيّ ابن عمه:
- عثمان... أنا خلاص، وافقت على طلب صفيّة... هاطلقها!!
رَان الصمت للحظاتٍ، ورغم الدهشة التي ألمّت بعثمان، لكنه تمكن من السيطرة على انفعالاته. قال بتساؤلٍ حاد، يحاول أن يقرأ ملامح الأخير:
- بس انت كنت رافض الطلاق قبل كده، كنت دايمًا مصمم إنك تحافظ على العلاقة. إيه اللي حصل؟ ليه قررت تغير رأيك؟
يتنهد صالح بعمقٍ، ويضع يده على رأسه وكأنما يحاول أن يرتب أفكاره المبعثرة، لكنه يبدو تائهًا. يغمض عينيه للحظة ثم يرفع نظره نحو عثمان. يتردد لجزء من الثانية، ثم يقول بقرارٍ حاسمٍ:
- قررت أخيرًا إني هاطلقها. القرار صعب، بس خلاص... ده اللي هايحصل قريب.
يعبس عثمان وهو ينظر إليه في دهشةٍ، يرفض أن يصدق بأن صالح قد اتخذ هذا القرار من دون حتى محاولة إيجاد حل، من دون أن يقاتل من أجل شقيقته. فلو إنه واصل جهوده كان ليتدخل بنفسه ليساعده على إعادة الأمور إلى نصابها. ولكنّه استسلم بسهولة. كان يعرف بأن هناك مشكلة بينه وبين شقيقته منذ فترة، ولكنّه لم يتوقع أن يصل بهما الأمر إلى الطلاق النهائي، بعد كل هذا، بعد قصة حبهما الشهيرة.
عينيه تتسع، والحيرة تظهر على وجهه، ولكنّه لا يستطيع أن يخفي انزعاجه. يردد بخشونةٍ بينما وجهه يتجهم:
- يعني عايز تفهمني إن دي نهاية المطاف؟ كنت دايمًا بتقول إنك مش هاتطلقها مهما حصل. إزاي قررت كده فجأة؟
ينهض صالح من مكانه، يبتعد قليلاً نحو النافذة كما لو إنه يحاول أن يهرب من الإجابة. عثمان يعرفه جيدًا، ويشعر بأن هناك شيء آخر يخفيه عنه، شيء أكبر من مجرد خلافات بسيطة بين زوجين. صالح يتماسك للحظةٍ ثم يلتفت من جديد إلى عثمان.
يقول بصوتٍ أجش:
- القرار مش سهل، بس خلاص... صافي مش هاترجع لي، وهي مصرّة على موقفها. لا في كلام ولا تفاهم. لو كنت قادر على حل المشكلة كنت حاولت، بس هي قافلة الطرق كلها في وشي.
يشعر عثمان بشيءٍ من الغضب، وأيضًا بشيءٍ من التعاطف الخفي تجاه صالح. رغم إنه كان يدعم أخته صفيّة بشكلٍ دائم، إلا إنه لا يستطيع أن يتجاهل المعاناة التي يعانيها ابن عمه. ولكن في نفس الوقت، عثمان يشعر بأن هناك شيئًا غير مبرر في قرار صالح وأنه لا يعرف كل التفاصيل. يشعر بشكوك كبيرة، ولكنّه قرر أن يتريّث قليلاً.
قال عثمان بصوتٍ جاد، يميل إلى الهدوء:
- أنت متأكد من قرارك؟ أنا ماليش إني أقول رأيي في الموضوع لو كان الطلاق هو الحل الوحيد، بس أيًا كانت المشكلة، لو أنا عرفتها ممكن أقدر أحلها وأقنع صافي بنفسي!
يبتلع صالح ريقه بصعوبة، ويهز رأسه دون أن ينظر في عينيّ عثمان مباشرةً. هو يعلم بأن عثمان حتمًا قد شعر بخطأ ما في القصة كلها، ولكن ما عرفه أكبر من أن يتم الحديث عنه الآن. لا يمكنه أن يتكلم عنه بينه وبين نفسه في الأساس.
نظرته تصبح أكثر شحوبًا مع كل لحظة تمر، فيقول بتوترٍ ملحوظ:
- يا عثمان، ارجوك، ده مش وقت الكلام في التفاصيل دي. ده قراري، وأنا مش ندمان عليه.
يمتد الصمت بينهما للحظاتٍ طويلة. عينيّ عثمان مليئة بالتساؤلات، ولكنه يقرر ألا يضغط على صالح أكثر. يعرف جيدًا بأن بعض الأمور يصعب على الإنسان الحديث عنها، وأن هناك جروحًا أعمق ممّا يمكن للكلمات أن تعبر عنها. ولكنّه أيضًا لا يمكنه أن ينسى التغيير المفاجئ الذي طرأ على صالح ويشعر بأن ثمة شيء عميق وراء القرار الذي اتخذه.
يتنهد عثمان دون أن يحاول إخفاء خيبة أمله، ثم يقول:
- لو احتجت أي حاجة، أنا موجود. لكن لازم تبقى متأكد من قرارك قبل ما تنفذه، فاهمني؟
يبتسم صالح ابتسامة ضعيفة، ثم يومئ له ملتقطًا مفاتيحه من فوق الطاولة بسرعة، كأنه يريد مغادرة المكان ليبتعد عن أسئلة قد يطرحها ابن عمه مجددًا.
يعتذر قبل أن يتحرك إلى الباب قائلًا بصوتٍ هادئ لكنه حازم:
- شكرًا ليك يا عثمان، هاكلمك في أقرب وقت، سلام!
يخرج صالح من الصالون بسرعة، تاركًا عثمان في مكانه. عينيه ملؤها التساؤلات والشكوك التي لم تجد إجابة بعد.
يتنهد عثمان بحرارةٍ ثم يوجه نظره نحو التابلوه الكبير الذي احتل نصف مساحة الجدار أمامه. حدق في الصورة الجماعية التي ضمّت أفراد عائلته جميعًا. وطفق يفكر في الأوقات القادمة، وكيف ستتطور الأمور بين العائلة. لكن الشيء الوحيد الذي شغل باله أكثر، هو قراره بأن الوقت قد حان ليعرف بنفسه كل شيء حاولوا مداراته عنه!
رواية كرسي لا يتسع لسلطانك الفصل الأربعون 40 - بقلم مريم غريب
تتسلّل خيوط الشمس عبر الأشجار العتيقة.
تغمر الحديقة بأشعتها الذهبية الناعمة.
الأجواء هادئة، مُعبّقة برائحة الزهور والعشب الطازج.
يجلس كلٌّ من "عثمان البحيري" وزوجته "سمر حفظي" إلى طاولة خشبية في زاوية الحديقة، وكأنهما يُعيدان اكتشاف كل لحظة معًا.
وسط صمتٍ يملؤه الفهم المشترك والمحبة العميقة، ينظر "عثمان" إلى "سمر" بابتسامةٍ خفيفة.
تجلس هي قبالته، مستمتعة بوجبة الإفطار التي أعدّها الخدم بتنسيق ذوقي رفيع.
يمد "عثمان" يده عبر الطاولة ملامسًا جانب وجهها وهو يقول بصوتٍ هادئ:
- أنا حاسس إننا رجعنا بالزمن، كأننا بنبدأ من أول وجديد يا سمر.
حتى البيبي الجديد بيفكرني بذكريات، رغم قسوتها علينا احنا الاتنين، لكن مشتاق لها جدًا.
تبتسم له "سمر"، لكن عينيها تلمعان بمشاعر مختلطة.
فكرة أن تكون أمًا للمرة الثالثة تحملها بداخلها، هي التي لا تتذكر المرتين السابقتين بالتفصيل.
ولكن في الوقت نفسه تشعر بالكثير من التفاؤل لما يحمله المستقبل.
تخطف يد "عثمان" لتطبع قبلة رقيقة في باطن كفّه متمتمة:
- فاكر لما كنت بتقول وتحكي لي إن الحياة مع ولادنا يحيى وفريدة كانت مليانة تحدّيات؟ المرة دي أنا حاسة إن ده أكبر تحدّي لينا.
عثمان مبتسمًا:
- صدقيني كل مرة بيكون لها طعمها الخاص، هاتفتكري كل حاجة. المهم دلوقتي، اللحظة اللي بنعيشها مع بعض هي الأهم.
يملؤها شعورٌ قوي بالحب تجاهه.
فتنتقل في كرسي بجواره، تضع رأسها على كتفه لفترةٍ قصيرة، قبل أن تتنهد براحةٍ.
يبدو عليها الارتياح مؤخرًا، بعد أن ضمنت معه الأمان الذي لطالما نشدته.
كيف لها أن تنسى رجلٌ مثله؟
كيف لعقلها أن يقترف مثل هذا!
***
خرجا بعد أن فرغا من تناول الفطور مباشرةً.
تنطلق سيارة "عثمان" الفـارهة في الطريق المجاور للبحر الفيروزي الثائر.
زوجته في الكرسي المجانب له، والأجواء الرومانسية ما زالت تحيط بهما.
وبينما "عثمان" يقود بسلاسةٍ، تصدح موسيقى هادئة عبر جنابات السيارة.
إلا أن "سمر" شاردة في أفكارها ولا تستمع، كما لو أن ذهنها يسبح بين ذكريات الأمومة المفقودة والقلق على الجنين الذي ينمو في أحشائها.
لكن برغم كل شيء، نظراتها لا تترك يد "عثمان" التي تمسك بالمقود بسيطرةٍ محكمة.
- كنت خايفة لما اكتشفت الحمل! قالتها "سمر" بغتةً بصوتٍ خافت.
وأكملت:
- خصوصًا وإني لسه حاسة نفسي جوّا دوّامة ومش قادرة افتكر تفاصيل حياتي اللي فاتت معاك ومع ولادنا. بس ده تالت طفل يا عثمان، يعني مسؤولية أكبر. انت شايف إن أنا قادرة؟
يرد "عثمان" بنبرةٍ مطمئنة بينما تركّز عيناه على الطريق:
- انتي مش لوحدك في ده يا سمر، احنا مع بعض، وكل حاجة هتمشي زي ما ربنا كاتب لنا. اهم شيء تكوني هادية، وده عشان مصلحة البيبي اللي في بطنك لازم تحافظي عليه.
تلتفت إليه بنظرةٍ حانية، ثم تبتسم، وهي تشعر بالطمأنينة في قلبها بعد كلماته وتقول:
- وانت كمان، يعني مش بس البيبي، انت لازم تكون معايا خطوة بخطوة وتاخد بالك مني.
يبتسم لها وهو يرمقها بنظرة جانبية مفعمة بالحب.
فكانت إجابة أبلغ من الكلمات.
ضغط أحد مفاتيح السيارة لتسير أسرع قليلاً، وهو يشعر بمزيجٍ من السعادة والراحة في وجود "سمر" بجانبه.
هذا الطفل الجديد سيكون بداية أخرى لفصلٍ جديد وسعيد في حياتهما، إنه بمثابة الأمل.
يصلا في غضون دقائقٍ إلى عيادة الطبيبة النسائية.
يرافق "عثمان" زوجته إلى غرفة الفحص.
الطبيبة امرأة في منتصف الأربعينات.
تستقبلهما بإبتسامة هادئة ودافئة.
بدت مخضرمة وناجحة في مجالها، وأنها معتادة على التعامل يوميًا مع مثل هذه الحالات.
لكنها مع ذلك تُظهر اهتمامًا خاصًا بـ"سمر".
فسّرته الأخيرة لأسباب متعلّقة بزوجها، فهو حتمًا من يبالغ في تقديرها أينما حلّت ولا يقبل إلا أن تُعامل بأفضل طريقة ممكنة.
تمضي الطبيبة قائلة بتوجيه ابتسامةٍ مُطمئِنة نحو الزوجين:
- أهلاً وسهلاً بيكوا، ازيك انهاردة يا مدام سمر؟ قوليلي في أي حاجة جديدة حاسة بيها؟
تتنهد "سمر" بشيء من التوتر وتجيب بصوتٍ مليء بالحذر:
- أنا الحمد لله تمام، مافيش حاجة جديدة بحس بيها، من حوالي شهر وشوية بس بدأت أعراض زي الغثيان والإرهاق والحاجات المعروفة دي. أنا بس جاية وكنت عايزة أطمن على البيبي عشان حاسة إني اتأخرت!
- اطمني خالص، انتي تابعتي معايا في المرتين اللي قبل كده وكنتي زي الفل، وهاتبقي زي الفل المرة دي كمان ماتقلقيش.
- أيوه، بس حاسة المرة دي مختلفة شوية، يعني ده الحمل التالت، مش سهلة صح؟
هزّت الطبيبة رأسها:
- لا خالص، ده اسهل فوق ما تتخيّلي، اتفضلي بس أكشف عليكي الأول.
وأشارت لها نحو سرير الكشف.
قامت "سمر" وعيناها لا تفارقان "عثمان".
بعد خمس دقائق، "سمر" تستلقي فوق سرير الفحص النسائي.
عيناها تلمع قليلاً من القلق والتوتر لشعورها بأنها تخوض كل هذا لأول مرة.
"عثمان" يجلس في كرسي صغير بجانبها.
يمسك بيدها برفقٍ، يحاول أن يبعث فيها الطمأنينة.
الطبيبة تجلس في الجهة الأخرى قبالتها، وتبدأ فحصها بشكلٍ دقيقٍ.
ارتبكت "سمر" عدة مراتٍ، فشد "عثمان" على يدها قليلاً.
نظرته لا تفارقها، يراقب كل حركة وكل تعبير على وجهها، ملاحظًا القلق الذي يعتريها.
تهتف الطبيبة بإبتسامة مريحة وهي تواصل عملها، تطمئن سمر:
- ما تقلقيش يا مدام، ده فحص روتيني، كله تمام لحد دلوقتي.
تبتسم "سمر" قليلاً، ولكن قلبها ما زال يملؤه القلق.
"عثمان" يضغط على يدها بحنانٍ، وكأنما يرسل لها رسالة غير لفظية بأنه سيكون دائمًا هنا بجانبها، مهما حدث.
همس لها بذات الحنان وهو ينظر في عينيها بحب:
- أنا هنا، ماتخافيش، كل حاجة هاتكون تمام.
تطمئن "سمر" قليلاً لهدهدته.
الطبيبة لا تزال ماضية بفحصها، بينما يتابع "عثمان" كل شيء بنظراته، لا يفارق يدها ولا يبتعد عنها.
تسمع "سمر" صوت الأجهزة الطبية الدقيقة وهي تُستخدم في الفحص، لكن الأجواء لا تزال مريحة وصافية.
تتحدث الطبيبة أثناء الفحص مبددة مشاعر قلق الحالة التي تتابعها:
- الحمل لسه في بدايته، كل حاجة عادية تمامًا، مافيش أي علامات مقلقة لحد دلوقتي، الجنين في وضع جيد جدًا.
يبتسم "عثمان" لزوجته، يشعر بالراحة بعد سماع تلك الكلمات التي طمأنته.
"سمر" تشعر بالراحة تدريجيًا، ولكن لا تزال نظراتها تتبع كل حركة للطبيبة.
تنظر الطبيبة إلى "عثمان" وهي تقول بابتسامة مقدمة بعض النصح له:
- المرأة في بداية حملها بتحتاج لدعم معنوي قوي، وجسدي في نفس الوقت. خلّي بالك منها كويس يا عثمان بيه وحاول ماتجهدهاش، يعني زي ما انت فاهم وشرحت لك في المرتين اللي فاتوا، قلل شوية من مرات العلاقة في الأول بس وبعدين كل حاجة هاترجع طبيعية.
يبتسم "عثمان" بتفهمٍ ويومئ برأسه، عينيه مليئتين بالجدية.
هو يعرف أهمية هذا الوقت بالنسبة لـ"سمر" ويشعر بمسؤولية كبيرة تجاهها وتجاه الجنين الذي ينمو بداخلها.
- اوكي يا دكتور، هاخلّي بالي.
ونظر إلى "سمر" مكملًا بصوتٍ خافت:
- كان لازم أسمع منها الكلمتين دول وإلا ماكنتش هاقتنع بسهولة زي كل مرة، كويس إني أصريت أجي معاكي!
تبتسم "سمر" بشكلٍ خجول، وتشعر براحةٍ كبيرة في قلبها، خاصةً مع دعم "عثمان" المتواصل لها.
وأخيرًا الطبيبة تنتهي من الفحص.
تتنهد منتزعة القفّازات المطّاطية وتلقيها بسلّة المهملات المجاورة وهي تتحدث إلى الزوجين:
- كل شيء تمام، ومافيش أي داعي للقلق، بس لازم تتابعوا معايا طبعًا وفي المواعيد زي ما اتفقنا، تلتزموا بالنصايح الصحية. مدام سمر الراحة التامة طول الفترة الجاية وابعدي عن أي مجهود كبير. أنا هانتظرك على مكتبي هكون كتبت لك على شوية فايتامينز وخطوات تمشي عليها لحد ما أشوفك المرة الجاية إن شاء الله.
يشكر "عثمان" الطبيبة قبل قيامها.
ثم يلتفت إلى "سمر".
يعيد ترتيب ثيابها ويسوّيها بإتقانٍ كما كانت.
ثم يساعدها على الوقوف بحذرٍ.
يظل ممسكًا بيديها بإحكام، وكأنه يحاول أن يمنحها الأمان الكامل.
تراقب "سمر" وجهه بابتسامةٍ خفيفة، ثم تقول بصوتٍ منخفض، تعبيرًا عن امتنانها لهذا الدعم المستمر منه:
- أنا محظوظة إنك معايا!
يُرافقها "عثمان" عائدًا بها إلى الطبيبة، دون أن تغادر ثغره تلك الابتسامة الخفيفة.
***
أجواء القصر لا تزال مستقرّة، ولكن التوتر يتطاير في شرارتٍ غير مرئية ويعمّ المكان.
تجلس "فريال" هانم في البهو الفخم على أريكتها المفضلة.
يديها معقودتين في هدوءٍ ظاهر، ولكن عيناها تترقب بقلقٍ.
هواء القصر البارد يسلل من النوافذ المفتوحة قليلاً، مع دخول خيوط الشمس الضعيفة التي لا تعكس إلا جزءًا من الحقيقة التي تخفيها "فريال" داخل قلبها.
ربما اليوم ترتاح قليلاً، أو تزيد الأمر سوءًا!
تسمع صوت سيارة تقترب من المنزل، فتعلم بأنه قد وصل.
جاء "صالح البحيري" ملبيًا دعوتها، ابن شقيق زوجها، مغتصبها.
بعد فترةٍ طويلة من التوتر بينه وبين زوجته "صفيّة"، تعرف "فريال" تمامًا ما يمر به.
لكنها لا تستطيع أن تخفي ما في قلبها من ألمٍ وحيرة.
فهي لا تزال غير واثقة من أن ما قررته صائبًا أم لا.
عرفت أمرًا واحدًا فقط: إذا كانت "صفيّة" قد صممت على الطلاق، فإن أقل ما يستحقه "صالح" هو أن يعرف السبب.
لا بد أن يعرف.
يدخل "صالح" في هذه اللحظة.
يسير نحوها بهدوءٍ وهو يلاحظ شيئًا مختلفًا في الجو العام حوله.
بينما هي تراقب كل حركة منه، تراه يحاول أن يخفي ما في قلبه من قلقٍ وتعب.
حيّاها "صالح" بصوتٍ هادئ، ولكن عينيه تنم عن توتر:
- صباح الخير يا فريال هانم، آسف على التأخير، كنت مستني مكالمة شغل مهمة وكل حاجتي في أوضة الأوتيل زي ما انتي عارفة.
تطلق "فريال" تنهيدة وهي تراقب وجهه بتركيز، ثم تقول:
- صباح النور يا صالح، مافيش مشكلة أنا فاضية وكنت قاعدة مستنياك، اقعد يا حبيبي واقف ليه!
يعبس "صالح" قليلاً وهو يتراجع بضع خطواتٍ ليجلس أمامها، لكنه ما لبث أن ابتسم إنما بتوترٍ واضح.
يحاول إخفاء تأثير الضغوط النفسية التي يمر بها بسبب الخلافات المستمرة مع "صفيّة" وخاصة أمر الطلاق الذي تصر عليه.
تشعر "فريال" بموجة من التعاطف معه، لكنها في نفس الوقت تعرف أن هذه اللحظة ليست للتعاطف فقط.
هناك شيء أكبر يجب أن يُقال.
- شكلك عايز تقول حاجة يا صالح! قالتها "فريال" تحثّه على البدء أولًا.
يرد "صالح" بصوتٍ متهدج قليلاً، محاولًا كبح مشاعره:
- الحقيقة... مش عارف أبدا منين، بس حضرتك أكيد عارفة، العلاقة بيني وبين صافي بقت متوترة جدًا، وهي مش بتجاوب على أسئلتي، ولا بتشرح لي سبب الخلافات اللي بينّا، وكل ما بحاول أفهم بتتجنّب الكلام عن الموضوع وترمي اللوم على أسباب مش مقنعة.
تستمع "له" "فريال" بهدوءٍ، ولكن قلبها مليئًا بالحزن.
"صالح" شخصٌ رائع وأب مثالي، لا يستحق النهاية التي آل إليها زواجه من حب حياته.
إلا أنها لا يمكنها أن تتركه يتخبط في الظلام ويظل مقهورًا لآخر عمره.
عليها أن تغلق له صفحة الحاضر حتى لو عنى ذلك الألم والتوّرط الذي لا مفر فيه لسنواتٍ، قبل أن تفتح له صفحة جديدة ليتسنّى له المضي بحياته ومستقبله.
تقول "فريال" بصوتٍ حنون، ولكنه يحمل شيئًا من التردد:
- صالح.. صحيح صافي مش بتتكلم، ده ساعات لأن الحكاية بتكون أكبر من مجرد السكوت نفسه، أو حتى الرفض. في مشاعر قوية جواها مش قادرة تعبّر عنها، حاجات انت مش قادر تفهمها دلوقتي.
ينظر إليها "صالح" باهتمامٍ وتركيزٍ بالغين.
يدرك بأن "فريال" تعرف أكثر ممّا تقول.
ثم يشعر بشيءٍ من اليأس يكتسح قلبه، كأن كل الجدران التي بناها حول نفسه قبل أن يأتي إلى هنا تنهار ببطءٍ.
يتخلى عن تحفّظه أمامها ويقول بصوتٍ حزين بينما عينيه تغرق في الأسئلة:
- ازاي؟ يعني إيه الحاجات دي طيب؟ صارحيني أرجوكي يا فريال هانم، إيه السبب اللي مخليها مش قادرة حتى تبص لي؟!
تأخذ "فريال" نفسًا عميقًا، ثم تنظر إليه بنظرةٍ مليئة بالأسف، وكأن الكلمات التي ستنطق بها ستفجر كل شيء.
لكنها مجبرة.
السر لن يبقى سرًا بعد اليوم.
ببطء، تتكلم "فريال" وكل كلمةٍ تخرج منها كأنها تقتطع جزءًا من قلبها:
- صالح... في سر لازم تعرفه. أنا لما اكتشفته من فترة ماكنتش حابة أي حد يعرفه، ولا حتى صافي. لكن مقدرتش. وطالما صافي عرفته ومصممة تنهي حياتها معاك بسببه، يبقى انت كمان لازم تعرفه. رفعت... أبوك... في وقت من الأوقات، لما كان يحيى عايش، كان بيستغل غيابه عن البيت أحيانًا... كان... كان بيخدّرني. كان بيخدّرني في بيتي... في أوضتي... وكان بيغتصبني...
الصدمة الشديدة تبدو واضحة على "صالح" الآن.
عينيه تتسع، وشفتاه ترتجفان وهو يحاول استيعاب ما سمعه للتو.
لكنه لا يستطيع تصديق ما قالته "فريال".
وكأن الأرض قد ابتلعت قدميه.
إذا حاول أن يقف فلن يقدر.
لم يتوقع أبدًا أن يسمع هذه الكلمات ولا حتى مزحًا!!!
يردد "صالح" بهمسٍ مرتجف، يحاول استيعاب الكلمات التي نطقت بها:
- إيه؟ رفعت؟ أبويا!؟ إزاي؟ إزاي ده حصل!؟
تغلق "فريال" عينيها للحظةٍ، وكأنها لا تستطيع أن تذكر تفاصيل تلك الذكريات المؤلمة.
تتنهد ثم تفتح عينيها لتلتقي بنظراته.
تكمل حديثها بدموعٍ تغلب على صوتها وهي تحاول الحفاظ على رباطة جأشها:
- في وقت، كان بيغيب يحيى لفترات طويلة عن البيت، ورفعت كان بيجي يزورني... كان بيخدّرني... وكان بيغتصبني في غياب أخوه. وكل ما كان يحصل، كنت أحس بحاجات غريبة لما أفوق، بس ماكنتش بحط في بالي، لحد ما اتأكدت. لما ظهرت شمس ومامتها، ولما روحت للخدامة اللي كانت بتشتغل عندنا وقتها، وكانت بتساعده في عملته معايا، كل حاجة كنت فاكراها أحلام... كوابيس... طلعت حقيقة. والخدامة أكدتها عليا، كلها...
يظل "صالح" ساكتًا للحظات، وعيناه مليئتان بالدموع.
لا يستطيع أن يصدق ما سمعه، وكأن الهواء قد سحب من حوله.
لم يكن يتخيل أبدًا بأن والده كان يفعل ذلك.
لم يتخيل ولا في أسوأ افتراضاته بأن يكون هذا هو سبب طلب زوجته الانفصال عنه.
لا يستطيع السيطرة على عواطفه، وفمه يبقى مغلقًا لدقيقة في صدمة قاتلة.
- مستحيل! يردد "صالح" بصوتٍ ضعيف والدموع تغطي عينيه:
- أبويا... كان بيعمل كده؟... أنا مش قادر أصدق، إزاي؟ ليه؟ ... ليـه!!؟
تشعر "فريال" بشدة ألم "صالح"، وتحاول أن تهدئه قدر الإمكان، رغم إنها تعرف بأن الحقيقة ستكون أكبر من أن يستوعبها الآن أو حتى في المدى المنظور.
لكنها أيضًا تعرف بأن هذه اللحظة كانت ضرورية له، كي يدرك سبب الأزمة العميقة التي تحدث الآن بينه وبين "صفيّة".
تخاطبه "فريال" بتماسكٍ واهٍ وهي تدرك عمق الصدمة التي يعيشها وتبعاتها:
- أنا آسفة... مش سهل عليا أقولك كده، وكنت خايفة عليك من الصدمة. انت ابني يا صالح، أنا اللي ربّيتك انت وهالة، وها تفضلوا ولادي زي عثمان وصفيّة. انتوا بعيد عن ذنوب أبوكم، بس صافي مش هاتفهم ده وأنا مش هقدر ألومها. في الأول اترددت كتير، كنت خايفة إزاي هاتقدر تتحمل الحقيقة دي، بس دلوقتي.. صافي مش قادرة تتحملها، عشان كده انت كان لازم تعرف.
يغرق "صالح" في صمته، وعيناه تملؤهما الدموع.
لا يستطيع أن يتحرك أو أن يقول أيّ شيء.
كل شيء تغيّر في لحظة.
علاقته بوالده الراحل، علاقته بـ"فريال"، وعلاقته بكل شيء حوله.
يظل جالسًا، يحدق في "فريال" وكأن الوقت قد توقف.
بالكاد تمكن من القول بصوتٍ هامس:
- مافيش حاجة تقدر تعوض اللي حصل... مافيش كلام ممكن أقوله... ومافيش طريقة أقدر أتعامل بيها مع صفيّة بعد كده!
تشعر "فريال" بمرارة الكلمات التي يرددها "صالح"، وكل كلمة منها تزداد في وزنها الثقيل.
كانت تعرف بأن الحياة لن تعود كما كانت من قبل.
لكن على الأقل، كان عليه أن يعرف الحقيقة.
والآن، انتهت مهمتها في أن تنقذه من سرٍ كان سيظل يخنق حياته بالكامل لو لم يُكشف في هذه اللحظة.
***
الضوء الخفيف يدخل من بين الستائر المواربة، ينير الغرفة بنعومةٍ تامة.
"مايا" تستيقظ ببطء، لا تزال متعبة قليلاً من السهر، وجسدها يشعر بثقل اللحظات التي مرّت بها.
تحاول أن تفتح عينيها بالكامل، وتلتفت حولها بحذرٍ.
الغرفة تبدو هادئة، ولكن شيئًا ما في داخلها يعكر صفو هذا الهدوء.
تنظر إلى السرير بجانبها، فتكتشف بأن "نبيل" غير موجود.
لا صوت له، ولا أثر له في الغرفة.
حتمًا أنه قد استيقظ قبلها وذهب إلى عمله، كما يبدو.
هذا الصمت الذي يملأ الغرفة يُعيد إليها ذكريات الليلة الماضية، ويفتح أمامها أبواب لمشاعر متناقضة.
ترفع "مايا" يدها إلى جبهتها، تحاول استرجاع التفاصيل، لكنها سرعان ما تشعر بشيء ثقيل في قلبها.
تهكس لنفسها بصوتٍ هشّ:
- مرة تانية... ليه استسلمت كده؟ ليه؟
تنزل قدميها من على السرير ساحبة الملاءة حول جسدها.
تمكث في مكانها بهدوءٍ، ولكن قلبها غير هادئ بالمرة.
كل شيء في داخلها يصرخ بحيرة وضياع.
كيف كانت في تلك اللحظات؟
كيف رضخت؟ وسمحت له بأن يُمارس سلطته عليها؟
تتذكر "مايا" الليلة الماضية بكل تفاصيلها، وتحاول أن تستعيد ما جرى بوضوح.
كانت هناك لحظاتٍ، كثيرة شعرت فيها بأن "نبيل" ليس فقط يسيطر عليها جسديًا، بل عاطفيًا أيضًا.
كلّما حاولت أن تبتعد أو تتوقف، كان يعود ليُشدد قبضته عليها أكثر.
ثم وكأن هناك قوى أخرى غير قوته تجذبها إليه، تجبرها على الاستمرار.
في البداية حاولت أن تقاوم، حاولت أن تبقى بعيدة عاطفيًا، لكن مع مرور الوقت، بدأت تلاحظ بأن طريقة "نبيل" في التعامل معها لم تكن مجرد رغبة عابرة.
كان يتعامل معها وكأنها قطعة ملكيّة، شيء يحق له التحكم فيه في كل لحظة.
كانت أفعاله لطيفة في ظاهرها، ولكن خلف كل لمسة كان هناك إشعار بالسلطة.
لم تكن مجرد لحظات حميمية، كانت لحظات ترويض وتحكم.
كانت تابعة إليه فيها دون أن تدرك بأنها قد تكون قد بدأت تتقبّل هذا الوضع، رغم إنها لم تكن مقتنعة به تمامًا.
تتنهد "مايا" بعصبية وهي تهب واقفة عن الفراش.
تذهب إلى النافذة وتفتح الستائر أكثر.
تراقب ضوء الشمس الذي يتسلل عبر الزجاج، كأنها تحاول أن تجد شيئًا يهدئ من اضطرابها.
يراودها شعورٌ غريب، وغير مُريح، ولكنها دائمًا ما كانت تخفيه عن نفسها.
الآن، وبعد أن صار كل شيء حقيقيًا، أصبحت تُدرك أنه مهما كانت التفاصيل الصغيرة التي لم تُعطها أهمية، فقد صارت جزءً من الحقيقة التي تعيشها الآن.
تحدّثت إلى نفسها بهمساتٍ متلعثمة:
- مش هقدر، بعد كده مش هايصدقني، مش هايصدق إني مش عايزاه، هو قدر عليا، قدر عليا!!
ينتابها هلعٌ مفاجئ، تستدير فجأةً فصارت مواجهة للمرآة.
وقفت تنظر إلى نفسها، عينيها تحملان مزيجًا من الخوف والارتباك.
تمعن النظر إلى ملامحها كما لو كانت تفتش عن شيء جديد في نفسها لم تكن قد رأيتَه من قبل.
هل هي تلك الفتاة التي كانت تطمح في حياة هادئة؟
أم هي الشابّة التي قد ضحت بالكثير من نفسها في سبيل شخص آخر وتخلّى عنها؟
أم هي المرأة الناضجة التي سلكت طريق التمرد والخداع لتحمي نفسها ولكنها فشلت؟
شريط الأحداث يمر أمام عينيها.
لحظات سيطرته عليها.
"نبيل" الذي تزوجها لأسباب لا علاقة لها بالحب.
كان يشدّ قبضته عليها في اللحظات التي كان من المفترض أن تكون لحظات الراحة والأمان لها.
كان يتحكم بكل شيء، يتحكم في تنفسها، في نظرتها، في مشاعرها.
حتى في اللحظات التي كانت تشعر فيها بالضعف، كانت تراه وكأنها تتخلى عن نفسها من أجل رضاه.
حقًا، أكانت تحرص على رضاه!؟
ذكريات القبلات الثقيلة، وأيديه التي كانت تلتف حولها كالسلاسل، تجعل قلبها ينقبض.
لم يكن هناك مجال للراحة في تلك اللحظات.
كل شيء كان مشروطًا.
في البداية، كان يبدو كأن هذا فقط جزء من العلاقة الطبيعية بين الزوجين.
عندما سحبها إلى السرير، لم يكن هناك مجال للرفض.
حاولت أن تبتعد، لكنه كان يدير وجهها تجاهه، يطلب منها أن تنظر في عينيه.
كان يطالبها بصمتٍ بقبول سلطته، ولم يكن هناك مجال للحديث أو التفسير.
كلّما حاولت إظهار ترددها، كان "نبيل" يعود ليذكرها بلطفه القاسي، بلمساتٍ ناعمة تساوي بين القوة والإغراء.
الشيء الذي أثار ارتباك "مايا" هو أنه في كل مرة كان يقترب منها، كان قلبها ينبض بسرعة، وكان هناك شعور غريب بالخوف والحاجة إليه في نفس الوقت.
في تلك اللحظات، بدأ هذا الشعور يطمس مشاعرها الأخرى.
لم تكن تعرف إذا كان هذا هو فخ الحب أم مجرد خوف من التسلّط.
تطلق "مايا" مزيدًا من النهدات، تحاول التمسك بأفكارها قبل أن تلتفت إلى النافذة ثانيةً وتنظر إلى العالم الخارجي.
كانت تريد أن تكون بعيدة عن هذه الحياة التي فرضها عليها "نبيل".
الحياة التي بدأت تشعر بأنها تضيق حولها.
لكن رغم كل شيء، كان هناك شيء آخر يغرس في قلبها كل يوم.
رغبتها في الهروب منه، وخوفها من فقدانه في آنٍ.
كانت تفكر في الماضي، كيف دخلت هذه العلاقة رغم إنها لم تكن متأكدة تمامًا من عواقبها، وكيف أن زواجها لم يكن ناتجًا عن حب حقيقي، بل عن احترام ووفاء لوالدها.
"نبيل" الذي كان يراها "زوجة" أكثر من كونها شريكة حياة، كان قد تزوجها ليس لأنه يحبها، بل لأنه كان مدينًا لوالدها بعد أن ساعده في فترة عصيبة من حياته المهنية.
كان "نبيل" يعتقد بأن الزواج سيكون وسيلة لشكر الرجل الذي أنقذه، وكانت هذه هي الطريقة التي قرر بها أن يرد الجميل لوالدها، حتى لو كان ذلك على حساب مشاعر "مايا".
- محدش حبّني، وهو ماحبنيش، ولا عمره هايحبني!
قالت "مايا" لنفسها بهمساتٍ متألمة.
ترفع يدها إلى قلبها، تحاول أن تتماسك، لكن مشاعرها تمزقها من الداخل.
وتدرك شيئًا لا يمكنها تجاهله.
سواء أعجبها أم لا، فقد أصبحت مرتبطة أكثر من اللازم به، رغم إنها كانت تخشى أن تصبح مجرد جزء من سيطرته.
في قلبها، هناك خوف، وفي ذهنها تتصارع الأسئلة عن المستقبل.
***
رائحة القهوة الطازجة تعبق في الأجواء.
الضوء الخافت للثريّات العملاقة المدلاة من السقف العالِ ينعكس على الأثاث الفاخر.
والهدوء يملأ المكان باستثناء الأصوات البسيطة لخطوات الخدم المتنقلة في القصر.
دخلا "عثمان" و"سمر" لتوّهما بعد زيارة الطبيبة النسائية، وتشبّ "سمر" على أطراف أصابعها قليلاً لتودّع زوجها مؤقتًا بقبلة رقيقة على خده، ثم تذهب لتستريح في غرفتهما.
كان "عثمان" سيتوّجه إلى مكتبه ليحضر بعض الأوراق الهامّة من هناك ثم ينطلق إلى شركته.
لكنه يجد "صالح" جالسًا في الصالون، يبدو عليه الإرهاق والتعب.
يحاول إخفاء توتره، ولكنه لم ينجح.
يلاحظ "عثمان" بأن هناك شيئًا غير طبيعي في ملامحه.
لا يضيع الوقت في مزيدٍ من التساؤلات ويتوّجه صوبه.
- صالح.. انت هنا من امتى؟ وليه قاعد لوحدك؟ ديالا مش هنا ولا ايه؟
يرفع "صالح" وجهه متطلّعًا إلى ابن عمه، يجاوبه بصوتٍ خفيض:
- أنا نسيت إنها بتروح النادي في الوقت ده من اليوم. جيت مالاقتهاش للأسف!
عبس "عثمان" سائلًا إياه:
- إيه يا صالح فيك إيه؟ وشك مش مريح انهاردة... في حاجة؟
يحاول "صالح" أن يبتسم، ولكن الابتسامة ضعيفة جدًا، تكاد أن تكون مزيّفة.
يحاول أن يضبط نفسه، ولكنّه لا يستطيع أن يخفي علامات التعب النفسي التي تكشّفت مؤخرًا على وجهه.
يرد عليه بصوتٍ هادئ محاولًا إخفاء شعوره:
- مافيش حاجة... تعبان شوية بس... الشغل... ومشاكلي مع صافي.
يقف "عثمان" أمامه يتأمله، عينيه مليئتين بالشك.
كان يعلم بأن "صالح" مرّ بحالة من الاضطراب النفسي بسبب توتر العلاقة بينه وبين "صفيّة".
رغم إنه يحاول أن يتظاهر بالهدوء، لكن تجاعيد الجبين تفضح ما في داخله.
يبتسم ابتسامة ضيّقة، ولكنه لا يستطيع إخفاء التوتر الذي يبدو واضحًا عليه.
يشعر "عثمان" بأن هناك شيئًا غير عادي يحدث.
يقترب منه، يجلس في كرسي مجاور له ويسأله بجديّة:
- مش معقول... مش ده اللي في عيونك، في حاجة حصلت؟ في مشكلة؟ قول لي!
يضغط "صالح" على شفتاه، يحاول كبح المشاعر التي تتدفق في داخله، لكنه يزداد توترًا مع كل لحظة تمر، حتى ينفجر أخيرًا.
يهتف بصوتٍ حزين، وهو ينظر في عينيّ ابن عمه:
- عثمان... أنا خلاص، وافقت على طلب صفيّة.. هاطلقها!!
ران الصمت للحظاتٍ، ورغم الدهشة التي ألمّت بـ"عثمان"، لكنه تمكن من السيطرة على انفعالاته.
قال بتساؤلٍ حاد، يحاول أن يقرأ ملامح الأخير:
- بس انت كنت رافض الطلاق قبل كده، كنت دايمًا مصمم إنك تحافظ على العلاقة، إيه اللي حصل؟ ليه قررت تغير رأيك؟
يتنهد "صالح" بعمقٍ، ويضع يده على رأسه وكأنما يحاول أن يرتب أفكاره المبعثرة، لكنه يبدو تائهًا.
يغمض عينيه للحظة ثم يرفع نظره نحو "عثمان".
يتردد لجزء من الثانية، ثم يقول بقرارٍ حاسمٍ:
- قررت اخيرًا إني هاطلقها... القرار صعب، لكن خلاص... ده اللي هايحصل قريب.
يعبس "عثمان" وهو ينظر إليه في دهشةٍ.
يرفض أن يصدق بأن "صالح" قد اتخذ هذا القرار من دون حتى محاولة إيجاد حل، من دون أن يقاتل من أجل شقيقته.
فلو إنه واصل جهوده كان ليتدخل بنفسه ليساعده على إعادة الأمور إلى نصابها.
ولكنه استسلم بسهولة.
كان يعرف بأن هناك مشكلة بينه وبين شقيقته منذ فترة، ولكنّه لم يتوقع أن يصل بهما الأمر إلى الطلاق النهائي.
بعد كل هذا، بعد قصة حبهما الشهيرة.
عينيه تتسع، والحيرة تظهر على وجهه، ولكنه لا يستطيع أن يخفي انزعاجه.
يردد بخشونةٍ بينما وجهه يتجهم:
- يعني عايز تفهمني إن دي نهاية المطاف؟ كنت دايمًا بتقول إنك مش هاتطلقها مهما حصل... إزاي قررت كده فجأة؟
ينهض "صالح" من مكانه، يبتعد قليلاً نحو النافذة كما لو إنه يحاول أن يهرب من الإجابة.
"عثمان" يعرفه جيدًا، ويشعر بأن هناك شيئًا آخر يخفيه عنه، شيئًا أكبر من مجرد خلافات بسيطة بين زوجين.
"صالح" يتماسك للحظةٍ ثم يلتفت من جديد إلى "عثمان".
يقول بصوتٍ أجش:
- القرار مش سهل، بس خلاص... صافي مش هاترجع لي، وهي مصرّة على موقفها، لا في كلام ولا تفاهم. لو كنت قادر على حل المشكلة كنت حاولت، بس هي قافلة الطرق كلها في وشي.
يشعر "عثمان" بشيء من الغضب، وأيضًا بشيء من التعاطف الخفي تجاه "صالح".
رغم إنه كان يدعم أخته صفيّة بشكلٍ دائم، إلا إنه لا يستطيع أن يتجاهل المعاناة التي يعانيها ابن عمه.
ولكن في نفس الوقت، "عثمان" يشعر بأن هناك شيئًا غير مبرر في قرار "صالح" وأنه لا يعرف كل التفاصيل.
يشعر بشكوك كبيرة، ولكنّه قرر أن يتريّث قليلاً.
قال "عثمان" بصوتٍ جاد، يميل إلى الهدوء:
- أنت متأكد من قرارك؟ أنا ماليش إني أقول رأيي في الموضوع لو كان الطلاق هو الحل الوحيد، بس أيًا كانت المشكلة، لو أنا عرفتها ممكن أقدر أحبها وأقنع صافي بنفسي!
يبتلع "صالح" ريقه بصعوبة، ويهز رأسه دون أن ينظر في عينيّ "عثمان" مباشرةً.
هو يعلم بأن "عثمان" حتمًا قد شعر بخطبٍ ما في القصة كلها، ولكن ما عرفه أكبر من أن يتم الحديث عنه الآن.
لا يمكنه أن يتكلم عنه بينه وبين نفسه في الأساس.
نظرته تصبح أكثر شحوبًا مع كل لحظة تمر، فيقول بتوترٍ ملحوظ:
- يا عثمان... ارجوك، ده مش وقت الكلام في التفاصيل دي، ده قراري، وأنا مش ندمان عليه.
يمتد الصمت بينهما للحظاتٍ طويلة.
عينيّ "عثمان" مليئة بالتساؤلات، ولكنه يقرر ألا يضغط على "صالح" أكثر.
يعرف جيدًا بأن بعض الأمور يصعب على الإنسان الحديث عنها، وأن هناك جروحًا أعمق ممّا يمكن للكلمات أن تعبّر عنها.
ولكنّه أيضًا لا يمكنه أن ينسى التغيير المفاجئ الذي طرأ على "صالح" ويشعر بأن ثمة شيء عميق وراء القرار الذي اتخذه.
يتنهد "عثمان" دون أن يحاول إخفاء خيبة أمله، ثم يقول:
- لو احتجت أي حاجة، أنا موجود... لكن لازم تبقى متأكد من قرارك قبل ما تنفذه، فاهمني؟
يبتسم "صالح" ابتسامة ضعيفة، ثم يومئ له ملتقطًا مفاتيحه من فوق الطاولة بسرعة، كأنه يريد مغادرة المكان ليبتعد عن أسئلة قد يطرحها ابن عمه مجددًا.
يعتذر قبل أن يتحرك إلى الباب قائلًا بصوتٍ هادئ لكنه حازم:
- شكرًا ليك يا عثمان.. هاكلمك في أقرب وقت.. سلام!
يخرج "صالح" من الصالون بسرعة، تاركًا "عثمان" في مكانه.
عينيه ملؤها التساؤلات والشكوك التي لم تجد إجابة بعد.
يتنهد "عثمان" بحرارةٍ ثم يوجه نظره نحو التابلوه الكبير الذي احتل نصف مساحة الجدار أمامه.
حدق في الصورة الجماعية التي ضمّت أفراد عائلته جميعًا.
وطفق يفكر في الأوقات القادمة، وكيف ستتطور الأمور بين العائلة.
لكن الشيء الوحيد الذي شغل باله أكثر، هو قراره بأن الوقت قد حان ليعرف بنفسه كل شيء حاولوا مداراته عنه!