تحميل رواية «كرسي لا يتسع لسلطانك» PDF
بقلم مريم غريب
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تكوّرت “فريال” في سريرها محدقة به. دفتر مذكرات أمها. لقد حصلت عليه و لم تدري كيف. لم تعلم به من قبل، قبل أن تذهب و ينتهي لقائها بشقيقها “إركان” ظهر اليوم. أعطاها إيّاها و أخبرها بأنه وصيّة والدتهما، ألا يطّلع أحدٌ غيرها عليه. و لكن للغرابة أن أمها أمنت “إركان” على شيء خاص كهذا! و الأكثر غرابة أن يصون “إركان” أمانة والدته، و هو نفسه الذي خان دمه و عِرضه بل و أعتدى عليه! تنهدت “فريال” بحرارة و قد أعيّتها الحيلة. إلى متى تتجنّب فتح المذكّرات؟ عليها أن تفعل في الأخير. عليها أن تعلم ماضيها. هذا ما تح...
رواية كرسي لا يتسع لسلطانك الفصل الحادي عشر 11 - بقلم مريم غريب
كنتِ نقطة ضعفي
كانت ترتعش من رأسها إلى أخمص قدميها.. في وضع مزري.. لا تستطيع حراكًا حيث جلست على حافة الفراش.. إنها في دهشة!
كيف تمكنت من الوقوف والسير من سطح اليخت حتى هنا؟
بعد أن فرغ من سرد ماضيهما عليها.. ماضيهما الصادم.. لم تتحمل ما قاله.. ولم تتقبل ما ادّعى إنها فعلته.. لم تنبس ببنت شفة.. ما إن صمت وقد أفاض لها بكل شيء حرفيًا.. نهضت واقفة بصعوبة.. رافضة مبادرته لمساعدتها أو حتى مرافقتها إلى جناحهما الخاص.
أنّى لها الاستمرار في هذا بعد الآن؟
كيف عاشت معه؟ .. بل كيف أحبّته كما يزعم أن ما ربط بينهما على مدار أربعة أعوام كان حبًا خالصًا؟
إن ما سمعته كله لا يدل إلا على الرخص فعلًا كما أشار في مستهل حديثه.. لا عجب أن يراها الناس رخيصة وقد فرّطت بشرفها بهذه السهولة.
رباه!
لقد فعلت ذلك.. هي.. الفتاة النقيّة.. المحافظة.. كيف تمكن من إقناعها؟
كيف تمكن من الإيقاع بها؟ .. كيف سلّمته نفسها طواعية؟ .. ألف سؤال لا تملك له إجابة مقنعة!
مرض شقيقتها ليس عذرًا من وجهة نظرها.. حالتها المادية الصعبة.. لتقل فقرها لم يكن عذرًا.. ما من شيء قد يجبرها على ممارسة العهر بورقة عرفية لا قيمة لها أمام المجتمع.. بل إنها دليل دامغ على فجورها وانحطاط أخلاقها.
سحّت دموع "سمر" بغزارة فوق خديها وهي تتخيل على ضوء كلماته.. حالة أخيها يوم عرف بتورطها مع رجل أعمال شاب.. ابن أكبر عائلات البلدة "عثمان البحيري".. لحظة صدمته فيها.. الزواج العرفي الذي أنزلها من نظره حتى اليوم.
كيف غفلت عن كل هذا؟
شقيقها "فادي".. إنه لم يعد على سجيته التي عهدتها طوال عمره بها.. "فادي" المرح.. المليء بالحيوية والفكاهة.. الطموح المتحلّي بالآمال.. لقد دمرته!
أجل.. لقد كسرته بفعلتها.. كل شيء سيئ صار لعائلتها هي من تسبّب به.. والحادث المروّع الذي أصابه حتمًا من وراء جريرتها.
لم تتحمل "سمر" تدفق أفكارها المعذّبة.. هبّت واقفة في مكانها.. تتلفت حولها بيأس حتى وقعت عيناها على منفضة سجائر كرستالية.. هرعت إليها وانتشلتها من فوق الطاولة الصغيرة.. لتطيح بها تجاه لوح المرايا المقابل للفراش تمامًا وهي تصرخ من أعماقها.
لم تمر ثوانٍ إلا وظهر "عثمان".. جاء من الشرفة مباشرة وهو يهتف بنزق وقلق:
- سمـر! في إيـه؟ إيـه إللي حصـل؟
استدارت نحوه مشعثة الرأس.. حمراء العينين كقطة متوحشة تتأهب لنزال شرس.
وبالفعل.. ما إن صار قريبًا منها حتى انقضت عليه.
أخذت تلطم صدره بكفّيها صارخة:
- انت.. انت السبب. انت عملت فيا إيــه؟ .. انت دمرت حياتي.. لأ.. أنا عمري ما حبيتـك.
كانت كدابة وأنا عمري ما حبيتك.. عشان كده نسيتك.. نسيتك.. نسيتك.
وظلت تكرر آخر كلماتها حتى انهارت بين ذراعيه من شدة البكاء.. بينما يطوّق خصرها بشدة سامحًا لها بتفريغ شحنتها من الضغط والغضب.. غضب وإن لم يفهمه.. وإن استنكره.. لكنه أبدًا لن يعترضه.
هذا أقل ما بامكانه أن يقدمه لزوجته في الوقت الراهن.. لعل كل هذا كان مقدرًا أن يحدث قبل أربعة عشر سنة.. لعله تأخر.. لكنه حدث اليوم.. ليجعلها تمر به. مرةً واحدة.. فقط لمرة.
"أنا عملت فيك إيه عشان تخلّيني مذلولة بالشكل ده؟"
حدق "رامز" بشاشة هاتفه يقرأ نص الرسالة المبعوثة من صديقته الحميمة السابقة.. دلف إلى الشقة عندما أرسلت برسالة أخرى:
"أنا بحبك يا رامز ليه بتعمل فيا كده؟ رد عليا بليز!"
تأفف بسأم وهو يضع رقمها على قائمة الحظر لكي لا يتلقى منها أي تواصل قد يزعجه.. فهو بحاجة للتفرغ التام خلال الساعات المقبلة.
أغلق "رامز" من خلفه باب الشقة بالمفتاح.. وضعه بمكان خفي عن الأنظار.. ثم توجه بكيس العلاج نحو غرفة النوم الرئيسية.
دفع باب الغرفة الموارب ودخل موجهًا عيناه نحو السرير.. تسمّر بمكانه لوهلة حين وجد مكانها فارغًا.. لم تكن حيث تركها.
سقط الكيس من يده.. ليندفع صوب الحمام الملحق بالغرفة مستطلعًا.
- شمـس! .. ناداها بصوت حاد وهو ينقر مرتين على الباب.
لم ينتظر لحظة أخرى واقتحم الحمام.
فراغ.. ذات الفراغ نفسه.
أطلق "رامز" سلسلة من السباب وهو يستدير مهرولًا إلى خارج الغرفة.. راح يفتش غرفة غرفة.. لكنه لا يجدها.. ما من أثر لها.
أين ذهبت؟
باب الشقة كان موصدًا بحق الله.. حتى إن النوافذ مسيّجة.. والشرفة لا يمكنها التفكير بالفرار من خلالها بأي شكل.. إنه الطابق التاسع.. مستحيل.
نبتت حبّات العرق على جبينه.. أثناء تجواله المجنون بأرجاء الشقة.. يكاد يفقد عقله.
ثم فجأة توقف الزمن للحظة.. عندما مر بالمطبخ المفتوح وتعثر بها.. هوى قلبه بين قدميه وهو يرى جسدها المسجى تحت قدميه تمامًا بلا حراك.
انسحبت الدماء من وجهه في الحال وهو يصيح باسمها:
- شـمــــس!!!
جثى على ركبتيه بجوارها ممسكًا بها.. رفع جزعها ضامًا إياها إلى صدره.. تراخيها وشحوبها أثارا جنونه وهو يلطم خديها هادرًا من بين أنفاسه:
- شمــس.. ردي عليا. حبيبتي.. انتي سامعاني؟ .. شمس!!
استجابت لندائه ببطء شديد محركة عينيها من وراء أجفانها المسدلة.
زفر "رامز" بقوة حين أصدرت أنينًا خافتًا وبدأت تفتح عيناها بتثاقل.
شدد ذراعيه حولها أكثر وهو يتمتم لاهثًا من شدة القلق:
- حرام عليكي.. وقعتي قلبي. حصل إيه يا شمس؟ قوليلي يا حبيبتي مالك؟
أخذ الألم ينبض في رأسها جرّاء السقطة المباغتة.. تأوهت بضعف وهي تقول بصعوبة وبصوت بالكاد سمعه:
- كنت عطشانة.. قمت أجيب مايّة. مش فاكرة حصل إيه.. قبل ما أدخل المطبخ!
يتنهد "رامز" بجماع جسده قائلًا دون أن يتوقف عن احتضانها:
- آه يا شمس.. آه منك.. انتي زي الطفلة الصغيرة بالظبط. ماتتسابيش لوحدك أبدًا.
ثم سألها باهتمام وهو يخفض بصره لينظر بوجهها الباهت:
- انتي أكلتي حاجة إنهاردة؟
تلقّت سؤاله في صمت بادئ الأمر.. تذكرت نهارها وكيف كانت متوترة بسببه وبسبب أمها كفاية.. إلى الحد الذي أفقدها شهيتها لأي نوع من أنواع الطعام.
هزت "شمس" رأسها أن لا ردًا على سؤاله.
فزم شفتيه بامتعاض منها وتمتم بخشونة:
- شكلك هاتتعبيني بقى لما نعيش مع بعض.. هاجري وراكي باللقمة. بس وماله.. أنا مش ورايا غيرك أصلًا.
ثم قام فجأة وفي نفس اللحظة تشعر بذراعه ملفوفة تحت ركبتيها وهو يرفعها معه بسهولة. هكذا حملها وكأنها لا تزن شيء.. عائدًا بها إلى الغرفة.
أراحها هناك فوق السرير.. ومال صوبها للحظات وهو يقبض على فكها يقلب وجهها يمنة ويسرة.. لأعلى وأسفل متفحصًا أي جروح أو إصابات.
انتصب في وقفته عندما اطمأن عليها.
أشرف عليها من علو وهو يقول باقتضاب:
- الأكل وصل قبل ما أنزل.. هاروح أسخنه بس وراجع لك. تاكلي وتاخدي العلاج.. وبعدين نحل إللي بينا على رواقة!
النهار كان ليمضي كأفضل ما يكون.. لولا إصرارها على معرفة تاريخهما معًا.. كانت كالحلم وكل شيء كان مثاليًا.. حتى إنه كاد ينسى حادثتها وقصة فقدانها للذاكرة.
لقد كانت حبيبته "سمر" معه.. بين ذراعيه كما عهدها دائمًا.. تتجاوب مع لمساته.. تنتشي بغزله وتتوق إليه كله.. لم تكن كامرأة قد نسيت رجلها.. بل إنها تعرفه.. تحفظه كاسمها.
فماذا حدث؟
أفسدت كل شيء بعنادها.. أجبرته على ذكر سيئاته معها.. إنها سخرية القدر.
أن تنسى كل ما بينهما من حب وفضل.. لتأخذ عليه فترة معينة كفيلة بتخريب حياتهما.. وكأنها نسيت أن تعاقبه وقتها.. وكأن القدر نفسه أرجأ عقابه إلى هذا الوقت تحديدًا.
ولكن هل سيسمح لها؟
حتمًا لا.. لا يمكنها أن تعيد الكرّة.. لا يمكنه تركها تحت أي ظرف من الظروف.
- هاتفضلي ساكتة كتير؟ .. تساءل "عثمان" وهو يتابع قيادة يخته الفخم.
يشق به الأمواج بأناقة نادرة على تلك المياه الفيروزية.
كان قد أجبر "سمر" على الجلوس بقمرة القيادة معه.. حين صممت على العودة.. لم يعارضها.. انتظرها حتى أخذت حمامًا سريعًا وارتدت ملابسها.. دخل من بعدها ليغتسل بسرعة.. ثم أخذها وصعدا معًا إلى هنا.
مرت دقائق عديدة.. لم تحاول تبادل كلمة واحدة معه خلالها.. آثرت الصمت التام حتى عندما طرح عليها السؤال الأخير.. شاردة في اللا شيء وقد تعمدت تجاهله.
نفخ "عثمان" بنفاذ صبر وغمغم بغلظة:
- أوكي.. خليكي كده.. براحتك. بس انتي إللي هاتتعبي لوحدك يا سمر.. أنا مقرر إن حياتي هاتستمر زي ما كانت. حتى لو على حسابك انتي!
في هذه اللحظة لم تستطع تجاهله أكثر.. حولت بصرها إليه.. وسألته مباشرة:
- قصدك إيه؟
يتشنّج جسمه تمامًا وهو يترك لوحة التحكّم الذكية الآن.. ليستدير بجسده في مواجهتها كليًا.. يمشي خطوتين تجاهها ويميل صوبها حتى صار وجهه أمام وجهها بالضبط.. ثم يقول بصوت حاد يحاكي نظرات عينيه:
- قصدي إني لآخر لحظة بعمل واجبي.. وعشان محدش يفكر يلومني في تصرفاتي معاكي.. آخر محطة في صبري يا سمر.. علاجك.. هاوديكي تتعالجي.. وهاصبر عليكي شوية كمان.. لكن وعزة الله.. إن ما اتعدلتي.. وساعدتي نفسك وساعدتيني عشان تخرجي بسرعة من المحنة دي.. مش هاتلاقي رصيد ليكي عندي من الأعذار.
اختلج فمها بتوتر لثانيتين.. قبل أن تقول محاولة إخفاء خوفها من كلماته:
- فعلًا! انت بتهددني؟ هاتعمل إيه يعني؟
انبلجت ابتسامة جانبية على ثغره.. وقال بخبث شيطاني:
- لأ.. أنا مش هقولك.. بس انتي ممكن تسألي على عثمان البحيري. ممكن تقلّبي في تاريخي إللي انتي كنتي جزء منه.. وساعتها جايز تفهمي أنا أقدر أعمل إيه!
ابتلعت ريقها بصعوبة دون أن ترمش ومرة واحدة وهي تتواصل معه بالعين.. لوهلة أحسّت بأن نظراته قد تحرقها.. ولكن هاتفه أنقذها الآن.
الآن تمامًا عندما دق بصخب جعله يرتد بعيدًا عنها.. يلتفت ليلتقطه من الطاولة المثبتة أسفل لوحة القيادة.. يطلق نهدة سريعة قبل أن يرد بصوته الفاتر:
- آلو.. أفندم يا صالح!
- انت فين يا عثمان أنا قالب الدنيا عليك بقالي 3 ساعات!
عبس "عثمان" وهو يقول بحذر حاد:
- أنا طلعت باليخت وسمر معايا.. انت عارف مفيش سجنل في المسافة إللي بقف فيها. في إيه يا صالح؟
- في هنا مشكلة حضرتك.. مرات أبوك هنا في القصر!
باغته الخبر.. وتفاقم غضبه بلحظة وهو يهتف باستنكار:
- هي مين دي إللي في القصر؟ مين سمح لها تدخل؟
- شمس كسّرت كلامي ودخلتها صح؟
- اختك الجديدة إللي أنا لسا ماشوفتهاش مش موجودة في القصر يا عثمان. وأمها واقفة برا مبهدلة الدنيا وعايزة تطلب البوليس.. أنا مش عارف أتصرف إزاي!
تدفق الأدرينالين بشرايينه بأقصى سرعة.. تحول إلى لوحة القيادة وهو يوزع تركيزه على العدو بسرعة زائدة وفي نفس الوقت إلقاء أوامره على ابن عمه:
- أسمعني كويس.. الست دي ماتعتّبش البيت.. دخّلها وقعدها في حتة المهم ماتحطش رجليها جوا البيت نفسه.. سامعني؟
أنا جاي في الطريق.. ربع ساعة بالظبط وهكون عندك!
وحقًا.. كما لو أنه ضبط الساعة على الفترة التي حددها لكي يصل إلى المنزل.. أوفى "عثمان" بكلمته.
اقتحم بوابات قصره بسيارته الفارهة.. صطفها بإهمال وسط الباحة تاركًا زوجته ورائه.. كان يعرف وجهته جيدًا.. فور أن صار داخل القصر ولمح ابن عمه يجالس امرأة بالحديقة الرئيسية.. امرأة لم يرى منها سوى ظهرها المتشنّج.
جذ الخطى نحوهما وكل ذرة من جسده تتحفّز للفتك بتلك الزائرة غير المرغوب بها.. كلما مرت صورة أمه على خاطره.. لحظات انهيارها.. حزنها.. بكائها.. لقد أقدمت فعلًا على الانتحار بسبب تلك المرأة!
- عثمان!
قامت "رحمة" من مكانها فور أن هتف "صالح" باسم ابن عمه.. استدارت لتواجهه.. وللحظة مطوّلة ارتسم رعب فطري على محيّاها.. إذ بدا "عثمان البحيري" وكأنه نسخة مطابقة لأبيه.. بل إنها من أول نظرة ذعرت.. ذعرت حرفيًا وهي تراه مقبلًا عليها بهذا الوجه الغاضب.
وكأنه "يحيى البحيري".. بُعث من جديد.. حتى صار قريبًا جدًا.. وها هو يقف قبالتها مباشرةً محافظًا على مسافة جيدة بينهما.. أدركت بأنه ليس هو.
إنه يشبهه كثيرًا.. جدًا.. ولكن ليس هو.. ذاك الأخير أطول.. أضخم حجمًا.. وسيم وجذّاب.. ولكن والده كان أشد منه وسامة.. كانت وسامته الخدّاعة ملائكية.. نادرة.
- مين حضرتك؟ .. سألها "عثمان" بترفع هو أهله.
النموذج النسائي الذي يراه أمامه رغم اعتياده رؤية أشباهه.. لكنها استفزته.. زوجة أبيه.. بل أرملته.. إنها صغيرة.. حسناء لعينة.. طاغية الأنوثة والفتنة.. أنوثة تخوّلها نيل أي هدف قد تسعى إليه.. وفتنة تؤهلها للإيقاع بأعتى الرجال قوة ومقامًا رفيعًا.
ماذا لو رأته أمه؟
بالتأكيد لن يسمح بأي لقاء قد يحدث بينهما ولو مصادفة.
ارتعشت "رحمة" غضبًا تمكن "عثمان" من استشفافه.. وسمعها تقول بخشونة:
- أنا رحمة جابر مرات يحيى البحيري.. وشمس البحيري تبقى بنتي. أنا جاية عايزة بنتي يابن يحيى.. مش هامشي من هنا إلا لما تجيب لي بنتي.. وإلا أقسم بالله ما هاتعدي على خير.. لو شمس جرالها حاجة. أنا هادمر العيلة دي نفر نفر.. حتى لو بعت كل إللي حيلتي.. بنتي بيكوا كلكلوا يا عيلة البحيري!
لا يستطيع "عثمان" إلا أن يطلق ضحكة ساخطة.. ساخرة.. ضحكته التي جلجلت بأذنيها وكأنها سكبت بنزين فوق النار.
كانت لتنفجر فيه بأي لحظة.. بينما يكف "عثمان" عن الضحك فجأة وهو يطالعها بنظراته القاتمة.. نظرات لم تربك "رحمة" ولو ذرة.. إنما أثارت قلق "صالح" الذي حاول أن يتدخل ليجمّده "عثمان" بإشارة من يده.
في نفس الوقت يمضي قائلًا بصوت كالفحيح:
- شمس البحيري إللي بتتكلمي عنها.. تبقى أختي.. دميانتي بقى ولا تسوي شيء في نظري.. كنتي مرات أبويا.. بس دلوقتي في عدم وجودهم. مالكيش لازمة.. إكرامًا لشمس.. هاعمل نفسي ماسمعتش إللي قولتي. وهاديكي مهلة 3 دقايق.. 3 دقايق بالعدد يادوب تخفي من وشي دلوقتي حالًا وتخرجي برا بيتي.. وإلا أنا إللي هاخليكي تندمي على مجرد تفكيرك في دخول البيت ده!
تهديده لم يرهبها.. ولم تعبأ به.. شيء واحد كان يستنزف شجاعتها من الداخل بمرور الدقائق والثواني.. لم تعد قادرة على كتمانه أكثر.
لسعت الدموع عينيها وهي تنفجر فيه فجأة:
- بنتي هاتضيع بسببك.. لو مالحقتهاش.. لو شمس جرالها حاجة بسبب صاحبك الصايع الواطي.. والله ما هاسيبك.. انت بالذات هانتقم منك أشد انتقام!
قطب "عثمان" حاجبيه تدريجيًا وهو يستمع إليها.
أخته.. صديقه!!
ما الذي تقصده تلك المرأة بحق الله!
- انتي بتقولي إيه؟ مين صاحبي ده إللي تقصديه وإيه علاقته بشمس؟
فرت دمعة من عينها وهي تخبره بصوت يختلج انفعالًا:
- رامـز الأميـر.. خطف شمس. خطف بنتي مني.. وانت السبب!
رواية كرسي لا يتسع لسلطانك الفصل الثاني عشر 12 - بقلم مريم غريب
لم تكن بالقوة الكافية لتنهض وحدها من السرير.
تأثير صفعته وسقوطها على أعتاب المطبخ لا يزال طاغيًا على قدرتها.
لذلك لم تمانع حين ساعدها بالقيام محاوطًا خصرها بساعِده، وممسكًا برسغها بيده الأخرى.
سار بها على مهلٍ وصولًا إلى المطبخ حيث جهز الطاولة التي توسّطت الحيّز الدقيق بالوجبة المزدوجة التي سبق وأرسل في طلبها.
تركها “رامز” للحظات لكي يسحب لها كرسي لتجلس عليه.
ساعدها على الجلوس جيدًا وشد لنفسه كرسي آخر ليجلس قريبًا منها.
شرع بتقريب صحون الطعام منهما وبدأ يطعمها بيده.
بالكاد أكلت القليل وأبدت كفايتها، إلا إنه أصر عليها وألقمها وجبتها كاملةً غير عابئًا بامتعاضها.
نهض وغاب عنها ثوانٍ ليأتي حاملًا كيس العلاج.
جلس قبالتها ثانيةً وعبث بالكيس.
أستلّ علبة دواء المسكّن.
دس بقرصين منه بفمها أتبعه بكأس الماء وهو يقول بهدوء:
- ربع ساعة بالضبط والمادة الفعالة هاتشتغل. مش هاتحسي بأي وجع في جسمك.
ابتسمت “شمس” بسخرية وقالت بمرارة:
- أنا نسيت إنك خبير صحيح. وياما ريّحت ناس كتير!
رمقها “رامز” بنظراتٍ حادة في التو، مدركًا تمامًا لقصدها.
احتدت نبرات صوته أيضًا وهو يرد عليها:
- قلتهالك مرة قبل كده يا شمس، أنا مش تاجر مخدرات.
أنا راجل بيقدّر المزاج والحاجات دي بتكون عندي للاستعمال الشخصي.
آه عمري ما جرّبتها، لكن أعرف ناس بتحب تجرّب.
وكل الناس إللي في دايرة حياتي مهمين، عشان كده مزاجهم مهم عندي.
وأردف بغضب مفاجئ:
- وبعدين إللي أخدتيه ده مالوش أي علاقة بأي مواد مخدرة لا من قريب ولا من بعيد.
انتي إزاي متخيّلة إني ممكن أديكي بإيدي حاجة زي دي؟ تبقي اتجننتي!
أشاحت بوجهها بعيدًا عنه وامتنعت عن الرد، لتسمعه ينفخ بمزيد من الحنق.
- آه! تأوّهت بغتةً.
بينما يمد يده مجتذبًا ذقنها لتنظر إليه مجددًا.
نظرت إليه عابسة، ترى القسوة تجلل ملامحه الوسيمة وهو يباشر تفحّص وجهها عن كثب متمتمًا:
- فين بيوجعك؟
تعمّد غرز أنامله القاسية بجانبيّ وجهها، حتى انتزع منها آهة حين ضغط على النطة أسفل فكّها مباشرةً، موضع صفعته.
- المسكن مش هايحسسك بيها. قوليلي لما وقعتي من شوية اتأذيتي؟ اتجرحتي في راسك، في جسمك؟
سحب يده بعيدًا عنها ليعبث بكيس العلاج من جديد.
كان ينتظر جوابها وهو يفرغ محتويات الكيس من لاصقات الجروح الصغيرة ورذاذ المطهر.
ولكن عندما لم ترد رفع رأسه نحوها محدقًا فيها.
جمدت تعابيره حين رآها تنظر إليه هكذا.
الدموع تلسع عينيها وكأنها تحارب للتحرر.
وجهها المحتقن بالدماء أرضاه، على الأقل تأكد بأن الطعام الذي أجبرها على تناوله مدّها بشيء من الطاقة.
- انت إللي أذتني! لفظت كلماتها كأنما تسبّه.
لم يتكلم.
فتابعت وقد عجزت عن السيطرة على مدامعها التي إنهالت فوق خدّيها الآن:
- انت إللي جرحتني يا رامز، انت مديت إيدك عليا!
أوهنت دموعها من إنفعالاته المتأهبة، ليرد عليها بلهجةٍ بها نبرةً من الأسف:
- عمري ما عملتها، ولا فكرت أعملها.
أنا كنت غضبان. كنت قاعد في المطعم قريب منك، سمعت كلام أمك.
هتفت “شمس” بقهر:
- وماسمعتش كلامي أنا؟ ماسمعتوش ردي عليها؟ أنا كنت بدافع عنك، عن حبنا. ماسمعتنيش وأنا بقول مابحبش غيرك؟ مش هكون لحد غيرك؟ أنا كنت بستحمل جنانك وعصبيتك عليا، وكنت دايمًا خايفة من اللحظة دي. بس كنت واعدة نفسي، لو حصلت منك، لو عاملتني بالطريقة دي وأهنتني كده يا رامز، هاتكون خسرتني!
كز على أسنانه بقوة مغمغمًا:
- شمس، ماتكبريش الموضوع. خسارة إيه إللي بتتكلمي عنها؟
انتي ماتقدريش تعيشي من غيري، وأنا استحالة أبعد عنك.
هزت رأسها بإباء قائلة وهي تكفكف دموعها بحزم:
- لأ يا رامز، أنا إنهاردة بس اتأكدت من تحذيرات مامي. مامي عاشت سنين متهانة في جوازها، أملها في حياتها تشوفني عايشة أحسن منها.
وده حقها عليا بعد كل إللي استحملته عشاني.
أنا آه بحبك، بس عمري ما هكون نسخة تانية من مامي. عمري ما هاقبل منك غلطة في حقي!
وأزاحت الكرسي بجسدها لتقف على قدميها.
هب “رامز” واقفًا في إثرها، الغضب يفوح من جسده الضخم وهو يسد الطريق أمامها.
زمجر وهو يسألها بخشونةٍ:
- وإنتي دلوقتي على فين؟
تحاول “شمس” المرور من حوله، لكنه أمامه كالصخرة، يسدّ أيّ طريق ممكن للفرار.
- رامز، من فضلك سيبني أمشي!
طلبت منه بهدوء مصمم، وأكملت باضطرابٍ واضح وهي تتحاشى النظر إلى عينيه:
- لو فعلًا بتحبني زي ما بتقول، سيبني أمشي.
وأثبت لي إنك غلطت فيا غصب عنك، وإنك مش هاتكرر الغلطة دي تاني، وأنا أوعدك إني هادي لعلاقتنا فرصة تانية. بس سيبني أمشي دلوقتي يا رامز!
- فرصة تانية!؟
أجفلت عندما صاح باستنكارٍ أعقبه بضحكة قاسية، ما لبثت أن تحوّلت إلى قناع لا يحتمل من الغضب.
رباه! إنه حقًا بدا غاضبًا الآن، غاضبًا جدًا.
- شمس، أنا جايبك هنا المرة دي عشان أقضي على أي فرص تانية.
هي فرصة واحدة يا شمس، وأنا مش هاضيّعها. إنهاردة هاتكوني ملكي لأخر يوم في عمري!
جاش الخوف بأعماقها الآن وهي تدرك مدى تصميمه هذه المرة، في نظرات عينيه، في حركات جسده.
تلفتت حولها عاجزة وهي تقول بصوتٍ مرتعش:
- رامز، أنا مش موافقة على إللي انت عايزه ده.
قلت لك قبل كده مش موافقة.
بدأت تتراجع للخلف متعثرة لثانية بالكرسي، عندما أخذ يقترب منها ببطءٍ.
لم تسعفها المساحة الضيّقة للمطبخ بالابتعاد كثيرًا.
إلتصق ظهرها بالجدار، تتسع عينيّ “شمس” برعبٍ وهي تحدق فيه.
لم يعد يفصله عنها مسافة تُذكر.
وفجأة، تلتقي كفّاه بخصرها، ويزيد اقترابًا منها حتى تلاصقا تمامًا.
- كل مرة هافكرك إنك أصلًا مراتي! همس فوق أذنها.
ارتجفت وهي تغمض عينيها بشدة.
في نفس اللحظة تشعر بكفه ينزلق فوق مؤخرتها، بينما يرتفع الكف الآخر لأعلى بطنها، ويقبض على إحدى توأميها.
يرتعش جسدها كله وهي تلهث باعياءٍ.
لا تزال رافضة فتح عيناها والنظر إليه.
- أنا مش عايز أعملها غصب عنك يا شمس، دي هاتكون أول مرة لينا، مش عايزها تكون بالغصب!
دوى قلبها بصخبٍ بين أضلعها، خفق بسرعة رهيبة ألمتها.
فأنّت وهي تقول بصوت متوسل:
- رامز، كده غلط، إللي بتعمله فيا ده غلط.
أنا وثقت فيك، أخويا، عثمان صاحبك.
تجاوز على الفور إشارتها لصديق عمره، تظاهر بأنه لم يسمعها، لأنه حقًا لا ينوي تركها هذه المرة، مهما حدث.
“شمس البحيري” ستغدو زوجته بكل ما للكلمة من معنى قبل حلول الليلة.
تشهق “شمس” عندما أحسّت بأنامله تلامس صدرها من وراء القماش الرقيق للقميص الزهري الضيّق والذي بدت فيه شديدة الغواية.
تبيّنت بأنه يفتح أزراره باصرارٍ دفعها للبكاء بصمتٍ، بلا حول ولا قوة بين يديه.
- بصيلي يا شمس!
امتثلت لأمره الغليظ بعد لحظاتٍ مجبرة.
يبدو مشوّشًا قليلًا بسبب دموعها، لكنه قريبًا كفاية، بل قريبًا إلى حد لا يمكنه الاقتراب أكثر من ذلك.
يهمس “رامز” مجددًا وعيناه مركزتان على فمها وكأنه يتوق لإلتهامها في الحال:
- لحد إمتى هانفضل في العذاب ده؟ ردي عليا؟
أنا مش مصدق، إيه إللي مانعنا عن بعض كل ده؟ طول السنين دي وأنتي حرمانا من بعض يا شمس، ليه؟
أنا مش هاسيبك المرة دي، مش هاسمح لك تبعدي عني، انتي بتحبيني، قوليها، قوليها يا شمس، قولي!
كان يمارس أقسى أنواع الضغط عليها، بكلماته، وحتى لمساته التي ازدادت وقاحة.
لقد ذعرت لاكتشافها المفاجئ بأنه قد انتزع عنها قميصها.
صارت بحمالة الصدر الآن، بشرتها عرضة لعينيه المستعرتين بالرغبة.
دس اصبعين أسفل بطنها وبنطالها الجينز، يحاول فك الزر الذي يقيّده، وسرعان ما نجح.
تصببت عرقًا من شدة التوتر وهي ترفع يديها المتثاقلتين لتمسك بيده، قبل أن يزداد الوضع سوءًا وهي تقول باستجداءٍ:
- لأ، رامز، لـ
لم تسنح لها الفرصة لتكمل جملتها.
دنى مرةً واحدة، واجتاحها بفمه، بقبلة جائعة اكتسحتها وشلّت حركتها.
في النهاية هذا “رامز”، هذا حبيبها، زوجها.
الإدراك لكل هذه الحقائق أفزعها.
إن تستلم فحتمًا ستخسر، والخسارة فادحة.
أخيها، “عثمان”، أخيها.
انبعث أنينها تحت فمه قويًا، حين تدافع جزعه ضاغطًا بقوة على صدرها، ذلك حين ارتعشت ساقاها مهددة بانهيارها.
أمسك بها مسرعًا، وقطع القبلة بصعوبة.
حدق مبهورًا إلى وجهها المتوّرد، شفاهها المتوّرمة بفعل قبلاته.
ما من رجعة، إنها له، الليلة، الآن.
- شمس حبيبتي، تستاهل سرير، دي أول مرة!
لم تستوعب شيء من همسه الحميمي الحارق.
كذلك لم تفهم تمامًا ما يحدث، عندما مال قليلًا ليحملها بسهولة على ذراعيه، متجهًا بها إلى الغرفة الرئيسية مرةً أخرى.
ألقاها فوق الفراش، بالمنتصف بالضبط.
لم يحيد عنها بنظراته بينما تعمل يديه على نزع ثيابه.
لم يكد يتعرّى تمامًا، إلا و باغته اهتزاز هاتفه بجيب بنطاله الذي تأهب لخفضه.
لوهلة أراد أن يتجاهله، حدسه أخبره بأن هذا لا يصب في صالحه.
لكنه لم ينصت لصوته الأناني، الراغب بشدة في نيل أعظم كنوز حياته على الإطلاق.
أستلّ هاتفه من جيبه مقطبًا جبينه بشدة، وتقلّصت ملامحه بشدة ما إن نظر بشاشة هاتفه و أطلع على هوية المتصل.
ضغط شفتيه بشدة حتى أبيضتا، ثم اتخذ قراره في الأخير، وفتح الخط رادًا بصوتٍ أجش:
- عثمـان البحيري!
أتى صوت “عثمان” في الحال، حادًا، خشنًا، غاضبًا ومتوّعدًا في آنٍ واحد:
- رامز الأمير، قدامك اختيار من اتنين، يا تقولي دلوقتي حالًا أختي فين عشان أجي بنفسي وأخدها.
يا أديلك فرصة تيجي وتجيبهالي لحد عندي، وإلا قسمًا بالله، هادمرك، هادمر حياتك كلها ومش هاعمل حساب لأي حاجة، سامعني؟
و كأن حياتها متوقفة على رسالته النصيّة، دبّت الروح بجسدها ما إن دق الهاتف بيدها معلنًا وصولها.
سحبت “مايا” نفسًا عميقًا.
فتحت الرسالة بأنامله مرتعشة: “أنا تحت مستنيكي.. تحبي أدخل؟”
كتبت له على الفور: “لأ ماتدخلش أنا نازلة”.
وقامت من فوق الأريكة الملاصقة للوح السرير الأمامي.
وقفت أمام المرآة تستعرض نفسها مرة أخيرة.
تعرف وخامة ما تفعل ورغم ذلك تمضي إلى الخطر بقدميها، كما تسعى الفراشة للّهب.
تعمّدت “مايا” ارتداء أكثر أثوابها اغراءً، وتزيين وجهها بابتذالٍ لم يقبّحها، إنما يوحي للناظر إليها بجرأتها.
والعطر الذي اختارته نثرت منه إلى حد وثقت بأن أريجه فائح من على بُعد أمتارٍ.
استدارت “مايا” ملتقطة معطفها الخفيف، ارتدته على عجالةٍ وسحبت حقيبة يدها الصغيرة.
سارت بحذرٍ فوق حذائها عالي الكعبين.
خرجت من غرفتها وهبطت الدرج متشبثة بالدرابزون.
كان قلبها يسابق خطواتها نحو باب المنزل، فاستوقفها صوت أبيها فجاةً.
- مايا!
تصنّمت “مايا” بمكانها لبرهةٍ، ثم إلتفتت نحو صوت والدها.
كان يقف عند مقدمة البهو، في روبه المنزلي، تعابيره الحازمة عادة منفرجة قليلًا هذا المساء.
لكنها توترت رغمًا عنها.
لم تحرك ساكنًا في مواجهته، فقط تحاول مداراة هذا الشعور المفاجئ بالتوتر.
إنها قطعًا لا تخشى والدها، لم تكن كذلك فيما مضى، وبالتأكيد لن تكون الآن، ربما!
- انتي خارجة ولا إيه مايا؟
رمشت “مايا” مبددة شيئًا من رهبة الموقف الذي وقعت به لأول مرة بحياتها، وجاوبت على سؤال أبيها بهدوء:
- أيوة خارجة، مع نبيل.
كان يعرف سلفًا، لكنه أدّعى المفاجأة وهو يعقّب:
- بجد؟ ده كان لسا معايا من ساعتين، ماقالّيش!
تململت “مايا” وقد بدا عليها انزعاجًا طفيف وهي تقول:
- أنا خارجة معاه عشان الشغل، مش هاتفسّح، مش حضرتك طلبت مني أنزل أشتغل معاك في الشركة؟
أومأ لها قائلًا:
- أيوة حصل، في كل الأحوال مافيش مشكلة بالنسبة لي يا حبيبتي.
حتى لو خارجة تتفسّحي مع نبيل، أنا بعتبره واحد من العيلة. أخرجي معاه زي ما انتي عايزة، براحتك.
لا تعرف لماذا أغاظتها كلماته.
ردت عليه بحدة مفاجئة:
- أنا بكرر تاني، أنا خارجة معاه عشان الشغل.
هايفهمني وضعي و لما أنزل الشركة هاعمل إيه، بس، مش أكتر من كده!
ابتسم “حسين” وقال برفقٍ:
- فهمت يا حبيبتي، عمومًا بردو أخرجي و شمّي هوا الليلة دي الجو حلو أوي. او احتاجتي أي حاجة أطلبيها من نبيل، زي ما قلت لك نبيل واحد من العيلة، وأنا بثق فيه جدًا و مسلّمه حياتي كلها.
ولم يزيد كلمة أخرى.
إلتفت عائدًا إلى الداخل، ثوانٍ وغاب تمامًا عن ناظريها.
تركها تتميّز غضبًا من كلماته، وما اكتشفته للتو.
هذا الرجل الذي يثق والده فيه كثيرًا، هل حقًا يملك زمام كل شيء؟
رجل فاسق و عديم الخلق مثله، يسلّمه أبيها حياته كما قال بلسانه!
استدارت “مايا” محدقة بالباب المغلق للمنزل وهي تهسّ من بين أنفاسها:
- يا أنا يا انت يا نبيل!
رواية كرسي لا يتسع لسلطانك الفصل الثالث عشر 13 - بقلم مريم غريب
أحس بالنار تسري في عروقه مسرى الدم. شعر بالغضب يكتسح كل مظاهر التحضر لديه لتصدر عنه النسخة الأعنف، الرجعية والوحشية حين يتعلق الأمر بعائلته وكل من يخصونه.
لم يدخل البيت، ظل واقفًا، متأهبًا أمام مدخل البيت. من خلفه وقف "صالح البحيري" وكأنه ظلًا له. أما زوجة أبيه، أرملته في الواقع، تهالكت جالسة فوق إحدى الدرجات الرخامية الجانبية. كان خوفها يتعاظم بمرور الوقت منذ أجرى "عثمان البحيري" اتصالًا بخاطف ابنتها. رغم ثقتها بأن "عثمان" أكثر من قادر على حماية ابنتها حتى وهي بعيدة عن متناوله، إلا أنه لم تستطع التحكم بغريزتها الأمومية وهلعها الفطري على فلذة كبدها، صغيرتها "شمس" التي خسرت كل شيء مقابل أن تكون أمًا لها. إنها فعليًا كل ما تملك، وأي مكروه قد يصيبها لن تتحمله "رحمة"، لن تتحمله مطلقًا.
مضت حوالي نصف ساعة أو أقل، مدة أقل من المهلة التي منحها "عثمان" لصديقه. ها هو يظهر على بُعدٍ منه، يشق الممر الحجري من بوابتي القصر بسيارته الفارهة. هبّت "رحمة" واقفة في الحال ما إن لمحت طيف ابنتها في الكرسي المجاور للسائق. لم يحرّك "عثمان" ساكنًا، إنما بقيت ملامحه الحادة متحفزة بالغضب الواضح وهو يوجه أنظاره مباشرة نحو صديقه. انتظره بمكانه عاقدًا يديه خلف ظهره. راقبه وهو يصطف السيارة وسط الفناء الأمامي، ثم يترجل بتأنٍ ملاقيًا عينيه.
لوهلةٍ اكتنفت نظراته تحدي صارخ. كان سيمضي ليساعد "شمس" على الخروج من السيارة بدورها، لكنه لمح أمها، عدوته اللدودة، وهي تندفع نحوها هاتفة باسمها. فتحت لها باب السيارة وشدتها من رسغها للخارج. بكت "رحمة" رغمًا عنها وهي ترى ابنتها في حالة يرثى لها، بالكاد استطاعت الوقوف على قدميها. تعلقت عيني "شمس" بعيني أخيها الآن، تنظر إليه مقرّة بخزيها، بينما تتركها "رحمة" مستندة إلى مقدمة السيارة. هرولت تجاه "رامز" والشرر يتطاير من عينيها صارخة:
- عملت إيه في بنتي يا حيوان يا واطي!!!
بإشارة من يد "عثمان" اندفع "صالح" مسرعًا ليلحق بـ "رحمة" قبل أن تتهجم على "رامز" الذي كان مستعدًا لها ما إن تلمسه فقط. تخبطت "رحمة" في قبضة "صالح" متصايحة باهتياجٍ قبالة "رامز" مباشرةً:
- اوووعــى.. سيبـني.. سيبـني هاقتلك!!!
إللي يقرب من بنتي.. إللي يحاول يئذيها أشرب من دمــه.. أكلـه بسنــاني!!!
عملت فيهـا إيـه يا كلب؟؟؟
ابتسم لها "رامز" باستفزاز ولم يشفيها برد، مما أشعلها أكثر وأجبر "صالح" على زجرها بحدة:
- من فضلك.. إهدي شوية كده ماينفعش!!
وكأنها لا تنصت، لم تكف عن محاولة الوصول إلى غريمها بضراوةٍ شرسة، أمام نظرات كلًا من "عثمان" و"شمس" المتفرجة. ازداد شحوب "شمس" وهي تقف عاجزة عن فعل أي شيء. لم تتحمل وضعها أكثر، واستسلمت للاغماءة التي داهمت وعيها فجأة، ليقاطع سقوطها كل شيء، العراك والصياح. أطبق الصمت، وأطلقت "رحمة" صرخة واحدة وهي تتخلص من قبضة "صالح" بسهولة بعد أن أفلتها بارادته. توقف قلب "رامز" عن الخفقان للحظة، وكاد يتحرك من مكانه تجاه جسد "شمس" المسجى فوق الحجارة القاسية، إلا إنه لم يستطع تخطي "صالح" الذي وقف بوجهه كحائط سد، منيع.
- خد رامز لأوضة المكتب من فضلك يا صالح!
انتبه "رامز" لصوت "عثمان". رفع وجهه ليراه قد انتقل بطريقة ما عند أخته. انحنى خلال لحظة حاملًا إياها بخفة بين ذراعيه. سار بها نحو البيت وهو يكمل بحزم:
- مدام رحمة تعالي ورايا.. هاتقعدي جنب شمس لحد ما يجي دكتور يشوفها!
***
وصل "نبيل الألفي" إلى منزل شريكه في الثامنة إلا خمس دقائق. بقي في سيارته لخمس دقائق أخرى وقد خابر "حسين" بوجوده في الخارج منتظرًا ابنته. أخبره عن وجهتهما وطمأنه بأنه سيعتني جيدًا بها، ليرد الأخير مثقلًا إياها بثقته العمياء فيه. ما حمل "نبيل" أكثر على تشديده للوفاء بالوعد الذي قطعه على صديقه. "مايا" ستتم إعادة قولبتها من جديد، حتى لو استخدم معها أشد الأساليب حرارة وقسوة، ليتمكن منها أولًا، لتقع في قبضته فقط وهو أكثر من مؤهل للقيام باللازم.
تظهر "مايا" أخيرًا، بعد مدة وجيزة من إرساله برسالة نصية لها. يخرج من سيارته حالما يراها، يشعر بمزيد من الحماسة. إنها تلعب معه إذن! تقبل عليه مرتدية ذلك المعطف الذي حتمًا عمدت إلى إخفاء كارثة أسفله، من واقع خبرته القليلة معها. إلا إنه يفهم كيف تفكر ويفطن جيدًا إلى تصرفاتها. من نظرة واحدة في وجهها المزين بشكل مبالغ فيه، تأكد من حدسه. تهادت "مايا" في خطواتها الخيلاء، لا تستعجل وهي تسير نحوه فوق حذائها عالي الكعبين. تنظر في عينيه مباشرة وتبدو شديدة الثقة بنفسها، مما يرسم ابتسامة مستخفة على ثغر "نبيل". لكن تصرفه لا يثبط شيئًا من ثقتها، فقد أعدت نفسها له جيدًا.
- هاي!
تغلغل صوتها الناعم إلى مسامعه بانسيابية. تلك البداية أعجبته كثيرًا. الآن وقد توقفت أمامه، فاجأها بأن مال وحياها بقبلة على خدها وهو يقول:
- إيه الحلاوة دي كلها! انتي جميلة أوي إنهاردة يا مايا.
رغم طبقات المكياج التي تضعها على وجهها، لكنه يُجزم بأن وجنتيها تتوّردان الآن، وحصل على التأثير الذي أراده عليها من خلال رؤيتها تضطرب قليلًا وهي ترد عليه مجفلة:
- إنهاردة بس؟ أنا طول عمري حلوة.
ضحك "نبيل" وأومأ قائلًا:
- آه طبعًا.. أكيد.. أنا واثق إنك كنتي حلوة و لحد دلوقتي.. حلوة أوي.. أوي!
ابتلعت ريقها بتوتر طفيف إزاء نظراته الصريحة وكلماته، بادرت قائلة قبل أن يتطور بهما الحديث هنا بمنزل أبيها وتصير ورطة:
- انت قلت هاتاخدني على فين بقى؟
رفع حاجبه بحركة اعتيادية وهو يجيبها:
- أنا قلت لك هانتعشى في مكان حلو.. أعرف ريسترانت ممتاز واخد أعلى تقييم السنة دي.. الشيف إللي ماسك المطبخ راجل مشهور بالمناسبة. وسكت حين لاحظ عدم تجاوبها، ليقول بعد لحظات:
- لو عايزة نروح مكان معين قولي.. أنا تحت أمرك الليلة دي يا مايا هانم!
وانحنى بشكل دراماتيكي جعلها تطلق ضحكة عالية، رقيقة، ثم تقول:
- طيب نتحرك بس الأول.. و هقولك أنا نفسي أروح فين.
يرمقها "نبيل" بنظرة طويلة ذات مغزى مع ابتسامة جانبية، ثم يقول:
- أوكي.. يلا بينا!
يفتح لها باب سيارته، تضحك من جديد بخفوت بينما يغلق ورائها الباب. لا يعرف لماذا يزداد شعور الرغبة بالمزيد معها كلما مر وقت أكثر بينهما، رغم إنه يعلم بأنها تلاعبه كما يلاعبها، لكنه يجد الأمر برمته ممتعًا. شيء واحد فقط لم يكف عن بث أجراس الإنذار بداخله، وهو التزامه أمام نفسه، وأمام صديقه. لا يمكنه العبث مع "مايا"، حتى لو جعلها تظن ذلك. من جهة أخرى سيوفي بوعده إلى أبيها، سيوفي به حرفيًا.
***
لم يترك "عثمان" أخته إلا بعد أن أتى الطبيب وفحصها. أكد بأنها بخير تمامًا، ولم يصبها أذى، إن هي إلا صدمة عصبية تستوجب المواظبة على جرعة معينة من المهدئ لبضعة أيام وشيء من الراحة. تركها "عثمان" بغرفتها في عهدة أمها، ثم لحق بصديقه وابن عمه بالأسفل. توجه رأسًا إلى غرفة مكتبه.
- سيبنا لوحدنا من فضلك يا صالح! قالها "عثمان" ما إن دخل إلى مكتبه.
كان كلًا من "صالح" و"رامز" يقفان قبالة بعضهما ولا يبدو أنهما قد خاضا أي حديث أو تبادلا حتى كلمة واحدة. أحس "صالح" بالامتنان فجأة تجاه ابن عمه، كأنه كان يتوق لأن يغادر مسرعًا، إذ لا شيء يخصه هنا وتلك التي تدعى "شمس" هي في الحقيقة ابنة عمه، لكنه لا يزال مرتبكًا من حداثة الخبر، وكحال الجميع، يشعر بعدم تقبله إياها، بل ويستنكر كل ما يجري هنا. ولاؤه الأول والأخير لسيدة هذا القصر، سيدته الوحيدة، "فريال المهدي"، الزوجة الوحيدة والمعترف بها لـ "يحيى البحيري" ولا غيرها. انسحب "صالح" من فوره مغلقًا باب المكتب ورائه، لينفردا الصديقين ببعضهما أخيرًا.
سار "عثمان" على مهل تجاه مكتبه، يولي ظهره إلى صديقه فيما يستل لفافة من علبة سجائره المتموضعة فوق السطح الزجاجي. كم هو بحاجة إليها، إلى شيء يلهيه ولو مؤقتًا عن أذية "رامز"، على الأقل ريثما يعقد هذا الحوار، حتى يعرف قبل أن يقدم على إيذائه أسباب مقنعة، ولكي لا يلام بعدها.
- سنة ولا سنتين؟
التزم "رامز" الصمت والسكون التام حين بدأ "عثمان" حديثه بهذا السؤال. رآه يشعل سيجارة، ولا يزال موليًا ظهره إليه، يدخن بشراهة وهو يعبث بقطعة أثرية ثمينة فوق مكتبه. يبدو إنه يتعمد عدم النظر إليه، ويسمعه يتابع بهدوء:
- مش قادر أجمع.. آخر مرة شوفتك إمتى؟ بقالنا قد إيه ماتقابلناش يا رامز؟
رد "رامز" بدقة وبلهجة ثابتة:
- آخر مرة اتقابلنا من سنتين ونص.. كنت عازمك على أول افتتاح لشركتي.. جيت القاهرة مخصوص عشان تحضره.
أومأ "عثمان" مستحضرًا هذا اليوم بتفاصيله. ليس إنه قد نساه، إلا إنه أراد أن يلمح بشيء إلى ذاك الأخير. هو لم يكن يومًا بالشخص العادي بحياة أي من حوله، حتى "رامز الأمير" نفسه. رغم مستواه المادي الرفيع، وانحداره من عائلة عريقة لم يتبق منها الكثير، خاصة بعد وفاة والديه، لم يكن ليفلح بمفرده في تأسيس عمله الخاص، أو حتى استكمال مسيرة والده العملية الناجحة، لولا وقوفه إلى جانبه، وإمداده بمساعدات على الصعيد المهني. عرفه إلى أبرز رجال الأعمال وحرص على توطيد علاقته ببعضهم لكي ينضم سريعًا إلى النادي. لم يبخل عليه بالمشورة ولا بخبرته. كان "عثمان البحيري" دومًا نعم الصديق. كان رجل المواقف بشهادة كل من عرفه. كان ولا يزال من أروع الشخصيات التي قد يعرفها أي إنسان. فماذا استحق من صديقه في المقابل؟ الخيانة.. نكران المعروف.. الطعن بالظهر.
سؤال واحد هو الفيصل بينهما قبل أن يتخذ "عثمان" قرارًا لا رجعة فيه بشأن الصداقة التي ربطت يومًا بينه وبين "رامز الأمير"، وهو ما لم يتردد على طرحه. الآن تمامًا سأله بذات الهدوء دون أن يغير من وضعيته شيء:
- انت كنت عارف إن شمس تبقى أختي يا رامز؟
أجاب "رامز" بلا تردد:
- أيوه.. كنت عارف.
سحب "عثمان" نفسًا طويلًا من سيجارته وتذرع بمزيد من الصبر. طرح عليه سؤالًا آخر:
- من إمتى و انت في علاقة معاها؟
- من مدة طويلة.. حوالي 5 سنين.
- 5 سنين!
ردد "عثمان" من تحت أنفاسه المحملة ببقايا دخان التبغ الثقيل. سحق عقب سيجارته بالمنفضة وهو يقول بصوت مكتوم كابحًا شره المتأهب بمعجزة:
- طول المدة دي.. مافكرتش تيجي تقول لي.. مافكرتش لو أنا عرفت من حد غيري ممكن أعمل إيه!؟
صمت "رامز" لهنيهة، يمعن التفكير بكلمات صديقه، يحاول أن يتحرى ما سيقوله ردًا عليه. أيصارحه بأنه لم يكن يعلم بحقيقة أن "شمس" تكون أخته نصف الشقيقة سوى قبل فترة قصيرة؟ أم يكسب بعض الوقت ليختبر نظريته!! يحسم "رامز" أمره قائلًا بصلابة:
- لو كنت جيت و صارحتك يا عثمان.. كنت هاتقبل بعلاقتي بشمس؟ كنت هاترضى تجوزهالي؟
يدير "عثمان" رأسه قليلًا تجاهه وهو يقول بضحكة خشنة قاصدًا كل كلمة قاسية خرجت من فاهه:
- انت بتهزر يا رامز! طيب حط نفسك مكاني.. واحد صعت معاه.. اتقاسمتوا الشرب والنسوان.. وعارف عنه كل أسراره.. الأسرار اللي محدش غيري عرفها عنك يا رامز.. متخيل إني ممكن أوافق أحط إيدي في إيدك وأجوزك أختي!؟
هذا وبمنتهى البساطة، حققت كلمات "عثمان" هدفها تمامًا، ولم يعد "رامز" ليشّك بعد الآن برؤيته للأمر. ابتلع "رامز" كلمات صديقه المنتقصه منه لأول مرة على مر سنين صداقتهما، ليقول بصوت به نبرة سخرية:
- يا خسارة.. يعز عليا أخيب أملك والله يا عثمان.. بس انت مضطر تقبل الواقع.. أنا وشمس لبعض.. سواء عجبك ده أو لأ.. شمس بقت تخصني.. لو ده مفهومك عن الجواز وإنك تحط إيدك في إيدي.. للأسف انت جيت متأخر!
فجأةً، ضرب "عثمان" لوح الأنتيك الزجاجي الذي يساوي ثروة ليسقط مفتتًا في الحال. استدار بوجه يعصف بالغضب نحو صديقه. خطى خطوتين سريعتين تجاهه. وقف "رامز" بشكل مستقيم كأنه لا يهاب شره المستوحش والجاهز فعليًا للانطلاق. غشت عيني "عثمان" سحابة قاتمة وهو يحدق بوجه "رامز" بنظرة تهديد صرف مدمدمًا:
- شمس.. أختي أنا.. مش هاتّوزك انت يا رامز.. سمعتني كويس؟ وأحسن لك تبعد عنها وتناها خالص.. ده لو لسا فيك ذرة عقل!
اشتدت عضلات فك "رامز"، لم يتراجع لهذا التهديد المبطن، لم يحيد حتى بناظريه عن صديقه طرفة عين. في الواقع خطى خطوة نحوه وأغلق المسافة بينهما، ثم قال بعداء سافر:
- أنا ماكنتش عايز ألعب بالكارت ده حفاظًا على الصحوبية اللي كانت بينا يا عثمان.. وبقول كانت لأنك قطعت دلوقتي أي حبل ود كان بيربط بيني وبينك. كلمتك مالهاش أي قيمة بالنسبة لي.. لأن شمس أصلًا مراتي!!
جمدت ملامح "عثمان" وهو ينظر إليه بثبات لعدة لحظات طويلة مضنية. على ما يبدو أن صديقه لديه رغبة جدية في الموت!!!
- ابقى اتغطى كويس يا رامز! قالها "عثمان" بصوته الأجش لم يدخر جهدًا ليبدو أكثر سخرية وهو يستطرد منتقصًا منه:
- حلم إن شمس تبقى مراتك ده مستحيل. أختي مش متجوزة وأوراقها الرسمية تثبت كلامي. يوم ما تتجوز أكيد مش هاتكون سيادتك سعيد الحظ.
انبلجت ابتسامة متهكمة على ثغر "رامز"، سحب محفظته من جيب سرواله الخلفي، فتحها وأستل بإصبعيه ورقة بيضاء مطوية بعناية، فردها أمام عيني "عثمان" المرتابتان وهو يقول بلهجة متحدية:
- شمس مراتي من 3 سنين وأكتر.. أنا وهي متجوزين… عرفي!!!!
رواية كرسي لا يتسع لسلطانك الفصل الرابع عشر 14 - بقلم مريم غريب
أضاءت النجوم الساطعة السماء الصافية بوهجٍ باهر.
لامست وجنتيها نسمات الليل المنعشة.
كانت ممتنة لمجاراته لها بنزوته.
رغم حرصها على تذكير نفسها بأنهما في لعبة.
ما بينهما مجرد لعبة ويتحتم عليها الانتباه لذلك على الدوام.
تعرف تمامًا بأنها إن غفلت فإنها خسارتها المؤكدة.
وهي لا تنوي أبدًا الخسارة أمامه.
ليظن بها أسوأ الظنون.
هذا ما تنشده.
هذا ما تريده بالضبط.
ولتنال منه المتعة التي تصبو إليها.
المتعة الخالصة التي وضعتها هدفًا أسمى نصب عينيها قبل بضعة سنوات.
والقانون الوحيد الذي تعتمده.
لا ثقة بأي رجل.
ولا أمان لأي رجل.
فما بالها بنبيل الألفي!
الرجل الأكثر جرأة.
أخطر رجل قابلته على الإطلاق.
والأجمل.
الأوسم.
إن وسامته تذيب قلبها.
مجرد إطالة النظر إليه تضعف من عزيمتها تجاهه.
لذلك هي تتشبث بأذيال خيبتها وسنوات الذل بكل ذكرياتها.
تتسلح بهم أمامه وتتذكر.
حالما تشعر بأي ضعف.
لا يسعها إلا أن تتذكر.
أن الذي كسر قلبها هو رجل.
الذي دعس على كرامتها هو رجل.
الذي دمر أحلامها وآمالها هو رجل.
نبيل أيضًا رجل.
مثل جميع الرجال.
أخويها وأبيها.
خطيبها السابق وحتى الرجل التي تزوجته.
مثلهم جميعًا.
"مبسوطة يا مايا؟"
التفتت مايا نحو نبيل منتبهة إلى ندائه.
رأته ثابتًا في مكانه بجوارها.
تنعكس على وجهه أضواء الثريات الملونة والمتراقصة.
تشعر بالرضا لرؤية بريق الرغبة في عينيه وهو ينظر إليها بنظرات شاملة.
ابتسمت برقة وهي تقول مرفرفة بالأهداب الاصطناعية الكثيفة الطويلة:
"آه، مبسوطة أوي، وانت؟"
رد بهدوء وهو يفترش ذراعه سطح الأريكة المنجدة:
"أنا مش قادر أحدد إحساسي بصراحة، بس إللي متأكد منه إني حابب أوي قربنا من بعض. ما تقربّي عليا شوية!"
ومسّ جانب كتفها العاري بأنامله.
تتبعت مايا أنامله بعينيها متمتمة:
"أنا هقوم، هاروح التويليت وراجعة لك تاني."
قامت من مكانها آخذة حقيبة يدها الصغيرة فقط.
أفسح نبيل لها لتمر من أمامه.
لم تفارقها عيناه وهي تسير بزهو كطائر الطاووس.
عبر أروقة الصالة الصاخبة.
فاتنة في ثوبها الذي يحض على الفسق.
كانت مجرد قطعة من قماش المخمل النبيذي.
قصيرة تصل إلى منتصف الفخذين.
عارية الكتفين.
تبرز مفاتن جسمها بوضوح كبير.
أطلق نبيل أنفاسه المحبوسة ما إن توارت عن ناظريه.
أحس فجأة بالحمى تضرب خلاياه وتشع من مسامه.
فتناول كأس شرابه من فوق الطاولة أمامه وتجرعه على دفعة واحدة.
إنه حتى الآن يتمالك أعصابه بمعجزة.
بدايةً بطلبها إليه أن يقضيا سهرتهما في ملهى ليلي.
تظاهر بأن الأمر يروقه ورحب بإحضارها إلى هنا.
لتصدمه لحظة دخولهما إلى المكان.
عندما خلعت معطفها وتأكد حدسه.
لقد كانت ترتدي هذا الثوب لتثير أعصابه.
رغم إنه لم يحقق لها غايتها ويبدي التأثير الذي ناشدته.
تصرف بمنتهى التحضر وهو يأخذها ليجلسها إلى طاولة لفردان.
ومنعها شيء واحد فقط ليرضي غرورها وأنوثتها الجائعة.
ليهمن رجل.
لم يبخل عليها بالثناء على جمالها.
وبترديد عبارات الغزل الصريح على مسامعها.
كانت خطته تقضي إيهامها بالسيطرة عند كل منعطف.
حتى تطمئن له على الأخير.
عند ذلك سيفاجئها بما نواه معها منذ البداية.
رجل مثل نبيل الألفي.
بعقليته الفذة.
لا يغتّر بذكائه.
ولا يمكن أن يستهين بخصمه.
رغم ثقته التامة بخضوع مايا إليه عاجلًا أو آجلًا.
لكنه لا يتعجل أي شيء بينهما.
هدفه أن تأتي إليه طواعية.
أن تتقبل مصيرها بين يديه مهما كان مرحبة.
أن تسقط بفخه عارفة بحتمية هلاكها ولكنها تحب ذلك.
لن تستعيد مايا نفسها إلا بهذه الطريقة.
لن تشفى إلا بعد أن يتمكن منها ويدمرها عن آخرها.
يحرقها حتى يفنيها.
ثم بعدها ستولد من جديد.
كما العنقاء من رمادها المحترق.
هو يعرف منذ الآن بأن خطته إذا نجحت وسارت كما يريد بالضبط فإنه لن يجد لنفسه مكانًا بأي حياة جديدة لمايا عزام.
لكنه لا يعبأ في الحقيقة.
هو لم يود علاقة جدية وأبدية معها.
كل ما أراده هو إثباتها إلى رشدها.
رد معروف والدها فيها.
إنه يدين لصديقه وشريكه العجوز بالكثير.
ومايا هي فرصته المثلى لرد هذا الدين كاملًا.
لن يتركها حتى يعيدها إلى حضن أبيها طالبة حمايته والاحتماء بكنفه.
حتى لو اضطر لخسارة حسين عزام نفسه بعدها.
سيعيد إليه ابنته أولًا مهما كلفه الأمر.
أشعل نبيل سيجارته الثانية بحلول الآن.
كان يدخن بشيء من العصبية وهو يحصي دقائق غيابها.
لقد غابت لخمس دقائق تقريبًا.
ماذا تفعل هناك كل هذا الوقت!؟
لم تكد السيجارة تنتهي.
إلا وظهرت مايا أخيرًا.
جمد لوهلة وهو يراها تقف بمنتصف الطريق.
ليتبين بنفس اللحظة ظل من ورائها.
ما لبث أن وضح وظهر كرجل.
رجل أسمر اللون.
قوي البنية.
هيئته تشي بانتمائه للدولة المقيمين بها.
إنه عربي من أهل هذا البلد بالتأكيد.
ماذا يريد منها بحق الله!؟
هب نبيل واقفًا قبل أن تحط يد الأخير على خصر مايا.
اندفع صوبهما كالسهم.
وصل إليها خلال لحظات.
قبض على رسغها بينما ذاك الرجل يتحسسها بكفوفه معتزمًا سحبها إلى حلبة الرقص.
"آاااي.. نبيل!"
غرز نبيل أصابعه أعمق بمعصم مايا غير آبهًا بصيحتها المتألمة.
شدها بقوة نحوه مغمغمًا من بين أسنانه:
"إمشي معايا.. هانخرج من هنا حالًا!"
كان الأخير يشد ذراع مايا الآخر.
تصدى إلى نبيل على الفور قائلًا بابتسامة سمجة:
"تريّا يا ريّالتراني مستانس مع الأنسة!"
أظلم وجه نبيل وهو يرد عليه بصوت أجش:
"المـدام.. معايا يا صاحبي. وإيدك بعيد لو سمحت!!"
شدد الأخير قبضته حول ذراع مايا وهو يقول بتصميم:
"بعطيك لو تبا ثمنها!"
لم تستطع مايا التي كانت تراقب النزاع عليها كتم صرختها.
حين اندفعت قبضة نبيل.
نحو الرجل الذي عملت على إغوائه لإثارة نبيل.
لقد نجحت.
ها هو نبيل يفجر أنف ذلك الرجل بالدماء.
وقد كانت لكمة واحدة بـقـبـضـتـه هو كافية للقضاء عليه.
استقطب العراك القصير نظرات رواد الملهى.
ولم تتسن الفرصة للأمن بالتدخل.
فقد سقط الرجل مترنحًا.
بينما أخذ نبيل رفيقته عائدين إلى الطاولة لتجلب معطفها.
ثم سحبها خلفه إلى الخارج.
اشتدت أصابعه حول المقود وهو يكاد لا يرى الطريق أمامه من شدة تدفق أفكاره.
لم ينفك ينزح بكم قميصه الدماء السائلة من جرح شفته السفلى الذي سبّبته له قبضة صديقه.
كما لم تكف ذكرى المشاجرة الطاحنة بينهما تطرق رأسه مفاقمة من غيظه وغضبه على صديقه.
على عثمان البحيري.
لقد خلع قناع الكياسة الأرستقراطي بلحظة.
ما إن أشهر رامز وثيقة الزواج العرفي من أخته شمس.
لم يستوعب رامز ما حدث في البداية.
ليجد نفسه منسدحًا فوق الأرض وقد أطاحه عثمان عن قدميه بلكمة واحدة عنيفة.
لم يحاول رامز الاستيعاب بعدها.
كذلك لم يدافع عن نفسه.
بل هاجمه على الفور متفاديًا ركلة من قدمه أراد تسديدها إلى منتصف معدته.
قفز واقفًا أمامه برشاقة.
استوحش مظهره المتشعث أكثر وهو يرمق صديقه بعداء سافر.
فك عثمان زر كميه وشمر عن ساعديه.
وانبعث هسيسه الخطر عبر أنفاسه اللاهبة:
"انت انتحرت لما فكرت تورّيني الورقة دي يا رامز!!"
رد رامز بخشونة وهو يتنفس بعنف:
"وانت بقيت عدوي من اللحظة دي يا عثمان!"
ونشب العراك بينهما على الفور.
مزيج من اللكمات والضربات.
قبضات وأكواع.
دماء.
صيحات كلاهما.
أصوات تحطيم مصمة.
لم يسهل على الاثنين الإيقاع بأحدهما الآخر.
كانا متعدلين لحظة بلحظة.
يتقاتلان مثل كلبي شوارع.
لولا أن اقتحم صالح البحيري غرفة المكتب واندفع ليفصل بينهما عبثًا.
تركهما للحظة ليصرخ على رجال الأمن.
دقيقة واحدة وحضر فردان من الحراسة المكلفة بتأمين القصر.
نجحا بالفصل بين الرجلين بأمر من صالح الذي تولى زمام ابن عمه ممسكًا ذراعه بشدة قائلًا:
"إهدى يا عثمان!!!"
يحدقان كل من عثمان ورامز إلى بعضهما.
يتنفسان بشدة والإجرام يفوح من كليهما.
برقت عينا عثمان اللتان استحالتا إلى لون ذهبي خالص وهو يقول بغلظة من بين أنفاسه:
"الورقة إللي معاك دي.. بلّها واشرب مايتها. والغلط إللي عملته معايا ده.. أنا عارف إزاي أحاسبك عليه يا رامز!"
وصرخ عليه بغضب مهددًا:
"بـراااااا.. اطلع بـرا بيتي يا و××!!!!"
غلت الدماء في عروق رامز وهو يختتم المشهد بعقله من جديد.
أحس بأنه سينفجر وقد فقد تركيزه على الأخير.
صطف سيارته فجأة إلى طريق جانبي.
تزاحمت الأفكار والأصوات في رأسه حتى شعر بضغط رهيب.
"شمس".. "شمس" فلتت من قبضته.
كيف يستعيدها الآن!؟
لماذا استمع إلى صديقه!؟
لماذا أعادها إليه قبل أن يتمم زواجهما!؟
لطالما عرف منذ أخبرته بالصلة التي تربطها بعائلة البحيري.
منذ أخبرته إنها أخت عثمان البحيري نصف الشقيقة.
إنه لن يقبل به زوجًا لأخته.
هذا واضحًا بشدة الآن.
رفضه عثمان.
ضربه.
توعده بالدمار والثأر منه.
هذا كله لا يهمه حقًا.
إنها شمس فقط.
شمس التي تعنيه.
ولن يهدأ له بال حتى يستعيدها.
وسيفعل وإن اضطر لانتزاعها.
لخطفها من عقر دار أخيها ومن تحت سقف منزله المحصن.
اهتدى رامز بغتةً إلى فكرة ألمعية.
آخر محاولة سلمية سيتبعها مع صديقه ليسلمه شمس عن طيب خاطر.
تناول رامز هاتفه الملقى بجواره على كرسي الراكب.
عبث به للحظات مجريًا الاتصال باسم لم يتواصل معه منذ زمن.
مرت ثوانٍ طويلة قبل أن يرد الصوت المألوف.
رخيمًا مرحًا:
"رامز البرنس! أنا مش مصدق نفسي.. يا ترى إيه إللي حصل عشان تفتكرني فجأة كده يا واطي!"
لم يتجاوب رامز مع مزاج محدثه الرائق.
إنما رد عليه بصوت يتميز غضبًا:
"مـراد.. انت لازم تيجي فوراً. لازم تيجي و إلا أنا وعثمان البحيري.. واحد فينا ها يقتل التاني!!"
الطقس انقلب رأسًا على عقب خلال طريق العودة.
وكأنه يحاكي مزاجه الأسود.
أمطار غزيرة مصحوبة بالبرق والرعد على طول الساحل.
بالكاد كان نبيل يرى الطريق من سرعة المساحات.
كانت مايا تجلس بجواره هادئة.
باردة.
رغم قلقها عادةً من الإسراع بالقيادة.
كانت منتشية بالحال التي دفعت نبيل إليها.
إنه يبدو… غيران!
"احنا هنسهر في مكان تاني و لا انت مروّحني؟"
لم يرد نبيل.
واصل القيادة وتصرف كأنها ليست موجودة معه.
ما أغاظها ودفعها لسؤالها بصوت أكثر حدة:
"نبيل.. أنا بكلمك!!"
"الراجل إللي وقفتي معاه.. كان بيقولك إيه عشان تضحكيله كده؟"
التزمت الصمت لهنيهة.
تناظره بامعان.
ثم قالت بهدوء:
"كان عايز يرقص معايا.. وطريقته عجبتني. انت إللي كبّرت الموضوع وعملت فضيحة.. محدش بيعمل كده على فكـ.."
بترت عبارتها فجأة.
حين داس على المكابح موقفًا السيارة بلحظة.
إن لم تكن تضع حزام الأمان لتأذت لذلك التصرف.
تسمّرت مايا محلها شاخصة العينين.
لم تأت بحركة بينما تسمع صوته الحاد يقول من جانبها:
"طريقته عجبتك!!"
"الراجل إللي طريقته عجبتك.. كان عايز يدفعلي تمنك.. انتي فاهمة يعني إيـه؟?"
رفعت مايا حاجبها قائلة بتبّح:
"انت بتحسسني إنك ماتعرفش عني حاجة! نبيل.. أنا ماكدبتش عليك وصارحتك.. هي دي طبيعتي.. أنا ماعنديش إحساس بأي حاجة غير جسمي.. ولا يهمني حد.. لا عادات وتقاليد.. ولا حتى عندي مبادئ وأخلاق. كل الحاجات دي كانت عندي زمان.. دلوقتي مالهاش وجود.. إللي قدامك دي هي حقيقتي.. نفسي الحقيقية إللي كانت جوايا طول عمري.. أنا كده وهافضل طول عمري كده!!"
رأت مايا وجه نبيل يكفهر مثل ليل شتاء بارد.
وكادت عيناه تنفجران حممًا.
على النقيض تمامًا خرج صوته هادئًا رزينًا:
"الظاهر إني نسيت فعلًا.. بس كويس إنك فكرتيني.
عمومًا أنا جاي معاكي في أي حاجة يا مايا.. وسكتك.. هي سكتي بالظبط!"
تبخر مزاجها العنجهي وهي تتمعن بعينيه قائلة بتوجس:
"مش فاهمة قصدك إيه؟"
التوى ثغره بابتسامة جانبية وهي يسألها:
"قوليلي يا مايا.. انتي عملتي علاقة كام راجل؟ يعني غير وليد إللي اتجوزتيه.. كام واحد عرضتي عليه نفسك؟"
تصلّب وجهها وهي تنظر إليه بقوة.
ثم قالت باقتضاب:
"أنا مش مجبرة أرد على استجوابك!!"
خنق قهقهته سريعًا وهو يقول:
"أنا مش بستجوبك.. أنا بس حبيت أقايس المعلومة على أفكاري."
"أفكارك؟"
"أيوة.. أنا وعدتك إني مش هاخليكي تحتاجي للأغراب طول ما أنا موجود. يمكن طريقتي معاكي كانت بطيئة.. بس احنا فيها.. أنا بتعلم من أخطائي يا مايا!"
بلعت ريقها.
وقالت تحاول تغيير مجرى الحديث للهرب من المعنى الخفي وراء كلماته:
"طيب يا نبيل.. أنا مودي بقى وحش ومش حاسة إني عايزة أكمل السهرة. بليز روّحني!"
لمحت نظراته الشيطانية تعلن نواياه الخبيثة وهو يقول:
"مش قبل ما أشبّع رغباتك.. أنا مايرضنيش إني كنت سبب المود الوحش ده. لازم أعدل مزاجك يا مايا!!"
لم تتسن لها فرصة الرد.
إلا وشهقت بقوة.
عندما شغل المحرك وانطلق بسيارته بغتةً.
"انت واخدني على فين!؟"
لم يلتفت لسؤالها.
ظل يقود مسرعًا بشوارع وطرقات يعرفها جيدًا.
حتى هبط إلى نفق تحت الإنشاء.
توقف بمنتصفه.
وأشعل أضاءة السيارة الداخلية لتبدد شيئًا من عتمة النفق الدامسة.
ثم استدار إليها.
تعابير وجهه أفزعتها.
رغم ذلك لم تظهر له جزعها وقالت بثبات:
"نبيل.. لو سمحت.. روّحني!"
تجاهل نبيل طلبها وقال مشيرًا لها بيده:
"النفق ده لسا تحت الإنشاء.. تعرفي أنا إللي صممته.. وحسين أبوكي بيموّل عملية تنفيذه.. انتي عارفة طبعًا أنا وهو شركا.. المهم يعني.. ده آمن مكان نكون على راحتنا. لو حابة نروح شقتي مافيش مانع."
هزت رأسها بعصبية هاتفة:
"أنا مش عايزة أروح معاك في أي حتة.. أنا هاروّح لوحدي."
واستدارت ممسكة بمقبض الباب.
فتحته بالفعل وترجلت من السيارة ساحبة معطفها في يد وحقيبتها الصغيرة في اليد الأخرى.
اندفعت ماضية بالممر المقفر.
ولو هلة ظنت بأنه قد تركها ترحل فعلًا بهذه السهولة.
كتمت صرخة ملتاعة.
حين أحست بذراعه يلتف حول خصرها.
ثم وجدته يرفعها عن الأرض عائدًا بها إلى السيارة.
"نبيــل.. نزلّنــي.. نزلّنـــــي يا نبيــــل بقـولك!!!"
لم يأبه لصراخها.
لقد أحضرها إلى هنا خصيصًا لتأكده بأن لا أحد بإمكانه سماعها لو صرخت.
لتصرخ كيف تشاء.
منذ متى كان نبيلًا!؟
إنه يفتقر لمعنى اسمه.
إنه ذئب.
إنه غدّار.
ولكن هذه المرة لديه هدف يسعى إليه.
وسيحققه.
الآن.
تأوهت مايا متألمة حين فتح باب السيارة الخلفي ليزجها بعنف إلى المقعد العريض.
أبعدت خصلاتها المبعثرة حول وجهها لتنظر إليه جاحظة العينين وهي تقول:
"انت بتعمل إيـه؟؟"
جاوبها نبيل بهدوء وهو يزحف فوقها ببطء:
"بثبت جدارتي بيكي يا مايا.. المفروض إن ده شكل علاقتنا.. مش صح؟"
رفعت يديها على الفور متشبثة بكتفيه.
تحاول دفعه بعيدًا عنها وهي تصيح بتوتر:
"بس انت فهمت موقفي منك غلط.. أنا وافقت أخرج معاك عشان أتبسط وأغير جو. أنا مش بحبك أصلًا!"
قال بلا مبالاة:
"مش مهم تحبيني.. المهم إيه إللي أقدر أقدمه ليكي.. مش ده مبدأك؟ إيه يا مايا.. هو لعب عيال ولا إيه!؟ انتي كل شوية برأي!؟"
جفّ حلقها وتقلّص إلى حد الإيلام وهي تقول مغالبة اضطرابها:
"أنا مش عايزك يا نبيل.. انت بالذات.. انت بالذات مش ممكن أسمح لك تقرب مني. أبعد عنّــي!!!"
تقوّس فمه بابتسامة قاسية.
ارتفعت يده لتفك أنامله أزرار قميصه.
وتسللت يده الأخرى أسفل تنورة ثوبها القصير.
ارتعشت بشدة وهي توقن بخسارتها الحتمية.
بينما يقول بصوت خفيض. مخيف:
"مش هاسيبك الليلة دي يا مايا.. حتى لو كان التمن إني أخسر علاقتي بابوكي وشغلي في البلد دي.. انت تستاهلي أضحي عشانك!"
صدرت عنها شهقات متقطعة.
حين شعرت بتمزق سروالها الداخلي بقبضته.
غرزت عيناها في عينيه قاتمتي الزرقة.
كانتا عبارة عن أمواج متلاطمة من المشاعر العنيفة.
لم تحاول صدّه بعد ذلك.
تقبلت عاقبة أمرها.
بوحها له بأسرارها.
قلة اكتراثها.
وقاحتها التي اتخذتها أمامه كدرع حماية.
ها هو الدرع ينهار.
والنسخة الفاسقة التي صنعتها من نفسها.
يسحقها بجسده محققًا غايته.
بحلول نهاية ما يفعله.
تحت وطأة اهتزاز سيارته العنيف.
في تلك المساحة المحدودة التي اقترف فيها ذنبًا آخر لعله الأفدح بتاريخ حياته.
لكنه واثقًا بأنه قد بر بوعده.
الليلة ستموت مايا.
لتبعث من جديد وتربى في كنف أبيها ملتمسة حمايته من الذئاب.
منه هو!!!!
رواية كرسي لا يتسع لسلطانك الفصل الخامس عشر 15 - بقلم مريم غريب
الفصل الخامس عشر _ تم العطب _ :
تستطيع أن تشعر بأنفاسه العنيفة على أذنها.. و هو يتمتم شيئًا لم تسمعه ..
رغم إن جسدها كله يرتجف بشدة.. و تتألم كثيرًا.. لكنها لم تقوَ على أيّ حراك.. دموعها لا تزال تسيل من عينيها بغزارةٍ وصدرها يختلج بالغصّات.. تحاول فتح عينيها لكنها تخاف ممّا ستراه ..
تخاف جدًا.. و لا تريد مواجهة ما حدث للتو.. لا تريد ..
صوت “نبيل” مليئًا بالذعر.. لم يعد فوقها الآن.. اصطدم جسدها شبه العاري بلسعاتٍ من الهواء البارد.. و إنفتحا جفناها بغتةً.. لتجهش ببكاءٍ مفاجئ على الفور.. بكاء مرير و هي ترفع يدها بصعوبةٍ لتشد الثوب الذي إنحسر حول خصرها لأعلى لتستر عريها ..
في الطرف المقابل.. “نبيل” قد خرج من السيارة كأنها يفر من قابض الأرواح.. “نبيل الألفي”.. الرجل الثابت.. الواثق.. إنه يرجف من رأسه لأخمص قدميه الآن.. شاحب.. فزعًا ..
كان يعيد إغلاق أزرار قميصه و بنطاله بأنامل مرتعشة.. يسوّي مظهره المتشعّث و هو لا يكف عن ترديد :
-إزاي ؟ .. إزاي ؟
إزاي ؟؟؟؟
كاد يفقد صوابه.. لم يتحمل عبئ صدمته منفردًا.. اندفع ناحيتها ثانيةً.. كانت مكوّمة على نفسها الآن فوق المقعد الخلفي للسيارة.. تبكي و تنوح على خسارتها.. خسارة كل شيء …
-إزاااي !!؟؟؟؟ .. صاح بها “نبيل” ممسكًا بذراعها
إنكمشت محاولة الابتعاد عنه.. لكنه لم يدعها و شأنها.. غرز أصابعه بجلدها الطريّ.. أمسك ذقنها بيده الأخرى هاتفًا بعنفٍ :
-بصّيلي.. اتكلّمي ..
إزاي ؟ .. انتي.. انتي ..
لم يستطع أن يسوغها.. و تقلّص وجهه بألمٍ و هو يقول بلهجةٍ معذّبة :
-ليه ماقولتليش ؟ .. ليه ؟
ليه سبتيني أعمل كده ؟؟؟
نظرت إليه عبر دموعها.. المسكارا تلطّخ عينيها بالكامل و الكحل الثقيل يرسم خطوطًا على خدّيها.. تظل ترمقه بنظراتٍ ميتة دون أن ترد عليه ..
ليتفاقم ذعر “نبيل” من حقيقة ما أقترفه بحقها.. لا.. بحق صديقه.. الرجل الذي تكفّل به و أنقذه من الضياع ..
لقد ضيّع ابنته الليلة.. لقد خانه.. ماذا فعل بحق الله ؟
ماذا فعل ؟
ابنة “حسين”.. “مايا”.. لقد كذبت عليه.. كذبت على الجميع.. لم تفرّط بنفسها حتى و هي متزوجة ..
الحقيقة إنها كانت.. عــذراء !!!
**
أوصلها “نبيل” إلى منزل أبيها بسرعة.. تجنّب النظر إليها تمامًا.. بينما لم توليه الفرصة ليفعل.. ترجلت من سيارته على الفور.. ماضية إلى الداخل بأسرع ما أمكنها ..
أول ما ورد لذهنه لحظة إقلالها إلى منزل أبيها أن يخابر صديقه المحامي ليستعلم منه عن زوج “مايا” السابق.. و بالفعل أخبره الأخير بعنوان الشقة التي نزل فيها و إنه لا يزال بالبلد و لم يغادر بعد ..
انطلق “نبيل” على الوصفة ليصل في غضون دقائق إلى وجهته المنشودة.. لحسن الحظ إن أمن العقار يعرفونه إذ اعتاد ارتياد المكان الذي يضم أشهر المؤسسات الترفيهية.. مرّ بسهولة و استقلّ المصعد للطابق الثالث عشر ..
كان أمام شقة “وليد” في لحظاتٍ.. قرع الجرس بإلحاحٍ مخفضًا رأسه حتى لا يتمكن الأخير من التعرّف عليه من خلال الكاميرا المثبّتة أعلى الباب ..
دقيقة واحدة و إنفتح باب الشقة و ظهر “وليد” أمامه.. و قبل أن يفتح فاه بكلمة دفع “نبيل” الباب بساعِده و اقتحم الشقة راكلًا الباب بقدمه.. أمسك بتلابيب “وليد” الذي صاح مضطربًا :
-نبيل باشا.. حصل إيه ؟
في إيه بس يا باشا ..
مضى “نبيل” يدفع به حتى الشرفة.. أزاح النافذة الجرّارة و أماله على حافتها مهددًا إيّاه و ملامحه تنطق بالجديّة و الشر و هو يقول بخشونةٍ :
-أسمعني.. أقسم بالله.. أنا على استعداد أرميك من هنا بجد
و ماعنديش مشكلة أدخل فيك السجن.. كبيري كام سنة و أخرج تاني.. بس انت بقى يا صاحبي !!
جحظت عينا “وليد” بفزعٍ و هو يسأله جاهلًا أسباب كل هذا الغضب و العنف :
-أنا عملت إيه بس يا باشا ؟
فهمني.. انت قلت لي طلّق و أنا طلّقت.. قلت لي ماتشوفنيش و لا حتى صدفة
أنا كنت مسافر أصلًا بس قلت أقعد يومين أشوف البلد.. أنا آسف يا باشا و الله خلاص مش عايز أشوف حاجة خالص.. أنا هامشي.. هاطلع على المطار دلوقتي حالًا.. هـ آ …
-أقطم يالا ! .. قاطعه “نبيل” بغلظةٍ
كانت قبضته كالحديد.. و لم يستطع “وليد” بقوته الهزيلة التملّص منه.. ازدرد ريقه بخوفٍ و هو ينظر من العلو الشاهق إلى الشارع بالأسفل.. ثم عاود النظر إلى “نبيل” الذي أظلمت نظراته أكثر و هو يقول بلهجةٍ خافتة و خطرة في آنٍ :
-انت نسيت تقولّي حاجة يا وليد ؟
لما قعدنا و اتكلمنا.. سألتك عن علاقتك بمايا عزام.. قلت لي إنك كنت متجوزها و عايش معاها سنتين.
أومأ “وليد” مرارًا قائلًا :
-حصل.. حصل يا باشا.. و الله ما كدبت عليك في حرف !!
هتف “نبيل” غاضبًا :
-لأ كدبت.. إزاي عيشت معاها سنتين في بيت واحد
منغير ما تلمسها ؟؟؟
تسمّرت ملامح “وليد” لهذا التصريح.. لوهلة باغتته المفاجأة.. ليدرك المعنى الجلي من ورائها …
-مين قال لسعاتّك الكلام ده !؟
دفع به “نبيل” أكثر إلى الحافة مغمغمًا بشراسةٍ :
-مالكش دعوة.. لو باقي على روحك أنطق و صارحني
قول الحقيقة.. كل الحقيقة و إلا و عزة الله مش هاتشوف الصبح !!!
رد “وليد” بهسترية :
-هقولك.. و الله هقولك مالوش داعي ده كله
إهدى يا باشا.. خف إيدك عليا و الله هقولك كل حاجة.. لو كلمة واحدة ماحصلتش أعمل فيا ما بدالك !!
لم يتركه “نبيل” فورًا.. لكن بقي جسده متحفزًا عن تركه و ابتعد عدة خطوات للوراء ..
تنحّى “وليد” عن الشرفة تمامًا ما إن تحرر.. استند إلى الجدار المقابل مجفلًا.. غير مصدقًا بأنه قد نجا من هلاكه المحقق على يديّ رجل مثل “نبيل الألفي” ..
بدا “نبيل” نافذ الصبر حقًا.. فبادر “وليد” قائلًا بصدقٍ واضح :
-أنا ماكدبتش عليك لما حكيت لك عن علاقتي بمايا.. كل إللي قلته حصل.. من أول ما اتعرفنا لحد ما كتبنا الكتاب.. لكن إللي حصل بعد كده ..
نظر له “نبيل” بقوة منتظرًا ما سيدلي به.. ليكمل الأخير :
-أول ليلة لينا مع بعض.. كنت معاها في شقتها
كنت عارف دوري في الجوازة دي و كنت مستعد أقوم بيه.. أنا فعلًا بدأت أقرب منها و أنفذ إللي طلبته مني بالظبط.. بس.. هي فجأة وقفتني.. في الأول استغربت
لاقيتها بتحجج إنها مش جاهزة.. سيبتها.. تاني يوم قالت لي تعبانة.. و بقت كل يوم بحجة.. لحد ما اتفقت معايا إني ماحاولش معاها تاني إلا لما هي إللي تيجي و تطلب مني
إللي حصل بقى إننا قعدنا سنتين في بيت واحد و عمرها ما جت طلبت مني أي حاجة
لحد ما صحيت في يوم زي ما قلت لك و لاقيتها بتطردني.. أنا عمري ما لمست مايا.
و فرغ “وليد” ..
لم يكن “نبيل” بحاجة لسماع شيء آخر.. كانت تلك الحقيقة التي اكتشفها منذ قليل أساسًا.. لكنه لآخر لحظة آمل بأنه تمارس عليه خدعةً ما ..
إنها خدعته حقًا.. دفعته دفعًا لاحتقارها.. ذكرته بالمرأة الوحيدة التي أحبّها في فترة شبابه و خانته ..
الليلة استفزّته.. و كأنه رأها.. و كأنه رأى “شاهيناز” و ليست “مايا”.. أراد أن يثأر لنفسه حتى و هو يتوّهم بأنه يفعل الصواب ..
ما من صواب حدث الليلة.. لقد اغتصبها.. انتهك عِرض صديقه ..
لقد تم العطب بنجاح !
رواية كرسي لا يتسع لسلطانك الفصل السادس عشر 16 - بقلم مريم غريب
رائحة عطر.. تعرفه جيدًا.. عطر أبيض .. بمقدمة عطرية من التوت الأسود.. قلبه من زهرة البرتقال.. و قاعدته من الماتول .. إنه يشبه عطر “رامز الأمير” إلى حدٍ كبير.. بل إنه نفسه هو !
هذا الإدراك جعلها تنتفض من غفوتها المتأرجحة و تستيقظ على الفور هاتفة بأسمه بمزيجٍ من اللوعة و الخوف:
- رامــز !!
و لكن لا أثر له.. لم يكن موجودًا.. لم يكن هو.. بل كان أخيها.. “عثمان البحيري”…
- حمدلله على السلامة !
لم يهدأ صخب قلبها بعد.. بل تزايد حين فتحت عيناها و رأته جالسًا قبالتها فوق مقعدٍ وثير.. يضع ساقًا فوق الأخرى.. هادئًا مسترخيًا.. على عكسها ..
لاحظ “عثمان” ارتعاشة جسدها الطفيفة.. ما لفت نظره إلى برودة الجو الفعلية هذه المساء.. فقطب قائلًا و هو ينهض في الحال:
- بردانة صح ؟ أنا آسف ماخدتش بالي إلا دلوقتي إن الجو بدأ يبرّد.. أصل طول بالي مشغول مابحسش بأي حاجة.. ثواني و هاتحسي بالدفا يا شمس.
و بعد تنقيب سريع.. عثر على جهاز التحكم عن بُعد.. أدار نظام التدفئة الخاص بالجناح.. ثم عاد ليجلس هذه المرة على طرف الفراش .. قريبًا منها.. أمامها مباشرةً …
- هي مامي فين ؟ .. تساءلت “شمس” بصوتٍ بالكاد يُسمع.
أجابها “عثمان” و هو يميل صوبها ممسكًا بكتفيها.. رفعها بسهولةٍ ليسند ظهرها إلى الوسائد حتى تتمكن من الجلوس جيدًا في مواجهته:
- أمك.. كانت هنا جنبك من شوية.. بس لما أنا جيت قولتلها تسبني معاكي.. ماتخافيش ماطردتهاش.. عشان خاطرك انتي سمحت لها تدخل بيت أمي.. أنا عاوز أتكلم معاكي بس.. و بعدين هابعت لها تجيلك !
لاحظت “شمس” أثناء حديثه إليها تلك الكدمة الزرقاء أسفل عينه اليسرى.. فسألته على الفور:
- إيه إللي حصل لعينك !؟؟
قال “عثمان” بابتسامة جانبية تنم عن سخريته:
- إجابة سؤالك هي نفسها لو هسألك دلوقتي إيه إللي حصل لوشك !؟
و مد يده متلمسًا بأنامله جانب فكّها.. حيث صفعة “رامز” التي تركت أثرًا واضحًا على وجهها ..
ازدردت “شمس” ريقها الجاف بصعوبةٍ و لم ترد.. ليتنهد “عثمان” ممرًا كفه على صفحة وجهه و هو يغمغم بصوته الهادئ:
- إيه علاقتك برامز الأمير يا شمس ؟ و عرفتيه إزاي ؟
هزّها استجوابه بعمق.. بقيت تحملق فيه بلا إجابة للحظات.. لينظر إليها ثانيةً بعينيه الثاقبتين و يكرر بصوت أكثر حدة:
- شمس.. أنا إنسان هادي جدًا بطبعي.. ماتجبرنيش أكون العكس تمامًا معاكي و حالًا.. اتكلّمـي !!!
أجفلت على إثر صيحته الأخيرة.. و ردت على الفور:
- بحبه !
قابلها بالصمت التام لثوانٍ طويلة.. و كأن تصريحها المختصر للغاية من شأنه أن ينهي أيّ جدل.. ليدفعه لمباركة هذه العلاقة و الرضوخ لصديقه ليتم الزواج وفقًا لشروط “رامز الأمير” وحده .. و لكن لا.. لا و ألف لا.. لن ينال “رامز” بغيته بتلك البساطة.. لن يحلم حتى بالاقتران بـ”شمس البحيري”.. بأخته هو بالذات …
- مفهوم جدًا بالنسبة لي ! .. قالها “عثمان” باقتضابٍ:
- مفهوم إنك بتحبيه يا شمس.. بس أنا عايز إجابات واضحة على أسئلتي من فضلك.. عرفتي رامز الأمير إزاي ؟ و علاقتك بيه وصلت لفين ؟ صارحيني.. لأني لو ماعرفتش الحقيقة منك هاعرفها بنفسي.. بس هاتزعلي مني أوي.. انتي لسا ماتعرفنيش كويس.
عبست بوهنٍ بَيّن.. و قالت دامعة العينين:
- أنا مش خايفة منك يا عثمان.. و لا خايفة على رامز منك.. أنا بس لو ساكتة قدامك.. ف عشان كانت أخر حاجة عايزاها إني أصدمك فيا.. أنا عشت نص عمري بحلم إني معاك.. ماكنتش متخيّلة إن كل ده هايحصل.. أنا كنت جاية عشانك انت.. بس قابلت رامز !!
- احكيلي ! .. حثها بوجه خالِ من التعابير.
أومأت له مرارًا.. ثم تنفست بعمق و بدأت حديثها:
- القصة كلها بدأت من خمس سنين.. لما كنت عامل احتفال على اليخت بتاعك.. كان عيد جوازك انت و سمر …
**
انتهت المدة التي حددتها هي بنفسها للانتهاء من لوحتها الفنيّة ..
كان أكثر من المحبب إلى قلبه أن يجلس أمامها لتقوم بذلك.. بينما كان منشغلًا خلسةً بمتابعة بعض الأعمال على هاتفه الخلوي.. ما إن دق جرس ساعة الإيقاف.. حرر جسده من تلك الوضعية المقيّدة .. و صوّب ناظريه إليها قائلًا بمشاكسة:
- يا ترى مين فينا كسب الرهان ؟
تهللت أسارير الفتاة ذات الستة عشر ربيعًا.. تركت أدوات الرسم من يديها في الحال.. قامت عن مقعدها الخاص و هي تجمع شعرها كله في كعكةٍ مثبتة إيّاه بريشة الرسم فوق رأسها ..
التقطت لوحتها المسندة إلى الحامل المصقول الذي ابتاعه له أبيها خصيصًا من مزادٍ يعرض أغراض أعرق و أبرز شخصيات الفن عبر التاريخ.. كان هدية عيد ميلادها الثاني عشر.. ذات العام الذي تأكد الجميع من موهبتها بالرسم .. فلم ينفك هو أو أمها عن دعمها بكافة السُبُل ..
سارت “لمى عزام” بحذرٍ تجاه “مراد أبو المجد”.. زوج أمها.. أبيها الروحي.. والد شقيقها الوحيد …
أدارت اللوحة ليراها و هي تسأله بابتسامة عريضة:
- إيه رأيك ؟
أخذ “مراد” يطالع صورته المرسومة بانبهارٍ.. الخطوط الدقيقة.. الألوان الصحيحة.. و كأنه ينظر إلى صورة ملتقطة بعدسة فنّان محترف ..
لم يستطع “مراد” حجب ردة فعله المنبهرة و هي يثني عليها في الحال:
- واو ! برافو يا لمى.. حقيقي تستاهلي الساعة إللي حبستيني فيها على الكرسي ده ..
تأوه ضاحكًا عندما وكزته بكتفه بغضب متكلّف.. و قالت بتبرّمٍ:
- أوكي.. عقابًا ليك بقى على الكلام ده.. مش هاتاخد الماستر بيس بتاعتي.. الصورة دي بقت بتاعتي أنا خلاص.
ظل “مراد” هادئًا.. يرمقها بنظرات اعجاب و أبوّة خالصة و هو يقول بتلسية:
- فعلًا ؟ هاتعملي بيها إيه طيب ؟
شمخت برأسها قائلة بترفعٍ:
- مش هقولك.. بس انت هاتعرف لوحدك لما تيجي بليل في أوضتي تقولّي تصبحي على خير زي كل يوم !
ابتسم لها بحبورٍ و دفء العاطفة الأبوية نحوها يشع من عينيه.. أمسك برسغها الأنيق و سحبها إليه لتجلس فوق قدمه كعادتهما .. وضعت “لمى” اللوحة جانبًا لكي لا تفسد.. و أولت “مراد” كامل انتباهها.. ليخاطبها بهدوء ناظرًا إلى عينيها الشبيهتين بعينيّ أمها:
- حبيبتي.. احنا مش هانبات الليلة دي في البيت.. إحنا مسافرين إنهاردة بليل.
رفعت حاجبيها معقّبة:
- مسافرين ؟ على فين يا بابي ؟؟
رفع “مراد” كفّه ماسحًا على رأسها بحنوٍ و هو يقول:
- مصر.. نازلين مصر.. تحديدًا على الإسكندرية علطول.. بس مامتك و عمر يرجعوا من مشوارهم و هانحضر كلنا شنطنا.
- دي مفاجأة !
- حلوة و لا وحشة ؟
لم ترد عليه و أطرقت برأسها .. عبس “مراد” بغرابةٍ.. رفع ذقنها بأنامله محاولًا النظر بعينيها و فهم ردة فعلها و هو يقول برفقٍ:
- إيه يا حبيبتي.. إيه المشكلة ؟ انتي مش حابة تسافري ؟ احنا بقالنا سنين مانزلناش مصر.. إيه تيتة أمينة و خالك أدهم و كلهم مش واحشينك ؟
نظرت إليه الآن.. و قالت بخفوتٍ:
- لأ.. وحشوني.. بس.. أنا خايفة !
تحفزت ملامح “مراد” و كافة غرائزه البدائية.. سألها مباشرةً دون أن يخفف من قساوة لهجته:
- خايفة !؟ خايفة من إيه يا لمى ؟ أو من مين ؟؟ قولولي !!
ترددت “لمى” طويلًا.. لكنه لم يتخلّى عن نظرة التصميم بعينيه.. فأضطرت للبوح له:
- حسين عزام.. جدو !
- ماله !؟
- كلّم مامي تاني من فترة.. و كان مصمم إنه يشوفني.. و هدد مامي لو ماوافقتش توديني عنده هاياخدني منها بالعافية !
إندهش “مراد” لسماع تلك الأخبار الجديدة.. زوجته لم تأتِ بسيرة عن ذلك.. و لا يعرف لماذا لم تفعل ؟ ماذا أرادت من وراء مداراة الأمر عنه !!؟
تجاوز “مراد” عن هذا مؤقتًا.. و انشغل بطمأنة “لمى” قائلًا و هو يفرك كتفيها و ظهرها بحركاتٍ طالما عرف بأنها تهدئها و تبث فيها الآمان:
- لمى.. مبدئيًا عشان تعرفي.. مافيش مخلوق في الدنيا دي كلها.. يقدر ياخدك مني.. لازم تثقي في ده و ماتقلقيش من أي حاجة طول ما أنا عايش على وش الدنيا.. الحاجة التانية إللي عايزك تطمني من ناحيتها.. حسين عزام جدك.. عايش في دبي.. و احنا نازلين مصر.. يعني مستحيل تقابليه و لو صدفة حتى.. أطمني يا روحي.. أطمني خالص.
تلقّت “لمى” كلماته بعنايةٍ و تشرّبتها كلها.. صدقته بالطبع و أطمأنت لوعوده .. ابتسمت ببساطة.. لكنه لم يمحو تعبير الصرامة عن وجهه.. إنما ضمّها إلى صدره بقوة مرددًا:
- انتي بنتي أنا.. لو بإيدي.. لو ينفع أديلك اسمي.. مافيش حاجة أتمنيتها في حياتي يا لمى.. أد ما أتمنيت إنك تكوني بنتي.. من دمي !
**
إن السماع لكلماتها.. للأحداث التي مرّت بها على مدار عامين كاملين حين كانت في علاقة مع صديقه.. كان يفوق إحتماله .. صديقه.. الذي لطالما كان بمثابة أخًا له.. كـ”مراد” تمامًا .. صحيح عرف الآن بأن “رامز الأمير” لم يكن على علمٍ بحقيقة نسبها إلى عائلة “البحيري” من الأساس حتى وقتٍ قريب.. إلا إنه لم.. و لن يغفر له هذا الخطأ .. يربط بها بعقدٍ عرفي ليساوم أمها عليها.. يخطتفها أكثر من مرة.. و أخيرًا يمارس عليها العنف الجسدي.. يضربها !!!
كزّ “عثمان” على أسنانه بعنفٍ كلّما تذكر تلك الجزئية .. كان يستمع إليها طوال الوقت منكس الرأس.. لم يقاطعها مرةً.. حتى سكتت .. سألها و هو لا يزال على وضعيته:
- لمسك ؟
لم ترد .. فرفع رأسه في التو محدقًا بها بقوةٍ و كرر بلهجةٍ خطرة:
- رامز الأمير.. لمسك يا شمس ؟؟
ابتلعت “شمس” غصّة قاسية بحلقها و هي تنظر إليه بقلقٍ.. إن علاقتها بـ”رامز” لم تكتمل أبدًا حتى الساعة.. لكنه بالطبع كان يعبث معها.. بموجب العقد الذي بينهما.. لا تستطيع الإنكار تمامًا .. خرج صوتها شبه هامسًا و هي تجاوب سؤال شقيقها:
- أنا لسا virgin !
حسنًا .. هل ظنّت بأنه لن يفهم ما تحاول أن تخفيه ! لقد فهم “عثمان” كل شيء.. و عرف بالضبط ما كان يفعله “رامز الأمير” بأخته.. و إلى أيّ حد وصل عبثه بها …
- الو×× !!!
ارتعدت “شمس” بذعرٍ عندما هب واقفًا فجأة.. مطيحًا بالكرسي المحاذي للسرير ليستقر بعيدًا و قد انكسرت قائمتيه الخلفيتين .. تطلعت إليه و هي تتراجع أكثر ملصقة ظهرها بظهر السرير.. لأول مرة ترهب “عثمان”.. لأول مرة ترى إنعكاس أبيها عليه.. فبدا و كأنه تجسيدًا حيًّا لـ”يحيى البحيري” بقسوته و عنفوانه .. إذن فما يُشاع عن برودة أعصابه و حِلمه مجرد أقاويل.. و أن شخصية أخيها الحقيقية تكمن بمكانٍ ما بداخله.. لا تخرج إلا بحلول أمرًا جلل …
أخذ صدر “عثمان” يعلو و يهبط لعنف تنفسه.. و ما يعتمل بدواخله من مشاعر كفيلة بدفعه ليدمر أيّ شيء يلمسه.. أدار رأسه لينظر إلى “شمس” .. لم يقدّر خوفها.. لم يرى أمامه أيّ شيء سوى كرامة عائلته.. عِرضه.. و أبيه الذي أوصاه بها هي بالذات.. إنه حتمًا يتقلّب بقبره الآن.. و لن يسامحه على كل هذا.. لن يسامحه …
- أنا هادمره ! .. نطق “عثمان” بقساوةٍ.. قساوة تفوّقت على كل مواقف أبيها العنيفة ضد أمها و التي شهدتها خفية خلال نشأتها … اقترب “عثمان” إليها ببطءٍ.. فأخذت تراقبه و قلبها يخفق وجلًا.. حتى وصل عندها.. و انحنى صوبها واضعًا وجهه في مستوى وجهها .. ليقول و أنفاسه الساخنة تبث سموم كلماته و نظراته المتوّعدة:
- هادمره يا شمس.. هافضل ورا رامز الأمير.. لحد ما أمحي فيه أي مظهر شدك لهم.. ما بقاش عثمان.. ابن يحيى البحيري.. لو ما نفذتش وعدي ليكي !!!
رواية كرسي لا يتسع لسلطانك الفصل السابع عشر 17 - بقلم مريم غريب
تناول منه الورقة الأخيرة موقّعًا إيّاها و هو يقول حائرًا:
- أنا مش فاهم بس سر إصرارك على كده.. هو انت مفكرني زي هالة مثلًا ؟
ممكن أفكر أبيع نصيبي لأي حد برا العيلة !!
انتظر “عثمان البحيري” حتى وضع “صالح” ابن عمه توقيعه على المستند الأخير.. ثم سحبه منه قائلًا و هو يرتّبه مع بقيّة وثائق ملكيات العائلة:
- معلش يا صالح.. ده مجرد إجراء صوري.. زي ما اشتريت من هالة نصيبها في القصر
بشتري نصيبك إنهاردة.. في النهاية ده هايفضل بيتك و بيت هالة و ولادكوا كمان
حتى لو الأوراق قالت إن قصر البحيري ملك عثمان البحيري لوحده.
و قام “عثمان” من وراء مكتبه متجهًا نحو خزنة مثبتة بالجدار.. سجل الرقم السرّي و فتحها ببصمة اصبعه.. ثم أعاد ملف الملكيات إلى مكانه.
من خلفه انبعث صوت “صالح” متذمرًا:
- أنا بصراحة مش واكل معايا الجو ده يا عثمان.. انت في راسك حاجة
دي حتى صفية أختك.. خلّيتها تبيع نصيبها ليك.. الحاجة الوحيدة إللي أي حد يفهمها من إللي بتعمله هي إنك عايز القصر ملك ليك و لولادك بس.. ولادنا احنا بقى مالهمش حاجة هنا من بعدنا !!
عاد “عثمان” بخطواته الثابتة إلى مكتبه.. لكن بدلًا من جلوسه وراءه.. جلس في الكرسي المقابل لابن عمه.
وضع ساق فوق الأخرى و قال بهدوئه المعهود:
- سواء انت.. أو هالة.. او حتى صفية.. قبل ما حد فيكوا يمضيلي ورقة واحدة كان حقكوا وصل على داير مليم.. أنا دفعت تمن التنازل بتاعكوا ده و زيادة يا صالح
و لا انت شايف إيه !؟
أجفل “صالح” و قال مبررًا في الحال:
- أنا مش بتكلم في ماديات يا عثمان.. ده ميراث عيلتنا
القصر ده ملك العيلة كلها !
- أنا و ولادي مش من العيلة يعني ؟
- مش قصدي.. بس ..
- مابسش !
.. قاطعه بحزمٍ:
- القصر أبوابه مفتوحة لأي فرد من أفراد العيلة
صحيح بقى ملكي و هايبقى ملك لإبني من بعدي
بس وصيتي هاتكون زي ما قلت لك يا صالح.. محدش منكوا و لا من ولادكوا هايتحرم من الدخول أو حتى الإقامة فيه.. و خلاص الموضوع خلص لحد هنا
مش عايز أي نقاش تاني فيه.. تقدر تعتبر إن مافيش أي حاجة اتغيّرت.. و تتصرّف زي ما بتعمل دايمًا.. انت في بيتك.
ما من شيء صار على ما يُرام.
حتى هي.. هل ظنّت بأنها ستغدو بخير إن خاضت بالطريق الوعر الذي اختارته لنفسها قبل سنوات !؟
حسنًا.. لقد كانت مخطئة.. كانت مخطئة و هذا ما اكتشفته بعد فوات الأوان.
دمرت نفسها بنفسها.. و لكن أليس هذا ما أرادته منذ البداية ؟
ما بالها حزينة ؟.. ذابلة.. بلا روحٌ.
إن فعله بها “نبيل الألفي” أكثر من متوقع.. فهي من أغوته.. هي بلسانها و أفعالها التي وصمت نفسها بالعهر أمامه.
و في تلك الليلة.. أرادت بالضبط إثارته.. و قد نجحت.. فممّا تشكو و على ماذا تبكي !؟
لا يتعيّن أن تبكي.. إنها “مايا عزام”.. إنها إبنة أمها.
إبنة الساحرة !!
إبنة الساحرة لا تبكي.. ما هذه الدموع السخيفة بحق الله !!
انبعث نحيب مجروح من صدر “مايا” و هي تقاوم ثقل جسمها لتنهض من فراشها.. فراشها الذي لم تغادره لقرابة الأسبوع.. تحديدًا منذ تلك الليلة.
الليلة التي شهدت اغتصابها على طريقٍ مقفر.
وقفت “مايا” بقدميها العاريتين على الأرض الرخامية.. لثوانٍ بقيت بلا حراكٍ تختبر إتزانها.. ثم سارت كالروح الهائمة نحو شرفتها.
أزاحت الستار و لوهلةٍ أعماها ضوء الشمس.
لكنها دفعت دلفتيّ الشرفة و خطت إلى الداخل.. غير عابئة بالبرد القارس الذي صدمها بالخارج.
وقفت عند حافة الشرفة مستندة إلى السور.. تقبض عليه بيديها بشدةٍ.
تهب الرياح التشرينية قاسيةً.. عابثة بثوبها القصير الهفهاف.. و شعرها الغجري الذي تناثر حول كتفيها و وجهها بفوضوية.
لكم يغريها منظر العلو.. المسافة بين شرفتها و الباحة بالأسفل.. بينما تصدح الأصوات داخل رأسها بإلحاحٍ.. أصوات كثيرة.. تحثها على فعل ذلك.
و الآن صوتًا مميزًا يهدر من بينهم.. طاغيًا عليهم.. يأمرها بقسوة:
هيا “مايا”.. إن هي إلا قفزة واحدة.. لتنالي الخلاص.. خلاصٌ أبدي.. إنها قفزة واحدة.. و لن تشقي بعدها أبدًا.. هيا “مايا”.. أفعليها.. أفعليها الآن !!!!
زُيّنت لها الرؤى التي بثها الصوت.. رؤى الخلاص.. إلى درجة لم تعد ترى سبيلًا للهرب سوى ما أمرها به أن تفعل.
كأنما صارت مغيّبة.. شبّت على أطراف أصابعها لتعتلي السور.. و لم تخشى حتى و هي تترنّح فوقه الآن.
وقفت تصدّ الرياح بجسدها طاغي الأنوثة.. ذاك الجسد الذي لطالما تفاخرت به.. و كان أول ميزة بها تجذب إليها الجنس الآخر.
تتخيّل إنه ربما بعد لحظاتٍ أو دقائق.. ستفارقه الحياة.
عندما تخطو خطوة واحدة للأمام.. ستسقط لفترةٍ وجيزة فقط.. ثم تستقر بالأسفل.. جثة هامدة.
- سيف ! .. خرج الهمس من بين شفتاها المرتعشتان.
أغمضت عينيها بقوةٍ.. لتسيل الدموع التي ملأتهما على طول خديّها.
تتطاير خصيلات شعرها في تناغمٍ مع همسها و دموعها الجارية و هي تناجي شخصٌ ما.. كان أخيها الراحل حقيقةً.
تحدثه و كأنها تراه على بُعد ذراعٍ:
- أنا جاية يا سيف.. أنا جايالك إنهاردة.
دلوقتي !!
و اخترق مسامعها صوته في هذه اللحظة.. صوته المساوم الذي لا تخطئه أبدًا.. لم يكن إلا مذعورًا و هو يصرخ من الأسفل بضرواةٍ:
- مـاااايـاااااااااااااااااااااااااااااااا …
لكنها ما كانت لتستجيب له بارادتها.. سواء كان حقيقةً أو وهم.. ما كانت لتتخلّى عن خلاصها.
تركت نفسها لتسقط.. سقوطًا ليس بعده قيامة.. على الأقل في هذه الحياة.. هذا الواقع.
و لكن بدلًا من السقوط للأمام.. أحسّت بقبضة تمسك بها فجأةً و تشدّها للخلف.. بينما انفجرت بصراخٍ حاد و هستيري.
أطبقت عليها ذراعين مفتولتين.. منعتاها من التملّص.. إلا إنها لم تنفك عن الصراخ:
- إوعـوووووووووا.. سيبـووووووونيسيبـووووووووونـي …
- إهـدي.. مايا.. إهـديده أنا.. مالك.. أنا مالك يا مايا.
لم يسعها بعد سماع صوت شقيقها الأصغر.. و الأقرب إلى عمرًا كأنهما أكثر إرتباطًا من توأمٍ.. إلا أن تبكي بحرقةٍ.
مشتتة.. تائهة.. تشبثت به و كأنه طوق النجاة.. و مضت تبكي و تبكي على صدره بلا راحةٍ.
بينما يسحبها إلى الداخل شاحب الوجه.. مهدئًا إيّاها دون أن يتركها و لا زالت صورتها داخل الشرفة تحاول إلقاء نفسها تفزعه.
ماذا لو لم يصل بالوقت المناسب ؟
ماذا لو استجاب لمطالبات أصدقائه و بقى ماكثًا معهم بضعة أيامٍ أُخر ؟
من ذا كان سيلحق بأخته ؟
هل كان سيفقدها هي الأخرى ؟ .. هل كان ليقدّر عليه أن يعيش بلا أخوته ؟
الإثنان !!؟؟
- مايا !!
كان هذا صوت “نبيل”.
أدار “مالك” رأسه متطلّعًا نحو الأخير.. كان يقف عند عتبة باب الغرفة منقطع الأنفاس.. يلهث بشدة و هو يرمق “مايا” بنظراتٍ متلهّفة.. و قد بدت عليه علامات الخوف كـ”مالك” تمامًا.. لم يكن حاله أفضل بتاتًا.
لكنه في ذات الوقت أحس بارتياحٍ.. إذ رآها بخير.
أجل.. “مايا” بخير.. و ستكون كذلك من الآن فصاعدًا.
هو يقسم على ذلك.
مطار برج العرب / الإسكندرية.
اكتظت صالة الوصول بالوافدين من الرحلة الواصلة للتو.. من بينهم برزت عائلة “مراد أبو المجد”.
يسير “مراد” بالمقدمة.. دافعًا بالعربة التي حملت حقائب السفر.. بجواره تسير “إيمان عمران”.. زوجته متأبطة ذراعه.. لا تكف عن محاولات اجتذاب انتباهه.. أو الأحرى مراضاته.
بعد أن كشف قبيل السفر مباشرةً بأن “لمى” قد أخبرته عن المكالمة التي أجرتها مع جدها دون أن تخبره هو.. كانت ستشرح له دوافعها.. إلا إنه أبى أن يسمع.. و أمرها بالتزام الصمت التام في حضور ولديّهما.
و ها قد أطاعت كلمته.. لكنها لم تحتمل جفائه أكثر من ذلك.. خاصةً حين رأته يغدق من الدلال و الاهتمام على ابنتها تارة.. و على ابنهما تارةً أخرى.. صحيح ينتبه إليها جيدًا.. لكنه يتعامل كما لو إنها غير موجودة.
- مراد ! .. تمتمت “إيمان” بلهجةٍ أقرب للتوسل.
لم يغيّر “مراد” من نبرته الحادة معها شيئًا و هو يقول متحاشيًا النظر إليها:
- قلت بعدين يا إيمان.
بعدين !!
لم تجد بدًا من الإذعان إليه.. فهي أعلم الناس به.. إن أراد أن يصمت فهو يعلم الصمت يعد الخيار الأفضل.. لئلا تحدث المتاعب.
تنهدت “إيمان” بيأسٍ و تركت ذراعه عندما مرّا عبر بوابات المطار.. أمسكت بابنها البالغ من العمر 9 سنوات.. بينما أحاط “مراد” بكتفيّ “لمى”.
الآن يتم نقل حقائبهم إلى سيارةٍ مخصوصة أرسل في طلبها لتكون بانتظاره لحظة عودته إلى أرض الوطن مع أسرته.
ما كاد يبلغ منتصف الطريق إلى السيارة تمامًا.. حتى أتاه صوت مألوف للغاية.
- مش معقـوول مـراااد !!
إلتفتا كلًا من “مراد” و “إيمان” بنفس اللحظة.. ليفاجأ برؤية السيدة “فريال المهدي”.. برفقة ابنتها “صفيّة البحيري”.
أشرق وجه “مراد” في الحال و هو يهتف غير مصدقًا:
- فريال هانم !
و ترك زوجته ماضيًا تجاه السيدة التي عرفها لعمرًا كاملًا.. منذ كان طفلًا صغيرًا.
- أما حتة مفاجأة !! .. قالتها “فريال” و هي تستقبل “مراد” بأحضانها.
عانقته بأمومة و هي تمسد على ظهره فرحة حقًا لرؤيته.. صديق إبنها الذي شب معه و رافقه خلال سنوات حياتهما حتى الآن.. إنه بمثابة إبنًا لها أيضًا.
تباعدا بعد لحظاتٍ.. لينحني “مراد” مقبلًا يدها برقي.. ثم يقول و هو لا يزال محتضنًا يدها بين يديه:
- وحشتيني.. وحشتيني بجد يا فريال هانم.
أنا كل ما بسيبك بتحلّوي كده ليه ؟
قهقهت “فريال” بمرحٍ و ضربت كتفه بخفةٍ قائلة:
- انت و عثمان نوع واحد طبعًا.. نفس البكش يا ولد.
و انتبهت إلى أفراد أسرته.. ليعلو وجهها تعبيرٌ ودّي و هي تقول:
- بسم الله ما شاء الله.. دول ولادك يا مراد ؟
أومأ لها “مراد” و هو يشير بيده لولديه حتى يقتربا.. قدمهما إليها قائلًا بزهو:
- أيوة دول ولادي.. لمى و عمر.
ولاد سلموا على فريال هانم.
أخذتهما “فريال” في عناقٍ على الفور.. بينما “مراد” يصافح “صفيّة”:
- صافي.. إزيك ؟
ابتسمت “صفيّة” برقةٍ و هي ترد بألفة:
- الحمدلله يا مراد.. أنا كويسة.
انت إزيك !
- أنا تمام.. انتوا مسافرين و لا إيه ؟
أجابت “فريال” سؤاله بنفسها:
- لأ يا حبيبي.. احنا لسا واصلين.
كنا في رحلة لاسطنبول بقالنا كام أسبوع و لسا واصلين.. انتوا بقى بتعملوا إيه ؟
و حانت منها نظرة تجاه “إيمان”.. التي بدت متوترة للغاية.. لولا أن لحق “مراد” بنفسه و دعاها على الفور ما كانت لتسامحه على إغفاله إيّاها.
- تعالي يا إيمان !
لبّت “إيمان” دعوته و اقتربت منه.. أحاط بخاصرتها و حثها على مصافحة “فريال”.
ثم صوّب ناظريه نحوها ثانيةً و هو يقول:
- إحنا كمان لسا راجعين من لندن.. و بصراحة كنا طالعين عليكوا.
قصدي يعني كنا في طريقنا للقصر عندكوا.
- بجد ؟طيب دي حاجة حلوة أوي يا حبيبي.. ده عثمان هايفرح جدًا لما يشوفك.
هو عارف إنك جاي ؟
- لأ لسا.. أنا قلت اعملها مفاجأة.
- دي أحلى مفاجأة و الله يا مراد.. انت و مراتك و ولادك هاتنورونا.
ثم قالت مخاطبة “صفيّة”:
- صافي أنا و انتي هاناخد الولاد معانا في العربية و هانسبق.. و مراد و إيمان يحصّلونا !
رواية كرسي لا يتسع لسلطانك الفصل الثامن عشر 18 - بقلم مريم غريب
الفصل الثامن عشر _ لست بتارككِ _ :
تقف بمحاذاة الحائط.. أمام صورة ضخمة مؤطّرة بحاشية من الذهب الخالص و قطع الكريستال الصغيرة.. تتأمل بنظراتٍ دامعة و نفسٍ متحسّرة ..
زوجها الراحل.. ضاحكًا ملء شدقيه في لقطةٍ حميمية جمعته بزوجته الأولى و المُعلنة.. أم ولديّه ..
زوجها “يحيى البحيري” الذي قاست معه سجايا العذاب.. برفقة المرأة الوحيدة التي نالت تقديره و احترامه التام.. السيدة النبيلة.. سليلة الأشراف “فريال المهدي” ..
و هي كل ما تفتقر إليه “رحمة جابر”.. حتى بعد أن منحها “يحيى البحيري” في حياته قبل مماته كل ما حلمت به يومًا.. و ما لم تحلم به في أنٍ ..
بفضله هي حرّة.. مؤمّنة ماليًا.. ناضجة فكريًا.. ناجحة عمليًا.. لا يمكنها إنكار تأثيره الجيد على حياتها.. كما لا يمكنها نسيان سيئاته معها و إنه سلب منها أبسط حقوقها و أغلى أمانيها ..
أن تكون أمًا ..
صحيح إنه قد منحها “شمس”.. لكنها لطالما أرادت المزيد.. حتى الساعة لا زالت تبكي على هذا الحلم.. لا زالت تريد عائلتها الكبيرة.. عائلة لها وحدها.. لكنه رحل و قد حرص على ألا تنال حلمها أبدًا ..
فهل تكرهه !؟
لا.. مطلقًا لا تكرهه ..
بل تحبّه حقيقةً.. تحبّه و تشتاق إليه و لا تطيق العيش في هذا البيت الذي يحمل آثاره مع امرأةً أخرى غيرها.. في كل مكان تذهب إليه هنا تراه معها.. في كل زاوية.. و كأنها تشهد لأول مرة قصة الحب التي تغنّى بها الجميع لسنواتٍ بين الزوجان المثاليان.. “يحيى البحيري” و “فريال المهدي”.. قصة الحب التي أثمرت عن ولدان رائعان ..
لماذا فعل بها ذلك كله ؟ .. لماذا عذّبها بحبّه و قسوته ما دام لديه كل هذا القدر من العشق و السعادة ؟ .. لماذا تحبّه حتى الآن بحق الله !؟؟
إنه ليس موجودًا.. إنه ميتًا و لا يستطيع فعل أيّ شيء.. لماذا إذن تعجز عن مواصلة حياتها ؟
لماذا ترفض العيش مرةً أخرى مع رجل يقدّرها و لا يرى غيرها.. حتى إنه إنفصل عن زوجته لأنه يحببها هي ..
لماذا يا “رحمة” !؟؟؟
-الذكريات بتوجع صح ؟
بوغتت “رحمة” بصوتٍ صارت تعرفه جيدًا.. فانتبهت لدمعة سائلة على خدّها.. أزالتها بظاهر يدها بسرعة قائلة و هي تشعر بخطواته من خلفها تقترب :
-مش كلها !
ملأ حضور “عثمان البحيري” بهو قصره المبهر.. و المُعد خصيصًا ليعرض أصل و عراقة عائلته في مقتنياتٍ ثمينة متوارثة.. صور لأبائه و أجداده.. أثاث موّزع ببراعةٍ للتأمل فقط.. لا يجرؤ أحد أن يمسّه.. كان هذا الجزء من البيت بمثابة متحفٍ صغير ..
تمالكت “رحمة” رباطة جأشها و تأكدت بأنها قادرة على التواصل معه.. استدارت ناحيته و نظرت إليه بشجاعةٍ.. كالعادة يرتجف قلبها رغمًا عنها كلّما وقعت عيناها عليه ..
التشابه بينه و بين أبيه كبيرٌ إلى حدٍ مرعب.. حتى في أدق التفاصيل.. لعله يجهل و هو يقف أمامها هكذا في بذلةٍ رسمية.. بلا ربطة عنقٍ.. معلّقًا سترته على ذراعه.. ترسيحة شعره شديد النعومة كوالده بدت فوضوية قليلًا ..
رباه !
هذا بالضبط ما كان يبدو عليه “يحيى البحيري” بعد نهارٌ طويل بالعمل.. هذا الرجل الماثل أمامها يكون إبنه.. بطريقةٍ ما.. يكون هو بنفسه !!
ابتسم “عثمان” و هو يعي تمامًا ما تحاول زوجة أبيه إخفائه من إنفعالاتٍ في وجوجه.. ألقى نظرة على صورة والديه.. ثم عاود النظر إليها قائلًا بهدوء :
-بابا كان بيعشق فريال هانم.. مش مجرد بيحبها بس.. صدقيني
أنا كنت موجود و شوفته بعيني.
تخطّت “رحمة” غصّة قلبها.. و ردت عليه بثباتٍ :
-عارفة.. عارفة ده كويس و متأكدة منه كمان
عشان هو إللي قاله في وشي بلسانه.. و أكتر من مرة.
لا يعرف “عثمان” لماذا أثلجت تلك المعلومة صدره.. رغم أنه يعرفها بالفعل.. لولا جريمة أبيه التي أكتشفها مؤخرًا.. ربما هي ما جعلته يُشكك حقًا بالعلاقة العاطفية الوثيقة التي ربطت أبيه بأمه ..
أومأ لها معقّبًا :
-أنا عرفت قصة جوازكوا و سمعتها مرتين.. مرة من المحامي.. و مرة من شمس
عارف إن مالكيش ذنب في أي حاجة عملها أبويا.. بس أنا مش بدير مركز خيري
و إوعك تفكري إني ممكن أشوف بس شيء مهما كان تافه.. ممكن يضايق أمي و أتغاضى عنه.. مافيش عندي أغلى من أمي !
لاحت على ثغرها ابتسامة تهكمية و قالت :
-انت غلطان لو شاكك إني ممكن أحط الست الوالدة في دماغي.. أنا عشت مع أبوك 16 سنة.. و عشت أرملة من بعده 14 سنة.. طول السنين دي كلها ماحاولتش أظهر
يمكن حاولت مرة في بداية جوازنا.. بس صدقني.. أقسم لك بالله.. أبوك خلّاني أندم ندم عمري كله لما فكرت أظهر نفسي على إني مراته.. من بعدها مابقتش أنا.. بقيت رحمة إللي هو عاوزها و بس !!
داهمتها تلك الذكرى فجأة.. لتنتفض رغمًا عنها مغمضة عينيها بشدة و كأنها تهرب من بين براثن وحشٌ مفترس ..
إلتزم “عثمان” الصمت مركّزًا على النظر إليها.. لا يشك إنها تخبره الصدق.. و إن كانت تكذب لعرف.. إلا إنها لا تملك سببًا لذلك ..
الآن يدرك جانبًا خفيًا من شخصية أبيه ربما لم يظهره أمام عائلته.. ربما كان بحاجة لإظهاره أمام شخص أقل أهمية منهم.. أو بمعنى أدق.. شخص مجرّد من الدفاعات.. لكي يمضي بحرية تامّة لنيل مآربه ..
هذا يذكره بشيء.. حادثٌ ليس ببعيد.. لعله كان ليكون مصير زوجته هو.. “سمر”.. أو ربما كان ليكون مصيرها أكثر سوءًا لولا إنه قد وقع بحبّها و أغرم بها أسرع ممّا ينبغي ..
إنها لحقيقة يبصرها الناس أجمع.. “عثمان البحيري” قد هوى من عليائه و سقط كبرياؤه صريع عشق “سمر حفظي”.. الفتاة التي لا تمتلك شيئًا حرفيًا.. و غالبًا تفتقر لأيّ ميزة تدفعه لمجرد النظر إليها ..
لكنه رغم كل ذلك.. أحبّها.. أحبّها كثيرًا و لا يمكنه العيش بدونها ..
أبدًا …
سحب “عثمان” نفسًا عميقًا شاعرًا برغبة قوية في إنهاء هذا الحوار ليصعد إلى زوجته.. لأن التفكير بها فقط أضرم الشوق الكامن لها بصدره.. فمنذ متى لم يراها !؟
-شمس في أوضتها ؟
ردت “رحمة” على سؤاله متحاشية النظر إليه :
-زي ما هي.. مش عايزة تخرج.
أومأ “عثمان” قائلًا باقتضابٍ و حزم في آنٍ :
-أوكي أنا هابقى أعدي عليها الليلة دي و أشوفها بنفسي.. أشوفك على العشا !
و تركها ماضيًا لوجهته المنشودة.. و قد كانت خفقات قلبه تسابق خطواته المهرولة …
**
-مايا هاتتجوز نبيل !
تلقّى “مالك” كلمات والده في صمتٍ من قبله للحظاتٍ مطوّلة ..
كان يجلس قبالة كلًا من أبيه “حسين عزام”.. و الشريك و التابع المؤتمن لرب العائلة “نبيل الألفي” ..
لا مجال للمزح الآن.. لقد بدت الجدية على كليهما.. و صدقًا أن “مالك” ليست لديه أيّ مشكلة مع “نبيل” و لا حتى لمحة اعتراض على شخصه.. فهو منذ أول يوم رآه وجده شخصٌ قوي.. و رجلٌ مسؤول.. كان أهلًا للثقة بالفعل و يتلائم للمكانة التي وضعه بها أبيه ..
و لكن أن يتزوج من أخته !!
إن “نبيل” ليس صغيرًا.. رغم أن شكله أصغر من عمره الفعلي.. “مايا” بالكاد تبلغ الثانية و الثلاثين.. و كما يعلم “نبيل” تقريبًا قد تجاوز الرابعة و الأربعين ..
لا يعلم إن كان مناسبًا لأخته.. أخته التي حال سجنه دون الوقوف إلى جانبها لسنواتٍ.. لا يعلم كيف مرّت عليها.. لكنه سمع عنها الكثير ..
أبرز ما سمعه كان نبأ فسخ خطبتها.. و هو الذي لطالما عرف كم عنى لها خطيبها السابق.. و كم أحبّته و تطلّعت بشوق للزواج منه ..
لم يكن معها حينها.. إلا إنه شعر بها جيدًا.. و أحس بنارها التي لم تخمد حتى الآن.. تبدو حسرتها جليّة في عمق نظراتها الا مبالية.. في قلّة اكتراثها بأيّ شيء ..
أخته “مايا” تتألم.. و لا تستحق بعد كل ما مروا به جميعًا إلا السعادة.. و السعادة فقط.. هو لن يقبل لها بأقل من ذلك …
-حضرتك سألتها ؟ .. تساءل “مالك” بهدوءٍ ناظرًا إلى أبيه مباشرةً
جاوبه “حسين عزام” و هو يشعل تبغ غليونه و هو يجرّبه مرارًا :
-منغير ما أسأل.. مافيش راجل أنسب من نبيل لبنتي
و أختك مابقتش صغيرة يا مالك.
مالك بحدة : بس أعتقد إنك لازم تاخد رأيها.. ده جواز مش عزومة عشا !!
حسين بصرامةٍ : مش محتاج رأيها.. أنا أبوها و أدرى بمصلحتها ..
-دقيقة واحدة يا حسين من فضلك ! .. قاطع “نبيل” حوار صديقه و إبنه
و خاطب “مالك” مباشرةً :
-ممكن أسألك لو عندك أي اعتراض شخصي عليا يا مالك ؟
نظر “مالك” نحو “نبيل” قائلًا :
-أنا أعرفك من زمان يا نبيل و ماعنديش أي مشكلة معاك فعلًا
لكن مايا دي أختي.. و سعادتها تهمني.. لما القصة يبقى فيها جواز لازم تكون مقتنعة و حابة ده كمان.
ابتسم له “نبيل” ببساطةٍ و قال :
-مش يمكن هي حابّة فعلًا ؟
أُخذ “مالك” لثوانٍ عقب جملة الأخير.. تفكّر بكلماته لهنيهةٍ.. ثم نقل ناظريه بينه و بين أبيه قائلًا بصوتٍ أجش :
-عمومًا أنا في صف مايا.. أي قرار هاتاخده أنا بدعمه من دلوقتي.
طمأنه “نبيل” و هو يمد يده رابتًا على ساقه :
-ماتقلقش.. خير إن شاء الله !
**
كان عليها العودة سريعًا إلى حجرة صغيرتها.. هذه الزيارة القصيرة لجناح الزوجية كانت تقوم بها يوميًا قبيل عودته من الخارج.. كانت تتابعه.. بل تراقبه فعليًا ..
و تعرف إنه كان يتأخر عادةً.. و لا زال الوقت مبكرًا.. لذلك لم تقاوم اغراء رغبتها القوية في استخدام حمام الجناح الخاص.. و الذي كان يُعد واحةً للاسترخاء حقًا ..
كم تتوق للاسترخاء ..
ألقت نظرة على ساعة الحائط.. إنها تشير إلى السادسة مساءً.. هو قطعًا لن يعود قبل الثامنة.. إن لم تكن العاشرة كدأب كل يومٍ ..
لم تضيّع “سمر” الفرصة من يدها.. تركت الثياب التي جاءت لتحضرها و توّجهت صوب الحمام على الفور.. فتحت المياه لتملأ حوض الاستحمام و أضافت إلى الماء بعض الصابون و المساحيق العطرية الثمينة.. بينما أخذت تخلع ملابسها على مهلٍ حتى امتلأ الحوض بالقدر المناسب ..
مدت ساقيها الواحدة تلو الأخرى داخل الحوض.. ثم هبطت بجسدها رويدًا رويدًا مستمتعة و مقشعرّة في آنٍ للإحساس بدفء المياه التي غمرتها ببطءٍ ..
أطلقت زفرات الراحة و هي تغمض عيناها.. مسندة رأسها إلى وسادة العنق المثبتة بالحوض البيضوي ..
مرّت الدقائق و هي لا تزال على حالتها.. تغتنم فرصة خلوتها مع نفسها لتفكر بالوضع كله.. العجيب بالأمر.. لم تعد تشعر بالغرابة !
طفليّها ..
إنهما بمثابة روحها الآن.. لا يمكن لها أن تفكر حتى بمفارقتهما مهما حدث ..
والدهما.. زوجها.. “عثمان البحيري” ..
و إن كان يُمثّل تعقيدًا في حد ذاته.. إلا إنه.. يملكها ..
أجل.. هكذا ببساطة.. المرة الأخيرة التي كانا معًا.. سرد لها قصتهما.. استمعت من فاهِ إلى تفاصيل جعلتها تتمنّى لو إنها ماتت في تلك الحادثة لكي لا تسمعها أو تعرفها ..
لكن بمجرد أن لمسها.. بمجرد أن مد يده و أخذها.. كل هذا انطوى بعيدًا خلف أفكارها.. فلم ترى سواه.. و لم تسمع سواه ..
ما سرّه ؟
و لماذا تضعف دائمًا في حضوره ؟ .. كيف كانت حياتها معه قبل أن تفقد ذاكرتها ؟ .. كيف عاشت كزوجة له طوال هذه السنوات ؟
-عثمـان ! .. رددت أسمه بلا وعي و هي تتململ من برودة المياه المتزايدة بمرور الوقت
-أد كده بتعشقيني و بتفكري فيا ؟
صرخت ..
فعليًا صرخت بقوة مذعورة عندما تسلل صوته إلى مسامعها و قد بدا قريبًا جدًا ..
كان يقف فوق رأسها.. ما إن رآها تصرخ و تنتفض بالحوض و هي تكاد تتسبب بغرقها.. انحنى صوبها ممسكًا بذراعها و هو يرفعها لأعلى قائلًا :
-إهدي يا سمر.. حصلك إيه ؟
ده أنا !
كارثتها إنه كان هو حقًا ..
كيف جاء الآن بحق الله !؟
متى وصل ؟ .. ليس من المفترض به أن يكون هنا الآن.. لماذا الآن !!؟؟؟
-انت.. انت.. انت ..
كانت تلهج بشدة و تتلعثم و هي تحاول النظر إليه عبثًا بسبب الصابون الذي دخل في عينيها و حرقهما ..
هدأها “عثمان” و لا يزال ممسكًا بذراعها :
-إهدي يا بيبي.. إهدي.. مالك بس ؟
ما انتي كنتي كويسة دلوقتي قبل ما أتكلم !
انهمرت دموع غزيرة من عينيها.. دموع لا علاقة لها بأيّ بكاء.. لكنها عاندت الحرق في عينيها و نظرت إليه متسائلة بصدمةٍ :
-انت هنا من إمتى ؟؟
أضاءت ابتسامة ماكرة على ثغره الدقيق و هو يرد عليها :
-من أول ما بدأتي تملي الحوض.. كنت واقف ورا الباب مؤدب و ساكت خالص
ماحبتش أقاطعك و الله و كنت ناوي أسيبك لما تخلصي خالص.. بس لما سمعتك بتنطقي أسمي.. مقدرتش أقاوم بصراحة !
و ترك نظراته الجريئة تتفرّسها بعلانية.. ما دفعها للصراخ فيه بمزيج من الغيظ و الخجل الشديد :
-انت.. انت مش محتــــرم !!!
هز كتفيه قائلًا :
-ما أنا عارف.. و انتي كمان عارفة
آه Sorry
نسيت إنك لسا ناسية.. معلش.. أنا بفكرك أهو يا بيبي ..
كانت تحاول سحب ذراعها من قبضته.. متوخية الحذر لئلا تنحسر رغوة الصابون عن جسدها و ينكشف عريها أمامه.. بينما كان مستمتعًا للغاية بهذا الكرّ و الفرّ.. يراها أمامه كما لم يرها من قبل.. بهجة لنظره.. مغرية.. جميلة.. و متمردة ..
إن “سمر” لم تعرف التمرد مطلقًا معه.. ربما حاولت في البداية.. لكنه سرعان ما قمع هذا التمرد و قضى عليه.. في كل مرة كان يقضي عليه.. إلى أن استسلمت في الأخير و سلّمته نفسها كليّةً ..
يبدو أنها تحاول أن تعيد الكرّة من جديد.. لا بأس.. سيكون من دواعي سروره …
-بقولك إيه ! .. تمتم “عثمان” متزحزحًا للأمام ليصير أقرب إليها :
-ما توسعيلي جنبك ..
كتمت شهقة هلوعة بصدرها.. رفعت يدها الأخرى محاولة فك قبضته عنها و هي تقول بانفعالٍ :
-بطل بقى.. بطل سفالة و قلّة أدب
أنا تعبت منك.. انت مش جايبني من الشار آ ..
صمتت فجأة و قد جمدتها اللمحة التي بزغت بعقلها بأضواءٍ مبهرة.. لمحة من الماضي.. و كأنها ترى لقطةً حيّة أمامها …
______
إزداد معدل الشغف في نظراته و هو يتأملها أكثر.. بينما انزلقت أكثر في الماء كي تخفي جسدها من عينيه و هي تشعر بالخجل الشديد ..
-ممكن تطلع برا دلوقتي ؟ .. قالتها “سمر” بتوتر و وجهها يشع نارًا
ليضحك “عثمان” بمرح و يرد :
-ليه كده بس يا بيبي ؟ عايزاني أطلع برا ليه ؟
ده بدل ما تعزمي عليا و توسعيلي مكان جنبك ؟
ده أنتي طلعتي بخيلة أوي.. مع إني صحيت قبلك و حضرت لك الفطار بنفسي برا
يعني لحد دلوقتي أنا أحسن منك و كريم جدًا معاكي.
رمقها بنظرات خبيثة.. فإنفعلت رغمًا عنها لسوء أخلاقه معها.. و صرخت فيه :
-قولتلك ميت مرة مابحبش الطريقة دي و قولتلك بردو ماتكلمنيش بالإسلوب ده
إنت مش جايبني من الشارع
بطل قلة أدب !
-أنا قليل الأدب ؟ .. سألها بهدوء شديد و هو يشير بأصبعه إلي نفسه
ثم ابتسم تلك الإبتسامة الشيطانية و قال :
-طيب
أنا هوريكي قلة الأدب علي أصولها !
و مد يده داخل المغطس.. ليخرج بعد لحظات بالسدادة المطاطية ..
اتسعت عيناها بذعر عندما لاحظت منسوب المياه يقل.. و جسدها على وشك أن يُـكشف له ..
_______
صحت “سمر” من الذكرى مستقرّة ببصرها مباشرةً على وجهه القريب.. لم تحرك ساكنًا.. بقيت تنظر إليه بعينين متسعتين.. صدرها يعلو و يهبط من تأثير ما رأت ..
مستحيل !
إنه محق.. جميعهم على حق.. لقد كانا معًا ..
لقد كانت له كما أراد في وقتٍ ما من حياتها ..
أليست له الآن أيضًا !؟؟
-افتكرتي حاجة.. صح ؟
تجفل “سمر” عدة مراتٍ و هي تشعر كما لو أنها قد فقدت النطق …
-أفتكرتي حاجة يا سمـر !؟ .. يسألها “عثمان” ثانيةً
هذه المرة باحتياجٍ أشدّ.. قبضته تضيق على ذراعها و هو يحدق فيها بقوة ..
و فجأة.. دس يده الأخرى أسفل المياه.. لينتزع الشيء الذي توقعته.. السدادة المطاطيّة.. كأنه يؤكد لها صدق رؤياها ..
فتشهق مرةً أخرى سامحة لدموع جديدة كليًّا بالانهمار من عينيها.. بينما كان منسوب المياه يقلّ و جسدها صار مكشوفًا أمام عينيه بالكامل تقريبًا ..
ينثني “عثمان” للأمام و يدنو منها أكثر.. يخفض صوته و هو يهمس لها بأنفاس دافئة داعبت بشرتها و شفتيها :
-أنا فاكر.. أنا فاكر كل لحظة مرّت بينّا.. كل كلمة.. كل لمسة
فاكر و عمري ما نسيت و لا هانسى يا سمر
و انتي كمان.. إستحالة تنسيني.. أنا كنت متأكد.. أنا لسا موجود جواكي
أنا هفضل موجود جواكي لأخر يوم في عمرك !!
صوته يخشوشن أكثر فأكثر كلّما نطق بكلمة.. بشرته البرونزية تزداد توّهجًا بفعل إنفعالاته المكبوتة.. رجل مثله يعرف جيدًا خطواته و يزن تصرفاته و كلماته.. لكنه في هذه اللحظة على وشك خسارة كل هذا ..
و تعرف “سمر” إنها فاغرة فاها.. و أن عينيها شاخصتين و هي تستمع إليه.. في انتظار شيء ما لا تعرفه.. و لكنها بنقطة ما بداخلها تتوقعه ..
تتحوّل نظراته الآن.. و هو يبعدها عن عينيها لينظر للأسفل ليشاهدها بعينين مشتعلتين.. و يردد بخفوتٍ :
-أنا كنت صح.. و كلهم غلط.. كل إللي حصل بيني و بينك
مستحيل تنسيه.. مش هاتنسيه أبدًا يا سمر
مش هاتنسي ده كمان ..
و رفع رأسه معانقًا شفاهها بشفاهه في قبلةٍ جائعة.. لم تستطع صدّها.. لم تستطع إيقافه ..
حتى عيناها الشاخصتين.. لم تتمكن من الإبقاء عليهما منفتحتين.. يُغمضا بشكلٍ لا إرادي كلّما تعمّقت القبلة ..
لولا ارتعاشتها لما كسرها فجأة.. ليحملق فيها لاهثًا.. يتفحص توّردها و اضطرابها و هو يقول بخشونة :
-تعالي يا بيبي.. تعالي من البرد
أنا عارف إزاي أدفّيكي !!!
و انتشلها من الحوض حاملًا إيّاها بسهولةٍ على ذراعيه.. و كأنه يحمل طفلته حقًا ..
مُدللته ..
إنها “سمر”.. زوجته.. حبيبته …
**
اصطف طاقم الخدم مهرولين بسرعة لاستقبال سيدة القصر ..
تغمرهم البهجة و السعادة لعودتها.. تلقت “فريال” ترحيبهم الحار بابتسامةٍ جميلة.. سارت أمامهم محاطة بصغار “مراد أبو المجد” و زوجته “إيمان عمران” ..
تقدمتها “صفيّة” الآن هاتفة بتهلفٍ واضحٌ بنبراتها :
-مامي أنا هاطلع أشوف ديالا.. خلاص مش قادرة وحشتني موت ..
أومأت لها “فريال” بينما تمثل مستخدمتها الأمينة.. و مدبرة منزلها أمامها قائلة بابتسامة عريضة :
-القصر رجعت له روحه برجوعك يا هانم.. و الله ما شوفنا ضحكة و لا فرحة في غيابك.
-متشكرة يا إيفون.. و الله و انتوا وحشتوني أوي.
-يارب تكوني بصحة و خير.. تسلمي يا فريال هانم.
-قوليلي أخبار القصر إيه ؟ حصل إيه في غيابي ؟
تجمدت ابتسامة “إيفون” للحظة.. ثم تلاشت فجأة و هي تقول بجمودٍ :
-كل خير يا هانم.. حصل كل خير إن شاء الله !
استشعرت “فريال” خطبًا ما من طريقتها.. لكنها لم تتوقع الأسوأ وفق الأجواء المستقرة من حولها.. لذلك تنهدت و هي تلتفت نحو “مراد” و عائلته قائلة :
-طيب يا إيفون.. من فضلك هاتي حد ياخد شنط مراد و مراته و ولاده على فوق
افتحي الجناح الشرقي و نضفوه كويس عشان مراد و مراته.. و الأوضة المشتركة جنب أوضة يحيى و فريدة دي لعمر و لمى.
و فركت رأس الصغير الذي سرعان ما أبدى تعلّقًا بها …
-بس يا هانم !
استدارت “فريال” نحوها ثانيةً مستوضحة :
-في حاجة يا إيفون ؟
ازدردت الأخيرة ريقها بصعوبةٍ.. و قالت :
-الجناح الشرقي مش هاينفع.
قطبت “فريال” : يعني إيه مش هاينفع !؟
إيفون بتوتر : قصدي.. مش فاضي !
رفعت “فريال” حاجبيها معلّقة :
-مش فاضي !
يعني إيه بردو !؟؟
تلعثمت “إيفون” و لم تقدّم إجابة واضحة.. فكررت “فريال” سؤالها بحدةٍ :
-إيفــون.. إيه الحكاية ؟؟؟
رواية كرسي لا يتسع لسلطانك الفصل التاسع عشر 19 - بقلم مريم غريب
"ديالا!"
كان هذا كل ما قالته "صفيّة". وتسمّرت بعدها. بعد ما فتحت باب جناحها الخاص بالقصر، حيث تركت صغيرتها في عهدة مربيتها.
لم تكن الصغيرة وحدها كما توقعت، ولكن كان معها آخر شخص فكرت أن تراه الآن. كان معها والدها، زوجها، وابن عمها، "صالح البحيري".
"صالح!"
خرج اسمه من بين شفتيها خافتًا، ينم عن جفاء، قلّة حماسة لرؤيته.
كان "صالح" يساعد صغيرته في تنفيذ تسريحة شعرها الدقيقة أمام منضدة الزينة، ولكن يداه قد توقفتا تمامًا الآن، ما إن ظهرت زوجته فجأة. لم يكاد يتخذ أي ردة فعل بعد المباغتة، وإلا وسبقته "ديالا"، حين قفزت من فوق الكرسي المعدني المنجّد لتنطلق صوب أمها صارخة بسعادة:
"مامااااااااااامي!"
وارتمت بين ذراعي "صفيّة" التي تلقّتها في الحال راكعةً أمامها دون أن تحيد عن "صالح" للحظة. بقى كلاهما يحدقان ببعض، هي بتوتر، وهو بغضب جلي. رغم ثقل هذا اللقاء على "صفيّة"، إلا إنه ضروري، إذ يتعيّن عليهما إنهاء هذا مرة واحدة وإلى الأبد.
***
لقد هربت منه حرفيًا، بعد أن نالها مجددًا. إنها لحظة واحدة فقط التي تتظاهر بالرفض، ثم ما إن يلمسها يتبخر كل حذرها. اللئيم، أخذها من المرحاض عارية تمامًا، فلم تجد ما تستر به جسدها بعد أن تركها أخيرًا سوى قميصه. أخذته من فوق الأرض وألقته عليها في عجالة ثم فرّت ثانيةً إلى الحمام.
وقفت هناك أمام لوح المرايا تحملق بنفسها بشدة. كتمت شهقة بكفها حين رأت التورم الواضح بشفتيها بفعل قبلاته. قبلاته!
لم يكن ليفعل ذلك، لم يكن ليقبّلها بهذا الشغف، بهذه الضراوة لو لم تشجعه! البائسة، كيف تخضع له بسهولة؟ ولماذا هذه المرة بالذات تبدي له كل هذا الخنوع والترحيب؟
أزاحت "سمر" كفها عن فمها بتمهل والخزي يتموّج في نظراتها. تنزل يديها ممسكة بتلابيب القميص خاصته، تفتحه قليلًا لتستطلع تلك العلامات الحمراء المتفرقة، التي بصم بها على صدرها وعنقها. الفاسق، هل يُلام؟ إنها أرادته بدورها، وتجاوبت كليًا مع غزله بها. ربما ذاكرتها تنساه، ولكن جسدها لا يزال يتذكره. جسدها الخائن دائمًا ما يتوق إليه. لم يتعب "عثمان" هذه المرة في طريقه لحصوله عليها، لقد مهدت له الطرق كلها. البائسة!
فتحت "سمر" صنبور المياه لتغسل بالماء البارد وجهها الملتهب من شدة تدفق دماء الخجل إليه. سحبت منشفة صغيرة من إحدى الرفوف وجففت وجهها وعنقها وهي تلقي نظرة مطوّلة إلى نفسها بالمرايا. لا يمكنها أن تظل جبانة إلى الأبد. على أيّة حال، لم ترتكب جريمة. إنها زوجته، الجميع يعرف هذا، أليس كذلك؟
خرجت "سمر" إلى الغرفة ثانية. لم تجده في السرير حيث تركته، بل كان يجلس غارقًا ومسترخيًا فوق الأريكة الوثيرة بجوار الشرفة. لم يكن يرتدي سوى سرواله الداخلي، يتصفّح هاتفه الخاص. ما إن رآها وقد عادت حتى ألقاه من يده جانبًا وتطلّع نحوها.
"ما طوّلتِش!"
قالها "عثمان" مبتسمًا باشراق. ودعاها إليه مشيرًا لها بيده.
"تعالي يا سمر."
الغريب، لقد أطاعته. وجدت قدماها تسيران تجاهه ببطء، حتى وصلت أمامه. بوغتت عندما أمسك بيدها وسحبها لتسقط فوقه. حبست أنفاسها مطوّقة عنقه بذراعيها تلقائيًا، بينما يمسّد على شعرها بيديه مرتبًا إياه فوق رأسها.
"ابقي فكريني أخدك عند الـ Hairstylist."
تمتم بأنفاسه الدافئة قرب فمها.
عبست له هنيهة مستغربة، فأردف بابتسامة جانبية ماكرة:
"شعرك طول، طول جدًا. أنا ما بحبش شعرك طويل، وهو قصير بيكون أحلى."
إتيانه مرة أخرى على ذكر شعرها الذي تسبب بقصه، دفعه لتشحذ مشاعر حنقها منه وتقول من بين أسنانها:
"إنت اللي كنت بتجبرني أقصّه صح؟ إنت عارف شعري ده فضلت بهتم بيه أنا وماما الله يرحمها كام سنة؟ أنا عمري ما حطيت فيه مقص لحد ما اتخرجت من الجامعة!"
ضحك "عثمان" بخفة وقال:
"مش كل العيون بتعرف تميّز الجمال الحقيقي. وأنا من أول يوم شايفك جميلة. بس بقيتي أجمل لما حققت رغبتي وخلّيتك تقصّي شعرك. أصلًا يا سمر، محدش بقى له أي حق فيكي لحظة ما بقيتي على اسمي. لا أمك الله يرحمها مع احترامي ليها طبعًا، ولا انتي نفسك، ولا أي مخلوق. انتي ملكي أنا، وبس."
أُخذت من طريقته، من كلماته. كان كأنه يمارس سحرًا ما عليها، فلا تشعر بأقل رغبة في الابتعاد عنه الآن. تريد المكوث هكذا طويلًا والاستماع إليه يتحدث إليها.
ابتسم "عثمان" من جديد مدركًا ما تفكر فيه بصمت. انزلقت نظراته لأسفل وهو يقول بصوت أدنى للهمس:
"وحشني شكلك وإنتي لابسة هدومي. قميصي هاياكل منك حتة. يا بخت القميص والـ..."
اتسعت عيناها بصدمة من كلماته الأخيرة. قهقه "عثمان" بانطلاق عندما اضطربت بشدة ضاربة إياه في كتفه.
حاولت الفكاك من بين ذراعيه مغمغمة بخجل غاضب:
"بطل سفالة بقى! أنا كل ما أحاول أديلك فرصة بتخلّيني أندم. إنت بجد سافل أوي. إيه ده مش معقول. إووعـى كده."
بقيت قبضته حولها محكمة، فكانت كل محاولاتها للبعد عنه فاشلة، بينما يقول من بين ضحكاته:
"إيه بس يا بيبي، ليه العصبية دي كلها. الكلام ده مش غريب على ودانك. أنا ياما قلت لك أكتر وأجرأ من كده، وإنتي كنتي بتتبسطي أوي."
ردت بنفي واثق:
"إنت كـدااااب!"
رفع حاجبه قائلًا:
"يا سمر ما تستفزنيش!"
لكنها لم تغيّر نظرتها المتحدّية، فأضطر لإثبات ادعائه:
"أوكي، لحظة."
ومد يده متناولًا هاتفه. عبث به للحظات، ثم وضعه بينهما لتسمع بأذنيها بضعة تسجيلات لهما في محادثة هاتفية. رباه! هذا صوتها حقًا، والآخر صوته هو. إنهما يتواعدان بحرارة وبكلمات جريئة للغاية، خصوصًا هي، تعده بأشياء. لا، لا يمكنها حتى أن تتقبل ما تسمعه.
"إيه رأيك؟"
سألها "عثمان" بذات التعبير المتأهب.
"الفويسز دي ليلة عيد ميلادي اللي فات، كنت لسا ماوصلتش البيت وإنتي كلمتيني، وسمعتي بودانك كنتي بتقولي إيه ووعدتيني لما أوصل هاتعملي إيه وهتفاجئيني إزاي. تحبي تسمعي حاجة تاني؟"
وبالفعل شرع بالعبث في هاتفه مجددًا، لتمسك بيده مانعة إياه هاتفة:
"خـلااااااص، خـلاص من فضلك!"
وتسارعت أنفاسها لشدة انفعالاتها. رقت نظرات "عثمان" إليها حين لاحظ شحوبها. ترك هاتفه وضمها إليه أكثر دون أن يكسر اتصالهما البصري وقال بحنان:
"أنا ما قصدتش أضايقك يا سمر، ولا حتى حبيت أحرجك. أنا بدأت أتفهم الوضع اللي إنتي فيه، بس لاحظت إن العلاج بالصدمة ممكن يجيب معاكي نتيجة. وده حصل فعلًا من ساعة واحدة. أنا المرة دي حسيت إنك سمر، حبيبتي. حسيت إنك رجعتي زي الأول. مستعد أعمل أي حاجة عشان ارجعك تاني يا سمر. خليكي واثقة فيا. محدش بيحبك في الدنيا دي كلها زيي. صدقيني!"
لم تسنح لها الفرصة للرد أو أي شيء آخر. قاطعهما طرق على باب الجناح. توترت، بينما يصيح بثبات من مكانه:
"مين؟"
أتى صوت نسائي مميز من وراء الباب المغلق:
"إيفون يا عثمان بيه!"
قام "عثمان" من مكانه آخذًا "سمر" معه. تركها الآن بتمهل قائلًا:
"ادخلي الدريسنج روم، يلا."
أحست بالامتنان تجاهه لبرهة. طبقًا لمعرفتها القصيرة به، فإنه ما كان ليتورع على عرضها بهذا الشكل على مدبرة القصر أو أي عاملة هنا. لكنه احترم مشاعرها هذه المرة. لم يشأ أن يحرجها.
"ادخلي!"
انفتح الباب ودلفت "إيفون" بعد أن نالت الرخصة لذلك. تلك المرأة الخمسينية، عينتها السيدة "فريال" بنفسها قبل أحد عشر عامًا لتدير شؤون القصر العملية. ما كان "عثمان" ليتركها كل هذه المدة لو لم يلتمس أمانتها وأصالة أخلاقها بنفسه. كانت أمه تحبها، فأحبها كرمى لأمه واعتبرها جزءًا من العائلة، حتى إنها مخولة لتربية صغيريه والعناية بهما.
"في حاجة يا إيفون؟"
"عثمان بيه، إلحق يابني!"
انقبض قلبه بمجرد سماع صوتها اللاهث يستنجد به هكذا، فقال على الفور:
"حصل إيه!؟"
اختصرت "إيفون" كل شيء في كلمتين:
"فريال هانم!!!"
***
دمعتها لا تجف على خدها. تنام وتصحو بها فعليًا. في الغالب هي لا تغادر السرير إلا لقضاء حاجتها. هذا المرض المزمن الذي يواتيها منذ مراهقتها، الاكتئاب، إنه يفتك بها منذ أيام، جراء ما اقترفه "رامز الأمير" بحقها. حبيبها، إنه يحقق كوابيسها بشأن معاشرة رجل مثل أبيها. إنه يثبت نظرية "رحمة" بأنه ليس جديرًا بها حقًا. وكله في كفة، والطريقة التي عاملها بها أخيها في كفة أخرى. ولكن، أليس هذا ما أرادته؟ والشيء الذي تاقت له طوال عمرها، وجود أخ تلوذ بحصنه، يحميها وتستشعر حميته عليها!؟ لماذا هي حزينة إذن؟
بسبب "عثمان"؟ الحقيقة لا، ليس بسببه. سبب حزنها الرئيسي هو "رامز الأمير" نفسه، الرجل الذي تحبه، وتعجز كليًا عن مجرد فكرة تركه. لا يمكنها تركه، لأنها تحبه، رغم كل مساوئه، تحبه، وتشعر بالوحشة لأنه ليس هنا بجوارها. عجبًا، لقد تركته لمدة ثلاث سنوات، والآن هي لم تره منذ بضعة أيام، إلا إنها تفتقده بشدة. تريده، تريد حبيبها ورجلها. إنها حقًا لا ترى نفسها إلى جانب آخر غيره. وإن أصر أخيها على موقفه ورفضه زوجًا لها، فإنها تخشى أن تفقد عقلها، لأنها لن تحتمل ذلك. لن تحتمله أبدًا.
"دخلتي بيتي يا بنت يحيى!"
تسلل الصوت عبر مسامع "شمس البحيري" أثناء غيبوبتها النصفية. ولكنه كان كفيلًا لينتزعها من أي مسبب يغيبها عن الواقع. فتحت عينيها على وسعهما، لتتعلق نظراتها بناظري "فريال" الحاقدين. انتفضت "شمس" وقامت جالسة فوق فراشها. حدقت بزوجة أبيها غير قادرة على النطق بكلمة، في حين احتقن وجه "فريال" بالدماء. اغرورقت عيناها بدموع الغضب وهي ترتعش حقًا من قمة الانفعال.
"بــراااااااااااااااااااااااااااااااااا:"
شهقت "شمس" بذعر عندما صرخت "فريال" بها هكذا. تراجعت ملصقة ظهرها بحائط السرير. في نفس اللحظة اندفعت يد "فريال" لتمسكها من شعرها. وهنا لم تتحمل "شمس" الألم وملأ صراخها الجناح كله، بينما أخذت "فريال" تسحبها فوق الأرض تجاه الباب. جاءت "رحمة" وصوتها يهدر بهلع من الخارج:
"شمـس.. فـي إيـه.. شـمـــــس!!!!"
تترك "فريال" ابنة زوجها الراحل وتلتفت لتنظر نحو الأخيرة. أخرسها الألم فور رؤية غريمتها. بالتأكيد هذه هي التي تزوجها "يحيى البحيري". هذه هي إبنة السائق. تلتقي نظراتهما لجزء من الثانية، قبل أن تهرع "رحمة" إلى ابنتها، ترمي بجوارها على الأرض وتضمها إلى صدرها بشدة وهي ترفع وجهها لتلاقي نظرات "فريال" من جديد. استوحشت عينا "رحمة" وأخشوشن صوتها بشراسة وهي تهتف:
"مالك ببنتي يا فريال هانم؟ أنا بحذرك، إللي يقرب من شمس آكله بسناني. شمس بنت يحيى البحيري!!"
"رحـمـــة!!!"
طغى الصوت الرجولي على كل الأصوات بالجناح. والتفتت "فريال" كليًا نحوه، ترمقه بنظرة ملؤها الخيبة والخذلان. قابل "عثمان البحيري" نظرات أمه ببرود. ثم نقل بصره نحو "رحمة" قائلًا بصرامة:
"صوتك ما يعلاش على فريال هانم. انتي سامعة يا رحمة؟ انتي هنا ضيفة عندها، بمزاجك، غصب عنك، تتأدبي وإنتي بتكلميها."
نسخة أبيه. يقف أمامها ويحذرها، يملي عليها أوامره. كان لسانها ليخرس تمامًا، لولا أن الأمر يتعلق بابنتها. لذلك ردت عليه بذات الشراسة وكأنها لبؤة تدافع عن صغارها:
"فريال هانم اتهجمت على بنتي."
نظر "عثمان" لأمه غير مصدقًا. لكنها لم تأبه لنظرته. اتخذت خطوتين تجاهه وقالت بهدوء شديد:
"إنت سمحت لهم يدخلوا بيتي يا عثمان؟"
أجفل "عثمان" في البادئ، لكنه تمالك رباطة جأشه وجاوبها:
"أيوة يا فريال هانم!"
أومأت له وقد كانت دموعها الحبيسة رهن إجابة منه. هوى قلبه بين قدميه بمجرد أن سالت مدامعها على خديها. كاد يخطو ناحيتها، لكنها جمدته بإشارة من يدها وقالت بصوت أبـ...
"إطردهم.. دلوقتــي!"
حالًا!
مرة أخرى، تُحكِم قوى أكبر من إرادته سيطرتها عليه. قوى الواجب. فيقسو وهو يقول بجفاء:
"مش ممكن يا فريال هانم. شمس أختي، وأنا استحالة أتخلى عنها مهما حصل!"
رواية كرسي لا يتسع لسلطانك الفصل العشرون 20 - بقلم مريم غريب
وقعت كلماته عليها أقسى من لسعات سياطٍ لاهبة.. حتى إنها لم تتحملها حقًا.. انتفضت “فريال” بعنفٍ وهي تشهق بقوة فاغرة فاها وممسكة بصدرها.. تحديدًا جهة اليسار.. فوق قلبها مباشرةً..
“فريال هانم !!” صاح “عثمان” بهلعٍ شديد.
جمدته “فريال” دافعةً إياه في صدره قبل أن يقترب منها أكثر.. كان قلبه يتمزّق عليها وهو يراها مطرقة الرأس.. تكافح لتعبئ الأكسجين إلى رئتيها..
“ماما.. من فضلك”
لم تستجب لصوته ذي اللهجة المُعذّبة.. تريّثت قليلًا حتى تمالكت رباطة جأشها نوعًا ما.. ثم رفعت وجهها وحدقت فيه بعينيها الحمراوين الدامعتين..
لن ينسى “عثمان البحيري” أبدًا تلك النظرة التي رآها بعينيّ أمه.. نظرة كمن تلقّى طعنةً من عزيز قلبٍ.. إنه عزيز قلبها حقًا.. كيف يطعنها إذن؟ كيف يفرّط بها؟
لم تفهم “فريال” معه بكلمةٍ.. رفعت يدها عنه.. لم تحاول مجرد إلقاء نظرة واحدة خلفها.. سارت مهرولة إلى خارج الجناح.. يركض “عثمان” في إثرها من فوره.. تتبعهما نظرات كلًا من “رحمة” و “شمس البحيري”..
ما إن صارتا منفردتين.. تحدثت “رحمة” بلطفٍ جمّ وهي تضم ابنتها إلى صدرها بقوة تبثها الحماية..
“ماتخافيش يا شمس.. انتي كويسة.. أنا هنا جنبك.. محدش يقدر يقرب لك وأنا عايشة على وش الدنيا.. محدش يقدر!”
ولكن ما لا تعرفه “رحمة” إن “شمس” لم تكن خائفة البتّة.. مشاعرها كانت أبعد ما تكون عن الخوف..
***
لم يعد بإمكانها السيطرة على نفسها أكثر.. انهارت “فريال” بمجرد وصولها إلى قمّة الدرج.. أجهشت في بكاءٍ مرير وهي تهبط إلى الأسفل تقريبًا لا ترى شيئًا بسبب الدموع التي غشيت عينيها..
“مامـا”
تجاهلت هتاف “عثمان” من وراءها.. استأنفت هبوطها مسرعة وهي تتمسك بالدرابزون لكي تتفادى أيّ سقوط عرضي.. سمعت خطوات “عثمان” تقترب أكثر فأكثر.. انكمشت على نفسها ما إن امتدت يده ليمسك بذراعها بقوةٍ.. كأنما لدغتها عقرب.. قفزت “فريال” بمكانها صارخةً فيه..
“إيـااااااااك.. إيـااااااااااك تلمسني”
رفع “عثمان” يده عنه فورًا وهو يقول مهدئًا إيّاها..
“طيب.. إللي انتي عاوزاه.. بس إهدي أرجوكي”
كل توسلاته لم تفلح معها.. وواصلت الهبوط مضطربة بشدة ومنخرطة في موجاتٍ من البكاء غير المتحفّظ.. كان الجميع في تأهبٍ بالفعل.. أسفل الدرج تفاجأ “عثمان البحيري” برؤية صديقه المقرّب “مراد أبو المجد” وعائلته.. كان ليسعد بشدة ويهرع إليه مرحبًا به كثيرًا إذ يشتاق حقًا له.. لكن الآن لا شيء يشغله سوى أمه.. التي سعى خلفها باستماتةٍ صائحًا..
“فريـال هانـم.. من فضلك أقفي اسمعيني.. يا ماما.. انتي رايحة فيـن!؟”
وهذه المرة أعترض طريقها مباشرةً عندما تأكد بأنها متجهة صوب باب المنزل.. وقف بوجهها عابسًا بشدة وقال بصوتٍ أجش..
“سألتك رايحة فين يا فريال هانم؟”
أجبرت “فريال” على التوقف لأنه كان يسدّ الطريق أمامها بجسده الضخم.. نظرت الآن إليه بعينان تنفثان شررًا.. السيدة الرقيقة.. الأرستقراطية الجذّابة.. إنها منكسرة.. لم تشعر هكذا قط.. إلا حين توفى زوجها.. رغم ذلك.. كان أشدّ قسوة.. لأنه من آخر شخص تخيّلت أن يغدر بها.. ابنها.. حاميها ورجل عمرها.. خانها.. طعنها بظهرها طعنةً نفذت إلى فؤادها..
“إوعى من وشي !!” همست “فريال” من بين أسنانه.. لم تتوقف دموعها عن السيلان.. كذا رجفة جسدها الطفيفة..
رد “عثمان” بصرامةٍ دون أن يحرّك ساكنًا من مكانه..
“مش هاتخرجي من البيت ده يا فريال هانم.. مش هاتخرجي من بيتك”
“مابقـاش بيتـي !!!” صرخت فيه بضراوةٍ.. على مرأى ومسمع من الجميع.. بكت “فريال” بحرارةٍ وهي تستطرد بكل ما يعتمل بداخلها من قهرٍ..
“ده خلاص مابقاش بيتي.. وانت من اللحظة دي يا عثمان مابقتش ابني.. إللي يخونّي مش ابني”
تقلّصت ملامح وجهه من شدة الألم الذي تبثه فيه كلماتها وبكائها.. ليرد عاقدًا حاجبيه بأسى..
“عمري.. عمري ما أخونك يا ماما.. ده انتي في كفّة والدنيا كلها في كفّة.. انتي إللي أختارك حتى لو التمن حياتي.. بس أرجوكي أفهميني.. أنا مقدرش أطرد شمس.. شمس أختي.. أختي يا فريال هانم زي صفية بالظبط.. يرضيكي أطرد صفية؟ أو أتخلّى عنها وأسيبها منغير حماية؟ ماما.. من فضلك إنسي إنها بنت يحيى البحيري.. إنسي غلطة بابا.. أرجوكي انتي طول عمرك عطوفة على الكل.. أنا مش شايفك غير كده”
اتسعت عيناها بشدة.. واقتربت منه خطوة واحدة مرددة عبر أنفاسها الملتهبة..
“انت سمحت لها تدخل وأنا مش هنا.. سمحت لبنت السواق.. دخّلتها.. هي وبنته.. لحظة ماسمحت لحاجة زي دي تحصل بإرادتك.. انت خسرتني يا عثمان”
وابتعدت ذات الخطوة قائلة بحزمٍ..
“ابعد عن طريقي.. أنا هامشي من البيت ده وأوعدك إني مش هاخطّيه تاني.. وانت من اللحظة دي مش ابني.. وأنا مش عايزة أشوفك طول ما أنا حيّة وبتنفس”
نظر إليها غير مصدقًا.. أعتقد بأنها لا تزال مجروحة منه.. لا يود أن يصدق حقًا إنها قد تكرهه إلى هذا الحد كما كرهت أبيه.. لا.. لا يمكنها أن تفعل..
“فريال هانم !” نطق أسمها بثباتٍ بينما نظرته المتضرعة تلتمس عفوها.. إلا إنه لم يحصل عليه.. رمقته “فريال” بنظرة أبدًا لم يخطر بباله أن تخصّه بها.. وقالت بجدية تامة..
“لو ماسبتنيش أخرج من هنا دلوقتي حالًا.. هاطلب البوليس.. أنا هامشي ومافيش حاجة هاتمنعني إني أمشي حتى لو رجع يحيى البحيري نفسه وقام من الأموات.. سمعتني؟”
حدقا ببعضهما لثوانٍ أُخر.. ثم بدون كلمة أخرى تجاوزته “فريال” ماضية نحو الخارج.. ظل “عثمان” متسمّرًا بمكانه.. يحدق في إثرها الفارغ حيث كانت للتو.. بينما مرّ “مراد” من جواره هاتفًا..
“أنا رايح وراها !”
لم يسمعه جيدًا.. كان مصدومًا مِمّا حدث.. ولم يتقبّل كلماتها التي لا زالت تتردد بأذنيه كلمة كلمة.. بالكاد أحس برحيلها.. مترافقًا معه شعور يُتمٍ يجتاحه لأول مرة.. أمه.. أهم امرأة بحياته قد خسرها كما قالت.. استدار “عثمان” بحدة ناظرًا صوب باب المنزل المفتوح على مصراعيه.. لم تكن هناك.. أغرورقت عيناه بطبقة بسيطة من الدموع بينما يهمس من شفاهه..
“مامـا !!”
***
ليس لديها أيّ فكرة كيف يمكنها أن تجد القوة للمواجهة.. مواجهته هو بالذات.. لكنها وجدته فوق رأسها.. أحسّت بوجوده بينما هي نصف غافية فوق أريكتها الأثرية المعقوفة.. باعدت بين أجفانها المتثاقلة وتطلّعت إليه مباشرةً.. كان يجلس قبالتها.. فوق كرسي طاولة الزينة.. قريبًا جدًا منها.. حتى إنها استطاعت استنشاق رائحة عطره الحمضي المميز..
لم يدم سكونها سوى لحظة واحدة.. ثم انتفضت بعنفٍ فوق الأريكة.. وتراجعت إلى أقصى حدود سمحت لها وهي تحملق فيه بذعرٍ بَيّن..
“ماتخافيش !” قالها “نبيل” في الحال بصوتٍ هادئ..
“بقى جالسًا بثباتٍ مكانه.. ينظر إليها بثقة وهو يستطرد.. أنا ماحبتش أصحيكي لما شوفتك نايمة.. قلت أستنى شوية لو ماصحتيش من نفسك هامشي”
تسارعت أنفاسها وهي تشد طرفيّ روبها القصير إلى صدرها قائلة بخشونةٍ..
“انت دخلت هنا إزاي؟ مين سمح لك تدخل؟؟”
جاوبها ببساطة..
“أبوكي.. أبوكي سمح لي”
عبست بشدة غير مصدقة.. فأكد لها..
“حسين بيحاول يوسع لي مجال معاكي.. على اعتبار إننا في حكم المخطوبين ومافضلش كتير على فرحنا”
تلاشى العبوس كليًا عن وجهها.. لتردد مفغرة فاها..
“إيه!؟”
“زي ما سمعتي.. أنا أصلي حكيت لحسين الحقيقة.. أو نص الحقيقة.. قلت له إنك صارحتيني بإن وليد طليقك عمره ما لمسك.. إنك عشتي معاه سنتين في بيت واحد منغير ما يقرب منك.. وبناء عليه عقد الجواز إللي بينكوا باطل طالما مادخلش عليكي.. يعني انتي مالكيش عدة يا مايا”
صمت لبرهةٍ مقيّمًا ردة فعلها غير المستوعبة حتى الآن.. وأكمل..
“أنا لما طلبتك منه في الأول اتفقنا نصبر على الفرح لما تكملي عدّتك.. لكن بما إن مافيش عدة أصلًا.. قررنا نعمل الفرح علطول بقى”
ومد جذعه للأمام صوبها وهو يقول بابتسامةٍ جانبية..
“مبروك يا عروسة.. كتب كتابنا الخميس الجاي.. يعني بعد يومين بالظبط !”
تنظر إليه وتهز رأسها.. بأعين متّسعة.. تهمس فقط قائلة..
“لأ.. لأ !!!”
لم تزد على ذلك وقفزت من فوق الأريكة.. انطلقت راكضة إلى خارج الغرفة يتبعها “نبيل الألفي” على الفور.. ولكن ليس بنفس سرعتها.. فقد قام من مكانه على مهلٍ.. تنهد وهو يعيد غلق زر سترته الفخمة.. ثم يسير وراء أثرها بإتزانٍ..
***
“أنا عايزة أطلّق يا صالح !”
نفس الجملة التي قالتها له قبيل سفرها منذ أسابيع.. تُعيدها مجددًا على مسامعه.. عرف “صالح البحيري” إن وجود صغيرتهما هنا الآن لن يكون صائبًا.. لذلك سمح لمربيتها بأخذها إلى غرفة صغيريّ ابن عمه.. وها هو الآن في اللحظة التي أرادها تمامًا.. أخيرًا ينفرد بزوجته.. وحب عمره.. المرأة التي لم يحب سواها أبدًا.. إنها تريد الطلاق.. تصرّ عليه حقيقةً ولا زال يجهل أسبابها..
“عرفت !” قالها “صالح” بجفافٍ وهو يرمقها بطرف عينه.. كانت تجلس على مقربة منه.. وآثر هو الوقوف أمام الشرفة.. مودعًا يديه بجيبيّ بنطاله لكي يخفي أثر انفعالاته عنها.. أدار وجهه قليلًا لينظر إليها جيدًا وهو يقول..
“أنا سمعت الكلام ده قبل ما تسافري فعلًا.. لكن ماسمعتش أسبابك.. عايزة تطلّقي ليه يا صافي؟”
توترت أكثر في جلستها وهي تقول..
“منغير أسباب.. طلّقني !”
لم يتمالك “صالح” أعصابه أكثر من ذلك.. استدار نحوها عاصف الوجه.. مد يده وسحبها بعنفٍ من ذراعها صائحًا..
“يعني إيه منغير أسباب؟ أنتي عارفة بتطلبي إيه؟ أول مرة تطلبي الطلاق.. حتى في أول جوازنا وكل المشاكل إللي مرّينا بيها.. عمرك ما طلبتيه يا صفيّة.. إيه إللي حصل دلوقتي؟!”
لم تستطع سحب ذراعها من قبضته أبدًا.. لكنها جمّحت اقترابه إليها مواصلة دفعه بصدره بكفّها وهي تقول باضطرابٍ شديد..
“إللي حصل إني مابقتش عايزة أكمل معاك يا صالح.. ليه مش قادر تتقبل ده؟”
ثار بها أشدّ هادرًا..
“انتي هاتجننيني.. يعني مش إيه مش قادرة؟ أنا عملت إيه؟ إيه الغلط إللي حصل مني؟ عشان رجعت للشرب؟ أنا قلت لك ووعدتك إني هابطل.. أنا فعلًا كنت مبطل عشان خاطرك.. 12 سنة جواز منغير نقطة خمرة ومع أول زلة بتتخلّي عني.. بدل ما تقفي جنبي وتصبري عليا”
كانت تهز رأسها متمتمة بتعبيرٍ مرير على وجهها..
“مش ده السبب.. مش ده السبب”
قطب حاجبيه وسألها..
“أومال إيه السبب؟ قوليلى.. إيه غيّرك فجأة وقلبك عليا؟ قابلتي حد؟ انطقي شوفتي مين ولعب في عقلك؟؟”
كاد صوته يصمّ أذنيها الآن.. فصرخت به محاولة التخلّص عبثًا..
“انت مجنوون.. ماشوفتش حد ولا حد لعب في عقلي.. انت إللي مش عايز تفهم.. خلاص مابقاش ينفع نعيش سوا يا صالح.. أنا وانت دلوقتي مش أكتر من قرايب.. أنا عايزة أطلّق وده قرار نهائي !!!”
أقارب! تقول إنهما ليسا أكثر من مجرد أقارب!؟ حتى لا تراه ابن عمها بالمقام الأول.. ألهذه الدرجة لم تعد تريده؟ هل يُعقل.. لقد ربّاها.. كبرا سويًا.. تحابّا لسنواتٍ وعرفا منذ صغرهما بأنهما مقدّران لبعضهما.. تزوجا وأنجبا طفلة.. عاشا سنوات من الحب والسعادة.. ماذا حدث؟ كيف يتحوّل المرء من النقيض إلى النقيض بين ليلةٍ وضحاها!؟
نظر “صالح البحيري” بعينيّ زوجته.. “صفيّة البحيري”.. ابنة عمه الفاتنة.. صورة أمها في شبابها.. بارعة الجمال مثلها.. وقد قضى له أن تكون هي له.. امرأته.. ملكه وحده.. لذا لا هي.. ولا غيرها.. ولا أيّ شيء على وجه البسيطة بقادرٍ على التفريق بينهما.. لن يسمح لهذا أن يحدث مطلقًا..
“مافيش طلاق يا صفيّة !” قالها “صالح” مزمجرًا.. وطوّق ذراعها الآخر بيده الحرّة.. دفع بها تجاه السرير.. سرير طفولتها وشبابها.. ألقاها هناك بالمنتصف بالضبط..
آنت “صفيّة” على إثر السقطة..
“عايز مني إيه يا صالح ؟؟” هتفت بعصبية..
ارتكزت على مرفقيها محدقة فيه بجزعٍ.. بينما يحلّ “صالح” أزرار قميصه ناظرًا إلى عينيها مباشرةً وهو يقول بغضبٍ بارد..
“هكون عايز إيه؟ واحد مراته بعيدة عنه بالأسابيع.. تفتكري لما يشوفها ممكن يعمل إيه؟”
مجرد الفكرة نفرتها من الأمر برمته.. استهجنت مطالبه الصريحة قائلة..
“لأ انت بتهرج.. أنا قلت لك عايزة أطلّق.. إيه في كلامي مش مفهوم!؟”
مواصلتها بالاصرار على هذا أفقدته صوابه على الأخير.. فلم يعد يرى أمامه.. يجب أن يثبت لها من صاحب اليد الطولى هنا.. إنه زوجها.. إن كانت قد نسيت.. سوف يذكرها جيدًا..
“أطلبي الطلاق تاني يا صافي.. إديني سبب أخير عشان أخليكي تندمي إنك طلبتيه أول مرة !!”
وقبل أن تفهم مغزى كلماته تمامًا.. كتمت صرخة حين أمسك بربلة ساقها وشدّها جاثمًا فوقها.. ثم اصطدمت بادراك ما إن شعرت بفمه على فمها وبقبلته تزداد عمقًا وضراوة.. بأن هذا.. زوجها.. “صالح البحيري”.. هو ابن عمها.. “رفعت البحيري”.. مغتصب أمها.. الخائن لأبيها ولعائلته قاطبةً..
تشمئز “صفيّة” من ذلك الاتصال الجسدي بينها وبينه والذي لطالما تاقت له في السابق.. تحاول دفعه بعيدًا.. تقوم بالضغط على كتفيه.. لكنه لا يتزحزح كأنما هو صخرة تشدّها للقاع الغريق.. رغم ذلك لم تكف عن المقاومة.. ما أجبره على كسر القبلة مؤقتًا.. لتهتف “صفيّة” بهسترية فورًا..
“مش عايزاك.. أنا مش عايزاك يا صالح.. مش عايزاااك”
سرى الغضب بشرايينه مسرى الدم.. وكان مقتنعًا الآن وهو يغرز ناظريه بعينيها الشبيهتين بلون العشب النضر بأنها حقًا منجذبة لغيره.. لا تفعل ذلك سوى أنثى تريد رجلًا آخر.. استحال “صالح البحيري” الآن لنسخة مطابقة عن أبيه.. حتى لهجته الحادة وهو يقول مقيّدًا معصميها فوق رأسها في يدٍ واحدة..
“أنا مستنيكي تتكلمي بصراحة وتقولي هو مين.. عشان أقتله قبل ما أقتلك.. بس دلوقتي لو عملتي إيه مش سايبك يا صفيّة.. ولو نسيتي هافكرك.. هاعرفك بجد مين هو صالح البحيري !!!”
في حركة سريعة يرفع ثوبها فوق رأسها.. يعرّيها باصرارٍ فتشعر كما لو أنه ليس زوجها.. كما لو إنها لم تفعل ذلك معه مئات المرات.. حلّ عليها إسقاط حادث اغتصاب أمها على يد عمها.. عاشت “صفيّة” الآن أبشع كابوس وخاضت الوقعة بخسائر غير مبررة.. لكنها لم تعد تقاوم.. فلا جدوى من هذا.. لم تفعل أيّ شيء طوال الدقائق التالية سوى الاستسلام له!
***
اقتحمت “مايا عزام” غرفة المكتب الخاصة بأبيها.. كان هناك بالفعل.. يباشر أعماله عبر حاسوبه كما جرت العادة مؤخرًا منذ حادث انتحارها الذي باء بالفشل بسبب “مالك”..
“انت إزاي تدي لنفسك أي حق عشان تتحكم في حيـاااتـي !!”
انتبه “حسين عزام” لصراخ ابنته الجهوري فور ظهورها أمامه بغتةً.. رفع عينيه عن حاسوبه ونظر إليها عبر عويناته الزجاجية.. قبل أن يزيلها ويضعها فوق مكتبه.. ينضم “نبيل الألفي” إلى المشهد الصاخب الآن.. جاء من ورائها مباشرةً.. هادئًا.. واثقًا.. كصديقه..
يقوم “حسين” من مكانه ويدور حول مكتبه بتباطؤ قائلًا..
“مايا.. صحيح إنك في بيتك.. ونبيل في حكم خطيبك.. بس أظن مايصحش تظهري قصاده بهدوم أوضة النوم دي.. أطلعي يا حبيبتي غيري هدومك وأنا هاستناكي برا في الصالون مع نبيل عشان نشرب القهوة سوا ونتكلم زي ما انتي عايزة”
صاحت “مايا” منفعلة..
“مافيش كلام.. انت سامعني؟ مافيش كلام.. وده”
استدارت مشيرة نحو “نبيل” بسبابتها وهي تقول عبر أسنانها المطبقة بشدة..
“ده مش خطيبي.. أنا مش هاتجوزه لو كان آخر راجل في الدنيا كلها”
عاودت النظر إليه من جديد وأضافت بحدة..
“انت ماتقدرش تجبرني.. محدش يقدر !!”
رد “حسين” بصرامة متخذًا نحوها خطوة مهددة..
“أنا أبوكي.. وكلامي يمشي عليك.. هتتجوزي نبيل غصب عنك انتي سامعة؟”
توقدت نظراتها بعينيها الغائرتان.. وقالت ورجفة غضبٍ تعتريها..
“انت لسا فاكر إن أنا بنتك؟ انت ولا حاجة بالنسبة لي.. وكلامك ده يمشي عليك انت مش عليا.. أنا مش هاتجوز الراجل ده ااااااااه”
لم تتاح لها فرصة إتمام الرد.. إلا وهوت كف “حسين عزام” على صدغها.. منتزعة منها صرخة متألمة.. قبل أن يختلّ توازنها وتسقط فوق أرض مكتبه.. الصدمة شوّشتها نوعًا ما.. فلم تنتبه إلى “نبيل” الذي انتقل من مكانه بلحظةٍ ليتصدّى لأبيها إذ همّ بتكييل المزيد من العنف إليها..
أمسك “نبيل” بمعصم صديقه العجوز قائلًا بصرامة..
“مايا تخصّني يا حسين.. إياك تمد إيدك على حاجة تخصّني !!”
يحدق “حسين” به للحظة.. ملامحه غير قابلة للقراءة.. لكنه بعد ذلك يومئ له كما لو أنه أدرك أخيرًا..
“الفرح الخميس الجاي زي ما اتفقنا !” قالها “حسين عزام” مخاطبًا “نبيل”.. كأن وجود “مايا” لا مرئيًا.. أكد عليه عابسًا..
“هاسيب كل حاجة في إيدك بعدها وهمشي أعمل إللي قلت لك عليه.. نبيل.. كل ده من دلوقتي.. بقى مسؤوليتك انت”
أومأ له “نبيل” موافقًا.. بدون كلمة أخرى.. تجاوزه “حسين” ومرّ من جانب ابنته صوب الخارج.. لا تزال على صدمتها.. راقبت خروج أبيها.. ولم تنتبه لليد التي امتدت لتساعدها على النهوض.. ارتعدت حين شعرت بلمسته المألوفة جدًا.. لطمت يده على الفور وقامت بمساعدة نفسها.. وجهها المستدير يشعّ حرارة واحمرارًا ناريّ.. فاتنة.. حتى في أوهن لحظاتها.. اكتشف “نبيل” بعد كل شيء إن جمالها ليس كله اصطناعيًا.. إنها ليست خارقة الجمال بطبيعة حالها.. لكنها مثيرة.. ولها ملامح ناعمة أيضًا..
“احلم انت وهو !!” غمغمت بحنقٍ بينما تسيل دمعة على خدّها الأيسر.. نظر لها في سكينة.. لتكمل وهي تتراجع بظهرها نحو باب المكتب..
“انت عمرك ما هاتلمس شعرة مني تاني.. سامعني؟ انت حيوان.. انتوا كلكوا حيوانات.. كلكوا زي بعض.. كلكوا !!!”
واستدارت مولية إلى غرفتها من جديد.. أفرج “نبيل الألفي” عن نهدة حارة من صدره.. حوّل بصره تجاه الشرفة المطلّة على حديقة المنزل.. أمسك بيداه ظهر رقبته وهو يزفر مرددًا..
“عندها حق.. أنا آسف.. أنا اسف يا حسين”