تحميل رواية «جمارة (بين العشق والقسوة» PDF
بقلم ريناد يوسف
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
(بين العشق والقسوة) الفصل الأول عدنا والعود احمدُ ❤تقدمت نحو نافذة غرفتها وقامت بفتح الستائر ببطئ لتحتضن اشعة الشمس وجهها فتنعكس من خلال عينيها ليكتسب لون عينيها الازرق بريقا من نوع خاصاغمضت عينيها ثم قامت بفتحهم ببطئ شديد لكى يعتادو على هذا الضوء الذي تعرضتا له فجأه .اخذت نفس عميق زفرته على فترات وهى تنظر لحديقة القصر وتجوبها بعينيها ذهاباً واياباً وتستنشق عبق ماتحمله نسمات الصباح من رائحه الورود المصطفه فيها بطريقه مميزه لتُكون لوحه فنيه تضم جميع الاشكال والالوان التى رُسمت بيد محب عاشق للطبيع...
رواية جمارة (بين العشق والقسوة الفصل الأول 1 - بقلم ريناد يوسف
عدنا والعود احمدُ ❤
تقدمت نحو نافذة غرفتها وقامت بفتح الستائر ببطئ لتحتضن اشعة الشمس وجهها فتنعكس من خلال عينيها ليكتسب لون عينيها الازرق بريقا من نوع خاص
اغمضت عينيها ثم قامت بفتحهم ببطئ شديد لكى يعتادو على هذا الضوء الذي تعرضتا له فجأه .
اخذت نفس عميق زفرته على فترات وهى تنظر لحديقة القصر وتجوبها بعينيها ذهاباً واياباً وتستنشق عبق ماتحمله نسمات الصباح من رائحه الورود المصطفه فيها بطريقه مميزه لتُكون لوحه فنيه تضم جميع الاشكال والالوان التى رُسمت بيد محب عاشق للطبيعه، فيعتقد كل من تقع عينه عليها انها قطعة من الجنه هبطت على الارض ،
ولكن الحقيقه ان هذه الحديقه كانت ولا تزال فى عينيها ليست اكثر من ساحة قتال قد خاضت على ارضها الكثير من المعارك والصعاب والى وقتها هذا لا تصدق انها استطاعت اجتيازهم او على الاقل الخروج منهم على قيد الحياه...
اغمضت عينيها لتبدا ذاكرتها بعرض كل ماحدث فى تلك الحديقه فى كل يوم على مدار السنين منذ ان كتب عليها ان تأتى لهذا القصر فى الزى الابيض ولم تكن تعلم ان اللون الابيض الذي كانت ترتديه ماهو الا بداية لسواد قد احاطها لاحقا من جميع الجهات وظلم انهال عليها من كل حدب وصوب ...
انقبض قلبها ماان شعرت ان عقلها سيأخذها قريباً فى جولة ويذكرها بكل مامرت به من احداث ...
وها هى اول ذكرى لاحت لها فى افق الذكريات، وهى تقف اعلى هذا المنزل لأول مره تطل على ذات هذه الحديقه والتى كانت تعد اكبر حديقه لاكبر وارقى بيت فالبلده مقارنة بسائر البيوت والتى لم تكن تحلم يوما ان تدخل اليه زائره فما بالها ان تدخل اليه عروس !
احساس بالسعاده كان يغمر قلبها وقتها وهى ترى زوجها لأول مره حين قام عمها واولاده بايصالها الي منزله فى عربة مكشوفه مزينه تعرف باسم كارته تجرها مهرة سبحان من خلقها فسواها فقد كانت رقطاء جميله تسر الناظرين ..كانت تنظر اليها متعجبة كأنها تألفها ورأتها قبل ذلك ولكن لا تعلم اين ...
ولا تبالغ ان قالت انها لليوم تتذكر ذلك السرج الذي كان يزين ظهرها من شدة جمال الوانه وبريقه الاخاذ .
دخلت للقصر تحت اصوات الهلاهل وعزف المزمار لتأخذها النساء صاعدين بها لسطح القصر حيث كان بأستطاعتهم من هذا الموقع ان يرو الرجال فى حديقة القصر وهم يقومون بالاحتفال بالعرس على طريقتهم فمن المتعارف عليه فى قرى الصعيد ان لامكان للنساء فى مجالس الرجال ولكن يسمح لهم بالمراقبه من بعيد وفى الخفاء ....
اخذت تنظر مع الناظرين لحديقة القصر لترى اول مظاهر الاحتفال وهو عباره عن مبارزه بين زوجها وبين رجل آخر والذي عرفت مؤخرا انه ابن عمه حكيم
فى الظاهر من يراهم للوهلة الاولى يعتقد انها مجرد لعبه ...
ولكنها اكتشفت بعد ذلك انه لم يكن الا قتالا حقيقياً مستتر تحت ستار لعبة التحطيب ،حيث تقدم ذلك المتشح بالسواد ابتداء من حذائه لجلبابه الذي حِيك بالطريقه التقليديه للزي الصعيدى وحتى عمامته اللتى تميزت من وسط الاف العمامات البيضاء بلونها الاسود ومازاده اللون الاسود الا وقاراً وما اضفى اليه الا هيبة ومازاد طلته الاً بهاءً استحوذ على انتباه جماره لبرهه وهى تتامله وتتسائل فى قرارة نفسها ترى اين رأته قبل ذلك ؟
تقدم بخطواتٍ متردده ملبيا لرجاء جميع الحضور وامتثالاً لرغبتهم فى مشاهدته لمرة اخرى وهو يتألق ويتفوق فى لعبته المفضله وهى التحطيب وهو عباره عن مبارزه بالعصى بين اثنين يفوز فيها الاكثر مهاره والاسرع بديهه وحركه .
تقدم ليقف امام ذلك الاخر والذي كان عكسه تماما فهو غارق فاللون الابيض من رأسه حتى قدميه ومن يري الاثنين معا يعتقد للوهلة الاولى انه يري الابيض والاسود يتنافسان بكل مايحمله اللونان من معتقدات فى نفوس البشر ...
استقبله ذات الابيض بإبتسامه واسعه وبدأ فى لف العصا فالهواء بحركه دائريه ليرد عليه الآخر بنفس الحركه بعد ان شمر عن ساعديه ورفع اكمام جلبابه ...
استعدادا لاول مبارزه يخوضها وهو يشعر انه جسد بلا روح وإن رغب احدهم فى رؤية جثة تتحرك فلن يكون عليه الا النظر اليه.
نطق غازى وهو يدور حوله بتأهب تام :مالك ياواد عمى حاسك هتلعب من غير نفس !
اردف حكيم وهو يتبعه بعينيه وهو جامد فى مكانه :وديه يفرق معاك فحاجه ؟
غازى :له واصل ...بس يعنى الحاجه اللى عتتعمل من غير نفس عتوبقى ماسخه ودلعه وملهاش طعم قالها وهو ينظر فالهواء لعصاه التى رفعها للاعلى وبدأ بلفها ليتفقد مدى صلابتها .
حكيم :احنا هنحطبو على فكره مش هنطبخو عشان نقلقو بخصوص الطعم والمسخان .
غازى :صدقنى ياواد عمى حتى لو لعبه برضك من غير نفس عتوبقى ماسخه وشكلك مهتبدعش فيها كيف كل مره عشان اكده عقول بلاها النوبادى وارتاح انتا شكلك تعبان النهارده ...
حكيم وهو ينظر لعصاه بتأمل قبل ان يلتف بغتة ويرفعها عاليا فالهواء لينزل بها على غازى بسرعة البرق فى ضربه كانت كفيله بأسقاطه ارضا ومن المحتمل جعله يدخل فى نزاع مع الموت لولا انتباه غازى فالوقت المناسب وصد الضربه بعصاه بكامل قوته.. ثم بدأ الاثنان فى الاستداره حول بعضهما ليبتسم غازى بعد ان ايقن بالفعل ان حكيم فى اوج غضبه فى هذه اللحظه وهذا الشيئ جعل قلب غازى يرقص طربا لتكتمل فرحته ويتصنف هذا اليوم فى تاريخ حياته بانه اولى انتصاراته على حكيم ....
بدأت اللعبه بضربات متبادله من الاثنين بنفس القوه ونفس المهاره تقريبا ،وهذا جعل من المباراه اهلا للمشاهده والاستحواذ على انتباه جميع الحاضرين واثارة الفضول لمعرفة اياً من هرمَى لعبة التحطيب فالبلده والبلدان المجاوره سيفوز ...
اشتدت المبارزه مع احتباس الانفاس وتعالى الشهقات مع كل ضربه يُعتقد انها ستكون الناهيه للمباراه من احد الطرفين ..
ولاسيما تلك الماكثه على اعتاب القصر مراقبه لكل حركه تبدر من الاثنين فى خوف وهلع ،ومتتبعه بكل تركيز لايدى حكيم على وجه الخصوص وحركة عصاه وهى واضعة يدها على صدرها بخوف من شيئ تحدثها به نفسها و تخشى حدوثه..
وسرعان ماتحقق ماكانت تخشاه وهاهى ترا حكيم يباغت غازى بحركه مفاجئه فيجرده من عصاه ويرفع العصا التى بيده عاليا وهو متأهب لجعلها ترتطم بجسد غازى بكل مااوتى من قوه وإن حدث هذا فأن غازى ميتُ لا محاله ...فصرخت بكل قوتها وهى تحرك عجلات كرسيها المدولب لتقوده فى اتجاه الاثنين...حكيييييم اووعك ياولددددى اصحك ...
تملك الغضب من حكيم وتلبسه فسيطر على كيانه فى لحظه كشيطان رجيم وهو ينظر لغازى ولم يره حينها الا الد اعدائه الذي سلب منه اعز ماملك قلبه وجرده من كل شيئ جميل كان يعيش لاجله فى طرفة عين ...
لكن صوتها جعله يعود لرشده وحرك رأسه يميناً ويساراً ثم اغمض عينيه وهو يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ثم رخى يديه لتبتعد العصا عن رقبة غازي قليلا ..والذي ابتسم براحه ماان فعل حكيم هذا بعد ان قضى اللحظات الماضيه وهو يتخيل مدى الالم الذي سيختبره ماأن يقوم حكيم بضربه مع كل هذا الغضب اللذي يشع من عينيه ...
واخيرا نطق غازى بعد ان بلع ريقه بصعوبه :براوه عليك ياحكيم ..سبع من يومك ياواد العم ..
حكيم القى بعصاه ارضاً ثم تقدم خطوتين تجاه تلك الماكثة امامه وهو يرى الخوف قد نال منها لاقصى الدرجات ...قد لا يتجلى هذا للجميع ولكن وحده حكيم يستطع قرأة هذا الخوف بعينيها اللتان تتحركا بينه وبين غازى بتوتر ..
فجلس امامها واخذ يدها بين يديه رافعا اياها ليضع فمه عليها ويقبلها قبلةَ حنونه لا تخرج سوى من مُحبُ عاشق كحكيم، الذي برغم منصبه ومكانته بين الناس وحصوله على لقب ووظيفة شيخ البلده رغم صغر سنه الا انه الوحيد الذي اثبت للجميع ان المسأله ليست بالسن ابدا ولكنها بالعقل والرزانه والقوة الكامنه فى التحكم فالانفعالات وردود الافعال والتروى فآخذ اى قرار ...
ابعد يدها عن فمه وابتسم لها وهو يضع كف يده على خدها بحنان مع اتكائة من عينيه مصحوبة بأبتسامه لكى يبث داخلها الطمأنينه معتقدا انه بهذا قادراً على إخماد نيران الخوف داخل قلبها وايضاً ليثبت لها انه على مايرام وكأنه نسى تماما انها الوحيده التى تستطيع قرائة مابداخله بمجرد النظر لعينيه او ان قلبها لديه القدره على الشعور بما يشعر به تماما ..
اخذت نفس عميق اخرجته على فترات ثم همست له بحنان الكون كله...ربنا يبدل وجع قلبك ويجعله كيف شعله فوسط بحر ياولد قلبي ..
رد عليها بنفس الهمس :لو هتشبهيه شبيهيه ببركان وسط بحيره صغيره ياام حكيم ..اصل غير اكده مش هتكونى عادله فوصفك ...
ثم ابتسم لها بضعف قبل ان ينهض ويقف بعد ان لبس ثوب الشموخ والقوة مرة اخرى ونزع عنه ثوب الضعف الذي لايرتديه الا امامها هى فقط من بين العالم اجمع ..وارتفعت نبرة صوته وهو يردف ...غاليه ...بت ياغاليه تعالى اخدى امك دخليها جوه وخليكى حواليها متهمليهاش وحدها واصل ...
لتأتى من الداخل فتاه سمراء على قدر كبير من الجمال مهروله تبدأ بدفع الكرسى وتتحرك به فى صمت لداخل السراي،ا ليلتفت هو للخلف وقد ارتسمت على ثغره ابتسامة اخرى واسعه وهو يتقدم نفس الخطوات التى ابتعدها مرة اخرى ليقف امام غازى ويأخذه فى حضن دافئ واخذ يربت على كتفه وهو يهمس له بهدوء عكس البراكين اللتى تفور بداخله ...
مبروك ياواد عمى ربنا يفرح قلبك ياعريس ويسعد ايامك... ليرفع الآخر زراعيه ويحاوط حكيم ويشدد على حضنه مردفا :ربنا يبارك فعمرك ياخوى ويكرمك بفرحه كيف فرحت قلبي دى واكتر ...
ابتعد عنه حكيم خطوه للخلف وهو على نفس ابتسامته التى يجاهد للحفاظ عليها ، ليردف فى قرارة نفسه :مهيحصولش ديه ياغازى عشان الفرحه اللى قلبك حاسس بيها دى المفروض انها بتاعتى أنى وانتا سرقتها منى ..
ابتسم له غازى فرد عليه حكيم بإيمائه من رأسه وهو يبتعد وماأن استدار فى مواجهة اهل القريه حتى رفع يده لهم بتحية متعارفه عند اهل الصعيد فصدرت من الجميع صيحات وتسقيفات لفوزه فى المباراه وهو ماكان منه الا ان يوزع ابتسامات كاذبه على الجميع ...
تقدم ليقف بالقرب منهم رغما عنه مضطرا ان يجامل الكل ،يضاحك هذا ويلقى على ذاك دعابة ويمازح الآخر خالقا جو من الفرحه بين الجميع ..
واخيرا امر رجاله بإحضار العشاء لجميع الحضور ليجلس اهل البلده جميعا ليتناولو اشهى الطعام الذى أُعد بمهارة تامه فى نوبة كرم أخرى من نوبات حكيم التى اعتاد الجميع عليها فهو من حين لآخر يقوم بجمع اهل البلده على وليمه كهذه ليأكل منها الصغير قبل الكبير ...
انتهت هذه الليله اخيرا ليتنفس حكيم بثقل وهو يرى آخر المدعوين يرحل ليجلس بضعف ويراقب غازى وهو يبتعد عنه وسط مجموعه صغيره من اصحابه ممن اصرو على ايصاله لعتبة بيته قبل مغادرتهم واصوات صياحهم و تسقيفات يديهم العاليه كانت بالنسبه لحكيم بمثابة ضربات موجعه على قلبه ....
ماأن تأكد حكيم من دخول غازى منزله هو وعروسه ورأى اصدقائه يغادرون حتى شعر بأن انفاسه تضيق رويداً رويداً ،وشعر بأنه على وشك الاختناق، فقام مهرولا تجاه الاسطبل ليمتطى على الفور مهرته وصديقة دربه وجليسته الاولى، وينطلق بها مسرعا يجوب طرقات البلده والبلدان المجاوره بلا هواده ،مناشداً لهواء الشتاء الذي يلفح وجهه وجسده بقوه ان يمر بداخله ويخرج من الجانب الآخر حاملا معه جمرة حارقه استقرت داخل قلبه منذ وقت طويل واليوم فقط تمكنت من احراق قلبه وجسده بالكامل حين هبت عليها رياح العجز ...
وقف اخيرا بالقرب من مجرى النهر ليترجل عن صهوة مهرته وبدون اى ذرة تردد تقدم ناحية الماء بخطى ثابته وانفاس عاليه وصرخة مكتومه فى جوفه تطالب بالخروج فتقدم وتقدم داخل الماء الى ان غمرت المياه اغلب جسده راجيا من برودة الماء ان تساعده على اخماد نيران جسده المشتعل ....
وهاهو الماء يغمره بالكامل ليسمح اخيرا لدموعه التى ظلت طوال الليل اسيرة فى سجن عينيه بالتحرر لتختلط بماء النهر ،وقام بفتح فمه لتخرج صرخته التى كتمها طويلا حتى اثقلت صدره فى صورة فقاعات تتصاعد مبتعدة عنه صعودا لسطح الماء محملة بقهر اعوام قضاها هائماً على ارصفة الصبر والاشتياق منتظراً لقطار الوصال ان يقله اليها او يأتى بها هى اليه ....
خرج اخيرا من تحت الماء بعد ان فكر للحظات ان يستسلم للاختناق والموت بالماء ...وحدثة قلبه بأن هذا سيكون اهون عليه الف مره من الاختناق بالقهر كل يوم ،ولكنه تنحى عن قراره فور رؤية طيف امه وهى تسأله بعتب :
وتفارقنى وتسيبنى لمين انى واختك ياولد قلبى؟ وهذا ما اعاده لرشده مرة اخرى وجعله ينتفض ليصعد لسطح المياه ويحاول ان يتنفس بقوه لكن النفس لم يدخل لصدره سوى على هيئة شهقات ...
خرج بضعف ليجلس على حافة النهر وقام بدفن وجهه بين يديه ليتعالى نحيبه ويبدأ جسده فالاهتزاز نتيجة قشعريره سرت فى كامل جسده وشعر بأن اطرافه قد تجمدت من سقيع برد الشتاء القارص وبدأ يستسلم للظلام الذي بدأ يحاصره وآخر ما شعر به هو لمسه من مهرته حينما قربت وجهها منه لتنهره بمقدمة انفها حين شعرت ان هناك شيئ غير طبيعى يحدث لمالكها وصديقها ..
كررت نهره مرة ثانيه وثالثه وحينما لم تجد منه استجابه بدأت فالصهيل بصوت مرتفع وبدأت تضرب الارض اسفلها بحافرها فى محاولة اخرى فاشلة منها لايقاظه معتقدة ان الضوضاء التى تحدثها بجانبه قادرة على ذلك ...
اخذت تدور حوله فى حيرة وهى تراه ممدداً امامها على الارض ثم توقفت تنظرت اليه نظرة اخيره قبل ان تبتعد مسرعة وكأنها ارادت ان تتأكد للمرة الاخيره من ان القرار الذي اتخذته هو الصواب...
دب الرعب فى قلب بشندى رجل حكيم و ذراعه الايمن وهو يرى جمره مهرة سيده حكيم وهى آتية من بعيد تسابق الريح بدون سيدها فى سابقة لم تحدث من قبل ابدااا...
ماأن وصلت جمره اليه توقفت واخذت تضرب الارض بحافرها بالتزامن مع حركة رأسها للاعلى والاسفل فتأكد بشندى حينها ان سيده بالفعل قد حدث له مكروه وبدون اهدار ثانية اخرى فالتفكير صعد على ظهر جمره لتنطلق به تقطع الطرقات بسرعة هائله وتجتاز المنعطفات بدرايه كامله رغم الظلام وكأنها اجتازت هذة الطرقات مئات المرات قبل الان ..
ابتعدت به كثيرا حتى ظن انها ضيعت طريقها ولكن سرعان ماكذبت ظنونه وهى تتوقف على ضفة النيل ليمعن النظر حوله وينتفض قافزا فور رؤيته لكتلة سوداء متكورة على نفسها ولم يتسلل الشك لقلبه لحظة واحده بان هذا ليس سيده حكيم .
تقدم منه واخذ رأسه بين زراعيه وبدا فى هزها فى محاولة فاشله لافاقته وحينما ايقن ان اى محاوله لافاقت سيده فى هذا البرد القارص ماهى الا ضياع للوقت وبما ان ضياع الوقت ليس فى صالحه وهو فى هذا الحال فقام بحمله فورا ووضعه على ظهر جمره ممددا اياه على بطنه ثم قفز هو الآخر فوق ظهرها ليحاوط جسد سيده المتصلب بعد ان عدل جلسته على ظهر جماره ولم يكن بحاجه لمسك لجامها لتوجيهها لانها فور ان اعطاها اشارة التحرك بضربة من رجليه على جنبات بطنها انطلقت بكامل سرعتها وهى تعرف وجهتها جيدا ...
وصلت اخيراً امام مندرة القصر فقفز بشندى وقام بحمل سيده وادخله فورا للداخل وقام بوضعه على احدى الدكك وتحرك فورا للخلف حيث غرفته التى تعد جزء منعزل من المندره واحضر له ثياب جافه من خاصته كما احضر معه غطائه كله لكى يستطيع تدفئة سيده بعد ان فشل فى السيطره على رعشة جسده طوال طريق العوده مهما حاول جاهدا...
قام بتبديل ثياب حكيم ثم دثره بالغطاء جيدا بعد ان غير مكانه على اريكة اخرى غير هذه التى شربت من الماء الذى كان غارق فيه ثم هرول لاحضار صوبة كهربائيه ووضعها امام سيده وقام بتوصيل قابس الكهرباء لتشتعل باعثة بعض الدفئ متمنيا ان مافعله يكون كافٍ للسيطره على حالة سيده وتبديل جسده المتصلب من السقيع للدفئ ...
لم يمضى وقت كثير وبشندى جالس على ركبتيه امام سيده حكيم ويحاول بعث المزيد من الدفئ لجسده بضم يديه والنفخ فيهم تاره وفركهم بيديه الاثنين تارة اخرى حتى بدأ حكيم يأن بصوت خافت بدأ يعلو شيئا فشيئ فالبدايه بكلمات غير مفهومه لكن سرعان ما وضحت وتحولت سريعا لجمل كامله بدأ بالهزيان بها ...
حكيم :جماااااره ...سرقتها منى ليه ياغازى ...سرقت جمرت حكيم ليه ياغازى ...جمااااره ...دسى شعرك منيه واوعاكى يلمحه ولا يمد يده عليه ...اهربى منه وتعاليلى ياجمرة قلبي حدش فالدنيا دى كلها عيحبك كدى ياجماااره ..جمااااراااه ...
لينهض بشندى سريعاً متجها لكافة نوافذ المندره فيغلقها بخوف من ان يسمع احد كلام سيده ويعرف مكنون قلبه الذي اخفاه عن الجميع ماعداه هو وامه السيده تماضر فقط بحكم انهم اقرب اثنين له ولا يخفى عنهم شيئ يختلج قلبه ...
تملك القلق والخوف من قلب بشندى وهو يرى حالة سيده من سيئ لأسواء مع مرور الوقت ولايملك بيده حيلة سوى انتظار ساعات الصباح ليتمكن من اخذه لطبيب او احضاره اليه قبل ان تسمع والدته بخبر مرضه وتدرى بحالته وهذا الشيئ كفيل ان يقضى عليها ولاسيما ان حكيم هو النفس الذي يدخل ويخرج داخل قفصها الصدرى والذي تعيش به وله ....
وغير هذا غضب سيده حكيم لو علم انه كان سببا فى اى مكروة يحدث لغالية قلبه او اى اذي اصابها حتى ولو كان اذي نفسى وهذا لن يترتب عليه عقاب اقل من طرده والاستغناء عنه اذا لم يكن ذبحه من قبل سيده حكيم ماان يعود لحالته الطبيعيه مرة اخرى ...
مرت الساعات المتبقيه من الليل طويلة ثقيله على بشندى وهو يراقب حالة سيده وهذيانه المستمر وحرارته التى بدأت بالارتفاع لدرجة تنفر منها يد بشندى حين يقوم بوضعها على جبينه واخيراً بدأت خطوط الصباح البيضاء تتخلل ظلام الليل فتلتهمه ليأتى يوما جديدا لا يعلم ما يحمله للعباد غير الله وحده ...
دلف بشندى لداخل حديقة القصر مسرعا لكى يحضر الكارته بعد ان احضر فرسا من الاسطبل ليجرها ولكن استوقفته ام حكيم وهى تتوجه نحوه بسرعه وهى تدفع كرسيها المتحرك بكلتا يديها ما أن رأته وهى تسأل عن مكان حكيم وحالته بلهفة بالغه:ولدى حكيم فين يابشندى وحالته عامله كيف طمنى عنيه ..وهو مجاشى ليه من ليلة عشيه ؟
بشندى :اطمنى يام البيه ..سى حكيم زين ..وعشيه مجاشى عشان حس بشوية ديقه وبات فالمندره مانتى خابره عاد ..بس نحمدو ربنا صابح مليح .. وهو باعتنى دلوكيت عشان آخدله الكرته عشان رايح مشوار ضرورى ...
لم تصدق تماضر ام حكيم بشندى حين اخبرها ان ولدها بخير وحدجته بنظره ناريه لانها تعرف انه يكذب عليها وأن مايحدثها به قلبها بخصوص حكيم هو الاصدق حتى وإن اكد لها العالم كله عكس ذلك وقلبها يؤكد لها ان فلذة كبدها ليس بخير اطلاقا ...
قام بشندى بأخراج الكارته وخرج مسرعاً قبل ان تعيد السيده تماضر الكره وتسأله مرة اخرى عن حال سيده ويخفق هذه المره فى اخفاء الامر عنها ...
وصل لباب المندره وقام بحمل سيده ووضعه داخل الكارته وقام بقفل الجزء العلوى لكى يخفى من بداخلها عن عيون الناس واخذ هو مقعد السائق وقام بسحب اللجام وضرب ظهر الحصان بالسوط لينطلق الحصان بسرعة بالغه تحت توجيهات بشندى حتى توقف اخيراً امام الوحده الصحيه التابعه للبلده ...
نزل بشندى وحمل سيده الغائب عن الوعى ودلف به للداخل مسرعاً فقام بوضعه على إحدى اسرة الغرف وانطلق باحثا عن الدكتور النابطشى لكى يعاين سيده وماان رآه نائما خلف مكتبه حتى وقف ليلتقط انفاسه قبل ان يوقظه بصوته العالى الجهورى الذي جعل الطبيب يهب من نومه مزعورا معتقدا ان ملك الموت قد اتى ليقبض روحه ...
ذهب الطبيب مع بشندى مسرعا للشيخ حكيم ما ان استطاع الوقوف على قدميه من بعد ان بادتا من الرعب الذي دب فى اوصاله من صوت بشندى ....
بعد الكشف على الشيخ حكيم قام الطبيب بأعطائة ابرة خافضه للحراره وايضا كتب روشته لبشندى لكى يحضرها من صيدليه خارجيه خطفها بشندى من يده وهرول مسرعا للخارج لكى يحضر ماكُتب فيها على وجه السرعه وبالرغم من ان الوقت مبكرا الا ان بشندى اجبر مالك الصيدليه على الاستيقاظ وخصوصا انها كانت اسفل مسكنه ثم عاد بالعلاج الذي اعطاه الطبيب لحكيم على الفور وقام بطمئنة بشندى انها فقط مسالة ساعات قليله وسيكون على مايرام ...
بعد مرور بعض الوقت بدا حكيم فى استعادة وعيه فتح عينيه ببطئ وتفحص المكان حوله ورفع عيناه لقارورة المحلول المعلقه بجانبة ثم تتبه بعينيه الانبوب الرفيع اللذي يخرج منه ليجد آخره موصول بيده فرفعها يتأملها بضعف ثم انزلها واكمل جولة عينيه فالارجاء الى ان وقعتا على بشندى النائم على كرسى وهو جالس ويبدو على ملامحه المجهده انه قد نال منه التعب بعد ليله عصيبه ...
نظر حكيم للساعه المعلقه للحائط والتى كانت تشير للعاشرة صباحا وهذا ماجعله ينتفض محاولا النهوض فبالطبع امه تماضر تحتضر الان خوفا عليه لانه لم يذهب اليها كعادته فالصباح او يتناول الافطار معها والاهم انه لم يعود لطمئنتها عليه من الامس وهذا من المؤكد سيقودها لحافة الجنون فهو يعلم مدى قلقها وخوفها عليه ...
استطاع اخيراً الجلوس بعد جهد وحاول ان يوقظ بشندى مناديا عليه ولكن خانه صوته الذي رفض ان يخرج الا همسا متقطعا من اثر نزلة الامس فلم يجد امامه الا ان يتقدم نحوه بعد ان نزع عنه ابرة المحلول وابعدها وقام بوضع كف يده على كتف بشندى وبدأ فى هزه لينتفض بشندى بزعر سرعان مااختفى وهو يرى سيده واقفا امامه بطوله الفارع ليردف بفرحه :
حمداله عالسلامه ياسى حكيم بيه ..قومت ليه من سريرك لسه المحلول مخلصش وانتا لساتك بعافيه ؟ ثم امسك ذراعه محاولا اعادته لسريره لكن حكيم رفع يده مشيرا بأصبعه السبابه علامة على الرفض واشار لبشندى على حنجرته وهو يهمس :
متجادلنيش يابشندى عشان مقادرشى اتحدت خدنى عالبيت حالا من غير نص كلمه ...
لينصاع بشندى على الفور لاوامر سيده على الرغم من اعتراضه الداخلى ورغبته فى ان يكمل سيده قارورة المغذى وخاصة وهو يري شحوب وجهه لكن لا قيمة لاى اعتراض امام امر تلقاه من الشيخ حكيم ...
انطلقا عائدين وماان وصلا حتى ترجل حكيم من الكارته وتحرك بضعف نحو القصر راغبا فى الارتماء فى حضن والدته حيث ملاذه الامن لعله يشعره ببعض من الراحه اللتى اصبح متيقنا انها لن تعرف طريقها اللى قلبه مرة اخرى ...
بخطوات بطيئه تقدم نحو غرفتها بعد ان جال بعينيه يبحث عنها فى مكانها المعتاد فلم يجدها ورفع يده بضعف لطرق باب غرفتها لكنه توقف حينما اتاه صوتها الملهوف :
ادخل ياحكيم ..تعالا ياولدى ...فأبتسم بضعف لتلك اللتى تعلم عنه كل صغيره وكبيره حتى صوت خطواته تميزها وتشعر بقربه حتى قبل ان تراه ..ادار مقبض الباب ودلف للداخل وماان رأته حتى خرجت منها شهقة تشرح مدى صدمتها بحالة فلذة كبدها وتأكدت ان احساس قلبها بحكيمها لم ولن يخيب ابدااا ...
اما هو فهرول مسرعا نحوها ليرتمى بين زراعيها ماان فردتهم فى دعوة له منها لحضن دافئ هو جل مايحتاجه حكيم فى هذه اللحظه ...
جلس بجانبها بعد ان ابتعد عن حضنها لتمد يدها على كتفه فتجذبه نحوها مرة اخرى ليضع رأسه فى حجرها وتقوم بالتمسيد على خصلات شعره الناعمه السوداء اللتى تشبه اسوداد الدنيا فى عينيه فالايام القليله الماضيه ...
تنهد بقوة وهو يغمض عينيه للمساتها لتردف هى :متقساش على روحك اكده ياولدى ..فوق يانن عينى لنفسك وقويها مهياش نهاية الدنيا عاد..
اردف حكيم بضعف وبصوت متقطع : هفوق وهقوى بس ادينى شوية صبر يمه دانى لساتنى فالاول ...عامل كيف اللى دخلوه اوضة عمليات وشقو صدره من غير بنج ولسه مادين اديهم جواه وبيقطعو من قلبه بالحته ...وبعدها عاد هيقفلو الجرح واستنى لحدت مالجرح يطيب ...جرح قلبى وجرح صدرى وجرح روحى قبل منهم ....وبعدها يمكن يقدر يعاود حكيم كيف لاول يأم حكيم ..
تنهد ليسكت بعدها وتبحث هى بداخلها عن اى كلام لتخفف به من احساس فلذة كبدها بكل هذا العذاب ولكنها فلا تجد امامها خيار غير السكوت... سكوت ناتج عن ضعف ام ترى ابنها يتألم امام ناظريها ولا تستطيع ان تفعل له شيئ...
اما هو فاستسلم للمساتها الحنونه والتى اخذته رغما عنه لايام مضت تمنى لو عاد به الزمن اليها لكان غير كل احداث حاضره بقرار سيتخذه دون تأخير اوتردد ...ولكنه
الان لايملك سوى الاستسلام لواقعه فاغمض عينيه ،واطلق العنان لحسرات تخرج من جوف فؤاده واحدة تلو الاخرى مثل تنين نارى ينفث من فمه لهباً ...
لم ينتبه ان حسراته تؤذى فؤاد من يضع رأسه فى حجرها جاعلاً دموعها تجرى بدون توقف وهى تتمنى فى هذه اللحظه لو ان باستطاعتها اعادته الى احشائها صغيرا مرة اخرى لتحميه من هذا العالم الظالم، الذي لم يكتب له فيه الا الشقاء وتعاسة القلب من صغرِهِ وكأن السعاده حين قسمت لم يكن هو حاضرا ليأخذ نصيبه ...
هربت دمعه من دموع تماضر قبل ان تمسحها بطرف شالها لتنزل على وجه حكيم لتنبهه ان امه فى اسواء حالاتها الان بسببه ولام نفسه كثيرا لانه تسبب لها فى هذا واردف يهمس لها وهو مبتسم ابتسامه مزيفه
:تعرفى يمه ان ربنا رحيم وحنون على عباده قوى قوى ...تعرفى لولا انى تعبت امبارح وفقدت وعييى طول الليل كان ممكن اتجنن وكتها من الفكر او تجرالى حاجه ...
كان برج من نافوخى طار وانى عفكر ان غازى واد عمى مع جمارة قلبي لحالهم ..
وبرج تانى طار وانى قاعد عاجز وهو عيحقق حلمى اللى كنت عايش على امل تحقيقه ..وبرج تالت طار وانى عتخيلها بين اديه وانى ماسك الهوا بأديا على قول عبحليم ..
وكان برج رابع طار وكل الابراج كانو هيطيرو وتبصى على ولدك تلاقيه من غير عقل ...يلا الحمد لله الذي لايحمد على مكروه سواه ...
تماضر :بسك ياواد وبطل تمثيل واياك تدوس على حالك وتاجى على نفسك عشان اى حد يفرح ولا تدارى تعبك عشان حد يرتاح من اهنه وطالع ..
انى وانتا عارفين زين انك عتمثل وكداب واللى جواك غير اكده خالص ...انى امك وانتا حته من قلبي وحاسه بكل اللى فيك ...ازعل مش هقولك له ..احزن مش هعارضك ..ابكى بينك وبين حالك لو حسيت بخنقه مش عيب وعمر دموعك ماهتقل من رجولتك لو نزلت ...لكن تكتم فنفسك وتبقى كيف منطال مليان ميه وملَيَس ومقفول ومحطوط عالنار هتطق وتفرقع من كل حته عشان البواخ اللى جواك مطلعشى وفضل مكتوم ...ايوه الحزن عامل كيف البواخ بالظبط لو ملقيش منفس ماعونه يفرقع ...
هز حكيم راسه ببطئ بالموافقه لان ماتقول امه هو بالفعل مايشعر به وما كانت كلاماتها الا وصفاً دقيقا لحالته لا يستطيع نكرانه ابدااا...
************
اما فى وقت سابق وتحديدا بعد انتهاء العرس ...
دلف غازى لبيته الذي كان عباره عن مشتمل بنى بجانب القصر ويشترك مع القصر فى الحديقه والباب العمومى وباب خلفى يخرجه على الارض مباشرة و يتكون من غرفتين وغرفة معيشه وملحقاتهم ...
تقدم بخطى ثابته نحو عروسه التى كانت واقفة فى منتصف المشتمل تجوب المكان بيعينيها مستكشفة ابعاده وما ان شعرت بوجوده خلفها حتى خفضت عينيها بخجل وقامت بشبك يديها ببعض بأستحياء وشددت على قبضة يديها وكأن كل يد تستمد القوه والطمانينه من اليد الاخرى ..
تأملها قليلا من الخلف قبل ان يدور حولها ببطئ فاحصاً اياها من راسها حتى قدميها بنظرات ذئب يعاين فريسته قبل الانقضاض عليها ...
ولم يكن تشبيهه بالذئب فيه ظلما له بقدر ماكان الظلم من نصيب الذئب لتشبيهه بغازى الذى هجم على جماره مرة واحده وضمها اليه بكل قوته واخذ ينظر اليها قبل ان يقترب منها دافنا وجهه فى رقبتها مستنشقا عطرها ثم ابتسم بأنتصار وهو يهمس لنفسه :اخيرا قدرت اخطف حاجه من يدك ياحكيم ..ومش اى حاجه ..دى اغلى واحب حاجه عندك ...ماان اكمل جملته بينه وبين نفسه حتى قهقه بشر وتعالا صوت ضحكاته مما جعل الرعب يدب فى نفس جماره وبدأت قشعريرة خوف تسرى فى كامل جسدها ...
ابتعد غازى عنها ووقف يتأملها قليلا بفرحة غامره قبل ان يباغتها بحملها الى غرفة النوم ليكمل باقى انتقامه من حكيم ويوثق ملكيته لجماره بصوره كامله ...
كم تمنى ان يعاملها بعنف وينتقم منها ويحاسبها على كل مايحمله داخل قلبه لحكيم ولكنه تراجع وتعامل معها بلطف وقرر ان يكون انتقامه بعيدا عن هذه النقطه وخصوصا انها اعجبته حد الجنون ماان بدأ يكتشف كل ماتخبئ من جمال قرر الاستمتاع به لاقصى الدرجات ...
انقضت ليلتهما الاولى هادئة الى حد ما على الرغم من انقباض قلب جماره الذي لم يزول حتى هذه اللحظه بل زاد حينما فتحت عينيها ببطئ لتقعا على ذلك الذي كان جالس على اريكة صغيره مقابلة لها وعيناه مركزتان عليها وملامحه جامده كأنه عدو ينسج لعدوه الخطه المناسبه للايقاع به ...
جماره جلست على السرير و لململمت نفسها بخجل ثم اردفت :اصباح الخير ياسى غازى ..
غازى رد بعد برهه :اصباح النور ...قومى يلا همى حالك عشان نروحو نفطرو فالسرايا مع انهم تلاقيهم فطرو من بدرى ..
جماره بأستغراب :وه ..فى الصباحيه ياسى غازى ! مش المفروض نفطرو لحالنا ؟ امى قالت انها هتجيبلنا فاطور العراي....وقبل ان تكمل جملتها تفاجأت بغازي يتقدم منها بسرعه شديده هيئ لها للحظه انه شبح من شدة سرعته فتراجعت للخلف بخوف ولكنه باغتها بيده التى امتدت لتعصر فكها السفلى وهو يردف بجانب اذنها بفحيح يشبه فحيح افعى :
اياكى مره تانيه اقول كلمه وتعترضى عليها او تراجعيها وراى ..عشان لو ديه حوصول هيكون آخر يوم فعمرك لكن قبلها هتشوفى منى مرار طافح عمرك ماشفتيه ولا حتى سمعتى عنيه قبل دلوكيت ...فهمتى كلامى ولا تحبى افهمك بطريقتى ؟
اومات جماره بالموافقه وماان فعلت حتى حرر غازى فكها من قبضته وابتسم برضى وهو يتفحصها ويتفحص اهتزاز جسدها الذي اصابته رعشة واضحه كورقة شجر تهتز فى مهب ريح ...
بظهر اصابعه بدأ تحسسها بداية من جانب وجهها حتى خصرها الذي اشعل فيه لهيب الرغبة فيها من جديد لكنه كبت رغبته هذه واعداً نفسه ان يشبعها فى وقت لاحق ،ولكن الان يجب عليه ان يفعل ما هو اهم واكثر اثارة ومتعه بالنسبه له ...
حثها على النهوض سريعا والاستعداد للذهاب الى السرايا وهى نفذت على الفور ...
امرها بأن تتزين كعروس بوضع مساحيق التجميل ...
فعلت كما طلب منها وامتثلت لامره الذي كان ضربا من الجنون بالنسبة لها فهو يطلب منها ان تخرج فى صباحيتها لتتناول افطارها مع اهله بينما المتعارف عليه فى بلدهم هذا ان العروس تظل فى مخدعها سبعة ايام لا تخرج لأى مكان ...
.ماان انتهت من وضع مساحيق التجميل حتى قامت بارتداء الفستان الذي اختاره لها غازى لتلبسه بأمر مشدد الا ترتدى غيره وما ان انتهت نظرت لنفسها فالمرآه ثم وضعت يدها على فمها خجلا مما رأت فقد كان الفستان باللون الاحمر القانى ضيق كاللعنه يبرز تقاسيم جسدها بدقه على الرغم من انه محتشم الا ان ضيقه يعتبر الاثاره فى حد زاتها ..
نظر غازى لها بعيون زائغه من هول مارآه من جمال ماان انتهت وبلع ريقه بصعوبه بالغه وهو يحدث نفسه :عرفت ان حكيم مهينقيش حاجه عفشه لنفسه واصل ...بس عمرى ماكنت اتوقع انه يعتر على احلى حوريه نزلت على الارض وكان عاوز ياخدها لحاله .. ثم تنحنح يحاول تمالك نفسه لكى لا ينقض عليها فورا وامرها بالتحرك وخرج امامها وخرجت هى خلفه مرغمه فأتجاه السرايا ...
دلف لداخل السرايا وماان اصبح بالداخل حتى تكلم بصوت جهورى مصحوب بضربات يديه ببعضهم مصدراً ضجيجا مزعج :
يااهل الدااار ..ياللى اهنه وينكم كلكم ..اكيد فطرتو لحالكم وقولتو ارتحنا من غازى النهارده ..بس ديه بعدكم دانى جيتلكم ومعاى العروسه كمانى عشان نفطرو اهنه وهتوفطرو معانا تانى حتى لو كنتو فطرتو ...
فتح حكيم عينيه على صوت غازى وعلى ضوضائه المزعجه وابتعد عن حجر امه وعدل جلسته وفرك وجهه بتعب ثم نهض وقام بحمل والدته ووضعها على كرسيها المتحرك ودفعه وتحرك للخارج وماان رفع عينيه اللاتى كانتا تتفقدان الطريق امامه حتى صعق من هول مارآه ...انتفض غضباً وعلت انفاسه واطبق بيديه الاثنين على مقبضى الكرسى المتحرك حتى ابيضت مفاصل اصابعه من شدة الضغط وتحول فى ثانيه من اسد جريح لاسد غاضب على وشك القيام باشرس هجوم لاسيما وهو يري تلك التى تحاول ان تستتر منه وراء غازى ولم تكف منذ ان خرج من الغرفه من محاولات اخفاء تفاصيل جسدها البارزه بيديها وهى فى حيرة اى مكان يجب عليها تغطيته اكثر ويداها الناعمتين تنتقلان بتشتت فى كل مكان
مااصعبه شعور وهو يرى طفلته التى طالما تمنى ان يخفيها عن عيون سائر البشر محتكراً الحق وحده فى رؤيتها وهى تسير خلف ديوث لا يبالى بنظرات الرجال لعرضه والبسها ثوبا يدعو الغافل للنظر اليها .
رواية جمارة (بين العشق والقسوة الفصل الثاني 2 - بقلم ريناد يوسف
التفاته من والدته نحوه وهي تحرك رأسها يميناً ويسارا برفض، ترجوه ألا يفعل ما يفكر به الآن، وما تُتيقن تمامًا أنه لو فعله لذهب غازي في غياهب النسيان ولضاع فلذة كبدها هو الآخر.
جاهد حكيم مجددًا لكبت جماح غضبه، حين خفض عينيه إليها ورأى منها مارأى، وسيطر على انفعاله أكثر وهو يرى غاليته تقف على آخر درجات الدرج من الأعلى، تناظر الموقف أمامها بصمت وهدوء، هو متيقن تمامًا أنه عكس ما تشعر به.
أثر كسر غازي لقلبها هي الأخرى، والذي بالرغم من كل مساوئه، ورغم عدم رضى أخيها حكيم عن تعلقها به، ورفض أمها تماضر لذلك الحب الذي بدأ يتجلى في كافة تصرفاتها معه ونظراتها إليه في سن مبكرة جدًا، إلا أن غاليه لم تكن عينيها ترى من كل الدنيا سواه، ضاربة بتحذيرات أمها وأخيها منه عرض الحائط.
وبدأ غازي رويدًا رويدًا، تحت أنظار الجميع ورغم أنوفهم، يصبح كل عالمها، فقد كان لها اسمًا على مسمى، فقد غزى قلبها وعقلها وكيانها، وأصبحت سعادتها مرهونة على كلمة أو ابتسامة كانت تستجديها منه في كل مرة تراه فيها.
قرر حكيم ألا يضعف لكي لا تضعف غاليته هي الأخرى، بالرغم من أنه يعلم جيدًا أنها الآن أضعف ما يكون، وأنها مثله تمامًا خاوية من الداخل كتمثال مصنوع من الجص المفرغ، وبرغم تماسكه الخارجي إلا أنه سيتفتت ويتحول لمئات القطع من أقل ضربة.
ما أصعبها لحظات، وحكيم وأخته غاليه، كل منهم يقف أمامه محبوبه بجانب غيره، وقد أصبح قلبه لا يملك الحق فيه.
أردف لغازي من بين أنيابه وهو يحاول التحدث بنبرة صوت عالية، بالرغم من عدم استطاعته ذلك، لكنه حاول، فخرج صوته أشبه بالفحيح:
"أهلاً يا غازي، أصباح الخير... أصباح الخير يا عروسة... صباحية مباركة عليكم... مش غريبة طلعتك بعروستك النهارده وفالوقت ده يا غازي، مع إنكم المفروض دلوقت تكونو قاعدين بتفطروا لحالكم يوم صباحيتكم؟"
رد عليه غازي بابتسامة سمجة:
"والله جمرتي قالت لي كده وكانت عايزة نفطر لحالنا، بس إني قلت لها له، والله ما أغير عادتي ولا أفطر غير مع مرت عمي وولد عمي وأخوي وحبيبي..."
ونظر للأعلى وأردف مكملًا، وقد زادت ابتسامته فور رؤيته لحالة غاليه التي على شفا الانهيار:
"ولا بت عمي غاليه الغاليه... عارف إنكم فطرتوا، بس برضه هقعد أفطر وسطكم إني وهي عشان الأكل يبقى له طعم تاني."
أردف حكيم بعد أن رفع عينيه مرة أخرى لجماره وخفضهم مباشرة، وهو يبتلع غصة في جوفه، وهو يكرر بداخله أن جمارته أصبحت ملك يمين رجل آخر، ولم يعد من حقه النظر إلى عينيها بعد الآن.
"بس والله مالكش حق تستعجل مراتك بالشكل ده وتجيبها بمنظرها ده، بخلجات نومها... هو الأكل هيطير ولا إحنا هنطير يعني؟"
نظر غازي إليه، ثم نظر لجماره التي تحاول الاختباء خلفه أكثر، وخاصة بعد سماعها لكلمات حكيم اللاذعة التي زادتها حرجًا وحقدًا على غازي. ثم جذبها من يدها ليوقفها أمامه، وكأنه يريد أن تتشبع منها عينا حكيم ويرى جمالها جيدًا، عل الحسرات تقتله في مكانه، وأردف رادًا على كلامه:
"والله انت مش غريب يا ولد عمي، وهي لازم تتعود تقعد قدامك براحتها وتحسبك حسبة أخوها، زي ما إنت أكيد حاسبها حسبة أختك غاليه... مش كده يا مرت عمي ولا إيه؟ قولك إنتِ."
حكيم:
"بس إني حدي أخت ومعتلبسش كده أصلًا قدامي يا غازي، ولا عملتها قدامك في يوم من الأيام، وإنت متربي معاها وفي حسبة أخوها صح... وحتى لو فكرت، هتكون دي آخر فكرة هتجول في عقلها قبل ما أقطع لها راسها وأرميها للكلاب ياكلوها... وزن كلامك يا أبو عمو، وإن كان لحمك رخيص عليك، إني له... وبعدين سيبك مني إني، طب الرجالة بتوعي اللي بيحرسوا السرايا، مفكرتش هيقولوا عليك إيه لما يشوفوا مراتك وعرضك لابسة كده وإنت جاي بيها على هنا؟ طب دول كمان لازم يتعودوا ولا إيه؟ والله إني محروج ومش عارف أقول عليك إيه، بس صدقني هسكت بس عشان مش عاوز أحرجك قدام عروستك."
قالها، ثم تبعها بضحكة سخرية.
نظر له غازي مبتسمًا لإتقان حكيم تمثيل دور اللامبالي، وهو يعلم تمامًا أنه يحترق في هذه اللحظات احتراقًا. فقرر ألا يدعه يتغلب عليه من خلال هذه النقطة وتجاهل كلامه، وأردف يسأله:
"هو إنت مال حسك عامل كده ليه يا حكيم؟ ومال وشك مسود وشكلك راجع من الموت كده ليه يا ولد عمي؟ سلامات."
شهقت تماضر وهي تسرع بالرد عليه:
"تف من خشمك يا غازي، الملافظ سعد، بعد الشر عنيه... اقعد إنت ومراتك عشان تفطروا وتروحوا مخدعكم، إنتوا عرسان والناس زماناتها هتهل عشان تبارك لكم."
وأكملت بنبرة عالية:
"زبيدة... زبيدة حطي الأكل عشان نفطر وكل واحد يشوف حاله، خلصي قوام."
ليأتيها صوت زبيدة الخادمة مجيبًا:
"حاضر يا ست الحجة حالًا."
ليردف غازي:
"وه... لا هو إنتوا كمان لسه ما فطرتوش؟ طب حلو قوي عشان نفطر كلياتنا، إلا إني كنت خايف قوي العادة تتقطع."
تماضر بغضب:
"ربنا ما يقطع لك عادة... اقعد يا غازي، اقعد."
وبالفعل جلس غازي على كرسي طاولة الطعام، ونظر لجماره التي ظلت واقفة ولم تبرح مكانها، ولا زالت خافضة رأسها للأرض بخجل. كان على وشك أن يدعوها للجلوس، لكنه تراجع وهو يرى تماضر زوجة عمه تتحرك نحوها بالكرسي إلى أن وقفت أمامها مباشرة.
مرت دقائق عليها وهي تتأمل حسنها، وقلبها يعتصر على ابنها الذي كتب عليه أن يتعذب به كل يوم وفي كل مرة يراها فيها أمامه. أي أم في نفس موقفها كانت سترفض الوضع تمامًا، وكانت ستكره جمارة أيضًا لما تسببت به من ألم لابنها، حتى ولم يكن لها ذنب ولا تدرى عما يعانيه أي شيء.
ولكن ما حدث مع تماضر هو عكس ذلك تمامًا، حيث ما أن رأت جمارة حتى شعرت أن حبها اقتحم قلبها اقتحامًا وسيطر عليه بدون سابق معرفة. فهمست لها بحنان بالغ:
"كيفك يا بنيتي؟ صباحية مباركة يا حبيبتي... ربنا يسعدك ويهدي سرك يا رب."
لتردف جمارة بعد أن رفعت عيناها قليلًا لتنظر لصاحبة الصوت:
"الله يبارك فيكي يا خالة."
تماضر سمت الله وكبرت بداخلها وهي ترى زرقة عيني جماره وكثافة رموشها، ودعت الله أن يعين ابنها فالأيام القادمة على هكذا لعنة هي متأكدة تمام التأكد أنها أصابته من عين حاسدة لتدمر حياته.
أما حكيم، فقد أغمض عينيه أثر سماع صوتها لأول مرة بهذا الوضوح ورؤيتها بهذا القرب، وشعر أن دقات قلبه تجاوزت الحد المسموح، وأن قلبه قد دخل في مرحلة الخطر.
تقدم يدفع والدته لمكانها المخصص على طاولة الطعام، ونظر للأعلى وحرك رأسه لغاليته يدعوها للنزول، مع ابتسامة حنونة، وما كان من غاليه إلا أن تلبي دعوة أخيها وتنزل السلم درجة درجة، وعيناها لا تحيدان عن جماره التي توترت من نظرات غاليه، وشعرت أن غاليه مستاءة منها لأقصى الدرجات، ولكنها لا تعلم لماذا.
أكملت غاليه النزول وجلست على طاولة الطعام بدون أن تنطق بكلمة واحدة، وتبعها حكيم وجلس بعد أن ربت على كتفها بحنان وقبل جبينها بحب.
أما جمارة، فتقدمت ببطء تجاه مقعد زوجها الذي أشار إليها بالجلوس بجانبه على الكرسي المقابل لكرسي حكيم. فأغمض حكيم عينيه وهو يراها تجلس أمامه مباشرة، وهو يتساءل كيف له أن يمنع عينيه الآن من النظر إليها وهي بهذا القرب القاتل.
تنفس بقوة وزفر وهو يستغفر ويحاول الهروب بعينيه في كل مكان لكي لا يقعا عليها، وفي نفس الوقت أخذ يردد بينه وبين نفسه: "مرت ولد عمك يا حكيم... بقت مرت ولد عمك دلوقت، بقت جمارته هو مش جمارك... إنت مش باقيلك منها غير جمرة في قلبك وبس... اصحك يا حكيم."
ابتسم غازي وهو يرى حكيم يحاول الهرب بعينيه ليتجنب النظر لجماره خوفًا أن يلاحظ غازي نظراته إليها فيستاء، ولا يعلم أن غازي هو من وضعها أمامه واختار لها الكرسي المقابل له تحديدًا ليرى حكيم في هذه الحالة فينتشي قلبه كما حدث للتو.
بدأت زبيدة الخادمة بوضع الطعام على الطاولة، وبدأ الجميع بتناول الطعام. بينهم من يأكل بنهم، وبينهم من لا يقوى على وضع لقمة في فمه لكنه يتظاهر بتناول الطعام، ومن بينهم أيضًا من هو متجاهل أمر الطعام تمامًا ويجاهد ألا يبدو منه ما يُلام عليه، ومنهم من لا يستطيع تناول الطعام خجلًا من أناس أغراب لا أول مرة يراهم ويجلس معهم، واللقاء الأول بينهم لا يبشر بخير أبدًا.
لم يستطع حكيم السيطرة على نفسه أو التحكم بأعصابه أكثر من ذلك وهي جالسة معه على نفس الطاولة، ويشتم رائحة الياسمين منها، والتي طالما حملته إليه نسمات الصباح وهو يمشي خلفها، فأصبح باستطاعته معرفتها من وسط نساء العالم أجمع من تلك الرائحة المميزة التي حفظها عن ظهر قلب، والتي دائمًا تفوح منها.
فوقف منتفضًا وغادر المكان بسرعة تحت نظرات الجميع وحسرة من أمه التي شعرت أنه وصل إلى ذروة تحمله ولم يعد يستطع التحمل أكثر.
وبمجرد خروجه لحديقة القصر تنفس بقوه، ثم جاب بعينيه المكان وضرب الحائط الذي بجانبه بيده، وهو يرى رجاله واقفين على بوابة القصر كالعادة، واشتعل قلبه وهو يفكر إن كان رجل منهم قد رأى من جماره مارآه هو، وأنها اجتازت كل هذه المسافة تحت نظراته، وأخذ يلعن غازي في نفسه آلاف المرات على فعلته هذه.
حاول الصراخ فيهم ليبتعدوا عن البوابة، لكن صوته الذي حُبس في حنجرته لم يساعده، فرفع يده متحسسًا لحنجرته بغضب وأخذ يمسد عليها.
توجه لبشندي في المندرة بخطوات مترنحة، وما أن رآه حتى أشار له بغضب، فأتى الآخر مهرولًا يلبي نداء سيده، وبمجرد وقوفه أمامه أردف حكيم بصوت متعب:
"أؤمر الرجالة يخلوا مكانهم عالبوابة حالا ويقفوا بعيد شوية... ونبه عليهم مفيش حد أصلًا يدخل القصر ولا الجنينة من اليوم ورايح... قولهم يخلوا قعدتهم حوالين القصر والمندرة وبس... وأي واحد هلمحه يدخل الجنينة ملهوشي وكل عيش حداي مرة تانية... يلا روح لهم دلوقت."
وأومأ بشندي بالموافقة وخرج ينفذ في الحال بدون نقاش، لأنه فهم السبب وراء هذا القرار، وهو غيرته على جماره من عيون الناظرين، نابع عن عشق لا يزال يستوطن قلبه، ناسيا أن هذه الخطوة من حق غازي وحده لا من حق حكيم. لكنه يعلم أن للقلب أحكام تتجاوز الحقوق والحدود معًا.
خرج حكيم متوجهًا للاسطبل، وأخذ جمره، والتي ما أن رأته حتى صهلت بصوت عالٍ كأنها تحمد الله أنها رأت سيدها بخير، وأخذت تقفز بفرحة مثل طفلة صغيرة تحتفل بعودة أبيها للبيت بعد غياب.
اقترب منها حكيم واحتضن رقبتها، ومد يده ممسدًا ما بين عينيها وأنفه في حنو بالغ، ثم قبلها، قبل أن يأمر سايس الأسطبل بجلب سرجها الخاص، وما أن ربط السايس السرج حتى قفز حكيم على ظهرها وخرج بها منطلقًا لا يعلم إلى أين، ولكنه تفاجأ بها وهي تجتاز الطرقات وصولًا لطريق محددة.
وحين وصلت إليها هدأت سرعتها وبطئت خطواتها، كقلب أم تعلم أن سعادة طفلها وشفاء علته يكمن في هذا الطريق. هو بالفعل كان كذلك من قبل، ولكن الآن لم يعد هذا الشارع يمثل له إلا كل وجع، وأمسى مرقدًا لحلم دُفن فيه وأمل اندثر على أرضه.
مضت جمرة في الشارع كعادتها بخطوات بطيئة، كأن تعودت منذ أعوام، وكعادتها وقفت أمام بائعة التوت التي كانت تستعد للمغادرة بعد أن باعت معظم التوت ولم يتبقى معها إلا القليل.
ابتسمت المرأة لحكيم ظنًا منها أنه أتى ليشترى منها اليوم، ولا سيما أنها كانت تسأل نفسها عن سبب عدم رؤيتها له منذ فترة كبيرة وعدم قدومه المعتاد إليها. لكنها تفاجأت حينما أدار لجام مهرته ليبتعد عنها وهو يحدث نفسه:
"خلاص معادش هيبقى فيه توت من هنا ورايح، وهيتحرم عليّ كيف ما جمرتي اتحرمت عليّ."
أعطى الأمر لمهرته جمرة أن تغادر هذا الطريق بأسرع ما يمكن، وهو يحاول أن يخفف من حزنه، ناظرًا لجنبات الطريق لآخر مرة، مودعًا لها، معاهدًا نفسه أنها المرة الأخيرة التي سيمر فيها من هذا الطريق.
وابتعد متمنيًا أن كل ذكرى جميلة وكل فرحة شعر بها في يوم من الأيام وكل أمنية بجمرته نُسجت خيوطها حول شرايين قلبه، وولدت في هذا الطريق، أن تسقط من عقله وقلبه وروحه مع كل خطوة من خطوات مهرته المبتعدة، وأن تموت هنا في نفس المكان الذي ولدت فيه. ودعا الله أن ينتزع حبها من قلبه كما زرعه فيه، وأن يعود إلى قصره خالي القلب والفكر والبال كما خرج منه آخر مرة قبل أن يرى جمرته لأول مرة في صدفة غيرت مجرى قلبه.
وقف على نهاية الطريق واستدار بمهرته ينظر خلفه نظرة مودعة، وابتسم ثغره وأغرورقت عيناه وهو يراها تتجسد أمامه مرة أخرى، وطيفها أخذ يتحرك أمامه كأنها حقيقة جعلت قلبه يهوى من مكانه وأرجعته مرة أخرى لتلك الأيام.
حيث خرج من بيته كعادته وهو يمتطي ظهر مهرته، قاطعًا شوارع البلدة إلى أن يصل لوجهته ويقف على أطراف هذه الطريق ملثمًا، وينتظر بعض الوقت لتخرج من بيتها ذات الثماني عشر عامًا حاملة سلة الجبن على رأسها. تتهادى بطولها الفارع وجسدها الممشوق الذي ينافس في الأنوثة جسد ثلاثينية، تتمايل جديلتها ذات اللون الأحمر والتي تمردت من أسفل ربطة رأسها لتتحرر على ظهرها، فتتمايل يمينًا ويسارًا أثناء سيرها كأنها ترقص على أنغام خطواتها، لتلفت النظر لذلك الخصر الذي يملك القدرة على سلب أكثر العقول رزانة.
أما وجهها، فلا وصف له سوى أنه وطن يستحق أن تُخاض من أجله آلاف الحروب، ومن أجل جمال عينيها تُنال الشهادة. كل هذه الأشياء تجعل المسافة التي يقطعها يوميًا واستيقاظه في ساعات النهار الأولى لا شيء مقارنة بما يحصل عليه قلبه من لذة وعينيه من متعة وهو يرى أمامه كل هذا الحسن الذي تجلى في أبهى صوره.
نعم، فهو هذا الثلاثيني الذي كُتب على قلبه التعلق بتلك الصغيرة، والتي برغم صغر سنها، إلا أنها الوحيدة التي استطاعت غزو قلبه وسلب عقله، وهي أيضًا الوحيدة التي بنظرة واحدة من عينيها قادرة على أن تقوده إلى أطراف هاوية، وإن طلبت منه القفز فلن تجد منه إلا ملبيًا، حتى وإن علم أن في السقوط هلاكه.
عشرون دقيقة يوميًا هي المدة التي تستغرقها جمارته، وجمرة قلبه كما أطلق عليها بينه وبين نفسه، من بيتها إلى المكان الذي تبيع فيه الجبن. تلك الدقائق هي بالنسبة له الوقود الذي بدونه لا يعمل عقله طوال اليوم، ويظل كامل جسده حبيس الشوق إلى أن يراها. وهذا الإحساس هو ما دفعه في الفترة الأخيرة للقلق ودفع عقله للتساؤل بجنون عما سيفعله في الأيام القادمة، والتي مضطر أن يسافر فيها إلى بلدة أخرى لإنهاء بعض الأعمال المتعلقة. هل سيتحمل هذا الفراق؟ وماذا إن لم يستطع ونال منه الشوق ولم يقوى قلبه على الصمود!
لملم شتات أفكاره وصبر قلبه بأنه لم يتبقى سوى شهور تُعد على الأصابع وينتهي انتظاره وينطفئ شوق قلبه وترتوي روحه من جمرته وجمرة قلبه حين تصبح بين يديه حلالًا طيبًا حلو مذاقه كجمار قلب النخيل وأحلى. ولكن للقدر دوماً رأي آخر وتخطيطًا يخالف حسابات القلوب، حين تيقن حكيم من هذا في اليوم الذي صنفه على أنه أتعب أيامه.
بينما كان يتابع مرورها من أمامه بعيون تكاد تخرج من محجريها من شدة التركيز مع كل حركة منها، ويحسب في نفسه كم مرة اهتزت جديلتها خلف ظهرها، ويتبسم بفرحة حين يلاحظ ابتسامتها تحت اللثام لنسمة هواء تداعب وجهها، حين تضيق عينيها بفرحة أسفل اللثام، حين تضيق عينيها فيقابل النسمات التي مرت عليها واتت إليه حاملة عطرها بفرحة يغمض لها عينيه بارتياح كأنها قبلات محبوب. أو حين تقف كعادتها أمام بائعة التوت لتشتري منها التوت وتبدأ في أكله مباشرة فور شرائه، وسعادتها وهي تفعل ذلك جعلت حكيم أيقن عشقها للتوت الذي انتقل له هو أيضًا، وبدأ في شراء التوت وأكله بشكل يومي بسعادة بالغة كما تفعل هي.
وفي أثناء ذلك، كان هناك من يتربص به ويراقبه كثعبان يترقب فريسته وينتظر الوقت المناسب لينقض عليها، ولكن ليحدث هذا كان عليه أن يدرس، يدرس جيدًا أكبر نقاط ضعف فريسته أولًا لكي يستغل هذه النقاط حين يقوم بالهجوم، فينتقي وقتًا تكون فيه فريسته في أضعف حالاتها ثم ينقض عليها. وما أكثر ضعفًا من قلب عاشق لهذه الدرجة!
تقدم غازي بسرعة ليقطع طريق حكيم ويقف أمامه، محدقًا بنظرة انتصار كأنه فاز للتو عليه في معركة ضارية، فشـد الآخر لجام مهرته بقوة لكي يتفادى الاصطدام به، ونظر إليه وتكلم وهو صاكًا على أسنانه من الغضب، ولم لا وقد قطع عليه هذا المتطفل البغيض أحب أوقاته وحرمه من متابعة معشوقته.
حكيم:
"غازي؟... إيه اللي جابك هنا وجاي تعمل إيه في الوقت ده؟"
أجابه غازي بنبرة خبث:
"حظي الحلو هو اللي جابني هنا ودلني على الطريق دي بالذات... بس إيه الصدفة الحلوة دي... قولي عاد إنت بتعمل إيه هنا إنت كمان؟"
قالها وجر عينه بنظرة جانبية على تلك التي على وشك أن تختفي من أمام ناظريهم، وهي تأخذ منعطفًا آخر من الطريق، ثم أرجع عينيه ليتفحص ذلك الذي يكاد يجزم أنه سوف ينفجر غيظًا في هذه اللحظات من خلال نبرة صوته التي تغيرت للحدة وهو يجيبه:
"مانت عارف إني بحب كل صبحية آخد لي لفة بالفرسة بتاعتي وبعمل كده من سنين، ولا هي جديدة عليك وأول مرة تعرفها؟"
أجابه غازي بابتسامة:
"أيوه عارف، بس يعني استغربت إنك بعيد النهارده عن الأرض والمطرح اللي بتضـرن تتمشى فيه كل نوبة، وجاي هنا على طراطيف البلد تتمشى... مش بعيدة عليك المسافة دي يا حكيم يا ولد عمي؟"
أردف حكيم وقد رفع حاجبه دليلًا على التعجب مما قاله غازي:
"إني طول ما جمرة معايا مابعدش عليا مطرح، وكل البلد مضماري يا غازي... بس الهم والباقي على اللي ماشي على كعوب رجليه وجاي على طراطيف البلد كده، وبيقول وقاطع كل المسافة دي من غير سبب."
غازي بابتسامة:
"ومين قال مفيش سبب... عمومًا إني هسبقك ع البيت وأستناك في الدوار، وهناك نكملوا حديثنا، إلا الوقفة والحديث في الشوارع مسخّن قوي..."
نطق آخر كلماته وهم بمغادرة المكان، لكنه سرعان ما غير وجهته وعاد ليواجه حكيم مرة أخرى وأردف:
"صح، متنساش النهارده فصل الرقاقنة مع بيت شندويل... أوعاك تتأخر يا كبير البلد وشيخها عالفصل كيف النوبة اللي عدت، إلا الناس تاكل وشنا ويقولوا الشيخ ولد الشيخ بيتأخر ع مجالسه كيف ما عملت ديك النهار في فصل العمارنة."
أردف حكيم وهو يحاول السيطرة على اللجام وكبح جماح مهرته:
"له متخافش مهتأخرش، وبعدين دُكها كانت غلطة وأول وآخر مرة تحصل، ويا ريت تنساها ومتقعدش كل هبابة تعيد وتزيد فيها كيف ما تكون مسكت عليا زلة."
ليرد عليه غازي سريعًا باستغراب:
"به كلام إيه ده يا أبو عمو، بردك إني أمسك عليك إنت زلة؟ طب ليه، وإني وإنت واحد، واللي يضرك يضرني واللي يسيئلك يسيئلي... مكانش العشم يا خوي... إني بس خايف ع منظرك وهيبتك قدام الخلق وعنبهك مش أكتر."
ليأخذ حكيم نفسًا عميقًا مصحوبًا بغمضة من عينيه وهو يشيح بوجهه للجانب الآخر في محاولة منه لتهدئة نفسه والسيطرة على أعصابه، ثم نطق أخيرًا:
"معلش حقك عليا يا غازي يا خوي، متزعلش مني، إني مقصدتش، إني بس خانتني الكلمة مش أكتر."
ابتسم غازي وهو يومئ برأسه لحكيم بتفهم قبل أن يردف:
"ولا يهمك يا حكيم، إني خابرك زين وخابرك إن قلبك أبيض كيف اللبن الحليب، وعمرك ما تقصد بكلامك أي حاجة وحشة."
ثم أفسح له المجال وهو يكمل حديثه:
"يلا يا غالي روح كمل مشوارك وشوف كنت رايح فين، وإني هرجع ع المندرة وأجهز مع الرجالة لقعدة النهارده."
أجابه حكيم وهو ينظر بعيدًا للطريق الذي أصبح خاليًا بعد أن ابتعدت صغيرته، ثم نظر لساعة يده وأيقن أنها الآن بالتأكيد وصلت وجهتها:
"له خلاص عاد، معدش فيه مشاوير، إني راجع معاك."
غازي:
"طيب وسع خدني وراك، إلا المسافة طويلة على الماشي كيف ما قلت."
حكيم:
"بس إنت عارف إني ما أحبش حد يركب جمرة غيري يا غازي."
غازي:
"معلش النوبة دي، بس وأوعدك مهكررهاش تاني."
وأردف في نفسه: "عارف إن حاجتك ما تحبش حد يقاسمك فيها... لكن من النهارده هتقف وتتفرج وإنت بتخسر كل غالي وعزيز ع قلبك وتشوفه في إيدي ومتقدرش تفتح خشمك... وكله بالأصول."
فوقف حكيم وهو يتأفف وأفسح المجال لغازي الذي قفز ليستقر خلفه على ظهر مهرته، والتي صهلت باعتراض كأنها ترفض مشاركة غازي لحكيم فيها، لكنها انطلقت بأمر من حكيم حين أرخى لجامها.
تمسك غازي بحكيم جيدًا حين توقف مرة واحدة، مما أدى إلى ارتفاع قوائم مهرته جمرة الأمامية وهي تحاول الوقوف عن الجري بشكل مفاجئ، وأردف:
"وه... كنت هتشقلبني على قفايا يا حزين!"
أردف حكيم وهو يلتف بجمرة ويوجهها لبائعة التوت:
"هجيب توت، أجيب لك معاي؟"
ليرد عليه غازي بنبرة ساخرة:
"توت إيه ووجع بطن إيه عالريق يا حكيم، وبعدين منت عارف إني ما أحبوش التوت ده أصلًا ولا أحب أشوف منظره حتى قدامي!"
ليرد عليه حكيم ضاحكًا:
"عشان إنت معفن والمعفنين ما يحبوش الحاجة الحلوة."
لم يرد غازي على سخريته منه بالكلام، ولكنه اكتفى بلف ذراعيه حول حكيم ليسلبه لجام جمرة ويقوم بسحبه وحثها على الالتفاف والجرى بكامل سرعتها، تحت محاولات حكيم المعترضة، ولكن غازي تغلب عليه واستطاع إبعاده عن بائعة التوت المسافة الكافية، وصوت ضحكاته تتعالى كلما ابتعدا أكثر، غير آبه بحكيم الذي استشاط غضبًا بسبب حرمان غازي له من عادته اليومية المحببة لقلبه، وأخذ يسبه بينه وبين نفسه بكافة الشتائم التي يعرفها لنجاحه في إفساد يومه، ولكنه لم يكن يعلم أن ما حدث ما هو إلا بداية وخطوة تجاه إفساد حياته بأكملها.
وصل الاثنان أخيرًا إلى مشارف القصر، ثم ترجلا عن ظهر جمرة، وقام حكيم بتسليمها لأحد العاملين في الأسطبل ليأخذها لمكانها ويقدم لها الرعاية الكاملة والدلال منقطع النظير بأوامر دائمة من الشيخ حكيم، من منطلق عشقه لجمرة بالذات دونًا عن سائر خيل الأسطبل، وبالأخص لأنها السبب في معرفته بجمارة قلبه وجمرته.
دلف الاثنان إلى مندَرة القصر الضخمة، والتي بنيت على ما يقارب ٢٠٠ متر، مجهزة بأرقى الأرائك والفراش وأفخم أنواع السجاد الإيراني، لتصبح أقرب لمجالس الملوك، وتصبح وطنًا لجميع أهل القرية، من أفقر رجل فيها إلى أغنى رجل، حين احتياجهم أي شيء أو حين الوقوع في مأزق أو خصومة تتطلب تدخل طرف ثالث عادل لحلها وإنهاء النزاع، وبالطبع لن يكون هذا الطرف إلا الشيخ حكيم، فمن في الجوار أحكم أو أعدل منه.
أشرف حكيم بنفسه على نظافة المندرة، ثم توجه بعد ذلك إلى الدار ليطمئن أن إكرام ضيوفه سيتم على أكمل وجه من طعام وفواكه وحتى حلوى، فهم في رحاب الشيخ حكيم.
بعد الاطمئنان أن كل شيء على ما يرام والتجهيزات تتم على أكمل وجه، توجه لغرفة والدته لكي يكمل آخر طقوس صباحه، وهو عبارة عن قبلة منه ودعوة منها له بالسعادة وفرحة القلب، ثم يجتمع الاثنان على طاولة الطعام لتناول الإفطار، لينضم إليهم غازي ابن عمه، وغاليه أخته الشقيقة ذات التسعة عشر عامًا، ليتناول أربعهم الطعام في جو أسري مشحون بالمضايقات من غازي لغاليه، ليمطرها بوابل من الاعتراضات على كل حركة وكل كلمة وحتى كل نفس تتنفسه، لتستسلم أخيرًا لمضايقاته وتنهض من على طاولة الطعام بدون أن تكمل وجبة إفطارها، ليتولى حكيم أمره فيتجادل الاثنان، وما يكون من الأم إلا الدعاء لهم بالهداية.
لأبعد الحدود تزعج حكيم هذه النقطة من غازي، ألا وهي تدخله فيما يخص غاليه وتحكمه فيها، وهو يعلم جيدًا أن غاليه هي لحكيم بمثابة الروح، ويرى بأم عينيه يوميًا ما يجلبه حكيم للمنزل أشكالًا وألوانًا من كل ما تشتهي الأنفس، فقط من أجل غاليته. فهو لم يعتبرها يومًا أخته بقدر ما يحسبها ابنته وطفلة قلبه. وهناك سبب آخر غير ذلك، وهو أن غاليته تتحسس من أقل كلمة من غازي بالذات، فأحيانًا بكلمة منه تظل طوال اليوم في مزاج متعكر ومنطوية، كأنه أصابها بسهم أفقدها الحركة.
أما اليوم، فعلى غير العادة، كان الصمت حليف الكل، لم يقطعه إلا غازي حين أردف بعد أن ظل يراقب حكيم طوال الوقت، ويراه تارة يبتسم وتارة أخرى تتقلص ملامحه وتتحول للبرودة في تأرجح ظاهر في عينيه بين السعادة والحيرة.
"متقول لي هتعمل إيه في فصل النهارده وهتفصل بأيه وتحكم لصالح مين من العيلتين يا حكيم."
حكيم:
"مينفعش أقولك دلوقتي إني هفصل ولا هحكم بإيه، عشان إني ذات نفسي ما أعرف."
أردف غازي باستغراب ممزوج بتعجب:
"وه! كيف ده؟"
ليجيبه حكيم بعد أن ارتشف من كوب شاي رشفة تلو رشفة:
"زي ما بقولك كده، عشان ببساطة إني سمعت المشكلة من طرف واحد، وطبعًا زي ما أنت خابر الحق دايمًا مع الشاكي... فالغلط مش هنعرفه جاي من فين غير لما العيلتين يقفوا قصاد بعض وكل واحد يحكي اللي حصل قصاد الثاني."
أردفت غاليه وهي تنظر لغازي بنظرة فيما معناها اصمت وتعلم:
"براوه عليك يا قلب أختي، هو ده الكلام الموزون اللي ميطلعش غير من فم شيخ ولد شيخ... اتكلم كمان وكمان وخلي الناس تتعلم منك."
لم يجبها حكيم وتابع حديثه، لأنه لو فعل لتابعت هي حديثًا يعلم جيدًا نهايته، وهي نزال بالكلمات بينها وبين غازي ينتهي بغضبها وكسرة قلبها.
"يلا يا غازي لو كنت خلصت فطور عشان يدوبك نلحق نكونو في استقبال الناس."
نهض وتوجه لأمه ليلتقط يدها ويلثمها بحب قبل أن يردف:
"ادعي لي يا أم حكيم."
لتتوجه فورًا بعينيها للسماء وهي تردف:
"ربنا يسدد خطاك يا ولدي ويجعلك منبر للحق وحكم عادل ويرفع شأنك ويعلي مقامك بين العباد كمان وكمان، قادر يا كريم."
ليسـرع غازي فيلتقط يدها من حكيم كأنه يريد أن يقطع وصلة دعائها لابنها حكيم، والذي بدأ في الاعتقاد أن كل ما يحيط حكيم من خيرات هو بسبب تلك الدعوات الصباحية، فيقبل يدها بعد أن يردف:
"وإني يا ست الكل مفيش دعوة كيف دول ليا؟ هو إنت ناسيه إني ولدك كيف حكيم ولا إيه؟"
لترفع تماضر يدها فتضعها على رأس غازي وهي تنطق بحنان بالغ:
"أنسـاك كيف ده يا غازي، فيه أم تنسى ضناها بردك... ده أنا اللي مربياك على يدي يا ولدي، ويعلم ربنا إن معزتك وغلاوتك من غلاوة حكيم وغاليه، وإني بعتبر حالي أمك عشان الأم اللي بتربي وتكبر يا غازي."
غازي:
"عارف والله يا مرت عمي، بس إني أحب أنشك بالكلمة بس... ربنا يخليكي ليا يا أم غازي وما يحرمني منك أصلًا."
تماضر:
"ولا يحرمني منك يا ولدي... روح يا حبيبي ربنا يحرسك من كل شر وأذى ويهديك على نفسك يا ضناي."
ترك غازي يدها، وها هو يشعر مجددًا أن تماضر تميز عنه حكيم حتى في الدعوات، فتشعره أنها لا تتمنى له الخير كابنها، ولكنه لا يعلم أن تماضر تدعو لكل منهم بما يحتاجه.
خرج الاثنان كتفًا بكتف إلى المندرة ليكونا في استقبال الوافدين من كلا العائلتين، والبعض أيضًا من أهل رجال البلدة ليكونوا أطرافًا محايدة وشهودًا على أي عهد يتعاهد به طرف للآخر وعلى أي اتفاق يتم، لكي لا يجرؤ طرف على الإخلال بجانبه من الاتفاق أو عدم تنفيذه في وقت لاحق في ظل وجود كل هؤلاء الشهود.
اكتمل الحضور وبدأ الطرفان في اتهام بعضهما، وكل طرف يظن أنه هو الذي يملك الحق في قبضته، وأن الطرف الآخر هو المذنب في حقه.
بعد سماع حكيم للطرفين وسؤال شهود عيان على ما حدث وما رأوا، كان الحكم على عائلة شندويل بأنهم هم المذنبون في حق عائلة الرقاقنة، وكان الحكم هو اعتذار على الملأ من كل رجال عائلة شندويل لعائلة الرقاقنة، وتعويض مالي عن الخسائر التي تسببوا بها لعائلة الرقاقنة من حرق محصول واتلاف ممتلكات، وكالعادة انصاع الجميع للحكم فورًا، وبدأ حكيم في الصلح بينهم وجعلهم يتصافحون، وكل منهم يتعهد بعدم التعرض للآخر بشر مرة أخرى.
انتهى الجدال أخيرًا وسكن جميع الأطراف، وبدأ رجال حكيم في تقديم ضيافة مرة أخرى، وبدأت قهقهات الجميع تعلو في أرجاء المكان بعد تصافي النفوس، ولم يقطعها سوى صوت غازي وهو يطلب انتباه الكل لما سيقوله.
انتبه الجميع بالفعل، ثم أردف غازي بصوت أشبه بحفيف الأفاعي وهو يتوجه بكلامه لأحد الحضور بالتحديد وعينه على حكيم:
"عمي عزام... إني يشرفني قدام الكل إني أطلب منك يد بت أخوك المرحوم طايع على سنة الله ورسوله، وطالب منك إنك متردش طلبي، وسايق عليك كل راجل في القعدة وعشمان متردليش طلبي."
وهنا فهم عزام سبب استدعائه لحضور المجلس بإلحاح من غازي، وزال استغرابه لأن هذا الشيء غير معتاد، ولم يرسل له أحد قبلًا أن يحضر مجلسًا لفصل، وذلك لأنه رجل شديد الفقر وقليل الحيلة، ولم يكن له مكان يومًا في مجلس شيوخ أو فصل.
بينما الجميع ينظر لعزام في انتظار إجابته على طلب غازي الغريب من نوعه، فكيف يطلب أن يتزوج من بنت بائعة الجبن، وهو قادر على أن يتزوج أجمل فتاة في البلدة ومن أكبر العائلات، والكل يتشرف بذلك ويتمنى حدوثه. ولما لا، وهو غازي الرفاعي من عائلة الرفاعي، أغنى عائلة في الناحية، ويملك ما يكفي لزغللة العيون والقلوب، حتى وإن كان ما يملكه يعتبر لا شيء أمام ما يملكه حكيم، إلا أنه يظل الكثير في نظر الناس.
من وسط الذهول والاستغراب والترقب، لم يلاحظ أحد ذلك المتصلب ذات العيون المتحجرة، والذي يصارع في هذه اللحظات موتًا من نوع آخر غير ذلك الذي تغادر فيه الروح الجسد فيشعر بعدها الجسد بالراحة، بل هو شيء آخر أصعب وأقوى.
نطق عزام أخيرًا:
"وه يا غازي بيه، ده شرف كبير قوي لينا... من الساعة دي اعتبر جمارة بت أخوي خطيبتك وملك يمينك."
وهنا توقف بشندي ما أن دخل من باب المندرة وسمع ما سمع، وارتعشت يده التي تحمل صينية الشاي، وزادت ارتعاشة يده وهو يرى حال سيده، الذي ما أن سمع الموافقة على طلب غازي حتى شعر أن الكلمات التي خرجت من فم عمها شعلة نار أصابت روحه التي كانت تشبه في تلك اللحظة كومة من القش، ما أن وقعت فوقها الشعله حتى احترقت بالكامل.
وللحكاية بقية.
رواية جمارة (بين العشق والقسوة الفصل الثالث 3 - بقلم ريناد يوسف
دلوقتي بس قدر حكيم يفهم سر السعادة اللي كانت في عيون غازي من أول اليوم. واستوعب ليه عنيه كانت محاوطة حكيم طول الوقت، زي الصياد اللي بيترقب فريسة ومخبّي بندقيته ورا ظهره، ومستني الوقت المناسب عشان يضربها في مقتل ويتأكد إن نشانه مخابش.
وفي المقابل، غازي اتأكد وهو شايف رد فعل حكيم وضيق أنفاسه، إنه فعلاً ضربه في مقتل. بعد ما كان خايف إنه مجرد إعجاب بجمارة، لكنه دلوقتي اتأكد إن حكيم واصل لدرجة العشق اللي هيقدر يستغلها ويلف حبل الحسرة حوالين رقابته بكل سهولة، ويشده منه حكيم لحد ما يخنقه ويقتص منه عن كل لحظة قهر حسها بسببه وسبب أبوه طول عمره.
استأذن حكيم من الناس وخرج بسرعة بحجة إنه هيستعجل الغدا للناس، لكن خروجه كان محاولة منه للهروب من المكان اللي حس حيطانه طبقت على قلبه، وخلته مش قادر يتنفس. لكنه اكتشف فشل محاولته وهو واقف في البراح في جنينة السرايا، ومع ذلك حاسس إن الهوا بيخلص من حواليه.
لف حوالين نفسه مرة واتنين، ورفع إيديه مسك دماغه اللي حس إنها هتنفجر من كثر ما بيحاول يستوعب اللي حصل ومش عارف. ووقف ثابت، لكنه حاسس إنه لسه بيدور، أو الدنيا هي اللي بتدور حواليه. وسامع صوت بشندي بيتكلم معاه، لكنه مش قادر يسمع هو بيقول إيه.
في اللحظة دي، مكانش سامع ولا شايف غير جمارة قدامه، وحلم فضّل سنين يحلمه ومأجل تحقيقه في أوانه، ومحسبش حساب إن الأوان ممكن يفوت منه.
بعد مسافة بيحاول حكيم يستعيد توازنه فيها ويحاول يتنفس بشكل طبيعي، قدر إنه يدرك كل حاجة حواليه ويرجع لثباته. وأكد لنفسه إنه مينفعش يضعف أو يبين أي حاجة، وخصوصاً إن اللي خطبها ابن عمه، والمفروض إنه في مقام أخوه قدام الناس، ومينفعش ياخد حاجة منه هو سبقه ليها، لو متوقفة عليها حياته.
بشندي: يا سي حكيم.. حكيم يا ولدي.. فوق يا ولدي وعاود جوا وقول لغازي إنك سبقته، وأمك طلبتلك البت من أمها من زمان وأمها قالتلها تصبر شوية لما البت تكبر، وإني هطير على عيشة أم جمارة وأقولها وأفهمها. تأكد الكلام وكل ده يخلّص وينتهي.
حكيم: مش حكيم اللي يلف ويدور ويكذب كيف الحريم يا بشندي. لا ده طبعي ولا دي أخلاقي، وأنت خابر ده زين.
بشندي: وهتتحمل؟
حكيم: على موتي أصغر نفسي في مجلس رجال والناس تقول حكيم استكتر على ولد عمه فرحته وخد اللي حط عينه عليها.
بشندي: بس بكده هتموت كل يوم ألف موته يا شيخ البلد.
حكيم: وعشان إني مش أي حد، وعشان شيخ البلد لازم أتحمل أكتر من أي حد يا بشندي. روح قول للرجالة تطلع الأكل واتوصى بغازي وحط قدامه نصيب كبير، أده ده عريس ولازم يتغذى من هنا ورايح.
قالها وابتسم بمرارة، واتحرك من قدام بشندي اللي فضل مراقبه ومراقب كتفه اللي انحنت بحزن، وخطوته اللي بيخطيها بانكسار زي واحد جاله خبر إن كل أهله ماتوا مرة واحدة ومفضلش غيره.
اتنهد وهو حاسس بالنار اللي في قلب حكيم، وهو الوحيد اللي يعرف إن النار دي مش هتخلي في حكيم حاجة مش هتحرقها من شدة لهيبها.
رجع حكيم للدوار وقعد وسط الرجال، بيمثل القوة والفرحة بخطوبة ولد عمه، وبهز دماغه للناس بمجاملة لكلامهم، لكنه مش سامع من كلامهم حرف واحد.
انتبه لغازي وهو بيدوّسه بكوعه بصلة، لقاه رافع إيديه والكل زيه، وواحد بيقول الفاتحة. وانتبه إنهم بيقروا فاتحة جمارة قلبه، ورفع إيديه معاهم باستسلام وقرا الفاتحة، بس مكنش بيقرأها لغازي، كان بيقرأ الفاتحة على عشقه وروحه وقلبه اللي ماتوا النهارده، موت أشبه بموت الغفلة بدون إنذار أو مقدمات.
الكل خلص وصدق، وحكيم بص لغازي وركز على الابتسامة اللي شاقة حلقه، واللي نفسه ينتزعها من غازي في اللحظة دي، ويقوله بعلو صوته إن الفرحة دي فرحته هو. ولو غازي كان خيره بين جمارة وبين أي حاجة تانية، حكيم كان هيتنازله عن أي حاجة ترضيه وترضي الطمع اللي طول عمره بيشوفه في عيونه، بس يسيبله جمارته.
غازي: شكلك مفرحانش ليه يا ولد عمي؟
حكيم بص له بتأني قبل ما يرد على كلامه بسؤال: عرفت كيف يا غازي؟
مثل غازي عدم الفهم ورد عليه: عرفت إيه يا ولد عمي، ما بفهمش قصدك؟
ابتسم حكيم بتهكم: طب بلاش دي، مع إني متأكد إنك فاهمني زين قوي. طب هسألك سؤال تاني. عرفت جمارة ميتة وقررت تخطبها وتتجوزها؟
غازي بمراوغة: عرفتها من زمان بدري، وكنت عأراقبها من بعيد لبعيد. ولما اتأكدت إنها بت زينة، قررت أخطبها. وملقيتش فرصة أحسن من دي. وبعدين إني مش فاهم أنت معترض على إيه، وأنت ومرت عمي كنتوا عاوزين تجوزوني بأي طريقة وأي شكل طول السنين اللي عدت. قوم لما أقرر أتجوز تنزل عليا بالأسئلة وسين وجيم، كأنك كل مرة كنت عتقولي فيها اتجوز واتلم وافتح لك بيت وأرسي، مكنتش عتقولهالي من قلبك!
حكيم سكت ومتكلمش مع غازي مرة تانية، لأنه عرف إن غازي مستعد يدخل معاه في جدال ملوش نهاية، والخسران الوحيد فيه هو حكيم، لأن الواضح إن غازي عرف أخيرًا يدخله من نقطة ضعف عمرها ما كانت في حسابات حكيم، ولا عمره فكر يأمنها من غازي زي كل حاجة تانية.
خلص اليوم والناس روحت، وغازي كمان راح على المشمل بتاعه، وحكيم فضل في الدوار، مقدرش يروح عشان مينهارش قدام أمه، لأنه عارف إنه بمجرد ما هيشوفها هيترمى في حضنها ويبكي زي عيل صغير، أخدوا منه لعبته اللي فضل سنين يترجى أبوه يشتريهاله، ولما ده حصل، جه حد خطفها من بين إيديه من قبل حتى ما يفرح بيها ويشبع منها.
اتمدد حكيم على كنبة من كنب المندرة وغطى عينيه بدراعه، وثباته وانتظام أنفاسه يوحي للي يشوفه إنه نايم بأمان، وميتصوروش أبداً إن فيه محرقة مشتعلة داخل الجسد الثابت ده بتحرق جواه الأخضر واليابس.
أخده خياله وحملته أفكاره لأول يوم شاف فيه جمارته، وفضلت أحداث اليوم تتجمع قدامه بكل تفاصيلها.
حكيم خرج من بيته على ضهر مهرته الجديدة، واللي بمجرد ما شافها معروضة في مزاد للخيل العربي الأصيل، خطفت قلبه بجمال ألوانها وجذبت كل تركيزه من بين كل الخيول المعروضة في المزاد، وقرر إن المهرة دي هتكون بتاعته مهما كان الثمن. وبالفعل دفع فيها أضعاف ثمنها، لمجرد إن صاحبها شاف تمسك حكيم بيها والإصرار اللي في عينيه إنه يمتلكها.
فرحته وهو بيمسك لجامها وهي ملكه بعد ما دفع ثمنها، لا تضاهيها فرحة. وميعرفش إيه سبب الفرحة دي، وهو عنده اسطبل كامل للخيول وفيه عشرات الخيول، لكن الفرسة دي بالذات ميعرفش إيه المختلف فيها.
أخدها للبيت، وتاني يوم الصبح بدري حب يستغل إن طرقات البلد فاضية وأغلب الناس لسه مصحيتش، أخدها من الاسطبل وخرج بيها عشان يروضها ويعلمها بنفسه، ودي كانت متعته اللي مابعدها متعة، لما يروض فرس جديد وينجح في إخضاعه ليه.
لف لثامه بأحكام، وأول ما طلع على ضهرها، المهره رفعت رجليها وصهلت وجرت بحكيم بأقصى سرعتها، وبتدخل من طريق لطريق بهوجاء وتشتت، وحكيم بيحاول السيطرة عليها، وفي أثناء ده حصل اللي غير مجرى حياة حكيم من يومها.
مرة واحدة باب اتفتح وخرجت منه بنت ملثمة، ودي كانت وسيلة أغلب أهل البلد في الوقت ده من السنة لحماية وشهم من هوا الشتا. شايلة فوق دماغها سبت خوص كبير، ولسه هتعدي الطريق، اتفاجأت بحاجة أخدتها في وشها في ثانية، وقعتها على الأرض، والطبق اللي فوق دماغها وقع باللي فيه.
حكيم شد لجام الفرسة مرة واحدة، ونجح أخيرًا إنه يوقفها بعد ما كان فاقد السيطرة عليها، ونزل بسرعة ربطها في أقرب شجرة وجرى على اللي بتحاول تقوم. ورغم إنها ممكن تكون اتأذت، إلا إن خوفها وعيونها كانت على الطبق بتاعها الواقع على الأرض، والجبنة اللي كانت فيه ودلوقتي مالية الطريق.
حكيم قرب منها ومد إيده ليها، قومها وهو بيسألها: أنتِ زينة؟ فيكي حاجة جرتلك حاجة، اتعورتي فيه حاجة، عتوجعك؟
جمارة بصت له ومنطقتش غير كلمة واحدة، وبعدها اتفتحت في البكا بصوت عالي وهي بتبص حواليها: الجبنة.
حكيم فضل متسمر للحظات بعد ما شاف عينيها، واتجول في باقي ملامحها بعد ما لثامها اتفك، وبعدها فاق وبص زيها مكان ما بتبص واتكلم بسرعة يطمنها: متخافيش، هدفعلك تمنها، بس طمنيني عنك، أنتِ أهم حاجة، أنتِ تكوني زينة، وكل حاجة مقدور عليها بعد كده.
اتكلمت بعصبية: إني زينة، إني زي القرد، يا ريتني كنت إني اللي اتبعشكت عالأرض كده وبقيت ميت حتة، ولا جبنة الناس اللي مدفعناش حقها، حصول فيها كده. أقول إيه لأمي؟ يا ريتني ما عملت نفسي شاطرة وقولتلها ارتاحي وإني هطلع مكانك النهارده، يا ريتني. وكملت وصلة البكا بصوت عالي مرة تانية.
حكيم بسرعة مد إيده في جيبه وطلع جزدانه وطلع منه فلوس ومدهالها: خدي حق الجبنة أهه، وبطلي بكا الله يرضى عليكي، خلعتي قلبي والله.
إني مهاخدش عوض يا سي البيه، العوض حرام. وكملت بكا.
حكيم بنبرة هادية عشان يهديها: العوض ده لو كانت الحاجة ملكك، أنتِ بتاعتك، متاخديش عوضها. لكن أنتِ بتقولي إن الجبنة دي بتاعة ناس. مش صح؟
جمارة هزت دماغها بموافقة.
حكيم: خلاص يبقى تاخدي تمنهم تديه لأصحابهم.
اترددت في القبول، لكنها وافقت وهي شايفة إصراره وهو مادد لها الفلوس وبيشاور لها بدماغه عشان تاخدهم.
مدت إيدها، أخدت منه الفلوس ومسحت دموعها، وهو ابتسم من تحت اللثام، وهي رفعت عينيها عليه لأول مرة وبصت له، ونظرتها كانت بمثابة صدمة كهربائية احتلت كيانه بمجرد ما شاف لون عينيها مرة تانية، واتعمق في جمالهم وفي جمال معاني وشها.
جمارة ارتبكت من عينيه اللي شافت تركيزهم فيها، وبإيد بتترعش مدتها، أخدت طرف طرحتها، لفته على وشها مرة تانية مغطية بيه معالم وشها، مظهرش منه غير عينيها بس. وكل ده تحت أنظار حكيم اللي فضل مركز مع كل حركة منها.
جمارة خلصت واتلفتت حواليها مش عارفة تبدأ منين، لكنها ابتدت بلم الجبنة المتبعثرة على الطريق، جمعتها وحطتها تحت شجرة وهي بتبرطم بصوت واطي: استغفر الله العظيم يارب على نعمة ربنا اللي ملت الشارع دي. أهه نلموها أحسن ربنا يسخطنا قرود، مش ناقصة هي.
فضلت تبرطم كتير ونسيت تماماً إن حكيم لسه واقف متابع اللي هي بتعمله، وبمجرد ما لفت بعد ما خلصت لم الجبنة، شهقت بتفاجؤ لما اكتشفت إن حكيم لسه موجود.
جمارة: أنت لسه قاعد؟ ممشيتش ليه تشوف أشغالك؟ مش قولتلك إني زينة خلاص ومفيش فيا حاجة، ودفعت حق الجبنة اللي وقعتها مني، يبقى مستني إيه تاني؟ متمشي لحالك عاد!
حكيم فتح خشمه بتفاجؤ من كمية الهجوم اللي اتعرض له ده، واتكلم باستغراب: متهدي على روحك هبابة وتاخدي نفسك، وبعدين هكون مستني إيه منك يا مفعوصة أنتِ؟ إني بس مستني أطمن إنك مفكيش حاجة وإنك سليمة وهمشي طوالي!
جمارة: اطمن وطمن حالك، إني زينة ومليحة. وبعدين إيه مفعوصة دي كمان؟ أنا شايفني عيلة قصاد عينك ولا إيه؟ دانى حداي 14 سنة بحالهم، يعني كبيرة وكبيرة وأسد عين السمس، ولا أنت مش وعيني زين؟
ضحك حكيم بصوت عالي وابتدا يتحرك وهو بيهز دماغه، وراح على مهرته اللي كانت قريبة عليها، وابتدا يفك لجامها المربوط في الشجرة، واتكلم بصوت واطي لكن جمارة كانت سامعاه: 14 سنة! دانتي طلعتي مفعوصة وعيلة صح، واللي يشوفك ويشوف لسانك ميصدقش سنك.
جمارة: سمعتك. واستنى خد قبل ما تغادر. ومدتله إيدها بكيس، بص له حكيم باستغراب وبصلها.
جمارة: دي الجبنة الزينة اللي فضلت في الطبق ونضيفة، محصلتش الأرض ولا لحسها التراب. وعشان أنت دفعت حق الجبنة يبقى دول من حقك، خدهم لبيتك، فطر بيهم عيالك.
ضحك حكيم بشدة وبصلها قبل ما يمد إيده ياخد منها الكيس وهمسلها: عيالي معاك ياكلوش الجبنة الخضرة، بس مرتي بتحبها، هاتيها.
وأخدهم منها وركب بحركة سريعة على ضهر المهرة، وحاول إنه يسيطر عليها بصعوبة، والمهره بتتحرك في كل مكان، وده خلى جمارة خافت ورجعت لورا واستخبت ورا الشجرة، وهي مستمرة تراقبه. والمهره انطلقت بيه بسرعة هائلة خلت جمارة قلبها انتفض وهي حاسة إنه هيوقع من على ضهرها في أي لحظة، وفضلت حاطة إيدها على قلبها لحد ما اختفى من قدام عينيها.
اتحركت جمارة وأخدت الطبق والقماشة البيضة اللي بتغطي بيها الجبنة ورجعت للبيت. وهي ماشية في الطريق، عدت الفلوس اللي أدهملها حكيم، لقتهم أكتر من تمن الجبنة بكتير، ودي حاجة دايقتها جداً، لأنها حست إنها أخدت حاجة مش من حقها، ودي حاجة أمها كانت دايماً بتأكد عليها من صغرها إنها متعملهاش مهما كان السبب.
رجعت البيت وحكت لامها كل حاجة، وأمها قالت لها أول ما تشوفي الراجل ده تاني، شاوريلي عليه وإحنا نرجع له باقي فلوسه، إحنا مش هناخد حاجة حرام، ولا هناخد فلوس من حد مش من حقنا.
جمارة شاورت لها بدماغها بموافقة وسكتت، وقررت إنها أول ما تشوفه مرة تانية هتقول لامها عليه فوراً. لكن اللي حصل إنها مشافتهوش بعدها مرة تانية أبداً.
أما حكيم، يومها رجع للسرايا ورجع المهرة للاسطبل، ودخل السرايا وحط الجبنة اللي في إيده على السفرة، وراح على أوضة أمه وخبط خبطتين ودخل. شاف أمه بتصلي على الكرسي المتحرك بتاعها، واستناها لحد ما خلصت، بعدها اتقدم منها وباس إيدها ودماغها.
تماضر: تقبل الله يا أم حكيم.
حكيم: منا ومنكم صالح الأعمال يا ولدي.
مدت إيدها على خده وركزت في وشه شوية، وابتسمت وهي بتتكلم: عينيك بتلمع لمع، خير يا طير، حصول إيه معاك، باسطك كده على ريق الصبح؟
حكيم: وإيه! مفيش حاجة تخصني، تخفي عليكي واصل، أنتِ؟
تماضر بحنان: واصل.. هااه قول يلا، حصول إيه معاك.
حكيم: خدت بت في وشي بالفرسة كعبرتها، وكبيت الجبنة اللي كانت طالعة تبيعها، وأديتها حقهم، وبعدها كشفت لي، وزي ما تقول كده طارت ورايا هههه.
تماضر ضربت على صدرها بخوف: وع تغلط وفرحان على إيه يا حزني؟ عشان شردت البت؟
حكيم: له بضحك عشان بجحت فيا وهي كد الهبابة، متستعنيش بيها، بس لسانها أطول منها وجريئة كيف اللبوة، أول نوبة تصادفني بنية كده تقف في وشي وتتكلم من غير خوف ولا هيبة. وأنا الرجال تقف قدامي شنباتها ترجف من الخوف والهيبة!
تماضر بضحكة: شكلك وقعت أخيرًا يا ولد تماضر، وربنا استجاب لدعاي، وهفرح بيك وتقر عيني بشوفتك عريس وأشيل عيالك يا رب.
حكيم بضحكة: هوب هوب هوب، حيلك يا أم حكيم، حالا جوزتيني وشيلتي عيالي؟ وبعدين عرفتي إيه عنها أنتِ اللي جوزتينيها وخليتيها أم عيالي دي؟ دي عيلة يادوب 14 سنة، وولدك 28، يعني كد عمرها مرتين.
تماضر: كل ده ولا حاجة، وبعدين منتا خابر إننا في البلد هنا محدش لينا بنية بتعدي الـ 16 من غير ما تكون في بيت جوزها، والجواز بيبتدي من سن 13 سنة وطالع، يعني دي مش حجة. وطول ما البت عجبتك وخلت عينيك تلمع كده، هجوزهالك يعني هجوزهالك، دانى مصدقت وحدة عجبتك.
حكيم: يا أم حكيم اهدى عالصبح الله يرضي عليكي، تجوزيني مين عالصبح دي بياعة جبنة، وأنا الشيخ حكيم شيخ البلد والناحية!
تماضر بغضب: له يا حكيم له.. مش مرجية منك دي يا ولدي. من متى عتحكم على الناس من شغلها ولا اللي تملكه؟ أني علمتك كده؟ من متى نفسك كبرت على الناس يا ولدي؟ نسيت إحنا كنا إيه في حال لاول؟ نسيت شفنا ضيم قد إيه، وأنت بالذات حفرت في الصخر قد إيه قبل ما يبقالي عندك اللي عندك ده كله؟
حكيم: عمري ما نسيت ولا اتغيرت، بس الناس تقول إيه يا أمه لو اتجوزت وحدة بتبيع جبنة خضرة (قريش)؟
تماضر: تقول اللي تقوله، حط في بالك إن الناس في كل الأحوال عتتكلم، واللي يعيش عشان يرضي الناس يموت مهموم. هات لي بس أنت اسم أمها وناسها وقول لي بيتهم فين، وخلي بشندي يوديني بالكرته، ومش هيعدي الشهر ده غير ومرتك في بيتك وعلى ذمتك.
حكيم: وأتجوز قاصر، وأنا اللي حسي اتنبح عالناس وأنبه عليهم ميجوزوش بناتهم قبل 18 سنة، وأرهب فيهم بالحكومة والسجن وأخوفهم، وأحكم اللي يعمل كده بحكم يقسم الضهر، وحكمي يمشي على رقاب الخلق كلها. أجي أنا وأتجوز قاصر! كأني أقول للناس شوفوا الشيخ حكيم بوشين وكلامه غير فعله. اسكتي يا أمه الله يرضي عليكي. وبعدين والله لو عيل مهبل سمعنا يضحك علينا، وإحنا خطبنا واتجوزت ومرتي جات في بيتي وأنا مشفتهاش غير مرة واحدة، ولا أعرف عنها حاجة واصل، ولا شفت غير عينيها اللي بلون السما، ووشها اللي كيف بدر البدور!
تماضر: دقت ووصفّت، يبقى وقعت يا ولد بطني، وكلها كام يوم هتيجي وتقولي روحي يا أمه اخطبيها لي. وهتطلع النهارده من عندي تدور وراها وتجيب قرارها وتعرف عنها كل شارده ووارده.
حكيم: خيالك واسع يا أم حكيم.
تماضر: أم الشيخ متقولش الكلمة غير وهي عارفة رايحة فين وجاية منين. وبالفعل كلام تماضر كان صح، وحكيم في نفس اليوم سأل بطريقته وعرف إن بدر البدور اسمها جمارة، وعرف كل كبيرة وصغيرة عنها من يوم ما اتولدت، وعرف إنها لبوه حرة، برغم صغر سنها إلا إن السوق والشغل طلع لها ضوافر وبقت تخربش كيف القطط كل اللي يحاول يقرب منها.
ومن يومها بقى يراقبها من بعيد، كل يوم الصبح وهي طالعة تبيع الجبنة، مرات مع أمها ومرات لوحدها. ويوم ما تكون لوحدها ما يرجعش البيت غير لما هي تخلص وترجع، تحت أنظاره وهو بيراقب من بعيد لبعيد ولابس لثامه. كان نفسه يسمي المهرة جمارة عشان هي السبب في معرفته بجمارة، لكنه خاف الناس تربط بين الاسم وتعرف المكنون، واكتفى إنه يسميها جمرة على جمرة قلبه اللي قادت بحب جمارة من أول نوبة عينه وقعت عليها. ومن يومها حب جمرة مهرته بيزيد في قلبه مع حب جمارته، والاتنين مكانتهم عنده محدش يقدر يوصلها.
أربع سنين فضل مستني، ويعدهم يوم يوم وساعة ساعة، وخلاص مش فاضل غير شهرين وجمارته تتم الـ 18 سنة، ويتجوزها على سنة الله ورسوله، وتيجي بيته وتنور حياته، ويدوق ويشبع من اللي فضل سنين يحادي ويحمي فيه من بعيد لبعيد، والفرحة مكانتش سايعة قلبه.
شال حكيم إيده من على عينيه لما سمع صوت أمه بتتكلم جنبه ودنه بهمس: إيه اللي منومك هنا يا ولدي؟ قلقت عليك لما مجتش السرايا، وجيت لك لما سألت بشندي، قال لي نايم في المندرة. خير يا ولدي مالك يا حبة القلب؟ فيك حاجة؟
حكيم: سلامتك يا أم حكيم، مفيش حاجة، دماغي مشغولة شويتين.
تماضر بضحكة: عارفة اللي شاغل دماغك. غيرت من غازي وقلبك فرفط على جمارتك، وعاوز تخطبها وخايف لو خطبتها دلوقتي يقولوا حكيم غيران من ولد عمه صح؟
حكيم ابتسم بتعب: أنتِ عارفة في الأول غازي خطب مين يا تماضر؟
تماضر: خطب اللي خطبها، أهم حاجة قفل باب الأمل على غالية فيه، وهتفيق لحالها وتبطل شعلقة في حباله الدايبة، وتشوف حالها وتوافق على واحد من خطّابها عاد. عشان كده مهما كانت اللي خطبها هتكون عندي أحسن وحدة في الدنيا.
حكيم بنفس الابتسامة: حتى لو كانت اللي قلب ولدك عيفرفط عليها دلوقتي!
تماضر رفعت إيدها وضربت على صدرها بعد ما شهقت وقالت بصوت عالي: ياااا مرري.. يا صبر سنينك يا حكيم يا ولدي.. مقلتلك بزيادة وأجيبهالك ولا حتى أخطبهالك، قولت لي مش عاوز حد يتكلم على عرضي ويقولوا خد بياعة جبنة وسيرتي تبقى في كل ديوان وهي مش على ذمتي ومقدرش أحمي سيرتها من الكلمة! قلت لك مش كل الأمور ينفع فيها الصبر، قلت لي إني أدرى بمصلحتي. قولي فين مصلحتك يا حكيم فينها!!
حكيم غمض عينيه ومردش على أمه، لأنه دلوقتي بس اللي اتأكد إن كل حججه كانت واهية وأسبابه كانت ضعيفة قصاد خسارته الكبيرة وحبيبته اللي خسرها بسبب تأخيره.
باااااااااااك.
أخيرًا وصل حكيم بجمارة لباب السرايا، بعد ما هاجمته عاصفة من الذكريات عصفت بقلبه وبعثرت كيانه.
نزل من على ضهرها، وادى اللجام لبشندي اللي جري عليه أول ما شافه، وطلب منه إنه يهتم بيها اهتمام خصوصي، نفس الطلب كل يوم من يوم ما جابها، بيطلبه من بشندي، مع إنه عارف ومتأكد إن ده هو اللي بيحصل، لكن زيادة اطمئنان لقلبه بيفكره بده كل يوم، خوفًا من نسيان بشندي أو انشغاله بأمر ينسيه جمرة.
دخل حكيم للسرايا واتنهد وهو شايف غازي لسه قاعد، مراحش المشمل، وحاطط رجل على رجل وبيشرب في كوباية شاي، وأكيد جمارة لسه قاعدة معاه. لكنه قال لنفسه إنه هيطلع طوالي على أوضته يترمى على سريره ويفضل يترجى النوم، يمكن يزور عينه ويريح دماغه من كتر الأفكار.
لكن وقفه على الباب صوت غازي وهو بيتكلم بنبرة استهزاء: أيوه فطرنا يا عيشة، أمال هنستنوكي أنتِ لما تيجي تفطرينا ياك. وبعدين يعني فكرك هستنى فطورك إني ولا إيه؟ هتكوني جايبة إيه فطور يا وش الفقر أنتِ. أكيد جبنة خضرة وبتاو مقدد (عيش مخبوز من الذرة الرفيعة) ومكرمش كيف وشك العفش ده.
جمارة بصوت مخنوق: غازي! إيه اللي بتقوله لأمي ده؟
غازي: بقول الحق يا بت بتاعت الجبنة. ولا هو الحق بقى يزعل اليومين دول؟ وهنا حكيم دخل زي الإعصار وقاطع صوت أمه اللي لسه كانت هتتكلم وصرخ بكل غضب الكون: غاااازززي! إيه اللي بتقوله وتخربطه ده؟ أنت اتهوست ياك! إيه شربت حاجة امبارح ولسه مؤثرة على نفوخك ولا إيه؟
غازي: له يا حبيبي، إني لا شارب ولا غايب، وقاصد كل كلمة وكل حرف قلته. ومش عاوز حد يتدخل بيني وبين مرتي وأم مرتي. أظن ده مفهوم!
قال جملته وواصل شربه للشاي بمنتهى البرود.
بصله حكيم وهز دماغه بقلة حيلة، وعشان ينقذ ماء وجه أم جمارة، اتقدم على صينية الأكل اللي كانت جايباها، بعد ما بص لها وابتسم بحنان: تسلم يدك يا أم جمارة، ريحة المصفط بالسمن البلدي (الفطير المشلتت) شميتها من على بوابة السرايا وجيت جري، ريحته تجيب التايه.
عيشة بابتسامة محرجة: تسلم من كل شر يا ولدي، ربنا يجبر بخاطرك ويعطيك على قد طيب لسانك خير وعافية.
ابتسم حكيم وهو بيقرب من صينية الأكل على السفرة وقعد بعد ما كشف الغطا من عليها، وشمر إيديه وابتدا يقطع في الفطيرة وغمسها في العسل وحطها في بوقه وابتسم وهز دماغه برضى: إيه الجمال ده يا أم جمارة؟ أول نوبة آكل فطير بالطعامة دي، يشهد ربنا. دوّقي يمه كده.. تعالي يا غالية دوّقي فطير خالتك عيشة، ده حلو قوي.
لكن غالية مردتش وفضلت قاعدة في مكانها، وبتتفرج على اللي بيحصل قدامها زي ما يكون مسرحية، متعرفش هتخلص متى.
مد إيده بلقمة لأمه، حطها في بقها، وتماضر مضغتها وقالت لعيشة: صح، طعمه حلو قوي يا عيشة، لو أعرف إنك شاطرة في الفطير كده كنت كل يوم والتاني اخليكي تعملي لي. اتعلمتي عمايله متى؟ كنتي خايبة زمان هههه. أنتِ مخبرانيش يا مضروبة إني بحب الفطير ياك!
رفع حكيم عينيه بنظرة عابرة لأم جمارة بيراقب رد فعلها، ونزلهم تاني، لكنه رجع التفت بسرعة لما شاف جمارة اللي واقفة جنبها وماسكة إيدها، بتبص له ومبتسمة، وعينيها مرغرغة بالدموع، وبتنقل عينيها بين حكيم وغازي اللي قاعد بيشرب في الشاي على الكرسي ومبتسم باستهزاء، وباصص لحكيم، اللي لو جات للحق والإنصاف، كان المفروض هو اللي قاعد مكانه دلوقتي وبيشكر في أكل حماته مهما كان قليل ومهما كان طعمه، من باب الأصول والذوق.
ومن هنا كانت أول مقارنة بين حكيم وغازي عملتها جمارة، واتصدمت من الفرق.
حكيم اختفت ابتسامته وهو باصص لجمارة، واتوجه لها بالكلام بتعب، بعد ما قلبه وجعه على الإحساس الصعب اللي خلاها تحس بيه غازي بكلامه اللي زي السم في أول يوم ليها معاه، واللي لو بيده كان قلع لسانه قبل ما ينطق بيه كلمة واحدة تجرح جمارته وجمرة قلبه.
خدي أمك وادخلوا في أوضة أمي، واتحدتوا مع بعض لحالكم، أكيد اتوحشتوا بعض من امبارح ولجاي، أصلكم ما اتعودتوش تسيبوا بعض واصل.
بصت له جمارة باستغراب، لأن كلامه حقيقي، هي وأمها مش بيسيبوا بعض واصل. وسألت نفسها ياترى عرف منين حاجة زي دي، وفسرت ده بأن أكيد غازي هو اللي قاله معلومة زي دي. طبعاً أكيد ده السبب، أمال يعني هيكون عرف منين!
بعدها أخدت أمها للأوضة اللي شاور لها عليها حكيم، لكن عيشة قبل ما تمشي معاها، مالت على غازي وقالت له بصوت رزين مصحوب بابتسامة هادية: مبروك وصباحية مباركة يا جوز بتي، وحقك علي لو كنت جبت حاجة مش قد مقامك، اعتبرني جيت فاضية أبارك وأمشي، بس قبل ما أمشي عايزة أقولك حاجة في نفسي: ((من لانت كلمته وجبت محبته يا ولدي)). اتعلم من ولد عمك الشيخ حكيم واعرف جبر الخواطر.
غازي بمجرد ما سمع آخر جملة عيشة قالتها ومقارنتها ليه بحكيم، انتفض من مكانه ووقف على حيله وزعق فيها بصوته كله: أنتِ جاية تعلميني أتكلم كيف يا ولية أنتِ ولا إيه؟ مبقاش غير بياعة الجبنة اللي تعلم غازي الحديث عاد. والله عال يا ولاد والله. غوروا مع بتك من قصاد عيني بدل ما أجرم فيكي عالصبح. خدى أمك يا تِغبارة وغوري من قدام وشي. وجبت محبته قال. ومين مستني محبتك أنتِ يا ست عيشة!!!
حكيم بمجرد ما سمع كلام غازي، قام وقف وكان هيهاجم عليه لولا أمه مسكت إيده، وبصلها لقاها بتبص له بتوسل. مد إيده فرك وشه بقلة صبر، وراح على عيشة أم جمارة، وقف قدامها وبحنية باس دماغها وهمسلها: امسحيها فيا إني دي، وأوعدك مهتتكررش، بس مقدرشي أتكلم دلوقتي ويطلع حسنا في يوم صباحيته، إلا الناس تقعد تألف حكي على مزاجها، ومفيش غير سمعة بتك هي اللي هتتأثر. روحي مع بتك دلوقتي، وإني ليا كلام تاني مع البو ده.
ابتسمت عيشة وبصت لحكيم بنظرة امتنان وهمست بصوت واطي: كان هيحصل إيه لو كان الميزان اتعدل وكفة الحظ مالت لصالحي شوية، وكان غازي طلع زيك، ولا كنت أنت مطرح غازي!
اتنهد حكيم ورد بنفس الهمس: كله والنصيب يا أم جمارة، جمارة اتكتبت لغازي من يوم ما اتولدت، ومحدش في الكون هيقدر يغير المكتوب.
اتنهدت عيشة هي كمان، ومسكت إيد بنتها ودخلت الأوضة، وقفتلت الباب، وبمجرد ما ده حصل، جمارة اترمت في حضن أمها تبكي بقهر على كل اللي حصل معاها من امبارح لحد دلوقتي. وأمها عيشة فضلت تمسد على ضهرها بحنان من غير ما تتكلم، وباصة لبعيد وبتفكر ياترى إيه اللي مستني بتها على إيد غازي، إن كانت البداية كده. وندمت ندم عمرها على كل لحظة فرحت فيها بجوازة بتها من غازي، اللي كانت فاكرة إنها هتفتح لبتها طاقة القدر وتريحها من تعبها وكدها على لقمة العيش.
جمارة من بين دموعها: ليه كل ما كنت أجي أتكلم وأرد عليه تمنعيني وتشاوريلي أسكت؟ عاجبك الإهانة والذل والكسفة اللي كسفتها لي إني وأنتِ دي؟ ليه تكتفيني بوعد خلتيني أوعدهولك، وأنتِ عارفة زين إنه هيحط من كرامتي وعزة نفسي؟ ليه يا أمه؟
عيشة: عشان عارفة لسانك متبري منك، ومهتسكتيش وتردي الكلمة بكلمتها وتجادلي، والراجل ميحبش كده. بالك أنتِ لو عملتي كده، هيقول إنك رباية عزبة، وإن عيشة بتاعت الجبنة معرفتش تربي وتأدب. إني عاوزة كل اللي يجالسك يدعي للي رباكي يا بنيتي. ومش في كل الأوقات الكلام بيجيب الحق. أوقات كتير الكلام بيجيب الإهانة والذل لصاحبه أكتر.
أما عند حكيم، فقعد هو كمان ساكت، وساب أمه المرة دي هي اللي تتولى أمر الرد على غازي وعتابه، واكتفى بالقعاد على كرسي السفرة وهو بيبص لغازي بنظرات نارية.
غازي فضل ساكت هو كمان، وبيسمع كلام مرات عمه تماضر، والغريبة إنه مبتسم وباصص لحكيم ومنتشي بسعادة غريبة، ولا كأن الكلام معاه أو عليه.
سكتت تماضر بعد ما يأست إن غازي سمعها أصلاً، وهو بعد ما شافها سكتت، قام واتحرك ناحية حكيم وميل عليه وهمس جنب ودنه: بطلت تاكل مصفط ليه يا ولد عمي؟ بطل يعجبك ولا نفسك اتسدت؟ ولا مشت عيشة وبطل الصبغ والدهلسة والمحلسة؟ كل يا ولد عمي واشبع، كل الصنية كلها، المصفط ده هو كل اللي هتقدر تطوله. مع إنها من حقي إني بس، إني هسيبهالك. إني كفاية عليا الجمااار.
قال جملته ورفع نفسه وابتسم وطبطب على كتف غازي بود كداب، ومشى من قدام حكيم، اللي غمض عينيه بألم، كأن جملة غازي خنجر اتغرز في نص قلبه.
رواية جمارة (بين العشق والقسوة الفصل الرابع 4 - بقلم ريناد يوسف
بعد كلام غازي، حكيم ساب السرايا وراح على المندرة.
أمه بصت له وهمست لنفسها بعد ما خرج: "لسه على أبواب العذاب يا حكيم يا ولدي، خايفة عليك من اللي جاي."
وبصت لغالية اللي كانت قاعدة وسرحانة، وكملت بنفس الهمس: "والله ما تستاهلوا لا أنتي ولا أخوكي اللي غازي هيعمل فيكم ده يا عيالي. لكن الحق عليا إني اللي مرضيتش أسيبه للشوارع وربيته وسطكم، وعملت حالي بعمل صالح وأخدت ثواب تربية اليتيم، ومسمعتش كلام الناس اللي قالوا لي الحنش ما يخلفش غير حنش زيه."
حكيم دخل المندرة ورزع نفسه على أول دكة قابلته، وخلع عمامته البيضة ورماها تحت رجليه بقهر وهو بيكلم نفسه: "عمامة مشيخة البلد دي هي أكبر سبب في اللي أنا فيه دلوقتي. مالي لو حالي كان حال أي حد؟ مالي لو كنت بعدت وبقيت في حالي وسبت المشيخة لغيري؟ كنت ولا عملت حساب لكلام الناس ولا قالوا وقلنا، ولا كنت قدوة، وكان زماني مع بت روحي دلوقتي."
قطع كلامه إيد بشندي لما اتحطت على كتفه بحنان وطبطبت عليه. وبعدها، وطى وشال العمامة من الأرض، نفضها، واتكلم وهو باصصلها: "تعرف لو المرحوم أبوك كان قاعد وسمعك بتقول كده بعد الفرحة اللي فرحها بيك وهو شايف أهل البلد كلهم مجموعين على رأي واحد، وهو إنك أنت اللي تمسك المشيخة بعد أبوك، وخلى الصهج يطلع من ودان غازي اللي اتنطط سنين عشان يبقى هو الشيخ ومحدش رضيله، كان زمانه فضحك."
حكيم: "تعبان يا بشندي."
بشندي: "الدنيا دار تعب يا ولدي، محدش يرتاح. اللي خد نصيبه من التعب فرحته مستنياه، واللي فرحان ومرتاح لسه نصيبه من التعب مدسوسله ومتحوشله. ربك عادل ورحيم بالقلوب، لا عديم التعب ولا عديم الراحة. بيقلب بني آدم في كل جهة عشان يحمد ويشكر."
حكيم اتنهد: "اديني البندر هات لي سرير ومرتبة زينة وحطهملي في آخر زاوية في المندرة. واعمل حسابك وبوزي في بوزي من هنا ورايح."
بشندي: "هتترك سرايتك ولا إيه؟"
حكيم: "لحد ما عقلي وقلبي ياخدوا على الوضع الجديد."
بشندي اتنفس بعمق وهو شايف حكيم حبيبه وصاحبه ورباية إيده اتجخى على الدكة بتعب وغمض عينيه ووشه باين عليه هموم الدنيا. سدله الشبابيك وضلم المندرة وجاب لحكيم غطا من حداه وغطاه، وطلع وسد باب المندرة، وراح على البندر عشان يجيب السرير اللي أمر بيه حكيم.
مرت الساعات، وتماضر مستنية حكيم يعاود للسرايا. وعدت عليها ساعات، وغازي جه خد جماره على المشتمل بعد ما أمها مشت. وعدى اليوم كله وحكيم ما رجعش لا على غدا ولا حتى على عشا. وفي الآخر بشندي جه وأخده عشا وغطا ومخدة، وتماضر عرفت إنه حكيم فضل البعاد عن حرقة الدم.
***
أما في المشتمل عند غازي.
جماره رجعت معاه من السرايا بعد ما ودعت أمها عيشة بدموع حسرة وقهر على اللي عمله معاها غازي، والكسفة اللي كسفها لها قدام الكل. وبالرغم من ده كله، إلا إن أمها عيشة هي اللي صبرتها وفضلت تهدّي فيها وتنصحها تتحمل جوزها، وكل اللي يطلع من خشمه تعديه، لأنه هو دلوقتي كل حاجة ليها، ولازم تتطبع بطبعه.
غازي: "هتقعدي متنحة قدام المراية كده كتير؟ مش هتيجي تتجردي جاري وتحسسيني إني عريس ولا إيه؟"
قامت جماره من مكانها وراحت ناحية السرير، ووقفت قصاد غازي، وحطت عينها في عينه وسألته بغضب مكبوت: "انت ليه بتعمل معايا ومع أمي كده؟ كأنك مكنتش رايدني وحد غصبك على جوازك مني؟"
بمجرد ما خلصت كلامها، انطلقت من غازي ضحكة رنانة بكل صوته، خلت جماره رفعت حاجبها مستغربة وهي باصاله ومستنية يسكت. وهو كل ما يبطل ضحك يرجع يتفتح في الضحك من تاني. وفي الآخر مسح عينيه بكف إيده وبصلها ولسه مبتسم ورد عليها بتهكم: "تصدقي إنك عندك عقل وطلعتي بتفهمي يا مضروبة؟ عرفتي إزاي يا به إن حد غصبني أتزوجك؟ طب هقولك الصراحة عشان أريح فضولك. إني اتزوجتك وأني مكنتش عايزك، عارفة ليه؟ عشان في يوم سلفت أمك عشرة جنيه وماكنش معاها ترجعهم لي، راحت قالت لي: يا تاخد بيهم قالبين جبنة، يا تاخد جماره بتي. وأنا ما أحبش الجبنة، فقلت لها خلاص هاخد جماره وأمري لله. يعني أنا واخدك مخلصان حق يا به. يعني انتي متسويش غير حق قالبين جبنة."
وبحركة سريعة مسك إيدها وشدها، وقعها عليه وهمسلها في ودنها بنبرة خلت جسمها قشعر: "بس الصراحة طلعتي أحلى قالب جبنة شفته في حياتي. تسلم الجاموسة اللي خلفتك."
جماره بصتله، وقبل ما تعترض على كلامه، سجن كلامها بين شفايفها بطريقته، وطمس اعتراضها على كل اللي بدر منه في حقها طول النهار، وأكد لها إن الاعتراض على حاجة يعملها أو يقولها مش خيار متاح ليها.
***
مرت الأيام، وعدى شهر والتاني، وحكيم هاجر السرايا ومعتكف أكل ونوم وقعدة في المندرة. ما يهملهاش غير بعد ما يتأكد إن غازي وجماره سابوا السرايا وراحوا المشتمل. بعدها يدخل السرايا ويروح لأوضة أمه، يبوس إيدها ودماغها وينام على حجرها شوية، يحكيلها فيهم كل اللي حصل معاه في يومه، وكل حكم حكمه على حد في فصل، ويسألها لو كان حكمه عدل ولا ظلم. وهي ترد عليه إن الحكم الظالم محدش يرضى بيه.
أما غالية فهي كمان طول الوقت في أوضتها، ما تطلعش منها غير لما أمها تنادي عليها عشان تقعد جارها شوية. وبمجرد ما تطلع وتقعد وتشوف جماره قاعدة معاهم، وتتطلعلها وتشوف جماره قد إيه شايلة حسن، ولما تقارن حالها بجماره تلاقي نفسها جارها متسواش حاجة، ما تتحملش وترجع تقعد في أوضتها مرة تانية.
أما جماره، فا كل يوم لازم تطلع من المشتمل على السرايا مع غازي، تقف على دماغه وهو بيفطر، ومتقعدش غير بعد ما يخلص. ويطلع ويرجع لها آخر الليل مبسوط وبيغني، ياخد منها اللي عايزه ويديها ضهره وينام. وده هو روتين يومها من يوم ما اتجوزت غازي. صح هو دايماً لسانه معاها زفر وبيشتمها بأقذر الألفاظ بسبب ومن غير سبب، لكنه لما بييجي ياخد حقه منها، ما بيتعاملش معاها غير بكل هدوء، وساعتها مش بتشوف في عينيه غير كل إعجاب وانبهار ولهفة، بتنتهي بمجرد ما يبعد عنها.
إحساس قاتل بالوحدة وسط ناس متعرفهاش، وزوج مهمل، وخوف من غالية اللي كل ما ترفع عينيها عليها وهي قاعدة معاها تلاقيها بصالها بكره وحقد، متعرفش سببه ولا فاهمه هي عملت إيه عشانه. واللي مزود إحساسها بالوحشة انقطاع أمها عيشة عنها، ومنع غازي ليها من إنها تروح تزورها. وحجته إنه بيسأل عليها وهي كويسة، وإنها مينفعش تفضل رايحة جاية على السرايا قدام الأكابر والأعيان عشان محدش يقول له كلمة عنها تفور دمه ولا يعايره بيها.
كتير سألته هو ليه اتجوزها مدام بيستعر من أمها وكارهها وكاره أمها بالطريقة دي! وكان دايماً جوابه إنه اتجوزها مخلصان حق. جماره كانت بتفتكر إنه بيقولها تريقة، لكنها متعرفش إنه فعلاً متجوزها مخلصان حق، ودي الحقيقة. بس بيخلص بيها حقه من حكيم مش من أي حد تاني.
الحاجة الوحيدة اللي كانت مصبراها على الوحدة والوقت هي تماضر أم حكيم، اللي كانت بتعاملها بكل حنان ومحبة. ودايماً لما تبصلها تشوف في عينيها نظرة حسرة مخلوطة بعطف. جماره برضه مش قادرة تفهم سببها. كل اللي قادرة تفهمه إنها بجوازها من غازي، جات لسجن كبير حيطانه من مرمر وبيبانه من دهب وفضة. صح الأكل حلو والمطرح أحلى وبراح، بس مفيش حاجة تضاهي حلاوة حضن أمها ولمة الحبايب والجيران كل عشية في بيتهم يتسامروا ويضحكوا، وكل واحدة تشتكي للتانية همها وتشاركها فرحتها.
أما غازي، فبابتعاد حكيم من السرايا، مبقاش قادر يعمل اللي كان في باله يعمله، ولا عارف يكيد حكيم بجماره ويحسر قلبه عليها. وكذا مرة يروح له عشان يرجعه السرايا بحجة إن مرت عمه تعبانة من الوضع. ولما ملقاش من حكيم إلا الرفض، بطل من المحاولات واكتفى بأنه يهين جماره ليل نهار قدام الكل، قاصد إن حد منهم يوصله اللي بيعمله في جماره ويحرق قلبه عليها أكتر ما هو متأكد إنه محروق.
لكن الوضع ده تماضر قررت إنه مش هينفع يستمر، وهي شايفة حكيم رجله بطلت تدوس السرايا بالنهار، وغازي عمال يصول ويجول ومفيش غير حسه بيجلجل في ودانها، وحس ولدها الحنين اتقطع من السرايا، ولو دخلها بيدخلها في نص الليالي كيف الحرامية.
جالها زي كل ليلة، وأول ما راح عليها يبوس دماغها، بعدت عنه ورفضت إنه يقرب لها.
حكيم: "وه! زعلانة مني يا أمي؟ عملت إيه يخليكي تصدي مني كده يا لبّة القلب؟"
تماضر: "عملت اللي محدش يعمل يا واد بطني وسندي وعزوتي. هملتني وهملت سرايتك وهجرت مطرحك. خليتني أحس إن المطرح كله ضاق في عيني وطابق على نفسي من غيرك حسك وريحتك وطلتك اللي بتشرح قلب أمك."
حكيم: "غصب عني يا أم حكيم، وأنتي خابرة ده زين."
تماضر: "له مخابراشي، ومفيش راجل بيحكمه قلبه ويشتته كيف ما عمل فيك كده ويخليه يهجر مخدعه وناسه. عاود يا حكيم واملا سرايتك بحسك وهيبتك، ومتديش فرصة لغيرك ياخد مكانك. وحط قبال عينك دايماً إن المطرح اللي بيحرسه أسد، ما تنتططش فيه القرود."
حكيم هز دماغه بتفهم وفرك وشه بإيده: "حاضر يا أمي هرجع، بس مش دلوقتي. اديني وقت أتقبل الوضع."
تماضر: "مفيش وقت تاني. خدت وقتك وبزيادة. اطلع من السرايا الليلة وهيصاحبك غضب قلبي وربي ليوم الدين."
حكيم بصوت غضبان: "يمممممه! ليه يممممه؟ حرام عليكي، بتعصري على قلبي وروحي بكلامك ده!"
تماضر: "المفروض أنت من حالك كنت عصّرت على قلبك وحطيته تحت رجلك يا شيخ البلد وكبيرها، مش تستنى أمك اللي تعمل كده. ودلوقتي قوم اطلع على أوضتك ونام في فرشتك، خليت غالية تنضفها وتهويها النهارده عشان تبيت فيها."
حكيم: "له، ومتأكد إني هبيت!"
تماضر: "جبّارة يا أم حكيم وقوية، والله. لو اتأكدت إن اللي جواه هيخليك تأذي حالك."
حكيم: "قوم يلا فز من قدامي على أوضتك."
حكيم بضحكة: "وه! تعالوا يا أهل البلد شوفوا شيخكم اللي لما يتحدّت تسكتوا كيف التماثيل، أمه بتزعق فيه كيف العيل الصغير وبتتقوله فز من قدامي!"
تماضر بصتله بطرف عينها: "تشيخ وتتمشيخ على الخلق كلها، لكن علي أنا لا. قدامي توب المشيخة يتخلع ويقعد قدامي حكيم ولدي كيف ما ولدته، لا بمشيخته ولا بجاهه."
حكيم بضحكة: "واهون عليكي أخلع وأقعد عريان كده في عز السقعة دي؟ متخافيش، ياخدني الهوا لما أقف قدامك بلبوص!"
تماضر قاومت ابتسامتها وبصت بعيد عنه، لكن ابتسامتها اتحررت لما حكيم قرب منها مرة واحدة ومسك إيدها وفضل يبوس في إيدها وراسها وخدها بوسات سريعة وهو بيتكلم: "إني... تبعدي... عني... وتخليني... أحبك... طب أهه... أهه... أهه... أهه."
تماضر بتبعد فيه وبتمثل الزعل: "ابعد يا واد يا بكاش أنت. عامل حالك بتحبني وأنت ليك شهرين تاركني وهاجرني وهاجر قعدتي."
حكيم: "يبووي على نكران القطط! أمّال مين يا تماضر اللي كل عشية ييجي ينام في حجرك ويقولك كل اللي حصل معاه، واللي بيعمله، واللي ناوي يعمله؟ تصدقي أنتِ لو مراتي وقولتلي الكلمة دي كنت بعتّك على بيت ناسك طوالي. له وتقولي هاجرني قال؟ هاجرك إيه يا ولية!"
تماضر ضحكت وفردت إيديها وأخدت حكيم في حضنها وطبطبت على ضهره وحبت دماغه وهمست في ودنه: "ربنا يسعد قلبك الحنين ويرزقك بفرحة تنسيك كل تعب تعبته في عمرك."
حكيم باس إيدها وغمض عينيه ورجع فتحهم وقام بعد ما ساعد أمه تنام وغطاها وباس جبينها وطفى النور وطلع وقفل الباب وهو سامعها بتدعيله دعواتها المعتادة اللي لا بتتعب منها ولا بتمل.
خرج حكيم وطلع أوضته واتمدد على السرير، ولأول مرة ميبقاش مرتاح وميعرفش ينام في أكتر مكان كان بيرتاح فيه. قام وراح وقف في الشباك بتاع أوضته وربع إيديه وفضل باصص على الجنينة بتاعت السرايا، وفكره مشغول ببكرة واللي هيحصل فيه لما يقعد معاها في مطرح واحد وميفصلش بينهم غير أمتار أو أقل، وريحتها تتغلغل في روحه، ومع ذلك ما يقدرش يبصلها ولا له حق حتى يتكلم معاها، وهو عارف إن غازي متأكد إنه قلبه كان هاويها. حتى لو كان غازي ندل، هو مش ممكن يكون زيه، لا أخلاقه ولا دينه. يعني بتعبير أدق، الجنة هتكون قصاد عينيه وهو قاعد في النار وجنته ساكنها إبليس.
أثناء تفكيره، اتفاجأ بباب المشتمل بيتفتح بشويش، وبعدها خرجت منه جماره وقعدت على نص برميل قديم كان قدام المشتمل، وهي لافة إيديها الاتنين على نفسها من البرد، وانعكاس نور بسيط كان متسلط عليها وكفيل إنه يبين لحكيم إن ملامحها ملامح واحدة مخنوقة، ضاق بيها المكان وخرجت تستجدى نسمة هوا تطيب روحها زيه.
تنهد وسند دماغه على الشباك وسمح لنفسه إنه يراقبها ويطبع صورتها في عينيه، ويتشارك معاها لأول مرة في حاجة، حتى لو كانت الحاجة دي خنقة وضيق وهم. طولت في قعدتها والجو ابتدى يسقع أكتر، وحكيم طول ما هو باصصلها بيتحسر على جماره واللي بيتعمل فيها من غازي، ومخليها تسيب له الفرشة والأوضة والمشتمل كله وتهج في عز السقعه لحالها.
بص للساعة وشاف إن الفجر خلاص هيبدأ قرآنه، وهي لسه قاعدة على قعدتها ومش هاممها البرد، لكن قلبه قرص عليها وصعب عليه تفضل في الجو ده، وخصوصاً إن الهوا الساقع ابتدى يتسلل لصدره هو كمان، مع إنه محتمي بحيطان مش بيسفح فيه الهوا من كل اتجاه زيها.
فكر إزاي يخليها تدخل. يزعق والكل يسمع؟ ولا ينزل يروحلها ويخاطر ولو حد شافه واقف معاها تتجرس؟ بعد تفكير، لجأ لحل ونفذه، وجمع من الأوضة حاجات صغيرة وابتدا يرمي فيها قريب من جماره.
أول مرة جماره فاقت من سرحانها والتفتت، بس ما أدتش أي ردة فعل. ومع تاني ضربة، جماره قامت تتلفت حواليها بخوف، ومع تالت ضربة جريت دخلت المشتمل بسرعة وقفلت الباب.
حكيم ضحك عليها بخفة: "ههههههه، طلعت خوافة." وأخد نفس عميق، وبعدها قفل الشباك وراح اتمدد على سريره وغمض عينيه على صورتها، متمني وبيقول لنفسه إنه لو بيده يفضل طول العمر واقف قصادها وباصصلها كده، وما يخليش جفنه يرف لحظة وصورتها تتقطع من عينيه.
***
تاني يوم الصبح جماره وغازي حضروا للسرايا. وكالعادة غازي فطر وقام عشان يمشي، وهو بيعدل في العمامة بتاعته. لكنه وقف مكانه مبتسم وهو شايف حكيم بينزل على السلم بكامل هيبته ووقاره، والعباية على كتفه، وريحة عطره سابقاه، وماسك سبحته الدهب في إيده، ونازل بكل رزانه.
غازي همس لنفسه: "والله كان قلبي حاسس إن اليوم ده هيحصل فيه حاجة تفرحني." بص لحكيم واتكلم بفرحة واضحة: "صباح الخير يا ولد عمي. حمد الله على السلامة، نورت بيتك ومطرحك. بس إشمعنى رجعت يعني؟ دانت الشعر طلع لساني ياراجل عشان تعود ومكنتش راضي؟"
حكيم: "بمزاجي يا غازي. أروح أعود بمزاجي. وبطل رطح على الصبح عشان رطحك ده كان أكبر سبب في طفشاني من السرايا. روح لحالك وخليني أفطر بسكات. مش كنت طالع برضه ولا أنا غلطان؟"
غازي: "له، ده كان قبل ما أشوفك وأعرف إنك هنا. هأجل الطلعة لما نطلعوا مع بعض. أفطر ونشرب الشاي سوا ونطلعوا عشان عاوز أشاورك في حاجة كده."
قعد حكيم على السفرة وهو بيهز دماغه بضيق من غازي، واتكلم بصوت عالي: "الفطور يازبيدة."
زبيدة ردت عليه من المطبخ: "حالا يا سي البيه، دقايق ويكون جاهز."
غازي شاف عيون حكيم على سبحته، ما رفعهاش، واتكلم بنبرة أعلى من نبرة حكيم: "جمااااره... خشّي هاتي الفطور لحكيم، ومن اليوم ورايح أنتِ اللي تجهزيله الفطور بنفسك وتقفي فوق راسه زي ما بتعملي معايا لحد ما يخلص، وكله متقعديش. حكيم في مقام أخوكي دلوقتي."
جماره أخدت الأمر ودخلت المطبخ. وحكيم رفع عينيه على غازي اللي قاعد قصاده وساند دقنه على إيده، وفي عينيه نظرة بتقوله: "عذابك بقى في إيدي."
حكيم جلى صوته واتكلم بنبرة واطية: "ملوش لزوم يا غازي، إني متعود أفطر من يد زبيدة وما بغيرش عادتي."
غازي: "جرب بس تفطر من يد جمارتي، وانت هتشوف الفرق وتغير عادتك وتنساها كماني." قالها وضحك ضحكة سمجة، مقطعهاش غير صوت تماضر وهي طالعة من أوضتها بتزق الكرسي بتاعها بإيديها: "توها السرايا اللي رجعت نورت برجوع قناديلها وشمعتها من تاني. يا دي النهار النادي."
حكيم ابتسم وقام راح على أمه، باس دماغها ومسك إيدين الكرسي وقربه على السفرة: "مش هتقولي ما عدتيش تصحي بدري وتصلي الفجر وتنامي تاني؟"
غازي: "ليها حق، هتعمل إيه يعني مادامك بتأجلها كل يوم بعد نص الليل وتقعد تودود معاها وتسهرها، وأنت خابر زين إن مرت عمي ما بتسهرش."
حكيم: "ده أنت مراقبني عاد!"
غازي: "وأنا عندي أغلى منك أحطه قبال عيني ليل نهار وأعرفه بيروح فين وبييجي من فين وبيعمل إيه."
حكيم: "فيك بركة والله يا ولد عمي." وبص لأمه وانشغل في الكلام معاها أثناء ما كانت جماره بتحط الأكل على السفرة، وبعد ما خلصت فضلت واقفة.
حكيم اتكلم من غير ما يبصلها: "اقعدي."
جماره مردتش عليه، لكنه كرر كلمته بأعلى نبرة صوت عنده: "قووولت اقعددددي."
جماره انتفضت وجريت قعدت على الكرسي اللي جنب أم حكيم، وتماضر مسكت إيدها تطمنها وبصت لحكيم عشان يتحكم في أعصابه. وحكيم كمل كلامه لكن بنبرة أهدى: "ما أحبش حد يقعد واقف على راسي وأنا قاعد. دي حركة استعباد إني ما أحبهاش تحصل معايا."
غازي وصل لأعلى مراحل الغيظ بعد ما حكيم قدر يبعد جماره عنه وهرب من عذاب قربها منه، والأكثر من كده إنه أمرها تقعد وهي نفذت وكسرت كلمة غازي.
فطر حكيم وخلص، وجماره قامت تعمل شاي وجابته ووقفت قدام حكيم. وغازي اللي قعد جنبه على الكنبة، وحكيم مد إيده خد كباية شايه من غير ما يرفع عينه. وغازي بصله وبص لجماره، ومرة واحدة مسك كباية الشاي أخد منها شفطة وحدف بيها جماره. جات على صدرها وصرخت بكل صوتها وهي بتحاول تبعد الهدوم عن جسمها. وحكيم انتفض واقف أول ما شاف المنظر، والشياطين كلها اتجمعت قدام عينيه وهو شايف جماره بتفرفر من الحرق قصاد عينيه، وغازي باصصلها ومبتسم بتشفّي بعد ما نطق كلمة واحدة: "شايك مااااسخ."
رواية جمارة (بين العشق والقسوة الفصل الخامس 5 - بقلم ريناد يوسف
حكيم بص لغازي بغضب، ومرة واحدة مسكه من هدومه وقومه. يد فضلت ماسكة هدومه بعد ما رمى كوباية الشاي اللي كان ماسكها على الأرض. ضم إيده ورفعها وكان هينزل بيها على وش غازي لولا صرخة أمه وقفته.
"له يا حكيم، أوعاك يا ولدي، متركبش روحك الغلط."
حكيم اتنفس بغضب ونزل إيده اللي كان هيضربه بيها، لكنه فضل ماسك غازي من هدومه. وغازي قدام عاصفة غضب حكيم ما كانش منه غير إنه فضل يبلع ريقه بخوف وانتظار لبطش حكيم، اللي نجح إنه قدر يوصله لأقصى درجات الغضب بعَملته دي.
حكيم بص في عيون غازي جامد بعيون حمرة زي عين غول واتكلم من بين سنانه:
"متخافش، ما مدتش إيدي عليك. عارف ليه؟ عشان اللي يمد إيده على مرة ويستقوى عليها ميوبقاش راجل. وإني ممدش إيدي إلا على راجل زيي."
نهى جملته ورمى غازي على الكنبة. بص لأمه بصة أخيرة بمعنى "إنتي السبب في كل اللي بيحصل ده. إنتي السبب في أذية جمارة وأذيته اللي أكبر من أذيتها."
قبل ما يطلع من السرايا بروحه المحروقة كيف حرق جمارة، بص عليها بصة أخيرة. وفي الوقت ده غالية كانت نزلت من فوق وشافت الموقف. وبرغم كل حاجة جريت أخدت جمارة وراحت بيها ناحية الحمام. فتحت الحنفية وفضلت ترش ميه على صدر جمارة. وبرغم كرهها ليها إلا إنها اتأثرت من منظرها اللي يقطع القلب ودموعها اللي مش متوقفة. وبرغم الألم كاتمة صوت بكاها.
طلع من السرايا جري، نفسه يهرب من كل حاجة بتحصل حواليه. راح الأسطبل، لف لثامه وركب جمرة وطلع بيها. ساب لها اللجام ونكزها برجله وهي فهمته وطارت بيه تسابق الريح. وهو غمض عينيه وسابلها مهمة الهروب. لكنه طول ما مغمض عينيه شايف منظر جمارة وهي بتفرفط من الشاي. وفضل يلوم نفسه عشان هو السبب في كل اللي بيحصلها ده، وبتحاسب على فاتورة كره غازي ليه.
فتح عينيه واكتشف إن جمرة جابته لشارع عذابه. اتنهد بقلة حيلة وهو بيحاول يهرب منها، وكل حاجة بترجعه ليها ولذكرياته معاها.
وقف بجمرة قصاد بياعة التوت اللي فرحت بشوفته وقامت من مطرحها وراحت عليه بلهفة:
"بطلت تاخد توت ليه يا ولدي؟ معدش يعجبك التوت بتاعي ولا لقيت حد غيري تشتري منه؟"
حكيم اتكلم والتكشيرة لسه على ملامحه:
"اديني كل التوت اللي حداكي."
بياعة التوت رجعت وابتدت تحط التوت في علبة بلاستيك وعينها على حكيم واتكلمت بحذر:
"فيش حاجة تستاهل كل الزعل ديه يا ولدي. ارمي حمولك عالله وقول يا رب."
حكيم مردش عليها لكنه ردد في سره: "يارب.. يارب.. يااارب."
مد إيده، أخد منها التوت واداها الفلوس ولف عشان يمشي. لكنه وقف وبصلها وكلمها بنبرة أمر:
"عارفة طريق سراية الشيخ حكيم؟"
بياعة التوت: "ومين ميعرفهاش!"
حكيم: "قلت صباح تاخدي كل التوت اللي معاكي وتروحي بيه أهناك. تسألي على واحد اسميه بشندي تديه التوت وهو هيديكي حقه."
الست بفرحة: "أمرك ياسى البيه. من عنيا التنين. ربنا يريح قلبك زي ما هتريحني من القعدة ووجع القلب والضهر والمناهده."
حكيم هز لها دماغه بحركة بسيطة واتحرك عشان يرجع. لكنه شاف عيشة أم جمارة شايلة طبق الجبنة وماشية سرحانة وعدت من جنبه معرفتهوش.
حكيم: "أم جمارة... أم جمارة... خالة عيشة."
عيشة انتبهت واتلفتت حواليها واتفاجأت لما عرفت إن حكيم هو اللي بيكلمها أول ما بعد اللثام عن وشه.
عيشة: "صباح الخير يا ولدي. معرفتكش سامحني. كيفك وكيف أمك. وكيف جمارة على حسكم."
حكيم: "عتسألي على بتك كيف الغريب ليه يا خالة؟ فيه واحدة تقعد شهور متزور بتها ولا تطمن عليها؟"
عيشة: "معلش، حكم القوي يا ولدي، منتا خابر. معايزاشي مشاكل ولا عايزة أجيب الحديث لبتي. وعلى العموم، إني مطمنة عليها في حمياتك وحماية الحجة وعارفة زين إنها مهتنضامش وسيكم."
حكيم اتنهد ورد عليها بصوت تعبان:
"بس هي محتاجاكي جنبها. والمفروض متاَبعِيش حد وتبَعدي عن بتك. على رأي اللي قال: ادخل بيت عدوي لو هيقتلني مادام ليا فيه حبيب."
عيشة: "القول مفيش أكتر منه يا ولدي، بس وقت الفعل الناس عتتربط بحبال العجز."
حكيم: "مفيش ربط ولا حبال. ومن هنا ورايح، قلت يوم ألقاكي في السرايا حدا بتك تطمني عليها وتشوفي ناقصها إيه وتقوليلي عليه."
عيشة: "بس ياسى حكيم..."
حكيم: "مبسش. خدي علبة التوت دي وديهالها. والجبنة اللي معاكي دي حودي على بيتك سبيها، وأني هديكي حقها. ومن هنا ورايح، أني هديكي كده اللي عتكسبيه مرتين بس تسيبك من بيع الجبنة وتستني لبتك. ويلا امشي قصادي عشان تروحي الجبنة وبعدها أوصلك لحدت السرايا."
وبالفعل عيشة سمعت كلام حكيم وراحت معاه. برغم إنها عارفة إن غازي مش هيعديها، لكنها لقتها فرصة تتطمن على بتها جمارة اللي قلبها زي النار عليها وملقياش على شوفتها بصارة.
وصلوا السرايا وعلى أبوابها لقوا غازي واقف مع اتنين رجالة. وأول ما شاف عيشة جايه مع حكيم وشه انضرب بالغضب. وحكيم أول ما وصل قصاده نادى على بشندي اللي جاله جرى من قدام باب المندرة ووقف قباله ملبي.
"أؤمرني يا حكيم بيه."
حكيم اتكلم بنبرة تحدي وهو باصص لغازي:
"دخل أم جمارة السرايا يا بشندي، وقول لأم حكيم، خالة عيشة ضيفة حكيم النهارده. وخلي حد يقصر معاها وعاوز حد يفتح خشمه. وقولها كماني إنها كل يوم هتيجي السرايا وتقضي طول النهار كماني. والكلام دي عاوز كلمة تتقال بعديه."
خلص كلامه ولف عشان يروح الأسطبل. وبشندي أخد أم جمارة ودخل بيها السرايا. وغازي فضل واقف مكانه ساكت ودخان الغضب بيخرج من ودانه.
حكيم دخل السرايا وراح قعد جنب أمه وغالية اللي كانت قاعدة وحاطة إيدها على خدها وفي دنيا تانية. تماضر بصت لحكيم بحنان وأسف على اللي هو فيه. وهو اكتفى إنه هز كتفه بحركة إن ده نصيبه. وبعدها نام على الكنبة وهمسلها يسأل:
"فينها... وكيفها دلوقتِ؟"
تماضر: "في أوضتي. دخلتها غالية ترتاح لها هبابة. أما عاملة كيف، فحتى لو حرق الجسد خفيف، حرق الروح واعر يا ولدي."
حكيم ضرب الحيطة جنبه بإيده ونفخ بغلب ووجه كلامه لغالية:
"حرقها واعر يا غالية. شفتيها؟"
غالية اتكلمت وهي باصة لبعيد:
"صدرها كله نَفَط وبقلش فالتو. الشاي كان مولع. ربنا يهديه غازي."
حكيم: "ربنا يحرق روحه في نار جهنم. ربنا يعذبه بالنار كيف ما عذب واحدة من عباده ونسي إنه لا يعذب بالنار إلا رب النار."
غالية غمضت عينيها بألم لأنها برغم كل شيء، إلا إن لغازي في قلبها مكان. ولسه أي كلمة عليه بتحسها كورباج بيجلد قلبها. هي كارهة إحساسها ده بس مفيش في إيدها حيلة عليه. حب كبرت معاه وكبر معاها. حلم حلمته من وهي صغيرة وكل يوم تزود عليه تفاصيل وتعلق عليه آمال. صعب يتخلع من جواها بسهولة. كل الناس شايفه غازي وحش، إلا هي دايماً شايفاه مظلوم والدنيا جت عليه. مرة بموت أمه، ومرة بموت أبوه، ومرة بخسارة أرضه، ومرة بخسارة لقب المشيخة.
حكيم: "غالية، عكلمك."
غالية: "هاااه... مسامعاكش والله يا خوي. قول من تاني كنت عاوز حاجة؟"
حكيم: "عقولك، خلي قلبك حنين دايماً على عباده كيف النهارده. عاودي يا غالية اللي قلبها أبيض من لبن الحليب ومتحاسبيش حد على غلطة غيره في حقك. جمارة ملهاش ذنب إن غازي اتجوزها. ولا تعرف إنك كنتي رايداه. البت يتيمة واللي هيحن عليها هيكسب أكبر ثواب. عامليها كيف ما تكون أخت ليكي وراعى ربنا فيها وساعتها قلبك هيبرد صدقيني."
غالية ببرود: "متأكد إن قلبي هيبرد؟ تضمنلي ديه؟ متضحكش علي وعلى نفسك يا ولد أبوي. مفيش قلوب عتبرد من نار الغدر ولا الخيانة. وإن كان على جمارة متخافش إني ملياش صالح بيها. بس مش بإيدي إني أغصب على حالي وأقرب منها. متحملهاشي دي يا ولد أبوي."
حكيم: "معلش بس حاولي... حاولي برضايا عليكي."
أما عند جمارة، شهقت بفرحة مخلوطة بدموع أول ما شافت أمها بتفتح عليها الباب. وقامت جريت عليها واترمت في حضنها، لكنها شهقت من الوجع أول ما أمها ضمتها على صدرها.
عيشة: "مالك يا بتي؟ موجوعة من إيه؟"
جمارة: "له يا يمه، سلامتك. مفيش وجع دهاني، بس متوحشاكي عشان كده تلاقيني عشهق من الفرحة."
كانت بتتكلم وتلف في طرحتها على شعرها ورقبتها زين عشان أمها متشوفش الحرق. عيشة اتفحصت بتها من فوق لتحت وركزت على عيونها الحمرة وملامحها التعبانة ورجعت ضمتها ومسحت على ضهرها.
"ربنا يعدل المايل ويهدي النفوس ويقف معاكي على كل ظالم يستقوي عليكي يا بنيتي."
جمارة بنبرة هادية بتحاول تكون طبيعية:
"مفيش حد ظالمني يمه ولا حد جايني علي. كل اللي فيها إنك بقالك كام يوم معتغيبيش عن بالي وكل الوقت متفكرة، وعيوني تسح الدمع لحالها."
عيشة بعدم تصديق:
"معلش يا بنيتي، لو عالبعاد سي حكيم أمر إني أجلك كل يوم ومعادتش واحدة منا حتنحرم من الثانية."
جمارة بفرحة:
"صوح يمه؟"
عيشة: "أمانة عليكي يا جمارة. وحياة عينيك الزورق اللي دبلوا من كتر البكا دي وبقوا كيف مية البحر المعكرة، صوح. يلا تعالي شوفي إيه ديه. حبيبك اللي عتموتي فيه."
عيشة فتحت العلبة وجمارة شهقت وأخدت العلبة من إيد أمها.
"توت... الله عليكي يا أم جمارة. والله متوحشاه قوي. وكل صبح في معاد ما كنت عآكلة، أحس إن حاجة ناقصاني ورب العزة. ربنا يخليكي ليا يا أحلى عيشة في الدنيا."
عيشة: "بس التوت ديه سلفك حكيم اللي جابه وعطوهونى أديهولك مش إني اللي جبته."
جمارة: "سي حكيم؟"
عيشة: "أبو قلب طيب اللي عيفكر في كل اللي حواليه ومع ينساشي حد واصل."
وحكتلها على عرضه عليها. وجمارة بانت لها إنها فرحانة بس من جواها حزينة لأن بكده غازي هيكون ذلّها ليها بأمها أكبر عشان هتبقى عيشتها من هنا ورايح عليهم ومن خيرهم وعينها هتتكسر قدامه أكتر. لكن برضه عرض حكيم عليها هيريحها من التعب وهي حاسة بتعب أمها وكسرة ضهرها من الشغل ومتقدرش تكون أنانية وتحرمها من الراحة دي حتى لو هي اللي هتتعب.
حاولت عيشة تخلي جمارة تفضل لها عن السبب اللي مخليها دبلانة، وإن كان غازي زودها عن الكلام وعيمد إيده عليها. لكن جمارة طمنتها إن حتى الكلام مبقاش يتقل عليها فيه ولا يزعلها. وأمها سكتت ورمت حمولها وحمول بتها على الله. لكن من جواها حاسة إن جمارة بتكذب ومش عايزة تقهرها عليها.
جمارة ابتسمت وهي نايمة على رجل أمها وأمها بتمسح على شعرها بحنان كيف أيام زمان وجمارة مبتسمة. ومدت إيدها عالتوت وأكلت منه واتكلمت بسرحان:
"أقولك إيه يا يمه، سي حكيم عرف من وين إني بحب التوت؟ إنتي قولتي له؟"
عيشة: "له مقولتلهوش حاجة. وحكيم لازم يعرف كل كبيرة وصغيرة عن اللي حواليه. وخصوصي أهل بيته."
واتكلمت بنبرة جدية:
"اسمعيني زين يا جمارة. لو عايزة سند ليكي يقدر يقف قدام غازي، مفيش غير سلفك حكيم هو اللي يقدر يعملها ويوقفه عند حده. اشتكيله على كل حاجة واشتكي للحجة تماضر. وهما ما هيقبلوش الظلم ولا يسكتوا على باطل."
جمارة هزت دماغها بموافقة وهي بتقول لنفسها: "هو وينه حكيم عشان يقف لغازي؟ ده من ساعة ما اتجوزت وجيت السرايا هج منها كيف ما يكون مكانش عاوز غازي يتجوزني. لا هو ولا غالية ولا أي حد. ولا حتى غازي شكله كان عاوز يتجوزني، بس معرفش إيه اللي حصل."
بصت لأمها وسألتها بحيرة:
"هو ليه غازي مطلعش كيف حكيم أكده؟ قلبه حنين وميرضاش بالظلم ولا بالذل. مش هما الاتنين تربية خالة تماضر، يبقى لازم يكون الطبع واحد مادام الرك عالتربية كيف ما بيقولوا؟"
عيشة: "صوح، هما عيال عم ومن بورة واحدة، بس فرق السما والأرض بينهم وبين بعض. كيف بورة زرع واحدة طرح فيها جدر صبار، وفي نفس البورة طلع جدر بنجر. الجذور ملفوفة على بعضها، لكن ديه فيه مرار الدنيا والتاني فيه حلاوة الدنيا. والكلام ديه مش من عهد غازي وحكيم. له الكلام ديه من عهد أبو غازي وأبو حكيم. الاتنين الفرق بينهم كيف الفرق بين غازي وحكيم بالظبط. غازي يا بتي واخد طبع أبوه ورث وفوق الورث شرب من نفس أبوه كتير عشان أبوه مات وهو في سن الصبا. يعني كان 13 سنة أو 12 حاجة كيف أكده. كان أكبر من حكيم بسنة واحدة. وقتها بس اللي كان يشوفه ويشوف حكيم يدي حكيم أكبر من سنه عشان العقل والفهم اللي كان شايله. أبو غازي بعد ما أبوه مات ورث الأرض كلها وقال إن أبوه كتبها له بيع وشرا. وبعد موت أبوه طلع الورق وجاب شهود وأبو حكيم معترضش ولا كدبه ولا قال: أنا ليا شبر واحد فالأرض. متعرفيش خوف من أبو غازي اللي كان جبروته وقتها كيف جبروت فرعون في زمانه. ولا صوح كيف ما قال أبو غازي إن أبوه خاف عالأرض من أبو حكيم اللي كان عشاه تخطفه القطة من طيبته يضيع أرضه وشقي عمره بفهاوته. بس اللي كلنا استغربناه إنه لو عاوز يحافظ عالأرض صح وكتبها لأبو غازي، يبقى كان لازم يعوض أبو حكيم ويديه حاجة تانية. قرشين ولا بيوت ولا أي حاجة كيف أكده. لكن مرة واحدة بصينا لقينا أبو حكيم حالته اتعترت وبقى يشتغل في أرض أخوه أجير، وحتى ولده حكيم اشتغل معاه. وكان كيفه كيف أي أجير يجري عليه اللي يجري عالغريب. مرته تماضر، الشهادة لله، كانت بلسم تتحط عالجرح يطيب من طيب لسانها وكلامها اللي يخش القلب طوالي. وقتها كانت أم غازي عيانة بمرض عفش محدش عرفله علاج خلاها طريحة الفراش سنتين ومن كبر نفسها قبل كده ملقتش اللي يشيلها في عياها. وغير كده الناس كانت خايفة من اللي حداها. مفيش غير أم حكيم ربنا يبارك لها. هي اللي اتكفلت بيها وبمراعاتها ومهابتش من اللي حدا أم غازي. ماتت أم غازي بعدها وبدل ما أبو غازي يشكرها ولا يقولها كتر خيرك عاللي عملتيه مع مرتي وولدي وبيتي، طردها من السرايا وحرم عليها دخولها. متعرفيش ليه. يومها أم حكيم طلعت من البيت مفرفرة من البكا والقهر وأبو حكيم طلع وراها ومفيش على لسانه غير "لا حول ولا قوة إلا بالله". إني شفتهم عشان وقتها كنت في الزريبة عأحلب البقرات بتوع شاهين أبو غازي كنت بحيلى وقتها وكانت دي شغلتي. مانتي عارفة. المهم من يومها وأم حكيم طلعت ومعادتش بيت أبو غازي تاني. لكن غازي كان يروح حداهم على طول وكانت تماضر برضك تاخد بالها منه كيف حكيم بالظبط. معداش كتير ومحدش يعرف حصل إيه وسمعنا إن أبو غازي وقع من فوق سطح البيت بتاع أبو حكيم ونزل على دماغه ومات في التو. ناس قالت إن أبو حكيم هو اللي وقعه من فوق بس محدش صدق فالراجل الطيب التقي اللي كان يصلي ويصوم ويعرف ربنا. والحكومة جات وحققت وطلعت أبو حكيم برائة وقيدوها إنه وقع من عالسطح لحاله. قضى كيف ما قالوا. ولو جيتي لأغرب حاجة حصلت إن تماضر هي كمان في اليوم ده وقعت من على السلم وضهرها اتكسر واتشلت ومن يومها وهي على كرسي كيف شفت عينك. بس تعرفي، أهل البلد كلهم فرحوا إن أبو غازي غار بجبروته وقسوته. وبعدها طوالي راحوا على أبو حكيم ونصبوه شيخ بلد مطرح أخوه، وهو قال لهم إنه مهيقدرش عليها بس الناس صممت إنه محدش غيره يمسكها. ومن يومها وكلمة أبو حكيم سادت بين الناس بالحق. وشوية شوية أرض غازي بقت تتنقل حتة حتة لأبو حكيم لغاية ما غازي بقى لا وراه ولا قدامه ودار في البلد يقول: عمي وولدي خدوا أرضي. من وقتها وعداوته لحكيم معتدتش والكل خابرها زين. وبرغم كده عمه أبو حكيم مسابهوش وخلاه تحت جناحه وفي بيته واتكفل بوكله وشربه ومصاريفه كيفه كيف حكيم واحد غيره. كان شغله أجير كيف ما أبوه عمل فيه وفي ولده. بس هو محطش كل ديه قصاد عينه ولا حط قبال عينه مرت عمه اللي مكنتش تفرق في الحنية بينه وبين ولدها حكيم. واللي قسم ضهر غازي لما أبو حكيم داهمه المرض ونومه والمشيخة كان لازم حد غيره يمسكها. وقتها كان عود حكيم وغازي شاب وبقوا شباب عليهم العين وغازي كان عشمان يمسك المشيخة اللي هي أصلاً من حقه وورثه من بعد أبوه. بس الضربة النوبادي جت له من أهل البلد لما كلهم اجمعوا إن حكيم هو اللي يمسك المشيخة بعد أبوه، وبالخصوص بعد ما عرفوا استهتار غازي وصغرنته ورميحه ورا الغوازي طول الليل."
جمارة: "وعارفة ديه كله عنه وجوزتيني ليه يمه؟!"
عيشة: "مش أنا اللي جوزتك، عمك اللي جوزك ومخدش حتى شورى. وبعدين الناس قالت إنه اتغير واتعدل حاله وبطل سرمحة ورا الغوازي. بس الظاهر الطبع العفش معيهملش صاحبه واصل."
جمارة: "له وإنتي الصادقة، ده النحس والفقر اللي مش عيهمل صاحبه واصل. كيف معامل معايا أكده."
عيشة: "استغفري ربك يا بتي واستحمديه. دا الرك عالقسمة والنصيب. وعلى قول حكيم، إنتي مكتوبة لغازي مرته وأم عياله من ساعة ما اتولدتي. وعلى سيرة عياله، مفيش حاجة جاية في الطريق أكده ولا أكده؟"
جمارة: "له مفيش، ويا رب ما يكون فيه واصل. أنا أصلاً كارهه أقوم أخلف منه؟"
عيشة: "يا هبلة، ديه هفة العيل ديه هو اللي هيغليكي ويحليكي حداه ويهديه عليكي. هو اللي هيكبره ويكبر عقله."
جمارة: "والله غازي ما يتغير لو خلفتله جيش الملك النعمان عيال."
عيشة: "طب بسك هبل. طيب إنتي متعرفيشي حاجة، الراجل مفيش حاجة تعقله غير لما يشوف خلفته عتتنطط حواليه. بس اتجدعي إنتي، وإن شفتي إن كلام أمك هو الصح."
جمارة هزت دماغها بموافقة وأخدت توتة وحطتها في بوقها وغمضت عينيها.
عيشة ضربتها على إيدها: "هتقعدي طول عمرك رمرامة وتاكلي التوت من غير غسيل، لما في يوم هيعملك لخبطة في بطنك."
جمارة باعتراض: "يمه لخبطة إيه عاد؟ هو حلاوة التوت بترابه وعبله أكده عيوبقى ليه طعم حلو قوي. طب تصدقي، لما عيتغسل مبحبوش."
عيشة: "معفنة."
جمارة ضحكت ودفنت دماغها أكتر في حضن أمها. والاتنين سكتوا وكأن كل واحدة فيهم بتشكي للتانية اللي فيها بس بسكات.
خلص اليوم وعيشة قضيته كله مع جمارة لحالهم. اتغدوا مع بعض في أوضة أم حكيم اللي خلتهم على راحتهم واتعشوا مع تماضر وغالية. وحكيم طلع وساب لهم السرايا عشان يبقوا على راحتهم. وغازي مشافوش وشه طول اليوم. وفي آخر اليوم أم جمارة رجعت بيتها بعد ما اتشكرت من أم حكيم وحكيم اللي أمر بشندي يوصلها لحد بيتها وأداه فلوس يديها لها بس لما يوصلوا هناك عشان متحسش بحرج وهي بتاخدها من إيد حكيم.
بعدها حكيم رجع السرايا وملقاش جمارة. لقاها راحت على المشتمل. طلع أوضته وحاول ينام. وزي كل يوم النوم حلف ما يزور عينه. وراح على الشباك وكان الوقت متأخر. فتحه وبص منه وبرق عينيه وهو شايف جمارة قاعدة في مكانها على نص البرميل. وابتسم وهو شايفها حاضنة علبة التوت وبتاكل منها وهي باصة بعيد. وابتسامة خفيفة مرسومة على وشها اتسللت واحدة زيها لشفايفه هو كمان ونزلت على قلبه برد وسلام بعد ما اتقلب على جمر قهره عليها طول اليوم.
رواية جمارة (بين العشق والقسوة الفصل السادس 6 - بقلم ريناد يوسف
ابتسم حكيم على ابتسامة جماره وفضل يبص لها وهي حاضنة التوت وبتاكل بفرحة زي طفلة صغيرة.
اتنهد وبص للسما واتحدث مع نفسه:
"آه لو كنتي قسمتيلى كان زماني حاطك بين ضلوعي ومانع حتى نسمة الهوا تلف حواليكي يا جماره القلب. كنتي هتبقي في غلاوة الضنا ومعزة الاخت ومحبة الأم. كنت هلفلفك برموش عيوني وأحاوطك بروحي. مكنتش هغفل عنيكي لدرجة إنك تقومي من جارى وتقضي طول الليل في الطل والبرد وأني نايم محاسس بيكي. آه يا جمرة القلب آه."
فضل طول ما جماره قاعدة هو واقف في الشباك وطافي نور الأوضة عشان لا جماره ولا أي حد يشوفه، وفضل مراقبها من بعيد.
بعد فترة شافها كل شوية تتململ وتعدل قعدتها، وتلتفت حواليها بخوف.
حكيم: "أكيد البرميل الحديد سقع وبقى كيف الرصاص تحتك وإنتي متحملة برد الشتا يا لبة القلب عشان أهون عليكي من برود غازي وعذابه ليكي. ياترى هيعمل إيه فيكي لما تكونوا لحالكم، لما قدام الناس ووسطهم هيعمل فيكي كده؟"
جماره انكمشت على نفسها وضمت دراعاتها حوالين جسمها ولمت هدومها عليها.
حكيم أول ما شاف حركتها دي مقدرش يتحمل، وبعد عن الشباك ونزل، فتح باب السرايا وطلع للجنينة.
راح على مكان في آخر الجنينة ورجع منه متوجه على مكان جماره.
جماره حست بخطوة وراها وقامت منفوضة وبصت، اتفاجأت بحكيم واقف وراها وماسك في إيديه حتت خشب متقطعة بشكل مستوي.
جماره: "سي حكيم؟"
حكيم مردش عليها، لكنه اتقدم وحط الخشب على الأرض ومشي من غير ما يرد عليها.
رجع ماسك في إيده قروانة صغيرة وقزازة، واتكرفس على الأرض وابتدى يحط الخشب في القروانة وكب عليهم من القزازة اللي اتضح إنها قزازة جاز، وطلع ولاعة وولع في الخشب.
كل ده وجماره واقفة تراقبه باستغراب شديد.
حكيم وقف واتكلم من غير ما يبص لجماره، وجاهد نفسه عشان يقدر يوجه عينه بعيد عنها، خاف لو بص لها يشوف في عينيه كل المدسوس في قلبه:
"مش زين عليكي قعدتك في الطل والبرد دي. ولو لازم من الطلعة، تقولي الخلجات اللي عليكي. إني هخلي بشندي يجيبلك خشب هنا، ولو حسيتي حالك سقعانة قوي ولعي نار تدفيكي."
خلص كلامه ولف بعد عنها، وهي لسه واقفة وفاتحة خشمها ومش عارفة تقول حاجة.
بصراحة، حاجة غريبة على عقلها إن ولد عم جوزها يكون واخد باله إنها قاعدة في البرد وإن خلجاتها مش تقال، وياجي بنفسه يولعلها حطب عشان تدفى، وجوزها مقلوب جوه ولا داري بيها بردانه ولا ميتة من البرد، حتى ولا بيحس بيها لما تقوم من جاره من أساسه، ولا لما ترجع.
قعدت جماره ومدت إيديها بسرحان تستمد الدفى من النار.
رفعت عينها تلقائياً على شباك أوضة حكيم وشافت خياله في الضلمة واقف في الشباك وساند عليه دماغه.
ضمت حواجبها بتساؤل عن السبب اللي مخليه واقف في البرد كده، وقالت لنفسها: "أكيد عنده حاجة شاغلاه وتعباه ومطيرة النوم من عينه كيف حالتها."
فضلت جماره قاعدة وباصة للنار وبتفكر: "إيه القلب اللي شايله حكيم ده، وليه الحنان اللي بشوفه فيه ده مفيش منه حتى نقطة في قلب غازي؟"
فضلت شوية وهي سرحانة ومستمتعة بمنظر النار والدفا اللي اتسلل لها وطرد السقعة من جسمها، لكنها حست إنها متكتفة من مراقبة حكيم لها.
قامت دخلت المشتمل ومنستش علبة التوت، أخذتها معاها.
حكيم هو كمان قفل الشباك ودخل اتمدد على سريره وحط إيده تحت دماغه، وصورة جماره وابتسامتها قدام عينيه، ومبتسم عليها لحد ما نام.
تاني يوم الصبح، حكيم اتقصد إنه ينزل متأخر بعد ما اتأكد من شباك أوضته إن غازي غار من السرايا وطلع يباشر عمال أرضه، عشان عارف إنه لو نزل وهو قاعد هيعمل أي حاجة في جماره عشان يكيد قلبه.
نزل من على السلم واتلفت يمين وشمال، ومشافش لا أمه ولا غاليه.
عرف مكانهم لما سمع صوتهم جاي من أوضة أمه، واتأكد إنهم هما كمان فضلوا إنهم ما يطلعوش وغازي قاعد عشان يكفوا جماره شره وشر اللي هيعمله فيها لما يشوفهم.
نزل وحدة وحدة وبص على الصالة وشاف جمارته قاعدة وماسكة حاجة في إيدها ومقرباها على وشها وبتشمها ومغمضة عينيها.
حكيم ابتسم لما شاف اللي جماره ماسكاه، ولقاها سبحته اللي وقعت منه امبارح الصبح وطلع ومخدش باله ليها ولا اتفكرها.
حكيم بصوت حنون: "احممم."
جماره فتحت عينيها مخضوضة وبصت له واتكلمت بلعثمة:
"س سى حكيم... صباح الخير."
حكيم: "عاجباكي!"
جماره بتوهان: "هي إيه؟"
حكيم شاور لها بعينيه وحواجبه على السبحة اللي في إيدها، وجماره بصت للسبحة.
حكيم: "لو عاجباكي خديها، متغلاش عليكي."
جماره بسرعة وبنفي: "له آخدها إيه، إني لقيتها واقعة تحت الكرسي اتلافيتها، وبصراحة لقيت ريحتها حلوة قوي عجبتني شميتها. ربنا يخلى صاحبها ويبارك في عمره."
ومدتهاله بابتسامة.
حكيم فضل ثواني مضيق حواجبه وباصص لجماره، وبيتجول في ملامحها، ونزل بعينه غصب عنه من وشها على مقدمة رقبتها الظاهرة من تحت الشال، وشاف أثر حرق الشاي أحمر منفط.
بسرعة دار وشه الناحية التانية وهو بيقول في نفسه: "الله يولع فيك يا غازي كيف ما حرقتها وحرقت قلبي."
اتنهد وانتبه لنفسه، ومد إيده أخد السبحة من يد جماره الممدودة واستغفر ربه من ذنب النظرة، وهرب بسرعة من قدامها بخطوات سريعة على أوضة أمه.
حكيم دخل بعد ما خبط خبطتين على الباب، وأمه سمحت له بالدخول.
"صباح الخير يا أم حكيم... صباح الخير يا غالية الغالية."
غاليه: "صباح النور يا خوي."
تماضر: "صباح العسل والسكر، يجعل صباحك ويومك كله رزق وبركة يا ولدي."
حكيم دخل باس راس أمه وجبين غاليه وقعد على طرف السرير.
"فطرتوا ولا لسه؟"
غاليه: "أمي مرضيتش وقالت ماهفطرش دلوقتي."
حكيم: "ليه يا لبة القلب مرضتيش تفطري لحدت دلوقتي وإنتي اليومين دول رجعتي تقومي من الفجر وبتجوعي عشان ما بتتعشيش!!"
تماضر: "لنفس السبب اللي خلاك إنت كماني ما تنزلش ولا تفطر لحدت دلوقتي، مع إني متأكدة إنك صاحي من بدري وقاعد في أوضتك. علونك يعني ما نمتش طول الليل وباين على عينيك المنفخة من كتر السهر والفكر."
حكيم: "ما تقرينيش قوي كده يا تماضر."
تماضر: "وابقى أم كيف لما محسش بولدي!!!"
غاليه: "طب وبالنسبة للأمومة دي، ما بتطلعش غير مع ولدك بس، وإني الغريزة بتيجي حداي وتعطل! ماني كماني ما نمتش من امبارح وقاعدة سهرانه، ما قلتليش حاجة."
تماضر: "كذابة... أصلاً إنتي أول ما بتشوفي السرير بتتقلبي على بوزك وتروحي في النوم وتشخري في التو واللحظة."
غاليه: "وه! إني؟"
تماضر: "وه في عينك، شخيرك واصلني من فوق وقلق منامي طول الليل."
حكيم: "أيوه الله يا مه، غاليه عليها شخيره بتغطي على صوت ضفادع الترعة كلهم، إني طول الليل سامعها."
غاليه: "أيوه أيوه، وقول إن شخيري هو اللي ما خلاكشي نمت طول الليل إنت كماني. ارموني بالتهم الباطلة على أول الصبح، خلوني آخد من حسناتكم من غير تعب."
حكيم: "بمناسبة التعب، همي روحك واطلعي جهزي الفطور مع زبيدة عشان تشيلي وراي سفر بكرة على القاهرة. هروح أشوف معامل اللبن هناك وأجيب الإيراد، وعاوز أخلص اللي وراي هنا قبل ما أروح."
غاليه: "متكلمتش وقامت اتحركت على بره، وهو شال أمه وحطها على الكرسي بتاعها وطلع بيها وراها طوالي."
غاليه طلعت ووراها حكيم وأمه، ولقوا جماره محضرة الفطور، وشالت اللي موطرح غازي وواقفة مستنياهم.
أول ما شافتهم اتحركت ناحية أم حكيم وابتسمت.
"صباح الخير يا خالة، ومسكت إيدها باستها بحب."
تماضر بحنان: "صباح السعادة على عيونك يا جماره البيت. تعبتي حالك ليه يا بتي، مغاليه كانت هتحضره مع زبيده!"
جماره: "على إيه التعب ده، فاطر ما يرد لهوش تعب. تعبكم راحة يا حجة."
وبصت لغاليه: "صباح الخير يا غاليه."
غاليه: "صباح النور يا جماره."
وبصت لحكيم اللي كان باصص بعيد.
"يلا يا حكيم عشان تفطر، مش قلت ما عاوزش تتأخر على مواعيدك. هم يلا."
حكيم اتحرك بالكرسي بتاع أمه وخلاها جنبه على يمينه زي ما اتعود دايماً، وغاليه قعدت على شماله، وجماره فضلت واقفة جارهم.
تماضر: "ما تقعدي يا بتي، واقفة ليه!"
حكيم جاوبها وهو بيصب الشاي ومش باصص عليها: "علونهم نبهت عليها امبارح وقولتلها ما أحبش حد يوقف على الوكل، لكن الظاهر إن مخها تخين ما بتفهمشي."
جماره رفرفت برموش عينيها بزعل من كلمة حكيم ومردتش، وبصت للأرض.
لكنها سمعت أم حكيم بتقولها: "اقعدي يا بتي وافطري معانا، عارفة إنك مفطرتيش."
وشافتها بتبص لحكيم بزعل ومبرطمة كيف عيلة صغيرة حد هات فيها (زعق).
تماضر: "ما تزعليش حكيم ولدي ما بيقصدش، بس هو ما يحبش يقول كلمة ومحدش يسمعها. اقعدي يا بنيتي وافطري معانا، إحنا مش كيف غيرنا، إنتي هنا حداي كيف غاليه بالظبط، وحدا غاليه كيف أختها اللي ما خلفتهاشي، وحدا حكيم كيف غاليه. يعني إنتي هنا وحدة منا، وأوعك تقفي على راس حد فينا وهو بياكل. الكلام ده ما يرضيناش."
حكيم كان بيشرب الشاي، وكلمة أمه إن جماره عنده كيف غاليه خلت إيده توقف ومتكملش طريقها لخشمه بالشاي.
وديق حواجبه أكتر ووشه اتجعص كأن ملامحه وقلبه وعقله رفضو الكلمة رفض قاطع، وإن جمارته لا يمكن تكون له كده أبداً.
جماره قعدت وأخدت براد الشاي تصب لها كباية شاي كيف ما عملت غاليه.
لكن تماضر اتكلمت: "ما فيش وحدة فيكم هتشرب شاي سادة، إنتو الاتنين هتفطروا حليب. سامعين؟"
ونقلت عينيها بين غاليه وجماره.
غاليه باعتراض: "قلتلك 100 مرة ما أحبش اللبن، ما أحبوششششششي. وبعدين ما ولدك حكيم بيبعبع في الشاي أهه، ما قلتلهوش ليه ما تشربشي واشرب حليب؟"
- "اسمها ما يحبنيشي اللبن يا بقرة، متقوليش على البياض ما أحبوشي. النعمة تزول من وشك وتشتهيها متلاقيهاش يا بومة. وبعدين ولدي حكيم راجل ويشرب اللي يعجبه، وأصلاً هو واخد على شرب الشاي في مجالس الرجال."
غاليه اتأفأفت ومسكت براد الحليب وصبت منه شوية على كباية الشاي وبصت لأمها بتحدي.
"يعني دي اللي حداي؟"
وأمها هزت دماغها بقلة حيلة وبصت لجماره: "اشربي إنتي حليب سادة يا بتي، ما تعمليش إني زيها. هي سنانها هيوقعوا مع أول عيل تخلفه هينزل بسنتين معاه من سنانها عشان قلة شرب الحليب دي."
جماره هزت دماغها بموافقة وسابت الشاي وصبت حليب، ومسكت كاسة الحليب بإيديها الاتنين وابتدت تشرب من غير ما تاكل حاجة.
حكيم بيشرب شايه وبياكل، ومع إنه بيجاهد عشان ما يلتفتلهاش، لكن غصب عنه عينه خانته وراحت عليها وشافها بتشرب حليب ومركزة في كاسة حليبها ومديقه حواجبها بزعل.
ثواني ورفعت عينها وجات في عين حكيم، بصت له بصة عتب ورجعت تبص لكاسة حليبها مرة تانية.
حكيم فهم بصتها والعتب اللي في عينيها واللي معناه: "بلاش إنت، جلي صوته واتكلم بجدية."
"طيب إني طالع يا مه، عاوزة حاجة مني؟"
تماضر: "عاوزاك سالم وغالم يا ولدي. روح ربنا معاك يحرسك من كل ردي."
حكيم باس دماغها وبص بصة أخيرة لجماره اللي لسه مبرطمة ومرفعتش عينها من كاسة الحليب ولا بصت له من بعد بصة العتب الوحيدة اللي رفعت فيها عينها عليه.
طلع حكيم وراح يخلص شغله واللي وراه عشان يسافر على القاهرة. مشواره المعتاد كل 3 شهور يروح يشوف حسابات معامل تصنيع الألبان اللي فاتحهم هناك ويجيب إيرادهم ويقعد أسبوع ولا عشر أيام ويرجع.
رجع بالليل وغاليه حضرت له شنطة خلجاته اللي هيستخدمها هناك كيف كل مرة، وطلع لأوضته.
بعد ما ساب فلوس لأمه تحسباً لأي ظروف تحصل وهو مش موجود، ولو عاوزوا تاني فيه مع بشندي فلوس ويقولوا لبشندي على أي حاجة يعوزوها وهو يجيبهالهم طوال.
خلع خلجاته وطفى نور الأوضة وراح على الشباك واستنى.
يومها جماره مطلعش كيف كل يوم. لكنها في الليلة دي مطلعتش، وهو رجح دي لأنها زعلانة عشان الكلمة اللي قالها لها الصبح واللي طلعت منه غصب عنه لما شافها واقفة متذنبة جار الطربيزة على رجليها كيف ما علمها غازي.
وطول اليوم يلوم في نفسه وضميره بيأنبه عليها.
راح على سريره نام، وكل شوية يقوم يبص من الشباك ميلقاش جماره طلعت ويرجع لسريره من تاني.
فكر بينه وبين نفسه زي كل مرة، ولامها إن اللي بيعمله ده غلط وإنه لازم يمنع نفسه من مراقبة وحدة متجوزة وفي عصمة ولد عمه.
وإن كل بصة عليها بياخد عليها ذنب. وحاول كتير، لكنه كل مرة يلمحها أو يشم ريحة وجودها حواليه ميقدرش يتحكم في رفرفة قلبه.
ولا صوتها اللي لما بيسمعه كأنه بيخبط على باب قلبه ويقول له افتح بيبانك، والقلب يلبي مسلوب الإرادة ميقواش على الاعتراض.
لبس الصبح واخد شنطته ونزل السلم.
والمرة دي الكل كان مستنيه على السفرة حتى غازي عشان يودعوه كيف كل مرة.
نزل وجماره اللي كانت بتصب الشاي لغازي بصت اتجاه حكيم.
وأول ما لمحتُه فتحت بوقها بانبهار من اللي شايفاه قصادها.
لاول مرة تشوف حكيم بالمنظر والشكل ده.
كان لابس بنطلون جينز أسود وتيشيرت أسود وعليه جاكت جلد أسود وكوتشي أبيض، والشعر لاول مرة يظهر طوله من غير العمامة متسرح لورا ونازل بعد ودنه.
والدقن الخفيف المتحدد مع الشنب، كل ده مع بعضه على الجسم الرياضي المتقسم، خلى جماره متصدقش اللي شايفاه لدرجة إنها نست نفسها إنها بتصب الشاي.
والشاي طفح من الكباية قدام غازي.
مفقتش غير على صوت غازي بيصرخ.
"ولما أقول بقرة ولا أشتم تزعلي والناس تتحمقلك."
جماره بخوف: "معمعلش حقك عليا، ما أخدتش بالي."
ومسكت فوطة سفرة وفضلت تنشف الشاي من قدام غازي.
حكيم كان وصل حداهم وقعد على السفرة بعد ما باس دماغ أمه وصبح عليهم.
وبص لغازي واتكلم من بين سنانه: "مصطبحش ليه، وقايل يا صباح يا غازي."
غازي: "مليكش دعوة، ولا تدخل بيني وبين مرتي يا حكيم. عقولك أهه، مرتي إني حر فيها ومعاها وعالمها. إني ما عاوزش أزعلها بس هي بتجيبه لحالها. شوف بعينك عمايلها الرشلة (خرقاء) دي."
وشاور له بإيده على الشاي المكبوب على السفرة.
حكيم: "مجراش حاجة، غصب عنها، غلطة وحتوحصل. اقعدي يا جماره."
جماره بصت له وبصت لغازي.
حكيم بزعيق: "قلت اقعددددي على حيلك."
جماره انتفضت وغازي ضحك بسماجة وبصلها.
"اسمعي كلام سلفك واقعدي يا جماره، إني قايلك لما حكيم يقولك حاجة ولا يطلب منك حاجة تنفذيهاله طوال. حكيم ده أصلاً حبيبي."
قعدت جماره والكل ابتدا ياكل.
وجماره اتفاجأت بغازي بيغمس لها لقمة بقشطة ويمدها لها قدام خشمها.
غازي: "افتحي خشمك، مالك اتخشبتي ليه؟ هوكلك بإيدي وادلعك وأبسطك كيف ما بسطتيني ليلة امبارح وخليتي مزاجي عال العال."
غازي خلص جملته، وجماره حلقت عينيها بصدمة.
وحكيم حس إنه اتخنق باللقمة اللي بياكلها، وغاليه شرقت وهي بتشرب، وصوت تماضر رج المكان كله.
"غاززززي... اختشي شوية، الكلام ده ما يتقالش قبال الناس. وبعدين فيه بت بنوت قاعدة معانا، إنت اتخبلت ولا إيه!!!!"
غازي: "حقك عليا يا مرت عمي، ما هتتكررشي. نسيت حالي. بس الكلمة طلعت مني غصب من فرحتي بمرتي اللي ابتدت تفهم دماغي وتعمل كل اللي يريحني. حقك عليا ما هعاودهاشي."
تماضر: "ربنا يسعدكم ويهدي سركم، بس خد بالك عتقول إيه وقدام مين، واللي بين الراجل ومرته ما يطلعش من بينهم هما الاتنين، وإلا يبقوا ملعونين."
غازي شاور لها بدماغه بموافقة ورجع يوكل جماره في خشمها بسكات قدام غاليه اللي وطت عينيها في طبقها مرفعتهمش، وحكيم اللي فضل يشرب شايه بس، وكل ما تخلص كباية يصب غيرها.
وجماره اللي مستغربة غازي وعمايله وكلامه، وهو أصلاً ليلة امبارح خلاها تنام في الأوضة وقفل عليها باب الأوضة من بره وهو نام في الصالة، متعرفش ليه!
وأول ما قام الصبح اتلككلها وضربها من غير سبب!
حكيم رفع عينه وبص لإيد جماره اللي مدتها تاخد براد الشاي تصب لغازي اللي خلص كباية وشاور لها تصب له تاني.
وشاف أثر ضربة مزرقة على إيدها ظاهر من تحت كم الجلابية، وغمض عينيه بألم من كدب غازي والأعيبه وكيده اللي ما هيخلصش.
وصعبت عليه جمارته وقام خد شنطته وهرب من وسطهم ومن البلد كلها، بعد ما راح الأسطبل الأول ودع جمرته وهو عارف إن في البعد عن غازي غنيمة، لكن في نفس الوقت مش هاين عليه يبعد عن جمرته وجمارته ويسيبهم في يد غيره.
فاليوم ده غازي طلع، زي عادته، من الصبح مجاش غير بالليل.
لكن الغريبة إنه لما عاد قال لهم إنه مسافر لشغل ضرورية، وطلب من جماره إنها تروح معاه المشتمل تحضر له شنطته وتاخد لها غيارين وتقعد معاهم في السرايا متعاودش المشتمل لحد ما هو يعاود من السفر.
محدش اتكلم، لكن قلب تماضر لعب من سفر غازي المفاجئ ورا حكيم طوال، وخصوصاً إنه مش متعود يسافر قبل كده أصلاً، ولا طلع من البلد غير مع حكيم على المعامل، ولا ليه أشغال بعيدة.
ودعت ربنا وهي شايفاه ماشي إن ربنا يستر ويسلم.
رواية جمارة (بين العشق والقسوة الفصل السابع 7 - بقلم ريناد يوسف
تحت استغراب تماضر وخوف قلبها، خرج غازي من السرايا. فضلت مراقبته حتى غاب عن عينيها، وفضلت تدعو ربنا يستر ويسلم.
نظرت إلى جمارة التي كانت واقفة وتمسك بؤجة هدومها، التي أصر غازي أنها تأخذهم من المشتمل، وقفل بقفل حتى لا تدخله طول ما هو مسافر.
تماضر: روحي يا بنيتي حطي خلجاتك في أوضة غالية وتعالي عشان تتعشي قبل ما تنعسي.
غالية ردت بعنف: له، ما أحبش حد يقاسمني في فرشَتي. خليها تنام حداكي ولا في أي مطرح. أنا ما أتعودتش على حد يبقى جاري في أوضتي، نفسي عينكم.
جمارة ردت بسرعة بعد ما سمعت كلام غالية وقبل تماضر التي فتحت خشمها عشان ترد: أنا هنام في أي مطرح يا خالة، متشغليش بالك بيا. أنا حتى على الكنبة هنا هنام.
تماضر: بسك من الحديت ده يا جمارة، كنبة إيه اللي عاوزة تنامي عليها في عز السقعة والبرد ده؟ من قلة المطارح أحدانا ولا إيه؟ خشي حطي خلجاتك في أوضتي ونامي حداي، حتى تونسيني.
جمارة: له يا خالة، أنا مش هضيق على حد بنومتي، وهنام على الكنبة هنا، وإن كان على البرد متخافيش، أنا ضاربانة عليه.
تماضر: بسك يا جمارة، ومتقاويحيش قبالي. طب بصي لو معاوزاشي تقعدي معايا، أطلعي نامي في أوضة حكيم. آهو مسافر، وكماني عشان تكوني على راحتك ومتتكتفيش جار حد. السرايا فيها أوض كتير، بس خسارة مش مفروشة. هبقى أخلي حكيم يفرش أوضة لما يعاود. وزغرت لغالية واتكلمت: وصلي مرّة أخوكي على أوضة حكيم يا غالية.
واتكت على الكلمة، وغالية سمعت الكلام وتحركت من قدامها بسرعة وهي بتقول لجمارة بنبرة حادة: تعالي وراي.
طلعت جمارة لأوضة حكيم اللي فتحتهالها غالية، وسابتها واقفة على بابها ونزلت. جمارة دخلت، وبمجرد ما دخلت شمت الريحة الجميلة اللي بتشمها من حكيم كل ما تقرب منه أو يعدي من جارها. أخدت نفس عميق وابتسمت باستمتاع بالريحة.
اتقدمت، حطت هدومها على السرير، وجالت بعنيها في الأوضة كلها، ركن ركن. بعدها راحت على الشباك اللي بيطل على الجنينة، واللي شافت حكيم فيه قبل كده، وفتحته. كان أقرب شباك للمشتمل (بناء صغير بجوار المنزل وله باب منفصل) بتاعهم. بصت وشافت المطرح اللي بتقعد فيه كل يوم بالليل، وشافت قد إيه مكشوف قدام حكيم ويقدر يشوفها بوضوح. لو واحد غير حكيم كانت قالت إن وقفته في الشباك قصادها كده يقصد بيها حاجة مش زينة. بس هي متأكدة إن حكيم ما يوحتش ده منه أصل.
بعدت عن الشباك، اتمشت ناحية التسريحة، واتجولت بعنيها على قزايز العطر الكتير اللي على التسريحة، واللي شكلها بيقول إنها غالية قوي. مدت يدها على أقرب قزازة، فتحتها، شمت ريحتها، ولقيتها حلوة قوي. شمت التانية والتالتة، وكل واحدة أحلى من التانية، وخصوصي ريحة المسك اللي شمتها على سبحته قبل كده. سابت العطر، وفتحت درج من أدراج التسريحة، وشافت فيه مجموعة ساعات فخمة مترتبة بنظام جنب بعض.
بعدت عن التسريحة، وبصت في الأوضة اللي كل حاجة فيها مترتبة بنظام رهيب. فضولها أخدها للدولاب، وفتحته، ومستغربتش من النظام اللي شافته. الهدوم مرصوصة مسطرة، وعلى حسب الألوان، كل لون ودرجاته فوق بعض. جلابيب وعبايات. وفتحت درج تاني، وشافت فيه لبس خواجاتي كيف اللي كان لابسه حكيم الصبح وهو ماشي. ابتسمت أول ما افتكرت شكله، وقفلّت الدولاب، وراحت قعدت على السرير.
مسحت بيدها على السرير، وما تعرفش ليه من أول ما دخلت الأوضة دي حست بدفا وأمان واطمئنان غزت روحها. وكان الأوضة دي محراب ناسك. اتمددت على السرير شوية، وبصت للحائط اللي قبالها، وشافت مجموعة من السلاح متعلقة عليها، أحجام صغيرة وكبيرة، بشكل ديكوري مدي هيبة للمكان. وشافت صورة فرسة متعلقة على الحيطة، وجارها حكيم وحاضن رقبتها، وعيبصلها وعنيها باين فيها الحب، كنه عيبص لحبيبته مش لفرسته. ديقت عينيها وبصت للصورة بتركيز، وافتكرت إن الفرسة دي هي نفسها اللي زفتها على السرايا بالكرت.
قامت وراحت بخطوات بطيئة، ووقفت قصاد الصورة، ومدت يدها مشتها على صورة الفرسة، وإيدها غصب عنها راحت على صورة حكيم، ومشتها على ملامح وشه البشوشة، وابتسمت على ضحكته اللي تخطف القلب.
بعدت عن الصورة، ورجعت قعدت على السرير، واتنهدت بارتياح، وغمضت عينيها شوية، وسرحت، وسالت حالها: هي ليه ما تحسش في مطرحها مع غازي بالطمأنينة اللي حاسة بيها دلوقتي؟ ليه كل ما تكون معاه ما تحسش غير بخوف بيسرى في كامل جسمها، وهي مستنية ومتأهبة لغلط وشتيمة، وأحيانا ضرب في أي لحظة من غير سابق إنذار أو أدنى غلط منها؟
اتنهدت، واتعدلت عشان تنزل تتعشى كيف ما خالتها تماضر نبهت عليها، عشان هي عارفة ومتأكدة إنها لو منفذتش الأمر هتتعرض لنوبة من التوبيخ. بس الفرق إن الحديت من حد تحس إنه يحبك ويتكلم لمصلحتك، تقدر تتقبله منه أطنان، كيف خالتها تماضر أم حكيم أكده.
نزلت، وشافت غالية قاعدة على السفرة، وابتدت، وكل وتماضر قاعدة جارها، وقدامها صحن رايب صغير، هو ده عشاها كل عشية، بتاكله بالملعقة وخلاص.
تماضر أول ما شافتها ندهت عليها: تعالي يا جمارة، مستنياكي، مرضيتش آكل غير لما تنزلي، ومرضيتش أنادم عليكِ عشان متقوليش مخليانيشي آخد راحتي في السرايا.
جمارة: به يا خالة، أنا برضه أقول كده؟ وعليكي إنتي! والله لا عمره يوحتصل ولا يكون.
تماضر بضحكة خفيفة: عارفة يا جمارة إنك بت أصول، والعيبة ما تطلعش من حنكك. أنا عنكوشك عشان تتحدتي معايا وتتلاغي بدل سكاتك وقفلة خشمك دي ليل نهار. فرفشي يا بتي، وانفشي ريشك كده، واملي المطرح، وروحي وتعالي، وكلي واشربي. دي بيتك، ومن ساعة ما دخلتيه، عليم الله إنك دخلتي قلبي من غير استئذان، واعتبرتك كيف البجرة اللي قاعدة تاكل دايمًا.
غالية رفعت عينيها لأمها من على الأكل وبرقت لها. جمارة كمان فتحت عينيها وابتسمت، وتماضر ضحكت وهي باصة لغالية: كملي وكلي، مش معاكي.
غالية هزت دماغها وكملت أكل، وجمارة ابتسمت وقعدت على السفرة، وابتدت تأكل معاهم. ولا أول مرة تحس بحرية، والبسمة مفارقتش وشها، وهي عارفة إن غازي ما يجيش بعد شوية ينكد عليها ويقرفها.
تماضر لاحظت ارتياح جمارة، وحست بفرحتها بغياب غازي، واتنهدت بألم، وفضلت بصالها وهي بتاكل، أول مرة مبتسمة ومرتاحة. واستغفرت ربنا، ودعت لغازي بالهداية على اللي بيعمله في عيلة صغيرة ما لهاش أي ذنب، غير إن قلب حكيم هواها.
ونقلت عينها على غالية اللي بتاكل بسكات، وصوتها ما عادش يطلع، بعد ما كانت ما تبطلش كلام وضحك وفرفشة في كل السرايا، لكنها انطفت من ساعة ما عرفت إن غازي خطب وهيتجوز. بس تماضر ما حستش بشفقة على غالية بتها، لأنها عارفة إن اللي حصل ده لمصلحتها، وإن ربنا استجاب لدعوتها الدايمة بأن ربنا يبعد عن بتها شر ما خلق من إنس وجن.
تماضر: إلا أقولك يا جمارة، غازي ما قالش قدامك هو مسافر على وين؟
جمارة: له والله يا خالة، هو أنا عرفت لما قالنا كلنا، واستغربت عشان ما جابش سيرة سفر ولا شغل قبل كده قصادي.
تماضر هزت دماغها بفهم، وبصت لبعيد. ومع إنها عارفة إن حكيم حويط وواخد باله على نفسه، وخصوصًا من غازي، لكن برضه يفضل القاصد غالب. وقلبها ما يطمن غير لما حكيم يعاود لها بالسلامة، وتشوف طوله وضحكته الحلوة قدام عينيها.
الكل شبع، وقعدوا شوية مع بعض. تماضر تتحدت مع جمارة وتسألها على حاجات كتير عن أحوال البلد وحريمها، اللي من ساعة ما اتشلّت اتقطعت عنهم واتقطعوا عنها. وجمارة ترد عليها.
شوية وتماضر طلبت من غالية تدخلها أوضتها عشان تتمدد على السرير، تعبت من القعدة. لكن جمارة سبقت غالية وودتها هي على أوضتها، ونيمتها، وبعدها طلعت فوق عشان تنام.
ولأول مرة تحط دماغها على المخدة وتنام طوالي من غير قلق ولا خنقة. لكن ما طالتش كتير في النوم، وصحت على صوت غريب.
***
أما قبل ساعات.
على دمسة نار محطوط براد شاي بيفور، وواحد شاله وابتدى يصب الشاي في كبايات. ومد كباية لبشندي بعد ما قلبه.
بشندي: له ما أشربش شاي يا عوض، معدتي تعبانة قوي النهارده.
عوض: وإيه اللي هيحلى القعدة غير حكاوي وشفاط شاي يا بشندي؟ خد اشرب، اشرب، ونادم على الرجالة عشان يعرفوا يسهروا وينفنجلوا عينا زين في غياب البيه حكيم.
بشندي: تعالوا يا رجالة، كل واحد ياخد شايه.
الرجالة كلهم أخدوا الشاي، وبشندي مد إيده أخد الشاي من عوض لما لقى مصمم، وابتدى يشرب وهو بيتكلم مع عوض على أمور البلد ومشاكل أهلها.
بشندي خلص كباية الشاي ومدها فاضية لعوض، واتكلم بألم بعد ما حط إيده على صدره: قلت لك ما عاوزش شاي، أهي معدتي قادت فخورة من الشروق يا واكل ناسك. امسك مسكك عفريت ماسابك، قالها وهو بيتاوب وحط إيده على خشمه.
عوض أخد الكباية من بشندي وهو بيضحك: هات، هات، إنت الظاهر عليك كبرت وخربت كلك، مش بس معدتك، بدليل إنك بتتاوب والنعاس كسى عينك، وإحنا لسه في أول الليل.
بشندي: أيوه الله صح، ما أعرفش مالي أيام أيام أبص ألاقيني نمت على روحي، ما أحسش بحالي غير بعد طلوع الشمس، وخصوصي وهو مسافر سي حكيم. في الوقت اللي المفروض عيني ما تاخدش نوم، ألاقيني اتكفيت بدري بدري.
عوض بضحكة: هههههه، مش قلت لك كبرت وعجزت. من بعد ما كنت كيف الديب، ما تنامش، ولو نمت تنام مغمض عين ومفتح عين.
رد عليه بشندي بنعاس: السن له أحكامه عاد يا عو.....
ونام قبل ما يكمل جملته. وعوض ابتسم وقام شاف بقية الرجالة اللي قاعدين قدام بوابة السرايا، ولقاهم هما كمان في سابع نومة، وكل واحد مسنود على كتف التاني، وما يتسمعش غير صوت شخيرهم.
عوض لف من ورا السرايا، وشاف واحد ملثم. أول ما شافه شال اللثام، وطلع غازي.
عوض أداه التمام، وغازي طلع له لُكة فلوس، أداهاله، وقاله: روح إنت خلاص، دورك النهارده انتهى. وبكرة في نفس المعاد اعمل نفس اللي عملته كيف كل مرة.
عوض اتلافى الفلوس بفرحة، وضربهم في جيبه، وأدى تحية عسكرية لغازي، وطار من قدامه بعد ما التفت حواليه بحذر، ما لقاش حد.
أما غازي فشاور لعربية نص نقل كانت واقفة بعيد. أول ما شافوا إشارة غازي قربوا بالعربية، ونزلوا منها، وكل واحد منهم شايل معدات حفر. ودخلوا المشتمل بتاع غازي من باب ورا. غازي عمله من زمان بحجة إنه هيسهل عليه الطريق للأرض بتاعته، وهيجنبه لفة طويلة.
***
أما عند حكيم، اللي وصل القاهرة واستقر في أوضة في معمل من بتوعه مجهزها، ومتعود ينزل فيها كل ما يجي. أخد حمام وغير هدومه لهدوم بيتي مريحة، واتمدد على سريره بعد ساعات سفر طويلة. وفكره عاد عليه كلام غازي بتاع الصبح، اللي طول الطريق عمال يتكرر في ودانه ومخلي قلبه فاير نار.
حكيم لنفسه: طب وإنت متعصب ليه دلوقتي؟ منت عارف وخابر زين إن غازي وجمارة هيوحصل بينهم كده. مالك لما سمعتها من خشمه قلبك قاد نار ليه؟
جاوب نفسه بنفسه: عشان الخيال غير السمع. لما تسمع الحاجة اللي خايف تسمعها، بتدبحك، حتى لو كنت متأكد إنها حصلت. الكلام سهام بتنفذ للمطارح اللي طالعة عشان تصيبه، ما تخيبش.
نفخ بقِلة حيلة، وقام على حيله، اتوضى وصلى قصر، كل الفروض اللي فاتته، ودعا ربه يصبره ويلهمه الثبات، ويقوي قلبه على اللي هو فيه.
***
جمارة صحيت من النوم على إحساس بهزة في السرير اللي هي نايمة عليه، زي ما يكون زلزال بسيط بس بيتكرر كل كام ثانية، وصوت ضرب جاى من بعيد يا دوب يتسمع.
قامت، وفتحت شباك الأوضة، وبصت يمين وشمال، ورجعت تاني للسرير بعد ما اتأكدت إنه ما فيش حاجة.
لكنها بمجرد ما حطت دماغها على المخدة، سمعت نفس الصوت ونفس الهزة الخفيفة. قامت مخضوضة، ونزلت جري على أوضة خالتها تماضر، ودخلت بعد ما خبطت خبطتين، ودخلت من غير ما تستنى تماضر تجاوبها.
تماضر فتحت عينيها، وبسرعة مدت إيدها على مفتاح اللمبة اللي جنبها وولعتها، وبصت لجمارة، واتكلمت باستغراب: جمارة! مالك يا بنيتي؟ بسم الله عليكِ، مالك بترجفي كده ليه؟
جمارة: سمعت صوت غريب وأنا نايمة فوق يا خالة.
تماضر ديقت حواجبها بتساؤل: صوت! صوت إيه ده؟
جمارة: ما أعرفش. بس حسيت السرير بيتهز خفيف، زي ما يكون زلزال. وبعدها سمعت صوت دَب جاى من بعيد. فتحت الشباك وبصيت في الجنينة، ما لقيتش حاجة.
تماضر ابتسمتلها تطمنها: اسم الله عليكِ يا بنيتي. ما فيش أي حاجة. إحنا هنا في أمان، والسرايا واقف حواليها رجالة، أقل واحد فيهم يقف على شنبه الصقر، وما فيش ناموسة تقدر تدخل السرايا من غير ما يشوفوها. تلاقيها كوبستي عشانك مغيره مطرحك ونايمة بعيد عن فرشتك.
جمارة: بس أنا متأكدة من اللي سمعته يا خالة.
تماضر مدت لها إيدها بحب: ما يجراش حاجة. حتى لو كان صح، تلاقي حد بيجرف في أرضه ولا حاجة. أصل السرايا محدش ساكن حواليها، كنا قولنا جيران بيعملوا حاجة في بيتهم. كل اللي حوالين السرايا أرضنا وملكنا. وعشان تطمني، تعالي نامي حداي. وإني الصبح هجيب بشندي وأسأله لو كان حد بيعمل حاجة حوالين السرايا. تعالي يا بنيتي نامي وريحي بدنك. داني قلت هتنامي النهارده ملو عينها نوم، بعد ما كان الليل بيعدي عليها وهي صاحية وقاعدة في الطل والبرد ترجف كيف ورقة شجر في وسط ريح.
جمارة فتحت عينيها باستغراب، قطعته عليها تماضر بابتسامة وصوت حنون: متستغربيش يا بنيتي. أنا صح عاجزة وقاعدة على كرسي ما أعملوش، لكن أعرف كل حاجة بتدور في سرايتي، وكل حاجة عن حبايبي. حتى لو محدش قالهالي، بحسها بقلبي. وإنتي بقيتي واحدة من حبايبي، وبقيت أحس بيكي من غير ما تتحدتي.
جمارة أخدت نفس، وابتسمت، ومدت إيدها مسكت إيد تماضر، وقربت قعدت جمبها على السرير. وتماضر أخدتها في حضنها، وفضلت تملس على شعرها بحب أم. جمارة كانت مفتقداه، وغمضت عينيها. وتماضر ابتسمت لما حست بانتظام أنفاسها، وعرفت إنها نامت.
بشويش ميلتها، ونومتها على المخدة جارها، وغطتها، وفضلت تمسد على شعرها وهي بصالها وبتتأمل في ملامحها الجميلة. واتنهدت وهمست: الله يعين قلبك يا حكيم يا ولدي. ويجازيك يا غازي.
رواية جمارة (بين العشق والقسوة الفصل الثامن 8 - بقلم ريناد يوسف
جماره صحيت الصبح وبصت على السقف واستغربت لما لقت نفسها بتبص لسقف غريب غير اللى متعوده تصحى كل يوم عليه.
غمضت عنيها وفتحتهم تانى وبصت جمبها شافت خاله تماضر مبتسمه وبصالها وافتكرت أنها نامت هنا امبارح.
تماضر: صباح الخير يا جمارة السرايا.
جماره اتعدلت وقعدت على السرير وردت على تماضر وهى مبتسمه: صباح الهنا والسرور يا خاله. معلش يا خاله قلقت منامك ليلة امبارح، سامحيني. بس والله اني سمعت صوت وحسيت بهزة.
تماضر: ولا يهمك ياقلب خالتك. اني أصلا مانامش كتير. نومي قليل ومتقطع. تقدرى تقولي مانامش طول الليل غير ساعتين تلاته بكتيره. السن عاد ونشر العضم وتعب الجسم، كثر خير الناس.
جماره: ربنا يديكى الصحة والعافية يا خاله ويطول فعمرك.
تماضر: تسلمي يا زينة البنات. قومي يلا يا وش الخير اعمليلنا فطور وشوفي خم النوم اللي فوق ديه، صحيت ولا لساتها مقلوبة على بطنها ونايمة كيف التمساح.
خلصت جملتها وسمعت صوت غاليه بيجاوبها: يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم. يعني الواحد يكون في حاله وتاجيله الشتيمة من تحت الأرض. وناس تانية تصحى تصطبّح على الكلام المزوق والدهلسة والمحلسة! حظوظ الدنيا دي والله. قومي يا جمارة السرايا عشان تجهزي الأكل وتفطري انتي وأمي، قصدي انتي وأمك. وأني طالعة أوضتي أتقلب على بطني كيف التمساح وأكمل نومي. أصلاً اني ما أعرفاشي إني نزلت ليه!
خلصت جملتها ومشيت ومهتمتش بكلام جماره اللي بتحاول تهديها وتمتص غضبها.
جماره: خاله تماضر بتضحك معاكي يا غاليه. هو فيه وحدة تزعل من أمها برضه؟ طب تعالي أحكيلك أمي عيشه كانت تعمل إيه فيا!
لكن غاليه برضه مردتش على كلامها وواصلت خروجها.
صوت تماضر: سيبيها دي بقرة ما تفهمش. سيبك منها خالص خليها تولي.
جماره: خاله هو إني ينفع أسألك سؤال؟ هو انتي ليه بتعاملي غاليه كده؟ يعني دايماً تكشميلها وتكسري خاطرها. إني لو ما عرفكش زين كنت قلت عليكِ بتكرهيها والله!
تماضر: إني بعامل كده عشان أنكشها وأخليها تعود كيف أول. غاليه يا جماره ما كانتش تسيب كلمة لحد من غير ما ترد له بعشرة. لسانها كان طول الفرقاله وصوتها ما كانش بيتقطع من السرايا أبداً. لدرجة إني كنت دايماً أقولها "ما يتقطعش لسانك ده ونرتاحوا منه!". بس ما كنتش عارفة إن دعوتي دي هاتتحقق وإن لسان بتي هيتقطع عن الكلام وإني بنفسي اللي هشحت الكلام من لسانها شحاتة. فكرك عاجبني حال بتي وحبستها في مخدعها ليل نهار كده؟ إني أصلاً خايفة عليها من قعدتها لحالها أحسن تتلبس ولا يجرالها حاجة. شُقي عليها في غرفتها كل هبابة يا جماره، ما تهمليهاش لحالها كتير، اعتبريها أخت ليكي.
جماره بتردد: بس يا خاله... غاليه بحسها ما بتحبنيش. ما عرفش ليه بشوف في عينيها كره ليا، ما عرفاشي سببه إيه!
تماضر: وإحساسك في محله يابتي. غاليه صح بتكرهك. أو متغاظة وغيرانة منكِ لو جينا للحق. وهقولك إني ليه. غاليه بتحب غازي، ولد عمها. بتحبه من زمان قوي. من أول ما وعى على الدنيا وشب عودها وهي ما تشوفش غير غازي قصاد عينيها وقلبها وعقلها الاتنين اتشعبطوا فيه.
جماره بتسمع كلام تماضر وفاتحة خشمها وعنيها على آخرهم وردت بذهول: بتولى إيه يا خاله!!
تماضر: عارفة إنه واعر عليكِ الكلام ده. وعارفة كماني إني ما كان لازم أقولهولك. ومانيش وحدة تتحمل تسمعه على جوزها. بس إني بقولك الكلام ده عشان تبقي عارفة سبب كره غاليه ليكي وليه بتتشجنبك طول الوقت.
جماره: صعب إيه وجوز إيه يا خاله... إني كل اللي مستغربة، هي حبت فيه إيه غازي البو ده؟!
تماضر بضحكة: وه... فيه وحدة تقول على جوزها بَو! الله يجازي شياطينك يا جماره. يعني انتي مرات البو على كده! ههههههه.
جماره: أيوه بو ونص كمان. طب ده ربنا بيحبه عشان ما خدوش. هي ما وعيانيش، هو بيعمل فيا إيه قصاد عينها؟ دا المفروض بعد اللي بتشوفه ده توضّرب نفسها ميت بلغة كل يوم على دماغها عشان حبته بيوم من الأيام. وبعد ما تخلص ضرب تحب يدها مقلوبة معدولة.
تماضر: العشق بيعمي العين وبيقلب العقل يا بنيتي. وغاليه عاشقة لغازي وعشقها عامي عقلها وقلبها وعينيها. عشان كده عايزة تقربي منها وتشتكي لها دايماً من عمايل غازي فيكي. عايزة تكرهيه فيها وتخليها تشوفه كيف ما الكل شايفه. عايزة تمسحي الصورة الحلوة بتاعه من قدام عينيها. عايزة تخاويها يا جماره. انتوا الاتنين كيف بعض، مفيش وحدة فيكم حداها أخت بنية. خليكم خوات وحبايب. وصدقيني غاليه قلبها أبيض من اللبن الحليب والله.
جماره: طب إني هعمل كده بس بشرط.
تماضر ديقت عينيها باستغراب: شرط إيه؟
جماره: لو ما قدرتش أخليها تكرهه، وقعدت تحبه كيف ما هي. خلاص وقتها نجوزهم وأهي تشيل عني هبابي. إني كتلة وهي كتلة ههههههه.
تماضر: بسك خربطة. إلا والله أجيبلك عكازة عمك جاهين المتعلقة عالحيطة وراكي دي وأهرد جسمك بيها. قال غاليه تتجوز غازي قال. ده إني كنت ساعتها أقوم على حيلي برجليا العاجزة دي وألف وراها الدنيا كلها وأنتف شعر راسها شعراية شعراية. وأنتف شعرك انتي كمان معاها عشان رضيتي لغازي يجيب بتي درة عليكي.
جماره مسكت شعرها بخوف كداب: له يا بوي... كله إلا شعري. ده إني بحافظ عليه كيف العيل الصغير.
تماضر: صح والله شعرك حلو قوي ماشاء الله. ربنا يحرسُه ويحفظهولك. أما قوللي بتدهنيه إيه زيوت عشان أجيب زيه لغاليه تحطه لشعرها العامل كيف ديل العنزة اللي مسكت فيه النار ديه.
جماره بضحك: يبووووي على كلامك يا خاله. والله لو غاليه سمعتك لتولع فينا إحنا الاتنين النار دلوقتي. عموماً أقولك إني بحط إيه على شعري. بصي يا ستي. إني من صغري وأمي بتعمل لي خلطة محدش غيرها يعرفها أبداً. عرفتها من مرة الخواجة إسحاق. بتجيب نوى البلح وتحمصه في الفرن وتصحنه وبعدها تنخله بغربال المانع. وتاخد الخشن بتاعه. وتقوم جايبة زيت خروع وزيت جوز هند وزيت جرجير وزيت غريب كده اسمه جوبا من العطار وتخلطهم على بعض. وتقوم خالطة عليهم نوى البلح دي معلقتين كبار على نص كباية من كل زيت. وتدهني لي منهم وتدهني لحالها كماني. عايزة أقولك إن شعري قبل الخلطة دي كان أكحل من شعر غاليه. بس من يوم ما داومت لي أمي عليها وبحطش غيرها على شعري من سنين وشعري بقى كيف ما أنتِ شايفه. وشعر أمي اللي كان بيوقع لحد ما كانت قربت تقرع رد تاني وبقى أحلى من شعري كمان.
تماضر: والله لأجيب وأعمل لغاليه. وحتى إني لأدهن منه. أما هي بتعيش أحسن مني يعني!
جماره: ابعتي عليهم وإني أعملهم لك. إني أعرف.
تماضر: النهارده كل حاجة تكون عندك وتعمليهم.
جماره: من عيوني.
تماضر: تسلم عيونك. يلا تعالي ساعديني عشان نطلع نفطر. إلا إني جعت قوي. ما أتعشاشي وأقوم الصبح قلبي مهفوف كيف ما بايتة طول الليل أرضع.
جماره ضحكت بخفة وراحت أخدت الكرسي وساعدت تماضر تقعد عليه وزقتها وطلعت معاها وحطت طرحتها على كتفها عشان حكيم مش قاعد في السرايا.
بعد ما خلصوا فطور، جماره فكرت في كلام خالتها تماضر وقررت إنها تاخد أول خطوة وتحاول تقرب من غاليه.
جماره: خاله إني هطلع لغاليه أوضتها. وانتِ أمانة عليكي تسألي بشندي عن الصوت بتاع امبارح. إلا إني لسه حاسة بيه في وداني من وقتها.
تماضر ابتسمت لجماره اللي بتسمع كلامها وتطيعها في كل حاجة تقولها عليها: هسأله والله. بس عشان أطمنك. لإن إني عارفة إنه مفيش حاجة. وبمناسبة غاليه، إني هقولك من أولها. اتحمليها واتحملي كلامها اللي هينزل عليكي كيف الدبش. هي بتقول وتندم صدقيني.
جماره هزتلها دماغها بتفهم وقامت طلعت السلم ووقفت مترددة قدام أوضة غاليه هبابة. وبعدها اتشجعت وخبطت على الباب ودخلت بعد ما غاليه أذنت لها.
***
تماضر بعتت زبيدة لبشندي جابته وسألته على اللي قالتهولها جماره. وهو ما استناش تكمل كلامها وجرى أمر الرجالة يطوقوا السرايا ويلفوا حواليها وهو معاهم. لفوا حدود السرايا كلها ملقوش غير أثر تراب في قفا السرايا جاي من حتة أرض متجرفة تربتها. الأرض دي كانت ملك غازي ورا المشتمل بتاعه طوالي.
رجع بشندي وطمن تماضر إنه مفيش أي حاجة. وأكد لها إنه مفتاح عينه هو والرجالة زين وإنهم ما يخافوش من أي حاجة.
تماضر اطمنت أكتر وهتطمن جماره بعد ما تنزل من عند غاليه. أما جماره فأول ما دخلت أوضة غاليه اتنحنحت وغاليه بصت لها باستغراب وسألتها: فيه إيه يا جماره؟ أمي عايزة حاجة؟
جماره: له خاله ما عايزاش حاجة. إني اللي جايه لحالي أقعد معاكي هبابة.
غاليه رفعت حاجبها بتعجب: أشعجب يعني!!!
جماره: لقيتني لحالي وملقياش حد من سني أقعد وأتحدت معاه غيرك، قلت أجيكِ ناخدو وندّو مع بعض في الكلام ونأخدو بحس بعض.
غاليه: بت انتي اسمعيني زين. إني لا هاخد ولا هدي. ولو انتي صممتي تاخدي وتدي معايا هاخد منك وأديكي بقزازة الريحة دي في نفخك أفتحهولك. إني ما أطيقكش.
قالتها ولفت للتسريحة وفتحت شعرها ومسكت المشط وابتدت تسرح شعرها الواصل لآخر رقبتها. وجماره افتكرت كلمة خالتها تماضر على شعر غاليه إنه عامل كيف ديل المعزة المحروق وضحكت بتلقائية ضحكة خفيفة. لكن ضحكتها كانت بمثابة إشارة لغاليه بالانفجار.
غاليه سابت المشط من إيدها وبصت لجماره في المراية وديقت عينيها. وجماره أول ما شافتها اختفت الابتسامة اللي كانت على وشها. حطت إيدها على بوقها بخوف.
غاليه فتحت الدرج بتاع التسريحة ببطء وعينيها لسه على جماره في المراية وحستت بأيدها على حاجة وتوقفت إيدها لما الحاجة دي جت تحت منها. ورفعت إيدها ولفت على جماره وقامت ببطء وهي مخبية حاجة ورا ضهرها.
اتقدمت لغاية ما بقت قصاد جماره اللي كانت قاعدة على السرير وميلت عليها وطلعت إيدها من ورا ضهرها بمقص حطته قدام وش جماره.
غاليه: بتضحكي على إيه ياحيلة أمك؟ بتضحكي على شعر غاليه اللي مش كيف شعرك!! بتقولي جاية تاخدي وتدي وانتِ جاية تتمقلي علي! شايفة حالك وفرحانة بجمالك قوي انتي ها؟ طب إيه قولك إني أنا اللي هضحك عليكي دلوقتي وانتي نازلة من أوضتي بحاجة ناقصة منكِ. بس آخد منك إيه؟ آخد منك إيه؟ أقطعلك ودن؟ ولا أفقعلك عين من عينيكِ الزرق الحلوين دول؟ ولا أشق خشمك لودنك من الناحيتين وأخلي ضروسك كلها تبان؟ ولا...
وقبل ما تكمل جماره قاطعتها: مش قصدي... والله ما قصدي. ده إني افتكرت حاجة ضحكت عليها والله مش عليكي.
غاليه: اششش... اسكتي خليني أعرف أفكر زين.
جماره اتنترت وقامت وقفت: له خلاص متفكريش. إني نازلة ومهبوش ناحية غرفتك تاني أبداً.
واتحركت بسرعة من قدام غاليه قاصدة باب الأوضة. لكن غاليه مسكتها من شعرها اللي كان ملفوف جديلة واحدة وبدون مقدمات ضربت المقص فيه وقصته من نص الجديلة تحت صراخ جماره المستمر. لكن غاليه ما كانتش سامعة ولا شايفة.
جماره ضمت شعرها وبصت بقهر لنص الجديلة اللي في إيد غاليه واللي كانت بصالها ومبتسمة بانتشاء. وسألتها بصوت باكي من بين دموعها: ليه عملتي كده يا غاليه؟ حرام عليكي... ليه تقصي شعري؟ عملت لك إيه إني؟
غاليه: بأدبك. لقيتك محتاجة أدب قلت أدبك. وكمان عشان فرحانة بشعرك الحلو ده وبتضحكي على شعر الناس. وكمان شايفة إنك فرحانة بعينيكِ الزرق الحلوين دول قوي انتي.
وقربت المقص لوش جماره اللي جريت من قدامها بسرعة البرق وفتحت الباب ونزلت تتدحرج دحرجة على السلم لغاية ما استقرت في حضن تماضر اللي كانت قاعدة في بهو السرايا.
تماضر: بسم الله الرحمن الرحيم. مالك يابنتي؟ عملت فيكي إيه المهووسة دي؟
جماره متكلمتش لكنها مسكت جديلتها ومدتها قدام تماضر اللي شهقت أول ما شافتها وضربت على صدرها بصدمة: يا مرة... قصتلك شعرك. عملت كده ليه الواكلهم دي؟
جماره ببكا: بتقول بتربيني.
تماضر: والله ما حد ناقص ترباية غيرها البقرة دي. طب والله بس تنزل أم مخ مفسي دي. وحضنت جماره وباست دماغها. حقك عليا إني. امسحيها فيا إني يابنتي. خلاص نوى البلح كله هتاخديه انتي وإدهني شعرك وهيطول تاني بإذن واحد أحد. أما هي ورحمة الغوالى لأكون شاكياها لحكيم وهو اللي هياخدلك حقك منها بت المهبوشة.
جماره: أوعي تقولي لي روحي لها تاني. دي كانت عايزة تفقع عيني لولا ما رمحت من قدامها رمح.
تماضر: يا حزني ياااابوي يا حزني. استحمديه إنك طلعتي حية من أوضتها وحقك على راسي يابنتي. والله ما أعرف إن حالها متكحرت ومتدهور للدرجة دي.
أثناء ما بيتكلموا ونزلت غاليه تتمخطر على السلم وقالعة طرحتها وعاملة ضفيرتين كل ضفيرة في ناحية وكل ضفيرة نصها الفوقاني أسود ونصها التحتاني أحمر وفنص كل واحدة شريطة مربوطة فيونكة ونازلة تغني: والشعر الحريييير عالخدود يهففففهف ويرجع يطييييرررر.
جماره شافت شعرها موصول بشعر غاليه وزادت في البكا من بعد ما بصت لجديلتها القصيرة. أما تماضر فزعقت لغاليه بصوتها كله: إيه اللي عملتيه ده يا مجنونة انتي؟ بتقصي ليه شعر البنية الهي تقص رقبتك يا بعيدة.
غاليه مردتش عليها وكملت نفس الأغنية وهي مكملة السلم نزول.
تماضر: إلهي تجيلك هفة في نافوخك فوق ما أنتِ مهفوفة يا شيخة. وطول شعرك وبقى زين دلوقتي لما وصلتيه بشعر الغلبانة؟ بتضحكي على حالك يعني ولا على مين؟ برضه جماره هتفضل في عين غازي حلوة وأحلى منكِ حتى لو حلقتي لها صفر. وانتي ابقي توفي على وشي لو حد بص في سحنتك دي يا مهووسة. أصلاً مين هياخد له وحدة من غير عقل يحطها في نص بيته. غورى يلا من قبالي. اطلعي على سرايتك الصفرا فوق واترزعي فيها رزعة ترزعك يا بعيدة.
غاليه بصت للاثنين بطرف عينها وطلعت تاني أوضتها وهي بتلعب في ضفايرها الجديدة. وسابت وراها جماره اللي مراقباها بحسرة والدموع مغرقة وشها والندم هياكل قلبها على الساعة اللي فكرت تطلع فيها لغاليه أوضتها.
عدت ساعات النهار الأولى وتماضر بعتت بشندي لعيشه أم جماره تيجي تقعد معاها وتهون عليها. وخصوصاً إن غازي ما قعدش عشان الاتنين ياخدوا راحتهم مع بعض.
عيشه جات طوالي وأول ما شافتها جماره اترمت في حضنها تبكي بعد ما رفعت لها جديلة شعرها ورتها لها من غير كلام. وعيشه شهقت وسألت مين اللي عمل كده. ولما تماضر حكتلها اللي حصل من بتها غاليه واتعذرت منها. وعيشه شافت الخجل في عيني تماضر من عملة بتها اتفهمت ومحبتش تزود على الولية عذاب الضمير. وطيبت خاطر جماره وقالت لها: أصلاً شعرك وهو قصير أحلى. ولو كنتي حابة الطول هعملك الخلطة اللي بتطوله وأجيب لك قزازة بطولك وتدهني منها لحدت ما شعرك يرجع يطول تاني.
تماضر بكسوف: إني اللي هجيب لها الزيوت ونوى البلح. هخلي غاليه تطلع نخل البلد نخلة نخلة ومتنزلش من على النخلة غير وهي واكلة بلحها كله ومحوشة الفصى في حجرها بت المحروقة دي.
عيشه ضحكت على كلام تماضر وجماره ابتسمت لما عيشه ضحكت ومدت إيدها مسحت عينيها. وعيشه بطريقتها عرفت تنسي جماره شعرها وتضحكها. وكملت فرحتها أكتر لما بتاعة التوت جابت لها التوت زي كل يوم.
في آخر اليوم جماره خافت تطلع تنام في أوضة حكيم وطلبت من تماضر إنها تبيت معاها. وتماضر طمنتها بخصوص الصوت اللي سمعته وإنه بشندي اتأكد إنه مفيش حاجة وإنهم كانوا بيجرفوا أرض غازي ورا البيت وإنه أكيد موصيهم قبل ما يسافر يعملوا كده.
لكن جماره صممت إنها تنام مع تماضر. وإن خوفها المرادي مش من الصوت. خوفها المرادي من غاليه اللي اتأكدت من جنانها وخافت تستفرد بيها فوق وتفقع عينها ولا تدبحها ومتلاقيش حد ينجدها منها. وخصوصاً إن زبيدة بترجع بيتها في آخر اليوم وتماضر مشلولة ومبقاش غير هي وغاليه لحالهم. وأصلاً حتى أوضة خالتها تماضر قررت إنها تقفلها عليها عشان لو غاليه حبت تموتها هتدخل تموتها جار أمها وتماضر الغلبانة ما تقدرش تعملها حاجة ولا هتقدر تقوم تحجز عينيها.
نامت جماره جار تماضر للصبح وتاني يوم طلعوا يفطروا ونزلت لهم غاليه وهي لسه حاطة شعر جماره في ضفايرها وقعدت تفطر معاهم من غير ولا كلمة وعينيها على جماره اللي كل ما تبص عليها ترجع تبص لصحنها تاني. وكل شوية تمسك إيد خالتها تماضر من تحت الطربيزة خوف من نظرات غاليه. وتماضر تطمن فيها وتزغر لغاليه عشان تشيل عينها من على جماره. لكن بتزغر لمين؟ غاليه ما بتردش خالص.
خلص اليوم التاني وبالليل جماره احتاجت غيار عشان تتسبح وافتكرت إن خلجاتها فوق وطلعت تتسحب عشان تجيبهم وخايفة أحسن غاليه تحس بيها ولا تشوفها. ومشت من قدام أوضتها على طراطيف صوابعها وفتحت باب أوضة حكيم ودخلت بالراحة.
راحت على بؤجة الهدوم وأخدتها وهتطلع من الأوضة وحست بهزة خفيفة كيف اللي حست بيها قبل كده. سابت البؤجة ونزلت على الأرض وحطت ودنها وسمعت صوت الضرب مرة تانية مع الهزة. واستغربت إنه كيف محدش سامع الصوت ده ولا حس بيه من غاليه ولا خالتها تماضر! بس رجعت اتفكرت إنها ما سمعتش أي صوت وهي نايمة مع خالتها تماضر. ولا بتسمع أي صوت من أي حتة غير من الأوضة دي.
أثناء ما هي على وضعها نايمة على الأرض وحاطة ودنها وبتسمع وبتفكر مع نفسها، باب الأوضة اتفتح مرة واحدة. وجماره رفعت دماغها بسرعة وخوف وشافت رجلين غاليه. صرخت وقامت منتورة ونزلت جري كيف الصاروخ وحتى ما أخدتش خلجاتها ونزلت تتكحرت على السلم من الخوف. وغاليه صوت ضحكتها رج السرايا رج وهي شايفة منظرها.
دخلت جماره أوضة تماضر وقفتلت الباب وراها ورمحت نامت جار تماضر ولكلكت نفسها بالغطا مبينتش منها لا إيد ولا رجل ونامت من غير ما تتسبح.
***
عدت الأيام يوم ورا التاني وجماره لسه خايفة من غاليه. مع إنها ما بتعملهاش حاجة غير إنها تبصلها وتبحلق. وجماره تشوف بصة غاليه وتنشف في خلجاتها. وطول الوقت ملازمة خالتها تماضر ومعتتحركش من جارها أبداً.
أما عند حكيم فالنهارده آخر يوم ليه في القاهرة. وبعد ما خلص شغله نزل السوق واشترى خلجات على ذوقه لغاليه وأمه وربطات للشعر وأطواق للشعر. واشترى لجماره زي غاليه بالظبط وزاد عليهم قزازة عطر بريحة الياسمين اللي علطول تحط منها جماره وحاطهالها مع باقي حاجتها.
وهو اشترى لنفسه شوية حاجات من هناك ومنسيش بشندي وحتى زبيدة منسيهاش بحتة قماشة وشال قطيفة كيف بتاع أمه وزيهم جاب لعيشه أم جماره.
ماشي وراجع على مطرحه بالحاجة اللي اشتراها ووقف قصاد محل بيبيع عصافير للزينة. بص للعصافير وافتكر جماره ووقفتها قصاد قفص العصافير بتاع المهندس اللي شغال في الجمعية الزراعية بتاعة البلد وتفضل تتفرج عليهم وتضحك وهي شايفاهم يتنططوا قدامها ومتمشيش غير لما أمها تشدها من قصادهم وتاخد راحتها في الوقفة والفرجة عليهم في اليوم اللي أمها ما تكونش معاها فيه.
ابتسم ودخل المحل واشترى جوز عصافير شكل بتوع المهندس بالظبط وقرر إنهم يكونوا اعتذاره على المرتين اللي كسر خاطر جماره فيهم وزعق فيها وشاف الزعل في عينيها بسببه.
رجع مطرحه ولم خلجاته وأخد حاجته وسافر بالليل عشان يوصل لبلده الصبح.
***
الصبح الكل قاعدين على السفرة يفطروا وغاليه قاعدة كالعادة من ساعة ما قصت شعر جماره. وكل يوم توصل بيه ضفيرتها وتنزل بيه عشان تغيظ جماره وترد لها ضحكتها على شعرها قهر وهي شايفة شعرها المقصوص على شعر غاليه. وحتى مش هاممها كل كلام أمها وشتيمتها ليها. أهم حاجة عندها تشوف الغيظ في عين جماره على شعرها.
أثناء ما هما قاعدين سمعوا صوت آخر واحد جماره وتماضر حابين يسمعوه بيصبح بصوت عالي وهو داخل السرايا. صوت غازي.
الوحيدة اللي لفت له وعينيها بتلمع لهفة لشوفته هي غاليه اللي الابتسامة شقت حلقها من أول ما دخل لحدت ما قعد معاهم على السفرة. رفعت الطرحة اللي كانت على كتفها وغطت شعرها بس تعمدت تسيب نص الضفيرة الأحر ظاهر قدام غازي عشان تحرق قلبه على شعر مرته.
غازي: إيه مال وشوشكم عاملة كده ليه على الصبح كنكم ميتلكم ميت!
تماضر بسرعة: توف من خشمك الشر بره وبعيد. الملافظ سعد يا غازي. مالك يا ولدي داخل علينا بفالك العفش ليه!
غازي بضحكة: ببضحك معاكي يا مرت عمي. بس إيه ده؟ مفيش حمد لله على سلامة ولا اتوحشتك يا غازي ولا حاجة أبداً؟
تماضر: ألف حمد لله على سلامتك يا ولدي. يا رب تكون اتوفقت في شغلتك اللي سافرت لها على غفلة دي ولا كانت على البال ولا على الخاطر!
غازي بضحكة: تقدر تقولي كده يا مرت عمي. اتوفقت قوي بس عشان تكمل وتتم على الآخر لازملها سفرية تانية وتبقى ضربة العمر وطاقة الجنة اتفتحت لي.
تماضر: ربنا يرزقك بالحلال ويغنيك بحلاله عن حرامه.
غازي: متقلقيش. كله بالحلال وكله بالأصول.
قالها وبص لبعيد وابتسم ابتسامة جانبية ومد إيده يملس على دقنه بتفكير. أما جماره فما نطقتش بكلمة واحدة مع غازي وفضلت طول الوقت بصاله بسكوت وجواها خنقة رجعت لها بمجرد رجوعه بعد ما كانت مرتاحة من كابوس اسمه غازي.
غازي انتبه عليها وبصلها وضحك كأنه كان ناسيها واتكلم بصوت عالي: جماااااره.. تصدقي ما خدتش بالي منكِ ههههههه. كيفك يا ملكومة؟ أكيد زينة من غيري صح؟ بس تصدقي ليكي وحشة يا مضروبة. قومي قومي بينا على المشتمل بتاعنا عاوزك في كلمتين.
قام وقف وجماره قامت باستسلام ومشيت معاه. وغاليه حست بالغيرة بتاكل في قلبها وهو حتى ما بص لها ولا لاحظ شعر مرته. جماره المقصوص ولا عرفت تحرق قلبه عليه كيف ما كانت فاكرة إنه هيحصل.
غازي حط إيده على كتف جماره حاوطها ومشي وهي معاه. وميل عليها وهمس في ودنها: مع إني زعلان منكِ على مقابلتك الباردة لجوزك بعد عشر تيام غياب. وحدة غيرك كانت اتشعبطت في رقبتي شعبطة ولبدت في حضني لبد. بس هقول إيه البارد بارد.
قربوا على المشتمل ووقف غازي مرة واحدة وابتسم وهو شايف حكيم داخل من بوابة السرايا وبشندي جاي وراه شايل حاجات كتير.
جماره أول ما شافتهم رفعت طرحتها من على رقبتها وغطت شعرها ولفته زين حوالين رقبتها. وحكيم شافها وغصب عنه حن لأيام ما كان يشوفها لافة الطرحة وملثمة وشها ما يبان غير عينيها. واتمنى لو تعمل كده وتحدد عينيها ويشبع شوف منهم وعينيه ما تتوهش في كل تفاصيل وشها.
قرب منهم وغازي سلم عليه بالحضن وبحرارة وحكيم رد له السلام وحضنه وعينه حضنت جماره بشوق ولهفة متتوصفش وقلبه أعلن طبول الحرب من فرحة لقى الحبيب بعد الغياب.
غازي بعد حكيم عن حضنه لما لقاه مستسلم للحضن وعرف إنه أكيد باصص لجماره وبيشبع عينه منها من بعد الغياب. وحكيم انتبه لنفسه واتنحنح وعدل هدومه بارتباك.
حكيم: طيب عن إذنكم هدخل للجماعة.
غازي: خد راحتك يا ولد عمي. وأني كماني هاخد جماعتي على مطرحنا اللي مشتاق لها ومشتقالي قوي. منت أكيد خابر عاد شوق الحبيب لحبيبه بيكوي كيف هههههه.
وضحك ضحكة سمجة خلت حكيم يتحرك من قدام غازي فوراً اتجاه السرايا. أما جماره فمشت مع غازي اللي شدها من إيدها وهي سرحانة في البصة اللي باصلها حكيم وشافت فيها لهفة ما شافتهاش في عيون غازي جوزها لما عاد! لمعة عينه وهي بتتجول في ملامح وشها خلت قشعريرة سرت في جسمها متعرفش سببها إيه. بس اللي تعرفه زين إن بصة حكيم ليها بالشكل ده وراها حاجة هي مش قادرة تفهمها.
دخلت المشتمل مع غازي وأول ما دخلت شافت أثر تراب في الأرض وأثر رجلين كتير والمنظر خلى جماره شهقت وضربت على صدرها بصدمة: إيه ده يا غازي؟ إيه التراب ده ورجلين مين دي؟ المشتمل اتسرق واحنا مقاعدينش ولا إيه؟
غازي قرب منها بسرعة ومسك رقبتها في إيده ضغط عليها واتكلم بنبرة صوت واطية: شششششش. ما تسمعش حسسسسك. مفيش حاجة اتسرقت ولا حاجة.
جماره بخوف وبصوت متقطع: أما إيه ده... وليه خانقني كده من غير سبب؟ بعد عني هو إني عملت لك إيه؟
غازي: ما عملتيش. وخانقك كده عشان حياتك في إيدي. أموتك أسبك أخنقك في أي وقت عايز أعمل فيكي حاجة هعملها. ولو عايزة تعرفي إيه ده هقولك.
واخدها وفتح لها الأوضة اللي مش بيفتحها أبداً من يوم ما اتجوزوا ولا بيرضى يقول لها السبب.
جماره شهقت أول ما غازي مدها من كتفها لجوه الأوضة وشافت سرداب بسلالم وحفرة في نص الأوضة وجارها غطا أسمنت مسلح على كد فتحة الحفرة مسنود على الحيطة.
غازي قرب منها وهمس في ودنها: عارفة دي إيه؟ دي قبررررر... قبرك يا جماره.
جماره بعدت عنه بخوف وقدرت تتحرر من إيده وكانت هتجري على بره. لكنه رجع مسكها تاني وسيطر عليها سيطرة كاملة.
غازي بضحكة مصطنعة لما شاف الخوف في عيني جماره وحس بالخطر إنها ممكن من خوفها تفضح سره اللي له سنين داسه: خفتي يا ك... يا هبلة ده أنا بضحك معاكي. تعالي أنا هفهمك على كل حاجة.
وخدها تحت دراعه وراح بيها على أوضة نومهم وقعدها على السرير بإيديه الاتنين وميل عليها يهمس بتحذير: بس اللي هقولهولك ده يا جماره سر يفضل بيناتنا ومفيش مخلوق يعرفه، وإلا الحفرة دي هتبقى قبرك بحق وحقيق وما فيش مخلوق يعرف لك طريق جرره. فهماني يا جماره؟
جماره هزت دماغها بالموافقة بخوف وعينيها على غازي وكل حركة منه وجفلت لما قعد وقرب منها مرة واحدة.
غازي بضحكة: متخافيش. تعالي تعالي. عارفة الحفرة دي بتاعة إيه؟ الحفرة دي طاقة القدر يابت. الحفرة دي هي اللي هتخلينا أغنى ناس في البلد وفي البلاد كلها. السرايا ده تحتها آثااااار. عارفة يعني إيه آثار؟ يعني تماثيل دهب. تمثال بطولك كده. مصبوب دهب صب. بالك انتي لو الدهب ده طلع صح وتعبى جه بفايدة. لدندشك بالدهب من ساسك لراسِك. واخليكي ست ستات البلد كلها. فهمتيني؟
جماره حركت دماغها بفهم: طميرة يعني.
غازي: عليكي نووور. طميررررة.
جماره: بس إني أسمع إن الحكومة بتحبس النقابين على الطماير!
غازي: مظبوط. وعشان كده إني بعمل كده في السر ومحدش يعرف عشان ما اتحبسش.
جماره: طب وسي حكيم يعرف؟ يعني لو طلعت الطميرة له فيها؟
غازي بحده: له ما يعرفش. وما ينفعش يعرف. وما ينفعش ياخد من الطميرة. الكنز ده بتاعي أنا لحالي وبس. حكيم كفاية عليه اللي حداه واللي في الأصل كله بتاعي أنا وحقي اللي أخده هو وأبوه ظلم وعدوان.
جماره حسّت إن دي فرصة تعرف فيها سر أرض غازي وكيف اتنقلت لحكيم وأبوه وإيه سر موت أبوه. قربت منه واستغلت سرحانه وسحابة الحزن اللي لاحت في عينيه وحطت إيدها على خده واتكلمت بهمس: احكي لي كيف حصل ده كله. قولي كيف حكيم وأبوه خدوا أرضك وكل أملاكك وهما كانوا أجراء حداكم. وإزاي في الأصل كل الأرض كانت ملك جدك وورثها أبوك لحاله وعمك صفى بيه الحال أجير حداكم؟!!!
جاوبها غازي وهو لسه سرحان وغايب عن الدنيا بخياله: عمي جاهين أبو حكيم طول عمره قلبه متعلق بالكتاتيب والعلم وقراية القرآن وحفظه. قضى عمره من كتاب لكتاب ومن درس شيخ لدرس شيخ تاني. عمره ما تعب في أرض ولا مد يده بفأس في لحاها. الأرض وخيرها كله كان من كد وتعب وعرق أبوي. هو اللي كان يباشر الأرض من أول ما يفتح عينه لحد ما يوقع من التعب في آخر النهار. حتى لما جه عمي يتجوز طلع عن طوع جدي واختار وحدة غريبة عن عيلتنا ومرضاش يتجوز بت عمه اللي جدي خطبهاله وصغره بين الخلق. لولا أبوي ما حفظ مقام جدي قدام الخلق واتجوز بت عمه. اللي هي أمي الله يرحمها. وخلفني وعمي جاهين اتجوز تماضر مرت عمي وخلفت حكيم ومن بعده غاليه. وفضل برضه في دروب العلم والكتاتيب وياكل ويشرب وعايش هو وعيلته من كد أبوي وشقاه. كتير جدي كان يقول لأبوي روح الأرض مع أخوك وشوف أحوالها وأفلح فيها. كان يروح على عقل جدي ساعة وحدة مفيش غيرها ويرجع طوالي كيف ما يكون بيُطق مشاهر ويعاود. جدي ما كانش عاجبه وضع عمي وكان دايماً يقوله حالك ده ما يسروش عدو ولا حبيب. إني عايزك شديد. عايزك تبقى كيف أخوك شاهين كده. بس عمي دايماً كنت أسمعه يرد عليه ويقوله إني لا زي شاهين ولا عايز أبقى زيه. إحنا غير بعضنا يا بوي متحاولش تغيرني. جدي لما ما لقاظ فايدة من عمي تركه ونفض إيده منه. تعب جدي بعدها ووصل للموت وهو على فراش الموت كتب كل أرضه لأبوي بيع وشرا وبصم عليها وشهد الناس على الكلام ده. بس قلة تدّي حق أخوك من إيراد الأرض أول بأول، تاخد تلتين تلت تعبك وتلت نصيبك وتدي التلت لأخوك. وأبوي قال: عُلم. ومات جدي بعدها بمده قصيرة وساب كل أملاكه لأبوي عشان كان متأكد إن اللي هيوبقى في إيد عمي هيقل مع الوقت ما يزيدش.
لكن عمي ومرت عمي ما لادهمش الكلام ده وظاطوا بعد موت جدي وطالبوا بورثهم. لكن مقدروش ياخدوا حق ولا باطل قصاد الورق وشهادة الشهود اللي أقروا بصحة الورق في مجلس شيوخ والموضوع اتقفل على إن الأرض كلها من نايب أبوي. عمي الحق يتقال سكت بعدها طوالي. بس مرت عمي هي اللي ما سكتتش وفضلت كل ما تشوف وش أبوي تقوله: الحرام ما بيدومش يا شاهين. لحدت ما تعبت أمي ورقدت في فراشها ومرت عمي استغلت الوضع وبقت عايشة في بيتنا ليل نهار بحجة إنها بتراعييني وتراعي أمي. إحنا كنا عايشين في السرايا دي. يعني هي بتاعة جدي الله يرحمه. عمي لما طلع عن طوعه واتجوز غصب عنيه خيره بين قعدة في السرايا وبين جوازه من الغريبة وهو اختار الغريبة وجدي قله خلاص حدك معايا هنا. صح طرده بره السرايا بس أبوي ما هانش عليه مرمطة عمي وخصوصاً إنه ما كانش معاه حاجة وأبو مرته اللي كان الشيخ بتاعه في الكتاب قله إني هجوزك بتي من غير أي حاجة وهسكنك انت وهي معايا في بيتي كمان. ورزقي ورزقكم على الله. أبوي ما قدرش يتحمل إن عمي يجرسه وسط الناس ويقولوا عليه أخو الشيخ شاهين عايش في بيت ناس مرته. أداله بيت جدي القديم اللي كانوا كلهم قاعدين فيه قبل ما جدي ربنا يفتحها عليه ويشتري السرايا. وخلّاه نقل فيه. عاش عمي ومرته وولده على فلوس دروس القرآن اللي كان بيحفظها لأولاد البلد. وعلى الرغم إن أبوي كان بيبعت له نصيبه من إيراد الأرض على يد ناس. إلا إن عمي كان يرفض ياخدهم وكان يرجع المرسال بيهم تاني.
أتاريه ما كانش عايز بيضة من الفرخة كان حاطط عينه عالفرخة كلها. كان مرقد لأبوي ولابده في الدرة. بس العيال كلها اتعلمت ومعادش كتابة يجيب فلوس كيف أول. لما ما لقاظ فايدة نزل يدور على شغل في الأرض حدا الناس. أبوي لما عرف راح له وعرض عليه فلوس وهو رفض زي عادته. قام قله حل تاني. قله ييجي يشتغل في الأرض حداه وأهو أرض أخوه أولى بتعبه وشقاه من أرض الغريب. وهيديه يومية زينة. وبعد تل وسحب عمي وافق ونزل يشتغل في الأرض مع أبوي. وبعدها بشوية عمي جاب حكيم يشتغل معاه لما لقى أبوي بيديه يومية زينة وأكتر من أي أجير. وقال لك زيادة الخير خيرين وأهو اسمه شغال بالفلوس اللي هياخدوها مع إنها أكتر من حقهم بكتير. ومن ساعتها وبدأ اللعب عاد. مرت عمي من ساعة ما بقت تيجي تاخد بالها من أمي وأمي كل يوم حالتها بتتدهور. تكون كيف الوردة وكل يوم الوردة بتدبل عن اليوم اللي قبله. لحدت ما في يوم لقينا أمي ميتة في صبحية لما دخلت أصحى عليها. دفناها وخلص عزاها وبعدها أبوي قامت قيامته لما ما لقاظ دهب أمي ولا سُيّغتها اللي كان مشتريهالها بشيء وشويات. عرف وقتها مرت عمي كانت قاعدة تحت رجلين أمي ليل نهار ليه. جاب أخوه ومرته وباقرهم بسرقة الدهب والتنين حلفوا أيمان الله ما يعرفوا عنه حاجة أبداً. ومش بس كده. دي مرت عمي سرقت فلوس كان أبوي شايلها في البيت من إيراد الأرض وبرضه حلفت إنها ما شافتها ولا تعرفها. يومها أبوي طردها من السرايا وطرد عمي من الأرض وحلف له إنه هياخد الدهب والفلوس من حباب عينيه طالت ولا قصرت. طبعاً الكلام ده كان قدام راجلين من رجالة أبوي وذراعه اليمين وقدامي أنا ونبه علينا ما نجيبش سيرة لأي حد باللي حصل ده عشان هيبة أبوي وسط الشيوخ وكبارات البلد هتضيع لو عرفوا إن أخوه ومرت أخوه حرامية. ومن يومها وعمي جاهين وولده ومرته بعدوا عننا. بس أنا كنت متعلق بحكيم وما كانش عندي حد ألعب معاه غيره. كنت دايماً أروح له بيتهم. كنت دايماً أسمع مرت عمي بتحسبن في أبوي وتدعي عليه وتحشي راس عمي عليه ليل نهار. بس عمي الحق يتقال ما كانش يسمع منها ولا يسمع لها ولا حتى يرد عليها. وكل ما تكلمه وتجيب سيرة أبوي كان يفتح كتاب القرآن بتاعه ويفضل يقرأ بصوت عالي لحد ما تسكت. الحق يتقال في المعاملة ما كانتش تفرق بيني وبين حكيم غير في الحضن والبوسة بس. بس وكل شرب غسيل كل حاجة زيي زيه. حكيم وقتها اشتغل لبّان يلم اللبن من أهل البلد في أقساط على حماره اشتراه من فلوس شغله اللي كانت باقية من شغله في أرضنا وبقى كل يوم يلم اللبن ويروح يبيعه في البندر ويرجع. كان أبوي الشيخ خزيان من شغلانة ولد أخوه بس كل ما حد كان يكلمه عليه كان يقله: الشغل مش عيب واليد البطالة نجسة. ويسكت الناس. بس هو من جواه عيفور غيظ ومستحي. لحدت ما في يوم أبوي فاض بيه وراح عشان يكلم عمي يخلّي حكيم يبطل شغلانته دي ويديه فلوس عشان يصرف منها.
لكن اللي حصل يومها إن أبوي وقع من سطوح بيت عمي على دماغه. نزل ميت في التو واللحظة. طلع السطوح ليه؟ وقع كيف؟ محدش قدر يعرف ولا يفهم. بس أنا عارف ومتأكد إن عمي ومرت عمي هما اللي ورا موتت أبوي. وعشان ربك بالمرصاد مرت عمي وقعت في نفس اليوم من على السلم ظهرها اتكسر واتشلت من يومها كيف ما أنتِ واعية. بعدها عمي ما رضاش إني أعيش لحالي في السرايا وإني قطعت رجلي من بيتهم. ما قدرتش أشوف مطرح ما مات فيه أبوي وأدوس عليه وأنا داخل وأنا طالع. كنت بحس إني بدوس على روح أبوي. وجه عمي ومرته عاشوا معايا في السرايا بحجة إنهم يراعوني وياخدوا بالهم مني. أنا من يومها الدنيا اسودت في وشي. لا أم ولا أب ولا أخ ولا أخت. حتى حكيم عمي بعده عني وحطه في مجالس الذكر ومشّاه على طريقه في كتاتيب الشيوخ بعد ما عمي مسك الأرض وبقى يصرف من خيرها عاد. بس ربك عدله ببلاه بعيا في معدته خلاه عايش سنين على التمر والعيش الحاف. وفين وفين لما ياكله وكله كيف خلق ربنا لما يعاود حكيم من المجالس في البلاد البعيدة ويغصب على أبوه ياكل معاه بالغصب من أكل يكون جايبه معاه. أنا وقتها اتلموا عليا شلة أولاد حرام علموني طريق السكر والغوازى. بقيت آخد كل يوم والتاني من عمي فلوس وهو كان يديني ميقولش له. بس بعد ما يقعد ساعة يديني خطب ومواعظ عن الحرام والحلال واللي يصلح واللي ما يصلحش. وقتها عمي خد المشيخة من بعد أبوي واللي كانت من حقي بس عشان لسه في عمر الصبا ما كانش ينفع إني أمسكها مطرح أبوي. وقتها عمي قال لي: إني هحفظها لك لحد ما تشب عودك وتبقا أهل لها. وبقى هو شيخ البلد وولده حكيم بقى يقرأ العيال في الكتاتيب. وأنا فضلت ماشي في طريق الهلس لحدت ما كملت 18 سنة. وقتها كل ما كنت أطلب من عمي فلوس يقول لي: مفيش. ما معيش. جماعَتي كانوا يسلفوني ويصرفوا عليا من حداهم لحدت ما تكمت عليا فلوس كتير قوي. ولما عرفوا واتأكدوا عاد إني ما عادش معايا فلوس ولا عمي عاد يديني فضلو يطالبوا فيا ويزنّقوا عليا بالحديث. ما كنتش عارف أعمل إيه ولا أسوي إيه لحدت ما واحد فيهم قال لي: بيع قراطين من أرضك وسد دينك. هي الأرض ورثك من أبوك ومن حقك تتصرف فيها وقت ما تريد. أنا الفكرة خشت في نافوخي ولقيت صح مفيش حل قصادي غيرها. يومها قلت لعمي الحديث ده وهو اتجنن وبقى يفت ويقطع: كيف أبيع أرض من أرضي عشان أصرفها على الغوازى وشرب البوظة والعرق! بس برغم كده إني صممت إني أبيع وجبت من كبارات البلد شهود وقعدت قصاد عمي معاهم عشان يخلوني أبيع أرض أبوي. وبالفعل استسلم عمي ووافق إني أبيع من أرضي ووقتها كان البيع بالعُرف. يعني عقد أخضر واتنين شهود ويتم البيع. وتم البيع لكن صدمتي كانت في إن عمي هو المشتري. جاب فلوس من وين وكيف ما عرفت. وما وقفش الحال عند اهنه وبس. له ده أنا استحليت للفلوس والصرف واللعب وبدأت أبيع في أرضي حتة ورا حتة وكل مرة يكون عمي فيها هو المشتري صدمتي تكبر أكتر. واتأكدت وقتها إن عمي ومرت عمي هما اللي سرقوا دهب أمي وفلوس أبوي. وإنهم اشتروا أرضي بفلوسي. وما فوقتش لحالي غير وإني بايع آخر شبر من أرضي. حتى السرايا بعتهاله وبقيت عايش معاهم عالة. شفقة منهم على رأي اللي قال. ومن يومها وكل اللي كان تحت إيدي وملك يميني بقى لحكيم. وكل الناس بقت تنام تقوم ملهاش غير سيرة حكيم وأدب وأخلاق حكيم ومال حكيم وعلم حكيم. وغازي اسمه بقى يتلزق وراه أي حاجة عفشة في الدنيا. ولما عمي تعب وآل أوان رد الحق لأصحابه ونقل المشيخة استعديت. وعليم الله بعدت عن كل حاجة عفشة كنت بعملها. بس عمي ضربني في مقتل لما قعدني وسط ديوان المشايخ أنا وحكيم وقال للناس إنه هيرد لي المشيخة والناس كلها قامت تعترض بصوت عالي وعملوا هرج عشان مش عايزين غازي للمشيخة وعايزين حكيم هو اللي يمسكها. قالوا إن غازي جاهل وطايش ومش أهل لها ومينفعش يكون شيخ. بس حكيم ينفع وهو أحق بها. أتاري عمي كان طول الوقت يعد ولده لها ويعلمه أصولها وأنا قاعد غفلان على اللي هيتنطبخ من ورا ضهري. ومن يومها أرضي وفلوسي وجاهي ومشيختي والوصف الزين كله بقى من نايب حكيم. وأنا على حطت يدك قاعد وسطهم آكل وأشرب وعايش والسلام. من كام سنة بس وعيت لحالي وبقيت أنزل الأرض والشغل مع حكيم وهو يشكر الرجل يشغلني ٦ شهور ويكتب لي بيهم قيراط يشتريه لي. ويشيل حجته عنده كماني. عشان قال إيه خايف أحسن أرجع لطريق الهلس وأبيعهم وأصرف حقهم. لحدت ما بقوا الكام فدان اللي حيلتي دول بس الحق يتقال سايبهم لي أفلح فيهم وأبيع محصولهم لحسابي ومليش صالح بيهم أبداً. لكن ورقهم عند حكيم ومعرف له موضع. شفتي عمي ومرت عمي وولد عمي عملوا في غازي إيه؟ بذمتك مش ناس كيف دول يستاهلوا الحرق؟ أو يستاهلوا يترموا في حفرة كيف اللي جوه دي ويتقفل عليهم لحد ما يموتوا من الجوع والعطش.
وهنا جماره شهقت بخوف ورجع غازي لوعيه وشافها مبرقة عينيها وبتتهز في دماغها بالرفض وهمست بصوت واطي: له: لا. ممكن خاله تماضر وحكيم يكونوا عملوا كده أبداً. انت موهوم وغلطان. حكيم وأمه ناس زينة ما يطلعش منهم العيبة ولا يرضوا بالحرام.
وهنا غازي اتحول لوحش كاسر بعد سماعه لكلام جماره وكشر عن أنيابه وهجم عليها وخنقها من رقبتها بإيديه الاتنين: ما يطلعش منهم العيبة ولا يرضوا بالحرام. لكن غازي يرضى وتطلع منه العيبة صح! أنا غلطان إني فتحت قلبي واتحدت معاكي. انتي مين انتي عشان أحكي معاكي ولا أفضفض لك؟ انتي حيلة كلبة تحت رجلي. بياعة جبنة معفنة وتمامك كده وبس.
ونزل عليها ضرب في كل مكان بدون رحمة كأنه مغيب أو مش حاسس هو بيعمل إيه. أو يمكن جماره السبب في إنها حضرت كل كره السنين اللي جواه لعمّه ولعيلته وهو ما لقاش حد قدامه يطلعه عليه غيرها هي.
رواية جمارة (بين العشق والقسوة الفصل التاسع 9 - بقلم ريناد يوسف
بعد ما غازي تعب من ضرب جمارة، اللي وصل بيها الحال إنها بطلت مقاومة واستسلمت للضرب. مبقتش قادرة تحرك من جسمها غير بس رموش عنيها ولسانها. ابتدت تردد بصوت هامس مع كل ضربة دعاء كانت سمعت شيخ الجامع بيقول لو حد ضرك قول الدعاء ده وربنا هيحوش عنك ويدفع البلاء.
"ربي إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين.. ربي إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين."
غازي قعد على السرير بعد ما تعب من الضرب، ومسح العرق من جبينه بعنف. ووجهلها الكلام بمنتهى الغضب:
"مينفعشي لو كل الناس شكرت في حكيم وتماضر، انتي تشكري فيهم. مينفعش لو كل الدنيا جات معاهم، انتي بالذات تعمليها. انتي ملكي أنا ولازم تكوني تحت طوعي أنا. وعينك متشوفشي حد أحسن مني، وحتى لو عينك شافت لسانك مينطقهاشي. اتأكدي إن موتك وحياتك في الحتة دي يا جمارة.. فاهممممممة؟"
جمارة سامعة بس مقدرتش ترد، ولا حتى زعقته خلت جسمها قادر يدي أي رد فعل. ولسانها مبطلش همس بالآية.
غازي قام وبصلها بسخط لآخر مرة قبل ما يقلع هدومه وينزل في المشتمل تنضيف وكنس. وقفل الأوضة اللي فيها الحفرة وأخفى أي أثر لأي حاجة كانت بتحصل. وبعدها غير خلجاته اللي اتمرمت من التراب لجلابية بلدي وسابها وطلع. وقفل المشتمل عليها من بره بقفل حديد وأخد مفتاحه وساب السرايا خالص.
أما حكيم، فأول ما دخل السرايا جرى على أمه اللي فتحتله اديها بفرحة وهي بتحمد ربنا إنه رجعلها سليم. وبتردد في نفسها عن طول غيابه بتقولها:
"بسم الله الرحمن الرحيم. (لا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك). أحمدك يا رب وأشكر فضلك."
حكيم: "مهتتبطليش خوفك عليا ديه واصل انتي! كل نوبة أسافر وأغيب فيها عنيكي، أعود ألاقيكي منتهية من القلق والخوف. مش قولتلك مليون مرة ولدك سبع متخافيش عليه!"
"ويا ولدي.. وإني ليا مين غيرك أخاف عليه! دنتا واختك اللي طلعت بيكم من الدنيا. وبعدين حتى السبع يتخاف عليه لو وراه صياد قانصه ومستنيله أي فرصة عشان يموتك. القاصد غالب يا ولدي، وإني مأمنالك حدا اللي معتضيعش عندي الودايع. ألف حمد الله على سلامتك يا ضي عيني."
حكيم باس إيدها وخدها ودماغها وضمها بحب. وبص قدامه شاف أطباق أكل وعرف إن ديه مطرح جمارة اللي كانت قاعدة فيه بتفطر. وكلها اللي عارفة زين أصلها معتاكلشي غير حروف العيش وتسيب لبّته. ابتسم وشاور لبشندي اللي كان ناسيه واتحدت بسرعة:
"انتا لساتك واقف يا بشندي، متذنب أكده! حط الحاجة حداك وروح انت شوف أشغالك. وخد الكيس الأبيّض ديه بتاعك."
بشندي حط الحاجة ومسك الكيس اللي قاله عليه حكيم. فتحه وبص فيه وبص لحكيم واتكلم بفرحة:
"ربنا ما يقطعلك عادة ولا يحرمنا من مجايبك يا سي البيه."
حكيم: "تتهنى بيهم يا بشندي."
جاله صوت زبيدة وهي خارجة من المطبخ بتنشف إيدها في جلابيتها وبتتكلم بضحكة:
"توها السرايا اللي رجعلها نورها.. أوعك تكون نسيتني يا سي حكيم."
"عمري ما عملتها عشان أعملها النوبة دي يا زبيدة! خدي كيسك الأحمر اللي هناك ديه."
زبيدة: "راحت جرى أخدت الكيس وفتحته والفرحة بانت على ملامحها وهي بتطلع الشال القطيفة من الكيس وتحطه على كتفها وتضم روحها بيه. ربنا يوسع عليك ويلبسك من حرير الجنة قادر يا كريم. وبصت لتماضر: "شوفي يا أم البيه الحاجات الحلوة داي."
تماضر بضحكة: "افرحي يا أم لقمة هتخلصي باقي الشتا دفيانة."
زبيدة ضحكت وأخدت باقي الحاجة اللي في الكيس ودخلت المطبخ تتفرج براحتها. وبشندي أخد كيسه وطلع بعد ما طلع الشال الجوخ حطه فوق كتفه وفضل يملس عليه طول ما هو ماشي.
تماضر حطت إيدها على إيد حكيم:
"ربنا يجعل دعا الناس ليك من حدك ومن نصيبك ويفرحك على قد الفرحة اللي بتفرحهم بيها يا وليدي."
حكيم باس إيد أمه وانتبه لغالية اللي قاعدة ساكتة ومتكلمتش من ساعة ما دخل حكيم. ومكتفية إنها تبص على كل اللي حواليها بعيون دبلانة.
"غاليت قلب أخوكي عاملة كيف."
"لما تشوفي غالية عاد وتتفكرها.. أصلاً غالية حد عيتفكرها من أصلو؟"
حكيم: "بسك حديد ماسخ يا بت انتي.. طب دانتي الروح والريّة يا بت أبوي، وإنتي خابرة ديه زين. قومي شوفي جبتلك إيه حاجات هتعجبك قوووي.. كيسك الأخضر اللي هناك روح اتفرجي."
غالية ابتسمت ابتسامة حزينة:
"تسلملي وتسلم مجايبك يا حبيبي.. هقوم دلوقتي وأتفرج براحتي."
حكيم ابتسم وبص للطبق اللي قدامه وهيبتدي ياكل من عيش جمارته. مسكته بإيدها وطبق أكلت منه وكباية حليب شربت منها هبابة ولساتها فيها. لكنه رفع دماغه من الطبق والتفت بسرعة لغالية وبالذات على ضفاير شعرها وبرق عينيه لما شاف اللون الأحمر الموصول فيهم من تحت. ورفع عينه لعين غالية، ولسه هيتكلم، غالية دارت الضفيرة بسرعة تحت طرحتها وهمت عشان تقوم. لكن إيد حكيم سبقتها ومسك معصمها وقفها.
"من وين الشعر اللي واصلة بيه شعرك ديه يا غالية!"
غالية نزلت عينيها للأرض ومجاوبتش. لكن أمها تماضر ردت عليه:
"شعر جمارة يا ولدي قصتهولها وحرقت قلبها عليه المهبوشة داي."
حكيم غمض عينيه واتحدت بألم:
"ياااابوي عليكِ يا جمارة.. هتلاقيها من مين ولا من مين."
وتنهد بقلة حيلة وهو بيكمل كلامه همس:
"مقضياها ظلم بظلم بنيتي والله."
فتح عينيه وبص لغالية بعتب:
"يعني انتي شايفة إنها ناقصها ضيم يا غالية، قومك تعملي فيها أكده. عيملتلك إيه الغالبانة عشان تستاهل عملتك السودة داي؟"
غالية ردت عليه بقهر والدموع اتجمعت في عينيها أول ما ابتدت تتكلم:
"غاظتني وضحكت على شعري. طول الوقت عحسها عتقولي إني حلوة وانتي له.. إني شعري طويل وانتي له."
حكيم: "قصدك بتحسيها بتقولك غازي بيحبني أنا وانتي له."
غالية غمضت عينيها بألم وحاولت تفلت إيدها من إيد حكيم. لكنه فضل ماسكها بس بعد ما رخى قبضته واتحولت مسكته لمسكة حنونة.
"تعالى عاوز أتحدت معاكي لحالنا شوية."
وقام واخدها من إيدها وهو ماشي. مسك طبق من على السفرة ورماه عالأرض كسره. وبص لغالية واتكلم بغضب:
"ليه عملتي أكده يا غالية!"
غالية باستغراب: "عملت إيه يا خوي!"
حكيم: "ليه كسرتي الصحن مش خسارة؟"
غالية: "صحن إيه اللي كسرته يا خوي، اسم الله عليك!"
حكيم: "الصحن اللي عالأرض ديه."
غالية: "مالك يا ولد أبوي امال، مش انت اللي لسه كاسر الصحن!"
حكيم: "أيوه أنا كسرته بس حابب أحاسبك انتي عليه. حتى لو مليكيش ذنب في كسره لازم تتحاسبي."
غالية فهمت قصده وبصتله بخجل. وحكيم كمل كلامه:
"حسيتي بإيه يا غالية.. حسيتي بالظلم صوح؟"
غالية نزلت عينيها للأرض. وحكيم شد على إيدها بحنان وأخدها ودخل بيها أوضة أمه تماضر وقفل الباب. أخدها من إيديها الاتنين وقعدها وقعد معاها على السرير. ومد إيده بحنان مسح دمعتها اللي نزلت وهو بيتحدت بنبرة أب خايف على بنته و بينصحها.
"اسمعيني زين يا غالية حكيم.. أنا معاكي إن الغيرة نار بتحرق حطب العقل. وإن الكره لو اتملك من قلب إنسان عيحوله لقبر أكحل من سواد الليل بتندفن فيه الرحمة والشفقة. الغيرة صوح مش بيدنا بس عنقدر نتحكم إنها تظهر أو تفضل مخبية جوانا. الضعيف بس هو اللي معيقدرش يتحكم في غيرته وتصرفاته. أما الكره فهو كيف الحب بالظبط. لو اتملك قلب عيستولي عليه ويتشعب جوة البني آدم ويتلفلف عليه كيف شجرة اللبلاب ويفضل يتفرع لغاية ما يحجب النور والبصر عن عينيه وعقله وقلبه وكل ذرة فيه. وميبقاش الواحد شايف غير كرهه.. أو حبه. عارفة عشان نحرر الجسم ديه من فروع اللبلاب قدامنا حل من اتنين. يا إما نقطع اللبلاب من الجدر وساعتها الفروع هتنشف وتقع بسرعة والعقل والقلب والعين يتشال من عنهم الغمامة، وديه صعب قوي. عشان الجذور عتكون اتشعبت في الروح ولو اتقلعت عتطلع بحتة روح معاها. يا إما الحل التاني إن الإنسان يفضل يزيح في الفروع من حواليه وحدة وحدة ويحرر حاجة حاجة لغاية ما يوصل للجدر ويفضل يخلخل فيه. وهيبص مرة واحدة يلاقي اتخلع في إيده بعد محاولة واتنين وتلاتة. وكتها البني آدم يحس حاله إنه اتحرر واتولد من جديد. وديه اللي عاوزك تعمليه مع غازي يا غالية. عاوزك تشيلي غشاوة حبه من على عينيكِ الأول وبعدها من عقلك وقلبك وتخلخلي عشقه من روحك لحدت ما تخلعيه. متلوميش جمارة على اختيار غازي ليها عشان هي ملهاش ذنب ولا يد فيه. وعايزك تحطي في بالك إن غازي حتى لو مكانش خد جمارة عمري ما كنت هأوافق تكونيله مرة. غازي إن كان دلوقتي باللي في إيده بيعذبني قيراط بيكي انتي كان هيعذبني فدادين. وأوعاكي تكوني مفكرة إن غازي بيحب جمارة ولا واخدها عشان حلوة ولا لقى فيها اللي ملقاهوش فيكي.. لااااه.. غازي خد جمارة عناد فيا أنا. غازي واخد جمارة يكسرني بيها."
غالية دَيّقت عينيها باستفهام.
حكيم: "أنا هفهمك وهحكيلك كل حاجة عشان تعرفي تشوفي الصورة زين."
وابتدى يحكي لغالية قصة حبه لجمارة وسبب جواز غازي منها والعذاب اللي بيشوفه كل يوم لما يشوف عمايل غازي اللي بيعملها فيها قدامه. وغالية من بداية الحكاية لنهايتها ودموعها مبطلتش نزول على حال أخوها وقلبه اللي شايل حمل جبال من غازي ومتحمل.
غالية: "وليه موقفتش قصاده وخدتها بالقوة منه!"
حكيم: "القوة مش في كل حاجة بتنفع."
غالية: "وجمارة تعرف عن عشقك ليها!"
حكيم: "جمارة متعرفش أي حاجة ولا تعرف حتى غازي بيعمل فيها إكده ليه ولا اتجوزها ليه من الأساس. يمكن لو عرفت إن أنا السبب في كل اللي بيجرالها ديه تكرهني وتكره شوفتي قبالها. عرفتي إنك ظلمتي جمارة وجيتي عليها كيف غازي وهي ملهاش أي ذنب."
ومد إيده على ضفيرة غالية: "وبعدين مين قالك إن شعر جمارة أحلى من شعرك الحلو اللي كيف ضلمة الليل ديه! انتي مش ناقصة جمال ولا حلاوة ولا ناقصاكي حاجة. وصدقيني غازي مش شايف جمال جمارة ولا حلاوتها. غازي مبيشوفش كل ما يطلع فيها غير صورة حكيم وعشق حكيم ليها وعشان كده بيعمل فيها اللي عينك شايفاه."
غالية مسكت ضفيرتها وبصتلها بندم. وبعدها بصتله:
"يعني أنا ظلمت جمارة على أكده وربنا هيحاسبني؟"
حكيم: "أكبر ظلم يا غالية. دانتي قصيتي شعر اليتيمة اللي الرسول قال إن اللي يمسد عليه ياخد بعدد كل شعرة حسنة. وغير كده وصلتي بيه شعرك وانتي عارفة زين إن ربنا لعن الواصلة والمستوصلة. بس تعرفي.. ربنا هيسامحك لو هي سامحتك ورضيت عليكي!"
غالية: "وفكرك هي هتسامحني؟"
حكيم: "جمارة قلبها كيف الجمر، ميعرفش كره ولا غل، ولا زعلها بيدوم. دي من أول ما تشوف الواحد ابتسم في وشها، بتتبسم وتنسى كانت زعلانة منه ليه وميتة."
غالية ابتدت تفك الضفاير وردت عليه:
"حافظها قوي جمارة انت يا حكيم!"
حكيم: "بت قلبي ورباية وحرسة عيني سنين، كيف محفظهاشي يعني!"
غالية فكت الشعر ومسكته ومدته لحكيم. اللي شاف في عينيه قهر وهو باصصله يمكن أكتر من قهر جمارة نفسها عليه.
"حقك عليا متزعلش مني."
حكيم: "حقي أنا مسامح فيه. شوفي مين ليه الحق الكبير عندك ورجعيهوله. يلا أنا هروح آكل لقمة واقع من الجوع مع إن نفسي اتسدت، بس هاكل عشان أقدر أصلب طولي وإني أشوف مصالحي اللي ليا أسبوع مهملها."
غالية نكست عينيها للأرض بخجل من أخوها. لكنه مال باس دماغها وقرص خدها بحنان قبل ما يطلع. عشان يطيب خاطرها اللي متأكد إنه مكسور كسرة وعرة من غازي ومش هيتجبّر بسهولة. طلع وقعد جنب أمه عالسفرة وابتدأ ياكل ويتحدت مع أمه عن غالية وأحوالها وأحوال جمارة مع غازي في غيابه. واستغرب لما عرف إن غازي برضه سافر النوبة دي كمان مع سفر حكيم بالظبط، ومحدش عارفه رايح فين ولا جاي منين. حكيم رجح إن غازي ممكن يكون رجع لطريق الهلس من تاني وقرر إنه المرة الجاية لما يسافر هيكلف حد يراقبه ويعرف هو رايح فين وجاي منين بالظبط.
في وسط كلام تماضر أم حكيم عن بنتها غالية، وحكيم شاف تحامل أمه عليها وعرف إنها متبعة أسلوب القسوة معاها عشان ترجع عن حبها لغازي. احتج على تصرفات أمه وأسلوبها.
"يمه الأسلوب ديه عمره ما هيجيب نتيجة مع غالية. غالية محتاجة اللي يطبطب عليها وياخدها في حضنه عشان متحسش إن ملهاش حد ومحدش هيحبها. غالية عايزة ترجع تثق في حالها عشان تتأكد إنها تستاهل الأحسن من غازي وإنه هو الخسران لما ماخدهاشي.. مش نكسر مقاديفها ونحطمها لحد ما نوصلها تعمل حاجة في روحها!"
تماضر بخوف: "الشر بره وبعيد.. تموت حالها يعني؟ فكرك تعملها غالية يا حكيم!؟"
حكيم: "ليه له.. يعني هو الواحد لما يحس إن الدنيا دَاقت في عينه كيف خرم الإبرة وميشوفش قصاده غير سواد، تستنظري منه يعمل إيه يعني! طبطبي عليها وحاولي ودلعّي يا أم حكيم خلي قلبها وروحها يرجعوا ينوروا من تاني. هاه يلا تعالي أوريكي جايبلك إيه عاد."
وأخدها بالكرسي وراح يفرجها على الحاجات اللي جايبها لها وجايبها لغالية. وتماضر بصت شافت كيس كبير كيف بتاع غالية و كارتونة كبيرة مربعة. حكيم ركنهم على جنب ومتكلمش عنهم، لكنها فهمت إنهم لجمارة ومتكلمتش ولا سألته عنيهم. وراها كمان اللي جايبه لعيشة أم جمارة. وتماضر دعت له ربنا يعوض عليه ويوسع رزقه كيف ما بيفكر في كل الناس وحاطط الكل في قلبه وعقله.
خلص حكيم كلام مع أمه وارتاح شوية. وكل شوية يبص على باب السرايا مستني جمارة تعود عشان يديها حاجتها بنفسه. لكنها معادتش وقال لحاله أكيد هتقضي اليوم مع غازي النهارده، تلاقيهم اتوحشوا بعض بعد الغياب ديه. طلع لأوضته أخد دش وغير خلجاته ولبس جلابيته ولف عمته وحط من عطره ونزل. وهو عالسلم نازل شاف عيشة أم جمارة داخلة من باب السرايا. حكيم شافها ابتسم لها وهي شافت ابتسامته البشوشة وردتله بضحكة ودعت في قلبها ربنا يديم البسمة على وشه.
عيشة: "وإني أقول البلد النهارده زايد نورها.. أطاري شيخها وكبيرها عاد. يا ألف حمد الله على سلامتك يا ولدي."
حكيم: "تسلمي من كل ردي يا أم جمارة.. كيفك وكيف أحوالك."
عيشة: "متنعمّة في خيرك يا ولدي ربنا يجعل الخير كله حواليك وبين أديك ويبعد عنك ولاد الحرام."
تماضر: "ربنا يسمع من خشمك يا رب يا عيشة.. تعالي قربي داني وجمارة متوحشينك. بقا يا هلس تقعدي 3 أيام متاجييش!"
عيشة: "معلش مفضيتش سامحيني يا أم حكيم.. أصل فرني الطين وقعت وكنت بعين واحدة غيرها."
تماضر: "ربنا يعينك ويساعدك.. تعالي اقعدي شوفي حكيم جابلك إيه من بحري معاه."
عيشة: "إني كفاية عليا طلته وإنه عاد لبيته سالم وهو ممعوزنيش حاجة ربنا ما يعوزه ولا يحوجه."
حكيم: "داي حاجة بسيطة يا خالة متستاهلشي."
عيشة: "ربنا يخليك يا ولدي تعيش وتجيب. واتلفتت حواليها.. أمال جمارة فين؟ مسامعاشي حسها!"
تماضر: "خدها جوزها وراحوا عال مشتمل بتاعهم، مانتي خابرة إنه كان مسافر وعاد الصبح قبل حكيم بشوية."
حكيم هم عشان يطلع ووصل لباب السرايا، لكن وقفه كلام عيشة:
"بس غازي شفته بره السرايا واقف من بدري بيتحدت مع حد من الرجالة، وإني كنت واقفة مع أم محمد أسلم عليها مشفتهاش من مدة والحديث خدنا وهو مشي. وإني وداخلة بصيت على باب المشتمل لقيته مقفول بقفل حديد!!!"
حكيم ديّق حواجبه وطلع بخطوات سريعة على بوابة السرايا وهو بيسأل حاله: ياترى جمارة راحت فين؟ نده على بشندي وسأله على جمارة طلعت على فين، وبشندي أكدهالها إنها مخرجتش بره السرايا، وإن غازي هو اللي طلع لحاله ومارجعش من ساعتها.
حكيم دخل السرايا بسرعة وتوجه على المشتمل ودق على بابه مرة واتنين وتلاتة، وكل مرة ميلاقيش جواب! بعد شوية يبص على المشتمل من بره ويرجع يدق الباب أقوى. وعلى صوت الدق طلعت عيشة من السرايا تجري وغالية معاها ووقفوا جنبه وهو مستمر يدق ويكسر في الباب، يمكن صوتها يطمّنه عنها، لكن مفيش أي إجابة. رجع لورا واتلفت حواليه في كل أركان السرايا. وعيشة تولت بعد منه الزمام وفضلت تخبط وتنادي على بنتها بعلو صوتها لغاية ما صوتها اتخنق من البكا والخوف ووقفت وبعدت كيف حكيم وفضلت تتلفت زيه وهي بتسأل: "غازي ودي بنتي فين؟"
تماضر هي كمان طلعت بالكرسي بتاعها على باسطة باب السرايا وفضلت تسأل بعلو صوتها: "فيه إيه.. حصل إيه.. جمارة مالها؟"
حالة سكون خيمت على الكل دقايق، وكل واحد بيبص للتاني باستنجاد. مقطعش السكوت ده غير صوت عيشة وهي بتصرخ وتضرب على صدرها:
"بتاااااااااااااااي!"
الكل بص في الاتجاه اللي باصة فيه عيشة وشافوا جمارة ماسكة في حديد شباك المشتمل بإيديها الاتنين وملامح وشها مفيش حاجة باينة منها من الدم. حكيم قلبه رجف ورجليه بادت من المنظر. وغالية صرخت وتماضر صرخت على صراخهم وهي مش شايفة حاجة ولا قادرة تنزل درجات السلم بالكرسي بتاعها عشان تشوف إيه اللي هيحصل.
حكيم جرى على باب المشتمل وبكتفه فضل يضرب فيه وعينه على جمارة اللي مقدرتش تفضل صالبة طولها غير دقايق وبعدها إيديها ابتدت تضعف وتسيب الحديد وتهوي بجسمها كله لتحت. متسمعتش غير خبطتها على الأرض. وهنا حكيم اتحول لأسد جريج ومسك الباب فضل يهز فيه بإيديه الاتنين بقوة، هو نفسه استغرب جاتله منين. وصوت زئيره بيشق السما لغاية ما الباب اتخلع في إيده ورماه ودخل. وبسرعة البرق كان قاعد قصاد جمارة وشافها سايحة في دمها. هزها شمال ويمين ملقيش منها أي استجابة. شالها بسرعة وحطها على الكنبة. وأمها عيشة اللي صراخها متقطعش من لحظة ما شافت بنتها حضنت دماغها وفضلت تمسح الدم عن وشها بطرف شالها عشان تشوف ملامحها وهي بتصرخ باسمها بعلو صوتها.
حكيم لما شاف جمارة كيف الجثة بص حواليه وبسرعة شال ملاية السرير وفردها على جمارة ولفها تحتيها. وخطفها وطار بيها على بره يسابق الريح. وبشندي أول ما شافه جاي طلع يجري بكل سرعته جاب الكارته. وأول ما وصل بيها قصاد حكيم، حكيم ركبها وقعد وقعد جمارة جنبه وأمها عيشة ركبت وسندتها عليها. وطول الطريق عيشة مبطلتش دعا على غازي تتكسر إيديه على اللي عمله في بنتها. وحكيم يحث في بشندي إنه يسرع الحصان وبشندي بينفذ لما عجلات الكارته كانوا هيتخلعوا من كتر السرعة. لغاية ما وقفوا قبال الوحدة الصحية.
حكيم فُط من الكارته وأخد جمارة من حضن عيشة ودخل بيها جري على أوضة الكشف. وحتى الدكتور كان بيكشف على واحد. بشندي شال الراجل وطلع بيه بره أوضة الكشف. والراجل مبطلش صريخ ويسأل: "فيه إيه.. واخدني فين.. خلاص أنا مش هكشف معاينة روقت.. تعتقبضوا عالعيانين ولا إيييه.. ياااابوي الحقوني." مبطلش لما بشندي نزله بره أوضة الكشف ورد الباب.
حكيم نوم جمارة مطرحها بسرعة وكشف الغطا عنها وقلع عمته فردها وغطى بيها شعرها. والدكتور اللي كان في حالة صدمة من اللي بيحصل زادت صدمته أضعاف أول ما شاف جمارة ومنظرها. بسرعة حط إيده على رقبتها يشوف النبض. وثواني وشال إيده ومسك معصمها وبص في ساعته وساب إيدها وفتح عينيه وبص فيهم. وبعدها مد إيده يرفع هدومها يشوف لو جسمها اتعرض لكسور أو جروح غائرة تتطلب تدخل جراحي.
حكيم مسك إيد الدكتور اللي بيرفع بيها هدوم جمارة:
"هتعمل إيه يا دكتور."
الدكتور: "هكشف عليها عشان أعرف أماكن الإصابة وأحددها."
حكيم: "مفيشي دكتورة تعمل أكده بدالك يعني!"
الدكتور: "للأسف مفيش غيري هنا. ولو مصر إن دكتورة هي اللي تكشف عليها خدها وانزل البندر وربنا يستر وتوصل."
حكيم بص لجمارة وبلع ريقه واستسلم قصاد حالتها. وساب إيد الدكتور على مضض وبص للناحية التانية وأداه ضهره. وقدم عيشة بإيده من ضهرها:
"خش اقفي جار بنتك ولملميها زين."
طول ما الدكتور بيكشف وحكيم واقف على أعصابه. وصرخ في الدكتور مرة واحدة لما لقاه طول في الكشف:
"متخلص عتنبش فايه كل ديه.. مش تفضل تديها إبرة تفوقها وتخلص!!"
الدكتور بعد عن جمارة بعد ما خاف من عصبية حكيم وقعد على المكتب. وحكيم قفل الستارة بتاعة سرير الكشف وراح وقف قدامه.
الدكتور: "حد ينزل يجيب الحقن دي فوراً وأنا هتصلكم بالإسعاف تاخدها لمستشفى البندر عشان أنا شاكك إن عندها كسر في الضلوع غير كسر مؤكد في لوحة الكتف الشمال. غير رضوض في كل الجسم وجروح... وكل ده محتاج أشعات وللأسف هنا مفيش أي أجهزة متوفرة لعمل أشعة."
حكيم خطف الورقة من إيده وعطاها لبشندي اللي واقف على باب أوضة الكشف وأمره على وجه السرعة يجيب الحقن اللي فيها. وبشندي أخدها وطلع جري على الصيدلية.
دقايق وبشندي رجع والدكتور أخد منه الحقن وضربهم لجمارة. اللي معداش وقت كتير عليها وابتدت تأنه. وكل أنة تطلع من جوفها يأن قلب حكيم قصادها بألم أكبر من ألم جسمها.
عيشة ميلت عليها وحبتها من خدها وفضلت تهمسلها:
"عيمل فيكي إيه اللي تتكسر إيديه يا رب.. عملتيله إيه لكل ديه.. انت القوي والمفترى يا رب.. انت القوي والمفترى."
عربية الإسعاف وصلت وأخدت جمارة وحكيم راح معاها هو وعيشة. وطول الطريق همسها مبطلش وهي تقول: "ربي إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين." وحكيم يقرأ عليها في قلبه كل آية قرآن تيجي على باله. وأمها تهدهدها كيف ما تكون عيلة صغيرة بتبكي من حاجة مزعلاها.
أول ما وصلوا المستشفى دخلو جمارة على الأشعة على طول. بعد الأشعة والفحوصات أُكد إن جمارة عندها خلع في الكتف وكسر في أحد الضلوع وشرخ في قدم الرجل ورضوض في كامل الجسم. دخلوها فوراً أوضة العمليات بعد ما حكيم مضى على إقرار. وأثناء ما جمارة في أوضة العمليات ظابط جه عشان ياخد أقوال حكيم بناء عن تبليغ الدكتور اللي مسك الحالة. لكن حكيم رفض إنه يتنقل من قدام أوضة العمليات أو إنه يقول حرف واحد غير لما تطلع جمارته ويطمن عليها.
طلعت جمارة ونقلوها في حجرة الإفاقة. وحكيم راح عند الظابط وأدلى بأقواله إن جمارة اتعرضت لحادث. طلع من عند الظابط ولقى بشندي حصلهم وواقف في الطرقة يدور على حد منهم. وأول ما شاف حكيم جرى عليه.
"هاه الست جمارة بقت زينة؟"
حكيم: "طول ما هي في إيد غازي الكلب مش هتبقى زينة واصل يا بشندي.. واصل."
خلص جملته وادى ضهره لبشندي يداري دمعة لمعت في عينه وضرب الحيطة بإيده بغضب.
"نار بتسعر في روحي يا بشندي من ساعة ما شفتها سايحة في دمها ومع بتتحرك يد ولا رجل. وناري مش هتطفي غير بشوفة غازي في نفس حالها."
بشندي حط إيده على كتفه وكلمه بتحدي:
"قولي إيه اللي يطفي نارك وأنا طوع إيدك وميعديش عليك اليوم غير وخاطرك طيب."
حكيم بإصرار: "خلع كتف وكسر ضلع وكسر رجل والعين بالعين والسن بالسن والجروح قصاص.. وانت بعينك شوفت الجروح كد إيه يا بشندي."
بشندي: "اعتبر غازي بقى عضم فقفه وأول ما ترجع هتكحل عينك وتبرد قلبك من شوفتك لحالته."
بشندي خلص جملته واتحرك من قدام حكيم بخطوات ثابتة ونشوة الانتصار على غازي بتعلى في عينيه من دلوقتي. وأخيراً جاتله الفرصة اللي كان مستنيها على غازي من زمان وعلى طبق من فضة.
رجع حكيم لجمارة وشافها لسه نايمة من تأثير البنج وعيشة قاعدة جنبها بصالها وبتسح الدموع. زفر بقلة حيلة وطلع من المستشفى راح الجامع اتوضى وصلى الضهر ودعا ربه إن يرحم جمارة من غازي. خلص صلاته ودعاه ورجع المستشفى ودخل أكل وشرب ورجع المستشفى ودخل على جمارة الأوضة ولقاها لسه بتفوق من البنج وابتدت تخترف.
"غاااازي.. الطميرة.. النُقرة.. القبرر.. هيموتني ويدفني فيها... وحكيم وخالتي تماضر.. وغالية... غالية قصت شعري.. كلنا هنقعدوا في النقرة وغازي يقفل علينا... أمي عيشة هاتيلي توت... امممم.. بزيادة يا غازي ضرب... الطميرة.. عاوزاشي دهب."
عيشة جنبها وبتملس على مقدمة شعرها بحنان وتبكي عليها.
حكيم قرب منهم بعد ما تنحنح:
"اطمني يا خالة هتقوم بالسلامة وتبقي كيف الحصان. ادعيلها انتي بس."
عيشة: "هدعيلها وهدعيل عاللي عمل فيها أكده من غير ذنب ولا سيه."
حكيم: "اطمني ربك بالمرصاد وكل ظالم هياخد جزاته."
قالها وقرب على جمارة ومد إيده على البونيه البلاستيك اللي لبسهولها في أوضة العمليات وكان هيمسكه يشده يغطي بيه الشعر اللي طالع على جبينها منه. لكنه ضم إيده ورجعها وبص لعيشة:
"شدي الربطة وغطي راس بنتك زين."
عيشة عملت كده تحت أنظاره اللي بتجول في كل ملامحها. نفسه يشوف ملامح جمارته اللي متعود عليها، لكنه ملقاش بدالها غير خريطة جروح متوزعة على وشها توزيع جغرافي بتبين المناطق الأكثر ألم من المناطق الأقل، متلونة بلونين الأزرق والأحمر، ده غير جبال الورم اللي فوق عينيها وعلى طرف خشمها. جَر حسرة وراح قعد على الكرسي اللي قبالها وفضل باصصلها ودعا ربنا إنه لو حبه ليها لعنة أصابت حياتها ربنا يبطّلها ويحررها منها.
وحدة وحدة جمارة ابتدت تفوق أكتر وتحس بالألم وتبكي بصوت عالي. وأمها تبكي على بكاها. وحكيم لو يلاقي بصارة يبكي معاهم هو كمان. طلع في الطرقة لما زاد عليها الألم وزاد بكاها وطلب لها حقنة مسكنة ولا أي حاجة تخفف عنها. ورجع المستشفى رج وهرجها لغاية ما ممرضة جابت لها حقنة مسكنة وادتهالها. حتى ارتاح لما هي بدأت ترتاح.
***
أما عند غازي، فاكان بيلف على أرضه زي عادته. وفي أثناء ده طلعوا عليه 4 رجال ملثمين وهجموا عليه ومدوهوش فرصة يعرف فيه إيه ولا هما مين. ونزلوا عليه فين يوجعك مسابوهوشي غير لما استوى ووقع فالأرض. محطش منطق وزادوا عليه بعد الوقعة بالكمالة. جروه بعيد عن الزرع في طريق عمومي عشان مفيش ديب يطلع عليه ياكله. وكمان عشان حد يلاقيه ويرجعه للسرايا.
أما عند تماضر وغالية فالسرايا، وحتى زبيدة انضمتلهم.
تماضر: "يا عيني عالغلبان لمّن يجور عليه زمانه. ويحط الغالي في إيد الرخيص يرميه وهو ما يعرف تمنه. عيني عليكي يا جمارة يا بتي."
زبيدة: "والله متستاهل اللي بيعمل فيها غازي ديه. البنت بلسم مبيسمعلهاش صوت وكيف النسمة وشايلاها فوق راسها ونعم وحاضر. ليه ظلم البني آدم للبني آدم ديه بس!"
أما غالية فقاعدة ساكتة لكن ملامحها مبرطمة والدمعة على طرف عينها من منظر جمارة اللي شافتها فيه. وراجعت نفسها في اللي عملته معاها هي كمان وزادتها فوق ضيمها ضيم ولعنت روحها ألف مرة على استضعافها لجمارة وحلفت إنها لو رجعت بالسلامة هتستسمحها وتعتبرها أخت ليها.
أما عند حكيم فجمارة فاقت وحكيم طلب من الدكتور إنه يسمحلها ترجع تكمل علاجها في البيت. ومضى على إقرار بمسؤوليته عن الحالة وأخد التعليمات والعلاج ورجع بيها على السرايا بعربية إسعاف عشان مش هيقدر يكون جنبها على طول في المستشفى ومهيرتاحش لحظة وهي بعيد عن عينه وميطمنش عليها.
وصلوا بالإسعاف للسرايا ودخلوها المسعفين بعناية وحطوها على كنبة في الصالة وطلعوا. وحكيم طلع جري قدامهم.
بشندي أول ما شافه راح عليه وحكيم مسكه من دراعه وراح بيه على جنب: "عملت إيه."
بشندي: "عيب عليك."
حكيم: "براوه عليك... ادخل المندرة فك السرير اللي جواها بتاعي وتعالى انصبه في الأوضة اللي جنب أوضة أمي حالا وتندلي تجيب واحد تاني وتنصبه جنبه قبل الليل ما يليل. ولا أقولك.. سيب السرير مطرحه واندلي هات اتنين. ولو عرفت ولقيت غرفة نوم زينة جاهزة هاتها وهات رجالة تنصبها وميهمش الفلوس. هم يله يا بشندي الوقت رايح مش جاي."
بشندي: "اعتبره حصل حالا هبعت عارف يتلاقاهم هو عيفهم في الخشب زين." واتحرك من قدامه بسرعة. وحكيم لسه هيلف ويدخل السرايا شاف ناس جاية كتير وعربية كارو معاهم. دقق فيها وشاف غازي محمل فوقيها. وقبل ما الإسعاف تطلع خلى الناس تحط غازي فيها وتاخده على المستشفى. وأمر واحد من الرجالة بتوعه يروح معاه وأداه فلوس.
حكيم دخل السرايا وشاف جمارة بتحاول تتعدل بصعوبة وغالية بتساعدها هي وأمها عيشة لغاية ما قدرت ترفع دماغها شوية عشان يحطولها مخدة تحتها. حكيم بص لها كتير ولسه هيتكلم سبقته أمه تماضر:
"احكي يا بتي غازي عمل فيكي أكده ليه؟"
جمارة بضعف: "ومن مته غازي بيحتاج سبب عشان يأذيني!"
عيشة: "ربنا يسلط عليه الأقوى منه كيف ما اتسلط على ضعيفة بقوته."
حكيم: "متقلقوش ربكم عادل ومع بيضيعش حق مظلوم واصل."
عيشة بضعف: "ونعم بالله."
حكيم بص لجمارة واتكلم بصوت حنون:
"كيفك يا جمارة.. حاسة بوجع.. عايزة حاجة نفسك في حاجة أجبهالك؟"
جمارة: "معاوزاشي غير بس الدق اللي في راسي وكتفي ورجلي يروقوا.. وصدرى حاسة حاجة كاتمة عليه عارفاشي آخد نفسي."
حكيم قام من مطرحه بسرعة وراح على كيس العلاج بتاعها وطلع علبة:
"ليكي حقن مسكن الدكتور قال عند اللزوم والوجع القوي تاخدي واحدة. ومتكتريش منه عشان واعر على الكلى وبيضرها."
جمارة: "طيب أنا عايزة آخد واحدة دلوقتي مين يديهالي؟"
غالية ردت بسرعة: "أنا أعرف أدي حقن أنا هديهالك."
جمارة كانت هتعترض بهز دماغها وبصوتها وبكل جسمها لكنها مقدرتش واكتفت بهمسة خوف على قد الحيل اللي فاضل فيها:
"له.. غالية له.. خلاص هتحمل الوجع عاوزاشي حقن."
حكيم بص لغالية وعض على شفته التحتانية بغلب على الخوف اللي ربتيه في قلب جمارة منها. ومد إيده مسك وشها كله واتكلم من بين سنانه:
"أعمل فيكي إيه ربنا يسامحك ربيتيلها الرجيف منكِ."
غالية ضحكت وراحت على جمارة وقعدت جنبها واتكلمت بنبرة حنونة:
"متخافيش يا جمارة أنا مهعملش حاجة تضرك ولا تأذيكي ولا تزعلك مني من هنا ورايح. حقك على راسي يا جمارة غلطت في حقك كتير وظلمتك سامحيني."
جمارة كانت بتبصلها باستغراب وبتسأل حالها: "هي مين اللي بتتكلم داي!"
غالية: "خلاص قولتلك صافي يا لبن متبرقيش أكده. وعشان تسامحيني زين خدي شعرك أهه."
وحطت إيدها في جيب جلابيتها طلعت شعر جمارة اللي قصته ومدته لجمارة. جمارة بتنقل عينها بين الشعر وبين غالية وبين الموجودين كلهم باستغراب وجفلت لما غالية مدت إيدها عليها بالشعر.
غالية: "متخافيش.. دانتي نجمك خفيف قوي."
وشالت طرف من ربطة جمارة اللي هي في الأصل عمامة حكيم ودست تحتها الشعر ولفتها لجمارة زين وطبطبت على راسها.
"خالصين أكده... يلا قولي سماحتيني ونفتحوا صفحة جديدة؟"
عيشة ضحكت وتماضر كمان وبصوا لجمارة مستنيين ردها. وجمارة ابتسمت لغالية واتكتلت على عينيها بموافقة.
حكيم: "أيوه أكده المسامح كريم انتوا خوات."
جمارة بصت لغالية: "بس عايزة أطلب منك طلب."
غالية: "عيني يا غالية."
جمارة: "شيلي الشعر اللي دفستيه تحت الربطة ديه عيشوكنى."
غالية: "يعني معايزاهوش؟"
جمارة هزتلها دماغها بالراحة برفض: "هعمله إيه."
غالية طلعتُه تاني من تحت ربطة جمارة واخدته: "خلاص هاخده أنا أدسه ولما أتجوز أقول لجوزي شعري كان أكده بس الزمن جار عليه ههههه."
الكل ضحك بخفة وجمارة ابتسمت بضعف وكلهم قعدوا حواليها كل واحد يكلمها يخفف عنها شوية.
بعد مسافة حكيم ضرب قورته بكف إيده: "شوفوا النسوة عاد!" وقام جاب الكارتونة المربعة اللي كانت بين الكراسي وراح قعد قصاد جمارة وهو شايلها وابتدا يفتح العلبة وعينه على جمارة ومبتسم:
"الهدية داي كنت جايبها مخصوص لجمارة وملحقتش أديهالها. حذري فزري يا جمارة فيها إيه. لو قولتي صح تاخديها لو مش صح يبقى متأخديهاشي."
جمارة بصت للعلبة وديّقت حواجبها وهي بتدقق فيها وشايفة فتحات صغيرة على جوانبها وهمست: "معرفاشي!"
حكيم ابتدى ينزل جوانب العلبه وساب الجنب الأمامي للآخر. وبشويش فتحه قدام جمارة اللي شهقت أول ما شافت اللي فيه واتكلمت بفرحة:
"عصافير الحب كيف اللي قدام المهندس!!!"
حكيم: "دول من النهارده بتوعك تستأنسي بيهم، توكليهم وتشربيهم وتسميهم بكيفك."
جمارة فضلت تنقل عينيها بين القفص وبين حكيم بعدم تصديق. وأخيراً همست بفرحة:
"دول ليا أنا! يعني بتوعي!"
حكيم هز لها دماغه بتأكيد والابتسامة لسه على وشه. جمارة ضحكت بفرحة مش مصدقة نفسها. والفرحة اتسللت منها لقلب حكيم اللي حب يزود فرحتها واتلافى باقي الحاجات اللي جايبها لها من القاهرة معاه وفتحهم قدامها. وكل ما يطلع لها حاجة ضحكتها تزيد وفرحتها تكبر. وحتى أمها عيشة لما شافت فرحة بنتها فضلت تدعيله. وجمارة آمنت في قلبها ورا أمها.
حكيم جاب ترابيزة صغيرة وحط عليها قفص العصافير قصادها. وهي فضلت بصاله بفرحة. وحتى الهدوم والحاجات اللي حطهم حكيم جنبها فضلت حاضناهم حضن عيلة صغيرة فرحانة بهدوم العيد.
حكيم فسّر: "والله لسه فرخة صغيرة يا بت قلبي وحرام اللي بيحصل فيكي ديه."
طلع حكيم وساب المكان لما غالية جات تدي الحقنة لجمارة. وطلع لبره وشاف بشندي قاعد على كرسي قدام بوابة السرايا بيمص قصب. وأول ما شاف حكيم قام وقف.
حكيم: "يبختك فايق ورايق وبتمص قصب. واعِ لنفسك انت يا بشندي."
بشندي: "عنتسلى القعدة يا سي البيه هنعملوا إيه."
حكيم: "اتسلى ولا يهمك. المهم جالك خبر من البندر وحد طمنك؟"
بشندي هز دماغه وخد قطمة من القصب واتكلم وهي في خشمه:
"ضلعين ورجل ودرع ورجة في النافوخ وشوية جروح متنتورين أكده."
حكيم: "كنك زودتها يا وِكْلهم مش قلنا العين بالعين والسن بالسن!"
بشندي: "متنساشي إن للذكر مثل حظ الأنثيين يا بيه. يعني لازم ياخد الضعف. والبادي أظلم."
حكيم ضحك ضحكة إعجاب عالية: "الله يفتح عليك يا شيخ بشندي."
رواية جمارة (بين العشق والقسوة الفصل العاشر 10 - بقلم ريناد يوسف
الأوضة اللي وصى عليها حكيم وصلت، وبشندى والرجالة دخلو نصبوها. حكيم نقل جمارة فيها، وأمها عيشة كمان أمرها ما تسيبش السرايا واصل لحد ما بتها جمارة تطيب. رفض رفض قاطع إنهم يرجعوا المشتمل عشان تكون تحت عينه طول الوقت.
أما جمارة، ففرحتها بالعصافير خففت عنها الألم، وهي طول الوقت باصة لهم ومبتسمة وعينيها بتتنقل وراهم كل ما يتحركوا حركة في القفص. تضحك لو العصفور حط منقاره في حديد القفص عشان يتنقل، وتبص لأمها وتتكلم بصوت مستغرب:
"بصي يمه بيعملوا إيه؟!"
حكيم عرف إن غازي هيفضل ييجي شهر في المستشفى، وأمر إن كل يوم حد من الرجالة يروح له ويرجع تاني يوم. يروح له واحد تاني ويبدلوا مع بعض عليه. أما هو، فأخد قرار إنه لا هيروح له ولا هيعبره، بس هيدفع له كل مصاريفه عشان وصية أبوه جاهين اللي مات يوصيه على غازي ما يهملهوش يوم من الأيام ولا يمنع خيره عنه لو يوم احتاج.
حكيم طلع أوضته، وخلع خلجاته ولبس هدوم نومه، وراح على الشباك فتحه ومسك ضلفتينه بإيديه الاتنين، واخد نفس مالي صدره وطلعه بالراحة وبإرتياح. لأنه برغم كل حاجة حصلت وكدرته ورجفت قلبه النهارده، إلا إن وجود جمارة في السرايا وبُعد غازي عن عينيها الفترة دي مفرحاه قوي. مفرحاه لدرجة إنه نفسه يعمل كل حاجة في الدنيا ممكن تفرحها. ولأجل يشوف ضحكتها اللي شافها النهارده، مستعد يجيب لها نجمة من السما.
فضل شوية باصص للجنينة، وبعدها قفل الشباك وراح على سريره عشان ينام. لكنه سمع صوت أنين وبكا. قام وراح على باب الأوضة فتحه وطلع على أول السلم، لقى الصوت جاي من أوضة جمارة، ودي صوتها اللي بتأتلم. راح على أوضة غالية بسرعة، خبط خبطتين وفتح الباب من غير حتى ما ترد عليه. راح على سريرها وهزها بالراحة مرة واتنين وما صحيتش. قام ضاربها على دراعها ضربة جامدة خلاها قامت مخضوضة.
"إيه؟ مين؟ ليه؟ انت مين يا حكيم؟"
"فوقي مبهوشة وقومي، عاوزك في حاجة."
غالية اتعدلت وهي بتتاوب وتهرش في دماغها.
"عاوزني في إيه دلوقتي يا حكيم؟ مانى كنت قبالك النهار بطوله، ما اتفكرتش تعوزني غير بعد ما نعست!"
"جمارة تعبانة تحت وبتأتلم."
"طب متتألمش، مش متدشملة ومتكسرة ومتلزقة ملازم تتألم!"
"يعني بذمتك دي كلام تقوله! يعني انتي بنى آدمة وبتِـحسي على كده! عقلك بتأتلم؟ بتوجع؟"
"فااااهمة، فااااهمة إنها بتوجع. أعملها إيه أنا دلوقتي. وغلاوتك يا خوي ومليك عليا، حلفان لو الوجع بيتاخد كنت خدت منها هبابة وخففت عنها. لكن أدي الله وأدي حكمته، هنعمل إيه. روح نام يا ولد أبوي وسيبني أنام وهي ربنا يخفف عنها يا رب."
واستعدت عشان ترجع تنام وشدت الغطا عشان تتغطى.
"يـا باردة، قومي انزلي اتحدتي معاها، خففي عنها وأسيها، اديها حقنة تسكن وجعها!"
"الحقن خدت آخر حقنة مسموح لها بيها النهارده، ضربتها لها أول العشية. وأني ما أتحملش أقعد جار حد تعبان، وانت خابر أكده زين. سيبني أنام، ووالله وغلاوتك هصحى لها من فتاح العليم، أقعد جنبيها وأعمل لها سيرك وأمشي لها على الحبل عشان تنبسط، بس سيبني أنام دلوقتي الله يرضى عليك."
قالتها وشدت الغطا عليها بسرعة ونامت مرة واحدة.
"صوح اللي حداه دم أحسن من اللي حداه فلوس."
وسابها وطلع من الأوضة ووقف على السلم محتار يدخل أوضته ولا ينزل يشوفها ويشوف حالها. وفضل يوصل لباب أوضته ويرجع على أول السلم تاني. وفالآخر استسلم لقلبه اللي سبقه ونزلها، ونزل ورا قلبه ورجليه خدته لقدام باب أوضتها. خبط على الباب خبطتين بالراحة وبسرعة. لقى الباب اتفتح وعيشة قدامه وعينيها حُمر كيف كاسات الدم. وأول ما شافته مسحت دموعها بطرف شالها وبصت له باستنجاد:
"الحقني يا حكيم يا ولدي، جمارة بتفرفط فرفيط وممتحملة شي الوجع، وأني ما أعرفش أعملها إيه؟"
حكيم رفع دماغه بص لجمارة اللي نايمة على السرير وحاطة كف إيدها في خشمها وبتعض فيه وبتأتلم بصوت مكتوم. زاح عيشة من قدامه بالراحة واتقدم عليها بسرعة ووقف قصاد سريرها واتكلم بصوت يا دوبك طالع:
"اتحملي شوية يا جمارة، معلش. هو بس النهارده شدة الجروح، وبكرة بإذن الله هتصبي زينة ومفكيش إلا العافية."
جمارة شالت إيدها وبصت له بعيون دبلانة من شدة الألم واتكلمت بهمس:
"مقدرهاش يا سي حكيم. الوجع واعر قوي، ربنا ما يكتبه عليك ولا يوريه لك. غصب عني، انت متعرفش إني حاسة بأيه دلوقتي."
في الأثناء ده سمعوا صوت تماضر، أم حكيم، بتنادي على عيشة، وعيشة راحت لها. حكيم جاب كرسي وقعد قصاد جمارة واتكلم بحنية:
"خابر الوجع زين وحاسس بيكي، وعليم الله لو الوجع بيتاخد لكنت خدته منك وحبسته بين ضلوعي واتحملته من غير كلل ولا ملل سنين عشان انتي تطيبى."
جمارة رفعت عينيها عليه واتأملته بحيرة قبل ما تتكلم بهمس:
"انت ليه خدت الطيبة والحنية بتاعت الدنيا كلها ومسبتش حاجة لغيرك؟ كان هيجرى إيه لو كنت سبت هبابة لغازي؟"
ابتسم حكيم ورد عليها وعينه بتـتـجول على ملامحها التعبانة:
"صدقيني كبيته له شوية في كيس وأديته له، وهو مراضيش. قالي: ما أحبهوش. ههههه."
جمارة ابتسمت بغلب وحطت إيدها على عينيها مسحت دموع ألم اتجمعت فيهم، وشالت إيدها لما سمعت حكيم بيعلي صوته واتكلمت بعدها:
"مقولتليش سميتي عصافيرك ولا لسه؟"
"له لسه."
"طيب إيه رأيك تسمي العصفورة جمارة، على اسمك؟ وأصلاً لائق عليها."
جمارة ابتسمت وبصت للقفص.
"خلاص هسميها جمارة."
حكيم بص للقفص وديق عينيه واتكلم بنبرة ألم:
"والعصفور طبعاً لازم يتسمى غازي."
جمارة اعترضت بحدة:
"له، غازي له! غازي بيعـَـوّر جمارة ويعذبها. بس شوف دي حنين عليها كيف وبيوكلها من خشمُه وياكل ويتعب وييجي يوكلها هي عالجاهز. شوف بيحبها كيف، ولما حد يمد إيده على القفص بيـعارك ويبقى كيف الغول من خوفه عليها. برضك بذمتك غازي أكده؟!"
"امال هتسميه إيه طيب!"
"بعدين هختار له اسم زين غير اسم غازي."
خلصت جملتها وحطت إيدها في خشمها تعض فيها بألم، وحكيم عض قصادها شفته التحتانية وغمض إيده من وجع قلبه عليها لحد ما نوبة وجعها خفت وشالت إيدها، لولا ماهو كماني قلبه فك معاها.
عيشة رجعت من أوضة تماضر اللي ندهتلها تطمن على جمارة لما سمعت صوتها بتأتلم، وعيشة قالت لها إن سي حكيم نزل لها دلوقتي وهي اتلهت في الحديث معاه ونسيت الوجع هبابة. وفعلًا استمعوا الاتنين لقوا جمارة بطلت تتألم. وعيشة قعدت هبابة مع تماضر تشكيلها من عمايل غازي وظلمه لبنتها، وإنه لو كان بيدها كانت طلقتها منه وما خلتهاش يوم واحد على ذمته، بس حكم عمها قوي وأقوى منها، ولو عملت أكده هيجوز جمارة لحد من عياله وهما أكَلَب وأضل سبيل من غازي. تماضر فضلت تصبر فيها ووعدتها إنها من هنا ورايح هتوقف في وش غازي ومش هتخليه يعمل لها حاجة تاني واصل.
رجعت عيشة للأوضة ودخلت من غير حس، قعدت على سريرها لما لقت حكيم بيتحدث مع جمارة وجمارة ترد عليه وتتبسم وناسية ألمها. بصت على جوز العصافير اللي في القفص، لقتهم بيتـلاعـبوا بعض. وبصت لجمارة وحكيم، لقتهم بيهمسوا وبيتبسموا، وما تعرفش ليه شبهتهم بجوز العصافير. واتحدثت في سرها:
"يعني كان هيجرى إيه لو كان حكيم هو اللي اتجوز جمارة؟ مش كان زمانها دلوقتي في عصمة سيد الرجال وأحنهم وأكرمهم... بس اتنهدت وافتكرت إنه شيخ، والشيخ ما ياخدش إلا بت شيوخ. وإن غازي كتير قوي على بت بياعة الجبنة."
حكيم انتبه إن عيشة عاودت من غرفة أمه وبصلها لقاها رايحة في النوم وهي ساندة إيدها على حرف السرير ونايمة عليها من التعب والقهر اللي شافته النهارده على بتها.
"أمك نعست."
"تعبت قوي النهارده واتعذبت معايا يا حبة قلبي."
حكيم بص لها وهي باصة لأمها بحنية وبتتكلم عنها بكل حب وابتسم. لكن ابتسامته اختفت لما رجعت لجمارة نوبة ألم جديدة. حكيم متحملش وأداها حباية مسكن وسقاها ميه. وبعدها فضل يكلم فيها في كل حاجة ويسألها ويعرف كل حاجة عن إيه اللي بتحبه، إيه بتكرهه، وهو في المقابل يقول لها هو بيحب إيه ويكره إيه. وحتى عن الفصول والمشاكل حكالها وبقى ياخد رأيها: "لو انتي مطرحي كنتي حكمتي بأيه ومين في نظرك الغلطان؟" وهي تجاوب. وقضوا الليل بطوله يتحدثوا مع بعض لحد ما جمارة نسيت وجعها وحكيم نسي الدنيا وهو جارها.
"بس برضو يا جمارة، يعني فيه حاجة محيراني. غازي النهاردة قاسي عليكِ في الضرب قوي. متأكدة إنه مفيش حاجة كبيرة حصلت خلته وصلك للحالة دي؟"
جمارة بلعت ريقها بخوف وافتكرت الحفرة وكلام غازي إنه هيقتلها لو حد عرف سره وهو قادر ويعملها، ما تستبعدهاش منه. هزت دماغها لحكيم برفض وهربت بعنيها منه لما لقيته ديق عينيه وبيـبـص لها بعدم تصديق.
"سيبك يا سي حكيم مني ومن سيرته. ده حتى مفكرش يسأل عني حية ولا ميتة بعد عملته معايا. إني طول الوقت بسأل حالي... إيه جنس اللي بين ضلوع غازي ده؟ أكيد مش قلب كيف قلوب البشر، أكيد حجر."
"قول الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) صدق الله العظيم. المثل ده ضربه ربنا ببني إسرائيل لما شافوا معجزات ربنا وبرضه كفروا وكذبوا. وغازي كيف أكده طول عمره قاسي وحاقد، مهما شاف زين من الناس، قلبه فاضل على قسوته ما يتـعـدلـش. ربنا قال إن فيه ناس قلوبها أشد من الحجارة وأقسى، عشان الحجر بيتـشـق ويخرج منه زرع وتتفجر منه أنهار. وغازي واحد من الناس دول. ربنا يهديه ويصلح حاله."
"ربنا يكفينا ويكفي الناس شره. إلا هو فين؟ مبانلوش حس!"
"قلقانة عليه!"
"أخويا جاه، قلق له تفجر راسه نصين. أقلق عليه بتاع إيه ده؟ بس أصله غاب ده! ما تطمنيش!"
"له اطمنّي. غيبته المرة دي تطمن وهتطول وهترتاحي منه شوية زينين."
"كيف يعني!"
"والله يا جمارة، انتي طبعاً خابرة زين إن ربك لـبـالـمـرصاد. غازي بعد ما عمل فيكي أكده، طلع على أرضه، وهناك طلعوا عليه ناس ولاد حرام ضربوه وخدوا قـرـشـيـنـاتـه ورموه سايح في دمه، وهو دلوقتي في المستشفى متكسر كيفك وأكتر هبابة."
جمارة ديقت عينيها وبصت لحكيم بتركيز واتكلمت:
"ناس طلعوا عليه وضربوه وخدوا قـرـشـيـنـاتـه!! عجيبة دي؟ وأول مرة تحصل!"
"اهي حصلت عاد."
جمارة فضلت مركزة عينيها على حكيم وهو بيهرب بعينيه منها في كل موضع في الأوضة، وفالآخر ابتسمت لما عرفت إنه هو اللي ورا اللي جرى لغازي.
"بتـتـبـسمي على إيه!"
"ولا على حاجة، كده لحالي."
"طيب بصي بعيد، متتـبـصـلـيش كده، ما أحبش حد يبص لي."
"حاضر."
وبصت بعيد.
"احممم... آآآه، هو انتي أي حد يقولك أي حاجة تعمليها كده طوالي!"
وهي باصة بعيد: "أيوه."
وهو قايم: "طيب إني مش عاوزك تبقي مطيعة كده."
جمارة بصت له لما لقيته قام واتكلمت بلهفة:
"رايح على وين؟"
"هروح أتوضى عشان قرآن الفجر ابتدى. وأهملك انتي كمان تنامي لك هبابة."
بخوف: "خليك جاري، مروب الوجع يعاود لي نوبة تانية."
"طيب إني هنام في الصالة على الكنبة، ولو حسيتي بوجع نادمي علي، هجيلك طوالي... بس عشان الغلبانة دي تاخد راحتها في النوم، إلا زمان ضهرها اتقسم نصين."
وبص على أم جمارة. جمارة هزت دماغها بموافقة وهي بتبص عليه وهو رايح ناحية أمها وهز دراعها بالراحة. وهي صحت تتلفـت حواليها وبصت على جمارة بخوف، لكنها ابتسمت لما جمارة طمنتها بعنيها إنها زينة.
"اتعدلي في نومتك يا خالة وريحي حالك. جمارة بقت زينة وبإذن الله كل ما دا وهتتحسن، أقوى عشان تقويها وارتاحي زين عشان تقدري تراعيها."
عيشة هزت دماغها له ومدت إيدها بحركة سريعة مسكت يده وقربتها على خشمها عشان تحبها، لكن حكيم سحب إيده منها بسرعة ومسك دماغها بإيديه الاتنين وباسها بوسة ابن بار لأمه. وبعدها طلع من الأوضة وعيون جمارة وأمها ماشيين وراه وبيتأملوا في كتلة الحنية اللي ماشية على الأرض.
عيشة عدلت نومتها ونامت، وجمارة كمان غمضت عينيها وهي بتحاول تنام. وحكيم طلع راح على الحمام اتوضى وفرد مصلايته وقعد يقرأ قرآن ويستغفر لحد ما الفجر أذن. صلى ودعا ربه بكل اللي بيتمناه وطلب منه الستر والصحة وراحة البال له ولأحبابه. وقام اتمدد على الكنبة ومسك شال بتاع أمه كانت سايباه في الصالة فرده واتغطى بيه وحط إيده تحت دماغه ونام وهو مبتسم.
ومع ساعات النهار الأولى غالية نزلت وراحت على غرفة أمها من غير ما تاخد بالها إن حكيم نايم في الصالة. وهي ماشية فتحت باب أوضة جمارة بالهداوه ودخلت دماغها. بصت لقت الاتنين نايمين، جمارة وأمها. قفلت الباب تاني بالراحة وخبطت على أوضة أمها ودخلت.
"صباح الخير يا يمه."
"صباح النور والسرور على غالية الغالية."
غالية قفلت الباب وبصت وراه وبصت في كل الأوضة تدور على حاجة.
"عتدوري على إيه؟"
"بدور على أمي. تماضر كانت قاعدة مطرحك هنا، كانت شبهك الخالق الناطق أكده. بس دلوقتي كانت كل ما تشوف وشي تشـتـمـني، مش كيفك أكده ألاقيـتـيـني بالكلام الحلو وصباحك يشرح القلب!!"
تماضر بضحكة:
"قربي يا مقصوفة الرقبة تعالي."
غالية فردت دراعاتها وراحت عليها.
"أآآمه، حمد الله عالسلامة يا غالية. كنت لسه أسأل عليكِ. قرينتك كانت قاعدة مطرحك هنا."
وقربت منها باست دماغه.
"قرصتها من دراعها وغالية فتـت بعيد تضحك."
"همي يا طويلة اللسان، طلعيني عاوزه أطمن على جمارة."
"اطمني، زينة ونايمة. لسه فاصلة عليها ولقيتها هي وخالة عيشة في سابع نومة."
"ربنا يشفيها ويعفو عنها بحق جاه المصطفى يا رب."
"آمين يا رب. يلا تعالي عشان تفطري. قولت لزبيدة تحضر الأكل وأنا داخلالك زماناتها جهزته."
طلعت غالية بتدفع في الكرسي بتاع أمها. وأول ما وصلوا حدا السفـرة تماضر ضربت على صدرها وهي شايفة حكيم نايم على الكنبة متغطي بشالها ومتكور على روحه من البرد. بصت لغالية:
"خـشـي هاتي بطانية لاخوكي ارميها عليه، السقعة نشفته."
غالية اتحركت بسرعة وتماضر قربت عليه بالكرسي ومشّت إيدها على خده بحنية وهمست:
"ربنا يعينك على بلاوي قلبك يا وليدي. ويجازي العشق اللي مرمغ عيالي."
رجعت غالية ببطانية ورمتها على حكيم. وهو فتح عينه وشافها غالية ورجع غمض تاني واتقلب على الناحية التانية يكمل نومه.
فطرت تماضر وغالية ودخلوا يطمنوا على جمارة لما سمعوا حسها. وزبيدة ودت لها الأكل هي وأمها عيشة واطمنت عليهم هي كمان وقعدت هبابة جارهم وقامت تشوف أشغال البيت. أما حكيم فصحى على صوت بشندي بينادي على زبيدة على باب السرايا عشان تطلع تصحى سيدها حكيم. وحكيم هو اللي رد عليه:
"خـش يابشندي، إني صحيت."
بشندي دخل وشاف حكيم نايم على الكنبة ضرب إيديه في بعض وقال باستغراب:
"ياااابووووي! والله لو قلبي فكر يعمل فيا أكده لاكون راميه للكلاب!"
حكيم بضحكة:
"طب خلي يكون عندك قلب في الأول وبعدها اتحدث. دانتا اللي جواك ده فردة شبشب يا راجل!"
"وأحمد ربنا ليل نهار على فردة الشبشب من بعد ما ريت عمايل القلوب في أصحابها!"
"طيب سيبك مني ومن العمايل اللي بتتعمل فيا وقولي حصل إيه الصبح."
"جماعة من أدفو جايين ينبهوا إنهم جايين في فصل بعد العصر."
"طيب خد استعداداتك."
"منى خدت، بس قولت أبلغك عشان متتربطش بمواعيد من بعد العصر النهارده."
"إني ولا هتربط ولا فيا حيل أي حاجة. إني تعباااااان يابشندي."
"والله شايفك وعارفك تعبان وحاسس كيف ما تكون انتا اللي أكلت الكتلة من غازي مش ست جمارة. المهم... إني طالع أشرف على الدبيحة والطبيخ."
وهَم عشان يمشي، لكنه رجع بص لحكيم اللي رفع إيديه الاتنين وبيفرك وشه بيهم.
"مهتروحش تطل على الردي في المستشفى!"
"له."
"أحسن يستاهل."
وسابه وطلع.
حكيم قام وطلع على أوضته أخد حمام وغير هدومه. ومسك قزازة الريحة عشان يحط منها، لكنه افتكر إن الريحة غلط على جروح جمارة، سابها مكانها ومحطش ريحة ونزل. راح على أوضة جمارة ولقى الباب موارب، خبط مرتين وبعدها نده على غالية.
"أيوه يا خوي، تعالا ادخل. كلنا اهنه."
حكيم دخل صبح على الكل وعينه على جمارة اللي أمها قاعدة جارها وبتوكل فيها وجمارة مراضية.
"جيت والله جابك. تعالا شوف جمارة مراضية تاكل ولا سامعة حديث حد فينا واصل. مفيش غير انت اللي هتلين راسها وتخليها تتقوت."
حكيم دخل وقعد قصاد جمارة.
"سيبيها يمه على راحتها. الواحد لما بيبقى ملوش نفس ما يقدرش يحط لقمة في خشمُه. كيفي أنا أكده، صابح ماليش نفس ولا خُلق للأكل مع إني حاسس إني مفطـّـر وكل ما أقف أدّوخ. منتِ عارفة قضيت عشر أيام على النواشف لما معدتي نشفت."
"تبقى داخل على دور عيا. يا مرّك يا تماضر."
"له لازم تاكل يا ولدي عشان تتقوت، وحتى لو بعد الشر جالك دور عيا يلاقيك شديد!"
"صدقيني مقدرش أغصب على حالي يا خالة، علونى خابر زين إني لو مأكلتش مش هبقى زين، بس هي النفس. متقوليلهم يا جمارة!"
"واحنا اللي مستنين سي حكيم ونقولوا هو اللي هيقدر يغصب على جمارة تاكل. قال على رأي المثل: جبتك يا عبمعين تعين، لقيتك يا عبمعين عاوز تتعان!"
حكيم ضحك بخفة وعينه على جمارة اللي فضلت باصاله كتير قبل ما تتكلم:
"بس هما كلامهم صوح، وانت لازم تغصب على حالك وتاكل حتى لو حاجة قليلة."
"تقدري انتي تعملي أكده!"
"إني غيرك."
"له، كله زي بعضه. تقدري تعمليها انتي. لو أكده هاكل، واكل كد اللي هتاكليه انتي بالتمام. بس عارف مهتقدريش، ولا إني هقدر."
تماضر فهمت قصد ولدها وبصت لجمارة بترجي كداب.
"يبقى تاكلي عشان حكيم ياكل يا جمارة. قوليلها يا عيشة."
"خلاص إني هاكل، وانت خلي غالية تجيب لك أكل، وأكل كد ما أنا هاكل."
"وليه غالية تجيب أكل؟ ما أنا هاكل من الأكل اللي قدامك ده، واهو، لا انتي ولا إني لينا نفس ولا هنخلصه."
وبالفعل حكيم قرب الكرسي بتاعه على سرير جمارة وربع إيديه وبص لها عشان هي تبتدي أكل. ولما ابتدت هو مد إيده وكل والابتسامة مفارقتش وشه ومنزل عينه طول الوقت على صنية الأكل ومواعيشه من جمارة غير بس إيدها اللي بتـتـلافى بيها الأكل. وقلبه طاير من السعادة بقربها وروحه عمالة ترفرف حواليها.
خلصوا أكل وعطى لجمارة علاجها بنفسه، مسابش بس غير الحقنة لغالية تديها لها. وطلع بعد ما اطمن عليها وراح للمندرة بتاعته يجهز للفصل.
أما عند غازي، فكان متأكد ١٠٠٪ إن حكيم هو اللي ورا اللي حصل له ده، وخصوصاً إن واحد من الرجالة قاله إن حكيم خد مرته للمستشفى وإن حالتها تعبانة قوي. غازي ضمر لحكيم شر وحساب جديد وضافهم عالقديم، بس المرة دي حساب حكيم تقل قوي عند غازي.
***
مرت الأيام وعدوا ٣ أسابيع حكيم فيهم مسابش جمارة ليل ولا نهار على قد ما وقته يسمح. فالنهار يبص عليها تخاطيف. أما فالليل فلازم يقضيه قبالها على الكرسي ويفضل يتحدث معاها في كل حاجة حصلت معاه في يومه. ولو حاجة حصلت معاه تضحك، يحكيها لها عشان تضحك ويشوف ضحكتها اللي بتشرح قلبه وروحه.
جمارة كمان اتعودت على قعدته وحكاويه معاها والاهتمام اللي عمرها ما شافت زيه في يوم من الأيام غير من حكيم. عيشة كانت تنام أو تروح تقعد مع تماضر بقلب مطمئن لما يكون حكيم قاعد جار جمارة. أما غالية فساعة تقرب من جمارة وساعة تبعد وبتصارع في نفسها مش عارفة تحدد علاقتها بيها. بس الأكيد إن معاملتها معاها اختلفت ١٨٠ درجة. أما تماضر فهي الوحيدة اللي مكنتش راضية عن وضع حكيم ولا قعده جار جمارة اللي بقى ينسى مصالحه وأشغاله وحتى نفسه وهو قاعد قصادها. وكل يوم يجيب ويحط لجمارة ومهياش عارفة ولدها بيعمل كل ده على أنهي أساس وإيه آخرته. كانت هتكلمه، لكن تعب جمارة وضحكة حكيم اللي مبقتش تفارق وشه كانت مصبراها على الحال ده. وقالت تسيبهم لحد ما تطيب جمارة ويرجع غازي، ووقتها البُعد محتوم.
عدى أسبوع كمان وغازي طلع من المستشفى. حكيم خلاه في المندرة على سرير حكيم القديم ومرضالهوش يروح المشتمل عشان جمارة تعبانة ومحدش هيراعيه هناك. فاخلاه لبشندي والرجالة يخدموه. طبعاً الكلام ده حكيم قاله لبشندي وبشندي هو اللي وصله لغازي اللي هيتجنن عشان حكيم من ساعة ما رقد في المستشفى معبرهوش ولا راح له، ومن ساعة ما عاد منيها برضه موصلهوش يقول له حمد الله عالسلامة. أما حكيم فبقى يتجنب يروح المندرة من ساعة رجوع غازي. واللي ساعده على كده إنه لا فيه فصول ولا مشاكل اليومين دول ولا ناس بتروح المندرة غير صحاب غازي اللي بييجوا يتحمدوا له بالسلامة.
النهاردة حكيم اضطر إنه يروح بلد تانية عشان يحل مشكلة فيها مع شيخها اللي طلب عونه في حل المشكلة دي عشان استعصى عليه حلها، وخصوصاً إن الخصمين كل واحد فيهم مصمم إنه على حق.
جمارة طول اليوم بتفرك وحاسة إن حاجة ناقصاها، لا هنيتلها لقمة ولا حتى شربة ميه. متأكدة إن غياب حكيم هو السبب، بس مش قادرة تقر بالحقيقة دي لنفسها. بصت لعصافيرها شوية كتير وفضلت مراقباهم وابتسمت وهي شايفة العصفور بيوكل العصفورة وبيلاعبها ومهتم بيها. واتوجهت بكلامها لأمها عيشة اللي متابعة حالها من الصبح وبتبص لها ومركزة عليها بمعنى: "وبعدي لك يا بنيتي!"
جمارة اتكلمت معاها وهي سرحانة:
"يمه، هي القلب بتكذب؟"
"كيف يعني يا بتي!"
جمارة مسكت ضفيرتها وفضلت تلفها على صباعها والحيرة واضحة عليها:
"يعني لو حد قلك البني آدم ده عفش، وقلبك شايفه أحسن واحد في الدنيا وعينك ما تشوفشي منه إلا كل زين. ممكن في الآخر يطلع قلبك وعينك كدابين؟"
"والله اللي أعرفه إن العين ممكن يتضحك عليها وتتغش، بس القلب له. عشان القلب بيحس بالقلب اللي زيه، والقلوب ما بتـخـدش اللي جواها عن بعضيها."
جمارة هزت دماغها بموافقة ورضا على كلام أمها وهمست:
"إني برضه بقول أكده."
"بس فيه حاجات مهما كانت عاجبانا وعينينا وقلبنا اتفقوا عليها يا بتي، متنفعش لا تبقى لينا ولا ينفع تكون بتاعتنا. ولازم قبل ما حاجة تعجبنا نسأل حالنا: هتنفع الحاجة دي تكون بتاعتنا ولا مش هتنفع؟ عشان من الأول ما نتعلقوشي بأمل كداب. إلا غازي هيعاود السرايا ميت؟"
قالتها عيشة وكل قصدها منها إنها تفوق جمارة وتفكرها بوجوده في حياتها اللي الظاهر بتها ابتدت تنساه.
جمارة بعد ما فهمت قصد أمها اتكلمت بكل كره:
"يارب ما يطيب ولا يعاود السرايا تاني واصل."