تحميل رواية «جمارة (بين العشق والقسوة» PDF
بقلم ريناد يوسف
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
(بين العشق والقسوة) الفصل الأول عدنا والعود احمدُ ❤تقدمت نحو نافذة غرفتها وقامت بفتح الستائر ببطئ لتحتضن اشعة الشمس وجهها فتنعكس من خلال عينيها ليكتسب لون عينيها الازرق بريقا من نوع خاصاغمضت عينيها ثم قامت بفتحهم ببطئ شديد لكى يعتادو على هذا الضوء الذي تعرضتا له فجأه .اخذت نفس عميق زفرته على فترات وهى تنظر لحديقة القصر وتجوبها بعينيها ذهاباً واياباً وتستنشق عبق ماتحمله نسمات الصباح من رائحه الورود المصطفه فيها بطريقه مميزه لتُكون لوحه فنيه تضم جميع الاشكال والالوان التى رُسمت بيد محب عاشق للطبيع...
رواية جمارة (بين العشق والقسوة الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ريناد يوسف
عاود السرايا تاني يوم الصبح بعد يوم بليلة قضاهم بعيد عنها.
جمارة أول ما سمعت حسه في السرايا اتعدلت، وبقت تعدل في شالها وهدومها وغطاها، وعينها على باب الغرفة بلهفة.
"خوش يا سي حكيم."
حكيم دخل وعينه مفارقتش جمارة، ولا هي كمان عينها فارقت طوله وشكله وملامحه وعنيه.
"كيفك يا جمارة؟"
"توى اللي بقيت زينة.. كيفك انت يا سي حكيم؟"
"إني توي اللي ردتلي عافيتي يا جمارة... قوليلي مش عاوزة حاجة؟ أي حاجة نفسك فيها قوليلي عليها."
جمارة ابتسمت ونزلت عينها على أديها، واتحدثت بخجل.
"أقولك الصراحة نفسي في حاجة و روحي رايحلها ليا كام يوم."
"اخص عليكي يا جمارة.. مشتهية حاجة ليكي كام يوم ومقلاليشي؟!"
"مقولتش عشان مش في إيدك تجيبها."
"إني الدنيا كلها في إيدي وأقدر أحطهالك تحت رجلك، بس انتي شاوري."
"إني ماعوزاشي من الدنيا كلها غير بس شوية توت... والمرأة بقالها كتير ما بتجيبش، مقطوع مخابراشي ليه؟!"
"يااااابوي على التوت وعشق التوت.. طيب انتي ناسيه إن التوت له أوان ومعيطرحش بعديه، وكل سنة وانتي طيبة أوان التوت خلص خلاص!!"
"يعني ما آكلشي توت غير السنة الجاية على أكده؟!"
"تنفع مربى التوت أجبهالك؟ تسدش مطرح التوت!"
"له حلاها زايد وإني نفسي بتفزع منها... بس ليه التوت ميقعدشي طول السنة كيف باقي الفواكه؟!"
"عشان الفواكه التانية عتتخزن وتتلج، لكن التوت رقيق وترف كيف الناس اللي عتحبه أكده ومعيتحملشي كيف غيره من الفواكه."
جمارة ابتسمت وهمست بعد ما رفعت عينها تقابل عينيه.
"خسارة."
حكيم فضل يتأمل فيها وطال الصمت ونسي العالم وحس إنه من غياب يوم عنيها وحشه حد الجنون.
"خبئى عينيك عني فأنا أمام عينيكِ... تنهار قوانيني.. ويهزم المنطق. أمام عينيكِ.. ترتبك كلماتي.. وسطور الصمت تنطق. أمام عينيكِ.. تتحقق أحلامي... وفى نظراتك أغرق. أمام عينيكِ.. يغفو القمر... وشمس العشق تشرق. أمام عينيكِ.. أسافر فوق السحب.. وبين النجوم أحلق. أمام عينيكِ.. أموت آلاف المرات.. ومن مقلتيك أخلق."
بعد فترة الصمت، حكيم فتح خشمه عشان يتحدث معاها، لكن قطعته صوت أمه اللي تحدثت من وراه.
"وه ياحكيم.. ماعادتشي تماضر أول اللي تجري عليها لما تخش السرايا دلوكيت! تماضر راحت عليها خلاص."
حكيم قام بسرعة وراح على أمه، باس إيدها وخدها ودماغها وهو عيصبح ويسلم عليها.
"واه يالبة القلب عتتحدثي كيف انتي! دانتي القلب والعين... وبص لغالية كيفك يا غالية وكيف أحوالك؟"
"بخير طول مانتا بخير يا خوي."
حكيم اتلفت حواليه.
"أمال فين خالة عيشة؟"
"النهاردة قامت بهمة، حلفت ما نفطر غير مصفط بالسمنة البلدي من يدها وجبنة قديمة وعسل، ومن غبشة الصبح راحت بيتها تخبز في فرنها وزمانها على جيه دلوكيت."
"الله عليكي يا خالة عيشة.. اليوم ديه باينة حلو من أوله أكده."
"ربنا يحلى أيامك يا ولدي."
مخلصوش كلامهم وغالية تحدثت بفرحة.
"أهي خالة عيشة جات أهي."
"يادي النور والسرور.. توها السرايا اللي نورت بحس زين الرجال.. صباح الورد يا حكيم يا ولدي."
"صباح الفل على عينيكي يا خالة.. يديكي العافية تعبتي حالك."
"تعبكم راحة يا غالي.. إني فديك الساعة لما أعملكم بيدي!"
"طيب يلا كلنا هنفطر مع جمارة في أوضتها عشان نتلموا في الوكلة الحلوة داي."
"له إحنا ما نفطرواشي حداها.. هي اللي هتيجي تفطر معانا أهنه."
"بس كيف يا ولدي وهى ما تقدرشي تحمل على قدم رجلها واصل!"
"أكده."
وراح على باب السرايا ورجع جايب كرسي بعجل كيف بتاع أمه ووصل عندهم بيه.
"كفاياها حبسة في الغرفة، خليها تطلع تتفرطلها هبابة عشان تطيب بسرعة."
"ربنا يطيب خاطرك ويفرح قلبك قادر يا كريم."
"عفارم عليك يا حكيم، خليها تقعد وسطنا صوح بزيادة نومة."
حكيم بص لغالية.
"يلا خدي الكرسي ديه قعديها عليه بس بالراحة وهاتيها وتعالي..."
ومد إيده خد طبق الفطير من فوق دماغ عيشة.
"وانتي روحي معاها ساعديها يا خالة أحسن غالية توقعها ولا تعطبها أصلها رشلة."
عيشة ابتسمت وراحت على غالية، اللي بصت لحكيم بطرف عين واتمصمصت ودخلت من غير ما ترد.
بيده حضرت كل حاجة على السفرة، وحكيم وزع الفطير وقعد حاطط إيديه قدامه وفضل ينقر بصوابعه بقلة صبر وعينه على باب غرفة جمارة ومستنيها تطلع.
وتماضر عينها عليه، وأول ما طلعت جمارة حكيم عدل قعدته وابتسم وحست إن عينيه هيطلعوا من مطرحهم من كتر ما مبرقين لجمارة و بيلمعوا من الفرحة لمع.
غالية جابتها وكانت هتحطها جارها، لكن حكيم قام واخد الكرسي منها وخلى جمارة على شماله بينه وبين عيشة وأمه على يمينه وجارها غالية.
"ربنا يخليك ليا يا سي حكيم ويسعد قلبك.. والله كانت روحي طاقة من قعدة الغرفة كيف ما تكون علمت بيه."
حكيم ابتسم واتكالها على عينيه وقعد ياكل بنفس مفتوحة وعينه على جمارة ويجيب ويحط قدامها ويغصب عليها تاكل، ويمد إيده يغمس لقمة من وقت للتاني يحطها في خشم أمه ويحب إيدها وهي تطبطب على دراعه بحنان.
خلصوا فطور وحكيم طلع وساب جمارة قاعدة وسطهم في الصالة وفرحانة إنها طلعت من بعد شهر حبسة.
وغاب ساعتين ورجع تاني.
"جمارة تعالي الجنينة هوريكي حاجة هتعجبك قوي.. أمحضرلك مفاجأة."
جمارة بصتله وديقت عينيها وبصت للي حواليها بتساؤل، والكل رفعلها كتافه بمعنى منعرفوشي حاجة.
حكيم مسك إيدين الكرسي ودفعه على بره، وجمارة فضلت تبص بعينها يمين وشمال وملقتش حاجة غريبة غير بس نقايل شجر على جنب محطوطة.
حكيم وقف جمارة جنب نقايل الشجر ووقف قدامها.
"عارفة ديه شجر إيه يا جمارة.. ديه شجر توت.. هزرعلك الجنينة كلها شجر توت عشان تقدري تقطفي التوت وتاكليه في أي وقت وميته ما تحبي وتشتهي."
جمارة بصت للشجر بفرحة وبصت لحكيم وهمست.
"ديه كتير عليا والله."
"قولتلك الدنيا كلها متكترش عليكي انتي بالذات يا جمارة."
جمارة بصت لعيون حكيم وركزت وسألت بحيرة.
"ليه بتعمل معايا أكده يا سي حكيم.. واشمعنا إني بالذات؟"
"عشان انتي مظلومة يا جمارة.. عتتظلمي من غير ذنب في بيتي وتحت عيني، وإني اللي المفروض أشيل الظلم عن الناس كلها مقدرشي أشيله من عنك.. وعشان أكده مستعد أعمل كل حاجة تفرحك وتسعد قلبك، يمكن لما أشوف الفرحة في عينيكي ديه يعوض هبابة من تقصيري في حقك."
"وانت ذنبك إيه تشيل ذنب مالكش يد فيه وصاحب الذنب باله مرتاح ومتهني؟!"
"مين قالك مش يمكن الذنب كله من أول ذنبي أنا.. وإني لولايا ما كنتش ولا حاجة من اللي انتي فيه ديه هتحصل معاكي."
"مفاهماشــي؟!"
"أحسن خليكي مفاهماشــي.. سيبك من الحديث دلوكيت وقولي معايا نزرعو الشجر ديه فين وفين؟"
"لا هو انت اللي بتزرعه بيدك يا سي حكيم!"
"إني أصلاً جايبه عشان إني اللي أزرعه من يدي."
قالها وبدأ يشيل العمامة من على راسه وخلع جلابيته وفضل بفانلة نص كم وبنطلون ترنك كان لابسهم تحتها، وحطهم في حجر جمارة وبدأ يحفر بالفأس والكوريك اللي جهزهم.
طول ما هو بيحفر وعين جمارة منزلتش من عليه، واتمنت لو ليها الحق بأنها تقرب منه وتمسح حبات العرق اللي بتجمع على جبينه من تعب بيتعبها ليها وعشانها، وهو الشيخ حكيم اللي إيده معتشيلش وردة من الأرض.
حكيم بقى كل ما يخلص حفرة يزرع فيها شجرة ويقرب منها جمارة ويمسكها خرطوم الماية عشان تسقيها بيدها، وهي تعمل أكده بفرحة.
خلصوا زرع الشجر وحكيم قعد على نص البرميل قدام المشتمل، وجمارة جاره بعد ما غسل وشه واتشطف من خرطوم الماية، وبصوا هما الاتنين على الجنينة بصة أخيرة بعد ما اتزرعت بشجر التوت، صفين متوازيين من بداية باب السرايا لحد البوابة، بيفصل ما بين كل شجرة واختها مترين، وبيبعد كل صف عن التاني ٦ متر.
"شكل الجنينة بقى حلو قوي بالزرع يا سي حكيم.. بس لسه ناقصها حاجة."
"حاجة إيه يا جمارة؟"
"ناقصها تنزرع ورد ملون أحمر وأبيض وأصفر كيف اللي حدا المهندز، وتوبقى جنة."
"من بكرة تنزرع كل أنواع الورود لعيونك يا جمارة.. انتي تتمني وأنا عليا التنفيذ.. بس في الأول عاوز أعملك قفص سلك كبير أهنه عشان تحطي جواه عصافيرك ويقدروا يفرفروا بحرية أكبر ويفقسوا ويملولك القفص عصافير صغيرة."
وشاورلها على جنب في الجنينة قريب من المشتمل وقصاد شباك أوضته.
"الله يا سي حكيم ديه هيوبقى حلو قوي.. إني مش هتحرك من قصادهم ليل ولا نهار وهقعد على طول عيني عليهم."
"هاه قوليلي إيه ناقص السرايا تاني ولا الجنينة عشان نعملوه ونفرحوا جمارة!"
جمارة اتنهدت وردت عليه وهي باصة بعيد وكل ملامحها اتحولت للحزن.
"لو على راحة جمارة فهي في حاجة واحدة بس.. إن غازي ما يعاودش السرايا تاني ولا أشوفه قبالي، وتوبقى هي داي فرحتي الكبيرة."
حكيم وقف على حيله ورد بديقة.
"وايه جاب سيرة غازي دلوكيت.. تعالي يلا ندخل السرايا بزيادة خدنا عليات النهار في الشمس أحسن تعيي وانتِ مش ناقصة."
جمارة ردت عليه بضحكة خفيفة.
"متخافش سمس الشتا باردة مع تعيشي."
وهو ابتدى يدفع الكرسي بيها على ناحية السرايا، وهي طول ما هي ماشية باصة للشجر المزروع بفرحة وحاضنة جلابية حكيم وتلفحته كأنها حاضنة كنز غالي على قلبها.
دخلوا السرايا وحكيم سابها وسطهم وطلع عشان يتسبح، وجمارة فضلت تحكيلهم بفرحة على شجر التوت.
"طب ما احنا عارفين كنتوا عتزرعوا شجر، ما احنا فنسنا وراكم نشوفواكم عتعملوا إيه، ولما لقيناكم عتزرعوا كيف عباس وقميرة هزينا يدنا ودخلنا وفوتناكم.. قال ويقولها مفاجأة قال!"
"طب ديه أحلى مفاجأة الدنيا كلها وفرحتني قوي."
"وماله يختي مش عيب، مهي دي اللي عيقولو عليها فرحة العبيط ههههههه."
جمارة جاوبتها ببرطمة.
"بس اسكتي انتي ما تعرفاشي حاجة."
فضلو يتحدثوا مع بعض كلهم، وجمارة طلبت من أمها تساعدها تتنقل من على الكرسي للكنبة عشان تجخ ضهرها اللي وجعها، وأمها قامت تساعدها وحتى غالية قامت تساعدها معاها.
شوية ونزل حكيم بكامل زينته وهيبته ووقاره، وعين جمارة متلقياه من ساعة ما نزل أول سلمة، وحكيم كمان عينه عليها ووشه مبتسم.
نزل وقعد جارهم وابتدوا يتحدثوا، وطول ما جمارة تتحدث عين حكيم عليها وناسي الدنيا وكل هبابة.
أمه تماضر تحط إيدها على يده تنبهه لنفسه وترجعه لعقله اللي نسيه من ساعة اللي حصل لجمارة.
تماضر ميلت على حكيم واتحدثت بنبرة صارمة.
"حكيم عاوزاك في كلمتين.. تعالي معايا غرفتي."
حكيم قام مع أمه، وعلى عينه يسيب قعدة جمارته اللي فيها قصاد عينيه.
دخل الأوضة هو وأمه، وأمه قالتله اقفل الباب وراك، وهو عمل أكده.
"وبعدهالك يا ولد تماضر.. وآخرت اللي بتعمله ديه إيه.. من ساعة اللي حصل لجمارة وانت مقابلها وقاعد ونسيت نفسك ونسيت دينك وربك ونسيت الدنيا."
"وه يمه عملت إيه إني لكل ديه!"
"عملت ياحكيم.. عملت ياشيخ البلد.. عملت يادارس كتاب الله.. نسيت إن النظرة سهام إبليس، وإني ياما حذرتك من البصة ياحكيم.. من أول ما هويتها وإني بحذرك وأفكرك بكلام ربنا، وانت فاكر كنت عتقولي إيه... كنت عتقولي سيبيني أحرسها بعيوني وأشبع عيني منها وأصبر حالي بالنظرة لحد ما أتجوزها وأفضل الباقي من عمري أستغفر لحد ما ربنا يغفر لي وهو أعلم بحالي.. طب زمان كنت بتبصلها عشان هتبقى مراتك.. دلوقتي بتبصلها ليه.. نسيت نفسك ودينك ياشيخ ونسيت إن النفس أمارة؟ نسيت إن جمارة على ذمة ولد عمك دلوقتي وكل نظرة ليها بمعصية وذنب! فوق دانت الشيخ حكيم اللي بتحكم بين الناس بالكتاب والسنة.. امسك نفسك وحاسبها قبل ما حسابك عند رب العالمين يتقل."
حكيم بحده.
"ولد عمي... وااااد عمي... لعنة حياتي وسبب تعاستي وأكبر مصيبة وقعت على راسي.. ياما قولتلك اطير وراه من حياتنا وأعطيه كل اللي يطلبه، قولتلي له خليه قصاد عينك ولو حبيبك قريب خلي عدوك أقرب.. كسرتو ضهري بيه انتي وأبوي.. انتي بخوفك منه وأبوي بوصية وصاها على حي صغير ولجمني بيها، وما يعرفش إن الحي هييجي يوم ويكبر ويبقى تعبان مغلق يبخ سمه في جوف ولده! شوفي انتي كام مرة حاول يموتني وفشل، وكل مرة كنتي تقوليلي متظلميش يمكن مش هو، وأنا وإنتي خابرين زين إنه كل مرة هيوبقى هو وراها بس بتكذبي حالك وتضحكي على روحك وعليا... طب تعرفي إنه ولا مرة نجح يموتني غير لما خد مني جمارة.. تعرفي إنه خنق قلبي لحد ما موته من القهر.. تعرفي إني بتعذب قد إيه، ولا قلبك بطل يحس بحكيم كيف الأول.. بالك لو قلبك بيحس بيا كنت همَلتيني للي جوايا ومكونتيش عاتبتي ولا نصحتي."
"مينفعش يالبة القلب.. مينفعشي أسيبك تغرق في المعاصي واقف أتفرج عليك وممدش إيدي أطلعك من وسط بحر الذنوب اللي رامي حالك فيه.. ابعد عنها وسيبها لمصيرها واللي كتبه عليها ربنا ومتتدخلش.. انت مش هتكون أحن عليها من ربنا، وهو القادر كيف ما بلاها يرفع البلا عنيها.. قادر ربنا يزرع الحنية في قلب غازي عليها ويبدل الأحوال في طرفة عين.. بس ربنا ليه حكمة.. ومحدش لازم يعترض على حكمة ربنا يا ولدي، وإلا يبقى كفر.. لكن تفضل قبالها أكده وفرحان ببصتك ليها وبصتها ليك، وبتعلق قلبها فيك كل يوم عن التاني، ودي عذاب تاني هتكتبه عليها مهتقدرشي عليه.. مكانتشي مرجية منك يا حكيم إني إني اللي أفكرك بحلالك وحرامك، أرجع لكتابك وارجع للآية اللي بتقول بسم الله الرحمن الرحيم: (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ) صدق الله العظيم. يعني لو جيت لدينك وقرآنك مش بصتك عليها بس هي الحرام.. قعدتها قبالك وسماعك لصوت خطوتها وهي ماشية حرام."
حكيم بضيق رفع إيده وفرك وشه واتحدث بقهر.
"كل ديه عارفة وضميري كل يوم عيمزعني مزيع ومختشي من ربنا قوي قوي، بس أعمل إيه قوليلي.. أعمل إيه مقدرشي.. إني عأضعف قصادها كيف ما ضعف آدم ومد يده على الشجرة المحرمة اللي طلعته من الجنة.. أعمل إيه والشيطان غازي جابها وحطها قبالي وسلسلني عينيها بجوازه منها وبيغري قلبي بيها كل يوم كيف ما الشيطان وسوس لآدم ياكل من الشجرة! أعمل إيه وجمارة هي الوحيدة اللي كشفت مساوئي وعرتني قدام حالي وعرفتني إن اللي بعمله غير اللي بقوله وأنصح بيه الناس.. بس الاختلاف إني معغطيش سوأتي بورق شجر.. بغطيها بتوب العشق.. واللي بيتغطى بتوب العشق عريان يا أم حكيم.. قولي لولدك يعمل إيه يا تماضر."
"متعملشي حاجة إني اللي هعمل.. إني اللي لازم أعمل.. بس كل اللي طالباه منك إنك تجاهد نفسك وتبعد عنها وتتجنب الذنوب وتستغفر على اللي فات يا حكيم.. سامعني؟ الحق نفسك يا ولدي."
حكيم هز دماغه لأمه وسابها وطلع من الأوضة ومن السرايا بسرعة من غير ما يلتفت لأي حد ولا ينتبه لعيون جمارة اللي بتجري وراه.
والكل استغربوا يا ترى تماضر أم حكيم قالت إيه لولدها خلاه طالع وشرار الغضب عيطير من عينيه أكده.
يومها حكيم ما عاودش السرايا وفضل يلف في البلد بجمرة لحد ما ليل عليه الليل.
رجع للمندرة وهناك شاف غازي اللي كان عامل المندرة غرزة بشيشته والتسالي بتاعته.
"أهلاً أهلاً باللي عيلعب براحته بعد ما عجَز القط."
"ههههه دايماً تقلب الأدوار انت يا غازي.. عاوز تطلع حكيم الفار!!... وانت توبقى إيه عايز تفهمني إنك القط اللي غاب على أكده؟!"
"أمال اللي بيضرب وياخد على خوانه ويتدس تسميه إيه يا حكيم.. أسد؟؟!!"
"لا الدسدسة طبعنا ولا الخيانة في دمنا، بس الخوان بيخون وكل واحد بيشوف الناس بعين طبعه."
"مقبولة منك يا ولد العم.. إلا قولي أخبار مرتي إيه على حسك.. زينة ومرتاحة مش أكده.. مريحها تلاقيك قوي إنت في غيبتي.. عموماً تشكر وتتردلك في حريمك بإذن الله."
حكيم دمه غلى بس ما حبش يدي فرصة لغازي إنه يحس إنه انتصر عليه وإن كلامه كاد.
فاتحدث بهدوء عكس اللي جواه.
"نام يا غازي وبطل خربطة نام."
وقلع عمامته ونام على كنبة بعيدة عنه شوية.
"وه.. إيش عجب هتنام أهنه النهاردة وتفوت السرايا واللي فيها؟!"
"شبعت من السرايا واللي فيها وحابب أريح حالي بعيد عنيهم شوية.. زهقت منهم يا خي."
نام حكيم وساب غازي بيغلي بنار مش قادر يحددها، نار غيرة ولا نار هزيمة ولا نار ضعف اتسببله فيه حكيم وخلّاه محبوس في فراشه وملاقيلهوش بصارة يوصل لحكيم ويديق عليه أنفاسه كيف الأول.
حكيم يومها بات في المندرة وجمارة كل هبابة تسأل عليه مجاش ليه ومحدش يجاوبها وفضلت في حيرة.
أما تماضر أم حكيم المرة دي مؤيدة بعد ولدها ومعترضتش زي أول مرة لما غصبته يرجع.
ومجاش في بالها إنها كانت بتقرب النار من البنزين ومش دارية.
أيام بقت تعدي وحكيم مبقاش يلفي السرايا.. غير بس ساعة الوكل ويقعد ياكل معاهم من غير ولا كلمة ولا يرفع عينه على حد واصل.
والكل مخيمه عليه حالة سكوت واستغراب، وحدش فاهم اللي بيجرى مع حكيم غير بس أمه اللي كل ما حد يسألها ماله تقوله هملوه في حاله محدش له صالح بيه.
جمارة كل مادا تتحسن وابتدت تقدر تدوس على رجلها وتخطى لحالها.
ولسه تغيير حكيم عليها وعلى الكل شاغل فكرها وقلبها.
صعبة لما حد يعطيك كل اهتمامه ورعايته ويسحب ده منك مرة واحدة كأنه حس إنه غلط لما اداهولك وندم عليه.
بس برغم البعد والجفا حكيم منساش طلب جمارة وخطط الجنينة وبناها أحواض وزرعها ورد.
وجمارة من ساعتها بتعتني بيها وتسقيها مرة بمية ومرات بدموعها اللي كل ما تبص لشجر التوت تتفكر أحلى يوم في عمرها وتسأل حالها ياترى هي عملت إيه لحكيم عشان يجفى عليها ويبعد عنها أكده.
فضلت مهتمة باحواض الورد لحد ما الورد ابتدى يكبر ويبان تشكيله، وفي الوقت ده كانت تقريباً طابت.
قاعدة كيف كل يوم تسقي الورد وشافت حكيم داخل من بوابة السرايا، رمت خرطوم الماية من إيدها ورمحت عليه ووقفت قدامه وسألته بكل ضعف.
"غلطت في إيه معاك إني يا سي حكيم!؟"
"ليه بتقولي أكده يا جمارة! انتي مغلطتيشي ولا حاجة."
"أمال ليه كرهتني؟"
"إني كرهتك.. ليه بتقولي أكده يا جمارة.. إني عمري ما كرهتك أبداً."
"أمال ليه بطلت تتحدث معايا كيف الأول.. ليه بطلت تسأل عن حالي؟"
"له بسأل وعاطمن وعشوفك زينة قدامي.. وعقول لغالية تسألك لو محتاجة حاجة!!"
"وعتطمن عني كيف وعتشوفني ميتة وانت حتى بطلت ترفع عينك عليا ولا تتطلعلي!! مالك يا سي حكيم إيه اللي مزعلك أكده احكيلي.. إني حساك حزين قوي بس معرفاشي من إيه."
حكيم اتنهد وهمس لنفسه.
"وَما كانَ للأحزَانِ، لَوْلاكِ، مَسلَكٌ ** إلى القلبِ لكنَّ الهوى للبلى جسرُ."
ورد عليها بنبرة هادية.
"مفيش حاجة صدقيني انتي متوهمة."
ومشى من قدامها للسرايا وهو بيجاهد عشان ميرفعشي عينه وتيجي عليها، وإلا هيضعف وتنهدم كل الحصون اللي بيحاول يبنيها حواليه يتخبى وراها عن مرمى عينيها طول المدة اللي فاتت.
تاني يوم حكيم نبه عليهم مفيش وحدة تطلع من باب السرايا للجنينة، وكان قاصد بالكلام جمارة بس مبقاش يوجهلها كلام مباشر غير لما يعمم على الكل.
وطبعاً سألوه ليه وهو مجاوبش.
لكن في آخر النهار بعتلهم بشندي يقولهم الناس مشيت ولو حد عاوز يطلع الجنينة يطلع.
جمارة أول ما سمعت أكده طلعت طوالى حتى قبل ما بشندي يغادر باب السرايا.
وأول ما طلعت اتفاجئت بالقفص اللي كان قالها عليه حكيم، وضحكت بفرحة وضمت إيديها قصاد صدرها وهي باصاله.
وكأنه رسالة من حكيم ليها بيقولها فيها إنه لساته بيستعملها، لساتها ليها معزة عنده ومنساش يفرحها.
بشندي طلع من باب السرايا ووقف دقايق يبص لجمارة وحالها واتنهد وهز إيده ومشى وهو بيعبرم مع نفسه.
"قُطع العشق وسنينه.. وقُطع غازي اللي إن شاء الله يتحرق بغاز وسخ عاللي بيعمله في الناس المسكينة داي."
طلع من بوابة السرايا وقفلها وراه كيف ما أمره حكيم من ساعة ما زرع الجنينة وابتدت جمارة تطلع فيها على طول، وخاف عليها من عين تلمحها وتشبع من جمال طلتها.
أما جمارة فرجعت للسرايا بسرعة وخدت القفص ورجعت الجنينة وطلعت العصافير منه، حطتهم في القفص الكبير وقربت نص البرميل قبالهم وقعدت عليه تتفرج عليهم وهما فرحانين بالوسع وعيرفرفوا بجناحاتهم كأنهم مش مصدقين حالهم.
دخل حكيم من بوابة السرايا، ولحظة ما شاف جمارة وفرحتها بالقفص وقعدتها قبالهم مقدرشي يحوش نفسه وقرب منها بهدوء ووقف وراها وسمعها وهي بتهمس بصوت واطي.
"حكيم.. كفاياك فرفرة واستهدى واقعد جار جمارة هبابة حرام عليك دي عتلف وراك في القفص كلياته لما تعبت."
حكيم سمع كلامها وكل مشاعره اتلخبطت وكل جدران القوة اللي بناها حواليه اتهدت بكلمتها.
وحس إن الدنيا مش سايعاه من الفرحة.
بس فرحته انطفت وهو واعي غازي واقف على بوابة السرايا متسند على واحد من الرجالة، وجرى ناحيتهم أخد غازي من يد الراجل وسنده وخلى الراجل يطلع فوراً من السرايا من خوفه يلمح جمارته.
غازي ضحك لما فهم قصد حكيم وإنه ما جرى عليه محبة، وضحك بخفة وبعدها تحدث وعينه على جمارة.
"والله وعاودتلك تاني يا جمارتي.. والنوبة داي هتدفعي تمن رقدتي وبالفوايد كماني ههههههه."
حكيم ميل عليه وهمس في ودنه.
"اقتلها خالص النوبة داي، خلاص مبقلهاشي عازه.. بقت عاملة كيف الوكلة البايتة اللي النفر عياكل منها ونفسه مش عتتدنالها تاني يوم."
"ربنا معاك يا ولد عمي، أكيد نفسك جزعت منها وانت بقالك شهور متجوزها.. إذا كان أنا في المدة البسيطة دي مليت منها."
غازي بص لحكيم بغضب وسأله.
"قصدك إيه؟"
"مقصديش يا غالي.. مقصديشششش."
ووصله قريب من جمارة وسابهم ودخل السرايا.
أما جمارة ففاقت من سرحانها على أكتر صوت في الدنيا بتكره تسمعه.
"طولت عليكي مش أكده... أكيد اتوحشتيني صوح."
جمارة هبت واقفة وبلعت ريقها وفضلت تفرك إيديها في بعض بتوتر وهي باصة لكابوس حياتها اللي عاودلها من تاني.
رواية جمارة (بين العشق والقسوة الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ريناد يوسف
قرب غازي من جمارة بالعافية وعيونه تلف المكان وترجع تركز عليها تاني. أول ما وقف قصادها:
"إيه! مفيش حمدًا لله على سلامتك يا جوزي وصاحب بيتي ولا إيه!"
جمارة ربعت إيديها وبصت بعيد عنه، بتحاول بضمة إيديها حواليها إنها تضم وتسكن ارتجافة قلبها قبل جسمها. وهي واقفة قبال اللي متأكدة إنه في يوم من الأيام هيكون قاتلها.
غازي: "وه! دانتي قلبك جاحد قوي. طب حتى قربي اسنديني، ما أقدرش أقف على رجليا. شوفي حقك اتاخد لكِ تالت ومتلت كيف... دنتي طلعتي غالية قوي يا بت بتاعة الجبنة."
جمارة فضلت مكانها، لكنها انتفضت وقربت له بسرعة لما زعق فيها بصوته كله:
"قلتتتتلك قربي، مستنية إيه!"
جمارة وقفت بمحاذاته، وهو حط إيده عليها ورمى عليها حمل جسمه، ونسي إنها لسه تعبانة. وهي أول ما عمل كده مدت إيدها بألم على صدرها، مكان الضلعة المكسورة.
غازي ابتدا يتمشى على المشتمل ولف دراعه حوالين رقبة جمارة كيف ما يكون بيخنقها، لكنه مفرط المسكة. واتكلم وهو جازز على أسنانه:
"بس في غيابي حاجات كتير اتغيرت... الجنينة والزرع، واقفاصة زرازير، وحتى إنتي وشك مورد والدموية بتفط مني. كنتي عتتجلعي إنتي هنا والكل حواليكي، وأنا مرمي في المندرة مع بشندي وعوض، لو حبيت أدخل بيت الراحة أفضل أزعق فيهم ساعة لولا ما حد يسمعني وييجي يوديني."
دخل المشتمل بلهفة لما شاف بابه مخلوع ومرمي على ناحية، بس اطمن لما شاف باب الأوضة اللي روحه متعلقة بيها مقفولة كيف ما هي.
غازي دخل وقعد على الكنبة وشد جمارة قعدها جمبيه.
"تعرفي إني كنت خايف تتحدتي وتفشي سر جوزك وتفضحيني؟ بس طلعتي أصيلة والله يا جمارة. وعشان كده أنا لسه عند وعدي ليكي. أول ما تطلعي الطميرة هيصك على الآخر، وهعدي كل اللي حوصولي بسببك يا ستي، هه. يلا تعالي عاد قربي، ألا إني مشتاق لكِ قوي."
وقرب منها، بس تصلب جسمها وثبات ملامحها خلاه يبعد عنها باستغراب لرد فعل أول مرة يشوفه منها.
غازي: "له! دا الظاهر إن كل حاجة اتغيرت صوح."
وبعد عنها واتجه على الكنبة وفضل يبصلها بتفحص من غير ما حد يتحدث فيهم، لا هي ولا هو، لحدت ما هي زهقت وقامت بضعف ابتدت تنضف في السجن اللي سجانها الظالم عاد و هتتجدد مدة حبسها فيه من تاني النهاردة.
عيشة لما عرفت إن غازي عاد، سابت السرايا ورجعت لبيتها، بعد ما استودعت بنتها عند اللي لا بيغفل ولا بينام، ووصت عليها حكيم وتماضر وغالية.
أما حكيم، فأول ما عرف إن غازي عاد للسرايا وخلاص أغلب الوقت جمارة هتقضيه جارة في المشتمل، قعد في السرايا وطلع لأوضته، فتح الشباك وبص للجنينة وعينه اتعلقت بقفص العصافير اللي فيه العصفورة نايمة تحت جناح العصفور، وهو حاطط دماغه عليها كيف ما يكون بيحميها من الدنيا كلها. وهمس لنفسه وهو مبتسم:
"جمارة وحكيم..."
فضل شوية باصص لهم، وبعدها قفل الشباك ودخل في السرير واتمدد بتعب وحط إيده على عينيه ونام، محسش بروحه.
تاني يوم حكيم راح الأسطبل وشاف جمارة هادية قوي على غير عادتها، يعني لما شافته ولا صهلت ولا فضلت تتنطط كيف كل مرة. بصت له بس وهزت دماغها ورجعت تاكل بشهية مفتوحة.
حكيم: "هى مالها جمرة النهارده!"
السايس: "له مش من النهارده بس، دي ليها كذا يوم أكده على غير عادتها، بس النهارده هداوتها زادت قوي ونفسها مفتوحة على الأكل قوي قوي." وكمل بضحكة: "كأنها عيملتها يابيه."
حكيم: "عيملتها! عيملت إيه؟"
السايس: "حبلت يعني يابيه."
حكيم فتح عينيه على آخرهم وبص لجمرة ورفع حواجبه بحنان وقرب منها وهمس لها في ودنها وهو بيمسد على شعر رقبتها:
"وه يا جمرة... كبرتي ميتة أكده! هتبقي أم!!!"
سابه ورجع يتكلم مع السايس:
"بس أوعى تكون حبلت من خيل عادي؟"
السايس: "له يابيه... إني مش أخلي الأصيل مع العادي، مخالطش الأجناس عشان متتخلطش الأنساب. اطمن، جمارة حبلى بخيل عربي أصيل. وكماني على ما أظن من عنتر، عشان هو اللي كان دايماً معاها طول الأيام اللي عدوا."
حكيم هز دماغه برضى:
"طب زين زين... عنتر أحسن فرس عندي، ولو ديه صح جمارة هتجيب مهر مفيش منه."
السايس: "ربنا يقومها بالسلامة يابيه."
حكيم بص لجمرة وابتسم وحط إيده في جيبه وطلع منها فلوس ومدها للسايس.
السايس: "إيه ديه يابيه... خيرك مغرقنا."
حكيم: "دي حلاوة جمرة. اتلافى من يدي متخلينيش ماددها كتير."
السايس أخدها من إيد سيده حكيم وباسها وحطها في جيبه وهو بيدعي لحكيم وجمرة، وسابه مع جمرته ومشى.
وحكيم قرب على جمرة وباسها وطبطب عليها بحنية وفرحة، كأنها بتُه اللي سمع خبر حملها النهاردة وهتجيب له أعز الولد. خدها معاه على جنينة السرايا عشان تفضل قدام عينيه ليل نهار، في دخلته وطلعته للسرايا. وخلى بشندي يجهز لها مطرح، ووكل وشرب عشان هو بنفسه اللي يهتم بيها ويوكلها بيده من اهنه ورايح.
***
أما غازي، فحاول مرة واتنين يقرب من جمارة بلهفة، لكنها كانت عتتخشب بطريقة غريبة كل ما يقرب لها، كأنها خشبة. وهو لما شاف كده يبعد عنها. بس لما الموضوع زاد عن حده، اضطر إنه ياخد حقه ومهتمش برد فعلها ولا إحساسها.
بعد عنها، بس بعد ما هددها إنها لو ما اتعدلتش معاه وعادت كيف الأول، هيكون له تصرف تاني خالص معاها.
جمارة خافت، بس مش بيدها تكون مرتاحة مع واحد وصلها للموت من غير ما يرف له جفن. مع واحد سابها غرقانة في دمها وقفل عليها الباب كأنها كلبة ولا تسوى. صح هي في الأول كانت بتطيعه وتنفذ كل أوامره، بس ديه قبل ما تتأكد إنه شيطان في هيئة بني آدم. إنه غل الدنيا كله متجسد في جسمه وعايم على الأرض. وإنها حداه ولا حاجة ولا تعنيه في شيء.
طلب منها أكل وراحت السرايا عشان تجيب له. وهي طالعة شافت جمرة مربوطة قريبة على بوابة السرايا. عرفتها طوالي وجرت عليها بفرحة، وقفت تمسد عليها وتلعب معاها بطفولية. ونسيت غازي وأكله، ونسيت حالها جارة.
حكيم كان داخل من باب السرايا وشاف جمارة عتلعب مع جمرة، ووقف مطرحه وابتسم على منظرهم وهو شايفهم كأنهم قلبه وروحه عيلعبوا مع بعض. دخل بهدوء ووقف ورا جمارة وهي مدياه ضهرها ومشغولة تمسد على شعر رقبة جمرة الطويل بإعجاب وتمسد بين عيونها. ولما جمارة تبص بدماغها بعيد عنها، جمارة تضم إيدها ليها بالكذب كأن فيها وكل، وجمرة تقرب لها بلهفة، وجمارة تضحك وتضم وش جمرة بفرحة.
حكيم همس من وراها:
"إنتي بتضحكي عليها على كده؟ وديه حرام."
جمارة التفتت له بلهفة وبلعت ريقها وهمست:
"إيه هو اللي حرام؟"
حكيم رد وعينه للأرض مرفعهاش أبداً:
"إنك تضمي إيدك وتخدعي حد بأكل ولا حاجة حلوة وإيدك في الأصل فاضية، ديه يبقى حرام. بيقولوا كان زمان فيه إمام سافر وقطع بلاد عشان يجمع أحاديث الرسول (ص)، ولما وصل لأحد رواة الأحاديث، الراوي ده بغلته جرت منه. وعشان يرجعها مسك لها الماعون اللي بيحط لها فيه أكل وغطاه عشان لما تشوفه تعود له. ولما الإمام شاف الماعون فاضي مشي ومرضيش ياخد منه أحاديث. ولما اتسأل ليه مشي بعد المسافة والتعب والمشقة، قال لهم: دا كذب على بغلته، مش هيكذب على أحاديث رسول الله! وكماني عن عبد الله بن عامر رضي الله عنه أنه قال: 'دعتني أمي يوما ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- قاعدٌ في بيتنا، فقالت: ها تعال أعطيك، فقال لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( وما أردت أن تعطيه؟ ) ، قالت: أعطيه تمراً!!، فقال لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( أما إنك لو لم تعطيه شيئاً كُتبت عليك كذبة) رواه أبو داود'. يعني حركة بسيطة إحنا بنكون بنعملها للضحك ولا للهزار، وهي بتتكتب علينا كذبة. خدي بالك!"
جمارة بتسمع له بذهول وردت:
"كل ديه عشان ضميّت لها إيدي بالكذب!"
حكيم: "وتحسبونه هين، وهو عند الله عظيم." قالها واتوجه لشنطة قماش متعلقة في الحيطة، ودخل يده وطلعها مليانة مكعبات سكر نبات، ومدهم لجمارة عشان توكل جمرة، وهي طوالي مدت إيدها وحكيم حطهم فيها ومدتهم لجمرة اللي ابتدت تاكل بفرحة، واتكلم وهو باصص لهم:
"وكماني عشان تفضل تأمن لك، وطول الوقت تكون متأكدة إنك مهتكذبيش عليها ولا تغشيها وتحبك وتستنى طلتك عليها. وخذي بالك، الخيل الأصيل بيفهم كيف بني آدم، وجمرة خيل أصيلة وبتفهم زين قوي."
جمارة اتكلمت وهي لسه بتوكل جمرة السكر:
"بس إني على كده اتكتبت لي كذبات كتيرة قوي، داني كنت دايماً أمسك الطير والبهائم للضحك عليهم!؟"
حكيم: "له ميتحسبش لكِ، عشان ما كنتيش خابرة قبل كده. لكن من يوم ما عرفتي هتتكتب عليكِ كذبة لو عملتيها."
جمارة بصوت هامس دوب قلب حكيم:
"مهعملهاش تاني واصل."
حكيم: "احممم... طيب يلا خشي جوه، وما تجيش تاني حدا البوابة هنا، عشان المطرح ده كاشفاه الرجالة، وإني حرم سرايتي مينفعش عين تنظرهم."
جمارة فضلت دقايق واقفة قصاده على أمل إنه يرفع عينه ويتطلعلها، بس ديه ما حصلش.
جمارة لما يأست همت بالرحيل وهي بتسأل حالها:
"ياترى إيه اللي غيره من ناحيتي أكده! ياترى إني بدرت مني حاجة وحشة زعلته مني من غير ما أقصد!؟"
واتحركت كام خطوة مبتعدة عنه.
أما حكيم، بعد صراع جبار بين عقله وشوقه، كان الانتصار حليف الشوق. وعينيه أعلنوا العصيان واتمردوا عليه، وغصب عنه لحقوها يرووا عطشهم ليها. لكن فاجأته جمارة لما وقفت مرة واحدة ولفت وبصت له بسرعة، ومسكته بالجرم المشهود وهو ماسك إيديه ببعض ورا ضهره وباصص لها كيف زمان، واللمعة عتلالي في عينيه.
ضحكت بفرحة وحطت إيدها على خشمها وهي باصاله، وعيونها لما اتلاقوا بعيون حكيم كانوا كأنهم لقوا حاجة غالية عليهم كانت غايبة عن عينيهم.
وهو ابتسم غصب عنيه على ضحكها وحركتها، وشاور لها بدماغه عشان تمشي. وفعلاً اتحركت من قصاده، وخطوة تمشيها وخطوة تلف وتبص له وتمشي على قفاها، وهي مش مصدقة إن حكيم اتطلعلها واتبسم في وشها من تاني.
دخلت السرايا وحكيم لسه على وقفته، وباصص لها والابتسامة لسه على وشه، لغاية ما غابت عن مرمى نظره. وانتبه لما سمع صوت بشندي بيكلمه:
"الخشم واصل للودان النهاردة والعصبية غادرت الوش! إشعجب يعني!"
حكيم: "آاااه يا بشندي... النهاردة كل مجاهدتي طول الفترة اللي فاتت ضاعت في هبة ريح، وألقت علي القبض مشتاقاً لها. فتحولت عصبيتي لحنان."
بشندي: "ألقت القبض عليك! طب خد إذن واطلع من الحبس هبابة وتعالى، فيه ناس جم المندرة عاوزينك!"
حكيم: "فصيل قوي إنت يابشندي. فوت قدامي فوت، لما نشوف مجايبك النهاردة جاية في نصيبة لونها إيه."
بشندي: "له متقلقش، باين على شكلهم إن النصيبة خفيفة. يعني لونها بمبي امسخسخ كده."
حكيم حاوط بشندي بذراعه من رقبته وضمه عليه واتحدث جار ودنه:
"والله محد امسخسخ غيرك. ولا عمرك جبتلي غير المصايب الزرقة. مد يا خوي مد."
دخل حكيم المندرة واتشغل بفصل جديد، وجمارة راحت السرايا أخدت أكل لغازي. وطول ما هي بتجهز الأكل، غالية تحوم فوق راسها، نفسها تسألها عن حاله ومستحية. لكن تماضر أمها فهمت لوعتها، وبصت لها بصة غضب. غالية ردت عليها بطلوعها لأوضتها وقفلتها عليها ونامت تهرب من إحساس لهفتها لغازي، اللي برغم كل حاجة لسه بتحس بيها نحيته.
جمارة راجعة على المشتمل واتفاجأت بغازي طلع بعكازه اللي جابه له بشندي من المندرة وواقف قصاد قفص العصافير وعيبص لهم بتركيز.
جمارة قربت منه وانحنت بصوت، وهو انتبه لها ولف عليها.
"مابدرى يا سِت الحسن، كنتي كملتي باقي النهار في السرايا!"
جمارة: "الأكل أهه، أحطه لك فين؟"
غازي: "انديه هنا على البرميل ده، وخشى هات لي كرسي، هطفح هنا. وسط الخضرة والزرازير والوجه الحسن."
جمارة عملت كيف ما أمر، وهو قعد وفضل ياكل وهي فضلت واقفة جاره.
غازي: "ما تقعدي واقفة ليه؟"
جمارة: "عشان عندي أوامر مقعدش طول ما إنت عتاكل، ولا نسيت!"
غازي: "له ديه في السرايا بس، لكن في أي مطرح تاني تقعدي عادي. يلا اترزعي."
جمارة قعدت على بلوكة كانت في الأرض قبال العصافير، ومدية جنب لغازي.
غازي وهو بياكل: "بس حلوين الزرازير دول. حكيم جابهم لك مش كده؟"
جمارة هزت دماغها بموافقة.
غازي كمل وهو مستمر في الأكل: "وجاب لك إيه كمان؟"
جمارة رفعت حاجبها بتعجب وجاوبته: "جاب لي حاجات كتير قوي، كل حاجة كانت تهف على نفسي كان يجيبهالي طوالي."
غازي: "وإنتي لما كانت نفسك تهف على حاجة كنتي بتعطيهاله على كده!"
جمارة: "قصدك إيه؟"
غازي: "قصدي إنتي فاهماه زين قوي. حكيم كان بيجيب لك كل اللي نفسك فيه، وكان ياخد قباله إيه منك يا جمارة؟"
جمارة التفتت له مرة واحدة لما فهمت قصده وتلميحه، وهبت واقفة:
"إني مسمحلكش يا غازي. ومش هقولك إني ما عملتهاش، ولا هدافع عن حالي. لكن هدافع عن حكيم، وهقولك له حكيم هو اللي ما يعملهاش، ولا حتى يفكر فيها. حكيم أنضف من اللي بتفكر فيه وأطيب وأطهر. ولو عايز تدبحني، ادبحني النهاردة عشان بقول كلمة حق عنيه. ادبحني، ومش هقول كده عشان أدافع عن تهمة رميتني بيها، له. حكيم ما يترمش بالتهم ويتسكت على الكلام يا غازي. إني أتحمل على روحي، لكن عنيه هو له. حكيم وقف لي وقفة أب وخال وعم، ومعروف اللي عمله فيا طول عمري ما أقدر أنساه ولا أنكره، عشان ما ينكرش المعروف غير واااد الحرام. وإني مش بت حرام."
قالتها وهملته يغلي بناره وعجز جسمه مكتفه إنه يروح وراها ويقضي على كل عظمة صاحية فيها. وخصوصي بعد ما اتأكد إن فيه حاجة كبيرة حصلت بين حكيم وجمارة غيرت حكيم وقوت جمارة.
رجع غازي، ورجع ليل جمارة طويل ويخنق كيف أول، ورجع النفس يضيق عليها وهي مع غازي في مطرح واحد. وعاودت تاني تفتح باب المشتمل وتتسحب هاربة من وكر غازي للهوا الطل، ورجعت لقعدتها قدام باب المشتمل. بس النهاردة جارها أنيس محساش بالخوف في وجوده.
عصافيرها جمارة وحكيم. عينها كل هبة تتشعلق على شباك حكيم، ويتهيالها إنه هيفتح الشباك في أي لحظة ويطل عليها كيف ما كان بيعمل، بس ديه ما حصلش. وقضت باقي الليل تتحدت مع جمارة وحكيم وتشتكيلهم حكيم وجفاه عليها.
تاني يوم راحت هي وغازي للسرايا ولقوا الكل قاعد يفطر. ولما شافوهم كل واحد رجع بص لأكله، ولا كأنهم شايفينهم. وبرغم إن جمارة عارفة إنهم بيتصرفوا كده عشان غازي، إلا إنها حزنت في نفسها إن محدش فيهم بص لها حتى هي، ولا حد عبرها.
صبحت عليهم وغازي صبح، والكل رد الصباح بتقل. وقبل ما غازي يقعد، جرت هي وقعدت على شمال حكيم في المطرح اللي اتعودت تقعد فيه طول فترة تعبها. وغازي قعد في الكرسي اللي جارها طوالي.
غازي فضل يبصلها ويبص لحكيم اللي ما ادى أي ردة فعل، ولا رفله جفن، ولا حتى رفع عينه من لحظة ما جمارة قعدت جاره. لكن في المقابل عين جمارة منزلش عنيه، وطول الوقت فيهم نظرة غازي ما فهمهاش.
حكيم: "لفيني البراد من قدامك يا غالية."
جمارة سمعت صوته وطلبه، وبسرعة مسكت البراد ومدتهوله وهي حاسة إنه هيبص لها بنظرة حتى لو عابرة، لكن إحساسها خاب وهو بياخد منها البراد من غير ما يرفع عينه، وصب الشاي وابتدا يشرب بمنتهى الهدوء.
غازي: "هو فيه إيه؟ مالكم أكده حاسسكم مش على بعضكم؟ ولا رجعت كأبتكم؟ يلي مفيش حد كلف خاطره وقالي حمدًا لله على السلامة! للدرجة دي كارهيني؟"
تماضر: "إحنا ما نعرفش الكره يا غازي، ولا عمره لفلف على قلوبنا. إحنا قلوبنا ما تعرفش غير المحبة وبس."
غازي: "آه واضح، بدليل إنه محدش عبرني بكلمة واحدة."
تماضر: "كنا هنتكلم ونرحب، بس نخلص أكل الأول. لا الكلام طار ولا إنت هتطير."
غازي: "وه... مالك يا مرت عمي؟ كلامك بقى ناشف معايا أكده ليه! عموماً زي بعضه، مقبولة منيكم. وإني يعني كنت مستنظر منيكم إيه!"
الكل رجع لهدوئه وبصته في الصحن اللي قدامه، ما عدا غالية اللي كل شوية ترفع عينها تخطف لها نظرة لغازي وترجع عينها في طبقها تاني.
حكيم: "آه... نطلع نشوف مصالحنا عاد." وبص لأمه: "تأمريني بحاجة يالبت القلب قبل ما أطلع؟"
تماضر: "ميأمرش عليك ظالم يا ولدي، ربنا يجعل كلمتك ماتترد، ومالك ما يتعد، ويكتب لك الستر في كل خطوة..."
قطع دعواتها غازي وهو بيهتف على جمارة بصوت عالي:
"متلافيني براد الشاي ده، اتكلمتي عالصبح ياك!"
حكيم ابتسم ابتسامة جانبية وهز دماغه واتحرك من قدام غازي من غير ما يلتفت له، وسابهم وطلع بره باب السرايا. وهو مسلسل شياطين غضبه بأغلال الصبر على غازي. وكل ما شيطان فيهم كان يحاول يتخلص من أغلاله ويطلع في وش غازي، كان يعاود سلسلته بالصبر من تاني.
اتنهد وعدل عمته وعبايته على كتفه، واخد نفس عميق واتوجه على قفص العصافير. صبح على حكيم وجمارة الأول، وبعدها راح على جمرته اللي صهلت بفرحة من أول ما شافته. أخد دماغها في حضنه ووكلها السكر اللي بتحبه، بعد ما اطمن إن بشندي مفطرها وساقيها وواخد باله منها كيف ما وصيه حكيم بالظبط.
طلع من السرايا راح الأسطبل، خد الفرس عنتر وطلع بيه على الأرض يشوف عمالها ويباشر الشغل فيها بنفسه. بعدها رجع للمندرة ولقى فصل مستنيه، التهى فيه لآخر اليوم. وفضل بعد الفصل قاعد في المندرة واتعشى فيها، ومعاودش للسرايا غير بالليل متأخر.
دخل السرايا وراح غرفة أمه اللي متأكد إنها مهتنامش ولا يغمض لها جفن غير لما تطمن عليه، ويكون آخر حاجة تشوفها قبل ما تنام. حب جبينها وإيدها، وهي دعت له براحة البال. وغطاها وطفى لها النور وراح على أوضته. خلع خلجاته وطفى نور أوضته وراح على الشباك يناجي نجوم الليل ويشتكي لها الوحدة.
شوية وغمض عينيه وابتسم وهو واعي باب المشتمل عيتفتح بهداوة، وطلعت منه جمارته وهي عتتسحب وردت الباب وراها بحرص إنه ما يعملش صوت. وأول ما سابت يد الباب عينها طوالي اتشعلقت على شباك حكيم، وضحكت وهي شايفه خياله في الشباك، وسنانها لالت كيف نجوم السما ونورت عتمة قلبه.
أما جمارة، فصح ملامح حكيم كانت مطموسة في الضمة، بس قلبها كان شايفه بوضوح. حكيم فضل هبابة صغيرين وقفل الشباك وبعد عينيه، بعد ما شاف عيون جمارته طول الوقت عليه، وقال لنفسه إنه بكده هيدخلها معاه جوه دوامة عذاب مهتتحملهوش جمارته لو اتعلقت بيه أكتر من كده من غير أمل.
تاني يوم الصبح حكيم نزل ولقاهم كلهم متجمعين، وبنظرة خاطفة شاف عين جمارة اللي واقفين حراس على السلم يستقبلوه. غمض عينيه واستغفر ربه وصبح عليهم، وباس دماغ أمه وطلع من غير ما يفطر معاهم بحجة إنه مستعجل. واخد طريق الهروب لبره السرايا من سهام عيون جمارته، ونظراتها له اللي بقت طول قعدته قصادها مصوباهم عليه، ورحمش قلبه الملجوم بعشقهم.
حكيم طلع وهو بيلوم حظه اللي خلى جمارته ابتدت تقرب له وتهتم وتدور بعينها وراه في كل مطرح، وكت ما هو قرر يبعد. مشاعره طول الوقت فتخبط بين فرح غصب عنه عشان قلبها اتعلق به، وزعل عشان مبيدوش حيله عليها. وابتدى يسأل حاله ياترى اهتمام جمارة به نابع عن حاجة ابتدت تتسرب لقلبها من ناحيته، ولا جمارة عملت كيف عيلة يتيمة محرومة اتعلقت بأول واحد طبطب عليها واداها لعبة وشوية اهتمام.
طلع بعد ما أدى طقسه اليومي مع جمرته، وبعدها راح لمنضرته وغرق وسط مشاكل الناس وبلاويهم، يمكن تهون عليه بلوته.
أما فصل اليوم، فاكان بين اتنين في سن الشباب اتطاولو على بعض، واحد بالسب والتاني بالضرب.
حكيم: "يلا كل واحد يقول اللي حداه، بس بعد ما يحلف يمين ربنا إنه مهيكذبش في حرف واحد ولا يزود ولا يتبلى."
الكل امتثل وحلفوا الاتنين اللي بينهم العركة يمين الله إنهم يقولوا الحق.
حكيم: "اتكلم إنت يا عويس الأول، إني سامعك."
عويس: "ضربني يا شيخ وجار عليا، ومرضاش يحول المية على أرضي، وإني رامي كيماوي وكان لازم الزرع يتسقى عشان يتغسل. فضل قافل عليا المية لحدت ما المنسوب خلص والمية جفت من الترعة، ومهيجيش غير بعد 15 يوم. يعني كده زرعتي راحت وتعبى اتبخر في الهوا."
حكيم: "اتكلم يا أحمد، سامعك."
أحمد: "إنت طبعاً خابر يا شيخنا إن المنسوب هيمشي والمية هتتمنع من الترع والمصارف لمدة 15 يوم. الحوض اللي فيه أرضي وأرضه عبارة عن 100 فدان مالكينهم 15 نفر. الناس لما جات تروي للمرة الأخيرة، رية الوداع بتاعة المنسوب، قلنا هناخدو الأرض بالدور كيف ما بنعمل كل نوبة. المية وصلت لأرضي وعدّلت الخدم على أرضي ورشيت كيماوي عشان اروي. وزرع عويس ورا مني طوالي، وهي آخر زرعة في الفرده، يعني نهاية الحوض. اللي حصل إن وإني بروي في أرضي المية ابتدت تشحط من المصرف والمنسوب ابتدا يخلص. قوم عمنا عويس جاي بكل بجاحة عاوز يسد عن أرضي ويحود على أرضه هو. إني مرضيتش أقفل على أرضي، مهي أرضه مش أغلى من أرضي عشان أخرب أرضي وأطلق المية لأرضه هو. وإني واخد دوري، يعني ما اتعديتش عليه. المية خلصت في أرضي عاد، مهواش ذنبى، مكان ممكن تخلص قبل ما توصل. المهم كلمة مني على كلمة مني، شدينا قوم الواطي اللي بلا أصل ده، يلعن لي أبويا الميت ويتطاول علي وعلى أمواتي. إني سمعت لعنة أبوي وحطيت عقلي في كفي، ومتحملتش ونزلت فيه ضرب. أصله مين هو، ولا واد مين في البلد، ولا مين عيلته عشان يلعن واحد من عيلة الدخيلى. أدي كل الحكاية يا شيخنا."
حكيم كان طول الوقت ماسك سبحته وبيدعك فيها وبيستمع، وعينه على سبحته. ولما أحمد خلص، رفع دماغه ووجه الكلام للكل:
"اسمعوني زين... إني سمعت منيكم إنتو الاتنين، واسمعوا الكلمتين دول قبل حكمي. الكلام ليك إنت الأول يا أحمد... روى مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: 'أربع في أمتي، من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة...'". وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية، وفخرها بالآباء، مؤمن تقي، وفاجر شقي، الناس بنو آدم، وآدم من تراب، لينتهين أقوام عن فخرهم برجال، أو ليكونن أهون عند الله من عدتهم من الجعلان التي تدفع بأنفها النتن. رواه أبو داود والترمذي وصححه الألباني".
هو غلط فيك بالسب، بس إنت غلطت فيه بالضرب، وغير كده خدت ذنب التفاخر بالأنساب. عارف اللي بيعمل كده هيكون عند ربنا كيف... هيكون أهون، أي أقل شأن من الجُعمان. اللي هو الخنفسة السوداء اللي بتعيش تحت روث البهايم، أو الجعران بمعنى أدق وأوضح. راضي عن حالك دلوقتي وإنت عند ربنا أقل من جعران يا حمد!"
أحمد: "بس يا شيخ حكيم..."
حكيم: "هتجادل في دي كمان يا أحمد، ولا إيه!"
أحمد: "استغفر الله يا شيخنا، حاشا لله."
حكيم: "آه كده، استغفر ربك واقعد ساكت واسمع للنهاية. أما إنت يا عويس، فذنبك ما يقلش عن ذنبه، عارف ليه؟ عشان إنت لعنت أبو حمد وأبوه ميت. ما عرفتش إن ربنا حرم إيذاء المؤمنين بسب أو غيره!؟ يقول ﷺ: 'لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا'. فلا يجوز سب الأموات بعيبهم أو غيبتهم أو لعنهم، قد أفضوا إلى ما قدموا من خير وشر...". وأبو حمد مسلم ومؤمن، وإنت كده أخدت ذنب سب مؤمن ميت، أمره كلياته بين إيدين ربنا دلوقتي.
عويس: "استغفر الله العظيم... داني يا شيخ بلعن في الميتين ليل نهار، وحتى في الهزار بقول للواحد يلعن ميتينك أو ميتين أبوك. يبقى طول الوقت باخد ذنوب وأنا مدريانش على كده!"
حكيم: "آه يا عويس، بس طول ما كنت مش عارف ربنا هيسامحك، وحسابك هيبتدي من اللي جاي لو عرفت بالحرمانية وكررت الذنب. وبكده اتساويتوا في الذنب. وفصلي إن رأى الدين يقول إن البادي أظلم، وعويس اللي ابتدا بالغلط وسب أبوك الميت، وكان عاوز يتعدى على دورك وحقك. وحكمي يا عويس إنك تقوم تتعذر من حمد وتحب على راسه وتعاهده قدامي وقدام الرجالة إنك متتعداش على حقه في الري ولا تتعدى على دوره. وبالنسبة للأرض متخافش، مهتموتش ولا يجرالها حاجة، عشان ديه موسم مطر، والأرض بين يوم ولا يومين هتلاقي ندى الصبحية دوب الكيماوي اللي فيها، وهتبص تلاقي زرعتك أحسن وأعفى من زرعة حمد، بس وقت نزول المطر ادعي ربنا وقول: اللهم صيباً نافعاً. ومن بعدها حمد يتعذر منك على سب نسبك وأهلك وعيلتك وتقليله منك."
عويس رضى بالحكم، وحمد فرح بحقه اللي رجع له، والطرفين اتصافوا. وبعد ما قعدوا هبابة يتحدثوا في أمور البلد، قاموا وروحوا. ورجع حكيم لوحدته من تاني.
وعلى آخر اليوم أخد فرسه عشان يطلع يتمشى في دنيا ربنا الواسعة.
بشندي: "على وين يا سي البيه؟"
حكيم: "والله ماني خابر يابشندي... بس هسيب روحي تروح مطرح ما تحس بالراحة. وعلى حسب الريح ما يودي. وياه إني ماشي ولا بيدي."
قالها وانطلق تحت أنظار بشندي اللي هز دماغه بقلة حيلة على شيخه اللي عيتقلب على نار العشق لما استوى.
أما حدا جمارة وغازي، جمارة بخوف:
"له يا غازي، حرام عليك إلا حكيم. هو عمل لك إيه ولا إذاك في إيه؟ حرام عليك عوف الغل اللي في قلبك ده."
غازي ابتسم بخبث وساب جمارة تتحدث ولا كأنه سامعها، وعينيه متأججة بنيران الغضب.
تماضر قاعدة في غرفتها مستنظرة ولدها حكيم يعاود، وماسكة سبحتها عتسبح بيها. وفجأة باب الغرفة اتفتح مرة واحدة، وبصت شافت جمارة واقفة قبالها عتتنفض كيف سعفة نخيل. خلت قلب تماضر رجف من الخوف، وانتهت تماضر مع صرخة جمارة:
"الحقيني يا خالة، غازي قتل حكيم."
تماضر رفعت إيدها في الهوا بخوف ومنطقتش غير كلمة واحدة وبعدها غابت عن الوعي:
"ولداااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا
رواية جمارة (بين العشق والقسوة الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ريناد يوسف
تماضر ابتدت تفوق ولقت نفسها بين إيدين حكيم. حضنت وشه بإيديها الاتنين ونزلت بإيديها على رقابته وكتافه، وبصت في كل جسمه وتحضن وتحب وتشم وتفتش فيه.
"انت زين يا ولدي؟ مموتش ولا أنا اللي موت ورحتلك؟"
حكيم فضل حاضن أمه، كيف أب حاضن طفلته الصغيرة. عيونها من خوفها وهي ترجف بين إيديه، كيف طفلة اتحققت أسوأ كوابيسها.
"أنا زين يا يمه، متخافيش. أنا بخير قدام عينك أهه."
"أمال إيه اللي... مين قال... سمعت قالوا..." مقدرتش تجمع جملة على بعضها من التوتر، لكنها صرخت لما عينها جت على جمارة اللي واقفة في الزاوية وبتترجف بخوف. "أمال إيه اللي جيتِ قولتيلي ده؟ جبتي منين الحديت ده وجاية تقوليلي ولدي حكيم غازي كتلة؟"
جمارة بتلعثم: "ممكنشي قصدي على سي حكيم، كان قصدي على العصفور. كتلة غازي." ومدت لها يدها بعصفور ميت.
تماضر: "ولما قصدك على الزرزور جاية تقوليلي حكيم غازي كتلة ليه يا موجوعة؟"
جمارة: "من العصفور اسميه حكيم."
تماضر: "ومن قلة الأسماء غيرانة تسميه حكيم على اسم ولدي؟ الله يقطعك ويقطع زرازيرك يا جمارة. والله لو أقدر أمشي كنت قمت موتلك التاني دلوقتي."
وحطت إيدها على صدرها وأخدت نفس بقوة وهي باصة لحكيم اللي موطي وشه للأرض وحاطط إيده على خشمه ودقنه وبيضحك من غير صوت. مفيش غير كتافه بس اللي بتتهز.
تماضر بابتسامة: "بتضحكي؟ كان زماني رايحة فيها وبتضحك!"
حكيم ميل على أمه واتكلم بهمس: "خلاص يا تماضر، استهدي بالله. البت هتموت من الخوف والوهنة وواقفة ترجف كيف عيلة تايهة من أمها يا عقلي."
تماضر: "بطل محن يا شيخ وقوم من جاري وخدها واطلع، أحسن والله هاين عليا أتلافى عكازة أبوك المعلقة وأنزل بيها على نفوخك ونفوخها الهبلة. أم بدوي دا. له واللي يشوفها بتترجف على زرزور يقول هجمة وهجمت عليها. والله لو أبوها مات ماتعمل كده."
حكيم كتم ضحكته وقام وباس راس أمه وإيدها. ولسه هيطلع سمعوا صوت غالية وهي بتتاوب وواقفة على باب الأوضة: "فيه حاجة حصلت ولا إيه؟ كيف ما أكون سمعت صوت حد صرخ!"
تماضر: "زين والله صحيت التمساحة. وقامت تشوف فيه إيه. جاية تسألي بعد إيه يا حظي؟ بعد ماناس ماتت وناس حييت وناس كانت هتموت وربنا لطف بيها!"
غالية: "بتقولي إيه؟ مفهمشي حاجة أنا."
تماضر: "وانتي من مته هتفهمي؟ خشي طلعي طاسة الخضة ونجميلي فيها 3 بلحات خليني أشربهم على ريق النوم أول ما أصحى، يمكن الرجفة اللي مسكتني تخف. آآآه يا بآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآ "
حكيم بص لجمارة وهو كاتم ضحكته وجلى صوته واتحدت: "تعالي يا حظي، اطلعى قدامي. كنتِ هتموتيلي أمي."
طلعت جمارة قدامه وهي مبرطمة بوزها بزعل، وهو طلع وراها وقعد في الصالة وهي قعدت قصاده وحطت العصفور حكيم على الطربيزة قصادها وفضلت بصاله وعيونها اتملت دموع ونزلت على خدودها. خلت قلب حكيم اتهز وسألها بنبرة حانية: "قوليلي حصل إيه، وليه غازي موتلك العصفور بتاعك؟"
جمارة: "خالة تماضر زعلت مني وكرهتني صح؟"
حكيم: "له طبعاً. ليه بتقولي كده؟ أمي متكرهشي حد واصل ولا بتعرف تكره حد حتى."
جمارة بنبرة باكية: "بس زعقتيلي ودعيت عليا."
حكيم بضحكة: "معلش، اعذريها. من ضرتها. أصل الضرة كانت وعرة عليها قوي. واستحمدي، كنتِ بعيدة عنيها لما فاقت، كان زمانها مريشاكي كيف الفرجة والله."
جمارة: "مقصديش والله، ولا كنت أقصد أقول عليك اسمه. أنا بس اتقهرت على حك... قصدي على العصفور بتاعي لما موته غازي وخنقه بإيده من غير رحمة وهو فضل يطلع في الروح في إيده ويفرفط قبال عينك ولا رف له جفن."
حكيم اتنهد: "يعني مش هتقولي غازي موته ليه؟"
جمارة نكست عينها للأرض ومردتش.
حكيم: "طب أقولك أنا غازي موت العصفور ليه؟ موته لما عرف إنك مسمياه حكيم صح؟"
جمارة رفعت عينها على حكيم بسرعة ورفعت حواجبها باستغراب وهمست: "عرفت منين؟"
حكيم بابتسامة: "متستغربيش كده. أنا خابر زين إن غازي بيكره حكيم واسم حكيم وأي حاجة تخص حكيم وتعجب حكيم ويحبها حكيم وعايز ياخد له كل اللي حدا حكيم. فمن الطبيعي إنه لو سمعك بتنادي للعصفور باسم حكيم ومسمياه على اسمي، هيموته!"
جمارة: "وليه الكره اللي في قلب غازي ليك دي؟ عملت له إيه لدة كله؟"
حكيم: "متشغلش بالك أنتِ باللي بيني وبين غازي، عشان اللي بيني وبينه كتير. المهم، قوللي..." قالها بابتسامة وهو بيقرب دماغه لقدام لجمارة وحط عينه في عينها بحصار وإصرار إنه ياخد منها جواب يرضي فضوله ويريح قلبه: "أنتِ سميتي العصفور حكيم ليه؟"
جمارة بصت للأرض واتكلمت بخجل: "أكده... سميته وخلاص."
حكيم: "جماااارة؟"
جمارة ابتسمت ورفعت عينها الحمرا من أثر البكا وبصت له وهمست: "حسيته يشبهك قوي. حنين زيك. قلبه طيب كيف قلبك. معيفكرش في نفسه، بيفكر في غيره قبل مني. فحمايته لجمارة وخوفه عليها. طول الوقت ما كنتش شايفاه غير حكيم." واتنحنحت لما انتبهت قالت إيه. "أقصد سي حكيم." وكملت بدموع: "ومتعرفيش قلبي كان عامل كيف وأنا بشوفه بيموت قدامي وأنا مقدرش أحوشه من الموت ولا أخلصه من إيد غازي."
جمارة صعبانة عليا قوي كيف هتقدر تعيش من غير حكيم. قالتها ونزلت دموعها كيف الشلال.
حكيم بصعوبة قدر يلملم شتات قلبه اللي غاص بين ضلوعه وهو بيسمع كلام جمارة وقفل خشمه وبلع ريقه اللي نشف ورد عليها بصوت متقطع: "بطلي بكا الله يرضى عليكي يا جمارة، قطعتي قلبي. من بكرة هندلي أجيب لك عصفور غيره، وسميه حكيم، بس متتطقش اسمه غير بينك وبين حالك وبس."
جمارة بهمس: "مش هيبقى حنين عليها ويحبها كيف حكيم اللي مات."
حكيم ابتسم وهمس وعينه في عينها: "متخافيش، حكيم الجديد أول ما هيشوف حسن جمارة هيحبها طوالي ويراعيها برموش عينيه. طول ما جمارة قدام عين حكيم ميقدرش ما يحبهاش."
لحظات مسروقة من الزمن غاب فيها الاثنان عن الدنيا، فانتقل كلا منهما في سفر عبر عيون الآخر في مكان آخر حيث تلاشت المسافات وكُسرت القيود ولُغيت القوانين وغاب المنطق، فتلاقت الأرواح وتراقصت فرحاً على مزمار شيطان فرح منتشٍ باغواء حامل كتاب الله.
فجأة انتبهوا على صوت غالية بتتكلم مع جمارة بصوت عالٍ: "واه! جمارة! اتطرشتي ياك؟ بقالي ساعة أقولك غازي عينادم عليكِ، قومي روحيله شوفي عايز منك إيه، بدل ما يتعصب ويخنقك كيف الزرزور بتاعك ومحدش يخلصك من إيده."
جمارة ردت عليها بهمس ولسه عينها على حكيم: "حاضر، هروح له دلوقتي يا غالية."
غالية بصت لها وبصت لحكيم ومشيت من قدامهم وهي بتتهز فايدها. "مالهم دول؟ مسبلين عينيهم ومدربسين! هينعسوا وهما قاعدين كيف الحمير. ما تنام وهي واقفة ياك!" ودخلت المطبخ.
وجمارة قامت عشان ترجع لغازي وعيون حكيم متشبثين بيها ومش هاين عليهم تغيب عنهم. واتنهد وهو عارف إنها لازم تغادره وإن ما بالقلب حيلة. اتحركت جمارة على بره بتجر رجليها بتقل، وحكيم وقف وفضل يتابعها. وقفت على باب السرايا ولفت له: "نسيت آخد حكيم."
حكيم: "هتعملي بيه إيه؟"
جمارة: "هدفنه جار قفص جماره."
حكيم: "سيبيه أنتِ وروحي، وأنا هدفهنه. متخافيش." واتحركت على بره وهو اتنهد تنهيدة طويلة وهمس بينه وبين نفسه بعد ما غابت عن مرمى عينه بقصيدة قرأها لنزار قباني وكأنه بيوصف فيها حاله وبيقصده بكل حرف انكتب:
"أحبك جداً
وأعرف أن الطريق إلى المستحيل طويل
أحبك جداً
وأعرف أني أعيش بمنفى
وأنت بمنفى
وبيني وبينك ريحٌ وغيمٌ وبرقٌ ورعدٌ وثلجٌ ونار
وأعرف أن الوصول لعينيك وهمٌ
وأعرف أن الوصول إليك انتحار...
أحبك جداً وجداً وجدا
أحبك جداً وجداً وجدا"
فضل يكررها بينه وبين نفسه لغاية ما تعب وأخد نفس عميق يطفى بيه نار جوفه، لكن هواء محمل برائحتها ما زاد النار في جوفه إلا اشتعالاً.
جمارة عاودت للمشتمل وشافت غازي قاعد على نص البرميل قدامه. واتخطته عشان تدخل ومهتمتش بكلامه اللي مبطلش من ساعة ماشافها جاية عليه: "هااااه، رحتي شكيتي وبكيتِ؟ حكيم طبطب عليكِ ومسح دموعك بطرف كمه؟ ولا خدك في باطه عشان يسكتك؟!"
جمارة اكتفت إنها تبصله بصة احتقار بطرف عينها، كانت كفيلة إنها تفجر براكين غضبه: "اخدِ اهنه يابت المحروق انتي! بتبيضي في عينك على مين يا فردة مركوب قديمة؟ أنا تبصيلي كده يابت بياعة الجبنة الخضرا يابت الحافيين؟"
جمارة دخلت وقعدت على السرير ورفعت دماغها للسقف وغمضت عينيها بألم وقلة حيلة على اللي هي هي فيه، وبعدها اتمددت ونامت عشان تهرب من يوم متعب وتستعد ليوم بعده أكتر تعب. لكن غازي محبش إن يومها يوخلوص لحد اهنه ودخل ينهيه بطريقته وبضيم أكبر.
أما حكيم فطلع أوضته وفتح الشباك ووقف فيه شوية يناجي الصبر والقوة، ويستجديهم من رب العباد. وبص لقفص العصافير اللي فضلت فيه جمارة محبوسة لحالها وحيدة، وكأنه اتكتب على كل جمارة إنها متكونش مع حكيمها. اتنهد بقلة حيلة وسد الشباك ودخل في السرير واتمدد ودفن دماغه تحت المخدة كيف ما يكون بيحط ساتر على دماغه عشان يمنع دخول الأفكار لعقله ويقدر ينام له هبابة.
الصبح لاح وصوت جمارة بتصرخ في أول صباح ليها من غير حكيم، كأنها ممصدقاش موته وبتنا دم عليه. حكيم قام بضعف وفتح الشباك لقى جمارة واقفة قصاد قفص العصافير وحاطة إيدها على السلك وباصة للعصفورة بشفقة وبتهمس كأنها بتواسيها في مصيبتها. حكيم استغفر ربه ونزل بعد ما صلى الفجر والصبح، قضى لأول مرة من سنين. نزل لقى أمه قاعدة على السفرة وقدامها الفطور. صبح عليها وحب على راسها وإيدها وهمس عشان يطمنها.
تماضر: "وه مهتفطرش النهارده كمان ولا إيه يا ولدي؟"
حكيم: "له يمه، هفطر مع بشندي في المندرة بيجيب طعمية سخنة وفول وتحابيش. وهيفطر هو والرجالة، هفطر معاهم كل يوم من اهنه ورايح."
تماضر بحنان: "قولتلك، بعد عنيها هي بس مش عن الدنيا بحالها يا ولدي وعن أمك كمان."
حكيم: "هملني يا يمه في حالي، الله يرضى عليكِ. مش كل هبابة تفكريني وتحطي على جرحي ملح وتفركي؟ قلت لي بعد، واديني بعدت على كد حيلي وقوتي وفوق احتمال قلبي أتحمل. أعمل إيه تاني!"
تماضر: "متعملش، أنا اللي هعمل. أنت لازم تتجوز وتيجي اللي تكتف عينك وتزاحم جمارة في قلبك وتقلل مطرحها هبابة هبابة لغاية ما تطلعها منه وتتربع في قلبك كله."
حكيم بضحكة سخرية: "بتحلمي أنتِ كإنك يا تماضر." وسابها وطلع وهو بيرمي طرف شاله على كتفه التاني بعصبية. بس صوتها وصل له بوضوح وهي بتكمل حديثها: "حتى لو بحلم هحقق الحلم ده لو على موتي. وهجوزك يا حكيم، فاهم؟ لازم تتجوز."
حكيم ساب السرايا وأول ما طلع من بابها، اتنفس من جوه الجنينة نفس ينعش صدره ويطفى ناره القايدة وراح ناحية جمارة مسلوب الإرادة ووقف وراها بعد ما لقاها لسه على وقفتها وسارحة وعقلها تايه لدرجة إنها ما حستش بيه وهو وراها.
حكيم: "متتعبش من الوقفة على كده. بقالك فوق ساعة واقفة على نفس وقفتك دي. رجليكي موجعاكيش!"
جمارة انتبهت له، وقبل ما تلتفت مسحت دمعة كانت نازلة على خدها. وبعدها لفت له ببطء ووقفت قباله بعيون منتهية.
"واه يا جمارة، لسه بتبكي على العصفور من عشية امبارح! مش قولت لك هجيب لك غيره خلاص، متزعليش."
جمارة بصوت مخنوق: "أنا ببكي على حالي يا سي حكيم، مش على العصفور. قولي يا سي حكيم، هو اللي أنا فيه ده إيه آخره؟ يعني ليه آخر؟ يعني غازي ربنا هيصلح حاله ويحنن قلبه علي ولا هيجي يوم ويعتقني لوجه الله، ولا هيموتني؟ ولا إيه؟ أنا ممتحملش أكتر."
حكيم غمض عينيه وبص لفوق وهو ماسك جوانب عبايته بإيديه الاتنين وزفر بقوة قبل ما يفتح ويعاود يبصلها: "ولا غيرك متحمل والله يا جمارة. بس المكتوب ممنوش مهرب عاد."
جمارة بدموع نزلت دمعة تسابق التانية: "يعني إيه يا سي حكيم؟ خلاص على كده! متشوف لي حل إني بعرضك. بعدوا عني، مش أنت شيخ البلد وحلال مشاكلها؟ حلها لي يا سي حكيم."
حكيم: "ده المشكلة الوحيدة اللي أنا بالذات مينفعش أحلاها يا جمارة. ولو حليتها هتتعقد حياتي وحياتك."
جمارة: "يعني ما فيش فايدة وهقعد طول عمري تحت رحمة غازي؟"
حكيم: "مش لحالك يا جمارة اللي بقيتي تحت رحمته. مش لحالك." وهمسلها بصوت أسف ونادم: "حقك عليا وسامحيني يا جمارة عشان كل اللي أنتِ فيه ده بسببى أنا. حقك على راسي وقلبي. حقك على عمة مشيختي اللي قيدتني وخلتني أعمل حساب للكل إلا أنتِ. وأني..."
جمارة ضيقت عينيها وهي بتبص له: "مفهمشي حاجة من حديثك يا سي حكيم."
حكيم: "أحسن إنك متفهميش." وفضل شوية باصص لها بتوهان كأنه بيفكر في حاجة، وبعدها جلى صوته واتحدت بجدية وكان حاسس إن الكلام سكاكين بتطلع من جوفه وغصب عنه لازم يقوله: "جمارة اسمعيني زين. لو نفسك جزعت من غازي على الآخر ومش متحملة كيف ما بتقولي، ما فيش قدامك غير حل واحد."
جمارة بلهفة: "إيه هو؟ دلني، أحب على يدك."
حكيم: "تنخيني قدام أهل البلد وتطلبي مساعدتي."
جمارة: "مفهمشي!"
حكيم: "يعني تيجي في مجلس، يوم يكون فيه فصل، وتبوسي وتدخلي المندرة وتوقعي على عرضي إني أطلقك من غازي وأنك متحملة تعيشي معاه وإنه بيأذيكي والشهود حداي على كتلته الأخيرة ليكي، وأني أجيب غازي وأحكم عليه يطلقك قدام أهل البلد كلهم وأحققه وأخلي كل أهل البلد تحققه على مدة يده على حرمته."
جمارة بتوهان: "طب ماني لو اتطلقت عمي مش هيسبني في حالي!"
حكيم: "اطلبي حمايتي منه وأنا مبقاش راجل لو ما حميتكيش من الدنيا بحالها."
جمارة بلعت ريقها وبعدها رفعت عينيها له: "ولما هطلق هسيب السرايا صح؟"
حكيم: "ده لازم ومن كل بد. هتقعدي فيها بصفتك إيه يا جمارة؟"
جمارة: "واه أسيب خالة تماضر وأسيب عصافيري وأسيب جمرة؟!" وبصت له وشفايفها رجفت وهي بتنطق آخر كلمة بينها وبين نفسها: "واه أسيبك!"
حكيم غمض عينيه بألم وبص بعيد عنها ونفخ نار من صدره القايد: "هملي كل حاجة لو هترتاحي يا جمارة. هملي السرايا لو هتهملي غازي معاها وعذابك ينتهي."
جمارة بضعف: "مهقدرش."
حكيم: "فكري فيها زين واعقليها، ولما توصلي لقرار قوللي، وهتلاقيني جارك في كل خطوة تخطيها. حتى لو الخطوة دي هي بعدك ع... عن السرايا كلها." وهمس في نفسه: "حتى لو خطوتك هتعفصي بيها على قلبي. حتى لو بعدك هياخد الروح معاه. فداكي الروح يا جمارة، أهم حاجة تكوني مرتاحة وفرحانة."
جمارة هزت دماغها بضعف وغمضت عينيها وأخدت نفس وطلعته بحسرة.
حكيم جلى صوته عشان يبان طبيعي: "طيب، أنا طالع. ما عايزاش حاجة أشيع لك عليها من بره."
جمارة هزت دماغها برفض وهمست: "تعيش وتسلم يا سي حكيم." وكملت حديثها: "دفنت العصفور فين امبارح؟"
حكيم انتبه ورفع حواجبه بصدمة لما افتكر إنه نسي العصفور خالص وسابه على الطربيزة امبارح. واتحرك من قدامها عاود للسرايا. "دقايق وراجع لك." ودخل يدور على العصفور على الطربيزة ملقهوش.
غالية شافته بيدور بين الكراسي وتحت منهم. قربت منه وصبحت عليه وسألته باستغراب: "بتدور على إيه يا ولد أبوي؟"
حكيم: "بأدور على العصفور اللي كان اهنه عشية."
غالية: "الميت! رميته للبسّة اتعشت بيه."
حكيم اتعدل وغمض عينيه وأخد نفس: "جاكي الروبة! وليه عملتي كده يا قزينة أنتِ!"
غالية: "واه وفيها إيه؟ زرزور ميت والبسّة والدة ونفسه، تاكله وتتغذى ولا نرموه خسارة. الساس ولا البساس يعني!"
حكيم: "طب غورِ من قبالي يا غالية، واوعاكِ تقولي قبال جمارة إنك رميتي العصفور للقطة، فاهمة؟"
غالية: "طيب، ماشي فاهمة." وهمست لروحها بعد ما حكيم طلع قدامها من السرايا: "هو زعلان على الزرزور الميت كده ليه؟ ومعاوزش جمارة تعرف إن البسة كَلَته! يكونوش كانوا هيحنطوه!!!"
أما حكيم فخرج من السرايا وبوشه على بره وملتفتش حتى لجمارة عشان متسألوشي على العصفور مرة تانية. وأول ما وصل عطى فلوس لبشندي عشان يندلي البندر يشتري لها عصفور غيره عشان تنسى بيه القديم ومتسألش عليه.
أما جمارة فبعد ما طلع حكيم قدامها على بره مستعجل، دخلت للمشتمل وشافت غازي صاحي وقاعد على الكنبة اللي تحت الشباك اللي كانوا واقفين قريب منه هي وحكيم وشارد بملامح جامدة. اتخطته ودخلت على الأوضة، لكن سؤاله وقفها: "أنتِ محبلتيش ليه يا جمارة لحد دلوقتي؟"
جمارة وقفت موطرحها جامدة وردت عليه بعد مسافة: "ربنا ما أرادش. لسه مأنش الأوان والصبر حلو، محدش يعرف بكرة فيه إيه."
غازي: "تاخدي أمك وتندلي البندر النهارده تكشفي عشان الحبل، ومتاجيش غير وفيدك علاجك. وآخر الشهر ألاقي عيل من صلبي في بطنك."
جمارة بصت له بطرف عينها وهزت دماغها باستغراب ودخلت، وهو فضل شارد وبيكمل في دماغه نسج شبكة العنكبوت اللي هيصطاد بيها حكيم ويشرب دمه بالقطرة.
بشندي اندلي البندر وعاود بعد هبابة جايب قفص فيه 3 تجواز عصافير ملونة على كل شكل ولون، وأداهم لحكيم.
حكيم اتلافه من بشندي القفص وبصله بذهول وهو شايف العصافير: "وإيه ده كله يا بشندي؟ أنا قلت لك عصفور واحد!"
بشندي: "أنت مش عطيتني 200 عشان أجيب لك بيهم زرزور واحد؟"
حكيم: "أيوه!"
بشندي: "طيب، أنا جبت دول بـ 150، وضربت 50 في جيبي كمان."
حكيم: "كيف ده؟ سرقتهم ولا إيه يا مدهول!"
بشندي بصله بطرف عينه: "برضك بشندي يسرق زرازير؟ أنا كل الحكاية إني ما روحتش دكان زرازير من اللي وصفتهملي، رحت سوق الطير ولقيت هناك ناس قاعدة بقفاص مغلقة وفيها كل الزرازير الملونة دي، وبطراب الفلوس. قمت اشتريت وبزيادة، قلت بروب تعوزهم بعد كده بدل ما تروح تشتري لحالك ويضحكوا عليك كيف النوبة اللي فاتت!"
حكيم بضحكة: "طب غور من قدامي، طيرت جبهتي بقذيفة!"
بشندي: "ربنا يديني الصحة وأعيش وأطير، هههههههه."
حكيم بضحكة وجع: "متقولي يا بشندي إني بحبك قوي كده ليه، وأنت الوحيد اللي بسيبك تهزقني وتطير جبهتي وأنا مبسوط!"
بشندي: "مش بمزاجك، عاملك عمل بالمحبة."
حكيم: "طب حيث كده، أروح أشوف لي شيخ وأفوكه. إلا أنت بتأذيني جامد يا بشندي يا خوي، وأنا كرامتي مش مسامحاني."
بشندي: "مهتقدرش عشان أنا عملت العمل ودفنته في قلبي ومحدش يقدر يطلعوا واصل."
حكيم ضحك وحضنه، وبشندي ضربه على ضهره ضربتين محبة واتكلم جار ودنه: "خلاص، روح يلا. محبش الأحضان والبوس والطبطبة والمحن ده. أنا بحبك من بعيد لبعيد، حب ناشف."
حكيم بعد عنه: "طيب يا أبو حب ناشف. أنا داخل وهعاود بسرعة عشان رايح دوار بيت عسران أحضر كتب كتاب ولده. دعاني وشدد عليّ، حضرلي عنتر."
بشندي هز له دماغه بموافقة وهو واخد قفص العصافير ودخل بيه السرايا. وشاف غازي بيدخل من باب السرايا وجمارة لسه طالعة من المشتمل. راح عليها، وهي أول ما وعيت القفص في إيده جريت عليه ووقفت قباله واتكلمت وعينها على القفص: "إيه كل العصافير الحلوة دي يا سي حكيم؟"
حكيم: "كلهم عشانك عشان قفصك يتملي وتبقي عندك مزرعة عصافير." مد لها القفص، وجمارة أخدته من إيده بلهفة وبصت له بإعجاب ورجعت بصت لحكيم بامتنان: "والله ده كتير عليا قوي يا سي حكيم. ربنا ميحرمني منك."
حكيم: "مفيش حاجة تكتر عليكي يا جمارة والدنيا كلها ترخص لك ولا دمعة تنزل من عينيكي."
جمارة رفعت عينيها عليه، وهو بسرعة اتحرك من قبالها أول ما عينه جت في عينها وقلبه ابتدت دقاته تعلى، ومتأكد إن قلبها هي كمان اتمردت دقاته. وفضل الهروب من أرض معركة القلوب قبل ما قلبه يعلن استسلامه قبالها.
لكن صوت جمارة وقفه: "سي حكيم، وقف. عايز أطلب منك حاجة."
حكيم وقف ولف لها وابتسم بحنان: "اطلبي تُجاب يا جمارة في التو واللحظة."
جمارة: "ميؤمرش عليك ظالم يا رب. أنا... كنت يعني... كنت..."
حكيم: "اتكلمي على طول يا جمارة، متتكسفيش. أي حاجة نفسك فيها تيجي تحت رجليكي. لو لبن العصفور أجيبهولك."
جمارة: "كنت عايزك تجيب جمرة تربطها جار المشتمل اهنه عشان أنا حبيتها قوي ونفسي تبقي قريبة مني، وآكلها سكر بإيدي وألعب معاها."
حكيم: "أيوه، بس هي جار البوابة قريبة على بشندي عشان يستلمها لما أكون أنا فاضيلها. وكمان عشان جمرة حبلى ومحتاجة رعاية خصوصي."
جمارة: "أنا هاخد بالي منها. علمني أعملها إيه وكيف، وأنا مهملهاش واصل وهراعيها ليل نهار."
حكيم ابتسم وهز دماغه بموافقة: "حاضر. من بكرة أخلي بشندي يجي يعمل لها دفينة جار المشتمل ويضللها مطرح بسقّف وأسقفهولها، وأجيبها لك جارك اهنه."
جمارة: "ربنا يفرح قلبك يا سي حكيم. وأوعدك إني مش هخليها تعوز أي حاجة واصل."
حكيم: "خابر يا جمارة، ومتأكد إنك هتراعيها وهتدّيها حنان هي محتاجاه في الوقت ده، وكمان عشان أبقى مطمن عليها تحت عينك لما أسافر بعد كام يوم."
جمارة بصدمة: "مسافر! مسافر على وين؟"
حكيم: "مسافر القاهرة أشوف مصالحي هناك كيف النوبة اللي فاتت. أسبوع بكتير ما يطولش."
جمارة بنبرة حزن: "تروح وتعاود بألف سلامة."
حكيم: "تسلمي وتعيشي. يلا، هسيبك أنا ورايا مصالح."
جمارة: "معاود على بره ليه؟ مش كنت داخل للسرايا!"
حكيم: "له، أنا كنت داخل أفيكِ دول وطالع تاني أقضي كام حاجة متعطلين كده عشان ألحق وقتي."
جمارة بهمس: "ربنا يقويك ويعينك."
حكيم ابتسم وهز لها دماغه وطلع قدام عينيها، وهي فضلت واقفة وباصاله وبتراقبه وهو بيبعد، وفضلت تتأمل في طوله ومشيته والهيبة اللي مرافقة خطوة رجله لحدت ما طلع من بوابة السرايا وقفلها وراه. واتقول لحالها: "كيف عاوزني أهملك وأمشي كيف!"
حطت العصافير في القفص وقفت قصادهم تتفرج عليهم شوية، وبعدها راحت للسرايا. سلمت على خالة تماضر وحبّت راسها وإيدها، وصبحّت على غالية وقعدت جارهم. وغازي قعد على السفرة يفطر لحاله، ومقالش لجمارة تروح تفطر معاها، ولا هي كان لها نفس تفطر من أساسه.
خلص غازي الفطور وقام يتعكز ووقف قبال تماضر وجمارة وجلى صوته واتحدت بنبرة جدية: "أنا طالع، هخلي عوض ياخدني بالكرتة وأشوف أحوال الأرض وصلت لفين في غيابي." واتوجه بالكلام لجمارة وهو بيمد إيده في جيبه وطلع فلوس مدها لها: "خدي دول، وهخلي بشندي يجهز لك الكرتة تعدي على أمك تاخديها وتروحي كيف ما قلت لك الصبح."
جمارة مدت إيدها اتلفتت منه الفلوس من سكات.
غازي: "عايزة حاجة أجيبها لك وأنا معاود؟"
جمارة بصت له باستغراب لكلامه اللي أول مرة تسمعه منه: "له، ما عاوزاش حاجة."
غازي: "ولا أنتِ يا مرت عمي، عاوزاش حاجة؟"
تماضر: "سلامتك يا ولدي."
غازي: "طب أروح أنا." واتحرك بعكازته قدام عينيهم المستغربة متوجه لخارج السرايا.
تماضر بصت لجمارة: "ماله غازي النهارده؟"
جمارة: "معرفاشي يا خالة!"
تماضر: "يمكن الهداية تنزل وربنا استجاب لدعوتي."
جمارة: "مفتكرش يا خالة، دي سكوت تعبان ضامم راسه عشان يلدغ ويرجع يضم راسه تاني."
تماضر: "ربنا يستر منه ويكفينا شره. ومشوار إيه اللي عطاك فلوس وقلك تروحيه ده؟"
جمارة: "عايزني أروح لحكيمة في البندر عشان أشوف موضوع الحبل."
تماضر: "أيوه، الله عين العقل يا بنتي. بالك أنتِ لو حبلتي وجبتي لك عيل من غازي، كل حاجة هتتعدل وترجع لنصابها، والحبال الدايبة اللي الناس متشعبة فيها هتتقطع على الآخر."
جمارة: "أنا مفهمشي حاجة!"
تماضر بصت لها وابتسمت واتحدت بحنية: "بكرة تفهمي كل حاجة، وربنا لما يعوض عليكِ بهبابة عيل هينسيكِ الدنيا واللي فيها ويهون عليكِ العفش كله. ربنا يراضيكي يا بنتي. والله أول حاجة زينة وفيها مصلحة وراحة تطلع من خشم غازي."
جمارة: "حديثك كيف حديث أمي، حتى هي حكت معايا نفس الحديث ده!"
تماضر: "دايماً هتلاقي كلام المحبين متشابه يا بنيتي."
جمارة سكتت شوية بتفكير وبعدها اتكلمت بحيرة: "بس أنا ما عاوزاش أخلف من غازي يا خالة. أنا بخاف منه و بكرهه وهو كمان بيكرهني!"
تماضر: "تقوليش كده يا بنتي، ده الخلف رزق واسع وكرم من ربنا، غيرك بيتمناه. وصدقيني أول ما ولدك هيتولد، حبك هيتولد معاه في قلب غازي وكل الأحوال هتبقى عال العال. وبعدين عشان عيالك يلعبوا مع عيال حكيم ويملوا عليا السرايا، وكل هبابة يفضلوا ينادوني ويقولوا ستي وستي."
جمارة قلبها اتقبض من كلمة تماضر وهمست بارتباك وخوف: "عيال حكيم!"
تماضر بابتسامة: "أيوه، ما أنا شورت عليه ونويت، والنية لله، إني أخطب له بنت الشيخ عبيد شيخ نجع الشايبوه. نمشولها بعد ما يعاود من سفرته طوالي."
جمارة طول ما هي بتسمع الكلام وأنفسها تضيق وحست إن حجر وقع على قلبها، قامت منتورة وطلعت بره السرايا وهي بتخيل حكيم يتجوز ويجيب وحدة وهو يبقى ملكها لحالها، وكل عشية تنام على ريحه وكل صباح تتصبح بوشه وضحكته. والنار شبت بين ضلوعها.
تماضر هزت دماغها بأسى وهمست وهي مراقبة جمارة: "أهو دي اللي كنت خايفة منها."
رواية جمارة (بين العشق والقسوة الفصل الرابع عشر 14 - بقلم ريناد يوسف
جماره طلعت من دار تماضر وراحت على الجنينة بقلب مخنوق وأنفاس متسارعة. عينها على بوابة السرايا وعمالة تيجي وتروح. تقف قصاد قفص العصافير شوية، وتروح على شجر التوت تقطع أوراقه بعصبية. تقرب على البوابة وتتراجع. كيف ما تكون واقفة على جمرة نار، ورجليها مش متحملة الوجع.
سألت حالها: "طب ولما هشوفه هقوله إيه؟ مستنياه أتأكد منه، طب ولو اتأكدت هعمل إيه؟"
فضلت على الحال دي لحد ما المغرب غرب. بصت بلهفة على بوابة السرايا اللي اتفتحت وشافت حكيم داخل منها. كانت هتجري عليه، لكنها وقفت مطرحها لما شافت غازي داخل وراه طوالي. فضلت مكانها واقفة وربعت إيديها وبتهز رجلها بتوتر. الاتنين جايين وعينهم عليها وعلى حالتها.
غازي أول ما قرب منها: "مالك مش على بعضك ليه؟ حصل حاجة ولا إيه؟"
جماره عينها على حكيم وردت على غازي: "لا مفيش حاجة حصلت. سلامتك."
أما حكيم فتخطاها هي وغازي بعد ما بص لها وعرف إن فيها حاجة حصلانة معاها موصلاها لحالة العصبية والغضب اللي شافها فيهم دول لأول مرة في حياته من خلال عينيها اللي عروقهم اتصبغت باللون الأحمر. سأل حاله: "ياترى إيه سبب اللي هي فيه؟" لكنه ما يملكش الحق إنه يسألها. لكن اللي حيره نظرة العتب اللي لمحها في عينيها واللي ما يعرفش هو شافها صح ولا بيتهيأله. عشان هو ما عملش حاجة توصلها للحالة دي ولا تزعلها منه زعلة صغيرة حتى.
حكيم دخل السرايا. جماره هربت من قدام غازي وراه، وغازي دخل وراهم. حكيم طلع على أوضته طوالي عشان يتسبح ويغير خلجاته. وغازي قعد جار تماضر. وجماره دخلت المطبخ تساعد غالية وزبيدة في تحضير العشا عشان تهرب من القعدة جار غازي، وكمان عشان تصبر نفسها لحد ما حكيم ينزل من فوق وتتأكد من اللي سمعته من خالتها تماضر وتشوفه في عين حكيم.
حضروا العشا على السفرة والكل قعد. وحكيم نازل على السلم وعينه دورت لحد ما لقت جماره وسطهم قاعدة وعينيها عليه كيف ما تكون مستنياه. واتأكد لما بص فيهم مرة تانية إن فيهم عتب ما يعرفش إيه سببه. حكيم نزل ولحد ما وصل السفرة وعينه في عين جماره ما نزلتش. وعمال يسأل نفسه: "ياترى فيه إيه؟" وجلى صوته وهو قاعد ورمى السلام: "احم، السلام عليكم."
الكل رد السلام ما عدا جماره اللي فضلت برضه بصاله بترقب غريب. حكيم ابتدا ياكل وعينه عتتنقل على الكل وشايف إن الكل طبيعي. ما فيش غير جماره بس اللي حالها متبدل.
غازي: "ما تاكلي يا جماره، ما بتاكليش ليه؟"
جماره: "هاكل أهه." ومسكت العيش قطعته بعنف وعملت حالها بتاكل من كذب. وحكيم واعيها بطرف عينه ورافع حاجبه باستغراب ومستمر ياكل وعامل حاله مش شايفها.
لحد ما تماضر حلت اللغز وكشفت المكنون لما توجهت لحكيم بالكلام بنبرة إصرار: "حكيم يا ولدي.. اعمل حسابك إني هتكلم معاك على العروسة اللي نقيت لك إياها، وأول ما تعاود من السفر نتمم كل حاجة."
حكيم كان مودّي لقمة على خشمه وإيده وقفت بيها وفضلت فاتح خشمه وكل حواسه اتعطلت لثواني قبل ما يدرك أمه قالت إيه. أما غازي فكان مودّي كباية ميه على خشمه ولسه رايح يشرب. إيده هو كمان وقفت وبص لحكيم بذهوله.
جماره سمعت الجملة وتركيز عينيها على حكيم زاد لدرجة إن عينيها اتملوا دموع. لكنهم ما رفوش من خوف إنها تغفل عن رد فعل حكيم. وكت ما سمع الكلمة. أما حكيم فبلع ريقه وكمل اللقمة اللي في إيده، حطها في خشمه ومضغها بهدوء مع إنه حس إنها مرة علقم من بعد كلمة أمه. ولا كأنها من نفس الأكل اللي كان لسه عياكل منه.
رفع عينيه وهو بيمضغ لقمته بهدوء ونقلها مابين أمه اللي رافعة حاجبها كأنها بتقوله ارفض وغضبي يرافق طريقك. وما بين غازي اللي لسه ماسك كباية الميه وعينه على حكيم مستني منه كلمة تأييد أو رفض. وما بين جماره اللي عاملة كيف فرخة مدبوحة واللي دبحها دايس عليها عشان ما تتفرفتش. لكن رعشة شفايفها والدموع المتجمعة في عينيها وحركة عينيها على كل ملامحه بتأكد إنها بتصارع الموت. وما بين غالية اللي عتاكل ولا كأنها سامعة حاجة.
حكيم جلى صوته عشان يرد على أمه الرد اللي يا إما يدبحه هو ويحرر جماره من قبضة غازي. يا إما الرد اللي هيريحها بس هيخلي جماره تعيش في عذاب. اختار سعادة جماره على حساب نفسه. اختار يقفل قدامها وقدامه أي طريق متوهمين إن في آخره أمل. اختار يمسك إيدها ويجري بيها لآخر الطريق اللي خابر زين إنه طريق مسدود. لكنه مكمل فيه بأمل كداب. اختار يوصلوا هما الاتنين بسرعة لآخر الطريق عشان يرجعوا وكل واحد يروح لطريق غير التاني ويتكتب عليهم فراق محتوم.
"احمممم.. اعملي اللي تشوفيه يا أمي، وأنا متأكد من اختيارك وواثق إنه هيعجبني."
رده كان بمثابة ضربة قاضية لغازي وجماره وقلبه قبل منهم. غازي كمل كباية الميه على خشمه يشرب وعينه على حكيم اللي استمر في الأكل وكأن الخبر كان مدروس في عقله من بدري. وعرف دلوقتي إيه سر تغييره من ناحية جماره وزهده فيها. لكن عقله وسوس له إن ده كله ممكن يكون تمثيل ويكون قلبه لسه متعلق بجماره. مهو أصل مش معقول كل الحب اللي كان عيشوفه في عيني حكيم لجماره دي اتبخر مرة واحدة كأنه ما كانش. وعشان يكتشف ده ويعرف الصح، ما فيش قدامه غير حاجة واحدة. وهي اللي هتحدد وتبين.
أما جماره فأخيراً أهدابها رفرفت برفض والدمعة اللي طول الوقت كانت حابساها هربت من بين جفونها ونزلت زي الجمر على خدها. وبسرعة مدت إيدها مسحتها قبل ما حد يشوفها. لكن هيهات! وهي نزلت على قلب حكيم قبل ما تنزل على خدها.
غالية أخيراً رفعت عينها من على الأكل وباركت لحكيم: "مبروك يا ولد أبوي. أخيراً ربنا فك عقدتك!"
تماضر ردت عليها بارتياح: "كل شيء بأوانه يا بنيتي، ويوم ما يريد يدوب الحديد. عقبال فرحتي بيكي انتي كمان يا غالية قلبي."
غالية رفعت عينها على غازي بألم ونزلت وشها في طبقها تاني بعد ما تنهدت بحسرة.
غازي اتكلم بعد ما جلى صوته ووجه كلامه لحكيم في الأول: "ألف بركة يا ولد عمي. ألف نهار نادي والله." ومن بعدها اتوجه بالكلام لمرت عمة تماضر: "وعلى كده شفتيها العروسة دي وتعرفيها زين، ولا رايحة تخطبي على السمع يا مرت عمي؟ أصل ما تزعليش مني دي جواز والواحد لو ما أخدش واحدة كيف البدر في سماه يتصبح بحسنها كل طلعة صبح كيف جماره أجدع ما يبقاش اسمه جواز. ولا إيه يا حكيم يا ولد عمي؟"
حكيم ما ردش. لكن ردت عليه تماضر: "لا ما تخافش يا غازي، البنت كيف القمر سبحان من صور. زي جماره ويمكن أحلى هبابة كمان. تزعليش مني يا جماره إني ما علقتش منكِ. بس أشهد شهادة حق في واحدة غايبة وملايكتها حاضرة."
غازي بصدمة: "وااه، للدرجة دي؟"
ردت عليه غالية: "وأكتر من كده كمان. طب ده حورية دي كأنها حورية نازلة من الجنة. من واحنا عيال صغار كانت تيجي لأبوي الكتاب تاخد درس دين. ومن يومها وحسنها غلاب. كان عليها عيون خضر وبياض وشعر أصفر و..." لسه هتكمل لكن صرخة حكيم وقفتها: "غالييييه! اتجننتي يا ك؟ عتوصفي في عرض واحدة غريبة قدامنا كيف وتكشفي سترها وتعريها كيف؟ ترضي حد يتحدث عنك في مجلس رجال كده ويوصف في محاسنك لرجالة غريبة عنيكي؟ والله إني لو سمعت حد جاب سيرتك كده لأكون مخلص عليه في التو واللحظة. اللي ما ترضيهوش على نفسك ما ترضيهوش على غيرك يا غالية، سامعة؟"
غازي هز دماغه وابتسامة جانبية مرسومة على خشمه بعكس الصدمة اللي جواه: "ابتدت رحمة الله والغيرة من قبل حتى البنية ما تيجي بيتك يا حكيم. زين.. زين قوي. يبقى لما تيجي على كده هتدسها منينا؟"
حكيم ما ردش عليه. وغازي لما حكيم ما عبرهوش بص بجسمه كله على جماره اللي قاعدة متخشبّة كيف جذع شجرة ناشف. ووجه لها الحديث: "قوليلي يا جماره، عملتي إيه عند الحكيمة النهاردة؟"
جماره بفتور: "ما رحتش."
غازي: "مايه يختي!!! اسمعيني زين أكده! وما روحتش ليه إن شاء الله؟"
جماره: "ما روحتش وخلاص. إيه فيها؟"
جماره في اللحظة دي اتلقت من غازي ضربة بقبضة إيده على مؤخرة دماغها بكل قوته خلت وشها لبس في الطبق قدامها. والكل انتفض من شدة الضربة. تماضر زعقت بصوتها كله لما جماره رفعت وشها وشافت الدم سايل على جبينها بغزارة: "ليه يا مفترى يا ظالم إيدك والضرب ليه؟"
غازي رد عليها وهو بيمسك جماره من شعرها عشان يعاود الكرة ويخبط دماغها تاني على الطربيزة فوق الأطباق. ولما حكيم اتأكد إنه مش هيلحق يحوش عنها الخبطة رمى سفطة العيش بسرعة قدامها. ولما غازي خبطها وشها جه على العيش خفف أذى الضربة. أما الخبطة التالتة فغالية كانت أقرب لغازي وقامت تخلص جماره من قبضته. ولما ما قدرتش تعضت كف إيده بعنف خلته فلت جماره وجرت بيها الكرسي وبعدتها عن عينيه.
غازي وهو بيفرك في إيده: "اتقلبتي يا غالية ولا إيه؟"
غالية: "إني اللي اتقلبت ولا انت اللي اتهوست؟ فيه حد يعمل في حد كده حتى لو غلط. وإيه يعني ما راحتش مشوار النهاردة؟ تروح بكرة يا أخي. إنت إيه يا شيخ؟" قالتها وهي عتقوم جماره وتحضنها. لكن غازي قام مرة واحدة هبشها من إيدها وابتدا يضرب فيها تاني وهو بيقول: "مش إني اللي حرمة تعصالي أمر. مش غازي واصل يا بت المحروق."
وغالية تصرخ وتحوش فيه. وتماضر قربت بالكرسي وهي بتصرخ وتشد في غازي من خلجاته. وحالة هرج حصلت. وبرغم كل الضرب إلا إن جماره ما كانتش لا بتصرخ ولا بتدافع. وعينيها على حكيم اللي كان قاعد على السفرة جامد وهادي ولا كأنه فيه حاجة بتجري قدامه.
ده الظاهر. لكن الباطن إن حكيم كل ضربة كانت جماره بتاخدها كانت بتدك قلبه قبل جسمها. بس هو عارف السبب الحقيقي ورا الكتلة اللي بتاخدها جماره. وعارف إنه لو قام وحامى واتحمق. هيأكد شكوك غازي والكل يرجع لنقطة الصفر تاني. لكن نظرات جماره المستنجدة بيه كانت كيف تيارات كهربائية بتحفز قلبه وجسمه في كل ثانية إنه يقوم يحوش عنها. لكن عقله رفض التدخل وبشدة. وكان عزائه إن دي ممكن تكون آخر مرة جماره ترضى بظلم غازي وزله. وإنها بكده تتأكد إن مالهاش حل غير الهروب من غازي والبعد. وتكون آخر نوبة تتعرض فيها للضرب.
قام حكيم من على السفرة بهدوء. من بعد ما مفاصل إيده ابيضت من كتر الضغط عليها تحت الطربيزة. واتوجه على بره سايب وراه ملحمة بين غازي وجماره. وأمه وغالية اللي بيدافعوا عنها. وصل باب السرايا ولسه هيخطى اتفاجأ بحاجة خبطت في ظهره. لف ولقى جماره في وشه. مسكت قب جلابيته وبصت له بعتب ممزوج بألم وخذلان. واتحدثت بصوت مخنوق: "سايبني ليه؟ حوش عني."
قالت جملتها وإيد غازي كانت هتطولها. بس حكيم بسرعة خلاها وراه ووقف قبال غازي وفرد إيديه بحماية وقطع عليه طريق الوصول ليها. ورعد بصوته كله: "حدك هنه يا غازي!"
غازي: "بعد عن طريقي يا حكيم. سيبني مني لمرتي نتخالصوا ونطلع منها إنت."
حكيم: "إني ما تدخلتش ولا كنت هتدخل غير لما هي احتمت بيا ونخيتني. ومش حكيم اللي حد ينخاه ويرده. ولا حد يحتمي بسده وياخذ له. إيدك ما تتمدش عليها تاني في وجودي. خذ شطانك وخد مراتك وعلى المشتمل بتاعكم واتصافوا بالهدوء وحلوا مشاكلكم بالراحة وافهمها بالعقل." ومد إيده على كتف غازي خبط عليه خبطتين: "وبعدين وفر صحتك محتاج لك في فرحي اليومين الجايين دول تقف معايا وجاري كيف ما وقفت معاك. ولا إيه يا بو عمو!"
غازي بص لحكيم بنظرة حيرة وهو شايفه قباله أبرد من شهر واحد. ومش هو حكيم اللي لما كان غازي يمد إيده على جماره بروج نافخة تطير. عرف إن حكيم حكم عقله وموت قلبه. وده خلى غازي خسر نقطة كان اللعب عليها ممتع مع حكيم. ودلوقتي لازم يلحق حاله وينفذ اللي في دماغه قبل ما حكيم يعملها ويتجوز صح ويجيب له عيل يهد كل اللي غازي بناه طول سنين. ابتسم له غازي بود كداب ومد إيده على إيد حكيم اللي على كتفه وطبطب عليها: "طبعاً هقف معاك وإحنا لينا غير بعض في الأول وفي الآخر. وإن كان على جماره متحطش في بالك خلاص. ما أضربهاش تاني. بزيدها النهاردة."
حكيم سحب إيده من تحت إيد غازي وزفر بيمثل الارتياح: "أيوه كده اعقل يا راجل وخلي مخك كبير. وما تعملش عقلك بعقل النسوان دول ناقصات عقل ودين." قال جملته وبص لجماره اللي كانت واقفة وراه ومآمنة بيه كأنها ورا سور عالي واثقة إن عمره ما حد يقدر يخطيه ويوصلها طول ما هي وراه. واتكلم بنبرة حنية: "يلا روحي على مطرحك يا جماره ومتخافيش غازي ما هيعملكيش حاجة تاني. وإنتي كمان اسمعي كلمة جوزك اللي يقولهالك وطيعيه عشان ما تجيبيش الأذية لروحك. اللي يختار حياة يتأقلم معاها. وإنتي لازم تتأقلمي مع غازي وتتجنبي غضبه."
خلص كلامه وبسرعة هرب من حصار عينيها اللي كان بيقرأ فيهم ألف سؤال واتهام وعتب بالعافية كان متحمل وقوفه قبالهم. حكيم طلع وغازي راح على المشتمل يعيد في حساباته على الوضع الجديد. أما جماره فطلعت للجنينة وراحت على مطرح جمرة وقعدت قبالها تحكي معاها وتشكيلها حالها وجفاء حكيم عليها من بعد ما كان مغرقها بحنيته. سهرت واستنت واستنت عشان يعاود حكيم وفضلت سهرانه الليل كله تتنقل مابين الشجر وقفص العصافير وجمرة. وبرضو حكيم ما عادش لغاية ما رجليها خدرت وراحت قعدت على نص البرميل متخبطة ومش عارفة هتعمل إيه في حياتها بعد ما كل موازينها اتقلبت.
أما غازي فراح على الأوضة اللي فيها الحفرة وشال الغطا وفضل باصصلها وهو بيحسب في عقله يلزمها وقت قد إيه وفلوس قد إيه عشان تخلص. وهو أيوه حداه الفلوس بس الوقت اللي مبقاش يملكه واصل ولازم يتحرك بأقصى سرعة.
أما حكيم فاراح المندرة وقعد فيها وفتح سحارة كنبة وطلع منها دفتره وقلمه وقعد يكتب. يمكن لما يطلع اللي في جوفه على الورق يرتاح هبابة. مسك القلم وكتب بإيد بترجف وخط مهزوز: "اليوم قد خنت ميثاق قلبي الذي تعهد أمام عينيها بألا يخون، وميثاق عيني وعقلي اللذان تعهدا في حضرة أنوثتها بألا يقربا محيط أنثى غيرها. اليوم نقضت عهدي وأصبحت واعدًا أخلف، وانطبقت علي آية المنافق فقد تحقق علي شرطًا من الثلاث. سامحيني واسمحي لي بالموت أمام عينيكِ، واستحلفك برب العباد بأن تقفي وحدكِ على تابوت قلبي، وألا تسمحي لغيرك بالاقتراب منه، وأن تواري بيديكِ عليه الثرى فهذه وصيتي. ووصية الأموات واجبة التنفيذ. لقد رُفعت الأقلام وجفت الصحف، وبُعثر ما في الصدور على أوراق خرساء، لو كانت تشعر بما كُتب فيها لتمزقت ألمًا، واعترضت على نزيف الأقلام حبرًا على قلوبها البيضاء نزيفًا محملًا بسكرات عاشق ينازع آلام العشق. فلا تتعجبي يا صغيرتي، فأن للعشق سكرات."
رفع قلمه وانتبه على بشندى اللي جابله كاسة شاي وحط مسند في الأرض وقعد عليه جار حكيم وهمس له بنبرة حنان: "هاه يا حكيم يا ولدي.. رجعنا للتوهة ومسكة القلم من تاني! مش كنا بطلناها وارتحنا وقلنا هنسى خلاص!"
حكيم: "طب أرضى بذمتك يا بشندى، تقدر إنت تنسى العمر اللي أنا قضيته في عشق جماره؟ تقدر تنسى الليل اللي كنا عنطويه سوا أفضل لك بنار عشقي، وتبرد قلبي بكلام الصبر. تقدر تنسى ده يا بشندى؟" وبص للحيطة على أربع ألواح متعلقين عليهم خطوط كل ست خطوط بالطول يربطهم خط بالعرض على عدد أيام الأسبوع. وكمل كلامه: "تقدر تنسى السنين اللي صبرتها وكل يوم كنت أستناه يعدي بفارغ الصبر عشان آجي أحط له خط على الورقة وأطرحه من أيام البعاد وأفرح بيه عشان هيقرب اللقاء. تقدر إنت يا بشندى؟ تقدر يا اللي كنت لما تقول لي على حاجة وما أردش بيها تحلفني بغلاوة جماره عشان أوافق وكنت عارف إنك بكده هتمسكني من قلبي اللي بيوجعني وما أقدرش أرفض طلبك. تقدر تنسى ده كله يا بشندى؟ تقدر؟!!!"
بشندى نكس دماغه للأرض وما ردش. عشان فعلاً بشندى عاش مع حكيم قصة حبه وانتظاره ولوعة قلبه. وكان عيحسب الأيام اللي بتفوت قبله عشان يشوف فرحته كيف أب بيحسب لولده البكر ومستني يوم جوازه بفارغ الصبر.
حكيم بحسرة: "شفت يا بشندى. أديك إنت اللي على البر ما نسيتيش. اللي قلبه في الميه مش كيف اللي قلبه في النار يا بشندى."
بشندى: "إني شفقان على حالك يا ولدي. هتقعد كده لمته؟ وإيه آخرتها بس. قلت لك 100 مرة طلع غازي من السرايا وخليه يبعد بجماره من قصاد عينيك حتى لو هتبني له قصر يقعد فيه لحاله عشان ترتاح من عذابك. وإنت ولا عملت لكلامي باع ولا عبرتني."
حكيم: "ما يرضىاااااش يا بشندى. عارفة ما يرضااش. وقولت لك في الأصل إنه متجوز جماره عشان يحطها قبال عيني ويكوي قلبي بيها."
بشندى: "قلت لك سيبه لي وأنا أخلصك منه خالص. أو حتى أكسر لك رجليه وأخليه يعيش يزحف. إنت اللي ما رضيتش تخليني أفش غليلي منه!"
حكيم: "استغفر ربك يا بشندى. مش إني اللي أزهق نفس أو أعتدي وأبغى على بني آدم."
بشندى: "حتى لو كان غازي اللي شفت منه أذية بعدد شعر راسي!"
حكيم: "حتى لو كان غازي."
بشندى: "طب سيبك من غازي دلوقتي. وبإذن الله يا تيجي أجله بعيد عنينا قريب. إنت متكدر ليه قوي كده؟"
حكيم: "أمي هتخطب لي يا بشندى."
بشندى بفرحة: "أحب أمك."
حكيم رفع له حاجبه: "متتلم يبشندى."
بشندى: "مش قصدي والله. بس الخبر ده أمك تستاهل عليه حبة."
حكيم بنبرة هزار مخلوطة بغلب: "يا بشندى قلت لك 100 مرة ما تهزرش بسيرة أمي. وقلت لك مليون مرة لو عايز تتجوزها أجوزهالك وإنت اللي مش راضي. عتجيب سيرة ليه دلوقتي!"
بشندى: "يبوي أمي إيه اللي أتجوزها بالكرسي بتاعها ده. يعني أصبر عمري كله من غير جواز وفالآخر أجيب لي مرة أشيل وأحط فيها ناقصة مرار هي. حل عني الله لا يسيئك وإني ما جبش سيرة أمك نوبة تانية. ناقص إني كر يابشندى، جر يابشندى!!!"
حكيم ضحك بصوت عالي: "يخرب مطنك ومطن كلامك الدبش يا بشندى. والله عتضحكني في عز وجعي."
بشندى: "ربنا يبعد عن قلبك الوجع يا سي حكيم. بس بأمانة كلام أمك عين العقل. ما يعنسش الراجل حب مرة غير مرة زيها."
حكيم: "طب وما اتجوزتش ليه إنت بعد المرحومة واحدة تنسيك حبها!"
بشندى: "طب وهو إني كنت أحبها من أصلو عشان أنسى حبها!! إني كنت متجوز تأدية واجب ولما ماتت الله جاب خد. وما طلبتش منه عوض عشان ما عاوزش. أصله ليه إني أجيب واحدة تعد على أنفاسي وكنت وين يا بشندى، اتأخرت ليه يا بشندى، قول لي كلمة زينة يا بشندى. وبشندى سمه وموته نعوصة الحريم. وفوق ده وده يا بشندى. هات وحط في كرشي وكل يا بشندى. اكسيني كل هبابة خلجاتي قدامه يابشندى. أبصر إيه ومدرك إيه يا بشندى. وفالآخر تيجي تزعل وتروح بيت أبوها وتنسى كل حاجة زينة عملها لها بشندى. وما تتفكرش غير الحاجة العفشة اللي يكون عدى عليها دهر بحاله. وليه الغلب قطعت النسوان ورفقاتها. لحالي أحلالي يا بو العم."
حكيم: "الله على كلامك يا بشندى اللي يسد النفس المفتوحة. ما بالك من النفس المقفولة لحالها يعمل إيه فيها. قوم يا بشندى من جاري لأدب القلم ده في عينك وأقول وقع عليه."
بشندى: "فداك عنيا الاثنين بس أشوفك مرتاح وفرحان يا سي حكيم. والله لو عارف راحتك في عيوني أقلعهم وأعملهم لك عقد تحطهم في رقبة جماره."
حكيم طبطب عليه بحب: "تسلم لي عيونك يا بشندى. عارفك كد القول وهبابة والله."
بشندى: "طب مش هتقول لي مين اللي الحجة نقاها لك وبت مين في البلد؟"
حكيم: "والله ما أعرف ولا سألتها حتى."
بشندى: "مش مهم الست أم حكيم ما هتختارش حاجة مش زينة. أهي حاجة تصبر وتلاهي القلب وخلاص."
حكيم هز دماغه بقلة حيلة ونام على ضهره بعد ما ساب القلم وقفل الدفتر. وبشندى هو الآخر بعد المسند ونام عليه جار حكيم في الأرض. والاتنين باصين للسقف وساكتين. واحد بيفكر في حاله واللي مستنيه. والتاني برضو بيفكر في نفس اللي بيفكر فيه حبيبه ونفسه يخفف عنه بس ما يعرفش كيف!
حكيم دقايق واتعدل وبشندى اتعدل زيه.
بشندى: "إيه على وين؟"
حكيم: "ما فيش. هروح أتوضى وأصلي صلاة استخارة وأشوف ربنا هيدلني على إيه. عشان إني قلبي وعقلي وروحي عيتخبطوا وما أعرفش حتى أفكر في حاجة."
وبالفعل صلى واستخار وفكره ارتاح لما رمى حمول قلبه على الله ونام قرير العين للصبح.
الليل طوى جناحاته وحكيم قام مع قرآن الفجر صدره مشروح وحاسس براحة كأنه كان شايل حمل فوق كتفه واتخلص منه. وابتسم بارتياح بعد ما تيقن إن ربه بيطمنه إن اللي جاي فيه راحة من بعد التعب. قام اتوضى وصلى ودخل السرايا واتوجه على جمرته يطمن عليها. وابتدا يحطلها أكل وجفل مرة واحدة لما سمع صوتها التعبان من وراه: "هتتجوز؟ هتتجوز. رد عليا هتتجوز صح؟"
حكيم بقلة حيلة: "أيوه يا جماره هتجوز. عشان الدنيا لازم تمشي. وإنتي أديش شفتي عمايل غازي فيكي واتأكدتي إنه ما هيتغيرش. يبقى تنفدي بجلدك وتهربي عشان دنيتك تمشي إنتي كمان. روحي لحالك سبيلك يا جماره وادعي وإنتي طالعة إن ربنا يؤجرك في مصيبتك ويبدلك خير منها. وصاحب العوض موجود. هيعوضك عن قهرك وكسرة قلبك وعن كل حاجة مريتي بيها وشفتيها مع غازي."
جماره بصوت باكي ونبرة رجاء شتتت قلب حكيم: "بس إني ما عاوزاش أمشي وأهملكم. إن...."
وقبل ما تكمل صرخ فيها حكيم بعلو صوته: "لازم تمشي، لازم. لازم تبعدي وتلحقي الباقي من عمرك تعيشيه براحة وهنا مع اللي يصونك ويراعي ربنا فيكي. إنتي تستاهلي تتعززي وتتكرمي مع الكريم ومتفضليش متهانة في عصمة لئيم. افهمي يا جماره كل اللي عيحصل ده عشان سعادتك إنتي في الأول وفي الآخر مش عشان أي حد ولا أي حاجة تانية. ودلوقتي يلا فارقيني وخش جوه. قلت لك قبل كده ما تهوبيش ناحية بوابة السرايا بس إنتي الظاهر مخك تخين وما بتفهميش. قلتها قبل كده وأديني عقولها لك تاني وتالت. إنتي ما بتفهميييييش."
لحظات صمت ما يتسمعش فيها غير صوت أنفاس حكيم العالية. ولو كان صوت كسرة القلوب عيتسمع كان اتسمع صوت كسرة قلب جماره على 100 حتة بعد كلام حكيم ليها.
حكيم أخد نفس قوي واتكلم بنبرة جادة: "إني مسافر بكرة آخر النهار. ارجع ألاقيكي خدتي قرار يا إما تبعدي عن غازي وتطلقي منه وحقك وحمايتك منه ومن غيره اضمنهم لك برقبتي. يا إما تتحملي اللي بيعمله غازي فيكي من غير شكوى ولا اعتراض. عشان محدش وقتها هيوقف لك. لأن لو كان حد وقف لك قصاد غازي قبل كده عشان اللي كان عيجري فيكي غصب عنك. لكن اللي جاي كله هيكون بكيفك وبمزاجك ونتيجة اختيارك."
قالها واستمر سكوت جماره وهي باصة للأرض وعتخطط برجليها دوائر وهي بتسمعه. وبعد لحظات سكوت رفعت عينيها ونطقت اللي حكيم كان خايف منه وخلّاه يغمض عينيه بألم: "
رواية جمارة (بين العشق والقسوة الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ريناد يوسف
جماره فضلت باصه للأرض طول ما هي بتسمع لحكيم وترسم دوائر برجلها في الأرض. لحظات صمت مرت عليهم، ما بيتسمعش غير صوت أنفاس حكيم العالية. ولو صوت كسر القلوب كان هيتسمع، كان اتسمع صوت قلب جماره وهو بيتكسر من حديث حكيم معاها، والنبرة اللي أول مرة يتحدث معاها بيها.
رفعت عينيها عليه بإصرار واتكلمت بنبرة ثابتة:
"وأنا ما أهملش السرايا... ولا أمشي من هنا. ومتقلقش، مش هطلب منك تدافع عني، ولا هستنى من حد يقف في وش غازي عشاني."
حكيم غمض عينيه واتحدث بنبرة حانية:
"ليه يا جماره؟"
جماره:
"إيه هو اللي ليه؟"
حكيم:
"ليه تعاندي حالك وتفضلي عايشة في النار؟ ليه تتحملي كسرة النفس في كل دقيقة وكل ثانية؟ ليه؟"
جماره:
"عشان كسرة النفس أهون 100 مرة من كسرة القلب. كسر النفوس بيلقوا عليه، لكن كسر القلوب ملوش تجبير."
حكيم فرك وشه بتعب وكمل كلامه:
"على العموم، أنا مسافر، ولسه حداكي وقت تفكري على راحتك. ولما أعود، هسألك وتردّيلي خبر بآخر كلام."
تحركت، بس قبل ما تتحرك، فضلت مسافة باصة له بتحدي وإصرار. وهو بص لعينيها وقرا فيهم جوابها من غير ما تنطقه، وشاف فيهم قسم إنهم عمرهم ما هيفارقوه.
جماره خدت نفس ودخلت على المشتمل. وحكيم دخل السرايا وطلع على أوضته، اتسبح وغير، ونزل لقى الكل متجمعين على السفرة. صبح عليهم وقعد يفطر. السكوت كان هو سيد الموقف من كل الموجودين. مفيش بس غير العيون اللي بتفضفضي لبعضها بمكنون القلوب، وكل عين باين فيها كرهها أو حبها أو كسرتها.
جماره عينها ما نزلتش من على حكيم لحظة. وهو ما رفعش عينه عليها ولا مرة، لكنه واعيها بقلبه. وعشان يثبت لنفسه إن قلبه على صواب، رفع عينه بنظرة خاطفة على جماره وشاف اللي كان قلبه حاسس بيه. رجع عينيه على فنجان شايه، وبدأ يمشي إيده على حافة الفنجان وهو بيهمس لنفسه:
"يقال دائمًا إن الغرق موت، ولكن لما الغرق في زرقة بحر عينيكِ حياة."
أما تماضر وبنتها غاليه، فضلوا يتحدثوا في أمور السرايا مع بعض ومندمجين. وتماضر تسأل غاليه بهمس عن خطيبة أخوها الجديدة، وهي ترد عليها بصوت واطي عشان حكيم ما يسمعش ويقندل عيشتهم.
أما غازي، فكانت عينيه على حكيم وجماره طول الوقت، بيُدرس بفراسته الحاجة اللي هيعملها النهارده، ويسأل حاله: ياترى هتنفع ولا لأ.
حكيم شبع وقام، طلع عدى على جمرته واطمئن عليها، وطلع لبشندي في المندرة. وصاه إنه ينقل جمره جار المشتمل ويعمل لها موطرح ويعلم جماره تستأنس بيها كيف، وتوكلها ميه، ويتركها لها طول فترة سفره، وهي هتعتني بيها.
بشندي هز دماغه بطاعة ودخل ينفذ. وحكيم راح على الأسطبل، خد عنتر وطلع بيه على الأرض يشوف أحوالها وأحوال الفلاحين.
أما غازي، فراح على المشتمل وفتح الأوضة ودخل وقفل الباب وراه. وزاح الغطا بشويش ووقف باصص للحفرة والسلالم بتاعتها. وعايسأل حاله ويحسب الوقت والفلوس اللي لسه عايزهم عشان اللي في باله يحصل. وشاف إنه حداه الفلوس الكتير، بس الوقت هو اللي معادش يملكه.
قفل الأوضة وطلع، شاف بشندي بيدق وتد لجماره جار المشتمل. وسأله باستغراب:
"عتعمل إيه حداك يا بشندي؟"
بشندي:
"على ضِم سبح!"
غازي:
"متتحدث عدل يا زفت انت!"
بشندي اتعدل ووقف قصاد غازي ونفخ بقلة صبر:
"اللهم طولك يا روح... يعني انت يا غازي، وأعيني على أعمل إيه؟"
غازي:
"وجايبها ليه دا هنا؟"
بشندي:
"صاحبها وسيد السرايا أمر بكده، وأنا ما عليّ إلا التنفيذ."
غازي:
"واشمعنى هنا يعني عشان تملأ الموطرح صول وزناخ ومنعرفوش نقعدوا!"
بشندي:
"ابقوا اوقفوا."
غازي بص له بطرف عينه مش عاجبه الحديث وسابه وطلع من قبله ومن السرايا كلها.
حكيم بعد ما خلص لف على الأرض، راح على شط الترعة في موطرح متعود يقعد فيه لحاله. نزل ربط عنتر في جزع شجرة صفصاف وراح قعد على جزع نخلة ممدد على حرف الترعة. فضل شوية باصص للميه، وبعدها وطى، أخد بأيده شوية حصى وبدأ يرمي الحصى في الميه، خلاها اتعكرت كيف عكار مزاجه في اللحظة دي، وزبزب هدوئها كيف زبزبة قلبه.
أثناء ما هو بيعمل كده، سمع من وراه صوت غازي بيرمي عليه السلام. عقد حواجبه باستغراب وإيده وقفت عن رمي الحصى، لكنه مبصلهوش.
غازي:
"طب رد السلام دا حتى، إذا حُييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها يا أخي!"
حكيم:
"عاوز إيه يا غازي؟"
غازي اتحدث وهو بيتقدم منه بعكازه:
"دايماً مفكرني عاوز منك حاجة. دايماً كل ما تشوفني تفكرني إني محتاج لك! بس المرة دي مش أنا اللي عاوز منك. انت اللي محتاج لي، وحاجتك حداي."
حكيم بص له وديق عينيه وهو شايفه بيتقدم وقعد جاره على جزع الشجرة. ومد إيده خد كام حصوايه من يده وبدأ يضربهم في الميه كيف ما كان يعمل حكيم واتحدث:
"أيوه، متستغربش كده، إني حداي حاجة تلزمك ومحتاجها. بتتحدث عن جماره يا حكيم."
حكيم سمع اسم جماره وانتبهت كل حواسه، لكنه فضل على جمود ملامحه وساب غازي يكمل.
غازي:
"بص يا واد عمي، أنا مش هلف وأدور ولا أوعّك في الحديث. أنا هاجيلك دغري. أنا خابر زين قوي إنك عاشق جماره، وللأمانة أنا خدتها عشان كده، وأنا وانت خابرين زين. خدتها عشان أكيدك بيها وأطفي بيها نار قلبي منك. أخلص منك دين قهر بقاله سنين متشال. وللحق، دي الحاجة الوحيدة اللي قدرت أحرق قلبك بيها. وأوعك تفكر إني مصدق إنها مبقتش تفرق معاك، وإنك طلعتها من قلبك، واللي بتحاول تفهمهوني ليك كام يوم ده. لا لا يا واد عمي، ده أنا خابر إنها لسه في قلبك وعقلك، ودي لو مهما كتمته، عينك فاضحاه. أوعك تكون مفكرني ما كنتش بوعّاك، وانت في الشباك طول الليل واقف في عز البرد والسقعة عشان بس تتطلع عليها. ده أنا كنت بشوفك وكنت ببقى متكيف وفرحان قوي وإني وعّاك محبوس ورا قفص الحرمان. ولا هي اللي ابتدت تتعلق بيك وطول الليل تفضل تبص لك، وعاملين كيف روميو وجولييت؟ بس الفرق إن روميو هو اللي في الشباك وجولييت هي اللي تحت. ها ها ها."
حكيم رد عليه وهو لسه بيحاول يحتفظ بهدوئه قدام تصريح غازي المباشر بالكره والغل:
"أيوه، وبعدين!"
غازي:
"بص يا واد عمي، أنا خابر إن نفسك في جماره. وأنا ما أحرمش نفسك من حاجة تتمناها. احنا في الأول وفي الآخر ولاد عم برضو. أنا هسيب لك جماره. هطلقها وأبعد عنها وعن السرايا وعن حياتك نهائي. ويمكن من البلد كمان. ووعد، مفيش كلمة هتمس سمعتك ولا سمعتها أصل. بالعكس، هقول: طلقتها عشان لقيتها مش قد مقامي. الناس لما تلاقيك اتجوزتها من بعدي عشان متكونش مطلقة وتتمرمط، هيحترموك ويقدروك، وانت عاد شاطر وهتدخلها عقلهم من حتة الدين وقال الله وقال الرسول. وتقدر وقتها تتجوزها، ودار ما أدخلك شر."
حكيم رجع يرمي الحصوات في الميه واتكلم:
"والمقابل؟"
غازي ضحك ورد عليه بلهفة وعينه بتتجول قباله على أرض على مد البصر:
"أحب فيك إنك بتفهمني طوالي يا حكيم. وسكت لحظات، وبعدها نطق: (الأرض) تكتب لي الأرض دي كلها بيع وشرا يا حكيم."
حكيم ضحك ضحكة عالية وقطعها وهو بيرد عليه:
"دي عشم إبليس في الجنة يا غازي."
غازي بهدوء:
"إبليس مش من حقه يعشم في الجنة عشان مش بتاعته، ولا من حقه. لكن أنا ما أطلبش غير حقي. أرضي اللي سرقتها مني أنت وأبوك، واشتريتها بفلوس وشقا أبويا وعرقه."
حكيم:
"طول عمرك تكذب الكذبة وتصدقها وتدافع عنها كمان لو حد اكتشفها. فلوسك إيه وشقا أبوك إيه يا غازي؟ إذا كان دهب أمك شفته بعينك وعرفته وين. وعارف زين فلوس الأرض جت منين. يبقى شقا إيه وعرق إيه اللي بتتحدث عنه ده!"
غازي:
"أوعك تكون مفكرني أهبل ومصدق موضوع الجرة دي. اللي حتى لو كان صح، فهي برضه من حقي زيك زيك، وكان ليا فيها قدر اللي ليك. لكن اللي حصل إنك خدتها كلها لحالك أنت وأبوك واشتريت بيها الأرض. أرضي. يعني من دقنه وافتله."
حكيم:
"خليك في اللي أنت فيه واللي مخك التعبان مفهومهولك. وخص الحديث، إني جماره ما عاوزهاش. وشبر من أرضي رجلك ما هتدوسه يا غازي."
غازي:
"كذاب يا حكيم. عاوزها. ولو فتحت صدرك دلوقتي هتلاقي قلبك بيصرخ ويقول لك وافق وارحمني من العذاب. وأحب أقول لقلبك إنه لسه مشافش عذاب، واللي جاي هيكون له جهنم حمراء. وحط في بالك إن كيف ما جنتي في يدك، جنتك في يدي."
حكيم بص له وركز على عينيه ونطق بمرارة:
"طول عمري كنت أتمنى أخ وسند ليا وحزام لضهري يا غازي. بس أنت ما كنتليش غير شوكة في ضهري. وطول عمري أدور على سبب للكراهية المتأسسة جوه قلبك ليا، ما ألاقيش. المصيبة إني ما ألاقيش أي سبب يا أخي."
غازي:
"له الأسباب كتير، بس أنت أعمى ما تشوفش. سيبك من الأسباب، وخليهم لي أنا عارفهم وعددهم. وأحب أطمنك إنهم كتير. كتير قوي."
حكيم:
"طب اديني سبب منهم يقنعني، يمكن أحط لك عذر وأشفق عليك من اللي أنت فيه!"
غازي:
"ينفع معاك سبب إنك خدت كل حاجة ملكي وليا، وخلتني كيف الكلب استجدي منك وأمد إيدي وأستنى رحمتك لما تديني بعد سين وجيم، وهتودي فين وتعمل بيهم إيه! ينفع لو قلت لك إني حرمتني من سرايتي وقعدتني في مشتمل أوضتين وصالة كيف ملحق الخدم، بحجة إني مينفعش أبيت في بيت فيه واحدة تحل لي، ورميتني رمية الخدم، وأنت عايش في سرايتي بتنعم فيها وبتنام على ريش نعام وتمشي على مرمر! ينفع معاك إني أتيممت بسبب أمك وأبوك اللي قتلوا أبوي عشان كان بيدافع عن فلوسه وماله وحقه، وأمك اللي الله وحده اللي يعلم كانت تعمل إيه لأمي عشان تعجل بأجلها. تكفيك دي أسباب، ولا عايز كمان؟ لو عايز تاني أديلك، إني مفيش أكتر من الأسباب حداي."
حكيم بص له واتكلم بنبرة هادية:
"كل أسبابك باطلة وملفقة، وأنا وانت خابرين زين الحقيقة فين. وعشان أسبابك باطلة، يبقى كرهك وحقدك كمان باطلين، عشان ما بُني على باطل فهو باطل يا غازي."
غازي:
"لعب لسانك بالقرآن والسنة، وتدارى ورا مشيختك من كل الناس. إلا أنا، وقدامي. عشان أنا الوحيد اللي رافع عباية التدين بتاعتك وشايف إيه اللي تحتيها. ودلوقتي هسيبك تفكر مع حالك، ولما تعود من السفر، رد عليا."
قالها ووقف ومسك عكازه وطبطب على كتفه مرتين وسابه ومشى.
وحكيم رجع تاني يرمي الحصوات في الميه، بعد ما غازي حطه في نار جديدة، أو بمعنى أصح، بين نارين. نار جماره... ونار الأرض اللي جمعها بشلول العين.
بعد فترة قعدها حكيم مع نفسه، بيستمع لصليل سيوف معركة طاحنة بين قلبه وعقله. قلبه اللي بيقول له: "أوعك تفرط في فرحتي اللي عشت طول عمري مستنيها." وعقله اللي بيقول له: "التمن كتير وكبير قوي ويقطع الضهر."
ولما شاف إن المعركة مش هتنتهي في الوقت الحاضر، عشان خصومها كل خصم أقوى من التاني، وكل واحد فيهم له أسبابه اللي بيقاتل عشانها بضراوة، قام واخد عنتر ورجع بيه على السرايا، وداه الأسطبل، وراح على المندرة.
أول ما دخل، شاف بشندي حاطط قدامه على الأرض قفص يوسفندي، وممدد رجليه حوالين القفص وعمال يقشر وياكل. دخل حكيم وقعد جاره على الكنبة ونفخ بقوة.
بشندي بص له بطرف عينه ورجع كمل تقشير الحباية اللي في إيده واتكلم مع حكيم من غير ما يبصله:
"والله إني عايز أحبسك في المندرة هنا وما أطلعكش تاني أصل. تكون طالع مرتاح البال وزين، ويادوبك تخطي رجلك بره، ترجع لي شايل طاجن ستك وطواجن جيرانها كمان فوق راسك. مالك يا بوي، جاي كيف المكبوب طحينة كده؟ مش لسه طالع مليح؟ قول لي اتعثرت في مصيبة إيه وانت ماشي المرة دي!"
حكيم:
"اتعثرت في غازي."
بشندي:
"قَطعَه! ماله الكُعل (روث المواشي) ده بيعمل لك إيه؟"
حكيم:
"جه ورايا الأرض وقالي إنه هيطلق جماره."
بشندي كمل مضغ وبص له مستني يكمل.
"- وهيسيبها لي ويسيب لي السرايا، ويمكن البلد كلها كمان... بس عارف إيه المقابل؟"
بشندي كمل مضغ واتكلم بهدوء:
"اللي وراك واللي قدامك."
حكيم ابتسم له:
"لماح يا بشندي!"
بشندي:
"مبحتاجاشي. عشان هو عايش طول عمره مستني الفرصة."
حكيم:
"هو طلب مني الأرض بيع وشرا."
بشندي قشر يوسفنداية وحطها كاملة في خشمُه ومضغها وطلع البذر كله في إيده وحطه في طبق جاره، وبعدها رد على حكيم:
"...اديهاله."
حكيم بص له وفتح عينيه على الآخر، ولسه هينطق، لكن بشندي سبقه:
"أنت كده كده كنت هتديهاله، وعتديه منها بالهبابة وناوي إنك ترجعهاله كلها حتة حتة. يبقى ليه متديهالوش وتشتري بيها راحة قلبك وتبقى أنت الكسبان؟"
حكيم:
"بس يا ناصح، هو عاوز الأرض كلها. القديمة والجديدة. وانت خابر إن أمي الأرض حداها خط أحمر، سواء القديمة ولا الجديدة. ولو كده، إني كنت هديتهاله من زمان وارتحت منه، بس عشانها، هديها له بالحتة وأقول له حق تعبه."
بشندي قشر حباية تانية وحطها في خشمُه ومضغها وطلع البذر ورد على حكيم:
"سيب أمك، ما تعرفش حاجة. ومتطيرش تقول لها غير لما تقلبها في نافوخك وتقرر. وحتى مش ضروري تقولها ولا تعرفها أصل."
حكيم:
"ومن ميتة هعمل حاجة من غير شورها ولا هخطّي خطوة من غير علمها يا بشندي! هي الأرض القديمة عادي أديهاله، وأمره مفرود منه. بس الاشكال كله في الجديدة، وانت خابر وعلى يدك شفت إنيكدت فيها قد إيه يا بشندي، دي شقا سنين."
بشندي بتفكير:
"هي مش الأرض الجديدة أنت كاتبها لست غالية اختك بتاريخ قديم، وأنا وواحد من الغفر شاهدين. ولا نسيت! شكلك بقيت بتنسى كتير اليومين دول أنت." وغمز له وكمل كلامه: "وانت ما تقدرش تتصرف غير في اللي ليك، واللي ليك وتحت يدك، اعطيهوله ويغور بيه ويحب إيده معدولة مقلوبة."
حكيم قطع فصين حطهم في خشمُه واتكلم وهو بيفكر في كلام بشندي:
"وتشهد زور يا بشندي!"
بشندي:
"شهادة زور تحافظ على الحق وتقف في وش ظالم طماع، متكونش حرام. إن كان غازي قرد وبتتنطط على كل حبل هبابة، خليك أنت القرداتي اللي يحرك غازي على كيفه وماسك حبله بإيده وسايبه يتنطط وفاكر حاله حر. بس وقت ما يعمل حاجة متعجبش صاحبه، يشده من الحبل يكفيه على بوزه."
حكيم ابتسم لبشندي بإعجاب ورد عليه:
"مع إن تشبيه القرداتي ده واعر هبابة يا بشندي، بس عجبني. وصح، القرد لازم يكون له قرداتي."
بشندي بص لحكيم، لقاه لسه هيحط فصين يوسفندي في خشمُه، كان مقشر واحدة، سكاها كلها في خشم حكيم وقاله:
"السفندي بيتاكل كده عشان تحس بحلاوته."
حكيم مضغها بصعوبة عشان ما هو متعود يحط حاجة في خشمُه بالحجم ده، ومال لقدام وعصارة اليوسفندي بتطلع من جوانب خشمُه وهو بيمسح فيها، وبشندي فضل يضحك عليه لحد ما عرف يبلعها.
حكيم:
"يخرب مطنك يا بشندي، كنت هتطلع روحي وخليتني بلعتها بالبذر. جاك الطين."
بشندي بضحكة:
"أحسن، خليها تخضر في بطنك شجرة سفندي. ها ها ها."
حكيم:
"عتضحك على إيه؟ قوم يا حزين وشيل القفص ده من قبالك وكفاياك حش لتتعب!"
بشندي:
"له، ده كله ما بيتعبش. ما بيتعبش غير بالليل بس، لما يقومني من عز نومي أروح بيت الراحة. والله من السقعة ساعات بفكر أعملها في موطرحي، والصبح أنشرها ولا مين شاف ولا مين دري. ها ها ها."
حكيم بضحكة:
"والله ألم عليك عيال البلد وأخليهم يزفوك ويقولوا الش... بشندي بتاع السفندي."
ضحكوا الاتنين، وحكيم سابه وقام دخل السرايا عشان يقعد جاره أمه هبابة قبل ما يسافر، وكمان يحضر شنطته. وهناك يكون معاه الفرصة إنه يصفّي ذهنه ويعرف يفكر زين ويدرس كلام بشندي وياخد قرار يرضي عقله وقلبه سوا.
من أول ما دخل البوابة، عينه راحت على موطرح جماره وقلبه خفق لما ما لقهاش في موطرحها. لكنه افتكر إنه قال لبشندي ينقلها، وبالفعل بص لقاها مربوطة جار المشتمل وقريبة على قفص العصافير. كان رايح ناحيتها بس وقف لما شاف جماره ظهرت من وراها، وفي إيدها فرشة وكوز وعتدعك في جسم جماره وتكب عليها ميه، وجمره مستسلمالها باستمتاع. وضحك لما شاف جماره كل هبابة تحضن دماغ جمره وتبوسها وترجع تدعك في جسمها بالفرشة والصابون وتكب ميه تاني.
دخل على السرايا على طول، ومرضاش يقطع لحظات المتعة والراحة اللي عايشينها الاتنين، جمرته وجمارته. اتوجه على أمه اللي كانت قاعدة في الصالة، حب على إيدها وراسها، وخلع عمامته وشاله وعبايته رماهم على الكنبة، ومسك مسند حطه في الأرض جار رجلين أمه وقعد عليه، وحط دماغه في حجرها. وهي رفعت إيدها تمسد على شعر ولدها بحنان.
حكيم بتعب:
"قلبي تعبااااان يا تماضر."
تماضر:
"اسمالله على قلبك من التعب يا ولدي. معلش يا لبّة القلب، اتحمل هبابة، وكل التعب ده هيتنَسى لما تيجي اللي تخففه وتشيله عنك وتطيب جروح قلبك."
حكيم:
"تطيب إيه يا أمي، وانتِ عتطلبي مني أبتر قلبي من موطرحه وأقطع الشريان اللي بيغذيه؟ قول لي، فيا إيه يتطيب بعد ما ده يوحصل؟ فيه حد ميت يطيب يا أمي!"
تماضر بخوف:
"بعد الشر، الشر بره وبعيد. أوعك تجيب سيرة الموت على لسانك نوبة تانية."
حكيم:
"الموت مش بقطع النفس بس يا تماضر. ساعات الموت بيكون بقطع العشق. وأنا بتنفس عشق يا أم حكيم، ولو اتقطع مني هموت. حاولت وربنا شاهد وعالم، وجاهدت نفسي وطول الوقت بعلمها وأجلدها وأفكرها بعذابها يوم ما تقف بين إيدين ربها. بس والله صعبة. ونفسي دايماً تقول لي إن بصتي ليها كيف بصة أب لبّته خايف عليها وعايز يحميها من الدنيا بحالها."
تماضر همست بحنان:
"عارفة يا ولدي. وعارفة زين إن بصتك لجماره عمرها ما كانت بصة عين نجسة. بس برضه تفضل حرام. وطول ما بتبص لها ومن جواك بتتمناها وهي على ذمة غيرك، فالحالة دي تبقى تخطيت الذنب ودخلت في الكبائر. والله يغفر الذنوب كلها ما لم تُرتكب الكبائر يا ولدي. يعني تاخد بالك إنك دخلت في المحظور اللي ما بيتغفرش."
حكيم هز دماغه لأمه بتفهم وفضل شوية ساكت، وأمه مستمرة تمسدله على شعره. اتنهد قبل ما يهس لها:
"أمي... غازي عرض عليا جماره قصاد أرضي كلها."
تماضر إيدها توقفت عن التمسيد، وحكيم رفع دماغه يبص على رد فعلها، لقاها باصة بعيد وضامة حواجبها.
حكيم:
"سكتي ليه يا أم حكيم؟"
تماضر بتوهان:
"عاوزاني أقول إيه يا حكيم؟"
حكيم:
"قولي أي حاجة."
تماضر:
"بس بقول لك يمكن ما يعجبكش ولا يجي على هوا قلبك يا ولدي."
حكيم:
"كل اللي بيطلع من خشمك بيعجبني، وحكمك سيف بيمشي على رقبتي وقلبي يا أم حكيم."
تماضر:
"بس الحديث ده لا ينفع فيه حكم ولا سيوف يا حكيم. ولا حتى الحكم ينفع يكون للقلوب. كل نوبة تشورني في حاجة محيراك، أقول لك استفتي قلبك. لكن المرة دي الوحيدة اللي هقول لك فيها: استفتي عقلك. شوف عقلك هيقول لك إيه يا حكيم."
حكيم كلام أمه ما زادُه إلا حيرة فوق حيرته. ولو كان في قلبه ذرة أمل في الوصول لجمارته، فدلوقتي حتى الذرة طارت. خد قعدته بعدها، وطلع أوضته. كانت غاليه محضراله شنطته. قعد شوية مع حاله، وبعدها قام اتسبح ولبس وخد شنطته ونزل متوكل على الله. ودع أمه وودع غاليه، وطلع.
شاف جماره قاعدة جار قفص العصافير، وأول ما شافه ماسك شنطته وماشي، جات جري عليه ووقفت قباله تنهج.
"خلاص مسافر يا سي حكيم؟"
حكيم:
"أيوه يا جماره. عايزة حاجة أجيبهالك معايا وأنا معاود؟"
جماره:
"عاوزاك ترد لي سالم."
حكيم هز لها دماغه وهرب بعينيه، بص على جمره ورجع بعينيه لجماره تانية وهمس:
"مش هوصيكِ على جمره. أنا سايب روحي أمانة بين إيديكي يا جماره."
جماره:
"متخافش عليها في عيوني الاتنين. بس يعني، دي جمره طلعت حداك أغلى حاجة في الدنيا على كده، طول ما وصفتها بالروح!"
حكيم:
"بس فيه حاجة أكتر من الروح وهي المتحكمة فيها يا جماره."
جماره:
"إيه هي الحاجة دي يا سي حكيم؟"
حكيم:
"القلب يا جماره. القلب لو وقف ولا جرى له حاجة، هيكون هو السبب في طلوع الروح وزهقها. وهو كمان اللي بيضخ دم لكل الجسم ومسؤول عنه. صح، جمره حداي الروح، بس فيه ناس غيرها حداي في محل القلب."
جماره بهمس:
"يبختها الناس دي، متهنية بغلاوتها حداك والله."
حكيم:
"ولا متهنيين ولا عارفين، ولا حتى حاسين بأصفاد النار اللي متسلسل بيها قلبي بسببهم. يلا، ربنا يسامحهم على ذنب ما اقترفاتهوش إيديهم، بس غصب عنهم متلامين عليه."
جماره:
"انت ليه كل كلامك الغاز يا سي حكيم!"
حكيم:
"أنا حياتي كلها لغز يا جماره، لغاية النهارده ما لاقيلهوش حل. وكل ما ألاقي حل، اللغز يطلع غلط وأرجع أدور من تاني."
اتنهد بقلة حيلة وكمل:
"القصد... هسيبك أنا في رعاية الله وحفظه. بس بالله عليكِ اتجنبي غازي وطيعيه عشان تأمني شره لحد ما أعود. إلا، بقولك إيه، هي أمك عايشة بطلت تجيء لك ليه؟ معدتش بشوفها في السرايا أصل!"
جماره:
"أمي بتيجي تطل عليا كل يومين وتسلم عليا على الواقف وتعاود لدارها. بتقول: ما أحب جوزك يشوفني قباله، ولا إني طايقة أشوفه قبالي. وبعدين، من ناحية غازي، متخافش، هو هيسافر انت من هنا، وهو هيسافر وراك من هنا."
وهنا جماره فكرت حكيم بحاجة كانت غايبة عن باله وناسيها، وهي إنه يشوف غازي عيروح فين طول مدة سفره، ويعاود قبل منه بيوم واحد أو بساعات.
سابها وطلع من السرايا على المندرة. ووقف قصاد بشندي:
"بشندي، أنا ماشي. تفتح عينك المرة دي وتقطر غازي وتعرف لي عيروح فين في غيابي. بس من غير ما يلمح طيفك ولا طيف اللي هيقطره. وتستناني لما أعود، حتى لو شفته عيعمل مصايب. فاهمني يا بشندي؟"
بشندي شاور له بدماغه، وعينه دليل على الفهم. وحكيم سابه وطلع على محطة القطر، خد أول قطر على القاهرة، وهرب من البلد ومن كل حاجة. لكن الهموم والحيرة لسه جوه قلبه وروحه ومرافقاه بين ما يروح.
أما بشندي، فاخرج من المندرة ووقف زنهار قصاد باب السرايا، وكلف اثنين من الغفر. واحد يقطر غازي ويمشي وراه منين ما رجله تخطي. والتاني يراقب باب المشتمل الوراني، ولو طلع غازي منه، يمشي وراه كيف ظله.
بالليل، قدام باب المشتمل الوراني، غازي واقف بعد ما قال لجماره إنها تبيت في السرايا بحجة إنها زعلانة منه بسبب الكتلة اللي عطاها لها. عشان دي آخر حاجة قدامه ويطلع "الطميرة". وهي ما صدقت يقول لها كده وهربت من سجنه على السرايا، وسابته هو و"طميرته"، متمنية إن حفرته توقع فوق راسه ويندفن تحتها هو و"طميرته" وترتاح منه.
أما غازي، أثناء ما هو واقف، جاله عوض يجري ويتلفت حواليه.
غازي:
"هاه، كله تمام يا عوض؟"
عوض:
"تمام إيه، دي فيه مصيبة! بشندي واقف زنهار حارس خيالك يخطى، بس برا السرايا. وكلفني إني أراقب باب المشتمل، وواحد تاني يقطرك بين ما تروح. ومرضاش يشرب شاي وواقف مستني طلوعك من السرايا كيف الديب!"
غازي ضرب إيده في حيطة المشتمل وعينيه اتصبغت بلون الدم:
"يبقى مش هينفع أقول مسافر المرة دي كيف كل مرة."
فضل يخبط بقبضة إيده على جبينه بتفكير وهو موطي. وفجأة رفع دماغه وكلم عوض من بين سنانه:
"اسمعني زين يا عوض. الليلة دي أهم ليلة في عمري كله. تروح لبشندي وبأي طريقة تخمده، حتى لو تضربه على نافوخه. أدخل الناس بس، وهخليهم جوه الحفرة طول الأسبوع ما يروحوشي أصل غير لما يخلصوا شغلهم على الآخر. والصبح بشندي هيفوق يلاقينا فوق راسه قاعد، ولا مين شاف ولا مين دري."
عوض:
"إلا قول لي، هي الطميرة دي مقربتش تطلع؟ دانت ليك ياجي 3 سنين بتفتح فيها. إني أقول لو فيه حاجة، كان زمانها ظهرت وبانت من زمان!"
غازي رد عليه وهو سرحان:
"إني كمان أقول كده يا عوض. وعلى العموم، دي آخر محاولة. لقينا حاجة نطلعها، والخير يعم على الكل. ما لقيناش، يبقى نسد نقرتنا، ودار ما أدخلك شر. ولا خير حتى."
عوض:
"يوبوي... بعد كل التعب والمصاريف دي!"
غازي:
"محدش مغسل وضامن جنة يا عوض. الحاجات دي أرزاق ومتقسمة. يلا عاد، طير أنت وقول له غازي ما بانش، وجيت أشرب شاي، آكل لقمة على السريع، أي حاجة. وأديه من اللي هتعمله."
عوض:
"علم وينفذ يا كبير."
وساب غازي وعينيه زايغة من أثر الكلمة جوه نفسه، وابتسامة انتصار وفوز قريب مرسومة على وشه. راح عوض على المندرة بحجة إنه جاع وعاوز يدخل بيت الراحة. وبالفعل دخل المندرة يدور ويعبث في كل حاجة قدامه، لحد ما عينه جات على قفص اليوسفندي تحت الطربيزة. اتلاف منه كام وحدة، ومسك كل وحدة فتح فيها فتحة صغيرة وكب فيها شوية منوم عديم اللون والريحة، وطلع بيهم.
بشندي أول ما شافه برق له:
"واه! بتلف فين بيهم دول يا واكل ناسك؟ دانى داسسهم، قولت أسلي بيهم الليل!"
عوض:
"خف بخل يا بشندي، دول حبايبن سفندي. وعشان تسامح، خد واحدة منهم، أهي." وحدف له واحدة. بشندي استلقاها وقشرها وهو باص له بغيظ: "غور بيهم سم هاري، ده الكيلو ب 20 قرش يا واطي." وحط اليوسفندية كلها في خشمُه.
عوض بيمثل الزعل:
"طب والله طول ما دعيت عليا، ما دايقهم."
بشندي:
"أحسن، لفيني. ومد له إيديه الاتنين."
عوض:
"ولا أنا ولا أنت. والله ما ياكلهم غير الرجالة." ورمى واحدة لكل راجل، وكل واحد لقف بتاعته، وبدأ يقشر فيها وهو بيضحك على غيظ بشندي من عوض. وبعد أقل من 10 دقايق، كل اللي أكل من اليوسفندي كان متكوم قاعد على حيله. وعوض عدل قعدتهم وسند ضهرهم على سور السرايا، ولف بسرعة يدي لغازي التمام.
شوية وغازي كان مدخل الناس وكل معداتهم المشتمل، وكلف عوض يروح يجيب له كل وشرب ومعلبات تكفي الناس أسبوع بحاله. وعوض خد العربية النص نقل بتاعة الشغالين وراح بيها على البندر عشان يجيب الطلبات. وغازي وصاه بعد ما يجيب الطلبات، يركن العربية بعيد عن السرايا خالص.
عوض عمل كده، وغازي اطمن إن خطته ماشية كيف ما خطط لها، وعرض على العمال 3 أضعاف الفلوس، بس الشغل اللي يخلص في يومين يخلص في نص يوم. وفعلاً العمال فرحوا بالفلوس وبقوا يشتغلوا شغل من نار.
أما في السرايا:
تماضر:
"بس برضه حرام تهجري موطرحك وجوزك، وتخلي الملائكة تلعن فيكِ للصبح يا بنيتي. مهما كان، ده جوزك ورضاه من رضى ربك."
غاليه:
"الكلام ده لما يكون زين معاها، مش عامل كيف التور الهايج، كل هبابة ينطح فيها!"
تماضر بصت لبنتها غاليه بغضب وزعقت فيها:
"جاكي عش زنان، لما يتلم عليكِ، ما يخلي فيكِ موطرح من غير لسعة يا بعيدة."
غاليه:
"واه يا أمي، وإني قولت إيه يعني؟ مش كلمة حق، والساكت عن الحق شيطان أخرس. عاوزاني أكون شيطانة إياك!"
تماضر:
"أنتِ على كده مش بتقولي كلمة حق، يا مزغودة انتِ، كده بقيتي خبابة."
جُماره بصت لها باستفهام وسألتها:
"يعني إيه خبابة دي يا خالة؟"
تماضر:
"الخبابة ده يا بنيتي، كما جاء في حديث الرسول عليه الصلاة والسلام اللي بيقول (مَنْ خَبَّبَ زوجة على زوجها أو مملوكه فليس منا). يعني ما تجيش واحدة تقول لوحدة كلام على جوزها تخليها تنفر منه، وتفضل تذكر في مساوئ جوز اللي قصادها لحد ما تسد نفسها منه، وتفضل كل ما ده تزيد في العيب والذم لحد ما تخلي الوحدة تكره جوزها. يعني زي مثلاً: جوزك بخيل، جوزك بيبص للنسوان، جوزك شكله عفش، جوزك وجوزك، لحد ما تخلي المرة متطيقش تبص في وش جوزها. والعكس صحيح برضو، وده يعتبر من الظلم والعدوان والسعي بالفساد في الأرض. يعني لازم الوحدة لو راحت لأختها ولا صاحبتها تشتكي له من جوزها وتفضفض معاها، تدعي لهم بالهداية، وتقول لها: كل الرجالة كده، واتحملي تؤجري. وربنا يصلح ما بينكم، وبكده تهدّي النفوس وتصبرها وتاخد ثواب كبير عند ربنا. طب أنتِ من ساعة ما دخلتي البيت بتشتكي لي من غازي، وعيني بتشوف، عمرك شفتيني دعيت له غير بالهداية، ولا دعيتك غير للصبر والاحتساب!"
جماره:
"الحق لله، عمرك يا خالة."
تماضر:
"عشان مبقاش خبابة يا بنيتي."
غاليه:
"بس مش المفروض الكلام ده لو جوزها زين، ووحدة جات تغيرها عليه؟"
تماضر:
"وحتى لو شين، محدش يقول في حقه كلمة قدام مرته، وهي لحالها اللي تقرر هو زين ولا شين. تكمل معاه ولا تبعد عنه. تقدر تتحمله بكل الزين والعفش اللي فيه، ولا متقدرش. فهمتوا معنى الحديث زين."
جماره:
"الله عليكِ يا خالة، أنتِ بحر علم والله، وعارفة كل الحرام والحلال."
تماضر:
"واه يا بتي، مش بت شيخ ومرت شيخ وأم شيخ، وعشت عُمرى أنام وأصحى على صوت أبو حكيم وهو بيقرأ قران ويفسر أحاديث، وقبل مني أبوي."
جماره:
"ربنا يزيدك من علمه كمان وكمان يا خالة. بس يعني، حاسة إن غاليه مش كيفك أنتِ وحكيم، ولا حتى عمي أبو حكيم الله يرحمه، من كلامكم. عنيه!"
تماضر:
"له غاليه بقرة، سيبك منها. حياش غير تحش وتنام وبس."
غاليه:
"استغفر الله العظيم يا رب. يمه، أحب على يدك، خلي التهزيق ده ما بيني وبينك، متشوهيش صورتي قبال الناس أكتر من كده."
تماضر ضحكت وجماره ضحكت معاها.
غاليه:
"أيوه اضحكوا، اضحكوا. بكرة هتجوز وأسيبكم وأروح بيت يقولوا لي فيه: يا ست، فين كنتِ. وأبقى أشوفك هتركبي حلس مين بعد مني وتعمليه مضحكة يا تماضر!"
تماضر:
"هروح لك بيت جوزك أضحك وأتأمل عليكِ هناك."
غاليه:
"ده تبقى وقعه مربربة عاد!"
جماره وتماضر ضحكوا بصوت أعلى، وحتى غاليه ضحكت معاهم. وبعدها سكتت تتأمل في وش جماره والزراق اللي في جبينها، وتتخيل لو كانت هي مطرحها، وغازي بيعمل فيها كده، كانت هتعمل إيه وتحس بإيه. وبعدها حمدت ربها ورددت في نفسها: (وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم). الحمد لله الذي كفاني هذا.
خلصوا قعدتهم. وجماره طلبت إنها تبيت في أوضة حكيم. وتماضر سمحت لها وطلعت النوبة دي من غير خوف، عشان عارفة سر الأصوات اللي سمعتها قبل دلوقتي، ودخلتها بلهفة ومحبة، كيف ما تكون عاشت فيها سنين قبل كده ومشتاقة لكل شبر فيها. دخلت ومسكت خصلاته اللي كانوا على السرير، قلعهم قبل ما يسافر، وحضنتهم بحب ورفعتهم على وشها وشمّت فيهم ريحة الجنة.
رواية جمارة (بين العشق والقسوة الفصل السادس عشر 16 - بقلم ريناد يوسف
جماره كانت أجمل ليلة تعدت عليها.
من ساعة ما دخلت السرايا وهي في أوضة حكيم، ووسط كل حاجته. مع إنها دخلتها قبل كده، لكن المرة دي داخلها بإحساس مختلف وشعور جديد عليها، مخليها مش عايزة تفارق ريحته اللي باقية منه في هدومه ولا تفارق مطرحه اللي كان بيقعد فيه.
اتمددت على السرير بعد سهر طويل وهي بتتنقل بين أغراض حكيم كلها وتلمسها بإعجاب وانبهار. أول ما حطت راسها على المخدة سمعت خبط غازي، لكنها مهتمتش. ونامت الليلة دي مليانة عينها نوم وراحة في فرشته وعلى ريحته.
أما غازي، فبعد ليلة من التعب مع الناس وفضل سهران للصبح، منامش. ولا هيقدر ينام عشان لازم يروح لبشندى ويكون جاره لما يصحى.
طلع من المشتمل متوجه لبوابة السرايا وفجأة وقف. بص لجمرة بتفحص وقرب منها وحط إيده عليها ومسح على شعرها وهو بيفتكر الفرسة دي بالذات وغلاوتها عند حكيم، وإزاي إنه ولا مرة كان بيسمح له يقرب منها ولا يركبها زي باقي الخيول. وإزاي كان بيبص له لو دخل عليه الإسطبل فجأة ولقاه جارها ولا حاطط إيده عليها.
ومن غير ما يحس، لقى نفسه بيشد شعر رقبة جمرة، خلاها صهلت بصوت عالي ورفعت قوائمها الأمامية اعتراض. وهو شافها عملت كده، بعد عن عينها وفضل يبصلها ومديق عينيه وهي بتبص له وتهز دماغها برفض. اتخيل إنها كمان بتقول له: "ابعد عني، متلمسنيش، زي ما صاحبها كان بيقول له".
دار حواليها دورتين، وقرب من حبلها، فكه وحط لها اللجام بعنف وحط السرج فوقها وطلع فوقها مرة واحدة. خلاها جفلت، وفضل يضرب فيها برجله في جناب بطنها ورخّلها اللجام، وهي ابتدت تجري في الجنينة بين الشجر بكل سرعتها وبكل خوف من صوته العالي وهو بينهرها ومن الضرب فيها بقوة رجليه.
جماره فتحت الشباك وشافت المنظر وسرعة جمرة وهي بتتفادى الشجر الصغير مرة، ومرة بتفوت فيه وبتجري في كل مطرح وبتلف. وغازي صوته ضحكه واصل للسما. نزلت تجري عليه عشان توقفه وتمنعه من اللي بيعمله. وأول ما قربت عليه، كان بيجري بجمرة وموقفهاش ولا استهان بيها وهي بتصرخ فيه وبتقول له:
"سيبها وانزل من عليها، ده حبلى، حرام عليك. انزل يا غازي، حرام عليك."
غازي سامع كلامها ومستمر في الجري واللف بجمرة. وجماره لما ملقتش فايدة من الكلام. في محاولة أخيرة، وقفت قدامه وقدام جمرة لعله لما يلاقيها قدامه يوقف. لكنه استمر في التقدم عليها بكل سرعة. جمرة اللي مقدرتش هي كمان توقف وهي بتاخد أوامر منه إنها متوقفش مهما حصل.
جماره شافت إن لا غازي ولا جمرة هيوقفوا ووصلوا قاب قوسين أو أدنى منها، وخلاص مفيش قدامها غير واحد من اتنين، يا إما تجري، يا إما تموت تحت رجلين جمرة. وبالفعل، اختارت الاختيار الآمن وجريت من قدامهم ناحية البوابة. وكل ما تجري أسرع، غازي يجري وراها أسرع، لحد ما وصلت البوابة.
ولسه بتفتح فيها، لقتها بتتفتح ودخل بشندي مندفع وبرق عينيه وهو شايف غازي راكب جمرة وجمرة خلاص مفيش حاجة بينها وبين جماره. بسرعة بقى قدام جمرة وخلى جمرة وراه. ولما قرب عليهم غازي، جمرة وقفت مرة واحدة ورفعت رجليها الأماميتين بحركة رفض إنها تكمل ورجعت خطوتين لورا، كانوا كافيين إن بشندي يتقدم من غازي بسرعة البرق ويشده من فوق جمرة يوقعه على الأرض.
بشندي مسكه من هدومه بكل غضب الدنيا وقومه من الأرض. وجماره جريت على جمرة اللي كانت بتنهج وبتخض جامد من المجهود اللي عملته وحضنت دماغها بشفقة. وبصت لجسمها، لقته خريطة من الجروح بسبب فروع الشجر. جرتها وراحت بيها على مطرحها وهي بتهمس لها بحنان.
أما بشندي، فغازي كان عامل زي الفار بين إيديه وهو باصص له بعينين بتطق شرار. ونطق من بين سنانه:
"انت مش عارف إن جمرة بالذات ممنوعة عليك وممنوع تقرب منها؟ كام مرة وحكيم بينبهك وبيقولك كل الخيل تحت أمرك، لكن جمرة ابعد عنها خالص! بس عشان انت عينك فارغة ومع تبص غير على اللي يخص حكيم. مشبعهاش ولا بيعجبها إلا اللي في إيده والغالي على قلبه."
غازي رد على بشندي بغل:
"ابعد إيدك عني يا ولد المحروق وشوف حالك، بتتحدت مع مين؟ أنا غازي سيدك وسيد سيدك حكيم يا عبد حكيم."
بشندي:
"انت سيد الذيابة، سيد الكلاب، تسود أي حاجة غير إنك تكون تسود بشر. وحكيم ولدي ولينا جوه بعض معزة اللي زيك ميعرفهاش ولا يعرف قدرها. وهفضل طول عمري عيني عليه وعلى أحبابه. ولو شفت رجلك علت على جمرة تاني، هقطع لك رجليك الاتنين وأعيشك باقي عمرك تزحف. وجمرة اتخلقت عشان ما يعلاش ضهرها غير فارس ولد فارس بأخلاق فرسان."
غازي من بين سنانه:
"ورحمة أبويا يا بشندي، لهدفعك تمن عملاتك وكلامك ده غالي قوي. هدفعك مش دم قلبك، هدفعك دم روحك."
بشندي:
"أعلى ما في خيلك اركبه. بس يكون خيلك انت مش خيل غيرك. ودلوقتي تمشي من قبالي والمحك بس جار جمرة، قول على روحك يا رحمن يا رحيم."
غازي نفض إيدين بشندي عنه وهمس بفحيح يشبه فحيح تعبان:
"قريب قوي هيزول السبب اللي مقوي قلبك كده وهتبقى تحت رجلي زي الكلب يا بشندي."
بشندي:
"اقتل حالي واقطع راسي لو طاطت يوم لكلب فلوس زيك. مش أنا اللي هتلاقي مني طاعة لواحد زيك لو روحي في يدك. أنا اتعلمت من الشيخ جاهين ومن بعده شيخي حكيم، إن للرجال هيبة ولازم تفضل طول عمرها شامخة زي النخل راسها عالية. وحتى لو ماتت، تموت وهي واقفة وراسها في السما. ده حاجات انت متعرفهاش ولا حد علمها لك يا غازي ومتفهمهاش. روح من قبالي، عكرت مزاجي عالصبح. ربنا يعكر مزاجك دنيا وآخرة."
سابه بشندي وراح على جمرة يطمن عليها، وبين كل خطوة والتانية يمسك دماغه بألم. وصل لحدها ولقى جماره قاعدة قدامها وهي بتهدي فيها وبتطبطب عليها وبتوكلها سكر بإيدها وعتبصلها وبتعيط.
بشندي:
"حصل خير يا ست جماره، ملهاش داعي دموعك. جمرة كويسة، محصلهاش حاجة. وبعد إذنك، أنا هاخدها على الإسطبل أهناك آمن لها وأحسن."
جماره:
"له، وحياتك يا عم بشندي، سيبهالي. ده مؤنسني ومليني على وحدتي وكأنها رفيقتي."
بشندي:
"على راحتك، بس لو غازي قرب منها تاني، تعالي تديني خبر وأنا ما أتحركش من قدام البوابة أصل."
جماره هزت له دماغها بموافقة وهي بتهمس على مقدمة راس جمرة. وبصت على الجنينة مكان ما بص بشندي على شجر التوت اللي علت اتكسرت تحت رجلين جمرة، مفضلش غير بس كام شجرة مايلين.
سابها بشندي وراح يعدل فيهم ويحاوطهم بالتراب عشان يوقفهم من تاني وعمال يبرطم على غازي في سره. جماره هي كمان قهرها على الشجر اللي حكيم زرعهولها بإيده أضعاف قهر بشندي. وحاسة إن كل شجرة خلعها غازي كانت مزروعة في قلبها وطلعت حتة منها.
أما غازي، فبعد كلامه مع بشندي، ساب السرايا وطلع وهو بركان بيغلي من تقليل بشندي ليه. وعشان يهدى، راح لأكتر مكان بيرتاح فيه. الكام فدان اللي ملكه، واللي لما بيكون فيهم ويبص لهم بيحس إن له قيمة في الحياة وله وجود وكيان، حتى لو كان صغير بحجم حتة الأرض، بس جنبه أمل إن الكيان ده هيكبر قريب ويبقى كيف ما بيتمنى وبيحلم.
قعد شوية وشاف عوض واقف من بعيد وعامل إنه بيراقبه. شاور له وعوض راح له وهو بيلتفت يمين وشمال عشان محدش يشك فيه ووقف قباله.
غازي:
"امفتح عينيك زين وانت قطرني يا داه ولا له!"
عوض بضحكة:
"ده أنا مفنجل عيوني عليك كيف الكلوبات، ما يغفلوشي عينيك أصل."
غازي:
"جدع. أقولك قرب، عايز منك طلب."
عوض قرب منه وغازي وشوشه في ودنه بحاجة وعوض ابتسم وهز دماغه وبعد عينيه.
غازي:
"هاه، تقدر!"
عوض:
"سهلة ومفيش أسهل منها. آخر النهار طلبك يكون عندك قدام باب المشتمل الوراني. قولتليش النهاردة أردم بشندي ولا إيه؟ مع إنه بقى صعب قوي خامته النهاردة."
غازي:
"له، مفيش داعي تنومه تاني خلاص. بس لم الرجالة واعمل لهم قعدة، لهيهم بالكلام والضحك وخلي واحد غيرك يجي على باب المشتمل وأنا لا هطلع ولا هدخل. بس بعد ما تجيب لي طلبي الأول."
عوض:
"علم وينفذ يا أبو الطماير يا غالي." قالها وفرك إيديه في بعض بحماس وضحك.
غازي ابتسم وضربه على كتفه بتشجيع:
"طب يلا يا بطل، اكروت دلوقتي شوف لي اللي قولته لك عليه وأنا هستنى هنا مهتحركش، عشان محدش من كلاب حكيم يوعيني ماشى ويشوفك وراي يروح يقول لبشندي ويكدرك."
عوض هز دماغه بطاعة واتحرك بسرعة من قدام غازي ينفذ أمره.
أما جماره، فبعد مسافة من قعادها جنب جمرة وهي بتهدي فيها وبتراعيها، كيف وكل هبابة تقول لها: "حقك علي" وتعتذر لها عن اللي عمله غازي فيها، كأنها بني آدم قدامها وهتفهم كلامها. لغاية ما شافت جمرة صوت تنفسها بقى عادي والخضة اللي كانت في جسمها اختفت. واتفحصت جسمها والجروح، وغصب عنها عيونها كل ما تيجي على جرح من الجروح، تبكي حفنة دموع على أمانة حكيم اللي ما صانتهاش وروحه اللي سابها تحت عينها وهيرجع يلاقيها مليانة جروح.
دخلت السرايا وراحت على أوضة خالتها تماضر. اللي أول ما سمعت صوت خطوة جماره زعقت:
"انت اللي بره، تعال هنا قوام."
جماره سرعت خطوتها وفتحت باب أوضة تماضر. وتماضر زعقت أول ما شافتها:
"فيه إيه بيحصل من الصبح في الجنينة بره؟ وليه محدش سامع صوت ندايا وجاي يطمني؟ اتكلمي، حصل إيه؟"
جماره اتقدمت وقعدت جنبها ومسكت إيدها تهديها:
"اطمني يا خالة، مفيش حاجة. ده بس غازي."
تماضر:
"بيعمل إيه المرة دي!"
جماره:
"ركب جمرة وفضل يلف بيها في الجنينة بكل سرعتها وهي حبلى، وخلاها تفوت في الشجر والفروع جرحت جسمها. وأنا جيت أتصدى له، كان هيفوت فيا بجمرة لولا عم بشندي وقف له، كان زمانه موتني."
تماضر اتنهدت بغلب وغمضت عينيها:
"كل ده عشان عارف زين إن جمرة غالية على قلب حكيم غلاوة الروح. وأي حاجة تخص قلب حكيم، غازي نفسه يبيدها له من على وش الدنيا. يلا ربنا يهديه على نفسه ويكفينا شره."
جماره:
"قولي لي يا خالة، هو ليه غازي بيكره حكيم الكره ده كله؟ ليه قلبه أسود ومعبي منه كده!"
تماضر بصت لها بتركيز:
"يعني محكالكيش السبب يا جماره؟ ولا فضلك بمكنون قلبه قبل كده وسبب كرهه؟"
جماره:
"قال... بس مش كل الكلام بيدخل العقل. واللي بيسمع حاجة عن حد، بيبص للحد ده ويشوف الكلام اللي سمعه عليه يتصدق ولا له. وبصراحة، أنا الكلام اللي سمعته مصدقتهوش. مش بس على سي حكيم، مصدقتهوش. له وعليكي انتي كمان وعلى عمي أبو حكيم الله يرحمه. ولا حرف من كلام غازي دخل ذمتي ببص له. وعايزة أسمع الحكاية منك انتي."
تماضر أخدت نفس بقوة وطلعته محمل بقهر ليه سنين مدفون جواه، ودلوقتي جماره هتقلب الجمر وتخلي النار توهج في قلب تماضر من تاني. اتبسمت تماضر ومدت إيدها على خد جماره وبصت في عينيها الحمر من كتر البكا وهمست لها:
"هحكيلك عشان عارفة إن فكرك مشغول وعقلك متشتت بين كلام غازي وشوف عينك وقلبك، وعارفة إن انشغال الفكر بيجن لو متحط له حد. بصي يا بنتي." قالتها وبصت على شباك الأوضة وسرحت كأنها بتبص من طاقة على سنين فاتت وشايفة كل اللي حصل فيهم قدام عينيها.
"أنا أبويا كان شيخ دين وإمام جامع وحامل كتاب الله وعامل في بيتنا أوضة لتحفيظ القرآن للعيال الصغير وحتى الكبيرة. كان عامل لها باب على الشارع عشان يطلع يخش هو وتلامذته، محدش منا يشوفهم ولا هما يشوفونا. عمك جاهين كان تلميذ عنده في الكتاب وكان ملتزم وعاجب أبويا قوي في اجتهاده في حفظ القرآن والأحاديث والتفسير من وهو صبي صغير. كان كل ما يقعد معانا أنا وأمي وأختي الله يرحمها، يفضل يحكيلنا عنه وعن شطارته، ويقول: 'جاهين ده حاسس خليفتي في العلم. حاسس ولدي اللي مخلفتهوش من كتر ما شرب نفسي وماشي على نهجي وطريقتي وتعاليمي'. فضل جاهين يكبر تحت جناح أبويا وعالي طول اليوم يقضيه عندنا في الدار، حتى الأكل والشرب كان ياكل هو وأبويا. لحد ما شب وخد علم أبويا كله وبقى يسافر كمان لبلاد تانية يتلقى فيها العلم على يد شيوخها وأئمتها الكبار. كان أبويا فرحان بيه وبيقول: 'عيني جاهين ده بحر علم بيحب الزيادة'. وكان كل ما يعاود متعلم حاجة، ييجي لأبويا ويحكيهاله ويتناقشوا فيها وأبويا يفرح بيه وبعلمه اللي كل ما ده في زيادة. لحد ما في مرة أبويا كان في حلقة ذكر وجاهين عاود من السفر وجه يسأل على أبويا. دب عالباب لما ملقاهوش في مندرة التحفيظ. وأنا اللي يومها طلعت له. فتحت الباب نص فتحة وداريت نص وشي بطرحتي ورديت عليه: 'أبويا مقعدش، راح حلقة ذكر وهيعاود عشية'. جاهين بعد ما بص لي النظرة الأولى اللي م عليها ذنب، نزل عينيه بسرعة واتحدث وعينه في الأرض: 'السلام عليكم الأول'. رديت له السلام وهو كمل: 'الناس أول ما تلاقي الناس ترمي السلام أول حاجة يا بت الشيخ!' رديت عليه بخجل عشان نسيت: 'معلش فاتت فيا والله' ووطيت في الأرض من كتر الإحراج.
جاهين بابتسامة: 'معلش، جل من لا يسهو'. ومد لي إيده بكيس فيه حاجات مربعة وكيس تاني. 'خدي دول، اديهم لأبوكي لما يعاود وقولي له الكتب اللي وصيت جاهين عليهم والحمص اللي بتحبه من عند سيدي عبد الرحيم القناوي'. أنا سمعت اسمه ورفعت عيني عليه أشوف اللي أبويا ملوش غير سيرته ليل نهار وشفت بدر منور ماشاء الله. الوش أبيض منور وفيه قبول يخلي الواحد ميشبعش من طَلته. وعلامة الصلاة مزينة جبينه. ولدي حكيم فيه كتير منه، لعلمك، بس هو كان أحلى بمراحل من حكيم. الحق يقال. أنا شفته وعيني سجدت على ملامحه وسلمت ومرفعتش غير وهو بيهز يده الممدودة بالكياس اللي ماسكهم وهو بيقول: 'اتلافى مني يا خيتي، خليني أتيسر من قدام بابكم'.
مديت إيدي اتلافيت الكياس وهو لف ومشى خطوتين ووقف واتحدث وهو مديني ظهره: 'لو قابلت الشيخ عبد الله في الطريق، أقول له أديت الحاجة لبنتك مين عشان لو سألني؟'.
'قول له خداتهم مني تماضر'.
هز دماغه واتحرك من غير ما يلتفت وقال وهو ماشي: 'طيب، ادخلي وسدي عليكِ الباب يا تماضر'. أنا انتبهت إني طولت في الوقفة ولو أبويا كان جه وشافني واقفة على الباب كان قطع رجليا. دخلت بخوف وسرعة ورديت الباب بقوة وتربسته وسمعت صوت ضحكة بره الباب. معرفتش مين صاحبها، بس مكنش فيه في الدرب غيره وقولت أكيد دي صوت ضحكته. دخلت جوا وأنا هايمة في اللي شوفته من جاهين وقعدت جنب أمي.
أمي: 'مين يا تماضر اللي دق الباب؟'
'ده جاهين يمه. وجاب كتب وحمص لأبويا كيف كل مرة.'
'والله؟ جاب حمص؟ طب افتحي ولافيني هبابة، اتوحشته. إلا جاهين طول في سفرته قوي المرة دي ولينا كتير ما أكلناش حمص.'
لافيتها الكيس كله بتوهان وهي فتحته وضربتني بيه على راسي وهي بتقول لي: 'ده كتب يا حوله، عقلك لافيني الحمص.' أنا انتبهت ولافيتها كيس الحمص وشوفت أختي بصت لي وبتضحك. ولما زغرت لها، غمزت لي وضحكت بزيادة. أنا اتبسمت وسبتهم وقمت دخلت أوضتي. ومن يومها وشكل جاهين وملامحه مع كلام أبويا مغابوش عن بالي.
عدت سنة وأبص ألاقي أبويا بيقول لأمي في ليلة واحنا قاعدين نتعشى: 'جاهين طلب إيد بنتك تماضر مني النهاردة'. أنا حسيت اللقمة بدل ما تنزل في بطني راحت على مجرى النفس سدته. زوررت وبقت أختي تضرب على ضهري وأمي تسمي وأبويا يهز فيا ويسقيني ميه. فين وفين لما اللقمة راحت لمطرحها وقدرت آخد نفسي.
مديت إيدي من تحت الطبلية وقرصت رجلي عشان أتأكد إني ما بحلمش. وبعد ما عملت كده، جاتني قرصة فورية من أختي وهي كاتمة ضحكتها خلت رجلي خبطت في سقف الطبلية من شدتها وأنا ضربتها بقفاي يدي على زندها. أمي زغرطت لنا، سكتنا. وأبويا كمل وأنا كتمت أنفاسي كيف اللي على راسه طير وفضلت أسمعه وهو بيكمل حديثه مع أمي.
أمي: 'بس انت عارف ده أبوه وأخوه مين يا عبد الله؟'
أبويا: 'أنا لا ليا صالح بأبوه ولا بأخوه. أنا هعمل بقول رسولي اللي قال: "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه". وأنا ما أرضى دين حد أكتر من جاهين ولا شفت حد في خلقه. ولعلمك، لا أبوه ولا أخوه راضيين له ياخد بنتي وأبوه خطب له بنت عمه وهو شاريني وشارى بنتي. وأنا اللي يشترينا ويشتري اللي مني، ما أبيعهوش بكنوز الدنيا يا بنات.'
أمي بنتره: 'والله انت حر والبت بنتك وانت أدرى بمصلحتها.'
'وعشان أنا أدرى بمصلحتها، هديها لجاهين ومعاوزاش منه أي حاجة أصل. ومهرها هيكون كتاب الله ومؤخرها حجة بيت الله. بس قبل ده كله، لازم أطبق شرع الله.'
وبص لي وسألني: 'ياتماضر يا ابنة عبد الله، قد جاءك من رضيت دينه وخُلقه، فهل ترضين به أنتِ زوجاً لكِ؟'
أنا وشي اتصبغ من الكسوف وبصيت للأرض مرديتش. وهو كرر علي السؤال 3 مرات. وفي المرة التالتة أختي قرصتني عشان أرد وأنا رديت بخجل: 'اللي تشوفه يا أبويا واللي تعمله، أنا راضية بيه.' قولتها وقمت اتفلتت جري لجوه وسمعتهم وهما بيضحكوا علي. وسمعت أبويا بيقول: 'على بركة الله ورسوله.'
يومها الفرحة مكانتش سايعاني. وكل هبابة أخلي أختي تقرصني عشان أصدق، لغاية ما خلت دراعاتي زرقو من القرص. لولا صدقت. مفيش أسبوعين أبويا وأمي جهزوا فيهم كل حاجة. وحتى غرفة الضيوف أبويا صبغها وقال: 'إني هاتجوز جاهين ونقعدوا فيها عشان أبوه طرده من السرايا لما عرف إنه عقد عليا غصب عنيه وطلع عن طوعه.' أنا ولا كانت تفرق معايا أوضة من سرايا، أهم حاجة إني بقيت مرة جاهين.
قبل الفرح بيومين، جاني جاهين لأول مرة وكان عقد عليا يعني مراته. وطلب يقعد معايا وأبويا سمح له. ويومها أبويا خد أمي وأختي ودخلوا الأوضة وقعدوا كلهم، بس سابوا بابها مفتوح وأنا وجاهين قعدنا في الصالة.
جاهين من ساعة ما دخل، رمى سلام الله من غير ما يرفع عينه من الأرض. ما رفعهاش غير بعد ما سمع صوت أبويا وهو ماشي بيقول له: 'خد راحتك يا شيخ، في الكلام بس ها.' بصيت لجاهين، شفته ابتسم بخجل ومشى إيده على دقنه. وأنا بصاله. فجأة رفع عينه علي، جفلت ونزلت عيني للأرض بسرعة. كانت أول مرة أشوف فيها لون عينيه.
'يبووووي يا جماره، مدريتش إيه جرى في حالي.' وهو كمان أول ما عينه جات علي همس بصوت واطي بس أنا كنت سامعاه: 'بسم الله ولا قوة إلا بالله. (تماضر)'. عارفة معنى اسمك إيه يا تماضر؟' أنا هزيت له راسي بمعنى لا وهو كمل مبتسم: 'تماضر مشتقة من كلمة مضر، ومعنى مضر: الشيء الحامض، فيقال عن اللبن مضر إذا تغير طعمه من الحلاوة إلى الحموضة. وكذلك المضر هو بياض اللون. وسبق أن تسمت قبيلة من العرب باسم مضر وهي قبيلة مضر بن نزار بن معد بن عدنان.'
فتحت فمي باستغراب ورديت عليه: 'واه! كل ده اسمي!' رد علي بضحكة: 'لا، ده معنى اسمك. مع إني شايف إن الاسم ظلمك بمعناه، لأنه بيوصف حموضة ومرارة، وإنتي كلك حلاوة وطيب يا تماضر.' أنا كنت بسمع كلامه وقلبي غاص بين ضلوعي وحسيت برجفة في كل جسمي خلتني فضلت ساكتة لآخر القعدة ومرديتش عليه. وهو عمال يقول في كلام حلو أول مرة أسمعه وبين كل كلمة والتانية يتطلع لي بفرحة ويضحك على خجلي ويقول لي: 'كل هبابة ارفعي عينك وبصي لي، انتي مرتي والنظرة حلالك وحلالي.' ولما غلب وملقاش فايدة إني أرد عليه، اتنهد وقام. بس بعد ما قرب وشه مني وهمس في ودني: 'ادّللي كد ما يحلالك يا بت شيخي، لايق الدلال عليك والله.' وسابني وطلع، بس سابني طايرة من السعادة ورجليا ممحصينش أرض. وكل هبابة أقول لحالي: 'بقى ده جوزي أنا؟ جاهين راجلي لحالي.'
واتجوزنا وقعدنا في بيت أبويا. وأبويا كان طاير بجاهين طير ويجيب ويحط له قدامه وهو عياكل. وأنا لا همني جاه ولا مال ولا بيت لحالي. كد ماهمني إني بقيت مع الراجل اللي خطف قلبي وعقلي من أول طلة. وجاهين كمان كان فرحان بنسب شيخه وشايلني طول الوقت على كفوف الراحة بكلامه المعسول وطيب عشرته. بس كانت حاجة واحدة مكدرة عليه قعدته في بيتنا. أختي اللي طول الوقت متكتفة قدامه بخمارها وعبايتها وطول ما هو قاعد هي في الأوضة معتطلعش غير وقت الأكل وتدخل تاني. الوضع ده خلى جاهين طول اليوم بره البيت وميجيش غير وقت الأكل، اللي بقى وجبة عشا بس والغدا أنا بقيت أبعتله على الكتاب اللي قاعد فيه يعلم العيال. وبعد ما يتعشى يدخل على أوضتنا طوالي. بصراحة، ده كان أمر من أبويا إن أختي متبقاش قصاد عين جاهين كتير. ولما سألته وعاتبته، قالي: 'ده مش لعيب في جاهين ولا شك في تدينه ولا أخلاقه، بس دي حدود الله وأنا هفضل طول عمري واقف على حدود الله وهمنع نفسي واللي مني إنهم يخطوا الحدود طول ما أنا عايش على وش الدنيا.' وعشان الحتة دي بس جاهين وافق لما أخوه جه عرض عليه بيت جده القديم. هو أيوه بيت طين وقديم ومهدهد، بس أنا فرحت بيه عشان جاهين هيقدر يقعد جاري من غير تقييد ويكون واخد راحته في بيته. لكني شفت في عين جاهين عدم رضا وملمحتش في عينه أي فرحة، لا بالبيت الجديد ولا باننا هنكون لحالنا.
اتنقلنا وأنا بقت إيدي في البيت أرتب، وأنظم، وأبني، وأبلط بالطين، وأعمل مصاطب، وفران، وكوانين، وعملت عشة حمام على السطح، وخلت بيتي جنة. جاهين كان كل ما يخش يصلي على النبي أول ما يشم ريحة البخور ويشوف النضافة والترتيب. وياجي عليا يحب راسي ويشكر ربنا وهو باصص لفوق ويقول: 'احمدك يارب على خير متاع الأرض اللي قسمت لي بيه.' عشنا في سعادة مابعدها سعادة وكملت لما جه حكيم على وش الدنيا.
يابويا على فرحة جاهين بيه متتقدرش بكنوز الدنيا. وهو شايله ويكبر في ودنه ويقرأ قرآن بصوته الحلو المخنوق من دموع الفرحة. ولا أبويا اللي فرحته مقلتش عن فرحة جاهين، هبابة وخده من يد جاهين وفضل يكبر في ودنه ويقول: 'اللهم أنبته نباتاً صالحاً.' ولا فرحة أمي بحفيدها وضحكتها هي وأختي، وكل شوية حكيم يتنقل من يد ليد، وكل واحد يشم فيه هبابة كنه نشوق. شهور من الفرحة حكيم كبر فيها ومكانش يفارق حجر جده في الكتاب طول النهار وهو بيقرأ العيال ويحفظهم القرآن. وكل ما العيال تردد ورا أبويا، حكيم يناغي معاهم وجده يفضل يحب فيه ويضحك ويقول له: 'خدت القلب يا أعز الولد.' ولما كنت أقول له: 'بس ده ولد بنتك مش ولد ولدك'، كان يقول لي: 'جاهين ولدي أكتر منك.'
ومن بعد حكيم، جات غالية اللي كملت فرحتنا ولمتنا. ومن يومها حياتنا مكانتش فيها حاجة وحشة غير شاهين وعمايله. شاهين بقى يتقرب من جاهين وكل يوم والتاني جاي و جايبه فلوس ويقول له: 'ده نصيبك من إيراد الأرض.' وجاهين ميرضاش ياخدهم ولا يمد إيده ليهم ولا يتلافيهم. كان شاهين كل مرة أخوه ميرضاش ياخد منه فلوس، يطلع من الدار وشه مدخن من الغضب بعد ما يشتمني أنا وأبويا عشان قسينا قلب جاهين على ناسه وخدناه منهم. وجاهين سمه وموته اللي يمس شيخه عبد الله ولا يمسني بكلمة. كان يتعارك معاه ويقول له: 'ماتجيش تاني ولا تجيب لي فلوس، أنا ما عاوز حاجة منيكم.' فضل حالنا ماشي وعايشين بسترة لغاية ما حكيم وغالية كبروا واحتياجاتهم زادت. وأبويا الشيخ عبد الله المرض رقده وبقى علاجه ومصرف بيت أبويا كله جاهين هو اللي متكفل بيه. الحمل زاد عليه وكنت واعياه بيتقلب وليل نهار يدي دروس قرآن ويطلع يقرأ في ختم عشان يقدر يسد قوتنا أنا وعياله وأمي وأختي وأبويا. الحق يقال، جاهين شال أبويا ووقف جاره في عياه، وقفت ضنا وفيه ضنا ميعملهاش كمان. لحد ما ربنا خد أمانته والروح راحت لبارئها، ومات أبويا الشيخ عبد الله، وآخر كلامه كان دعوة لجاهين بأن ربنا يرضى عليه ويراضيه دنيا وآخرة. وبعدها نطق الشهادة وبصّر بصره.
حكيم حزن عليه حزن وقتها يمكن أكتر مني أنا وأمي وأختي، وطول الوقت كان يدعي له بالرحمة والمغفرة. أمي مطولتش بعده كتير وماتت. وأختي اتجوزت واحد صاحب جاهين كان بيدور على عروسة بت حلال. وجاهين بعد ما خد رأيها ورأيي وفوضناه يعمل اللي فيه الصالح، جوزهاله. والحق يقال، الراجل كان بلسم وطبعه كيف طبع جاهين ويفوته هبابة وشالها فوق راسه. حبلت منه وكملت شهورها وبعد الولادة جاتها حمى نفاس وراحت فيها. وده كانت كسرة قلب جديدة وأوعر من اللي فاتوا. وبعدها جوزها خد الواد اللي خلفته وسافر بيه. وجاهين قال إنه اتجوز ومن بعدها معرفناش عنه حاجة.
3 مرات ورا بعض، كل مرة الحزن يعبي القلب وميلحقش يخف يتملى مرة تانية. وصفت لحالي لا أب ولا أم ولا أخت. جوزي وعيالي وبس. وبقوا هما كل دنيتي وناسي. موت ورا موت وخسارة ورا خسارة، مكانش بيخفف وجعها عن قلبي وروحي غير جاهين وحنيته ووقفته جاري.
بعدها الحال اتغير ومبقاش كيف الحال. وحكيم بقى في عمر الصبا وغالية كمان كبرت وكبر لسانها قبل منها وبقى أطول منها. وأبوها طول الوقت فرحان بلمتها. ولما أكلها ولا أشخبط فيها، يقول لي: 'سيبيها، خليها تطلع جريئة وجارحة طول ما في حدود الأدب، عشان محدش يقدر يتعدى على حقها في يوم من الأيام.'
أبو جاهين بدأ قلبه يرق على جاهين. وكل مرة يروح له جاهين يطل عليه ويوصل صلة الرحم ويكسب ثواب البر. كان يتحننه إنه يعاود السرايا وكان يقول له إنه سامحه على خروجه عن طوعه، بس يرجع ويراعي أرضه مع أخوه شاهين. بس جاهين كان رافض موضوع الأرض دي ورافض ياخد حاجة من أبوه وإخوه نهائياً. كنت خابرة إن ورا رفضه ده سر، لكن هو مكنش راضي يكشف لي سره أصل. لحد ما لقيت الأمور زادت عن حدها، وخصوصي بعد ما سمعنا إن أبوه كتب الأرض كلها لشاهين بيع وشرا. وكانت حجة شاهين إن أبوه خايف على الأرض من جاهين أحسن يضيعها وهو متعبانش فيها ولا يعرف لها.
يومها الدم غلى في عروقي وحسيت إن حق عيالي هيضيع من إيديهم من غير ذنب. اتجننت ورحت لشاهين يومها وقلت له: 'عايزة حق عيالي في أرض جدهم.' وهو قالي: 'ملكيش أي حق، لأنك ولا عيالك. الأرض دي شقايا وتعبى وكل شبر جاي بطلوع روحي.' يومها عرف جاهين إني رحت من وراه السرايا لشاهين. وجه ورايا وفضل يزعق فيا لما لاقاني واقفة قدام شاهين أعارك. وشاهين وصل بيه الحال إنه مد إيده عليا. يومها جاهين لأول مرة يقف قدام أخوه الكبير ويمسك فيه مسكة قوية عشان خاطر مدت إيده عليا. اتدخلت الناس وحشتهم من بعض. وجاهين خدني وروحنا وغضب الدنيا على وشه. دخلني البيت وكان هيسيبني ويطلع، بس أنا وقفت قدامه وقلت له: 'يأما تقول لي على سرك مع أرض أبوك وفلوسه، وليه ضيعت حق عيالي في أرض جدهم، يأما هسيبك البيت وأمشي وأروح أقعد في بيت أبويا لحالي.'
ساعتها بص لي بصة مكسورة وقعد قصادي وابتدا يحكي بتقل. قالي إن فلوس أبوه وأرضه وكل خيره ده من حرام. قالي إن أبوه كان يسلف الناس بالفايظ وياخد ربا، وما كانش يسلف غير اللي عنده حتة أرض أو يضمنه حد عنده أرض عشان لو اتأخر في السداد، أبويا كان يحط شرط إنه ياخد أرضه. وعشان حالة الناس كلها كانت تعبانة وظروفها على قدها والزرع وقتها كان سنة يصيب وسنة يخيب، كان ضامن إن الناس مش هتسدد وكان ياخد الأرض من أصحابها ويشغلهم يفلحوا فيها بأجرتهم. وزيدي فوق الظلم ظلم، إن شاهين كان يدي الناس نص أجرتها وياكل النص. واللي يفتح خشمه شاهين يديه كتلة يقعده في بيته شهور يستجدي اللقمة هو وعياله. وحتى مشيخة البلد خدها بالجبر والقوة والغصب ونصب حاله شيخ، بس مكنش حد بيلجأ له في حل مشكلة أبداً عشان عارفين إن حكمه ظالم ومش هيعدل. وكفة الغني هتطغى عن كفة الغلبان في حكمه.
أنا كنت وقتها معرفش حاجة من دي. لغاية ما واحد غلبان مات من أهل البلد فجأة بعد ما كان زين قبلها بيوم وكان بيفلح في أرضه. ولما الناس سألت عن السبب، طلع مقدرش يسدد سلفته اللي كان واخدها من أبويا وأبويا خد القيراطين اللي في حيلته والرجل مستحملش طب فيها ساكت. أنا سمعت الحديث ده وكنت قارئ في الكتاب وسامع من الشيخ عن الربا وعقوبته وجرمه. وفوق الربا قهر القلوب كمان. يومها رحت للشيخ عبد الله، أبوكي كان هو اللي بيعلمني وبيقريني وسألته وحكيت له كل اللي سمعته وقلي: 'بكده فلوس أبوك وأرضه كلها حرام فحرام.' ومن يومها بعدت عن الأرض وعن السرايا وبقيت أتنقل من كتاب لكتاب وآكل في الختم والموالد ولقمة في بيت أبويا مدقتهاش من يومها. والشيخ عبد الله لما عرف كده، اتولاني من يومها وكل كيف ما كنتي شايفه، كنت دايماً آكل في بيتكم. ولنفس السبب برضك لما جيت أتجوزك وأنا إيد ورا وإيد قدام ومحلتيش أي حاجة أتجوز بها، وافق واداكي ليا من غير ولا حاجة عشان كان عارف إني زاهد في فلوس أبويا وماله وعمري ما همد إيدي على قرش منه. وأدي سر رفضي لفلوس أبويا وأرضه وماله. ترضي انتي يا بت الشيخ ومرة الشيخ يدخل في جوفك وجوف عيالك قرش حرام؟!!'
أنا هزيت له دماغي برفض وقربت منه ومسكت إيده وقلت له: 'أنا اتربيت على طاعة ربنا ومخافته وعمري ما هحيد عن اللي اتربيت عليه ولا نفسي تدنّي على باطل.' وسكتنا وقفلت السيرة خالص معاه.
لكن شاهين مهملناش في حالنا أصل. كل يوم والتاني يبعت فلوس مع ناس ومرات يجيبها هو. وبرغم إن كرهه لجاهين باين في عينيه، بس عمره ما بطل يعرض علينا فلوس. ولما سألت جاهين عن السر، قالي إن شاهين مهتموش إني آخد الفلوس ولا هاماه حالتي وصعبان عليه، كد ما همه إنه يغمسني معاه في فلوس حرام ويدخل جوفي وجوف عيالي السحت عشان مابقاش أحسن منه في حاجة. وعشان كلمة أبويا اللي دايماً يقولها في وشه في آخر أيامه: 'إن جاهين برغم فقر جيبه، بس أغنى مني ومنك. عشان ساب الفلوس في سبيل الله وعشان كده ربنا هيعوضه ويقف معاه دايماً.'
أبو جاهين في آخر أيامه ندم على كل اللي عمله في دنيا. لما حس إن الحساب قرب وديون الآخرة بقت واجبة السداد. صح تاب، بس مكانش يملك الوقت للتكفير عن ذنوبه وفاق وعرف إن الله حق بعد فوات الأوان. بعت لي يوم إني وجاهين على وجه السرعة ورحنا له. ويومها قلنا اللي غير مجرى حياتنا. وقلبها فوقاني تحتاني.
رواية جمارة (بين العشق والقسوة الفصل السابع عشر 17 - بقلم ريناد يوسف
على وجه السرعة رحنا أنا وجاهين السرايا لما أبوه بعتلنا. أول ما دخلنا، بصينا بارتياح وهو نايم، وشاور لحكيم عشان يقرب منه. حكيم اتكسف بس أنا زقيته على جده. حبه، وقعده جاره على السرير، وشاور لغالية راحتله طوالي. حبها هي كمان وقعدها جاره، ومد إيده تحت المخدة وطلع منديل صغير مصرور. فتح الصرة بتاعته وطلع منها ٢ جنيه ورق ملفوفين. ادى لحكيم واحد ولغالية واحد. عبص لجاهين لقيت وشه انطعن بالغضب. حكيم رفض يتلافى من إيد جده، لكن لما جده فضل مادد إيده لحكيم وباصص لجاهين بترجي، أبوه هزله دماغه بالموافقة وحكيم اتلافى الفلوس من إيد جده. أبو حكيم فرحته مساعتهوش لما حكيم وغالية خدوا منه فلوس، وحسيت كانت أمنية جوه نفسه واتحققت.
الجد بصوت ضعيف: اطلعوا اشتروا من الدكان يا عيال والعبوا شوية بره وتعالوا.
حكيم مسك إيد غالية وطالعين، لكن جاهين مسك ولده من دراعه وميل عليه وشوشه:
جاهين: اياك تصرف شلن واحد أنت ولا اختك من الفلوس دي. دسّوها كيف ما هي، وأنا لما هطلع هديكم فلوس تشتروا.
حكيم هز دماغه لأبوه بموافقة، وأخد غالية وطلع. جاهين بص لأبوه لقاه باصصله بعتب وقاله:
متخافش يا ولدي، الفلوس دي حلال مش حرام. إني خابر إنك قلت لهم متصرفوهاش، بس أحلفلك بإيه إنها فلوس حلال. قرب يا ولدي واسمعني زين.
وسكت ياخد نفس، وبعدها كمل:
وأنت يا تماضر، هاتي كتاب الله اللي جارك ده.
حكيم راح قعد جاره، وأنا اتلافيت المصحف، حبيته ورحت وقفت بيه جارهم. أبو جاهين مدلي إيده، خد المصحف مني، باسّه وشمه، وغمض عينيه وهمس بحسرة:
آه يا جنتي اللي ضيعتك من إيدي بالسعي ورا المال واللهو.
بعدها فتح عينيه واتحدث بنبرة جدية:
اسمعني زين يا جاهين يا ولدي. قدام مراتك وربنا شاهد على كلامي ده، وإني على فراش موت والروح متعلقة في الجسد بفتلة دايبة. ممكن تتقطع في أي لحظة والروح تفارق.
وسكت ياخد نفس وكمل:
إني خابر إنك معتمدش إيدك على قرش من فلوسي ولا شبر أرض. وعارف إنك لو هتموت من الجوع أنت وعيالك مهتاخدش قرش من أملاكي، ولا شاهين هيخليك تعمل كده أصلاً حتى لو مكنتش زاهد فيها.
وسكت ياخد نفس.
إني فاهم شاهين زين، كل همه إنك تحط في بطنك وبطن عيالك من فلوسنا وفلوس الأرض، وتتساوى معاه في الذنوب ومتكونش أحسن ولا أنضف منه، وبعدها ولا يعبرك بقرش أحمر.
واخد نفس.
القصد: أنت خابر زين إني ورثت فدانين من جدك الله يرحمه، ودول كانوا حلال محلل من عرق جبينه. غير ورث ستك الله يرحمها، ودول برضك حلال صافي. غير دهب ستك اللي مرضيتش أفرط فيه أصلاً ولا أوريه حتى لمرتي. غير دهب أمك الله يرحمها اللي جبتهولها من شقاي وعرقي وشغلي في أرض أبوي وأنا في عمر الشباب. الحاجات دي كلها فلوسها حلال وعمرها ما اتخلطت ولا صرفت منها ولا عليها قرش حرام. وعليم الله كل قرش كان بيتصرف على الأرض دي كان من ريعها. وكل قرش كانت بتجيبه طول سنين كنت بعكنه على جنب لحاله مع الدهبات.
وسكت ياخد نفس وكمل:
كنت خابر زين إن لازم كل الفلوس اللي عملتها من حرام هييجي يوم وتغور مرة واحدة، ومهيقعدليش غير الفلوس دي. قلت لما أكبر أتوب توبة نصوحة وأروح أحج منهم وأكمل باقي حياتي أصرف منهم وأطهر بدني من الحرام بالحلال. بس الشيطان غوّاني، واللي تزغلل قلبه الفلوس عيفضل عبد ليها طول عمره.
سكت ياخد نفس، وجاهين هز دماغه بأسى وهو موطي، كأنه خجلان من الحديث، وأبوه كمل.
الغرض: إني لما عرفت إن يومي قرب، بعت الأرض دي من ورا شاهين وطلبت من الشاري ميجبش سيرة لشاهين إنه اشترى الأرض دلوقتي أصلاً، عشان أنت مكنتش هتقدر عليه ولا تقدر تاخدها من يده بعد موتي لو حصل إيه. وعشان أضمن لك حقك وإن الفلوس تزيد متخسش وتعرف تتصرف فيها في أي وقت وفي أي زمان، حولتهالك سبايك دهب. اشتريتهم بكل الفلوس، ومفضلش منهم غير الاتنين جنيه اللي اديتهم لعيالك. مرضيتش أقرب عليهم أصلاً.
وسكت ياخد نفس وكمل:
السبايك دي إني حطيتها في جرة، والجرة دي دفنتها في البيت اللي أنتوا قاعدين فيه دلوقتي. بيت أبوي الله يرحمه. مطرح حوض الطلمبة القديم. وإني اللي صممت على شاهين يديك البيت ويخليك تتنقل فيه، وقنعته بحجة إن ده هيأثر على هيبته وسط الناس ومشيخته. فضل سنين معارفش، لكن هنا صاحب الأرض اتزنق وحب يبيعها، ومن هنا شاهين عرف إني بعتها من وراه وقبضت حقها، اتهوس وبقى كيف الغول يحوم فوق راسي عاوز يعرف وديت حقها فين. ولما ملقاش فايدة جاب عقود وشهود وخلاني ختمت له وبصمت على باقي الأرض كلها وحولها باسمه، خاف أحسن أبيعها من وراه هي كمان.
وسكت ياخد نفس وكمل:
إني قولت: زي بعضه، هي كده كده الأرض جاهين مهيقربهاش ولا عايز منها. ودلوقتي يا ولدي الدهب ده حلال محلل، وأحلفلك على كتاب الله مادخل قرش حرام. ولو فيه قرش حرام، إني اللي هتحمل ذنبه قدام ربنا مش أنت.
ومد إيده على المصحف وحلف يمين الله، وحلف بقرآنه بأنه مكدبش في حرف واحد من كلامه. بعد كتاب الله عنه وحطه على حاشية السرير، واتنهد بارتياح كأنه جبل وانزاح من فوق كتفه، وبص لجاهين اللي كان مدنقر في الأرض وساكت وبيعلق في شعر دقنه.
هاه يا جاهين يا ولدي، إيه قولك في حديثي؟
جاهين: زين يا بوي. حديث زين.
الأب بفرحة: يعني مصدقني يا ولدي؟
جاهين هز دماغه وبص لأبوه وابتسم بحنية: مصدقك يا بوي. مصدقك.
- وهتاخد الدهبات يا ولدي؟
جاهين: هاخدهم يا بوي. ربنا يحفظك ويديك الصحة.
وقتها شفت أبو جاهين ملامحه كلها راحة وفرحة، والضحكة شقت حلقه، وفرد دراعاته لجاهين اللي راح له واترمى في حضنه.
الأب: روح يا جاهين يا ولدي، قلبي وربي راضيين عليك.
وبعده عنه وبصله بترجي:
أوعك يا ولدي تقطع دعاك ليا بعد ما أموت. أنت الولد الصالح اللي مش هيقطع عملي من الدنيا بعد موتي.
جاهين: بعد الشر عنيك يا بوي، ربنا يديك طول العمر.
الأب: خلاص عاد يا ولدي. طول العمر والصحة ليك أنت يا حبيبي.
كل ده وأنا واقفة مش مصدقة اللي سمعته ده كله. وافتكرت وقتها الحديث اللي بيقول (من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه). وجاهين فات المال والأرض مخافة الله وفي سبيل رضاه، وأهو عوض ربنا جاله وجالنا لحد عندنا.
يومها روحنا أنا وجاهين وأنا الفرحة مش سايعاني، بس جاهين كان ساكت وجامد. واتأكدت إنه مهيخليناش نتهنى بالدهب ولا الفلوس، لما خد الاتنين جنيه من العيال واحنا ماشيين، وخبط على بيت واحد غلبان ولافهولهم. وقتها سألته:
ليه؟ مش أبوك حلف واتأكدت يا جاهين؟
رد عليا:
أبوي حلف، لكن إني متأكدتش. وهتفضل الفلوس بتاعته فيها شبهة، وإني هبعد عن مواطن الشبهات بُعد السما عن الأرض يا تماضر.
وقتها سكت، بس كلامه معجبنيش. أصل الراجل حلف بكتاب الله وهو على فراش الموت، واللي على فراش الموت ميكذبش. إني متأكدة. وحتى صدقه كان باين في عينيه. المهم روحنا وقفلنا السيرة. وبعدها بكام يوم، جاه لحد جاهين خبر إن أبوه مات. جاهين خد عزى أبوه، وبعد التالت ما خلص، في آخر اليوم شاهين ميل عليه وقله:
اللي كنت بتيجي ليه السرايا كل يوم والتاني مات خلاص يا جاهين، ومليكش حاجة هنا تاني.
جاهين قالي يومها: اتبسمت في وشه وسبته من غير ما أرد عليه حتى. ومن يومها جاهين طلع معادش السرايا تاني أصلاً. ولا أنا كنت أروحها ولا عيالي. مفيش غير غازي بس كان متعلق بحكيم، وطول اليوم ييجي بيتنا يلعب معاه.
جاهين لما ضاقت بيه الحال وشغل التحفيظ مبقاش جايب همه، طلع يشتغل أجير حدا الناس في أرضهم باليومية. شاهين سمع كده واتجن. الظاهر خاف الناس تاكل وشه ويقولوا أخو الشيخ شغال أجير حدا الغرباء. جاله وعرض عليه يبطل شغل في أرض الناس وهو يعطيه كل شهر اللي يكفيه. لكن جاهين رفض زي عادته. وشاهين لما ملقاش منه فايدة قله: خلاص.
تاجي تشتغل في أرضي وتاخد أجرتك مني، واعتبرني غريب، وعلى الأقل اللي هييجي يتكلم يقول شغال في أرض أخوه. يا كده يا إما أنت غاوي مشاكل وعداوة مع أخوك عاد!
جاهين لما قلبها في دماغه شاف إنه مهياخدش غير أجرة تعبه، ودي حلال. وافق يشتغل في أرض شاهين بس عشان يخلص من نقته ونقمرته فوق راسه كل هبابة. ومع عقل جاهين اللي دايماً يوسوس له بالشك في كل حاجة، كان عشان يحلل فلوس أجرته، كان يشتغل أكتر واحد ويمشي من الأرض بعد الكل، ويدي الشغل حقه وزيادة، لغاية ما إيديه فرقعت من كتر مسكة الفاس والعزيق.
حكيم كان كل عشية يشوف إيدين أبوه المفرقعة من الشغل، ويفضل يدهن له فيهم مرهم، وكل شوية يحب على إيده مفكراً إنه بكده هيخفف عنه الوجع. ويوم بعد يوم حكيم متحملش وقله:
إني هنزل معاك الشغل من بكرة يا بوي.
جاهين مارضيش وقله:
لسه صغار يا ولدي، والشغل واعر عليك وكسرة ضهر.
بس حكيم قاله:
إني هساعدك مساعدة، أواك شوية وأنت هوّيني شوية.
وفعلاً نزل حكيم مع أبوه الشغل، شايل الفاس على كتفه، وفارد صدره وماشي قدام أبوه كيف السبع. وأنا أبص عليه وهو ماشي من ورا الباب، أضحك وأسمي وأكبر عليه في قلبي. ورقيته في قلبي كيف ما بعمل كل ما رجله تخطي من باب البيت، رقوة سيدنا محمد اللي كان يرقي بها للحسن والحسين (أعوذ بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة). وكنت أودعه عند اللي مش بتضيع عنده الودائع، وكل نوبة كان يرد لي وديعتي سالمة، وأنا أحمده وأشكره.
فضلنا على الحال ده والأمور ارتاحت هبابة، لغاية ما أم غازي جالها مرض عفش، يكفينا الشر. خلاها وقعت في الفراش مرة واحدة من بعد ما كانت كيف القاعود. ناس قالوا عندها سُل، وناس قالوا حاجة عفشة بتعدي، ومحدش كان راضي يقرب لها من الخوف ولا يراعيها أصلاً. حتى جوزها شاهين رماها، ومبقاش يدخل عليها غرفتها. الحديث ده عرفته من غازي اللي كان بيتقطع على أمه وهو بيحكي عن حالها قبالي يا ولداه.
جاهين لما عرف طلب مني أروحلها أراعيها، حتى لو شقيت عليها كل يوم ساعتين، وقالي إن دي لها أجر وثواب كبير قوي عند ربنا. وقالي متخافش، وإن العيا ده نصيب، واللي ما كتب له حاجة هيشوفها ولو كان في بروج مشيدة. ورجعت نقضت عهد خدته على نفسي إن ما أخطي السرايا نوبة تانية، بس اللي هون عليا إني داخلة أعمل خير، حتى لو كان مش في أهله.
وسمعت حديثه، وبقيت أروحلها، برغم إني مجمعتنيش يوم قعدة معاها ولا كلام، بس كنت أسمع إنها وعرة ولسانها طويل، وكنت أخاف منها على السمع. وكانت كل ما تشوفني أشوف في عينيها كره وحقد يوعى أي حد يتطلع في وشها وهي بصاله. يمكن عشان فاكرة ولد عمها رفضها وفضلني عليها، لعيب فيها ولا قصور. الله أعلم، وسهولة مهظنش في واحدة ميتة. بس لما رحت لها ودخلت عليها، شفت ضعفها من بعد قوتها. شفت جسمها اللي بقى جلد على عضم وقلة حيلتها. صعبت عليا قوي، وعاهدت ربنا إني هراعيها لوجهه لحد آخر يوم في عمرها، أو عمري ماهو أجل، ومحدش خابر مين يومه قبل مين.
وهي لما لقتني قربتلها من غير خوف ولا نفور، وخدتها في حضني، قعدت تبكي في باطي كيف عيلة صغيرة كانت تايهة ولقت أمها. من يومها وبقيت مسؤولة عنها. أروحلها صبح وعشية أشوف طلباتها، وأسبحها وأسرحلها، وأدخلها بيت الراحة. بس رغم الاهتمام، صوتها كل يوم كان في النازل، لدرجة إنها مبقتش تقدر تتكلم أصلاً، وكانت تشاور مشاوير على اللي عايزاه. اتعلقت بيها وهي اتعلقت بيا، وكمان غازي اتعلق بيا كيف ما أكون أمه وأكتر. وأنا مقصرتش معاه في أي حاجة. وبرغم خير أبوه، كنت لما أجيب حاجة لحكيم ولا أعمل له حاجة، أعمل زيها لغازي بالتمام، عشان مشوفش في عينيه حرمان من حنية الأم واهتمامها. وبرغم كده، من مصغره كنت أحس إنه فيه جواه غيرة هبابة من ولدي حكيم. حتى لما يكونوا جايين من بره وأفرد دراعاتي، وييجي حكيم يجري، كان هو يسبقه لحضني وياخد حضني قبل منه.
عدت الأيام وأم غازي علامات الموت بانت عليها، ماهي للموت علامات الواحد بيحسها. كانت كل يوم تتطلع لي وتتبسم كأنها بتقول لي: عارفة تعبتي معايا، بس هانت، مفاضلش كتير وترتاحي مني، وأنا كمان أرتاح من عذابي. كانت تشكرني بعنيها في اليوم ١٠٠ مرة من غير كلام ولا حديث.
أما شاهين، فما كانش يلف السرايا أصلاً. طول النهار في المندرة مع الرجالة أو في الأرض. وبالليل يندل البندر. كانوا يقولوا إنه بيروح للغوازية، استغفر الله العظيم. مكانش يعود غير وش الصبح. مع إنه شيخ بلد والمفروض يكون قدوة ومثل، لكنه كان مثل في الفجور والفسوق. لما كانت تيجي سيرة شاهين وعمايله، قدام جاهين كان يقول: شاهين بيعمل كيف ما طلع لقى أبوه بيعمل. وكان كيف اللي قالوا: هذا ما وجدنا عليه آباءنا وأجدادنا. يعني عمايله دي أبوه هيتحاسب عليها قبله، وهيشيل ذنبه يوم الحساب. عشان الأب والأم بيتحاسبوا على تربية عيالهم والتفريط في دينهم وتدينهم. وفي نفس الوقت بيتمنى إن تربيته هو تكون شفيعة لأبوه يوم القيامة، حتى لو هو اللي ربى نفسه بنفسه.
معداش كتير ورحت لأم غازي كيف عادتي عالصبح، أصحى فيها مصحتش. مدّيت إيدي عليها لقيت جسمها متلج ومتخشب. عرفت إنها قابلت وجه كريم. والله يومها زعلت عليها وبكيت، كيف ما تكون أختي اللي ماتت. أومال يا بنتي، ماهي العشرة مبتتهونش غير على ولاد الحرام. قعدت في السرايا للتالت، لغاية القطعانية. وبعد ما قطعوا لها، كنت أستعد عشان أمشي. بس وقفني شاهين في حوش البيت بصوته وهو بينادي عليا. ولما رحت قباله قله:
ابقى تعالي كيف كل يوم، زي ما أنت، متقطعيش. شوفي أحوال السرايا بدل ما أجيب خدامة غريبة. وأهو أنتِ وجوزك أحق بالفلوس اللي هياخدها غيركم.
إني سمعت حديثه وحسيت حد خبطني على نافوخي بحديدة، معرفتش بعدها أنطق من كتر الدموع اللي نزلت من عيوني، واللي هو ضحك أول ما شافها وسابني ومشي. أنشف دموعي بطرف شالي وأقول: بقا هي دي آخرتها. صح صدقوا ما قالوا: آخر خدمة الغُز علقة. قعدت على جنب بعد ما مشي، بكيت لما هون ربنا. ومرضيتش أطلع غير بعد ما عينيا تنجلي من الحمار هبابة، عشان منكدش على جاهين، تعبان ومش حمل زعل ولا نكد. شكيت شاهين لربنا، وخدت بعضي وروحت بيتي اللي ليا ٣ أيام بعيد عنه وعن جوزي وعيالي. وإني ماشية غازي شبط فيا، خدته معايا.
يومها نومت العيال وقعدت في حوش الدار أنا وجاهين نتسامر، عشان كنت متوحشاه قوي بقالي ٣ أيام مطليتش في وشه. قعدنا نتحدث في كل حاجة. وفي وسط الكلام، جات سيرة الدهب.
تماضر: مقلتليش يا جاهين، هتعمل إيه في الدهبات؟
جاهين: مهعملش حاجة، ولا إيدي هتتمد عليهم. دي دهب حرام يا تماضر. فيه شبهة، وإني مهقربش على حاجة فيها شبهة. وقف لي على الموضوع ده وسديه متفتحيهوش تاني أصلاً.
تماضر: طيب نحفر ونطلع الجرة، ونتطلع للدهب مرة واحدة بس، ومناخدوشي حاجة منه.
فضل هو يرفض، وأنا أحايل. هو يرفض، وأنا أتدلع عليه، لحد ما قام معايا ورحنا على الموطرح اللي دلنا عليه أبو حكيم، وحفرنا. وبعد شوية الفاس خبطت في حاجة. إني نزلت على ركبي وفضلت أبعد التراب بإيدي من حواليها، وبانت الجرة. علاوة صغيرة كده (بلاص) بوزها مسدود ومتليس بأسمنت. طلعناها، وخدها جاهين، حطها على المصطبة بيناتنا. وبالفاس الصغيرة، فضل يضرب فيها ضربات خفيفة في موطرح واحد، لغاية ما اتكسرت منها حتة وبان اللون الأصفر يلالي ويزغلل العين. إني مسكت الفاس بسرعة من جاهين وضربت الجرة ضربة واحدة قسمتها نصين، والدهب كله ظهر وبان قبال عينينا. إني عيوني حسيتها لمعت كيف ما تكون خدت من بريق الدهب اللي قبالها. لكن بصيت لجاهين، لقيت عينيه مطفية كيف ما هما، ولا كأنه شايف قباله زينة الحياة الدنيا.
مديت إيدي أتلمس السبايك، ومسكت واحدة ورفعتها قبال عيني، وعتطلع لها بفرحة. قطعها عليا جاهين بصوته:
كل سبيكة من دول تذكرة تدخلك جهنم وتقعدك في وسط نارها مسافة محترمة. وكل ما تخلص إقامة سبيكة وعذابها، تدخلي على اللي بعدها.
إني رديت عليه وعيني بتتنقل من السبيكة لباقي الدهب:
بس هو حلف على كتاب الله! ومنه لحلفانه، إحنا مهنتحاسبوش!
جاهين: بالظبط كيف اللي واعي واحد سرق حاجة وهو راح اشتراها منه وقال: هو اللي سرق وهو اللي يتحاسب. إني مشتريها بفلوسي. ميعرفش إن ليه نص الذنب ونص الجرم. وأديكي أنتِ بتعملي كيف اللي اشترى السريقة!
تماضر: بس إني مشفتهوش سرقها، ولا متأكدة من كده.
جاهين: طول ما في القلب شك من حاجة، تبقى مش زينة وفيها أذى لصاحبها. القلب علام يا تماضر.
يومها سبت السبيكة من إيدي، وعرفت إن الدهب برغم إنه بين إيدي، لكن بعيد عني بُعد السما عن الأرض. شلت الدهب في صرة ورحت حطيته في دولابي تحت خلجاتي ودفنته زين.
معداش يومين، لقيت مرسال ليا ولجاهين إننا نروح السرايا لشاهين على وجه السرعة. خدنا بعضنا ورحنا مستغربين، بس لبينا عشان شاهين ممتعودش يطلبنا. وصلنا، وغازي كان هناك قاعد جار أبوه. دخلنا، وأول ما دخلنا شاهين قام وجه علينا زي الغول، وطلع لي بتهمة باطلة إن إني سرقت دهب مرته وفلوس كانت في السرايا، وعشان كده كنت بعراعي مرته في عياها عشان أغفلهم وأسرقهم. إني وجاهين بصينا لبعض، واحنا متأخذين من الكلام. والأكيدة إن شاهين كان جايب ناس مقعدهم، وبيقول قدامهم الكلام ده. ساعتها إني رحت على الطاقة اللي في المندرة، واتلافيت مصحف، وحلفت عليه إن إني لا شفت دهب ولا فلوس. وجوزي كمان حلف إنه لا شاف دهب ولا فلوس، ولا إني خدتهم. وحلف يمين تاني عمرى مانساهوله. حلف على كتاب الله إن إني عمري ما عملت كده، لو كان قدامي مال قارون، مهامدش إيدي على قرش منه. وده كانت شهادة مني بعفتي، اتحفرت في قلبي.
فضل شاهين يزعق ويقول: الفلوس والدهب متطلعش منيكم، ولو حلفتوا عالمية تجمد، انتوا الاتنين كدابين. وإنه هيطلع الفلوس والدهب من حباب عنينا، طالت المدة ولا قصرت. وطردنا من السرايا، وحلف علينا رجلنا مانخطيها تاني، ولا جاهين وحكيم رجلهم تخطي أرضه مرة تانية. واللي هيسأله دلوقتي يقول له: أمنتهم وطلعوا حرامية، مرميتهمش واتخليت عنهم غير بعد خيانتهم.
يومها إني وجاهين روحنا بروح مكسورة وقلب بينزف. لا بينا الصدمة ولا التهمة اللي رمانا بيها شاهين بالباطل. مفهمناش وقتها هو ليه بيعمل كده. وكل اللي كان في بالنا وقتها إن الدهب والفلوس اتسرقوا منه صح، وإنه معرفش مين عملها، قام تهمها فيا أنا وجوزي. ومن وقتها بقيت كل ما أصلي أرفع إيديا للسما وأقول: يا رب أظهر الحق وبيّنه. يا رب برئني واكشف ضوء دهب أم غازي والفلوس.
ومن يومها وغازي نظرته ليا اتغيرت، وكنت كل ما أبص له ألاقيه باصص لي ومسهّم، كأنه بيدور حاجة في مخه ويقلبها محتار، يصدقها ولا يكذبها. واكتشفت بعدين إن أبوه حشى راسه بكلام زور، وفهمه إن إني موتت أمه عشان أسرق دهباتها وفلوسه. كان ييجي صح، بس مش كيف الأول. لا كلامه ولا لعبه ولا حتى ضحكته كانت كيف الأول. وبرغم كده، إني متغيرتش عليه ولا غيرت معاملتي ليه هبابة. فضلت رعايتي ليه هي هي، وعدلي بينه وبين حكيم قايم.
جاهين بقى كل وقته ما بين الشغل في الأرض فلاح أجير حدا الناس الصبح، ومن بعد الظهر لليل يحفظ في الكام عيل اللي بقوا يجولوا قرآن، بعد ما أغلبية العيال حفظت القرآن كله على يده، وفيه اللي حفظ على قد عقله ما شال وبطل. أما حكيم، فكان أبوه مديله فلوس حق تعبه معاه في الأرض. ولما أبوه رفض يخليه ينزل شغل الفلاحة معاه مرة تانية عشان شافه بيتعب كد إيه وهو لسه مش حمل كسرة ضهر، قام حكيم خد الفلوس اللي معاه ونزل السوق اشترى بيهم حمار، واتأجر قسطين لبن من واحد بيأجرهم، وبقى يلف يلم لبن ويروح بيه للبندر يبيعه. بس والله شغلانة اللبن دي كان قرشها حلو، وجاهين كان مرتاح إنها مفهاش تعب على حكيم، وفرح بيه وبعقله اللي من صغره بيعرف يفكر ويعرف كيف يجيب القرش الحلال. وكيف كل مرة شاهين هبت زعابيبه بحجة إنه كيف ولد أخو الشيخ يشتغل لبان. هو مش طار ورانا من أرضه وبيته وسرقنا، عايز مننا إيه تاني؟ متعرفيش.
كلم جاهين مرة في الموضوع. ولما جاهين معملش لكلامه، بعت وقله: مليكش صالح بيا ولا بولدي بعد النهارده. شاهين اتجن. وكيف وكيف جاهين يقول له: مليكش صالح بيا وبولدي.
فيوم قاعدة في الدار لحالي، وغالية نايمة، وجاهين راح على الكتاب يدي درس وقرب يعود، وحكيم وغازي طلعوا بعد ما حكيم خلص بيع لبن ورجع. وإني قاعدة أغسل في الأقساط، وفجأة الباب خبط خبطتين شداد. نشفت إيدي في خلجاتي، وعدلت الطرحة على راسي، وقمت فتحت. وفوجئت بشاهين واقف على الباب. إني قلت له: جاهين مش هنا، وهقفل الباب تاني. بس إيده وقفت الباب، ودفعه ودخل بكل بجاحة. وقف في صحن الدار وفضل يتلفت يمين وشمال. وإني أقول له: اطلع من البيت، ميصحش صاحبه مقاعدش. وهو مرة واحدة وقف دماغه من اللف في زناقير البيت، وبص لي بعيون كيف عيون الغول، وهمس من بين سنانه:
فين الفلوس يا تماضر؟
- فلوس إيه دي!
شاهين: الفلوس اللي عطاها لكم أبوي، ودهب أمي الله يرحمها. إني عرفت كل حاجة، وغازي سمعكم انتي وجاهين بتتحدثوا على دهب. وين الدهب؟ انطقي.
- دهب إيه ده اللي بتتحدث عنه؟ حدناش دهب ولا خدنا حاجة. وهِم اطلع من هنا، صاحب الدار مش قاعد. واقف في نص بيتنا بأي عين، وانت طاردنا من سرايتك وأرضك!
شاهين قرب مني ومسكني من خلجاتي وهزني بكل قوته:
هتنطقي بالذوق، فين الدهب وفلوس الأرض اللي باعها أبوي، وإني خابر ومتأكد زين إنه عطاها لجاهين. ولا أخليكي تتكلمي بالعافية.
نفضت إيديه منى، وبعدت عنه، ووقفت قباله بتحدي، وقولت له بقهر:
طب أيوه، الفلوس والدهب معانا، ومش هتشوف زوالهم. ولو طولت نجوم السما، هتكون أقرب لك منهم.
هو سمع كلامي ده، وفضل يلف في البيت كيف التور الهايج، يقلب في كل حاجة ويدور كيف المجنون في كل مكان:
إني هعرف ما أطلع فلوسي من حباب عنيكم يا حرامية انتي وجوزك. لابسين توب الصلاح والفلاح. عاملين نفسكم قاريين كتاب الله وتاخدوا شقى غيركم بالباطل. تعبتوا فيها الفلوس دي؟ ولا كديتوا على الأرض لما ضهركم اتقسم!
خلص لف في البيت، وبص على الأوضة اللي فيها الدهب. وإني قلبي غاص في رجليا. بص لي لقاني برتجف وعيوني برقت بخوف. ابتسم ورجع بص للأوضة ودخلها كيف الأعصار. نبشها نبش حتة حتة، وإني واقفة قبال الدولاب وساندة عليه بضهرى. ولما لف لي عرف إن الدهب في الدولاب. قرب مني وهو بيضحك بانتصار، كأنه اتأكد إنه لقاهم خلاص. هو يقرب، وأنا ألزق في الدولاب أكتر، لغاية ما بقى وشه في وشي، وضحك. قولتل له بموت:
يا شاهين، ده فلوس عيالي.
هو دفعني بكل حيلة من قدام الدولاب، وفتحه، ورمى كل اللي فيه على الأرض، لغاية ما وصل لصرة الدهب. مسكها، وإني بقيت أتتلح في يده عشان آخدها منه، وهو كل ما أقرب من الدهب، يلزمّني بعيد عنه بضربه أوعر من اللي قبلها. كشف حتة من الصرة وشاف اللي فيها، وعينيه لمعت بطمع وفرحة، وابتسم وهو باصص للدهب.
لحظات ذهول مني، كانت كافية إني أفيق على الصرة وأخطفها من يده كيف الحداية، وأجري بيها من قدامه. وملقيتش مهرب منه غير للسطح. وصلت نص السلم، وهو طلع يجري ورايا، وجاهين دخل من الباب ووقف مستغرب، عايز يستوعب إيه اللي بيحصل. شاهين كمل جري ورايا كيف ديب جعان ولقى وكلته، وإني كملت جري على فوق، وجاهين ورانا. إني وصلت فوق السطح ووقفت ضهري للعشة، ووشي لشاهين، وحاضنة الصرة. واتكلمت من بين سناني:
بعد عني، لا أصرخ وألم عليك الناس يا شاهين.
شاهين: صرخي واعملي ما بدالك. إني مش هتزحزح من هنا غير والدهب معايا.
جاهين: اديها له يا تماضر. اديها له، ماعوزينهوش. اديها له وريحينا وريّحيه.
- بصيت له بغضب، ورجعت بصيت لشاهين، وقلت له بتحدي:
والله ما ياخد الدهب غير لما يعدي على جثتي في الأول.
شاهين سمع كلمتي وهجم عليا، مسكني من طرحتي وجرني بكل قوته. لا أنا ولا جاهين عرفنا نخلي يده تسيب طرحتي، وهو جاررني كيف واحد ممسوس، وإني كيف شريط في يده، وحاضنة الدهبات في باطي، ممفرطاش فيهم للنهاية. وآخر كلمة سمعتها وقتها كانت من شاهين:
قولتيها وهتطوليها يا تماضر.
ووصلني جر لغاية السلم، وجاهين بيشد فيه بس ما قدرش يوقفه. سابه جاهين ولف جه عليا، لما شافني على حاشة السلم. بس قبل ما يوصلني، شاهين حدفني منه بكل حيلة. أخدت السلم دحرجت، وبعدها الدنيا ضلمت قدام عيني. مدريتش بحاجة، بس الباقي حكاه لي جاهين بعدين.
جاهين شافني بتتكعبر من على السلم، ولما وصلت لآخره اتفرطت، محطتش منطق. وأخوه شاهين كل همه الدهب وعايز ينزل ورايا ياخده. مسكه جاهين، وابتدا فيه ضرب بحيله كله. شاهين كان كل همه يفلت من يد جاهين وياخد الدهب ويجري. لكن لما شاف جاهين داقق فيه دقة العميان، مسايبهوش. ابتدا يدافع عن نفسه ويضرب جاهين ضرب دفاع في الأول عشان يفلت، بعدها الضرب اتحول لضرب غِل. غِل من جاهين المتعلم، اللي عمره ما وقف جار أبوه ولا كان تحت رجليه ليل نهار مرمطون، لغاية ما خلى التعب خد من جسمه راحة. غِل من فلوس ودهب جاله ع الساهل من غير ما يجور على حد ولا ياخد ذنب ولا يجني سيئة. غِل من نظافة شاهين اتحرم منها. هو بيضرب بغل سنين، وجاهين بيضرب بحرقة قلب على مراته اللي مبيتحملش فيها الهوا. وفي الآخر شاهين قدر يغلب جاهين ويوصل لرقبته، وخنقه بإيديه الاتنين، وميله على سور السطح، وداس عليه بكل عزمه. ومن حلاوة روح جاهين، مد إيديه مسك شاهين من تحت باطه، وبعزم ما فيه، لفه ورزعه على سور السطح اللي كان معمول بجالوس طين. والسور متحملش وخد شاهين ونزل بيه لتحت. جاهين بص لتحت بخوف ورجفة، وكتم صرخته وهو شايف شاهين غرقان في دمه، بعد ما دماغه جات على حجر رحاية كنت حطاها جار البيت لله، كل اللي حداها شوية غلة عايزة تدشهم تيجي تدشهم عليها وتمشي.
نزل وراح له، وحتى قالي إنه خطى عليا مبصليش. وحتى غالية كانت قاعدة جارى تبكي، لما صحيت وشافتني واقعة، خدها في رجليه وهو رامح. وأول ما راح لأخوه، لقاه لفظ أنفاسه الأخيرة. فضل قاعد جاره ويصرخ ويضرب على دماغه ورجليه بعدم تصديق، ويقول: أخوي مات، أخوي مات.
ابتدت الأهالي تتجمع وتسأل حصل إيه، وكان فيه واحد فيهم متطوع عمال يرد على الناس ويقول: الشيخ جاهين جه من بره، لقى أخوه واقع من فوق وميت. وعلى كلامه، كل أهل البلد اجتمعت إنه هو ده اللي حصل. وحتى فيه ناس شهدت إنهم شافوا بعنيه بيقع من فوق البيت، وشافوا جاهين بعنيه وهو جاي، وشاف أخوه واقع وجرى عليه وهو بيصرخ. طبعاً التجاويد كتر، وكل واحد بقى يجود على كيفه، بس ولا واحد شك إن ممكن جاهين يكون هو اللي وقع شاهين. عشان هما عارفين جاهين زين.
إني أول ما فقت وفتحت عينى، اتلفت حواليا. شفت حكيم واقف ورا باب إزاز، وبيتطلع لي وهو بيرتجف كيف سعف النخيل من الخوف، وعينيه مبطلتش سح دموع. وحتى غالية واقفة جاره منه. حاولت أتحرك، بس مكنتش حاسة بجسمي أصلاً. وبالذات رجليا كان مستهيقلي إنهم اتقطعوا. وبعد معافرة، قدرت أحرك إيدي وأوصل لرجلي أحسس عليهم، وفرحت لما لقيتهم قاعدين، وقولت يمكن من البنج، ودلوقتي يفكوا وأحس بيهم. بس بعد كده عرفت إن عمرهم ما هيفكوا، ولا عمري هقدر أحس بيهم.
ومن يومها وشاهين اتدفن في شره، والناس اتحدثت هبابة عن الحادثة، وبعد شوية سكتت. مكدبش عليكي يا بنتي، قالوا كلام كتير، منها إنه كان جاي يتهجم علي، ولما مرضيتلوش، رماني من السلم. ولما شاف جاهين أخوه جاي، فط من فوق من الخوف. ومنها إنه اتهجم علي، وإني لزيته من فوق، وإني وأنا نازلة السلم من الخوف، وقعت وجرالي اللي جرالي، وغيره وغيره. بس قصاد كل كدبة كانت تطلع واشاعة تنتشر، أخلاقي وسمعتي وتربية الشيخ عبد الله وسيرته وسط الناس، وعشرتي الطيبة مع الكل، ومعرفة الناس ليا، كانت تتلفها وتمحيها طوالي.
ومن ساعتها وجاهين فضل محمل نفسه موت أخوه، حتى لو مش بقصده. واتعهد إنه هيرعى ولده وعمره ما يقصر معاه في شيء، يمكن ده يخفف من عذاب ضميره. وحتى أنا حملت نصيب في موت أخوه، وكان يقول لي: أنتِ خدتي جزاتك في الدنيا على طمع نفسك في فلوس حرام. وكنتِ سبب في قتلى لأخوي، بس إني فاضل حسابي عند ربنا يوم الموقف العظيم. وكان دايماً يردد إن كل ده حصل لما دخل الدهب اللي فيه شبهة حرام بيته.
اتنقلنا للسرايا بعدها، جار غازي لما بطل ييجي لبيتنا، وكان لسه صغار مينفعش يقعد لوحده، وخوف جاهين عليه خلاه كسر يمينه بأنه ميخطيش السرايا لحد ما يموت. بس راح لأجل عيون غازي وعضم التربة. ومن ساعتها، بعد حكيم عن البلد وعن السرايا، وعلمه طريق الذكر والكتاتيب، وبقى يبعته لبلاد بعيدة يعلمه القرآن وتفسيره على يد أكبر وأحسن شيوخ، وطلب منه يشتغل في الختم وياكل من فلوسه وفلوس كده وتعبُه، عشان ميدخلش جوفه لقمة حرام. وكل ده عشان يبعده عن الحرام وشبهة الحرام اللي في الدهب وينبته نبات حسن.
وهو بقى يشتغل في الأرض بتاعة ولد أخوه أجير، ومياخدش غير أجرة يومه، لا تزيد ولا تنقص، وناكلو ونشربو منها. كنت كل عشية أجيب سرة الدهب، وأرص السبايك قبال عيني، وأتملى فيهم، وأتحسر على نعمة بين أيدينا ومقدرينش نتنعموا فيها، وكل ده عشان مجرد شك في قلب جاهين. لحد ما جه اليوم اللي غازي وقف قصاد عمه عشان يبيع في أرضه عشان يصرف فلوسها على الغوازية والبوظة، ويكمل في الطريق اللي ياما عمه نصحه يبعد عنها، وهو ودن من طين وودن من عجين.
كان جاهين كل عشية يجيب غازي ويقعده جاره، ويفتح له القرآن ويقعد يقرأ له ويشرح له معنى الآيات، ويحاول يعرفه دينه ويقربه من ربه، ويعلمه بالحسنى. لكن غازي كان من اللي بتنطبق عليهم قول الله تعالى: (خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ۖ). صدق الله العظيم. يعني مهمن حاول معاه عمه، كان قافل قلبه وعنيه، ومكانش شايف قصاده غير طريق الهلس. وعمه آخر ما غلب معاه، همله وسلمه ليد ربنا، وهو ما عليه إلا إنه كان يطلب له الهداية في كل صلاة، وبين كل أذان وإقامة، عشان وصل معاه لطريق مسدود، وغازي وصل لسن متنفعش فيه الشدة.
واهنه كانت وقفتي الكبيرة قصاد جاهين، لما وعيت غازي هيبيع في الأرض. وقلت له: إني اللي هشترى الأرض بالدهب، ومهخليش الأرض تروح من بين يدينا أصلاً. وإن كان على شبهة الحرام اللي بتقول عليها، فالأرض مليناش دعوة بيها. إحنا هنشتري أرض بفلوسنا، وإن كان على شبهة الحرام اللي في الدهب، فمش إحنا اللي هنتحملوها. اللي جمع الدهب وأقسم يمين الله على كتاب الله إن فلوسهم حلال، هو اللي يتحمل وذرهم.
شد وسحب وتهديد بالبعد والهجر، خلو جاهين يستسلم لرغبتي. بس قاله: الأرض وفلوسها محرمين علي ليوم لقى وجه الكريم. ومن يومها بقيت واقفة لغازي بالمرصاد، وكل ما ييجي يبيع من الأرض حاجة، أتلقاها إني وأشتريها، وأدفع حقها وأكتبها باسم حكيم ولدي، ذخر له وأمان لدنيته.
مطولش كتير، وكان بايع آخر شبر من الأرض، وفوق منهم السرايا وكل حاجة بقت باسم حكيم. بس من ساعة ما اشترينا أول قيراطين واتكتبوا باسم حكيم، واتبنى كدهم، كره لحكيم وغيره وغل في قلب غازي، فضل يكبر مع كل شبر يتنقل منه لحكيم، لغاية ما ملأ قلبه وروحه وعقله، وبقى واضح كيف نور الشمس في عينيه، كل ما يتطلع لحكيم ولدي.
ومن يومها وعمك جاهين بطل شغل في الأرض، لما صحته ابتدت تتأخر، ولمّ كام عيل، بقى يديهم دروس في الدين، وبقى عايش على التمر والعيش. ميدخلش جوفه لقمة جاية من ريع الأرض ولا خيرها. ولما كان غازي يسأله: ليه بتاكل غير التمر والعيش الحاف؟ كان يقله: إن معدته لو أكل أي حاجة غيرهم، بتتعبه. كان ممكن يقعد شهور على العيش الحاف والتمر، لغاية ما ييجي حكيم من سفره جايب معاه حاجة زينة. وقتها يقعد جاهين ياكل منها براحة وفرحة ولهفة، كأنه طفل جعان محروم الأكل ولقى قدامه وكله. كان ياكل ملو بطنه ويفرح ملو عينه بولده اللي بيكبر على حب ربنا وحفظ كتابه، ويرتاح ملو روحه، وهو حاسس إنه باقي على عهده مع ربه بأن جوفه ميدخلهوش الحرام، هو ولا ولده.
أما إني، فكنت آكل من ريع الأرض أنا وبتي، وأنا جوايا عارفة إنها فلوس حلال، وشفت الصدق في عين أبو جاهين، ومتأكدة منه. حتى حكيم كان ماشي على خطى أبوه، وبيعمل كيف ما أبوه بيعمل، ومكانش يرضى يحط لقمة في خشمه من فلوس الأرض أصلاً. والكلام ده استمر لغاية ما جاهين وقع المرض خالص، وبقى على فراش الموت. ووقتها كان لازم يسلم المشيخة لغازي ولد أخوه. لم المشايخ وأهل البلد وكباراتها، عشان يقلع عمته ويحطها على راس غازي قبال الكل، ويسلمه المشيخة. بس اللي حصل وقتها، إن أهل البلد كلهم اجمعوا إن المشيخة مش ورث، ولازم تكون في يد اللي يكون أهل لها. وإنها لازم تتنقل من يد عادل ليد عادل تاني، وإن غازي أبعد ما يكون عن المشيخة.
كلامهم ده دبح غازي، وخلّاه يفرفط وهو قاعد في مطرحه. بس اللي زهق روحه، لما ٤ من كبارات البلد خدوا العمامة من يد جاهين، ومسكوها مسكة راجل واحد هما الأربعة، وراحوا بيها على حكيم، وحطوها فوق راسه، وبايعوه بالمشيخة هما وكل الموجودين. ساعتها لا حكيم ولا أبوه كانوا عارفين يتكلموا من لجمة المفاجأة.
يومها غازي طلع من المندرة والسرايا، ومحدش عرف له طريق. وحكيم جاني وهو شايل عمة أبوه في يده، ووشه أصفر، ووقف قصادي، واتحدث بخوف:
أمه الناس نصبتني شيخ مطرح أبوي!
إني من فرحتي زغرت، وحضنته بكل فرحة وفخر بولدي وعرق عيني اللي بقى شيخ، وأهل البلد كلها ظهره. بس هو كان واقف جامد ومتخشب، وحالته حاله من الخوف والرهبة. أما غازي، فقعد أسبوع بره السرايا، ملفلفش حواليها، وعمه يبعت وراه بالمراسيل عشان يعود، وكل مرسال يرجع يقول له: مرضيش يعود، وعيقول لك: مليش مطرح وسطكم من بعد النهارده.
كلام غازي وبعده ورجوعه للسرمحة من تاني، خلت حالة عمه انتكست، ومطولش كتير، وكان ربنا استلم أمانته. بس بعد ما فضل يوصي فيا وفحكيم على غازي، وإنه يرجعه السرايا، وميطلعهوشي منها أصلاً. ولا يحرمه من فلوسه ولا من خيره طول ما هو عايش. ولا يقصر عليه بنصيحة ولا وقفة أخ وقت الشدة، وإلا يعتبر أبوه غضبان عليه. وخلى حكيم عاهده على كده، وحط يده على كلام الله وحلف. ومات جاهين، وحزنا عليه حزن متتحملوش الجبال، وخصوصي حكيم اللي كانت روحه في أبوه وروح أبوه فيه. فضل يا قلب أمي مكسور القلب والروح عليه، والحزن مرافقه، لما بقوا هو والحزن صحاب سنين.
بس ربنا عوضه مطرح أبوه ببشندي. كان يشتغل مع جاهين أجير من أيام ما كان يشتغل حدا الناس، واتصاحبوا وبقوا كيف الأخوات. والصراحة بشندي كان له وقفات مع جاهين عمرها ما بتتنسي. ومن بعده بقى مع حكيم، اللي من يوم يومه عامله كيف ولده، ويراعيه بشلول عينيه، ودايماً واقف في ظهره وحاميه. ولولا بشندي، الله أعلم حكيم كان زمانه جراله إيه دلوقتي.
حكيم وبشندي بعد الحكاية دي، دوروا على غازي كتير، وسألوا عليه، ومقدروا شي يعتروا فيه. لغاية ما في يوم، جاه خبر إن غازي حدا الحكومة، قبضوا عليه عشان قتل واحد صاحبه في خناقة على القمار. راح له حكيم، وفهم منه اللي حصل، واتأكد إنه بريء. وراح لأهل الواد الميت، وقال لهم إنه هيدفع دية ولدهم، بس يطلعوا غازي ويتنازلوا عن الشكوى، وخصوصي إن غازي كده كده هيطلع براءة، عشان كل الناس أجمعت إن ولدهم هو اللي بدأ العركة، وبدأ بالتعدي. ولحسن حظ غازي وحكيم، ناس القتل كانوا غلابة، ورضوا بالدية ومحولوهاش تار، ولا قالوا دم بدم. ودفع حكيم، وطلع غازي، وجابه للسرايا تاني. بس قعده في المشتمل، عشان ميصحش يقعد في بيت واحد مع بنت عمه اللي تحل له، خصوصي لما حكيم شاف غالية متعلقة بيه. ودي حاجة تانية خلت قلب غازي يغل من حكيم، عشان شاف إن حكيم جايبه يذله ويقعده في مشتمل كيف الخدامين، من بعد ما كان مالك السرايا وسيدها. ونسي إن حكيم بيطبق الأصول وشرع ربنا.
ومن يومها وحكيم بينفذ وصية أبوه في غازي، برغم كل اللي كان يشوفه من غازي، وبرغم إنه متأكد من كرهه. وفضل يراعي في الأرض، ومن فصل لفصل، ومن الأرض للسرايا، لمصالحه وكلامه قليل. مرجعتلوش ضحكته، ولا عاد للدنيا من تاني غير يوم ما شاف فرحة قلبه ولجمته في نفس الوقت، وغرق وليدي في بحر أزرق ملوش قرار. لكن الحظ لعب لعبته، وجات الحداية خطفت منه ضحكته وفرحته، وحتى البحر اتحرم عليه العوم فيه، وهو قبال عينيه. ومن يومها واقف على الشط يتطلع عالبحر من بعيد، وحسرته في قلبه، يا حبة قلبي.
قالتها وهي بتطلع لعيون جماره.
جماره بصت لها وديقت عينيها باستغراب: تقصدي إيه يا خالة بكلامك ده؟
تماضر ابتسمت بحنان، ومدت يدها ضربت جماره ضربة خفيفة على جبينها، لما شافتها بتطلع لها وحاطة إيدها على خدها، وبتسمع باهتمام:
مقصديش حاجة. ويلا قومي، وبزيادة حديث النهارده. وبطلي تطلعي لي بعينيك الحلوين اللي كيف عيون البسة دول، وميتشبعش من الطّلة فيهم.
واتنهدت:
الله يكون في عونك يا اللي في بالي.
جماره قامت وهي مبتسمة على كلام تماضر الأخير، وجواها ارتياح عجيب، عشان دلوقتي اتأكدت من إحساس قلبها، وإن لا حكيم ولا أمه يقدروا يعملوا حاجة كيف اللي قالها غازي، وإن كل كلامه زور وتلفيق وافتراء على أطيب خلق الله. لكن في نفس الوقت جواها حسرة، عشان مطلعش ليها في الطيب نصيب.
رواية جمارة (بين العشق والقسوة الفصل الثامن عشر 18 - بقلم ريناد يوسف
جمارة قامت من جوار تماضر وماشية مبتسمة ومش منتبهة، وفجأة خبطت في حاجة. بصت لقتها غالية.
جمارة: غالية، صباح الخير. متأخذنيش، مكنتش واخدة بالي.
غالية: معلش، معذورة. أصلك لسه واخدة جرعة حنان كبيرة، خلت عينيكي غطرشت، يا ولداه!
تماضر: بطلي غيرة يا تمساحة عالصبح، وخشّي خشّي عليكي. قيّمي لي ضهري يا أختي يا دكتورة. ابقي توفي على وشي لو نفعتي في بيوت، انتي.
غالية: هَنْفَع وهبقى ست بيت مفيش مني اتنين. ولما ده يحصل، ابقي افتكري مقاديفي اللي عمالة تكسري فيها دي كل هبابة، لغاية ما خليتي كل مقداف كده عود كبريت. وابقي شوفي حالك وقتها، وانتي عتتباهي بيا قدام الخلق، وترفعي راسك وتقولي "دي بتي غالية". ساعتها ابقي انزلي صباعك تاني، وافتكري حالك دلوقتي وانتي عتدبيه في قلبي.
وسابتهم ومشت.
تماضر: خدي هنا يابت، رايحة فين!
غالية: رايحة أتقلب وأكمل نوم. مش دكتورة عاد. وابقى صحوني لو فيه كشوفات.
غالية طلعت لفوق تاني، وجمارة كمان طلعت لبره. وتماضر لما ملقتش حد يفطر معاها، خلت زبيدة جابت لها الفطور في الأوضة، فطرت فيها ومطلعتش.
أما جمارة، فطلعت لبره في الجنينة، طلت على عصافيرها واطمنت على جمرة، وقعدت جنبها هبابة. بعدها قامت ودخلت السرايا، وطلعت لفوق على أوضة حكيم ترتاح لها. هبابة. لكن وقفها صوت غالية اللي جاي من أوضتها وهي بتتحدت بصوت مسموع.
جمارة استغربت وسألت حالها: يا ترى غالية بتتحدت مع مين؟ واترددت ثواني، لكنها اتقدمت وخبطت على باب أوضة غالية خبطتين.
غالية: اتفضلي، خشي يا جمارة.
جمارة فتحت الباب ودخلت وهي مبرقة عينيها باستغراب، وسألت غالية: عرفتيني إزاي إني أنا؟
غالية بعصبية: وحياة أبوكي، مناقصة غباوة هي عالصبح يا شيخة. أصل أمي عاجزة، لا بتطلع سلالم ولا بتنزل. وزبيدة معتعتملش المطبخ ولا بتطلع للدور ده أصلًا، وحكيم مسافر. مش محتاجة فكاكة هي!
جمارة ابتسمت واتقدمت منها وقعدت جنبها عالسرير، واتحدتت بحنية: طب مالك قايمة بزعابيبك ليه عالصبح ومحمّلة كلمة!
غالية أخدت نفس وزفرته وغمضت عينيها: أصل حلمت حلم حلو معكنني. حلمت إني بتجوز واحد كيف فلقة القمر.
جمارة باستغراب: وقايمة متنكدة عشان الحلم الحلو ده!
غالية: له يا أختي، عشان الحلم الحلو ده. بقالي كتير بحلمه، وهو هو نفس الحلم ونفس ذات فلقة القمر، ومستنياه يتحقق ومعيتحققش.
جمارة: نسيتي يعني خلاص وصرفتي نظر؟
غالية فهمت قصدها وردت عليها بكل صراحة: له منسيتش. ولسة لما أشوف غازي، بتدهوله. بس عارفة إنه مفيش أمل أتزوجه. وحتى عقلي عرف، وابتدا يغيره في الحلم بواحد تاني. بس المشكلة إن التاني ده مجاييش.
جمارة اتحدتت بضحكة على صراحة غالية وقلبها ولسانها اللي ميّعرفوش يدسوا حاجة: احمدي ربنا عشان نفدتي بجلدك، ومتتعجليش على نصيبك. كل تأخير، مراضاة ربنا ليكي بعديه هتكون أكبر، وفيها خير.
غالية: بت يا جمارة، انتي باردة قوي كده ليه! داني بقول لك لسة بحب جوزك. يعني واحدة غيرك المفروض تقوم تمسك في شعري تطلعه في إيدها قرن قرن. متحسيش يا واكلاهم واصل كده؟ طب متزعليش، ولا الغيرة تقرص قلبك عليه هبابة حتى!
جمارة: ولا الهوا. وبعدين بذمتك، بعد عمله فيا اللي شايفاه بعينك ده، أحبه بأنهي عين وأنهي قلب؟ إني لو أزعل، أزعل عليكي انتي. وانتي وعاية وواعية عمله وشايفاكي لسة متعلقة بيه!
غالية بحسرة: قلبي ابن جزمة قوي يا جمارة. وكل ما عقلي يقوله لعينيا: شوفي عمل غازي واكرهيه. قلبي يقولهم: مليش صالح بيكم انتو الاتنين. إني هحبه بعيوبه بزفته بقللة تربيته، مالكمش صالح انتو.
جمارة: حكم قلبك واعر قوي يا غالية.
غالية: مش بقولك ابن جزمة. بس يعني عادي لو جه واد الحلال، هتجوز وأفضها سيرة.
وزعقت بصوت عالي ضرّت جمارة: بس هو يا يجي وياخدني من وش تماضر اللي قارشة ملحتي دي ومشندلة عيشتي.
جمارة: على فكرة يا غالية، مينفعش تقاوحى قبال أمك ولا تردي عليها الكلمة بكلمتها. ربنا قال: "ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما".
غالية: بركاتك يا شيخة تماضر. نفس ذات نبرة الحديت. بهتت عليكي بسرعة.
جمارة: وهو إني أطول! طب دي خالة تماضر، دي أحسن واحدة في الدنيا كلها.
غالية: مع كل الناس، معاد إني. وحنيتها دي طلمبة، كل الناس تشرب منها وتيجي حداي أنا وتشَحِط.
جمارة بضحكة: والله خالة تماضر بتحبك قوي، بس هي بتضحك معاكي، وغرضها مصلحتك. فالأول وفي الآخر، هي لو قست عليكي في الحديث، مش عشان تعلمك وتفهمك وتحط عقلك في راسك يا غالية.
غالية: متتلمي يا جمارة، هو إني عقلي كان طالع بره راسي ياك! ولا مهووسة وعقلي هارب؟
جمارة: انتي ست البنات كلهم، وست العاقلين كمان. بس دي أمك، والأم والأب حيكونوا دايماً شايفين اللي عيالهم مقادرينش يشوفوه. طيب، هسألك سؤال يا غالية. لو عيل صغير ماشي في طريق، وأبوه شافه ماشي في الطريق ووقفه وقاله: عاود من الطريق ده، مهينفعش تعدي منها. فيها خطر عليك. العيل ده يعاود ولا يكمل الطريق؟
غالية: يعاود طبعاً. عشان أكيد أبوه شاف في الطريق حاجة وعرة وخايف على ولده منها.
جمارة: ولو الواد عاند وكمل الطريق ومسمعش كلام أبوه، إيه اللي هيحصل؟
غالية: يسيبه ياكش يقابله ديب ياخده على قطمتين قليل السمع ده.
جمارة بضحكة: بس قلب الوالدين ميقولش كده، وعمرهم ما يقدروا يسيبوا عيالهم ماشيين في طريق الخطر واصل يا غالية. ولازم يمنعوه بأي طريقة. آهو إحنا مهما كبرنا هنفضل في عيون ناسنا كيف العيل الصغير، ويخافوا علينا نفس الخوف. وبرضه هيفضلوا عارفين زين كل طريق هنحط رجلينا فيه في حياتنا هيودينا فين، وفيه إيه مستنينا في آخره. عينيهم بتشوف أبعد منينا، وأكيد عارفين كل طريق وعارفين اللي فيها زين. وأمك يا غالية، لما شافت اللي كنتي عايزة ترمي حالك فيه وحباه، ومش شايفاه حاجة وحشة ليكي، ملقتش في إيدها غير إنها تبعدك عنيه بلسانها وتأنبك بالحديث الوعر. يعني اختارت أضعف إيمان، عشان هو الحاجة الوحيدة اللي في إيدها.
غالية اتنهدت: مش بقولك أمي بهتت عليكي. بس برضه تماضر لازم تخاف على مشاعري أكتر من كده. مشاعري بتتبهدل في التراب من عمل أمي وكلامها، يا نااااس!
جمارة: مشاعر إيه وبتاع إيه بين البت وأمها يا غالية. طب ده كل كلام أمك ده حب وخوف عليكي، ومش هتحسي بخوفها ده غير بعد ما تبقي أم وتشوفي غلاوة ضناكي في قلبك. ساعتها هتحسي بغلاوتك في قلب أمك. قومي قومي. قومي مشاعرك من التراب ونفضيها ودسيها مطرحها، وتعالي انزلي معايا نقعد جنب أمك قاعدة لحالها تحت. بكرة هتتجوزي فلقة القمر اللي بتحلمي بيه كل ليلة دي، وتشتاقي لقعدتك جنبها وتدوريها بالحلاوة.
غالية ابتسمت وبصت لجمارة بتمعن وهمستلها: انتي حلوة قوي يا جمارة. حلوة وكلامك حلو زيك. بصراحة، كل حاجة فيكي حلوة. من حقه حكيم يديهولك عشقك دهوله، والله.
جمارة ديقت حواجبها باستغراب: عشقي إيه؟ ودهوله سي حكيم كيف؟ انتي بتتحدتي عن إيه؟
غالية اتنهدت: بتحدت عن أخويا اللي فضل سنين واقف مستني على عتبة بابك يعدل في حاله الأول عشان يخبط ويدخل. وقبل ما يدخل، جه غازي طاير ودفع الباب قبله ودخل سرقك وطلع بيكي يجري قدام عينيه، وهو ملحقش يعمل حاجة يا ولداه.
جمارة: إني مفهماش حاجة واصل من حديدك ده يا غالية.
غالية: إني هفهمك يا نضري.
وابتدت تحكي لجمارة كل الحكاية كيف ما حكاها لها حكيم. وطول ما هي تحكي، جمارة حاسة إنها في حلم، وإن كلام غالية كله خرابيط. لكن لما رجعت لعمايل غازي اللي بيعملها معاها قدام حكيم، وحنية حكيم وخوفه عليها، ووقوفه جنبها، اتأكدت إن كل كلام غالية صح. وقدرت دلوقتي تفسر النظرة اللي بتشوفها في عينين حكيم وهو بيتطلعلها صح. كانت بتشوف فيهم حسرة وقهر، بس كانت مكذبة شوفها عشان في نظرها مكنش ليهم سبب. بس دلوقتي عرفت إن وراهم أقوى سبب. وإن كانت بتكره غازي قراط بعد كلام غالية ومعرفتها سبب جوازه منها الحقيقي اللي ياما سألته عليه ومخدتش منه عقاد نافع، كرهته دلوقتي فدادين عشان حرمها من حكيم وحرم حكيم منها. دلوقتي بس قدرت تفهم معنى كلمته إنه واخدها مخلّص حق. مخلّص حق باطل من حكيم عشان يعذبه بيها ويسرق فرحة قلبه، وحتى هي حرمها من جنة كانت على أبوابها.
قامت من قبال غالية وراحت على أوضة حكيم من غير ما تنطق بكلمة. قعدت على سريره بملامح باكية وقلب محمل بقهر وحسرة وألم، أول مرة تحس بيهم بعد ما عرفت إن لولا غازي، كان زمانها مرات حكيم دلوقتي، وبتعرف وتشرب من حبه وحنيته من غير حساب ولا خوف من عذاب. اتنهدت بقلة حيلة ومسكت خلجاته اللي على السرير، حضنتهم وشمّتهم ونزلت دموعها. مسحتهم ونامت، وحطت جلابية حكيم قصاد عينها على المخدة، وفضلت تبص لها وتتحدت وتمسد عليها بحنان، كيف ما يكون حكيم هو اللي قاعد قصاد عينيها، مش جلابيته. فضلت شوية على الحال ده، وقامت لما سمعت حس أمها بتنادي عليها من تحت عشان تنزلها. قامت وعدلت خلجاتها ومسحت عينيها ونزلت لأمها، وجواها بركان بيغلي ونفسها تصرخ فيها وتقولها: ليه رضيتي تجوزيني لغازي؟ ليه تطيعي عمي وتشيعيني بيدك لعذابي، وأنا كان بيني وبين الهنا أيام.
نزلت وقعدت جنب أمها هبابة بملامح جامدة وقلب مخنوق، مالهاش نفس لا لحديت ولا لكلام. ولما أمها سألتها عن السبب، حكتلها اللي غازي بيعمله في جمرة، وإن ده هو سبب الحالة اللي هي فيها دي. عيشة خدت قعدتها ومشيت وقلبها محمل هم جديد من غازي وعمايله الشينة اللي معتنيهوش. وغازي رجع من بره، دخل السرايا، خلى زبيدة تحط له أكل وكل، وطلع من غير ما يتحدت مع جمارة ولا تتحدت معاه، عشان الكل يصدق إنهم زعلانين صح. وجمارة ما صدقت لقيتها عشان حتى لو حدّثتها، مكنتش هتلاقي نفس ترد عليه. طول ما هو قاعد، كانت بصاله بملامح مشمئزة، وهي شايفة صورته الحقيقية. كيف ما تكون غشاوة كانت على عينيها من تلاه، واتشالت، وتوها اللي شافت وش الشيطان اللي كان داسه تحت وش البني آدمين. كانت بتقول لحالها إن كل اللي بيعمله فيها من بداية جوازها منه ده كوم، واللي عمله في حكيم وعذابه بيه ده كوم تاني، وعمرها مهتنساه له.
طلعت الجنينة في آخر النهار توكل جمرة وتقعد جنبها هبابة. وفي الوقت ده، دخل بشندي من باب السرايا ووصل لحدها، ولفّها كيس فيه وصفة جروح جابها من عطار بعت جابهم من البندر لجمرة، ووراها تدهنهم لها كيف وميتة. وهي نفذت فوراً. أخدت من يده وابتدت تدهن لجمرة. بشندي واقف جنبها واتنهد وهو باصصلهم.
جمارة: بتتنهد بغلب كده ليه يا عم بشندي!
بشندي: بفكر في اللي هيعمله سي حكيم لما يعاود ويشوف حال جمرة دي.
جمارة: طب يعمل في غازي، ماشي. لكن فيك انت ليه!
بشندي: عشان بوصيني على (جمر قلبه وجماره). أحرسهم في غيابه وأحافظ عليهم من الهوا، وإني كل اللي عملته إني نمت ورجليا للهوا، ومعملتش بوصيته ولا كنت قد الحراسة اللي حرستها. يا رب جروحها تطيب قبل ما يعاود. لو شافها كده، ممكن يجراله حاجة!
جمارة كانت بتدهن لجمرة وإيدها وقفت لما سمعت الجملة بتاعت بشندي. "جمر قلبه وجماره". وقلبها نط من مطرحه. وهمست لنفسها بفرحة: يعني موصيني يخلّي باله مني. خايف عليا حتى في بعدك يا نضر قلبي. وبعد ده كله وعايزني أبعد عنيك. والله لو هفضل عمري كله أتبص لك من بعيد لبعيد، وأشوفك كيف القمر بعيد وعالي ومينطالش، برضه مهسيبكش واصل.
بشندي مشى بعد ما اطمن على جمارة، وأخد معاه فروع شجر التوت المتكسر عشان يرميه بعيد عن جنينة السرايا. أما حكيم، فلسه الحروب شغالة جواه، والتفكير شيب قلبه وعقله، وبرضه مقدرش يوصل لقرار. يفرط في أرضه اللي هي عرضه، ولا يفرط في حبه وراحة قلبه. وفي الآخر استسلم للحيرة، وفاتها تطحن في روحه، وسلمها بإيد ربه، وهو عليه التفكير وساب لربنا التدبير.
وقت الغروب، طلع غازي من باب المشتمل الوراني على خبطة خفيفة. فتح الباب وشاف شكارة مسنودة على الحيطة وجنبها عوض. قرب من الشكارة وفتحها وابتسم وهو شايف اللي جواها. بص لعوض وهزله دماغه برضا: براوه عليك يا عوض. بس عترت بيها فين دي!
عوض: مفيش أكتر منهم في الجبل. قولت لواحد حبيبي وراح صد رد، طلع الجبل واتكحرت في الحجارة واتمرمط في الرملة وجابهم وجيه. تعب قوي والله يا سي غازي. بس تعبك راحة، وتعب البدن ميغلاش عليك.
غازي حط إيده في جيبه وطلع فلوس، اداها لعوض: خد اديها دول. مش غازي اللي حد يتعبله ببلاش يا بو. يلا روح دلوقتي اعمل اللي وصيتك عليه.
عوض خد منه الفلوس وعدهم بفرحة واتحرك من قباله وهو بيعد فيهم: ربنا ما يحرمنا منك ولا من فلوسك الحلوة دي يا سي غازي.
عوض راح على بشندي والرجالة، وبعت راجل بداله يحرس مطرحه. وغازي دخل جوه مع الرجالة اللي قطعوا شوط كبير في الشغل من امبارح، وتقريباً كلها يوم ولا اتنين، وكل حاجة تكون جاهزة كيف ما جهزها غازي وخطط لها.
بعد نص الليل، طلع غازي من المشتمل يتسحب على الجنينة وفإيده الشكارة، وبيتلفت حواليه بحرص، وراح على مطرح جمرة وعينه على السرايا وشبابيكها، واطمن إن محدش واعي له. وقف قصادها وبصلها وقرب إيده عليها، لكنها رجعت منه لورا بخوف. اتقرب عليها مرة تانية ونجح إنه يحط إيده على مقدمة وشها، وبعد لمسات حنونة منه، جمرة استسلمت واتطمنت ووقفت. هو لما شافها هديت، راح على شنطة سكر النبات المتعلقة، وأخد منها حفنة وقدمهالها، وهي أكلتها منه اعتقاداً منها إن دي محاولات للصلح منه، وهي اتجاوبت بقلب صافي.
بعد ما خلص السكر اللي في إيده، حط إيده في الشكارة وطلع منها نبتة غريبة ومدها لجمرة. في الأول رفضت أكلها بعد ما شمتها، لكن مع إصرار غازي عليها، وكل ما تبعد دماغها، يروح وراها بالنبته، اضطرت إنها تاكل منها. أكلت واحدة واستساغت طعمها، وغازي مدها التانية بفرحة، أكلتها، وبعدها التالتة. وارتاح غازي بعد ما وكل جمرة آخر نبته في الشكارة، وبعدها بص لها بصة أخيرة قبل ما يلم أثر النبات اللي وقع من خشمها في الأرض، ويحطه في الشكارة، ويعاود المشتمل يتلفت بخوف لغاية ما دخل وقفل الباب عليه. ونشوة رهيبة متجلية في عينيه وهو بيتخيل رد فعل حكيم على اللي عمله في جمرته، وقبل منه قهرة بشندي اللي هانه واتطاول عليه.
النهار طلع بعد ليل طويل عدى على جمارة وهي بتتقلب في فرشها كيف ما تكون نايمة على فراش من جمر، بعد كلام غالية ليها، ومعرفتها بعشق حكيم ليها اللي كاتمه في قلبه وساكت، ومتحمل يشوفها مع غازي قبال عينيه كل دقيقة. شفقت عليه من إحساس عاش بيه في قلبه كل المدة دي، وهي متحملتهوش من مجرد الفكرة لما قرر حكيم يتجوز، وحست إن حاجة ملكها هتضيع منها. مدت إيدها حطتها على قلبها اللي بيفرفط بين ضلوعها، وسألت حالها: يا ترى هتتحمل تشوفه قبالك مع واحدة تانية كيف ما هو اتحمل؟ لكنها خابرة زين إن قلبها أضعف من إنه يتحملها. إذا كان من الفكرة بيتفط ويقطع بين ضلوعها، هيوبقى إيه حاله لو الفكرة اتحولت لحقيقة! اتمنت لو يرجع بيها الزمن وترفض غازي، وتقف قبال عمها والدنيا كلها، لو كانت تعرف إنها في الآخر هتكون مع حكيم. استسلمت لأفكارها والحسرة اللي دخلتها غالية على قلبها وروحها، واتمنت إن غالية مكنتش قالت لها حاجة، وكانت سابتها على عماها كيف ما كانت.
اتقلبت في فرشها لآخر مرة قبل ما تقوم مع ساعات الصبح الأولى، تتوضى وتصلي وتطلب الصبر من ربنا على اللي هي فيه. طلعت على جمرة توكلها وتطمن عليها وعلى العصافير بتوعها. لكنها وقفت مرة واحدة وعينيها برقت، وهي شايفة جمرة قدامها واقفة، رجليها بترجف، وخيوط خضرا نازلة من خشمها. جريت عليها بصدمة وقربت منها تحضن فيها بخوف، وجسمها بقى بيرتعش أكتر من ارتعاشة جمرة. دقايق، عقلها وقف عن التفكير، وهي شايفة جمرة بتتطوح وهي واقفة، وبالعافية قادرة تصلب طولها. مسافة بتفصلها من مطرحها لحد بوابة السرايا، خدتها في خطوات واسعة وهي بتسابق الريح. وصلت للبوابة وفتحتها بسرعة، وبشندي اللي كان قاعد على دكة هو واتنين معاه، قام بسرعة منتظر أول ما شافها وجرى عليها. ملحقش يسألها فيه إيه، عشان هي سبقت واتحدت بلهفة وخوف: الحق جمرة يا عم بشندي.
بشندي يا دوبك سمع أول حرفين من الاسم، وطار من جنبها بكل سرعته، ووقف على بعد من جمرة وهو شايف حالها. ضرب على راسه بإيديه الاتنين وحس إن قلبه وقف لما عرف إيه اللي في جمرة. قرب منها، وكل خطوة يقربها، يضرب على دماغه بإيديه من غير ما خشمه ينطق. جمارة بعد ما شافت حالة بشندي على جمرة، قعدت على حيلها، مقدرتش تقف على رجليها تاني. بشندي قرب لجمرة ولف حواليها، ووطى على الأرض، مسك زهرة بيضا، رفعها قدام وشه، وغمض عينيه بألم، وصرخ بعدها بصوت رج السرايا رج: عملتهاااا يا غازي يا كلب. موتك على إيدي النهارده يا واد المركوووب. مد إيده جوه هدومه، طلع طبنجة من السديري بتاعه، وجرى كيف الغول على المشتمل يفتحه. مقدرش، قام ضارب الباب بطلقتين، خلاه اتفتح في التو. دخل بسرعة، ولمح غازي بيجري من قدامه بخوف على باب المشتمل الوراني. جرى وراه، وغازي قدر يدخل الزرع بسرعة ويزوغ من بشندي. وبشندي فضل يضرب نار بشكل عشوائي مطرح ما دخل، متمني إن طلقة تيجي فيه وتبرد نار قلبه القايدة. طلقة ورا طلقة، خلصت الطلقات اللي في الطبنجة، ووقف بشندي يتنفس بصوت عالي وينفث نار كيف التنين. رجع بعد ما سد باب المشتمل الوراني، وطلع منه على الجنينة من غير ما ينتبه للأوضة المقفولة، ولا حتى لشكاير الأسمنت المرصوصة على جنب في المشتمل.
طلع وراح على جمرة ووقف قدامها تاني، وكل اللي في دماغه حكيم واللي هيجراله لما يعرف اللي عمله غازي في جمرته. قدرت جمارة تقف وتروح له بصعوبة، وتسأله السؤال اللي تقريباً عارفة إجابته، بس عايزة تتأكد منها من لسان بشندي.
"هو عملها إيه يا عم بشندي!"
بشندي بصوت مخنوق: سماها. وكلها عشبة سامة اسمها رجل الغراب، اللي بتنزل جوفه، متديهوش غير أيام على الدنيا، وبعدها يتكفى.
جمارة سمعت كلام بشندي وقلبها فرفط، والرجفة زادت عليها، ودموعها نزلت مع شهقة لازمت جوفها وهي بتنطق بصوت متقطع: يعني جمرة هتموت؟ يعني أمانة حكيم وروحه اللي فاتها بين إيديا ضيعتها له؟ يعني إني همله؟
وصرخت بأعلى صوتها وهي حاضنة دماغ جمرة: لاااااه يا عم بشندي، اعمل حاجة. احب على يدك. أمانة يا عم بشندي، ادّي البندر هات لها علاج، خليها تطيب قبل ما حكيم يعاود، عشان لما ييجي يلاقيها كيف ما فاتها.
بشندي بعصبية: قوووولتلك خدها الاسطبل، عملتها فيها قرد واتلحتتي فيها. قولتي عتسليني. يلا يا بتي اتسليتي زين!
جمارة: اعمل فيا اللي تعمله، وقول عليا اللي تقوله، بس شوف علاج لجمرة الأول.
بشندي قعد واتحدت بيأس وعينه على جمرة وحابس دمعة راجل غالية خلت عينيه بلون كاسات الدم: وإني لو خابر إن ليها علاج، كنتي شفتيني واقف قبالك هنا! اللي وكله غازي لجمرة موت ملوش طب ولا دوا.
جمارة بيأس وخوف: يعني إيه كلامك ده؟ يعني هنملها تموت! يعني هنقف نتفرج عليها وهي حالتها كده يا عم بشندي! رد عليا، ساكت ليه؟ قالتها ورجعت تحضن دماغ جمرة اللي مرة واحدة خلصت قوة تحملها، ووقعت على الأرض بضعف، ومدت رجليها الأربعة، وسندت دماغها على الأرض باستسلام لموت قادم لا محالة.
جمارة وعيت لجمرة عملت كده، وبقت تتنطط في مطرحها وتلدلد من الخوف، وبصت لبشندي اللي بص بعيد ورفع إيده على وشه، وعرفت إنه بيمسح دمعة مقدرش يكتمها. لفت حوالين نفسها لفتين، وفجأة بصت على باب السرايا، وانطلقت تجري على بره بكل سرعتها. بشندي قام وراح وراها جري عشان يلحقها، خاف تجرالها حاجة هي كمان، ويرجع حكيم لا يلاقي جمرته ولا جمارته، ويبقى موت بشندي على يد حكيم حاجة مفروغ منها. حصلها قبل البوابة ومسك دراعها ولفها عليه وهو بيزعق: رايحة فين تهنطي كده! وهتطلعي قبال الرجالة وطرحتك واقعة من على راسك وشعرك باين كيف. اتنجمتي ياك!
جمارة انتبهت لطرحتها ورفعتها بسرعة وهي بتحاول تخلص نفسها من قبضة بشندي، واتحدت بألم: سيبني يا عم بشندي، هروح لأمي أجيبها. هي بتعرف في الحاجات دي، يمكن ألاقيها عارفة حاجة تعالج جمرة وتلحقها.
بشندي بيأس: متتعبيش حالك. خلاص يا بتي، أمر الله نفذ، وقولتلك اللي ياكل رجل الغراب مفيش منه رجا.
جمارة بصوت باكي: بس سيبني أحاول، الله يرضى عليك، يمكن ربنا يخلف الظن وتروق. سيبني يا عم بشندي، أحسن لو جمرة ماتت وربنا أموت حالي وراها. ماهتحمل أقف قبال حكيم وأقوله ضيعت أمانتك وفرطت في روحك. وزعقت بكل صوتها: الله يحرقك يا غازي، حرق! يحرقك حرق!
بشندي سابها، بس بعد ما أخد نفس شديد وقالها: استنيني هنا، هجيب الكارته وجايلك. رجلك متخطيش بره البوابة غير لما أقف بالكارته قدام البوابة وأحجبك عن عيون الرجالة.
جمارة هزت دماغها بموافقة، وهو سابها وهي وقفت تقلب رجليها كأنها واقفة على جمر. دقايق معدودة عدوا على جمارة سنين، وسمعت بعدهم صوت عجلات الكارته. فتحت البوابة وطلعت واتشعبطت في الكارته، وطلبت من بشندي يسوق بسرعة، وهو من غير ما تقول طلع بالكارته يسابق الريح، وهو شايف جمارة وحالتها وحاسس إن قلبها هيوقف في أي لحظة، مع إنه عارف إن كل اللي هتعمله ملوش عازة. وطول الطريق بيفكر إذا كان هو وجمارة حالتهم كده على جمرة، حكيم هيعمل إيه ويجراله إيه!
وصلوا قبال دار عيشة، وجمارة نزلت بسرعة خبطت على الباب، وأول ما أمها عيشة فتحت الباب، جمارة هبشتها من خلجاتها، جرجرتها على الكارته، كان ناقص تشيلها. وعيشة تسأل بخوف: فيه إيه؟ وجمارة تقولها: همي يمه، هفهمك في الطريق. وحتى مخلتهاش تقفل باب الدار، وسابته مفتوح، وبشندي رجع بيهم على السرايا بنفس السرعة.
جمارة قالت لأمها عيشة كل حاجة، وعيشة بصت لبشندي وسألته: وكلها إيه غراب البين يا بشندي؟
بشندي: رجل الغراب يا عيشة.
عيشة غمضت عينيها بيأس، وبعدها بصت لبنتها: خلاص يا بتي، هي كده في حكم الميتة. ساعات أو أيام هتقضيها قبل ما تسلم، واللي اتكتب عليها مفيش منه مهرب.
جمارة هزت دماغها برفض، ورفعت راسها للسما وصرخت برفض: له يا رب، له! عشان خاطر حكيم الحامل كتابك وحاطك قبال عينيه طول عمره، مش عشان حد تاني. ياااااااااارب.
وصلوا السرايا، وجمارة أصرت على أمها تقولها على أي حاجة تديها لجمرة، حتى تخفف عنها الألم لو نهايتها موت. عيشة بصت لجمرة ومصمصت شفايفها بحسرة، وقالت لبنتها بنبرة يأس: في الأول، روحي هاتي قزازة زيت زيتون كبيرة.
جريت جمارة على السرايا وجابت قزازة الزيت، وعيشة رفعت راس جمرة وفتحت خشمها بصعوبة، وسقتها قزازة الزيت كلها.
جمارة: هيعمل إيه الزيت ده يا أمي!
عيشة: ده عشان يغلف اللي باقي في بطنها من الأكل، ويمنع معدتها تهضمه، وجسمها يمتصه وينزل بسرعة مع الزيت في صورة إسهال.
جمارة هزتلها دماغها بفهم، وعيشة كملت كلام بعد ما خلصت قزازة الزيت كلها في خشم جمرة: ودلوقتي روحي هاتي جنزبيل وورق ريحان أخضر وورق نعناع أخضر وكمون صحيح وبذر حلبة، واغليهم مليح في حلة كبيرة، بس حطي من كل حاجة حفنة، مش غلايتين.
جمارة هزت دماغها، ولسه هتتحرك، أمها كملت: حطي دول على النار، وهاتي لي ليمون وتوم وعسل. ادقي التوم واخلطيه بالعسل، وفقعي عليه لمونة، وهاتيهم بسرعة عشان يخفف من لهب معدتها اللي زماناتها بتتقطع من السم اللي هضمته.
جمارة هزت دماغها وجريت بسرعة عملت اللي قالتلها عليه أمها. بشندي اتوجه لعيشة بالكلام وهو باصص لجمرة: متقوليلها ملوش عازة اللي بتعمليه ده كله يا عيشة.
عيشة: فوتيها تقاوح يا بشندي، عشان متحسش بندم إن كان في إيدها تعمل حاجة ومعملتهاش.
بشندي هز دماغه وقعد حط دماغه بين إيديه ووطى للأرض شوية بتفكير، وبص لجمرة اللي بتصارع ومش متحملة. قام راح على بره، وكلف الغفر كلهم يدوروا له على غازي في كل مطرح، ويجيبوه من تحت الأرض، ولازم يكون تحت إيده الليلة. وبالفعل، الكل انتشر كيف النحل يدوروا على غازي، لكنه في ملح وداب.
أما جمارة، فمفارقتش جمرة دقيقة واحدة، غير لما تروح تغلي لها أعشاب وترجع لها تاني. وبرغم كل حاجة بتعملها لها، إلا إن جمرة حالتها كيف ما هي، مع بتتحسن، ومفيش أكل دخل جوفها. وجمارة بتعوض لها ده بكيلو عسل نحل تشربهولها على مدار اليوم، لكن نفسها المخضوض وإسهالها المستمر ورعشة جسمها وعيونها اللي غمضت ورقبتها بدماغها اللي دايمًا مطروحة على الأرض، بيقولوا إن النهاية قربت. وطول الوقت جمارة تبكي وتلوم نفسها إنها هي السبب في اللي حصل لجمرة بسبب عندها وأنانية، واتمنت لو تقدر تاخد منها اللي فيها وتطيبها قبل ما حكيم يعاود.
عدى يوم كمان على نفس الحال، ولسه جمارة بتراعي في جمرة. ميأستش ولا تركت الأمل، حتى وهي شايفة حالتها اللي كيف ما هي. وكل خوفها وهمها من لحظة مواجهتها لحكيم، وعتسأل حالها في كل ثانية: يا ترى لما أقف قدامه، هقوله إيه؟ ولا هبصله بأنهي عين، وهي خانت أمانته ليها. لأول مرة تتمنى يطول سفره وميعاودش دلوقتي، وتأجل لوم وعتاب محتوم. لأول مرة نفسها الأرض تتشق وتبلعها قبل ما تقف قصاده، ويتطلعلها في عينيها طلعة اللي لما منعها عينيها، كانت هتموت قهر. لكن التمني عمره ما كان بيمنع محتوم.
حكيم خلص شغله بدري بدري، النوبة دي، وعاود بسرعة على غير عادته. وغازي لما عرف بطريقته إن حكيم في الطريق، نهى كل حاجة، وطلع الرجالة في الدرة واحد واحد من المشتمل، بعد ما عطاهم حق تعبهم وشيعهم على بلدهم ذهاب بلا عودة، عشان خلاص مبقاش محتاج لهم تاني. قفل الأوضة ورجع كل حاجة مطرحها، ووضب المشتمل، وطلع من الباب الوراني، لام شاف ولا من دري. وعوض مستمر يقول لبشندي إنه معاوَدش للمشتمل ولا هوب حواليه حتى. غازي طلع من المشتمل وهمل البلد، واندل البندر يظبط حاله، ويشوف الخطوة الجاية هتبقى إيه. مكانش خايف من حكيم أبداً على اللي عمله في جمرة، عشان خابر زين إن حكيم مكتّفه عهد وقسم ووصية أبوه اللي طول عمره مقدرش ينقضهم. وده اللي مخلي غازي يلعب براحته وعلى مزاجه من غير خوف. بالعكس، كان متأكد إن اللي عمله في جمرة هيعود عليه بالنفع اللي يريح قلبه وباله. لكن خوفه، كل خوفه، من بشندي اللي عارف ومتأكد إنه مستني عليه فرصة، لو طالها مش هيتوانى في قتله.
وصل حكيم للبلد وقرب على السرايا، وبشندي وواحد من الرجالة وعيونه من بعيد، وجريوا عليه. الراجل خد منه الشنطة يوصلها له للبوابة، واتحرك من جنبهم. وحكيم وقف وديق حواجبه وهو شايف شكل بشندي وملامحه اللي خبرت حكيم إن فيه مصيبة مغلقة حصلت في غيابه، وقلبه وقع في رجليه. حكيم همس لبشندي: قول حصل إيه في غيابي بسرعة، وفي كلمة واحدة يا بشندي!
بشندي جاوبه وعيونه لسة على الأرض: (جمرة).
حكيم سمع الاسم وجرى بكل سرعته على بوابة السرايا، دفعها بكل قوته ودخل رامح. جمارة كانت قاعدة قبال جمرة، وحاطة إيديها على خدودها، وباصالها ومنتهية من البكا والحزن، وقامت بسرعة لما طرفت بعينيها وشافت اللي جاي رامح ناحيتهم كيف الريح. وقفت، وهو أول ما وصل حداهم وقف، وجمارة وقفت قباله بخوف، ولساتها هتتحدت وتفتح خشمها. حكيم زاحها من قباله بالراحة عشان يفتح له المجال يشوف اللي متأكد إن قلبه مهيتحملهوش، لكن شوفته شر لا بد منه. بعد جمارة عن طريقه، وبص لجمرة، وكتم شهقة جواه، وغمض من المنظر اللي شافه واللي فاق تخيلاته، واللي عمره ما كان متوقع إنه ييجي عليه يوم ويشوف جمرة قلبه في الحالة دي.
جمارة: حقك عليا يا سي حكيم، والله ماشفته. وحياة النبي لو شفته، كنت أكلته بسناني قبل ما يعمله.
حكيم قرب على جمرة بخطى بطيئة خالية من الحياة، وقعد جنبها، ورفع دماغها بصعوبة، حطها على رجله، وقرب لم ودنها وهمس: خلاص هتسيبي حبيبك وتفارقي يا رفيقة الدرب وخليلة الروح! هتاخدي الروح وتفوتيني جسم من غير روح يا جمرة القلب؟
همسه ليها كان مسموع بالدرجة الكافية اللي تخلي جمارة تنهار وتقعد على الأرض وهي حاطة إيدها على خشمها، وبتعيط على حال جمرة وحكيم اللي متحملتش تشوفه بالمنظر ده، ولا كانت تتمنى في يوم من الأيام تشوفه مكسور وهي تكون سبب كسرته. أما بشندي، فكان واقف بعيد وشايف حال حكيم، ويحبس دمعة في عين، تغافله التانية وتنزل، ويجري وراها بإيده يمسحها قبل ما حد يلمحها. واللي عصر القلوب كلها وقت ما حكيم مال على جمرة وباسها، وهو بيلمس على شعرها بحنية، وهي رمشت بعيونها اللي ليها أيام متفتحتش، وفتحتهم نص فتحة، وبصت له كأنها بتودع منه وتودعه لآخر مرة، وبعدها غمضت عينيها تاني. وهو صرخ بقهر من بصتها عليه كأنها بتقول له: ليه هملتني وفوتتني للموت من بعدك. قام بضعف بعد ما ساند دماغها على الأرض بحنية، وبص لجسمها اللي بيرتعش شوية ويبطل شوية، وبص لفوق، وغمض عينيه وكتم صرخة لو طلعت تشق الحناجر. فتح عينيه وبص لبشندي اللي اتقدم منه لما حس إنه هيقول له حاجة.
حكيم: غازي، مش كده!
بشندي: ومين غيره حراق قلوب يا ولدي.
حكيم: من مته وهي كده.
بشندي: من تاني يوم سافرت فيه.
حكيم بص لها وشفايفه ارتعت، واتحدت بألم: وسبتها كل الوقت ده تتألم يا بشندي؟
بشندي: متحملتش أعملها يا ولدي. مقدرتش أزهق اللي خابر زين إنها الروح ليك.
حكيم: بس ده أهون من إنك تكون واعي روحي بتتعذب قبال عينك ومتنهيش عذابها يا بشندي.
قالها ومد له إيده. وبشندي حط إيده في قب الجلابية وطلع الطبنجة، مدها لحكيم اللي اتلافاها بإيد بترتعش، وعدلها وسلحها، ووجهها على جمرة.
جمارة شافت اللي بيحصل وقامت هابة على حيلها، وقفت قبال حكيم وفردت دراعاتها بخوف، واتحدت بصوت عالي: هتعمل إيه يا سي حكيم ده! جمرة! أوعاك يا سي حكيم! كيف قلبك طاوعك ترفع عليها سلاح! حرام عليك، انت مش شيخ وعارف الحرام والحلال؟
حكيم مقدرش يرد عليها، ولا لسانه قادر ينطق بكلمة، وعينه على جمرة، وإيده بترتعش، وروحه بتتحرق، وعامل كيف أب اختار يموت عياله عشان ينهي عذابه، وخابر زين إنه هيموت قبل منه. وإن رصاصة الرحمة اللي هتتحط في جسم جمرة هتدخل في قلبه قبل منها. لكنه عارف إن موته وموتها مرة واحدة أهون من إنه يشوفها بتتعذب قصاد عينه ويموت قبالها ألف مرة.
حكيم لسة مادد إيده بالطبنجة بإصرار، وعيونه انطعنت بالحمار، وملامحه وجسمه كله بيرتعش قبال رجفة إيده. وبشندي بسرعة مد إيده، مسك جمارة وبعدها من قدام حكيم، ووسع له المجال. وحكيم وجمرة بقوا قبال بعض. فضل مادد إيده عليها وصورتها في عينيه، وهي بتجوب بيه الشوارع كيف بساط الريح اللي بيعرف وجهة صاحبه من غير ما يقول له. وفرحتها بيه لما تشوفه جاي عليها من بعيد. خوفها عليه لما وقع جار النهر، وراحت جابت له بشندي وجات له طايرة بلهفة وخوف. وطول عمرها قلبها عليه كيف قلب أم. حركة دماغها ليه وهو قاعد يحكيلها عن كل حاجة وجعاه، كأنها فاهمة وعتقول له: متخافش، إني معاك، مش هسيبك. كل الصور دي مقدرش حكيم يبعدها عنه. وصرخ في بشندي مرة واحدة، لما لا قلبه ولا عينيه ولا عقله ساعدوه على اللي عايز يعمله، وفوقهم صوت صراخ جمارة اللي انضمت لها غالية، والاتنين بيترجوه ميملهوش.
حكيم: بشندددداااااي، خد وخلص قوام.
بشندي ساب جمارة وراح على حكيم، خد منه الطبنجة، مدها على جمرة. وجمارة نطت عليه مرة واحدة، ومسكت دراعه اللي فيه الطبنجة بإيديها الاتنين، ورفعته لفوق وهي باصة لحكيم بترجّي: خصيمك النبي متخليه يموتها. خصيمكم النبي انتو الاتنين تسيبوها تموت لحالها. حرام يا ناس، والله حرام.
حكيم رد عليها بصوت مخنوق من حبسة الدموع: مش حرام يا جمارة، دي اسمه قتل الرحمة، ودي أحله ربنا في حالات معينة، وحالة جمرة واحدة منهم. همليها ترتاح لو بتحبيها صح. اللي بيحب ميرضاش بعذاب حبيبه. خلي بشندي يشوف شغله.
قال جملته وهرب من قدامهم على جوه السرايا، عشان لو فضل ثانية واحدة هينهار، وتدوب كل قشرة القوة اللي مغلفاه، وكان حاسس إنه خلاص هيقع من طوله. وأول ما شاف أمه على باب السرايا قاعدة بالكرسي وشايفة كل اللي بيحصل، وبصاله بعيون باكية، وهو بيقرب منها، وبص لها بنظرة خلتها تتأكد إن ولا كل كلام الدنيا هيقدر يبرد نار قلبه على جمرته، ولا يخفف قهرته عليها. وصل حكيم حداها واتخطاها ودخل السرايا بسرعة، وهي فهمت إنه في اللحظة دي أضعف ما يكون، وعايز يختلي بنفسه ويطلع ضعفه بينه وبينها وبس.
أما جمارة، ففضلت في صراع هي وبشندي، وانضمت لهم غالية. والاتنين بيمنعوه إنه يضرب جمرة بالنار. وجمارة وصلت لحالة هستيرية، لدرجة إنها كانت بتترجاه مرة وتشتمه مرة، وفي كل مرة بعد الشتيمة أو الترجي، تنهيها إنها توطي على يد بشندي، عايزة تحب عليها. وهو يبعد إيده ويستغفر. شد وسحب وجهد. قدر بعدهم بشندي يحرر إيده اللي فيها الطبنجة من جمارة، ويزيحها بعيد عنه. وغالية لما شافت بشندي مصمم، عرفت إنه هيكتل جمرة، يعني هيكتلها. وعشان تنهي الصراع، مسكت جمارة، وبشندي مد إيده بالطبنجة على جمرة.
حكيم في الوقت ده طلع أوضته وقفل بابها، وفضل يلف فيها كيف المجذوب. موقفهوش عن اللف غير صوت الطلقة اللي حسها دخلت في قلبه، خلته غمض عينيه وقعد على الأرض، وسند ضهره على السرير، وحط دماغه بين إيديه، وهو حاسس حاله صفى لحاله، بعد ما الاتنين راحوا منه. قلبه وروحه. جمرته وجمارته.
رواية جمارة (بين العشق والقسوة الفصل التاسع عشر 19 - بقلم ريناد يوسف
دقايق عدت على حكيم حس فيها إن روحه بتتسحب منه، وتأكد فيها إن جمرة كانت روحه فعلاً مش كلام.
كل اللى كان بيدور في باله في الوقت ده هو إنه إزاي يشفي غليله من غازي، إزاي يقدر ياخد بتار جمرة منه وهي حيّة. تارها ميتاخدش غير من حيوان زيها يكون عزيز على قلبه، لكن غازي ولا حداه عزيز ولا حداه قلب من أصله.
فضل يفكر في كل حاجة عملها لغازي من يوم ما رجعه للسرايا، وفي المقابل هو ردهاله إيه. شاف إنه خسر كتير بسببه ولساته هيخسر.
خسر فلوس بسبب فصول كان يدخله فيها غازي برجونيته وقلة عقله، وعرايك مكانتش تتحل غير بمبالغ تقطم الضهر كان يدفعها حكيم من سكات بس عشان يتكفى شر المشاكل. كان هيخسر حياته كذا مرة بسببه، لكن ستر ربنا لحكيم كان واقفله بالمرصاد وأحبطله كل مخططاته.
خسر حبه، البنية الوحيدة اللي عرفته إن قلبه عايش وقادر على العشق، وعرفته إن فيه دنيا تانية حلوة غير دنيا الفصول والتارات والشغل والمرمطة وشيل الهم. وورت قلبه حلاوة الدنيا.
وأخيراً خسر جمرته اللي رافقته في دروب العشق والشوق، وحتى في دروب الصعاب كانت تشيل همه، واللي عشقها كان هيمشي كيف الدم في عروقه. هيستنى يخسر إيه تاني؟ هيصبر على غازي ليه؟ وهو أبوه أكيد دلوقتي حاسس بلوعة قلبه ومسامحه وحله من عهده ووعده.
ساعات النهار مرت عليه، كل ساعة دهر وهو حابس حاله في أوضته، ومليش نفس ينزل لدنيا جمرة معادش موجودة فيها. غالية كل هبابة تطلع تدق الباب وتحدّته وتطمن عليه وتطلع له، وكل وشرب، لكن هو مفيش على لسانه غير جملة واحدة: "همليني لحالي، هملوني لحالي، ماعوزش حاجة".
عدى النهار وجه عليه الليل، ونار قلبه على جمرته مهديتش ولا بردت هبابة. قام على الشباك وفتحه بالراحة وهو مغمض عينيه، وعيتمنى إنه أول ما يفتحهم يشوف جمرته قباله، وجمارته واقفة جنبه بتسبحها وتلعب معاها كيف آخر مرة شافهم فيها.
لكن للأسف، أول ما فتح شاف مطرح جمرة فاضي إلا من سرجها وأكلها ولجامها. رجع غمض عينيه تاني وقفل الشباك بسرعة، ورجع قعد على السرير بروح خاوية، وحاسس كيف ما يكون حاجة غايبة جواه، ومن مطرحها هو كيف بلد مهجورة ميتسمعش فيها غير صوت صفير الرياح.
قام اتوضى وصلى، وحمد ربه على كل مكروه، ودعاه يصبر قلبه ويجبره، عشان بجد النوبة دي الكسرة بالموت أوعر ألف مرة من كسرة البعاد.
اتمنى لو إن غازي كان خد جمرة منه وعذبه بالبعد كيف ما خد منه جمارة، بس عالأقل كانت هتبقى عايشة قبال عينيه ونفسها في الدنيا. لكن للأسف، غازي النوبة اختار حاجة عدت حدود الوجع أشواط.
تاني يوم الصبح لبس وطلع من السرايا الصبح بدري من غير ما يروح لأمه ولا يصبح عليها. وعدى الجنينة بسرعة وطلع منها، راح الأسطبل خد عنتر، بعد ما بص على مطرح جمرة لقاه فاضي وزادت قهرته.
مع إنه متأكد إنها ميتة، بس مش خابر ليه عينيه مصدقينش ولساتهم بيدوروا عليها في كل مطرح كانت هتبقى فيه.
خد عنتر وطلع بيه، وغصة في قلبه بتكبر وهو مضطر يوجهه على كل مطرح عايزه يمشي فيه، عكس جمرة اللي كان بيسيب لها نفسه وهي اللي تاخده للمطرح اللي عاوز يروح له.
خد لفته ورجع نزل قدام باب السرايا، وادى الفرسة لواحد من الرجالة، وراح على بشندي اللي كان واقف، وعنيه نظرة تطالع حكيم ونظرة تطالع الأرض تحت منه، ووشه مطعون بسواد الخزي والكسوف من تقصيره في أمانته.
حكيم قرب منه ورفع إيده ضربه على دراعه ضربتين، وتبعهم بتمسيده وهمس له: "الموت ما يتحاشش يا بشندي. (ولو كنتم في بروج مشيدة يدرككم الموت) بس هي الأسباب اللي هتكون مش على البال هي اللي هتقهر، ووجع الفراق هو اللي هيكوي.
لكن عيش، جمرة خلصت من على الدنيا وكانت هتموت في الوقت ده هتموت. بيد غازي، بيد غيره، بالسم، موتة ربنا. المهم إنها كانت هتموت في نفس الوقت والساعة. والإيمان بأن أمر الله نافذ هو اللي هيصبر. صح الفراق وجعه واعر، بس حتى الفراق نصيب، وله معاد".
بشندي هز له راسه ورفع عينيه عليه: "هشيع لك لقمة تاكلها، تلاقيك على لحم بطنك من امبارح".
حكيم ابتسم له بتعب: "شيع يا بشندي عشان تاكل معايا إنت كمان، شكلك مدوقتش الزاد من امبارح، ووعي رجليك بتنتفض من تحت الجلابية. متحملش الجوع يا وِكلهم، بطنك طويلة. وكمان أحسن تطب من طولك وتروح مني إنت كمان، وتبقى طربقت على راسي من كل جهة".
بشندي ابتسم ولف شاور لواحد من الرجالة، وبعته جاب أكل وفطروا. ومع إن حكيم كل لقمتين وخلاص، لكنه قدر يكسر بيهم حداد بشندي عن الأكل ويخفف عنه عشان ميهتحملش بشندي تجراله حاجة بسبب عذاب ضمير وندم لا هيقدم ولا هيأخر ولا هيغير في الوضع شي. خلص وقام مع بشندي، طلوا على الأرض وسأل على غازي، غار فين؟ وبشندي قله فص ملح وداب، واتمنى حكيم إنه فعلاً يكون داب واختفى من حياته كيف فص الملح، وما يعاودش تاني أصل.
خلص لفته ودخل السرايا، وكان دوره في تطيب خاطر أمه ويطمنها عليه. والظاهر قدره ونصيبه يفضل طول عمره يلف يداوي جروح الناس، مع إنه هو صاحب الجرح الأكبر والأعمق.
وفعلاً طمن أمه عليه وقعد جنبها وجنب غالية هبابة، وطول ما هو قاعد عينه تتلفت وتدور في كل مطرح. ولما طال البحث، غالية رحمتهم من التعب لما جاوبته على سؤال مسألهوش بلسانه، بس باين في عينيه.
غالية: "قاعدة في المشتمل، حابسة حالها، والندم وعذاب الضمير هيكتلوها يانظري. مفيش على لسانها من ساعة اللي حصل غير: إني السبب، كله من تحت راسي، ياريتني ما كنت اتشعبطت فيها. ياترى حكيم هيقول عليا إيه دلوقتي".
حكيم رفع إيده فرك وشه بتعب، وداس على مقدمة عينيه بصوابعه السبابة والإبهام، وهو بيرد على غالية: "روحي لها يا غالية وقولي لها تهون على نفسها، دي قضى ربنا، وحكيم ما يعترضش على قضى ربنا مهما كانت أسبابه. قوليلها تطلع وتنسى، وما تحملش نفسها ذنب فوق طاقة قلبها. ووكليه يا غالية، ووديلها أكل واغصبي عليها أحسن تقع من طولها من قلة الأكل".
خلص جملته وسابهم وطلع، تحت نظرات أمه اللي حاسة بيه وبقلبه الملجوم، ومع ذلك داير يخفف الحمول من فوق كتاف الكل.
حكيم طالع ووقف شوية قبال المشتمل، واتردد يروحلها ويطيب خاطرها ولا يفوت المهمة لغالية تقوم بيها. وقرر إنه مش هيقدر يقف قبالها هي بالذات ويمثل القوة عليها كيف ما بيعمل مع الكل، وإنه بمجرد ما هيطلع لعنيها، كل اللي كاتمه هيبان عليه، عشان هي الوحيدة اللي ما يقدرش يتماسك قدامها.
طلع وباقي اليوم قضاه بره، ورجع آخر الليل، سأل غالية عليها. قالت له إنها لساتها برضك حابسة حالها في المشتمل، ومرضياش تطلع منه، مع إنها كلمتها كتير وبلغتها كلامه، لكن مفيش فايدة. بس بتوديلها أكل وشرب، وبتغصب عليها تاكله لقمه ولا لقمتين بالعافية.
حكيم هز دماغه لغالية بتفهم وسابها وطلع على أوضته. قلع عمته وعبايته، وفتح الشباك ووقف فيه شوية عشان يعتاد على المنظر الجديد اللي مفهوش لا جمرة ولا جماره، وقريب ولا حتى العصافير يمكن تكون موجودة. وقفل الشباك وراح على سريره، رمى حاله عليه بتعب، واتكفى. محسش بنفسه نعس ميته من تعب بدنه وروحه وقلبه وعقله.
يومين كمان عدوا على نفس الحال. حكيم طالع داخل على السرايا، ولا مرة لمح جماره. وكل ما يسأل عليها غالية تقوله: "لساتها على حالها".
متحملش أكتر من أكده فراق منها، ولا اتحمل عليها تعاقب حالها أكتر من أكده. وقرر إنه النهارده بعد ما يرجع من مشاويره، هيروحلها ويجبرها تطلع من عزلتها، ويجبرها تعاود لدنيته وتحلى مرارها بإحساسه بأنها حواليه وجاره منه في مطرح واحد. وحتى لو هيضعف قبالها، الضعف قصاد النفس مش عيب.
خلص حكيم مشاويره وراجع على السرايا بقرار ختمه بختم الإصرار إنه مش هيدخل السرايا غير وجمارة معاه.
فتح البوابة ودخل، ويادوبك خطى خطوتين وشاف جمارة جايه عليه تجري بسرعة الريح، وهدومها تفرفر من كتر السرعة. ووقفت قباله وفضلت تنهج وتكح وهي بتضحك بصوت عالي وفرحة.
حكيم بص لها ورفع حاجبه باستغراب، وهي كل ما تيجي تبطل ضحك عشان تعرف تتحدث مع حكيم، متعرفش تنطق وترجع تضحك على حالها من تاني.
حكيم شبح ابتسامة لاحت على ملامحه وهو شايف حالتها، وفضل باصلها من غير ما يتحدث، ومستنيها تنهي استغرابه بأي كلمة. لكنها زادت استغرابه أضعاف، لما مرة واحدة مسكت طرف كمه وشدته وابتدت تجري، وجبرته على المشي معاها بسرعة، وهو مش فاهم حاجة، وهي كل اللي بتعمله إنها تضحك وتبصله وتجري.
وصلوا قدام باب المشتمل، ووقفت جمارة تنهج، وحكيم سحب كم جلابيته منها وسألها: "إيه عاد الجلع دي يا جمارة؟ عتيعملي أكده ليه؟ وإيه سر الفرحة دي كلها اللي وعيها في عينيك؟"
جمارة متكلمتش، لكنها كملت فتح باب المشتمل اللي كان موارب سنة صغيرة عشان يتفتح قدام حكيم، ويخليه يشهق من اللي شافه، ويتسند على الحيطة بضعف، وهو شايف قبال عينيه جمرته عايشة وواقفة على حيلها.
حكيم بص لجمارة بذهول، وهي شالت إيدها اللي كانت حاطاها على خشمها واتكلمت بسعادة: "مفاجأة حلوة صح؟"
حكيم عينيه دمعت وهو بيتقدم لجمرة ويشبرها بعينيه، ورفع إيده حطها عليها عشان يتأكد إنه مش في حلم، وإن جمرته هي اللي واقفة قباله صح. واتأكد من ده لما جمرة ميلت دماغها على كتفه بضعف، وهو خدها في باطه بضحكة ممزوجة بدموع مقدرش يحوشها. وزادت دموعه وضحكته لما جمرة بعدت راسها عن عينيه مرة واحدة، كأنها انتبهت إنها زعلانة منه وكانت ناسيه.
حكيم راح وراها مطرح ما ولت، ورجع حضن دماغها وهو بيحب فيها في كل مطرح، وكل حبة شكر لربنا وامتنان واعتذار لجمرة إنه اتخلى عنها.
فضل مسافة هو وجمرة مع بعض، جمرة تبعد عن عينيه بعتب، وهو يقرب منها بفرحة وندم. وجمارة بصت لهم وعينيها مبطلوش دموع على شكلهم وعمايلهم، وكل ثانية تحمد ربنا على الفرحة اللي شايفاها في عين حكيم بجمرته.
حكيم فتح عينيه أخيراً بعد ما كان مغمضها وحاضن رقبة جمرة وساند دماغها على كتفه، وعيمسد على شعر رقبتها، وهمس لجمرة بعد ما انتبه لحاله وبص بعيد يمسح عينيه.
"بس بعد إيه، بعد ما كنت جمرة شبعت شوف وضحك وهي وعيه، بيحاول يداري دمعته منها. همسلها بصوت منتهى من المفاجأة: "كيف يا جمرة؟"
جمارة ابتسمت ورجعت بذاكرتها لورا لأيام فاتت، وهي بتحكيله وبالذات يوم ما حكيم أدى الأمر لبشندي إنه يموت جمرة وسابها وجرى من قبالها.
"بشندي رافع الطبنجه على جمرة، وغالية ماسكة جمرة عشان بشندي يخلص أمر محتوم. لكن جمرة مستسلمتش وفضلت تصرخ. وآخر حاجة اتكلمت بقهر: 'والله والله.. والله العظيم ورحمة أبوي وغلاوة حكيم وجمرة وغلاوة كل عزيز على قلبي، لو طلعت من طبنجتك طلقة ودخلت في جسم جمرة لتكون طلقة زيها مبيته في قلبي وتنهي حياتي معاها. أقسم بالله يا بشندي لو موتت جمرة لهتحفر قبرين، واحد ليا وواحد ليها، وأكون نايمة في حضنها النهارده'.
بشندي كان هيدوس على الزناد وقال إن ده حديث وقت زعل وتهديد. لكن جمرة اللي اتخلصت من يد غالية وجات رامحة عليه ووقفت قدامه ومسكت إيده، وحطت فتحت الطبنجة في دماغها وهمست من بين سنانها: 'لو هتموتها، يبقى أول طلقة من نايبى إني، وبعدها أضرب التانية في جمرة'.
بشندي صرخ فيها: 'يبنتي حرام عليكي، مواعياهاش، عتتعذب كيف! ومش هتروق، مش هتررررروق، ولا تعيش صدقيني'.
جمارة: 'خلاص سيبها، وعذابها قادر ربنا يخففه عنها، هو أحن عليها من طلقت طبنجتك اللي هتريحها بيها. سيبني قاعدة جنبها وأداوي فيها لحد ما تفيض روحها لحالها'.
بشندي بص في عيون جمرة وشاف فيهم إصرار، حطه قدام خيارين: يا إما يموت جمرة واتأكد إنها هتموت حالها وراها، يا إما يسيب جمرة تتعذب ويعذب قبالها حكيم. وفي الحالتين حكيم متعذب، متعذب.
بشندي نفخ بغلب ورفع إيده للسما وضرب طلقة في الهوا خلت جمرة وغالية يصرخوا في صوت واحد.
بشندي بعدها اتحدث بقلة حيلة: 'هسيبهالك يا جمرة، بس بشرط. حكيم دلوقتي فاكر إن الطلقة نهت حياة جمرة، وخليه يفضل فاكر كده، محدش يقوله غير كده. وجمرة هدخلهالك المشتمل، وخليها تتعذب قبال عينك، وذنبها وعذابها في رقبتك، ولما تموت هطلعها من باب المشتمل الوراني من غير ما حكيم يحس بحاجة'.
جمارة هزت له دماغها بفرحة ومسحت دموعها بطرف طرحتها. وبشندي بص لغالية: 'أوعك يا غالية حكيم يدري بالحديث ده'.
جمارة ردت عليه بسرعة وهي باصة على غالية: 'له، ما هتقولش، ما هتقولش حاجة أصل، مش كده يا غالية؟'
غالية هزت دماغها بتأكيد: 'متخافوش، ما بنطق ولا هجيب له سيرة'.
بشندي اطمن وبص حواليه، وبص على شباك أوضة حكيم، واطمن محدش واعيله. وطلع جاب 3 رجالة معاه، وشالوا جمرة على شومتين، كل اتنين مسكوا شومة ودخلوها المشتمل. وجمارة وغالية ساندين رقبتها ودماغها. وجمارة بسرعة جابت بطانية من فوق السرير فرشتها تحتيها على الأرض.
طلع بشندي هو والرجالة من باب المشتمل الوراني، بعد ما وصى الرجالة إنهم ميجيبوش سيرة لحكيم بيه، ولو جات سيرة جمرة قبالهم يقولوا بشندي طخها وماتت. والرجالة وعدوه هيعملوا كيف ما وصاهم، وطلعوا كلهم.
ومن ساعتها وجمارة قاعدة ليل نهار تحت جمرة تغلي لها في أعشاب وتسقيها وتشربها عسل.
عدوا يومين وجمرة على نفس حالها، وبدأ اليأس يتسلل لقلب جمارة، ونامت في آخر ليلة تبكي وتدعي ربنا ينزل رحمته على جمرة ويعافيها. وعلى قلبها قبل جمرة، وقلب حكيم اللي متأكدة إنه ملجوم على جمرة كيف واحد دفن عيل من عياله مش فرسته.
نامت يومها جنب جمرة، وحطت دماغها قريب من دماغ جمرة، ومدت إيدها حضنت دماغها وطبعت عليها بوسة بشفقة وألم، ونامت وصوت شهقتها ينافس صوت خضة جسم جمرة.
وسبحان من نزل رحمته على الاتنين، لما جمارة فتحت عينها لما حست شي تقيل على صدرها، وبصت شافت دماغ جمرة ساندها على صدرها، وعينيها مفتوحة نص فتحة.
إحساسها في الوقت ده مفيش أي كلام يقدر يوصفه، وفرحتها عشان تتحكى عايزة سنين.
فقت من نومتها وحضنت دماغ جمرة وضحكت وقتها من قلبها، ضحك مخلوط بدموع الفرح، وسابت دماغ جمرة بالراحة عشان تعدل قعدتها وتسجد شكر لرب العالمين، سجده طويلة مقطعتهاش غير جمرة وهي بتسند دماغها على جمارة كيف ما تكون بتصحيها من نوم، أو خافت عليها تكون جرتلها حاجة.
جمارة اتعدلت وخدت دماغ جمرة في حضنها، وجمرة غمضت عينيها بضعف. وجمارة ريحت دماغها وقامت جابت لها أكل وفول، وفضلت تتحايل عليها تاكل وتمد لها الأكل بإصرار قدام خشمها. وجمرة حاولت، لكن كل ما تتلافى حاجة بخشمها، تقع منها تاني. حتى الفول ودته في خشمها يمين وشمال ونزل من خشمها حي كيف ما هو، مقدرتش تمضغه.
جمارة قامت وخدت كمية فول كبيرة ولينتها في ماعون، وحطت عليها ميه سخنة، واستنت ساعة كان الفول لان. جابت مكنة الطعمية وفضلت تهرس في الفول مرة واتنين وتلاتة، لما نعمته خالص.
بعدها جابت القزازة اللي بتسقي بها الأعشاب لجمرة، وحطت نصها فول وكملتها ميه ورجتها، وسقتها لجمرة اللي فضلت تشرب بلهفة كيف عيل صغير جعان.
فضلت جمارة تعيد الكورة وتسقيها الفول بالميه، لغاية ما جمرة شبعت وهزت دماغها برفض لجمارة، وبعدت خشمها عن عينيها.
جمارة ركنت القزازة جنبها ورجعت بصت لجمرة بفرحة، وخدت راسها في حجرها، وفضلت تمسد على شعرها بفرحة، وكل هبابة ترفع دماغها تشكر ربها وتنزلها تبص لجمرة وهي مش مصدقة، وحاسة حالها بتحلم.
فضلت مسافة على الحال دي، وبعدها شافت جمرة فتحت عينيها زين، ورفعت دماغها من حجر جمارة بضعف، واتلفتت حواليها كيف ما تكون بتسأل حالها: "أنا فين، وإيه جابني هنا، وإيه اللي حصل؟"
جمارة قامت من جنبها وحاولت تساعدها تقف، لكن جمرة مكانتش بالحيل اللي يخليها تقدر تقوم. وحتى هي حاولت مع جمرة وهي بتحاول تقومها.
ضمت رجليها القدامين وجابتهم تحتها، وكل ما تهم عشان تقف، متقدرش. وجمارة لما شفتها مقدراش، سابتها مرضيتش تحمل عليها بالتعب، ورحمت ضعفها. وطلعت على بره، ملت إيديها سكر نبات، ورجعت لجمرة مدتهالها، وجمرة قربت منهم تاكل بلهفة. واللي ساعدها إن السكر بيدوب، وبتدر تبلعه بسهولة.
فضلت طول النهار مابين توكل جمرة وتسقيها أعشاب، وجابت ميه سخنة وحتتة قماشة، وفضلت تبل فيها وتمسح في جسمها وتنضفها. وجابت فرشة وابتدت تسرح شعر رقبة جمرة، والغرة اللي بين عينيها، واللي واخده لون أحمر مع أبيض، مخلياها كيف ما تكون أميرة. وبصت لها وحضنتها وهي بتضحك، وشبهتها فعلاً بالأميرة اللي أكلت التفاحة المسمومة وماتت، ورجعت للحياة تاني.
تاني يوم برضك على أدي الحال، وجمرة بتحاول تقوم ومقادرة. وجمارة تساعد فيها من غير كلل ولا ملل. وفجأة دخلت غالية بالأكل. وكانت في اليوم اللي قبله مراحتش لجمارة عشان ودت لها أكل كتير الصبح يكفيها طول النهار. وأول ما شافت جمرة بالحالة دي، صنية الأكل وقعت من إيدها، وكانت هتزغرت بفرحة. بس جمرة منعتها لما جريت عليها وحطت إيدها على خشمها.
جمارة: "أمانة عليكي، متعرفي حد غير لما جمرة تقف على رجليها. وخصوصي حكيم. عايزاه لما يشوفها يشوفها وهي واقفة وبعافيتها كيف ما اتعود يشوفها. وكمان تعملي فيا جميلة لو خليتيني إني أقوله بنفسي وأشوف الفرحة في عينيه اللي كساهم الحزن بسببى".
غالية هزت لها دماغها بموافقة. لولا ما جمارة بعدت إيدها عن خشمها براحة، وغالية نطقت وهي باصة لجمرة بعجب: "صح، يحيي العظام وهي رميم. سبحانك يارب. فلوسك حلال يا جمرة، والله".
جمارة بصت لجمرة بعشق ونطقت: "حبها اللي في قلب حكيم هو الحلال. والحب الحلال كيف القرش الحلال، ربنا ما بيضيعوش أصل".
غالية فضلت باصة لجمرة ومتعجبة، وقعدت شوية مع جمارة تحكي معاها، وهما الاتنين يتوقعوا فرحة حكيم هتكون عاملة كيف بجمرة، ويضحكوا بفرحة. وبعدها غالية سابت جمارة ورجعت للسرايا.
وليلتها نمت أنا وجمرة جنب بعض، وصحيت عليها وهي بتعافر، وصوت ضعيف طلع منها. بصيت لقيتها قامت ووقفت على رجليها. قمت بسرعة وسندتها على الحيطة وعليا، وأنا شايفه رجليها بترجف وبتتطوح، وفين لما قدرت تقف بثبات ورعشتها تخف. وطرت جبت لها أكل، ووقفت قدامها أوكلها. وهي قدرت تاكل، والله يا سي حكيم، عينيها لمعت كيف ما تكون فرحانة بحالها إنها راقت.
حكيم بعد وبص لجمرة، حبها في كل حتة في وشها مرة تانية، ورجع حضنها من تاني وهو بيضحك بس بملامح باكيه وعينيه على جمرة، وفيهم كل شكر الدنيا.
جمارة: "أمانتك أهي يا سي حكيم، رجعتهالك".
حكيم: "قصدك تقولي روحي أهي يا حكيم، رديتهالك. إنتي ردتي لي روحي يا جمرة. اطلبي واتمني يا جمرة، وقوليلي أكافئك بإيه على تعبك ووقفتك جنب روحي اللي أنا اتخليت عنها. اطلبي أغلى حاجة في الدنيا، وإني أجيبهالك تحت رجليكي، حتى لو مفيش غيرها في كل الدنيا، هفضل العمر كله ألف الدنيا رحال لغاية ما أعود لك بيها".
جمارة بصت له وهمست بنبرة حالمة وصوت مسموع ونبرة تمني وهي مضيقة حواجبها: "إني ما عاوزاش من الدنيا دي كلها حاجة يا سي حكيم". وكانت هتكمل وتقوله غيرك إنت بس، لجمت لسانها في آخر لحظة وكتمتها جوا قلبها وسكتت.
شويه على الحال دي، وجمارة شافت إنها لو سابت حكيم، هيفضل طول النهار حاضن جمرة وناسي حاله.
جمارة: "أقول يا سي حكيم نطلعوها بره تتشمس؟ هبابة الشمس زينة عليها قوي تشد عضمها وتقوي جسمها".
حكيم همس وهو مغمض عينيه وحاطط دماغ جمرة على كتفه وعيمسد على شعرها: "اللي تقوليه يجرالك يا جمرة، وبعد قولك مفيش قول يتقال". وشال دماغ جمرة من على كتفه، وبالراحة ابتدا يشدها يطلعها. وجمارة انضمت له، وجمرة ابتدت تتحرك معاهم خطوة خطوة، بعدم اتزان، كأنها عيل صغير لسه بيتعلم المشي جديد، لغاية ما طلعت للجنينة.
اللي حكيم انتبه لأول مرة إن شجر التوت اللي فيها كله متكسر، مع إنه كان بيفوت عليها كل يوم، لكنه ما خدش باله من ده كله، كأنه كان مغيب. وطبعاً مكانش محتاج يسأل مين اللي عمل كده، عشان دي عمايل متطلعش غير من واحد واطي، لا عاتق نبات ولا حيوان، ولا حتى إنسان ما آذيهوش.
وقفوا جمرة في الشمس. وغالية لمحتها ودخلت قالت لأمها وطلعتها على باب السرايا بالكرسي تبص عليها. لما صدقتش غالية لما قالت لها إن جمرة عايشة، وضحكت بفرحة وهي شايفة جمرة واقفة قبالها، وحكيم بيطلعلها بفرحة الدنيا كلها. ومحبة جمارة وغلاوتها كل ما تزيد في قلبها، وهي سامعة غالية بتحكيلها اللي حصل، وكل اللي عملته جمارة. واتأكدت إن فرحة قلب حكيم ما بتجيش غير عن طريق جمرة وبسببها، كيف ما كسرته قلبه ما بتجيش غير عنها وبسببها.
حكيم ساب جمرته وجمارته وراح على كيس سكر النبات اللي بتعشقه جمرة، وكبش منه وجالها، وفتح إيده قدام خشمها. والغريبة إن جمرة بعدت وشها عنه وعن السكر، ودي أول مرة تعملها وترفض السكر ومن إيد حكيم كمان.
حكيم بص لجمارة باستغراب، وهي كمان استغربت، وزاد استغرابها لما خدت السكر من إيده ومدت هي إيدها بيه، وجمرة كلته من إيدها على طول، وبنفس اللهفة.
جمارة بصت لحكيم وبرقت عينيها، وهو ضحك وراح على رقبة جمرة حضنها، وشدد على الحضن وهمسلها جنب ودنها: "يحق لك الزعل مني، ويحق لك تكرهيني وتنفرى مني. أكيد شايفاني هملتك ورميتك، وكت شدتك، ومكنتش جنبك في عز عذابك، ولا فتحتي عينك لقيتيني جنبك وأنتي بتنازعي. حقك على راسي وقلبي يا جمرة القلب والروح والله".
جمارة بضحكة: "واااه، هي تعرف الحديث ده ولا تفهمه يا سي حكيم؟"
حكيم: "قولتلك قبل كده، الخيل بتفهم كيف البني آدم يا جمرة، وبالذات الخيل الأصيل، عندها عزة نفس ما تضاهيهاش عزة. طب تعرفي هقولك حاجة يا جمرة تثبت لك كلامي؟ زمان وقت الحروب كانوا ياخدوا خيل كتير غنايم حرب، ومش كل الناس كانت تعرف تفرق بين الخيل العربي الأصيل والخيل العادي. فكانوا يعملوا إيه؟ كانوا يحطوا مجموعة خيل كبيرة مع بعض ويجوعوهم يوم كامل، ويدخل عليهم واحد بسوط (اللي هو كورباج يعني)، ويفضل يضرب في الخيل كلها لغاية ما يوجع كل فرس وفرسه كد التاني، وبعدها يسيبهم ويطلع. يغيب ساعة ويعاود بأكل ويحطهولهم ويفضل واقف. كانت فيه خيل تجري تاكل، وخيل تتركن على جنب مترضاش تدوق الأكل أصل. ووقتها يعرفوا إن هي دي الخيل الأصيلة. كانت عزة النفس اللي تكشفها. شفتي عزة نفس الخيل وزعله بيوصل لحد فين يا جمرة؟ اوعاك تقول لي على الخيل ما بتفهمش".
جمارة بصت لجمرة اللي بتأكل السكر من إيدها، وتأكدت لها حديث حكيم، وهمست: "ياسبحان الله".
فضلت توكلها وعينيها عليها ومبتسمة. ولما رفعت عينيها شافت حكيم بيطلعلها بحب، وابتسمت لما همسلها: "إيه اللي خلاكي متهمليهاش يا جمارة؟"
جمارة: "إني عمري ما هملت حد قلبي اتعلق بيه أصل يا سي حكيم. عمري ما سيبت حبايب يبعدوا عني ومعافرش وأتشعبط فيهم لآخر نفس فيا، ولا يغيبوا عن عيني لآخر يوم في عمري".
حكيم كلام جمارة مس قلبه، ولو كان يعرف إنها عارفة بعشقه ليها، كان قال إنها بتعزله بالكلام.
هز دماغه ونزل عينيه للأرض، ما رفعهمش غير وهو سامع صوت بشندي بيكبر بعلو صوته وبيصلي على النبي وهو جاي عليهم رامح، ورافع إيديه. ولما وصل حداهم، بص لحكيم واتكلم بصوت عالي وهو بيضحك من الفرحة: "ياااابوي عاللي بينك وبين ربنا يا وِكلهم، عشان يرجع لك جمرة من باط الموت!!!"
حكيم ضربه على كتفه ورد عليه: "صلي على النبي في قلبك يا بشندي".
بشندي: "ألف صلاة عليك يا نبي وألف نهار نادى والله. حمد الله على سلامتك يا جمرة". وقرب منها وحب راسها. ووقف يتحدث مع حكيم اللي بص حواليه، شاف جمارة رامحة على المشتمل، دخلت بسرعة ورجعت تاني بسرعة، ووقفت جنبهم بتنهج.
بشندي: "على مهلك على روحك يا بتي، خدي نفسك يا واش يا واش".
جمارة ضحكت ومدت له إيدها بفلوس. بشندي بص لهم وبص لها، وبص لحكيم وسألها باستغراب: "إيه ده يا بتي؟"
جمارة: "ده كل الفلوس اللي حيلتي ندرتها أطلعها لوجه الله لو جمرة ربنا عفا عنها وقومها بالسلامة".
حكيم: "خلي فلوسك يا جمرة، وإني هطلع لوجه الله فلوس كتير، وهدبح لله فرحة شفاها".
جمارة: "له يا سي حكيم، دول ندر، والندر يقعد دين عليا لغاية ما أموت".
بشندي وحكيم بصوا لبعض وسكتوا. وجمارة فهمتهم وكملت: "متخافوش، والله الفلوس مش من غازي. ده فلوسي من نهد ما كنت أبيع جبنة مع أمي، كنت عاملة حصالة عدس فيها. ولما وهبت لجمرة، وهبت لها من حر مالي. وندر لها 100 ركعة صلاة شكر لربنا كمان".
حكيم هز دماغه لبشندي، وبشندي مد إيده وخد الفلوس وعدهم وهو بيضحك: "واااه واااه، ده تراها الجبنة بتكسب كتير والله. من بكرة هطلع مع عيشة أبيع جبنة ساعة الصبح، وأعاود لك يا حكيم، أنت سرحتك ما كسبتشي هههههه".
حكيم ضحك على بشندي، وحتى جمارة ضحكت معاه. واليوم كله قضاه في الجنينة مع جمرته وجمارته. وحتى الأكل خلى جمارة تدخل تتغدى معاهم. وهو قعد يتغدى هو وبشندي جنب جمرة اللي لسه زعلانة منه ومراضياش تصالحه ولا تاكل حاجة من إيده مهما حاول.
خلصوا أكل، وحكيم باصص لها واتنهد وهو بيتحدث مع بشندي: "جمرة كرهتني يا بشندي".
بشندي: "له، ما كرهتكش، دي جلع فرسة".
حكيم: "جلع إيه بس ده، ما بتطلعش في وشي".
بشندي: "ورحمة سيدي بندق اللي مات مدقوق. جلع، تدفع قد إيه وأثبت لك؟"
حكيم: "ورقة بعشرة بس تصالحها عليا".
بشندي قام وشمر إيديه: "عشان اده عليك يااارب". وبص لحكيم ومسك فرع شجر كان على الأرض مرمي وقله: "أنا هضربك بالراحة، وإنت اتمرضغ واعمل حالك متأذي، ماشي".
حكيم ابتسم وهز دماغه، وبشندي فوراً نزل على حكيم بالعصاية، وحكيم صرخ فيه وهو بيحوش عن نفسه: "مش قلت هتضرب بالراحة يا وِكلهم، عتضربني من صح ليه!!"
بشندي وهو كاتم ضحكته: "عشان جمرة تصدق. هوب، اتبعبل في الأرض على النجيل واعمل حالك بتتفرفط بسرعة".
حكيم عمل أكده. وجمرة في الأول فضلت باصاله ونفسها يعلى ويهبط، ومتحملتش أكتر وهي شايفة حكيم في الأرض بيتلوى. واتقدمت منه بضعف، ووقفت بين بشندي وبينه، ووطت دماغها على صدره بخوف وحماية. وبشندي شاف أكده وضحك. وحكيم أول ما عملت أكده اتعدل وحضن دماغها وزعق بفرحة: "قال ويلوموني عشان بحبك ومسميكي روحي؟ طب تعالوا يا خلق شوفوا خوف الروح على صاحبها عاملة كيف، بتحميه وتخاف عليه وهي في عز المرض والزعل!!!"
بشندي بضحكة: "مش بقول لك جلع. والله خيل نسوان، معيز، قطط، كلاب، الحريم في كل صنف هي هي".
حكيم: "غور لبّعتني بالعصاية لبيع!"
بشندي: "معلش، عبرد نار جمرة من تلاك. وهي متقدمتش غير لما خدت لك كام ضربة، شفت غليلها منك. وبعدين جمرة تستاهل".
حكيم بص لها: "تستاهل يا بوي، تستاهل".
وهما بيعملوا اللي بيعملوه، جمارة كانت واقفة على باب السرايا ووعيالهم، وبتضحك على ضحكهم، وفرحانة على فرحة حكيم. ومرضتش تروح حداهم، فإتت حكيم يشبع من جمرته زين.
أما تماضر، ففرحتها باللي عملته جمارة مقدرتش تداريها، وهي بتتلقاها بأيدين مفرودة وهي داخلة من باب السرايا عليها. وجمارة راحت لها وحضنتها. وتماضر همست لها: "اللي عملتيه لولدي ده ميتقدرش بالمال يا جمارة".
جمارة ابتسمت لها وبعدت عن حضنها واتحدثت بفرحة: "كنوز الدنيا هي رضاكي عني، والفرحة اللي وعيها في عين سي حكيم النهارده يا خالة".
تماضر هزت لها دماغها، ورفعت إيدها طبطبت على خدها بحب. وجمارة مسكت إيدها وحبتها.
الفرحة دي فضلت يومين مخيمة على السرايا كلها، وحكيم سايب حاله ومحتاله وقاعد قبال جمرة. وجمارة جنبهم معاد تفارقهمش، والضحكة معاد تفارق الوشوش أصل.
لكن غازي كيف عادته، استكتر عليهم الفرحة، وظهر عشان ينكد عليهم من تاني.
دخلت عيشة من بوابة السرايا، وصلت على النبي بفرحة وهي وعيه جمرة رجعت من جوف الموت. ولغاية ما وصلت حداهم تقول: "يارحمتك الواسعة يارب".
وصلت قبالهم، وباركت لحكيم، وجمارة حضنتها بفرحة وهي بتقول لها: "واعيه يا يمه جمرة اللي قلتي معاد تروق تاني، قامت كيف ورجعت كيف الورد".
عيشة: "سبحانه يابتي، خلاف الظنون".
حكيم بص لعيشة، وشافها على لسانها كلام، وعتتصله شوية، وجمارة شوية، بتردد جلي، صوته وقلها: "احمم، خدي أمك وخش جوه يا جمارة، باين عليها عايزة تتحدث معاكي لحالكم".
عيشة ردت عليه بعد تنهيدة: "له يا ولدي، الكلام ليك وليها. إني جاية بمرسال من غازي ليكم انتو الاتنين".
الاتنين سمعوا اسم غازي، ووشوشهم انطعنت بالغضب، وبالذات حكيم اللي نفسه علي، وعينيه بقت حمرا كيف عين الغول. وقبل ما عيشة تفتح خشمها بكلمة، سكتت وهي وعيه بشندي جاي عليهم من بعيد.
حكيم: "طيب، خشوا إنتوا السرايا، وإني جاي وراكم". وشاف بشندي عايز إيه، وهمله جنب جمرة ودخل السرايا، وهو عارف إن فيه مصيبة غازي محملها لعيشة وباعتها له.
عيشة أول ما دخل حكيم وقعد، بصت له واتحدثت: "غازي باعتني أسألك، فكرت واهتديت ولا لسه؟ ولو كان ردك له، آخد له مرته في يدي وإني ماشية. وقلي قول له هياخدها ويسافر بها بعيد. هي إيه العبارة يا ولدي، ولا على إيه؟"
حكيم خلاص اتأكد إن دي اللحظة اللي هتحدد مصير حياته، وسأل حاله وهو باصص لجمارة اللي بصاله بخوف: "ياترى هقدر أتحمل أشوف نهاية جمرة على يد غازي كيف ما شفت نهاية جمرة؟ ولا حتى هتحمل إنه ياخدها ويمشي بها في بلاد الله ومعرفش إيه هيجرى فيها وفي حالها؟"
والخوف اللي حس بيه عليها، خلاه يقرر في لحظة إن كنوز الدنيا فدا عمرها وفدا طلعة عينيها. ووقف على حيله مرة وحدة ورد عليها بنبرة ثابتة: "روحي يا خالة، قوليله مليكش مرّة حدّي حكيم، وكل اللي ليك أرض هتاخدها عالمركوب. حضّر عقودك وقابله بكرة في ديوان الشيخ زايد".
وبص لأمه يشوف نتيجة قراره عليها، وقلبه ارتاح لما شافها مبتسمة وهزت له راسها بالقبول. وبص لجمارته اللي كانت بصاله بذهول كأنها بتسمع حاجة من نسج الخيال.
رواية جمارة (بين العشق والقسوة الفصل العشرون 20 - بقلم ريناد يوسف
حكيم مترددش لحظة بعد ما فكر في اللي هيعمله غازي في جمارة لو سابهاله، وقرر إنه مش هيتخلى عنها ويرميها للموت كيف ما عمل مع جمرة اللي لسه الندم عياكل في قلبه عليها.
بص لعيشة واتكلم بنبرة حازمة: "روحي يا خالة، قولي له ما ليش مرة، حد حكيم وكل اللي ليك أرض هتاخدها عالمركوب. حضّر عقودك وقابله بكرة في ديوان الشيخ زايد."
وبص لأمه يشوف نتيجة قراره عليها، وقلبه ارتاح لما شافها مبتسمة وهزت له راسها بالقبول. وبص لجمارة اللي كانت بتبص له بذهول كأنها بتسمع حاجة من نسج الخيال.
لحظات سكوت قطعتها عيشة: "أنا مش فاهمة حاجة!"
ردت عليها تماضر: "حكيم هيشتري خلاص بتك جمارة من غازي بأرضه وأملاكاته يا عيشة."
عيشة برقت عينيها بصدمة متقلش عن صدمة جمارة اللي لسه على نفس النظرة والذهول. مردتش، لكن حكيم رد على أمه: "وخلاصي أنا كمان يمه، وراحة قلبي."
تماضر: "وعشان راحة قلبك يا ولدي، اعمل اللي تعمله. هو العمر واحد ومهيتعادش من تاني. عيش بسعادة وارمي كل حاجة تانية ورا ضهرك. كنت متأكدة إني لما قولتلك استفتي عقلك، إن عقلك هيدلك على جمارة في الآخر برضو. بس مكنتش عايزة إني أندم في يوم وأقول مشيت ورا قلبي وضيعت حالي ومالي. لكن العقل طول ما قرر عمره ما هيقدر يودي ويجيب بحاجة تتعب القلب بعد كده."
عيشة بصت لحكيم وهمست: "والله كنت خابرة إن قلبك مش خالي من تلاتي."
تماضر: "ومين يبص لعيون حكيم وهو قبال جمارة ويخفي عنيه اللي فيهم يا عيشة؟"
عيشة ضحكت وهي مش مصدقة حالها، وباصة لحكيم وبتحمد ربنا وتشكر في سرها عشان اتمنته لبنتها في يوم من الأيام، وها هو ربنا استجاب لها وحكيم هيبقى من نصيب جمارة.
"بت بياعة الجبنة."
حكيم اتكلها على عينيه عشان خابر زين إنها مش مصدقة كل اللي بيتقال قبالها ده، وهمسلها: "روحيله يا خالة وقولي له يا جيني المندرة بكرة قبل القعدة ومضية العقود، وليه الأمان. يطلق جمارة بالتلاتة وبعدها تتكتب له الأرض ويغور بيها."
عيشة بعدم تصديق: "هتديله أرضك عشان يهمل بتي في حالها ويطلقها ياسى حكيم؟ وجمارة هتتفك منه وهتعود لحضني تاني. أنا مش مصدقاشي!!"
حكيم: "هدي له، وأدي نور عيوني لو عايزها عشان يهمل جمارة ويبعد عنها. وكمل بضحكة: "بس مش هدي له عشان جمارة ترجع لحضنك انتي يا عيشة!"
قالها وبص لجمارة، وعيشة ابتسمت لما فهمت كلامه، وبصت لجمارة ودكمتها بكتفها بفرحة، وجمارة معملتش حاجة غير إنها بربشت بعنيها.
غالية بصوت عالي شوية: "طيب انت هتدى الأرض لغازي وتاخد جمارة. وجمارة هتطلع بشيخ البلد وكبيرها. وأمي ما عوزاش حاجة من الدنيا تاني. طب محدش فكر في الغلبانة غالية هيكون إيه مصيرها وهي الوحيدة اللي طالعة من المولد بلا حمص؟"
حكيم ضحك على كلامها وراح عليها، مسك يدها وقومها: "إنتي تطلعي دلوقتي تجيبي الختم بتاعك وتجيبي بطاقتك وتيجي معايا على المندرة، أريح فكرك وأطمن قلبك على الآخر. وهحط في حجرك كوم حمص."
غالية طاوعته ومشت معاه. ولما وصلوا قبال جمارة، حكيم وقف قبالها وبصلها بصه أخيرة قبل ما يكمل طريقه وهمسلها: "اقفلي خشمك."
جمارة بتوهان: "هاه؟"
حكيم: "اقفللللللي خااااااشمك، وأنا خمسة وراجعالك. أعود ألاقيكي مستنظرة جمرة بره في الجنينة."
جمارة بصت له ومردتش، وهو اتكلم بنبرة صوت أعلى: "سمعتيني يا جمارة؟"
جمرة هزت دماغها بموافقة لما أمها زغدتها بكوعها، وحكيم ضحك واتحرك من قبالها.
غالية ميلت عليه وهما ماشيين: "هملها يا حظي، الفرحة كتيرة عليها ممتحملهاش. دي مش بعيد قلبها يقف من الفرحة وتروح فيها."
حكيم انتفض وبص لغالية: "توفي من خشمك يا غراب البين، الشر بره وبعيد. أوعك يا غالية أسمعك تقولي كلمة شينة على جمارة قبالي، ولا حتى من ورايا. أزعل منك والله."
غالية ردت عليه وهي طالعة السلم: "خلاص يا بوي، مجيبينش سيرتها نوبة تانية."
"يباى، دا الواد فاق من موطرحه كيف ما يكون لسع. حسرة عليا وعلى حالي، أجيب منين حد يحبني أكده؟ بس هيحبني على إيه يا بوي، كانت عيوني زرقة ولا عيوني زرقة؟ معرفش يا بوي، مش لاقي وحدة عينيها ملونة ليه. كان زمان حظنا المايل اتعدل هبابة!!!"
فضلت تبرطم لغاية آخر بايه في السلم، وحكيم يضحك على حديثها من غير صوت، ووقف يستناها وعينه راحت على جمارة اللي عينيها متعلقين عليه، وهمسلها بينه وبين نفسه وبس شفايفه بتتحرك:
(أُحبك ياعميقة العينين وأقسم أن حُبك.. تطرف، وتصوف، تعقل.. بلاده
أحبك مثل الموت والولادة.. صعب بأن يعاد مرتين..
أُحبك ياعميقة العينين.)
(نزار قباني)
أنهى همسه ورفع إيده حطها على قلبه يهدّي دقاته اللي كل ما عقله يقوله خلاص جمارة هتكون ليك، يرفرف كيف طير فرحان بحريته بعد حبسته في قفص سنين.
نزلت غالية وبوشت وشها، وحكيم أخدها وراح بيها على المندرة، بعد ما أدى أمر لبشندي يجيب عقود وكتب الأرض الجديدة باسمها بيع وشرا، وحتى السرايا كتبها باسمها. وكل عقد بصم عليه اتنين مختلفين من رجاله وكتبه بتاريخ مختلف وقديم.
غالية كانت عتبصم وتختم على الورق وهي فرحانة إنها بقت صاحبة أملاك. وحكيم بعد ما خلص، مشى الرجالة وبص لغالية ورفعلها حاجبه: "بت يا غالية، إنتي مجعوظة قوي كده ليه؟ كيف ما تكوني فكرتي حالك بقيتي صاحبة الأرض صح؟ دا لغاية ما غازي يطلق جمارة وأتجوزها، وهقطع العقود يا قلب أخوكي!"
غالية اتكلمت بنبرة تعالى ممزوجة بضحكة بعد ما مالت لورا وفردت أيديها على المساند جنبها: "وماله.. لحد ما تقطعهم، أنا صاحبة الأرض والسرايا، وانت وتماضر عايشين في أملاكي. ولحد الوقت ده أشوف حد فيكم يزعلني بكلمة واحدة بس، أطردكم شر طردة."
حكيم سمع كلامها واتلفت حواليه بسرعة، وهي شافته عمل كده وقامت رمت من قدامه وحصلها وهو بيقول لها: "خدي هنا، ما هعملكش حاجة. خدي يا ردي، اسمعيني تاني قولتي إيه!!!"
غالية مرضيتش توقف، بس فضلت تمشي بخطوات واسعة بس رزينة لغاية ما دخلت السرايا، وهو حصلها وحاوط كتفها بدراعه لما وصلها وضربها بدماغه في راسها بهزار، ووقفوا مطرحهم لما شافوا جمارة واقفة جنب جمرة وبتعيط، وحتى عيشة واقفة معاها.
حكيم ساب غالية وراح عليهم بسرعة، وجمارة أول ما شافته اتكلمت بخوف: "سي حكيم، جمرة بتنزف."
حكيم اتفقد جمرة، وعيشة طمنته: "متخافيش عليها يا ولدي، الظاهر كانت حبلى وعيلها خسر من السم. واستحمدت إنه نزل عشان باين عليه ميت في بطنها من بدري عشان نازل عليها دم أسود."
حكيم: "فداها اللي كان في بطنها يا خالة، أهم حاجة هي قامت بالسلامة."
عيشة: "بكرة تمسك نفسها وتحبل وتجيب غيره وتملا الدنيا عيال."
حكيم هز لها دماغه وبص لجمارة اللي حاضنة رقبة جمرة وبتتاسف عليها، وعيشة عرفت إنه عاوز يتكلم معاها، وبصت لغالية وقالت لها: "تعالي بينا يا غالية نسخنولها شوية شعير ونجيبوهم لها تاكلهم وتشرب ميتهم الدافية عشان تنزل اللي في بطنها."
غالية هزت لها دماغها وبصت لحكيم: "فين الشعير يا حكيم؟"
جاوبتها جمارة: "في الشوال اللي جنب قفص العصافير يا غالية."
غالية اتحركت هي وعيشة راحوا مطرح ما دلتهم جمارة، خدوا الشعير ودخلوا جوه.
حكيم جلى صوته وهمس لجمارة: "هو يعني ينفع كل حاجة تبكي عليها كده وتكَدري العيون الزينة دي؟ مش ترحمي حالهم وحال اللي ما يتحملش يشوف الدموع فيهم!!"
جمارة بتسمع ومش مصدقة نفسها، ولا مصدقة إن حكيم هو اللي واقف قبالها وبيتكلم، ولا إن الكلام ده طالع منه ليها هي. ابتسمت وغمضت عينيها وأخدت نفس براحة، وبعدها فتحت وشافته لسه بيبص لها.
جمارة: "هي فيها حاجة يا سي حكيم لو قولتلك إنك أحسن راجل في الدنيا كلها؟ طب ينفع أقولك إنك حلم كنت كل عشية أحلمه وأنام على طيفه، ومبقاش عايزة النهار يطلع عشان مصحاش منه. تعرف إني هفضل لحد الموت وإني مديونالك بروحي اللي حررتها من يد قابض الأرواح، وهتفضل تحلق في سماك لحد آخر العمر. ولا فيها حاجة لو قلتلك إني بعشق التراب اللي رجلك بتخطى عليه ياسى حكيم؟!!"
حكيم رد عليها بصوت منتهى: "فيها إنك تتحركي من قدامي دلوقتي وتستري على حالك وعليا، عشان أنا حاسس إن اللي بيحصل معايا ده كتير قوي وقلبي من كتر فرحته حاسس هيقف. روحي من قبال عيني يا بت الناس ومتخلينيش ألمح طرف توبك لحد بكرة، لغاية ما أطلقك من غازي الكلب، ووقتها كل حاجة تنفع تتقال والحديث ميوبقاش عليه رقيب ولا عتيد."
جمارة ابتسمت وعينيها في عينيه، وهو استغفر ربه وابتسم واستسلم للغرق في البحر الأزرق، وعاهد حاله إن دي آخر نظرة في الحرام، ومن بعدها التوبة النصوحة وتكفير الذنوب. وهمس لنفسه:
صمتَ اللسان وطرفها يتكلمُ
تحكى فافهم ماتقول بطرفِها
ويرد طرفى مثل ذاك فتفهمُ
خلص همسه لنفسه وهمس لجمارة اللي اتنقلت هي كمان لعالم تاني من خلال عينيه: "جمارة.. جمااااارة."
جمارة: "هاه؟"
حكيم: "خشي جوه يا بت الناس، من يوم ما عرفتك وإني أشيل بسببك ذنوب مش عارف العمر اللي باقي كله هيكفيني تكفير عنها، ولا هيخلص ولساتها الذنوب مكتوبة في صحيفة قلبي وعيني!!"
جمارة: "خليني هبابة، ما عاوزاش أهمالك ولا أهمل جمرة."
حكيم: "معلش، هو النهارده بس. وبعد كده وعد مني ومن قلبي وعيني إني اللي مش ههمالك دقيقة واحدة لغاية ما أعوض كل يوم بُعد وشوق وحرمان بسنين قرب."
جمارة مكنتش عايزة تتحرك من قباله ولا تهمل الحديث الحلو اللي بتسمعه ولا الطلة في عينيه، بس هو اللي هملها وطلع لما شاف بشندي فتح البوابة وشاور له عشان يروح له.
جمارة: "ماشي؟ رايح فين! طب هتعوق؟"
حكيم بص لها واتنهد ورفع كتفه بقلة حيلة ومشى من قبالها على عينه وهو بيعنّ على بشندي وبيشكره في نفس الوقت عشان لولاه ما كانش هيتحرك من قصادها ولا هيشيل عينيه من عينيها.
وصل لبشندي وكان فيه فصل مستني حكيم في المندرة، راح حكيم قعد وسط الرجالة وفضه. وفي آخر القعدة حكيم جلى صوته واتكلم بنبرة صوت مسموعة للكل: "يا جماعة الخير، هسألكم سؤال. إيه ظنكم بالشيخ حكيم؟"
رد الكبير فيهم: "شيخ واد شيخ وحامل كتاب الله وحاكم بالعدل والمعروف وناهي عن المنكر، وما عهدنا منك غير كل خير وصلاح يا ولدي!"
الراجل خلص كلامه والكل بدون استثناء آمن وراه على الحديث. وحكيم بعدها كمل كلامه: "وإيه ظنكم بيا لو مرة ضعيفة وقعت في عرضي ونخَتني أرفع عنها ظلم وأذى وأرد لها حقها من ظالم مختال بظلمه؟"
رد عليه واحد من الحضور: "أنت كفء لها يا شيخ وكده وزيادة. واللي تنخاه حرمة ضعيفة ويردها تتصبغ عمتها بزراق العار وقلة النخوة، وأنت سيد الرجال وأبو النخوة."
حكيم: "وديه اللي عملته لما نختني مرت غازي ولد عمي وطلبت مني أخلصها منه ومن ظلمه. واستشهدت بكل اللي شافها وهي بين الحياة والموت بعد ما قتلها غازي قتل متتحملوش رجال وكسر عضمها وحطها في الجبائر شهور. مع إني مكنتش محتاج حد يشهد وإني بنفسي اللي ناقلها لمستشفى البندر، وكله كان على يدي."
رد كبير القعدة سناً: "كلنا سمعنا بعمله من حريمنا اللي عرفوا من أمها، وصراحة مستغربناش حاجة زي دي تطلع من غازي. مهو أصله ما يجيبوش من بره يا شيخنا. طب وليه هملتها على ذمته لحد دلوقتي؟ ليه ما حكمتش عليه يطلقها من يوميتها؟"
حكيم: "عشان هي ما طلبتش وإني ما أتدخلش في خراب بيت منّي لحالي يا حج غسان."
غسان: "ملكش حق تستناها تطلبها بخشمها، وأنت خابر إنها ما تعملهاش مخافة من غازي وضعف بيها وقلة حيلة وحيل."
حكيم: "عرضت عليها ورفضت وقالت هكمل معاه يمكن يتعدل، وإني أيدت رأيها وفوتها تديله فرصة. بس عشان ديل الكلب ما يتعدلش عاود أزاه ليها من تاني. هي شافت إنها مش هتقدر تتحمل معاه أكتر من كده وقالت خلاص غيثني يا شيخ حكيم واقطع اللي بيني وبينه. ولما كلمت غازي، مانعش إنه يفوتها بس بشرط."
الكل انتبه لما حكيم نطق الجملة، وحكيم اتطلع للكل وسكت شوية، وبعدها كمل: "غازي قلي اطلقها بشرط إنك تكتب لي أرضك كلها بيع وشرا."
الكل بهتت ملامحه وكل واحد بص للتاني ورجعوا بصوا لحكيم. ونطق الشيخ غسان: "دي مش شرط، دي تعجيز يا شيخ. كيف يعني يطلب أرضك قبال طلاق مرته؟ طب وأنت مالك تتحمل كل ده ليه؟"
حكيم: "غازي حط الشرط ده عشان يصغرني قدام حالي وقدام وحدة نخَتني وطلبت وقفتي ويخليني قبالها مش كد النخية يا حج. غازي قاصد يحسسني بتقصيري في أمانة مشيختي وإني بتخلى عن حد ضعيف وقع في عرضي."
الشيخ غسان: "طيب وهتعمل إيه فيها ده؟"
حكيم: "إني هديله الحوض القبلي أكتبه له، وأهو في الأول وفي الآخر ولد عمي والدم وصلة الرحم تديه حق عليا وحق في اللي أملكه. وهعتبره عتق رقبة كيف ما كانوا الصحابة يتسابقوا بأموالهم لعتق الرقاب."
الكل هتف مع بعضه: "والنعم والنعم يا شيخ حكيم... بارك الله فيك يا شيخ."
الشيخ غسان سكت وبص للأرض ومد يده على دقنه وفضل يمسد على شعر دقنه. وأخيراً رفع عينه على حكيم ونطق: "بس فيه حاجة يا شيخنا. غازي ممكن يطلق مرته وياخد الأرض منك وبعدها يردها لعصمته تاني، وتبقوا عملتي حاجة؟"
حكيم: "عامل حساب الحتة دي وهخليه يطلقها بالتلاتة طلاق مفهوش رجعة. هو كل اللي إني بعت هم إنه ممكن يوقف قسمتها ويميل بختها ويمنع أي حد يدق بابها قاصد حلال ربنا. والكل هيخاف غازي ويأمن شره كيف ما أنت خابر."
غسان: "والحل؟"
حكيم: "الحل إني هكمل حمايتي لها للآخر وأعقد عليها وأخليها مع حريم الدار وتحت جناح الشيخ حكيم. هو ده الحل الوحيد اللي هيضمن إن غازي ما يتعرضلهاش نوبة تانية."
واحد من الحضور اتكلم باستغراب: "طيب هينفع كيف، وغازي ساكن معاك في السرايا؟!!"
حكيم: "له ما هو حكمي إنه يطلق مرته ويسيب السرايا مقابل الأرض."
غسان: "والله يا شيخ، يا ريت تحكم عليه يسيب البلد خالص واحنا كل واحد فينا يديله قيراط من حداه فوق أرضك."
حكيم بضحكة: "له مش للدرجة دي عاد. ده ولد عمي برضه وهيفضل في حمايتي وتحت جناحي طول العمر."
الكل في نفس واحد: "ربنا يبارك لك... ربنا يكرم أصلك... أخلاق شيوخ صح."
غسان ابتسم لحكيم: "سير في اللي هتعمله على بركة الله يا ولدي واحنا معاك وربنا يجازيك كل خير على ستر الولية الضعيفة ورفع البلا والظلم عنها."
خرجت الرجال وحكيم أخد نفس براحة وهو شايف كل حاجة ماشية كيف ما خطط لها، وبالأخص إنه سبق غازي بخطوة وضمن الناس في صفه وقطع على غازي أي فرصة لأي كلمة شينة في حقه أو حق جمارة.
يومها مرجعش للسرايا وقضى باقي النهار في المندرة لحد الليل عشان ميشوفش جمارة غير بكرة. وكل هبابة كان يبعت بشندي يطمن على جمرة عشان يطمنه، وبشندي كان يرجع يقوله إنها زينة وجمارة قاعدة جنبها وما بتسيبهاش.
بالليل حكيم واقف قدام بوابة السرايا مع بشندي والرجالة وبعد عنيهم، وهو شايف عيشة طالعة من بوابة السرايا وراح عليها.
حكيم: "على وين يا خالة!"
عيشة بحنان: "يخلي لك السعادة كلها بين ايديك يا شيخ البلد وتاج راسها. راجعة على بيتي يا ولدي، كفاية الليل ليل وهروح أرد على اللي ما يتسماش وأرجع داري أحط راسي وأنام وأنا مرتاحة. ربنا يريح قلبك وروحك."
حكيم: "اعملي حساب إنك هتيجي تقعدي في السرايا معانا طول الوقت من هنا ورايح. حتى تفضلي جنب بتك وتكوني مطمنة عليها."
عيشة: "له يا شيخ لااااه... أنا بحب أقعد لحالي براحتي، أطلع وقت ما أحب وأرد وقت ما أحب. وبعدين جمارة خلاص أنا مطمنة عليها ومفيش خوف ولا قلق عليها من بعد النهارده."
حكيم: "لو كان على راحتك... يا ستي اقعدي في المشتمل، وهو أهو تكوني على راحة راحتك وليه باب وراني تطلعي وتدخلي منه وتزوري حبايبك من غير ما حد يقولك رايحة فين ولا جاية منين. ها قولتي إيه؟"
عيشة بنبرة حنان: "سيب الحديث ده دلوقتي وخليه بأوانه. ووقت ما يحصل المراد من رب العباد الدنيا هتترتب لوحدها."
حكيم: "مفيش حديث هيتساب. بكرة تبعتي لي عم جمارة على المندرة هنا عشان طلاقها يتم قبال عنيه، وبعد ما غازي يغور أطلب يدها منه وتيجي انتي تقعدي معاها عشان متنسيش إنها هتمسك عدة وهتزهق من القعدة لوحدها في السرايا."
عيشة: "ماني هاخدها تمسك عدتها حداي في الدار يا ولدي. مهو أصل مينفعش تمسك عدة قبالك وأنت خابر!!"
حكيم: "لااااه... جمارة ما تطلعش من السرايا أصل. وإن كان عليا، أنا كل قعدتي طول فترة عدتها هقعدها في المندرة، ولو حبيت أدخل السرايا آخد حاجة، هدي غالية خبر تنبه عليها تتدارى. أو هخلي مواعيد معينة أدخل فيها السرايا هي تكون خابراها وتتدارى فيها."
عيشة اتنهدت براحة: "هقول إيه بعد قولك وأنت مرتب كل حاجة، اسم الله عليك. خلاص يا ولدي اللي تشوفه."
حكيم: "هي هخليها تمسك عدة من بعد بكرة طوالي. يعني بكرة عشية تكوني هنا وتقفلي دارك وتبيتي معاها، وطول شهور عدتها كل يوم فكري إيه لازمها شوار وجهاز وتيجي تاخدي مني وتطلعي تشتريهولها من أحسن وأفخم حاجة. دي هتبقى مرت الشيخ حكيم، مش هوصيك عاد."
عيشة ابتسمت له وهزت له دماغها بموافقة، وهو رد لها الابتسامة وبعت معاها بشندي يوصلها لحد باب دارها.
بشندي ماشي مع عيشة وسابقها بخطوات، وهي وراه بتمشي بخطوتها المعتادة.
بشندي: "متمدي يا عيشة، ماشية على قشر بيض ياك ولا بتتعلمي المشي جديد؟"
عيشة مدت خطوتها شوية: "حاضر أهه."
بشندي: "والله ما أكره كده مشية الحريم وجلعها الماسخ."
عيشة: "خلاص عاود وإني هكمل لحالي."
بشندي: "أيوه أيوه، تكملي لحالك عشان طول ما أنت ماشية بيتك يا خالة بيتك يا عمة، ومتدخليش دارك غير في نص الليالي!"
عيشة: "أبااااي... مالك ومالي النهاردة يا بشندي!"
بشندي: "مالي ومالك كمان. واحدة حواسة لقاقة زيك هيكون مالي ومالها. لهو فاكرك مسمعتش حديثك مع حكيم وإنتِ بتقولي له عايزة أقعد في بيتي عشان أحوس براحتي!"
عيشة: "تُغباره عليك وعلى سمعك يا بشندي. أنا قولت كده يا راجل يا شايب يا عايب يا كذاب أنت؟!!"
بشندي: "شايب وعايب في عينك يا قليلة الحيا. فوتي قبالي وكلمة زيادة هدب صوابعي في عينيك دول الزرق دول. والله يا عيشة ها تيجي السرايا وما أشوف رجليكي خطت براها، لا أكون حاشهشملك بمنجل تألم وأخليكي تزحفي كيف الدفان."
عيشة: "وديه من إيه يا بشندي؟ وبعدين مالك أنت ومالي أخطّي ولا ما أخطيشي!"
بشندي: "مالي ونص وتلات أرباع، ومن هنا ورايح هتكوني حماة الشيخ حكيم وتخصيه وتتحسبي من حرمه. يعني من حرم شيخ البلد. وأنا مسؤول في غيابه، وحتى وجوده عن حرمه وخطاويهم."
عيشة بصت له وهزت دماغها، وهو رفع نبوته وهوشها عمل حاله هيضربها على راسها وهي جفلت: "أوعك تبص لي البصة دي تاني، لأفقع لك عينيك دول اللي ورثتيهم لبنتك وخلتيها شندلت بالو ولدي حكيم بيهم."
عيشة ابتسمت وبصت بعيد وكملت طريقها مع بشندي بسكات، وهو رفع الشومة حطها على كتفه وعلق دراعاته الاتنين عليها، وعيشة كل هبابة تسرق لها نظرة عليه وترجع تبص لبعيد.
وصلوا لغاية باب الدار وبشندي وقف لعيشة: "يلا فوتي وشنكلي بابك بالغلق قدامي ومتخطيش بره البيت لغاية ما تيجي بكرة لبنتك. لمي هلاهيلك واكفي حالك وصحونك ولمي حالك. اهو تتلاهى بدل ما كل شوية طايرة في موطرح كيف المجانين."
عيشة: "طيب أروح لأبو محمود جارنا أرد عليه باللي قاله لي حكيم عشان يبلغ بيه غازي عشان هو المرسال اللي بعته لي."
بشندي: "هو هيرد لك بذات نفسه كيف الكلب، ويدق بابك عشان هو اللي له عازة حداكي. اقفلي بابك ولو دق الباب ردي عليه من ورا الباب، متفتحيش. عشان عيب يا عيشة الوقت اتأخر كوخ."
عيشة ضحكت على كلامه ومردتش ودخلت وقفلت الباب، وبشندي سمع صوت الغلق بودنه لولا ما ارتاح واتكلم بصوت مسموع: "يخرب مطنك يا عيشة، حلّيتي ليه في عيني النهاردة كده؟ يكونش لما الواد عوض اتكلم عليكي قبالي؟!! بس والله طلع حداه حق، المرة لسه فيها الرمق وعاملة كيف السفندية طرية ومقلوظة... ولا سنانها مصفوفين، مفيش سنة ولا ضرس مخلوع، عتاكلي عضم يا واكلة مقوي سنانك!!!"
عيشة سامعاه من ورا الباب وبتضحك من غير صوت، ولما جاب سيرة سنانها حطت يدها على خشمها بخوف وباليد التانية رقت نفسها. وبعد ما حست إنه مشي شالت يدها: "يخرب مطنك يا بشندي، هتجيب أجلي وأجل سناني."
ودخلت تتمشى على جوه ووقفت قبال المرايا وقلعت الطرحة وفردت شعرها ومسكت خصلة منه تلفها على يدها وقعدت تتأمل في روحها وهمست لحالها: "بشندي يا عيشة!!!" وردت على روحها لحالها: "وماله بشندي... راجل ويسد عين الشمس وحماية وسند وحضن دافي يعوضك سنين الشقا؟"
رجعت بصت لحالها في المراية وضحكت وهمست لروحها مرة تانية: "حاسة إني بتكلم على حد تاني غير بشندي والله ههههههه. أقولك إيه لمي نفسك يا عيشة واعقلي، أنتِ كبيرة مش صغيرة. مش سمعتيلك كلمة حلوة وسط كوم شتيمة من بشندي؟ أبو زوجتيه نفسك على سنة الله ورسوله."
نفضت دماغها ولمت شعرها وابتدت تلم خلجاتها ومبتسمة على كلمة بشندي لما قال لها لمي هلاهيلك. وبعد ما خلصت: "واديني خلصت لم هلاهيلي. أروح أكفي حالي وصحوني وأفضّي الزير والقلل وأشوف هعمل إيه في الوكل اللي حداي. أيوه هديه لأم صابر بكرة توكله لعيالها، غلبانة وتستحق. خلاص الليل فرد جناحاته والكل دخل في فرشاته تحت جناح الليل، وحكيم وجمارة الاتنين قلوبهم غادرت جسمهم وكل قلب فيهم بيرفرف فوق راس حبيبه."
جمارة مجالهاش نوم وقامت اتمشت في المشتمل، وراحت على أوضة غازي اللي فيها الحفرة ووقفت قبالها ومدت يدها تفتح الباب. متفتحتش، وافتكرت إن غازي دايماً يقفلها ومفتاحها معاه مفارقش جيبه. وطت وبصت من خرم الباب وشافت الحفرة متغطية ومفروش عليها سجادة ومش باين منها حاجة ولا كأنها فيها حفرة أصل.
اتعدلت واتنهدت واحتارت وهي بتفكر تقول لحكيم عليها ولا متقولش. خافت تقوله يروح لغازي ويحاسبه وتحصل بينهم مشكلة وتعطل كل حاجة، حتى الطلاق يعاند فيه. آخر حاجة قررتها إنها مش هتقول لحكيم حاجة وهتسيب موضوع الحفرة دي مدفون ومتغطي كيف ما هي متغطية لغاية ما كل حاجة تتم على خير، وبعدها تقولي تقول لحكيم عليها ويشوف لها صرفة بمعرفته وبراحته، مادام غازي هيغور من حياتهم، كل حاجة سهلة بعد كده.
بصت حواليها على شكارتين الأسمنت اللي في المشتمل وشكارة جبس جنبهم، ودخلت المطبخ شافت علب بلوبيف فاضية بالكوم وصفيحتين جبنة كبار فاضيين وبواقي وكل كتير خربان، وكله محطوط في شكاير. الظاهر غازي كان هيرميهم وملحقش. شالتهم وراحت على باب المشتمل الوراني ورمتهم بعيد عن الباب شوية ورجعت قفلت الباب ودخلت نضفت المشتمل وغسلته وتهوّيته عشان تطلع ريحة الخيل اللي لسه جواه من ساعة ما كانت جمرة تعبانة وقاعدة فيه. وفتحت بابه على الآخر وفتحت الشبابيك وغيرت الفرش وغسلت القديم. وكل ده عشان تمشي الليل، وبكرة يجي قوام. بس الليل مهما تعمل لساه طويل، لما حست إنه دهر من طوله.
فين وفين لما ابتدا قرآن الفجر، اتوضت واستنت الأذان أذن، صلت وشكرت ربها على كل نعمة اللي مغرقها بيها اليومين دول وكرمه اللي ملوش آخر. وطلبت منه يديم على قلبها وقلب حكيم السعادة ويعوضهم كل اللي شافوه وقاسوه على يد غازي. أما غازي، فسلمته في يد ربها وهو اللي يحاسبه الحساب اللي يستحقه.
خلصت صلاة وطلعت الجنينة، راحت على جمرة حضنتها بفرحة وفضلت تتكلم معاها كيف ما تكون أخت ليها وتوصف لها شوقها لحكيم وعشقها ليه. وفي الآخر سألتها: "قوليلي يا جمرة، تفتكري حكيم بيحب مين فينا؟ أنا ولا انتي؟"
سمعت ضحكة من وراها جفلتها، وجالها صوته بنبرة ضاحكة: "هاه.. بدت رحمة الله وابتدت الغيرة من دلوقتي! يا بوي، أنا بقولكم انتوا الاتنين قبال بعض أهو. بحبكم كده بعض بالملي ووحدة روحي والتانية قلبي، ومتخافوش، هعدل بيناتكم عشان جنبي ما يميلش. ههههههه."
جمارة ضحكت وقربت منه خطوة ووقفت قباله واتطلعت له وهمست: "وأنا مش هرضى بأقل من العدل. في البصة، في الهمسة، في الضحكة، وكل وقتك يتقسم بيناتنا بالنص. وإني سامحة بده عشان بحب جمرة بس. بالك أنت لو ما بتحبهاش، كنت خدتك منها وحرقت قلبها عليك."
حكيم: "واااه.. واعّيه يا جمرة؟ شوفي جمارة بتتهددني كيف. خدي بالك وخافي منها دي، طلعت وعرة. وأخد نفس وهمسلها: "كان فين لسانك ده من زمان أمال! مكنتش أسمعه يتلامظ كيف ما يكون مدقوق بمسمار جوه خشمك!"
جمارة: "لساني ما يحلالوش الحديث غير قبالك يا حكيم."
حكيم اختفت ابتسامته ودقات قلبه اتلخبطت وملامحه اتغيرت، وبلع ريقه وهمس لجمارة بصوت يا دوب طالع: "قولي اسمي نوبة تانية يا جمارة كده."
جمارة بصت للأرض وابتسمت ورفعت عينيها وبصت له وردت: "حكيم.. حكيم قلبي وشيخي وشيخ قلبي وتاج راسي."
حكيم غمض عينيه وبص لفوق وهو مبتسم واتكلم بنبرة صوت محذرة: "جمارة، هعد لحد تلاتة وأفتح عيني ما ألاقكيش قبالي، فاهمة."
جمارة بعند: "له مش فاهمة ومهيهملش مطرحي ده."
حكيم: "يا بت الحلال، فوتي الكام ساعة دول على خير. قلب شيخك ممتحملش. خشي جوه، هقعد هبابة مع جمرة وأطلع على طول وأبقى عاودي تاني."
جمارة: "مليش صالح برضه، مهمشيش."
حكيم فتح عينيه ولقاها مربعة أيديها وباصاله بعيون بتلمع كيف القزاز، بلع ريقه وهمسلها: "ارفعي طرف طرحتك واتلثمي يا جمارة."
جمارة نفذت من غير ما تسأل ولا تعترض، ولفّت طرف طرحتها السودة على نص وشها، مخلتش حاجة باينة غير حجرين الفيروز متحاوطين برموش سودة مرصوصة كيف جنود حارسين جوهرتين ثمان، وفوقهم الحاجب سور عريض بلون الليل، متحاوطين ببياض ينافس بياض الحليب.
حكيم همس وهو غرقان في الجمال الرباني: "سبحان من خلق فأبدع فصورك في أحسن صورة... مين يلامش اللي سماكي جمارة وجمع لك الاسم اللي كيف ما يكون اتخلق عشانك أنتِ وبس. آآآآخ يا ذات الخمار الأسودِ.. لو تعلمين ماذا فعلت عيناكِ بناسكِ متعبدِ!"
جمارة ابتسمت تحت اللثام ودقت عينيها، وهو شاف حركتها واتحرك من قبالها بسرعة مبتعد، وهي ضحكت بصوت عالي وقالت له: "رايح فين يا حكيم؟"
"مبعد من قبالك يا بت عيشة، قبل ما ذنوبي بسبب عينيكي توصل عنان السماء، وإني قبال موج بحرهم خطاء ومعتوبش."
فضل هارب بخطوات سريعة لغاية ما طلع بره السرايا وراح على المندرة يجري، ودخل ورمى حاله على الكنبة وضحك بصوت عالي خلى بشندي اللي كان نايم وحاطط إيده على عينيه اتكلم بصوت عالي جفل حكيم: "يااااابهيه خبرررريني عاللي هواااس حكيم ليلِ عينى عاللي هواااس حكييييم.. هوسَتَه بت عيشه يا عيني وما خبرش يقول لمين ليلِ عيني وما خبرش يقول لميييين..."
حكيم ضحك بعلو صوته، وبشندي كمل كلام بعد ما اتعدل وسند دماغه على دراعه: "الحب عفش على الريق يا حكيم يا ولدي. شفت راجع مدهول كيف وبتضحك معرفتش تبطل. بالك أنت لو فطرت لأول ما كانش جالك كده."
حكيم: "آآآه يا بشندي، لو حبيت وذوقت الحب كيف ما أنا حبيت، متقولش كده أصل ولا تتمقلت على العشق."
بشندي نام على ظهره وحط رجل على رجل ورد على حكيم: "له يا بوي، أحب كيف ما أنت حبيت، كيف الشر بره وبعيد. أنا لا أحمل مرمطة وعذاب ولا حيلتي أرض أديها لحد. ماحلتيش غير خلجاتي اللي عليا دول، ودول لو فرطت فيهم ماهيوبقاش حيلتي حاجة أصل ويبقى منّي للنجم. هههههع هههع."
حكيم ضحك عليه وضربه على رجله اللي حاططها فوق التانية، نزّلها له وقاله: "طب قوم وبطل تتسلى في الفقر، دانت نايم على كوم فلوس، لهو أنا ما عرفك زين ولا إيه؟ دانت مرضيتش تتجوز وقعدت لوحدك عشان ما تجيبلكش مرة تصرف عليها وتنقص جبلاية الفلوس."
بشندي: "كان بان عليا لو معايا فلوس، يا حسرة."
حكيم: "طب قوم شوف لنا حد يفطرنا، قوم جاك الطين، هتعيش بخيل وتموت معفن، وحتى طميرتك ما عرف حد طريقها، حتى يستفاد منها وراك."
بشندي قام ووقف على حيله واتمطع ورد على حكيم وهو بيتاوب: "وهو أنا بحوش عشان حد يتمتع بفلوسي بعدي ياك؟ طب دان هعمل كيف الفراعين لما كانوا يموتوا؟ اللي يدفني يحنطني ويحط فلوسي جاري في مقبرتي."
حكيم بضحكة: "أيوه ونكتبوا عليها هنا مقبرة بنشنرع."
بشندي ضحك ولبس جلابيته اللي كانت على حاشة الكنبة وطلع لبره وهو بيدندن مع حاله بصوت مسموع: "ويجمارة وخبريني.. هوستى ليه حكيم ايا عيني هوستى ليه حكيييم.. باعتني أجيب فطور ومدانيش فلوس ايا عيني، وأنا أجيب فلوس منين."
حكيم ضحك على بشندي عشان كل سبوع يديه فلوس يخليها معاه، وكل ما يقوله هات حاجة يقوله أجيب لك منين، كيف ما يكون بيصرف عليه من جيبه. وفرك وشه بيده واتمطع براحة واتمدد على الكنبة وغمض عينيه والابتسامة لسه مرسومة على وشه، وبيتمنى الكام ساعة دول يفوتوا بسرعة. وعشان خابر إن مانيل المطالب بالتمني، فطر وقام خد عنتر وطلع يتمشى ويشوط عالأرض عشان يضيع الوقت على ما ييجي ميعاد غازي بعد الضهر.
وبالفعل حكيم سمع أذان الضهر وراح على الجامع، اتوضى وصلى وطوالى رجع للمندرة وقعد مستني على أحرف من الجمر، ووصل الأول عم جمارة، وبعده بدقايق وصل غازي في وسط عدد من الرجالة الغرب اللي محدش يعرف ولا واحد فيهم ولا هما من البلد أصلاً، والظاهر إن غازي مأجرهم حماية ليه من بلد تانية.
دخل غازي رافع راسه ومتحامي في رجّالته ووقف قبال حكيم اللي بص له بغرة وغيظ الدنيا كلها. غازي قعد وحط رجل على رجل وطلب من الرجالة بتوعه يقعدوا، وحكيم قعد بعد ما شاور لبشندي، وبشندي طلب من واحد من الغفر يقدم للناس ضيافة.
حكيم بص لبشندي وبشندي هز له دماغه بموافقة وطلع بره المندرة ورجع بمأذون الناحية اللي كان جايبه وحابسه بقاله ساعتين، مخلاهوش يتحرك من جاره ولا يروح هنا ولا هنا، وحتى صلاة الضهر خلاه صلاها في الزاوية بتاعتهم هو والرجالة.
دخّله بشندي وقعده قبال غازي، وحكيم بص لغازي ورفع حاجبه بمعنى هو فاهمه زين. غازي طلع عقود الأرض مكتوبة وجاهزة عالإمضاء ومدها لحكيم، وحكيم اتلافى منهم، وقراهم ورقة ورقة وطلع أكتر من تلتينهم ركنهم على جنب، وخلى بس التلت في يده وبص لغازي: "أنا ما أملكش غير دول بس على اسمي يا ولد عمي، وهما بس اللي أقدر أتصرف فيهم. غازي قام وقف على حيله واتنفض من الغيظ: "كيف ده يا حكيم؟ هو مش اتفاق حريم.. دي كلام رجالة!"
بشندي وقف قباله ورد عليه: "اتخرس، حش لسانك! مين اللي بتشبهه بالحريم يا بو انته! أنت ما عرفتش إنك بتتكلم مع الشيخ حكيم، شيخك وتاج راسك ولا إيه؟"
غازي بص لبشندي بسخط، بس مرضيش يرد عليه عشان متكبرش ويطلع من المولد بلا حمص، وبص لحكيم وسأله وهو جازز على سنانه: "باقي الأرض عملت فيها إيه يا حكيم؟"
حكيم: "باقي الأرض باسم اختي من زمان يا غازي. أصلاً أنا كنت كل ما أشتري حتة أرض جديدة أكتبها باسمها أو باسم أمي عشان الضرائب، أنت خابر الضرائب والمال اللي هين دفع للأرض كل عام. ودول يا ولد الناس اللي تحت يدي... هتاخدهم وتخلص الموال بتاعك ده. كان بها.. مش هتاخدهم، اتلافى مرتك في يدك وربنا معاك مطرح ما تحطوا راسكم حطوا رجليكم."
"بشنددددددي.. روح السرايا قول لجماعة غازي يجهزوا حالهم عشان يروحوا معاه."
بشندي هز دماغه واتحرك، بس وقفه غازي على باب المندرة بصوته: "وقف عندك." وبص لحكيم: "طبختها طبخة وعرة يا شيخ البلد!"
حكيم: "ربايتك وجوارك يا ولد عمي، واتعلمت الطبخ على يدك."
غازي هز دماغه وبص للأرض والغضب اتجلى على ملامحه: "امضي العقود."
حكيم بنبرة ثابتة: "ارمِ اليمين."
غازي: "بص لعم جمارة ونطق: جمارة بت أخوك طالق."
حكيم: "عيدها تاني."
غازي: "جمارة بت أخوك طالق مني."
حكيم: "عيدها."
غازي بص لحكيم وسكت دقايق كانت كفيلة تشتت قلب حكيم، لكن شتاته اتلم لما غازي نطقها لتالت مرة: "جمارة بت أخوك طالق مني... بالتلاتة..."
والمأذون بصم غازي، وحكيم مسك العقود بصمهم ومضّاهم وختمهم. وغازي مد يده عشان ياخدهم، لكن حكيم لم يده بيهم: "له يا غالي، دول هنطلع بيهم على مندرة الشيخ زايد. فيه حداه مجلس صلح وحاضره كل كبارات البلد وناسها، وهنشهد الخلق كلها على كلامنا ده. هنشهدوهم إنك طلقت وإني كتبت لك الأرض بيع وشرا، ويشوفوا العقود وتأكد لهم الطلاق."
غازي: "واااه، وهتجاهر قبال الناس كده إنك عطيتني أرض عشان تاخد مرتي؟ مخافش من كلام الناس ياك!"
حكيم: "متقلقش، إني مظبط أموري والناس خبرتهم سلف إن مرتك نخَتني أطلقها منك، وأنت مرضيتش تطلقها غير بأرض، وإني وهبت لك الأرض دي عتق رقبة ليها منك."
غازي اتنفس بقوة عشان حكيم سد عليه جميع المنافذ، وضحك ضحكة صفرا ورد عليه من بين سنانه: "مش هقولك بقيت طباخ يا شيخ."
حكيم: "أعجبك؟ قلت لك. وغلاوتك يا غازي، لأرقصك على مزماري من اليوم وطالع."
غازي ضحك وهز دماغه وبص لحكيم بغل ونطق: "هنشوفو مين هيرقص على مزمار التاني. عقود أرضي اللي حداك تحطها عليهم، وهستلمهم منك كلهم على بعض هناك."
حكيم: "حصل من غير ما تقول. طبعاً مفيش داعي أقولك السرايا متعديش في محيطها ولا قريب منها حتى بالغلط."
غازي هز دماغه بموافقة واخد نفس وزفرة وبص لحكيم: "بس هروح آخد حاجتي من المشتمل."
حكيم سكت شوية وهز له دماغه بموافقة وبص لبشندي يروح معاه.
بشندي وقف قبال غازي وبصله لتحت، وكان أطول منه، وغازي بلع ريقه وهو شايف في عين بشندي إنه ناويله على شر. "ما دخلتش السرايا لوحدي، رجّالتي معايا عشان يشيلوا الحاجة."
بشندي ضحك نص ضحكة وميل عليه وهمس له: "متخافش، مهحفكش دلوقتي. بس اللي بيني وبينك ما يتنسيش أصل."
غازي بلع ريقه وبص للرجالة شاور لهم بدماغه وطلع قدامهم، وبشندي وقفهم قدام باب السرايا: "اوقف مطرحك هنا كابس على وين أنت وقلاطيشك دول. مش فيه حريم جوه نعطيها خبر تتدارى من عيون الغرب ولا إيه؟ ولا صح نسيت إن البعيد ما يعرفش الأصول."
غازي رد عليه بغضب: "حاضر يا بشندي. صول وجول براحتك ودوس على مصراني زين، وإني ورحمة الغالي ما هفوت لك عمايلك دي أصل."
بشندي: "ورحمة الغالي اللي بتلف عليه، لهتحزم بمصرانك دي وارقص بيه على جتك وأنت متمدد تحت رجلي."
خلص جملته ودخل، خلى الطريق وغازي دخل ووقف مطرحه وهو شايف جمرة لسه عايشة وواقفة على رجليها وبتأكل. وبص لحكيم اللي كان باصله ومبتسم، وقرب منه وهمس في ودنه: "اللي من نصيب حكيم ما يقتلهوش سم ولا ياخده منه ظالم يا غازي."
غازي كمل طريقه وهو منكس دماغه للأرض وحاسس بقهر وانهزام، وبدل ما كان فاكر إنه جاي وهو حارق قلب حكيم، هيعود وهو اللي محروق قلبه بنار الفشل. دخل لم حاجته واتأكد إن الأوضة محدش جه ناحيتها وطلع من المشتمل والسرايا كلها، ووقف واتلفت مرة أخيرة على كل شبر فيها وهو بيتعاهد بالرجوع مرة تانية في أول فرصة وأقرب وقت.
أما حكيم، فبعد ما طلع غازي، مسك بيده عقود الأرض ورفعهم قبال عينيه يبص لهم بصه أخيرة قبل ما يسلمهم لغازي قبال الناس، وابتسم بفرحة وهو ماسك مفتاح سعادته بيده. وجواه إحساس إنه النهاردة اتخلص من حمل تقيل اتنقل من كتف أبوه لكتفه وعاش متحمل بيه سنين.