تحميل رواية «جمارة (بين العشق والقسوة» PDF
بقلم ريناد يوسف
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
(بين العشق والقسوة) الفصل الأول عدنا والعود احمدُ ❤تقدمت نحو نافذة غرفتها وقامت بفتح الستائر ببطئ لتحتضن اشعة الشمس وجهها فتنعكس من خلال عينيها ليكتسب لون عينيها الازرق بريقا من نوع خاصاغمضت عينيها ثم قامت بفتحهم ببطئ شديد لكى يعتادو على هذا الضوء الذي تعرضتا له فجأه .اخذت نفس عميق زفرته على فترات وهى تنظر لحديقة القصر وتجوبها بعينيها ذهاباً واياباً وتستنشق عبق ماتحمله نسمات الصباح من رائحه الورود المصطفه فيها بطريقه مميزه لتُكون لوحه فنيه تضم جميع الاشكال والالوان التى رُسمت بيد محب عاشق للطبيع...
رواية جمارة (بين العشق والقسوة الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم ريناد يوسف
بدأ يوم جديد بأمل جديد وفرحة جديدة وحياة جديدة الكل مطمئن لها في ظل وجود الشيخ حكيم.
والشيخ حكيم نفسه مطمئن ومؤمن بوجود جمارته في حياته أخيرًا، وحاسس أنه لم يعد يريد من الدنيا أي شيء آخر غيرها. وبرغم قوته وضعفها، إلا أنها هي مصدر كل قوته وصلابة قلبه.
جمارة واقفة قدام حكيم بتلبسه العبايه، وبعد ما خلص، مد إيده ومسك الشال الأبيض اللي على طرف السرير، ولفه على راسها، ودخل بإيده كام شعرة كانوا باينين، وشد الشال لقدام.
جمارة بضحكة: براحة هتجيبه على عيني وأمشي مش شايفة وأتكفي على بوزي.
حكيم: طب تصدقي إني نفسي أديهم عنيكي دول ومخليش حد يشوفهم غيري أصلاً. حتى لو كانت مرة زيك، ولا أمي ولا أختي، ولا حتى أمك.
جمارة: بدأت رحمة الله وبدت الغيرة عاد. وهي يعني البصة هتاخد مني ولا تنقصني يا شيخ؟
حكيم: ده أملاكي وأنا أحب حد يتطلع لحاجة ملكي أبداً. عاجبك ولا مش عاجبك؟ أوعى يكون مش عاجبك يا سِت جُماره!
جمارة قربت منه وحاوطت رقبته، ورفعت روحها واتعلت أكتر لما وقفت على رجليه، واتكلمت بهمس وعينيها في عينه: عاجبني ونص وتلات تربع كمان. أصلاً كل حاجة منك بتعجبني يا شيخ قلبي.
حكيم ابتسم وهو يحاوط وسطها بإيديه ويقربها منه، وبص على السرير وبصلها، وهي بعدت عنيه بسرعة لما فهمت قصده وهي بتضحك.
له عاد بكفاياك. خلينا ننزل نفطر، الواحد بطنه بتظوظه من امبارح وأنا لا اتعشيت ولا اتغديت. وأنت مصمم ننزل نفطر تحت ومخلتش حد يطلع لنا وكل. مش كنا قعدنا النهاردة هنا وكانوا جابولنا فطور كيف كل العرسان؟
حكيم وهو بيعدل خلجاته: له يا جمارة، أنا عاوز أفطر ما بين حبايبي كلهم وأتقاسم معاهم اللقمة والفرحة. وبعدين عشان طالع بعد الفطور أشوف اللي ورايا.
جمارة بعدت عنيه وحطت أيديها في وسطها، واتكلمت باستغراب: اللي وراك!! إيه اللي ورا عريس يوم صباحيته يا حكيم؟
حكيم مد يده ومسك يد جمارة، وشالها من وسطها: أول حاجة يا جمارة، نزلي إيديكي. وأوعي وإنتي بتتكلمي تعملي الحركة دي نوبة تانية، ولا تكلمي الشيخ بالأسلوب ده. أنا بحبك أيوه، بتنفسك مع الهوا ماشي، بتجري مجرى الدم في عروقي زين. لكن تقللي احترام في طريقة كلامك معايا، هركن كل ده على جنب وأربيكي من أول وجديد على مزاجي وكيف ما أحب. أنا شيخ، وإنتي مرة الشيخ، والنهاردة شيخك في صباحيته جايله فصل من يوم ما غبت عن الدنيا. أصحابه دلوقتي ليهم 3 شهور، وهبابة يقتلوا في بعض، والعيلتين داخلين في حرب لما اتصفت رجالتهم خالص. هحاول أوقف بحر الدم ده وأصلحهم على بعض بأي طريقة. ويكون في معلومك، طلعتي، طبّتي، سفري، فصولي، وقتي أقضيه فين، دي حاجات غير قابلة للجدل أو للسؤال أو حتى للزعل والقمص. جمارة، مرة الشيخ حكيم، لازم هي اللي تهمه. لو كسل من مصالحه واتوانى عن مساعدة الناس، أنا عاوز مرتي تكون حزام ضهري، مش شوكة في ضهري يا جمارة. إنتي اللي ليكي حداي وتعاتبي وتحاسبي عليه. العين لو اتطلعت لغيرك، القلب لو دق لغيرك، الروح لو اتعلقت بغيرك، ومحبة تزيد مع الوقت متنقصش. عشان دول ملكك، ولازم صاحب الملك يراعي أملاكه ويحافظ عليها. لكن غير كده، متتدخليش في أي حاجة.
أخد نفس وهو شايف جمارة باصة للأرض ومرفعتش عينيها، وعترسم دوائر في الأرض برجليها، وخابر زين إنها ما بتعملش الحركة دي غير وهي زعلانة قوي. رق قلبه ونبرة صوته وهو بيتكلم: أنا مش هقول لك الكلام ده عشان أزعلك وأعكنن عليكي يوم صباحيتك يا جمارة. أنا هحط النقط على الحروف عشان كل واحد فينا يعرف الحق اللي ليه حدا التاني واللي عليه ليه. وأظن كلام الحق ما يزعلشي حد، مش كده؟ ولا إنتي بتزعلي من الحق عاد؟
جمارة رفعت عينيها ليه وابتسمت: ومين قال لك إني زعلت من كلامك؟ أنا بس زعلت عشان كان نفسي إنك تشوف كل الحاجات اللي نبهتني عليها دي، وتشوفني وإني بعملها لحالي عشان متقولش دي تنبيهي وكلامي وهي بتمشي عليه وتنفذه. أنا خابرة حالي مرة الشيخ، وعشان مرة شيخ، خابرة زين إن ليا وعليا كيف ما ليك وعليك. وكيف ما نبهت على اللي ليك، أنا كمان هنبه على اللي ليا يا شيخ.
حكيم ابتسم ورفع حاجبه وضيّق عينيه وهو بيسمعها وهي ربعت أيديها وابتدت كلام.
جمارة: أول حاجة، غرفتنا دي أول ما رجلك تخطى فيها، تخلع على عتبتها توب المشيخة وتدخل حكيم وبس. نضحك نهزر نلعب كيف عيال صغيرة من غير حواجز ولا مسافات. كل واحد فينا هنا مراية التاني ونفسه اللي بيتعرى قبالها من كل حاجة من غير خوف ولا خجل. نطلع برا عتبتها، محدش يوعى ولا يسمع من التاني ليه غير كل التقدير والاحترام في الحديث والقرب، وحتى النظرة بينا تكون بالأصول وفي حدود الأدب قبال الناس. وأنا عمري ما هقلل منك قبال حد بكلمة ولا هقلل احترامك، وعايزاك إنت كمان عمرك ما تعملها. وحقك في طاعتي ليك، وحقك في برا للي منك، وحفظي ليك في غيبتك كيف حضورك، وخوفي على حالك ومالك. كل ده ليك مني قسم برب العرش إنه يتعلق أمانة في رقبتي للممات، وإني عمري ما هخون الأمانة.
حكيم بإعجال وابتسامة مكتومة: خلصتي يا مرة الشيخ كلامك، ولا لسه الحديث ليه باقي؟
جمارة: له، خلصت. وبناءً على حديثي وحقوقي اللي قلتها لك دلوقتي أهه.
وحطت أيديها في وسطها تاني وبصتله ورفعت حاجبها بتحدي.
حكيم بضحكة: أنا مش لسه منبه من الحركة دي؟
جمارة: وإني مش لسه قايلة غرفتنا نعملوا فيها اللي نعملوه، والتنبيهات تبدأ من بعد عتبتها!
حكيم قرب عليها بسرعة ولف من وراها، مسكها من وسطها بدراع واحد ورفعها، وبإيده التانية شد شعرها، ميل دماغها وخلى وشها في وشه، واتطلعلها بحب وهمس جار ودنها: عاوز أفهم لسانك ده ما يطولش، ولماضتك دي ما تشوفهاشي ليه غير معايا أنا وقدامي وبس، ومع غيري هتكوني أغلب من الغلب وتخطف عشاقي القطّة، وخوفك وخجلك مشندل حالك!
جمارة بهمس: عشان إنت حبيبي. عشان إنت نفسي، وبين الواحد ونفسه كل حاجة مباحة، والخجل مرفوع، والزعل ممنوع يا شيخ قلبي.
حكيم خد نفس ونفخه، ومرة واحدة شال جمارة وبقت بين إيديه الاتنين، وضحكت من حركته وهي بتدفن راسها في صدره، وعتحاوط رقبته وهمست بدلع: بالهداوة على جمارك يا حكيم، قلبها وروحها عاد.
وحكيم شاف دلعها عليه، زعق بصوت عالي: يااااااابووووي! قلبك هيتحمل كيف كل الدلع والكلام الحلو ده كل يوم يا حكيم! خفي على شيخ قلبك هبابة يا بت عيشة، دا القلب مهري عشق وفراق ولوعة. دوّقيه الفرحة هبابة هبابة. نقطيها عليه نقط لحد ما يبل ريقه الناشف، وبعدها ازقيه، وهو هيشرب لما يرتوي، مهيقولشي له.
جمارة رفعت وشها ليه وهمستله بدلع: أمرك على قلبي قبل راسي يا تاج راسي. كل اللي يريحك ويريح قلبك، يجرالك من عيوني يا ضي عيوني.
حكيم بلع ريقه وهمس: جمارة، أنا هقول لغالية أقولها تيجيبلنا الوكل هنا، بلا فصول بلا وجع قلب عاد. ولا أقولك... بلاها فطور، أنا مستعد أعيش طول عمري من غير وُكل، على الجمارة وبس.
جمارة ضحكت ورجعت دفنت روحها في صدره تاني، وهو اتحرك بيها ناحية الباب وهو بيقول: الصبررر ياااارب.
نازلين الاتنين على السلم، حكيم متقدم بكل هيبته، والسبحة الدهب في إيده، وجمارة وراه، والاتنين وشهم منور من الفرحة، وكل تعب الشهور اللي فاتت اتمحى من على وشوشهم بليلة واحدة قضّوها في حضن بعض. ومن أول ما التقوا وكل اللي في السرايا شافوهم، انطلقت الزغاريت من الكل، وبالذات عيشة اللي ما فصلتش ولا خدت نفسها لحد ما كملوا السلم وراحوا حداهم.
حكيم صبح وراح على أمه، وحب راسها وإيدها، وجمارة كمان راحت على أمها، عملت كيف ما عمل حكيم. وبعدها أمها حضنتها وباركتلها بهمس وفرحة. جمارة ما حستش بيهم منها يوم ما اتجوزت غازي، وحتى قبل ما تعرف شينه من زينه.
بعدت عن أمها، وراحت على تماضر وحبت على إيدها وراسها، وتماضر حضنتها وطبطبت عليها بمحبة. وبعدها غالية خدت جمارة بالحضن وباركتلها. والكل قعدوا يفطروا المصفط أبو سمن بلدي اللي عاملاه عيشة. وحتى زبيدة وولدها جابوها تأكل معاهم.
عيشة طول ما هي بتاكل، فكرها مشغول وسرحانة ومبتسمة. وكل اللي يبص عليها يفتكر إنها من فرحتها ببنتها، لكن الحقيقة إن عيشة كان فكرها كله مع المشندل بشندي.
خلص حكيم أكل، وقبل ما يقوم، كان بشندي على باب السرايا واقف عينادم عليه.
حكيم: خش يا بشندي، تعالا. أنا فطرت وكنت جايلك طوالي أهه. خش بشندي وباركلهم وقعد على السفرة، واتلافى فطيرة قطعها وبدأ ياكل.
بقى كده هتاكلوا فطير من غيري يا ردايا! طب حتى قولوا لقمة لبشندي الغلبان اللي محدّاه حد يعمله فطير ولا حتى يفطره يا ولداه!
عيشة ردت عليه بسرعة: والله عاملة حسابك وشايلة لك منابك، وكنت مستنية لما الشيخ حكيم يطلع أدهوله عشان يفطرك. ولحقت نفسها لما انتبهت: إنت والرجالة، يعني تفطروا كلكم سوا مع بعض.
حكيم غمز لبشندي وضحك، وبشندي ابتسم لعيشة وهو بيقول لها: تسلم يدك وعمايلها يا أم جماره. المصفط حلو لحاله كنه معجون بالعسل معاه. عقبال ما تخبزي لي مصفط صباحيتي بيدك وإحنا في بيتنا.
الكل بص لبشندي بصدمة واستغراب، وحكيم ضحك بصوت عالي وضرب بشندي على ضهره بهزار وقلة: أيوه عااااد يا بشندي!
بشندي ضحك وبص لعيشة وهي شنقت في الشاي اللي كانت بتشربه، وجمارة فضلت تضرب على ضهرها وهي كحتها تزيد. وبشندي بص لحكيم بعتاب: عينك المدورة دي هتفطس المرة في موطرحها أهي.
حكيم: له يا خوي، مش عيني، ده دخلاتك المميتة وكلامك العامل كيف قطر بضاعة ملوش فرامل.
بشندي: طب المهم، إني هجيب المأذون وأعقد عليها بعد العصر النهارده، بعد ما تخلص الفصل، وأخدها عشية على بيتي القديم. هبعت حد من الرجالة يكنسه ويطهر فيه أمروب تكون حية ولا طريشة لابدة فيه هنا ولا هنا.
حكيم: وسألتها لأول ووافقت على كده؟ ولا هتتجوز وتكتب منك لحالك كده؟
بشندي: قلت لها امبارح بعد الفرح، وهي من الفرحة قعدت تتبلبل في الأرض، بالعافية قومتها.
حكيم ضحك بعلو صوته، وحتى تماضر وغالية ضحكوا. وعيشة لسه شقّانة، والشقّة كل ما تزيد، وهي سامعة حديث بشندي، وبصت له عشان يسكت، وهو البعيد مفيش أكل. اللي قالهولها: أوعي تفرفطي وتموتي يا قزينة قبل ما أتجوزك وأورث بيتك، ما تبقيش مرة فقيرة عاد. هههههع هههه هع.
أخيراً عيشة عرفت تاخد نفسها وقامت من على الأكل، وشها صابغة الخجل من حديث أبو بشندي قدام حكيم، ودخلت المطبخ، وجمارة راحت وراها وهي بتضحك على حال أمها.
جمارة: مالك يا أم جماره؟ قومتي من عالوكل ليه ورمحتي؟
عيشة وهي بتضرب بإيديها الاتنين على رجليها: يابووووي! ما وعياش الراجل اللي باع المستحى ده كان هيقول إيه؟ والله خسفت بيا الأرض من الكسوف المشندل، والأكاد قدام حكيم، يا مري يا مري يا كسفتك يا عيشة. وحطت راسها بين إيديها بغلب. أنا متجوزهوش الراجل ده يا بوي!
جمارة ضحكت وراحت عليها، وميلت خدت دماغها في حضنها كيف ما تكون هي اللي أمها، وهمستلها بحنية: له يا أم جماره، متتجوزيهوش كيف! طب إنتي خابرة يمه إن عم بشندي ده هو عوضك وآخر صبرك سنين من غير جواز، فضلت تشقّي فيها عشان تربيني ومتجيبيليش جوز أم يتحكم فيا، وعشتي وحدانية عشان خاطري. اهو ربنا بعت لك جبر الخاطر لحد عندك على هيئة عم بشندي اللي قلبه أبيض من لبن الحليب، ويفيض بالمحبة لكل اللي حواليه، وواخد الكل تحت باطه ومحادّي عليهم، وأولهم حكيم، وعامل كيف الصقر اللي بيحادي على عياله. خشي يمه تحت جناح الصقر واتحامي فيه، اللي باقي لك من العمر وافرحي واتهني، ده ربنا رايدك الخير.
عيشة بعدت عن بنتها ومسحت دمعة نزلت منها من كلام جمارة لما فكرتها بالشقا اللي شافته واتحملته طول عمرها، وهمست لجمارة: على سيرة الشقا، سبع الرجال، الصقر بتاعك عاوزني إني اللي أصرف عالبيت لما نتجوزو من بيع الجبنة.
وجمارة سمعت كلام أمها وفضلت تضحك بعلو صوتها، وأمها ضحكت على ضحكها، وسكتوا الاتنين لما سمعوا صوت بشندي بيتكلم بره بصوت عالي: اتجننت عيشة من الفرحة يا ولداه! أهي عارفين لو دخلتوا عليها دلوقتي هتلاقوها بتتبلبل في الأرض من الفرحة يا عيني. يا بوي عالولية المتبلعة اللي هتجوزها دي.
وتبع كلامه بضحكة. والتنين جمارة وأمها سكتوا، وبصوا لبعض، وبعدها انفجروا في الضحك بصوت أعلى، وحتى اللي بره كلهم ضحكوا. وعيشة هزت راسها وهي بتقول لبتها: هعيش معاه كيف الكياد دي يا بتي؟
جمارة: طب والله دمه شربات ورد مكرر، وكيف العسل كمان. بس والله ما ليكم حق تتجوزوا يوم صباحيتي، مش كنتوا تأجلوها كام يوم كده!
عيشة: وعتقولي لي، إني هو، إني بأجل ولا عارفة حاجة. دي المقطور في نافوخه هو اللي بيحدد ويجود من كيفه، وأنا ولا كأني العروسة ولا ليه صالح بيه.
جمارة: معلش، يلا حصل خير. ما هو خير البر عاجله برضه. الراجل تعبان ومحتاجك جارة.
وفضلوا الاتنين قاعدين في المطبخ، وانضمتلهم زبيدة، وبعدها غالية، وفضلوا يتكلموا هيعملوا إيه النهاردة في كتب كتاب عيشة، وهيطبخوا إيه للعرسان.
أما حكيم، فطلع مع بشندي على المندرة، وفي طريقه حاد على جمرة، صبح عليها، وبص لبشندي وسأله: وكلت عوض من امبارح يا بشندي، ولا فوته بالجوع؟ أوعك تهمله جعان، عشان الجوع ده ممكن يدخلك جهنم يا فقري. احبسه وخلص تارك منه كيف ما إنت عاوز، بس أهم حاجة توكله. داني غازي هوكله عيش وبلح كد الأيام اللي خلاني أكلته فيهم، وبعدها هنزله وُكل زين.
بشندي: يا بوي، ما تخافش، وكلته.
حكيم: جدع يا بشندي.
بشندي: بس وكلته للديابة. هههع هع هع.
حكيم: عيميلت إيه يا واكل ناسك، إنت قتلته؟
بشندي: له وغلاوتك، إني بس ربطته في عنتر، خليته مرجحة في البلد، هبابة تين تلاتة، وبعدها رميته جار زرعة قصب وفوتته صاحي والله. الديابة هي اللي كلته لحالها، إني مليش صالح أصلاً.
حكيم ابتسم وهز راسه: واعر قوي في عداوتك إنت يا فقري، واللي يندك بيك يبقى فاقد عمره.
بشندي: له وإنت الصادق، اللي يندك بيك إنت يفقد عمره على يدي.
حكيم ضحك وراح على شنطة سكر النبات اللي عباها لجمرة من تاني، وكبش بيده وجه يوكلها، وهي خدت واحدة منه وبعدت خشمه، مرضيتش تاكل الباقي.
حكيم بص لها باستغراب، وبص لبشندي وسأله بقلق: مالها جمرة يا بشندي؟ ما بتعوداشي؟
بشندي هز له كتفه بعدم معرفة وقله: ما أعرفشي. لساها امبارح كانت خاربه الدنيا رقص في الفرح ونطيط. تلاقيها اتحسدت من اللي عملته الغازية دي.
حكيم بقلق: له، إني مش مطمن عليها يا بشندي. ده حتى وُكلها قاعد في المخول كيف ما هو، ما قربناشي عليه من امبارح. ما عودى الصبح تكون ماسحاه مسح. روح عالاسطبل يا بشندي وابعت لي السايس قوام. هو اللي هيعرف فيها إيه.
وبالفعل راح بشندي ورجع بالسايس اللي لف حوالين جمرة لفتين، وبعدها ابتسم وبص للشيخ حكيم: اطمن يا شيخ، جمرة مفهاش أي حاجة. وقلة وُكلها دي بسبب إنها اليومين دول عايزة تكون مع عنتر.
بشندي بص لجمرة وضحك: أيّ قليلة الحيا، غيرتي من صاحبك وعايزة تتجوزي يا به! فرسة غيّارة صوح. هههع هع.
السايس: له، مش حكاية غيره هي. اليومين دول أيام التزاوج بتوع كل الخيل. الأسطبل كل فرسة فيه تقريباً حبلى، وهي زيهم عايزة تبقى أم.
حكيم: وديه تخليها تقطع الزاد كده؟
بشندي: وتقطع النفس كمان، وتلف الدنيا كيف المجذوبة. هي اتعلمت على يد مين يعني. ههههههههااااى.
حكيم بص لبشندي وعض له شفته عشان يسكت، وبكفاية فضايح. ونجدة السايس لما اتكلم: هي الفرسة في الأيام دي شهيتها بتتقطع وزادها يقل وتخس، بس بعد ما تحبل، وُكلها يزيد وتعاود في الوُكل أكتر من الأول.
حكيم هز دماغه بتفهم، وبص للسايس: طب خدها الأسطبل، ومش هوصيك تحطها مع خيل أصيل، فاهم.
السايس هز دماغه بطاعة وراح على جمرة يفك ربطتها: هو عنتر مفيش غيره، وأصلاً هو ما بيخليهاش تقرب على حصان غيره، ولا حصان غيره يقرب لها. كيف ما يكون متجوزها وبيعير عليها، والله يا شيخ.
حكيم ابتسم وفضل باصص على جمرة وهي ماشية مع السايس، وانتبه على بشندي بيضربه بكتفه: يا بوي، فضنا الناس. زمناتها كلها وصلت، وأنا ورايا فرح عايز أستعد وأحلق وأظبط حالي للبسة. هم يا حكيم يا ولدي هم. ده العشق تراه شندلة صوح.
وطلع الاتنين وراحوا على المندرة، وخلصوا الفصل. وبعد ما خلصوا، بشندي عقد على عيشة، وعشية قالها تلم خلجاتها وخدها بعد ما سلمت على الكل معاه على بيته اللي كان كيف عشة الفراخ، عبارة عن أوضة وسقيفة صغيرة وفرن، وسلم يطلع للسطح، وكله بالطين.
عيشة أول ما دخلت البيت، اتلفتت على كل ركن فيه. وبشندي قرب منها ووقف قبالها وقالها: عارف البيت مش كده مقامك يا عيشة. والشيخ حكيم عرض عليا إننا نتجوز في المشتمل، بس أنا مرضيتش، وحبيت إني ومرتي نقضي أول ليلة مع بعض في بيتي ومطرحي عشان أحس بالفرحة زين.
عيشة خلعت الملس الأسود اللي كانت لابساها، وظهر الفستان الأزرق اللي كانت لابساها امبارح تحت منه، ونفس الشال الأزرق، وبصت في عينه وقالت له: عمرها ما كانت بالمطارح يا بشندي. البيوت بقلوب أصحابها وطيبتها. وإنت قلبك واسع وفيه براح الدنيا بحالها، وأنا لحالي اللي هقعد فيه، يعني هكون مرتاحة كني قاعدة في قصر حيطانه عاج وسقفه مرمر.
بشندي كان بيسمعها وهو فاتح خشمه على كلامها الحلو، وعينه على ملامحها وشفايفها اللي بتتكلم. وأول ما خلصت همسلها: طب خشي الأوضة دي قوام يا واكلة ناسك، وإني هشكل الباب وجايلك. خشي بعينين البسس دي. خشي، داني ما كنتش متجوز قبل سابق، ولا شفت حريم قالها. وتحرك بسرعة على الباب. وعيشة ضحكت وهي شايفاه، ووطت اتلافت بؤجة خلجاتها من على الأرض ودخلت الغرفة، وبشندي حصلها. وقضوا ليلة من ليالي العمر، كل واحد عوض التاني فيها عن صبره وقعده من غير جواز كل السنين اللي فاتت. وكتبوا سوا أول صفحة في كتاب حياتهم الجديد مع بعض، وبصموا عليها بالرضى.
مرت الأيام، يوم بعد يوم، وشهر عدى على جواز حكيم وجمارته، و29 يوم على جواز بشندي. والفرحة طول الوقت مخيمة على الكل. وعاود الشيخ حكيم من تاني يصول ويجول بحكمته وحكمه العادل، وردت له عافيته من تاني. والناس كلها في البلد والبلاد اللي حواليها، ماليهاش سيرة غير الشيخ اللي عاود من الموت، وكان مأسور في بيته على يد ولد عمه. وكل الناس نسبت نجاته لعمله الزين، وتقاه، ولأنه حامل لكتاب الله وماشي طول عمره على سنة رسوله.
بشندي النهارده صابح ساكت، وكلامه مع عيشة قليل. وعيشة عرفته إنه بيفكر في حاجة مهمة، واتعودت لما يكون فكره مشغول تبعد عنه وتهمله، وتلهي حالها بأي حاجة عشان ميشندلش حالها ويقول لها: قطعتي فكري وتوهتيني.
قام بعدها لبس وراح على السرايا في معاد كل يوم، ودخل المندرة، واتحفظ هو والرجالة. وبعدها دخل السرايا وطلع مفاتيح المشتمل، النسخة اللي عطاها له حكيم يخليها معاه عشان لو سافر ولا حاجة، هو اللي ينزل وُكل لغازي. خد الكورباج معاه، ودخل وشال غطى الحفرة، ونزل لغازي. سلمه سلمه. والتاني شافه وكان نايم، قام وقف في استعداد لحماية أي حاجة فيه يقدر يحميها من بشندي. ورجفة سرت في جسمه، وخوف أكتر من خوفه من حكيم، عشان متأكد إن بشندي جاي النهارده يخلص منه اللي كان بيعمل فيه، وخصوصي وهو واعي الكورباج في إيده، وخابر زين إن بشندي ما يرحمش.
بشندي أول ما عينه جات في عين غازي، ضحك بتشفي ووعيد. وغازي همس بخوف: العفو عند المقدرة يا بشندي. يا تعفو عني يا تموتني نوبة واحدة وتخلص مني وتخلصني. وأنا أترجاك تعمل التانية.
بشندي: والله إنت بجح وعينك بيضة يا دة، إنت! يا دة بتطلب الرحمة والعفو والراحة بأنهي عين وبتطلبها من مين؟ مني أنا؟
وكمل حديثه لما وعى غازي بص للأرض وقطم الحديث: صح عوض بعت لك معايا السلام. باعته لك من قلب الجحيم اللي زمانه بيتشوي فيه دلوقتي. عوض الكلب بتاعك، وُكلته للديابة حي، وفوتها تنهش في لحمه. بقا يا دة، كنت عاوز تبقى شيخ، ولبست العمة، وحطيت حالك موطرح الشيخ، وخدت حاله وماله، ونسيت إن موطرح الشيوخ ما يعلاهوش الفجر؟ بس ربك قال إيه؟ قال تعالى (إن الأبرار لفي نعيم، وإن الفجار لفي جحيم). وأهو الشيخ عاود لنعيمه من تاني. وعشان إنت فاجر، ولد فاجر، يبقى ماليكش غير الجحيم. جحيم الآخرة ده على ربنا. بس جحيمك في الدنيا هيكون على إيدي أنا، كل يوم من هنا ورايح. كل يوم هاجي أسلم على جثتك بالكورباج دي لحد ما أخليك تستمنى الموت استمناية. أنا هملتك في اليومين اللي فاتوا عشان مكنتش فاضيلك بس. لكن مش ناسيك ولا ناسى اللي ليك حداي يا ولد شهين.
قالها وفرد الكورباج ونزل على غازي، فين تاكل فين تشرب لحد ما إنهى خالص، وقعد على السلم قباله ينهج، وهو واعيه متمدد على الأرض، والأه بتطلع منه بالعافية.
بشندي: ليك جولة تانية النهارده في ذمتي، هاجيلك آخر النهار أدهالك. لو عاوز تتعفى منها يبقى تحكي لي عن خطة إبليس اللي عملتها مع الشيخ حكيم، ومين اللي ساعدك فيها غير دكتور الوحدة، ونفذتوها كيف، ومين اللي اتدفن موطرحه. والأهم من ده كله، الطلقة اللي صابته كانت بيد مين؟ يا كده يا متلومش غير حالك. والضرب مفيش أسهل منه على اللي بيضرب، وإنت مجرب وخابر زين.
قالها وطلع وقفل الحفرة وقفل المشتمل، وطلع على المندرة يستنى حكيم أول ما يصحى عشان يشوفوا هيعملوا إيه في باقي العصابة اللي ساعدت غازي وخططت لموت الشيخ، أول ما يعرفوهم.
غالية قاعدة في أوضتها اللي بقت تحت دلوقتي من يوم ما اتجوزت غازي، وبقالها كام يوم حاسة بدوخة ومعدتها مقلوبة، وبتترجع كل صبحية. وقلبها رجف لما شكت في حاجة.
طلعت الصبح رايحة على أوضة أمها، بس وقفتها الدوخة ولعبان النفس، ورجعت رمت على الحمام واتقيت لما قالت يابس.
طلعت من الحمام وهي بتعصر بطنها بإيدها، والملامح صفرا من التعب، وراحت صبحت على أمها وقعدت جارها، وفضلت باصة من الشباك للفراغ بتوهان.
تماضر بخوف: كنتي بتتقيئي ليه يا بتي؟ فيكي إيه؟
غالية: سلامتك يا حبيبتي، مفياشي حاجة.
تماضر بصت بشفقة على حال بتها اللي اتقندل وبقت متعلقة، لا طايلة سما ولا أرض، ولا إنها بت بنت كيف الأول، ولا إنها اتجوزت جوازة عدلة واتحسبت عليها جوازة.
- متفكريش كتير يا غالية يا بتي. أنا خابرة إنك مقهورة على حالك، وده اللي مخليكي عيانة. أنا هخلي حكيم يطلقك من الخسيس ده، وربنا هيرزقك بالأحسن منه، وأخوكي هيجوزك لسيد سيده.
غالية بصت على أمها بعيون زايغة، وردت عليها بنبرة يأس: أنا حبلى يا إمه.
تماضر سمعت الجملة وكل مخاوفها اتحققت، وضربت على صدرها، وبعلو صوتها صرخت: يا مررررك يا تماضر.
رواية جمارة (بين العشق والقسوة الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم ريناد يوسف
تماضر: يا مرَّك يا تماضر.. حبله كيف يا غالية؟
غالية: كيف الناس.. هو إيه اللي كيف؟
تماضر: أول مرة هخالف شرع ربنا وأعترض على حكمه، بس اللي في بطنك دي لازم تنزل يا غالية، لازم.. اللي جواكي دا آفة يا بتي.. امتداد لسلسال نجس لو متقطعش محدش في البيت ده هيرتاح طول عمره.
غالية حطت إيدها على بطنها وهمست بحزن: عاوزاني أقتل ولدي يا أمي؟
عيشة: قبل ما يطلع للدنيا ويكتلك بيده يا غالية ويكتل الكل، بس يشب عوده ويعرف إن خاله حابس أبوه ومانعه من الدنيا.. وحتى وقتها لو كان غازي مات، كل ناس البلد هتعرفه إن أبوه مات على يد خاله، ووقتها هياخد بتار أبوه من أخوكي ومنك عشان سكتي على عمايل أخوكي في أبوه، وميصدقش أي حاجة تتقاله عن أبوه كيف ما غازي ما كانش بيصدق في أبوه شاهين حاجة. نزلي اللي في بطنك يا غالية واختاري أخف الضررين يا بتي.
وقبل ما ترد غالية على أمها، كان باب الأوضة اتفتح بعنف ودخل منه حكيم اللي سمع كل الحديث، وبص لأمه واتحدث بعتب: ولما بت الشيخ ومرته وأم الشيخ تقول كده، يبقى سيبنا إيه للناس الجهلة يا أم حكيم؟ له يا أمي له، مش مرجية منك ولا الكلام اللي سمعته يطلع من جوف أم الشيخ حكيم أبداً. عاوزانا نقتل روح من غير ذنب ربنا خلقها عشان خايفين منه لما يكبر؟ فشرع مين ده عاد؟ وبأي حق؟
تماضر: فشرع ربنا وحصل.. ولا نسيت سيدنا الخضر لما قتل الغلام على عين سيدنا موسى يا شيخ؟ نسيت لما عاتبه سيدنا موسى وقاله: {أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا} فاكر رد سيدنا الخضر عليه كان إيه؟ بسم الله الرحمن الرحيم {فَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا} يعني الخوف من الطغيان عادي، أحق يا شيخ حكيم.
حكيم قرب من أمه بسرعة ومسك إيدها وقعد جارها وهمس بحنية: لا يا أمي لا، دي مش كيف دي، ومتخلطيش الأمور.. الغلام اللي قتله سيدنا الخضر ربنا سبحانه وتعالى هو اللي أوحى للخضر بقتله، لأنه مطلع باللي هيكون عليه الغلام. والدليل إن سيدنا موسى لما استنكر الفعل على سيدنا الخضر، كان رده: (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي) يعني ما عملتش كده من حاله، وإلا هو عرف كيف إن الغلام ده هيطغى لما يكبر؟ شوف ربنا قال إيه في سيدنا الخضر: {فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا} يعني ربنا كان مخليه مطلع على حاجات محدش غيره يعرفها.. وعشان كده قتل الغلام. قول لي أنتِ اطلعتي على الغيب زيه وشفتي ولد غازي هيطلع إيه ولما يكبر هيعمل إيه؟ مش يمكن يتخلق من ضهر الفاسد عالم ينتفع الناس بعلمه، وبقتلك ليه تؤدي العلم ده بإيدك؟ استغفري ربك يا أم الشيخ عشان أنتِ دلوقتي اللي عاوزة تعملي أمراً نُكراً.
تماضر أخدت نفس وهزت دماغها وهي منزلاها بندم: استغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم.. استغفر الله.
ورفعت عينيها وهمست لحكيم: ولو حصل اللي خايفة منه يا حكيم بعد كده؟
حكيم: مهما كان اللي هيحصل هيكون بترتيب من رب العباد، واديكِ شفتي غازي عمل إيه وربنا ما دامش دولة ظالمة غير ساعة وقلب الموازين وسادت دولة الحق. سيبى كل حاجة لترتيب ربنا وهو كيف ما حملها هيسيرها.
تماضر: ونعم بالله يا ولدي.
حكيم حب على إيدها وبعدها قام راح قعد جار غالية وميل عليها وحب على راسها بحنان: مبروك يا غالية القلب والعين.. يكملك على خير يا أختي ويتربى في حنانك وعز خاله.. متخافيش من حاجة، إني جارك، مهمله بيكِ. بس أنتِ ادعي ربنا في كل ساعة إنه يصنعه على عينه، ووهبيه لله كيف ما عملت بنت عمران، وهتشوفي إن اللي خايفة منه مهيجيش أحسن منه. قومي يلا، جمارة زماناتها حضرت الفطور مع زبيدة عشان نفطر سوا.. أنتِ دلوقتي هتاكلي لاثنين، عاوزاكي تحشي حش كيف البقرة كده أول هههههههه.
قالها وضحك، وغالية ابتسمت وحكيم ضمها عليه وضرب قورته في قورته، وقام حط أمه على الكرسي وطلعوا يفطروا. وحديث حكيم خفف من على قلوبهم كتير.
فطروا كلهم مع بعض وحكيم سابهم وطلع راح على المندرة، وجمارة قعدت مع تماضر يتحدتوا عن حمل غالية وحظها العفش. بعد ما غالية سابتهمل ودخلت غرفتها ترتاح لها شوية.
غالية اتمددت على السرير وحطت إيدها على بطنها وهي بتفكر: ياترى مصير اللي في بطنها ده هيكون إيه؟ ويار ترى بكرة ده سيب لها إيه تاني؟
اتعدلت وقامت راحت على الدولاب فتحته وفضلت واقفة تتطلع على خصلات غازي وحاجته، ومسكت جلابية من بتوعه وكلمتها كأن غازي واقف قبالها، وفضلت تهمس: كان هيحصل إيه لو مكانش قلبك بالجحود ده كله؟ كان هيحصل إيه لو هملت الكره والغل وفضلت عايش في وسطنا بنية صافية وقلب أبيض تحبنا ونحبك، وكل واحد فينا يحادي على الثاني. كان هيحصل إيه لو حبيت حكيم وخدته أخ ليك؟ مش كان زمانا متجوزين كيف الخلايق وفرحانين بولدنا وقاعدين نستنوه على أحر من الجمر. شوفت عمايلك وصلتك لفين؟ وصلتك إن الناس عاوزة تقضي حتى على نسلك ومتخليهوش يجي على الدنيا.
ومدت إيدها مسحت دمعة نزلت من عينيها وودت الجلابية مطرحها، لكن وهي بتحطها في الدولاب إيدها خبطت في حاجة صلبة تحت الخصل. مدت إيدها ورفعت الجلاليب المطبقة وشافت تحتهم مفاتيح متجمعة في سلكة رباط. سحبتهم ودققت فيهم وعرفتهم من شكلهم إنهم نسخة المفاتيح اللي كانت مع غازي واللي كانوا معاه ما يفارقوش إيده ولا جيبه أبداً.
ضمت إيدها عليهم وخدت نفس وراحت قعدت على السرير وفضلت تقلّب المفاتيح في إيدها كيف ما بتقلب في فكرة مجنونة في دماغها هبت عليها من أول ما شافت المفاتيح: فكرة إنها تشوف غازي لآخر مرة وتحسره على عيل عاش عمره يتمناه، ويوم ما اتخلق اتحرم منه بسبب عمايله.
أما في المندرة
حكيم أول ما دخل شاف بشندي قاعد على دكة بالطول وساند ضهره ومادد رجل والتانية رافعها على مسند وبيشرب شاي وصوت شفطته واصل لسابع جار.
حكيم قرب وقعد على الدكة اللي قباله: صباح المزاج العالي.. شايفك مستكنص الصبح يعني.. بركاتك يا ست عيشة.
بشندي بص له بطرف عينه: له مش عيشة.. هي صح زينة وبت مركوب مشندلة بالي بعينين البسس، بس الكنيصة النهارده بسبب حاجة تانية خالص.
حكيم: خير يا طير.. هات ما عندك.
بشندي اتعدل ونزل رجله وقعد عدل، بس برضه مجخي على الدكة ورد على حكيم بعد ما شرب آخر بوق في كوباية الشاي وبدأ يطلع التفل بصباعه من قعرها وياكله: عشية كنت مع غازي وقررته وعرفت منه مين اللي طخك وعمل إيه مع الدكتور وكيف حبكوا الحكاية وطبخوا سوا.
حكيم أخد نفس: احكي وقسم واسمعني.
بشندي: بص يا سيدي.. الطلقة كانت بيد واحد من الرجالة اللي جايبها، بس قناص ابن الكلب، وغازي أمره إنه يطخك وميموتكش، وهو كان عارف هيضرب فين بالمظبوط. وبالنسبة للدكتور، خد من غازي كوم فلوس عشان يديك حقنة تخليك كيف الميت، وبعدها يغيبوني أنا عن الدنيا ويداروك في أوضة ويقفلوا عليك. وكانوا جايبين واحد ميت من جبانة البلد اللي جارنا ناسه دفنوه عشية اليوم اللي قبل فرحك، والدفان طلعه وغازي ورجالته ودوه الوحدة بالليل. الدكتور نقعه في ميه وملح لتاني يوم لحد ما رحت لهم أنت وحطوه مطرحك.
حكيم اتنهد بقهر: تخطيط أبليس.
بشندي: والأبليس دول حسابهم عندي. من أول اللي طخك لدكتور الوحدة للدفان.
حكيم: له يا بشندي، كفاية دم. الدفان تقرص ودنه قرص وتخوفه خوف عشان ما يعملهاش تاني. واللي طخني أهو غار في داهية مع اللي غاروا. دكتور الوحدة ده سيبه لي أنا، وأنا اللي هحاسبه من غير ولا نقطة دم واحدة.
بشندي: إيه ده! أمال أنا هعمل إيه وهضرب مين وأفش غلي فيه؟
حكيم: أنت خليك في غازي وبس، فش غلك لما تشبع. هو ولد حلال ويستاهل كل خير. بس الباقي سيبه لي.
بشندي: طب قول لي بتعمل إيه مع الدكتور عشان لو معجبنيش اللي هتعمله أعمل أنا.
حكيم: لا هيعجبك. وسكت شوية ورجع اتحدث باستغراب وهو شايف بشندي رجع مسك كوباية الشاي اللي سابها ورجع ياخد منها تفل وياكله: إيه اللي أنت بتعمله ده؟ بتاكل التفل كيف الصبح؟ ده أنت مكنتش أتحمل تشرب الشاي من معدتك!
بشندي بضحك: معرفش يا حكيم يا ولدي، بقالي كام يوم نفسي هافة على الشاي وحبيت التفل، وكل ما أشم ريحة طشة نفسي هتغمني، كني أتحبل هههههه هع هههه.
حكيم بضحك: والله أنت أدبت على الآخر. يشندلك يا بشندي على قول عيشة.
فضلوا يضحكوا ويتحدثوا مع بعض شوية، وحكيم قام راح ع الأرض وبشندي اشترى فاكهة وحاجات للبيت وروح لعيشة.
عيشة أول ما سمعت خبطت الباب جريت عليه عشان تفتح وهي في الطريق وقفت من الدوخة واتسندت على الحيطة شوية، وبعدها كملت للباب بس بخطوة بطيئة وفتحت.
بشندي أول ما فتحت عيشة دخل وبصلها وهي مسنودة ع الباب ونزل الحاجة اللي فايدة في الأرض وراح عليها سندها عليه وقفل الباب: وه وه.. مالك يا بت عيانة ولا إيه؟ ده أنتِ ملكيش شهر معايا وحالا خربتي يا وكلاهم، مطلعتيش أصلية أعاودك لمين دلوقتي!!!
عيشة زقته بعيد عنها: طب أوعى بعد عني كده.
وهو ضحك من حركتها ورجع ضمها عليه: هضحك معاكي يا بستي.. تعالي اترزعي هنا وقولي لي مالك وشك أصفر كيف اللمونة وشلاقيمك مقددة.
عيشة: شلاقيمي يا بشندي؟ إني برضه مشلقمة.. طيب ربنا يسامحك.
بشندي: سيبك من الحديث المهم وامسكي في الشلاقيم عاد.. يا بت قولي لي مالك إيه اللي تاعبك يا قزينة، خليني ألحقك لتروحي تنسي وتموتي مني، وأنا مصدقت لقيتك.
عيشة بعدت عنيه وابتسمت: أهو مش كل كلامك طوب ودبش، بس بتفلت منك كلمة في النص بتطيب خاطر الواحد.
بشندي بضحك: بتطلع غصب عني والله مش بكون واخد بالي ليها، كنت كتمتها. هاه، قولي لي إيه واجعك؟
عيشة: معرفش، بس الظاهر كده إن ضهري قطعتني، عشان مجاتنيش من يوم ما اتجوزنا. كنت لسه النهارده بقول لنفسي آخد الإذن منك وأروح الوحدة أكشف وأشوف خبر إيه والدكتور يديني حاجة ينزلها لي.
بشندي خلع العمة وميل راسه ع عيشة وقالها: مدي إيدك كده على راسي وحسي، شوفي فيها حاجة غريبة ولا له.
عيشة مشت إيدها على راس بشندي وردت عليه: مافيش حاجة!
بشندي: ولا حتى قرنين صغيرين منبتين جديد كده شاقين اللحم وطالعين.
عيشة بعفوية: لا يا بشندي.
اتعدل: ولما ما فيا قرون، عاوزة تشاوريني كيف إنك تروحي لراجل في الوحدة يرفع خصلاتك ويكشف عليك ويمد إيده عليك يا قليلة الحياء؟!!
عيشة: واااه، مش دكتور عاد ودي شغلته؟
بشندي: شغلته مع كل الناس، بس مش مع مراتي يا بت المركوب أنتِ.
عيشة: أيوه بس إني مش شايفة فيها حاجة واصل يا بشندي.
بشندي وهو بيبص حواليه بعصبية: إني من زمان بقول عليكي فاجرة، محدش مصدقني.
عيشة أول ما شافته بيعمل كده جريت من جاره ومهمهاش الدوخة، عشان لو قعدت قباله هيلاقيها بأقرب حاجة إيده تطولها.
بشندي: خدي اهنه يا واكلة ناسك، مترميش عشان هجيبك وأفصص عضمك يا بتاعت الدكتور، يا بت المراكيب اللي في الدنيا كلها.
وراح ع باب الأوضة فضل يخبط، وعيشة مرضتش تفتح له، وهو لما ملقاش فايدة راح خد الفاكهة اللي جايبها وغسلها وقعد ع الدكة اللي قبال الأوضة ياكل، وكل شوية يبص ع باب الأوضة ويزعق: آه يا بتاعة الدكاترة يا فاجرة، اتجوزت غازية يا ناس إني.. عيشة الغزية بتاعت الدكاترة.
وفضل ع الحال ده لحد ما خلص ع الفاكهة كلها، وبعدها قام وهمل البيت وراح لحكيم.
عيشة سمعت طبعة الباب وفتحت باب الأوضة وطلعت قعدت ع الدكة، وكل شوية تضرب ع خدها بالراحة: إيه اللي بلاكي رايحة تقولي له ع الدكتور يا عيشة.. أهو شندل بالك ولسه هيشندله كمان وكمان.. أديكِ بقيتي غزية يا حزينة.
بشندي وصل لحكيم في المندرة ودخل لقى قباله مأمور المركز وشوية عساكر وقاعدين يتحدثوا مع بعض، وأول ما دخل بشندي بطلو.
بشندي: السلام عليكم.
الكل: وعليكم السلام.
حكيم: اقعد يا بشندي.. إني رحت للمأمور وحكيت له ع اللي عمله دكتور الوحدة، وهو جه معايا وقالي ع خطة ننفذوها عشان يقدر يسمع الدكتور بنفسه وهو بيعترف بعمله ويقبض عليه ويفصله من النقابة ومن وظيفته.
بشندي: له مش كفاية كده؟ لازم يتشنق، يا أما تسيبه لي أنا أخنقه بيدي.
المأمور: أنت بتقول إيه يا راجل أنت؟ أنت بتهدد بالقتل قدامي عادي كده؟
بشندي هز دماغه هزة قوية: أيوه بهدد.
حكيم ضرب دماغه بإيده وبص لبشندي وهو بيعض له ع شفته عشان يسكت، وبشندي بص له وشاف بيعمل إيه ورد عليه بصوت عالي: له متغمزليش، ماهو ماسمعش، هيقول لك هيفصله ويسيبه، وهو كان هيموتك يا ولد المركوب ده؟ والله ما يبرد ناري منه، الحديث ده لازم يموت.
المأمور برق عينيه وهو بيسمع كلام بشندي، وحكيم قام وقف بسرعة وراح قعد جار بشندي وحاوطه بدراعه في محاولة ع السيطرة عليه، وضحك في وش المأمور وهو بيقول له: بشندي ما يقصدش يا بيه، هو حديثه كله تهديد كده.
بشندي: له أقص.. وقبل ما يكمل حكيم كتم خشمه وميل راسه حب عليها وهمس له: أحب ع راسك اقفل خشمك، هتودي حالك وتودينا في مصيبة. وبعدين يا خي إني مسامح في حقي، اسكت خليها تعدي ع خير، أمال.
بشندي عدل راسه وبص لحكيم بغضب وسكت، وحكيم بص للمأمور وقله: خلاص يا بيه، إني هعمل كيف ما فهمتني.
المأمور: طيب تمام، يلا بينا بقى.
وقام وقف واللي معاه وقفو، وحكيم قام طلع معاهم هو وبشندي، وأخدوا معاهم ٥ رجالة وراحوا ع الوحدة.
كانت الخطة عبارة عن إن حكيم ورجالته يدخلوا ع الدكتور ويرهبوه بس من غير أذية ويخلوه يعترف بعمله، والمأمور والعساكر يكونوا ع الباب ويقبضوا عليه بمجرد سماع اعترافه.
وبالفعل دخل حكيم ع الدكتور برجالته، والدكتور أول ما شافه هب وقف ع حيله، والخوف والرعب بسرعة كسى ملامحه، وبص لحكيم زي ما يكون كان عارف إن المواجهة دي هتحصل هتحصل، وهمس بصوت بيترعش من الخوف: شيخ حكيم، إني مليش دعوة، غازي هو اللي عمل كل حاجة وهددني لو مساعدتهوش هيموت لي ابني ومراتي، وأنا خوفت عليهم وعشان كده عملت اللي عملته ده. وبعدين هو قالي مش هيموتك، هيحبسك فترة وهيخرجك بعدها.
حكيم: كلامك زين، وإني مصدقك وهسيبك وما أذيكش وهسامحك، بس بشرط.. تقول لي اللي عملته ده عملته كيف.
الدكتور هز دماغه بموافقة وابتدا يحكي: غازي كان مخطط لكل حاجة.. جاب لي جثة وقالي إزاي هنبدلك بيها تاني يوم، وقالي أشوف له حاجة تخليك تبان ميت والناس تصدق إنك مت فعلاً. وأنا قولته ع حقنة معينة بتعمل كده، وبمجرد ما دخلت الأوضة عندي، كنت مجهزها واستغليت حالة اللي كان معاك، وفي غفلة منه، اديتك الحقنة ومفعولها بعد نص ساعة اشتغل وحصل لك زي صرع، وبعدها جسمك ارتخى ونبضك ضعف خالص وجسمك تلج، واللي يشوفك ميشكش لحظة إنك ميت. بعدها خدرت الشخص اللي كان معاك، واللي غازي شاور لي عليه، وكان مفهوم إنه هو الوحيد اللي ممكن يكتشف إنك عايش. بعدها دخلناك في أوضة وبدلناك بجثة الراجل اللي كان هنا، وعدت ع الناس، وخصوصاً إن اللي كفن الجثة الدفان اللي جايبه. وبعد ما الناس مشيت، اديتك حقنة مضادة لمفعول الحقنة الأولانية ورجع نبضك طبيعي وكل أجهزتك الحيوية رجعت تشتغل تاني بكفاءة، وخيطت لك الجرح وعقمتهولك، وغازي قبل الفجر بعت اتنين خدواك في شوال ومشوا. وبس كده.
وفي اللحظة دي الباب اتفتح ودخل المأمور والعساكر ووجه المسدس بتاعه ع الدكتور وشاور للي معاه: اقبضوا عليه.
وفوراً عسكري راح ع الدكتور اللي غمض عينيه بألم وندم، وقلع نضارته وحطها في جيبه واستسلم للتكبيل.
حكيم بص للمأمور: متشكرين يا جناب المأمور.
المأمور: العفو يا شيخ، ده شغلنا.
بشندي: يعني إني عاوز أفهم برضه، هتعملوا معاه إيه؟
المأمور بقلة صبر: هيتعرض ع النيابة ويتفصل من النقابة ويتحرم من مزاولة المهنة.
بشندي بغيظ رفع نُبوته في الهوا بحركة مفاجئة ونزل بيها ع دماغ الدكتور مرة واحدة وهو بيقول: طب حيث كده.. خد ده أمكافئة نهاية الخدمة.
المأمور بعصبية وهو شايف الدم طالع من دماغ الدكتور اللي وقع ع الأرض فوراً بعد الضربة: أنت مش طبيعي يا راجل أنت.. وبص لاتنين من العساكر وشاور لهم ع بشندي: هاتوه.
بشندي بعدم خوف: هاتوه هاتوه، مخافش.
حكيم عض شفته بغلب وضرب ع دماغه بإيديه الاتنين وهو بيهمس: ياااا بوي ع مخك التخين يا واكلهم.
وطلع المأمور وقدامه الدكتور شايلينه وبشندي مكلبشينه، وحكيم راح معاهم للمركز عشان يحاول يطلع بشندي.
ليل وحكيم قاعد في المركز يحاول مع المأمور، وفين وفين لما رضى يطلع بشندي ع ضمانة حكيم.
في الوقت ده جمارة كانت قاعدة ع نار من الجنينة للشباك، فأول مرة حكيم يغيب عنها الغيبة دي من ساعة ما اتجوزوا، ومخها عمال يودي ويجيب من القلق والخوف. وتماضر وغالية يهدوها عشان هما متعودين ع غياب الشيخ كده، لدرجة إنه ممكن يبات يومين بلياليهم بره السرايا، وقالولها الحديث ده، وهي برضه مطمنتش غير وهي واعية داخل من بوابة السرايا وجرت عليه بكل سرعتها وخدته في حضنها وهي بتنهج وبتهمس: الحمد لله إنك زين ومفيكيش حاجة.. موتيني من الخوف عليك والقلق وشعوطت قلبي شعويط والله.
حكيم وهو بيضمها عليه ويحب ع راسها بحنان: سلامتك من القلق وسلامة قلبك يا جمارة القلب.. بس إني مش قايلك متقلقيش لما أتأخر عليكي ولا أغيب، واتعودي ع كده؟
جمارة: خوفي عليك مش بإيدي يا حكيم.. قلبي وعيني لما تغيب عنيهم بتتجنن وتجنني معاهم.
حكيم وهو بيبص في عينيها: طيب تعالي ندخل عشان نشوف حكاية قلبك وعينيك دول، وأنا هتفاهم معاهم بطريقتي وأصالحهم ع اللي عملته فيهم.
وخدها تحت دراعه وهي لفت دراعها حواليه ودخلوا السرايا.
حكيم سلم ع أمه وأخته وطلع ع أوضته بعد ما قال لجمارة تحضر له وكل وتطلعه له فوق عشان ياكلوا سوا، لما عرف إن أمه وأخته اتعشوا وجمارة قاعدة من غير أكل طول النهار تستناه، وحلف لنفسه إنه هيوكلها بإيده لحد ما تشبع.
أما حالة عيشة فمكانتش تقل عن حالة بنتها في القلق ع بشندي، وفضلت رايحة جاية في الدار مهدالهاش بال غير لما الباب خبط وفتحت لقته هو. وبسرعة حضنته وهو ضحك وحضنها وميل عليها وهمسلها: اتوحشتيني يا ك؟
عيشة: قوي يا بشندي، وعقلي كان هيوج عليك.
بشندي: تصدقي حتى أنا اتوحشتك والله يا غازية يا فاجرة يا بت المركوب.
وتبع كلامه بضحكة. عيشة بعدها ضحكت بغلب وهزت دماغها ع الراجل اللي ربنا اداهولها اللي خشمه بينقط شتيمة ومراكيب ده.. بس برضه بتحبه وما بتتحملش بعده عن عينيها أبداً.
ليل قسم، وغالية طلعت من غرفتها تتسحب بعد ما عقدت النية وسلمت روحها لرغبة مجنونة، وطلعت من السرايا وراحت ع المشتمل فتحته ودخلت وفتحت الغرفة المقفولة، ووقفت فوق الحفرة وقلبها بيدق بسرعة وبخوف وتوتر من الخطوة اللي هتعملها، بس مطمنة عشان خابرة زين ومتأكدة إن غازي مسلسله حكيم بسلاسل كيف ما قال لهم.
زاحت غطا الحفرة بصعوبة وظهرت السلالم، وحطت رجلها ع أول سلمة وهي بترجف من التوتر ورجليها بتخبط في بعض، وسلّمة ورا سلّمة، بصت لقت حالها واقفة قبال غازي، اللي كان قاعد متفاجئ وفاتح خشمه ومبرق عينيه، كأنه مش مصدق اللي عينه قدامه. وغالية لما ابتدت عينيها تاخد ع النور الخافت وقدرت تشوفه زين، شهقت وهي واعية متكبل بالحديد وجسمه متقطع وكله بيشل دم، وحتى ملامحه مبينة.
غازي بانكسار: جاية تتشفي يا غالية؟
غالية: مكذبش عليك.. أيوه جاية أتشفي فيك.. جاية أشوفك محبوس ذليل في نفس المكان اللي كنت حابس فيه أخويا ومربط كيف ما كنت مربطه. قلبك كان متحمل يشوفه بالمنظر ده كيف يا غازي؟ ولا صح نسيت إنك محداكش قلب.
غازي بهمس: بزيادة يا غالية، إني ناقصني شماتة.
غالية: له مش بزيادة يا غازي، وهشمت فيك كمان وكمان، وهزيدك من الشعر بيت وأكيدك كمان.. (إني حبلى يا غازي). قالتها وحطت إيدها ع بطنها.
وغازي سمع الكلمة وقام منتور ووقف ع حيله، ولا كأنه جسمه متكسر ودايب من الضرب، وابتسم وهو حاطط عينه ع بطنها وهمس: حبلى!! ورفع عينه يتأكد من عينيها: صح حبلى يا غالية؟ ورحمة أبوكِ قول لي الحق، حبلى صح ولا بتقولي كده عشان تكيديني وتوجعي قلبي؟!!
غالية: ورحمة أبويا وغلاوة أمي وأخويا وربنا الأغلى من الكل، حبلى يا غازي. حبلى بولدك اللي هيتولد يتيم ويتربى يتيم وأبوه عايش ع وش الدنيا، بس عمايله يتمت ولده منه وهو عايش.
غازي قعد واتحدث بضعف: بسك يا غالية وهمليني واطلعي وفوتيني لحالي.. ولا أقول لك، لو عاوزة تعملي حاجة زينة في دنيتك ليا ولولدي، تعالي موتيني بيدك يا بت عمي.. تعالي دبّي في قلبي حاجة وانهي حياتي عشان مبقاش عار ع ولدي يقعد ملازمه طول عمره ويفضل هو حسرة في قلبي.
غالية: إني مش قاتلة قتلة زيك يا غازي ولا مجرمة وقلبي ميت عشان أنهي حياة حد بإيدي. إني بس جيت أشوف الحسرة والندم اللي في عينيك دول، وهسيبك وهقول لولدي أبوك مات وشبع موت.. واخليه يتربى ع يد خاله الشيخ حكيم ويشرب في حوضه وياخد من صفو قلبه وطيبته ويتطبع بطبعه. أما أنت، فهتقعد هنا أسير الطمع والغل والسواد اللي مالي قلبك لحد آخر يوم في عمرك القصير بعون الله.
واتحركت عشان تطلع، لكن وقفها صوت غازي: غالية، لو طلبت منك طلب تنفذيه لي؟ اعتبريه طلب ميت محكوم عليه بالشنق، وسألوه نفسك في إيه قبل ما تموت. وحياة النبي يا شيخة لتنفذي وصية ميت حطه أمانة في رقبتك.
غالية وقفت وبصت له وهي ضامة حواجبها ومستنية تسمع طلبه.
غازي: عاوز أحضن ولدي وأقول له بحبك. عارفة مهيفهمش ومهيعرفش، بس يكفيني أحس إن حد حس بيه وسمع حسّي.
غالية ابتسمت بتهكم وهي باصة لغازي: صدقتك إني ع كده صح؟
غازي: مهتخسريش حاجة.. ارمي المفاتيح اللي معاكي عندك وقربي مني.. قربي ومتخافيش، ده إني غازي ولد عمك يا غالية.. إني اللي أذيت كل الناس، بس أنتِ له.. أنتِ الوحيدة اللي ما أذيتكيش عشان ما حملتش فيكِ أذية. إني طول عمري عاوزك يا غالية وبتمنالك، وعارفة إني عاشقاني، بس نار الغيرة من حكيم ورغبتي في الانتقام هما اللي خلوني اتجوز جمارة عشان أكيدك. وأنتِ بنفسك كنتي بتشوفي عاملها كيف؟ طب بذمتك عاملتك مرة كيف ما كنت عاملها؟ طب مفكراشي كنت حنين معاكي كيف واحنا لحالنا؟ مفكراشي لمستي ليكي كانت كلها حب وخوف عليكي كيف.
غالية بلعت ريقها لما كلام غازي اتسلل لقلبها، وبصت له وهو عرف إنه نجح وابتدا يتكلم بهمس وحنية أكبر: قربي يا غالية.. قربي بالله عليكِ.. إني حبيبك غازي.. إني أبو ولدك يا غالية.
وبالفعل غالية ابتدت تقرب كيف ما تكون مغيبة أو منومة مغناطيسياً، وهي باصة في عينين غازي اللي فاضوا بحنان كداب ولمعت فيهم دمعة خداعة، وحتى نسيت ترمي المفاتيح وقربت منه وهي في إيدها، وهو واعيهم وقلبه بيرقص رقصة نصر، بس ما رضيش يبص غير في عينيها عشان متنتبهيش لأي حاجة ولا تفوق لحالها.
واحدة واحدة وخطوة خطوة مشتها غالية وهي مسحورة، ووقفت قبال غازي اللي مد إيده ع بطنها ولمسها بحنان، وبعدها خد غالية في حضنه وهمس في ودنها: جميلك على راسي يا بت عمي.. جميلك على راسي يا أم ولدي.
وابتدت أنفاسه تعلى وتضرب أوتار رقبتها وهو بيطبع شفايفه عليهم بطريقة خلت غالية غمضت عينيها واستسلمت له، بعد ما صحى رغبة مدفونة جواها من سنين في إنها تشوف المحبة في عيون غازي ليها وتسمع منه كلام عشق نابع من قلبه.
وفي لحظة ضعف نسيت كل اللي عمله فيها وفي أمها وفي أخوها، وراحت في دنيا تانية وعالم وهمي.
مرجعتش منه ولا فاقت غير ع إيدين غازي وهما طابقين ع رقبتها وبيعملها ع السرير وبيضغط عليها بكل قوته، وهي بتفرفط تحتي، وهو مستمر لدقائق لحد ما حركتها سكنت. وهو فوراً بعد عن عينيها وخد المفاتيح اللي وقعت منها ع الأرض، وفك نفسه وطلع بسرعة من الحفرة ووقف يتنفس الهوا النقي ثواني قبل ما يقفل غطا الحفرة ويطلع من الأوضة ويقفلها ويطلع من المشتمل ويقفله هو كمان ويستخبى في زنقة مستني الصبح وطلعة حكيم من السرايا ع أحر من الجمر.
رواية جمارة (بين العشق والقسوة الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم ريناد يوسف
بعد ما خرج غازي وباب الحفرة اتقفل، غالية فتحت عينيها ومدت إيدها على رقبتها تدلك مكان خنقة غازي ليها، اللي لو مكانتش عملت حالها ماتت، وكانت فضلت دقيقة واحدة تقاوم، كان زمانها ماتت دلوقتي بحق وحقيقي.
قامت بضعف وراحت على السلالم وطلعت وهي بتترنح ومش قادرة تصلب طولها، وحاولت إنها تزحزح غطا الحفرة لكن مقدرتش، لأنه لازم يترفع سنة عشان يرضى يتحرك من مكانه، يعني فتحته من بره بس.
قعدت على السلم وفضلت تضرب على رجليها بغلب وخايفة إحساسه يطلع يرجع غازي ويكمل عليها، وابتدت تعدد وتسأل حالها: ياترى غازي هيعمل إيه بأهلها؟ وهيموت مين فيهم؟ ولا هيموتهم كلهم؟ وهي أولهم، اتحكم عليها بالموت خلاص في القبر ده ومحدش هيعرفلها طريق.
وبينها وبين نفسها عارفة إنها تستاهل الموتة دي، وإنها الحاجة الوحيدة المناسبة ليها ردًا على غبائها واللي عملته. وفضلت تدعي ربها إنه يسترها مع أهلها وينجيهم من كيد غازي وغدره، وتكون هي كبش الفداء ليهم، وفضلت تكرر طول الوقت: بسم الله الرحمن الرحيم (وجعلنا من بين أيديهم سدًا ومن خلفهم سدًا فأغشيناهم فهم لا يبصرون).
فضلت تعيد وتزيد فيها لحد ما تعبت وسندت دماغها على السلم وغمضت عينيها، وهي بتلعن غباءها اللي خلاها تصدق تعبان كيف غازي وتأمن له، وهو حتى ولده اللي من صلبه منجيش من غله وضحى بيه في لحظة من كرهه لحكيم أخوها، وف سبيل إنه يوصله.
ساعات معدودات عدوا على غالية، وغازي أطول من دهر بحاله، لحد ما نور الصبح لاح، وغازي كان واقف بكامل استعداده ومتداري ومستني طلوع حكيم من السرايا، وبيعد الثواني بالثانية.
في الوقت ده، حدا حكيم:
"ههههههه مالك النهارده صابحة فاتحاها مبوسة أكده ليه؟ اتنجمتي النهارده ياك؟!"
جمارة وهي بتقطع كلامه بوحدة تانية كملت وبعدت عنيه:
"معرفاشي ليه صابحة متشوقاك ونفسي أشبع منك."
وكملت بدلع وترجي:
"متخليك معايا النهارده يا حكيمي، نقضي طول اليوم سوا هنا في غرفتنا في حضن بعض لحد ما نشبعوا من بعض، وهمل مصالحك يوم واحد بس عشان خاطري."
حكيم مد إيده وخللها في شعر جمارة وسحبه عليه واتنهد وهو بيرد عليها:
"ياريتُه كان ينفع يا جمارَتي.. إني لو عليا نفسي أهمِل الدنيا كلها باللي فيها وأقعد قبالك أكده أتطلع لك، وحتى ماعوزش آكل ولا أشرب.. البصة في عينيكي هتكون زادي وزوادي، وعشان قُربك مستعد أشُد رحالي وترحالي لآخر الدنيا.. بس للأسف حبيبك متكتف بالناس ومشاكلهم، ومتعلق في رقبته أرواح كتير، لو اتوانى عنهم يضيعوا."
جمارة اتنهدت بقلة حيلة وردت عليه مبرطمة بعد ما ساندت دقنها على صدره:
"طيب."
حكيم مد إيده ومسك مناخيرها بين صوابعه وهزها:
"إيه هو اللي طيب ديه؟"
جمارة:
"طيب خلاص، هسكت على بعدك وأتحمل الشوق وأكتم في قلبي وأصبر صبر الجمال، ماني مرة شيخ عاد ولازم الصبر يكون حداي مطاوق."
حكيم همس بضحكة:
"طيب إني مش قولتلك متمديش بوزك بالطريقة ديه قدامي تاني، ونبهت عليكي، ولا انتي مستغنية عني؟ وباينك ما توبتيش."
ومرة واحدة جمارة برقت وضمت شفايفها لجوه وحطت إيدها على خشمها، لما افتكرت اللي عمله فيها آخر مرة عملت الحركة ديه قدامه تحت على الأكل، وهو كان منبه عليها قبلها إن الحركة ديه هتجننه، وفضل مرقد لها لحد ما طلعوا أوضتهم وهجم عليها وعضها في شفايفها على غفلة ومن غير إنذار، خلى روحها شاغت من وجع العضة، وفضل خشمها ورام يومين بحالهم، وكل اللي يشوفها يضحك عليها من غالية وتماضر، وحتى أمها عيشة لما جات زارتها ضحكت عليها معاهم، وهي مقادرةشي ترفع عينها من كتر المستحى.
بعدت عنيه وهزت دماغها واتحدتت وهي لسه حاطة إيدها على خشمها:
"خلاص، آخر مرة هعملها تاني، نسيت."
لكن حكيم مرة واحدة اتعدل ومسكها من دراعاتها الاتنين بعدهم عن خشمها وثبت إيديها واتحدت بإصرار وعينه في عينها:
"إني طول ما نبهت على حاجة لازم تتنفذ، ومعبلش بالغلط ولا النسيان، ولازم النسيان ياخد عقابه."
جمارة بسرعة حررت إيدها منه وحطتهم على خشمها تاني وغمضت عينيها بخوف وهي بتقوله:
"نسيت والله ومش هتتكرر، سامحني يا حكيمي، داني جُمارِتك حبيبتك."
حكيم:
"طيب هتنسي وتعمليها تاني قدامي؟"
جمارة هزت دماغها برفض.
حكيم ضحك وميل عليها وعضها في دراعها عضة خلاها صرخت وضربته على صدره وبصت له بعتب واتحدتت بدلع مغلف بزعل مصطنع:
"ليه أكده يا حكيم؟ اخص عليك."
حكيم:
"عفواً.. قومي يلا عشان تفطريني، ورايا مصالح، وانتي اللي هيتبع القعدة جارك مشايفشي مصالح ولا قايم في سنته. قومي يابت عيشة، قومي، داني سنيني معاكي حلوة. قولت اتجوزتها وهارتاح لما حالي يتشندل أكتر من الأول ومبقتيش تغيبي عن بالي، ولا مخلياني عارف أشوف مصالحي زين.. يتشندلك على قول أمك."
وبعد عنيها يضحك على شكلها وهي عاملة كيف الأرنبة الخايفة وبتفرك في إيدها موضع العضة، وخد فوطة حطها على كتفه وطلع يتسبح، وساب جمارة بتتبسم لحالها على كلامه وحركاته، وقامت بفرحة وحب تحضر له الفطور وتفطره وتقعد بعد ما يطلع تعد الثواني لرجعته ليها.
حكيم نزل وشاف جمارة بتحط الأكل على السفرة واتلفت حواليه ملقاش حد، وغمزلها وهي ابتسمتله وهملها وراح على غرفة أمه.
لسه هيخبط جاله صوتها:
"خش يا حكيم."
ضحك بخفة وفتح الباب ودخل وراح قعد جارها صبح عليها وحب راسها وإيدها:
"أمال غالية فين؟ لسه ما صحتِش ياك؟"
تماضر:
"تلاقيها نايمة، هملها الحبلة، كل تعبها هيكون في الصبحية، لو عدتها وهي نعسانة باقي النهار معيوبقاش فيه تعب."
حكيم هز دماغه:
"تنام على راحت راحتها، هي وراها إيه يعني؟ إني النهارده هشيع لها على شوية تسالي من البندر، جوز ولوز ومكسرات وحب عشان تتسلى بيهم، وأبقى خليها لو نفسها هفت على حاجة تقول لي عليها طوالي، وإني في رمشة عين أتلابيها لها. عاوز الواد يطلع شديد وزين كيف خاله أكده."
تماضر ابتسمت وحطت إيدها على خده وهمستله بحب:
"يخليك لينا يا حنين، ويديك على كد نيتك الصافية وقلبك الطيب يا ولد قلبي."
حكيم:
"ويخليكي ليا يا لبة القلب."
وقام شالها وحطها على الكرسي بتاعها وطلع بها على بره.
نادى على جمارة عشان تدخلها الحمام وهي جت صبحيت عليها وأخدتها ودخلتها.
"أوضيكِ يا يمه."
تماضر:
"له يبتي، منتِ خابرة، بتوضيني غالية قبل ما تنام، وعصلي قيام الليل، وأقعد على وضوئي لحد ما أصلي الفجر حاضر، ومعتواضاشي غير للضهر بعد أكده."
جمارة:
"خابرة يا حبيبتي، بس قولت يمكن نومتي قبل الفجر ولا حاجة."
تماضر:
"له يبتي، ما نومتش ولا أنام غير ساعتين بعد الفجر لحد ما النور يشقشق، داي عادة ليها سنين معايا ملازماني يا بتي، النوم ميّعرفشي طريقي غير وإني عيانة ولا فيا وجع بس."
جمارة:
"ربنا يبعد عنك العيا والوجع يا غالية يا أم الغالي."
تماضر:
"تسلميلي يابتي."
جمارة:
"إلا على سيرة الغلاوة، هي غالية مصحيتش لحد دلوك ليه؟"
تماضر:
"وحمانة ومقهورة على حالها يا قلب أمها، خليها مدسوسة في النوم هبابة، خلي فكرها وقلبها يرتاحوا لهم هبابة."
جمارة هزتلها دماغها واتحسرت بألم حقيقي على وضع غالية وحالها اللي فعلاً على قول غالية حظها مطين بطين.
خلصوا وطلعوا قعدوا على السفرة مع حكيم وابتدوا يفطروا، وحكيم وأمه يتحدثوا مع بعض، وجمارة تاكل وعينها على حكيم بتفصص فيه فصيص وبزيادة النهاردة عن كل يوم، وحكيم كل هبابة يرفع عينه عليها ويبتسم لها ويغمزلها في غفلة من أمه لما يلقى عينها متعلقة عليه، وهي ترد له البسمة تاني.
أخيراً شبع وحمد ربه وقام وودعهم، وتماضر كمان شبعت وطلبت من جمارة تاخدها على أوضتها وترجعها سريرها تقعد تسبح وتستغفر وهي متمددة عشان ضهرها صابح واجعها كنه حصل له طراوة.
جمارة قامت وخدت تماضر وراحت على الأوضة، وحكيم طلع من باب السرايا وهو بيعدل في عبايته ومواخدش خوانه، ومرة واحدة حاجة اتلفتت على رقبته وبسرعة البرق كانت كاتمة أنفاسه، وهو مد إيده على رقبته ولقاه حبل، وحاول بكل جهده يبعده عن رقبته مقدرشي، كيف ما يكون جيش بحاله ماسك أطرافه وشاددها بكل عزمه.
حكيم عينه جحظت وفي محاولة أخيرة منه رفع دماغه لفوق وشاف كابوسه قبال عينيه بملامح متحولة كيف ملامح شيطان أو وحش، كسر أخيراً قدر يمسك فريسته ويغرز أنيابه وضوافره في لحمها.
واحدة واحدة ابتدا حكيم ينزل على ركبه، وخلاص إيديه اترخت وحس إن آخر هبابة هوا محتفظ بيهم رئتينه طلعوا في آخر زفير، والروح بتستعد للطلوع، وغمض عينيه مستسلم لضلام جاي هاجم عليه، لكن فجأة سمع صوت رصاصة رحمة، ما يعرفشي جايه منين ولا راحت فين، بس اللي متأكد منه إنها ردت له روحه تاني لما حس الحبل اترخى حوالين رقبته، وبضعف خلص رقبته منه، وحاجة دبت في الأرض جاره، وعرف إنه غازي، وهو ابتدا يحاول ياخد نفس طبيعي بس مش عارف، وهو بيكح ويرجع.
الرصاصة اللي صابت غازي كانت من طبنجة بشندي، اللي فتح بوابة السرايا عشان يخش يستعجل حكيم عشان النهارده يوم دراس في الغيط، وحكيم وبشندي بنفسهم متعودين في اليوم ده بيوقفوا فوق الغلة والمحصول عشان حكيم يطلع الزكاة والنصاب على راس الأرض قبل ما يروح أو يبيع غلاية من المحصول، واتفاجأ بالمنظر اللي شافه قباله وهو شايف ولده بيخرفط في إيد غازي، ومن غير تفكير طلع الطبنجة ونشن على صدر غازي ونشانه ما خبش.
رمح بعدها على حكيم ورمى الطبنجة من يده وخده في باطه، وفضل يدعك في صدره بخوف وهو شايفه مقدرشي ياخد نفسه، وعينيه حمرا وبيكح ويرجع وحالته حالة.
في الأثناء ده جمارة وتماضر في أوضة تماضر وسمعوا صوت الطلق، والتنين بصوا لبعض وضربوا على صدرهم بخوف، وفي حس واحد صرخوا:
"حكييييم..."
وجمارة بسرعة الريح كانت طالعة من السرايا للجنينة وهملت تماضر تصرخ عليها عشان تاخدها معاها، وأول ما طلعت وشافت حكيم في حجر بشندي وفدانه غير الدنيا، وغازي واقع جاره، صرخت من قاع راسها صرخة زلزلت حيطان السرايا، وخلت تماضر وقعت من على السرير مغمى عليها، وهي بتزحف بنصها الفوقاني عشان تشوف حصول إيه لولدها.
جمارة جريت عليهم وخدت حكيم من بشندي وسندته على قلبها، وفضلت بإيدها تدور فيه بخوف وجسمها مبطلتش رجف، وحتى سنانها بتطق في بعض وصوتهم واصل لحكيم اللي لا بيه حاله ولا بيه حالها، ونفسه يطمنها مقدرشي.
هبابة وحكيم ابتدا ياخد نفسه زين، بس لسه النفس عالي، وبشندي وقتها بس رجفة قلبه على ولده هديت وغمض عينيه وخد نفس طويل وبص على غازي المكفي على وشه في الأرض، وديق عينيه وهو بيسأل حاله ياترى طلع كيف وكيف اتمالك في حكيم أكده؟!!
أما حكيم بعد ما قدر ياخد نفسه بص لجمارة وحط إيده على إيدها اللي على صدره واتكالها على عينيه يطمنها، وهي شافته بيعمل أكده وهملت الدموع اللي كانت حابساها تنزل، الشهقة اللي كانت واقفة في زورها سادة عليه الهوا كيف ما حكيم ما قدرشي ياخد نفسه طلعت، وميلت راسها سندتها على راسه وحاوطته بإيديها، وبعدها فضلت تحب في كل حتة في وشه وتحمد ربها، وهو بيبعد عنيها وبيشاور لها على بشندي بعينيه عشان تاخد بالها، بس هي ولا هي هنا.
بشندي هو اللي انتبه على حكيم وضحك وهو بيقول له:
"هملها يا بوي، ما هتفهمشي، داي طالعة لـمها غازية، ما هتخافيش."
جمارة خجلت وبعدت عن حكيم، وحكيم برق عينيه لبشندي وهمس له بصوت مبحوح:
"مرة الشيخ حكيم وأمها خلتهم غوازي يا واكل ناسك؟!"
بشندي:
"يعني انت مواعيش عمايلهم بعينك؟ واحدة نازلة فيك حبّيب قبالي من غير خشا، والتانية عايزة تروح تنام للدكتور وترفع له خلجاتها؟!"
وزعق بعلو صوته ومسك حكيم من خلجاته:
"يبقوا غوازي ولا مش غوازي؟"
حكيم كتم ضحكته ورد عليه بسرعة:
"غوازي يا بوي، غوازي، بس هملني يا واكلهم، توي راجع من على شفا الموت، يخرب مطنك."
بشندي فك إيده من خلجاته وقام وقف وقوم حكيم بمساعدة جمارة، والتنين ساندوه كل واحد من ناحية وراجعين به على السرايا. ومرة واحدة حاجة خلت جمارة تلف تبص على غازي وقلبها وقع في رجليها، وهي شايفة غازي قايم بنصه الفوقاني وماسك طبنجة بشندي وموجهه على حكيم.
صرخة طلعت منها مع صوت طلقة وضمة من جمارة لضهر حكيم، وبعدها ثواني محدش مستوعب حصول إيه، وحكيم لف مرة واحدة ومسك جمارة بخوف، وشهق وهو ضاممها وهي متشعلقة في خلجاته، وشايف من فوق كتفها غازي وهو ماسك الطبنجة، وصرخ في بشندي وهو شايفه بيجري فاتجاه غازي بكل سرعته عشان يقف، لكن بشندي ما سمعش حديثه ووصل لغازي اللي داس على زناد الطبنجة مرة تانية عشان يصوب بشندي، لكن الطلقة طلعت على فاشوش، والطبنجة ما كانش فيها طلقات غير اللي ضربها على حكيم.
ثواني.. بس ثواني، وكان بشندي واقف فوق غازي ومتلافى خشبة من الأرض، وبكل قوته كان داببها في عين قلبه، خلى الدم طلع من خشمُه طوالي، وحركة عينيه وقفت في الحال، وبشندي قعد جار منه بتعب، بس بعد ما داس برجله على الخشبة عشان يأكد على موت غازي.
حكيم غمض عينيه بارتياح، وبعدها انتبه لأيدين جمارة اللي سابوا قبل جلابيته ونزل عينيه عليها، لقى عينيها زايرة وحبات عرق متكونة على جبينها، وجسمها ابتدا ينزل، وحكيم بسرعة سندها على إيده وهزها وهو بيسألها بخوف:
"جمارة، مالك.. جمارة فيكي إيه.. جما...."
وقطع حديثه لما جمارة رمت حمل جسمها كله على دراعه، وضَمّها عليه، وبسرعة بعد إيده لما حسها غاصت في حاجة رطبة، وانتفض لما شافها غرقانة دم، ورجعها يجس خلجاتها اللي لقاها فايدة دم، وصرخ بعلو صوته:
"الحقني يا بشندددددااااي..."
قالها وبشندي قام جرى عليه بعد ما وعى الدم مغرق خلجات جمارة وفاقدة على دراعه، وصل حداه وبسرعة شال جمارة منه، وهو شايفه بيبصلها ويرجف عليها كيف زعفة نخيل، وطلع بيها على بره. وحكيم استجمع كل قوته وجرى قباله، وقبل البوابة خلع عمة بشندي وفردها على جمارة غطاها، لما حط إيده على راسه ملقاش عمته عليها. وطلعوا بيها وبشندي أمر واحد من الرجالة يجيب الكارته قوام، والراجل جرى، والرجالة كلها اتخبصت ترمح يمين وشمال، وهما شايفين حكيم خلجاته وإيديه عرقانة دم، ومرته منتهية على يد بشندي، وسابحة في دمها، ومنهم اللي دخل السرايا، ولما عرف السبب طلع خبر الباقيين، ولما الكل عرف السبب وقتها بطل العجب.
وبين ما هما واقفين يصارعوا الثواني عشان تفوت، حكيم شاف زبيدة جاية من بعيد، وهي أول ما وعيتهم جريت عليهم تصرخ وتولول، ولما وصلت حكيم همسلها بصوت بيرجف:
"خشي جوه لأمي بسرعة يا زبيدة، وطمنيها إني حي ما فياش حاجة، واطمني عليها بسرعة، اجري عليها يا زبيدة."
زبيدة هزت دماغها وجريت بسرعة على جوه وهي بتولول على جمارة، وزادت الولولة وهي شايفة غازي، وعرفت إنه هو اللي بيعمل فيهم أكده، وفضلت تدعي عليه لحد ما دخلت السرايا.
جات الكارثة أخيراً وركب بشندي بجمارة، وجار منه حكيم، واللي راكب الكارثة وعيسوق طلع بيها، وبشندي طلع دماغه وزعق على الرجالة:
"تاووا الأمانة اللي في الجنينة على ما نعاودوا."
والرجالة فوراً اتحركوا وخدوا غازي طلعوه وحطوه في شوال وطلعوا بيه على مشارف الجبل ورموه، بس بعد ما تأكدوا زين إنه جثة هامدة مفهوش حياة.
حكيم وبشندي طلعوا على طول على مستشفى البندر عشان خابرين إن الوحدة ما فيهاش دكتور دلوقت، ورغم إن المسافة بعيدة هبابة على الكارثة إلا إن عنتر خد المسافة في الوقت اللي هتاخده العربية تقريباً، وهو بيسابق الريح، وعجلات الكارثة من السرعة كانوا عاملين كيف عجلات عربية ماشية وواخدة سرعتها.
وصلوا المستشفى وطوالي دخلوا جمارة، وحكيم معاها، ما سابش إيدها، وبشندي دخل المستشفى كلها في حالة إنذار، ولم كل الدكاترة جابهم من قفاهم ووقفهم كلهم فوق جمارة، وبعد الكشف دخلوها طوالي على أوضة العمليات يطلعوا لها الرصاصة، بعد ما طمنوا حكيم عليها ورجعوا لقلبه اللي مات من الرعب على جمارته نبضه من تاني.
حكيم واقف ومربع إيديه ومسند دماغه لورا بتعب ومغمض عينيه، وكل ما يفتكر شكل جمارة وهي هتسقط بين إيديه رجفة تسري في قلبه كيف ماس كهربائي يزلزل كيانه من الخوف، وجاله صوت بشندي السائل خلاه ينتبه:
"هو غازي طلع من القبو كيف يا حكيم؟!"
حكيم فتح عينيه وديق حواجبه وعاد السؤال على روحه مرة تانية. فعلاً هو غازي طلع كيف؟ وبرق عينيه وانتفض لما خد باله دلوقتي إن غالية ما كانتش باينة ولا حد شافها، برغم ضرب النار مرتين والظيطة اللي حصلت دي كلها، واتحرك وخد المسافة اللي بينه وبين بشندي في خطوة وحدة ومسك خلجاته وصرخ عليه:
"غالية يا بشندي.. الحق غالية قوام.. أختي يا بشندي.. روح لها إني مش هقدر أهمل جمارة لحالها."
بشندي اتحرك قوام وخد المستشفى جري وهو بيقفل برجله الواجعاه اللي النهاردة حمل عليها حمل واعر قوي وحاسس كنها انضربت بالنار النهاردة تاني من وجعها، وطلع ركب الكارثة وأمر سواقها يطلع بسرعة وهو بيعبرطم مع نفسه:
"اتشندلت واتشندل حالك يا بشندي من ساعة ما اتبقيت بت المركوب عيشة، كل هبابة تقولك يشندلك. والله لما أعود لك يا غازية لأكون مشندل بالك ولسانك الزفر ده."
وصل أخيراً السرايا ورمح على المشتمل ودخل بسرعة على الأوضة ورفع غطا الحفرة وهو متأكد إنه هيلقى غالية غازي مموتها، لكنه اتفاجأ بيها قاعدة على السلم، وصرخت أول ما شافته بفرحة مخلوطة بدموع، وسرعان ما تحولت لخوف وهي شايفة ملامحه اللي اتحولت لملامح غول، وهمسلها من بين سنانه:
"اطلعي يا فاجرة، اطلعي..."
رواية جمارة (بين العشق والقسوة الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم ريناد يوسف
بشندى: اطلعى يافاجر، اطلعى.
غالية وقفت بسرعة وسألته بخوف: غازي إزاي حد من ناسى يقدر يعمل حاجة لحد فيهم؟
بشندى: عمي الدببة اللي ينزل عليكِ. ولما إنتي خايفة على ناسك، ياخيتى، عتطلعي ليه؟ هب الشوق عليكِ يا فاجرة في نص الليالي؟
أهو كان على تكه ويخنق أخوكي وضرب مرته بالنار، وهي عتصارع الموت في المستشفى، وإنتي حبسك كيف الكلبة أهه وفاتك تعفني وتموتي يا غازية. بس إني قطعت لك خبره خالص وريحت الدنيا منه. يارب تكوني ارتحتي دلوقتِ يا فاجرة؟
غالية ابتدت تبكي بصوت عالي: والله يا بشندي ما كنت نازلة شوق ولا محبة، ده أنتي كنت نازلة أكيدة وأقوله إني حبلى وولدِ هيتربى في حجر خاله وهو هيتحرم مني.
بشندى برق عينيه وهو بيسألها: حبلى من مين يا واكلاهم، من غازي؟
غالية وهي عتخبط على رجليها: أمال من مين يعني يا بشندي، غير مني!
بشندى بذهول: يا وقعتك المربربة يا بت تماضر. من ميتة حبلى يا وش الشوم. حبلك عالي ولا لسه فاولة؟
غالية: لسه اتني فاولة شهر لسه يا بشندي.
بشندى: طب زين. وقرب منها وهي على أول سلمة ووطى عليها: قنبري على السلم، قنبري قوام.
غالية باستغراب: أقنبر ليه؟
بشندى داس على كتافها وقعدها غصب: إنتي لسه هتسألي، قنبرررري!
وبمجرد ما قعدت على السلم برجله وبكل قوته زقها من على السلم، خلاها تصرخ بصوتها كله وهي نازلة تتدحرج لغاية ما وصلت لآخر سلمة.
بشندى نزل وراها وقعد قبالها، وهي اتعدلت بالعافية ومسكت دراعها وعتتبكي بألم: ليه أكده يا بشندي، عاوز تموتني ليه؟ إني قولت لك غصب عني، والله العظيم ما كان قصدي أطلعه.
بشندى: وإني لو عايز أموتك، هلزق من كام سلمة ولا إيه؟ لو هموتك هغمض يدي وأنزل بيها على راسك، أفسجنها نصين، وعونك تستاهليها، بس كرمال حكيم مهعملهاش. قومي اقفي وريني النسل اتقطع ولا لسه.
وشدها من دراعها بعنف وقفها وبص على رجليها ملقاش حاجة، قام شالها على كتفه وطلع بيها السلم، وهي عتتبكي وفاكرة إنه خلاص مطلعها. لكنها اتصدمت وصرخت أكتر من الأول، وهو عيحطها على أول السلم تاني، وبسرعة البرق كان معاود الكره ودافسها برجله مرة تانية، والنوبة أشد، خلاها لما استقرت تحت محطتش منطق.
قعد شوية على أول السلم وبعدها قام نزل وراها وقلبها برجله وفرح وهو شايف الدم على خلجاتها. وشالها وهو بيقول: أكده قطعنا راس التعبان وديله كمان. يلا سلسال واتقطع وغار.
طلعها ونومها في المشتمل ودخل لتماضر المنتهية من الخوف والبكا وطمنها بنفسه على حكيم وجمارة، وقالها إن غالية كان حابسها غازي في الحفرة، وهو جه طلعها وهياخدها معاه لحكيم المستشفى عشان تبقى جارة وجار جمارة.
تماضر من وسط بكاها: تكدبشي عليا يا بشندي وقولي لو غالية جرت لها حاجة. قولي عيميل إيه فيها الكلب ديه؟
بشندى: والله لو كان عيميل فيها حاجة كنت قولت لك طوالي، هو الموت هيندس ولا الأذى عيتخبى! إني أول ما طلعتها بعتها طوالي في الكارته لجمارة هي وعيشة عشان يكونوا جار حكيم ويعاونوه فيها. وعلى آخر النهار هتلاقيهم كلهم داخلين عليكِ بخير وعافية، وأهم شيء في الموضوع إننا خلصنا من غازي خالص.
تماضر رجعت دفنت راسها بين أيديها ورجعت تبكي بلوعة وتلوم عجزها وقلة حيلتها على عيالها اللي متعرفش هما بخير ولا فيهم حاجة، وعلى جمارة اللي بين الحياة والموت من اللي شافته زبيدة فيها وحكتهولها، وزبيدة جارها تهدّي وتطمن فيها.
طلع بشندى وغطى غالية وخدها حطها في الكارته بس بعد ما لفلفها بملاية سرير وطلع بالكارته على بيته وخد عيشة اللي من أول ما طلعت وشافت غالية بين الحياة والموت صرخت بعلو صوتها. وبشندى لما شافها عملت أكده على غالية مرضيش يقولها على جمارة، خاف تموت فيها.
طول الطريق وعيشة تسأله إيه اللي حصل وفين حكيم وليه محدش رايح معاه، وهو مرة يقولها: اهناك هقولك وأفهمك، ومرة يسكت. وهي طول الطريق واخده غالية في حضنها وتطبطب وتقري عليها آيات عشان تفوق.
وصلوا المستشفى ونزلوا وبشندى شال غالية ودخل بيها وخدوها من عنده على الطوارئ. وبعد الكشف طلعوا طمنوه إنها بخير بس سقطت الجنين. وهو من فرحته حضن الدكتور وفضل يبوس فيه وهو بيقوله: ربنا يبشرك بالخير يا دكتور يا وش الخير إنت.
الدكتور وعيشة واقفين مستغربين.
وأخيرًا الدكتور قدر يبعد عن بشندى وبدأ يعدل هدومه وهو بيقوله: ممكن بقا تقول لي المريضة حصل لها كدا إزاي؟
بشندى: امبلة يا دكتور، نازلة السلم تتفاطس وتتجلع، مع إننا منبهين عليها تركد وتهدى عشان اللي في بطنها، وهي ودن من طين وودن من عجينة لحدت ما اتبلعت من على السلم واتفرطت، وأهو العيل غار، الحمد لله.
الدكتور برق لبشندى وهو بيعدل نظارته باستغراب على الفرحة اللي شايفها منه وكمل كلامه: عمومًا المريضة شوية وهتفوق، هننقلها اوضة تانية، هي مش محتاجة عملية تفريغ عشان الحمل كان صغير وحالتها مستقرة. هي بس فيها شوية رضوض في جسمها أثر الوقعة وهتخف لوحدها، مش أكتر من كده.
بشندى بضحكة: ربنا يطمنك ويبشرك بالخير كمان مرة يا دكتور. وفضل مراقب الدكتور اللي ماشي يهز في دماغه بتعجب. وبعدها نقل عينيه على عيشة اللي واقفة ومفهمهاش حاجة.
قرب عليها وحاوط كتافها بيده وخدها قعدها على كرسي وقعد جنبها ومسك إيدها وقالها: عيشة، إنتي عارفة إن كل حاجة عتجرالنا مكتوبة علينا وربنا عيكون رايدها لنا صح؟
عيشة حست برجفة من كلامه وحست إن بعد الحديث ده جاية مصيبة وهزت له راسها بموافقة وهي عتتهامس: بشندى، قول لي حصل إيه من غير لف ولا دوران ولا كتر لوع في الحديث، اتحدت دغري.
بشندى: والله وإني ما أحب غير الدغري. بتك جمارة، غازي طخها بالنار.
عيشة سمعت الكلمة واغمى عليها فورًا، وبشندى سندها وهو بيقول: مش عايزاني أتحدت دغري؟ أهو الدغري فرطك.
***
في الأثناء دي جمارة كانت طلعت من أوضة العمليات ونقلوها على أوضة تانية. وحكيم من أول ما طلعت من أوضة العمليات وهو معاها. غطاها كويس ومسك إيدها، وعشان متبانش حاجة من إيدها قدام حد، كان ماسكها لحد المعصم ومخلي كم جلابيته نازل مغطيها، ولحد ما نقلوها على السرير وهو يغطي ويلهمز فيها، خايف عين تنظر حاجة فيها.
الكل طلع بعد ما ركبوا لها محلول، وهو قعد جنبها، وأخيرًا كشف إيدها وقربها عليها وفضل يحب فيها بخوف عمره ما حسه قبل كده. ونبضه انتظم وهو ماسك إيدها وحاسس بنبضها، وكأن النبضة فيها صداه هو اللي عيسمع جواه وينبض في عروقه.
شوية وابتدت تأوه وصوت أنينها، برغم إنه ألم، إلا إن قلب حكيم رقص عليه، وهو حاسه كأنه صرخة طفل لسه مولود وعياخد أول نفس من الدنيا، وصوت بكاه سبب فرحة كل اللي حواليه.
جمارة بضعف وصوت متقطع: حكييييم.. حكيم اوعى.. غازي... حكيمي خليك جاري.. إني أحبك يا شيخي.. حكيم متهمالنيش...
كل كلمة كانت تطلع منها كانت تشق قلب حكيم، وكان يرد عليها بعشر بوسات على إيدها وعلى خدها وجبينها ويتأسف لها ويقولها: يا ريتني سمعت كلامك وقعدت جارك ومكنتش طلعت، وبسببي اتصبتي واتأذيتي يا جمارة قلبي.
فضل قاعد جنبها على السرير وماسك إيدها وقلبه قايد نار ومفطور نصين، نص عليها ونص على غالية اللي متعرفش غازي عيميل فيها إيه، وأمه اللي يمكن الضربة النوبة دي تكون قضت عليها.
بين ماهو قاعد كده، باب الأوضة اتفتح عليه ودخلت عيشة تجري على بتها وهي عتولول ورمت روحها فوق منها، وحكيم بسرعة بعدها عن عينيها: حاسبي جرحها يتفتح، بالهداوة عليها.
عيشة: طمنيني عليها يا ولدي، هي زينة؟
حكيم: زينة بأمر الله، وهتقوم وتعوّد لنا بكل عافية. وبص وانتبه لبشندى اللي واقف على الباب وقام منتور وراح له جرى: هاه، طمني، غالية بخير؟ عيميل فيها حاجة غازي أذاها؟ وأمي.. أمي زينة يا بشندي، بالله عليك اتحدت؟
بشندى: اكتم طيب، خليني أتحدت. أمك زينة وطمنتها عليكم، وغالية زينة وجبتها معايا المستشفى والدكاترة طمنوني إنها بخير، بس سقطت.
حكيم بلهفة: غالية هنا؟ طب تعالى وديني لها قوام، واقف مستني إيه إنت! واتحرك حكيم قبل بشندى، وبشندى وراه يوصف له يروح فين، وحكيم يروح. وصل لباب الأوضة اللي حكيم قاله عليها وفتحه بسرعة ودخل لغالية اللي كانت فاقت وعتتبكي، وأول ما شافته زادت في البكا ومدت له إيديها، وهو راح عليها وقعد جنبها وعدلها وخدها في حضنه وفضل يبوس على راسها ويمسح دموعها اللي مقطعة.
غالية بعدت عن عينيه وهمست له بندم: سامحني يا خوي، والله ما كان قصدي. إني كنت رايحة أكيدة وأقول له إني حبلى وأحرق روحه وقلبه، عشان خابرة هو كدّ إيه كان مستنيها وملهوف عليها الخبرية دي.
حكيم: وهو ده حد له روح ولا قلب عشان يتحرقوا ياختي؟ على العموم، حصل خير، وأهو مات ولده اللي كان عيمناه بيده، وإحنا طلعنا من خطيته.
غالية بصت لبشندى وزادت في البكا وهي تشاور لحكيم عليه: بشندى هو اللي سقطني، مش غازي. هو اللي دفنّي من سلم الحفرة نوبتين عشان يسقطني. ودفنت وشها في صدر حكيم وبكت بصوت عالي. وحكيم بص لبشندى وهو مبرق عينيه من الصدمة وقلة: دفنتها ليه يا واكلهم إنت وكيف؟ عميلت فيها أكده ليه يا فقري، مخفتش تموت؟
بشندى بهدوء: بس يا دِ، إنت بلا تموت. الفواجر ما يعيموتوش، عيقوموا كيف الحنش.
حكيم: حنش لما يتلاقاك يا باعيد. عتموت روح بريئة ليه؟ الله يخرب مطنك، هتغور جهنم؟
بشندى: ولد غازي مش روح بريئة، دي روح شريرة، ولدة شياطين. وكمل بقلة صبر: وخلاص، إنت وهي، فضكم نوّيح. إني اللي موته، وإني وربي نتخاصم. وكلمة زيادة هاجي أقسم لك الغازية اللي في بطنك داي نصين. إني غاير أكلي لقمة، مصاريني نشفت من الجوع والضرايع بتاعتكم ونصايبكم. حد فيكم عاوز ياكل؟ عاوزة آكل أجيب لك معايا يا فاجر؟ هجيب لك يا أم عين بيضة، متخافيش. وهملهم وطلع.
حكيم عض على شفته وغمض عينيه بغلب وفتح وهو واعي بشندى ماشي في الطرقة قباله عيغزل، وغصب عنيه طلعت منه ضحكة مكتومة، خلته يهتز في موطرحه. وغالية بعدت عن عينيه ومسحت دموعها وهي بصاله: عتضحاااك!!
حكيم رجعها لحضنه تاني: عتضحك يا غالية، أمال هعمل إيه يعني؟ هم يبكي وهم يضحك، صح؟ الحمد لله على كل شيء، وأهم حاجة إننا عايشين، محدش جرا له حاجة. يلا، متزعليش حالك، عسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم. وبشندى عيميل أكده عشان عاوز مصلحة الكل، ومصلحتك إنتِ فالأول.
غالية: مصلحتي إيه؟ مانتا لو تشوفه هو ومطلع لسانه وعيدفسني، متقولش مصلحتي داي. ورجعت تبكي بصوت عالي، خلت حكيم يضحك وهمسلها: عارفة، واكل ناسه ما يعكرش.
شوية وبشندى رجع بالأكل، وحكيم طلع غالية في أوضة جمارة وجاب لها سرير جنبها عشان يكونوا هما الاتنين قبال عينيه. وبشندى قعد على الأرض وفتح الأكل وبدأ ياكل بعد ما عزم على الكل، محدش منهم رضى ياكل.
بشندى قاعد عياكل، وكل ما جمارة تتألم ولا تأوّه، يبص لغالية ويقول: معلش يا بتي، يعملوها الفواجر ويقعوا فيها الغوازى. وغالية كل ما يقول أكده تغطي وشها بطرحتها وتبكي، وحكيم يتشندل ويزعق فيه عشان يسكت ويسيبها في حالها. وبشندى ولا هو هنا.
فين وفين لما شبع وقام وبص لعيشة: تعالي لمي الأكل داه يا به. وهمي أديكِ اطمنتي على بتك عتخترف وزينة أهي. يلا هانزلك عشان أكشف لك حدا الدكتورة تحت عشان أشوف علتك فين. ولا لو مكانش داكتور راجل، ميحلاشِ الكشف يا غازية إنتِ.
عيشة: يبوي، وإني اتحدتت ولا فتحت خشمي يشندلك، كان يوم ما بانش له شمس يوم ما قولت لك اغور للدكتور.
بشندى: إنتي أصلاً كل أيامك معايا ما بتطلع لها شمس. من هنا ورايح لو قولتي يشندلك داي تاني، يا بوز الأخص إنتِ. فوتي قبالي، فاتت فيكي عربية كر بحمارين حصاوي، يبعبلوا بعبيل تحت منهم.
عيشة لوت خشمها ونترت بأيديها وطلعت من الأوضة وبشندى وراها. وحكيم وغالية بصوا على بعض وضحكوا غصب عنيهم. وحكيم بعدها اتنهد ورجع يبص لجمارة ويمسح على وشها بشفقة. وغالية شايفاه شايل الطين عليها والندم طول الوقت عياكل في قلبه عشان هي السبب في وجع جمارة، وجع قلب أخوها عليها. بس متعرفش تقول إيه تخفف بيه عن أخوها اللي لو واحد غيره كان دفنها هو بيده من زعله على مرته وعلى روحه اللي كانت هتطلع بسببها. وكل ما تبص على رقبتها وتشوف آثار الحبل عليها، تعض إيدها من الندم والقهر.
بشندى قطع ورقة لعيشة ودخلها أوضة الكشف، وكان هيدخل معاها بس الدكتورة قالت له ممنوع دخول الرجالة وإنه يقعد يستنى بره. وهو رضى بس بعد ما طلع براسه جوه الأوضة الأول، فتشها بعينيه يشوف لو فيها رجالة ولا له.
قعد شوية يستنى وطلعت عيشة من أوضة الكشف وهي مبلمة. وقربت من بشندى وبلعت ريقها ومتحدتتش.
بشندى بخوف: مالك مبلمة ليه يا فقرية؟ قالت لك هتموتي صح؟ قول لي، طلع حداك إيه قوام يا بت المركوب، وعيعدي ولا معيعديش؟ سيبتي مفاصلي.
عيشة بهمس: قالت لي حبلى يا بشندي.
بشندى: مين اللي حبلى؟ الدكتورة؟ طب وإحنا مالنا؟ هي المهم كشفت عليكِ ولا له؟ ولا أدخل أطلع عين أبوها. لما إنها حبلى وعيانة، طالعة من دارها ليه؟
عيشة: إني اللي حبلى يا بشندي، إني إني.
بشندى بصدمة: إنتي حبلى؟ كيف ديه يعني؟
عيشة: كيف الناس يا حظي.
بشندى بذهول وهو باصص على بطن عيشة: حبلى يعني في بطنك عيل يا عيشة؟
عيشة: أيوه عيل يا بشندي، أمال كلب؟
بشندى ولسه مصدوم: كلب يجر معاشك يا بت الكلب! عتقولي على ولدي كلب؟ كيف مالكلب أبوه عيصبح كلب يا بت المركوب إنتِ.
عيشة قعدت على الكرسي وضربت على رجليها: هملنا من الكلب والبسّة، وقول لي أنزله كيف ديه وأعمل إيه فيه عشان أسقطه؟ كيف يا مرّي أحبل في السن ديه؟ الناس تقول عليّ إيه دلوقتي؟
بشندى: تسقطي إيه! شالّك تسقط، وراحتك وتنزل! مين اللي ينزل عليكِ نزلة! هتقول إيه عليكِ الناس؟ يا مهووسة، إنتي حبلى بالحرام يا بت المحروق إنتِ.
عيشة: يا بشندي، كيف أحبل وأخلف وإني في السن ديه؟ وبعدين مخافتش عليا أموت وأنا عأولد؟ وقتها هتستفادي إيه من العيل وهتربيه لحالك كيف؟
بشندى: أولديّه بس، وموتي إنتِ، وأنا أعرف ماربيه. ده أنا أتزوج وأجيب له واحدة مخصوص تربيه.
عيشة بضيقة: يا بشندي، إني عأتكلم جد دلوقتي.
بشندى: وهو إني اللي عأضحك معاكِ ياك؟ عيل ربنا بعته لي في كبرتي يعوضني بيه، عايزة تموتيه لي إنتِ؟ والله يا عيشة لو اتهوستي وعملتي حاجة في الواد، لا أكون طاخك عيارين يجيبوا أجلك. حتى لو هتموتي فيه، تخلفيه. حتى لو هتطقي، طقي كيف العقربة عشان ولدي يطلع. طقي!
عيشة حطت دماغها بين إيديها وبكت بقلة حيلة. وبشندى لما عملت أكده وشاف دموعها راح قعد جنبها ومسك إيدها ورفع راسها بإيده التانية وهمسلها: واه يا عيشة، عتبكي عشان حبلى مني؟ مستكتره تجيبي لي عيل منك يفرحني ويعوض حرمانِ؟ طلع قلبك قاسي عليا قوي يا بستي، وإني اللي مفكرك عتحبيني؟
عيشة: والله عأحبك يا بشندى، وربنا العالم. بس عيبه، والله عيبه. الناس تقول، شوفي المرة الشايبة العايبة، حبلى وخلفت مع بتها؟
بشندى: طب خلي حد يفتح خشمه عليّ مرتي أكده. أي حد يقول لك بم، ولا تسمعي منه كلمة واحدة، شاوري لي عليه، وأنا أكومه مطرحه بطلقة واحدة. امسحي دموعك يا بستي وقومي وامشي بين الخلق رافعة راسك وقولي إني مرت بشندى وأم ولده اللي جاي، وشوفي بشندى عالفرحة اللي فرحتيهاله النهاردة دي، هيعمل لك إيه.
مسك إيدها قومها، وعيشة قامت معاه وهي مبتسمة عشان طيب خاطرها وقالت له: ماشي، بس متقولش لحد يا بشندي دلوقتي، هملها شوية لقدام لحد ما بتي تطيب وأطمن عليها. والله قلبي مقهور على طرحتها دي.
بشندى: يبوي، تخافيش، مهقولش لصنف مخلوق. هخليها بيناتنا دلوقتي، وادري على شمعتي عشان تقيد يا به. وغمزلها بعينه وهو يعض على شفته كذا مرة ورا بعض، وهي ضحكت على حركته. ووصلوا أخيرًا أوضة جمارة ودخلت عيشة ووراها بشندى.
وأول ما دخل الأوضة، رفع إيديه لفوق وزعق بفرحة وبعلو صوته: عيشة مرتي حبلى يا خاااااالق! وعيشة بصت له وضربت على راسها بإيدها الاتنين من الكسوف.
***
حكيم قاعد في أوضته هو وجمارة، وعيشة اللي من يوم بتها وهى عتقضي طول النهار معاها في السرايا ومعتروحش بيتها غير عالنوم هي وبشندى.
خبطت على الباب وحكيم فتح لها ودخلت بصنية الأكل وصبحت عليهم وبصت لجمارة: كيف حالك النهاردة يا بتي؟
جمارة: الحمد لله يا أمي، بخير.
عيشة: مش هتنزلي تقعدي جنبنا هبابة تفكي عن روحك؟ مش بقيتِ زينة وعتدري تتمشي؟ ولا عاجبك حبسك ليل ونهار في الأوضة كيف الفرجة الراقدة أكده؟
جمارة بصت لحكيم اللي مبقاش يهملها غير ساعتين تلاتة في اليوم، وعلى عينه ودايما قاعد جنبها يحادي ويداري فيها من يوم ما اتصابت، وابتسمت وهي ترد على أمها: لا يا أمي، إني مرتاحة قوي أهنه ومعاوزاش أنزل ولا أطب تحت، ومعاوزاش حاجة من الدنيا واصل.
حكيم ابتسم لها، وعيشة ردت عليها بضحكة وهي عتفتح شباك الأوضة: والله ولقيتي في عدلك يا بت عيشة، بياعة الجبنة. وكل لحد سريرك، وشيخ بلد بجلالة قدره فايد مصالحه ومرابط لك ليل نهار يراعي فيكي. من حقك تتمرعي عاد.
جمارة بضحكة: الله أكبر عليكِ يا أمي، هتقري عليّ بتك ولا إيه؟ ما يحسد الفرح إلا أصحابه. صلي على النبي في قلبك.
عيشة: اللهم صلي عليك يا نبي، ألف صلاة.
حكيم صلى على النبي، وجمارة كمان. وحكيم جلى صوته قبل ما يقول لعيشة: أم جمارة، إني قولت لك متتعبيش حالك وتطلعي الأكل بنفسك، وابعتيه مع زبيدة ولا مع غالية. الطلوع والنزول مش زين عليكِ، إنتي حبلى، متتعبيش.
عيشة بسرعة مسكت طرف طرحتها غطت وشها بخجل واتحركت من قباله على بره وهي ترد عليه: مفيش تعب ولا حاجة يا شيخ، إني ميهداليش بال غير لما أطلع على بتي وأطمن عليها بعيني. وطلعت وقفت الباب وراها.
جمارة بصت لحكيم بعتب: مش قولت لك ميت مرة يا حكيم، متجيبش سيرة الحبل قبال أمي. عتختشي وعتتكسف من الحتة ديه قوي!
حكيم بضحكة: نسيت والله. وبعدين إني لما أقولهالها عأكون شفقان عليها، والله مباليش في حاجة تانية. وقرب قعد جنبها على السرير وابتدا يوكلها بيده كيف ما عوّدها من يوم ما اتصابت، ويتكلم معاها وهو عيوكلها عشان يلهيها وتاكل كتير: بس بالك إنتِ يا جمارة، إني فرحان لبشندى قوي، وفرحان لفرحته اللي واعية في عينيه من ساعة ما اتجوز أمك، واتضاعفت من يوم ما عرف بحبلها وإنه هيكون له عيل من صلبه. وطول الوقت عمال يدندن مع روحه، ودايما مهمل كل حاجة وقاعد هو وأمك في الجنينة، وكل هبابه رايح جايب لها حاجة شكل في جيبه، يدخل ينادي عليها، يوكلها له بيده، كلها لحتى يطلع ويهملها. والله عأستغرب عليه البخيل ديه اللي كان القرش يطلع من جيبه بطلوع الروح!
جمارة خدت نفس وطلعته بارتياح: إني وأمي اللي عرفنا قد إيه ربنا عيحبنا من يوم ما اتجوزناكم يا شيخ. طب داني بيكفيني بس الأكل من إيدك ديه لحاله كتير عليا والله.
حكيم: ده أنا وبشندى اللي ربنا عيحبنا يا جمارة، عشان رزقنا بواحدة وأمها الاتنين أحسن من بعض. وبعدين إيه اللي كتير عليكِ وإنتي في دنيتي بروحك، وواخدة طلقة موت بدالي! ده إنتي الروح ترخص لك والعمر يروح لعنيكي الحلوين دول فدوة يا جمارة القلب.
جمارة ابتسمت له ومسكت إيده الممدودة قبال خشمه باللقمة وحبت باطنها بعد ما أكلت منها اللقمة، وهو ضمها بحب. وهي خدت دورها في إنها توكله، وكيف كل يوم ما طلعتش من الغرفة غير وهو مطمن عليها، وأكلها وشربها ومرتاحة، ممتلئة.
طلع من السرايا وراح المندرة يبص على بشندى، لقاه لسه نايم، همله وراح على الإسطبل. وأول ما دخل راح طول على جمرته اللي صهلت بفرحة أول ما شافته، وهو قرب منها وجاب لها السكر ملو إيديه وبدأ يوكلها.
السايس قرب منه: صباح الخير يا شيخ.
حكيم: صباح النور. طمني على جمرة زينة وعتاكل زين دلوقتي.
السايس: شوفة عينك يا شيخ، الأكل زاد والجسم لمع وعلامات الحمل بانّت وبيّنت.
حكيم مسح على شعر جمرة بفرحة: الحمد لله، ربنا يحرسها ويكملها على خير النوبة دي. ومد إيده في جيبه طلع فلوس مداهاله.
السايس: يا شيخ، خيرك مغرقني، ملوش داعي. وبعدين مانتا عطيتني النوبة اللي فاتت، خليها ليوم ولادتها وتقوم لنا بالسلامة.
حكيم مد له الفلوس بإصرار: ده حلاوة حبلها وولادتها وسلامتها. حلاوتها حاجة تانية. مد إيدك واتلافى داه، جمرة وفرحتها غير، وحلاوتها غير.
السايس مد إيده وخد الفلوس وهو بيدعي لحكيم: تعيش جمرة وصاحبها، ويديم عليه الفرح ويزيده من نعيمه. وهمله مع جمرته ومشى يشوف باقي الخيول ويفطرهم.
حكيم طلع من الإسطبل على ضهر عنتر عشان يروح على الأرض ويشوف أحوالها كيف كل يوم، وكمان عشان عايز يخلص شغله كله، وخصوصًا إنه نوى يسافر على القاهرة اليومين الجايين دول عشان يجيب إيراد المعامل. وبيعتقد إنه النوبة دي ياخد جمارة معاه ويطلعها من البلد ويخليها تفك عن نفسها هبابة، ويوريها بلاد المدن، ويشتري لها اللي نفسها فيه ويبسطها.
وصل حدا المندرة بعنتر وشاف بشندى صحي وداخل على السرايا، وابتسم عليه وهو متشندل في عشق عيشة، ومعيصدق يلاقي فرصة عشان يروح لها، وأول ما يفتح عينيه يجري عليها. وحكيم لو كان له في الكيد كان كاده، لما قطع مصارينهم كيف ما كان يعمل معاه، وخلص منه القديم والجديد، بس للأسف ملوش.
وكمل طريقه للأرض واطمأن على كل حاجة إنها بخير وعاود تاني للسرايا، واتقدم وهو مستغرب من وقوف طرمبيل قدام بوابة السرايا، ونازل منه اتنين حرمة مبوشين (منقبين) واتنين رجالة، فيهم واحد كبير في السن وواحد شباب يطلع من سنه أو أصغر منه هبابة.
قرب منهم ووقف قبالهم ورمى السلام، وبعدها سأل: عتسألوا على حد في البلد ولا تايهين؟
- عنسأل عن الشيخ حكيم ابن الشيخ جاهين رحمة الله عليه.
حكيم باستغراب: وصلتوا والله! إني الشيخ حكيم، أهلاً ومرحباً بكم.
- قرب منه الراجل الكبير بفرحة وهو نازل من فوق عنتر بسرعة. والراجل خده في حضنه وطبطب عليه وفضل يشم فيه. وحكيم مستغرب. وبعدها الراجل همس له: أنا بكون الحاج راغب، زوج المرحومة خالتك، وصديق المرحوم بيك. وهادي جماعته، وهدول أولادي، وجايي من الشام ضيف عليك يا شيخ.
الشيخ حكيم بفرحة: وحياة ربنا صح، عتتحدت؟ إنت عمي راغب اللي أبويه مكانش له سيرة غيرك، وأمي مالهاش سيرة غير ولد أختها اللي متعرفش له طريق! يا مرحب بالحبايب وريحة الحبايب. يا مراحب بصحاب دار، وصلوا بيتهم ومطرحهم.
وبسرعة تقدم عليه الشاب بعد ما شاور له أبوه، وسلم على حكيم وأخده بالحضن: أهليين شيخ، محسوبك أسامة، ابن خالتك.
حكيم: يا مرحب بولد الخالة، يا مرحب.
راغب: وهاي زوجتي نادرة، وهاديك بنيتي ورد الشام.
حكيم تقدم بأدب وسلم بالكلام وعينه في الأرض: أهلاً بيكي يا مرت العم، أهلاً بيكي يا خيتي.
الاتنين ردوا عليه السلام، وحكيم رفع راسه على بوابة السرايا شاف بشندى طالع يناديه بعلو حسه: بشندى! هم تعال هنا قوام.
بشندى جاله طوالي وهو عيقل عينيه بين الواقفين باستغراب. قطعه حكيم: ديه جوز خالتي الله يرحمها، وديه ولد خالتي، ودول جماعته.
بشندى: راااغب! إنت راغب؟
راغب: أي، إني من وين بتعرفني!
بشندى: يبوي، كيف عتعرفني منين؟ وجاهين مكانش له سيرة غيرك. ده مات ونفسه كان يشوفك ويطل في وشك يا راجل.
راغب: رحمة الله عليه، والله إني ما كنت في البلاد، سافرت على الشام ومن يوم ما سافرت مارجعت، وحتى ابني بعتت عليه بعد ما اتزوجت بالشام، وما صحت لي فرصة إني أرجع، برغم إني كنت عتحرق عأشوف رفيقي عمري متله، ويمكن زيادة.
حكيم: معلش، اللقا نصيب، والقلوب عتتلاقى وتقطع المسافات وتحس بأحبابها. يلا دلوقتي خد الجماعة يا بشندى، دخلهم السرايا، وأني هاخد عمي راغب وأسامة عالمنضرة. وقول لزبيدة وغالية يجهزوا المشتمل ويفرشوه، واطلع انقل أوضة غالية القديمة في الأوضة الفاضية اللي في المشتمل، وارشها زين، فهمت؟ بس خليهم فالأول يجهزوا فطور زين يفطروا الجماعة، وفطور هاتوه معاك، وطريقك نبه على الرجالة يدبحوا دبيحتين ويطيبوهم للغدا، واحدة يبعتوها عالسرايا، والتانية يجيبوها المندرة. هم قوام.
بشندى: تأمر يا شيخ.
راغب: ما في داعي لهالشيء، بنبات كيف ما كان، ومناكل الموجود، ماتتعب حالك يا شيخ، إحنا ماننا مطولين.
حكيم: له له يا عمي، متقولش أكده. عيبه واعرة في حق الشيخ داي، وبعدين فين التعب ولا تعب ولا شيء. تعالوا بس ارتاحوا من تعب الطريق وكلولكم لقمة، وبعدين نشوف حكاية مش مطولين داي إيه أصلها. ماهو مهبل اللي يفرط في الحبايب بسهولة بعد ما اتلايم عليهم.
راغب: الله محيي أصلك يا ابن الغالي.
حكيم أخد أسامة وأبوه وراح بيهم على المنضرة. وبشندى وصل مرت الحاج راغب وبنتها للسرايا وبلغ بأوامر حكيم، ورجع خد راجلين وطلعوا يفكوا أوضة غالية عشان يودوها المشتمل. وغالية خدت نادرة ودخلتها على أمها بعد ما سلمت عليها وعرفت هي مين وبنتها مين.
تماضر أول ما دخلت عليها غالية دارت وشها منها للناحية التانية كيف ما بتعمل معاها من يوم اللي حصل. لكن غالية خلتها غصب عنها تتلفت لها باهتمام لما قالت لها: فيه ضيفتين جاين لك من بلاد الشام، وجايبين لك معاهم بشارة وفرحة كنتِ عتتمنيّها من زمان يا أمي.
تماضر بصت لغالية وديقت حواجبها بتساؤل وحيرة زادت، وهي واعية اتنين مبوشين ولابسين أسود في أسود وداخلين من باب الغرفة وعتتقدموا خطوة خطوة.
غالية شاورت على نادرة وهي عتقول لأمها: داي الست نادرة، أم الورد. مرات الحاج راغب. نهت جملتها بالتزامن مع رفع نادرة للنقاب وكملت بدالها الحديث تصحح لها: لا حبيبتي، أم أسامة. حجية، أنا بكون زوجة الحاج راغب، زوج أختك المرحومة، وأنا اللي أسامة ابنها، ربي وكبر على دياتي.
تماضر مدت إيدها بفرحة لنادرة: أبااااااي، يا ريحة الحبايب، تعالي في باطي يا حبيبتي.
نادرة راحت خدت تماضر بالحضن وسلمت عليها. ولما بعدت تماضر سألتها بلهفة: وين الغالي ولد الغالية؟ مجاش معاكم ليه؟
نادرة: لا، أجا حبيبتي، وهلا هو بالمضيف مع الشيخ الحكيم، ابنك كتير حباب هالشيء، يؤبر البي.
تماضر: يحبب فيكي خلقه يا حبيبتي. وبصت لورد: قربي يا بنيتي، خليني أحبك، وشيلي البوشية، فرجيني الحلا الشامي.
ورد مدت إيدها رفعت النقاب، وعيشة صلت على النبي وهي بتبصلها، وغالية شهقت وضربت على صدرها بلا وعي: يا مرّي، داي بلح الشام الأصلي، مش المغشوش بتاع بلدنا!
تماضر زغرتت بطول: صلي على النبي في قلبك. ومدت إيديها بحب لورد: تعالي يا بنيتي، خليني أحب ورد الشام وأشم ريحته الطيبة. واتقدمت منها ورد بحياء وحضنتها، وبعدت عينيه وباست إيدها ورفعتها على جبينها مرتين احترامًا، وتماضر تسمي وتصلي عليها.
قعدت ورد وأم ورد جنب تماضر، وغالية هملتهم وطلعت تحضر فطور للحاج راغب وولده، وكمان لنادرة وورد. وعيشة خدت فطور الحريم وسلمت عليهم. وبشندى جه خد فطور الرجالة وطلع. ومن بعدها غالية وزبيدة راحوا على المشتمل ينضفوه ويشيلوا منه بواقي البنا بعد ما بابه اتسد.
عيشة بعد ما سلمت على الضيوف، وخشمها دلدل وعينها كانت هتطلع من موطرحها وهي شايفة الجمال الشامي متجسد في ورد، واللي برغم إنها لا هي ولا بتها قاصرين جمال، إلا إن بنات الشام جمال وسحر من نوع خاص، عيخطف العيوب ويسلب الألباب.
طلعت عيشة لبنتها فوق وقربت منها وقعدت جنبها وضربت على قورتها بالراحة: قومي يا حبيبتي من على البيضات بتوعك اللي راقدة عليهم فيه غزالة تحت في السرايا، قومي شوفيها وانزلي في السرايا واملي مطرحك يا مرت الشيخ.
جمارة باستغراب: غزالة إيه يا أمي؟
عيشة: واحدة جاية من الشام، هي وبتها. عيقولوا إنهم مرت وبت راغب صاحب الشيخ جاهين الله يرحمه.
جمارة ملامحها اتعكست وهي بتفتكر مين، وبعدها اتفردت ملامحها لما قدرت تتفكر: أيوه أيوه، جوز خالة حكيم اللي ماتت داي، خالة تماضر دايمًا تحكي عنه وتجيب سيرته هو وولد أختها اللي متعرفش له حاجة من يوم ما أخده أبوه وهمل البلد.
عيشة: اهو جابه ورجع، وجايب معاه بلطية وأمها، يحلو من حبل المشنقة.
جمارة بهدوء: وإني أقول إيه الخبط والرزع داه من الصبح في أوضة غالية، تاراها عتحضرها للضيوف.
عيشة: يا مدهولة، عتحضر إيه داه؟ الأوضة اتفكت واتنقلت من مطرحها، وإنتي نايمة على ودانك. قومي البسي أحلى حاجة حداك، وانزلي اتغندري قبالهم، وسلمي عليهم، وقومي بضيافتهم، ووريهم إنك صاحبة الدار ومرت الشيخ.
جمارة باستغراب: واه يا أمي، ليه ديه كله؟
عيشة: لما هتنزلي هتعرفي لحالك يا مشندلة. وبالفعل عيشة ما هملت جمارة غير وهي لابسة أحلى ما عندها، وخاطة العينين بالكحل، وحاطة الألوان الأصفر والأحمر، وطالعة بدر تمام. ونزلت وهي ماسكة إيدها وراحت بيها على أوضة تماضر عشان تسلم على الضيوف.
عيشة دخلت لأول وقالت وهي بتقدم لهم بتها: جمارة بتي ومرت الشيخ حكيم. وأول ما شافت جمارة من الباب، الاتنين بصوا لها وبصوا لبعض.
نادرة وقفت وهي بتستقبلها: بسم الله عليكِ وحواليكِ، يحرسك الله حبيبتي. إديشك حلوة، تؤبري البي.
جمارة دخلت وحضنتها وهي بترد عليها: عيونك الحلوين يا خالة. وبعدت عينيه وسلمت على ورد بالحضن، وورد كمان مدحت في جمال جمارة: محظوظ فيكي شيخ حكيم والله يا جمارة.
جمارة: تسلميلي يا رب يا حبيبتي. وبعدت عنيهم وراحت على تماضر اللي مدت لها إيديها بحب: يا مرحب بنورها وسورها وسرورها. يا مرحب بالغالية، مرت الغالية. توها السرايا اللي نورت، حمد لله على سلامتك يا غالية.
جمارة حضنت تماضر وباست إيدها وراسها.
نادرة باستغراب: هي كانت بسفرة ولا شو؟
تماضر: لا يا أم ورد، جمارة كانت متصوبة وقاعدة في غرفتها لحد ما تطيب. واه، الحمد لله طابت ورجعت نورت الدنيا بعد ما خلعت قلوبنا من الخوف عليها.
نادرة وورد بصوا لبعض، ونادرة اتكلمت بخوف: معلش، بس هي متصوبة يعني مأصّصة، ماهيك؟
تماضر: أيوه يا حبيبتي، مقصّصة بالنار.
نادرة برعب: وليش؟ ليش؟ ومين أوصها؟ ولشو؟ هو فيه تأويص كتير عندكم هون؟
تماضر: متخافيش يا حبيبتي، داه اتصاوبت بالغلط. وبصت لغالية اللي كانت جت وواقفة على باب الأوضة: ربنا يسامح اللي كان السبب عاد. وغالية خدت الكلمة واتحركت من قبال أمها طوالي، لأنها أصلًا طول الفترة اللي فاتت وهي عتتجنبها من الكلام اللي عتسمعهولها.
وتماضر بقى وقتها كله وقعدتها كلها مع عيشة وزبيدة، وهي رجعت للقعدة لحالها وإحساسها بالقهر، وزاد عليه الندم.
خلصوا السلامات وكله اتجمع بعد كده على الغدا مع بعضه، والرجالة اتغدوا في المنضرة، وبعدها حكيم بعت بشندى للحريم ياخدوا احتياطهم عشان الحاج راغب وولده أسامة جايين السرايا يسلموا على الحاجة أم حكيم.
كل الحريم سترت حالها زين، وشوية ودخل حكيم من باب السرايا بعد ما كح بصوت عالي واتحدت وهو داخل: يا أهل الدار، يللي جوه.
جاله صوت تماضر ملهوف: ادخل يا ولدي طوالي.
حكيم دخل ووراه الحاج راغب: يلا يلا، ودخل. ووراه أسامة ابنه: يلا يلا، ودخل.
التنين وقفوا في الصالة جنب حكيم. وتماضر اتحدت بصوت مخنوق من دموع الفرح وهي عتطلع لأسامة اللي عرفته طوالي، والدم حن: يا ألف حمد لله على السلامة، يا ألف نهار مبروك، نورتوا السرايا والبلد بحالها.
حكيم: أم حكيم أهي يا حاج راغب.
راغب رفع دماغه عليها وسلم من بعيد: الله يسلمك يا رب، كيفك أختي، أخبارك وصحتك منيحة؟ واتصدم وهو واعيها قاعدة على كرسي متحرك، ورفع عينيه عليها بشفقة: لا حول ولا قوة إلا بالله، إيش هاد؟ ومن يا وقت؟ سلامة قلبك.
تماضر هزت له دماغها برضى: الحمد لله على كل اللي بيجيبه يا أبو أسامة. قربوا استريحوا. وبصت لأسامة وفردت له دراعاتها: قرب يا ولد الغالية، خليني أشم فيك ريحة الغوالي. وأسامة قرب لها وباس إيدها، وهي خدته في حضنها، وبدأت تبكي وهي بتشم فيه: كني واخدة أمك في باطي والله. يا حبيبتي يا أختي، ألف رحمة ونور عليكِ يا غالية. وبعدته عن عينيه ومسكت وشّه بين إيديها وفضلت تبص له ودموعها نازلين.
أسامة كمان عيونه اتملت دموع وهو بيبص لها: خالتي، بيكفي بكا، راح أبكي متلك، وحياة الله إني ما بتحمل، وخصوصًا إني بتخيلك أمي وهي اللي عم تضمني هلأ.
تماضر رجعت حضنت دماغه: ماني كيف أمك يا قلب أمك وقلب خالتك. يا بويا على فرحة قلبي بشوفتك النهاردة. ألف حمد وشكر ليك يا رب.
حكيم باصص لهم ومبتسم على فرحة أمه. وعينه راحت على جمارة وشاف جمالها واللي عاملة في حالها. ورفع صباعه عضّ له بتوعد عشان منبه عليها تنزلش تحت بزوقه واصل، حتى وسط الحريم، وهي النهاردة متزوقة ونازلة وسط الرجالة.
جمارة بلعت ريقها بخوف وحمدت ربها لما عين حكيم حوّدت عنيها وراحت على مطرح تاني، وبرقوا، وجمارة بتتبع عينيه وشافتهم باصين لغالية اللي واقفة وعينها على أسامة، وفاتحة خشمها وعينها على آخرهم، وواخدة وضع الصدمة.
حكيم شاور لجمارة عليها، وجمارة اتحركت كام خطوة بهدوء وراحت وقفت جنبها وقرصتها في دراعها وهمست لها: إيه اللي عملاه في حالك داه يا حزينة؟ متنحة عالراجل أكده ليه؟ أخوكي أخد باله!
غالية بدون وعي رفعت إيدها بهدوء تمسح على مطرح القرصة في دراعها وهمست لجمارة: هو يا جمارة، وحياة الله هو. هو اللي كان عييجيني في الحلم، الكيف القمر اللي حكيت لك عنه. هو يا خلق، هو والله.
جمارة بصت لحكيم اللي متابع همسهم وحالة غالية، وهو مبرقلها بغضب، وشدت غالية بعيد عن مرمى عينيه عشان تلصقها قلم حتى تفوقها من التوهان اللي هي فيه قبل ما حكيم يهجم عليها يفوقها بنفسه.
رواية جمارة (بين العشق والقسوة الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم ريناد يوسف
ساعات جميلة محفوفة بسعادة واضحة على كل الوشوش قضوها مع بعض. الحاج راغب وأهل بيته وحكيم وتماضر.
أما جمارة، فبعد ما سلمت، راحت على طول على المطبخ. بعد ما حكيم شاور لها تمشي وقعدت فيه مع زبيدة وأمها وغالية يجهزوا العشا.
وفي أثناء دي، غسلت وشها ومسحت منه أي أثر للزواق عشان حكيم ما ياخدش على خاطره منها.
تجهزت السفره وحكيم شاور لجمارة. وهي جات له وطلب منها إنهم يحطوا أكل للحريم لوحدهم وياكلوا بعيد عن الرجالة عشان مرات الحاج راغب وبنته ياخدوا راحتهم في الأكل عشان مبوشين، وأكيد مش هيعرفوا ياكلوا زين لو قعدوا على السفرة معاه.
جمارة سمعت الحديث ونفذته وحطت للحريم أكل لحالهم في أوضة أم حكيم. ودخلت تاكل معاهم هي وغالية وعيشة. وحتى زبيدة.
أما تماضر، فقعدت معاهم على السفرة تاكل مع واد اختها عشان يكون قبالها أكبر وقت ممكن تتملي فيه وتشبع عينيها من شوفته.
خلصوا العشا واتجمعوا كلهم في الصالة. حكيم وراغب وأسامة وتماضر يتحدثوا مع بعض.
وورد كمان كانت قاعدة، بس طول الوقت باصة للأرض ومنكسة عينيها وساكتة. بس ودنها وكل تركيزها مع حكيم ومع كل كلمة تطلع من خشمه. عاملة كيف اللي بيحفظ الكلام عشان هيتسأل فيه بعد ما يخلص.
جمارة قعدت جارهم شوية، وبعدها خدت غالية ودخلوا المطبخ لما لقت غالية عينها منازلة على أسامة. وهتغفلقها على حالها من حكيم.
ورد هي كمان شوية وانضمت لهم عشان لقت حالها قاعدة مع الكبار وملهاش حديث معاهم.
غالية قعدتها جارها وفضلت تتدحلب معاها في الحديث على كل حاجة لحد ما وصلت لمبتغاها وجابت سيرة أسامة أخوها.
طبعًا غالية عملت اللازم وسألتها عن حاجات كتير تخصه، ومن ضمنها لو كان متجوز ولا خاطب ولا حاطط في باله واحدة. وورد ادت لها المفيد إن أسامة لا متجوز ولا خاطب ولا حاطط حد في باله. لحتّى بالها ارتاح وهديت هبابة. واتسلل أمل ضعيف لقلبها إن ممكن حلمها اللي ياما حلمته يتحقق.
أما ورد فبدورها هي كمان ابتدت تسأل عن الشيخ حكيم وطباعه وعن حاجات كتير متعلقة بيه عشان تقدر تحدد ياترى الانطباع الأول اللي خدته عنه مظبوط ولا فيه حاجة غلط. واتضح لها إن انطباعها الأول عن الشيخ حكيم منتهى الصح.
وكل دا وهي متناسية وجود جمارة مرّة الشيخ معاها وسامعة الحديث كله.
جمارة كانت بتسمع كلام الاتنين ومستغربتش أسئلة غالية على أخو ورد عشان عارفة غرضها منه. لكن اللي استغربته سؤال ورد عن حكيم وعن تفاصيل المفروض إنها متخصهاش ولا ليها إنها تسأل فيها.
ورد انتبهت أخيرًا لوجود جمارة ولاحظت نظراتها ليها وكيف ماتكون حست باللي ابتدا يدور في دماغها واتوجهت لها بالكلام.
"جمارة فيكي تعذريني في أسئلتي عن زوجك، بس والله انتي ما بتعرفي اديشه. أبوي كان بيحكيلنا عن الشيخ جاهين وطيبته ورجولته وقديشه كان صديق وفي لأبوي لدرجة إننا اتغرمنا فيه وحبيناه كتير كتير بدون ما نشوفه. وكلنا طرنا من الفرحة بس أبوي خبرنا إنه راح نيجي ع مصر عشان نشوفه أخيرًا. وهو كمان ما كان مصدق حاله إنه راح يتلاقى مع رفيقه كل هالسنين. بس الصدمة هون من لما وصلنا مصر وأبوي سأل حدا بيعرفه معرفة قديمة عن الشيخ جاهين وعرف بموت الشيخ وإنه ربي أخد أمانته. عن جد أبوي تدمرت نفسيته وحتى نحنا متله انصدمنا. وضَل أيام حابس روحه لحاله من قهرته ع رفيئه اللي ما لحق يشوفه.
بدي خبرك نحن النا خمسطاش يوم بمصر هون، بس كنا نازلين عند ابن أخته لأبوي في غير ديرة. وما صح لنا نجي غير هلا بعد ما تحسن وضعه لأبوي. وبس جينا هون ومن أول ما تلاقينا مع الشيخ حكيم عن جد جاني إحساس من شكله وطريقة حكيه إنه هو الشيخ جاهين بنفسه اللي واقف معنا من وصف أبوي للشيخ جاهين وكل وصفه لقيته في ابنه الشيخ.
وبعد كلام أخته عنه وسماعي لحكيه من قبل شوي مع أبوي تأكدت إن الشيخ حكيم نسخة تانية من بيه الشيخ جاهين رحمة الله عليه. مشان هيك اعذري فضولي وتطفلي بأسئلتي."
جمارة ابتسمت لها بود وهزت لها دماغها بتفهم: "عادي يا ورد، حكيم من هنا ورايح بقى أخوكي كيف أسامة بالظبط. ومن حقك تعرفي كل حاجة عنه. دي حق الأخ على أخوه إنه يكون حافظه وخبره زين وعارف عنه كل كبيرة وصغيرة."
ورد ابتسمت لكلام جمارة، وطبعًا ما خفيش عليها لفت النظر المقنع اللي وجهته لها بأنها ما تتعداش حدود الأخوة معاه. واتأكدت إن المعنى السيء من ورا أسئلتها هو اللي وصل لجمارة. وأمّت نفسها على فضولها اللي وقعها في مأزق سوء الانطباع الأول اللي أخدته عنها جمارة.
خلصوا كلام والحج راغب استأذن من حكيم وأمه عشان يناموا. وأخذهم حكيم على المشتمل ووصلهم لحد بابه وفضل واقف لحد ما دخلوا واطمأن إن المشتمل نال استحسانهم وعجبهم. وبعدها مشي على السرايا.
رجع للسرايا ودخل أمه أوضتها وباس دماغها وإيدها وابتسم لها وهو واعي الفرحة في عينيها بلقاها بواد اختها وحس إنه برجوعه رجعت لها الراحة اللي اتحرمت منها في الفترة الأخيرة.
طلع على أوضته بعد ما أدى نظرة لجمارة عشان تحصله. وجمارة هزت له دماغها بتفهم وخلصت غسيل مواعين مع غالية قوام قوام وفات لها حاجات بسيطة وطلعت لحكيم.
أول ما دخلت الغرفة، حكيم كان نايم على السرير وحاطط دراعه تحت دماغه وحاطط إيده التانية على عينيه. ورفعها فورًا مع دخول جمارة وابتسم وهو متابع دخولها بعينيه لحد ما راحت قعدت جاره على السرير.
حكيم مسك إيدها وقربها عليه وباسها بحب وهمسلها: "اتوُحشتك قوي النهارده، مع إنك كنتي قبال عيني بس حاسة إني بعيدة عني بوجود الناس." وعضها في إيدها عضة خفيفة وكمل: "وحرقتي روحي وإني شايفك متزوقة قبال الرجالة. والله يا جمارة كنت مستحلفلك بس اللي رحمك من تحت يدي إنهم ما رفعوش عنيهم عليكي ولا حد فيهم شال عينه من الأرض."
جمارة بألم كداب: "آاااى يدي يا عضاض. ما عارفاشي إيه حبك في العض دي إني. بس تعرف إنتا حتى لو كنت اتوحشتني واشتقتلي شوقك ما يجيش حاجة في شوقي ليك النهارده. أول مرة تغيب عني أكده من يوم ما اتصوّبت."
حكيم رجع خد إيدها وحبها تاني وهو بيهمس لها: "تعبتي النهارده صح؟"
جمارة أخدت نفس وردت عليه: "له مفيش تعب ولا حاجة. تعب إيه دي وهو إني عملت إيه يعني."
حكيم: "له تعبتي. وحتى لو عملتي حاجات بسيطة برضك تعبتي عشان بقالك فترة كبيرة بعيدة عن الخدمة ومتروكة وهتتتعبي من أقل حاجة هتعمليها. إني خابر أكده زين. وغير أكده إني بحس بيكي يا بت قلبي. بحس بوجعك وتعبك وفرحك وكل حاجة تخصك. هذا هو قلبُ المُحب جميلتي يدرى بما في الحبيبِ ويعلمُ."
جمارة ابتسامتها زادت وقربت منه وطبعت بوسة حانية على خده عشان كلامه الحلو اللي كل ما يسمعهولها قلبها يفضل يتنطط بين ضلوعها بفرحة كنه عيل صغير حد ملاه حجر حلاوة من النوع اللي بيحبه.
حكيم رد لها البوسة بتاعتها تاني وبالفوايد كمان على إيدها. وبعدها قامت من جاره راحت استحمت وغيرت خلجاتها ورجعت لحكيم من تاني وفضلوا يتحدثوا مع بعض بشوق كأنهم مشافوش بعض من سنين مش من ساعات معدودة.
بعد ما خلص الكلام وتم القضاء على اللهفة بالقرب وانطفت نيران الاشتياق، النعاس أعلن عن حضوره والتنين استسلموا لسلطانه. وجمارة اتوسدت صدر حكيمها وهو حاوط جنته بأديه. التنين وسند دماغه عليها ودخلوا في ثبات جميل.
***
أما في المشتمل…
راغب: "شفتولي الشيخ حكيم كيف كتير بيشبه بيُه بكل شي، حتى ببشاشة وجهه وطيب أخلاقه. يمين الله طول الوقت كل ما أتطلع فيه كأني عم أتطلع لجاهين بيُه رحمة الله عليه. صحيح اللي خلف ما مات."
ورد: "أي والله يا بي، دخيل ربه ما أكرمه. وحتى أهل بيته ما بيتخيروا عنه بالكرم وطيب الأصل. ماهيك يا أمو؟"
نادره: "أي يا أمو هو هيك. والله طلعوا ناس أكابرية وما في منهم."
أسامة: "صحيح يا بي، الشيخ حكيم طلع متل ما كنت بتوصف بجوز خالتي بالتمام رحمة الله عليه."
راغب: "أي والله يا بي، ربي يحفظه ويحفظ له أهل بيته."
الكل آمن وراه وقاموا ناموا. نادره وراغب في غرفة، وود في غرفة، وأسامة نام في الصالة.
نادره لجوزها: "وهلا نصف سعيك راح بسبب إنه حكيم طلع مزوج. وانت اللي جايي طول الطريق تدعي إنه يكون لأولادك نصيب من نسل صديقك وما رضيت إنه تزوج ورد بالشام وحلفت بشواربك إنه ما بيتزوجها غير لابنه لجاهين. كيف فينا هلا بعد ما وقفت بطريق قسمة البنت وأجلت زواجها كل هاد بسبب شي بعلم الغيب؟"
راغب: "آآآخ يا نادره بس آآآخ. والله لو تعرفي اديشني مقهور مشان ما جيت بكير وأخدت هاد الشب لمعدل الأبضااي لبنيتي ورد. والله طالع من عيوني."
نادره: "هو إني معك إنه الشيخ حكيم ما في منه، بس يعني خلاص راغب حبيبي هاد نصيب وما حدا بياخد أكتر من نصيبه. خلينا هلا بقاسم، تفتكر راح يرضى بغالية بنته لرفيقك؟"
راغب: "وليش ما بيرضى؟ شو بها المستورة لحتى ما بيرضى فيها؟"
نادره: "ما بيها شي بنية معدلة وكل شي بس يعني… هي أرملة مانها بنت."
راغب: "أي وشو عليه. وإذا أرملة يعني هاد الشي ما بيعيبها بنوب."
نادره: "بعرف عيني بعرف، بس يعني قولت أسامة ممكن يعترض ع هيك وضع ويقول ما بدي غير بنت بيوت وصراحة بيكون كل الحق معه وما ينلام بنوب. نفسية هاي حجى والزواج ما بينفع إلا إذا تم بالتراضي ما بينفع بالغصب منوب."
راغب بتفكير: "معلش خليني أفتحه بالموضوع وناخد ونعطي مع بعضنا ويصير خير. المهم هلا نامي كتير اتأخر الوقت. بدنا نفيء بكرة بكير وما نعطل الناس عن مصالحها وأشغالها وهي بانتظار فيئتنا. وسمعيني زين نادره ها. بدي ياكي انتي وبنتك من بكرة تبلشوا تمدوا إيدكم بشغل البيت مع الجماعة. ما بدي تقعدوا بلا شغلة ولا عملة والمستورات يشيلوا ويحطوا قدامكن وانتوا بس تاكلوا وتشربوا. بدي ياكن خفاف على الخلق ما بدي حد يستثقلن."
نادره: "أي مو تكرم عينك من بكرة راح نتشارك معهن شغل البيت والطبخ والنفخ، لا تعتل هم ابن عمي."
راغب: "أي الله يرضى عليكي هيك بدي ياكي معدلة. تعي لهون تعي كتير اشتقتلك يا ياسمينة الشام."
نادره ابتسمت وهي بتقرب منه: "ربي يديمك فوق راسي ولا يحرمني منك يا حق."
***
تاني يوم الصبح، حكيم صحي بدري وابتدا يلبس ويستعد عشان ينزل.
جمارة فتحت عينيها واتعدلت نص عدلة وبصت من قزاز الشباك وهي بتتاوب: "حكيم إيه اللي مصحيك بدري أكده؟ دانتا ملحقتش تنام!"
حكيم راح جنبها واتكلم وهو بيلبس في الشراب: "معلش أصلي النهارده رايح مع بشندي السوق عشان أجيب قِلس غنم عشان أوفي النذر اللي نذرته لسلامتك. ويادوبك عشان بعد ما يقضوا أيامهم أذبحهم. بصراحة كنت ناوي أجيبهم وأسافر وبعد ما أرجع أذبحهم، لكن دلوقتي بيها وبلاها قاعد وأجلت سفري عشان الحاج راضي وجماعته. وأهو بالمرة يحضر معانا الختمة وليلة الذكر اللي هعملها بعد كام يوم."
جمارة وهي بتعدل في شعرها: "طب وليه بعد كام يوم ما تجيب وتدبح الفدو طوالي ليه تستنى أيام؟"
حكيم: "عشان الشبهة يا جمارة. أحسن تكون البهايم راعية ولحومها تكون لحوم جلالة من اللي نهى الرسول عن أكلها."
جمارة باستغراب: "عليه الصلاة والسلام. طب بس فهمني معناه إيه الحديث ده؟ هو فيه لحم غنم منهي عن وأكله؟"
حكيم: "أيوه أمّال إيه يا جمارة. لحم غنم ولحم مواشي. ولحوم وألبان كل حاجة بتأكل وتعيش من الزبالة ومتربية على زبالة الشوارع دا اسمه جلالة ومنهي عن أكل لحمها وشرب لبنها. والحديث ده كمان ينطبق على الطيور ولحمها. وقد ورد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال { : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن لحوم الحمر الأهلية ، وعن الجلالة عن ركوبها وأكل لحومها } . رواه أحمد والنسائي وأبو داود )."
جمارة: "ياسنة سوخة يا ولاد! داحنا زمان فروجنا كنا دايما نطلقه بره البيت ويفضل ياكل من الكولة ويبشك في الزبالة وياكل وكنا ندبحه وناكله البيض بتاعه!"
حكيم: "أهو دي منهي عنها وأكل بيضه ولحمه حرام عشان لحوم جلالة."
جمارة: "ياباوي! كيف دي طيب دي يبقى كل اللحمة اللي بناكلها حرام على كده. مهو يعني الجزارين هيدوروا في البهايم اللي بيدبحوها لحمها جلالة ولا له؟"
حكيم: "والله يا جمارة دا حاجة ترجع لذمة الجزار عاد. والحلال بيّن والحرام بيّن."
جمارة: "طب وهو الجزار هيعمل إيه ويعرف كيف؟"
حكيم: "يتحرى ذبيحته ومصدر أكلها ويسأل أصحابها زين قبل ما يشتريها."
جمارة: "طب وبهايم الجلالة دي كلها تترمى على كده!"
حكيم: "واه! تترمى كيف يا قزينة. دا البيوت كلها تتخرب على كده. هي بس لازم قبل الذبح تتعزل مدة في مطرح نضيف وتاكل وتشرب نضيف لحد ما جسمها يتخلص من الوساخة وينضف وحتى لحمها ينضف وينقى. وكل حيوان له عدد أيام معينة لازم ياخدها قبل الذبح وحتى الطيور. وعشان كده إني أشتري البهيمة قبل معاد ذبحها بمدة كافية من عشرة لعشرين يوم لشهر على حسب نوعها والمده المشترطة ليها والمده قابلة للزيادة كمان، لكن مش للنقصان."
جمارة بتفهم: "امممم. طب وليه ما تعرفش الكلام دي لكل الناس يا شيخ وتخلي إمام الجامع يخطب بيه خطبة جمعة."
حكيم: "قولت كتير يا جمارة وكل الناس عارفاه."
جمارة: "له والله ما كل الناس عندك إني وأمي مثلاً ما عارفينوشي وأول مرة أسمع الحديث دي منك دلوقتي."
حكيم: "طيب يا ستي حاضر عشان خاطرك انتي وأمك والناس المعارفاشي كيفكم. إني بنفسي هخطب الجمعة الجاية في الجامع وأنبه الناس للحتة دي. هاه هتسألي في حاجة تانية قبل ما أمشي؟"
جمارة: "له بكفيني اللي عرفته النهارده دي. خليني كل يوم أعرف حاجة، مش كله نوبة واحدة عقلي ما يتحملوش."
حكيم ابتسم وقام لما خلص لبس الشراب: "طاب الحمد لله عشان إني كمان لو فضلت تسألي وأجاوبك مش نازل في يومي، وإني عاوز ألحق أروح وأعاود قبل ما ضيوفي يصحوا وميلقونيش حاضر في ضيافتهم. عاودي انتي انعسيلي هبابة."
جمارة: "له هنزل أفطرك قبل ما تطلع."
حكيم: "له هتتأخر لو فطرت. هفطر لما أعاود. يلا عاد عاودي للنوم عشان تصحي فايقة ورايقة أكده عشان تحضري فطور زين لضيوفك يا مرت الشيخ."
جمارة: "من عيوني يا شيخ قلبي."
حكيم ابتسم لها وميل طبع بوسة على جبينها ونومها بيده تاني في فراشها بالراحة وشد عليها الغطا وطبطب عليها وطلع ورد باب الأوضة وراه. وهي مسكت أطراف الغطا شدته عليها وهي مبتسمة وعتتقلب على جنبها وتغمض عينيها وتعاود للنوم من تاني.
حكيم راح السوق هو وبشندي واشترى القِلس (حبل واحد مربوط به عدة خراف يتراوح عددهم ما بين 10 إلى 30 خروف فما أكثر كلهم حجم واحد تقريبًا وكل حبل يجمع الخراف المتشابهة في الحجم والمواصفات) وعاود بيهم هو وبشندي. وبشندي راح بيهم على الإسطبل حطهم في مطرح منعزل ووصى عليهم السايس ميطلعهمش من مطرحهم واصل وقاله إنه هيبعت لهم واحد يسّبحهم وهو يبقى يساعده فيهم. والسايس وافق طوالي.
أما حكيم ففي الأثناء دي كان واقف مع الرجالة وعطى واحد فيهم فلوس يجيب أكل وعلف للخرفان ويوديهم الإسطبل وشيله مسؤولية أكلهم وشربهم كل يوم. وطبعًا دي بأجر إضافي غير أجر شغله. وفضل حكيم واقف هبابة مع الرجالة يوصيهم يدبحوا خروف من الخرفان القدام اللي حداه ويطيبوه النهارده للضيوف كيف مبارح ويقوموا باللازم. واتحركوا من قباله ينفذوا طوالي.
أما بشندي ففي الأثناء دي كان وصل باب السرايا ونده بصوت عالي: "يا سخاوي! بت يا يا سخاوي قومتي من النوم ولا لسه؟"
وفورًا جات له عيشة من جوه: "أيوه يابشندي صحيت من بدري. صباح الخير عليك."
بشندي ابتسم بانشراح أول ما شافها: "صباح الورد والياسمين على أم عيون زرق وحلوين. كيفك وكيف ولدي سخاوي على حسك."
عيشة: "طمن بالك إحنا الاتنين حلوين وزي الفل. بس بالله عليك بلاش اسم سخاوي دي حساها تقيلة ومبالغ فيها. سميه اسم تاني غير سخاوي الله لا يسيئك."
بشندي: "الواد ما هيتسمى غير سخاوي وأي كلمة زيادة هكسر خشمك. مالك انتي ومال ولدي واسمه إيه خصك انتي؟"
عيشة: "واه يابشندي كيف دي مش أمه عاد وهو ولدي ولا إيه!"
بشندي: "بصي يا بت الناس عشان دي خصم الحديث. الواد اللي في بطنك دي ولدي إني لحالي وإني حر التصرف في كل أموره، ومتقعديش تقولي أمه ومش أمه، عشان إني لو اتجوزت أي واحدة غيرك كانت هتبقى أمّه برضك بس إني اخترتك انتي عشان تخلفيهولي. يعني إني اللي خليتك أم لولدي فاهمة. وانتي ماعون شايل الواد وبس. تقولي يمين تقولي شمال هدشملك دشميل. أسميه سخاوي أسميه خراوي متفتحيش خاشمك تسكتي وتربيه من سكات."
عيشة هزت دماغها بقلة حيلة من بشندي اللي ما ياخدش منها حق ولا باطل. وبعدها قالت له: "فطرت في السوق ولا أحضر لك فطور."
بشندي: "له مفطرتش. خشي حضري."
عيشة اتحركت ووقفت لما نده عليها: "خدي يابه صح. عاودي تاني اهنه."
عيشة رجعت وقفت قباله تاني وهو اتلفت حواليه وميل عليها يوصيها بهمس: "قولك إيه أوعدك تباني على الرجالة الشوامي اللي في السرايا دوله. عايزاك طول الوقت اللي هما فيه في السرايا يالابسة في أوضة يا مقنبرة في المطبخ. ولا أقولك همي بينا على دارنا بتك بقت كيف النسناس تعت نطط وانتي معادلكيش لزوم اهنه تاني وبكفايانا ليلتين بايتين بعاد عن بعض. شربت نفسك يا بت المحروق وطول ما انتي بعيدة عني هقعد أتقلب طول الليل معايا جيني نوم غير في صبح.
عيشة: "له يابشندي عيب عشان الضيوف اللي حداهم كيف أهملهم لحالهم يقولوا هربات لما لقيت حدانا ضيوف عشان متساعديش في الخدمة!"
بشندي: "له متخافيش محدش هيقول حاجة. كله خابر إنك حبلى ولازمك راحة. يلا همي هاتي الملس بتاعك خلينا نفطر في بيتنا لحالنا وعلى راحتنا." وغمز لها.
عيشة ابتسمت واتحركت من قدامه دخلت السرايا ادت خبر لتماضر إنها مروحة بيتها وهتبقى تعاود لهم بكرة ولا بعد بكرة. وقالت لجمارة كمان اللي كانت واقفة في المطبخ تحضر الفطور اللي وصاها عليه حكيم. وجمارة قالت لها تاخد راحتها ورحبت في الفكرة عشان أمها ترتاح في بيتها عشان تعبت اليومين اللي فاتوا معاها وف البيت مع زبيدة وغالية.
عيشة وخدت الملس بتاعها ولبسته وطلعت لبشندي اللي كان واقف مستنيها على أحرم من الجمر.
بشندي مشي قدام عيشة وهي وراه. وحكيم كان داخل السرايا ووعيه ووقفته وحدته بصدمة: "هتهملني النهارده وتروح يابشندي ياك!"
بشندي: "أيوه مروح فيه مانع ولا إيه."
حكيم: "حديث إيه ده!"
بشندي: "حديثي إني… وبعدين إني مش برضعك ع الصبح عايز مني إيه تاني؟"
حكيم باحراج من عيشة اللي غطت وشها بطرف شالها تداري ضحكتها: "طب غور يابشندي… يشندلك على قول ناس. تروحلك ساعتين وتعاود تاني قوام. أوعدك تتأخر عن ساعتين أطخك أول ما أشوفك."
بشندي: "أيوه مني واخده بالي ماهو لازم بين كل رضعة ورضعة ساعتين مفيش غيرهم. يلا يا د من قدامي ودبر حالك من غيري النهارده. إني النهارده إجازة شوفلك حد غيري."
حكيم: "مش النهارده يابشندي عشان الناس اللي حداانا."
بشندي بزعيق: "له النهارده يا حكيم مليش صالح بالناس إني. وبص لعيشة وزعق: "همي انتي كمان يا بت المركوب واقفة معطلانا."
عيشة: "وااااه؟!"
بشندي شدها من دراعها ومشي بيها بسرعة من قبال حكيم: "همي انتي لسه هتهوهوي عاد."
حكيم وهو واعي بشندي ماشي من قدامه زعق بعلو صوته: "ماشي يابشندي خليك فاكرها دي."
بشندي شوح له بإيده وهو ماشي ولا رد عليه ولا التفت له حتى وكمل طريقه لحد بوابة السرايا وطلع تحت أنظار حكيم اللي هز دماغه بقلة حيلة ودخل بعدها للسرايا.
حكيم دخل السرايا وبص لجمارة لقاها واقفة في المطبخ ملبوخة بتحضير الفطور وريحة الأكل مفحفحة. وراح عليها وأول ما دخل المطبخ أخد نفس يشم الريحة. واتلفت يمين وشمال وقرب عليها طبع بوسة سريعة على خدها لما ملقاش حد وهمسلها: "إيه الروايح الحلوة اللي تجري الريق دي."
جمارة: "عملت مبخية بالسمن البلدي والعسل وعملت شكشوكة وكشك وبيض مدحرج وخلّيت أمي عملت كام وحدة مصفط رهيف على القروانة وهحط جارهم عسل وجبنة قديمة وجبنة خضرا. زين أكده يا شيخي ولا أعمل حاجة تانية؟"
حكيم: "له دا أكده زين قوي قوي. ومسك إيدها وقربها على خشمه وحبها: "تسلم إيدك يا جمارة قلب شيخك." ورفعت راسه.
جمارة: "تسلملي من كل ردي يا حكيم القلب وطبيب الروح."
حكيم بص بطرف عينه وشاف زبيدة داخلة من باب السرايا. ساب إيد جمارة بسرعة واتنحنح وهو بيعدل أطراف شاله: "طب شهلي عاد يا جمارة عشان الناس زماناتها على صحيان دلوقتي. واهي زبيدة جاتلك أهي." ووجه كلامه لزبيدة: "عاد جمارة مرتي بكرت النهارده عنك انتي وغالية وجهزت الأكل كله."
زبيدة: "صباح الخير على عيون الشيخ ومرته المعدلة الشاطرة."
الاتنين في نفس الوقت: "صباح الخير يا خالة."
زبيدة: "إني جيت في معاد كل يوم قلت يمكن الضيوف يكونوا ما يصحوشي بدري وعوايدهم يناموا للضهر كيف ناس البندر. بس مادام هيفطروا بدري من بكرة هتلاقيني جيت قبل ما النور يشقشق زين."
حكيم: "والله يا زبيدة إحنا لساتنا ما عرفناهم شي يصحوا متى بس إحنا نجهز حالنا وهما متى ما يصحوا يصحوا. يلا عاد همي ومدي إيدك مع جمارة وشوفي ناقص إيه." وبص لجمارة: "إني رايح أصبح على أمي وهصحى غالية في طريقي."
جمارة هزت له دماغها وهو اتحرك وعاودت تاني تشوف اللي بتعمله وانضمت لها زبيدة.
حكيم صحى غالية وصبح عليها وراح على أمه صبح عليها وحب إيدها وراسها وقعد جارها يحكيلها عيعمل إيه في السوق واشترى كام خروف وبكام فلوسه. وهي تسمع له وفرحانة بيه عشان هيوفي نذره وكمان هيعمل الختمة في وجود واد اختها وأهله عشان يحضروها. وبين كل كلمة والتانية تجيب سيرة أسامة وتضحك بفرحة عشان قدرت تشوفه قبل ما تموت. ووصت حكيم عليه ياخد باله منه وما يهملهوش لحاله واصل عشان يحب قعدتهم والبلد وما يزهقش ويبقى يعاود لها نوبة تانية. وحكيم طمنها إنه هيعمل أكده من غير ما تقول.
غالية قامت وراحت على المطبخ وصبحت عليهم وقعدت على الكرسي تبتسم وقطعت حتة فطيرة وابتدت تاكل فيها.
جمارة: "خير يا طير الضحكة شاقة الحلق والعقل متوه عالصبح!"
غالية بتوهان: "نفس الحلم يا جمارة. نفس الحلم بس الفرق إني النوبة دي عرفت مين هو فلقة القمر."
جمارة: "ربنا يحقق لك الحلم ويقلبه حقيقة قادر على كل شي. وبعدين طمنيني بالك. ده إشارة وبشارة من ربنا إنه هيراضيكي ويعوض عليكي بإذنه ومشيئته."
غالية بفرحة: "ربنا يسمع منك يا مرت أخوي يا وش الخير انتي. صباحك عسل نحل بشهده يا غالية."
جمارة بضحكة: "صباح الروقان."
***
في الأثناء دي في المشتمل…
راغب واقف جنب السرير وبيصحي في نادره: "نادره فيقي بيكفي نوم شو بك ما شبعتي نوم لهلا شو بيئولوا علينا الخلق بشو موصيتك أنا ها؟"
نادره بكسل: "أي هلا ليكني فيئت. صباح الخير ابن عمي."
راغب وهو بيتوجه ع المراية وابتدا يعدل هدومه: "صباح الخيرات. يلا أم قاسم يلا حركيلي حالك شوية."
نادره وهي بتقوم: "أي ليكني ليكني." وقامت راحت للحمام وشافت أسامة صاحي وقاعد على مصلايته وبيقرا في المصحف المصغر بتاعه اللي ما بيفارقهوش خالص.
وأول ما شاف نادره صدق ورفع دماغه عليها وسبقها بالصباح: "صباح الخير يا أمي كيفك اليوم."
نادره: "يسعد لي صباحك يا أمو أسامة كيفك حبيبي وكيف أصبحت."
أسامة: "بخير يا أمي ونعمة نشكر الله."
نادره: "ربي يديم عليك نعمته ويرضى عليك يا حق." واتوجهت بعدها للحمام وبعد ما طلعت خبطت على أوضة ورد وكلمتها من ورا الباب: "يلا ورد بنتي فيقي حبيبتي ما فينا نتأخر ع الخلق أكتر ويضلوا بلا فطار ناطرين نفيء عيب أمي ما بيصير."
ورد: "أي يامو ليكني فايئة من الصبح راح غير أواعيه تكه وبكون جاهزة."
نادره: "أي يامو بسرعة الله يرضى عليكي."
ورد: "حاضر يامو حاضر."
راغب طلع قعد مع أسامة وأسامة صبح عليه وباس إيده. وشوية وشوية راغب جلى صوته وكلم أسامة بجدية: "أسامة ابني اسمعني منيح. بدي ياك اليوم ترفع عينك وتتطلع ع بنت خالتك غالية."
أسامة بفزع: "لا يا بي شو عم تقول استغفر الله ليش بدي أتطلع ع المستورة؟ ما بيصير يا بي ما بيصير!"
راغب: "لا يا بي بيصير. بدي ياك تتطلعلها بنظرة شرعية وحدة مباحة. نظرة عريس لعروس وإذا عجبتك نتوكل ع الله ونطلبها الك من الشيخ حكيم. بس المستورة أرملة ليكون بعلمك مانها بنت ها."
أسامة: "وشو عليه يا بي. يعني وإذا أرملة هالشى ما بيعيبها للمستورة. أهم شي الأخلاق واخت الشيخ حكيم أكيد ما بيعلى عليها أخلاق أخلاق."
بس والله يا بي اعذرني مابقدر أتطلع عليها عرض هاد يا بي عرض."
راغب بعصبية وصوت عالي نسبيًا: "ابني أولنا مابيها شي مابيها شيييي شرع الله هااااد أوووف!"
أسامة: "خلاص يا بي يصير خير بس لاتعصب حالك راح أتطلع عليها."
راغب: "بس نظرة وحدة أسامة ماتتنيها ولا تعيدها ها."
أسامة: "أمرك يا بي."
راغب: "الله يرضى عليك يا ابني هيك بدي ياك."
شوية وورد طلعت مبدلة وصبح على الكل وراحت على بيها مسكت إيده وباستها وقربتها على جبينها وكررتها مرتين وامها كذلك. واخوها سلمت عليه بضربة خفيفة على كتفه ولبست بوشيتها وطلعوا مع بعض كلهم ع السرايا.
دخلوا نادره وورد الأول وطلعت غالية من المطبخ بسرعة تستقبلهم وتصبح عليهم. ونادره بصت لراغب اللي لسه واقف ع باب السرايا من بره هو وأسامة.
"فوتوا أبو أسامة فوتوا حجى. اتفضلوا. اتفضل يا عمي خُش."
راغب جلى صوته: "يلا يلا." وأسامة زيه. "يلا يلا." (كلمة تقال للتنبيه ع أهل المنزل بدخول الشخص أو خروجه منه).
ودخل الحج راغب وصبح ع غالية ووراه ابنه أسامة اللي صبح عليها زي أبوه. ولأول مرة يرفع عينه من الأرض ويبصلها وابتسم وهو بيسارع بالحركة من قدامها وهمس لنفسه: "استغفر الله."
حكيم سمع صوتهم وخرج لهم بسرعة هو وأمه من الأوضة وصبحوا عليهم وقعدوا معاهم. وابتدت غالية وجمارة ينقلوا الأكل على السفرة. وبعد ما خلصوا ابتدوا يطلعوا بأكل ع أوضة تماضر. لكن وقفهم راغب: "وئفي بنتي وئفي. معليش شيخ بدنا نكسر السفرة كلنا مع بعض اليوم عيلة وحدة. إحنا ما أنا غرب نحنا أهل والمستورات اختك وزوجتك بناتي متل ورد وورد وأمها متل أمك واختك يعني ما فيها شي. وأسامة ابني ما بيرفع عينه من القاع شوفة عينك يعني لا تخاف ابني هدول عرضنا."
حكيم: "له يا عمي له عيبه فحقي الحديث ده. كيف أخاف ع عرضي من أهلي وناسي. هو إني بس كل اللي بيها عامل ع أم أسامة والمحروسة أخته عشان يعرفوا ياكلوا ع راحتهم اكمنهم مبوشين."
راغب: "لا ابني بيعرفوا ياكلوا منيح ماتعتل هم متعودين هما ياكلوا من ورا البوشية أصلاً بالشام عم نطلع ناكل بمطاعم وهنن بيدبروا حالن."
حكيم: "حيث أكده خلاص كلنا نفطروا مع بعض النهارده دا حاجة تفرحني."
وبالفعل الكل قعد ياكل على سفرة وحدة. ونادره وورد ابتدوا ياكلوا بإيد وإيد ترفع النقاب. وحكيم منعا للإحراج ليهم ما رفعش عينه من طبقه نهائي. أما أسامة فغلبته نفسه ورفع عينه لا إراديًا على غالية فنظرة تانية تؤكد له إن الحسن اللي شافه في النظرة الأولى حقيقي.
لكن لسوء حظه أول ما بص لها وطول النظرة أبوه شافه وزعق فيه: "قلنا وحدة ابني وحدة مو هيك مابيصيييير."
الكل بص للحج راغب وأسامة اتكسف وبلع ريقه بتوتر ورجع عينيه ع طبقه. وراغب لما انتبه وطى صوته وكمل: "عم قوله ياكل بيضة وحدة ما يزود مشان كتر البيض على الصبح ما نه منيح هي بيضة وحدة وبس." وكمل بضحكة: "بعرف أسامة إن البيض عجبك بس مابيصير ابني."
أسامة ابتسم بإحراج وكمل أكل. وحكيم بص لأسامة ورفع حاجبه باستغراب عشان حس إن الموضوع مش موضوع بيض بالمرة وكمل أكل وقال لنفسه يمكن دي سيم بينهم ع حاجة هما لحالهم عارفينها.
خلصوا أكل وحكيم أخد أسامة والحج راضي وراح بيهم الإسطبل فرجهم الخيول. والاتنين كانوا هيتجننوا ع جمالها وجمالها وبديع صنع الرحمن فيها. بعدها حكيم أخد عنتر وهما خلى السايس جابلهم فرسين هاديين وركبوا كلهم خيل. حتى أسامة اللي أول مرة يركب خيل وكان خايف بس هدوء الفرسه بتاعته طمنه وخلاه تجربته الأولى لذيذة.
اتمشوا بيهم وراحوا ع الأرض بتاعة حكيم. وراغب كان عارف أرض جد حكيم القديمة ومكانها بس انبهر بالأراضي اللي بقت عند حكيم وإنه بقى مالك زمام بحاله تقريبًا تلات أرباع أرض البلد ملكه. وفضل يكبر في سره ع حكيم لما عرف إن كل دا اشتراه من شغله وشطارته.
رجعوا بعدها ع المندرة وكان وقت الغدا وحكيم أمر الرجالة يجيبوا الغدا واتغدوا سوا. أما الحريم فجمارة قالت له هنطبخلهم فروج ويعملوا محاشي النهارده مش كل يوم لحمة عشان ما يزهقوش.
بعد الفطار على طول غالية وجمارة ابتدوا طبيخ الغدا وانضمت لهم ورد وامها اللي صمموا إنهم يساعدوهم برغم الرفض القاطع من الكل. إلا إنهم أصروا ع المساعدة وبعد جدال طويل استقروا ع إن ورد هي اللي تساعدهم وتفضل معاهم. أما أم أسامة مالهاش دعوة بأي شغل وتكتفي بالقعاد جنب تماضر. وقد كان.
خلصوا الغدا واتغدوا الحريم بدورهم. وورد وامها أُعجبوا بطبخ غالية وجمارة وخصوصًا المحشي من إيد غالية.
نادره: "تسلم دياتك يا غالية الدولمة طالعة غير شكل مو هيك يا أمو؟" وبصت لورد.
ورد: "أي والله يا أمو كتير بتشهي. تسلم هالديات يا حق."
غالية بخجل: "يا جماعة أخجلتم تواضعنا. تسلموا لي كلكم ذوق."
نادره: "عليم الله ما بنجامل واصلاً كل الأكل طيب وشي ناهي بس الدولمة طيبة أكتر شي. تسلم دياتكم حبيباتي."
تماضر: "بالهنا والشفا موطرح ما يسري يمرى يا حبيبتي. وهو يعني وكلنا ياجي إيه جار وكل أهل الشام وحلاته. عايزاكي تبقي تطبخيلنا وكله من أكل الشام الحلو من يدك يا ورد وتعلميها لجمارة عشان تبقي تعملهالنا."
ورد: "أي مو تكرم عينك حجية ع العشا بعملك أطيب أكلة شامية تاكلي أصابعك وراها."
تماضر: "له بلاش ع العشا خليها بكرة اكمن إني ما بتعشاشي. اعمليها بكرة والبنتين يعملوا كام صنف جارها معمر ومحمر ونتغدى كلنا سوا."
نادره: "أي حجية وأنا كمان راح أعمل لك أكلة من دياتي خص نص لإلك كرمال عيونك."
تماضر بسعادة: "ربنا يجبر بخاطركم ويطعمكم من طعام أهل الجنة قادر يا كريم."
نادره وورد في صوت واحد: "آمين يا رب نحن وإياكي حجية."
خلصوا غدا وغالية وجمارة رجعوا المطبخ ومعاهم ورد وغسلوا المواعين ورتبوا كل حاجة. وبعدها عملوا شاي وراحوا قعدوا كلهم مع بعض قعدة ستات لم تخلو من اختبارات نادره لغالية وتفحصها المستمر ليها ولكل حاجة فيها. إلى أن نالت إعجابها تمامًا.
قعدوا شوية وبعدها انسحبت جمارة وراحت لزبيدة المطبخ وابتدوا يجهزوا للعشا. وهملت غالية جار نادره بعد ما حست من بصات نادره لغالية وأسئلتها ليها إنها داخلة ع موضوع جواز. ودعت في قلبها إنه إحساسها يكون صح ويعوض غالية عن كل اللي شافته على يد غازي وبسببه. ويجعل أسامة من نصيبها.
خلصوا تجهيز العشا تقريبًا وانضمت لهم ورد تشوفهم لو عاوزين مساعدة. لكنها لقتهم مخلصين كل حاجة. وبعد أذان العشا بساعة تقريبًا رجع حكيم وراغب وأسامة للسرايا. ونادره وورد أول ما سمعوا صوته اتبوشوا بسرعة.
دخلوا وبعد السلام اتحط العشا وقعدوا يتعشوا الكل مع بعضه. وبعدها قعدوا شوية مع بعض والحج راغب استأذن واخد جماعته وراحوا ع المشتمل يرتاحوا.
وحكيم أخد جمارته وطلعوا أوضتهم. وغالية دخلت أوضتها بعد ما زبيدة دخلت أمها تماضر أوضتها واطمنت عليها.
عند الحج راغب في المشتمل: "أي يا بي شو شفتلي البنية منيحة ماهيك."
أسامة ابتسم بخجل: "أي يا بي ما عليها شي الله يستر عليها."
راغب: "خلاص لكان بأقرب فرصة راح أفتح حكيم بالموضوع ولك مني بيت الساروجه خص نص لإلك هدية جوازك."
أسامة قرب مسك إيد أبوه وباسها: "الله لا يحرمنا منك يا بي ويديمك فوق راسنا."
راغب: "الله يرضى عليك يا بي الله يرضى عليك." وبأيده التانية طبطب ع ضهره بحنان.
***
يوم يجر يوم والحج راغب في سراية الشيخ حكيم معزز مكرم هو وعيلته. وطول الوقت هو وأسامة مع حكيم من السرايا للمندرة للأرض. والحج راغب كل يوم يزيد إعجابه بحكيم عن اليوم اللي قبله. وخصوصًا لما يشوف حكمته في حل الفصول وفض النزاعات ورجاحة عقله ونظرته العميقة للأمور. وبرغم صغر سنه إلا إنه كل يوم يثبت له إن عقله أكبر من عقل راجل ستيني علمته الدنيا كل أسرارها وخباياها.
عدوا 9 أيام وكل يوم راغب ينوي إنه هيفاتح حكيم بخصوص أسامة وأخته غالية. لكنه ميلاقيش فرصة ويأجلها. وآخر حاجة حكيم خبره إنه بكرة عامل ختمة وليلة قرآن وهيوفي نذر عليه وعامل وليمة لأهل البلد. وراغب قرر إنه هيفاتحه ويخطب أخته لابنه منه على مرأى ومسمع من كل أهل البلد عشان يكبر بيها ويفهم الكل إنه هو وابنه شاريين بنت الشيوخ بروحهم ونسب الشيخ حكيم يشرف أي حد حتى لو أخته أرملة.
يومها جه فصل لحكيم. اتنين بيطالب واحد بدين وصاحب الدين مش صابر ع المديون ووصل بيه الحال إنه عايز ياخد عفش بيته كله وسترة عياله قصاد الدين. والراجل المديون نخى الشيخ حكيم يخلصه من المشكلة ويصبر الديان عليه.
حكيم لما نظر في الأمر واتأكد إن المديون ما يقدرشي يسد حتى لو عطاله مهلة وفرصة تانية. اتبرع هو بسد الدين عنه واعتبره زكاة عن أهل بيته. ويومها بعد ما مشت الناس.
الحج راغب قام مرة وحدة وحضن حكيم وخبط ع ضهره وهو بيهتف له: "والله إنك أبضااي وزجرت وما في منك وبينشد بيك الضهر. كفو يا ابن الشيخ جاهين كفو والله."
حكيم بضحكة: "ليه كل دي هو إني عملت إيه لدي كله. دا أقل مشكلة وياريت كل المشاكل تنحل بالفلوس ما كانش حد غلب والله."
راغب: "أي والله ابني صدقت. بس برضو بتضلك أبضااي ربي يحميك ويحرسك لشبابك."
حكيم: "تسلم يا عم وتعيش." وبص لبشندي اللي قاعد بعيد عنهم هبابة وباصص لهم وعمال يقزقز لب ويحط القشر في جيبه: "هاه يابشندي كل حاجة جاهزة لبكرة وتمام."
بشندي: "كله تمام يا شيخ متشغلش بالك بشيء واصل."
راغب: "لا ماتقلق ع بشندي ولا توصي حريص عمي هالبشندي ما بيفوته شي زلمة معدل والله."
بشندي بدون ما يتكلم طبطب ع صدره لراغب علامة امتنان ورفع إيده طبطب ع دماغه بشكر وراغب اتكاله ع عينيه بيأكد له كلامه.
خلص اليوم وجه الليل وبين تجهيز وترتيب وتوضيب عدى الليل والكل كان مشارك في التجهيز لليلة حريم ورجالة.
حكيم وراغب وأسامة قضوا طول الليل بره واقفين ع إيد الناس اللي بتعلق لمض كهربا واللي بتنصب الصوان واللي بيعملوا مسرح من كنب للمداحين. ومع بداية قرآن الفجر الكل توجه للجامع وصلوا الفجر جماعة ورجع. وكان بشندي والرجالة محضرين الخرفان وحكيم قلع جلابيته ومسك سكينة الدبح. واتقدم راجل من الرجالة بأول خروف ونومه وكتف رجليه. وحكيم سمى وكبر ودبحه. وبعده التاني والتالت والرابع الخ. واللى يدبحه ياخدوه الرجالة يصلخوه ويوضبوه.
أسامة لحكيم: "ليه ما بتجيب قصاب يذبح لك؟ ليش تذبح لحالك."
حكيم: "إني بحب الفدو والنذر أدبحه وأجري دمه بيدي فدوة لأهل بيتي وأدفع أذى عنيهم. والأضحية كذلك لازم أدبحها بيدي سنة عن الرسول عليه الصلاة والسلام."
أسامة: "عليه أفضل الصلاة والسلام. بس والله أنا ما بقدر أذبح بنفسي شي كتير صعب ما بتحمله."
حكيم: "مفهاشي حاجة لا يكلف الله نفساً إلا وسعها. اللي نفسك متقدرش تتحمله متغصبهاشي عليه. ودلوقتي انت متقدرش تدبح فهمناها. متقدرش تقطع المدبوح كماني؟"
أسامة: "لا إذا ع هيك بقدر عمي بقدر."
حكيم: "طيب هم شمر عن سواعدك وامسك الساطور واقعد ع القرمة ووريني. دا حاجة رايحة لله واللي هيحط يده فيها ويساعد يكسب ثواب كبير."
وبالفعل أسامة شمر أيديه واتقدم بابتسامة ومسك ساطور وقعد ع قرمة تقطيع. وحكيم بقى يصلخ ويقطع أرباع مع الرجالة ويدو لاسامة واتنين تاني يقطعوها قطع صغيرة.
خلصوا الدبح والصلخ والتقطيع والتوزيع قريب الضهر. وبعدها وضبوا دبايح الليلة وهملوها للرجالة والطباخين يطبخوها. وبشندي فوق راسهم متابع شغلهم. وروحوا ع السرايا حكيم وأسامة وراغب يتسبحوا وياكلولهم لقمة ويريحولهم ساعة وبعدها يصحوا ويستعدوا لليلة.
***
بعد أذان العصر حكيم واقف قدام المراية يلبس وطالع كيف القمر. وراح قعد ع السرير يلبس الشراب والجزمة وبص لجمارة: "هاتيلي الساعة والخاتم الفضة وسبحة يا جمارة."
جمارة راحت ع التسريحة وفتحت الدرج وجابت له ساعته والخاتم الفضة. ومن بين السبح كلها إيدها راحت ع السبحة الدهب خدتها وشمّتها وابتسمت ع ريحتها الطيبة وراحت بيهم عليه.
حطتهم جارة على السرير واتحركت. لكن وقفها حكيم: "تعالي يا جمارة شيلي السبحة دي وهاتي واحدة غيرها عادية."
جمارة باستغراب: "ليه أكده دا أحلى وحدة فيهم كلهم."
حكيم: "أيوه بس دهب أبوها متحرم ع الرجال يا جمارة."
جمارة: "بس انت كنت ماسكها قبل سابق؟ وبعدين دانتا هتمسكها في إيدك مش هتلبسها يبقى حرام كيف؟"
حكيم أخد نفس ورد ع جمارة: "له يا بت قلبي الدهب متحرم ع الراجل حتى مسكته. وبالنسبة إني كنت ماسكها قبل سابق فدي ليه ظرف خاص. عمدة البلد كيف مانتي خابرة ولده الكبير متجوز وربنا مرزقهوش بخلفه 5 سنين بحالهم واتجوز 3 حريم وبرضك مخلفش. اتجوز الرابعة وربك أراد إن مرته الأخيرة تحبل وتخلف له ولد. أكيد سمعتي بيه."
جمارة هزت له دماغها بتأكيد.
حكيم: "من فرحة العمدة وولده دبّحوا الدبايح ووزعوا ع البلد كلها وعزمنا ع ليلة قرآن. ومن باب الفرحة وزع سبح دهب قبلها هدية ع كل كبارات البلد وأنا واحد من ضمنهم. وطبعاً كيف مانتي خابرة اللي يعاود الهدية ولا يرد صاحبها عيبه كيف ومش مقبولة. فعرفنا واصل وتعتبر إهانة للمهادي وعدم تقدير من المهدي إليه. فاضطريت إني أقبلها منه. ويوم ما كنت طالع بيها وريتيها في إيدي كان في اليوم ده الليلة اللي عاملها لولده. وقولت أروح بيها من باب جبر الخواطر. وكيف ما يكون ربك ما أرضيش لليد اللي بتمسك كتابه إنها تمسك سبحة دهب. ويومها اللي ما تسميش حرقك بالشاي والسبحة اتنشكت من إيدي مخابرشي وين وحتى الليلة ما روحتهاش وقضيت يوم اتقلبت فيه ع الجمر من الخوف عليكي والقلق. وحتى لو تاخدي بالك من يومها ما مسكتهاش ولا حطيتها في إيدي واصل."
جمارة: "أيوه صح مش شفتك ماسكتها تاني من يومها. ومسكتها وبصت لها بإعجاب. بس والله خسارة شكلها حلو قوي."
حكيم: "متشوفيش خسارة يا جمارة القلب. بصي خديها ليكي وخليها وسط دهبك. أو بيعيها وبدليها بأي حاجة تانية تعجبك."
جمارة: "واه مش حرام الهدية تتباع يا حكيم!"
حكيم: "له يا جمارة مش حرام تتباع أو حتى تهادى بيها مادام اللي مهادينا بيها ما هيشوفهاشي ولا يتكسر خاطره عليها."
جمارة: "طيب حيث أكده إني هبدلها بغويشتين تعبان نفسي فيهم قوي."
حكيم: "هي ليكي فافعلي بها ماشئتي. ودلوقتي تعالي أشم ريحة جنتي ع الأرض قبل ما أمشي." وقربت جمارة منه وضمه وطبع بوسة ع جبينها ونزل. وهي نزلت وراه وكل واحد فيهم راح يشوف ضيوفه ويكرمهم.
وصل حكيم المندرة وابتدت الناس تهل وابتدى الغدا. رصة تتحط ورصة تتشال لحد ما غدوا الناس كلها. والحديث ده استمر للمغرب.
بعدها خلصوا من موال الغدا وابتدت الليلة والكل قعد يذكر الله والميكروفون عيصدح بمدح النبي والكل فرحان بالأجواء الحلوة لحد ما تل الليل اتقضى والمداحين بطلو والجو هدى وابتدت قعدة سمر بين أهل البلد وحكاوي في أمور البلد وأحوالها.
فجأة وقف راغب وسط الكل ووجه كلامه لأهل البلد وهو عينه بينهم: "إخواني معليش بدي أقول شي." الكل انتبه وسكت.
راغب بص لحكيم وحط إيده ع صدره: "إني بتشرف بنسب الشيخ حكيم ابن رفيقي الشيخ جاهين. وراح أكون من الشاكرين لألله ولأله باقي العمر إذا وافق يعطيني المحروسة أخته عروس لابني ع سنة الله ورسوله."
الكل سكت وبص لحكيم منتظر الجواب. وحكيم وقف مبتسم ومد إيده للحج راغب: "داني اللي ليا الشرف يا عمي ونسبك انت وولدك تاج يزين راسي. بس اسمح لي أسأل صاحبة الشأن ع السنة وكيف ما الشرع أمر وبعد موافقتها اعتبرها بقت مرات ولدك."
راغب شد ع إيد حكيم وطبطب عليها بإيده التانية وأسامة ابتسم بفرحة. أما بشندي فهمس مع نفسه بارتياح: "وادى الفاجر جوزناها وهتغور الشام ونرتاحوا منها وتفجر هناك في الشام براحتها عاد ليناش صالح بيها."
جميع الأطراف فرحت بطلب الحج راغب. أسامة وحكيم اللي متأكد إن أمه وأخته هيطيروا من الفرحة بالخبر. وحتى بشندي.
لكن كلام راغب ما انتهتش لحد هنا وكمل حديثه: "حقك ابني وحقها للمستورة ما قلنا شي. واسمح لي كمان يا شيخ اتجرأ وأهديك هدية من كل قلبي لك وأتمنى تقبلها من عمك راغب وما تردني."
حكيم: "له يا عمي كلام إيه ده إني أردك وما أقبلش هديتك كيف يعني. دا النبي قبل الهدية وقال تهادوا تحابوا. مقبولة كيف ما كانت. ورد الهدية مني مضاعفة بإذن الله تعالى."
راغب: "ألف صلاة عليك يا نبي. إني ما بدي رد لهالهدية ابني. بس بدي محافظة عليها لأنها غالية ع قلبي متل جوهرة وبدي أعطيها للي يصونها. وما بلاقي متلك صاين لجوهرتي وأمين عليها لو لفيت الدنيا كلها. أنا هديتي ليك يا شيخ حكيم المستورة بنتي ورد الشام بدي ياها تكون لك مرة ع سنة الله ورسوله وزواجك ببنتي يزيدني شرف ونسبك يزيدني فخر يا ولد الشيخ جاهين وحامل كتاب الله."
حكيم من الصدمة مبقاش عارف يتكلم وبص لبشندي باستنجاد. وبشندي ضرب ع دماغه بإيديه الاتنين وهمس: "طهبجججججججججججتياريت الشام كانت قفلت بوابتها ع نصك ياراجب قسمته نصين قبل ما تطلع منها يا ولد المحروق انت غفلتها ع الشيخ غفليق."
رواية جمارة (بين العشق والقسوة الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم ريناد يوسف
حكيم واقف ومبلم كيف ما تكون حلة ميه ساقعة اتكبت عليه ومعرفش يقول إيه. أي رد بالرفض أو بالقبول بالنسبة ليه هو الموت بعينه. بص حواليه لقى العيون عليه كلها والناس مستنظرة جوابه على حديث الحج راغب.
الصمت استمر لثواني عدت على الكل سنين. وحكيم واقف بين نارين، كل واحدة فيهم أشد من التانية، والمطلوب منه يختار ما بينهم.
راغب ابتدت ملامحه تتغير للخزلان وهمهمات الناس ابتدت تعلى. وحكيم بص لبشندى شافه حاطط إيديه على راسه بصدمة أكبر من صدمته هو ذات نفسه، وباصصله بقلة حيلة كنه بيقوله: "مينفعش حد يحلها غيرك".
حكيم أخد نفس وابتسم بقهر في وش راغب وأومأله بدماغه لمجرد إنه يطلع من الموقف هو والحج راغب ويحفظ ماء وجه راغب وكرامة بنته قدام أهل البلد كلها.
"هدية مقبولة يا عمي."
وهنا راغب أخده في حضنه وابتدت أصوات الناس تعلى بالتهليل: "كفو يا شيخ.. والله كفو.. هو ده شيخنا حكيم اللي ما يرد مهادي ولا يكسر بخاطر".
عاش شيخنا وواد شيخنا.
دقايق عدت على حكيم وهو واقف مطرحه من بعد نطقه بالموافقة. عقله واقف وكل الناس من حواليه اختفت ومبقاش شايف قبال عينيه غير صورة جماره وبس. وقلبه عيرجف على اللي هيجرى فيها وكت ما تعرف، وياترى هتتفهم الظرف اللي اتحط فيه ولا لأ. فضل يلعن في سره في العادات والتقاليد وحتى الظروف اللي حطته في المصيبة دي.
أما بشندى، فخد له زاوية وبقى يخبط على دماغه بإيديه الاتنين وعينه على راغب وخشمه مبطلش حركة. وطبعًا مش محتاجة تفكير اللي هيقوله عشان تلقاه عايشتم في راغب بكل شتايم الدنيا.
بعد مباركات للشيخ وللحج راغب وفرحة راغب وأسامة.. وحكيم اللي من وقت ما نطق الموافقة منطقش بكلمة تانية واصل. الناس ابتدت تنسحب وتعاود ديارها. ووحدة وحدة الناس كلها روحت ومفضلش غير حكيم وبشندى وراغب وأسامة والرجالة اللي بشندى وزعهم على أماكنهم حوالين السرايا.
بشندى قرب من حكيم وقعد جاره ومسك إيده وضغط عليها بمواساة: "بالراحة على نفسك وقوي حالك شوية مش كده يا شيخ.. هتتحل بعون الله متخافش."
حكيم بص له وبص لراغب وأسامة اللي كانوا مشغولين بالحديث مع بعض وهمس له: "جماره هتموت يا بشندى، وأني لو جرى لها حاجة هموت وراها. جمارة مهتتحملش.. والله مهتتحمل". وبص للسما وهمس: "ياترى حكمتك إيه في اللي بيحصل ده يارب.. لله الأمر من قبل ومن بعد."
بشندى مسك دراعه وساعده عشان يقومه يدخله السرايا والكل قام معاه. حكيم أول ما وقف توازنه اختل وسنده بشندى وردد بقهر: "وبعدهالك يا شيخ البلد متجمد أمال! عمري ما نظرت الضعف فيك غير من ساعة ما بت عيشة دخلت قلبك. ملعون أبو الحب اللي يشندل الرجال.. وملعون أبو راغب اللي جاي يفرفر علينا بجناحاته السودة كيف غراب البين."
حكيم: "أي حاجة هتحصل لجماره هكون أنا سببها يا بشندى."
بشندى: "وهو انت بخطرك يعني؟ ما أنت اتحطيت في مغرز ابن كلب ومكانش ينفع تعمل غير كده يا شيخ البلد قبال أهل البلد."
حكيم: "كله بسبب المشيخة اللي من يوم يومها ما واخدتش منها غير العذاب والشقى. مينفعش أهملها المشيخة دي وأرتاح وأريح بالي وأعيش كيف الناس يا بشندى."
بشندى: "وحد ربك واتكل على أمانة حطها بين إيديك عشان لقيت أهل ليها. استعيذ بالله من الشيطان يا ولدي، وهم بينا ريح جتتك شوية."
في أثناء دي راغب كان لسه عيتحدث مع ولده والتفت لحكيم وقرب منه بسرعة وخوف وهو شايف حالته وشايفه مسنود على بشندى وهمس له: "حكيم ابني، شوك ياللي صارلك ليش تعبت فجأة بعد ما كنت منيح وما أحلاك؟"
بشندى بص له بغيظ ورد عليه من بين سنانه بغلب: "معلش اصله صاحب مرض يكون زين ونوبة وحدة يتشندل حاله. من مصغره أكده مرضان يا ولدي. هو انت محدش قلك ياك؟"
راغب: "له له، ألف سلامي عليك يا ابني. بس شو مرضان يا ابني خبرني."
بشندى: "مرضان بكل حاجة. تروق حاجة توجعه حاجة ومعرفينش علته فين."
راغب بأسف: "يا الله، ولا بتستاهل يا شيخ. يلا معلش يا ابني المرض رحمة من رب العباد. ما ع قلبك شر يارب. هات أعطني يدك أعطني أسند عليا. أسامة ابني."
أسامة: "أي يا بي."
راغب: "تعا أسند خيك حكيم معي تعبان شوى. تعا ابني مكان عمك إبشندى رجله مانا منيحة."
أسامة جاله يجري: "أي يا بي ليكني أجيت، أعطني عمي أعطني." وأخد مكان بشندى وهمس لحكيم: "ألف سلامي عليك يا أخي، معلش بتكون تعبت حالك كتير اليوم. معافى يا أخي معافى."
الاتنين مسكوه راغب وابنه أسامة ومشوا بيه للسرايا مسندينه. وبشندى وقف وراهم شوية متابعهم وضرب كف بكف وهز دماغه بغلب وهو عيهمس لنفسه بغيظ: "حطوا الولد تحت باطهم هما الاتنين وعملوا عليه كماشة ولاد المحروق دول. قال ويقولي ابشندى.. روح إلهي ابشندل حالك يا بعيد."
دخلو بيه من باب السرايا وأول ما دخلو كل اللي كانوا قاعدين وقفو. وتماضر شافتهم مسندين حكيم وضربت على صدرها وصرخت بخوف: "ماله ولدي جراله إيه؟"
راغب: "مابي شي حجية لا تخافي تعب شوى بس.. اليوم كان كتير تعب عليه."
جماره كانت في المطبخ وطلعت جرى على صوت تماضر وسمعت كلام راغب وهي بتتقدم من حكيم بخوف وشافته باصصلها وعنيه فيها حاجة مش فاهماها وعيلمعو لمعه غريبة أول مرة تشوفها فيهم. ووقفت مطرحها وهي سامعة راغب: "ورد بنتي اليوم أنا هاديت بيكي الشيخ حكيم وهو قبل لهديه.. يعني الشيخ راح يكون زوجك على سنة الله ورسوله. ارفعي بوشيتك يا بي خلي الشيخ يشوفك بنظرة شرعية مشان يطمن ألبه إني ماهديته بشيء مو منيح. مبارك يا بي."
ورد وأمها الاتنين في نفس واحد بصدمة: "شووووو!"
الكل دخل في حالة ذهول. وفجأة سمعوا دبة على الأرض. وحكيم كان أول واحد اتخلص من إيدين راغب وابنه وجاري على جماره اللي وقعت من طولها وشالها وجرى بيها على أوضة أمه تماضر.
حالة هرج ومرج حصلت. وعيشة فضلت تصرخ على جماره وتندب على حظ بتها وجريت ورا حكيم على أوضة تماضر ودخلت معاه. وبعدها دخلت غالية ونادرة وحتى ورد. وزبيدة جابت ميه وجات وراهم تجري عشان تفوقها بيها. وتماضر بتدفع في الكرسي بتاعها عشان تدخل وراهم. وكل الأصوات تداخلت في بعض. تتكلم فجماره وتنادي عليها وحكيم يهز فيها هو وبيترعش وصرخ نوبة وحدة لما لقاها مع تقومش وهو ملخوم من اللي حواليه معرفش يعملها حاجة: "اطلعوا براااااه.. كله بره. ماعوزاش حد. جاري يله بره بره."
ثواني محدش فيها سمع كلامه. وبالذات عيشة اللي ماسكة إيد بتها عتفرك فيها وتفرك في صدرها وتبكي. لكن الكل اضطر ينفذ ويتحرك لما حكيم وقف مرة وحدة ومسك غالية أخته دفعها لبره بقوة خلاها انضربت في ورد. وبعدها قوم عيشة وكان هيدفعها لولا ما بشندى كان واعي له ورمح عليها لحقها وجرها على بره بالراحة وهو عيقولها: "همليه هو هيصحيها.. هملوهم لحالهم يا ناس شوية. يلا يلا كله يطلع يلا."
الكل طلع وبشندى قفل الباب على حكيم وجماره. ومسك عيشة زين خاف تتخبط وتجرالها حاجة هي واللي في بطنها. وراح بيها على جنب وحكالها كل اللي حصل وهو ماسك إيديها الاتنين. وهي زاد نحيبها مقلش ومقادراش تقول كلمة على الشيخ حكيم عشان اللي حصل مش بيده. بس كل شتيمتها اتحولت على راغب وبنته.
أما تماضر ففضلت على نفس الجملة تكررها طول الوقت وحاطة إيدها على قلبها: "الطف يارب.. لطفك يا لطيف. الطف بيهم يارب."
راغب بإحراج قرب منها: "حجية فيكي تعذريني والله ما كنت بعرف راح يجرى كل هاد. إني بعرف إن عادي التعدد في الزوجات وبالأخص بصعيدنا وبعرف إن عادي الشيخ ينهادي بمرة وتنتين. ما كنت أقصد خراب الله شاهد عليا ولا أقصد أقهرها للمستورة مرته للشيخ بهالشكل."
تماضر هزت له دماغها بتفهم وردت عليه: "خابرة إنك متقصدش يا أبو أسامة. وبالأول ولا آخر اللي حصل حصل واللي رايده ربك هيكون."
دقايق عدت الكل واقف فيها قدام باب الأوضة وسامعين صوت حكيم المرجوف وهو عيصحي في جماره. واللي شوية شوية ابتدا يعلى بعصبية وهو عيرفعها يسندها على صدره ويقولها: "يا جماره قومي خلعتي قلبي عليكي.. جمااااره.. قومي يا بت قلبي والله ماسعيتلها ولا كان بالي فيها وغصب عني حصلت. والله ما تحلى في عيني مرة غيرك ولا نفسي تتدنى عليها ولا مطرحك في قلبي حد يقدر ياخده واصل. جمااااره.. قومي يا بنيتي شوفي قلب قلب شيخك عيفرفط عليكي وقرب يوقف من الخوف كيف."
ومسك إيدها حطها على قلبه وفضل يبوس في وشها في كل مكان ويهمس في ودنها. وفين وفين لما جماره فتحت عينيها ولقت حالها على صدر حكيم. ورفعت عينيها عليه وأول ما رفعتهم سالت منهم الدموع بكسرة ووجع. ونزلت دموعها على قلب حكيم كيف الميه المغلية.
حكيم: "والله ماسعيتلها ولا عمري كنت أفكر فيها واصل. ورطة واتورطتها قبال الخلايق كلها. إني سبق وقولت لك القلب عمره ما يدق لغيرك ولا العين تشوف غيرك ولا النفس هتتدنى لسواكي يا جمرة القلب وجمارته."
جماره مردتش على حكيم ولا نطقت بحرف. وكل اللي عملته إنها بعدت عينيها عنه. وهو فضل يهدي فيها وكل كلمة بضمة وبوسة. وهي برضه على نفس الوضع ساكتة. ودي اللي خوف حكيم عليها فوق الخوف خوف عشان خابر زين إنها لما هتتحدث وتصرخ هتفضفض عن روحها شوية بدل ما تكتم في نفسها.
آخر ما تعب من الحديث ضمها عليه قوي ودفن دماغه في رقبتها. وبعدها حست بحاجة دافية على رقبتها وعرفت إنها دموعه. لكن حتى دموعه مشفعتلوش حداها. وهو هيجبلها ضرة تقاسمها فيه ورضي بيها حتى لو غصب عنه.
في الأثناء دي كل اللي كان واقف بره باب الأوضة كان سامع كل حاجة بوضوح. وورد بصت لأبوها بعتب وهمست له: "ليش هيك يا بي لييش." وسابته وطلعت من السرايا وهي مهضومي. وبعدها أمه قربت على راغب وهمست له وهي عتهز دماغها: "غلطت حجى.. والله غلطت غلط كبير." وسابته وراحت ورا ورد بنتها.
أما أسامة فقرب من أبوه وحط إيده على كتفه بمواساة وهو شايفه واقف وملامحه كلها ندم وهمس له: "معلش يا بي الغلط بيتصلح. حل الشيخ من كلمته واسحب لهديه ودار ما دخلك شر. وبيكفي إنه الزلمة ما خذلك قبال الخلق وصغرك ورفض لهديه. حلها يا بي حلها الله يرضى عليك المخلوقة راح تروح فيها." وسابه وطلع من السرايا على الجنينة بضيق.
أما الحج راغب ففضل واقف بره باب الأوضة رايح جاي بقلق ومكتف إيديه ورا ضهره. ولما شاف إن صوت حكيم اختفى القلق أكل قلبه لتكون مرته للشيخ جرى لها حاجة. اتوجه على الباب وخبط عليه.
حكيم: "محدش يدخل قولت. كلهم خليكم بره."
راغب: "هذا أنا ابني فيني فوت معلش بدي أحكي مع المستورة كلمتين إذا فاقت."
حكيم بعصبية: "مش دلوقتي يا عمي هي دلوقتي لاسامعة ولا ناطقة ولا في الدنيا واصل."
راغب: "معلش يا ابني خليني أحاول أحكي معاك بلكي حالتها تتحسن."
حكيم مردش عليه. وراغب أخد نفس وفتح الباب ودخل. وكان حكيم مسح دموعه وبيلملم في جماره ويعدل طرحتها على دماغها. وراغب دخل وعينه في الأرض.
راغب: "سامحني يا ابني بعرضي ما بعرف راح يصير هيك. نحنا طول عمرنا بالصعيد التعداد شي عادي والرجال بيتزوج مرة واتنين وثلاث. ما بعرف إنها راح تكون صعبة هالأد على المستورة. سامحني أنا سحبتها لهديتي وانت في حل من كلمتك اللي عطيتها إلي قدام الخلق. وانتِ بنتي سامحيني والله ما كان قصدي كل هاد يصير معك."
حكيم أخد نفس عميق وظهرة ارتياح: "والله يا عمي أنا اتشرف بنسبك وبجوازي بنيتك بس لو كانت جات قبل جماره وقبل مالقلب يتعلق والروح تميل. لكن دلوقتي انت واعي حال مرتي دي؟ اهو أنا لو اتجوزت وحدة غيرها حالي هيفوق حالها وكسرتي هتعلى على كسرتها. سامحني واعذرني. وبالنسبة لموضوع أسامة وغالية فانت في حل من خطبتك برضو واعتبرني مسمعتش حاجة ونقولوا ما حصلش نصيب وخلاص على كده."
راغب: "لا يا ابني لا.. لتكون مفكرني رابط زواج المستورة بنتي منك بزواج ابني من المحروسة أختك. لا يا ابني هاد غير هاد. غالية وأسامة موضوع منتهي وزواجهم ما في منه رجعة. ابني أنا كل اللي كنت أقصد من زواج أولادي منكم إني أأمن عليهم مع ناس تصونهم وتأدرهم وتخاف الله فيهن سواء كنت انت ولا المحروسة أختك. ابني أنا فوتت الشام ببناتها برجالها وجيت لهون لأزوج أولادي بمصر ومن أولاد الشيخ جاهين خص نص. أي يا ابني جيت لأتخير لنطف أولادي ومشان العرق دساس. مالقيت أحسن من نسل شيخ مرته بنت شيخ وأم شيخ وربيانة على كلام الله وسنة رسوله. أنا عن نفسي تزوجت أختها وأشهد إن ما في مرة بالدنيا تعادل تربات الشيخ بيها ومستعد أقول هالحكي قدام الدنيا كلها ما يهمني شي. فيا ابني سامحني على اللي بدر مني وما كنت بعرف عواقبه. والله أنا كنت بخاوي ابني بيك وعم أصون بنتي ما أكثر ولا أقل."
حكيم مسح وشه وابتسم: "خلاص يا عمي محصولش حاجة. وإن كان عالسماح إني اللي بطلب منك السماح عشان خيبت سعيك لنسب الشيخ جاهين غصب عني."
راغب: "لا يا ابني ما ضاع السعي وراح آخد المحروسة أختك نور وبركة لبيتي وبيت ابني من نسل جاهين وبيكفي عليا هيك. وهلأ تصبحوا على خير وما تأخذوني." وبص لجماره: "حقك على راسي يا بنتي. قومي يا بي ما ع قلبك شر إن شاء الله." وسابهم وطلع. ورد الباب وراه. وراح وقف قصاد تماضر: "خلاص حجية ما في زواج من حكيم وبنتي ورد. بس فيه زواج لأبني أسامة من غالية بنتك وراح آخد من أبناء جاهين يعني راح آخد." وبص لغالية وابتسم: "وهالموضوع ما فيو رفض ولا نقاش ها." وسابهم وطلع فوراً.
وتماضر بصت بفرحة على غالية اللي كانت ساندة على الحيطة وعتوقع وعتحاول تسند على حاجة جنبها. ملاقياشي لغاية ما رست على الأرض وملامحها مصدومة ومش مستوعبة بالضبط كيف ما يكون واحد سمع آخر حاجة في الدنيا كان متوقع إنها توحصول.
أما في الأثناء دي فالمشتمل ورد قلعت بوشيتها وفضلت رايحة جاية بعصبية. وأمها تهدى فيها: "هدّي حالك شوية يا أمو مو هيك راح تنجلطي."
ورد: "ليش هيك يا أمو ليش؟ شو بني أنا لحتى أبوي يعطيني هدية لزلمة مزواج وما بده ياني ليش يا أمو ليش! والله ما حبيتها منه بنوب بنوب." ووقفت حطت وشها بين إيديها وابتدت تبكي.
نادرة: "ورد يا أمو بيك بده مصلحتك. ولو ما إنه شايف الشيخ حكيم أحسن رجال بالدنيا وراح يصونك ويحافظ عليكي ما بيعطيك إياه."
ورد: "يامو متزوج يامو. مابدي رجال متزوج يامو مابدي. ما باخده أنا ماناقصني شي لحتى أتزوج ع ضرة."
نادرة في محاولة منها لإقناع بنتها بحاجة هي مش مقتنعة بيها أصلا ولا موافقة عليها. لكن خلاص هي عارفة إن الموضوع محسوم وأي رفض أو اعتراض لا هيقدم ولا يأخر واللي في دماغ راغب هيتم يعني هيتم. همست لبنتها: "لا يا أمي لا، شو هالحكي هاد؟ لتطلعي أمي اتطلعي للشيخ قديش رجال معدل وابضا وهيبة. ولو ع ذمته ٣ حريمات ما يقفوا بعينك. ولك انتي وردة الشام اللي راح تتربعي جوات قلبه وتخلفيله الصبي الأول وتصيري انتي الشيخة مرت الشيخ وست ستات الحارة كلياتها. سمعي كلام بيك هو بيعرفلك الخير وين ومع مين راح تشوفي الهنا."
ورد: "والله ما بيهمني كل هالحكي وما راح أرضى عن جوازي ع ضرة لو شو ما كان. وحتى لو اتزوجته راح تصير عملة أبوي هاي حسرة بقلبي لآخر العمر."
وهنا دخل راغب وصوته سبق صوت نادرة في الرد على بنته: "لا يا بي ما راح يضل بقلبك شي. أنا هلا نهيت الموضوع مع الشيخ وخلاص ماعاد فيه زواج ولا أي شيء. سامحيني يا بي أنا ما كان بدي غير الخير والسعادة لإلكن وما كنت بعرف إني بعملتي هاي راح أجرح قلوبكم وتشيلوا الحسرة لآخر العمر. حقك ع راسي يا بنتي."
ورد جريت بسرعة على أبوها ومسكت إيده باستها وردت عليه بسرعة: "سامحني يا بي ما بقصد بس والله من حرقة قلبي ما تحملت كلامه للشيخ حكيم وكيف إنه انجبَر فيني. صعبة يا بي والله كتير صعبة حسيت حالي رخيصة."
راغب هز دماغه لبنته وأخدها في حضنه وباس دماغها بحنان: "معلش يا بنتي هيدي غلطتي أنا. وبدك تعرفي إنك انتي واخوكي وإمك أغلى عندي من كنوز الدنيا كلها وما انتوا رخاص بنوب يا بنتي بنوب."
نادرة بفرحة: "الله يحفظك النا يا ابن عمي ويديمك فوق راسنا يا حأ. أي هلا فرحتنا كلنا ربي يفرح ألبه."
********************
أما في السرايا. زبيدة عمالة تهز في غالية وتكلم فيها. وغالية بس بتشاور بصبعها مرة على برا ومرة على نفسها وتضحك. وتماضر عمالة تضرب كف بكف على بتها وهي عتكلم زبيدة: "طوسي وشها شوية ميه يا زبيدة. قومي البت عقلها اتلحس وعلقت يا مرة."
زبيدة قامت جابت كباية ميه وابتدت ترش على وش غالية. وبرضو غالية على حالها. وكل ما ترش غالية تزيد في الضحك. وتماضر تقول: "يا جورى بتي اتهوّست."
بشندى كان قاعد جنب عيشة وساب إيدها بعد ما هديت لما سمعت كلام راغب وإنه رجع في الجوازة. ومتابع غالية وحالها وقام مرة وحدة دخل المطبخ وملى حلة كبيرة ميه وطلع بيها ووقف فوق راس غالية وبصلها: "وقام كب حلة الميه كلها على غالية خلاها قامت تصرخ من الرعشة وتنفض في خلجاتها." وبص لزبيدة وقال لها: "أكده عيفوقوا الفواجر."
غالية بغضب: "ما عاديني ليه أنت يا عم بشندى؟ قول لي عملت لك إيه أنا عشان في الطالعة والنازلة تشتم فيا وتقول لي فاجر. اديني مهملكم خالص ورايحة الشام عشان ترتاحوا مني وأرتاح منيكم. آهه." واتحركت من قباله وهي عتنشك ودخلت أوضتها ورزعت الباب.
وبشندى لما عملت كده حدفها بصوت عالى: "وما عاوزانيش أقول لك يا فاجر؟ طب دانتي فوتت الفجر شوية. غورى ع الشام يا اختي على لون الواد أسامة صعبان عليا يا ولدي هياخدله واحدة فاجر بعين بيضة."
عيشة قربت من بشندى وزغدته بكوعها وهي عتبصله على تماضر عشان يبطل شتيمة في بتها قدامها. وهو بص لتماضر ورجع بص لها: "وإيه يعني ما أخافش أنا. خدي دخلي الحلة دي ويلا بينا على بيتنا نتخمد لنا شوية. الواحد اتشندل شندلة النهارده."
عيشة مدت إيدها على الحلة وردت عليه: "طيب بس هدخل أطمن على بتي الأول."
بشندى بص للأرض ولم إيده بالحلة: "طب روحي انتي شوفي بتك وأني هدخل الحلة لرجلك تزلق وتموتيلي سخاوي."
عيشة فوراً راحت على بتها وخبطت على الباب ودخلت. وبشندى ولسه هيتحرك يدخل الحلة لكنه وقف وبص لزبيدة اللي واقفة جنبها: "ما تاخدي تدخلي الحلة يا ولية بدالي. يعني شيفاني رايح المطبخ أودي الحلة وإنتي واقفة خيال مقات تتفرجي. أصبل لك المواعين جوه بالمرة بدالك!"
زبيدة وهي عتتلافى من إيده الحلة اللي مدها قدام وشها: "واااه."
بشندى: "شوف الولية هتوهولى."
زبيدة دخلت المطبخ وبشندى خد نفسه وراح قعد يستنى عيشة. وتماضر بصت عليها وغصب عنها ضحكت.
بشندى: "اضحكي يا اختي انتي التانية متضحكيش ليه. انتي خلفتي وبشندى اتبلى بعيالك."
تماضر: "ربنا يخليك ليهم يا بشندى. ما هم دول أمانة جاهين في رقبتك وانت الحق لله صونت الأمانة وما فرطتش فيها واصل."
بشندى: "هعمل إيه نصيبي. أخ بس لو ما كنت بحب حكيم كان زماني هاجج من وجع القلب ده من زمان. بس قلبي ابن كلب عشاق."
تماضر ضحكت وهو كمان ابتسم. وشوية وزعق بعلو صوته ضرعها وهو باصص على الأوضة اللي فيها حكيم: "ما يلا يا بت المحروق انتي دخلتي نومتي جارهم ولا إيه؟ كنا مش هنروحوا في ليلتنا الحلوة قوي دي."
يادوبك خلص جملته وشاف عيشة طالعة من الأوضة وعتقفل الباب وراها وهي عتقوله: "أيوه جيت اديني.. جيت يا بختي."
بشندى: "ماله بختك يا بت المركوب انتي؟!!"
عيشة: "حلو بختي وزي العسل هم بينا هم يا بوي." ولَبست الملس واتحركت قدامه وهو قام وراها وهو عيبرطم. وتماضر عتضحك. وبعد مامشوا اتنهدت براحة وبصت لفوق وهمست: "ألف حمد وشكر ليك يا رحيم يا حلال العقد." ومسكت إيد الكرسي ودفعته لم الأوضة. وأول ما وقفت قدامها لقت الباب اتفتح وحكيم واقف قبالها. وابتسملها يطمنها وهو واعيها عتتفاداه عشان تبص على جماره. ودخلها الأوضة ووقفها جنب جماره اللي كانت قاعدة ساكتة وحاطة إيدها على راسها ولساتها دموعها نازلة مبطلتش من ساعتها مهما حكيم حاول يسكتها. وهمس لأمه: "لساتها عالحال دي منطقتش حرف واحد. خايف تكون الرعشة خرستها يا أم حكيم."
تماضر قربت منها أكتر ومسكت إيدها اللي كانت في حجرها بحنان وهمست لها بضحكة: "كل ده يا جماره عشان كان هيتجوز. امال لو كان عملها صح وبصيتي لقيتي ورد عتتغندر في السرايا قبال عينك وحالها من حالك وكل شوية تقول لحكيم.. تؤبر البي.. تشكر آسي.. كنتي عملتي إيه عاد." وتبعتها بضحكة.
جماره ردت عليها بغضب: "عتكيديني أكتر ما أنا متكدة من ولدك يعني ولا إيه؟ طب والله لو كان ده حصل كنت موتها وموت حالي وحتى ولدك ده كنت موتهولك."
تماضر بصت لولدها وبسرعة قالت: "اسم الله عليه وعلى حواليه توفى من خشمك يا قزينة. يلا خدها اديني خليت لك اتحدثت وروحوا على غرفتكم عايزة أرتاح شوية. هبطت قلبي وأنا وعياك جايبينك مسندينك."
حكيم ضحك وشال أمه حطها على سريرها وحب على يدها وراسها. وبعدها راح وقف قبال جماره ومد لها إيده وهي ولت بعيد عنه وابتدت تقوم لحالها. وهو ضحك ومرة وحدة شالها غصب عنها وهي فضلت تفرفط على إيديه عشان ينزلها بس من غير ما تتحدث. وهو برضو فضل شايلها ويضحك ووقف بيها جنب باب الأوضة وقلاها: "اطفي النور."
جماره بصت بعيد ومردتش عليه.
حكيم: "اطفي النور يا بي معرفش أطفيه."
جماره بغيظ: "نزلني واطفيه. أنا مهطفيهوش."
حكيم بضحكة: "واعية يا أمي مرت ولدك عتعصي كلامي كيف ومراضياش تطفيلك النور."
تماضر: "يا بوي هملوني وامشوا. ما عاوزاش منكم تطفولي نور ولا حاجة. خد مرتك وروحوا."
حكيم: "لا هطفيهولك أنا عشان بس تعرفي إن ولدك ما بيغلبش." ولف بظهره للكوبس وميل دماغه ضرب الزرار طفى النور. وجماره ابتسمت ودارت ابتسامتها بأنها دفنت وشها في صدره. وهو ضحك وطلع بره الأوضة ووقف ولفها على الباب: "اقفلي الباب يلا."
جماره: "ما بقفلوش. نزلني واقفليه. ولا هتقفله براسك ده كماني."
حكيم: "طب والله يا جماره لو ما مديتي إيدك وقفلتي الباب لاكون سايبك توقعي عالأرض وقيسي عاد اللي هيجرالك."
جماره بسرعة مدت إيدها وقفتلت الباب بسرعة عشان حكيم حلف وعارفة إنه مش هيرجع في يمينه واصل وهيرميها عالأرض من صح. وهو أول ما عملت كده ضحك ورفعها قربها منه وهو ماشي وهمسلها: "ناس خوافة ما تحتاجيش غير بالعين الحمرا." وجماره بعد حديثه دفنت وشها في صدره وعضته خلت روحه شاغت وهو كتم الألم وجرى بيها على فوق بسرعة عشان يعرف يحاسبها على راحته راح.
تماضر حطت دماغها ونامت وهي تدعي لعيالها براحة البال وإن ربنا يبعد عنهم كل أذى ويكمل فرحة غالية على خير. وحمدت ربها عشان كتب لها أسامة واد أختها نصيب وساقهولها من بلاد الشام عشان يكون عوض لها.
أما غالية فمن ساعة مادخلت الأوضة وغيرت خلجاتها المبلولين وهي واقفة فوق السرير وقافية وعمالة تتحدث مع نفسها: "أي أسامة ابن عمي.. تؤبرني أسامة.. تشكر آسي أسامة.. يا فرحة قلبي بيك يا أسااااامه.. هاتجوز شامي يبوووووي."
رواية جمارة (بين العشق والقسوة الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم ريناد يوسف
النهار طلع وحكيم في أوضته مع جمارة وقاعد على السرير من امبارح. وكل اللي بيعمله إنه باصص لها من أول ما دخلها الأوضة امبارح وحطها في السرير، وهي اتلفلفت بالغطا. ومهما يكلم فيها مش راضية ترد عليه ولا تكلمه. ولأول مرة من يوم جوازهم، تديه ضهرها وتنام بعيد عن صدره. وده طير النوم من عينيه وخلّاه فضل صاحي لأذان الفجر.
صحاها عشان تقوم تصلي معاه زي كل يوم، برضو مردتش عليه. قام هو صلى ورجع لمكانه تاني. ولما هو رجع، هي قامت اتوضت وصلت.
حكيم مراقبها وهي بتصلي، وبعد ما خلصت وسلمت، اتكلم بهدوء:
"صلاتك مش مقبولة عشان يكون في معلومك يعني."
جمارة بصت له باستغراب وضيقت حواجبها ومردتش. وهو كمل:
"أيوه مستغربة ليه كده. اللي بتمنع روحها عن جوزها وتزعله منها، معتتقبلهاش عبادة. فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لغير الله، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، والذي نفس محمد بيده، لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها كله، حتى لو سألها نفسها وهي على قتب لم تمنعه. رواه أحمد وابن ماجه وابن حبان عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه وحسنه الألباني."
"يعني معني الحديث إن المرأة لا تؤدي حق ربها حتى تؤدي حق زوجها. ده شوف سبحان الله من تعظيم الأمر وشدة وجوبه. الرسول ضرب مثل بـ إيه؟ بالمرأة اللي على قتب. عارفة القتب دي يا جمارة؟ القتب ده الحاجة اللي بتقعد عليها المرأة وهي بتولد. يعني شوفي الألم والرهبة والخوف والانشغال في الوقت ده اللي بتبقى فيه المرأة. آهو الرسول أمرها لو جوزها ناداها تلبي. شفتي كيف الحديث فيه تشديد بالطاعة."
جمارة:
"بس إني اللي أعرفه إن اللي تبعد عن فرشة جوزها بس هي اللي الملائكة تلعنها للصبح، وإني نمت جارك عشان الملائكة متلعنيش. جبت لي منين الحديث التاني ده كماني؟"
حكيم بضحكة:
"دي حديث شريف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يا قزينة، كيف جبته من وين. وبعدين خدي اهنه، دانتي شقلبتي معنى الحديث خالص. كيف يعني نمت جاري يبقى خلاص! هي المشكلة في النوم ولا إيه. له يا حظي، ده الهجر والمنع والتبويز والتكشير وإدخال الهم على قلب الزوج وإهماله، كل ده يخلي المرأة متتقبلهاش عبادة."
جمارة قامت وقربت منه وقعدت جنبه واتكلمت بهدوء وعينها عليه ورافعة حاجبها:
"طب والكلام ده حتى لو كان جوز واحدة جارحها ودابحها وكاسر نفسها."
حكيم قرب منها وخد إيدها في إيده بحنان ودخل صوابعه بين صوابعها وهمس:
"لو مكانش بخاطره جارحها ولا برضاه دابحها وغصب عنيه كسر خاطرها، يبقى أيوه يا جمارة عليها الكلام ده."
جمارة خدت نفس عميق وزفرته بقهر وغمضت عينيها وردت عليه بألم:
"تعرف إني لحد دلوقتي يا حكيم مش قادرة أبلع حتة إنك كان ممكن تتجوز علي وتجيب لي ضرة عادي كده. برضاك غصب عنيك عاد الفكرة من أساسها واجعاني. كيف حالي كان هيوبقى دلوقتي لو زفت الطين راغب ده مرجعش في كلامه وكنت اتجوزت بنته. والله يا حكيم قلبي لما سمعتها كان تكه وهيوقف. ولولا ما سمعت حديث راغب وإنه بقاها من الجوازة لحتينة رجعت دقاته كيف أول ورجع يعيش من تاني. يا حكيم إني مهما أقول لك ولا أوصف لك، منتاش هتفهمني ولا هتعرف إني حاسة بإيه."
حكيم قرب منها واخدها في حضنه وهمس في ودنها:
"كيف مهفهمكش ولا هعرف إحساسك، وإني عيشته قبلك واتكوّيت بيه. إني يا جمارة أكتر واحد في الدنيا عارفك حاسة بإيه. وشاهد ربي إني ما فكرت في حد غيرك. وقلبي كان عيفرفط من الخوف عليكِ وع اللي هيجرى فيكِ لما تعرفي. طب تصدقي بأيه، إني اللي كان ممكن يجرالي حاجة لو وقفت قدامي مرة غيرك وطالبتني بحقوقها علي. بس الحمد لله ربك عالم بالحال ونجدني قبل ما ينجدك إنتِ."
بعدها عن حضنه وبصلها بشوق:
"يلا عاد حنّي على حكيمك وشيخ قلبك واضحكي ووريني سنانك اللولي، خلي الدنيا تضحك في وشي."
جمارة ابتسمت ونزلت عينيها للأرض ورجعت رفعتهم وقربت منه وهمست له:
"اسمعها مني يا حكيم ومش هقولها تاني. إنتا ليا أنا لحالي وبس. ولو هتدخل مرة غيرك حياتك يبقى بعد موتي."
حكيم بسرعة مد إيده سد خشمها ورد عليها:
"بلاش كلام عفش يا جمارة عالصبح بالله عليكِ. خلينا نبدأ اليوم بالأمل والقرب والفرحة. قربي يا جمارة القلب على حبيبك اللي عمر ما عينه حلت فيهم مرة قبلك ولا هتحلى بعدك. طب بذمتك قلبك مشتاقش لشيخه؟"
جمارة ابتسمت وبسرعة دارت ابتسامتها. وحكيم بمجرد ما شاف الابتسامة كأنه أخد إشارة البدء لإنهاء خصام ليلة عدت عليه كأنها سنة بحالها.
***
حكيم بعد ما استحِمى واقف بيلف عمته قدام المراية وبص لجمارة اللي متكفلة بالغطا ومبيّناش غير بس عينيها. وبص لها:
"إيه يا مرت الشيخ، مناوي شي تقوم تشوف حال ضيوفك وفطورهم النهارده ياك!"
جمارة:
"له عنهم ما فطروا."
حكيم وهو بيتلافى قزازة العطر ولسه هيرش منها ووقف لما سمع كلامها:
"وااه! اتنجمتي يا به ياك! كيف تهملي ضيوفك وضيوف جوزك يا قزينة. عايزاهم يشيلوا في نفسهم ويقولوا مرت حكيم زعلت منينا وياخدوا بعضهم ويعاودوا بلدهم زعلانين ولا إيه."
جمارة من تحت الغطا:
"طب ما أنا صوح زعلانة منهم. القلالات القيمة والتقدير دول. بقا أنا أصحى عشانهم من الفجر كل يوم وأجهز وأحضر وأطبخ وأنفخ وأزغط فيهم. وفي الآخر يقابلوا معروفى إنهم عاوزين ياخدوا جوزي؟ بذمتك ده عمل يعملوه وعاوز نفسي تجيبني كيف أول وأطبخلهم وأعاود أحادي وأدادي فيهم من تاني!"
حكيم قرب منها وشد الغطا من على وشها ومسك إيدها وفضل يمشي صوابعين على ضهر إيدها وهو بيسهلها:
"طب ولو قولت لك عشان خاطر شيخك حبيبك، اتحمليهم الكام يوم القاعدينهم."
جمارة:
"خاطرك على عيني وراسي، بس إني قولت له. حداهم زبيدة وغالية وأمي هتيجي، ودول يسدوا مطرحي."
حكيم وهو بيمشي صوابعينه على طول دراعها:
"كل دول ما يسدوش مطرح مرت الشيخ يا جمارة."
جمارة هزت دماغها برفض:
"مليش صالح."
حكيم وصل بصوابعه لآخر دراعها واتحدى وعينه في عينها:
"جماااارة."
جمارة:
"قلت لك له يعني له. وأوعى هملني."
وحاولت تسحب إيدها منه عشان حست بدغدغة. وهو لما عملت كده بدأ يتمادى بصوابعه لحد ما وصل لرقبتها وبدأ يدغدغها. وهي هنا مستحملتش وبدأت تبعد إيده. وكل ما تحاول تبعده عنيها، هو يتمادى. لحد ما جمارة ضحكت بعدم سيطرة وفقدت كل تحكمها في أطراف جسمها وفضلت تصرخ باسمه. وهو مستمر لحد ما حس إنها تعبت من الضحك. قام مرة وحدة شايل باقي الغطا من عينيها وشالها وطلع بيها بره الأوضة ونزلها قدام الحمام ولفها من كتافها على الحمام وفتح الباب وزقها جواه. ومسك أوكرة الباب وقبل ما يقفله، رفع لها حاجبه وقال لها:
"اصبحي على أمي وأطلع ألاقي مرت الشيخ واقفة في المطبخ بتشرف على كل حاجة بنفسها. مرت الشيخ أكبر من الكره والضغينة يا جمارة، فاهمة."
جمارة مدت بوزها بزعل وهي عملت كده. وهو برقلها وهي قوام حطت إيدها على خشمها وسدت الباب. وهو ضحك عليها وبدأ يعدل خلجاته ونزل.
أثناء ما كان رايح على أوضة أمه، اتفاجأ بغالية واقفة في المطبخ ومبكرة على غير عادة ومشغولة في تحضير الفطور وبتغني مع حالها. حكيم ابتسم لما عرف سبب فرحتها وإنها أكيد عرفت بخطبة أسامة ليها وفرحتها دي دليل على موافقتها اللي كان ناوي يسألها عنها النهارده. فاتها ملهية ومأخدتش بالها ليه، وراح على أوضة أمه صبح عليها وحب إيدها وراسها وقعد جنبها شوية. وبعدها حطها على الكرسي وطلع بيها من الأوضة.
حكيم ماشي بأمه ووقف مرة وحدة وهو واعي جمارة نازلة على السلم ولابسة توب جديد نبيتي مطرز بذهبي ولابسة الطرحة بلون، واللون واكل وشرب مع بياضها ولون عينيها وعاكس لونه على خدودها وملامحها. وهمس بصوت واطي بس وصل مسامع أمه:
"وبعدهالك يا بت عيشة؟"
تماضر بصت لجمارة وابتسمت وبصت لولدها وردت عليه:
"شندلت لك شنديل بت عيشة يا حكيم يا ولدي."
حكيم وهو باصص لجمارته ومبتسم:
"أيوه الله يا أم حكيم. أم العيون الزرق خلت ولدك حاله حال. ادعي لي يا تماضر ربنا يعين قلبي على بلوته ونعمته ونقمته في نفس الوقت."
تماضر بضحكة:
"والله ما عارفة العشق كان مدسوس لك فين يا واد قلبي وطلع في وشك كيف جني لبسك وخلاك مواعيشي دربك. بس الحق يقال جمارة تستاهل العشق يا ولدي."
حكيم ضحك وهو لسه واقف ومتابع جمارته اللي بتتقدم عليهم. ووقفت قبالهم صبحت على تماضر وحبت على إيدها ودماغها. وتماضر همست لها:
"حقه الغيرة فلفتك وخلتك لبستي اللي على الحبل كله النهارده. واعي يا حكيم. آه لو كنت اتجوزت عليها كنت هتشوفها كل يوم عاملة في حالها العجايب كيف النهارده كده."
جمارة ردت عليها بضحكة وبثقة مخلوطة بدلع:
"ميقدرش يعملها أصلاً، مهيلقاشي كيف جمارته لو لف الدنيا بالطول والعرض."
وهملتهم ومشت تتغندر قبال عينين حكيم، خلت عينيه تلمع بالعشق لمع. وهو باصلها ومبينتبه شي لأمه اللي بتحدثه.
حكيم:
"هاه.. بتقولي حاجة يا أمي؟"
تماضر:
"بقول والله وعارفة قدرها ومقدارها زين بت عيشة في قلب الشيخ. سوق يا نضري سوق، بقالي ياما أقول لك اتحرك يا حكيم وانت تايه في الملكوت."
حكيم ضحك بخفة واتحرك بأمه وراح بيها على السفرة. ويادوبك لسه هيقعد سمع صوت الحج راغب بره الباب:
"يالا يالا..."
حكيم بسرعة رد عليه:
"اتفضل يا عمي خش طوالي، كلنا في انتظاركم."
راغب دخل ووراه أسامة بعد ما استأذن زي أبوه. ووراهم نادرة ماسكة دراع ورد اللي مكانتش عايزة تيجي السرايا النهارده خجلاً من جمارة. لكن أبوها وأمها أصروا إنها تتصرف عادي عشان محدش يفتكر إنها زعلانة عشان متجوزتش الشيخ وغيابها يتفهم غلط.
الكل قعد على السفرة مع بعضه. والحج راغب وجماعته واضح عليهم الخجل. وحتى كلام راغب مع حكيم قليل ومعيتكلمشي غير لما حكيم هو اللي يفتح معاه الكلام. أما نادرة وورد غير الصباح على تماضر وعلى الباقي منطقوش وقاعدين منكمشين على نفسهم وبياكلوا من سكات.
غالية طول الوقت عينها على أسامة وأسامة عينه في طبقه مرفعهاش من أول ما قعد. وجمارة واخده بالها ليها. وكل شوية تدكمها في غفلة من حكيم وجمارة تمسح مكان الكدمة. ولا هي هنا ولا حتى تبص لجمارة.
الكل خلص فطار والرجالة قاموا قعدوا في الصالة هما وتماضر ونادرة. أما جمارة وغالية ابتدوا يشيلوا السفرة. وانضمتلهم ورد وفضلت تشيل معاهم من سكات. برغم إن غالية رفضت إنها تشيل معاهم وقالت لها ترتاح، لكن هي أصرت وكملت معاهم شيل السفرة.
راغب بص لحكيم وسأله:
"أي ابني بعرف بالامس ما صح لك تسأل للمستورة اختك وتاخد رأيها بزواجها من أسامة ابني. بس اليوم بدي ياك تسأل وترد لي جواب ابني. مشان إذا وافقت نكتب لكتاب وناخد عروستنا ونتوكل على الله على الشام. أما إذا لا قدر الله ما وافقت بناخد بعضنا ونتوكل على الله نعاود لمصالحنا لمعطلة ابني وكمان إنت تشوف مصالحك كتير عطلت حالك مشانا."
حكيم:
"كلام إيه ده يا عمي. تمشوا كيف ومصالحي إيه اللي متعطلة ده. إني مش على يدك كل يوم بعاشر أرضي ومصالحي وفصول البلد ومشاكلها ومش قاعد على حيلي. يبقى كيف معطلني عاد. قول إنكم انتوا اللي زهقتوا منينا أو إحنا اللي قصرنا في حقكم عاد وعشان كده عاوزين تهملونا قوام قوام وتعاوودوا بلدكم."
راغب بسرعة:
"حاشا لله ابني حاشا لله. شو قصرتوا ما قصرتوا. والله والله ويشهد علي ربي إن لقائك النا وقيامك بواجبنا راح يضله جميل في رقبتي لآخر العمر. وسواء كان لنا نصيب بنسبكم أو ما لنا راح نضل أهل وما بنقطع من بعضنا بنوب بنوب."
تماضر ابتسمت وهي باصة لأسامة وردت على راغب:
"يا حج راغب نقطع من بعض كيف واحنا ما صدقنا لقينا الحبايب. وإن كان على غالية راضية وموافقة وبإذن واحد أحد هتبقى من حد ونصيب وأختي وهو من حدها ونصيبها بإذن الله تعالى."
راغب بفرحة:
"دخيل ربك حجية، أخدتي رأيها. يعني وافقت المخلوقة؟"
تماضر:
"عارفة إنها موافقة وراضية من غير ما أسألها."
حكيم قام وقف على حيله:
"طب وليه نتكهن من غير ما نسأل. ما دي الجمل ودي الجمال. دقايق وأسألها ونعرفوا الجواب."
وهملهم وراح وقف قبال المطبخ نادى على غالية وأخدها في أوضة أمه وسألها توافق بأسامة عريس ليها ولا له. وهي دارت وشها بخجل وابتسمت من ورا الطرحة وطلعت تجري من قدامه. وحكيم بص لها وضحك:
"لكمة تاخدك. عاملة حالها بتتكشف وهي من ساعة ما شافت الواد هتاكله بعنيها وكل."
طلع حكيم وبلغ الكل بموافقة غالية والكل فرح. وحددوا كتب الكتاب بعد 3 أيام. وأخيراً قلب راغب ارتاح لما عرف إنه بقى له نصيب في نسل الشيخ جاهين.
***
غالية قاعدة على الكنبة ولابسة فستان الفرح الأبيض وأسامة قاعد جنبها. والحلم اتحقق وأول مرة تحس بسعادة حقيقية ومش مصدقة نفسها ولا مصدقة اللي هيحصل. وخايفة يكون حلم من أحلامها اللي ياما حلمت بيها. وعشان تصدق إنه حقيقة، كل شوية كانت تضغط بإيدها على صابع من إيدها التانية بقوة عشان تتألم. ولما تحس بالألم تعرف إنه حقيقة مش حلم.
راغب بعد ما كتب كتاب ابنه وارتاح قرر إنهم يسافروا بعد يومين. وهناك يعملوا فرح تاني في الشام وسط أهلهم وأحبابهم.
حكيم واقف بعيد هو وجمارة من بعد ما خلص ليلة أخته غالية وأسامة وذبح وعشى الناس وعمل ليلة كبيرة ما حصلتش. والحريم عملوا هيصة كبيرة في السرايا. ومن بعد ما الكل روح أخيراً سمح لأسامة يدخل يقعد جنب مرته شوية لما السرايا فضيت من الحريم.
نادرة قامت واتقدمت من غالية وفتحت علبة قطيفة وطلعت منها 4 غوايش دهب تقال ولبستهم لغالية:
"هذول مني أنا لكِ كنتي الغالية. مبارك عليكِ حبيبتي. ومبارك عليكِ ابني. ربي يسعدكن ويهنيكن وأشيل بذركن على إيديا يا حجة."
غالية بفرحة:
"تسلمي تعيشي يا خالة ويخليكي لينا."
أسامة وقف وباس إيد نادرة ودماغها:
"تسلميلي يا أمي. بس والله ده كتير!"
نادرة:
"ما في شي كتير عليك وعلى مرتك ابني. إن شاء الله جوازة العمر وتتهني فيها يا حجة."
حكيم بص لجمارة وشاور لها بدماغه وهي فهمت وطلعت فوق جابت علبتين قطيفة، واحدة كبيرة والتانية أصغر منها شوية. كان جابهم حكيم وأداها لهم تشيلهم وقال لها إن فيهم هدية لغالية ولما يقول لها تنزلهم.
جمارة أدته العلبتين وهو أخدهم منها واتقدم على أخته وفتح علبة قدامها وطلع منها سلسلة دهب تقيلة مضفورة خطفت أنظار كل القاعدين ولبسها لأخته. وأداها العلبه اللي كان لسه فيها حلق و4 غوايش تعبان. وبارك لها وباس دماغها وهي حضنته بعيون مدمعة وهمست له:
"تسلمي تعيش ويخليك ليا يا سندي وضهري ورفعة راسي."
حكيم ضمها وطبطب عليها وهي كمان حضنته وبكت بحرقة في حضنه لما جالها إحساس إنها كان حالها هيبقى عامل كيف دلوقتي لو غازي كان موت أخوها في لحظة غباء منها وكانت خسرت كل الحنان والحب ده.
حكيم بعدها عن عينيه وضحك بخفة وهو واعي أسامة باصص لغالية وملامحه مشفقة عليها وعايز يطيب خاطرها بس مستحي وعمال يفرك ومعارفش يعمل إيه.
حكيم همس لغالية:
"خلاص يا به هتقلبيها مناحة ولا إيه. عاودي اقعدي جار جوزك اللي ملاقيش بصارة عليكِ ده."
غالية ضحكت وقعدت جار أسامة وورت له هدية أخوها وهي بتضحك بفرحة. وهو مبتسم على فرحتها وكل شوية يرفع عينه عليها وينزلها تاني كأنه مش مصدق إنها بقت مرته خلاص.
حكيم تقدم بالعلبة التانية ناحية ورد الشام ومدلها إيده بيها. وهي بصت للعلبة وبصت له باستغراب. وهو قال لها:
"ده هدية من أخوكي الكبير حكيم. حاجة مش من قيمتك عشان إنتي قيمتك كبيرة قوي. هتقبلي هدية أخوكي ولا هترديه؟"
ورد بصت لأمها اللي كانت مستغربة زيها. وبعدها بصت لأبوها اللي لقيته مبتسم. وأول ما بصت له هز لها دماغه بموافقة واتكالها على عينيه بيأذن لها تاخدها. وهي مدت إيدها وأخدتها من حكيم وقالت له:
"بشكرك أخى. الله لا يحرمني منك يا حجة."
حكيم ابتسم لها وهز لها دماغه وراح على جمارة اللي كانت واقفة بملامح عادية ومش باين أي حاجة عليها، لا زعل ولا فرح ولا استغراب ولا أي علامة توضح موقفها من هدية حكيم لورد.
شوية وورد وأمها فتحوا هدية الشيخ حكيم لورد. وشافوا فيها سلسلة اخت بتاعت غالية بالظبط. والاتنين بصوا لبعض بتفاجؤ واستغراب. ونادرة مالت على ورد همست لها حاجة وورد ردت عليها وضحكوا هما الاتنين. وبعدها ورد لبست السلسلة وأمها فضلت تعدل فيها بإعجاب. وراغب باصلهم ومبتسم وبص لحكيم شكره بإيماءة من دماغه عشان طيب خاطر ورد وزي ما يكون حس إن كلامه جرحها وكسر خاطرها.
أول ما خفت الهيصة شندي خد عيشة عشان يروحها. وهما في الطريق عيشة حطت إيدها على ضهرها بألم.
شندي زعق لما شافها عملت كده:
"أيوه أمال إيه تلقاكي بركتي بعمرك على الخدمة يا بت المحروق إنتي. خابرك إني خابرك حداكي ضمير قوي."
عيشة:
"له يا أبويا بركة إيه بس. دي ضهري لحاله قافش من امبارح كني خدت طراوة."
شندي:
"خفي لؤم عليا يا عيشة بلا طراوة. إنتي معدتيش تيجي السرايا اهنه تاني واصل. دول كل شوية حداهم عرس وهوسة وإنتي بتنزلي بحيلك على الخدمة ومع بتعمليش حساب لبطنك ولا حبلك ولا مراعية سخاوي واصل. همي قدامي وهتجيبي سيرة السرايا تاني ولا بتك على لسانك لحد ما تولدي أقطع لك لسانك ورجليكي عشان متقدريشي تمشي ولا تطلعي من الدار."
عيشة بصت بعيد ولويت خشمها باعتراض وهي بتعبرطم:
"يا أبويا هيحبسني وإني روحي بتطق من القعدة لحالي ومع أصدق أطلع أقعد جار الناس شوية."
شندي:
"بتعبرطي تقولي إيه سمعيني؟"
عيشة:
"معقولش يا أبويا معقولش. وخشمي قفلته اهه."
وحطت إيدها على خشمها.
راغب خد عياله وراحوا على المشتمل. وغالية راحت على أوضتها. وحكيم فضل هو وأمه وجمارة. وبص لجمارة اللي قاعدة ساكتة وسرحانة من ساعة ما أدى الهدية لورد. ونادى عليها:
"جمارة."
جمارة سرحانة في إيه:
"هاه.. أيوه يا حكيم عاوز حاجة أجيبها لك؟"
حكيم:
"أيوه بقولك قومي اعملي لي كاسة قهوة. دماغي هتفر مني من تعب النهارده ودوشة الناس."
جمارة:
"حاضر."
ودخلت تعمله القهوة.
تماضر:
"مرتك غيرانة يا شيخ."
حكيم:
"له يا أمي مغيرنا شي. هي زعلانة زعل بس معرفشي سببه إيه. على العموم هنطلع أوضتنا ونطلع المدسوس. المهم سيبك من مرتي وقولي لي. مش بزيادة قسوة على اللي ماشية ورايحة آخر البلاد دي وتصالحيها وتبلّي ريقها قبل ما تمشي وتهملك وهي واخدة على خاطرها منكِ."
تماضر:
"إني كنت هطيب خاطرها النهارده لحالي بس لو صبر الكاتل على المقتول. وأخدت نفس طويل وكملت بعد ما زفرته: إني والله كل غرضي إني أخليها تفوق لحالها وتوبقى نبهة وتمشي بعماها ورا قلبها أو ورا أي حد. إني وعيها يا ولدي مش أكتر. لكن لو على المحبة، عليم الله إنكم انتوا الاتنين في معزة واحدة. وإنت عين من عيوني وغالية العين التانية."
حكيم:
"إني عارف يا أمي إنك بتحبيها. ما هي ما في أم تكره ضناها واصل. بس هي خلاص فهمت الدرس واتعلمته وأظن هتفكر ألف مرة في الحاجة قبل ما تعملها."
تماضر هزت دماغها لحكيم بتفهم وموافقة وبصت على جمارة اللي واقفة في المطبخ ومشغولة بعمل القهوة. وأخدت نفس وقالت لحكيم:
"جمارة قلقانة عليها يا حكيم يا ولدي. ما يحبلنا شي وانتوا ممدورين شي، لا إنت ولا هي. إنت ملهي بيها وهي ملهية بيك وضاربين الدنيا بالمركوب. وادي غالية هتهملني والبيت هيفضى عليا وعايز لي أنيس من صلب ولدي يفرح شيبتي وتقر عيني بشوفته قبل ما ربنا ياخد أمانته."
حكيم مسك إيدها وقربها على خشم وحبها وهو بيقول لها:
"العمر الطويل لكِ يا لبة القلب. متقلقيش، إني فكرت في الموضوع ده وعلى بالي والله. وكنت ناوي والنيه لله إني آخدها معايا لما أندل القاهرة النوادي وأكشف لها هناك. بس جيت الجماعة عطّلتني. لكن خلاص بعد ما الجماعة تسافر هاخدها ونروح طوالي."
تماضر:
"ربنا يسدد خطاك يا ولدي ويربح مسعاك وما يحرمك من زينة الحياة الدنيا قادر يا كريم."
حكيم ابتسم لها وطبطب على إيدها اللي كانت لسه في كفه بيده التانية. وسابها لما جمارة وقفت قدامه بالقهوة وخد منها القهوة وبدأ يشرب وهو عينه عليها.
جمارة قعدت شوية جنبهم ساكتة واستأذنت وطلعت أوضتها. وحكيم كمل قهوته قوام قوام وطلع وراها.
واقفة على التسريحة بتخلع في حلقها بعد ما فكت طرحتها وشافت حكيم فتح الباب وقرب عليها وحضنها وحبها في خدها قبل ما يتوجه للدولاب ويرجع بعلبة قطيفة جمارة مشافتهاش قبل كده.
حكيم وقف ورا جمارة وهي بتبص له في المراية وفتح العلبة وطلع منها سلسلة أكبر وأحلى من السلسلتين اللي أداهم لغالية وورد ولبسها لها. وهي رفعت إيدها اتلمستها ببرود ومن غير ولا كلمة ولا أي رد فعل.
حكيم استغرب لكنه متكلمش غير بعد ما طلع من العلبة أربع غوايش تعبان كيف بتوع غالية. ومسك إيدها ولبسها لها وحدة وحدة. وبرضه جمارة على نفس برودها.
حكيم بهمس وهو بيضمها وحاطط دماغه على كتفها وواعيها في المراية:
"إيه يا جمارة القلب هديتي معجبتكيش ياك! قولي لي بس مالك زعلانة ومكلظمة كده ليه ومخلية قلبي كمان مكلظم زيك."
جمارة وهي بتبعد إيدين حكيم من حواليها ولفت عشان تكون في وشه وردت عليه بعيون بتلمع حزن:
"مش الهدية اللي معجبتنيش يا حكيم. الدس هو اللي معجبنيش. لما إنك جايب هدية لورد بتدس عني ليه وتقول دي هدية لأختي. ليه مقلتليش إنك جايب هدية لورد. ولا فكرك هزعل ولا هستكثرها عليها. ولا تكونش مفكرني كنت هطمع فيها لنفسي. إني يا شيخ صوح بت بياعة جبنة ومعمريش لبست دهب، بس عيني مليانة ونفسي قنعانة وعمرها ما تدنى على اللي مش ليها."
حكيم:
"ليه تحسبيها كده يا جمارة؟!"
جمارة:
"عشان الحاجة متدسش غير من الخوف يا حكيم. يا إما خوف منها أو خوف عليها. وإن كان دي ولا دي، الاتنين في حالة اللي عملتوه ده واعرين قوي. قوي يا حكيم."
حكيم:
"له يا جمارة مفيش حاجة من اللي قولتيها دي صح. وإنتي لو فاهمة حكيمك صح متفكريش فيه كده. بس الظاهر إن لعبة الزعل والبعد عجبتك واستحليتيها. العبي يا جمارة بالبعد وامسكي في الزعل وبعدي عني كمان وكمان."
وهملها وبعد عن عينيها وراح حدا السرير وابتدا يقلع خلجاته بكل عنف ويرميهم على السرير بمنتهى الغضب. وغير وطلع بره الأوضة من غير ما يتحدث مع جمارة ونزل تحت. وهي كانت هتنده عليه لكنها ملحقتش ووقفت في الشباك تبصله وهو طالع من الجنينة على بره. وطول ما هو ماشي حاطط صوابعه الأربعة على دماغه من قدام موضع الصداع.
رواية جمارة (بين العشق والقسوة الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم ريناد يوسف
حكيم طلع من السرايا راح على المندرة وفضل شوية متمدد على الكنبة وينفخ بزعل.
وبعدها استسلم للنوم لما الصداع زاد عليه وملقاش مفر غير بالنوم.
أما جمارة ففضلت طول الليل صاحية ورايحة جاية عالشباك تبص كل هبابة على حكيم وتقول: "هلاقيه داخل دلوك من بوابة السرايا".
لغاية ما ساعات الليل انقضت وقرب وقت الفجر.
في الوقت دا سألت حالها كتير: "ياترى هي غلطت في زعلها من حكيم وكبرت الموضوع، ولا هو أصلاً كبير ومن حقها تزعل؟".
وكل مرة تسأل فيها حالها، الإجابة هتكون هي هي: "أيوه من حقها تزعل وتاخد على خاطرها".
واللي زعلها أكتر إنه ما عطاهاش هديتها قدامهم وفوسطيهم. مش مهم تكون كبيرة وأغلى من بتوعهم، بس المهم إنه كان سواها بيهم.
قعدت على السرير وحطت وشها بين إيديها وابتدت تبكي لما حست إنها أقل من الناس. واللي وصلها للإحساس ده حكيمها بذات نفسه.
الحتة دي خلت نفسها تصعب عليها قوي. بعنف ابتدت تقلع الغوايش من إيدها وترميهم، وحتى السلسلة شدتها وقطعتها ورمتها من طول دراعها. ودفنت وشها في المخده وابتدت تبكي بكل قهر.
في الأثناء دي حكيم كان صحي في المندرة بعد ما أخدله غفوة وحس إنه بقى أحسن شوية. وقام رجع على السرايا عشان يصلي الفجر ويصالح مجنونته اللي عملتلها زعلة منه من لا شيء. ومخها التعبان صورلها حاجات استحالة تخطر على باله أصلاً.
دخل السرايا وطلع السلم ووصل قدام أوضتهم. واتقدم بسرعة وهو سامع صوت نحيبها المكتوم. وبسرعة البرق كان قاعد جنبها على السرير وواخدها في حضنه.
جمارة أول ما لقت حالها في حضن حكيم زادت في البكا وابتدت تحاول تخلص حالها من بين دراعاته. لكن هو شدد قبضته عليها وحبسها ما بين إيديه وضلوعه. وحط دماغه على كتفها وغمض عينيه.
وهملها تحاول تفلت منه. ولما كل محاولاتها فشلت ابتدت تستسلم وتبطل حركة. لكن بكاها ودموعها ما بطلوش.
همسلها لما حسها استكانت في حضنه وهو استكان لريحتها وحضنها الدافئ: "خلصت نوبة الجنان ولا لسه هتهبي تاني بعد هبابة؟"
جمارة: "عاودت ليه؟ انتا مش هملتني ومشيت. فالح تقول المرة لو هملت جوزها زعلان يجرالها إيه وحكمها إيه؟ والراجل لو همل مرته زعلانة وفاتها وفاتها الموطرح كله معلهوش ذنب ولا يبقى ده حرام عليه صوح؟"
حكيم ضحك بخفة وهو بيحرك دماغه ويدفنها في رقبته وهمسلها في ودنها: "إني مهملتش الموطرح ولا هملتك غير من شدة الصداع والتعب. ولو كنت استنيت قبالك دقيقة وحدة مكنتش هتحكم في روحي وكنت ممكن أقولك كلمة تزعلك عشان بس أخليكِ تسكتي. وكنتي ساعتها هتسكتي وأني كنت هسكت ويموت بينا الكلام ياجمارة. إني بعدت نفسي عشان أهدى وأعاودلك ببال أطول وخُلق أوسع. وكمان عطيتك فرصة عشان انتي كمان تراجعي حالك في تهمتك ليا. قوليلي عاد جالك منين الإحساس اللي وصلك ده؟"
جمارة بنبرة باكية: "جالي من عمايلك ياحكيم. لما تديني حاجة وتقولي لأختي. وبعدها أبص ألقاك مديها لست ورد يبقى إيه؟ ومقولتليش عليها ليه؟ معناتها إيه غير اللي وصلي واللي فهمته؟"
حكيم بقهر: "بزيادة دوسي على قلبي ياجمارة وبكفاياكي ظلم فيا عاد. متقوليش كلمة زيادة ومتزعلنيش منكِ أكتر."
جمارة: "انت كمان اللي زعلت ياحكيم! مزعلني وهاين كرامتي ومهادي واحدة كانت هتبقى ضرتي بالدهب وتقولي إنك انت اللي زعلت؟"
حكيم: "أيوه زعلت ياجمارة ومن حقي أزعل. زعلت عشان ظنيتي فيا السوء وفكرتي إني خايف تطمعي في الهدية وعشان كده دسيت عنيكِ إنها لورد."
جمارة: "قولتلي ليه لأختي وكذبت ليه عليا؟"
حكيم: "افهمي ياجمارة. إني مكذبتش لما قولتلك الهدية لأختي عشان فعلاً ورد أختي. إني لو عايز مقولكيش وأدس عنيكِ أجي أشيلك انتي العلب! طيب وهو إني هيغيب عن بالي إنك ممكن تفتحيهم وتلاقي فيهم سلسلتين كيف بعضهم وتستغربي وتسأليني التانية لمين؟ لو سألتيني مكنتش هقولك إن التانية لورد وأجاوبك طوالي؟"
وبعدها عن حضنه ومسك إيديها وهمسلها: "حجتك في الزعل باطلة يا مرت الشيخ عشان مبنية على سبب باطل. وكل ما بُني على باطل فهو باطل."
جمارة: "له مش باطلة ياحكيم ولا اتبنت على باطل وعندى السبب والدليل عليه كمان. دليلي إنك جبتلي دهب أكتر منهم ياحكيم. جبتلي أكتر منهم عشان إني أقل منهم صوح. بالك انت لو جبتلي سلسلة كيف بتاعتهم بالظبط أو حتى أقل منها هبابة وأديتهاني وسطهم والله كانت هتبقى في نظري كبيرة قوي."
حكيم: "جبتلك أكتر منهم عشان انتي أغلى منهم ياجمارة. جبتلك السلسلة اللي حسيت إن مفيش غيرها تليق عليكي وشوفت إنها مش هتبقى حلوة على مرة غيرك. واديتها لك بيني وبينك عشان أختي لما تشوف سلسلتها من سلسلتك متحسش إني مفضلك عليها وتشيل في نفسها. وكمان حبيت أديهالك بيني وبينك عشان أشوف فرحتك بيها ومحدش يشوف عنيكي لما تلمع بفرحة غيري. إني دي كل مقصدي ويشهد ربي إني ما فيه في نيتي حاجة غيره. ولا قصدي حاجة من اللي وصلت لمخك التعبان دي."
"ياجمارة إني قولتلك قبل سابق انتي نفسي. والنفس مع تكونش محتاجة شرح ولا توضيح من صاحبها عشان هتكون عارفة اللي بيعمله من غير ما لسانه يفصح عنيه."
وبص للأرض على الغوايش والسلسلة المرمية وكمل بحسرة: "جمارة الحاجة الحلوة لما تتفهم غلط ويتعكس معناها بتحسس صاحبها بالكسرة. وبالذات لما يعي على الأرض حاجة جابها بكل محبة وجاي بيها فرحان طول الطريق وهو فاكر إنه هيدخل بيها السرور على قلب حبيبه وفي الآخر حبيبه لا يعمله ولا يعملها قيمة."
جمارة بصت موطرح ما بص ونكست عينيها للأرض. وحكيم أخد نفس وهمسلها بعد ما مسك يدها وطبطب عليها بإيده التانية: "قومي اتوضي عشان نصلي الفجر سوا ونطرد من بينا الشيطان اللي وسوسلك ترميني بتهمة زور وبيعوسوسلي دلوقتي إني أزعل منكِ على كد العشم اللي خاب. قومي يابت قلبي قومي."
وهملها وقام ووطى في الأرض يلم الغوايش والسلسلة وهو حاسس إنه بيلم في محبته اللي رمتها جماره على الأرض. وراح حطهم على التسريحة وطلع للحمام يتوضى من غير ما يتحدت ولا ينطق بكلمة.
جمارة غمضت عينيها بألم لما حست إنها زودتها مع حكيم. وكان ممكن فعلاً إنها تسأله والغلطة غلطتها من الأول عشان مفتحتش العلب ولا شافت وسألت. ووقتها صوح لو كان دس عنيها كان هيوبقالها الحق تزعل.
قامت بعد ما استعاذت بالله من الشيطان الرجيم وراحت على الحمام تتوضى بعد ما حكيم طلع منه متوضي. وعلى بال ما خلصت وضوء كان هو فارش المصليات وقاعد مستنيها. وأول ما جات وغيرت خلجاتها ولبست إحرامها ووقفت وراه كبر وقام الصلاة طوالي.
حكيم خلص صلاة وسلم ورافع إيديه بيدعي. واتفاجأ بحاجة خبطت في ظهره وابتسم لما لقى جماره حضنته بقوة وحاوطته بإيديها من وسطه وسندت دماغها على كتفه. وهو خلص دعا ومسح على وشه بكفوف إيديه وقعد على المصلاية واتربع وشدها من دراعها نومها على رجليه. وأخد إيدها وخلل صوابعه بين صوابعها والإيد التانية حطها على دماغها. وغمض عينيه وابتدا يقرأ القرآن بصوته العذب.
وشوية شوية السكينة ابتدت تدخل قلوبهم. وجمارة شدت إيده اللي في إيدها وحبتها بحنان وحضنتها وهي بتهمسله: "حقك علي قلبي ياشيخ قلبي. آخر نوبة هزعلك فيها أو هزعل منك. سامحني إني معرفاشي هي كبرت مني كيف أكده بس والله إن كل اللي زعلني هو دسك عني."
حكيم صدق وهمسلها: "مفيش بينا حقي وحقك ياجمارة القلب. الزعل وارد بين أي اتنين بس المهم إنه ميطولش. وخلي دايماً قدام عينيكِ إنه كيف ما حق المسلم على المسلم إنه يلتمسله سبعين عذر، حقك انتي عليا إني هلتمسلك ٧٠٠٠ عذر قبل ما أزعل منكِ. وده وعد ليكي على سجادة صلاة ولساتنا محفوفين بملايكة بتستغفرلنا."
جمارة: "واني ليك عليا وعد وعهد ياشيخ القلب إني عمري ماهسيئ الظن فيك ولا هزعل منكِ في يوم من الأيام."
وقلبت عينيها شوية بتفكير وقامت اتعدلت وكملت بحدة: "إلا لو بصيت لغيري ولا اتجوزت وحدة تانية ولا حد هداكِ بمرة وقبلتها. وقتها مش هزعل منك ياحكيم. وقتها هدب إيدي في صدرك وأطلع قلبك اللي حلفت ما يدقش لغيري وأدق فيه ألف مسمار. وهقلع عينيك اللي حلفت ما يبصوا لغيري وأحطهم في دباره وأعلقهم في رقبتي و..."
وفضلت مستمرة في الحديث والتهديد اللي بسرعة اتحول لضربات متفرقة من إيدين جماره لحكيم على صدره. وهو ضحك وهو بيحاول يمسك إيديها لغاية ما في الآخر نجح وضمها عليه وهو مكتف إيديها بإيديه وهمسلها بضحكة: "الوعد اتقلب لتهديد والتهديد اتقلب لضرب وياترى الضرب هيتقلب لأيه بعد أكده؟"
جمارة ميلت دماغها وبصتله لفوق وهمستله: "هيتقلب لحب."
ثواني فضل حكيم يتأمل فيها وهو مبتسم وعنيه بتسبح في بحور عينيها الزورق. وبعدها مرة وحدة قام وقومها معاه وحول كلامها لحقيقة. واتحول الزعل لعتاب جميل ما زاد العشاق إلا عشقاً.
النهار طلع وتماضر قاعدة في أوضتها وصاحية وزبيدة دخلتلها كيف عادتها وودتها الحمام ورجعتها أوضتها تاني. وبعد ما حطتها في فراشها تماضر شاورتلها على السبحة بتاعتها وزبيدة لفتها لها. وتماضر ابتدت تقلب خرزاتها بين صوابعها.
وبصت على الباب شافت غالية خارجة من أوضتها وبتتاوب وقربت من أوضة أمها وصبحّت. ولساتها هتمشي عشان عارفة إن أمها مهتردش عليها. لكن أمها فاجأتها بالرد النوبادي: "صباح النور والبنور يا عروستنا الحلوة. يسعد صباحك يا بنيتي."
غالية وقفت واتلفتت حواليها شمال ويمين ملقتش حد غيرها هي وزبيدة. قامت مشاورة على روحها بتعجب: "انتي بتحدتيني أنا يايمة؟"
تماضر: "وهو فيه عروسة غيرك هنا يا غالية؟ قربي يا بنيتي تعالي خليني أضمك وأشبع منكِ قبل ما تفارقيني واللقى يبقى على حسب النصيب."
غالية قربت من أمها بعيون بتلمع بالدموع وقعدت جنبها ومسكت إيدها حبتها: "يعني خلاص مزعلاناشي مني ياما؟"
تماضر: "ردي عليا الأول اتعلمتي من غلطك ولا لسه بجرة كيف ما انتي؟"
غالية: "له اتعلمت والله العظيم ودلوقتي حتى الكلمة مطلعاهاش غير لما أتوكد إنها زينة وهتتحسب ليا مش عليا."
تماضر: "يبقى خلاص سامحتك. إني كل همي أعلمك يا بنيتي وأوعيكِ. لكن يعلم الله إنك حداي في معزة الروح كيفك كيف أخوكي بالظبط."
وفردتلها إيديها وهي مبتسمة وكلمتها بنبرة باكية: "ودلوقتي هاتِ حضن من زمان محضنتكيش ولا شميت ريحتك يا تمساحة اللي هتهمَليني وتروحي بلاد الشام."
غالية بسرعة دخلت في حضن أمها بفرحة وفضلوا الاتنين في حضن بعض بعد فراق وكل واحدة بتحاول تشبع من ريحة التانية على قد ما تقدر.
أخيراً تماضر بعدت جماره عن حضنها ومسحت دموعها بطرف شالها وضربت غالية على كتفها ضربة خفيفة: "هتوحشك قوي يا تمساحة. بقولك قومي قومي. قومي افتحي الدولاب في الضرفة الواسطانية وهاتي الصندوق بتاعي."
غالية قامت وعملت اللي أمها قالتلها عليه وجابتلها الصندوق وحطته على رجليها. وتماضر فتحته وكان فيه دهبها وصندوق تاني صغير جواه. تماضر طلعته وبمفتاحه الصغير اللي كان في الصندوق الكبير فتحته. وأول ما فتحت غالية ضربت على صدرها لما شافت اللي جواه. واللي كان أربع سبايك دهب كل سبيكة تطلع كيلو.
غالية مسكت سبيكة منهم ورفعتها: "إيه ده يايمة؟"
تماضر: "ده نصيبك من الدهب اللي جدك عطا لابوكي ياغالية. قسمته كيف مالشرع قال علينا احنا التلاتة إني وانتي وحكيم. نصيبي إني وحكيم اشترينا بيه الأرض. ونصيبك عنتهولك. حكيم عايم على عوم أبوه وعيقول إن الدهب حرام. بس إني مصدقة جدك وشايفة إنه حلال. نصيبك أهه تحت يدك خديه واتصرفي فيه كيف ما تحبي. إني خلصت ضميري وقسمت قسمة الحق والباقي في حجركم انتو عاد."
غالية بذهول وهي بتمسك سبيكة تانية ورفعت الاتنين قبال عينيها وهي بتبلع ريقها وهمست بتوهان: "أقولك إيه يايمة؟ إني هاخد الدهب وأصدقك وأصدق جدي ولو كان كداب هو يتحمل عاد وأهو أكده أكده هيروح النار يعني مش هتفرق معاه. بس إني الدهب ده هيفرق معايا ويخليني أشتري حارة بحالها في الشام وأقعد فيها لحالي."
تماضر: "ياباى عليكِ. تقعدي لحالك كيف؟ طب ده جنة من غير ناس ما تنداس يا قزينة!"
غالية بفرحة: "له تنداس وتتحضن وتتباس كمان يايمة. والله يايمة فرحتيني عالصبح. تؤبري قلبي ما أحلاكِ."
تماضر: "وه شوفوا البت حالاً قلبت شامي."
غالية: "أيوه أمال إيه مش جوزي شامي عاد."
ورجعت السبايك في صندوقهم تاني وقفلته وبصت لأمها وغمزتلها: "بس مش سهلة انتي برضه يا تماضر. بتعترضي وتصالحي في آخر دقيقة كيف اللي رايح يموت وعرف ربه على فراش الموت ورجعله."
تماضر مرة وحدة مسكت طرحة غالية بشعرها وميلتها عالسرير وفضلت تضرب في دماغها على الفرشة وهي بتقولها من بين سنانها: "هو ده الكلام اللي بقيتي توزنيه ومتطلعيهوش غير لما يكون كلام زين يا أم لسان زفر انتي. ده تشبيه تشبهيني بيه عالصبح يا غالية؟ بتعفولي على أمك يا قزينة!"
غالية بألم: "مقصديش والله يايمة طلعت أكده وانتي أكيد فاهمة قصدي إيه منها."
تماضر: "إني أفهم لكن غيري ميفهمشي يا بجرة." وفلتت دماغها واخدت نفس وطلعته وبصتلها بغيظ وكملت حديثها وهي واعياها بتفرك فراسها بألم: "لو يدوني ميت عقل على عقلي عمرك يا غالية ما هتتغيري واصل. يا خوفى عليكي من لسانك في البلاد البعيدة يا خوفى."
غالية وهي بتاخد الصندوق في حضنها وتقف وتضمه كيف عيل صغير: "تخافيش عليا إني معايا الأمان كلياته." وطبطبت على الصندوق. وطلعت بسرعة على أوضتها. وتماضر هزت دماغها بيأس وهي واعية. وابتسمت لما خشت غالية أوضتها جري وقفلّت الباب وابتدت تسبح بسبحتها وورا كل تسبيحة تدعي دعوة لحد من عيالها.
أخيراً نزل حكيم من فوق هو وجمارة ونزلتهم جات بالتزامن مع دخول راغب وجماعته السرايا. صبحوا على بعض وجمارة استقبلتهم بضحكة وهي بنفسها اللي خدت ورد من إيدها عشان يدخلوا يجهزوا الفطور سوا. أما نادرة فراحت لتماضر أوضتها تصبح عليها وتقعد جنبها لغاية ما البنات يخلصوا تجهيز الفطور. أما حكيم وراغب وأسامة فقعدوا في الصالة يتحدتوا مع بعض. وحكيم ملاحظ نظرات أسامة على أوضة غالية وابتسم على لهفته عليها. وكان يقدر يسمحله يقعد جنبها لحالهم هبابة. بس فضل إنه يفضل بشوقه ليها لحد ما تروح بيته وأهناك يقعد معاها على راحته. وكمان عشان هو خابر زين إن النظرة بتطفى الشوق هبابة وهو ما عواش شوق أسامة لأخته ينطفي غير وهم في بيتهم وفي غرفتهم.
غالية طلعت من أوضتها لما سمعت حس الجماعة بعد ما عدلت خلجاتها. وأول ما طلعت من باب الأوضة أسامة عنيه اتعلقت عليها وابتسم. وهي ابتسمت لما وعيتله ونزلت عينيها في الأرض بسرعة. واتحركت من قباله على أوضة أمها لما رفعت عينها على حكيم ووعيتله زاغرلها ومبرق عينيه. دخلت عليهم وصبحّت على نادرة وباست إيدها بنفس طريقة ورد. ونادرة ضحكت وطبطبت عليها وقالتلها: "الله يرضى عليكي يا أم غالية." قعدت جنب أمها على السرير وبصت في الأرض بكسوف. وتماضر بصتلها وبصت لنادرة واتحدت: "أم أسامة عايزة أقولك على حاجة للأمانة. بتي غالية عاملة كيف الجاموسة وراهاش غير الحش والنوم."
غالية رفعت راسها بسرعة وبصت لأمها وهي مبرقة. وأمها كملت: "ولو فوتيها توصل النهار بالليل وهي نايمة على بطنها كيف التمساح. ولو مقومتيهاش على الحاجة مهتقومش. يعني من الآخر كده بتتساق سوق لولا ما تتحرك. كيف البهايم أكده."
غالية مع كل كلمة من أمها كانت عينيها بتبرق أكتر. لغاية ما كانوا هيطلعوا من محجرهم. وريقها نشف ونفسها أمها تبصلها عشان تغمزلاها ولا تعضلا على شفتها عشان توقف. لكن تماضر ولا التفتتلها.
غالية آخر ما أمها خلصت حديث مدت إيدها مسكت طرف شال أمها وميلت وعضته بكل قوتها من الغيظ. وسابته وعاودت قعدت تاني كيف ما كانت وهي بتقول يا أرض اتشقي وابلعيني.
نادرة ضحكت وهي باصة لغالية اللي وشها بيجيب ألوان. وردت على تماضر: "له يا حجية له. ما يرضالك تحكي هيك ع كنتي. كنتي معدلة وما في منها. هي بس كانت عم تدلل عليكي هون. لكن المرة ببيت زوجها غير بيت بيّها وعم تكون قدها وقدود وتخلي الكل يحلف بشطارتها وندارتها. ماهيك بنتي؟"
غالية هزتلها دماغها بإيجاب. ونادرة ابتسمت وبصت لتماضر: "أي شفتي حجية كيف كنتي ما في منها وما برضى لحدا يقول فحئها كلمة مو منيحة بنوب بنوب."
غالية وهي باصة لأمها وبتعزز دماغها بأسى: "تشكري يا غالية يا أم الغالي. يسلملي لسانك اللي عمينقط شهد ده. ما جاش الكلام ده من اللي مني. عموما ماشي. بكرة تندمي يا جميل."
نادرة ضحكت وتماضر كمان ضحكت. بس من وسط ضحكها ردت عليها: "إني أقول اللي يخلص ضميري قدام ربنا وقدام أم أسامة عشان لو دعت عليا بعد أكده دعوتها متتقبلش."
نادرة زادت في الضحك وغالية ضربت على دماغها بقلة حيلة وقامت حطت أمها عالكرسي وطلعوا كلهم لما سمعوا حس حكيم عينادم عليها عشان تجيب أمها وحماتها ويطلعوا يفطروا.
حكيم صبح على أمه أول ما لاقاها وحب إيدها وخدها من غالية وداها مطرحها. ومن الخباثة قعد جنب أسامة وقعد غالية جاره من الناحية التانية عشان يقطع عليهم الشوف واصل.
خلصوا الفطور وطلع حكيم هو والجماعة على صوت بشندي عينادم عليه. وعرف نبرة صوته لما يكون فيه مشاكل بتوبقى عاملة كيف. وعرف علطول وطلع فعلاً ولقى فصل مستنيه قضى فيه النهار بطوله.
في آخر القعدة قبال الناس كلها حكيم طلع عقود جديدة بعد ما جاب كل العقود اللي كانت حدا الشيخ زايد وقطعها. وحط العقود قدام حج كبير كان قاعد في المجلس ووقف وسط الناس واتحدت وهو موجه حديثه للكل: "يا أهل البلد الأرض اللي في الزمام الشرقي واللي هي عشر فدادين أنا متبرع بيها للبلد يتعمل عليها مستشفى ومدرسة ابتدائي ومكتب تحفيظ قرآن للبنات وحتى الحريم وفصول محو أمية. الحاجات دي هتقوم على التبرعات يعني اللي معاه موجود يتبرع وكله لخدمة البلد. والكلام ده لكل النجوع اللي حوالينا عشان المدرسة والمستشفى هتخدم الكل. وأنا أول واحد هتبرعلهم بفلوس الأساسات. ومش بس كده ده أنا هعمل مصنع في البلد للحصر البلاستيك يلم كل الشباب المرمي على القهاوي دي ويخليله دخل شهري يقدر بيه يتجوز ويفتح بيت. قولتوا إيه في الحديث ده."
هو خلص كلامه من هنّه والكل قام يتسابق عليه عشان يحضنه وعبارات الشكر بقت تنزل عليه كيف المطر من الكل غير التهليل والتكبير. وراغب وأسامة بقوا واقفين يبصوا لبعض ونافخين صدرهم بفخر على نسيبهم اللي لو لفوا الدنيا مهيلقوش في كرمه وجوده كرم ولا جود.
***
طرمبيل واقف قدام بوابة السرايا وراكبه فيه ورد الشام ونادره أمها بعد ما ودعوا الكل. وراضي واقف جنب الطرمبيل وغالية لسه في السرايا بتودع في الكل بالدموع. جماره وزبيدة وأمها تماضر وأخوها حكيم وحتى عيشة اللي سمحلها بشندي إنها تروح السرايا في اليوم ده لما قالتله إنها لازم تودع غالية. بشندي كمان كان واقف معاهم. ووعي غالية كل ما تمشي خطوتين مع جوزها تعاود تاني وتفضل تعيد على الكل بالأحضان. وزعق فيها بعلو صوته لما فاض بيه ورفع نبوته في الهوا عليها بتهديد: "مبزيادة عاد نفختي بطني وفقعتي مرارتي بمياصتك ده. هتفضلي وتطلعي ولا أنزل عليكي بالشومة أخليكي تروحي الشام زحافي."
حكيم بسرعة وإحراج مسك الشومة من بشندي ونزلها وابتسم في وش أسامة بخجل وبص لبشندي وهمسله وهو جازز على سنانه: "بتعمل إيه قدام جوزها يا واكل ناسك يا بشندي."
بشندي بيحاول يفلت الشومة من حكيم وهو باصص لغالية وزاغرلها: "اوعى يا حكيم هملني ده. لو فوتناها على هواها هتقعد لبكرة تحب وتحضن بعينيها البيضة دي واحنا مفاضينش عاد."
أسامة مسك إيد غالية بخوف وزعر وميل عليها سألها: "شو بُه هاد ليش هيك عم يعمل؟"
غالية اتحركت بسرعة وخوف وهي بتشد أسامة وتهمسله: "اجري قوام الحالة جاته تعبان يا ولداه الله يكون في عونه."
وبسرعة ركبوا الطرمبيل وحكيم راح وراهم وودع الكل للمرة الأخيرة. وراغب ركب واتحركوا كلهم على بلاد الشام ومعاهم غالية على حياة جديدة باينة فيها بشاير الهنا من حب الكل ليها وبالخصوص أسامة اللي من أول ما ركبوا الطرمبيل ماسك إيدها مهملهاش كيف ما يكون ما صدق لقاها.
***
"همي يا جماره عاد هنتأخر على معاد القطر أكده. يبااااى عالحريم وعكعكتها عاد. هسافر لحالي كيف الورد البس خلجاتي وأفح شنطتي وأجري على المحطة وألحق القطر وكل ده في نص ساعة."
جمارة: "خلصت والله أهه. كنت بجيب الفطاير والبيضات المسلوقين عشان نتقوتوا بيهم في الطريق."
حكيم: "يوبوي قلتلك الوكل كتير في الطريق وكل حاجة بالقرش بتيجيب. يا جماره وهواكِ حاجات جديدة."
جمارة: "إني إن مكانش الوكل من تحت إيدي أو يد حد أعرفه ما بأكلهوش. وبعدين مش انت ذات نفسك بتقولي معملاش بطني من وكل بره. يبقى إيه عاد."
حكيم بضحكة: "يبقى تهمي يا جماره الله يرضى عليكي."
جمارة خلصت وطلعت من المطبخ وحطت الحاجة اللي جهزتها في الشنطة وسلمت على أمها عيشة وتماضر وزبيدة ووصيتها على العصافير بتوعها وأكدت عليها تاخد بالها منهم زين. وودعتهم وهما دعولها. وعيشة ودعتها بعيون مدمعة وهي بتتمنالها السعادة. وجمارة لبست بوشيتها وراحت قبال حكيم اللي كان واقف يبص في ساعته بغضب: "إني جاهزة أهه خلصت."
حكيم مسك إيدها وشال الشنط وبسرعة طلع بيها وركبوا الكارته اللي كان سايقها بشندي وراحوا على المحطة وركبوا القطر واتحرك بيهم على أم العجايب.
***
عدى أسبوع على حكيم وجمارة وهما في القاهرة ما بين فسح وكشوفات وتحاليل ليهم هما الاتنين. والحمد لله طلع معندهمش حاجة واعر تمنع الخلفه غير بس مشكلة بسيطة في التبويض حدا جماره وتتحل بشريط برشام ودستة حقن يتخدوا كل شهر لحد ما يحصل الحمل وبعدها تهملهم.
أما تماضر فعيشة قعدت معاها من أول ما جماره وحكيم سافروا بعد ما استأذنت من بشندي اللي وافق بشرط إنها متمدش إيدها على حاجة. وكمان عشان هو مهيقدرشي يهمل السرايا في غياب حكيم ومهيأمنشي عليها تقعد لحالها في الدار.
بشندي كان طول الليل يلف حوالين السرايا ومخلي الرجالة تلف بالدور. ولما حد كان يقوله بزيادة ولا مفيش حاجة كان بعصايته ويضرب الواحد يخليه يفرفط ويعيد عليهم نفس الكلام: "قعدنا نقولوا مفيش حاجة يا ولاد الفرطوس ونتقلبوا ونناموا وفي الآخر طلعت بتكحت خنادق تحت السرايا يا ولاد الجزم."
أسبوع تاني عدى على دا الحال وحكيم وجمارت قلبه عايشين في جنة كيف ما يكونوا عرسان جداد. فسح وضحك ولعب وحب. والشيخ حكيم مش متقيد معاها كيف البلد وكل يوم يروحوا مطرح جديد وحكيم يوري لجمارة حاجة جديدة وهي مبهورة بالتمدن وحياة الحضر. بس حاجتين هما اللي كانوا يعكنوا عليها كل فسحة. أول حاجة الحريم قليلة الحيا كيف ما كانت تقول عليهم اللي لبسهم فوق الركبة بشبر وشعرهم مطلوق وطالعين بالأحمر والأصفر مالي وشوشهم. وتاني حاجة عيون البنات اللي كانت بتأكل حكيم وكل فكل مطرح يروحوه وكل خطوة يخطاها والهمس والمشاورة عليه من كل اتنين حريم يعدوا من قبالهم. لدرجة إن جماره طول الوقت متشبطة في إيده كيف ما يكون هيهرب منها وهو طول الوقت يضحك عليها.
أخيراً رحلتهم الحلوة خلصت وعاودوا البلد ورجعوا للسرايا. وأول ما حكيم نزل من الكارته هو وجمارة ودخلت جمارة السرايا، راح جرى على الإسطبل وسلم على جمرة اللي استقبلته بفرحة وشوق كأنها حبيبة بتشوف حبيبها بعد غياب. وهو كمان فضل يحضن ويحب فيها كأنها بتّه اللي كان مسافر ومهملها.
ابتدت مع الأيام ومن أول شهر تظهر على جماره العلامات اللي شرحت صدر تماضر. مع إن لا جماره ولا حكيم واخدين بالهم ليها. بس عين تماضر كانت كيف ميكروسكوب متعديش من تحتيه حاجة ميشوفهاش وياخد باله منها.
عدى الشهر على جماره وعدوا عليه ١٠ أيام. وتماضر بتحسب فيهم باليوم. وقالت لجمارة من تاني يوم توقف العلاج. وجمارة سمعت ووقفّته طوالي.
جمارة لما شكت في روحها حبلى حبت تتأكد وطلبت من حكيم إنها تروح لأمها تقعد جنبها في بيتها هبابة عشان زهقانة. وحكيم بعتها بالكارته لحد باب بيت بشندي. وأهناك جماره حكت لأمها عن التأخير وخلتها راحت على عجل جابتلها الداية وكشفت عليها وبشرتها بالحبل. وجمارة طارت من الفرحة. وحتى أمها عيشة اللي عطت للداية مبلغ محترم حلاوة بنتها. والداية ما اكتفتش بكده. ده صممت إنها تروح للشيخ حكيم وتاخد منه حلاوة الخبر ولتماضر كمان. بس جماره قالتلها تأجل روحتها يوم ولا اتنين عشان هي حابة تبشر حكيم بنفسها. وأكدتلها إن حلاوتها هتزيد متنقصش. لولا ما وافقت وهملتهم ومشيت.
عيشة فضلت تحضن في جماره وتباركلها وهي بتحمد في ربنا إنه من على بنتها وكمل فرحتهم هي والشيخ حكيم. وندرتلها رز بلبن تفرقه حلاوة الخبر الحلو ده.
روحت جماره فرحانة. وتماضر أول ما طلعتلها ووعيت الفرحة في عينيها عرفت إن جماره اتأكدت حدا أمها من حبلها. وبصت لفوق وحمدت ربها على دعاؤها اللي استُجيب وإنه ولدها هيتخاوى من صلبه.
حكيم يومها عاود ومعاه اتنين غرب دخلوا السرايا وفضلوا يمدوا في سلوك وحطوا في السرايا على مرأى من تماضر حاجة شكلها غريب. وبصت لحكيم اللي واقف جنبهم وعمالين يتحدتوا معاه. وهو لما بص عليها ولقاها بصاله بتساؤل راح عليها وخد إيدها حبها وهمسلها بصوت واطي: "ده تليفون يا لبّة القلب. تقدري منه تكلمي غالية وتسمعي صوتها وتطمني عليها كل يوم وهي في بلاد الشام. عمي راغب حداه واحد وعطاني رقمه."
تماضر رفعتله حواجبها وبرقت عينيها: "ملبوس كيف اللي حدا بيت العمده؟"
حكيم بضحكة: "أيوه عليكي نور. ملبووووس. بس اسميه تليفون يمه مش ملبوس."
تماضر: "له ملبوس. لابسه بسم الله الرحمن الرحيم وهو اللي بيوصل صوت الناس ببعضها. متوبقاش غشيم يا ولدي أصلو مفيش صوت بيمشي جوا سلك. ربنا عرفوه بالعقل يا ولدي. ولو من هنا لبكرة قولتلي غيري بدلي مهغير رأيي دي واصل."
حكيم ضحكته زادت ورد عليها: "طب والله معاكي حق أصل إني عن نفسي معرفشي كيف الصوت بيمشي في السلك من بلد لبلد ومن دولة لدولة. خلاص يمه اسمه ملبوس."
تماضر: "طب يلا خليهم يهموا قوام عايزة أكلم غالية بتي."
حكيم: "يخلصوا توصيل وهيمشوا طوالي."
وبالفعل خلصوا وراحوا الكبينة اللي قدام دوار العمده ووصلوا لحكيم الحرارة. وحكيم اتصل بغالية مكالمة دولية محولة واطمأنوا عليها كلهم. وغالية فرحت قوي بمكالمتهم وفرحتهم بيها وطمنتهم عليها لما حسوا بالسعادة في صوتها. وكلموا الحج راغب وأسامة. وتماضر وجمارة كلموا نادرة وورد والكل فرح بالمكالمة كأنه يوم عيد.
حكيم كان واقف وعينه على جمارته هي وبتتحدت في التليفون وعنيها اللي بتلمع كيف عيون البسة ويبرقوا برق. ودي ما بتحصلش غير لما تكون فرحانة فرحة كبيرة قوي. حكيم قدر يخمن فرحتها من إيه. بس هو لجم قلبه من فرحة ممكن تطلع كدابة وأمله وأمل قلبه يخيبوا في الآخر.
في الليل حكيم رجع من المندرة ملقاش جماره تحت واستغرب. لكن أمه قالتله إنها خدت عشاء وطلعت عشان يتعشوا فوق وهي اتعشت مع زبيدة. وحكيم طلع وفتح باب الأوضة واتفاجأ بجماره اللي كانت عاملة كيف عروس في ليلة دخلتها. وريحة الأوضة بتعج بريحة العنبر والمسك. ودخل وهو مبتسم وقفل الباب وراه. ومقدرش يمنع قلبه من إنه يرقص من الفرحة وعنيه بتأكده إن شكه في محله وإن دي احتفال ببذرة من صلبه استقرت في رحم حبيبة روحه. وأخيراً العشق هيترجم في صورة حتة منهم هما الاتنين بتمشي على الأرض.
جمارة قربتله وهو مرة وحدة حضنها ورفعها في مستواه وهمس قبل منها: "قلبي حس من غير ما تقوليها. مبارك يا ست البنات وأم عيالي وحبيبة الروح وبت القلب وعشق العين."
جمارة ضحكت وهي بتحاوط رقبته وردت عليه بدلع: "كيف يا حبيبي بتحس بكل اللي فيا أكده وتفهمني من قبل ما أتحدت؟"
حكيم: "عشان انتي نفسي يا جماره. كيف يعني الواحد ميحسش بنفسه ولا يفهم قلبه ويحفظ كل دقاته."
جمارة أخدت نفس منه وهي دافنة وشها في حضنه. وهو نزلها ومسك إيدها وراح بيها حدا الأكل وابتدا يوكلها بيده وهي توكله بيدها. وحديث اللسان سكت بس العيون لسه بتبوح بالحب وتتقاسم الفرحة.
جمارة شبعت قبل حكيم وقامت غسلت إيدها وعاودت للأوضة. وحكيم وراها راح يغسل إيديه. وجمارة راحت على الشباك ووقفت قباله. وغمضت عينيها لنسايم الهوا الباردة وابتسمت. لكن قلبها نغزها لما فتحت عينيها و وقعوا على المشتمل. وابتدت تعاودلها ذكرياتها العفشة فيه وأيام غازي. ورفعت إيدها حطتها على قلبها تهدئ خوف اتسلل لها من إن كل السعادة اللي هي فيها دي ممكن تكون حلم وتصحى منه تلاقي روحها لسه عايشة في كابوسها مع غازي.
جفلت مرة وحدة لما حكيم حضنها. وهو لما عمل أكده سمى عليها بخوف وهو بيحوطها بزيادة ويمسد على دراعاتها بحنية وهمسلها: "مالك يا جماره القلب سرحانة فيه وجفلتِ ليه من حطت إيدي عليكِ؟"
جمارة أخدت نفس قوي وزفرته وشاورتله بعنيها على المشتمل: "كل ما أطلعله وأتفكر اللي شوفته وعيشته فيه قلبي بيتقبض وروحي بتشوق."
حكيم: "بسيطة نغيروا الأوضة عشان لما تطلعي متوعيشيش قدامك."
جمارة: "مش كفاية عشان برضه هعدي عليه في الرايحة والجاية ونفس الإحساس هيفضل مقاوطني."
ولفت لحكيم وحاطت رقابته بإيديها وهمستله: "هدّه ياحكيمي واردم الحفرة وساويه بالأرض ومتبقالهوش أثر قبال عيني. امحيه وامحي معاه ذكرياتي العفشة كلها وأيام عذابي فيه."
حكيم ضمها عليه أكتر وقرب جنب ودنها وهمسلها: "يجرالك يا بت القلب. جمارة الشيخ تأمر أمر. من بكرة مهتلاقيش للمشتمل أثر."
"وموطرحه هنزرعوه إني وانتي أحواض ورد ونبدل الذكريات العفشة بذكريات حلوة ونغيروها سوا. وكل الجنينة هنعيدو زرعها وأزرعلك الورد بإيدي عشان طول ما انتي شامة ريحته أفضل على بالك."
جمارة همستله بحب: "انتا طول الوقت في بالي وقلبي وعقلي وعيني من غير ورد ولا ريحته. انتا الوردة اللي اتزرعت في نص قلبي وطرحت بستان ورود محدش بيشوف جمالها ولا بيشم ريحتها غيري."
حكيم بعد كلام جمارته ختم الكلام بطريقته وبسكوت رافض لأي كلمة تطلع بعد الكلام الحلو وتضيع صداه اللي فضل يتردد جوا روحه.
***
عدت الأيام والشهور وحكيم وفي بوعده وهدم المشتمل وحول موطرحه لأحواض ورد زرعهم هو وجمارة سوا. وفوسطهم عمل مطرح لجمرة حاوطه بدرابزين حديد وجابها فيه جاره وقبال عينيه. وجار منها عمل قفص كبير للعصافير أكبر من الأولاني والعصافير كلها ابتدت تبيض وتفقس والقفص اتملى عصافير بكل شكل ولون. وباقي الجنينة زرعها ورد وشجر التوت اللي زرعوه في الأول كله اللي اتكسر واللي مات مفضلتش منهم غير شجرة واحدة بس. فضلت مقاومة وعايشة ودافعت عن حقها في الوجود بكل قوتها. وتاني موسم للتوت كانت طارحة وجمارة كانت كل يوم تراعيها وتسقيها بإيدها وهي تكبر قبل الأوان كيف ما تكون بتقول لجمارة إنها عايشة عشانك انتي. وهطرحلك التوت اللي بتحبيه.
***
بشندي واقف بره الأوضة في بيته وعمال ييجي ويروح ويقعد ويوقف وهو سامع حس عيشة اللي بتوجع من ألم الطلق وصوت صراخها بيهز أركان البيت. وكل صرخة تطلع منها تدخل لقلب بشندي تزلزله زلزل.
عيشة: "همووووت يا بويا انجدوووووني يا خالق همووووت يا هوووووه."
بشندي راح جرى ع الأوضة وضرب بابها بعصايته وزعق بعصبية: "بطلي صراخ يا بت المركوب سمعتي البلد كلها إنك بتولدي يا قليلة الرباية."
حكيم راح على بشندي وشده من إيده وقعده تاني على الكنبة وهو بيقوله: "اهدي على الولية هبابة هي في إيه ولا في إيه مش غصب عنها يا خي."
بشندي هز راسه واتحدت بتوهان: "أيوه أيوه صوح غصب عنها صوح." وقعد يدب بعصايته ع الأرض بتوتر.
شوية وسمعوا صوت عيشة بتصرخ تاني: "ياااابوي يشندلك يا بشندي قولتلك مش حمل خلفة نشفت راسي يشندلك يا بعيد يشندلك يشندلك يا أبوووي."
بشندي بص لحكيم وبرق عينيه: "واعى بت المراكيب بتشندلني وهي بتولد ودعوة اللي بتولد بتتقبل." وقام جرى بسرعة ع باب الأوضة فضل يضرب فيه بالعصاية ويشتم في عيشة وعيشة تشتم فيه وحكيم يضحك عليهم. لكن من جواه مرعوب ومعارفشي هيعمل كيف لما جماره تيجي تولد ويشوفها متوجعة وبتصرخ من الوجع أكده وهو واقف كيف بشندي مفيش في إيده حيلة ولا بصارة عليها.
بشندي رجع قعد جنب حكيم وهو عينه بتلمع وبصله وشافه بيضحك وزغرلّه: "بتضحك على إيه انت التاني. وصوح مراتك مجاتش تحضر ولادة أمها ليه؟ طب حسكم عينكم لما مراتك تيجي تولد تبعتوا على مرتي ولا حد يوصلها منيكم أقرطم رجليه بالشومة."
حكيم: "يا بوي متعرفشي مقولتلهاش لتروح تخاف وتولد قبل أوانها من الخوف واحنا ما صدقنا هملنا في حالنا الله يرضى عليك."
بشندي هز دماغه بتفهم: "أيوه صوح صوح لتروح تولد. إذا كان أنا راجل ومن صراخ بت المحروق ده حاسس إني هولد."
حكيم ضحك وبشندي قام منتور وهو سامع صوت بكاء ولده وهمس لحكيم: "سخاوي جه يا حكيم." وجرى ع الباب بفرحة ولهفة وقعد يتحدت من ورا الباب: "سخاوي يا ولدي. جيت يا حبيب أبوك يا غالي جيت يا ولد الشيب والشيبة."
سمع صوت من جوه بيشره: "واد يا بشندي والحلاوة من حباب عينيك."
بشندي: "عارفة واد يا بت المحروق انتي التانية أمال يعني هصبر ده كله وأخلف بت. ده لو عيشة عملت أكده وجابتلي بت كنت أكلتها ليكي تاني."
حكيم استغفر ربه وفضل يضحك على بشندي وفرحان لفرحته. وبشندي واصل حديثه: "بت يا عيشة. انتي يابه. حسك سكت ليه يا قزينة لتكوني متي صوح يا حزينة. انتي يابه اتحدتي لو لسه عايشة."
عيشة بصوت تعبان: "يشندلك يا بشندي."
بشندي بص لحكيم وشاورله ع الباب بفرحة: "لسه عايشة بت المركوب." واتولد سخاوي آخرت صبر بشندي وفرحته الكبيرة اللي ما مرت ع قلبه فرحة زييها. ومن أول يوم ومن بعد ما الناس مشت وهو شايله على رجله ويحب ويشم فيه. وكل ما عيشة تقوله نزله هيضرى ع الشيلة يقولها "لكيش صالح انتي ولدي وهضريه". وهي تسكت متقدرش تتحدت.
جمارة راحتلها وقعدت جنبها للسابع تخدمها طول النهار وتروح بالليل. وأحياناً كانت تبات وحكيم يوم ما تبات يتجنن ويطلع كل غلّه في بشندي اللي مبقاش يشوفه غير ساعة ولا ساعتين في اليوم وباقي اليوم لابد جنب مرته وولده.
***
عدت الأيام وجمارة خلاص دخلت شهرها وجمرة كمان دخلت شهرها. وهما الاتنين حكيم متشتت ما بينهم. وحارسهم وعايرهم برموش عينيه. وطول الوقت كل ما يبص لواحدة فيهم ويشوفها كاله من حملها يحس بضيق ونفسه الأيام تعدي قوام وياجي يوم ولادتهم بفارغ الصبر.
حكيم طول الوقت رايح جاي ع جمرة ويبص عليها خايف تولد من غير ما يشوفها خصوصاً إنها خلاص بانت عليها علامات الولادة وأي وقت ممكن تولد. وحتى بالليل كان يقوم يطل عليها من الشباك كل ساعة ولا نص ساعة. وجمارة تفضل تتعارك معاه وتقوله "داني مقلقانش عليا كيف جمرة أكده." وهو يرد عليها رده المعتاد: "يا بوي جمرة خرسه مهتعرفش تقول هولد ولا الحقوني ولا حد هيحس بيها وهي بتولد. إنما انتي هتصرخي كيف ما عملت أمك وتجرسِ الدنيا وتجيبي التايه بحسك. وبعدين بطلي غيرة من جمرة. قولتلك عشان انتو الاتنين في نفس المعزة حداي."
جمارة: "أهو إني ما أغار في الدنيا دي كلها غير من جمرة."
حكيم ضحك ورجع جنبها ع السرير ولفلفها في حضنه ونام عشان هي كمان تنام لها هبابة عشان عارفها أول ما يقوم من جنبها هتقوم طوالي.
عدوا يومين جماره فيهم كانت كل يوم تحس بهبابة وجع ويروحوا. لكن في اليوم التالت زاد عليها الوجع وفضلت تلدلد خلت حكيم اتجن وبقى يلف حوالين نفسه وهو واعيها بتتقطع من الوجع. وبسرعة بعت للداية وجات.
ساعات قضاها حكيم في عذاب وهو واقف ع باب أوضة جماره وأمها وأمه وزبيدة والداية كلهم معاها. وكل ما يسأل يقولوله "لسه لسه."
صرخة طلعت من جماره بعزم ما فيها خلت حكيم قلبه كان هيقف وهي بتقوله: "همووووت يا حكيم الحقني." وهنا حكيم مقدرش يصبر أكتر ودفع الباب ودخل. ولف جماره بملاية سرير وخطفها ع دراعاته وجرى بيها حطها في الكارته اللي جرى بشندي جابها. وعيشة ركبت معاهم وهملت ولدها لزبيدة. وجرى بيهم ع الوحدة اللي كانوا جابوا فيها دكتورة النوبادي.
دخلها والداكتورة كتبتله حقن جابها طوالي وفضل واقف يرجف قدام باب الأوضة مع إن الدكتورة طمنته إنها بكرية وهتاخد وقت ياجي ساعة ولا ساعتين تاني على ما تولد.
وفي الأثناء دي غفير جه لحكيم من الغفرا بتوع السرايا وبلهفة قاله: "يا شيخ الحق جمرة بتولد وبشندي بيقول العيل جاي مخلوف ومعرفشي يعملها إيه."
يتبع
رواية جمارة (بين العشق والقسوة الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم ريناد يوسف
حكيم انتفض من الخوف وعينه راحت على باب جمارة وبلع ريقه بتوتر وهو يهمس لنفسه:
استغفر الله العظيم وديه وكته برضك يا جمرة! حكمتك يارب.
راح على الأوضة وخبط عليها وطلب الدكتورة تطلعله. بمجرد ما الباب اتفتح بص لجمارة اللي كانت واخده وضع الولادة على السرير المخصوص للولادة الطبيعية وأمها جنبها ماسكه إيدها والتعب باين عليها. بصتله باستنجاد وهمست باسمه من غير صوت، بس هو شاف حروفه على شفايفها ونار قلبه زادت عليها بزيادة.
غصب عنه بعد عينيه عنها وسأل الدكتورة:
قدامها قد إيه وتولد يا دكتورة؟
الدكتورة:
خلاص تقريباً نص ساعة وتكون والدة وقايمة بالسلامة بإذن الله. الرحم فتح والطفل معدول وكل حاجة طبيعي.
حكيم هز دماغه وابتسم وهو يبص لجمارة مرة أخيرة يطمنها، وهي في عز تعبها ردتله الابتسامة. بعدها الدكتورة دخلت وقفلت الباب.
حكيم بسرعة الريح كان مغادر الوحدة وراكب الكارته اللي جاله بيها الغفير بعد ما بشندي روح بيها طوالى بعد ما وصلهم بطلب من حكيم عشان يفضل جنب جمارة.
طلع بيها حكيم بكل سرعة وهو يهمس لنفسه:
سامحيني يا جمرتي، مش بإيدي.
وبص للسما وابتدا يدعي:
يارب عدلها من عندك وسهلها عليهم هما الاتنين يارب. يارب حطني في أي اختبار في الدنيا تمتحن بيه صبري وإيماني، بس بعيد عن جمرتي وجارتي. عبدك الضعيف قليل الحيلة عشمان في كرمك يا أكرم الأكرمين.
دقايق معدودة بأقصى سرعة بالكارته وكان حكيم قدام بوابة السرايا وفط من الكارته حتى من قبل ما توقف. زين ورمح دخلوا السرايا وشافوا بشندي والسايس بيحاولوا ينيموا جمارة وهي رافضة وواقفة. بمجرد ما شافته صهلت عليه باستنجاد.
حكيم قرب منها قوام وحضن رقبتها وبص لبشندي والسايس وسألهم بقلق:
هي واقفة على حيلها ليه؟ ليه ما نايمهاش؟
السايس:
بكرية وخوافة قوى يا شيخ، كل ما تنام ويجيلها الطلق تقوم تقف من الخوف. وديه سبب خلفة العيل وانه جاي بدماغه مش برجله.
حكيم حب جمارة وابتدا يهمسلها وهو بيمسد عليها بحنان وخوف ويميل رقبتها للأرض ويقعد معاها بالراحة عشان تنام:
يلا يا جمرت حكيم، شدي حيلك هبابه. عارفك عفيه وكدها وكدود. يلا عشان تقوميلي بالسلامة وتجيبيلي مهره حلوة شبهك أكده. يلا يا حبيبتي متخافيش، دانتي قمتي من حضن الموت وعارفك أقوى فرسة في الدنيا. يلا يا بتي يلا.
ومع كل همسة كانت جمارة تستجيب وتطمن لصوت حكيم أكتر وتنزل معاه للأرض لحد ما نامت. وبمجرد ما عملت كده بشندي بسرعة مسك رجليها القدامية والخلفية وضمهم قيدها. وهي بصت عليه بخوف، لكن حكيم بسرعة خد دماغها على حجره وطبطب عليها يهدّي خوفها وبص للسايس وقاله بحزم:
ادفع الراس لجوه تاني والقُط الرجلين بسرعة.
السايس هز دماغه بالموافقة وبسرعة ابتدا ينفذ. وبمجرد ما عملها جمارة رفعت راسها وجضت بألم خلت حكيم يزعق بعلو صوته للسايس:
ما بالراحة يا خي.
السايس:
هدّي حالك يا شيخ، ماهي لازم تتألم. دا ولادة، ومش أي ولادة، دا بكرية وخلفت العيل وحدها عذاب ليها. ادعيلها ربنا يسلم وتقوم بالسلامة عشان الفرس شكله اتخنق.
حكيم رد عليه بتوتر زاد مع كلامه:
ربنا معاها ومعاي، قادر يجبر بخاطرنا. بس انت هم برضه وبالراحة عليها هبابه.
السايس بفرحة:
أهم الرجلين أهم، مسكت واحدة. وادي التانية. اااه.
وابتدا يشد لحد ما طلع الرجلين بعدهم الراس بالأكتاف، وبعدها جمارة حزقت مرة واحدة وطلع منها العيل. وبشندي والسايس هللوا بفرحة لما الفرس الصغير نزل حي. وبشندي بص للسايس وبضحكة قاله:
مش قولتلك مهتولدش غير لما تشوف حكيم الفاجر عشاقة حكيم. أصل إني عارفها يا بوي، روحها مربوطة بيه القزينة دي.
حكيم ضحك بفرحة وبالذات لما جمارة حطت راسها على حجره بتعب. وميل عليها وحبها وهمسلها:
مبروك يا روح الشيخ ورفيقة دربه. والله وبقيتي أم يا جمرة.
وبسرعة شال دماغها سندها على الأرض وجرى لبره بعد ما وصى بشندي على جمارة وولدتها. وركب الكارته وطار على نص قلبه ونص عقله التانيين.
وبشندي هز راسه هو ووعيه متشندل وهمس لروحه:
يعينك يا ولدي عاللي انت فيه ده.
وانتبه وبص للسرايا على صوت بكا ولده سخاوي واطمأن على جمارة قوام وراحله يشيله ويسكته.
حكيم وصل الوحدة ومن على بابها صوت صراخ جمارة خلى رجليه بادوا، وبالعافية قدر يمشي المسافة لحد أوضتها. ووقف قدام الأوضة يرجف وهو سامع صرخات متتالية من جمارة. ومسك مقبض الباب وكان هيفتحه ويخش لها، لكنه وقف مطرحه لما صراخها اتبدل بصرخة تانية صغيرة شقت قلب حكيم شق من الفرحة.
غمض عينيه وابتسم لأحلى نغمة ممكن حد يسمعها في الدنيا، صوت حتة منه بتعلن عن وجودها في الحياة وبتنبه الجميع إنها وصلت للدنيا.
دقايق معدودة فضل فيها حكيم يحمد ربه ويشكر فضله. وبعدها طلعتله عيشة شايلة العيل ومدتهاله وهي بتقول بفرحة:
مبارك عليك الشيخ الصغير يا شيخ حكيم.
حكيم قبل ما يبص للعيل، رفع نفسه وبص لجمارة من فوق دماغ عيشة. وهي أول ما شافته ابتسمتله بتعب. ووقتها بس قلبه ارتاح. وشال عينه من عليها ونزلها على حتة اللحمة الحمرا اللي ملفوفة بالقماش وقلبه رفرف عليه. وشاله وكبر في ودنه وسمى.
ورفع حواجبه بدهشة واستغراب وهو شايف ولده عمال يودي خشمه شمال ويمين وهو فاتحه كيف الزرزور الصغير الجعان.
حكيم بص لعيشة وضحك وهو بيقولها:
ده نازل جعان يا خالة، كانه طالع على عمته غالية مفجوع.
عيشة:
حقه يا ولدي، شوف أمه بقالها كام ساعة ما أكلتش. هروح أساعدها تقوم وأجيبها أنا والتومارجيه على الأوضة التانية ترتاح لها هبابه وترضعه السرسوب اللي يشبعها ويشد حيله.
حكيم وهو بيمدلها الولد:
هتساعدها كيف؟ هتخلوها تمشي يعني؟ له يا بوي، خدي الواد أنا هدخل أشيل مرتي وأجيبها على الأوضة. تقدر تمشي كيف وحيلها باد من وجع الولادة.
اداها الواد ودخل على جمارة الأوضة وشالها بعد ما لفلفها بالملاية اللي كان جايبها بيها كويس. وطلع وداها على الأوضة التانية وسط استغراب الدكتورة والتمارجيه اللي معاها. عشان ده أول مرة يشوفوا راجل بيعامل مرته بالحنية والحب ده كله. ومش أي راجل، ده الشيخ حكيم بذات نفسه.
حكيم وصل بيها للسرير ونزلها بشويش وهمس في ودنها:
كبرتي وبقيتي أم يا نن عين حكيم، وخللتيني أب يا جمارة القلب. بساحل أم في الدنيا كلها والله.
جمارة همستله بتعب:
شفت ولدنا يا حكيم؟ طالع شبه مين فينا؟
حكيم:
والله ما كنت فيه زين من قلقي عليكِ وخوف قلبي. وبعدين يا ستي يطلع كيف ما يطلع. أهم حاجة تمام الخلقة.
وأثناء ما هما بيتحدتوا، تدخلت عيشة في الحديث وهي بتقرب منهم:
خدي يا بنتي وشوفيه وملي عينك منه. افرحي يا بنيتي بعوضك بعد تعبك وقري عينك.
جمارة مدت إيدها لولدها، لكن حكيم سبقها وهو اللي شاله من عيشة وقربه على جمارة. وهي ضحكت بفرحة وهي شايفاه بيعمل مص من الجوع. وحطت صباعها جنب خشمه وهو ابتدا يحاول يوصل لصباعها عشان يرضع. وهي زادت في الضحك وحكيم كمان ضحك عليها معاها.
جمارة:
بص يا حكيم، عامل كيف الزرزور الصغير كيف!
حكيم:
والله لسه قايلها.
عيشة:
يتربى في عزك يا شيخ وفحنانك يا بنتي.
حكيم:
تعيشي يا أم سخاوي.
عيشة وهي فرحانة وضحكهم، وجمارة واخدة الواد في حضنها وحكيم واخد الاتنين في حضنه. دعتلهم من كل قلبها:
ربنا يديم الفرح عليكم والود مابينكم يارب يا عيالي. الحمد لله القلوب الصافية عرفت طريق بعضها وربكم جمع ووفق.
وبعدها علت صوتها وهي بتسأل:
هتسميه إيه يا شيخ؟
حكيم ابتسم وهو باصص لابنه:
تميم. هسميه تميم.
جمارة ضيقت حواجبها باستغراب وسألته:
تميم!! إيه الاسم الغريب ده يا حكيم؟ وبعدين معناه إيه؟
حكيم:
غريب كيف يا بوي؟ تميم معناه الرجل الكامل الخَلْق والخُلُق، الشديد. وبنو تميم من أكبر قبائل العرب.
جمارة هزت دماغها بتفهم وبصت لولدها ومسكت إيده وميلت عليها، حبتها بحنان وهي بتهمسله:
نورت الدنيا ونورت قلوبنا يا سي تميم.
عيشة:
زين ما اخترت وسميت يا بو تميم.
حكيم هز لها دماغه وابتسم لها ورجع بص لولده ومرته. واتقطعت لحظة السكينة اللي الاتنين فيها بسماع صوت بشندي بيعلعل في الوحدة:
هي فين بت المحروق ده؟ مهملة الواد اللي بيرضع وجاية بطولها.
عيشة جريت عشان تفتح باب الأوضة وأول ما فتحت لقيته في وشها وعلى وشه غضب الدنيا. ومدلها الواد وهو جازز على سنانه:
الواد اتفلق من البكاء، شاله تتفلقي نصين يا بعيدة. فايتالك عيل صغير ورايا ما ياكلش وما يعرفش غير يرضع، للناس تعمل فيه إيه وتسكته كيف؟
عيشة:
وأنا كنت فايه ولا فايه يا بشندي؟ كنت هوعاله ولا أوعى لبنتي!
بشندي:
ولدي أولى من بنتك، سخاوي ده سخااااوى واد بشندي، يعني تهملي الدنيا وتقفيله زنهار سامعة. غورى يلا رضعيه في الأوضة التانية دوكها.
عيشة طلعت بالواد من جاره وهو بص لحكيم وجمارة:
حمد لله على سلامتكم انتوا الاتنين. وبالذات حكيم اللي كان بيعطلوق أكتر منكِ. قوليلي جبتي إيه يا بت عيشة؟
جمارة:
واد يا عم بشندي.
بشندي ابتسم بفرحة:
جدعة يا بوي، طالعة لأمك. يتربى في عزك يا شيخ البلد. نقيتوا له اسم ولا اسميهولكم أنا؟
الاثنين في نفس واحد:
له نقيناله.
بشندي:
ومالكم فطيتوا من مطرحكم أكده؟ ده أنا كنت هسميهولكم اسم محدش مسميه واصل، كيف سخاوي أكده. بس يلا انتوا حرين.
أقول لك صح، جمارة قامت على حيلها وولدتها قامت ورضعت وبقوا كيف الورد هما الاتنين.
حكيم غمز لبشندي عشان ما يكملش، لأنه ما صدق إنه لحق رجع لجمرة في الوقت المناسب وكان ناوي يدس عنها إنه راح لجمرة وهملها، لكن بشندي كمل وهو بيقلد حكيم وهو بيغمز:
عتغمزلي ليه؟ ليه بتغمزلي أكده؟
وحكيم عض على شفته وبرضه بشندي عض على شفته زيه وكمل:
عتغمزلي بعينك وخشمك ليه هاه؟
واستمر يقلده. حكيم ضرب مقدمة دماغه بأسى وبشندي كمان عمل زيه واتحدت بإدراك أخيراً:
إيوه إيوه، انت عاوزني ما أقول قدام جمارة إنك هملتها تولد ورحت ولدت جمرة وعاودتلها تاني. آهو أنا دلوقتي فهمت. طب مش تقول يا خي!
حكيم بص لبشندي بغيظ:
يا ريتك ما فهمت يا شيخ. روح يا بشندي روح شوف مراتك وولدك فين روح.
بشندي وهو ماشي:
أنا واد مركوب أصلاً، أنا واقف وعاخد وادي معاكم يا شوية هلس ما بيتمشيش فيكم. أروح لولدي يا بوي.
حكيم رفع عينيه على جمارة اللي كانت بصاله ومبتسمة وهمسلها:
يلا بسرعة قولي اللي في نفسك بس ما تتعصبيش عشان مش زين عليكي وانتي نفسه.
قالها وغمض عينيه وعقد وشه استعداد لوابل من الشتائم وموجه من الغضب، لكنه اتفاجأ بنبرة جمارة الهادية وهي بتقول له:
حمد لله على سلامتها. جابت مهر ولا مهره؟
حكيم فرد ملامحه وفتح عين واحدة وبص لجمارة يتأكد إن كانت ملامح وشها هادية زي كلامها ولا الكلام الهادي ده ما هو إلا سخرية. لكنه اتفاجأ بنفس الابتسامة على وشها وفتح عينيه الاتنين وبرق بذهول وهو يسألها:
يعني مزعلاناشي عشان هملتك وروحت لها؟
جمارة هزت دماغها بنفي:
له مزعلاناشي يا حكيم، عشان خابرة إن جمارة ماليهاش غيرك وإنك ما كنتش سامحت حالك أصلاً لو كنت هملتها وقعدت جاري وهي جرتلها حاجة.
حكيم حب على راسها واخد نفس وزفره براحة:
ما تتصوريش إني كنت بعاطل هم إني أقولك كيف. لدرجة إني فكرت ما أقولكيش عشان ما تزعليش.
جمارة:
اهو إني لو كنت دسيت عني كنت وقتها زعلت منك صح يا حكيم. إني خابرة إنك النوبة دي كنت هتدس عني عشان ما أزعلش وأخذ في نفسي. لكن إني بقولهالك أهه. مفيش حاجة تحصل مع حد فينا ويدسها عن الثاني حتى لو كانت هتزعله. الزعل بيروح لكن كسرة النفس بتتخزن.
حكيم مسك إيدها حبها وهمسلها:
آخر نوبة هدس حاجة عنيكي حتى لو كان فيها زعل. هقولها وأزعلك وهعرف ما أراضيكي بعدها.
وغمزلها وضحك. جمارة ابتسمت وميلت دماغها على صدره وهمستله:
هاه مقولتليش برضه جابت مهر ولا مهره؟
حكيم:
والله ما أعرف ولا استنيت أعرف، إني بمجرد ما نزلته هملتها وجيتلك جري وما كانش في دماغي أي حاجة غير إنها قامت بالسلامة وإني أطمن عليكِ انتي كمان وتقوميلي زيها بالسلامة.
عيشة كانت واقفة على الباب بقالها شوية، مراضياهاش تقطع حديثهم، لكنها في الآخر اتنحنحت:
احممم. يلا يا جمارة عشان ترضعي تميم. اديكي استرحتي هبابة يا بنيتي.
جمارة اتعدلت وعيشة قربت منها وحكيم استأذن حياءً من عيشة لما جمارة ابتدت تفتح زراير جلابيتها. وطلع قعد جنب بشندي بره.
جمارة ابتدت ترضع ولدها واخدت نفس وزفرته بضيق وبصت لولدها وهمستله:
واعى أبوك هملني أنا وانت بين الحياة والموت وراح لفرسته كيف!
عيشة:
وااااه، يشندلك شنديل. ما كنتي كنتي بتقوليله مزعلانش وكنتي ناعمة في الحديث كيف قالب زبدة عيد. قدامه يابنت عيشة. إيه قلب حديثك دلوقتي!
جمارة:
قلتها من ورا قلبي يا أمي. قلتها بلساني بس برضه صعب عليا منه وصعبت عليا نفسي. بس اديكي وعيته كان هيدس عني عشان ما يشوفشي زعلي ولا يسمع مني كلام يأنبه. الوحدة يا أمي لازم تدس غيرتها وزعلها من جوزها على حاجة بيعملها عشان لو عمل كده هياخدها على قد عقله ويعملها من وراها. على قد غيرة الوحدة من حب جوزها لغيرها زي أهله زي حاجة تخصه زي شغله. وخابرة زين إنها حاجة غصب عنه وما بيطلهاش. يبقى تكتم في قلبها ومتبينش وتخلي كل حاجة تحصل قبال عنيها بدل ما تحصل من وراها.
واديكِ شايفة الشيخ حكيم بذات نفسه كان هيبتدي يعمل الحاجة من وراي ويدس عني. هو أيوه لمصلحتي بس برضه إني ما بحبش الدس حتى لو لمصلحتي.
عيشة ابتسمت لبنتها وهزتلها دماغها بالموافقة:
طول عمرك عاقلة يا جمارة ومن صغرك عقلك يوزن بلد. ربنا يكملك بعقلك يا بنتي.
حكيم قاعد جنب بشندي اللي كان شايل ولده وعمال يلاعب ويهشتك فيه. وفضل باصصله شوية ومبتسم. وبعدها جلى صوته وكلمه بهدوء وعينه على سخاوي:
عتحبه كد إيه يا بشندي؟
بشندي وهو بيحب ولده:
ياااابوي يا حكيم. أحبه كد الدنيا بحالها. أحبه أكتر من نفسي.
حكيم:
طب إيه إحساسك لو ربنا لا قدر الله حب ينتقم منك في اللي عملته في غالية وولادها اللي سقط على إيدك في سخاوي. واهي روح بريئة قبال روح بريئة؟
بشندي ملامحه اتغيرت وضم ولده لصدره بخوف وبلع ريقه ورد على حكيم بتوتر:
ليه بت تقول كده يا حكيم؟
حكيم:
بعرض معاك فرض وعوعيك لقصاص ممكن يتخد منك، وكما تدين تدان.
بشندي لسه هيفتح خشمه ويتحدث، لكن حكيم سبقه:
خابر اللي هتقوله وخابر زين كنت تقصد إيه باللي عملته وقتها. بس أنا بتحدث على حق ربنا يا بشندي. قبل ما الواحد يعمل أي حاجة لازم يحط ربنا قبال عينيه حتى لو الحاجة دي كانت هتخدم وتريح ناس كتير، لكن في الآخر هو وحده اللي هيتحاسب عليها مش الناس اللي ريحهم.
خابر إني قولتلك ليه الحديث ده ودلوقتي بالذات. عشان دلوقتي بس أنا جربت غلاوة الضنا وعرفت إنه أغلى من الروح، وعشان كده قولتلك الكلام ده. قولتهولك خوف عليه يا بشندي. قولتهولك عشان تستغفر ربك في كل ثانية على ما اقترفت يداك بجهالة. أيوه اللي عملته ريح غالية وريح الكل وريحني أنا شخصياً وغالية ربنا عوضها بجوز زين وحبلة بعيل غيره. لكن برضه هيفضل وزرُه في رقبتك لحالك ولازم تراضي ربك بالتوبة وكثرة الاستغفار.
وطبطب على كتفه وقام وفاته حاضن ولده وباصصله وبيبلع ريقه بخوف من كلام حكيم ليه. وبرغم حسن نيته في اللي عمله، إلا إنه خاف إن ربنا يردهوله في فرحة عمره ويتكسر ضهره على كبر ويتحرم من ولده كيف ما حرم واد غازي من الدنيا.
حكيم راح على الدكتورة يشوف هيقدر يعود بجمارة وولده للسرايا متيته. وبشندي فضل على حاله ضامم ولده وعمال يستغفر في سره بخوف خلاه حكيم بكلامه غزا روحه غزو.
أخيراً حكيم رجع السرايا بولده وجمارته. وجمارة وقفت هي وأمها اللي ساندها لما حكيم وقف غصب عنه وهو شايل ولده يبص بفرحة على جمرة وولدها اللي طالع نسخة منها، نفس الشكل ونفس الجمال. وجمارة واقفة بترضعه وتشمه ورجع بص لولده وبص لجمارة وابتسم:
بذمتك فيه قلب يتحمل كل الفرحة دي في يوم واحد! جمرتي وجارتي سوا! ألف حمد وشكر ليك يارب.
جمارة ابتسمتله بحب وهي بتهمس:
على كد القلب ما يستاهل ربنا يعيد له فرحة يا شيخي.
وكملت هي وأمها للسرايا وحكيم وقف لما شاف السايس جاي عليه يجري:
مبروك ما جا لك يا شيخ. ألف مبروك يتربى في عزك.
حكيم:
الله يبارك فيك. قولي جمرة جابت إيه؟
السايس:
مهره يا شيخ. مهره الخالق الناطق أمها.
حكيم هز دماغه برضى:
صح اللي يشوفها يقول جمارة صغيرة.
السايس:
هتسميها إيه يا شيخ؟
حكيم وهو باصص للمهرة بإعجاب:
بشاير. هسميها بشاير.
السايس:
حلو قوي يا شيخ. ربنا يجعلها بشرة خير عليك يا رب.
حكيم:
آمين يارب العالمين.
وحط إيده في جيبه طلع فلوس من غير ما يعرف قد إيه ولا فاهم للسايس اللي خدهم النوبة بفرحة من غير تل ولا سحب وباسهم وبارك لحكيم تاني وتالت ومشى.
حكيم بص لبشندي اللي كان قرب منه وهو شايل ولده:
خش بالواد واقف ليه بيه هنا في الطل. ده كيف الكتكوت ما يحملش.
حكيم:
كنت بطمن على جمارة وبشاير.
بشندي:
الاثنين كيف الورد. خش بالواد يا بوي خش.
حكيم اتحرك لكنه لف لبشندي تاني وكلمه بحنان:
تزعلش من حديثي يا بشندي، إني بعوعيك عشان تفكر في الحاجة قبل ما تعملها من هنا ورايح.
بشندي:
يا بوي ما بزعلش، وقولتلك قبل سابق إني وربى نتخلصوا. متشغلش بالك بيا. انت بس ادخل بالواد الله يرضى عليك.
حكيم هز دماغه واتحرك على السرايا وبشندي معاه ودخل بالواد حطه في حجر أمه تماضر اللي ما بطلتش زغريت من أول ما شافته ودموعها بقت نازلة عشرة عشرة. وحتى زبيدة انضمت لها في الزغريت وصوت الفرح صدح في السرايا بتميم واد الشيخ حكيم ونسل وامتداد الشيخ جاهين حامل كتاب الله اللي عاش ومات يتحرى شبهة الحرام في كل حاجة حتى اللقمة اللي كانت تدخل جوفه.
عدت الأيام واليوم السابع اتدبحت الدبايح. عجول حكيم اشتراها من بيوت موثوقة وتحرى عن وكلها وتربيتها ودبح ووزع لناس البلد وعمل ليلة حضرتها كل البلد والبلاد اللي حواليها بشيوخها بشبابها بشيبابها. وكانت ليلة فضلت الناس تتحاكى بيها شهور.
عدت سنة على ولادة تميم ومن يوم ولادته ودخوله للسرايا وولادة بشاير، وكأنهم اتولدوا ونزلوا جارين الخير في إيديهم للشيخ حكيم اللي كل يوم عن يوم تجارته تكبر وتزيد والبركة ملازماها والفرح من يومها نزيل السرايا.
حكيم لما هد المشتمل طلع منه الأجهزة التلاتة وحطهم في السرايا وشغلهم ورجع الكاميرات تشتغل من تاني. بس نقل الكاميرا اللي في أوضته لأوضة غالية القديمة اللي بقا ينام فيها تميم. عشان لما أمه تنزل وتهمله نايم تبقى وعياه في الجهاز وتشوفه لما يصحى. والتانية فضلت في الجنينة كيف ما هي عشان تميم وخاله سخاوي لما يلعبوا في الجنينة يكونوا قبال عينهم ووعينهم. أما التالتة فخدها ركبها على بوابة السرايا عشان وهو في السرايا يشوف الرجالة ويشوف مين جايله ومين رايحله. ودي وفرت على بشندي مشاوير كتير للسرايا عشان ينادي حكيم للناس. وبصراحة الكل اجمع إن الكاميرات دي أحسن حاجة عملها غازي قبل ما يموت.
بشندي في يوم خد عيشة على استعجال وخلاها تهمل سخاوي مع أخته وولد أخته وركبها الكارته وطار بيها من غير ما يقولها رايح بيها فين.
جمارة استغربت وسألت حكيم بشندي واخد أمها ورايح فين. وحكيم ضحك وقالها مفاجأة لما تعود أمك هتبقى تعرفهالك وهملها بحيرتها وطلع.
بشندي وصل بعيشة على أطراف البلد قصاد بيت مسلح مبني دورين بس كبير وتقريباً بحجم سراية الشيخ حكيم، لكن جنينته أصغر هبابه. بشندي نزل من الكارته وساعد عيشة تنزل ودخل بيها من بوابة البيت وهي مستغربة وبتتلفت حواليها وسألته:
بيت مين ده يابشندي وداخل كيف من غير أحم ولا دستور أكده!
بشندي وقف وبص لعيشة ومسك إيدها:
ده بيتنا الجديد يا عيشة. بيت السخاوي واد بشندي. بيت يليق بولدي. حطيت فيه تحويشة عمري عشان ما يبقاش أقل من حد ولا يكبر في سراية حكيم وحد من عيال حكيم يسمعه كلمة تهينه وتحسسه بالقل. الناس هتكون غير الناس ومتعلميش النفوس هتكون كيف. ولدي أدي سرايته وغير حتة أرض اشتريتهاله باللي فضل من الفلوس اللي معايا.
عيشة وهي بتبص حواليها ومش مصدقة حالها:
يشندلك يابشندي. بقا معاك كل الفلوس دي ومبينش عليك! جبتها منين يا راجل؟
بشندي ضحك وساب إيدين عيشة وبص للبيت بفخر:
عيشت طول عمري أحط القرش عالقرش ومصرفشي حاجة غير للضرورة. عملت فلوس كتير وكنت كلت يوم بالليل قبل ما أنام أسأل حالي. ياترى هتعمل إيه بالفلوس دي يابشندي وياهل ترى الفلوس دي هتروح لمين بعد منك وانت وحداني مليكش حد في الدنيا. كتير كنت أقول أصرفهم يا د واتبجح بيهم وأعيش والعمر خلاص قرب يخلص. لكن فيه حاجة كانت تقول لي له. هملهم عازتهم جاية. وأول ما ربنا رزقني بسخاوي عرفت إن ربنا كان شايلهاله. بنيت له البيت واشتريت له حتة أرض وأمنت له مستقبله ودلوقتي ارتحت ولو ربنا خد أمانته في أي وقت. هموت وأنا مطمئن مخايفش عليه ولا عليكي.
عيشة بسرعة سدت خشمه واتكلمت بخوف:
أوعك تنطقها تاني. ربنا يديك طول العمر لحدت ما تفرح بيه وتجوز عيال عياله.
بشندي بضحكة وهو بيشيل إيدها من على خشمه ويحبها:
واه عيال عياله يا عيشة. أخي بس يديني العمر وأفرح بسخاوي بس. هو يعني العمر فيه قد إيه؟
عيشة:
العمر لسه قدامك وانت لساك في عز شبابك. العمر ما يتقاسش بالسنين يابشندي. العمر يتقاس بالفرح وبتطول من الراحة. واحنا اللي جاي كله هنقضيه في راحة. راحة من بعد تعب وصبر هترجعنا شباب من تاني.
بشندي ابتسم وهو باصص لعيشة وعينه في عينيها:
كلامك هينزل القلب كيف المية الباردة بتنزل في الجوف العطشان في عز الحر يا بت المحروق انتي.
عيشة ضحكت وهو شاور لها بدماغه عالبيت:
همي اتفرجي على دارك عشان ندشنوه قوام قوام ونعودوا للواد. بطلي سهوكة وغمز لها بعينه وخشم.
عيشة شافته بيعمل كده وضحكت بصوت عالي ودخلت قدامه وهو دخل وراها وهو بيضحك وبيقول:
غازيه يا بوي والله. إني بقول متجوز غازية محدش مصدقني. أهي حتى الضحكة ضحكة غواز.
ودخل وقفل باب البيت وراه.
ابتدت الشهور تمر وتميم كبر وتم سنتين وبقا روح السرايا كلها. وطول الوقت يا أما مع حكيم في المندرة ياخده يحضر قعدات الرجال يا أما يفضل يحفظه قرآن هو وسخاوي ويعده للمشيخة من صغره. يا أما مع ستة تماضر تحكيله في قصص الأنبياء وسيرة الرسول بطريقة شيقة وتخليه يحب سماعها.
أما جمارة فكانت ملهية عنه بحبل تاني أصعب من حبلها فيه. ويادوبها من النوم في حضن حكيم للنوم في حضن المخدة لما يطلع. وحركتها بقت بطيئة وتقريباً ما تقومش من مطرحها غير للضرورة. ولو نزلت تحت لازم حكيم يطلعها فوق شايلها ذنب عليه لو كان عايزها تنام جاره يا أما تهدده لو هملها تنام مطرحها تحت للصبح. وهو يشيل ويلفح وعلى قلبه كيف العسل.
أما بشندي فنقل للبيت الجديد واشترى له كارته تسهل عليه المشوار للسرايا. وحكيم اداه فرس عفى هدية للكارته. وبشندي اتحسب على الأعيان سرايا وأرض وكارته. لكن برضه لسه في خدمة ولده البكري حكيم وأول فرحة قلبه. ولسه واقف في ضهره وقفة أب لولده. وبرغم غلاوة سخاوي ولده إلا إن حكيم لسه ولد قلبه وولد القلب ما بيترخصش واصل.
غالية كل كام يوم تكلمهم ويكلموها. وعرفوا إنها جابت راغب صغير وكلهم هناك طايرين بيه وبيها. ودايماً تشكر في جوزها وتقول إنه شايلها على كفوف الراحة هو وأهله. وقالت لامها إنها ادته الدهب باعته وابتدا بيه تجارة جديدة وحالها ماشي وبتجيب له فلوس خير من الله وحالهم من بعدها اتحسنت كتير. وراغب وأسامة شايلين لغالية الجميل وفي الطالعة والنازلة ميندهوش عليها غير بالأصيلة.
ورد الشام اتجوزت من تاجر كبير ساكن في الشاغور واستقروا هناك وعايشة معاه في سعادة وحامل من قريب وهو أهله طايرين بيها طير.
جمارة لتاني مرة تخلي قلب حكيم يرجف من الخوف عليها لما دخلت في أم الولادة وجالها الطلق. لكن النوبة كانت أسهل من اللي قبلها وولدت في البيت وجابت لحكيم بنت. أول ما شالها بين إيديه ابتسم في وشها وهمسلها في ودنها بعد ما كبر وشهد:
يامرحب بالمؤنسات الغاليات يامرحب. نورتي دار أبوكي يا نوارة الدار وبت الشيخ.
واتمعن فيها وابتسم وهو واعي فيها ملامح أمه كلها وراح على أمه حطها في حجرها:
بصي على تماضر الصغيرة يا أم حكيم.
تماضر سمت وضحكت وهي بتبصلها:
أيوه الله يا حكيم يا ولدي شبهي صح!
حكيم:
اهو الشبه اللي خدته منكِ ده هيخليني أحبها أكتر من الكل. وزيدي عليها لما تاخد الاسم كمان. يعني من اليوم ورايح بقيت تماضر الصغيرة اسم وصورة من تماضر الكبيرة.
تماضر ضحكت بفرحة وبصت لحكيم:
يخليك ليا يا نن عيني وواد روحي.
حكيم:
ويخليكي ليا يا لبة القلب.
وقرب ليها:
هاتي تماضر عشان أديها لأمها ترضعها. وبصي للي واقف جنبها مكلضم ده على مطرحه في حجرك بس شاف غيره قاعد فيه.
تماضر بصت لتميم وفردت له إيدها بحب:
له له له. ولا يحلى ولا يغلى إلا الغالي. أول بلة الزور وأول فرحتنا. تعالي يا تميمت الخير يا غالي ستك.
وتميم أول ما عمل كده راح عليها جري وقعد في حجرها وحضنها بتملك كيف ما يكون كان متغرب عنها سنين وحس إن غيره استولى عليها. أما حكيم فدخل بالبنت لجمارة وحطها في حضنها وقعد جنبها.
جمارة:
هتسميها إيه يا حكيمي؟
حكيم:
سميتها تماضر يا جمارة. بعد إذنك يعني عشان مش عاوز اسم أمي يتقطع من الدنيا. أبوي اسمه ملازم اسمي وبيتُنطق معاه في كل وقت. لكن اسم أمي هيتنَسى بعد موتها بعد عمر طويل. وعشان كده سميت البت على اسمها.
جمارة ابتسمتله:
يا زين ما سميت يا شيخ قلبي. يارب بس تاخد من ستها الاسم والطبع والطيبة وكل حاجة كيف ما خدت الاسم.
حكيم:
ما خدتش الاسم بس له ده وأخدت الشكل كمان ولا ما خدتش بالك من دقة الحنك.
جمارة:
له خدت بالي ولسه كنت أقول لأمي عليها.
وبصت للبنت واتكلمت بطفولية وحنان:
تماضر.. يا تمره.. يا جميلة.. افتحي عينك خليني أشوف لونهم يا قمرة. يارب تكوني وراثه لون عيني كيف أخوكي. افتحي يا قلب أمك.
وحطت إيدها فوق عين البت عشان تعمل لها ضل وبالفعل البنت فتحت عينيها وجمارة ضحكت بفرحة.
زورق يا حكيم. عينيها زورق كيف عيني وعينين تميم.
حكيم ميل عليها وباسها وبعدها بص لتمرة وهمس:
والله واتحاوطت يا حكيم بعيون البسس وعوم عاد في بحر العيون الزورق لودانك.
جمارة بدلع:
ما عجباكش العيون الزورق يا شيخ ولا إيه!
حكيم:
واه يا بوي كيف ما أعجبانيش عاد. طب وهو أنا إيه اللي شندل بالي غير العيون الزورق دول طيب. ده أنا لو خرج المارد من قمقمه وقال لي لبيه. دقيقة واحدة لديك تختار فيها كل ما تريده. من قطع الياقوت والزمرد. لاخترت عينيك الزرقاء بلا تردد.
جمارة ضحكت بفرحة وسندت دماغها على صدر حكيم وهو حاوطها بدراعه وميل عليها وباس دماغها وبص لفوق واخد نفس وردد:
يارب قلبي لم يعد كافيا لأن من أحبها تعادل الدنيا. فضع بصدرى واحدا غيره يكون في مساحة الدنيا. (نزار قباني).
ورجع بص لجمارته اللي بتضحك بفرحة وبعنيها الفايضة محبة وشكر لرب العباد.
عدت السنين وجمارة خلفت فيهم ولد تاني وحكيم سماه بكر. وأصبح معاه تميم وبكر صبيان. وكان بعض الناس ينادوا له أبو بكر وهو يستبشر بالاسم تيمنا بأبو بكر الصديق متمنياً أن ينال من الاسم بعض ما ناله أبو بكر الصديق من مكانة عند ربه. وأصبح حدا حكيم ولدين وبت هما نص الدنيا عنده ونص القلب والنص التاني فيه باقي الناس. واستمر الشيخ حكيم على عهده يصول ويجول حاكماً بالحق ناصحاً بالمعروف قابضاً على دينه محافظاً عليه كالقابض على جمرة من نار. واشتهر بين الناس بالشيخ الحكيم اسماً وفعلاً.
أما جمارة فمن بعد بشاير ما حبلتش تاني. وبشاير بقت لعبة تميم المفضلة هو وسخاوي. وطول اليوم يا أما فوق شجرة التوت. يا أما يتعاونوا فوق ضهر بشاير. وتمارة وراهم تبكي عايزة تلعب معاهم وهما يقولولها:
إحنا رجالة ما بنلعبش مع بنات.
أما بشندي فعايش في راحة بال مع عيشة وفرحته بتكبر يوم عن يوم وهو واعِ سخاوي بيكبر قدامه. وطول الوقت مقعد الواد قباله ويقوله:
أوعك تخلي حد يغلبك ولا يجور على حقك. واعمل حسابك إن ولاد أختك دول إخواتك وانت كبيرهم والمسؤول عنهم وعن حمايتهم. واوعك تفوت حد يجي عليهم في يوم طول ما راسك بتشم الهوا.
وفعلاً سخاوي بقى واخد دور الكبير وبقى يحكم على ولاد أخته وهما يسمعوا. وياويله اللي ما يسمعش كلامه ولا ينفذه يبقى يوم مشندل ما طلعتلوش شمس على الكل.
فتحت جمارة عينيها ببطء وهي تشعر بأيدي تلتف حول خصرها بحنو بالغ. فتبسمت وهي تشعر برأس حكيمها تتوسد كتفها وهمس بجوار أذنيها بحب:
سنين تباعد سنين والشيب غزا الشعر وكبرنا ولساتها التنهيدة ملازماكي كل ما بتطلعي للجنينة!! تعبت من كتر الكلام وإني أقولك انسى وامحي الذكريات العفشة من جواكي وانتي مفيش فايدة فيكي.
جمارة همستله:
مش بإيدي. كل ما أطلع للجنينة أحس بلسعات الكرباج على جسمي. وحتى الطلق مطرحه بحس بألمي حتى بعد كل السنين دي.
حكيم:
يعني كل الحب والهنا اللي عايشناه ده مقدرشي ينسيكي!
جمارة:
الحب والهنا دول عوض. وبالعكس طول ما أنا باصة للعوض بفتكر اللي ربنا عوضني عنه.
حكيم:
قولتلك نهملو السرايا وابنيلك وحدة غيرها مرضيتيشي ونشفتي مخك. كنت عايز أريحك وأبعدك عن ذكرياتك العفشة خالص.
جمارة:
ماهي زي ما ليا فيها ذكريات عفشة. ليا فيها كمان أحلى ذكريات عمري. فيها قابلتك وفيها حبيتك. فيها اتجوزتك وقضيت معاك أوقات لو هتتحسب يبقى تتحسب كل دقيقة بسنة عشق. فيها خلفت عيالي وفيها كبروا قبال عيني. السرايا ده ليا فيها حياة كاملة يا حكيم. حياة حبها بمرها بزينها بشينها. بحلوها اللي غير طعم المر وحلاه. وكيف ما شفت فيها القسوة شفت فيها العشق. وما بين القسوة والعشق مرت سنين العمر.
ما إن أنهت كلماتها حتى أدارها حكيم عليه وقبلها. حكيم قبلها على جبينها قبلته الصباحية المعتادة والتي يعقبها دائماً بأبيات شعر اعتاد أن يرددها على مسامعها كل صباح منذ أن أخبرته كم أنها تعشق تلك الأبيات من فمه فعاهدها بأن يسمعها إياها في كل صباح حتى ينتهي العمر. ويصمت اللسان عن الكلام:
يا من غزلت قميصك من ورقات الشجر
أيا من حميتك بالصبر من قطرات المطر
أحبك جداً وكان الطريق إلى المستحيل طويل
أحبك جداً
وأعرف أني أسافر في بحر عينيك دون يقين
وأترك عقلي ورائي وأركض أركض خلف جنوني
وأستجدي كي عطفا بألا تتركيني
فماذا أكون أنا إذا لم تكوني
أحبك جداً وجداً وجداً
وأرفض من نار حبك أن أستقيلا
وهل يستطيع المتيم بالعشق أن يستقيلا
وما همني ان خرجت من الحب حيا
وما همني ان خرجت قتيلا
أحبك جدا وجدا وجدا
(نزار قباني)
حكيم خلص الأبيات وخد نفس قوي وزفره وهمس لجمارة:
خابرة يا جمارة إني كل ما أشم هوا الصبح ونسيمه تلاطف وشي عيبقي نفسي في إيه.
جمارة:
إيه يا شيخ قلبي!
حكيم:
نفسي أعود لأيام زمان وأشوفك وانتي متلملمة وشايلة طبق الجبنة وماشية. وإني أمشي وراكي وأراقبك بجمرة وقلبي يرجع يرقص بين ضلوعي على خطوات رجليكي وأشم ريحتك اللي بتنعش روحي وهي حاملها الهوا ليا هدية.
جمارة ضحكت وهمستله:
بس أكده؟ هو ده اللي نفسك فيه يا ضي عيني!
حكيم:
ما تستهونيش بكده. دي أمنية كبيرة وفرحة لقلبي ما تتقدرش.
جمارة خدت نفس ومدت إيدها اتلمست دقن حكيمها اللي الشيب غزاها وزاده هيبة ووقار وجمال فوق جماله. وبعدها حاوطت رقبته بإيديها الاتنين وابتدت تقرب منه وهو كمان. لكن الاتنين بعدوا مرة واحدة وهم سامعين صوت أكتر حد مزعج في الدنيا:
اصطبحي يا زرازير الحب وبعدوا عن الشبابيك. عيب على شيبكم. هملي قيس يا ليلى وروحي صحي عيالك ورانا مدارس يا خيتي.
حكيم جز على سنانه وهمس بقلة حيلة وغلب:
سخااااوى.
جمارة ضحكت واتحركت بسرعة قبل ما سخاوي يشن الحرب عليهم.
دقايق معدودة وكان الكل صاحي وبيلبسو. وبعدها نزلوا وسخاوي في الوقت ده كان صبح على بشرى وفطرها وانضم له حكيم يفطر جمارة وسأله على بشندي أبوه. وسخاوي قاله إن أبوه قاله إنه النهاردة إجازة.
سخاوي نتر إيديه بقلة صبر وهو واعي عيال أخته التلاتة طالعين من باب السرايا وزعق فيهم:
ما تفضونا وتصحوا بدري كيف البني آدمين عاد. ينفع يعني كل يوم أكده آجي أصحيكوا من النوم! دم يلحس عنوقكم عايشين الدور قوي.
الولاد مردوش عليه عشان عارفين لو ردوا صبحيتهم ما هتعدي. وتميم وبكر صبحوا على أبوهم من بعيد. لكن تمرة راحت جري لأبوها وحضنته وباسته وهو ضحك لها بحب وهمسلها كيف كل يوم:
اصباح الهنا على دلوعة أبوها وست البنات كلها.
وطلع لهم مصروفهم هما الأربعة كلهم كد بعض. واتأكد إنهم خدوا السندوتشات اللي عملاها لهم خديجة بت زبيدة اللي بقت تيجي مع أمها تساعدها. ووقف يراقبهم وهم ماشيين سخاوي في النص وفارد دراعيه الاتنين محاوط عيال أخته بكر وتميم وواخد كل واحد فيهم تحت جناحه بالظبط كيف ما كان يعمل معاه بشندي. وتمارة ماشية قدامهم ومشكلين وراها سد حماية منيع مخلي حكيم مطمئن عليها طول ما هي في وسطهم.
النهاردة الجمعة وحكيم نايم بعد ما صلى الفجر. ومرة واحدة حس بأيد تهزه وسمع صوت بتة تمرة وهي بتصحيه وتقوله:
أبوي ابووي. أمي بتقولك لو عايز تشوف بت بياعة الجبنة روح لها قبل ما تخلص بيع جبنة وتعود.
حكيم فتح عينيه ورفع حواجبه باستغراب وهو واعي النور لسه ما طلعش زين والدنيا مضهضبة. وقام منتور لما فهم القصد ونزل يجري خد جمرة وطلع بيها يسابق الريح على طريقهم القديم والضحكة شاقة حلقه. وكان الطريق فاضي مفيش غيره هو وجمرة ونسيم هوا باردة بتلاطف شعره وملامح وشه. وزادت ابتسامته لما لمحها في وسط الطريق واقفة وحاطة اللثام على وشها وشايلة الطبق فوق دماغها. وأول ما شافت قرب عليها ابتسمت وعرف من ضيق عينيها لما قرب منه.
بصت له بطرف عينها وبعدها اتحركت تتمشى قدامه بدلع رجعه لسنين فاتت. وحتى قلبه رجع افتكر الدقات اللي كان يدقها زمان وهو شايفها على نفس الطريق ورجع يدق بنفس الطريقة وهي بتتمشى قباله بدلع ورهدنة وتتمايل في طريق مفهوش غيرهم هما التلاتة.
بعدت عينيه كام خطوة وهو ابتدا يمشي وراها بجمرة بشويش والاتنين يضحكوا بصوت عالي. واللي يشوفهم يحسبهم عيال صغيرة قلبها أخضر وطالعة للدنيا جديد ولسه شرارة العشق بادئة ما بينهم.
حكيم مرة واحدة قرب من جمارة وبسرعة وبذراع واحد خطفها وحطها على جمرة قدامه كيف ما كان يتمنى إنه يعمل زمان. وهي رمت الطبق الفاضي وصوت ضحكها خلى العصافير تغادر الشجر وتحلق فوقهم مستغربة. وحكيم لف إيديه حواليها ودفن دماغه في رقبتها يشم ريحة الصبا وسنين فاتت لكنها هملت حلاوتها في جمارته قبل ما تغادر. ورخى اللجام لجمرة اللي انطلقت بيهم بسرعة تقطع شوارع العشق بالعشاق وجعتهم ورجعت معاهم للذي مضى. ونسمات الهوا الباردة بتلفح قلوبهم الفايضة بالمحبة. وجمارة فردت إيديها وغمضت عينيها باستمتاع وفرحة بحبيب العمر اللي حافظ على عهده ليها وحافظ على حبها في قلبه سنين زاد فيها حبها في قلبه ما نقصش.
تمت الرواية كاملة .