تحميل رواية «غناء الروح» PDF
بقلم زيزي محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
جفنيه وهو مستلقي بأريحية فوق فراشه ينعم بدفئه بعيدًا عن متاعب العمل وصراعات النسوة عليه، شعر بأصابع رقيقة ناعمة تحمل رائحة طيبة، بل كانت رائحة شهية تثير داخله مشاعر جمة، تتبع فضوله وفرق جفنيه ليطالع فتاة جميلة تقف بثياب أنثوية فاضحة، شهقة كادت تخترق جوفه، اتساع بؤبؤيه يشبه متفرج أبله يرتعد من أفلام الرعب، تلقائيًا قبض بكفيه فوق غطائه الازرق يجذبه على جسده كمن قُبض عليه بالجرم المشهود! وهتف بنبرة غليظة تنافي ردود أفعال جسده المرتعبة:-أنتي مين؟!تلون ثغرها المغطى بلون أحمر ناري بابتسامة ناعمة رقيقة...
رواية غناء الروح الفصل الأول 1 - بقلم زيزي محمد
داعب شعاع النور جفنيه وهو مستلقي بأريحية فوق فراشه ينعم بدفئه بعيدًا عن متاعب العمل وصراعات النسوة عليه، شعر بأصابع رقيقة ناعمة تحمل رائحة طيبة، بل كانت رائحة شهية تثير داخله مشاعر جمة، تتبع فضوله وفرق جفنيه ليطالع فتاة جميلة تقف بثياب أنثوية فاضحة، شهقة كادت تخترق جوفه، اتساع بؤبؤيه يشبه متفرج أبله يرتعد من أفلام الرعب، تلقائيًا قبض بكفيه فوق غطائه الازرق يجذبه على جسده كمن قُبض عليه بالجرم المشهود! وهتف بنبرة غليظة تنافي ردود أفعال جسده المرتعبة:
-أنتي مين؟!
تلون ثغرها المغطى بلون أحمر ناري بابتسامة ناعمة رقيقة وهي تهتف:
-أنا حبيبتك يا حبيبي!
إجابة لم يفهم منها شيء قط، فعاد يقول بنبرة قاربت على الجنون وهو ينظر لجدران غرفته يتأكد من وجوده بمنزله:
-مافهمتش أنتي مين بردو وازاي تدخلي اوضتي؟!
ضحكة رخيصة خرجت منها وهي تتخصر ثم قالت:
-قولتلك حبيبتك!
وقبل أن يجيبها بسبة نابية، التقطت أذنيه صوت أخرى تقف بإحدى زوايا الغرفة تدافع عن حقها به بصوت أنثوي شرس:
-لا يا حبيبتي أنا اللي حبيبته!
انفرج فمه بصدمة أخرى وهنا اتفق جسده معه وانتفض كمن لدغه عقرب:
-انتوا مين؟! وازاي دخلتوا هنا!
لم يجيباه بل الاجابة كانت من نصيب مَن خرجت مِن أسفل الفراش تبتسم ابتسامة خبيثة:
-أنت حبيبي أنا ولا يمكن أسيبك ليهم.
وقف فوق فراشه يمسك وسادته أمامه يدافع بها عن نفسه:
-انتي خرجتي منين انتي كمان؟!
-من تحت السرير يا حبيبي.
هز رأسه كالمجنون وانطلق يبتعد عنهن وتوجه لباب غرفته يفتحه في محاولة قوية منه للهروب بينما هن يمسكن بثيابه بجنون وهو يخطو للأمام حتى وصل للباب وفتحه ولكن أصابته الصاعقة حين وجد منزله يمتلئ عن أخره بالفتيات ولا يوجد أثر لعائلته وكل واحدة منهن تدافع عن أحقيتها فيه وبالزواج منه!
ظل يهز رأسه كالمجنون ويصرخ فيهن لعلهن يبتعدن عنه ولكن لا فائدة فظل يطلب منهن الرحمة به والرأفة بحالته وهن يطبقن عليه كمن وجد كنز ثمين، فأصبح لا أثر له وهو بينهن وأنفاسه اختفت تدريجيًا حتى شعر بيد قوية تجذبه من قاع أحلامه الغريبة والمجنونة:
-قوم يا بيــــه، قوم يا دنجوان.
تمتم داخله بارتياح قبل أن يفتح عيناه:
-دا صوت سليم أخويا، يبقى ان شاء الله خير.
وبالفعل فتح عينيه هذه المرة على واقعه يتأكد من خلو غرفته من الفتيات، ثم اعتدل رغم امساك سليم بيه بقوة:
-اوعى كدا يا سليم، اشوف يمكن فيه حد تحت السرير.
تجاهل سليم كلامه غير المفهوم، ورد بنبرة ساخرة وهو يشير بيده الأخرى على هاتفه:
-عيد ميلادك دا ولا عيد ميلاد هارون الرشيد إلا لما لقيت راجل واحد بيوحد ربنا في الصور، فاضحني على طول ربنا يفضحك.
تصنع الدهشة سريعًا وقال بنبرة غلب عليها الحزن:
-أنا!، على طول ظالمني.
توسعت أعين سليم من وقاحة أخيه المتعمدة، فقال:
-أنت بتكذب عيني عينك كده، ده أنا شايف الصور بعيني.
اعتدل فوق فراشه يحاول التخلص من قبضة أخيه الأكبر، مفكرًا في فكرة للتخلص من تلك الورطة:
-دي كانت مفاجأة بريئة منهم.
رفع سليم أحد حاجباه متسائلاً بنبرة غلب عليها نفاذ صبره:
-مين دول بقى؟ حبايبك ولا معجباتك.
صاح بعلو صوته يبعد تلك التهمة عنه وهو يقول بصوت يغمره الإصرار الكاذب:
-لا أبدًا، دول أصحابي، هو أنا قلبي أيه عشان يبقى دول كلهم بحبهم، يا سليم افهم فيهم كذا واحدة صاحبتي والكام واحدة دول عزموا أصحابهم.
تلون ثغر سليم بسخرية، فهتف:
-اه يا حرام على طول كده مظلوم، طيب عيد ميلادك المفاجأة البريئة اللي عملوها الكام واحدة صاحبتك اللي بردوا هما اللي عزموا كم البنات دول، مفيش فيهم راجل يوحد ربنا.
-لا أزاي كان فيه طبعا هو اللي بيصور.
مد سليم أصابعه يرجع خصلات شعره المتناثرة فوق جبهته للخلف، بينما كان يردد بصوت عالٍ:
-ايوه بردوا مفيش صورة واحدة ليكم مع بعض.
ابتسم يزن ابتسامة سمجة وهو يجيب:
-مابيحبش يظهر في السوشيال ميديا بيتكسف.
ابتعد سليم عنه باشمئزاز وهو يقول:
-عنده دم يعني، مش زيك.
-اه أنا عندي فراولة.
قالها بصوت مكتوم، فانقض عليه سليم مرة يهدد بنبرته الغليظة الحادة:
-اقسم بالله يا يزن لو ما اتعدلت واتظبطت في حياتك وشغلك، وبعدت عن البنات والهلس والقرف ده، لأكون مجوزك بمعرفتي وغصب عنك.
ابعده يزن عنه بصعوبة وهو يقول بنبرة شبه جادة:
-على فكرة أنا كنت صاحي من النوم وواخد القرار ده أصلاً.
سأله سليم بشك:
-قرار أيه؟! الجواز!
هز رأسه نافيًا وفمه يؤكد صحة قراره الذي اتخذه عقب حلمه المريب:
-جواز أيه يا عم، أنا بطلع السلم واحدة واحدة، أنا قررت ابعد عن البنات، أنا حاسس بقرفة، أو محسود أو مخنوق، ماعرفش مالي!
-بعيدًا عن أحاسيسك اللي كلها هتدفنها أول ما تخرج من باب البيت وتلمح بنت حلوة، أنا كلمتي واحدة وأنت عارفني، أسمع بس عنك حاجة ماتعجبنيش، وأنت وقتها هتشوف اللي عمرك ما شوفته مني.
ثم اعتدل سليم مرة أخرى في وقفته وهندم ثيابه بعنجهيته المعهودة وخرج بخطواته الواثقة، فزفر يزن أنفاسه وظل يمسح فوق خصلات شعره في حركة لا إرادية تتملكه عندها يكون متوترًا أو غاضبًا.
***
في مكان آخر وفي إحدى مناطق متوسطي الدخل، جذبت " سيرا " سترتها البيضاء من فوق الحِبال المرصوصة خارج الشرفة، ثم دخلت لغرفتها ببسمتها الصباحية والتي زادتها إشراقًا ذلك الصباح خصيصًا، لأنه أول يوم عمل لها في " مركز تدريب نسائي" في منطقة راقية بمبلغ مالي عندما سمعته وصفته" محترم، مرتب محترم" رفعت يدها للأعلى وهتفت بهمس:
-يارب الزق في الشغل، ويكون وشه خير عليا، يمكن يجيلي عريس ولا حاجة.
فُتح باب غرفتها ودخلت " أبلة حكمت" أختها الكبرى وهي تقول بصوت معترض:
-والعريس هيجي منين طول ما أنتي حالك كده.
اختفت بسمتها واتخذت وضع الهجوم:
-يا أبلة حكمت أنا بدعي بصوت واطي بيني وبين ربنا وباب اوضتي مقفول، داخله في حياتي ليه؟!
انفلت لسان " أبلة حكمت" بوابل من الشتائم:
-قليلة الادب ازاي تكلميني كده، وأنا أختك الكبيرة.
اصطنعت الندم فوق ملامحها وخفضت بصرها قليلاً وهي تقول:
-أسفة يا أبلة مش هتتكرر تاني، ممكن اكمل لبسي عشان الحق انزل شغلي.
سخرت " أبلة حكمت" منها بصوت عالٍ لم يعجب "سيرا " إطلاقًا ولكنها التزمت الهدوء:
-قال شغل قال، كنتي اتنيلتي على عينك وذاكرتي ودخلتي كلية كويسة تعرفي تشتغلي شغلانة حلوة، لكن نقول أيه كنتي لاسعة ودخلتي تربية رياضية، في بنت تبقى كابتن يا ناس.
شاركت " فريال" في الحديث وهي الأخت الأصغر من حكمت ببضع سنوات قائلة وهي تحمل طفلها الصغير ذي العامين:
-الدنية اتغيرت يا أبلة حكمت، وبعدين سيبي سيرا في حالها يمكن ربنا يوفقها في حياة أحسن مننا.
شهقت "أبلة حكمت" عاليًا وقررت إظهار إمارات التعالي والنفور:
-أحسن منك أنتي وشاهندا و كريمة، لكن أحسن مني في أيه ان شاء الله!
التوى فم "سيرا" بسخط، ولمحتها "أبلة حكمت" بطرف عينيها فانفجر فمها بكلمات يملأها الغيظ:
-طيب والله اتمنى سيرا تعيش نفس العيشة اللي أنا عايشها.
خرجت حروف سيرة ثقيلة للغاية وهي تنظر لأختها الاخرى " فريال" بنظرات ذات مغزى:
-يا ريت يا أبلة حكمت، بس إلا قوليلي هي الجلابية الزرقة دي جديدة ولا أيه؟!
نظرت " حكمت" لثيابها باستنكار ممزوج بعدم الفهم:
-لا قديمة، ما انتي شايفها مية مرة!
تصنعت " سيرا" الدهشة، قائلة:
-والله! ما شاء الله عليكي يا أبلة حكمت محافظة على هدومك، كل مرة كده بتلخبط وبفتكر هدومك جديدة.
انتفخ صدر حكمت بالفخر مما دفعها للتباهي بنفسها، قائلة:
-نفسي تتعلموا مني وتبقوا زيي تعرفوا توفروا والله حالكم هيبقى أحسن.
مالت " فريال " بنظراتها المعاتبة نحو سيرا التي انطلقت سهام الاعتذار من عينيها ردًا على تلك النظرات، انتظرا خروج " حكمت " من الغرفة وهي تستكمل حديثها المتفاخر عنها وعن زوجها العصامي وعن حالتهما المادية المتيسرة، فقالت " فريال" بغيظ فور خروجها:
-حال أيه اللي نبقى زيه، دي بتيجي تفطر هي وعيالها كل يوم عشان توفر ومش مراعية ظروف بابا ولا أنه متحملنا كلنا.
هزت "سيرا" رأسها بيأس، فتابعت الاخرى بنفس الغيظ:
-وانتي يا باردة بتفتحيها عشان نقعد احنا نسمع وصلة التمجيد في نفسها على حسابنا، وان هي عرفت تختار وقاعدة في شقة جوزها وليها حياتها، لكن أنا وشاهندا وكريمة اختيارتنا غلط ومحملين بابا فوق طاقته بوجودنا هنا احنا واجوزاتنا وعيالنا و....
اوقفتها سيرا متأسفة:
-خلاص حقك عليا يا فريال، معلش كنت عايزة اخلع منها وانتي عارفة مابتجيش غير بكده.
عاتبتها فريال بأسلوب هادئ نوعا ما:
-مش على حسابنا يا سيرا، أنا واخواتك تعبنا من كلامها.
خفضت سيرا رأسها بأسف فلم تجد ما تقوله، ولكن سرعان ما استدركت فريال نفسها وقالت بهدوء يتخلله بعض الاهتزاز النفسي البسيط:
-معلش يا حبيبتي وترناكي قبل شغلك الجديد، حقك عليا.
سرعان ما ابتسمت سيرا وهتفت بشقاوة مداعبة اختها بأصابعها في خديها:
-افراج ياعني، امشي؟!
ضحكت فريال ولكن ضحكتها لم تكن صافية بقدر جمال قلبها الابيض كما دومًا تصفه سيرا، شعرت سيرا بأن هناك خطب ما يحلق في سماء حدقتي فريال، فقالت بشيء من القلق:
-في أيه يا فريال؟!
حمحمت بحرج واندفعت تخبر اختها الصغرى بما تحاول إخراجه منذ بداية دخولها:
-كنت كلمت بابا على فلوس لكمال جوزي عشان مشروعه الجديد اللي انتي عرفتي بيه...
قاطعتها سيرا وهي تلملم باقي اغراضها قائلة:
-اه السوبر ماركت، ايه بابا مش معاه فلوس؟!
خفضت فريال رأسها بحرج شديد قائلة:
-لا معاه بس فلوس جهازك اللي هو وماما بيشلوها على جنب، فقالي استأذنك يعني اخد منها مبلغ اهو يساعد كمال في مشروعه يمكن ربنا يفرجها عليه وعلينا وحياتنا تتحسن شوية.
ظهرت علامات الاستفهام على وجه سيرا وهي تتساءل بحماقة:
-ما تاخدوا يا بنتي في أيه؟! انتي شايفة العرسان بتتحدف عليا.
تهللت أسارير فريال وقامت باحتضان سيرا بفرحة عارمة وهي تقول بامتنان:
-بجد ربنا يخليكي يا رب يا سيرا ويجبر بخاطرك يا حبيبتي.
قبلتها سيرا في وجنتيها بحب، مردفة بمزاح خالطه الرجاء:
-ويخليكي ليا يا حبيبتي، بس عشان خاطري نبهي على عيالك يسبوا الجبنة الرومي بتاعتي في حالي عشان أنا اعصابي تعبت بجد.
توسعت أعين فريال بصدمة وأسف معًا:
-يا خبر هما ولاد الجزمة دول كلوها بردو.
هزت سيرا رأسها بقلة حيلة وهي تضع حقيبتها خلف ظهرها تستعد للخروج من غرفتها بعد أن دق هاتفها عدة مرات معلنًا عن وصول صديقتها "حورية" أسفل المنزل، فودعت فريال سريعًا وفي طريقها للخروج من غرفتها حتى باب المنزل قامت بتوديع جميع افراد عائلتها المنتشرين في جميع أركان الشقة التي ورثها أبيها عن عائلته ولحسن حظه كانت مساحة الشقة واسعة وتتضمن غرف كثيرة فساعده الوضع على انجاب خمس فتيات هما ( حكمت، وكريمة، وفريال، وشاهندا، وسيرا) وتوأمان بعمر المراهقة هما ( عبود وقاسم)، ولكن والد سيرا لم يكن بحسبانه أن الزمن سيجعل من شقته عبارة ملجأ لفتياته حتى بعد زواجهن، فظروفهن المادية لم تساعدهن هن وازواجهن على استئجار شقة، فعرض عليهن مساعدتهن بإقامتهن معه، وتدريجيًا بدأ في ضخهن بالأموال بعد أن زادت أعباء الحياة عليهن، ووسط كل ذلك استطاعت سيرا الحصول على غرفة صغيرة في أخر الشقة تفصلها قليلاً عن باقي الغرف المرصوصة بجانب بعضها، فشعرت ببعض الخصوصية أو أنها تتوهم ذلك حتى تستطيع مواكبة الحياة معهم بعد أن أصبح أمر اقامتهم دائم ولا خيار فيه.
***
سارت " سيرا" بجانب صديقتها حورية في طريق طويل بعد أن هبطا من وسيلة الموصلات العامة، وقررا استكمال باقي طريقهما سيرًا على الاقدام فتحظى كلاً منهما بقليل من الوقت تخبر الاخرى عما تكنه بصدرها من أمورٍ لا تستطيع إخراجها لأحد، فتنهدت " حورية" بانزعاج واضح قبل أن تسمح للسانها في ترويض عقل " سيرا" الجامح:
-يا سيرا يا حبيبتي طلعي كلام أبلة حكمت أختك من دماغك عشان تعرفي تعيشي.
زفرت " سيرا " بحنق قبل أن تقول:
-اعيش أيه يا حورية، أنا اقسم بالله خلاص بدأت اطق، ونفسي فعلا اهرب من البيت ومن الضغط النفسي اللي أنا فيه، أبلة حكمت محسساني إني خلاص بقيت بايرة، لا محسساني أيه دي بتقوليهالي في وشي، ومش عاجبها أي حاجة، حرفيًا ليل نهار بتتنمر عليا وعلى اختيارتي وعلى كل خطوة بعملها في حياتي.
-طيب وعمو حسني رأيه أيه في كلامها ده؟
ضحكت ساخرة بخفة وهي تجيب على صديقتها:
-بابا زهق منها وبقى يسكت، ولو فكر يكلمها ويرد عليها تتقمص وتنزل شقتها.
صاحت حورية بسعادة لإيجادها الحل المناسب في مأساة صديقتها:
-حلو خليها مقموصة بقى في شقتها.
توقفت سيرا عن السير وهي تردف بيأس:
-دي لو اتقمصت العصر بتطلعلنا العشا.
انفجرت حورية ضاحكة، فتابعت سيرا بصوتها المغمور في اليأس:
-المشكلة مش على قد أبلة حكمت، المشكلة إني مابقتش حاسة بخصوصية في أي حاجة، البيت زحمة باخواتي وعيالهم، حتى كريمة بقت تيجي تلات أيام في الاسبوع وتقضيهم عندنا هي وجوزها بعد ما بابا عرض عليها عشان يساعدهم من ضغط المصاريف.. الشقة مابقتش مستحملنا بفريال وجوزها وعيالها التلاتة وشاهندا وجوزها وعيالها الاتنين كملت بكريمة وعيالها الاربعة ده غير أبلة حكمت وعيالها اصلا مقمين عندنا.
اوقفتها حورية بعدم فهم:
-هي مش أبلة حكمت متجوزة تحتكم وليها شقتها.
-ما هي بتصحى الصبح تقعد معانا ومابتنزلش غير بليل.
شعرت حورية بالتيه فقالت بأسف:
-الله يكون في عون بابكي ومامتك بجد ده مورستال.
تنهيدة أخرى عميقة خرجت من صدر سيرا المكتظ ببعض الأمور النفسية المعقدة:
-بابا وماما على قلبهم زي العسل، المشكلة فيا أنا بقيت خايفة افكر اتجوز ابقى زيهم، نفسي ربنا يكرمني بعريس كويس ومقتدر ماديًا.
رمقتها حورية باشمئزاز وهي تقول:
-سطحية اوي، المفروض تقولي ربنا يكرمني بعريس ابن حلال.
-ما هو هيطلع ابن حلال أكيد طالما هيتجوزني.
ارتسمت علامات الامتعاض فوق وجه حورية:
-وده ليه ان شاء الله؟!
توقفا الاثنان أمام البرج الشاهق والذي يقبع به " المركز الرياضي" ، فبدأت سيرا في وصف نفسها بصوت شقي وابتسامة واسعة وأنثوية مفعمة بالحياة:
-عشان أنا بنت حلال، وطيبة وغلبانة وقلبي...
ضحكت حورية بمكر شقي وهي تسألها:
-ماله قلبك بقى يا اختي؟!
-أكيد ابيض وقمر زيها كده.
صوت رجولي اخترق دائرة حديثهما المغلقة، فأصابهما بالفزع وخاصةً "حورية" التي هتفت بصدمة لم تكن تتوقعها:
-يزن؟!
مرر بصره من فوق حورية بقصر قامتها إلى تلك طويلة القامة بجسدها المناسب لطولها، مرورًا بملامح وجهها الجميلة والبريئة والتي تنافي نبرة التعالي الملاحقة لصوتها وهي تستعرض مواصفاتها بكل جرأة سرقت عقله رغم أنه كان يضع لنفسه بعض الحدود حين خرج من منزله مقررًا الحد من التعامل مع النساء اليوم كتدريب حقيقي له على استكمال باقي حياته دونهن ولكن الوضع اختلف وشعر بتأجيل ذلك القرار قليلاً.
-مين ده يا حورية، قريبك؟!
انتبه على صوتها وهي تتساءل بنعومة استفزته، رغم أنه متعاد على تلك الصفة ولكن يبدو أنها أنثى تحظى بجاذبية مميزة لم تمر عليه أو ربما يتوهم ذلك كعادته مع كل فتاة جديدة يقابلها!
وقبل أن تجيب " حورية" كان هو يسبق بيده التي صافح بها " سيرا" بلباقته المعهودة، وصوته الرجولي الجذاب القادر على سلب لُب الفتيات في ثوان معدودة يصدح بنغمة مميزة وهو يقوم بتعريف نفسه:
-يزن الشعراوي صاحب معرض العربيات اللي وراكي ده.
قاطعته حورية وهى تهتف بغيظ منه ومن طريقته الملتوية في جذب انتباه صديقتها البلهاء:
-بتسأل انت قريبي ولا لا، مابتسألش بتشتغل أيه؟!
مازحها كعادته وهو يردف:
-ماتبقيش قاطعة ارزاق، وعلى العموم حورية تبقى قريبتي.
استنكرت حورية بصدمة:
-ايه ده ولا اعرفك!
-انتي تطولي تعرفي حد نضيف زيي!
انفجر فم حورية بصدمة بعد أن القى بقنبلة وقاحته في وجهها دون سابق انذار، فسارع بقوله الممازح:
-خلاص ياستي ماتعيطيش قريبتي..
قطع كلامه لثوان ثم اشتبك بنظراته مع تلك الواقفة تتابع حديثهم بعدم فهم:
-كان ممكن يجيلها جلطة دلوقتي بسبب هزاري، احنا في معرفة كده ما بينا، المهم ماتعرفتش باسمك؟
جاذبيته جعلت من سيرا بلهاء كما سبتها حورية بسرها:
-أنا سيرا صاحبة حورية وابقى مدربة الزومبا في الجيم اللي فوق ده.
رفع حاجبيه لحديثها الغريب بداية من اسمها العجيب والذي لم يسمعه من قبل حتى مهنتها الاغرب، ولكنه سعد بتجربة جديدة سيخوضها قريبًا وخاصةً بعدما لمح نظرات الاعجاب المختفية بأعين تلك الغزالة الرقيقة.
-فرصة سعيدة يا سيرا لو احتاجتي أي حاجة أنا موجود في المعرض على طول، واتمنى تيجي تشرفيني طبعًا فيه.
ثم نظر لحورية مستكملاً حديثه بتحدٍ:
- أيه القطة كلت لسانك؟
رمقته حورية بامتعاض، فهمس لها قبل أن يتركهما:
-قصيرة وحقودة، الاتنين كتير عليكي.
انفجر فمها بدهشة من مدى وقاحته، حتى استمعت لضحكات سيرا الخافتة، فقالت بغيظ:
-بتضحكي على أيه يا باردة؟!
وضعت سيرا يدها فوق فمها قائلة:
-أسفة بس هو ظريف اوي وضحكني.
-والله ما حد ظريف الا انتي اتنيلي اطلعي يلا، عارفة لو مش أول يوم وانتي متوترة والله ما كنت عبرتك وجيت معاكي.
دفعتها حورية لداخل المبنى وبداخلها بعض القلق من يزن ووجوده الدائم أمام عمل سيرا، حيث شعرت بالخوف أن تقع صديقتها في فخ هذا الصياد الماهر، فلم تهرب سمكة من شباكه قط، وكأنه يملك طُعم ايقاعهن في حبه بكل سلاسة دون أن يبذل مجهود، ما العمل وخاصة بعدما علمت من اختها عن كل شيء يخص يزن وحبه للفتيات بحكم صداقتها مع مليكة زوجة زيدان.
***
بعد عدة ساعات..
تركت المبنى التي تعمل به صديقتها "سيرا" وتوجهت عازمة كل العزم نحو ذلك الصياد، راسمة علامات الجدية والصرامة علها تجدي نفعًا معه، ورغم أن دخولها يشبه هبوب عاصفة عاتيه إلا أنه استقبلها بابتسامة مشرقة مردفًا بصوته الهادئ:
-والله نورتي المكان.
رسمت ابتسامة مقتضبة:
-المكان منور بأصحابه.
أشار إليها بالجلوس متحدثًا بسلاسة كعادته:
-ده إيه اللطف ده! احنا لسه الصبح كنا هنموت بعض.
رفضت الجلوس واستمرت بمكانها متحدثة بجدية أكبر حاولت إظهارها فصاحبت معها نبرتها الحادة:
-لا ونموت بعض ليه يا أستاذ يزن، احنا كبار وعاقلين.
رسم فوق وجهه إمارات الملل، قائلاً:
-وبعدين؟
رفعت حاجبيها معًا، ونظرت له نظرة طويلة قطعها هو بسؤاله الصريح:
-يعني بعد المقدمة الرسمية دي عايزة أيه؟
أجابت سريعًا بصراحة ووضوح:
-تطلع سيرا من دماغك.
رغمًا عنه خرجت منه ضحكة ساخرة وهو يقول:
-أيه يا بنتي انتي محسساني اني قاتل متسلسل!
استمرت على نفس النهج ومالت نبرتها لشيء من الحدة الممزوجة بالتهديد المبطن:
-بلاش السخرية تكون محور كلامنا، أنا قولتلك احنا عاقلين.
اخشوشن صوته وهو يعقب على حديثها الذي استفزه كثيرًا رغم أنه لم يظهر لها ذلك:
-ما انتي اللي غريبة وبتقولي كلام أغرب الصراحة!
هزت كتفيها والإصرار يتعلق بحافة صوتها وهي تقول:
-أيه الغريب في كده، أظن إنك فاهم كويس اقصد أيه، هي مش زي البنات اللي تعرفها هي انضف من كده بكتير، بلاش تجرها لسكة مش بتاعتها.
رغم أنها استفزته وانقشع عنه قناع البرود والهدوء، إلا أنه رد باستهزاء:
-لدرجادي سمعتي سبقاني.
ردت بنفس نبرة التهكم خاصته:
-ما شاء الله عندك تصالح مع الذات ماشوفتوش في حياتي.
رغم سخريتها الواضحة إلا أنه تحدث معها بصدق:
-يمكن عشان مابكونش قصدي أأذي حد.
لم تلاحظ صدقه وكأن الصورة المأخوذة عنه كانت كالغمامة أمام عينيها، فاستمرت على نفس النهج الهجومي:
-امال اللي بتعمله ده يبقى أيه؟
هنا استنفذت كل طاقته معها وأجاب بشراسة ضمنية:
-أنتي جاية تناقشيني بقى في حياتي الشخصية؟!
لم تجد رد مناسبًا بعد أن وضعت نفسها في موقف حرج معه، فاستكمل هو حديثه بنفس نبرته الخشنة:
-أصل أنا بصراحة مش فاهم أيه مدى الجرأة اللي عندك تخليكي أنك تيجي وتتكلمي في حاجة ماتخصكيش.
ضمت شفتيها بضيق واضح بعد احراجه لها، فاستكمل ولم يعطِ لها فرصة للرد:
-لا انتي لو عايزة كلام يوجع ويحرج أكتر ممكن اقوله، بس أنا هاحتفظ بمساحة القرابة ....
صمت لثوان معدودة ثم قال بصوت مبطن بالسخرية:
-سوري اقصد بالمعرفة اللي ما بينا فعشان كده هسكت وهطلبلك حاجة تشربيها.
ردت بكبرياء:
-شكرًا لذوقك.
-لا وعلى أيه شرفتي الشوية الصغيرين دول.
غادرت وهي في أوج لحظات غضبها من ذلك المتعجرف الماكر وبالنهاية لم تأخذ منه عهد واضح حول عدم تعرضه لصديقتها، ولم تأخذ في الحسبان أنه سريعًا قام بربط حديثها معه وفكرتها المأخوذة عنه بصداقة زوجة أخيه معها هي واختها شهيرة، ومالت نفسه للغضب المتفاقم من "مليكة" التي من الواضح أنها السبب في تلك الصورة المأخوذة عنه رغم أنه لم يتجاوز حدوده معها قط هي أو شمس!
****
في أحدى المنازل السكينة والتي يبدو على قاطنيها أنهم ميسوري الحال، اندفعت " يسر " للغرفة تبكي بحرقة شديدة بينما والدتها "أمل" تحاول جاهدة في تهدئتها:
-يا يسر اهدي ابوكي كده هيسمع.
أشارت نحو عنقها وبصوت مختنق قالت:
-مابقتش قادرة اسكت واعدي، أنا خلاص حاسة أني هموت بقهرتي يا ماما.
-يا بنتي قهرة أيه بس، الموضوع بسيط.
كانت مجرد كلمات تتلفظ بها والدتها على أمل امتصاص حزنها ولكنها كانت الشرارة التي أشعلت نيران حرقتها:
-عمره ما كان بسيط، ماتحاوليش تحسسيني إني تافهة، انتي نفسك يا ماما ماتقدريش تعيشي اللي أنا بعيشه مع نوح.
ضربت والدتها كف بأخر قائلة:
-يابنتي هو عشان بهديكي تقوليلي كده، وفعلا انتي مكبره الموضوع جوزك دكتور تغذية .....
قاطعتها "يسر" بغيظ من وسط بكائها:
-ولازم لسانه يكون زي العسل ولبق عشان يفضل مستمر في مجاله...فـ يكون كل اللي بيتابعوه معاه بنات وبس، واللي شغالين عنده بنات وبس، حتى المعمل يا شيخة اللي دخل شريك فيه مع حد كاستثمار بردو كانت دكتورة واللي شغالين في المعمل كلهم كلهم بنات مفيش ذكر واحد في حياته، أنا عمري ما سمعت راجل بيتصل عليه كلهم بنات وستات مفيش حد يستحمل اللي أنا بستحمله، وفي الاخر الدكتور المحترم بيكلمني على إن تجربة الجوازة التانية نفسه يجربها.
-ارفضي.
-ماقدرش انتي عارفة كويس، أني مقدرش ارفض.
قالتها بنبرة منفعلة، ولحظات الماضي تهاجم عقلها كالوحش الضاري حين يقرر الانتقام فجأة، لن تنسى قط ما وافقت عليه في لحظة غاب بها العقل وسيطر فيها القلب!
_____________________
رواية غناء الروح الفصل الثاني 2 - بقلم زيزي محمد
- أيه اللي ماتقدريش ترفضيه يا يسر؟
انتقلت نظرات والد يسر، السيد فاضل، تاجر الأجهزة الكهربائية، بينها وبين والدتها أمل. فسارعت والدتها كعادتها بتهدئة الوضع بكلماتها الثابتة، رغم أنها كانت تحمل قدرًا كبيرًا من التوتر:
- مفيش حاجة يا حاج فاضل، دي يسر بس بقولها نروح نعمل مفاجأة لنوح في العيادة بمناسبة عيد ميلاده، وهي بتقولي: "ماقدرش".
رفع والدها حاجبيه معًا بتعجب وركز بنظراته على ابنته الباكية:
- أيوه بردو، أيه الصعب في كده!
خفضت بصرها تخفي عيناها الحزينة وهي تقول بصوت مرتجف ممزوج بنغمة الأسى المصاحبة دومًا لصوتها:
- عشان اتخانقت أنا وهو.
صمتت تستطلع رد فعل والدتها التي هاجم التوتر قسماتها بوضوح، فأكملت بضيق:
- وكرامتي واجعاني بس.
- يعني الخناقة دي هو قل أدبه عليكي فيها، ولا خناقة بين اتنين متجوزين عادية؟
أجابت بصدق على والدها:
- لا خناقة عادية يا بابا.
اكتفت بهذا القدر من الإجابة وأخفت سبب المشكلة المتفاقمة بينها وبين زوجها لعلمها بمدى صرامة والدها الشديدة، وأن ذلك العيب الخطير المصاحب لشخصية زوجها لن يتقبله والدها أبدًا.
- ومن إمتى يا حاج فاضل نوح بيقل أدبه على يسر؟
- ما يقدرش أصلاً.
رده الخشن والصارم جعلها تخطو نحوه تحتضنه، تنهل من نهر حنانه ما يكفيها لاستكمال طريقها مع نوح مُحب النساء!
- بس ده ما يمنعش بردو يا يسر إنك تتنازلي وتروحي تفاجئي جوزك في شغله، إنك افتكرتيه. الحاجات دي بصراحة بتفرح الراجل.
ضحكت أمل بخفة تمازح زوجها بطريقتها البسيطة:
- يعني طلعت بتتبسط مني يا حاج؟
- آه طبعًا.
أجاب بصدق وهو يشملها بنظراته الحنونة المحبة لشخصيتها البسيطة، فقالت يسر بهمس متقطع يحمل قهرًا نابعًا من معاملة نوح لها:
- عشان بتحبها بجد من قلبك يا بابا.
- بتقولي حاجة يا يسر؟
رفعت نظراتها وهي تحرك رأسها بالنفي:
- لا.
ابتسم لها ابتسامته الحنونة:
- طيب يلا روحي لجوزك وصالحيه، ما تبوظيش يوم زي ده بشوية عكننة مالهاش لازمة.
سارعت والدتها بالتأكيد الممزوج باللهفة:
- أيوه كلامك صح يا حاج فاضل، يلا هنزل معاكي بالمرة وأوصلك لغاية العيادة.
لم تجد يسر مفرًا يسمح لها بالفرار من فكرة ذهابها لزوجها في عمله، فاستسلمت بحسرة والشجن ينسج خيوطه بعينيها الممتلئة عن آخرها بالدموع.
***
غادر يزن المصعد وهو ينظر للشقة القابعة أمامه، فقابلته فتاة بزي رسمي مكون من تنورة طالت ركبتيها وقميص زهري اللون ملتصق إلى حد ما بجسدها. رمقها بنظراته التي حاول بقدر الإمكان أن يحجمها ولكنه فشل كعادته وغمرها بالإعجاب الشقي وهو يقول:
- أهلًا بمروة القمر.
مال وجهها للخجل وهي تبادله نفس نظرات الإعجاب:
- أهلًا بيك يا مستر يزن، نورت العيادة كلها.
- مستر أيه بقى، هو أنا مش قولتلك ما بحبش الألقاب.
شهقت بنعومة مقصودة:
- يا خبر، ما أقدرش.
مالت شفتيه ببسمة ساخرة جذابة:
- ليه اسمي صعب كده، ده حتى تحسيه اسم سينمائي.
بادرت بتأييده بحرارة ناعمة:
- عندك حق بجد.
- أيه الرقة دي، ما عرفش نوح بيلاقي موظفينه البروفيشنال فين؟! ده أنا دايخ يا مروة على حد زيك يستقبل الكلاينتس في الأجانص مش لاقي، كلهم غفر.
ضحكت برقة والسعادة تغمر صوتها عقب مديحه لها:
- ميرسي لذوقك أوي، وإن شاء الله هتلاقي، أنت حد كويس أوي أوي يا...
- يا أيه؟! أوعي تقولي مستر، دي بحس بكرشة نفس لما حد بيقولهالي.
مزاحه وخفة دمه كانت الضوء الأخضر لها كي تجرد الألقاب بارتياح:
- يا يزن.
- طلعت سهلة صح؟!
سألها بمزاح واتضح لها مدى إعجابه بها، فشعرت بالفخر لجمالها وشخصيتها التي ظنت أنها فريدة لدرجة أنها استطاعت جذب أنظاره، ولم تدرك أنه ماكر جدًا ويعلم متى يخفي إعجابه ومتى يظهره في الوقت المناسب!
- ها أيه يا قمر، نوح موجود؟
- آه دكتور نوح موجود، هيفرح جدًا لما يعرف بوجودك.
ضحك بسخرية ملحوظة معقبًا على ترحيبها المبالغ فيه:
- أنا أي حد بيفرح بوجودي.
دخل يزن العيادة وكما هو متوقع وجدها تزدحم بالنساء فقط! صداقته لنوح لم تكن من فراغ، فبينهما الكثير من سنوات العمر التي قضياها معًا كجيران يقطنان بنفس الشارع قبل أن ينتقل نوح مع عائلته منذ فترة كبيرة لتخطي تلك الاختلافات التي جعلت شخصياتهما منفردة بذاتها. فلم يقتصرا على تجاور المنازل فقط، بل اعتبره والد يزن كأحد أبنائه الثلاثة. فكانت حالة أسرة نوح المادية ما دفعته لضمه لكنف أبنائه وشراء ملابس مماثلة له حتى لا يشعر بالنقص أبدًا. ولأن يزن كان أقربهم إليه رغم أنه أكبر منه بعدة سنوات، إلا أنه قد نشأ وهو يلعب معه في ظل ابتعاد زيدان قليلاً عنه. كان أحيانًا يصر يزن أن يذهبا معًا لاختيار ملابس متطابقة لهما حتى يظهرا كالأخوة، مما ترك هذا في قلب نوح أثرًا بليغًا ما زال يحمله حتى اليوم. ورغم تعارضه مع يزن في تصرفاته الطائشة وعدم تركيزه في دراسته، إلا أنه لم يتجنبه أو يبتعد عنه رغم تباعد المسافات واختلاف الكليات كذلك. فقد اجتهد نوح ولاقى من المشقة حتى تخرج من كلية الطب بينما تخرج يزن من كلية التجارة. انتظر يزن وقتًا قليلاً كي يدخل لصديق عمره نوح، والذي استقبله بحفاوة كبيرة:
- يزن باشا الشعراوي نورت العيادة يا عم اقسم بالله.
احتضنه يزن وهو يردف بضحك:
- أول مرة تلاقي راجل عبرك وجالك العيادة.
دفعه نوح للخلف بمزاح:
- يا عم الحال من بعضه، يعني أنا لما بجيلك بلاقي رجالة يعني.
جلس يزن فوق المقعد المقابل لمكتب نوح وهو يخرج تنهيدة قوية مردفًا بتهكم:
- على رأيك ده حتى يبقى خطر على صحتنا.
تابع خلفه بضحك:
- وعلى سمعتنا.
شاركه الضحك ثم قال يزن بضيق زائف:
- أنت يا اللي ما عندكش بربع جنيه احترام للمواعيد، مكنتش متفق معايا على يوم الخميس تيجيلي ونسهر، وفي الآخر تقلبني وتقفل تليفونك. أنا جاي أهزقك وأمشي.
وضع نوح يده فوق وجهه وفركه بقوة وهو يقول بثقل ملحوظ بصوته:
- اتخانقت وقتها مع يسر خناقة كبيرة ومكنتش طايق حد.
رفع يزن أحد حاجبيه باعتراض معقبًا على حديثه:
- هو أنا حد بردو، كنت تعال وصدعني بمشاكلك مع مراتك اللي ما بتخلصش، أنا من رأيي تطلقوا وترتاحوا.
- أنت صاحب جدع ومفيش اتنين منك في البلد، عشان لو كان فيه كانت خربت اقسم بالله.
رددها نوح بضحك وهو ينظر لصديقه الذي اتخذ وضعية التفاخر بالذات رغم معرفته بمقصده الساخر.
- ويا ترى اتخانقتوا ليه يا دكتور نوح المرادي، على مروة ولا سهى ولا منار ولا نهلة ولا...
أوقفه نوح معترضًا بجدية:
- حيلك حيلك، لا طبعًا الموضوع مكنش بسبب البنات.
توسعت أعين يزن بتعجب غير مصدقٍ ما يرويه صديقه فقال بفضول بان على وجهه:
- يا شيخ ماتقولش، هو فيه موضوع تاني مختلف، أول مرة تحصل في التاريخ، بص فضولي هيقتلني لو ما عرفتوش حالاً.
هز نوح كتفيه متظاهرًا بالضيق وهو يفجر قنبلته التي كانت السبب في رسم علامات الدهشة على وجه صديقه:
- عشان بقولها نفسي اتجوز تاني وبحاول أقنعها، هبت فيا وكأني أجرمت وبقولها عايز أمشي مع واحدة ولعياذ بالله في الحرام، أنا بجد مش عارف دماغها دي فيها أيه!
صمت يزن لثوانٍ معدودة قبل أن يسأله بحذر وهو ينظر إليه نظرات متصفحة:
- أوعى كده وريني يمكن عورتك كده وانت مداريها.
- ليه يا عم أخوك مسيطر؟!
صاح نوح باعتراض ممزوج بالفخر لرجولته، فهز يزن رأسه معقبًا باستهزاء:
- واضح واضح، ولما الخناقة حصلت نمت فين؟!
أجاب ببساطة وهو يحاول أن يكتم ضحكته:
- هنا في العيادة.
- صاحبي رجولة.
فُتح الباب بقوة أدهشت نوح واندفعت كلمات التوبيخ على طرف لسانه ولكنه حجمها في اللحظة الأخيرة، عندما وجد يسر تقف على أعتاب الباب ممسكة به وخلفها والدتها التي يبدو على وجهها عدم الرضا من أفعال ابنتها، فعقب ساخرًا:
- أيه لقيتي راجل معايا، مش واحدة وبخونك، انتي كده مديونة لي باعتذار.
اندفعت الدماء لوجهها بحرج من موقفها المندفع، وراحت تتحدث بتلعثم طفيف:
- آآ.. أنا كـ... كنت داخلة مستعجلة وعايزك..
قاطعها يزن بأسلوبه اللبق رافعًا عنها الحرج:
- أنا كنت ماشي يا يسر أصلاً، أخبارك أيه؟
والتفت كي يغادر الغرفة، فردت بصوت مستعص:
- الحمد لله يا يزن، أنت عامل أيه؟
- زي الفل.
ثم التفت لوالدتها وقام بالترحيب بها ومن ثم قال لصديقه:
- عايز حاجة يا نوح، ما تنساش اللي اتفقنا عليه، وخف شوية على العربية عشان ما تهنجش معاك في الآخر، والله ما تعرف تعوضها.
أدرك نوح المغزى الذي يحاول يزن إيصاله له بطريقته المبطنة تلك، فأومأ برأسه ولم يعقب بأي كلمة حتى خرج. وعقب مغادرته انفجرت نظرات اللوم والعتاب من عينيه ومن فمه الذي أثقل يسر الواقفة بجانب والدتها تخفي عيناها عنه:
- يعني لما الناس تشوفك بره وانتي داخلة بالمنظر ده على جوزك في شغله تقول أيه؟!
استلمت أمل مهمة تهدئة الوضع كعادتها، وهي تقول:
- ولا أي حاجة يا حبيبي، أنا اللي كنت مستعجلة فيسر اتصرفت كده، دي حتى كانت جاية تقولك كل سنة وانت طيب عشان عيد ميلادك.
أنهت حديثها وهي تلكز ابنتها في الخفاء حيث لجم الصمت لسانها كعادتها، فانتهبت الأخرى قائلة بوجومٍ غير قادرة على نسيانه وهو يحدثها عن ضرورة زواجه مرة ثانية كي يحسن من نفسيته التي ساءت بسبب ضغط العمل:
- كل سنة وانت طيب.
تنهد نوح بقوة وهو يجلس فوق مقعده، مررًا بصره فوقها وهي تناظره بنظراتها الغاضبة والتي فشلت في إخفائها:
- ومالك بتقوليها وانتي مضايقة ليه؟
- ولا مضايقة ولا حاجة، دي يسر غلبانة وطيبة وقلبها مفيش أرق منه وبتنسى بسرعة.
ربتت والدتها فوق كتفيها برقة وحنو وهي تثني عليها بطريقتها البسيطة، فقاطعها نوح بغل:
- اللي قلبها طيب دي خلت جوزها يمشي الساعة 12 بليل من بيته ولا همهما أنه تعبان وجاي من شغله هلكان وعايز يلاقي الراحة في بيته، لكن إزاي؟! لازم يلاقي النكد والبوز اللي طول شبرين.
انفلت لسانها بحدة وغضب:
- الجزاء من جنس العمل، يعني جاي تحرق دمي وعايزني استقبلك بالأحضان، ده حتى الأحضان خسارة فيك.
أشار لوالدتها بصوتٍ مستشيط:
- شايفة يا حاجة بنتك بترد عليا إزاي؟! أبوكي لو عرف طريقتك دي والله ما هايرضيه.
لم تعطِ الفرصة لوالدتها واندفعت تردف بعنفوان ناري رغم استنكار والدتها:
- ولو عرف باللي انت بتحاول تقنعني بيه مش هيخليني على ذمتك لحظة واحدة.
التهمت نيران الغضب آخر ذرة تعقل لديه وأردف:
- أنتي فاكرة إني مستني منك الموافقة، يبقى بتحلمي، أنا لو عايز أعمل حاجة هعملها ومش هيهمني حد.
- عيب كده يا نوح يا ابني، المفروض أنا واقفة وليا احترامي بردو.
قالتها والدتها بعتاب واضح وصريح، فقال بحدة:
- يعني عاجبك أسلوبها، أصلاً هي عارفة كويس إن الحاجة اللي أنا عايزها ما فيهاش نقاش ما بينا، لإن النقاش انتهى من زمان من يوم ما هي وافقت ولا نسيتي.
ضغطت فوق حروفها النارية والظلام يكسو ما تبقى من تعقلها معه:
- ما نسيتش وكانت غلطة عمري، انت ما تستاهلش واحدة زيي، تستاهل واحدة من اللي بتتمرقع معاهم يا دكتور يا محترم، يلا يا ماما.
جذبت يد والدتها بعنفوان كبير رغم اعتراضات والدتها ولكنها استسلمت بالنهاية لطوفان الغضب الذي التفت حول ابنتها علها تساعدها كعادتها وتنتشلها منه كي لا تُهدم حياتها بسهولة.
وفور مغادرتهما ألقى نوح مجموعة الأوراق التي أمامه باهتياج واضح جعل من موظفة الاستقبال التي كانت على أعتاب الباب أن تتراجع وتتركه يصارع انفعالاته وحده.
***
مساءًا.
عاد يزن للمنزل يحمل كعادته حقائب الحلوى لأولاد سليم، منتظرًا فرحتهما والتي لم تتغير أبدًا رغم تكرار الحلوى وعدم تغييره بها! قابله سليم بتعجب ساخر:
- أيه ده؟! يزن باشا راجع بدري غريبة، المفروض نسجلها في التاريخ، أيه الأدب ده كله!
انفلت لجام لسانه بمزاحٍ لم يتقبله سليم كعادته:
- امال انت فاكر بس أنت اللي مؤدب، لا في مؤدبين غيرك.
- قصدك أيه يا محترم؟!
كانت نبرته تحمل تهديدًا واضح ليزن الذي تراجع على الفور بقوله:
- ولا أي حاجة يا أخويا يا كبير، مالك مش طايقني ليه؟! يعني كده مش عاجب وكده مش عاجب، اموتلكوا نفسي.
ضحك سليم بتهكم وهو يوبخه:
- مالك قلبت على أمك ليه كده؟! ناقص تقف تعيط.
- وماله لو هكسب تعاطفك معايا هعملها.
حاول أن يستعطفه بأسلوب طفولي ممازح، فرد سليم باستنكار:
- تعاطفي؟! ليه بمسكك السلك عريان ولا بغرقك في برميل ميه.
رد بغل زائف:
- لا بتهزقني في الرايحة والجاية لغاية ما بوظت سمعتي في البيت.
عقب سليم عليه بفظاظة:
- انت سمعتك كده كده بايظة خلقة، يعني مش أنا السبب.
توسعت أعين يزن بصدمة مصطنعة:
- طيب حاول مد إيدك وانتشلني من الضياع.
ظهرت علامات الاستياء على وجه سليم وهو يقول:
- يابني أنا أخاف أمد إيدي تسحبني معاك.
- لدرجة دي أنت فاقد فيا الأمل، مع أني في حالي وملتزم بشغلي وشايف مصلحتي...
قاطعه سليم بوجوم بعد أن دخل الحديث بينهما في منعطف آخر:
- ملتزم بشغلك عشان عارف أنا مش هعديلك غلطة فيه، وشايف مصلحتك عشان مش بعد التعب ده كله وتيجي تهد اللي انت بانيته في لحظة تهور، لكن انت مش في حالك يا يزن، وعلى العموم ربنا يصلحلك حالك ويرزقك ببنت الحلال.
رفع يزن يده للسماء محاولاً تلطيف الأجواء:
- يسمع من بوقك ربنا.
استغل سليم الفرصة وعقب سريعًا بجدية:
- حلو يبقى أنت فكرت أهو تصلح من نفسك، كده أنا أمد إيدي وأساعدك.
تظاهر يزن بالبراءة متسائلاً بحماس:
- أيه هتفتح لي معرض تاني؟
- لا أشوف لك بنت الحلال عشان تتجوز وتستقر.
حرك رأسه بنفي غير مقتنع بالمرة بتلك الفكرة:
- الاستقرار بيجي من حاجات تانية يا سليم، مش شرط الجواز.
انتشرت إمارات الاحتجاج فوق وجه سليم وهو يقول:
- مش بقولك عمرك ما هتتغير وهتفضل طول عمرك كده، بس خلي بالك أنا...
قاطعه يزن مقلدًا إياه في بداية حديثه:
- خلقي ضيق وأخر لما أفقد أعصابي هضطر أدخل وأعمل اللي أنا شايفه صح.
صمت ثوانٍ قبل أن يقول بوعدٍ قد قطعه على نفسه من قبل:
- وأنا أوعدك يا سليم يا أخويا عمري ما هاخليك تتدخل ولا تعمل اللي انت شايفه صح.
استشاطت نبرته في ثوانٍ معدودة وهو يتساءل بوجوم:
- قصدك أيه؟! أنت واعي اللي انت بتقوله؟!
تراجع يزن بابتسامته التي غيرت مجرى الحديث مرة أخرى معلنًا استسلامه دومًا مع سليم:
- قصدي إن أنا هفضل لغاية آخر لحظة بحاول أحافظ على أعصابك، أنا ما أرضاش أضايقك أبداً مني يا أخويا يا حبيبي يا اللي ماليش غيرك في الدنيا.
حاول أن يحتضنه ولكن سليم رفض بقسوة كعادته واشمئزاز:
- بس بس أوعى كده، انت هتشحت!
فتح يزن ذراعيه وهو يقول بتمثيل احتياجه للحنان:
- يا عالم يا ناس ماحدش بيحتويني.
دفعه سليم عن طريقه وهو يقول بسخرية:
- أمك عملت لك بامية ورز ودول هيحتووك أكتر مني.
- أيه ده بجد يا حبيبتي يا ماما يا اللي ماليش غيرك في الدنيا.
***
بعد مرور وقت قصير..
دخل يزن للمطبخ حاملاً قمر ابنة سليم والتي كانت ممسكة بخده معتقدة أنه طعام ملتهمة إياه بشراسة، فقال بضحك وهو يحاول إبعادها عنه:
- شمس أنا بنتك دي مش هستحملها كتير.
استدارت له شمس والتهديد يسقط من نبرتها الممازحة:
- تقدر تقول كده وأبوها موجود.
أردف بغرور وقوة لم يستطع إعلانها إلا في غياب أخيه الأكبر:
- طبعًا، ليه هي أبوها هيعمل فيا أيه يعني؟!
تدخلت مليكة في الحديث وهي تساعد شمس في إعداد العجين:
- ده احتمال يطردنا كلنا من البيت.
كانت تضحك بخفة وهي تردد تلك الكلمات وعيناها تنتقل تلقائيًا بينه وبين شمس، ولكنها لاحظت شيئًا غريبًا طرأ على معاملة يزن معها، فكانت نظراته غامضة تحمل شيئًا من العتاب والضيق لم تكن تلك نظرات الإخوة الصافية المعتادة عليها منه، فسألته باندفاع وهي تغير مجرى الحديث كليًا:
- في حاجة يا يزن؟!
صمت ولم يجب، فأكملت بانعقاد حاجبيها:
- أنت مضايق مني في حاجة؟!
أجاب هذه المرة باقتضاب كبير وواضح:
- لا وهضايق ليه؟ أنتي عملتي حاجة تتضايقيني؟!
رمشت بعدم فهم والقلق يصدر من نبرتها:
- أنا مش فاكرة إني عملت حاجة تضايقك بس لو فيه يا ريت تقولي أوضح لك وجهة نظري.
اخفض رأسه ثوانٍ معدودة قبل أن يرفعها ويشملها بنظرات ذات مغزى:
- وانتي لو في حاجة معينة واخدها عن شخصيتي وعن حياتي غلط يا ريت تيجي بردو تقوليهالي وصدقيني هاوضح لك بصراحة.
تضاعف الارتباك لديها وعدم الفهم سيطر على عقلها فسقطت في حلقة مفرغة وهي تجاهد التفكير بمعنى حديثه، ولكن من الواضح أنه يرمي لشيء ما هي ارتكبته. ظلت على نفس صمتها الطويل بينما مقلتاها تستنجد بشمس تطلب منها المساعدة وبالفعل استجابت لها شمس وكسرت حاجز الصمت بسؤالها:
- ما توضح يا بني قصدك أيه؟
- قصدي مفهوم يا شمس.
هنا رد بخشونة وضيق أدهشهما معًا، حتى أنه كاد أن يغادر المطبخ إلا أن مليكة أوقفته بسؤالها:
- لا بجد استنى وفهمني، في أيه؟!
وقبل أن يتحدث أشارت له وهي تستكمل كلامها:
- أنا بسألك ومهتمة عشان أنت مش مجرد أخو جوزي انت أخويا بجد، كلكم بقيتوا عيلتي مش عيلة زيدان، فـ يعز عليا إن حد يكون زعلان مني وأنا ماعرفش.
انفجرت حروفه المعتقلة من سجن الصمت موضحًا لها ما يقصده من خلال أفعاله تلك:
- وعشان أنا أخو جوزك هو أنا عمري صدر مني موقف حساك مثلاً أني شخص مستهتر وبتعدى حدودي معاكي أو مع شمس، فانتي واخدة عني فكرة مش تمام.
تلون وجهها بلون أحمر قاني ولم تستطع إيجاد تفسير منطقي لِمَ يقوله سوى أن زيدان فعل شيئًا بتصرفاته الحمقاء:
- هو زيدان جه قالك أني اشتكيت له منك؟! والله ما حصل.
- لا زيدان ما قاليش بس صحابك من كلامهم معايا وضحوا لي الصورة أو الفكرة اللي انتي واخدها عني.
استنكرت بحماقة:
- صحابي؟!
هز رأسه مؤكدًا:
- اممم صحابك.
وقبل أن تتفوه بحرف صدر صوت سليم من الصالة باحثًا عنه، فقال بنفس اقتضابه:
- هشوف سليم عن إذنكم.
غادر وتركها على وضعها لم تتوصل لشيء إطلاقًا، فقالت لشمس الصامتة والتي يبدو أن عقلها كان يعمل بجد كي تتوصل لتفسير واضح:
- أنا مش فاهمة أي حاجة يا شمس بجد.
تركت شمس ما بيدها واقتربت منها تسألها بهدوء ورزينة:
- هو انتي حد من صحابك يعرف يزن؟
- لا خالص عشان كده مستغربة.
ولكن صاحت بتذكر:
- شهيرة صاحبتي هي الوحيدة اللي تعرف يزن.
- حلو، انتي بتتكلمي معاها عليه؟!
سكتت مليكة وتذكرت بعض المواقف وهي تثرثر مع صديقتها عن عائلة زوجها وعن طباعهم وشخصياتهم ولم يخلو الحديث من مغامرات يزن مع الفتيات.
صمتها أكد لشمس أنها أوقعت نفسها في مأزق:
- يبقى اللي فكرت فيه صح، ممكن يكون وصل كلام أو حصل موقف الله أعلم أيه هو ومن خلاله يزن أخد الفكرة دي.
ضربت كفًا بأخرى بضيق وانفعال:
- يا نهار أبيض يعني هو أكيد مفكر إن سوءت سمعته دلوقتي، والله أنا ما كنت أقصد أي حاجة بس هو كلام عابر يعني...
الجمت لسانها على الصمت بإحراج، فراحت شمس تربت فوق كتفيها برفق وحنو:
- ما تتوتريش أوي كده، كلنا عادي بنغلط، وبعدين يزن ده مفيش أطيب من قلبه والله.
- ده مضايق مني أوي.
هونت عليها شمس كعادتها مع الكل وقالت برقة:
- لا مش لدرجة دي، هو بس بيعاتبك من تحت لتحت كده، انتي بس شوفي صاحبتك دي قابلته ولا أيه ولمي الدنيا.
تساءلت بحيرة:
- طيب أروح أكلمه ولا أعمل أيه ولا أخلي زيدان يكلمه ويفهمه؟!
نفت شمس بسرعة ترفض فكرة إخبار زيدان إطلاقًا:
- لا انتي عايزاها تتعك أكتر لو زيدان اتدخل، فكك خالص واتعاملي عادي وأنا هتصرف وأحل كل حاجة.
هزت مليكة رأسها واحتضنتها بحب:
- ربنا يخليكي يا شمس، أنتي بقيتي أكتر من أختي.
***
دخلت شهيرة باندفاع غرفة حورية وهي منفعلة:
- حورية هو انتي شوفتي يزن قريب مليكة؟!
- آه ليه؟
تساءلت من جديد بغيظ:
- واتكلمتوا مع بعض؟
- آه في أيه يا بنتي؟!
جزت فوق أسنانها بقوة وهي تقول:
- دلوقتي حالاً تحكي لي أيه اللي حصل؟
اعتدلت حورية فوق الفراش والفضول يأكل تقاسيم وجهها:
- حاضر بس في أيه؟
انفعلت شهيرة بغيظ:
- أنا طلبت منك تحكي لي ويا ريت تقولي لي من غير ما تقعدي تسأليني كتير.
زفرت حورية بضيق وسردت عليها ما حدث مع يزن بالتفصيل والأخرى كانت تتوسع عيناها تدريجيًا من حماقة أختها:
- يا بجاحتك يا شيخة ما تروحي تقوليله مرات أخوه كانت بتقول عنه أيه؟
تعجبت منها وهي تقول:
- هو أنا جبت سيرة مليكة يا شهيرة!
قضمت شهيرة فوق أصابعها والغيظ يأكلها أكلًا:
- ما هو ده اللي ناقص، يا أبلة حضرتك ببساطة وضحت له إن مرات أخوه هي اللي وضحت لنا الصورة دي عنه، لإنك ما تقبلتيش معاه قبل كده إلا مرات بسيطة وما تكلمتوش في حاجة توضح إنه بتاع بنات صح ولا لأ؟
ردت بنصف شجاعة رغم أنها كانت تظهرها كاملة قبل قليل:
- صح.
- يبقى الفكرة دي واخدها منين، بتنجمي مثلا!
راحت تبرر لأختها بتلعثم طفيف:
- آآ... أنا مـ...مـافكرتش في كده، كل اللي فكرت فيه سيرا بصراحة.
انقض الغضب على عقل شهيرة وهي تردف:
- يا أختي سيرا دي أنصح منك ومن عشرة زيك.
أظهرت حورية تبرمها وهي تقول:
- انتي مش فاهمة حاجة يا شهيرة، سيرا انبهرت بيه وهو مش سهل وممكن...
- مفيش ممكن يا حورية، سيرا مش هبلة ومش عيلة صغيرة يضحك عليها بشوية انبهارات، وحتى لو انبهرت وأعجبت هي ذكية أوي ولا يمكن تغلط غلطة توديها في داهية مع إن مليكة عمرها ما قالت لي مثلاً أنه بيتجوز عرفي، آخره بيحب في البنات.
احتجت حورية بسخرية:
- ودي حاجة حلوة مثلا!
توسعت أعين شهيرة بقسوة، ثم قالت:
- ياستي واحنا مالنا ندخل في حياة الناس ليه، وبعدين تعالي هنا انتي شغلك إيه واصي على ست سيرا وأنا مش عارفة!
حاولت حورية تهدئة الأوضاع المتفاقمة من قبل أختها فقالت بهدوء مصطنع:
- خلاص يا حورية اعتبريها غلطة وعدت على خير، وأنا هبقى أفهم سيرا عن شخصيته.
ضربت شهيرة صدرها بغيظ وصاحت بنبرة عالية:
- يالهوي كمان، انتي مجنونة بقولك مليكة زعلانة مني وعاتبتني جامد يعني أنا لو كنت عايزة أروح لها الزيارة أنا وجوزي ماينفعش.
- دي ملهاش علاقة بدي.
لم تهدأ شهيرة بتاتًا وكأن اللامبالاة الظاهرة من قبل أختها الصغرى كانت هي الشرارة التي أشعلت فتيل غضبها من جديد:
- لا ليها علاقة يا ست حورية، شوكت كان عايز يطلب من زيدان خدمة في شغله، بأنهي وش نروح لهم بيتهم وانتي عاكة الدنيا مع أخوه.
دخلت والدتهما الغرفة متسائلة بقلق عارم:
- في أيه بتزعقوا كده ليه؟ غيث برة يا حورية قاعد مع أبوكي.
تهللت أساريرها وهي تقول:
- أيه بجد؟!
دفعت شهيرة بطريقها وهي تستكمل باقي ثيابها، فقالت أختها باستشاطة:
- شفتي مش همك إلا نفسك، يعني أطلع أحكي لغيث اللي عملتيه ونشوف رأيه أيه؟
توترت وهي تنفي برأسها برجاء:
- أيه لا يا شهيرة، ده لو عرف إني كلمت يزن أو كلمت راجل أصلاً من الأساس هتبقى خناقة كبيرة.
انتقلت والدتهما بينهما بحيرة وهي تتساءل:
- ممكن تفهموني في أيه؟
تولت شهيرة مهمة إخبار والدتها في ظل صمت الأخرى، فعاتبتها والدتها بأسلوب هادئ لم يعجب شهيرة:
- خلاص يا شهيرة اهدي وعدي الموقف وبعد ما نرجع من السفر كلنا ابقي خدي زيارة حلوة وزوري صاحبتك واهو يكون الموضوع هدي شوية.
ثم التفت لابنتها الصغرى قائلة بتحذير قاسٍ:
- وانتي يا هانم ما تتكلميش مع صاحبتك في حاجة واوعي تحكي لها كلمة أختك كانت حكتهالك كفاية عك، وخليكي في نفسك وما تتدخليش في أمور الناس يا أختي اللي يشوفك كده ما يشوفكيش وانتي فرخة مع غيث.
تبرمت حورية بضيق:
- أيه فرخة دي يا ماما، وبعدين هو عشان بحترمه أبقى فرخة.
لم تهدأ شرارات الاستياء من فوق وجه شهيرة:
- دي ما تقدرش تفتح بوقها معاه شوفتي أول ما سمعت اسمه قامت نطت جهزت الشنطة ونفسها ونسيت صاحبتها وخوفها عليها من يزن.
كانت تسخر منها في أواخر حديثها، فزفرت حورية وهي تقول:
- ياستي خلاص اسكتي بقى وأنا غلطت لك ومش هفتح بوقي تاني، خلينا نقوم نمشي بقى، ولا ناوية تنكدي علينا طول الطريق واحنا على سفر ورايحين فرح.
استنجدت بوالدتها عقب حديثها برجاء، فقالت الأخرى:
- خلاص يا شهيرة، مانخليش الموضوع يوصل لأبوكي ومش وقته كلام من ده، خلينا نروح البلد ونحضر فرح بنت عمك وبعدها هيكون عدى فترة تقدري تكلمي صاحبتك في اللي انتي عايزاه.
لم يعجبها رد فعل والدتها الهادئ فقالت بشيء من الحزن الممزوج بالضيق:
- إزاي بس ده شوكت كان معتمد إننا نروح لهم الزيارة بكرة قبل ما أسافر أنا وهو البلد.
صدر صوت حورية المتهكم وهي تتمم على حقيبة السفر خاصتها:
- ياستي يعني إنتوا ساكتين ده كله، مش هتسكتوا الكام يوم دول لغاية ما ترجعوا.
- الكام يوم دول هيدخلوا في أسبوعين وأكتر يا هانم انتي عارفة لما بنروح البلد بنطول هناك.
انزعجت حورية وهي تستعد للمغادرة الغرفة:
- يوووه انتي مش عاجبك أي حل، شوفي انتي عايزة تعملي أيه واعمليه.
تمتمت شهيرة بخنوع:
- مش قدامي حل غير إني أسكت فعلاً، ربنا يسامحك يا حورية على اللي عملتيه فيا، بوظتي علاقتي بصاحبتي الوحيدة.
***
في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل دخل نوح يجر أقدامه بتعب محاولاً إفاقة نفسه، كي يرضي زوجته المتبرمة ويحصل على ليلة هادئة يريح بها جسده، قبل أن يفتح باب غرفته مد يده وجلب هاتفه من جيب سرواله وأغلقه حتى لا يصل إليه اتصالات في وقت متأخر وتستشيط الأخرى بهياج مفرط وينتهي به الحال على أريكته في عيادته. وضع هاتفه بجيب سرواله مرة أخرى وتمم بعدها على هديته البسيطة والتي اقتناها لينال رضاها. فتح باب غرفته بهدوء فوجدها تجلس فوق الفراش تبكي بانهيار وظهرها موالي له تتحدث في الهاتف عدة كلمات وصلت لعقله كرصاصات استطاعت أن تصيبه في مقتل فهدر بانفعال وغضب عارم:
- نهارك أسود أنتي بتقولي أيه؟!
رواية غناء الروح الفصل الثالث 3 - بقلم زيزي محمد
انتفضت يسر بفزع واستدارت بكامل جسدها تواجه طوفان غضبه متسائلة بنبرة غاضبة ولكنها مهزوزة بعض الشيء:
- إيه؟ في إيه؟ خوّضتني!
اختصر المسافات بينهما في لحظة، كان بها قريبًا جدًا منها حتى أن أنفاسه الساخنة كانت تضرب صفحة وجهها الباهت:
- خوّضتك؟ وبالنسبة للي انتي بتقوليه! ده شيء عادي.
أصاب لسانها الجامح بعض من التوتر وهي تجيبه، وإصرارها يواصل طريقه في معارضته كالعادة:
- آآ... أنا قلت إيه؟ وبعدين إزاي تتصنت عليا!
صاح بصوتٍ مرتفع، ولم يهمه الوقت ولا المكان ولا أي شيء سوى إعادة ترويض تلك الجامحة بقليلٍ من التهديد الواضح والصريح:
- نعم! بقولك إيه؟ ماتنرفزنيش وتعصبيني.
تظاهرت بالبرود والعصيان معًا بكلماتها المندفعة من فمها:
- آه... آه اقلب وطلع شخصيتك التانية.
اتكأ فوق حروفه بصوتٍ قاسٍ لعلها تستفيق:
- شخصية إيه يا مجنونة! هو أنا بلطجي... بس تصدقي أنا فعلاً ممكن اتنازل عن شهادتي العلمية وعن مكانتي كـ دكتور محترم واقلب صايع وماترباش في سبيل أعدل دماغك المايلة دي.
مال وجهها للصدمة وهي تسأل غير مصدقة ما يتفوه به:
- أنا دماغي مايلة يا نوح؟!
فاض به الكيل وظهر الغضب جليًا بصوته وجسده المشدود:
- أيوه، لما تكوني عايزة تموتي ابني اللي في بطنك يبقى أيه يا جاحدة؟
انفجرت فيه بغضبٍ مماثل، ولمحة من الحسرة بانت بنغمة صوتها الحزين:
- يبقى مش حاسة معاك بالأمان.
استنكر سريعًا بقوله:
- ليه يعني بنمّيك من غير عشا! ولا بمسّيك وبصبحك بعلقة، أوعي كده وريني وشك ما أشوف يمكن سايب علامة هنا ولا هنا!
انفلت لسانها بعدما استفزها بكلامه:
- بطل تريقة، انت عديم المشاعر.
أمسك ذراعها بقسوة وشدد فوقه بتحذيرٍ ضارٍ:
- يسر، ماتعديش حدودك معايا أبدًا.
فاضت مشاعرها السلبية اتجاهه، وشعرت أن الأمل التي كانت تسعى خلفه بتغييره وتحويل حياتهما البائسة للأخرى سعيدة أصبح من المستحيلات، فقالت برعونة متعمدة:
- طيب ابعد عني وماتقربش، حتى ريحتك مابقتش قادرة أشمها.
ضحك ساخرًا منها وتعمد الاقتراب أكثر، متجاهلاً كل محاولاتها في الابتعاد عنه:
- ليه؟ مع إنّي متبرفن كويس قبل ما أجاي؟!
وضعت يدها فوق صدره العريض تدفعه للخلف وعيناها المستشاطة بغيرة وقهر توضح له مدى غضبها منه:
- وليه ما تقولش بتفكرني بنكستي معاك، باليوم الأسود اللي قررت أوافق فيه على جوازي منك واتنازل عن حقي فيك!
ضغط فوق حروفه والعناد يعمي عيناه عن حقيقة القهر الذي تعيشه معه بسبب تصرفاته المستمرة في إذلال أنوثتها:
- أقسم بالله انتي غيرتك لحست دماغك لدرجة إنك ما بقتيش تفرقي في الكلام معايا، أنا لغاية دلوقتي مستحملك ومستحمل هرموناتك اللي ما كنتش عارف أفسرها، بس كل واحد وله طاقة وأنا طاقتي خلصت.
أنهى حديثه وتركها ببساطة وكأنه لم يضاعف وجعها منه، وكأن سوط كلماته لم يجلد كرامتها من جديد، فراحت تقول بانهيار:
- أنا اللي طاقتي خلاص خلصت ومابقتش قادرة أستحمل، ولازم نحط حد للي إحنا فيه لو عايزاني، أما بقى شغل إنك عايز كل حاجة في حياتك دي لا وألف لا.
التفت قبل أن يدخل للمرحاض يسألها بسخرية:
- طيب لو عايز أدخل الحمام دي ظروفها إيه؟!
عقدت حاجبيها معًا بتعجب منه، فقال باستهزاء:
- إيه؟ تدخلي معايا؟ أنا عن نفسي موافق جدًا.
استلمت منه وتيرة الاستهزاء وردت بحدة وكبرياء:
- مش بقولك من كتر تعاملك مع اللي يسوى وما يسواش مستواك نزل خالص.
رمقها بنظرة يغمرها التهكم وهو يقول:
- من تواضع لله رفعه يا بنت الحج فاضل، وبعدين بالله عليكي ماتحسسنيش إنك من هوانم جاردن سيتي أبوكي تاجر أجهزة كهربائية، فكك وحطي واطي شوية.
أنهى كلامه حين دخل للمرحاض ثم أغلق الباب بقوة في وجهها، تاركًا إياها تستشيط أكثر والغيظ ينحر بها نحرًا.
بعد مرور وقت قليل...
خرج من المرحاض بعد أن قضى بعض الوقت تحت الماء الفاتر مقررًا إخراج جميع سلبياته والتفكير في اللا شيء، ولكن كلماتها دومًا تطرق عقله تصيبه بالجنون والغيظ، فيعود متهورًا بقرار عقابها أو إغاظتها بأي شيء حتى يشعر بأنه نال جزء من كرامته التي تحاول هدمها دومًا بنبرتها المنفعلة وهياجها المفرط في التعامل معه.
تعمد الغناء بصوت خفيض وهو يغلق باب المرحاض خلفه، ولكنه صُدم بها تضع ثيابها في حقيبتها بعصبية ودموعها المتساقطة تتسابق بلهفة لتملأ صفحات وجهها، فزفر بقوة وهو يتساءل:
- بتعملي إيه يا يسر؟
ردت بنبرة متقطعة يغمرها الحزن:
- بلم هدومي وماشية.
- ماشية الساعة ١ بليل!
عقب مستنكرًا، فرفعت وجهها تسأله باستنكار يملأه الأسى:
- يعني هي فارقة بليل ولا الصبح؟ النتيجة أني ماشية.
ألقى المنشفة أرضًا وهو يتجه نحوها، يحاول إيقافها بصوته المجهد:
- خلاص أنا اللي همشي.
أبعدت يده بهدوء، بينما تشابكت نظراتهما في لحظات شوق بترتها هي بإصرارها:
- أنا شايفة إن أنا اللي أمشي أفضل، أنا بقيت حاسة إنّي عبء عليك فأريحك مني أحسن.
أمسك ذراعيها يجذبها نحوه بلطف وهو يقول:
- والله عمرك ما كنتي عبء ولا هتكوني، يا يسر أنا ببقى راجع تعبان وهلكان ومحتاجك، بس دايمًا بلاقيكي عكس ما كنت متخيلك، يا إما منكدة عليا يا مبوزة ومش عاجبك حاجة، يا يسر أنا بقيت مش فاكر إحنا امتى كنا متصالحين من كتر ما على طول متخانقين وزهقانين من بعض من كتر المشاكل، يعني عاجبك إنّي على طول بعيد عنك.
انهارت باكية في أحضانه تخرج ما تكنه بصدرها:
- انت تعرف إنك تبقى بعيد عني أريح ليا.
ابتعد خطوة والصدمة تجوب وجهه:
- انتي بتقولي إيه؟ في واحدة تقول كده لجوزها؟!
هزت رأسها مؤكدة وهي تقول بحرقة:
- عشان لما نبقى كويسين على طول بتفتح معايا إنك عايز تجرب الجوازة التانية حتى لو كان بهزار يا نوح الكلام ده بيجرحني، يا إما تليفونات العيادة اللي كلها من بنات، عرفت أنا ليه كده بيبقى أريح ليا.
زفر بقوة ولم يجد رد مناسب، فجميع ردوده ستصيبها بجلطة إن أعلنها، سيحتفظ بصمته ويتظاهر بعكس ما يكنه فقال بلطف:
- حقك عليا، أنا مش هضايقك تاني، ده أنا حتى قفلت تليفوني قبل ما أدخل الشقة عشان مش عايز أزعلك.
عاد الأمل يطرق بابها من جديد فقالت بصوت مبحوح يصارع أمواجه الحزينة:
- بجد يا نوح؟
- آه والله، حقك عليا إني اتعصبت، بس اعذريني يعني عايزة تحرميني من ابننا وتسقطيه، وبعدين انتي ماتعرفيش إنه حرام.
مسحت دموعها بأصابعها المرتجفة وهي تقول بصدق:
- غصب عني، بس ما كنتش حابة إنه يتعذب ما بينا زي لينا.
عقد حاجبيه متسائلاً بقلق:
- مالها لينا؟ انتي بتقوليلها حاجة عني؟!
ضحكت بتهكم وهي تجيب:
- لا طبعًا، بس البنت مش صغيرة يا نوح، البنت عندها خمس سنين وفاهمة كويس أوي إننا مش مرتاحين مع بعض، وبعدين انت على طول بعيد عنها وماخدتش إجازة واحدة تقعد معاها أو تفسحها، البنت حاسة بنقص.
اعترض سريعًا:
- إيه نقص!، أما أنا طالع عيني أهلي ليه وعشان خاطر مين؟!
- يا نوح الحياة مش فلوس، البنت محتاجة احتواء بردو ومحتاجة وجودك معاها، انت الحمد لله مش مخليها عايزة حاجة وكل طلباتها مجابة بس....
قاطعها مدركًا ما ستقوله:
- خلاص أنا هاخد إجازة بكرة من العيادة واخرجكم.
اتسعت عيناها بعدم تصديق تسأله بلهفة:
- بجد يا نوح، بجد هتقعد معانا بكرة وتفسحنا.
هز رأسه مؤكدًا وهو يربت فوق كتفها بحب:
- آه والله، أنا ما عندي أغلى منكم عشان أسعدكم.
لم تجد رد يكفيه حجم عمق كلماته الصادقة، فاكتفت بإغراقه في بئر مشاعرها الدفينة، تشبعه بحنانها وغرامها بيه بالرغم ما يفعله أحيانًا معها، مجبرة عقلها على التوقف في التفكير وخاصةً في تلك اللحظة كي لا تتذكر تلك الندبة القوية والتي كانت وستظل العقبة بحياتهما، بينما هو اكتفى باستغلال صفاء لحظتهما الحالية والتي ربما لن تتكرر مرة أخرى فبات خائفًا يشعر بالقلق حيال الدقائق والساعات مفكرًا متى ستكون المشكلة القادمة!
***
صباحًا..
تململ زيدان وهو يجلس أمام سليم والكثير من الأوراق أمامهما، فكانت أحيانًا عيناه تدور في أرجاء "المحل" وأحيانًا أخرى يتظاهر بالجدية ومتابعة حديث سليم عن ميزانية "المحلات" وحجم الأموال في البنوك، وعما يفكر فيه مستقبلاً من أجلهما هو ويزن. لاحظ صمت سليم ونظراته الغامضة فاندفع يعقب بجدية:
- عندك حق في كل اللي قولته.
عاد سليم بجسده للخلف يستند على ظهر الكرسي، يسأل بلمحة من المكر:
- أيوه بقى، أيه اللي قولته؟!
مط شفتيه بضيق وسرعان ما أظهر إمارات الملل على وجهه:
- الصراحة بقى أنا مش فاهم ولا فايق لكل اللي بتقوله ده.
ضيق سليم عينيه بتفكير قبل أن يقول:
- هو ده مش مالك ولازم تبقى متابع معايا لكل اللي بيحصل وهيحصل.
- وانت بردو عارف إنّي ماليش في أمور تجارة الدهب، وبعدين انت أدرى مني وأنا واثق فيك.
لمعت عيناه بنصف بسمة ساخرة:
- لا قول إنك بتحب تريح دماغك، ومتعود على الراحة.
عض فوق شفتيه السفلية بغيظ واضح، مانعًا نفسه من التهور والتصرف برعونة مع أخيه الأكبر، فضحك سليم بقوة والاعجاب يطرق عقله من تصرف زيدان بحقه فقال بكلمات كان متأكدًا أنها ستكون الشرارة في إحراق حبال الرزانة والتعقل الملفوفة حول عقل أخيه:
- لا عاجبني إنك كمان ما بقتش قادر ترد عليا، فيه تطور أهو وبدأت أشوف فيك أمل.
عقد ما بين حاجبيه باحتجاج وهو يقول:
- معلش أمل لإيه بالظبط؟
أجاب ببساطة قاصدًا إثارة حفيظته:
- إن علاقتي بيك تبقى أحسن وأفضل.
رغم أن الاستهزاء كان على عتبة إظهاره إلا أنه أخفاه واكتفى بقليل من الاعتراض ليظهره:
- والله العظيم أنا مش لاقي كلام أقوله.
وضع سليم يده أسفل ذقنه يستند عليها، ينظر له بتسلية والمكر يغزو نظراته الغامضة:
- لا انت مش قادر تقول حاجة لأحسن أزعل منك، ولا أنا زعلي ما يفرقش؟!
تنهد زيدان بقوة وهو يجيب بصدق لعل أخيه الأكبر يقتنع بما يفعله في تحسين علاقتهما:
- لا إزاي زعلك طبعًا يفرق معايا، وبحاول أبينلك كده بس الظاهر إنك مش واخد بالك.
كتم ضحكة قوية داعبت حلقه وقال بصوت جاد متأكدًا أن ما سيقوله سيفجر غضب أخيه الأصغر:
- يمكن محتاج تبذل مجهود أكبر.
بان على وجه زيدان الضيق حتى أنه كاد يترك زمام أمور التعقل جانبًا وينفجر بحماقة في وجه سليم، إلا أنه تراجع سريعًا وقرر التشبث بحافة الصمت أفضل مئة مرة من السقوط في هاوية فراقه عن أخيه من جديد، وعندما أدرك سليم صراعه مع نفسه قرر الرأفة به عندما حول مجرى الحديث بينهما لِمَ هو أعمق وأهم:
- على العموم سيبك من ده كله، أنا كنت جايبك عشان حاجة تانية.
لم يستطع الزام نفسه كثيرًا في طور العقل والأدب فقال بسخرية:
- إيه جايبني عشان وحشك تقعد معايا لوحدنا!
تنهد سليم وهو يقول باستفزاز بينما يداه كانت تغلق الملفات أمامه سريعًا:
- لا أنا ما كنتش بحب أقعد معاك لوحدنا، بس دلوقتي بقيت أفكر إن القعدة لوحدنا بدأت تجيب نتايج حلوة، بس ده برضو مش اللي عايزك فيه؟
فقد زيدان أي ذرة أمل في تلك الجلسة المليئة بأجواء الحدة والتحدي من قبل أخيه، فقال باستسلام:
- امال؟!
أجاب سليم باقتضاب وتحولت جميع معالمه:
- يزن أخوك.
وكأنه كان ينتظر الإشارة كي ينفجر بغيظ ويصب جام غضبه فوق يزن الغائب رغم أنه لم يفعل به شيء:
- ماله زفت الطين جلاب المشاكل.
- فكك منه، واوعى تحل له مشكلة، أنا عايزه يقع.
مالت ابتسامة زيدان للتسلية وهو يتساءل بحماس:
- هو انت حطيته في دماغك.
أجاب وهو يهز رأسه بتحدٍ:
- آه آن الأوان، أنا صبرت عليه كتير أوي على أمل إنه يتعدل لوحده بس باين مفيش أمل فيه.
وجد زيدان الفرصة للتعبير عن استيائه من طريقة تعامل سليم دومًا مع يزن:
- يزن انت مدلعه أوي الصراحة.
- خلاص اعتبر إن الدلع ده هيجي فوق دماغه، بس اللي قولتك عليه يتنفذ، سيبه يقع ماتحلش له أي مشاكل، أنا عايز أعرف كل بلاويه ومشاكله.
نهض زيدان كي يستعد للذهاب لعمله وهو يتساءل بمزاح طفيف:
- تحب أشتغل لك مخبر.
رد سليم بكبرياء وعنجهية كعادته:
- لا كفاية عليك شغل الداخلية، أنا عندي مخبريني.
ترك البساط لضحكاته وهو يقول:
- ياعيني عليك يا يزن حظك أسود، وقعت تحت إيد اللي مابيرحمش.
أشار له سليم بضيق زائف:
- امشي يلا عشان بدأت تعك ومش هستحملك كتير.
***
خطت "سيرا" خطواتها الواثقة في الطريق المؤدي للبرج الذي يقبع به "المركز الرياضي" ونظراتها تركض أحيانًا نحو الجانب الآخر من الطريق تنتظر خروج ذلك الـ "يزن" بعدما اندلعت شرارة فضول بسيطة داخلها لرؤيته من جديد، ورغم أن لقائهما كان بالأمس ولعدة دقائق بسيطة إلا أنه ترك بها أثر فريد وخاصةً بعد أن وجدته يقف في مساء البارحة أمام مكان عمله يتحدث بالهاتف وحين خرجت أمامه من باب "البرج" الحديدي لوح لها بابتسامة جذابة بسيطة فتجاهلته متظاهرة بعدم رؤيتها له، وأجبرت عقلها على عدم التفكير به، ولكن من حين لآخر يداهم عقلها وخاصةً بعدما أخبرها حدسها أنهما سيتقابلان.
وقبل أن تصل للبرج، لمحت متجر كبير لبيع الحلوى، فقررت أن تكافئ نفسها بشيء بسيط بعدما استمعت في الصباح لوصلة ندب وتهذيب من "أبلة حكمت" المعترضة دومًا عليها وعلى تصرفاتها، فهمست لنفسها:
- لازم أجيب لنفسي شوكولاتة أكافئ بيها نفسي الغلبانة إني مستحملها في حياتي.
تابعت أنواع الحلوى بأعينها واحتارت تقتني أي واحدة منهم، ولكن صوته الذي اخترق دائرة تفكيرها جعلها تنتفض انتفاضة بسيطة تستدير له منعقدة الحاجبين وهي تردد بصوت أنثوي ناعم:
- نعم؟!
شملته بنظراتها الخاطفة لهيئته الرجولية الوسيمة بثيابه الأنيقة والبسيطة تزامنًا مع تلك الابتسامة الحمقاء التي استطاعت احتلال عقلها دون مجهود:
- كنت بقولك إزيك يا كوتش؟
حمحمت بحرج وهي تسيطر على ملامحها براحة مجيبة عليه:
- الحمد لله.
ثم التفتت تتظاهر باستكمال ما كانت تفعله إلا أنه أوقفها بسؤاله وملامحه تتدعي البراءة:
- أنا كنت عايز أسأل مواعيد الزومبا إيه في الجيم؟!
صمتت برهة قبل أن تجيب بمكر دفين:
- مرات حضرتك تقدر تعرفها من الريسبشن، هما هيقدروا يحددوا ليها معاد مناسب.
- مراتي؟!
ردد باستنكار، ثم تابع حديثه بمزاح طفيف:
- ده شكل واحد متجوز بردو بذمتك!
رمشت عدة مرات وهي تستدعي جديتها التي تلوذ بالفرار منها:
- أما حضرتك بتسأل لمين؟ لأختك؟
- لا معنديش أخوات، أنا بسأل ليا، هو مفيش مواعيد للشباب ولا إيه؟
ماكر جدًا في اجتذابها للحديث معه ببساطة وذلك حينما قالت باستنكار:
- على أساس إن حضرتك ما تعرفش إنها للبنات بس؟!
رسم خطوط الصدمة فوق ملامحه وهو يقول بقهر زائف:
- إيه؟ بنات بس، لا طبعًا ما كنتش أعرف، قد إيه انتوا مجتمع أنثوي عنصري، هو مش من حق الرجالة تعمل رياضة وزومبا وتهتم برشاقتها ولا إيه؟
عقدت ذراعيها وهي تمرر بصرها فوق عضلاته العريضة تقول بنبرة يغمرها التهكم:
- على أساس إنك محتاج؟
لمعت الشقاوة في عينيه وهو يقول بمكر رجولي:
- اعتبر ده تصريح بالإعجاب منك؟
فصاحت فيه بذهول مغتاظ:
- نعم! أنت اتجننت؟ إعجاب إيه؟
تشدق ببرود مدروس مُغلف بالعبث:
- أهدي بس، انتي مالك نرفوزة كده خلي خلقك استرتش.
- هو انت ليه بتتعامل معايا على إني بنت عمتك يا أستاذ...
كتم ضحكة قوية وهو ينفي على الفور بعفوية:
- الجوهرة دي استحالة تبقى بنت ميرڤت الحرباية.
- نعم؟!
حمحم بقوة وهو يتغنى بلباقته كعادته:
- بقول ما حصليش الشرف إنك تبقي قريبتي يا آنسة...
صمتت تنتظر تكهنه لأسمها، فضيق عيناه يتظاهر بالتفكير:
- يسرى...
ضغطت فوق حروف أسمها تتلفظها بنعومة مقصودة كي لا ينسى مجددًا اسمها، فيبدو أنه ماهر لدرجة أنها اقتنعت أنه قد نساه بالفعل:
- سيرا..
- أيوه فرصة سعيدة يا آنسة سيرا.
إن كان هو بارع جدًا في تسديد أهدافه، فهي لم تكن غبية بالمرة حينما امتهنت نفس طريقة اللعب بسهولة وهي تقول:
- أنا أسعد يا أستاذ اااا....
وقبل أن يقول اسمه، سارعت بقولها:
- أيمن أو وائل...
ابتسم ممازحًا إياها ببساطة:
- أو محمود، أي اسم ما عدا يزن...
سجنت ضحكتها بين قبضان رصانتها، وهي تقول:
- على العموم فرصة سعيدة، عن إذنك.
لم يسمح لها بالذهاب، فأوقفها بسؤالٍ جديد محاولاً فتح مجالات أخرى للحديث، رغم أن تلك الأفعال لم تكن من أساليبه مع الفتيات:
- هي حورية فين ماجتش معاكي ليه؟!
هزت كتفيها مدعية اللامبالاة وهي تقول:
- ما اعرفش اسألها هي مش قريبتك بردو!
- آه قرايب بس بينا مصانع الحداد، لو عايزة تعرفي عني حاجة اوعي تسأليها تعالي واسأليني.
صراحته فاجأتها ولكنها اصطنعت الضيق:
- هو أنا هعوز أعرف عنك إيه؟!
ارتسمت ضحكة ساخرة فوق شفتيه وهو يقول بشقاوة داعبت صوته:
- كتير، تسألي مثلاً عن نوع عربية مميزاتها او عيوبها.
نظرت في ساعة يدها تتظاهر بالانشغال وهي تقول ببرود:
- العربيات آخر همي، مش من مفضلاتي، اطمن مش هحتاجك عشان أعرف حاجة.
التقط حلوى بالبندق يقلبها بين يديه وصوته يتشبث بسور التسلية والمزاح:
- خدي فكرة واشتري بكرة.
انكمشت معالم وجهها بامتعاض، فتبسم وهو يراوغها مجددًا:
- بهزر معاكي ماتبقيش خنيقة كده يا آنسة يسرى.
رفعت أحد حاجبيها باستنكار واشتدت نبرتها بضيق رغم علمها بمزاحه:
- يسرى تاني؟
- صدقيني يسرى أنسب عليكي، سلام.
توقعت اعتذاره ولكنه فاجأها بقوله الذي دفعها تهوي في بئر الصمت وهي تحدق به غير مصدقة إياه، وخاصةً حين أشار إليها بأصابعه وغمزة طفيفة صاحبت عيناه، فغادر دائرتهما سريعًا ولم يعطِ لها الفرصة في الرد أو التعقيب على مزاحه السخيف فهمست بتوعد:
- إنسان رخم والله ما هعبره تاني.
***
مساءًا...
أنهت سيرا عملها وقامت بتوديع عملائها، ثم حملت حقيبتها فوق ظهرها واستعدت للمغادرة متجاهلة ذلك الثقل المتربع فوق صدرها من فكرة مرورها من أمامه، فتتلقى منه ابتسامته الخلابة بوسامته المفرطة، ويعود سجين أفكارها لليلة أخرى، زفرت بضيق وهي تؤنب نفسها:
- أنا هخيب ولا إيه، اطلع من دماغي.
ولكن صدح صوت داخلها يحادثها بأمورٍ لم تكن تتخيل أن تتطرق بالتفكير إليها، وراح عقلها يبرر لها لِمَ تعلقت به بهذه السرعة؟، فبدأت تلقائيًا في عد مميزاته التي لطالما تتمناها بفتى أحلامها بدايةً من وسامته ومظهره الجذاب، فيبدو عليه أنه من عائلة غنية وأوضاعه المادية حسنة كي يدير "معرض" للسيارات بهذه الضخامة، ولكن رزانتها أرشدتها لبر الأمان بأن الماديات لا تبني علاقة سوية ناجحة كي تضعها أساس للتفكير بشريك حياتها، فهزت رأسها ترفض بعض المغريات التي تهاجم عقلها من حين لآخر، ولم تدرك أن هناك حجارة ضخمة أمامها، فتعرقلت بها وكادت تسقط في منتصف الطريق إلا أنها تماسكت على أخر لحظة، وهندمت نفسها سريعًا بلمحة من الكبرياء ولكن ظهوره من خلف زجاج "معرضه" بابتسامته الواسعة جعلها تتوتر بخجل رغم أنها اختصرت باقي الطريق بخطوات مسرعة للغاية.
***
وصلت "سيرا" للبناية المجاورة لمنزلها وصعدت الأربع طوابق بلياقة عالية، توقفت أمام شقة صديقة طفولتها "فاطمة" فتاة بسيطة تعشق التمثيل والفن وتسعى بكل جهدها لاغتنام فرصة في إحدى الأفلام السينمائية فلم تترك تجارب التمثيل إلا وذهبت ولا فرصة للتواصل مع مخرجين الأفلام المشهورة إلا وتواصلت معهم ولكن في كل مرة الفشل يظل حليفها ولكنها لم تفقد الأمل بل باتت تتشبث بحلمها أكثر وأكثر.
استقبلت سيرا والدة فاطمة والسـ_كين تحمله بيد واليد الأخرى تمسك بعض من الخضروات مرحبة بها بحفاوة:
- ادخلي يا سيرا، فاطمة جوه في أوضتها.
اقتربت "سيرا" من باب غرفة صديقتها ولكنها تسمرت بصدمة تستمع لصوت نحيبها وهي تردد بانفعال:
- انت إزاي تقولي كده يا سافل يا كلب يا حقير..
وضعت أذنيها بالقرب من الباب تستمع لصوتها من جديد وهي تردد بانهيار:
- لا أنا ما كنتش متخيلة أبدًا إنك قذر ومنحط كده...
هنا قررت قطع ما يدور بالداخل بفتحها للباب بقوة، والسخرية تحلق بصوتها وضحكاتها:
- إيه هو السيناريو كله شتايم، مفيش حوار أبدًا.
عبرت "فاطمة" عن غضبها من وسط دموعها المتساقطة:
- انتي إزاي تقطعيني كده وأنا في حتة مهمة زي دي؟!
خطت خطواتها لداخل الغرفة بينما كانت تغلق الباب بقدمها خلفها، وهي تتظاهر بالأسف فحركت ذراعيها يمينًا ويسارًا:
- أنا آسفة يا فنانة، هنعطل التصوير والممثلين... وسع كده يا أستاذ محتاجة السوبر ستار...
دفعتها "فاطمة" بغيظ عنها وهي تمسح دموعها بعد أن فشلت في التدريب على مشهد طرأ في وحي خيالها وقررت تمثيله كعادتها:
- اتريقي يا سيرا بكرة تتمني صورة معايا وأنا هرفض وهطلع لك لساني من فوق قمة نجاحي.
تصنعت الدهشة وهي تعبر عن استيائها من صديقتها:
- طول ما تفكيرك كده هتفضلي بين الأربع حيطان وعمرك ما هتطلعي للنور.
زفرت الأخرى بملل وهي تقوم بعقص خصلات شعرها متجاهلة جلوس سيرا على طرف الفراش بأريحية:
- هطلع للنور إزاي وفي ناس حقودة في حياتي.
نهضت "سيرا" تقف خلفها ثم وضعت قبلة فوق رأسها وهي تنظر لها بالمرآة الموضوعة أمامهما، فانطلقت تستعطفها ببراءتها الممزوجة بمزاح طفيف:
- ما خلاص بقى يا طمطم، انتي مقموصة مني ليه؟! ده أنا غلبانة وحزينة وأختي تبقى أبلة حكمت يعني المفروض تكوني مترأفة بحياتي البائسة، وبعدين الصراحة مالكيش حق تزعلي.
دفعتها "فاطمة" للخلف بمرفقها والغيظ يبلور صوتها بحرقة:
- نـــعم... ده كله وماليش حق أزعل، لما تسيبي صاحبة عمرك فاطمة... طماطيمو الفنانة وتاخدي البت حورية الغلاوية دي في أول يوم شغل ليكي يبقى إيه؟!
تظاهرت سيرا بالألم وهي تتدافع عن نفسها أمام هجوم صديقتها:
- يخربيت كده ما أنا قولتك يا بنتي تعالي معايا وانتي لما عرفتي إنها جاية رفضتي تيجي وغرور الممثلين ركبك، أعملك إيه؟
- امسكي فيا، مش تتجاهليني.
عادت "سيرا" تقوم بإرضائها بلطف:
- أنا أقدر أتجاهلك يا طمطم، ده انتي صاحبتي وحبيبتي، طيب تصدقي اليوم كان كئيب من غيرك.
ضيقت الأخرى عيناها تسألها بابتسامة واسعة والرضا يعبر فوق ملامحها:
- انتي قولتيلي كنت زعلانة منك ليه؟!
ضحكا سويًا وقامت فاطمة باحتضانها تغرقها في نهر طيبتها، رغم الغرور المنبعث من صوتها:
- بس بجد شوفتي كان وشها وحش عليكي إزاي، لكن أنا بقى لو موجودة كنت هبقى تميمة حظك.
كتمت سيرا حاجتها للدفاع عن حورية كي لا تستشيط فاطمة في وجهها، فغيرت مجرى الحديث ببعض من الكلمات وهي على يقين أن فضولها سيدفعها للتغاضي عن التفكير بحورية لطالما كانا دومًا على النقيض ويكنان لبعضيهما سوء الظن.
- هو مكنش وحش أوي، في حاجة هموت وأحكيلك عنها...
قاطعتها فاطمة بلهفة وهي تجلس في منتصف الفراش تضع وسادة كبيرة فوق ساقيها:
- اشطا احكي يلا بسرعة...
فجلست أمامها سيرا تسرد لها ما حدث بالتفصيل الممل في ظل أسئلة فاطمة في كل صغيرة وكبيرة:
- قولتيلي اسمه إيه؟
- يزن...
- اممم، اسم سينمائي.
عبرت فاطمة عن إعجاب بسيط تعجبت له سيرا ولكنها قامت بمسيراتها، فجذبت الأخرى هاتفها تفتح إحدى وسائل التواصل الاجتماعي "الانستجرام" وهي تسأل بجدية، اسمه إيه بقى بالكامل:
- ماعرفش.
- يعني إيه ماتعرفيش؟
- بقولك ماتكلمتش معاه إلا مرتين، وبعدين حورية تليفونها مقفول ماعرفش ليه.
امتعضت فاطمة وهي تلقي بهاتفها جانبًا تتلفظ بغيظ:
- أحسن يا رب يكون اتسرق.
داعبتها سيرا بمزاح:
- صفي نيتك عشان ربنا يرزقك بفيلم تبقي البطلة فيه قدام أحمد عز.
صاحت متذكرة بحماس:
- اسكتي أنا حملت الفيلم الجديد بتاعه، تتفرجي معايا عليه.
جذبت سيرا الغطاء والقت حقيبتها وهي تقول:
- أيوه طبعًا، أحسن ما أروح لحفلة كل يوم اللي في البيت.
***
أوقف "يزن" سيارته أمام منزله بعد أنهى عمله، وقرر العودة للمنزل لقضاء وقت لطيف مع أطفال سليم وعائلته والانسجام معهم أكثر، مقررًا التغاضي عن أفكاره الطائشة بالسهر مع صديقاته الفتيات، فلا يزال مُصرًا على قراره بالالتزام والابتعاد عن تلك البؤرة التي باتت تستنفذ طاقته وتهلك مشاعره، وقبل أن يغادر سيارته أعلن هاتفه عن وصول رسالة، فأخرجه من جيب سرواله وقرأ الرسالة بصوت مرتفع وانعقاد حاجبيه يزداد والقلق يقفز من عينيه.
"اهرب بسرعة، سليم مستنيك والشر بيطق من عينيه"
همس لنفسه بتعجب:
- هو أنا عملت إيه؟!
فكانت الرسالة الثانية التي أتت للتو هي الإجابة على سؤاله من قِبل أخيه زيدان أيضًا.
"مين دي يا كلب اللي بتقنعها تتجوزها عُرفي، ده أنت هيتعمل منك سندوتشات كفتة وبانيه"
رواية غناء الروح الفصل الرابع 4 - بقلم زيزي محمد
وضع هاتفه في جيب سرواله والضيق يحتل ملامحه بينما كان عقله يعمل بجهد لفك شفرات تلك الرسائل معتقدًا أنها مجرد مزحة من طرف “زيدان”.
ترك سيارته وتوجه صوب منزله، ولم يضع في خاطره اعتقاد واحد أن عائلته تتآكل بنيران سليم المتوجهة، مد مفاتيحه كي يفتح الباب ولكنه فوجئ بزيدان يفتحه، يهمس بصوت يملأه الغل:
- أنت أهبل يالا أنا مش قايلك ماتجيش.
تشدق ساخرًا وهو يقول:
- ماجيش ليه؟! أنا ماعملتش حاجة غلط.
- نهارك منيل بستين نيلة على دماغك، ده كله يا جاحد وماعملتش حاجة، امال لما هتعمل هتجيب البت بعيل صغير.
انفجر الغيظ فوق ملامحه تزامنًا مع انفعاله:
- بقولك أيه أنا مش ناقصك على المسا، بت مين وعيل أيه؟!
لم تكن الإجابة من نصيب زيدان الذي كان على وشك التحدث، لكن تتطاير كلمات سليم الغاضبة جعله يتنحى جانبًا يسمح لتلك العاصفة بالهبوب في وجه يزن المصدوم مما يحدث:
- اوعى كده سيبه يبجح أنا عايزه يستمر على كده.
كالعادة اندفعت شمس تتلقف يده تحاول تهدئته بقولها الهادئ:
- اهدى يا سليم، احنا لازم نسمع منه.
مرر بصره فوق وجوه عائلته المترقبة باختلاف انفعالهم مرورًا بوالدته التي أظهرت العتاب واللوم فانفجر بغيظ:
- هو أنا هفضل كتير أسال أنا عملت أيه للتحقيق ده؟!
أبعد سليم يد زوجته المتوترة بقوة ثم اندفع كالثور الهائج باتجاه أخيه الأصغر يشير إليه يأمره بقوة:
- اتفضل اطلع معايا فوق.
هز كتفيه ببرود استفزه كثيرًا وهو يقول:
- وماله اطلع.
اندفع سليم أولاً ثم تلاه يزن تاركًا الأخرين ينظرون لأثرهما بقلق، وحينما شعر سليم بصعود زيدان خلفهما توقف ناظرًا إليه باستفهام، فرد الآخر ببراءة زائفة:
- أنا أخوكم بردو، اجي معاكم عادي.
اشتدت ملامح سليم بحدة بينما زيدان انتظر قراره بشأنه حتى التفت وقرر السماح له بالحضور معهما.
مر وقت قصير عندما دخلوا وجلسوا ثلاثتهم في صمت أثار ريبة يزن المترقب لكل رد فعل يظهر من سليم، فقرر زيدان اجتياز جسر الصمت بسؤاله:
- يزن انت تعرف واحدة اسمها ليالي؟
- اه.
إجابة سريعة جعلت من ابتسامة سليم الساخرة تحلق فوق شفتيه وهو يقول:
- بجح.
- شكرًا، بس ممكن اعرف بجح ليه؟!
سؤاله يحمل لمحة من العتاب والضيق، فانفجر زيدان بعدم تصديق وهو يستخدم نهج أخيه الأكبر في توبيخ ذلك المتبجح:
- أنت بارد يالا، بنسألك على واحدة جاية تشتكي لاخوك الكبير إنك بتقنعها تتجوزها عرفي ومهددها ومش سايبها في حالها، وبتقول اه اعرفها بكل بساطة وبرود.
ارتفع حاجبيه باستنكار وهو يردف:
- اهدد أيه وجواز عرفي أيه؟! أنا والله ما فاهم أي حاجة.
ضغط سليم فوق شفتيه بغيظ يشوبه التهديد:
- ماتحاولش تستغباني عشان ماتشوفش مني وش عمرك ما شوفته.
تجاهل تهديد سليم إليه باقتضاب الهب الوضع أكثر:
- اتكلموا معايا دوغري.
حدق به سليم بهياج وهو يقول:
- الدوغري ده أنا هكسر دماغك لو فكرت اتكلم معاك بيه.
احتقنت ملامحه من ردود سليم عليه فرد معاتبًا:
- سليم أنا مش عيل صغير عشان تكلمني كده.
استنكر الأخر بصوتٍ عالٍ ظهر جليًا بكلماته:
- أيه شوفت نفسك عليا، ده أنا اللي مربيك….
بادر بالجرأة حين قاطعه بعدما نفد صبره:
- مربيني على عيني وعلى راسي، بس أنا بردو كبرت وبقيت راجل….
لم يترك له سليم فرصة في الرد وذلك عندما بتر حديثه باحتدام بان بصوته:
- واللي كبر وبقى راجل مش يحترم نفسه واهله وسمعتهم.
رمقه بنظرة يشوبها عدم التصديق وهو يسأله:
- وأنا يعني خلاص أنا اللي هجبلكم العار؟
- بافعالك اه يا محترم، واهو شايف انت وصلتنا لأيه.
إجابة لم يكن ينتظرها يزن إطلاقًا رغم علمه بشخصية سليم الحادة وأن ردود أفعاله لن تكن هينة ولكنه لم يعد لديه طاقة لإظهار عكس ما يكنه بصدره، فتهاوى بانفعاله ليقع ببئر الخذلان حين قال:
- أنا ولا وصلتكم ولا بعملكم حاجة، وخلاص طالما أنا هبوظ سمعتكم اتبروا مني.
القى زيدان حبال الصمت الملتفة حول لسانه حين استنكر قائلاً:
- نتبرى من مين يا مجنون؟! ما تعقل كلامك.
نهض مقررًا إنهاء الحديث واكتفى بالسلبيات التي واجهها بعيني سليم:
- اعقلوا انتوا تصرفاتكوا معايا، أنتوا لازم تعرفوا أني كبرت وماينفعش تهزوقني كده قدام مراتك أنت وهو.
بان الاستهجان على وجه سليم وهو يسأل زيدان المصدوم من رد أخيه الأصغر بعدما رفع حجاب التقدير الذي طالما كان يحاول الحفاظ عليه وخاصةً مع سليم:
- هو دي عليا أنا؟!
حمحم بخشونة وهو يجيب مشيرًا بلامبالاة نحو يزن الواقف يتابع حديثهما بعدم رضا:
- لا عليا، فكك منه ده عيل أهبل.
زفر يزن بحنق ولكز زيدان بكتفه والغيظ يبتلع بقايا صبره:
- أيه اهبل دي، احترمني يا عم.
احتد الوضع أكثر حين نهض سليم يدفع يده بقوة وخشونة:
- أيه هتضربه قدامي، شكلك عايز تتظبط!
- ماتتعبش نفسك معايا، أنا سايبهلكم وماشي.
ترك زيدان مقعده وحاول الإمساك به، لكنه دفع يده بقوة وهو يردد بصوت خشن عالي يغمره الاستنكار:
- رايح في ستين داهية تاخدني، عشان ابعد عنكم العار!
ضرب زيدان كف بآخر وهو يقول:
- الواد ده اتجنن ولا أيه، ده عمره ما عمل كده.
مسح سليم فوق وجهه عدة مرات بغضبٍ، وصوت أنفاسه المهتاجة اقلقت زيدان عليه مما جعله يسأله بتوتر:
- انت كويس؟!
مرت ثواني بسيطة قبل أن يجيب باقتضاب:
- شوف رايح فين من غير ما تحسسه إنك بتراقبه.
- هيروح للبت ليالي أكيد.
رفع سليم حاجبيه بتعجب، فأكد زيدان عليه بثقة:
- اه والله، يزن مش هيسيبها إلا لما يثبتلنا إننا غلط وظلمناه.
- يا سلام تعرفه للدرجادي؟!
سأله سليم بسخرية مبطنة، فأجاب الآخر بهدوء:
- اكتر من نفسي، زي ما أنا عارف ومتأكد إنك مش مصدق البت دي وحبيت تعمل الحوار ده عشان تعلمه الأدب.
غفل سليم عن حالة الغضب المسيطرة عليه، وقال بمزاح ساخر:
- مكنتش مقتنع إنك تنفع تبقى ظابط، بس بدأت احس إنك ممكن تنفع.
- شهادتك دي عزيزة عليا جدًا، أنا على ما استنى انبهارك بيا هكون طلعت معاش!
كان يردد كلماته بضحكة ساخمة، لكن دخول شمس قطع حديثهما وخاصةً حين لاحظ زيدان تأجج الغضب بوجهها فاضطر للانسحاب تاركًا لها المساحة في معاتبة زوجها واعلانها عدم رضاها عما فعله، بالفعل اندفعت شمس تلقي لومها عليه فور اغلاق زيدان للباب الشقة خلفه:
- اللي حصل ده ميرضيش ربنا.
في العادي كان سيتركها ويدخل غرفته معلنًا رفضه لمناقشتها ولكنه كان بحاجة أكبر لإخراج تلك الشحنات السلبية المحتلة صدره في صورة نقاش:
- وهو يرضي ربنا اللي عمله وبيعمله؟!
ضمت شفتيها بضيق وعدم رضا:
- يا سليم اسمع منه واساله ماتصدرش حكمك وتخليه يمشي زعلان ويلم هدومه.
لاحت ابتسامة ساخرة فوق شفتيه وهو يواجهها بتهكم طال صوته الخشن:
- اسمع منه هو بيقنعها بالجواز العرفي ليه ولا اسمع منه هو كان بيهددها ليه؟!
وقبل أن تتلفظ بحرف كان يردف بسخرية أكبر:
- تصدقي يمكن فعلاً يكون له ظروف خليته يعمل كده.
- يعمل أيه؟! انت مصدق بذمتك إن يزن يعمل كده، هو اه له علاقات بس كلها سطحية ماعتقدش أنه ممكن يتعدى حدوده.
لمعت عيناه بوميض غامض وهو يقول باستهجان:
- في تبرير كمان؟! مستني اسمع، ما انتي عاجبك اللي بيعمله الباشا.
- لا مش عاجبني، بس يعني احنا ممكن نعتبر اللي فيه حالة خاصة وعامله على الأساس ده.
أردفت بهدوء ينافي القلق المكتسح على ساحة مشاعرها.
- حالة خاصة!
كررها خلفها بضحكة قاتمة قبل أن يهز رأسه ساخطًا:
- الحالة الخاصة دي أنا هخرجه منها بعون الله، أنا داخل أتنيل أنام، لو عايزة تكملي دفاع عنه كمليه مع نفسك.
تركها ودخل غرفته بخطوات واسعة، محاولاً ضبط نفسه وإنقاذ روحه من تلك الهالة السوداء المحيطة به، متجاهلاً شعوره بالقلق نحو أخيه الأصغر ولكنه كان بحاجة للتعامل معه بتلك الصورة القاسية وخاصةً بعد زيارة تلك الفتاة له الليلة قبل أن يغلق المحل، فلاحت زيارتها مجددًا على عقله يتذكر بها بكائها وانهيارها له.
**قبل عدة ساعات…**
أمر سليم العاملين بغلق المحل، وبدأ هو في إدخال الملفات الهامة في الخزانة الحديدية، ولكن دخول فتاة في العشرينات من عمرها، تقبض فوق حقيبتها بقوة بينما كانت دموعها تتهاوى فوق وجهها بغزارة وصوت نحيبها جذب أنظار العاملين.
- في أيه، مين….
وقبل أن يُكمل سليم سؤاله، سارعت هي بالإجابة وصوتها ينغمس في نهر الانهيار:
- أنا في عرضك يا سليم باشا.
أخفى شعوره بالتوتر مشيرًا إليها بالجلوس ولم يعرف لِمَ شعر أن الأمر يخص يزن، فأمر العاملين بالخروج من المحل، حول انتباهه بالكامل إليها قائلاً:
- اقدر اساعدك بأيه؟
- بإنك تنقذني من يزن أخوك.
إجابة أكدت ظنونه، فتمسك بقناع الهدوء وهو يسألها بخشونة:
- ماله يزن وعمل فيكي أيه؟!
مسحت دموعها واستجمعت شجاعتها وهي تخرج هاتفها تضعه بين قبضتها، مستغلة انتباهه ولمعة عيناه بالقلق:
- يزن بيحاول يبتزني بالصور اللي كنت غلطت في مرة وبعتهاله، وعايزني أوافق إني…
صمتت تبكي مرة أخرى، وهي تردف بصوت مبحوح من شدة بكائها الحار:
- أني…. أنا عارفة إني غلطت عشان بعتله صوري، بس أنا وثقت فيه، كنت بحسبه بيحبني، بس طلع…
صمتت تستطلع ردود افعاله على حديثها، فوجدته يرمقها بنظرة فارغة، وصوته يدخل في كنف الغموض:
- عايز منك إيه، قولي على طول؟!
فشلت في تحديد مدى تعاطفه معها، فألقت ما في جعبتها مباشرةً ومن بعدها عادت لنحيبها من جديد:
- عايز يتجوزني عرفي.
- أيه اللي يثبت كده؟!
فتحت هاتفها سريعًا وكأنها كانت على علم بسؤاله مما أثار الشك لدى سليم ولكنه ظل على نفس قناع الهدوء رغم الغليان الذي كان يشعر به، ومرر بصره بين بعض الرسائل المُرسلة من قبل أخيه على برنامج ” الواتساب” تحمل تهديدات عديدة لها وبعض من الألفاظ البذيئة.
هز رأسه بحركة تلقائية ورده كان طبيعي لعلمه بمدى شخصية أخيه وتربيته:
- استحالة، يزن مايعملش كده أبدًا.
لاحظ انقباض أصابعها فوق حقيبتها الموضوعة فوق ساقيها، وكأنها تستدعي بعض من الهدوء بعدما أصابها توتر للحظات.
- هو أيه اللي مايعملش كده، يزن علاقاته كتير بالبنات.
استنكار ناري طاف فوق ملامحه وهو يقول:
- ما أنا عارف! وعارف بردو حدوده، استحالة اخويا يعمل كده.
فقدت النهج التي كانت تسير وفقه، فقالت بغضب عارم:
- هو كان شيخ السجادة وأنا ماعرفش، طالما بقى الذوق مانفعش معاكم، عليا وعلى أعدائي وربي لأفضحكم في البلد كلها.
ظل على نفس وتيرة الهدوء خاصته، بينما هي انقشع عنها غطاء الضعف والانهيار وباتت أكثر توهج وغضب وهي تغادر المكان تُلقي أخر تهديدتها:
- واقسم بالله ما هسيبكم وهفضحكم.
وقبل أن تغادر القت نظرة عليه، فوجدته على نفس وضعية جلوسه المغرورة، والعنجهية تملئ نظراته حتى أنه فاجئها حين أشار إليها بالوداع وكأن ما فعلته وقالته لم يأثر به أو يحركه للتوسل إليها كما كانت تتوقع.
عاد من شروده القصير وهو يزفر بقوة، ويده تلقائيًا كانت تمسح فوق خصلات شعره تعيده للخلف بعد أن كان مبعثرًا فوق جبهته، لا زال يقاوم شعوره بالقلق على يزن رغم أنه قد قرر السير على نفس المنوال كي ينقذ أخيه من وحل علاقاته مع الفتيات.
**في إحدى المناطق الراقية…**
وفي إحدى الابراج السكانية الشاهقة، وتحديدًا في شقة يبدو على قاطنيها الثراء..
اندفعت ليالي تجلس فوق الكرسي المقابل للأريكة التي تجلس فوق والدتها سيدة المجتمع “نسرين” هانم:
- ابنك جايب اللوم عليا، وأنا نفذت كل اللي قاله بالحرف.
القى أخيها “مصطفى” إحدى التحف فوق الأرضية بعصبية:
- أنا قولتلك يا غبية تهددي اخوه؟! تهددي سليم الشعراوي! انتي عبيطة يا بت.
زار السخط معالم وجهها وهي تواجهه:
- مش انت اللي قولت في الخطة إن اهددهم؟
- يا غبية مكنش وقته خالص، كنتي اكسبي تعاطفه الاول معانا.
بان الاستياء بعيني والدتها وهي تحاول إنهاء حالة الجدال القائمة بينهما:
- خلاص بطلوا دوشة، أنا دماغي مصدعة وصدعت أكتر بعد ما كنت حاطة أمل على الحوار ده وخلاص طلع فشنك.
رمقتها “ليالي” بضيق شديد، فوالدتها لم تشعر بالقلق ولو لذرة واحدة عليها، كل ما يشغلها هو المبلغ المالي التي كانت ستجنيه من عائلة الشعراوي، انتبهت ليالي على صوت مصطفى وهو يتحدث مع نفسه بنبرة خشنة قاسية:
- انتي واحدة غبية يا ليالي، مجرد غبية بوظتي كل اللي خططتله، وراحت الفلوس… وأنا عايز فلوس دي اتصرفي ماليش فيه.
لم يشعر بنفسه سوى وهو يحك أنفه بقوه، وعيناه الباهتة تتوهج بنيران الغضب والحقد نحو أخته التي أفسدت خطته في كسب المال الكثير كي يغطي احتياجهم تلك الفترة بعدما عانوا من القحط واضطروا لبيع بعض من قطع الاثاث بالمنزل، ارتعشت شفتاه الشاحبة وأصبحت بيضاء رغم أن لسانه انفلت بوابل من الشتائم عندما شعر بحاجته لجرعة كبيرة يسد بها جوعه من الادمان بعدما أصبح على شفا الانهيار!
- كلكم مش همكوا إلا نفسكم، لكن أنا محدش فكر فيا وفي اللي هيحصلي.
تجاهلت والدتها قولها وسألتها بنبرة تتعلق بأرجوحة الأمل:
- يعني انتي ماحستيش من ناحيته بأي تعاطف ناحيتك خالص؟
ضحكت ليالي ضحكة باهتة وهي تتذكر هيئة سليم:
- ده كان قاعد وكأني بقراله نشرة اخبار، كمية برود ماشوفتهاش، عشان كده استفزني واتعصبت وهددته.
- غبية، لازم نشوف حل تاني.
تفوه بها مصطفى وهو يشدد فوق خصلات شعره بقوة، بينما هز ساقيه بتوتر محاولاً إيجاد حلول أخرى ولكن ليالي انفجرت غاضبة:
- بقولكم أيه فككم مني خالص، أنا هاختفي عن الانظار ومن بكرة هسافر السخنة اختفي عند حد من صحابي، الناس دي مش هتسيبني.
اندفع مصطفى نحوها يقبض فوق خصلات شعرها القصيرة بغل:
- بت انتي أنا مش عايز قرف، هتكملي اللي قولتلك عليه، العيلة دي على قلبها فلوس زي الرز ودي فرصتنا الوحيدة.
- فرصتك الوحيدة عشان تاخد حقي تشتري بيه القرف اللي بتشربه، الكيميا لحست دماغك.
هتفت بغل مماثل وهو تواجهه رغم شعورها بالخوف منه، فأنت بألم حين قبض أكثر فوق خصلات شعرها وأعادها للخلف بقوة:
- دماغي دي يا حيوانة هي اللي بتخططلك مع الشباب اللي بتكلميهم عشان تكسبي من وراهم فلوس تعرف تعيشك.
- تعيشك انت يا فاشل يا مدمن.
طفح الكيل بها، فردت بعنفوان عليه متجاهلة خوفها الذي تضاعف حين انهال عليها بالضرب بقسوة متجاهلاً صراخها ومحاولاتها للإفلات من قبضته، إلا أن والدتها تدخلت بالوقت المناسب رغم برودها:
- اهدى يا مصطفى العصبية مش حل، احنا لازم نفكر صح، وان شاء الله ليالي هتعقل وتكمل اللي هتقولها عليه.
ثم ربتت فوق رأس ليالي الباكية تتلقفها بين أحضانها بحنو زائف:
- مش كده يا ليالي هتسمعي الكلام.
ابعدتها ليالي بقسوة وهي تنظر لهما بكره وسخط:
- ربنا يخلصني منكم، داهية تقرفكم.
أنهت حديثها ثم انسحبت نحو غرفتها، تختلي بنفسها مقررة تجهيز حقيبتها للفرار غدًا والمكوث مع إحدى صديقاتها متمنية أن يمر فعلتها مرور الكرام على يزن الشعراوي.
- مكنش المفروض اسمع كلام المدمن ده، طمعي هيوديني في داهية.
**خلعت يسر حجابها بإرهاق وهي تجلس فوق فراشها، تريح جسدها بعد يوم طويل قضته مع نوح وابنتهما “لينا” منذ الصباح حتى عودتهما مساءًا وهو يحمل لينا غافية بتعب بعدما أفرغت طاقتها الطفولية في اللعب.
مرت دقائق ولم يظهر نوح بالغرفة، قررت البحث عنه عندما طال غيابه، لم تجده بالصالة، فاستمعت لصوته داخل المطبخ، يبدو أنه يتحدث مع أحد بالهاتف، وقفت على عتبة المطبخ صامتة تستمع لضحكه مع إحدى مساعداته بالمركز الطبي الخاص به:
- يا قمر خلاص، مكنش يوم قفلت فيه التليفون، مش يمكن برتاح من زنكم.
صمت يستمع لحديثها وابتسامته لا زالت تتعلق بشفتيه رغم علمه بوجود يسر ورؤيته لملامحها الغاضبة فقال:
- لا خلاص صدقيني مش هغيب فجأة كده وهبلغك قبلها، ظبطي بس انتي المواعيد بكرة.
استمر بالحديث معها وكأنه لم يفعل شيئًا إطلاقًا، مرت عدة دقائق أخرى ثم أغلق الاتصال ووضع الهاتف بجيب سرواله وعاد لِمَ يفعله بوضع قطع الجبن بالخبز:
- أيه يا حبيبتي واقفة ساكتة ليه؟
نظرت في ساعة يدها والاستنكار يغلف صوتها:
- بتفرج على جوزي وهو بيكلم المساعدة بتاعته الساعة ٢ بليل.
توسعت ابتسامته وهو يقول بنبرة هادئة:
- شغلي يا يسر، انتي ناسية إن أنا دكتور.
- يا خبر ازاي انسى فعلاً، إنك دكتور والحالات عندك حرجة جدًا لدرجة إن السكرتيرة بتتصل تبلغك.
سخريتها لم تعجبه، فاستمر على نهج بروده:
- طيب ما هو فعلاً ده اللي حصل؟!
توسعت عيناها بتهكم والاحباط يحلق بصوتها:
- لا ماتقوليش، أيه واحدة نسيت ولخبطت وجبة الغدا مكان العشا، ولا واحدة نسيت وشربت بيبسي، مش ده شغلك بردو! ولا يمكن انت وحشتها وغيابك أثر فيها.
رغم الاستهزاء الواضح بنبرتها واحمرار وجهها بانفعال ضاري إلا أنه عندما مر من جانبها توقف وهمس بنبرة أشعلت فتيل غيظها:
- أنا غيابي يأثر في أي حد.
ثم تركها وقضم من الخبز باستمتاع تاركًا إياها تستشيط بغضب والدموع تتجمع بمقلتيها وهي تهمس باستياء:
- هو ليه لازم يبوظلي كل لحظاتي الحلوة.
انتفضت بفزع حين عاد وهمس بجانب أذنها بمزاح:
- والله ما حد مدمرلنا لحظاتنا الحلوة غيرك يا نكدية.
التفتت إليه تسأله بعدم تصديق:
- انت ازاي قادر تقف تهزر وتضحك وأنا زعلانة؟!
أشار نحو نفسه ببراءة مخادعة، مجيبًا بمراوغة:
- أنا زعلتك ولا انتي زعلتي لوحدك.
اشتبكت نظراتهما باختلاف مشاعرهما في تلك اللحظة وواجهته بنفس نبرة القهر التي بات يكرهها بصوتها:
- نوح هو انت ليه مابتحبنيش؟!
ابتسم ساخرًا وهو يجيب بلمحة من الضيق:
- هو في حد جايبني لورا غير حبك ده!
أشارت إليه بعدم رضا وهي تسأله مجددًا:
- انت كده بتحبني يعني؟!
حاول دفن بوادر غضبه ورد بهدوء زائف، متمنيًا أن تشعر بصدق مشاعره ولو لمرة واحدة:
- انتي عارفة كويس أنا لو مابحبكيش مش هسيبك لحظة على ذمتي ولا هستحمل مرمطتك فيا.
هزت رأسها بعدم تصديق وهي تواجهه بحرقة:
- انت ازاي قادر كده تقلب الطرابيزة عليا؟ وفي الأخر بطلع أنا اللي غلطانة.
انفلت لجام غضبه وصاح مستنكرًا:
- يعني اعمل ايه اكتر من اللي بعمله، قفلت تليفوني وسيبت العيادة والحالات والشغل اللي في المعمل، وخرجتكم وقضيت معاكم…
قطعت حديثه بانفعال لم تعد قادرة على تحجيمه:
- انت بتعمل كده وكأنها جمايل، مع إنها المفروض من واجباتك.
عادت نبرته تتأرجح بأرجوحة الهدوء محاولاً امتصاص غضبها:
- مختلفناش يا يسر يا حبيبتي، واجباتي صح وانتي من واجباتك بردو تبطلي تتخانقي معايا، وتخليني مبسوط إني قاعد معاكي.
زُج عقلها في غيابة الجب ولم تعد تدرك المقصد من حديثه سوى أن الخطأ يقع فوق عاتقها، ففشلت التمسك بعلاقتهما وانفجرت به حانقة:
- انت اللي بوظت اسعد يوم في حياتي.
- أنا مني لله، عشان ترتاحي، دي عيشة تقصف العمر اقسم بالله.
القى الخبز من يده فوق طاولة الطعام الصغيرة وجذب مفاتيحه وهاتفه وقرر مغادرة الشقة بعدما فشلت محاولاته في تحملها وكالعادة لم يرى نفسه خاطئًا بل بالعكس هي دومًا من تهدد مأمنهما.
**وصل “نوح” أسفل البناية التي يسكن بها عائلته، فلم تكن بعيدة كثيرًا عن الحي الذي يسكن به.
أخرج أنفاسه ببطئ محاولاً ضبط أنفاسه وقرر الدخول لشقة عائلته متظاهرًا بحاجته للاطمئنان عليهم بعدما أغلق هاتفه يوم كامل، دخل بهدوء كي لا يوقظ أفراد عائلته، حيث أعطته عقارب الساعة إشارة أن مجيئه في هذا الوقت غير مناسب بالمرة، وكما توقع وجد والدته تتحدث بالهاتف مع اخته المتزوجة، وعندما رأته رحبت به على الفور وأغلقت الاتصال:
- نوح، ازيك يا حبيبي؟
حمحم بخشونة وابتسم ابتسامة بسيطة وهو يجيب:
- الحمد لله يا ست الكل اخبارك أيه؟
جلس بجانبها وهو يربت فوق ساقها بيد وباليد الأخرى أمسك كفها وقبل باطنه، فسمعها تسأله بنبرة غلب عليها الفضول:
- أيه جابك بليل كده يا حبيبي؟
هز كتفيه وهو يعتدل بجلسته أكثر بينما أخفى بصوته نبرة الضيق والإحباط:
- عادي قولت أجي اطمن عليكم.
توسعت ابتسامتها وهي تقول بحماس ينافي احتياجه للاحتواء:
- جيت في وقتك، اختك لميا كانت محتاجة منك مبلغ بسيط كده تحجز به هي وعيالها وتنزلنا اجازة.
ابتسامة مقتضبة بسيطة اكتفى بها وهو يردف:
- طبعًا وماله هحولها الصبح اللي هي عايزاه.
ضغطت فوق يده واستمرت بمطالبها التي لن تنتهي طالما هو موجود معها:
- وبنت اخوك ياسر هتولد اخر الاسبوع ويعني المصاريف كتير…
قطع حديثها بتفهم يستكمل عنها:
- حاضر خليها تعتبر الولادة ومصاريف المولود على حسابي ماتشلش هم.
- اخر حاجة بقى ومش هطلب منك حاجة، لا حاجتين مش حاجة معلش، اختك الصغيرة عيد ميلادها كمان اسبوعين ابقى هاتلها حاجة دهب تفرحها، واخوك فايز هيدخل في مشروع كان بيكلمني عنه ابقى اعرض عليه تساعده بأي حاجة اهو تبينله إنك فاكره وحاسس بيه.
ومَن يشعر به؟، ومَن يلقي عليه همومه التي أصبحت كالثقل فوق عاتقيه مهما حاول تجاهلها؟، الجميع يراه المصباح السحري لتحقيق آمالهم وأولهم والدته التي لم يخطر ببالها أن مجيئه في هذا الوقت ليس سوى مجرد هروب من سجن زواجه المظلم، ورغم أنه كان يحاول إظهار عكس ما يكنه بصدره إلا أنه كان يتمنى مجرد ضغط بسيط عليه من قبل والدته وينفجر مخرجًا جميع صراعاته النفسية، وكالعادة غادر منزل والدته كالمحروم فاقدًا سُبل الحنان والاحتواء كما أضاعها في علاقته مع زوجته!
**الساعة الخامسة فجرًا.**
طرق “نوح” باب المعرض الرئيسي عدة طرقات قبل أن يفتح “يزن” مقتضب الجبين مشيرًا إليه بالدخول، فدخل الآخر وهو يضحك بصوت عالي:
- مصدقتش نفسي طردوك بجد؟
القى يزن نحوه صندوق صغير بغيظ:
- محدش طردني أنا اللي سيبتلهم البيت، وبعدين الحال من بعضه ما أنت كمان مطرود.
القى “نوح” بجسده فوق أريكة كبيرة وهو يردف بحنق:
- بس عشان جسمي مهدود ونفسي انام ومش لاقي حتة أنام فيها، أنا لازم اشتريلي شقة عشان كل ما اتخانق مع يسر اروح فيها.
رمقه يزن بنظرة فارغة وصوته يختنق رغم مزاحه الساخر:
- لا وانت الصادق عشان تحقق حلمك وتتجوز الجوازة التانية.
لانت ملامحه بابتسامة خبيثة وهو يجاهد الضحك على هيئة يزن الغاضبة:
- مش أحسن لما اقنع واحدة واتجوزها عرفي وتيجي تستنجد بأخويا الكبير.
مسح يزن فوق خصلات شعره عدة مرات بغضب في حركة تلقائية تتلبسه حين يكون غاضبًا أو متوترًا:
- بنت ال****، أنا تعمل فيا كده.
- أخرة قلبك الرهيف مع البنات، شوفت استغلوك ازاي؟
واصل سخريته ولم يدرك أن يزن كان يحارب أفكاره الشيطانية لقتل تلك البربرية بعدما تجرأت عليه:
- اللي مضايقني إن اصلاً ماكملتش معاها كتير، الجرأة دي جاتلها منين، زيدان باعتلي رسايل وحكالي اللي عملته مع سليم، دي المتخلفة مفبركة محادثات بيني وبينها، وبنت العبيطة ماتعرفش إن ده مش أسلوبي ولا طريقتي.
فرك نوح وجهه بقوة، يجاهد جنود النوم التي بدأت تحتل مقلتيه:
- طيب وانت زعلان ومقموص ليه من سليم اخوك، ما هو عنده حق بردو.
- مش كل مرة هتحمل طريقته معايا وتهزيقه فيا، أنا كبرت ولازم يقتنع بكده يا نوح، ومش كل مرة مضطر اظهر عكس اللي جوايا.
احتدت ملامحه وهو ينهل من بئر مشاعره الدفينة يظهر ولو جزء بسيط مما يعانيه دومًا في علاقته الأخوية مع سليم:
- معلش يعني بس الموضوع مش سهل، وسليم بردو له حق عليك يا ابني ده هو اللي مربيك، هو ابوك الله يرحمه كان يعرف عنك حاجة لازم تعذره، وبعدين انت سايب المصيبة اللي انت فيها وماسك في سليم وطريقته معاك، ما تشوف البت دي وعملت ليه كده معاك طالما أنت ماتكلمتش معاها كتير ونفضتلها بسرعة.
لأول مرة تحولت ملامحه المشاكسة لأخرى قاتمة يملأها الغموض والانتقام:
- وأنا هسيبها في حالها، أنا مستني حد هيجبلي عنها كل حاجة وليه عملت كده.
رغم أن الفضول هاجم عقله المستسلم للنوم إلا أنه هتف قبل أن يغمض عينيه:
- أكيد بنت صاحبتها، عارفك وحافظك.
- آآ…فعلاً…
ابتلع باقي حديثه وهو ينظر لصديقه الغارق في سُباته بغيظ:
- هو أنا جايبك يا بارد عشان تنام، منك لله، يعني يوم ما احتاج افضفض مع حد مالقيش.
**هبط “زيدان” درجات السلم وهو يقوم بتعديل ياقة قميصه، مستعدًا للذهاب لعمله، ولكنه فوجئ بمليكة تقف على أعتاب شقة والدته تنظر له باستغراب:
- زيدان رايح فين؟
اقترب منها مقبلاً وجنتيها بحب وبصوت هادئ لطيف أخبرها:
- هكون رايح فين، شغلي يا قلبي.
رمشت عدة مرات بتعجب متسائلة بقلق:
- شغلك؟! طيب ويزن ماطمنتش عليه؟ ماما هتموت من القلق.
تنهد بعمق قبل أن يجيب ببساطة:
- لا طمنيها هو في الأجانص بتاعه، ويا ريت يعني ماتطلعيش تباتي فوق خليكي مع ماما النهاردة.
ربتت فوق يده وابتسامتها الباهتة ترتسم فوق شفتيها:
- لا ماتقلقش أنا كنت ناوية اعمل كده لو كنت هتروح شغلك.
كان ينوي سرقة قبلة بسيطة منها تعطيه جرعة طاقة يستعيد بها نشاطه المتبخر بسبب ما حدث مع ذلك المشاغب ولكنه انتفض مصدومًا من وجود والدته خلف مليكة تتحدث بلوم شديد:
- رايق انت وسايب اخوك يلم هدومه وساب البيت.
زم شفتيه بضيق قبل أن يتسائل باستنكار:
- هو أنا اللي طردته مش هو اللي دمه فار وقرر يسيب البيت.
- كنتوا روحوا وراه أنت واخوك الكبير عمر المشاكل ما كانت تتحل بالطريقة دي.
القت عتابها مجددًا في وجهه وحده، مما جعله يعلن عن استفزازه:
- وبتقوليلي أنا ليه، اتصلي على سليم وأنا اهو مستنيه لو نزل هروح معاه.
رمقته بنظرة غير راضية حانقة معلنة عن صمتها وعدم رضاها مكتفية بدفن اعتراضها عما حدث مع يزن كي لا تقع في دائرة الفراق عن سليم مجددًا، بعدما جاهدت في تحسين علاقتهما تلك الفترة السابقة، عازمة على التحدث مع شمس، فهي مفتاح الوصول لعقل سليم ولم تعلم أنهما يتشاحنان بشقتهما في تلك اللحظة.
**جذبت شمس الغطاء نحوها أكثر بحنق طفولي متلفظة ببعض الكلمات غير المفهومة بالنسبة له، فصاح بغلظة:
- بتبرطمي تقولي أيه؟
شهقت بصدمة وهي تعتدل بجلستها أكثر واضعه يدها فوق فمها معلنة عن صدمتها، عقد ما بين حاجبيه وحاول التفكير بما قاله فمن الواضح أنه تلفظ بشيء مهين ولكنه لم يتوصل بالمرة للأي شيء، سألها باستنكار طفيف:
- في أيه؟ أنا قولت حاجة غلط؟
أشارت نحو نفسها بعدم تصديق تسأله بحزن:
- بتبرطمي دي ليا أنا يا سليم؟
امتعض وجهه بعدم فهم وهو يقول:
- هي كلمة عيب ولا أيه؟
سالت دمعة حزينة فوق خدها، وصوتها الحزين يفاجئه بقولها:
- أنا مكنتش اتوقع أبدًا إنك تقولي كده، لدرجة دي مافرقش معاك مشاعري.
- مشاعرك؟
ردد خلفها باستهجان ثم استطرد محاولاً مراضتها رغم عدم فهمه سبب حزنها:
- حقك عليا، بس أنا يعني….
رفع حاجبيه حين وجدها تنهمر ببكاء حار تضع وجهها بين كفيها، اعتدل بجلسته يجذبها لأحضانه بقوة، يربت فوق ظهرها وخصلات شعرها الكثيفة، يغمرها بحنانه المفرط، مدللاً إياها وقد تحول كُليًا من شخصيته الحادة للأخرى تسعى لكسب رضاها:
- في أيه بس، أنا ماقصدش يا حبيبتي أي حاجة تهينك أو تزعلك.
هتفت من وسط بكائها وهي تضع ذراعيها حول خصره وكأنها تنتظر تلك اللحظة:
- أنت دايمًا كده مابتحبش ادخل بين اخواتك، مع أني بحبكم ومابستحملش عليكم حاجة، قلبت عليا عشان بقول رأيي مع إن المفروض مرايتك والمفروض اعرفك إنك غلطت لما اتصرفت كده مع يزن، وغلطت لما أحرجته قدامنا، بس حقك عليا أنا بعد كده مش هتكلم طالما مابتتقلبش مني أي حاجة، ومابتحبنيش، خلاص أنا عرفت مدى صلاحياتي عندك.
القت ما في جبعتها بمكر ولم يدرك سليم أنها حيلة أنثوية منها لعرض اخطائه الليلة، لقد نجحت في سجن ابتسامتها بين قبضان الحزن والعتاب، وصدقها هو فراح يرضيها بلطف:
- لا طبعًا انتي الوحيدة اللي في حياتي عندك صلاحيات لكل حاجة يا شمس، بس يعني أنا يمكن كنت مخنوق شوية من اللي حصل، حقك عليا.
قبلت خده بحنو ودفنت جسدها بين ذراعيه الكبيرين:
- خلاص يا حبيبي، طالما فهمت موقفي، وسمعتني أنا مش زعلانة منك خالص.
مد يده يمسح جانب وجهها برقة وعيناه تنير بوميض غامض حين بدأ عقله باستكشاف خطتها الخبيثة للإيقاع به فرد بهدوء اقلقها مشددًا فوق جسدها:
- أيه مش عايزة تقوليلي اتصل على يزن واطمن عليه؟ ولا كفاية اللي قولتيه ووصلتيه ليا.
سمحت للابتسامتها بالسراح بينما المشاكسة تداعب نبرتها الانثوية:
- لا كفاية كده، بس أنا عارفة إن قلبك طيب وكبير ومش هتسيب اخوك الصغير يسيب البيت وبكرة هتروحله تعرفه غلطه بينك وبينه وتصالحه.
- اصالحه؟!
كررها باستهجان، فردت بنعومة ماكرة:
- اه يا ابو قمر.
ضحك ضحكة صغيرة وهو يداعب أرنبة أنفها الحمراء:
- اهو بعد ابو قمر دي أنا هروح أراضيه دلوقتي.
عادت تحتضنه من جديد تغرق نفسها في بحر حنانه ودفئه:
- ربنا يخليك لينا كلنا ومانتحرمش من وجودك.
رغم بساطة كلماتها إلا أنها كانت كالقطرة الباردة أثلجت بها صدره المشحون بنيران القلق والغضب بسبب تصرفات أخيه الطائشة، ستظل هي بوابته للهدوء وراحة البال بتصرفاتها الحنونة ودفئ خصالها اللطيفة.
**صباحًا..**
اوقف “يزن” سيارته أمام البناية التي تقطن بها “ليالي” ثم غادرها وهو يتحدث بالهاتف مع إحدى صديقاته:
- خلاص يا بيبي، أنا وصلت عند بيتها، ماتحرمش منك ومن معلوماتك.
- أنا عنيا ليك يا زيزو، اللي يزعلك يزعلنا يا قلبي، ابقى طمني عليك بعد ما تخلص.
صحضحك ضحكة سوداء وهو يقول بغل:
- ابقي اطمني عليها هي.
- لا هي تتحرق ماتفرقش، دول البنات اتجننوا من اللي هببتوا بس تستاهل بقى.
- حبايب قلبي أنتي والبنات سلميلي عليهم.
اغلق الاتصال معها حين وصل أمام باب شقتها ثم طرق الباب عدة طرقات وما هي إلا ثواني حتى فتحت ليالي وحقيبة سفر كبيرة بجانبها، فعبرت الصدمة فوق وجهها غير مصدقة سرعة مجيئه والوصول إليها:
- أيه؟
- النور جه.
رواية غناء الروح الفصل الخامس 5 - بقلم زيزي محمد
انتهت ” ليالي” من وضع أشيائها في حقيبتها الكبيرة، ثم قامت بإغلاقها جيدًا قبل أن ترتدي سترتها العلوية، والعزم داخلها يشتد للفرار من براثن يزن الشعراوي قبل أن يصل إليها، فردد عقلها ساخرًا أن حماس البدايات المليء بالانتصارات قد اختفى سريعًا حين أطرقت النهاية مطرقتها الحادة لتسحق ما كانت تتمناه.
نظرت من نافذتها الكبيرة للسماء بلونها الصافي معلنة عن صباح مشرق إلا أن مزاجها يشوبه غيوم الخوف والقلق مما هو قادم، سرق رنين جرس الباب المتواصل انتباهها، فجرت حقيبتها الكبيرة خلفها بهدوء كي لا توقظ والدتها وأخيها، فتحت الباب بوجه عكر ولكنها فوجئت بيزن أمامها وابتسامة ساخرة سوداء تتعلق بفمه، تلفظت دون وعي وكأنها غير مصدقة ما تراه بعينيها:
-أيه؟
وضع يداه فوق الباب يدفعه قليلاً، يغلق عليها أي محاولة للفرار من أمامه وهو يردف بتهكم لاذع:
-النور جيه.
ارتجف صوتها وهي تتراجع خطوة وكأن وعيها سقط في بئر الخوف:
-يـ….يزن آآآننت..
-اهدي يا بيبي أيه اتخضيتي ليه كده؟
صوته الهادئ بلمحته الساخرة ضاعفت من توجسها، فتوقف عقلها عن التفكير:
-أنت أكيد فاهم غلط…
بتر حديثها وهو يهز رأسه بنفي بينما ملامحه اشتدت بقساوة غير معهودة منه:
-لا أنا مابفهمش غلط، طول عمري بفهم صح ونظرتي صح، من أول ما شوفتك يا ليالي وأنا قولت اكيد فيكي حاجة غلط، بس طلعتي اوقح من ما كنت اتخيل.
نجح في استفزازها فصاحت بتبجح:
-أنا ماسمحش تكلمني كده.
اخشوشنت نبرته بينما كانت عيناه تزجها بسجون الغضب والقسوة:
-تسمحيلي! هو انتي ليكي عين تسمحي ولا ماتسمحيش، ده انتي عديتي ليفل البجاحة ووصلتي للوقاحة.
تراجعت عن خطاها وحاولت امتصاص غضبه، بإظهار أنوثتها ورقتها معتقدة أنها بذلك ستبدد غضبه فهتفت برجاء يغمره الدلال:
-طيب عشان خاطري وطي صوتك وتعال معايا أي كافية نتكلم بالهدوء.
رفع أحد حاجبيه متعجبًا والتهديد المنبعث من مقلتيه يضرب ظنونها في مقتل:
-طيب ما أنا هادي اهو، أيه شوفتيني رزعتك قلمين طيروكي من قدامي.
انهارت أساليبها الانثوية سريعًا قبل أن تصل لمرادها وخاصةً حين اندفعت بشراسة مصبوغة بالتحذير:
-ماتقدرش تلمسني، أنا اقدر اطلبلك الشرطة…
ترهيبها لم يجدِ بنفع بل انقلب السحر على الساحر وأمسك العصاة يجلدها بقساوة جعلتها تلتزم الصمت لفترة:
-الشرطة دي أنا لو عايز اجيبها فهجيبها لواحدة مزورة بترمي بلاها على الناس، أو مثلاً لأخوكي المدمن الصايع اللي خلاكي تعملي ده كله.
مط شفتيه بملل حين غرقت في بحور الصمت، فأشعل استفزازها أكثر حين صرح باستهزاء:
-أيه اتصدمتي، البنات صحابك طلعوا بيحبوكي اوي وحكولي كل حاجة.
انتشلت أخيرًا من صمتها وأردفت بنفاذ صبر:
-ولما هما قالولك كل حاجة؟ جاي تعمل أيه؟
-اخد حقي؟
رد ببساطة أدهشتها، فتصنعت عدم الفهم:
-حقك؟! أيه هتضربني؟!
-لا أنا مابضربش بنات مابخدش حقي من بنت وخصوصا لو واحدة زيك ماتسواش حاجة.
قساوة رده جعلها تردف بغرور بعدما تعمد تحقيرها:
-غريبة مع إن ده مكنش كلامك لما شوفتني.
أعجبه لمحه الغرور الزائف المحتلة حدقتيها، فشعر بحاجته دهس كرامتها أكثر، اقترب خطوة أخرى واستكمل حديثه بهمس لاذع:
-وكملت معاكي ولا خلعت مش بقولك نظرتي فيك كانت في محلها، بيئة ماتناسبش بيئتي، كنت شايف فيكي وقحة صغيرة، بس الصراحة فاجئتيني وطلعتي…
صمت للحظة يمنع وصفها غير اللائق الذي انبثق بعقله فجأة، فقال بمكر مقصود:
-الوصف اللي هقوله ممكن يزعلك أكتر ما أنتي زعلانة.
لن تتحمل تحقيره لها أكثر من ذلك، فأعلنت عن استسلامها سريعًا بقولها الذي خرج بصعوبة منها:
-طيب خلاص أنا بتأسفلك وصدقني أنا مش هاجي جنبك تاني.
تأرجحت ملامحه من فوق جبل الهدوء الوهمي، ليسقط في بحر هائج بنبرة صوته الغاضبة:
-لاانتي ماتقدريش تيجي جنبي، هو انتي فاكرة أنا جاي اترجاكي انتي عبيطة ولا نسيتي نفسك، أنا يزن الشعراوي فوقي.
صاح “مصطفى” من خلفها بخشونة مخلوطة باهتزاز بسيط نتيجة لِمَ يتعاطاه:
-امال جاي ليه؟ مشرفنا بوجودك ليه لغاية البيت!
ضحك ضحكات ساخرة وهو يفتح ذراعيه مرحبًا بوجود مصطفى وكلماته المتهكمة تندفع من فوهة فمه كالقنابل:
-اهلاً بخبيتها، اهلاً بالمدمن، اللي بيبع اخته عشان مزاجه، بس الكلب ده محسبهاش صح، مقالكيش أن عيلة الشعراوي مابيدخلش عليها الحركات الخايبة دي.
كانت انفعالاته شحيحة للغاية نتيجة حاجته الشديدة لجرعته، فاضطر للاستخدام نفس أسلوب يزن الساخر:
-ولما هي مدخلتش عليك عايز أيه؟!
ابعد يزن “ليالي” عن طريقه بلمسه يتخللها الاستحقار، قبل أن يندفع نحو أخيها بهجوم ضاري لم يتوقعه مصطفى قط:
-اخد حقي منك، اختك ماتلمزنيش دي ورقة محروقة، أما أنت لازم امسح اسمي من ذاكرتك خالص.
كانت معركة شبه محسومة لطرف يزن، فمالت كفة الميزان نحو يزن بجسده القوي والرياضي، حيث نجح في تسديد اللكمات والضربات العنيفة لمصطفى، أما الأخر ترنح وحاول الابتعاد بقدر الإمكان عن يزن، لكنه فشل ووقع في عرين الأسد، مستسلمًا له وكأنه ينتظر الموت، وفي اعتقاده أن الموت بتلك الطريقة ما هو إلا مجرد موت رحيم يختلف عن النهاية القاسية التي ينتظرها في أي وقت بسبب ادمانه.
انتبه يزن ليد “ليالي” الموضوعة فوق كتفه تحاول إيقافه، أما عن والدتها فاحتضنت ابنها بخوف تصرخ باكية عما أصابه نتيجة لعنف يزن معه.
-يزن لو سمحت كفاية، كفاية.
-احنا ممكن نطلبلك الشرطة.
هتفت والدتها بشراسة وحقد انبثق من عينيها، فعدل يزن من قميصه وخصلات شعره، بينما صوته جاهد الهياج المفرط الذي تلبسه فخرج بنبرة غير مبالية:
-ما تطلبوها أنا عايزكم تطلبوها، اقولكم أنا قاعدلكم هنا اعمليلي شاي لغاية ماتيجي.
ثم جلس فوق أحد الكراسي، يضع ساق فوق الأخرى بغرور أدهش والدة ليالي واستفز الأخرى كثيرًا، أما مصطفى اكتفى بنظرات الغل والكره عما ناله على يد يزن:
-امال انتوا فاكرين أيه، مافكرتيش أن هجيبك انتي وعيلتك ولو روحتوا فين!
جاهدت والدة ليالي كظم غيظها، فهتفت بنبرة منكسرة عكس الضجيج المكتسح لساحة مشاعرها من غل وحقد ليزن المتابع ردود أفعالها باهتمام:
-خلاص احنا أسفين وصدقني محدش من ليالي ومصطفي هيفكر فيك.
لم يظهر شفقته بل زاد في جلدهم بسوط لسانه الحاد:
-لا بالعكس أنا عايزهم يفكروا فيا ويفتكروا اللي عملتهم فيه ويفتكروا انهم ماقدروش ينفذوا خطتهم الخايبة.
لم يعطِ فرصة لأحد بالرد ونهض ينهي حديثه الناري بنصيحة مغموسة بالسخرية لوالدة ليالي المستشيطة بغضب:
-حافظي على سمعة بنتك شوية يا حجة وسيبك من سهراتك، ربيها شوية ينوبك ثواب.
قالها وغادر الشقة متبخترًا كالملك، وابتسامة النصر تتدلى من حافة شفتيه، بينما مزاجه قد رُفع عنه وشاح الغضب، متناسيًا تمامًا ما فعلته ليالي بحقه دون محاولته إثبات براءته أمام أخويه، فآخر همه محاولة كسب تعاطفهما معه!
*****
في منزل سيرا كانت الأجواء مختلفة هذا الصباح، بداية من بحثها عن الجبن المفضل إليها مرورًا بمشاكستها لأطفال فريال وشاهندا، متعمدة تحذيرهم بعدم المساس بطعامها مرة أخرى، وصولاً بوجود “أبلة حكمت” وتوبيخها لسيرا بتعمد حين لمحت القلادة الذهبية الخاصة بها تقع أرضاً، فصاحت بغيظ:
-والله انتي حرام تلبسي دهب.
وضعت “شاهندا” الاطباق فوق المائدة الكبيرة، وهي تعلق ساخرة:
-ليه يا أبلة حكمت، لما سيرا متلبسش دهب مين يلبس!
-ربنا يديكي يا اختي.
رمقتها “أبلة حكمت” بضيق قبل أن توجه حديثها لسيرا المتابعة لحديثهما:
-السلسلة دي هتقع منك، ماتلبيسهاش تاني.
وضعتها “سيرا” حول عنقها وهي تبتسم باستفزاز:
-ماتخافيش يا ابلة، هحافظ عليها، يعني هي هتضيع مني بعد السنين دي كلها.
ضيقت “حكمت” عيناها بغيظ، وهي تسألها:
-انتي بتعايرني يا سيرا، ده أنا…
تراجعت سيرا سريعًا وهي تجلس بجانبها تحاول مراضاتها:
-اعايرك ايه بس يا أبلة حكمت هو أنا ماعرفش أن كان عندك دهب يوزن ايدك دي وايدك دي وأنتي عشان بنت أصول بعتيهم لعمو “صافي” عشان يشتري شقة في التجمع.
استكملت ” ابلة حكمت ” الحديث بفخر:
-وانقل لمستوى أحسن أنا وولادي، مافضلش كده محلك سر.
مالت شاهندا نحو فريال تهمس لها بضحك:
-اقسم بالله تلاقي صافي جوزها هيتجوز في الشقة دي.
-مايقدرش دي ممضياه على وصل أمانة.
توسعت أعين “شاهندا” بصدمة بالغة وهي تهمس بعدم تصديق:
-احلفي بجد عملت كده.
اكدت فريال بهمس:
-اه والله ماما قالتلي وحلفتني ماقولش لحد.
وضعت شاهندا يدها فوق فمها وهي تهمس بسخرية:
-وأنا اللي كنت بفكر استلف منها خمس آلاف جنية.
-اوعي دي تمضيكي تبيعي كليتك قبل ما تديهملك.
-بتقولي ايه يا شاهندا انتي وفريال بصوت واطي.
صدح صوت ” ابلة حكمت” بتبرم تسألهما بفضول، فمالت سيرا نحوها بشقاوة:
-تلاقيهم بيحسبوا الدهب اللي بعتيه لعمو صافي يعمل كام.
توسعت أعين “أبلة حكمت” بخوف متمتمه بخفوت:
-يالهوي الله أكبر من عينيهم، هيحسدوني وأنا غلبانة.
-أنتي هتستكيلهم يا ابلة حكمت ماتسيبهمش مع بعض وممكن كريمة تتلم عليهم ويعملوا عليكي حزب، وتلاتة على واحد حرام.
نهضت ” أبلة حكمت” سريعًا تنضم لفريال وشاهندا اللاتي حاولا الفرار منها، كي لا ينشب شجار بينهم بينما تسللت “سيرا” كاللصة بعدما أضرمت شرارة الحرب بينهم، ارتدت حذائها الرياضي قبل أن تخرج من بناية منزلها، ثم خرجت للطريق تردف بحماس طفولي:
-هربت منيهم.
بعد دقائق صعدت الحافلة الكبيرة واتخذت من مقعد بالخلف مكانًا لها، أجرت عدة اتصالات بصديقاتها من بينهم “فاطمة” وأوصتها بالتحدث مع يزن بطل حديثهما الليلي الفترة الأخيرة، ومن بعدها حاولت الاتصال بحورية وكالعادة وجدته مغلق.
تركت الحافلة وعيناها تستعد لخوض رحلة صباحية للبحث عنه بمحيط المنطقة في لمحة سريعة وصفتها بالخبيثة بسرها ولكن اصابها الإحباط حين لم تجده موجود بالخارج أمام معرضه، فأردفت بخفوت:
-لمي نفسك يا سيرا يا قليلة الأدب، بدوري على مين؟
رفعت أنفها بشموخ وهي تخطو خطوات واسعة نحو البرج الذي يقبع به المركز الرياضي، ولم تلاحظ أن قلادتها الذهبية سقطت أرضًا.
على الجانب الطريق الأخر كان يزن يقف داخل معرضه يتابع الطريق وهو يتحدث بالهاتف مع نوح يُملي عليه ما حدث معه في منزل ليالي، جذب انظاره الشيء الذي سقط منها ولم يحدد ماهيته، فأغلق الاتصال مع صديقه وتوجه لموقع ذلك الشيء ولكنه قد سبقه طفل صغير حين أمسك قلادتها يقلبها بين يديه وعندما لاحظ وقوف يزن أمامه سأله ببراءة:
-دهب دي يا عمو؟
لمح يزن اسمها الموضوع في إطار ذهبي يتدلى من القلادة فابتسم بعبث وهو يقول:
-اه دي بتاعتي يا حبيبي هاتها.
تمسك بها الطفل وبان بعينيه الشراسة للدفاع عن أحقيته بها:
-انت اسمك سيرا يا عمو؟
-لا يا لمض، اسمي يزن، بس دي تخصني، هاتها ياض.
حاول أن يأخذها منه ولكن الطفل تشبث بها بعند:
-لا ماتخصكش، انت عايز تسرقها مني، وفاكرني اهبل.
اندهش يزن منه فقال بغيظ:
-انت طفل ياض، انت اكيد واحد كبير متخفي في جسم عيل صغير، هاتها عشان أنا ممكن اشدها منك واطلع اجري.
رمقه الطفل بنظرة يغمرها السخرية فظهر كأنه شاب كبير وهو يردد الكلمات بدهاء لم يناسب عمره:
-انت اكيد جواك حرامي في جسم واحد كبير.
اخشوشنت نبرة يزن، وازداد اتساع عينيه كتعبير بسيط منه لتخويف ذلك المتمرد:
-لا أنا جوايا مجرم صغير، وممكن اخطفك دلوقتي لو مجبتهاش.
عادت إمارات البراءة تحتل ملامحه فسأله ببعض من الخوف:
-هتخطفني؟!
اكمل يزن طريق التهديد الذي سلكه محاولاً اقتناص القلادة منه بأي شكل حتى لو اخترق قوانين الطفولة ببعض الحيل:
-مش بس كده، ده أنا ممكن اوديك مكان….
قدمها له الطفل باستسلام وهو يرجوه بنبرة اوشكت على البكاء:
-خلاص يا عمو، ماتخطفنيش عشان خاطري، خدها اهي.
القاها بين يدي يزن ثم ركب بساط الهروب سريعًا مبتعدًا عن دائرة يزن بكل إمكانياته، بينما أردف يزن بخفوت والعبث يرسم خطوطه فوق صفحات وجهه:
-خد تعال، طيب اوريك هاخدك فين…
وضع القلادة بجيب سرواله، وهو يهز رأسه بتسلية:
-غبي كنت هفرجه على العربيات عندي.
*****
ظلت “يسر” في فراشها مفتقدة لحماسها، ولأي نشاط كانت ستُقدم عليه في هذا الصباح، سامحة لذكرياتها البائسة باكتساح ذهنها المشتعل بغضب وغيرة، غير قادرة على تخطي كلماته وأفعاله معها، فراح عقلها ينير لها طريق الانفصال عنه، كي تنقذ ما تبقى من شبابها، بعد أن سقطت في غيابة جب مظلم وتحولت من فتاة مُشعة بالحيوية للأخرى عجوز يغمرها العجز والقهر، فهمست بشرود ونبرتها الشبه باكية تصدح في الأجواء:
-كان عقلي فين وأنا بوافق، ما كان زماني متجوزة حد غيره ومفيش حاجة مضايقني.
-نصيبك بقى، تتجوزيني واعكنن عليكي.
انتفضت بفزع حين لاحظت وجوده بالغرفة، فردت بحنق:
-انت جيت امتى؟
-من وقت ما كنتي بتتمني حد غيري.
أجابها بنبرة قاسية يتدلى من حافتها غيرة محترقة لم تشعر بها هي من فرط غضبها منه:
-أنا مابتمناش حد غيرك يا دكتور نوح، أنا محترمة ومش زيك.
توسعت عيناه بوميض متأجج على وقاحتها معه، فسارعت بتوضيح مقصدها:
-آآ…قصدي يعني، عيني مش فارغة زيك.
رفع حاجبيه باستنكار ناري، فصاحت بسخط:
-يوووه، مش قصدي كده بردو، أنا قصدي إن أنا محترمة وبس.
عرقل وقاحة كلماته على طرف لسانه وغير ما كان ينوي يُسمعها إياه:
-ماشي يا محترمة، حافظي على كلامك معايا شوية، عشان أنا لصبري حدود.
-ماتهددنيش.
قالتها بتحذير طفيف، فتجاهلها وتعمد إغاظتها كعادته، حيث انتقل لخزانته ينتقي ثيابه بعناية، وصدر منه نغمة بسيطة تدل عن مزاجه الجيد، وضعت يدها أسفل ذقنها وهي تتابعه يُبدل ثيابه ثم وهو يضع عطره بغزارة:
-رايح تقابل مين؟ أكيد حد مهم في حياتك عشان تتجهز اوي كده؟!
كانت نبرتها هادئة أو ربما تخفت بثوب الهدوء الزائف، فأجاب بهدوء مماثل وهو ينظر لنفسه بالمرآة:
-صح، رايح أقابل دكتورة نيللي شريكتي في المعمل.
جذبت نفس عميق قبل أن تردف برُعونة:
-تصدق يا نوح، اوقات بتصعب عليا بجد.
أثارت استفزازه، فاستدار إليها وقرر الذهاب لحيث تجلس فوق الفراش وجلس أمامه يسألها بغلاظة:
-بصعب عليكي ليه؟! اشجيني.
هزت كتفيها وقررت اضطرام لهيب غضبه:
-يعني من اللي مريت بيه في حياتك، فأكيد سببلك مرض نفسي جواك، خلاك نفسك تحس باهتمام البنات بيك، لدرجة إنك دايمًا نفسك تتجوز تاني وكأن الجوازة التانية هي الحل لمرضك ده، بس الحقيقة هي مجرد مسكن بس، لكن أنت هتفضل زي ما أنت، بتعاني وبس.
فشل في إنقاذ نفسه من بحر غضبه الهائج بأمواجه العاتية، حين لمست تلك الحمقاء سفينة هدوئه وقامت بخرقها بكل رعونة، فهتف بتوعد حقيقي:
-طيب وحياة أمي يا يسر لأتجوز عليكي فعلاً سواء برضاكي أو غصب عني.
أخفت انفعالها خلف ستار الهدوء واكتفت بإلقاء نظرة مشفقة نحوه وهو يغادر الغرفة، تاركًا إياها تنفعل بضراوة وكالعادة صاحبها البكاء الحار.
*****
زفرت بقوة وهي تتمم على محتويات حقيبتها بعد انتهاء عملها، استعدت للخروج وبحركة تلقائية وضعت يدها حول عنقها تثبت طرف حجابها ولكنها لم تجد القلادة، فلمست جانبي عنقها تتأكد من وجودها، وعندها وجدت عنقها يصرح بفقدانه لقلادتها، صاحت بذعر شديد:
-يالهوي السلسلة، السلسلة راحت فين؟!
تساءل العاملين بالمركز عن سبب ذعرها وصياحها، وعندما أخبرتهم، اندفع الجميع يبحث معها حتى زوار المركز انشغلوا بالبحث في كل أرجاء المكان، وبعد عدة دقائق طويلة لم يتوصلوا بها لشيء فهتف أحدهم:
-ممكن تلاقيها وقعت منك في الشارع، لأني بعت ام محمد تدور في الأسانسير ومدخل البرج مش موجود فيه حاجة.
أصيب بالإحباط وهي تمتم بحزن كبير:
-ماشي خلاص.
لململت أشيائها المبعثرة مرة أخرى وتركت البرج بوجه تعيس للغاية، ولكن انبثق أمل بسيط داخلها يدفعها للبحث في الطريق علها تجدها، فصارت تتحرك هنا وهناك وتنظر بوجوه الواقفين بالطريق تستكشف بهم أيهم وجد قلادتها واتخذها سرًا، جذب انتباهها صوته الرجولي المتسائل بقلق بالغ أو ربما أوهمها بذلك:
-بدوري على أيه؟
أشارت إليه بالابتعاد والضيق يغزو ملامحها الجميلة:
-اوعى كده، ثانية، يا نهار أبيض، هتكون راحت فين بس.
تظاهر بعدم الفهم وأصر على وجوده معها رغم شظايا الحنق المتناثر منها:
-طيب ما تقوليلي وادور معاكي.
هتفت شزرًا:
-حاجة تخصني!
مالت شفتيه لبسمة ساخرة وهو يقول:
-ايوه ما أنا عارف إنها تخصك، امال هتدوري عليها ليه طالما ماتخصكيش!
زفرت بضيق، فقال بهدوء ينافي حاجته للضحك:
-ماتنفخيش، أنا بعرض مساعدتي، وبسألك سؤال بريء بدوري على أيه؟!
تبرمت وهي تجيبه على إصراره غير المبرر لها:
-على سلسلة دهب عليها اسمي.
تظاهر بالجدية حين استعلم منها عن سبب بحثها المتواصل:
-والسلسلة دي وقعت هنا؟
ضحكت ضحكة قاتمة يتخللها بعض من الاستنكار، ولكنها سرعان ما صححت نهجها بعدما أدركت وقاحة ما تُقدم عليه:
-لا كانت نازلة تتمشى هنا شوية، ايوه طبعًا أنا متأكدة كنت لابسها وأنا نازلة من الباص، وقلبت الجيم فوق مالقتهاش، يبقى وقعت في الشارع، صح؟
-ممكن بس دي حاجة بسيطة يعني، مش مستهلة العصبية دي كلها.
أشعل فتيل غضبها من جديد فاستنكرت قائلة:
-انت عارف جرام الدهب عامل كام دلوقتي؟!
نظر لها مطولاً ولم يتوقع إجابتها قط وبراءة ردود أفعالها معه، فلم يجد منها تصنع مثل باقي الفتيات ولا رقة متناهية تستفزه، طالت نظراته ولم يشعر بمرور الثواني، شعرت بالخجل الشديد والتي حاولت إظهاره على هيئة عصبية:
-أنا بسألك ليه، اوعى كده ادور براحتي.
-ما الشارع واسع يا بنتي وبعدين دي سلسلة دهب أكيد هتبان يعني لو موجودة فيه.
لمعت عيناه ببسمة ساخرة، مما الهب نيران استفزاها خاصةً بعد برود نبرته، فخرجت بعض الكلمات الخافتة منها بعبوس:
-هي بوز أبلة حكمت بصتلي فيها، ربنا يسامحها.
انعقد حاجبيه وتساءل بفضول:
-أبلة حكمت مين؟!
كانت ستجيبه ولكنها الجمت اجابتها التي كانت سترضي فضوله، وأجابت بأخرى يملأها الضيق:
-آآ…وانت مالك الله.
تظاهر بالانزعاج وهو يقول بشقاوته المعهودة:
-انت خُلقك ضيق اوي يا يسرا.
رفعت إصبعها في وجهه تحذره بانفعال ضاري:
-بقولك أيه ماتقوليش يسرا دي أنا عفاريت الدنيا بتتنطط في وشي.
أبعد يدها من أمامه وهو يقول بحنق زائف:
-لا لو على الصباع أنا كمان عندي صوابع كتير اوي، مايغركش الجنتلة اللي أنا فيها.
صاحت بنبرة منفعلة معترضة على حديثه:
-جنتلة؟! انت كده جنتل يعني وانت بتعطلني.
-طيب ما أنا عرضت اساعدك وانتي رفضتي.
انفلت لجام صبرها وهي تقول:
-تساعدني ازاي بقى؟! هو انت سايبني ادور حتى.
لا زالت تتحرك بحركات عشوائية تبحث هنا وهناك وهو يدور خلفها يحاول إقناعها بما يريده:
-لا حول ولا قوة الا بالله، ما الشارع انضف من حياتنا اهو، بصي أنا هانشر خبر إن في حاجة دهب ضاعت تخصني واللي هيلاقيها اكيد هيجبهالي، خلي بالك أنا مسيطر هنا.
-والله ما باين عليك أي سيطرة.
هدمت غروره بنظرة استهزاء لم تعجبه، فقال بخشونة مقصودة:
-تحبي اولعلك في المنطقة كلها عشان تصدقيني، وبعدين يعني ده جزاتي إن شايل همك.
كتمت ضحكتها بصعوبة بالغة، واضطرت لقبول عرضه عندما انحدرت آمالها في إيجاد قلادتها في قاع الفقدان:
-لا كتر خيرك، طيب أنا بكرة اجازة من الجيم…
قاطع حديثها حين نال مراده وقال بنبرة عادية هادئة:
-هاتي رقم تليفونك وأنا هتصل عليكي لو حد لاقاها.
رفضت رفض قاطع وهي تخرج هاتفها من حقيبتها:
-لا أنا مابديش رقمي لحد، هات رقمك انت.
انعقد حاجبيه ساخرًا:
-ودي تفرق في أيه؟!
أجابت بصدق يشوبه بعض التهكم الطفيف:
-تفرق أني ليا مصلحة فبتصل عشانها، لكن انت بقى تقعد تتصل وتقولي بندور عليها وحركات الشباب دي، خلي بالك أنا صاحية ومركزة اوي.
ضيق عينيه متظاهرًا بالإعجاب نحوها، ولم يمنع ابتسامته الساخرة في الظهور فوق شفتيه:
-اه يا لئيمة، أبهرتيني.
عدلت حجابها وهي تنظر له بغرور، بينما هو ضحك على مظهرها فبدت كالطفلة حين يمدحها أحدهم، ولم تنهي فقرة اندهاشه بها عند هذا الحد، فقالت بنبرة متكبرة:
-ومتخافش أنا بتصل دايمًا في اوقات مناسبة يعني.
اعطاها الهاتف بعدما سجل رقمه، وكان سيحاول استقطابها بحديث آخر، فالتحدث معها له لذه أخرى يحاول استكشاف ماهيتها، ولكن وجود زيدان المفاجئ لهما جعلها تنهي الحديث معه بتوصية غريبة:
-ماتنساش بقى تنشر الخبر، وحافظ عليها، سلام يا استاذ يزن.
ردودها العبثية جعلت من ابتسامته تتسع تلقائيًا وهو يشير إليها بالوداع، فخلع زيدان نظاراته الشمسية متسائلاً بفضول:
-مين دي يا يزن؟!
أجاب بشرود يغمره الإعجاب:
-دي أكتر واحدة عبثية شوفتها في حياتي.
أطلق زيدان صفيره بشقاوة:
-يا سلام يا عم.
انتبه يزن أخيرًا واستطاع إبعاد نظره عن أثرها، فقال بنبرة خشنة:
-جاي ليه؟!
-اطمن عليك.
أجاب زيدان ببساطة، فضحك يزن باستنكار:
-لا كتر خيرك يا باشا، اطمنوا أنا أحسن منكم.
ثم تركه وتوجه نحو معرضه، فخطى زيدان خلفه خطوات واسعه يسعى لإيقافه، يحاول أن يسترضيه:
-اهدى يا يزن، انت بقيت قماص اوي يا جدع.
دخل يزن معرضه ثم التفت واعترض دخوله مبتسمًا باستفزاز:
-لا بالسلامة أنت بقى، هنسيق المعرض، مش فاضيين.
ثم أغلق الباب الزجاجي في وجه زيدان، مما جعل من زيدان عبارة عن كرة مشتعلة، فأجرى اتصالاً سريعًا ينفث من خلاله غضبه:
-اقسم بالله يا سليم لو قولتلي أروح اطمن على الكلب ده ما يحصل أبدًا، الكلب قفل في وشي باب المعرض.
****
في المساء وبعد ذهاب العاملين من المعرض، ظل يزن وحده يعبث بهاتفه والملل يهاجم وحدته من حين لآخر، حتى ظهر سليم بغروره المعتاد وهو يدلف للمعرض، فاعتدل يزن بجلسته وأبقى نفسه على صمته دون أن يرحب بوجود أخيه كعادته.
فجلس سليم فوق كرسي كبير واضعًا ساق فوق الأخرى والاستهجان ينطلق في سباق كلماته:
-أيه هتطردني زي ما طردت اخوك؟!
حمحم يزن بخشونة قبل أن يجيب:
-ماقدرش.
رفع حاجبيه معًا ووبخه بشراسة:
-وقدرت تعملها مع زيدان عادي.
ابتلع ريقه بعد أن جف حلقه، ولم يستطع منع انفعاله، فقال بعصبية طفيفة:
-انت جاي تهزقني عشان خاطره؟
-وماله هو مش اخويا.
هتف بوقاحة:
-لا علشان بيطبلك بس الأيام دي وبيحاول يكسب رضاك.
-انت اتجننت ازاي تكلمني كده؟!
انفعل سليم بقسوة، ونوى أن يغادر المكان، إلا أن يزن سارع باعتذاره وأجلسه مرة أخرى:
-خلاص حقك عليا، اعتبرها زلة لسان يا سليم، ماتزعلش.
أبعد سليم يده بضيق واضح وهو يعاتبه:
-واللي قولته امبارح ده أيه بالظبط، بردو زلة لسان يا محترم.
-لا مش زلة لسان، عشان انتوا ظلمتوني وانت ظلمتني من غير حتى ما تسمعني مع أن مش متعود منك على كده!
حاول سليم أن يهدأ من نفسه، فقام بإلقاء كافة اللوم نحوه:
-بسمعك في أمور عادية وبسيطة، مش واحدة جاية تشتكي منك وانت عايز تتجوزها عُرفي.
واجهه يزن ببراعة لاعب محترف كاشفًا عما يحاول سليم إظهار عكسه:
-سليم أنت عارف كويس اوي أني ماعملش كده ولو على رقبتي، لكن أنت حبيت بس تعلمني الأدب، وللأسف طريقتك كانت غلط، يعني لو كنت اخدتني لوحدنا وواجهتني كنت هحترمك واقولك حقك وأنا فعلاً غلطان أن اعرف اشكال زيها مش مظبوطة.
أُشعلت حدقتي سليم بتهديد متقد:
-وأيه دلوقتي بطلت تحترمني؟!
-ماقدرش يا سليم، بس أنا حقيقي زعلت من معاملتكم ليا قدام مراتك وقدام مليكة مرات زيدان.
واجهه سليم بحقيقة ما يحاول تجاهله:
-الحرج ده يا يزن المفروض تحس بيه بسبب تصرفاتك مش بسبب تصرفاتنا احنا، المفروض بعد كده تعمل حساب لإنك مابقتش العيل الطايش اللي بنعديله تصرفاته، لا أنت بقيت كبير وواعي واللي قدك متجوز وفاتح بيت ومسئول عن اطفال، الفراغ اللي مالي حياتك أخرته مش حلوة وده اللي بحاول احذرك منه، انقذ نفسك بنفسك واحميها من حاجات كتير اوي غصب عنك ممكن توصلها حتى لو كنت شبح في نفسك وقادر تسيطر عليها.
تفهم جيدًا المغزى من حديث أخيه الأكبر، واعلن موافقته على حديثه وبذات الوقت الحق بعض من معارضته بطرف موافقته المعلنة:
-بس أنا بردو شايف نفسي أن ماقدرش على خطوة الجواز حاليًا، الخطوة دي بعيدة عني خالص.
-شيطانك بس اللي مهيألك كده، ايوه ما تضحكش…
منع يزن ضحكته التي كانت على وشك الظهور بعد تحذير سليم له، واستمع بجدية لباقي حديثه:
-انت ناقصك أيه عشان تتجوز، ما شاء الله ناجح في شغلك، وبنيت نفسك بنفسك، واخدت كارير غيري، وراجل تسد عين الشمس، أيه اللي ناقصك إنك تبعد عن طريقك ده واهو مجاش منه إلا وجع الدماغ.
-لا ليالي دي بت متسواش قرش واحد، دي واحدة دماغها تعبانة هيئتلها إنها ممكن تضحك عليك وعليا وتطلع بقرشين، سبوبة يعني.
-ما أنا عارف وفاهم من أول لحظة اتكلمت معايا فيهم، أيه بقى الجديد وعارف كويس إنك هتنهي الحوار ده من غير ما يكبر، أيه بردو اللي عايز توصله ليا، بتدافع يعني عن باقي البنات صحابك، مش هما صحابك بردو؟!
تساءل باستنكار ملحوظ وقبل أن يجيب يزن، رن هاتفه برقم مجهول، فأغلق الاتصال دون رد، وحاول توضيح وجهة نظره لسليم إلا أن هاتفه قاطعه مرة أخرى، فنفذ صبر سليم وقال:
-رد عشان خلقي ضيق.
نفذ يزن أمره وأجاب على الاتصال فوصل إليه صوتها المميز وهي تسأله بأدب:
-أستاذ يزن؟
ضحك بسخرية مقصودة:
-فعلاً بتتصلي في أوقات مناسبة جدًا.
لمح نظرات سليم المشتعلة فشهريار أخيه لن يتغير قط، حاول يزن إنقاذ نفسه بالنهوض والابتعاد عن دائرة سليم كي يتحدث معها براحة أكثر.
***
في منزل سيرا..
تجاهلت سيرا سخريته المبطنة وسألته بجدية:
-حد جالك ولقيت السلسلة ولا لا؟
-هو احنا لحقنا يا سيرا، دي ضايعة الصبح!
اجاب بنبرة عابثة، الهبت حنقها:
-انت شكلك طلعت أي كلام، وبتحور عليا وفاكرني هبلة لما تضحك عليا.
-يا نها اسود، ده مين ده اللي ضحك عليكي يا سيرا.
انتفضت سيرا بفزع وأوقعت الهاتف من يدها، حين وجدت “أبلة حكمت” تقف خلفها مصدومة مما سمعته!
رواية غناء الروح الفصل السادس 6 - بقلم زيزي محمد
تركت سيرا عائلتها واجتماعهم الليلي وتوجهت نحو غرفتها، تجري اتصالاً به تطمئن من خلاله عن أي أخبار تخص قلادتها الذهبية. وكالعادة اختارت الصمت وعدم إخبار عائلتها كي لا تتلقى توبيخاً حاداً من قبل “أبلة حكمت”.
استمعت لرنين الهاتف بملل، وحين أنهى الاتصال فجأة، عبست بقسمات وجهها، ولسانها يردد وفقاً لعقلها:
- يا سلام يا تقيل، هو أنا بتصل بعاكسك، والله لتصل تاني.
أجرت اتصالاً آخر ولم تتوقع سرعة رده، فأصابها التوتر قليلاً عندما استمعت لنبرته الرجولية المميزة بخشونة تليق به وحده:
- الو.
تلقائياً تسربت النعومة المفرطة لصوتها فقالت بتساؤل ناعم للغاية:
- أستاذ يزن؟
ترعرعت بنبرته الخشنة برعم من السخرية حين قال:
- فعلاً بتتصلي في أوقات مناسبة جداً!
ضيقت عينيها بغيظ أنثوي شرس، ثم أبعدت الهاتف توجه له بعض السباب الخافت والذي لم يصله. ثم عادت تجبر نفسها على تجاهل سخريته المبطنة وسألته بجدية:
- حد جالك ولقيت السلسلة ولا لا؟
- هو احنا لحقنا يا سيرا، دي ضايعة الصبح!
أجابها بنبرة عابثة لم يعرف أنها سوف تلهب حنقها، فقالت بتهكم صريح:
- انت شكلك طلعت أي كلام، وبتحور عليا وفاكرني هبلة لما تضحك عليا.
- يا نها اسود، ده مين ده اللي ضحك عليكي يا سيرا.
لوهلة لم تفهم ما يحدث وسر مهاجمة “أبلة حكمت”، فانتفضت بفزع. وفي خضم انتفاضها أوقعت الهاتف من يدها، حين وجدت “أبلة حكمت” تقف خلفها مصدومة مما سمعته!
حاولت تحجيم نظرات غضب “أبلة حكمت” وتوضيح سوء الفهم الذي وصل إليها، ولكنها لم تجد الفرصة، حيث انقضت أبلة حكمت عليها، تقبض فوق ذراعها بقسوة والتهديد يشتعل بنبرة صوتها:
- قولili مين ضحك عليكي يا سيرا، صارحيني أحسنلك؟
ترنح صوتها من فوق جبل الثبات، وهوت في هاوية الخوف مما نسجه عقل أختها:
- يا أبلة حكمت، افهميني بس، اديني فرصة أشرحلك؟
- تشرحيلي أيه بعد ما الفاس وقعت في الراس!
تضاعف صدمتها من كلمات أختها، وبالرغم من حدة الموقف إلا أنها سخرت قائلة:
- مالحقتش تقع يا أبلة حكمت صدقيني، انتي دايمًا تحكمي كده عليا بالباطل!
- باطل؟!
سألتها باستهجان، ثم استطردت بقولها الهجومي:
- ده أنا سامعكي بودني الاتنين دول، وشايفكي وانتي بتكلميه بعنيا اللي هياكلهم الدود دول.
- هما هياكلهم الدود فعلاً، طالما مش مدياني فرصة افهمك.
فُتحت سجون الغضب بصوتها لتلهم “أبلة حكمت” بهجوم غير متوقع، فصاحت الأخرى بانفعال:
- أنتي بنت قليلة الأدب.
وضعت سيرا يدها فوق وجهها بإحراج شديد، حين لاحظت بدأ دخول أفراد عائلتها بأكملهم لداخل الغرفة بقلق عارم، ونظراتهم تنتقل بينها وبين أبلة حكمت المستشيطة بغضب. وأول من قطع لحظة الصمت هو والدهما بسؤاله الهادئ والذي كان غير مناسباً للأجواء المشحونة بالغرفة:
- في أيه يا بنات؟
تصاعدت ضحكات “أبلة حكمت” علناً وهي تشير باحتقار نحو سيرا الواقفة تغلي في مرجل متقد من تصرفات أختها الحمقاء:
- تعال يا بابا شوف مين ضحك على سيرا والهانم بتحاول تهرب مني.
- كفاية بقى يا أبلة حكمت حرام عليكي.
صرخت “سيرا” بغضب عارم، بعدما زجتها أختها في قبو مظلم بتصرفاتها الهجومية، فلم تعد قادرة على مواجهتها وتبرير موقفها.
رفعت أبلة حكمت أحد حاجبيها بتبرم، بينما راحت شاهندا تخطو نحو سيرا تحتويها بين جناحي حنانها، وتحاول تهدئتها:
- اهدي يا حبيبتي وفهمينا أيه اللي حصل؟
انهارت سيرا ببكاء حار وهي تتلفظ بصوت مبحوح أثر انفعالها، فالتف الجميع حولها يحاولون تهدئتها بما فيهم والديها:
- أنا سلسلتي ضاعت يا بابا النهاردة، وماعرفش وقعت مني فين، في واحد صاحب معرض عربيات عرض عليا أنه هينشر خبر أنها تخصه بما انه مسيطر في المكان ده، فأنا اخدت رقمه وكلمته اسأله لقاها ولا لا، ولو حضرتك مش مصدقني، تقدروا تيجوا معايا وتسألوه، وأبلة حكمت دخلت فجأة وسمعتني بكلمه وبسأله عليها، وبقوله انت شكلك مش مسيطر وبتضحك عليا.
انطلق “صافي” زوج أبلة حكمت بقوله الذي فاجئ به الجميع:
- يعني يا سيرا، الراجل بيعرض خدماته تقومي تكلميه بالشكل ده!
تدخل زوج كريمة أختها الأخرى يعارضه بقوله المعاتب:
- هو ده وقته يا حاج صافي انتقاداتك، وفرها لوقت تاني.
رمقه ” صافي ” بغيظ وهو يضرب كفاً بآخر:
- لا حول ولا قوة إلا بالله، هو حرام الواحد يقول رأيه، يلا بينا يا حكمت ننزل شقتنا.
سارعت “أبلة حكمت” بلم غضبها ودفنه بين طيات الإحراج:
- يلا يا اخويا، زمانك واقع من الجوع.
وقامت بإلقاء غمزة لأولادها، فتفهموا على الفور، وانطلقوا خلف والدتهما. أما سيرا كانت تحاول الإفاقة من صدمتها أثناء سقوط دموعها الكثيرة فوق صفحات وجهها، وهمست:
- هي ازاي تمشي كده؟!
تدخلت والدتها تحتضنها وكالعادة تجبر بخاطرها:
- يا حبيبتي يعني أنتي مش عارفة اختك لما بتغلط بتعمل أيه، بتهرب كعادتها.
- بس هي اتهمتني زور يا ماما!
وجهت عتاباً نجح في محاربة قبضة الحزن بصوتها، فربتت والدتها فوق كتفيها برفق:
- يا حبيبتي ما تقصدش، وحقك عليا، أنا بكرة هعاتبها واعرفها اللي عملته في حقك غلط.
تابعت “كريمة” هي الأخرى بصوتها الحاني:
- يا سيرا كلنا عارفين أبلة حكمت على أيه، معلش هي بقالها يومين ماعملتش الأكشن بتاعها.
ضحك زوج “شاهندا” رغم عنه وهو يقول:
- أنا كنت مستغرب هدوئها أصلاً اليومين دول.
لم يهدأ غضب سيرا أبداً فقالت بصوت مشحون:
- بس مش على حسابي.
أكدت فريال عقب حديث سيرا بقول حازم:
- الصراحة أيوه يا بابا، أبلة حكمت تصرفها غلط في حق سيرا، احنا عارفين اختنا محترمة ومؤدبة ولا يمكن تتصرف التصرفات دي أبداً.
انطلق لجام الحزم بصوت والدها ينهي الأمر:
- خلاص، امكم هتكلمها بكرة، لو سمحتوا اخرجوا انتوا كملوا سهرتكم وسيبوني مع سيرا شوية.
على الفور بدأ الجميع في الخروج من الغرفة، وترك المساحة الكاملة لهما، ليبدأ “حسني” والدها بقوله المعاتب:
- ينفع اللي حصل ده؟!
رفعت عينيها الباكية ترمقه بعدم تصديق:
- بابا أنت مصدق أبلة حكمت بجد؟
- لا طبعاً.
قولاً واحداً نفى ما تسرب لعقلها، ثم عاد وأردف بنبرة ممزوجة بطيف من اللوم:
- ينفع سلسلتك تضيع وماتعرفنيش، من امتى بتخبي حاجة؟
ردت بصدق:
- ماحبتش اشغلك، كفاية الضغط اللي أنت فيه.
انفجر التهكم الممزوج بالحزن فوق صفحة وجه والدها وخاصةً وهو يقول:
- ضغط أيه؟! على أساس هما عيالي وانتي لأ، أنا مش متعود منك على كده، أنا متعود دايمًا إن سيرا صريحة وماتخبيش، واهو موقف زي ده لو كنتي حكيتلي عنه كنت وقفت حكمت من أول ما دخلت عند حدها، لكن اللي حصل عكس كده فاضطريت استنى زيي زي أي حد واعرف في أيه اللي بيحصل!
شعرت بالخجل الشديد لمَ يقوله والدها، فأبدت موافقتها على حديثه:
- عندك حق يا بابا.
قبل جبينها بحب ولمعت ابتسامته الحنونة لتذيب بقايا غضبها:
- وبالنسبة لسلسلة لقيتها خير وبركة لو كانت ضاعت تبقى راحت لصاحب نصيبها.
اندست الحسرة بين نغمات صوتها الحزين:
- بس أنا كنت بحبها اوي.
حاول والدها بمراضاتها بقوله:
- ياستي ربنا هيكرمني وهجبلك غيرها.
احتضنت والدها بحب واغمضت عينيها تستمتع بحنو في لحظة ربما تتكرر بعد فترة كبيرة، بسبب انشغال والدها الدائم بعقبات أخواتها الفتيات، ومشاكل أزواجهن المتكررة، ومشاغبة اخويها “قاسم وعبود” وفترة مراهقتهما الصعبة، فكانت النتيجة أنها المنسية الضائعة بين هموم الحياة رغم صغر سنها وحاجتها الدائمة لاحتواء والديها.
***
قاد سيارته وعقله منشغلاً بها وسر إغلاقها السريع للاتصال، هل أثار غضبها لدرجة أنها أغلقته عمداً في وجهه، أم أصابها مكروه! غرق في التفكير المنصب حولها فقط، ونسي تماماً وجود “سليم” بجانبه حتى أنه لم يلاحظ حديثه حتى شعر بيد سليم القوية تقبض فوق ذراعه يسأله باستنكار:
- سرحان في أيه يا شهريار زمانك؟
- فيك يا أبيه!
سرعان ما خرج من دائرة شروده وارتدى ثوب العبث المنسوج بخيوط السخرية، وكما توقع اندفع سليم يوبخه باحتقار:
- احترم نفسك، عشان مانزلش من العربية واكسر دماغك.
ضحك بخفة وهو يجبر نفسه على الابتعاد عن دوامة التفكير بها، فقال:
- أنا دماغي متكسرة لوحدها، مش محتاجة تكسير زيادة.
لمعت بسمة ساخرة فوق وجه سليم وهو يردف بخفوت:
- هو في حد يكلم كمية البنات دي كلها، ودماغه تبقى سليمة!
رفع يزن أحد حاجبيه بتحدٍ وهو يقول بنبرة مغمورة في شقاوته:
- حاسس بحقد ولا متهيألي!
انفجرت إمارات الغضب فوق تقاسيم وجه سليم الذي قال:
- متهيألك يا بارد، أنا هحسدك على أيه، اللي أنت فيه ده عقاب.
تابع يزن قيادته لسيارته بتسلية وقد نسى للحظة أمر سيرا بعدما نجح أخيه في جذبه لنقاش ناري حول صداقاته مع الفتيات، فقال بنبرة عابثة يغلب عليها الضيق الزائف:
- نفسي تفهموا إن أنا مابضحكش على أي بنت وبوهمها بحاجة، أنا في فئة كده بحبهم وبحب أبقى for fun معاهم، غير كده متلاقنيش، لكن أي واحدة تدخل على سكة تانية مابكملش معاها.
تعجب سليم من تفكيره فقال بحيرة من أمر أخيه المجنون:
- يا بني ما تتجوز وترتاح من الهم ده كله.
رد باعتقاد مترسخ داخل ذهنه عن الزواج والمسئولية، فسرعان ما أوضح وجهة نظره:
- الهم ده أنا هشوفه لو اتجوزت يا سليم صدقني.
زفر سليم بحنق وهو يردف:
- يعني مضطر استحمل غبائك كتير، المهم كلم اخوك وصالحه.
- أنا مزعلتش حد، هو اللي مقموص.
أوقف سيارته أمام منزلهم، وقبل أن يترك سليم السيارة هو الآخر قال بتحذير طفيف:
- لا انت بس ماحترمتش اخوك وقفلت في وشه باب معرضك، أنا لو منه ماعبركش العمر كله على الحركة دي.
تركه سليم ودخل المنزل بعنجهيته المعهودة، ففتح يزن فمه بصدمة ولسانه يردد:
- يا أخي اعوذ بالله من اللي يفكر يضايقك، الواد زيدان عليا نعمة طلع نسمة وأنا ماعرفش.
- هتقف عندك كتير؟
أغلق يزن سيارته وتحرك نحوه مردفاً بشقاوة:
- لا جاي وراك يا ابيه.
هز سليم رأسه بعدم رضا ونفاذ صبر من أفعال أخيه الأصغر المستفزة، وفي طريقهم لدخول شقة والدتهما، وجدوا زيدان أمامهم، وكما هو متوقع تلقى يزن نظرة غاضبة منه وتجاهل مقصود حين رحب بسليم بحفاوة:
- أزيك يا سليم؟
رد سليم بهدوء:
- الحمد لله يا زيدان.
لم يسكت زيدان عند هذا الحد بل تابع بترحيب آخر:
- أخبارك أيه يا سليم؟!
حمحم سليم بخشونة وهو يجيب:
- قولتلك الحمد لله في أيه؟
حول نظراته المحتقرة نحو يزن الواقف يتابع أفعاله بتسلية:
- أصل أنا بحب اطمن عليك يا سليم يا أخويا يا محترم.
منع سليم نفسه من الضحك، وأكمل بنفس جديته:
- كتر خيرك يا زيدان.
- الواحد والله بيفتخر انك اخوه يا سليم.
رفع سليم حاجبيه معاً، وفشل في منع ابتسامته التي تسللت لفمه وهو يجيب:
- يا سيدي كتر خيرك.
وقبل أن يتحدث زيدان، سابقه يزن وهو يوجه حديثه هو الآخر لسليم الواقف بينهما:
- إلا قولي يا سليم، أنت من امتى بقيت دماغك صغيرة وقماص كده.
وقبل أن يجيب سليم بتوبيخ، بتر زيدان حديثه حين وجه له هو الآخر حديثه المبطن بنيران الغضب:
- أنا مش قماص يا سليم، أنت تعمل عملتك وجاي تقولي دماغك صغيرة.
ضحك يزن بسخرية وهو يوجه حديثه لسليم المنتظر هو الآخر رده وكأنه أعجب بلعبتهما:
- الله امال أنا حاسس هيطقلك عرق ليه يا سليم؟
لمعت عيون زيدان بشراسة وهو يقول:
- وأنا هيطق لي عرق ليه من واحد زيك يا سليم مايستاهلش.
توسعت أعين يزن وهو ينظر لسليم غير مصدقًا:
- يا نهار أبيض، زيدان اتعدى حدوده معاك خالص يا أبيه، أنت ماتستاهلش؟! لما أنت ماتستاهلش، امال مين يستاهل؟!
تفوه زيدان بلفظ غير لائق وكاد يشتبك مع يزن المبتسم بعبث:
- يا****** انت عيل…
صاح سليم ينهي لعبتهما السخيفة بحدة:
- بس أنت وهو، انتوا الاتنين ماتستاهلوش أصلاً اقف معاكم، واقف مع عيلين في ابتدائي، أنس أعقل منكم.
تركهما ودخل لشقة والدتهما، بينما ظل يزن يستفز في زيدان الثائر بغضب:
- كده ارتحت لما اتهزقنا منه!
ظهرت “مليكة” في الصورة أمامهما وهي ترحب بيزن، سعيدة بإنهاء أمر خلافهم:
- ازيك يا يزن؟
قابلها ببسمة صافية كعادته، وهو يجيب بمكر:
- الحمد لله يا مليكة، ثواني وأغير هدومي واطلع معاكم.
رفع زيدان أحد حاجبيه باحتجاج واضح:
- نعم تطلع فين؟!
أجاب يزن ببساطة أدهشتهما معاً:
- انت مالك، مليكة كلمتني وعزمتني عندكم على العشا.
نظر زيدان لمليكة المتابعة للموقف بدهشة بالغة:
- بجد يا مليكة اللي بيقوله ده؟
تلجلجت مليكة بقولها وقد أدركت خطة يزن في مراضاة زيدان بأسلوبه المبطن بشقاوة معهودة منه دائماً:
- آآه… طبعاً أنا كلمته وعزمته على العشا، في اعتراض يا زيدان، هو مش بيتي ومن حقي اعزم في أي حد.
رفع يزن أحد حاجبيه بتحدٍ سافر، فقال زيدان بحنق طفيف:
- هو أنا اتنيلت ولا اتكلمت، اطلع يا عم، خسارة فيك طاجن ورق العنب.
توسعت أعين يزن بسعادة بالغة:
- لا بجد، طاجن ورق عنب، لا أنا طالع من دلوقتي، مش ضروري أغير هدومي، أخاف زيدان يلهفه كله في كرشه.
ردد زيدان باستحقار خلفه وهو يصعد الدرج:
- كرشه! نسي يسلم على أمه عشان الأكل، لا أصيل وابن بار فعلاً.
- ماتدخلش في علاقتي مع أمك يا أصفر.
قالها يزن وهو يصعد خلف مليكة المتحمسة لإعادة جو العائلة الفكاهي والعلاقة المرحة بين زيدان ويزن.
***
أشرق الصباح ليزيح غمة الليل القاتمة، فدبت عجلة الحياة كالعادة في منزل السيد “حسني” ولكن سيرا استطاعت ترك المنزل باكراً قبل استيقاظهم، لم تكن تريد استقبال “أبلة حكمت” هذا الصباح ولا رؤيتها بعدما هدمت جبال صبرها معها بقنبلة الشكوك التي ألقتاها في وجهها بالأمس. ورغم أن الجميع قام بمراضاتها إلا أنها فشلت في قنص لحظات النوم وظلت حزينة بغرفتها، حتى قررت النزول لمنزل فاطمة صديقتها. وقبل أن تصل للبناية التي تسكن بها صديقتها، ظهر أمامها “فايق” جارها بوجهٍ خالٍ من أي تعابير، تجاهلته في البداية إلا أنه اعترض طريقها وقال بصوتٍ مستنكر:
- أيه يا سيرا مفيش صباح الخير، هو في حد بيخاصم جيرانه ولا أيه؟!
أمسكت عصاة الاستنكار منه وهي ترمقه من أعلاه لأسفله بتعجب بالغ:
- هو أنا من امتى بكلمك يا فايق ولا بصبح عليك؟!
ورغم حدة كلماتها إلا أن تعابير وجهه لم تعكس غضبه، بل كان أكثر راحة واستمتاعاً وهو يحادثها:
- حتى لو مكنتيش بتقوليها بلسانك، كنتي بتقوليها بعينك كل مرة بشوفك الصبح.
التهبت نيران الاستهجان بحدقتيها وهي تواجهه:
- نعم؟! انت بتقول أيه على الصبح؟!
رسم ابتسامة استفزتها وهو يقترب منها خطوة فتراجعت للخلف خطوة مقابلة له:
- مابقولش بس قريب اوي هتقولي كل حاجة.
دفعته عن طريقها بحقيبتها الكبيرة وهي تمتم بانفعال ضارٍ:
- أوعى من طريقي عشان مش ناقصك والله!
تنحى جانباً ووقف يتابعها باستمتاع بالغ وهي تدخل لبناية فاطمة، متذكراً كلمات أخته عن مدى إعجاب سيرا به بعدما استطاعت بكل خبث سحب الكلام من فاطمة وبطيبتها أخبرتها عن مدى إعجاب سيرا بأخيها، فزاد غروره بنفسه وتوهجت أفكاره بشرارة الإيقاع بها في شباكه أو ربما تصلح حاله ويتقدم لخطبتها. وكعادته اندلع غروره يرسخ بعقله أنه فرصة لن تتكرر لأي فتاة، لحسن سلوكه وأخلاقه في المنطقة، معتقداً أنه لم يعلم أحد عنه أنه مدمن للخمر، فهو نجح في ارتداء ثوب الأخلاق الحميدة وأقنع به الجميع حتى عائلته.
أما بالأعلى وتحديداً بغرفة فاطمة، كان النقاش بينهما محتدماً للغاية، حين أبدت فاطمة اعتراضها:
- يا بنتي الصراحة أنا مش مصدقة، كلام كمال جوز اختك فريال، معقولة فايق يكون بيشرب خمرة.
- أنا أصدق يا فاطمة، هو كمال هيكدب ليه، يا بنتي بقولك شافه في فندق كان بيشتغل فيه مع صحابه وهو بيشرب وسكران، بجد أنا مش عارفة دماغي فين وأنا بعجب بيه.
ضربت فاطمة كفاً بكف وهي تقول:
- لا حول ولا قوة الا بالله، فايق مثال الاخلاق يطلع فشنك.
ضحكت سيرا بقهر:
- ماتفكرنيش، بمثال الاخلاق، عقلي كان فين وأنا بعجب بواحد زي ده وكمان اسمه فايق!
تشاركا الضحك معاً، ثم بدأت فاطمة في سرد آخر الأخبار المنطقة على مسامع سيرا لتسليتها وإخراجها من حالة الحزن المسيطرة عليها، ومن أن أنهت حديثها حتى سألتها بفضول:
- مش هتروحي ليزن ده النهاردة؟!
صاحت باستنكار ناري:
- أنا! لا يمكن طبعاً أروحله أو اعبره.
تبرمت فاطمة بضيق ولم يعجبها تفكيرها:
- خلاص براحتك ولا كأني قولت حاجة.
عادت سيرا تأكد على حديثها بكل ذرة قوة لديها وخاصةً عندما تذكرت سخريته منها بالأمس:
- قال أروح له قال، ده أنا ابقى كلبة لولو لو فكرت اروح له.
***
أنهت ” يسر” ترتيب غرفتها ونثرت القليل من معطرات الجو المبهجة علها تريح نفسها المشحونة بويلات الغضب، وتعطي لعقلها التعيس أملاً مشرقاً حتى ولو كان زائفاً! خرجت لتقابل شقتها المظلمة فبدأت في فتح النوافذ وكأنها تطرد كل الشحنات السلبية الموجودة بها، فهب بوجهها نسمات الهواء التي استطاعت العبور لصدرها وتغلغلت به تزيح ثقل الهموم المتربع فوقه. أغلقت عينيها البنية تستمتع بسحر اللحظة، داعية الله أن يرزقها بصلاح الحال وراحة البال، ولكنها سرعان ما تراجعت وتساءلت كيف؟! كيف ستنجو بسفينتها الخرقاء لمرسى أمان وزوجها يتعمد إغراق سفينتهما بكل برود وتبجح منه، كيف ستحصل على حياة هادئة؟! بينما النساء تلتف حوله في كل مكان، وهو يترنح بسعادة في بهو إعجابهم به، آه محترقة خرجت من جوفها الملتهب بنيران الغيرة، فبدت غير قادرة على مجابهة ذكريات الماضي، حين قابلته على سُلم الدرج الخاص ببنايتهما قبل أن تنتقل عائلة نوح لمنطقة أخرى، فهم كثيرين التنقل والسكن بمناطق مختلفة، زحف لعقلها مشهد لقائهما المفاجئ، قبل ست سنوات.
***
تركت “يسر” شقتها، عازمة على استكمال رسالة الماجستير علها تخرج من قوقعة الفراق عن خطيبها “نوح” بعدما فقدا طريقاً للتواصل بينهما، وفشلت العقول في إيجاد حلاً يرضي كلا الطرفين، وخاصةً حين فاجأها بشرط لم ولن تستطيع تقبله أبداً، ورغم أنه أعطاها مبرراته لذلك الشرط اللعين إلا أنها لم تقتنع وأبدت رفضها التام، فاختارا معاً طريق الانفصال باقتناع تام بينهما ومن بعدها انتقل هو وعائلته لمنطقة أخرى وتركوا شقتهم، فانقطعت عنها أخبارهم. حاولت التلصص عن أخباره ولكنها فشلت ولم تجد ما يريح قلبها، وتحديداً حول ارتباطه، فبدت كالمخبر السري وهي تتبع أخباره هنا وهناك، لذا قررت الانشغال بشيء آخر علها تنسى لحظاتهما معاً وسعادتها بارتباطهما والذي لم يدم سريعاً وانفصلا في أمر مفاجئ للجميع.
ضغطت على زر المصعد عدة مرات بنفاذ صبر، وأخيراً وجدت المصعد يستقر بطابقها، لكنها صدمت بوجود نوح أمامها، فاهتز قلبها من مكانه وأصابه رجفة لذيذة للغاية، انقشع عنها قناع الحزن فور رؤيته، وباتت أكثر إشراقاً وكأنه يملك تعويذة سحرية تستطيع تحويلها من تعيسة لأخرى سعيدة لمجرد وجوده فقط.
- ازيك يا يسر؟
كانت نغمة صوته تحمل اشتياقه الصريح لها، فرقصت مشاعرها بساحة الحب والهوى:
- الحمد لله يا نوح، أنت عامل أيه؟!
رمقها ببسمة صافية ممزوجة بلمعة العشق، وكعادته غمرها باهتمام لطيف لن تجد مثله أبداً:
- أنا كويس طول ما أنتي كويسة.
توردت وجنتيها باحمرار طفيف، ولمعت عيناها بوميض العشق، فقالت بصوت مبحوح من فرط هياج مشاعرها:
- ر…ر…ربنا يخليك أنت جاي ليه في حاجة؟!
لا زالت ابتسامته تلمع بسماء عينيه الصافية، رغم أنه أظهر بعض الضيق:
- يعني شوية مشاكل في عقد الشقة، فخلصته مع الحاج أحمد، وكان في شوية حاجات باقية لينا باخدها، فالأسانسير وقف وقولت أكيد أنتي اللي طلبتيه.
احتل ثغرها بسمة واسعة وهي تسأله بخجل:
- وأنت أيه اللي أكدلك أن دي أنا؟
- قلبي قالي.
فاجأها برده ونظرته المعبرة عن حزنه لفقد طرق الوصال بينهما، فقرأت بعينيه سطور آماله بعودتهما، وفي خضم صمتهما وتواصل أعينهما المستمر بسرد ما تكنه الصدور وما تخفيه العقول، استمر نوح بإثارة صدمتها حين أمسك يدها يسألها بنبرة غلب عليها لهفته وحبه الشديد لها:
- لسه يا يسر مُصرة على رأيك؟!
أنار عقلها بكلمات والدتها حول إعطائه فرصة أخرى له، وأن ما يطلبه منها ليس سوى طيش شباب، فالزواج مسئولية بالغة ومرهقة للقلب والعقل معاً، وبذكائها الأنثوي تستطيع محو شروطه الحمقاء، معتقدة أن شرارة الحب تستطيع التهام وحوش رغباته الغريبة والعجيبة!
- ها يسر؟ لسه زي ما أنتي!!
رفعت وجهها تواجه عينيه بعنفوان أنثوي دومًا يليق بها:
- أيوه زي ما أنا يا نوح، هتغير ليه؟
- ماحدش قالك تتغيري أبداً، وأنا ماتمناش تتغيري بالعكس أنا بحبك كده وهفضل أحبك طول عمري بكل حاجة فيكي.
تصريحه أذاب الجليد حول فؤادها، فانصهرت مشاعرها وهي تقرأ سطور العشق والهوى بحدقتيه، همست بحزن مغمور في دورق الحسرة:
- واللي طلبته مني صعب اتقبله يا نوح.
- يسر أنتي لو بتحبيني بجد زي ما بحبك، عمرك ما هتفكري في التفاهات دي، بالعكس هتفكري فيا وفي وجودك جنبي، وفي حياتنا، أنتي فجأة سيبتي كل الحب اللي ما بينا على جنب وفكرتي في النقطة دي، رغم أنك ممكن كنتي تتغاضي عنها وتفكري ازاي ماتوصلنيش للي أنا عايزه.
احتلت غمامة الكآبة وجهها وهي تجيبه بواقع حياتهما المستقبلية:
- الكلام سهل صدقني، بس الواقع أصعب، وبعدين ليه دايمًا مطلوب مني أني أبذل مجهود، أنا مش داخلة حرب، ده جواز والمفروض أساسه يكون مودة ورحمة ما بينا.
أبدى موافقته السريعة على حديثها:
- فعلاً عندك حق، وأنا عمري ما هقلل منك أبدًا، ولا أعاملك معاملة تقل منك، أنتي هتفضلي يسر البنت اللي يوم ما قولت يا جواز مافكرتش غير فيها.
ابتسمت بشجن وهي تلقي ما في جعبتها:
- ويوم ما فكرت تجرح مافكرتش غير فيها بردو.
حاول التملص منها بقوله المعارض بخشونته المتعلقة بنبرته الرجولية:
- يعني يوم ما اطلب أبسط حقوقي تقولي بجرحك، وبعدين انتي اللي قولتي ننفصل يعني ده قرارك، رغم أني مكنتش حابب كده، ومدتنيش فرصة أقنعك باللي أنا عايزه.
تفهمت إلى ما يرمي إليه، فقالت بدهاء أنثوي دائمًا يليق بأنثى فريدة الخصال مثلها:
- يعني لو فشلت تقنعني، كنت هتسيبني صح؟! ده اللي حسيته منك، فسهلت عليك الطريق.
ورغم مهارتها في تسديد كرة اللوم والعتاب، إلا أنه عاد وسدد بملعبها بنفس طريقتها بأسلوبه البسيط والهادئ:
- أنا حسيت أني سهل عندك، فزعلت بس على قد زعلي على قد ما كنت اتمنى ترجعيلي ونتمم جوازنا اللي وقف عشان حاجات الله أعلم هي هتحصل ولا لأ.
تعلقت قشة الأمل خاصتها بقولها الحازم وهي تواجهه بصراحة:
- وأنا اعيش رهن هيحصل ولا لا ليه يا نوح، ليه دايمًا لازم أحس أني في اختبار.
ضغط فوق كفيها بقوة وهو يحثها على عودتهما:
- سيبي نفسك وماتفكريش في أي حاجة غير حياتنا وبس، هو يعني سهل عليكي تقطعي علينا فرحتنا.
تدخلت والدتها التي كانت تقف خلف الباب تتابع حوارهما بشغف:
- والله كلام نوح عين العقل يا يسر، أنتي بتحبيه وهو بيحبك ليه تفكروا في حاجات ملهاش لزمة وزي ما قولتلك تقدري تخليه مايفكرش في اللي هو عايزه.
ألقت والدتها نحوه نظراتها المعاتبة حتى هي لم تستطع التأقلم مع رغباته التي أفصح عنها بكل برود، ولكن الحب المتأجج بقلب ابنتها والعذاب التي تعرضت له فور فراقهما، جعلها تسعى بكل إمكانياتها لإصلاح الأمور وتهدئة هياج أفكار ابنتها، معتقدة بسذاجتها أن ابنتها تستطيع تحجيم رغبة نوح الملحة ووضعها في بئر النسيان بحبها وأنوثتها وحصاره في عش الزوجية بمسئولياته الكثيرة.
- قوليلها يا حاجة، قولي لبنتك اللي دماغها زي الحجر، كل حاجة يا يسر لسه مستنياكي ومستنية إشارتك عشان نرجع للي كنا بنحلم نكمله.
ضاعت يسر بين صراع قلبها المتمني وعقلها الثائر برفضه، فشعرت أن كفة الحنين تميل نحو فكرة الرجوع والرضوخ لشرطه وخاصةً بعدما أعلنت أحاسيسها المتلهفة له العصيان على عقلها الرافض الرجوع إليه، حتى أنه بدت أمانيها تغلب معتقداتها في حرب أصبحت محسومة لعودتها لنوح!
لكن لا زالت موافقتها تصارع سجون الرفض، فتفهمت والدتها ما تعانيه ابنتها بصمتها الطويل، لذا حاوطتها برفق وكأنها تشجعها على تخطي عقبات زائفة كما تعتقد. أما هو حثها على نطقها بعينيه المتلهفة لعودتهما بأي شكل، وأخيراً استطاعت التخلي عن قيود الرفض بقول متهور لم تعتقد أنها سوف تندم عليه فيما بعد:
- ماشي يا نوح موافقة.
***
عادت يسر من شرودها أخيراً بعدما نفدت قواها لتحمل كم الذكريات المؤلمة المتدفقة لعقلها، فأغمضت عينيها الباكية والحسرة تتناغم بصوتها الحزين:
- يا ريتني ما وافقت، كنت أفضل على نفس رأيي، ماكنش يبقى دا حالي.
فتحت عيناها حين وجدت ابنتها تحاول استراق انتباهها:
- ماما أنا جعانة وعايزة آكل.
همست ببسمة مكسورة وهي تهم لإطعام ابنتها والخروج من بقعة التفكير به:
- حاضر يا حبيبتي.
***
تمم ” يزن” على آخر الملفات الخاصة بمبيعات المعرض، والرضا يزحف لصدره بعدما نجح في تحقيق أعلى نسبة مبيعات هذه السنة، بالرغم من شقاوته وعبثه مع الفتيات إلا أن عمله يمثل لديه الخطوط الحمراء واستطاع تحقيق أحلامه من خلال تطوير أمانيه كل عام.
- أستاذ يزن.
لم يصدق، هل بالفعل هي موجودة أمامه، شغفه الجديد تقف بجسدها الممشوق ونظراتها الحادة والتي تنافي رقة ملامحها، ونغمة صوتها الناعمة تسقط على مسامعه بدفء لذيذ، فقطعت سيرا تأمله بها بعدما شعرت بالخجل:
- هتفضل باصص لي كتير؟
- أصل مش مصدق عيني الصراحة!
أجاب بنبرة يغمرها المكر وهو يعيد جسده للخلف، يستمتع بوجودها أمامه، في ظل وقفتها الهجومية وكأنها تستعد للانقضاض عليه:
- وده ليه ان شاء الله، طبيعي آجي وأسالك عن أي أخبار تخص سلسلتي.
تصنع الجدية وهو يشير إليها بالجلوس، مردفاً بنبرة جادة هو يدرك تماماً أنها لن تليق به في ظل حاجته الملحة لإثارة غضبها بسخريته:
- كويس إنك جيتي؟ أنتي مش متخيلة المجهود اللي عملته عشان الاقي السلسلة.
- مجهود؟!
كررت خلفه باستنكار، فأسرع بقوله والجدية تقطر من حروفه رغم حاجته المفرطة للضحك:
- طبعاً، هو سهل يعني نلاقي سلسلة دهب؟ هو أنتي عارفة جرام الدهب بكام دلوقتي يا سيرا؟!
ضيقت عينيها بغيظ واضح حين لاحظت سخريته المبطنة عليها، ولكنه استطرد بجدية ملونة بمشاكسة لطيفة:
- أنتي مش متخيلة الحوارات اللي دخلت فيها عشان خاطر عيونك….آآ اقصد عشان خاطرك يعني، ده الوا……قصدي الراجل اللي لاقاها كان مُصر أنها بتاعته بس على مين أنا جبته من قفاه وهددته لو مطلعهاش وادهالي هو حر وطبعاً خاف مني عشان أنا حد واصل أوي يعني، فادهالي.
تركت بطولاته الزائفة في اقتناص قلادتها جانباً وصاحت بفرحة عارمة وهي تسأله:
- يعني الحمد لله لقيتها، هي فين هاتها؟
عبس بوجهه وهو يقول بتهكم طفيف:
- أيه ده مفيش شكراً ولا أي حاجة، ده أنا بحكيلك عانيت قد أيه عشان اوصلها.
زمت شفتيها بضيق رغم محاولاتها المستمرة لإظهار لطفها ولكن أفعاله تثير حنقها دوماً:
- شكراً طبعاً لمجهوداتك العظيمة، بس هي فين بقى؟!
هز كتفيه ببساطة وهو يجيب:
- مش معايا طبعاً.
ارتفعت نبرة صوتها بدهشة ممزوجة بالاستنكار اللاذع:
- نعم؟!
جذبت أنظار العاملين بالمعرض، فسارع بتهدئتها بقوله وهو يشرح لها ما حدث:
- أيه اهدي في أيه، أنا لقيت القفل بتاعها مكسور فبعت اصلحها.
فشل في اقتناص إعجابها به، وذلك حين ردت بهجوم حاد:
- الله وأنت تعمل حاجة زي دي ليه من غير أذني.
أصابه الغيظ من تعمدها الواضح لتقليل من مجهوداته، متعجباً من أفعالها والتي تنافي تصرفات باقي الفتيات معه، فهو لم يخطأ أبداً حين وصفها بعقله بالفريدة في كل شيء:
- يعني ده جزاتي، تصدقي إن أنا غلطان.
عادت تصيبه بالجنون حين ترنحت من فوق أرجوحة الهجوم وعادت لأرض النعومة والدلال:
- أه….اقصد، طيب بص لو سمحت هو فين المحل ده عشان اروح اجيبها.
تلقت نظراته المعاتبة وهو يستعد للنهوض ولململة أشيائه:
- رغم إن أنا زعلان، بس أنا هاخدك واوديكي.
لم تمر سوى دقيقة واحدة وعادت رصاصات الهجوم من فوهة مدفعها:
- تاخدني فين؟! أيه كمية الحب اللي بتعاملني بيها دي!
اتسعت ابتسامته باستفزاز واضح وهو يتعلق بعينيها المشتعلة بنيران السخرية:
- لا أنتي لسه ماشوفتيش حب مني، ده بوادر لطف.
حاولت كظم غيظها بشتى الطرق وهي تتجاهل غزله المبطن، فقالت:
- يا أستاذ يزن وفر لطفك وحبك وقولي فين المحل؟
انطلقت إمارات السأم تغزو وجهه الوسيم وخاصةً حين قال:
- لا حول ولا قوة إلا بالله، ما أنا بقولك يلا هوصلك بعربيتي.
رفضت رفضاً قاطعاً وهي ترمقه باستنكار ملتهب:
- لا انت مجنون، انت عايزني اركب معاك، لا طبعاً.
تسللت بوادر السخط لحديثه المصبوغ باستهزاء بسيط:
- هو حد قالك إن أنا بعض، أو عندي مرض معدي، أنا زي الفل ومستحمي قبل ما أنزل.
رفعت أنفها بشموخ وهي تقتل آماله بالذهاب معه، فيبدو أن الإصرار يفرض عباءته على عقلها ورزانتها:
- بعيداً عن هزارك أنا ماينفعش اركب معاك عربية لوحدنا، أنا هطلب أوبر.
تضجر وهو يرمقها بسخرية:
- يعني هي فرقت!
- اه طبعاً تفرق، وأنا أيه عرفني يمكن ورا إصرارك ده تخطفني، انت شكلك عايز تخطفني.
توسعت مقلتيه غير مصدقاً أن عرضه لإيصالها من باب الذوق حولته بعقلها المجنون لخطة خبيثة للإيقاع بها، فقال باستياء:
- اخطفك؟
- اه طبعاً والله أنا حاسة ليك في تجارة الأعضاء.
أكدت على حديثها برعونة أدهشته، فقال ممازحاً إياها:
- مايميش معاكي اني مدمن خطف البنات الحلوة اللي زيك.
عبست بوجهها تسأله بتحذير طفيف رغم أن مشاعرها مالت بجنون نحوه وأصبحت متشوقة لغزل آخر:
- نعم؟!
اقترب منها واختصر المسافات بينهما، فهمس بنبرة مشاكسة استطاع من خلالها سبر أغوار قلبها:
- ما انتي اللي بتهزري، طلعتني مجرم ورئيس عصابة.
تظاهرت بالعبوس والجدية وهي تبتعد عنه محذرة إياه بقسوة مهزوزة:
- يبقى ريح نفسك وقولي المحل فين، عشان مارقعش بالصوت واتهمك بحاجات توديك ورا الشمس.
فتح ذراعيه وهو يبتسم بشقاوة:
- يا سلام والله اتمنى.
شملته بنظرة مستنكرة من أعلاه لأسفله وهي تسأله بعدم فهم:
- تتمنى أيه؟
- اروح ورا الشمس، عايز اعرف أيه هناك.
تابع مزاحه وهو أكثر راحة في الحديث معها، ولكنها صدمته بسخريتها منه:
- هاها ها…سوري ظريف جداً.
توقعت غضبه منها ولكنه صدمها بلطفه الزائد عن حده:
- هعتبرها مداعبة لطيفة منك، يلا بينا.
تذمرت بضجر وهي تغادر المعرض خلفه:
- بردو؟!
توقف على باب معرضه يعلن استسلامه لها، ثم أوقف سيارة أجرة، متابعاً الحديث معها بخفوت وهي تستقل في المقعد الخلفي:
- يا ستي اركبي تاكسي وأنا هاخليه يمشي ورايا، وقبل ما تفتحي بوقك وتتهميني أني بتاجر في المخدرات، المحل اللي بعتله السلسلة مش هيرضى يسلمها إلا ليا، هتيجي ولا لأ.
صمتت ولم تعقب على حديثه رغم العبوس المحتل لقسمات وجهها الجميل، بينما هو كان أكثر راحة واستمتاع وهذا ما أثار استفزازها نحوه رغم أن دقات قلبها كانت تتصارع بجنون في أروقته، فراح عقلها يهيئ لها أنه يمكن للقدر نسج خيوط الوصال بينهما ولكن شتان بينها وبينه، الفارق بينهما كبير ومخيف لدرجة أن آمالها هوت واصطدمت بواقعها.
***
وصلوا أمام “المحل الأساسي” الذي يخص عائلة الشعراوي والذي يتخذه سليم مكاناً له أغلب الوقت، ولكنه أجرى اتصالاً قبل أن يذهب وعلم من أحد العاملين أن أخاه الأكبر يتابع باقي المحلات اليوم، فارتاح أكثر وهو يأخذ تلك المشاكسة معه، وكما توقع رفضت أن يدفع للسائق أجرته، ودفعت هي بكل غرور، فيبدو أن تلك المشاكسة تحظى بعزة نفس كبيرة.
دخلا معاً ولم تلاحظ أنه غمز أحد العاملين، فسارع الآخر بجلب القلادة ووضعها أمامهم، ابتسمت براحة وسعادة وهي تلتمسها بين يديها ولكن سرعان ما تركتها حين استمعت للعامل وهو يقول:
- القفل المكسور احنا شلناه خالص وركبنا قفل دهب مكانه وان شاء الله مش هتتقطع تاني ولا تبوظ.
توسعت عينيها بشراسة وهي تردف بضيق اجتاح صوتها:
- وانت تعمل كده ليه من غير ما تقولي؟!
توتر العامل وهو ينظر ليزن، الذي هو أيضاً أصابه عدم الفهم فنظر إليها يهدأ ثورتها بنبرته الخافتة:
- في أيه يا سيرا، الراجل شاف شغله، هو غلطان في أيه؟!
شعرت وكأن دلواً من الماء البارد صُبَّ فوق رأسها بسبب شعورها بالإحراج، ليس معها المال لذلك القفل الذي بالتأكيد سيكون بعدة آلاف، تشعر الآن وأن مظهرها أمامه كالفرخ الصغير الذي سقط في بركة من الماء الفاسد، كيف تخبره بأنها لا تملك ذلك المال!، وكيف يغير شيئاً فيما يخصها دون الرجوع إليها، وعند تلك النقطة التفتت إليه لتصب كامل غضبها عليه وتخرج مما هي فيه.
- فعلاً هو مش غلطان، انت اللي غلطان عشان اتصرفت في حاجة ماتخصكش.
وبلمحة دهاء منه أدرك مما تحاول إخفائه من خلال عصبيتها، فحاول تهدئة انفعالاتها بقوله الخافت:
- انتي مضايقة من أيه، ماتشليش هم حاجة.
اندفعت الدماء لوجنتيها وهي تواجهه بشراسة منسوجة بخيوط الغضب:
- هم أيه! لا طبعاً، أنا مايهمنيش دي كلها أمور بسيطة وعادية، أنا بتكلم في المبدأ نفسه.
- في أيه اللي بيحصل هنا؟!
وجود سليم المفاجئ أربك الجميع وخاصةً يزن، فسارع بلملمة الأمور المبعثرة بقوله الجاد:
- مفيش حاجة يا سليم، روح أنت على مكتبك وأنا جايلك.
ركز سليم بنظراته الثاقبة عليها مما أثار حنقها الضعف ورمقته بعنفوان شرس، يكفي الغليان الذي تشعر به وهي تقف كالجرو المبتل أمامهم. حولت جسدها نحو العامل المتابع للأجواء بفضول:
- بص خليها عندك هنا وأنا بكرة هجيب بابا واخدها.
سارع يزن برفض ما تحاول فعله:
- لا طبعاً، والدك أيه اللي تجبيه، بقولك مش مستاهلة، خدي سلسلتك.
أعطاها القلادة فوضعتها بقوة فوق الطاولة الكبيرة، ترفض ما يقوله بترفع:
- بأمارة أيه يعني تعمل معايا كده، لا طبعاً واللي هقوله هو اللي هيحصل يا أستاذ يزن، وكتر خيرك لغاية هنا.
وضعت حقيبتها خلف ظهرها واستعدت للمغادرة متجاهلة أمر وجود سليم الذي اندفع نحو أخيه يسأله بريبة وحذر:
- مين دي يا يزن، ده حوار جديد؟!
سارع يزن بالنفي شاعرًا بالضيق الشديد:
- لا يا سليم ولا حوار ولا حاجة، هبقى احكيلك بعدين سلام.
غادر هو الآخر تاركاً سليم ينظر خلف أثره بتفكير لثوان ثم قرر التوجه لكاميرات المحل، يتابع من خلالها ما حدث أثناء غيابه.
***
سارت ساعات الليل ساعة خلف الأخرى، وأخيراً استطاعت سيرا النوم، متناسية ما حدث في هذا اليوم، ومن فرط إرهاقها باتت تتوهم وجود أحد بغرفتها، ففتحت نصف عين بقلق ممزوج بالخوف وهي تتابع الظل الموجود بغرفتها، فتأكدت من وجود أحدهم من خلال صوت أنفاسه العالية. أغلقت عينيها بخوف شديد وهي تهمس لنفسها:
- أنا همثل أني نايمة وهو يسرق أي حاجة براحته.
ولكنها بدأت تشعر بيد أحدهم على ساقيها حتى وصلت إلى بطنها ومنها إلى كتفيها، فقالت بهمس مرتجف وهي تغلق عينيها بقوة ترفض فتحهما:
- أنا ممكن اقولك على مكان الفلوس فين بس ماتقتلنيش.
رواية غناء الروح الفصل السابع 7 - بقلم زيزي محمد
سارت ساعات الليل ساعة خلف الأخرى، وأخيرًا استطاعت سيرا النوم، متناسية ما حدث في هذا اليوم.
ومن فرط الإرهاق الواقع فوقها باتت تتوهم وجود أحد بغرفتها، ففتحت نصف عين بقلق ممزوج بالخوف وهي تتابع الظل الموجود بغرفتها. فتأكدت من وجود أحدهم من خلال صوت أنفاسه العالية.
أغلقت عينيها بخوف شديد وهي تهمس لنفسها:
– أنا همثل أني نايمة وهو يسرق أي حاجة براحته.
ولكنها بدأت تشعر بيد أحدهم على ساقيها حتى وصلت إلى بطنها ومنها إلى كتفيها، فقالت بهمس مرتجف وهي تغلق عينيها بقوة ترفض فتحهما:
– أنا ممكن أقول لك على مكان الفلوس فين بس ما تقتلنيش.
شعرت بضربة قوية تقع فوق ذراعها وصوت "أبلة حكمت" يخترق قوقعة خوفها بقولها الحاد:
– أنتي عبيطة بتسلمي أبوكي للحرامي.
اعتدلت سريعًا بجسدها، ومدت يدها لتفتح الأنوار من خلال المفتاح الصغير الموضوع بجانبها:
– أبلة حكمت، انتي بتعملي أيه هنا الساعة ٢ بليل.
فركت وجهها بيدها وهي تنظر لوجود أختها المفاجئ، وقد تخيلت أن "أبلة حكمت" بجبروتها المعتاد ترسل لها نظرات الأسف. ومع استمرار صمتها قالت سيرا بعدم فهم، وخاصةً أنها علمت من والدتها اليوم أنها اختفت منذ الصباح ولم تثبت وجودها كما هو معتاد منها، حتى أن عائلتها اليوم كانوا أكثر راحة وهدوء بعدما قررت "حكمت" الجلوس بشقتها متظاهرة بالانشغال. فلم تستطع والدتها معاتبتها فيما حدث منها.
– ما تزعليش مني.
رمشت سيرا عدة مرات بعدم تصديق، فـتجولت بعينيها الناعسة بملامح "أبلة حكمت" تتأكد مما سمعته منها، فاستطردت بقولها العابث:
– أيه مش متخيلة أني بصالحك، صح؟!
هزت سيرا رأسها بالإيجاب، فأكملت الأخرى بغرور:
– حقك ما تصدقيش، بس يعني أنا حسيت أني تقلت في الهزار معاكي شويتين.
عبست سيرا بضيق وهي توجه لها عتابًا حادًا:
– لا يا أبلة حكمت ده ما كانش هزار أبدًا.
زعقت بها أبلة حكمت وهي تحاول الفرار من أمر مواجهتها:
– بقولك كان هزار، هو انتي هتدخلي في نيتي يعني، وبعدين خلاص أنا صالحتك وقولت لك ما تزعليش.
لم تنجح في تلطيف الوضع بينهما كما اعتقدت، فعادت تردف بنبرة أكثر حنو:
– انتي المفروض تفرحي أني صالحتك يا بت يا سيرا، هو أنا من امتى يعني صالحت حد، ده انتي غالية أوي عندي.
لانت ملامح سيرا ببسمة صافية، وهي تردف بخفوت يحمل صفاء خالص متناسية ما حدث:
– ماشي يا أبلة حكمت، أنا مش زعلانة.
قبلتها أبلة حكمت وكادت أن تنهض إلا أنها عادت وقالت بتحذير قاسٍ:
– اوعي تقولي لحد أني صالحتك يا سيرا.
عقدت ما بين حاجبيها بتعجب، فسرعان ما عادت توضح وجهة نظرها:
– انتي عارفة اخواتك، هيجننوني ويقعدوا يقولوا بتصالحي سيرا ومابتفكريش تصالحينا، هيغيروا من علاقتنا.
هزت رأسها بإدراك لطبيعة شخصية "أبلة حكمت" وما تعانيه من غرور وتكبر تخشى أن تفقدهما مع باقي اخواتها، فلا تزال تسعى على محافظة الحدود الحمراء الموضوعة من قبلها في التعامل معهم حتى وإن أخطأت بحقهم، لقد اعتادت اجتياز جسر الإخوة بتدخلاتها المستمرة المصبوغة بقليل من التنمر، متجاهلة كالعادة غضبهم وحزنهم منها، معتقدة أن حق الإخوة يعطيها صلاحية لكل شيء.
غادرت أبلة حكمت بخفة كما دخلت كي لا تقابل أحد من أفراد عائلتها ويفتضح أمرها، ولم تعلم ما تنوي سيرا فعله في الصباح.
***
في اليوم التالي…
كالمعتاد جلست "يسر" تتابع التلفاز بملل شديد يكسو حياتها مؤخرًا، متجاهلة الركود والإضرار الذي حدث لعلاقتها مع نوح. ورغم تكرار الأسئلة بذهنها حوله الآن وخاصةً بعد غيابه الليلة الماضية وعدم اتصاله بها، إلا أنها ركبت بساط العناد والقسوة وظلت متمسكة برأيها، حتى يعلن زوجها المبجل خضوعه لها ولمَ تريده منه، فالأمر بسيط من قبله ويحتاج فقط إلى التخلي عن بعض رغباته، ليحظى بحياة بسيطة وسعيدة معها!
مرت الدقائق وهي على نفس حالتها حتى وجدت نفسها تتابع إحدى القنوات وتحديدًا برنامج إحدى المذيعات ذو الشهرة الواسعة وهي تنصح الفتيات بالتحلي بالقوة في وجوه الرجال العنيدة والجبارة، فاستمعت باهتمام لما تقوله وكان من ضمن حديثها بعض الجمل التي أنارت عقلها المظلم.
– أنتي لازم تبقي قوية.
– اوعي تبيني ضعفك للراجل.
– لو حسسيتيه أنه مش فارق معاكي، هيجري وراكي.
– النكد والزعل ما يلقيش بيكي، أنتي لازم تكوني منورة والنكد يكون من نصيبه هو.
فصاحت بحماس أنثوي تعقب على حديثها بغل:
– أيوه صح، هو اللي لازم يتنكد عليه!
عادت تستمع لحديث المذيعة باهتمام بالغ وهي تملي على مشاهديها التوصيات لمساعدتهن في تخطي عقبات حياتهن البائسة.
– قومي بصي لنفسك في المراية، هتلاقي الدموع مغرقة عينك، ووشك أصفر وبهتان وده كله عشان أيه، بالعكس غيظيه وخليه يموت من قهرته عليكي، وأنه ممكن يخسرك في ثواني.
تنهيدة عميقة أخرجتها من ضمن ثقل قوي يتربع فوق صدرها المشحون بتناقضات كثيرة، وكالمسحورة توجهت نحو المرآة تتابع تفاصيل وجهها الشاحب والحزن يكسو معالمها الجميلة، فشعرت وكأن روحها الشبابية تلبسها أخرى عجوز بائسة تستعد لنهايتها!
سقطت دمعة حزينة مسحتها سريعًا، فحاولت التمسك بحبال الصبر. جذب رنين هاتفها انتباهها، فراحت تجيب على المتصل وقد ظنت أنه نوح ولكن هُدمت آمالها بواقع آخر، حين وجدت المتصل هو ابن خالتها. زفرت بضيق وكادت تغلق الاتصال ولكن شرارة كلمات المذيعة أشعلت لهيب عقلها، ولم تدرك أن تلك الشرارة البسيطة التهمت بقايا صبرها ومعه قليل من رزانتها، فابتسمت بمكر أنثوي وهي تُقدم على تصرفات طائشة لمجرد إغاظة نوح وإثارة غيرته:
– الو، أهلاً يا منير، وحشتنا خالص.
***
في المركز الطبي الخاص بنوح..
كان اليوم مشغولاً جدًا منذ بدايته، وتراكم متابعة المرضى يقع فوق رأسه بكثرة، فلم يستطع أخذ راحته إلا خمس دقائق اقتنصتهم مروة مساعدته بإجراء مقابلة عمل مع إحدى الفتيات وتدعى "حسناء" فتاة في مقتبل العمر، ذات جسد ممشوق وملامح عربية بلون بشرة قمحية متناسقة مع لون عينيها البنية الواسعة، طلتها جميلة وسرقت انتباه نوح الذي اعتدل في كرسيه يستقبلها بطريقته اللبقة:
– أهلاً يا حسناء نورتي.
مدت حسناء يدها تصافحه برقة ودلال كان لائقًا بها كما وصفها نوح بعقله، فابتسمت مروة على إنجاز مهمتها في إيجاد مساعدة بديلة عنها، وذلك بعد أن عُرض عليها السفر لإحدى الدول الخليجية للعمل بها، وكانت فرصة لا تُرفض، لذا تحدثت مع نوح بكل صراحة والأخر شجعها بشهامة وحثها على بناء مستقبلها بالطريقة التي تراها ولكنه طلب منها إيجاد مساعدة بديلة قبل أن تغادر البلاد.
– أول مرة تشتغلي يا حسناء؟!
هزت رأسها بالنفي وهي تجيب بثبات ولباقة أعجب بها نوح:
– لا طبعًا يا دكتور اشتغلت مرة في عيادة دكتور أسنان، ومرة في عيادة دكتور باطنة.
ابتسم ممازحًا لها:
– ما شاء الله لفيت على التخصصات كلها.
ضحكت برقة ثم استطردت بجدية تخللها بعض من النعومة:
– أنا كنت واخده اجازة بسيطة وكنت هرجع شغلي تاني، بس لما مروة كلمتني وقالت لي على الشغل هنا، وأنا عارفة منها إن حضرتك بتقدر جدًا اللي بيشتغلوا معاك، فقولت ليه لأ اجي وان شاء الله اتوفق فيه.
ابتسم لها بسمة صغيرة وهو يوجه حديثه لمروة المتابعة لحوارهما بصمت:
– تمام يا مروة عرفي حسناء الشغل ماشي معاها ازاي، والمرتب وكافة التفاصيل ولو هي محتاجة حاجة زيادة كلميني.
هزت مروة رأسها بالإيجاب ودفعت حسناء للخارج برفق وهي تقول:
– اوك يا دكتور، هندخلك الحالة اللي المفروض تدخل.
وما أن غادرا هما الاثنان حتى هتفت حسناء بإعجاب خافت:
– أيه الدكتور القمر ده يا بت يا مروة، هو متجوز؟!
جلسا الاثنان فوق مقعدهما خلف طاولة كبيرة وبدأت مروة في الإجابة على أول سؤال طرق بعقل حسناء:
– اه يا اختي وعنده بنت اسمها لينا بيموت فيها.
وضعت حسناء يدها أسفل ذقنها وهي تقول بنبرة بها لمحة من المكر:
– أيوه مانا خدت بالي من صورتها المحطوطة على المكتب وقولت أكيد بنته.
ضيقت مروة عينيها بمكر مماثل وهي تقول:
– ولما أنتي خدتي بالك يا لماحة بتسألي متجوز ولا لأ ليه؟!
هزت كتفيها ببرود ينافي الحماس المصبوغ بعقلها:
– قولت يمكن مطلق ياختي.
– ادعي وهيحصل قريب.
زاد حماسها للضعف وهي تقترب منها تستعد لسماع أحاديث مروة عن نوح وزوجته المشتعلة دومًا بغرتها عليه، وما أن أنهت حديثها حتى قالت بتنهيدة قوية:
– بس سبحان الله رغم كل المشاكل اللي ما بينهم، إلا أني عمري ما حسيت أنهم هيسيبوا بعض.
شردت حسناء بأسلوب أقلق مروة فقالت بفضول:
– اوعي تحطيه دكتور نوح في دماغك يا بت يا حسناء، فكك من خراب البيوت يا حبيبتي، اشقطي واحد مش متجوز.
اندلعت أحلامها في نسج خيوط خطتها وكأن هذا العمل المفاجئ قدم لها فرصتها على طبق من ذهب، فهمست بشرود:
– واللي حياته مدمرة نسيبه كده ولا نساعده، يمكن يلاقي نصيبه اللي بجد.
ضحكت مروة بلامبالاة:
– يبقى نويتي أن امك تعمله عمل يوقعه.
تنهدت حسناء بخفة وهي تحسم أمرها:
– شوفي أنا عمري ما مشيت في طريق أمي ده، بس لو عشان خاطر نوح ده همشي فيه ونص.
– والله أنتي دماغك تعبانة أنتي وأمك الدجالة دي.
– طيب بس لاحسن اخليها تسيب عفاريتها عليكي، ويلا قولي لي بتنظمي المواعيد ازاي.
انشغلا في الحديث لفترة بسيطة عن كيفية ترتيب أمور العمل بالمركز الطبي، ودخول المرضى لنوح، ولكن دخول "يسر" المفاجئ أثار ربكة مروة قليلاً، فاستقبلتها ببسمة جافة وهي تشير لها بالدخول لنوح ولكن ما أثار دهشتها هو ذلك الشخص الغريب الذي دخل معها، فلم تنتبه لأسئلة حسناء الفضولية:
– المزة دي مراته؟! ومين ده اللي معاها؟! أكيد أخوها صح؟!
***
اشتدت الصدمة فوق وجه نوح الذي سارع بإخفائها وهو يتأمل زوجته المتأنقة وتلك الإشراقة المحتلة ملامحها وثيابها المائلة للون الزهر المفضل لديها، و…. ماذا؟! البلهاء تضع أحمر شفاه لونه وردي، وترتدي عدسات لاصقة باللون الأزرق، ماذا يعني ذلك؟! أهي ترحب بعودة منير من عمله؟! فهو يعمل محاسب في أحد بنوك الإسكندرية ويأتي للقاهرة كل فترة! هي تعرف تمام المعرفة أن التوافق بينهما يندرج بقائمة المستحيلات، وأنه الشخص الوحيد بعائلة يسر يكرهه، لأسلوبه البارد وتودده الدائم لزوجته!
غفل نوح عن الترحيب بمنير ولكن الآخر لم يعقب وكأنه معتاد على قلة الذوق منه دائمًا، فكسرت "يسر" حاجز الصمت والتوتر السائد للأجواء بقولها الهادئ المائل للعتاب:
– أيه يا نوح مش هتسلم على منير!
– أهلاً.
خرجت جافة وباردة منه وهو يمد يده يصافحه، ولكن منير لم يشعر بالإحراج بل تعمد مضايقة نوح أكثر كنوع من التسلية فهو يعلم مشاعر نوح نحوه ويستمتع بذلك، لطالما يرى أن يسر لا تناسب نوح، فابنة خالته تستحق شخصًا أفضل منه، شاعرًا بالأسف نحوها، فدائمًا يراها جوهرة وضعت في يد شخص مهمل لم يقدر ثمنها.
– عامل أيه يا دكتور، والله كنا مستعجلين بس يسر أصرت نيجي ونسلم عليك.
ضغط فوق أسنانه بقوة والغضب يتفاقم لديه بطريقة مُرعبة، ولكنه أخفى كل ذلك خلف رداء الهدوء وهو يتساءل:
– ويا ترى رايحين فيه؟!
وقبل أن تجيب يسر بثبات زائف، رد منير بحماقة قاصدًا إشعال غيرة نوح:
– أيه ده معقول يسر مش قالتلك؟!
اكتفى فقط بإرسال نظراته المرعبة لها، ومنع أي كلمات متهورة قد تندفع من فوهة بركانه الثائر، فتفهمت هي ما يجول بداخله وما ينتظرها من عواقب وخيمة، لذا حاولت إخراج نبرة صوتها الثابتة بقدر الإمكان:
– ما كانش في وقت اتصل واقوله يا منير، خصوصا إن نوح مشغول أوي في عيادته اليومين دول، على العموم احنا كنا رايحين نتغدا، أصل منير عازمنا أنا ولينا وخالتوا على الغدا، حتى لينا تحت معاها في العربية.
أنهت حديثها سريعًا وفتحت مجالاً للهواء لدخول لرئتيها، وخاصةً بعد شعورها بانقطاع وشيك لتنفسها، وبعدما كانت على مشارف تنفيذ خطتها لإثارة غضبه وغيرته، ها هي ستقع فريسة بين يديه إن فشلت في الفرار من أمامه الآن وتحديدًا بعدما قال منير بحماقة:
– والله مش هتصدق يا نوح، أول حاجة عملتها لما جيت القاهرة، اتصلت على يسر عشان اشوفها هي ولينا أصلهم وحشوني أوي.
– وحش لما يلهفك، ما تظبط يالا في أيه؟
– نوح!
قالتها يسر بتحذير والإحراج بغزو وجنتيها، بينما منير كان عبارة عن كتلة من البرود، مستمعتًا باستشاطة نوح.
– نوح أيه بقى هو انتي خليتي فيها نوح، بقولك قوم اطلع برة، اقولك انزل لأمك زمانها قلقانة عليك.
رمقه منير بنظرة باردة والابتسامة الواسعة تحتل محياه وهو يتعمد تجاهله:
– أنا نازل يا يسر، خلصي وهتلاقيني مستني تحت.
نقشت الصدمة فوق تعابير وجهه الغاضبة، متسائلاً بقسوة:
– هو عايز يضرب صح؟!
انتظرت خروج منير من الغرفة، وعقب إغلاقه للباب خلفه حتى وجهت عتابها الصريح له، تزامنًا مع نبرتها النارية:
– خلاص بقى يا نوح، كفاية إحراج، ماينفعش تهزقه بالشكل ده.
نهض من مكانه، مختصرًا المسافات بينهما وهو ينفجر بانفعال ضاري:
– انتي اتجننتي ازاي تفكري تنزلي من بيتك من غير إذني.
تراجعت خطوة للخلف، رغم تعمدها إظهار قوتها حتى وإن كانت هشة أمام طوفان غضبه:
– في أيه أنا ما غلطتش على فكرة…
بتر حديثها بغلظة أرعبتها، وهو يشدد يده فوق ذراعيها يقربها إليه:
– ماتستعبطيش يا يسر، أنتي عارفة كويس ان اللي عملتيه غلط وماينفعش، بس انتي بقى شيطانك ركب دماغك لمجرد إنك عايزة تغظيني.
رفعت حاجبيها بتعجب زائف وهي تضحك ساخرة:
– بجد والله! لا أنت ماتفرقش معايا أصلاً، ما بقتش في حساباتي.
رغم اهتياج أنفاسها، ورعونة كلماتها بحقه، وما آل لعقلها من ردود أفعاله التي حتمًا ستكون وخيمة عليها إلا أنه فاجأها حين أمسك بخصرها يجذبها نحوه، يقتحم شفتيها بقبلة طويلة يبث فيها تناقض مشاعره، وفرط اشتياقه لها، فترنحت قبلاته ما بين اللين والقسوة، بينما هي تمسكت به بضعف كالغريق المتشبث بطوق نجاة تتحامى به من هياج أمواج حبه الهائجة.
نجحت في الابتعاد عنه وحاولت التحلي بالقوة إلا أنها هوت بضعف بين ذراعيه تهتف به همس يغمره الرجاء، متناسية أنها من أشعلت النيران في حقل غيرته:
– نوح مـ… ما ينفعش.
أغمض عينيه يستمتع بسحر لحظتهما، وأحاسيسه تتخبط بين جدران صدره تسعى للفرار من سجونه المظلمة، فؤاده الشريد يتلهف للمزيد منها رغم التفاف النساء حوله وتقديم فروض الولاء له، فوحدها تستطيع إشباع روحه الجائعة بحنانها الفياض، غزالته البرية تملك مفاتيح قلبه ولكنها تأبى التنازل بل أنها تضرم قلبه بحريق لن ينتهي سوى بهلاكهما!
خانته أصابعه وتلمست تفاصيل وجهها المحبب له، يتغزل بملامحها الجميلة بإشراقتها المحببة لقلبه، فوقعت عينيها أسيرة لنظراته الشغوفة بها، ورغم عنها مالت شفاها المرتعشة ببسمة صافية وكأنها تناست ما فعله بها الأيام الماضية، فتمنت أن تضع رأسها فوق صدره تخبره بحجم اشتياقها له، ولكن كرامتها كانت كالحاجز الحديدي الذي تحطم عليه جميع أحلامها.
– هبعت معاكي السواق وتاخدي لينا وتروحي تزوري ماما، وأنا هاخلص بسرعة وأجيلك أخدك ونروح مع بعض.
ارتجف صوتها من فرط مشاعرها وهي تقول:
– و.. مـ… منير وخالتو أعمل فيهم أيه؟!
كظم غيظه بمهارة ورد بأسلوب بارد ينافي الغليان الذي يشعر به كلما ذكرت اسمه أمامه:
– ما تعمليش حاجة أنا همشيهم، محدش طلب منك تتعاملي مع الواد ده.
امتهنت الضيق وهي تتحدث بنبرة شبه محذرة:
– نوح، ماينفعش تبوظ علاقتي بقرايبي.
استنكر بغيظ واضح، قائلاً:
– والله حلال فيه ماتبوظيهاش بس، لا تولعي فيها.
هتفت محذرة بنبرة شبه عالية:
– نوح؟!
اخشوشنت نبرته ليقطع حبال النقاش معها:
– يسر؟
فشلت في إخفاء بسمتها وسعادتها بعدما لمست حبه لها، فلا زال نوح عاشقًا لها رغم ما يفعله وما يقوله، لذا حاولت تهدئته نفسها الراغبة في تحطيم رأسه، وأجبرت ذاتها على الاقتناع، بأنه يتمسك فقط بالعناد معها، وبالتأكيد لم ولن ينفذ ما يطلبه، وأن رغباته من الممكن أن تكون ورقة يستخدمها لتجديد علاقتهما وحبهما كما دومًا تقنعها به والدتها!
– يلا بقولك عشان تزوري ماما، وبالنسبة لخالتك هبقى اخدك في يوم والواد الملزق ده مسافر نزورها.
تركته وتوجهت صوب الباب والحروب لم تهدأ بعقلها إطلاقًا رغم حالة الهدوء التي وقع بها قلبها فبدا كالمحارب الذي اقتنص هدنة بعد حرب طويلة أنهكته.
– نوح، هو أنت ممكن تتنازل علشان ماتخسرنيش؟!
سؤالاً لم يتوقعه، فوقع فوق رأسه كالقنبلة، حاول إيجاد إجابة دبلوماسية، رافضًا الإعلان عن حقيقة مشاعره:
– بليل هنتكلم في كل الاسئلة اللي انتي عايزاه، بس روحي دلوقتي عشان في ناس كتير اتأخرت برة وهيضايقوا، السواق مستنيكي تحت.
لمعت عيناها بوميض شرس، فتأكد أن الليلة لن تمر مرور الكرام، وأن ذلك الوقت مجرد هدنة قبل بداية مشكلة جديدة بينهما تنتهي بخصام لمدة ربما تكون مفتوحة!
لاحظ خروجها فتنفس أخيرًا محاولاً تهدئة نفسه، وأمسك الهاتف يبلغ سائقه بمعلومات محددة:
– وصل المدام ولينا للحاجة، ايوه هي لسه مانزلتش، في واحد وقف عندك اسمه منير، خد منه لينا لغاية ما المدام تنزل، ولو حصل أي حاجة غير اللي بقولها بلغني.
أغلق الهاتف وهو يتوعد بغل:
– ماشي يا منير الكلب، ورحمة أبويا لأعلمك الادب.
***
ارتدت سيرا بلوزة صيفية بلون أزرق بها خيوط بيضاء متناثرة بها وسروال جينز وكعادتها احتارت في لون وشاحها، فأخذتهم وخرجت تستطلع آراء اخواتها الفتيات، وأخذت برأي الجميع وبشقاوتها اختارت وشاحًا لم يختره أحد، فصاحت فريال بغيظ:
– يا باردة بتسألينا ليه، طالما مش هتختاري اللي بنقولك عليه؟
– كنت بتأكد بس، إن رأيي هو الصح.
قالتها بضحكة واسعة، فبدت مشرقة وهي تنتظر والدها كي يذهبا لجلب القلادة، ولكن دخول أبلة حكمت من الباب قلب الأجواء، فقابلت أحد أبناء شاهندا وأمسكته معقبة:
– أيه يا واد التيشرت الملزق ده، هي أمك بردو هتفضل تجيب مقاسات صغيرة.
وضعت شاهندا حبات البزلاء بالصحن والضيق يعلو معالمها من تحكمات أبلة حكمت ورأيها الاستفزازي:
– احنا لسه بنقول يا هادي يا أبلة حكمت.
رفعت حكمت حاجبيها معًا بتحدٍ سافر، فراحت كريمة تخرج من المطبخ وهي ترسل الغمزات لباقي الفتيات، وحاوطت أبلة حكمت باستمتاع:
– بس يا شاهندا ماتزعليش من رأي أبلة حكمت، دي قلبها أبيض وكبير، وبتحب الكل، وأي حد بيزعل منها بتصالحه حتى ولو الساعة ٢ بليل.
ضيقت "أبلة حكمت" عينيها بسخط وهي ترسل نظراتها الحانقة لسيرا، التي سارعت برفع نبرة صوتها وهي تدعي البحث عن طعامها:
– الجبنة الرومي فين، كلتوها، ينفع كده عيالك يا فريال ياكلوا أكلي.
ضحكت فريال بتسلية وهي تقول:
– معلش بقى خلي أبلة حكمت تجبلك غيرها، ما هي بردة قلبها أبيض وكبير، وبتصالحك الساعة ٢ بليل.
احتقنت معالمها بغضب وهي تبعد كريمة عنها:
– اوعي ياختي، قافشة فيا زي الحرامي ليه كده، وبعدين مالك يا حبيبتي منك ليها، بتشقطوني لبعض زي الكورة ليه؟! والله لولا بس أن انا مش فايقلكم لكنت قعدتلكم هنا وعلمتكم الادب.
خرج والدهم من غرفته بعدما استعد، وهو يقول بنبرة محذرة:
– اهدي يا حكمت، احنا لسه بنقول يا هادي.
علقت حكمت حقيبتها بغرور في ذراعها، وهي تقول:
– عشان خاطرك أنت بس يا بابا، يلا بينا.
أوقفت سيرا والدها تسأله بهمس:
– هي أبلة حكمت جاية معانا يا بابا؟
– اه.
أجاب والدها ببساطة أغاظتها، فـبترت فريال سؤالها، بقولها الفضولي:
– هي أبلة حكمت رايحة معاكم فين يا بابا؟!
غمزت حكمت والدها كي لا يخبرهم، ولكن والدها دمر أمانيها وقال ببساطة:
– عايزة تبص على شقة، بتفكر تشتريها.
هتفوا ثلاثتهم بقول واحد:
– تاني؟!
فتحت كف يدها بخمس أصابعها عاليًا وهي تقرأ المعوذتين، ثم قالت بصوت متحشرج:
– أعوذ بالله، أيه الشرقة دي، احميني يا رب من عينهم الجاحدة.
ثم سارعت بالخروج خلف والدها وهي تعاتبه:
– أيه يا بابا، هو الواحد ما يعرفش يخبي حاجة في البيت ده، امال أنا قايل لك ليه، ما عشان صافي ما يعرفش.
تجاهلها والدها الذي سارع في النزول، بينما سيرا حاولت الفرار منها ولكنها فشلت حين أمسكتها بأخر الدرج:
– بقى أنا أقولك ماتقوليش، تفضحيني فضيحة الكلب يوم فرحه كده، أنا مافيش حد علم عليا من اخواتك غيرك، بس الغلط مش عليكي عليا أنا، بعد كده مش هعبرك.
اصطنعت سيرا البراءة وهي تقول:
– انتي فاهمة غلط يا أبلة، ده هما جرجروني بالكلام وأنا وقعت غصب عني، انتي عارفة أنا مش هعبرهم تاني ولا أحكيلهم حاجة الفتانين دول.
– شوفتيهم وهما بيحقدوا عليا؟
هزت رأسها بالإيجاب، وقبل أن تتحدث صاح والدهما بضيق:
– هتفضلوا تتكلموا كتير على السلم، يلا مشاورينا كتير.
انصاعا لوالدهما وتحركا خلفه، وبعد مرور عدة دقائق طويلة وصلوا أمام محل "الشعراوي" انبهرت أبلة حكمت بتصاميم المحل وبمشغولات الذهب المعروضة أمامهم، بينما وقفت سيرا بعيدًا تنتظر والدها حتى ينهي الحساب، متجاهلة نظرات سليم لها وتعجبت منه ومن جلوسه المغرور أمام مكتبه الذي يقع في إحدى زوايا المحل، رفعت عيناها نحو الصورة المعلقة على الجدار خلفه وكانت لرجل كبير، تكهنت بذكائها أنه يكون والده، مدت شفتيها وهي تمرر بصرها في أرجاء المحل، وكالعادة همست لنفسها:
– عبيطة صاحب معرض عربيات عايزة يروح لأي صايغ، لازم يروح لحد تقيل بردو.
ولم تدرك أبدًا أن اسم الشعراوي هو نفس اسم يزن الذي ألقاه على مسامعها في أول لقاء لهما، فيبدو أن النسيان لعب دورًا هامًا حين غمرها يزن بنظرته التي عبرت عن إعجابه بها، فتغاضت عن بعض النقاط الهامة وتناستها فيما بعد، انتبهت سيرا للاعتراض والدها ونهوض ذلك الشخص المتعجرف للتحدث معه، فاستمعت إليه وهو يقول بلباقة عالية تنافي التعالي والكبر المنحوتان في تفاصيل وجهه:
– انت حضرتك أيه اللي مضايقك، دي هدية مننا عشان الأنسة جاية من طرف يزن الشعراوي أخويا الصغير.
توسعت عينيها بطريقة ملحوظة، واصبغت وجنتيها بحرج شديد، أما عقلها وقع في دائرة ذعر عندما شعرت باتساع الفجوة بينها وبينه، انتهت قصة إعجابها به قبل أن تبدأ، فهي لم تكن متقبلة عمله والذي نم عن ثرائه، والآن أوضحت لها الحياة مدى ثراء عائلته أيضًا، فهمست لنفسها:
– غبية امال كنتي مفكرة عيلته هايبقوا أيه؟!
عادت تستمع لتدخل العامل في الحديث:
– أستاذ يزن منبه علينا مناخدش حاجة.
فتدخلت حكمت سريعًا:
– خلاص يا بابا الناس ذوق وعايزين يعملوها هدية، متشكرين.
بتر والدها حديثها بصرامة بالغة، سرقت إعجاب سليم به وبعزة نفسه والتي تشبه عزة نفس تلك اليافعة التي تقف وحدها والصمت يحجزها بين جدرانه:
– حكمت، ماتتدخليش…
ثم استطرد حديثه لسليم بنبرة أقل حدة ويملأها الرزانة:
– احنا متشكرين جدًا، بس أنا هكون مرتاح أكتر لما ادفع حقها، وأنا سعيد جدًا بمعرفتك يا أستاذ سليم، وبالنسبة ليزن أنا هروح لغاية عنده واشكره على نبله مع بنتي.
توقعت أنه مجرد كلام ولم تعلم نية والدها الجادة بالذهاب ليزن لشكره، وما إن أنهى الحساب، وأخذت سيرا القلادة وخرجوا من المحل، حتى سألته سيرا بفضول:
– طبعًا يا بابا الكلام اللي كنت بتقوله جوا ده مش هيحصل!
– لا طبعًا، هنروح له، يلا بينا.
استعدت أبلة حكمت بحماس وفضول شديد، بينما سارعت سيرا بالرفض:
– ليه يا بابا، أنا شايفة ملهاش لازمة، خليها وقت تاني، ولا أقولك أنا هشكره بالنيابة عنك.
تدخلت أبلة حكمت تعارضها وتعرض وجهة نظرها من واقع خبرتها التي دومًا تستعرضها أينما كان الحديث:
– من خبرتي يا بابا، احنا لازم نروحله ونشكره، وبالمرة نروح نطمن على المنطقة اللي سيرا بتشتغل فيها!
– عندك حق يا حكمت يلا بينا.
وضعت سيرا يدها فوق وجهها وودت الصراخ عاليًا، تتمنى أن يحدث شيء ويلغى ما عزم عليه والدها، ولكن القدر لم يحالفها، فوصلوا ثلاثتهم أمام معرض يزن وانبهرت أبلة حكمت بأجواء المنطقة الراقية، فصرحت بذلك علنًا:
– الله يا بت يا سيرا، امسكي في الشغل ده بإيدك واسنانك، هي الشقة هنا تعملها كام مليون؟!
هتفت سيرا بغيظ من بين أسنانها والضيق يعلو قسمات وجهها:
– عشرين مليون يا أبلة.
توسعت أعين حكمت بانبهار، متسائلة:
– وهو في حد معاه عشرين مليون؟!
– ماتدخلنيش في تفاصيل دي يا أبلة حكمت.
ثم وجهت حديثها لوالدها بنبرة غلب عليها الرجاء فلم يفهمها وتعجب لها:
– يا بابا بلاش ندخل عنده عشان خاطري.
وقبل أن يفصح والدها عن أسئلته، ظهر يزن من العدم أمامهم وهو يرحب بهم بحفاوة وكأنه كان على علم بمجيئهم:
– أهلاً، أنا يزن الشعراوي.
التفتت أبلة حكمت تتفحصه بعناية، فسارعت بتقديم يدها تصافحه وهي تقول:
– حكمت أخت سيرا الكبيرة، وده بابا.
رمقه والدها بعدم رضا ثم حول نظراته ليزن الذي استطاع بابتسامته اللبقة محو أي ضيق حدث في نفسه من تصرف ابنته الكبرى:
– اهلا يا ابني، أنا كنت جايلك مخصوص عشان اشكرك على اللي عملته مع سيرا، ومتشكر جدًا على محاولتك إننا مندفعش حق السلسلة…
قاطعه يزن مرحبًا به ولكنه أظهر عتابه:
– إن حضرتك تيجي لغاية عندي على راسي، بس أنا زعلت على إصرارك انك تدفع حقها، دي حاجة بسيطة.
ربت "حسني" فوق ذراعه بامتنان:
– شكرًا يا ابني، عن أذنك.
– لا والله أبدًا أنت لازم تدخل وتاخد ضيافتك.
أخيرًا خرج صوت سيرا من سجون الصمت وهي ترفض:
– لا شكرًا، احنا مستعجلين، يلا بابا، يلا أبلة حكمت عشان نشوف الشقة اللي انتي عايزاها.
لم تعلم سيرا أن عيني أبلة حكمت قد ثقبت الزجاج ولمحت السيارات المعروضة بالداخل، فقالت بحماس:
– لا لغيت فكرة الشقة، أنا بفكر اشتري عربية.
– يا خبر يا هانم احنا عينيا ليكي.
كان قاصدًا إغاظة سيرا بعدما شعر بحاجتها المستمرة للفرار منه، فمالت أبلة حكمت بإعجاب تهمس لسيرا الحانقة:
– بجد يزن ده ذوق أوي، ده قالي يا هانم، عنده نظر بجد.
ثم قالت لوالدها الغارق في عدم رضاه بسبب تصرفاتها:
– يلا بينا يا بابا، ماينفعش نزعل أستاذ يزن.
– لا أستاذ أيه بقى، قولي لي يا يزن، اتفضلوا.
ومد يده يشير لهم بالدخول، دخلت حكمت أولاً ثم تابعها حسني سريعا كي يحاصرها لعلمه أنها ستنتشر بالمكان، بينما سيرا قالت بغيظ خافت:
– أنت دماغك دي هتسوحنا اقسم بالله، انت ماتعرفش أبلة حكمت.
همس لها سريعًا والتسلية تحلق بسماء عينيه:
– مالها دي عسل، أنا حبيتها جدًا.
اغتاظت سيرا من تصرفاته العنيدة بحقها وهي تقول:
– اتفضل، اهي واقفة قدام عربية تعملها ٢ مليون.
شاكسها يزن وهو يستعد للدخول:
– انتي بتطيّري الزبون من ايدي ليه، يا قاطعة الأرزاق انتي.
دخلت خلفه وهي تهمس بحقد من عناده معها:
– أنا غلطانة، إن ما فصلتك فيها وقالت لك ما تنفعش بـ ٢٠٠٠٠ جنيه ما بقاش أنا.
تجاهلها يزن وهو يتقدم من والدها واختها الواقفان أمام سيارة يتابعان تفاصيلها بتركيز، بينما كان يخرج هاتفه من جيب سرواله يجيب على اتصال أخيه زيدان:
– تشربوا أيه؟
ردت أبلة حكمت وهي تفتح باب السيارة الأمامي وتجلس بداخلها:
– أي حاجة سخنة.
ثم وجهت حديثها لوالدها بابتسامة واسعة:
– شكلي فيها حلو يا بابا، ابان شخصية مهمة.
وقبل أن يجيب والدها استمعوا ثلاثتهم لصوت يزن المصدوم وهو يتحدث بالهاتف:
– أيه؟! لا حول ولا قوة إلا بالله، ماشي جاي.
لمعت عيناها بفضول وهي تتابع نظراته الغامضة، فـعلى ما يبدو أن هناك خبر سيء تلقاه من خلال ذلك الاتصال، فقطع طريق فضولهم بقوله:
– عمتي اتوفت.
رواية غناء الروح الفصل الثامن 8 - بقلم زيزي محمد
فُرضت قيود الصمت على ألسنتهم، وغُلفت بعض الأفئدة بالحزن لهيبة مشهد وداعها، بينما البعض الآخر اكتفى بطي العداوة المنبثقة بقلوبهم في بئر النسيان، فلم يعد مجالاً للكراهية الآن، غادرت ميرڤت بجبروتها وقسوة قلبها وجحود طباعها لعالم آخر تجني به ثمار ما زرعته طوال حياتها.
مسحت “نهى” قطرات الدمع المتساقطة فوق صفحات وجهها الحزين والإنكسار يغزو روحها، لم تستطع وداعها بعدما فشلت في التقرب منها وبث الهداية بقلبها، حيث رفضت والدتها مقابلتها عدة مرات، واتسعت طرق الفراق بينهما، فأغلقت صفحات محاولاتها معها ووضعت كلمات النهاية بالدعاء لها، وكعادته معها ساندها “خالد” بإحتوائه ودعمه المستمر لها، مربتًا فوق جوارحها بهمساته الحانية، طالبًا منها الدعاء لها، فهي في أمس الحاجة إليه، هزت رأسها وهي تبكي، سامحة لصوتها بالتسلل للعلن:
- ربنا يرحمها، ويغفر لها.
ثقلت كلماته بلسانه، بعدما حارب عقله مشاعره التي حاولت التكيف مع مشهد وداع زوجة عمه، فلم يتذكر لها سوى القسوة والبغيضة التي ولدتها بقلبه نتيجة أفعالها معه، ولكنه أجبر نفسه على الدعاء لها، ثم حمحم بخشونة عندما لاحظ سليم وأخويه ينتظرون عند باب المقابر الخارجي، فقال لنهى بنبرة غلب عليها التخبط:
- ولاد خالك بقالهم كتير مستنين.
التفتت نصف التفافة تنظر إليهم، وبسمة ساخرة تعلقت بشفتيها الباهتة نتيجة لإرهاقها المستمر في شهور الحمل، ثم عادت بنظراتها الشاحبة نحو قبر والدتها تنظر إليه وكأنها تعاتبها، فلم يستطع لسانها الصمت كثيرًا وهمست بأسى متخيلة أن زوجها الواقف بجانبها لم يسمعها:
- أكتر ناس كرهتيهم وعادتيهم هما اللي حضروا جنازتك، اخدتي أيه من اللي عملتيه؟!
سؤالاً تمنت دومًا الإجابة عليه، علها تجد مبررًا للسواد القابع بقلب والدتها اتجاه أولاد خالها، وتحديدًا سليم، لم تتوقع أبدًا حضوره ولا تأديته لصلاة الجنازة عليها، والأغرب هو من دفع كافة تفاصيل دفنها، اخترق حزنها بتصرفاته واحتارت فهم طباعه، ولكن الشيء المؤكد لديها أنه عكس ما كانت ترويه والدتها عنه، طوال الأشهر الماضية لم يكف بالسؤال عنها سواء هو أو شمس زوجته والإطمئنان على صحتها، عرض مساعدته لها دومًا لأي شيء يخصها أو يخص خالد، ودون أن تشعر نمى بقلبها شعور بالامتنان له.
تركت قبر والدتها بقلب مكسور وحزين، وتوجهت لهم، تتلقى عزائهم بوجهٍ مرهق، وأنفاس ثقيلة نتيجة لإرهاقها وأول من لاحظ ذلك هو يزن، فقال بأسلوبه اللبق:
- متهيألي يا خالد تيجوا تريحوا الليلة دي عندنا، نهى شكلها تعبانة.
- أنا شايف كده بردو.
أكد سليم على حديثه ولم يخفي إهتمامه بابنة عمته الوحيدة فشعوره نحوها بالمسئولية زاد الضعف، ولكن نهى سارعت بالرفض ممسكة بيد خالد بقوة:
- لا أنا هرتاح أكتر لما نروح، ملهاش لزمة أننا نقعد.
تفهم خالد حاجتها بالذهاب لمنزلها، حيث نجحت في بناء عُش لهما تحتمي به أثناء ضعفها:
- خلاص على راحتها، وكمان أنا مينفعش اتأخر على شغلي.
ودعت نهى سليم أولاً وهي تنسج خيوط الإمتنان بنبرتها الثقيلة:
- شكرًا يا سليم على كل حاجة، ربنا يجعله في ميزان حسناتك.
فرض بسمة فوق شفتيه وهو يقول بصوت مجهد:
- مفيش شكر ما بينا، لو احتاجتي أي حاجة كلميني على طول.
هزت رأسها امتنان شديد، ثم ودعت يزن الذي أظهر تعاطفه معها كعادته، ثم انتقلت لزيدان المتخبط بين مشاعره ولكن غلب عليه الحزن لِمَ هي تعانيه من وحدة بالرغم من وجود عائلتها، وكسرة بسبب أفعالهم الشنيعة بحق أنفسهم أولاً فكانت نتائجها وخيمة عليها وحدها، وذلك بعدما قابلت رد فعل والدها وأخيها على خبر وفاة والدتها بالتجاهل الشديد، ولكن احتلت الراحة جزء بداخله عندما اطمئن عليها ولاحظ احتواء خالد لها.
- لو احتاجتي أي حاجة أنا موجود.
همست بنبرة متحشرجة للغاية، وهي تغلق عينيها وكأنها تجبر نفسها على نسيان الماضي:
- شكرًا.
قطع عليها خالد ذكريات الماضي المندفعة لعقلها بسرعة البرق، فوجوده له أثر مهيب على نفسها، وحضوره الطاغي على قلبها جعله ينتفض بدقاته العنيفة لمجرد إحتواء كفه لكفها ثم مساعدتها للسير نحو سيارتهما:
- لو حاسة إنك هتتعبي، إحنا ممكن نحجز في أي أوتيل.
هزت رأسها بنفي وهي تستند عليه، تلقي بثقلها وهمومها فوقه بكل أريحية:
- لا، صدقني هرتاح أكتر في بيتنا.
هز رأسه بالموافقة، يقدم فروض الانصياع لرغبتها، وفتح باب السيارة الأمامي وقبل أن تستقل بها همست بسؤال يغمره نيران الفقد:
- خالد هتجيبني ازورها كل فترة؟!
اختفت مشاعره السلبية خلف جدار رزانته وهو يقول:
- وأنا من امتى برفضلك طلب يا نهى! أؤمري انتي ومالكيش دعوة.
آه لو يتوقف الزمن وتبقى معه دون أن يراهما أحد، حتمًا كانت ستقع بأحضانه تنهل من بئر حنانه ما يروي ظمئ قلبها، ولكن فُرض الخجل قيوده عليها، واكتفت بإرسال رسالة شكر صامتة من خلال عينيها، تخبره بها كم تتمنى أن يظل إحسانه معها وألا تضل دربهما أبدًا.
مساءًا…
دخل سليم شقته بجسد منهك، وعقل مجهد، وعيناه تفتقد حدتها المعتادة، فمالت تعابير وجهه للإرهاق وهو يقابل ابنته الجالسة بمقعد مخصص للأطفال وبجانبها أنس الذي يحاول تقديم جميع العابه لها، بينما هي كانت تلتهم قطع الألعاب بفمها معتقدة أنها طعام، فأبعدها سليم عنها وهو يقبل وجنتيها بحب، يهمس بنبرة يغمرها الاشتياق لتفاصيلها:
- هي ماما مجوعاكي ولا أيه؟!
وجدت شيء أخر تلتهمه ألا وهو وجنته، فصدر عنها صوت طفولي رقيق وإبتسامة واسعة احتلت محياها وهما يتشاركان الضحك هي وسليم الغارق بكل شيء تصدره، متناسيًا وجود أنس المتابع لهما بعيون تفتقد لِمَ تتلقاه قمر من قبل والدها، وقبل أن ينهض “أنس” يتوجه لوالدته يطلب منها الإحتواء بصمت كعادته، وجد والده يعيق حركته بعدما وضع قمر بمكانها، ثم أجلسه هو فوق ساقه يسأله بإنعقاد حاجبيه ونبرته الهادئة:
- رايح فين وسايبني من غير ما تسلم عليا؟!
قبله أنس في خده ثم رد بعفوية:
- رايح لماما.
- طيب ما تجيب حضن كبير عشان أنت واحشني أوي الفترة دي.
عانقه أنس فورًا متناسيًا ما حدث قبل دقائق وشعور بالغيرة من أخته “قمر” تلاشى بتصريح والده له، مهما كان سليم جامدًا وقاسي المشاعر مع الأخرين إلا أنه مع أطفاله شخص آخر يفيض حنانًا ولطف، ظل سليم يحظى بدفيء طفله أنس، فمَن يتعطش للحنان ليس سواه، حيث اضمحل خريف مشاعره وهو يستقبل ربيع وجود أطفاله حوله! نعمة كبيرة سيظل يحمد الله عليها كل لحظة بحياته.
ظهرت شمسه من قوقعة المطبخ المحتجزة بها كعادتها، فأظهرت كامل إهتمامها بوجوده كما دومًا تفعل معه، وعيناها الشاردة بتفاصيله تبحث عن مأوى يطمئن من خلاله قلبها عليه، فسألت بإهتمام بالغ:
- عملتوا أيه؟
هز كتفيه بهدوء وهو يبعد جسده عن أنس ويستند بظهره على مسند الأريكة:
- مفيش خلاص ادفنت.
همست بنبرة فاترة وهي تقول:
- ربنا يرحمها ويغفر لها،…ثم استطردت بقولها الذي يتدلى منه العتاب:
- كان المفروض أنا ومليكة على الاقل روحنا معاكم وقدمنا واجب العزا لنهى.
اغمض عينيه وهو يتنهد بقوة:
- وأنا قولتلك أنها هترجع تاني ملهاش لزمة تيجوا، ابقوا كلموها بالتليفون يا شمس.
مالت نبرته للحدة في أخر حديثه، فعقدت ما بين حاجبيها وشعرت بحاجته للصمت أو تركه وحده يصارع وحوش ماضيه المُصرة على طرق أبواب حاضره بكل قسوة، فاخترقت عالمه بسؤالها الخافت وخاصةً بعدما تركهما أنس وتوجه للتلفاز يتابع مسلسله الكرتوني المفضل:
- سليم، أنت زعلان عليها؟!
ضرب الإستنكار اعتقادها حين سأل:
- على مين بالظبط؟!
مطت شفتيها بضيق لمراوغته لها:
- عمتك ميرفت.
- الله يرحمها، بقت من الأموات، مايجوزش عليها غير الرحمة يا شمس.
انزعجت من أسلوبه المبطن، فقالت بنبرة مستاءة:
- أنا مابتكلمش عليها وحش، أنا بسألك عن مشاعرك أنت ناحيتها؟!
مال برأسه أكثر ناحيتها وهو يسألها بمكر امتزج بخصال شخصيته المغرورة:
- طيب ما تسأليني عن مشاعري ناحيتك أنتي؟!
استندت بذقنها على يدها وهي تجيب بذكاء ومكر أنثوي ادهشه:
- لا ما أنا عارفة أنك هتجاوب عليا بإستفاضة في أي حاجة تخصني، لكن أنا بقى بحب أدخل في اللي مايخصنيش.
أنهت حديثها ببسمة واسعة تستفزه بها ولكن ملامحه أبت الافصاح عن أي شيء وهو يقول:
- وهتستفادي أيه؟!
أرجعت خصلات شعرها الثائرة خلف أذنيها، ثم انتقلت أصابعها بمرونة لخصلات شعره تداعبها برقة، تاركة العنان لسانها يفصح عن حقيقة ما تشعر به اتجاهه:
- أنا بحس بإنجاز كبير لما بخترق جزء مكتوم جواك، عارف انت عامل زي أيه؟!
صمتت لحظة تجد وصف مناسب لِمَ يدور بعقلها:
- المغارة، أيوه أنت عامل زي المغارة وأنا بقى مغامرة بحب استكشف أي حاجة جديدة وبحس بالإنجاز الرهيب لما بعرف تفصيلية صغيرة جواك مكنتش أعرفها عنك زمان وبالذات بقى لو أنت قولتهالي.
لمعت عيناه بالإعجاب وقرر الخوض أكثر في الحديث معها رغم إرهاقه وحاجته للنوم:
- وهتفرق في أيه بقى انتي اللي اكتشفتيها ولا أنا اللي قولتهالك؟!
هبطت بأناملها تمررها فوق تقاسيم وجهه، وتخبره بنعومة أفرطت بحقها نحوه:
- لا تفرق يا سولي، لو أنا اكتشفتها طيب ما ده العادي، أنا على طول بعمل كده، لكن أنت لو حكتهالي فده إنجاز عظيم، أنت ما بتتكلمش بسهولة، فأكيد في اللحظة اللي تختارني أنا وتحكيلي عن حاجة جواك مضايقك هكون أسعد انسانة في الدنيا.
- دي كلها محاولات خبيثة منك عشان تعرفي أيه يا شمس؟!
واجهها بشراسته العاشقة إليها، فردت بضحكة مشاكسة وهي تواجهه دون خوف:
- زعلان عليها؟!
- ازعل عليها ليه؟! هي ماتت يعني ارتاحت، ارتاحت من تفكيرها العقيم وضميرها الأسود، ارتاحت من قلبها اللي مفيهوش ذرة رحمة، فازعل عليه، بالعكس الموت راحة ليها ولينا كمان، على قد ما كانت مضايقني إلا أن كنت ببقى مضايق وقرفان من اللي بتعمله في نهى، ورغم ده كله البنت كانت بارة بيها، نهى تستحق عيلة أفضل من دي!
نجحت في قطع جزء من السلك الشائك العائق أمامها، وبحرت كسباح ماهر تواجه عنفوان مشاعره الحاملة للكرة والسواد نحو عمته فقط:
- عندك حق، بس هي خلاص ماتت المفروض تسامحها يا سليم!
- ماتطلبيش مني حاجة فوق طاقتي، حاليًا أنا كل اللي محتاجه أنام عشان مافكرش في حاجة اضايق نفسي بيها.
- اممم يعني بتهرب مني بالنوم!
ابتسم بصدق وهو يداعب أرنبة أنفها بأنامله:
- أنا لو اطول أفضل صاحي وابصلك بس هعمل كده.
توردت وجنتيها بخجل شديد من تصريحه المفاجئ لها، فهمست بدلال:
- لا لا أنا مش قد التصريحات الخطيرة دي، قلبي مايستحملش.
داهم النوم عينيه فرد بصوت خامل يجاهد الاستيقاظ والتركيز:
- سليم أفعال وليس أقوال.
ضحكت بنعومة وهي تنظر له بهيئته شبه الطفولية وهو يمجد بنفسه وعينيه تكاد تغلق بسبب إرهاقه، فقالت بمشاكسة:
- سليم محتاج ينام، وممكن نسيب الأفعال دي لبعدين.
اعتدل بجلسته أكثر وهو يجذب الوسادة تحت رأسه، مقررًا النوم مكانه فوق الأريكة وسط طفليه فهما دومًا مصدر أمانه:
- سليم شايف كده بردو.
واستسلم لرحلة نوم ربما لو دخل غرفته كان افتقد دربها، وغاص في مهاجمة ماضيه كعادته كلما انفرد بنفسه، فوجد أن التجاهل لندباته أفضل حل لعلاجها!
عم السكون على شقة يسر وهي تجلس وحيدة بصالة شقتها تنظر للفراغ بلا مبالاة، والحزن يكسو فوق معالمها بعدما نقض نوح وعده لها ولم يأتي لها في منزل والدته فاضطرت للعودة وحدها هي ولينا، وكالعادة تحجج بالزحام في عيادته وعدم إيجاد وقت للذهاب إليها.
زفرت باختناق حاد، مقررة وضع حد لِمَ تعانيه معه في هذه الليلة، لن يمر بأفعاله مثل كل مرة، ولن تطفئ قبلاته أجيج فؤادها، استمعت لصوت مفاتيحه في الباب، فظلت على نفس وضعيتها التي أعطته فكرة عن مستقبل غفوته الليلة!
- مساء الخير يا يسر.
ودت تصيح بما اندفع لعقلها من وقاحة تناسب ما فعله معها الليلة، ولكنها فرضت لجام الرزانة وهي تجيب بصوت مبحوح:
- أقعد يا نوح، محتاجة أتكلم معاك.
رضخ لطلبها ببساطة أدهشتها، فاستغلتها بقولها:
- أخرة اللي أحنا في أيه؟!
زم شفتيه بضيق وهو يفرك وجهه بقوة:
- أخرته أيه يعني يا يسر! أنا بجد مش فاهم في أيه، غير إنك مستلماني خناق من أول ما دخلت، رغم اننا المفروض كنا كويسين يعني.
توسعت عيناها الممتلئة عن أخرها بالدموع وهي تقول بتعجب:
- والله المفروض يعني كده أننا كويسين، أنت فاكر يعني عشان بو…
بترت حديثها بإنفعال ظهر جليًا فوق ملامحها، فردت بحدة بالغة:
- نوح أنت عارف كويس أنا اقصد أيه، بلاش تلف وتدور عليا! قولي أنت عايز أيه مني، أنا حاسة في مرة هموت أو هيجرالي حاجة بسببك.
انتقلت لعنة الغضب إليه وانتفض يصيح عاليًا ينفجر بها:
- عشان شاغلة نفسك بس باللي بيشتغلوا معايا وبأمور المفروض أنها تكون تافهة بس ازاي أنتي مكبرها لدرجة أنك منكدة علينا عيشتنا كل يوم.
انتفضت بهياج وهي تتصدى لانفعاله بشجاعة:
- هو لما اضايق من البنات المايصة اللي بتشغلهم معاك أبقى غلطانة، لما أضايق ان كل حياتك عبارة عن بنات وبس أبقى غلطانة، يا راجل ده مفيش راجل يوحد ربنا بيسأل عليك غير يزن صاحبك غير كده كلهم بنات في بنات، أيه الرحمة بيا!
اختصر المسافات بينهما والاغتياظ ينحر قسماته، فمد يده يمسك ذراعها بقسوة وهو يقول:
- ومين يرحمني أنا، مين يحس بيا، أنا المفروض أحس بيكي وأحس بأمي وبأخواتي وبعيال أخواتي، واسمع ده واراضي في ده، وأشوف ده عايز أيه؟! أيـــــــه ومين يسمعني ومين يحس بيا وباللي بضايق منه، حتى أنتي فشلتي في ده وبقيتي نسخة تانية من أهلي عايزني بس اعملك اللي أنتي عايزة لكن أنا عايز أيه أو زعلان من أيه أو أيه بيحصلي في يومي أخر همك، عشان كده يا يسر أنتي كمان أخر همي، واللي أنا عايزه هعمله ومش هيهمني حد، واه هتجوز عليكي وأنتي اللي موافقة ومن الأول برضاكي، ماتجيش بقى تعمليلي فيها دور المقهورة وأنا اللي بعمل حاجة غصب عنك.
انهى ثورة بركانه والتفت يغادر إلا أنه أوقفته متسائلة بإنكسار والدموع تغرق وجنتيها:
- أنت ازاي شايفني كده؟! ازاي قادر تجرحني كده؟
- ما أنتي بتجرحي الأول، أنتي اللي بتبدئي على فكرة وأنا بس نتيجة لأفعالك، اشغلي نفسك مرة واحدة بيا، لكن ازاي كل همك كرامتك مجرحهاش واتجوز عليكي، مش يمكن جوازتي التانية دي تعرفك قيمتي؟!
قابلت سخطه بإمتعاض ناري منها وهي تجيب بإستنكار:
- لو هعرفها بالطريقة دي، الله غني عنها.
اشتدت ملامحه بقسوة بالغة وغرقت نبرته في تحدٍ:
- حلو يبقى أنتي كده اللي اختارتي يا يسر، سلام.
أوقفته متسائلة بحذر:
- قصدك أيه؟!
- في أقرب وقت هعمل اللي عايزه وهتجوز عليكي، ابعدي بقى.
تركت يده بسهولة كما هو يعلن ما تتمناه نفسه دومًا بكل بساطة دون مراعاة حبهما أو هدم عشهما التي جاهدت الحفاظ عليه طوال تلك السنين الماضية، لقد خسر قلبها الرهان وفشلت في إيجاد وسيلة للوصال بينهما، بينما أرتاح العقل لوضع كلمة النهاية بعد إجهاد كبير بذلته في رَفْء ثوب حياتهما معًا!
بعد مرور عدة ساعات..
استمع “يزن” لِمَ باح به نوح بإهتمام، وظل على نفس صمته لفترة قطعها نوح بغضب آخر:
- لا وجاية بمنير الزفت تغيظني به، دماغ البنات دي تعبانة أقسم بالله، يعني كده كانت هترتاح لما اقوم اكسر دماغه قدامها.
مط يزن شفتيه وهو يعبث بنموذج للسيارات الصغيرة الموضوعة أمامه:
- ماعملتش كده ليه؟! أنا لو مكانك كنت قومت ضربته وعلمته الادب.
- أنا محتاج أعمل كده فعلاً، أنا محتاج اقوم اكسر عضم حد عشان أرتاح..
شمله يزن بنظراته الساخرة:
- أنا عمتي ماتت وحالتي بائسة.
- يلا ربنا يجحمها، ماكنتش بطيقها، معلش يعني يا يزن.
اتسعت ابتسامته الساخرة وهو يقول:
- هي الله يرحمها مكنتش بطيقك ماعرفش ليه؟! بس هي عمتي كده مابتحبش أي حد سالك!
نهض نوح وهو يتنهد بثقل، مقررًا إنهاء حالة الغم المحاطة به:
- بقولك أيه ما تفكك من الحداد اللي أنت عامله على عمتك ده، وتيجي نسهر في أي مكان.
نهض يزن هو الأخر وهو يصطنع الإستياء:
- لو مكنتش تصر بس يا نوح، يلا بينا، حكم القوي.
- يا عم أنت بتلكك أصلاً، امشي.
اختارا سيارة يزن، بعدما ترك نوح حرية الإختيار ليزن، فوصلا أمام أحد أماكن السهر المشهورة، ودخلا معًا، فمال يزن يعاتب نوح المشغول بمتابعة المكان:
- يعني لو حد شافني دلوقتي هيقول عليا أيه؟
- هيقول عمتك حرباية وماتستاهلش حد يزعل عليها، يا ابن الـ ****
توسعت أعين يزن بصدمة وهو ينهر صديقه:
- أيه ياعم الغباء ده، بتشتمني ليه؟!
لكزه نوح بضيق وأفكاره العدوانية تنفعل بضراوة:
- هشتمك ليه؟! أنا بشتم منير ابن المضايقة واقف هناك اهو.
ركز يزن ببصره على منير الواقف بين مجموعة من الفتيات والشباب فهمس بغضب:
- هو يوم ابن مضايقة أصلاً، بقولك؟
انتبه نوح إليه ونظراته تنضح بويلات الغضب:
- فرصتك وجتلك، عصيرك أهو…
التقط “يزن” كوب العصير الموضوع فوق الطاولة الموضوع أمامهما:
- عصيرك اهو وأنت عارف أيه اللي هيحصل!
نبعت شبه بسمة قاسية فوق محياه والتقط كوب العصير، ثم سار بخطوات واثقة اتجاه منير مستغلاً الزحام حوله واصطدم به عن عمد، فتساقط كوب العصير على قميص نوح الذي هاج بإنفعال:
- في أيه مش تحاسب يا غبي؟!
عقد منير ما بين حاجبيه بعدم فهم لوجود نوح أمامه، واندفع سؤاله على طرف لسانه إلا أنه تلقى ضربة عنيفة بوجهه من قبل نوح، الذي استعد للشجار المندلع من قبل أصدقاء منير، فتدخل يزن بالوقت المناسب وعارض اللكمات المتوجهة لصديقه:
- لا ده صاحبي فكك.
لم يستمع إليه صديق منير وظل يسدد اللكمات نحوه، فانتفض يزن بغضب:
- مفيش رأفة أبدًا ده أنا عمتي متوفية وقلبي حزين يا ابن ال***.
واندفع هو الأخر للشجار المندلع بالمكان، اما نوح امسك بمنير في إحدى الزوايا يسدد له الضربات العنيفة والقوية بينما الأخر حاول الدفاع عن نفسه وتسديد اللكمات لنوح هو الأخر فنجح في واحدة استقرت بوجه نوح، الذي انحنى للأسفل والشر يطرق برأسه لقتله، ولكن يد يزن التي وضعت فوق ذراعه يجذبه للخارج بسرعة بعدما دخل الأمن في المكان، استقل بجانب يزن في سيارته وانزل المرآة الصغيرة يتفقد وجهه:
- علم عليك؟!
استنكر نوح وهو يتفقد تلك الكدمة:
- هو انت اعمى ماشوفتش وأنا معلم على اللي خلفوه، وبعدين أنت ساحبني ليه كده؟
- الأمن دخل وكنا هندخل في حوارات مالهاش لزمة، وبعدين الواد كان بيفرفر في إيدك، كفاية عليه كده.
حرك رأسه بإيجاب وهو يقول بنبرة مغلولة:
- صح كفاية عليه كده، مانشوف بقى هي هتعمل أيه لما تشوف المحروس معمول فيه كده.
تنهد يزن وهو يجيب بضحكة ساخرة:
- خناقة جديدة، يلا المهم هتنام في العيادة ولا في المعرض عندي.
- في العيادة، ورايا شغل كتير بكرة.
في اليوم التالي…
سارت سيرا بجانب فاطمة صديقتها في الطريق المؤدي لعملها، وتحدثا بأمور عديدة منها محاولة سيرا لمحو فكرة شراء أبلة حكمت لسيارة من معرض “يزن”، فتساءلت فاطمة بفضول:
- وأقنعتيها ازاي بقى؟!
هزت كتفيها وهي تبتسم بمكر:
- مفيش قولتلها أخواتي لو عرفوا هيحسدوها، وأنها تستنى شوية، وهي أكيد هاتشوف حاجة تانية تشبط فيها غير العربية.
أومأت فاطمة برأسها والتردد يلوح بنظراتها التي التقطتها سيرا بمهارة:
- في أيه يا طماطيمو من وقت ما خرجنا وأنتي عايزة تقولي حاجة؟!
توقفت فاطمة تخرج ما في جعبتها مرة واحدة:
- الصراحة بقى عرفت من سهام أن فايق عايز يتقدملك ويخطبك.
شهقت سيرا بصدمة واعتراض في آن واحد وهي تقول:
- أيه؟!
- يا بنتي بس أنا نهيت الإقتراح ده وقولتلها إنك مابتفكريش في الجواز دلوقتي، بس الخوف بقى أن أمه بتفكر تكلم أبلة حكمت.
صاحت مرة أخرى باعتراض شرس:
- أيه أبلة حكمت؟! بلاش دي.
- حاولت والله يا سيرا، بس ماعرفش سهام المتخلفة دي بصتلي وكأني بغير منك، وماتعرفش اللي فيها أصلاً، دي طالعة بأخوها السما وكأن مفيش منه اتنين، هي أبلة حكمت تعرف أنه بيشرب خمرة؟!
ردت بشرود، وشعور بالخوف يترعرع داخلها من فكرة دخول أبلة حكمت في مسألة زواجها، دارت عجلة ذهنها وبدأت في التفكير في إيجاد فرصة لقطع سُبل الوصول إليها من قبل ذلك الـ “فايق”، وتلقائيًا اندلع شعور بالاشمئزاز داخلها من فكرة ارتباطها به، وأثناء شرودها لم تلاحظ محادثة “فاطمة” بالهاتف ولا سعادتها المفرطة.
- باركيلي يا سيرا الشركة اللي حكتلك عنها امبارح كلموني دلوقتي وهروح حالاً اعمل تجربة أداء.
غاصت معالم سيرا في الفتور وهي تواجه سعادة صديقتها غير المبررة بالنسبة لها:
- يعني هتسيبيني وكل اللي اتفقنا عليه نعمله خلاص كده!
حملت نبرتها الرجاء وهي تقول:
- عشان خاطري يا سيرا ماتزعليش، عارفة لو وافقوا واخدوني في أي فيلم ولا مسلسل، يالهوي هعزمك على نص كباب.
- مش عايزة حاجة يا ستي، ربنا يوفقك بس إياكي يا فاطمة تدفعي فلوس، لو هتعمليها ببلاش ماشي غير كده لا.
تظاهرت فاطمة بالموافقة وهي تردف:
- طبعًا يا بنتي، طبعًا، يلا هنأجل مشوار السينما معلش.
أومأت برأسها ثم بدأت في توديعها ولكن فاطمة توقفت تسألها بمكر وفضول:
- انتي هتروحي ليزن ده وتعزيه في وفاة عمته؟!
استنكرت بنبرتها وهي تتظاهر باللا مبالاة:
- لا طبعًا، ليه هو من بقيت عيلتي ولا أيه؟
- أنا شايفة من باب الذوق انك تعزيه وخصوصًا انه عامل معاكي موقف جدعنه يعني.
امتهنت عدم الاقتناع وهي تقول بنبرة مترفعة:
- بس أنا مش شايفة كده! يلا روحي عشان متتأخريش.
وافقت فاطمة بعدم رضا، وغادرا كل منهما في اتجاه أخر، مرت دقائق بسيطة وهي تنتهي من الطريق المؤدي لعملها وقبل أن تدخل البناية تراجعت وهي تحسم أمرها ومالت لرأي صديقتها باقتناع تام، فدخلت المعرض تبحث عنه ووجدته بالفعل يقف بأحد الزوايا يتحدث مع أحد العاملين، فتوجهت نحوه والحرج يتسلل لوجهها واحتارت في مناداته، فتوقفت صامتة على بعد خطوات منه، حتى استطاعت سرق انتباهه، فرحب بها بحفاوة:
- سيرا، اهلا؟
كادت تجيب عليه إلا أنها لاحظت عدم أي أثار للحزن بملامحه، فعقدت ما بين حاجبيها تمرر بصرها عليه بإستفهام صامت، وسرعان ما أدرك هو ما يجول بخاطرها، فرسم ببراعة إمارات الحزن وهو يشير إليها نحو مكتبه:
- تعالي اتفضلي!
توقفت مكانها ترفض عرضه، وهي تقول بصوت متحشرج:
- أنا كنت جاية عشان اقولك البقاء لله.
- الدوام لله، صاحبة واجب.
لمحت السخرية المبطنة بصوته، فسألت بشراسة مطوية بين نبرات الحدة:
- قصدك أيه؟!
وضع يده في جيب سرواله وهو يقول بنبرته المستنكرة لحدتها غير المناسبة:
- يعني مافكرتيش تتصلي بيا امبارح تتطمني يا شيخة، ده أنا عمتي ماتت وكنتي شايفني ازاي امبارح؟
- مالك امبارح، بالعكس كنت حاسك مبسوط مش زعلان خالص.
صدمته بردها الجامد، فهمس بنبرة حاقدة قاصدًا إثارة استفزازها:
- عديمة المشاعر.
توهجت عيناها بضراوة وهي تتسأل:
- أنت تقصدني أنا؟!
رسم بريشته خطوط الأسى والفقد فوق ملامحه، واصطنع حزنه الشديد لفقده عمته:
- يعني المفروض تواسيني يا شيخة ده أنا عمتي ماتت وخلعت قلبي، سابت فراغ كبير ربنا…ثم أردف بهمس شديد:
- يجحمها مطرح ما راحت.
رفعت أحد حاجبيها وعدم الإقتناع يلوح بمقلتيها:
- أنت بتقول أيه بصوت واطي؟
- بدعي لعمتي يا بنتي، حتى الدعاء بتسوئي الظن فيا.
رمقته بضيق لتأكدها من سخريته اللامعة بعينيه، فتجاهلته عن قصد وهي تقرر الذهاب دون الرد عليه، ولكن قوله فاجأها وجعلها تستدير له بفزع تسأله بتركيز:
- أنت قولت أيه؟! عايز أيه؟
- رقم تليفون أبلة حكمت!
أجاب ببساطة أدهشتها فاستشاطت بسخط حاولت كتمه بقدر الإمكان:
- وده ليه بقى ان شاء الله؟
- عايز اعتذرلها عن موقف امبارح.
لا زال عدم الفهم يسيطر عليها وهي تسأله:
- هو أيه اللي حصل امبارح؟!
عاندها بمشاكسة وهو يكرر حديثه:
- وانتي مالك؟! هتجيبي رقم أبلة حكمت ولا اجيبه بمعرفتي!
كادت تطلق لسانها لتوبيخه بسبب أسلوبه معها إلا أنها صُدمت حين صدح صوت أبلة حكمت في الأجواء من العدم:
- أبلة حكمت بنفسها هنا.
رواية غناء الروح الفصل التاسع 9 - بقلم زيزي محمد
شعور بالخوف اجتاح صدرها وهي تمرر بصرها فوق أختها "أبلة حكمت"، بوقفتها المتعالية، وابتسامتها الواسعة، وعينيها اللامعتين بانبهار، فخرج صوتها متأرجحًا بين الخفوت والسطوع:
- أنتي أيه اللي جابك يا أبلة حكمت؟!
تجاهلتها "حكمت" تمامًا وهي تنظر إلى يزن والمعرض في آنٍ واحد، قائلة بحماس استنكرته الواقفة بجانبها:
- جاية أعزي أستاذ يزن في وفاة عمته ونكمل كلامنا بخصوص أني عايزة اشتري عربية وكده.
ابتسامة جانبية خبيثة احتلت محياه وهو يتابع نظراتها المستنكرة ووجهها الغارق في بركة دماء، ويبدو أنها فشلت في ضبط انفعالاتها، فأظهر ترحابه الشديد وحماسه الطاغي بصوته وهو يقول:
- كلك ذوق يا هانم، وبخصوص كلامنا عشان العربية تقدري تتفضلي جوه في مكتبي ونتكلم براحتنا.
رمقته "حكمت" بنظرة إعجاب، وهي تتلقى ترحابه بها برضا، فرفعت أنفها بتعالٍ واضح وهي تخطو خلفه نحو مكتبه، بينما وقفت سيرا لثوانٍ معدودة تستوعب ما يحدث، حتى انطلقت صفارات الإنذار في عقلها تدفعها دفعًا خلفهما، فدخلت خلف أختها الكبرى وجلست بجانبها تهمس لها بصوت خافت جدًا، مستغلة حديث يزن مع أحد العاملين وطلبه تقديم عصائر مثلجة كواجب ضيافة لهما:
- مقولتليش ليه إنك جاية يا أبلة؟
- اخرسي، هو أنا هاخد منك الإذن ولا أيه؟!
نهرتها بعنف منخفض، على عكس ابتسامتها التي احتلت شفتيها منذ دخولها المعرض، فانعقد حاجبا سيرا بضيق ممزوج بالتفكير بعدما فشلت في فهم ما يدور في عقل أختها، فهل يبدو عليها الثراء لدرجة شراء سيارة بمبلغ وقدره وهي لا تستطيع القيادة أساسًا؟ أم أنها تريدها استثمارًا كما تفعل دومًا بشراء شقق وبيعها؟ أم أن حياة الأثرياء والتعالي أضرمت شعلة غرورها وأثارت إعجابها بحياة جديدة لم تعهدها؟ أم أن فضولها المعتاد دفعها إلى مراقبتها وفرض قيود السلطة عليها كما تفعل معها دومًا، متحججة بخبرتها في الحياة التي تفوق خبرتها هي وأخواتها الفتيات!
انتبهت "سيرا" إلى صوت "يزن" المخترق لأذنيها، وهو يتوجه نحوهما ليجلس بهيبة رجل تخالف شبابه ومرحه الدائم، أما عن وقاره ولباقته في الحديث، فقد جعل فم "أبلة حكمت" ينفرج، فباتت كالمراهقة وهي تتأمله، نظرت لها باستغراب وقالت بحدة طفيفة، وكأنها تلبست دور الأخت الكبرى:
- أستاذ يزن بيكلمك بخصوص العربية اللي نفسك تشتريها يا أبلة!
نهرتها "حكمت" بحدة مماثلة وهي تقول:
- سامعة...بس أنا يعني...
صمتت لثوانٍ، تختار كلماتها بعناية، والحرج يطفو فوق نبرتها:
- مابعرفش اسوق ولا كان في خيالي اجيب عربية، أصل أنا متجوزة الحاج صافي وعنده تجارته الخاصة ومخليني مش عايزة أي حاجة، أصل أنا جوازتي غير اخواتي خالص، يعني أنا الوحيدة ....
قاطعتها "سيرا" باستياء ووجهها يتوهج بنيران الغضب فظهر جليًا على صوتها:
- أبلة حكمت أستاذ يزن مش بيسألك عن قصة حياتك وجوازك من أبيه صافي، بيسألك عن نوع العربية اللي عايزاها.
رمقتها " أبلة حكمت" بانفعال ضاري وهي توجه عنف كلماتها لها غير مراعية لموقفهما ومتابعة يزن لشجارهما المتراشق بكلمات مبطنة:
- انتي ازاي تكلميني كده!، وبعدين أيه اللي جابك هنا؟ هو انتي مش وراكي شغل؟!
تراجعت "سيرا" سريعًا قبل أن تغضب "أبلة حكمت" وتجعلها تغادر رغمًا عنها، وحينها سيصيبها جلطة لعدم معرفتها بما دار بينها وبين ذلك اليزن، فحتّى وهي موجودة، كانت ستخبره بأسرار عائلتهما وكأنه فرد مقرب منهما!
- أنا ماقدرش اسيبك لوحدك يا أبلة؟
- ليه ان شاء الله حد قالك أني ممكن اضيع!
ردت بعنفوان، فضغطت سيرا فوق أسنانها وهي تميل برأسها نحوها تهمس بخفوت شديد:
- برستيجك يا أبلة مش كده اهدي!
تداركت حكمت موقفها وانفعالها ونبرتها المرتفعة فتقهقرت كالعدو المتخاذل وهي تبتسم ابتسامة مهزوزة:
- خلاص اقعدي، المهم زي ما حكيتلك أنا مش في دماغي العربيات، أصل أنا بشتري شقق وبستثمر فيهم.
ابتسم يزن ابتسامة غير مفهومة بالنسبة لـ "سيرا" أما "أبلة حكمت" فكانت في وادٍ من التباهي وحدها، وما أخرجها منه هو رنين هاتف "يزن" الذي استأذن للرد بعدما وجد "سليم" أخاه المتصل:
- أيوا يا سليم!
صمت وهو يستمع للرد، وانعقد حاجباه والقلق يزحف نحو ملامحه الوسيمة، ليغيرها إلى أخرى حادة مع صوت أنفاسه المرتفع ونبرته الهجومية:
- يعني أيه مش لاقيين ماما؟! لا طبعًا مش عندي ولا جت!
صمت مرة أخرى ثم قال وهو يغلق الاتصال:
- طيب، طيب ثواني وهكون عندك.
كرة الاستغراب تبادلتها "حكمت" "وسيرا"، فوجدا "يزن" ينهض ويعتذر بتوتر، منهيًا جلستهما بحرج:
- أنا أسف بس يعني في ظرف عندي في البيت ومضطر امشي.
نهضت "سيرا" أولًا، متفهمة موقفه دون رد، بينما همّت "أبلة حكمت" بعرض مساعدتها في البحث عن والدته بنبرة رغمًا عنها غلب عليها الفضول:
- لا أبدًا لو تحب نيجي ندور معاك على والدتك ماعنديش مانع، هي عندها الزهايمر ولا أيه، هما اللي بيمشوا كده من غير ما حد يعرفلهم طريق.
أي شعور يوصف ما تمر به "سيرا" الآن من خجل وإحراج وانفعال متوهج بعدما بصقت أختها المتزعمة لفطنتها التي لا مثيل لها قولًا غير لائق بالمرة؟ وما زاد الطين بلة هو حديث "يزن" المحتد نوعًا ما:
- لا هي مش مريضة عن أذنكم، مضطر امشي.
وبالفعل، جذب متعلقاته الشخصية بسرعة شديدة وغادر معرضه تحت أنظار سخط "أبلة حكمت" ومشاعر "سيرا" المتضاربة، مما شعرت به من تعاطف معه بسبب قلقه الظاهر عليه وغضبها من حديث أختها الأبلة!
- هو مضايق مني ليه؟! هو أنا قولت أيه غلط!
زمت "سيرا" شفتيها بضيق وأحست اكتناز صدرها بمشاعر متضاربة فقالت بشيء من السخرية:
- لا خالص ماقولتيش أي حاجة، يلا أنا همشي هروح شغلي، وأظن انتي عارفة الطريق يا أبلة!
بادرت "أبلة حكمت" بحاجتها إلى الاطمئنان على عملها ومقره، وكان دافعها كعادتها خبرتها في الحياة التي تفوق خبرة أي أحد!
- هاجي معاكي شغلك واهو بالمرة اطمن انتي بتعملي أيه؟
- لا ماينفعش، هيطردوني لو عملت كده، ممنوع اصطحاب أي حد أعرفه معايا.
سارعت "سيرا" بالرفض والابتسامة التي يشوبها الضيق لما يدور في عقل "أبلة حكمت"، ولكن الأخرى قابلتها باستهجان:
- ليه أنا ولية أمرك، مش حد تعرفيه والسلام!
استعدت "سيرا" للهروب من أمام وجه أختها المتطفلة في كل شيء يخصها، فقالت بابتسامة مقتضبة:
- ما هو مأكدين على بند ولي الأمر ده، وكمان في شرط جزائي هبقى احكيلك عليه بعدين سلام يا أبلة، ومتخافيش مش هحكي لاخواتي على أي حاجة من استثماراتك اعتبري سرك في بير.
ضغطت "سيرا" على كلماتها بعدما امتلكت الأداة السحرية للضغط على "أبلة حكمت" كي تتراجع عن فكرة الذهاب معها، فكان أسلوبها ساخرًا مبطنًا بالتهديد الذي قابلته "أبلة حكمت" بالتوتر وهي تودعها بصوت مهزوز من فكرة معرفة عائلتها بشأن امتلاكها للمال الوفير من أساسه!
- ماشي، مع السلامة يا سيرا يا حبيبتي، كله إلا الشرط الجزائي، احنا ممعناش ندفع فلوس كتيرة.
ثم همست لنفسها وهي تراقب توجه "سيرا" إلى إحدى الأبراج الشاهقة:
- احنا يا ختي على باب الله...
ثم رفعت يدها تحركها في شكل دائري لتحصن نفسها من الحسد ومن فكرة معرفة عائلتها بأي شيء يخصها!
***
وصلت "يسر" إلى مقر عيادته واندفعت بجسد يتأجج بنيران الغضب بعدما علمت بشأن ما فعله بـ"فايق" ليلة أمس، ذلك المتهور الفج يلقن ابن خالتها درسًا متعمدًا لكي يبتعد عنها، وبذات الوقت يتركها هي تتلوى فوق لهيب الغيرة والهجر، بينما هو يسهر ويصفي ذهنه من أي عواقب!
- الدكتور جوه؟!
خرج صوتها حادًا، يحمل بعض القسوة، وهي تنظر إلى الفتيات في قسم الاستقبال، وهن متزينات بصورة واضحة كأنهن يعملن لدى شركة أزياء، لا مجرد عيادة طبيب تغذية! لكن اللوم لن يقع على عاتقهن، بل على عاتق زوجها المبجل، العاشق لكل ما هو أنثوي وجميل! شعرت بالاشمئزاز من مجرد التفكير بذلك، وارتفعت ذروة الغضب لديها، معتقدة أنها ستلقنه درسًا قاسيًا على ما يفعله بها.
- هادخل ابلغه بوجود حضرتك يا افندم.
هتفت بها "حسناء" برقة مصطنعة، وهي تنهض بجسد يتمايل بنعومة استفزتها، لكنها أظهرت عكس ذلك حين قالت بقسوة:
- خليكي يا حلوة عارفة طريقي.
اندفعت "يسر" داخل غرفة "نوح"، الذي لم يتفاجأ بها وكأنه كان على اقتناع تام بمجيئها، فأظهر لامبالاة مقصودة حطمت بعضًا من أسوار غضبها، لكنها تشبثت بالباقي حين قالت بهجوم ضارٍ:
- بأي حق يا دكتور يا محترم، تضرب فايق الضرب ده، انت لدرجادي بقى أسلوبك منـ....
قاطع حديثها حين نهض من مكانه وشدد فوق كتفيها، يقبض عليهما بقسوة:
- لمي لسانك يا يسر عشان ماتزعليش مني، وبعدين أنا لسه محاسبتكيش إنك شوفتي الواد الخايب ده من ورايا.
دفعت يده بعيدًا عنها بقسوة مماثلة، وعيناها لم ترتجفا إطلاقًا، رغم أنفاسه الساخنة التي كانت تلفح وجهها، تزيده توهجًا:
- بس بقى كفاية تمثيل، اللي يشوفك كده يقول بتغير عليا وبتموت فيا، وأنت ولا بتحبني ولا أنا أفرق معاك أصلاً.
شيء من السخرية طال صوته وهو يسألها، محتفظًا بالمسافة القريبة منها:
- أمال أنتي بالنسبالي أيه؟
- مجرد واحدة شوفتها زمان وزغللت في عينك، وقررت إنك تحطها في متحف بيتك، ومفكر إنها هتبقى زيها زي التحف اللي موجودة، وناسي إنها إنسانة وبتحس وعايزة اللي يقدرها ويحترمها، مش عايزة واحد بصاص وعينه زايغة ومستني أي فرصة يتجوز عليها.
شراسة كلماتها وقعت فوقه كالحجرات الرقيقة التي ربما يعتقد البعض أنها لن تصيبه، لكن وقعها عليه كان كوقع الحجر الثقيل، فأصابته في مقتل، مما دفعه للجمود أكثر أمامها والاستنكار يعلو بصوته:
- الله! ده أنتي جاية تلوميني على كلامي امبارح، ودور إنك زعلانة على العلقة السخنة اللي اديتها لابن خالتك ده كان أيه بح! لما وصلتي اللي انتي عايزاه.
دفعته بعيدًا عنها أكثر وهي تقول باشمئزاز واضح:
- أنا للأسف مابوصلش معاك لأي حاجة، غير لحيطة سد، وأصلاً مابقاش في كلام ما بينا بعد اللي قولته امبارح، واه زعلانة على ابن خالتي ويهمني أمره لإنه انسان نقي وواضح مش زيك.
استدارت لتغادر الغرفة ولكنه سابقها ودفعها نحو حائط، ممسكًا بوجهها بشراسة وصوت أنفاسه يعلو بشكل ملحوظ:
- إن كان عقلك مصورلك إن أنا ماقدرش اعلمك الأدب على الكلام اللي قولتيه تبقى مابتفهميش عشان أنتي عارفة كويس لو زودتي في كلامك نهايته عندي هتبقى أيه!
اشتبكت مع نظراته الشرسة بأخرى ينطلق منها سهام التحدي:
- تصدق ماعرفش نهايته أيه؟! أيه هتضربني؟!
أمسك بذقنها، ثم جذبها بقسوة نحوه، وعيناه تخلو من المشاعر والعاطفة كعادته معها دومًا، شعرت بحاجته لوضع سيطرته عليها، لكنها لم تتهاون معه كعادتها، ولم ينجح في تحريك عاطفتها من كهفها المظلم، بل أضرمت نظراته نيران غضبها، فدفعته بعيدًا عنها بكل ما أوتيت من قوة، وهي ترمقه باستياء وانفعال:
- للأسف مابقتش تفرق معايا يا دكتور نوح، أنا وأنت مابقاش في حياة تجمعنا وأنت اللي حطيت نهايتنا بإيدك.
تركته في وضعه المحتد وغادرت بعنفوان أنثوي لم يعجبه إطلاقًا، لدرجة أنه فقد السيطرة على نفسه ودفع بعض الأشياء من فوق مكتبه، هامسًا بوعيد قاسٍ:
- ماشي يا يسر وحياة أمي لأندمك بجد على اللي بتعمليه.
***
مشاعر مشحونة بالغضب، القلق، والحيرة سيطرت عليهم، فيما عرقلت الأنفاس المتسارعة أي محاولة لتهدئة قلوبهم والاطمئنان على والدتهم التي غابت لأكثر من ست ساعات، وهاتفها مغلق، لم يعلم أحد منهم شيئًا عنها، سوى أنها كانت تجلس في غرفتها صباحًا تقرأ القرآن، ثم رآها "أنس" الصغير تستعد للخروج، وعندما سألها عن وجهتها، لم تجبه واكتفت بالتربيت على رأسه وتقبيله، ثم غادرت دون تفسير، ولم يخبر الطفل والدته إلا بعد مرور ساعة، حين دخلت تبحث عنها، ليجيبها بصوت طفولي لا مبالٍ بينما كان يشاهد التلفاز.
أغلق "زيدان" هاتفه، واليأس يحتل ملامحه، بينما سارعت "مليكة" بسؤالها، والقلق ينهش صوتها:
- ها يا زيدان مفيش أي أخبار؟!
هز رأسه نفيًا، وصوته بالكاد يخرج من حباله الصوتية المتحشرجة:
- لا لسه زمايلي في المرور شاغلين مش ساكتين.
عاد "يزن" بسؤالٍ لم يدرك أنه طرحه للمرة الرابعة، وقد فقد التركيز والسيطرة على نفسه من الخوف على والدته:
- سليم أنت اتصلت بكل قرايبنا متأكد إنك ماسبتش حد!
سارعت "شمس" بالرد، والقلق يفيض من صوتها، مبحرًا نحو مرفأ متهالك:
- ايوه يا يزن.
كانت تدرك أن إجابة سليم، هذه المرة أيضًا، قد تؤدي لانفجاره فيهم جميعًا، مع انعدام السيطرة على أعصابه، ظهرت بوادر ذلك من خلال رجفات ساقه وملامحه التي ازدادت قساوة، مشوبة بقلق نابع من خوفه العميق على والدته ومن احتمال وقوع مكروه لها.
فركت "شمس" يديها بتوتر شديد، وخرجت عن صمتها متحدثة بشرود:
- يمكن في قرايب لعمو محمد الله يرحمه أحنا مانعرفهمش هي راحت تزورهم، أو يمكن هي راحت تزور ميرفت؟!.. بس تزورها أيه هي مبطقهاش أصلاً.
كانت تسأل وتجيب عن نفسها في آنٍ واحد، بنبرة مستنكرة قلقة، غير مدركة أنها فتحت بابًا جديدًا للبحث أمام "سليم"، كان غائبًا عن باله في خضم تشبث مشاعره بسور الأمل، نهض يقول بلهجة آمرة:
- في مكان هروح أشوفها فيه، خليكوا انتوا هنا، عشان لو جت تبلغوني.
غادر تحت أنظارهم المتعجبة، ليقول "زيدان" بضيق، يملأه الاحتجاج:
- عمره ما هيتغير، ما يطمنا ويقولنا هو رايح فين؟
نهى "يزن" أي محاولة لإثارة خلاف، محاولاً الحفاظ على هدوء الأجواء، قائلاً بحسم:
- مش وقته يا زيدان، المهم نطمن على ماما.
وكأنه يحذر زيدان من الانزلاق إلى الظلام الدائم الذي طالما طارد عقل أخيه سليم، والذي نجح بالكاد في النجاة منه، ليحافظ على علاقة مرضية تجمعهم جميعًا.
***
خطى "سليم" بخطوات ثابتة يكسوها بها بعض القلق وهو يبحث بعينيه عن والدته في المقابر، وكما توقع وجدها تجلس أمام قبر أبيه، صامتة، ساكنة، تضع يدها فوق القبر، فاستكمل خطواته بهدوء شديد والراحة تحبو نحو صدره بعد أن اطمأن قلبه عليها، ولكن ما أثار استياءه كان دموعها المتساقطة على وجنتيها والعجز الكامن بملامحها، ويدها المتشبثة بالقبر وكأنها تتمنى الدخول معه! فخرج همسه متحشرجًا للغاية:
- ماما!
فتحت عينيها بوهن شديد وناظرته بعدم فهم بنظرات مشوشة:
- سليم أيه اللي جابك هنا؟!
ثم انتقلت بنظراتها حولها فلم تجد سواه، أدركت حينها أن ضوء النهار قد اختفى، واحتلت ظلمة الليل سماء الدنيا، على ما يبدو، أنها شردت بين ذكريات الماضي وأوجاع الحاضر لدرجة أنها غابت عن الوقت.
حاولت التحدث أو الاعتذار عما بدر منها، لكنها صمتت عندما سمعت صوته الخافت يقرأ الفاتحة لأبيه، نهضت تستعد للمغادرة معه، وكما توقعت، حين أنهى الفاتحة والدعاء، ناظرها بنظرته الجامدة رغم شعاع الخوف عليها الذي اخترق عينيه المعتمتين:
- يلا، لو كنتي خلصتي؟!
هزت رأسها إيجابًا، ثم التفتت بجسدها نحو بوابة المقابر الحديدية، مد يده نحوها يساعدها، وأمسكها من مرفقها قائلاً بحنو يخالف جمود صوته:
- على مهلك.
تساءلت بلهفة ممتزجة بالأسف:
- هو أنا خضتيكوا عليا يا ابني؟!
جاء جوابه الساخر البسيط:
- لا أبدًا فزعتينا بس.
ساعدها في الركوب بسيارته ثم استقل هو الأخر خلف عجلة القيادة.
- معلش ماحبتش أشغلكم، قولت اخطف نفسي واجي ازور ابوكم.
التقت نظراته الجامدة بعينيها المرتجفتين وهو يلقي بكافة لومه عليها:
- بس لو كنتي قولتي لحد فينا يجي معاكي، مكنتيش قلقتينا بالشكل ده!
تساءلت بنبرة غير مصدقة والدموع تترقرق في عينيها:
- هو أنا قلقتكوا لدرجادي؟!
انعقد حاجباه بعدم فهم:
- قصدك أيه بقلقتينا؟! طبعًا قلقتينا وخوفنا عليكي، انتي عملتي كده عشان نقلق عليكي؟!
سارعت بالنفي، مبرزة صدقها في حديثها:
- أبدًا والله يا سليم، أنا فعلاً كنت عايزة ازور ابوكم واتكلم معاه شوية.
لم يقتنع بما قالته وأصر على رأيه:
- مش مبرر بردو كنتي تقدري تعرفينا وأي حد فينا يوصلك!
امتزجت مرارة صوتها المهزوز بحديثها وهي تجيبه:
- محدش فيكم فاضيلي كل واحد عنده همه ودنيته.
نفد صبره وهو يجادلها، مشددًا بحدة وصرامة:
- طيب ما انتي بردو دنيتنا، ليه فجأة سحبتي نفسك منها؟!
اندفعت كالطفل يبرر خطأه خوفًا من حزنه، وقالت بتلعثم طفيف:
- أنا مابتكلمش عليك يا ابني، انت الله يكون في عونك.
اعتدل أكثر في جلسته، ناثرًا كلماته الصارمة:
- امال مين على اخواتي؟! ما هما كمان عندهم شغلهم بردو زيي محدش فيهم قاعد فاضي.
تراجعت عن نيتها في إخباره بما يثقل صدرها، وهو ما جعلها حزينة ومكسورة طيلة الأيام الماضية، لم يرأف بها أحد من أولادها، ولم يجبر بخاطرها أحد، لذا قررت إظهار عكس ما تكنه بصدرها:
- عندك حق، معلش يا ابني أنا.....
زفر بقليل من الحنق وهو يصر على فتح أبواب قلبها له:
- أمي لو سمحتي قولي اللي جواكي، لو قصرنا معاكي في حاجة واحنا مش واخدين بالنا منها قولي، لكن ماتستكيش وكأنك مغلوبة على أمرك، أنا ماتعودتش منك على كده!
رفعت عيناها اللامعتين تسأله بحسرة وندم:
- اتعودت على أيه مني يا سليم، الجحود؟!
انفلت زمام أعصابه سريعًا، وتراشقت الكلمات من على طرف لسانه:
- بتفتحي في الماضي ليه بس يا أمي، كل ما بحاول انسى واتجاهل بردو بنظراتك ليا مُصرة تخليني افتكر كل حاجة حصلت.
تداخلت خيوط الندم بضعفها البائن على ملامحها:
- أنا أسفة يا بني.
حول نظره بعيدًا عنها وهو يتحدث بجمود بدا مهزوزًا هذه المرة:
- ماطلبتش منك تعتذري، بس يا ريت تفهميني وتحاولي تنسى، زي ما أنا بحاول انسى.
استرسلت بكلماتها التي تراشقت كسهام في قلبه، خاصة عندما قالت:
- محدش يقدر ينسى ذنب ارتكبه يا ابني.
تجاهل تلميحها حول مشاعرها، وأصر على إلقاء ذكريات الماضي في بحر النسيان، قائلاً بهدوء:
- ماتحمليش نفسك فوق طاقتك، أنتي لما قسـ...
صمت للحظة، مستدرجًا ذرات الهواء إلى صدره المشحون، ضاغطًا على عقله بأمورٍ تخالف آرائه ومعتقداته الراسخة به:
- لما قسيتي عليا كان لمصلحتي وكنتي عايزاني ابقى حاجة، وأنا قدامك اهو ماضعتش ولا بوظت.
انفجرت باكية، تشهق بنبرات عالية، وأصابعها ترتجف بينما جسدها الضعيف يدخل في نوبة بكاء هستيرية، جلاد الماضي يقسو على حاضرها، فتخرج كل الضغط النفسي في صورة شهقات متتالية، حاولت إظهار قوتها وثباتها طوال الفترة الماضية، لكنها فشلت، وبقيت الوحدة والألم النفسي ينخران في نفسها الضعيفة، تركت نفسها تتخبط هنا وهناك دون أي مقاومة، حتى ذبلت كورقة خريف شاردة.
راقب "سليم" حالتها الحزينة التي مزقته إلى أشلاء، لم يكن قادرًا على إدراك أي شيء سوى عاطفة عميقة تدفعه لاحتضانها واحتوائها، لكن حواجز الماضي منعته ودفعته بعيدًا عنها، حاول جاهدًا أن يُجبر يديه على التربيت فوق رأسها، وبعد صراع داخلي، استطاع أخيرًا النجاة من الأطواق الملتفة حول عنقه، استنشق ذرات الهواء العليل وأدخلها إلى صدره، ثم تحرك بجسده نحوها، يجذبها إليه برفق، مقبلًا رأسها بحنو بالغ وهمس:
- اهدي يا أمي مفيش حاجة تستاهل ده كله!
- أنت تستاهل يا ابني، أنت اهم حاجة، أنت ومفيش بعدك أي حاجة تانية..
رفعت رأسها لتخبره بجزء من مشاعرها نحوه، فأمسكت بكفه بين يديها تحتضنه بأمومة، ثم استكملت حديثها:
- لما بتدخل تسأل عليا وتقولي اخبارك أيه، اليوم ده ببقى أسعد انسانه، لما بلاقيك فاكر ادويتي بقول بس كده يا منال انتي مش عايزة حاجة من الدنيا سليم راضي عنك النهاردة، لما بتضحك في وشي الدنيا كلها بتضحك ليا يا حبيبي، ولما بتبعد الدنيا بتسود في وشي.
شقت بسمة صافية محياه وهو ينظر إليها باشتياق، لقد نجحت في ريّ صدره البور بمشاعر غزيرة كان يفتقدها في علاقته معها:
- عيالك لو سمعوا كلامك الحلو ده ليا، هيغيروا مني.
ابتسمت من وسط بكائها تستكمل حديثها بحنو بالغ:
- عمرهم ما هيفكروا يغيروا منك، زيدان ويزن عارفين غلاوتك عندي ومكانتك في قلبي وإنك ماتتقارنش بحد، بس انت اللي شكلك ما تعرفش غلاوتك عندي أيه!
قبل رأسها مرات عدة، وكأنه لا يملك سوى قبلاته للرد على جمال كلماتها المعبرة له، فوالدته ببساطتها جعلته عاجزًا عن النطق والتعبير، معترفًا بأن مرواغته ودهاءه ولباقته، في تجارته لم تفلح في هذه الجولة البسيطة من المواجهة مع والدته.
- يلا نمشي نروحلهم، عشان اتأخرنا وزمانهم قلقانين عليكي، وبعد كده ماتمشيش لما تعرفينا انتي رايحة فين.
- حاضر يا ابني، ربنا يخليكم ليا ويبارك فيكم وفي ذريتكم.
***
مساءًا....
استقبل "يزن" "وزيدان" والدتهما بالأحضان، محاولين عتابها باستمرار، لكن سليم قطع حديثهما بعدما عزما على ترقيعه بخيوط الندم.
اعطت منال يدها ليد شمس الممدودة أمامها، وهي تقول بتعب وإرهاق:
- دخليني يا شمس ارتاح شوية في اوضتي.
راقب "زيدان" دخول والدته مع "شمس" "ومليكة" إلى غرفتها، وما إن أغلقوا الباب خلفهن، حتى اندفع نحو "سليم" الجالس بينما كانت يداه تداعب ملامح طفلته "قمر":
- انت كنت تعرف مكانها من الاول، ولما احنا فشلنا فجأة افتكرت هي فين؟!
وضع "يزن" كفيه على وجهه، محاولاً السيطرة على أعصابه ومنع نفسه من الصراخ، بينما رفع "سليم" عيناه الصارمتان، متفوهًا بنبرة شبه حادة تحمل تهديدًا خاصًا:
- شكلك فاضي وعايز تتخانق؟
كز "زيدان" على أسنانه بغيظ وأردف بهجوم خافت:
- اه يا سليم هنقلبها خناق.
ابتسم "سليم" باستفزاز وهو ينهض حاملًا طفلته، وقال بهدوء بارد:
- بس أنا مش قادر اتخانق معاك النهاردة، نأجلها لبعدين، وبعدين قمر واحشني مش هضيع وقتي معاك واسيبها، تصبح على خير.
اتسعت عينا "زيدان" بصدمة بالغة وهو يراقب سليم بهيبته يداعب "قمر"، متجاهلاً إياه وأمر شجارهما المعلق مؤقتًا، التفت "زيدان" بنظره نحو "يزن"، الذي ما إن التقت أعينهما حتى فر هاربًا هو الآخر نحو غرفته.
***
بمنزل "سيرا"...
فتحت المبرد تبحث عن صحن جبن رومي خاصها فلم تجده، فصاحت بانفعال:
- لا بقى مين الجزمة اللي كل الجبنة الرومي بتاعتي.
ركض اولاد اخواتها من أمامها، فركضت هي خلفهم، تمسك بصندوق فارغ صغير تهدد به:
- اللي كل الجبنة يقول حالاً، أنت أكيد يالا، تعال كده، خد مش هعملك حاجة.
انتشر المشاغبون في كل مكان بالمنزل وهي تركض خلفهم يمينًا ويسارًا بجنون، ولم تلاحظ أصغر اطفال "شاهندا" الذي امسك بثوبها يحمل هاتفها ويحاول جذب انتباهها:
- خالتوا سيرا، استني، فونك، عمو عايزك.
نفضت "سيرا" يده بصياح وهي تقول:
- بس يا ابني لما اشوف مين الكلاب دول اللي كلوا الجبنة بتاعتي.
- عمو...عمو عايزك.
كرر الطفل كلماته بابتسامة عريضة رافعًا يده الحاملة للهاتف، فانتبهت "سيرا" لكلامه، جذبت الهاتف سريعًا ووضعته فوق اذنيها تهمس بارتباك وخجل:
- الو.
وصلها صوت ضحكات "يزن" الرجولية المستمتعة وهو يقول:
- يا متوحشة هتاكلي عيال اختك عشان جبنة رومي!
رواية غناء الروح الفصل العاشر 10 - بقلم زيزي محمد
أغلقت "سيرا" باب غرفتها خلفها بإحكام.
خطت بخطوات واسعة بجانب نافذة غرفتها الكبيرة، ملتصقة بها وهي تردف بتوتر:
- في إيه... قصدي خير... قصدي يعني متصل ليه يا أستاذ يزن؟
ألصقت الجدية بطرف حديثها متعمدة، فاستمعت إليه وهو يقول بمزاح وأريحية:
- بتصل أعاتبك وأعتذرلك، بس ما كنتش أعرف إنك بتقتلي ولاد اختك عشان الجبنة الرومي.
تلونت وجنتاها باحمرار طفيف وهي تقول من بين أسنانها بغيظ:
- أنت فهمت إيه!، ده أنا بلعب مع عيال أخواتي، وبعدين يعني هو أنا معقول هزعّلهم عشان جبنة رومي، دي تفاهات يا أستاذ يزن.
أعجبه ارتباكها الذي يصل إليه من خلال مكالمتهما، فأصر على الضغط عليها بكلماته المتلاعبة:
- لا ثواني، إزاي ده أنا سامعك بوداني والعيال بتصرخ من الخوف منك.
ضغطت فوق شفتيها بقوة، ثم حمحمت بحرج رغم أنها تتظاهر بالجدية:
- لا أبدًا، أكيد فهمت غلط، دي لعبة اسمها لعبة الجبنة الرومي.
- لا يا شيخة! ودي بتتلعب إزاي بقى؟!
نفخت بضيق وهي تقول بشبه عصبية:
- هتلعبها مع مين؟! دي عايزة عيال صغيرة.
وصل إليها صوت ضحكاته الرجولية، ثم ادعاؤه الصرامة وهو يقول:
- لا ماسمحلكيش تتدخلي في خصوصياتي يا أستاذة سيرا، قوليلي بتتلعب إزاي ويبقى كتر خيرك.
رفعت أحد حاجبيها باعتراض، وألزمت الصمت حول لسانها كي لا توبخه.
وبعد ثوانٍ بسيطة قالت:
- ممكن أعرف عايز تعتذرلي ليه؟!
تجاهلت أمر عاتبه عن قصد، ففهم مقصدها ورد ببساطة:
- عشان لتاني مرة اضطريت أمشي وأسيبكم، بس يعني أكيد عارفة أنه بيبقى غصب عني.
أظهرت تفهمها للموقف وهي تعقب خلفه:
- أكيد طبعًا، مامتك بخير؟!
وهنا انفجر بها معاتبًا بأريحية تعجبت لها:
- لسه فاكرة تسألي، كتر خيرها أبلة حكمت سألت عليا، ست ذوق ومحترمة، حقيقي ماشفتش زيها أبدًا.
آلام طفيفة أصابت رأسها، أو ربما خُيل لها أنها ستفقد وعيها عندما ذكر "أبلة حكمت".
فتسائلت بحذر:
- هي أبلة حكمت كلمتك؟!
أجاب، ونبرة غريبة تلاحق كلماته لم تفهمها، وكأن ذلك الثعلب أدرك نقاط ضعفها من جانب أختها المتهورة:
- اه سألت عليا واتطمنت على والدتي، اختك ذوق أوي.
تبرمت بشفتيها وهي تجيبه بضيق:
- أنت بتحاول تجر ناعم مع أبلة ليه، ما صدقت لقيت زبونة زيها صح؟! أنت شكلك محدش بيعبرك وبيجيلك الأجانص بتاعك!
ضحكة صغيرة صدرت عنه وهو يقول ساخرًا:
- أنتي ليه محسساني إني كمان شوية هقف قدام باب الأجانص وبشحت، أو مثلاً اطلع عربية مرسيدس واقف بيها وأمسك ميكروفون وأقول بمليون ونص تعال بص.
جذبت نفسًا طويلاً تحاول تهدئة نفسها قبل أن تنفجر به، لكنها فشلت قائلة بهجوم شرس:
- يا بني افهم ابعد عن أبلة حكمت خالص.
- ليه بقى؟! أبعد عنها ليه؟! خليكي صريحة، مقابلتين شوفتهم فيها كان واضح جدًا إنك مش مرتاحة أو بتحاولي تتطفشيها مع إنها اختك، أنتي شكلك الطرف الأسوأ في العيلة.
ضيقت عينيها بغيظ شديد ووجنتاها تتوهجان بانفعال مفرط.
وحين حاصرها "يزن" بأسئلته، استغلت صمته وحاول عقلها خلق كذبة أو ادعاء يرضي خصوصيتها التي تحاول الحفاظ عليها معه:
- بص يا يزن....
قاطعها مصححًا لها بجدية ساخرة:
- أستاذ يزن لو سمحتي!
زفرت بخفة وهي تتجاهل تعقيبه عن قصد:
- بص أنا خايفة عليك بجد، أبيه صافي جوز أبلة حكمت صعب جدًا وغيور أوي أوي أوي فوق ما تتخيل، تخيل بقى لو سمع إن أبلة بتكلم راجل غريب، ده ممكن يطربق الدنيا فوق دماغك ويكسرلك الأجانص بتاعك، ويأذي أبلة حكمت، أنت ترضيلها الأذية؟!
صدر عنه همهمة بسيطة معلنًا استجابته لحديثها.
فزفرت براحة وكأن عقلها الشارد وجد غايته ونجاته أخيرًا.
فسمعته يقول:
- يااااه جوزها صعب لدرجادي؟!
أجابت بتأكيد صارم:
- جدًا فوق ما تتخيل.
- غريبة مع إن الراجل كان لطيف جدًا ومتفهم وهو بيكلمني.
تحشرج صوتها وأصابها الغباء وهي تتساءل:
- راجل مين؟!
رد بسلاسة والتسلية تحلق بنبرته عاليًا:
- أبيه صافي!
كأن ماءً باردًا سقط فوق رأسها وهي تسأل بنبرة مستنكرة:
- أبيه صافي كلمك أنت؟
- ايوه لما أبلة حكمت اتصلت تتطمن على والدتي، عرفتني على جوزها الحاج صافي وكان راجل لطيف ومتفهم جدًا ووعدني إنه هييجي يشرب معايا فنجان قهوة عندي في الأجانص في أقرب وقت.
ابتلعت لعابها عدة مرات تحاول إنهاء تلك المكالمة قبل أن تنهي حياتها بسبب بئر الإحراج الذي تغرق فيه والسبب تصرفات "أبلة حكمت" المثيرة للجدل.
- طيب... طيب سلام بقى يا أستاذ يزن، مضطرة أقفل، مع السلامة.
أغلقت الهاتف دون أن تستمع لرده.
ثم توجهت سريعًا إلى الصالة تبحث بعينيها عن أختها الكبرى فلم تجدها.
ولكن العزم الذي بداخلها لم يمنعها من متابعة خطواتها نحو شقتها بالأسفل.
فطرقت الباب عدة مرات حتى فتحت "دهب" ابنة "حكمت" الكبرى وهي تحمل كتابًا يخص مرحلة الثانوية:
- نعم يا خالتو؟
- أمك فين يا دهب؟!
أجابت بلامبالاة وهي تنظر إلى الكتاب مدعية الاجتهاد:
- راحت مع بابا تتخانق مع عمي عشان واكل على بابا تلاتين ألف جنية في حسبة بيع تخص الميراث.
نفخت "سيرا" بضيق وقررت أن تغادر.
وقبل أن تترك باب شقة أختها حركت الكتاب ناحيتها وهي تقول:
- ابقي وطي إضاءة التليفون يا روح خالتو وانتي بتذاكري.
ارتبكت "دهب" وتظاهرت بالثبات:
- أصل بذاكر من الاتنين.
ابتسمت "سيرا" ساخرة:
- ما شاء الله الاجتهاد واخد حقه معاكي، ربنا يحميكي يا بنتي.
تركتها "سيرا" وقررت بدلاً من الصعود إلى شقتها الذهاب إلى منزل صديقتها "فاطمة" للتفكير معها بشأن تصرفات "أبلة حكمت" المريبة.
طرقت باب شقة صديقتها عدة مرات بتتابع موسيقي حتى فتحت والدتها وهي تبتسم:
- واحدة بتطبلي على الباب، والتانية بتمثل جوا.
اتسعت ابتسامة "سيرا" وهي تضحك:
- هي الفنانة طماطميوا بتتدرب!
زفرت والدة "فاطمة" بغيظ وهي تقول:
- عشان خاطري يا سيرا كلميها، خليها تطلع الموضوع المهبب ده من دماغها.
تنهدت "سيرا" بحيرة وهي تتلفظ بضيق:
- واقسم بالله أنا زهقت كلام معاها، بس هي وعدتني إنها مش هتدفع فلوس تاني لأي كاست، وأهو لعل وعسى تكره الحوار ده وتزهق، وانتي بردو يا طنط لمي ايدك شوية في المصاريف، خلي فاطمة تهدى وتعقل.
ارتسمت خيوط الأسى بريشة الحزن فوق وجه والدة "فاطمة" وهي تقول:
- ما بحبش أزعلها، ده هي اللي حيلتي من يوم وفاة أبوها وهي بقت كل دنيتي.
اقتربت منها "سيرا" بحب وقبلتها فوق رأسها تخفف عنها حزنها:
- ربنا يخليهالك ويبارك فيها يا رب، يلا هدخل أقعد معاها شوية.
تركتها "سيرا" ودلفت إلى داخل غرفة "فاطمة" التي ما إن رأتها حتى رحبت بها ترحابًا شديدًا.
وأخبرتها قائلة بحماس:
- وبس يا سيرا ادوني المشهد ده أتمرن عليه، وأروح بكرة في مقر الشركة الرئيسي عشان فيه مخرج مهم هيشوفني أنا وكام بنت.
عادت "سيرا" تسألها بتحذير:
- دفعتي فلوس يا فاطمة؟!
هزت "فاطمة" رأسها تُظهر عكس ما يدور بداخلها:
- أبدًا، أنا اقتنعت بكلامك أصلاً ومادفعتش جنيه وهما بردو ماطلبوش.
صمتت "سيرا" على مضض وأظهرت ملامح عدم الرضا عن الطريق الذي تصر صديقتها على سلكه رغم شوائبه وعواقبه العديدة.
ولكن ثرثرة فاطمة المعتادة دفعتها لإخبارها بما حدث اليوم.
فعقدت "فاطمة" ما بين حاجبيها:
- الله! أبلة حكمت دي غريبة جدًا، اللي يسمعك وانتي بتقولي اتصرفت إزاي مع يزن ده مايشوفهاش وهي بتتخانق الصبح على اتنين كيلو طماطم مع أم سارة.
عبرت "سيرا" عن قلقها قائلة:
- أنا خايفة أوي يا فاطمة من أبلة حكمت لتفضحني بجد، لسانها مفيش حد في الدنيا يقدر يسيطر عليه، ربنا يستر.
ربتت "فاطمة" فوق يد "سيرا" بحنان:
- ما تقلقيش يا سيرا، خير إن شاء الله، أنا عارفة أبلة حكمت كويس حياة الأثرياء دي مش هتتحملها كتير، صدقيني.
****
في اليوم التالي...
هبطت "سيرا" من الحافلة التي استقلتها للذهاب إلى مقر عملها.
وسارت بالطريق الرئيسي الكبير بوجه جامد وملامح شبه غاضبة، إذ لم يكن صباحها أفضل صباح.
بدأ يومها بشجار مع أولاد أخواتها بسبب تدخلهم في خصوصياتها داخل غرفتها.
ثم تبع ذلك جدال مع "أبلة حكمت" في أمور شتى.
وانتهى بمواجهة مع "فايق"، ذلك المستفز الذي حاول التحدث معها.
لكنها أطلقت فتيل غضبها في وجهه وتركته يحدق في أثرها متعجبًا من جرأتها غير المعتادة.
لمحت من بعيد جسد "يزن" وهو يقف مستندًا إلى أحد الأعمدة أمام "معرضه"، ويبدو عليه أنه ينتظر قدومها.
شجعت نفسها على تجاهله بعدما نفدت قارورة صبرها لهذا اليوم.
فقد قررت ألا تتحمل لعبة القط والفأر التي بدأت تشعر ببداياتها معه.
سارعت بخطواتها بوجه جامد، مجبرة نفسها على تحديد وجهتها.
حتى نجحت أخيرًا في الدخول من بوابة البرج الحديدية، ملقية السلام على صاحب البرج بابتسامة مقتضبة.
أما "يزن"، فقد تراجع بجسده خطوتين بعدما كاد يستعد للذهاب خلفها والتحدث إليها.
إلا أن تجاهلها له أثار استغرابه قليلًا.
ثم أوهمه عقله بأنها ليست سوى خطة منها للإيقاع به في شباكها.
فارتسمت على شفتيه نصف ابتسامة ماكرة، وهو يردد بحماس شبابي:
- ماشي يا ست سيرا اتقلي براحتك.
أما على الجانب الآخر، مال الحاج "أحمد" صاحب البرج الذي تعمل فيه "سيرا"، على أحد أصدقائه قائلاً بعبوس كعادته:
- هو إيه حكاية يزن الشعراوي ده، أنا ملاحظ إنه مابينزلش عينه من على البت اللي لسه طالعة الجيم.
هز صديقه رأسه بتأكيد ساخر:
- ما يبقاش يزن الشعراوي إن ما حاول يكلمها.
احتدت ملامح الحاج "احمد" بقسوة:
- لا أنا مابسمحش عندي بالمسخرة أبدًا، قول لصاحب الجيم يمشيها.
- لا لا يا حاج البت الشهادة لله محترمة ومشوفناش منها أي حاجة وحشة، وبعدين أنا قولتلك لسه بيحاول يوصلها، بس باين عليه مش عارف ياخد معاها حق ولا باطل.
تنهد بتروي قبل أن يقول بحسم:
- خلاص فتح عينك لو لقيتها اتسهلت معاه قولي وعرفني، أنا مش عايز أي سمعة وحشة على البرج، وبعدين ربنا يهديه يا أخي إلا ما الواحد شاف له زبون راجل، كلهم ستات في ستات، مع إن اخوه الكبير محترم وراجل ابن ناس سمعته زي الجنية الدهب، مش عارف ماطلعش لاخوه ليه!
- ملناش دعوة يا حاج، دع الخلق للخالق.
****
انتفضت "يسر" بفزع وهي تنظر لوالدها السيد "فاضل" بعدما هب يوجه طوفان غضبه نحوها:
- يعني إيه عايزة أطلق وخلاص، هو أنا أهبل قدامك، في واحدة محترمة عايزة تهد بيتها من غير سبب!
هتفت برجفة بسيطة وهي تقول:
- يا بابا أنا ونوح مابقناش متفاهمين صدقني، وده أحسن لمصلحة لينا.
ضرب السيد " فاضل" كفًا بآخر وهو يقول:
- لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، قوليلي سبب واحد عشان تطلبي الطلاق منه، بيضربك؟
هزت رأسها نفيًا، فتابع هو بصرامة:
- بيشتمك بأهلك، بيقل منك؟
عادت تحرك رأسها نفيًا، والخوف يسيطر عليها من إفشاء سرها مع نوح.
فتابع والدها بانزعاج:
- ما بيصرفش عليكي؟
هزت رأسها، والصمت يلتف كشبكة عنكبوتية حول لسانها.
فصاح "فاضل" بغضب:
- امال إيه يا بنتي!، بصي بقى مفيش طلاق غير لما تيجي تقوليلي سبب واحد وصريح، غير كده أنا مش هسمح بلعب العيال ده، وأنا النهاردة هروح لنوح أتكلم معاه.
وضعت "أمل" التي كانت تتابع حديثهما، يدها فوق وجهها بصدمة.
فسارعت "يسر" تحاول إلغاء تلك الفكرة قائلة بارتباك طفيف، والدموع تتسابق فوق وجنتيها:
- طـ...طيب بص يا بابا سيبني أتكلم معاه النهاردة وأوصل لحل يرضيني، ولو حسيت إننا لسه مش متفاهمين هسيبك تتكلم معاه تمام!
أحس "فاضل" بشيء مريب لم يستطع فك لغزه.
ولكنه أظهر موافقته وغادر إلى عمله.
أما "أمل" فقد انتقلت فورًا بجانب ابنتها، وقالت بخوف:
- يالهوي لو أبوكي عرف الحقيقة، وإنك كنتي موافقة من الأول ده يبهدلنا ويسود عيشتنا.
بكت "يسر" بانهيار في أحضان والدتها قائلة بنبرة عاجزة:
- أنا تعبت ونفسي أرتاح بجد.
ترددت " أمل" قبل أن تلقي ما في جعبتها مرة واحدة:
- أنا من رأيي يا يسر، تـ...تسيبه يجرب اللي هو عايزه وفي الآخر يا بنتي هيعرف قيمتك وإنه كان متجوز جوهرة...
قاطعتها "يسر" بغضب شديد:
- لا يا ماما أنا غلطت مرة واتنازلت وكنت فاكرة إني هنجح في علاقتي مع نوح، بس بالعكس أنا اتدمرت ومانجحتش في أي حاجة، غير إن دمرت نفسي وبس.
تنهدت "أمل" بقلة حيلة:
- خلاص يا بنتي دي حياتك وانتي حرة فيها، حاولي تقنعي أبوكي بأي حاجة غير إنه يعرف اللي حصل.
هزت رأسها "يسر" بتفهم، ونهضت تدخل غرفتها لتستجمع قواها وتحاول إيجاد فكرة مناسبة لإنهاء تلك المعضلة.
****
استطاعت "سيرا" اقتناص وقت للراحة، فأخرجت هاتفها تعبث به قليلاً على وسائل التواصل الاجتماعي.
حتى رأت رسالة نصية مُرسلة من قبل "فاطمة" فحواها:
"سيرا الحقيني أنا في مصيبة، الشركة اللي قولتلك عليها طلعت نصباية وصاحبها راجل متحرش، أنا قدرت أخلع منه وقفلت على نفسي في أوضة من جوه، هبعتلك اللوكيشن انقذيني، أوعي تتصلي عشان ده الفون الصغير اللي معايا، التاني برة معاهم في شنطتي".
توسعت عينا "سيرا" بصدمة وتسارعت أنفاسها.
فأرسلت رسالة بأصابع مرتجفة:
"ما تخافيش يا طمطم هتصرف وأجيلك".
استأذنت سريعًا من عملها وهبطت الدرج بسرعة جنونية، ثم إلى الطريق الرئيسي وبدأت تهرول كالمجنونة وعقلها عاجز عن التفكير بمن تستنجد به في هذه الحالة دون أن تثير بلبلة حول صديقة طفولتها.
أما "يزن"، فقد رآها تركض بسرعة جنونية والقلق يسيطر عليها من خلف زجاج معرضه.
ترك الملفات التي كانت بيده وسارع خلفها ليطمئن عليها.
بينما الحاج "أحمد" تابع ما يحدث بوجه مستاء حتى غابت "سيرا" عن أنظاره ثم كذلك "يزن".
فتمتم بضيق:
- يزن ده مش هيجيبها لبر أبدًا.
بينما كانت "سيرا" تحاول إيقاف أي سيارة أجرة، لم تلاحظ وجود "يزن" خلفها مباشرةً إلا عندما قال بنبرته الرجولية التي اخترقت مسامعها:
- سيرا انتي كويسة؟!
انتفضت بفزع وهي تستدير بكامل جسدها نحوه، والقلق واضح على ملامحها.
حتى لمعت برأسها فكرة الاستعانة به.
فقالت برفق مهزوز:
- يزن ممكن تساعدني؟
أجابها بثقة وتأكيد على الفور:
- طبعًا، مالك في إيه؟
- عندك عضلات، وبتعرف تضرب؟
كان سؤالها عجيبًا، ولكنه لم يتعجب كثيرًا.
فقد اعتاد أن "سيرا" فتاة غريبة الأطوار، قهرت جميع معتقداته عن الفتيات بتصرفاتها غير المتوقعة، حتى استفزت فضوله ومشاعره نحوها لاكتشاف أغوارها أكثر:
- انتي شايفة إيه؟!
استعرض عضلاته أمامها، فقالت بتوتر متجاهلة هيئته التي خطفت أنفاسها:
- بص دي رسالة من فاطمة صاحبتي كانت بتعمل كاست تمثيل...
ناولته هاتفها ليقرأ محتوى الرسالة، فقال لها بحزم:
- ثواني هجيب عربيتي وأجيلك ماتتحركيش من مكانك، وابعتيلي اللوكيشن ده حالًا.
هزت رأسها بالإيجاب وانتظرته حتى أتى بسيارته ووقف أمامها، مشيرًا إليها بالصعود.
امتثلت لطلبه وبدأت في فرك كفيها بتوتر بالغ، وعقلها يصور لها أسوأ اللحظات التي قد تمر بها صديقتها.
حاولت إرسال رسائل إليها دون أن تتلقى أي رد، فانهارت باكية وهي توجه حديثها لـ "يزن"، الذي شعر بتوتر لم يصبه مثله من قبل:
- هي ليه مابتردش عليا طيب؟ يبقى كسروا الباب عليها صح!
نظرت إليه، والدموع تتسابق على وجنتيها وكأنها في سباق للركض.
اختطف "يزن" نظرة سريعة نحوها وأصابه شعور بالعجز والضيق.
فجذب منديلاً وأعطاها إياه، قائلاً بلطف:
- خلاص اهدي، إن شاء الله مش هيحصلها حاجة، وأنا كلمت زيدان اخويا ظابط شرطة وهو كمان في طريقه ليها.
هتفت بتوتر وخوف:
- بس هي عمرها ما دخلت أقسام وأنا ما... ما كنتش عايزة يعني إنها تتبهدل، أكيد انت فاهم إنها بنت....
رمقها بنظرة متفهمة يبث فيها روح الاطمئنان، والتي وصلت إليها من خلال كلماته:
- ما تقلقيش أكيد فاهم، وزيدان هيتصرف.
تنهدت بخوف وهي تتابع الطريق الذي سلكه "يزن" بأقصى سرعة، حتى وصلا إلى البناية المنشودة.
فالتفت إليها قائلاً بتحذير:
- هو أنا مش قولتلك ماتتحركيش من مكانك، ماسمعتيش كلامي ليه؟
- أنا مابسمعش كلام حد.
ردت بعنادٍ وهي تتجه بتمردٍ نحو الدرج.
فتابع خطواته خلفها محذرًا:
- سيرا، إحنا لازم نستنى لما زيدان ييجي ماينفعش نتهور أبدًا.
توقفت عن صعود الدرج، ونظرت إليه نظرة ساخرة:
- هي العضلات دي تركيب ولا إيه؟!
ضيّق عينيه واقترب منها مختصرًا بعض المسافة بينهما وهو يقول:
- بتستفزيني صح، بس أنا بقى دماغي اللي بتسبق إيدي ودي المعلمة.
- طيب يا معلم أنا صاحبتي فوق وفي واحد بيتحرش بيها، هنسيبها لحد ما أخوك الظابط ييجي.
- أخوه الظابط جه يا جماعة.
التفت "يزن" إلى مصدر الصوت، بينما رفعت "سيرا" رأسها تبحث عنه.
لتجد شابًا يشبه "يزن" إلى حدٍ كبير ويحمل وسامة مماثلة، وخلفه بعض الرجال.
عقدت حاجبيها بعدم فهم ووجهت نظراتها إلى "يزن":
- هو مش أخوك ظابط شرطة؟
- إيه مش حاسة صح، أنا نفسي مش متأكد.
قالها "يزن" بمزاحٍ طفيف رغم صعوبة الموقف.
فاحتل الضيق معالم وجه "زيدان" وهو يردف بغرور:
- مالي يا ماما ماشبهش ظباط الشرطة ولا إيه؟!
وجهت "سيرا" حديثها لـ "يزن" مرة أخرى متجاهلة أمر "زيدان" من فرط خجلها وهي تردد باستنكار:
- غريبة! مش لابس لبس ظباط الشرطة ليه؟
حاول "يزن" التحدث وهو يرمق "زيدان" نظرة محذرة، حين لمح في عينيه الاندفاع والهجوم.
لكن سبقه "زيدان" قائلاً بتهكم:
- معلش بيعملي حساسية، الدكتور مانعني منه.
نظرت إليه نظرة متوترة يختلط بها الحدة.
ثم استكملت صعودها.
ولكن "يزن" عرقل "زيدان" محذرًا:
- خف يا خفيف عشان ما أزعلكش، ومتضايقهاش تاني، أحسنلك.
رفع "زيدان" أحد حاجبيه باعتراض وكتم ردوده الوقحة عندما لاحظ متابعة رجاله لجدالهما.
أما "يزن" لم يعطه فرصة للرد، حيث تحرك خلف تلك المهرة سريعًا محاولاً حمايتها.
مما أثار تعجب زيدان.
وصلوا أمام باب الشقة فقالت "سيرا" بحماس ممزوج بالخوف:
- يلا اكسر الباب، أو طلع مسدسك اضرب عليهم نار.
وجه حديثه لـ "يزن" متعمدًا نفس أسلوبها معه:
- قولها متتدخلش في شغلي.
ثم اقترب خطوة وكاد أن يطرق الباب.
فقالت "سيرا" بانفعال خافت والدهشة ترتسم فوق معالمها:
- يا نهار أسود، أنت بتعمل إيه؟
- بخبط عليهم!
رد ببساطة ساخرة أدهشتهما.
فقال "يزن" متابعًا باستفهام ساخر:
- أنت أكيد في موسيقى الشرطة يا زيدان قولي وريحني؟!
رفعت "سيرا" حاجبيها معًا قائلة بتهكم طفيف:
- أنت بتستأذن منهم؟
- أنا ظابط متربي عشر مرات، قبل ما أقبض على حد بستأذنه الأول، أعمل إيه في أخلاقي!
قالها بضحكة سمجة، جعلتها تغضب سريعًا فظهر انفعال ناري بأنفاسها ونظراتها.
لكزه "يزن" بخفة ثم همس له بتهديد:
- أنا مش قولتلك ماتزعلهاش!
- خلاص اسكتوا أصل ويمين الله هقبض عليكوا انتوا.
أبعده "زيدان" عنه بغيظ، وطرق الباب طرقة قوية فزعت "سيرا" وجعلتها تستكين بصمت بجانب "يزن".
فنظرف إليها "زيدان" بنفس ابتسامته السمجة:
- كده عجب!
أخفت ملامحها خلف جسد "يزن" الذي ثار بضيق:
- يا عم ما تخلصنا بقى، إيه الحوار اللي مش باين له معالم ده!
فُتح الباب وظهر رجل قصير القامة ممتلئ الجسد وأصلع الرأس، يتظاهر بالنوم وهو يفرك في عينيه متسائلاً:
- خير، مين حضراتكم؟
- يارب ما يكون أزعجناكم؟! أوعى يا عم من كده من وشي، مش ناقصة لؤم على الصبح!
رد عليه "يزن" باستهجان متأجج بعد أن نفد صبره.
ودفع الرجل للخلف بقوة في حركة مباغتة أدهشتهم جميعًا.
فقد الرجل توازنه وسقط أرضًا.
بينما اندفع "يزن" إلى الداخل يبحث عن صديقة "سيرا".
في حين كانت هي تسير خلفه بخطواتٍ مسرعة تنادي بصوت قلق:
- فاطمة انتي فين؟
- إيه اللي بيحصل في بيتي ده!
قال الرجل بقسوة، وهو يوجه حديثه إلى "زيدان" الذي كان يقف يرمق أخاه بنظرات شرسة، بعد أن تجاوز حدوده وبادر بأمورٍ لم تكن بمحلها!
لكن "يزن" لم يكتفِ عند هذا الحد، بل أمسك الرجل من ثيابه وهدده بقسوة:
- هتخليك محترم هتطلع منها سليم، هتلاوع هخرب عليك وعلى اللي خلفوك، فين فاطمة؟
ارتجف الرجل تحت يده وأردف بتلعثم:
- فـ....فاطمة مين؟ أنا ماعرفش حد بالاسم ده!
كانت "سيرا" تفتح أبواب الغرف واحد تلو الآخر بحثًا عن فاطمة.
حتى وصلت إلى غرفة أخيرة، وحاولت فتحها ولكنها كانت موصدة.
فقالت بذعر:
- يزن خليه يفتح الأوضة دي.
- فين مفتاح الأوضة دي؟!
سأله "يزن" بصرامة، وعيناه تشتعلان غضبًا.
فقال الرجل بتحذير مهزوز:
- أنا هبلغ البوليس، وهحبسكم.
- وتبلغ ليه يا افندم، البوليس موجود بنفسه معاك.
قالها "زيدان" وهو يقف بجانب رجاله، ينظر للرجل بنفس ابتسامته السمجة، بينما معالم وجهه تخفي الكثير والكثير.
فقال "يزن" لـ "زيدان" بحسم:
- خلي رجالتك يكسروا باب الأوضة.
لم يتحرك أحد من رجاله حتى أشار إليهم "زيدان" بنظرة واحدة جعلتهم يندفعون كالإنسان الآلي، ينفذون الأمر في ثوانٍ معدودة.
وفجأة ظهرت "فاطمة" تقف مكبلة الأيدي وعلى فمها شريط لاصق ومن خلفها رجل يضع سكينًا على عنقها.
فصرخت "سيرا" بفزع:
- فـــــاطـــمــــــــة.
****
بعد مرور عدة دقائق..
خرجت "سيرا" بجانب "فاطمة" من البناية، تساندها بلطف ورفق، محاولة تهدئتها بشتى الطرق:
- خلاص يا فاطمة بقى، اهدي ماحصلش حاجة واهم اتقبض عليهم.
هتفت "فاطمة" بنبرة مذعورة، وعيناها ترتجفان خوفًا:
- أنا عشت أصعب لحظات في حياتي.
ربتت "سيرا" فوق رأسها عدة مرات وهي تقول برفق:
- خلاص يا حبيبتي الموضوع انتهى وانتي الحمد لله بخير، وهما راحوا في ستين داهية.
هزت "فاطمة" رأسها محاولة الاقتناع بكلمات "سيرا" اللطيفة، علها تطفئ نيران صدرها وتهدئ ثورة عقلها.
في تلك اللحظة، استمعتا معًا إلى صوت "يزن" الذي قال من خلفهما:
- يلا عشان أوصلكم.
سارعت "سيرا" بالرفض مع ابتسامة مهذبة ممتنة:
- لا شكرًا، إحنا هناخد تاكسي، شكرًا يا يزن على اللي عملته، تتردلك إن شاء الله.
عقدت "فاطمة" حاجبيها من رد "سيرا" الأخير، بينما ضحك "يزن" رغمًا عنه قائلاً بمزاح:
- هترديها في إيه!، أنا مش هقبل أقل من حالة تحرش.
تحفظت ملامح "سيرا" عن إظهار الامتنان، وأعلنت اعتراضًا شرسًا على مزاحه الساخر بحقها.
فرمقته بنظرة ساخطة، وجذبت "فاطمة" خلفها.
أما "يزن"، فقد وقف يتابع أثرهما بتسلية، حتى وقف "زيدان" بجانبه ينثر تهكمه:
- يا حرام!، أخدت غرضها وخلعت منك.
التفت إليه "يزن" يخصه بنظرة مستنكرة والاشمئزاز يحتل وجهه:
- أنت اسكت خالص، كسفتني يا أخي الله يكسفك وأنا اللي كنت بتباهى بيك، طلعت أي كلام.
طال التعجب ملامح "زيدان"، فتابع "يزن" حديثه بعتاب ساخر:
- إلا ما طيرتلك باب ولا كسرت رجل ولا إيد حد حتى، هو الأكشن اتلغى من الشرطة ولا إيه؟
زفر زيدان بحقد وغل:
- تصدق بالله أنا راجل أهبل عشان مشيت وراك وجيتلك، كنت المفروض أسيبك محتاس، وتطلع فشنك قدام السنيورة بتاعتك، وبعدين يا أعمى البصيرة أنت ماشوفتهمش وهم مستسلمين قدامك، هيبتي بس تكفي.
حذره يزن بقوة:
- أولاً ماتدخلش السنيورة في كلامنا أحسنلك، ثانيًا هيبة مين يا عم، أنت اللي وقعت في مجرمين محترمين شوية.
ثم غادر "يزن"، تاركًا "زيدان" ينظر إلى أثره باستنكار وضيق، وهو يهمس لنفسه:
- ماشي يا يزن، أنا هعرف أخرتك مع السنيورة إيه!
****
دقت الساعة الثانية بعد منتصف الليل.
جرت "يسر" أقدامها بثقل شديد حتى وقفت أمام الشقة التي تقع بها عيادة "نوح".
جذبت أنفاسًا طويلة، وملامحها الذابلة تزداد ضعفًا وقهرًا.
فقد ترك العجز آثاره على ملامحها الجميلة، واختفى بؤبؤ عينيها من شدة الدموع المتجمعة فيهما.
دقت الجرس وانتظرت بخمول، حتى فتح "نوح" الباب، متفاجئًا من وجودها أمامه بهذه الحالة البائسة:
- يسر مالك؟ حصلك حاجة انتي ولا لينا؟
هزت رأسها نفيًا، وكلماتها تثقل أكثر فوق طرف لسانها:
- لا، أنا كنت عايزة أتكلم معاك، ينفع؟
- طبعًا ينفع، ادخلي.
وقبل أن تدخل "يسر"، سمعت صوتًا أنثويًا يهتف من خلفها، جعل "نوح" يصاب بالصدمة، وظهرت علامات الارتباك على ملامحه:
- دكتور نوح.
وما كانت تلك سوى "حسناء"، السكرتيرة، تقف في وضعية مشبعة بالغنج والدلال، مع ابتسامة خبيثة تخفي الكثير خلف ثغرها الملون بحمرة وردية.
عجزت "يسر" عن تفسير وجودها في تلك الساعة، سوى أن طبول الخيانة بدأت في القرع.
شعرت بأنها لا تملك أحقية الدفاع عن حياتها الزوجية، خاصة بعدما قطع "نوح" حبل الوصال بينهما.
فقررت رفع راية الاستسلام أمام خصمها، سواء كانت "حسناء" أو أي شخص آخر.