تحميل رواية «غناء الروح» PDF
بقلم زيزي محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
جفنيه وهو مستلقي بأريحية فوق فراشه ينعم بدفئه بعيدًا عن متاعب العمل وصراعات النسوة عليه، شعر بأصابع رقيقة ناعمة تحمل رائحة طيبة، بل كانت رائحة شهية تثير داخله مشاعر جمة، تتبع فضوله وفرق جفنيه ليطالع فتاة جميلة تقف بثياب أنثوية فاضحة، شهقة كادت تخترق جوفه، اتساع بؤبؤيه يشبه متفرج أبله يرتعد من أفلام الرعب، تلقائيًا قبض بكفيه فوق غطائه الازرق يجذبه على جسده كمن قُبض عليه بالجرم المشهود! وهتف بنبرة غليظة تنافي ردود أفعال جسده المرتعبة:-أنتي مين؟!تلون ثغرها المغطى بلون أحمر ناري بابتسامة ناعمة رقيقة...
رواية غناء الروح الفصل الحادي عشر 11 - بقلم زيزي محمد
لامٌ تسري في سائر جسدها، وجدرانُ صدرها تنقبض بشدة، وكأن روحها ستذهب إلى بارئها، عيناها متجمدتان تأبيان البكاء؛ فلم تدرك أكان ذلك من شدة الصدمة أم لأنها وصلت إلى خط النهاية، ممسكة بخيوط الخيانة أخيرًا بعدما كانت مجرد أقاويل ليس إلا!
ابتعدت خطوة لتفسح لها المجال، فرأت جمالها عن قرب، كانت جميلة حقًا، بل إنها أجمل منها! روحها مشعة بالأمل، ووجهها يتراقص بابتسامات يغمرها الدلال، وعيناها تفصحان عن إعجابها به، ربما كان هو أيضًا معجبًا بها، وقد دفعها عقلها إلى توهم ذلك، خاصة بعدما سمعت صوته المتحشرج:
-حسناء ليه جاية في وقت زي ده؟!
صوتها كان ناعمًا جدًا، يحمل كل سُبل الأنوثة المفرطة، وهي تجيب:
-نسيت حاجة تخصني يا دكتور، فقولت آجي أخدها، مكنتش أعرف إن حضرتك بايت النهاردة في العيادة!
كلماتها السامة كانت كخنجر اندفع بقوة إلى فؤادها، فمزقه إربًا، تلك الحسناء تخبرها بطريقة مبطنة بأنها تعلم سر علاقتها بزوجها، وأنها ليست سوى علاقة مهزوزة هشة تحمل صورة منمقة من الخارج، بينما تنطوي من الداخل على صراعات وشقوق يصعب ترميمها!
-طيب ادخلي يا حسناء جيبي اللي انتي عايزاه وبعد كده ماتبقيش تنزلي متأخر من بيتك...استنى لتاني يوم مش هيحصل حاجة!
أغلقت عينيها بوجع وهو يدهس فوق كرامتها أكثر، كان وقع كلماته أمر من العلقم! ربما سابقًا كانت تلجأ إلى الحيل للدفاع عن علاقتهما وبتر أي جذور متفرعة قد تتسبب في فساد هيئتها، لكن الآن، لقد سُحب منها البساط، وفقدت أداتها السحرية في السيطرة على لجام جماحه.
ظلت على نفس وقفتها، صامتة، تغلق عينيها وتصر على إغلاق أذنيها بشتى الطرق، حتى لا تستمع إلى أطراف حديثهما، الذي قد يبدو للبعض عاديًا، لكنه كان بالنسبة لها كوقع حجر ثقيل يسقط على رأسها من مكان عالٍ جدًا.
استفاقت من ثورة مشاعرها على يده الممسكة بيدها، يجذبها خلفه للدخول إلى الشقة، بينما تلك الأفعى تلونت أمامهما ببسمة صافية، مودعة إياهما وهي تتخذ طريقها للمغادرة، أما "نوح" فانتظر ذهابها، ثم قال بصوت مشحون بمشاعر مختلطة:
-في أيه يا يسر، ليه جاية في وقت زي ده؟
جلست ببرود على أقرب مقعد يقابلها، وانتزعت نبرة الضعف من حبالها الصوتية وهي تردف بجمود:
-جاية اتفق معاك على سبب طلاقنا.
بسمة جانبية ساخرة احتلت محياه، وهو يرمقها ببرود مماثل:
-السبب واضح، هنلف وندور ليه؟!
احتقنت ملامحها، ونظرا إليه غير مصدقة:
-أنت عارف كويس أني ماقدرش اقول لبابا إنك عايز تتجوز عليا وإني كنت موافقة على كده من الاول!
تبجح بها متعمدًا:
-ليه هو مش من حقي! بطلب حاجة غريبة مثلاً، ابوكي نفسه لو مش لاقي الراحة مع أمك كان زمان ده قراره.
هبت واقفة، تنفجر فيه بغضب بالغ، وقد برزت عروق كفيها من فرط انفعالها:
-ما تقولش بس مش لاقي الراحة، قول إنك راجل عينك زايغة، ومايملاش عينك غير التراب، أنت من قبل جوازنا وأنت متفق معايا إنك هتتجوز عليا، من قبل ما تشوفني هريحك ولا لا!
-حلو اووي، ما هي سهلة اهو، روحي قولي لبابا حبيبك، أنا للأسف يا بابا غلطت ومكنتش في وعيي وأنا بوافق على خطوبة كان فيها شرط أساسي إن نوح يتجوز عليا، تصدقي أبوكي مش هيزعل خالص لأني كنت واضح وصريح معاكي من الاول، مكدبتش عليكي وضحكت على سيادتك، بالعكس أنا سيبتك لما انتي رفضتي.
اختصرت المسافة بينهما بجنون، وبدأت تضربه على صدره بقبضتيها الضعيفتين وهي تتحدث بنبرة مكتومة غاضبة:
-أنت مابتحسش بحد ليه، مابتفكرش غير في مصلحتك ليه، قلبك ده أيه حجر، أنت جمعت أنانية الدنيا كلها في قلبك.
أوقفها ممسكًا بها بقوة، وبتر أي حديث لها وهو يردد بنبرة مماثلة للقسوة التي تحدثت بها:
-عمري ما كنت أناني، أنا مافكرتش في نفسي غير لما كبرت، يسر من الآخر كده هي مرة واحدة بس هعيشها، يا عيشها زي ما أنا عايز يا ملهاش لزمة.
غرست أظافرها في يده التي أمسكت بها بغل:
-أنت أسوء اختيار ليا، نفسي اغمض عيني وافتحها والاقيك مش في حياتي، نفسي انساك وانسى حياتي معاك.
-انتي عندك شيزوفرينيا، انتي كنتي موافقة على شرطي من الاول، جاية دلوقتي تندبي ليه، أنا ممكن ماطلقكيش واسيبك زي اللي رقصت على السلم، وصورتك الاجتماعية اللي انتي بتحاولي ترسميها لنفسك بردو تتهز ويتقال إن جوزك اتجوز عليكي، مش ده اللي انتي خايفة منه!، خايفة تتكسري قدام الناس، أصل أنا مافرقش معاكي.
-معاش ولا كان اللي يكسر بنتي يا دكتور، وهتطلقها غصب عنك ورجلك فوق رقبتك، أنا مايشرفنيش إنك تبقى جوز بنتي.
صدح صوت "الحاج فاضل"، يهز أرجاء المكان بقسوة وكره، وهو ينظر باشمئزاز إلى "نوح"، الذي بدت على ملامحه آثار الصدمة من وجوده وسماعه لحديثهما، قال "نوح" بنبرة تفتقد إلى اللباقة:
-أنت ماتعرفش حاجة، يا ريت تسمع...
أمسك " فاضل" بابنته بقوة وجذبها نحوه وهو يرد بحسم حاد:
-مايهمنش اسمع كلامك، اللي يهمني بنتي، وورقة طلاقها توصلنا من غير شوشرة.
-وأنا بقى مش هطلقها، وزي ما قولتلها بقولك، هي هتبقى على ذمتي لآخر نفس فيا، وهعمل اللي أنا عايزه وهتجوز عليها، ده حقي وشرع ربنا يا حاج، أيه هتعترض عليه!
-يبقى اشتريت عداوتي يا نوح، وعلى جثتي تكمل مع بنتي لحظة.
سحب "فاضل" ابنته خلفه بقوة، حتى كادت تسقط عدة مرات، لولا يده القوية الممسكة بها، أما "نوح" فقد آخر ذرة من تعقله، واندفع يلقي أي شيء يقابله أرضًا بجنون، وأنفاسه تتسارع بجنون مفرط، وكأنه مصارع فقد صوابه في حلبة المصارعة!
**
"قبل قليل"
كان الحاج "فاضل" يسير خلف ابنته بحذر، بعدما رآها تسير خلسة ليلًا خارج المنزل، ثار عقله بجنون، إذ هاجمه الشك كعدو مباغت يحمل جميع أسلحته الفتاكة التي كادت تفتك باتزانه، كانت دقات قلبه تقرع كطبول الحرب وهو يتابع خطوات ابنته حتى وصلت إلى مقر عيادة زوجها "نوح"، حينها ارتاح قلبه قليلًا، وجلس في سيارته يأخذ أنفاسًا طويلة قبل أن يصعد لفهم ما يدور بينهما.
بعدما خف التوتر قليلاً وسكنت بعض مخاوفه، صعد إلى الطابق الذي تقع فيه عيادة "نوح"، وهناك وجد فتاة لم يعرفها تقف على أعتاب الباب، تسترق السمع إلى شجار محتدم بين ابنته وزوجها، عند ظهوره أمامها، ارتبكت وغادرت بسرعة ولهفة ممزوجة بالخوف.
اقترب خطوة من الباب، ليجد نفسه يسمع ما لم يتمنى سماعه يومًا، ارتجف قلبه بصدمة بالغة، وحين أدرك حديث "نوح" وهو يقلل من شأن ابنته، انفجر غيظه واندفع كأَسدٍ ثائر، يهجم عليه متوعدًا بأشد أنواع الانتقام!
****
ألقى "يزن" بجسده فوق فراشه بإرهاق، بينما كان عقله يدفعه دفعًا للبحث عن "سيرا" على وسائل التواصل الاجتماعي، قرار حاول تجنبه طيلة الأيام الماضية، لكنه أخيرًا أعلن فشله لأول مرة، وترك هيبته وهالته التي كان يحاول فرضها حول نفسه مع الفتيات جانبًا، بدأت أسوار قلعته تنهار تدريجيًا دون أن يشعر.
ابتسم بانتصار حين وجد حسابها، وبدأ يتصفح صفحتها الشخصية، يقرأ منشوراتها بعناية في محاولة لفهم مكنونات شخصيتها، فجأة، قابله منشور ساخر على صفحتها.
"تعرف منين إنك عبيط لما تحكم على شخصيتي من خلال بوستاتي"
حمحم بحرج حين شعر أن المنشور موجه إليه رغم أنه نُشر بتاريخ سابق، وزفر بحنق وهو يهمس لنفسه:
-افهمك ازاي أنا يا شيخة!
دارت عجلة ذهنه بحثًا عن طريقة للتقرب منها دون أن يُظهر أي تقليل من شأنه، فقد كانت ذاته الجامحة لا تزال تحتفظ بصورة الفارس الذي تقع تحت قدميه الفتيات، يتطلعن إلى لفت انتباهه ويتهافتن على الإعجاب به، بينما هو يتمتع بنظراتهن المتلهفة للإيقاع به.
زفر بحيرة بعدما فشل في حسم الجدال القائم داخله، إلا أن اندفاع الباب فجأة جعله ينتفض بغيظ من دخول "زيدان"، فصاح بضيق:
-حلو يعني لما اهزئك؟!
-احترم نفسك يالا أنا أخوك الكبير، وبعدين انت يا بجح جايب الجرأة دي منين؟ بتعمل اللي عايزه وسايق فيها ولا همك حد.
قالها "زيدان" بانفعال وغيظ، وفتح "يزن" فمه لتوبيخه، لكن ظهور "سليم" المباغت لهما جعله يغلق شفتيه على الفور، نظر "سليم" إليهما بصمت طويل قطعه بعد فترة من التوتر التي سيطرت على "يزن":
-في أيه؟ انت عملت حاجة يا يزن؟
كاد "زيدان" أن يرد بحماقة كعادته، لكن "يزن" استبق الحديث وقال بجدية مبالغ فيها:
-لا لا مفيش أي حاجة، أنت عارف زيدان مايهدلوش بال إلا لما يفرغ طاقته في أي حد، فالظاهر مقدرش على مليكة جايلي بقى.
رفع "زيدان" أحد حاجبيه باعتراض واضح، فاقترب منه "يزن" وقبل وجنته بابتسامة تحمل الرجاء، في تناقض مع صوته المداعب:
-مش كده يا زيزو، بس أنا اخوك حبيبك وهستحملك في أي وقت.
كانت نظرات "زيدان" غير الراضية تنمّ عن انفجار قريب، فسارع "يزن" إلى ملء كفة تدليل أخيه ليهدئه، وقال بنبرة مازحة:
-حبيبي يا زيزو يا أحن أخ، اهدى كده وروق بالك، والله الواحد من غيرك مايسواش بصلة!
قرأ "زيدان" الارتباك في عيني أخيه الطائش وقرر ألا يفصح عما حدث صباحًا، رغم نظرات "سليم" المليئة بالشك، والتي حاول بها فهم ما يدور، ومع ذلك، أظهر "سليم" عكس ذلك وقال:
-طيب اقعد يا يزن محتاج اتكلم معاك.
همس يزن بارتباك بسيط:
-استر.
-أحسن، الهي يولع فيك.
قالها "زيدان" بحقد خافت، فحمحم "سليم" بقوة، ليلفت انتباهما:
-أنا مابحبش الأسلوب ده، اللي عنده حاجة يقولها بصوت عالي.
-ها يا سليم عايزاني في أيه؟!
جلس "يزن" مكانه فوق فراشه وعلى الجانب الآخر جلس "زيدان" هو الآخر، أما "سليم" جلس على مقعد جلدي ضخم أمام فراش يزن، واضعًا ساقًا فوق الأخرى بغرور، قبل أن يتحدث بنبرة رخيمة:
-الادارة عندي شايفين إنك ناجح في التسويق وبتخلق أساليب جديدة عشان تجذب زباين للأجانص عندك، فكلموني استعين بيك، تحطلنا خطة نغير بيها أسلوب التسويق للمحلات عندنا.
مرت لحظة من الصمت عليهم، حتى تقابلت نظرات "زيدان" "ويزن" في حالة من الحيرة والارتباك تجاه جدية "سليم" المفرطة، وفجأة، ظهرت على وجه "يزن" ابتسامة عريضة ونظرة شقية، قبل أن يغمز لـ "زيدان" بغرور ويقول:
-أنا مش أي حد بردو، عشان تعرف قيمتي.
تابع حديثه بعنجهية وتعالٍ استفز "سليم":
-أنا كنت عارف أني ملك في الحتة دي، بس مكنتش اعرف أني مسمع لدرجادي.
اغتصب "سليم" بسمة سمجة، وهو يرد بفظاظة:
-هما قالوا بس أنا مش مقتنع بكلامهم، وشايف إن أسلوبك تافه ومفيش فيه أي ابتكار.
-بـــــــــــــــوم، طحن خواطر من الدرجة الأولى.
قالها "زيدان" بتسلية، متابعًا حديثهما باهتمام، مما أشعل فتيل الغيظ لدى "يزن"، لكنه أظهر عكس ذلك بنبرة لا مبالية:
-وجاي تكلمني ليه، أنا أعرف اللي مش مقتنع بحاجة بيرمها البحر، بسيطة ارمي كلامهم ورا ضهرك ولا كأنك سمعت منهم حاجة.
-لا ما أنا بحب ادي فرصة للشباب المبتدأ اللي زيك، واهو اسمع منك واللي يعجبني اعمله واللي مايعجبنيش ارميه في البحر.
فقال "يزن" بابتسامة مستفزة تعكس تسليته:
-بس أنا مش فاضي أفكرلك في حاجة تخص شغلك، أنا عندي هم ما يتلم وشغل لفوق راسي.
ضحك زيدان ضحكات متقطعة ساخرة:
-على يـــــــدي، اسألوني أنا.
بينما جز "يزن" على أسنانه حين شعر بالكلمات المبطنة من أخيه عن أحداث الصباح، رمقه بنظرة تحذيرية، قابلها "زيدان" بنظرة مستنكرة، لكنهما انجذبا لحديث "سليم" الجاد:
-أولاً مسمهاش شغلك، اسمها شغلكم، دي مش محلاتي لوحدي حتى لو أنت استقليت بنفسك في كارير تاني، ثانيًا أنت ملزم تفضي نفسك وتحاول تقنعني زي ما هما بيحاولوا يقنعوني ولا أنت بتستعين بحد في موضوع التسويق ده قول ماتتكسفش.
كتم "زيدان" ضحكته بصعوبة، مؤكدًا لنفسه أنه يكاد يشم رائحة الحريق المتصاعد من غيظ "يزن"، الذي انفجر قائلاً:
-يا سليم مفيش أي ابتكار، هو بيستغل وسامته على كام بوست وكام إعلان والدنيا ماشية معاه.
انفجر "يزن" باستفزاز وقال:
-ما تخليك في شغلك يا حضرة الظابط، ولما هي حاجة تافهه بتنزل صورك ليه وبيجيلك متابعين ليه؟!
رد "زيدان" ببرود:
-تسلية مش أكتر.
أطلق "سليم" تعجبه قائلاً:
-يااااه هي السوشيال ميديا لدرجة دي مهمة، تعرضوا شغلكم، وتنزلوا صوركم!
ضحك يزن بسخرية:
-يا سليم ده أنت قديم جدًا، ده في بلاوي بتحصل على السوشيال ميديا أنت لو عرفتها ممكن يجرالك حاجة! بس عارف عشان أنت اخويا وحبيبي وأنا مرضاش تتوه في العالم ده هساعدك.
هز "سليم" رأسه موافقًا وقال:
- انجز وقصر وقول هتعمل أيه يعني؟!
-شوية خطوات بسيطة بس الاول نصورك كام صورة حلوة في كام محل وسيبي الباقي عليا.
انعقد حاجباه بعدم فهم وسأل:
-هتعمل أيه بصوري؟!
-هيزغلل بيهم عين الزباين.
أردف بها "زيدان" بضحك متهكم، فرمقه يزن بضيق:
-قعدتك مع المجرمين أثرت عليك.
-خليك معايا وهتعمل أيه تاني؟!
استعاد "سليم" انتباههما بجدية، فحاول يزن استكمال حديثه بابتكار أفكار جديدة ليبهر سليم، الذي من الصعب جدًا إرضاؤه:
-هنجيب بنت ايدها حلوة وجذابة نعرض عليها الشغل الموجود ونعمل شوية فيديوهات صغيرة، ويا سلام لو انت ظهرت معاها في الفيديو بكام حركة الدنيا هتولع الدنيا.
قاطعه سليم ساخرًا باندفاع:
-وشمس تولع فينا.
ابتسم "يزن" ساخرًا وهو يراقب أخاه الأكبر، صاحب الشخصية القوية الذي لم يهاب أحدًا أبدًا:
-أنت بتخاف من شمس يا سليم؟ مكنتش اعرف عنك كده.
أخفى "سليم" ارتباكه ببراعة ورد بأسلوب فطن ونبرة صارمة:
-لا طبعًا، في فرق ما بين بخاف منها وبحترمها، أنا بحترم وجودها في حياتي.
حرك "زيدان" رأسه بيأس وسخرية في آنٍ واحد معقبًا على حديث أخيه:
-اقسم بالله أنت متربي عشر مرات، مجتمع النساء هيحبوك اوي، احتمال يعظموك ويعملولك تمثال.
سأله "سليم" بتهديد واضح:
-ليه هو أنت مابتحترمش مليكة مراتك؟!
أجاب "يزن" باستنكار:
-يا سليم هو ده بيحترم حد اصلاً، فكك منه وركز معايا أنت معترض على ايد البنت ليه إنها تعرض الشغل، ده أنا كنت هقولك هنجيب بنات تانية ونصورهم ونزلهم على كل السوشيال ميديا ونعمل حملة كبيرة.
حاول "سليم" إقناعه بطريقة أخرى، محاولًا إبعاد تلك الفكرة الشائكة:
-طيب ما أنا عندي فكرة أحسن، عم فارس ايده صغيرة ممكن نلبسه جوانتي أبيض ونعرض الشغل ونبعد عن الفكرة دي عشان مش مستريحلها.
اعترض "يزن" بقوة، غير راضٍ عما يحاول سليم إقناعه به:
-أيه يا سليم ده، انت لو قاصد تكره الناس فيك مش هتعمل كده، هتجيب البنات أنت ولا أجيبهم أنا على ذوقي.
نظر "سليم" إلى "زيدان" الذي كان يتابع النقاش بصمت، طالبًا رأيه بعينيه، فوجد الأخير يرد بسرعة وبنبرة غير راضية:
-أنا من رأيي تجيبهم انت، عشان ماجيبه هتبقى هباب على دماغنا.
صمت "سليم" قليلاً، ثم حسم رأيه وهو ينهض:
-خلاص هجيب أنا البنات على ذوقي.
شهقة لم يسمعها أحد خرجت من فم "شمس"، التي كانت تبحث عن "سليم"، وحين علمت أنه في غرفة "يزن"، اقتربت لتستمع إلى آخر الحديث، شعرت باقترابه من الباب، فركضت سريعًا نحو شقتها، متجاهلة نداء "مليكة" لها، هرعت إلى دورة المياه القابعة في غرفتها، وأغلقت الباب بإحكام، وضعت يدها فوق رأسها، تحاول استيعاب ما سمعته.
فتيات! أي فتيات سيختارهن على ذوقه؟! أيجب سؤاله، حركت رأسها برفض سريع، نافية تلك الفكرة، فهو ليس من السهل أن يجيبها بما يُرضي فضولها، أم تُراقبه من بعيد وتضعه تحت الأنظار؟
ضربت فكرة الخيانة عقلها كمطرقة حديدية، مما جعلها تهز رأسها بعنف وهي تقول:
-لا سليم لا يمكن يعمل كده، أنا واثقة فيه!
قالتها وكأنها تحاول إخماد ثورة الغيرة التي شعرت بمرارتها لأول مرة، انتبهت على طرقات الباب وصوت "سليم" يناديها، فقالت بصوت متحشرج:
-ايوه، جاية.
نثرت الماء فوق وجهها لتلطيف احمرار وجنتيها من فرط توترها، وما إن خرجت حتى اقترب منها مرددًا بقلق:
-مالك فيكي أيه؟!
-ماعرفش دايخة شوية، هروح اشوف قمر.
أجابته بنبرة تحمل بحة استعجب لها:
-تمام هستناكي، عشان واحشني.
تابعها بعينيه وهي تبتعد سريعًا، ثم وقفت على أعتاب الباب قبل أن تخرج، ممسكة بالمقبض بقوة، وسألته بلهجة تحمل استنكارًا:
-بجد واحشتك؟!
سألها بحذر، محاولًا فهم ما وراء كلماتها:
-أنتي شايفة غير كده؟!
ابتسمت بسمة شائبة وقالت:
-أنا شايفة كل خير.
ألقت كلماتها غير المفهومة بالنسبة له وأغلقت الباب خلفها، وقف مكانه يحاول استيعاب التغيير الطفيف في معاملتها وكأنها تبدلت، لكنه ألقى بالأمر خلف ظهره، معتقدًا أن النساء دائمًا ما تتقلب أمزجتهن.
****
في الأسفل، أرسل "يزن" طلب صداقة إلى "سيرا"، ثم أتبع ذلك برسالة نصية يطلب فيها لقاءها على انفراد، انتظر دقائق قليلة قبل أن يجدها تفتح الرسالة وتجيب بإعجاب على حديثه.
" يا ريت نتقابل بكرة محتاج اتكلم معاكي"
سارع بإرسال رسالة أخرى تحتوي على تفاصيل الموعد والمكان، محددًا وقتًا مناسبًا، فردت هي بإعجاب آخر فقط.
تعجب من طريقتها، لكنه لم يُطِل التفكير، إذ كان الإرهاق قد أخذ منه كل طاقته، مكتفيًا بنجاحه في اتخاذ أول خطوة للتقرب منها.
****
بمنزل " الحاج " فاضل.
اتخذت "يسر" من غرفتها مقرًا تلجأ إليه لتنفجر بالبكاء، سامحة لنفسها بالانهيار من فوق جبل الثبات الذي كانت تتشبث به في الفترة الماضية، تاركة نفسها للرياح العاتية كورقة خريف ذابلة، كانت كلمات والدها الموبخة تتردد في أذنيها، معبرة عن عدم رضاه عن فعلتها التي أقدمت عليها دون وعي أو إدراك لحجم المصائب التي تنتظرها، وأهمها السماح لنفسها بالتقليل من شأنها. تذكرت كلماته الغاضبة:
"للأسف خيبتي ظني فيكي، بعد ما كنت بتباهى إني ربيت بنت عقلها يوزن بلد، طلعتي خايبة ورضيتي تذلي نفسك عشان حد ما يستاهلش".
حاولت كتم بكائها، لكن شهقاتها خرجت متقطعة، وهي تتخبط بلا اتزان بين جدران عقلها الثائر، الذي تمزق بين حديث والدها وكلمات زوجها الموجعة بحقها، وعاطفتها المحترقة بنيران الغيرة، وذهنها الذي يرفض التخلي عن ذكرى سوداء علقت به كوصمة عار، فسمحت لنفسها بالدخول في دوامة ذكرياتها، دون بذل أي جهد للابتعاد عنها كما كانت تفعل سابقًا.
**
كانت "يسر" في أوج سعادتها عندما أنجزت كل إجراءات زواجها من فتى أحلامها "نوح"، ذلك الطبيب الذي اختطف قلبها في رحلة نسجتها بريشة الخيال، وتمنت أن تتزوجه، لم تكن تتوقع أن الحياة سترضخ لأمانيها بهذه السلاسة، حيث تقدم "نوح" لخطبتها، ووافق والدها، خاضا معًا رحلة حب متبادلة حتى قررا تحديد موعد زواجهما.
سارعا في إنهاء بعض الأمور المتعلقة بشقتهما، وخلال ذلك تعرفت "يسر" أكثر على شخصية "نوح"، فازداد هيامها به، وحلق فؤادها في سماء الهوى بسعادة، كطير استعاد جناحيه بعد طول حرمان.
انتهيا من اختيار بعض أثاث منزلهما، وسارا معًا، تتشابك كفاهما بحب، في الطريق المؤدي إلى مقهى عائلي قررا أن يتخذاه مكانًا لفترة استراحة قصيرة.
-كده كل حاجة جاهزة، باقي بس شوية حاجات نظبطها ونختارها ويبقى كله تمام.
ابتسم لها وهز رأسه إيجابًا دون أن يجاريها كعادته في الحديث، مما دفعها لسؤاله بقلق، وهي تجوب بعينيها فوق ملامحه:
-مالك يا نوح، أنت فيك حاجة متغيرة!
خرجت كلماته بصعوبة وهو يجيبها، متجنبًا النظر في عينيها:
-هنوصل الكافية ونتكلم مع بعض.
أجابت بالموافقة وصمتت على مضض، بينما داخلها يثور بفضول شديد حول تغيره المفاجئ، وخصوصًا اليوم تحديدًا.
جلسا معًا على طاولة تبعد قليلاً عن باقي الطاولات، وكأنها مميزة بتصميمها المحيط بهما، مما جعل جلستهما أكثر راحة وخصوصية، كان هو أول من بدأ الحديث، يخبرها بنبرة ثقيلة وعيناه تتجنبان ملاقاة عينيها، خشية من ردة فعلها، لذا تحدث بحذر شديد:
-أنا بقالي مدة عايز اتكلم معاكي في موضوع مهم بس خايف تفهميني غلط.
-أيه الجو اللي كله قلق ده؟! في أيه ادخل في الموضوع على طول؟!
-الموضوع مش بسيط يا يسر زي ما أنتي فاكرة، الموضوع محتاج منك صبر وإنك تدي نفسك فرصة تستوعبي كلامي وتديني فرصتي عشان افهمك باللي أنا عايزه منك واتمنى إنك توافقي عليه.
صمتها كان الرد الوحيد على حديثه، فتنهد تنهيدة ثقيلة، وبدأ يسرد بعشوائية ما يدور داخله:
-انتي عارفة إن حالتنا المادية ماكنتش أحسن حاجة، وعارفة كمان إن أنا اتمرمطت وشقيت لغاية ما عملت لنفسي اسم اقدر اتسند عليه، بس اللي ماتعرفهوش او اللي ماكنتش اعرفه إني وأنا مشغول بتحقيق أحلامي نسيت نفسي، ومشاعري كراجل، أو بمعنى أصح كنت بحرم نفسي من حاجات كتير ممكن اعيشها زي أي شاب في نفس سني عشان اعمل فلوس واكبر نفسي، ولما خلاص اسست حياتي حسيت إنه لا، أنا مش مكتفي ولا عمري هكتفي، يمكن عشان ماسددتش الفراغ اللي جوايا ده من زمان، واحساس إن اكتفي بواحدة عمره ما هيرضيني ولا هيريحني.
-أنا مش فاهمة أي حاجة، وبحاول استوعب بس مش قادرة.
حاول تهذيب كلماته بعناية وهو يخاطبها، بينما التوتر يسيطر على عينيه كضيف ثقيل غير مرحب به:
-يسر بوضوح ومن غير لف ودوران وقبل ما ندخل في الجد، أنا ماقبلش نأسس حياتنا على حاجة مش واضحة، أنا ليا شرط واتمنى إنك توافقي عليه عشان نقدر نكمل حياتنا ببساطة ومن غير أي مشاكل.
شعرت بثقل جاثم على صدرها دون أن تعرف مصدره، فتساءلت بحيرة:
-شرط أيه؟!
-قبل ما نتجوز لازم تكوني عارفة وموافقة إني هتجوز عليكي.
ألقى كلماته كقنبلة سريعة، وكأنه يريد إراحة عقله من كثرة التفكير، مرت ثوانٍ طويلة وهي تنظر إليه بعدم استيعاب، قبل أن تنفجر ضاحكة، وكأنها استمعت إلى مزحة فكاهية، فقال بحزم:
-يسر أنا مابهزرش، يمكن تستغربي جرأتي وطلبي بس أنا بحب الصراحة.
ردت برُعونة وهي ترمقه بنظرات حادة:
-لا دي وقاحة، عمرها ما كانت صراحة، أنت بتتكلم جد ولا أنت بتعمل مقلب فيا، أصل اللي بتطلبه مش منطقي.
تجاهل حدة كلماتها وحاول تبرير موقفه وإقناعها:
-وليه مش منطقي، هو أنا مش من حقي امتع نفسي بالحلال وبعدين أنا بسد فراغ جوايا بشرع ربنا ومابعملش ولا هعمل حاجة حرام، أنا اتحرمت من حاجات كتير، انتي تعرفي أيه احساس إنك تكون معجب ببنت ومش قادر تاخد خطوة وتكلمها وتتعرف عليها لتخاف تعرف بظروفك او انكوا تتقابلوا وماتقدرش تدفع تمن الحاجة اللي هتشربها، فتدفن نفسك وتبص من بعيد على صحابك وهما بيعشوا شبابهم وحياتهم برفاهية اتسحبت منك، وتفضل ناقم على حياتك ومش مبسوط..
ضحكت ساخرة وهي تواجهه بشراسة:
-وخطبتني ليه لما أنت لسه ناقم على حياتك ومش مبسوط؟!
تراجع بجسده للخلف، يخبرها بصدق، بينما ظلت إمارات الاستنكار تحتل وجهها:
-ما دي محاولة مني إن اكافئ نفسي بجزء من اللي بتمناه.
-اه يعني أنا أمنية وبتكافئ نفسك بيها، طيب وأنا ماقدرش أسد الفراغ ده ولا هو انثى واحدة لا تكفي!
استمرت تقسو بواقع كلماتها، تضغط على ضميره الذي حاول التملص منها، متمسكًا بمعتقداته وأمانيه كحل سحري يطيب خاطره الذي تأذى كثيرًا في بداياته:
-أنتي مش قادرة تستوعبي كلامي، هو أنا بقولك هتجوزك وتاني يوم هتجوز عليكي، أنا بعرفك إن في يوم من الأيام لما أحس أني نفسي اعملها هعملها وانتي تكوني موافقة، بسيطة يعني.
اندفعت قذائف التهكم من كلماتها بجنون، تاركة آثارها على وجهها المنفعل:
-وأنا افضل في اختبار وحيرة صح؟ وكأني داخلة على امتحان مش جواز.
حاول تهدئتها بعدما أحس بفقدان السيطرة على مجرى حديثهما، ساعيًا لبث الطمأنينة في قلبها من ناحيته:
-أنا عمري ما هقصر فيكي ولا اعيشك في رعب...
-اللي بتقوله في حد ذاته هو الرعب، أنا حاسة أني قاعدة قدام انسان غريب ماعرفهوش!
زفر بقوة، مرددًا بنبرة مستسلمة تحمل في طياتها حزنًا خاصًا به وحده:
-فعلاً في حاجات كتير عني ماتعرفيهاش يا يسر، بس أنا مريت بظروف صعبة وحاجات كنت اتمنى اعيشها بس المسئولية اللي كانت عليا من أهلي وتحملي لكل أمور حياتنا خلتني زي الانسان الآلي من غير مشاعر، يا يسر أنا وصل بيا الحال قبل ما اخطبك إن لو شوفت واحدة جاية من ارض زراعية متبهدلة وطالع عين أمها هشوفها ملكة جمال، وصلت لمرحلة مش عارف أميز الجمال، كل الستات كانت في عيني حلوة وجميلة.
لكن كلماته لم تؤثر فيها، ولم تنجح في جلب تعاطفها، ظلت على حدتها، لعلها تنجح في إيقاظه من الجنون الذي يحاول الإقدام عليه معها:
-اه محروم يعني؟! طيب لما هو كده، ماسنتش ليه تدور على واحدة بجمالها تخطفك وتخليك مش قادر تبص لغيرها.
-ما انتي خطفتيني...
بترت حديثه بلمحة من الاستياء وعدم الرضا، رغم محاولاته المستمرة لإقناعها:
-انت كداب، انت لو حبتني بجد هسد أي فراغ جواك.
تعمد الاستمرار في تجاهل حدتها، ورد بنبرة صادقة لم تستطع تخطي حاجزها:
-أنتي لو مش سادة الفراغ اللي جوايا مش هتجوزك.
-أنت للأسف يا نوح مش عارف عايز أيه، عايز كل حاجة ومفيش حد بياخد كل حاجة.
أغلق عينيه محاولًا التملص من محاصرتها له، ثم رد ببساطة أدهشتها:
-أنا عارف إن الحياة تنازلات..
نهضت لتنهي جلسة كانت السبب في دهس قلبها وانهيار عقلها، بعدما سمعت ما لم تتوقعه من فتى أحلامها، الذي كان من المفترض أن يكون زوجها المستقبلي:
-لا وتننازل ليه يا دكتور، أنا بختصر عليك أي مسافة وبقولك دبلتك أهي وروح دور على اللي توافق على شروطك وماتتجوزش عليها واحدة بس تتجوز عليها تلاته كمان، لكن أنا لا يمكن اقبل بالوضع المهين ده.
-ممكن اعرف أيه المهين كده؟!
استوقفها سؤاله المبطن بالاستنكار، فأشارت نحوه بغضب بالغ، مجيبة:
-شرطك في حد ذاته إهانة ليا.
احتدت نبرته هو الآخر وسألها بحذر، متمنيًا ألا تجيب بالإجابة التي تكمن في نظراتها الساخطة والمصدومة منه في آن واحد:
-ده آخر كلامك؟!
-طبعًا ومفيش أي كلام بعد اللي أنا قولته.
***
استفاقت على صوت بكاء طفلتها، التي بدت وكأن كابوسًا مزعجًا يهاجم أحلامها الطفولية، احتوتها برفق ولين، بينما دموعها تنهمر على حالها وحال طفلتها، التي كُتب عليها الشقاء وانعدام الأمان في ظل غياب أبيها، الباحث عن أمانيه الطائشة!
اندفع والدها إلى داخل غرفتها، والغضب يرسم بريشته فوق وجهه، حتى بدا شديد الاحمرار، بينما اختلط القهر بنبرته رغم حدتها الواضحة.
-اعملي في حسابك، نوح لو مطلقكيش بالذوق، هخليه يطلقك غصب حتى ولو وصلت إنك تخلعيه أو أأجر بطلجية تضربه ويعلموه الادب، وإن مكنتش عارفة تعمليلك قيمة معاه أنا هعملك.
__________________
رواية غناء الروح الفصل الثاني عشر 12 - بقلم زيزي محمد
في اليوم التالي، لا تزال حالة البؤس مسيطرة على منزل الحاج فاضل، وانعزال يسر مستمر، منغمسة في بؤرة السواد المحيط بها، ترفض الانصياع لكلمات والدتها أو حتى لمسات صغيرتها لين، التي تحاول تخفيف الضغط عنها، بدت كمريضة على فراش الموت، تنتظر مصيرها المحتوم.
أما والدها، فكان يراقب الوضع عن كثب، رافضًا التحدث مع زوجته، معلنًا عصيانه عليها بعدما تفاجأ بأنها كانت على علم بكل شيء، بل إنها هي مَن دفعت ابنتها إلى هذا الفعل المشين بمعتقداتها الساذجة وأفكارها المحدودة عن الحياة والزواج.
راقب زوجته أمل وهي تجلس بجانبه بإنهاك، قائلة بضيق ونفاد صبر:
- أنا تعبت البت من الصبح مش راضية تاكل أي حاجة، وزعلانة على أمها وبتعيط، لا حول ولا قوة إلا بالله.
اشتدت ملامح الحاج فاضل بقسوة وهو يقول بصوت يملؤه الغل:
- صعبانة عليكي البت وأمها، كانت دماغك فين يا حاجة وانتي بتساعدي بنتك في مصيبة زي دي.
جادلته بنبرة مهزوزة، ترفض الاعتراف بخطئها:
- هو الجواز بقى مصيبة، بنتك كانت بتحبه واتدمرت بجد بعد ما فركشوا الخطوبة يا فاضل، وهو كمان بيحبها، ما هو ماخطبش حد وفضل مستنيها لغاية ما وافقت، وبعدين أنا قولت طيش شباب وهو هينسى اللي عايزه والحياة هاتلهيه بمشاكلها، مكنش في دماغي ده كله.
- مكنش في دماغك تعاسة بنتك يا أمل، أنا كنت بشوف النقص والتعاسة في عينيها وافضل اسأل نفسي البنت دي ناقصها أيه، ماعرفش بقى اللي فيها، والحياة الزفت اللي كانت عايشها بسبب كلام أمها الخايب.
ألقى كافة لومه عليها بشراسة خافتة، كي لا تسمعه حفيدته، خاصةً بعدما رآها تجلس بحزن، تضع كفها أسفل ذقنها، تتابع التلفاز بشرود وكأنها تحمل هموم الدنيا فوق عاتقها لمجرد رؤيتها لوالدتها بهذا الشكل!
- طيب أنا غلط وزفت، قوم لبنتك قولها تفوق شوية لبنتها، البت مقطعة في قلبي.
قالتها بلا مبالاة محاولةً الهروب من حصاره لها، فقد اكتفت بالأمس من شجاره معها وتوبيخه المستمر، نهض، ينصاع لحديثها على مضض، موجهًا وعيدًا شرسًا نحوها:
- أنا هدخلها، بس يمين الله لو اتدخلتي تاني في أي حاجة تخص يسر وجوزها ولا حتى طلاقها ليكون حسابي معاكي عسير يا أمل.
رفعت حاجبيها بصدمة وهي تقول بعدم تصديق:
- أول مرة تهددني يا فاضل؟!
- لما الأمر يوصل للحقارة اللي أنا شوفت جوز بنتك بيكلمها بيها، واعرف التقليل اللي بنتك عملته في نفسها، واعرف إنك موافقة على كل حاجة وكمان بتشجعيها تستمر وفي الآخر هيرجعلها يبقى لا لازم يتحطلك حد.
أجاب بنبرة غليظة، وعيناه تطلق شرارات الغضب، فحاولت الدفاع عن نفسها موضحة حقيقة ما فكرت فيه:
- يا فاضل دي بنتي، هو أنا كنت عايزة أأذيها يعني، أنا ماحبتش تكون مطلقة والدنيا تنهش فيها.
- ده لما يكون أبوها ميت، طالما أنا حي أرزق، الله في سماه اللي يفكر بس يجي ناحيتها هاكله بسناني، ونوح ده أنا كنت بعتبره ابني، بس خلاص أنا هوريه نابي الازرق وهسود عيشته شهريار زمانه.
انطلق، يترك الصالة متوجهًا ببساطة إلى غرفة ابنته، تاركًا خلفه أمل مندهشة، وعلامات الصدمة بادية على وجهها، فقد تعرفت لأول مرة على جانب شرس من زوجها.
***
دخل فاضل غرفة ابنته، فوجدها تستند بجسدها في نصف جلسة على ظهر الفراش، مغمضة عينيها، ويبدو أن الدموع حفرت أثرًا لها فوق صفحات وجهها الباهت والحزين، مع تورد بسيط في وجنتيها، استغفر ربه قائلاً بحدة:
- رافضة الأكل وقولنا ماشي، طيب بنتك ذنبها أيه؟!
اعتدلت في جلستها على الفور، والحرج يطفو كجثة فوق وجهها:
- هي ليه رافضة الأكل؟!
تساءلت بوجه شاحب، فاغتاظ والدها ورد بنبرة حادة ساخرة:
- عشان أمها بتعيط على الأطلال!
حاولت تحجيم حنقها من سخريته المتعمدة عليها، والدهس أكثر فوق كرامتها:
- أنا مابعيطش على نوح يا بابا، أنا بعيط على نفسي وعلى اللي عملته فيها.
- يا شيخة ما هو واضح، بس على رأيي الست تفيد بأيه يا ندم!
لا زال مصباح السخرية يضيء في وجهها بقوة، فانزعجت رغماً عنها وردت بنفور:
- أنا عارفة أني غلطت لما وافقت على وضع زي ده من الاول بس....
انفجر بها والدها بغضب ومقت:
- لا يا شيخة يكفيني إنك عارفة! والله!، ها طيب وبعدين، بعد ما دمرتي نفسك ومستقبلك وحياتك وحياة بنتك، كان عقلك فين وانتي بتوافقي؟، أيه بتحبيه؟ ملعون أبو الحب اللي يعمل كده فيكي، أنتي لو واحدة أهلك مكرهينها في عيشتها هقول ماشي البت معاها حق، بس لا، ده انتي بنتي الوحيدة اللي ماليش غيرها وموفرلك كل حاجة تحت رجليكي كان ناقصك أيه حنان واحتواء مكنتش حارمك، علمتك وصرفت على تعليمك شيء وشوايات عشان تطلعي مثقفة وواعية لنفسك ويوم ما تختاري....تختاري صح تختاري اللي يليق بيكي وبمكانتك، اللي يقدرك ويشوفك حاجة كبيرة وعالية، لكن للأسف خيبتي ظني فيكي، وسمعتي كلام أمك وصحبتك...
صمت برهة يلتقط بعض ذرات الهواء بعدما حبس أنفاسًا قليلة في صدره، وهو ينفجر كالقنبلة الموقوتة في وجه ابنته الساذجة، فتحت فمها للتحدث، لكنه لم يمهلها فرصة واستكمل بحدة أكثر:
- كان عقلك فين وانتي بتسمعي لأمك وبتوهمك إن جوزك ممكن يعقل ويقتنع بيكي لوحدك، طيب أمك واتصرفت بدافع الأمومة والفطرة ست خبرتها قليلة في الحياة، طيب صاحبتك اللي قعدت تزن عليكي توافقي راحت فين دلوقتي بعد ما دبستك التدبيسة دي تقدري تقوليلي؟!
أجابت بنبرة مبحوحة بها شيء من التيه:
- كل واحدة اتلهت في حياتها.
- البت دي اللي اسمها سمر صح؟!
اكتفت بهز رأسها فقط، وهي تخفض عينيها إحراجًا من أبيها، فصاح الأخير بثورة كالبركان:
- يا بنتي، أنا كام مرة حذرتك من البت دي يا يسر، وقولتلك مش كويسة ونظراتها ليكي مش مريحة، واختياراتها غلط اصلًا في حياتها، هي مش اتجوزت واحد بيصبحها بعلقة وبيمسيها بعلقة وكل شوية بتديله مبررات وبتدافع عنه!
حركت رأسها بصمت والدموع تنهمر فوق وجهها بينما والدها استطرد بغضب:
- ليه ما فكرتيش إنها مش عايزكي تبقي أحسن منها واقنعتك بالجوازة المهببة دي عشان تبقي معاقة زيها.
رفعت عينيها بصدمة، فأكد فاضل على حديثه بنبرة أشد قسوة:
- مصدومة ليه؟، ما اللي ترضى على نفسها تتضرب من جوزها وتديله مبررات، واللي تقبل بشرط إن جوزها يتجوز عليها زيك، يبقوا شوية معاقيين في تفكيرهم، داهية تقرفكم سديتوا نفسي.
حاولت النهوض خلفه لإيقافه وتبرير موقفها، رغم أنها لم تجد ما ستبرر به بعدما هدم أبيها كل ثوابتها:
- بــــابـــــا استنى...
- بلا بابا بلا زفت يا شيخة.
أشاح والدها بيده باشمئزاز وهو يغادر غرفتها، بل الشقة بأكملها تحت نظرات والدتها المتعجبة، انهارت يسر مجددًا وأطلقت لفراشها فرصة أخرى لاحتوائها، تنفصل من خلاله عن العالم بأسره، وخاصةً ابنتها التي كلما رأتها تتذكر نوح بأفعاله المشينة بحقها وكلماته الجارحة لها، وخيانته التي أصبحت مؤكدة.
***
مرت ساعة ثم ساعتان، وهو على نفس الحال ينتظرها كالأخرق، وكل ما بيده هو محاولة الاتصال بها، ولكن هاتفها في كل مرة يعطيه تارة إشارة الإغلاق، وتارة أخرى سوء تغطية، أما عن محادثتهما على إحدى وسائل التواصل الاجتماعي، فكلما أرسل لها رسالة، أجابت بعلامة إعجاب، بدا الأمر لديه غريبًا؛ في بادئ الأمر تعامل مع الوضع بتسلية ومرح، لكنه بدأ يشعر بالضيق لتعمدها سلوك طريق معه غير مفهوم على الإطلاق.
قرر يزن إنهاء جلسته الوحيدة، التي لم تحدث إطلاقًا من قبل، والخروج من المقهى الشبابي شبه مكسور الخاطر، همس لنفسه بسخرية:
- طيب ادلع نفسي ازاي طيب وأنا اتقفلت من الصنف كله.
تابع خطواته بشرود تام، والغيظ وصل إلى ذروته بسبب تصرفاتها المتناقضة، تارة تضحك في وجهه وتكون أكثر سلاسة ولينًا معه، وتارة أخرى تبدو مثل صديقتها حورية صلبة، لا تلين، وعابسة، وكأنها تراه عدوًا، زفر بحنق من عقله المُصر على دفعه نحو التفكير بها فقط، وكأنه لا يملك أي أمور أخرى للتفكير فيها سواها، أصبحت تحتل عقله كعدو شرس لا تسمح لذهنه بالانشغال سوى بها.
قرر الاتصال بنوح كي يذهبا سويًا إلى أي مكان يبعده عن التفكير بها، ولكن هاتف نوح المغلق أفسد عليه خطته البائسة، قرر العودة إلى المنزل والجلوس مع عائلته، فيبدو أنهم أفضل حل للخروج من بقعة التفكير بها، التي تتسع تدريجيًا دون شعور منه، منتظرًا الصباح بفارغ الصبر.
***
كان نوح في عيادته يجلس وحيدًا فوق أريكة جلدية كبيرة، مغلقًا جميع الأنوار، فالاكتئاب سيطر عليه في ظل الصراعات القائمة داخله التي تزداد شراسة، أصبح منهمكًا وغير قادر على مجابهة ثوران صدره، بصياح مشاعره وحنينه إليها وغضبه منها وتسرعها في محاولة إنهاء زواجهما وكأنه الحل الأمثل لحالة التيبس التي أصابت علاقتهما، ومن ناحية أخرى، كان عقله كالبركان المتأجج بعد تهديد والدها، ومذاق الإهانة المرير يصيب تفكيره بشظايا العناد، مما زاده تشبثًا برغباته التي تلتف حول عنقه كالأفعى السامة.
طرقات مستمرة أخرجته من دوامة تفكيره، فنهض بكسل وفتح الباب بعبوس، تحول إلى اندهاش من وجود والدته أمامه:
- أيه يا بني ده كله نوم!
افسح لها نوح المجال للدخول متسائلاً بقلق:
- في أيه يا ماما مين جابك وجاية ليه؟
- اللي جابني ياسر اخوك وصلني ومستنيني تحت، وجاية عشان اطمن عليك.
همس بتهكم طفيف وحزن دفين يكمن في كلماته:
- ومطلعش معاكي يتطمن عليا ليه! طبعًا مفيش مني مصلحة حاليًا..
تجاهلت حديثه الخافت عن قصد كعادتها، ودخلت في صلب الموضوع:
- أيه يا بني اللي وصل الحال بينكوا أنت ومراتك لكده؟!
قطب ما بين حاجبيه بعدم فهم وهو يتساءل:
- انتي عارفة أيه بالظبط؟!
راوغته والدته بمكر وأردفت بهدوء:
- اللي حصل ما بينكم.
حاول التمسك بحواف خصوصياته وقال ببرود:
- دي مشاكل بسيطة يا ماما ما تحطيش في دماغك.
تبسمت والدته بسخرية وأردفت بنبرة لاذعة:
- اه فعلاً تصدق عشان كده الحاج فاضل جه وبهدلنا وهددنا إنك لو ماطلقتش بنته هيوريك اللي عمرك ما شفته.
توسعت عينيه بصدمة بالغة وهو يقول باعتراض قوي وفج:
- نــــــــــعــــم، الراجل ده اتجنن ولا أيه؟!
حاولت والدته تهدئته وهي تقول:
- اقعد بس يا بني واستهدى بالله، الراجل بردو عنده حق يا بني، دي بنته في الأخر وانت عايز تتجوز عليها بدون أي وجه حق، طبيعي يتصرف كده.
انفجر نوح بغيظ وحقد، لدرجة أن عروق وجهه كانت تنفر بشدة:
- لا طبعًا محدش عنده الحق غيري، أنا ماضربتهاش على ايدها وكنت متفق معاها وهي موافقة، ماتجيش هي ترجع في كلامها، أنا مش عيل قدامها بتنومه.
- هو يا بني في واحدة توافق إن جوزها يتجوز عليها دي لا مؤاخذة كانت بتاخدك على قد عقلك.
الاستنكار انطلق كالسهام الحادة من كلمات والدته وأصاب عقله، الذي ترنح وفقد السيطرة على نفسه، فبدا وكأنه يهذي ولكن بصورة شرسة:
- لا بقى ولا عاش ولا كان اللي تعمل فيا كده، وهتجوز عليها غصب عنها وعن أبوها.
زمت والدته شفتيها بضيق بالغ، وحاولت النبش أكثر داخله ليخرج ما يحاول إخفاءه:
- ما هو بصراحة انت مابتقولش سبب مقنع، هي يسر قصرت في حاجة، لو قصرت قولي وأنا اتكلم معاها مرة واتنين لغاية ما تتعدل معاك، لو ماتعدلتش يبقى تنفذ اللي انت عايزه.
ألزم لسانه الصمت أمام حديث والدته المبطن بأمور عديدة، وحده يعلم دواخلها، لذا لم ينسق خلفها، ولم يعب بزوجته، فقال بنبرة خشنة:
- يسر مفيهاش أي عيب، ده اتفاق ما بينا وقولتلها أنا في يوم من الأيام هنفذه ماتجيش هي وترفض أنا مش لعبة في ايدها، ومن الأخر أنا حُر اعمل اللي أنا عايزه.
- لا يا نوح احنا اهلك بردو ولازم نسألك وتريحنا احنا يهمنا....
- يهمكوا مصلحتكم وبس، خايفين اكون حبيت واحدة تانية وتكوش على كل حاجة وتقفل حنفية الفلوس عنكم، محدش فيكم يهمه مصلحتي ولا حد فيكوا بيفكر فيا، أنا فين؟ بعمل أيه؟، تعبان؟، مرتاح؟ ولا بهبب أيه؟، أنا آخر واحد تفكروا تسألوا عليه، بس أول حد تفكروا فيه لو احتاجتوا فلوس ولا مصلحة، اراهنك لو قولتلهم مثلاً أنا هتجوز على يسر كلهم هيقولوا آمين، محدش هيتعاطف معاها رغم إنكم ماشوفتوش منها إلا كل خير، فكرك مثلاً حد من اخواتي هيفكر يصلح ما بينا لا هما مالهمش دعوة، بس اللي أنا متأكد منه، إنهم باعتينك يا ماما عشان تطمني وتعرفي مين بالظبط اللي هتجوزها مش صح؟!
تساءل مستنكرًا في آخر حديثه الصادم لوالدته، بعدما سلط الضوء على جزء كبير من الحقيقة، فاستكمل دون أن يعطي والدته أحقية الرد:
- حتى أنتي يا ماما جاية عشان صورتك بس قدام الحاج فاضل ومراته، مايهمكيش يسر زي ما أنا شايف في عينك أني مثلاً كنت اعملها واتجوز من غير ما اعرفها صح؟! عارفة أيه المشكلة؟ أني عارف كل واحد فيكم على أيه وبيفكر في أيه!.
ابتلعت والدته غصة بحلقها وهي تنظر إليه بجمود، فلم تجد مبررًا واحدًا للرد على حديثه، بسبب تصرفات أولادها بحقه وحماقتهم بعض الشيء، وأنانيتهم المفرطة بحق أنفسهم، وللأسف، هي أيضًا تحمل عبئًا كبيرًا في اتساع تلك الفجوة بين جميع أولادها.
- طالما أنت شايف كده يا نوح، يبقى خلاص مفيش كلام تاني يتقال، عن أذنك، ربنا يهديلك حالك يا ابني.
وقف جامدًا يستقبل عتابها بصدر رحب بعدما نجح في إفشاء جزء بسيط مما يكمن في صدره من ندبات موجعة له طيلة حياته، لقد سأم من دور ماكينة السحب، فهو إنسان ويحمل مشاعر وطاقة، لذا سلط الضوء الأخضر على ما يعانيه منهم:
- ابقي سلميلي عليهم وقوليلهم اشغلوا نفسكم بحياتكم محدش له دعوة أنا بعمل أيه!
وقفت والدته على أعتاب باب العيادة ترمقه بعدم رضا:
- ما تقطع علاقتك بينا أحسن عشان نريحك.
- ماقدرش اعمل كده، وبعدين أنا عندي استعداد اتحمل أكتر من كده عشان خاطرك أنتي، وأنا زي ما أنا موجود لو حد فيهم احتاج حاجة مايترددش.
ابتسمت والدته ساخرة وهي تردف بنبرة حاولت تحجيم الحنق فيها:
- خاطر أيه بقى!، ده أنت دشملت خاطري وخاطر الجيران يا دكتور، مع السلامة.
أغمض عينيه بنفاد صبر، وغضب جامح يجتاح كيانه بأكمله من تصرفات فاضل، التي فاقت تصرفات زوجته جنونًا، لكنه يدرك تمامًا أنها مجرد خطوة من والد يسر لإثارة البلبلة حوله، ونثر فضائحه بجرأة كي يقدم على الطلاق، ولكن ما فعله زاده عنادًا وتحديًا بالغًا.
***
بإحدى المناطق الشعبية..
راقبت حسناء خروج واحد تلو الآخر من المكان المخصص لوالدتها لاستقبال الجيران داخل مقرها، حيث تمارس الشعوذة وتدعي أنها تملك قبيلة كاملة من الجن تفعل لها ما تشاء!
نفد صبر حسناء، واضطرت للدخول قبل أن يدخل أحد آخر، وهي تصيح بنزق:
- جرى أيه ياما هو أنا هاخد دور زي الناس المعتوهة دي، بقولك من الصبح عايزاكي.
رفعت والدتها الغطاء المثبت على وجهها، تخفي ملامحها الشيطانية، وصوتها الخشن ينطلق في الأجواء القاتمة من حولهما:
- بقولك أيه يا بت الناس دي هي اللي بتدينا الفلوس عشان نجيب الهم وناكل ياختي.
اقتربت منها حسناء، وصوت فحيح يخرج منها يلفح وجه تلك الماكرة:
- اسمعي يا ماما لو ركزتي بس كلامي، ووفرتي كل جهدك تعمليلنا عمل حلو كده من ايدك الاتنين دول، هعرف اوقع واحد سُقع على قلبه فلوس قد كده، ويرحمنا من القرف اللي أحنا فيه ده.
تحمست والدتها، واندلع فتيل المكر في حدقتيها وهي تستمع لـ حسناء التي قالت بتروٍ:
- أنا عرفت كل حاجة عن الدكتور اللي بشتغل عنده، هو ومراته خلاص قربوا يتطلقوا، ودي فرصة ياما اتدخل ما بينهم، انتي بكام عمل حلو كده منك احطه في العيادة يمنعه من إنه يرجعلها، وأنا بقى بحلاوتي هشغل عقله وتفكيره واخليه يتعلق بيا.
- طيب قوليلي كده كل حاجة سمعتيها عنه وعرفتيها عن مراته عشان وأنا بعمل العمل اعمله صح وبمزاج، بس اطلعي الاول طردي أي حد برة.
انطلقت حسناء تهرول بحماس لتنفيذ أمر والدتها، وداخلها يستعد لدخول الملعب وتغيير مجرى اللعبة في اللحظات الأخيرة، معتقدة أنها ستحظى بالجائزة دون بذل مجهود إضافي، كانت طيلة الأيام السابقة تصوب أهداف أنوثتها وجمالها بكل مهارة وبراعة، ولكن ينقصها فقط الهدف الأخير، ألا وهو الزواج به.
****
في منزل الشعراوي...
جلس الجميع في الصالة بعد تناول العشاء، فانشغل زيدان ومليكة باللعب مع أولاد سليم، بينما انفرد سليم ويزن جانبًا وظلا يتحدثان بخفوت تحت أنظار شمس التي تراقب كل شيء بينهما عن كثب.
فمال يزن على سليم وهمس بحماس مفرط:
- صورتك عاملة قلق يا سليم على السوشيال ميديا، من بكرة مش هتلاحق على الزباين.
ضيق سليم عينيه بعدم فهم لحماسه المفرط، فرد بنفس النبرة الخافتة ولكنها مستنكرة:
- هو حد قالك أنا مش لاقي أبيع، اخوك مسيطر على السوق، وبعدين صورتي هتجيب الزباين ليه يعني!
رمقه يزن بعدم رضا وهو يقول همسًا:
- خيرًا تعمل شرًا تلقى، ده بدل ما تشكرني على أسلوب الدعاية والاعلان الجديد بتاعي، ومتخافش أنا عملت لشمس مراتك بلوك عشان ماتشفش حاجة.
ارتسمت الصدمة على ملامح سليم، لكنه استطاع السيطرة عليها كي لا يجذب الأنظار نحوهما:
- انت اتجننت ازاي تعمل كده؟
- امال أسيبها تشوف تعليقات الجنس اللطيف على صورك وقد أيه انت خطير وعينك مفيش منها، ماعرفش الصراحة على أيه مع أنها نفس لون عيني عادي يعني، ووسامتك اللي خطر على الكوكب، مع إن أنا بردو مستغرب لأني أحلى منك انت وزيدان بكتير، بس أهو البنات دي دماغهم تعبانة محدش يركزلهم.
كاد سليم يصيح بغضب، لكنه ألجم نفسه في اللحظة الأخيرة وهتف بأمر ناري:
- فورًا تمسح صوري فورًا، يا أما....
ابتسم يزن بسماجة وقاطعه قائلًا:
- مابقاش ينفع يا أبيه صورتك اتشيرت خلاص، انت بقيت مشهور مش بعيد تطلع مع منى الشاذلي، وتحكيلنا قصة كفاح سليم الشعراوي، دي هتبقى حلقة جنان بس هتبقى تريند لو اخدوني أنا مكانك.
عض سليم على أصابعه بقوة وغيظ، محاولاً التحكم بنفسه بشتى الطرق، خطف نظرة إلى شمس التي وجدها جالسة بنظرة متوعدة، تحاول كشف جلسة الأسرار بينه وبين أخيه المتهور، استمع بعدها لهمس يزن وكلماته التي نجحت في التلاعب بعقله:
- حلو خليها تعرف وتغير، ماتخافش...
نظر إليه سليم باستهجان، فأكمل يزن كلامه:
- مين منا مابيخافش وخصوصًا لو كان مهدد بالقتل، بس صدقني أكتر أحساس ممتع ممكن تحس بيه وأنت بتشوف مراتك بتولع من الغيرة، ويا سلام لو شميت ريحة الشياط اللي أنا شاممها هتتبسط على الآخر.
- ويا سلام لما نتطلق، انت هتبقى مبسوط أكتر.
قالها سليم ساخرًا، فابتسم يزن بتهكم وأردف بشقاوة:
- اللعيب الصح اللي يجنن مراته عليه وفي الآخر ميخسرهاش، وبعدين بذمتك مش نفسك تحس مرة إنها بتموت من غيرتها عليك، غير روتينك مش كل مرة انت اللي خانقها، جدد نشاطك.
- يزن أنت آخر واحد ممكن اسمع منه نصيحة، فلم نفسك واسمع الكلام وامسح صوري، أنا على أخر الزمن هبقى مهزئة السوق.
أنهى سليم حديثه بعدم رضا، ونهض موجهًا حديثه للجميع:
- أنا طالع تصبحوا على خير.
ترك شمس خلفه تنظر إلى أثره بشرود، يتخلله نيران الغيرة التي بدأت تلتهم جزءًا من عقلها، انتقلت بنظراتها إلى يزن الذي سارع بتمثيل الإرهاق ونهض قائلًا:
- ياااااه الواحد طول اليوم مرهق وتعبان تصبحوا على خير.
فر هاربًا إلى غرفته، وأغلقها بإحكام بعدما قرأ بوادر شمس لحصاره، ابتسم متخيلًا جزءًا من الحصار الذي سيكون فيه سليم عندما تصعد شمس، وهمس ضاحكًا:
- بيعمل علينا دراكولا وهو معاها سولي.
***
في اليوم التالي...
راقب يزن خطوات سيرا منذ أن هبطت من الحافلة وسارت بهدوء في الطريق المؤدي إلى البرج، لكنها انحرفت ودخلت إلى محل البقالة الكبير، دخل خلفها، متتبعًا خطواتها بحرص، عازمًا على الانفراد بها بعيدًا عن أعين الناس ليوبخها بعتاب عما فعلته به بالأمس، التفتت هي ناحيته، ترمقه باستنكار متعمد:
- انت شكلك عايز تخطفني صح؟ ماشي بتتسحب ورايا ليه؟
- والله؟!
قالها باستنكار مماثل، راسمًا على وجهه إمارات العتاب، فردت هي ببرود مقصود وابتسامة مستفزة:
- خير يا أستاذ يزن على الصبح؟
رفع حاجبيه معًا وظل ينظر إليها بصمت، محاولًا كشف الغموض المحيط بها، حركت رأسها بمعنى "ما بك؟" فعقد ذراعيه أمامه وقال بحسم جديد على نبرته معها:
- ممكن اعرف عملتي كده معايا ليه امبارح؟!
رمشت بأهدابها عدة مرات وسألته بعدم فهم، وقد ارتسم فوق ملامحها المشرقة:
- أنا؟! عملت أيه؟!
همس بصوته كي لا يجلب الأنظار إليه وقال باعتراض واضح:
- هتستعبطي صح؟!
رفعت أحد حاجبيها باحتجاج، وانطلق لسانها يشتد بحزم:
- لا بقولك أيه الزم حدودك معايا، أنا مابحبش الطريقة دي في الكلام، هتكلمني كده هسيبك وامشي، لو كان عندك حاجة قولها، ماعندكش يبقى سلام.
كادت تغادر موقعهما، لكنه أمسك بمرفقها سريعًا، فسرت رجفة كهربائية بجسدها جعلتها تنتفض مبتعدة عنه بخطوتين، تنظر إليه بغضب يكمن أسفله ارتباك قوي عقب لمسته لها، بينما هو، بتلقائية شديدة، لم يقصد أي شيء، بادر بالأسف، متغافلًا عن مشاعره التي ثارت بجنون لرؤية الاحمرار الساكن في وجنتيها عقب لمسته البسيطة:
- أنا أسف ماقصدش حاجة، بس يعني أنا اتضايقت لما نتكلم ونتفق إننا نتقابل وماتجيش من غير ما حتى تعتذري، فدا ضايقني و....
قاطعته سريعًا راسمة الصدمة على وجهها:
- أيه حيلك حيلك، أنا عملت كل ده؟
- امال أنا! أيوه انتي طبعًا، مش أنا كلمتك امبارح على الماسنجر وقولتلك عايز اتكلم معاكي وانتي رديتي؟
- أنا!
قالتها باستنكار ملحوظ، فاستكمل حديثه بتعجب:
- وقولتلك على مكان الكافية والمعاد وانتي وافقتي..
ظل الاستنكار مترسخًا في ملامحها وصوتها:
- أنا!
- أيوه أنتي!
قالها وهو يسارع بإخراج هاتفه، ثم وضعه أمامها وسأل بنبرة رخيمة يحاول بها إخفاء إحراجه:
- مش ده أنتي؟
نظرت إلى الهاتف لثوانٍ، ثم ابتسمت ابتسامة مهزوزة:
- ده طلعت أنا فعلاً.
حمحمت بحرج مقصود وهي تنظر إليه باستعطاف لما بدر منها بطريقة غير مقصودة:
- بص حاول تفهمني، أنا عندي شياطين كتير في البيت بيمسكوا تليفوني...
استوقفها سائلًا بمزاح لتخفيف حدة الموقف المحرج بينهما:
- دول بردوا اللي بياكلوه الجبنة الرومي من وراكي؟!
ازداد عبوس وجهها وهي تقول:
- انسى الجبنة الرومي دلوقتي، خلينا في كلامنا، هما دول اللي عملوا كده، وبعدين مجاش في بالك ليه برد بـ لايك، ما اتكلم معاك، مجاش في بالك إن في حاجة غلط مثلاً!
مط شفتيه محاولًا إخفاء انزعاجه عندما ظهر بصورة حمقاء أمامها:
- يعني قولت يمكن مكسوفة...ولا انتي مابتتكسفيش؟!
فتحت فمها للرد عليه، لكنه سارع بالضحك مقاطعًا حديثها:
- خلاص بهزر، أيه مابتهزريش؟
- مابهزرش مع اللي ماعرفهمش!
ردت بحدة لا تزال تسكن طرف لسانها، فقال بنبرة مازحة مصحوبة بابتسامة شقية تخصه وحده:
- طيب ما تتعرفي عليا، عشان ماتبقيش قفوشة كده معايا، أصل أنا جو الكآبة ده ماياكلش معايا، مابستحملهوش بيجيلي heart attack على طول.
لانت ملامحها عن قصد وهي تسأله بنبرة رقيقة تركت أثرًا لذيذًا في نفسه:
- أيه ده، أنت عايز تتعرف عليا؟!
التقط يزن الفرصة كالصياد الماهر، وغرز أول بذرة في حديثه اللبق:
- طبعًا وعشان كده طلبت اقابلك امبارح بس الله يسامحهم بقى آكلي الجبنة الرومي، ولو يعني ماعندكيش مانع يا ريت نتقابل النهاردة.
نظراتها أربكته، فقد عجز تمامًا عن فك شفراتها، لكنه فوجئ بابتسامة جميلة التصقت بثغرها الخالي من أي مساحيق تجميلية، مما زاد إعجابه بها:
- تمام مفيش مشكلة، ممكن نروح سينما؟
لمَ يشعر وكأن هناك خطبًا ما بسبب سهولة موافقتها؟ على ما يبدو أنها ليست كما تبدو! لكنه رمى بأفكاره السلبية خلفه وبادر بالموافقة السريعة:
- تمام، هحجز تذاكر فيلم كريم عبد العزيز الجديد، وهستناكي الساعة ٨.
رمشت بأهدابها عدة مرات مع ابتسامة ناعمة وصوت يغمره الغنج:
- اوك، اشوفك على خير.
تركته وغادرت، بينما ظل هو ينظر إليها حتى اختفت عن أنظاره، فبالرغم من إخفاقه في المرة الأولى، إلا أنه نجح أخيرًا في مد جسر التعارف بينهما، لم يكن يتوقع أن يحصل على موافقتها بهذه السهولة، وهمس بحماس:
- ما طلعت سهلة اهي امال أنا كنت مستصعبها ليه؟!
أما هي، فسارت في طريقها إلى عملها بابتسامة كبيرة تحتل وجهها، بعدما نجحت في خداعه وإقناعه بأنها لا تعرف شيئًا عن أمر المحادثة، وها هي تحيك له حيلة أخرى ستصعقه حتمًا حين يصطدم بها، نظرت إلى الساعة في يدها، متمنية أن تمر الدقائق بسرعة البرق، ثم قامت بالاتصال بشخص ما، والمكر يحلق في أفق عينيها.
رواية غناء الروح الفصل الثالث عشر 13 - بقلم زيزي محمد
انتقلت بنظراتها في جميع أرجاء الشقة، تراقبه وهو يدلل أطفاله بحنان بالغ، بعدما قرر بشكل غير معتاد اقتناص إجازة مفاجئة من عمله. أثارت تصرفاته في نفسها دوافع الشك، فانتشر القلق في صدرها كانتشار النار في الهشيم، لكنها ظلت ملتزمة الصمت معه، مكتفية بوضعه تحت المراقبة.
رن اتصال آخر، فابتعد عن ابنته وذهب بعيدًا عنهم، ليجيب بصوت خفيض على غير عادته. احتدت نظراتها وهي تقرر ألا تتحرك من مكانها، مكتفية بمتابعته بعينيها، بينما هو رغم إعطائه ظهره لها، شعر وكأن سهامًا حادة مصوبة نحوه. زفر بخفة، قائلاً بصوت جاد لكنه خافت:
"يعني كويس إني ماجتش النهاردة؟!"
أجاب الموظف بتنهيدة قوية:
"طبعًا يا سليم باشا، أنت مالكش في الجو ده، وأنا كنت متأكد إنك لو كنت جيت وشوفت كمية البنات اللي جاية تبص..."
حمحم الموظف بحرج مستكملاً:
"اقصد تشوفك، كنت زمانك مخلينا قافلين المحلات كلها!"
زفر سليم زفرة قوية، وكانت أسوار ثباته وهدوئه على وشك الانهيار، فتمتم بحقد وضيق:
"الله يخربيتك يا يزن."
ثم تابع قائلاً:
"أنا مش عارف عملت أيه في نفسي!"
"يا باشا هو مش حاجة غلط، يعني صورك اللي يزن باشا منزلها عادية خالص بس واضح إن كارزميتك عالية شوية، وبعدين أنا نسيت اقولك نص الصاغة عملت زيك يا باشا، انت الأساس وهما التقليد."
رفع سليم أحد حاجبيه قائلاً بحدة:
"أيه يا بني، أنت بتكلمني كده ليه؟! انت فاكرني فرحان لما الناس تيجي تبص لي هو أنا سلعة في الڤاترينة!"
"يا باشا على فكرة ما شاء الله الايرادات عالية جدًا النهاردة في كل المحلات، أنت فاكر انهم بيجوا وبيمشوا، لا ما شاء الله بيشتروا، بس يعني انت ماكنتش هتستحمل حد يبصلك أو يحاول يكلمك."
أخرج سليم تنهيدة ثقيلة من صدره، ثم قال بجدية:
"قولي أول بأول كل حاجة، ولو الصور دي اتمسحت عرفني، وأنا هشوف يزن ممسحهاش ليه! سلام."
أغلق الهاتف واستدار، فتفاجأ بشمس تقف خلفه مباشرة. رسم ابتسامة صغيرة على شفتيه، ثم مد أصابعه ليداعب وجنتيها بلطف:
"واقفة زي المخبرين ليه كده!"
"مرحتش الشغل ليه النهاردة؟!"
خرج سؤال مباشر من أعماق نبرتها المظلمة، فتجاهل حدة ملامحها وتحرك نحو طفليه وهو يجيب:
"ما قولتلك، حسيت إن أنا مقصر معاكم فقولت اقعد معاكم النهاردة، على فكرة دي تالت مرة تسأليني، هو أنا قعدتي تقيلة لدرجادي على قلبكم؟!"
تغاضت عن الإجابة عن قصد، ثم وجهت سؤالًا يحمل في باطنه شكوكًا متوهجة:
"وانت مش واخد بالك إني لغاية دلوقتي مش مقتنعة أصلاً بإجابتك؟!"
استدار يرمقها بنظرة استخفاف متعمدة، وسألها بتهاون أشعل فتيل غضبها:
"بجد؟! ماخدتش بالي خالص، المرة الجاية هاخد بالي!"
كتمت أنفاسها بصعوبة، وعيناها أفصحتا عما يدور بخلدها من شكوك نحوه. للحظة، شعر بلذة غريبة بسبب شعلة غيرتها، وبدأ عقله يميل إلى حديث أخيه المجنون. حاول إقناع نفسه: لماذا لا يستمتع قليلًا بغيرتها عليه؟ لكنه لم يدرك أن جحيم غيرتها سيدفعه نحو غيابة الجب، متجاهلاً اعتقاده بأن أصعب المعارك التي يخوضها العاشق هي معركة الغيرة، فإن نجا منها، اقتنص من الحب فرصة أخرى. "فكن سطحيًا ولا تقترب من أعماق العشق المظلمة!"
اتخذت شمس من غرفتها مقرًا سريًا، تبحث في هاتفها عبر وسائل التواصل الاجتماعي عن تلك الصور التي سمعت عنها، لكنها لم تجد شيئًا. زفرت بحنق وتركت لنفسها دقائق طويلة لتختلي بأفكارها علها تجد حلاً لفك شفرة أحاديثه منذ الصباح مع موظفيه.
قررت استخدام هاتف آخر غير هاتفها، فانطلقت تبحث عن مليكة في الطابق السفلي، لكنها لم تجدها. زفرت بضيق، ولم يهدأ عقلها حتى استعانت بهاتف منال، الذي تركته بإهمال في الصالة. بدأت البحث على الإنترنت هنا وهناك، حتى توصلت أخيرًا إلى صفحة جديدة باسم زوجها، تحمل صورًا حديثة له مدونة عليها عبارات موجهة لسوق الذهب مع عناوين لمحلات الشعراوي.
جذب انتباهها الكم الهائل من التعليقات المنبهرة بصور زوجها، حتى إن فتيات عدة شاركن الصور. توسعت عيناها بغضب حين قرأت تعليقًا له يشكر فيه إحدى الفتيات على تعليقها الجميل:
"شكرًا يا جميل"
كشرت عن أنيابها وركضت بسرعة صاروخ نووي نحو شقتها. عندما وصلت، وجدته يداعب قمر وأنس معًا. أبعدتهما عنه، وحملت قمر وطلبت من أنس أن يتبعها دون أن تنطق بكلمة واحدة.
سألها بعدم فهم:
"شمس، واخدة العيال فين؟!"
استدارت شمس قبل أن تغادر شقتها ووجهت كلمة واحدة مكتومة بغضب:
"ثانية واحدة وجيالك."
رفع سليم حاجبيه معًا بتعجب من تصرفها، دون أن يدرك حجم ما ينتظره. وفي هذه الأثناء، توجهت شمس مباشرة بأطفالها نحو شقة مليكة، وطرقت الباب، وبعد لحظات، فتحت مليكة الباب ورحبت بها بحفاوة:
"شموسة تعالي، ادخلي."
"لا خدي عيالي شوية وجيالك..."
التقطت مليكة الطفلة الصغيرة من يديها وهي ترحب باستضافتهما بحب. ظهر زيدان من خلف الباب قائلًا بابتسامة:
"تعالي ادخلي يا شمس! في حاجة؟!"
ردت شمس بنبرة صارمة ودون أن ترتسم أي ابتسامة على ملامحها على غير عادتها:
"لا."
قبل أن تغادر، سألتهما بحرج انبثق وسط توهج مشاعرها:
"هو أنا عطلتكم عن حاجة؟!"
سارعت مليكة بقولها:
"لا أبدًا يا حبيبتي، براحتك خالص، سيبيهم معايا اليوم كله، أنا فاضية ولا يهمك."
هزت شمس رأسها عدة مرات تعبيرًا عن الامتنان، قبل أن توجه بصرها نحو زيدان، الذي كان يتولى مداعبة قمر بحب. رمقته بنظرة غاضبة، فرفع زيدان حاجبيه معًا باستنكار، ثم تابع مداعبة الطفلة.
عندما غادرت شمس الشقة، سأل زيدان زوجته بفضول:
"هي شمس مالها؟!"
"ماعرفش أنا بردو حاسة إنها متغيرة!"
في شقة سليم.
كانت المواجهة على وشك الانهيار، حين استفزها سليم قائلاً:
"ما قولتلك أنا ماعرفش حاجة عن الصور دي، أكيد مابكذبش يعني!"
ردت بهدوء عكس ما توقعه، وهو يجلس أمامها وكأنه في جلسة اعتراف:
"وتعليقاتك اللي بترد فيها على البنات! دي كمان ماتعرفش عنها حاجة!"
وضع ساقًا فوق الأخرى بغروره المعتاد، غير آبهٍ بما يدور في خاطرها من توعد وأمور انتقامية لم تطرق أبدًا ببالها من ناحيته. "لا تستفز مشاعر أنثى، فأنت لا تتخيل حجم جحيم غيرتها!"
"زي ما أنا ماعرفش حاجة عن الصور، أكيد ماعرفش حاجة عن التعليقات!"
تركت مكانها في لمح البصر، واختصرت المسافة بينهما حين انحنت بجذعها العلوي نحوه، مشيرةً نحو صدره، ولهيب أنفاسها يلفح وجهه، بينما نظراته الباردة تراقبها بلا مبالاة:
"انت فاكرني هبلة ولا عبيطة، هو في حد يقدر يعمل كده من غير إذنك وموافقتك."
"لا فيه، يزن."
أجاب ببساطة وصدق، فضيقت عينيها بتهديد، وسؤالها صدح في الأجواء المشحونة من قبلها، بينما ظل هو باردًا ينظر إليها باستمتاع:
"امممم يزن، قولتلي! وأنت بقى راضي عن المهزلة دي؟!"
أبعد خصلة من شعرها المتناثر حول وجهها، وكأنه يساندها في ثورتها عليه، ثم سألها بهدوء، والاستنكار يلتف حول صوته:
"مهزلة أيه؟! دي مجرد صور بسيطة في مكتبي يعني!"
مدت أصابعها تداعب وجهه في حركة أشعرته بالقلق، لكنه التزم الصمت أمامها، وهي تردد:
"بس متاخدة بزاوية معينة عشان تبين وسامتك والبنات يعجبوا بيك صح؟!"
"الموضوع أبسط من كده يا حبيبتي!"
قالها بنبرة عاشقة، وهو يبتسم ابتسامة صافية بقدر صفاء مشاعره نحوها، فقالت هي باستهجان قاسٍ:
"حبيبتك!"
هز رأسه وجذبها بسرعة لتجلس فوق ساقيه، ثم عد على أصابعه باستمتاع لطيف:
"وقلبي وحياتي وما بحبش غيرها...."
أمسكت أصابعه بين قبضتها الصغيرة، وأوقفته عن محاولاته لإلهائها عما تريد الوصول إليه.
"انت بتخوني؟!"
"ماقدرش اعمل كده، مفيش غيرك يملى عيني."
رده كان سريعًا لدرجة أدهشتها، فرمشت عدة مرات محاولة استيعاب ما حدث، بعدما فشلت في إدراك حجم التغيير الطارئ عليه:
"سليم أنت متغير اوي! وأنا أعصابي تعبت بجد."
دمعة خانت حاجز عينيها وسقطت فوق وجنتها، مسحتها سريعًا تخفي ضعفها الذي ظهر بوضوح له، وما أغاظها ابتسامته الواسعة، رغم جاذبيتها المفرطة:
"انت بتضحك على أيه؟!"
"اسمها انت مبسوط من أيه؟!"
رفعت حاجبيها معًا، تجيب بنبرة متحشرجة:
"يا سلام ودي تفرق؟!"
"طبعًا، مبسوط عشان شايفك غيرانة عليا، مع أني ماليش أي يد في الحوار ده؟!"
كان يردد كلماته بنبرة مغموسة من دورق العشق، وعيناه تضيئان بلمعة فريدة، وكأنه امتلك الدنيا وما فيها، أما ملامحه، فكانت مسترخية، ونظراته تجوب وجهها الجميل، الملون بحمرة طفيفة دومًا تصاحبها حينما تنفعل.
"يعني أنت متفق مع يزن تعملوا الحوار ده عشان اغير عليك يا سليم؟!"
كان صوتها مليئًا بالعتاب، فرد بنفي قاطع، وهو يقول بصدق خرج من خشونة قوية التصقت بصوته حين هاجمته بادعاء مثل هذا:
"لا طبعًا، أنا ماليش في الشغل ده أساسًا وانتي عارفة كده، الموضوع كله جه صدفة!"
صمتت وتركت له المساحة الكاملة بهدوء تام كي يستكمل حديثه. في داخلها، كانت تسلم بصدق حديثه حينما سرد ما دار في خلده طيلة الأيام السابقة:
"كانت فكرة زي الزفت لما فكرت استعين بيه واشغله شوية فوق شغله بحيث مايفكرش في البنات اصلاً، وماعرفش إنه هيعمل فيا كده، الباشا بيعاندني وفاهم كويس أنا عايز ابعده عن أيه، فحب يعمل عليا صايع ويعلمني الادب عشان ابعد عنه، مايعرفش إن أنا نفسي طويل ومش هتنازل عن إنه يعقل ويتهد."
هزت رأسها بتفهم، ثم نهضت عنه بهدوء دون أن تعقب على حديثه، لكن في داخلها، لم ترضَ بما حدث، فلا زالت أحاسيسها تحترق بنيران الغيرة، ومع ذلك، كتمت كل ذلك بصعوبة داخلها، واكتفت فقط بأنه أخلى مسؤوليته عن هذا العبث!
أما سليم، فقد راقب ابتعادها عنه وصمتها المبالغ فيه، فقرر قطعه بسؤاله الخشن:
"مش مصدقاني؟!"
"لا مصدقاك، بس أكيد يعني مش مبسوطة باللي حصل!"
قالتها بهدوء، وهي تبعد خصلات شعرها عن وجهها الجامد بتعابير صامتة، وكأنها تضع وشاحًا يخفي أسفله حقيقة ما تتلظى به. اقترب منها، أمسك كفيها، وقبل باطنهما بحب، ثم سألها ببسمة عاشق أنهكه الهوى:
"طيب أيه يرضيكي واعمله!"
لانت ملامحها قليلاً، محاولةً أن تثبت حبها له المنسوج بخيوط الثقة والصدق:
"أنا واثقة فيك وعارفة إن قلبك عمره ما يحب غيري، بس يعني تعليقات البنات مش ظريفة وإنك ترد عليهم ده عيب في حقي وبعدين الناس هيتكلموا في حقك...."
قاطعها وهو يصحح لها:
"قولتلك مش أنا اللي علقت عليهم، أما بقى منظري فده مايهمنيش عشان مابيفرقش معايا، كلام الناس ده آخر همي، بس طبعًا اللي يفرق معايا، هو أنتي، عشان كده اتضايقت إن يزن عملك بلوك ونزل صوري من الأساس، مكنتش حابب اضايقك لأني كنت عارف أيه اللي هيحصل!"
قال آخر جملته بغرور، ثم عاد بظهره يستند على مقعده بعنجهية تليق به وحده، مع ابتسامة تدلت من حافة شفتيه، جعلت عينيها تتوسع بحماقة وهي تنظر إليه غير مصدقة:
"ياااه واثق اوي من نفسك أنت يا سليم!"
"طبعًا مش سليم الشعراوي، لازم اكون واثق في نفسي، شكلك مش عارفة قيمة جوزك."
رد بتعالي ممزوج بنبرة تسلية، هزت رأسها وهي تضحك تخبره بحنق انبثق رغمًا عنها من ثوران مشاعرها:
"لا للأسف مكنتش مقدرة حجم وضعك يا سليم باشا، بس تصدق أنا لو منهم مانبهرش بالصور دي، أيه يعني راجل عادي قاعد حاطط رجل على رجل بغرور وبيبص من غير مايبتسم، أيه الوسامة في كده مش فاهمة! بنات مابتفهمش، ماعرفش أيه الانبهار في كده!"
ضحك ضحكة ساخرة عقب حديثها، جعلتها تقبض كفها بقوة، لكنها احتفظت بقناع الغموض أمام حصاره لها:
"هو بعيدًا إن أنا شامم ريحة شياط منك، وعينك بتقول عكس كده، ممكن اسألك أيه هو الانبهار من وجهة نظرك، من باب التسلية مش أكتر!"
فتحت فمها تحاول إغاظته وإشعال شعلة الغيرة لديه هو أيضًا، لكنه كان أسرع منها حين هددها بنبرة قوية شرسة جعلتها تتراجع عما كانت تقدم عليه:
"وان فكرتي تضايقني وتثبتيلي إنك معجبة بحد غيري، وإن أنا مش استايلك والكلام الفارغ ده، هتزعلي مني جامد يا شمس، عشان انتي عارفة ماعنديش هزار في الحتة دي بالذات."
نهضت تقترب منه في غنج متأصل في طباعها معه، ومالت عليه في دلال تخبره بذكاء أنثوي حاد:
"وأنا كمان ماليش في الجو الرخيص ده، عشان أنت عارف إنك مالي عيني وقلبي يا سولي، هو في حد يبقى متجوز من سليم باشا الشعراوي ويفكر يعجب بحد تاني! رغم أنا زعلانة منك عشان خبيت عليا، واحنا مش متعودين على كده!"
ابتسم ابتسامة واسعة وهو يغمرها بقبلات صغيرة فوق صفحات وجهها كتعبير بسيط عما يشعر به من تخبط في مشاعره، وكأنه مراهق استمع لعبارة إعجاب لأول مرة، فقال بصوت خافت دغدغ مشاعرها:
"حقك عليا! بس ماحبتش اشغلك بالتفاهات دي!"
ابتسمت بدلال، وهي تمسك بذقنه بطرف أصابعها، تلتحم مع نظراته في ملحمة العشق والهوى:
"خلاص سامحتك يا أحلى سولي، بس ليا طلب صغنن."
"قوليه من غير سولي، بتموعلي نفسي يا شمس."
تجاهلت حديثه عن قصد، وقالت ما كانت تتمناه في الفترة الأخيرة، تقتنص موافقته الحتمية في تلك اللحظة، متأكدة أنه لن يرفض لها طلبًا:
"نفسي اروح سينما يا سولي، ممكن نخرج أنا وانت بس النهاردة؟!"
"سينما؟!"
تساءل باستنكار ملحوظ، فهزت رأسها تستعطفه، والحزن المصطنع يغمر وجهها ونظراتها التي شابهت نظرات قمر ابنته. داعبت قلبه بلطف، تجاهل كل هذا الضغط، ورد بصرامة:
"لا ماليش في الكلام ده، ماتطلبيش كده مني تاني، ممكن نروح مطعم."
نظرت إليه بوجهٍ عابس وعدستيها يغمرهما التحدي لما تتمناه في تلك الفترة.
لم تعلم متى غرقت في نومها لدرجة أنها تقلبت بين كوابيس بشعة، زادت من ظلمة فؤادها المسكين. سرت رجفة في جسدها، وهي تتقلب في فراشها يمنيًا ويسارًا، تبحث عن مأمن من تلك الأحلام القاسية، ولكن برودة جسدها جعلتها تعود تدريجيًا إلى أرض الواقع، ففرقت جفنيها بصعوبة بسبب ما أصابهما من انتفاخ نتيجة بكائها الذي لم ينقطع حتى أثناء نومها.
لكن لماذا يتردد في أذنيها صوته؟ حاولت هز رأسها، تفرض سيطرتها على عقلها في نسيانه ولو لفترة قصيرة، تستعيد بها ذاتها، كي لا تقع أسيرة في قلعته للأبد. مالت نفسها للتحرر والفرار بما تبقى لها من ذاتها، كي تحاول إصلاحه بعيدًا عنه وعن علاقة أيقنت أنها أصبحت مرضية ومزعجة!
"أنا مش ههدى خالص يا حاجة أمل لو سمحتي، أنا عايز مراتي."
التفتت بوجهها بصدمة بالغة نحو باب غرفتها، تحاول جذب أطراف التركيز بعدما انفلتت من يدها، وبعد ثوانٍ، استمعت لصوت والدتها تحذره بنفاد صبر:
"يا نوح اللي أنت بتعمله غلط وماينفعش."
إلى هنا، نهضت بفزع كمَن لسعه عقرب سام، وتوجهت دون دراية بنفسها وبما ترتديه من قميص بيتي قصير يصل لركبتيها بلون زهري، وشعرها مسدل فوق ظهرها بفوضوية بالغة. فتحت باب غرفتها بقوة، غير مصدقة وجوده، فقالت بصدمة:
"نوح؟!"
التفت لمصدر الصوت، وتضاربت مشاعره عندما رآها بهذا الشكل الذي خطف أنفاسه لرحلة قصيرة، خرج منها سريعًا حين صدمته بقولها الجامد:
"أنت بتعمل أيه هنا؟!"
هنا تحول من سكونه اللحظي واستطاع النجاة من قوقعة غرامه بها، حين قال بجمود مماثل:
"جاي آخدك يا هانم أنتي ولينا عشان ترجعوا بيتكوا، هو أنا مش قولتلك أني مش هطلقك؟!"
"بس أنا مابقتش عايزك."
ردت ببساطة قاصدة استفزازه، ففقد أعصابه لدرجة أن صوته صدح بجنون في أرجاء المكان:
"مش بمزاجك، أنا مش لعبة في ايدك، وقت ما تعوزيها تمسكي فيها ولما تزهقي ترميها، فوقي."
اقتربت منه، وهي لا تبالي بهيئته الشرسة إطلاقًا، ما يتردد أمامها هو رؤيته ومعه تلك الحسناء:
"اعتبرني عيلة وغلطت وبصحح غلطي."
كاد أن يمسك رأسها ليهشمه من شدة غضبه، فكور يده بقوة، يحجم غضبه بقدر ما يستطيع، رد بتهديد:
"حلو هتستحملي تبعدي عن بنتك يا هانم؟!"
ظهر صوت الحاج فاضل في الأجواء فجأة، ويبدو أنه عاد سريعًا من عمله عندما علم من حارس البناية بمجيء نوح، وذلك وفقًا لتعليمات الحاج فاضل له:
"ماتقدرش تاخد بنتي ولا حفيدتي مني يا نوح، وقولتلك قبل كده أنا اللي هقف في وشك!"
ثم استدار نحو ابنته ينهرها بصوت غاضب، يضغط فوق حروف كلماته بكل قسوة، يصفع بها عقل نوح:
"ادخلي استري نفسك، ماتقفيش قدامه كده، ده بقى واحد غريب عنك."
فصاح نوح بتبجح، وهو يشتبك مع نظرات "فاضل" في معركة شرسة:
"غريب مين أنا جوزها!"
رمقه فاضل باشمئزاز، وهو يرمي بثقل كلماته في وجهه:
"مايشرفنيش إنك تبقى جوز بنتي."
مال ثغر نوح ببسمة ساخرة مستفزة، وهو يقول بلا مبالاة مقصودة:
"دي مشكلتك مش مشكلتي، أنا مطلقتهاش ولا هطلقها، مراتي وبنتي هاخدهم بالذوق بالعافية هخدهم منك."
أشار "فاضل" إلى الباب، صائحًا بغضب:
"اعلى ما في خيلك اركبه، ويلا من غير مطرود."
ألقى نوح نحوه نظرة تحدٍ، قبل أن يوجه بصره نحو زوجته الواقفة بسكون تام، تغلق عينيها عما يجري، وكأنها ترفض واقعها الأليم!
غادر نوح رافعًا رأسه، والتحدي يتدلى من حافة عينيه التي صوبها لفاضل وزوجته، التي على ما يبدو أن عدم الرضا يلوح في أفق عينيها، فاستمع لصياح فاضل لها بصوت جهور:
"الانسان ده مايدخلش بيتي تاني فاهمة ولا لأ."
استغلت "حسناء" فراغ غرفة نوح في العيادة، ودخلت بحجة تنظيفها وترتيبها سريعًا قبل أن يعود نوح ويبدأ عمله المتراكم مع المرضى بسبب إجازته المفاجئة بالأمس. أخرجت الأعمال السحرية التي سهرت والدتها المشعوذة على إعدادها بإتقان، ووقفت حائرة تتطلع هنا وهناك تبحث عن مكان خفي لتضع الأعمال فيه، حتى وجدته بالفعل وبدأت بوضعها بسرية تامة، متغافلة عن أمر الكاميرات الموضوعة بزاوية معينة في الغرفة.
سمعت صوت نوح بالخارج، فهندمت ثيابها سريعًا لاستقباله وتظاهرت بترتيب المكتب حتى دخل. ألقى نظرة نحوها يغمرها البرود، ثم توجه نحو كرسيه، يفتح حاسوبه والعبوس يحتل وجهه، متحدثًا بنبرة جادة:
"دخلوا أول حالة، واعملوا قهوة سادة."
لمعت عيناها بوميض الاهتمام، وسألته بنبرة رقيقة:
"مالك يا دكتور حاسة انك مش افضل حالاتك."
رفع وجهه يطالعها بنظرة مستفزة وبسمة سمجة، بعد أن وصلت يسر لمبتغاها وكره صنف النساء بأكمله!
"أنا فعلاً في أسوأ حالاتي، فـ مش عايز أي وجع دماغ، وتلاشوني خالص."
رمشت عدة مرات بحرج، ثم قالت بنبرة مصرة على غمرها في بئر الدلال، علها تسرق انتباهه لهيئتها الجميلة وثيابها الأنيقة وعطرها الفج الذي وضعته بكثرة استعدادًا لرؤيته:
"حاضر يا دكتور، أهم حاجة متكونش متضايق، أنا يهمني إنك تكون مرتاح."
ثم توجهت سريعًا إلى الخارج قبل أن تتلقى توبيخًا آخر منه، بعدما اعتقدت أنها نجحت من وجهة نظرها في وضع أساس خطتها للإيقاع به!
وقفت فاطمة بجانب سيرا في شارع منطقتهما، تنتظران استكمال مجيء عائلة سيرا بعد أن فاجأتهم بشراء تذاكر للسينما متحججة بأخذ أول مرتب شهري لها مقدمًا وتثبيتها في عملها. تظاهرت أمامهم بحاجتها للاحتفال معهم، وحجزت لهم جميعًا تذاكر عدا والدها ووالدتها اللذين يرفضان تلك الأمور. أما زوج شاهندا أصر على ذهابهم بـ"ميكروباص" يملكه صديقه كي لا يكلف سيرا فوق طاقتها، مكتفيًا بذوقها وترفيهها عليهم.
مالت فاطمة نحو سيرا تهمس بعدم رضا:
"يزن ده هياخد صدمة عمره!"
رفعت سيرا أحد حاجبيها باعتراض وهي تقول بخفوت:
"حاسة إنك متعاطفة معاه! انتي من امبارح بتغلطيني من تحت لتحت في أيه؟!"
"أيوه عشان عماله تسوحي في الراجل وهو وقف جنبك كتير وآخر مرة انقذني، مرة تشتغليه وتبعتيه على الكافية يتلسع بالساعتين هناك واتحججتي بعيال اختك هما السبب وإنك ماتعرفيش حاجة! لكن المرة دي يا سيرا هتقوليله إيه ده انتي واخدة الفريق القومي كله معاكي!"
عقدت سيرا ذراعيها أمامها ترفض ما ترمي إليه صديقتها، مُصرة على رأيها:
"ومحدش قاله يفكرني بنت سهلة وعايز يخرج معايا، وبعدين هو أنا هرمي أهلي عليه، أنا أصلا مش هعبره! بس يتلم وميفكرش يطلب مني كده تاني."
ضحكت فاطمة بسخرية وهي تقول:
"يا خرابي عليكي، عليا يا سيرا، انتي بتشدي وبترخي، من الآخر بتعلقيه بيكي بس بالأدب."
"أنا!"
تظاهرت سيرا بالاستنكار وهي تشير نحو نفسها، ثم قالت بنفي كاذب:
"خالص، أنا فعلاً مش عاجبني أنه بيلف ورايا كده، فبديله على دماغه بس."
صدح صوت أبلة "حكمت" في الاجواء وهي تقول بنفاد صبر:
"ما يلا يا سيرا أنتي والفنانة خلينا نوصل بدري."
فهتفت كريمة خلفها بحماس والبسمة تخترق وجهها:
"اه يلا خلينا نشتري فشار..."
شهقت أبلة حكمت وهي تقول بتوبيخ حاد:
"فشار أيه، فلوسكم كتيرة ياختي منك ليها، أنا عاملة فشار اهو في أكياس."
"أيه! يا نهار أسود لا يا ابلة عشان خاطري، ماتطلعيش الكيس ده أبدًا، أنا هجبلكم على حسابي فشار!"
ضربت أبلة "حكمت" كفيها ببعضيهما وهي تقول بعدم رضا:
"وليه التبذير ده بس.."
قاطعتها ابنتها "دهب" وهي تصيح بضيق:
"ما خلاص يا ماما بقى، خلينا نروح وهناك اللي يحصل يحصل بقى، انا زهقت من القعدة، ادخلي يا خالتوا يلا."
دخلت سيرا هي وفاطمة، والقلق ينتشر في صدرها خوفًا من تصرفات أبلة حكمت تحديدًا، داعية الله أن تمر تلك الرحلة البائسة مرور الكرام. نظرت للخلف، فوجدت أخواتها الفتيات وأزواجهن يضحكون بحماس. حولت نظرها لفاطمة وهمست تستنجد بها بلطف:
"فاطمة، أبلة حكمت ماتغبش عن عينك، عشان مانروحش في داهية."
همست فاطمة بنزق:
"ولو شافت يزن ده، اعمل أيه؟!"
"لا يالهوي دي مش هتسيبه خالص، اوعي يا فاطمة الزقي فيها عشان خاطري وأنا هتصرف."
قالتها سيرا برجاء خافت، استفز أبلة حكمت التي أطلت برأسها تسألهما بفضول:
"ياختي بتقولوا أيه من الصبح، ما تحكولي يمكن أفيدكم."
تبسمت فاطمة وهي تقول:
"بقنع سيرا ناكل من الفشار اللي أنتي عملتيه يا ابلة."
أخرجت " أبلة حكمت" حقيبة بلاستكية سوداء كبيرة وهي تشير ببسمة كبيرة:
"شوفتي نصاحة اختك!"
بلعت سيرا لعابها بصعوبة، والإحراج يغزو وجهها من تصرفات أبلة حكمت البخيلة، مغلقة عينيها بنفاد صبر.
في الصالة الخارجية، وقف يزن جانبًا يبحث عن سيرا بين الجمع المتواجد بإحدى المولات الشهيرة، وبين الثانية والأخرى ينظر في ساعته بعد أن تأخرت قليلاً عن موعدهما المتفق عليه، حتى وجدها أخيرًا تظهر من البوابة الكبيرة لصالة الانتظار ومعها صديقتها. ثم توسعت عيناه تدريجيًا حين وجد أبلة حكمت وبعض الأشخاص الذين لم يتعرف عليهم، وكأنهم في رحلة جماعية بدخولهم المثير للانتباه.
وقف مكانه بصدمة ولم يتحرك، أو بالأحرى فشل في تحديد قراره، حتى تقابلت أعينهما معًا، وجاء الرد من خلال رسالة من قبلها:
"أسفة معايا عيلتي، يا ريت تقدر موقفي، هبقى افهمك بعدين"
أخرج تنهيدة مثقلة للغاية من صدره، وحسم قراره بعدم التقرب منها الليلة فقط منعًا لإحراجها. نظر للتذاكر بيده بحسرة كبيرة، وها هو يترنح من فوق جبل الأماني ليسقط بقاع الواقع الذي يرفض التآلف بينه وبينها! وكأنه أصيب بتعويذة سحرية أصابته بالتعاسة مع الفتيات، ولكن لا، فهو حظه جيد مع جميع الفتيات، ولكن لِمَ هي تحديدًا يتعثر كالطفل حين يقرر أن يحبو في جنانها؟!
حاول أن يتوارى عن الأنظار ودخل الفيلم بعدما دخلوا جميعًا، يراقبها عن كثب مع عائلتها، ولكنه صُدم بوجود سليم أخيه وشمس معًا في إحدى الجهات، فابتسم بتسلية كبيرة، وترك متابعة الفيلم، وبقي ينتقل بنظراته بين سيرا وعائلتها وسليم الذي يبدو عليه الحنق والاعتراض لوجوده في مثل هذا المكان!
بعد ساعتين...
خرج الجميع من صالة السينما، وإلى هذا الحد كان الرضا والراحة يغمران قلب سيرا بعدم تعرض يزن إليها وخطتها تسير كما هي، ولكن ما أثار قلقها هو اختفاؤه عن أنظارها فعلى ما يبدو أنه غادر! فمالت بحماقة تقول:
"الله هو راح فين؟!"
"هو مين ده؟!"
استمعت لصوت "أبلة حكمت" بجانبها، فارتسمت صدمة بالغة بملامحها وحاولت تجميع شتات نفسها بعد أن ظنت أن التي بجانبها هي فاطمة:
"أقصد...فاطمة فين؟!"
تظاهرت بالبحث عنها، فأشارت " أبلة حكمت" بإهمال نحو إحدى الجهات:
"قالتلك أنها رايحة الحمام يا مسطولة."
"اه اه، أنا رايحلها لغاية ما تجمعوا نفسكم."
تركتها سيرا سريعًا وهي تحمد الله أن حماقتها لم تسرق انتباه أبلة حكمت نحوها، وتوجهت لدورة المياه تبحث عن صديقتها حتى وجدتها.
خرجتا معًا للبحث عن الجميع، ولكن اعترض طريقهما شابان حاولا التحدث معهما إلا أنهما تظاهرتا بالتجاهل، حتى تشجع أحد الشابين وأمسك بيد سيرا كي يلفت انتباهها فصاحت به بقوة تبعده عن طريقها، تضربه بحقيبتها عدة ضربات بشراسة، وفي المقابل ساعدتها فاطمة بحقيبتها هي الأخرى حتى أظهر أحدهما آلة حادة صغيرة يستخدمها في الشجار قاصدًا إخافتهما مستغلاً فراغ المكان من الأناس ووجود السيارات الفارغة في موقف الانتظار!
تراجعت سيرا وفاطمة معًا بخوف، ولكن سيرا هتفت بنبرة غلفتها بقشرة رقيقة من الثبات:
"ابعد أحسنلك."
"وإن مابعدتش يا بطل هتعملي أيه؟!"
تلقى الشاب لكمة قوية جاءت من العدم في وجهه اوقعته أرضًا، فتوسعت أعين سيرا بصدمة حتى اطمأن قلبها قليلاً لوجود يزن من العدم:
" بوفيتك، هعملك بوفتيك يا روح أمك."
قالها يزن بشراسة ضمنية، فتحمست فاطمة وهمست بجانب أذن سيرا التي استشعرت الخوف عليه:
"الهيرو ظهر من العدم."
لم تبتسم سيرا على تعقيب صديقتها، بل صرخت بقوة حين وجدت الشاب الآخر يظهر سكينًا حادًا صغيرًا وبدأت المشاجرة بقوة....
في إحدى الجوانب بمكان الانتظار وتحديدًا داخل سيارة سليم، جلست شمس تدندن بكلمات أغنية تحت أنظار زوجها الحانق وعدم رضاه الواضح، ولكنها تجاهلته حين نجحت في تنفيذ مبتغاها، ففتحت زجاج السيارة من ناحيتها بينما هو بدأ يتحرك بـبطء:
"ما تيجي يا سولي، نقفل اليوم قفلة حلوة وناكل أيس كريم."
فتح فمه يرفض اقتراحها كعادته، فهو يبغض التجمعات والأماكن العامة، يكره أن يكون تحت الأنظار، ولكن صرختها اخترقت أذنه حين قالت:
"سليم، الحق يزن بيتخانق هناك اهو."
رواية غناء الروح الفصل الرابع عشر 14 - بقلم زيزي محمد
"ازاي يا سليم، يعملوا فيكم كده؟"
رفع "سليم" عيناه المستشاطة غضبًا واكتفى بنظرة ساخطة نحو "يزن" المُلقى بجانب والدته ممسكًا برأسه متألمًا، فصاح "زيدان" بغضب للمرة الثانية على التوالي:
"الكلاب اقسم بالله ما هسيبهم أبدًا."
أخيرًا، خرج صوت "سليم" متحدثًا بقسوة وعيناه تشتد ظلمة:
"أنا كان ممكن ألم الموضوع وده كله مايحصلش، بس ما حستش بنفسي لما لقيت يزن اتضرب، فنزلت عجن فيهم."
نطق آخر حديثه بنبرة سوداء ساخرة، لكن ابتسامتها التي أضاءت له في عتمته استفزته كثيرًا، خاصةً أنه يعلم تمام العلم أن ابتسامتها تخفي وراءها الكثير من السخرية، بعد أن سلطت بصرها على الكدمة الحمراء بجانب عينيه، وقد تأكدت له ظنونه حين نطقت بصوتها الهامس وهي تميل نحوه، تخصه بلهجة متشفية:
"شوفت اللي بيجي عليا، مابيكسبش أبدًا يا... سولي."
احتدت نظراته نحوها، بينما تراجعت بظهرها والتسلية تعبر بقوة فوق ملامحها، وكأنه لمح شيئًا من السعادة لما مر به اليوم! زفر بحنق محاولًا الابتعاد عن التفكير بها وبتصرفاتها الطفولية التي كادت أن تصيبه بالجنون.
انتبه "سليم" إلى شجار قائم بين كلاً من "زيدان" و"يزن"، حتى ارتمى "يزن" مرة أخرى في أحضان والدته يئن متألمًا:
"اه يا ماما، المفتري ابنك جاي عليا بزيادة، يا أخي خلي عندك دم."
ثم فتح نصف عينيه، ينظر إلى "مليكة" الجالسة بجانب "زيدان"، تُبدي تعاطفها معه:
"ما تجبيله كيسين من بنك الدم يا مليكة، وتعملي فينا معروف."
فلتت منها ضحكة صغيرة، لكنها سرعان ما دفنتها بسبب توهج عيني "زيدان" نحوها، وقوله:
"والله ما في حد غيرك ماعندوش دم، بسببك اخوك الكبير اتضرب."
"حسن ملفظك، الواد اخدني على خوانة مش أكتر."
اخشوشنت نبرة "سليم" متجاهلًا النظر إليها بعد أن لمح شبه ضحكتها، وما أنقذه هو قول "يزن":
"يا عم أنت نفسك لو كنت موجود كان زمانك اتطحنت دول عشرة على اتنين، ده كويس اننا طلعنا بخير من الحوار ده!"
ربتت "منال" فوق ظهر "يزن" بحنان ممزوج بعتاب اصطحبته نبرتها:
"شوفت يا يزن أخرة حوارات البنات! عالله تكون عقلت وربنا يهديك."
حمحم بحرج قائلاً وهو يعدل جلسته:
"يا ماما صدقوني أنا بريء، المرة دي بجد مكنش معايا بنات والله، دول بنتين شوفتهم بيتعرضوا لموقف زبالة وأي حد مكاني كان عمل كده."
"يا سلام وطالما أنت ماكنش معاك بنات، رايح السينما ليه لوحدك؟! عليا بردو!"
قالها "زيدان" بسخرية لاذعة، فوجه "يزن" حديثه بنفاد صبر لـ "شمس" يسألها:
"شمس أنتي شوفتي معايا حد يا بنتي؟"
"لا خالص كان لوحده."
قالتها ببسمة متحفظة، بينما ركز "سليم" ببصره عليه بقوة وكأنه يخبره بعدم تصديقه، لكنه ظل ساكنًا حتى نهض وتقدم نحو "يزن"، مشيرًا إليه ليتبعه، تجاهله "يزن" عن قصد وظل يتألم، عله يجذب خيوط الشفقة لديه، ولكن الفشل كان حليفه حين أحس بقبضة "سليم" القوية تستقر فوق ذراعه، تجذبه بقوة وصوته المبطن بالهدوء أثار الذعر في نفسه:
"قوم ادخلك جوا اوضتك، أكيد دايخ دلوقتي، من الخبطة اللي اخدتها على دماغك."
"الحنية دي مش متطمنلها، سيبني هنا أحسن، أنا ناقصني حنان الأم."
توقف "سليم" لحظة، يهتف ساخرًا:
"وحنان الأخ؟!"
امتعض وجه "يزن" وهو يجاهد الفرار من قبضة "سليم" القوية:
"لا مابحبوش بيقلب معدتي."
تجاهله "سليم" عن قصد وحاول التحرك، لكن تشبث "يزن" بموقفه، مستخدمًا قوته للفرار من عرين أخيه الأكبر:
"أيه يا سليم أنت بتجر وراك ابن اختك، شكلي يا أخي قدامهم."
نجح "سليم" أخيرًا في تحريكه حتى وصلا إلى داخل غرفة "يزن" وأغلق الباب خلفه وهو يقول باستهجان ملحوظ:
"وأنت بتحافظ على شكلك اصلاً!"
تصنع "يزن" الصدمة وهو يردف بنبرة مبطنة بالسخرية:
"ليه وشي باظ؟"
نهره "سليم" بقوة وهو يقسو في كلماته، ونظراته الغاضبة تشمل ملامح "يزن" الباردة، مما أثار القلق في نفسه:
"ماتستعبطش، انت فاهم كويس أنا اقصد أيه؟"
زفر "يزن" بقوة وهو يضرب كفًا بآخر في اعتراض قوي مماثل:
"احلفلك على المصحف إن أنا مكنش معايا بنات عشان تصدقني، ربنا يسامحك يا زيدان الكلب هو اللي حط الفكرة دي في دماغك."
لكزه "سليم" في كتفه والغضب يتطاير كنيران من نبرته ونظراته:
"ليه شايفني عيل بيصدق أي حاجة بتتقاله، ده أنا حافظك صم وشوفتك بعيني."
للحظة، أصابه توتر بسيط، لكنه سرعان ما أظهر عكس ذلك بمهارة لا يمتلكها إلا هو:
"أكيد كان متهيألك صدقني، دي تهيؤات، بتحصل ساعات."
رفع "سليم" حاجبيه من إصرار أخيه على الفرار من صلب الموضوع، على الرغم من أن هذا لم يكن طبيعته من قبل؛ فقد كان أكثر جرأة وحماقة، ودائمًا يرى ارتباطه بالفتيات أمرًا غير معقد بالمرة، عكس هذه المرة، حيث يبعد الشبهة عن هذه الفتاة بأي طريقة، لذا عقد ذراعيه أمامه وكان أكثر وضوحًا وهو يقول:
"مش دي البنت اللي جت قبل كده المحل عندنا عشان سلسلتها! والخناقة النهاردة كانت بسببها بردو."
لوهلة، أحس بالضيق عندما نجح "سليم" في كشف الستار عنه، لكنه حرك كتفيه بلا مبالاة مقصودة وهو يتحرك نحو فراشه ليجلس عليه:
"صدفة! مجرد صدفة مش أكتر."
استدار "سليم" خلفه وهو يقول بنبرة يغمرها الضيق:
"يا سلام والمفروض أني اصدقك، انكوا اتقابلتو صدفة!"
رفع "يزن" عينيه بتجهم واضح، فالتف حبل السخرية حول صوته قائلًا:
"اه زي ما قابلتك صدفة بردو، وانت استحالة تروح سينما وحصلت عادي يعني!"
نفد صبر "سليم"، فتلفظ حروفه بشراسة ضمنية:
"ماتلفش وتدور عليا، أنا مش صغير قدامك، علاقتك أيه بالبنت دي يخليك تتحمق ليها لدرجة دي!"
نهض "يزن"، يجاهد فرض الهدوء مجددًا بينهما، رغم أنه افتقد لذلك في بداية حديثه:
"ولا علاقة ولا نيلة، دي معرفة سطحية جدًا، وموقفي واحد سواء معاها أو مع أي بنت بردو غيرها!"
وقبل أن يفتح "سليم" فمه، سارع بفرض قوله:
"وبعدين انت شوفتها كلمتني ولا عبرتني حتى!"
عقد "سليم" ما بين حاجبيه بعبوس وهو يقول:
"ما يمكن ده حوار ما بينكم؟"
ضحك يزن بسخرية على حاله، قائلاً:
"لا ماتقلقش هي محترمة مالهاش في الكلام ده."
استكانت ملامح "سليم" للحظة، لكنه ثار مرة أخرى يسأله بعبوس مبطن بالاشمئزاز:
"غريبة؟ يبقى كنت بتحاول تفرض عضلاتك قدامها، بتجذب انتباهها ليك يعني، ماجتش سكة كده، تيجي كده."
استنكر "يزن" قول أخيه، ونفض غبار الدناءة عن نفسه، حين قال بنبرة يملأها الغرور والترفع عن تلك الأفعال المشينة بحقه:
"لا حاسب مش يزن الشعراوي اللي يعمل كده، وبعدين انت ليه محسسني أني خسيس ودنيء كده، ده أنت يا أخي اللي مربيني وعارف أني شهم وجدع وبقف جنب أي حد."
تنهد "سليم" بنبرة ملؤها الحزن، مسلطًا الضوء على أمور يبدو أن أخيه الأصغر يتغاضى عنها:
"للأسف أنا فشلت في تربيتك، واوعى تكون فاكر أني مش حاطط عيني عليك."
رفع يزن حاجبيه معًا باستنكار وهو يقول:
"متراقب يعني؟! أنا كبرت على الكلام ده يا أبيه!"
تغاضى "سليم" عن سخريته المقصودة واحتدت نظراته وصوته الغاضب، الذي استخدمه كسوط شرس يهبط به فوق عقل "يزن" الغائب عن أمور تمس الشرف والسمعة:
"لا يكون في علمك مفيش حد كبير عليا، وأي غلطة يا يزن هتحصل تاني من ناحيتك صدقني هيكونلي حرية التصرف في حياتك زي ما أنا عايز وبالشكل اللي أنا شايفه صح!"
اتسعت ابتسامة "يزن" بتهكم وهو يقول:
"وأنا أعمل أيه؟! المفروض ابصم يعني على كلامك ده؟"
اقترب "سليم" من الباب كي ينهي ذلك الجدال المرهق بقوله الحاد:
"أعلى ما في خيلك اركبه، أنا صبرت عليك كتير، يمكن تعقل وتهدى، بس خلاص صبري نفذ ومابقتش قادر استحمل تصرفاتك, تصبح على خير يا محترم."
زفر "يزن" بقوة وهو يرى أخيه ينهي الجدال حينما أراد ، فقال بعصبية طفيفة:
"دي مكنتش خبطة اخدتها في عينك، هتعملي حوار عليها يا سليم!"
لم يجبه "سليم"، بل أغلق الباب خلفه. زفر "يزن" بقوة، وهو يخلع حذاءه ملقيًا إياه أرضًا بعنف:
"ده أيه القرف ده!"
ثم تنهد عدة تنهيدات متتالية وكأنه يجذب أطراف الهدوء إلى صدره المشحون، والسلام إلى عقله الثائر بسبب تهديدات "سليم" المستمرة، فتلك الفتاة تحديدًا لم يتوقع أن تكون غريبة الأفعال؛ لقد احتار حقًا في التعامل معها، ولأول مرة في تاريخ تعامله مع الفتيات، تقود فتاة العلاقة بينهما، فيصبح هو التابع لها، ينتظر أفعالها وتقربها منه!
وعند هذا الحد، عاد بجسده للخلف وأغمض عينيه بقوة يحاول تصفية ذهنه ليجد طريقه في التعامل معها! بالرغم من أنه شعر بالضيق لتجاهلها له وتركها له أثناء العراك، عندما لاذت بالفرار مع صديقتها دون أن تطمئن عليه، بل تجاهلته عن قصد عندما لم تُجرِ حتى اتصالًا به!
****
في اليوم التالي...
غابت غريبة الأطوار عن أنظاره طوال اليوم، فهدمت آماله في لقائها، انتظر مرورها ككل صباح، لكنها اختفت فجأة حتى ظهرت تتبختر في مشيتها أمامه من أول الطريق، متظاهرة بتجاهله، زادت وتيرة الغيظ لديه من تلك الغامضة، فراقب مشيتها البطيئة بتمعن وتركيز حتى دخلت باب البرج الكبير.
خطا خلفها بخطوات واسعة حتى استطاع إمساكها وإيقافها قبل أن تصعد أولى درجات السُلم، استدارت بجسد متشنج وعيون تصرخ بالغضب بسبب طريقته في الإمساك بها، قال ببساطة ونبرة خافتة:
"اهدي أنا يزن."
نظرت له وكأنه أبله بسبب محاولته تهدئتها، ثم قالت بصوت مشحون بالضيق والسخرية معًا:
"المفروض إن أنا كده اهدى يعني؟! اسمك مهدأ فعلاً."
رفع حاجبيه من سخريتها الواضحة وقرر استفزازها بمواجهتها التي تجاهد في الفرار منها:
"هتغاضى عن تريقتك، بس عايز أعرف أنتي صح كده لما تتجاهليني؟"
ظلت ممسكة بعصا التجاهل، وردت بعتاب وهي تضم ذراعيها أسفل صدرها:
"يا أستاذ يزن مش عيب تيجي ورايا كده!"
رمقها باستهجان واضح والتقت عيناه بعينيها، التي انتقلت بحرية في كل مكان إلا النظر إليه:
"أستاذ يزن؟! مش ملاحظة إنها مش في محلها يا.... يا أنسة سيرا."
تحفظت بملامح باردة وهي تجيبه بابتسامة سمجة، عكس مشاعرها التي كانت تتراقص بعنفوان نظرًا لملاحقته لها، فنما لديها شعور بالسعادة حين أحست ببوادر تحقيق مرادها:
"ليه مش في محلها، بالعكس حفظ الألقاب مفيش أحلى منه!"
سخر منها بصوت خشن مقصود وعيناه تنضحان بالضيق بسبب مراوغتها:
"ألقاب؟! وده بعد أيه بقى؟"
تظاهرت بالملل وزفرت بعبوس، مردفة:
"أنت ليه محسسني أني حبيبتك وبتهرب منك! ما تفوق يا يزن."
عقد ذراعيه أمامه مثلها وكأنه يمتهن نفس طريقتها، ورد بوضوح ممزوج بغرور، الذي أحيانًا يزعجها:
"أولاً أنتي لو حبيبتي ما تقدريش تتهربي مني، لإن القرب مني جنة والبعد عني جحيم، ثانيًا أنا فايق أوي يا سيرا وعارف أنا بعمل أيه، ثالثًا يزن طالعة من بوقك عسل، شفتي حفظ الألقاب مالوش مكان ما بينا ازاي، كان عندي حق صح؟"
تمردت بعنفوان أنثوي وهي تشيح بيدها بأسلوب نافر:
"حق في أيه بالظبط!، اصل أنا جالي كرشة نفس من كم الغرور اللي أنت بتتكلم بيه؟! وحقيقي ماعرفش أنا واقفة بتناقش معاك في أيه؟ ما تخليك صريح معايا ودوغري عشان نرتاح."
اقترب خطوة منها، ونظر في عينيها مباشرةً، وبصوت هامس يحمل نبرة التحدي قال:
"حلو لعبة أنك مش فاهمة حاجة وغبية و...."
أوقفته حين ردت عليه بتحدٍ وعناد ساخر:
"شتيمة كمان وهصوت والم عليك البرج واتهمك باتهامات تهدد سمعتك!"
اتسعت ابتسامته وهو يفتح ذراعيه مرحبًا بأي تهمة تلصقها به في سبيل الاقتراب منها والسبر في أغوارها أكثر بعد أن نجحت في استفزازه:
"دي حاجة تسعدني على فكرة!"
رمشت بأهدابها وهي تنظر له بحماقة:
"هو أيه ده؟!"
رد برعونة وابتسامة سمجة تعلو شفتيه، مقتربًا خطوة أخرى غير عابئ بنظراتها المستنكرة لاقترابه الواضح منها:
"أكون متهم معاكي في حاجات تهدد سمعتي."
أنهى كلامه بغمزة من طرف عينه، فقست ملامحها وهي ترمقه بإعجاب ساخر في آنٍ واحد:
"لا بقى ده أنت بايع القضية!"
نجحت في إبعاده عن مراده، لكن سرعان ما أدرك خطتها الخبيثة حين أحس ببوادر هروبها، عاد مرة أخرى وصوب نحو مرماها بهدف واضح، حين أمسك بمرفقها في حركة استغربها حين خرجت منه بعفوية لم يقصدها:
"ماتصلتيش امبارح ليه تفهميني الموقف السخيف اللي عملتيه فيا!"
دفعت يده بقسوة رغم توترها البادي على وجهها وحذرته بلهجة واضحة، وكأنها لم تأبه لانفعاله البادي على وجهه هو الآخر من طريقتها الحادة معه:
"ايدك لو فكرت تلمسني هقطعهالك، وبعدين موقف سخيف أيه! هو أنا لما أروح مع أهلي سينما دي حاجة ضرتك في أيه معلش؟!"
رفع أحد حاجبيه بتحدٍ، وأمسك بها كالفأر حين نصب له مصيدة، تساءل بقسوة:
"اه يعني قاصدة الحركة دي؟"
أشارت إلى نفسها ببراءة، فتحولت نبرتها فجأة إلى الاستعطاف:
"أنا؟!"
ثم عادت بسرعة تبرر وكأنها قطة تستعطف صاحبها:
"أبدًا، كل الحكاية إن أنا اتدبست انهم يجوا معايا، فمعرفتش اسيطر على الموقف بس مالحقتش افهمك عشان ماتروحش!"
لم تؤثر طريقتها فيه، فرد بتهكم طفيف:
"معقولة الفريق القومي ده كله كان عايز يروح معاكي!"
ألصقت عنوةً ابتسامة ظريفة فوق شفتيها وهي تجيب بعناد:
"اصل احنا أسرة مترابطة شوية، وبعدين دي حاجة ماتخصكش!"
احتدت نبرته قليلًا وهو يواجهها، ملقيًا كافة اللوم على عاتقها بسبب ما حدث بالأمس:
"بس اللي يخصني إنك أقل تقدير ليا تفهميني، أو مثلاً يا شيخة تقفي تتطمني عليا بعد ما كنت بتخانق علشانك!"
ردت بحماقة يقبع خلفها ضحكة كبيرة، لو أخرجتها لظهر تهاونها معه:
"إيه ده انت اتخانقت علشاني!"
رفع حاجبيه من طريقتها المستفزة معه، وزادت نبرته الساخرة خشونة:
"لا علشاني أنا، أصلهم كانوا بيعاكسوني أنا!"
حجمت من ابتسامتها، وعيناها مضيئتان مستمتعتان بتلاعبها به:
"طيب بعد كده ماتمشيش في أماكن ضلمة لوحدك، حافظ على نفسك."
استدارت بخفة لتصعد الدرج هربًا من حصاره، إلا أنه رفض وأسرع بخطوتين، فتبدلت أماكنهما:
"ماتستعبطيش، احنا لسه مخلصناش كلامنا، أنا قولتلك إني عايز نخرج مع بعض واتكلم معاكي، يعني الموضوع مخلصش."
قبضت كفيها بقوة تكتم غضبها من استسهاله في التعامل معها، لكنها أظهرت عكس ذلك؛ بدت هادئة، وشفتيها تحملان ابتسامة صغيرة، بينما انسدل ستار الغموض على عينيها:
"تمام مفيش أي مشكلة، ممكن نتقابل يوم الجمعة تمام."
انكمشت ملامحه بقلق وهو ينظر إليها بتمعن:
"انتي بساطتك وانتي بتديني الميعاد مش مطمنلها!"
همست بنعومة بالغة، متقنة البراءة ببراعة أثرت على تفكيره:
"ليه بس ده أنا حتى طيبة اوي."
نظر في عمق عينيها اللامعتين، وخفض صوته، فحملت نبرته نغمة رجولية هينة داعبت فؤادها المتأهب لأي حركة تصدر منه، متعطشًا لأي كلمة تروي جفافه:
"بس عينك بتقول عكس كده."
توترت قليلاً، لكنها تمالكت نفسها أمام حصاره:
"عـ...عيني."
استغل ارتباك صوتها وعينيها المهزوزتين، ودفعه ذلك إلى مخاطبتها بلطف وحنان ممزوج بنكهة خاصة يعرفها وحده:
"اه عينك بتقول الغاز بحاول افكها، انتي مش الشخصية البسيطة اللي بتحاولي تبينها!"
كادت تنهار أسوارها أمامه، لكنها اختبأت خلف سور الحنق قائلة بانفعال:
"قصدك إن أنا معقدة، ماسمحلكش!"
لم يتخلَ عن أسلوبه الملتوي في سلب لب الفتيات، معتقدًا أنه حتى وإن عافرت، فحتمًا ستعلن استسلامها، فسألها بمكر:
"انتي عايزة أيه بالظبط؟"
زفرت بضيق، وشعرت بالاختناق من ضغطه عليها:
"عايزة اطلع شغلي عشان هاترفد."
اتسعت ابتسامته، وظهرت "غمازة" في وجنته لأول مرة لاحظتها، فهتف بمزاح:
"يا ريت وأنا هشغلك في ثواني عندي في الأجانص."
تهكمت بصوتها وملامحها الحانقة، وأرسلت رسائل الغضب لاعتماده أسلوب التأخير:
"هعمل زومبا للعربيات عندك ولا أيه مش فاهمة!"
وبعدما ألقت مزحتها الساخرة، شعرت بقرب قدوم أحدهم من الطابق الثاني، فدفعت "يزن" بقوة فجأة حتى كاد يختل توازنه، ورفعت نبرتها عمدًا:
"انت عايز مني أيه! سيبني في حالي، لو سمحت أنا مش بتاعت كده، لو قربت مني تاني، هديك ألم على وشك يسمع في ودانك الحلوة دي!"
اتكأ "يزن" بصعوبة على الحائط بجانبه، متعجبًا من أسلوبها المفاجئ، لكن عندما ظهر الحاج "أحمد" يهبط الدرج، اعتدل "يزن" في وقفته وبلع كلماته المندفعة التي كانت على طرف لسانه، هبط الدرج برأس مرفوع وجسد متشنج، متجاهلًا نظرات الحاج "أحمد" الذي بدا عليه الاستنكار الناري.
عندما غادر "يزن" عن أنظار الحاج "أحمد"، التفت الأخير إلى "سيرا"، التي كانت تستعد لصعود الدرج، فأوقفها بعصاه وقال مستفهمًا:
"اللي اسمه يزن ده عايز منك أيه؟"
انسحبت الدماء من عروقها وهي تنظر إليه، محاولة إيجاد طريقة للهرب من غضب صاحب البرج، الذي كان واضحًا عليه، فأجاب بالنيابة عنها:
"أنا وصل لي أنه بيحاول يوصلك، بس أنتي مش مدياله فرصة."
هزت رأسها إيجابًا واكتفت بالصمت، فقال بحزم وضيق:
"خلاص يا بنتي اطلعي انتي، وأنا هحط له حد."
"شـ شكرًا."
همست بارتباك واضح وصعدت الدرج بسرعة لتختفي عن أنظار الحاج "أحمد"، الذي بدا مستاءً وغاضبًا، ولم تعلم أنه نوى الذهاب إلى "سليم الشعراوي" ليشتكي له تصرفات أخيه الماجنة من وجهة نظره.
بينما دخل "يزن" معرضه، كان الضيق يتفاقم بجنون داخله بعد تصرفها معه، حتى لو كانت تريد الحفاظ على سمعتها، كان أمامها ألف طريقة وطريقة للخروج من ذلك المأزق، متناسيًا أنه من وضعهما في ذلك الوضع الحرج بتتبعه لها وعرقلته إياها، أمسك هاتفه وأرسل لها رسالة نصية يعاتبها فيها:
"مكنش حلو أبدًا إنك تتكلمي بالطريقة دي وتبيني إني بجري وراكي، ووداني الحلوة اللي هتنزلي عليها بقلم، أنا قبلها هكون كاسر إيدك القمر يا قمر."
أغلق الهاتف وألقاه فوق مكتبه، مقررًا التركيز في عمله، ونوى ألا يظهر أمامها مجددًا، مقررًا دفن أمر سيرا برمته في طي النسيان، ولكن هاتفه أضاء برسالة، فقرأ محتواها وتفاجأ من جرأتها المستفزة في الرد عليه:
"زعلان ليه؟ ما أنت بتجري ورايا فعلاً."
كانت رسالتها بمثابة صفعة قوية هبطت فوق وجهه، ولأول مرة، تجرأت فتاة عليه وتلاعبت به كما تشاء، بينما هو كالأبله يركض خلفها!
فتوعد لها في سره، مقررًا رد الصفعة في أقرب وقت.
****
فرك "نوح" جبينه بقوة، والإرهاق ترك آثارًا واضحة على وجهه الشاحب، أبعد يده عن وجهه وتابع دخول "حسناء" بابتسامتها المشرقة وهي تقدم له فنجان قهوة ساخن، نظر إلى الفنجان بتعجب، فأجابت برقة:
"أنا حسيت إنك محتاج قهوة."
رد باقتضاب، وهو يركز ببصره على حاسوبه الآلي:
"شكرًا، في حالات كتيرة برة."
أجابت بمهنية وتركيز شديد، ولكن ابتسامتها لم تترك ثغرها الوردي:
"لا في كام واحدة بس، بس في حالات انتظار على اتصال مننا."
رفع بصره إليها ورد بإرهاق وضيق مكتوم:
"لا ماتتصليش على حد، أنا فاصل النهاردة."
استندت على طرف المكتب بيدها وهي تردف برقتها، مبرزة اهتمامها به دون خجل:
"لا الصراحة بقى انت بقالك كام يوم فاصل."
رفع أحد حاجبيه وارتسم على شفتيه شبح ابتسامة مستنكرة:
"ده انتي مركزة بقى؟"
لم تخجل من نظراته، وتهكمه المبطن بكلماته، وأردفت بجرأة جذبت اهتمامه:
"وإن ماركزتش مع حضرتك، هركز مع مين، ده شغلي."
ترك قلمه وهو يستند بظهره على كرسيه، متسائلاً باستنكار ملحوظ وشبح ابتسامة إعجاب ظهر على شفتيه:
"شغلك؟"
هزت رأسها إيجابًا، وقالت بنعومة بالغة ونظرة إعجاب لم يخطئها "نوح":
"ايوة دوري إن اهتم بيك وبكل طلباتك ده في نطاق شغلي، زي ما حسيت إنك محتاج فنجان قهوة عملتهولك من غير ما تطلب."
ابتسم ابتسامة صغيرة، ناظرًا إليها بغموض أربكها قليلاً وهو يسألها:
"انتي مخطوبة يا حسناء؟"
اتسعت ابتسامتها عندما شعرت بقرب مرادها، فردت بحماس ظهر جليًا بنبرتها:
"لا ولا مرتبطة، بتسأل ليه يا دكتور؟"
"عادي، مجرد سؤال عادي."
هز كتفيه بلا مبالاة أحبطت شعلة حماسها، وهو يعود لمتابعة حاسوبه، ولكن صوت جلبة في الخارج أثار حفيظته وانتباهه، فنهض وتحرك ناحية الباب وخلفه حسناء، فتح الباب فوجد النساء المتواجدات في العيادة يقفن في حالة ارتباك، فمرر بصره بينهن بعدم فهم، حتى قالت إحداهن بإحراج:
"معلش يا دكتور، ابني كسر الحنفية اللي في الحمام، والدنيا متبهدلة جوه."
خطى خطواته نحو دورة المياه وهو يأمر حسناء:
"اتصلي على أي سباك بسرعة."
دخل "نوح" دورة المياه فوجد اندفاع المياه عاليًا، فحاول إغلاقها للوصول إلى محبس المياه المتواجد بجانبها، وعندما أنهى مهمته ابتلت معظم ثيابه ووجهه وشعره، وقف ينثر المياه عنه بضيق، حتى دخلت حسناء تهتف بلهفة:
"اتصلت على واحد وجاي حالاً."
أنهت كلامها بشهقة أنثوية خافتة وهي تمرر بصرها عليه، مقتربة منه غير عابئة بأي شيء سوى التقرب منه، فقالت بنعومة وخوف مقصود:
"يا خبر يا دكتور، انت كده هتبرد، معاك هدوم هنا اجبهالك تغير."
ابتعد خطوة للخلف بسبب اقترابها الشديد منه، وهتف بنفس نبرته الحانقة:
"لا مفيش."
تلكأت في سؤال داعب طرف لسانها، لكنها أفصحت عنه:
"طيب في حد في البيت نتصل عليهم، يبعتولك لبس."
"لا، أنا هنزل اروح أغير وخلاص."
كاد أن يخطو للأمام ولكنها منعته وعرضت عليه مساعدتها:
"طيب لو تحب أروح أنا البيت عندك، اجيبلك لبس، أصل مش هينفع تخرج برة كده، أنا خايفة عليك تاخد برد."
تأفف بضيق من هيئته وابتلال ملابسه، ففكر قليلاً قبل أن يأمرها بوجوم:
"روحي يا حسناء، روحي بسرعة، خدي المفاتيح من المكتب وخلي عم فتحي السواق يروح معاكي وهقولكم تجيبولي كام حاجة من هناك."
***
وبالفعل، ذهبت "حسناء" مع السائق، لكنها منعته من الصعود معها رغم تنبيهات "نوح" لها بضرورة صعوده معها إلى الشقة، أخرجت المفتاح وأخذت نفسًا عميقًا قبل أن تدخل إلى الشقة، ثم مرت بصرها سريعًا لتتأكد من خلوها.
ابتسمت ابتسامة جانبية ساخرة، ممتزجة ببعض الحقد على "يسر"، ناعتة إياها بالحمقاء لتركها ذلك الغنى الفاحش وافتعال المشاكل مع زوجها، فلو كانت مكانها لفعلت له الأهوال!
فهمست بحقد وقهر:
"النعمة بتيجي في إيد اللي ما يستحقهاش!"
دخلت إلى غرفة النوم وبدأت تبحث بها حتى اصطدمت بوجود ثياب "يسر"، فهمست مجددًا بغيظ:
"دول لسه ما طلقوش!"
انتظرت قليلًا تفكر بخبث، حتى لاح في ذهنها فكرة خبيثة، دخلت إلى دورة المياه، وخلعت قطعة ثياب داخلية وألقتها في صندوق الثياب الموضوع بجانب "الغسالة"، وابتسامة ماكرة تحتل ثغرها.
بعدها خرجت سريعًا لتنهي احتياجات "نوح" بعجلة من أمرها، ثم نزلت إلى السائق تبتسم له ابتسامة واسعة.
"اتأخرت يا عم فتحي."
"لا لا خالص، بلا بينا أصل زمان دكتور نوح على أخره."
****
مساءً.
تابع "يزن" طاجن البامية الذي ينتقل بأريحية على طاولة السفرة، فأمسك به فجأة وأردف بنبرة يملؤها الغيظ موجهًا لـ "شمس" المصدومة منه:
"ياستي ماتحطيش لسليم بامية، حطي لي أنا."
زفر "زيدان" بقوة وهو يجذب الطاجن منه بعناد متعمد:
"هات الطاجن ده يا عم، احنا مدقناش حاجة بسببك."
توقف الطعام في حلق "يزن"، فسعل بقوة حتى غاص وجهه في إحمرار قانٍ من شدة سعاله، ثم قال بغيظ:
"يخربيتك هموت يا ابني، عينك مدورة وراشقة في أكلي، ما تخليك في طبقك."
وضع "زيدان" الطاجن أمام "سليم" مرة أخرى، وهو يردد بشراسة طفولية:
"ما انت واخد السفرة كلها لحسابك يا بارد، واحنا ولا كأننا موجودين."
جذبته "مليكة" التي كانت جالسة بجانبه وهمست له بعتاب:
"خلاص يا زيدان، هبقى اعملك بامية."
تدخل "يزن" برجاء وهو يمازح "مليكة" التي توسعت عيناها عندما استطاع سماع همسها:
"واعزميني يا مليكة، عشان ربنا يباركلك."
صدح صوت "منال" وهي توجه حديثها لـ "سليم" المتلاعب بملعقته في صحنه، ويبدو عليه الشرود:
"مالك يا سليم، مابتاكلش ليه؟"
رفع عينيه يخصها بابتسامة مقتضبة وهو يقول بنبرة شبة متحشرجة:
"باكل، تسلم ايدك."
تركت "منال" ملعقتها وسألته بقلق، بينما انتبه الجميع لهما:
"لا شكلك متضايق من حاجة، انت اتضايقت عشان فاجئتكم وقولتلكم تتعشوا معايا النهاردة."
سارعت "شمس" بقولها الممتن وبسمتها الصافية:
"لا أبدًا، مفاجئة حلوة يا ماما، ابقي كرريها."
كشر "يزن" وجهه وهو يردف بتنبيه حاد مصطنعًا الجدية:
"بس يوم البامية يا ماما متعزميش حد، خليها على قدنا."
لكزته والدته وهي تقول بعتاب، وفي ذات الوقت تضغط على شفتيها:
"بطل هزار يا يزن، اخواتك يفهموك غلط."
انفكت عقدة لسان "سليم"، واسترسل بقوله الصلد وعيناه ترسل شرارات السخرية الموجهة لـ "يزن" وحده:
"يبطل ليه!، هو مش فالح غير في الهزار."
امتعض وجه "يزن" ورد باقتضاب يحمل رجاءً طفيفًا قبل أن ينظر في طعامه ويبدي اهتمامه به:
"يا سليم أنا جعان، بلاش الكلام اللي يسد النفس ده."
القى "سليم" بملعقته في غيظ من برود أخيه المعتاد، ورد بعصبية طفيفة:
"واللي عملته النهاردة ده اسميه أيه يا محترم؟"
رفع "يزن" بصره إلى موضع الملعقة متعجبًا من رد فعل أخيه الاكبر المندفع، فأجاب بعدم فهم:
"عملت أيه؟، أنا ماعملتش أي حاجة!"
حمحمت "شمس" بقوة، لتنهي ذلك الشجار الذي بدأت بوادره في الظهور:
"خلاص يا سليم بعد الاكل ابقى اقعد مع يزن واتكلموا."
انفجر "سليم" بانفعال ضارٍ ، وهو يوجه فوهة غضبه نحو "شمس" المتفاجئة من رد فعله القاسي بحقها:
"أنا مفيش حد يقولي اعمل أيه وماعملش أيه، وطالما هو ماتكسفش من نفسه وماشي يفضحنا في كل مكان، يبقى نخلي الكلام على الملأ."
تدخل "زيدان" لتهدئة الوضع بحذر، قائلاً بنبرة رخيمة رزينة:
"في أيه يا سليم اهدا...."
ثم التفت نحو "يزن" يرمقه بغيظ من أفعاله الصبيانية المتكررة:
"هو أنت هببت أيه؟"
تظاهر "يزن" بالبرود، رغم هجوم شعور بالقلق إلى قلبه بعدما رأى احتدام عيني "سليم":
"والله ما اعرف، اسالوه الجديد عنده!"
نهض "سليم" وشرر الغضب يتطاير من عينيه كجمرٍ مشتعل، فطرق بيده فوق الطاولة، لدرجة أن الصحون والملاعق تحركت قليلاً عن مكانها فأصدر عنها صوت جلبة أثار الذعر في نفوسهم:
"احترم نفسك وانت بتكلمني، وطالما الجديد عندي."
نظر إلى "زيدان" ضاغطًا على حروفه بحنق، فبدت نبرته مختنقة من شدة انفعاله:
"اقولك يا زيدان، الباشا كان بيعاكس في بنت شغالة في الجيم اللي في البرج اللي قصاده، والبنت زهقت من مطاردته ليها، وصاحب البرج اشتكالي من أسلوبه وسمعته، وإنه مش سايب البنت في حالها."
نهض "زيدان" من مقعده يدافع عن أخيه ولكن بدت نبرته مهتزة بعض الشيء:
"أيه ياسليم الراجل ده شكله مأفور، يزن مش لدرجادي يعني."
قبض سليم يديه حتى أبيضت مفاصله، وسأل "يزن" بوضوح شرس، وعيناه تزداد قتامة وغضب:
"كنت واقف جوه البرج ولا لا يا يزن؟ وحاولت توقف البنت غصب عنها كتير ولا لا؟ واوعى تكدب الكاميرات جابتك."
نظر إليه "يزن" بوجه خالٍ من أي تعابير، وكأن حقائق حديثه لم تخدش تفكيره:
"وأنا اكدب ليه!، اه وقفت معاها وجوه البرج ومفيش حد له عندي حاجة."
ظهر صوت سليم حاد كالسيف، وكأن كل كلمة تخرج من معقل تفكيره بغيظ مكبوت:
"لا فيه احنا، اهلك اللي حاطط سمعتنا في الارض من تصرفاتك."
نهضت "شمس" وحاولت امتصاص غضبه، فردت بنبرة مهزوزة بعض الشيء وهي تلمس يده بأصابعها:
"اهدا يا سليم."
نفض يدها بعيدًا عنه، وهو يفقد أعصابه، فارتفعت نبرة صوته أكثر، وتحولت نظرات الجميع نحو "يزن" باتهام:
"محدش يقولي اهدا، لما اقف زي العيل الصغير واسمع كلام زي السم من الراجل عنه وعن تربيته، ودمي يتحرق."
رفع رأسه، وتقابلت نظراته مع نظرات "سليم" المحتقنة دون خوف، فقال بثبات:
"ودمك يتحرق ليه، هو الكلام عليك ولا عليا!"
خطا خطوة إلى الأمام وأشار نحو صدر "يزن" باستشاطة:
"انت اخويا يا غبي، يعني اللي يمسك يمسني، وإن مكنتش واعي على اللي بتعمله في نفسك، أنا اوعيك."
حدق في عيني سليم دون خوف، مبتلعًا إهانته على مضض، فرد بنبرة هادئة جدًا غير مناسبة للأجواء المشحونة:
"أنا مش غبي، وعارف كويس اوي أنا بعمل أيه، والراجل ده أنا هروح له بكرة وهعلمه الادب."
تدخل "زيدان" بغيظ من برود أخيه الأصغر، قائلاً:
"أدب أيه يا ابني، ما تقعد ساكت."
بدا وجهه كصخرة، لا يهتز مهما قيل له، لكنه أجاب بكلمات محتدمة:
"لا مش هسكت، وهو يتكلم عليا ليه ويروح يقول حاجات غلط وهو أصلا مش فاهم حاجة."
"يعني البنت بتتبلى عليك؟"
تساءل "سليم" بجمود وهو ينظر بعمق في عيني "يزن" الذي سارع بإبعاد عينيه مجيبًا بغموض استفز الجميع:
"محدش فاهم الموضوع، يبقى محدش يتكلم ولا حد له دعوة بحياتي."
انفجر بصيحةٍ مدوية، أخرج بها كل ما يعتمل داخله من إحباط وخيبة، وبدأت الكلمات تتدفق منه دون توقف، كأنها سهام تصيب "يزن" بلا رحمة:
"لا لينا، لما الاحظ إن البنت بتحاول تصدك وقدامي في المحل، ولما تتخانق في السينما وهي ماتعبركش وتمشي وتسيبك وصاحب البرج وهو وواحد من المنطقة يقولولي إنك بتتعرضلها كتير وبتحاول تصدك، يبقى لازم افهم إن اخويا خلاص دماغه باظت وهبت منه على الآخر، وافهم إنك مش قادر تصدق إن في بنت بترفضك فبتجري وراها."
دفع يزن الكرسي خلفه بقوة جعلت صوت احتكاكه في الارض يخرس جميع الألسنة بصدمة، وذلك عندما حدق بعينيه اللتين اشتعلتا بنيران الغضب في وجه سليم، فلم يعد قادرًا على تحمل إهانته أمام الجميع، فقال بصوت مزلزل:
"أنا مابجريش وراه حد."
فقد "سليم" السيطرة على نفسه، وصرخ بصوت حاد يحمل تهديدًا ناريًا:
"وطي صوتك وانت بتكلمني، انت بتزعقلي؟"
نهضت "منال" من جلستها تمسك بيد "سليم" المتشنجة من فرط غضبه، ثم التفتت إلى "يزن" تمسك يده هو الأخر برجاء خاص:
"خلاص يا سليم اهدا عشان خاطري، وانت يا ابني روح للصاحب البرج ده وكلمه بالادب وفهمه مثلاً إن في مصلحة بتقضيلها وخلاص."
أبعد يد والدته بهدوء ونبرته الخشنة تزداد شراسة وتحدٍ:
"مايتفلق، اقسم بالله ما ارضى اعبره، ده راجل حشري اصلاً."
استُنفدت طاقة "زيدان" فرد بنزق وضيق:
"ومنظر اخوك ومنظرنا عاجبك يعني!، انت اتجننت يا ابني."
تهكم "سليم" بنبرته الخشنة الصلدة وهو يشير نحو نفسه:
"لا عادي يا زيدان، عادي اخوه الكبير يتهزء بسبب اسلوبه اللي زي الزفت."
عادت "منال" تتدخل برجاء أكثر قوة:
"يزن اسمع كلام اخوك زيدان، وماتتعرضش للبنت دي تاني، وروح للراجل..."
قاطعها "سليم" بحدة وهو يركز ببصره على "يزن" الذي كان متأهبًا لقرارات سليم، معلنًا بوادر عصيانه بعينيه الرافضتين لكل كلمة "سليم" يتفوه بها:
"لا مش هيروح، أنا خلصت الحوار، وقولتله إن هو كان بيطلب منها رقم أبوها عشان عايز يتقدملها، والراجل اقتنع وسكت."
لم يعقب على حديث "سليم" واكتفى بإلقاء نظرة عدم رضا، ثم توجه نحو باب الشقة، إلا أن "سليم" أوقفه مستنكرًا رد فعله:
"انت رايح فين، هو أنا خلصت كلام؟"
استدار "يزن" إليه يقابل استنكاره الطفيف بنبرة هجومية حادة تحمل استنكارًا لاذعًا:
"انت مش لسه قايل إنك خلصت الحوار!"
"خلصته معاه بس مش خلصته معاك."
تلون وجه "يزن" بحمرة غاضبة، وهو يخرج شحنات غضبه المكتوم في صورة اندفاعية تحمل شراسة ممزوجة بالسخرية:
"وأيه المفروض يحصل، افتح ايدي تضربني ولا تمدني على رجلي عشان اتعلم الادب!"
اقترب منه "سليم" والشر يقطر من كلماته المتوعدة:
"لا العقاب ده سهل بس انت كبرت على الضرب، مش أنا آخر مرة قايلك لو غلطت أنا هتصرف في حياتك بالطريقة اللي هتعجبني!"
صمت "يزن" عن قصد ولم يُجِب بأي شيء منتظرًا استكمال "سليم" كلماته التي استنبطها بفطنته، لذا ظهر على جانب فمه بسمة ساخرة:
"انا جبت اسم ابو البنت واخدت منه معاد وهنروح وتتقدملها."
أظهر "يزن" اعتراضه في صورة ضحكة ساخرة تحمل رفضًا قاطعًا، بينما نظر الجميع لبعضهم متعجبين من تطور الأحداث السريع:
"نعم!"
تناثرت شظايا كلمات "سليم" في وجه "يزن" على مرأى ومسمع الجميع:
"اللي سمعته وده قراري ومفيش رجوع فيه، طالما مشيت وراها وبتحاول تتعرضلها يبقى تشرب نتيجة تصرفاتك."
صب "يزن" جام غضبه في صورة كلمات مستنكرة منسوجة بخيوط التحدي القوية:
"اشرب! طيب ما سهل اوي اقولك مش هعمل كده، واللي عايز تعمله اعمله واقلب الترابيزة في ثانية!"
حاول "سليم" كبح طوفان غضبه، ولكنه فشل بعد تمرد أخيه الأصغر عليه كطير أبى الانصياع لباقي السرب، فحلق بعيدًا متجاهلاً بشاعة قراراته المتهورة:
"وانا سهل اوي اكسر الترابيزة فوق دماغك، لو ما نفذتش اللي قولت عليه، البت دي هتخطبها يعني هتخطبها أنا مش هطلع عيل قدام الراجل فاهم ولا لأ."
أشاح "يزن" بيده في لا مبالاة مقصودة وتحرك للأمام، متجاهلاً نظرات الجميع إليه، فرد بعدم رضا وغيظ:
"لا مش فاهم ولا عايز افهم."
حاول "زيدن" إيقافه عندما اعترض طريقه عدة مرات ولكنه فشل:
"يزن، خد انت يا ابني، انت مجنون، اقف كلمنا."
"اوعى من وشي."
وضع "سليم" يده في جيب سرواله، وهو يلقي بأوامره التي استفزت "يزن" كثيرًا:
"سيبه، في الآخر اللي قولته هيتنفذ."
وقبل أن يغلق "يزن" باب الشقة خلفه، اندفع بانزعاج تام يلقي ببدايات رفضه للأمر برمته:
"على جثتي يا سليم، أنا مش لعبة في ايدك، ولو عايز تطلع قد كلمتك، روح اخطبها انت."
وضع "زيدان" يده فوق وجهه عندما شهقت "شمس" بصدمة من رد فعله:
"يا حيوان!"
رفع "سليم" رأسه وكأن العالم بأسره يقف تحت قدميه، وعيناه ثابتتان على باب الشقة لا تزيغان أبدًا، هتف بتحدٍ قاسٍ:
"اقسم بالله ما في حد هيتجوزها غيرك يا يزن، وهنشوف كلام مين فينا هيمشي."
رواية غناء الروح الفصل الخامس عشر 15 - بقلم زيزي محمد
ظل "يزن" يجوب الطرقات بسيارته وعقله شاردًا فيما حدث الليلة، ولأول مرة، يشعر بضجيج عارم يخترق كيانه، فلم يستطع تمييز ما يريده وسبب غضبه.
إهانة "سليم" له أمام عائلته كانت السبب الرئيسي في كسر خاطره، أوقف سيارته في طريقٍ هادئ وأرجع رأسه للخلف، غارقًا في تفكير عميق في حديث سليم الليلة وقراراته المصيرية التي أصدرها وكأنه الحاكم الفعلي في حياة الآخرين.
عاد برأسه إلى الزجاج بجانبه وشرد بـ"سيرا" لدرجة أن صورتها تجسدت أمامه على زجاج سيارته، حرك رأسه نفيًا، رافضًا ما تؤول إليه أفكاره في الفترة الأخيرة منذ معرفته بها، لقد تبدلت حياته كليًا وأصبح تابعًا لها، منتظرًا كالشحاذ أن تمنحه الفرصة ليتعرف عليها أكثر.
مط شفتيه بضيق، مجاهدًا التفكير في أمر ينجو به من قرارات "سليم" الصارمة، والتي يعلم جيدًا أنه سيظل يحارب حتى يخضع له، وهذا لن يحدث! فإن تعلق الأمر بقلبه وحياته، فلا تهاون ولا خضوع.
ارتفع رنين هاتفه باستمرار، فنظر بجانبه بضيق، حتى وجد اسم "أبلة حكمت" يتلألأ في وسط الشاشة، رفع الهاتف وأجاب على الفور.
-الو.
-ازيك يا يزن اخبارك؟
ابتسم بلطف لهذه المرأة والتي تنافس أختها في غرابتها.
-الحمد لله بخير.
-بقولك، أنا عشمانة فيك، تيجي بكرة تقابلني أنا والحاج صافي جوزي، أصل في عربية واحد صاحبه عايز يدبسه فيها وهو مُصر يشتريها وأنا عايزاك تشوفها وتقولنا رأيك.
صمت قليلاً وهو يحرك رأسه يمينًا ويسارًا بيأس، ولكنه أجاب بهدوء ولطف.
-بصي هو أنا ماليش في الجو ده، بس تمام هاجي عشان خاطرك!
-والله أنا قولت ما ليا غير يزن، تسلم، خلاص هخلي سيرا اختي تبعتلك العنوان على الواتس، عشان أنا ماليش في الحوارات دي.
فرك وجهه بيده عندما ذكرت اسمها، الذي يحاول جاهدًا نسيانه، فيبدو أن الحياة تصر على جمعهما معًا.
-تمام، مع السلامة.
أغلق الهاتف والقاه جانبًا، ثم قاد السيارة مرة أخرى وظل يجوب بلا هدف، مقررًا عدم العودة للمنزل الليلة.
***
في منزل "سيرا"
عادت "سيرا" من الخارج مرهقة، والنوم يداعب جفنيها بعد إرهاق طويل في عملها، ثم التقت بفاطمة وذهبتا للتسوق في إحدى المولات الشهيرة حتى عادت تجر قدميها كالعجوز، وكل ما تتمناه هو رؤية فراشها والاستمتاع بحمام ساخن ونومة هنيئة بعيدة عن ضجيج الصغار المستمر حتى آذان الفجر!
استطاعت الفرار من التجمع العائلي في الصالة متحججة بحاجتها للنوم، وما إن دخلت غرفتها حتى وجدت ابن أختها يغفو فوق فراشها في سبات عميق، زمت شفتيها بضيق لوجوده نظرًا لصغر حجم الفراش، ولكنها لم ترد إيقاظه، فقررت أن تأخذ ثيابها وتأخذ حمامًا دافئًا يريح جسدها، لكنها وجدت دورة المياه مشغولة، فطرقت على الباب عدة مرات حتى ظهر صوت ابنة أختها "كريمة" تقول بصوت خفيض ومتألم.
-معلش يا خالتو، أنا بطني واجعني اوي، مش عارفة اخرج.
-خلاص يا حبيبة خالتو براحتك، بس اوعي تنسي زي كل مرة وتنامي في الحمام.
قالتها "سيرا" بتهكم طفيف، ثم جرت قدميها بإحباط نحو غرفتها، وأبدلت ثيابها وذهبت بجانب الصغير لتستلقي بجانبه، لكنها شعرت بأن الفراش مبتل ورائحة شاذة تفوح منه، أبعدت الغطاء حتى وجدت ما لم تتمناه أبدًا، الصغير نائم باستغراق لدرجة أنه قضى حاجته على الفراش ولم يشعر!
كانت صدمتها كبيرة، نابعة من إرهاق تغلغل في كل خلايا جسدها، إلى جانب اقتحام دائم لخصوصيتها، بداية من فراشها إلى ثيابها إلى أبسط الأشياء التي أصبحت مباحة للجميع، نادت على والدتها بصوت مختنق حتى جاءت إليها باستفهام، فلم تتفوه بحرف وأشارت نحو الصغير بغضب مكتوم، ظهر على ملامحها وعينيها التي بدأت الدموع تتجمع بهما، فوضعت والدتها يدها على فمها قائلة.
-يالهوي مين نيم بودي على سريرك!
رأت والدتها الدموع المتجمعة في مقلتيها، فمسحت على كتفيها قائلة بحنو.
-معلش يا سيرا تلاقي الواد اللي نام منه لنفسه أو شاهندا مالقتش مكان جوه في اوضتها نيمته هنا، حقك عليا، أنا هغسلك المرتبة واظبطهالك واحطهالك في الشمس تتشمس هتبقى فلة.
انفجرت باكية بتعب وحزن خالط صوتها.
-أنا راجعة تعبانة وكنت نفسي ارتاح شوية، هانام فين والاوض كلها مشغولة ومينفعش انام في الصالة وانتوا قاعدين فيها واوضة عبود وقاسم كفاية عليهم، أنام على الارض!
احتضنتها والدتها بحب، متفهمة أن تلك الدموع نابعة من ضغط نفسي تعاني منه ابنتها الصغرى نظرًا لاقتحام خصوصيتها المستمر.
-معلش حقك عليا، اخواتك يا حبيبتي ولازم نستحملهم، يعني نسيبهم في ظروفهم الصعبة دي ومانقفش جنبهم، ما هو بكرة لما تتجوزي لازم نقف جنبك بردو وده واجبنا...
قاطعتها "سيرا" باختناق وهي تقول ببكاء.
-لا مش عايزة اتجوز، أنا مش عايزة اتجوز وابقى كده.
عضت والدتها على شفتيها بعتاب وهي تردف بصوت خفيض كي لا يسمعها أحد.
-ماتقوليش كده لاحسن حد من اخواتك يسمعك ويزعلوا منك، هما مش ذنبهم يا حبيبتي إن الدنيا زنقت معاهم حبتين، واخواتك بنات اصول عايشين على الحلوة والمرة مع اجوازاتهم واحنا دورنا اننا نساعدهم، هو انتي متضايقة إن اخواتك قاعدين معانا في البيت؟!
-مش متضايقة يا ماما ده بيتهم بردو، بس أنا مش عارفة اخد راحتي في أي حاجة، وزي ما انتي شايفة ابسط حاجة بعد يوم طويل في الشغل ارجع الاقي السرير كده!
ونظرت إلى فراشها بحسرة، فردت والدتها بضيق ممزوج بالعتاب.
-انتي اللي عايزة تشتغلي، بابكي قالك اقعدي وهو يديلك مصروفك وانتي اللي قولتي لا.
رفعت "سيرا" عينيها باستنكار، ظهر أيضًا في صوتها.
-ازاي يا ماما وانا شايفة بعيني الضغط اللي عليكوا انتي وبابا والمصاريف الكتيرة، أنا كمان هبقى عبأ عليكوا، كفاية اللي انتوا فيه.
وقبل أن تتفوه والدتها بحرف آخر، نطقت بصوت مجهد تختصر عليها أي محاولات لإقناعها بشيء هي لن تقتنع به، طالما سيظل الوضع كما هو عليه.
-دلوقتي أنا هموت وأنام هعمل أيه؟
-انزلي نامي عند حكمت، وانا هتصلك عليها.
فتحت عينيها بصعوبة تجاهد ستائر النوم المسدلة على جفنيها، فقالت بنبرة خاملة.
-ماشي قوليلها بقى، أصل أنا احتمال أنام على السلم من كتر التعب.
-طيب انزليلها وانا هفهمها الوضع!
***
فتحت "حكمت" باب شقتها لسيرا التي كانت تقف مغمضة عينيها من شدة تعبها، فأدخلتها وهي تقول بتبرم.
-انتي يا بت مازعقتيش لشاهندا ليه وهي تنيم ابنها على سريرك ليه؟
توقفت "سيرا" وهي تقول بتعجب.
-هزعقلها يا أبلة، شاهندا أكبر مني وبعدين ده عيل صغير أكيد مش دريان بنفسه.
-امال تاكلي في نفسك يا عبيطة وتفضلي تعيطي زي الهبلة، امك حكت لي، الصبح يطلع بس وأنا هديهم كلمتين الهوانم اللي قاعدين عند أبوهم ومسهلين الدنيا لجوازاتهم.
وضعت "سيرا" يدها فوق صدرها تردف برجاء.
-لا يا أبلة بلاش عشان مايزعلوش وفي الآخر بابا هيزعل منك، وهيقولوا إن أنا اشتكيت.
توسعت أعين "حكمت" باستنكار.
-انتي عايزاني اكتم في نفسي زيك، لا ده أنا هموت فيها، أنا اقول اللي أنا عايزاه واللي يحصل يحصل ياختي.
حسنًا، المشاكل قادمة لا محالة، وهي الآن ترحب بأي شيء في سبيل أن تقتنص نومه هنيئة ينعم به جسدها المرهق.
-ماشي يا أبلة اللي انتي شايفاه، انام فين عشان تعبانة؟
سارت معها "حكمت" صوب إحدى الغرف وهي تثرثر كعادتها وابتسامة واسعة تحتل ثغرها.
-جايلك عريس.
جلست "سيرا" على الفراش وهي تشير نحو نفسها بعدم اهتمام.
-أنا!
جلست "أبلة حكمت" بجانبها، وهي تردف بحماس.
-اه عارفة فايق جارنا، اخته كلمتني وهتموت عليكي وأنا قولت لبابا.
توسعت عينيها بصدمة بالغة، فزحف الحنق لصوتها.
-أيه، ليه كده يا أبلة، هو أنا مش قولتلك إن أنا مش عايزاه!
عقدت "أبلة حكمت" ما بين حاجبيها بضيق وأبرزت عدم اهتمامها برأي سيرا رغم أنها صاحبة الشأن.
-اسكتي يا بت انتي هبلة ولا فاهمة فين مصلحتك.
رمشت "سيرا" بعدم فهم مستهجنة بكل قوتها.
-مصلحتي تبقى مع فايق ازاي؟! ده واحد مدمن خمرة يا أبلة!
أشارت "أبلة حكمت" بلا مبالاة مقتنعة برأيها.
-أنا مابصدقش طالما ماشوفتش بعنيا.
فركت "سيرا" وجهها ضيق وهي تتلفظ بحروفها الحانقة.
-وهتشوفي ازاي يا ابلة الحاجات دي بتتعرف عن طريق الشباب وجوز فريال، ابيه "كمال" قالي....
قاطعتها "حكمت" بتجاهل وهي تصر على رأيها برعونة، وهذا ما استفز "سيرا".
-لا بقولك أيه أنا مابعتمدش الكلام من جوز فريال، أنا بعتمد إن الواد شاريكي وهيموت عليكي واخته قالتلي الشبكة اللي هي عايزاها والشقة والفرش كمان هتعوزي أيه تاني! وانا هبقى افهم بابا يطلب مهر عالي...
-يا أبلة ده كله مايهمنيش، هعمل بيهم لما يكون بجد مدمن؟!
هدأت نبرة "حكمت" وحاولت التحدث بلين علها تقنعها وتتم الزيجة المناسبة من وجهة نظرها.
-يا بت ده طيش شباب وهيروح لحاله اول ما يتجوز، أنا اعرف ناس كتير كانت كده وحالهم اتعدلت.
برز سلاح الرفض بعيني "سيرا" وهي تقول بإصرار.
-لا يا أبلة انا استحالة اوافق على فايق ده.
ضيقت "حكمت" عينيها بخبث وهي تسألها بنبرة غامضة.
-في حد في حياتك؟!
بلعت "سيرا" ريقها وأردفت ببرود ظاهري، تخفي داخلها إعجابها بيزن المتزايد لدرجة أن فؤادها فقد السيطرة على دقاته كلما قيل اسمه، أو قابلها لمجرد الصدفة.
-أنا لا خالص، أنا مابفكرش في الحاجات دي.
ابتسمت "حكمت" بمكر وهي ترواغها.
-اهو اللي بيقول مابيفكرش ده بيبقى بيفكر، المهم الرأي الاول والاخير اصلاً لبابا، بصي بقى عشان عايزاكي تعلميني ابعت العنوان لحد على الواتس.
كتمت "سيرا" اعتراضها وقالت برجاء.
-طيب ممكن بكرة، هموت وانام.
صاحت "أبلة حكمت" باعتراض توسعت لأجله عيني "سيرا" التي كانت تمسك بقنينة المياه بجانبها وتتجرع منها القليل.
-لا طبعا حالاً، ماينفعش اتأخر على يزن.
وعندما تفوهت باسم "يزن" اندفعت المياه من فم سيرا اندفاعًا قويًا يصاحبه شهقة قوية أدت إلى سعالها، فقالت "حكمت" باشمئزاز.
-الله يقرفك، شرقتي ولا أيه؟!
مسحت "سيرا" فمها وهي تحاول تنظيم أنفاسها المختنقة، فظهر صوتها متحشرج وهي تسأل بهدوء زائف.
-سيبك مني أنا، المهم يزن مين؟!
ضربتها "حكمت" فوق ساقها بخفة وهي تبتسم باتساع.
-يزن الشعراوي، أيه نسيته؟
-وده انساه ازاي بس، طيب هو انتي عايزاه في أيه؟
قالت معظم حديثها بنبرة خافتة للغاية، ثم رفعت نبرتها تسأل بفضول يقطر منه القلق، فأجابت "حكمت" بخبث وحاولت تغيير مجرى الحديث.
-لا صافي منبه عليا ماعرفش حد.
ضيقت "سيرا" عينيها تحاول التركيز بملامح "حكمت" التي أخفتها سريعًا، فقالت بدهاء.
-لا انتي اللي مش عايزة حد يعرف مش أبيه صافي.
عادت "حكمت" تضربها بخفة فوق كتفها قائلة بحنق ونفاد صبر.
-وانتي مالك يا حشرية، هتعرفيني ولا لا؟
-هعرفك بس تحكيلي وأنا والله ما هقول لحد خالص.
تبخر النوم من عيني "سيرا" واستيقظ العقل بتأهب وكأنه على وشك خوض اختبار صعب، فانتبهت جميع حواسها وهي تستمع لحديث اختها الكبرى التي حتمًا ستصيبها بجلطة ذات مرة من تصرفاتها الحمقاء!
***
أغلقت "شمس" باب شقتها خلفها وبحثت بعينيها عن "سليم"، الذي اختفى فجأة بعد ذهاب "يزن"، رافضًا تدخلهم، حتى "منال" التزمت الصمت واكتفت بالبكاء المصحوب بخوفٍ على أصغر أبنائها، لعلمها أن صفاته تحمل جزءًا كبيرًا من التهور، فالعناد المرسوم بعينيه وهو يقف يجابه "سليم" دفعهم للتأكد من أنه لن يخضع بسهولة لقرارات "سليم".
ظلت تبحث عنه حتى وجدته في غرفة الصغيرة "قمر"، يحرك فراشها الصغير بلطف، وصوت الموسيقى الهادئة يصدح في الأجواء، مستغلاً هالة الهدوء الطاغية على غرفتها لينفض عنه الشحنات السلبية المتملكة منه منذ شجاره مع "يزن".
زمت شفتيها بضيق وهي تحرك رأسها بيأس، وقالت بنبرة منسوجة بخيوط الغيظ الثقيلة.
-سليم لو سمحت أنا عايزاك.
التفت إليها سريعًا وأشار إليها بالصمت كي لا تستيقظ طفلته، فرفعت "شمس" أحد حاجبيها بتحدٍ سافر لم يعجبها تصرفه، ولكنه لم يعِرها أي انتباه واستكمل تحريك فراش الصغيرة بلطف حتى تأكد أنها غرقت في سبات عميق، ترك الغرفة وخرج يبحث عنها، فوجدها تجلس على مضض في الصالة تنتظره، وفور رؤيتها له، قالت بضيق محتدم ظهر أيضًا في عينيها، التي قرأ فيهما عدم رضاها على تصرفه الليلة.
-يزن لغاية دلوقتي مارجعش يا سليم، وماما منهارة من العياط تحت.
هز كتفيه ببرود متعمد يخفي غضبه من تصرفات أخيه.
-هيرجع هيروح فين يعني!
لم تستطع "شمس" التحكم في ذاتها أكثر من ذلك، فانفجرت قائلة بغيظ شديد تحكم من نبرتها وملامح وجهها التي كانت على وشك الانفجار.
-سليم أنا مش عاجبني....
قاطعها بنبرة صلدة صارمة، وعيناه تشتد ظلمة وقسوة.
-شمس وانتي من امتى بتراجعيني في اللي بعمله!
رفعت حاجبيها معًا ولم تخشَ نبرته، فرفعت رأسها بتحدٍ وهي تواجهه.
-لا براجعك بس لما بتكون بتتصرف غلط.
انكمشت ملامحه لجرأتها معه في الحديث، فتحرك صوب غرفته وهو يقول بحنق ونبرة صوته ارتفعت رغمًا عنه.
-غلط ولا صح، أنا اللي شايفه مناسب هعمله ومش هستنى رأي حد.
كانت تعرف تمام المعرفة أن زوجها لن يقتنع بذلك الأسلوب، لذا هدأت قليلاً وذهبت نحوه تمسك بيديه، مستخدمة أساليبها الناعمة ودفء نبرتها المغوية وهي تقول.
-سليم الدنيا اخد وعطا، خلينا نتكلم.
أبعد يدها عنه بانزعاج واضح، لقد طفح الكيل به منذ الصباح عندما طل عليه الحاج "أحمد" وحديثه القاسي عن "يزن" مرورًا بما حدث الليلة مع أخيه الذي لم ولن يتوانى عن تصرفاته الحمقاء وسيظل يتهاون بما حوله في سبيل إرضاء رغباته وأهوائه.
-وأنا مش عايز اسمع كلام من حد يا شمس، محدش كان معايا وأنا بسمع كلام زي السم من الراجل صاحب البرج عن أسلوب يزن وشخصيته، أنا حذرته كتير وقولتله خد بالك من تصرفاتك، انت مش صغير، وهو ولا على باله، ماشي ورا بنت باين عليها مجتش معاه سكة، أنا مش هستنى لما يحصل مصيبة، لا يقف عند حده، ويشرب نتيجة تصرفاته، ويعرف إن بنات الناس مش لعبة.
زفرت بضيق قبل أن تبرز اقتناعها بحديثه فقالت بهدوء.
-معاك، بس يزن راجل مش بنت عشان تغصبه على جواز.
-لا لما يكون مش مؤهل يتحكم في تصرفاته وحياته، يبقى أنا لازم اتدخل.
-بس...
ورغم هدوء نبرتها وصفاء عينيها وتخليهما عن التحدي المعلن منذ بداية بحثها عنه، إلا أنه لم يعد يتحمل الجدال أكثر من ذلك، لذا قاطعها بنبرة مختنقة وملامح وجهه عادت تدخل في كنف الجمود والقسوة.
-كفاية ومش هستحمل نقاش اكتر من كده.
لا شك أنها شعرت بالضيق من محاولاته لإسكاتها وعدم تدخلها في شأن "يزن"، ولكن الضيق الأكبر كان منه أنه عاد لـ"سليم" القديم بطباعه الحادة وجمود خصاله، وهذا لن تتحمله كثيرًا، فانفجرت به قبل أن تتركه وتذهب لمواساة "منال" الباكية.
-تمام براحتك، بس عايزة اقولك بردو إن تصرفك معاه تحت كان غلط في غلط واحرجته جامد قدامنا.
ثم تركته دون أن تعيره الانتباه، ودون أن تستأذنه حتى، وكأنها تعاقبه باختفائها عن أنظاره، وهو كان في أمس الحاجة لعناقها وينعم بدفء حنانها لتزول عنه متاعب اليوم بمواقفه السيئة، فهي وحدها مَن تملك مفاتيح نعيم جنانها، لكنها أغلقت أبوابها في وجهه وطردته خارجها!
***
في اليوم التالي..
رفعت "حكمت" زجاجة معطر للجو برائحة الياسمين ونثرتها في أرجاء السيارة بغزارة، مما جعل "صافي" زوجها يسعل بشدة، فقال بضيق.
-جرى أيه يا حكمت، ده كله معطر، هتموتينا.
تأففت بضيق وهي تقول بحنق.
-العربية دي ريحتها وحشة، وبعدين يزن أكيد هيدخل يقعد فيها يقول عليك أيه انت وصاحبك معفنين!
انكمشت ملامح "صافي" بغضب واخشوشنت نبرته وهو يزجرها.
-ماتحسني الفاظك يا حكمت في أيه!
رفعت أحد حاجبيها بتحد وعدم رضا من نبرته.
-صـــــــافـــي!
أشاح بيده بلا مبالاة وهو يتمتم بغيظ.
-خلاص سكتنا.
وقبل أن يتحرك بالسيارة، وجدا "سيرا" تفتح باب السيارة الخلفي وتدخل وعلى وجهها ابتسامة كبيرة مصطنعة.
-ازيكم، الحمد لله لحقتكم.
نظر "صافي" إلى زوجته يسأل باهتمام.
-أيه ده هي سيرا جاية معانا؟!
التفتت "حكمت" إلى أختها تردف بانفعال وغيظ.
-انتي مين قالك تيجي معانا؟
توسعت عيناها ثم رمشت ببراءة وهي تجيب.
-انتي يا ابلة!
رفعت "حكمت" حاجبيها باستنكار ثم قالت.
-والله ما نطقتها!
غمزت "سيرا" بطرف عينيها وهي تصر على قولها.
-يا ابلة بليل وانتي بتحكي لي على العربية.
انفجرت "حكمت" باستشاطة.
-يا بت انتي بتغمزي ليه؟، أنا مابخبيش على صافي جوزي حاجة.
شعرت "سيرا" بالإحراج من نظرات زوج اختها إليها، ففكرت سريعًا وقالت باندفاع.
-يا ابلة أنا قولت آجي معاكم عشان لو يزن ده قالكم حاجة مش فاهمينها افهمكم أنا، وماتبنوش قدامه انكم نص كم.
اخشوشنت نبرة "صافي" بضيق وهو يعاتبها.
-إيه نص كم دي، ماتحسني الفاظك يا سيرا.
رمشت بعينيها تعلن أسفها برقة.
-أسفة يا أبيه.
ثم التفت إلى "اختها" التي كانت ترمقها بشك أثار قلق "سيرا" فاستكملت خطتها.
-وبعدين يا ابلة، أنا كنت عايزاكي تيجي معايا بعد المشوار ده، نشتري هدوم ليا ذوقك بيعجبني وكمان أنا بيتضحك عليا في الأسعار.
لم تصبها سهام الشك المصوبة من "حكمت"، واستعادت السيطرة على موقفها خاصةً عندما قالت "حكمت" بحماس.
-اه إذا كان كده ماشي، يلا بينا يا صافي، عشان مانتأخرش على يزن زمانه راح.
همست بداخلها وهي تضغط على هاتفها وفي ذات الوقت مغمضة عينيها بقوة.
-يا رب يا ميروح.
ثم رفعت هاتفها وقرأت رسالتها التي أرسلتها له صباحًا تعتذر عن مجيء "أبلة حكمت" في المعاد المحدد بينهما نظرًا لظروف خارجة عن إرادتها، ولكنه لم يرد ولم يريح خاطرها المشغول بأمر هذا اللقاء.
قضى "صافي" وقتًا ليس بطويل حتى وصل إلى المكان المقرر مقابلتهم فيه، نظرت "سيرا" سريعًا حولها لم تجده وهي لا تزال في السيارة، فاستمعت لصوت "حكمت" وهي تنزل من السيارة.
-يلا انزلي يا سيرا.
هبطت هي الأخرى والتزمت الصمت وعيناها تفر في المكان كله بإمعان وداخلها بدأ يشعر براحة كبيرة لعدم مجيئه، فاستمعت لقول "حكمت" الحانق.
-هو يزن ده كله مجاش!
-مش قولتلك يا أبلة من الاول، ده هو بيضحك عليكي، وتلاقي ابوه وامه هما اللي فاتحين المعرض ده تلاقيه ولا بيفهم في العربيات ولا نيلة!
حمدت الله كثيرًا ووضعت يدها على قلبها باطمئنان وراحة ولكن راحتها لم تدم طويلاً وذلك عندما صدح صوت من خلفها.
-اللي مابيفهمش وصل يا جماعة!
استدارت سريعًا كمَن لسعها عقرب، وتوسعت عيناها فتفوهت بغيظ.
-انت جيت ازاي!
ضربتها "حكمت" في كتفها بخفة وهي تضغط على شفتيها السفلى وعيناها تصدر التنبيهات الصارمة.
-هو ايه اللي جه ازاي انتي عبيطة، اسكتي بقى.
ثم أشارت بفخر نحو "يزن"، وكأنها تقدم وزيرًا أو رئيس جمهورية، "فحكمت" "وصافي" يسعدان بعلاقتهما مع معارف أثرياء، فيشعران بالفخر والاعتزاز، معتقدين أن تلك العلاقات ستفتح لهما آفاقًا جديدة لكسب الأموال وتعزيز مكانتهما المادية.
-اعرفك يا يزن على الحاج صافي جوزي.
صافحه "يزن" بحبور شديد وبدآ يتعرفان على بعضهما البعض، فكان ليزن جاذبية خاصة يملكها يستطيع كسب اهتمام وتقدير من حوله، بينما هي كانت تقف بتوتر شديد وهي تتابع حديثهما باهتمام، واكتشفت فيه جانبًا جديدًا يتسم بالجدية المفرطة طالما كان الأمر يخص عمله، واستطاع بدهائه إقناع "صافي" بأن تلك السيارة لن تليق به وإمكانياتها قليلة على شخصية مثله، وأن معرضه مفتوح له في أي وقت، فقرر "صافي" أن يشتري سيارة منه، مقتنعًا بحديثه هو و"حكمت" التي كانت تحرك رأسها بإيجاب على كل كلمة يتفوه بها "يزن".
فمالت حكمت على زوجها وهي تقول بثقة.
-شوفت يا صافي، قولتلك صاحبك ده معفن ماصدقتنيش!
-طيب اقوله أيه يا حكمت، ده أنا وعدته اشتريها ومديهالي بقالي اسبوع.
قالها "صافي" بحيرة، فأوقفته بيدها وسألت يزن بمكر.
-بقولك يا يزن، هي العربية دي تسوى كام؟
مط "يزن" شفتيه وهو يقيمها بجدية.
-يعني ٣٥٠ الف بالكتير.
رفعت أحد حاجبيها وابتسامة ماكرة تحتل ثغرها وهي تجذب "صافي" من ذراعه مشيرة إلي يزن وسيرا بالانتظار.
-استنوني ثانية.
ثم التفت إلى صافي تدفعه للتحرك بعيدًا عنهما وهي تقول بإصرار.
-اتصل على صاحبك وافتح الاسبيكر.
وما إن ابتعدا حتى قال يزن بابتسامة محركًا رأسه بيأس.
-اختك هتخسف بسعر العربية الارض!
عقدت حاجبيها بضيق عندما شعرت منه بسخرية مبطنة منه.
-قصدك أيه يعني؟!
أشار إليها بالهدوء متعجبًا من نبرتها التي تحولت وأصبحت أكثر حدة صوتها وكأنها على وشك الشجار معه.
-ماقصديش، اهدي في أيه؟
رفعت أنفها بغرور وهي تقول بترفع محاولة الحفاظ على كرامة عائلتها المعبثرة هنا وهناك بسبب تصرفات حكمت المتناقضة.
-على فكرة بقى ابلة حكمت أخر حاجة همها الفلوس، بس هي مابتحبش يتضحك عليها.
تلونت ابتسامته بتهكم وهو يقول.
-غريبة مع إن ده مكنش كلامك عليها!
ازداد انعقاد حاجبيها وارتفعت نبرتها قليلاً بحدة وهي تخرج حروفها الغاضبة المهددة.
-قصدك أيه؟، والله انادي عليها واقولها إنك بتشتم عليها.
اقترب خطوة متسائلاً بشك وعيناه تجولان فوق ملامحها المتوترة.
-مش هتصدقك هي واثقة فيا، وبعدين انتي مالك مُصرة تبوظي العلاقة ما بينا ليه؟ وفي كل مرة بشوف ابلة حكمت بتنطي فجأة ليه؟!
جاهدت إخفاء توترها عندما لمس محاولاتها الفاشلة لهدم لقاءاته مع أختها.
-دي اختي يعني وارد اكون معاها!
ثبت بصره عليها وأردف بنبرة قوية وقد تغيرت ملامحه الممازحة دومًا لأخرى جادة تحوي غموضًا مربكًا.
-خليكي واضحة يا سيرا، احيانًا الوضوح بيكون حلو.
عقدت ذراعيها أمامها وهي تسأل بنبرة مستنكرة.
-وانا اكون واضحة مع واحد ماعرفوش ليه؟!
هز رأسه موافقًا على رأيها، ولكنه حاول الضغط عليها أكثر لتكشف ستائر الظلام المسدلة على عينيها.
-عندك حق، بس يعني اظن اللي ما بينا...
توسعت عيناها بتعجب ساخر ثم ضحكت بتهكم طفيف وهي تقول بنبرة جافة.
-نعم؟ هو أيه اللي ما بينا يا يزن! مفيش أي حاجة على فكرة، احنا مجرد اتنين اغراب عن بعض، وبتجمعنا الصدف مش اكتر.
لم يهتز بل ألقى بسؤاله الحاد في ساحة مشاعرها المضطربة.
-انتي عايزة أيه بالظبط؟!
هزت كتفيها بلا مبالاة ظاهرية، وإمارات البرود تحتل ملامحها التي كادت تهتز وتظهر له مدى إعجابها به.
-مش عايزة أي حاجة، ويا ريت يكون ما بينا حدود أكتر من كده.
لم يبعد عيناه عن عينيها المرتبكتين، فقال بهدوء مصاحب بسمة جانبية ساخرة.
-بس عينك بتقول غير كده!
ضحكت بسخرية وهي تضرب كفًا بآخر، قائلة.
-تاني هيقولي عيني، هو انت معاك ماجستير في لغة العيون ولا أيه مش فاهمة حقيقي!
شعر بالسأم قليلاً من عدم وضوحها، ولم يدرك أنها في النهاية فتاة ولن تصرح له عن مشاعرها بسهولة، مثل باقي الفتيات اللاتي تعرف عليهن.
-بعدين هتفهمي، وهنشوف كلام مين فينا صح!
مطت شفتيها بملل تعمدته وهي تردف ببرود.
-أنا ماقولتش أي كلام انت اللي بتقول وبس.
شعر بالضيق منها ومن تصرفاتها غير الواضحة معه، ولم يعرف لماذا هي تحديدًا يصر عقله على زجها دائمًا في محيط أفكاره، ومهما حاول إخراجها يعود فاشلاً أمام الصدف التي تجمعهما، متجاهلاً أنه أحيانًا هو يدور حولها كالنحلة منتظرًا نصب خليته.
عادت "حكمت" ونبرة الانتصار تقطر من صوتها.
-خلصت العربية على ٢٠٠ الف، اصله مزنوق في قرشين فهيموت ويبعها هشتريها أنا كاستثمار.
نظر "يزن" إلى سيرا التي تلون وجهها باحمرار قاني من شدة إحراجها، فابتسم وهو يوجه حديثه لحكمت السعيدة بانتصارها.
-مفيش في شطارتك، أستاذة ورئيسة قسم، احنا نقعد ونتعلم منك.
ازداد اعتزازها بنفسها وهي تنظر إليه بسعادة.
-أنا مكدبتش لما قولت عليك بتفهم.
اغتاظت "سيرا" ففقدت السيطرة على نفسها وخرجت نبرتها صلدة.
-ابلة أنا همشي عشان ورايا شغل.
-مش كان ورانا مشوار...
قاطعتها "سيرا" وهي تهم بالتحرك وتغادر موقعهم الذي أصبح أكثر اختناقًا.
-بعدين يا أبلة بعدين، ومبروك على العربية، سلام يا أبية صافي.
ولم تعر ليزن أي انتباه، متعمدة إحراجه ولكنه لم يغضب وقد توقعه تصرفها الطفولي من وجهة نظره، ووضع يده في جيب سرواله بتسلية وهو يعود لحكمت مقررًا التعرف عليها أكثر ومن خلال ثرثرتهما سيتعرف عن شخصية سيرا التي كانت لا تزال غامضة وتثير اهتمامه بها!
***
خرج "يزن" من عيادة "نوح"، صديقه، وتوجه نحو سيارته بعد أن قضى بعض الوقت معه، ساردًا عليه ما حدث وأبلغه بقراره الاختفاء عن الأنظار ليحسم قراره ويؤنب ضمير "سليم" على أسلوبه معه، فلم يعد الفتى الصغير الذي يقف ويتلقى توبيخه ولا يستطيع الدفاع عن نفسه؛ فقد تغيرت مجريات الأمور وأصبح شابًا ناضجًا يستطيع السيطرة على حياته وتسيير أموره كيفما يشاء.
وها هو قد غاب يومًا آخر عن الأنظار، مغلقًا هاتفه، ولم يذهب إلى معرضه، ولم يحاول الاتصال بأحد لمعرفة إن كانت عائلته تبحث عنه أم لا؛ فلم يعد الأمر برمته يهمه.
وقبل أن يقود سيارته، وجد بابها يفتح ويدخل "زيدان"، جالسًا بالمقعد المجاور له.
-انت فاكر كده يعني إن أنا مش هعرف اجيبك!
زفر "يزن" بضيق وهو يرمقه بنظرة حادة.
-بقولك أيه سيبني في حالي، أنا مش طايق نفسي.
هدأ "زيدان" قليلاً محاولاً امتصاص غضبه والذي يبدو أنه لم يهدأ.
-ومش طايق نفسك ليه، اهدا وروق وكل حاجة هتتحل.
ضيق "يزن" عينيه وهو يتسائل باستنكار لاذع.
-انت جايب البرود ده منين؟!
اخشوشنت نبرة "زيدان" محاولاً السيطرة على نفسه كي لا ينفجر به.
-لم لسانك عشان نشوفلك حل.
ارتفعت نبرة يزن بالمقابل وقال بغيظ ناري كتمه داخله ولم يعد لديه القدرة على السيطرة على نفسه.
-وانت شايف فيها حل، سليم متعمد يعمل كده قداكم عشان يحطني قدام سياسة الأمر الواقع، بس على مين والله ما هيحصل.
رمقه زيدان بنظرة غامضة تحوي داخلها تسلية أخفاها سريعًا.
-ماتحلفش بس!
لمعت عيناه بوميض العناد وهو يقول.
-قصدك أيه، إن هو هينفذ كلامه، طيب اقعد واتفرج.
زفر زيدان بهدوء قبل أن يفسر حديثه بوضوح أكثر.
-يزن هي مش حرب، وانت عارف أكتر واحد إن سليم مابيتاخدش بالطريقة دي!
عاد يزن بجسده لينظر أمامه وهو يقول بتحدٍ وبرود.
-لا ماعرفش، لغاية حياتي ومستقبلي وماعرفش حد.
زم زيدان شفتيه بضيق وهو يلفت انتباه أخيه المتهور.
-الوضع مش مستحمل عندك.
احتدت نبرة يزن وهو يعود برأسه ينظر إليه.
-انت جاي تناقشني في أيه؟
-أنا مش جاي اناقشك، بس هو يعني لما تختفي يوم أنت كده فاكر إن سليم مايعرفش يوصلك، وبعدين أنا الصراحة مستغربك ومش فاهمك.
ثبت يزن بصره على زيدان دون أن يتفوه بأي كلمة، فاستكمل زيدان حديثه بوضوح وصراحة فجة كعادته.
-ايوه ماتبصليش، ياعم مش دي البت اللي خلتني اسيب شغلي واجاي انقذ صاحبتها، وكنت محموق لها اوي.
قبض "يزن" يده فوق المقود وشعر بتعريته أمام إخوته، فازداد غيظه منه، فلم تجرؤ فتاة على قلب حياته هكذا مثلما فعلت هي.
-وانت عرفت ازاي انها نفس البنت؟
-الحاج أحمد باعت لسليم فيديوهات من كاميرات المراقبة وانت بتتعرض للبنت دي كتير واخرهم لما كنت معاها جوه البرج وبتمسك ايدها غصب عنها.
وصل غضبه إلى ذروته وصاح بنبرة مستشيطة.
-أيه الجنان ده الراجل ده عايز يتربى ويتعلم الادب.
انزعج زيدان من تهوره وقال بهدوء ظاهري.
-اقعد بس واسكت مش وقته الكلام ده أساسًا، دلوقتي هتعمل أيه مع سليم؟
-مش هعمل ولا عايز اعمل، تصدق بالله أنا مخنوق ونفسي اختفي من الدنيا كلها ومحدش يعرف لي طريق.
أخرج يزن حقيقة ما يعتمل بداخله، وصمت مرة واحدة وهو ينظر نحو الزجاج شاردًا بحياته التي تعقدت، فشعر باختناق وكأن هناك حبالاً غليظة تلتف حول رقبته، بينما "زيدان" كان يفكر هو أيضًا في حل تلك المعضلة، فصاح باعتقاده علنًا.
-تصدق هي فكرة كويسة، يمكن سليم يهدا ويرجع عن اللي بيفكر فيه.
سأل يزن بعدم فهم وقد بدت نبرته أكثر اهتمامًا.
-مش فاهم قصدك؟
أجاب "زيدان" وهو يفسر له حديثه.
-قصدي إنك تختفي فترة من قدامه خالص.
لان عقله الجامد وقد أعجبه فكرة "زيدان" ومنها يسعى لصفاء ذهنه ليخرج سيرا من تفكيره.
-وهروح فين عندك مكان؟، سليم عارف كل الامكان اللي بروحها.
فكر زيدان قليلاً قبل أن تلمع عيناه بوميض غامض وابتسامة جانبية احتلت ثغره.
-إلا مكان واحد بس ماعرفش انت هتتحمل تقعد فيه؟!
انعقد حاجبا "يزن" ففسر الآخر حديثه بهدوء يخفي خلفه تسلية كبيرة.
-يعني اقصد مفيهوش رفاهيات ومكان بعيد.
تنهد "يزن" بقلة حيلة وعجز سيطر عليه.
-ياعم أي حاجة، أنا اقسم بالله زاهد كل حاجة في الدنيا، ومش عايز غير إن أنا افصل بجد، بس انت مش هتقول لسليم على مكاني؟
-خالص، انت مجنون؟ أنا جاي عشان أساعدك وأقف جنبك، استنى هكلم الراجل.
قالها زيدان بنبرة يغمرها الحماس، ثم رفع هاتفه وأجرى اتصالاً بشخص ما.
-ألو، إزيك يا عباس؟ أنا تمام، بقولك، عارف الشقة اللي كنت جايبها لي عندكم في الأقصر؟!
صمت قليلاً يستمع لرد الآخر، ثم قال بابتسامة واسعة وهو ينظر ليزن بطرف عينه.
-لا لا، أول شقة، أيوه، متأكد بقولك، بس نضفهالي، وهبعت لك أخويا هيقعد فيها كام يوم.
استمع لرد "عباس" الذي سأل باستفهام.
-المسكونة يا باشا؟
-أيوه يا عم، بقولك، انجز بقى.
أغلق "زيدان" الاتصال، ثم التفت إلى "يزن" وأردف بابتسامة واسعة ونبرة صوته مغمورة في نهر من الغموض.
-ده أنت هتفصل فصلان، هتتبسط أوي، عمرك رحت الأقصر قبل كده؟
***
بعد مرور عدة ساعات.
هبط "يزن" من سيارة الأجرة التي أوصلته إلى العنوان المنشود، فوجد "عباس" في انتظاره، فمد يده بحبور وصافحه.
-ازيك يا عم عباس، أنا يزن أخو زيدان.
رحب "عباس" به بترحاب شديد.
-اهلاً اهلاً يا يزن باشا، والله نورت البلد كلها.
-ربنا يخليك، بس هو أيه ده مفيش حد ليه كده في المنطقة احنا لسه يعني الساعة ١٠.
التفت "يزن" حوله وهو يمرر بصره على البنايات وعلى المنطقة الساكنة وخلوها من المارة، فقال "عباس" بهدوء يتخلله بعض الارتباك.
-البلد هنا هادية يا باشا، والناس بتنام من المغرب بس أنا ببقى صاحي على طول لو عايز أي حاجة.
فرك "يزن" وجهه بارهاق فلم يحظَ بنوم مريح منذ يومين، فقال بصوت واهن.
-أنا مش عايز حاجة غير إنك توديني الشقة اللي هقعد فيها، عشان أنا فاصل ومش قادر.
نظر "عباس" خلف يزن نظرة متوترة نحو البناية الساكنة والمظلمة، قائلاً وهو يشير نحو البناية.
-اه المسافة بعيدة بردو، يلا بينا العمارة اهي والشقة في الدور التاني.
سار "يزن" بجانب "عباس" يسأله من باب الفضول.
-في حد ساكن في العمارة دي؟؟
توقف "عباس" وقد ظهر الارتباك عليه، مردفًا.
-ها؟
تعجب "يزن" من رد فعل "عباس" فاستنكر بنبرته سريعًا معقبًا عليه.
-هو أيه اللي ها، في حد ساكن؟!
أصاب "عباس" نوبة سعال شديدة ولم يستطع السيطرة على نفسه، فمد إليه يزن زجاجة المياه خاصته.
-مالك اهدا، معايا ميه خد اشرب.
وضع "عباس" يده فوق صدره وقد بدت نبرته متحشرجة.
-شكرا يا باشا، تعال اطلع يلا.
صعد "يزن" معه ووصلا إلى الشقة المنشودة، فسلم إليه "عباس" مفتاح الشقة وغادر سريعًا تحت نظرات "يزن" المتعجبة، ولكن إرهاقه لم يجعله يفكر بارتباك "عباس" الغريب.
فتح باب الشقة وأغلقه خلفه ناظرًا إليها نظرة سريعة ليقيمها، فكانت حالتها لا بأس بها، وأثاثها قديم نوعًا ما، ولكن لن يهم، فاختفاؤه ليومين ليس إلا!
وضع المفاتيح فوق طاولة صغيرة بجانب باب الشقة، ثم توجه نحو الغرفة الوحيدة الموجودة بالشقة وكانت أمامه على بعد مسافة قصيرة، دخلها وأغلق الباب خلفه، ولم يلاحظ أن باب الشقة قد أعيد فتحه!
أبدل ثيابه بثياب منزلية مريحة وقرر الخلود إلى النوم، مستغلاً حالة الإرهاق المسيطرة عليه كي لا يفكر بشيء يؤرق تفكيره.
وبالفعل، لم يأخذ وقتًا طويلًا وغرق في سبات عميق ولم ينتبه إلى باب الغرفة الذي قد أعيد فتحه هو الآخر.
***
"قوليلي يا خاينة ليه الشيطان وزك"
ظلت تلك الجملة تتكرر مصاحبة لصوت موسيقى عالٍ اخترق أحلامه وأيقظ "يزن" من نومه، ففرق جفنيه بصعوبة وحاول التركيز لمعرفة مصدر تلك الموسيقى، حتى أدرك أنها تأتي من الشرفة الموجودة بالغرفة والمطلة على الحديقة الخلفية للبناية.
تحرك يزن بإرهاق وعلى وجهه علامات الانزعاج من تلك الموسيقى الصاخبة، ففتح الشرفة وبحث بعينيه حتى وجد رجلاً يجلس أسفل الشرفة في الحديقة ويدخن تبغًا وصوت المسجل بجانبه.
-لو سمحت، يا عم، يا عم أنت.
ظل يكرر حديثه عدة مرات حتى رفع الرجل وجهه إليه، فابتسم يزن ابتسامة مقتضبة.
-يا عم احنا الساعة ٢ بليل، ونايمين، معلش وطي أحزانك... قصدي وطي الأغاني شوية!
احتدت ملامح الرجل وقست ملامحه المتسمة بالشر الدفين، فقرر "يزن" الولوج إلى الداخل واقتصار الشر البادي عليه، في النهاية هو مجرد ساكن جديد ولن يزعج ساكني البناية، فهمس بضيق.
-طب براحة، في أيه!
وقبل أن يدخل، وجد بالشرفة المجاورة له، والتي يبدو أنها تابعة للشقة المجاورة، سيدة تقف هي وصغيرتها وتنظران إلى الأسفل نحو الرجل، ثم حولتا نظراتهما نحوه، فابتسم إليهما وقال.
-مساء الخير، برضو مش عارفين تناموا زيي؟
لم يتحدثا وظلا ينظران إليه بضيق حتى شعر يزن بالإحراج الشديد ودخل وهو يتمتم.
-عالم غريبة، أقسم بالله!
أغلق باب الشرفة خلفه ولكنه صدم من باب الغرفة المفتوح، فتحرك نحو الباب ليغلقه، ولكن صدمته الكبرى كانت بباب الشقة المفتوح على مصراعيه!
رواية غناء الروح الفصل السادس عشر 16 - بقلم زيزي محمد
تحرك "يزن" بحذرٍ شديد نحو باب الشقة، ينظر حوله وخلفه وفي الرواق خارج الشقة يمينًا ويسارًا، فلم يجد أحدًا، ولكنه لاحظ المفتاح الذي فتح به باب الشقة موجودًا في الباب، رفع حاجبيه معًا باندهاشٍ بالغ، ومد يده وأخرجه من الباب وهو يهمس لنفسه بتَيَه:
-هو أنا مش كنت قفلت الباب وحطيت المفتاح على الترابيزة!
رمش عدة مرات بتفكير، وفي النهاية استنجد أنه ربما قد نسي إغلاق باب الشقة من فرط إرهاقه، هز رأسه بيأسٍ وكاد يتحرك للداخل ليغلق الباب خلفه، إلا أنه سمع صوت صراخٍ يأتي من الشقة المجاورة له، وسيدة تبكي بانهيارٍ ويصاحب بكاءها صوت رجلٍ غاضب، فزفر بحنقٍ شديد وهو يهمس بحقد:
-ربنا ينتقم منك يا زيدان!
دخل وأغلق الباب خلفه بإحكامٍ ثم ذهب نحو الفراش، يُلقي بجسده المرهق عليه ويغطُّ في نومٍ عميق.
مرت ساعة كاملة عليه ولم يشعر بشيء إطلاقًا، أما بالأسفل أمام البناية، فكان يقف "عباس" يراقب الوضع، ومعه "زيدان" على الهاتف:
-لا يا باشا لسه فوق، متأكد.
-معقول، اطلع اطمن عليه!
حرك "عباس" رأسه برفضٍ قاطع وهو يقول:
-لا يا باشا ماتفقناش على كده لامؤاخذة، أنا لا يمكن اطلع أبدًا دلوقتي.
-يا بني آدم خد حد معاك واطلع شوفوه.
رفع "عباس" رأسه نحو البناية ووجد إحدى نوافذ الشقق المهجورة الإضاءة تُفتح بها وخيالٌ أسود كبير يتحرك بعشوائية، فجحظت عيناه بخوف وهو يتمتم:
-بسم الله الرحمن الرحيم، بدأوا، بدأوا.
رفع "عباس" طرف جلبابه الأسود ووضعه في فمه وركض بأقصى سرعة لديه، مغلقًا الاتصال في وجه "زيدان"، بينما "يزن" كان يغطُّ في نومٍ عميق وأحلامٍ متقلبة ما بين سليم أخيه وسيرا وبعض الكوابيس المزعجة، ولم يشعر بأي شيء يحدث حوله، لا من أصوات تحريك الأثاث، ولا من النوافذ التي تُفتح وتُغلق، ولا حتى من رائحة الطعام التي بدأت تفوح في الأجواء!
سطعت أشعة الشمس من رحم الظلام لتنثر في الأجواء حيوية وبركة، وقفت "يسر" أمام المرآة، تنظر نظرة أخيرة على ثيابها قبل أن تهم بالخروج من غرفتها، فقابلتها والدتها التي نظرت إليها باستفهام:
-رايحة فين على الصبح يا يسر؟
-رايحة شقتي...
صمتت "يسر" لوهلة وكادت تعود لوصلة نحيبها حينما عادت مرارة القهر تتوغل داخلها، عندما أدركت أن حياتها انهارت وأصبح الانفصال وشيك اللحظة!
-رايحة الشقة، اجيب هدومي وهدوم لينا، وشوية حاجات ليا.
زمت "أمل" شفتيها بضيق من تدهور حياة ابنتها الوحيدة، فلم يبقَ بيدها شيء لتفعله، فقد كُتبت سطور الوحدة والآلام في مجلد ابنتها المهترئ.
-أبوكي يعرف؟
هزت "يسر" رأسها نفيًا ثم قالت بهدوء:
-لو قولتله هيقولي لا واجبلك غيرهم، بس دي حاجاتي الشخصية ومحتاجها، فهروح بسرعة وارجع قبل ما يرجع على الغدا.
حركت "أمل" رأسها باستسلام، ثم قالت بتنبيه حاد:
-طيب اوعي تتأخري، عشان أبوكي اليومين دول مطلع زرابينه علينا.
تنهدت "يسر" باستسلام ثم تحركت صوب باب الشقة، إلا أن سؤال والدتها أوقفها:
-مفيش حد من أهل نوح كلمك؟
التفتت إليها "يسر" تردف بلا مبالاة:
-لا، ودي حاجة متوقعة منهم، هما مش يهم إلا مصلحتهم وبس!
وضعت "أمل" كفًا فوق الآخر وهي تقول بضيق:
-والله ما فيهم إلا نوح!
صوبت نظراتها النارية نحو والدتها التي تقهقرت سريعًا نحو المطبخ:
-أنا رايحة اعمل فطار للينا.
زفرت "يسر" بضيق ثم خرجت تجر ساقيها دون ذرة طاقة، وعلى وجهها إمارات الحزن، وعيناها تحمل انكسارًا لن تستطيع الأيام إصلاحه.
بعد مرور عدة دقائق، وصلت "يسر" أمام شقتها، جذبت أنفاسًا عميقة قبل أن تمد يدها وتفتح باب الشقة بالمفتاح، مررت بصرها بحزن دفين على شقتها التي اختارت كل قطعة أثاث بنفسها، وحمل كل ركن في الشقة ذكرياتها التي من الصعب نسيانها.
أسدلت عيناها دموع الفراق والأسى، وهي تتلمس الأثاث بيدها تودعه للمرة الأخيرة، ثم تحركت صوب غرفتها، لكنها وجدت "نوح" يرقد غافيًا فوق الفراش في نوم عميق بنفس ثياب عمله، وحذائه لا يزال يرتديه، تحركت بخطوات هادئة نحو الفراش فوجدت ملامحه مرهقة للغاية، ومن شدة استغراقه في النوم لم يشعر بها.
أغلقت عينيها بقوة تمنع نفسها الضعيفة المتهاونة مما تسعى إليه، فلا مجال للعودة، ولا مكان للحب بقلبها، فقد أحرق مشاعرها في مرجل الخيانة، يبدو أن قلبه تعلق بأخرى غيرها، فلم يعد لديها مكانٌ في فؤاده الذي ودت اقتلاعه بيدها من فرط قهرها واعتصاره بين يديها بغل.
فتحت عينيها الباكية ومدت طرف أصابعها تمسح دموعها، فحتى وإن كان الانكسار يطغى بطوفانه عليها، لن تُظهره مجددًا، تحركت صوب خزانتها وجذبت بعض المتعلقات الشخصية والثياب ووضعتها في حقيبة كبيرة، ثم تحركت بخفة نحو سراحتها تضع أشيائها واحدة تلو الأخرى في الحقيبة وبين حين وآخر تنظر للخلف حيث يرقد "نوح" فوق الفراش.
وما إن انتهت حتى ذهبت صوب دورة المياه، جذبت بعض الأشياء الخاصة من أحد الأدراج ولكن جذب انتباهها سلة الثياب وبما تحويه، قطعة ثياب داخلية غريبة لم تكن لها إطلاقًا!
رمشت عدة مرات بعدم استيعاب وهي تقلبها بين يديها بعدم فهم وصدمة بالغة، وأبواق الخيانة تتعالى في ذهنها الذي استوعب وقاحته!
قبضت بغل شديد على قطعة الثياب وتحركت صوب "نوح" الغافي تجذبه من تلابيب ثيابه بصراخ حاد، فبدت كالمجنونة وهي تصيح به:
-قوم يا بيه، قوم يا دكتور يا محترم، محترم أيه وأنت ماتعرفش أي حاجة عن الاحترام.
سعل "نوح" بخفة وهو يفرق جفنيه سريعًا بعدم فهم، لوجود "يسر" أمامه، ممسكة بثيابه الأمامية بقبضتيها وعيناها تفصحان عن جنون عميق ينذر بقتله:
-خاين، خاين، كنت استنى لما تطلقني يا بجح، بتخوني في بيتي، بيتي، يا حيـ....
وضع يده فوق شفتيها يمنع سبابها وهو يقول بتيه، رغم أن نبرته كانت خشنة وحادة:
-خيانة أيه، وبيت أيه، أنتي شايفني نايم وجنبي واحدة، ما أنا متنيل نايم بهدومي اهو.
-وده أيه؟!
صرخت عاليًا وهي تشير نحو قطعة الثياب، مستكملة بنبرة مجروحة أوشكت على البكاء:
-دي مش بتاعتي، بتاعت مين يا نوح؟! رد عليا، يا أخي أنت أيه حجر، همك مصلحتك ونفسك وبس يا خاين.
ثم ألقتها في وجهه واعتدلت في وقفتها وهي ترمقه بنظرة اشمئزاز وكره انبثق من مقلتيها، وقبل أن تغادر وقفت بشموخ تردف بقوة نبعت من جراحها المستمرة في النزف:
-أنا بكرهك، بكرهك يا نوح.
استفاق "نوح" أخيرًا من صدمته ونهض خلفها محاولًا إيقافها، وهو يقول بصدق واهتمام بالغ ليبرئ نفسه:
-اقسم بالله ما أعرف دي أيه، أنا لسه جاي الشقة الفجر من وقت ما انتي مشيتي وأنا مدخلتهاش صدقيني.
أبعدت يده التي حاولت إيقافها بانزعاج واضح، فهمست ببكاء:
-ابعد عن وشي، حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا أخي على قهرتي ووجع قلبي.
ثم تقدمت خطوة للأمام وأمسكت بمقبض باب الشقة، فكانت نظراتها الزائغة تفضح الألم الذي لا تستطيع كلماتها أن تصفه بعد أن اكتشفت خيانته، فسمعته يدافع عن نفسه:
-أنا عمري ما اعمل حاجة اغضب بيها ربنا، وحقيقي أنا ماعرفش أيه ده! ويمكن تكون بتاعتك ومتهيألك...
قاطعته بصراخ وكأن خناجر العالم بأسره تغرز في فؤادها الملكوم:
-مش بتاعتي، وماتحاولش تبرر في النهاية أنت مجرد واحد خاين، هستنى منك إيه تاني!
ثم غادرت الشقة، فوقف مكانه ينظر لأثرها بصدمة بالغة، جلس على مقعد في زاوية ما في الصالة، يحاول لملمة شتات نفسه المبعثرة، مفكرًا بحيرة، عاجزًا عن اتخاذ أي خطوة، بينما كانت الصدمة تسري في جسده كتيار كهربائي!
استيقظ "يزن" بكسل شديد، وحاول التركيز عندما وصل إليه صوت طرق عالٍ على باب الشقة، نهض ببطء وتحرك صوب الباب ليفتحه، فوجد "عباس" يقف مرتبكًا، وما أن رآه حتى ابتسم ابتسامة مهتزة:
-انت كويس يا باشا؟!
مد يده ليعيد خصلات شعره المبعثرة إلى الخلف وهو يقول بصوت يحمل بحة النوم:
-اه يا....نسي اسمه، فتفهم الآخر الأمر ووضع يده على صدره، قائلًا:
-محسوبك عباس يا باشا.
-معلش لما ببقى صاحي مابركزش.
قالها يزن بهدوء يطغى على إحراجه، حتى تولى عباس مهمة التحدث سريعًا وكأنه يريد أن يلقي ما في جعبته ويهرب:
-زيدان باشا اتصل عليك ياما، ابقى كلمه، عايز حاجة يا باشا، سلام أنا ماشي.
-استنى بس، عايزك تجبلي شوية طلبات، عيش جبنة شاي او قهوة أي حاجة.
توسعت عينا "عباس" بصدمة بالغة وهو يردف مستنكرًا:
-هو أنت قاعد يا باشا ومطول؟!
رفع "يزن" حاجبيه ساخرًا من الصدمة التي تتجلى على وجه "عباس":
-امال هروح فين؟! مافهمتش قصدك!
-آآ اقصد يعني، كنت مفكر إن الشقة كإمنها قديمة مش هتعجبك.
حاول "عباس" تدارك نفسه كي لا يخطئ أمام "يزن" الذي لا يعلم شيئًا عن تلك الشقة، وذلك بأمر من "زيدان"، وفي ذات الوقت كان الإيجار الذي دفعه "زيدان" في تلك الشقة سيعود عليه بمبلغ مالي كبير من صاحب البناية، الذي اتفق معه أنه لو نجح في تأجير شقة من شقق البناية، سيكافئه بمبلغ كبير، وهو في أمس الحاجة للمال، لذا سيصمت وينتظر هروب "يزن" بمفرده دون تدخل!
-لا هي كويسة، بس يا عباس وانت نازل نبه على الراجل اللي في الدور الاول مايشغلش أغاني بليل يا عم، ويا ريته بيشغل أغاني حلوة.
قالها يزن بضيق كلما تذكر نظرة الرجل إليه، فلاحظ اندهاش "عباس" وهو يهمس لنفسه:
-راجل!
-اه اللي تحت بيشغلها في الجنينة اللي وراه وبيعلي على الآخر، أنا مرضتش اهزئه وسكت عشان بس قاعد يومين مش أكتر.
أكد يزن حديثه، فلاحظ نظرات الاندهاش تسيطر على "عباس"، فعاد وقال بتأكيد آخر:
-ياعم لو مش مصدقني، اسأل الست اللي قاعدة في الشقة دي، هي كمان صحيت هي وبنتها.
هنا توسعت عينا "عباس" بخوف وهو ينظر حيث يشير "يزن" بيده، فقال بلهجة سريعة، وحروفه تتداخل مع بعضها:
-اه اه ، مصدقك، حاضر، سلام.
ثم وضع طرف جلبابه في فمه وفر راكضًا، تاركًا "يزن" في حالة ذهول من تصرفه، لكنه دخل وأغلق باب الشقة خلفه، واتجه نحو دورة المياه مقررًا أخذ حمام دافئ يجدد به نشاطه، وما إن دخل دورة المياه وفتح الصنبور حتى لم يجد الماء، زفر بحنق وتحرك ليغادر، لكنه استمع إلى صوت الماء يتدفق من الصنبور.
ابتسم بلطف وهو يهمس بحماس:
-الحمد لله المياه جت.
اقترب من الصنبور وهو يخلع سترته العلوية، لكنه وجد الماء قد انقطع مجددًا، مط شفتيه بضيق وارتدى ثيابه مرة أخرى، ثم جاء يغادر إلا أن صوت الماء جذبه، فرفع أحد حاجبيه واقترب خطوة، إلا أن صوت الماء انقطع ثانيةً، حرك رأسه نحو الباب، فأعيدت المياه مرة أخرى، وعاد برأسه نحو الصنبور، قطعت المياه مجددًا، فقال بنزق:
-طيب والله ما أنا مستحمي!!
أغلق الصنبور وخرج من دورة المياه، يمسك هاتفه فوجد اتصالات عديدة من "زيدان"، فأجرى اتصالًا به، وما إن جاءه صوته، قال بضيق:
-أيه يا عم الشقة الغربية دي!
انتظر "زيدان" قليلاً قبل أن يسأل بحذر:
-مالها في أيه؟
-الميه قاطعة فيها يا عم!
قالها "يزن" وهو يجلس فوق الأريكة ويمسك بريموت التلفاز الذي يبدو عليه أنه قديم، ففتحه، لكنه لم يجد إشارة، واستمع إلى صوت زيدان المتعجب:
-بس؟
-ومفيش تلفزيون كمان إيه القرف ده!
-بس؟
القى "يزن" الريموت جانبه وقال بضيق:
-هو أيه اللي بس، قولتلي مفيش رفاهيات ماشي، بس مش للدرجادي، كلم لي عباس يحاول يتصرف في الميه اللي بتروح وبتيجي دي، أنا كل ما اكلمه يقعد يستغرب، راجل عجيب!
-يزن، هو أنت استحميت؟
سأل "زيدان" بحذر، فتعجب يزن وأجاب:
-لا لسه، حاولت بس ماعرفتش من الميه!
اختفى صوت زيدان نهائيًا حتى عاد يزن يسأله باستنكار:
-في أيه يا زيدان؟
عاد صوت "زيدان" يخترق مسامع "يزن" الذي نهض وقرر العودة إلى الغرفة ليجلب الحاسب الآلي الخاص به، ولم يلاحظ تحريك الريموت من الأريكة إلى مكانه فوق الطاولة.
-سليم، مبهدل الدنيا عشان مختفي.
-خليه كده أحسن، يمكن يحس باللي بيعمله فيا، أنا هقفل عشان اشوف حل في الميه دي، هموت واستحمى.
-طـ طيب، ما تقفلش ستارة الحمام.
توقف "يزن" قبل أن يفتح باب دورة المياه وسأله بعدم فهم:
-نعم! في أيه يا زيدان!!
-لا أنا بكلم واحد عندي في القسم.
-انتوا عندكوا ستاير في حمامات القسم؟!
تساءل يزن مستنكرًا، فقال زيدان بحنق طفيف:
-اه احنا قسم شرطة قالب على اوتيل، انت مالك يا عم، اقفل يلا سلام.
أغلق "يزن" الهاتف وألقاه فوق فراشه، وقبل أن يدخل إلى دورة المياه، استمع إلى طرق على الباب، فتوجه نحو باب الشقة شاعرًا بالنقم الشديد على الطارق، وما أن فتح الباب، لم يجد أحدًا سوى بضع حقائب بلاستيكية موضوعة أمام الباب، هبط بجذعه وتأكد منها، حتى وجد الأشياء التي طلبها من "عباس"، حمل الحقائب متعجبًا من عدم وجود ذلك الرجل غريب الأطوار، وقبل أن يدخل وجد باب الشقة التي أمامه يفتح وتخرج منه الفتاة الصغيرة، ترتدي فستانًا أبيض قصيرًا وتلعب بكرة صفراء وبيدها دمية مشوهة، ألقى "يزن" بسمة صغيرة نحوها، وتحرك ليدخل إلا أنها ألقت الكرة نحوه، فابتسم إليها وأعادها نحوها، قائلًا:
-إزيك، أنا أسمي يزن، اسمك إيه؟!
لم تجبه بل كررت نفس الفعل وألقت الكرة نحوه، فكرر هو أيضًا ما فعله وأعادها نحوها، قائلًا:
-عايزة تلعبي؟
هزت رأسها إيجابًا في صمت، وظلت تكرر نفس اللعب حتى وجد والدتها تخرج وتأخذها من يدها وتدخلها مرة أخرى إلى الشقة، وقبل أن تغلق باب شقتها، ألقت نحوه نظرة نارية، رفع "يزن" حاجبيه مندهشًا منها، ولكنه لم يعطِ للأمر أهمية، ودخل هو الآخر إلى الشقة، مغلقًا خلفه الباب بقدمه، وما إن تحرك خطوة للأمام حتى استمع إلى اندفاع شيء ما بباب الشقة، فالتفت برأسه للخلف ووقف ثانيتين مفكرًا قبل أن يفتحه مرة أخرى ووجد الكرة أمام الباب، اعتقد أن الصغيرة هي مَن ألقتها نحو الباب واختبأت داخل شقتها، فابتسم بشقاوة وهو يحمل الكرة ويدخلها معه، هامسًا بتحدٍ:
-ابقي لفي عليها بقى، والله ما أنتي واخدها!
ألقى الكرة على الأرض وذهب صوب المطبخ ليصنع لنفسه إفطارًا بسيطًا مع كوب شاي ساخن، مقررًا أن يجلس في الشرفة المطلة على الحديقة الخلفية، يتابع آخر حسابات معرضه من على حاسوبه الآلي.
دخل "زيدان" المحل الرئيسي لعائلة الشعراوي، وجميع العمال يلقون عليه التحية، حتى وقف أمام مكتب "سليم"، وخلع نظارته الشمسية ووضعها أمامه على المكتب وهو يجلس، قائلًا:
-خير يا سليم طلبتني ليه؟
-يزن فين؟!
تساءل سليم مباشرة دون أن يرحب به، وبدا على وجهه علامات الاستياء، فتظاهر "زيدان" بعدم الفهم، مشيرًا نحو نفسه بتهكم:
-وأنا مالي، ما أنا بدور عليه معاك!
أمسك "سليم" قلمه وطرق به عدة مرات فوق مكتبه قبل أن يرفع بصره نحو "زيدان"، وتحدث بنبرة شبه حادة حاول تحجيمها في ظل اشتداد ظلمة عيني "زيدان":
-عارف أيه اكتر حاجة بتقفلني من الشخص اللي قدامي؟ هو أنه يعاملني على أساس إن أنا غبي.
مالت شفتي "زيدان" ببسمة جانبية، قبل أن يقول بتروٍ يُحسد عليه:
-ما عاش ولا كان اللي يعاملك كده يا سليم باشا!
خرجت نبرة سليم عن طوعه، فظهرت أكثر حدة وحنقًا أمام برود أخيه الظاهر:
-زيدان، بلاش لف ودوران، أنت أكيد عايز مصلحة أخوك!
لا زالت طريقته في الحديث تتسم بالرصانة، والتي لم تكن أبدًا في طباعه، فهو بارع في الهجوم وفظاظة لسانه، ولكن يبدو أن سمة الهدوء والرزانة اكتسبها مؤخرًا ليتكيف مع تقلبات سليم:
-عايز أكيد بس مش بالطريقة دي يا سليم، يزن مش صغير، ومينفعش معاه سياسة الأمر الواقع.
مالت رأس "سليم" إلى الجانب الآخر وهو يقول بسخرية مقصودة:
-وأيه كمان؟!
زم "زيدان" شفتيه بضيق، فاخشوشنت نبرته رغماً عنه وهو يلقي بتهديداته في لهجة آمرة لم تعجب سليم بتاتًا:
-ماتتريقش يا سليم، متعاملناش وكأننا كلنا مابنفهمش وانت بس اللي بتفهم!
-اممم يعني أنا طلعت زفت في الآخر؟!
قست ملامحه وغاص صوته في بحور الغضب والاستنكار، لتضرب أمواجه العاتية عقل "زيدان" الذي تراجع سريعًا وهو يبرر بتريث:
-لا طبعًا، أنا ماقولتش كده، بس يعني أحيانًا الكبير بيغلط، ومفيش حد معصوم من الغلط.
استند بمرفقيه على مكتبه وتساءل في سخرية خشنة:
-وأنا غلطت في أيه؟!
تنهد "زيدان" بقوة قبل أن يجيب بهدوء أوشكت قارورته على النفاد:
-في معاملتك معاه، سليم يزن مش صغير، وعقله ده يوزن بلد، طيب انت عارف أنا فاهم كويس اوي ليه يزن مش عايز ياخد خطوة جد في حياته.
-ليه؟!
تساءل سليم برفق، دفع أخيه ليوضح وجهه نظره بأريحية:
-عشان لو اخدها هيضطر يمنع نفسه عن البنات كلهم، وهيحترم البنت اللي هتكون في حياته، على قد ما هو لعبي وبتاع بنات، بس لما هيتجوز هيبقى حد تاني.
أشار على نفسه بتهكم طفيف وبسمة انتصار احتلت محياه:
-يعني أنا قراري صح، والمفروض أنه يتجوز ويتلم.
عاتبه "زيدان" بلطف، وهو يلقي بحلوله خارج ذهنه المشتعل بضراوة من أسلوب سليم المبطن بالسخرية:
-بس مش بالزعيق وصيغة الأمر، اتكلم معاه واقنعه مثلاً إن ده عشان سمعة البنت، أو مثلاً عشان سمعته أنه هو بيجري ورا واحدة كرفاله، صدقني هيلين وهيجي معاك.
انفجر "سليم" غاضبًا، فكانت كلماته قاسية وعيناه تخفي اهتزازًا حاول دومًا أن يخفيه كي لا تفضح مشاعره نحو إخوته، طالما كان جافًا وشحيح المشاعر معهما:
-زيدان ماتلمونيش على عصبيتي معاه، أنتوا الاتنين حتة مني وعيالي مش مجرد اخواتي، اللي يمسكوا يمسني، أنا عايزكم تبقوا احسن مني، ومفيش حاجة تمس سمعتكم ولا تقل منكم، لما الراجل ده جه هنا وقعد يزعق ويهلفط بالكلام على تربية اخوك واسلوبه اللي زي الزفت، أنا ماستحملتش، محدش فيكم يلومني لما اتدخل في حياتكم فاهم ولا لا.
حاول "زيدان" امتصاص غضبه، وخاصة بعدما لاحظ العمال في المحل انفعاله، فقال بهدوء ولطف ألصقه بحديثه:
-تمام فاهم اهدا، أنا ماقولتش حاجة، أنا بس بوضحلك شخصية اخوك، عشان تعرف تتعامل معاه، وبعدين أنا معاك يعني في أي حاجة تخص مصلحته.
-أنا فاهم كل واحد فيكم على أيه، واخوك مش هيتلم إلا بالطريقة دي، عشان كده قولي مكانه فين؟
زفر زيدان باستسلام وهو يقول بحيرة:
-هقولك، بس يعني هتعمل أيه؟
أجاب سليم باقتضاب:
-هروح له اتكلم معاه، ومش هسيبه إلا لما يوافق على اللي أنا قولته.
انكمشت ملامح زيدان بعدم فهم وترقب:
-تروح له ازاي مش فاهم!
استنكر "سليم" بقوة وهو يرمق أخيه بشك:
-هو إيه اللي مش فاهم، يزن فين؟!
جف حلق "زيدان" مما آل إليه تفكيره، فقال بحذر:
-في الاقصر، الحوار ده سفر وهتتعب، استنى هو هيجي بعد يومين.
أعلن سليم رفضه لفكرة أخيه، مصرًا على رأيه كعادته:
-لا الموضوع مش مستحمل، أمك مش مبطلة عياط، واخاف يجرالها حاجة وترجع تقولي بسببك، احجز لي تذكرة طيران على اول رحلة طالعة للاقصر، واحجز لي في الاوتيل اللي هو نازل فيه.
تفهم "زيدان" ما يرمي إليه "سليم"، وذلك عندما اتهمه بكل غباء بأنه السبب في وفاة والدهما، تجاهل حديثه لعلمه بمدى خطئه حينها، ويبدو أن أخيه لم يستطع النسيان أو مسامحته، فرد بنزق ظهر بوضوح على ملامحه التي تشربت من الغضب ما يكفيها:
-لا ما هو مش نازل في اوتيل، في شقة.
-طيب ابعتلي عنوانها.
انتظر "زيدان" ثوانٍ قبل أن يتساءل بقلق مما سيحدث إن ذهب "سليم" بالفعل لتلك الشقة، لم يكن خائفًا عليه من الجن أو العفاريت، بل كان مشفقًا عليهم من ردود أفعاله، كل مخاوفه تتلخص فيما سيحدث عندما يعودان هو و"يزن":
-سليم انت بجد هتروح، ما تقعد وتستناه احسن!
نهض "سليم" صادرًا أوامره، والصرامة تتصدر عناوين ملامحه، فأشفق "زيدان" على أخيه الأصغر عندما يحاصره "سليم" تحت وطأته:
-لا لازم اروح له، يلا انجز احجز لي تذكرة، أنا عايزه بليل يتفاجئ بيا، ما أشوف اخرتها معاه.
جلست "يسر" في غرفتها ولم تعرف كم من الوقت مر وهي على نفس تلك الحالة، لقد أخذت من طرف الفراش مكانًا لها، وظلت بنفس ثيابها، ونفس صدمتها، وملامحها التي ازدادت شحوبًا، أما عيناها فكانت تحمل انكسارًا نابعًا من قلب مهترئ وشجن مشاعرها المطعونة بنصل الخيانة.
انهارت أمانيها وحياتها تحت قدميها، وأحاطها الحزن كغيمة سوداء وهي تنظر أمامها في الفراغ، ورغم أن الغرفة كانت مضيئة، إلا أنها شعرت بسواد شديد يحجب عنها أي نور.
آهات عديدة متألمة قاومت حلقها الجاف لتخرج بحرقة، لو سمعها أحد لأشفق عليها حتى قساة القلوب.
ومع آخر دمعة هبطت فوق خدها، قررت قرارًا لا رجعة فيه لعله يكون طوق النجاة للحفاظ على ما تبقى من روحها.
نهضت بعجز تغلغل في كيانها وخرجت من غرفتها، متجاهلة نظرات والدتها المستفهمة ونداءات ابنتها، دخلت غرفة والدها، الذي كان جالسًا فوق فراشه يقرأ في مصحفه كعادته كل ليلة:
-بابا.
همست بها بنبرة مجروحة اخترقت قلب والدها قبل مسامعه، رفع عينيه يتساءل في صمت مقلق، فأجابت بنبرة جافة تحمل حدة انتقام لاذع:
-نوح مش هيطلقني بسهولة، أنا عايزة اخلعه.
كانت تخبر والدها بقرارها وهي تشعر بقلبها الذي تحطم إلى آلاف الشظايا، فحمحم والدها بقوة قبل أن يسألها بشك:
-وده ليه؟ أنا قولتلك هخليه يطلقك غصب عنه!
كانت عيناها تحملان خيبة أمل لا يمكن وصفها، فقالت بنبرة صلدة:
-بس أنا عايزة اشرده واجرح كرامته، ومفيش حاجة هتوجعه غير إن أنا اخلعه.
كان من الواضح أنها تعيش في حالة ضياع، أشفق عليها والدها، فرد برزانة:
-طيب سيبيني، اتصرف بمعرفتي ولو محصلش وطلقك هعملك اللي انتي عايزاه.
-لا.
قالتها قولًا واحدًا، بقسوة حملت كل الجراح التي تسبب بها نوح في فؤادها، باتت وكأنها فقدت جزءًا من نفسها، عندما دخلت في دوامة الحزن والخذلان بسبب أفعاله، استكملت دون أن يرمش لها جفن:
-أنا مش هستنى تاني، لو سمحت نفذلي اللي أنا عايزاه، نوح لازم يتربى على اللي عمله فيا، وحتى لو كنت وافقت من الاول، هو ماقدرنيش وباع وخان، كان معيشني في جحيم الخوف، خليه يعيش فيه شوية ويخاف على سمعته وسط معجبينه وصحابه واهله، لما يعرفوا إن أنا خلعته.
ساد الصمت بينهما لفترة قليلة وكان أبلغ من أي كلمات يمكن أن تُقال، حتى قطع والدها لحظات السكون عندما حسم رأيه وقال:
-هكلم المحامي وارفعلك عليه قضية.
ليلاً...
لم يحظَ "يزن" بحمام دافئ، فظل طوال اليوم يعافر مع المياه التي تأتي وتختفي في نفس الثانية، صنع "يزن" لنفسه كوب قهوة ووضعه فوق الطاولة بجانب الفراش، ثم التفت ليجلب حاسوبه، لكنه انتفض فجأة حينما سمع صوت تكسير خلفه، فاستدار سريعًا بكامل جسده، ووقع بصره على الكوب المتهشم إلى عدة قطع على الأرض، فرفع حاجبيه بتعجب.
-وقع إزاي ده؟!
التفت حوله يبحث عن قطعة قماش ليمسح آثار القهوة في كل مكان، إلا أنه أثناء بحثه سمع صوت التلفاز الذي اشتغل في الصالة، تجمد للحظات مكانه، ثم تحرك نحو باب الغرفة الموارب وفتحه على مصراعيه، ليجد التلفاز مضاءً وثابتًا على إحدى القنوات التي كانت تعرض فيلمًا مصريًا قديمًا!
وأثناء تسمره كالأبله، سمع صوت موسيقى يأتي من الأسفل، يبدو أن جاره ثقيل الدم بدأ وصلته في سماع أغنيته التي لم يفصلها أبدًا بالأمس.
تحرك لا إراديًا نحو الشرفة وفتحها، ثم وقف ينظر للأسفل حيث مكان جلوس الرجل، في نفس المكان وبنفس الوضعية، ونفس الأغنية تصدح في الأجواء بجانب دخان تبغه الكثيف.
"قوليلي يا خاينة ليه الشيطان وزك"
لم يستفق إلا عندما رفع الرجل بصره فجأة ورمقه بنظرات شيطانية متوعدة، وكأنه سلب شرور العالم ووضعها في عينيه المظلمتين، توتر يزن قليلًا منه، وعاد بجسده للخلف وقرر الدخول، وما إن التفت، وجد نفس الرجل يقف خلفه وابتسامة مخيفة تحتل ثغره الداكن، فخرج من يزن سباب نابي لم يستطع منعه من هول صدمته، حيث تجمدت أطرافه وفقد عقله التركيز، فأصبحت أفكاره التي تصرخ بالهروب مشوشة وهو يقف فاغرًا فمه في حالة ذهول شديدة، أغمض عينيه وفتحهما عدة مرات حتى اختفى الرجل من أمامه، وهنا تيقن أنه ليس بإنسان، بل إنه... جن، وهنا اشتعلت حواس يزن بالخوف والفرار السريع.
دخل إلى الغرفة التي وجد بابها مغلقًا، تيبست أطرافه ونظر حوله بقلق، حتى بدأت الإضاءة تلعب دورها في زجه إلى غياهب الخوف، وذلك عندما حل الظلام على الغرفة وفي نفس الثانية أعيدت الإضاءة مرة أخرى، لم ينتظر كثيرًا وفتح باب الغرفة بقوة، لدرجة أن مقبض الباب خُلع في يده من شدة قوته، نظر إلى المقبض بتعجب، ثم ألقاه من يده فصدر عنه صوت قوي، وأثناء ركضه، لمح المطبخ الذي أطفأ إضاءته بنفسه قبل أن يدخل الغرفة، فإذا بالإضاءة به مشتعلة ورائحة شهية تأتي منه!
لم ينتظر كثيرًا وفتح باب الشقة حتى تفاجأ بوجود "سليم" أمامه، رافعًا يده ويبدو أنه كاد يطرق الباب، إلا أن عقله لم يستوعب مجيء سليم خلفه، فاعتقد أنه جن متمثل في أخيه، فدفعه بعيدًا بقوة وكاد يفر من أمامه حافيًا وبثيابه البيتية، إلا أن سليم أوقفه ونهره بصوت غاضب:
-بتعمل أيه يا مجنون، اقف عندك.
حاول يزن جذب يده من قبضة سليم وهو يقول بصوت مرتفع:
-اعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الارض ولا في السماء وهو السميع العليم.
استنكر "سليم" بخشونة وهو يقبض أكثر على يده:
-انت شفت عفريت يا يزن، عيب أنا أخوك الكبير، احترم نفسك.
انهار عقل "يزن" بعد ما عاشه، فقال بقوة زائفة لعل ذلك الجان ينصرف عنه:
-بص لا تأذيني ولا أأذيك، انصرف.
-يا حيوان بتقول لاخوك الكبير انصرف، ادخل يلا خلينا نتكلم، وقدر إن أنا جاي من سفر عشان خاطرك، وبلاش الهزار البايخ ده.
ابتلع "يزن" ريقه بصعوبة وهو يدقق في سليم بحذر قبل أن يقول بارتباك جلي على نبرته:
-سليم، يلا بينا من هنا، الشقة دي...
قاطعه صوت باب الشقة الذي فتح وظهرت السيدة وهي طفلتها وقد وضح عليهما الغضب، فاعتذر سليم بهدوء وحرج:
-معلش يا مدام، ازعجناكم.
ثم جذب "يزن" التائه خلفه بقوة إلى داخل الشقة، وأغلق الباب خلفه، وهو يقول بنبرة معاتبة:
-مش هتبطل يا يزن حركاتك دي، الجيران طلعوا اهم.
نظر يزن حوله بريبة، منتظرًا ظهور الجن مجددًا، فظل يتمتم ببعض الآية القرآنية وترك سليم يتفحص الشقة حتى وصل إلى الغرفة فوقف على أعاتبها، وهو يقول ساخرًا:
-يا رايق، وكمان عملتلك قهوة، وسايبنا هناك بندور عليك زي المجانين.
لم يعقب يزن بل تحرك بخطوات ثقيلة نحو الغرفة، ووقف بجانب سليم، وما إن وقعت عيناه على كوب القهوة الذي لم يُكسر وموضوعًا فوق الطاولة وكأن شيئًا لم يحدث، حتى جحظت عيناه وأمسك بيد سليم، يقول برجاء:
-يلا من هنا يا سليم بسرعة.
أبعد "سليم" يده بقوة بعيدًا عنه وهو يقول بنزق:
-لا هتقعد وهتسمع أنا عايزاك في أيه، ولازم تسمع كلامي وتحترمني، ابوك لو كان عايش كان قالك اسمع كلام اخوك.
-يا عم هتجوزها، والله هتجوزها، لو عايزاني اتجوز اربعة هعمل كده، بس يلا من هنا.
-هو أيه اللي يلا من هنا، في أيه مالك مش على بعضك ليه!
قالها سليم باستنكار ناري وهو يرمق يزن الذي تصنم فجأة وكأنه تمثال وعيناه مثبتتان على شيء خلفه، فالتفت "سليم" خلفه ونظر إلى حيث ينظر "يزن" لم يجد أحد، فقال بشك وهو يهز "يزن":
-مالك يا يزن، بتبص على أيه!
سبة أخرى خرجت منه وهو يبتعد للخلف وهو يردف بتوتر وخوف:
-هو أنت كمان مش شايفه، اعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ده واقف وراك على طول.
أشار إلى حيث يقف سليم، وهنا أدرك خطورة الموقف، وذلك عندما شعر بأنفاس خلفه وتحديدًا بجانب أذنه، لا شك أن الدماء تسربت من أوردته، لكنه ظل ثابتًا وهو يحرك عينيه يمينًا لينظر خلفه، لمح "خيال" أسود يتحرك بالمطبخ الذي كان على يمينه، وصوت أنثوي يصدح عاليًا:
-أنا خلصت الأكل يا حبيبي.
ثم خرجت هرة سوداء مخيفة من المطبخ تركض بسرعة البرق نحو سليم، الذي ابتعد في اللحظة المناسبة، انتبه لصوت يزن وهو يصيح:
-يلا يا سليم من هنا.
تحرك سريعًا مع يزن، الذي فتح باب الشقة، وكان سليم خلفه، قبل أن يهبطا أولى درجات السلم، وجدا كرة صفراء تضرب بقوة رأس سليم، التفت خلفه، فوجد الفتاة الصغيرة تقف وتبتسم ابتسامة مخيفة، والدماء تسيل من أنفها، وفستانها الأبيض الذي كان نظيفًا ملطخ بالدماء، فنظر يزن إلى سليم المصدوم، وهو يهمس بتيه ويشير نحوها:
-هي البت مالها...
ظهرت والدتها من العدم، وشعرها مشعث للغاية وسكين مغروس في صدرها، وآثار ضرب قوية على وجهها، ونفس ابتسامة صغيرتها تحتل وجهها هي أيضًا، همس يزن لسليم بارتباك وخوف:
-هماا.....هماااا....هما عفاريت بردو.
فجأة، فتحت أبواب شقق العمارة وأغلقت بقوة، والإضاءة انطفأت واشتعلت، وصوت صراخ وصياح متداخل وصوت طلق أعيرة نارية، وكأنهما في فيلم سينمائي، لم يعرفا كيف ركضا وخرجا من تلك البناية بسرعة الصاروخ، حتى وجدا رجلاً يعبر الطريق، فأوقفه يزن وصوته قد بح من هول ما رآه:
-لو سمحت هي العمارة دي مالها!
نظر الرجل ليزن الذي وجده حافي القدمين، وسليم الواقف بجانبه صامتًا ولكن ملامحه مهزوزة:
-انت طالع منها!!
-اه، كنت قاعد هنا...
أجاب يزن ولم يكمل حديثه، إلا أن الرجل ركض سريعًا وهو يصيح برعب:
-العفاريت طلعت علينا يا بلد، الحقونا.
مع شروق الشمس، هدأ "يزن" قليلاً وعادت أنفاسه المضطربة تنتظم بعد أن صنع له عباس كوب عصير مثلج، وقرأ عليه بعض الآيات القرآنية، وبجانبه، كان سليم يجري اتصالاً بزيدان للمرة التي لا يعلم عددها، ليوبخه عما فعله بهما، بعدما اكتشفا من عباس أنه كان على علم بالعمارة المسكونة.
-واقسم بالله ما هسيبه، الكلب.
-أنا قطعت الخلف بسببه.
قالها يزن بحسرة، فابتسم عباس وظل صامتًا حتى سأله يزن بريبة:
-قولتلي العمارة كلها مسكونة، يعني أنا كنت بتعامل مع عفاريت.
-يا باشا ده انت جاحد انت قدرت تنام فيها ليلة كاملة غيرك مقدرش.
قالها "عباس" بجدية، إلا أن يزن قال:
-الله اعلم يا عباس كانوا بيعملوا فيا أيه وانا نايم، الله اعلم، اقعد ساكت، المهم حاجتي أنا عايزاها.
-هجبهالك بس الصبح والرجل تدب في المنطقة واخد كام راجل معايا وادخل اجبهالك.
وضع "يزن" يده فوق رأسه وشعر بصداع فتاك برأسه:
-لسه هستنى، أنا عايز امشي من هنا.
رفع عيناه فنظر إلى سليم الذي ترك الهاتف ويبدو أنه كان سيتحدث بشيء إلا أن يزن اوقفه قائلاً:
-هتجوزها لو عايزاني اتجوز ابوها هعمل كده، بس نمشي من هنا.
رواية غناء الروح الفصل السابع عشر 17 - بقلم زيزي محمد
فتح "زيدان" عينيه بكسل شديد، ومد ذراعيه للأمام وهو يتثاءب، ثم اعتدل بجسده العلوي وضغط على زر الإضاءة الخافتة بجانبه. ألقى بصره بجانبه فلم يجد "مليكة"، فتعجب وجلس على الفراش. فتح فمه لينادي عليها، لكنه صُدم مما رآه، فقال بذعر تجسد على ملامحه:
- أيه ده؟ سلام قولًا من رب رحيم، إزاي دخلتوا هنا!
كان "سليم" و"يزن" يجلسان في آخر الغرفة بهدوء شديد. عندما أعلن صدمته بوقاحة، نهض "يزن" من مكانه، وخطى خطوات ثقيلة وهو يبتسم بشر، ثم انحنى بجذعه العلوي نحو "زيدان" المصدوم قائلاً بهمس حاد:
- أيه رأيك في المفاجأة السودة دي، ده أنا هبقى عملك الأسود من هنا ورايح.
ثم جلس "يزن" على ركبتيه وأمسك بـ "زيدان" من تلاتيب سترته القطنية، فدفعه بعيدًا عنه بانزعاج:
- أوعى يا عم من على السرير، وبعدين انت جيت امتى وإزاي محدش قالي إنكوا جيتوا!
كور "يزن" يديه معلنًا استعداده لخوض معركة المصارعة المعتادة بينهما، وهو يردف بسخرية:
- عشان كلهم باعوك، محدش يالا خاف عليك مننا، حتى مراتك باعتك في ثانية!
دفعه "زيدان" مرة أخرى بعيدًا عنه وهو يشير إلى "سليم" بعتاب:
- شايف قلة أدبه يا سليم، أنا ساكت له بس عشان انت قاعد وموجود.
نهض "سليم" هو الآخر وقطع صمته الطويل، واقترب حتى حاصر "زيدان" من الجهة الأخرى:
- بتودينا في عمارة من أولها لآخرها مسكونة يا زيدان؟
رسم "زيدان" علامات الاندهاش والبراءة الزائفة على وجهه، وقال بنبرة متعجبة:
- أنا! محصلش، مسكونة مسكونة إزاي؟!
ضربه "يزن" فوق كتفه بقوة وهو يتلفظ بكلمات نارية محملة بأعيرة الغضب مما فعله به ذلك الفظ:
- استهبل يالا، عباس قالنا كل حاجة، عايز تخلص مننا يا زيدان، ليه حارقينك في أيه؟!
أشاح "زيدان" يده بلا مبالاة، شاعرًا بالإحراج منهما، لكنه أظهر عكس ذلك:
- يا عم أوعى، حارقين مين، ده جزاتي عشان وقفت جنبك، والله يا سليم اللي بتعمله وهتعمله فيا حلال.
شمر "يزن" عن ساعديه، ونهض فوق الفراش بطوله الفارع، وقال بتوعد وانتقام تدلى من نبرته الحادة:
- ده اللي أنا هعمله فيك هو الحلال.
ثم هبط فجأة بجسده نحو "زيدان" الذي تحمل وزن "يزن" بصعوبة حتى احمر وجهه. حاول دفعه، لكن الآخر أمسك بوسادة ووضعها فوق وجهه. دارت المعركة بينهما، وابتعد "سليم" عنهما سريعًا كي لا يحظى بلكمة في وجهه. كان للفراش نصيب حيث انكسر من شدة عراكهما. في ظل محاولات "سليم" البائسة لإسكاتهما، لم ينتبها إليه، فطرأت فكرة في عقله نفذها على الفور وقال بنبرة عالية يغمرها الخوف وهو يشير خلف "يزن":
- يزن البت وأمها وراك.
انتفض "يزن" برعب ونظر خلفه، لم يجد شيئًا. استمع إلى ضحكات "سليم" و"زيدان" معًا، وأدرك مزحة "سليم"، فزفر بحنق وقال:
- يا جدعان، وأقسم بالله انتوا كده بتضيعوا مستقبلي.
اخشوشنت نبرة "سليم" عن قصد وهو يبوخه:
- ما أنت مش راضي تسمع كلامي وتبعد عن الهمجي ده، واديك كسرت السرير.
رفع "زيدان" أحد حاجبيه باستنكار وهو ينظر إلى "يزن":
- هو شتمني؟
- آه يا بارد يا... عارف لو سليم مش واقف كنت سمعتك قاموس شتايم إنما أيه عنب يستاهل دماغك السم دي.
- طب أوعى، وبعدين بذمتكم مش فصلتوا شوية، المفروض تشكروني.
هز "يزن" رأسه وهو يجلس على طرف الفراش السليم، متهكمًا على حاله:
- فصلنا؟! إحنا فعلاً فصلنا وبقينا خارج نطاق الخدمة بسببك.
جلس "سليم" هو الآخر على مقعد بجوار الفراش، مقررًا فتح الموضوع، فقال ببسمة جانبية ساخرة تحوي في طياتها غموضًا وألغازًا أثارت القلق في نفس "يزن":
- تصدق يا زيدان عندك حق، يزن فعلاً فصل وعمل إعادة تدوير لمخه وقرر إنه يسمع كلامي وهيخطب البنت اللي كانت كرفاله!
رفع "يزن" رأسه بشموخ رافضًا أن تهان كرامته وكبرياؤه، وقال بضيق طفيف:
- أيه يا سليم كرفاله دي، محصلش ولا عمرها هتحصل.
- يا عم اقعد ساكت وخلي الطابق مستور، ما أنت اتفضحت والدنيا كلها عرفت هنا في البيت وعندك في الشغل والمنطقة والناس كلها!
ألقى "زيدان" كلماته بعناية وحرص لتغرز كالأشواك في عقل "يزن"، فوجده يقول بسخرية عكست توترًا في عينيه:
- يا سلام ومين عرف الناس دي كلها!
تلاعب "زيدان" بحاجبيه قاصدًا إثارة استفزازه أكثر، مبتسمًا بمكر:
- آه يعني البت كرفالك فعلاً، طيب يا يزن مجتش اخدت من عصير خبرتنا أنا وسليم ليه؟!
أشاح "يزن" بوجهه ببرود وهو يتمتم بنبرة ثقيلة، فلم يكن يعترف بهزيمته، فكبرياؤه كان يرفض حتى مجرد التفكير في التراجع:
- هو انتوا عندكم عصير أصلاً، وبعدين ماتهزروش، سليم أنا قراري ماتغيرش.
لم يكن "سليم" بحاجة إلى الصراخ مثل المرة السابقة، فقد كان يعرف أن الهدوء والثقة الآن هما السلاح الأقوى لإقناع "يزن" بما يريد، لذا قال بتريث:
- المرة دي مفيهاش هزار ولا حتى تفكير، أنا كلمت أبو البنت واتفقت إن أنا هنروح لهم يوم الجمعة.
صاح "يزن" مستنكرًا وهو ينظر إلى "زيدان" مستنجدًا به:
- نعم؟!
تدخل "زيدان" بقوله الهادئ، والذي رغم لطف نبرته إلا أنه حمل وقاحة صدمت "يزن":
- يزن عايز الصح، أولًا انت اتفضحت ولازم الموضوع يتلم.
زمجر "يزن" باستنكار ورد بوقاحة غير قادر على تحجيم لسانه:
- ليه مسكتوني معاها في شقة، أيه يا جماعة متأفوروش!
خلق "سليم" البيئة المثالية التي تجعل من المستحيل على أخيه رفض ما يقترحه، وكأنه لا يملك خيارًا آخر:
- متنساش إن أنا قولت للحاج أحمد إنك بتحاول توصل لأبوها عشان تخطبها...
قاطعه "يزن" بحنق وقد نفد صبره، وهو يحاول الحفاظ على حياته التي يريد "سليم" رسمها كيفما يشاء، بينما هو يصبح كلعبة في يده:
- يا دي الحاج أحمد، ماتخلونيش أقتل الراجل ده.
كان "سليم" يعرف متى يتحدث ومتى يصمت، حتى قرر قطع صمته، متحدثًا بمزيج من المنطق والعاطفة، استطاع أن يصوغ حججه بطريقة تجعل من الصعب على أي شخص أن يرفضها:
- الموضوع له أبعاد كتير يا يزن، أولًا إنك لازم تستقر وحياتك تجرب فيها حاجات جديدة ومش هتيجي غير بالجواز وإنك تبني عيلة، وتاني حاجة أنا قولتلك أحيانًا تصرفاتك ممكن نتيجتها متكنش تعجبك وفعلاً اللي قولته حصل، ومتنساش إن الموضوع دخل في بنت، طيب الحاج أحمد مقتنع إن البنت مؤدبة غيره مش هيكون مقتنع لإن حضرتك وقعت مع واحد مبيتبلش في بوقه فولة والأخبار زمانها منتشرة وانت لو ماخدتش خطوة بجد البنت دي هتتطرد من شغلها بسبب القيل والقال، ومش ذنبها إنها مش جايه معاك سكة ومش معجبة بيك! فكر ورد عليا ويا ريت تكون راجل وتتحمل مسئولية شوية.
غادر "سليم" ولم يعطِ له فرصة للرد، فبدأ "يزن" يميل إلى آرائه، لكنه أظهر عكس ذلك بعناده واعتراضه الممزوج باستنكار لاذع:
- هو أنا من امتى مكنتش راجل معاه في كلامي!
تنهد "زيدان" بقوة وهو يستند بظهره إلى الفراش، متحدثًا بهدوء ماكر، متلاعبًا بأفكار "يزن" المتخبطة، مستغلاً التناقض المنسوج في عينيه الحائرتين:
- فكك من الكلام ده كله، انت خسران أيه، اخطبها شهر ولا اتنين ولا تلاته وبعدها قوله مش مرتاح وفركش، وأهو بردو تكون اتعرفت عليها طالما هي مزحلقالك كده.
احتدمت ملامح "يزن" وهو يردف بنبرة متوعدة:
- تصدق بالله أنا هخطبها مخصوص عشان أوريك إزاي هي معجبة بيا ومبسوطة بيا عشان نظرة الشماتة اللي في عينك دي!
- يا عم ده جزاتي إن بقولك على الخلاصة وتخلص إزاي من سليم لإنه مش هيسيبك، سليم أخوك لو مانفذش اللي في دماغه هتبقى سواد على دماغنا قبلك!
فرك وجهه بقوة وهو يشعر بالحيرة، فقد انقسم إلى جزئين، جزء يصارع ويثور رافضًا لرأي "سليم" من الأساس، فتلك حياته وهو أدرى بها، وآخر يخضع لرأي "زيدان"، خاصةً أن تلك الجامحة، سليطة اللسان، متقلبة الأهواء، لم يرسُ بعد في مرساها، فلِمَ لا يخوض التجربة؟
- سليم عايز يعدلني بالعافية، وأنا لو مكنتش مقتنع عمري ما هكون زي ما هو عايز.
تنهد "زيدان" بقوة قبل أن ينهض من الفراش، ثم قال بهدوء رزين تعجب له "يزن" كثيرًا:
- بس متنساش إن هو بيحبك وبيخاف عليك، وأكتر حاجة زعلته هو كلام الحاج أحمد عنك يا يزن، فهو عايز يثبتله إنك عكس كده، فهمت.
زم شفتيه بضيق حاد قبل أن يقول باعتراض:
- من امتى سليم بيهمه كلام الناس!
توقف "زيدان" قبل أن يدخل إلى دورة المياه وهو يحمل منشفته فوق كتفه:
- لغاية عندي وعندك، ويمكن عندك انت كمان أكتر بيهمه جدًا كلام الناس، أخوك عايزك تبقى واجهة مشرفة.
لانت ملامحه المنزعجة إلى استنكار طفيف وهو يشير نحو نفسه:
- وأنا واجهة أيه يعني دلوقتي!
تظاهر "زيدان" بالتفكير قليلاً قبل أن تتسع ابتسامته ويردف بوقاحة معتادة منه:
- الصراحة أكيد واجهة تعر! يلا البيت بيتك يا يزون أنا داخل آخد شاور.
ودخل سريعًا قبل أن يلقي "يزن" في وجهه وسادة كبيرة، معطيًا لسانه حرية التعبير بشتائمه القذرة، منهيًا اعتراضاته:
- يزون في عينك يا زيدان، والله ما أنا سايبك.
***
خرجت "سيرا" سريعًا من غرفتها تحمل حقيبتها بعدما تأخرت اليوم على عملها، ولكن أوقفها أخواها "عبود" و"قاسم" التوأمان، وهما يبتسمان برجاء، فتفهمت "سيرا" مقصدهما كعادتهما معها.
- والله يا شباب المستقبل أنا ما معايا إلا على قد المواصلات الشهر ده، ابقوا تعالوا الشهر اللي جاي!
التفوا حولها وقال "قاسم" ذو البحة الغليظة التي لا تتناسب مع رجائه:
- سوسو، إحنا عايزين بس خمسين جنيه، ورانا اشتراك ماتش ضروري وعايزين نروح.
تولى "عبود" ذو البحة الأضعف والجسد الأصغر والملامح الضعيفة عن توأمه:
- مستقبلنا في إيدك الحلوة دي.
ثم وضع قبلة فوق يدها، وتولى الآخر اليد الأخرى وأغرقها بالقبلات، حتى أبعدتهما "سيرا" بحنق وهي تقول بشك:
- طالما جاينلي يبقى بابا مانع عنكم المصاريف، يا ترى ليه؟!
اندحرت ملامح "قاسم" الخشنة إلى براءة زائفة تحت نظرات أختهم المستنكرة:
- كانت مجرد خناقة مع شوية عيال ملهمش لازمة، وبابا شافنا وحلف ليعاقبنا، طيب يعاقب واحد، أبدًا إحنا الاتنين.
زمت شفتيها بضيق من أفعالهما المتهورة، خاصة أنهما في مرحلة مراهقة ويصعب التحكم بهما. أخرجت نقودًا من جيبها ووضعتها بين قبضتيهما قائلة بتهديد صارم:
- أول وآخر مرة تتخانقوا، المرة الجاية ممكن يحصلكم حاجة، فاهمين!
أومأ الاثنان برأسيهما في خضوع تام، وعندما فتحت قبضتها التقاطا النقود وفرّا خارج المنزل سريعًا، تحت نداءات "أبلة حكمت". وما إن وصلت "سيرا" إليها، حتى سمعتها تقول:
- يا ماما ركزي شوية مع جوز البهايم دول، صافي بيقولي عاملين مصايب مع المنطقة كلها.
وما إن التفتت حتى رأت "سيرا" تقف خلفها مباشرة، فنظرت لها بشك:
- انتي اديتهم فلوس يا سيرا؟!
أشارت "سيرا" نحو نفسها باستنكار، متحدثة بجدية:
- أنا! أنا يا أبلة أديهم استحالة، أنا ماشية بمبدئك في الحياة! السلف تلف والرد خسارة!
أمسكتها "حكمت" من كتفيها قائلة بفخر، وابتسامتها تظهر بوضوح، وهي نادرًا ما تحتل ثغرها المقتضب دومًا:
- أيوه يا بت شاطرة، إن كنت على البير اصرف بتدبير.
- الله يا أبلة، الله على أمثالك اللي بتخليني كل يوم متأكدة إن بمشي ورا الشخص الصح.
توقفا عن الحديث عندما خرج والد "سيرا" من غرفته، مناديًا عليها:
- سيرا عايزك.
نظرت في ساعتها فوجدت نفسها متأخرة ما يقرب من نصف ساعة عن عملها، فقالت بحذر ونبرة مهذبة للغاية:
- دلوقتي يا بابا؟
- آه معلش، حتى لو هأخرك عن شغلك، في حاجة ضرورية.
اضطربت معدتها مما هيأه عقلها البائس، ونظرت إلى أختها الكبرى التي كانت تنظر لوالدها بفضول كاد يقتلها. وقبل أن تتحرك "سيرا" وجدتها تسبقها وتدخل الغرفة عنوة تحت نظرات والدها المستهجنة:
- أيه يا بابا هتطردني ولا أيه!
أفسح والدها لها المجال وهو يشير للداخل بنبرة غير راضية، لكنها تجاهلت اعتراضاته وجلست فوق أريكة صغيرة، وبجانبها جلست "سيرا" بقلق ما أن يفاتحها والدها بشأن تقدم "فايق" إليها!
وقد صدق حدسها عندما قال بهدوء مثبتًا بصره عليها:
- في عريس جايلك.
توهجت ملامحها المرتبكة لغضب مستنكر وهي توطئ عتابها لأختها دفعة واحدة:
- عريس؟! انتي قولتي لبابا يا أبلة بردو.
تنقلت نظرات والدهما بينهما وهو يقول بحيرة:
- قالتلي على أيه؟!
زمت "سيرا" شفتيها وشعرت بانقباض صدرها لدرجة أنها أحست ببوادر البكاء تقف على حافة جفنيها:
- على فايق يا بابا، أنا مش عاوزاه.
- لا فايق أيه، أنا كمان ما عجبنيش الموضوع، يوم ما تتجوزي تتجوزي جوازة حلوة، انتي آخر العنقود في البنات ومعنديش أعز ولا أغلى منك.
هنا زاد فضول "حكمت" إلى الضعف من بداية الأمر، وهي تعرف أن الموضوع لا يخص "فايق"، فوالدها أبدى رفضه حتى بعد محاولاتها المستميتة لإقناعه، فتدخلت بحماس:
- مين يا بابا العريس، قولنا وفرحنا.
تبسم والدها برفق وهو يكشف جزءًا عما يحويه داخل جعبته:
- واحد عيلته كويسة أوووي أوووي، لو عرفتيه اظن أنك هتتبسطي وبوزك ده مش هيبقى موجود.
وأشار بإصبعه نحو "سيرا"، التي تابعت في صمت مستشيط ظهر في مقلتيها، خاصة عندما تدخلت "حكمت" للمرة الثانية، لم تستطع كبح رغبتها في استكشاف هوية الشخص المتقدم لأختها، حيث كان فضولها يتزايد مع كل لحظة تمر، فقالت بنزق طفيف:
- مين يا بابا شوقتنا!
أرضى والدها فضولها دفعة واحدة عندما أفصح عنه بلمحة إعجاب أنارت عينيه وعبرت عن مدى سعادته:
- يزن الشعراوي، أخوه الكبير اللي اسمه سليم كلمني واتفق يجيوا عندنا يوم الجمعة هنا في البيت.
توسعت عينا "حكمت" بصدمة وسعادة في آن واحد، فنهضت تصيح بنبرة عالية، وعيناها تلمعان بحماس مفرط:
- أيه يزن! مبروك يا سيرا، مبروووووك يا حبيبتي، ده أنا هوزع شربات على المنطقة كلها.
حاول والدها تهدئتها قائلاً برصانة متأصلة فيه رغم ابتسامته المضيئة على وجهه منذ أن كشف عن هوية العريس:
- اهدي يا حكمت داري على شمعتك تقيد يا بنتي، نتفق بس وبعدها اعملي اللي انتي عايزاه، بس المهم انتي كنتي قولتي لام فايق إن أنا رافض!
توقف قطار سعادتها قليلاً في محطة القلق، وذلك لأنها لم تخبر والدة "فايق" برفض والدها، حيث كانت مقتنعة بأنها ستحاول إقناعه. لقد خالفت أوامر والدها كعادتها، لكنها لم تبدِ للأمر أهمية، ففرحة نسب "يزن" لعائلتها أكبر من "فايق" ووالدته بكثير، فقررت أنهما ستخبرانهما فيما بعد، وحاولت الإفلات من مصيدة والدها إليها، وذلك عندما رأت شرود أختها الغريب، فسألتها بقلق وشك صارم:
- آآه اه أكيد، مالك يا بت يا سيرا مسهمة كده ليه؟!
هزتها "حكمت" برفق فقالت سيرا بتيه واضح عليها:
- ها..
رفعت "حكمت" أحد حاجبيها بريبة وهي تقول:
- ها أيه مالك يا بت!
ابتلعت "سيرا" لعابها بتوتر، وهي تجيب بصدق بان بعدستيها:
- أصل اتفاجئت مفيش أي مقدمات إنه هيجي ويتقدم، ليه الموضوع فجأة قلب كده.
تدخل والدها بحكمته يبرر بتعجب لاستنكارها المضيء بمقلتيها:
- الراجل كلم أخوه وحس بمشاعر ناحيتك وحب يدخل البيت من بابه، بالعكس المفروض تفرحي.
لم تترك لها "حكمت" مجالاً للتحدث مع والدها وإفراغ شحنة القلق داخلها من سرعة تطور الأمور بينها وبين "يزن"، وحتى إن كان فؤادها قد اضطربت أوردته لأول مرة من أجله، وشعرت بضجيج مشاعرها وتخبطها كلما فكرت به أو تذكرته، إلا أن سرعة تهيئة الأمور لما تتمناه تقلقها وتثير الارتباك في أعماقها، استمعت لصوت "حكمت" في الصالة وهي تصيح بعائلتها رغم اعتراض والدها بالتزام الهدوء:
- سيرا هتتخطب يا بنات، هتتخطب لواحد حلو أوووي وجوازة سقع.
هز والدها رأسه بضيق ويأس من تصرفها، قائلاً بهمس حانق:
- ربنا يسامحك يا حكمت، يا بنتي اهدي.
أبعدت يد والدها عنها وهي تقول بحماس وسعادة حقيقية تسربت إليهم جميعًا، فوقفت "سيرا" تنظر إلى سعادتهم على أعتاب غرفة والدها:
- اهدا أيه يا بابا، تعالوا يا بنات، تعالي يا ماما، هاحكيلكم على عريس سيرا، أيه طول بعرض، وعنده معرض عربيات كلها فظيعة بتشوفوها في الأفلام.
وظلت تخبرها عما تعرفه عن "يزن" وعن عمل عائلته، وبما تملكه عائلة "الشعراوي" من محلات لتجارة الذهب، كما أخبرها "يزن" ذات مرة، فانتفضوا جميعًا بفرحة عارمة وتوجهوا نحوها يقبلونها بحب وحماس، فقالت "شاهندا" وهي تقبلها في خديها بحب:
- ألف مبروك يا سيرا، أنا هاين عليا اطلع في البلكونة وأزغرط.
ابتسمت بتوتر، وقد شعرت بالفعل ببوادر السعادة، ومال عقلها إلى حديث والدها، خاصة أنها لم تنصاع لمحاولات "يزن" للتعرف عليها، وظلت تراوغه حتى هرع صريعًا لها وأعلن استسلامه، فقالت بمزاح طفيف:
- أيه يا جماعة هو أنا كنت بايرة ولا أيه!
تدخلت "كريمة"، الأخت الأخرى، وهي تقول بعتاب وتمسك فوق كتفيها برفق وحنو بالغ:
- لا يا حبيبتي طبعًا ده انتي ست البنات كلهم، بس أبلة حكمت بتقول إنها جوازة حلوة وعريس غني ومبسوط.
تلقت "سيرا" التهاني والمباركات من عائلتها واحدًا تلو الآخر على هذا الإنجاز العظيم من وجهة نظرهم، ورأت بعينيها سعادة والديها، التي لم ترها مع أي عريس تقدم لها من قبل، خرجت من بؤرة التيه التي دخلتها، وأدركت الآن نجاح خطتها في الإيقاع بـ "يزن" في شباكها، ولأول مرة، تضحك لها الحياة وتفتح ذراعيها لتحتضنها داخل جنان الحب والسعادة.
***
خرجت "سهام"، أخت "فايق"، إلى غرفته باندفاع قوي، وهي تطلق زغاريد مصرية وسعادة كبيرة تحتل وجهها المستدير، قالت بنبرة مرتفعة، محركة الغافي فوق فراشه بقوة لإيقاظه، بعدما أصبح نومه ثقيلًا جدًا، بعد عدة محاولات، فرق جفنيه بصعوبة بالغة، حتى أنه حاول رفع رأسه وفشل، فالخمر لا تزال آثاره في عقله، وأصبحت رؤيته مشوشة وهو يرى أخته تقف بالقرب منه.
- فايق، قوم، قوم يا حبيبي ألف مبروك.
خرجت حروفه الثقيلة بأعجوبة وهو يقول:
- فيه أيه؟!
مالت نحوه وحاجباها يتلاعبان بمزاح، مقررة إخباره بأسعد خبر في حياته:
- فيه زغاريط جاية من بيت سيرا، باين أبوها وافق.
أخيرًا نجح في الاعتدال، وحاول التظاهر بالتركيز كي لا يُكشف أمره أمام أخته وعائلته، فقال بعدم تصديق ونبرة مندهشة:
- بجد؟!
أكدت برأسها في حماس وهي تجلس بجانبه:
- آه والله، يا فرحتنا بيك يا حبيبي.
حمحم بخشونة وهو يؤكد عليها، وكأنه يؤكد على عقله غير المصدق لتلك الأخبار، فبسبب معاملتها الجافة وأسلوبها النافر مؤخرًا، رسم في خياله صورًا عديدة للرفض، لكنه لم يمل أو يكل حتى تصبح زوجته ويكسر أنفها المتعالي عليه:
- يعني كده هروح لهم يوم الجمعة.
- آه، أبلة حكمت كانت قايلة لماما إنه لو أبوها وافق هتسمعوا الجواب بنفسكم من الزغاريط، وبعدين يا حبيبي هما يلاقوا أحسن منك فين؟ ده انت سيد الناس، وماما كانت متفقة معاها على يوم الجمعة.
ارتاح قلبه وعقله في آن واحد، واعتقد أنها ليست مجرد خدعة منها لتوقعه في شباكها كأي فتاة تراه وتعجب به، لكنه كان يأخذهن لمجرد التسلية، أما هي، فقد كانت ومضة الإعجاب التي تحولت إلى مشاعر سكنت قلبه بلا استئذان، لن ينسى سعادته عندما جاءت "سهام" إليه راكضة تخبره بكلام "فاطمة"، التي استطاعت إيقاعها به، وعن مدى إعجاب "سيرا" به:
- طيب كويس، سيبني أنام بقى عشان جاي متأخر امبارح وتعبان.
مسدت "سهام" فوق رأسه بسعادة وتركته يعود لنومه مجددًا، بينما هي ذهبت إلى والدتها ليتفقا على جميع الأشياء التي سيأخذونها معهم يوم الجمعة.
- نام يا عريس، نام نوم الهنا والسعادة.
***
فرقت جفنيها بألم تجلى بوضوح على ملامحها الشاحبة، عندما هاجمها كابوس آخر ينخر في روحها البائسة، مستغلاً ضعفها وأوجاعها.
همست لنفسها بألم واضح: "وما شأن تلك الكوابيس بي؟ ألا ترفق بفؤادي المكسور، وبذلك الشرخ العميق في صدري المكلوم، وبعقلي الذي أصبح مهترئًا بسبب طعنات الغدر والخيانة! آه من مذاقها المر العلقمي!"
انتفضت بفزع عندما طرق والدها باب غرفتها عدة طرقات عنيفة، ثم دخل يهتف بنبرة معاتبة:
- يسر، قومي انتي نايمة بتعملي أيه ده كله؟!
جلست على الفراش وهي ترتب خصلات شعرها، قائلة بإحراج من نظرات والدها الغاضبة:
- هعمل أيه يا بابا يعني؟!
جلس والدها مقابلها وهو يردد بنبرة هادئة، ولكن الضيق سيطر عليها:
- تعملي كتير أوي، انتي لسه في بداية حياتك، هتقضيها نوم على السرير واكتئاب.
أبعدت بصرها عنه وهي تمتم بنبرة منكسرة، شاعرة بالعجز الشديد أمام ضغوطات والديها لتخرج من بؤرة الاكتئاب تلك، وكأنها تملك عصا سحرية تسيطر من خلالها على أوجاعها المتزايدة من غدر وخذلان وحزن وغضب، مزيج يصعب التحكم به وهي في أضعف حالاتها، فالخيانة شيء مرير يعجز العقل عن تقبلها، وينهار القلب كجبل وتد انهار!
- يعني هي فترة وإن شاء الله هبقى أحسن.
رفع "فاضل" أحد حاجبيه وهو يتمتم بضيق وحسرة:
- يا فرحة نوح فيكي لو شافك بالمنظر ده!
رفعت عينيها تهتف بحقد دفين:
- نوح مابقاش فاضيلي، ربنا يسامحه.
ضرب "فاضل" كفًا بآخر بعدم رضا وهو يقول بنبرة حادة:
- أو ياخده ماتفرقش، وبعدين انتي لما قولتيلي ارفع قضية خلع وعايزة انتقم منه، قولت يا فاضل بنتك طلعت بتفهم، وهتتخطاه بسرعة.
تنهدت بعمق قبل أن تقول بثبات حاولت التحكم به، لتقنع والدها أن الأمر بينها وبين نوح منتهٍ:
- بابا ماتقلقش أنا مش هرجع لنوح تاني!
احتدمت ملامح والدها بغضب وهو يهدد بشراسة ضمنية:
- انتي لو رجعتي له هديكي بالجزمة، أنا ما قصدتش كده طبعًا.
رمشت بأهدابها بقلق وشك وهي تقول:
- امال؟
كانت التنهيدة هذه المرة من نصيب والدها، الذي هدأ من حدة نبرته وهتف بغموض ولمحة انتقام استشعرتها يسر أيضًا من خلال عينيه، التي سردت لها كم الوعود التي كانت نصيب نوح فقط:
- اللي أقصدُه إنك تعلميه الأدب ويحس إن كان معاه جوهرة وضاعت من إيديه، وبعدين الراجل مننا لو حس إن الست هتموت عليه بيستكبر وبيشوف نفسه، أما بقى لو حس إن الست منفضاله هيفضل يلف ويدور حوالين نفسه زي النحلة.
ورغم حديث والدها ووضوحه إلا أنها قالت بحماقة:
- ما أنا هخلعه.
نهض والدها وهو يبرز عدم اهتمامه برأيها، راسمًا علامات الاشمئزاز فوق وجهه:
- مش كفاية، انتي تقومي تستحمي كده ريحتك ظهرت.
ورغم انزعاجه، إلا أنها ضحكت بشدة وكأنه ألقى عليها مزحة طريفة، فتساءلت عن لمحة السرور التي دخلت صدرها المظلم بكآبة لن تتخلى عنها بسهولة، استمعت لرأي والدها وهو ينظر لملامحها بحب أبوي وابتسامة شعارها الرضا:
- شوفتي لما ضحكتي وشك نور إزاي، وبقيتي حلوة زي ما كنتي زمان، نهايته، يلا قومي عشان تيجي معايا عشان محضرلك مفاجأة تجنن.
- مفاجأة أيه؟!
نهضت من على الفراش، وهي تسأله بحماس أطفأت شعلته عندما قال والدها بوعد شرس:
- أنا وانتي هنبقى عمله الأسود، هنرازيه في حياته وكله بما يرضي الله، واثقة في أبوكي؟
أجابت سريعًا بثقة وصدق:
- طبعًا.
- طيب يلا بينا وهاتي بنتك معانا.
***
كانت "فاطمة" تجلس فوق مقعد صغير أمام سراحتها وتنظر في المرآة، متخيلة البطل المكتوب في السيناريو المرسل لها عن طريق الإنترنت، ولكن دخول سيرا المفاجئ أفزعها وهي تقول ببسمة واسعة:
- فاطمة، الحقيني هموت من الفرحة، قلبي هيقف.
نهضت "فاطمة" وهي تسأل بانزعاج من دخولها الهجومي، فقطعت عليها أدائها التمثيلي:
- فيه أيه!
دارت "سيرا" حول نفسها بسعادة بالغة وهي تردد:
- متقدم لي عريس ومش أي عريس، أحلى عريس.
عقدت "فاطمة" ذراعيها أمامها وهي تنظر لفرحتها باستياء متعجبة من تغيير صديقتها بهذا الشكل بين ليلة وضحاها:
- أيه يا سيرا هو انتي كنتي بايرة وأنا ماعرفش، إيه الفرحة دي كلها!
توقفت "سيرا" عن دورانها وهي تقول ببطء مدروس ونظرات متلاعبة سعيدة بترقب فاطمة للإفصاح عن هوية العريس:
- أنا فرحانة عشان اللي عجبت بيه ودخل قلبي وعقلي هو اللي اتقدم لي واخوه الكبير كلم بابا!
انتظرت "فاطمة" ثوانٍ تفكر بهما حتى صاحت بانفعال:
- ماتقوليش يزن الشعراوي!
هزت "سيرا" رأسها إيجابًا ولا تزال ابتسامتها الواسعة تزيدها إشراقًا وحيوية مبهجة:
- آه.
احتضنتها "فاطمة" بفرحة عارمة صادقة:
- يا حبيبتي ألف مبروك، أنا فرحانة أوي.
دارت "سيرا" حول نفسها مرة ثانية، ثم توقفت أمام المرآة تنظر لصورة صديقتها المنعكسة أمامها وهي تقول بغنج ممزوج بنبرة انتصار:
- أنا اللي هموت من الفرحة وطايرة من السعادة، شوفتي بقى نتيجة اللي عملته، اهو جه واتقدم رسمي فهمي نظمي.
هزت "فاطمة" رأسها بيأس منها ومن أفكارها العجيبة، ولكنها لم تحبذ إحباطها فقالت برزانة:
- يا ستي ده من حظك وبعدين تلاقيه بس حبك واعجب بيكي.
التفتت حينها "سيرا" إليها وهي تخرج جزءًا من مكنوناتها التي احتجزتها بعيدًا عن عائلتها، كي لا يفضح أمرها:
- يااااه يا فاطمة لما تتمني حد والحد ده يجيلك لغاية عندك، الحمد لله بجد أخيرًا هأرتبط باللي كان نفسي أرتبط بيه.
ربتت "فاطمة" فوق كتفها بحب:
- حبيبتي يا سيرا، ربنا يسعدك يا رب.
أشارت "سيرا" بإصبع السبابة في وجه "فاطمة" التي استمعت لأوامر صديقتها والتي بان بها مدى سعادتها، فسيرا لم تكن بهذا الشكل إطلاقًا:
- من هنا ليوم الجمعة عايزة أعمل ماسكات بقى، بصي حطيلي كل الماسكات على وشي، أنا عايزة اليوم ده مفيش فيه غلطة.
جذبتها "فاطمة" خلفها لتجلسا فوق أريكة صغيرة، وهي تسألها بفضول عن رأي أهم فرد في عائلة سيرا بأكملها:
- استني بس، أبلة حكمت عرفت؟
- آه طبعًا زمانها بتطلع لماما طقم الصيني بتاعها، إحنا مصدومين أصلاً عمالة تطلع لنا طقم صواني جديد وحاجات تانية!
رفعت "فاطمة" حاجبيها باندهاش تجلى على ملامحها:
- إيه ده أبلة حكمت راضية عن العريس أوي.
أكدت "سيرا" على حديث صديقتها برأسها وهي تسرد عليها بأريحية أكثر بما يعج في صدرها:
- كلهم، كل أخواتي وماما وبابا، ولما أخوه كلمه بابا سأل كام حد وشكر فيهم أوي، ادعيلي بس ربنا يتمم على خير، أصل حاسة إن حاجة هتكسر قلبي وفرحتي!
- ده الشيطان فكك، وركزي في فرحتك.
زفرت "سيرا" بضيق طفيف فتلك الغصة في حلقها تخنقها وتزيد من توترها:
- ماشي، أنا مش رايحة الشغل النهاردة وهختفي اليومين دول عشان أنا الصراحة مكسوفة منه ومش هعرف أقف أتكلم لو ناداني، وكمان صاحب البرج ده بيخضني بنظراته وبيقلّقني أوي، لما نقرا فاتحة بقى أبقى أقف معاه وأحط صوابعي في عين التخين!
أكدت "فاطمة" برأسها عندما شعرت أن قرارها هو القرار السليم، وسرعان ما اندمجتا معًا في الأحاديث المرتبطة بليلة يوم الجمعة!
***
بعد مرور عدة ساعات..
توقفت سيارة فاضل أمام البرج الذي يعمل به نوح، فتعجبت "يسر" بشدة والتفتت إلى والدها تسأله:
- أيه ده يا بابا، إحنا وقفنا ليه هنا؟!
أشار والدها إلى المحل القابع أسفل البرج، قائلاً ببسمة مكر:
- شايفة المحل اللي هناك ده؟!
هزت رأسها وهي تركز ببصرها على ذلك المحل، متذكرة عندما أقنع نوح والدها بشرائه:
- مش ده اللي نوح كان قالك عليه لقطة واشتريه!
ربت والدها فوق ساقها وهو يقول بحب ونبرة دافئة احتوت قلبها في لحظة يصعب نسيانها:
- آه، أنا كتبته باسمك، ومن هنا ورايح هتفتحي أي مشروع تحبي تفتحيه.
رمشت بأهدابها بعدم تصديق وسألته بحماقة سيطرت على استيعابها:
- أيه، أنا؟!
هز والدها رأسه مؤكدًا على حديث ابنته بصدق، مقررًا أن نجاة ابنته من بئر الضعف والاكتئاب ستكون على يده، كواجبه دومًا نحوها:
- آه، هو انتي قليلة ولا أيه؟ انتي بنت الحاج فاضل، عايزاني أفتحه معرض للأجهزة الكهربائية عادي، عايزة أي مشروع تاني براحتك، وأنا جاهز من جنيه للألف.
احتضنت والدها وهمست ببكاء ونبرتها يغمرها الامتنان والحب:
- ربنا يخليك ليا يا بابا.
- أنا كلمتلك مهندس ديكور مشهور أوي على النت، واتفقت معاه تتقابلوا وتشوفيه هتوضبيه زي ما انتي عايزاه!
ربت والدها على ظهرها عدة مرات تحت نظرات ابنته المنتظرة اللحظة المناسبة للتدخل وقلب مشهد الحنان الأبوي لآخر عبثي:
- ماما، ممكن أروح لبابا؟
ابتعدت "يسر" عن والدها بحدة وهي توجه نظراتها للصغيرة التي انكمشت خوفًا من اقتضابها:
- لا...
قاطعها والدها هذه المرة معاتبًا، فقال في بداية كلامه استنكار طفيف، ثم استكمل بمكر وابتسامة جانبية ساخرة تحتل وجهه:
- لا ليه؟ روحي يا لينا، بس بسرعة عشان هنمشي.
خرجت الصغيرة سريعًا من السيارة وركضت بسرعة الصاروخ نحو البرج، فأظهرت "يسر" استياءها واعتراضها:
- بابا، سمحتلها ليه؟!
ضربها والدها بجانب رأسها بأصابعه مشيرًا إليها نحو عقلها بنزق شديد:
- عشان تروح تقوله، مش بقولك هعلمه الأدب؟ افتحي دماغك الجزمة دي!
***
بالأعلى، وتحديدًا داخل عيادة نوح، دخلت حسناء وهي تمسك بيد الصغيرة، تهتف بنبرة يغمرها الدلال والنعومة المفرطة:
- شوفت المفاجأة القمر دي يا دكتور؟
رفع نوح عينيه ليطالع صغيرته التي ما إن رأته حتى ركضت نحوه تحتضنه بحب واشتياق بان في همسها الطفولي:
- بابا، وحشتيني.
أبعدها عنه بعد أن غمرها بأحضانه، ثم مسد فوق جانبي شعرها الناعم وهو يتساءل بدهشة:
- لينا حياتي، جيتي إزاي ومع مين؟!
أجابت برقة:
- مع جدو وماما.
انكمشت ملامحه بتعجب، وحاول استيعاب سبب مجيئهما بطفلته، ولم يلاحظ انقباض يد حسناء بغل وخوف من تدمير خطتها، فسمعته يتساءل:
- وهما فين؟
- تحت جدو جابلها محل تحت هنا، وأنا هاجيلك كل يوم.
انعقد حاجباه بعدم فهم، وظن أن الصغيرة تهذي أو ربما تتخيل أمورًا من نسج خيالها الواسع، فأمسك بكفها وقال:
- تعالي ننزل نشوفهم.
وبالفعل غادر مكتبه مع صغيرته تحت أنظار حسناء المستشيطة بغل وحقد، بينما هو ما إن خرج من بوابة البرج حتى تركت الصغيرة يده وركضت صوب سيارة جدها، وما إن دخلت، انطلق فاضل بأقصى سرعة، تاركًا نوح يتسمر مكانه من تلك الإهانة المتعمدة، فهمس بانفعال مسجون بين قضبان الغضب:
- والله أنا مهزأ عشان نزلتلهم!
***
ليلاً...
دخل "يزن" غرفته بعد قضاء يوم طويل في التنقل بين معرضه وبعض الأمور التجارية المتعلقة بشأن سيارات جديدة سيغزو بها معرضه الفترة المقبلة، متظاهرًا بإلهاء نفسه وسط انشغالاته، إلا أنه كان ينتظر مجيئها اليوم ليتحدث معها، ولكنها خابت آماله ولم تطل بطلتها البهية!
وما أن أشعل "يزن" إضاءة غرفته حتى أصيب بهلع عندما وجد "سليم" يجلس في زاوية ما بالغرفة صامتًا:
- يا سليم، فزعتني، أقسم بالله أنا كده بضيع.
- ليه، شوفت عفريت؟!
قالها "سليم" بنبرة خشنة ولم يتحرك من مكانه، ووضعه المغمور في أنهار الكبرياء والتعالي!
- آه فعلاً شوفت، ومن كتر ما أنا شوفت، بقيت أشك في كل اللي بيكلمني، بقولك كان بيسمع أغنية وبيشرب سجاير، ولا البت دي أنا كنت بلعب معاها زي الأهبل وماعرفش إنها عفريته ومقتولة...
قاطعه "سليم" متأففًا:
- ما بلاش السيرة دي بقى، أنا كده كده هطلع وهسيبك تنام لوحدك!
- ما تخلينيش أتجنن وأطلع أنام في حضنك يا عم، أنا اتعاملت مع عفاريت يعني مش باقي على الدنيا!
قالها "يزن" بارتباك وهو ينظر في أرجاء غرفته متخيلًا شبح الجن يطارده في كل مكان، إلا أن "سليم" نجح في سلب انتباهه وهو يقول بنبرة عميقة:
- فكرت؟
تنهد "يزن" بضيق وهو يرفع بصره المحتدم نحو أخيه:
- آه.
- وأيه قرارك؟!
سأل "سليم" بترقب، فأجاب الآخر بلمحة سخرية:
- على أساس لو قلتلك رافض هتسيبني في حالي! آه يا سليم موافق بس عشان خاطر ما أطلعكش صغير، بس أنا عندي شرط...
لانت ملامح "سليم" المتهجمة إلى الارتياح ولكن عيني "يزن" الصارمة وجموده أقلقاه قليلاً، فقال:
- شرط إيه؟
رواية غناء الروح الفصل الثامن عشر 18 - بقلم زيزي محمد
-شرط أيه؟!
قالها "سليم" بنبرة خشنة تحمل اعتراضًا قويًا، بينما كان "يزن" ينظر إليه بتسلية وهو يعيد ترتيب أوراق اللعبة لصالحه.
فقال بهدوء قاتل للأعصاب:
-أنا وافقت وماحبتش أقل منك ولا من قراراتك اللي انت واخدها في حياتي وكأنها حياتك، بس الباقي بقى ده يخصني معلش، وأنت بتتفق متحددش معاد للجواز، دي بتاعتي أنا بقى، أنا أقرر امتى اتجوز وامتى مااتجوزش.
ثوانٍ من الصمت مرت عليهما وهما جالسان يتبادلان النظرات الغامضة والشرسة، حتى قطعها "سليم" بوقوفه المفاجئ وابتسامته البسيطة، مبديًا موافقته بسلاسة أدهشت "يزن".
-بس كده، تمام مفيش أي مشكلة، وبعدين يا يزن نقطة الجواز دي بالذات أنا مقدرش اتدخل فيها، تصبح على خير.
انعقد حاجبا "يزن" من بساطته الغريبة عليه، وابتسامته الغامضة المثيرة لشكوك مريبة تداخلت مع بعضها لدرجة أنها كانت بمثابة شبكة عنكبوتية، سببت له صداعًا شرسًا، دفعه لأن يلقي بجسده للخلف فوق فراشه، ناظرًا إلى سقف الغرفة بشرود، متأملًا التغير المفاجئ الذي طرأ على حياته، غير قادر على تحديد مشاعره وهويتها وما يميل إليه قلبه وعقله.
زفر بقوة، وأغمض عينيه مستسلمًا للنوم وأحلامه بصدر رحب.
وما إن سقط عقله في فوهة الأحلام حتى سمع صوتًا قويًا يأتي من الطرقة الخارجية، ففتح عينيه على وسعهما بقلق ونهض يتحرك ببطء شديد صوب الباب.
وما إن أمسك بالمقبض حتى همس بتوتر شديد:
-بسم الله الرحمن الرحيم، أنا سايبهم في الأقصر!
فتح الباب فتحة صغيرة ونظر من خلالها، لم يجد أحدًا.
وما إن هبط ببصره حتى وجد الصغير "أنس" يقف في صمت والإضاءة الخافتة في الطرقة تلعب دورًا مخيفًا على ثباته.
حتى قال الصغير بابتسامة واسعة:
-عمو يزن أنا جاي أنام معاك.
-ها؟!
قالها "يزن" بحماقة كبيرة وهو ينظر للصغير الذي يفرك في عينيه وابتسامته لا تزال على وجهه.
فقال بتيه أثر على عقله واستيعابه:
-تنام فين؟
-معاك يا عمو، بابا قالي انزل أنام معاك، عشان انت خايف تنام لوحدك.
هز "يزن" رأسه باستيعاب ففتح الباب للصغير يستقبله في غرفته، مرحبًا به بحفاوة.
-والله يا أنس انت جاي في وقتك، انت من هنا ورايح تنام معايا.
جلس الصغير فوق الفراش وهو يقول بصوت ناعس:
-حاضر، بس أنت ازاي كبير وبتخاف؟
جلس "يزن" بجانبه وهو يحتويه بذراعه، مردفًا بحسرة:
-ما أنت ماشوفتش اللي أنا شوفته، بس هقولك أنا مفتقد الحنان في حياتي اوي يا أنس.
رمش الصغير بعينيه وهو يقاوم النوم، متسائلًا بعدم فهم:
-يعني إيه؟!
فكر "يزن" مليًا قبل أن يقول بأسلوب مبسط وهو يمزح مع الصغير:
-يعني مفيش حد بيطبطب عليا.
تثاءب الصغير وهو يضع كفه الصغير على فمه، ثم قال بتعجب طفيف:
-طيب وصحباتك البنات فين؟!
مط "يزن" شفتيه بضيق وانزعاج حقيقي خرج من عمق مشاعره المتناقضة ولكن نبرته كانت تحمل حسرة على حاله:
-كرهتهم كلهم، عمك خلاص يا أنس راحت عليه!
ربت "أنس" فوق يده برفق وهو يظهر تعاطفه معه من خلال عروضه البسيطة، ظنًا منه أنه يساعد عمه:
-طيب متزعلش، أجيبلك صحابي يصحبوك!
ضيق "يزن" عينيه متسائلًا بمزاح:
-بنات؟
-اه.
عاد "يزن" يسأله وابتسامة تسلية تحتل وجهه:
-حلوين؟!
أجاب الصغير بلا مبالاة وهو يرقد يستعد للنوم:
-اه، بكرة هبقى أعرفك عليهم.
مسد "يزن" فوق شعره بحنان وحب، ثم داعب طرف أنفه وهو يشاكسه:
-مش خايف ليحبوني أنا ويبطلوا يصاحبوك!
فتح الصغير عينيه يفجر قنابل الثقة والتعالي الموروثة من قبل أبيه، فقال بعنجهية شابهت تعالي والده:
-لا أنا صاحبهم من زمان، أما انت هيصاحبوك عشان خاطري بس!
انكمشت ملامح "يزن" باندهاش وهو يرد باستنكار:
-إيه الرد ده!!، طب راعي حتى إن أنا عمك.
أعطاه الصغير ظهره وألقى أوامره دون أن يبالي بـ "يزن" المصدوم من طريقته:
-نام بقى، عشان لو فضلت تتكلم كتير، أنا مش هنام جنبك تاني، وهخلي بابا هو اللي بينام جنبك...
هز "يزن" رأسه رافضًا ذلك التهديد، فقال برجاء:
-لا أبوك لا، أنت أرحم!
غاص الصغير في نومه وترك "يزن" ينظر إليه بحب.
حتى ضيق "يزن" عينيه بشك وهمس:
-أنت يالا أبوك أكيد باعتك تراقبني، لازم أخد بالي!
في اليوم التالي...
جلست والدة "فايق" تتابع التلفاز، وبجانبها إحدى جاراتها يتابعان مسلسلهما المفضل، حتى قطعت جارتها مشاهدتهما بقولها الفضولي والحماسي:
-يااختي ما تعرفيش الزغاريط اللي كانت جاية من بيت حسني دي إيه؟!
حركت والدة "فايق" كتفيها بلا مبالاة وهي تخفي نظراتها عنها:
-علمي علمك!
لكزتها جارتها بغيظ وهي تقترب منها:
-يا ولية عليا، ده أنتي عارفة أخبار الحارة كلها!
مطت والدة "فايق" شفتيها بحسرة زائفة:
-ما بقتش يااختي وحياتك!
اقتربت جارتها أكثر وهي تلقي عليها ما سمعته من قبل أطفال عائلة الحاج "حسني" وهم يلعبون أسفل البناية صباحًا:
-طيب هقولك عشان أنتي حبيبتي، أنا سألت العيال الصغار قالوا جاي عريس لسيرا، قولتلهم مين، مارضيوش يقولوا!
حركت بؤبؤ عينيها نحوها وهي تقول بنبرة مقتضبة كي لا تتلفظ بحرف يفسد اتفاقها مع حكمت، التي أصدرت تنبيهاتها بعدم التحدث مطلقًا عن ذلك الموضوع حفاظًا على الخصوصية، وكي لا تصاب أختها بحسد، وخاصة أن حكمت تخشى كثيرًا الحسد:
-والله طيب كويس!
ضيقت الأخرى عينيها بمكر وشك في آن واحد وهي تناظرها، فلم تتحمل والدة "فايق" خداعها أكثر من ذلك، فقالت بنبرة شبه منفعلة وهي تعلن استسلامها:
-طيب هقولك بس اوعي تقولي لحد، العريس ده يبقى فايق ابني، اسمالله عليه وعلى اسمه حبيبي، اتقدم للبت سيرا، وأنا كلمت حكمت، وهي قالتلي هتسمعي الجواب من الزغاريط، وأنا كنت متفقة معاها هنروحلهم يوم الجمعة إن شاء الله، ادعيلنا بقى.
توسعت ابتسامة المرأة سعادة وهي تردف:
-يا ألف نهار أبيض، هما يلاقوا زي فايق فين، ده زينة رجالة المنطقة كلها، بس هما ليه مش عايزين حد يعرف؟
-يااختي ما أنتي عارفة حكمت بتخاف من الحسد ومابتحبش حد يعرف عنها حاجة، واتفقت معايا على كده.
بررت لها والدة "فايق" بضيق، فقالت الأخرى بفضول:
-وهتاخدوا معاكم إيه يوم الجمعة يا أم فايق؟
رفعت جانب شفتيها باستنكار وهي تقول:
-هناخد إيه يعني، فاكهة يااختي، هقول لفايق ينزل ويجيب كام كيلو من نوعين!
توسعت أعين المرأة بتعجب ساخر، ثم مطت شفتيها بضيق:
-يا ولية فكي الكيس وجيبي تلات أنواع ولا أربعة، ولا طبق حلويات كمان.
شهقت والدة "فايق" باستهجان قوي وهي ترفع أحد حاجبيها باعتراض قوي:
-ليه يااختي، ده حيالله اتفاق، وبعدين لسه الجايات كتير وهنجيب وهنشيل، اهدي شوية يااختي بالله عليكي، أصل المشرحة مش ناقصة قتلة، الواد مفحوت في الفنادق في شرم والغردقة شغل ليل نهار عشان يتجوز، أقوم أنا أبزعقها في هدايا.
زمت جارتها شفتيها بانزعاج واضح وهي تحرك إصبع الإبهام نحو أسنانها، قائلة:
-عليا، ده أنتي جلدة وتخافي تصرفي الجنيه.
-هتتفرجي على المسلسل وأنتي ساكتة ولا تطرقيني من سكات؟ وحسك عينك أسمعك بس بتتكلمي مع واحدة من ستات المنطقة، أنا مش ناقصة وجع دماغ من حكمت، حكمت دي ولية قرشانه وصعبة ومش هخلص منها.
فجرت تهديدها دفعة واحدة في وجه جارتها، فانكمشت الأخرى رغم انزعاجها وهي تؤمي برأسها في استسلام:
-حاضر، حاضر، ولا هفتح بوقي يااختي والله.
في صباح يوم الجمعة.
رتبت "يسر" ثيابها في خزانتها الصغيرة وانتهت من وضع أشيائها، وهي تمرر بصرها على زوايا غرفتها التي عادت إليها ولكن هذه المرة بصحبة ابنتها الصغيرة "لينا".
مسحت دموعها المتساقطة وهي تجذب أنفاسًا طويلة، مقررة ألا تبكي مرة ثانية، وتستمع لنصائح والدها، فابنتها تستحق أمًّا أفضل وأقوى مما كانت عليه!
رسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها وهي تخرج للخارج لتساعد والدتها، التي ما إن رأتها حتى ابتسمت بحب وقالت:
-يا ألف بركة، والله إنك خرجتي من أوضتك يا يسر.
جلست "يسر" بجانبها وردت بنبرة ضعيفة وهي تنظر إلى صغيرتها التي تشاهد التلفاز في صمت:
-ماما، أنا بفكر أخرج أنا ولينا افسحها شوية.
-وماله يا حبيبتي، البنت تستاهل والله، دي غلبانة وملهاش ذنب.
جذبت "يسر" نفسًا طويلًا قبل أن تنهض وتتحرك لتجلس بجانب صغيرتها، تحتضنها وتهمس لها:
-إيه رأيك نخرج، نقضي اليوم بره؟
لمعت عيناها بوميض السعادة وقد تبدلت حالتها كليًا:
-يا ريت يا مامي، وبابي هيجي معانا؟!
تجمدت "يسر" أمام سؤالها كالصنم، فبدت ملامحها خالية من التعابير، وما إن التفتت نحو والدتها حتى ناظرتها بعدم رضا وعتاب، فرمقتها "يسر" بضيق، لعلمها برأي والدتها الذي لم تعد تأخذه على محمل الجد بعد أن هوت في بئر من الأخطاء بموافقتها على زيجتها من نوح منذ البداية، والسبب هو آراء والدتها التي لم تجنِ منها سوى ثمارها الفاسدة.
عادت بنظرها نحو صغيرتها وقالت بثبات وابتسامة مقتضبة:
-لا يا لينا، أنا وأنتي بس، ها نخرج ولا لا؟
أخمدت شعلة حماسها قليلًا وهي تحرك رأسها بإيماءة، وحجزت أسئلتها عن والدها داخل جدران عقلها الصغير، بدايةً من غيابه المستمر، وإقامتهما في منزل جدها، وتركهما منزلهما الجميل وغرفتها المليئة بالألعاب وبأشيائها المحببة لقلبها.
تجاهلت "يسر" أسئلة ابنتها الصامتة وساعدتها في الجلوس وهي تتجه بها نحو غرفتهما، تبدل ثيابهما.
بينما هزت "أمل" رأسها بيأس وحسرة:
-ربنا يهديك يا فاضل، ويهديلك الحال يا يسر يا بنتي، وترجعي بيتك تاني.
كان الجميع في منزل "سيرا" على قدم وساق، كل فرد يعرف مهمته ويعمل على إتقانها بأقصى جهد لديه، أما "سيرا" فكانت مصدومة، قلقة، متوترة، ولكن الجزء المسيطر عليها هو سعادتها، فأغمضت عينيها تتمنى أن يمر اليوم مرور الكرام كما تتمنى!
أما في الخارج، فكانت "شاهندا" تقف تتابع "أبلة حكمت" في المطبخ وهي تضع بعض أنواع الفاكهة في حقيبة بلاستيكية سوداء، وهمست لابنها "حودة":
-خد يا حودة، ادي دول لدهب أختك.
نظر "حودة" إلى التفاح الأحمر الشهي وأشار بنهم:
-ماما، حطي تفاحتين كمان ليا.
وضعت "أبلة حكمت" طلبه في الحقيبة وهي تقول بنزق:
-خدهم بقى وانزل على دهب على طول.
لم تتحمل "شاهندا" أكثر من ذلك، فدخلت باندفاع وهجوم أثار حفيظة أختها الكبرى:
-إيه اللي بتعمليه ده يا أبلة؟!
توسعت عينا "حكمت" باستنكار قوي وهي تتخصر:
-بعمل إيه يا أختي؟!
-بتاخدي من الفاكهة اللي بابا جايبها للضيوف وتنزليها عندك، هو ده ينفع؟!
رفعت "حكمت" أحد حاجبيها بغضب وهي تردف بنبرة مرتفعة غير مبالية بموقفها الحرج:
-اه ينفع يا أختي، هو الحاجات اللي بابا جايبها حلال عليكم وحرام عليا أنا وعيالي؟! أنا زي زيكم يا حبيبتي!
-إنتي مش محتاجة يا أبلة، وتقدري تجيبي ده وأكتر، اللي بتعمليه ده اسمه استخسار على فكرة.
أنهت حديثها الغاضب والهجومي وهي تشير نحو الحقيبة التي يمسكها "حودة"، المتابع لحديثهما باهتمام بالغ وهو يمسك تفاحة صغيرة يقضمها باستمتاع، بينما دخل الجميع بسبب أصواتهما المرتفعة، وأولهم والدتهما التي قالت بقلق:
-في إيه يا بنات، بتتخانقوا ليه؟!
وقبل أن تتحدث "شاهندا"، وجدت "حكمت" تتحدث بانكسار وحزن طغى فجأة على نبرتها التي تغيرت بلمح البصر:
-يعني يا ماما فيها إيه لو دهب بنتي نفسها في حاجة ولقيتها عندكم، قلت أبعتلها، الأستاذة شاهندا تدخل وتزعقلي وماتعملش حساب إني أختها الكبيرة والمفروض تحترمني.
وقفت "كريمة" بجانب "شاهندا" وهي تنظر إلى الحقيبة التي ما زالت في يد "حودة" يتمسك بها بقوة:
-معلش يعني يا أبلة حكمت، إنتي مش محتاجة! وبعدين شاهندا بتتكلم من باب إن في ضيوف جايين النهارده، وبابا جايب حاجات كتير ما شاء الله، لما يمشوا ابقي خدي اللي نفسك فيه!
تبرمت "حكمت" وتحولت تعابير وجهها للانزعاج وهي ترمقها بجرأة:
-هو انتوا عيالكوا يا كريمة بيخلوا حاجة؟ وبعدين إنتوا واقفين تتكلموا في إيه؟ ده بيت أبويا زي زيكم ومن حقي أتصرف زي ما أنا عايزة، ومفيش واحدة فيكم تيجي تقولي حاجة، يلا يا حودة، أنا هنزل، ولما الضيوف ييجوا هبقى أطلع، طالما أنا مش مرغوب فيا.
أوقفتها والدتها بضيق وهي تقول برفق، بينما نظرت إلى ابنتيها بعتاب كي يصمتا:
-يا حبيبتي، لا مرغوب طبعًا، اقعدي وخدي اللي إنتي عايزاه، وبعدين الخير كتير، وأبوكي جايب بزيادة عشانكم كلكم وعشان عيالكم ياكلوا براحتهم ويتبسطوا.
-ربنا يخليكي يا ماما، أنا هقعد طبعًا عشان خاطر سيرا حبيبتي أختي اللي مشرفانا بعريسها، يلا هقعد في الصالة وانتوا كملوا تنظيف بقى، خلاص كلها كام ساعة وهيجوا، مش عايزين أي عطلة.
ألقت "حكمت" كلامها الصلد، الذي كان بمثابة قنابل دوت في عقولهن وهن ينظرن إليها، بينما هي تجاهلتهن عن عمد وخرجت إلى الصالة، والتفتت والدتهما إلى بناتها الثلاث "شاهندا" و"كريمة" و"فريال":
-معلش يا حبايبي، عدوا اليوم، وبلاش مشاكل عشان خاطر سيرا، بلاش نبوظ فرحتها.
بينما كانت "سيرا" تقف على أعتاب باب غرفتها في آخر المنزل، تراقب الموقف في صمت وعيناها تصرخ بالاستياء منهم جميعًا، فعادت إلى غرفتها محبطة الآمال، متجهمة الوجه، شاردة التفكير.
مساءًا...
توقفت سيارة "نوح" أمام أحد المطاعم المشهورة، يراقب "يسر" وابنته الجالسين على طاولة صغيرة بجانب واجهة زجاجية كبيرة، ويأكلان وجبتهما التي طالما أحبتها صغيرته!
أمسك المقود بقوة وهو ينظر لـ "يسر" الجالسة تراقب صغيرتهما في صمت وملامحها ساكنة، شاردة.
أغمض عينيه وكلمات المحامي الخاص به تدوي في رأسه كالقنابل، متذكرًا كيف اخترقت سمعه بالأمس عندما تلقى منه اتصالاً يفيده بأن زوجته رفعت قضية "خلع"، لم يصدق في بادئ الأمر وشعر بنيران تعصف عقله، وكرامته المحفوظة أصبحت مهزوزة بلا قيمة بعد أن طعنته يسر بسكين الغدر فجأة في ظهره.
فتح عينيه مرة أخرى يطالعها بغضب ناري لو طالها لأحرقها بلهيبه المتفاقم بشراسة، ظل يراقبها في صمت منتظرًا اللحظة الحاسمة لشن هجومه عليها، وما أن بلغه أحد الافراد الذي كلفه بمراقبتها بخروجها مع طفلتها حتى تولى هو مهمة مراقبتها، وما أن رآها وحدها في إحدى المرات التي تركتها بها طفلتها حتى كاد يتهور ويركض نحوها يصرخ بها ولكن ما أن عادت ابنتها إليها حتى كتم صرخته وتجمدت داخل صدره، وتحولت إلى سيل من الغضب المتفجر!
ولكن الفرصة يبدو أنها ستذهب هباءً دون أن يحادثها وخاصةً أنها يبدو على وشك مغادرة المطعم، زفر بضيق وهو يلقي بصبره في حاوية الانتظار، فلم يعد يتحمل أكثر من ذلك، وترك سيارته متوجهًا نحوها بخطوات واسعة حتى وصل أمامها ووجه حديثه إلى صغيرته التي احتضنته ما أن رأته:
-روحي يا حبيبتي على العربية بتاعتي هناك أهي، لغاية ما أكلم مامي ثواني.
أخفت "يسر" اندهاشها ببراعة لوجوده أمامها، وتظاهرت بوجه جامد، بارد يستحقه تمامًا، أما عيناها فتنظران إلى الفراغ كأنما تستجدي من عالم آخر القوة لتقف أمامه ثابتة.
وفور ذهاب الصغيرة، التفت إليها وعيناه مليئتان بالدهشة والاحتجاج، وجسده يرتجف من شدة الانفعال، فنطق بصوت متقطع، كأنما يحاول فهم ما لا يمكن فهمه:
-ازاي قدرتي تعملي كده، ترفعي قضية خلع عليا أنا يا يسر !!
عقدت ذراعيها ببرود فاجأه وهي تواجه نظراته الحارقة بأخرى ثلجية قاسية:
-هو وصلك! طيب والله كويس، زعلان ليه يا دكتور ما ده اللي تستحقه طالما مش راضي تطلقني!
انتفض قلبه، كأنها طعنة بخنجر مسموم، لم يتوقع يومًا أن يصل إلى هذه اللحظة معها، فقال بضيق محتدم:
-اللي بتعمليه ده مش صح، وأخرته مش حلوة ليكي يا يسر، وبلاش تركبي دماغك، انتي مش هتعلميني الأدب.
أبدت استنكارها ثم نطقت كلماتها بهدوء، لكن بهدوء يحمل في طياته الكثير من الألم:
-اعلمك الأدب! هو انت فاضي أصلاً عشان تتعلمه، الله يكون في عونك، تعبان في شغلك، وفي نزواتك!!
تقدم نحوها خطوة قاصدًا إثارة توترها، فحدق في عينيها اللتين تهربان من نظراته، محاولًا العثور على بقايا حبهما ليتشبث بها ويضغط عليها كما كان يفعل قديمًا، ولكنه لم يجد إلا صمتها وغمامة سوداء أسدلتها على عينيها اللتين أصبحتا مخيفتين له، وكان ذلك كفيلاً بإشعال النار في صدره أكثر، فقال:
-انتي روحتي رفعتي قضية خلع عشان اوهام في دماغك مش اكتر، أنا قولتلك لو عايز اعمل حاجة هعملها بالحلال، مش هعصي ربنا، أنا عارف الحلال والحرام كويس.
مالت شفتيها جانبًا بسخرية، وحرقة تشعر بآلامها في حلقها وهي تقول بهدوء كمَن يجر سيفًا من غمده:
-والله كويس اوي، وربنا مقالش تعاملني بالمعروف، ولا تعرف اللي ليك بس، مقالش تعامل مراتك بالحسنى، طالما انت متدين كده، في حاجات في الدين كتير تقدر تقرا فيها يمكن تخليك احسن من كده!
بدأ الغضب يتحول إلى يأس، وأخذت الكلمات تتساقط من فمه متقطعة، بين شهيق وزفير ثقيل، فكان يحاول استيعاب تغييرها وجمودها الموجع وكأنها ترسل إليه بسرعة تخطيها له، لم يكن هذا متوقعًا أبدًا منها، ولم يكن مستعدًا لمواجهة حقيقة كهذه، فقال بقوة وهو يعلن مليكته لها:
-أنا مش جاي أناقشك في شخصيتي، أنا جاي اقولك إن أنا مش هطلقك يا يسر واعلى ما خيلك اركبيه.
ظل صامتة لبضع لحظات، قبل أن ترفع رأسها وتنظر إليه، محاولةً العثور على أي أثر للندم في عينيه، لكنها لم تجد سوى آلامها المتجسدة طوال فترة زواجهما في عينيه الصارخة بعناد قاسٍ، فتلفظت حروفها بصوت ناعم مليء باللامبالاة، وكأنها تتحدث عن الطقس، قاصدة إهانته:
-انت فعلاً مش هتطلقني بإرادتك، عشان كده أنا هخلعك، هخلعك يا نوح سامع، وهيبقى اسمك من هنا ورايح نوح المخلوع.
ثم تركته وخطت خطوات سريعة كي تهرب من نظراته التي كادت تسحقها بغضب وغل، وأخذت ابنتها من سيارته واوقفت سيارة أجرة سريعًا واستقلتها هي وابنتها تاركة إياه ينظر إلى أثرها بصدمة بالغة من جرأتها في الحديث معه، وتحديها الذي أشعل مشاعره في مرجل العناد، فتوعد لها بنظراته الشرسة، معلنًا بداية حربه معها، فمَن سيسقط سريعًا ويستسلم للآخر في معركة من الصعب حسم أي الطرفين أقوى؟ فكلا الطرفين يعانيان من اهتزاز نفسي، يصعب علاج آثاره حتى لو تظاهرا بعكس ذلك!
دق جرس الساعة الثامنة والنصف... ووصلت عائلة "سليم الشعراوي" بأكملها إلى أسفل البناية التي تسكن بها "سيرا"، ساعد زيدان والدته في النزول من السيارة، فقامت بتقييم المنطقة بعينيها اللتين ظهر بهما الانزعاج من وضع المنطقة التي تسكن بها العروس، ثم انتقلت بنظراتها نحو البناية، والتي كانت من المباني القديمة لكنها حافظت على قوامها، بعد ذلك، نقلت بصرها إلى "سليم" الذي كان يساعد "شمس" في النزول مع ابنتها "قمر"، وصلت سيارة يزن أخيرًا، وكأنه تعمد التأخير لاستفزاز سليم، ولكن الآخر كانت تجري في دمه أنهار ثلجية باردة، وابتسامته السعيدة أثارت استفزاز يزن، أغلق يزن سيارته بعد أن حمل صندوق حلوى باهظ الثمن، وورود اختارتها شمس بنفسها.
-يا ابني انت ليه أصريت على البنت دي، يعني....
قاطعها سليم بحسم وهو ينهي أي اعتراضات كادت تبديها:
-مالوش لزمة الكلام ده، الناس مش ببيوتهم ولا عندهم أيه، الناس بقيمتهم، والناس دي محترمة، أنا مش هدخل أخويا أي عيلة وخلاص.
قالها سليم عن قناعة نابعة من معرفته بعائلة سيرا، وذلك بعدما كلف أحد الأشخاص بمعرفة أدق التفاصيل عنها وعن عائلتها، وعندما أخبره الشخص المكلف بالمهمة بتفاصيل عديدة عنها وعن عائلتها وعن والدها الذي يتحمل مسؤولية بناته حتى بعد زواجهن، ازداد احترام سليم لهم، عائلة بسيطة تحافظ على تقاليدها وعاداتها، والفتاة تحمل سمعة طيبة، لم يمسها سوء، والجميع يشهد لها باحترامها، وما أعجبه أنها مكافحة، لم تكن كفتيات الجيل الحالي بدلالهن المفرط، أخوه يحتاج إلى هذه البيئة لتساعده في التغيير الذي يتمناه له الجميع.
-لا، يلا نمشي من هنا يا ماما، أنا أمي مش راضية عن الجوازة دي، وأنا رضا الأم أهم عندي من رضا الأخ.
فأشار إلى والدته برأسه وهو يقول برجاء زائف:
-يلا يا ماما.
-يلا يا عريس الغفلة، اطلع الناس مستنينا، بص فوق كده.
قالها زيدان بسخرية، ثم رفع بصره إلى الأعلى ليجد جميع النوافذ ممتلئة بأشخاص لا يعرفهم، فقال بتيه مستنكر:
-مين دول؟!
لكنه تلقى ابتسامات عديدة منهم جميعًا، فاضطر إلى رسم ابتسامة منمقة على وجهه وهو يشير إليهم جميعًا، فبدا كنجم سينمائي يلتقي بمعجبيه في مشهد شبه هزلي!
صعدوا جميعًا إلى الطابق الذي تسكن فيه سيرا، ووجدوا عائلة "سيرا" في استقبالهم، تلقى "يزن" استقبالًا خاصًا جدًا من عائلتها، وخاصةً أخواتها الفتيات اللواتي كن يقيمهن وظهرت سعادتهن عليهن، فتبسم إليهن يزن وبدأ في التعرف عليهن، وشعر بالتيه من الجمع المنشود أمامه من عائلتها وكثرة الأطفال المنتشرين هنا وهناك.
لن ينكر أبدًا أن هناك مشاعر خاصة ومميزة داعبت فؤاده وهو ينتظر خروجها، وكأنهما حبيبان منذ زمن بعيد... ولكنه خرج من لذة أحاسيسه الغريبة على صوت "أبلة حكمت" بجانبه وهي تقول:
-سيرا هتيجي كمان شوية.
تجمدت ملامحه للحظات عندما أدرك بلاهته، فقد ظهر إليه أنه يبحث عنها أو ينتظر خروجها على أحر من الجمر، فانتقل ببصره إلى الجميع فردًا فردًا ليتأكد أن فضيحته كانت في محيط أنظار حكمت فقط، لكنه وجد الجميع في خضم لحظات التعارف، فحمد الله في سره، ثم مال عليها وهمس بإعجاب وهو يشاكسها:
-سيرا أيه بس، قوليلي أيه الشياكة دي كلها!
ظهرت علامات الانبهار على وجهها وهي تشير نحو نفسها:
-بجد تسلم ده من ذوقك، وبعدين ده من براند غالي اوي بس مش فاكرة اسمه أيه، وبعدين الشياكة اللي بجد هتخرج دلوقتي.
ثم لكزته في ذراعه وغمزت له بطرف عينيها، وهي تقدم له قطعة "جاتو" وتبدي إصرارها ليأكلها، وفي ظل محاولاته لرفضها، خرجت سيرا بفستان ناعم قماشته أرجوانية اللون، يتوسط خصرها حزام جلدي أسود اللون، وحجاب من نفس اللون، وحذاء ذو كعب عالٍ من درجتي الفستان والحزام، كانت رقيقة جدًا بوجهها شبه الخالي من المساحيق تقريبًا، حيث اعتمدت على براءة ملامحها، ولم تضع إلا القليل بناءً على محاولات عديدة من قبل أخواتها الفتيات.
تقدمت بخطوات واثقة وهي تبعد نظراتها بعيدًا عنه هو تحديدًا، فلم تصدق حتى الآن أنه تقدم لخطبتها بهذه السرعة، قامت بمصافحة عائلته الذين أبدوا سعادتهم بها، حتى منال، التي كانت معترضة في بادئ الأمر، وجدت نفسها سعيدة وراضية، خاصة عندما رأت سيرا.
جلست سيرا بجانب شمس ومليكة، وما أن رفعت بصرها حتى اصطدمت بنظرات يزن إليها بثبات وجرأة أدهشتها وأربكتها منه، فتلقائيًا فركت كفيها ببعضهما وظهر توترها، خاصة عندما رأت ابتسامته التي ما زالت تشبه تلك الابتسامة اللعوب المشاكسة، وكأنه لا يعرف سواها، أليس من المفترض أن تنم ابتسامته عن سعادته بها، وليست تلك التي تستفزها كثيرًا؟!
انتبهت إلى حديث "سليم" الذي يبدو أنه كان يتحدث منذ فترة قصيرة، وبسبب شرودها في تفسير إمارات وجه يزن لم تنتبه إليه، فانتبهت إلى قول سليم الذي أنهى حديثه به:
-وزي ما قولتلك احنا يشرفنا أكيد إننا نخطب سيرا ليزن أخويا، يزن شقته جاهزة وكل حاجة موجودة ومتوفرة والشبكة اللي انتوا تطلبوها والمهر كمان اللي تحبوه، ويا ريت يكون الجواز بعد خمس شهور بالكتير وده طلب يزن.
ترك يزن وجه سيرا الذي كان يتأمل تفسيره، وتجمدت أطرافه عندما استمع إلى قول سليم الأخير، فحول بصره نحو أخيه الذي تجاهله واستمر في مناقشة والد سيرا الذي أبدى اعتراضه البسيط على سرعة الزواج، فقال سليم:
-يا حاج حسني شقة يزن جاهزة وكل حاجة موجودة ليه التأخير مش كده يا يزن؟!
تحولت نظرات الجميع إلى يزن الذي لم يستطع إخفاء دهشته من تصرف سليم، لقد ألقى بشرطه عرض البحر، ولم يهمه غضب يزن إطلاقًا، وفعل ما يريده دون أن يعيره انتباهًا، فشعر يزن وكأن الأرض ابتلعته ولم يتمكن من استيعاب ما يجري، حتى انتبه إلى تدخل الحاج "صافي" بقوله:
-يا حاج حسني، الراجل جاهز من كله يبقى خير البر عاجله.
-يا جماعة أنا بقول يعني لو مدة الخطوبة سنة والعرسان يفهموا بعض أكتر ودي مدة كافية يعرفوا فيها بعض ويقدروا يحكموا ويشوفوا هيقدروا يكملوا مع بعض ولا لا.
تدخلت "حكمت" باندفاع أثار ضيق والدها منها:
-طبعًا يا بابا، هيكونوا متفهمين، دول لايقين على بعض اوي.
ثم مالت على يزن تتمتم ببعض كلماتها الحانقة التي استفزت ملامح الاستنكار على وجهه:
-ما تتكلم يا اخويا انت واكل سد الحنك!
حمحم يزن قبل أن يقول بنبرة مهذبة منمقة وهو ينظر إلى سليم بتحدٍ واضح:
-أنا مقدرش أزعل الحاج حسني، اللي هو عايزه هيمشي، سنة اتنين براحتك خالص.
لم يعلم "يزن" أن كلماته المبطنة بالتحدي والعناد الموجه لسليم ستنقلب عليه، حيث قال والد سيرا وهو ينظر إلى سليم:
-وأنا مقدرش ازعلك يا استاذ سليم، ٥ شهور مفيش مشكلة.
كادت ضحكة قوية تخرج من فم زيدان، الذي تابع ما يحدث في صمت تجلى على وجهه الذي ظهر عليه تسليته بالوضع، حتى ارتفعت نبرة سليم وهو يتسم بانتصار، بينما يزن غرق في أنهار الغضب والسخط.
-يلا نقرا الفاتحة وبعد إذنك أنا جايب معايا دبلتين للعرسان يلبسوها لغاية ما يقرروا معاد الشبكة امتى.
حسنًا، سيفقد وعيه الآن مما يحدث له، حتى والدها أبدى موافقته ببساطة لم يتقبلها يزن، حيث كان يتمنى أي شيء يعرقل تلك الليلة، ولكن أمنياته ذهبت في مهب الريح عندما انتهى الجميع من قراءة الفاتحة التي لم يقرأها هو من الأساس، وفجأة وجد نفسه جالسًا على الأريكة الكبيرة الموجودة في منتصف الصالة، وبجانبه سيرا، وشمس تجلس بجانبها تقدم صندوقًا مغلفًا بالقطيفة المخملية وبه خاتم ذهبي ذو فصوص بيضاء وآخر فضي، وللعجب أنهما بنفس مقاس أصابعهما!
علت الزغاريد والمباركات والتهاني عليهما جميعًا، حتى سيرا كانت صدمتها تشبه صدمته وعجزه، فلم تعلم أتتقبل التهاني والمباركات، أم تعلن سخطها على سرعة مجريات الأمور دون إبداء رأيها، أم تتقبل شعور السعادة الطارق على أبواب قلبها!
دق جرس الباب وانتبه الجميع على صوت "حودة" ابن "حكمت" وهو يقول:
-ماما، ام عمو فايق وعمو فايق وأخته سهام واقفين على الباب برة.
شلت حركة حكمت تقريبًا، فكانت الصدمة أكبر من استيعابها، وكأن الزمن توقف مرة واحدة، فخبر وجودهما كان بمثابة الضربة القاضية!
تحركت ببصرها نحو والدها الذي ظهر على وجهه ألوان الطيف، وأدرك فداحة ما أوقعته به ابنته الآن، فأين المفر من ذلك المأزق؟
نهضت حكمت تجر ساقيها جرًا حتى وصلت إليهم، ورأت ابتسامة والدة "فايق" الواسعة وهي تقول بعتاب:
-أيه يا حكمت مابترديش على التليفون ليه، بس الحمد لله أنا جيت في معادي اهو، ادخل يا فايق، ادخلي يا سهام.
ثم قدمت والدته حقائب الفاكهة إليها، فأمسكتها حكمت وهي لا تزال على نفس صدمتها، دخلوا جميعًا ونظروا إلى الجمع الموجود، حتى وقف "حودة" يقول بحماقة طفولية بحتة:
-خالتوا سيرا اتخطبت لده.
وأشار على يزن الجالس بحانب سيرا التي بدأ الدم يختفي تقريبًا من عروقها من هول الصدمة فبدت متسمرة وكأن هناك عاصفة برق ضربتها، فأكمل الصغير بحماس:
-معاه عربية حلوة اوي تحت، شوفتها يا عمو فايق.
وهنا فقد "حسني" وعيه من فرط غضبه وكتمانه انفعاله داخله، فبدا وجهه كقطعة قماش حمراء، ومن خلفه سقطت حكمت مغشيةً عليها من فرط الإحراج الذي كانت السبب به، فعلى ما يبدو أن تلك الليلة السعيدة انتهت بكارثة!
رواية غناء الروح الفصل التاسع عشر 19 - بقلم زيزي محمد
أضرمت نيران الغيرة داخله، ولم يهدأ حتى هذه اللحظة رغم مرور عدة ساعات على إهانته كالأبلة، وهو يراها تتم خطبتها على شخص غيره. تسارعت أنفاسه بجنون، وكأن الدنيا بأسرها تتحالف ضده لاستفزازه.
استمع إلى والدته التي كانت تجلس تراقب ثورانه وهياجه، وهو يتخبط هنا وهناك في أرجاء الشقة، بينما سهام أخته، كانت تتحرك خلفه محاولة تهدئته.
"ماشي يا حكمت، أنا تعملي فيا كده، أنا تديني الصابونة أنا وابني!"
التفتت سهام إليها تقول بنبرة انفعالية يملؤها الغيظ:
"والله يا ماما حكمت دي لو مربتيهاش، يبقى نتساهل كل اللي احنا فيه."
فركت كفيها في ساقيها وأنفاسها تخرج من فوهة بركانها الثائر وهي تردف بنبرة انتقامية:
"أقوم انزلها ارنها علقة، واديها قلمين في وسط المنطقة."
لم يستطع فايق الاحتمال والصمت، فقال بنبرة متوعدة، غليظة وقاسية:
"والله ما أنا سايبها، وهتجوزها غصب عنها، أنا مايتقلش بيا أبدًا أبدًا، أنا اتهانت كرامتي يامااااا."
نهضت والدته، وهي تتوهج غضبًا وكرهًا، فبدت بوادر الانتقام تختلط بشراسة ملامحها، لدرجة أنها قالت بنبرة مستنكرة ساخطة:
"ولا عاش ولا كان اللي يقل بكرامتك يا حبيبي، والله لمعرفاهم قيمتهم ولاد حسني في المنطقة كلها، استنوا عليا!!"
دخلت "دهب" وهي تحمل كوبًا من عصير الليمون المثلج إلى غرفة "حكمت"، التي كانت جالسة فوق فراشها تقضم أظافرها بتوتر، وعيناها مثبتتان على نقطة ما في الفراغ، وعقلها يسبح في بحر الشرود، باحثًا عن مخرج من ظلمة أفعالها عندما يواجهها والدها بفعلتها الحمقاء.
لم تعرف كيف سقطت فاقدة الوعي بعد رؤيتها لوالدها، وعندما عادت إلى وعيها وجدت نفسها في غرفتها وابنتها بجانبها.
"بابا طلع فوق يا ماما يطمن على جدو."
قدمت لها دهب الكوب الذي أخذته "حكمت" سريعًا، وارتشفت منه القليل، ثم قالت بهدوء يتخلله بعض الارتباك:
"جدك فاق؟"
"ايوه، قولتلك جابوا دكتور وقال أنه كان ممكن يجيله جلطة بس الحمد لله ومنع عنه الانفعال، انتي يا ماما أيه اللي عملتيه ده؟?"
قالتها "دهب" بعتاب استفز والدتها كثيرًا حتى كادت أن توبخها، ولكن صوت "حودة" ابنها بالخارج، وهو يستقبل إخوتها ويدلهما على مكان وجود والدته، جعلها تضع الكوب بجانبها وتسقط برأسها على ظهر فراشها، ممتثلة للتعب والإرهاق. رفعت "دهب" أحد حاجبيها على والدتها التي تخشى تلك المواجهة.
اندفعت كلٌّ من "شاهندا" و"كريمة" و"فريال" إلى الداخل بوجوه شرسة وعيون تصرخ بالغضب، وفور دخولهن قالت "كريمة" بهجوم ناري:
"قومي يا أبلة، الدكتور قالنا إنك كويسة وزي الفل!"
رفعت يدها تشير بإصبع السبابة بنفي، وصوتها يكاد يخرج من حلقها، بينما عيناها كانتا زائغتين مرهقتين:
"لا يا كريمة، أنا تعبانة خالص خالص."
عقدت "شاهندا" ذراعيها وهي تنظر لها باندهاش ساخر جلي على ملامحها:
"مالك يا أبلة، الف سلامة، طمنينا؟!"
وضعت "حكمت" يدها فوق قلبها وهي تقول بوهن ونبرة استعطافية:
"قلبي يا بت يا شاهندا، هيقف، آه وصيتكوا ولادي ربوهم."
تقدمت "فريال" منها وهي تجلس على طرف الفراش، متصنعة التعاطف والحزن لحالتها:
"لا لا يا أبلة اوعي تسيبنا، احنا مانعرفش نعيش من غيرك، مين بس يجلطنا، ويفضحنا، وينكد علينا في أهم لحظات حياتنا!"
لم تتحمل "حكمت" حديثها كثيرًا، فثارت بجنون وهي تشهق بصوت عالٍ ونبرة تخالف تلك الواهنة المرهقة التي كانت تتحدث بها:
"مين أيه يا اختي؟! ماتعشيش الدور يا فريال، عشان ماجبش الشبشب واربيكي."
اقتربت الثلاثة منها وأصبحن قريبات جدًا، فابتعدت بجسدها للخلف وهي تنظر إليهن بملامحهن المحتقنة بالشر:
"أيوه بقى، اظهري على حقيقتك، وقوليلنا عملتي كده في سيرا ليه؟"
قالتها "كريمة" بنبرة مغمورة بالغيظ، فردت "حكمت" باستنكار حذر:
"لمي لسانك يا كريمة أحسنلك، وأنا عملت أيه؟ أنا ماعملتش أي حاجة خالص!"
رفعت "فريال" أحد حاجبيها باستنكار مماثل وهي تقول بسخرية:
"امال نسمي اللي عملتيه ده أيه؟! سسبنس ولا أيه بالظبط؟! ده أنتي كنتي قاصدة تبوظي فرحتها."
توسعت عينا حكمت بصدمة وهي تقول بنبرة معاتبة صادقة:
"أنا قاصدة أبوظ فرحة سيرا! اخص عليكوا يا اخواتي، هو أنا عدوتكوا!"
وهبطت دمعتان من عينيها، فابتعدن قليلاً وهن ينظرن إلى بعضهن بتيه، ولكن الأسرع في الخروج من حالة التيبس تلك كانت "شاهندا"، التي قالت بضيق محتدم:
"امال اللي حصل فوق ده أيه؟"
"هو أيه اللي حصل؟!"
رمشت بأهدابها في براءة زائفة لا تليق بملامح وجهها الحادة، والتي تميل للمكر والمصائب دومًا، فقلن الثلاثة بصوت واحد:
"أبلة!!!!"
زمت شفتيها بضيق وهي تقول بصوت خافت، وكأنها تخشى أن يسمعها أحد، والاستعطاف يغزو صوتها كالمسجون الذي يرجو قاضيه للإفراج عنه:
"البت دهب بنتي الغلبانة دي، فوزية أم فايق ليها أخت مدرسة مع البت دهب في المدرسة فكنت طالبة منها توصي عليها وتغششها، فقولت في عقل بالي يا بت يا حكمت لو قولتي لفوزية الملوية إن بابا رفض ابنها هتزعل وتتقمص وتتلوي أكتر عليا والبت تسقط، فشغلت دماغي وقولت اسكت ومردش عليها وبعد ما سيرا يتقري فتحتها والبت تكون امتحنت بعد بكرة ابقى اقولها."
ظللن ينظرن إليها في صمت وكأنهن يستكشفن مدى صدقها، فقرأت في عيونهن عدم التصديق، رفعت إصبع السبابة تقسم بصدق على ما قالته:
"والله ده اللي كان في نيتي، بس في حاجة صغيرة قد كده تانية."
صمتت قليلاً قبل أن تقر باعترافها، فبدت كطفلة مشاكسة كثيرة المصائب وهي تسرد سرها الثاني:
"يعني كنت داخلة في جمعية معها وهاخد الاسم الاول بعد بكرة كنت عايزة اخده واضمن الاسم وبعد كده ابقى اقولها بس ده سبب مش مهم خالص، البت دهب الاهم."
لوت "فريال" شفتيها بسخرية وهي تقول بسخط:
"اقطع دراعي إن ما كان ده السبب الاهم، يا أبلة حرام عليكي هو انتي ناقصك جمعيات ولا فلوس، وبعدين ما تسقط دهب ولا تتزفت معلش يعني يا دهب."
التفتت إلى "دهب" تلقي بفظاظتها في وجهها، فوضعت الأخرى كفها فوق صدرها وهي تبتسم بتهكم:
"لا عادي يا خالتو خدي راحتك."
ثم التفتت "فريال" تستكمل في نزق:
"يا أبلة ده بابا ضغطه ارتفع وكان هيجراله حاجة من كسفته قدام أهل عريس سيرا وقدام عريسها نفسه ومستحملش واغمى عليه."
"أنتي فاكرة إني مش حاسة، أنا بجد بجد متضايقة المرة دي اوي من نفسي."
قالتها حكمت بانزعاج، حتى قطعت كلامها وهي تسأل بفضول:
"هو انتوا قولتوا أيه لأهل يزن؟"
"مقولناش حاجة، لما حصل اللي حصل اتلبخنا فيكوا وأبيه صافي اخد طنط فوزية وعيالها برة وفهمهم الوضع ومشاهم، ولما بابا فاق وبقى كويس أهل يزن مشيوا من غير مايفهموا في أيه، وشكل سيرا الغلبانة هي اللي هتدبس وتفهم يزن."
أخبرتها "شاهندا" بما حدث في استياء ظهر في نظراتها الموجهة إليها باتهام شرس.
انتفضن جميعًا عندما سمعن طرقًا عاليًا على الباب، وكأن باب الشقة سيكسر في يد الطارق، كانت "حكمت" أول مَن تحركت سريعًا لتوبخ الطارق، وما إن رأت "فوزية" والدة "فايق"، تقف أمامها وملامحها تنذر بشر، متخصرة ومتخذة وضعية الهجوم، حتى تسرب إلى "حكمت" نفحة من الانفعال، وقالت بصوت شرس:
"جرى أيه يا فوزية، ما تكسري باب الشقة علينا أحسن!"
مررت فوزية بصرها من أعلاها لأسفلها وهي تتهكم بصوتها المرتفع:
"ما أنتي قردة اهو امال لما شوفتينا وقعتي ليه يا حكمت...."
لم تترك حكمت للأخرى مجالًا للكلام وبترت حديثها، بقولها الذي كان يتدفق كالسيل، وكلماتها تتشابك بتوتر لا يُخطئه أحد:
"شوفت عزرائيل ياختي، ما أنا لازم لما اشوفك اطب ساكتة، دخلتك دخلة الهباب والزفت على دماغك."
رفعت فوزية أحد حاجبيها بعدم تصديق وهي تصيح باستنكار لاذع:
"ماكنش ده لسانك معايا يا حكمت مصلحة، اتغيرتي لما جه عريس لاختك غني يا اختي، فرحانين بعربيته!!"
تشدقت "حكمت" ساخرة وهي تنظر لها متعمدة إهانتها:
"هو عنده عربية بس، ده عنده اسطول عربيات، واه ياختي فرحانين."
تدخلت "كريمة" لتهدئة الوضع وخاصة أن أصواتهما كانت عالية جدًا لدرجة أن باب شقة والدها صدر عنه صوت وبدأت أصوات أقدامهم بالأعلى تهرول على الدرج:
"اهدي يا طنط فوزية، هو حصل سوء تفاهم بس، وأكيد أبلة حكمت مكنش قصدها."
"لا يا اختي بعد أيه، بعد ما كسرتوا بنفس ابني، يا عالم يا ناقصة!!"
كانت عبارتها لاذعة وكأنها أعيرة نارية تقذف من فمها السليط، وعندما رأت "حكمت" سيرا تقف بالأعلى هي ووالدتها وباقي أفراد العائلة شعرت بتأنيب ضمير وخاصة عندما لمحت عبرات الحزن والحسرة تتجسد في عيني سيرا.
فلم تشعر بنفسها وهي تحول انفعالها الداخلي كله في وجه فوزية التي تلقت جمل نارية تحمل في طياتها سخرية جارح:
"معلش يا اختي قوليلي هنراضيه ونجبله عروسة لعبة."
شهقت "فوزية" بقوة وهي تتخصر وتصيح بأعلى نبرة لديها:
"بتتريقي يا حكمت، ده أنا ابني زينة الرجالة يا حلووووة، هو كان راضي باختك، دي مكنتش عاجباه وأنا اللي اتحايلت عليه لغاية ما رضي."
"ده مين ده اللي مش راضي باختي، انتي هتتهبلي يا ولية، ابنك اللي بيشرب الخمرة مش راضي باختي أناااا عشنا وشفنااااا...."
احتجت فوزية على قولها بثوران قوي:
"أنا ابني بيشرب أيه؟! ده أنا ابني مابيحطش السيجارة في بوقه يا حكمت!"
"هيحطها ليه وهو بيشرب خمرة، ما الخمرة لامؤاخذة مكيفاه، ما تقوليلها يا سيرا، رفضتيه ليه، عشان ياختي سمعة ابنك اللي مش ولابد!"
تبادلت الاثنتان الكلمات القاسية، حتى باتت عباراتهما أشبه بسكاكين حادة تخترق الهواء، وعندما ذكرت حكمت اسمها وأشارت إليها للتحدث، وضعت سيرا يدها فوق وجهها بعدم رضا من تصرفات أختها المتهورة.
صعدت لأعلى تاركة الشجار اللفظي الذي تحول إلى شجار بالأيدي، وانتهى سريعًا بسبب تدخل أفراد العائلة من الرجال والنساء حتى هبط "حسني" بمساعدة صافي وقال بصوت رخيم إلى فوزية التي أمسكتها كريمة بقوة:
"أنا بعتذرلك يا حاجة فوزية عن اللي حصل، وأنا بنتي هعرف اتصرف معاها، هو حصل سوء تفاهم، واحنا جيران وأهل ومش حاجة زي دي اللي هتوقعنا في مشاكل."
لم تتقبل "فوزية" حديثه ودفعت كريمة بعيدًا عنها، وهي تقول بنبرة ساخطة تحمل كرة وحقد مخيف:
"لا يا حسني أحنا ولا جيران ولا أهل، حسبي الله ونعم الوكيل فيكوا عشان بناتك يطلعوا كلام على ابني عشان يبرروا انتوا ليه وافقتوا على العريس الغني، بس يا حبيبي مش كل حاجة الفلوس، بكرة يصبح بنتك بعلقة ويمسيها بعلقة يا ناس ميملاش عينها غير التراب!"
حاولت "حكمت" الابتعاد عن قبضتي شاهندا وفريال وهي تقول بانفعال:
"سيبوني عليها الولية القرشانة دي أكلها بلساني."
غادرت "فوزية" بعد أن القت ما في جعبتها، بينما التفت حسني إلى حكمت قائلاً بصوت جهور:
"أنا مش مسامحك على اللي عملتيه فينا، ولسانك مايخاطبش لساني."
مد يده إلى "طارق" زوج كريمة الذي ساعده سريعًا في الصعود، وتسلل الجميع من حولها فنظرت إلى صافي تقول بنبرة شبه باكية:
"صافي...."
أشاح بيده في وجهها وهتف بنبرة يغمرها اللا مبالاة منها:
"يا شيخة هو انتي خليتي فيها صافي، روحي نامي."
وقفت "حكمت" وحدها بعدما فر الجميع من حولها، وصدى صوت والدها وهو يلقي بكلامه، يتردد في عقلها كضجيج لا يهدأ، فكان أثره قاسيًا عليها، مخترقًا صميم قلبها، لامت نفسها على ما فعلته، متمنية أن يعود بها الزمن لتستمع لرأي والدها منذ البداية.
تنهدت بقوة وهي تفكر بحزن، لم تكن بحاجة لعقاب والدها، فقد كان تأنيب ضميرها كافيًا لتشعر وكأنها تغرق في بحر من الندم.
دخلت "سيرا" غرفتها وهي تبكي في صمت على فساد ليلتها، نظرت إلى ساعتها متمنية أن يمر هذا اليوم الثقيل بكل ما يحمله من خيبات ستظل راسخة في عقلها طيلة حياتها.
كم كانت تتمنى أن تُخلد هذه الليلة في ذاكرتها بلحظات معبقة بالسعادة والبهجة، إلا أن رياح القدر عصفت بأمانيها، لن تنسى أبدًا نظرات عائلة يزن الممتلئة بالشك حتى آخرها، والتي حفرت في عقلها ذكرى سوداء لن تُمحى.
أمسكت هاتفها وقررت أن تجري اتصالًا به لتخبره بكل ما حدث، إلا أنها ترددت وشعرت بخزي شديد بسبب الموقف الذي وضعتها فيه تصرفات أبلة حكمت الحمقاء!
ألقت الهاتف جانبًا وأغلقت عينيها، آملة أن تحظى بلحظات من السلام تهدئ بها ذاتها المنهارة، كي تتحلى بالقوة عندما تحادثه، لكن القدر أبى أن يمنحها مرادها، إذ ارتفع رنين هاتفها فجأة، ووجدت اسمه يتلألأ وسط الشاشة، ابتلعت لعابها بصعوبة وهي تعتدل في جلستها لتجيب، لكن صوتها خرج مهزوزًا للغاية، وكانت متأكدة أنه التقط ذلك سريعًا، وحتمًا ارتسمت على شفتيه ابتسامة جانبية ساخرة:
"ألو."
"بابكي عامل أيه دلوقتي؟"
سؤال بسيط، لكنه يحمل في باطنه الكثير من الأسئلة الأخرى التي تدور حول مهزلة تلك الليلة، فأجابت بإيجاز:
"الحمد لله كويس."
مرت بينهما دقائق من الصمت، هي لم تُجدِ اختيار الكلمات التي ستبدأ بها حديثها، وهو بالتأكيد يتلاعب بأعصابها بصمته الذي أثار الريبة داخلها، فقالت بتوتر بالغ:
"على فكرة أنا كنت هتصل بيك دلوقتي عشان اوضحلك اللي حصل."
"لو مش عايزة تحكي دلوقتي عادي."
لم تتوقع رده الذي أثلج نيران توترها، فزفرت بهدوء وكأنها تطلق أنفاسها المرتبكة خارجها، ثم قالت بصوت ناعم حمل طيفًا من الحزن الذي افتطنه سريعًا:
"اللي جم دول يبقوا جيرانا وكانوا طالبين ايدي لفايق ابنهم وكلموا أبلة حكمت تقول لبابا بس بابا رفض الموضوع وقال لأبلة حكمت تبلغهم برفضه، بس..."
صمتت لثوانٍ تأخذ أنفاسًا باردة تستكمل بها حديثها:
"بس أبلة تقريبا نسيت ومبلغتهمش، وتقريبا كانت متفقة معاهم يجوا النهاردة وحصل اللي حصل."
مرت دقيقة كاملة دون أن يعقب على حديثها، فانقبض ما بين حاجبيها بعدم فهم، حتى استمعت إلى صوته وهو يضحك، ثم عقّب:
"أبلة حكمت دي ملهاش حل."
"يزن."
قالتها بنعومة فائقة، لدرجة أنه رد سريعًا بنبرة غلفها الاهتمام والإعجاب:
"نعم؟"
همست بصوت مغمور بالإحراج والحزن:
"أنا محرجة جدًا من اللي حصل ومكنتش اتمنى إن يوم ما العيلتين يتعرفوا يبقى بالشكل ده."
"عادي ماتتحرجيش، محصلش حاجة لكل ده، وبعدين أنا هفهمهم اللي حصل."
"شكرًا."
قالتها بابتسامة وهي تزيح همًا ثقيلًا عن قلبها بسبب تفهمه للوضع، لكنها سرعان ما استشاطت انزعاجًا عندما سمعته يقول:
"وبعدين ماتخفيش اوي كده، مش هسيبك، هكون رؤوف بيكي واكمل الخطوبة."
اندثرت نبرتها الناعمة بين طيات الاستنكار وهي تقول:
"أنا مش خايفة على فكرة، ومايهمنيش، في فرق بين الاحراج والخوف."
ترددت ضحكته الساخرة مجددًا في أذنها، ثم عقّب بصوت مشاكس:
"طيب عيني في عينك كده؟ يا بنتي أنا عارف إن أنا عريس لقطة."
للحظات، تناست مهزلة الليلة، واندمجت معه في مشاكسته بتهكمها القوي:
"يا سلام!! مغرور اوي، أنا عايزة اعرف شايف نفسك ليه؟!"
حمحم بصوت قوي ليجذب انتباهها بالكامل، ثم واجهها بجرأة لم تتوقعها منه وهو يقول:
"يمكن عشان شوفت فرحتك النهاردة بيا لما جيت وخطبتك."
ردت سريعًا بتهور وهجوم وكأنها تبعد تهمة عنها:
"محصلش أنا مكنتش فرحانة خالص."
أصر على كشف خباياها بقوله الماكر:
"والضحكة الي كانت من الودن دي للودن دي أيه؟!"
رفعت أحد حاجبيها بضيق طفيف منه، لكنها سرعان ما سخرت بنبرة شبه حادة مقصودة:
"جرافيك، أكيد يعني تهيؤات، ده أنا كنت مبوزة واقول يا رب الليلة تعدي بسرعة."
تعالت ضحكاته المستفزة، وهو يحاصرها مجددًا بين جدران إعجابه بها، ليجعلها تعترف بما يتمناه كثيرًا، فقط ليؤكد لنفسه أنهن جميعًا واحد، لا فرق بينهن:
"اه كان نفسك أهلي يمشوا، عشان اقعد معاكي يا لئيمة، بس يا حرام بقى جه العريس...اسمه أيه؟!"
أجابت باسمه بدلال متعمد ونعومة ماكرة تسللت إلى نبرتها، فأعطتها صدى مميزًا جدًا:
"فايق."
تجاهل تحول نبرتها المفاجئ، واستكمل مشاكسته لها:
"اه فايق جه بوظلك الليلة."
تعمدت أن تطلق تنهيدة صغيرة، وقد مال صوتها للحزن وهي تخبره، فحمدت الله كثيرًا أن هذه مجرد محادثة هاتفية، فلو كان أمامها، لقرأ تعابير وجهها المتلاعبة، واكتشف حماقتها:
"طب انت عارف أنا فايق صعبان عليا اوي."
تطايرت نبرته المشاكسة في مهب رياح خشنة مستنكرة، وهو يردد سريعًا:
"نعم؟!"
لمست التغيير الذي طرأ عليه لمجرد أنها نجحت بالفعل في إثارة نزعة الرجل الشرقي داخله، فاستكملت برقة حزينة:
"اه بتكلم جد، يعني لما يشوفني وأنا بتخطب لغيره أكيد هيزعل."
لمعت سخريته الغليظة وهو يقول:
"مش عايزة نجيبله ورد ونقدم له اعتذار."
"لا أنا هبقى اكلمه وافهمه الموضوع، هو يستحق كده."
أغلق الاتصال في وجهها كرد بسيط على حماقتها المتعمدة، وفور ذلك، نظرت إلى الهاتف باندهاش من وقاحته في التعامل معها، رغم أنها كانت تمازحه ليس إلا، رمشت عدة مرات بعدم استيعاب، ثم تمتمت بذهول:
"ده قفل في وشي، قفل في وشي، طيب والله ما أنا معبراه."
أغلق يزن الاتصال في وجهها، مستمتعًا بمشاكستها بطريقته هو، وليس بتلك الحماقة التي تصر على إثارة غيرته، كونه رجلًا شرقيًا لا يسمح بتلك المهازل في الحديث!
فرك خصلات شعره وهو يقرر الذهاب إلى سليم للتحدث معه بشأن الورطة التي افتعلها عن عمد، متعمدًا الإخلال باتفاقهما بكل جرأة، مما استفزه كثيرًا، ولكن ما إن حرك باب غرفته حتى اختل توازن كلٍّ من شمس ومليكة للأمام بقوة، فتراجع للخلف بصدمة وهو يحاول استيعاب وجودهما:
"إيه ده! بسم الله الرحمن الرحيم! يا جماعة، بلاش تخضوني كده، أنا راجل على باب الله، أقسم بالله، يعني في ثانية هتلاقوني واقع منكم في الأرض بفرفر!"
اعتدلتا في وقفتهما وظلتا صامتتين، تنظران إليه بحرج شديد، وعيون متسعة مليئة بالفضول، فقال بشك:
"إيه؟! انتوا ساكتين كده ليه؟! انتوا عفاريت؟!"
تساءل بسخرية حذرة، حتى قطعت مليكة حبل صمتها بقوة وهي تردد متهكمة:
"يزن، الشقة أثرت عليك خالص!"
رمقه بسخرية مماثلة وهو يردد بحماقة:
"أصلًا إنتي وجوزك عايشين وبتتعايشوا إزاي؟! أقطع دراعي من هنا إن ما كنتوا ولاد خالة العفاريت اللي هناك!"
تدخلت شمس أخيرًا في الحوار، وهي تندفع بفضول:
"سيبك من السيرة دي، وقولنا الأهم كلمت العروسة؟!"
ضيق عينيه وهو يشير بإصبعه السبابة في وجهها، قائلًا بتهكم طفيف:
"شامم ريحة فضول يا أم أنس، بس للأسف، لا!"
اندفعت مليكة دون تريث، وهي تقول بضيق:
"إيه ده! بطل كذب! إحنا سامعينك وإنت بتكلمها!"
اتسعت عيناه بصدمة امتثلها ببراعة، ثم تساءل مستنكرًا:
"إنتوا كنتوا بتلمعوا الأوكر؟!"
هزت رأسها سريعًا نافية التهمة عنهما بنبرة متوترة سيطرت على أدائها وهي تحاول إقناعه:
"لا والله! أبدًا!."
لكزتها شمس وهي تكز على أسنانها بغيظ محتدم:
"لا والله إيه؟! ما إنتي اعترفتي مع أول قلم! إنتي مرات ظابط إنتي؟!"
قهقه يزن ببساطة وهو يقول باستهزاء:
"لا، ما هو زيدان مش ظابط الأداء معاها!"
اصطنعت شمس الضحك، ثم قالت بفضول نسج خيوطه بكافة تفاصيلها:
"هاهاها! مضطرين نضحك! هااا... قولنا بقى اللي حصل هناك! سيرا قالت لك إيه؟!"
"انكمشت ملامحه وهو يتساءل بتهكم، بينما كانت عيناه موجهتين إلى مليكة، التي سرعان ما انبثقت إمارات الاستنكار على وجهها:
"من إمتى وإنتي فضولية كده يا شمس؟!"
رمشت مليكة ببراءة وهي تحاول استيعاب حديث يزن المبطن، حتى قالت بنبرة مندفعة، محاولة تبرئة نفسها:
"والله أنا كنت قاعدة في حالي، قالتلي تعالي نقوم نطمن على يزن!"
مال جانب ثغره بابتسامة ساخرة وهو يقول:
"فيكوا الخير!"
عقدت شمس ذراعيها أمامها، وعادت إلى نفس سؤالها، ولكن هذه المرة بنبرة تحمل غموضًا خاصًا:
"يعني مش هتقولنا في إيه؟!"
التزم الصمت أمام نظراتهما، ولم يفصح عن تعابير وجهه التي كانت مبهمة، لكن نبع جزء خاص بالاستمتاع وهو يتسلى بفضولهما الأحمق:
"خلاص، براحتك! وأنا مش هقولك سليم قرر يعمل إيه بعد اللي حصل ده!"
انعقد حاجباه وهو يتساءل بعدم تصديق:
"إيه؟! هيفركش؟!"
وضعت أسس الجدية في تعابيرها التي بدت صارمة وتحوي شيئًا بالفعل قد حدث، فقالت:
"قول الأول!"
تنهد باستسلام وهو يخبرهما بتيه ملحوظ، محاولًا تذكر كلمات مهرته التي كانت تتغنى بحزنها على ذلك العريس المرفوض:
"مفيش! الحكاية كلها لعبكة! يعني ده جارهم وعايز يخطبها، ولما لقاني اتصدم! والسبب أبلة حكمت..."
"قاطعته مليكة وهي توجه كلماتها إلى شمس بضيق:
"مش أنا قلتلك يا شمس؟! أكيد الست دي السبب هي أصلًا باين عليها قرشانة!"
مطت شمس شفتيها، وأكدت برأسها على حديثها، ثم قالت بحماس حاولت تحجيمه:
"كمل يا يزن!"
تنهد يزن، وعاد إلى الحكاية التي سردتها له سيرا، وما إن انتهى حتى قال بحذر وشك:
"ها! سليم ناوي على إيه؟!"
هزت كتفيها بلا مبالاة، ونبرتها تتلاعب به كمثل ملامحها التي أفصحت عن مشاكستها:
"مفيش حاجة! كنت بضحك عليك! قالي روحي اسألي يزن باباها عامل إيه دلوقتي بس!"
اتسعت عيناه دهشة، وعبر بصوت ساخر:
"والله؟! هي بقت كده؟!"
عقبت مليكة سريعًا بابتسامة انتصار وهي تجذب شمس خلفها:
"ألف مبروك يا يزن! عقبال فرحك، هتبسطلك أوي!"
رفع أحد حاجبيه وهو يردد بغيظ متهكم خلفهما، إلا أن الاثنتين تجاهلتاه وفرتا هاربتين منه:
"ليه؟! كنت باير يا مليكة؟!"
ظهر زيدان بجسده العريض وطوله الذي يقلّ قليلًا عن يزن، فأوقفه قائلًا باستفهام:
"إيه؟ خد خد ماشي بتزعّق ليه كده؟!"
زفر بضيق وهو يبحث بعينيه في الصالة عن سليم:
"يا عم! ولا بزعق ولا نيلة! فين سليم أخوك؟!"
أجاب زيدان بفضول وقد أدرك نية يزن المتهورة في معاتبة سليم الذي لا يُعاتب أبدًا من أجل سلامة الجميع:
"فوق، ليه؟!"
انبثقت الكلمات من فم يزن بتهور وغيظ:
"أنا متفق معاه على حاجة، رايح يخلف ويقولهم ٥ شهور ليه؟!"
التزم زيدان الصمت أثناء استرسال يزن لسبب غضبه، وفور انتهائه قال زيدان بهدوء رزين ونظرة ماكرة توجس منها يزن:
"وانت رايح تتخانق معاه؟! ده مش بعيد يجوزهالك بكرة لو عاندت! بطل جنان وخليك لعيب! هو يجيلك كده، تعالى أنت كده! هو يظبط حاجة للجواز، أنت تفركشها!"
عبر يزن عن توجسه من مكر زيدان الذي لا نهاية له:
"مش عارف بس مش مطمنلك! الطيبة الزايدة دي مقلقاني!"
ابتسم بحماقة وهو يقول بنبرة خافتة جعلت رأس يزن يدنو إليه، فبدا وكأنهما يتآمران على أحد:
"أنت المفروض تقلق من حاجة واحدة بس!"
صمت يزن، وظهر القلق في عينيه، حتى أفصح زيدان عن اعتقاده ورؤيته الثاقبة لعائلة سيرا:
"الولية اللي اسمها حكمت دي! خد بالك منها! مش سهلة! أنا حاسس لو جوازتك ما نفعتش من أختها، هتتجوزك هي!"
"ربّت يزن على كتفه وهو يقول بنبرة باردة، وبدا غير مقتنع بحديثه عن حكمت، فمن وجهة نظره، الشخص الذي يستحق القلق من شخصيته هو سيرا، التي تبدو غير واضحة بالمرة، أما الاقتناع الآخر، فقد نبع من نصائح زيدان حول كيفية التعامل مع سليم، خاصة أنه يشعر بعناد أخيه الأكبر، وكأن تلك الخطبة أصبحت حربًا، والفوز فيها هو النجاة منها."
لذلك، هدأ نفسه قليلًا، وقرر ألا يتعامل بتهور مع سليم، الذي لا ينبغي التعامل معه بحماقة، بل يجب عليه التروي والتصرف بذكاء للخروج من المصائد التي نصبها له، وكأن يزن المسكين عالق وسط فخ محكم!
في اليوم التالي..
غادرت سيرا من منزلها وتجاهلت عن عمد وجود أبلة حكمت أمام باب شقتها، فهي لن تغفر لها تلك الفضائح والتي لن تكف والدة فايق على نثرها هنا وهناك! وكان التجاهل الثاني من نصيب فايق نفسه، حيث رأته يقف مستندًا على إحدى السيارات القديمة في المنطقة، مصوبًا بصره على باب منزلهما، ورغم أنها ارتعشت من الغل المرسوم على وجهه، إلا أنها قررت تجاهله، معتقدة بأن لن يستطع أن يفعل لها شيء!
ولكن عندما خطت بخطوات سريعة نحو الشارع الرئيسي وجدته يهم خلفها، لذا أسرعت وقد ساعدها جسدها الرياضي في الفرار منه، استقلت "الأتوبيس" الكبير وهو الطريقة التي تحبذها للوصول إلى مقر عملها.
وبعد مرور عدة دقائق.. قد وصلت بالفعل للشارع المؤدي إلى عملها والذي يقع في آخره البرج الذي تعمل فيه، وأيضًا معرض يزن، وهنا انشقت ابتسامة كبيرة على وجهها ورأت الحلقة الذهبية في إصبعها، متعجبة من تدابير القدر، فبين ليلة وضحاها أصبحت خطيبته.
وقبل أن تصل إلى البرج وجدت من يتعمد إيقافها وذلك عندما قبض فوق كتفها، فالتفتت سريعًا وبحقيبتها وضربته في وجهه، فاندفع فايق للخلف خطوتان، ثم قال بغضب:
"إيه الغشامة دي؟"
رفعت أحد حاجبيها مستهجنة منه وهي تردد بصوت خشن لا يناسب رقتها المعتادة:
"أنا ممكن كمان أديك بالجزمة لو فكرت تعمل الحركة دي تاني."
ابتسم ساخرًا وهو يشملها من أعلاها لأسفلها، فقال بوقاحة وقد اختلف وجهه كليًا عما كانت معتادة عليه:
"ده الحلوة ليها لسان وده من امتى من وقتي لما اتخطبتي للواد النياتي ده."
شهقت بسخرية وهو تشير إليه بتحذير قاسٍ:
"ده مين ده اللي نياتي يا تونكيز انت، ده باشا ابن باشا، انت مش شايف عضلاته، ده لو اتكلم بس يطيرك من مكانك."
"-يطيرني ليه سوبر هيرو وأنا معرفش."
"-بص أنا مهما اتكلم عنه، أنت مش هتقدر تفهم، لأن حجم عقلك يا فايق اللي الخمرة لحسته، مايستوعبش ناس نضيقة."
"-انتي بتقولي إيه يا بنت الـ *****، يا بنت الـ *****، يا *******."
وأمسكها من مرفيقها محاولاً التعدي عليها بالضرب لكن....
قبل قليل...
تمم يزن تفقد السيارات الجديدة في معرضه مع موظفيه، وكان منهمكًا جدًا في إملاء مواصفاتها عليهم، أو ربما يتظاهر بذلك، كي لا ينتبه إلى لحظة وصولها، شاعرًا ببعض التخبط في مشاعره، فهناك جزء منه يدفعه إلى التوقف وانتظارها ليتحدث معها في أي شيء متبعًا شرارة الفضول للتعرف على شخصيتها التي لا تزال غير واضحة له، بينما يدعوه جزء آخر إلى التريث والتجاهل بعدما أدرك مؤخرًا خطورة تلك المهرة الجامحة على كيانه!
ولكن فجأة، لفت نظره تسلل أحد الموظفين إلى الخارج ومتابعة شيء ما باهتمام، فوقف خلفه يهمس إليه وكأنه ضبطه متلبسًا:
"واقف كده ليه يا حلو وسايب الشغل؟"
التفت إليه الموظف محرجًا وهو يجيب:
"أصل في خناقة دايرة هناك بين البنت الكابتن بتاعة الجيم وواحد غريب عن المنطقة."
سرت انتفاضة قوية في جسده وهو ينظر إلى الاتجاه ذاته، وما أن رآها تتشاجر مع شخص لم يتبين ملامحه بعد وذلك لإنها كانت تنهال عليه ضربًا بحقيبتها، حتى ثار عقله بجنون عندما رأى ذلك الوقح يحاول لمس والامساك بها.
دفع الموظف من أمامه، وركض بأقصى سرعته في ظل وقوف المارة الذين اكتفوا بالمشاهدة فقط، وكأن الشهامة قد بُترت من جذورها لديهم!!
وما إن وصل إليها حتى أمسكها من كتفيها بإحكام، فاستدارت إليه وعيناها مغرورقتان بالدموع وعلامة صفعة قوية مرتسمة على وجهها!
لم يدعِ يزن البطولة يومًا، ولكن عندما رأى بكاءها، ويد ذلك الوقح الآثمة تمس كرامتها، حينها سيدعي البطولة وسيكون درعها وسيفها، فمنذ اللحظة التي وضع خاتمه في إصبعها أصبحت كرامتها خطًا أحمر لا يسمح بتجاوزه.
فنظر إليها نظرة كانت كفيلة بإخبارها بأمر هام جعلها تتنحي جانبًا، فلم تكن نظرته نابعة من شهامته فحسب، بل من كونها أصبحت حياته، وذلك سبب كافٍ ليجعله حصنها الأول والأخير!
رواية غناء الروح الفصل العشرون 20 - بقلم زيزي محمد
"مين ده؟"
قالها يزن بنبرة غاضبة، محملة بنيران الغيرة، عندما لاحظ نظرات ذلك الشخص، والذي بدا عليه أنه نفس الشخص الذي رآه يوم الجمعة. ماذا كان يُدعى؟ ... حسنًا، "فايق". فتذكر على الفور نعومة صوتها وهي تتلفظ باسمه عندما أغلق الاتصال في وجهها.
كانت سيرا تقف خلفه، متخذة منه سدًا منيعًا تحتمي به، بعدما استنزفت طاقتها في ضرب فايق بحقيبتها بكل غل، عندما تجرأ وأمسك بذراعيها بوقاحة لم تتحملها. فقالت بحقد وكره موجهين إلى فايق، الذي كاد يلتهمها بنظراته:
"واحد متطفل، معندوش كرامة."
"متطفل مين يا ****، يا بنت الـ ****"
غلى الدم في عروقه عندما سمع وقاحتها المتعمدة، فتلفظ بشتائم قذرة. كان رد فعل يزن عليها عبارة عن لكمات متتعدة مصوبة إليه في عدة اتجاهات. حتى تراجع إلى الخلف محاولاً التحكم في نفسه بعد مباغتة يزن له، فسمعه يقول بصوت جهوري حانق، كاد يلتهم الأخضر واليابس بأنفاسه الحارة الغاضبة ونظراته النارية:
"لو ماحترمتش نفسك هعلمك الأدب يا ابن الـ ***، فوق واعرف بتكلم مين!"
مسح فايق قطرات الدم بجانب فمه الناتجة عن اللكمات التي تلقاها بعنف، ثم ابتسم بخبث وهو ينظر إلى سيرا متجاهلاً وجود يزن بقصد وبرود تعجب له الآخر بشدة:
"مبسوطة وهو بيضربني عشانك، واقسم بالله هوريكي النجوم في عز الضهر وما هسيبك."
رفع يزن حاجبيه معًا وهو يرمقه بسخرية لاذعة:
"هو أنا شفاف بالنسبالك ولا أيه؟!"
فاقترب خطوة من فايق الذي تراجع للخلف، وهمس بنبرة ساخطة يغمرها الشر:
"فكك يالا من منظري والجو اللي أنا فيه ده، ده أنا صايع وجايبها من تحت اووي، آخر إنذار ليك ومن بعدها وربي وما أعبد، أنا اللي هوريك النجوم في عز الضهر، أنا قرصتي والقبر."
فقد فايق أعصابه وضرب يزن في صدره عدة مرات بقوة، متلفظًا بحنق وغيرة حارقة:
"قرصة مين يا حبيبي، ده أنا هعلمها الأدب على الحركة اللي عملتها معايا، بقى تسيبني أنا وتوافق عليك أنت!"
ابتسم يزن ساخرًا ومال برأسه جانبًا وهو يقول بنبرة قوية خافتة وصلت إلى أعمق نقطة في عقل فايق، فأشعلت نيران استفزازه:
"انت يالا مش شايف الفرق ولا أعمى ولا نظامك أيه، عرفني عشان أعرف اتعامل معاك، أصل الفرق واضح ما بيني وبينك، وبعدين...."
هنا ربت يزن بقوة على وجنتي فايق واستكمل باشمئزاز:
"وبعدين الفرق ده أنت ازاي مش شايفه! يلا من هنا، عشان ماتكلش علقة تحلف بيها عمرك كله!!"
فتح فايق ذراعيه وقال بصوت جهوري مستفز:
"يلا والجدع اللي يكمل للآخر."
لم ينتظر يزن كثيرًا، بل انهال عليه بالشتائم التي تعجبت منها سيرا، خاصة عندما رأته يتشاجر مع فائق بجنون، حينها اكتشفت فيه جانبًا همجيًا وعدوانيًا، فبدا وكأنه فتوة خرج من القرن الماضي!
تجمهر المارة من حولهم، وتعلقت عيناها بيزن الذي كان بارعًا في تسديد لكماته وكأنه ملاكم محترف، ولكن شعور بالخوف الذي سيطر عليها جعلها تقف جانبًا، واضعة يدها فوق فمها وعيناها امتلأتا بالدموع، فحمدت الله كثيرًا عندما تدخل بعض الأشخاص وأبعدوهما عن بعضهما ولم تشعر بنفسها إلا ويزن يمسكها من مرفقها يجذبها خلفه بقوة.
وفجأة اختفى فايق من الشجار، وتسلل المارة إلى أعمالهم، وبقيت وحيدة في مواجهة يزن في مكتبه ذي الواجهات الزجاجية الكبيرة.
انتفض جسدها عندما سمعته يصرخ بنبرة حارقة، وعيناه تنذران بالشر، فبدت ملامحه غريبة غير تلك التي تحفظها عن ظهر قلب!
"أنا عايز أعرف في أيه بينك وبين الواد ده؟!"
رفعت وجهها تطالعه باستنكار مهزوز عندما أدركت مقصده:
"يعني أيه؟ هيكون بيني وبينه أيه؟!"
توقف عن حركته الهوجاء في مكتبه، مما شتت انتباهها عدة مرات، فقال باستنكار مماثل:
"ماتستعبطيش يا سيرا، اللي أنا شوفته بره ده اسميه أيه؟!"
ظلت على نفس جلستها، تنظر إليه وتجيب بهدوء، على عكس الحرارة المنبعثة من نيرانه الحارقة، التي وصلت إليها رغم وجود مسافة بينهما، فقد كانت في آخر الغرفة، بينما هو في أولها:
"تسميه خناقة مع واحد مش محترم حاول يتعرض ليا وأنا وقفته عند حده بس!"
بساطتها استفزته لدرجة أنه اختصر المسافات بينهما ووقف أمامها، يطالعها من الأعلى، فرفعت رأسها إليه بعدم فهم، وهو يقول بغيظ:
"الواد ده محروق منك عشان اتخطبتي ليا، الحوار ده فيه حاجة مش مفهومة، حرقته مش طبيعية!!"
نهضت فجأة دون أن تحسب في حسبانها قرب المسافة بينهما، فاصطدمت به ووقعت للخلف على الأريكة، لكنها تداركت إحراجها بقولها الغاضب، وإصبع السبابة يشير إليه بتحذير قاسٍ:
"لا بقولك أيه، أنا ماسمحلكش، ومش معنى إنك خطيبي إنك تتعدى حدودك معايا في الكلام، أنا لا يمكن اسمح بتلميحات زي دي."
ثبت بصره عليها باستهجان وهو يقول بنبرة أهدأ وأقل انفعالاً:
"تلميحات أيه؟، طيب..."
صمت للحظة يستجمع أنفاسه وتركيزه، ثم عقد ذراعيه أمامه متسائلاً بسخرية مبطنة:
"طيب أنتي شايفة أيه؟ وضحيلي يلا!! الواد ده كان بيتخانق معايا علشانك!!! مشي وراكي علشانك، محروق علشانك بردو، وانتي عاملة نفسك مش واخدة بالك!!"
"أنا حقيقي ماعرفش في أيه، ومستغربة اللي هو عمله، بس هقولك فايق أصلاً شخص شايف نفسه اوي وفاكر إن كل البنات بتحبه عشان معظم بنات المنطقة عندنا بيحبوه، فمعنى أنه يتقدملي وأنا ارفضه دي حاجة ممكن توجعه."
كان ذلك تحليلًا طرأ برأسها لفهم موقف فايق، الذي بدا غير مفهوم بالنسبة إليها، فسمعته يقول ساخرًا، وهو يعيد خصلات شعره للخلف بترتيب:
"باين بنات المنطقة عندكم مشافوش شباب قبل كده!!"
شعرت بمغزاه المبطن عن نفسه ووسامته، فعقدت ما بين حاجبيها بغيظ، مشددة على صوتها الحاد:
"ماتشوفش نفسك بس!"
رفع حاجبيه معًا باندهاش من تحولها السريع، من قطة وديعة إلى نمرة شرسة لديها أتم الاستعداد للانقضاض عليه، فقال بحيرة ساخرة:
"لا أنا أشوف نفسي براحتي، الدور وبالباقي على اللي كانت عاملة نفسها داركولا وواقفة بتضرب راجل في وسط الشارع!"
"انت كنت عايزه يقف يمسكني واقف اتفرج عليه، ده كويس إن أنا مانطتش في كرشه."
قالتها بعنفوان واندفاع شرس، فاقترب منها وعلى وجهه ابتسامة إعجاب ممزوجة بلمحة من الانتصار، عندما نجح في كشف جزء من شخصيتها:
"تنطي في كرشه!! من امتى وانتي بتقولي الكلام الـ "dirty" ده يا بيبي!!"
ورغم اقترابه الشديد منها، فرأت لون عينيه الجذاب ووسامة ملامحه الخاطفة للأنفاس بابتسامته الجذابة، إلا أنها حافظت على ثباتها أمامه، وهمست بنبرة شقية:
"لا ده أنا عندي "dirty" اكتر من كده، بس مابطلعوش إلا للناس الغالية واللي تستحق كده فعلاً، زي لو حد مثلاً فكر يجي عليا أو.... مثلاً يقرب مني زي ما أنت مقرب كده!"
اتسعت ابتسامته أكثر باستمتاع وهو ينظر إليها بتسلية، هامسًا بإعجاب انبثق في عدستيه اللامعتين:
"اعتبر ده تهديد؟!"
هزت رأسها إيجابًا ثم تبعته بهمسة مفعمة بنبران التهديد:
"وهتلاقي رد فعل مش هيعجبك لو مابعدتش عني حالاً يا بيبي."
قهقه بصوته الرجولي الجذاب، مستمتعًا بها وباكتشاف جوانب جديدة من شخصيتها، فبدت له ككهف مظلم مليء بالإثارة، واكتشاف دهاليزه متعة خاصة.
نهضت من مكانها وهي تحمل حقيبتها، التي باتت مُهلكة من قسوة استخدامها، لكنه لاحظ الجروح الصغيرة على يدها، فعبست ملامحه واقترب منها، ممسكًا بيدها على غفلة منها، فسحبت يدها سريعًا بإحراج، قائلة بضيق نابع من فرط خجلها:
"يزن أنا مابحبش كده لو سمحت."
تعجب منها وهو يتساءل بعدم فهم:
"مابتحبيش أيه بالظبط؟!"
فركت يدها بتوتر بالغ وهي تجيب:
"يعني إنك تقرب مني فجأة وتمسك إيدي، احنا لسه مخطوبين وبعدين يعني....ده بردوا ميدلكش الحق أنك تعمل كده."
غامت ملامحه تحت ستائر الغموض، وهو ينظر إليها بإمعان شديد زاد من توترها، فأشار برأسه بعد فترة من الصمت، لعبت فوق أعصابها، قائلًا بنبرة رخيمة:
"أنا استغربت من الجروح دي، وكنت هسألك سببها أيه!!"
كانت جروحًا صغيرة حية حديثة، ففهمت على الفور ما حدث ليدها، فقالت بخجل وهمس ناعم، يناقض تلك الشراسة التي اختفت فجأة ولم يعد لها أثر:
"وأنا بضرب فايق الحديد اللي في الشنطة عورني بسيطة يعني."
هز رأسه متفهمًا، فتحركت خطوتين نحو الباب دون أن تودعه، أوقفها متسائلاً بتعجب:
"رايحة فين؟"
هزت كتفيها بلا مبالاة وهي تجيب:
"رايحة شغلي هكون رايحة فين يعني!"
تساءل بخشونة وانعقاد حاجبيه يزداد:
"وليه الشغل ده أصلاً، احنا أصلاً اتخطب...."
بترت حديثه بحزم وهي تقول:
"لا جو احنا مخطوبين وانتي مسئولة مني ده مايمشيش معايا، أنا كنت بشتغل من قبل ما أعرفك اصلاً، بشتغل وأنا برفض إن أبويا يديني مصروف يا يزن!!"
هز رأسه ساخرًا وهو يقول:
"تمام حقك ماتدخلش في حياتك، طالما انتي لسه مابقتيش على زمتي، لكن لو بقيتي مراتي في يوم من الأيام جو المرأة العاملة ده ماياكلش معايا للأسف!"
"لا وقتها نبقى نعمل تصويت ونشوف مين فينا اللي هيكسب، سلام."
أنهت حديثها ببسمة شقيّة، وهي تشاكسه بمجادلته، فمجرد عدم التسليم برأيه يشعل نيران التملك والسيطرة في عينيه، وهذا ما يثير إعجابها به.
***
وقفت يسر بجانب مهندس الديكور مصطفى، الذي اختاره والدها لتجديد المحل الخاص بها، والذي قررت افتتاحه في مجال الإكسسوارات الرجالية والنسائية بمختلف أنواعها. مالت برأسها جانبًا وهي تنظر إلى الحائط بتركيز، متخيلة حديثه عن رؤيته التصويرية له، ثم قالت بنبرة جادة وهي تلتفت إليه:
"بس أنا حاسة لو ورق الحائط اللي زي الحائط الحجري هيبقى أحسن."
رفع مصطفى نظره عن حاسوبه الكبير الذي يحمله بيده وقال برؤية ثاقبة:
"مساحة المحل مش كبيرة وأنا عايز اديكي مساحة ووسع، واللي انتي عايزاه هيضيق المكان."
زفرت بتعب وهي تنظر حولها، باحثة عن مقعد لتجلس عليه، لكنها لم تجد سوى جرادل الدهان المنتشرة في كل مكان، وبعض ألواح الزجاج الكبيرة الموضوعة بجانب الباب، بالإضافة إلى بعض الأدوات المتناثرة في كل الجهات. شعرت بدوار بسيط يجتاح رأسها، نتيجة لنومها المتقطع ليلًا بسبب الكوابيس التي تطاردها، نابعة من حياتها البائسة.
"انتي تعبانة، أجبلك حاجة تشربيها او تاكليها."
ابتسمت إليه برقة وهي تمسك برأسها بتعب حاولت إخفاءه:
"لا شكرًا، ده من قلة النوم بس، أكيد الدوخة دي منها."
أخرج زجاجة المياه الخاصة به وأعطاها لها وهو يبتسم بهدوء:
"اشربي ميه.."
أخذت القنينة منه وارتشفت منها القليل علها تستعيد توازنها، فسمعته يقول بهدوء، محاولًا بث الطمأنينة في نفسها:
"متخافيش، شكلك قلقانة وخايفة المحل مايخلصش بسرعة، أنا والله الحاج فاضل لما كلمني سيبت كل اللي في إيدي ونفذت له رغبته، والدك معزته كبيرة عندي."
اتسعت ابتسامتها وهي تستمع إلى حديثه اللبق والمهذب عن والدها، ولم تلاحظ تلك العيون المتربصة بها من مسافة بعيدة داخل المحل، كان يقف واضعًا يده في جيب سرواله، وملامحه مستنفرة، وكأنه يتأهب للانقضاض عليها في أي لحظة. وعندما لاحظت وجوده ومراقبته لها، قررت أن تسترسل في الحديث مع مصطفى أكثر، بل ووصل الأمر إلى تبادل بعض الجمل الفكاهية البسيطة، التي أظهرت ابتسامتها التي افتقدتها منذ زمن...
***
بينما كان نوح واقفًا يتابعها باهتمام بالغ، وهو يرى ابتسامتها الواسعة التي أنارت وجهها وزادته جمالًا وجاذبية خاصة، لم يستطع إخفاء توتره عندما رآها تتحدث مع ذلك الرجل. قبض على يديه بقوة، محاولًا كبح غيرته التي كادت تحرقه من الداخل.
وكلما زادت تلك الابتسامات والضحكات والهمسات بينهما، ازداد لهيب غيرته. نظر إليها نظرة عتاب خفية، فهو لا يحب أن يراها تتعامل بود مع أحد غيره، لكنها تجاهلت ذلك، مما زاد نار غيرته اشتعالًا.
لمعت ضحكتها تحت ضوء الشمس، فبدت مشرقة مبهجة، فتساءل بحيرة، متى امتلكت تلك الابتسامة الآسرة؟ هل كانت تمتلكها بالفعل وهو كان أعمى لدرجة أنه لم يرَها، أم أنها اكتسبتها منذ أن انفصلت عنه، وكأنه كان همًا ثقيلًا وسعدت بإزاحته؟
قرر إنهاء تلك المهزلة التي كانت على مرأى ومسمع الجميع، فخطا بخطوات واسعة، وكأنه يختصر تلك المسافة الحمقاء ليقتنص رأسها اللعين ويهشمه إلى قطع بسبب أفعالها الحمقاء!
فتح الباب الزجاجي بقوة، مما جعل مصطفى يستدير باستهجان ليرى من يجرؤ على هذا الدخول العنيف:
"انت مين يا جدع انت وازاي تدخل كده !!!"
انعقد حاجباه بضيق، وعيناه تراقبانها في صمت، وكأنهما تحذران مصطفى، الذي يقترب منها، بأنها ملكه وحده:
"أنا جوزها يا باشا، انت اللي مين؟!"
"غريبة ماقولتليش يا يسر يعني إنك متجوزة!"
قالها مصطفى بحماقة، إذ لطالما تعامل بأريحية شديدة مع عملائه، فابتسمت إليه بأسف مقصود وهي تقول:
"أنا فعلاً مش متجوزة، أنا خالعاه."
"يــــــــســــــر."
قالها نوح بتحذير قاسٍ أفزعها، لكنها تماسكت أمام نظراته التي كادت تلتهمها، أما مصطفى، فشعر بغرابة الموقف وسوء الوضع، فقرر الاستئذان وهو يوجه حديثه بالكامل إلى يسر:
"طيب أنا هخرج برة واقف شوية اكلم العمال، لو احتاجتي أي حاجة يا يسر ناديني على طول."
هزت رأسها إيجابًا، ممتنة له ولذوقه في التعامل، إلا أنه عندما خطا ووصل إلى الباب الزجاجي، حيث يقف نوح، مد نوح يده وأوقفه، ثم مال عليه هامسًا بتحذير مخيف:
"اسمها مدام يسر، مترفعش الالقاب بعد كده، عشان مرفعش روحك للي خالقها."
استنكر مصطفى بملامحه، لكنه لم يُعقب على هذا الجنون المتجسد في نبرة نوح وعينيه المثقلتين بغيرة أثرت على انفعالاته، فبدا كالمتخبط فاقدًا حسن التصرف.
وما إن خرج مصطفى حتى اقترب منها نوح قائلاً بسخرية وهو يتجول بعينيه بملامحمها:
"فجأة قلبتي، من شوية الضحكة كانت من الودن دي للودن دي، ودلوقتي بوزك شبرين."
مطت شفتيها ببرود وهي تتعمد النظر إليه:
"عشان ببساطة انت متستاهلش إلا كده!!"
استنكر بصوته الخشن وهو ينظر إليها من أعلى رأسها إلى أسفلها باستفزاز:
"ده اللي هو أنا جوزك صح؟ لكن الضحك للرجالة الغريبة!!"
تلفظت حروفها في تهكم واضح، غير عابئة بنظراته الشرسة:
"جوز مين!! أنا هخلعك."
اقترب خطوة منها وهو يوجه تهديداته بقوة:
"واقسم بالله لو ما بطلتي الكلمة دي، لاخطفك يا يسر واعلمك الأدب بجد على أسلوبك معايا."
أظهرت استياءها واشمئزازها منه، فقالت:
"بلطجي!! أسلوبك بقى بلطجي أوي يا دكتور، نصيحة حاول تتغير."
لمعت عيناه بشرارة غضب مقتدة وهو يردف بقسوة:
"البلطجة دي ممكن تطلع عليكي لو مابطلتيش ضحك مع الناس الغريبة."
انكمش وجهها باستغراب مقصود، وهي تتلاعب بالكلمات قاصدة استفزازه أكثر، مستمتعة بنيران الغيرة المشتعلة في عينيه، كاشفة عن وجهه الحقيقي الذي كان يحاول إخفاءه طوال أعوام زواجهما:
"وانت عايز تكبت حريتي وفرحتي ليه، أنا دمي خفيف وبحب اضحك، ما أنت انسان غريب اوي الصراحة!!"
ضيق عينيه باستنكار وهتف بنبرة لاذعة:
"من امتى وأنت عندك الحس الفكاهي عالي يا يسر، كنتي ماري منيب وأنا ماعرفش!!"
نجح في إثارة غضبها، فقالت بنبرة يغمرها الغل والضيق منه:
"والله أنا طول عمري كده بس انت بقى اعمى القلب والبصيرة ويلا من هنا عشان ماناديش الرجالة اللي برة دي واقولهم بيتهجم عليا، أنا خايفة عليك لاحسن تتضرب!"
رفع أحد حاجبيه باستنكار وهو يهز رأسه عدة مرات، متمتمًا ببعض الكلمات الخافتة والحادة:
"والله، اممم عندك حق !!"
وما إن خرج من المحل، حتى وقف أمامه، وحمل عصًا حديدية، ثم بضربة قوية هشم بها واجهة المحل الزجاجية، فتناثر الزجاج في كل مكان، مُحدثًا صوتًا قويًا ومزعجًا جذب أنظار الجميع.
تجمدت في مكانها كالصنم من هول الصدمة، رفعت رأسها عن الزجاج المكسور لتنظر إليه، فرأت معالم وجهه المخيفة، فبدا كالمضطرب نفسيًا وهو يحدق بها، ثم ألقى العصا من يده ببساطة، بينما الجميع ينظر إليه بتعجب.
اقترب من إحدى حوائط المحل، ونفخ ذرات الغبار بهدوء، ثم نفض يده وكأنه لم يفعل شيئًا كارثيًا الآن، تصرفان متناقضان؛ أحدهما في غاية الجنون والانفعال، والآخر هادئ وبارد، وكلاهما خرجا في اللحظة ذاتها، ثم حول نظره إليها، واحتلت ابتسامته الشريرة والانتقامية وجهه.
أشار إليها مودعًا، ثم صعد إلى عيادته، بينما كانت تنظر إليه بصدمة كبيرة بعد كل هذا العبث الذي فعله في المكان!
***
حملت أبلة حكمت الحقائب البلاستيكية العديدة بإرهاق وهي تسير في أحد شوارع المنطقة وبجانبها إحدي جاراتها، التي ظلت تثرثر معها، لكن أبلة حكمت كانت في وادٍ آخر، وادٍ تحلم فيه بمصالحة والدها وسيرا، شاعرةً بالحزن الشديد لأول مرة بعد فعلتها الحمقاء. انتبهت إلى يد جارتها التي لكزتها بخفة وهي تخفض صوتها بتعجب:
"أيه يا حكمت، أنتي مش واخدة بالك ولا أيه؟!"
أبطأت حكمت مشيتها فقالت بتعجب مماثل:
"لا في أيه؟!"
أشارت جارتها برأسها للخلف وهي تهمس:
"فوزية بتلسن عليكي انتي واختك بالكلام لمؤاخذة!!"
ارتفع حاجبا حكمت بتحد، والتفتت برأسها للخلف، فوجدت فوزية تجلس مع عدة سيدات تنظر إليها بحدة ووقاحة وهي تبتسم بسخرية ثم قالت للسيدات:
"لا ياختي مش زعلانة ده فايق ابني ربنا نجده والله من العيلة الـ ***** دي."
"والله ده أحسنلك يا أم فايق، ابنك يستاهل حد أحسن وأنضف يا اختي."
قالتها إحدى السيدات الجالسات بجانب فوزية وقد بدا الحقد واضحًا في عينيها، بسبب خلاف سابق مع حكمت، فقالت فوزية بتهكم:
"طبعًا، ده فايق باشا، أنا كان دماغي فين ياختي وأنا بتحايل عليه يخطبها، دي واحدة ماشية على حل شعرها......"
اقتربت حكمت منها ولا تزال تحمل الحقائب، فقالت بخفوت يملأه الشر:
"هي مين دي يا فوزية اللي ماشية على حل شعرها؟!"
رفعت فوزية رأسها ونظرت إليها بتحد وحدة:
"سيرا أختك ياختي، مش انتوا لامؤاخذة دخلتوا العريس في السر المنطقة عشان خايفين من فضيحتها معاه."
اتسعت ابتسامة حكمت وهي تنظر إليها بدهشة ساخرة، قائلة:
"والله!!"
ثم وبكل ما أوتيت من قوة، رفعت الحقائب عاليًا وهبطت بها بقوة فوق رأس فوزية التي أصابها دوار نتيجة الضربة العنيفة:
"ده أنا هخليكي عبرة لكل واحد يفكر يجيب اسم اختي على لسانه، أنا أختي دي أشرف منكم يا شوية قرشانات ملكمش غير في اللت والعجن."
استدارت السيدات إلى حكمت، وكن على علم مسبق بهذا الشجار، فاستعددن جيدًا لمواجهتها، لكنها باغتتهن وضربت فوزية عدة ضربات بحذائها في وسط الشارع، فصرخت فوزية متوجعة بأنفاس متقطعة:
"اضربوها يا نسوان، اضربوها القادرة دي."
بدأ الشجار اللفظي والجسدي بين حكمت التي كانت بمفردها، وخمس سيدات، ولكن بنيتها الجسدية وطولها الفارع منحاها قوة كافية لتدافع عن نفسها بل إنها التقطت حصاة صغيرة ورمتها بقوة على رأس إحدى السيدات، فأصابتها في منتصف رأسها وسال الدم على وجهها..
تجمهر المارة لمراقبة الشجار، لكن لم يجرؤ أحد على التدخل، حتى قرر أحد الرجال بالركض سريعًا إلى قسم الشرطة القريب ليبلغهم عن الأمر!!
***
توقفت سيرا عن العمل لأخذ قسط من الراحة، فأمسكت بهاتفها تعبث به حتى جاءها اتصال من فريال وهي تبكي:
"الحقي يا سيرا أبلة حكمت في القسم، مقبوض عليها."
تجمدت أطرافها وخفق قلبها، فقالت بهلع:
"ليه في أيه؟!"
وصلها صوت بكاء فريال، مصحوبًا ببكاء إحدى أخواتها الأخريات:
"عشان اتخانقت مع فوزية وشوية ستات كانوا بيتكلموا عليكي، وعملتلهم إصابات، واحنا مش عارفين نلم الموضوع."
حملت حقيبتها خلف ظهرها، مستعدة للخروج، فتساءلت سريعًا بقلق:
"في قسم أيه؟"
"اللي جنب البيت."
خرجت سيرا مسرعة، والقلق مرسوم على وجهها، بينما أسوأ التخيلات تضرب عقلها، فشعرت بالذنب تجاه أختها الكبرى.
لم تعلم متى تسرب هذا الضعف إلى أوصالها، لكنها بدت متخبطة، غير قادرة على السير خطوة أخرى، وكأن أطرافها تيبست عمدًا، انساب الدمع من عينيها وهي تتخيل مصير أختها الكبرى في السجن بسببها.
وصلت أسفل البرج، فوقفت في منتصف الطريق، تائهة لا تدري أي الخيارات أفضل للوصول إلى أختها بسرعة، لم تجد أمامها سوى شخص واحد تلجأ إليه، الشخص الذي كان دائمًا بجانبها في أزماتها.
فاقتربت من معرضه وهي على هيئتها الضعيفة الباكية، ثم قالت بصوت مرتجف ضعيف، بينما تراه يقف مع إحدى السيدات، على ما يبدو يحاول إقناعها بشراء السيارة:
"يـــزن."
نبرتها وحدها كانت كفيلة باختراق مسامعه، بل كيانه بأكمله، التفت سريعًا ينظر إليها بقلق عارم، جعله يترك السيدة وفرصة بيع السيارة، ويتوجه نحوها متعجبًا وقلقًا:
"مالك في أيه، بتعيطي ليه كده؟"
همست ببكاء ونبرة متقطعة:
"أبلة حكمت مقبوض عليها بسببي."
انعقد حاجباه بعدم فهم، لكن دموعها المنسابة والحزن الطاغي على ملامحها لامس فؤاده، شعر بمشاعر خاصة ومميزة نحوها، لدرجة أنه ترك كل شيء خلفه دون مبرر، وأخذها معه متجهًا إلى سيارته، تحت أنظار جميع العاملين الذين بدت على وجوههم علامات الدهشة.
فـ يزن، الذي لم يترك من قبل فتاة صاروخية فائقة الجمال مثل تلك التي كانت تقف مذهولة من تصرفه، تخلى عن كل شيء من أجل سيرا، الفتاة التي لم تكن الأجمل، لكنها كانت الأهم.
ركبا السيارة معًا، وانطلق نحو وجهته، ألا وهي قسم الشرطة الذي تحتجز فيه حكمت، أجرى عدة اتصالات بـ زيدان، طالبًا منه التدخل لإنهاء الأمر، بينما هي تقوقعت على نفسها، تبكي بحرقة.
أبعد يدها عن وجهها وهو يتابع الطريق قائلاً...
"أنا عايز أعرف انتي بتعيطي ليه؟"
همست بنبرة متقطعة من بين شهقاتها:
"عشان أبلة اتسجنت بسببي، احنا عمرنا ما دخلنا قسم شرطة، وأبلة حكمت هتتبهدل بسببي هي بابا والعيلة كلها."
جذب منديلاً من جيبه وأعطاها إياها قائلاً بحنو:
"مفيش سجن ولا حاجة من دي، زيدان هيخلص الموضوع وممكن كمان قبل ما نوصل، متخافيش يا بيبي."
تعمد استفزازها كي تخرج من حالتها الضعيفة التي لم يعتد عليها، فهمست من بين شهقاتها وعبوسها:
"ماتقوليش يا بيبي، أنا بكره الكلمة دي."
"هقولها لو فضلتي تعيطي، واحتمال احضنك كمان لو مسكتيش."
نظرت إليه بصدمة من جرأته، فابتسم ابتسامة شقية وقال:
"خدي بالك أنا مابستحملش حد يعيط قدامي، وبالذات بقى لو كان أنتي، فأول تصرف بيجي في دماغي إني أحضن أي حد بيعيط."
"انت قليل الأدب."
قالتها ببكاء وهي تشير إليه، فاتسعت ابتسامته أكثر بتسلية:
"خلاص اخبطي دماغك في الإزاز ماتزعليش نفسك!!"
"أنت بتقول أيه؟!"
قالتها باندهاش، فنظر إليها بخبث:
"ما هو يا تخبطي دماغك في الإزاز يا احضنك اختاري، واظن الاختيار التاني اريح ليا وليكي يا بيبي."
"يــــزن."
قالتها بصرامة مهزوزة، وعندما وصلا أمام القسم، هبطا معًا من السيارة، ليجدا فوزية، والدة فايق تمسك برأسها وهي تهبط درج القسم، وبجانبها محاميها وبعض النسوة اللاتي كنَّ في الشجار.
نظرت فوزية إلى سيرا ويزن معًا بكره وحقد:
"حسبي الله ونعم الوكيل، ناس معاها واسطة وناس غلابة حقهم بيضيع."
مال عليها محاميها وهو يهمس بعدم رضا:
"حق أيه؟! انتوا اللي بادئين والكاميرات جايباكم وبعدين انتوا مخرشمين الست، احمدي ربنا إن المحضر اتقفل على كده."
وجهت نظراتها الحاقدة إليه، وهي تهمس بغل:
"ما تسكت يا أخويا انت معانا ولا معاهم، والله شكلك محامي مرتشي!!"
حرك يزن سيرا بلطف للأمام كي لا تستمع إلى حديث تلك السيدة، واكتفى بالنظر إلى فوزية بغضب ووعيد.
قبل أن تدخل سيرا إلى القسم، وجدت أبلة حكمت تخرج وهي تستند على زوجها صافي، والإرهاق يبدو واضحًا على وجهها، وبجانبها والدها الذي ما إن رأى يزن حتى ابتسم إليه وقال:
"شكرًا يا يزن، وقفتكم معانا دي لا يمكن أنساها."
"عيب احنا أهل، المهم انتي كويسة يا أبلة حكمت."
رفعت إصبع السبابة في وجهه قائلة بوهن:
"لا خالص، ولاد الجزمة نزلوا فوقي لما حاسة إن جالي ارتجاج."
"خدها يا صافي لاقرب مستشفى اطمن عليها."
قالها والدها بعدم رضا وهو ينظر إليها، بينما هي كانت تخفي وجهها داخل صدر زوجها.
أما سيرا، فقالت بأسف وحزن لما حدث لوجه أختها، حيث توسدت الكدمات معظم ملامحها:
"الف سلامة عليكي يا أبلة، معلش."
تدخل يزن لإنهاء وقفتهم فقال:
"طيب يلا يا جماعة نروح المستشفى نطمن عليها."
"الف سلامة عليكي يا أبلة."
اندفعت فريال ومن خلفها كريمة، ثم شاهندا وأزواجهن، فقال والدهن بضيق:
"انتوا أيه اللي جايبكم، ما قولتلكم الموضوع خلص."
قالت كريمة بعتاب وهي تربت فوق كتف حكمت:
"ازاي بس يا بابا، كنا لازم نطمن على أبلة حكمت."
"اه خدوني يا بنات على المستشفى، دماغي هتموتني."
وضعت حكمت يدها فوق رأسها بإرهاق وتعب ظهر بوضوح على وجهها، فتحرك الجميع معها، عدا والدهم حسني، الذي قرر العودة إلى المنزل.
***
بعد مرور عدة ساعات
كانت حكمت تجري فحوصاتها وتحاليل للاطمئنان على حالتها الصحية، بينما كان الجميع ينتظرها بالخارج، شعرت سيرا بالإرهاق، ولاحظ يزن ذلك، فمال عليها هامسًا:
"قومي ننزل اجبلك قهوة أو عصير عشان تفوقي."
تدخلت فريال التي كانت تجلس بالقرب منهما ويبدو أن همس يزن وصل إليها:
"روحي يا سيرا، شكلك تعبانة، خدها يا يزن، قومي يلا."
دفعتها فريال للنهوض، فتحركت سيرا رغمًا عنها والاندهاش يملأ وجهها، متعجبة من تصرف أختها، لكنها لملمت شتات نفسها وتحركت مع يزن الذي طلب المصعد وما إن أتى حتى استقلا معًا.
وقفت في آخر المصعد الكبير تنظر إليه وهو يقترب منها بهدوء مستغلاً ارتباكها ثم همس بنبرة مشاغبة:
"بيبي ما تعيطي."
همست بغل وهي تتمتم:
"الله يقطع بيبي وسنينها..."
ثم ارتفعت نبرتها وهي تقول بتعجب:
"أعيط ليه؟!"
مال برأسه جانبًا، محاصرًا إياها بذراعيه، مستندًا بهما على حائط المصعد خلفها، ليبقيها داخل دائرته دون أن يمسها:
"عشان أحضنك."
وقح!! تلك الكلمة هبت فجأة برأسها، كرياح عاصفة تجتاح كيانها، فثارت بغضب مكتوم:
"طيب ما تجرب تخبط دماغك في الإزاز ده!!"
ابتسم بمكر وإعجاب، فأكملت هي بغيظ مكتوم:
"أصل أنا عندي حلين مالهمش تالت، يا تخبط دماغك فيه، يا إما أصوت والم عليك المستشفى كلها، واقولهم متتتتتحررررش، وشوف بقى هيعملوا فيك أيه!!"
"طيب والدبلة اللي في إيدك، دي محلها أيه من الإعراب؟!"
"محلها الباسكت يا يزن، لو مابطلتش حركاتك دي، ابعد احسنلك، قولتلك قبل كده أنا مبحبش تقرب مني بالشكل ده."
ابتعد للخلف، واضعًا ذراعيه في جيب سرواله، قائلاً بحنق طفيف:
"مالكيش في الطيب نصيب."
"ده الطيب ده "dirty" اوي يا بيبي، سي يووو..."
قالتها وهي تخرج من المصعد، ثم غادرت إلى باب المشفى مسرعة، مقررة الخروج سريعًا، ليقف هو مكانه، يراقبها مندهشًا، وعلى وجهه ابتسامة حمقاء، من جرأتها في تركه وحيدًا كالأبله، وتغادر كطاووسة صغيرة!!
***
ليلاً، في تمام الساعة الثامنة مساءً
ارتفع رنين هاتف يسر بينما كانت تقف وسط العمال، الذين يحاولون لملمة الزجاج المبعثر في كل مكان، بعد أن تسبب كسره في فوضى عارمة داخل المحل.
كان غضبها قد بلغ ذروته بسبب أفعال نوح المتهورة، التي باتت تتسم بالعدوانية بعض الشيء، في بادئ الأمر، تجاهلت الاتصالات المتكررة من والدتها، لكنها مع استمرارها، أجابت بضيق:
"أيوه يا ماما؟!"
استمعت إلى صوت نحيب والدتها، وهي تقول بخوف:
"لينا ضاعت يا يسر، مش لاقياها... اختفت وملهاش أثر!"
***
بينما كان الوضع في منزل سيرا، وتحديدًا في غرفتها، كانت في أوج سعادتها بعودة حورية، صديقتها، من سفرها اليوم، وأول ما فعلته حورية بعد عودتها هو زيارة سيرا في منزلها.
جلستا معًا على فراش سيرا، فقالت حورية بعتاب وهي تنظر إلى الخاتم الذي يتوسط إصبع سيرا:
"اتخطبتي من غير ما تعرفيني؟!"
شعرت سيرا بالإحراج وقالت بنبرة أبرزت بها صدقها:
"والله يا حور الحوار كله جه بسرعة ده لسه لابسين الدبل يوم الجمعة، وبعدين انتي كنتي مسافرة."
ضحكت حورية بفرحة وهي تقبلها في وجنتها بحب:
"مبروك يا حبيبتي، ومين سعيد الحظ؟!"
"يزن الشعراوي، اكيد عارفاه."
قالتها سيرا ببسمة خجولة وهي تهبط ببصرها، لكن صمت حورية الطويل جعلها ترفع عينيها لتقابل الصدمة المرسومة على وجه صديقتها:
"في أيه يا حورية؟!"
ابتلعت حورية لعابها بتوتر، ظهر جليًا في عينيها، ثم قالت بخفوت متقطع:
"وليه ماتصلتيش عليا الاول وقولتيلي؟!"
"مكنتش عارفة اوصلك، في أيه يا حورية؟! هو فيه حاجة؟!"
قالتها سيرا بارتباك، فأكملت حورية أسئلتها بحذر:
"هو انتوا اتعرفتوا على بعض قبل ما تتخطبوا، قصدي حاول يكلمك وانتي اتجاوبتي..."
قاطعتها سيرا وهي تقول بصدق:
"لا والله هو حاول وأنا صديته كذا مرة وبعدها اتفاجئت أنه جاي يخطبني وخطبني في أيه قلقتيني؟! هو بيشرب مخدارت؟!"
"لا، بس الأسوء، بتاع بنات يا سيرا وبيتسلى بالبنات زي ما بيتسلى باللب السوبر كده، وأنا متأكدة انه ماعرفش يوصلك دخلك من الطريقة دي."
وقفت سيرا من مكانها بصدمة وقالت بحزن:
"قصدك أنه بيتسلى بيا؟"
"طبعا ده وش، يا بنتي انا عارفة الكلام ده من مرات أخوه، يعني أكيد مش هتكذب."
امتلأت عيناها بالدموع وهي تنظر إلى دبلتها في إصبعها بحسرة، وشرخ أصاب فؤادها المسكين، فانكسر شيء في داخلها، شيء لن يعود كما كان.
كانت تحسبه قدرها الجميل، لكنها تكتشف الآن، أنه لم يكن سوى درسٍ قاسٍ.
أيُعقل أن يتحول حلمها من أن تكون أميرة في قصته، إلى مجرد اسم في قائمة مغامراته العابرة؟!