تحميل رواية «غناء الروح» PDF
بقلم زيزي محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
جفنيه وهو مستلقي بأريحية فوق فراشه ينعم بدفئه بعيدًا عن متاعب العمل وصراعات النسوة عليه، شعر بأصابع رقيقة ناعمة تحمل رائحة طيبة، بل كانت رائحة شهية تثير داخله مشاعر جمة، تتبع فضوله وفرق جفنيه ليطالع فتاة جميلة تقف بثياب أنثوية فاضحة، شهقة كادت تخترق جوفه، اتساع بؤبؤيه يشبه متفرج أبله يرتعد من أفلام الرعب، تلقائيًا قبض بكفيه فوق غطائه الازرق يجذبه على جسده كمن قُبض عليه بالجرم المشهود! وهتف بنبرة غليظة تنافي ردود أفعال جسده المرتعبة:-أنتي مين؟!تلون ثغرها المغطى بلون أحمر ناري بابتسامة ناعمة رقيقة...
رواية غناء الروح الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم زيزي محمد
إذًا...نظراته الحانية، كلماته الدافئة، وقربه الذي كانت تعده طوق نجاة...لم يكن سوى تمثيل أُجبرت عليه روحه امتثالًا لأوامر العائلة؟!
ارتجف جسدها بعنف ولم تقوَ على كتمان دموعها ولا على إخفاء ذلك الانفجار الوشيك في داخلها، شعرت أن الأرض تهتز تحت قدميها، وأن كل ما آمنت به ينهار أمامها قطعةً قطعة، لم تجد حلًا سوى الهروب...الركض حتى لو تاهت في الطرقات الأهم أن تبتعد....أن تخرج من ذلك المنزل، أن تتنفس بعيدًا لتستطيع التفكير بوضوح.
هبطت الدرج بخطوات متسارعة متعثرة من شدة اضطرابها، بينما حجبت دموعها الرؤية حتى كادت تسقط، فكانت تلهث وكأن وحشًا يطاردها في أثرها، وفجأة...اصطدمت بجسدٍ عريض وقف في طريقها، فأمسكها سريعًا قبل أن تقع وهمس بسعادة غامرة:
-سرسورة بتعملي إيه فـ....
لكنه لم يُكمل توقف لوهلة حين لمح دموعها الغزيرة، اتسعت عيناه في قلق ولم يفهم سبب بكائها، رفع بصره إليها ثم تمتم بصوتٍ مبحوح:
-مالك يا حبيبي مين زعلك فوق؟
هو يحبها...أجل يحبها بصدق، بل اقتحمت قلبه دون استئذان، مهما حاول الابتعاد عنها، كان يجد نفسه ينجذب إليها كالمغناطيس، وكأنها تملك قوة سحرية تشده إليها بلا مقاومة، لم ينطق كلمة "حبيبي" عبثًا بل لأنها خرجت من أعمق نقطة في قلبه، فهو لم يُخاطب أنثى بها من قبل بمثل تلك الكلمات ولم يظن يومًا أنه سيفعل.
لكنها بعكسه رمقته بنظرة حارقة تنزف استنكارًا، ارتعش فكها وهي تحدق فيه بوجهٍ غلبه الانكماش والخذلان، أي وجهٍ هذا؟! ماكر...خبيث...صدقت حورية في كل كلمة قالتها عنه، واكتشفت كم كانت ساذجة حين سلمت قلبها له، وسمحت لعشقها أن يستوطنه بلا حذر.
-ابعد عني.
قالتها بحدة جعلت صوته يختنق قبل أن ينطق بشيء، حاولت دفعه عن طريقها لكنه تشبث بكفها، وأمسكها بقوة وهو يسأل بحيرة:
-في إيه؟ بتعيطي ليه؟
دفعت يده بعنف وكأنها تنزع عن قلبها قيدًا، وأكملت هبوط الدرج دون أن تلتفت إلى نداءاته المتكررة، هرعت منال على صوت صراخه محاولةً إيقافها، لكنها رفضت وبقيت تخطو مسرعةً نحو مدخل البناية، غير آبهة بمَن يلحقها أو يحاول استرضاءها، في تلك اللحظة ظهرت شمس ومليكة يركضان خلفهما، توقفا بذهول عند المدخل عندما سمعا شجارهما الحاد.
-قولتلك اقفي في إيه؟ انتي هنا بتعملي إيه؟ وجيتي ازاي من غير ما تقوليلي؟
ضحكت بين دموعها ضحكة كسيرة ممزوجة بسخرية جارحة، ثم أجابت بصوتٍ مُرتعش ولكنه مشحون بالتمرد:
-اه صح بعمل إيه هنا؟! معلش أصل أنا غبية وفكرت إن خطيبي متفق مع اخوه الكبير على أني اجي اشوف الشقة اللي هنتجوز فيها مع مهندس الديكور، بس مكنتش اعرف أن خطيبي طلع مغصوب على الجوازة واهله هما اللي بيحركوه وهو مايعرفش حاجة عشان كان رافضني.
شهقت مليكة بصدمة ووضعت يدها على فمها، بينما أغمضت شمس عينيها بقوة وارتجفت أنفاسها؛ أدركت أن سيرا قد سمعت كل شيء، أما يزن فرمقها بذهول، تفحص ملامحها من أعلى رأسها حتى قدميها ثم تساءل بحدة نافرة:
-انتي بتقولي إيه؟ شقة أيه؟ و....
لكنها لم تتركه يكمل دفعت يده بعيدًا عنها وهي تشهق بقهر:
-ابقى اسأل اخوك الكبير، وبعدين مش عيب يا يزن تبقى في السن ده وأهلك يغصبوك على جوازة، مش عارف تقولهم لا، ده البنات ليهم رأي عنك....
صرخ باسمها بتحذير لكنها لم تتراجع:
-سيـــــــرا.
توقفت فجأة وواجهته مباشرةً بعينين دامعتين وقلبٍ مهزوم ثم نطقت بمرارة:
-إيه غلطت؟ مش ده اللي حصل؟ مش انت مغصوب عليا ومكنتش حابب تخطبني؟ تقدر تنكر وتقول عكس كده.
لم يستطع يزن أن يتفوه بكلمةٍ واحدة أمام هجومها الناري، كان يشعر وكأنه عالقٌ في كابوسٍ لا يريد أن ينتهي، لا يكاد يصدق أنها تقف في منزله وتواجهه بهذا القدر من الألم والخذلان، ظل صمته طويلًا، ثقيلًا، قاتلًا...صمته الذي خذلها أكثر مما خذلها أي شيء آخر، صمته الذي أكد لها دون أن يدري صحة كل كلمة سمعتها من زوجة أخيه.
ارتجفت شفتاها بمرارة ثم اندفعت نحو باب المنزل، تهرب من كل شيء حتى من نفسها، لكنها توقفت فجأة حين وجدت سليم وزيدان يقفان عند المدخل يتابعان الشجار منذ بدايته، لم تعرهما أي اهتمام بل دفعت زيدان جانبًا بكتفها وهي تمر أسفل نظراته المستنكرة ثم اندفعت خارجة...تركض بكل ما أوتيت من قوة تركض لتبتعد عن وجعٍ أثقل صدرها.
صوت سليم لحقها كسيفٍ يشق الصمت:
-مين قالها إن يزن كان مغصوب على خطوبته منها؟
تجمدت مليكة في مكانها، ابتلعت ريقها بخوفٍ ظاهر ثم انساقت غريزيًا نحو زيدان، تتشبث بكفه كمَن يبحث عن طوق نجاة، لم تكن تتوقع أن يخرج خطأها للعلن بهذه السرعة، كل ما حدث كان مجرد ثرثرةً عابرة بينها وبين شمس، لم تظن أبدًا أن سيرا كانت موجودة لتسمع!
لكن تكرار سليم لسؤاله بنبرةٍ أكثر حدة جعل وجهها يشحب وهي تهمس متلعثمة:
-أنا...أنا اللي قولت...
التفتت إليها العيون جميعها دفعة واحدة، نظرات يزن كانت الأشد قسوة؛ عينان سوداوان تضجان بالغضب ووجهه متشنج حتى كاد يفقد ملامحه، أما سليم فقد أرخى حاجبيه باستنكار، فتح فمه ليقذفها بوابلٍ من عبارات اللوم، لكن سبقت دموعها كلماتها وتشبثت بزيدان أكثر وهي تبكي بحرقة:
-كنت بتكلم أنا وشمس فوق وبنحسبها مشيت وباين سمعت كلامي والله ما كنت اقصد اعمل كده...
رفعت بصرها إلى زيدان ترجوه بنظرات دامعة:
-والله يا زيدان مكنتش اقصد، أنا اتكلمت مع شمس بعفوية ومانعرفش إنها كانت لسه موجودة.
التفتت نحو شمس تستنجد بشهادتها، فتقدمت الأخيرة بخطوة وقالت بهدوءٍ نادر وسط هذا الانفجار العاطفي:
-فعلاً يا سليم احنا كنا مانعرفش انها موجودة، مجرد صدفة.
احتواها زيدان بحنو واضح يربت فوق ذراعها محاولًا تهدئتها، ثم قال بعد تفكيرٍ قصير ونبرة حازمة:
-خلاص يا يزن، أنا هاخد مليكة ونروح نكلمها ماتقلقش الموضوع هيتحل.
أومأت مليكة برأسها موافقة متشبثةً بخيط أملٍ رفيع، لكن صوت سليم اخترق الموقف بصرامةٍ حادة:
-محدش يتدخل، هو يحل مشاكله بمعرفته...
استدار يزن نحوه ببطء وعيناه تلمعان بذهولٍ ممزوجٍ بالسخرية قبل أن ينفجر بصوتٍ جهوري:
-دلوقتي حل مشاكلك بنفسك صح؟ بتتدخل ليه من الاول في حياتي؟ بتتعداني ليه يا سليم؟ شايفني عيل صغير قدامك بتتحكم فيه؟ بتاخد قرارت بالنيابة عني ليه أصلاً؟
تقدم زيدان سريعًا تاركًا مليكة خلفه، ووضع كفه على كتف يزن في محاولةٍ لتهدئته:
-اهدى أخوك مش قصده اللي انت بتقوله ده...
لكن يزن أبعده بعنف وصاح بانفعالٍ غاضب:
-محدش يقولى اهدا، أنا مش مجنون قدامك، أنت نفسك يا زيدان مرضتش تسمع كلامه وروحت عملت اللي في دماغك واتجوزت، فمتجيش تعمل دور العاقل عليا.
أدار سليم وجهه نحوه ببرودٍ وشيء من الغرور الذي زاد النار اشتعالًا وقال بنبرةٍ واثقة:
-لو حابب تروح تتجوزها من غير ماتاخد رأيي اعملها مش هزعل ولا همنعك، ليك مطلق الحرية.
حاول يزن أن يتمالك نفسه لكن الغضب كان أقوى منه، فأمسك مزهريةً كبيرة في مدخل البناية، ثم حطمها بعنفٍ تحت أقدامهم جميعًا ليتناثر صدى انكسارها كصرخةٍ من أعماقه، انطلق بعدها بخطواتٍ عنيفة نحو الداخل، لكنه توقف فجأة عند عتبة الباب والتفت إليهم ثم رفع إصبعه في وجوههم جميعًا قائلًا بصوتٍ هادر:
-محدش يتدخل في حياتي تاني فاهمين ولا لا؟! حياتي خط أحمر، ومحدش يروح يكلمها.
ثم اختفى داخل شقة والدته، تاركًا خلفه صمتًا ثقيلًا وأنفاسًا متقطعة ونظراتٍ حائرة تتقاذفها القلوب، تابعته منال بعينين يملؤهما القلق، ثم لحقت به بخطواتٍ حذرة حتى وجدته جالسًا فوق فراشه، يهز ساقيه بعنف كما اعتاد حين يتوتر أو يشعر بالتهديد، جلست إلى جواره بهدوء، ووضعت يدها فوق ساقه علها تهدئ اضطرابه لكنه زجرها بنبرةٍ خشنة:
-لو سمحتي يا ماما سيبيني في حالي.
ابتسمت والدته بهدوءٍ رغم عنفه ثم همست بكلماتٍ جعلته يرفع رأسه باندهاش:
-لسه في أمل طالما مارمتش الدبلة في وشك.
قطب حاجبيه ثم حدق فيها باستنكارٍ حاد:
-انتي بتقولي إيه؟
لم تتراجع، بل ردت بنفس الهدوء بنبرةٍ تحمل ثقل الخبرة:
-ايوه صدقني والله تقدر تصلح كل حاجة وتراضيها.
ابتسم بسخرية حزينة وردد بنبرة عنيفة:
-اراضي مين؟! دي تقريبًا هزقتني، اقسم بالله ولا هعبرها براحتها تخبط دماغها في الحيط، هي مدتنيش فرصة حتى افهمها ونازلة سلخ فيا.
زفرت والدته بعمق ثم قالت برصانةٍ أمومية:
-حقها يا يزن؟ هي دلوقتي حست أنها كرامتها مهدورة اعذرها...
لكنه قاطعها بصوتٍ غاضب غريبٍ حتى عليه:
-لا مفيش عذر، علت صوتها عليا دي كانت ناقص تشتمني، أنا معملتش معاها إلا كل خير، ماستاهلش أبدًا تعاملني بالشكل ده، المفروض تحترمني.
انغلق قلبه على عنادٍ عنيف؛ شعر بأن كرامته قد اندهست تحت قدميها، وأن تدليله لها جعلها تتمادى وتتعدى حدودها معه، لم يكن ليتحمل أن يقف أمام عائلته بهذا الموقف المهين، بينما سليم ينظر إليه دائمًا كطفلٍ صغير يحتاج من يقوده، حتى أنه يمنح أنس مساحةً أكبر ليقرر في حياته أكثر منه!!
ولم يدرك يزن وسط كل هذا الصخب أن معركته مع الحب قد بدأت للتو...لكن عناده أشعل النار في كل شيء.
****
ارتمت سيرا في أحضان فاطمة، تبكي بحرقةٍ وقهر فيما كانت الأخيرة تربت فوق ظهرها بحنو ممزوج بالحزن على حال صديقتها، ومع ذلك لم يطل صمت فاطمة أمام حيرتها وارتباكها فبادرتها قائلة بقلق:
-طيب والعمل يا سيرا؟ هتعملي إيه؟
رفعت سيرا رأسها ببطء تمسح دموعها المتساقطة على وجنتيها بيد مرتجفة، ثم همست بصوت مبحوح يكاد ينكسر:
-لازم الاقي الشبكة بأي شكل يا فاطمة، لازم الاقيها وارميها في وشه.
ارتبكت فاطمة وضربت كفًا بأخرى وهي تردد بحيرة واضحة:
-انتي فعلاً مش قدامك حل غير كده، بس يا سيرا ازاي؟...ازاي يزن يكون مغصوب؟؟....
قاطعتها سيرا بانفعال وقد بدا الغضب يغلي في صوتها وهي ترد من بين أسنانها:
-بقولك سمعت مرات اخوه بوداني وهي بتقول كان قالب البيت حريقة عشان مايخطبنيش.
أطرقت فاطمة برأسها ثم أطلقت تنهيدة ضيقة كأنها تبحث عن خيط لفهم الموقف قبل أن تعود لتسألها بفضول:
-طيب ماشي اخوه السبب، بس هو اخوه كان له علاقة بيكي اصلاً ولا تعرفيه!!، الكلام ده لما يكونوا اتنين قرايب بعض يا سيرا، أو بيحبوا بعض قبل كده!!
زفرت سيرا بقوة تحاول أن تستجمع بقايا طاقتها المرهقة ثم قالت بصوت مكسور كأنما انطفأت بداخلها كل جذوة حياة:
-يمكن عشان اخوه شافني قبل كده، لما اهو اخد سلسلتي واتصلحت عنده يا فاطمة، فأخوه شاف إن مناسبة مثلاً...يا نهار أسود!
سكتت لحظة وكأن الخجل كتم أنفاسها قبل أن تهمس باحتمالٍ مرير:
-ليكون أخوه افتكر أننا بينا حاجة عشان كده ضغط عليه!!
رفعت فاطمة حاجبيها بدهشة ثم تمتمت بحذر:
-طيب انتي ليه مدتيهوش فرصة يتكلم يا سيرا ويوضحلك.
هزت سيرا رأسها بحسم وقد تحولت نبرتها من انكسارٍ إلى إصرارٍ عنيد:
-لا يا فاطمة مفيش كلام ما بينا خلاص، ده مغصوب عليا ومكنش طايق يخطبني، يمكن كان بيعاملني الفترة اللي فاتت دي كده عشان بيجبر بخاطري، أنا لازم الاقي الدهب بأي شكل وافركش كل حاجة، والمرادي لو اخواتي ماتوا قصادي عمري ما هسمع كلامهم أبدًا.
أنهت سيرا حديثها مع فاطمة ثم قررت العودة إلى منزلها وقد أثقل الحزن قلبها، كان عقلها يدور في دوائر مغلقة يبحث عن خيط يقودها إلى شبكتها المفقودة، حيث بدأت الشكوك تتسلل إلى ذهنها، تهمس لها بأن ما حدث لم يكن فقدانًا عابرًا، بل ربما سرقة متعمدة!
ودعت فاطمة بخطواتٍ مترددة ثم تابعت السير نحو بيتها، متجاهلةً تلك العيون التي كانت تتربص بها من بعيد، أو لعلها رأتها لكنها آثرت التجاهل، فمصيبتها أعظم من أن تسمح لنفسها بالانشغال بـ "فايق" وأمراضه النفسية.
وصلت إلى المبنى وصعدت الدرج بخطوات ثقيلة، وكأن كل درجة تسحب ما تبقى في روحها من طاقة، توقفت فجأة حينما وقعت عيناها على دهب، تقف أمام باب شقتها شاردة، تحدق إلى الأعلى كأنها تبحث عن شيء ضائع بين جدران السقف، استوقفها المشهد فبادرت بسؤالٍ مستنكر:
-واقفة ليه كده يا دهب؟
انتفضت دهب بصدمة كأنها أُخذت على حين غرة، وتنفست بسرعة قبل أن ترد بحنق واضح:
-بسم الله الرحمن الرحيم انتي بتطلعي امتى؟
رفعت سيرا حاجبيها بدهشة وعبست وهي ترد بغيظ مكبوت:
-احترمي نفسك يا دهب هو أنا قدك عشان تكلميني كده!!
قهقهت دهب بخفة ساخرة ثم أردفت وهي ترفع حاجبًا باستهزاء:
-اه اسفة يا خالتو..نسيت إنك خالتو بردو.
قالتها بسخرية لاذعة ثم تركت عينيها تتجولان فوق جسد سيرا الصغير، وبالمقارنة بينهما كانت دهب أطول قامةً وأكثر امتلاءً، لكنها لم تستطع أن تغفل جمال خالتها فوجه سيرا رغم شحوبه بقي محتفظًا بسحره الأخاذ، كان وجهها بيضاويًا متناسقًا، وبشرتها صافية متوجهة بلونٍ حنطيً دافئ، عيناها واسعتان براقتان تتلألآن بلمعة تجمع بين الصفاء والعمق، تحيطهما رموش كثيفة طويلة تزيد من فتنة نظرتها، حاجباها مرسومان بانسياب ودقة، يُضفيان على ملامحها جمالًا طبيعيًا مُرهفًا، أما شفاهها فكانت ممتلئة قليلًا مرسومة بانحناءة رقيقة تمنح ابتسامتها دفئًا خاصًا كأنها تبعث الطمأنينة لمَن يراها.
طالت دهب النظر إليها وتمنت في سرها لو امتلكت نصف ذلك الجمال، لكنها سرعان ما لاحظت آثار البكاء العالقة بعينيها وانتفاخ جفنيها الخفيف، فارتفع صوتها مستفسرًا بفضولٍ حذر:
-انتي كنتي بتعيطي يا خالتو؟
رمشت سيرا بأهدابها عدة مرات تمسح بقايا الدموع المتجمعة على رموشها، ثم قالت بهدوءٍ متكلف:
-لا لا مكنتش بعيط...
هزت دهب رأسها إيجابًا وهي تحاول ضبط انفعالاتها ثم ابتسمت ابتسامة مقتضبة وقالت بنبرة حاولت أن تبدو طبيعية:
-اه....اه اعرف طبعًا، يا رب تلاقيها يا خالتو.
كادت سيرا تسألها عن أي أخبار تخص الشبكة، لكن أصوات صراخٍ عالية صدرت من الطابق العلوي، فجذبت انتباهها، عقدت حاجبيها بقلق ثم أسرعت تصعد نحو شقة والدها لتتحقق مما يحدث، بينما دهب كانت تعلم تمامًا سبب الصراخ؛ فالأمر لم يكن سوى قاسم وعبود اللذان كانا يتلقيان عقابًا مؤلمًا من عصا والدتها الثقيلة.
دخلت دهب الشقة ثم أخرجت هاتفها من جيب سروالها الخلفي، وأجرت اتصالًا بصديقتها سمسم، لتسمع صوتها الخامل من الجهة الأخرى:
-يخربيتك قومي من النوم، أنا حاسة أني هتكشف.
ردت سمسم بتثاقل وهي تتنهد:
-تتكشفي ليه يا دهب بس؟ انتي اللي هتكشفي نفسك بتوترك ده!
زمت دهب شفتيها بتوتر وهي تقول بغيظ مكتوم:
-توتر أيه؟ أنا ماعرفتش احط الشبكة في أي مكان فوق كلهم منتشرين في كل حتة ودوروا في كل مكان يا بت حرفيًا وكل ما احط عيني على مكان الاقيهم رايحين يدورا فيه، فمش طبيعي أبدًا اروح أنا واحطها.
تنهدت سمسم محاولة إيجاد حل:
-مش ممكن!! اكيد في مكان مادوروش فيه!!
-لا قالبين الشقة كلها يا سمسم، كلها وحرفيًا محدش نام، كان يوم اسود يوم ما فكرت اخدها واتمنظر بيها في الدروس والمدرسة، اهو لبست في حيطة.
قالت سمسم بعد لحظة تفكير:
-طيب ما تبيعها وشبرقي على نفسك وكأنها اتسرقت وكده كده محدش هيشك فيكي.
شهقت دهب بحدة وهمست بخوف:
-إيه؟؟ يالهووووي لا طبعًا، دي لو أمي عرفت احتمال تعلقني على باب البيت...
ثم أضافت بنبرة مرتجفة:
-أنا كده ولا كده هتعلق بس تعليقة اهون من تعليقة يا ستي، المهم أنا اعمل إيه دلوقتي؟
أجابتها سمسم بلهجة عملية:
-اسكتي خالص لما يبدؤا يزهقوا يا دهب، بعدين حطيها في اوضة خالتك في أي شنطة ولا كده.
تساءلت بخوف وندم على ما فعلته في لحظة تهور:
-طيب افرض قرروا ينزلوا يدوروا تحت عندنا؟
-ما قولتلك هاتيها عندي انتي اللي مارضتيش!
أطلقت دهب زفرة حانقة وهي تقول بشك:
-لا أنا هتصرف واخبيها، يلا سلام عشان اطلعلهم...سلام.
****
أما بالطابق الأعلى...
انتفض عبود وقاسم من شدة الضربات التي انهالت فوق ساقيهما النحيلتين، بينما كانت أبلة عنيفة ترفع العصا وتهوي بها بلا رحمة، تصرخ في وجههما بغضبٍ يزلزل المكان:
-بقى يا كلاب! تسيبوا أختكوا لوحدها في بيت خطيبها وتروحوا تلعبوا كورة؟! هو إنتوا مش عارفين إننا في حالة حرب يا ولاه؟ وفايق متربص بيها ومش سايبها!
صرخ عبود بألمٍ وهو يتلقى ضربة جديدة فوق ذراعه، محاولًا الدفاع عن نفسه بضعف:
-مكناش نعرف يا أبلة والله، كنا زعلانين على ٢٠٠ جنية اللي دافعينها...
وضعت شاهندا اخت سيرا يدها فوق وجهها في يأس وتمتمت بغيظٍ لم تستطع كبته:
-يخربيتك اسكت هتسيب كل حاجة وهتمسك في الـ ٢٠٠ جنية.
لكن حكمت لم تترك لهما فرصة للهرب، إذ اندفعت خلفهما مكملة العاصفة توجه لهما ضربات متتالية وهي تصرخ بعنف:
-٢٠٠ جنية لكل واحد فيكم يا أهبل يا عبيط، ده حجز الملعب كله بـ ٢٠٠ جنية يالا، تعالوا هنا ما هي فلوس سهلة..
وفي تلك الأثناء فتحت سيرا باب الشقة بتوجس، تتلفت حولها بعينيها القلقتين لترى أخواتها الفتيات مجتمعين في الصالة بأطفالهن، يشاهدن المشهد المثير للشفقة بينما الأخوان يتلقيان عقابًا قاسيًا يستحقانه، وقفت سيرا بمنتصف الصالة تسأل باستنكارٍ متوتر:
-هو بابا فين؟
اقتربت فريال وهي تحمل طفلتها الصغيرة بين ذراعيها وقالت بنبرة قلقة:
-بابا ضغطه علي عليه جامد وابيه صافي اخده هو وماما يوديه للدكتور.
لم يمهلها قاسم وعبود وقتًا لالتقاط أنفاسها، إذ اندفعا فجأة نحوها يحتميان خلفها كملاذٍ أخير من غضب حكمت، لكن لسوء حظها جاءت ضربة عصا خاطفة فوق ذراعها، فصرخت بألم حاد وهي تمسك ذراعها بقوة، ارتبكت حكمت للحظة ثم قالت بلهجة آسفة لا تخلو من الغضب:
-معلش يا سيرا جت فيكي...
ثم التفتت من جديد إلى عبود وقاسم وقد عاد الغضب ليتوهج في صوتها:
-خد يالا منك له والله ما أنا سايبكم، هطلع عليكم الـ ٤٠٠ جنية اللي دفعتوها يا كلاب قال ملعب غالي قال...بتلعب في انجلترا يالا...
اندفع الجميع خلف الأخوين في محاولة يائسة لتهدئة ثورة حكمت بينما وقفت سيرا في منتصف الصالة وحيدة، كأنها أصبحت في عالمٍ آخر، نظرت حولها تبحث عن مأمن لكن وجدت نفسها محاصرة بالضوضاء والفوضى، فاجتاحها شعور قاتل بالوحدة كأنها غريبة وسط أهلها.
ضغط الألم على صدرها حتى كاد يخنقها، لكنها تجاهلت وجع ذراعها وانطلقت بخطوات متسارعة نحو غرفتها تنوي البحث مجددًا عن شبكتها المفقودة، دخلت الغرفة وأغلقت الباب خلفها بقوة، ثم بدأت تقلب كل شيء حولها بعنفٍ غير معتاد، وكأنها تُفرغ كل انفعالاتها المكبوتة في حركتها القاسية، كانت الشهقات تتسلل رغماً عنها، عالية ومتقطعة لكنها سرعان ما كانت تكتمها بيدها المرتجفة، وتتمتم بصوت مبحوح يقطر انكسارًا:
-يا رب الاقيها...يا رب لازم اروح واديهاله لو استنيت اكتر من كده هيبقى منظري وحش...الشبكة فين؟
لكن إرهاقها كان قد بلغ أقصاه…فجأة انهارت في منتصف الغرفة تجلس على الأرض الباردة ودموعها تغسل وجنتيها، طال بكاؤها حتى انتفخ جفناها واحمرتا عيناها، ثم غلبها التعب فسقطت فوق الأرضية الصلبة دون وعي، تاركةً روحها التعبة تهرب إلى عالمٍ آخر…
عالم موازٍ مليء بأحلام وردية طالما تمنت أن يكون واقعها شبيهًا بها؛ عالم تتفتح فيه زهور الحب وتتناثر فيه نسمات الوله بينها وبين صاحب أول نبضة إعجابٍ في فؤادها الغض…
****
صباح اليوم التالي...
اجتمع الجميع في صالة شقة منال على مائدة الإفطار، خيم الصمت على المكان فيما تنتظر العيون خروج يزن من غرفته ذلك الذي لم يذق طعم النوم طوال الليل، وأخيرًا انفتح باب الغرفة ببطء وخرج يزن لكن ملامحه لم تكن كما اعتادوها أبدًا؛ وجه متجهم وقسمات مشدودة، وعينان مثقلتان بالإنهاك والغضب معًا.
كان يخطو بخطوات واسعة نحو باب المنزل، يتجاهل وجود الجميع بملامح صارمة لم يألفوها من قبل، فقد كان وجهه دائمًا مرآة للحنان ومرفأً للطمأنينة، توقفت شمس بجانب مقعدها تحدثه بنبرة هادئة بينما كانت عيناه شاردتين:
-مش هتفطر يا يزن؟
لم يلتفت إليها وأجاب بحدة جافة:
-مش عايز زفت...
ثم أغلق الباب خلفه بعنف حتى ارتج الحائط من حوله، فانتفضت مليكة في مكانها من شدة الصدمة بينما هب سليم واقفًا يصرخ بنبرة غاضبة تكاد تتشظى حروفها:
-يزن أنت اتجننت....
لكن شمس أسرعت ووضعت يدها على ذراعه، تجذبه ليجلس وهمست إليه بنبرة راجحة:
-سيبه يا سليم هو شكله متضايق...
تنهدت منال بحزن ثقيل ثم رفعت رأسها نحو سليم، وقالت بنبرة يختلط فيها العتاب بالحزم:
-أنا هروح النهاردة أنا والبنات لسيرا في بيتها، محتاجة اتكلم معاها.
رفع سليم حاجبيه مستنكرًا ورد بغلظةٍ لم تُعجبها:
-وأنا قولت محدش يتدخل، وسيبه يحل مشاكله بنفسه.
تنفس زيدان بعمق محاولًا كبح انفعاله، ثم قال بلهجة ضيقة مشوبة بالتعاطف مع أخيه الأصغر الذي بدا واضحًا أنه قد تعلق بسيرا بل وأحبها:
-سليم أنت أساسًا السبب في اللي بيحصل ده كله، هو مكنش حابب يخطبها ولما خطبها باين إنه اتعلق بيها، والبنت بردو مصدومة من اللي حصل، يعني حقها تزعل وتضايق، سيب ماما تروح تحل ما بينهم، يمكن الدنيا تهدى ما بينهم شوية.
أبعد سليم الخبز بضيق وأسند ظهره إلى المقعد قائلًا بنبرة جامدة لا تحتمل النقاش:
-براحتكم طالما أنا مابيتسمعليش كلمة، كل واحد نفسه في حاجة يعملها...وطالما أنا السبب في الآخر، فهسكت وهسيبكم تتصرفوا على الله بس ماتعكوهاش فوق دماغه أكتر.
رفعت منال حاجبيها بدهشةٍ وجرحٍ مكتوم ثم قالت بنبرة عتاب رقيقة:
-ليه يا سليم هو انت شايفني عيلة صغيرة عشان أعكها؟
لم يكن يقصدها أبدًا لكن كلماتها اخترقت صمته، فأطبق شفتيه عاجزًا عن الرد، وهو يراها تنهض في هدوءٍ مهيب وتتجه إلى غرفتها دون أن تنطق بكلمة أخرى، تابعها بعينيه حتى اختفت خلف الباب شاعرًا بمرارة غريبة تملأ صدره.
عض زيدان على لسانه محاولًا كبح أي جدال قد يفتح بابًا جديدًا للخلاف، ثم قرر مغادرة المنزل متجهًا إلى عمله تاركًا مليكة وحيدة في مواجهة نظرات سليم الجامدة، قبل أن تهرع بدورها نحو غرفة منال لتحتمي بها.
حل صمت ثقيل بالمكان فقطعته شمس وهي تتأمله بنظرة لائمة ثم قالت بصوتٍ منخفض، كأنها تهمس لجدار قلبه:
-مارتحتش انت غير لما تخليهم كلهم يقوموا يمشوا من قدامك.
اقترب منها سليم بجسده حتى أصبح بينهما نفسٌ واحد، ثم همس وهو يلتقط أصابعها بين يديه:
-اممم عشان تفضلي انتي بس اللي معايا.
رفعت شمس يدها تعانق أصابعه في رفق ثم بادلت همسه بهدوءٍ أشد:
-سولي...ماما منال زعلت.
تنهد سليم طويلًا وأسند ظهره إلى المقعد، لكنه لم يترك يدها وكأنه يستمد منها شيئًا من الثبات، ثم قال بنبرة رخيمة خافتة:
-أنا مزعلتهاش في حاجة يا شمس، وعشان خاطرها سيبتها تعمل اللي هي عايزاه وانتي عارفة كويس أنا مبحبش حد يراجعني في كلمة.
أطرقت شمس قليلًا ثم رفعت عينيها نحوه وقالت بصوتٍ عاقل رزين:
-بس هي من حقها بردو يا سليم تتدخل بالطريقة اللي تعجبها وفي الوقت اللي تشوفه مناسب في الآخر دي حياة ابنها.
هز سليم كتفيه بهدوءٍ وبسمة خفيفة ترتسم على شفتيه وهو يعقب بنبرة بريئة:
-وأنا قولت حاجة يا شمس!
ضيقت عينيها بتفكير ثم همست متسائلة وكأنها تفتش عن سره:
-سليم انت مبسوط باللي بيحصل؟!
اكتفى بابتسامة واسعة تبعها ضحكة رجولية عميقة، ضحكة لم تسمعها شمس إلا نادرًا... مثلاً في الأعياد أو حين يداعب ابنتهما قمر، ولو كان الموقف غير هذا، لكانت قبلته دون تردد لكنها اكتفت بالتحديق فيه بدهشة:
-بجد انت مبسوط؟ أنا عمري ما شوفت يزن بالشكل ده؟
أومأ سليم برأسه إيجابًا ثم اعترف بصوتٍ خافتٍ يقطر مرارة:
-اه، مبسوط فيه بشكل واتمنى إنها تربيه على اللي عمله فينا سنين.
رمقته شمس بنظرة عتاب زائف وقالت بنبرة دافئة:
-قلبك جامد يا سولي.
ابتسم وهو يقترب منها أكثر وهمس بصدقٍ لا يحتمل التأويل:
-معاهم بس...معاكي انتي لا.
****
-أنا كنت مترددة أجيلك واقولك اللي حصل، بس بعد اللي سمعته كان لازم اجيلك واقولك إن الشبكة ضاعت فخد خاتم الخطوبة وأول ما الاقيها هجبهالك...
كانت سيرا تقف أمام المرآة تحدق في انعكاسها بعينين متعبتين ووجه شاحب، تتحدث مع نفسها للمرة الألف وكأنها تخاطب يزن وجهًا لوجه، لم تكن تجرؤ على مواجهته بعد، لكن الكلمات تخنق صدرها وتبحث عن مخرج.
توقفت فجأة زافرةً بقوة وكأنها تطرد اختناقها، قبل أن تغمض عينيها محاولة ترتيب كلماتها من جديد، فتحت عينيها وحدقت في ملامحها المنعكسة في المرآة ثم همست بصوت مبحوح متردد:
-ازيك يا يزن.. لا ازيك إيه؟! المفروض ماقولش ازيك...
ضغطت على شفتيها بقهر كأنها تعاقب نفسها على ترددها، ثم اعتدلت في وقفتها حدقت في عينيها الحادتين المنعكستين في الزجاج وكأنها تراه هو، وقالت بنبرة باردة جافة تخفي ما بداخلها من خوفٍ وانكسار:
-اتفضل خاتمك اهو واللي بينا انتهى وبالمناسبة شبكتك ضاعت ولما الاقيها هجبهالك لغاية عندك، وعشان تضمن حقك همضيلك على وصولات أمانة...
توقفت مجددًا تُطرق رأسها بقلق وهي تتمتم لنفسها بتوجسٍ حقيقي:
-هو ممكن لما يعرف أن الشبكة ضاعت وامضيله على الوصولات يسجني...
صمتت قليلًا ثم أغلقت عينيها كمَن يطرد فكرة مرعبة قبل أن تتجذر:
-لا لا يزن مش كده، مستحيل يعملها..
وبينما كانت تغرق في صراعها مع مخاوفها، شعرت بيد صغيرة تجذب طرف سروالها الأسود الفضفاض، نظرت للأسفل فوجدت الصغيرة "توتة" تتعلق بها بعناد، بينما سيرا قد ارتدت سروالًا أسود فضفاضًا، وفوقه سترة سوداء خالية من أي رسومات، مع حجاب أسود قاتم، كأنها تُرسل للعالم رسالة صامتة عن كم السواد القابع في قلبها الآن، همست بضيق وهي ترفع حاجبيها نحو الصغيرة:
-عايزة أيه يا توتة؟
قالت الطفلة بخجلٍ طفولي لا يخلو من الإلحاح:
-خمسة جنية يا خالتو.
رمقتها سيرا بنفاد صبر وقالت بحدةٍ خافتة من بين أسنانها:
-مش وقته، ماتقطعيش حبل أفكاري يا بنتي.
همست الصغيرة من بين أسنانها:
-خالتو يا رخمة.
لم ترضَ توتة بالرفض وبدلًا من أن تبتعد، قررت أن تثأر لكرامتها الصغيرة، زحفت بخفة نحو حقيبة سيرا الموضوعة فوق الفراش، فتحتها بخبثٍ طفولي ثم جذبت محفظتها الصغيرة وركضت مسرعة نحو إحدى الزوايا لتخبئها، ظنًا منها أنها بذلك تعاقب خالتها التي تذمرت عليها قبل قليل.
أما سيرا فلم تنتبه لتصرفات توتة فقد كانت غارقة في أفكارها، أسيرة تلك اللحظة التي تعلم يقينًا أنها آتية لا محالة، حاولت مرارًا صياغة جملة واحدة تليق بمواجهة يزن، لكنها فشلت في كل مرة، فقررت أن تغامر بكل شيء وتواجهه بما حدث مهما كان الثمن.
الأمر بسيط...هكذا همست لنفسها محاولة طمأنة قلبها المرتجف، رغم أنها تعلم أن لا شيء بسيط في ما هي مقدمة عليه.
التقطت حقيبتها من فوق الفراش، علقتها فوق ذراعها وخرجت من الغرفة بخطوات مترددة لكنها حاسمة، متجاهلةً نظرات شقيقاتها المتسائلة عن وجهتها، حمدت الله في سرها أنها لم تصادف أبلة حكمت في طريقها، فطاقتها اليوم لا تحتمل أي حوار جانبي ولا محاضرات في الأخلاق أو الترتيب.
وقفت أمام باب العمارة أوقفت سيارة أجرة صغيرة بدلًا من استقلال الحافلة المعتادة، فهي لا تملك اليوم صبرًا للازدحام ولا لوجوه الغرباء، جلست في المقعد الخلفي تسند حقيبتها إلى صدرها، تحدق عبر النافذة وكأنها ترى شريط حياتها بأيامه السابقة مع يزن يمر أمامها ببطء فيما تتجه السيارة نحو معرض يزن...حيث ستخبره بكلمتها الأخيرة.
****
دخل فاضل الغرفة التي يرقد فيها منير داخل المشفى، أصوات الأجهزة الطبية تتداخل مع وقع خطواته الثقيلة، فقد كان منير جالسًا على السرير، نصف مستند إلى الوسائد وجهه متورم، مغطى بكدمات أرجوانية وذراعه اليمنى في جبيرة بينما يضغط بيده الأخرى على ضلوعه المتكسرة.
اقترب فاضل بخطوات هادئة تخفف من وقع القلق في قلبه، ثم تبسم بخفوت وهو يحاول كسر حدة الموقف:
-عامل إيه يا منير دلوقتي؟
أطلق منير أنينًا قصيرًا وهو يشير إلى جسده المرهق قائلاً بنبرة مختنقة بالألم:
-زي ما أنت شايف مفيش فيا حتة سليمة بسبب جوز بنتك المجنون.
لم يستطع فاضل كتم ضحكة قصيرة خرجت رغمًا عنه ثم جلس على طرف السرير واقترب أكثر هامسًا له كمَن يفضح سرًا صغيرًا:
-بقى يا منير اقولك تروح تخليه يحس بالغيرة وتضايقه، تقوله طلقها وأنا احق بيها منك.
ارتسمت على وجه منير ابتسامة مريرة ممزوجة بالقهر والندم بينما لمعت عينيه بخيبةٍ واضحة:
-حبيت اجود يا عم فاضل، مكنتش اعرف إن جواه بلطجي نفسه يطلع، ده ماسابش حاجة إلا وكسرها فوق دماغي ولما حاولت اهرب عند يسر القادر نزل ورايا وحالف ليموتني.
ضرب فاضل كفه على جبينه بأسف واضح:
-يا بني ما انت مش طبيعي في حد يقول الكلام ده، أنا قولتلك حركه من بعيد وخليه يحس بالغيرة عليها عشان يتحرك وينزل من برجه العالي ويتصالحوا.
حاول منير أن يعتدل في جلسته فبادره فاضل بمساعدته حتى استقام قليلًا وهو يضغط على أضلاعه بحذر ثم تنهد قائلاً بنبرة محملة بالندم:
-يا عم فاضل...نوح مفيش حاجة كانت هتحركه إلا الكلام اللي قولته، وبعدين انت قولتلي خرجه عن شعوره، بس باين إن أنا بالغت شوية.
هز فاضل رأسه ساخرًا وقد شبك ذراعيه على صدره:
-شوية بس...قول شويتين...ده كسرك وجاب للبت انهيار عصبي فوق البيعة.
ارتبكت ملامح منير قليلًا شاعرًا بالذنب لسوء اختيارات حديثه مع نوح الذي تعامل بكل همجية، ثم تساءل بصوت ضعيف وقلق:
-هي يسر عاملة إيه؟ وجوزها المجنون ده فين؟
تنهد فاضل بعمق وألقى نظرة جانبية نحو النافذة وكأنه يسترجع ما حدث:
-الحمد لله بقت كويسة، والتاني قاعد برة المستشفى ماتحركش من وقتها مستني يشوفها بس على مين والله لأربيه، المهم احنا على نفس خطتنا....
اتسعت عينا منير فجأة وارتجف جسده دون وعي وهو يتذكر تفاصيل ما حدث مع نوح، وكأن صدى الضربات لا يزال يسكن عظامه:
-لا لا شوف حد غيري، أنا لا يمكن اتعامل معاه تاني، ده مختل بقولك لو مكنش صاحبه وقفه عني كان موتني.
وضع فاضل كفه على كتف منير بحزمٍ وهدوء وملامحه جادة لكنها مطمئنة:
-اخدنا منه تعهد مايجيش جنبك ماتقلقش ميبقاش قلبك طري كده، جمد قلبك وأنا هقولك تتعامل معاه ازاي من بعيد لبعيد.
ظل منير صامتًا للحظات وكأن داخله صوتان يتصارعان؛ أحدهما يصرخ بالرفض، والآخر يخشى غضب فاضل زوج خالته الذي لم يجرؤ يومًا على مخالفته بسبب أفضاله عليه وعلى والديه، وأخيرًا تنهد بعمق واستسلم دون اقتناع:
-حاضر يا عم فاضل، بس واقسم بالله لو فكر يعمل فيا حاجة أنا هسجنه بجد المرادي.
*****
كانت سيرا شاردةً تمامًا تحدق عبر نافذة السيارة كأنها تهرب بعينيها من كل شيء حولها، منفصلة عن صخب العالم الخارجي حتى بدا الأمر وكأنها خارج الزمن، استوقف السائق السيارة في المكان الذي طلبت منه التوقف عنده، ثم التفت إليها يناديها أكثر من مرة:
-آنسة...يا آنسة.
لكنها لم تجب حتى بدأ يشك في أنها فارقت الحياة لولا أن عينيها كانتا مفتوحتين تحدقان في اللاشيء، ضاق صدره من صمتها المربك فأطلق جملةً ساخرة بنبرة مستفزة:
-يا آنسة...اقسم بالله ما طبيعي أبدًا، انتي شاربة حاجة على الصبح؟!
اخترق صوته شرودها كقذيفةٍ نارية فاتسعت عيناها بصدمة، ثم أشارت إلى نفسها بحدة وهي تقول بانفعال:
-انت بتكلمني أنا كده؟
تجهم السائق وحدثها بنبرة خشنة حادة:
-اه بكلمك انتي!، هو أنا كل ما كلم حد يقولي انت بتكلمني أنا كده؟! انت مش عارف أنا ابن إيه؟؟ في أيه على الصبح؟! إيه اليوم اللي مش باينله ملامح من أوله.
حدجته سيرا بنظرة صارمة وأشارت بإصبعها نحوه محذرة:
-بقولك إيه احترم نفسك عشان....
قاطعها بعنف وهو يلتفت بجسده كاملًا نحوها من المقعد الأمامي صائحًا بصوتٍ مستفز، ونبرة تعج بالاستفزاز:
-عشان إيه يا حلوة؟ هتعمليلي إيه؟! ما تفوقي يا بت على الصبح! أنا خارج من بيتي ومش شايف قدامي ومستعد اطلع عفاريتي عليكي.
اتسعت عيناها من هول وقاحته ثم فتحت حقيبتها بسرعة تبحث عن محفظتها وهي تقول بغيظٍ مكتوم:
-أنا مش هرد على واحد مش محترم زيك، حسابك كام؟....
لكنها توقفت فجأة يدها غاصت في الحقيبة الفارغة...لا محفظة ولا حتى ورقة نقدية واحدة، تجمدت أنفاسها في صدرها وهي تسترجع ما حدث ولكنها لم تعرف أن الصغيرة "توتة" أخذت محفظتها خلسة انتقامًا منها!
رفعت سيرا وجهها إلى السائق وملامحها مذهولة، بينما وجدته هو الآخر يتشنج غضبًا ويكيل لها شتائم لم تسمعها بوضوح من وقع الصدمة.
-انت بتشتمني؟!
سألته بانفعالٍ مكبوت لكنه صرخ يضرب كفه فوق المقعد المجاور له بعنف:
-انزلي يلا يا بت وهاتي حسابي، عشان واقسم بالله أنا ثانية واحدة ومش هحافظ على لساني معاكي اكتر من كده.
ابتلعت سيرا الإهانة وهي تحاول كبح دموعها، ثم لمحت معرض يزن على مقربة منها، لكن كرامتها أبت أن تستعين به، تماسكت بكل قوتها وقالت بنبرة متعالية تحاول فيها تثبيت جذور الخوف في أرضٍ صلبة:
-نسيت الفلوس...ارجع وديني مكان ما جبتني وأنا هحسابك هناك.
كأنها أطلقت تعويذةً ألهبت غضبه فاستدار نحوها يصرخ وعيناه تلمعان بالشر:
-نعم!!! عليا النعمة أنا قولت بتشربي حاجة، انزلي يا بت...انزليلي.
هبط من السيارة بخطوات سريعة يفتح الباب الخلفي بعنف، صائحًا بصوتٍ جهوري جذب انتباه المارة:
-انزلي انتي واحدة مسطولة ولا إيه؟
تجمدت سيرا في مكانها والدموع على وشك الانهمار، فالحرج اشتعل في قلبها كالنار، خاصةً وأن أصحاب المشاريع المجاورة لمعرض يزن بدأوا يتجمعون حول السيارة، يا للفضيحة! لكنها تماسكت وأصرت بعنادٍ متشبث وهي تحاول غلق الباب مجددًا:
-احترم نفسك أنا قولتلك ارجع بيا وأنا هديك حسابك.
لكن محاولتها أوقعتها في فخ الألم؛ إذ أغلق الباب فجأة على كفها الأيمن بقوة فصرخت بألمٍ حاد، وانفرط عقد ثباتها وبكت بانفعالٍ موجع، لم تشعر بنفسها إلا وهي تندفع من السيارة لتنهال على السائق بحقيبتها ضربًا، بينما المارة يحاولون التفريق بينهما في فوضى عارمة.
-أنا هوريك المسطولة دي هتعمل فيك إيه؟
أما داخل معرض يزن...
كان يجلس في مكتبه وحده، وقد أسدل الستائر الثقيلة ليمنع أعين العاملين من رؤية حالته البائسة، عادة يزن حين يختنق يلجأ إلى العزلة، وقد أشعل التلفاز على تلاوة سورة البقرة بصوت الشيخ محمد صديق المنشاوي، تلك العادة التي ورثها عن والده رحمه الله حين قال له ذات يوم:
-القرآن ده دوا لكل هم وكرب ممكن تحس بيه، لو غمضت عينك وركزت مع كلام ربنا يا بني، هتحس إنك سافرت وبعدت عن مشاكل وهموم الدنيا في رحلة لا يمكن تعوضها بكنوز الدنيا.
أغمض يزن عينيه وأسند ظهره إلى مقعده، وغاص في الطمأنينة كغريقٍ يجد شاطئ النجاة بعد طول صراع، لا يريد أن يرى أحدًا لا زبائن ولا موظفين، فقط سكينة خالصة بينه وبين صوته الداخلي.
لم يعرف كم مر من الوقت لكنه كان يردد خواتيم سورة البقرة بخشوع حين قطع الطرق المتواصل على الباب لحظة صفائهه، أذن بالدخول دون اكتراث ليطل صابر أحد عماله وملامحه مرتبكة وصوته متلعثم:
-معلش يا يزن باشا....بس خطيبتك بتتخانق برة والخناقة كبيرة والناس مش عارفة تفضها.
في لحظة واحدة سقط هاتفه من يده والريموت بجانبه، وانطلق يركض خارج المكتب دون تفكير، حتى خرج إلى الشارع، فقد كان المشهد فوضويًا؛ سيرا تبكي بحرقة والسائق يصرخ بشتائم فجة، يحاول رفع يده ليصفعها لكنه اندفع نحوه كالعاصفة صارخًا بصوتٍ غاضب:
-انت بتعمل إيه يا راجل يا مجنون انت...
كل لحظات الصفاء التي عاشها قبل دقائق تبخرت، وشياطينه أفاقت دفعة واحدة، انقض على السائق ينهال عليه بالضرب والسباب حتى انقلب الموقف إلى عراك عنيف، والمارة يحاولون الفصل بينهما بلا جدوى، والسائق في لحظة غضب أخرج سكينًا صغيرة من جيبه يلوح به مهددًا.
لكن صوت صفارات الشرطة التي وصلت فجأة شل حركته، لتقبض العساكر على السائق ويزن معًا وسط دهشة الجميع، وقبل أن تهدأ الفوضى أشار أحد المارة نحو سيرا وهو يلهث:
-البت دي يا بيه سبب المشكلة.
فأمر الضابط بصرامة:
-هاتوها معاهم.
ارتجفت سيرا وعيناها تتسعان من الخوف، بينما الألم يشتعل في كفها المتورم، حاول يزن الاعتراض لكن الضابط قاطعه بنبرة حادة:
-هي مش فسحة يا حبيبي اركبوا وانتوا ساكتين.
تعثرت خطوات سيرا وهي تتجه نحو سيارة الشرطة، أنفاسها تتسارع ولم تعد قادرة على الكلام، ساعدها يزن على الصعود وجلس إلى جوارها، يمسك يدها المتورمة بصدمة صامتة، بينما بدأت هي تشعر بدوارٍ حاد وجفافٍ شديد في حلقها، ولم تسمع تهديده الخافت للسائق وهو يتمتم بأسنان مطبقة:
-وديني ما أنا سايبك.
التفت إليها فجأة حين ألقت رأسها المثقل على كتفه وهمست بصوتٍ متحشرج متقطع:
-يزن...مش.... عارفة....اتنفس.
انطلقت سيارة الشرطة في طريقها بينما وقف صابر وعمال المعرض في صدمة مروعة، قبل أن يمسك صابر هاتفه ويرفعه إلى أذنه بسرعة:
-الو يا زيدان باشا...يزن باشا اتاخد في البوكس دلوقتي هو وخطيبته.
وفي زاوية أخرى كان عامل آخر يتصل بـ سليم، الذي رد بصوتٍ جامد كالصخر:
سليم باشا...الحق اخوك اتاخد في البوكس وهو خطيبته
رواية غناء الروح الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم زيزي محمد
-"ربنا ينتقم منك يا بعيد…روح إلهي تلبس في مصيبة!"
أما يزن فزفر زفرة حارة كأنما تخرج معها جمرة من صدره، ثم التفت بحدة إلى أحد العساكر صارخًا:
-ده طريق سفر، مش طريق للقسم...واللي مرمية جنبي دي إيه مش هتودها مستشفى؟!
رمقه العسكري بنظرة باردة وأجاب بلهجة لا تخلو من اللا مبالاة:
-قولت للباشا عليها قالي سيبها لما تفوق لوحدها.
تصلبت ملامح يزن واشتعلت أعصابه حتى فقد السيطرة على نفسه، فهب يضرب بقبضته على حديد السيارة بجنون وهو يزمجر:
-يعني إيه تفوق لوحدها هي بتمثل؟ واقسم بالله لو حصلها حاجة ما أنا سايبكم.
ابتسم العسكري ابتسامة ساخرة تحمل في طياتها تهديدًا مبطنًا وهو يقول بخفوت:
-اقعد ساكت عشان عصام باشا خلقه ضيق لو سمعك بتزعق تاني عشان خطيبتك هيرميك في السجن وأهلك مش هيعرفولك طريق.
لم يتحمل يزن تلك النبرة الاستفزازية، فخرجت منه ألفاظ نابية وسباب حاد موجه للعسكري والضابط معًا، مُهددًا ورافضًا تمامًا فكرة عدم نقل سيرا إلى أي مشفى، وخاصةً عندما تذكر الضابط وهو يزيد في سخريته:
-"مفيش يا ولاد أي مستشفى خاص في طريقنا ننقل السنيورة فيها عشان روميو خايف عليها؟!!"
انتفضت السيارة فجأة وتوقفت بعنف، فالتفت يزن مستغربًا ليجد أحد العساكر يصرخ مهددًا:
-وصلنا يا حلو، والله للتظبط جوه.
هبط الضابط عصام من السيارة متجهًا نحو قسم الشرطة، لكن ما إن اقترب حتى تفاجأ بحالة استنفار داخلية؛ عدد من الضباط يتحركون في اضطراب واضح بعضهم يعرفهم، والبعض الآخر أعلى رتبة وسنًا، لم يكد يستوعب ما يجري حتى اقترب منه ضابط آخر يهمس بغيظ:
-انت مجنون يا عصام قابض على اخو زيدان الشعراوي ومركبه البوكس كمان؟
قطب عصام حاجبيه بعدم فهم ورد بصوت خافت مرتبك:
-مين زيدان الشعراوي؟ وبعدين هو أنا كل ما اقبض على حد هسأله انت مين وابن مين؟
اقترب الضابط أكثر وخفض صوته متوعدًا:
-زيدان الشعراوي ده أرخم ظابط في الوزارة، نابه أزرق ومعندوش تفاهم، واديك شايف يا حلو هو قالب القسم ازاي؟
في الجهة الأخرى كان زيدان قد وصل برفقة سليم، فتقدما بخطوات حازمة نحو سيارة الشرطة، أشار زيدان للعساكر بالتراجع فورًا فامتثلوا في لحظة، بينما تحرك السائق معهم في صمت متوتر، وما إن أطل زيدان برأسه داخل السيارة حتى وقع بصره على سيرا مغمضة العينين شاحبة الوجه، رأسها مستند إلى كتف يزن، عقد حاجبيه بحدة والتفت نحو يزن يسأله بلهجة متوترة:
-هي مالها يا يزن؟
أجابه يزن من بين أسنانه بغيظ مكبوت:
-لا أبدًا كانت مرهقة ونامت شوية، أصحيهالك؟
زفر زيدان بعنف والتفت إلى سليم هامسًا:
-شوفته بيقل مني ازاي وسط زمايلي، لما اهزقه دلوقتي، هيبقى حلو؟
ربت سليم على كتف أخيه مهدئًا إياه ثم التفت إلى يزن قائلاً:
-انزل ونزل خطيبتك، وانت يا زيدان شوفلنا دكتور؟ ولا....
لكن يزن قاطعه بنبرة حادة ارتج لها المكان:
-ودوها مستشفى يا عم، ده مفيهاش أي نفس، ودوها مستشفى وأنا هفضل هنا معاكم.
هنا صرخ السائق من الخلف وهو مكبل بين يدي أحد العساكر:
-لا أنا ماليش دعوة البت دي هيتحقق معاها زيي، هي أصلاً اللي غلطانة.
تدفقت الدماء في عروق يزن كالنار المشتعلة، فدفع سيرا التي لا حول لها ولا قوة نحو سليم بعنف وهو يهتف:
-خدها وامشي ومالكش دعوة باللي هيحصل.
ثم انقض على السائق كوحش هائج، يكيل له اللكمات في وجهه وجسده بعنف شديد حتى تدخل الجميع لفصله عنه، واستطاع زيدان إمساك ذراع يزن وأبعده بقوة، زاجرًا إياه بعنف:
-اقف مكانك، خلاص هي مش سويقه، في أيه مالك؟
ابتعد يزن وهو يلهث بشدة يعيد خصلات شعره الثائرة للخلف بأنامل مرتجفة، ثم التفت نحو سليم وهو يصرخ:
-ما توديها يا سليم المستشفى، هي ملهاش أصلاً دعوة أنا اللي متخانق معاه.
لكن السائق المدمى فمه صرخ متحديًا:
-لا هي.
فالتفت إليه يزن وعيناه تقدحان شررًا:
-قولتلك أنا...ولما اقولك أنا اللي اتخانقت معاك يبقى أنا.
كان كل ما يدور في رأسه في تلك اللحظة إبعاد سيرا عن هذا المكان بأي شكل من الأشكال؛ فمجرد صعودها لسيارة الشرطة أفقدها وعيها، فما بالك لو أفاقت لتجد نفسها متهمة داخل قسم الشرطة!
رفع عينيه باحثًا عن سليم فلم يجده في الجموع المزدحمة، ليلمح سيارته وهي تبتعد حاملةً سيرا بعيدًا عن الفوضى فزفر بارتياح عميق، ولم يكد يلتقط أنفاسه حتى شعر بيد زيدان تجذبه بقوة إلى الداخل وهو يهمس بحزم:
-هندخل متفتحش بوقك بكلمة، عشان أعرف الم الدور أنت عاكك الدنيا على الآخر، مش ناقص عك زيادة، فاهم ولا لا؟
رمق يزن الضابط الذي تعنت معه في البداية ومنع سيرا من الذهاب إلى المستشفى، فاقترب من زيدان وهمس بغيظ:
-زيدان، الظابط اللي هناك ده عاند معايا وكل ما اقوله إنك اخويا، يقولي مايهمنيش...
ثم أضاف هامسًا مفتعلًا سبة قذرة ادعى أن الضابط تفوه بها في حق زيدان، فارتفع حاجبا زيدان بدهشة وتحولت نظراته إلى شراسة متوعدة، تاركًا يزن يتذوق لذة الانتصار وهو يشعل نيرانًا داخل أخيه تكفي لإحراق كل شيء.
****
بعد مرور ساعة كاملة كان سليم يجلس أمام الغرفة التي ترقد فيها سيرا بعد أن استفاقت واستعادت جزء من وعيها، لكن ملامح الضعف ما زالت بادية على وجهها ولم تستعد وعيها الكامل بعد، فالطبيب المعالج طلب إجراء بعض التحاليل للاطمئنان عليها، غير أنه لم يخبر سليم بأي تفاصيل عن حالتها الصحية بعد، الأمر الذي زاد من قلقه.
وفي تلك الأثناء كان يزن يشق طريقه بين ممرات المشفى بخطوات سريعة كأن قلبه يسبقه قبل قدميه، حتى كاد أن يصطدم بالمارة من شدة استعجاله، وعلى الرغم من الموقف المتوتر، لم يستطع زيدان كبح سخريته المعتادة فقال بلهجة لا تخلو من الغيظ:
-براحة يا روميو المستشفى هتقع بينا.
لم يتوقف يزن عن التحرك في الممرات، واكتفى بأن رماه بنظرة خاطفة حادة قبل أن يبتسم ابتسامة استفزازية قائلاً:
-أنا مش عارف حقيقي إيه اللي حاشرك في حياتي، جاي ورايا ليه؟ أنت مش مهتمك خلصت، خلاص خلصنا.
كلمات يزن كانت كشرارة أشعلت غضب زيدان، الذي لم يحتج سوى لحظة واحدة ليقف في وجهه مستهجنًا:
-هو إيه اللي مهمتك خلصت؟ أنت عبيط؟ هو أنا شغال عندك؟ تصدق يالا انت خسارة فيك المعروف، المفروض كنت أسيبك تلبس في قضية ومصيبة انت وهي.
توقف يزن فجأة واضعًا يده في جيب سرواله، ثم نظر إليه بعناد كعادته وقال بتحد:
-مالها هي؟ بتجيب سيرتها ليه طيب؟ مشكلتك معايا أنا، مشكلتك مش معاها عشان تجيبها في جملة مفيدة.
تدخل صوت ثالث فجأة وما كان سوى صوت سليم الذي ظهر من حيث لا يدري أحد:
-في إيه؟ إيه؟ انتوا اتجننتوا؟! بتتخانقوا!!
ابتعد زيدان خطوة إلى الخلف وأشار إلى يزن غاضبًا وهو يخاطب سليم بنبرة مشتعلة:
-اتفضل اتدخل انت يا كبير وشوف عمايل أخوك الصغير، وفهمه إنه يحترمني.
زم يزن شفتيه كاتمًا غيظه، لكنه لم يستطع أن يمنع نفسه من الرد بعنف مماثل:
-أنا محترمك كويس، بس أنت....
قاطعه زيدان باستنكار ساخر:
-انت إيه؟
ثم التفت إلى سليم وكأن لسانه يشكو من كثرة ما تحمله:
-من وقت ما خرجنا يا سليم، وهو نازل تنبيهات فيا كأني عيل صغير، اوعى تقول لحد إنها غلطانة....شوية هي مش غلطانة ده ابن الـ مش عارف إيه هو اللي نرفزها وقفل الباب على ايدها، شوية يقولي لو شوفتها متحسسهاش إنها السبب في حاجة، متضايقهاش...ماتعملش ماتسويش..في إيه؟ قرفتني يا عم انت ومحور الكون بتاعتك امال لو مش هتفركشوا.
رفع سليم حاجبيه بدهشة مصحوبة بعتاب ساخر:
-الملافظ سعد يا زيدان، في إيه هدي أعصابك ده يزن يعني وعارفينه على إيه؟!
-والله؟!
أطلق يزن ضحكة قصيرة ساخرة ثم أشار إليهما بحنق مكتوم:
-انتوا الاتنين لسه حسابي معاكم، إيه اللي عرفكم إن أنا اتقبض عليا، ده أنا لقيتكم قبلي في القسم؟ انتوا بتراقبوني؟
زفر سليم بخفة متظاهرًا باللامبالاة:
-مش لدرجادي يا يزن، مش هسيب حياتي ومشاغلي وزيدان هيسيب مجرمينه ونقعد نراقبك يا حبيبي، احنا عرفنا بالصدفة، وبعدين أنا مش هنبهك تاني تاخد بالك من كلامك معايا، ما هو مش هتيجي انت على أخر الزمن عشان تقولي حسابك معايا بعدين، فوق أنا أخوك الكبير.
ساد صمت قصير ثم أطرق يزن رأسه للحظة قبل أن يرفعها مبتسمًا ابتسامة نصف ساخرة قائلاً:
-أسف يا أبية.
ثم تخطاه بخطوات سريعة وكأنه يريد الهروب من ثقل الموقف، قبل أن يسأل بلهجة يغلبها القلق:
-سيرا أخبارها إيه؟!
ألقى سليم نظرة عابرة على زيدان، ثم ربت على كتفه وهو يجذبه خلفه، قائلاً بصوت منخفض يخالطه توتر:
-لسه ماعرفش محدش مفهمني حاجة.
اقترب يزن من باب الغرفة ببطء، ثم طرقه طرقًا خفيفًا، جاءه صوت أنثوي غريب يأذن له بالدخول، ففتح الباب بحذر لكن ما أثار تحفظه أن سليم وزيدان دخلا خلفه مباشرة وكأنهما يُصران على إغاظته، كانا يعلمان تمامًا كم يحتاج للانفراد بها، لكن…لا حياة لمَن تُنادي!
دخلوا ثلاثتهم إلى غرفة سيرا فوجدوها جالسة فوق الفراش، يدها مثبتة بالمحاليل وملامحها شاحبة كظل يتلاشى في الضوء، كان التعب مرسومًا على وجهها، وأنفاسها متقطعة كأنها تخوض صراعًا مريرًا مع الهواء نفسه، اقتربت منها الممرضة بخطوات هادئة ثم مالت نحوها لتساعدها على الجلوس وقالت برفقٍ مفعمٍ بالحنان:
-تشربي؟
فتحت الممرضة زجاجة الماء وقدمتها لسيرا، وفي تلك اللحظة انفتح باب الغرفة ودخل الطبيب الشاب، ملامحه المتوترة تنبئ بحداثة تخرجه، وعلى وجهه ابتسامة واسعة أثارت ريبتهم جميعًا أكثر مما بعثت الطمأنينة في نفوسهم.
لم يتحمل يزن الصمت،ط فالتفت نحو الطبيب بنبرة جامدة وهو يشير بيده إلى سيرا:
-هي عندها إيه يا دكتور؟
ابتسم الطبيب بثقة زائدة وقال بنبرة خفيفة كأنه يزف خبرًا سعيدًا:
-متقلقوش يا جماعة، هي بتدلع بس عشان حامل.
ساد صمت ثقيل في الغرفة كأن الهواء نفسه تجمد في مكانه، لم يصدر أي رد فعل من أحد سوى سيرا التي شهقت بدهشة حادة، ثم بصقت الماء دفعة واحدة من فمها كأن الكلمة نفسها صفعتها قبل أن تصل إلى أذنيها كاملة.
انطلقت ضحكات يزن فجأة عالية حد القسوة، كأنها رصاصات مباغتة مزقت صمت الغرفة، ارتفع صوته حتى احمر وجهه، وانحنى بجسده قليلًا وهو يسعل بخفة بين قهقهاته المتلاحقة، وكأن الخبر الذي سمعه للتو لم يكن فضيحة بل نكتة عابرة!
ثبت الطبيب في مكانه مذهولًا من ردة الفعل الغريبة، بينما تبادلت عينا سليم وزيدان نظرات مشحونة بالحيرة والشك معًا، كان المشهد غريبًا حقًا؛ كيف يمكن لشخص يسمع أن خطيبته حامل، ثم يضحك بهذا الشكل؟!
لكن يزن شعر بثقل تلك النظرات المرتابة، وكأنه محور محاكمة غير معلنة، فلوح بيديه في الهواء بتهكم وهو يلهث من الضحك:
-وربنا أنا لسه مامسكت ايدها حتى!
الجملة التي ألقاها بتلك الخفة لم تُضحك أحدًا… على العكس فجرت داخل سيرا بركانًا مكتومًا، فشعرت بحرارة الدم تتدفق إلى وجنتيها حتى كاد وجهها يحترق، لم يكن هذا ما توقعته منه، كانت تريد منه أن يقف صلبًا إلى جوارها، أن يُظهر رجولته في موقفٍ مربك كهذا…لا أن يسخر منها أمام الجميع وكأنها مادة للتهكم!
لم تكن تعرف أن يزن في مثل هذه المواقف يتأرجح دومًا بين طرفي نقيض...إما أن ينفجر غضبًا حتى العنف، أو يختار السخرية الصاخبة ليتخفى خلفها، تلك "الوسطية" التي كان سليم دائمًا يحدثه عنها لم يفقه عنها شيء!
جمعت شتات نفسها بصعوبة وحاولت أن ترد على الطبيب، لكن صوتها خرج مبحوحًا ممزوجًا بالذهول والغضب:
-حامل إيه حضرتك؟! أنا لسه مخطوبة وبفكر افركش! تيجي تقولي حامل!!
ارتبك الطبيب بشدة وبدت عليه علامات الحيرة وهو يرفع حاجبيه متسائلًا ببلاهة كادت تشعل الموقف أكثر:
-أنتي أنسة؟
رمقته سيرا بعينين تقدحان شررًا، وردت بقوة رغم ضعف صوتها:
-تخيل! تخيل أنا أنسة وبكر رشيد!!
ابتلع الطبيب ريقه وهو يقلب أوراق التحاليل بين يديه في توتر شديد، العرق يتصبب من جبينه بينما الحقيقة أمامه صادمة...التحاليل تؤكد وجود حمل! بدأ قلبه يخفق بسرعة وهو يبحث يائسًا عن تفسير منطقي لما يحدث.
لكن فجأة أنقذته الممرضة وهي تنتزع الأوراق من يده وتتفحصها بعجلة قبل أن ترفع رأسها قائلة:
-اه دي تحاليل مدام فدوة اللي كانت هنا قبل ما الانسة سيرا تيجي الاوضة بعشر دقايق وجوزها طلب تغيير الاوضة عشان التكييف مش عاجبه...
ساد صمت ثقيل حتى أن أنفاس الجميع صارت مسموعة بوضوح، والتفتت الممرضة نحوهم بخجل وهي تضيف بصوت خافت:
-معلش يا بشوات على الغلطة دي أصل دكتور علي لسه طبيب امتياز، واللي كشف على الانسة سيرا ومدام فدوة هو دكتور منذر، بس تحاليل الانسة سيرا لسه مطلعتش أول ما تطلع هنبلغ بيها الدكتور منذر.
رفع سليم يده ببطء كأنه يقطع خيط التوتر، وأومأ برأسه في تفهم بينما كان الطبيب الشاب قد غرق وجهه في العرق وهو يهمس:
-معلش دي غلطة الممرضة اللي بلغتني أن مدام فدوة هنا في الاوضة دي، اتمنى الموقف السخيف ده مايوصلش ادارة المستشفى، عن إذنكم.
وغادر مسرعًا كمن يفر من ساحة معركة لم يكن مستعدًا لخوضها، لكن سيرا لم تغفر له.فقد ظلت تحدق في الباب المغلق بملامح ممتقعة، قبل أن تنفجر بغيظ مكتوم:
-الله!! هو ماعتذرليش ليه؟! هو اللي كانت حامل أنا ولا أنتوا؟!
رفع زيدان حاجبيه بدهشة مكتومة ثم انحنى نحو يزن هامسًا بنبرة مملوءة بالسخرية:
-هدي خطيبتك، أنا حاسس أنها هتضرب الدكتور زي السواق.
رمقه يزن بنظرة حادة توعدية حتى كاد الموقف يتطور لمشادة جديدة، لولا يد سليم التي امتدت فجذبت زيدان للخلف بلطف قائلاً بنبرة هادئة تُناقض احتقان الموقف:
-شوف خطيبتك يا يزن واتطمن عليها قبل ما نمشي، الف سلامة يا سيرا.
ارتبكت سيرا لهيبة صوته وملامحه المتماسكة، فخفضت بصرها وهمست بخجل:
-الله يسلمك يا أبيه.
توقف سليم للحظة شعر فيها بالامتعاض من ذلك اللقب إذ لم يكن يستسيغه، لكنه تجاهل الأمر وخرج ه زيدان الذي لم يلتفت نحوها، والسبب عناده مع يزن، لمحت سيرا ذلك فتساءلت بدهشة بعد أن أُغلق الباب:
-هو زيدان أخوك متضايق مني في حاجة؟
اقترب يزن وجذب أقرب مقعد، جالسًا بجانبها وهو يقول بصوت منخفض مطمئن:
-لا هو متضايق عشان اللي حصلنا بس مش أكتر.
أمالت رأسها ببراءة وهي تقول مستغربة:
-مقاليش الف سلامة زي أبيه سليم؟!
أما يزن ود أن ينفجر ضاحكًا على "أبية سليم" حقًا ذلك اللقب إن تكرر على مسامع أخيه الأكبر سيقتلهما، لكنه سرعان ما اعتدل وهو يميل نحوها قائلًا بهدوء:
-لا مالوش حقك، هبقى اعاتبه فيها، المهم انتي عاملة إيه؟
لم تُجبه بل اتجهت لتعبر عن عتابها كطفلة خُذلت من حبيبها:
-هو ينفع تقعد تضحك كده عليا لما الدكتور قال أنا حامل؟! ده موقف رجولي المفروض تاخده مع اللي كانت خطيبتك؟!
تعمدت أن تؤكد فكرة انفصالها الوشيك بطريقة مبطنة لكن رده فاجأها، حيث تغير وجهه للحظة وتلاشت ابتسامته، وحلت محلها ملامح جادة باردة، قبل أن يرد بصوت منخفض:
-والمفروض كنت أعمل إيه؟!
نظرت إليه بعينين مغرورقتين بشيء من العتاب والحزن:
-كنت تزعقله تفوقه من الجنان اللي بيقوله، شوفت لما زعقتله اتحرج.
ارتفع طرف فمه بابتسامة ساخرة وهو يجيب:
-طيب ما أنا زعقت وضربت اللي اتعرض للي كانت خطيبتي، واتقبض عليا!
ابتلعت ريقها بصعوبة وشعرت بوخز من الإهانة، فتمتمت بصوت منخفض:
-متبقاش تتدخل عشاني في حاجة، معلش عرضتك للمواقف....
لكن صوته قاطعها بحدة لا تحتملها ملامحه الهادئة:
-مش كل المواقف يا سيرا اللي رد فعلي هيكون واحد فيها.
ثم اقترب أكثر حتى صار صوته همسًا عميقًا يلامس عقلها:
-ده واحد وغلط غلطة مكنتش مقصودة فطبيعي اضحك، لما تلاقيني بثور وبضربه وبشك فيكي ابقى اتكلمي، لكن لما لقيت حد بيقل أدبه عليكي وبيتعرضلك أنا ماسكتش.
ارتجفت شفتاها ولم تجد ما تقول سوى:
-أنا....أنا...
لكن كلمتها اختنقت في صدرها، فاقترب أكثر وعيناه تلمعان بخليط من الحدة والعاطفة، وصوته يقطر جدية حين قال:
-انتي إيه؟ عايزة إيه؟
لم تحتمل نظراته فخفضت رأسها بارتباك، ثم أزالت خاتم الخطوبة بصعوبة من إصبعها المتورم، وقدمته له بخجل مرتبك:
-اتفضل أنا بعفيك من أي خطوبة تكون مغصوب عليها، ولما ان شاء الله....
كررت جملتها بلا وعي:
-لما ان شاء الله...
رفع حاجبيه ببطء بينما ابتسم ابتسامة مائلة للدهشة وهو يجيب:
-لما تلاقي الشبكة هتديهالي، صح؟!
ارتبكت سيرا بشدة وتجمدت في مكانها، حتى وجدت ابتسامته الهادئة تطمئنها، فقال بلطف وهو يقترب منها:
-بابكي اتصل وعرفني، مش محتاجة توتري ده كله!
أخفضت رأسها بخجل وهي تهمس:
-هي ماتسرقتش، بس هي ضايعة ولما الاقيها صدقني هجبهالك على طول.
مد يده برفق وأمسك كفها المتورم وأعاد الخاتم إليها، قائلاً بهدوء يحمل دفئًا:
-يعني اتخانقت عشانك، وماشي بتخانق مع دبان وشي عشانك بردو، وناقص انط في النيل عشان تغيري فكرتك عني وانتي دماغك حجر مابيفهمش.
همست بارتباك:
-مابفهمش إيه؟
كانت تنتظر كلمة…كلمة واحدة فقط، كلمة لو خرجت من بين شفتيه لغيرت كل شيء في قلبها، كلمة تُنهي شكوكها وتُسكت ضجيج عقلها، وتطفئ نار القلق المشتعلة في صدرها، لكنه وكعادته تهرب.
تنفس بعمق وأسند ظهره إلى المقعد، وعيناه تتهربان منها وكأنهما تبحثان عن مهرب، قبل أن يقول بصوت هادئٍ يحمل جدية حازمة:
-أني راجل ومفيش حد ربنا خلقه يقدر يغصبني على حاجة أنا مش مقتنع بيها، وكلامك وإهانتك ليا في بيت أهلي أنا مش قادر أنساها، بس هضطر اعديهالك عشان كنتي مصدومة وقتها.
كان وقع كلماته كصفعةٍ مباغتة، فشعرت كأن الهواء قد ثقل فجأة، رمشت بعينيها مرتين محاولةً حبس دموعٍ متأهبة، ثم خرج صوتها متحشرجًا ممزوجًا بخذلانٍ عميق:
-مش دي الأجابة اللي كنت مستنيها يا يزن! مش دي أبدًا.
ظنت أن صراحته ستخفف من ثقل قلبها، لكن ابتسامته التي تعلقت على شفتيه بهدوءٍ مستفزّ أوحت لها أنه متعمد أن يُربكها أكثر، أن يتركها في دوامة لا مخرج منها، فاقترب قليلًا حيث كانت نبرته هادئة لدرجة أشعلت غضبها أكثر:
-كل حاجة بتيجي في وقتها، ماتستعجليش على حاجة مش أوانها...
رفعت حاجبيها بدهشة مصحوبة بانفعالٍ مكتوم، وكأنها لم تعد تحتمل أسلوبه المراوغ:
-وأوانها هيجي امتى؟
أجابها بصوت منخفض متزن، وكأن كلماته محفورة داخله منذ زمن:
-لما أحس إنه هيكون الوقت المناسب واللحظة المناسبة، لما تتقال لازم عمرك ما تنسيها ولا أنا اقدر انساها، عشان وقتها افتكر أن اخترت صح واخترت اتمسك بيه..
تراجعت بجسدها محاولةً السيطرة على اضطراب أنفاسها، قبل أن تهمس بصوت متقطع بين الغضب والخذلان:
-يعني انت عايز تفهمني بعلاقتك دي كلها مع البنات، مفيش واحدة حركت مشاعرك وقررت وقتها إنك تعترف بحبك ليها؟!
كان الاستهجان واضحًا في نبرتها وفي نظراتها التي تقاوم دموعها، لكنه لم يتأثر بحدتها بل ضحك بخفة...ضحكة أربكتها أكثر مما أغضبتها، قبل أن يقول ببساطة أربكت قلبها:
-لا طبيعي كان فيه، مش هنكر كان في بنات اتعرفت عليهم وحركوا مشاعري بس مفيش... مجرد وقت بسيط وبعرف أنه مجرد فقعة إعجاب وخلاص بتنتهي.
ازدادت حيرتها واتسعت عيناها بدهشة كأنها تبحث عن مخرجٍ من متاهة مشاعره:
-وأنا هفضل امتى في الحيرة دي؟ هفضل كأني في امتحان؟ أنال إعجاب حضرتك ولا لا؟!
أطرق برأسه قليلًا ثم رفع عينيه نحوها بصوت منخفض، وكأن اعترافه ينزلق من بين أنفاسه رغمًا عنه:
-انتي نلتي إعجابي يا سيرا ومن زمان من اللحظة اللي شوفتك فيها، انتي عديتي المرحلة دي من زمان.
ارتعشت شفتاها لكنها حاولت أن تخفي ارتباكها خلف جملةٍ ساخرة ممزوجة بالمرارة:
-طيب والله كويس، امتى هجيب عشرة من عشرة؟
زفر ضحكة قصيرة نفدت منها صبره ثم مال برأسه للخلف وهو يهمهم:
-اقسم بالله أنا ما عارف أنا مسحول معاكي السحلة دي ليه؟ ما أنا كنت كويس وبخيري، هتطيري برج من دماغي...بصي احنا مش هتناقش في حاجة وانتي مقفلة دماغك كده، تمام؟
لكنها لم تتراجع بل انحنت للأمام قليلًا، وعيناها تتقدان بعنادٍ موجع:
-لا مش تمام...مش تمام يا يزن.
قالتها بلهجةٍ حادة ارتجفت في نهايتها، كأن روحها المثقلة قد سقطت بين حروفها، وقبل أن يزن جاء صوت طرقات الباب، ودخل الطبيب منذر بابتسامة هادئة، حاملًا بين يديه نتيجة التحاليل، فاقترب بخطوات واثقة، ثم قال مطمئنًا:
-الحمد لله… تحاليك كويسة ومفيش أي حاجة خطيرة، بس عندك انيميا محتاجة متابعة وأدوية هكتبهالك.
كتب روشتة العلاج وغادر بخطوات هادئ ، تاركًا الغرفة مثقلة بما لم يُقال بعد، لكن الموقف انكسر مجددًا بدخول سليم وزيدان معًا، نهض يزن ببطء وهو يقول بنبرة عملية يخفي خلفها اضطرابه الداخلي:
-خلاص روحوا انتوا، لما سيرا تكون كويسة همشي اوصلها وبعد كده هروح على البيت عشان عايزك يا سليم.
لكنها فاجأته بنبرة حاسمة وهي تلتفت نحو سليم دون أن تنظر في عيني يزن:
-لا...أنا همشي دلوقتي مع أبيه سليم، يلا يا أبيه.
ثم نهضت فجأة من على الفراش وكادت أن تفقد توازنها، لولا أن يد يزن أمسكتها بسرعة فأسندها برفق دون تفكير، لكنها دفعته عنها بقسوة وغيظ، وكأن لمسته صارت عبئًا على جرحها، ثم حملت حقيبتها بعصبية وهي تقول بصرامة:
-يلا يا أبيه أنا جاهزة.
وكعادة سليم كان وجهه جامد الملامح يخلو من أي تعبير، فاكتفى بإيماءة صامتة وهو يفسح لها الطريق لتمر قبله، ظل يزن واقفًا مكانه ينظر إليها مذهولًا، لا يدري كيف انقلب الموقف بهذه السرعة، حتى استفزته ضحكات زيدان المكتومة، واقترب الأخير وهمس بشماتةٍ واضحة:
-أحسن..أحسن..يا رب تربيك.
تشنجت يد يزن حول مقبض الكرسي بجواره، وارتسمت في عينيه لمعة غضب، لكنه كتم كل شيء في صدره، وعيناه لا تزال معلقة بباب الغرفة الذي أُغلق خلف سيرا.
****
مرت الدقائق ثقيلة وهي تجلس في المقعد الأمامي للسيارة، ويدها تعبث بقلادتها الصغيرة التي تتدلى من عنقها دون وعي، بينما كان سليم يقود في صمتٍ مهيب.
لم تستطع أن تستشف شيئًا من ملامحه؛ وجهه كان كلوحٍ صخري جامد لا يفضح شعورًا ولا يبوح بسر، حدقت فيه للحظة ثم سارعت بخفض نظرها خوفًا أن يقرأ اضطرابها، لكن قلبها لم يتحمل هذا الكم من الأسئلة المكبوتة، فتشجعت أخيرًا وسألته بنبرة هادئة رغم ارتجاف أنفاسها:
-هو أنت ليه غصبت على يزن يخطبني؟
انحرف بعينيه نحوها لثوانٍ يرمقها بنظرة ثابتة كأنه يزن كلماتها في عقله قبل أن يجيب، ثم أعاد نظره للطريق وهو يقول بنبرة هادئة لكنها لا تخلو من صلابة:
-أنا مغصبتش عليه، ويزن مش عيل صغير عشان اغصبه!
ارتعشت أصابعها قليلًا فوق حقيبتها الصغيرة، ثم تنهدت بضيق وهي تحاول أن تختار كلماتها بعناية، كأنها تخشى أن يفضح صوتها ضعفها:
-طيب ليه طلبت منه يخطبني؟!
لم يلتفت إليها هذه المرة بل تابع قيادته بنفس هدوئه الغامض، وصوته يخرج واثقًا وبسيطًا لدرجة أدهشتها:
-عشان حسيت أنه في مشاعر من ناحيته ليكي، ويزن أخويا مكنش هياخد خطوة زي دي في حياته، إلا لما نديله دفعة مننا وخدي بالك يزن لو الموضوع مش عاجبه وعلى هواه مكنش هيوافق أبدًا، وفي النهاية هو جه خطبك بمزاجه ومحدش غصبه.
شعرت سيرا أن صدرها يعلو ويهبط بسرعة، وكأن كلماته فتحت في عقلها أبوابًا جديدة من الحيرة، هل كان يزن حقًا راغبًا في هذه الخطبة؟ أم أنه استسلم فقط لدفع أخيه؟ بدا حديث سليم صادقًا،
خاليًا من أي محاولةٍ للمجاملة أو التلاعب ومع ذلك قلبها لم يهدأ.
هزت رأسها بصمت كأنها تحاول أن تبتلع كل شيء دفعةً واحدة، واكتفت بالتحديق في الطريق الممتد أمامها بشرودٍ غارق، لكن صوت سليم قطع شرودها فجأة بسؤالٍ مباغت:
-وانتي مسألتهوش أسئلتك دي؟ ماتكلمتوش في اللي مضايقك؟!
ابتلعت ريقها ببطء ثم أطلقت زفيرًا مرهقًا وهي تجيب بصوتٍ خافتٍ مضطرب أقرب إلى الاعتراف:
-لا اتكلمنا بس معرفتش اوصل لقرار وهو دايمًا غامض ومش صريح
لم يكن صوتها يوحي سوى بجزءٍ يسير مما يعتمل داخلها؛ ذلك الصراع الخفي بين حب متردد، وخوفٍ من الفقد، وكرامةٍ تأبى الانكسار، التفت إليها سليم بنظرةٍ عابرة حملت شيئًا من التفهم، ثم هز رأسه قبل أن يقول بنبرة رزينة عميقة:
-بصي هي شخصية يزن كده، اقصد تبان كدة اللي أول مرة يتعامل معاه، كل اللي هقدر اقولهولك ماتتعوديش تاخدي قرار وانتي متلخبطة أو متوترة، وزي ما عقلك بيتدخل في قرارتك لازم عواطفك يكون ليها جزء من قرارتك دي، دايمًا وازني أمورك وانتي في الآخر هتوصلي لبر الأمان.
كانت كلماته تشبه موجةً هادئة تغمر عقلها، لكنها في الوقت نفسه أشعلت شعورًا دفينًا بالخذلان؛ فهي لا تريد نصائح بل تريد وضوحًا، تريد يقينًا يغلق كل هذه الأبواب المفتوحة في قلبها:
-النصيحة دي متخصش قرارك بيزن أو لا، دي نصيحة لأي قرار وفي أي وقت، مش دايمًا قرارتنا لازم تكون نابعة من عقلنا، أحيانًا المشاعر ممكن تدلنا للطريق الصح.
رمقته سيرا بعينين متسعتين وكأنها تلتقط كل كلمة لتحفرها في ذاكرتها، ثم مالت برأسها قليلًا وهمست بخجلٍ ممزوج بالامتنان:
-شكرًا يا أبيه...هو انت متضايق من كلمة أبيه دي؟ أنا بعاملك زي ما بعامل أبيه صافي جوز أبلة حكمت أختي.
كانت تدرك أنها تبرر الأمر بطريقة طفولية، لكنها لم تجد تعبيرًا أفضل عن ارتباكها أمامه، نظر إليها سليم للحظات ثم حدق في ملامحها المرهقة وكأنه يحاول أن يقرأ شيئًا أعمق من الكلمات، ثم ابتسم تلك الابتسامة الخفيفة النادرة مرةً أخرى وأجاب بهدوء:
-لا عادي قولي اللي يريحك، طالما ده اللي هيريحك.
***
قاد نوح سيارته بسرعة جنونية، تكاد عجلاتها تلتهم الإسفلت التهامًا حتى وصل أمام منزل الحاج فاضل قبل أن تصل سيارة الأخير التي كانت تُقل يسر ومنير ومعهما والدة كل منهما.
توقف نوح فجأة أمام البوابة الكبيرة للمنزل، ركن سيارته على عجل وكأن قلبه هو الذي يركض لا إطارات السيارة، ثم بدأ يتجول أمام باب المنزل جيئة وذهابًا، لا يكاد يهدأ ولا يستقر له حال، تلاحقت أنفاسه ونظراته ازدادت توترًا، بينما يداه تضمان معصميه خلف ظهره في محاولة يائسة لكبح جماح انفعاله.
لم يطل انتظاره حتى وصلت سيارة الحاج فاضل، توقفت ببطء أمام البوابة الحديدية الثقيلة، فرأى يسر جالسة في المقعد الأمامي بجوار والدها، وعيناها شاحبتان، بينما جلس منير في المقعد الخلفي متكئًا إلى النافذة بجانب والدته ووالدة يسر.
زفر نوح بعمق وهو يحاول السيطرة على ارتجاف صدره، وتابع بعينيه خطوات يسر وهي تترجل من السيارة ببطء، يمسكها والدها من ذراعها برفق ليساعدها على الدخول، خفق قلبه بعنف، عندما تجاهلته تمامًا وكأنه لم يكن موجودًا، فقد كان ذلك التجاهل طعنة صامتة في كبريائه لكنه كبح صرخته في صدره.
أما منير فقد تأخر في النزول، وتباطأت خطواته عمدًا وهو يتخذ من والدته ووالدة يسر حاجزًا بشريًا يحتمي بهما من أي هجوم قد يشنه نوح، فقد كان يخشى نظراته أكثر مما يخشى كلماته، حتى إنه لم يرفع عينيه عن الأرض، وما إن خطا داخل بوابة المنزل وابتعد عن مرمى بصر نوح حتى تمتم بصوت خافت لا يكاد يُسمع:
-أنا هفضل في الرعب ده كتير، ربنا يسامحك يا جوز خالتي.
وفي تلك اللحظة همست والدة منير لأختها، وهي تلتفت بقلق إلى الخلف حيث يقف نوح كالبركان:
-يعني هو فاضل كان لازم يحكم دماغه ويجيب منير عندكم، ما كنا نروح بيتنا وخلاص!
أجابتها والدة يسر بهدوء متنهد:
-انتي عارفة فاضل، هو حاسس بالذنب من ناحية منير فحابب يراضيه، وبعدين هو بيحبه، روحي انتي لو عايزة.
شهقت والدة منير بعدم رضا:
-لا أروح وأسيب ابني لوحده، وجوز بنتك المجنون ده يعمل فيه كده تاني.
في تلك الأثناء كانت والدة يسر تتباطأ عمدًا في صعود الدرج، تحاول الإصغاء لأي كلمة قد تُقال في الأسفل بين نوح وزوجها، قلبها معلق بين خوف وفضول.
وأسفل الدرج تقدم الحاج فاضل ليغلق بوابة منزله في وجه ذلك التوتر العالق في الهواء، لكن يد نوح القوية اعترضت طريقه وقبض على طرف البوابة وأوقفها، ثم قال بنبرة مبحوحة تختلط فيها الغضب بالحنق:
-أنا احترمت نفسي وسكت وفضلت ساكت ومدخلتش اتطمنت على مراتي ولا شوفتها، وسكت لما ركبت الـ **** ده معاكم العربية...
توقف قليلًا وكأن الكلمات تخنقه، ثم أكمل وهو يشير بيده في غضب مكتوم:
-بس معلش يعني طالع عندكم ليه؟!
رفع الحاج فاضل حاجبيه بدهشة واشتدت قبضته على البوابة وكأنه يحاول كبح نفسه هو الآخر:
-هو انت هتتحكم فيا وفي اللي بيدخل بيتي؟
أخذ نوح نفسًا عميقًا محاولًا السيطرة على صوته قبل أن يجيبه بنبرة هادئة ظاهرًا، لكنها مشبعة بالغليان:
-لا طبعًا، بس معلش يعني أنا من حقي أسأل طالما مراتي قاعدة معاك فوق!
أجابه فاضل بقسوة.وعروقه بارزة في عنقه:
-لا مش من حقك، عشان أنا أبوها وبعدين اللي طالع فوق ده مش واحد غريب ده ابن خالتها!
اقترب نوح خطوة، وعيناه تقدحان شر مخيف:
-اللي جه قالي طلقها وأنا هتجوزها وأنا أحق بيها منك؟!
-اه هو نفسه!
قالها فاضل بلا تردد، ثم أردف ساخرًا:
-أعملك إيه يعني؟!
صك نوح أسنانه وكتم أنفاسه، ثم قال بحزم:
-اللي تعمله ماتخليهوش يختلط بمراتي لغاية ما حالتها تتحسن وترجع بيتي تاني.
ضحك فاضل بضحكة قصيرة خالية من أي دفء وقال بحدة:
-والله؟! لسه عندك أمل أرجعهالك!! ده وهي بعيدة عنك انت مدمرها يا نوح، ارجعهالك ازاي؟!
صاح نوح غاضبًا:
-أنا ماعملتش فيها أي حاجة وسايبها تتدلع براحتها خالص، حتى المشروع اللي انت فتحته ليها محبتش اقفل دماغي واقولها لا مفيش شغل، بس بردو سيبتها براحتها....
رد فاضل بصرامة وهو يحدق في عينيه:
-لا انت مسيبتهاش براحتها، أنت مكسوف من نفسك واللي عملته فيها فسكت، تفرق يا نوح!
هتف نوح متوترًا وكأنه يبحث عن مخرج:
-عملت إيه؟ أنا عمري ما هنتها ولا ضربتها ولا قصرت معاها في حاجة وكل اللي بتعوزه وبتطلبه مجاب، كل حاجة!
أجابه فاضل ببرود قاتل:
-بس جرحت كرامتها وكنت بتجرحها كل يوم وانت بتقولها إنك عايز تتجوز تاني ومعيشها في رعب، ده كله أمر من الضرب والشتيمة، عمومًا أنا من رأيي إنها ماتكملش معاك تاني، كان ليكوا عيش يا ابني واتقطع ما بينكم، لما بنتي تفوق من اللي هي وتقدر تتكلم، هخليك تيجي وتقعد معاها وتسمع بنفسك إنها مش عايزاك!
ساد صمت ثقيل بينهما لكن نوح كسره بصوت متهدج يخالطه الغيظ:
-أيوه بردو زفت ده بيعمل إيه فوق؟
أشاح فاضل بيده وكأنه يريد إنهاء النقاش:
-جبته عشان ناخد بالنا منه مع يسر ويقعد يومين، أصل مكسوف من أهله بعد اللي عملته فيه، عن إذنك ورايا حاجات مهمة لازم اعملها.
ثم أغلق فاضل البوابة بعنف تاركًا نوح واقفًا خارجها، يغلي صدره بالغضب والقهر وعيناه تتبعان نافذة الطابق العلوي حيث يعرف أن يسر موجودة… ومعها منير!!!
****
مر أسبوع كامل لم يحدث فيه شيء يُذكر سوى زيارة عائلة يزن إلى سيرا في منزلها، وقد كانت زيارة مثمرة وناجحة، إذ نجحت إلى حد كبير في تأجيل قرار سيرا بالانفصال، فكان لذلك الماكر دور بارز في ذلك، حيث أرسل لها باقةً من الزهور بألوانها المفضلة الوردي والأبيض، لكنها لم تكن مرفقة سوى ببطاقة صغيرة تحمل إمضاءه فقط!
ابتسمت سيرا وهي تتأمل باقة الزهور التي استلمتها بالأمس، وراحت تلمس بتلاتها بخفةٍ وانسياب، لقد اكتفى بتلك الباقة ولم يُجرِ اتصالًا واحدًا بها حتى رسائله التي كانت تملأ هاتفها اختفت تمامًا؛ في حين أبدت جميع شقيقاتها إعجابهن بجمال الباقة ومدى ذوقه ورُقيه في اختياره.
فكان واحد مثله كما كن يصفنه من الطبيعي أن يثور غضبًا لفقدان الشبكة، لكنه تصرف بعكس المتوقع؛ تعامل بكل رُقي ولم يُبدِ أي غضب بل خفف الأمر على والدها بكل لباقة.
لكن سيرا وسط تلك الأجواء الهادئة، كانت الأفكار تتلاطم في رأسها كأمواجٍ هائجة؛ تخيلت للحظة أنها لو أخبرتهم بما علمت به، وأنه مغصوب على تلك الخطبة، حتمًا لكانوا دافعوا عنه بشراسة واتهموها هي بالتذمر والجحود على النعمة!!
وبينما كانت تتأمل الزهور الغافية أمامها، تذكرت حديث والدته معها ومحاولاتها الدائمة لتجميل صورة ابنها في عينيها والجملة التي علقت في ذهنها ولم تغادر أذنها:
"يزن ابني أحن واحد في عيالي كلهم، هو الوحيد فيهم اللي بيعرف يظهر حنيته، ده غير أنه جدع وشهم، متحمل مسؤولية نفسه من لما كان في اولى كلية، مكنش بياخد جنية من حد ولما حتى فتح مشروعه واخوه ساعده سد كل الفلوس دي بعدين، بصي يا بنتي ابني وأنا أدرى واحدة بيه، قراره من راسه وخطوبته منك لو مش على هواه مكنش هيرضى بيها من الأساس"
حتى مليكة لم ترحل بلا أثر؛ قبل مغادرتهم اقتربت منها بابتسامة خفيفة وقدمت لها اعتذارًا بسيطًا قائلة:
"أنا أسفة، بس انتي لما سمعتي كلامي فهمتيه غلط، بالعكس احنا مبسوطين بالتغيير وإنه بيحبك، على فكرة هو مابيستحملش عليكي كلمة، تصرفاته كلها بتقول إنه بيحبك، عشان كده إحنا مبسوطين، اوعي تفكري إنك تفركشي، بالعكس قليل جدًا لما الواحدة تلاقي في الزمن ده واحد متمسك بيها"
كانت كلمات مليكة تدق في رأس سيرا كجرسٍ بعيد؛ لم تكن تدري هل تصدقها؟ كل شيء بدا مرتبكًا وكل طريق كانت تحاول أن تسلكه ينتهي إلى غموض جديد.
انتبهت فجأة على رنين هاتفها، فالتقطته لترى اسم يزن يتلألأ على الشاشة، شعرت بقلبها يخفق بقوة ولم تستطع منع ابتسامة صغيرة من التسلل إلى شفتيها رغم كل شيء، فقد كانت أقسمت على نفسها ألا ترد عليه بعد أسبوعٍ كاملٍ من تجاهله لها، لكن شيئًا في داخلها خانها…وضغطت على زر الإجابة، حاولت قدر استطاعتها التحكم بنبرتها، وأحاطتها ببرودٍ مصطنعٍ يُخفي ما يعتمل في قلبها من شوق:
-الو.
جاء صوته دافئًا ومألوفًا يحمل شيئًا من الجدية:
-فاضية، عايز آخدك وتروحي نزور يسر في بيت باباها ونحاول نكلمها تهدي الدنيا مع نوح شوية، لإنه حرفيًا شايط بقاله أسبوع ومانعه عنها بالعافية.
لم تفكر كثيرًا وكأن قلبها سبق عقلها في اتخاذ القرار فأجابته بهدوءٍ رزين:
-كلم بابا لو وافق، تمام هروح معاك.
ثم أغلقت الاتصال بسرعة لتنهض مسرعة نحو خزانتها كي تتجهز لذلك اللقاء، ورغم أنها أقنعت نفسها بأن الدافع هو زيارة يسر ومساندتها، لم تستطع إنكار الحقيقة الخفية في أعماقها،
فحتى لو كانت حجته لرؤيتها واهية…قد جاءت في وقتها تمامًا؛ فهي كانت تهيم شوقًا لرؤيته طيلة الأسبوع الماضي!
***
جلس نوح على الأريكة في غرفة المعيشة، يهز ساقيه بتوتر واضح وعيناه مثبتتان على باب غرفة يسر، ينتظر خروجها بلهفةٍ تكاد تخنقه، كان يشعر بثقلٍ جاثمٍ فوق صدره منذ أن اتصل به الحاج فاضل في وقتٍ سابق وطلب منه الحضور فورًا، لم يتردد لحظة واحدة، ترك كل شيء خلفه وأسرع إليها، غير آبهٍ حتى باتفاقه مع يزن الذي كان قد وعده بأن يتحدث هو وخطيبته مع يسر أولًا ليُهدئا الأمور قبل أن يتفاقم الموقف.
لكن نوح لم يعرف الانتظار يومًا بل لم يعرف كبح نفسه من الأساس، جال ببصره في أرجاء الشقة يبحث بعينيه الثاقبتين عن منير، كأنه يتوقع أن يراه مختبئًا في ركنٍ ما لكنه لم يجد له أثرًا، عقد حاجبيه وهو يهمس لنفسه بنبرة غليظة:
"أكيد مستخبي مني…كعادته."
وقبل أن يغرق في دوامة أفكاره أكثر، انتبه إلى صوت خطوات خفيفة تقترب، فالتفت بسرعة ليرى يسر تخرج من غرفتها، كانت ملامحها باردة وعيناها خاليتين من الدفء، بدا عليها أنها استعادت جزءًا من صحتها، لكن مظهرها المتماسك أخفى وراءه بركانًا لا يخمد.
سارت بخطوات ثابتة ورأسها مرفوع، وجسدها مشدود وكأنها مقبلة على معركة مصيرية، جلست أمامه على المقعد المقابل دون أن تمنحه حتى نظرة ود واحدة، لم تبتسم ولم تُبدِ أي اهتمام بل كانت ملامحها أشبه بجدارٍ صلد لا يمكن اختراقه.
رغم كل شيء حاول نوح أن يتجاهل ذلك الجليد الذي يحيط بها، فمال بجسده قليلًا إلى الأمام وسألها بصوتٍ هادئ يخفي عاصفة من القلق:
-عاملة إيه دلوقتي؟
رفعت عينيها نحوه ببرودٍ قاتل وقالت بنبرة حاسمة:
-مايخصكش، أنا طلبت من بابا يجيبك هنا عشان تطلقني.
تجمد الزمن لوهلة، لم يستوعب وقع كلماتها على مسامعه، وكأنها أطلقت عليه رصاصة أصابت كبرياءه مباشرة، شعر بحرارة تتصاعد إلى وجهه، وأنفاسه تتسارع بلا تحكم بينما حدق فيها بعينين تقدحان شررًا، يبحث في ملامحها عن أي بادرة تراجع…فلم يجد سوى إصرارٍ قاتل وكرهٍ صريح.
مدت يسر يدها تستند إلى مسند المقعد، ثم قالت بنبرة أكثر قوة وكأنها تلقي بالحكم النهائي:
-من غير كلام كتير يا نوح، ونقعد نجدال في الماضي، والمستقبل اللي عمره ما هيتغير، أنت عمرك ما هتتغير، هتفضل زي ما أنت عايز كل حاجة، وأنا نصحتك قبل كده تعالج الحتة الناقصة اللي جواك عشان تعرف تعيش، مفيش حد بياخد كل حاجة، وأنت مبتتنازلش بالعكس عايز اللي حواليك هما اللي يتنازلوا، وأنا خلاص فاض بيا ومبقتش قادرة أكمل، وأظن إنك مش هترضى تكمل مع واحدة مش عايزاك؟!
كانت كلماتها كسكينٍ حاد ينغرس في كبريائه وجرحًا جديدًا في كرامته…لكنه كان الأعمق الأوجع والأكثر إذلالًا، وقف ببطء وكتم أنفاسه مطبقًا شفتيه بقوة في محاولة لاستيعاب ما سمعه ثم نظر إليها نظرة طويلة، امتزج فيها الغضب بالخذلان والحب بالكره، قائلاً بصوتٍ أجش:
-انتي طالق.
ارتجفت الكلمة في الهواء كصفعة مدوية، فشعرت يسر بوخزة حادة في صدرها، لكن ما لبثت أن رفعت رأسها بابتسامةٍ صغيرةٍ تنم عن انتصارٍ مُر، لقد ثأرت لنفسها ولسنينٍ عاشت فيها تحت وطأة القلق والخوف من أن يتزوج عليها أو يهدم استقرارها في لحظة نزوة، والآن…جاء دورها لترد له الألم ذاته وربما أكثر.
**
بخارج الشقة..
في الممر أمام الباب كان يزن يقف متكئًا إلى الحائط، يتحدث بصوتٍ منخفض إلى سيرا التي وقفت بجواره تنصت باهتمام:
-بصي يا سيرا…أياً يكن الكلام اللي هتقوليه، لازم نهديها ونكلمها براحة، متتعاطفيش معاها زيادة، لإن ساعات التعاطف ده بيهدم حياة الناس من غير ما نحس، الكلمة الصح في الوقت الصح ممكن تنقذ حياة كاملة.
ابتسمت سيرا ابتسامة دافئة وهي تشير إلى عينيها قائلة:
-حاضر من عنيا، أنا أساسًا استحالة أشجعها على الطلاق مع إنه يستحق الصراحة. دي
رفع يزن حاجبيه وأشار إليها محذرًا بنبرة خافتة:
-سيـرا الله يهديكي...
لكن قبل أن يُكمل حديثه فُتح الباب فجأة بعنف، وخرج نوح بخطوات سريعة ووجهه متجهم وعيناه تقدحان غضبًا مكتومًا، توقف أمامهما لبرهة، فتجمد يزن في مكانه من الصدمة ثم سأل بارتباك:
-انت بتعمل إيه هنا يا نوح؟ ما أنا قايلك ماتروحش.
ابتسم نوح ابتسامة ساخرة وهو يربت على كتف صديقه بتراخٍ مفتعل:
-ماتتعبش نفسها خلاص طلقتها.
لم يمنحهما فرصة للرد بل تابع طريقه مغادرًا بخطواتٍ واسعة، تاركًا خلفه ذيولًا من الصدمة والذهول، تبادلت سيرا ويزن نظرات مذهولة، قبل أن ينقل يزن أنظاره إليها كأنه يبحث عن تفسير، لكنها رفعت كفيها أمامه تدافع عن نفسها قائلة بسرعة:
-صاحبك متسرع اوي، كان يستناني كنت هحلهاله في ثواني، قطع برزقه.
أما يزن فظل واقفًا في مكانه يمرر يده في شعره بتوتر، وعيناه تائهتان بين الباب المغلق ووجه سيرا، كان يعلم أن ما حدث لتوه لم يكن مجرد طلاق عادي…بل بداية عاصفة أكبر قادمة لا محالة.
****
ليلاً… في العيادة.
جلس نوح في عيادته خلف مكتبه العريض، رأسه مثقل بالهموم، يضع كفه فوق جبهته وكأنها تحاول أن تمنع سيل الأفكار من الانهمار، كان الصمت يخيم على المكان إلا من صوت عقارب الساعة وهي تطرق جدران عقله المتعب.
على مقعدٍ قريب جلست حسناء، تتابعه بعينيها اللامعتين بينما ترتسم ابتسامة خفيفة على وجهها تحمل بين طياتها سعادةً خفيةً لم تحاول حتى إخفاءها، فكان في ملامحها شوقٌ ممزوج بترقبٍ وحذر كصياد ينتظر لحظة الانقضاض.
رفع نوح وجهه إليها فجأة، فبدلت ملامحها على الفور كما لو كانت ترتدي قناعًا جديدًا؛ لمحة حزنٍ عميق امتزجت بظل من الشفقة، وقبل أن ينطق مدت حسناء يدها نحوه بفنجانٍ من القهوة، وهي تقول بنبرةٍ لطيفة تخفي فضولًا:
-اتفضل يا دكتور القهوة، بس لو تقولي مالك من الصبح؟ أنا خايفة عليك أوي.
مد يده نحو الفنجان دون حماس وراح يحرك إصبعه فوق حافته كأنه يرسم دوائر من الضياع، ثم رفع بصره إليها وقال بنبرة ساخرة ثقيلة:
-مفيش طلقت يسر النهاردة.
شهقت بعنف وهي ترمقه بعينين متسعتين يُزينها عدم تصديقٍ زائف:
-معقولة يا دكتور ده أنت بتحبها؟ ليه عملت كده بس؟ ده كله بسبب الراجل اللي جه هنا وحضرتك ضربته؟
تنفس نوح بعمق زفر زفرة حارة كأنها تحمل رماد قلبه، ثم أسند ظهره إلى المقعد وهو يهمس بمرارة، وعيناه معلقتان بفنجان القهوة أمامه:
-لا هي اللي طلبت مني اطلقها.
توسعت ابتسامة حسناء تدريجيًا، فرصة نادرة إن اغتنمتها الآن فلن تفلتها يدها أبدًا، وفي داخلها تدفقت الأفكار كالسيل، اقتربت ببطء، تمهلت في خطواتها حتى دارت حول المكتب واقتربت منه أكثر حتى صارت بمحاذاته، انحنت قليلًا وهبطت لمستواه لتواجهه مباشرة، فقد كان وجهه شاحبًا، وملامحه شاردة أما عينيه فقد غشيهما بريق من انكسارٍ عميق لم تره فيه من قبل، همست بصوتٍ متماوجٍ كأنها تُلقي تعويذة:
-واللي يخيلهالك ترجعلك وبإرادتها كمان؟
لم يُجب ظل صامتًا وكأنه غارق في دوامة تفكيرٍ لا مفر منها، ابتسمت ابتسامة صغيرة وتقدمت أكثر حتى صار صوتها أقرب إلى الهمس في أذنه:
-اتجوزني...اتجوزني ووقتها هي هتموت من الغيرة وهترجعلك بأي طريقة.
سكنت الغرفة للحظة، وصدى كلماتها ظل يتردد في رأسه كأمواجٍ تضرب شاطئًا مهجورًا، كان يدرك أنها تلعب على وترٍ حساس، لكنها في الوقت نفسه تلمس جرحه الأعمق، رفع عينيه إليها أخيرًا، ملقيًا نظرة ممتزجة بالغضب والتيه، لكنه…..لم يقل شيئًا
رواية غناء الروح الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم زيزي محمد
جلست سيرا أمام يسر التي بدت صامدة رغم العاصفة التي تدور من حولها، تحمل ملامحها برودًا غريبًا مناقضًا لطبعها اللطيف المعهود منذ أن رأتها، أما الصغيرة لِينا فقد كانت جالسة في طرف الأريكة، تحدق في الفراغ بعينين شاردتين لا تدركان ما يحدث تمامًا، لكن قلبها الصغير كان مثقلًا بظل التفكك الأسري الذي خيم على المكان.
كادت سيرا تهم بقطع حبل الصمت، لولا أن تسلل إلى مسامعهن صوت خافت قادم من الداخل، صوت شجارٍ مكتوم بين فاضل وزوجته أمل، تنهدت يسر بعمق وكأنها تحاول أن تطرد ثقل الهم عن صدرها، ثم ارتسمت على وجهها ابتسامة باردة، تحمل في طياتها خليطًا من الصبر والخذلان، قبل أن تلتفت إلى سيرا قائلة بصوت خافتٍ متكلف الهدوء:
-تعالي نقعد جوه في أوضتي، عشان نبقى على راحتنا أكتر.
هزت سيرا رأسها بتفهم ونهضت تتبعها بخطوات مترددة، تاركتين خلفهما لينا التي ظلت تحدق نحو التلفاز بشرود فيما ارتفع صوت الشجار بين فاضل وأمل حتى صار أكثر حدة.
قالت أمل بصوت مرتجفٍ يحمل الغضب والخذلان:
-أنا قولتلك يا فاضل، قولتلك بلاش تتدخل، أهو اتبسطت لما البت اتطلقت.
ارتفع حاجبا فاضل واشتعلت في عينيه شرارة غضب، فرد بعنفٍ مكتوم:
-أنا كنت بحافظ على كرامة بنتي، نوح مكنش مقدر بنتك كويس يا أمل.
التفتت إليه أمل بنظرة تحمل خليطًا من السخرية والخذلان، ثم تابعت بحركة حادة وهي تقترب من فراشها:
-اه صح؟! فعلاً مش مقدرها؟! مكنش بيسكت في كل مرة تقوله طلقني، مسبهاش تيجي تقعد هنا براحتها، ولا سكت لما فتحتلها المحل، ولا كان بيجري ويقعد تحت رجليها لما كانت تعبانة، ولا قعد مذلول برة المستشفى باليومين مابيتحركش عشان انت مانعه يدخل يتطمن على مراته، تصدق فعلاً هو مش مقدرها.
اشتد غضب فاضل وارتفع صوته قليلًا مشيرًا إلى صدره بحدة:
-هو عمل كده، لما حس إن يسر بتروح منه، يسر لو كانت فضلت زي ماهي يبيع ويشتري فيها، كان زمانه دمرها، وبعدين انتي عايزة إيه؟؟ ترجعله وهو يروح يتجوز عليها، الله في سماه ما يحصل، أنا بنتي مش معيوبة ولا ناقصها إيد ولا رجل، ولا هي وحشة، أنا يا ستي شايف بنتي مفيش زيها، ومن حقي أحافظ عليها وعلى نفسيتها وكرامتها.
زفرت أمل بضيق وارتعشت شفتاها وهي تقول:
-لا حول ولا قوة إلا بالله، ما هي بنتي بردو يا فاضل!، بس الشهادة لله هو بيحبها وبنتك مش قادرة تفهم جوزها صح، قولتلها قربي منه مية مرة، سيبك من اللي في دماغك، وشوفي جوزك محتاج إيه واملي الفراغ ده، بنتك مش عارفة تتواصل مع جوزها، بنتك اللي في ايدها الحل.
أجابها فاضل بحدةٍ تقطع الهواء:
-يا سلام وهو بريء ما هو معيشها في نكد ورعب، بقولك إيه، أحسن فضينها سيرة، كل واحد يروح لحاله، بنتي تستاهل أحسن منه مليون مرة.
قالها بنبرة قاطعة جعلت أمل تحدق فيه بعدم رضا، ثم أضافت بصوتٍ منخفض أقرب للعتاب:
-يا فاضل دي متطلقة بعيلين وأنا وأنت لو عيشنلها النهاردة، مش هنعيشلها بكرة.
اقترب منها فاضل وصوته هذه المرة حمل مزيجًا من الإصرار والحزن:
-أمل أنا سايب لبنتي فلوس وعقارات تعيشها ملكة، وتقدر تصرف على عيالها وتعيشهم في مستوى أحسن من اللي أبوهم هيعيشهم فيه.
هزت أمل رأسها بأسى قبل أن ترد بلهجة هادئة لكنها مثقلة بالوجع:
-مش كل حاجة الفلوس يا فاضل، المودة وإن حد يحتويها والسند، وإن عيالها يطلعوا في بيت يكون في أب وأم دي حاجات عمر الفلوس ما تشتريهم، راجع نفسك وحاول الفترة دي ماتدخلش في حياتها، يمكن ربنا يحلها من عنده.
ثم التفتت متنهدة قبل أن تغادر الغرفة وهي تتمتم بصوت خافت:
-هقوم اشوف الضيفة اللي برة دي تشرب أيه، عن إذنك.
تركه يواجه ندمًا بسيطًا عندما وجد الأمور تتعقد من حوله ولكن كرامة ابنته فوق كل شيء، وإن كانت قد أخطأت وقبلت بأمر لا يستحق أن تتنازل وتقبل به، فلن يتركها تتخبط في جدران الخوف والترقب ما إن كان نوح سيتزوج عليها أم لا، فابنته ملكة وتستحق معاملةً وحياةً أفضل من ذلك.
****
قالت سيرا بانفعال وقد ارتسمت على وجهها ملامح صدمة وامتقع لونها من شدة الغضب:
-يا نهار أسود لا فعلاً يستاهل والله تتطلقي منه.
نطقتها بحدةٍ وجسدها متشنج، بعدما سمعت القصة من يسر نفسها مباشرةً، غير أن كلمات يزن الصارمة التي كانت تطن في أذنيها دفعتها للتراجع قليلًا، فخفضت صوتها وقالت بنبرة متكلفة تحمل شيئًا من التزييف:
-بس كان ممكن تهدي شوية يا يسر، وتفكري.
تنهدت يسر تنهيدة ثقيلة كأنها تحمل معها كل خيباتها، ثم أطلقت بصرها شاردًا عبر النافذة القريبة منها وعيناها مبللتان بالحزن:
-فكرت كتير وملقتش غير الحل ده، أنا لو كملت كده ممكن أموت من قهرتي.
ابتلعت سيرا ريقها ببطء محاولةً أن تبحث بين الكلمات عن جملة واحدة تُسعف قلب يسر المحطم، ثم تساءلت بحيرة:
-طيب هو انتي لاحظتي إنه بيحبها مثلاً أو اتجوزها في السر؟
نظرت إليها يسر نظرة منكسرة تتأرجح بين الألم والاستسلام، وأجابت بصوت مبحوح:
-نوح لا يمكن يعمل حاجة زي دي في السر، لإنه شايف إن ده حقه اللي ربنا مديهوله، فمن حقه يعملها قدام الناس كلهم، وأنا أبقى مقتنعة وراضية...
ثم صمتت لبرهة وكأن الكلمات تخنقها قبل أن تتابع بنبرة أشد مرارة:
-أنا مش مجروحة لمجرد إنه مقرب من السكرتيرة اللي اسمها حسناء، أنا مجروحة لإن حاطط الشرط ده في حياتنا، ده غير أن كل حياته بنات في بنات، العيادة والمعمل اللي شريك فيه مفيش موظف راجل في حياته، نوح عايز كل حاجة وأنا فوقهم.
انعكس التوتر على ملامح سيرا، واحمر وجهها من شدة القلق حتى بدت كأنها نسخة أخرى من يسر نفسها، قبضت على أصابعها بقوة وهي تحاول صد الصور المقلقة التي بدأت تتسلل إلى ذهنها عن مستقبلها مع يزن، لكن صوت يسر اخترق شرودها وانتشلها من غرق أفكارها:
-متخافيش يزن مش زي نوح، يزن كبر عنده كل حاجة، متربي على الشبع مش محتاج حاجة، فجرب كل حاجة، أظن إنه يوم ما يستقر هيكون دي الحاجة الوحيدة اللي نفسه يعملها وبعدين أنا من خلال كلامي معاه باين أنه بيحبك.
ابتسمت سيرا ابتسامة باهتة ممزوجة بالقهر، وقالت بسخرية مريرة:
-هو يبان للكل كده، بس أنا الوحيدة اللي مش شايفة كده، المهم خلينا فيكي محاولتيش تتكلمي معاه وتعالجي اللي ناقصه واحدة واحدة، لغاية ما توصلوا لبر الأمان انتوا الاتنين وخصوصًا إن في بنت محدش فيكم متزعليش مني فكر فيها، وكمان بيبي جاي في الطريق مالوش ذنب إنه يكبر من غير أب.
اتغرست كلماتها في جراح يسر العميقة، فتجاهلتها كأنها لم تسمعها وأجابت بنبرة باردة تتعمد الصلابة:
-هو اللي مش عايز يتنازل يا سيرا، ربنا مديله كل حاجة وهو بردو ناقم وعايش في جراح الماضي، وبعدين أنا عمري ما هحرمه من عياله، لو عايز يشوفهم في أي وقت براحته، على فكرة كده أفضل للينا تكبر وتلاقي أب وأم متفاهمين حتى لو منفصلين، أحسن ما تكبر ما بين أب وأم عايشين مع بعض وعمرهم ما هيتفاهموا وكل شوية خناق وتجريح.
هزت سيرا رأسها متفهمة لكن صوتها خرج مستنكرًا ومليئًا بالرجاء:
-ده اللي بتحاولي تقنعي نفسك بيه، وبتحاولي تظهري أنك صح بس في الحقيقة إنتي كنتي لازم تبذلي شوية وقت ومجهود عشان تقدروا تتفاهموا انتوا الاتنين، على الاقل كنتي استغلي حبه ليكي واضغطيه عليه بكده، صدقيني كان هيغير فكرته، الطلاق عمره ما كان حل.
ظل الحديث يتشعب بينهما، حتى نجحت سيرا في زعزعة بعض أفكار يسر المتصلبة، لكنها كلما تذكرت كيف استغل نوح حبها، وضغط عليها مرارًا لينتزع موافقتها، غير آبهٍ بأن يدهس كرامتها تحت قدميه عادت لتتمسك برأيها أكثر فأكثر…
فالانفصال بالنسبة لها لم يعد مجرد خيار، بل أصبح هو المخرج الوحيد....حتى لو كان موجعًا.
****
والنقاش كان بين يزن ونوح في أوج حدته، حتى قرر يزن الانسحاب وتركه يهدأ قليلاً، تاركًا إياه جالسًا خلف مكتبه يحمل أثقالًا من الهموم فوق كاهله، واضعًا كفه فوق جبهته وكأنها تحاول أن تمنع سيل الأفكار من الانهمار، كان الصمت يخيم على المكان إلا من صوت عقارب الساعة وهي تطرق جدران عقله المتعب.
على مقعدٍ قريب جلست حسناء، تتابعه بعينيها اللامعتين بينما ترتسم ابتسامة خفيفة على وجهها تحمل بين طياتها سعادةً خفيةً لم تحاول حتى إخفاءها، فكان في ملامحها شوقٌ ممزوج بترقبٍ وحذر كصياد ينتظر لحظة الانقضاض.
رفع نوح وجهه إليها فجأة، فبدلت ملامحها على الفور كما لو كانت ترتدي قناعًا جديدًا؛ لمحة حزنٍ عميق امتزجت بظل من الشفقة، وقبل أن ينطق مدت حسناء يدها نحوه بفنجانٍ من القهوة، وهي تقول بنبرةٍ لطيفة تخفي فضولًا:
-اتفضل يا دكتور القهوة، بس لو تقولي مالك من الصبح؟ أنا خايفة عليك أوي.
مد يده نحو الفنجان دون حماس وراح يحرك إصبعه فوق حافته كأنه يرسم دوائر من الضياع، ثم رفع بصره إليها وقال بنبرة ساخرة ثقيلة:
-مفيش طلقت يسر النهاردة.
شهقت بعنف وهي ترمقه بعينين متسعتين يُزينها عدم تصديقٍ زائف:
-معقولة يا دكتور ده أنت بتحبها؟ ليه عملت كده بس؟ ده كله بسبب الراجل اللي جه هنا وحضرتك ضربته؟
تنفس نوح بعمق زفر زفرة حارة كأنها تحمل رماد قلبه، ثم أسند ظهره إلى المقعد وهو يهمس بمرارة، وعيناه معلقتان بفنجان القهوة أمامه:
-لا هي اللي طلبت مني اطلقها.
توسعت ابتسامة حسناء تدريجيًا، فرصة نادرة إن اغتنمتها الآن فلن تفلتها يدها أبدًا، وفي داخلها تدفقت الأفكار كالسيل، اقتربت ببطء، تمهلت في خطواتها حتى دارت حول المكتب واقتربت منه أكثر حتى صارت بمحاذاته، انحنت قليلًا وهبطت لمستواه لتواجهه مباشرة، فقد كان وجهه شاحبًا، وملامحه شاردة أما عينيه فقد غشيهما بريق من انكسارٍ عميق لم تره فيه من قبل، همست بصوتٍ متماوجٍ كأنها تُلقي تعويذة:
-واللي يخيلهالك ترجعلك وبإرادتها كمان؟
لم يُجب ظل صامتًا وكأنه غارق في دوامة تفكيرٍ لا مفر منها، ابتسمت ابتسامة صغيرة وتقدمت أكثر حتى صار صوتها أقرب إلى الهمس في أذنه:
-اتجوزني...اتجوزني ووقتها هي هتموت من الغيرة وهترجعلك بأي طريقة.
سكنت الغرفة للحظة، وصدى كلماتها ظل يتردد في رأسه كأمواجٍ تضرب شاطئًا مهجورًا، كان يدرك أنها تلعب على وترٍ حساس، لكنها في الوقت نفسه تلمس جرحه الأعمق، رفع عينيه إليها أخيرًا، ملقيًا نظرة ممتزجة بالغضب والتيه، لكنه…..لم يقل شيئًا، ثم قرر أن يقطع صمته بضحكةٍ ساخرة، وهو يحدق في عينيها الماكرتين بنظرة نافذة وقال بنبرة تحمل مزيجًا من التهكم والاستنكار:
-ده انتي بتحبيني اوي؟!، لدرجة أنك بتعرضي عليا عرض هيخليني أبعد عن يسر خالص، وفكرة رجوعي ليها تبقى من المستحيلات.
تراجعت حسناء خطوة إلى الخلف وهي ترمقه بدهشةٍ مصطنعة، ثم أشارت إلى نفسها مستنكرةً وابتسامة باهتة ترتسم على شفتيها:
-أنا؟! يا خبر يا دكتور، أنا بس بعرض عليك عرض أنا متأكدة إنه هيحرك أي ست بتحب جوزها، إلا إذا مدام يسر أصلاً مبتحبكش وانت مش فارق معاها وماصدقت تتطلق منك.
وضع نوح كفه أسفل ذقنه متظاهرًا بالتفكير، ثم مط شفتيه بتكاسل قائلاً بنبرةٍ باردةٍ زادت من غضبها:
-حتى ولو زي ما أنتي بتقولي، بس أنا بحبها...بحبها اوي، يسر حبي الاول، أول بنت حبيتها وقررت اتجوزها، هي بتحبني او لا مايفرقش معايا غير أني بحبها.
قطبت حسناء حاجبيها بدهشة حقيقية هذه المرة، ثم سألت بحدةٍ خافتة:
-ولما انت بتحبها أوي كده، بتطلقها ليه؟
تجمّدت ملامحه فجأة، وكأن كلماتها وخزت شيئًا دفينًا بداخله فرد بنبرةٍ حادةٍ بعض الشيء أربكتها:
-حاجة متخصكيش يا حسناء.
أحست بثقل الجملة كصفعةٍ غير متوقعة، فتراجعت قليلًا وقالت بنبرةٍ مترددةٍ تكاد تخنقها:
-أنا أسفة يا دكتور، يعني اتدخلت عشان أراضيك...
قاطعها بصرامةٍ لم تعهدها فيه من قبل:
-أنا مطلبتش منك تراضيني، انتي اللي جيتي عرضتي عليا عرض غريب وأنا رفضتك.
تراجعت خطوةً أخرى إلى الخلف وقد غمرتها صدمة حقيقية فـ للمرة الأولى ترى نوحًا مختلفًا تمامًا عن ذلك الرجل الذي عرفته، لقد كان جامدًا حاد الطباع، عيناه تحملان شيئًا غريبًا وكأن ستارًا من الغموضٍ قد أُسدل فوقهما فمنعها من سبر أغواره، فاحت منه في تلك اللحظة رائحة خيانةٍ خفية، فاقشعر لها جسدها لكنها تماسكت، ووقفت بشموخٍ مصطنع تحمل على شفتيها بسمة نصف ساخرة وهي تقول:
-تمام يا دكتور أسيبك عشان شكلك أعصابك تعبانة، ومحتاج ترتاح ويدوب اروح.
أشار إليها ببرودٍ كامل نحو الباب ثم أعاد دفن وجهه داخل كفيه، غارقًا بين أفكاره المشتتة وهمومه الثقيلة، فغادرت هي بخطواتٍ متثاقلة، لم تلتفت وراءها حتى بلغت الخارج، وحين خرجت من البناية كلها، أطلقت زفرةً حارقة امتزجت بين الخذلان والغضب، ثم أغمضت عينيها لحظة وهي تهمس في سرها بنبرةٍ تحمل وعدًا دفينًا بالانتقام:
-لا وحياة أمك أنا ما هطلع من المولد بلا حمص، ده أنت راجل ديب و ***** بصحيح، وأنا واحدة ***** عشان صدقت إنك ممكن تتجوزني، بس الصبر.
****
بعد مرور يومين…
كانت حسناء جالسة في غرفتها، ساكنة الجسد مشتعلة العقل لا تفعل شيئًا سوى الغرق في بحرٍ من الأفكار المتشابكة، لم تذق طعم الراحة منذ أن أبلغها نوح بأنه سيغلق العيادة ليومين كاملين يأخذ فيهما قسطًا من الراحة، شعرت وكأن الوقت توقف عندها، بينما كل شيء في رأسها يتصارع بلا هوادة.
لم تسلم من سخرية والدتها المستمرة، إذ لم تترك فرصة لدخول غرفتها أو الخروج منها إلا وعلقت عليها بكلمات لاذعة تؤلم أكثر مما تجرح، فما كان منها إلا أن آثرت الانزواء داخل غرفتها، تهرب من أي احتكاكٍ معها لكن يبدو أن والدتها لم تكن لتتركها في حالها طويلًا.
حيث دخلت والدتها وهي تحمل مبخرةً صغيرة، تصدر منها رائحة نفاذة، وبدأت تُبخر الغرفة حتى غمرها الدخان الكثيف وهي تتمتم بكلمات خافتة لا تُفهم كأنها طلاسم قديمة، بينما تعلو وجهها علامات التركيز، لم تحتمل حسناء المنظر أكثر فانطلقت صرختها غاضبةً:
-يا ما قولتلك بلاش الشعوذة دي معايا، أنا عفاريتي موجودة أصلاً مش محتاجة حد يحضرهم.
رفعت الأم حاجبيها في بطء ونظرت إليها بنظرة تحمل مزيجًا من التهديد والشماتة، ثم همست بصوتٍ خافت يقطر وعيدًا:
-بس ليسخطوكي قرد، وبعدين انتي أصلاً حالك واقف عشان طولة لسانك مع أسيادك.
زفرت حسناء بقوة وكأنها تطرد كل ما يثقل صدرها، ثم اتجهت نحو النافذة وفتحتها على مصراعيها لتتنفس بعض الهواء، وقالت بغيظٍ مكتوم:
-طيب ما تخليهم يخلوه يحبني عشان أعرف اتجوزه.
شهقت الأم بامتعاض ثم انفجرت بسخرية لاذعة وهي تقول:
-مالكيش دعوة انتي يا ماما، أنا هعرف ازاي اوقعه واخليه يحبني، هخليه يطلقها ويتجوزني، واهو فعلاً طلقها بس مش هيتجوزك يا عبيطة ولا عمره ما هيتجوزك، واديكي طلعتي من المولد بلا حمص، وماخدتيش جنية واحد منه.
كانت كلماتها كالسكين في صدر حسناء، فمررت أصابعها داخل خصلات شعرها الأصفر المصبوغ بفعل صبغاتٍ متكررة، محاولةً تهدئة الغضب المشتعل في عروقها، قبل أن ترد بنبرة تحمل وعيدًا خافتًا:
-لا على جثتي، طالما مش هيتجوزني، أنا هعرف اسحب منه اللي أنا عايزاه بطريقتي.
اقتربت الأم خطوة منها وقد ارتسم على وجهها مزيج من الفضول والشك، وسألتها بصوتٍ منخفض:
-ازاي يا بت هتسرقيه ولا إيه؟!
ابتسمت حسناء ابتسامة ماكرة ثم قالت وهي ترفع حاجبًا واحدًا بتحد:
-نوح ده الفلوس بتلعب في ايده لعب، ومن كترها هو مابيركزش، انتي عارفة كام واحدة بتيجي العيادة وبتدفع جلسات وكشف، المشاكل اللي هو فيه مش مخلياه مركز في أي حاجة، والفلوس بتتحط في الخزنة اللي مفتحها معايا بردو وقبل ما يغدر هغدر بس بشويش وبرواقة بحيث مايشكش فيا.
شهقت والدتها بصدمة حقيقية مبحلقةً في وجهها، وقالت بصوتٍ متحشرج:
-هتسرقي فعلاً يا حسناء؟
أطلقت حسناء ضحكة قصيرة ثم التفتت إليها بعينين تتلألأان دهاءً، وقالت بنبرة حاسمة:
-هو انتي فاكرة العيشة اللي احنا عيشينها دي من المرتب ولا إيه؟! لا من كان كشف وجلسة بخدهم من وراه كل يوم وهو مش حاسس، بس وديني الهبرة الكبيرة بقى هتكون مفاجأة للكل.
وضعت والدتها يدها فوق قلبها وقد تملّكها الخوف، وهي تقول بصوتٍ مرتجفٍ وهي تهم بالخروج من الغرفة:
-يا خوفي يا بت بطني لتودي نفسك في داهية.
ثم غادرت الغرفة بخطواتٍ متسارعة، بينما بقيت حسناء جالسة في مكانها، تحدق في الفراغ بعينين تلتمعان بوميضٍ مظلم، وارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة تحمل بين طياتها مزيجًا من الحقد والعزيمة، وكأنها تُقسم في سرها عهدًا لا رجعة فيه:
-قبل ما هو يغدر…أنا اللي هغدر ومش هيعرفلي طريق.
وفي تلك اللحظة مر طيف نوح في مخيلتها فتشنجت أصابعها، وشعرت بحرارةٍ تتصاعد في صدرها كبركانٍ على وشك الانفجار، لم تكن ترى في المستقبل إلا طريقًا واحدًا طريقًا محفوفًا بالمخاطر، لكنها كانت مستعدة أن تسلكه حتى آخره…مهما كفها الثمن.
****
-انت بتستعبط، بتكسرلي كلامي؟!
دوى صوت سليم غاضبًا كالرعد، وهو يقتحم المكتب بعنفٍ دفع الباب ليرتطم بالجدار خلفه، فتبعثر الهواء في الغرفة كأنه يحمل معه شرارة الصدام القادم، تراجع يزن للخلف في كرسيه بدهشة، فقد كان جالسًا في مكتبه داخل المعرض، يتابع بعض الأوراق بتركيزٍ شديد، قبل أن يفاجئه صوت أخيه وهو يقتحم المكان ملوحًا بيديه، والشرر يتطاير من عينيه، فرفع يزن حاجبيه باستغراب، ورد بنبرةٍ تحمل بعض الهدوء رغم صدمته:
-كلام أيه؟!
لكن الهدوء لم يُطفئ النيران المشتعلة في صدر سليم بل زاد من حنقه، فازداد وجهه احمرارًا حتى بدا كمَن يكاد ينفجر من الغضب، ولم ير يزن تلك النظرة في عينيه من قبل إلا يوم انفصاله عن
شمس.
لوح سليم بيديه بعصبيةٍ شديدة:
-بقى أنا أكلم المهندس وأسأله ليه مبدأش لسه شغل في شقتك، يقولي إنك كلمته ووقفت كل حاجة هو لعب عيال ولا إيه؟ واقوله أشتغل يقولي لا صاحب الشأن رفض ومأكد عليا لو انت اتدخلت ارفض!!! إيه الاستعباط ده؟! انت شايفني إيه قدامك؟
نهض يزن من مكانه فجأة وسار بخطواتٍ ثابتة حتى وقف أمام أخيه مباشرة، ثم نظر في عينيه بصرامةٍ لم يعتدها سليم منه من قبل، فبدا صوته متماسكًا، لكنه كان يخفي بداخله خليطًا من الغضب والخذلان:
-شايفك بتتدخل في حياتي وأنا حتى مش مديك أي صلاحيات لكدة.
صُعق سليم من نبرته فتصلبت ملامحه أكثر، ورد بصوتٍ مبحوح من شدة الغضب:
-فوق واحترم نفسك وانت بتكلمني يا يزن، أنا أخوك الكبير.
تردد صدى كلماته في الغرفة كطعنةٍ صامتة، شعر سليم بحرقةٍ في صدره وكأن شيئًا انكسر بداخله من شدة وقع هذه الجملة عليه، فلملم بقايا صبره واستمر في النظر لأخيه الذي لم يتردد وقال بنبرةٍ حادة لم يفلح في كبحها:
-بس مش أبويا، وحتى لو أبويا ملكش الحق إنك تتدخل كده يا سليم، أنا واحد لسه شايف إن لسه بدري على الخطوة دي.
اتسعت عينا سليم وهو يصرخ بغضبٍ عارم، مشيرًا بيده نحو أخيه:
-هو إيه لسه بدري يا بني آدم أنت، انت خاطب يعني الخطوة التانية هي الجواز ويدوب أصلاً تبدأ في شقتك، انت عايز تحرجنا مع الناس!
أخذ يزن نفسًا عميقًا ثم أجاب بهدوءٍ متعمد يخفي وراءه الكثير من التوتر:
-لا أنا عايز امشي حياتي بالطريقة اللي أنا شايفها صح، مش اكتر.
ابتسم سليم ابتسامة ساخرة لكنها كانت مليئة بالخذلان أكثر من الغضب، ورد ببرودٍ لاذع:
-يبقى مكنتش تخطب دلوقتي، طالما أنت مطريها اوي كده.
رفع يزن حاجبيه وقال بحزم:
-أنا مكنتش عايز، وانت اللي أصريت ودخلتني في حوار أنا مش حابه.
سقطت الكلمات على قلب سليم كالصاعقة، فانعكس الألم في صوته حين قال:
-والله!! خلاص يا يزن باشا ولا يهمك، طالما أنا مجرد أخ ومينفعش اتدخل في حياتك يا كبير وياللي مالكش كبير، أنا بعفيك من أي إحراج.
ثم رفع يده في الهواء كأنه يعلن انتهاء المعركة، وقال بنبرةٍ موجوعة رغم ما حاول إخفاءه من صلابته:
-ومن بكرة هتواصل مع أبو سيرا وابلغه اعتذاري ومن غير أي مشاكل بعفيك من الخطوبة دي، عيش براحتك يا كبير، وأنا ولا ليا لزمة في حياتك.
ودون أن ينتظر ردًا استدار وغادر المكتب بخطواتٍ سريعة، تحمل بين وقعها ثقلاً من الجرح والخذلان تاركًا الباب خلفه نصف مفتوح.
وقف يزن في مكانه للحظات عاجزًا عن الحركة، مشدوهًا بما حدث، مد يده في الهواء محاولًا اللحاق به، لكن قدميه لم تتحركا، وعندما استجمع شتاته ركض إلى الخارج، غير أن سليم كان قد اختفى…وكأنه ابتلعته الأرض.
كانت تلك أول مرة في حياته يرى فيها أخاه يهرب من مواجهة، فقد كان دائمًا الطرف الأقوى صاحب اليد العليا، ممسكًا بكل خيوط اللعبة في قبضته، أما اليوم فقد سقطت الخيوط من بين أصابعه، لتترك خلفها مسافةً من الألم.
وعندما فشل في اللحاق به لم يجد يزن حلًا سوى أن يتصل بـ زيدان، لعله ينقذه ويمنع سليم مما ينوي فعله، فهو لم يقصد أبدًا الانفصال عن سيرا، لكنه كان يعبر فقط عن الضغط الذي يشعر به بسبب تدخلات سليم المستمرة في حياته، وكأنه صاحب اليد العليا وليس هو، فلم يكن يزن معتادًا أن يتدخل أحد في شؤونه إلى هذا الحد؛ فمنذ صغره وهو مستقل تمامًا حتى في عمله.
أجرى اتصالًا بـ زيدان فأجابه الأخير وهو يزفر بضيقٍ واضح:
-ها ممسوك انت وخطيبتك في انهي قسم المرادي؟
تأفف يزن وهو يجيب:
-بطل استظراف، أنا وسليم اتخانقنا جامد وعايزك تتدخل عشان تهديه.
وصل له سخرية زيدان الفظة:
-اختيارك موفق، مالقتش غيري اهديه، ولا انت لو عايزه يتعفرت!
زفر يزن بعيظ وقال بحيرة وتوتر داخلي كاد يمزقه:
-يعني اجيب مين يتدخل ما بينا ويهدي الدنيا، ما تتكلم جد شوية يا زيدان، سليم شكله زعل مني، بس...
قاطعه زيدان بنبرة حادة:
-بس إيه انطق، اوعى تكون قليت أدبك على اخوك الكبير؟
عاد يزن لتأففه وأجاب بحنق طفيف:
-انت عبيط، هو أنا عمري عملتها قبل كده عشان اعملها دلوقتي، متخافش أنا مش زيك، كل الحكاية....
قطع الاتصال فجأة، فهمس يزن بنبرة منفعلة وهو يضغط فوق هاتفه بانفعال:
-يا نهارك أسود يا زيدان، انت قفلت في وشي السكة، عليا النعمة ما أنا سايبك.
****
بعد مرور ساعاتٍ طويلة من البحث، عثر زيدان أخيرًا على سليم في ورشة سيف، كان سليم يجلس على أحد المقاعد الخشبية بهدوءٍ شارد، أمامه فنجان قهوة لم يمسه، بينما كان سيف منشغلاً في إصلاح إحدى السيارات، توقف زيدان أمام الورشة بسيارة الشرطة، بينما أطلق سيف زفرةً حارة وهو يلتفت إلى سليم قائلًا بضجر:
-يا عم أخوك هيشبهني بالبوكس، والزباين هتشك فيا، أنا راجل غلبان وعندي عيال عايز أربيهم.
رفع سليم رأسه ببرودٍ ونظرةٍ ساخرة ثم قال بنبرة مشدودة:
-مجرد وقفته بالبوكس قدامك بيعملك قيمة.
زفر سيف باستنكار وهو يمسح يديه من آثار الزيت ثم رد بنبرة حانقة:
-طب خف شوية عشان أنت لما الدنيا بتضيق بيك مابتلاقيش غير ورشتي وريحة زيت العربيات وتيجي تستمع بيها وتفصل هنا.
قطع زيدان حديثهم بدخوله بخطواتٍ باردة ثم وقف يتأمل المكان بنظرةٍ متعجبة قبل أن يعلّق ساخرًا:
-الناس لما بتتضايق بتروح أماكن حلوة يفصلوا فيها، انت يا سليم بتيجي في الورشة عند سيف!!!
رفع سيف حاجبيه وقال بثقةٍ مصطنعة:
-هو إيه اللي بتيجي الورشة عند سيف؟! مالك يا عم، ده أحسن مكان ممكن أخوك يفصل فيه، ده أنا موفرله كل حاجة حتى فنجان القهوة متلاقيش زيه أبدًا.
ألقى سليم نظرة جانبية على الفنجان قبل أن يتمتم بضيق:
-الصراحة ميتشربش.
تظاهر سيف بالانزعاج ورفع صوته قليلًا:
-يعني لما أطردكوا هيبقى حلو؟!
اقترب زيدان منه يربت على كتفه محاولًا امتصاص غضبه ثم ابتسم ابتسامته المستفزة وهو يخفض صوته:
-لا يا عم سيف هو احنا لينا غيرك بردو، دي ورشتك دي يا ما لمتنا في مصايبنا، عايز بس فنجان قهوة من اللي مابيتشربش، عشان لسه ناقص لي حاجة معكرتش مزاجي، وتبقى كده كملت واعرف أكمل كلامي مع التنين المجنح اللي ورايا ده.
دفعه سيف برفق وهو يضحك بخفوت ثم التقط مفاتيحه واتجه نحو مكتبه الصغير ليأخذ أشياءه، ثم مال بعدها نحو سليم الذي كان جالسًا في كبريائه المعتاد واضعًا ساقًا فوق الأخرى، وقال بلهجةٍ ساخرة:
-أنا طالع اتغدى وسايبلكم المنتجع بتاعي أمانة في رقابتكم....
ثم ابتسم ابتسامة حمقاء، ومال أكثر ليطبع قبلة مفاجئة على وجنة سليم، فاتسعت عينا الأخير وهو ينظر إليه باستهجان:
-والله انتوا ما عارفين قيمة الراجل ده في حياتكم.
ضحك سيف بخبث وهو يغادر بخطواتٍ هادئة كأنه يخشى أن ينفجر ضاحكًا في أي لحظة ثم التفت نحو زيدان:
-هبعتلك قهوة مع إنك متستهلش عشان مبتسألش عليا يا قليل الأصل، مفيش فيكم يا عيلة الشعراوي إلا سليم حبيبي.
وغاب عن أنظارهم بينما جلس زيدان بجوار سليم وهو يقول بنبرةٍ مازحة:
-انت ماسك عليه زلة ولا إيه؟
رفع سليم حاجبيه ببرود ورد بجمود:
-صاحبي وبيحبني وبيقدرني مش زيكم.
تنهد زيدان بضيق وهو يخرج علبة سجائره لكن سليم خطفها منه وألقاها بعيدًا ثم قال بنبرة صارمة:
-مهما كنت راضي عنك وعلاقتنا كويسة، ماتفكرش تدخن قدامي أبدًا.
فرك زيدان وجهه محاولًا تهدئة نفسه ثم ابتسم ابتسامة باهتة:
-مالك يا سليم باشا زعلان ليه كده، ومش مستحمل كلمة؟
أجابه سليم ببرودٍ أكبر:
-بالعكس أنا هادي خالص، وزي الفل أنت اللي جاي ورايا وماعرفش ليه؟
أطرق زيدان رأسه قليلًا ثم قال بنبرةٍ خافتة:
-يزن هو اللي اتصل بيا، وشكله خايف إنك تنفذ قرارك وتتصل على ابو سيرا!
اتسعت عينا سليم غضبًا ورد بحدة نارية:
-يعني ده اللي جايبك عشانه؟!، يعني مش عشان هو قل أدبه عليا وتطاول عليا في الكلام؟!
فتح زيدان عينيه بدهشة وهو ينظر إليه بعدم تصديق:
-يزن قل أدبه عليك؟! الواد ده اتجنن ازاي يعمل كده!!
رفع سليم حاجبيه بغضب وصوته خرج أثقل من أي وقت مضى، وكأن نبراته تحاول أن تمزق الصمت:
-مش بالمعنى الحرفي ده يا زيدان، هو مايقدرش أصلاً، بس كلمني بأسلوب عمره ماكلمني بيه، يزن كبر لدرجة إنه مش عايزني حتى اوجهه للطريق الصح، وشايفني مجرد أخ عادي المفروض اكتفي بنفسي واسيبه في حاله، وبعدين هو أنا بالنسبالكم مجرد أخ عادي؟!
ساد الصمت لحظة، وكان صوت أنفاس زيدان مسموعًا وهو يرمش بأهدابه قبل أن يجيب بنبرةٍ خافتة مليئة بالصدق:
-لا طبعًا.
استدار سليم فجأة بجسده نحو أخيه، وعيناه تتوهجان غضبًا وشكًا ثم قال بنبرة متأرجحة بين الحزن والانفعال:
-من قلبك بجد؟ ولا انت زيك زي يزن وشايف ماليش حق اتدخل في حياتكم، البيه بيقولي انت مش في مقام أبويا؟! هو مين رباه اصلاً، مين كان بيجري وراه في المدارس والجامعة؟! مين فضل شايل همه لغاية ما عرف يوقف على رجله في مشروعه؟! ده كله الكلب ينساه ويكلمني كده؟!
وقبل أن يرد زيدان وجد صوت يزن يتدخل بعتاب ساخر وهو يقف على بعد مسافة قريبة منهما يضع كلتا يداها في جيب سرواله:
-طيب بتشتمني ليه طيب يا أبيه؟ ده أنا جاي وراك عشان اصالحك.
رفع زيدان يديه إلى وجهه وفركه بقوة مجددًا وهو يستغفر بصوتٍ خافت قبل أن ينفجر بنبرةٍ حانقة:
-انت داخل ليه يا بارد؟ مش أنا قايلك متدخلش لما يهدى.
اقترب يزن بخطوات حذرة وعيناه تتنقلان بين أخويه كمَن يخشى أي شرارة انفجار، قبل أن يرد بصوتٍ يحاول أن يبدو مازحًا:
-يا عم ده انت داخل تعكها، وبعدين سيف قالي ادخل ومتسبش زيدان لسليم عشان سليم مش ناقص اللي يسوحه هو متسوح جاهز.
اشتعلت ملامح سليم بغضبٍ مكتوم وهو يرفع يديه ساخرًا وكأنه يسلم بالأمر الواقع:
-شوفت؟! شوفت البيه بيتكلم عليا ازاي؟ ما هو كبر خلاص!!
اندفع يزن فجأة ليدفع زيدان من على المقعد ويجلس مكانه بثقةٍ طفولية، وسط نظرات استنكار من زيدان الذي عقد حاجبيه بضيق، لكنه آثر الصمت وتركه يجلس، بينما انحنى يزن نحو سليم محاولًا تلطيف الأجواء بصوتٍ عذبٍ يشوبه الرجاء:
-حقك عليا يا اخويا يا كبير يا حبيبي يا للي ماليش غيرك، أنا لو لفيت الدنيا كلها ملاقيش أخ زيك، عارف زيدان ده ولا يفرقلي أصلاً، انت الكل في الكل والباقي كنتلوب.
رمقه سليم بنظرةٍ ممتعضة وبدت على شفتيه ابتسامة خافتة لكنه أخفاها سريعًا، بينما اقترب يزن أكثر حتى كاد أن يقبل خده، إلا أن سليم ابتعد عنه بضيق مفاجئ وصوته خرج بحدة:
-ابعد عني، خلاص...خلاص مش زعلان بس أنا لسه عند رأيي، أنا كنت غلط لما ضغطت عليك، لازم اتصل على أبو سيرا الصبح واعفيك من الحوار ده...
ما إن أنهى جملته حتى تحولت ملامح يزن للارتباك، التفت بسرعة إلى زيدان مستنجدًا لكن الأخير اكتفى برفع رأسه إلى الأعلى مطلقًا صفيرًا عاليًا وكأنه ينسحب عمدًا من الموقف، عندها استدار سليم نحوه فجأة وسأله بنبرة هادئة تحمل استفزازًا دفينًا:
-ولا انت رأيك إيه يا زيدان؟
تحركت شفتا زيدان بابتسامةٍ صغيرة وهو يهز رأسه موافقًا، ثم قال بلهجةٍ متأنية وهو يراقب:
-عندك حق في كل كلمة قولتها، أساسًا يزن مبيحبهاش نغصبه يتجوز واحدة مبيحبهاش؟! معقولة ده حتى أخونا الصغير، ومينفعش نتدخل في حياته.
رفع يده فجأة ليداعب خد يزن كمَن يسخر منه أكثر، فانتفض الأخير بحدةٍ وهو يبعد رأسه قائلًا بضيق:
-طيب كملوا جميلكم بقى وزي ما قولتلك يا سليم ما تدخلش في حياتي، ماتكلمش ابو سيرا في حاجة لو سمحت، دي حياتي وأنا حر فيها!
رفع سليم حاجبيه معًا بدهشةٍ ممزوجة باستفزاز ورد بنبرة تحمل مزيجًا من السخرية والاستنكار:
-الله!! ليه بس يا يزن ما انت مش بتحبها وأنا غصبتك عليها من الاول.
تحرك يزن في مقعده بتوتر وألقى نظرة سريعة على أطراف الورشة وكأنه يخشى أن يسمع أحدهم حديثهم، ثم قال بصوتٍ خافت يحاول السيطرة على انفعاله:
-يا عم ما بلاش الكلام ده أحسن الاقيها طالعة من أي مكان، وأنا ما صدقت ابعد الكلام ده عن دماغها.
ضحك زيدان عاليًا وهو يومئ برأسه ساخرًا:
-عملتلك رعب، يزن دنجوان عصره خايف من خطيبته.
رفع يزن حاجبيه مستنكرًا وهو يرد بحزمٍ ممزوجٍ بالحرص:
-اسمها خايف على مشاعرها، وبعدين أنا مش قولتلك مالكش دعوة بيها.
وقبل أن يتمكن زيدان من الرد بحنقه المعتاد، كان يزن قد مال نحو سليم فجأة ليقبل رأسه بانحناءةٍ يغلب عليها الاحترام والاعتذار:
-حقك عليا يا سليم، والله ما كنت اقصد اقولك الكلام ده كله، بس يعني كنت متضايق الصراحة من وقتها لما جيبت المهندس وسيرا من غير ما اعرف، فحسيت إن ماليش لازمة.
نظر إليه سليم مطولًا وعيناه تلمعان بجرحٍ خفي لم يبح به، ثم قال بنبرةٍ مشدودة:
-كان ممكن تقولي كده، ومتروحش تقلل مني مع المهندس، عشان أنا اسمي ووضعي مش قليلين عشان حد يهزهم بالشكل ده!!
ابتسم زيدان ابتسامة خبيثة وهو يتكئ للخلف بارتياح، مستغلًا لهجة أخيه الغاضبة ليؤجج الموقف أكثر:
-اديله فوق دماغه يا سليم، اديله الحيوان ده ازاي يتجرأ ويعمل كده، ده أنا مقدرش اعمل كده، ولا يمكن أكسرلك كلمة.
وفي تلك اللحظة، كان شاب صغير لا يتجاوز السابعة عشرة يدخل بخطواتٍ مترددة يحمل صينيةً عليها أكواب عصير باردة، وضعها على الطاولة الصغيرة أمامهم ثم قال بهدوءٍ متحفظ وكأنه ينقل رسالة حاسمة:
-عم سيف بيقولكم، لو خلصتهم اشربوا العصير وامشوا، عشان هو وراه شغل كتير وورشتة مش مصلحة اجتماعية...عن إذنكم يا بشوات.
ساد الصمت فجأة بينما نظراتهم الثلاثة تتنقل بين العصير البارد والباب المغلق خلف الفتى، فقال لهم سليم بحسم:
-يلا نروح لينا بيت يلمنا، وانت طاجن البامية اللي شمس عملته خسارة فيك ومحروم منه.
انطلق يزن خلفه يهتف بنبرة تميثيلة:
-لا بالله عليك ارحمني من الميراث ولا تحرمني من طاجن البامية.
انطلقت ضحكات الثلاثة تتردد في أرجاء الورشة كأنها تكسر صمتًا طويلاً أثقل قلوبهم، وقد بدا أن كلمات يزن المازحة نجحت ولو للحظة في تبديد حدة التوتر الذي خيم بينهم.
التفت سليم نحو زيدان وأرسل إليه غمزة عابرة، فقرأ الأخير في عينيه ما لم يُقل، وتفهم على الفور سر ذلك التبدل المفاجئ في لهجة يزن واندفاعه السريع لمراضاته، فأدرك أن شقيقهما الأصغر لم يُسارع بالاعتذار خضوعًا لهيبة سليم وحدها، بل لأن قلبه بات معلقًا بفتاة بعينها، ويخشى أن يقف كبرياء أخيه حائلًا بينه وبينها.
بدا يزن في تلك اللحظة كمَن يغرق حتى رأسه في بحرٍ واسعٍ من الإعجاب بها، يحاول أن يوازن بين مشاعره العميقة وخوفه من أن يُغضب مَن كان يومًا له سندًا وملاذًا، فقد كان صوته المرح يخفي خلفه صراعًا صامتًا بينما كان قلبه يخفق بإيقاعٍ لا يسمعه سواه.
****
بعد مرور يومين...
خرجت سيرا بخطواتٍ متهللة لكنها بطيئة من بناية فاطمة بعد جلسة طويلة قضتها معها امتلأت بالأحاديث الدافئة والفضفضة، كانت الساعة الحادية عشر مساءً وخف المارة من الشارع الطويل الموجود بين بناية فاطمة وبنايتها، لمس نسيم خفيف وجنتيها بينما هي تمسك هاتفها وتبتسم وهي تتحدث إلى يزن:
-انت عايزني استنى قاسم ولا عبود لما يجوا ياخدوني، ده كده أنا هبات عند فاطمة.
جاءها صوت يزن حازمًا لكنه لم يخلُ من القلق المحبب:
-سيرا اسمعي الكلام ومتخرجيش لوحدك تاني، وبعدين هي يسر مخلصتش من محلها ما هو مش كل يوم تروحي!
رفعت حاجبيها وضحكت بخفة وفي عينيها لمعة شقية:
-يزن، الست متدمرة ميبقاش انت والزمن وجوزها عليها كفاية، وبعدين أنا الساعتين اللي بروحلها فيهم دول بفصل فيهم من أبلة حكمت وعيال اخواتي اللي بيدوشوني.
ظلت تتحدث معه حتى وصلت إلى بنايتها، توقفت أمام المدخل وابتسمت بخفة قبل أن تغلق المكالمة، لكن ابتسامتها سرعان ما انطفأت حين لاحظت أن مدخل البناية يغرق في الظلام، تقدمت خطوة ورفعت حاجبيها بدهشة وهمست بصوتٍ خافتٍ متوجس:
-مين طفى نور المدخل؟!
مدت يدها تتحسس مفتاح النور لكن فجأةً شعرت بكف خشن يكمم فمها بقسوة، وجذب عنيف يقذفها إلى زاوية جانبية في المدخل شبه مظلمة يتسلل إليها أضواء الشارع، كاد قلبها يقفز من صدرها من شدة الرعب حتى دوى في أذنها صوت منخفض خشن يحمل نبرة شريرة:
-أنا اللي طفيته.
شهقت بعنف وهي تحاول التملص منه فسقط هاتفها أرضًا ليصدر صوت ارتطامٍ خافت على البلاط البارد، حاولت دفعه بكل قوتها لكن ما إن أدركت صوته حتى تجمدت عروقها رعبًا، فما كان سوى فايق، اقترب منها أكثر وهمس بنبرة ناعمة مريبة وكأن الشر يقطر من صوته:
-وحشتيني على فكرة.
اشتعل الغضب في عينيها وهي تدفعه بكل ما أوتيت من قوة، ثم رفعت يدها لتصفعه لكن عينيه كانتا أسرع، إذ أخرج سكينًا صغيرة وصوبها نحو بطنها هامسًا بنبرةٍ خافتة تتشح بالتهديد:
-لو فكرتي تعمليها هتلاقي المطوة بتشق بطنك الحلوة دي.
تسمرت في مكانها والذعر ينهش أطرافها، بينما نظراته القذرة تتجول على جسدها بوقاحة رغم أن ثيابها كانت واسعة مكونة من سترة رياضية سوداء فضفاضة وسروال بنفس اللون، شهقت بغيظ مكتوم وهي تقول بصوتٍ مرتجف لكنه متهدج بالغضب:
-ابعد يا فايق عشان مش هيبقى حلو أبدًا لما اصوت والم الناس عليك، وعيلتي يضربوك.
ابتسم فايق ابتسامةً ساخرة لكنه في الوقت نفسه دفع السكين أكثر نحو بطنها، فانتفضت شهقة حادة من صدرها وهو يهمس ببطء شديد كمَن يتلذذ بخوفها:
-وقتها بردو صوتك هيصرخ من الألم لما المطوة تشق بطنك.
تراجعت خطواتها غريزيًا بينما الرعب يتسلق روحها، لكنها تماسكت قدر المستطاع ثم رمقته بنظرة مصعوقة من الشر الكامن في عينيه وسألته بحدةٍ متقطعة:
-أنت عايز إيه مني؟ أظن انت عارف كويس مفيش بيني وبينك حاجة عشان تتعلق بيا بالشكل ده.
تغيرت ملامحه فجأة واختفى الخبث ليحل محله حقدٌ دفين بينما نفث كلماته بحممٍ من الغضب:
-رفضتيني، وفضلتي حتة عيل مالوش لازمة عليا.
رفعت رأسها بتحدٍ رغم الارتجاف الذي يسري في أطرافها وردت بصوتٍ يحمل قوة وكبرياء:
-يزن ده أرجل منك لإنه استحالة يعمل اللي انت بتعمله ده، واظن إن كان عندي بُعد نظر.
ذكر اسم يزن كان كصب الزيت على النار، إذ اقترب فايق أكثر حتى كاد أنفاسه تلامس شفتيها، وهمس بغيظٍ يقطر تهديدًا:
-فرحانة بيه عشان شكله صح؟ طيب ما أنا ممكن ارميه بازازة ميه نار في وشه اشوهلك ملامحه.
شهقت بعنف كأن الهواء اختفى من حولها، وبدأت عيناها تلمعان بخوفٍ لا إرادي، بينما تابع هو تهديداته وقد اشتدت نبرته:
-ولا أولعلك في المعرض بتاعه ويخسر فلوسه وحياته ويبقى بردو حتة عيل لا راح ولا جه.
همست بصوتٍ منخفض بالكاد خرج من بين شفتيها، وقد اكتسى وجهها بالامتعاض والصدمة:
-انت مريض نفسي ومحتاج تتعالج.
ابتسم بمرارة وصرامة ثم اقترب أكثر حتى شعرت بحرارة أنفاسه الخانقة:
-مريض بيكي، اه مريض نفسي بيكي ومش هسيبك غير وانتي ليا يا سيرا، انتي الوحيدة اللي أنا حبيتها وانتي رفضتيني وفضحتيني في المنطقة كلها.
حدقت فيه بعينين تملؤهما القوة رغم الضعف وهتفت بحدةٍ حارقة:
-انت اللي فضحت نفسك بعمايلك السودة، ابعد عني بقى.
صرخت بعنف وهي تدفعه بكل قوتها لكن فايق استدار بسرعة وجذبها عنوة ليحتضنها بقسوةٍ فجة، فيما هي كانت تقاومه بشراسة وتضربه وتدفعه بلا هوادة، حتى عضت كتفه بغل شديد، فارتد عنها متألمًا وهو يضغط على جرحه، ورمقها بعينين تشتعلان غضبًا ووعيدًا ثم زمجر مهددًا:
-وربي ما أنا سايبك يا بنت الـ **** حسابك تقل معايا أوي انتي واهلك، وخطيبك الحلو اللي انتي فرحانة بيه ورايحة جاية معاه، أنا مش هسيبه في حاله، وهخليه يرميكي رمية الكلب.
ثم دفعها بعيدًا وغادر البناية بخطواتٍ غاضبة، تاركًا خلفه صدى تهديداته القاتلة يتردد في أذنها، تجمدت في مكانها ووجهها كان شاحبًا كالأموات، وعيناها تلمعان بخوفٍ حقيقي ينهش صدرها، لم يكن الخوف على نفسها بقدر ما كان خوفًا على يزن…خشيت أن ينفذ فايق تهديداته فتبتلعه نيران الانتقام.
صعدت الدرج مسرعة وقلبها يدق كطبول الحرب، حتى توقفت أمام شقة حكمت فسمعت جدالًا حادًا بينها وبين أبنائها حول إهمالهم، تنهدت في صمت ثم فضلت الصعود إلى شقتها مباشرة.
ما إن دخلت حتى وجدت الجميع في عالمٍ آخر؛ ضحكات عالية وصخب عائلي، وأصوات المعلقين الرياضيين تملأ الأجواء، كان والدها جالسًا بارتياح، متابعًا المباراة بوجه متهلل فرحًا بفوز الأهلي، قبل أن يهتف بحماس:
-لو ربنا أراد وكسبنا هعزمكم على أي حاجة نفسكوا فيها.
تعالت صيحات الفرح من أخواتها الفتيات وضحكات أزواجهن، بينما كان عبود وقاسم في عالمهما الخاص، يتابعان المباراة بانفعالٍ وكأن اللاعبين يسمعون حماسهما من خلف الشاشة.
وقفت سيرا للحظة تتأمل هذا المشهد الصاخب، لكنها شعرت بوحدةٍ قاتلة تنهش روحها، وكأنها غريبة وسط أهلها، انسحبت بهدوءٍ إلى غرفتها دون أن يشعر بها أحد وأغلقت الباب خلفها وهي ترتجف.
ألقت بنفسها على السرير وقررت الاتصال بـيزن لطلب المساعدة، لكن هاتفه كان مغلقًا، زفرت بقوة وترددت بشدة؛ فإخبار يزن الآن قد يدفعه للتصرف بتهور، فينفذ فايق تهديده بحقه…وحينها ستعيش بذنبٍ لا يغتفر طيلة حياتها.
****
جلس فايق في غرفته التي تملؤها رائحة دخان السجائر الثقيلة، بينما يعلو صوت مروحة قديمة تدور ببطء، جلس بجانبه صديقه من أبناء المنطقة يحمل الهاتف بين يديه وعيناه تلمعان ببريق مكرٍ خبيث.
كانت الصور التي يراجعانها على شاشة الهاتف صادمة؛ لقطات ملتقطة بخبث توحي زورًا وكذبًا بأن فايق وسيرا على علاقة سرية وكأنهما حبيبان يلتقيان خلسة، تفحص فايق الصور بتركيز شيطاني وعلى وجهه مزيج من الغضب والحقد واللذة، قبل أن يهمس بنبرةٍ خافتةٍ متقطعة:
-لا دي أحسن...
ثم مرر إصبعه على الشاشة يشير إلى صورة أخرى، وانفرجت شفتاه عن ابتسامة نصرٍ باردة، وهو يقول:
-ودي أجمد، ابعتهم بقى لأي واحد في المنطقة متسبش واحد، وابعتهم لعبود وقاسم وعيلتها كلها.
رفع صديقه رأسه نحوه مترددًا صوته يحمل لمحة خوف رغم أنه يحاول مواكبة مكر فايق:
-دلوقتي؟
نظر إليه فايق بثباتٍ حاد ثم أطلق ضحكة قصيرة مشبعة بالشر وهو يميل برأسه إلى الأمام:
-اه طبعًا ده حلاوتها في حموتها.
أما في الخارج…
كانت والدته تجلس في صالة البيت على أحر من الجمر يدها تتشابك بعصبية وهي تفرك كفيها بتوتر، بينما نظراتها القلقة تتنقل بين الباب المغلق لغرفته وبين ابنتها سهام الجالسة بلا مبالاة على الأريكة، تمسك بجهاز التحكم وتشاهد التلفاز وكأن شيئًا لا يحدث، تنهدت الأم بحنقٍ يقطر قلقًا قبل أن تقول بصوتٍ متقطع:
-يا بت قومي قوليله بلاش اللي بيعملوه ده، ده لسه خارج من السجن، وبعدين وربنا حكمت ما هتسيبنا وهتفرج علينا أمة لا إله إلا الله..
لم تُبدِ سهام أي اهتمام رفعت يدها بتكاسل وهي تلوح بإهمالٍ واضح، ثم ألقت بجملتها ببرودٍ جارح:
-وأنا مالي؟! ابنك ماشي بدماغه والله لو الدنيا ولعت أنا ماليش دعوة، كفاية العلقة اللي اخدتها من حكمت ده أنا عندي تروما بسببها.
اتسعت عينا الأم بصدمة وهي تحدق في ابنتها بعدم استيعاب، ثم شهقت قائلةً بغضبٍ حانق:
-تـ إيه ياختي؟ يالهوي بقولها إيه؟! وتقول إيه؟
ثم زفرت بحسرةٍ ثقيلة وهي ترفع يدها إلى السماء وكأنها تستنجد قبل أن تعود لتصرخ بنبرةٍ متوسلة:
-يا بت قومي اتكلمي معاه اخوكي حاله اتغير، ما تتجوز سيرا ولا تهبب احنا ملناش دعوة، ربنا يسترها.
لكن سهام بقيت على أريكتها وعيناها مثبتتان على الشاشة، وملامحها تنطق باللامبالاة القاسية، وكأن عاصفة الخراب التي يخطط لها فايق لم تطرق أبوابهم بعد، وفي داخل الغرفة…كان فايق يبتسم ابتسامة مُنذرة بينما صديقه يشرع في إرسال الصور واحدة تلو الأخرى، لتبدأ شائعة العار في التشكل كشرارة أولى لحريقٍ قد يلتهم الجميع.
****
كانت دهب تعيد ترتيب الصالة بحنقٍ شديد وهي تتمتم بغيظٍ مكتوم تخشى أن يفسد طلاء أظافرها الجديد الذي جلست ساعةً كاملةً في وضعه بعناية، لكن والدتها قطعت عليها تركيزها فجأة فصرخت بها بعنف كي تقوم بمساعدتها.
ولكنها تسمرت في مكانها بصدمةٍ وخوف عندما سمعت صوت والدتها يهتف من خلفها بنبرة استنكار حادة:
-بت يا دهب، شنطة خالتك سيرا بتعمل إيه في اوضتك؟
ابتلعت دهب ريقها بتوتر وهي تلتفت ببطء، لتجد والدتها تعبث بمحتويات الحقيبة بعينين فاحصتين حتى شهقت فجأة بذعرٍ وعيناها تتسعان بصدمة وهي تصرخ:
-يا نهار أبوكي أسود شبكة خالتك بتعمل إيه عندك يا بت؟
رواية غناء الروح الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم زيزي محمد
قبضت حكمت على يد ابنتها بعنف بينما ارتجفت دهب كغصن هش تلاعبت به رياح عاتية، وقد تلبستها رهبة نظرات والدتها الساخطة، تلك النظرات التي تحمل قسوة تكفي لتهدم قلبًا ضعيفًا، ارتفع صوت حكمت غليظًا كالسوط يخترق السكون:
-بقولك يا بت انطقي، شبكة خالتك بتعمل إيه عندك يا بت؟ سرقتيها؟!
شهقت دهب بخوفٍ بالغ وقد عجزت عن إيجاد مبررٍ يقنع والدتها تلك التي من الصعب إرضاؤها أو صرف غضبها، فتمتمت بنبرة باكية متقطعة كأنفاسها المرتعشة:
-أسرق إيه يا ماما؟ انتي تعرفي عني كده، ده...ده...
لكن حكمت لم تترك لها فرصة فقطعتها بحدةٍ كالسيف وهي تهزها بقوة تكاد تُفتت عظامها:
-ده إيه؟! انطقي بسرعة، عشان مقطعش خبرك دلوقتي.
ابتلعت دهب ريقها بصعوبة تبحث عن خلاصٍ من ورطتها، وعندما وقعت عيناها على حقيبة سيرا، تنفست الصعداء فأشارت إليها برجاءٍ مذعور:
-أنا ماعرفش حاجة عن الشبكة، بس الشنطة أنا كنت طلبتها من خالتو سيرا وهي ادتهالي...
ثم التفتت بسرعة نحو الشبكة فوجدت في إهمال سيرا الشهيرة به حبل نجاة، فاستطردت بنبرة مرتجفة ممزوجة بذكاء فطري:
-شـ...شوفتي إهمال خالتو سيرا، حاطة شبكتها في الشنطة وناسية وادتهالي، افرض بقى كانت وقعت ولا واحدة صاحبتي فتحتها من ورايا وسرقتها يالهوي يا ماما، الحمد لله يارب.....الحمد لله بجد.
رغم توتر الموقف بدت حجتها مقنعة بعض الشيء، خاصة حين عزفت على وتر إهمال سيرا المعروف، ولكن حكمت لم تهدأ بل جذبتها خلفها وهي تقول بأمرٍ صارم:
-انجري ورايا، خلينا نطلع لخالتك الاول نسألها.
ارتبكت دهب أكثر وتراجعت خطواتها المرتعشة تتوسل وهي تلحق بها:
-ليه يا ماما انتي مش مصدقاني؟!
أجابتها حكمت بعصبية وهي تشق طريقها:
-لا مصدقاكي بس سيرا لازم تتهزق وتعرف نتيجة إهمالها، دي كانت هتودينا في داهية، في حد يحط شبكة غالية زي دي في شنطة؟!
حاولت دهب أن تُلين قلبها قائلة بخوفٍ متوسل:
-طيب اهدي يا ماما بلاش تزعيلها، ابقي فهميها بعدين براحة، مش لازم وكله موجود فوق.
لكن حكمت لم تُعرها اهتمامًا فقط زجرتها بعنف:
-بس يا بت مالكيش دعوة انتي.
اندفعت إلى داخل شقة والدها دون استئذان، والخطى الغاضبة تُعلن قدومها قبل أن يظهر وجهها، بينما تتبعها دهب بخوفٍ كاد يُسقطها على الأرض من تعثرها، فتحت حكمت باب غرفة سيرا فجأة وهي تصيح بغضبٍ مكتوم بالكثير من الاتهامات:
-سيرا...انتي اديتي البت دهب شنطتك دي؟
ارتبكت سيرا التي كانت جالسة على فراشها تتحدث مع فاطمة في شأنٍ فايق، فأغلقت المكالمة سريعًا تتطلع بذهول إلى الحقيبة التي ترفعها حكمت عالياً، حاولت التذكر لكن ذهنها كان مضطربًا فقالت بارتباك:
-لا مديتهاش حاجة.
توسعت عينا دهب رعبًا ثم تقدمت بخطواتٍ مترددة نحو خالتها، وأشارت إلى الحقيبة بخوفٍ يتخلله الاستعطاف:
-لا إيه يا خالتو؟ صلي على النبي كده وافتكري، مش أنا كنت طلبت منك شنطة شكلها حلوة وانتي قولتيلي خدي دي.
هزت سيرا رأسها بعجزٍ وقالت بتيهٍ ظاهر:
-مش فاكرة خالص.
حينها انفجرت حكمت كبركانٍ ثائر تصرخ بنبرة عالية جذبت أهل البيت جميعًا:
-مش فاكرة يعني مهملة ومستهترة، اديتي البت الشنطة وانتي حاطة فيها شبكتك وأنا والبت اتفاجئنا بالشبكة فيها، افرض كانت وقعت من البت في الدروس ولا اتسرقت، ده كله عشان إهمالك يا هانم في حد بيحط شبكة غالية كده في شنطة؟!
هرعت والدة سيرا وقد علت وجهها ابتسامة ارتياح وهي تلتقط الشبكة بيديها تتحقق منها:
-مش مشكلة يا حكمت المهم إننا لقيناها، روحي يا فريال قولي لابوكي ده هيفرح اوي.
لكن كلماتها زادت من غضب حكمت التي صاحت بحنق:
-هو إيه اللي مش مشكلة يا ماما؟! دي مصيبة بنتك كده مش هينفع تفتح بيت ولا تتحمل مسؤولية.
اشتعلت سيرا غضبًا وقد ضاق صدرها بحدة أختها، فردت بنبرة عصبية:
-أبلة لو سمحتي ماتكلمنيش كده، أنا حقيقي مش فاكرة إن قولت لدهب خدي الشنطة دي، أنا أصلاً كنت قالبة الدنيا عليها، وبعدين أنا عمري ما حطيت دهبي في شنطة.
انتفضت حكمت وعينيها تقدحان شررًا:
-يعني إيه يا سير؟! بنتي حرامية ولا إيه؟ ما تاخدي بالك من كلامك.
تدخلت كريمة مسرعة محاولة تهدئة الوضع:
-اهدي يا أبلة، أكيد سيرا ماتقصدش...
ثم التفتت نحو سيرا توجه عتابها بنبرة هادئة:
-وبعدين يا سيرا انتي أصلاً مابتركزيش، وأنا سمعتك قبل كده بتقولي لدهب لو عايزة حاجة منك تاخدها من الاوضة، فتلاقي دهب اتصرفت بعفوية ودخلت أخدتها....بس بردو انتي مينفعش تحطي شبكة بالمبلغ ده في شنطتك.
صرخت سيرا بإصرارٍ ممتزج بالحيرة:
-والله كنت حاطها في الدرج بتاعي والله عمري ما حطيتها في أي شنطة.
فجاء صوت فريال هادئًا كالنسيم:
-معلش يا سيرا اهدي الحمد لله لاقينها، ووارد تكوني نسيتي وحطيتها بس بعد كده ابقي ركزي.
لم تستطع سيرا أن تتحكم بانفعالاتها فانهارت باكية بانفجارٍ موجع، وهي تكرر عباراتها بإصرارٍ كالغريق الذي يتمسك بآخر قشة:
-أنا مانستش ومش مهملة، محدش عايز يصدقني ليه يا ماما؟
كانت كلماتها تنبعث من بين شهقات متقطعة، محملة بثقلٍ يفوق طاقتها وهي تشعر أن الجميع يطوقها بالاتهامات، بينما قلبها يضج برعبٍ أعمق من ذلك، رعبٍ من فايق وما فعله معها ومن صورته التي تطاردها في كل زاوية، فلا تجد ملجأً لتستجير به، أحست أنها محاصرة من الخارج بعائلتها، ومن الداخل بأشباح الخوف والعار وكأنها في سجنٍ بلا جدران.
أما والدتها فقد وقفت عاجزة في المنتصف، عيناها تتحركان بين سيرا المنهارة وحكمت الثائرة، قلبها يتقطع حزنًا لرؤية ابنتها الصغرى غارقة في هذا البحر من الاتهامات واليأس، لكنها في الوقت نفسه ترتجف من مواجهة حكمت التي لا تعرف اللين في كلامها.
وفجأة انشق صراخ هادر كالرعد أطلقه عبود وهو يقتحم الدائرة ممسكًا بمرفق سيرا بعنف يهزها هزًا، ووجهه يقطر غضبًا وجنونا بينما يشير بالهاتف أمام الجميع:
-إيه الصور دي يا سيرا؟ إيه الصور دي؟
ظل يكرر الجملة بصوتٍ مبحوح كالمجنون، يضغط على الكلمات وكأنها طعنات متوالية، حتى بدا أنه فقد السيطرة على نفسه، دفع أخته الكبرى بعنفٍ لم يألفه أحد منه وكأن الدم قد فار منه عقلاً وقلبًا.
وقف قاسم بجانب والده ساكتًا، لكنه يرمق سيرا بنظراتٍ مشبعة بالاتهام، نظراتٍ لا تقل قسوة عن ضربات عبود، وما لبثت أن امتدت يد حكمت لتخطف الهاتف من يد عبود، وحين وقعت عيناها على ما فيه خرجت منها صرخة مدوية مزقت صمت المكان:
-يا نهار أسود، يا نهار أسود ومنيل بستين نيلة، دي فضيحة أكيد الصور دي مش حقيقية ايوة أكيد مش حقيقية مش صح يا بت يا سيرا؟
ارتجف الحاضرون جميعًا بينما سيرا تتراجع إلى الخلف كمَن تلقى طعنة غادرة، وهنا تدخل صافي زوج حكمت بصوتٍ غاضب يحمل شيئًا من الدفاع، لكنه لا يخلو من المرارة:
-فايق اتجنن على الآخر وصل به الندالة أنه يفبرك صور ويبعتها للمنطقة كلها.
كانت الكلمات تسقط في قلب سيرا كالماء فوق جمر، لكنها لم تطفئ النار بل زادتها اشتعالًا، لم تستطع أن تصدق ما تراه عيناها صور محترفة التُقطت بخبثٍ يظهرها وكأنها تعيش قصة حب محرمة في الظل، الآن فقط انكشف أمامها سر تلك المقابلة المشؤومة وتهديداته الثقيلة التي كان يرميها في وجهها كقنابل ليشغلها عن نواياه المظلمة.
رفعت رأسها تنظر إلى من حولها؛ إلى أزواج أخواتها الذين يرمقونها بعيونٍ مليئة بالريبة والخذلان، وإلى عبود الذي جلس منهارًا إلى جوارها يلهث بأنفاس عالية، أما والدها فبقي واقفًا عيناه غامضتان كأبوابٍ مغلقة، لا يُدرى إن كان في داخله نار غضبٍ أم صخور خيبة، بينما والدتها لم تحتمل المشهد فانهارت على مقعدٍ قريب، واضعة كلتا يديها فوق رأسها تتأرجح يمينًا ويسارًا، تتحدث بعبارات لم يفهمها أحد سوى أنها تعكس حجم الكارثة.
عم الصمت المكان كأن الزمن توقف لكن قاسم فجر قنبلة جديدة بكلماته التي حملت اتهامًا صريحًا:
-بس الهدوم اللي موجودة في الصورة نفس الهدوم اللي انتي لابساها، انتي شوفتي فايق؟
ارتجفت سيرا وشحب وجهها كمَن سُحبت منه الدماء، صمتٌ طويل لفها، صراع داخلي يمزقها بين الاعتراف والكذب، فهي إن قالت "نعم" ربما يصدقون الصور، وإن أنكرت سيظل الشك قائمًا ويؤكد في أعينهم الجريمة، لم يعد ثمة مهرب الطريقان كلاهما يؤديان إلى الهاوية.
فانفجر صوت والدها صارمًا كالرعد القاصف يقتلعها من صمتها:
-ردي شوفتي فايق؟ والصور دي حقيقية؟!
انتفض جسدها كله وانحنت بخوف، ثم أومأت برأسها إيجابًا بعد ترددٍ طويل، وتلعثمت كلماتها كأنها تخرج من بين شظايا:
-اه شوفته وأنا جاية من عند فاطمة، لقيته في المدخل مستنيني وأنا ماعرفش...
لكنها لم تُكمل إذ جاء رد والدها أسرع من أنفاسها؛ صفعة قاسية اخترقت وجنتها وألقتها إلى هاوية الذل بينما صوته يهدر كالجلاد:
-يعني سمحتيله يقرب منك كده؟ يا خسارة تربيتي فيكي، يا خسارة تربيتي فيكي، فضحتينا.
شهق الجميع وقد جمدت الدماء في عروقهم من هول ما رأوا، فلم يكن أحد يظن أن حسني الذي كان يحمل سيرا في قلبه كأقرب بناته إليه وأكثرهن دلالًا قد يمد يده عليها يومًا.
خيم الصمت ثقيلاً كالكفن، لم يتنفس أحد وكأن الأنفاس تجمدت في الصدور، أما سيرا فقد بقيت ترتجف والدموع تسيل على وجهها تبحث بين العيون المحيطة بها عن حضنٍ يأويها فلم تجد، وحدها حكمت رغم قسوتها اقتربت لتضمها بين ذراعيها بينما انسلت الأجساد من حولها واحدًا تلو الآخر تاركين إياها وحيدة وسط الزلزلة.
في تلك اللحظة لم تستطع سيرا أن تردد سوى جملة واحدة خرجت منها بلا وعي كصرخة مكتومة في وجه الظلم:
-معملتش حاجة غلط.....والله معملتش حاجة غلط.
كانت كلمات سيرا تتساقط في الفراغ كحبات مطرٍ تضيع في صحراء قاحلة؛ فلا تجد أذنًا تصغي إليها، ولا قلبًا يصدقها إلا حكمت التي بقيت تضمها إلى صدرها تربت فوق ظهرها بيدٍ حانية، حتى كادت أن تبكي معها، فقد كان بكاء سيرا يشبه بكاء الأطفال المذعورين، عالياً متقطعًا، لا يخلو من عجز، فقالت حكمت بحزن حقيقي والدمع يترقرق في عينيها:
-بس يا بت بقى، قلبي واجعني والله.
رفعت سيرا وجهها المبلل بالدموع تحدق في أختها بحرقة بعينين تملؤهما رجاءات يائسة:
-أنا ماعملتش حاجة غلط والله يا أبلة، انتي مصدقاني ولا زيهم؟
لكن يدًا أخرى باغتتها وما كانت سوى يد والدتها التي اندفعت إلى الغرفة فجأة تجذبها من أحضان حكمت بعنفٍ وهي تهدر بصوتٍ غاضب:
-المنطقة كلها بتتكلم عليكوا وبيقولوا إنك مواعداه، وإنك بتجري وراه واحنا غصبناكي تتخطبي لواحد تاني.
التفتت حكمت إلى والدتها مبهوتة من كلامها وقالت باستنكارٍ عميق:
-إيه التخلف ده يا ماما؟ مين اللي بيقول كده وأنا اقطع لسانه.
ظهرت شاهندا على عتبة باب الغرفة تقبض بيدها على الإطار الخشبي وقالت بارتباك:
-أعمامك وقرايب بابا اتصلوا عليه ومستغربين اللي بيحصل!
ازدادت حدة الأم وصرخت بعنف وهي تهز سيرا من كتفيها:
-انطقي وقولي إيه اللي حصل ابوكي هيتجنن هيجراله حاجة.
عندها انفجرت سيرا في بكاءٍ مروع وحنجرتها تختنق بالكلمات وهي تسرد ما حدث، تحكي عن تهديدات فايق وعن السكين الذي صوبه نحوها كي يرغمها على الصمت والرضوخ إليه، كأنها تُخرج غصة مسمومة من صدرها، فارتجفت حكمت من وقع الكلمات ثم صاحت بغضبٍ:
-يا ابن الـ **** هو فاكر إيه؟ إننا مش هنعرف نوقف له وربي ما أنا ساكتة لنازلة وجايباه هو وعيلته الارض.
اندفع الجميع لإيقافها لكن الغضب كان يعمي بصرها، لم تنظر في وجوههم بل جذبت سكينًا من فوق المائدة وانطلقت تهبط السلم بخطوات صاخبة حتى وقفت أمام بيت عائلة فايق، والدم يغلي في عروقها، رفعت السكين عاليًا وصاحت بأعلى صوتها:
-اطلعلي يا فايق انت وامك، اطلعلي يا روح أمك، لو راجل اطلع، فاكر يالا الحركات الخايبة دي هتخوفنا يا رد السجون يا خمورجي يا بتاع الكاس والبيرة.
تجمع الجيران حولها في ذهول بينما صافي يحاول جذبها من ذراعها لتعود، لكن حكمت صاحت بصوتٍ أشد والسكين تلمع في يدها:
-يا صايع ياللي مش لاقي حد يريبك أنا أربيك وأربي عيلتك كلها، مش دي السكينة اللي انت مهدد بيها اختي لما استنيتها في المدخل لو راجل اطلع وأنا اشقها في بطنك ومفيش راجل في عيلتك هيتعرضلي.
صرخ صافي بحزن ينهرها:
-حكمت انتي اتجننتي اتدخلي جوه، مش ناقصين فضايح.
لكنها لم تُصغِ بل وجهت كلماتها إلى نافذة الشقة حيث يختبئ فايق:
-الفضايح دي هتحصل لما الشرطة هتقبض عليك تاني يا فايق يا رد السجون، وخلي أمك بكرة تتبسط بيك، أنا أختي أشرف منك ومن عيلتك كلها، محروق يا وله منها عشان رفضت خمورجي زيك، اه ما الحركات دي ماتطلعش إلا من واحد زبالة زيك.
عندها ظهرت والدة فايق من الشرفة بأمرٍ منه وهي تصرخ بأعلى صوتها مستنجدة بالجيران:
-يا عالم يا ناس شوفتوا اهو، حكمت بتهددنا علنًا بأخو خطيب أختها عشان ظابط وهيسجن ابني، ابني يا اختي اللي سجنتوه ظلم عشان بنتكوا تبعد عنه عشان مش قادرين عليها.
قهقهت حكمت بسخرية لاذعة ثم صاحت:
-يا ولية يا بجحة ده أنا مدياكي علقة انتي وبنتك قبل كده عشان قلة أدبكوا، باين محتاجة علقة تاني.
لكن والدة فايق زادت في صراخها:
-ابعدوا عننا يا حكمت وابعدوا اختك عن ابني، أنا ابني مش هيتجوزها وحلفت عليه ما هو متجوزها، أنا مايناسبنيش النسب ده ولا يناسبني بنات تمشي على حل شعرها.
في هذه اللحظة تدخل قاسم وعبود وقد اشتعلت رجولتهم بالانتقام، فهجموا على بوابة العمارة يحاولون اقتحامها بعنف، يوجهون السباب نحو فايق ويقذفون نافذته بالحجارة، تصاعدت الفوضى صراخ النساء مع لهاث الرجال، وحجارة تتناثر في الهواء كرصاصٍ مبعثر
-انزل يلا...انزل واحنا نعلمك الادب ولا خايف.
هرع الجيران لتفريقهم ونجح أزواج أخوات سيرا أخيرًا بعد جهدٍ كبير في السيطرة على عبود وقاسم، بينما أمسك صافي بكتف حكمت بقوة، يجرها عنوة إلى داخل البيت وهي لا تزال تصرخ وتلعن.
وعندما عادوا إلى شقة والد سيرا انطلق صوت حسني متعبًا محطمًا كأن كل ما فيه انهار:
-ربنا يسامحكم فضحتونا زيادة، ربنا يسامحكم، خلاص مابقاش ليا لازمة ولا اعتبار، ربنا يسامحكم، حطيتوا راسي في الارض.
دخل غرفته وأغلق الباب خلفه بعنف كأنما يغلق على نفسه تابوتًا، ساد صمت ثقيل لكن زوج كريمة كسره بصوتٍ غاضب:
-مكنش ينفع أبدًا اللي عملتوه ده، سيرا أصلاً هي اللي غلطانة لما سمحت له يمسكها بالشكل ده ومصوتتش.
انتفضت حكمت كالأسد الرابض وردت بغليظة:
-سكتي جوزك يا كريمة طالما مايعرفش حاجة، كان بيهددها يا حبيبي بالسكينة، يعني تصوت ويشق بطنها بعدها؟!
لكن زوج شاهندا أيضًا لم يسكت وقال بنبرة مستنكرة:
-طيب مقالتش ليه لما طلعت ما كلنا موجودين وبنتفرج على الماتش كنا عرفنا نتصرف وننزل نكلمه!
رفعت حكمت حاجبيها باستهزاء وقالت بلهجة ساخرة:
-يا اخويا وانت كنت هتعمل إيه معلش؟ ما انت قاعد حاطط رجل على رجل ومعملتش حاجة!
زفرت بعدها بقهر والدماء تكاد تنفجر في عروقها، ثم التفتت إلى صافي الذي ظل مطأطأ الرأس، صامتًا كتمثال مكسور:
-أنا نازلة شقتي أصل أنا مرارتي خلاص مبقتش قادرة تستحمل!!!
غادرت حكمت المكان وهي تجر خلفها ذيول غضبها العارم تاركة البيت يغلي كبركانٍ ثائر لم يخمد بعد، ظلت الجدران شاهدة على أصوات الصراخ والدماء المتأججة في القلوب، والعيون التي تتقاذف الاتهامات حتى بدا أن البيت كله يغوص في بحرٍ من الشكوك والفضائح.
أما سيرا فقد انسحبت إلى غرفتها بخطواتٍ متثاقلة كأن قدميها تجران أثقال الأرض، وألقت بنفسها على الفراش المنكمش، وراحت تبكي بحرقة وبكاء يشبه بكاء الأطفال المذعورين؛ شهقات متلاحقة ودموع تتساقط كجدولٍ لا ينضب، بينما قلبها يتقلب بين الخوف والخذلان، كانت كلمات أم فايق ما تزال تطن في أذنيها كإبرٍ مسمومة، وقد نجحت في دس سمومها في صدور أهلها لتزرع الشك فيهم حتى أصبحت سيرا وحيدة كمَن يقف في مواجهة العالم كله.
سألت نفسها بصوتٍ مبحوح، يتردد داخل صدرها، كيف ستتخلص من هذه المصيبة؟ كيف تستعيد ثقتهم من جديد؟ وكيف تمسح تلك الصور التي التصقت بها كعارٍ لا ينفك؟
لكن وسط هذا السواد انبثق بصيص أمل حين انفتح باب غرفتها فجأة وظهرت فاطمة بوجهها القلق، ثم تقدمت بخطواتٍ مسرعة نحوها واحتضنتها بقوة تضمها إلى صدرها كالأم الحنون، وهي تربت فوق كتفيها برفقٍ بالغ والدموع تنحدر من عينيها هي الأخرى، لم تحتمل فاطمة رؤية صديقتها بهذه الحال فشاركتها البكاء، فهمست سيرا بانكسارٍ موجع وصوتها يخرج متقطعًا بين شهقاتها:
-بابا ضربني يا فاطمة، ومحدش مصدقني...محدش مصدقني.
ارتجف قلب فاطمة وهي تسمع اعترافها المر، فشدت من عناقها أكثر تحاول أن تمنحها شيئًا من الأمان وسط طوفان الألم، بينما الغرفة تغرق بدموعهما، وكأنهما تشاركان المصيبة لعلها تخف ثقلها.
****
في اليوم التالي...
زفر يزن للمرة التي لا يعلم عددها يضغط بأصابعه على هاتفه بعصبية وهو يحاول الاتصال بسيرا، لكن لا رد أحيانًا كان الهاتف مغلقًا، وأحيانًا يرن دون إجابة، كل دقيقة تمر كانت تزيد من توتره، وكأن قلبه يُسحب من مكانه، في البداية شعر بالغضب منها لتجاهله منذ الصباح، لكن سرعان ما تغلب على غضبه ذلك الشعور الخانق بالخوف، خوف لا يعرف مصدره سوى أنها قد تكون بخطر ما، لم يهدأ وخاصةً عندما اتصل بيسر وسألها عنها لكن الصدمة كانت عندما أخبرته أنها لم تأتِ إليها كما وعدتها بالأمس، عندها شعر يزن بأن شيئًا غامضًا يحدث، شيء يتجاوز حدود الصدفة.
عاد ليتابع عمله في المعرض محاولًا أن يُغرق نفسه في تفاصيل السيارات عله ينسى قلقه فأشار إلى أحد العمال:
-هاتلي العربية دي هنا مكان دي وعايزين نعمل فيديو جديد ننزله على الصفحة عشان الريتش بدأ يقع ومش عايزين نخسر متابعين.
-يزن.
التفت بسرعة فإذا بالصوت الناعم يخص دهب ابنة حكمت، التي كانت تقف بزيها المدرسي وابتسامة خجولة مرسومة على وجهها، عقد حاجبيه في بادئ الأمر إذ لم يكن في مزاج يسمح بالمجاملات لكنه ما لبث أن ابتسم مجاملةً وقال:
-اهلاً ازيك يا دهب؟
مدت يدها الصغيرة تصافحه وعيناها تلمعان بانبهار ظاهر بوسامته ولباقته، التقطت أنفاسها بصعوبة وهي ترد بابتسامة متوهجة:
-الحمد لله وانت؟
لاحظ يزن ارتباكها ونظراتها التي تحمل إعجابًا طفوليًا فطغى على ملامحه صبر وهدوء محاولًا تجاهل ذلك الشعور الغريب الذي انتقل إليه، فأجاب بنبرة عادية:
-الحمد لله، كنتي فين كده؟
-كنت بزور واحدة صاحبتي قريبة منك هنا ولما لاقتني قريبة قولت آجي واسلم عليك.
هز رأسه بابتسامة مجاملة وكأنه يريد إنهاء الحديث سريعًا:
-شرفتي يا قمر، صحيح سيرا فين من الصبح بحاول اوصلها مش عارف، هي كويسة؟
قبضت دهب على حقيبتها المدرسية بقوة وكأنها تمسك نفسها من قول شيء خطير، ثم تظاهرت بالارتباك لتجذب اهتمامه أكثر:
-خالتو...اممم معرفش، مشوفتهاش!
لكن عينيها خانتاها؛ فيزن لديه خبرة كافية ليلحظ ارتجاف نظراتها، فكان هناك شيء ما تخفيه وهذا ما جعله يضيق عينيه قليلًا ويسأل بهدوء متحكم رغم الصخب الذي بدأ يعصف بداخله:
-في إيه؟
ارتبكت أكثر ورمشت سريعًا بأهدابها ثم تمتمت بنبرة مثيرة للريبة:
-لا ما أنا ماينفعش اقولك طالما هي خبت عليك ومقالتش حاجة! وبعدين ممكن يحصل لي مشكلة.
حاول يزن أن يُظهر هدوءه رغم أن قلبه ينتفض بعنف، وكأن صدره يضيق على أنفاسه فابتسم إليها بلطف مُقنع:
-متخافيش قولي وأنا صدقيني عمري ما هخذلك.
رفعت رأسها نحوه وقد بدت وكأنها تبحث عن أمان في صوته:
-بجد؟
شعر بنفاد صبره بدأ ينتهي فقال بشيء من الضيق حاول تحجيمه:
-اه طبعًا قولي في إيه؟
رققت نبرتها ومالت بها نحو الحزن وهي تلاحظ ملامح يزن التي قد تغيرت وبدت مستنكرة وغاضبة:
-آآ...أصل جدو ضربها امبارح عشان في صور وصلت له وهي مع فايق جارنا في المدخل وكان...وكان تقريبًا حاضنها وحصلت خناقة كبيرة اوي اوي في المنطقة ما بينا وبينهم.
تجمدت ملامح يزن فكلمتها الأخيرة سقطت عليه كالصاعقة، وعيناه تشتعلان بذهول وغضب، وكأن صورًا وهمية بدأت تنغرس في ذهنه، صور سيرا بين ذراعي فايق... مهما حاول أن ينكر قلبه كان يغلي فهمس بصوت متقطع:
-صور؟ حاضنها؟
-اه...حتى بص اهي الصور.
مدت يدها بالهاتف وعيناه التقطتا المشهد القاتل، الصورة أمامه كفيلة بتهشيم كل ثقة بناها، ومع ذلك عقله يصرخ بأنه لا يمكن أن تكون سيرا هكذا، ارتعش جفناه وهو يرفع عينيه إلى دهب غير مصدق، فتداركت هي الموقف وأسرعت تبرر بلهجة ماكرة:
-اكيد يعني ماتعملش كده، بس المشكلة إن جدو سألها وهي قالتله اه كانت معاه فضربها ومستحملش وقعد يقولها يا خسارة تربيتي فيكي.
في تلك اللحظة كان يزن يعيش صراعًا مريرًا بين الغيرة التي تكاد تفتك به، والغضب الذي يهدد أن يُفقده السيطرة، وبين الحب العميق الذي يجعله متمسكًا بسيرا رغم كل ما يسمع ويرى، قلبه يصرخ بالشك لكن عقله يبحث عن أي خيط منطقي يبرر ويُنقذها، ومع كل ذلك كان يشعر أن نارًا لا تُطفأ تحترق داخله، نار الغيرة التي تُدميه أكثر من أي شيء آخر
***
بينما كانت سيرا تجلس في المقعد الخلفي لسيارة الأجرة، يلفها الحزن كغطاء ثقيل ينهك صدرها، لم تستطع كبح دموعها التي انسابت بصمت على وجنتيها، وكأنها تنزف من قلبٍ مثقل بالوجع، كانت تنتظر بفارغ الصبر أن تصل إليه...إلى يزن، الملجأ الوحيد الذي شعرت أنه قادر على انتشالها من هذا الجحيم.
قضت ليلة طويلة وقاسية، لم تعرف فيها طعم النوم، كلما أغمضت عينيها عادت صور الأحداث تطاردها وصدى الكلمات يجلدها بلا رحمة، أحاديث أخواتها الفتيات في الغرفة المجاورة لم تكن سوى سهام تُغرس في صدرها، كل كلمة منهن تُعيد على مسامعها معنى "الخزي" و"العار"، حتى صمت والدتها التي جلست في الصالة شاحبة الوجه، تضع كفها على رأسها وكأنها تحمل الدنيا فوقها، كان أكثر إيلامًا من أي صراخ، أما والدها فقد انزوى في غرفته غارقًا في جرحه وغضبه لا يريد حتى أن يراها.
كانت تشعر أنها تُحاكم بلا دفاع، مُدانة في عيون الجميع ورغم أن قلبها يصرخ ببراءتها، وما زادها وجعًا أن تسمع إحدى أخواتها تُخبر الأخرى بأنها سمعت والدهم يقرر بمنعها من الخروج من البيت، وكأنها سجينة خلف قضبان العار، لحظتها شعرت الأرض تنسحب من تحت قدميها لكن ما أعطاها بصيص أمل أن والدتها توسلت إليه أن يهدأ وألا يتخذ قرارًا متسرعًا رغم أن توسلاتها لم تُبدد الخوف.
شعرت أن جدران البيت تضيق عليها حتى كادت تخنقها، لم تستطع أن تحتمل أكثر فانتظرت لحظة هدوء لتتسلل من المنزل خطواتها مترددة لكنها مصممة، لم يكن بداخلها سوى فكرة واحدة أن ترى يزن، أن تحكي له كل شيء بعينيها قبل لسانها، أن تضع بين يديه أوجاعها الثقيلة، فهو وحده الذي آمنت أنه سيصدقها حين كذبها الجميع، وسيحضنها بصدق حين لفظها أهلها.
جلست في سيارة الأجرة تنظر من النافذة إلى الشوارع التي تمر كخيالات باهتة أمامها، وكلما اقتربت المسافة زاد خفقان قلبها، كأنها تركض نحوه بروحها قبل جسدها، أمسكت بيديها المرتجفتين طرف حقيبتها، وكأنها تستمد منها قوة لتبقى صامدة حتى تصل، لم تكن قادرة على التحدث عبر الهاتف، فلم يكن صوتها قادرًا على نقل ما في داخلها، بل أرادت أن تواجهه وجهًا لوجه...أن تُخرج كل ما أثقلها وأوجعها وأن تجد في عينيه ما فقدته في عائلتها الطمأنينة واليقين!
وما إن وصلت إلى المعرض حتى جالت بعينيها القلقتين تبحث عنه بشغف ولهفة مغموسة بانكسار، حتى وقع بصرها عليه يقف... يقف مع دهب!
توقفت لبرهة وكأن الأرض سحبت أنفاسها، لكن سرعان ما تقدمت بخطوات مترددة وعينيها تضج بالدموع المكبوتة، لتُناديها بصوت مجروح يقطر عتابًا:
-دهب؟
التفتت دهب برعب نحو خالتها التي لم تكن تتوقع مجيئها أبدًا، فارتبكت كلماتها وارتجفت نبرتها وهي تتمتم:
-خالتو..انتي جيتي؟
-بتعملي إيه هنا؟
جاء السؤال من سيرا وجبينها معقود، تحمل ملامحها وجومًا كسيفٍ مسلول، لكن في عينيها سكنت هزيمة دامية لا تُخفى، دموعها المتحجرة على أطراف الأهداب أفصحت عن هشاشتها أكثر من أي كلام.
هنا تدخل يزن بخطوة سريعة وعيناه مثبتتان على ملامحها يقرأ ما تخفيه ثم قال بصوت قلقٍ يخفي تحت سطحه براكين الغضب والغيرة:
-مالك في أيه، انتي كويسة؟
تظاهر بعدم علمه بما جرى كي يحمي دهب من أي عتاب مباشر، وفي الوقت ذاته أراد أن يسمع الحقيقة من صاحبة الشأن نفسها، أما سيرا فاكتفت بهزة رأس صغيرة وهمست بصوت متهدج يكاد يختنق:
-ايوه.
تدخلت دهب محاولة الخروج من الموقف ببراءة مصطنعة وهي تعيد حقيبتها خلف ظهرها وتبتسم ابتسامة مرتعشة:
-أنا كنت عند واحدة صاحبتي بزورها فقولت اعدي اشوف واتفرج على الأجانص، يلا سلام يا خالتو عشان ورايا درس ولا تحبي بلاش اروح واستناكي؟
لكن يزن أنهى الأمر بهدوء محكم وهو ينظر إليها بنظرة تفهم:
-لا روحي انتي يا دهب، أنا هوصلها لما اخلص شغلي، روحي عشان متتأخريش.
أومأت دهب برأسها في استسلام، ورمقته بنظرة خفية تطلب منه أن يفي بوعد غير معلن بألا يُفشي ما دار بينهما، ففهم سريعًا وأجابها بإشارة صامتة، غادرت على عجل تاركة خلفها رائحة شك ثقيل.
أما يزن فأشار إلى سيرا لتتبعه نحو مكتبه، دخلت بصمت وما إن أغلق الباب وأسدل الستائر على الزجاج ليحجب أعين العاملين حتى انهارت خطواتها واستسلمت للأريكة وكأنها تنتظر حكمًا بالإعدام، جلس أمامها على الطاولة الخشبية وصوته جاء هادئًا يحمل نبرة حانية كالنسمة التي تداوي جراحها:
-مالك؟ في حد مزعلك؟ بتصل بيكي من الصبح مابترديش.
رفعت رأسها بصعوبة وعيناها غارقتان في الدموع:
-أنا...أنا واقعة في مصيبة، أنا ماعرفش ليه الدنيا معاندة معايا كده، إيه الغلط اللي غلطته عشان يحصل فيا كده؟
اقترب أكثر يحاول أن يمد لها حبل الأمان بصوته الحاني رغم الغليان الذي يشعر به:
-طيب اهدي؟ واحكيلي في إيه؟
انفجرت الكلمات من صدرها المتعب:
-أنا مخنوقة اوي يا يزن، وحرفيًا مبقاش قدامي غيرك عشان يصدقني، بعد ما كله واقف ضدي ونازلين سلخ فيا.
شد حاجبيه وهو يسألها بجدية مصطنعة:
-ليه؟
شهقت ثم أسرعت بالبوح بما يخنقها:
-فايق...فايق الكلب كان مستنيني امبارح في المدخل بعد ما قفلت معاك وهددني بسكينة عشان مصوتش وكان بيحاول يقرب مني وأنا كنت بحاول امنعه....هددني بيك، أنا بدأت اخاف منه، ده مجنون ومريض نفسي، انت لازم تاخد بالك على نفسك الأيام دي، ده هددني إنه....إنه هيعملك....
قاطعها يزن بنبرة حادة تخفي غضبًا محمومًا:
-سيبك من اللي هددك بيه، هو عملك حاجة تاني؟
أطرقت رأسها وكأنها تخجل من أن تنطق ثم هزت رأسها وأفصحت عن الجرح الأكبر:
-في حد صورني معاه والصور دي اتنشرت في المنطقة وابلة حكمت اتخانقت مع أمه وأمه قالت إن أنا اللي بجري وراه واهلي غصبوني اتخطبلك.
ثم وضعت كفها على رأسها وانفجرت ببكاء موجوع كأنها طفلة خذلها الجميع:
-وبابا ضربني، أول مرة بابا يضربني، أنا زعلانة ومقهورة على نفسي اوي، أنا مغلطتش، أنا خوفت منه كان بيهددني بسكينة...خوفت اصرخ، خوفت اتصل اقولك انت تعمل حاجة تأذيك.
ارتجف قلب يزن مع كل كلمة نطقت بها، كانت الغيرة تنهش روحه كوحشٍ جائع، والغضب يشتعل في عروقه كبركان ينتظر الانفجار، ومع ذلك حين نظر إليها ورأى دموعها المنسكبة وعينيها المرهقتين، أدرك أن ما تحتاجه في تلك اللحظة ليس محاكمةً ولا لومًا، بل حضنًا آمنًا يحتوي هشاشتها، لقد بدت أمامه كزهرة مكسورة ذبلت قبل أوانها، عندها تقدم منها وأمسك كفيها المرتجفتين، وربت فوقهما بحنانٍ يشبه اعترافًا غير منطوق بأنه لن يخذلها:
-طيب اهدي ومتعطيش كده، أنتي لو خايفة عليا يبقى متعيطيش كده، عشان لو فضلتي تعيطي أنا هروح واطلع روحه في ايدي.
كانت كلماته كنسمةٍ دافئة لامست قلبها، لكنها بقيت تحدق فيه بملامح الطفولة الحزينة، تمط شفتيها كطفلةٍ تفتش عن طمأنينة ضائعة، فاستكمل بصوته الحاني الذي يشبه البلسم على جراحها:
-كويس إنك جيتي، انتي لو مكنتيش جيتي كنت هجيلك عشان اتطمن عليكي.
-انت مصدقني يا يزن بجد؟
تردد صدى سؤالها في أعماقه، فكان صوتها المرتجف بمثابة استجداء للنجاة وصرخة مكتومة تبحث عن سندٍ تتشبّث به، طال صمته وهو يمرر بصره عليها بتمعن، كأنما يقرأ في وجهها صفحات الألم حتى شعرت أن أنفاسها متعلقة بأنفاسه، ثم فاجأها بكلمةٍ قلبت موازينها:
-تتجوزيني؟
ارتبكت أنفاسها ورمشت بأهدابها مرارًا محاولةً استيعاب ما سمعت ثم تمتمت بتلعثمٍ يشي بارتباكها:
-مش...مش فاهمة؟ يعني إيه؟
هبط بصرها نحو الخاتم الذي يزين إصبعها تتأمله فهي مخطوبة له بالفعل، قبل أن يقطع شرودها صوته الواضح:
-قصدي نكتب الكتاب اليومين دول ونتجوز في أسرع وقت.
-ليه؟
خرجت منها كهمسةٍ مبحوحة كأنها تخشى أن تجهر بارتجاف قلبها، عندها تنهد بعمق قبل أن يجيبها بحزمٍ لم يخلو من انفعالٍ مكبوت:
-عشان هو مش هيجيبها لبر يا سيرا، وهيفضل كده يعمل بلبلة والطلقة اللي ماتصبش تدوش، ودي سمعتك لو مكنش في حل جذري وسريع الموضوع للأسف هيبوخ.
ارتجف قلبها أكثر وأطرقت رأسها محاولةً استجماع شجاعتها ثم تمتمت بصوتٍ متهدّج:
-انت مش محتاج تلعب دور البطولة يا يزن...
قاطعها كمَن ضاق ذرعًا بمقاومتها وصوته يعلو بحدةٍ تحاكي اضطراب ما في داخله:
-انتي هتبطلي امتى تدبي كلام وانتي مش حاسة، دور بطولة إيه يا سيرا؟! انتي ملزمة مني وخطيبتي لو مخدناش خطوة صح في وقت زي ده ابقى مش راجل...
تورد وجهها خجلًا من حدته فاستجمعت شجاعتها وقالت بارتباك:
-ماتخدهاش على محمل الرجولة يا يزن؟
رمقها بنظرة ممتلئة انفعالًا ثم أجاب بحدة متعمدة:
-امال اخدها على محمل الهزار مثلاً؟! انتي عندك استعداد تسمعي لأي حل من أي حد بس ميبقاش مني!
أسرعت ترد وكأنها تخشى أن يخسرها سوء الفهم:
-لا طبعًا، أنا جيتلك لغاية عندك وحكيتلك، بس عمر الحل ما يكون بالجواز وإنك تتسرع وانت لسه محكمتش على مشاعرك من ناحيتي يا يزن.
كان صوته هذه المرة ثابتًا لكنه مكلوم بالغيرة:
-أنا لو مش حاسس بحاجة ناحيتك، عمري ما هقولك نتجوز، وبعدين ارجع واقولك الكلب ده حطنا في موقف لازم نتصرف فيه بسرعة، على الاقل نكتب الكتاب يا سيرا بس نخرس أي لسان ممكن يجيب سيرتك، عشان وقتها لما ******** أمه وأهله محدش يجي يقولي بتعمل إيه؟!
توسعت عيناها في صدمةٍ ممزوجة بالخجل، أسرعت تخفض بصرها وتوردت وجنتاها، ثم قالت بنبرة رقيقة تحاول أن تحفظ وقارهما:
-يزن أنا ماحبش أبدًا إنك تتعدى حدودك في الكلام معايا واسمع كلام زي ده.
أطبق شفتيه محاولًا ضبط نفسه ثم قال بصوتٍ متماسك يخفي الغليان:
-حاضر هتكلم على واحد بيسوء سمعتك وشرفك بالشوكة والسكينة، بصي أنا ماسك نفسي بالعافية، عشان مروحش حالاً واجيبه من وسط بيته وعيلته وأمرمطه وسط منطقتكم، بس مش هيكون ليا حق لان اهلك موجودين، لكن لما اكون جوزك يبقى حد يقدر يقف في وشي، وبعدين كل اللي بيعمله ده عشان يخليني ابعد عنك، أنا بقى هحرق قلبه واتجوزك.
ارتجفت شفتاها وكأنها على وشك قول شيءٍ ثقيل ثم تمتمت:
-أنا كنت...كنت بفكر في...
انعقد حاجبيه في بادي الأمر يحاول أن يستشف ما يدور في رأسها:
-في إيه؟
همست مجددًا بارتباك وهي تحرك الخاتم في إصبعها بتوتر:
-في...
ابتسم بتهكم عندما أدرك مقصدها فقال بنبرة شبه حانقة مستنكرة:
-في إننا نفصل عشان تهديداته صح؟ ليه شايفاني توتو؟؟ وبعدين هو المفروض يخاف على نفسه لو اخواتي شموا خبر إنه عايز يأذيني، أنا عيلتي تسد عين الشمس، متخافيش لا عليا ولا عليكي طالما هتسمعي كلامي وتوافقي على اللي بفكر فيه.
تساقطت دموعها من جديد وقالت بصوتٍ متهدج:
-خايفة يحصلك حاجة واعيش بذنبك العمر كله.
ابتسم بخفة رغم ثورة قلبه ثم قال بنبرةٍ أقرب إلى العتاب اللطيف:
-ده حب ده ولا إيه؟ ولا إعجاب؟ قولي ماتتكسفيش.
-أنا مابهزرش يا يزن.... انت ماشوفتش هو كان مجنون ازاي وكان بيكلمني وكأنه...كأنه يا قاتل يا مقتول، أنا خايفة عليك، هو نجح في إنه يدمر سمعتي...
زم شفتيه بصلابة وقال بثقةٍ تهبها القوة:
-لا عاش ولا كان اللي يدمر سمعتك، اوعي تخافي ولا تطاطي راسك ولا تعيطي تاني، كل ده كلام فشنك وحله سهل وبسيط بس انتي اللي معقداها.
وفجأة دوى رنين الهاتف بعدها صمتها، فقفز قلبها رعبًا حين رأت اسم والدها على الشاشة، ارتجفت أصابعها وهي ترفع الهاتف وأجابت بصوتٍ مرتجف يكاد ينقطع:
-ايوه يا بابا؟
-أنتي بتعملي إيه عند يزن؟
التفتت نحو يزن ونظراتها تستنجد به ثم قالت بارتباكٍ واضح:
-بعمل أيه....كنت جاية عشان..
لكن يزن لم يمهلها الفرصة، وخطف الهاتف من يدها ثم تحدث بنبرته اللبقة الواثقة:
-ازيك يا حج؟ أنا اللي طلبت منها تيجي، كنت عايز اسالها عن موضوع فايق ده ايه اللي حصل؟
ساد الصمت فكان يزن يصغي بإمعان ثم أجاب بثباتٍ مطمئن:
-لا فايق بعتلي من رقم غريب اللي حصل والصور، فطلبت منها تيجي وتحكيلي عشان نشوف حل، لو فاضي اجيب سيرا واجيلك اقعد معاك شوية.
مرت لحظاتٍ متوترة ثم تنفس يزن بارتياح وهو يغلق الهاتف بابتسامة خفيفة، نهض من مكانه ومد يده إليها بلمسةٍ مشبعة بالحنان والعزم معًا:
-جاهزة تمشي ورايا؟ ولا بردو عايزة تمشي بدماغك.
شعرت سيرا أن قلبها عالق في صدرها، نظرت إلى كفه الممدودة أمامها تتردد بين خوفٍ يكبلها وأملٍ يحررها، إن مدت يدها فهي تسلم أمرها لقدرٍ جديد، وإن رفضت فالعار سيلتف حول عنقها كحبل خانق، أغمضت عينيها لثانية ثم فتحتها وقد اتخذت قرارها، مدت كفها الرقيق المرتجف وأمسكت بكفه القوي، في تلك اللحظة شعرت أنها أسلمت نفسها لأول مرة لرجلٍ قدر ضعفها ولم يحتقره بل جعله سببًا ليحملها معه نحو حياةٍ جديدة ربما تكون هي الخلاص.
***
وصلت سيرا مع يزن إلى البناية وما إن توقفت السيارة حتى هبطت منها وهي تتلفت حولها بقلقٍ وحذر، تحدق في وجوه المارة والجيران الذين بدا وكأن سهام نظراتهم تُصوب نحوها بلا رحمة، فتصيب كبرياءها في مقتل، انخفض رأسها خجلاً؛ خجلًا لم يكن سببه خطيئة ارتكبتها ولا ذنبًا اقترفته، ولكن وجدت يد يزن امتدت إليها، فكانت حانية ودافئة، أنقذتها من اوجاعها حين احتضن كفها بقوة وطمأنينة، مبتسمًا ابتسامة حنون تنبض بالثقة والسكينة، وهمس إليها بصوت منخفض ملؤه العزم:
-متوطيش راسك ابدًا ارفعيها واللي مايعجبكيش حطي صوابعك العشرة في عنيه.
رفعت بصرها إليه تبتسم ابتسامة وادعة مملوءة بالمحبة والامتنان، ثم سارت نحو الداخل وقد انزاح عن صدرها حمل ثقيل، تشعر أنه ملاذها وسندها الذي لم يخذلها قط، أما هو فقد توقف لحظة عند المدخل وعيناه تحدقان بعمقٍ نحو البناية المقابلة حيث يسكن فايق، كانت نظراته متوعدة، مشحونة بغضب مكتوم وكأنه يراه أمامه ويقسم في صمته أن ساعة الحساب قادمة لا محالة.
صعدا الدرج معًا وكل خطوة تفضح ارتجاف جسدها الصغير المرتعش من الخوف، فأدرك يزن تمام الإدراك حجم انعدام الأمان الذي يحيط بها، كانت تعيش بين عائلة كبيرة مترابطة في الظاهر، ولكنهم فشلوا في احتوائها وبث الطمأنينة في روحها، فلم تجد بينهم أبسط صور الحماية.
توقف فجأة وربت فوق كفها بحنو بالغ ثم همس إليها بلهجة رقيقة:
-متخافيش من حاجة ادخلي على اوضتك وسيبي الباقي عليا.
أجابته بابتسامة صافية واثقة:
-أنا واثقة فيك.
اقترب منها أكثر يحدق في عينيها بنظرات شغوفة تكاد تلتهمها التهامًا وهمس بإعجاب:
-دي عندي أحسن من كلمة بحبك.
كانت كلماته كإعلان صريح أن دعمه وثقته اللامحدودة بها وعدم ارتيابه فيها مهما اشتدت المؤامرات، ما هو إلا ذروة من ذُرى العشق والهوى. ارتبكت خجلًا وطرقت باب الشقة ففتحت لهم "دهب" التي بدا أنها غيرت ثيابها بعناية، وزينت شفتيها بالقليل من اللمعان وأسقطت خصلة شعر متعمدة على جبينها، فاستقبلتهم بحماس مصطنع:
-اهلا يا يزن اتفضل جدو مستنيك.
دخل يزن بخطوات ثابتة وهز رأسه ببرود ممزوج باللامبالاة، متوجهًا حيث أشارت فيما التفتت سيرا إلى دهب تعاتبها بحدة:
-هتفضلي فتانة لغاية امتى؟
ردت دهب ببرود وقد زمت شفتيها:
-والله يا خالتو ماما لما عرفت مني راحت قالت لجدو.
نظرت إليها سيرا بضيقٍ ظاهر ثم أضافت بحزم:
-قوليله أبيه يزن عيب لما تناديه باسمه هو كبير مش صغير على فكرة!
أجابتها دهب ببرود أكثر ونبرة متحدية:
-أنا سألته وهو قالي قوليلي يا يزن، وانتي عارفة يا خالتو موتي وسمي الالقاب طول عمري مبحبهاش.
ثم تركتها وانسحبت إلى المطبخ فيما تبعت سيرا خطواتها نحو المجلس حيث كان يزن يجلس في حضرة والدها، وقد وقفت على مسافة تستمع إلى الحوار، لكن سرعان ما فوجئت أن جميع إخوتها متخفين حول المكان يتجسسون السمع، تجاهلتهم ووقفت إلى جانب حكمت التي رغم تناقض شخصيتها في أحيان كثيرة إلا أنها كانت الأقرب إلى قلبها تعاملها بحنان الأم رغم حدتها.
رفع حسني صوته وهو يوجه السؤال إلى يزن بضيق ظاهر:
-يعني مش سيرا اللي جت وحكتلك؟
أجاب يزن بثبات:
-لا لا خالص أنا قولتلك فايق بعتلي صور وكلام مش مظبوط وفاكر إني كده هشك فيها، فبعت وسألتها إيه اللي حصل وخصوصًا أنها مكنتش بترد عليا.
زم حسني شفتيه وهو يتمتم بغضب:
-الكلب مش عارف عايز إيه؟
أجاب يزن ببرود يحمل بين طياته إصرارًا:
-هو عايز يدمر سمعتها عشان رفضته، كرامته تمنعه إنها ممكن تفضل واحد عليه، بس عادي ولا يهمني كل اللي بعته، أنا عارفها على إيه كويس وواثق فيها.
كانت الكلمات كالرصاص تخترق صمت الغرفة، وأحدثت رجة في قلب حسني الذي شعر للحظة أنه تسرع في غضبه وخانته حكمته التي طالما تباهى بها، فتمتم بضيق وحرج:
-أنا كل اللي زعلني منها إنها طلعت ومحكتش، يمكن كنت اقدر انزله...
قاطعه يزن بحدة وقد تذكر دموع سيرا المقهورة:
-تنزل لمين يا عم حسني، ده واحد هو عارف بيعمل إيه حتى لو كنت نزلتله بردو كان عمل اللي عمله، مكنش هيستناها ويهددها بالسكينة معلش الراجل فكر وتعب ونفذ...تعبه مش هيروح بكلمتين منك ومتزعلش مني ولا بخناقة مع قاسم وعبود وده اللي خلاها تخاف تحكيلكم، هي كانت خايفة عليك لإنك بتتعامل مع واحد مش مظبوط اساسًا، وخايفة على اخواتها هيضيعوا مستقبلهم في لحظة تهور.
تنهد حسني بعمق وسأله بقلق:
-امال ايه الحل يا بني في المصيبة دي؟
ابتسم يزن بثقة:
-ولا مصيبة ولا حاجة، أنا اصلاً كنت قولت لسليم من فترة يكلمك نكتب الكتاب ونستعجل في ميعاد الفرح بس كان في شوية مشاغل منعته، بس جه الوقت المناسب ويا ريت نكتب الكتاب بكرة.
اعترض حسني بانفعال:
-لا لا أنا كده هيبقى بأكد على كلامه وبداري على بنتي وكلام الناس هيزيد.
ابتسم يزن ابتسامة واثقة وقال بلهجة قاطعة:
-كلام الناس مابيقدمش ولا بيأخر يا عم حسني، وبعدين احنا ميهمناش الناس قد ما يهمنا نحط على فايق ومنخلهوش يحقق اللي هو عايزه، هو هيتقهر لما يشوفنا بنكتب الكتاب وبنفرح ومبسوطين وكل اللي عمله راح في الهوى ولما سيرا تبقى على ذمتي أنا عايز اشوفه وهو بيفكر بس يقرب منها، قرصتي له المرة اللي فاتت عدت بس المرة دي مش هيقوم منها.
أطرق حسني رأسه حائرًا وتتنازعه مشاعر متناقضة، إلى جانب إعجابه بعزم يزن وصرامته في الدفاع عن ابنته، فأدرك أن الحل الوحيد هو المضي قدمًا وأن تجاهل فايق والرد عليه بالفرح أقوى انتقام، فتمتم أخيرًا باستسلام:
-مش عارف يا بني، بس مقدمناش حل غير كده.
ربت يزن على كتف الرجل قائلاً بحزم:
-ومالك بتقولها ياعم حسني وانت مكسور ليه، هي مغلطتش في حاجة عشان تحس بكده، بالعكس افرح وهنعمل حفلة صغيرة اعزم فيها حبايبك واعملوا نور كمان على العمارة من برة، احنا مابنعملش حاجة غلط ولا حرام ولو على التجهيزات متقلقش كل حاجة هتحصل وعلى اكمل وجه متقلقش من حاجة.
ابتسم حسني أخيرًا وقال:
-ماشي يا ابني على خيرة الله.
أضاف يزن بلهجة وصية أخيرة:
-رجائي منك محدش يضايقها ولا يزعلها بحاجة هي مغلطتش محدش يلوم عليها طالما هي كانت خايفة، الخوف أحيانًا بيخلينا مابنعرفش نتصرف، أنا معجبنيش منظرها وهي جاية ليا المعرض.
ثم ساد صمت مهيب في المجلس كأنما كانت كلماته وصية مقدسة، قطع بها آخر خيط يربط سيرا بشك عائلتها بها، وأرسى مكانها في قلبه سندًا لا يتزعزع.
أما سيرا فقد شعرت وكأن العالم كله تراجع إلى الخلف ولم يبقَ أمامها سوى صوته، ينساب داخلها بثقل ودفء معًا، لم يكن رجاؤه مجرد وصية؛ كان اعترافًا بإنسانيتها وإقرارًا ببراءتها، وإعلانًا صريحًا أمام الجميع أنها ليست مخطئة وأن دموعها التي أهرقتها بالأمس لم تذهب هدرًا.
لزمت الصمت وهي تنظر لاخواتها، تكتفي بدمعة ساخنة انسلت من عينيها، دمعة لم تكن ضعفًا بل كانت شكرًا وامتنانًا، دمعة شعرت معها أن القدر أنصفها أخيرًا.
ولكن حكمت لم تستطع الصبر فأطلقت الزغاريد المصرية عاليًا واحدة تلو الأخرى بلا انقطاع وكأنها في مسابقة، ثم قالت بسعادة وهي تنظر لوالدتها:
-وربنا...بكرة المنطقة كلها لتشرب حاجة على حسابي وفايق لوحده هو وأمه الحرباية هجيب له كراتين حاجة ساقعة عشان يشربها بالسم الهاري.
****
في اليوم التالي ارتدت بناية الحاج حسني ثوبًا جديدًا من البهجة؛ فقد غمرتها الأضواء الملونة التي تزينت بها الجدران والشرفات، وترددت بين أرجائها أصوات الزغاريد التي لم تهدأ منذ ليلة الأمس، وكأنها تريد أن تعلن للعالم بأسره أن الفرح قد حل بهذا المكان، لم يترك يزن تفصيلاً صغيرًا إلا اهتم به بعناية فأمر بتزيين صالة المنزل بالزهور والأنوار، ثم لم يكتفِ بذلك بل أوصى بتزيين الشارع المقابل للبناية بزهور وردية وبيضاء امتزجت مع أضواء لامعة تنسج خيوطًا من الجمال والبهجة.
جاءت عائلة يزن بأكملها بسياراتهم الفارهة، تحمل كل سيارة منها الهدايا للعروس كأنها مواكب مهيبة تُعلن قدوم حدث عظيم، وقفت سيرا خلف زجاج شرفتها، تترقب بلهفة وابتسامة لم تفارق شفتيها، وبجانبها فاطمة ويسر، لقد كانت نظراتها مليئة بالامتنان والسعادة وكأنها للمرة الأولى تتذوق طعم الفرح الخالص بلا شوائب من خوف أو شك.
أرسل إليها يزن في الصباح فستانًا ورديًا رقيقًا يناسبها تمامًا ومعه باقة زهور صغيرة تمسكها في يديها، ترك لها زمام السعادة مطلقًا ولم يثقل عليها بشيء، فاستسلمت للبهجة ووقفت تنتظر لحظة نزوله من السيارة.
وها هو يطل من سيارة فارهة بيضاء، لم ترَها من قبل إلا في أفلام أو صور، يرتدي بذلة كحلية اللون مصفوف الشعر بعناية، فزادته وسامة وهيبة حتى شعرت سيرا أن قلبها يكاد يخفق من صدرها لفرط سعادتها، وبجانبه كان نوح يرتدي قميصًا أبيض وبنطالًا أسود، يرافقه بخطوات واثقة مع باقي أفراد العائلة الذين بدا أن عددهم قد ازداد بوجوه لم تألفها من قبل.
بدأت العائلة تصعد الدرج بخطوات متسارعة، ولكن خطوات "نهى" كانت مثقلة ببطء واضح؛ فقد كانت في شهرها الأخير من الحمل، وبطنها المتفخة تصعب عليها الحركة، ورغم تحذيرات الطبيب المتكررة بعدم السفر أو بذل مجهود، فإنها أصرت على الحضور، لا لشيء إلا لتشارك يزن لحظته التي اعتبرتها لحظة عائلية لا يمكن تفويتها، كان زوجها خالد يرافقها بقلقٍ بالغ، يعينها على صعود الدرج درجة بعد أخرى، ولم يخفِ ضيقه وهو يقول لها بعتاب ممزوج بالخوف:
-انتي مش قادرة تطلعي يا نهى، اشيلك طيب؟
ضحكت رغم التعب وقالت بصوت متهدج:
-عايز تفضحني قدام ولاد خالي؟
زفر بقلق وهو يتمتم:
-يعني عاجبك منظرك ده؟
ثم اقترب منها أكثر وهمس بجدية:
افرض ولدتي في أي لحظة، أحنا متابعين مع دكتورنا في مرسى مطروح ومانعرفش حد هنا.
ابتسمت له وهي تحاول التخفيف من قلقه:
-خالد أنا لسه قدامي خمس أيام ماتقلقش، وبعدين سيبني افرح الأجواء دي حلوة اوي.
هزت رأسه بيأس وهو يرمقها بعين نصف غاضبة نصف عاشقة:
-طيب اطلعي على مهلك ، عشان ولاد خالك عندك استعداد تبيعيني أنا شخصيًا.
ضحكت بخفة ثم قالت بدفء:
-أنا يا خالد معقولة تقول كده؟ كل الحكاية إن أنا بفرح بتقديرهم ليا، وأنهم مافكروش يفرحوا إلا وأنا موجودة وأصروا عليا أحضر، وبعدين يا خلودي ماتحطش نفسك في مقارنة مع حد.
ابتسم رغم ضيقه الداخلي ثم أمسك بيدها بحنان وصعدا معًا حتى وصلا حيث كان في استقبالهم أفراد عائلة سيرا، تقدم سليم وبدأ يعرفهم على عائلة العروس التي بدت ودودة ولطيفة.
سرعان ما وجدت نهى نفسها تنخرط في حديث جانبي مع مليكة، التي كانت تتحدث بحذر وتفحص المواقف بعين متوجسة، حيث بدا لها أن نهى واضحًا حبها الكبير لزوجها وتقربها منه، وانعكس ذلك في سعادتها بحملها، وفي لحظة صامتة وقعت عين مليكة على بطن نهى المنتفخة، ثم التفتت إلى زوجها "زيدان" فوجدته لا يعير شيئًا من الاهتمام إلا لأخيه يزن، يقف خلفه ويسانده في كل خطوة، تلك اللمحة بثت في نفسها راحة غير متوقعة، فأحست أن وجود زيدان إلى جوار يزن يعني أنها في مأمن من أي تصرف قد يجرحها أو يثير غيرتها.
كانت اللحظة مفعمة بالمشاعر المختلطة، فرح يملأ الأجواء وقلق يلوح في العيون، حب يتوهج في القلوب، وأمل يولد مع كل زغاريد تتعالى من النوافذ والشرفات، بدا المكان وكأنه قطعة صغيرة من عالم آخر، عالم أصر يزن أن يصنعه لسيرا، التي خرجت بفستانها المناسب لجسدها تحمل ابتسامة رقيقة جدًا تناسب رقة ملامحها التي لم تضع بها مساحيق تجميل فجة بل كانت هادئة تناسب الوان فستانها، جلست بجانب والدها وبدأ المأذون في إجراءات عقد القران التي انتهت بعد دقائق بسيطة بـ...
"بارك لهما لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير"
تعالت الزغاريد في أرجاء المكان فرحًا بسيرا، فاندفع أخواتها نحوها ينهالون عليها بالقبلات والعناق، تغمرهم السعادة الغامرة، أما يزن فكان يتلقى التهاني والمباركات وقد ارتسمت على محياه ابتسامة صافية تُشع بفرح حقيقي، ابتسامة لم يرها أحد عليه من قبل بهذا الصفاء، وفي زاوية الصالة جلست منال تبكي في صمت، ودموعها تنساب كجدول رقراق، لا دموع حزن بل دموع أم أرهقها الزمن ثم أعاد لها القدر معنى الفرح، لمحها سليم، فأسرع إليها واحتواها بذراعيه هامسًا بحنان:
-بتعيطي ليه؟
رفعت أنظارها إليه وعيناها متلألئتان بالدمع ثم تمتمت بابتسامة مرتجفة:
-أنا كده لو موت هبقى مرتاحة الحمد لله يا ابني.
قطب سليم حاجبيه ضيقًا وقال بعتاب يختلط بالرجاء:
-بعد الشر عنك، هو ده وقته كلامك، افرحي واتبسطي بيه.
مدت يدها المرتعشة تربت فوق كفه وهي تنظر إليه بعينين غارقتين في الامتنان:
-ربنا يسعدك يا سليم ويراضيك دايمًا في مراتك وعيالك وتشوف عيالك أحسن الناس، زي ما وقفت وراه اخواتك وكنت ليهم السند والعوض.
ارتجف قلبه لصدق دعائها وشعر أن كلماتها خرجت من أعماق روحها، لأول مرة لم يتمالك نفسه فطبع قبلة وقورة على رأسها هامسًا بحنو عميق:
-ربنا يخليك لينا يا ست الكل، كفاية عياط بقى عشان محدش ياخد باله.
أومأت برأسها استسلامًا وجلست تمسح دموعها بابتسامة هادئة، فيما أحاطها بذراعه وظل يربت على كتفها برفق، لكن ما هي إلا لحظات حتى اقتربت حكمت تحمل صينية عصائر مثلجة وأطباق حلوى قائلة بصوتها المرتفع الحاد:
-عارف لو قولتلي مش عايز وشكرًا، هأكلهالك بنفسي.
اتسعت عينا سليم ذعرًا وتراجع خطوة إلى الخلف، فيما كانت شمس تقف إلى جانب مليكة تتبادلان الضحكات المستمتعة بمشهد جداله مع حكمت.
أما يزن فكان لا يزال يتلقى التهاني من الجميع، وكان آخر المهنئين زيدان، وما إن اقترب منه حتى أمسك يزن بذراعه وهمس متسائلاً بلهفة ظاهرة:
-الله يبارك فيك يا زيزو يا حبيبي، بس قولي بسرعة لما اسلم عليها، اسلم عليها ازاي؟
أطرق زيدان برهة ثم قال في حيرة:
-يعني تسلم عليها ازاي؟ ما تسلم عادي.
قطب يزن حاجبيه وقال بسخرية:
-اقسم بالله انت اخرك مخبر ما ظابط وبتفهمها وهي طايرة، قصدي احضنها عادي قدامكم.
اتسعت عينا زيدان بدهشة وهو يرد بصدمة:
-يخربيتك، انت يابني خف شوية، انت عايز تفضحنا، سلم عليها عادي خالص.
زفر يزن بغيظ وقال بعناد:
-ليه هي مش كده مراتي ومن حقي احضنها! نوح...زيدان بيقولي لا.
ضحك نوح بخفة ثم قال ساخرًا وهو يشير نحو نفسه بفخر:
-مستعجل ليه ما انت بكرة تفرح يومين وتبقى مطلق زيي كده.
رمقه يزن بازدراء وقال:
-إيه القرف ده؟ تصدقوا أنا غلطان أني باخد رأيكم، أنا هروح واسلم عليها واحضنها عادي.
تقدم بخطوات متلهفة وعيناه متوهجتان بالشوق، وما إن لمحته سيرا حتى أدركت قصده، فأشارت إليه بخفة رافضة ثم انسحبت إلى الشرفة بخطوات مترددة، توقف يزن مذهولًا من تصرفها، وراح ها ببطء فيما وجدها هناك مع يسر، التي كانت تتظاهر بالانشغال بهاتفها لكنها في الحقيقة كانت تراقب نوح بعينين خجولتين، فهمست سيرا إليها بخوف:
-يسر الحقيني.
نظرت إليها يسر بقلق وقالت:
-في إيه؟
لكن يزن دخل مبتسمًا ابتسامة بريئة متصنعة وقال:
-يسر ازيك محضرتيش كتب الكتاب ولا ايه؟
أجابت بتوتر:
-لا كنت واقفة هنا في البلكونة عشان الزحمة بس.
ابتسم ماكرًا وقال:
-طيب أبلة حكمت بتنادي عليكي عايزاكي تاكلي جاتو.
ضحكت يسر بإحراج وغادرت رغم همس سيرا المتوسل:
-لا لا لا...
خرجت في الصالة تتخطى المدعوين وهي تحاول الوصول إلى غرفة سيرا تختبيء بها ولكن وجدت فاطمة تصيح بأعلى نبرة لديها لتجذب انتباه الجميع إليها:
-يسر تعالي اعرفك على ماما.
توقفت بغضب وهي تنظر إليها، والزمت عيناها ألا تركض وتبحث عن نوح وسط المدعوين، ثم تحركت نحو فاطمة ووالدتها وهي تبتسم باقتضاب.
وعندما خرجت تركت سيرا في مواجهة مباشرة مع يزن، فاقترب منها وأمسك يدها هامسًا بعتاب لطيف:
-بتهربي مني ليه؟
ارتبكت وهي ترد:
-آآ..أصل مكسوفة وكلهم هيبصوا علينا وكده.
ابتسم بإصرار وقال:
-طيب إيه مش هنبارك ونهني؟
أخفضت بصرها وتمتمت بارتباك:
-الله يبارك فيك يا يزن عقبالك.
نظر إليها باستغراب وقال:
-انتي بتقولي إيه؟
حاولت أن تتملص بخجل:
-مش عارفة....مش عارفة بص أنا مكسوفة، متحرجنيش.
لكنه تشبث بعزمه وقال مبتسمًا:
-لا بس أنا هسلم أنا قتيل اللحظة دي.
الله يبارك فيك يا يزن كده حلو؟
مدت يدها تصافحه محاولة إنهاء الموقف، غير أنه جذبها بقوة إلى صدره يضمها بلهفة، ثم طبع على جبينها قبلات متتابعة، جفت الكلمات على شفتيها، وتصلبت في مكانها تتشبث بثوبها خوفًا من أن يراهما أحد، أحاطها بكيانه كله، وهم أن يبوح بما أراد قلبه ولكن فجأة دوى صراخ مرتفع من الداخل.
تباعدت عنه مذعورة واندفعت إلى الداخل بخطوات متسارعة، كادت تتعثر لولا يده التي امتدت تدعم خصرها وهو يهمس بضيق:
-حاسبي يا سيرا..
توقفا عند عتبة الشرفة فإذا بالجميع ملتفون حول نهى التي جلست تبكي بحرقة، وخالد واقف إلى جوارها مذهولًا ينظر إلى الماء المتساقط أسفلها، اقترب زيدان وهو يحاول كتم ضحكته وقال بصوت منخفض موجهًا حديثه ليزن:
-نهى بتولد، اقسم بالله ما شفت أنحس منكم انتوا الاتنين.
رواية غناء الروح الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم زيزي محمد
تحركت سيرا بخطواتٍ بطيئة في ردهة المستشفى، كأنها تخشى أن تُحدث صوتًا يكشف توترها الداخلي، كانت عيناها تلتقطان ملامح الوجوه الجالسة في الانتظار؛ وجوهٌ يغمرها القلق والترقب، وكلها مشدودة إلى اللحظة الحاسمة التي تلد فيها نهى، بينما خالد الذي لم يحتمل وطأة الموقف قد سقط مغشيًا عليه من فرط التوتر في غرفة العمليات، فلم ينجح في أن يكون بجوار زوجته كما تمنت.
ترددت سيرا للحظة ثم ابتلعت ريقها محاولةً أن تطرد رهبتها من أن يكتشف أحد نيتها، فهي لم ترد أن تصبح مادةً لضحكاتٍ خفيفة بسبب سعيها المتكرر للحديث مع يزن، ذاك الذي كان منشغلاً بالجميع عداها منذ وصولهم إلى المشفى.
لكن ما إن التقت عيناها بعيني نوح حتى شعرت بأن الأمر أسهل قليلًا؛ فقد قرأ نيتها بذكاء وابتعد بخطواتٍ مقصودة ليمنحها المساحة مع يزن، فبدا كأنه يتسلل بعيدًا كي لا يفسد عليها تلك اللحظة، فيما كانت هي تستجمع شجاعتها لتقترب أكثر.
اقتربت سريعًا متفاديةً نظرات الآخرين، حتى وقفت إلى جوار يزن، تناديه بصوتٍ يكاد يذوب خجلًا:
-يزن.
التفت يزن بتظاهر وكأنه لم يسمع، ثم رمقها بغمزةٍ خفيفة:
-ايوه مين بينادي؟
ضحكت سيرا بخفة مودعة لهجتها الطفولية بالمزاح، وذراعاها متقاطعتان أمام صدرها:
-مش ناسي حاجة؟
مد يده وأشار إلى بابٍ جانبي ثم دفعها بلطف إلى الداخل، وقفا معًا عند سلم الطوارئ؛ هو بحضورٍ هادئٍ وهي بارتعاشة مختبئة في صدرها، فلم تمضِ لحظة حتى لمس أطراف أصابعه أنفها بدعابةٍ ناعمة وهمس بإغراء موزون:
-امممم احضنك.
حمحمت سيرا خجلاً وتراجعت خطوة متظاهرة بالاستنكار:
-والله؟!
ارتسمت على وجهه إشارات استغرابٍ مزيفة، ثم بعتابٍ مدلس قال:
-لا لا يا سيرا معندكيش اخوات ولاد؟ لو سمحتي حافظي على مشاعري البريئة.
ضحكت من جديد ثم لاحت في كلامها نبرة تهديدٍ ملفوف بالمزاح وهي تشير بإصبعيها في وجهه:
-عيب على فكرة أنا ممكن ....
لم تكمل؛ فقد حاوطها يزن من خصرها فجأةً ولصقها بصدره، فارتجفت شفاهها بخجل حين همس لها على نحوٍ حنونٍ:
-إيه ممكن ترمي الدبلة في وشي؟! بس لا خلاص ده كان زمان، انتي دلوقتي بقيتي مراتي.
حاولت سيرا دفعه لكنه تمكن من التشبث، وكأن وجوده وحده كافٍ ليمنعها من الابتعاد، استغلت ذلك لتثير استفزازه قائلةً بتكرارٍ ومسرحية:
-طيب ما أنا ممكن اقولك طلقني!
تغير وجهه فجأةً من المزاح إلى الحازمية، وأجابها بسرعةٍ أدهشتها:
-اخرسي....
ثم أخذ يداعب خدها بلطف متلاعبًا بمشاعرها كما يلعب النسيم بأوراق الخريف، وبعد لحظةٍ من الحنان المفاجئ قال بغمزةٍ مازحة تتناقض مع حنوه:
-أنا راجل والرجال قليلون.
دفعته بقوةٍ ونجحت في فك ذلك الحصار الجزئي، بينما هو نجح في أن يحجم انفعالاته ونفسه التي مالت لفعل قد يندم عليه لاحقًا، فاستعاد رباطة جأشه وأخمد ثورته الداخلية، بينما تكلمت سيرا بسخريةٍ لكنها تخفي ارتعاشًا في صوتها:
-طيب بلاش غرور، ده انت ناسي أهم حاجة في يوم كتب كتابنا.
تنهد يزن ببطءٍ ثم ابتسم ابتسامةً نقية كمَن يريد أن يخفف من وقع كل الكلمات الثقيلة:
-بعيدًا عن اليوم المضروب ده، براحة عليا عشان أنا مابحبش اختبارات البنات دي.
نظرت إليه باستنكار:
-لا لا ده انت المفروض خبرة وتلقطها وهي طايرة.
رمقها بسخريةٍ قبل أن يعود إلى جديةٍ مصطنعةٍ:
-شوفي بعيدًا عن التقليح اللي نازلة بيه في نشرة الساعة تسعة، أنا مكنتش عايز اصدمك، بس الحقيقة أنا معاكي زيرو خبرة.
اقتربت خطوة وهي تهز يدها بقليلٍ من الغيظ:
-ليه بقى عملت فيك إيه عشان امسح خبرتك العظيمة؟!
اقترب هو من وجهها وحاوطه بهمسٍ رقيقٍ:
-خطفتي قلبي وعقلي، خلتيني بحس معاكي بحاجات عمري ما حسيتها مع أي بنت قبلك، ببساطة عشان أنتي لا جه قبلك ولا هيجي بعدك.
اكتمل وجهها بابتسامةٍ خجولة وصفاء في عينيها كاد يخرج قلبها من مكانه من فرط السعادة، فهمست بصوتٍ مرتعشٍ:
-يزن، هو الكلام الحلو ده بيخرج تلقائي يعني من قلبك ولا انت اصلا لسانك حلو؟
صمت للحظةٍ ثم غمزة لطيفة وبسمة عريضة:
-التانية.
-مش فاهمة!
هبطت ملامحها ولم تفهم، فهز كتفيه ببرودٍ متصنعٍ وأضاف:
-أنا أصلا لساني حلو فـ هتلاقيني بغرقك كل شوية بكلام حلو.
تراجعت بضع خطوات قائلة بغضبٍ مكتومٍ:
-تصدق بقى أنا مش عايزة اسمع كلام حلو، أنا بعشق الكلام الدبش قولهولي.
وقبل أن تبتعد أمسكها فجأة وهمس بلهجةٍ حانية بجانب وجهها:
-خدي هنا انتي اتقمصتي؟!
هزت كتفيها بدلال ثم ردت بمكر أنثوي:
-نص نص يعني، لو قولتلي كلام او كلمة عمرك ما قولتها لحد يمكن افكر ارضى عنك واسامحك.
أطرق رأسه لوهلة ثم أخرج هاتفه واقترب منها بنبرةٍ أكثر دفئًا:
-تعالي ناخد صورة مع بعض.
أبعدت يده بعيون غاضبة وهي تعترض بحنق:
-بقولك قولي كلام حلو!!
عاد هو ليضع ذراعه حول كتفها وضمها إليه ثم همس بحنو بالغ ورقة يملك أساليبها للعب فوق أوتار حنينها ومشاعرها المتلهفة:
-ما ده يا روح قلبي الكلام اللي عمري ما قولته لأي واحدة، عمري ما طلبت من بنت إننا نتصور، بس معاكي انتي ببقى عايز اتصور معاكي كل لحظة.
رمشت عيناها وهي تسأل بترقب وقلب يدق بقوة:
-بجد يا يزن الكلام ده من قلبك ليا؟
أمسك بنظرها بثبات وأجاب بصدق واضح وهو يبتسم ابتسامة ناعمة:
-أي كلمة قولتهالك وهقولهالك هتفضل تطلع من قلبي لغاية أخر لحظة في عمري.
تجرأت للمرة الأولى وأمسكت بيده التي تمسكت بالهاتف ثم همست بخجلٍ وارتباكٍ:
-يعني لا جه قبلي ولا هيجي بعدي، ده كلام عادي ولا من قلب يزن بجد؟
اقترب وطبع على خدها فقد كانت قبلته هادئة ودافئة ثم همس بصوت مفعم بالحب:
-دي من عقل يزن، دي بتوصف يزن الغلبان اللي وقع ومحدش سمى عليه.
ارتبكت سيرا وكأنّها لدغت بعقرب، فتوسعت عيناها من أثر القبلة؛ وتحجرت كلماتها ثم جاءت بتهديدٍ متقطع وخجل:
-مـ...متـ...متعملش كده تاني.
ظل يزن يضحك في صمت وكان في عينيه ما يُشي بأن كل العالم لا يهمه إذا كانت هي معه، ترددت كلمات بسيطة على شفتيها باعترافٍ خافتٍ وهي تتجنب النظر المباشر:
-تعرف إنك طلبت مني الحاجة اللي أنا بقولك عليها أنها أهم حاجة في كتب كتابنا.
صمت يزن قليلاً ثم سألها بهدوءٍ حنون:
-قصدك نتصور مع بعض؟
هزت رأسها بابتسامة بريئة وعيناها معلقتان بإصبعها الذي ما زال يحمل أثر الحبر الأزرق من بصمتها بسبب عقد القران، فبدت وكأنها تسترجع تلك اللحظة بكل تفاصيلها ثم قالت بصوتٍ خافتٍ يتسلل من بين أنفاسها الممزوجة بالحنين:
-خوفت ننسى نوثق اليوم ده زي ما وثقنا قبل كده.
اقترب يزن منها أكثر، حتى كاد صوته يلامس قلبها قبل أذنها ثم همس بمزاحٍ لطيفٍ يكسوه دفء حقيقي:
-انتي عايزة تقطعي عرق وتسيحي دمه يا سرسورة ، أنا فاهمك، بس يعلم ربنا أنا من اليوم اللي شفتك فيه لا فاضي ابص ورايا ولا قدامي حتة، للأسف أنا مش شايف غيرك.
ارتجفت عيناها بدهشة وامتزجت بريقهما بنبضٍ لم تعرفه من قبل ثم سألت بعنادٍ رقيق:
-طيب وليه للأسف، هو في أحلى من أنك متشوفش غيري؟
ابتسم يزن ابتسامةً أنهكها الصدق وقال بصوتٍ يحمل أثر الهزيمة العذبة أمام حبها:
-دورت كتير ومالقتش عشان كده رجعتلك وأنا مهزوم وبعلن استسلامي قدام أقل ضحكة منك، أو همسه من صوتك باسمي.
هذه المرة لم تُبعد سيرا بصرها عنه كما كانت تفعل سابقًا، بل ظلت تنظر إليه بحبّ وإعجاب واضح، وكأنها تُسلم نفسها طواعيةً لأسر عينيه، فشعرت بيده تحاوط كتفها برفق، يجذبها نحوه بطمأنينةٍ تُذيب الحواجز الأخيرة بينهما، ثم رفع هاتفه يعبث في زوايا الكاميرا، وهمس بحماسٍ خافت:
-يلا نتصور ونوثق اللحظة بكابشن يليق بمرات يزن الشعراوي.
اتسعت ابتسامتها على الفور وتألقت في ملامحها براءة طفلة تنتظر مفاجأتها، فسألته بلهفة:
-ايوه هتكتب إيه بقى المرادي؟
ضغط على زر التصوير مراتٍ متتالية وفي اللقطة الأخيرة مال ليطبع قبلةً دافئة على رأسها بينما أغمضت عينيها بخجل، وكأنها تحاول أن تخبئ سعادتها التي فاضت في ملامحها، كانت الصورة نقيةً وبريئة، تحمل في طياتها كل ما لم يُقال من حبً وامتلاك؛ صورة لا توثق مجرد لحظة بل تعكس قلبين تملك أحدهما الآخر.
خفض يزن الهاتف بعد ذلك وكتب تعليقًا قصيرًا بالإنجليزية على الصورة التي نشرها في وسائل التواصل الاجتماعي، فقد كانت كلماته قليلة، لكنها حملت ثقل وعدٍ أبدي:
-my forever...my peace...my everything...Mrs.Yazn Al-shaarawi.
ولم تكن الكلمات حبرًا على شاشة، بل كانت اعترافًا صريحًا ووعدًا علنيًا بأن هذه اللحظة لن تُمحى من قلبه ما دام حيًا.
***
بعد مرور وقتٍ قصير خرج الطبيب من غرفة العمليات وهو يحمل بين ذراعيه طفلًا صغيرًا بالكاد يُرى من بين ثنايا الملابس الملفوف بها، كانت يداه تتحركان بعصبية وخرج من حنجرته بكاءٌ خافتٌ كأنه احتجاجٌ على قدومه المفاجئ إلى هذا العالم، ابتسم الطبيب بابتسامةٍ رسمية وهو يمد الصغير إلى خالد قائلاً بتهنئةٍ صافية:
-الف مبروك...ولد جميل ربنا يباركلك فيه، عشر دقايق ومامته هتكون في اوضتها وتقدروا تشوفوها.
ثم التفت إلى الجمع المتراص في الردهة الطويلة، وقد بدا عليه الاستغراب من هذا العدد الكبير الذي حضر للولادة فعقب متلعثمًا بنبرةٍ يغلبها الارتباك:
-مش كلكم طبعًا..يعني القريبين بس.
غادر الطبيب تاركًا خلفه مشهدًا تتداخل فيه الدموع بالابتسامات، ظل خالد صامتًا وهو يضم طفله بين ذراعيه وعيناه مثبتتان على ملامحه الصغيرة المرتجفة، كأنهما تكتبان على صفحةٍ بيضاء قصة عمرٍ جديد، لم ينطق لكن نظراته كانت أبلغ من أي حديث، إذ عبرت عن لهفةٍ مكبوتة وسعادةٍ لا تسعها الكلمات، وضع سليم يده على كتفه برفق وقال بهدوءٍ مشفق:
-يلا أذن في ودانه يا خالد عشان مننساش.
ارتجف صوت خالد وهو يرد بنظرةٍ باهتة كأنه لم يفهم للوهلة الأولى، ثم استجمع نفسه وابتعد خطواتٍ قليلة ومال على أذن ابنه وأذن بصوتٍ متهدجٍ يملؤه الدفء والرهبة، وما إن تسللت الكلمات إلى أذن الصغير حتى هدأ بكاؤه، وفتح عينيه قليلًا كأنه يصغي باهتمامٍ بالغ لصوت والده، قبل أن يغلقهما من جديد في استسلامٍ مريح.
وعلى مقربةٍ من هذا المشهد المليء بالرهبة، كانت أبلة حكمت قد نجحت بطريقتها الفريدة في محاصرة يسر إلى زاويةٍ جانبية، فتغلغت بأسلوبها الفضولي في تفاصيل حياة يسر حتى بلغ السبب المؤلم لطلاقها، فأخذت تفتش في جراحها بكلماتٍ لا تعرف اللين، بينما يسر ما بين الضيق من تدخلها، والانسجام العابر مع تلك الجرأة الفجة التي تُلقي الكلام دون مواربة، حيث قالت حكمت بغيظٍ فاجأ يسر:
-انتي عارفة! انتي لو أختي كان زماني قعدت عليكي وفطستك.
صُدمت يسر من جرأتها لكن حكمت لم تتراجع، بل مالت عليها تهمس بحدةٍ جارحة:
-انتي لمؤاخذة دماغك تعبانة، بقى يا هبلة تسيبي جوزك لواحدة بتشتغل عنده كده عادي، أيًا كان إيه السبب!! انتي اللي تافهة ومحاولتيش تكسبي جوزك في صفك، عارفة صافي جوزي ده بيموت فيا وواثقة فيه بس بردو مخلياه ميعرفش يبص وراه مش بالنكد والعياط أبدًا!
رغم حنق يسر فقد نجحت كلمات حكمت في اجتذاب انتباهها، سألتها بتوتر متجاهلةً نظرات نوح التي لم تفارقها:
-امال بأيه؟
ردت حكمت بثقة لاذعة:
-بالشد والجذب سمعتي عنهم قبل كده ياختي؟ يعني بشد وبرخي، وكل واحدة وعارفة جوزها على إيه امتى يكون عايز شدة محترمة، وامتى يكون عايزك حنية وابقى معاه صغيرة على الحب.
هزت يسر كتفيها باستياء وقالت بعنادٍ ظاهر:
-امال أنا بعمل إيه؟ ما أنا بشد اهو عشان ميفكرش في اللي بيفكر فيه!!
رفعت حكمت حاجبيها بحدة:
-يخيبك في عقلك! هو إنه يطلقك كده معناه إنك بتشدي، لا انتي بتقطعي الحبل على الآخر.
تنفست يسر بعمق وزفرت بضيقٍ، ثم لوحت بيدها وكأنها تدفع الكلام بعيدًا عنها:
-يتقطع بقى، بصي يا أبلة حكمت أنا تعبت ومحدش عاش اللي عيشته.
نظرت إليها حكمت نظرةً حادة وقالت بتحذير:
-بكرة تندمي وتقولي ياريت اللى جرى ما كان، يا حبيبتي جوزك واحنا في كتب الكتاب عينه كانت هتبظ برة من كتر ما هو بيدور عليكي، وده معناه إنه بيحبك، المفروض إنك تستغلي حبه ليكي وزي ما ساومك زمان ساوميه دلوقتي.
شعرت يسر بثقل كلماتها لكنها لم تفهم المغزى العميق بعد، غير أن اقتراب نوح منهما جعل قلبها يرتبك أكثر حين قال بهدوءٍ موجهًا بصره إليها:
-يسر، تعالي نكشف عليكي ونتطمن بالمرة طالما احنا في المستشفى.
وضعت يدها حول بطنها البارز، وهزت رأسها رفضًا لكن حكمت تدخلت بلمحةٍ جريئة، وضغطت على مرفقها وهي تبتسم بمكر:
-الله! هو إيه اللي لا يا يسر؟ روحي يلا.
ثم دفعتها برفق نحو نوح الذي أمسك مرفقها بحذر، غير أن يسر أبعدته بضيقٍ وسارت بجواره متذمرة خشية أن تجذب الأنظار:
-أنا كويسة على فكرة مش محتاجة اكشف.
رد بنبرةٍ حانية زادت من ارتباكها:
-بس أنا محتاج اتطمن عليكي.
وأشار بيده ليتحركا إلى الجهة الأخرى من الردهة الطويلة، ورغم أن صوته منهك إلا أن إصراره واضح:
-أنا سألت على دكتورة كويسة وقالولي في أخر الطرقة دي.
توقفت يسر فجأة ثم أشارت إليه بإصبعها بحدةٍ ممزوجة بالحرج:
-بس مش هتدخل معايا، عشان انت دلوقتي طليقي.
ثبت عيناه عليها طويلًا، فقد كانت نظراته تحمل عتابًا صامتًا لا يخلو من الألم، بينما هي انتظرت منه انفجارًا أو مشاجرةً كعادتهما، لكنه فاجأها حين قال بصوتٍ حزين ونبرته تشبه نبرة ابنتهما لينا حين تبكي:
-يعني مش هسمع نبضه، كان نفسي اسمعه.
كادت دموعها تسقط فقد أحست بأن قلبها يتمزق وهي ترى ضعفه الذي لم تعهده من قبل، طالما اعتادت عليه قويًا متجبرًا لا يلين ولا ينكسر، أما الآن فقد بدا لها كطفلٍ يطلب حقه الضائع، رفعت بصرها نحو الغرفة ثم قالت بصوتٍ مترددٍ يختبئ خلفه حزن:
-ادخل معايا بس متقفش وهي بتكشف عليا اقعد بعيد وأنا هخليها تسمعك نبضه.
تحركت بخطواتٍ هادئة نحو الغرفة تاركة إياه غارقًا في شروده، فزاد الهم ثقلاً فوق صدره وكأنه يحمل عبء عمرٍ كامل لم يعد بقادرٍ على احتماله.
***
في جانب آخر من المشفى كان زيدان يقف أمام نافذةٍ واسعة، نصف جسده مستند إلى الحائط، وعيناه شاردتان نحو الفراغ، ظل يستحضر في ذاكرته الأيام الماضية مع مليكة، تلك الأيام المثقلة بخلافٍ لم يجد له مخرجًا، ما زالت ترفض الإنجاب وكأن طلبه منها يعني لها حكمًا بالموت، كان الخوف يطفو جليًا في عينيها كلما حاول إقناعها، خوفٌ يزرع في قلبه غصة حتى آثر الصمت معلنًا موافقته على رفضها، رغم أن داخله كان يضج باعتراضٍ عارم.
انتبه فجأة إلى صوت سليم الرخيم يناديه من الخلف:
-زيدان باشا.
استدار زيدان سريعًا يخفي تعابير وجهه خلف قناع البرود المعتاد، لكن المفاجأة باغتته حين لمح الصغير بين يدي سليم، فتقدم الأخير نحوه وهو يبتسم بصفاءٍ أخوي:
-انت مشوفتش الباشا ده، فقولت اجبهولك تسلم عليه وتبوسه.
ارتعشت ابتسامة زيدان قليلًا ثم مد يديه بحذر ليتناول الرضيع، فأمسكه بتوترٍ واضحٍ يكشف عدم خبرته، فتدخل سليم بخبرة أبٍ عاش مع أطفاله منذ نعومة أظفارهم، يساعده على تثبيت جسد الصغير بين ذراعيه، وما إن استقرت الملامح البريئة أمامه حتى غرق زيدان في تأملٍ عميق، عينيه تتسعان بدهشة الحب وصوته يخرج مترددًا:
-حلو اوي، ربنا يباركلهم فيه.
ثم مال يطبع قبلةً حانية على جبين الطفل، قبلة أفرغ فيها من حنانه أكثر مما أفرغ في حياته كلها، بقي صامتًا متأملًا حتى قطع سليم الصمت بسؤالٍ كان يؤجله منذ زمن:
-زيدان.
أجاب أخوه بنبرةٍ واهنةٍ وهو يحرك يده بحذر لئلا يوقظ الرضيع:
-نعم.
فاجأه سليم بصوته المتوتر رغم جموده الظاهر:
-انت كويس؟!
انعقد حاجبا زيدان باستفهام، فسارع سليم لتوضيح مقصده برفقٍ يحمي مشاعر أخيه:
-يعني قصدي، أنت عملت تحاليل انت ومليكة مثلاً وفي حاجة معطلة حملها؟
ابتسم زيدان ابتسامةً باهتة تحمل استنكارًا أكثر مما تحمل رضا ورد بهدوءٍ عميق:
-لا لا احنا كويسين الحمد لله بس...
توقف لحظة ثم عاد ينظر إلى ملامح الرضيع قبل أن يتنفس بحزنٍ أثقل صدره:
-بس مليكة اللي مش عايزاه.
رفع سليم حاجبيه بدهشة، واقترب خطوة واضعًا يديه في جيبيه بملامحٍ تحمل الرفض:
-يعني إيه معلش مش عايزة تخلف؟
زفر زيدان ببطء ورفع عينيه صوب أخيه وكأن الحروف تثقل لسانه:
-يعني مش عايزة تخلف يا سليم، خايفة تخلف ولقدر الله يحصلها حاجة وتسيب ابنها ويعاني زي ما هي عانت....يعني زي ما أبوها اتوفى وبعده أمها.
ارتفعت نبرة سليم بالاستنكار كأنما يتحدث إلى شخصٍ غريب لا يعرفه:
-وانت سكت عادي كده؟!
انكمشت ملامح زيدان بضيق ورد بصوتٍ خافتٍ يفضح اضطرابه:
-امال أعمل إيه يا سليم؟ اغصبها على حاجة هي مش عايزاها، لازم تكون راضية.
لو سمع سليم هذا الضعف من غير أخيه لظنه وهمًا، لكن عيني زيدان فضحتا صدقه، ابتلع ريقه ثم قال بخشونةٍ:
-متغصبهاش بس اتكلم معاها، في مية الف طريقة تقنعها بيها، يعني هي مشاعرها ماتحركتش لما شافت ابن نهى، كنت استغل ده وكلمها.
ابتسم زيدان بمرارة يواجه أخاه بصدقٍ عارٍ:
-أنا اتكلمت بكل الطرق وفهمتها مليون مرة بكل الكلام اللي ممكن تقوله، بس كل ما اكلمها احسها خايفة ودايمًا شايفة إن ابنها هيعيش زيها.
اقترب سليم أكثر وصوته خرج جادًا يحمل ثقل التجربة ونبرة من يريد إيقاظ روح غافلة:
-زيدان مش كل حاجة ممكن مراتك تقولهالك تمشي وراها فيها، دي حياتك زي ما هي حياتها، ومن حقك يكون ليك ابن وتفرح بيه، ومش واحد، اتنين وتلاتة وخمسة، ولو كنت استخدمت معاها اللين يبقى غير طريقتك عشان تفهم.
ساد صمت ثقيل لحظة، كأن الجدران نفسها أصغت إليهما، ثم نظر زيدان باستنكار يتأرجح بين الخوف والحيرة:
-ازعقلها؟
رفع سليم حاجبه بنفاد صبر وهو يقول:
-مقولتش كده، بس تقدر تغير معاملتك معاها عشان تحس إن بردو زي ما انت بتتنازل في حاجات هي كمان المفروض تتنازل فيها.
ارتجف قلب زيدان للحظة ثم نطق بالسؤال الذي كمن طويلاً داخله:
-شمس بتتنازل عشانك؟
ارتسمت على ملامح سليم ابتسامة باهتة وهو يبوح بأسرار صغيرة من حياته الزوجية:
-كتير، وأنا في حاجات بعديها بمزاجي عشان خاطرها وبعمل اللي يرضيها، الموضوع متبادل ما بينا، وزي ما أنا بدورلها على راحتها هي كمان تدور على راحتي.
خيمت على المكان سحابة من التردد وزفر زيدان بتعبٍ مكبوت:
-خايف أخسرها لو أصريت؟
تنهد سليم وهو يتساءل بهدوء:
-هي مريضة؟
حرك زيدان رأسه بنفي وهو يجيب بنبرة مبحوحة:
-لا.
ظهر مدى تعمق سليم في كلماته الموزونة التي أفضى بهدوء أمام زيدان المنصت باهتمام:
-خلاص يبقى تخسرها ليه؟ اظن انتوا واخدين بعض عن حب ومريتوا بحاجات كتير، فالموضوع مش هيوصل لكده أبدًا، وبعدين ده انسب وقت تدق على الحديد وهو سخن، هي أكيد مشاعرها اتحركت لما حضرت ولادة نهى، مفيش واحدة ست ربنا خالقها مشاعرها مبتتحركش في اللحظات دي.
كلماته تسللت إلى صدر زيدان كجرعة منطق قاسية، ومع ذلك لم تزلزل ضعفه، فأطرق للحظة يحدق في الرضيع بين يديه، وكأنه يبحث في ملامحه الصغيرة عن جوابٍ يعجز البشر عن منحه.
-وإن رفضت يا سليم؟
رد سليم بصلابة:
-متيأسش يا زيدان وحاول مرة واتنين، متختارش السكوت والاستسلام ده مش هيغير من رأيها أبدًا.
ارتعشت شفتا زيدان وهو يبوح باعترافٍ مباغت:
-والله يا سليم أنا بقيت محتار، اوقات بشوفها بتبص لعيالك وبشوف في عينها إنها نفسها يكون لينا اطفال واوقات بحسها بتهرب من أي طفل عشان متغيرش رأيها.
ابتسم سليم ابتسامة خفيفة لكن نظراته حملت كل الحزم:
-يبقى مهزوزة يا زيدان؟ انت دورك تطمنها وتديها الأمان لغاية ما توافق وبإرادتها.
هز زيدان رأسه في صمتٍ، ثم خفض عينيه إلى الطفل النائم فابتسم له كأنما يودع خوفه بين ثنايا وجهه البريء، وهمس:
-هجرب طريقتك يمكن تنفع.
ابتسم سليم نصف ابتسامة وهو يقول بثقة:
-هتنفع طالما بتمشي وراه اخوك.
وفي لحظةٍ مفعمة بالعاطفة رفع زيدان رأسه فجأة، وألقى على كتف أخيه قبلةً صادقة خرجت من قلبٍ مثقل بالامتنان، قبل أن يهمس:
-ربنا يخليك لينا يا سليم.
تصدعت جدران الصمت التي شيدها سليم حول مشاعره، فشد زيدان إلى صدره مربتًا على ظهره بحنو غير معتاد:
-ربنا يخليكم ليا أنا من غيركم ولا حاجة، وجودك جنبي انت واخوك بيديني الأمان دايمًا.
لكن هذه اللحظة الدافئة ما لبثت أن انكسرت بضحكة يزن الساخرة، وصوته يتسلل كخيطٍ من ضوءٍ عابس:
-إيه ده بقى؟ إيه العشق الممنوع ده؟ طيب من غيري، ان شاء الله ربنا مش هيباركلكم.
التفت الأخوان معًا ووجوههم متناقضة بين الحرج والانزعاج، فيما تقدم يزن بخطواتٍ خفيفة نحو الرضيع، وابتسامته الحنونة تكذب سخريته:
-الحمد لله مخدش حاجة من عمتك ميرفت الله يرحمها سايبة فراغ كبير في حياتنا.
ضحك زيدان رغماً عنه وامتلأت اللحظة بمزيج من الجد والمرح، فتابع يزن سؤاله بفضول:
-هما هيسموه إيه؟
رد سليم بهدوء وعيناه معلقتان بالرضيع كأنما يقرأ في ملامحه المستقبل:
-لسه تقريبًا محتارين في كذا اسم.
مال زيدان أكثر وهو يربت على رأس الصغير بحنان، كأنه يلمس قلبه بيديه ثم همس كمن يقطع عهدًا:
-لو ابني هسميه سليم.
لم يكد ينهي جملته حتى جاء صوت خالد من خلفهم، صوت بدا وكأنه يقتحم اللحظة ليعلن قدراً جديداً:
-حلو اسم سليم، هعتبرها إشارة من ربنا واسميه سليم.
ارتفعت أنظار سليم فجأة، حدقت عيناه بدهشة صادقة لم يستطع إخفاءها، فتساءل وكأنه لا يصدق ما سمع:
-هتسميه سليم بجد؟
اقترب خالد بخطواتٍ واثقة، وتناول صغيره من ذراع زيدان، قبله بلطف كمَن يخشى أن يوقظ حلماً جميلاً، ثم التفت إلى سليم بجديةٍ تُخفي بين طياتها مودة عظيمة:
-ايوه، أصلاً كنا محتارين في اسمه، بس زيدان سبحان الله ربنا حط الاسم على لسانه، واظن إن نهى مش هتمانع هي بتحبكم وهتوافق.
ضحك يزن وهو يربت على كتف خالد بمزاح لا يخلو من الحيلة:
-طيب ما تسميه يزن وأنا هجبلك في كل عيد ميلاد له عربية جديدة.
ابتسم خالد وهز رأسه بحسم:
-ان شاء الله الولد التاني، لكن ده هيبقى اسمه سليم.
ضحك يزن وهو يلوح بيده مستسلمًا:
-ياعم انت الخسران، عرضي على أول عيل لأي حد، بعد كده عرضى اتلغى، هي الفرصة بتيجي في العمر.
كان زيدان يراقب الجدال بضحكة مكتومة، ثم ربت على ذراع خالد قائلاً بنبرةٍ تجمع بين الجد والمرح:
-معلش، أصل يزن اخويا رايق اوي.
رفع يزن حاجبيه باعتراضٍ مصطنع ورد سريعًا:
-ومكونش رايق ليه؟ حاقد عليا ليه يا عدو الفرحة؟
تبادل الأخوان نظرات حادة مشوبة بالضحك، كأنهما اعتادا هذا الصراع الأبدي بين الجد والهزل، أما خالد فقد بدا متفاجئًا من التحول المفاجئ في نبرة حديثهما، فأمسك سليم بذراعه برفق ليخرجه من الدائرة قائلاً:
-تعالى نتطمن على نهى، متقلقش هما متعودين على كده، هيخلصوا خناقة ويجوا ورانا عادي.
****
غادرت عائلة سيرا بعد الاطمئنان على نهى، وقبل أن يتفرقوا تلقوا دعوة من سليم لحضور حفل سبوع سليم الصغير في منزل عائلة الشعراوي، ورغم رفض خالد في البداية، ولكن أصر سليم إصرارًا واضحًا على رأيه، فما كان من شمس إلا أن ابتسمت بخفة وهي توجه كلامها لخالد الذي بدا متفاجئًا من حزمه:
-مش انت أصريت تسميه سليم، قابل بقى ده احتمال ياخده يربيه هو.
انفجر الجميع ضاحكين على جملتها، بينما استغلت يسر انشغالهم بالمرح والجدال لتتسلل بهدوء، متظاهرةً أنها غير موجودة، خرجت من المشفى متجهة إلى البوابة، وقفت للحظة وهي تحاول الاتصال بوالدها لتخبره بمكانها، لكن هاتفها انطفأ بعدما نفد شحنه، زفرت بضيق وحيرة فهي لا تريد العودة لطلب المساعدة من أحد، ولا تجرؤ في الوقت ذاته على استقلال سيارة أجرة بمفردها في تلك الساعة المتأخرة.
وبينما كانت تستجمع شجاعتها للبحث عن حل، فوجئت بظلٍ يقطع طريقها وصوتٍ مألوف يقترب منها بجمود يخفي وراءه ارتباكًا:
-يلا عشان اوصلك.
توقفت في مكانها تشبثت بالأرض رافضة عرضه ببرود متعمد:
-لا شكرًا، أنا هركب تاكسي.
ارتفع صوته مستنكرًا وتبدلت ملامحه فجأة إلى الضيق:
-هتركبي تاكسي وأنا موجود؟
عاندت بنبرتها وهي ترميه بكلمات جارحة:
-ايوه، هو أنا بيربطني بيك إيه عشان اركب معاك؟ انت مجرد طليقي.
حاول كبح غضبه لكن أعصابه خانته، فتجهمت ملامحه وتقدم منها بخطوات غاضبة، كانت قبضته تنغلق بقوة حتى برزت عروقه، وكأن شبحًا قد استيقظ في داخله، فمنذ أن خرج من غرفة الطبيبة وهو مثقل بأفكاره، وكما توقعت جاء صوته خشنًا حادًا:
-طيب ماتخلنيش اردك دلوقتي حالاً يا يسر عشان بس اوصلك، وعلى إيه أنا رديتك لعصمتي، حلو كده؟
حدقت به بذهول وهي ترد بانفعال مضطرب:
-يعني إيه اللي انت بتعمله ده، يعني أيه ردتني لعصمتك؟
اقترب أكثر وصوته الغليظ ارتجف بصرامة أخافتها:
-يعني اللي سمعتيه، واركبي حالاً العربية، بلاش الناس تتفرج علينا.
ترددت للحظة لكنها عرفت أنه في تلك الحالة ليس بالرجل الذي يُجدي معه الجدال، تقدمت بخطوات متثاقلة نحو سيارته واستسلمت للأمر، فالخيط بين تعقله وجنونه رفيع للغاية، وقد خبرت كيف ينقطع سريعًا كما حدث مع منير من قبل، فهمست وهي تنظر بعيدًا:
-ماشي هركب بس هتطلقني تاني.
ابتسم بسخرية وهو يغلق الباب خلفها بعنف:
-اه وماله حاضر.
جلس خلف المقود وانطلق بسرعة جنونية، كأن عجلات السيارة تحمل ثقل غضبه وتفرغه على الطريق، ارتجفت يسر في مقعدها وهمست برعب:
-نوح لو سمحت اهدى شوية.
نظر إليها فوقع بصره على يدها المرتجفة فوق بطنها البارز، كان المشهد كفيلًا بأن يهز أعماقه، وكأن صوتها وملامحها الخائفة أعاداه من حافة الظلمة، خفف سرعته شيئًا فشيئًا، وتمتم باعتذار خافت لا تدري أيقصد به تهوره في القيادة أم ما آل إليه حالهما:
-آسف.
ابتلعت يسر ريقها ونظرت عبر النافذة بشرود، لكن صوت نوح اخترق صمتها، فقد كان صوته يحمل جرحًا عميقًا لا يخفى:
-جعانة؟
-لا.
كان جوابها همسًا مقتضبًا، أعقبه صمته، فعاد يسأل بهدوء يائس:
-محتاجة حاجة من الشقة نعدي نجيبها؟
فهمت قصده وأدركت احتياجه إليها خلف كلماته المبطنة، لكنها لم تجد سوى أن تجيب بالنفي:
-لا.
قويت قبضته فوق المقود وكأنه يرفض سماع ردها، ثم أعاد السؤال بصوت ضعيف كأنما يترجاها:
-لينا محتاجة من حاجاتها نجيبها؟
-أخدنا كل حاجتنا من الشقة.
كانت إجابتها كالسهم في صدره، قصمت ظهره وأظهرت هشاشته فهز رأسه مراتٍ عدة وهو يهمس بانكسار:
-أنا هبيع الشقة.
شهقت بدهشة لم تستطع حجبها:
-هتبيع شقتنا؟
لم يتحمل وقع الكلمة فتوقفت السيارة فجأة، وأطلقت العجلات صريرًا حادًا، تشبثت بمقعدها والتفتت إليه برعب، فرأته يسند رأسه على المقود ويمسكه بضعف، ثم همس بتيه وأسى أوجع فؤادها أضعافًا:
-أنا مبقتش عارف عايز إيه، كل اللي عايزه إني أبعد وماشوفش حد ولا حاجة تفكرني باللي أنا فيه.
ألم يكن هو السبب في كل ما يحدث؟! لكن قلبها الخائن لم يطاوعها؛ أغمضت عينيها بقوة وهي تكبح يدها التي كادت تمتد لتربت على رأسه، بل إنها تمنت للحظة أن تحتضنه...شعور متناقض مؤلم مزقها.
"هل جربت يومًا أن تتمنى الشيء ونقيضه؟ أن تشتاق إلى القرب وتختار الابتعاد؟ أن يشتعل قلبك عشقًا وهو ينزف ألمًا؟"
طال الصمت ولم تجد سوى البكاء الخافت متنفسًا لوجعها، بينما هو رفع رأسه بعد أن مسح وجهه وفركه مرارًا، ثم حدق في عينيها بعينين محمرتين وقال برجاء هزها من أعماقها:
-أنا محتاج لينا معايا النهاردة.
هزت رأسها باستسلام ثم مسحت دموعها وسألته بقلق:
-هتعرف تتعامل معاها وتنيمها؟
أدار المحرك من جديد وقاد السيارة بهدوء هذه المرة مجيبًا بصوت واهن:
-ايوه متقلقيش.
وفي حقيقة الأمر، كان عاريًا من الأمان، لا يملك في دنياه سوى ابنته الوحيدة؛ ملاذه الأخير حين تضيق روحه، وموضعه الآمن الذي يخلد فيه إلى النوم بين أحضانها الصغيرة كأنه يطرح عن كتفيه كل أعباء الحياة، كان بحاجة إلى أن يتنفس رائحتها التي تحمل شيئًا من رائحة والدتها، حتى لو لليلة واحدة فإنها كفيلة أن تمنحه بعضًا مما يتوق إليه الآن.
وبعد دقائق توقفت السيارة أمام بيت والد يسر، ثم صعدا معًا وقبل أن تدير مفتاح الشقة لتفتح الباب، التفتت نحوه قبل أن تترجل وسألته:
-تحب تدخل لغاية ما أجهزها واقولها.
-لا هقف هنا، خدي وقتك.
فتحت يسر الباب بالمفتاح لكنها فوجئت بـ لينا تقفز إليها بفرحة غامرة:
-ماما وحشتيني.
انحنت لاحتضانها وقبلت رأسها:
-وانتي اكتر...شفتي مين معايا؟ بابا جاي عشان ياخدك وتنامي معاه النهاردة..
تبدلت ملامح الطفلة فجأة، وارتجفت خطواتها للخلف، وتجمدت عيناها بخوفٍ وهي تهز رأسها رافضة:
-لا مش عايزة اروح معاه.
صُدم نوح من رد فعلها وشعر بكسرة حقيقية تشطر قلبه نصفين، بينما جمدت يسر مكانها غير مصدقة، تقدم منها خطوة فتراجعت الصغيرة، فجلس على ركبتيه وصوته يتهدج برجفة بكاء محبوس:
-لينا...حبيتي، انتي خايفة مني؟ أنا...
قاطعته الصغيرة بعفوية جارحة:
-اه ممكن تضربني وتزعقلي زي ما عملت مع ماما وعمو منير.
بقي نوح جاثمًا مكانه وذراعاه مفتوحتان في فراغٍ بارد، بينما عيناه تحدقان في العدم، لقد لفظته ابنته، آخر ما تبقى له في هذه الحياة، وفي لحظةٍ شعر كأنه يهوي إلى قاع جحيم لا قرار له، يتلقى صنوف العذاب بعد أن فقد كل شيء...حتى حضن صغيرته.
نهض نوح بهدوء، شارد الملامح، ومضى نحو الباب كمَن يسير مثقلاً بجبال من الخيبة، تحركت خلفه يسر بخطوات مضطربة، تمد يدها نحوه وتستنجد بصوت مرتجف:
-نوح استنى متزعلش، أنا هفهمها، طيب استنى عشان خاطري، نوح.
لكنه لم يلتفت ولم يسمح لأذنه أن تلتقط شيئًا من توسلاتها، استقل سيارته بعنادٍ يائس، وأدار المحرك ليمضي، تاركًا خلفه محاولاتها المستميتة تتهاوى في الفراغ، بقيت يسر واقفة تتجرع مرارة الفشل، ثم عادت أدراجها مهزومة، لتجد والدتها بانتظارها، تنظر إليها بعتاب صامت بينما والدها وقف إلى جوارها حائرًا، ملتزمًا الصمت بعد أن طلبت منه زوجته ألا يتدخل.
قبل أن تدخل غرفتها توقفت واستجمعت ما تبقى من قوتها لتقول بهدوء، كمَن يلقي حجرًا في ماء راكد:
-نوح ردني.
ثم أغلقت الباب خلفها، تاركة ابتسامة نصرٍ ترتسم على وجه والدتها، وصدمة صامتة على ملامح والدها، الذي كتم اعتراضه على مضض، رغم أن قلبه لم يخلُ من تعاطفٍ مع نوح بعد ما رآه من كسرةٍ بين عينيه.
أما في الداخل فجلست يسر إلى جوار صغيرتها، تنعم برأسها فوق حجرها، تمرر يدها بحنان فوق خصلاتها الناعمة وصوتها يخرج هادئًا:
-بابا زعل اوي ومشي كان نفسه تبقي معاه يا لينا.
رفعت الطفلة عينيها بخجل لتبرر موقفها بصوت متردد:
-أنا خوفت منه.
ابتسمت يسر بحنو وهي تطمئنها:
-يا حبيبتي هو بابا عمره ضربك ولا زعقلك، بالعكس ده انتي اكتر واحدة بيحبها في الدنيا يا لينا، مكنش ينفع أبدًا تكسفي بابا بالشكل ده.
رمشت لينا بأهدابها الصغيرة ثم قالت بحزنٍ طفولي:
-بس أنا زعلانة منه عشان مبيسألش فيا خالص.
ارتبكت يسر وابتلعت ريقها، ثم تداركت الموقف وهي تضرب جبينها بتصنع:
-يا نهار أبيض دي غلطتي، أنا ازاي نسيت اقولك أنه كل يوم كان بيتصل ويسألني عليكي معلش حقك عليا، أنا اللي غلطانة.
اتسعت عينا الصغيرة محاولةً تصديق كلمات والدتها، فاستغلت يسر ارتباكها وهمست لها بحنان:
-إيه رأيك بكرة نروح له العيادة ونجيب له هدية ونصالحه.
أومأت لينا برأسها وارتسم بداخلها بريق حماسة طفولية، ثم قالت برجاء خاص:
-ونقضي اليوم أنا وانتي وبابا مع بعض ونتفسح ماشي؟
ترددت يسر للحظة لكن نظرة ابنتها المليئة بالشوق كسرت ترددها، فأجابت برقةٍ يغلفها الحزن:
-ماشي، وماله نقضي اليوم مع بعض، بس أنا عايزاكي بقى تقعدي تفكري هتصالحي بابا ازاي وتجيبي له هدية إيه؟
تنهدت الصغيرة بعمق، وغاصت في ذكرياتها القصيرة تبحث عما يحبه والدها، فلم تجد أثمن من أحضانها التي طالما أخبرها أنها تمنحه دفئًا لا يشبه شيئًا آخر، رفعت رأسها وقالت بحماس طفولي صادق:
-اول حاجة هحضنه جامد عشان هو بيحبني لما أحضنه جامد، هو قالي كده.
ابتسمت يسر وعانقتها بقوة، ثم قالت وهي تحاول زرع الحماسة في قلبها:
-حلو اوي...تعالي بقى نفكر هنجيب له إيه؟
***
في اليوم التالي..
وصلت يسر ولينا إلى عتبة عيادة نوح، قبل أن تخطو ضغطت كفيها على بطنها مرارًا، محاولةً ضبط أعصابها وعدم الانفجار أمام تلك الحرباء التي تجلس خلف المكتب بغياب ذهني، ولم تلتفت لوجود يسر إلا حين سألتها هذه الأخيرة بنبرة جافة:
-دكتور نوح موجود جوه؟
انتفضت حسناء كما لو تلقت صدمة كهربائية، ونظرت باستنكار لوجود يسر في العيادة، هل أعادها إلى عصمته بهذه السرعة؟!
ظلت حسناء صامتة تنظر إلى يسر بحقد، فجاهلتها يسر وانطلقت مع ابنتها تفتحان باب الغرفة، وجدن نوح جالسًا صامتًا ويرتدي نظارته الطبية ويطالع شاشة حاسوبه، وما إن رآهم حتى بدت عليه علامات الدهشة، تقدمت هي وابنتها ثم أغلقا الباب وقالت بابتسامة هادئة:
-لما لينا عرفت إنك زعلان منها قالتلي لازم تيجي وتصالحك.
نظر نوح إلى ابنته الصغيرة المحمرة خجلاً، فتقدمت بخطواتٍ بطيئة، وما أن فتح ذراعاه حتى ارتمت داخله؛ احتضنها نوح بقوة كأنه يريد إدماجها في كيانه وهمس إليها:
-بحبك..بحبك اوي، مقدرش ازعل منك.
مدت يدها الصغيرة تداعب ظهره برقة، فأغلق عينيه واستسلم لوتيرة تلك اللحظة، بينما كانت يسر تنظر إليهما وتعتلي محياها ابتسامة هادئة، ولما أشارت لينا إليها حتى تقدمت ووقفت أمامهما، ثم قالت لنوح بهدوء:
-لينا كمان جابتلك هدية على ذوقها.
أجلس نوح ابنته على ركبته، والتقط صندوق الهدايا بتأمل محب، فتفحص محتواه...قميص، عطر رجالي، ساعة يد وعلبة حلويات، فهمس مدهوشًا:
-أول مرة حد يجبلي هدية، تسلم ايدك يا حبيبتي.
قبل يدها بقبلات حانية وأشارت الطفلة ببراءة نحو والدتها:
-ومامي دفعت فلوسها.
ابتسم نوح لعفويتها ثم مد يده نحو يسر والتقط يدها وقبل كفها بلهفة:
-تسلم ايدك يا حياتي.
ارتجفت يسر من قبلته المفاجئة وكأنها ليست زوجته لكن لينا فاجأتها بفتح ذراعيها قائلة:
-أنا عايزة احضنكم انتوا الاتنين.
-بس كده، أنا تحت أمرك، أمري وأنا انفذ.
قالها نوح ضاحكًا ثم جذب يسر فجأة لتجلس على ساقه الأخرى، فشهقت خجلاً ورعبًا، وفي لحظة صار يحتضن الاثنين معًا، ولكنه دفن وجهه في رقبتها يستنشق عبيرها كما لو أنه سيودع أنفاسه في أي لحظة ثم همس بوله:
-وحشتيني اوي.
بدت يسر كتمثال بين ذراعيه، تخفق دقاتها بجنون، وتشتد رغبتها في إبعاد ابنته عنه بعدما ملأها حضنه بقوته، لكن لينا قطعت أفكارها بحماس:
-دادي أنا عايزة نخرج النهاردة أنا وانت ومامي ونتفسح طول اليوم مع بعض ويبقى أنا كده صالحتك وأنت كده صالحتني.
ابتعد نوح عنها بصعوبة ثم تمتم بصوت متهدج:
-حاضر يا حبيبتي، هتقعدوا معايا هنا اخلص كم الكشف ده ونروح مع بعض؟
وقفت يسر وهي تتظاهر بترتيب ثيابها ثم قالت بخجل:
-لا....هننزل نستناك تحت، بس متتأخرش.
قبل نوح ابنته التي نزلت من فوق ركبته وقال:
-حاضر ساعة بالكتير وهتلاقوني عندكم.
أمسكت يسر بيد ابنتها وغادرت الغرفة، وظلت نظراته تتلاحق بها بتلهف وجنون، وما إن خرجت حتى دخلت حسناء وتبدو عليها علامات الضيق:
-حضرتك رنيت الجرس يا دكتور.
تنهد بعمق وانقلبت ملامحه من حزن وغضب إلى ارتياح واضح، أخرج حقيبة سوداء وقال:
-الفلوس دي، روحي وديها البيت عندي يا حسناء، والمفاتيح اهي.
رمقت حسناء الحقيبة نظرة طويلة ثم سألت بهدوءٍ محسوب:
-احطها فين؟
أجاب بنبرة عادية:
-في الخزنة رقمها هبعتهولك واتس، وبعد كده روحي بيتك عادي أنا هخلص الكام كشف دول، وهروح مع يسر ولينا مشوار.
قبضت على الحقيبة بقوة وهي تكتم غضبها، ثم همست:
-هو انتوا رجعتوا؟
رفع بصره إليها لوهلة وقال بعد صمتٍ قصير:
-اكيد مقدرش ابعد عنها.
أوقدت هذه الكلمات شياطين الغضب في قلب حسناء، تقدمت بخطوات ثابتة وحملت الحقيبة بهدوءٍ شديد، ثم ابتسمت ابتسامةٍ مدفوعة بالحدة:
-الف مبروك..
غادرت وهي تسب في سرها وتتوعد بتدمير حياته، وما إن وصلت أسفل البرج حتى رأت يسر تقف مع لينا أمام المحل؛ تقدمت نحوهما وقالت بسخرية:
-الف مبروك رجوعكم لبعض.
حدقت بها يسر من أعلاها إلى أسفلها، ثم قالت:
-الله يبارك فيكي، معلش أنا عارفة الخبر أكيد كام صدمك.
تمايلت حسناء بدلال مبتذل وقالت بابتسامةٍ ساخرة:
-يصدمني ليه؟ أنا عندي استعداد اعمل أي حاجة لنوح ان شالله اكون تحت رجليه.
أغمضت يسر عينيها بقسوة وردت بصوت يحمل تهديدًا:
-انتي واحدة قليلة الادب ومش مظبوطة ومش هناولك اللي في بالك، فاهدي بقى شوية، وقريب اوي هخليه يطردك.
قاطعها حسناء بازدراء:
-يطردني؟! مدام يسر انتي ماتعرفيش أنا ونوح علاقتنا عاملة ازاي، ومدى الثقة اللي ما بينا.
ثم أخرجت مفاتيح شقته وأشارت بها يمينًا ويسارًا:
-ده حتى مديني مفتاح شقتكم عايزني اروح هناك، ومش اول مرة على فكرة، عشان بس تعرفي أنا إيه عند نوح.
ثم ضحكت ضحكاتٍ طويلة وغادرت، تسير بخطواتٍ مستفزةٍ توقظ غيظ يسر التي تمنت في تلك اللحظة لو أنها تصعد وتقتص من نوح بسبب نيران الغيرة التي كادت تعميها.
****
تحرك فايق في غرفته ببطء وهو يحمل هاتفه، يتحدث بصوت خافت ثم وقف خلف نافذته يتأكد من أمرٍ ما، لكن ملامحه سرعان ما اشتعلت غضبًا:
-يا عم اقف شوية هو أنا مش مديك فلوس على وقفتك دي، يبقى متجادلش بروح أمك.
جاءه صوت الآخر متذمرًا من الطرف الآخر:
-فايق بلاش تهلفط كتير، يا عم أنا من صبحية ربنا واقف الوقفة المهببة دي، وبعدين السنيورة هتنزل امتى؟
زفر فايق بغيظ وهو يقبض بيده على حافة النافذة كمَن يكتم بركانًا داخله:
-تنزل وقت ما تنزل، المهم إنها تركب معاك وزي ما فهمتك مجرد بس تهويشه خوفها وارميها على أي طريق.
ضحك الآخر بخبث وأجاب:
-اه وماله من عنيا كان يوم أسود يوم ما سمعت كلام واخدت التاكسي من اخو المدام.
زفر فايق بعنف ثم ألقى نظرة نحو نافذة سيرا المقابلة له وهمس بغل مكتوم:
-انزلي بقى، انزلي عشان كتب كتابك اللي عملتيه امبارح ده أنا مش هعديه بالساهل كده.
ظل يراقب النافذة حتى دخلت والدته وما إن رأته على حاله حتى صاحت بعصبية:
-يالهوي يا فايق بردو بتبص على بيتهم، يا بني كفايك فضايح ووجع قلب، البت خلاص اتكتب كتابها، وعيلة خطيبها واصلين، انت شوفت بعينك اخوه ازاي واصل وظابط كبير.
التفت نحوها بعينين تقدحان شررًا، ورد بغيظ:
-ميهمنيش، وابعدي عني الساعة دي، أنا مش طايق نفسي.
غادرت والدته غاضبة بينما عاد هو يثبت عينيه على النافذة، وما لبث حتى رآها تخرج بالفعل من بنايتها، تحمل حقيبة متوسطة بعناية، أسرع يتصل بصديقه وقال:
-اهي خارجة هتلاقيها شايلة شنطها وطالعة على أول الشارع، اعمل إنك بتعدي من الشارع عشان متشكش ولما تخلص رن لي وأنا هكمل.
في الجانب الآخر...
كانت سيرا تحمل حافظة الطعام بداخلها طاجن البامية الذي أعدته بيديها، والسعادة تغمر قلبها لأنها صنعت شيئًا يحبه يزن، صحيح أن الوصفة كانت تحت إشراف "أبلة حكمت"، لكنها رفضت أن يدخل أحد يده فيه، فأصرت أن يُصنع بالحب وحده.
خرجت من البناية بخطوات متلهفة، وقررت أن تستقل سيارة أجرة حتى لا يفسد الطعام، كانت تدرك أن يزن أوصاها مرارًا بألا تغادر المنزل إلا بعلمه، لكنها رغبت أن تكتمل المفاجأة...وأن يصل إليه الطاجن دون أن يشك في شيء.
أوقفت سيارة أجرة على جانب الطريق، وصعدت بخفة وهي تحتضن الحافظة بحرص، ثم أعطت السائق العنوان وجلست تعبث في هاتفها، ترسل رسائل متفرقة لفاطمة وأحيانًا ليسر، لم تلتفت إلى الطريق في البداية، لكن حين رفعت رأسها بعد دقائق، وجدت أن السيارة تسلك طريقًا غريبًا عليها، فعقدت حاجبيها وقالت بلهجة متوجسة:
-لو سمحت أنا عمري ما مشيت من الطريق ده!
لم يجيبها السائق، فاكتفت بنظرة جانبية ثم لاحظت أنه يضغط على دواسة الوقود ويزيد من سرعته، انتابها القلق وقالت بصوت أكثر حدة، تحاول أن تخفي رعشتها:
-اقف على جنب، اقف احسنلك.
توقف فجأة فارتطمت للأمام، ورفعت رأسها بخوف، لتكتشف أن الطريق خالٍ لا يسلكه أحد، وبناياته ما زالت قيد الإنشاء، مدت يدها لتفتح الباب فإذا به مغلق بإحكام، التفتت إليه بذهول فإذا به يستدير نحوها، يخلع قميصه ببطء،
وصوته متهدج:
-إيه يا حلوة مالك متوترة كده ليه؟!
صرخت سيرا وهي تحاول دفعه بعيدًا:
-آآ ابعد عني....
مدت يدها الأخرى إلى هاتفها محاولة إجراء اتصال بيزن، لكن السائق لمح ذلك بسرعة، فأمسك بيدها بعنف وانتزع الهاتف منها وألقاه بعيدًا في السيارة، ازدادت ضرباتها على زجاج النافذة وهي تصرخ بعلو صوتها:
-الحقوني...!
حاول السائق كتم صوتها وهو يمد يده إلى سرواله ليفتحه، فازدادت مقاومتها بعشوائية وهي تردد بلا وعي
-لا لا لا...لا لا..ابعد
ورغم تحذيرات فايق له أن يكتفي بتخويفها، إلا أن شهوته قادته إلى خيانته، فقد أعجبته سيرا منذ اللحظة الأولى وقرر أن يمتلكها بالقوة، حاول تقبيلها فغرزت أظافرها في وجهه حتى سال الدم، ثم ركلته بقوة في بطنه فتراجع إلى الخلف، لكنه عاد وأمسكها بقسوة، وانهال على وجهها بصفعة عنيفة تركت أثرًا دامياً بجانب شفتيها وسالت على إثرها الدماء.
صرخت بكل قوتها وظلت تضربه بيديها وهي تبكي:
-لا بالله عليك ابعد...
ثم تعود لسبه بعنف وهي تجذب خصلات شعره الخشنة في يدها بقوة:
-يا حيوان يا كلب...هقتلك لو لمستني.
جذبها من شعرها بعنف حتى انخلع حجابها بعيدًا فزفر بغضب:
-طيرتي الحباية منك لله، اهمدي بقى يا بت.
لكنها لم تستسلم بل حاولت خطف حجابها من يده وهي تضربه بجنون، وفي لحظة خاطفة وقعت عيناها على طاجن البامية بجانبها. قبضت عليه بكل قوتها ورفعت يديها لترتطم به على رأسه بقوة هائلة.
تهشم الطاجن فوق رأسه، وتناثرت البامية على جسده ووجهه وتناثرت شظاياها داخل السيارة، ارتخت يداه فجأة وسقط فاقدًا للوعي، والدماء تنزف بغزارة من جرح غائر في رأسه.
ظلت سيرا تحدق فيه برعب والهواء يضيق في رئتيها، حتى تمالكت نفسها بصعوبة وبدأت تبحث بجنون عن مفتاح الأبواب، ضغطت على كل الأزرار بعشوائية حتى انفتح الباب أخيرًا، التقطت هاتفها وحجابها، وخرجت تركض بأقصى ما تملك من قوة، تترنح خطواتها في الشارع المهجور.
ولكنها توقفت فجأة والتفتت إلى السيارة التي تركتها خلفها، وعيناها ترتعشان بالخوف، وحدسها يخبرها بالحقيقة...لقد قتلته.
هل ستستطيع إثبات براءتها؟ هل سيصدقها الجميع أنها كانت تحاول الدفاع عن شرفها؟!
ولكنها شعرت بالخوف وقررت أن تستكمل ركضها المتعثر وتستنحد بمنقذها الاول...يزن.
****
لم تستطع سيرا الاستمرار في الركض؛ ساقاها قد خانتاها، وأنفاسها تتلاحق كمَن يوشك أن يغرق في هواء ثقيل، توقفت في مكانها وهي تلف برأسها يمينًا ويسارًا في رعب، تبحث عن ملجأ أو عن أي مأوى يحجب عنها وحشية اللحظة التي أفلتت منها، لم تجد أمامها سوى "سوبر ماركت" صغير، دلفت إليه وهي تكاد تسقط وعيناها المتسعتان تحملان رجاءً غارقًا في الاستغاثة.
رفعت السيدة الجالسة خلف الطاولة بصرها إليها، وما إن وقعت عيناها على وجه سيرا الملطخ بالكدمات حتى شهقت برعب وصرخت بصوتٍ عالٍ:
-يالهوي مالك يا بنتي اصمالله عليكي.
أجهشت سيرا في بكاءٍ مبحوح تتوسل بصوتٍ مرتعش:
-تليفون اعمل منه مكالمة، تلفوني باظ ومش راضي يفتح.
بادرت السيدة وقد غلبت عليها الشفقة، فأعطتها الهاتف دون تردد، ارتجفت أنامل سيرا وهي تكتب الرقم الوحيد الذي خطر ببالها، الرقم الذي لا يمكن أن يخيب ظنها فيه، وما هي إلا لحظات حتى جاءها صوته عبر السماعة:
-الو.
صمتت للحظة عندما طاردها التردد، كأنها تحارب جدارًا داخليًا يمنعها من الحديث، ثم انهارت همسًا والدموع تسبق الكلمات:
-يزن.
خيم الصمت من طرفه ثوانٍ معدودة، لكنها كانت دهورًا في قلبها المرتجف، ثم أتى صوته متهدجًا وممتزجًا بالقلق:
-سيرا؟ مالك يا حبيبي بتعيطي ليه؟
شهقت بضعفٍ تام وهمست برجاء مخنوق:
-الحقني أنا في ********.
لم تكمل؛ انقطع الاتصال فجأة لكن ارتياحًا غريبًا اجتاح صدرها، كأنها ألقت بنفسها في يد طوق النجاة، أعادت الهاتف للسيدة التي مدت إليها زجاجة ماء، لكنها لم تستطع أن تشرب رغم عطشها الذي كاد يحرق حلقها، فقد كان خوفها المستعر يمنعها من أي فعل سوى ترقب باب المحل بعينين متوسلتين كأنهما تنتظران المنقذ.
مرت الدقائق عليها ببطء قاتل، كل ثانية كأنها قرن، حتى سمعت صرير عجلات سيارة تتوقف بعنف أمام المتجر، هبط يزن منها مسرعا وعينيه كاللهيب وهو يبحث عنها بجنون، أشارت السيدة بيدها نحوه:
-جوه بس يا حبة عيني قلبها هيقف من الخوف.
اندفع بخطوات سريعة حتى وجدها جالسة على مقعد بلاستيكي، شعرها مبعثر على وجهها وحجابها ملتف حول رأسها بإهمال، ووجهها مثخن بالصفعات، وإلى جانب شفتيها جرح صغير ينزف، تحاول إخفاءه بمنديل ورقي مرتجف، أما عن ثيابها فكانت ممزقة بعض الشيء، تكاد تنطق بما مرت به.
تجمد قلبه للحظة ثم تحرك ببطء وكأن قدميه أثقل من أن تحملاه، انحنى بجذعه العلوي حتى جلس على ركبتيه أمامها، وضع كفيه حول وجهها المرتعش وصوته يخرج مبحوحًا، مكدودًا من شدة الغضب والحزن:
-مين عمل فيكي كده؟
لم تستطع أن تجيب بل انقضت بجسدها الصغير لتحتضنه بقوة، وكأنها تتشبث بالحياة نفسها، انفجرت باكية وأطلقت كل ما كبتته، فظل يزن يطوقها بذراعيه، يهدهدها كأب يحتضن طفلته، يربت على ظهرها برفق، هامسًا بكلمات بسيطة ولكنها كانت كالبلسم:
-اهدي، أنا معاكي ومش هسيبك..
تعلقت به أكثر وأظافرها تكاد تنغرس في قميصه، كأنها تهرب من وحشٍ لا يزال يطاردها في الظلام، فواصل همسه الدافئ:
-متخافيش يا روحي أنا معاكي.
لم يحتمل انكسارها أكثر؛ انحنى يقبل وجنتيها المبللتين بالدموع وجبهتها المرتجفة، حتى يديها التي ارتعشت بين أصابعه قبلها بحنو بالغ، شيئًا فشيئًا بدأت أنفاسها تنتظم تحت دفء صوته، وتستكين إلى حنانه، حين لاحظ هدوءها ابتعد قليلًا، ثم بدأ بلطف في ترتيب خصلات شعرها المبعثرة، وأعاد لف حجابها بدقة كأنها أمانة بين يديه، لكن ملامح وجهها حفرت فيه الصفعات أثرها، وأيقظت نيران الغضب في صدره، فلمس الجرح عند شفتيها بطرف إصبعه، وعيناه تغليان ثم قال بصوت مكبوت:
-مين يا سيرا عمل كده؟ فايق؟
أسرعت تهز رأسها نفيًا والدموع تتساقط، عيناها زائغتان بين الخوف والارتباك، بالكاد استطاعت أن تهمس:
-لا...سواق تاكسي معرفوش، ركبت معاه وكان عايز....عايز....
تقطعت أنفاسها وهي تتذكر المشهد، يده وهي تفك أزرار قميصه، ومحاولاته المقيتة لفك سرواله، وضعت كفها على وجهها وانهارت تبكي بحرقة لا توصف.
احتواها يزن من جديد وضمها بقوة أكبر وكأنه يريد أن يحجب عنها العالم، ثم همس بصوتٍ يمزج بين الحنان وغيظٍ يشتعل في صدره:
-خلاص…خلاص اهدي ماتتكلميش.
لكن كلماتها التالية جمدت أوصاله، كأنما انقلب الكون من حوله وحبست أنفاسه:
-أنا…أنا قتلته وهربت.
سقطت الجملة من شفتيها همسًا، لكنها كانت كالصاعقة فوق رأسه، تجمد مكانه وعيناه متسعتان، وذراعاه لا تزالان تطوقانها، لكن روحه بأسرها قد انكمشت بين صدمة وذهول
رواية غناء الروح الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم زيزي محمد
وقفت سيرا بعيدًا عن السيارة ترتجف كفرخ صغير يساق إلى الذبح، عيناها شاردتان ويدها قابضة على ذراع حقيبتها بقوة، كأنها تستمد منه طمأنينة لا وجود لها، فقد كان وجهها شاحبًا وأنفاسها متقطعة، وقلبها يخفق باضطراب يكاد يخلع صدرها.
أما يزن فقد ثبت مكانه بجوار السيارة، يحدق داخلها بملامح هادئة ظاهرًا، لكن في داخله كانت النيران تغلي والخواطر تتصارع بعنف، التقط هاتفه وأجرى اتصالًا بزيدان ليُجيب الأخير بعد ثلاث اتصالات بصوتٍ متهدج من أثر النوم:
-الو، إيه يا زيدان ده كله مابتردش عليا ليه؟
رد زيدان ببرود مشوب بالإنهاك:
-مش يمكن أكون متنيل عليا ونايم عشان كنت مطبق يومين في الشغل!
لكن يزن لم يجد في قلبه صبرًا على التبرير، خرج صوته متحشرجًا وهو يعيد بصره إلى الرجل الممدد في المقعد الأمامي للسيارة، لقد كان وجه السائق شاحبًا والدماء تنساب على وجنتيه كخيوط حمراء تشق أخاديدها ببطء مخيف، فهمس وهو يحاول التماسك:
-أنا محتاجك.
سادت لحظة صمت شعر زيدان فيها أن شيئًا جللًا يحدث، فقد بدا صوت أخيه مختلفًا ومرتبكًا على غير عادته، فارتفع صوته بصرامةٍ تنم عن قلق:
-مالك يا يزن؟ انت كويس؟ حد ضايقك؟
ازدرد يزن ريقه بتوتر وأدخل أصابعه بين خصلات شعره يعبث بها بعنف، قبل أن يجيب بصوت متهدج:
-سيرا كانت مع سواق تاكسي....
توقف لبرهة كأنه يجمع شتات كلماته ثم أردف بصوت مثقل بالذنب:
-اتحرش بيها وهي ضربته على دماغه، معرفش
هو لسه عايش ولا مات، كل اللي أنا شايفه إنه تقريبًا مات!
جاء صوت زيدان حادًا وسريعًا:
-هو فين؟
تنفس يزن بقلق وأجاب:
-في عربيته، هي ضربته في عربيته على راسه.
فقال زيدان بلهجة آمرة وكأنه يدرك خطورة الموقف أكثر مما يتخيل يزن:
-اوعى تدخل العربية ولا تلمسه، استنى أنا هجيلك، متتصرفش من دماغك يا يزن، فاهم ولا لا... اوعى تتصرف من دماغك.
-حاضر.
أغلق يزن المكالمة ببطء ثم توجه بخطوات متثاقلة نحو سيرا، بينما هي نظرت إليه بعيون متسعة، تحاول قراءة ملامحه المبهمة، لكن الغموض الذي ارتسم فوق وجهه لم يزدها إلا ارتباكًا، مد يده وأمسك بيديها الباردتين، وأخذ يربت عليهما بلطف، محاولًا بث شيء من السكينة إليها، فقال بصوت هادئ:
-مالك بس يا حبيبتي اهدي مفيش حاجة، زيدان طمني.
ارتجفت بين يديه وشدت قبضتها على كفيه كأنها تخشى أن يفر منها، ثم همست بصوت مرتجف:
-هو مات؟ هيسجنوني؟
مد يده يمسد على وجنتيها بحنو، وارتسمت على شفتيه ابتسامة شاحبة متكلفة، هدفها الوحيد أن يطمئنها، فأجابها بنبرة حاسمة:
-لا طبعًا مفيش حد يقدر يلمسك وأنا موجود، متقلقيش من حاجة.
لكنها لم تتمالك دموعها فانهمرت مجددًا وهي تغمض عينيها بقوة، كأنها تحاول طرد صور ذلك المشهد المقيت من ذهنها، اقترب منها يزن أكثر وجذبها إلى صدره برفق، فالتصقت به التصاق الهاربة من موت محقق، كانت أشبه بقطة صغيرة تلوذ بصاحبها من بردٍ قارس، أو غريقٍ يتمسك بخشبة نجاة أخيرة، فشد يزن على احتضانها وربت على ظهرها بحنان، ثم همس في أذنها بوعد صادق خرج من أعماق قلبه:
-أنا عمري ما هسيبك أبدًا، متقلقيش من أي حاجة وانتي معايا.
تسربت كلماتها بين شهقاتها وكأنها تعترف دون وعي:
-وجودك بيطمني.
رفع وجهها برفق ليلتقي بعينيها الغارقتين بالدموع، نظر إليها بعمق كأنه يريد أن يسكب طمأنينته في روحها، فقال بثبات:
-وأنا عمري ما هخذلك، اهدي وماتعيطيش انتي اتصرفتي صح ودافعتي عن نفسك، وكل ده هيخلص أهم حاجة ماتخافيش أبدًا.
أومأت برأسها إيماءة ضعيفة ثم أعادت رأسها إلى صدره، كأنها تجد فيه حصنًا منيعًا، وأغمضت عينيها عنوة لتقطع الطريق على خيالها من أن يعيد إليها صورة السائق وما أراد أن يفعل.
حركها يزن ببطء نحو سيارته وفتح لها الباب برفق كأنه يتعامل مع زجاج هش، ثم أجلسها في المقعد، وناولها زجاجة ماء، امتثلت لتعليماته وتجرعت بعض الرشفات، لكن حلقها الضيق بالكاد سمح بمرور الماء وكأن الخوف قد سد مجاريه.
***
بعد أن غادرت تلك الأفعى من أمامها، ظلت يسر تتلوى غيظًا وغيرة وكأن غضب العالم بأسره قد تجمع في صدرها وعلى وشك الانفجار، فقد كانت تشعر أن الأرض تضيق بها، وأن كرامتها قد دُنست بخيانة صامتة لم تقع بعد، لكنها تراها بعينيها وتعيشها بروحها، أرادت الانتقام منها ومنه، أرادت أن تحطم كل شيء، غير أنها تماسكت بصعوبة أمام ابنتها الصغيرة التي كانت ترنو ببراءة إلى باب البرج في انتظار والدها، والسعادة تملأ وجهها، لم ترد يسر أن تفسد على ابنتها تلك اللحظة، فهي لا تزال تخطط لرسم البهجة على محياها، لكنها تعلم تمام العلم أنها لن تستطيع مواصلة التمثيل طويلًا، فالنار المستعرة في جوفها كانت أقوى من قدرتها على الاحتمال.
بحثت عن متنفس لغضبها، فمدت يدها إلى هاتفها وأجرت اتصالًا بسيرا، لكن الأخيرة لم تجب، توقفت لحظة تتأمل شاشة الهاتف تبحث بين الأسماء عن شخص آخر يمكن أن يسمعها، فلم تجد سوى رقم "أبلة حكمت"، تلك المرأة التي تبادلت معها الأرقام ليلة عقد قران سيرا، كانت تعرف أن حكمت امرأة فظة وقاسية، لكن في قسوتها سحرًا غريبًا يجعلها قادرة على أسر المستمع إليها وإقناعه بما تريد.
قررت الاتصال بها رغم أنها لم تملك كلمات تمهد بها للحوار، وما إن اخترق صوت أبلة حكمت مسامعها عبر الهاتف حتى انتفض جسدها وانصتت بشيء من التوجس:
-عمرك أطول من عمري، كنت لسه هتصل بيكي اشوفك رجعتي بيتك ولا لسه هبلة زي ما أنتي؟
تنهدت يسر بعمق ونبرتها خرجت مكسورة حزينة:
-ارجع إيه بس؟ شكلي هفضل زي ما أنا!
جاءها صوت حكمت سريعًا فيه شيء من السخرية اللاذعة:
-ليه يا حبيبتي، جرى إيه تاني؟ مش الراجل كتر خيره اتنحرر وقرر يوصلك، مستغلتيش ليه الفرصة؟!
زفرت يسر بغيظ وهي تبتعد عن ابنتها حتى لا تسمع حديثها، ثم أفرغت ما في صدرها لحكمت، روت لها تفاصيل ما حدث منذ أن تركتها في المشفى حتى لحظتها تلك، كلماتها خرجت متقطعة من شدة الانفعال وما إن وصلت للنهاية حتى ارتفع صوتها صارخًا بمرارة:
-شفتي مديها مفتاح شقتنا؟ ازاي يعمل حاجة زي كده ويقهرني!
ضحكت حكمت ضحكة قصيرة ثم قالت بحدة فيها شيء من الاستهزاء:
-وانتي بتاكلي في نفسك ليه؟ ماسألتيهوش ليه؟ سايبة دماغك تسوحك ليه لامؤاخذة وانتي مش ناقصة!
رفعت يسر حاجبيها بدهشة وقالت بحنق طفولي:
-انتي عايزاني اسأله لا طبعًا؟، لا مش هعبره، وبعدين مش محتاجة اسئلة ولا توقعات، كلها كام يوم والاقيه متجوزها.
جاءها صوت حكمت كحد السيف:
-يا حبيبتي طول ما انتي عايشة في برجك العالي ده، حياتك مش هتستقر وجوزك هيخلع منك، قولتلك وهقولهالك الحياة الزوجية عايزة شوية تنازلات، امتى تعرفي تشدي وامتى تعرفي تليني وتاكلي بعقله الحلاوة!
ازدردت لعابها باهتمام وارتفع فضولها فقالت بخجل:
-مش فاهمة اعمل إيه؟
-بسيطة، مش البت دي انتي حسيتي إنها كانت بتضايقك، انتي اقلبي عليها الترابيزة، وشوية مسكنة على شوية يرضيك كده يا نوح، وهوب نوح يحلف ليمشيها من العيادة كلها، شوقي ولا تدوقي.
وضعت يسر يدها على جبينها بتوتر، تضغط عليه كأنها تحاول أن تكبح عاصفة الأفكار المتزاحمة في رأسها، لكنها لم تملك أمام ذلك الصوت الماكر إلا أن تنصت، فجاءها صوت حكمت أقوى، قاطعًا حيرتها:
-اسمعي مني، مش انتي طول الأيام اللي فاتت دي ماشية بدماغك ومكسبتيش حاجة، امشي بدماغي أنا، وجوزك ده هيبقى زي النحلة الطايرة حواليكي.
تمتمت يسر باستسلام غريب لم تعهده في نفسها وكأنها مسحورة:
-ماشي هشوف واقولك.
أغلقت الهاتف وأسرعت نحو ابنتها، لكنها فوجئت بنوح يخرج من بوابة البرج الكبيرة بخطوات واثقة وحماس يشع من وجهه، وكأن شيئًا لم يحدث، وقف أمامهما مبتسمًا بعينين لامعتين:
-يلا جاهزين؟
صاحت لينا بفرحة غامرة وهي تفتح ذراعيها:
-ايوه يا دادي.
مدت يسر يدها تتحسس شعر صغيرتها بحنو،
ثم قالت بهدوء متماسك:
-طيب يلا يا قمر روحي بسرعة لمي حاجتك في شنطتك عشان نقفل الستور ونمشي.
ركضت الصغيرة بمرح بينما التفتت يسر نحو نوح، تتابعه وهو يبتسم لابنته بشغف لم تره منذ زمن، ترددت للحظة وهي تعيد انتقاء ألفاظها كما أوصتها حكمت، ثم تقدمت خطوة منه وسألته بصوت منخفض:
-نوح، أنت ليه اديت حسناء مفتاح شقتنا؟
كان سؤالًا مباشرًا كالسهم جعل نوح يلتفت نحوها متعجبًا
-وانتي عرفتي منين؟
تذكرت يسر نصيحة حكمت...قليل من اللين، قليل من الحزن المصطنع، فتمتمت بانكسار وهي ترسم ملامح مجروحة:
-وهي ماشية وقفت وقالتلي وكنت حاسة منها إنها بتغظني وبتضايقني، أنا اتضايقت اوي يا نوح، حسيت إني هموت من الغيرة، ازاي قدرت تدخل واحدة زي دي بيتنا؟
رأته يشد قبضته داخل جيبه والغضب يطل من عينيه، ثم قال بصوت غامضًا:
-حقك عليا، مش هتكرر تاني، هي رايحة تحط فلوس في الخزنة، وبعدين أنا قولتلك إن أنا خلاص مبقتش عايز الشقة دي، فمش فارقة مين يدخل وميدخلش.
تجاهلت يسر الجزء الأخير وركزت على اعتذاره، وفي داخلها شعرت أن الطريق الذي رسمته لها حكمت قد بدأ يعطي ثماره، ازداد اندهاشها حين مرر نوح يده على ذراعها برفق، ثم ابتسم ابتسامة دافئة وقال:
-مش عايزين نزعل نفسنا النهاردة، لينا محتاجة تتبسط اليوم ده، وأنا محتاج افصل واحس بوجودكم جنبي، فمتخليش حاجة تضايقك ممكن؟
هزت رأسها ببطء وعيناها تتأملان وجهه بذهول، في تلك اللحظة فقط، تسرب إلى قلبها يقين خافت بأن حسناء لم تنجح بعد في مخططها…وأن مكانتها عند نوح ما زالت أكبر بكثير من مجرد غريبة تحاول اقتحام حياتهما.
****
كان أول الواصلين إليهما هو زيدان، الذي ما إن لمح سيارة أخيه حتى ترك سيارته في منتصف الطريق بلا تردد، تحرك بخطوات سريعة نحو يزن، الذي كان واقفًا بجوار سيارة الأجرة يشير برأسه إلى الداخل حيث السائق الممدد، اقترب منهما على الفور، وفتح الباب الأمامي ثم انحنى يتحسس عنق السائق بحثًا عن نبض الحياة، وانتقل بعدها إلى معصمه يتحقق من مجرى الدم، وفي أثناء ذلك لم تتوقف عيناه عن التجول في أرجاء السيارة بتركيز شديد، يلتقط أدق التفاصيل التي قد ترسم له صورة أوضح للمشهد، لفت انتباهه على الفور وجود آثار لطاجن بامية مكسور، وبقايا قطع متناثرة هنا وهناك، حتى سال شيء من البامية على المقاعد والفرش.
رفع رأسه نحو يزن وقال بلهجة تجمع بين الاطمئنان والحزم:
-لسه عايش ابن الـ *****، الحمد لله.
أمسك بعدها بهاتفه واتصل أولًا بالمستشفى القريبة طالبًا سيارة إسعاف، ثم أجرى اتصالًا آخر بالقسم التابع لتلك المنطقة، تبادل مع الضابط كلمات قليلة واضحة ومختصرة، قبل أن ينهي المكالمة بصوته الرخيم الذي يفرض الجدية:
-في انتظار معاليك يا باشا.
أغلق الهاتف ثم التفت إلى يزن الذي كان واقفًا متيبسًا كتمثال، تتنازعه مشاعر متناقضة من الغضب والخوف، فانفجر فيه بغيظ مكتوم:
-انت بلغت ليه لما هو طلع عايش؟
أجابه زيدان بخشونة وصوت يقطر سخرية لاذعة:
-امال كنت عايزاني اعمل إيه؟ وتقرير المستشفى اعمل في إيه؟ وافرض مات في المستشفى؟ إنت عايز ترمي نفسك انت وهي في مصيبة مالهاش أول من آخر؟!
شد يزن قبضته وهو يتنفس بصعوبة ثم خرج صوته متقطعًا مرتجفًا:
-وافرض الظابط أمر أنه يسجنها على ذمة التحقيق؟ أنا مراتي مش هتتسجن، ولا هتدخل اقسام.
زفر زيدان بقوة ورفع حاجبيه بغيظ مكتوم:
-يعني انت شايف أنا ممكن اسمح بحاجة زي دي؟ اوعى من طريقي أنا عايز اتكلم معاها قبل ما الظابط يجي.
أمسكه يزن من ذراعه وهمس بتحذير صادق:
-براحة عليها هي أساسًا مش مستحملة، تمام؟
ابتسم زيدان باقتضاب وقال وهو يرمقه بعين جادة:
-تمام، أخوك مش غشيم، وفي النهاية ده كله لمصلحتها.
تقدما معًا نحو السيارة التي جلست فيها سيرا، شاحبة الوجه، منهارة الملامح، ترتجف كغصن ضعيف في مهب الريح، فتح زيدان باب السيارة، بينما ساعدها يزن في النزول، وأسندها بحنان واضح وهو يحيط كتفيها بذراعه:
-زيدان عايز يسألك شوية أسئلة يا سيرا.
تحدث زيدان بصوت محاولًا أن يجعله أكثر لينًا مما اعتاد:
-سيرا اهدي ومتخافيش، مفيش حد هيقدر يعملك حاجة واحنا موجودين، بس أنا عايزاك تساعديني وتوصفيلي كل اللي حصل عشان مصلحتك، من أول لحظة وقفتي فيها التاكسي لغاية ما وصلتي هنا.
رفعت سيرا رأسها بصعوبة، وعيونها ممتلئة بدموع متجمعة عند أطراف الأجفان، نظرت أولًا إلى يزن تستنجد بطمأنينته، فأجابها بابتسامة رقيقة وشدد من احتضانها ليمنحها بعض القوة، عندها التفتت إلى زيدان وحاولت أن تتكلم، لكن صوتها خرج مبحوحًا متقطعًا:
-آآ....أنا...كنت نازلة عشان رايحة لـ...ليـ...ليزن، ومعايا طـ...طاجن بامية، ولما نزلت من البيت لقيت التاكسي ده كان واقف أو كان ماشي مـ.....مشـ...فاكرة، ركبت معاه وبعدها حسـ....حسيت إنه غير الطريق، ولما سألته قفل اللوك، حاولت انزل معرفتش...ووقف هنا وكا....كان عايز....
انهارت بالبكاء فجأة ولم تستطع إكمال جملتها، راحت تشير بيدها المرتجفة إلى الأمام، ثم أعادتها إلى صدرها تحتضن نفسها، كأنها تحاول حماية قلبها من الانفجار، كانت تهز رأسها نفيًا في كل مرة تحاول النطق، وفي لحظة رفعت بصرها إلى يزن تستنجد، تستمد منه بقية شجاعتها، فأوقفها زيدان بلطف وسألها بهدوء:
-وبعد كده ضربتيه بالطاجن صح؟
أومأت برأسها وهي تقول بصوت مختنق:
-مكنتش اقصد أموته والله، كنت بدافع عن نفسي.
مسح يزن على كتفها بحنو وقال بصوت مفعم بالعاطفة:
-مامتش يا سيرا اهدي، لسه فيه الروح وهياخدوه على المستشفى دلوقتي.
شهقت سيرا بعمق وكأن حملًا ثقيلًا قد أزيح عن صدرها، وخرج سؤالها المذعور بصوت متقطع:
-كده مش هيسجنوني صح؟
أجابها زيدان بهزة رأس مطمئنة، لكن صوت صفارات سيارات الشرطة والإسعاف التي اقتربت من أول الطريق قطع لحظات الاطمئنان، تحرك زيدان مسرعًا نحو السيارة ليتلقى الضابط والمسعفين، بينما لم يحتمل يزن الموقف فأسرع خلفه وهتف بصوت آمر:
-لو مش مالك ايدك من حوار سيرا، والظابط ده هيسجنها، قوله إن أنا اللي ضربته، المهم هي متدخلش اقسام.
التفت زيدان إليه بعصبية وزجره بغيظ:
-طيب هي مش هتاخد لحظة فيه عشان كانت بتدافع عن نفسها وهو عيل ابن ******* أساسًا، أنت بقى لو قولت إنك ضربته بفكرك كده هتعدي؟ بالعكس انت بتضر موقفها أكتر، فاقعد ساكت وماتتكلمش كتير.
أطبق يزن شفتيه بغيظ بينما أكمل زيدان بحزم لا يقبل النقاش:
-روح اقف معاها، عشان لما الظابط يجي يسألها.
اقترب الضابط من السيارة وبدأ يفحص المكان بعين خبيرة، بينما المسعفون نقلوا السائق إلى نقالة ثم إلى سيارة الإسعاف، تقدم زيدان بالتحية وبدأ يسرد للضابط تفاصيل ما جرى بوضوح ودقة، رفع الضابط رأسه ليلمح سيرا من بعيد، ترتجف من الخوف، وعيناها حمراوان من كثرة البكاء، وملابسها تحمل آثار صراع واضح، فاستمع إلى صوت زيدان:
-يعني يا باشا لو أمرت تبعت حد يفرغ الكاميرات اللي موجودة في المنطقة اللي هي ركبت منها، لإن شاكك إن الموضوع في حاجة غريبة.
أومأ الضابط بموافقة ثم التفت إلى معاونه، وقال:
-خد من الباشا العنوان وفرغ الكاميرات، وشوف الواد ده لو عليه أي سوابق، وفرغ التليفون ده، وابعت حد يتابع الواد في المستشفى أول لما يفوق قولي.
ثم أعاد النظر إلى سيرا بابتسامة صغيرة أراد بها التخفيف عنها، وهو يتقدم ليبدأ باستجوابها، وقف زيدان بجانبها يحميها بوجوده، بينما يزن يقف كالسد خلفها، عيناه تفضحان خوفًا عظيمًا عليها، بدأت سيرا تجيب على أسئلة الضابط بين دموعها، تارة بصوت مرتجف، وتارة تنهار باكية، تصف كيف حاول السائق الاعتداء عليها وكيف لم يكن أمامها سوى أن تضربه، أنهى الضابط أسئلته ثم التفت إلى زيدان قائلًا:
-نروح القسم يا باشا بس عشان إجراءات المحضر.
أومأ زيدان موافقًا:
-مفيش أي مشكلة.
ثم أشار ليزن أن يأخذ سيرا في سيارته بينما تبعه هو مع الضابط، وفي طريقها إلى السيارة كانت تسير متثاقلة بجانب يزن، قلبها لا يزال يخفق بعنف، لكنها شعرت بامتنان عميق يغمرها لوجوده، لنظراته القلقة، لذراعه التي تحوطها بحنان، أغمضت عينيها براحة ثم همست وهي تتنفس بصعوبة:
-شكرًا يا يزن، لولاك أنا مكنتش....
قاطعها يزن ممسكًا يدها، ثم قبلها بلطف وعيناه لا تفارق عينيها:
-مفيش شكر ما بينا يا حبيبي.
ارتسمت على وجهها ابتسامة ممتنة، وجلست في مقعدها بجواره، وأغمضت عينيها بقوة تتنفس بارتياح لأول مرة، بعدما كان كل نفس قبل قليل يخرج منها محسوبًا، مثقلًا بالخوف والذعر.
****
فتحت حسناء باب شقة نوح بخطوات ساكنةٍ كمن تقتحم مسرحًا معدًا لتمثيلها، ودخلت حافية النظر تبحث بعين جشعة عن الخزينة، حملت حقيبة المال كما تحمل السارقة أدوات سرقتها، فتقدمت نحو غرفة النوم وألقت نظرة فاحصة إلى الفراش، فتخيلت نفسها بوقاحة مع نوح، ارتسم على شفتيها ازدراءٌ رقيق ثم تنهدت بضيق وقالت بصوتٍ مفعم بالاحتقار:
-والله كنت هعيشك ملك زمانك…أنت الخسران يعني عاجبك تعيش في القرف ده؟
التفتت بعد ذلك إلى أركان الشقة فوجدتها مهملة، يغمرها سكون أثقلته غبرة الأيام وغياب العناية، اقتربت من الخزينة وأدخلت الرقم السري بيد مرتعشة ولكن بعين حذرة، ولما انفتحت أمامها بابها انفتحت معها خزائن طمعه، رزمٌ من النقود تتلألأ بين طياتها، ارتفعت في صدرها نوبة من القهر والذهول، أمسكتهن بأطراف أصابعها وكأنها تمس أحلامًا ضائعة لم تستعدها بجدارة.
وقفت للحظة تتأمل ما بين يديها، ثم همست بصوتٍ حاد مكسورٍ بالمكر:
-يعني لو اخدت الكام باكو دول مش هيحصل حاجة، هو كان حس أصلاً باللي قبلهم.
حملت رزمة بعد رزمة ووضعتهن في حقيبتها التي، ومضت تُغادر الشقة بخطوات هادئة، وفي داخلها كانت المخططات تتكون...كيف تقتنص ما تريد، كيف تُبقي نوح في حالة تشتتٍ يسمح لها بالاستمرار.
وبعد أن قضت وقتًا في انتقاء ملابس جديدة، ومساحيق تجميل، وأحذية تليق بصورةٍ مزعومة من الأبهة، عادت إلى منزلها محمولةً على موجة من الحماس المزيف، ولما ولجت وجدت أمها قد عبأت المكان بما تبخره، وعندما رأت الحقائب شهقت بعنف:
-يالهوي سرقتيه يا بت؟
زفرت حسناء بقوة وألقت بالحقائب أرضًا، ثم جلست منهكة ينهشها مزيجٌ من الغضب والرغبة:
-يعني ياما هما الكام باكو دول هيأثروا في كم الفلوس اللي عنده، ده بعتني النهاردة احطله فلوس في الخزنة، ابن اللذينة عايش في نعيم، وأنا اتحرمت منه بسبب مراته العقربة، اعمل إيه اقتلها ولا اخلص منها ازاي، عشان ميشوفش غيري.
رفعت أمها يدها صارخةً في استهجانٍ مُختلط بقلق عملي:
-اكيد مراته فكت الاعمال اللي عملتها ليها عند شيخ أكبر وأقوى مني، اه أصل أنا أعمالي متخرش المياه، المهم انتي ناوية تفضلي كده تسرقي كام باكو يعني من انتي في الآخر هتتقفشي يا حلوة!!
تنفست حسناء بتمطيطٍ تظاهري ثم ارتسمت على وجهها مكر متلصص:
-أنا محتاجة بت على الله حكايتها تشتغل مكاني وأنا هالبسها الموضوع كله بطريقتي، ومن بعدها أخلع أنا.
تعقدت حاجبا أمها من الحيلة فاقتربت منها وسألت مترددةً:
-مش فاهمة يا بت؟
ابتسمت حسناء ابتسامةً لا تخلو من خبث وشرحت خطتها بخفة:
-يعني هبدأ اقوله إنك تعبانة ومحتاجة اقعد جنبك اراعيكي وطبعًا هو هيقولي شوفيلي حد مكانك، أنا بقى اجبله واحدة عبيطة واول مرة تشتغل واعرف البسها الموضوع واخلع أنا منها.
لم تصدق الأم من دهاء خطة ابنتها، لكنها سرعان ما استجابت بحدةٍ معاونة:
-وأنا عندي البت، بنت أم صفاء اللي في أخر الشارع، قارفني عشان تشوفي شغل لبنتها صفاء، البت دي مفيش أطيب واغلب منها، بنت حلال وتستاهل كل خير.
نظرت حسناء إليه بسخرية:
-هي الولية دي مضايقكي في إيه يا ما، عشان عايزة تخدميها الخدمة دي؟
زمت والدتها شفتيها بغيظ وحقد:
-واخدة مني عملين تعبت فيهم ومش راضية تسدني، وعمالة تقولي الظروف والزفت وأنا مالي ياختي، هو أنا فاتحاها جمعية!!
قالت حسناء مُطمئنة:
-طيب حلو مهدي ليها الموضوع بقى، لغاية أنا ما الاقي اللحظة المناسبة اللي اعرف اخد اللي يرضيني فيها.
****
جلس نوح ويسر في ركن هادئ من المول، على مقعد خشبي أنيق يطل على الساحة الداخلية حيث تلمع أضواء المتاجر وتتصاعد أصوات الموسيقى الخافتة الممزوجة بأحاديث المارة، كان الهواء المكيف يخفف من وهج يومهما الطويل، وفي الطرف المقابل كانت لينا مفعمة بالحياة، تلهو داخل المنطقة المخصصة للأطفال، تركض وتضحك ويعلو صوتها في بعض اللحظات، بدا على وجهها ذلك الصفاء البريء الذي يخطف القلوب، أما على وجه والديها فكانت تعابير الإرهاق تمتزج بظلال هموم ثقيلة تحاول كل منهما إخفاءها عن الآخر.
قضيا وقتًا ليس بالقصير في التجول بين أروقة المول، وحرص نوح على اقتناء كل ما أشارت إليه لينا بيدها الصغيرة، في محاولة واضحة لتعويضها عن تقصيره في حقها في الأيام الماضية، لقد كانت تلك طريقته الصامتة في الاعتذار، يترجمها بالأفعال لا بالكلمات، ومع كل حقيبة يحملها كان يشعر بشيء من الراحة يمتزج بمرارة الندم.
تنهدت يسر وهي تحدق في الحقائب الكثيرة المتراكمة بجانبها، وقد أخذت حيزًا من المكان وكأنها تعكس ثقل المشاعر التي تسكن قلبها، رفعت بصرها نحو نوح الذي وضع أمامها كوبًا من عصير المانجو المثلج، جلس بجانبها يلتقط أنفاسه بعد أن منحتهما لينا أخيرًا فترة راحة قصيرة من مطالبها الطفولية، فلاحظ في عيني يسر نظرات عتاب مكتومة، ارتسم القلق على ملامحه وعقد حاجبيه بارتباك حذر:
-في إيه؟ أنا عملت إيه؟
قالت بنبرة متزنة تحاول أن تسيطر على انفعالها:
-مش كل حاجة لينا تشاور عليها يا نوح تجيبها كده غلط وبتدلعها اوي.
ابتسم نوح ابتسامة متعبة وقال وهو يحاول التبرير:
-ما تتدلع في عز أبوها يا يسر، وبعدين ده هو يوم يعني هعملها اللي هي عايزاها.
-ماشي وانت اشتريت كتير، يبقى كفاية كده.
زم شفتيه بضيق ورد باقتضاب:
-طيب.
أطرقت لحظة ثم رفعت رأسها وقالت بصوت أكثر هدوءًا:
-نوح متضايقش مني، بس التوازن مهم اوي في تربية لينا، عشان منرجعش نندم بعدين.
تنهد نوح وهو يشيح ببصره بعيدًا، وكأنه يستدعي شيئًا غاب في ذاكرته منذ زمن بعيد:
-أنا عايزة أدي عيالي كل حاجة أنا اتحرمت منها، مش بس شوية الهدايا دول، كل حاجة يا يسر...كل حاجة.
ارتفع رنين هاتفه فجأة، فالتفتت يسر إلى شاشة الهاتف فرأت اسم والدته، لاحظن أنه ضغط على زر الرفض وأغلق الاتصال بحدة واضحة، مدت يدها بهدوء ووضعتها فوق يده تمنعه من الابتعاد، وقالت برقة لا تخلو من الحزم:
-نوح، مفيش حد بيتهرب من أهله، رد عليها.
رمقها نوح بنظرة منكسرة كأنها كشفت عن جرحه الأعمق، ثم أجاب بصوت منخفض محمل بالأسى:
-لما يكون أهلك هما مصدر قلقك يبقى فيه، أنا مبقتش مرتاح وأنا بضغط على نفسي عشانهم، لما كنت بعوزهم جنبي مبلاقيش حد، وفي أزمتي دي مالقتش واحد واقف جنبي، عارفة يعني واحد بس!! حتى أمي اتصالها ده يا إما عشان عايزة فلوس، يا إما حد منهم مدخلها تتوسط عندي.
ابتسمت يسر بمرارة ثم قالت بصوت متردد:
-آآ...أنا مش عارفة اقولك إيه حقيقي؟
هز رأسه بأسى وواصل:
-ماتقوليش عشان اللي أنا فيه ده مش من يوم وليلة، ده عمر بحاله، وخلاص أنا فاض بيا، تعبي وشقايا ده كله المفروض ولادي أحق بيهم، أنا متمرمط وهتمرمط عشان خاطرهم بس.
-بس أهلك ليهم حق عليك، وخصوصًا أنهم معتمدين عليك في كل حاجة وانت عارف كده.
ابتسم بسخرية مريرة وهو يجيب:
-وأنا مش هقفل الحنفية خالص، بس هقللها شوية،
على طول بتتهمني إني عايز كل حاجة، بس في الحقيقة أنا معنديش حاجة أساسًا، أنا بحاول أسعد نفسي وأرضيها يا يسر وبردو تايه ومش لاقي راحتي.
نظرت إليه يسر بعطف ثم قالت:
-عشان سجنتها في اللي اتحرمت منه زمان، وزمان غير دلوقتي...دلوقتي بقى ليك حياة تستحق إنك تحافظ عليها وتتبسط بيها، سعادتك اللي اتحرمت منها زمان ممكن تعوضها في قربك مني ومن ولادك يا نوح.
تردد نوح للحظات قبل أن يفصح عما يعصف داخله من اعترافات ثقيلة، كان يشيح بوجهه تارة نحو الأرض وتارة أخرى نحو المارة في المول، لكن عينيه كانتا فارغتين كأنهما تبحثان عن ملاذ داخلي لا يجدانه، فأخذ نفسًا عميقًا كمَن يحاول دفع جبل جاثم فوق صدره ثم قال بصوت متهدج:
-عارفة....اوقات بحس أني بعاند مع نفسي، واوقات بحس في زحمة كتير في دماغي مش قادر أفصل منها، يمكن زمان مكنتش بعرف أهرب من اللي أنا فيه، بس دلوقتي أنا اكتشفت إن راحتي في وجودك انتي ولينا، راحتي في بيتي، مش في شغل وفلوس أبدًا.
أحست يسر أن قلبها يخفق بقوة، لكنها أخفت ارتباكها تحت ملامح متماسكة، ثم أجابت بنبرة عميقة وكأنها تُلقي حجراً في مياه راكدة:
-ولا في شوية أمنيات مراهق المفروض تدفنها، متحاولش تطلعها على حساب غيرك.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة تحمل سخرية من ذاته أكثر مما تحمل ردًا عليها، ثم قال وهو يشيح بوجهه قليلًا:
-اممممم قصدك على حسابك يعني؟!
ارتجفت أصابع يسر وهي تقبض على طرف حقيبتها الموضوعة بجانبها، ثم رفعت نظرها إليه بعزمٍ ممزوج بحذر وقالت:
-نوح، أنا هسألك سؤال واحد ويا ريت تجاوبني بجد.
كان في عينيه لحظة صمت طويلة، تردد خلالها وكأنه يخشى أن يفضح نفسه أكثر، ثم انحنى قليلًا بجسده نحوها وقال:
-اسألي!
شعرت يسر بارتجاف صوتها رغم محاولتها إخفاء ذلك وقالت:
-لما بعدت عني الفترة اللي فاتت دي، شوفت واحدة وقدرت تملى عينك وتاخد قرار الجواز حتى ومتفكرش فيا؟!
ظل يطالعها نظرة طويلة صامتة، وكأنها محاكمة صامتة بين عينيه وعينيها، ثم خفض رأسه وتمتم بصوت يقطر منه ندم خافت:
-لا...للاسف مكنتش شايف غيرك.
ارتجف قلب يسر للحظة لكنها سرعان ما تنفست بمرارة وأجابت بحرقة متراكمة:
-وأنا مكنتش استحق إنك تسيبني كل الوقت ده أضرب أخماس في أسداس، وتيجي تعترفلي الاعتراف ده، يمكن كنت رجعت وأنا راضية، يمكن كنت محتاجة اسمع منك حاجة زي دي، زي ما انت عيشت في توتر وتايه في حياتك، انت كمان نجحت أنك تعيشني في كده، أنا مكنتش لايقة نفسي معاك.
ارتعشت شفتا نوح قليلًا قبل أن يجيب، وقد بدا صوته كمَن يصرخ في وادٍ مهجور لا يسمعه أحد:
-وهتلاقيها ازاي معايا وأنا أساسًا تايه ومفيش حد بيسمعني ولا بيفهمني!!
هزت يسر رأسها بأسى وقد شعرت أن الدموع تتجمع في عينيها لكنها تماسكت، وقالت بصوت أكثر حدة:
-افهمك ازاي وانت عايز تتجوز عليا؟! انت كنت بتجرحني يا نوح! عارف إيه يعني أحس إني مش مالية عينك أبدًا وحياتي مهددة معاك.
شد على قبضته وكأنه يحاول الدفاع عن نفسه في ساحة حرب غير متكافئة، ثم أجاب بصوت مبحوح:
-كنتي احتويني يا يسر.
ارتفعت نبرتها فجأة وتحول صوتها الهادئ إلى نبرة مكتومة خرجت من أعماق قلب مثقل بالخذلان:
-ومين يحتويني أنا يا نوح وأنت بعيد عني، كام مرة طلبت منك تبعد عن أفكارك دي، كام مرة احتاجتك وانت دايمًا كنت بعيد وبتتهمني بأنانية وعايزة اللي يسعدني وبس، رغم إن سعادتي كانت بسيطة...بسيطة اوي يا نوح إن أنا أحس مفيش لا قبلي ولا بعدي ده كان كفيل يخليني أسعد إنسانة في الدنيا.
في تلك اللحظة كان الهواء مشبعًا بالصمت الثقيل، وكأن جدران المول من حولهما حبست أنفاسها، ثم انشق هذا الصمت على صوتٍ طفولي ناعم يحمل براءة العالم كله، فقد كانت لينا قد اقتربت منهم فجأة بعينيها الواسعتين المتسائلتين، وقالت ببراءة قلقة:
-مامي انتوا بتتخانقوا؟!
ارتبكت يسر للحظة لكنها تماسكت سريعًا، وأجبرت ملامحها على الابتسام، ثم مدت يدها لتحتضن صغيرتها وترددت كلماتها بنبرة هادئة:
-لا لا أبدًا يا حبيبتي أنا وبابا كنا بنتكلم إنه كفاية ونروح عشان أنا تعبت ومحتاجة ارتاح.
هزت لينا رأسها الصغيرة واقتنعت ببراءة الأطفال، ثم عادت راكضة نحو منطقة الألعاب، بينما تبادل نوح ويسر نظرة طويلة صامتة، كانت مليئة بما عجز لساناهما عن قوله؛ نظرة حملت بين طياتها حبًا جريحًا وخوفًا من الغد، ورغبة صامتة في أن يجد كل منهما الآخر قبل أن يضيع تمامًا.
****
عادت سيرا مع يزن في المساء بعد أن انتهى التحقيق الطويل الذي استنزف قواها النفسية والجسدية، كانت حالتها أشبه بزهرة ذابلة بعد عاصفة؛ وجهها شاحب وعيناها غارقتان في بحر من الإرهاق، أما السائق فقد استقرت حالته نوعًا ما في المستشفى بعد تدخل الأطباء، وباتت سيرا الآن في مرحلة الانتظار لما ستؤول إليه الأمور حين يفيق.
على طول الطريق إلى منزلها، انهمرت اتصالات من عائلتها، تتوالى الواحدة تلو الأخرى محملة بالقلق والأسئلة، فكان يزن يجيب عليهم بإجابات مقتضبة هادئة، مختصرًا التفاصيل حتى لا يثير مزيدًا من الذعر في نفوسهم، بينما سيرا غارقة في نومٍ متقطع، مائل إلى الإغماءة أكثر من الراحة، وصوتها مبحوح مجروح كأنما خرج من معركة طويلة.
مد يزن أصابعه الطويلة ليمسد برفق فوق كفها الملقى بإهمال إلى جوارها، يحاول أن يعيدها إلى وعيها بلمساته الهادئة، وبعد لحظات استعادت تركيزها واعتدلت في جلستها ببطء، وما إن لاحظت وجودهما أمام منزلها حتى تنفست بعمق، وكأن جبلاً انزاح عن صدرها.
-انتي كويسة؟
هزت رأسها إيجابًا، وارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة باهتة أرادت بها أن تطمئنه، فقد شعرت أنها قد أنهكته معها منذ بداية اليوم، فيكفيه ما عاناه بسببها، من لحظة صدمته الأولى حين طلبت مساعدته، إلى موقفه معها ومع أشقائه في قسم الشرطة، لم تشعر بالخوف أبدًا بوجودهم إلى جوارها؛ كانوا جميعًا كالدرع حولها، معاملة لطيفة وحماية صادقة، ولم تعلم أن كل ذلك كان بأمر مباشر من يزن نفسه، الذي وقف كالطود الشامخ أمامها يحجب عنها أي سوء.
رفعت حقيبتها من المقعد، لكنها تذكرت فجأة طاجن البامية المسكين فالتفتت إليه بنظرة حزينة وقالت بصوت مبحوح:
-كنت جيالك وعملتلك بامية بإيدي عشان تفرح، بس....
ابتسم يزن وربت على كفها بحنان محاولاً كسر الجو الثقيل ثم مازحها:
-عارفة مفيش أكلة قدرت تهز مكانة البامية عندي، ولا حد قدر يغير وجهة نظري فيها، بس انتي الوحيدة اللي كرهتيني فيها..
اتسعت عيناها بصدمة طفولية وترقرقت الدموع في عينيها وهي تقول بأسى صادق:
-والله كنت عملتهالك حلوة اوي.
ضحك بخفة وارتسمت على شفتيه ابتسامة دافئة:
-المهم سلامتك يا حبيبتي، أنا بهزر وان شاء الله ابقى أكلها وانتي في بيتي، أحسن من الفرهدة دي.
ابتسمت له بحبٍ صادق وتحركت لتفتح باب السيارة، لكنه سبقها بخطوة واعترض طريقها، هبط أولاً وفتح الباب لها، فتذكرت للحظة أنه لم يتركها يومًا تفتح باب السيارة لنفسها حين يكون هو معها، اتسعت ابتسامتها أكثر حين مدّ
يده نحوها، فوجدت كفها يدفن نفسه في راحته الدافئة بحب واستسلام، أما هو قال لها بصوت حاسم حنون:
-هطلعك فوق عشان اتطمن عليكي، وعشان مفيش حد يزعلك فوق.
رفعت عينيها إليه والدموع تتلألأ في مقلتيها وهمست بدعوة صادقة خرجت من أعماقها:
-ربنا يخليك ليا.
فوجوده إلى جوارها كان كفيلًا بأن يبث في روحها الطمأنينة بعد يومٍ كان كالسيف عليها.
صعدا معًا إلى شقة عائلتها حيث كان الجميع في انتظارها، ما إن رأوها بتلك الحال حتى هرع إخوتها الفتيات نحوها، واحدة تلو الأخرى تحتضنهم بذراعين مفتوحتين، وكأنهم يعيدون إليها الحياة بأحضانهم، ثم تقدم والدها منها فاحتواها بذراعيه في عناقٍ طويل، وهو يربت بحنو فوق ظهرها، وصوته كان يحمل انكسارًا وعتابًا ممزوجًا بندم خفي:
-كده يا سيرا ماتتصليش بيا؟
شعرت هي بذلك الاعتذار الضمني في نبرته، وربتت على ظهره بيد مرتجفة وقالت بضعف:
-ده...ده يزن اللي اتصل بيا وقتها وعرف ينقذني.
قطع يزن الموقف بهدوء وهو يوجه الكلام إلى والدها:
-أنا اللي قولتلها ماتتصلش بحد فيكم عشان متقلقوش.
وفي وسط الزحام العاطفي تقدمت حكمت بخطوات سريعة وقالت بغضبها المعهود:
-هو فين ابن الـ*** ده وأنا اروح اشرب من دمه.
اقتربت دهب من سيرا واحتضنتها باهتمامٍ ممزوج بالإهمال، ثم مدت يدها ليزن تصافحه بابتسامة فيها إعجاب ظاهر بوسامته وحضوره:
-ازيك يا يزن؟
لاحظ يزن في مصافحتها شيئًا من عدم الارتياح، فسحب يده سريعًا في أدب ثم التفت إلى والد سيرا يستأذن مغادرته بصوت هادئ متزن:
-عن إذنكم، ويا ريت تاخدوا بالكم من سيرا عشان قضت يوم صعب.
رفع نظره إلى الداخل قبل أن يغادر، فرأى سيرا تتوسط أحضان والدتها، تغلق عينيها براحة بينما والدتها تبكي في صمت وتهمس بأدعية خافتة لحفظ صغيرتها التي عانت كثيرًا، وكأن البؤس قد كُتب على جبينها قدرًا منذ البداية.
****
ترك فايق نافذته التي كان يقف خلفها منذ ساعة، يراقب من خلالها بيت سيرا كما لو كان صقرًا يتحين الفرصة للانقضاض، كان يتابع بخيطٍ من التوتر كل حركة وكل نفس، رأى يزن يرافقها إلى المنزل، يعود بها ببساطة وكأن شيئًا لم يكن، فارتسمت على وجهه علامات الغضب والريبة، لم يكن يفهم ما يجري ولا كيف انقلبت الأمور على هذا النحو، وكل ثانية تمر عليه كانت تذكي نيران الشك في صدره.
ابتعد عن النافذة ببطء، ثم بدأ يتحرك في الغرفة ذهابًا وإيابًا كوحشٍ محبوس في قفص، خطواته متسارعة متوترة، يده تعبث بشعره مرة وتغلق على هاتفه مرة أخرى، اجرى اتصالات متكررة بسامي، يتصل ويعيد الاتصال بلا توقف، وصوت الرنين المتكرر يملأ الغرفة كصفارة إنذار تثير أعصابه أكثر.
وأخيرًا بعد سلسلة من المحاولات، أُجيب على الاتصال، ولكن ما إن وُضع الهاتف على أذنه وهم أن يفرغ ما في صدره من كلمات، حتى باغته صوت آخر ليس صوت سامي، صوت غريب هادئ وجاف لا يعرفه:
-مين معايا؟ مش ده تليفون سامي؟
رد الصوت الآخر على الطرف الثاني بنبرة رسمية:
-اه، انت قريبه؟
ابتلع فايق ريقه بتوترٍ شديد، شعر بالبرد يتسرب إلى أطرافه، وأجاب محاولًا التحكم في صوته:
-اه قريبه انت مين؟
جاءه الرد حاسمًا قصيرًا:
-تليفونه في قسم شرطة *****، وهو في المستشفى، فتعالى لو سمحت على قسم الشرطة عايزين حد من أهله.
شعر فايق أن الأرض تميد من تحته، وانكمشت معدته في خوفٍ لم يعرفه من قبل، حاول أن يتمالك نفسه، فسأل بهدوء مصطنع لكن الكلمات كانت تخرج متقطعة:
-آآ...اه ...تمام، بس هو في مستشفى أيه يا باشا وحالته إيه وحصله إيه؟
أجابه الرجل ببرود:
-مستشفى الـ *****، وهو حاليًا لسه مفاقش، المهم تعالى في أسرع وقت.
أُغلق الهاتف وتجمد في مكانه للحظة، أنفاسه تتلاحق باضطراب، يسمع صدى كلمات الرجل في رأسه، جلس على حافة السرير واضعًا رأسه بين كفيه يفكر بعشوائية، يحاول أن يربط الخيوط المبعثرة، ماذا حدث لسامي؟ هل انكشف أمره؟ هل هو في خطر؟ وماذا عن نفسه الآن؟
أفاق من شروده فجأة وكأن أحدهم صفعه، تقدم بخطوات سريعة نحو حقيبة صغيرة موضوعة في زاوية الغرفة، فتحها بعجلة وبدأ يجمع ثيابه ومتعلقاته المهمة، بعض المال، أوراقًا ثبوتية، هاتفًا قديمًا كان يخفيه، وبضع احتياجاته، وفي كل حركة كان يؤديها توحي بالذعر والرغبة في الفرار.
توقف للحظة عند الباب يده على المقبض، ووجهه شاحب كأنه فقد نصف دمه في دقيقة واحدة، أدار رأسه نحو الغرفة، تذكر سامي...تذكر كل ما خطط له، لكن غريزة البقاء كانت أقوى، فشد على أسنانه وفتح الباب، ثم خرج بخطوات مسرعة إلى المجهول، حاملاً حقيبته الصغيرة وقلبه المشتعل بالخوف والتوجس.
هتفت والدته من خلفه بتعجب:
-رايح فين يا فايق؟ انت مسافر شرم تاني تشتغل؟
لم يجيب وغادر مسرعًا فتركها في حيرة من مغادرته تلك وكأنه يهرب من شيء مخيف، تمتمت بأدعية تحفظه، ثم جلست وهي تقول بضيق يغمره الحقد:
-الواد حاله اتبدل، أكيد دي عين حكمت حسبي الله ونعم الوكيل فيها.
****
عاد زيدان إلى منزله وهو يشعر بقلقٍ متصاعد يثقل صدره، وما إن خطا إلى الداخل حتى اتجه مباشرةً نحو غرفة يزن، دفع الباب بخفة فوجد شقيقه ما زال مستيقظًا، يتحدث عبر الهاتف مع سيرا بصوت منخفض، أشار له زيدان بصرامة أن يُنهي الاتصال فورًا، فأطاع يزن على الفور لكنه لم يخفِ ارتباكه من الملامح المتوترة التي ارتسمت على وجه أخيه، قطب حاجبيه وسأله بقلق:
-في إيه يا زيدان؟
اقترب زيدان منه وصوته ممتلئ بجدية أثارت في نفس يزن خوفًا أكبر:
-سيرا في بيتها صح؟
أومأ يزن برأسه إيجابًا، لكنه شعر بغصة في حلقه من طريقة السؤال فتابع زيدان بصرامة أكبر:
-طيب بلغها متخرجش من بيتها الفترة دي، تمام؟
ازدادت علامات القلق على وجه يزن وهو يقول:
-في إيه؟
تنهد زيدان ثم جلس على الكرسي المقابل له، وصوته يفيض بالصرامة والحذر:
-في إن الواد اللي حاول يعمل فيها كده مش سواق تاكسي أصلاً، ده طلع واخد العربية دي من جوز اخته، والكاميرات وضحت أن العربية فضلت واقفة أكتر من تلات ساعات على أول المنطقة عند سيرا والواد ده كان بينزل يقعد على القهوة ويتكلم في التليفون شوية وبعدها يرجع للتاكسي تاني، وأول ما سيرا نزلت من بيتها الواد ده جاله تليفون واتحرك براحة وهي وقفته وركبت.
تجهم وجه يزن أكثر فسأله بقلق أكبر:
-وبعدين؟
أخذ زيدان نفسًا عميقًا وكأنه يجمع شتات أفكاره قبل أن يواصل ببطء وثقة مفادها يقين مرعِب:
-في أمين شرطة معرفش دماغه رايحة منه فين، رد على تليفون الواد ده عشان كان في اتصالات كتير، وافتكر إنه حد من أهله، ولما قال للظابط قدامي إن في حد من أهله اسمه فايق جاي على القسم، الاسم رن في دماغي.
نهض يزن من مكانه وقد علت الدهشة وجهه، ثم نطق باسم واحدٍ لم يحتمل صمته:
-فايق؟
أومأ زيدان برأسه ثم أضاف بهمسٍ ينعكس عليه توتر اليوم بأكمله:
-اخدت الرقم وعملنا تحريات وطلع هو فايق جارها، وهو ولا قريبه ولا حاجة، بعتنا نجيبه لقيناه هرب، بس هنجيبه متقلقش.
ارتفعت نبرة يزن قلقًا مختلطًا بغضبٍ متصلب، وسأل بنبرةٍ توشحت بالرعب والريبة:
-يعني انت شاكك إنه متفق مع الواد ده على سيرا ولا إيه فهمني؟
رد زيدان وهو يعبر عن رجل المباحث الذي داخله فقلة الأدلة لا تمنحه يقينًا مطلقًا:
-الصورة لسه مش واضحة يا يزن، بس اه غالبًا لإنه في اتصال ما بينهم مدته ثواني في نفس التوقيت اللي هي نزلت فيه!
-زيدان، الواد ده مش طبيعي....
هب يزن وهو يهز ساقيه بعنف؛ ثم بعد لحظةٍ قصيرة من الصمت المملوء بالتفكير قال بحزمٍ لا يخلو من فزع:
-سيرا لازم تكون معايا، وتحت عيني طول الوقت.
رد زيدان بهدوءٍ حازم، محاولًا أن يطوق جنوح العاطفة لدى أخيه بمقاربة واقعية:
-ما في وسط أهلها يا يزن، انت بس بلغها ماتتحركش من بيتها واحنا ادينا مواصفاته في المستشفى لو راح هيتقبض عليه.
هز يزن رأسه بعنادٍ يختلطه استهجان، وقال بنبرةٍ تميل إلى التحدي:
-لا طول ما الزفت ده مش ممسوك أنا لا يمكن اسيبها بعيدة عني.
تمالك زيدان نفسه وسأله ببرودٍ يختبئ وراءه استياء منطقي:
-يعني هتعمل إيه؟ هتاخدها غصب عن أهلها؟
في تلك اللحظة دخل سليم مندهشًا من ضجيج أصواتهم فسأل مستفسرًا:
-في إيه؟ صوتكم عالي ليه كده؟
تنهد زيدان مجددًا ثم روى له ما دار من تحريات وتحقيقات؛ استمع سليم بانتباهٍ، وتبدلت ملامحه وهي تختلط بالغضب والقلق معًا، لكنه لفت بصره إلى يزن الذي بدا كمَن تلاطمه أمواج الخوف ونادى عليه بصوتٍ يحاول أن يضبطه:
-وانت عايز تعمل إيه يا يزن؟ ما أخوك مش ساكت اهو، وهيتجاب متقلقش.
أجاب يزن بحزمٍ لم يخفه ارتعاشًا داخل الصدر:
-أنا عايزاها معايا وجنبي أنا مش هتطمن إلا وهي معايا.
تدخل سليم محاولًا فرض منطقٍ يتجاوز حد
العاطفة:
-يا ابني فيه حاجة اسمها أصول مينفعش نتعداها!
قاطعه يزن وكأن نفسه قد انقطع، وقال بحدةٍ تلامس الغضب والمرارة معًا:
-أصول لما كانت خطيبتي، بس هي دلوقتي مراتي، ومن حقي احميها بالطريقة اللي أنا شايفاه صح.
انفجر زيدان بغيظٍ لم يستره صبره:
-يا ابني ده مجرد كتب كتاب انت مجنون؟!
-بقولك إيه ماتستفزنيش أنا مش ناقص.
حاول سليم ترجيحهما لمنطق أقل حدة، وسأل بهدوءٍ مهيأ للوساطة:
-يعني انت عايز تعمل إيه؟
أجاب يزن بلا مواربة وكأنه يقذف بحبل النجاة الأخير:
-كلم أبوها يا سليم يخليه يجيبها تقعد معانا هنا لغاية ما الـ**** يتقبض عليه.
أجاب سليم بصوت يشي بالرفض الحذر:
-أبوها مش هيرضى.
ردد يزن بصلابة وقد ارتسمت على وجهه قناعة مختلطة بيأسٍ شديد:
-وأنا كمان مش راضي أنها تفضل هناك وأنا مش هكون متطمن، يا سليم انت ماتعرفش حاجة عن سيرا، اقسم بالله لو سيبتها يوم كمان هلاقيها لابسة في مصيبة جديدة، اسمع مني وكلمه واقنعه، انت أساسًا بتعرف تقنع أي حد.
اعترض زيدان مؤكدًا رغبة سليم في ضبط الأمور:
-مينفعش يا يزن اخوك عنده حق في حاجة اسمها أصول.
زفر يزن بقوة ثم أخرج حله الأخير ليصل إلى مراده:
-يا جماعة هي مراتي، اقولك بلاش نستنى الفرح.
اعتلت ملامح الصدمة وعدم الرضا وجه سليم، ثم قال بنبرة غليظة:
-وذنبها إيه يا بني دي بنت ونفسها تفرح واهلها يفرحوا بيها!
تنهد يزن بقوة عندما نفذت جميع حلوله وقال بعصبية حاول تحجيمها:
-تمام اوي خلاص أنا مش هستنى لحظة واحدة وهنزل ادور على فايق بطريقتي وهجيبه.
أوقفه سليم بصرامة بعدما التقط نظرات زيدان الخائفة من تهور أخيه، فسارع بقوله الحاسم:
-خلاص متدخلش، وأنا هكلم أبوها وهحاول اقنعه.
أطرق سليم رأسه للحظات ثم قال بنبرة يغمرها الغيظ:
-يعني انت دايمًا تحطني في مواقف زي الزفت، بالله عليك ازاي هقول للراجل هات بنتك عندنا أصل اخويا مش واثق إنكم هتحموها.
تنهد زيدان وهو يفكر بصوتٍ مترددٍ على نحو يكاد يحاكي عقل الضابط:
-قوله يا سليم إن فايق ممكن يضرهم لو هي فضلت موجودة وسطهم عشان يوصلها، الافضل تختفي عن الانظار ومفيش أأمن مكان غير هنا، وأنا بردو هحطلهم أمين شرطة يحرسهم.
مسح يزن على وجهه بضيق وسأله بصوت متهدج:
-هتكلمه دلوقتي؟
نهض سليم وهو يقول برفض لاذع:
-لا طبعًا انت اتجننت الساعة ٣ الفجر الوقت اتأخر، بكرة الصبح اهو الاقي كلام مناسب اعرف اقولهوله.
*****
في اليوم التالي…
كان يزن يتحرك ذهابًا وإيابًا في الردهة المؤدية إلى باب الشقة، يترقب عودة سليم الذي رفض الرد على اتصالاته المتكررة، حتى سيرا لم تجب على هاتفه مما زاد من توتره وقلقه.
فجأة فُتح باب الشقة ودخل زيدان، وقد بدت على وجهه علامات الإرهاق البالغ، إذ لم يذق طعم النوم منذ ليلة الأمس، فأسرع يزن نحوه يسأله بلهفة:
-الواد ده فاق يا زيدان؟
رمقه زيدان بعينين مثقلتين بالإجهاد ثم رد بنبرة متعبة:
-لا لسه تحت الملاحظة متقلقش.
تجدد قلق يزن فسأله مرة أخرى:
-وفايق؟
أجاب زيدان متثاقلاً:
-لسه بردو، وسع عشان اسلم على ماما واطلع أنام، مش قادر افتح عيني.
دفعه جانبًا بخفة وتوجه إلى الداخل، حيث وجد مليكة جالسة تتابع قلق يزن بعيون متعاطفة، بينما كانت تُطعم الصغيرة قمر، نظر إليها زيدان بضيق، إذ لم يزل يتعامل معها بذلك الأسلوب الجاف منذ ولادة نهى تقريبًا، في حين أنها اعتادت أن تتجاهل جفاءه وتتصرف ببساطة.
زفرت مليكة بضيق عندما غاب عن أنظارها، وحاولت كبح دموعها التي أوشكت أن تنهمر،حيث شعرت بخوفٍ شديد من عودة نهى وزوجها إلى المنزل اليوم أو غدًا بعد أن يسمح الأطباء لها بمغادرة المستشفى، وللمرة الأولى اجتاحها توتر شديد من فكرة وجود نهى وخاصةً مع طفلها، الذي بدا وكأنه فجر في قلب زيدان حنان الأبوة الكامن.
قطع شرودها صوت سيارة سليم التي توقفت أمام المنزل، أعقبها مغادرة يزن على الفور، ثم أبصرت من النافذة سيرا تهبط من السيارة وبرفقتها دهب ابنة حكمت.
وقف يزن مصدومًا وقد تخلل شعوره مزيج من الدهشة والانزعاج لوجود تلك الفتاة مع سيرا؛ إذ لم يطمئن قلبه قط لوجودها أمامه، ومع ذلك اقترب منهم ورحب بهم بهدوء، لكنه ما إن صار قرب سليم حتى مال عليه هامسًا بغيظ:
-هي دهب جاية ليه معاكوا؟
هز سليم كتفيه بلا مبالاة وأجاب:
-معرفش أبو سيرا كان رافض أساسًا بس اختها الكبيرة اقنعته وبعتت بنتها معاها وعشان كده ابوها وافق.
***
ارتدى فايق معطفًا أسود اللون ووضع قلنسوة على رأسه لا تلائم حرارة الجو اللاهبة، فكان منظره غريبًا للعين العابرة، لكنه تقدم بخطوات هادئة وواهنة نحو المستشفى، محاولًا أن يخفي ارتباكه خلف قناعٍ من التماسك.
استوقف أحد الممرضين عند المدخل وبأسلوبه الملتوي المعتاد دس في يده مبلغًا صغيرًا من المال، فاستجاب الأخير بترحابٍ ظاهر وأخذ يجيب عن أسئلته مطولًا:
-اه الحالة اللي فوق، انت صحفي؟
هز فايق رأسه مجيبًا وصوته مبحوح يتصنع الاطمئنان:
-اه وانت عارف الداخلية مبقتش تقولنا حاجة؟
ابتسم الممرض ابتسامة خفيفة ثم قال وهو يخفض صوته قليلًا:
-ده يا سيدي، واحد كان بيحاول يغتصب بنت، بس البت خبطته على دماغه والواد في غيبوبة، بس باين أهل البت دول واصلين لأنه حرفيًا الدنيا مقلوبة من وقت ما جه هنا المستشفى.
شعر فايق بجفافٍ في حلقه وابتلع ريقه بصعوبة، قبل أن يسأل بقلقٍ مكبوت:
-وفي احتمال يفوق؟
رد الممرض مترددًا:
-معرفش والله بس غالبًا اه يعني، أصلاً هما مستنين إنه يفوق بفارغ الصبر وكل شوية يسألوا، وحاطين اتنين عساكر فوق على اوضته وتحت هنا في الاستقبال قاعد بردو عساكر.
أطرق فايق للحظة ثم ابتسم ابتسامة متصنعة وهو يقول:
-شكرًا يا ادارة، هات رقمك عشان اتابع معاك حالته.
أومأ الممرض سريعًا:
-اه اوي اوي.
ناوله الرقم ثم انصرف إلى عمله، بينما أسرع فايق يخطو خارج المبنى متوجهًا إلى دراجة نارية مستأجرها، جلس فوقها وقد غمره فيضان من الأفكار القاتمة؛ كيف للشرطة أن تكشف أمره وسامي ما زال في غيبوبة؟! إذا لم يفق بعد، فمن أين لهم بالمعلومات التي دفعتهم إلى إصدار أمر بالقبض عليه بل وتفتيش منزله أيضًا؟
ارتعش قلبه وهو يشعل المحرك، كأن شبحًا يطارده في وضح النهار، لا يدري من أين يأتيه الخطر، من سامي إن استفاق؟ أم من الشرطة التي بدا أنها تقترب منه بخطوات واثقة؟
رواية غناء الروح الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم زيزي محمد
جلست سيرا على استحياء في صالة الاستقبال، كأنما تبحث عن زاوية تتوارى فيها عن الأنظار، بينما عيناها تدوران في المكان بارتباك وحرج شديدين، حيث رضخ والدها على غير عادته، لرأي سليم الذي طرق بابهم منذ الصباح، محملًا بأخبار جديدة عن مستجدات التحقيق، فارتسم الخوف على محياها فور سماعها لاسم فايق، ذلك الرجل الذي تحول هوسه بها إلى كابوس يطاردها في يقظتها ومنامها، وتلقائيًا تساءلت في أعماقها بارتعاشة قلب...أيمكن للإنسان أن يبلغ تلك المرحلة الجنونية من أجل فتاة لم يكن بينهما أي مشاعر حية تُذكر؟ أم أن جرح كرامته المتضخمة ورفضها المتكرر له، هو ما قاده إلى هذا التخبط بين جدران الانتقام الأعمى؟
لم تُخفِ دهشتها من سرعة موافقة والدها على حديث سليم، وربما نجح الأخير في إظهار مدى خطورة الموقف، وكعادة أبلة حكمت لم تفوت الفرصة لتتدخل في النقاش دون أن يطلب منها أحد، فمالت الكفة إلى جانب سليم وأقنعت والدها بضرورة أن ترافقهم دهب، وما إن استقرت الفكرة في ذهنها حتى تساءلت باضطراب...دهب!...أين ذهبت؟
أخذت تلتفت حولها بتعجب كأنها تبحث عن ظل ابنة اختها أو صوتها، ارتسم الغضب في ملامح سيرا الخجولة، وفكرت بغيظ مكتوم، ما بال تلك الفتاة تتصرف بحرية مفرطة وتتحرك كيفما تشاء دون أن ينتبه لها أحد؟
نهضت بتردد وخطواتها الصغيرة تحمل ثقلًا من الحياء، بينما عيناها القلقتان تسبحان في الأرجاء باحثة عن أثر، وما إن اقتربت من المطبخ حتى اخترق سمعها صوت مألوف لدهب وهي تتبادل حديثًا مرحًا مع شمس ومليكة، وقد اجتمعن على إعداد شراب ساخن لهن.
ولكن صوتًا آخر أكثر خفوتًا لكنه نافذ تسلل إلى أذنها من ناحية الردهة، التفتت بجسدها بخفة، فإذا بها تقع على مشهد يزن واقفًا هناك عند آخر الممر، يشير إليها بيده كي تقترب منه، رفعت إصبعها بحركة تلقائية سريعة مشيرة إليه بالرفض، وارتسم الحرج على ملامحها، لكنه لم يعبأ بإشارتها وأعاد طلبه بيد أكثر إصرارًا، وسرعان ما تجمدت في مكانها وكأن الأرض أسرت قدميها، ثم هزت رأسها رفضًا صارمًا علها تثنيه عن محاولته.
لكن المفاجأة عصفت بها حين رأته يندفع نحوها بخطوات سريعة حاسمة، أربكت أنفاسها ودفعتها إلى التراجع في خوف غامض، ولكنه مد يده وقبض بقوة فوق مرفقها، ثم جذبها بعنوة خلفه، فارتعش صوتها وهي تتوسل بخفوت مرتجف:
-يالهوي يا يزن، عشان خاطري لا، عيب، هيقولوا عليا إيه؟
لم يُصغِ إلى رجائها بل دفعها برفق محسوب إلى داخل غرفته، وما إن خطت بداخلها حتى اندفعت بجسدها من جديد محاولة الهرب، إلا أنه كان الأسرع فأغلق الباب خلفه بجسده العريض حاجزًا الطريق أمامها.
-اهدي بقى يا سيرا، أنا بشاورلك من بدري وانتي سرحانة.
قبضت على مقبض الباب بكل ما أوتيت من قوة، وصوتها يخرج حازمًا رغم ارتجافه:
-يزن، عشان خاطري لازم تطلعني، عيب كده، افرض حد قفشنا يقولوا عليا إيه؟
ابتسم ببرود متعمد متجاهلًا توترها:
-محدش هيقول حاجة، أنا متفق مع شمس ومليكة يشغلوا دهب عنك.
شهقت سيرا بذهول واتسعت عيناها بصدمة مخلوطة بالإحراج ثم صاحت بغيظ:
-انت بتقول إيه؟ انت كده فضحتني يا يزن؟
أعاد كلمتها بلهجة مستنكرة:
-فضحتك؟
ثم زفر بضيق، وكأنها أحزنته بكلامها:
-يا بنتي انتي مراتي، انتي بتتصرفي كده وكأني شاقطك من الشارع؟
تجمدت ملامحها بصدمة جارحة ثم انفجرت غاضبة:
-يزن عيب كده، خد بالك من كلامك معايا، وبعدين تصدق أنا غلطانة إني جيت هنا، كان لازم أعرف أني بتعامل مع واحد متهور.
لم يمهلها لحظة إذ وجدت نفسها فجأة بين أحضانه، محاصرة بوجوده الطاغي حتى صار وجهه على مقربة نفس من وجهها، لا يفصل بينهما سوى إنش واحد، فهمس بصوت متهدج بحرارة:
-أنا مكنتش ناوي أكون متهور، بس انتي اللي بتستفزي الحتة اللي جوايا.
ارتعشت أصابعها وهي تحاول دفعه بعيدًا، لكن ضعفها لم يقاوم قوته، بقيت مشاعرها غضة، بريئة، لا تعرف كيف تجابه هذا القرب، فقالت برجاء مرتجف:
-يزن، مينفعش تقرب مني كده، طالما محصلش فرح، وبعدين....انت كده هتخوفني وهتخليني امشي .
شد على خصرها أكثر وابتسم ابتسامة صافية غمرها صدق، بينما صوته يفيض دفئًا:
-تمشي منين؟!، ده أنا قلبت الدنيا عشان أجيبك هنا وتكوني تحت عيني.
رمشت بإهدابها ونسيت في غمرة ارتباكها شدة قربهما، قبل أن تسأله بخفوت حائر:
-أنت اللي خليت سليم أخوك يجي البيت عندنا ويقنع بابا؟
-اه.
إجابة مقتضبة ألقاها تاركًا لعينيه الحرية أن تبحرا في ملامحها التي توهجت خجلًا، فعاودت السؤال بصوت هامس يقطر فضولًا:
-ليه؟
زفر بعمق ثم قال بصراحة صافية وهمسه الحار يذيب مقاومتها:
-عشان قلبي مش هيكون متطمن عليكي إلا بوجودك جنبي.
ارتسمت على وجهها ابتسامة خجولة، ثم ابتعدت عنه برفق وتلتفتت حولها لتستعيد توازنها قبل أن تسأله من جديد:
-انت كنت عايزني ليه؟
-كنت عايز أسألك عايزة تقعدي في اوضتي ولا تقعدي في أي اوضة فاضية.
رفعت حاجبها بمكر خفيف وابتسمت ممازحة:
-اممم حجج فارغة.
ضحك وهو يجاريها:
-حاجة زي كده.
-لدرجادي يا يزوني مش قادر على بعدي.
لمعت الجرأة في عينيها وهي تشاكسه دون وعي، فاقترب منها بخطوات متروية، ولكنها أسرعت بالخروج من الغرفة تضحك بخفة طفولية وقد استبد بها الحماس لنجاحها في الفرار منه، غير أنها لم تكن تدري أن القدر سيضعها مباشرة أمام سليم، فاصطدمت به بغتة مما أدى إلى تراجعها خطوتين للخلف، والحرج يكسوها من رأسها حتى قدميها، فتمتمت بتلعثم:
-آآ...أبيه سليم، آآ..أنا كنت بدور والله على دهب، عن إذنك.
ثم أسرعت بخطوات متوترة نحو المطبخ، تتخبط في الممرات وقد جهلت طريقه للحظة، أما يزن فبقي متكئًا بجسده على باب غرفته، ملامحه تحمل تصنع الارتباك نفسه الذي سكن ملامح سيرا قبل قليل ليقول ساخرًا:
-أبيه سليم، يا خبر، انت هنا من امتى؟
اقترب سليم منه ببطء وهو يهز رأسه بيأس عميق، وصوته يخرج صارمًا متوعدًا:
-قلة أدب مش عايز، يا إما هرجعها لابوها تاني، احترم نفسك.
رد يزن باستياء طفولي متظلم:
-وأنا عملت إيه؟ انت على طول ظالمني كده، يلا ليا عند ربنا، أنا داخل أنام خليهم يصحوني على الغدا وياريت لو تعمل فيا معروف وتخلي سيرا هي اللي تصحيني، أكون شاكر افضالك.
ارتفع حاجبا سليم بتهديد جلي، فما كان من يزن إلا أن تسلل مسرعًا إلى داخل غرفته وأغلق الباب في وجهه، فارتج الممر بصوت طرقات سليم الغاضبة على الباب، وهو يصيح بحدة:
-انت كده محترم يعني وانت بتقفل الباب في وش أخوك الكبير؟
أما سيرا فقد وجدت في وجود منال مهربًا مناسبًا، لتلوذ به من ذلك الإحراج الذي كاد أن يفتك بها بسبب جنون يزن واندفاعه الطائش، فجلست بجوارها متصنعة الهدوء، تدير معها بعض الأحاديث البسيطة السطحية، كمَن يبحث عن أي وسيلة لإشغال نفسه عما يعتمل بداخله من توتر وحرج، فكانت تتظاهر بالإنصات بينما عيناها تهربان بين الحين والآخر إلى الأرجاء، كأنها تخشى أن يطل يزن مرة أخرى باندفاعاته المفاجئة.
أما دهب فقد آثرت أن تترك مليكة وشمس منشغلتين في المطبخ، وجلست متكئة على الكرسي وهي منغمسة في شاشة هاتفها، تكتب لصديقتها عبر تطبيق الواتساب بلهفة مراهقة تنقل تفاصيل ما تراه بعينيها وكأنها في مغامرة سرية:
"بجد أنا مش عارفة ليه حظي مش حلو كده زي خالتي، يخربيت دي عيلة بجد، يهبلوا مش عارفة أحب مين ولا مين كلهم أحلى من بعض".
انتظرت لحظة والابتسامة الصغيرة تملأ ثغرها، حتى وصلها الرد السريع من صديقتها:
-بيزن طبعًا، الاتنين التانيين دول متجوزين مع إن بموت في الشوجر دادي اللي زي أخوه الكبير، دخلت على بيدج الشغل بتاعته يخربيته قمر بجد.
ارتسمت على وجه دهب ابتسامة واسعة ممتزجة بدهشة طفولية، وظلت تنقر بأصابعها فوق الشاشة ترسل تفاصيل دقيقة وكأنها صحافية متخفية بين العائلة، تاركة مليكة تغوص في شرودها وهي تضع قطع الكيك في الأطباق بيدين لا تستقران على حركة محددة.
ولكن همس شمس اخترق أذنها فجأة فجعلها تنتفض من غفلتها، لترفع رأسها مرتبكة وتنصت إلى كلماتها التي حملت شيئًا من العتاب الممزوج بالقلق:
-انتي بتعملي إيه هنا وسايبة جوزك طلع لوحده؟
مطت مليكة شفتيها بأسى وانكسار، كأنها تحمل في صدرها حملًا أثقل من قدرتها على البوح، وأجابت بصوت خافت لا تكاد حروفه تُسمع، محاولة أن لا تجذب انتباه دهب الغارقة في هاتفها:
-ما أنتي عارفة اللي فيها يا شمس.
زفرت شمس تنهيدة طويلة وهي تصب الشاي في الفنجانين بحركة متوترة، ثم التفتت إليها بنظرة حازمة لتقول بلهجة يملؤها الضيق والصرامة:
-يا حبيتي افهمي كتر البعد بيولد الجفا، وطالما في إيدك ترضي جوزك بحاجة زي دي ارضيه، طالما مفيش سبب يمنع إنك تجيبي بيبي، غيرك عنده أسباب تمنعه وبيتمنى من ربنا يرزقه، مينفعش حد يقف يقول لرزق ربنا لا.
اهتز قلب مليكة مع كلماتها التي انغرست كالسهم في صدرها، وأحست بارتباك يمزق عقلها بين الخوف والرغبة، رفعت عينيها المبللتين بالحيرة وقالت بارتجاف:
-طيب هطلع وراه ليه وهو أساسًا زمانه نام.
ابتسمت شمس بسخرية خفيفة وهي تهز رأسها:
-مظنش إن زيدان نايم دلوقتي، أكيد مستنييكي تراضيه، إلا لو فقد فيكي الأمل ونام من قهرته.
كلماتها كانت كصفعة على وجه مليكة، التي شعرت أن الأرض تضيق من تحت قدميها، وأنها مجبرة على المواجهة، ولا تعلم أن شمس كانت تنفذ وصايا سليم بحزم وإصرار، محاولة أن تغير قناعات مليكة بأي وسيلة، أحيانًا كانت كلماتها تُلين قلبها، وأحيانًا كانت تزيد ضياعها.
ارتفعت نبرة صوت شمس متعمدة لشد انتباه دهب الغارقة في رسائلها:
-دهب حبيبتي، تعالي ساعديني نطلع الحاجات دي، عشان مليكة هتطلع فوق دلوقتي.
لم تملك مليكة سوى أن تتنهد بعمق، وكأنها أُجبرت على قرار لم تكن مستعدة له، فصعدت الدرج ببطء، كل خطوة تشعرها بأنها تقترب من معركة مجهولة، قلبها كان يدعو أن يكون زيدان قد غلبه النوم، حتى لا تضطر لمواجهته بملامحه الغاضبة، لكن الأقدار لم ترأف بخوفها، فقد وجدته جالسًا أمام التلفاز، يدخن سيجارته بشراهة، والدخان يلتف حوله كغيمة سوداء تعكس اضطراب روحه، حتى ملامحه كانت عابسة وعيناه شاردتان، فبدا كبركان على وشك الانفجار.
اقتربت بخطوات حذرة كمَن يسير في حقل ألغام، وقالت بحدة ممتزجة بعاطفة خجولة:
-إيه ده يا زيدان؟، أنت عارف أن مبحبش ريحة السجاير تكون في البيت!
نهض فجأة يجمع متعلقاته بحركة عصبية، ورد بصوت مرتفع تتخلله مرارة:
-حاضر، هروح اتزفت واقعد في حتة تانية.
تقدمت نحوه بخطوات سريعة وأوقفت اندفاعه وهي تقول بنبرة عتاب رقيق:
-استنى بس، مالك متعصب ليه؟ أول مرة تعاملني كده وأنا ساكتة ومستحملة.
رفع عينيه نحوها بحدة وقال:
-وأنا بعمل إيه يا مليكة؟ ما أنا بردو ساكت ومستحمل!
ارتبكت وارتعشت كلماتها حين تمسكت بدفاعها:
-معقولة يا زيدان ده كله عشان رافضة نخلف دلوقتي، استنى شوية أكون مؤهلة نفسيًا.
زمجر صوته محمّلًا بخيبة أمل:
-العمر بيجري بيا وبيكي يا مليكة واحنا الحمد لله معندناش اللي يمنع، فـ ليه نعترض على رزق ربنا.
صرخت روحها قبل لسانها وهي ترد:
-ليه كلكم بتقولوا إن أنا بعترض، أنا بس خايفة أموت واسيبه ويتمرمط في الدنيا ويطلع في الدنيا مالوش حد.
اقترب منها خطوة وعيناه تتوهجان بصدق ممتزج بوجع:
-ظروفك غير ظروف ابننا لو ربنا كتبلنا نخلف، مش ضروري يعيش نفس حياتك، يمكن يعيش أحسن ويكونوا بدل الأخ اخوات كتير ويكونوا سند له.
قالت بدهشة ممزوجة بالضعف:
-كمان عايزني اخلف كتير؟
ابتسم ابتسامة باهتة لكنها محملة بالحنين:
-وماله يا مليكة، المفروض انتي اتحرمتي من حاجات تعوضي عيالك باللي اتحرمتي منه، لكن انتي بتكتبي على نفسك الحرمان من تاني وبتكتبيه عليا مع أني مش ذنبي حاجة.
أطرقت رأسها والدموع تتساقط من عينيها:
-أنا مش أنانية يا زيدان، عشان أحرمك من حاجة زي دي، أنا بس قولتلك نأجلها.
رفع حاجبيه غاضبًا وصوته يقتحم صمتها:
-لغاية امتى؟!
انهارت وصوتها قد بح من شدة بكائها:
-ماعرفش.
اقترب منها أكثر وصوته صار أهدأ لكنه لا يخلو من العتاب:
-شوفتي انتي لسه تايهه، ومحتاجة اللي يرشدك للطريق الصح.
ضحكت في وسط دموعها كمَن يبحث عن طوق نجاة، وقالت بحيرة:
-انت بقيت عاقل في كلامك كده من امتى؟
رد باستياء ساخر:
-يعني أدبش في كلامي مش عاجب، أكون عاقل مش عاجب.
تقدمت منه أكثر وقالت برجاء بينما صوتها ارتجف كليا:
-زيدان، متتجاهلنيش تاني لو سمحت ولا تخاصمني.
هز رأسه وهو يقول بنبرة جادة:
-أنا مخاصمتكيش، أنا بس كنت ببعد عشان مش عايز اضغط عليكي اكتر.
ترددت قليلًا ثم تساءلت بصوت خافت:
-هسألك سؤال...انت زعلت مني لما شوفت ابن نهى؟
أجاب سريعًا دون تردد:
-لا طبعًا مزعلتش، بس كنت بقول لو مكنتيش أصريتي على رأيك، كان زماني عندي ولد وسميته سليم ومحدش تاني سابقني.
ابتسمت رغم دموعها وقد لان تفكيرها قليلاً لمعة الرجاء الكامنة بعينيه الراغبة في تحقيق حلمه البسيط:
-خلاص في فرصة نسمي يزن.
رفع يده نافيًا بسرعة وهو يقول بحزم ممزوج بخفة دم:
-إيه لا طبعًا مش عايز، خليكي كدة كويس، كفاية نسخة واحدة يزن في حياتي، يبقوا اتنين.
شاركته الضحك، ولكن ضحكاتها تحولت إلى ابتسامة خجولة بسبب مساندة لها حتى في قمة غضبه، فهمست مترددة:
-زيدان أنا...
تنهد بعمق قبل أن يقاطعها بنبرة هادئة تحمل حنانًا دفينًا:
-فكري يا روحي...فكري ومش عايز رأيك وسيبها على ربنا، ودايمًا اتمنى وادعي باللي نفسك فيه وربنا هينولك اللي نفسك فيه، زي ما رضاني بيكي وبوجودك في حياتك.
ابتسمت ابتسامة صغيرة باهتة وهي تنظر إليه، لم تقل شيئًا، لكنها أدركت في قرارة نفسها أن موضوع الإنجاب لن يظل مؤجلًا طويلًا، وأنها مهما قاومت ستفكر فيه بجدية من أجل زيدان وحده، حتى وإن اضطرت للتنازل عن كل مخاوفها القديمة.
****
دخلت يسر إلى العيادة بخطواتٍ متثاقلة، وكأن الأرض قد أثقلت قدميها بسلاسل من تعبٍ لا يُرى، لقد أرهقها جسدها في الأيام الأخيرة، إذ كانت تفرط في الحركة على غير عادتها رغم ثقل بطنها المتنفخ الذي لم يعد يترك لها فسحة من الراحة، شعورٌ بالانقباض أخذ يتسلل إلى صدرها كلما همت بخطوة، ومع ذلك فإنها خضعت على مضض لرغبة نوح الذي ألح عليها أن تصعد إليه، فلم يكن في قلبها أي رغبة لرؤية تلك المرأة التي تقف دائمًا كظل ثقيل في حياتها، تلك التي تعتبرها خصمًا مستترًا يترصدها ببرود.
وحين اقتربت من باب مكتبه اعترضتها حسناء بصوتٍ خفيض متعمد، فيه من الاستفزاز ما يكفي ليوقظ نار الغيرة في صدر أي امرأة:
-رايحة على فين؟
توقفت يسر لحظة وكأنها تُحاول أن تلتقط أنفاسها قبل أن تنفجر، أطبقت جفنيها برهة ثم أجابت بهدوءٍ متصنع تخالطه نبرة لاذعة:
-داخلة لجوزي في اعتراض؟
مالت حسناء برأسها جانبًا وشفتيها ترتسمان بابتسامة متغطرسة تنضح استفزازًا:
-اممم بس نوح مابلغنيش إنك جاية، وفي حالة جوه.
كادت يسر أن تفقد أعصابها أمام هذا التحدي، لكنها تماسكت وهي تقول بنبرةٍ تفيض ضيقًا:
-وهيبلغك ليه يا حسناء، ده انتي حتة سكرتيرة ماتسويش حاجة ومسيرك هتمشي .
ولكن حسناء لم تفوت الفرصة لزيادة النار اشتعالًا، فأجابت بنبرة متعالية وقد ازدادت ابتسامتها اتساعًا:
-مشوفتش يعني دكتور نوح طردني ولا حاجة، باين تأثيرك مش قوي يا مدام، بس عمومًا أحلامك دي عمرها ما هتحصل، وأنا هنا موجودة وقريبة منه....قريبة منه اوي اوي لدرجة انتي مش تتخيليها.
اشتعل قلب يسر بالغيرة والحنق وقبضت كفها بشدة على مقبض الباب، حتى كادت عروق يدها أن تتفجر من شدة الضغط، لكن الباب انفتح فجأة وخرجت إحدى المريضات، لتجد نوح واقفًا في الداخل وما إن وقعت عيناه على يسر حتى أشرق وجهه بابتسامة صافية دافئة، كأنها شمس تبدد غيومها الداكنة، مد يده إليها مرحبًا بحنو بالغ:
-يسر، تعالي واقفة ليه كده، مدخلتيش ليه من بدري؟
وبحركةٍ مقصودة أغلق الباب في وجه حسناء التي وقفت مذهولة من ردة فعله، لتتجه بعدها مباشرة إلى هاتفها تجري اتصالًا بوالدتها، وكان صوتها حينها يقطر سُما:
-بقولك إيه لما أرجع البيت الاقيكي جايبلي البت بنت أم صفاء دي.
وأغلقت الاتصال بعصبية ثم نظرت إلى الباب بعينين تقدحان شررًا، بينما اقتربت منها إحدى السيدات تنتظر دورها وسألت بخجل:
-هو أنا هدخل امتى للدكتور؟
فأجابتها حسناء بلهجة غليظة يملؤها الضيق:
-معرفش لما المدام تخرج من جوه، أصل الدكتور فاضي اوي للحوارات دي.
رمقتها السيدة بدهشة لكنها آثرت الصمت وجلست تنتظر، دون أن تعلم أن وراء ذلك الباب كانت يسر في حالة انهيارٍ كامل.
جلست يسر على المقعد داخل الغرفة، وانفجرت دموعها بغزارة تهز جسدها شهقات متلاحقة كأنها أمواج بحرٍ هائج لا يهدأ، تفاجأ نوح من انكسارها المفاجئ فأسرع إليها يعانقها بحنو عميق، يمرر كفه على ظهرها بحذر الأب وشفقة الحبيب ثم همس إليها بصوتٍ يملؤه القلق:
-طيب أنتي زعلانة من إيه؟ تعبانة؟ مالك يا يسر؟
ابتعدت عنه قليلًا وقد غطت الدموع وجهها، ثم نظرت إليه نظرة مترددة وقالت بصوتٍ متهدج بين شهقاتها:
-انت كنت عايزاني ليه؟
مسح نوح دموعها برفق، كأنه يمحو آلامها بإصبعه، وأجاب بعينين تفيض حبًا:
-كنت عايز أشوفك وحشتيني.
ارتجفت شفتاها بين عتابٍ وحب، ثم أغمضت عينيها بقوة لتخفي ما يفيض من دموعها، فاقترب نوح أكثر وقبل جفنيها بحنو عميق قبل أن يهمس:
-انتي في حد زعلك قبل ما تدخليلي؟
فتحت يسر عينيها وقالت بصوتٍ يقطر جرحًا:
-انت سايبها عندك ليه؟ عايز تقهرني ليه بوجودها جنبك؟
قبل كفيها بحبٍ صادق ثم أجابها بصراحةٍ فاجأتها:
-أولاً أنا مش سايبها جنبي، هي بتشتغل عندي، تاني حاجة هي ضايقتك في إيه؟
سحبت يدها سريعًا وقالت بسخرية تنزف وجعًا:
-هتعمل إيه لو قولتلك، هتطردها يا نوح؟
ابتسم ابتسامة خفيفة وأجاب بحزم رقيق:
-متستعجليش على رزقك يا حبيبتي، في الآخر مش هعمل إلا اللي يرضيكي ويريحك.
-يعني إيه؟
فأجابها بنبرة هامسة يغمرها الحنو:
-يعني مفيش حد يستاهل تعيطي بسببه يا يسر....
ثم أمسك يديها مجددًا وقبلهما بحرارة، وضمها إلى صدره بقوة كأنه يبحث عن ملاذٍ من تعب الدنيا في هذا العناق، غاص وجهه في عنقها يستنشق عبيرها ببطء، فأدركت أن في صدره ما يثقل كاهله، فمررت يدها برفق على ظهره وهمست بخوف:
-نوح، انت كويس؟
هز رأسه نفيًا دون أن يرفع وجهه، وكأنه يهرب من الجواب داخل حضنها، فعاودت تسأله بصوتٍ مرتجف:
-مالك يا نوح؟ في حد زعلك؟
طال صمته حتى خرج صوته متهدجًا مثقلًا بالانكسار:
-رديت عليها زي ما قولتيلي، بس طلعت مكنتش بتسأل عليا، كانت بتزعقلي عشان اتأخرت ومبعتش مصروفها وافتكرت إني منعته عنها.
تسمرت عيناه في الفراغ وهو يتحدث، فارتبكت يسر في البداية ولم تفهم، حتى استوعبت أنه يقصد والدته، فاقتربت منه بعينين تفيض عطفًا وهمست:
-وانت اتأخرت في مصروف مامتك ليه يا نوح وانت عارف إنها معتمدة عليك في كل حاجة.
تنهد تنهيدة عميقة وقال بمرارة:
-كنت مفكر أنها هتقلق عليا، وتتصل تسألني عن حالي، بس دي أول حاجة عملتها زعقت لي وكأني عيل عندي ١٦ سنة.
-معلش ضغوطات الحياة كتيرة، اعذرها.
ابتسمت يسر ابتسامة حزينة وهي تربت على يده:
-المفروض إني أعذر الكل ومحدش بيعذرني.
تنهدت بهدوء وهي تجيبه بعقلانية تحتم عليها إظهارها في ذلك الوقت تحديدًا وفي ظل انكسارها من ناحية عائلته:
-ده واجبك ناحية أهلك يا نوح، المهم انت كنت عايزاني ليه وقولتلي اتطلعي ضروري؟
-عشان كنت عايز ده....
اقترب منها فجأة وعانقها بشدة من جديد، وهمس بصوتٍ مبحوح:
-كنت عايز أحس بوجودك جنبي، قربك مني بيهديني، وده اللي اكتشفته في بعدك، كنت تايه الأيام اللي فاتت ومكنتش عارف أنا عايز إيه!
ابتسمت وهي تستمع إليه وقلبها يخفق بقوة حتى خشيت أن يفضحها، ثم مدت يدها لترتب خصلات شعره المبعثرة بصمت، فنظر إليها طويلاً قبل أن يفاجئها:
-كل حاجة نفسك فيها هحققهالك، معلش هانت ...هانت اوي.
حدقت في وجهه مليًا، محاولة أن تستشف خبايا كلماته، لكنه استقام واقفًا وقال بهدوء:
-لما اخلص شغل هخدك ونبص على الشقة الجديدة بتاعتنا، عشان تشوفي هتفرشيها ازاي؟
همست بحزن طغى فجأة عليها:
-بس أنا كنت بحب شقتي.
-وأنتي لما هجرتيها مبقتش طايق اقعد فيها لحظة، وخلاص كرهتها...واظن أنك محتاجة تبتدي معايا في مكان جديد صح؟
صمتت للحظة طويلة وكأنها تزن كل كلمة داخليًا، ثم رفعت رأسها وقالت بحزم:
-مش بس المكان يا نوح، حياتنا محتاجة تأسس من أول وجديد، لا فيها شروط من ناحيتك ولا من ناحيتي.
كانت كلماتها كالسهام التي أصابت قلبه مباشرة، تذكره بشرطه السابق ورغبته المرفوضة في الزواج الثاني، لكن صمته حمل قبولًا غير معلن، ولكنها كانت تعلم في قرارة نفسها أنها لن تقبل أي عودة نهائية إلا إذا أعلنها صراحةً، أنها تكفيه وحدها وأن رغباته السابقة لن يكون لها مكان في حياتهما الجديدة.
****
كان يزن غارقًا في نومٍ عميقٍ بعد أيامٍ متتابعة من الإرهاق، نوم أثقله الجهد حتى صار جسده مستسلمًا للفراش كمَن يلوذ بأمانٍ مؤقت من صدمات الحياة، فكان قلبه مطمئنًا قليلًا بوجود سيرا في المنزل بجواره، ومع ذلك لم يكن عقله ليستكين تمامًا؛ إذ تسللت الكوابيس إلى منامه، كذئابٍ جائعة تنهش راحته، فكان تارةً يحلم بأن سيرا غادرت المنزل، وتارةً أخرى يراها في أسر "فايق" يختطفها أمام عينيه وهو عاجز، فينتفض في نومه وشفتيه تتمتمان بكلمات مبهمة غير مفهومة.
وبين غمرة النوم واليقظة، شعر بيدٍ صغيرة تلمس ذراعه برفق مصطنع، وصوتٍ ناعم غير مألوف يهمس في أذنه، حاول أن يقاوم ثقل جفنيه، لكن إحساسًا آخر أربكه حين لمح ضوء هاتفٍ موجه نحوه، فتح عيناه سريعًا بفزع، وإذا به يرى دهب واقفة على مقربة منه، تحمل هاتفها بارتباك وهي تحاول إخفاءه بعد أن كانت تلتقط له صورًا سرًا.
انتفض يزن من فراشه باندهاشٍ وملامحه يكسوها الغضب والإنكار، ثم قال بصوتٍ متوتر:
-انتي بتعملي إيه؟
ارتبكت دهب للحظة، وتلعثمت وهي تبحث عن ذريعة تبرر فعلتها:
-دد...ده أنا كنت بصحيك وبشوف الساعة كام في تليفوني.
رمقها يزن بحدةٍ وعدم تصديق، فعقد حاجبيه وهو يقول بصرامة:
-وإيه دخلك اوضتي؟
حاولت التماسك ثم أجابت بخبثٍ خافت:
-ما عشان أصحيك، قالوي اصحيك، فدخلت.
هز رأسه بغيظ وزفر بعمق وهو يقول بنبرة حادة:
-قصدهم إنك تخبطي على الباب، مينفعش تدخلي عليا وأنا نايم.
خفضت بصرها قليلًا وكأنها تعتذر، لكنها لم تستطع كتمان جرأتها الطفولية المتجاوزة فقالت مبتسمة باستهتار:
-أسفة، بس هو انت مكسوف عشان دخلت عليك، متقلقش انت كنت زي القمر بردو وانت نايم.
تجمد يزن مكانه لوهلة وقد صدمه أسلوبها الوقح رغم صغر سنها، حيث انقبض قلبه من سماجتها، فنهض من الفراش متجهمًا وهو يشير إليها بحدة:
-اخرجي يا دهب يلا، ونادي سيرا عايزاها.
رمقته بعينين مازحتين وقالت ببرود:
-معرفش هي فين؟
تغير وجهه إلى دهشة وغضب في آن، واقترب خطوة منها يسأل بصوتٍ متوتر:
-يعني إيه ماتعرفيش؟ هي خرجت؟
لم يمنحها فرصة للإجابة إذ قفز من مكانه مسرعًا نحو الخارج، يبحث في أرجاء البيت كمَن فقد شيئًا ثمينًا، ينادي باسمها بصوتٍ مرتفع متقطع تفضحه نبرات القلق:
-سيرا!… سيرااا!
قابلته شمس في الممر، وقد ارتسمت على وجهها علامات الاستغراب من اضطرابه الواضح فأوقفته قائلة:
-اهدى بتنادي ليه كده؟
التفت إليها بعينين يملؤهما القلق وسرعة الأنفاس تخنق صدره:
-هي سيرا خرجت؟
ابتسمت شمس بخفة تهدئه، وقالت:
-لا بس فوق السطح بتتكلم في التليفون مع صاحبتها، كنا فوق والقعدة عجبتها فسيبنها ونزلنا.
لم يعلق بكلمة واحدة بل مر بجوارها مسرعًا وكأن قدميه لا تلامسان الأرض، صعد السلالم بخطواتٍ سريعة حتى وصل إلى السطح، فوجدها جالسة على الأرجوحة التي كان سليم قد خصصها لشمس، تتمايل بخفةٍ بين الهواء، والهاتف ملتصق بأذنها، فكان صوتها مضطربًا وهي تحدث "فاطمة"، محاولة تبرير شيء ما، بينما الأخيرة تمطرها بوابلٍ من العتاب واللوم، بدا على سيرا أنها تقاوم العتاب، لكن كلماتها لم تخلُ من الارتباك.
اقترب يزن بخطواتٍ هادئة هذه المرة، وكأنه يخشى أن يقطع عليها خيط الكلام، ثم جلس بجوارها على الأرجوحة دون أن ينطق بحرف، فالتفتت إليه بدهشة ممزوجة بالحرج، ثم تلعثمت وهي تحاول مواصلة الحديث مع فاطمة، لكنها لم تستطع أن تكمل، حيث ساد صمت قصير ثم تنهدت وأغلقت الهاتف بعد أن اعتذرت لصديقتها بصوتٍ خافت.
وألقت نظرة طويلة على يزن، كأنها تبحث في ملامحه عن جوابٍ لم يُطرح بعد…فهمست وقد علت نبرتها بحنو وارتباك:
-مالك يا يزن؟
التفت إليها بنصف رأسه، وصوته متهدج بحنق مكتوم وكأن أنفاسه نفسها أصبحت ثقيلة عليه:
-مصحتنيش انتي ليه؟
رمقته بدهشة طفولية، ولم تدرك مقصده للوهلة الأولى، فقالت باستفهام عفوي:
-مش فاهمة؟
تنهد بعمق وكأن صدره يحاول أن يتخلص من حملٍ أثقل كاهله مؤخرًا، ثم أوضح بنبرة أشد ضيقًا:
-ليه سيبتي دهب هي اللي تصحيني؟
هزت كتفيها بخفة وفي عينيها اهتمام صادق ممزوج بالاستفهام:
-محدش قالي أصحيك، مالك إيه اللي مضايقك؟
أدار وجهه عنها وعيناه تتجنبان نظراتها القلقة، فهو لم يشأ أن يبوح بما يعتمل في صدره، فتمتم بنبرة متعبة تشي بالكثير ولا تقول شيئًا:
-مفيش...يمكن عشان قومت ناقص نوم.
تأملته سيرا بتركيز وأحست أن وراء كلماته البسيطة أسرارًا يخفيها عنها، لكن حركته التالية كانت مفاجأة صاعقة لها، فقد اعتدل في جلسته فجأة وأسند رأسه على كتفها بارتياح طفل هارب من شيء وأغلق عيني، فشهقت بدهشة ولم تفهم ما يفعل فتمتمت بارتباك:
-يزن هو انت بتعمل إيه؟
أجابها بصوت خفيض كمَن يسلم نفسه للنوم:
-نايم.
التفتت برأسها سريعًا إلى الخلف، تخشى أن يراهم أحد في تلك اللحظة العابرة التي جمعت بينهما على غير ميعاد، وقالت بخجل ممزوج بمحاولة الابتعاد:
-انزل نام تحت.
لكن يده سبقتها وأمسك بذراعها بقوة، فاحتضنها كما لو كان يتشبث بقشة نجاة، وأسند رأسه براحة وهو يقول بصوتٍ مبحوح متعب:
-لما كنتي خايفة وطلبتيني، مش أنا احتويتك؟
نظرت إليه بعينين دامعتين واستحضر قلبها تلك اللحظة التي غمرها فيها بالأمان، فأجابت همسًا ناعمًا:
-اه.
رفع بصره إليها ونظرة ترج خافتة استقرت بعينيه وقال بصوتٍ يكاد ينكسر:
-احتويني...اعتبريها رد جميل ورديها دلوقتي.
همست بحماقة وقد زاد قلقها:
-وانت خايف من إيه؟ في حد كان بيحاول يعتدي عليك؟!
ضحك بسخرية وقال:
-لا وقعت في حب واحدة هبلة، مقولكيش على جلد الذات.
شهقت مصطنعة الاندهاش وأبعدت رأسه عن كتفها بانفعال:
-أنا هبلة؟ وكمان بتجلد ذاتك؟ ده بدل ما تشكرني إن أنا انتشلتك من المستنقع اللي انت كنت فيه!
تساءل بنبرة متحدية:
-مستنقع إيه؟
قالت بثقة وهي تحدق في عينيه مباشرة بجرأة وابتسامة حالمة تحتل ثغرها:
-اعترف أنك كنت تايه من غيري، من البنت دي للبنت دي لغاية ما شوفتني وقررت إنك تكتفي بيا.
رفع حاجبيه ساخرًا وقال:
-وانتي إيه عرفك إني اكتفيت بيكي؟!
ابتسمت ابتسامة مشوبة بالحنان والتحدي في آن واحد:
-نظراتك، كلامك، خوفك عليا، دايمًا واقف جنبي وفي ضهري، واوقات بحس إنك مبسوط بيا.
رفع كفها لفمه ثم قبل بحنو قبل أن يهمس بتساؤل يغمره التعجب:
-مبسوط بيكي ازاي؟
كتمت ضحكتها وهي تخبره عن حماقة تفكيرها:
-فاطمة قالتلي إنك مبتخافش وبتنزل صورنا عادي على السوشيال، مخوفتش صورتك الاجتماعية عند البنات تتهز، غيرك يفضل محافظ إنه سينجل.
ابتسم يزن ابتسامة مائلة فيها مرارة، وقال:
-طيب بذمتك كل الكومبو ده ومستخسرة فيا أنام على كتفك شوية.
ضحكت بصوت عالٍ ثم اقتربت منه ببطء، فترك رأسه يستقر مجددًا على كتفها مستسلمًا، وأغلق عينيه بسلامٍ لم يعرفه منذ زمن، بينما أصابعه تعبث بكفيها وترسم دوائر عشوائية كأنه يكتب عليها قصيدة صامتة، لكن صمته لم يطل، إذ فاجأها بسؤال لم يخطر ببالها:
-سيرا، لو حورية صاحبتك كلمتك دلوقتي، وقالتلك إزاي تقبلي تتجوزي واحد زي ده بتاع بنات وكل الهري اللي هي بتقوله، هتقلبي عليا زي ما كنتي بتقلبي زمان؟
أطرقت رأسها قليلاً تفكر وتستعرض حديث حورية عنه واختفائها المفاجئ، ليتها كانت الآن تراه كم هو حنونًا وشجاعًا وخير السند والصديق والحبيب، فأجابته بنبرة واثقة:
-انت قولت زمان...زمان مكنتش اعرف شخصيتك،
ولا اعرف عنك حاجة، مشاعرك مكنتش واضحة، وكلامك كان بيديني كذا معنى، لكن دلوقتي فهمت وعرفت كل حاجة.
قال بنبرة منخفضة وعيناه تبحثان في ملامحها:
-عرفتي إيه؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت:
-إنك بتحبني.
ضحك بمرارة خفيفة:
-حلو إن الواحدة تعترف بنفسها لنفسها ده مسهل حاجات كتير.
ابتسمت بشقاوة عاطفية:
-ليه هو أنا مش هسمعك وانت بتقولهالي؟ انت أصلاً المفروض لما تصحى الصبح تقول صباح الخير بحبك، وفي وسط اليوم بحبك، وفي آخر اليوم بحبك.
ضحك بقوة وهو يقول بسخرية:
-تلات مرات يعني، ده دوا مضاد حيوي ولا إيه؟
ابتسمت بمكر:
-مضاد للاكتئاب، عارف لو فضلت تقولها عمرك ما يجيلك اكتئاب.
أجابها ساخرًا:
-هو اللي يشوفك ويعرفك يعرف يعني إيه اكتئاب، ما شاء الله أنا كل يوم في مصيبة معاكي.
صفعته بكلماتها المعاتبة:
-اخص عليك يا يزن؟ يعني أنا معيشاك في مصايب.
ضحك ساخرًا مجددًا وهو يشاكسها:
-لا أبدًا انتي؟ انتي معيشاني في هنا وسعادة وفرفشة.
ابتعدت سيرا عنه فجأة، في حركة حاسمة لم يتوقعها فانزاح جسده بثقله على الأرجوحة، شعر بفراغٍ مفاجئ يسكن كتفه حيث كان يستند برأسه قبل لحظة عليها، فراغ يشبه انطفاء دفء مدفأة في ليلة باردة، فكان لا يزال يتلمس بعينيه ملامحها وهي تبتعد، يتأمل ارتباكها وفي قلبه خليط غامض من الأسى والامتنان لتلك المسافة التي فرضتها بينهما.
ورغم كل ما مضى من مغامراته العابرة مع الفتيات، ورغم تعدد الوجوه التي مرت في حياته كظل عابر، لم يكن يزن يومًا من أولئك الذين يهوون التواصل الجسدي، فكان الغزل عنده حروفًا، كلمات يصوغها بلسانه بخفة ماكرة، يتفنن في رميها على مسامعهن جميعًا بنفس النبرة ونفس الأسلوب، كأنهن نسخ مكررة من قصة لا تبعث في قلبه شغفًا حقيقيًا، فكان يعرف كيف يضحكن وكيف يسرعن بالانجذاب إليه، لكنه في داخله كان يظل غريبًا، يقف بعيدًا كأنه متفرج على مسرحية يؤدي فيها دورًا لم يصدقه يومًا...إلا سيرا، كانت شيئًا آخر تمامًا.
-طب اوعى بقى ومتكلمنيش تاني طالما أنا مش عجباك.
ونهضت مسرعة تلقي بكامل سخطها عليه، بينما ظلت كلماتها تتناثر في الجو مثل أوراقٍ سقطت من شجرة في الخريف، ظل يزن في مكانه يحدق في الفراغ وتنهد تنهيدة طويلة تشي بحبٍ أكبر من كل الكلمات ثم تمتم بصوتٍ متحشرج لا يسمعه سواه:
-هو أنا ورايا غير إني أحب فيكي.
تلك الحمقاء لم تعلم أنه لم يكن الغزل معها مجرد كلمات جوفاء، بل صار فعلًا ينبت في الجسد والروح معًا، معها لم يعد يكتفي بتلك الضحكات العابرة أو النظرات السطحية، بل وجد نفسه وللمرة الأولى يتوق إلى القرب الحقيقي، كانت أول فتاة تثير فيه رغبة أن يمد يده فيمسك يدها لا على سبيل المجاملة، بل على سبيل الحاجة، أول فتاة يجد في كتفها راحة، وفي حضورها ملاذًا.
****
في اليوم التالي...
جلست يسر في الصالون الفسيح لشقة أبلة حكمت، وقد غمرتها رهبة لم تستطع أن تخفيها، وذلك بعدما قررت أن تأتي لتطمئن على سيرا، وحين لم تجدها، وجدت نفسها مضطرة أن تسمع من حكمت رواية ما جرى، وما إن تسلسل الكلام حتى استدار الحديث نحو ما وقع بينها وبين حسناء ونوح أيضًا، فاشتعلت ملامح حكمت بلهيب الغضب، وارتفع صوتها فجأة يخترق جدران الصالون كما يخترق السيف لحمًا طريًا، وصاحت بعينين متسعتين تقدحان شررًا:
-يالهوي وسكتي وهي بتقولك كده يا ختي عادي، أنا لو مكانك كنت جيبتها من شعرها.
ارتجفت يسر كأن مقعدها الوثير صار نارًا تحتها، زفرت زفرة طويلة وكأنها تحاول طرد كابوس يخنق صدرها، كانت كلمات حكمت تثير في أعماقها رغبة دفينة بالانتقام، رغبة تنمو كشوكة سرية في قلبها، لكنها في الوقت ذاته تُقيدها بقيود الخوف، فرفعت رأسها ببطء وقالت بصوت متردد يقطر بعدم الرضا:
-مينفعش دي عيادته وشغله وكده هضر بنوح، وبعدين هي ممكن تعمل فيا حاجة وأنا حامل.
هنا اتسعت أنفاس حكمت كمَن يسمع حججًا واهية، فرمقتها بنظرة حادة وقالت بنبرة صارمة تُقطع الهواء كالسياط:
-بقولك إيه البت دي لازم تتربى وتشوف منك العين الحمرا على حق عشان متتعداش حدودها معاكي تاني.
تسارعت أنفاس يسر ووضعت يدها على بطنها في حركة غريزية تدل على قلقها، ثم اعترفت بصوت خافت يفضح ضعفها:
-نفسي والله بس قولتلك مينفعش، ونوح بردو متضمنش رد فعله...المهم قوليلي هنروح نشوف سيرا ولا لا؟
أطلقت حكمت تنهيدة طويلة متخمة بالامتعاض، وكأنها تحمل العالم على كتفيها، كانت تحتقر هذه السلبية التي تراها في يسر، تلك الاستكانة التي تجعلها عاجزة عن الدفاع لا عن زوجها فقط بل عن كرامتها أيضًا، فنهضت بخطوات حاسمة وبعينين تلمعان بالتصميم قالت ببرود متوتر:
-اه هدخل البس اهو.
خطت بضع خطوات نحو باب الغرفة، لكن فكرة ما ومضة في ذهنها فجعلتها تتوقف فجأة عند العتبة، استدارت ببطء وكأنها تحيك خيطًا جديدًا لمكيدة لم تولد بعد، وقالت بصرامة لا تقبل الرفض:
-بقولك تعرفي تجيبلي عنوان البت دي لغاية ما اخلص لبس؟
رفعت يسر رأسها بارتباك وأشارت برأسها نافية بعفوية، لكن هذه الإيماءة البلهاء لم تزِد حكمت إلا حنقًا، فعادت إلى غرفتها وهي تغلق الباب بقوة أرعدت جدران المكان، حتى شعرت يسر أن الضربة موجهة لصدرها هي.
مرت دقائق ثقيلة كالأعوام، خرجت بعدها حكمت وهي تعدل من حجابها بعناية، وقد بدا عليها ثبات العزم أكثر من أي وقت مضى، وجدت يسر تقف في منتصف الصالة، ثم رفعت هاتفها بخجل ولوحت به مزينة ارتباكها بابتسامة متوترة وقالت:
-جبته من سواق بيشتغل عند نوح، قوليلي عايزاه ليه؟
ارتسمت على شفتي حكمت ابتسامة شريرة، ابتسامة تحمل في طياتها وعدًا قاسيًا لا يعرف الرحمة، وقالت بصوت هادئ لكن كالنصل البارد:
-تعالي واتعلمي ازاي تدافعي عن حقك، وإن ماكسرتلك مناخيرها مبقاش أنا.
غادرتا البناية بخطى متسارعة، والهواء من حولهما مشبع بالتوتر، لكن القدر شاء أن تقف في طريقهما فاطمة التي هرعت إليهما لاهثة من شدة العجلة، حتى كادت أن تتعثر من اضطراب أنفاسها، وما إن رأت حكمت حتى قالت بصوت متقطع:
-أبلة حكمت...كويس إني لحقتكوا، سيرا قالتلي إنك رايحة ليها خديني معاكي.
اقتربت فاطمة لتقبل يسر، فبادلتها الأخيرة المودة بعناق حار وقبلة صادقة، تحمل في طياتها حبًا وودًا حديثًا، وحين ابتعدت عنها رفعت عينيها لتجد حكمت تتفحصها بنظرة تقييم، لم تنطق بكلمة بل رفعت يدها وأوقفت سيارة أجرة، وأشارت لهما بصرامة أن تتبعانها.
اقتربت فاطمة من يسر وهمست في أذنها بفضول لا يخلو من القلق:
-هو في إيه؟ ده أنا توقعت تشتمني ومتاخدنيش ولا إنها توافق بالسهولة دي!
أجابت يسر بصوت مبحوح كمن يُلقي نبوءة مرعبة:
-في مصيبة ربنا يستر.
جلسن في المقعد الخلفي للسيارة، حكمت في المنتصف تمسك زمام الموقف كقائد معركة، وعيناها مثبتتان بشراسة وكأنها ترسم على الطريق خطة انتقام محكمة، لم يلبث أن اخترق فضاء السيارة صوت فاطمة بسؤال ساذج لكنه منطقي:
-طيب وافرض مكنتش موجودة في بيتها؟
أجابت يسر بسرعة محاولة أن تطمئن نفسها أكثر مما تطمئن فاطمة المسكينة:
-النهاردة الجمعة اجازة، وهي أكيد في بيتها.
لكن حكمت قطعت حديثهما بضحكة قصيرة ساخرة، ثم قالت بصوت ممتزج بالصرامة والتهديد:
-اهو محاولة لاقينها اخدت اللي فيه النصيب، مكنتش موجودة ربنا رحمها من تحت ايدي.
ارتجفت يسر وأسندت يدها على بطنها كمن يستشعر خوفًا مزدوجًا على نفسها وجنينها، ثم همست بارتباك:
-أنا خايفة!
ابتسمت فاطمة ابتسامة سوداء، كأنها تسخر من حظها العاثر الذي قذف بها وسط هذه العاصفة، وقالت بنبرة حزن:
-حقك يا حبيبتي.
حينها انقض صوت حكمت كالسوط، نهرتهما بصرامة لم تترك مجالًا لأي اعتراض، ثم أتبعت كلماتها بابتسامة غريبة تحمل لذة لا تُخفى في انتظار ساعة الانتقام:
-بس بطلوا كلام، مش عايزة اسمع حاجة تعكر مزاجي.
****
كان يزن يقف في الحديقة الصغيرة التابعة للمنزل، والنسيم العليل يمر بين الأغصان البسيطة فيحركها برفق كأنه يلاعبها، بينما انشغل هو بمداعبة الصغير أنس بالكرة، فارتفعت ضحكات أنس ببراءة خالصة، عاكسة سعادته الكبيرة باللعب مع عمه يزن، إذ كان يركض خلف الكرة بحماس، ويقفز بفرح طفولي يُشيع في المكان جوًا من البهجة.
لكن هذا الصفو المرح لم يدم طويلًا، إذ اخترق الأجواء صوت حازم جاء من بعيد، صوت سليم الذي دوى في أذن الطفل بجدية قاطعة:
-أنس تعالى عايزك.
توقف الصغير عن الركض فجأة، وكأن أوامر والده أقوى من كل الألعاب، ثم التفت نحو يزن وهو يلهث قليلًا من فرط الجري:
-هروح اشوف بابا واجي احكيلك عن روني صاحبتي الجديدة.
ابتسم يزن ابتسامة ماكرة وانحنى قليلًا حتى صار في مستوى الصغير، ثم همس له بنبرة ساخرة تحمل في طياتها شيئًا من المزاح الممزوج بالجد:
-لا تحكيلي إيه مش أنا توبت.
انعقد حاجبا أنس الصغير، وظهرت على وجهه ملامح الدهشة البريئة، وكأنه يحاول أن يفك شيفرة كلمة لم تدخل بعد قاموس طفولته، رفع رأسه نحو يزن متسائلًا بجدية طفولية لا تعرف حدودًا:
-توبت عن إيه يا عمو؟ مفهمتش!
ضحك يزن ضحكة قصيرة، ثم أجابه ببساطة شديدة وعيناه تشردان قليلًا كأنهما تسترجعان مواقفه مع سارقة قلبه وعقله:
-لما تكبر وتبقى زيي وتخطب واحدة زي طنط سيرا، هتعرف يعني إيه توبت.
وقف أنس يفكر بعقل صغير لم يدرك بعد معاني الخيبة أو الحنين، ثم غمغم متعجبًا وهو يميل برأسه:
-يعني طنط سيرا قالتلك ماتكلمش بنات غيرها؟
ارتفعت ضحكات يزن، ثم أومأ برأسه نافيًا وهو يقول بمرح هادئ، يخفي بين طياته مرارة لا يفهمها طفل:
-لا دي كرهتني في صنف البنات كلهم، متشغلش بالك بالكلام ده دلوقتي، انت وراك مهمة يا بطل مع أبوك الشرير.
هنا بدت ملامح أنس جادة وهو يدافع عن والده دفاعًا بريئًا يفيض بالحب:
-بابا مش شرير، بابا ده عسل.
أطلق يزن ضحكة ساخرة، ثم ربت على كتف الصغير بحنان قائلاً:
-عسل معاك انت وماما وقمر، لكن معانا احنا شرس.
رفع أنس رأسه بدهشة أكبر، وعيناه تلمعان بحب والده الذي لا يعرف فيه قسوة، وتمتم بتساؤل لم يخطر على باله أن يسمعه:
-بابا؟
اقترب يزن أكثر وابتسم ابتسامة تحمل في عمقها طيفًا من السخرية والحنق ثم همس:
-ايوه يا أنس ده عدو فرحتي، يشوف فرحتي فين ويبوظها.
فتذكر يزن أنه منذ الصباح الباكر لم يستطع أن يجتمع بـ سيرا ولو للحظة قصيرة، إذ كان سليم حاضرًا في كل مكان كظله الثقيل، حتى خطر في بال يزن أنه قد يجده واقفًا أمام دورة المياه أو جالسًا في صحنه الذي يأكل فيه! وجوده الدائم جعله عاجزًا حتى عن أن يرمش جفنه إلى حيث تجلس سيرا، أو أن يسرق لمحة من عينيها التي تشتاق إليها روحه أكثر مما تشتاق الصحراء إلى المطر، فكان قلبه يتأجج بالشوق ويضج برغبة جامحة في أن يختطفها بين ذراعيه ويفر بها بعيدًا عن أعين الجميع، لكنه كبح نفسه بجهد، وقرر أن يؤجل ذلك إلى المساء حيث يكتمل خيط خطته المرسومة بعناية.
وفيما كان غارقًا في دوامة أفكاره، انتبه فجأة إلى وقع خطوات خلفه فالتفت ليجد دهب تقف حاملة فنجان قهوة بين يديها، كانت نظراتها مترددة لكنها حاولت أن تغلف صوتها بالنعومة حين قالت بنبرة تكسوها دلع مقصود:
-عملتلك فنجان قهوة.
رمقها يزن بضيق واضح، وقد انعقد ما بين حاجبيه علامة نفور من تصرفها الذي اعتبره تدخلًا في مساحة لا تخصها ثم أجاب بصرامة قاطعة:
-ارميه، مبحبش القهوة.
لم تيأس بل حاولت مجددًا وهي ترفع الفنجان قليلًا تجاهه كأنها تغريه بقبوله:
-ليه بس، طيب دوقه عشان خاطري؟
أدار وجهه عنها ثم عاد ينظر إليها نظرة جامدة خالية من أي تعبير، وأجاب ببرود مُتعمد ثم أردف بكلمات حملت قصدًا خفيًا لتذكيرها بحدودها معه:
-قولتلك مبحبهوش، هي سيرا فين؟
تشنجت ملامح دهب فجأة، كمن تلقى صفعة خفية، وقالت بامتعاض لم تحسن إخفاءه:
-هو أنا كل ما اقف معاك تسأل على سيرا؟
ابتسم يزن بسخرية باهتة ورد بجملة قاطعة:
-امال أسال على مين؟ عليكي؟ طبيعي اسال عليها؟
-ليه طبيعي؟
ابتسم بفتور ثم أطلق إجابته كالسهم المباشر:
-يمكن عشان هي مراتي؟!
اتسعت عيناها بدهشة غير مصدقة، ثم قالت وهي تكاد تختنق بضحكة عصبية:
-مراتك؟ انتوا لسه كاتبين الكتاب.
ارتسمت على ملامح يزن علامات الضجر، فقال بنبرة حادة لم تخلُ من التوبيخ:
-انتي بتتدخلي في أمور أكبر من سنك ليه يا دهب؟ انت يخصك في إيه مراتي ولا كاتبين الكتاب!!
أطرقت للحظة ثم رفعت رأسها لتسأله بجرأة عفوية:
-هو انت بتحبها لدرجادي؟!
تضايق من سؤالها المباغت فشدد على كلماته بحدة:
-هي مين؟
همست بخجل متردد لكن الفضول غلبها:
-خالتو سيرا.
-اممم خالتك... رغم إنها حاجة متخصكيش، بس اه بحبها امال كتبت كتابي عليها ليه؟!
ارتبكت دهب وتشبثت بخيط وهمي أخير لتثبت لنفسها شيئًا ما، فقالت بتلعثم:
-مش عشان تنقذها من الفضيحة؟
ارتفع صوت يزن فجأة وفيه تحذير واضح:
-دهب!
-دهب
ارتعدت أنفاسها وتجمدت أطرافها في مكانها، ثم التفتت ببطء شديد، كمن وقع في الفخ الذي كانت تخشاه، تجمدت عيناها على سيرا الماثلة أمامها بملامح صارمة تشتعل بالحنق، فيما انحدرت نظراتها برجاء بائس نحو يزن، وكأنها تتوسل منه أن ينتشلها من هذا الموقف الحرج الذي علِقت فيه!!
رواية غناء الروح الفصل الثامن والأربعون 48 - بقلم زيزي محمد
-يا خبر مدام يسر، نورتي!
لكن يسر لم تبتسم بل ظلت تحدق فيها بجمودٍ يشوبه الحذر، وسرعان ما التقطت حسناء بعينيها شيئاً آخر…فقد انتبهت لوجود سيدة تقف خلف يسر، تتخذ وضعية الحارسة، تراقبها بنظراتٍ قاسية تمتلئ بالشر والحقد، ارتبكت قليلاً وشعرت بنبضها يتسارع، ومع ذلك حاولت أن تحافظ على تماسكها، فتساءلت بنغمةٍ حاولت أن تبدو باردة:
-اقدر اعرف إيه سر الزيارة الكريمة دي؟
لكنها لم تكن تتوقع الجواب بهذه السرعة، فقبل أن تنهي جملتها دفعتها حكمت دفعة قوية وهي تقول بنبرةٍ تهكميةٍ حادة:
-هنتكلم على الواقف كده يا حبيبتي؟ ولا انتي عديمة النظر وقليلة الذوق؟!
اتسعت عينا حسناء دهشةً وتراجعت خطوةً إلى الخلف وقد ارتسمت على وجهها ملامح الصدمة من اقتحامهما المفاجئ، ثم نهض فيها الغضب،
فصرخت بعصبية:
-انتي جاية تشتميني في بيتي يا ست انتي؟ ما تشوفي البلوة اللي انتي جايبها دي يا مدام يسر!
فجاءها الرد من حكمت بلهجةٍ نارية:
-بلوة لما تلهفك يا حرباية، ياللي مالقتيش حد يريبكي.
ارتبكت يسر من اندفاع حكمت العنيف، وحاولت أن تهدئ من حدة الموقف لتستفز حسناء بأسلوبٍ آخر، فتقدمت منها بخطواتٍ محسوبة ونظرت إليها بعينين تشتعلان حدة، ثم قالت بنغمةٍ هادئة ولكنها مشحونة بالتهديد:
-خليكي معايا أنا يا حسناء، أنا جايلك بنفسي عشان أشوف أخرتك إيه؟
ضحكت حسناء بصوتٍ عالٍ ملؤه الوقاحة والاستهزاء، ضحكة جعلت الدم يغلي في عروق حكمت التي بدأت تبحث بعينيها عن شيءٍ ترميه بها، ثم صاحت حسناء بلهجةٍ مليئة بالغرور:
-أخرتي معروفة، انتي بس اللي مش مالكة الدكتور في ايدك، فجاية لغاية عندي تتطمني، بس أنا بقولك اهو اوعي تتطمني أبدًا.
ارتسمت على ملامح يسر نظرات التحدي، واقتربت أكثر حتى تلاشت المسافة بينهما، متناسيةً تحذير حكمت من أن تقترب كثيراً، وقالت بنبرةٍ لاذعة وقد تخللت كلماتها سخرية جارحة:
-اوقات بتصعبي عليا يا خنفسه انتي، وفاكرة إنك ممكن تهدديني، أو فاكرة بعقلك المريض إنك هتاخدي مكانتي عند نوح، على رأي ابلة حكمت إيش جاب الهانم لمسّاحة السلالم.
ثم أنهت حديثها بإشارةٍ ازدرائية مقصودة، فاشتعلت نيران الغيظ في عيني حسناء التي صرخت بغضبٍ أعماها عن التفكير واندفعت نحوها بعنف وهي تصيح:
-أنا مسّاحة سلالم يا بنت الـ **** ده أنا هوريكي.
ارتطمت يسر بخزانةٍ خشبيةٍ قديمة خلفها، فصدر صوت مكتوم لاصطدامها، وارتسمت على وجهها آثار الألم الشديد، فرفعت يدها تمسك بطنها المنتفخ وهي تلهث بخوفٍ ووجعٍ واضحين.
أما حكمت فكانت قد شهقت من هول ما رأت، ثم رفعت حاجبها وقد اشتعل الغضب في ملامحها، فشمرت عن ساعديها استعداداً للانتقام، وقالت بسخريةٍ قاتمة:
-ده انتي قلبك قوي بقى يا بت؟
التفتت إليها حسناء وقد اشتعل وجهها ازدراءً، فصرخت بسخريةٍ لاذعة:
-انتي مأجرها من انهي داهية دي؟
لكن حكمت لم تمهلها كثيراً، انقضت عليها بجسدٍ صلبٍ وذراعين قويتين، وأمسكت بخصلات شعرها الذهبية المصبوغة بعنف، تشدها يميناً ويساراً وهي تقول من بين أنفاسها الساخنة:
-مأجراها، انتي مش واخدة بالك من الشياكة ولا إيه ولا الدهب اللي لابساه؟!
صرخت حسناء بألمٍ وهي تحاول التملص من قبضتها:
-اوعي يا ولية يا قرشانة انتي احسنلك.
لكن التهديد لم يُخف حكمت، بل دفعها أكثر فدفعتها بقوةٍ نحو الأريكة خلفها، فسقطت حسناء بعنفٍ واعتلتها حكمت بثقل جسدها، وأطبقت عليها كما تُطبق اللبؤة على فريستها، توالت الصفعات واللكمات في أنحاء متفرقة من جسدها، وحكمت تضحك من بين لهاثها وهي تمزق خصلات شعرها بلا هوادة، وتصيح بسخريةٍ مريرة:
-ده شعر حقيقي ولا بلاستيك وباروكة يا نص كم انتي، ياللي متسويش في سوق النسوان تلاتة تعريفة.
كانت صرخات حسناء تتعالى، والدموع تختلط بالعرق على وجهها بينما يسر تحاول استجماع قواها لتتدخل، فنهضت بخطواتٍ مرتعشة، وسحبت حكمت من كتفها وهي تقول بصوتٍ متعبٍ مبحوح:
-يلا يا أبلة، خلاص هي اخدت اللي فيه النصيب.
توقفت حكمت وهي تلهث من شدة الانفعال، ثم نهضت ببطء وهي تنفض ثوبها كمن انتهى من معركةٍ طويلة، وقالت بنبرةٍ حادة مليئة بالتحذير:
-انتي يا بت وربنا لو فكرتي تعترضي لستك وتاج راسك انتي واهلك يسر هانم، لكون جاية ضاربكي انتي واهلك، علقة مخدهاش حمار في مطلع.
ثم سحبت يسر من يدها بعنفٍ وهي تقول:
-يلا بينا، قبل ما نلاقي نسوان الحارة جايين فوق دماغنا.
كانت يسر تحاول اللحاق بها بصعوبة وهي تتنفس بصعوبة وتقول:
-استني يا أبلة...مش قادرة!
لكن حكمت لم تتوقف بل أجابت بلهجةٍ لاهثة وهي تسحبها أكثر:
-يلا يا ختي عالله تكون فاطمة افتكرت أنا قولت إيه!
وحين خرجتا كانتا قد وجدتا فاطمة جالسة في سيارة أجرة قد أوقفتها بعد حوالي عشر دقائق منذ صعودهما وفقاً لتعليمات حكمت، فكانت فاطمة قد اعترضت سابقاً على أن يتركهما السائق الذي أحضرهما، ولكن حكمت زمجرت بعنف خوفاً من أن يأخذ أجرة زائدة وأقنعتهما بالاقتصاد، فالتزمت فاطمة بالنصيح وتمكن الثلاثة من مغادرة الحي دون ضجيج.
أدارت فاطمة وجهها إلى الخلف متفقدة يسر وسألتها بقلق:
-انتي كويسة يا يسر؟
هزت يسر رأسها بتعب وهي تبحث في حقيبتها عن دوائها:
-اه شوية مغص بس هخد دوا التثبيت وهكون كويسة؟
نظرت إليها حكمت باستغرابٍ صادق وسألت:
-تثبيت ايه؟ انتي مش في الشهر التامن؟
ابتسمت يسر بخفوتٍ وهي تفتح الدواء:
-في اوله لسه، والدكتورة هي اللي مشياني عليه، بس المهم يا ابلة هي ليه البت دي متحركتش ورانا وسابتنا نخرج عادي كده؟
ارتسمت على وجه حكمت ابتسامةٌ ماكرة، ثم قالت وهي تميل نحوها:
-عشان تثبت حالة عند جوزك، وتعزز من موقفها قدامه ويبان انها المظلومة!
اتسعت عينا يسر بقلق واضح، وضربت بيدها على ساقها قائلةً بلهجةٍ مرتجفة:
-يا نهار اسود، كده نوح هيخرب الدنيا فوق راسي.
رفعت حكمت حاجبيها وقالت بنغمةٍ هادئةٍ لكنها حادة كالسكين:
-مش انتي الايام اللي فاتت كنتي بترخي، جه الوقت تشدي عليه لو جه كلمك ووريله العين الحمرا.
أجابت يسر بقلقٍ حقيقي:
-حمرا؟ انتي ماتعرفيش نوح في عصبيته، ربنا يستر.
هزت حكمت رأسها بضجرٍ وهي تتمتم:
-ستات فاشلة مش عارفة تحكم جوزها!!
تنهدت يسر بألمٍ وهي تبتلع دواء التثبيت، متجاهلة الوجع الذي كان يطرق بطنها بين الحين والآخر...والقلق الذي بدأ ينهشها في صمتٍ أشد من كل الصراخ.
***
في منزل الشعراوي.
غادرت دهب الحديقة مسرعةً بعد أن وبختها سيرا بعنف لم تعهده منها من قبل، لم تنطق بكلمة واحدة واكتفت بانحناءة خفيفة للرأس، تخفي خلفها انكسارًا صغيرًا في ملامحها الطفولية، كانت خطواتها فوق أرض الحديقة أشبه بصدى خافت يتوارى خلفه حقد لم يُقل، أما يزن فظل صامتًا تمامًا يراقب المشهد بعينين تحملان مزيجًا من الغموض والدهشة، لم يُعلق ولم يُعقب بل اكتفى بنظرةٍ طويلةٍ إلى سيرا...نظرةٍ لم تفهم معناها تمامًا لكنها شعرت بأن هناك خطب ما!!
كانت سيرا تحاول أن تُبرر انفعالها أمامه، تُقنع نفسها قبل أن تُقنعه بأن ما فعلته لم يكن قسوة، بل تصرفٌ تربوي تفرضه الضرورة ضد تدخلات دهب الفضولية من وجهة نظرها...فقالت في تبريرٍ مرتبك:
-معلش يا يزون متاخدش على كلامها هي دهب كده فضولية شوية، صغيرة حقك عليا.
لكنها كانت تدرك في أعماقها أن ما رأته في عيني دهب لم يكن فضولًا مراهقًا، بل انجرافًا بريئًا نحو إعجابٍ حقيقي بيزن!!!
زفر يزن بحدة وقد ارتسم على ملامحه ضيق واضح، فكان أكثر ما يكرهه هو التعامل مع تلك الفئة من المراهقين الذين تندفع مشاعرهم بلا وعي، كأنهم أوراق في مهب الريح، ومع ذلك حين وقفت سيرا أمامه، بعينيها المتوسلتين ونظراتها المليئة بالرجاء، شعر بأن كل ما في قلبه من ضيق قد تلاشى كالدخان.
اقترب منها بخطوات بطيئة تملؤها الثقة والدفء، ثم رفع يده يمدها برفق نحو وجهها، ليداعب خديها بحنان ظاهر في كل لمسة ثم همس مبتسمًا بنبرة أقرب إلى العشق:
-انتي حلوة كده ازاي؟
ارتبكت وبدت على وجهها علامات الخجل الجميل، فابتعدت قليلًا وهي تنظر يمينًا ويسارًا لتتأكد من خلو المكان من الأعين المتطفلة، ثم عادت إليه بخطوات حذرة يتقدمها خجل وابتسامة تنضح إعجابًا صادقًا، وهمست بصوتٍ مرتجفٍ:
-حلوة كده عشان بس عرفت اختار صح، وحبيت راجل كل الناس بتحسدني عليه.
لم يتمالك يزن نفسه من الدهشة، إذ لم يجد في ذهنه سوى الجملة الشهيرة لفؤاد المهندس في فيلم عائلة زيزي...."المكنة طلعت قماش"
فابتسم بعفوية وأشار إلى نفسه بحماقة وهو يقول بدهشة طفولية:
-انتي بتقوليلي أنا الكلام ده؟
هزت رأسها بقوة وهي تتلاعب بأطراف أصابعها خجلًا، كأنها تخفي في حركتها اضطراب مشاعرها، وفي تلك اللحظة جذبها يزن نحوه بخفة، قبل أن تطلق شهقة صغيرة، ليحتضنها برفق يفيض دفئًا، وهمس قرب أذنها بصوت خفيض مليء بالوعود:
-النهاردة أنا محضرلك مفاجأة حلوة اوي بس بعد ما كله ينام.
رفعت رأسها نحوه بفضول صادق، وفي عينيها بريق من اللهفة والدهشة:
-مفاجأة إيه؟
قبل رأسها بحنو وهو يهمس بوعد صادق:
-وهتبقى مفاجأة ازاي؟! بس اوعدك هتفرحي بيها اوي.
لكن اللحظة التي بدت وكأنها تنتمي لزمن خارج العالم، انكسرت على صوت حاد قادم من الأعلى:
-سيرا.
كان صوت سليم يحمل صرامة اعتادتها مؤخرًا، فانتفضت كما لو أنها أمسكت بجرم لا يُغتفر، وابتعدت عن يزن بعنف وهي تهتف بارتباك مرتعد:
-ايوه يا أبيه؟ حاضر اهو جاية!
تراجعت بخطوات سريعة مرتبكة، وفي اندفاعها المفاجئ ارتطم يزن بظهره بالمزهرية الكبيرة خلفه، فسقطت متشققة على الأرض وتناثر التراب على أطراف سترته، فظل يحدق فيها بدهشة بالغة، لا من سقوطه بل من خوفها الزائد من سليم، ذاك الخوف الذي لم يكن مبررًا في نظره.
****
انتهى اليوم أخيرًا بزيارة حكمت وفاطمة ويسر إلى سيرا في منزل الشعراوي، فكانت الجلسة في بدايتها هادئة نسبيًا، لكن سرعان ما تحولت إلى ساحة من التعليقات المتلاحقة والتدخلات اللامتناهية من حكمت، التي لم تدع أحدًا يتنفس دون أن تبدي رأيًا أو ملاحظة، حتى أن سليم الذي اعتاد الصبر والتغاضي، اضطر في نهاية المطاف إلى ترك حراسته لسيرا والصعود إلى الطابق العلوي بعدما استنفدت السماء حلولها مع تلك المرأة، وكأن وجودها كفيل بإشعال الجدال في أي مكان تطأه.
أما يزن فكان يجلس في الركن المقابل متكئًا على الأريكة، يراقب المشهد بعينين لامعتين تفيضان بالمرح الخبيث، فكان يستمتع سرًا بكل لحظة تضايق فيها حكمت أخاه الكبير، ولم يفت عليه أن يضيف بين الحين والآخر تعليقًا ساخرًا يزيد من حدة الموقف، فيزداد سليم ضيقًا وتزداد حكمت ثرثرةً، فيما تحاول سيرا وسعها كبح ذلك الطوفان من الكلمات.
انتهت الزيارة أخيرًا بعد ساعات من الجدل الذي لم يُثمر سوى الصداع، وغادرت يسر المنزل وهي تشعر بإرهاقٍ عجيب يثقل أنفاسها، لم تكن في أحسن حالٍ منذ الصباح، ومع ذلك أجبرت نفسها على التماسك أمام نوح الذي أصر على إيصالها بنفسه من منزل يزن إلى منزل والدها، وقد بدا عليها الارتياح لمرافقته، إذ كان لطيفًا إلى درجةٍ تثير الامتنان، كان يتحدث معها بصوتٍ هادئ، يمازحها أحيانًا ويطمئن عليها كثيرًا، وكأنه يخشى أن يتركها للحظة دون أن يتأكد من كونها بخير.
ابتسمت له يسر بحنو ممتنة لاهتمامه وملاطفته، غير أن الألم الذي بدأ يطرق أسفل بطنها جعل ابتسامتها تتبدد، شعرت بانقباضٍ حاد يجبرها على الانحناء قليلًا، فشدت الغطاء فوق جسدها فور عودتها إلى غرفتها، وعضت على شفتيها تكتم أنينها، تهمس في قلبها دعاءً واحدًا...أن تمر هذه الليلة بسلام، وألا تخسر جنينها الذي صار محور حياتها وسبب خوفها الأكبر.
وفي تلك الأثناء كان نوح يقود سيارته عائدًا إلى منزله، حاول أن يسترخي قليلًا لكن صوت هاتفه الذي عاد إلى الرنين مجددًا أفسد سكينته، نظر إلى الشاشة بتبرم فمط شفتيه عندما رأى اسم "حسناء" يلمع أمامه، لقد كانت تتصل به منذ الصباح عشرات المرات وهو يتجاهلها عمدًا، فلم يكن في مزاجٍ يسمح له بالدخول في نقاشٍ معها، لكن إصرارها المستمر أثار شكوكه فقرر هذه المرة أن يجيب ليعرف ما الذي يدفعها لمطاردته هكذا.
رفع الهاتف ووضعه على أذنه قائلًا بنبرة ضجر واضحة:
-الو في إيه يا حسناء، ما انتي عارفة أنا يوم الاجازة ما بحبش ارد على حد!
لم يصله الرد فورًا بل سمع أولًا صوت بكاءٍ خافت ضعيف النغمة، ثم انساب صوتها المتهدج كطعنة مفاجئة تخترق صمته:
-أنا قولت اكلمك قبل ما اعمل محضر في مدام يسر، أنا عملت للعيش والملح اللي ما بينا الاول.
تجمدت ملامحه وانعقد حاجباه بقلقٍ فوري، ثم أوقف السيارة على جانب الطريق بقوة حتى صرت العجلات صريرًا حادًا، ارتفع صوته متهدجًا وهو يسألها:
-يعني إيه تعملي محضر في يسر؟
تنهدت من الجهة الأخرى بصوت مبحوح قبل أن تقول بانفعال متصنع:
-مدام يسر مراتك جابت واحدة بلطجية النهاردة البيت عندي واتعدوا عليا بالضرب وهددتني وشتمتني، أنا كان ممكن انزل اعمل فيها محضر بس كبرتلك الاول.
قبض نوح على المقود بقوةٍ حتى ابيضت أنامله، وصوته حين خرج كان متصلبًا بجمودٍ ممزوج بالغضب:
-انتي واعية بتقولي إيه؟ يسر استحالة تعمل كده؟!
-روح اسألها ومش هتنكر يا دكتور، كتر خيرك مكنش العشم، أنا هنزل حالاً وهتصرف واخد حقي بطريقتي.
انتفض قلب نوح خوفًا من تفاقم الموقف، فسارع لإيقافها بلهجة حاول أن يجعلها حادة لكن متماسكة:
-لا لا... خلاص استني مقصدش على فكرة، أنا هكلمها واشوف عملت كده ليه؟
ثم أضاف بصوت أكثر هدوءًا وهو يضغط على نفسه كي يبدو متفهمًا:
-خلاص اهدي وماتعيطيش، اديني وقت اكلمها الاول.
-خد وقتك يا دكتور، أنا أستحالة أكذب عليك في حاجة، ولا عمري سببتلك مشكلة، بس في المقابل أنا بتهان كل مرة من مدام يسر.
ساد الصمت للحظة بينهما ولم يسمع نوح فيها إلا أنفاسه المتلاحقة وصوتها المتقطع من الجهة الأخرى، شعر أن الأرض تميد تحته، فكل خيط من كلامها يزرع في صدره شكًا جديدًا، هل يمكن أن تكون يسر قد فعلت ذلك فعلًا؟ أم أن هناك لعبة أخرى تُحاك في الخفاء؟
أغلق الهاتف أخيرًا لكنه ظل ممسكًا به بين يديه، يحدق في الشاشة وكأنها تحمل الإجابة، داخل صدره اشتعلت نار من الحيرة، وفي رأسه بدأت تتصارع الصور والاحتمالات، فقرر العودة إلى حيث منزل والد يسر ليقطع الشك باليقين.
****
طرق الباب طرقاتٍ خفيفة ثم انتظر برهةً حتى فُتح الباب، فظهرت والدة يسر وهي تنظر إليه بدهشة يكسوها القلق من حضوره المفاجئ، تحامل على نفسه ورسم ابتسامة هادئة تخفي خلفها ضجيجًا داخليًا عارمًا، فقال بأدب متكلف:
-ممكن ادخل جوه ليسر ثواني، أسالها على حاجة؟
رمقته بنظرةٍ حائرة ثم همست بفضول امتزج بالقلق:
-انت كويس يا ابني؟
أجابها وهو يزفر تنهيدة ثقيلة:
-اه بس عايزاها في حاجة ضروري.
ترددت قليلًا.ثم تنحت جانبًا لتفسح له المجال، عبر نحو غرفة يسر بخطوات سريعة، وفتح الباب دون أن يطرقه ثم أغلقه خلفه، فوضعت والدتها يدها على صدرها بخوفٍ وهي تتابع دخوله في ارتباك.
في الداخل كانت يسر ممددة على الفراش تتنفس بصعوبة، تمسد فوق بطنها محاولة تهدئة الألم الذي خلفته تلك الاندفاعة التي تلقتها من تلك الحقيرة حسناء، ولكنها انتفضت فور دخول نوح المفاجئ، ونظرت إليه بعينين يملؤهما القلق والاستفهام:
-نوح، انت بتعمل إيه هنا؟
اقترب منها خطوةً والضيق يتكاثف في ملامحه، ثم خرج صوته مشحونًا بالغضب المكبوت:
-انتي روحتي لحسناء النهاردة؟
تحولت ملامحها القلقة إلى ملامح هجومية، واقتربت خطوة أخرى غير عابئة بما يدور في صدره:
-اه، هي قالتلك، أنا قولت بردو مش هتسكت!
اتسعت عيناه بدهشة عميقة وقلص المسافة بينهما ثم قال بشراسة خافتة:
-انتي روحتي ضربتيها؟ وأجرتي بلطجية!! بجد عملتي كده يا يسر؟
دفعت يده عنها بغضبٍ مكتوم، وقالت وهي تضغط على أسنانها بغيرة طاغية أعمتها عن إدراك مشاعره الحقيقية:
-لسه بتخاف عليها ومش قادر تستحمل عليها الهوا!!
قبض على مرفقيها بعنفٍ وهدر صوته مبحوحًا من شدة الانفعال:
-أنا خايف عليكي انتي! هي ماتفرقليش في حاجة يا يسر، انتي اللي تهميني، افهمي بقى.
كان يهزها بعنف والقلق يكسو نظراته التي تفترس ملامحها خوفًا عليها، فأجابته بصوتٍ واهنٍ تتقطعه الدهشة:
-خايف عليا في إيه؟ آآ...آنا....
لم يُمهلها الرد بل جذبها إلى صدره بقوة، يشد ذراعيه حول خصرها بارتجاف ظاهر وهو يقول بلهفة غلبتها الرهبة:
-خايف تأذيكي، حاولت ابعدها عنك، تقومي تروحي برجيلك يا يسر.
ثم ابتعد عنها قليلًا يلامس وجهها بأنامله المرتجفة وملامحه مشتعلة بالعتاب:
-افرض كانت آذتك يا يسر؟ أنا كنت هعمل إيه؟ حرام عليكي اللي بتعمليه فيا ده.
حاولت تهدئته فوضعت كفيها على وجنتيه وهمست بحنو عميق:
-أنا كويسة يا نوح ومحصلش حاجة، وبعدين أنا مأجرتش بلطجية دي أبلة حكمت اخت سيرا، وأنا روحتلها عشان تبعد عنك.
أجابها بعصبيةٍ مفعمة بالصدق:
-تبعد ولا تقرب، قولتلك هي متفرقش معايا أبدًا يا يسر، انتي اللي مهمة، أنتي لو كان حصلك حاجة، أنا كنت دخلت فيها السجن ومترددتش لحظة.
اشتدت آلام بطنها فجأة، فتقلص وجهها من شدة الألم، ورغم محاولتها التركيز في حديثه، إلا أن صوتها خرج متقطعًا وهي تصرخ بانفعالٍ موجع:
-اه مش قادرة..
ثم مالت بجسدها إلى الأمام، تتشبث بقميصه محاولةً تمالك نفسها فيما وقف نوح مذهولًا، يمد يديه نحوها في فزعٍ مكتوم...
*****
دخل الجميع غرفهم بعد ليلة طويلة، صعد سليم مع عائلته إلى شقته بعدما اطمأن إلى أن سيرا قد دخلت غرفتها لتنام مع دهب ابنة اختها، أما زيدان ومليكة فقد اختصرا تلك السهرة منذ بدايتها، خصوصًا بعد حضور أبلة حكمت، فوجودها وحده كان كافيًا لانتزاع أي قدر من الصبر أو الهدوء لديه، فلم ينجح مجرم ولا رئيس عصابة من قبل في استفزازه كما تفعل تلك السيدة!
أما في غرفة سيرا كانت تتابع أنفاس دهب المنتظمة وهي تغط في نوم عميق، وما إن اطمأنت إلى نومها حتى نهضت بخفة على أطراف أصابعها، تستعد لتنفيذ ما وعدت به يزن في رسالته الأخيرة.
ارتدت سروالًا أسود ضيقًا وسترة واسعة داكنة اللون يتدلى من خلفها قلنسوة كبيرة، خبأت تحتها حجابها بعناية، بدت كظل متحرك وهي تتسلل خارج الغرفة، تتلفت خلفها تارةً وحولها تارةً أخرى، حتى وصلت أخيرًا إلى الملحق الجانبي للمنزل حيث تترك به السيارات.
لكنها توقفت فجأة وقد عقدت الدهشة حاجبيها؛ إذ وجدت يزن جالسًا داخل سيارة سليم، لا في سيارته المعتادة! اقتربت بقلق وطرقت على الزجاج بخفة، فمال بجسده وفتح الباب، لتقع عيناه عليها وهي في تلك الهيئة الغريبة فضحك ساخرًا وقال بنبرةٍ مازحة:
-إيه ده يا سيرا، انتي عاملة في نفسك كده ليه؟
زفرت بضيق وهي تجلس إلى جواره، تزيح القلنسوة عن رأسها وتهمس بعصبية طفيفة:
-كنت بهرب زي ما قولتلي!
رمقها للحظة وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة مائلة، ثم اقترب منها بوقاحة خفيفة يجذبها نحوه ويغمز بعينيه ليشاكسها قائلًا:
-جاهزة عشان اخطفك.
تراجعت عنه بخجل ظاهر وهمست بارتباك:
-يزن، أنا مش هتحرك إلا لما تقولي ناوي تعمل إيه؟
هز رأسه بيأس مصطنع وتجاهلها تمامًا، ثم أدار المحرك بثقة غامضة، فقد ساعدته شمس في سرقة مفاتيح السيارة من دون علم سليم، لتكتمل مغامرته الجنونية.
تشبثت سيرا بمقعدها وهي تهمس بقلق حقيقي:
-يزن، بلاش جنان، ارجع البيت عشان محدش يشك فينا.
لكنه لم يُصغِ إليها بل مد يده وأعاد القلنسوة على رأسها حتى غاب وجهها عن الأنظار، ثم ضغط زر تشغيل الموسيقى، لتعلو من السماعات أغنية كايروكي "ساموراي"، فابتسم بصفاءٍ غريب وقال بهدوءٍ يخفي وراءه الكثير:
-تعرفي تستمعي.
رمقته بنظرة مترددة تحمل مزيجًا من الريبة والفضول، بينما كان هو يردد كلمات الأغنية بصوتٍ خافت وراحة غير معهودة، يقود بسرعة جنونية على الطريق، فيما كانت هي تتشبث بالمقعد بكل خوفها… وكل دهشتها.
****
في إحدى المستشفيات الاستثمارية، كانت يسر تبكي بهلع وهي تمسك بطنها بكلتي يديها، يغمرها خوف غريزي على جنينها الصغير، حيث قرر الأطباء إجراء الولادة المبكرة، رغم أن حملها لم يتجاوز أوائل الشهر الثامن.
هزت رأسها رافضةً القرار والدموع تتساقط على وجنتيها وهي تقول بتوسل مرتجف:
-لا ادوني مثبتات، أنا هستحمل، نوح قولهم حاجة.
اقترب منها نوح بخطوات مثقلة بالقلق، وجلس إلى جوارها يربت فوق رأسها بحنان متوجع، وأغمض عينيه محاولًا أن يخفي اضطرابه، ثم همس بصوتٍ مبحوح من شدة الخوف:
-اهدي يا يسر، ده في مصلحتك ومصلحته يا حبيبتي.
نظرت نحوه بعينين غارقتين في الدموع، ثم تحولت بأنظارها إلى والديها برجاءٍ وذعر، وقالت بصوت متقطع يخنقه البكاء:
-أنا هيجرالي حاجة لو جراله حاجة، يا بابا عشان خاطري قولهم حاجة.
فرك والدها وجهه بكفيه في حيرة وحزن، يحاول أن يهدئها بعبارات متعثرة بينما كانت حالتها تتدهور أكثر، ترفض اقتراب الممرضات منها، وتتشبث بغطاء السرير كمَن يتشبث بالأمل الأخير.
فكانت تارة تحدق ببطنها بخوف يشبه الرعب، وتارة ترفع نظرها نحو لينا الصغيرة، التي كانت ترتجف في أحضان جدتها، تبكي بصمتٍ وهي تراقب والدتها المنهارة، وأحيانًا كانت تلتفت نحو نوح بعينين متوسلتين تبحثان عن طمأنينة ما في وجهه الشاحب.
حينها خطرت في ذهنه فكرة مفاجئة، فمال نحوها وقال بابتسامة صغيرة حانية رغم التوتر الذي يملأ وجهه:
-إيه رأيك لو دخلت وحضرت معاكي الولادة؟
ارتجف جسدها وبدت في عينيها حيرة مترددة، ثم أغمضت جفنيها استسلامًا حين أحست بيده تلامس خصلات شعرها بحنو عميق، ثم أشار إلى الممرضات أن يبدأن بتجهيزها، مستغلًا لحظة سكونها تلك، فاقترب من أذنها هامسًا بوعد صادق يختلط فيه الخوف بالحب:
-هدخل معاكي وهطمنك لما يخرجلنا بالسلامة، وبعدها مش هسمحلك تبعدي عني أبدًا، وهترجعي على بيتنا.
شدت قبضتها فوق يده وكأنها تتشبث بالحياة ذاتها، بينما أحاطها بذراعه في صمت يفيض بالعطف والرجاء.
حين رأى والدها استكانتها في أحضان زوجها، أطلق تنهيدة عميقة وخرج من الغرفة بخطواتٍ مثقلة، تتبعه زوجته التي تنفست قليلًا من الراحة، وقد أدركت أن ابنتها أخيرًا قبلت بفكرة الولادة المبكرة… ولو اضطرارًا.
*****
توقف يزن فجأة في طريق خال من المارة والسيارات، ثم التفت نحو سيرا التي كانت تجلس بجواره في هدوء تتابع سعادته المفرطة بصمت، دون أن تشاركه في شيء، حدجته بنظرة متسائلة حين قال على نحو مفاجئ:
-يلا انزلي يا حبيبي وتعالي.
رفعت حاجبيها بعدم فهم، تنظر حولها بريبة وقلق:
-أنزل فين؟ انت ناوي على إيه؟!
ثم ضمت سترتها إلى صدرها أكثر، وقالت بنبرةٍ مرتجفة يغلفها تهكم خفيف:
-انت ناوي على إيه بالظبط؟
ابتسم ابتسامة واسعة وأجاب مازحًا:
-ناوي اقتلك، انزلي يا مجنونة واسمعي الكلام وتعالي.
نظرت إليه بذهول ثم فتحت الباب بخوف متردد، وخطت نحوه حتى وقفت بجانب مقعده خلف المقود، وقالت بتوجس وهي تراقب ملامحه:
-ها جيت اهو، عايز إيه بقى؟
ابتسم لها بملامح حمل شيئًا من الحماقة والعفوية، ثم تحرك قليلًا في مقعده ليترك مساحة ضيقة إلى جواره، مشيرًا إليها بالجلوس فنظرت إليه بدهشة:
-نعم؟ مش فاهمة!
ابتسم ثم أردف بخبث طفولي:
-تعالي اقعدي جنبي يلا، عشان اخليكي تسوقي.
حدقت به للحظة ثم انفجرت ضاحكة ساخرة من حديثه الذي بدا كالمزاح الثقيل، لكنه فاجأها حين جذبها نحوه بعنف وأجلسها في المساحة الضيقة جدًا إلى جانبه حتى كادت تقع بين ذراعيه، فقد كان يحتل المقعد كله بجسده العريض، لذا حاولت التملص منه وهي تزجره بعنفٍ خجول:
-اوعي يا يزن، عيب كده، يالهوي بتعمل إيه؟
لكنه طوق جسدها بذراعه، ووضع يدها عنوة فوق المقود، ثم طبع على وجنتها قبلة خاطفة دافئة جعلتها تتجمد في مكانها، وقد اتسعت عيناها بخجل صامت، ولكنه استكمل وهمس قرب أذنها بصوت مبحوح بنبرة أقرب إلى الرجاء منها إلى المزاح:
-عايز افرحك وابسطك، ومفيش أحسن من اللحظات دي، انسى أي حد وأي حاجة وفكري فينا وبس.
التفتت إليه ببطء فصدمت بقرب وجهه من وجهها، وارتجفت شفتاها بخجل، ثم قالت بتلعثم وهي تزيح رأسها عنه قليلًا:
-آآ...أنا مش مرتاحة، اقعد هنا وعلمني زي ما علمتني قبل كده.
أنهت حديثها وهي تشير برأسها نحو المقعد الآخر، ولكنه أشار برأسه نافيًا وقال بنبرة ساخرة متعمدة:
-اولاً ماينفعش عشان دي عربية سليم، أنا واخدها أساسًا عشان هي واسعة واوسع من بتاعتي، وثانيًا انتي قلقانة من إيه، المتعة هتبدأ لما تتجرأي وأنا جنبك.
هزت رأسها رافضة بعناد واضح وهي تبتلع ريقها بخجل:
-بس أنا مش عايزة يا يزن!
ابتسم ابتسامة ماكرة واقترب منها ليقبل وجنتها مرة أخرى، ولكنه أطالها هذه المرة ثم همس ببراءةٍ مفتعلة:
-براحتك يا حبيبي، أنا كنت عايز أفرحك.
تنفست بارتياح حين ظنت أنه اقتنع، لكن دهشتها لم تدم طويلًا إذ أعاد تشغيل السيارة بهدوء، وضمها إلى صدره وهو يقود بيد واحدة:
-بس مش هتنازل عني أني اسوق وانتي جنبي وفي حضني.
شحب وجهها وتسارعت أنفاسها، هل تصرخ الآن؟! لقد وقعت في حب رجل مجنون لا يعرف للقيود معنى! ازدادت سرعته حتى بدأ الهلع يتسلل إلى وجهها، فالتفتت إليه صارخة باستسلام متوتر:
-خلاص...خلاص هسوق أنا.
ثم همست لنفسها بقلق وبقلة حيلة:
-يمكن أخلص من الزنقة دي.
ترك المقود ووضع يدها مكان يده، فقبضت بكلتا يديها عليه بعصبية، تراقب الطريق بتحفز، أما هو فكان يعلمها بهدوء وحب وصبر شديد، يصدر تعليماته بلطف جعلها تسترخي شيئًا فشيئًا، حتى بدأ الخوف يتبدد من قلبها، وسرعان ما انطلقت ضحكاتها الطفولية تملأ السيارة قبل أن تصرخ بسعادةٍ غامرة:
-يزن، أنا مبسوطة اوي.
نظر إليها بدهشة متعجبة من تحولها المفاجئ، ثم شد ذراعه حولها ليحميها، محاولًا تهدئتها وقد لاحظ اندفاعها الطائش نحو السرعة فهتف بنبرةٍ هادئة حازمة:
-عينك على الطريق، والمرايات يا حبيبتي.
لم تُصغِ إليه وضحكت بعفوية صافية:
-شغلنا عنبة ولا عصام صاصا يا يزون.
زفر بانزعاج وقال باشمئزاز طفولي ساخر:
-إيه؟! اشغلك إيه؟ اخرسي أنا مش هشغلك غير أغاني على مزاجي.
ضحكت بخفة وقالت مازحة:
-عندك حاجة للست؟!
لكنها انجرفت بيدها دون وعي بالمقود نحو اليمين، فتمكن يزن بمهارة من تعديل المسار ثم زمجر بقلق:
-كنا هنحصلها دلوقتي، فكك من الاغاني دلوقتي وركزي في اللي بقوله.
إلا أنها وبجنون مفاجئ تركت المقود تمامًا وصرخت بمرح طفولي:
-يزن أنا مبسوطة اوي.
أصابه الهلع لتصرفها الأحمق في ظل ضحكاتها، فـ للحظة ندم على تلك الفكرة المجنونة، وأدرك أن حماسها الزائد قد يقودهما معًا إلى الهلاك، فاضطر لإيقاف السيارة على جانب الطريق بينما هي تحتج بلهفة طفولية:
-أيه ده، لا متوقفهاش، أنا عايزة اكمل!
فتح الباب لها وقال مبتسمًا بخوف واضح على السيارة:
-كفاية كده يا سيرا، يلا نروح....وبصراحة أنا مضمنش، العربية لازم ترجع سليمة.
تجمد وجهها بخيبة أمل حزينة، فهزت رأسها باستسلام وهمت بالنزول، لكنه فاجأها وهو يغلق الباب مجددًا ويجذبها نحوه بعنف رقيق، يهمس بتهدج صادق:
-تتحرق عربية سليم ولا أنك تزعلي يا روح قلبي، يلا نخربها.
ابتسمت له بعينين تلمعان حبًا، وقد أدركت كم ضعف أمامها، فأرادت أن تعبر عن امتنانها، فقبلت رأسه بخفة ولكنه اندهش حتى ضحك قائلًا بسخرية لاذعة تخفي ارتباكه:
-هو انتي بتبوسي أبوكي يا سيرا، وشي قصر معاكي في حاجة؟!
ضحكت وهي تضربه فوق يده بخجل مصطنع:
-احمد ربنا، ويلا انزل عشان أنت مضيق المكان عليا، وعايزة اسوق براحتي.
رمقها باستنكار ساخر وضغط بجسده عليها أكثر حتى التصقت بالمقود:
-اتنيلي هو انتي عارفة تسوقي وأنا جنبك لما ابعد عنك، وبعدين أنا أساسًا قتيل القعدة واللحظة دي، عاجبك على كده تمام مش عاجبك، هروحك ولا يفرق معايا دمعة ولا زعل منك.
لكن بعد لحظات استسلم لرغبتها، وجلس في المقعد المجاور يراقبها برعب مكتوم، فقد بدا واضحًا أنها متهورة أكثر منه، فأمسك رأسه بيديه وهو يلعن في نفسه ضعف قلبه أمامها، وابتسامتها البريئة التي كانت كفيلة بأن تُسقط أقوى إرادته…
-ابعدي عن الرصيف...ابعدي عن الرصيف.
لكن السيطرة أفلتت من يديها في لحظة خاطفة، إذ لم يتمكن يزن من الإمساك بالمقود في الوقت المناسب، فارتطمت السيارة بحافة الرصيف بعنف صاخبٍ، ارتد صداها في الطريق الخالي، مما أدى إلى اندفعها قليلًا إلى الأمام قبل أن تتوقف تمامًا، فساد الصمت المكان لثوانٍ بدت طويلة كالعمر.
كانت سيرا ترتجف في مقعدها ونظراتها شاردة، ثم ابتعدت ببطءٍ عن المقود، تتحسس جسدها في حيرة طفولية، قبل أن تلتفت إليه بخجل واضح وتهمس بصوت واهن:
-أنا الحمد لله كويسة.
لكنها كعادتها قابلت انفعاله بابتسامة بريئة تذيب غضبه دون أن تدري، ثم فتحت الباب بهدوء كأن شيئًا لم يحدث، وهبطت من السيارة بخفة تتنافى مع الموقف، لتلتف حولها وتتوجه نحوه قائلة ببراءة لا تحتمل:
-يلا يا يزون انزل روحني عشان زهقت.
حدق فيها بدهشة مذهولة بين الغضب والضحك واليأس، ثم أطلق تنهيدة طويلة وهو يتمتم ساخرًا في سره:
-أنا واحد أهبل أساسًا.
****
عاد الاثنان أخيرًا إلى المنزل والصمت يخيم بينهما كاتفاقٍ غير معلن، حيث جلست سيرا طوال الطريق مطرقة الرأس، تتجنب النظر إليه بينما اكتفى يزن بقبض يده على المقود في صمتٍ متوتر.
وحين توقفت السيارة أمام البوابة، همت سيرا بالنزول لكنها توقفت فجأة وقد لاحظت شروده، فالتفتت نحوه وسألته بقلق صادق:
-مالك يا يزن سرحان في إيه؟
تنهد بقلة حيلة وهو يردد ساخرًا:
-بفكر انام فين عشان اللي سليم هيعمله فينا بعد ما يشوف عربيته.
رفعت حاجبيها بدهشة مصطنعة وهي ترد ببرود طفولي ساخر:
-إيه فينا؟ ليه هو أنا مالي!، أنا ماليش دعوة، تصبح على خير.
ثم فتحت الباب وغادرت بخفة متعجلة، تركته يحدق في إثرها بذهول مشوب بالضحك واليأس،
ثم أطلق ضحكة قصيرة يائسة، ولكن جاءه اتصال من قبل نوح يخبره بولادة يسر، فأسرع بالذهاب إليه بعدما استمع إلى صوته المرتجف.
****
قبيل أذان الفجر خيم السكون على أروقة المستشفى، لا يُسمع سوى أزيز الأجهزة ونبض الصغير الذي وُضع في الحضّانة فور ولادته،
فكان نوح يقف بجوار الزجاج الشفاف، شارد النظرات وإلى جواره يزن يتأمل المشهد بصمتٍ خاشعٍ، وكأن أنفاس الطفل الصغيرة تُعيد ترتيب فوضى الأيام في قلبيهما.
ابتسم نوح بخفة حين رأى صدر الصغير يعلو ويهبط بانتظام مطمئن، ثم همس وهو يزفر بارتياح خافت:
-الحمد لله بيتنفس كويس.
تذكر كيف أقنع يسر بصعوبةٍ ودموع كثيرة من قبلها بضرورة وضع الطفل في الحضّانة، وكيف استسلمت أخيرًا بعد إرهاق طويل فغلبها النوم تحت تأثير المهدئات.
فالتفت إلى يزن وسأله بصوتٍ واهن تتخلله لمحة انكسار لم يجد إخفاءها:
-شبهي صح؟
رفع يزن حاجبيه مستغربًا ثم ابتسم بسخرية رقيقة وهو يجيب:
-هو باين له ملامح يا نوح أساسًا
ابتسم نوح ابتسامة واهنة تحمل في طياتها شيئًا من الألم ثم قال بشرودٍ متعب:
-اهو بصبر نفسي بكلام المفروض اسمعه من اللي مني يا يزن، مش هما أهل الاب بيقولوا كده بردو.
لم يُجب يزن بل مط شفتيه بضيق واضح، فكان يعلم كم الآلام التي يسببها له جفاء أهله، الذين لم يأت أحد منهم رغم أنه أخبرهم بنفسه بولادة حفيدهم، فتنهد وقال بهدوء محاولًا التخفيف عنه:
-كويس إن محدش جه منهم، عشان أهل يسر ميضايقوش، وكمان انت شايف يسر تعبانة ازاي!
هز نوح رأسه بتفهم صامت ثم عاد بنظره إلى الحضّانة، يراقب صغيره بشغف، ولكن فجأة اخترق السكون صوت مألوف حمل معه مزيجًا من الدهشة وقليل من الحنان:
-حمد لله على سلامته يا ابني، هو فين؟
استدار نوح بدهشة ليجد والدته واقفة على عكازها، وبجانبها أحد الجيران الذين استعانت بهم لتصل إلى المستشفى بعدما رفض أبناؤها الآخرون المجيء بحجج واهية، تقدم نحوها بسرعة وقبل يدها بعاطفة مترددة وهو يقول مبتسمًا بضعف:
-اهو هناك.
نظرت حيث أشار فرأت المهد الصغير والطفل الغافي فيه، فتبدلت ملامحها إلى الجمود وسألت بهدوء لا يخلو من فضول:
-هتسميه إيه؟!
أجاب نوح بثقة دافئة وهو يبتسم بنعومةٍ تعبر عن امتنان خفي:
-آدم...يسر عايزة تسميه آدم.
انعقدت شفتاها بامتعاض خفيف ولم تُعلق، لكن نظرتها حملت كل ما لم تقله، أما هو فظل يكرر الاسم بحب:
-آدم نوح الشاذلي.
****
في صباح اليوم التالي عاد يزن إلى المنزل بعد ليلةٍ طويلة قضاها برفقة نوح في المشفى، دخل من بوابة البيت بخطوات مرهقة ووجه يحمل ظلال التعب والسهر، إلا أن ما رآه في نهاية الحديقة أيقظ في داخله يقظة مفاجئة، فكان هناك فوق أحد الأدراج الخشبية دهب تجلس في استرخاء وبرود، تعطي ظهرها للحديقة بأكملها بينما تتحدث في الهاتف بنبرة لا تخلو من الحدة، فقالت بغيظ ظاهر:
-معرفش أنا أساسًا مش طايقاها ولا طايقة الكلام معها.
سكتت لحظة تستمع للطرف الآخر، ثم أردفت بصوت أكثر انخفاضًا لكنه ملئ بالحنق:
-بقولك لا مش مديني وش وبيكلمني بقرف، وخالتو عايشة الدور اوي، والله اقدر اقلب ماما وجدو عليها واضايقها اكتر.
تجمد يزن في مكانه وقد انعقد حاجباه بامتعاض واضح حين سمع اسم سيرا يُذكر في حديثها، فازداد وجهه عبوسًا وتقدم خطوة نحوها، لكن صوته خنقه الغضب قبل أن يخرج، بينما هي واصلت حديثها بلهجة متبرمة:
-أنا القعدة هنا بدأت أساسًا تخنقني، ويزن ده أنا مش طايقاه، بيزعقلي عشان خاطرها، والله ولا يستاهل أعجب بواحد زيه أساسًا.
أوشك يزن أن يتدخل ليوبخها، غير أنه توقف حين سمع ضحكتها الخفيفة، تلك الضحكة التي اتخذت منها السخرية لباسًا، فكانت تهز رأسها في لا مبالاة، وهي تقول:
-لا مقدرش ياستي أعمل كده، ما تروحي الفرح من غير دهب، هي عدت مرة والحمد لله عرفت ارجع الشبكة تاني، وبعدين خلاص هي بقت مراته مظنش أنها ممكن تخاف بسبب حاجة زي دي، يزن ده مدلعها على الآخر.
حينها فقط اتضح ليزن أن اختفاء الشبكة كان بفعلٍ أحمق من تلك الفتاة المتهورة، وأنها لم تفعل ذلك إلا بدافع الغيرة الطفولية لكنه بدلاً من الغضب الصريح، اكتفى بابتسامة باردة على شفتيه، وقرر في نفسه ألا يمر الأمر مرور الكرام، وأنه يجب أن تعرف والدتها ما جنته تربيتها المتساهلة، لتتولى تأديبها بنفسها، فكان في أعماقه غليان مكتوم، ليس لأنها خططت لتفاهة كتلك بل لأنها تجرأت على ذكر سيرا بنبرة تقلل من شأنها.
رفع نظره إلى السماء زفرًا ثم مضى إلى داخل المنزل تاركًا وراءه تلك المراهقة العابثة، باحثًا عن حبيبته التي لم يجد في نقائها مثيلًا، وما إن دخل حتى رآها جالسة في صالة المنزل بجوار شمس، وقد بدت عليها علامات الخوف والارتباك، فيما كانت عيناها تتحركان بخفة نحو سليم الذي وقف أمامه بملامح صارمة وصوتٍ خشن:
-هو انت اخدت عربيتي امبارح؟
ابتلعت سيرا ريقها في توتر، تائهة بين رغبتها في الرد وخوفها من خطأ في الكلام، فحاول يزن التدخل لتبرير الموقف لكن سليم رفع يده مقاطعًا بغضب مكبوت:
-واوعى تكذب أنا شايفك في الكاميرا انت وسيرا ماشيين بيها بليل.
تسارعت أنفاس سيرا واتسعت عيناها رعبًا وهي تنظر إليه غير مصدقة، ثم قالت بحماقة بدت في صوتها المرتجف:
-شوفتني أنا يعني! يمكن مكنتش أنا!، أصل أنا فاكرة أخر حاجة كنت نايمة.
شهقت شمس بصوت مصطنع يعكس دهشة تمثيلية وهي تقول:
-مش معقول طلعتي بتمشي وانتي نايمة يا حرام، معلش معلش فداكوا يا حبيبتي.
ثم نهضت بسرعة وجذبت سيرا من يدها محاولة إنهاء المشهد المحرج، والتفتت نحو سليم قائلة بنبرة تحمل العتاب:
-خلاص يا سليم البنت طلعت بتمشي وهي نايمة، يلا هندخل احنا نجهز الفطار عشان نهى وخالد جايين.
نظر إليها سليم بغيظٍ شديد من تصرفها المستخف، ثم أدار وجهه عنهم وقد احتقن غضبًا، وما إن التفت حتى فوجئ بيزن ينظر إليه بابتسامة خبيثة، تزينها ملامح البراءة المصطنعة:
-شفت على طول ظالمني، وأنا كنت بعمل عمل إنساني في الآخر.
زم سليم شفتيه ورد بعصبية وشك:
-انت كنت مخلياها تسوق عربيتي، أصل مش معقول تكون انت اللي خبطتها، انت مش غشيم كده!!
ضحك يزن باستهتار وهو يربت على كتفه قائلًا:
-فاداها يا سليم، مالك مضايق ليه كده؟ هعوضك وهجبلك عربية زيرو بس متخوفهاش كده تاني، إيه يعني خبطتها الدنيا هتتهد، عادي خبطة والسلام.
اقترب منه سليم بخطوات غاضبة وصوت منخفض لكنه حاد:
-واقسم بالله لو مابعدتش حالاً من وشي، لهتشوف تصرف مش هيعجبك.
اكتفى يزن بابتسامة جانبية ورفع حاجبيه بتحد، ثم دار على عقبيه يسير في فخر مصطنع، كطاووس يتبختر بعد نصر صغير على خصمه، تاركًا خلفه سليم يغلي غيظًا.
****
استفاق فايق مفزوعًا على صوت رنين هاتفه، فتح عينيه ببطء ورأى على شاشة الهاتف رقمًا غريبًا، تلعثم للحظة قبل أن يفترض أن المتصل قد يكون والدته، فحمل الهاتف إلى أذنه ورد بحذر:
-الو.
رد صوت منهك ومُتعب من الطرف الآخر:
-ايوه يا فايق.
فكان ذلك صوت سامي الواهن يتحدث بصعوبة، تسمر فايق وانتفض من فوق الفراش المتهالك، حيث كان يختبأ في إحدى الغرف الشعبية في منطقة عشوائية في محافظة قريبة من القاهرة.
-انت معايا يا فايق؟
عاد صدى صوت سامي يقذفه إلى الواقع فأجاب بقلق واضح:
-آآ..اه، انت فوقت امتى؟
-فوقت من شوية وعرفت باللي حصل، أنا عايزك تيجيلي بسرعة.
تلعثم فايق مستفسرًا:
-وده ليه ان شاء الله، اجيلك ليه؟
سمع فايق نفس الصوت يرتعش أكثر هذه المرة، وكلمات سامي تنساب بين الاحتضار والتهديد:
-تيجي عشان أنا مش هروح فيها ببلاش يا فايق، أنا اتفقت مع الممرضة والدكتور مايقولش حاجة للشرطة لغاية ما انت تيجي وتجيب معاك ٣٠٠ الف جنية، ٢٠٠ الف ليا، و١٠٠ الف للمرضة والدكتور عشان اضمن سكوتهم.
ارتفعت نبرة فايق فجأة بين السخرية واليأس:
-انت عبيط هو أنا لو حيلتي ٣٠٠ الف كنت اعرف واحد زيك.
صمت سامي لحظة ثم ضبط صوته بما يشبه التسوية:
-خلاص أنا هقولهم على كل حاجة، مع أني كنت ناوي اشيلها لوحدي وابعد أي تهمة عنك.
تردّد فايق لبعض الثواني ثم أجاب محاولًا كسب الوقت وربما تخفيف الصدمة:
-طيب طيب، سيبني بس يومين ادبرلك المبلغ.
-لا...اخرك معايا بكرة، وان مجتش هقول كل حاجة للظابط.
تخطى قلبه صدره من شدة الخوف، وشعر بثقل القرار يسقط عليه كصخرة، أنهى المكالمة وهو يحدق في السقف المتهالك وفمه يأن من فكرة أن حياته قد تنقلب بين لحظة وأخرى بسبب ابتزازٍ جعله يتأرجح بين الخوف والغضب واليأس.
ولكنه ارتمى حيث الخلف وقال بنبرة خافتة وقد
أعماه الشيطان:
-مكنتش ناوي اعملها يا سامي، بس انت اللي هتضطرني!
****
انتفضت حسناء من على مقعدها الخشبي بغيظ بعدما جفاها النوم ليلة أمس، خاصةً بعد توبيخ والدتها لها حين عادت ووجدتها تتألم من شدّة الصفعات والضرب، نظرت في هاتفها بحقد:
-دي خلفت.. كاتب الحمد لله رزقني بآدم؟!
ضحكت والدتها ضحكات متقطعة ساخرة:
-يا فرحة أمك بيكي بجد، اهو سكتي على ضربهم ليكي عشان فاكرة إنك هتاخدي عنده بونطة، اهو اداكي على قفاكي.
ثم نهضت والدتها وهي تشير بإصبعها بلهجة صارمة:
-بت انتي، فكك بقى من الدكتور الغبرة ده، وخلصينا من القرف ده وروحي شوفيلك مكان تاني تشتغلي فيه، أصل الموضوع ده بوخ اوي، والواد ده مش سالك من ناحيتك وبكرة تقولي أمي قالت.
أنهت والدتها كلامها بنظرة حادة، ثم غادرت تاركة حسناء جالسة على المقعد، تغليها الأفكار وتخطط في صدرها طرق الانتقام بعدما بدت خطتها للمرة الألف قاصرة عن تحقيق مبتغاها!
***
ليلاً...
كانت المشفى غارقة في صمت ثقيل، ألقى فايق نظرة حذرة حوله قبل أن يترجل من سيارة الأجرة ويشد معطفه الطويل على جسده، وقد انعكست على وجهه ملامح التوتر الممزوجة بعزيمة خبيئة.
دخل المستشفى بخطوات وئيدة يرافقه ممرض شاب بدا عليه الارتباك، كان قد أغراه فايق بمبلغ مالي كبير مقابل مساعدته في التسلل إلى غرفة سامي دون أن يثير شك أحد من الحرس أو الطاقم، تردد الممرض في بادئ الأمر، لكنه وافق في النهاية.
قاد الممرض فايق عبر ممرات طويلة صامتة، تتعالى فيها أنفاس الأجهزة وتفوح منها رائحة المعقمات الباردة، وما إن وصلا إلى الطابق الذي ترقد فيه غرفة سامي حتى توقف الممرض عند المنعطف وقال بصوت خافت وهو يرمق المكان بقلق:
-أنا هقف لغاية هنا، عشان أنا ممرض في قسم النسا والتوليد، وهيشكوا فيا، ادخل انت ومتكلمش حد عشان العساكر متشكش فيك.
أومأ فايق برأسه بتفهم بارد، ثم شد الكمامة على وجهه تقدم بخطوات ثابتة كأنه طبيب يعرف طريقه عن ظهر قلب، تجاهل نظرات العساكر المرابطين عند الباب، ومد يده ببطء إلى المقبض، ففتح الباب في سكون غامض وانساب إلى الداخل.
كانت الغرفة غارقة في ضوء خافت ينبعث من مصباح صغير عند رأس السرير، فكان سامي مستلقيًا فوق الفراش الأبيض، أخرج من جيبه قطعة قماش مبللة، وبدأ يقترب بخطوات متأنية تشي بنية آثمة كذئب يقترب من فريسته دون أن يُصدر صوتًا.
حين رفع القماشة فوق وجه سامي، انتفض الأخير فجأة وقد أدرك الخطر فحاول إبعادها بكل ما تبقى فيه من قوة، واشتبك الاثنان لحظاتٍ قصيرة، لكن فايق شد قبضته بعنف وأطبقها على فم سامي حتى كاد الأخير يختنق، وفجأة اخترق الصمت صوت بارد من خلفه:
-تحب اساعدك؟
تجمد فايق في مكانه وارتجف جسده للحظة وهو يلتفت ببطءٍ نحو مصدر الصوت فوجد رجل يقف عريض المنكبين يضع يديه في جيبيه وينظر إليه بابتسامة مستفزة تحمل مزيجا من الثقة والتهكم،
فعرفه على الفور إنه زيدان شقيق يزن خطيب سيرا.
سقطت القماشة من يده كأنها جمر أحرق أصابعه، وتراجع خطوة إلى الوراء محاولًا تبرير وجوده بكلمات لم يستطع نطقها.
فاقترب زيدان منه ببطء وثبات لا يخلو من التهديد، وقال بصوت هادئ يحمل في طياته سخرية حادة:
-مكنتش متوقع تيجي بالسرعة دي يا فايق!!
نظر فايق إلى سامي الذي بدأ يسعل بشدة، وقد استعاد وعيه شيئًا فشيئًا، ثم لم يكد يلتقط أنفاسه حتى دوى صوت الأبواب تفتح على مصراعيها، وامتلأت الغرفة فجأة برجال الشرطة والضباط، وفي مقدمتهم كان الممرض ذاته يؤدي التحية العسكرية لزيدان قائلاً بثقة:
-أي أوامر يا باشا، أنا تحت أمر الحكومة.
رفع زيدان يده مشيرًا إليه أن يتراجع، ثم أدار بصره إلى فايق الذي بدت على وجهه ملامح الصدمة والذهول، فكان يحاول أن يستوعب ما جرى...وكيف تحول من صياد إلى فريسة محاصرة؟
قاطع سامي سعاله بكلمات غاضبة وهو يرمقه بحدة ملتهبة:
-بقى كنت عايز تموتني يا ***، الباشا طلع عنده حق في كل كلمة.
أطلق زيدان ضحكة قصيرة متهكمة، واقترب من فايق حتى صار بينهما شبر واحد، وقال بنبرة صارمة تقطر ازدراء:
-كل حلفاؤك خانوك يا ريتشارد.
أطرق فايق رأسه وقد انطفأ في عينيه بريق الغرور الذي طالما ميزه، فيما تابع زيدان ساخرًا:
-حلو تهمة جديدة تتضاف ليك يا حلو الشروع في قتل زميلك.
ثم التفت نحو العساكر قائلاً بصوت جامد حاسم:
-خدوه.
وما إن أطبقت الأصفاد على معصميه حتى بدا فايق كظل مكسور يساق نحو نهايته، فيما ظل زيدان واقفًا مكانه ينظر إليه بنظرةٍ تجمع بين الانتصار والاشمئزاز، وأخيرًا قد طوى صفحة أرهقت عقل أخيه.
****
في اليوم التالي...
تألق منزل آل الشعراوي بأنوارٍ مضيئة وأصوات الاغاني التي انطلقت احتفالًا بسليم ابن نهى وخالد، إذ قرر سليم إقامة السبوع على عجل بسبب رغبة خالد الذي أراد العودة سريعًا إلى مرسى مطروح.
اجتمعت العائلتان؛ عائلة سيرا بأكملها وعائلة الشعراوي، في جو من الألفة والبهجة، بدا الاحتفال بسيطًا في مظاهره لكنه غامر بالمحبة والدفء، جلست نهى وسط الجميع تتلقى كلمات التهنئة وعبارات المودة، بينما لا تفارقها ابتسامة الرضا، لقد حظيت باحترام خاص من الجميع، ولا سيما بعدما أطلقت على طفلها اسم سليم، وهو الاسم الذي رن في القلوب قبل الآذان، فكانت الهدايا الفاخرة تتوالى عليها.
وفي الجهة الأخرى من الصالة كان يزن يتحرك بخفة وبهجة غير معتادة، يتابع خطوات سيرا بعينين يملؤهما الحب والفخر، بينما هي كانت أيضًا في أوج سعادتها، خصوصًا بعد أن أبلغهم زيدان بالقبض على فايق، فزالت الغمة التي خيمت طويلًا على حياتهم، وأخيرًا بات بإمكانها أن تلتقط أنفاسها بحرية.
وها هي تستعد للعودة مع عائلتها في مساء اليوم، لذا اقتربت من يزن بخجل محبب، وقالت بابتسامة هادئة تشعل صفاء:
-يزون... بعد ما يخلص السبوع أنا هارجع معاهم.
أومأ يزن بتفهم وهو يحدق في عينيها بحنو صامت، لكنها أسرعت تتابع حديثها وقد احمرت وجنتاها:
-وبكره تيجي تاخدني أنا وفاطمة، نروح نزور يسر شوية، نقعد معاها لغاية ما ابنها يقوم بالسلامة، لازم نخفف عنها بردو.
أشار يزن إلى عينيه مبتسمًا وقال بلطافة محبة:
-من عنيا يا قلبي.
ترددت لحظة ثم تجرأت وأمسكت يده لتقوده إلى زاوية بعيدة عن الضوضاء، نظرت إليه بعينين تملؤهما الامتنان وقالت بخفوت دافئ:
-شكرًا على كل حاجة...وعلى وجودك جنبي.
ارتسمت على وجهه ابتسامة امتزج فيها الحب بالعطف، ثم رفع كفها برفق إلى شفتيه، وقبلها قبلة طويلة خاشعة، وهو يهمس بصوت متهدج من فرط الصدق:
-أنا اللي المفروض أشكرك...من غيرك كنت هفضل تايه زي ما أنا.
كادت سيرا تفلت من شفتيها كلمة طالما خبأتها في صدرها، اعترافًا خجولًا كان يطرق قلبها ليل نهار، لكنها توقفت بغتة حين انفتح الباب الصغير المقابل لهما، وظهرت حورية أمامهما بهدوء لم يخلو من الغموض.
قالت بصوت رزين وهي تبتسم نصف ابتسامة:
-سيرا...إزيك؟ دورت عليكي كتير.
نظرت سيرا إليها بدهشة لا تخفى، فبادرتها حورية بتوضيحٍ لطيف:
-مليكة عزمت شهيرة أختي وعزمتني كمان، فقولت أجي أشوفك وأسلم عليكي... وأباركلك على كتب الكتاب.
تدخل يزن بصوت خشن وهو يحكم قبضته حول يد سيرا في تملك واضح:
-الله يبارك فيكي مكنتيش تتعبي نفسك.
تجاهلته حورية تمامًا ووجهت بصرها نحو سيرا بجدية مفاجئة وقالت:
-كنت عايزة أكلمك في موضوع مهم لوحدنا.
طال صمت سيرا لحظة قبل أن ترفع عينيها نحو يزن في إشارة واضحة أن يترك لهما بعض الخصوصية، ورغم ما يشعر به من ريبة تجاه حورية وتاريخها المليء بالهجوم والغيرة، إلا أنه قرر الانصراف واكتفى بنظرة تحذيرية سريعة ثم خرج بهدوء.
وما إن تجاوز الباب حتى اعترضت طريقه حكمت، شقيقة سيرا، وقد بدا على وجهها عبوس غاضب، وهي تقول بسخطٍ واضح:
-هي مقصوفة الرقبة دي عايزة من أختي إيه؟
فتح يزن فمه ليجيبها لكن عينيه انزلقتا إلى الداخل حيث لمح دهب ابنتها تحدق في خالد زوج نهى بنظرات حالمة مراهقة، رفع حاجبيه في اندهاش مشوب بالضيق مستغربًا من سرعة تقلب مشاعر تلك الفتاة الصغيرة.
زفر ضجرًا وقال لحكمت بنبرة جادة غلفها التوتر:
-سيبك من مقصوفة الرقبة دي...أنا عايزك في موضوع مهم، تعالي معايا الجنينة بره نتكلم براحتنا.
تهلل وجه حكمت بحماسة فضولية، وقالت وهي تلاحقه بخطواتٍ متسارعة:
-آه، طبعًا... أوي أوي!
وصلا إلى الحديقة الصغيرة، فجلست على درج خشبي عريض يطل على الممر، ثم مالت نحوه بعينين لامعتين وسألته بفضول متقد:
-ها؟ الموضوع بخصوص مين؟ سيرا؟
ابتسم يزن ابتسامة خفيفة وقال بجدية مقصودة:
-لا... بخصوص دهب بنتك.
اتسعت عينا حكمت دهشة، وهي تحاول استيعاب ما يقصده، فيما ارتسمت على شفتي يزن ابتسامة متحفظة تخفي وراءها كلامًا لم يُقل بعد..
رواية غناء الروح الفصل التاسع والأربعون 49 - بقلم زيزي محمد
فلم تعد تلك المرأة الصلبة التي كانت تبني حول نفسها أسوار الهيبة وتفرض سلطانها بالكلمة والنظرة؛ بل بدت الآن ضعيفة ومتهالكة كمَن انهار داخله حصن قديم.
تنهد يزن طويلاً وهو يتأمل حالها، ثم قال بصوت مائل إلى الهدوء، يختار كلماته بعناية كما اعتاد أن يفعل دائمًا:
-بصي أنا مش عايزك تتصرفي تصرف يبعدها عنك أكتر، دهب محتاجة حد يحتويها ويقرب منها، كل بنت في سنها معرضة لكده، وصدقيني أنا قابلني بنات كتير زيها، أنا لو مش بحبها زي اختي الصغيرة، وانتي ليكي معزة خاصة عندي مكنتش هتكلم أبدًا.
أشارت حكمت إلى نفسها بحركة واهنة، وارتعشت يدها وهي تقول بصوت خافت كأنه يخرج من أعماق انكسارها:
-أنا مقصرتش معاها في حاجة وكل اللي هي بتتمناه عملتولها واللي اتحرمت منه حاولت اعوضها بيه.....
ثم أطبقت شفتيها وصمتت وكأنها تنصت لصوت خفي في داخلها يذكرها بأن الحب لا يُقاس بما يقدم من أشياء بل بما يمنح من دفءٍ وإنصات.
جلس يزن بجانبها وألقى نظرة طويلة على وجهها المتعب ثم قال برزانةٍ وصدق:
-أنا عارف إنك أم عظيمة، بس دي مشكلة جيل ومراهقات، وممكن تكوني موفرلها كل حاجة، بس هي ناقصها اللي يسمعها ويشوف مين صحابها وبيئتهم عاملة إيه، دي حاجة مهمة جدًا.
توقف لحظة ثم أضاف بنبرة هادئة:
-فكري في كلامي كويس وأنا متأكد إنك هتعرفي تحتويها كويس.
رفعت رأسها ببطء كأنها تنتزع نفسها من غرق داخلي ثقيل، وأخذت أنفاسًا طويلة تشق صدرها المتعب، ثم رفعت بصرها إلى السماء، كأنها تستمد منها صبرًا أو إجابة، وهمست بصوت متقطع ممزوج بالحيرة والخذلان:
-تسرق الشبكة! حرامية!
أطرق يزن رأسه بيأس ثم أدار نظره بعيدًا، كأنه يحاول الهرب من مشهد يؤلمه، وذلك بعدما أدرك أن الفتاة الصغيرة على وشك أن تدفع ثمن خطأ لا يليق بعمرها، لكنه شعر ببعض الراحة لأن والدتها بدأت تسمع وظهر بوادر إدراكها، وربما يكون هذا الإدراك هو الحاجز الأخير قبل أن تنزلق دهب نحو هاوية لا قرار لها.
نهض من مكانه وألقى نظرة أخيرة عليها فكانت ما زالت غارقة في دهشتها، ثم مد يده نحوها قائلاً بنبرة حانية تحمل بقايا الأمل:
-تعالي ندخل جوه يلا، لازم اتطمن على سيرا قبل ما حورية تاكلها.
هزت رأسها بالنفي وهي تحاول رسم ابتسامة هزيلة فوق ملامحها الشاحبة، وقالت بصوت مبحوح كأنه يتكئ على بقايا كبريائها:
-روح انت وأنا جاية وراك.
بقيت لحظة بعد رحيله تحدق في الأفق البعيد، بينما كانت دموعها تتردد بين الانسياب والتجمد، شعرت بأن الليل أثقل من أي وقت مضى، وأن قلبها بات يشبه بيتًا قديمًا أُطفئت أنواره فجأة، ولم يبقَ فيه سوى أم تحاول أن تفهم أين أخطأت، وكيف يمكنها أن تبدأ من جديد قبل أن تفقد ابنتها إلى الأبد.
استسلم يزن لصوتها ثم عاد إلى الداخل باحثًا عن سيرا التي اختفت مع حورية، لكنه فوجئ بمليكة تقف عند الباب بابتسامة صافية تحمل في كفها مشروبًا غازيًا مثلجًا، مدته إليه فأخذه واحتسى منه القليل وقد بدى على وجهه شيء من الانضباط الممزوج بالعتاب:
-عزمتي حورية ليه يا مليكة؟
رمشت بأهدابها مرارًا تحاول استيعاب السؤال، ثم تهادت ابتسامتها واختل توازن كلامها كما تفعل دومًا حين تُفاجأ بأسئلة لا تعد لها جوابًا جاهزًا:
-أنا عزمتهم لما سليم قالنا نعزم حبايبنا، فـ....
توقفت لحظة ثم أضافت بارتباك وارتبكت كلماتها:
-انت متضايق ليه؟
كانت نظراته جامدة ونبرته تشي ببحة شبة حادة غير التي اعتادتها منه، فأجابها بصراحة قاطعة تبرق فيها مشاعره:
-متضايق عشان مبحبش وجودها جنب سيرا، ولا وجودها في حياتي، هي شخصية فضولية وبتحب تحشر مناخيرها وتنظر على حياة الناس رغم إنها مليانة عيوب، سمعت منك كلمتين عني وخلاص كونت فكرتها عني وأني قد إيه شخص وحش وزفت ومستاهلش اعيش واحب واتجوز، وعايزني افضل في نفس الخانة لمجرد إن وجهة نظرها تطلع صح.
علت الصدمة وجهها فرفعت يدها تجاه نفسها مشيرة بصدق أنها لم تتجاوز حدها، وقالت متلعثمة دفاعا عن نفسها:
-أنا والله عمري ما حكيت معاها عنك في حاجة يا يزن، ولو كنت اتكلمت عنك فكان لشهيرة اختها ودايمًا كنت بقول عنك كل خير، يمكن...يمكن...
توقفت لتلتقط أنفاسها وتحاول صياغة اعتذار يُطفئ غضبًا لم تقصد إشعاله ثم همست:
-أنا أسفة بس والله ما كنت قاصدة ابوظ صورتك، أنا هتكلم معاها وافهمها كويس...
رد عليها بصرامة أدهشتها:
-لا....اوعي هي أساسًا والله متهمنيش، كل اللي يهمني هي سيرا ووجودها في حياتي وبس، انتي لو هتقوليلها حاجة....قوليلها تبعد عن مراتي وتخليها في حياتها.
انخفضت عيناها خجلًا وأمسكت رأسها بخفة؛ ولكن بعد لحظة عادت دعابة يزن الشهيرة تستقر في نبرته:
-أنا همشي بقى، عشان دراكولا بتاعك داخل علينا وشكله هيولع فيا.
ابتسمت هي ابتسامة حائرة وهو يبتعد، حتى وجدت نفسها بين جدار ووجود زيدان الذي ظهر حاملاً سليم الصغير يهزه برفق يناقض ملامح البرود التي غابت عن وجهه عادة:
-يزن ضايقك في حاجة؟
هزت رأسها نافيةً وردت بابتسامة مهتزة:
-لا خالص بالعكس أنا اللي كنت بضايقه وأنا ماعرفش.
تثاقل حاجب زيدان استغرابًا ثم التقط الكلمات بقلقٍ:
-مفهمتش، يعني إيه ضايقتيه؟!
طمأنته وهي تختار ألفاظها بعناية:
-اهدى الموضوع بسيط هحكيلك عليه بعدين، هو بس طلب مني ابعد عنه حورية اخت شهيرة عنه وهو سيرا.
ضحك ضحكة ساخرة مختزلة بشيء من الامتعاض، ثم قال حديثه بغيظ:
-هو الواد ده مابيحسش، مشغلني أنا ومراتي تحت أمره، مش كفاية أنا ماشي عمال احل في مشاكله هو والبرنسيسة بتاعته.
اقتربت منه ومرت يدها على ذراعه محاولةً تلطيف حنقه ثم قالت بلطف وحنان:
-معلش يا زيدان ربنا يخليك ليه وبعدين أنا كنت غلطت في حاجة وضايقته وأنا ماعرفش بس هو لفت انتباهي.
ثم نظرت إلى شهيرة التي كانت مستغرقة في حديثها مع إحدى أخوات سيرا، زاد أنين الحزن في صدرها؛ فتنهد زيدان ثم جذبها إلى أحضانه بيده الأخرى، وقال بثبات خشن ملؤه الحماية:
-ضايقيه براحتك ولا يهمك وتعالي وأنا اللي هعمله لفت انتباه كل يوم، ده نهاره مش معدي عشان يزعلك.
مد يده الأخرى حاملاً الصغير سليم على صدره يهزه بلطف، رغم أنه من طبعه غير صبور، لمعت عينا مليكة بحب لهذا المشهد، إذ رؤيته يهون عن الطفل بهذا الاهتمام البسيط أثبت لها أنه يملك رقة تكفي لسقاية أطفاله حنانًا واسعًا، ابتسمت رغمًا عنها وتذكرت مشاهد الصراع التي وقعت قبل ساعات بينه وبين حكمت حول طقوس سبوع المولود وخصوصًا عادة ضرب الصحن الحديدي قرب أذن الطفل، حينها قال بغضبٍ يشي بابتسامته المشوبة بالتصنع:
-لا كده كتير، أنا مستحمل من الصبح بس كله إلا ودانه، أيه ياعم خالد انت لاقي ابنك في كيس شيبسي ولا إيه؟!
بينما كان سليم جالسًا بكل هيبةٍ وغرور على كرسيه، وقد وضع ابنته قمر فوق ساقه، فتمتم زيدان بتهديدٍ نصف مازح نصف جاد لسليم:
-وديني الولية دي لو مسكتتش لاسجنها حالاً، أنا فاض بيا.
انتفضت مليكة من غفوتها القصيرة، فإذا بصوتٍ حاد يشق سكونها، فما كانت سوى شمس التي قد اقتربت بخطوات سريعة وجهها مشتعل بالضيق، وصوتها يجلجل باللوم:
-انتي هنا يا مليكة وسايباني متبهدلة في المطبخ لوحدي.
تجمدت ملامح مليكة لحظة ثم أسرعت تبتعد عن زيدان كمن أمسك متلبسًا بذنب لا تعرف له اسمًا، لم تجرؤ على النظر في عينيه، فقط أزاحت جسدها بخفة ورحلت نحو المطبخ تُخفي ارتباكها خلف خطواتٍ متسارعة، فظل زيدان واقفًا مكانه، يتابعها بعينين تتقدان غضبًا وشيئًا من الغيرة المكتومة، حتى شعر باندفاع قوي على كتفه، جعله يستدير ليجد حكمت قد دخلت من الباب كعاصفة متجمدة، فكان وجهها قاسيًا وصلبًا، لا يشي إلا بالتحكم والغضب المكموم، وصوتها حين نطقت كان أشبه بانفجار مكتوم:
-وسع من قدامي.
توقف الزمن لحظة وانكمش المكان في عينيه، كأنه لم يعد يرى سواها وهي تمر كإعصارٍ من الجليد، فتح فمه ليُطلق ما كان يغلي في صدره، لم يعد يعبأ بعمرها ولا بمكانتها، ولا بصلة القرابة التي كانت دائمًا تكبله من الرد، لكن يدًا قوية هبطت فوق كتفه وأوقفته في مكانه فما كانت إلا يد سليم، الذي تقدم نحوه بخطوات محسوبة، وعيناه لا تحملان سوى الحزم، قائلاً بصوت منخفض، لكنه يحمل من الصرامة ما يكفي لإخماد نيران أخيه:
-معلش عشان خاطر اخوك.
لكنه كان مشتعلاً بالضيق من تصرف حكمت، فلم يستطع أن يمنع نفسه من التمتمة بانفعال حاد:
-والله اسجنها هي وأخويا انت بتقول إيه؟ إيه الست دي؟!
***
جلست حورية أمام سيرا في شرفة المنزل بعيدًا عن الضجيج القادم من الداخل، كان صمت سيرا الطويل كفيلاً بإشعال غيظ حورية، حتى أن كلمات الاعتذار التي أعدتها سلفًا تلاشت من ذهنها لتقول بنبرة عتاب لم تكن في محلها:
-انتي لسه زعلانة مني؟!
رفعت سيرا بصرها نحوها متعمدة الرد ببرود ظاهر:
-لا عادي كنتي عايزاني في إيه؟
زفرت حورية أنفاسها الملتهبة محاولة الحفاظ على هدوئها، ثم قالت بنبرة شبه حانقة:
-شوفت على الفيس إنكوا اتجوزتوا مبروك!
تبدلت ملامح سيرا من الوجوم إلى إشراقة حالمة، وقالت بسعادة صادقة:
-اه كتبنا الكتاب، بس لسه الفرح أكيد هعزمك.
نظرت إليها حورية بجدية وقالت بنبرة لا تخلو من القلق:
-واثقة من اللي انتي بتعمليه يا سيرا؟
وقبل أن تهم سيرا بالرد اقتربت منها حورية وخفضت صوتها قائلة بصدق وحرص واضح:
-أنا بس خايفة عليكي، انتي ماتعرفيش إيه مستنيكي؟....
رفعت سيرا حاجبيها باعتراض حاد وأجابت بنبرة غاضبة:
-إيه اللي مستنيني يا حورية؟! مش فاهمة الصراحة انتي عايزة توصلي لأيه؟ في عندك حاجة جديدة عن يزن غير اللي قولتيها، ولا هو هو كلامك لسه ماتغيريش!
نظرت إليها حورية بامتعاض وقالت بنبرة استفزازية:
-وهو اللي أنا قولته زمان مش كفاية إنك كنتي تهربي من الجوازة الشؤم دي!
ضغطت سيرا على أسنانها محاولة كبح انفعالها ثم قالت بغضب مكبوت:
-ومين قالك إنها جوازة شؤوم، يزن اللي مش عاجبك ده، أكتر راجل شوفته في حياتي عارف يعني إيه بنت ناس وبيعرف يصونها ويقدرها، انتي ماتعرفيش هو عملي إيه؟ ولا دافع عني ازاي؟ أنتي ماتعرفيش إيه اللي ما بينا ولا مرينا بإيه ولا هو وقف جنبي ازاي؟ لو سمحتي متجيش
تديني دروس وتعلميني امشي حياتي ازاي!
نهضت حورية واقفة تنظر إليها بنظرة فيها شيء من التهكم، وعقدت ذراعيها أمام صدرها قائلة باستياء:
-من الواضح إنه عرف كويس يعملك غسيل مخ وعرف ازاي يسيطر عليكي؟
اقتربت سيرا منها غاضبة مشيرة إليها بحدة:
-هو انتي يزن مضايقك في إيه أنا عايزة أعرف بجد؟ أصل مش معقول هجومك عليه يا حورية؟
هزت حورية رأسها ساخرًة وقالت بابتسامة ممزوجة بالمرارة:
-كمان شكيتي فيا؟! وده كله عشان خاطره! يا بنتي أنا خايفة عليكي وعايزاكي تتجوزي راجل بجد.
صرخت سيرا بحرقة خرجت من أعماقها:
-ويزن راجل بجد يا حورية، وبعدين انتي مالكيش دعوة بحياتي ولا أنا بعمل إيه ولا هرتبط بمين؟ أنا كبيرة بما فيه الكافية واقدر اميز الشخصية اللي قدامي كويس، يزن ده أنا عمري ما هعرف أعوضه ولا أرد جزء من اللي عمله معايا، وعارفة كويس إنك مضايقة منه لمجرد إنه كمل معايا وأنا مسمعتش كلامك وفضلت معاه.
اقتربت منها خطوة إضافية وقالت بصوت منخفض صارم:
-حورية أنا مش هسمحلك تاني تقللي من يزن، ولا تتكلمي عليه بطريقة ماتعجبنيش، ولو سمحتي متجيش تاني وتتدخلي في حياتي زي ما أنا مبدخلش في حياتك.
نظرت إليها حورية باشمئزاز وقالت باستخفاف:
-بقيتي بجحة زيه، نجح إنه يخليكي نسخة منه.
ابتسمت سيرا بسخرية وأجابت بثقة:
-وليا الشرف يا حورية، سامعة أنا ليا الشرف إني أكون نسخة منه.
ثم تجاوزتها بخطوات حادة ولكنها توقفت عند عتبة باب الشرفة حين رأت شهيرة أخت حورية، تقف هناك تنظر إلى أختها بغيظٍ مكبوت، لكنها وجهت حديثها إلى سيرا بهدوء مصطنع:
-ازيك يا سيرا، الف مبروك يا حبيبتي.
أومأت سيرا برأسها مجيبة بلطف ظاهري:
-الله يبارك فيكي يا أبلة شهيرة.
ثم غادرت متجهة نحو قاعة الاحتفال، تاركةً شهيرة تغلي غضبًا وهي تمسك بذراع أختها وتقول بانفعال مكبوت:
-يلا هنروح والله لقايلة لماما وبابا على عمايلك السودة، عشان أنا مش صغيرة عشان اسمع كلمتين من مليكة وهي بتقولي ابعدي اختك عن يزن وحياته، وتهزقني بالادب عشان نقلت كلام وعملت ليها مشاكل، امشي قدامي دي شبه طردتني بالذوق.
***
انتهى الاحتفال أخيرًا وعادت عائلة سيرا إلى منزلهم وقد بدت على وجوههم علامات الإرهاق الممزوج بالرضا، إلا أن المفاجأة كانت في انتظارهم عند مدخل البناية،
فقد كانت والدة فايق تجلس على الرصيف أمام البوابة الحديدية شاحبة الوجه، متجهمة الملامح كأنها قضت الليل كله في البكاء والانتظار، وما إن أبصرت سيرا تترجل من السيارة برفقة يزن الذي أصر على إيصالها بنفسه، حتى اندفعت نحوها بخطوات متعثرة وهي تجهش بالبكاء، تمسك بذراعيها برجاء يائس أقرب إلى الجنون، فقالت بصوت مرتعش مبحوح من فرط الانفعال:
-سيرا حقك عليا يا بنتي، ابوس جزمتك طلعي ابني من الحبس.
ارتبكت سيرا وتراجعت بخطوة إلى الوراء محاولة الابتعاد عنها، إلا أن المرأة كانت تتشبث بها بقوة هستيرية، فاضطرت إلى قول بضع كلمات بتوتر ظاهر:
-أنا ماليش دعوة هو....
لكن والدة فايق لم تدعها تُكمل بل قاطعتها وهي تزداد تمسكًا بذراعها وتلوح برأسها يمينًا ويسارًا في يأس وارتباك:
-لا انتي السبب وخطيبك ده السبب، هو فايق اللي قالي كده.
تجمعت عائلة سيرا حولها بسرعة، وشعر يزن بخطر الموقف وبالخوف على سيرا التي ارتجفت من شدة الموقف، فتقدم منها بخطوة حازمة ومد يده ليحاوطها بذراعه، يجذبها خلفه بحماية واضحة ثم واجه المرأة بنظرة صارمة ونبرة حادة قائلاً:
-ابنك يقولك اللي هو عاوزه، هو دلوقتي مقبوض عليه بسبب مصايبه وسيرا مالهاش دعوة بأي حاجة بتحصله.
رفعت والدة فايق وجهها المبلل بالدموع نحوه، وردت بصوت واهن متهدج:
-لا هما سجنوه عشان هو وز واحد على سيرا، بس والله ما كانت نيته يأذيها.
ضرب والد سيرا كفًا بكف وقد بدا الغضب على ملامحه، وقال بحدة ممزوجة بالاستياء:
-يعني معترفة باللي ابنك عمله، بصي يا ست ام فايق احنا طول عمرنا جيران ولا عمرنا حصل بينا مشاكل إلا لما فايق قل بأصله مع بنتي كذا مرة، وأنا عن نفسي مش هنسى اللي عمله معاها ولا قهرة بنتي وخوفها منه كل مرة، فيا ريت تبعدي عننا وببلاش مشاكل حفاظًا على الجيرة.
كانت الأم تهم بالرد من فرط انكسارها، لكن يزن لم يمنحها تلك الفرصة إذ أمسك بذراع سيرا برفق وحزم في آن واحد، وحركها نحو باب البناية مبتعدًا بها عن تلك المواجهة المرهقة، تاركًا وراءه عائلتها تحاول تهدئة الموقف، بينما تصاعدت نبرة الجدال في الأسفل بين أم فايق وأهل سيرا، وارتفع صوت البكاء والتوسل منها حتى تلاشى في ضجيج الشارع.
وفي خضم تلك الفوضى كانت دهب تتابع مغادرتهما بعينين تضطرمان غضبًا مكتومًا، ولم تدرك أن والدتها كانت تراقبها هي الأخرى منذ أن علمت من يزن بكل ما أخفته عنهم، فارتسمت على وجه حكمت نظرة حذرة ممتزجة بالريبة.
صعد يزن وسيرا إلى الشقة في صمتٍ ثقيل والدهشة لا تفارق ملامحها، وقفت عند نهاية الدرج ثم رفعت نظرها إليه متسائلة بصوت خافت تغلفه الحيرة:
-ليه طلعتني فوق؟
اقترب منها يزن وأجاب بنبرة هادئة لكن قاطعة:
-عشان مش عايزك تتأثري بيها وخصوصًا إنها هي وابنها متربوش.
نظرت إليه سيرا بابتسامة رقيقة حاولت بها أن تبعث الطمأنينة في نفسه، وهزت رأسها نافية بلطف:
-لا مكنتش هتأثر متقلقش، أنا مش هبلة اوي كده.
رمقها يزن بنظرة تجمع بين السخرية والعطف، وابتسم بخفة قائلاً بنبرة مازحة:
-والله ما فيه أهبل منك أساسًا.
ضحكت بخفة لكنها فاجأته بخطوة غير معتادة منها؛ إذ أمسكت بياقة قميصه وجذبته نحوها في جرأة هادئة، وقالت بنبرة حازمة خافتة تفيض ثقة وذكاء:
-لا طبعًا أنا فاهمة كويس أوي اللي حواليا، أنا اه ابان عبيطة بس فاهمة اللي بيدور حواليا، زي ما فهمت كده انك أكيد كلمت مليكة في حاجة تخص حورية، خليتهم يمشوا بسرعة ويسيبوا الحفلة.
لم يحاول يزن نفي التهمة بل اقترب منها أكثر حتى كاد أن يلامس أنفاسها، ثم همس بنبرة شغوفة دافئة، امتزج فيها الحنان بالصدق:
-حقي، أنا خوفت تأثر عليكي، وأنا ما صدقت أن دماغك اتعدلت من ناحيتي.
ارتسمت على وجهها ابتسامة ناعمة مشوبة بخجل أنثوي، وقالت بدلال صادق وهي تنظر في عينيه المليئتين بالشغف:
-هي معدولة والله يا يزن ومن أول يوم شوفتك فيه، بس أنا نفسي لما اتجوز استقر ومتطلقش أو أكون اختياري غلط، فكنت بتأنى في قراري بس وبشوف الشخص اللي قدامي هيستحق اتمسك بيه ولا لا؟
مد يزن أصابعه بلطف ليداعب جانب وجهها بحنان عميق، وسألها بصوت خفيض دافئ:
-ها ولقيتيه يستحق ولا لا؟
تنفست سيرا بعمق ثم أمسكت بيده التي لامست وجهها، وقالت بنبرة متألقة بالمشاعر خرجت من عمق قلبها المفعم بالحب:
-طبعًا، انت خلتني اشوف كل الرجالة جنبك ولا حاجة، انت حاجة كبيرة اوي بالنسبالي.
ابتسم يزن اتساعًا ثم أمسك بيدها وقبلها قبلة هادئة تفيض حنوًا، وقال بمزيج من الجد والمزاح:
-يا رب دايمًا افضل في نظرك كده يا حبيبتي ويبعد عننا ولاد الوارمة اللي عايزين يخربوا علينا.
ضحكت بخفة متلألئة وهي ترد عليه بدلال مرح:
- فعلاً هما كتير اوي.
نظر إليها يزن بعينيه اللتين تلتمعان حبًا وقال بنبرةٍ مازحة رقيقة:
-أنا بقول نسرع في الجوازة دي عشان حالتنا تصعب على الكافر.
ضحكت بقوة وهي تبتعد عنه قليلًا ثم دخلت شقتها بخفة ووقفت خلف الباب تُطل برأسها لتقول بمزاح بريء:
-حالتك انت، لكن أنا زي الفل وفي أكتر لحظات حياتي سعادة.
ابتسم يزن وهو يتأملها بنظرة طويلة محملة بالحب، وقبل أن يرد سمع صوت بابٍ يُغلق في الأسفل بقوة مريبة، فتعجب وأشار إليها مودعًا وهو ينزل الدرج بخطوات متسارعة.
أما سيرا فقد عقدت حاجبيها في حيرة من ذلك الصوت، ثم اندفعت نحو الشرفة بخفة قلقة، لتطل من فوق وتراقب ما يجري في الأسفل...تحاول بعينيها أن تفهم ما الذي انتهى إليه الجدال بين عائلتها ووالدة فايق.
****
دخلت دهب غرفتها بنفاد صبر واضح، وهي تُلقي حقيبتها أرضًا بضيق ظاهر، ثم اندفعت نحو هاتفها تتلهف لمحادثة صديقتها لتخبرها بما استجد من أمور، لكنها لم تكد تلمس الهاتف حتى فوجئت بصوت الباب يُفتح بعنف شديد، لترى والدتها تدخل كالإعصار تحمل عصاها الخشبية الشهيرة، وتلوح بها بوجه متشنج تفوح منه رائحة الغضب، حتى بدا المشهد كله كأنه بركان هائج، فصرخت حكمت بصوتٍ مدو أرعب ابنتها:
-بقى يا صايعة تسرقي شبكة خالتك، وتطلعي حرامية؟ تربيتي أنا تكون حرامية في الآخر!
تراجعت دهب إلى الخلف بخطوات متعثرة، وجسدها يرتجف من شدة الصدمة، وردت بصوت مبحوح مرتعش:
-آآ...قصدك إيه يا ماما؟ أنتي بتقولي إيه؟
لكن حكمت لم تُمهلها لحظةً واحدة، وهوت بالعصا فوق جسدها بعنف جعل صرخة الألم تخرج من بين شفتي دهب رغمًا عنها، فكانت ضربتها قاسية كمَن يفرغ سنوات من القهر في لحظة، حتى صاحت بعنفٍ جنوني:
-بقول اللي سمعتيه يا قليلة الرباية، يا سافلة، بتبصي كده ليه على خطيب خالتك يا سافلة.
شهقت دهب بفزع وهي تلوح بيديها نافية بسرعة هستيرية، تكرر كلمات النفي دون أن تجد من يسمعها، لكن حكمت لم تهدأ بل تحركت بخطوات غاضبة نحو الهاتف الملقى على السرير، التقطته بعنف وهي تصرخ بأعلى صوتها:
-افتحي التليفون ده يا بت، افتحيه حالاً.
هزت دهب رأسها رافضة في هستيريا خوف عميق، والدموع تتساقط من عينيها كمَن يستجدي الرحمة، ولكن رفضها لم يُزد حكمت إلا يقينًا بما سمعته، فاشتد جنونها ورفعت العصا مجددًا تهوي بها على جسدها المرتعش وهي تصرخ بأمرٍ لا نقاش فيه:
-بقولك افتحيه حالاً!
ارتجفت دهب وهي تحمل الهاتف بيدين مرتعشتين، أناملها بالكاد تطيعها من شدة الرعب، ثم ضغطت كلمة السر ببطء ووجل، وسلمت الهاتف لوالدتها التي خطفته بسرعة،
بينما حكمت انتقلت بين تطبيقات الهاتف ورسائل الدردشة، وما إن بدأت القراءة حتى انكمش وجهها تدريجيًا من الصدمة إلى الذهول، ثم إلى ملامح قاسية لم تعرفها من قبل، وجدت أمامها فتاة لا تشبه تلك الطفلة التي ربتها ولا الفتاة التي كانت تظنها مطيعةً بريئة، بل وجدت كلمات ورسائل تكشف حياة خفية ومشاعر تافهة، واندفاعات لا تعرفها في ابنتها.
رفعت وجهها ببطءٍ والدموع تسيل من عينيها متخاذلة، بينما الغضب يكاد يخنقها، ثم انتابتها حالة من الهياج غير المسيطر عليه، فراحت تضرب ابنتها بعصاها في كل اتجاه، وهي تصرخ بصوت مبحوح اختلط فيه الألم بالعار:
-يا سافلة....يا قليلة الادب، أنا ربيتك على كده.
كانت دهب تصرخ بألم وهي تحاول الهروب داخل الغرفة، تتقافز من مكان إلى آخر، تحتمي بالجدران والأثاث والعصا تلاحقها كأنها تعرف طريقها إلى جسدها الصغير، وبينما كادت إحدى الضربات أن تُصيبها في رأسها، اندفعت سيرا إلى الغرفة بخطوات سريعة تسبقها شهقة الفزع التي خرجت من صدرها، واحتوت جسد دهب بين ذراعيها، تحميها بجسدها وهي تصرخ لأول مرة في وجه أختها الكبرى:
-بس يا أبلة انتي بتعملي فيها إيه؟!
صرخت دهب في حضن سيرا تبكي بحرقة وتشهق بأنفاس متقطعة، بينما تلقت سيرا ضربة عنيفة دون قصد فوق يدها فارتجفت من الألم لكنها كتمت صرختها بصعوبة، تحاول ألا تترك الصغيرة وحدها في مرمى الغضب.
وقبل أن ترفع حكمت العصا مجددًا، سُمع صوت الباب يُفتح بقوة ثم اندفع صافي إلى الداخل، فقبض على ذراع حكمت بقوة حازمة، وجذبها خلفه إلى غرفتهما، وأغلق الباب بعنف وراءه، وصاح بصوت غاضبٍ متهدج:
-اقعدي خلاص اسكتي!
صرخت حكمت محاولة الإفلات منه وهي تدفع الباب بعصبية:
-سيبني يا صافي، سيبني اربيها الكلبة دي اللي فضحتني.
انتزع العصا من يدها ورماها على الأرض بقوة جعلت صوت ارتطامها يملأ الغرفة ثم التفت إليها بعينين تتقدان غضبًا وقال بصرامة مؤلمة:
-الفضيحة دي انتي السبب فيها يا حكمت، ماتلوميش على بنتك وانتي السبب في كل حاجة!
تراجعت خطوتين إلى الخلف تحدق فيه بدهشة وصدمة، وقالت بصوت مرتجف يختلط فيه الاستنكار بالذهول:
-قصدك إيه بإن أنا السبب؟! هو انا كنت اعرف باللي عملته وبتهببه!
رفع صافي صوته وهو يلوح بيده في وجهها وقد تفجر فيه الغضب الذي كتمه لسنوات:
-عملته نتيجة اهمالك يا حكمت، عملته عشان انتي سبتيها تتربى لوحدها وشغلتي بالك باخواتك وباللي حواليكي، بتتدخلي في كل كبيرة وصغيرة في حياة اخواتك وسايبنا احنا، بتطلعي عيوب في كل الناس وانتي تربيتك في بنتك كلها عيوب، ماخدتيش بالك خالص إنها في فترة مراهقة ومحتجاكي! لكن ازاي تفضلي تحشري مناخيرك في حياة الناس كلها، ومش واخدة بالك مننا، وجاية تلومي على بنتك في الآخر.
كانت كلماته كسكاكين حادة تمزق كبرياءها، فاهتزت شفتاها واغرورقت عيناها بالدموع ثم قالت بصوت مبحوح تكاد الكلمات تتعثر فيه:
-انت بتقولي أنا كده يا صافي؟
اقترب منها بخطواتٍ هادئة بعدما انطفأ بعض الغضب في صوته، وقال بصدق مؤلم ونبرة حازمة:
-اه بوعيكي يا حكمت عشان تفوقي لنفسك ولبنتك ولبيتك، وتسيبك بقى من اخواتك واللي حواليكي، ولو كان هما بيسكتوا ليكي عشان بيحترموكي، بس هيجي الوقت اللي ينفجروا فيكي عشان تبعدي عنهم.
لم تجد حكمت ما تقول فجلست على حافة الفراش وقد خارت قواها تمامًا، والدموع تنهمر على وجنتيها في صمت موجع، فلم تكن تتوقع أن تسمع من زوجها تلك الكلمات، ولا أن ترى نفسها بهذا القبح الذي رسمه في مرآة الحقيقة،
بينما ظل صافي جالسًا إلى جوارها، يربت على كتفها بحنان ثقيل:
-متزعليش مني يا حكمت لو كنت قاسي معاكي في الكلام، بس من حقي أوعيكي، احنا محتاجينك حوالينا وبالذات دهب، عايزة كل اهتمامك، وانك تراعيها مش بالضرب ولا بالعنف....صاحبيها يا حكمت انتي امها واقربلها مني، شوفي اصحابها مين، شوفي إيه اللي وصل لبنتك كده، بنتك بتدور على الاهتمام برة في الحب عشان احنا فشلناه نديهولها صح.
بينما كانت سيرا في غرفة دهب، ما تزال تحتضنها في صمت مبلل بالدموع، تهدهدها برفق كأنها تحاول أن تمسح عن قلبها خوف الطفلة ووجع الصفعة، وكان عقلها يكاد يجن مما سمعته من صافي قبل دخولها إلى الغرفة، ولكن طيبة قلبها لم تسمح لها بأن تنتقم من دهب، بل كانت لها خير عون وسند.
*****
في اليوم التالي...
دخلت حسناء إلى العيادة بخطوات متثاقلة تفيض بالضيق، وعيناها تجولان في المكان كأنهما تمسحان كل زاوية فيه بكره دفين وحقد مكتوم، بدا وجهها شاحبًا من أثر السهر والتفكير، وارتسمت على محياها ملامح امرأة أنهكها الغضب وأثقلها التردد في الانتقام، زفرت بأنفاس ساخنة تحمل في طياتها ضجرًا عميقًا، ثم وضعت حقيبتها الجلدية الزرقاء فوق المكتب المخصص لها بإهمال ظاهر.
رفعت نظرها نحو الساعة المعلقة أمامها، تتأمل عقاربها التي تتحرك ببطء يثير في داخلها نفاد الصبر، ثم اتجهت بخطوات محسوبة نحو غرفة مكتب نوح، وما إن دفعت باب الغرفة حتى تفاجأت بوجوده جالسًا خلف مكتبه، محني الرأس على أوراق متناثرة، يخط عليها ملاحظات سريعة.
توقفت عند عتبة الباب ثم قالت بنبرة رسمية حاولت أن تخفي وراءها اضطرابها:
-معلش يا دكتور مكنتش اعرف إنك هنا!!
رفع نوح رأسه ببطء وارتسم على وجهه ابتسامة خفيفة لم تفهم معناها، فرد بهدوء وثقة ظاهرة:
-لا عادي يا حسناء، كويس أنك جيتي، عايزك تظبطيلي المواعيد وتشوفي أمور العيادة اليومين دول.
لم تُجبه في الحال بل أخذت نفسًا عميقًا، كأنها تجمع شتات قرار اتخذته بعد صراع طويل مع نفسها، ثم قالت بجمود ظاهر وبنبرة تحمل في طياتها إصرارًا خفيًا، وهي تضع نهاية خطتها التي أعدتها في صمت منذ الليلة السابقة:
-كنت جاية عشان اقولك أنا أسفة مش هقدر اكمل في العيادة بعد اللي حصل، بس متقلقش أنا هجبلك واحدة مكاني.
تبدل وجهه وبدت على ملامحه علامات المفاجأة والرفض في آنٍ واحد، فقال بصوت يختلط فيه التعجب بعدم الرضا:
-إيه القرار المفاجئ ده يا حسناء؟ انتي عارفة كويس أني مقدرش استغنى عنك.
رفعت عينيها إليه بنظرة حادة يملؤها الشك والاستنكار، وكأنها تتساءل في سرها، أهو صادق فيما يقول أم يبتغي تهدئتها فحسب؟ لكنه استكمل كلامه بجدية واضحة:
-أنا عارف أنك زعلانة من اللي يسر عملته، أنا روحت وكلمتها بس هي ولدت، تعدي الظروف دي وأنا هجبلك حقك، تمام؟!
لم تُجبه سوى بإيماءة خفيفة من رأسها، ولكن في داخلها كان الشك يتسلل كأفعى هادئة تلتف حول يقينها، لم تكن عينا نوح صافية كما ادعى، بل كان فيهما غموض لم تطمئن له، ومع ذلك آثرت الصمت وخرجت من الغرفة وهي تحمل في داخلها أفكارًا متشابكة تتنازعها، بين الغضب الذي يشتعل في صدرها والطمع الذي بدأ يمد جذوره في أعماقها، تتهيأ لاقتناص فرصة تجعلها ثرية وسعيدة دون أن تُتهم أو يُشك بأمرها.
لم تمضِ سوى دقائق معدودة حتى خرج نوح من غرفته، وقد بدا مستعدًا للانصراف، فكان يمسك بسترته الجلدية ويهم بالخروج وهو يقول بنبرة هادئة:
-سلام يا حسناء، واعملي اللي قولتلك عليه.
لكنه ما لبث أن توقف عند عتبة الباب، والتفت إليها فجأة وصوته يفيض برجاء غير مألوف:
-عشان خاطري يا حسناء وانتي مروحة ادخلي اوضة الكشف هتلاقي في المكتب في الدرج الأخير شنطة فلوس سودا وفيها جيب صغير سايبلك فيه مفتاح الشقة والباقي طبعًا انتي عارفاه، سلام.
عاد خطوة واحدة إلى الداخل وابتسم لها ابتسامة صغيرة لم تدرِ إن كانت صادقة أم مصطنعة، ثم قال وهو يشير إليها بيده:
-خلي بالك عشان المبلغ المرة دي كبير اوي، وأنا معنديش غيرك اثق فيه.
ثم غادر العيادة بخطوات ثابتة، تاركًا وراءه هواء مثقلاً بالتساؤلات، ظلت حسناء تتابعه بنظرات متسائلة تستقصي ما وراء حديثه المفاجئ، أتراه شعر بالذنب لما فعلته زوجته بها؟ أم أن لابنه الصغير تأثيرًا جعل قلبه يلين؟!
لحظات من التردد مرت، قبل أن تدفعها رغبة غامرة إلى الدخول إلى غرفة الكشف، دفعت الباب بهدوء وتوجهت مباشرة نحو المكتب، فتحت الأدراج واحدًا تلو الآخر بعجلة ظاهرة، إلى أن وصلت إلى الدرج الأخير فوجدت الحقيبة التي وصفها لها، كانت حقيبة جلدية سوداء لامعة الأطراف وثقيلة الوزن.
مدت يدها بتردد، ثم أمسكت بها وفتحتها ببطء حذر، لتتسع عيناها دهشة أمام ما رأت، رزم من الأوراق النقدية مرتبة بعناية، مدت أصابعها تتحسس ملمس الأوراق كأنها تتحسس الحلم الذي طال انتظاره، ثم تمتمت بصوت خاف يقطر حقدًا وسخرية:
-يا ابن المحظوظة الفلوس بتلعب معاك لعب.
ارتفع حاجبها الأيسر وابتسمت ابتسامة جانبية يلوح فيها الطمع، ثم همست كأنها تبرر لنفسها جريمتها القادمة:
-يعني الكام باكو دول لو اخدتهم مش هيعملوا حاجة؟!
أغلقت الحقيبة بخفة وأخرجت رزمتين من داخلها لتخبئه في حقيبتها الخاصة، ثم خرجت من المكان بخطواتٍ ثابتةٍ تحمل بداخلها لهفة خفية، متجهة نحو منزل نوح وهي تبتسم ابتسامة ماكرة تنذر بنهاية خطتها.
****
دخلت سيرا إلى المعرض بخطوات متأنية يغمرها الترقب، حتى وقعت عيناها عليه، فكان يقف إلى جوار سيارة حديثة الطراز، يلمع هيكلها تحت وهج الشمس، بينما هو منشغل بتدوين ملاحظاته في دفتر صغير يحمله بيده.
وقفت تتأمله بصمت يفيض بالحب والدهشة تكسو ملامحها من شدة اندماجه في عمله، فكان تركيزه الصارم وهيئته الواثقة يليقان به إلى حد يُربك القلب، ظلت تتابعه بعينيها حتى دخل مكتبه وهو لا يزال يسجل ملاحظاته دون أن يلتفت حوله، كأن العالم بأسره قد انحصر في أوراقه تلك.
تحركت خلفه بخفة حتى كادت تصطدم بباب المكتب الذي هم بإغلاقه بقدمه دون أن يلتفت، لكنه توقف فجأة عندما شعر بيد صغيرة تدفع الباب من الخلف، فالتفت بدهشة طفيفة، ليفاجأ بها واقفة خلفه تبتسم له بعفوية محببة، قائلة بنبرة مازحة رقيقة:
-يااااه لدرجادي مش واخد بالك مني؟
ارتسمت على وجهه ابتسامة واسعة، تحمل بين طياتها فرحًا صادقًا، ورد عليها بخفة ظله المعهودة:
-نورتي يا سرسورة.
اقترب منها بخطوات دافئة وقبل جبينها بحنو شديد، ثم أفسح لها المجال لتدخل المكتب وأغلق الباب خلفها برفق، ولكنه لاحظ الضمادة البيضاء التي تلتف حول يدها المتورمة قليلًا، فتبدل وجهه قلقًا واقترب منها على عجلٍ ممسكًا بيدها بين كفيه يسأل بلهجة خشنة يغمرها القلق:
-مين عمل فيكي كده؟! أنا سايبك سليمة امبارح!
نظر إليها بتمعن يحمل مزيجًا من الغضب والخوف، ولكنها فاجأته عندما ضحكت بهدوء وهي تتذكر الموقف قائلةً:
-لا دي أبلة حكمت ضربتني بالعصاية وماكنتش تقصد!
عقد حاجبيه في استنكار واضح وهو يقول:
-يعني إيه معلش مكنتش قصدها؟!
لم تشأ أن تُشعل الجدال فاختارت أن تمازحه، وأبدلت ملامحها إلى حزن مصطنع وهي تهمس بعتاب رقيق:
-لا ما انت السبب في ده كله!
اتسعت عيناه دهشة وهو يشير إلى نفسه مستنكرًا:
-أنا السبب ازاي؟! أنا هخليها تضربك؟! ده أنا مبستحملش عليكي الهوى!
مطت شفتيها بطفولة متذمرة وهي تقول:
-قولتلها ليه على دهب يا يزن؟ ومجتش قولتلي أنا، دي حاجة زعلتني اوي.
تنهد بعمق وجلس أمامها على الطاولة، وصوته يخرج هادئًا لكنّه يحمل شيئًا من العتاب:
-وانتي لو قولتلك كنتي عملتي إيه؟! كنتي كلمتي دهب ومارضتيش تعرفي اختك صح؟!
هزت رأسها بإيجاب مؤكد وهي تنظر إليه بعينين تتقدان بالعاطفة:
-ايوه كنت هعمل كده عشان معرضش دهب لضرب يا يزن؟ كنت هنصحها مرة واتنين لغاية ما تتعدل.
أطرق رأسه قليلًا ثم قال بحزم مشوب بالحزن:
-أنا مقصدتش أبدًا لما اقول لأبلة حكمت إنها تضربها، أنا كمان نصحتها إنها تحتويها، بس يا حبيبي موضوع دهب مينفعش أبدًا بالنصيحة، البنت واصلة لمرحلة صعبة ولازم رادع في حياتها، وحد يكون رقيب عليها، أنا لو مش خايف عليها مكنتش هتصرف كده، اختك كانت لازم تعرف وتاخد بالها من بنتها شوية!
نظرت إليه بهدوء واستغراب وقالت بنبرة أكثر لينًا:
-ماشي يا يزن بس انت بردوا ماتعرفش أبلة حكمت بتتصرف ازاي، دي ماسكة العصاية للغريب قبل القريب، كنت متخيل هتعمل فيها إيه؟
أجابها بجدية ثابتة:
-في النهاية هي أمها يا سيرا، ولازم تفوق وتهتم معلش ببنتها شوية، البنت لو كانت كملت على نفس الطريق كانت ضاعت.
ابتسمت نصف ابتسامة وقالت بمكرٍ أنثوي:
-غريبة، أنا حاليًا محتاجة حورية تيجي وتشوفك انت ازاي راجل بتعرف تتصرف صح، وتغير نظرتها عنك.
ضحك بخفة وقال دون اكتراث:
-ميمهمنيش يا سيرا، هي من الأساس متفرقش معايا كلامها، وبعدين اعذريها هي نظرتها محدودة ومينفعش نلومها، يعني هي مقتنعة طالما أنا كنت بتاع بنات يبقى ممكن استغل أي بنت تيجي قدامي حتى لو صغيرة، على أساس أنا كنت بستغل الكبار فقررت اغير نشاط!!
ضحكت بخجل وهي تقول بهدوء صادق:
-عارف موقفك مع دهب طمني إني اختياري صح، واحد مكانك كان استغلها!
رفع حاجبه مازحًا وقال:
-استغل مين!!! مش لما اعرف استغلك انتي الاول.
ضحكت بخجل وأشارت نحوه بيدها المتورمة قائلةً بتحذير لطيف:
-بس بعد كده لازم أي حاجة تخص اهلي تيجي وتعرفني الاول.
اقترب منها ببطء ووضع كفه على خدها بحنو صادق وهمس بنبرة دافئة تحمل خوفًا حقيقيًا:
-خوفت عليكي.
تطلعت إليه بعينين لامعتين وسألته بخفوت:
-من إيه؟؟
أجاب بصوتٍ يقطر صدقًا:
-يحصلك مشاكل، حد يضايقك، أو مثلاً دهب تستغلك غلط وخصوصًا أنك أهبل منها كتير وهي اوعى وانصح.
انتفضت سيرا بمرح مصطنع وقالت:
-إيه ده انت بتشتمني على فكرة.
ضحك قائلًا:
-مقصدش والله يا روحي أنا كل اللي اقصده مبحبش أدخلك في مشاكل، أنا عايزك على طول رايقة وبعيدة عن وجع القلب، أنا لو سيبتك قريبة من أي مشكلة برجع الاقيكي لبستيها لنفسك كلها.
أطلقت تنهيدة صغيرة وقالت بعتاب ساخر:
-يزن انت مش واخد بالك أنك مابتكملش كلمة حلوة في حقي؟؟
ابتسم بعفوية ورفع حاجبيه بدهشة مصطنعة:
-أنا؟! ازاي بقى؟ امال مين اللي فرحت بوجودها وبخاف عليها وعايزها على طول جنبي ومعايا، ومحستش إن أنا لقيت نفسي واكتفيت من كل اللي كنت فيه إلا بوجودها.
توردت وجنتاها وقالت بخجل طفولي:
-مين دي بقى؟!
أجابها ضاحكًا بخفوت دافئ:
-امممم واحدة اسمها سيرا...تعرفيها؟؟
ضحكت وقالت بخجلٍ:
-يعني اسمع عنها!
-صحيح يا سيرا؟ أنا مسألتكيش قبل كده، مين سماكي سيرا وليه ومعناه إيه؟
أطلقت ضحكة خفيفة وقالت بأسلوب قصصي مشوب بالحنين:
-يااااه دي قصة مأساوية اوي، بص يا سيدي خال بابا كان مدرس عربي ودين الله يرحمه بقى، لما أنا اتولدت بابا كان محتار يسميني إيه وكان مفكر إن كده خلاص أنا أخر اخواتي، فحب يسميني اسم مميز راح لخاله وسأله وكان وقتها خال بابا ده فاتح كتاب السيرة النبوية فقاله خلاص سميها سيرة وبابا عجبه الاسم وحس إنه مميز فراح الصحة يسجلني الراجل اللي بيسجل كان لسه مرجع مراته على ذمته بعد ما كان طلقها وغلط وكتبني بسيرا بالالف يعني، بابا حاول يقوله غيرها الراجل حلف بالطلاق ما هو مغيرها وبقيت سيرا، والناس اتحايلت على بابا يمشيها عشان خاطر مراته.
تأملها يزن لحظة ثم انفجر ضاحكًا بصوت عالٍ:
-يعني عاملة مشاكل من صغرك.
قالت متذمرة وهي تعبس في وجهه:
-ما تتريقش أنا أساسًا مبحبش اسمي، بحسه مش مفهوم واقعد اشرح للناس.
ابتسم بلطف وقال وهو يفتح درج مكتبه:
-بس أنا بحبه...بحبه اوي لدرجة انتي مش متخيالها...شوفتي دي.....
أخرج دفترًا جديدًا ذو غلاف مخملي أسود منقوش عليه اسمها بخط عربي ذهبي أنيق، أمسكته سيرا بين يديها بحنان بالغ، تتلمسه كأنها تحتضن شيئًا منها ثم فتحته لتتفاجأ بتواريخ مرتبة بعناية خلف بعضها، رفعت نظرها نحوه بدهشة فسبقها بالحديث:
-ده اول يوم شوفتك فيه مسجلتوش على طول بس سجلته بعدها لما بدأت أحس إنك اكبر من مجرد واحدة معجب بيها، ودي تواريخ المواعيد اللي كنتي بتديهالي عشان اقابلك ومابتجيش وده تاريخ خطوبتنا وكتب كتابنا...
كان يتحدث بصدق وهدوء، بينما أصابعها تلامس يده برفق وتهمس بصوت متقطع:
-حاسة قلبي هيقف من اللي بسمعه، وأنا اللي كنت مفكرة نفسي بحبك من اول لحظة، طلعت انت كمان معجب ومداري.
ضحك يزن بحب على عفويتها بينما كانت تقلب الصفحات فتتوقفت أمام تلك العبارات الانجليزية التي كانت مرفقة مع الصور التي نشرها لهما على مواقع التواصل الاجتماعي، كانت السعادة تملأ وجهها حتى وقعت عينها على عبارة غريبة بخط عربيّ أنيق:
"غَنَاء الروح"
رفعت رأسها تسأله بفضول طفولي صادق:
-يعني إيه؟!
أجابها مبتسمًا:
-يعني اكتفاء...أنا مكتفي بيكي، هو الصراحة مش أنا اللي ألفتها زي دول...
وأشار نحو العبارات الانجليزية الأخرى، مستكملاً بهدوء:
-استعنت بنوح صاحبي عشان اشطر مني في العربي وكنت عايز احطها في دعوة الفرح.
اتسعت عيناها دهشة وهمست بخفوت مرتبك:
-دعوة الفرح؟
-اممم...
نهض من مكانه واتجه إلى مكتبه، ثم عاد يحمل بيده بعض التصميمات الورقية وقال بابتسامة واثقة:
-كنت هقولك عليهم عشان تشوفيهم وتختاري أنهي واحد منهم عاجبك.
تناولت الأوراق بيد مرتجفة تتأمل الدعوات المزخرفة بعناية، وكلها تتقدمها تلك العبارة نفسها مكتوبة بماء الذهب، شعرت بسعادة طاغية تكاد تفيض من ملامحها، وودت لو احتضنته في تلك اللحظة لكنها تماسكت وخفضت نظرها خجلًا، فوجدته يقترب منها بهدوء، ثم انحنى وقبل جبينها قبلة طويلة ناعمة، وهمس برقة مملوءة بالعاطفة:
-هخرج اشوف الناس اللي برة دي عايزين إيه؟ واجيلك تكوني اختارتي الدعوة والميعاد اللي يناسبك بس حاولي متطوليش عليا، عشان مخطفكيش من بيت اهلك بلا فرح بلا حوارات تبعدني عنك.
جلست في صمت والدفتر بين يديها، تتأمل اسمها المذهب على الغلاف وعبارة «غناء الروح» التي صارت تنبض في قلبها كأنها وعد أبدي، رفعت بصرها نحو الباب الذي خرج منه قبل لحظات، وابتسامة خجولة تتسلل إلى شفتيها، فلأول مرة شعرت أن القدر لم يكن قاسيًا كما ظنت، وأن هذا الرجل الذي دخل حياتها صدفة، صار وطنها الذي لا تخشى الرحيل منه أبدًا.
****
حاولت حسناء إدخال المفتاح في باب شقة نوح مرارًا، ولكن القفل أصر على عدم الانفتاح، زفرت بضيق وهي تتمعن المفتاح بين أصابعها، ثم تغير تعجبها إلى اندهاش، إنه نفس المفتاح الذي كانت تأخذه مرارًا من قبل، إذًا أين المشكلة؟! رفعت هاتفها لتتصل بنوح، ففوجئت به مقفلاً.
ماذا ستفعل بالحقيبة المليئة بالمال؟ إلى أين تذهب بها؟ بعد تردد قصير اختارت أن تأخذها معها إلى البيت.
نزلت من البناية واستقلت سيارة أجرة واضعة الحقيبة في أحضانها كما لو كانت حملًا ثمينًا يجب حراسته، كان قلبها يخفق بسرعة من الخوف أن تسرق، وما إن وصلت إلى منزلها وفتحت الباب حتى فاجأتها والدتها تمشي في أرجاء المنزل تنثر الملح وتهمس بتعاويذ قديمة، لكن عيني والدتها توقفتا عاجزتين أمام الحقيبة السوداء التي تحتضنها.
فقالت بلهجة حادة ومندهشة:
-إيه دي يا بت؟!
لم تجب حسناء؛ دخلت غرفتها ووضعت الحقيبة على الفراش، شرعت تتخلص من ملابسها محتاجة إلى لحظةٍ من الراحة، لكن توجه والدتها إلى الحقيبة بخطى سريعة أوقفها، وخاصة عندما فتحتها بفضول جارف، فإذا برزم المال أمامها، برزت أعينها دهشة وانطلقت شهقة قوية منها:
-يالهوي سرقتيه يا بت؟
تقدمت حسناء بسرعة وأمسكت بالحقيبة، عيناها تلمعان بالغضب والتبرير معًا فأجابت باستنكار محكم:
-لا طبعًا هو أنا غشيمة ولا إيه؟ دي فلوس ادهالي ارجعهاله البيت بس تقريبا اتلخبط واداني مفتاح غلط وقافل تليفونه، فقولت اجيبهم هنا لغاية ما يرد، بقولك ياما متدخليش حد غريب هنا الشقة لغاية ما الفلوس دي تمشي من البيت
ردت والدتها بنبرة ساخطة لا تخلو من خوف وحذر:
-اللي يشوفك كده يابت يقول خايفة على مصلحته؟!
ابتسمت حسناء ابتسامة مرة وقالت بدلال وغرور:
-اه ومخافش ليه مش هو اعتذرلي وقالي حقك عليا، واتمسك بيا كمان.
هزت الأم رأسها بتحفظ وقالت بلهجة تقطعها القلق والخوف مما هو قادم:
-يا شيخة؟؟ والله شكلك هبلة وهتاخدي على قفاكي في الآخر منه، الدكتور ده استغلالي.
أغلقت حسناء عينها ثم قالت بلهجة متعبة تبحث عن الخصوصية في ظل فرض والدتها الهيمنة عليها:
-بقولك إيه فكك وسيبني انام، مابتزهقيش من كلامك ده!
هزت والدتها رأسها باستياء وغادرت تاركة حسناء تغفو فوق فراشها بهدوء لم تعهده من قبل.
****
كان نوح يجلس إلى جوار يسر في المستشفى، أمام الحضانة الزجاجية التي يرقد فيها صغيرهما، يراقبان أنفاسه الصغيرة المتقطعة، خيم الصمت على المكان إلا من صوت الأجهزة، فيما كان الحنين يعصف بقلب يسر كعاصفة لا تهدأ.
تنهدت بعمق وبدت في ملامحها لوعة الأم ووجع الفقد المؤقت، ثم همست بصوت مبحوح يغلفه الحزن:
-نفسي يكون في حضني اوي يا نوح.
ربت نوح على كتفها برفق، محاولًا أن يزرع الطمأنينة في قلبها وقال بنبرة هادئة يغلب عليها الأمل:
-كلها أيام يا حبيبتي ويبقى وسطنا وينور بيتنا الجديد.
رفعت نظرها إليه بدهشة ممزوجة بالفضول وسألته:
-بيتنا الجديد؟!
ابتسم ابتسامة واسعة وبدت في عينيه شرارة الفخر، ثم اقترب منها قليلًا وقال بحماس:
-شقة على النيل حلوة وواسعة وأحسن من المنطقة اللي كنا فيها، ومهندس الديكور خلص فرشها وكل حاجة مستنية بس انتي تيجي انتي ولينا والباشا الصغير تنوروها.
حدقت فيه بنظرة غامضة أربكته لوهلة، ثم عقدت ذراعيها على صدرها وقالت بهدوء أقرب إلى التحدي:
-ومين قالك إن أنا هرجعلك؟
ابتسم نصف ابتسامة تحمل في طياتها مزيجًا من الرجاء واليقين ثم قال بثقة:
-ده غصب عنك يا يسر!
رفعت حاجبيها بدهشة وقالت بسخرية ناعمة:
-يا سلام!! هتغصبني ازاي بقى؟!
اقترب منها أكثر وقال بصوت خفيض لكنه مفعم بالعاطفة:
-هخطفك انتي ولينا ومش هخلي ابوكي يعرفلك مكان.
ابتسمت بسخرية حزينة وقالت بنبرة تحمل شيئًا من اللوم:
-اللي بيخطف حد بالطريقة اللي انت بتتكلم بيها بيكون بيحبه وعنده استعداد يعمل أي حاجة عشانه!
قال بسرعة دون تردد وكأنه كان ينتظر تلك الجملة تحديدًا:
-طيب ما أنا بحبك ومعنديش حد اغلى منك انتي وعيالك.
أطرقت قليلًا ثم همست:
-وبالنسبة اللي عنده استعداد يعمل أي حاجة عشانه؟! مش واخد بالك منها!
رد عليها بهدوء:
-انتي طلبتي حاجة وأنا معملتهاش، اطلبي بس وطلباتك اوامر.
نظرت إليه بثبات وقالت بصرامة لطيفة:
-اطرد حسناء من عندك.
ابتسم وقال دون تردد:
-حاضر أي حاجة تانية؟!
رفعت حاجبيها بدهشة وقالت باستغراب:
-بالسهولة دي؟!
قال مبتسمًا وهو يمد يده ليلمس أصابعها المرتجفة:
-اه مشكلتك إنك مش عارفة قيمة نفسك اوي وبتحطي نفسك في مقارنة مع ناس متستاهلش.
تنهّدت بغيظ وقالت بمرارة خفيفة:
-والله؟ مش انت السبب....طيب يا نوح بما إنك انت اللي اتكلمت بقى في النقطة دي، يبقى شرطي الأخير...
نظر إليها بترقب فقالت بوضوح تام:
-هو مفيش جواز عليا أبدًا غير لما أموت....ولما أموت كمان متتجوزش وعيش على ذكرياتي.
أمسك بيدها برفق وهمس بحرارة:
-بعد الشر عنك يا حبيبتي، اللي انتي عايزاه كله هيتعمل بس ارجعي البيت انتي ولينا خلاص مبقتش قادر ابعد عنكم، الفترة اللي فاتت عرفت قيمة نعمة يعني إيه ربنا يكون مديك راحة البال وانت مش عارف تستمتع بيها.
ابتسمت يسر إليه ابتسامة مشرقة وقد تلألأت الدموع في عينيها كأنها خيوط ضوء حائرة بين الحزن والفرح، فكانت أنفاسها ترتجف من شدة الانفعال وصوتها يخرج متهدجًا، يحمل في طياته ذهولًا وسعادة غامرة:
-بجد يا نوح؟ يعني خلاص مفيش....
وقبل أن تكمل كلمتها، مد يده برفق ووضع إصبعه على شفتيها، ليصمتها بصوت يقطر حنانًا وحزمًا في آنٍ واحد، وقال بنبرة واثقة هادئة كالعهد:
-مبقاش في حياتي إلا يسر وبس.
تجمدت الكلمات على شفتيها، وتلاقت نظراتهما في صمت طويل يفيض بما عجز اللسان عن قوله، لقد كانت تلك اللحظة أشبه بوعد صامت بين قلبين أنهكهما الفراق، ووصل بهما الحنين إلى يقينٍ لا رجعة فيه.
فابتسمت بحنو بينما انحنى نوح ناحيتها يهمس لها بصوته الدافئ:
-رجوعك ليا مش بس بداية جديدة... دي حياة كاملة كنت مستنيها من زمان.
*****
دوى الطرق على باب الشقة بعنف متواصل، ارتج له صدى الجدران وأفزع "حسناء" التي كانت نائمة داخل غرفتها، انتفضت بخوف وركضت مسرعة نحو باب غرفتها، وما إن فتحته حتى تجمدت في مكانها وقد رأت رجال الشرطة يملؤون المكان، فيما كانت والدتها تقف باكية أمام أحد الضباط ترجوه بصوت متهدج:
-بالله عليك يا بيه سيبني، ده أنا بعمل اعمال في الخير، هتقبضوا عليا.
رمقها الضابط بنظرة حادة قبل أن يلتفت إلى حسناء التي تقدمت بخطوات مترددة وقد ارتسمت على وجهها علامات الذهول والقلق، فقالت بصوت مبحوح:
-في إيه يا بيه؟
رد الضابط بنبرة رسمية صارمة:
-معانا إذن من النيابة بتفتيش البيت والقبض عليكي.
شهقت حسناء بدهشة وهي تنظر حولها، وكأنها لا تصدق ما تسمعه:
-ليه؟
قال الضابط بثبات:
-في بلاغ ضدك متقدم انك سرقتي مبلغ مالي كبير من دكتور نوح الشاذلي.
تراجعت خطوة إلى الخلف تفتح فمها محاولة التبرير، لكن أحد العساكر نادى الضابط وهو يرفع حقيبة أنيقة بين يديه:
-الفلوس اهي يا باشا.
اقترب الضابط ليتأكد فابتسم ببرود وهو يقول:
-تمام اقبضوا عليها وهاتوا ورايا.
صرخت حسناء بصوت عالٍ وهي تحاول التملص من أيديهم:
-ليه مش لقيتوا الفلوس؟!
لكن لم يستمع إليها أحد وسُحبت بقوة بين العساكر الذين كبلوها وهي تبكي في هلع، التفتت إلى والدتها التي كانت تُقاد هي الأخرى تصرخ بجزع وهي تقول:
-طيب هي سرقت، أنا مالي يا باشا، أنا بتاعت خير وأعمال بس.
****
خرجت حسناء من غرفة التحقيقات بخطوات متثاقلة، كأنها تسير فوق جمرٍ مشتعل، كانت الدموع تجف على وجنتيها قبل أن تسقط من جديد، وقد بدت ملامحها منهارة تمامًا، فقد واجهها الضابط ببلاغات متتالية مقدمة من نوح نفسه؛ يتهمها فيها بسرقته أكثر من مرة، وبمحاولة اختطاف ابنته، والتخطيط لإيذاء زوجته، ولم يكن الشاهد سوى خالها الذي لم يتردد في قول الحقيقة حين سُئل.
حاولت الإنكار في البداية، تارةً بالصراخ وتارةً بالتوسل، لكن كثرة الأدلة والضغوطات جعلت جدارها ينهار، فكان الوضع كالتالي بكاء طويل تبعه اعتراف مرتجف؛ روت فيه كل تفاصيل أفعالها، كيف حركها الطمع وكيف أغلقت بصيرتها الرغبة في المال والانتقام حتى نست نفسها وضلت طريقها.
لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، فقد قدم نوح بنفسه أدلة إضافية، مقاطع مصورة تظهر محاولاتها السابقة لسرقته في مبالغ صغيرة، وصولًا إلى آخر مقطعٍ يُثبت بوضوح أنها هي من أخذت الحقيبة من عيادته، كانت جميع الأدلة ضدها، خاصة أن نوح لم يذكر في أقواله أنه هو من أعطاها الحقيبة، متعمدًا أن يبدو الأمر كأنها سرقتها فعلًا.
حينها فقط أدركت حسناء أنها كانت طُعمًا غبيًا في خطته المحكمة، وأنها وقعت في فخه بيديها مثلما تقع الذبابة في خيوط العنكبوت.
وبينما كانت تجلس في ردهة القسم، لمحت نوح يسير في الرواق بثبات واعتداد، رأسه مرفوع كطاووس يخطو فوق رماد معركة انتصر فيها، اقتربت منه بخطوات متعثرة، وجهها شاحب وصوتها مبحوح وهي تقول برجاء يائس:
-ليه كده يا نوح، ده أنا وثقت فيك وانت اللي طلبت مني اوديلك الفلوس الشقة، تلعب عليا وتديني مفتاح غير المفتاح الاصلي عشان الفلوس تفضل معايا وتتهمني بسرقتها.
التفت إليها ببرود وسخرية، وقال بلهجة قاسية لا تعرف الرحمة:
-ده على أساس إنك مش سرقتي منها ومن اللي قبلها واللي قبلها!!
أطرق رأسه للحظة قصيرة كأنه يستجمع غضبه، ثم رفع عينيه نحوها وقال بنبرة هادئة لكنها حادة كالسكين:
-عديتلك كتير واقول معلش صغيرة وفاكرة إنها ممكن تضحك عليا، جاهلة بس انتي زي التور اللي ماشي في طريقه وحالف ليأذي أي حد، وفكرتي في لينا وافتكرتيني غبي وشربت طعمك ليا ومفهمتش من أول لحظة إنك السبب في ده كله، فاكره إنك انتي اللي استغلتيني بس في المقابل أنا اللي استغليتك للي أنا عايزه، بس لغاية يسر وتقفي عندك.
انهارت حسناء تبكي وتقول بصوت مخنوق:
-اتنازل عن كل البلاغات دي وأنا اوعدك مش هجي جنبك.
لكنّه نظر إليها بعين خالية من الشفقة وقال ببرود قاتل:
-كنتي فين زمان....اديتك فرص كتير بس كل مرة بتصري على طمعك وفاكرني هسيب مراتي عشان خاطرك، ومش عارفة إن في كتير قبلك حاول وبرضوا فشلوا، بس الفرق هما محاولاتهم ساذجة لكن انتي كنتي قادرة على الأذية واللي زيك يستحق اللي انتي فيه.
سكت لحظة ثم أكمل بصوت خافت لكنه موجع كطعنة في قلبها:
-اللعبة خلصت يا حسناء وانتي مكانك هنا.
وبينما كانت تُساق إلى غرفة الاحتجاز، كانت نظراتها تتشبث بوجهه كالغريق الذي يبحث عن طوق نجاة، لكنه لم يعد يرى فيها سوى الغدر الذي صنعته يداها!
رواية غناء الروح الفصل الخمسون 50 - بقلم زيزي محمد
بعد مرور أربعة أشهر...
في أحد أبراج القاهرة الفاخرة التي تطل على النيل مباشرة، وتحديدًا في الطابق الأخير من البرج الذي يملكه رجل الأعمال المعروف زين الجارحي، كان الليل ينسدل بظلاله على الزجاج العريض فينعكس بريق الأضواء على أرضية الرخام اللامعة، داخل الشقة الفخمة التي تفوح منها رائحة الهدوء والترف، تهادت ليليان بخطوات ناعمة متأنية، مرتدية مئزرًا حريريًا بلون الازرق، ينسدل حول جسدها بانسيابية أنثوية متقنة.
وقفت أمام باب مكتب زين، وطرقت الباب بخفة أنثى تعرف قدرها ومكانتها، بينما ما زالت ابتسامتها المشرقة تزين وجهها الذي لم يفقد شيئًا من بريقه رغم مرور السنين، فقالت بنغمة ناعمة فيها شيء من الدلال:
-طلبتني يا زين؟
رفع زين بصره عن الأوراق التي كان منشغلًا بها منذ ساعات، ونظر إليها لبرهة ثم أعاد بصره إلى الملفات التي أمامه وهو يشير بيده نحو ابنه آسر الذي كان يقف على مقربة منه.
كان آسر يجمع ما تبقى من ملفات والده ويضعها في حقيبة سوداء أنيقة، ثم أغلق حاسوبه المحمول بحركة رزينة قبل أن يلتفت نحو والدته بابتسامة دافئة تفيض حبًا واحترامًا، فاقترب منها وقبل يدها برفق ثم جبينها قائلاً بصوت خفيض:
-تعالي يا حبيبتي أنا خلصت خلاص.
ابتسمت له ليليان التي ترى في ابنها امتدادًا لنبضها، ثم همست له بخفة وقد مالت نحوه لتثير غيظ والده الذي بدا وكأنه يتحكم بصعوبة في انفعالاته:
-مش ناوي تاخد اجازة من باباك وشغله يا حبيبي، وتاخد مراتك تفسحها شوية؟
لكن صوت زين قطع سكون الغرفة بحدة مدروسة:
-سيبي آسر يمشي أموره بنفسه يا ليليان وانت يا آسر روح يلا انزل لمراتك.
اكتفى آسر بهزة رأس هادئة فلم يكن يرغب في الدخول في أي نقاش مع والده، ثم أخذ حقيبته ونزل إلى الطابق الذي تقع فيه شقته الخاصة، أسفل شقة والده مباشرة، بينما يسكن أخواه أدهم ومراد في الطوابق الأخرى من البرج نفسه، تنفيذًا لرغبة والدهم في أن يبقوا جميعًا قريبين منه، أما عز فقد آثر أن يعيش في شقة فاخرة قريبة من مشفاه، إذ لم يحتمل فكرة البقاء في دائرة سلطة والده حتى بعد زواجه.
بعد خروج آسر جلست ليليان أمام مكتب زين الوثير، وقد شبكت ساقًا فوق أخرى بحركة أنيقة تنم عن ثقة راسخة، مالت برأسها قليلًا فانحدر خصل من شعرها الحريري الطويل الذي ما زال محتفظًا بكثافته ولونه الداكن، بفضل عنايتها الدقيقة وإصرارها على إخفاء الخيوط البيضاء التي تجرأت يومًا على الظهور بين خصلاته، فقالت بنبرة هادئة امتزجت بالفضول:
-في إيه بقى، طلبتني ليه؟
لم يُجبها زين في الحال، بل سحب من درج مكتبه بطاقة أنيقة ذات تصميم بديع ووضعها أمامها، وقال بابتسامة رسمت على وجهه الوسيم والذي لم ينجح الزمن في فقدان رونقه وجاذبيته:
-تيجي معايا الفرح ده؟
تجمدت نظراتها عليه للحظة وقد بدا الاستغراب واضحًا في عينيها، فزين طوال عمره لا يميل إلى الحفلات ولا المجاملات الاجتماعية، بل اعتاد أن يرسل أحد أبنائه مكانه إذا دُعي إلى مناسبة ما، أما أن يطلب منها هي مرافقته فذلك ما لم يحدث منذ سنوات طويلة.
تناولت الدعوة بين يديها الرقيقتين، وأخذت تتأملها بإعجاب، فقد أُعدت بعناية لافتة وزُينت بخيوط فضية ناعمة ورسمت عليها حروف الأسماء بخطٍ عربي فخم براق. ولكنها رغم تأملها لم تتعرف على أصحابها، فرفعت نظرها إليه وقد انعكس الضوء في عينيها، وسألته بنبرة فضولية يغلب عليها الهدوء:
-مفهمتش حاجة مين ده؟
-ركزي في الاسم كويس.
عادت ليليان تنظر إلى الدعوة من جديد، وقد انسدلت خصلات شعرها الكثيفة لتخفي ملامح وجهها المرهق ببريق أنيق لم يبهت بعد، ظلت تحدق في الأحرف المذهبة طويلاً دون أن تُبدي أي رد فعل.
نهض زين من مقعده بخطوات محسوبة، ثم اقترب منها حتى كاد يلامس كتفيها وانحنى بجذعه العلوي ليحيطها بذراعيه من الخلف في حركة تحمل من الحنان بقدر ما تخفي من السلطة، أشار بإصبعه نحو أحد الأسماء المكتوبة على البطاقة، ثم نقر عليه بخفة مرتين وكأنه يريد أن يثبت الكلمة في ذهنها:
-اه ده اخو سليم الشعراوي الجواهر.....
توقفت أنفاسها للحظة ثم رفعت وجهها نحوه ببطء، وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة حاولت من خلالها أن تُخفي ذكرياتها عندما قابلته ذات مرة وأثنت على مجوهراته ودعته أنه أفضل جواهرجي في مصر وحينها خصها بنظرة شبه غاضبة ولم تفهم هي وقتها ما سبب تلك النظرة، فقالت بنبرة هادئة ممازحة:
-اسكت احسن، أنا منساش نظرته ليا لما غلطت وقولتله انت احسن جواهرجي في مصر كان ناقص يقتلني بعينيه.
امتعض وجه زين على الفور وانسحب من خلفها ليجلس على الأريكة الواسعة ودعاها لتجلس بالقرب منه، وبالطبع هي لبت دعوته سريعًا، ثم مد ذراعه ليحيط خصرها بنظرة حازمة امتزجت فيها الغيرة بالتحكم:
-اولاً مفيش حد يقدر يبصلك بصة متعجبنيش، ثانيًا أنا قولتلك قبل كده أنا حسيت منه إن الشغلانة دي مش بتاعته بس سبحان الله هو شاطر فيها جدًا.
أمالت ليليان رأسها بخفة وهي تزيح خصلات شعرها عن وجهها، وأجابت بابتسامة وديعة تحمل نغمة المصالحة:
-أنا بهزر، هو شخص كويس للإمانة وذوقه حلو في مجوهراته، وبعدين صحيح هو اخوه ده صاحب الولاد صح؟
هز زين رأسه ببطء وهو يجيبها:
-اه مراد وأدهم هيحضروا معانا أما عز معرفش ظروفه كالعادة..
ولم يكد يُكمل كلماته حتى دوى طرق خفيف على الباب، ثم انفتح فجأة ليدخل عز بخطوات مسرعة سبقت أخاه مراد الذي صاح من خلفه بنبرة ممتزجة بالضيق والتهكم:
-حاسب يا حيوان.
تجاهله عز تمامًا وتقدم نحو والدته أولاً، قبل وجنتيها بحب طفولي واضح ثم قال بصوته المفعم بالدلال والمرح:
-وحشتيني يا روحي، إيه الجمال ده.
رفع زين عينيه نحو السقف وتمتم مستغفرًا وهو يبتعد قليلًا عن ليليان التي ضحكت بخفة واحتضنت ابنها الصغير كما لو كان ما يزال طفلها المدلل:
-وانت كمان وحشتني، كده متجيش امبارح تتطمن عليا؟!
اقترب مراد غاضبًا وأمسك عز من ذراعه ليُبعده قليلًا عن والدته، ثم انحنى ليقبل يدها وجبينها باحترام بالغ، وقال بصوت دافئ يحمل نغمة الاهتمام:
-عاملة إيه دلوقتي يا حبيبتي؟
رفع عز حاجبيه وحدق في مراد بنظرة حادة، ثم قال بلهجة تجمع بين العتب والغرور:
-مقولتليش ليه إن ماما تعبانة يا مراد؟
جلس مراد على المقعد المجاور لوالده، ورفع حاجبه بابتسامةٍ ماكرة موجهة نحو زين الذي بدت على وجهه علامات الانزعاج:
-أبوك اعتبرك من الاشرار وقالنا محدش يقولك أي أخبار عننا طالما قررت تقعد بعيد عنه.
حدجه زين بنظرة صارمة وقال بحنق:
-إيه عنه دي؟! اللي زعلانة هي ليليان أما أنا ولا يفرق معايا يتفلق.
ابتسم عز ابتسامة باهتة، ثم قال بنبرة مرحة كعادته:
-إيه يا زين باشا معاملة جوز الأم دي! اشمعنا أنا من ولادك اللي بتعاملني كده؟
أمسكت ليليان بيده برفق وربتت عليها بحنو أمومي وقالت محاولة تهدئة الأجواء:
-باباك ميقصدش يا عز طبعًا.
لكن زين قطع كلامها ببرود حاد:
-لا اقصد.
ساد الصمت لثوانٍ وبدت ليليان كأنها تحاول إخفاء انزعاجها بابتسامة مصطنعة، بينما كان مراد يراقب الموقف بصمت متأمل واضعًا كفه أسفل ذقنه، ينظر إلى تدليل والدته المبالغ فيه لعز الذي لم يتردد في أن يُلقي رأسه في أحضانها كما كان يفعل طفلًا صغيرًا، فرمقه بنظرة مستنكرة، فما كان من عز إلا أن حرك لسانه بخفة في وجهه ليستفزه أكثر، في حين مال زين نحو زوجته هامسًا بنبرة خافتة حادة:
-ابعدي الحلوف ده عنك حالاً.
لكن ليليان لم تُعره اهتمامًا، بل ضمت عز إلى صدرها أكثر كأنها تتحدى غيرة زوجها أمام الجميع، وفي تلك اللحظة انفتح الباب مجددًا، ودخل أدهم بملامحه العابثة المعتادة، فنهض عز سريعًا بتوتر:
-طيب يلا يا جماعة بالسلامة انتوا دلوقتي!
ولكن أدهم لم يحتمل الاستفزاز، فانقض على أخيه عز بقوة مفاجئة، مستغلًا فارق البنية بينهما، وكبله من ذراعيه وهو يقول بغيظ مكتوم من بين أسنانه:
-فاكرني مش هجيبك، اخدت عربيتي من ورايا ليه يا عز وكمان خبطتها يا بجح.
تجحظت عينا ليليان وهي تتابع المشهد بذهول، ثم قالت بصوت صارم يحمل نبرة الأمومة التي ما عادت تحتمل فوضى المقامة ضد عز:
-عيب كده يا أدهم، باباك قاعد، وليه تمسك اخوك بالشكل ده هو مجرم ولا إيه، ده دكتور كبير وله وضعه.
تحولت نظرات أدهم إلى والده، فوجد زين يتأمله بهدوء بالغ، ثم قال بابتسامة خبيثة خافتة تسربت منها روح الدعابة التي يخفيها وراء صلابته:
-امسكه واعتبره إرهابي مش مجرم.
شهقت ليليان بصدمة وهي تقول بعتاب مؤلم:
-اخص عليك يا زين، متقولش على عز كده.
لم يستطع مراد تمالك نفسه فقال بضيق مكتوم من تدليل والدته لعز المبالغ فيه:
-ماما الحب ده المفروض يكون ليا أنا الكبير، مش حتة العيل ده.
رفع عز رأسه بعناد وهو يحاول الإفلات من قبضة أدهم الذي كان يُمسك بعنقه، وقال بحدة قاصدًا إثارة استفزازهم:
-والله العيل ده من صغره وانتوا هتموتوا مني ومن حب امكم فيا، بس مهما تعملوا عمركم ما هتعرفوا سر حبنا لبعض.
اقترب مراد من والده هامسًا بينما رفع زين حاجبه بنظرة حذرة فيها شيء من التحدي، فتمتم مراد بمكر:
-الواد ده بيخرف جامد، قوم ارزعه قلمين، او احرمه يجي هنا شهرين.
لكن الباب انفتح فجأة ودخلت ليان وهي تبكي بانهيار جعل الجميع ينتفض في لحظة واحدة، كانت الدموع تُغرق وجهها، وصوت بكائها يملأ الأرجاء، فهب زين واقفًا من مكانه كأن شيئًا في قلبه انكسر فجأة، واتجه نحوها بخطوات سريعة ليضمها إلى صدره:
-في إيه مالك بتعيطي ليه كده؟
انجذب الإخوة جميعًا نحوها، ودخل خلفها آسر الذي كان قد رأى ليان تصعد من شقتها إلى شقة والدها وهي باكية، فصعد خلفها بلا تردد، وقال وهو يلهث من شدة القلق:
-مالك يا ليان، طلعتيني وراكي جري؟
دفنت ليان وجهها في صدر والدها، تبكي بحرقة أوجعت قلب ليليان التي كانت تتابع المشهد بعين دامعة، وكادت تبكي تضامنًا معها، لولا أن التف إخوتها حولها فحجبت الرؤية عنها، فقال مراد بصوت خشن متوتر:
-مالك في إيه بتعيطي ليه كده؟
وأردف عز بقلق واضح:
-مالك يا لينو مين زعلك يا حبيبتي؟
مد عز يده ليمسد شعرها بحنو، لكن زين رمقه بتحذير صامت كعادته، فإن سمح له بتجاوزه له في بعض النقاط، لن يسمح له بالاقتراب من منطقته المحظورة ليان صغيرته الوحيدة.
رفعت وجهها الباكي عن صدر والدها، وقد اختلطت دموعها بأنفاسها المرتجفة، وقالت بصوت متقطع موجع:
-عمر يا بابا زعقلي وقفل في وشي التليفون.
رفع أدهم حاجبيه بدهشة غاضبة وقال وهو يزمجر من بين أسنانه:
-يومه أسود هو بيستعبط ازاي يعمل كده؟!
حدجه زين بنظرة غاضبة محاولًا إسكاته، لكن بدا وكأن ليان قد ألقت تعويذة على إخوتها الشباب، ففقدوا جميعًا اتزانهم وثاروا غضبًا لأجلها، حتى عز الهادئ دومًا قال من بين أسنانه لمراد الذي كان يُخرج هاتفه مسرعًا ليتصل بعمر المسكين:
-كلمه يا مراد هو اتجنن عشان يعاملها كده!!
لكن يد زين كانت الأسرع فاختطف الهاتف من يد ابنه، وقال بصرامة ونبرة حادة تُخفي خلفها الغليان:
-في إيه هو أنا شفاف وماليش وجود وسطكم؟
تنفس آسر بغضب وهو يحاول ضبط نبرته الجامحة قائلًا:
-ما هو بردو مش طبيعي يا بابا يتصرف كده مع ليان وبعدين أنا اختي مابتغلطش أساسًا، يبقى التليفون في وشها ليه؟! مش عامل احترام لوجودنا.
نظر زين نحو ليليان التي كانت تمسح على خصلات شعر ابنتها بحنان وهي تبكي، فخشي أن تتأثر مجددًا كما حدث في الليلة الماضية، فقال بحزم لم يقصده على هذا النحو:
-خدي عيالك واطلعي برة.
رفعت ليليان وجهها نحوه بصدمة فأسرع بالتبرير بخفوت متردد:
-عشان متتعبيش بس يا ليليان.
تجاهلته ليليان ووجهت حديثها لابنتها التي كانت تحاول السيطرة على دموعها، وسألتها بهدوء:
-جوزك عمل كده ليه يا ليان؟
تحدثت ليان من وسط بكائها، وهي لا تزال متشبثةً بأحضان والدها، ذلك الحضن الذي لطالما كان ملجأها الآمن،ىوقالت بنبرة متقطعة حزينة:
-عشان بقوله الولاد طالعين رحلة وعايزة اطلع معاهم، قالي لا بناقشه قالي لا، حاولت اتكلم معاه وشدينا مع بعض وزعق لي جامد وبعدها قولتله أنت لو موافقتش هقول لبابا وهو هيخليني اطلع، قفل في وشي السكة.
حمحم مراد وكان أول من استعاد اتزانه بعدما أدرك تفاهة سبب المشكلة مقارنة بحالة الغضب التي اجتاحتهم جميعًا، كان يتفهم الآن لِمَ فقد صديقه صبره، فطالما كان عمر حليمًا مع ليان يعاملها كجوهرة يخشى خدشها، فقال بنبرة هادئة محاولًا التخفي:
-طيب يا حبيبتي ما هو له يتعصب بردو انتي يعني بتلغي وجوده!
رفع أدهم حاجبيه باعتراض وقال بخشونة لم تخل من الحنق:
-بردو ميقفلش السكة في وشها يا مراد هو بيستعبط ما يستحمل زن مراته، ما أنا مستحمل زن مراتي وابوها قبلها!!
لوى آسر شفتيه بضيق وهو يرمق أخاه بمكر قائلًا:
-يعني لو كاميليا قالتلك هقول لبابا يطلعني رحلة غصب عنك هتستكلها.
رد أدهم بثقة مغرورة:
-اه هسكت...بس مش هسكت لابوها عادي يعني!
زمجرت ليان بغيظ وهي تحدق في آسر المدافع عن زوجها:
-أنا مقولتش غصب عنك يا آسر، متغلطنيش!
ثم نظرت إلى وجوههم واحدًا تلو الآخر، فلمحت على ملامحهم آثار الضيق، فعادت تبكي بحرقة وهي تقول بمرارة:
-اه يعني كلكم غلطتوني ووقفتوا في صف عمر.
تقدم عز منها هذه المرة، ونجح في جذبها من أحضان والدها إلى أحضانه، فعانقها برقة قائلاً بنبرة حنونة مقنعة:
-لا طبعًا محدش مغلطك، بس يعني يا لينو احنا فهمنا ليه اتعصب اكيد كان خايف عليكي وهو من امتى سابك تتحركي لوحدك؟!
دفعت ليان صدره قليلًا وهي تقول بغيظ طفولي:
-يعني انت كده مش واقف معاه بردو، أنا أساسًا ماليش إلا بابا وماما.
اقترب منها مراد وقبل وجنتيها بحنان وهو يقول مداعبًا:
-هكدره في الشغل النهاردة يا حبيبتي ولا يهمك، ولو شوفت حد واقف معاه هكدره هو كمان، المهم إن البرنسس بتاعتنا متزعلش.
كان مراد يتحدث بثقة، خاصة بعدما ترقى مؤخرًا وصار أعلى رتبة من عمر، ثم ابتعد قليلًا وقال بنبرة مبطنة تحمل دهاءً واضحًا:
-أنا شايف بقى نخرج يا شباب نحل عربية أدهم المخبوطة برة ونسيب ليان لبابا وماما عشان يحلوا معاها مشكلتها.
تفهم الإخوة الإشارة فانسحبوا واحدًا تلو الآخر، تنفس زين بعمقٍ وقال بابتسامة خفيفة:
-الوحيد اللي تمر فيه ترتبيتي وبيفهم.
شعر بحركة خفيفة في ذراعيه، فوجد ليان تتحرك مبتعدة عنه لتستقر في أحضان والدتها من جديد، اقترب منها هامسًا، متجاهلًا دموع ابنته التي بدأت تهدأ:
-ابعدها عنك دلوقتي على اللي انتي عملتيه انت وابنك عز قدامي!!
أرسلت ليليان إليه قبلة في الهواء بمرح جعل ملامحه تلين، فتغاضى عن الأمر تمامًا، ثم التفت نحو ليان وقال بنبرةٍ هادئة مفعمة بالحنان الأبوي:
-قولتيلي رحلة إيه دي بقى يا حبيبتي؟
***
في الخارج كانت الأجواء مشحونة بشرارة تنتظر لحظة الاشتعال، اقترب عز من أدهم بخطوات واثقة، وقد ارتسمت على ملامحه ابتسامة ماكرة تخفي وراءها نوايا المزاح اللاذع أكثر مما تُظهر من الود، وقال برجاء متصنع:
-خلاص بقى يا أدهوم، اوعدك هعملك عمليات انت وعيالك ببلاش...
رمقه أدهم بنظرة باردة لا تخلو من الضيق، بينما ظل يعبث بهاتفه في صمت واضح لا يحمل أي نية للمصالحة، ومع ذلك لم يفقد عز حماسته فاقترب أكثر حتى كاد يلتصق به وقال بخبث أشد:
-طيب ادخلك حماك المستشفى اسبوع عشان اريحك منه؟
عندها ارتسمت على شفتي أدهم ابتسامة جانبية غامضة، ورفع هاتفه إلى أذنه متحدثًا بنبرة تجمع بين السخرية والانتقام:
-دي الحالة الوحيدة اللي هسامحك فيها، بص هتنازلك عن ميراثي وعربياتي وكل ما أملك.
ارتفعت ضحكات مراد الجارحي عاليًا، تلك الضحكة التي تحمل في طياتها شيئًا من الغطرسة والتهكم وقال متعمدًا استفزاز أدهم الذي ظل يستمع إلى رنين الهاتف:
-احلام اليقظة.
لكن ما لبث أن دوى صوت أدهم الخشن في الأجواء، وهو يتحدث عبر الهاتف قائلًا بنفاد صبر:
-إيه يا يزن هو انت عشان عريس هتقرفنا ومتردش؟!
انعقد حاجبا آسر قليلًا وألقى نظرة نحو مراد الذي كان يجلس واضعًا ساقًا فوق الأخرى، يتأمل الموقف بتكبر أثار حفيظة عز فبادله النظرات بازدراء، عندها أجاب مراد بهدوء متعمد:
-يزن الشعراوي.
هز آسر رأسه في هدوء وسأل بنبرة ثابتة:
-اه صاحبكم؟
أومأ مراد إيجابًا بينما تابع الجميع إنصاتهم إلى حديث أدهم الغاضب الذي كان ينفث كلماته كمن يطلق رصاصًا:
-لا بقولك إيه فكك أنا بحب العربية دي، اتصرف وديها لحد من حبايبك يرجعها فبريكة.
ثم أطلق تنهيدة عميقة وهو يرمق عز بنظرة مليئة بالضيق والندم:
-غلطة عمري يا عم لو اطول وانفيه من حياتي هعمل كده!
رفع عز حاجبيه في فخر ساخر مشيرًا إلى نفسه قائلًا بنبرة عالية:
-قصده عليا...
ثم تابع بصوت مرتفع مليء بالتهكم والمرح المصطنع:
-مبروك يا عريس.
أغلق أدهم الاتصال بعصبية وأشار إلى عز بغضب مكتوم قائلاً:
-احسن مسمعكش يا بارد.
لكن عز تجاهله تمامًا ورفع صوته بقوة متعمدًا أن يسمعه الجميع:
-هتروحوا الفرح؟
هز آسر رأسه نفيًا وقال بجديته المعهودة:
-أنا لا.
أشار عز نحو مراد وأدهم معًا بنبرة ساخرة متعالية:
-طبعًا انتوا رايحين؟
لم يجبه أحد منهما لكنه واصل غروره قائلاً:
-ماتردوش، هو انتوا كنتوا تعرفوه إلا عن طريقي يا شوية عالم نكرة.
في لحظة خاطفة نهض مراد غاضبًا كبركان انفجر فجأة، واندفع نحو عز بسرعة خاطفة، ممسكًا إياه من عنقه وهو يصرخ بغضبٍ ظاهر:
-مين دول يا يالا اللي نكرة، ده انت عايش بحسنا.
صرخت ليليان بهلع وهي تندفع ناحيتهما محاولة التفريق بينهما:
-يا خبر ابني...في إيه يا مراد انت اتجننت؟؟
أما أدهم فقد نهض من مكانه بامتعاض واضح، وقال من بين أسنانه بصوت مكتوم يغلي بالحنق:
-أنا هقوم أمشي عشان معاملة الكفار اللي أمك بتعاملها لينا والحيوان ده موجود بتأثر في نفسيتي!
ضحك آسر ضحكة قصيرة وهو يهز رأسه بيأس كمن اعتاد هذه الفوضى، بينما كان أدهم يقترب من أخته ليان، فطبع قبلة حانية على وجنتها وقال بصوت خافت يحمل وعيدًا خفيًا:
-جوزك لو معتذرش النهاردة قوليلي وأنا هرميه من الدور العاشر ولا يهمك.
رفع زين بصره نحو ابنه الذي باتت ملامحه تشبه مراد الألفي إلى حد مدهش فقال بسخرية خفيفة وهو يحيط كتفي ليان بذراعه:
-ماتقعدش كتير مع مراد، انت وصلت لمرحلة خطر!
ابتسم أدهم بسخرية مريرة وهو يجيبه بنبرة تحمل كبتًا داخليًا شديدًا:
-هو اللي فارض نفسه على حياتي، ف لو تكرمت واتدخلت ومنعته عني اكون شاكر لافضالك.
ثم التفت نحو والدته التي كانت تفحص عنق عز بقلق أمومي مبالغ فيه، بينما هو يتمادى في التدلل والتمثيل ليستفز مراد الذي أشار إليه بعلامة التهديد بالقتل، عندها قال أدهم بصوت حاد قاطع:
-يا ريت يا بابا لو تخفي الواد ده من حياتنا، حياتي هتبقى أجمل بكتير.
اكتفى زين من هذا الهراء وقول بنبرة هادئة وهو يتوجه نحو الدرج:
-أنا طالع أنام يا ليليان.
لم ترد ليليان في بادئ الأمر، فقد كانت منشغلة بمحاولة تهدئة مراد الذي ما زال واقفًا مكانه، تنعكس في عينيه شرارة استهجان حاول السيطرة عليها، فارتفعت نبرته قليلًا حادّة هذه المرة وقد نفد صبره:
-ليليان....بقولك أنا طالع أنام!!
انتبهت إليه أخيرًا فنهضت برقيها المعهود، وانسابت خصلات شعرها الكثيفة إلى الخلف وهي تبتسم لأولادها جميعًا قائلة بنعومة دافئة:
-تصبحوا على خير يا ولاد، امشي انت بقى يا عز عشان متتأخرش على كارما.
انتفض عز واقفًا على الفور هاربًا من تحت أنظار مراد الغاضبة، بينما راحت ليليان تتهادى في خطواتها نحو زين، مد الأخير كفه إليها فشبك أصابعها برفق، وصعدا معًا درجات السُلم البسيطة نحو غرفتهما والسكينة تظلل مشيتهما.
ابتسمت ليان لهما بحبّ صادق، وما إن استدارت حتى التقت عيناها بعيني أخيها الأكبر مراد، تقدمت نحوه في هدوء وجلست إلى جواره، ففتح ذراعيه وضمها إليه يسألها بحنو أخوي دافئ:
-بقيتي أحسن؟
رفعت بصرها إليه وابتسمت ابتسامة خجولة، وقالت برقة مفعمة بالامتنان:
-انت مرضتش تنزل شقتك الا لما تطمن عليا؟
قبل مراد جبينها بحب صادق وقال وهو يداعب شعرها بخفة:
-طبعًا هو أنا عندي كام ليان في حياتي!
ضحكت ليان بخفة وربتت على صدره وهي تسند رأسها عليه، تهمس بمزاح.رقيق:
-عمر اللي انت كنت بتدافع عنه جوه، لو شافني قاعدة في حضنك بيلوي بوزه يومين عليا.
ابتسم مراد باستهزاء هادئ وقال بثقة لا تخلو من التحدي:
-يتفلق ميمهنيش.
ثم شد ذراعيه حولها أكثر وكأنه يحميها من العالم بأسره، وسألها بصوت أكثر جدية:
-بابا فهمك إنه مكنش ينفع تكلميه كده؟
أومأت برأسها إيجابًا في صمت، فاكتفى بأن يتنهد قليلًا قبل أن يضيف بنبرة هادئة:
-خلاص أنا هحاسبه على إنه يقفل السكة في وشك.
رفعت ليان بصرها نحوه بسرعة وقالت بهدوء خجل امتزج بالخوف من رد فعله تجاه زوجها:
-لا ما هو باين الخط قطع أو أنا مخدتش بالي، خلاص مش مشكلة.
ربت على ظهرها بحنو ثم ضحك بخفة محببة وهو يمازحها:
-لما انتي خايفة عليه، جاية تشتكيلنا ليه وانتي عارفة احنا مش هنستحمل عليكي الهوا، واحد زي أدهم ده مبيتفاهمش كان ممكن يديله رصاصتين عادي، ولا الحيوان اللي اسمه عز ده جزار ممكن يعمل فيه حاجة في عملية من العمليات اللي بيهددنا بيها ليل ونهار، وميغركيش آسر بهدوءه ده اكتر واحد متهور فينا!
ضحكت ليان بصوت خافت وسألته بمكر رقيق:
-مجبتش سيرتك يعني؟
رفع حاجبيه بثقة مصطنعة وقال متصنعًا الجد:
-لا أنا اعقل واحد فيهم، انتي هتقارنيني بدول؟!
تضاعفت ضحكتها وهي تتشبث بذراعيه أكثر، تستشعر دفئه واطمئنانه الذي اعتادت عليه منذ طفولتها، طالما كان مراد دائمًا الأقرب إلى قلبها والأكثر حنانًا واحتواءً، وإن لم تنكر أن إخوتها جميعًا كانوا يتحولون إلى وحوش إن فكر عمر يومًا في إغضابها، فتمتمت بهدوء وهي تغمض عينيها مطمئنة:
-صح عندك حق.
****
كانت سيرا تجلس إلى جوار يزن، والعبوس مرسوم على ملامحها كطفلة غاضبة، لم تكف عن التحدث إليه للمرة الألف وقالت برجاء يفيض بالاستعطاف:
-يعني مش هتغير رأيك يا يزون، الفستان هيبقى وحش باللوك ده؟!
رفع يزن عينيه عن هاتفه الذي كان منشغلًا به، يتبادل رسائل غاضبة مع عز الذي لم يتوقف عن توبيخه بعد أن أفشى أمر سرقته لسيارة أدهم، أطلق يزن زفرة قصيرة وقال بلا تردد:
-اه مش هغير رأيي، واللوك ده لو اتعمل مش هطلعك من اوضتك وعادي نلغي الفرح!
رمقته سيرا بغل طفولي ظاهر وقالت متذمرة:
-انت طلعت مستبد اوي يا يزن!!
مال نحوها مبتسمًا واقترب حتى لامس بأنامله وجنتيها برقةٍ محبة، وقال بنبرة دافئة:
-في أي حاجة تخصك يا سرسورة.
تنهدت سيرا بحزن صادق، وعادت تنظر أمامها بعينين يملؤهما الغيظ والخذلان، فكانت منذ الصغر تحلم بذلك المظهر تحديدًا...شعرها منسدل بانسيابية كأميرات القصص القديمة، تتوجه تاج بسيط من اللؤلؤ، وفستان دانتيل أبيض بأكمام طويلة، كانت ترى في ذلك حلمها الأبيض الكامل، ولكن يزن لم يرَ سوى ما يراه صوابًا.
اقترب منها أكثر وضمها إلى صدره بحنان هادئ، فقد كانا يجلسان وحدهما في معرضه الفخم الذي غمره صمت المساء، قال وهو يمسح على شعرها المغطى بحجاب وردي:
-متجادلنيش في حاجة زي دي، انتي محجبة ينفع تشيلي طرحتك في يوم مهم زي ده؟ المفروض ماتغضبيش ربنا عشان ربنا يباركلنا.
خفضت رأسها وقالت بنبرة حزينة تحمل صدق:
-مقصدش طبعًا، بس أنا كنت عايزة اكون جميلة بالشكل اللي في دماغي.
ابتسم يزن بحنان واضح ثم انحنى وقبل جبينها قبلة طويلة رقيقة، وقال بنغمة مازحة استطاعت أن تنتزع منها ابتسامة رغمًا عنها:
-وانتي كده مش جميلة يعني؟ امال مين وقعني على بوزي وخلاني اتجوز وأنا كنت استحالة اعمل كده.
أشارت إلى نفسها بفخر بريء وقالت بثقة صغيرة:
-أنا.
ضحك يزن بخفة صادقة وربت على رأسها بلطف كما يفعل مع طفلة عنيدة، ثم قال بتنهيدة مزجت بين الجد والمزاح:
ـربنا يستر بس على الفرح... ويعدي اليوم على خير، من غير أي مصايب.
*****
وها هو اليوم المنتظر...ليلة زفاف يزن وسيرا،
امتلأت القاعة على آخرها بالمدعوين من مختلف فئات المجتمع، ووقف سليم يستقبل الحضور بوجه بشوش وبسمة واسعة، وكأنه يزف ولده لا أخاه، كانت سعادته كبيرة إلى حد جعلته حين رأى يزن ببذلته السوداء الرسمية اندفع نحوه ليحتضنه ويقبله على غير عادته.
حتى زيدان دعا جميع زملائه في العمل، ووقف إلى جوار أخيه كظله، ذاك الذي ولحسن الحظ تركته سيرا قليلًا ليتنفس بعيدًا عن صخب الرقص، فهي لم تترك أغنية إلا وشاركته الرقص عليها، بينما هو كالأبله يوافق على كل ما تطلبه فقط من أجل إسعادها.
همس يزن لنفسه في ذهولٍ وهو يضع يده على جبينه:
-أنا بتجوز! أنا اتضحك عليا!!
ظل يرددها بصوت خافت كأنها نبوءة مرعبة، حتى ابتلع كلماته حين لمح زيدان يقترب منه ويسأله بعدم فهم:
-بتقول حاجة يا عريس؟
رد يزن في استسلامٍ ساخر:
-أنا اتخدعت يا زيدان، سليم اخوك سحبني من غير ما احس للي هو عايزه.
ربت زيدان على ظهر أخيه المستاء بنبرة هادئة لم تخلُ من سخرية حاول كتمانها لكنه فشل:
-معلش هي الضربة بتبقى في أولها صعبة، وبعدين انت اللي اتسحلت مع اخت ام اربعة واربعين.
رمقه يزن بنظرة نافذة وقال ساخرًا:
-إيه رأيك لو هربت؟!
اتسعت عينا زيدان في ذهولٍ تام:
-أنت بتقول أيه؟! أنا طول عمري أسمع عن العروسة اللي بتهرب ليلة فرحها بس أول مرة أشوف عريس أهبل عايز يهرب.
تدخل سليم في حديثهما وهو يربت على كتف يزن بفخر ودفء أخوي:
-مبسوط يا يزن؟
ابتسم يزن بمزاح متعب وقال:
-طبعًا مفيش حد مبسوط قدي!
رد سليم بحماس غير متوقع:
-طيب يلا تعالى نرقص مع بعض.
تبادل زيدان ويزن النظرات بدهشة غير مصدقة، فما هذا العرض الغريب؟!
لكن سليم لم يمنحهما فرصة للرفض، إذ أمسك بيد يزن وسحبه نحو ساحة الرقص وسط دهشة الجميع، فقال يزن بعدم استيعاب وهو ه بتردد:
-دي أكيد أحلام العصر!
ثم أضاف وهو يراقب أخاه يرقص بكل خفة:
-لا دي أضغاث شياطين! سليم أخويا يرقص!
وفي زاوية أخرى من القاعة، كانت شمس ترفع هاتفها لتسجل مقطع فيديو خبيث لزوجها، وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة شقية، لكن صوت مليكة قاطعها لتسألها باستنكار ودهشة:
-معقولة يا شمس بتصوريهم روحي مع سليم وارقصي معاه.
ردت شمس بسرعة وهي تواصل التصوير بعينين تلمعان مكرًا:
-لا طبعًا، أنا لا يمكن أفوت فرصة عظيمة زي دي.
انعقد حاجبا مليكة متسائلة بفضول حذر:
-أنهي فرصة عظيمة؟!
أجابت شمس بنبرة مفعمة بالدهاء الأنثوي:
-سليم جوزي هيبته ورزانته أهم حاجة عنده مابيسمحش لحد أنه يهزهم ودايمًا بيحافظ على صورته ومكانته، أنا بقى بحب أدمرها.
بدت علامات عدم الفهم على وجه مليكة التي كانت في شهرها الثالث من الحمل، فأردفت شمس بهدوء ونعومة، تزامنًا مع غمزة صغيرة من عينيها:
-بحب أدمرها بيني وبينه، فيديو زي ده هيجننه.
وانطلقت ضحكاتها السعيدة حين وصلت إلى مبتغاها، مشاكسته بطريقة جديدة، فقد كانت تعلم أن سليم سيفقد صوابه حين يرى المقطع، لكن أي جنون ذلك؟! إنه الجنون اللذيذ، المفعم بالحب الناري الذي لا يخلو من الشغف!
تابعت شمس تسجيلها وهي تراقب سيرا تندفع نحو الساحة، ترقص بلا هوادة، بينما يزن يحاول عبثًا تحجيمها، لكنها كانت كالمجنونة تضحك وتتمايل لا تعرف حدودًا للفرح، فاقترب منها ليحيط خصرها من الخلف محاولًا السيطرة على حركتها التي لم تتوقف.
وفي تلك اللحظة، كان زيدان يقهقه ضاحكًا من المشهد، قبل أن تتسع عيناه حين رأى حكمت تدخل ساحة الرقص بثقة مدهشة، مرتدية فستانها الأصفر اللامع، لتجذب سيرا من يد يزن عنوة، وتبدأ بالرقص معها وسط تصفيق صاخبٍ وضحكات متعالية.
أما في الجهة الأخرى من القاعة، فكان نوح يحاول عبثًا إقناع يُسر بأن تأخذ آدم منه ليذهب إلى صديقه يزن، لكن الأخرى كانت متشبثة برأيها كعادتها:
-وسيرا بردو عايزاني، ومش هعرف ارقص....آآ...اقصد اقف بآدم.
زفر نوح بغيظ واضح وقال برجاء مبطن بالنفاد:
-يا يسر كفاية بقى، أنا من وقت ما وصلت وأنا يا شايل آدم يا بدور على لينا، اقعدي بعيالك عايز اقف مع يزن عشان ميزعلش.
نظرت يسر نحو يزن الذي وجد نفسه محاصرًا داخل دائرة من عائلة سيرا، فقد أجبروه على الرقص مجددًا رغم محاولاته الفاشلة للهرب، فهزت كتفيها بلا مبالاة ثم قالت وهي تستعد للانضمام إلى حكمت التي كانت تصفق بحماس:
-هو أصلاً فاضيلك.
ثم تابعت سيرها بخفة نحو ساحة الرقص، بينما بقي نوح واقفًا في مكانه مذهولًا، يحدق في ابنه الذي كان نائمًا بسلام عجيب وسط كل تلك الضوضاء، فاقترب منه بخفة وهمس بدهشة وهو ينحني فوق الطفل:
-انت يا بني نايم كده ازاي؟ طيب قوم عيط؟ مش عايز ترضع؟
لكن الصغير ابتسم في نومه بهدوء، وعاد ليستغرق فيه من جديد، فتنهد نوح مستسلمًا وجلس ينتظر أن تأتي عائلة
يسر ليأخذوا منه آدم قبل أن يفقد صبره تمامًا.
وفي ناحية أخرى كانت نهى تجلس بجانب منال التي كانت تحمل سليم الصغير وتدلله بحب واضح، ثم قالت وهي تضحك بمرح عفوي:
-والله تحسيه لما سمتيه سليم بقى شبهه.
مالت نهى قليلًا مبتعدة عن خالد الذي كان يجلس بجوارها، وقالت بصوت خافت تؤكد حديث زوجة خالها:
-اه أنا حاسة كده بردو!
-يا رب يا نهى تشوفيه زي سليم ويعوض صبرك فيه خير، زي ما ربنا عوضني بسليم واخواته.
وفي المقابل كان سيف يقف إلى جوار سليم يمازحه ويغمز له بخبث واضح قائلًا:
-شاهد سليم الشعراوي بيرقص!
امتقع وجه سليم فورًا وقال بنبرة حادة متحفزة:
-ومين اللي هيشاهد أساسًا، أنا قفلت كاميرا الفيديو بنفسي قبل ما اعمل كده.
رفع سيف حاجبيه معًا وضحك ضحكة عالية، وقال مازحًا قبل أن يهم بالابتعاد:
-لا ما في حد تاني صور، يلا عن إذنك اروح اشوف ليال بتعمل إيه هي والولاد.
تجمد سليم في مكانه وهو يصيح من خلفه بحدة يملؤها الغيظ:
-خد هنا، قولي مين صور، سيف...سيف يا بارد.
لكن سيف كان قد اختفى وسط الزحام، بينما بقي سليم واقفًا في منتصف القاعة، تتراقص حوله الأضواء وتعلو الموسيقى وهو يهمس بغضبٍ لا يخلو من الندم:
-أنا كنت ليه رقصت أصلاً؟!
*****
بعد مرور ما يقرب ساعة...جلست حكمت إلى جوار والديها وقد أنهكها التعب قليلًا، وهي تُعدل من فستانها الأصفر المزين بفصوص لامعة براقة تخطف الأنظار، أما أدوات التجميل فقد احتلت كل موضع من وجهها، حتى بدا وكأنها لوحة متقنة الصنع.
كانت تراقب المدعوين باهتمام بالغ وابتسامة متملقة لا تفارق شفتيها، ثم مالت نحو والدها تقول بحماس طفولي:
-الفرح حلو اوي يا بابا، ربنا يسعد سيرا يا رب ويهدي سرها.
ابتسم والدها بسعادة وهو يتأمل سيرا التي كانت ترقص مع فاطمة في وسط القاعة بينما كان يزن لا يزال يحاول عبثًا إقناعها بالتوقف لكنها رفضت بعناد واضح.
ولكن انتباهه انصرف فجأة إلى يد حكمت التي شدت على كفه، وهي تشير برأسها نحو الباب بعينين يملؤهما الفضول:
-بابا، هو مين الراجل الواصل ده اللي داخل الفرح هو والناس اللي معاه؟!
حول الأب نظره إلى حيث تشير فإذا بالحفل ينقلب رأسًا على عقب مع دخول الضيوف الجدد، لاحظ تقدم سليم نحو الرجل يصافحه بحرارة وترحابٍ شديدين، كان رجلًا ذا هيبة ووقار، يختلط الشيب بخصلات شعره الأسود، وعلى وجهه ملامح جاذبية خطيرة تُجبر الأنظار على التوقف عنده، ترافقه سيدة أنيقة في منتصف العمر، تبدو من سيدات المجتمع الوقورات، ينبع منها لطف وابتسامة حانية، وخلفهما يقف شابان قويان عريضا المنكبين، توحي ملامحهما بالصرامة والاعتداد بالنفس والغرور.
قال حسني وهو يتأملهم بصوت خافت:
-والله يا حكمت ما اعرف، شكله وزير؟!
تألق الحماس في عينيها فورًا، وما إن رأت زيدان يمر بجوارها حتى جذبت ذراعه بعجلة تحت أنظاره المستنكرة وسألته بنبرة يملؤها الفضول:
-مين ده؟ ده وزير إيه الري ولا الصحة ولا شكله الداخلية؟
رمقها زيدان بغيظ وهو يتمتم من بين أسنانه:
-لا ده مش وزير، ده رجل اعمال اسمه زين الجارحي سمعتي عنه؟!
هزت رأسها بلا مبالاة وملامحها تتدلى من فرط البرود بعدما كانت مشتعلة بالفضول:
-لا ولا عمري سمعت عنه في طبق اليوم.
حدجها زيدان باستنكار حاد ثم قال بنبرة متهكمة:
-طبق اليوم إيه؟! ده أهم رجل اعمال واللي معاه دول تبقى مراته و...
فقد الشغف فجأة في حديثه واعتدل بوقفته حين أشار إليه سليم للحضور ومصافحة زين الجارحي وأولاده، لكنه مال بعدها نحو حكمت وهمس لها بصوت خافت يحمل مزيجًا من التحذير والسخرية:
-اللي جنبه دول يبقوا مراد الجارحي بيشتغل في مكان حساس في الدولة، واللي جنبه الناحية تانية أدهم الجارحي ظابط قوات خاصة، لو عايزة أي مصلحة روحي وقوليلهم وهما هيخدموكي على طول.
حدقت حكمت بالرجلين تفكر ثم قالت بتردد تغلبه الحيرة وهي تشير نحو مراد الذي كان يعانق يزن بحرارة:
-يا شيخ يعني لو قولتله على ظابط بيرخم عليا في المرور هيخدمني، ده أنا كنت بفكر اقولك انت.
هز رأسه سريعًا وهو يقول بنبرة مزيفة بالبراءة:
-أنا إيه؟ أنا ظابط غلبان على قدي، بقولك دول اعلى ومناصبهم كبيرة، دول لو عايزين يخفوا حد من الدنيا هيخفوه عادي.
اتسعت ابتسامتها بحماس وهي تبحث عن صافي زوجها:
-يا سلام ده أنا اروح واضرب معاهم صحوبية ومعرفة واحطهم في جيبي كمان.
ضحك زيدان بخفوت وهو يبتعد عنها قائلاً:
-يا سلام روحي انتي بس ومالكيش دعوة.
ثم تمتم بصوت بالكاد يُسمع وقد رفع عينيه إلى السماء:
-يا رب ياخدوها دي خطر على الامن القومي.
أشار سليم نحو طاولة فاخرة تتوسط القاعة، ودعا الجميع للجلوس، تقدم مراد بخطوات ثابتة، وأزاح المقعد برفق لوالدته ليليان، بينما فعل أدهم الشيء ذاته لوالده زين،
وما إن جلسوا جميعًا حتى رحب بهم سليم بابتسامة واسعة وهو يقول بنبرة ودودة:
-نورت يا زين باشا، الفرح كله نور يا هانم.
ابتسمت له ليليان بهدوء راق، وهزت رأسها بخفة وهي تتأمل العروسين بإعجاب صادق:
-ما شاء الله ربنا يباركلهم، لايقين على بعض.
خصها سليم بابتسامة لطيفة ثم أشار إلى شمس لتتعرف على ليليان، فتبادلا التحية وتبادلت السيدتان كلمات رقيقة، تبعهما زيدان ومليكة في الترحيب، حتى أقبل يزن أخيرًا بعد أن ترك سيرا في ساحة الرقص وقد بدا عليه الإرهاق من محاولاته تهدئتها، فقام باحتضان مراد وأدهم، واللذان لم يفوتا الفرصة لممازحته بكلمات خافتة أثارت حنقه، فرمقهما يزن بخبث ساخر وهمس مازحًا:
-يا عم أنا غلبان، سيبني في حالي، ابعد اخوك عني يا أدهم.
جاءه صوت مألوف من خلفه، نبرته تمزج بين المزاح والإرهاق:
-مين مزعلك يا حبيبي؟
التفت يزن بسرعة ليجد عز قد وصل أخيرًا بعد أن أنهى عملياته في المستشفى، فنهض يعانقه بحماس صادق:
-اتأخرت ليه يا عز؟
-العمليات والله، حياة المرضى يا ابني في ايدي امينة يا بني
نظرت ليليان إلى عز بفخر ظاهر في عينيها وهي تراه واقفًا ببذلته الرسمية، فلاحظ مراد نظرتها تلك، مال نحوها هامسًا بغيرة مشوبة بالتهديد:
-لو مابطلتيش تدلعي الواد ده ومتدلعنيش زيه هسجنهولك.
رمقته ليليان بنظرة متعالية فيها من العتاب بقدر ما فيها من الأناقة، وقالت بهدوء ثابت:
-ماتقدرش تعملها، مش صح يا زين؟
انتبه زين لذكر اسمه، فكان في تلك اللحظة منشغلًا بسيدة غريبة تدور حول طاولتهم بنظرات بلهاء وحركات غريبة، فالتفت إليها قائلًا بارتباك خفيف:
-نعم يا حبيبتي؟
اقتربت منه ليليان أكثر، وتعلقت بذراعه وهي تهمس له بمرح دافئ:
-مش احنا اتفقنا متخطفش قلبي قدام حد، عشان منتفضحش.
ضحك زين عاليًا وقد غلبه الانسجام معها، بينما كان أدهم في تلك الأثناء يتجادل مع مراد وعز حول أمر ما، فاندفع عز يسأل بدهشة صريحة:
-ليه زين باشا اتنازل وجاب ماما معاه؟
مط أدهم شفتيه ورد ببرود مصطنع:
-تقريبًا عشان خاطر هو بيحب سليم الشعراوي وبيعزه.
لكن سرعان ما تلاشت نبرته الساخرة، واعتلت ملامحه علامات الضيق فزفر قائلًا بنفاد صبر:
-استغفر الله العظيم، يا رب مش عارف اتنفس شوية؟
حول مراد بصره سريعًا نحو الباب، ليجد مراد الألفي يدخل متهاديًا برفقة سارة في فستان أسود أنيق، بعد أن دعاه سليم شخصيًا لسابقة تعارف بينهما بسبب محلات الشعراوي، نهض مراد الجارحي لاستقباله بحرارة حقيقية، واحتضنه قائلًا باهتمام واضح:
-نورت يا حبيبي، تعال اقعد.
بينما أزاح أدهم مقعدًا لسارة لتجلس بجانب ليليان، وسرعان ما انغمستا الاثنتان في حديث لطيف جانبي.
فقال زين لمراد الألفي بنبرة عتاب خفيفة:
-غريبة يعني مقولتليش إنك جاي؟
ابتسم مراد الألفي بوسامته المعتادة وهو يوزع نظره على الحاضرين بعينيه الرماديتين المتوهجتين وقال مازحًا:
-أنا قولت للحيوان ابنك يقولك بس كالعادة مقالش.
نظر نحو أدهم وسأله بسخرية ناعمة:
-امال يا حبيب ابوك مجبتش بنتي معاك ليه؟
تعالت ضحكات عز الساخرة، وهو ينظر باستفزاز إلى أدهم الذي عاد يستغفر في صمت وهو يهز ساقيه بعنف واضح،
ثم التفت إلى زين قائلًا بجدية متوترة:
-والله أنا عامل حساب ليك.
تدخل مراد بحدة مفاجئة، ورفع إصبعه مهددًا بصوت غليظ يتنافى مع وسامته الهادئة:
-قول لابنك يحترم نفسه عشان مخلهوش يطلق بنتي وأنا أساسًا على تكة.
نهضت ليليان في هدوء متعمد، وجذبت سارة من يدها وهي تقول برقي:
-هنروح التواليت ثواني عن إذنكم.
غادرتا تحت أنظار زين القلقة فما كان من مراد الألفي إلا أن مال نحوه مازحًا بنبرة خفيفة يقلد فيها صوت ليليان الناعم:
-دي رايحة التواليت ثواني وجاية متقلقش كده، تحب تروح معاها؟
ابتسم زين ابتسامة ضيقة ثم تمتم بحدة منخفضة وهو ينظر أمامه:
-بتضايقني في أدهم عادي بعديها، لو في عيالي كلهم عادي، بس ليليان خط أحمر.
أمال مراد رأسه نحوه بمشاكسة شبابية لا تليق بعمره، وسأله ضاحكًا:
-طيب وأنا خط إيه؟
أجابه زين بجفاف ظريف دون أن يحول نظره عن القاعة:
-بنفسجي.
ضحك مراد الألفي بخفة بينما كان زين يعيد ترتيب ملامحه ويتابع أجواء الفرح من حوله في هدوء مراقب، حتى انضم إليهم سليم بعد لحظات فاستأنفوا جميعًا حديثهم الذي امتلأ بمزيج من الدعابة والهيبة العائلية.
*****
خطت ليليان بخطوات ثابتة إلى جانب سارة التي كانت تسير بمحاذاتها مبتسمة في هدوء، بينما كان دوار طفيف يهاجمها على فترات متقطعة، لكنها تجاهلته متصنعة الثبات، وسألت سارة بصوت خافت لا يخلو من التعب:
-يحيى لسه مسافر؟
أومأت سارة برأسها وهي تجيب بنبرة مرهقة يغلبها الضجر:
-اه بيقول اخر رحلة له وهيجي، خليه يجي يلم مراته اللي نايمة ليل ونهار في المستشفى دي وكأن مفيش دكتور غيرها.
*ملحوظة*
(يحيى يبقى ابن مراد الألفي فعلاً في الاجزاء المتعدلة في الرواية الورقي مش ابنه بالتبني، وبيشتغل طيار، عشان سارة مبعدتش عن مراد إلا سنتين)
توقفت سارة للحظة ثم التفتت إلى ليليان بابتسامة ماكرة، وقالت بحماس طفولي لا يناسب عمرها:
-عارفة لقيت إيه برة وانا داخلة؟!
رفعت ليليان حاجبيها بسؤال صامت فتابعت سارة بحماس أكبر:
-درة مشوي، هروح اجيب واحد لغاية ما تخرجي من الحمام ونقعد برة في ناكله.
هزت ليليان رأسها بإعجابٍ وحنين، وقد غمرها طيف الذكريات؛ تذكرت أيام الجامعة وكيف كانتا تتشاركان عشق الذرة المشوية على رصيف الكلية دون أن يعلم زين.
ابتسمت وهي تراها تنطلق بخفة عبر البوابات الأولى للقاعة الكبرى، بينما اتجهت هي نحو دورة المياه بخطوات متثاقلة، والدوار يعود يهاجمها من جديد.
دخلت إلى الداخل فتقدمت نحو المغسلة وفتحت صنبور الماء، تغسل وجهها ببطء محاولة استعادة توازنها، لم تنتبه في البداية إلى نظرات متفحصة تتابعها من بعيد، فقد كانت حكمت تقف على مقربة منها، تراقب ملامحها بإعجاب خفي ممزوج بشيء غريب لا يقرأ بسهولة.
التفتت ليليان أخيرًا حين شعرت بثقل النظرات، لكن الدوار اشتد فجأة، فاختل توازنها وسقطت أرضًا بقوة خافتة، اصطدم جسدها بالرخام البارد فتعالت صرخة حكمت المذعورة وهي تضع كفها على رأسها:
-الحقيني يا ام فهمي، يالهوي يا ولية الحقي.
خرجت أم فهمي من إحدى الكبائن وهي تحاول إنزال فستانها الأسود، وقد ارتسمت على وجهها ملامح فزع واستغراب، وما إن رأت المشهد حتى اندفعت نحو الجسد الممدد على الأرض بينما كانت حكمت ترفع رأس ليليان برعشة وقلق شديدين.
-مين دي يا حكمت؟
سألتها أم فهمي بصوت متوتر، لكن حكمت ردت بشراسة وهي تشير نحو حقيبتها المفتوحة على الأرض:
-هاتي البرفان بتاع يا ولية اخلصي، دول عيلتها ياكلونا لو حصلها حاجة.
ارتبكت أم فهمي وهي ترد بخوف واضح:
-طيب ما نسيبها ونخلع!!
رمقتها حكمت بنظرة نارية وقالت من بين أسنانها بحدة مخيفة:
-يا ولية اخلصي.
مدت أم فهمي يدها المرتعشة وأعطتها زجاجة العطر، فما إن نثرت حكمت رائحته النفاذة قرب أنف ليليان حتى ارتجف جسدها قليلًا، ثم بدأت تفتح عينيها ببطء شديد، تنفست حكمت الصعداء وقالت وهي تمسك بها لتساعدها على الجلوس:
-حمد لله على سلامتك، خلعتينا بوقعتك دي!
أجابت ليليان بصوت ضعيف متقطع.تحاول التقاط أنفاسها:
-أنا أسفة دوخت فجأة ومحستش بنفسي.
حاولت النهوض مجددًا لكن قدميها خانتاها وسرعان ما مالت بجسدها فاقدة التوازن، فسارعت حكمت بإمساكها من جهة، وأم فهمي من الجهة الأخرى، فقالت حكمت بحزم لا يخلو من الذعر:
-لا انتي كده لازم تاكلي حاجة مسكرة عشان تفوقك.
همت ليليان التحدث مجددًا بنبرتها المتثاقلة:
-لا وصلوني لجوزي بس...
قاطعتها حكمت بسرعة وهي تجرها للخارج قسرًا:
-لا جوزك إيه بس، هو احنا مبنفهمش في الأصول ولا أيه؟
حاولت ليليان الاعتراض ولكنها كانت ضعيفة للغاية، فاستسلمت لحركتهما وخلال دقائق قليلة كانت السيدتان تخرجان بها من القاعة تمامًا، تتجهان بها إلى مقهى صغير على ناصية الشارع المقابل لمبنى القاعة.
جلستا بها على أحد المقاعد وطلبت حكمت كوبًا من العصير قائلة بنبرةٍ عملية قاسية:
-أنا قولت لازم تاكلي حاجة مسكرة يعني لازم، أصلاً اللي فيكي ده ضعف، هو انتي جوزك مش بيأكلك ولا إيه!!
بينما كانت ليليان تحاول تمالك نفسها، تتشبث بطرف الطاولة وتتمتم بتعب غير مفهوم...
*بعد مرور وقت بسيط*
كانت سارة قد عادت تحمل في يد ذرة مشوية وفي الأخرى غزل بنات ورديا، تبحث بعينيها المتوترة عن صديقتها التفتت حولها في ردهة القاعة ولم تجدها، فاتجهت إلى دورة المياه لكنها وجدتها خالية.
تجمدت ملامحها للحظة ثم هرعت نحو القاعة مجددًا، عيناها تمسحان المكان بلهفة وذعر، فاقتربت من بعض السيدات تسألهن بارتباك:
-اه شوفت واحدة زي اللي في الصورة دي كانت تعبانة واتنين ستات اخدوها ومشيوا برة القاعة.
تسعت عينا سارة في رعبٍ حقيقي، وسقط من يديها الذرة وغزل البنات، فتبعثر كل شيء على الأرض وهي تندفع راكضة نحو القاعة، تتخبط في الحاضرين بخطوات متسارعة ووجه شاحبٍ، وفي اللحظة نفسها سكنت الأغاني فجأة، وأعلن منسق الحفل عن دخول العروسين للرقص على أنغام رومانسية حالمة...لكن صوت سارة المذعور مزق سكون القاعة وهي تقتحم المكان بعينين دامعتين وصوت مرتجف:
-زيــــن! الحـــق...ليليــــان اتخــــطفت!
نهض زين بفزع شديد وقد شحب وجهه وهو يحدق في سارة التي كانت تبكي بتوتر خانق، تشير بيديها المرتجفتين نحو الخارج تحاول إخراج الكلمات من فمها، لكن صوتها خذلها من شدة الارتباك، جاء صوت مراد الجارحي جهوريا وقاسيًا كالسيف، أفزعها أكثر حين قال بحدة نافذة:
-يعني إيه؟ في إيه؟
اندفع مراد الألفي نحوها بسرعة وأمسك بكتفيها ليُهدئ من روعها، ثم جذبها إليه لتستند إلى صدره وهي تختنق بعبراتها، لكن جسدها تراخى فجأة، وسقطت فوق المقعد تفقد وعيها تمامًا وسط نظرات مذهولة من الجميع.
في لحظة واحدة انقلب الزفاف رأسًا على عقب، ساد الهرج والهمس والركض، وتعالت الأصوات بين من يسأل ومن يتكهن، حتى عم القاعة اضطراب غريب لا يُفسر.
وقفت سيرا إلى جوار يزن تنظر حولها بعدم فهم، ترتسم على ملامحها علامات القلق الممزوج بالدهشة، وسألت بنبرة خافتة لا تخلو من الذهول:
-هو في إيه يا يزن؟
رفع يزن كتفيه بلا مبالاة وهو يتابع المشهد بعينين حائرتين، ثم التفت إلى شمس التي كانت تحمل بين ذراعيها ابنتها قمر الصغيرة وسألها:
-في إيه يا شمس؟
نظرت شمس نحوه بوجه مضطرب وهمست في انفعال مكتوم:
-مرات زين الجارحي بيقولوا اتخطفت.
تجمدت سيرا في مكانها، فتحت فمها بدهشة بالغة، ثم التفتت إلى يزن وهمست بذهول طفولي:
-مين زين الجارحي ده يا يزن؟
نظر إليها يزن للحظة صامتًا، ثم تنفس بعمق وألقى بجملته الساخرة التي كانت كطلقة باردة وسط التوتر المحيط:
-مبروك الفرح باظ يا نحس.
راقب اندفاع زين بالفعل لخارج القاعة ه مرادان الجارحي والألفي وأدهم وعز في حين بدأ الأمن يُغلق الأبواب ويُراجع الكاميرات وسط فوضى لا توصف...
بعد مرور دقائق..... بدت كأنها دهور كان مراد يحاول جاهدًا إفاقة سارة التي شحب وجهها حتى غدت كأنها بين الحياة والموت، فيما التف حوله أفراد عائلة سيرا متدخلين بآرائهم واقتراحاتهم المزعجة حول الطريقة المثلى لإفاقتها، فازدادت عصبيته كلما حاول أحدهم لمسها أو الاقتراب منا، فكان يدفعهم بنظراتٍ حادة محاولًا السيطرة على الموقف قدر استطاعته.
على مقعد قريب جلس زين منهارًا، ملامحه تفضح ما يعيشه من ضغط نفسيٍ خانق، وقف إلى جواره عز وسليم، وما إن تذكر عز حالة سارة هرع أولًا نحوها يحاول إفاقتها، قبل أن يتوجه بخطوات متوترة إلى غرفة المراقبة حيث كان مراد يجلس أمام الشاشات وبجانبه أدهم، عاقدًا حاجبيه في توتر شديد، دخل عز الغرفة وهو يقول بصوت متقطع من فرط التوتر:
-لسه؟ أبوكوا هيجرالوا حاجة.
رفع مراد وجهه نحو أدهم وعيناه تقدحان شررًا من الغضب، وقال من بين أسنانه وهو يكبح جمرة انفعاله:
-البهايم اللي واقفين برة بيحرسوا عربية ابوك دول، أنا هطلع ***** عشان مياخدوش بالهم.
وفي تلك اللحظة دخل زين ه مراد الألفي ثم لحق بهما سليم ومعه أخواه زيدان ويزن، قال مراد الألفي بوجه متجهم وصوت مشوب بالقلق:
-سارة بتقول إن في واحدة قالتلها إن اتنين ستات هما اللي كانوا بيشدوها برة...
ارتفع صوت العامل المسؤول عن غرفة المراقبة وهو يحاول في تجهيز فيديو لخروج ليليان مع السيدتين، ثم قال برسمية:
-اهو يا باشا...فعلاً هي مع اتنين ستات، اهم.
اقترب الجميع من الشاشة يحدقون في المشهد بترقبٍ مشوبٍ بالذهول، انعقد حاجبا زين بشدة عندما لمح المرأة صاحبة الفستان الأصفر التي كانت تدور حولهم منذ لحظة دخولهم القاعة، بينما كاد سليم يفقد وعيه وهو يرمق زيدان الذي اتسعت عيناه في صدمة، ثم رفع بصره نحو يزن الذي شعر لوهلة وكأن دلواً من الماء البارد انسكب فوق رأسه، فتجمد في مكانه وخاصةً عندما قال زين بغضبٍ عارم، وقد غلت الدماء في عروقه:
-مين الست دي؟ كانت بتبصلنا من وقت ما جينا؟
أجابه يزن وهو يحاول أن يبدو هادئًا رغم الارتباك الذي بدا واضحًا في ملامحه، فحمحم بخشونة قائلاً بابتسامة مقتضبة:
-متقلقش خالص، هي في ايد أمينة، دي تبقى اخت العروسة الكبيرة.
اندفع زيدان قائلاً بتهكم أحمق غير آبه بما قد يثيره من غضب:
-ده المفروض يقلق اكتر على فكرة.
لكزه يزن بقوة في كتفه ليُسكته، إذ كفاهما ما فيهما من إحراج أمام الجميع، لكن عز تقدم بخطوة نحو الشاشة وقال بنبرة يملؤها الغيظ، موجهًا نظرات الاتهام نحو يزن:
-ايوه وهي تمسكها كده ليه؟ وتخرجها برة ليه بردو؟
تدخل أدهم بغضب هو الآخر، مشيرًا نحو الشاشة وقد بدت عليه الحيرة والريبة:
-ومين الست التانية اللي معاها دي؟
ثم التفت إلى يزن وهو يزفر بغضب مكبوت وقال:
-هما بيعملوا في أمي إيه يا يزن وواخدينها على فين؟؟
رفع يزن هاتفه بسرعة وهو يقول محاولًا احتواء الموقف:
-هتصل بيها حالاً اهو وانا متأكد انه سوء تفاهم، ابلة حكمت دي نسمة لا يمكن تأذي حد.
لكن نظرات زيدان كانت تقول العكس تمامًا، فغمز سليم على ذراعه في محاولة لتهدئته، مال نحوه زيدان هامسًا بسخرية مريرة:
-مش بعيد تكون خطفتها عشان تساومهم على مخالفة المرور اللي مجننانها.
اختار سليم تجاهله تمامًا، مكتفيًا بالنظر إلى زين الذي بدا على وشك الانفجار كالعاصفة، عيناه تقدحان شررًا وصوته يغلي في صدره قبل أن يخرج.
-متقلقش يا زين باشا، هي هترد دلوقتي وهتطمن على الهانم.
نظر زين للعامل وهو يشير بعصبية مفرطة:
-الكاميرا اللي برة مجبتش هما رايحين من انهي اتجاه؟
قال العامل مجددًا بلهجة آسفة وهو يحاول استعادة صورة أوضح من الكاميرات الخارجية:
-الكاميرا اللي بره للأسف كان فيها عطل من الصبح، ومفيش حاجة باينة غير إنهم خرجوا على الطريق العام، وبعدها الصورة قطعت.
*****
في تلك الأثناء...
كانت حكمت تجلس في مقهى صغير تحيط به روائح القهوة والفاكهة، حين أغلقت الهاتف في وجه يزن دون رد، ثم التفتت إلى ليليان التي كانت تمسك في يد كوب عصير منعش، وفي اليد الأخرى شطيرة من المربى.
قالت حكمت وقد بدا على ملامحها اهتمام مصطنع يتخلله فضول لا يهدأ:
-وقاعدين في فيلا على كده ولا في قصر؟!
هزت ليليان رأسها بابتسامة صافية تنم عن طيبة فطرية وأجابت ببساطة:
-لا في شقة على النيل.
شهقت حكمت وضربت صدرها براحتيها كمن سمع ما لا يُصدق، ثم قالت وهي تلوّي شفتيها باستهجان واضح:
-يعني جوزك راجل اعمال وفي الآخر تقعدوا في شقة على النيل، هو جوزك بخيل ولا إيه؟!
ثم أضافت بعد لحظة من التفكير، وهي ترفع حاجبيها بدهاء خفي:
-لا استنى أنا عرفت الناس اللي زي جوزك بيعملوا ملايين منين!! من الحرص ده!
اعتدلت ليليان في جلستها وقد بدا في عينيها بريق من الدفاع عن زوجها، وقالت بضحكة خفيفة تخفف حدة الموقف:
-لا فهمتي غلط يا مدام حكمت، زين صاحب البرج كله، وبعدين أنا بيتي كبير اوي مش صغير يعني زي ما انتي فاكرة!
مالت أم فهمي التي كانت تجلس بجانب حكمت، وهمست في أذنها بهدوء لا يخلو من الإعجاب:
-بتقولك صاحب البرج وعلى النيل، ده زمانه بيلم إجارات ياما.
اتسعت عينا حكمت بفضول أكبر، وقد أضاء في ذهنها شغف جديد بالبحث عن التفاصيل، فقالت وهي تميل برأسها نحو ليليان:
-وولادك بقى قاعدين فين؟!
أجابت ليليان بابتسامة دافئة:
-في نفس البرج، بصي انتي لازم تيجي وتشوفيهم وتتعرفي عليهم، لازم ارد جميلك معايا بإنك تسمحيلي اعزمك على الغدا، انتي وام فهمي.
تهللت أسارير أم فهمي لكن حكمت قطعت حماسها سريعًا ببرود متعمد وهي تقول:
-لا ام فهمي جوزها بيخاف عليها، هبقى اجي أنا، المهم وريني صور ولادك، انتي ورتيني صور بنتك القمر بس.
تذكرت ليليان ما كانت تفعله قبل قليل، فأخرجت هاتفها وبدأت تمرر بين الصور واحدة تلو الأخرى، كانت تشرح لحكمت كل شخصية بحماس أم فخورة، بينما فتحت حكمت فمها بانبهار خالص أمام وسامة أبنائها وجمالهم اللافت.
لكن الفضول لم يتركها طويلًا فحين وقعت عينها على صورة مراد الجارحي، انكمشت ملامحها قليلًا وسألت بنبرة تجمع بين الفضول والريبة:
-ابنك بيشتغل فين في الدولة؟!
مالت ليليان نحوها بخفة وقالت بصوت خافت كأنها تبوح بسر ثمين:
-في المخابرات.
ارتدت حكمت إلى الخلف في دهشة حقيقية وصاحت بذعر خفيف وهي تضع يدها على صدرها:
-يا حفيظ، دول مابيسموش على حد.
ضحكت ليليان بخفوت وهي تهز رأسها نافية:
-لا خالص ابني ده بسكوتة، وحنية الدنيا فيه.
لكن صوت الهاتف الذي كان على الطاولة قطع حديثهما، إذ تكررت اتصالات يزن دون انقطاع، فارتبكت حكمت وهي تنظر إلى الشاشة ثم نهضت بسرعة قائلة بقلق ظاهر:
-لا يلا بينا بقى، شكل سيرا اختي عملت مصيبة من مصايبها.
نهضت ليليان معها وهي تقول باهتمام وعطف:
-حرام دي شكلها طيبة اوي.
تمتمت حكمت بغيظ وهي تمسك بيد ليليان في مجاملة خفيفة:
-بس مصيبة من مصايب الزمن، في ناس بتتولد في بوقهم معلقة دهب دي بقى مولودة في بقها معلقة نحس.
****
فقد زين أعصابه أخيرًا وانفجر توتر الغرفة كبركانٍ خامد أُشعل دفعة واحدة، فدفع أجهزة الحاسوب من أمامه بعنف، تناثرت الأوراق وتبعثرت الملفات على الأرض، ثم اندفع خارج غرفة المراقبة بخطوات غاضبة، غير عابئ بنداءات أبنائه الذين حاولوا عبثًا تهدئته.
تسارعت أنفاسه وهو يشق طريقه نحو بوابة القاعة العملاقة، حتى كاد الباب يرتطم به حين فتحه بعنف، ولكنه ما إن خرج إلى الممر حتى تجمد مكانه للحظة لا تُنسى،
فهناك على بُعد خطوات قليلة، رأى ليليان تسير ببطء بجانب حكمت والسيدة الأخرى، تضحك بخفة وهي تتحدث إليهما، غير مدركة للعاصفة التي خلفتها وراءها.
نادى باسمها بصوت متهدج يحمل كل ما في قلبه من خوف وارتياع:
-ليليان!!
توقفت ليليان في مكانها، اتسعت عيناها دهشة حين رأت ملامحه المشدودة وقلقه الواضح، وقبل أن تنطق بكلمة واحدة كان زين قد اندفع نحوها واحتضنها أمام الجميع في لحظة خاطفة من الانفعال، دون أن يفكر في نظرات المحيطين، ثم أبعدها عنه قليلًا يتفحص وجهها بارتباك كأنما يريد أن يتأكد أنها بخير حقًا.
ابتسمت له بخفوت وربتت على ذراعه بحنان دافئ، وقالت بصوتها الناعم المطمئن:
-اهدى، أنا كويسة، دي حكمت وام فهمي لما لقوني اغمى عليا في التواليت اخدوني ومدام حكمت أصرت عليا تشربني عصير وتأكلني حاجة مسكرة في الكافية، في إيه لكل ده؟
وأشارت نحو الكافيه القريب، فتنفس أولادها الصعداء بعد أن ظنوا الأسوأ، ولكن مراد الألفي لم يستطع كبح غيظه فقال بحدة حاول أن يخففها قدر الإمكان:
-فزعتي سارة بس يا ليليان، وكانت هتموت فيها، فكرنا إنك اتخطفتي!
رفعت حكمت حاجبها الأيمن في كبرياء مصطنع، ثم نظرت إلى مراد بنظرة متعالية وهي تشير نحو نفسها قائلة بسخرية لاذعة:
-وده شكل ناس يا أستاذ تخطف بردو!! كلك نظر ما شاء الله
اتسعت عينا مراد بدهشة من جرأتها، بينما تابعت حكمت هجومها وقد وجهت بصرها نحو سليم هذه المرة وقالت بنبرة تأديبية أنيقة:
-هو انت مش معرفهم انت مناسب مين ولا إيه يا أستاذ سليم!
رفع زيدان بصره إلى السماء وتمتم بصدق خافت:
-يا رب يتقبض عليكي.
حاولت ليليان تهدئة الموقف سريعًا، فابتسمت بخفوت وقالت برقة لبقة:
-لا متزعليش يا حكمت مراد ميقصدش خالص.
ثم التفتت إلى زين الذي كان لا يزال يحاول السيطرة على غضبه، وقالت بلطف زائد:
-زين أنا عزمت حكمت عندنا على الغدا، عشان اللي عملته معايا.
اكتفى زين بإيماءة هادئة وابتسامة مقتضبة تخفي مزيجًا من الإرهاق والتوتر، بينما التفت زيدان نحو سليم هامسًا بغيظ ساخر:
-عملتها ازاي القادرة.
ما أثار انتباه زين في تلك اللحظة أن حكمت جذبت ليليان من ذراعها بخفة مألوفة، وأشارت نحو جمع من الأشخاص الواقفين غير بعيد، وقالت بعفوية صاخبة كعادتها:
-تعالي بقى، اعرفك على عيلتي، انتي مفكرة انتي بس اللي مخلفة كتير أنا أمي غلبتك.
سارت ليليان بجانبها في هدوء يشوبه الحذر، بينما قامت حكمت بتقديمها بكل فخر ومرح:
-دي صديقتي الجديدة…ليليان الجارحي!
ساد صمت قصير تبعته نظرات دهشة متبادلة بين الحاضرين، ثم تعالت الهمهمات الخافتة كأنهم لا يدرون أكان ما شهدوه قبل قليل مشهدًا من الغضب أم بداية علاقة غريبة بين عائلتين متناقضتين تمامًا!!!
***
بعد انقضاء تلك الليلة العجيبة، ليلة الزفاف التي لن تُنسى أبدًا، كانت سيرا تقف في دورة المياه تتجهز للخروج إلى يزن الذي ينتظرها في غرفة نومهما، وقفت حائرة أمام ملابسها تتأمل ما تناولته يدها قبل الدخول إلى دورة المياة من أثواب ناعمة حريرية أهدتها لها حكمت، لكنها سرعان ما أبعدتها بضيق خجول، فلم تجد ما يناسبها سوى منامة من الستان ذات أكمام طويلة.
فابتسمت بخجلٍ وهي تهمس لنفسها:
-حلوة اوي، أنا مش هقدر أخرج بالحاجات القليلة الادب دي!
تنفست بعمق وخرجت أخيرًا إلى الغرفة تبحث عنه بعينيها، فلم تجده جالسًا كما توقعت؛ بل رأته مستلقيا فوق الفراش، نائمًا بعمق وهو لا يزال يرتدي قميصه الأبيض وسرواله الأسود، يحتضن وسادة كبيرة بين ذراعيه وكأنه غارق في سبات طويل بعد معركة لا بعد ليلة زفاف!
اقتربت منه بخطوات حذرة وهمست بقلق وحياء:
-يزن انت نمت؟ يزن مش هنصلي؟
لم يُجبها، كان وجهه شاحبًا من الإرهاق أنفاسه هادئة كأنما أنهكته الليلة بطريقتها الخاصة، جلست بجواره بحسرة صغيرة وقالت بصوت خافت طفولي:
-طيب مش هناكل؟، دي أبلة حكمت موصياني ناكل الحمام.
ظل ساكنًا كأنما نام على وعد بالراحة الأبدية، زفرت سيرا بغيظ خافت وقالت لنفسها وهي تهمهم بسخرية:
-إيه ده؟ طيب كنت خديني مكان المخدة دي؟!
لكنها لم تكمل عبارتها إذ فوجئت به يمد ذراعه فجأة ويجذبها نحوه في حركة خاطفة جعلتها تجد نفسها مكان الوسادة، ثم همس بإرهاق وصوت مبحوح:
-نامي عشان بكرة قدامنا يوم طويل ولازم اكون مصحصحلك.
ارتبكت سيرا من قربه ووجهها يشتعل خجلًا، وقالت وهي تنظر إليه بعيون متسعة:
-ورانا إيه بكرة؟!
فتح عينيه نصف فتحة وابتسم ابتسامة مرهقة وقال:
-ناكل الحمام.
ضحكت بخجل وهي تغمض عينيها لتستسلم معه لنوم هادئ دافئ، تاركين خلفهما رهبة البدايات ولأول مرة شعر يزن بأن قلبه استراح حقًا، كأن وجودها بجانبه كان الهدوء الذي طالما بحث عنه، كانت تلك الليلة بداية ربيع جديد في حياتيهما، ربيع من طمأنينة ودفء وسكينة لا تُقدر بثمن.
****
بعد مرور شهرين.
جلست سيرا في صالة شقتها، تحدق في التحليل الطبي بين يديها بذهول لا يُصدق، كانت كلمات الطبيب لا تزال ترن في أذنيها، حين أخبرها بما لم تكن تتخيله قط وهي برفقة أختها أبلة حكمت التي أصرت أن ترافقها إلى العيادة بعد أن شكت من آلام في بطنها.
كانت الصدمة مرسومة على وجهها، والدموع تتلألأ في عينيها حين فتح باب الشقة ودخل يزن مسرعًا، يحمل في ملامحه قلقًا صادقًا:
-مالك يا سيرا؟ بيقولوا إنك كنتي تعبانة النهاردة.
رفعت رأسها نحوه بصمت ثم وضعت أمامه ورقة التحليل دون أن تنطق، تناولها بيده وقرأها سريعًا، ثم رفع بصره إليها مبتسمًا في دهشة وسعادة:
-حامل؟
أومأت برأسها بخفوت، قبل أن تهمس من بين دموعها المرتجفة:
-تلاتة.
انعقد حاجباه في دهشة صافية، وقال ببلاهة لا تخلو من الطرافة:
-حامل تلات مرات؟
أبعدت يده عنها بانفعال وغمغمت بسخرية حزينة:
-لا يا يزن، حامل في تلاتة عيال...اتنين في كيس وواحد في كيس.
ظل صامتًا للحظات، يحاول استيعاب ما سمعه ثم قال وهو يحدق فيها بعدم فهم:
-هي الاكياس دي فين؟ في بطنك يعني؟
هتفت باكية وهي تضرب الهواء بكفيها:
-تلاتة ازاي بس؟! هربيهم ازاي، ينفع ارجعهم؟
وقف يزن أمامها مشدوهًا للحظة، ثم ما لبث أن اتسعت ابتسامته وهو يقول بلهفة فيها شيء من الغباء المحبب:
-متقوليش لحد لاحسن اتحسد.
نظرت إليه سيرا بعدم تصديق، ورددت بذهول:
-ها.
أومأ مؤكدًا بجدية مطلقة:
-أنا بتكلم بجد متقوليش لحد عشان متحسدش وأنا مش ناقص، وبالذات زيدان اخويا ده يوديني في داهية بعينيه دي.
جلست سيرا على الأريكة تحتضن بطنها المرتجفة وتتمتم بجنون بين البكاء والضحك:
-هربيهم ازاي؟، تلاتة...تلاتة، رجعوني لبابا وماما، مش عايزة اكمل.
اقترب منها يزن وطبع قبلة رقيقة على وجنتها، ثم جلس إلى جوارها ووضع يده على بطنها بحنان صادق وابتسامة مفعمة بالدهشة والفرح:
-هتنوروا يا حبايب ابوكم، وديني لاخليكوا تتفوا على كل اللي في البيت، بس تيجوا انتوا بس بالسلامة.
ضحكت سيرا بين دموعها، ولم تجد ما تقوله سوى أن تغمض عينيها وتدع قلبها يهدأ قليلاً، فقد كانت تلك اللحظة بداية رحلة جديدة من الفوضى الجميلة، رحلة أمومة غير متوقعة، ومغامرة ستغير حياتهما للأبد