تحميل رواية «غناء الروح» PDF
بقلم زيزي محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
جفنيه وهو مستلقي بأريحية فوق فراشه ينعم بدفئه بعيدًا عن متاعب العمل وصراعات النسوة عليه، شعر بأصابع رقيقة ناعمة تحمل رائحة طيبة، بل كانت رائحة شهية تثير داخله مشاعر جمة، تتبع فضوله وفرق جفنيه ليطالع فتاة جميلة تقف بثياب أنثوية فاضحة، شهقة كادت تخترق جوفه، اتساع بؤبؤيه يشبه متفرج أبله يرتعد من أفلام الرعب، تلقائيًا قبض بكفيه فوق غطائه الازرق يجذبه على جسده كمن قُبض عليه بالجرم المشهود! وهتف بنبرة غليظة تنافي ردود أفعال جسده المرتعبة:-أنتي مين؟!تلون ثغرها المغطى بلون أحمر ناري بابتسامة ناعمة رقيقة...
رواية غناء الروح الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم زيزي محمد
آلام متفرقة كانت تنهش جس*دها المنهك، وأوجاع حادة اجتاحت صدرها وكأنها تضغط عليه بقبضة خفية لا ترحم، فيما كانت دموعها الساخنة تتساقط على بشرتها المنهكة تلسعها بقسوة، أنين خافت خرج من بين شفتيها المرتجفتين، فيما كانت تمسك بيده بقوة شديدة...الكلمات تخرج منها بصوت متقطع، غامض، كأنها تقف على حافة عالم الكوابيس.
انكمش وجه يزن وهو يراقب ملامحها المتبدلة، وتلك التشنجات الطفيفة التي بدأت تسري في أطرافها، فأيقن أنها عالقة داخل كابوس بشع، كابوس ما كانت بطلته سوى "نجلا"، لم يكن بحاجة لأن يسمع أكثر من تلك الكلمات المتفرقة التي خرجت من فمها المرتجف لتتضح أمامه الصورة "لا.... حفلة... لا.... شعري.... مقص.... مقص..."
تسارعت أنفاسها وارتجف جسدها، وحين بدأت التشنجات الجسدية تزداد وضوحًا، أدرك يزن أنه لا مفر من إيقاظها رغم رغبته السابقة في تركها تستريح بجواره بعد أن جلست على المقعد المجاور له في آخر الردهة، بينما بقيت شمس وزيدان قرب باب العناية المركزة، ينتظران بقلق ما ستؤول إليه حالة "سليم"، لم يشعر إلا برأسها ينهار على كتفه رغمًا عنها، من فرط الإجهاد والتعب المتراكم لأيام.
-سيرا..اصحي...سيرا، اصحي.
فتحت عيناها الباكيتان بإرهاق بالغ، نظرت حولها في شرود، كأنها لا تزال تبحث عن فاصل واضح بين الحلم والواقع، ثم استقرت نظراتها عليه فقبضت على يده أكثر بعفوية تطلب الأمان، همس لها بقلق بينما عيناه تجولان على ملامحها المذعورة:
-انتي كنتي بتحلمي بنجلا؟!
أومأت برأسها وهي تبكي ثم أشارت إلى نفسها بإيماءة طفولية مرتبكة، وقد بدا عليها أثر الصدمة النفسية بوضوح وهمست بنبرة مهزوزة:
-اه، كانت عايزة تقص شعري، وبعدها موتت ابلة حكمت يا يزن.
لم يسخر منها ولم يبتسم، رغم أن طبيعته الساخرة ما كانت لتفوت فرصة مماثلة لو كانت فتاة غيرها، لكنه أمام "سيرا" مختلف فدموعها مست جزءًا دفينًا من قلبه، وأيقظت فيه شيئًا لا يريد تسميته، اقترب منها أكثر مد يديه ليضم كفها بين راحتيه، وضغط عليها بحنو بالغ وهو يقول برقة:
-متخفيش، خلاص كابوس نجلا خلص، وبعدين هي عمرها ما تقدر توصلك تاني.
همست سيرا بنبرة متقطعة وقد اختلط حزنها ببكائها:
-أنا مخوفتش على نفسي، على قد ما خوفت على أبلة، أنا زعلت اوي لما شوفت أبلة حكمت في الحلم غرقانة في دمها.
بدا التأثر واضحًا على يزن، فأراد التخفيف عنها وهو يشعر بثقل الذنب على صدره لما آلت إليه حالتها النفسية، فابتسم بخفة وهو يحاول أن يخرجها من تلك الدوامة:
-إيه ده انتي طلع عندك قلب وبتحبي أبلة حكمت.
قطبت حاجبيها بعبوس والدموع لا تزال تنساب فوق وجهها، بينما احمرت أنفها من كثرة البكاء، فمال نحوها وهمس بنبرة فيها شغف وشيء من الإعجاب:
-ربنا يسامحه المعلم طلقة مضيع عليا أهم لحظة في حياتي.
نظرت إليه في دهشة وسألته ببراءة حائرة:
-لحظة إيه؟
أجابها برقة مع غمزة خفيفة من عينيه:
-إن اصورك وانتي عاملة كده.
لم تتحمل جرأته تلك فلكزته في كتفه وانسحبت مبتعدة، تحاول أن تستجمع أنفاسها المبعثرة، وكأنها تخشى أن تُفضح مشاعرها أمامه، لقد بات هذا الرجل يشكل خطرًا حقيقيًا على قلبها المتردد.
وما إن بدأ الصمت ينسج خيوطه حولهما، حتى قطعه صوت خطوات متسارعة واقتراب زيدان منهما، قال بجدية لا تخلو من التوتر:
-يزن، لازم اخدك انت وسيرا قسم الشرطة عشان نكمل التحقيقات.
رفع يزن عينيه نحوه بدهشة مشوبة بالاعتراض:
-وهنسيب اخوك ازاي، وشمس مينفعش نسيبها.
سارعت سيرا تقول بنبرة حاسمة تقطع مجال النقاش:
-أنا هقعد معاها وانت روح معاه يا يزن.
نظر زيدان إلى سيرا بحدة ثم زفر بقوة وكأن صدره يضيق بما فيه، قبل أن يرد بنبرة حادة مفعمة بنفاد الصبر، كمن يكبح انفجاراته على مضض:
-انتوا بتعزموا على بعض بكوبتين قهوة، قوم يا عم التحقيقات دي لازم تكمل النهاردة عشان الزفت طلقة يتعرض على النيابة بكرة هو وبنته وبعدين الزفت ده بينكر كل حاجة موجهة ليه وخصوصًا إنكوا مكنتوش موجودين وهو ممسوك وهو بيدور على بنته.
ارتجف وجه سيرا في لحظة وهزت رأسها بقوة وشفتاها ترتعشان من الذعر، ثم صاحت بصوت مخنوق:
-لا أنا مش هروح هناك ونجلا موجودة لا.
بدت على وجه زيدان علامات الغضب والذهول في آن واحد كأنه لم يستوعب ما قالته، فرد بنبرة قاسية يكسوها التوتر:
-ده اللي هو ازاي؟! مش بمزاجك على فكرة، انتي وجودك مهم جدًا.
وفي لحظة انفجر غضب يزن من أعماقه وتقدم بخطوة حاسمة واقفًا أمام سيرا كدرع حامٍ لها، يحجبها عن زيدان بنظرات نارية وهتف بخشونة لا تخلو من التهديد:
-انت بتزعقلها كده ليه؟ اتكلم معاها براحة!!
رفع زيدان حاجبه باعتراض واضح ثم تراجع عن الرد، فصمتُه المفاجئ لم يكن ضعفًا بل وعيًا داخليًا بأنه تسرع، وأن التوتر المتراكم قد أرهقه أكثر مما ظن، لذا قرر الذهاب فاستدار مبتعدًا وقبل أن يغادر، قال بصوت صارم دون أن يلتفت:
-أنا هنزل استناكم تحت، متتأخروش عشان نلحق نرجع لشمس.
ساد الصمت للحظة قبل أن تلتفت سيرا إلى يزن، وعيناها تملؤهما الحرج فهمست بصوت خافت:
-مكنتش تتخانق معاه بسببي يا يزن.
أجابها يزن بنبرة تجمع بين الاستنكار والهدوء وكأنه لا يرى فيما فعله أي تجاوز:
-أنا متخانقتش معاه!
هزت رأسها بإصرار كمَن ترى ما لا يريد الآخر الاعتراف به ثم أوضحت بصوت يشوبه القلق:
-لا هو مشي زعلان منك.
ضحك يزن ضحكة قصيرة ممزوجة بسخرية خفيفة ثم قال:
-لا هو مشي عشان ميشتمنيش قدامك بس، لكن هو ولا زعلان ولا أي حاجة.
انعقد حاجبا سيرا وعيناها تبحثان عن الحقيقة في عينيه ثم سألته بشك:
-انت متأكد؟
أجابها يزن ونبرة صوته تهدأ تدريجيًا وفيها لمحة مريرة ساخرة:
-سيرا أحنا بيوصل بينا الوضع لحلبة مصارعة، فاحمدي ربنا إن الموضوع اتلم.
وفي تلك اللحظة لمح يزن من النافذة زيدان واقفًا في الأسفل، يلوح له بيده بعصبية ظاهرة، وشفتيه تتحركان بشتائم صامتة يعرفها يزن جيدًا، فارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة،وقال بنبرة مرحة فيها مرارة مضمرة:
-اهو بيشتمني بالاشارة هناك، يلا بسرعة نروحله قبل ما المستشفى كلها تتفرج علينا واحنا بنتزهق بالصوت والصورة ويبقى شو مسرحي رخيص، وزيدان اخويا في العروض المسرحية ميتوصاش.
ابتسمت له بتوتر من تلك العلاقة الغريبة ولكنها ظلت صامتة وقبل أن تغادر نهائيًا القت نظرة نحو شمس الجالسة بحزن تراقب باب العناية المركزة بفارغ الصبر...
***
استيقظ نوح من نومه وهو يبحث عن يسر بجانبه ولكنه لم يجدها حوله، فتحرك ببطء شديد وهو ينادي بصوت خامل عنها ولكنه فوجيء بوجود حسناء في صالة منزله، تجلس فوق الأريكة والدموع تتساقط من وجنتيها والقهر المنسوج بملامحها نسجته هي ببراعة ممثلة ماهرة!!
توقف نوح للحظات يستوعب وجود حسناء في منزله فحرك رأسه يمينًا ويسارًا والصمت يترك سياجه ملتفه حول لسانه، إلى أن قطعته حسناء بقولها الباكي:
-ضربتني ومشيت، والله ما عملت حاجة يا دكتور!!
أخيرًا خرج صوته متحشرجًا وهو يسألها بصرامة أقلقتها، فبدت تخشى ردة فعله، ورغم أنها نسجت خيوط سبب مجيئها إلى هنا بمهارة خبيثة كي توقع نوح في شباكها مستخدمة أساليبها الانثوية ونعومتها إلا أن وجود يسر قلب الطاولة رأسًا على عقب وخاصةً بعدما ضربتها يسر بصفعة قوية على وجهها قبل أن تغادر شامخة رأسها مرفوع!!
-انتي إيه اللي جابك هنا؟!
تلعثمت في بادئ الأمر وهي تحاول لم شتات نفسها والتحدث بقهر كي تكسب تعاطفه ضد تجبر يسر:
-كنت جاية اشتكيلك من خالي بعد اللي عمله فيا، وكنت متعشمة في حضرتك تحميني منه بعد ما هربت من البيت وهو كان حالف ليموتني، مالقتش أمان غير وأنا معاك فجيت من غير ما افكر، أنا عارفة ولا الوقت ولا المكان مناسبين بس اعمل إيه عشمت فيك...
ثم تقدمت خطوة للأمام نحوه ومالت قليلاً بجسدها وهي تهمس بضعف ونظرة رجاء أتقنتها جيدًا:
-هتكسر بخاطري يا دكتور، ده أنا ماليش غيرك.
لم يجيبها بل كانت نظراته جامدة كجدار ثلجي من الصعب ذوبانه، ملامحه غامضة أشبه بغابة رغم جمالها إلا أن التعمق فيها مخيف، وعلى عكس ما كانت تتمنى سماعه، وجدته يقول:
-يسر راحت فين؟!
تماسكت بصعوبة أمامه وهمست ببكاء رغم القهر الحقيقي الذي تشعر به الآن داخلها:
-مشيت بعد ما ضربتني بالقلم وقالتلي اشبعي بيه!!! أنا مش عارفة المدام فهمت إيه؟ دي حتى رفضت تسمعني، يمكن لو كانت سمعت كانت اتعاطفت معايا.
صمت ثقيل للغاية وعيناه تتجول فقط فوق ملامحها التي لم تتنحى عن مهمتها في اقناعه، حتى قال بصوت مشدود وهو يتجه نحو غرفته:
-ثواني وهجيلك.
هزت رأسها في استسلام وعادت لمقعدها تجلس عليه بطاعة وهي تراه يدخل غرفته ثم يغلق الباب خلفه، فمالت برأسها جانبًا تتذكر لحظة مجيئها واندهاش يسر لوجودها.
★★
-يا خبر هو انتي هنا يا مدام؟
قبضت يسر قبضتها بقوة وقد استنفرت ملامح وجهها غضبًا واشتد صوتها بقسوة:
-إيه مكنتيش متوقعة إني أكون هنا؟؟
أومأت حسناء برأسها بجرأة وقد تلونت كالحرباء في محاولتها التملص، وقالت:
-اه الصراحة، طيب نـو....آآآ....آآقصد دكتور نوح مقاليش ليه؟ كنت اجيله في وقت تاني!
رفعت يسر أحد حاجبيها باستنكار وهي تستمع إلى جرأتها ومقصدها الوقح، وتساءلت بنفور واشمئزاز لم تستطع إخفاءه:
-تيجي له تعملي إيه؟!
مال جانب فم حسناء بابتسامة خبيثة وقالت بوقاحة متعمدة:
-حاجات كتير اوي اوي يا مدام!!
تساءلت يسر مجددًا ونيران الغيرة تنهش أعماقها، فبدت على بُعد إنشٍ واحد من الانقضاض عليها:
-بتيجي هنا كتير صح؟
اقتربت حسناء منها غير عابئة بما يمكن أن يحدث، محاولة استفزازها بطريقتها الملتوية:
-اوي....لدرجة إن حافظة كل شبر هنا.
في لحظة خاطفة صفعتها يسر بقوة وبغلٍ شديد، وقد توهجت الحسرة في صوتها المبحوح والمصدوم:
-هستنى رد إيه غير كده من واحدة زيك؟!
وضعت حسناء يدها فوق خدها المصفوع وقالت بقهرٍ ممزوجٍ بضعفٍ مصطنع:
-حرام عليكي يا مدام هو أنا عملتلك إيه؟!! ربنا يكفيني شرك.
****
عادت حسناء من شرودها على صوت نوح وقد وقف أمامها مرتديًا ثيابًا أخرى قائلاً بنبرة صارمة وبدت على ملامحه علامات الضيق الواضح:
-يلا يا حسناء.
ردت باستغراب واستهجان:
-يلا فين؟!
توقف للحظات ثم أجابها باستنكار مماثل:
-هنمشي !! مينفعش تقعدي هنا، هوديكي العيادة تباتي فيها وبالمرة واحنا في الطريق تقوليلي ماله خالك!!
ردت باندفاع وحماقة واضحة:
-طيب ما أبات هنا....
رمقها بنظرة غامضة أربكتها وأربكت نواياها فسارعت بتبرير كلامها سريعًا:
-يعني هنا أمان، آآ اصلي خايفة خالي يجيلي على العيادة ويعمل فيا حاجة.
توقف عاقدًا ذراعيه أمام صدره وسألها بخشونة:
-ايوه ماله موضوع خالك ده؟!
أحكمت تمثيل دور الضحية فحمحمت بقوة قبل أن تجيب، مستخدمة نبرة ضعيفة صاغتها بعناية لتتناسب مع ملامحها المستعطفة:
-أصله مقتنع إنك ضحكت عليه واخدت منه الفلوس تاني و كمان بيقول أنا وأنت متفقين عليه، حلفتله بأيمانات المسلمين مش راضي يصدقني، وحالف ليقتلني يا أما ترجعله فلوسه تاني.
فرك نوح وجهه بقوة ثم أغمض عينيه للحظات صامتًا لا يعلق، وكأن ما يسمعه يثقل كاهله أكثر مما يحتمل، وبعد لحظات من التفكير أخرج مفاتيحه من جيبه وقال بتنهيدة ثقيلة:
-خدي وروحي على العيادة افتحي المكتب هتلاقي في الدولاب فيه درج مفتاحه الصغير ده، افتحي وخدي ١٠٠ الف اديهموله وريحني وريحي نفسك من حوارات خالك، بس واقسم بالله لو خالك جه وعمل نفسه حواراته دي هو حر، أنا هعديها المرة دي بمزاجي، وبلغيه أنا مطول بالي عشان ساعدني بس وجابلي بنتي.
ابتسمت ابتسامة مقتضبة وقد راودها الشك من سرعة استجابته لها، وكأنه أراد التخلص منها بأي طريقة، أخذت المفاتيح من يده، وقد قررت أن تستفيد منه قدر الإمكان قبل أن يُغلق الباب تمامًا، وقالت بهدوءٍ مصطنع كي لا تثير شكوكه:
-تمام يا دكتور كتر الف خيرك على وقفتك جنبي، ومعلش لو ازعجتك وسببتلك مشاكل مع المدام.
حرك نوح رأسه نفيًا وهو يتجه نحو باب الشقة ليفتحه ويجيبه بصوت ثقيل:
-لا عادي يا حسناء، روحي ولما تخلصي الحوار مع خالك بلغيني.
-تمام.
قالتها حسناء بضيقٍ شديد، إذ كانت ترغب في قضاء الليلة بأكملها في شقته، لكنه قطع عليها كل مخططاتها، فخرجت من الشقة غير مدركة أن هناك مَن كان يراقبها من الأسفل، وما إن رآها تغادر حتى أجرى اتصالًا بـيسر، قائلاً:
-لا نزلت، لا.....لوحدها الدكتور فوق لسه.
***
أغلقت يسر الاتصال مع حارس البناية الذي كانت قد أوصته مسبقًا بإخبارها بكل جديد، كانت قد سألته عقب نزولها من شقتها عن تردد حسناء على الشقة في غيابها، فأجابها بأنها جاءت مرة واحدة فقط وكان معها السائق تركته وصعدت ثم جلبت بعض الأشياء وغادرت معه، وهو ما يناقض تمامًا ما زعمته حسناء عن علاقتها بـنوح، إذ بدت وكأن هناك حلقة مفقودة في تلك الخيانة التي تتردد على عقل يسر، خيانة لم تكتمل أركانها بعد، لكنها تلقي بظلالها الثقيلة فوق قلبها.
خرجت يسر من فوهة أفكارها على صوت رنين هاتفها، وقد كان المتصل هو نوح، نظرت إلى الهاتف برهة ثم قررت عدم الرد ورددت من بين أسنانها بغيظٍ مكتوم:
-واقسم بالله لاوريك النجوم في عز الضهر يا شهريار زمانك واخليك تكره صنف الحريم كله.
ثم نهضت من مكانها واقفة أمام المرآة تحدق في ملامحها الحزينة والباهتة، عقدت حاجبيها بحسرة وهمست لنفسها بأسى:
-مالي زي ما يكون عندي ستين سنة ليه كده؟
مدت يدها تلمس ملامحها بأطراف أصابعها المرتجفة، وفي داخلها قررت أن تعيد مجدها الضائع، وإن لم يكن لها مجد من قبل، ستصنع مجدًا عظيمًا يُعيد لها نوح راكعًا، ففي الحرب كل الخدع مباحة.
***
على الجانب الآخر...
وقفت سيرا إلى جانب يزن في الردهة الطويلة داخل قسم الشرطة منتظرين دورهما للإدلاء بأقوالهما، بعدما أنكر المعلم طلقة جميع التهم المنسوبة إليه، بدت على وجه سيرا علامات التوتر مع مسحة من الإرهاق، فشعر يزن بوخز عميق من الذنب تجاهها، إذ تسبب هو بزجها في هذا المأزق بينما كانت أبعد ما تكون عن هذه الدوائر، بل إن شعوره بالذنب لم يقتصر عليها فقط، بل تضاعف ليشمل عائلته بأكملها، وما أدهشه فعلاً أنها لم تُلقِ اللوم عليه قط لا قولًا ولا حتى بنظرة، وهو ما زاد إعجابه بها وتعظيمه لها.
خرج زيدان من الغرفة وقد بدت على وجهه الجدية التي لا تفارقه حتى مع أقرب الناس إليه، وقال لسيرا بنبرة آمرة تشي بطبيعته العسكرية:
-يلا يا سيرا ادخلي لوحدك، عشان يستمعوا لاقوالك.
لكن يزن قبض على يدها فجأة وقال برفض واستنكار:
-تدخل لوحدها وطلقة وبنته جوه، لا طبعًا هدخل معاها.
كان خوفه عليها حقيقيًا نابعًا من أعماق قلبه، فظهر واضحًا في صوته المرتعش وفي حركات جسده التي أعاقت سيرها مما دفع زيدان للتدخل بنبرة صارمة، قاطعًا هذا التصرف الذي رآه مهزلة:
-يزن فوق انت في قسم شرطة مش في شارع عشان يحصلها حاجة.
ربتت سيرا بيدها الحرة فوق يده وهمست له بصوت هادئ رغم ما يعتمل بداخلها من قلق:
-يزن فعلاً متقلقش، أنا هدخل بسرعة وهطلع.
تركت يده برفق وتقدمت إلى داخل الغرفة، بينما ظل زيدان واقفًا مع يزن الذي كان يغلي داخليًا من مزيج من الغضب والإهانة بسبب أسلوب زيدان الساخر واستفزازه المتعمد:
-مبحبهاش!!، مش عايز اخطبها!!، وسليم اللي غاصبني، أنت مش حاسس بنفسك ولا إيه؟ ولا حاسس وعامل أهبل!!
رفع يزن حاجبيه مستنكرًا متعمدًا الادعاء بعدم الفهم:
-قصدك إيه مش فاهم؟
أجابه زيدان وقد اشتد صوته بوضوح:
-قصدي إنك كنت هتاكلني عشان بس صوتي علي عليها، ولازق فيها في المستشفى، وخايف عليها بطريقة غريبة وكأنك بتحبها من سنين!!
غاصت ملامح يزن في غموض مفاجئ، ورد ضاحكًا بسخرية باردة:
-انت بس كامنك غشيم يا زيدان ففهمت تعاملي معاها غلط، أنا على نفس موقفي، وعلى فكرة أنا بخاف على أي بنت معايا كده امال هما بيموتوا فيا ليه؟!!
لم يُفلت زيدان الفرصة، فرد بسخرية تشي بالشك:
-انت متأكد إن تعاملك معاهم كلهم كده؟!
أومأ يزن برأسه باستفزاز كأنما يؤكد سخريته، إلا أن صوت صراخ سيرا من داخل الغرفة باغتهم فجأة، تلاه صوت هرج ومرج أزعج الحاضرين، دفع يزن زيدان بقوة وهو يحاول التوجه إلى الباب للدخول، لكن العساكر منعوه فصاح بعصبية شديدة:
-خليهم يبعدوا...
وقبل أن يأمرهم زيدان بالتنحي وقد بدا القلق جليًا على وجهه أيضًا، خرجت سيرا من الغرفة باكية، تستند على أحد الضباط، ويدها مجروحة تنزف، فقد كانت نجلا قد تعدت عليها بعد أن لمحت آلة حادة على المكتب، فانقضت عليها فجأة وجرحت يدها بقوة أثناء محاولتها الاقتراب منها.
صرخ يزن مذهولًا، وقد اشتدت ملامحه بالقلق:
-إيه ده اللي حصل؟؟
سارع الضابط بسرد ما حدث على عجل، بينما كان يحرك سيرا معه نحو إحدى العيادات القريبة التابعة لمركز الشرطة، أوقفه يزن فجأة وجذبها نحوه بقوة، وقد امتلأ صدره بغيرة عارمة لطريقة إمساك الضابط بها، بل وانفلتت نبرته رغم محاولته التحكم بها، فقال وهما يتحركان خلف الضابط، الذي حدق في يزن بدهشة لكنه امتثل لصمت زيدان:
-انتي سايباه يمسكك كده ازاي؟
رفعت سيرا وجهها الباكي إليه وقالت بنبرة مرتعشة:
-انت مش شايف ايدي مفتوحة يا يزن!!
تمتم يزن بغيظ مكتوم وهو يقتادها بجانبه كمن يعاقبها على ألمها، عاجزًا عن كتم ضيقه ممن حوله وحتى من نفسه، لأنه كان السبب في وجودها في هذا المكان وفي إصابتها:
-ايدك مش رجلك.
نظرت إليه بدموعها وسألته بصوت باكٍ:
-بتقول حاجة؟
أجاب باقتضاب وهو يدير وجهه عنها:
-مبقولش.
سكت بعدها ملتزمًا الصمت حتى دخلت غرفة الطبيبة لتلقي العلاج، وحين حاول زيدان إيقافه قال بنبرة تنذر بانفجار وشيك:
-مالكش دعوة، أنا مش هستنى يحصلها حاجة تاني، في القسم واتأذت عادي!!
مط زيدان شفتيه بغيظ وهمس له بصوت خافت بعد أن شعر بالإحراج من تصرف يزن أمام الجميع:
-متأفورش، ده جرح بسيط.
لكن يزن لم يتحمل المزيد فرد بانفعال متأجج صوته يغلي ضيقًا:
-ابعد عن وشي يا زيدان أحسنلك، أنا مش طايق نفسي.
قالها وهو يدفع الباب ويدخل الغرفة خلف سيرا، تاركًا زيدان واقفًا يحاول لملمة شتاته بصعوبة وسط صمتٍ ثقيل خيم على المكان.
***
دلف يزن إلى غرفة الطبيبة بخطوات سريعة متوترة، فوجدها تجلس على سرير الكشف ووجهها شاحب، والدماء ما زالت تلطخ كفها المفتوح، تحركت الطبيبة لتجلس أمامها ثم مسحت الجرح برفق بالكحول، وتتهيأ لتضميده.
وقف متجمدًا للحظة وهو يرى الدم يتسلل من بين أصابعها، عروقه تضج بالذنب والقلق حدق في يدها المجروحة شاعرًا بطعنة صامتة تنغرس في ضميره، وكأن كل قطرة دم تنزف منها تُثقله أكثر.
اقترب منها بخطوات حذرة، وكأنه يخشى أن يلمس ألمها، ثم جلس على كرسي قريب من السرير، وصوته بالكاد يخرج مبحوحًا من الحزن، متجاهلاً وجود الطبيبة:
-حقك عليا، معلش.
التفتت إليه بعينين دامعتين، فابتسم لها رغم كل ما يعتمل بداخله، وغمغم بصوت خفيض فيه من الود والندم ما لم تحتمله ملامحه:
-كنتي سيبني ادخل معاكي، مكنتش قدرت تقرب منك.
شردت للحظة في عينيه، في صوته الذي بدا هذه المرة مختلفًا، فابتسمت إليه وهي تزيل عنه شعوره بالذنب:
-الحمد لله إنها جت على قد كده، وبعدين هي بسيطة مش صح.
ووجهت حديثها للطبيبة التي أكملت لَف الشاش الأبيض على الجرح بإحكام، وقالت بنبرة عملية:
-اه الحمد لله، بس اهتمي بالتغيير على الجرح عشان ميسببش مضاعفات تانية لايدك والف سلامة، ارتاحي شوية قبل ما تمشي.
ثم خرجت من الغرفة عندما شعرت بالاحراج لوجودها، بقي يزن واقفًا أمام سيرا يتأمل يدها الملفوفة بالشاش، نظراته لا تفارق أصابعها التي كانت ترتجف قليلًا من الألم أو ربما من الحرج، فبدا عليه التردد كأن شيئًا في داخله يحثه على فعل ما، وشيء آخر يردعه.
ثم دون أن ينبس بكلمة، انحنى ببطء وأخذ يدها المجروحة بين يديه وقبلها قبلة خفيفة، ناعمة، لكنها لم تكن عابرة... وكأن بها شيء لم يرد الاعتراف به بعد.
رفعت عينيها إليه بذهول، لم تكن تتوقع هذه الرقة ولا هذه الجرأة، حتى أنها لم تستطع أن تسحب يدها ولا أن تنطق، فقط حدقت فيه وصدرها يعلو ويهبط، والخجل يغزو وجنتيها بلون ورديٍ خفيف.
همست بعد ثوانٍ معدودة وهي تبلع ريقها بصعوبة:
-يزن....
لكن صوتها تلاشى قبل أن يكتمل، عندما رفع رأسه إليها ببطء ونظر في عينيها نظرة طويلة، وقال بنبرة منخفضة مليئة بالحزن والحنان:
-اؤمريني.
حاولت أن تخفي ارتباكها فقالت بصوت خافت:
-يلا نخرج... زيدان مستنينا.
فأومأ برأسه ولم يُفلت يدها، ظل ممسكًا بها وهو يساعدها على النهوض بلطف ثم فتح لها الباب بنفسه، وخرجا سويا من الغرفة يدها في يده، وقلبها يخفق بخفة لا من الألم....بل خوفًا من الوقوع في حبه عندما شعرت بنمو مشاعر الحب على شفا فؤادها.
***
أما في المشفى، فقد كانت حكمت وزوجها قد وصلا بالفعل، ودخلا سريعًا إلى حيث كانت شمس جالسةً وحدها، تنهار بصمت وهي تترقب أي خبر يطمئنها على سليم، لم تكن دموعها تجف، وكانت نظراتها شاردة كأنها تحادث شيئًا لا يُرى، رغم ما يحمله حضور حكمت من صخبها المعتاد أضفى نوعًا من الانشغال الذهني شتت تركيز شمس قليلًا، خاصة بسبب أسئلتها المستمرة والمبطنة بفضولٍ لا يغيب عنه الطابع الملتوي، والمواساة التي بدت مشبعة بنبرة لا تخلو من التطفل.
اقتربت حكمت من زوجها وجذبته جانبًا بعيدًا عن شمس، وهمست له بنبرة توحي بالاهتمام الظاهري:
-بقولك ما تنزل تجيب أكل وحاجات أصلها صعبانة عليا اوي.
رفع صافي حاجبيه بدهشة واضحة إذ لم يكن معتادًا على أن تظهر حكمت أي تعاطف بهذا الشكل، بل ولم يعرف عنها يومًا أنها أنفقت مالًا في سبيل مواساة أحد، لكن ما زاد من دهشته هو طلبها التالي الذي نطقت به بجدية توحي بأنها تخطط لشيء أكبر:
-وشوفلنا شقة كبيرة قريبة من المستشفى نتأجرها شكل الموضوع مطول هنا.
-انتي ناوية تقعدي يا حكمت لغاية ما الراجل يفوق؟
-طبعًا امال اسيب نسايبنا في محنتهم وبعدين كله عشان خاطر أختي يا صافي، هاتلنا شقة تليق بينا مش أي شقة والسلام.
نظر إليها صافي وقد بدت الحيرة بادية على وجهه ثم مد يده إلى جبينها متفحصًا وكأنه يشك في أمرها:
-انتي كويسة يا حكمت؟
ردت بلهجة متأففة مستنكرة اندهاشه:
-يوووه، ايوه سيب الاندهاش ده لبعدين، وآه خليك ناصح كده ومتخليش حد يضحك عليك في الإيجار، اه أنا قولت استنضف بس متخليش حد يضحك عليك يا صافي.
هز كتفيه باستسلام وهو يتمتم:
-ماشي.
ثم انصرف لينفذ ما طلبته، بينما عادت حكمت إلى مقعدها بجانب شمس التي لم تنقطع دموعها لحظة، رفعت رأسها نحو حكمت وهي تقول بانكسار عميق وصوت خافت ممزوج بالبكاء:
-هو مش هيفوق؟، أنا حاسة أني بموت بالبطيء.
شهقت حكمت متضايقة وكأنها تحاول كسر هذا الجو الثقيل:
-يا اختي بعيد الشر عنك!، بكرة يفوق ويملى الدنيا بزعابيبه، أصل احنا كده الستات بنعشق الحاجة اللي تنكد عليها.
رمقتها شمس بدهشة من تلك الملاحظة الغريبة وسرعان ما ردت باعتراض وبنبرة مكسورة متحفظة:
-بس سليم عمره ما نكد عليا...
ثم أطرقت برأسها، وأطلقت تنهيدة ثقيلة وهي تنظر إلى باب الغرفة المغلق بحزن دفين:
-سليم مفيش زيه أبدًا.
ابتسمت حكمت ابتسامة واسعة وهي تهز رأسها بتأكيد قبل أن تتجه فجأة إلى تجاه آخر تمامًا في الحديث، قائلة بنبرة تنذر بالحكمة الزائفة:
-ربنا يقومه بالسلامة يا حبيبتي، بس نصيحة مني متتكلميش عليه حلو مع حد، أصلك تتحسدي كدم، خافي على حياتك...
تجهم وجه شمس وقد بدا عليها عدم الفهم لتحول الحديث المفاجئ، فتابعت حكمت بعينين لامعتين بالحماسة وكأنها تلقي محاضرة في علوم الحياة:
-اسمعي مني أنا أختك الكبيرة وافهم عنك، أنا بدي نصايح من دهب ولو القريبين مني يسمعوها حياتنا كلنا هتبقى زي الفل، طول ما انتي بتقولي جوزك مفيش منه أبدًا، هتاخدي عين تجيبك الأرض، زي ما حصلك دلوقتي، جوزك جوه في العناية وانتي قاعدة بتعيطي عليه، خدي بالك ده كله من لسانك، لازم تقولي عكس اللي بيعمله معاكي، عشان تبعدي عنك العين، لو كان بيصرف ومش مخليكي عايزة حاجة قولي ده بخيل وبيحاسبك على الجنية، لو كان بيحبك ويتمنالك الرضا ترضيه، قولي ده بيصبحني بعلقة وبيمسيني بعلقة، كده يا حبيبتي تعيشي في سلام، جو شادية ورشدي أباظة ده ميمشيش مع الاشكال الضالة اللي عايشين حوالينا.
ظلت شمس على حالها فاغرة الفم، وقد تجمدت ملامح وجهها المنهار بدهشة من مدى الجدية التي تتحدث بها حكمت، وكأنها تنطق بوصايا مقدسة لا تحتمل النقاش، ولولا خروج الطبيب في تلك اللحظة، لربما استمرت حكمت في إلقاء المزيد من حكمتها المفرطة.
ظهر الطبيب عند باب الغرفة، وابتسامة هادئة تعلو وجهه وقال بنبرة مطمئنة:
-مدام شمس.
رفعت شمس عينيها إليه بسرعة ثم نهضت على الفور وركضت نحوه، كأن كلماتها تريد أن تقفز من فمها قبل أن تصل إليه:
-هو فاق حمد لله على سلامته، تقدري تدخلي تطمني عليه، بس يا ريت بلاش عياط وتجهديه في الكلام.
أومأت برأسها وهي تجيب بصوت خافت يكاد لا يُسمع:
-هسكت خالص مش هنطق ولا كلمة.
فتح الطبيب باب الغرفة وأشار إليها قائلًا بلغة عملية:
-اتفضلي، ومرة تانية حمد لله على سلامته.
دخلت شمس الغرفة بخطوات مرتجفة وكأنها تخشى أن تراه في وضع لا تحتمله، وما إن وقعت عيناها عليه حتى شهقت بحرارة وانفجرت في البكاء، كان سليم ممددًا على الفراش تحيط به بعض الأجهزة الطبية وآثار الإعياء تملأ ملامحه، لكنه رغم ذلك ما إن رآها حتى ارتسمت على وجهه ابتسامة ضعيفة لكنها دافئة كأنها أضاءت عتمة الغرفة ولحظات تألمه.
-سليم...حبيبي، حمد لله على سلامتك.
رد بصوت واهن وهو يمرر نظره عليها مطمئنًا:
-انتي كويسة؟
-لا...أنا قلبي هيقف من الخوف عليك.
ثم انحنت تقبل يده بحنان فأطلق ضحكة خفيفة وهو يحرك يدها بلطف نحوه:
-سلامة قلبك، أهم حاجة طمنيني على اخواتي كويسين؟
ابتسمت إليه وهي تحرك رأسها بإيماءة بسيطة:
-الحمد لله كلهم بخير، متقلقش انت، ومتتكلمش كتير عشان الدكتور مانعني أني اجهدك من الكلام.
-سيبك منه....مبيفهمش، أنتي صوتك لوحدك دوا.
ضحكت من بين دموعها ونظرت إليه نظرة حب وامتنان وقالت بهمس:
-لو هتقولي كلام حلو كتير من دا، أنا مستعدة مفصلش.
رفع يده يتحسس جانب وجهها برفق، ثم دس أصابعه يعيد خصلاتها الهاربة من حجابها إلى مأمنه، وسألها بنبرة متعبة لكنها مشحونة بالقلق:
-سيرا كويسة؟
-الحمد لله، هي ويزن وزيدان في قسم الشرطة.
تجهم وجهه في لحظة وعقد حاجبيه بعدم فهم، ثم أغمض عينيه محاولًا تجاهل الألم الذي بدأ ينهش جرحه وسأل بصوت مبحوح:
-ليه؟ إيه اللي حصل؟
****
في الخارج كانت حكمت تقف في زاوية هادئة من الردهة، تتحدث عبر الهاتف مع أحد أفراد عائلتها، أخبرتهم بما سمعته من شمس حول تطورات حالة سليم، وتُطلعهم على قرارها المفاجئ بالإقامة مؤقتًا في الإسكندرية لحين الاطمئنان على وضعه الصحي.
لم يكن إقناع والدها بالأمر هينًا فقد أبدى اعتراضه مرارًا، واحتج على ابتعادها هي وسيرا عن المنزل بهذا الشكل، لكنها ظلت ترد عليه بحججها المعتادة، متسلحة بسلاح الإصرار، حتى رضخ أخيرًا متنهدًا باستسلام.
أنهت الاتصال وهي تتنفس بارتياح نسبي، لكنها لم تكد تُنزل الهاتف من على أذنها حتى دوى صوت مألوف في الردهة صوت رقيق لكن حزين، جعلها تنتفض كمن لدغته الكهرباء:
-أبلة حكمت.
التفتت بسرعة وقد اتسعت عيناها بدهشة وفرح ممزوجين، وما إن أبصرت سيرا حتى ركضت نحوها واحتضنتها بقوة مشبعة بالحنين واللهفة.
بينما سيرا قد خارت قواها تمامًا وما إن استقرت بين ذراعي شقيقتها الكبرى حتى انفجرت باكية بكاءً حادًا خرج من أعماقها كسيلٍ جارف لم تستطع مقاومته، هز نحيبها القوي قلب حكمت التي بدأت تهدهدها وتحاول تهدئتها، بينما وقف يزن إلى جوارهما وقد علت ملامحه علامات القلق، أما زيدان فقد ارتبك قليلاً من شدة انفعالات سيرا، فانحنى نحو يزن يهمس له باعتراض لا يخلو من السخرية:
-خطيبتك هتلبسنا في حيطة، اختها تقول إيه دلوقتي؟!
رد عليه يزن بنبرة خافتة صارمة لكنها مشبعة بالتهديد:
-طلعها من دماغك عشان محطكش في دماغي.
رفع زيدان حاجبيه ساخرًا ثم قال بصوت ينضح بالاستهزاء وهو يمرر كلماته كأنها طعنات مغلفة بالابتسامات:
-انت مش شايف بتعيط ازاي؟
-ما تعيط براحتها هي بتستلف الدموع من عينك وأنا معرفش!!
ضحك زيدان باستهزاء قصير وهو يومئ برأسه كمن يسلم بحالة خارجة عن الفهم:
-انت مش طبيعي اقسم بالله!!!
ثم زفر بعمق وهو يخرج هاتف يزن من جيبه ويقدمه له بطريقة ساخرة:
-خد يا سبع الرجال، تليفونك.
سار بعدها بخطوة بطيئة نحو سيرا التي كانت ما تزال في أحضان حكمت، تبكي كطفلة أضاعت طريقها بينما كانت الأخيرة تهمس لها بكلمات المواساة، تربت على ظهرها وتمرر يدها فوق رأسها بحنان أخوي خالص.
فقال زيدان بتهذيب مصطنع، قاطعًا مشهد العناق:
-معلش يا سيرا هقطع عياطك، تليفونك اهو.
أبعدت سيرا نفسها قليلًا عن حكمت وبدأت تمسح دموعها بأطراف أصابعها المرتجفة، ثم تناولت الهاتف من يده وهي تعتذر بنبرة مهزوزة:
-أنا أسفة، بس مقدرتش امسك نفسي.
مط يزن شفتيه بتعاطف هادئ، وقال بنبرة هادئة يغلفها دفء أثار غيظ زيدان، كما يفعل دائمًا:
-متتأسفيش اعملي اللي يريحك لو عايزة تصوتي صوتي كمان.
ظنت سيرا لوهلة أنه يسخر منها فانكمشت ملامحها بشيء من العبوس، لكنها لم تجد الوقت لتتأمل في نبرته أكثر، إذ رن هاتفها في يدها من جديد، نظرت سريعًا إلى شاشة الهاتف، وما إن قرأت اسم المتصل حتى تبدلت ملامحها على الفور.
أجابت بلهفة لكن لم تكد تستمع إلى الصوت القادم من الطرف الآخر حتى شحب وجهها، واهتز صوتها بين الذهول والغضب والانكسار، وهي تنطق بصدمة مختصرة:
-إيه؟
تقدمت حكمت نحوها بخطوات قلقة وقد انتفض قلبها للوهلة فسألتها بانفعال:
-مين بيكلمك؟ في أيه؟
تبعها صوت يزن المضطرب أيضًا وقد لاحظ اضطراب وجه سيرا المفاجئ:
ما تردي تقولي في إيه؟!
رواية غناء الروح الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم زيزي محمد
مسحت دموعها بأنامل مرتجفة وهي تجيب بنبرة طفولية باكية:
-تمام مفيش مشكلة، شكرًا.
أنهت الاتصال ببطء ثم التفتت نحو أختها لتندفع باكية نحوها تختبئ في حضنها كطفلة ضائعة وسط عاصفة:
-رفدوني من الشغل يا أبلة.
كانت شهقاتها تتلاحق بحرارة بينما بدت كلماتها مختنقة تحت وطأة الخيبة والألم، كاد يزن أن يوبخها، إذ بدا له بكاؤها مبالغًا فيه لأجل سبب تافه كما اعتقد لكنه سرعان ما فقد القدرة على ضبط أعصابه عندما لمح ابتسامة زيدان العريضة، تلك الابتسامة التي بدت له مستفزة ولامبالية، عندها تفجر الغضب داخله كبركان ثائر وانسابت حمم غضبه الحارقة على زيدان دون سابق إنذار، فمد قدمه بخفة قاتلة ووضعها فوق قدم زيدان، ثم ضغط بكل ما أوتي من قوة كمَن يحاول أن يُمحي الغيظ بجسده لا بكلماته.
تأوه زيدان بألم واضح ثم حدق في يزن بنظرة ملأها الضيق والحدة، تلك النظرة التي جذبت انتباه حكمت وسيرا، فارتسم القلق على ملامحهما لكن سرعة رد يزن جعلت الأمر يبدو كأنه لا يستحق التوقف عنده:
-روح خدلك حقنة عشان الصداع اللي عندك يلا.
قالها وهو يدفع زيدان للخلف بدفعة خفيفة، فتزحزح زيدان قليلاً لكن ابتسامته المستفزة لم تغب عن وجهه، بل ازدادت اتساعًا، غير أن حكمت بخبرتها الطويلة في قراءة التوترات الصامتة قررت التدخل فجأة جاذبة الانتباه بعيدًا:
-صحيح اخوكم فاق ومراته جوه عنده.
فور أن نطقت بالجملة تبدلت ملامح الجميع، وتهلهلت أساريرهم، تحركا معًا بخفة متعجلة نحو الغرفة التي يرقد فيها سليم، وقد نسي كلاهما الخلاف والضيق، وحدها سيرا بقيت في مكانها تنحب بهدوء داخل أحضان حكمت التي كانت يداها تربتان على ظهرها بحنان، بينما همست بصوت خافت يملأه الحنو:
-يا بت اهدي، يروح الف شغل ويجيلك اللي احسن منه، وبعدين انتي هتتجوزي مش هتحتاجي شغل أصلاً.
لكن كلمات حكمت رغم طابعها المواسي، لم تجد طريقًا إلى قلب سيرا، فابتعدت عنها بغضب ودموعها لا تزال تنهمر ثم هاجمتها بنظراتها الغاضبة وهي تقول بضيق لا تخطئه الأذن:
-يا أبلة الشغل ده أنا تعبت بجد عشان أعرف اشتغل فيه، وفي الآخر يروح كده عشان مروحتش كام يوم، طيب يسألوني أنا كان عندي ظروف إيه تمنعني
؟!
رفعت حكمت حاجبها الأيسر في انزعاج وكأنها تسخر من حماقة أختها الصغيرة:
-يالهوي!! بقولها هتتجوزي تقولي شغل وتعبت لغاية ما اشتغلت فيه، هو انتي فاضية أصلاً ؟ والله أحسن إنهم رفدوكي... المهم تعالي بسرعة احكيلي كل حاجة حصلت من وقت ما اتخطفتي لغاية ما روحتي القسم.
مدت يدها نحو سيرا بحركة لا تخلو من الحنو، لكنها توقفت فجأة عندما رأت يد أختها ملفوفة بضماد خفيف فصرخت فجأة بخوف ارتج له المكان:
-يالهووووي، إيه اللي حصل لايدك؟
أسرعت سيرا في تهدئتها وهي تلوح بيدها المجروحة لتبسيط الموقف:
-اهدي يا ابلة دي حاجة بسيطة والله.
جلست حكمت على المقعد المقابل ثم أشارت لسيرا بالجلوس بجانبها وهي تأمرها بصرامة:
-حالاً تحكيلي إيه اللي حصل؟
تنهدت سيرا بعمق وكأنها تستجمع بقايا قوتها، ثم جلست بجانب أختها مطلقة العنان لذكرياتها المؤلمة لتنساب على لسانها، تسردها بالتفصيل...
بينما في الداخل..
وقف يزن بجوار السرير من جهة اليمين بينما توقف زيدان من الجهة الأخرى، كانت الغرفة تفيض بصمت ثقيل تتناقل فيه العيون الحائرة نظرات مبهمة بين الأخوة الثلاثة، حتى كسره يزن بطريقته المعتادة في المزاح:
-حمد لله على سلامتك يا أبيه.
سعل سليم بألم وعيناه تضيقان من شدة الحنق، ثم رد بنبرة متذمرة اختلطت بأنفاسه المتعبة:
-اطلع برة يا بارد.
تدخل زيدان بلهفة محاولًا إظهار مشاعره رغم اضطراب صوته:
-حمد لله على سلامتك يا سليم.
كانت نبرته خافتة وكأنها تائهة بين الجد والمجاملة، حاول أن يضخ فيها دفئًا لكنه فشل فجاءت جافة كما عهد الجميع، لم يتأخر تعليق يزن الذي رمقه بامتعاض وهو يقول بحنق:
-ما تضربه بالنار أحسن!
تدخلت شمس وقد مطت شفتيها بعتاب واضح:
-ماتقولش كده، ده زيدان كان هيموت من الخوف على سليم.
ألقى زيدان نظرة جانبية على يزن قبل أن يقول باشمئزاز:
-انتي بتقولي لواحد مبيحسش أصلاً يا شمس وفري كلامك.
عقد يزن ذراعيه أمام صدره بتحدٍ ونظر إليه مباشرة وهو يرد بقسوة:
-والله الاحساس ده نعمة كبيرة أوي يا زيدان انت ماتعرفش عنها حاجة فمتتكلمش عليه.
تلونت وجنتا زيدان باحمرار خافت نتيجة الغضب المتصاعد في داخله فرفع إصبعه مهددًا:
-احترم نفسك يا يزن، أنا مش عايز أقل منك، أنا لغاية دلوقتي صابر وعاصر على نفسي لمون عشان استحملك.
أطلق يزن ضحكة قصيرة ساخرة ثم قال بنبرة لاذعة:
-بعيدًا عن عصير اللمون اللي انت عاصره، وبعيدًا عن صبرك اللي ميهمنيش، انت لو مبطلتش تتريق على سيرا وتضايقها بكلامك أنا هزعلك فاهم ولا لا.
رفع سليم حاجبيه بدهشة وهو يمرر بصره بينهما، يراقب المشادة التي اتخذت منحنى خطيرًا، حاول التدخل بصعوبة فقال زيدان بعصبية:
-تاني هيقولي سيرا!!! يا عم أنا حر اضحك على اللي يعجبني، انت مالكش فيه!
وفي لمح البصر فقد يزن أعصابه كليًا وصرح برعونة انطلقت دون رقابة:
-لا ليا فيه، لغاية سيرا وتقف، هي خط أحمر.
تدخل سليم أخيرًا محاولًا أن يمنع الأمور من الانفجار، فقال بصوت متحشرج ممزوج بحدة:
-ما تضربوا بعض قدامي أحسن؟ هو في إيه؟! ... انتوا مستنين أفوق وتنكدوا عليا.
اندفع يزن نحو الدفاع عن نفسه قائلًا بهجوم واضح:
-انت مش شايف يا سليم عمايله!!
لكن زيدان رد بحماقة قاسية أخرجت ما بجعبته دفعة واحدة:
-والله المفروض اللي يبص على عمايله هو انت، ورطت نفسك مع تاجر سلاح مجنون وعرضت خطيبتك اللي ملهاش في حاجة للخطر، واخوك كان هيموت بسببك، وفي الأخر متضايق؟! أنت المفروض تضايق من نفسك يا يزن على عمايلك السودة وأخرة مشيك الهباب مع البنات.
كانت كلمات زيدان كصفعات متتالية على وجه يزن، لم يكن بحاجة لتلك التذكيرات إذ إن ضميره كان يعذبه منذ لحظة دخول سليم المستشفى، وكأن شعلة من اللهب توهجت داخله لتلتهم ما تبقى من سكينته، الآن فقط انفجرت تلك الشعلة، فاشتعلت أنفاسه كأنها لهب يخرج من فم بركان.
سادت الغرفة حالة من الصمت المطبق، الجميع حدق فيه بدهشة وخوف وهو يغادر الغرفة بخطوات سريعة غاضبة، كأن كل خطوة يدك بها الأرض تُعلن عن زلزال داخلي.
أما خارج الغرفة لفتت حالته الغريبة نظر سيرا، التي ارتبكت لرؤيته، ولكن جذبتها حكمت من ذراعها وهي تسألها بقلق:
-بت يا سيرا هو أخوه جراله حاجة؟
هزت سيرا رأسها بشرود وعيناها معلقتان بالممر:
-لا هو شكله متضايق من حاجة!
ابتسمت حكمت بخبث خافت وهمست بسخرية:
-ياختي ولحقتي فهمتيه وعرفتيه؟ امتى هو يكون متضايق!!! واضح اوي إنك مكنتيش عايزاه!
أغلقت سيرا عينيها بقوة محاولة السيطرة على مشاعرها، ثم قالت باستنكار وتوتر:
-إيه اللي بتقوليه ده يا أبلة؟!، على فكرة أنا لسه عند كلامي، ولما أخدت بالي إنه متضايق دي حاجة في علم النفس كنت قريت عنها قبل كده...حركات جسمه وكده.
مالت شفتا حكمت بسخرية ماكرة:
-علم النفس...اممم لا وانتي الشهادة لله عاملة دكتوراه في علم النفس...طيب اقعدي يا اختي وكمليلي اللي حصل؟
بلعت سيرا ريقها بتوتر ثم سألت بقلق:
-مش هنشوف الاول هو متضايق ليه؟
ضيقت حكمت عينيها وقالت بلامبالاة ساخرة:
-لا ملهاش لزمة، مش علم النفس بيقول لما الشخص ميهمناش أصلاً وعايزين نبعد عنه، المفروض ميفرقش معانا زعله أصلاً، اقعدي يا حبيبة اختك وكملي.
جلست سيرا على مضض، لكنها لم تستطع إخفاء قلقها وخاصة عندما خرج زيدان هو الآخر من الغرفة، غاضبًا أكثر من يزن، وكأن الانفجار الثاني وشيك،
فوقفت فجأة قائلة:
-لا كده شكل الموضوع كبير، عن إذنك يا أبلة، ثانية وجايلك.
تحركت مسرعة في الاتجاه الذي غادر منه يزن، تحت أنظار حكمت المتعجبة التي اكتفت بهمس مستنكر:
-قال إيه مش عايزة تكمل؟ ده نفس لهفة فاتن حمامة على عمر الشريف بالظبط!!
*****
بحثت عنه في كل زاوية من زوايا المستشفى، تتنقل كمَن تاه عن ظله، ولكن لا أثر له، حتى خُيل إليها أنه قد غادر المبنى بأكمله، وفي لحظة بدا فيها اليأس يتسلل إلى وجدانها، سرت نسمات بحرية باردة نحوها من الاتجاه المقابل للمبنى، وقفت للحظة،
تُنصت لذلك الصوت الخفي الذي لا يُسمع، لكنها تشعر به لذا تحركت كالمسحورة، لا تعي ما يدفعها، وكأن قلبها هو مَن يرشد خطواتها هذه المرة!!
اقتربت من السور المطل على البحر، وهناك في مشهدٍ بدا كلوحة حزينة مرسومة بريشة احترافية، رأته جالسًا على حافته العالية يُحدق في المدى البعيد، كأنما يبحث عن شيء في حركة الموج المتراطم بالصخور...لمحت وجهه المتوتر رغم قسوة ملامحه، فقد كانت عيناه مكسوتين بشيء من الحزن!!
ابتسمت بخفة حزينة كمَن وجد ضالته، واقتربت منه بخطوات سريعة لكنها مترددة، ثم همست بنداءٍ خافت بالكاد تسمعه:
-يزن..
لم يسمعها أو ربما سمعها ورفض الرد، ظل على شروده، يواجه البحر بصدرٍ مثقل، كأنما يقاتل وحشًا من الندم داخل أعماقه.
نظرت حولها باحثة عن وسيلة تقربها منه فلاحظت حجرًا كبيرًا يمكنها تسلقه، فتقدمت نحوه وبدأت بحذر تتسلق السور العريض، تتحرك بخفة حذرة خوفًا من أن تنزلق وتسقط في أعماق البحر القريب، لكن قلبها كان أقوى من مخاوفها، كانت تتصبب توترًا تشعر بالهواء البارد يصفع وجهها لكنها لم تتراجع، وشيئًا فشيئًا اقتربت منه.
وعندما كادت أن تصل إليه مدت يدها تتكئ بها على طرف السور، لم تلاحظ الزجاج المكسور الكامن كفخٍ خفي، حتى أنه كاد ينغرس شظاياه في يدها المجروحة أساسًا، فأطلقت شهقة خوف مكتومة، واهتز جسدها الصغير في جلسته فتفاجأ يزن بوجودها والتفت نحوها مذعورًا:
-سيرا انتي بتعملي إيه؟ حاسبي...
مد يده بسرعة ليرفع قطعة الزجاج بعيدًا ثم أمسك يدها ليتفقدها وهو يسأل بقلق:
-إيدك حصلها حاجة تاني؟
هزت رأسها نفيًا تحاول أن تتماسك رغم الألم، ثم سألته مباشرة وهي لا تزال تراقب شروده وعينيه الهاربتين من مواجهتها:
-لا...انت مالك؟ متضايق ليه؟
ترك يدها وتحرك في جلسته بحركة متوترة، أعاد بها خصلات شعره المنفلتة إلى الخلف بتوتر ظاهر:
-عادي مش متضايق ولا حاجة، ليه بتقولي كده؟؟
نظرت إليه بعطف لم تحاول إخفاءه، ملامحها تعكس قلقًا حقيقيًا وهي تتابعه:
-شوفتك خارج وانت متعصب قلقت وجيت وراك.
عند تصريحها ترك البحر والتفت ناحيتها، نظراته تشق طريقها إلى أعماقها فجأة، تكسر جموده على لحظة حضوره، فابتسم بخفة وهو يقول بمكر هادئ:
-ده أنا مهم عندك اوي كده عشان تيجي ورايا!!
لم تستطع أن تُخفي توترها من قربه ولا من تأثير تلك النظرة التي بدت قادرة على تحريك السكون في صدرها، فحولت نظرها للبحر وقالت بسخرية خفيفة:
-طبعًا، مش كنا مخطوفين سوا؟، لازم نشارك أحزانا مع بعض، احكيلي.
اقترب منها قليلًا وهو يبتسم ابتسامة ساخرة لكنها خافتة وقال:
-احكيلك واحكيلي، العملية عملية تبادل خدي بالك.
تنهدت بخفة وهي تهز كتفيها محاولة السيطرة على ارتباكها ثم قالت:
-بس أنا معنديش أحزان، انت اللي عندك؟!
ساد لحظة صمت وكأن البحر نفسه توقف عن الحركة ليستمع إلى ما سيقوله، فخرج صوته أخيرًا ضعيفًا مكسورًا:
-يعني مش متضايقة مني عشان أنا السبب في ده كله؟ عرضتك للخطر وايدك اتجرحت وواحدة مجنونة...
قاطعته بنفي سريع وقاطع، وهي تدافع عنه بحرارة:
-لا طبعًا، ده كله مكتوبلي أشوفه، وبعدين انت ذنبك إيه؟ دول شوية ناس مجانين!!
تأملها بصمت كأن كلماتها نسجت حوله دفئًا لم يعهده من قبل وهتف بصوت هامس خرج من عمق وجدانه:
-شكرًا.
لم تُجبه فقط تنهدت بحرارة بينما كانت نظراتها تتبع أمواج البحر الهائجة، ثم سألت مجددًا بإصرار لطيف:
-طيب متضايق ليه؟!
ارتسمت السخرية من جديد على ملامحه وهو يغمض عينيه للحظة ثم يفتحها بنظرة ماكرة:
-فضولية اوي انتي!
أشارت إلى نفسها باستنكار طفولي:
-أنا!! خالص، بس من الذوق المفروض تقدر إن أنا سيبت اختي الكبيرة وجيت وراك وعرضت حياتي للخطر عشان اطلعلك هنا، المفروض تقدرني وتحكيلي، ها زعلان ليه؟!!
ضحك بخفة وهو يحرك رأسه كأنه اقتنع:
-اقنعتيني، بس أنا حاسس إن أنا مش محتاج احكي لحد دلوقتي.
شهقت وهي ترفع حاجبيها بصدمة طفولية:
-تصدق؟ أنا غلطانة إن عبرتك... وجيت وراك، يلا خلي البحر ينفعك، اقعد اشكيله همك.
كادت تنهض وتغادر، لكنه أوقفها بجملته الشاردة:
-بس أنا متعودتش اشتكي لحد، عشان اشتكي للبحر.
نظرت إليه بتقييم صامت تحاول تحليل نبرته المكسوة بالوحدة وقالت بهدوء:
-مش باين عليك خالص إنك كتوم يا يزن؟
ابتسم بمرارة وهو يسألها:
-امال باين عليا إيه؟؟
أجابت بعد لحظة تفكير بنبرة أقرب للهروب منها للصدق:
-يعني شخص فوضوي... مش مفهوم.
اقترب منها قليلًا وهمس بصوت دافئ كنسمة بحرية ليلية:
-بالعكس سهل تفهميني، بس مشكلة الناس حاصرني في زون الباد بوي، وأنا والله أنفع جود بوي عادي خالص، بس محدش مديني فرصة.
ضحكت رغمًا عنها، كانت مشاعرها تختلط، بين الإعجاب والخوف من الوقوع في شيء لا تعلم نهايته، ولكن قبل أن تُكمل تفكيرها، باغتها بسؤال:
-اه صحيح امال ليه العياط اللي انتي عيطتيه فوق عشان شغلك ده؟
أجابت بتهرب طفولي وهي تحرك كتفيها بدلال نال إعجابه:
-وانت مالك؟ حاجة متخصكش!
اقترب أكثر وهمس بجانب أذنها بصوت خشن أربكها:
-هنبدأ نهلفط بالكلام...ونتعدى حدودنا ونرجع نزعل في الآخر!
التفتت إليه سريعًا وقالت بانفعال:
-ده تهديد بقى؟ لا أنا مبتهددش، وبعدين ده كان ضغط نفسي مش اكتر، ان شاء الله هلاقي شغل أحسن منهم الف مرة.
لم يُجبها...فقط ظل يحدق بها، عيناه تكشفان هشاشتها رغم صلابتها الظاهرة، وفجأة انسابت دمعة مترددة على خدها، تبعتها نبرة مبحوحة:
-بس أنا زعلت عشان رفدوني، كان المفروض يقدروني اكتر من كده، هلاقي فين شغل زيهم.
ضاق صدره لرؤيتها بذلك الضعف ولأول مرة شعر بالعجز أمام دموع أنثى فتمتم بتعاطف حقيقي:
-يولعوا يا بابا....ولا تزعلي نفسك، تعالي وأنا هشغلك عندي.
رفعت حاجبها ظنًا منها أنه يسخر، وردت بعبوس ساخر:
-هتشغلني؟ امسح عربايتك؟ ولا اعملك شاي وقهوة؟
ابتسم بخفة وقال بنبرة حنونة ناعمة تتسللت خفية إلى قلبها:
-لا هقعدك قدامي واقعد ابصلك.
تجهمت وهي تهدده:
-بقولك إيه شغل الكلام الحلو بتاعك ده اللي بتوقع بيه البنات مياكلش معايا.
-طيب خلاص بلاش كلام حلو، اشتغلي عندي نفس شغلتك في الجيم، كنتي مدربة إيه... زومبا تقريبًا!!
نظرت إليه مصدومة وقالت باعتراض غاضب:
-نعم؟! ده انت بتهزر بقى، وأنا هعلم العربيات عندك زومبا؟!
عاد إلى صمته المتأمل ثم همهم بهدوء:
-اممم..
صرخت بصوتٍ ساخر:
-يزن، احترم نفسك!
انفجر ضاحكًا بخفة وهو ينظر إليها بنظرة ماكرة كأنما يختبر صبرها:
-شفتي نيتك السودا، أنا كنت هخليها دروس شفوي هستثني التحريري خالص مؤقتًا.
حاولت السيطرة على تلك النغمة المرحة التي تسللت إليها رغمًا عنها، وردت بحزم مصطنع:
-انت لو محترمتش نفسك هزوقك في البحر.
اتسعت ابتسامته أكثر وكأنه يجد في تهديدها متعة خفية ثم قال بمراوغة:
-ويرضيكي سمكة القرش تاكلني، انتي ليه سودا من ناحيتي!!
أطلقت ضحكة صغيرة ساخرة وهي ترفع حاجبيها:
-والله ما حد نيته سودا غيرك....اوعى خليني انزل اروح لأختي.
أمال رأسه قليلًا صوته هادئ، كأنه يداري قلقًا لا يريد له أن يُفضح:
-براحة انزلي على مهلك.
التفتت إليه فجأة تراقب ملامحه المتبدلة بعينين حادتين ثم تساءلت بتهكم وهي تضيق عينيها:
-خايف اوي عليا؟!
خفض صوته درجة واكتسب نغمة أكثر صدقًا وكأن كلماته خرجت من مكان عميق في صدره دون قصد:
-لو مخوفتش عليكي هخاف على مين؟
رغم محاولتها تجاهل تأثيره إلا أن وقع كلماته كان كفيلًا بأن يربك دقات قلبها فتجاهلت ما شعرت به وتظاهرت باللامبالاة وهي تقول بابتسامة مستفزة:
-كلامك ده مبياكلش معايا...غير شوف طريقة كرييتڤ شوية عشان تشد انتباهي.
في تلك اللحظة تلاقت أعينهما مجددًا، وبدت نظراته أقل سخرية وأكثر عمقًا، وكأنه على وشك الاعتراف بشيء لم يستطع البوح به بعد، أما هي فرغم مزاحه إلا أنها كانت تعلم أن حديثه لم يكن كله عبثًا... وأن هناك شيئًا دفينًا خلف كل ابتسامة ساخرة، وكل تنهيدة صدرت منه منذ لحظة لقائها به.
-معلش هقطع لحظتكم الخاصة دي، عايزك يا بيه!
كان زيدان واقفًا بيدين في جيبيه ونظرة متحفظة، بينما لم تنتظر سيرا أكثر من ثوانٍ حتى توهج الخجل على وجنتيها، وأسرعت بالنزول من فوق السور بحرج واضح.
أما يزن فزفر بقوة وهو يرمق زيدان بنظرة ضيق غاضبة لم يبذل جهدًا في إخفائها ليعلق الأخير بتهكم لاذع:
-وكمان بتمثل أنك متضايق، وبتهرب زي العيال الصغيرة.
رمقه يزن بطرف عينه، وهو عابس الوجه كأن بينهما حسابًا طويلًا لا يحتاج إلى شرح:
-مش هرد عليك، عشان لو رديت هتزعل مني.
اقترب زيدان وجلس بجانبه بخفة، ثم قال بسخرية:
-من امتى الأدب ده؟ ده انت طول عمر لسانك فالت!!
اعتدل يزن ناحيته وملامحه لا تزال محتقنة، لكن نبرته اكتست بطابع ساخر يخفي وراءه ألمًا أعمق:
-شوفت التغيير حلو ازاي!!، انت لو ذكي هتستغله لمصلحتك!
ضحك زيدان باستخفاف وهو يسحب نفسًا طويلًا من الهواء المالح، قبل أن يقول بنبرة تنم عن شيء أكبر مما يبدو:
-لا ما هو واضح إن ليها تأثير رهيب عليك.
لم يتحمل يزن مغزاه، فقد أعصابه كمَن نكأ جرحًا مفتوحًا وهتف بحدة:
-مالك ومال سيرا يا زيدان؟
أدهشه أن زيدان لم يرد عليه بنفس الحدة، بل جاء صوته هادئًا على غير العادة، خاليًا من التهكم محملًا بثقل النُصح:
-مش عايزك تكسر قلبها يا يزن، البنت باين عليها ضعيفة وملهاش تجارب في الحياة، وانت واحد لفيت ودورت، ملهاش لزمة تكسر قلبها.
أطرق يزن رأسه لحظة ثم رفعها بابتسامة ساخرة تخفي في طياته مشاعر غامضة، وقال بلهجة مستفزة:
-الله!!! ده من امتى؟ ده انت حجر اشمعنا سيرا بذات اللي واخد بالك منها؟
ضربه زيدان على كتفه بلكزة قوية، ثم قال بنبرة غاضبة:
-انت غبي ياله...
لكن يزن قاطعه بحدة:
-بلاش طولة لسان احسنلك.
طرق زيدان بأصابعه بجانب رأس يزن كأنه ينقر على شيء يريد إيقاظه:
-وانت بلاش عقلك يوديك في حتة غلط، افهم معنى كلامي وفكر فيه، يا أستاذ انت لازم تفهم إنها رغم طولة لسانها إلا أنها فعلاً بريئة...بلاش تجرحها وتتسلى بيها وخصوصًا إن الموضوع ارتباطك بيها دخل في الجد، بلاش تقلل من نفسك ولا مننا.
كان يزن يغلي من الداخل وظن أن زيدان يحكم عليه لا يحذره، فصرخ بانفعال:
-انت بتكلم عيل صغير؟ في أيه؟ أنا مستغربك ده أنت اكتر واحد قريب مني وفاهمني على إيه؟
تنهد زيدان بحزن ثم أجابه بصوت هادئ لكنه حازم:
-ما هو عشان فاهمك وفاهم طريقتك كويس وعارف لما بتحب تشد بنت ليك يا يزن بتعمل إيه، وبقولك تاني بلاش دي...دي ممكن تفضل عايش بذنبها طول عمرك.
صمت يزن لحظات ثم قال بانفعال:
-واقسم بالله انت ما فاهمني ولا عارف حاجة؟ انت بس بتبرر العك اللي انت قولته فوق.
لكن زيدان لم يفقد اتزانه بل أكمل بنبرة جادة:
-لا هو مش عك دي حقيقة، أنا سمعتك جزء بسيط من الكلام اللي سليم أخوك محشهولك لما يقوم بالسلامة، وأنا وأنت عارفين كويس اوي أنه مكنش هيسيبك وكان هيقولك أوسخ من كده، أنا قصرت عليك حاجات كتير باللي أنا قولته.
رمش يزن عدة مرات كأنه يحاول طرد الكلمات من رأسه ثم انفجر:
-اه حامل همي يعني؟ بتحرجني قدام مرات أخوك وبتحسسني بالذنب عشان سليم ميكلمنيش!! ما يكلمني سليم هعمل إيه ولا هو هيعملي إيه؟ عادي... ياما كلمني ولا فرقلي.
-لا بيفرق وبيفرق جامد ووقتها بتهرب منه ومني ومن الدنيا كلها وبتستخبى زي العيل الصغير، وفي الاخر بترجع تعند وتزيد عشان تبينله أنه ولا همك.
ضحك يزن ضحكة ساخرة مريرة وقال:
-طيب أنا دلوقتي على كلامك المفروض اهرب، ارمي نفسي في البحر ولا اكتب وصيتي؟
رد زيدان بجدية:
-بلاش تريقة يا يزن.... يا ابني مفيش حد في الدنيا دي كلها هيخاف على مصلحتك قدي أنا واخوك، بلاش تعند على حساب نفسك وحسابنا وحساب بنت ملهاش في حاجة غير إن حظها وقع فيك.
خفض يزن صوته فجأة وكأنما ينفجر من الداخل:
-هو أنا وحش لدرجة دي يا زيدان؟ لدرجة دي مفيش فيا حاجة حلوة؟
ابتسم زيدان بخفة وحنان أخوي صادق، ثم قال:
-بالعكس...انت أخ جدع وصاحب مفيش منك، ولسانك اللي عايز قطعه ده، ربنا مديك موهبة فيه... تقدر تقلب أي حد لصالحك، بس دماغك فالتة شوية فحجمها عشان مصلحتك.
سكت قليلًا ثم استكمل وهو ينظر إلى الأفق:
-سليم لما أصر أنك تخطب مش عشان هو عايز يمشي اللي في دماغه، بالعكس هو نفسه يطمن عليك، زي ما أنا كمان نفسي وأمك الغلبانة دي من حقها تشوفك مستقر ومتجوز، يزن مصر كلها يا حبيبي هتفرح لما تتجوز عشان هنخلص من مشاكلك.
ضحك يزن رغم كل شيء وقال بمراوغة:
-اتجوز أي واحدة والسلام... ولا سيرا تحديدًا.
رفع زيدان حاجبيه وقال بحياد:
-والله دي اختيارك يا معلم، هي أو غيرها، في الآخر نصيب.
تساءل يزن بحيرة شاردة خرجت سهوة منه:
-هو انت شايف أنها متستحقش واحد زيي؟
ابتسم زيدان:
-لا طبعًا انت مفيش زيك، انت باشا يا ابني، بص سيرا دي من الآخر أمها دَعية عليها....آآ...اقصد داعيلها عشان وقعت في واحد زيك.
ساد الصمت بينهما لحظة، قبل أن يهمس زيدان معتذرًا:
-متزعلش مني، بس متنكرش إن أنا وفرت عليك تهزيق كان هيستمر لمدة شهر.
رفع يزن بصره إليه وقال بصوت خافت:
-مبعرفش ازعل منك ولا من سليم، عارف يا زيدان.....أنا لما مشيت... مكنتش زعلان منك على قد ما أنا زعلان من نفسي!
نظر له زيدان باهتمام:
-ليه؟
تنهد وقال بمرارة صادقة:
-عشان لأول مرة مكنش عارف أنا عايز إيه؟
هز زيدان رأسه بتفهم ثم وضع يده على كتف أخيه، وقال:
-ولا عمرك هتقدر تقرر دلوقتي، استنى لما تهدا وانت هتلاقي اللي انت عايزه قدامك ومن غير مجهود.
استدرك يزن رزانة أخيه المفاجئة فتساءل بتهكم:
-انت من امتى عاقل كده!! ولا ده مجهود مليكة معاك!
رفع زيدان رأسه فجأة، وتذكر بنبرة مصطنعة بالهلع:
-يااااه يا جدعان على اللي عملته في نفسي وعلى وجع الدماغ اللي هالبس فيه، أنا ازاي نسيتها كده ....اوعى الحق نفسي واكلمها.
ضحك يزن من أعماقه وهو ينظر إليه بدهشة:
-عشت وشوفت زيدان اخويا خايف من حد...مجهود مليكة طلع جبار فعلاً...
غادر زيدان متجاهلاً إياه، بينما عاد يزن بنظره إلى المبنى خلفه بعينين شاردتين وابتسامة باهتة، كأنه يحادثها:
-وانتي مش هتعملي أي مجهود خالص ولا هفضل ضايع زي ما أنا.
****
في اليوم التالي، تعمدت يسر إطفاء أضواء محلها الصغير الكائن أسفل البناية التي تحتضن عيادة نوح، جلست في إحدى الزوايا المظلمة، وقد انكمشت بجسدها خلف مكتبها الصغير تراقب بصمتٍ ما يجري على الرصيف المقابل، حتى لمحت أولًا حسناء تصل إلى العيادة وتدخلها بخطى ثابتة، انتظرت ساعة كاملة بعدها حتى تراءى لها نوح، وقد وقف أمام باب العيادة يبحث بعينيه القلقتين عن طيفها، لكنها لم تُظهر نفسها وهذا ما جعله يقطب حاجبيه بخيبة واضحة، ثم ما لبث أن صعد إلى عيادته بانكسارٍ خافت.
عادت يسر لتتنفس بعمقٍ تجتذب الهواء كأنها تحاول تثبيت أنفاسها المنبعثة من خطة تحيكها بعناية، مدت يدها إلى حقيبتها وأخرجت مرآة صغيرة أعادت بها ترتيب ملامح وجهها، وهي تضع مساحيق تجميل خفيفة لكن وزعتها بحرفية، اختارت أماكنها كخبيرة تعلم جيدًا كيف تلفت أنظاره وتُحيي انبهاره بها من جديد.
ثم مررت نظراتها على جسدها وتوقفت طويلاً عند فستانها الصيفي الذي اختارته بعناية ليبدو منسدلًا برقة، يلامس منحنيات جسدها ويلتصق قليلًا ببطنها البارز من الحمل، مما يزيد من وقع المشهد على من تود التأثير فيه.
أخفضت نظرها إلى ساعتها فوجدت أن أمامها نصف ساعة فقط قبل بدء العيادة في استقبال المرضى، وهي تدرك تمامًا أن هذه الدقائق الحاسمة كفيلة أن تحقق هدفها الأول، تسديد ضربة مباشرة في مرمى حسناء.
أمسكت بهاتفها وضغطت زر الاتصال ثم وضعته على مكبر الصوت، وملامح الخبث تلمع في عينيها كما يلمع حد السيف أسفل ضوء الشمس، لم تنتظر طويلًا حتى جاءها صوته عبر السماعة مترددًا مرتبكًا، وكأنه لم يتوقع هذا الاتصال بعد ما جرى بينهما بالأمس من خلاف وسوء فهم:
-الو..يسر.
أجاب بصوت خفيض فابتسمت بانتصارٍ داخلي وخرج صوتها بنعومة ودلالٍ متعمد:
-نوح هو انت فوق في العيادة؟
جاءها رده سريعًا تتخلله لهفة حاول أن يخفيها، لكنه فشل:
-اه موجود، لسه واصل من شوية.
تنهدت براحةٍ مصطنعة وأجابت بسعادة مفتعلة:
-طيب الحمد لله إنك موجود، هو ممكن اطلع بس ادخل التواليت انت عارف الحمل مأثر عليا وكل شوية محتاجة ادخل.
-طبعًا اطلعي...استنى هنزل آخدك.
بادرت بالرفض وهي تعقب بنبرة خجولة مغلفة بالغنج:
-لا لا متتعبش نفسك، انت بس استناني على باب الأساسنير.
-حاضر.
أغلقت الهاتف ونهضت من مكانها بخفة محسوبة، ثم مشت صوب البناية بخطى هادئة صاعدةً في المصعد نحو الطابق الذي يضم عيادة نوح، وما إن فُتح الباب حتى وجدته واقفًا بانتظارها كما توقعت، فمدت إليه يدها برقة، فالتقطها كمَن عثر على كنز ثمين وبدأت عيناه تتجولان على وجهها يرصدان أدق التغييرات التي طرأت عليها منذ لقائهما الأخير.
اقتربت منه، وكأنها تستمد منه دعمًا وهميًا وهمست أمام نظراته المتلهفة بعبارة رقيقة:
-معلش، بس الحمل المرادي تاعبني.
رد عليها بتعاطفٍ لم يخفه:
-لا ولا يهمك...تعالي.
تمسكت بيده وارتسمت على وجهها ابتسامة ناعمة يغمرها الدلال، وكانت على يقين بأن حسناء ستراها في تلك اللحظة، فما إن خطيا بضع خطوات حتى ظهرت الأخيرة بالفعل، واقفة خلف مكتب الاستقبال، تراقب المشهد بانتباه.
وقبل أن يتقدما أكثر توقف نوح وسألها بصوتٍ يحمل شيئًا من الضيق:
-هو الفستان ده مش ضيق يا يسر؟
كانت متأكدة أنه سيقول ذلك وقد انتظرت سؤاله بشغف، خاصةً حين يأتي أمام تلك "الحرباء" التي تجيد التلون والاختباء خلف ابتسامات مصطنعة، فرسمت على وجهها ملامح الدهشة والتأثر، وقالت بأسف مفتعل:
-بجد...معلش ده أكيد عشان البيبي وبطني كبرت شوية.
ثم مسدت فوق بطنها بدلالٍ كأنها تشير إليه ليؤكد كلامها، فابتسم لها بحبٍ وحنان وهو يتأمل بطنها التي تحمل طفله متجاهلًا عن عمد كل ما جرى بينهما بالأمس.
ساعدها في دخول دورة المياه، وقبل أن تُغلق الباب خلفها، أطلقت إليه جملة اختلط فيها الدلال بالرجاء الطفولي:
-ممكن يا نوح تقف تستناني لغاية ما أخرج، عشان اوقات بيجيلي دوخة وبتعب.
أومأ برأسه دون أن ينطق كمَن وقع في شباكها بالكامل فلم يلحظ حتى أنه واقف أمام باب دورة المياه، ولا أن حسناء باتت بجواره وقد وقفت تردف بصوتٍ مكتوم يغلي بالحنق:
-ادخل انت يا دكتور اوضتك، وأنا هقف استنى المدام.
التفت إليها بعد لحظة وقال بنبرة جادة مختلفة تمامًا عن تلك التي كان يحادث بها زوجته:
-لا...روحي شوفي شغلك، أنا هقف استناها هنا.
قبضت حسناء على كفها غيظًا وهي تسيطر على ما يعتمل داخلها من انفعالات، ثم اتجهت صوب مكتبها وجلست تحاول أن تفك شفرات هذا التحول المفاجئ في يسر، والتي بدا أنها تصالحت مع نوح بالفعل في الليلة السابقة، فلعنت غباءها ولعنت اللحظة التي دفعتها للذهاب إليه ليلة أمس تحديدًا، إذ بدا واضحًا أن كل مخططاتها السابقة باتت مهددة بالانهيار.
مرت دقائق ثقيلة قبل أن تخرج يسر من دورة المياه مستندة على نوح، وقد بدا صوت أنفاسها متسارعًا كأنها على وشك الإغماء، أو لعلها تفتعل ذلك عن قصد، وما أكد شكوك حسناء تلك اللمحة الخاطفة من عيني يسر وهي تتعلق في عنق نوح بنظرة انتصار لا تخطئها عين أنثى مثلها، خاصةً حين طلبت منه أن تجلس في المقاعد المخصصة للزوار أمام مكتب الاستقبال مباشرة.
-مالك يا يسر؟ والحالة بتجيلك بقالها قد إيه؟
سألها نوح بقلق، فأجابته بابتسامة واهنة وهي تمسد بطنها برقة:
-ده أكيد بسبب البيبي يا نوح، وبتيجيلي بقالها كتير.
انعقد حاجباه معًا وهو يسألها بقلق:
-روحتي للدكتور؟
هزت رأسها في دلال أنثوي ناعم وهي تقول:
-اه وقالي أني ضعيفة اوي والبيبي كمان ضعيف، ووصاني اهتم بنفسي.
اغلق عينيه بعدم رضا وهو يتمتم بغيظ:
-وانتي مابتهتميش بنفسك ليه؟ ليه بتهملي في نفسك؟
اقتربت برأسها منه وهي تمسد بيدها فوق كفه بلطف وحنو:
-والله بحاول على قد ما اقدر يا نوح عشان خاطر البيبي....
حذرها نوح بعينيه الصارمة وهو يؤكد عليها سلامتها قبل كل شيء:
-عشان خاطرك قبل البيبي، اهتمي بنفسك الاول.
كانت يسر قد نالت كفايتها من نيران الحقد المشتعلة في عيني حسناء، فمالت برأسها إلى كتف نوح وهمست برجاء ناعم:
-ممكن تاخدني وتأكلني أيس كريم مانجة نفسي فيه.
لم يجبها بل نهض على الفور ومد يده إليها ليساعدها على النهوض، ثم التفت إلى حسناء قائلًا بنبرة صارمة:
-حسناء أجلي كل مواعيدي لبعد ساعة من دلوقتي.
كادت حسناء أن ترد باعتراض لكن يسر سبقتها بنبرة خافتة ومليئة بالأسى:
-نوح أنا كده هعطلك عن شغلك؟
-لا...مفيش أي عطلة، المهم أنتي.
غادرا العيادة وخلفهما تركا حسناء تكاد تغلي من الداخل، عينها تتابع خروج يسر وهي تتعلق بذراع نوح، وكأنها تحكم قبضتها على ما أرادته هي ذات يوم.
وحين غابا عن أنظارها انفجرت شرارتها الخبيثة دفعة واحدة وأخرجت هاتفها وأجرت اتصالًا بخالها قائلة بنبرة ممتلئة بالشر:
-بقولك يا خالي...لو كلفتك تدورلي على ناس يسقطولي واحدة مضايقني...هتعرف ولا هتطلع مالكش لزمة وفشنك.
ثم مالت برأسها إلى الهاتف تهمس بحرارةٍ قاسية:
-لا....المرادي عمولتك حلوة اوي.
صمتت تستمع لما يقوله الطرف الآخر، قبل أن تضرب بيدها على المكتب وتقول بنبرة يملأها الشيطان:
-تبقى يسر مرات دكتور نوح، هبعتلك كل حاجة عنها وعنوانها.
الفصل الثالث والثلاثون33
رواية غناء الروح الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم زيزي محمد
هبطت سيرا من سيارة الأجرة التي أوقفها يزن، والذي قرر أن يقلهما إلى عنوان الشقة التي استأجرها صافي زوج أختها حكمت، رفعت عينيها نحو السماء تتأمل البرج الشاهق الذي تمتد طوابقه لعنان السحاب، فاستقرت نظراتها المتفحصة على الواجهة الزجاجية العاكسة، وانتابها شعور مزدوج من الدهشة والارتياب، كيف وافقت أختها المعروفة بتحفظها الشديد للمال وعدم صرفه في تلك الأمور التافة، أن يختار زوجها شقة بهذه الفخامة؟ والأغرب من ذلك أنها تطل مباشرة على البحر في موقع لا يسكنه سوى أصحاب الثراء الفاحش!!!
لم تلبث أفكارها أن تلاشت حتى انتبهت إلى صوت يزن المتعب وقد بدا كمَن يجهد نفسه ليقاوم إغلاق عينيه بعد أيام متواصلة من الإرهاق، كانت الأيام الماضية ثقيلة على الجميع، وخصوصًا بعد إصرار حكمت وزوجها أن يجتمع الكل في الشقة الواسعة التي استأجراها على أمل أن يجدوا فيها الراحة والسكينة بعد هذا الزخم من الأحداث، تقرر أخيرًا أن ينال يزن قسطًا من الراحة فيما أصرت شمس على البقاء بجانب سليم، أما زيدان فقد اضطر للعودة إلى القاهرة، بعد أن وصله إخطار عاجل من عمله يُلزمه بالرجوع فورًا.
قطع صوت يزن حالة شرودها وهو يقول، بصوت يختلط فيه السخرية بالتعب:
-هتقفي كتير تتأملي البرج؟
حولت بصرها إليه فبدت نظراتها غائمة، وهي تهمس بشرودٍ مشوب بالقلق:
-أنا بخاف من الأدوار العالية.
انعقد حاجباه بتعجب حائر ثم سألها بسخرية خفيفة:
-يعني نمشي ونشوف شقة غيرها نقعد فيها أنا وانتي!
وعندما أدركت مغزى كلماته رمقته بنظرة نارية صارمة تفيض غضبًا خفيًا:
-احترم نفسك لو سمحت.
لكن ما إن أتمت عبارتها حتى قُطعت الأجواء بهتاف أنثوي دافئ امتزجت فيه الدهشة بالسعادة:
-مش معقول زوزي إيه اللي جابك الكس.
اتسعت عينا يزن بصدمة وقد تردد صدى الصوت في ذاكرته بوضوح مخيف، التفتت سيرا بدورها وما إن وقعت عيناها على الفتاة حتى أصابها ذهول قوي، إذ لم يكن جمالها الصارخ مجرد مظهر، بل كان يلفت الأنظار دون عناء، فقد كانت ترتدي سروالًا رياضيًا قصيرًا ضيقًا يُبرز انحناءات جسدها الرياضي، وسترة بيضاء قصيرة تُظهر جزءًا من بطنها المشدود.
بادرت الفتاة بالكلام بنغمة أقرب إلى الدلال المدروس:
-مالك يا زوزي ساكت ليه كده؟
خرجت كلماته السلسلة من فوهة فمه بسهولة لم يدركها إلا عندما جحظت عينا سيرا:
-ازيك يا ميرال؟
فما زاد من دهشتها أن يزن يعرف اسمها، نظرت إليه سيرا بصدمة وتورد وجهها بشكل ملحوظ، بينما ارتبك هو من نظراتها المتفحصة وسرعان ما حاول تدارك الأمر بتمثيل جلي:
-ليلى ولا إيه حاسس إن مش فاكرك....
قاطعته الفتاة وهي تقترب منه تهز كتفيها بدلع واضح:
-لا يا زوزي مش معقول هاتنسى اسمي بردو؟ ميرال يا قلبي صح.
تمتمت سيرا خلفها بسخرية هامسة:
-قلبي!!!
سمعها يزن فأسرع ليقول لها وهمس مستنكر:
-قلبها هي مش قلبي أنا، ركزي!!!
لاحظت ميرال التوتر بينهما فتطلعت إلى سيرا بشك:
-سوري ماخدتش بالي منك، أنا ميرال باسم البيست فريند ليزن.
كان يزن يحاول جمع شتات نفسه وهو يحرك يده توترًا، إلا أنه لم يتوقع ما فعلته سيرا بعد لحظات، إذ أمسكت بكفه وهمست بصوت أنثوي ناعم مشحون بثقة مستفزة:
-اممم، أنا سيرا خطيبة زوزي الشعراوي....اقصد يزن الشعراوي.
شهقت ميرال وقد وضعت يدها على فمها غير مصدقة:
-انت خطبت يا يزن بجد؟
هز رأسه عدة مرات مبتسمًا ابتسامة باهتة كأنما الموت ذاته دنا إليه من فرط الحرج، كانت نظرات سيرا الحانقة تُحاصره من كل زاوية ولم تملك نفسها حين انفجرت غيظًا وقالت من بين أسنانها:
-هو في إيه يا زوزي؟ هو انت عليك تار؟ ممنوع تخطب ولا مريض مرض خطير؟! قولي يمكن اعالجك!
مدت ميرال يدها تُربت على ذراعه بنعومة أخرجته تمامًا من طوره وقالت بإعجاب ظاهر:
-لا أصل زوزي كان من رابع المستحيلات يرتبط ببنت رسمي، أنا حاسة إنها كدبة إبريل صح يا زوزي؟
غرزت سيرا أصابعها بقوة في جنب يزن وهمست بغيظ متصاعد:
-رد يا زوزي قولها دي كدبة إبريل ولا إيه؟
تألم من شدة غرز أصابعها لكنه أجاب بابتسامة شاحبة:
-لا فعلاً أنا خطبت.
لم يُضف شيئًا آخر فحدقت ميرال في يديه بتفحص وسألت بشك:
-امال مفيش دبلة في ايدك ليه يا زوزي؟
ردت عنه سيرا بنبرة حادة:
-عنده حساسية منها يا حبيبتي، في سؤال تاني ولا مش هنخلص؟
نظرت إليها ميرال بازدراء واضح فلم تتحمل سيرا مزيدًا من المهزلة القائمة، وانطلقت نحو مدخل البناية تجذب يزن خلفها بقوة ظاهرة، تمتم ساخرًا وهو يوجه كلامه للخلف:
-معلش أصلها متوحشة.
وقفا معًا أمام المصعد فسألته سيرا بغيظ ناري:
-انت كنت بتقولها إيه؟
أشار نحو نفسه بتظاهر بريء:
-أنا!!! منطقتش.
دخلت المصعد وذراعاها معقودتان أسفل صدرها، بينما أخذت تمتم بسخرية:
-زوزي....زوزي، وانت مبسوط اوي، لا وفاكر اسمها من أول ما شوفتها!!! ذاكرة حديدية، لا والبت استغربت اوي إنك خطبت، ليه بقى يا كازانوفا؟، استغربت ليه؟، رد وقولي؟ كنت مواعدها بحاجة؟
وبعدين إيه البنت القليلة الادب اللي انت عارفها دي؟ خسارة كنت فاكرك مؤدب! طلعت...
قاطعها وهو يرمقها باستنكار:
-فاكرني مؤدب!! أنا الأدب عمره ما دخل حياتي يا حبيبتي!!
رفعت حقيبتها تضربه بها بغيظ:
-متقوليش يا حبيبتي، أنا مش حبيبتك يا سافل يا قليل الادب يا للي بتعرف بنات....
وفجأة فُتح المصعد فإذا بـحكمت واقفة أمامهما، تراقب المشهد بدهشة بينما سيرا منهمكة في ضرب يزن بحقيبتها وهو يضحك متراجعًا للزاوية:
-إيه ده في إيه؟ مالكم؟
خفضت سيرا حقيبتها تستعيد ما تبقى من هدوئها، بينما هو رد وهو يمرر أصابعه في شعره:
-لا مفيش...امال إيه الجمال ده يا أبلة؟
ابتسمت حكمت بفخر وهي تنظر لعباءتها الصفراء:
-كلك ذوق يا يزن، تعالو يلا ادخلوا زمانكم تعبانين.
تحرك نحو الممر التي أشارت إليه حكمت في صمت، ولكن توقفوا بسبب ظهور فتاة أمامهم وما إن رأته حتى صاحت بسعادة:
-مش معقول زيزو....يزون انت هنا بجد!!
ثم التفتت الفتاة إلى الشقة الواقعة خلفها، ورفعت صوتها بحماس طفولي لا يخلو من الغنج وهي تنادي:
-بنات الحقوا يزن الشعراوي هنا.
لم تكن تلك الفتاة تختلف كثيرًا عن سابقتها، نفس الملامح المصقولة نفس الثقة الزائدة في إطلالتها، ونفس الأناقة المتكلفة التي ترنو إلى لفت الأنظار.
أما سيرا فلم تحتمل إذ تصدعت أعصابها من فرط الغضب، وتجسد حنقها الطفولي في دبدبات قدميها على الأرض كطفلة تُسلب منها لعبتها المفضلة، بينما تجمعت الدموع في عينيها كالسحاب المتراكم، وأيقنت حينها أن البقاء أمام تلك الفتاة لحظةً أخرى سيفجر طاقتها المكبوتة إلى ما لا تُحمد عقباه.
وبخطى متعجلة، ولجت الشقة التي استأجرتها أختها، لم تكد تخطو عتبة الباب حتى لحقت بها حكمت وهي تهتف من خلفها بقلق صادق:
-بت يا سيرا مالك؟ انتي يا بت؟ دخلتي ليه كده؟
استدارت سيرا بوجه غمره الوجع وانسحبت منه الصلابة، تمسح دموعها بظاهر كفها المرتجف، ثم توجهت بعتاب موجوع:
-يا ابلة قولتلك افركش زفت قراية الفاتحة دي، يا أبلة قولتلكم إنه بتاع بنات، وإنه يعرف بنات بعدد شعر راسه، قولتيلي لا كملي، حلو وأنا مقهورة كده؟!
لكن حكمت بطبيعتها الاستفزازية وتفكيرها البسيط، لم تُدرك حجم الغليان داخل أختها، فردت بتردد مفعم بالشك:
-يمكن قرايبه يا سيرا؟ ليه سوء الظن ده؟
لم تكن كلماتها إلا وقودًا جديدًا يشعل فتيل الغضب الذي حاولت سيرا كتمانه فهتفت وقد علا صوتها يكاد ينفجر غيظًا:
-قرايبه؟! بقولك قليل الادب ويعرف بنات بعدد شعر راسه، حورية قالتلي بيتسلى بالبنات زي ما بيتسلى باللب السوبر!!
لكنها جفلت فجأة حينما أطلت رأس يزن من خلفها، ينظر إليها بنظرة مستنكرة وصوته يحمل شيئًا من التوبيخ:
-اهو المشكلة في حورية دي؟ متتعوديش تمشي ورا كلام صحابك، خلي رأيك من دماغك، وبعدين أنا مابحبش اللب السوبر.
استدارت إليه والدمع لم يجف من عينيها، ونار الكرامة المهدورة تشتعل في وجنتيها، وصاحت في وجهه بصوت مخنوق:
-يا سلام!!! ده أنا شايفة بعيني محدش قالي، البت اللي كانت تحت، والبت اللي لسه مفيش ثواني كانت هتطير من الفرحة عشان انت حارمهم من طلتك.
حاول أن يصطنع البراءة وهو ينظر إلى حكمت يفتش عن طوق نجاة في حضورها:
-دول قرايبي يا أبلة، البنات دول قرايب أمي بس من بعيد وبعدين أنا بحب اوصل صلة رحمي، ولو مش مصدقاني ابقي اسألي سليم اخويا لما يقوم بالسلامة..
زمت حكمت شفتيها في ضيق وعتاب واصطنعت أنها بدأت تميل لتصديقه، فقالت بحزم لطيف:
-شوفتي ظلمتيه وطلعوا قرايبه زي ما قولتلك!
لكن ملامح سيرا لم تلن ولم يزل الغضب مرسومًا على وجهها كأنما ترسخ فيه، فسألت بسخرية موجعة:
-وميرال القمورة اللي كانت تحت؟ اللي كانت متفاجئة إنك خطبت يا زوزي!! البيست فريند.
أجابها بتلقائية وهو يلوح بيده كمَن يتنصل من المسؤولية:
-دي تبقى بنت بنت عم أو بنت خال اخت ابويا، حقيقي مش فاكر!!! بس يعني في زون صلة الرحم!
ولم يمهلها لترد إذ وجد في اقتراب صافي وهو ينهي صلاته فرصة للهرب فقال بنبرة متهللة:
-حرمًا يا حج صافي.
أما حكمت فاستغلت لحظة انسحابه، ووجهت نظرات قاسية لأختها تهمس بانزعاج:
-انتي يا بت عاملة زي الحمار المتهور ليه؟ ما تلمي نفسك ومتتكلميش مع خطيبك بصوت عالي.
لم تجبها سيرا مباشرة بل كتمت أنفاسها المنفلتة بصعوبة ثم سألت بجفاء:
-ابلة الاوضة اللي هتنيل أنام فيها فين؟
فأجابت حكمت وهي تحاول الحفاظ على هدوئها:
-هناك على الشمال، مش هتاكلي الاول؟
-ماليش نفس.
مر بعض الوقت وهي داخل تلك الغرفة الصغيرة تجلس وحيدة فوق الفراش تنظر إلى البحر الذي تطل عليه شرفة غرفتها بشرود وذلك بعد أن أبدلت ثيابها بثياب أخرى مريحة وارتدت فوقها ما يسمى "إسدال" واسع تحسبًا لخروجها في أي وقت، تنهدت بعمق وهي تنهض من على الفراش لشعورها بحاجتها للماء، خرجت من الغرفة تبحث عن المطبخ فقابلها يزن في منتصف الطرقة الطويلة وهو يضع يده في جيب سرواله مبتسمًا بهدوء وعيناه تميل إلى الشقاوة:
-سبحان الله كنت بدور عليكي، ابلة حكمت قالتلي اناديكي عشان تاكلي.
عبست بوجهه وهي تقول بلا مبالاة، محاولة أن تتخطاه:
-وأنا قولتلها مش عايزة، ماليش نفس.
أوقفها بيده عندما وضعها أمامها يعيق تحركها دون أن يلمسها، وتحدث بنبرة هادئة وقد بدا أنه يحاول أن يرقق الأجواء بعفوية غير موفقة:
-الاكل مالوش دعوة بزعلك مني، وبعدين انتي بقالك يومين مابتاكليش حلو، تعالي دي عاملة طاجن بامية عالمي.
ضغطت فوق أسنانها وهي تحاول جاهدة أن تتمالك أعصابها أمام برودة أعصابه، فقالت بسخرية ساخطة:
-هو انت يا فاكر يا يزن إن ممكن ماكلش عشان زعلانة منك!! ليه فاكر نفسك محور الكون؟ ثقتك عالية اوي في نفسك!!
فرد بابتسامة ساخرة يمتزج بها لمحة من المكر:
-ولما أنا مش محور الكون، ليه بتكلميني وانتي مبوزة كده!
مطت شفتيها وهي تتظاهر بالتفكير، وبذات الوقت تواجه سخريته منها بسخرية أكبر:
-ميمشيش معاك إن أنا مرهقة تعبانة!!! عايزة أنام.
وكأن كل محاولتها لتجاهله تضيع هباءًا، في ظل إصراره الرهيب لفرض حصاره عليها:
-طيب تعالي كلي الاول وبعد كده اتقمصي مني براحتك.
ظهر صوت حكمت من الخارج بنبرة حاسمة:
-يلا يا سيرا الاكل هيبرد.
تنهدت بثقل وهي تتقدم نحو الصالة الخارجية باتجاه طاولة السفرة، فوجدت أختها وزوجها جالسين ينتظران قدومهما، جلست على مضض بجانب المقعد الذي يجلس عليه، وبدأوا في تناول الطعام في صمت، فقد كانت حزينة للغاية مما مرت به، عندما بدأ الجانب السلبي في شخصيته يطفو على السطح، رغم كل تلك المميزات التي شعرت بها خلال الأيام الماضية، لكن ذلك الجانب وحده كفيل بأن يجعلها تكرهه وترفض كل سبل الوصال بينهما.
أما هو فكان يأكل الطعام بتلذذ كبير، متجاهلًا مصائبه، ومتغافلًا عن غضبها في ظل سعادة حكمت وفرحتها بانبهاره بجمال طعامها، أما صافي فكان كعادته يعيش في عالمٍ موازٍ، لا يكاد يُعنى بما يدور حوله.
لاحظت يده التي مدها نحو الطاجن كمَن يعانق صديقًا قديمًا طال غيابه، مد الملعقة إلى الداخل وخرجت وهي تقطر عصارة البامية بالصلصلة الحارة، فوضعها في فمه ثم أغمض عينيه بتنهيدة درامية قائلاً بنبرة مبالغ فيها:
-الله! طاجن البامية مبينزلش في معدتي عادي كده، ده بينزل يطبطب على قلبي!
رمقته سيرا من طرف عينيها كأنها ترى مخلوقًا فضائيًا وهو يتمايل في مكانه طربًا مع كل قضمة، بينما بداخلها إعصار كامل من الغضب، أما هو فكان في عالمه الخاص، يغمغم بين لقمة وأخرى:
-البامية دي عالمية لا بتتهري ولا ماسكة نفسها زيادة... بامية عندها ثقة بنفسها أكتر من ناس كتير!
ضربت الملعقة في الطبق بقوة حتى أصدر صوتًا كصفارة إنذار، ومع ذلك لم يرفع عينيه بل تمادى وقال وهو يُشير بالمعلقة نحو الطاجن:
-عارفة يا أبلة حكمت أنا عمري ما حسيت طاجن البامية أكل.
عقدت حكمت حاجبيها بعدم فهم وهي تتساءل بفضول:
-امال ده إيه؟
-ده احتواء.
سعل صافي في صمته المعتاد بينما حكمت كتمت ضحكتها في كم عباءتها، وسيرا تنظر إليه كمَن يقيم خياراته في الحياة هل تضرب الطاجن في رأسه؟ أم تدفع رأسه داخل الطاجن؟
ولكنها قالت له أخيرًا بنبرة باردة ساخرة:
-حتى البامية بتكلمها زي البنات اللي بتعرفهم.
رفع حاجبيه بدهشة مصطنعة وهو يضع الملعقة جانبًا، ثم وضع يده على صدره وقال:
-إنتي كمان غيرانة من البامية؟!
رمقته باستشاطة بينما هو استأنف الأكل بفرحة طفل فاز بلعبته المفضلة، فيما نظرت إليه سيرا نظرة جعلت حكمت تهمس لصافي:
-يا خوفي لا تكب الطاجن على وشه دلوقتي!
همس صافي بهدوء المعتاد:
-بصراحة يستاهل، بس انتي عرفتي منين إنه بيحب البامية كده!
-من سيرا، أصلها عرفت من مقصوفة الرقبة حورية صاحبتها.
نظر صافي إليها بتيه، فغمزت إليه وهي تقول بهمس:
-هبقى احكيلك بعدين، حوار كده.
هز رأسه بإيجاب وبدأ في تناول الطعام في صمت مراقبًا هو وحكمت المباراة الكلامية التي تدار أمامهما على طاجن البامية.
***
في منتصف الليل...
رغم الإرهاق الذي كان يهاجم عقلها ويثقل جفنيها استعصى عليها النوم، وبقيت تغوص في دوامة التفكير بمستقبلها الغامض، كانت الأفكار تزدحم في رأسها تتصادم وتتقاطع، حتى باتت تشعر بأن جمجمتها تضيق بها، ولكن ما العمل؟ لا مفر من مواجهة المصيبة التي ارتبطت بها رغمًا عنها، والتي لم تعد قادرة على احتمال برودة أعصابه ولا مواقفه المستفزة التي تتخطى حدود الاحتمال!
راودها شعور ثقيل كصخرة جاثمة على صدرها، كلما اقتربت فكرة خيانته من خيالها، تُرى....كم فتاةٍ وعدها ذلك المحتال بالحب والزواج؟ كم ضحية سقطت في فخ كلماته المعسولة وسحره الزائف؟ زفرت بضيق وقد بدأت أفكارها تغلي بغضب مكتوم.
لكن فجأة انتبهت لصوت خافت... على ما يبدو أنه صوت باب الشقة يُغلق بهدوء مريب، عقدت حاجبيها بفضول واستغراب...سارت بخطى متوترة نحو الخارج، وعندما وقفت أمام باب غرفته ورأته شبه مفتوح اجتاحها القلق، فتساءلت داخلها بذعر...أهو غادر فعلًا؟ ولكن إلى أين؟! وفي مثل هذه الساعة المتأخرة من الليل؟!
تسللت نحو الباب الرئيسي التصقت عيناها بـ"العين السحرية"، فشاهدته يطرق باب الشقة المجاورة بخفة، ثم يدخل بابتسامة عريضة وسعادة غير مفهومة وهو يخلع سترته القطنية بحماس يثير الريبة! شهقت بذهول وهمست بانفعال مكتوم:
-يا سافل يا منحط يا حيوان.
لم تحتمل أكثر فتحت باب الشقة بعصبية، وخطت خطواتها الحادة نحو الشقة المجاورة، تطرق الباب بعنف يكشف اضطرابها، وما إن فُتح الباب حتى ظهرت لها فتاة بثياب قصيرة، فعبست واشمأزت وأغمضت عينيها وهي تهمس بامتعاض:
-استغفر الله العظيم إيه القلة الأدب دي!!
لكنها لم تنتظر بل دفعتها جانبًا واقتحمت المكان، تبحث عنه بلهفة يتداخل فيها الغضب مع الشك، حتى رأته فوق طاولة في منتصف الصالة يتراقص على أنغام أغنية شهيرة "دلعنا"، والفتيات يلتففن حوله كأفاعٍ راقصة يضحكن بخلاعة، ويتمايلن بدلال مدروس، تسمرت في مكانها عيناها تتسعان في صدمة، لم يكن الرقص وحده ما فجر ذهولها، بل الدخان الكثيف المتصاعد من السجائر وأكواب الخمر التي تتعالى في الأيدي، صرخة مكتومة اندفعت من بين شفتيها...ثم استيقظت فجأة على وقع أنفاسها المتسارعة، وقد تبللت جبينها بقطرات العرق.
جلست جالسة في الفراش تحدق في العتمة، تحاول تنظيم أنفاسها التي خرجت متلاحقة كأنها ركضت آلاف الأميال وقد أرهقها ما رأت في الحلم، لقد خانها في كابوسها مع سبع فتيات دفعة واحدة!
وضعت يدها على صدرها تتحسس ببطء الاضطراب العميق الذي أصابها بسبب ذلك الكابوس، بل بسبب واقعه أيضًا فهو لم يكتف بإزعاجها في اليقظة، بل اقتحم حتى نومها بأحلام مشوهة تُشبهه همست بصوت مرتجف يشوبه الحزن والأسى:
-يا ربي....ده كله بيحصلي واحنا لسه مخطوبين امال لو اتجوزنا!!!
لكنها توقفت فجأة كأن شرارة انتباه قد أضاءت في رأسها، أيمكن أن يكون الحلم إشارة ربانية؟ تنبيهًا من السماء لكشف حقيقته؟ انتفضت فجأة من سريرها وارتدت إسدالها بعجلة، حاولت إحكام الحجاب على رأسها بأي طريقة، عازمة على اكتشاف الحقيقة وإثبات الخيانة.
فتحت باب الشقة بحذر، وما إن خطت أولى خطواتها في الرواق حتى تجمدت في مكانها، باب غرفته كان مفتوحًا بالفعل تمامًا كما رأت في الحلم فشهقت همسًا:
-يالهوي..يعني هو عندهم دلوقتي!
تقدمت بخطى مسرعة نحو شقة المجاورة، ووقفت تضع أذنها على الباب تسترق السمع، تنتظر أن تسمع ولو نغمة واحدة من تلك الأغنية اللعينة التي باتت تكرهها، ولكن لا شيء سوى صمت ثقيل يملأ المكان.
أزاحت طرف الحجاب عن أذنها محاولة أن تسمع بشكل أوضح، ولكن فجأة لمسة مفاجئة امتدت خلفها وأعادت الحجاب إلى موضعه، وصوت مألوف يهمس بسخرية:
-يعني الطرحة اللي مش هتخليكي تسمعي!! وأنا اللي مفكرك عاقلة!
انتفضت بفزع وهمت بالصراخ، لكنه وضع يده على فمها بسرعة ليمنعها هامسًا:
-بس يا مجنونة ماتبقيش مفضوحة وهبلة.
أزاحت يده بنزق وعيناها تلتمعان بالغضب والحرج، ثم أشارت نحوه بإصبعها صارخة بهمسة:
-ينفع تخضني بالشكل ده؟
أخذ قضمة من التفاحة التي يحملها بيده وحدق فيها بنظرة عتاب ساخر:
-وانتي ينفع تعملي اللي انتي بتعمليه ده!
أشارت إلى نفسها وقد غلبها التوتر والارتباك:
-أنا!! أنا بعمل إيه؟
اقترب منها ومال قليلًا نحوها، وعيناه تلتمعان بشقاوة مستفزة:
-واقفة تتصنتي على باب شقة الجيران!
أسرعت إلى الدفاع عن نفسها تهز رأسها وتتنصل من التهمة:
-لا أنا مبصنتش، أنا...أنا...أنا...
ضحك ساخرًا وهو يتسلى بتلعثمها:
-إيه الشريط سف، أنتي إيه؟
همست فيه بغيظ وقد فقدت أعصابها، مشيرة بأصابعها برقم سبعة:
-أنا كنت بحاول أثبت خيانتك اللي حلمت بيها، ربنا اداني إشارة إنك بتخوني مع سبع بنات.
ضحك أكثر مقلدًا حركتها ورفع سبع أصابع ساخرًا:
-سبع بنات، إذا كان كل اللي جوا هما أربعة، هخونك كع سبعة ازاي، أنتي مش مخطوبة لهركليز.
شهقت بذهول كأن الصدمة تُجدد نفسها فهتفت بانفعال خافت:
-انت كمان عارف إنهم أربعة، أه يا خاين...
وفجأة ركض يزن نحو غرفته بعدما قرأ في ملامحها عاصفة قادمة لتهاجمه، فسارع بإغلاق الباب في وجهها بإحكام، أما هي فاندفعت خلفه تمسك مقبض الباب وتحاول فتحه، تهمس بغيظ يكاد يُشعل الهواء:
-افتح يا يزن، افتح، افتح متخافش...مش هقتلك.
ضحك من خلف الباب وصوته يفيض سخرية:
-لا...الاحتياط واجب، وانتي واحدة مجنونة.
تنفست بعمق محاولة السيطرة على انفجارها ثم قالت بهدوء زائف:
-أنا هتكلم معاك بالعقل.
رد مستهزئًا وما زال يضحك:
-عقل إيه يا مجنونة الساعة ٣ الفجر اختك لو صحيت ولقيتك واقفة قدام باب الاوضة، هقولها إنك ***** بيا.
شهقت بصدمة وخجل، ثم قالت بنبرة مختنقة:
-اه يا قليل الادب، انت واحد... واحد....مش لاقية شتيمة توصفك غير إنك قليل الادب بجد، أنا مش عايزة أعرفك تاني.
ثم ولت هاربة إلى غرفتها خوفًا من أن تكتشف أبلة حكمت أمرها، لكن الغضب في صدرها لم يخفت، بل تصاعد كأبخرة البركان مما زاد من اختناقها، توجهت إلى الشرفة لتستنشق بعض الهواء، وما إن فتحت الباب ودخلت، حتى شهقت بفزع!
يدٌ قوية جذبتها إلى زاوية منخفضة في الشرفة الطويلة، تلك الشرفة التي تطل على الغرفتين الملتصقتين...حاولت الصراخ ولكنها تسمرت عندنا وجدت صوتًا مألوفًا همس في أذنها بنبرة مازحة:
-مش ناوية تهدي وتطفي نار الغيرة اللي هتولع فينا في الآخر.
دفعته بقوة وهي تلتقط أنفاسها ثم رمقته بنظرة حانقة وقالت:
-انت اللي مش ناوي تهدى، وبعدين أنت مش كنت خايف مني من ثواني ومش راضي تفتح لي الباب.
ضحك وهو يتكئ على السور الحديدي يرمقها بعينين لامعتين، ثم قال بسخرية محببة:
-خايف منك!!! ولما أنا كنت خايف، واقف قدامك دلوقتي بعمل أيه؟
عبست بوجهها وقالت بامتعاض:
-والله أنا مشوفتش في بجاحتك، يعني بتخوني وواقف عادي قدامي.
اقترب خطوة منها، وكأن كلماته القادمة يحملها على مهل ليستفزها أكثر:
-بخونك في أحلامك!! خدي بالك أحلامك اللي عقلك الباطن وحورية صاحبتك مسيطرة عليها، فمتجيش تلوميني.
كلماته كانت كافية لإشعال غضبها، ففقدت أعصابها وردت باستهزاء حاد:
-انت واحد مكانك المفروض يتكسف، أنت متخيل أنا شوفتك ازاي؟!...انت كنت واقف بترقص في وسط سبع بنات وبتشربوا سجاير وخمرة...
تظاهر باللامبالاة ورفع حاجبيه ساخرًا:
-طيب والله كويس مش جايلك بنكد عليكي، انتي المفروض تفرحي إن خطيبك شخص فرفوش...
زفرت بحدة ثم صاحت بلهجة تنذر بالغضب:
-يزن متهزرش، ده حلم مش كويس أبدًا.
نظر إليها بثبات ثم قال بنبرة ساخرة تختبئ خلفها ملامح وقحة خفية:
-ليه بقى؟ عملت إيه تاني؟ أنا أحب أعرف كل أخطائي لو سمحتي عشان اتفاداها المرة اللي جاية وأنا جاي ازورك في أحلامك.
تراجعت خطوة وقد بدا عليها الضيق:
-انت قصدك إيه؟ انت طريقة كلامك معايا مش عجباني، لو سمحت التزم بحدودك معايا.
-حدود إيه؟ أنتي جاي تقوليلي كنت بخونك وبرقص وبشرب إيه...
أجابت بتسرع وحماقة:
-سجاير وخمرة.
لوح بيده كمَن يدفع تهمة عنه ثم قال بنبرة حادة ممزوجة بالسخرية:
-اهو ده يثبت إنك مفترية وبتتبلي عليا، أنا عمري ما حطيت سيجارة في بوقي، ولا شربت حاجة تغضب ربنا مني.
رمقته بنظرة طويلة ثم قالت بتهكم:
-على أساس كده إن أنا هغير نظرتي فيك، طيب وبالنسبة للبنات اللي تعرفهم!!
أدار وجهه لحظة ثم التفت قائلاً بتحدٍ:
-مالهم!! حد قالك قبل كده إن أنا اتمسكت في شقة مشبوهة مع بنات!! يا بنتي أنا واحد محترم، كفاية افترااا بقى على الناس الغلابة اللي زيي.
قالت وهي تشيح بنظرها عنه بعدما سئمت من سخريته المعتادة:
-مش كل حاجة تتريق عليها يا يزن، أوقات اللي قدامك بيبقى محتاج تتكلم جد عشان يرتاح.
اقترب خطوة منها أخرى وقد بدت ملامحه أكثر جدية وهو يجيبها:
-طيب أنا لو ريحت اللي قدامي، هو هيسكت ويقتنع باللي هقوله، ولا هيفضل يجادل ويتحمق لكلام صحابه!!
ترددت لحظة ثم ردت بنبرة خافتة:
-هو حر بقى يقتنع ولا ميقتنعش، بس المهم إنه يحس إن في تقدير وإن اللي قدامه حابب يثبت عكس الصورة اللي وصلت له!!
نظر إليها طويلًا ثم قال بنبرة صادقة رغم سخرية وجهه:
-طيب ما أنا من الصبح بحاول أثبت عكس الصورة، وبردو مش مصدقاني.
رفعت حاجبيها وهي تقول بحدة:
-والله!!! انت شايف كده؟
ابتسم بمرارة غريبة:
-المجتمع اللي ضدي، بس انتي لو بصيتيلي بشكل مختلف هتلاقيني ببذل مجهود جبار.
ضحكت بسخرية باهتة:
-مجهود جبار!! غريبة مشوفتش أي مجهود خالص.
-عشان ظالمة ومفترية، هتشوفي ازاي ومفيش أي رأفة من ناحيتي!
لم تعقب على سخريته وكأنها اعتادتها قصمتت برهة ثم نادته بهدوء:
-يزن...
أجاب بهدوء وهو ينظر إليها بنظرة خطفتها كانت بها لمعة مختلفة:
-نعم.
تجرأت وسألته بسؤال يطرق كثيرًا أبواب عقلها مؤخرًا:
-هو انت حبيت وعرفت بنات كتير صح؟
تنهد بثقل وهو ينظر بعيدًا ثم أجاب بصوت خفيض:
-عرفت بنات كتير الصراحة اه، لكن حبيت لا....ماحبتش قبل كده.
نظرت إليه بريبة ثم سألته بتعجب:
-ازاي يعني؟ دي فزورة!! اللي يعرف بنات كتير، أكيد كان في علاقات ما بينهم ووصلت لإعجاب وبعدها حب.
هز رأسه بنفي وهو يجيبها بهدوء قاتل:
-لا ده العرف المشهور لعلاقة أي واحد وواحدة، بس عرفي أنا غير ومش زي أي حد.
اقتربت منه خطوة ورفعت حاجبيها ونظرت إليها في صمت ولكن عينيها كانت مرآة تعكس صورته بها وهو يحترق بين نيران غيرتها التي لم تطفأها اعترافه بعد، فقال بصوت ثقيل وهو يبتسم ساخرًا:
-هقولك عشان الفضول هيموتك.
ثم تحول فجأة وخص حديثه بابتسامة واثفة، وهو يقول بنبرة مرحة:
-يعني عادي ربنا خلقني عندي موهبة فريدة لساني حلو وبعرف اشد انتباه أي حد ليا... وفي النهاية شكل العلاقات اللي بتبقى ما بينا صداقات بريئة، بكرر تاني اهو بريئة...مفيش حاجة أزيد من كده.
رمقته بشك ساخر:
-بتلعب معاهم على الهادي يعني، طيب انت اختلفت إيه يعني عن أي واحد بيرتبط ببنت وبيوقعها في غرامه...
هز رأسه نافيًا وهو يعبس بوجهه عندما وصله اتهامها له:
-لا لو سمحتي تفرق، أنا عمري ما اعترفت لبنت بحبي ولا سهرت الليل أقولها كلام غرام، أنا عمري ما كسرت قلب واحدة، ولا واحدة عملت معايا مشاكل إن أنا سيبتها ولا إنها اتقهرت بسببي، أنا قولتلك من الاول أنا حالة فريدة، كل البنات اللي عرفتهم هتلاقيني بيني وبينهم علاقة احترام، بيحترموني في أي وقت وأي مكان ويتمنوا يخدموني في أي مصلحة أو أي حوار.
ردت عليه ببرود:
-دي حاجة متفرحش على فكرة ولا حاجة تخليني أنبهر بيك.
ابتسهم بخفة وهو يقول:
-محدش قالك إن أنا عايزك تنبهري بيا، أنتي سألتي سؤال وأنا جاوبت بكل صراحة.
نظرت إليه بعينين تملؤهما الحيرة، وقالت بصوت خافت:
-صراحتك مخوفاني ومخلياني على طول مخنوقة وحاسة بالمصيبة جاية جاية.
تنهد وهو ينظر إلى الأفق:
-عشان قاعدة مستنية تثبتي الصورة اللي انتي متخيلاني فيها، أو الصورة اللي رسمتهالك حورية صاحبتك، بس عايز اقولك انتي لو قعدتي مية سنة يا سيرا عمرك ما هتعرفي تثبتيها غير في أحلامك...تصبحي على خير.
استدار ليغادر، لكنها استوقفته سريعًا بضيق:
-انت رايح فين؟ بترمي كلام وخلاص، أنت لو حطيت نفسك مكاني هتعرف وتقدر ليه أنا واقفة متضايقة منك ومش طايقك، أنا بعد اللي شوفته وسمعته منك النهاردة هفضل عايشة حياتي في توتر.
توقف لحظة، ثم قال بصوت خافت لكنه حازم:
-انتي اللي بتحكمي على نفسك بكده، مع إنك ممكن تعيشي عادي حياتك ومتدوريش ورا حاجات قولتلك مش هتعرفس تثبتيهى غير في أحلامك.
سكتت "سيرا" للحظة، وبدت نظراتها وكأنها تهيم في فراغٍ ما، كأنها تحاول أن تمسك بطرف خيطٍ هارب من عقلها، أما "يزن"، فقد ظل واقفًا في مكانه، يشيح بنظره عنها وكأن كلماته الأخيرة قد أنهكته أكثر مما أراحته.
تقدمت خطوة واحدة فقط خطوة صغيرة لكنها مثقلة بالخوف...بالحيرة، بكل ما لم يُقال، ولكنها تشجعت وقالت بصوتٍ منخفض بالكاد يُسمع:
-طب لو كنت فعلاً مختلف...اثبتلي.
لم يلتفت، لم ينبس بكلمة...لكنها رأت كتفيه يهتزان قليلًا كما لو أن تلك الكلمات أصابته في العمق، أكثر مما تجرأ على الاعتراف به، ومع ثوانٍ معدودة كان قد اختفى في العتمة، وتركها وحدها وسط أفكارها الهائجة من عدم إجابته وصمته الغريب.
***
في اليوم التالي...وتحديدًا داخل مكتب "نوح" بعيادته الهادئة، دخلت "حسناء" بخطوات واثقة وهي تبتسم ببهجة ظاهرية مفرطة، كانت في قمة حماسها وغنجها، مدفوعة باطمئنانها إلى أن "يسر" لم تحضر اليوم إلى المحل، بل ظل مغلقًا منذ الصباح، وهذا ما سيساعد خالها، كما ظنت، في تنفيذ الخطة التي تم الاتفاق عليها مسبقًا.
رفع "نوح" عينيه عن الملف الذي كان بين يديه، وحدق بها بنظرة غامضة لم تفهم معناها للوهلة الأولى، ثم أشار نحو المقعد أمامه وهو يقول ببرود:
-اقعدي يا حسناء عايزك دقيقة.
جلست فورًا وقد ارتسمت على وجهها ملامح اهتمام مبالغ فيه، فردت بنعومة مصطنعة:
-معاك يا دكتور.
ظل يرمقها لثوانٍ صامتة ثم مال برأسه قليلًا، وتلاعب بالقلم بين أصابعه في حركة رتيبة أثارت التوتر أكثر مما أخفته، ثم قال بنبرة باردة توحي بالخطر:
-تصوري خالك جالي بليل امبارح على بيتي!!
جف حلقها فجأة وابتلعت لعابها بصعوبة محاولة أن تُبقي على ملامحها متماسكة، ورغم الارتباك الذي غلف أنفاسها تساءلت بنبرة بدت ثابتة:
-خالي!! وعايز إيه؟
أسند مرفقيه إلى المكتب واقترب منها قليلًا وكأن صوته لا يريد أن يتجاوز الجدران:
-عايز يقولي أنك طلبتي مني تسقطي يسر مراتي مقابل عمولة حلوة!!
لم تملك "حسناء" ردًا تجمدت للحظة، كأن الكلمات أصابتها في مقتل، وحده صوت قلبها كان يضرب في صدرها كطبول حرب انكشفت قبل موعدها
رواية غناء الروح الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم زيزي محمد
هو قالك كده؟
هز نوح رأسه عدة مرات، وابتسامة صغيرة جدًا ترتسم على ثغره بينما كانت نظراته أكثر حدة، لا...بل ربما كانت غامضة توحي بشيء خفي لم تتمكن من إدراكه، ولم تفهمه إطلاقًا، كانت تلك النظرة تحمل في طياتها ما يُشبه لغزًا مستترًا، وكأن عينيه تخفيان خلف ابتسامته الباهتة أسرارًا دفينة مقلقة.
سعلت مرة واحدة فقط محاولة أن تستعيد سيطرتها على نفسها، وقد نجحت بالفعل بأسلوبها الماهر وطريقتها الملتوية التي اعتادت أن تتسلح بها عند الضرورة، رفعت رأسها بثقة مشوبة بالدهاء وقالت بنبرة لا تخلو من الاتهام والسخرية:
-ده أكيد جايلك يعمل عليك حوار عشان عايز منك فلوس تاني بعد ما أنا منعته عنك.
اتسعت ابتسامته قليلاً ولكنها لم تكن تلك الابتسامة العريضة، بل كانت ابتسامة تقييم....ترقب....ونوع من التريث، ظل صامتًا لثوانٍ وكأنه يزن كلماته في رأسه أو يقيم حديثها من منظور خفي، ثم قال بصوت هادئ يحمل تفهمًا غير متوقع، تفهمًا أدهشها وأربك حساباتها:
-أنا قولت كده بردو، عشان كده طردته وبهدلته وهددته لو شوفته تاني هبلغ الشرطة....وعليا وعلى أعدائي!
اتسعت عيناها في دهشة حقيقية تساءلت في داخلها...أهو حقًا يصدقها؟ أم تتخيل ذلك؟ كانت مشاعرها في تلك اللحظة خليطًا من الارتباك والتوجس، ولكن حركته المفاجئة حين نهض من مكانه وتوجه نحوها، ثم دنا منها بجسده الطويل الذي تجاوزها طولًا وهيبة أربكتها بشدة، فاقترب وجهه من وجهها حتى أصبح الفاصل بين أنفاسهما لا يُذكر وهمست بصوتٍ مضطرب بينما كانت ملامح وجهها تبهت كصفحة بيضاء خالية من أي حياة:
-معقول يا دكتور صدقتني على طول، لو حد غيرك كان شك فيا وصدقه.
لم يبتسم ولكن عينيه أوحت لها بابتسامة ناعمة، كأنها ابتسامة صامتة لا تحتاج إلى ثغره، بل اكتفى بالنظرة العميقة...ولكن قربه منها منح لأنفاسه الساخنة حرية التسلل إلى بشرتها، وقال بصوت خفيض ونبرة مدروسة بدقة بالغة:
-معقول يا حسناء أصدقه؟! أنتي بنت حلال ووقفتي جنبي وانتي مش عايزة أي مقابل، انتي عارفة...
صمت لثوانٍ ولكن صمته محمل بالمعاني الخفية، أما هي فقد كان صدرها يعلو ويهبط بسرعة، وأنفاسها كأنها تركض في مضمار سباق رغم أنها لم تتحرك قيد أنملة...شيء ما في نبرته...في قربه، في صوته، جعلها ترتجف داخليًا دون أن تُبدي ذلك خارجيًا.
-أنا دايمًا حاسس إنك بتحبيني، ومستعدة تعملي علشاني أي حاجة، عشان كده أنا متمسك بيكي...
لكنه توقف مرة أخرى ثم اعتدل في وقفته فجأة، ابتعد عنها قليلًا وتوجه نحو مكتبه بخطوات هادئة، فمرت أنامله فوق سطح المكتب الزجاجي بحركة سلسة، أشبه بعازف يتحقق من مفاتيح آلة موسيقية متمرس بها، ثم قال بصوت هادئ ومرتب:
-اوقات بفكر...أنا هلاقي زيك فين؟! معدنك نضيف وأنا متأكد إن كل اللي حواليا مسيرهم هيشوفوا فيكي اللي أنا شايفه، أصل الناس يا حسناء ميهمهاش إلا الظاهر...
وبتر حديثه مجددًا لكنه هذه المرة مال برأسه جانبًا ونظر إليها نظرة ملؤها الراحة والإعجاب، ثم تابع بنبرة أكثر ليونة:
-لكن أنا! بهتم بالداخل...بالنوايا يا حسناء وأنتي نيتك كلها خير.
شعرت برجفة خفيفة تمر في جسدها وبلعت ريقها ثم حمحمت بلطف، محاولة أن تستجمع شتات تركيزها الذي بدأ ثر لأول مرة أمامه، فكان لكلماته أثرًا داخليًا قويًا، وقد تسببت في تصدع خفي في بنيانها النفسي، الذي كانت تحرص دائمًا على أن يبدو متماسكًا، فقالت بصوت متردد لكنه مفعم بالعاطفة:
-ربنا يعلم يا دكتور....أنا بحبك ازاي.
تعمدت أن يبح صوتها وأطلقت كلماتها كأنها تبوح بسرٍ دفين، بينما كانت عيناها تفيض بإعجاب فاجر...إعجاب ماجن لم تعد تخجل من إظهاره، واستكملت بنفس النبرة الناعمة التي اعتادت استخدامها حين ترغب في سلب إرادة من أمامها:
-من أول لحظة لفت نظري وعرفت إن أصلك طيب، عشان كده اهتميت تعرفني على حقيقتي، وصدقت إن نيتي من ناحيتك كلها خير، وحقيقي أنا أسفة اوي يا دكتور على اللي عملته فيك مكنش أبدًا حد محترم وراقي زيك يعرف واحد زي خالي، مصلحنجي ومجرم.
رن هاتفه فجأة ليقطع تلك اللحظة الخاصة التي غلفت الأجواء بوهج خاص، انتبه إلى الشاشة وظهر عليه التوتر حين لمح اسم المتصل... وما كانت سوى يسر.
أشار إليها بالصمت، ورد بسرعة ولهفة لم تملك أمامها سوى أن تلاحظها:
-أيوه يا يسر.
لكن ملامحه سرعان ما تغيرت، فقد عبس وجهه وعقد حاجبيه في قلق ظاهر، ثم صرخ بصوتٍ مرتفع حمل انفعالًا حقيقيًا:
-بتعيطي ليه؟ حد ضايقك؟! طيب انتي رايحلهم ليه يا يسر؟!! لا خليكي عندك... بقولك متتحركيش.
أنهى المكالمة بعجلة ونهض بسرعة يجمع متعلقاته، متمتمًا بجدية وعبوس جعله يبدو كأن شخصًا آخر قد استولى على جسده، غير ذاك الذي كان يهمس لها منذ لحظات:
-مفيش عيادة النهاردة، اقفلي وروحي واعتذري لكل اللي حاجز.
-بس يا دكتور...
لكنه لم يلتفت ولم يعطها أي رد، بل خرج مسرعًا كمَن يدرك تمامًا أن ثمة خطرًا داهمًا بانتظاره، فالأمر متعلق بيسر!
جلست مكانها مجددًا تحاول أن تفهم ما الذي حدث، تفكر في خروجه السريع وكأن شيئًا خطيرًا استدعى وجوده على الفور، ولكن رغم كل ذلك لم يكن خروج نوح هو ما شغل بالها حقًا، بل ما فعله خالها بها هو ما يستحق التركيز والتفكير، هو ما يستحق الانتقام!
أما أمر يسر؟ فقد قررت تأجيله قليلًا فحين تنتهي من أمر خالها وتتمكن من تمهيد الطريق بينها وبين نوح ستُفرش الورود لا لتُكرم بها، بل لتغلف بها فخًا محكمًا....فخًا من الخداع والدهاء، كي تُوقع به وتبعد الشكوك عن نفسها حين تقرر التخلص من يسر نهائيًا، فالأمر لم يعد فقط يتعلق بالتخلص من الجنين...بل من يسر نفسها! فذاك بات حلمًا جديدًا يطرق أبوابها، حلمًا شيطانيًا استقبلته بكل صدرٍ رحب وابتسامةٍ تنتمي لجحيم لا يُروى!!!
****
وصل نوح إليها بسرعة جنونية فوجدها جالسة في مكانها أمام منزل عائلته فوق مقعدٍ أسمنتي قديم تحت شجرة ضخمة تُلقي بظلالها عليها، بينما كانت تبكي في صمت تحني رأسها نحو الأسفل وكأن جبلاً من الهموم قد انكب على كتفيها الهزيلين، يثقل صدرها بأنفاسٍ مكسورة لا تكاد تُرى لكنها تؤلم مَن يراها!
أوقف سيارته على عجل ثم ترجل منها وركض نحوها بخطى مضطربة، وركع أمامها يلتقط تفاصيل وجهها بذعر وقلق يُدقق في كل إنش من جسدها كأنما يبحث عن جرح ظاهر يبرر هذا الحزن المنسكب بصمت، وهمس بحرقة ممزوجة بالقلق:
-مالك؟ حد عمل فيكي حاجة؟ اتكلمي...يا أما واقسم بالله ادخلهم اطربق البيت فوقهم.
نهضت ببطء تستقبل قلقه بابتسامة باهتة ومُحبطة، كأنها قد استسلمت لقسوة العالم ثم نظرت إليه بعينين مُمتلئتين بتعاطفٍ صادق، بعد أن شعرت بأنها بدأت تفهم شيئًا ولو بسيطًا مما عاناه خلال السنوات الماضية.
-أنا كويسة...متقلقش...بس صعبت عليا نفسي، و...وصعبت عليا العشرة.
كان وقع كلماتها على قلبه أشبه بصفعات غير متوقعة، فصرخ بها غيظًا بنبرةٍ تحمل خليطًا من الحنق والأسى:
-تهون العشرة يا يسر أنتي بتعيطي على ناس متستاهلش!!
قالها وهو يزفر بنفسٍ طويل نبرته باتت أكثر ظلمةً وحدةً، يشوبها حقد مكبوت كاد ينفجر، عضت شفتها بعتابٍ كأنها تحاول امتصاص غضبه وقالت بهدوءٍ منهك:
-لا متقولش كده هما أهلك بردو، واللي مالوش خير في أهله مالوش خير في حد.
رفع يده وضغط بها على رأسه كأنه يحاول كتم أفكاره الهائجة، وبدأ يتمتم بحدةٍ وصوتٍ مضغوط:
-انتي عايزة تجنينني؟ انتي أصلاً رايحلهم ليه؟ هو حد كان عبرك يا يسر؟ حد كان كلمك وانتي في بيت اهلك لما كنا واقفين على الطلاق؟! أو حتى لما لينا اتخطفت؟!
رمشت بأهدابها المُبتلة بالدموع وهمست بصوتٍ مخنوق، يشوبه الصدق ويغلفه الحزن:
-روحتلهم عشانك...انت السبب.
اتسعت عيناه بدهشةٍ ممزوجة باستنكار حاد، وردد خلفها بنبرة لا تخلو من الذهول:
-أنا السبب؟!
أجابته بنعومةٍ تنبع من إحساسها العميق بالذنب:
-ايوه، حسيت أنك بتعاني بسبب ذنب مالكش دعوة بيه، أهلك شايفين إن أنا السبب في البعد ما بينكم، روحت ابررلهم واقولهم....
لم يُمهلها لتكمل فصرخ بها بصوتٍ جهوري أفزعها، جعل جسدها يرتعش وتتراجع للخلف خطوةً، وقد بدا عليه مظهر الجنون غير مدرك أن صوته جذب انتباه بعض المارة من الجوار:
-تبرري إيه؟ انتي اتجننتي؟! انتي مالك أصلاً؟! بتتدخلي في حاجة زي دي ليه؟!، يعني أنا عشت حياتي كلها معاكي مابتنيلش ومابحكيش أي حاجة عشان محدش يقدر يدوسلك على طرف! وانتي رايحة بكل بساطة تكلمي ناس ما هتصدق تعلق غلطهم في حقي على شماعتك...اديتهم الفرصة يا يسر!! ليه؟ هو أنا كنت اشتكيتلك؟
لم تُجبه في بادئ الأمر بل انهمرت دموعها مجددًا، ثم اقتربت منه بخطى متعثرة متأثرة باضطرابها العاطفي وخوفها منه، وقالت بصوتٍ مبحوح:
-مش ضروري تشتكي، أنا لما حسيت إني مجرد طرف روحتلهم عشان ياخدوا بالهم إنهم فاهمين غلط، ويوقفوا جنبك ....وافوقهم...
قاطعها بصوتٍ عالٍ أكثر من ذي قبل وأنفاسه تتسارع بجنونٍ ينذر بانفجار:
-انتي كمان روحتي تشحتي منهم الاهتمام؟! ، ليه يا يسر؟ ليه ما في ستين داهية حتى لو مسألوش سنة؟!! ما أنا عايش حياتي كده إيه الجديد؟!
اقتربت منه تمسك بذراعيه بحنوٍ شديد، وقد ظنت أن لمستها الحانية ستهدئ من فورانه، وربما تمنحه قليلًا من السكينة التي يفتقر إليها وقالت بصوتٍ يغلفه الحنان:
-طيب بص، أنا ممكن أكون غلطت، عشان جيت من وراك، بس أنا اتصرفت كده بحكم العشرة وحكم...إن أنا زعلت من نفسي لما حسيت أنك بتعاني من حاجة أنا كنت فاكرة لما أروح اتكلم معاهم هيفهموني فيها، بس للأسف هما خيبوا ظني، وخلوني حزينة على سنين عمري اللي كنت فاكرة أنهم بيحبوني وبيقدروني فيها...أنا معرفش فين الغلط في علاقتك بأهلك أو حتى علاقتي بيهم يا نوح، بس اللي اعرفه إن والله عمري ما عصيتك عليهم زي ما قالولي ولا عمري كرهتك فيهم...
توقفت لحظات تستجمع قوتها، ودموعها تنهمر كالسيل من عينيها الكسيرتين، كأنها تساند روحها من ألم الصدمة:
-مكنتش متصورة أبدًا أنهم يكلموني بالاسلوب ده، ولا يكون كلامهم يكون كله اتهامات ليا، وهما عارفين إني معملتهاش واللي متأكدة منه إنهم عارفين كويس إيه سبب توتر العلاقة بيني وبينك!!! فجأة اخدوني في دور مرات الابن الحرباية اللي عايزة تبعد ابنهم عنهم، وإن أحسنلك ومن مصلحتك إنك تبعد عني! كلامهم كله اتهامات غريبة وإهانات توجع....
أوقفها فجأة وملامحه تزداد شراسة، وعيناه تلتمعان بنظرةٍ غاضبة بينما صوته انخفض إلى هسيسٍ مرعبٍ يخفي خلفه بركانًا:
-إهانات!! حلو اوي كده، أنا مكنتش عايز غير اللحظة دي.
ثم التفت وانطلق نحو باب منزل عائلته بخطوات متسارعة، كأن شياطين الغضب تقوده فأثار ذلك قلقها الشديد، وركضت خلفه ممسكةً ببطنها، تحمي طفلها بداخلها:
-نوح استنى عشان خاطري...أنا كلمتك عشان نشوف حل وتفهمهم الصح، متتجننش يا نوح..نوح بقولك عشان خاطري انت كده هتثبتلهم إن كلامهم كله صح!!
لكن توسلاتها لم تجدِ نفعًا، فقد دخل المنزل وصاح بصوتٍ عالٍ هز أركان البيت، فارتجفت هي وتراجعت واقفةً عند أسفل الدرج خشية أن يزيد ظهورها الأمر سوءًا:
-يعني يسر هي السبب أنكوا متكلمنويش الا في مصلحتكم...يعني يسر هي السبب في عدم اهتمامكم بيا؟
ضحك منصور أخيه الأكبر ساخرًا وهو يوجه حديثه لوالدته:
-قومي يا حاجة شوفي ابنك الدكتور المحترم النوغة عايز اهتمام على كبر، مش قادر يلاقيه من مراته جاي يطلبه مننا!!
قالت والدته بنبرة باردة قاسية:
-اقعد ساكت...استحمل اخوك لما يكون متسخن بكلمتين، نعمل إيه؟ أدي الله وأدي حكمته!!
ثم تدخلت سهام أخته التي كانت جالسة إلى جوار والدته تبتسم بسخرية ممزوجة بعدم رضا:
-طول عمري بقول عليها مش سهلة وبتصطاد في المية العكرة، اقسم بالله أنا دلوقتي المفروض يتعمل لي تمثال شرف، الحربوووءة راحت وسخنت بكلمتين، جاية بسلامتها عاملة فيها مصلح اجتماعي وتكلمنا عشان نهتم بيك، وهي من ناحية تانية مبوظة علاقتك بينا وبتدسلك السم في العسل...تلاقيها هي اللي قعدت تزن على ودانك وتقولك محدش سأل على بنتك لما اتخطفت وجيت انت حضرتك تدينا على دماغنا بسببها!! لا وتلاقيها محروقة من الفلوس اللي بتديهلنا.
وقف نوح مذهولًا غير مصدق ما يسمعه، وأكثر ما آلمه هو صمت والدته الطويل قبل أن تنطق بجملةٍ كفيلة بإيذاء قلبه للأبد قالتها بنبرة متعالية وامتعاض ظاهر:
-وهي مالها بفلوس أخوكي ولا اللي بيعمله ليكي؟، ولو كانت فعلاً متضايقة من كده، فأخوكي قادر يقوفها عند حدها، وبعدين أخوكي راجل وبيعرف يوزن أموره ولا عمره يقطع حاجة كان بيديها لاخواته ولا لأمه...أخوكي بيخاف ربنا...وبيخاف من غضب الأم، مش صح يا نوح؟ انت مش هتسمع ليسر يا حبيبي؟!!
تجمد في مكانه ملامحه فقدت كل تعبير، إلا من القهر وكل خلية في جسده باتت تصرخ بالخذلان، خاصة حين استكملت والدته قولها بنبرة تقتلع الثقة من جذورها:
-وبعدين أنا زعلانة منك؟ جاي متسخن بكلمتين منها؟ من امتى وهي بتخاف عليك؟ دي على طول معيشاك في نكد وقرف، مش دي اللي انت كنت بتشتكيلي منها وتقولي مبتحسش بيا؟! ولا عمرها هونت عليا بكلمة؟ وكل اللي شاغل دماغها هتجوز عليها ولا لا!! يا وله ده انت ماشفتش معاها يوم حلو!!! كل حياتك معاها قرف ونكد ومشاكل، والله أنا فرحت من قلبي إنكوا هتطلقوا!!! طلقها أنت بس وأنا اجوزك ست ستها!
قهقه منصور بتهكم وقال بقسوة وحقد غريب:
-لا إزاي يطلقها ويخلصنا منها ميقدرش!! لازم يفضل تحت رجل بنت بارم ديله...يسر بنت فاضل!
وهنا انفجر نوح كأن صاعقًا كهربائيًا اخترق روحه، فاندفع نحو منصور يُسدد له اللكمات بوجهه، وهو يصرخ بنبرةٍ مجروحة...شرسة تُخرج كل ما بداخله من قهر:
-أنا مكرهتش في حياتي قدكم، بكرهكم...بكرهكم.
تعالت صرخات والدته وأخته وخرج باقي أفراد العائلة للفصل بينهما، فيما تجمدت يسر في مكانها، مذهولة...مرتجفة فاقدة القدرة على التصرف، ولم تفق إلا على صوت باب المنزل يُفتح بقوة، وخرج نوح كأنما فقد كل شيء ووالدته تصرخ خلفه:
-روح الهي النعيم اللي انت فيه يزول من وشك يا نوح يا ابن بطني....بتضرب اخوك الكبير يا ظالم يا مفتري، ان شاء الله هتفضل تايه في الدنيا كده لغاية ما تموت.
كان يتنفس بصعوبة وملامحه مكسوة بالذهول والألم، يجر قدميه نحو سيارته ثم استقلها وانطلق بها كالمجنون كأنما يبحث عن نهاية لكل هذا العذاب، لا يرى أمامه ولا يسمع نداء يسر خلفه، ولا يشعر إلا بالحاجة للهروب... الهروب من كل شيء.
أخرجت يسر هاتفها تستنجد بوالدها، ولكن قبل أن تفعل شعرت بضربات عنيفة تُوجه نحو ظهرها، فاستدارت تصرخ لتجد أخت نوح وزوجة أخيه وبعض نسوة العائلة يعتدين عليها بالضرب، والغل يتطاير من عيونهن، وهي تصرخ بجنون تحمي بطنها وتحاول الدفاع عن نفسها، وسط أصوات الغضب والشتائم:
-هموتك يا بنت فاضل...هموتك زي ما سخنتي اخونا علينا...
حاولت أن ترد أو تستعطفهن لكن الضربات كانت أوجع وأقسى من قدرتها على النطق، ثم سمعت زوجة منصور تقول بانتصارٍ غليظ:
-تستاهلي يا حرباية...خليتي جوزك يضرب جوزي.
وفي لحظةٍ من الألم والانهيار همست بصوتٍ خافت:
-هموووت...الحقوني، ابني.
ثم سقطت بين أيديهن فاقدة الوعي لا حول لها ولا قوة، جسدها بات مُلقى كضحية بريئة، تُنهشها أحقاد لا ترحم، ونفوس موبوءة بالكراهية، لم تجد في قلوبهم شفقة ولا تجد في عقولهم رجاحة تنهيهم عن تلك الجريمة!!
****
مرت ساعات طويلة وهو لا يزال جالسًا في سيارته يحمل آلامه بصمت مطبق، لا يُسمع فيه سوى أنفاسه المتقطعة بين الفينة والأخرى، كانت عيناه شاردتين في الفراغ الممتد أمامه، لا يعي من العالم شيئًا وكأن الزمان توقف من حوله، ولم يبقَ في ذهنه سوى صوت دعوة والدته عليه تتردد في رأسه كضجيج لا يهدأ.
لمع بريق الدموع في عينيه بعد محاولات مريرة للصمود والكتمان، فالصمت المؤلم الناتج عن مرارة الخذلان لم يعُد يطاق، وهو الذي لطالما صبر وتحمل فوق طاقته حتى أوشك على الانهيار في تلك اللحظة المؤلمة.
ولكي لا يسمح لنفسه بالبكاء علنًا ولا أن يفقد آخر ذرة من تماسكه التي ظل يتشبث بها حاول أن يُشغل نفسه بأي شيء، أي شيء مهما كان تافهًا...حتى لو كان اتصالاً بيزن ذلك المختفي منذ أيام، مد يده المرتجفة نحو هاتفه الذي أغلقه منذ لحظة هروبه، وضغط زر التشغيل راغبًا في التماس ما يعيد إليه القليل من الأمان أو الاتزان.
وما ساعد في تهدئة النيران المشتعلة في صدره، هو صوت يزن الذي أجابه فورًا بصوت ناعس يحمل بين طياته امتزاجًا من السخرية والضيق، وكأن نوح قد أيقظه من نومٍ ثقيل:
-يعني مفكرتش تسأل عليا وأنا مخطوف جاي تتصل وأنا بحاول اتنيل عليا وانام.
همس نوح بصوت متهدج يقطر منه الضغط النفسي:
-أنت فين؟
-في اسكندرية يا عم، ما انت ماتعرفش مش أنا اتخطفت أنا وسيرا...
بح صوته وهو يسأل بنبرة مكتومة، فلا تزال أنفاسه تعافر البكاء وتقاوم الانهيار:
-سيرا مين؟!
لقد نسي بالفعل مَن تكون كأن اسمها قد انُتزع من ذاكرته بفعل الصدمة، فصاح يزن بفوضوية وهو يعيد على مسامعه سرد بعض الأحداث السابقة والجديدة بما فيها خطفه مع سيرا وإصابة سليم، وسبب بقائه حتى الآن في الإسكندرية إلى جانب أخيه:
-وسليم عامل إيه دلوقتي؟
-الحمد لله بيتحسن، احتمال كبير نرجع القاهرة بكرة.
تمتم نوح بشرود وقد عاد إلى دوامة أفكاره المضطربة:
-على خير ان شاء الله.
ثم غاص مجددًا في صمته العميق ذلك الصمت الذي يعود ليغمره كالموج كلما حاول الإفلات، فصدر منه أنفاس متقطعة وفي لحظة فقد السيطرة على نفسه، بعد كل تلك السنوات المزدحمة بالجفاء....لم يكن الجفاء أمرًا جديدًا عليه، لكنه هذه المرة جاء قاسيًا وموجعًا وكأنه خُتم على جبينه بوصمة عار لا تزول، بعد ما ذاقه من أفراد عائلته المخزية!
-مالك يا نوح؟ انت كويس؟
صمت طويل يقطعه أحيانًا صوت أنفاسه المرتعشة...أنفاس تنبئ ببكاء مكتوم! ماذا؟! صاح يزن بصوت قلق مضطرب:
-نوح، في إيه يابني؟ انت كويس؟ مراتك كويس وبنتك؟
مسح نوح دموعه بعنف محاولًا استجماع صوته بنبرة طبيعية، لكنه فشل فخرج صوته مكسورًا وضعيفًا، يحمل ارتجافه ما بين الحزن والخذلان:
-كويسين....بس أنا مش....أنا اللي مش كويس.
-ليه؟ ما تنطق يا ابني؟ أنا أعصابي فلتت واقسم بالله!
زفر زفرة ثقيلة وراح يضغط كفيه على وجهه، يحاول أن يمنع سيل الانهيار، ثم أخذ يُنظم أنفاسه كمَن يحاول تهدئة طفل صغير داخله:
-مفيش....النهاردة اتخانقت مع منصور أخويا الكبير وضربته، وأمي دعت عليا.
-اوبببببااااااااا
قالها يزن بصدمة وكأن وقع الأحداث المتتابعة فوق مسامعه قد أربكه، أما نوح فقد ابتسم ابتسامة حزينة تقطر منها الدموع كالشلال:
-مكنتش متصور أبدًا إنها تدعي عليا في يوم من الأيام، بعد....بعد كل اللي عملته، أنا....
قاطعه يزن بصوت هادئ رغم الهزة النفسية التي اجتاحته بسبب ما يمر به صديقه:
-اهدى يا نوح، أكيد ماتقصدش يابني، أنت في الأخر ابنها يعني، وبعدين ممكن تكون لحظة شيطان.
همس بانكسار وهو يضغط على أنفه بأصابعه في محاولة فاشلة لكبح شجنه:
-لا مكنتش لحظة شيطان، كنت دايما بشوفها في عينها لما كنت برفض أي حاجة حتى لو صغيرة هي قالتها وعشان كنت خايف من اللحظة دي كنت بوافق على أي حاجة حتى لو ضد رغبتي، بس دلوقتي قالتها ومفكرتش لحظة فيا...دعت عليا أفضل تايه في الدنيا...
ثم صمت لوهلة قبل أن يضرب المقود ضربات ضعيفة وصوته يغلفه الانكسار والعتاب يتسرب من بين دموعه:
-طيب ليه ما أنا تايه أصلاً ومش مرتاح، اللي مش فاهمه هي هتكون مرتاحة وأنا متعذب في الدنيا؟!
-يا ابني طيب اهدى كده واحكيلي إيه حصل؟
انكمش وجهه ورد بنبرة مكتومة تختلط فيها مشاعر الغضب بالحزن:
-مش فاكر...مفيش حاجة واجعني غير إنها دعت عليا، عارف أنا حاسس إن روحي لسه واقفة هناك وهي بتدعي عليا بكل جبروت.
-معلش يا نوح اصبر في الآخر هي أمك، محدش في ايده يغير أهله يا صاحبي.
قالها يزن بهدوءٍ ورزانة ولم يعلم أن كلماتُه دفعت نوح لإغماض عينيه بألم، فردد بخفوت كمَن يحاول تهدئة وحش ينهش صدره:
-صح مفيش حد في ايده يغير أمه....بس في إيدي أني ابعد...أنا تعبت.
وبينما كان يستمع لصوت همهمة يزن من الجهة الأخرى انتبه فجأة إلى اهتزاز هاتفه، يُنذر بوجود اتصال وارد عبر خاصية الانتظار، فانكمش وجهه بقلق وقال بسرعة:
-استنى يا يزن، عم فاضل عمال يتصال كتير، استنى اشوف إيه؟
-تمام لما تفضى ارجع كلمني، وأنا أول ما هرجع هجيلك.
أغلق نوح الاتصال وهو يتنهد بعمق ثم أجاب على اتصال والد يسر، ليفاجأ بصوته الغاضب يصك أذنه بحدة:
-تعالى حالاً على مستشفى ****.
انقبض قلبه وأردف بتردد ممزوج بالخوف:
-ليه؟ في إيه؟
-أخواتك يا باشا ضربوا يسر وسابوها مرمية في الشارع وهربوا، تعالى يا نوح عشان أنا واقسم بالله اللي شايلني عنهم هو أنت، وحق بنتي وربي وما أعبد لهجيبه.
تغلغلت الصدمة إلى كل أطراف جسده، فاهتز كيانه حتى إن صوته خرج مبعثرًا كمَن يتعلم الكلام لأول مرة:
-يسر....يسر فين؟ جرالها إيه؟
صرخ فاضل بصوت غاضب، تقطر نبراته بالحنق:
-قولتلك تعالى فورًا.
ثم أغلق الاتصال تاركًا نوح يواجه صدمة جديدة تُضاف إلى ركام آلامه المتزايدة، لم يعد الجفاء مجرد شعور بل صار واقعًا ماثلًا أمامه، قسوة تتجلى في أفعالهم لا في الكلمات وحدها، فها هم قد اعتدوا على زوجته الحامل، تلك المسكينة التي لا حول لها ولا قوة والتي لم ترتكب ذنبًا سوى أنها زوجته، في حين يعرفون تمام المعرفة أن كل اتهاماتهم ضدها باطلة!!!
*****
في إحدى المستشفيات الخاصة كانت يسر ممددة فوق الفراش الطبي بجسدٍ منهك، تحيط بها الأجهزة الطبية التي تتابع نبض جنينها، فيما تنغرز إبرة في يدها اليسرى موصولة بالمحاليل العلاجية التي تُغذي جسدها بأدوية مثبتة في محاولة للحفاظ على سلامة الجنين، ذاك الصغير الذي قاوم بشجاعة، متشبثًا برحم والدته رغم ما لاقته من عنفٍ وقسوة كادت تودي بحياتها، بعدما فقدت الوعي من شدة الخوف والضربات المتوالية التي نالت منها دون رحمة.
ما أنقذها من مصيرٍ محتوم هو صراخ بعض الجيران والأهالي وتدخل المارة الذين سارعوا إلى حملها في إحدى السيارات ونقلها إلى المشفى، وقد استردت وعيها للحظات شعرت خلالها بالأيادي التي تتلقفها ثم ما لبثت أن استسلمت مجددًا لدوامة الإغماء.
تنهدت يسر بعمقٍ وهي تستعيد تلك اللحظة المجنونة التي دفعتها لزيارة عائلة نوح رغبةً منها في إنهاء سوء الفهم، وهو القرار الذي أجلته لأيام طويلة خاصة بعد المواجهة الحادة التي وقعت بين نوح وأخيه أمام عينيها!
★★
جلست أمام والدة نوح كالغريبة تحدق في الوجوه التي كانت يومًا تبث فيها الألفة، فإذا بها الآن تكتشف ملامح غريبة تنطق بالكراهية، ذلك الإحساس الثقيل الذي لم تعهده منهم طوال فترة زواجها... لم يظهر إلا في تلك الآونة التي باتت فيها العلاقة بينها وبين نوح مهددة بالانفصال!
قطعت "سهام" أخت نوح حالة الصمت الثقيل بابتسامةٍ باهتة امتزجت بنبرةٍ ظاهرها الود وباطنها السخرية:
-وانتي عاملة إيه يا يسر؟ وأخبار لينا إيه؟ صحيح واخدة بالك منها كده؟ وليه مجبتيهاش معاكي يا حبيبتي كان نفسنا نشوفها!
حمحمت يسر برزانةٍ رغم ما شعرت به من الإهانة المبطنة وقالت بهدوء:
-متخافيش واخدة بالي منها، ومجبتهاش عشان كنت عايزاكي يا طنط لو سمحتي!
خرج صوت والدة نوح برتابةٍ غير مبالية:
-خير يا حبيبتي، اتفضلي؟
فتحت يسر فمها لتبدأ حديثها لكنها فوجئت بوالدة نوح تستطرد بجفاءٍ واضح:
-لو جاية عايزاني اتوسط ما بينك وبين نوح، أنا ماليش دعوة لامؤاخذة، أنا ياما حاولت أبررلك تصرفاتك معاه واهديه من ناحيتك، بس أنتي بقى راكبة دماغك وسايقة العوج عليه، فأنا حلفت مش هتدخل أبدًا، واللي في الخير يعمله ربنا بقى.
ردت يسر سريعًا:
-لا أنا مكنتش جاية عشان كده، مشاكلي أنا ونوح نقدر نحلها كويس من غير ما حد يتدخل ما بينا، بس أنا جاية عشان أحل سوء التفاهم اللي واصلكم من ناحيتي.
بدت ملامح سهام منقبضة ورددت بتهكم لا يخلو من الحدة:
-سوء تفاهم إيه يا حبيبتي؟ خير ان شاء الله أصل دخلتك علينا مش مرتاحلها!!
-والله ولا أنا!!
قالتها والدة نوح بعدم رضا في حين لاحظت يسر ابتسامات السخرية على وجوه زوجات أخوة نوح، واللاتي جلسن في صمتٍ متشفٍ فنهضت وهي تحاول ضبط أعصابها، وقالت بنبرةٍ ضيقة:
-كنت جاية أقولك إني مش السبب في بعد نوح عنك ولا حتى زعله منك وقت ما لينا اتخطفت، وأنا ماليش دعوة بأي حاجة، وابنك زعلان منك عشان انتوا مهملين فيه وفي اللي يخصه، ففكرت بعشم للأسف إن لما أجي اتكلم معاكي يا طنط تفهميني وتاخدي بالك من نوح.
ضحكت سهام بتهكم وانطلقت من ثغرها كلمات كأنها نيران:
-تاخد بالها من إيه يا حبيبتي؟ هو عيل صغير ولا إيه؟ وبعدين طالما انتي شاطرة كده محافظتيش ليه على بيتك وجوزك!! جاية تتشطري علينا بالكلام وأنتي كلك عيوب!! أما عجايب بصحيح!
خرجت نبرات يسر فجأة بحدةٍ غير متوقعة:
-ابعدي مشاكلي مع نوح عن اللي بقوله!! أنا اللي يهمني إني....
لكنها لم تكمل إذ قاطعها أخو نوح الأكبر "منصور" وهو يخرج من إحدى الغرف والغضب يتطاير من عينيه:
-يهمك إنك تلعبي دور الملاك، وانتي أصلا شيطانة وبتدسي السم في العسل في دماغ أخويا اللي للأسف مش شايف غيرك!
نظرت إليه يسر بدهشةٍ واستنكار:
-أنا شيطانة؟
هز رأسه بتأكيد قاطع وهتف بغل:
-ايوه انتي! من أول لحظة شافك فيها وهو مش عاجبه حياته ودنيته وبينحت في الصخر عشان يعرف يناسب أبوكي، أخدتيه واتجوزتي في شقة بعيدة عننا عشان تكوني مستقلة وتنهبي زي ما انتي عايزة من ماله، شايفة نفسك علينا ومبتجيش الا زيارات تتعد على الصوابع، جاية تعملي دلوقتي نفسك واحدة مننا وبتنصحينا نقرب منه، لا وفري نصايحك لنفسك، وعالله تهدي! احنا بعدنا عنه خلاص ومحدش عايز منه حاجة.
ارتسمت على وجهها علامات الحيرة والألم وقالت بنبرةٍ مهتزة:
-إيه اللي انت بتقوله ده يا منصور؟ أنا مش كده، أنا مش وحشة كده، أنا حياتي مع نوح كانت في وادي تاني غير اللي انتوا متصورينه!!
ضحك منصور بسخريةٍ حارقة:
-يا سلام!! ومين اتصل عليه يعيط له إن ابوها تعبان وفي المستشفى يروح يلحقها، عشان عرفتي إني عايزه يشاركني في مشروعي.
فكرت قليلاً وبدأت تستعيد ذلك الموقف البعيد منذ عامين حين اتصلت بنوح بسبب تعب والدها، لكنها لم تعلم إطلاقًا عن مشروعٍ أو شراكة!
-إيه الكلام ده؟ أنا أول مرة أسمعه، أنا معرفش والله إنك كنت عايزه يشاركك في مشروعك! وبعدين ما يشاركك وأنا مالي!!
-لا كدابة عشان بعد ما راحلك بعدها بيوم رفض واعتذرلي! سهام الوحيدة اللي فاهمكي صح؟ نوح طول عمره كان تحت رجل أمي ومبيرفضش طلب لحد فينا، أول ما جيتي انتي ...وهو اتغير وبقى بعيد عننا خالص.
استدارت يسر إلى والدة نوح تستنجد بها:
-طنط انتي سامعة منصور بيقول إيه؟! معقول أنا هعصي نوح عليكم! طنط انتي عارفة أنا ونوح أصلاً علاقتنا ازاي؟ وإيه اللي بنمر بيه!
وضعت الأم يدًا فوق الأخرى وردت ببرودٍ وقسوة:
-والله اللي اعرفه إن ابني فجأة اتغير عليا وعلى اخواته وكل شوية يعاتب ويزعل ويدقق لاخواته على أبسط الحاجات، أنا مستغرباه الصراحة عشان كده فهمت إن في حاجة غيرته من ناحيتنا، أصل يا يسر أنا مجربة إن الزن على الودان أمر من السحر يا حبيبتي!!
★★
استفاقت يسر على صوت جلبة بالخارج، وعلمت أن نوح قد وصل بالفعل، لم تمر سوى ثوانٍ حتى دخل الغرفة بلهفة ووجهه يروي حكاية ألمٍ مكتوم وصمتٍ مرير.
اقترب منها خطوة وقد امتزج الأسى بدموعه المحبوسة، فما كان منها إلا أن رفعت يدها إليه تدعوه بصمتٍ مشحون بالحب، وكأنها تفتح له ملاذًا آمنًا من قسوة عائلته، فلبى دعوتها كطفلٍ يتيمٍ وجد أخيرًا دفء الحنان بعد بردٍ طويل، وجثا بجذعه فوقها يحتضنها دافنًا وجهه في عنقها، تاركًا لدموعه أن تحرق وجنتيه ووجنتيها معًا.
ربتت على ظهره برفقٍ بالغ وهمست بطمأنينة:
-متقلقش أنا كويسة، والبيبي الحمد لله كويس رغم العلقة اللي أخدتها.
ابتعد عنها قليلًا ونظراته تومض بألمٍ مختلط بلمحة انتقام:
-مش هسيب حقك، وإن كنت بفرط في حقي دايمًا، حقك انتي عمري ما هفرط فيه، وديني وما أعبد لاندمهم على اللحظة اللي فكروا يعملوا فيكي كده.
هزت رأسها برفضٍ قاطع:
-لا...بلاش أنا الحمد لله خرجت منها سليمة، الله اعلم ممكن توصل لإيه المرة اللي جاية، مش عايزة أكون سبب في مشاكلك مع أهلك، أنا حاولت أصلح واتفهمت غلط.
هتف بشراسة من بين أسنانه:
-لا...ده مش حقك لوحدك، ده حقي أنا كمان.
تنهدت بثقل وهي تعترف بخطأها:
-أنا كمان غلطت يا نوح لما روحت ومكنش المفروض اتدخل ما بينكم هما في النهاية أهلك وأي حاجة من ناحيتي هتبقى تقيلة وليها حساب.
-يبقى كانوا يفكروا ألف مرة قبل ما يعملوا فيكي كده يا يسر، انتي مراتي واللي يضرك يضرني، قبل ما يفكروا يطلعوا غلهم فيكي، كانوا المفروض يعملوا ألف حساب ليا، وأنا لو اتهاونت معاهم قبل كده، اللحظة اللي فكروا يمدوا إيدهم عليكي، هتعرفهم إن سكوتي كان أرحملهم مليون مرة من اللي هيشوفوه مني...
أما في الخارج...
فكانت زوجة فاضل تحاول تهدئته، وهي تقول بحنق:
-ما خلاص يا فاضل، انت مش شايف الواد جاي هيموت من الخوف عليها ازاي، أنا متأكدة إن نوح هياخد موقف معاهم.
استنكر قولها بعصبية:
-موقف؟! دول المفروض يتسجنوا على اللي عملوه في بنتي.
-طيب اهدى بس واستغفر ربنا، ولو جوزها مجابش حقها، هنجيب حقها متقلقش... بس سيب جوزها يتصرف الاول يا فاضل، العقل بيقول كده.
رمقها بعدم رضا ثم تمتم بضيق:
-بنتك دي دماغة ناشفة ومبتسمعش الكلام، قولنا متدخلش ومالهاش دعوة ركبت دماغها، اهو كده حلو ليها يعني!
-عرفت غلطها يا ابو يسر خلاص، استهدى بالله بقى، واستنى نشوف نوح هيعمل إيه؟
****
مر يومان على هذه الأحداث المؤلمة، وبدأ سليم يتعافى تدريجيًا بعد عودته إلى القاهرة، أما منال فقد استقبلت خبر إصابته في صدمةٍ كبيرة، بعدما اضطرت مليكة للكذب عليها وأخبرتها أنه خرج في نزهة قصيرة مع شمس، أما يزن فقد أخبرتها أنه اختفى في خضم سفره لأداء مهام تتعلق بعمله، لم تصدق منال الأمر كليًا لكنها كعادتها آثرت الصمت وواصلت العناية بأطفال سليم في هدوء.
بينما عادت سيرا أخيرًا إلى عائلتها التي أغدقت عليها حبًا واهتمامًا مضاعفًا، وخاصة فاطمة صديقتها المقربة التي ظلت بجوارها تراعاها طوال اليومين ترفض تركها....حتى أطفال إخوتها تجنبوا تناول الجبن الرومي المفضل لديها، كنوع من التدليل الطفولي الرقيق، ورغم أنها روت لوالدها تفاصيل ما حدث أثناء اختطافها، إلا أنها لم تلحظ أي غضب منه تجاه يزن، وكأن تأثيره الطاغي قد سيطر حتى على والدها، تمامًا كما فعل مع باقي أخواتها.
أما يسر فكانت لا تزال تتلقى العلاج في المستشفى تحت رقابة طبية دقيقة، بسبب حالة الجنين غير المستقرة فيما ظل نوح بجوارها دون أن يغمض له جفن طوال اليومين السابقين...
****
أوقف يزن سيارته في المكان الذي أخبرته سيرا بالذهاب إليه في رسالة قصيرة، ورغم أنها لم تحادثه طوال اليومين السابقين إلا مرتين فقط للاطمئنان على حالة سليم، ثم تغلق في وجهه بسلاسة تستفزه وتتركه حائرًا بين رغبته في الاقتراب منها وغضبه المكتوم منها...إلا أن اتصالها المفاجئ اليوم، ونبرة صوتها المضطربة التي تسللت إلى أذنيه كرجفة برد في قلب صيف حارق، جعلت القلق يتسلل إلى صدره دون استئذان.
كانت نبضاته تتسارع على غير العادة، كأن قلبه يعلم أن ما هو مقبل عليه لن يكون عاديًا، وقد تأكد حدسه عندما رآها من خلف الزجاج الجانبي تقف إلى جوار فاطمة صديقتها المقربة، ووجهها باهت كأنه فقد لونه، بينما كانت فاطمة هي الأخرى في حالة ارتباك، تلوح بكفيها بتوتر واضح وكأنها عاجزة عن احتوائها.
أغلق باب سيارته سريعًا وتوجه نحوها بخطوات ثقيلة، كلما اقترب خطوة زاد القلق في قلبه كأنه يوشك على رؤية شيء ينهار أمامه.
اقترب منها وهو يحدق بوجهها الباكي، كانت ملامحها غارقة في الذهول وعيناها حمراوان من شدة البكاء، قال بقلق وهو يشعر بأن قلبه بدأ يدق بعنف لا يهدأ:
-مالك يا سيرا في إيه؟
رفعت وجهها إليه بتثاقل، ودموعها كانت ما تزال ساخنة، تنحدر بصمت يائس كأنها تنزف وجعًا لا يُحتمل، ثم نطقت بصوت مرتعش...ضعيف، خافت كأنها تخجل من قول ما بداخلها:
-أنا في مصيبة يا يزن....مصيبة.
عبارتهـا ضربت صدره كصفعة عنيفة، أنذرت بأن ما ستقوله قد يكون أفظع مما يتخيله، فاستدار بسرعة نحو فاطمة التي كانت تتجنب النظر إليه، وتضرب الأرض بطرف قدمها بتوتر واضح، وجهها شاحب ويداها متشابكتان أمام صدرها، فأعاد نظره إليها وكرر هذه المرة بنبرة أكثر خشونة وتحفز:
-مصيبة إيه؟ في إيه؟
بدأت سيرا تفرك أصابعها ببعضها البعض بعصبية شديدة كأنها تحاول تهدئة عاصفة من التوتر تسكن داخلها، ثم خفضت بصرها إلى الأرض وقالت بصوت مخنوق بالألم والذعر:
-النهاردة الصبح في رقم... بعتلي... صو....صور ليا وطلب مني...طلب مني لو مجتلوش في عنوان بعته ليا، هيبعت صوري لأهلي وهينزلها على النت.
أحس وكأن شيئًا ثقيلًا ارتطم بصدره بعنف، للحظة لم يستوعب تمامًا ما قيل، فبات حائرًا بين ذهوله وغضبه وبين محاولاته لربط الأمور، انعقد حاجباه بدهشة وقلق، وهو يسأل بسرعة وقد بدأ صوته يفقد هدوءه:
-صور؟ صور إيه؟
سكتت وسكوتها كان مرعبًا، أقسى من أي اعتراف، وكأنها تسقط في بئرٍ لا قرار له، وتمد يديها لتستنجد دون أن تجد من ينتشلها.
ولأن يزن لم يكن أبدًا غبيًا أدرك من ارتباكها أن الأمر يتجاوز التهديد العادي....تلك الصور بها شيء...خاص.
اقترب منها أكثر وقد ارتسمت على وجهه ملامح الجدية الصادمة، ونبرة صوته هذه المرة كانت أقرب إلى نذير خطر:
-فين الصور دي؟
لم تحتمل السؤال فانفجرت باكية، وراحت تهز رأسها بقوة كأنها تحاول أن تهرب منه ومن نظراته، ومن كل شيء حولها:
-لا لا مينفعش تشوفها....مينفعش.
مد يده وأمسك برسغها وقربها إليه بشدة، وصوته كان يحمل صلابة وجمودًا مخيفًا، لم تره بها من قبل:
-ليه هي الصور دي حقيقية؟
نظرت إليه بعينين غارقتين في الخوف، كانت تعرف أن هذه اللحظة هي الفاصلة، لا شيء بعدها سيعود كما كان، لا هي، ولا هو، ولا نظراته إليها.
ارتعشت وكل ما استطاعت فعله أن تهز رأسها بالإيجاب ببطء قاتل، وهمست بخفوت كأن اعترافها سيفك عِقدًا يخنق روحها:
-ايوه.
في تلك اللحظة توقف كل شيء من حول يزن، أصوات السيارات تلاشت، المارة لم يعودوا موجودين ووقف الزمن عند تلك الكلمة الصغيرة التي خرجت من شفتيها كحكم بالإعدام
رواية غناء الروح الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم زيزي محمد
ارتجفت سيرا عدة رجفات متواصلة وهي جالسة بضعف فوق أريكة جلدية ضخمة موجودة في معرضه، بينما كانت فاطمة تجلس بجانبها في وضع اتهام مباشر، تقضم أظافرها بتوتر وتهز ساقيها بوتيرة سريعة، وأنظارها مصوبة نحو يزن، الذي كان على وشك أن يفقد أعصابه ويثور عليهما بثورة غاضبة ليُخرجهما من حالة الصمت التي تلبستهما منذ أن أخبراه عن تلك الصور!!
وكعادته عندما يصيبه التوتر أو الغضب الشديد، يشد خصلات شعره المسكينة للخلف، ثم قرر كسر حالة الصمت بقوله الحاد:
-لا أنا جبت أخري، انتوا بتختبروا صبري ولا إيه!!
صمت لثانية وهو ينظر إليهما في حالة اتهام وحنق:
-قولتولي مش عايزين نتكلم في الشارع، جبتكم هنا ومشيت العمال أعمل إيه تاني عشان تتكرموا وتقولولي إيه حكاية الصور دي!!
رفعت سيرا وجهها الباكي وهي تنظر إليه بانكسار، وبحة صوتها المجروحة تتراقص في الأجواء:
-ما قولتلك يا يزن صور ليا!!
انتفض فجأة واختصر المسافة بينهما، ومال بجسده للأمام نحوها فبدا قريب جدًا منها، وما منعه عنها كانت تلك الطاولة الصغيرة المتوسطة، التي كانت موضوعًا عليها مشروب غازي مقدم لها ولـفاطمة، لعله يساعد في تهدئتهما.
-بقولك إيه ما تتجنيش، أنا عمري ما اتوترت كده زي ما أنا متوتر، أنا سألتك صور حقيقية قولتيلي اه، يعني انتي متصورة صور مش كويسة؟!
سألها مستنكرًا بصيحة عالية، ووجهه بدا خاليًا من أي لمحة لطف أو هدوء، فانكمشت فاطمة في زاوية بالأريكة وهي تقول بترقب خافت:
-الله يخربيتك يا سيرا، ده طلع مجنون!
نظرت إليها سيرا نظرة شرسة وهي متراجعة للخلف بسبب قرب المسافة بينهما، ولوهلة شعرت منه بالخوف وعدم الأمان عندما رأت ألسنة نيران متصاعدة تشبه نيران الغيرة الحارقة في عينيه.
فحاولت التحدث بهدوء رغم أن ملامحها كانت عابسة، والدموع تهبط فوق خديها بغزارة:
-يزن لو سمحت اهدى شوية، أنا خايفة منك!
عاد يستقيم بجسده وهو يفرك وجهه عدة مرات، ثم خرجت نبرته عالية قاسية أفزعتهما:
-ما توريني الصور دي اخلصي بقى.
تحدثت فاطمة خلفه مباشرةً وهي تلكز سيرا في ذراعها بضيق متمتمة:
-ما توريه الصور أنا حاسة هيقوم يدور فينا الضرب.
انتفضت سيرا بغضب وخجل وهي تقول:
-لا على جثتي يشوفها.
التفت إليها يزن وهو ينظر إليها باستنكار، فعادت لبكائها وهي تردد بصوت منكسر بينما وجهها انتكس للأسفل:
-ماتحرجنيش بجد، أنا هتكسف اوريهالك.
-خلاص وريهالي انتي يا فاطمة.
قالها يزن بنفاد صبر، فسارعت بإمساك يد فاطمة وهي تقول برجاء حقيقي:
-عشان خاطري لا....والله أنا هتكسف، أنا أصلاً معرفش إيه خلاني اتصل استنجد بيك.
وعادت مرة ثانية لبكائها ولكن تلك المرة كانت أشبه بانهيار تام، فزم شفتيه بضيق وعاد لنفس حركته المعتادة ولكن بتوتر أكبر، ثم فجأة طرأت عليه فكرة فقرر تنفيذها، فقال بصوت رخيم:
-لو سمحتي يا فاطمة ممكن تسيبنا لوحدنا شوية.
هبت فاطمة واقفة بحبور شديد وهي تردد:
-اه وماله، اوي اوي.
أوقفتها سيرا بقلق، فوجودها تستمد منه القوة، لذا ربت فاطمة فوق يدها وهي تنظر إليها بابتسامة صافية، تبث فيها طمأنينة صافية وهي تمازح خدي سيرا بلطف وخفوت:
-متخافيش أنا جنبك بس هقعد برة، هاخد لفة في العربيات اللي برة دي.
****
خرجت فاطمة وأغلقت الباب خلفها، اقترب من سيرا وجلس مكان فاطمة بالقرب منها، فشعرت به وتلقائيًا ابتعدت عنه بمسافة أفسحت لها مجالًا للتنفس، في ظل هيمنته على الأجواء بحضوره الطاغي، رغم أنه لم يكن في أفضل حالاته!
وكاد يتحدث إلا أنه وجد فاطمة تقف على بعد مسافة من الغرفة، تضع مجلة ورقية عن السيارات أمام وجهها، تتظاهر بقراءتها بينما كانت تتلصص عليهما من خلال الواجهة الزجاجية الكبيرة الموجودة بالغرفة، والتي تطل على المعرض من الخارج، فأشار إليها يزن بأصبعه كي تتحرك وتلهو في المكان، فاصطنع إمساكه بمقود سيارة كي يصيبها الحماس وتستقل إحدى السيارات وتبتعد بأنظارها عنهما.
وبالفعل استجابت فاطمة عندما وجدت تذمره يزداد، وعاد هو بأنظاره إلى سيرا يسألها بهدوء أربكها:
-الموضوع ده بجد؟
رفعت أنظارها باستهجان قاسٍ وهي تقول بعتاب:
-امال هضحك عليك؟
-تمام حلو اوي كده ده اللي عايز اوصل له، وانتي اتصلتي عشان تلاقي عندي حل صح؟
هزت رأسها بتأكيد دون أن تتحدث بلفظ آخر، فقال بنبرة رخيمة ذات ثقل ونظراته تكاد تخترق عمق عينيها الداكنتين:
-طيب أنا هلاقي الحل ده ازاي، طالما أنا مشوفتش المسدجات اللي جتلك ولا الصور، هحكم على الموضوع ازاي؟!
أجابت بخجل صادق وهي تفرك أصابعها بتوتر:
-تثق فيا زي ما أنا وثقت فيك، أنا هوريك كل حاجة ما عدا الصور يا يزن، أنا مكسوفة بجد، أنا أصلاً محرجة من فكرة إن في واحد تاني شافني بشعري أو بجسمي....
قبض على ذراعها بقوة وهو يشدد بلا وعي عليه، متسائلًا بخفوت قاسٍ:
-يعني إيه جسمك؟! متسبنيش لخيالي عشان وربي أنا على تكة ومش هقدر اسيطر على نفسي.
-الصور دي أنا كنت متصوراه في البيت عادي بلبس البيت...مش حاجة قليلة الادب والله، بس عادي لما كنت بجيب حاجة جديدة كنت بلبسها وبتصور بيها...يعني....
صمتت ثواني تستجمع هدوئها وتسيطر على انفعالاتها فترك ذراعها لتكمل حديثها بأريحية دون خوف أو تردد:
-يعني لو جبت بلوزة أو فستان ينفع البسهم في البيت كنت بتصور بيهم عادي، معرفش الصور دي ازاي اتاخدت.
وضع يده فوق فمه يستنجد بالصمت لثوانٍ، لعله يدرك ما حدث، ثم عاد يسألها بهدوء لكنه كان هدوءًا مقتضبًا:
-طيب يا سيرا، أنتي في حد هكر تليفونك أو فتحتي لينك اتبعتلك مثلاً؟!
هزت رأسها نافية وقالت بحيرة:
-لا أنا واخدة بالي كويس اوي من حوار اللينكات دا، ومفيش حد بيمسك تليفوني خالص.
تنهد بعمق وهو يعاود سؤالها بنبرة يملؤها الحنق الطفيف:
-طيب هاتي العنوان اللي اتبعتلك عشان تروحيه وأنا هتصرف وهروح أشوف مين هناك؟
أومأت له بإيجاب، وأخرجت هاتفها بأصابع مرتجفة تبحث عن تلك الرسالة، وما إن وجدتها حتى أعطته الهاتف فقام يزن بتدوين العنوان وهو ينهض متوجهًا نحو مكتبه دون أن يخبرها عن وجهته، فتحركت خلفه:
-يزن أنت رايح فين؟
-رايح اشوف إيه الحوار! ومين هناك في العنوان ده!
ابتلعت لعابها بتوتر ممزوج بالخوف عليه وسألته:
-هتروح لوحدك؟!
-اه هروح لوحدي طبعًا، امال هطلع معايا رحلة!
عبست بوجهها وقالت بتذمر:
-ماتتريقش عليا لو سمحت، أنا أعصابي تعبانة لوحدي ومش ناقصة.
-حاضر متزعليش، يلا عشان اوصلك أنتي وصاحبتك.
شعرت بالغضب الشديد بسبب معاملته لها وكأنها طفلة صغيرة يريد إسكاتها، فتحركت خلفه وهي تشير لفاطمة بالخروج من إحدى السيارات، فتساءلت فاطمة بفضول:
-هو خارج بسرعة ليه في إيه؟
توقفت سيرا لحظة وتمتمت بضيق:
-تقريبًا هيروح العنوان اللي اتبعت لي!
ردت فاطمة بتفكير وقلق:
-هيروح لوحده؟!، طيب ما يبلغ البوليس أو مثلا أخوه الظابط.
-انتي عايزة تفضحيني يا فاطمة؟! أنا سمعت كلامك ولجأت ليزن عشان لما فكرت لقيته إنه ممكن يخلصني من الموضوع ده من غير شوشرة وكلام يتنقل هنا وهناك.
قالتها بضيق وهي تخرج من المعرض بأكمله، فتوقفت فاطمة للحظة تثرثر كعادتها بحماقة:
-بس عارفة؟ أنا حاسة إن غيرته وحمقته عليكي مش طبيعية.
تنهدت سيرا بنفاد صبر وضيق:
-يلا يا فاطمة، انتي في إيه وأنا في إيه!!!!
دخلا السيارة معًا فجلست سيرا في الأمام، بينما جلست فاطمة بالخلف في المنتصف لتكون قريبة منهما، انطلق يزن فجأة بسرعة تخالف ما كانت تتخيله فاطمة، فعادت للخلف بجسدها وهي تصرخ بخوف:
-يالهوووووي، إيه الجنان ده يا كابتن.
تجاهلها يزن وكان اهتمامه بالكامل منصبًا على سيرا التي كانت شاردة تنظر للخارج، فقال إليها بتذمر:
-لا حاولي تمسكي نفسك عشان محدش من اهلك ياخد باله من حاجة...
أكدت فاطمة برأسها وهي تقول:
-اه يا سيرا عشان خاطري وخصوصًا ابلة حكمت لو عرفت اعتبري العيلة والجيران والمناطق المجاورة كلها عرفت، وهتتهمنا واحد واحد، وتمسك تليفوناتنا تفتش فيها ويا سلام لو لقت صورة منهم موجودة، هتدخلنا في سيم وجيم.
توقف يزن بسيارته فجأة، فارتدت فاطمة وسيرا معًا بخوف، بينما هو اعتدل بجسده ليسأل سيرا باهتمام:
-انتي كنتي بتبعتي الصور دي لحد من اخواتك مثلاً؟
هزت سيرا رأسها نافية وقالت باهتمام مماثل:
-ماببعتش أي صور غير لفاطمة عشان لو تليفوني باظ الاقي عندها الصور اللي عايزاها.
توجه يزن بأنظاره نحو فاطمة التي كانت تهز رأسها خلف صديقتها تؤكد على حديثها بحماس:
-ايوه فعلاً وأنا ببعتلها كل الصور والفيديوهات بتاعتي.
أربكها صمت يزن، ونظراته الغامضة جعلتها بلهاء أمامه، فقالت بحيرة:
-في إيه؟ مالك سهمت كده ليه؟
ظلت تنتقل بنظراتها بين سيرا وبينه، حتى أدركت سيرا مغزى صمته، فقالت بهدوء وتنهيدة عميقة:
-يزن بصلي، فاطمة عمرها ما هتأذيني دي صاحبة عمري واختي وجارتي.
وفجأة، حالة الانهيار التي كانت لدى سيرا انتقلت إلى فاطمة، التي قالت بصياح باكي:
-لا أنت بتتهمني بإيه؟ أنا هأأذي سيرا، تصدق أنا غلطانة إني قولتلها نلجألك.
تنهد يزن بقوة وهو يقول بصوت رزين:
-اسكتوا إنتوا الاتنين، أنا ماقلتش إنها أذتك ولا نطقتها، بس وارد جدًا حد مسك تليفونها وأخد صورك منه.
ازدادت ضربات قلب سيرا، فتساءلت بترقب وحيرة:
-وليه فكرت في كده؟
-شوفي الأول الصور اللي مبعوتالك دي، متصورة إمتى؟ وبعتيها لفاطمة كلها؟ ولا في صورة مثلاً منهم مابعتيهاش؟
أخرجت فاطمة هاتفها فورًا وأعطته لسيرا، التي قامت بالتأكد مما قاله يزن، ثم قالت بعدم فهم:
-الصور اللي مبعوتالي كلها موجودة عند فاطمة، وآخر صور بعتهالك كمان.
-يبقى الصور دي متاخدة من تليفونك إنتي يا فاطمة... لو سيرا فعلاً زي ما بتقول، محدش بيمسك تليفونها.
انتفضت سيرا فجأة وهي تسأل فاطمة المذعورة مما يُقال، أيعقل أن تكون سببًا في أذية صديقتها الوحيدة، حتى لو كان ذلك بشكل غير مباشر:
-فاطمة إنتي طوب الأرض بيمسك تليفونك! عشان يتفرجوا على أوديشن التصوير اللي بتروحيه، والفيديوهات اللي بتقلدي فيها المسلسلات والأفلام... مين مسك تليفونك؟
بكت فاطمة بحيرة وهي تحاول أن تتذكر، لكنها لم تجد مشهدًا واحدًا قد يثير شكوكها، فمال يزن نحوها وهمس بلطف غريب يفرض سحره عليها:
-ممكن يا فطوم تديني تليفونك ثواني وأنا هعرف بطريقتي؟
أعطته الهاتف دون أن تنبس ببنت شفة، فاقتربت منه سيرا تحذره بحزم:
-أوعى تدخل على الصور!
-نزلي حواجبك بس الأول.
قالها بسخرية وهو يعبث في هاتف فاطمة، بينما الاثنتان تنظران إليه بترقب وفضول وخوف شديد، حتى رفع وجهه وهو يتساءل بصوت خشن:
-مين "سهام فـ..."؟
نظرت فاطمة في الهاتف وقالت بلا مبالاة:
-آه دي سهام أخت فايق جارنا، مسجلها بـ"سهام فـ" عشان أعرف إنها أخت فايق... أصلها زعلت لما شافتني مسجلها "سهام" وحاطتلها تعبان جنبها...
صاح يزن باستنكار خشن:
-إيه بس راديو واتفتح!! اسكتي عشان أعرف أتكلم!
صمتت على مضض وهو يشير نحو الهاتف، وتحديدًا تلك المحادثة على تطبيق الواتساب بينها وبين سهام، والتي تحتوي على خمس رسائل مُرسلة من قبل فاطمة ثم أُعيد حذفها لاحقًا:
–-أنتي بعتي خمس مسدجات، ورجعتي مسحتيهم تاني ليها!!
هزت رأسها نافية ورددت بتيه وبلاهة:
-لا وربنا! ده أنا ما بطقش أكلمها على الواتس عشان رغاية أوي!
زم يزن شفتيه وهو يتمتم بضيق ساخر:
-واضح أوي مين هي اللي رغاية!
همست سيرا بصدمة وهي تنظر أمامها، ويبدو أن صوت أفكارها خرج علنًا:
-اللي اتبعتلي خمس صور يعني نفس عدد المسدجات المبعوتة من تليفونك واتحذفت!! يعني سهام أخدت الصور منك وبتهددني عشان أخوها؟ ولا إيه؟ أنا مش فاهمة!!
لكزتها فاطمة بضيق وهي تضيق عينيها الصغيرة أكثر:
-لا طبعًا، استحالة سهام تعمل كده من دماغها! ده أكيد حد خططلها، سهام دي أصلها جاموسة مابتفهمش، ده أكيد فايق اللي خطط لده كله عشان ينتقم منك لما كرفتيله!
صرخت سيرا بخجل وغضب وهي تضم نفسها بذراعيها:
-لا! متقوليش يعني فايق شافني كده؟!
خرج لفظ بذيء من قبل يزن، الذي كان يصنت لهما بإمعان، ويتوصل معهما لصاحب تلك الخطة، وواقعيًا حديثهما كان صحيحًا مئة بالمئة، ولكن عند صرخة سيرا غلى الدم في عروقه، وصاح عاليًا بشراسة:
-متجننيش أمي بقى يا سيرا! هي الصور دي فيها إيه بالظبط؟! بس أقولك دي غلطتك.
قالها من بين أسنانه بغيظ، فتدخلت فاطمة ببلاهتها وجرأتها المعتادة:
-لا سيرا مش غلطانة، دي واحدة متصورة في بيتها براحتها، وبعدين إنت فاكر إيه بالظبط؟ ده صور بلبس عادي مش حاجات خاصة يعني...سيرا اللي مأفورة، الناس بتطلع لايف على التيك توك والفيس باللبس ده والله!
انتفضت سيرا قائلة بحنق:
-لا يا فاطمة دي مش أفورة! أنا محجبة ولابسة الحجاب من إعدادي، ييجي الكلب ده يشوفني كده؟!
صاح يزن بغيظ حقيقي:
-أيوه! اللي هو إزاي بردو؟!!
طرقت فاطمة بأصابعها فوق كتفه تستدعي انتباهه، وهي تقول بتهور ولمحة حماقة:
-يعني بلوزة كتفها واقع، فستان قصير بحمالات... وكروب...
صاحت سيرا بخجل وهي تستدير نحوها تمنعها من استكمال حديثها، لكن يزن لم يهدأ وبدأ يتخيل وضعية الصور...ألوان، ثياب، أشكال... فضرب المقود عدة مرات بقبضة يده، وهو يتمتم بأشياء هامسة لم تستطع سيرا ولا فاطمة تفسيرها، لكن فاطمة قالت بفطنة ساخرة:
-شكله بيشتم.
أعاد يزن تشغيل سيارته، لكنه توقف وطلب هاتف سيرا، فأعطته إياه دون تردد، فدخل على تطبيق الواتساب ثم ترك السيارة، وأرسل رسالة صوتية لمرسل الصور:
"أنت فاكر إني مش هعرفك ياله؟! تبقى غبي وحمار، بص يا ***** انت اخرك تهدد من ورا تليفون، اللي بتعمله ده مش هيخليني أبعد عنها، والصور اللي انت أخدتها من غير علمها، أنا هعرف أعلمك الأدب عليها، ولو فاكر نفسك شبح ومش هعرف أجيبك، فأنا هجيبك حتى لو كنت في بطن الحوت يا ******، فلم نفسك، عشان انت حاسبك معايا تقل".
أغلق التسجيل وأعطاها إياه دون أن يتحدث بكلمة أخرى، ثم قاد سيارته في صمتٍ تام، بينما هي التزمت الصمت أيضًا واكتفت بإلقاء نظرات بسيطة عليه، لتدرك بعدها أنها أيقظت وحشًا داخله؛ فبدت ملامحه مستنفرة، توحي بانتقامٍ قادم.
****
بعد وقتٍ قصير وصلوا أمام منزلها، فانتظرت نزول فاطمة أولًا ثم التفتت إليه وقالت بهدوءٍ استفزه:
-يزن أنا مش عايزاك تتهور وتعمل حاجة تضرني، أنا لما لجأت ليك، كنت فاكرة إنك هتحل الموضوع بهدوء.
رفع حاجبيه معًا باستفزاز وهو يقول:
-وانتي شايفاني ماسك ميكروفون وبحل الموضوع على الملأ؟!
-لا، بس من الواضح إنك داخل على خناقة.
قالتها بضيق وعبوس، فابتسم ساخرًا منها وقال:
-سيرا!! هو انتي فاكرة إني لو رحت العنوان اللي مبعوتلك، هلاقي حد فيه؟! الواد أذكى من كده، بس أنا هعرف أجيبه بطريقتي.
عقدت ذراعيها أمام صدرها بوجوم وقالت:
-أيوه؟ اللي هو إزاي بردو؟! من حقي أعرف!
ترك النظر إليها ورد بلا مبالاة:
-لا، مش من حقك.
ثم استكمل حديثه وهو يلتفت بجسده نحوها وقال:
-أنا هعرف هاحرق قلبه إزاي! اقعدي واتفرجي.
زفرت بضيق وقالت بغباء وتهور:
-طيب إيه رأيك؟ أنا اللي أتكلم معاه.
أمسكها من مرفقها بقوة وهتف بغلظة ممزوجة بالتهديد:
-وأقسم بالله لو فكرتي تعمليها أنتي حرة!
-آه اوعى يا يزن! أنت بتهددني؟!
قالتها بغضب، فهتف بنبرة عالية محتقنة:
-أيوه بهددك! عشان دماغك باينلها لسعة ولا إيه؟! وبعدين تعالي هنا لما انتي عارفة إن طوب الأرض ممكن يمسك تليفون فاطمة، تبعتي صور زي دي ليها ليه؟!
كشرت عن أنيابها وردت بهجوم:
-أنا حرة ودي صاحبتي وواثقة فيها.
اقترب بوجهه منها وردد بنبرة قاسية من بين أسنانه:
-وحلو لما واحد تاني **** زيه شافك يعني؟!
غلى الدم في عروقها وتوهج خداها باحمرارٍ يعكس مدى إحراجها، لكنها كابرت وردت بعنفوان ساخر:
-بقولك إيه فكك من جو الدروس المستفادة ده! أنت عادي أوبن مايندد يعني، ومصاحب بنات بيلبسوا لبس سافل ومش محترمين، متجيش تعمل عليا شيخ السجادة بقى عشان خاطري!
كان يغلي بصمت أثناء حديثها الأحمق، عيناه تتفحصان ملامحها وكأنهما يُحاسبانها، لا على الفعل، بل على شعورها نحوه، لذا اشتدت قبضته فوق المقود، واختنق صوته في حنجرته وهو يقول بتهورٍ غاضب:
-عشان هما مفيش واحدة كانت تخصني يا غبية! لكن انتي تخصيني، انزلي يلا.
رغم ارتباكها من اعترافه البسيط، إلا أنها أحست بالخوف منه وبالإحراج من طرده لها، فقالت بتعالٍ:
-انت بتشتمني يا يزن؟! وكمان بتطردني؟! أنا مش عايزة أعرفك تاني!
فتحت باب السيارة بعنف ثم نزلت وأغلقته خلفها بقوة، تقصد إغاظته، فضغط على بوق السيارة باستمرار، يُعبر عن غضبه من فعلتها تلك، لكنها لم تعره أي اهتمام ودخلت مدخل منزلها.
وجدت فاطمة جالسة تتحدث مع "سهام" أخت فايق عبر الهاتف وتضحك معها، وما إن رأت سيرا حتى أشارت لها بالصمت، ثم قالت بلطفٍ زائد عن حده:
-خلاص يا سمسم، تعالي عندي نقعد شوية ندردش أنا وانتي والبت سيرا.
رفعت سيرا أحد حاجبيها بتهكم على اقتراح فاطمة، ولكن الأخرى أشارت نحو حذائها كناية عن ضرب سهام به انتقامًا منها، لكن سيرا سارعت بجذب الهاتف وتحدثت بنبرة أشد نعومة:
-ازيك يا سمسم؟ بقولك تعالي عند أبلة حكمت، هنقعد عندها براحتنا... لا لا، ما هو أم فاطمة كانت قايلة إن في حد جايلها زيارة... لا لا متقلقيش، أبلة حكمت هتقعد فوق، وإحنا هنقعد عندها... سلام يا حبيبتي.
أغلقت الهاتف وهي تزفر بقوة شديدة، لكن فاطمة نهضت باستقامة وهي تتساءل بعدم فهم:
-الله!! انتي مجنونة يا بت؟! ما كنا نجيبها عندي في أوضتي، نديها علقة محترمة ونجيب قرارها!
صعدت سيرا الدرج وهي تقول بشرودٍ ممزوج بالانتقام:
-لا... هتهرب مننا، أنا هخليها تقع تحت إيد اللي ما بتسميش على حد!
*****
لم يذهب يزن إلى العنوان المرسل لسيرا لنفسه، بل أرسل صديقًا له وقد أخبره صديقه إنها منطقة مهجورة وبنايات على وشك البنيان ولم يجد بها أحد، كما توقع تمامًا....حاول البحث عن فايق ولكنه لم يجد له أثر حتى في الفندق الذي كان يعمل به!! فلم يجد حلاً سوى زيدان أخيه كي يلجأ إليه، لذا عاد إلى منزله بعد أن أجرى به اتصالاً وعلم منه بوجوده في شقة سليم للاطمئنان عليه.
وما إن دخل إلى الشقة وجد عائلته بأكملها موجودة بجانب سليم الذي كان في فترة تعافي واهتمام شمس به من ناحية وتدليل والدتهم له من ناحية أخرى وكأنه طفلاً وليس رجلاً كبيرًا، ولكن ربما هو في احتياج لتلك المعاملة الخاصة كمكافأة بسيطة له بعد أعوام من الجفاء.
القى عليهم التحية بصوت رخيم ووجه حاد ثم جذب زيدان من يده بقوة خلفه ودخلا معًا إلى الشرفة الكبيرة في الصالة، وقبل أن يتحدث زيدان باعتراض كعادته، أخرج يزن ورقة صغيرة مدون بها اسم فايق الرباعي وعنوان منزله وأيضًا مذكور به عمله، حيث حصل على تلك المعلومات من شاب صغير مراهق في شارع سيرا بعد ثرثرة بسيطة أدلى بها الشاب بكل شيء...رغم أنه كان يستطيع معرفة تلك المعلومات من سيرا ببساطة إلا أنه لا زال يشعر بالغضب منها بسبب نظرتها عنه، أتعتقد تلك الحمقاء أنه معدوم النخوة!!
اخشوشنت نبرته وهو يضع الورقة أمام وجه زيدان وقال:
-عايزك تعرفلي الواد ده فين وبيعمل إيه؟!
انعقد حاجبي زيدان معًا بعدم فهم وتهكم وهو يقول ساخرًا:
-حد قالك إني بشتغل في المخابرات!
زفر يزن بحنق وهو يقول من بين أسنانه:
-اثبتلي مرة إنك ظابط بجد!
تعجب زيدان باستنكار وهو يقول:
-ليه هو أنا كرتون؟!
زفر يزن مجددًا بغضب أكبر وهو يعيد خصلات شعره للخلف:
-يا عم أنا مش فايق لحد ولا فايق لهزارك، هتقف معايا وتساعدني ولا اشوف حد غيرك.
-هو الواد ده اتعرضلك يا يزن؟
وقبل أن يجيب يزن، كان زيدان قد تذكر الاسم الموجود بالورقة وقال بشبه ابتسامة بسيطة وهو يمسك طرف الخيط:
-ثواني الاسم ده مش غريب عليا، مش ده الواد اللي كانوا اخوات سيرا متخانقين معاه...
بتر يزن حديثه وهو يتسائل بوجوم:
-اه اه هو افتكرته ازاي؟!
رد زيدان ببساطة وتسلية:
-لا أنا حبيت اعمل شو بس عشان تفتكر إن أنا ظابط، ماله الواد ده؟ اتعرض لسيرا تاني؟؟
صمت يزن طويلاً وعيناه مثبتتان في نقطة مجهولة على الأرض وكأنه يحاول جمع شتات أفكاره أو تقييد غضب جامح يكاد ينفجر.
اقترب زيدان إلى جواره قليلاً، متأملًا أخيه الذي لم يعتد هذا الكم من الصمت، شيء ما في ملامحه يوحي بأن النار مشتعلة في صدره، لكن الكبرياء يمنعه من البوح، فعاد يقترب أكثر منه وقال بهدوءٍ ورزانة ونبرة أخوية:
-مش أنا قولتلك وقتها يا يزن، الواد ده لما اتنازل بحسي الامني عرفت إنه هيجيب حقه من اخواتها بطريقة تانية.
رفع يزن حاجبيه فجأة وكأن الكلمات ضربته على غير توقع، ثم زم شفتيه بقوة وقال بغل ظاهر في نبرته:
-حق مين يا عم ده عيل جربان ودماغه تعبانة، وديني لاعلمه الادب على اللي عمله.
سأله زيدان وهو يراقب لغة جسده المتشنجة:
-هو عمل أيه بالظبط؟
أشاح يزن بنظره وتفادى عينيه ثم رد بجفاف:
-مالكش دعوة.
تراجع زيدان نصف خطوة إلى الوراء وقد شعر بخيبة، ثم قال بنبرة نصف مندهشة ونصف غاضبة:
-تصدق ياله أنا غلطان أصلاً إن واقف معاك.
رمقه يزن بنظرة سريعة لكنه لم يرد، فبدا وكأنه في صراع داخلي بين رغبته في تفريغ ما بداخله، وغيرته أن يتدخل زيدان بالأمر ويرى صورها بنهاية الأمر.
-زيدان أيًا كان اللي هو عمله، فهو يخصني وحقي واجيبه بطريقتي وبالطريقة اللي تشفي غليلي.
قال أخيرًا بنبرة منخفضة ولكنها تحمل نيرانًا تحت الرماد:
-الله! هو احنا في غابة يابني انت!! في قانون يقدر يجبلك حقك وفي اخوك موجود هطلع روحه لو كان مسك بحاجة تضايقك.
هز يزن رأسه بنفاد صبر وقال:
-يا عم أنا شايلك لحد اتقل من ده، لكن ده عيل خايب مالوش عندي غير قرصة ودن.
نظر زيدان إليه طويلًا ثم مال عليه قليلًا وهمس متشككًا:
-طيب...ليه مش عايز تقول عمل إيه؟!
ثم ابتسم ابتسامة باهتة وهو يضيف بنبرة متفحصة:
-سكوتك ده بيقول إنه عمل حاجة تخص خطيبتك؟!
تشنج فك يزن للحظة لكنه لم يرد، مما أكد لزيدان ظنونه، ثم أردف يزن بنبرة جافة وكأنه يريد إنهاء الحديث:
-يعني حاجة زي كده مش عايز شوشرة وكلام كتير.
ظل زيدان ينظر إليه لثوانٍ، ثم أدار رأسه ناحيته وقال بنبرة أخف:
-تمام، يلا نطلع عشان سليم بيزغرلنا وحاسه هيطق من وقفتنا لوحدنا.
تحرك الاثنان بخطى بطيئة نحو الصالة حيث تجلس العائلة، بينما خلف ملامح يزن كانت العاصفة لا تزال تدور بصمت، وما زال قلبه يغلي بنار لم تنطفئ بعد.
****
طرقت سهام باب شقة حكمت بحماس، وانتظرت ثوانٍ قليلة حتى فُتح الباب لتطل سيرا بابتسامة بسيطة:
-أهلاً يا سمسم اتفضلي...نورتي.
دخلت سهام إلى الشقة تتلفت بعينيها تبحث عن الوجوه المعتادة، لكنها لم تجد أحدًا في استقبالها، فتقطبت ملامحها في دهشة وسألت بحيرة:
-الله! امال فين البت فاطمة؟
أجابتها سيرا وهي تشير إلى الداخل:
-جوه في أوضة البت دهب بنت اختي، تعالي ادخلي.
استجابت سهام للطلب بخطى واثقة، لكن اللحظة التالية كانت كفيلة بأن تقلب كل توازنها، ما إن وطأت قدماها الغرفة حتى باغتتها ضربة قوية من عصا خشبية انغرست في أسفل ظهرها، فصرخت بألم حاد وهي تدور حول نفسها برعب، لتقع عيناها على حكمت التي كانت تقف خلفها رافعة العصا عالياً، تتشح ملامحها بالغضب والشراسة:
-اخدتي صور أختي تعملي بيها إيه يابت؟ انتي واخوكي متفقين على إيه؟ قولي...
تراجعت سهام خطوة إلى الخلف وهي تلوح بيديها وتنفي بعينيها قبل لسانها، وقد بدأ الخوف يتسلل إلى أوصالها:
-صـ..صور إيه؟ أنا ماعرفش انتي بتتكلمي على إيه؟!
لم تُمهلها فاطمة وقتًا لتبرير موقفها، فتقدمت نحوها تشمر عن ساعديها وقد خيمت نبرة قاتمة على صوتها:
-طلعي تليفونك بالأدب يا سمسم، يا أما وربنا هخلي أبلة حكمت تمدك على رجليكي!
اقتربت حكمت منها وهي تلوح بالعصا يمينًا ويسارًا كأنها تروض أسدًا هائجًا، بينما كانت ملامح وجهها قد تحولت إلى خليط من الشر والعزم، فنفت سهام بإصرار ما تحاول فاطمة إثباته، إلا أن الأخيرة لم تمنحها فرصة إضافية واختطفت الهاتف من يدها بعنف ومضت تفتشه بسرعة ودقة.
في تلك اللحظة اقتربت سيرا وحكمت منها وأمسكتا بها بإحكام لتمنعاها من المقاومة، فاستطاعت فاطمة أن تفتح الهاتف باستخدام بصمة الوجه، وبمجرد ما فتحت تطبيق الصور حتى وجدت خمس صور لسيرا، لم تلبث أن انتقلت بعدها إلى تطبيق واتساب لتكتشف الحقيقة المُرة...الصور أُرسلت إلى فايق شقيقها!
شهقت فاطمة وهي تصرخ بحدة وقد انقلب وجهها إلى كتلة من الغضب:
-اه يا سافلة يا قليلة الادب، انتي فعلاً طلعتي واخدهم من تليفوني وبعتيهم لاخوكي.
صرخت سهام برعب وهي تحاول الدفاع عن نفسها:
-مكنتش اقصد والله...
لكن كلماتها لم تجد أي صدى فقد كانت حكمت قد رفعت العصا من جديد وانهالت عليها بضربات مركزة تُمطر بها مفارق جسدها بلا رحمة، وسط صرخاتها التي ملأت المكان تستنجد برحمة سيرا:
-اي...اه بتوجع يا ابلة..اه ارحميني، اه بلاش تضربي في الحتة دي، اه....يا ناس الحقوني.
زمجرت حكمت وهي تقول بشراسة:
-ده اللي هيحاول يلحقك من تحت ايدي هياخد مكانك العلقة دي.
ثم التفتت إلى فاطمة وهي تلهث من شدة انفعالها:
-ناوليني التليفون يا بت يا فاطمة، اكلم أمها اجيبها!
بدأت سهام تبكي بحرقة وقد رأت أن الوضع يزداد سوءًا، فقالت برجاء شديد:
-لا لا...بلاش أمي لو عرفت هتبهدلني، معلش يا سيرا حقك عليا.
نظرت إليها سيرا نظرة عتاب عميقة وقد امتزج الغضب بالحزن في صوتها:
-حق إيه يا سهام؟! ده انتي خونتي العيش والملح، وسرقتي صوري من عند فاطمة، أنا عملت فيكوا إيه لكل ده؟
لم تكتفِ حكمت بالضرب بل أجبرت سهام على الجلوس فوق مقعد وأحكمت وثاقها بحبل غليظ، رافضة أي محاولة للهروب، فحاولت سهام مجددًا تبرير فعلتها بصوت مرتجف:
-متخافيش والله فايق أخويا محترم مكنش هيعمل حاجة بالصور دي، بس هو كان بيقرص ودنك عشان اخواتك ضربوه وكده، واحدة قصاد واحدة.
لكن كلماتها لم تُجدِ نفعًا، فقد ارتفعت صيحة حكمت بغضب أعنف مما سبق:
-ده عندها....عند أمك واحدة قصاد واحدة دي يا بت يا خاينة، ما عاش ولا كان اللي يقرص أختي يا بت، ده أنا أجيبك واحطك تحت رجلي، خلي أخوكي يبل الصور ويشرب ميتهم...ده نسب إيه ده اللي كنت عايزة أختي تلبس فيه، نسبكم يعر.
وقبل أن تُكمل قاطعتها فاطمة وهي تشير نحو الهاتف:
-أمها ردت يا أبلة.
انتزعت حكمت الهاتف من يدها وقد غير الغضب نبرة صوتها إلى حد أثار دهشة سيرا وفاطمة، وقالت بحدة:
-ايوه ياللي خلفتك تعر بلد، اه...ياختي اسمعي، بنتك الحلوة عندي في شقتي اديتها علقة محترمة، عشان سرقت صور لسيرا اختي واديتهم لابنك ننوس عين أمه، وابنك الصايع بيهدد أختي، فاكرنا مش هنعرف نجيبه، بس على مين ده أخو خطيبها الظابط قالب الدنيا عليه وحالف ليجيبه من قفاه....تعالي دلوقتي عشان انتي ليكي حساب معايا، أصل وربنا انزل في المنطقة أجرسلكم وافضحكم فضيحة تبقى حديث الساعة.
أنهت المكالمة وهي تزفر كأنما تفرغ شيئًا من النار التي تتأجج بداخلها، ثم ابتسمت ابتسامة خبيثة وقد امتلأ صوتها بنشوة الانتصار:
-امك جاية لازم تشوفك مزلولة كده ومربوطة، ولازم هي كمان تاخد اللي فيه النصيب بس من لساني مش من ايدي، عشان تربيكم بعد كده يا تربية ****.
ثم التفتت نحو سيرا تتابع بجدية زائفة ممزوجة بغمزة ماكرة:
-بقولك يا سيرا ابقي قولي للظابك اخو خطيبك على البت دي هي اللي اخدت الصور، عشان يتخدوها يربوها في القسم.
صرخت سهام وهي تئن تتشبث بأمل أخير وهي تلوح برأسها وجسدها:
-لا لا يا سيرا حقك عليا بجد، قسم إيه؟ يا رتني ما سمعت كلامك يا فايق.
لكن لم يعرها أحد أي اهتمام فقد خرجوا ثلاثتهم من الغرفة، وتركوا سهام تبكي بحرقة حقيقية، تندب فعلتها الحمقاء وتعد الثواني انتظارًا للحظة مجيء والدتها، وكأن الزمن نفسه أصبح عقابًا مضافًا إلى ما تعانيه من زل حقيقي.
****
بعد مرور عدة ساعات...في منزل الحاج فاضل.
كانت يسر تنعم بكامل الاهتمام والراحة بعد ما حدث لها، ولم يبتعد عنها نوح لحظة واحدة، إذ ظل مرافقًا لها طوال الوقت، غير أنه ومنذ الصباح اختفى تمامًا، مما أصابها بخيبة أمل ظنًّا منها أنه قد عاد إلى ما كان عليه سابقًا.
لكن رنين جرس الباب متبوعًا بصياح ابنتها معلنةً قدوم أبيها، أعاد الحياة إلى روحها من جديد، فاعتدلت في جلستها تستعد لرؤيته بلهفة،
إلا أن الصدمة اجتاحتها تمامًا عندما رأت الشخص الذي كان برفقته، شخص لم يخطر ببالها يومًا أن تراه واقفًا أمامها في مثل هذا الموقف!!!
★★
في مكان آخر كانت هناك صدمة أخرى بانتظار يزن الذي خرج من سيارته الفارهة ووقف أمام بناية تقع في إحدى المناطق الجديدة بالقاهرة، حيث أرسل له زيدان موقع فايق، الذي كان متواجدًا في إحدى الشقق السكنية برفقة صديق له، رفع بصره إلى الأعلى، يتأمل البناية بشرود وابتسامة خبيثة تحتل وجهه، ثم تحرك بخطوات هادئة نحو صندوق سيارته الخلفي، وأخرج عصا حديدية ضخمة استعدادًا للصعود إلى الطابق المنشود.
لكن فجأة حدث ما لم يكن يتوقعه إطلاقًا، فتوقف في مكانه مندهشًا وهو يخبئ العصا خلف ظهره...
رواية غناء الروح الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم زيزي محمد
حافظ يزن على ثبات تعابير وجهه أمام سليم الذي كان يقف شامخًا كعادته، وكأن الوعكة الصحية الأخيرة لم تترك أثرًا عليه، فبدا كجبل راسخ لا تهزه العواصف يقف بثبات وثقة، يُشع بهيبته المعتادة وكبريائه الذي لم يتزحزح يومًا.
لم يتحرك يزن من مكانه بل انتظر اقتراب سليم، يُراقب خطواته الوقورة ونظراته الفاحصة، حتى انطلقت كلمات سليم بصوته الأجش الرخيم:
-انت بتعمل إيه هنا؟
حمحم يزن وهو يبتسم نصف ابتسامة زائفة، لم تكن تخفي الغل الذي يشتعل في صدره، بل تؤججه كجمرة تحت الرماد:
-المفروض أنا اللي أسالك السؤال ده يا سليم؟
رفع سليم حاجبًا واحدًا باستنكار وقال بحدة:
-إجابته عندك يا يزن!
عقد يزن حاجبيه باندهاش مصطنع ممزوج بسخرية لاذعة، ثم رد بنبرة تحمل تهكمًا لاذعًا:
-الله! يبقى إجابة سؤالك الأول عندك بردو، جاي ورايا ليه؟ حد قالك إن أنا عيل صغير؟!
نبرة يزن حملت بين ثناياها تمردًا دفينًا، كالمراهق الذي يحاول التملص من عباءة أبيه، كأنما اختنق من سطوة الأخ الأكبر، لم يتفاجأ سليم برده بل تنهد بهدوء متعمد، ثم حرك رأسه بحركة بسيطة وقال ببطء وكأنه يسكب الوقود على نارٍ مشتعلة:
-اه عيل صغير.
كلمات سليم جاءت كصفعة غير متوقعة فاحتدت ملامح يزن فجأة، واحمرت عيناه بنار الغضب قبل أن ينطق بنبرة ساخطة تخفي خلفها إنذارًا وشيكًا:
-الحاجة الوحيدة اللي لا يمكن أسمح لحد إنه يتعدى حدود معايا فيها هو إنه يقلل مني، أنت أخويا الكبير واحترامك ده واجب عليا، لكن متحاولش تقلل مني أبدًا، رد فعلي مش هيعجبك.
ارتفعت نبرة سليم فجأة وتشدد صوته كمَن يُلقي أمرًا عسكريًا:
-انت اتجننت؟! مش واخد بالك أنت بتهدد مين؟
كان يزن يتنفس بصعوبة يحاول السيطرة على الغضب الذي يتفجر داخله، لكنه فشل فانفجر كبركان خامد يُنذر بدمار قادم وصرخ بعنف مكبوت:
-وانت مش واخد بالك أني كبرت وحر في تصرفاتي ومينفعش أبدًا أنت وزيدان تعملوا عليا رباطية لمجرد انكوا عايزني امشي على هواكم!
تقدم سليم منه بخطوة وأشار بوجهه نحو العصا الحديدية التي أخفاها يزن خلف ظهره، وقال بحدة:
-وهو الصح إنك تيجي وجايب معاك عصاية حديد عشان تضرب واحد قاعد في شقة مع واحد صاحبه وسكرانين ومش حاسين بنفسهم؟!
صمت يزن طويلاً ولكن ارتسمت على وجهه ملامح السخط، بينما سليم استغل لحظة الصمت ليستكمل بعنف دفين:
-هتستفاد أيه لو كنت ضربته يا حمار ومات فيها غير إنك هتلبس البدلة الحمرا وتاخد فيها إعدام، طول عمري كنت فاكر إن زيدان متهور، بس أنت طلعت أغبى منه.
لم يتحمل يزن تلك الإهانات المتتالية، فانفجرت شرارات الحنق في عينيه وهو يصيح:
-كفاية إهانات يا سليم لغاية كده!
أخذ سليم شهيقًا عميقًا يحاول فيه امتصاص الغضب، ثم قال بصوت أكثر هدوءًا ولكن نبرته حملت ما يكفي من التوبيخ المغلف بالحكمة:
-أيًا يكن الواد ده عمل إيه فيك أو في خطييتك، فاخد الحق حرفة ولازم عقلك يسبق ايدك، انت راجل ابن سوق مينفعش حد يجي يعرفك ازاي تاخد حقك!
كلمات مموهة لكنها مليئة بإهانات مبطنة، دفعت يزن لحد الغليان فصرخ بشراسة تكشف عن غيرته النازفة داخله:
-لو الزفت ده كان عمل مع شمس مراتك اللي عمله مع سيرا، كان زمانك فرمته بعربيتك.
تجمدت ملامح سليم وظهر في عينيه بريق مريب، ثم اقترب حتى كاد يلامس وجهه، وسأل بصوت منخفض لكنه مشحون بتوتر مرعب:
-عمل إيه؟!
رد يزن باقتضاب يلفظه الحنق من بين شفتيه:
-حاجة متخصش أي حد غيري.
رغم أن الجملة كانت حاسمة إلا أن الغموض فيها كان بمثابة دعوة مفتوحة للفضول، لكن سليم لم يتراجع بل زاد إصرارًا وقال بجفاء:
-خلاص طالما حاجة متخصش أي حد غيرك، يبقى تركب العربية معايا ونروح من سكات ومسمعش نفسك أبدًا أو حتى أي اعتراض منك.
زفر يزن بقوة، ويداه تغوص في خصلات شعره بعصبية ثم قال:
-هرجع واقولك أنا مش عيل صغير يا سليم!
ابتسم سليم بسخرية وكأنه يستمتع بتضييق الخناق عليه:
-لو قولتلي الواد ده عمل إيه بالظبط، هسيبك تطلعله تضربه وتشفي غليلك منه بس بشرط.
رفع يزن حاجبيه وهو يردد باستهزاء:
-كمان في شرط؟!
-ايوه شرط مهم اوي، هطلع معاك فوق متخافش مش هتدخل هقف واتفرج بس وقت لما اقولك كفاية تسمع كلامي.
وقبل أن يرد استكمل سليم بنبرة أكثر عقلانية، لكنها لم تخلُ من سيطرة خفية:
-الضرب هيكون بحدود عشان ده واحد سكران، ومتبقاش غشيم اه تاخد حقك بس تخلي فيه روح.
ثم أنهى كلامه بشرط نهائي:
-بس ده كله مش هيحصل غير لما تقولي عمل إيه؟ ووقتها أنا هحكم تطلع أو مش هتطلع، مش يمكن تكون حاجة تافهة؟!
رمقه يزن بنظرات غيظ وابتسم ابتسامة غاضبة متوترة، ثم حرك رأسه في غضب داخلي وأخبره بكل شيء....بكلمات محددة مباشرة، كأنها تخرج من فم مثقل بالغيرة القاتلة.
عبس سليم فورًا وحرك حاجبيه بتكشيرة حادة، ثم قال بهدوء مشوب بالغضب:
-تمام هنطلع بس العصاية دي حطها في العربية، واستخدم عضلاتك ولا هي ديكور!!
تنهد يزن بقهر، وابتلع الإهانة مرة أخرى دون أن ينبس بكلمة، مستجيبًا لرغبة أخيه في صمت، ثم صعدا معًا درجات السلم للبناية الجديدة، التي ما زالت تفوح منها رائحة الخرسانة حديثة الجفاف، وصلوا أمام الشقة المنشودة فتوقف سليم فجأة، ونظر لأخيه نظرة قاطعة:
-اضرب براحتك بس اوعى ضربة تعدي وتخليه يقابل رب كريم.
رسم يزن ابتسامة خبيثة وهمس بسخرية واضحة:
-حاضر يا أبيه هضربه براحة، هضربه مرة على ايده ومرة على.....
توقف فجأة وهو يرمق سليم بنظرات ماكرة ثم سقطت نظرت خلف ظهر أخيه الأكبر، فما كان من سليم إلا أن أمسك وجهه بقوة وهمس بتهديد ناري خافت:
-واقسم بالله يا يزن انت عايز تتربى من أول وجديد.
تنحى يزن جانبًا وهو يتخلى عن لهجته المشاغبة ويتحدث بجدية واضحة، ونبرة ثابتة كأنما حسم أمره:
-خبط انت يلا، عشان هو غالبًا لو شافني من العين السحرية مش هيفتح.
أطلق سليم حمحمة خفيفة وكأن صدره استعاد شيئًا من خبثه القديم، ثم وقف أمام الباب شامخًا يده اليسرى داخل جيب سرواله، واليمنى ضغط بها على الجرس بحدة، تأمله يزن للحظة ورفع حاجبيه ساخرًا من هيبته التي لا تفارقه حتى وهما على وشك ارتكاب فعل أهوج!
وبعد ثوانٍ معدودة فُتح الباب ببطء، وظهر شاب مترنح يبدو عليه عدم الاتزان، فتح فمه ببطء وتفوه بثقل فاضح:
-نعم؟ مين؟
وقبل أن يكمل جملته تلقى لكمة مباغتة من سليم سقط على إثرها أرضًا مغشيًا عليه! لم يكن هناك تمهيد أو سابق إنذار، فقط يد صارمة ووجه لا يتزحزح، ابتسم سليم بعدها بثقة وهو يشير برأسه إلى يزن كمَن أنجز المهمة بسهولة:
-مش قولتلك مش مستحملين!
تغيرت ملامح يزن فجأة وكأن الأدوار قد انقلبت في لحظة خاطفة، ثم تقدم بخطوة وهو يتحدث بخشونة تحمل نفحة رجاء:
-سليم انت خارج من عملية، متتهورش عشان خاطري الموضوع يخصني، أنا وافقت أنك تطلع معايا عشان تتطمن إن أنا مش غشيم مش زي ما أنت فاكر.
وقبل أن يتمكن سليم من الرد اخترق أذنيهما صوت فايق من الداخل، وهو يتحدث في الهاتف بنبرة ثقيلة واضحة مشحونة بالغضب والصراخ، كأنه يخوض شجارًا دون أن يدري أنه على بُعد خطوات من كارثة:
-والله ما هسيبها لا هي ولا اختها العقربة حكمت، وبعدين بنتك غبية رايحالهم برجليها وهي عارفة أنها عاملة فيها مصيبة، أنا قايلها تاخد حذرها منها.
ارتسمت نصف ابتسامة على وجه يزن فلم تكن فرحة ولا شماتة، بل كأنها ابتسامة ذئب على وشك الانقضاض، دخل بخطوات ثابتة كمَن يقترب من فريسته، عيونه تبحث عن الصوت حتى وجده، فقد كان فايق يقف أمام نافذة عريضة يتحدث عبر هاتفه يشيح بظهره عن الصالة:
-أنا في شغلي يا اما، عشان كده مش قادر اتكلم ولا اركز معاكي، لما اخلص هكلمك.
أنهى المكالمة بسرعة فقد أحس أن هناك أمرًا غريبًا، توتر يسري في أرجاء الشقة، إحساس مفاجئ لم يخنه رغم السكر، زفر بقوة ثم رفع كأسه يتجرعه بغل:
-وحياة أمك ما أنا سايبك يا سيرا يا بنت الـ ****، أنا هنشرلك صور حالاً على الفيس.
وقبل أن يكمل جملته وجد نفسه يدور بسرعة جنونية، يتلقى الضربات من كل اتجاه، لم يفهم من أين تأتي ولا كيف يردها، فكل شيء حوله أصبح ضبابيًا...قبضات يزن انهمرت عليه بلا هوادة، وكأنها تعزف مقطوعة انتقامية فوق جسده الواهن.
حاول فايق المقاومة لكن تركيزه كان في الحضيض، والخمر أسقط سلاحه الوحيد، فصار كخرقة بالية تتلقى العقاب لا حول له ولا قوة.... أما يزن، فكان يهدر بكلمات تخرج من بين أسنانه كما تخرج الحمم من فوهة بركان:
-سيرتها متتجبش على لسانك تاني يا ابن الـ****، أنا مش هسيبك في حالك يالا، أنا هكون عملك الاسود ورايح.
في تلك الأثناء كان سليم قد توجه نحو الهاتف المحمول الموضوع على الطاولة التقطه بهدوء، ثم جلس فوق أحد المقاعد واضعًا ساقًا فوق الأخرى، وبدأ يُصور بهاتفه الآخر مقطع فيديو ليزن وهو ينهال بالضرب على فايق، وللحظة بدا عليه التسلية لكنه ظل متأهبًا، لا يتخطى حدوده رغم الجنون من حوله!!
وفجأة اندفع يزن لاستكمال الضرب، لكن صوت سليم ارتفع بحدة قاطعة:
-كفاية خلاص، ضربك له بعد كده مش هتستفيد منه بحاجة، تعالى عشان في حاجة أهم.
توقف يزن يتنفس بسرعة، وشعره يتساقط فوق جبهته المشبعة بالعرق ووجهه محتقن، ويده ترتجف من فرط الغضب، اقترب من سليم فأعطاه هذا الأخير الهاتف قائلاً بمكر خبيث:
-خده وجرب تفتحه ببصمة وشه أو صابعه وامسح صور سيرا، ولو مفتحش مش مشكلة هاته وأنا هخلي حد معرفتي يفرمطه.
أخذ يزن الهاتف كأنه يحمل نارًا مشتعلة توجه نحو فايق الملقى كجثة هامدة، وبدأ يجرب بصمة الوجه لكنها فشلت، فجرب أصابعه واحدًا تلو الآخر، حتى نجح أخيرًا في فتح الجهاز.
دخل إلى المعرض بدأ في البحث عن الصور، ووجدها...للحظة توقفت أنفاسه، رغبة جامحة في النظر إلى صورها، فضول قاتل...لكنه قاوم، لم يرد أن يخونها حتى بنظرة.
وفي هذه الأثناء كان سليم قد فتح أحد أدراج الطاولة، فوجد داخله أكياسًا من الهيروين وأنواعًا أخرى من الحبوب المخدرة، فعلم أنها قضية أكبر من مجرد صور، أخرج هاتفه وأرسل لزيدان رسالة قصيرة:
"للأسف ملحقتش اخوك وضربه جامد، ولما طلعت شفت مخدرات فوق، اتصرف انت، المهم الواد ده يبات في الحجز عشان يتعلم يجي تاني على أخوك".
أنهى رسالته وأغلق الهاتف ثم التفت إلى يزن الذي كان يُعدل من ثيابه بصمت، وقد هدأت أنفاسه قليلًا، فقال له بصوت هادئ لكنه مشحون:
-أنا مسحت الصور، بس خد تليفونه وفرمطه بردو عشان أبقى مطمن.
أومأ سليم دون تعليق ثم التقط الهاتف ووضعه داخل جيبه، وقال بعجلة:
-يلا نمشي عشان زمان الشرطة جاية، في مخدرات هنا وأنا بلغت زيدان يتصرف.
ابتسم يزن ساخرًا ونظر نحو فايق، ثم بصق عليه باحتقار شديد قبل أن سليم نحو الباب، بينما هذا الأخير يتحدث بتعالٍ:
-لازم تتقفل قفلة صح ويتعلم ميجيش أبدًا جنب اللي يخص يزن الشعراوي ولا إيه يا يزن باشا؟
توقف يزن على عتبة الباب وأشار له بسخرية:
-من بعدك يا سليم باشا.
خرج سليم أولاً ثم تبعه يزن، دافعًا ساق صديق فايق الملقاة أمام الباب بكعب حذائه، ثم أغلق الباب خلفه في هدوء قاتل كأن شيئًا لم يحدث.
توقف سليم عند أول الدرج، التفت نحو أخيه بابتسامة خبيثة وقال:
-أنا بعتلك فيديو ممكن تحب توريه لسيرا، أظن هتتبسط بيه!
أخرج يزن هاتفه ليتفقد الرسالة لكن رسالة سيرا الجديدة كانت في انتظاره، أثارت غضبه أكثر مما تخيل:
"خلاص يا يزن، متتصرفش أنا أخدت حقي منه، وأمه هتتصرف معاه"
صر على أسنانه بشدة وغمغم بحنق مكتوم:
-اقسم بالله شايله راسها وحاطه مكانها جزمة.
بحث في الرسائل حتى وجد الفيديو الذي أرسله له سليم، فابتسم بفتور وقال:
-سليم فاكرها هتتبسط!، دي احتمال تمسك فيا في خناقي.
لكنه بعناده المعتاد.قرر أن يرسل الفيديو لها، وأرفق معه رسالة واحدة:
"لو انتي شايفة أنك لما تعرفي أمه يبقى كده اخدتي حقك، فأنا كده أخدت حقي"
أغلق هاتفه بعدها لا يريد مكالمات ولا نقاشات، فقط راحة داخلية استقرت فيه أخيرًا...راحة قاتلة لكنها عزيزة وكأن ثقلًا أزيح من على صدره، انتهت الليلة ولكن بقيت آثارها محفورة في جدران عقله.
***
في شقة سيرا وتحديدًا داخل غرفتها التي يعبق فيها عبير العطور الهادئة، كانت فاطمة تتابع المقطع للمرة الثالثة تنظر إلى الشاشة بعينين لامعتين وقد اتسعتا إعجابًا، وصاحت وهي تصفق بحماسة كأنها تشاهد مشهدًا من فيلم أكشن مفضل لها:
-يا بنتي والله راجل، ده مشهد أسطوري بصي بصي وهو بيقع!
ثم عادت تصفق من جديد لحظة سقوط فايق، غير عابئة بصوت الهاتف المرتفع، وكأنها تعيش المشهد وكأنه انتقامها الشخصي، أما سيرا فكانت في عالم آخر تمامًا تجلس متربعة فوق السرير، مرتدية بيجامتها القطنية ذات اللون الأصفر، شاردة الذهن غارقة في كلماته التي أرفقها مع المقطع.
لم تكن تراه كما رأته فاطمة، لم تهتم للضربات أو اللقطات العنيفة، بل علقت روحها في كلمته التي أرفقها مع المقطع، أيعني هذا أنها... تخصه؟
ابتسمت تلك الابتسامة البلهاء التي لا تخرج إلا من عاشقة، ثم تنهدت بأنوثة حالمة وهي تضغط بأطراف أصابعها على وجنتيها كأنها تتذوق حلاوة الشعور بالامتلاك لا الخوف منه.
ظلت تعيد تفسير اعترافاته وتكرارها تحلل نبرته، وتعيد المشهد من رأسه كل مرة، كأنها تستخرج من كل ثانية فيه معنى خفي جديد.
ولكن قاطعتها فاطمة وهي تشيح بكفها أمام وجهها:
-سيرا وربنا انتي لو اتضايقتي من موقفه هطلع واقول لابلة حكمت تديكي علقة زي البت سهام.
نظرت إليها سيرا مبتسمة وهزت رأسها نفيًا وهي ترد بهدوء خافت، وكأنها تخشى أن تُفسد تلك اللحظة الساحرة بصوتها:
-لا خالص مش متضايقة يعني واحد بياخد حقي هزعل منه يا فاطمة؟!
تنفست فاطمة بارتياح ثم أسندت ظهرها للحائط بجانب السرير وقالت بنبرة حماسية:
-طيب كويس إنك عاقلة، المهم احنا لازم بكرة نصحى بدري نجيب هدية حلوة وورد وتروحيله للأجانص تديهاله وتشكريه.
سكتت لحظة ثم رفعت حاجبيها بفخر وأضافت:
-ومتقلقيش معايا فلوس.
ضحكت سيرا برقة وهي تمسك طرف الغطاء الملفوف حولها، وقالت:
-لا ما أنا معايا بردو، بس انتي شايفة يعني أني لازم اجيب هدية حلوة؟ مش هيبان أني بتلزق فيه.
ردت فاطمة بسرعة وثقة، وكأنها خريجة أكاديمية بروتوكولات:
-لا خالص ده من الذوق يا بنتي انتي لو مجبتيش هيقول عليكي قليلة الذوق أصلاً.
أطرقت سيرا تفكر لحظة ثم عقدت حاجبيها في حيرة لذيذة وهمست:
-لا لو كان كده يبقى لازم اجيب.
ثم نظرت إلى السقف بابتسامة حالمة جديدة، وكأنها تخطط في خيالها شكل الهدية، لون الورد، وردة واحدة؟أم باقة زهور؟ وماذا ستكتب في البطاقة؟ كلها تفاصيل صارت فجأة أهم من أي شيء!!!
***
لم تكن تتخيل يومًا أن يجلب عائلته فردًا فردًا، يقفون أمامها بوجوه يعلوها الانكسار، وأعينهم تغص بالأسف يعتذرون بكلمات خافتة ومرتجفة، كأنهم يخشون ألا تُقبل منهم، بينما هو وقف إلى جوارهم بكامل شموخه وعيناه لا تفارقها، يراقب ردة فعلها كأنما يبحث فيها عن طمأنينة تخصه هو، فبدا وكأنه هو مَن جُرح لا هي.
وحين انتهوا وغادروا جميعًا في صمتٍ مُربك، لم يتفوه أحد منهم بتبرير أو شرح لما بدر منهم ولا حتى هو، فاكتفى فقط بابتسامة دافئة مبهمة ثم لحق بهم بهدوء، تاركًا خلفه سيلًا من الأسئلة في رأسها، فهي لم تطلب منه أبدًا أن يُحضرهم، بل طلبت منه بوضوح أن تبتعد عنهم، حين رأت أن التجنب أفضل وسيلة للسلام معهم!
مر الوقت بطيئًا ومتثاقلاً وهي تنتظر منه اتصالًا، أو عودة تُفسر ما فعله ولكن يبدو أنه اكتفى فقط بتلك الابتسامة، تلك النظرة التي لم تفسر شيئًا سوى أنها تعني الكثير بالنسبة له هو.
نفد صبرها فقررت أن ترفع الهاتف وتتصل به علها تجد عنده إجابة، رغم أنها حجة لمجرد سماع صوته وعندما جاءها صوته المرهق المحمل بآثار النوم، قالت بإحراجٍ خافت:
-أنا صحيتك؟
قالت العبارة بخجل وبصوت خفيض، وكأنها تخشى أن تزعجه أو تبالغ في قلقها.
-انتي تعملي اللي انتي عايزاه.
قالها بخمولٍ صادق فتسللت نبرته إلى أعماقها، وتسلل معها رجفة لذيذة افتقدتها طويلًا، ابتسمت بخجل وحنان ثم همست بنعومة:
-شكرًا، بس يعني لو مش هضايقك كنت محتاجة أعرف ليه؟
لم تعد مهتمة الآن بسبب إحضاره لعائلته قدر ما كانت تبحث عن أي خيط تتشبث به في الحديث معه:
-هو إيه اللي ليه؟
سأل وهو يحاول أن يستجمع وعيه، لكن نبرته بقيت هادئة مستقرة:
-ليه جيبت عيلتك كلها تعتذرلي رغم إن أنا مطلبتش كده، ولو مكنتش عملت كده، مكنتش هزعل يا نوح.
ساد لحظة من الصمت قبل أن يرد بصوت ثابت ونبرة عميقة تحمل ما وراءها من قتال طويل:
-ده حقك ولازم ده كان يحصل، وعشان ميفكروش يجوا عليكي مهما حصل، أنا لو شايفك وحشة معاهم هديهم عذر، بس مفيش أبدًا اعذار اللي بيعملوه ده، دول أهانوني قبل ما يأذوكي.
أحست بكلماته تهبط عليها مثل ماء دافئ في شتاء قارس، كلمات نُطقت بصدق وبكرامة وبمحبة دفينة، ومع ذلك لم تستطع أن تمنع نبرة الندم التي خرجت منها بصوتٍ متردد:
-يمكن كانت لحظة شيطان أنا بردو غلطت إن اتدخلت في حاجة متخصنيش.
-أنا كلي على بعضي حياتي ومالي يخصوكي، يمكن مكنتش بحكيلك عشان شايف إنهم عمرهم ما هيتغيروا معايا.
قالها بصراحة لا يشوبها زيف لكنه لم يخبرها بالحقيقة كاملة، لم يقل إنه كان يشعر أنها تبتعد شيئًا فشيئًا وكأنها لم تعد تراه كما كان، وأن مراقبتها المستمرة له وتوجسها منه، جعلاه يشعر كالغريب في بيته...كالغريب في قلبها.
-هما في النهاية أهلك يا نوح واللي مالوش خير في أهله مالوش خير في حد، ويمكن انت ربنا كارماك في شغلك عشانهم، فمتحطش دي قصاد دي.
ردت برزانة رغم اختناق صوتها، وكأنها تحاول أن توازن الأمور، فقد كانت تعلم في قرارة نفسها كم جاهد من أجلها، وكم أهانهم لأجل كرامتها، ومع ذلك مشهد إذلالهم أمامها لم يرضها...بل أثار فيها الحزن، فلم تعتد يومًا أن ترى أحدًا منكس الرأس أمامها حتى لو كان يستحق.
-أيًا كان الطريقة انتي اغلى حاجة في حياتي حاليًا ومعنديش استعداد أبدًا اخسرك بسببهم، يجوا بالتراضي بالعافية المهم أكون جيبت حقك، وهما يعرفوا حدودهم معايا كويس، أنا لو كنت زمان ب
سامح في حقي، بس دلوقتي لا...وبالذات بعد اللي عملوه معاكي.
كانت كلماته كدفعة أمان، كيد تُمسك بها بعدما أصبحت على شفا الانهيار فسألته بتردد طفولي، يحمل في طياته وجعًا:
-بصراحة كنت خايف عليا ولا على ابنك يا نوح؟
ابتسم هو رغمًا عنه ثم قال بهدوء:
-الاجابة دي انتي عارفها كويس، أوقات الكلام عمره ما يوصف حقيقة المشاعر والمواقف اللي بتبين.
-بس انت مواقفك معظهما معايا وحشة!
قالتها وهي تختنق بكلماتها، وكأنها تُفرغ ألمًا طويل الأمد دفعة واحدة.
-انتي اللي دماغك اللي فيها حاجة غلط، يعني نفهم ونكون عندنا شوية عقل، متمسك بيكي وخايف عليكي، ومستعد اعمل أي حاجة وترجعي البيت أعمل أيه تاني طيب!
-تمشي حسناء من عندك وتطردها.
قالتها فجأة وكأنها تسدد ضربة أخيرة، تطلب فيها الدليل الحاسم...الدليل الذي لا يحتمل تأويلاً.
-لا.
قالها بهدوء لكن كلمته كانت كصفعة باردة على قلب مشتعل.
ارتفعت نبرة صوتها، واهتز معها حاجز الصبر:
-هو إيه اللي لا؟ انت بتتكلم بجد؟ نوح أنت عايز تجنني؟ انت في حاجة بينك وبينها؟
-تصبحي على خير يا أم لينا، حاولي تنامي وترتاحي وتفصلي دماغك من التفكير شوية.
قالها وهو يختتم الحديث بصوته المتعب، كأنه يستشعر أن أي كلمة بعدها لن تُفهم كما يجب.
-تصدق بالله أنا كل ما اصفالك تيجي وتحرق دمي، أنا غلطانة أصلاً إن افتكرت إنك في يوم ممكن تتغير.
أغلقت الاتصال في وجهه دون تردد، ثم ألقت بالهاتف بعيدًا لتتناثر أنفاسها مع انفجار الغضب، وهي تردد بغضبٍ يتغذى على الألم:
-يعني إيه لا، بيقولي لا بكل بساطة، لدرجادي متمسك بيها، هو عايز إيه؟ عايز يجنني!!
ثم انهارت على الفراش تمسك بوسادتها كما لو أنها تمسك ما تبقى من كرامتها تبكي بصمتٍ دامٍ، وتهمس بانكسار لا يُحتمل:
-عايز كل حاجة، كل حاجة.
ظلت تبكي لفترة ودموعها تسيل بصمتٍ موجع، كل شهقة كانت تُنقص من رصيد ثقتها بنفسها، لكنها في لحظةٍ خاطفة وسط سكون الغرفة وانطفاء الأمل، زفرت بقوة كما لو أنها تطرد كل هذا الضعف من صدرها دفعة واحدة.
أبعدت الوسادة عن وجهها بحدة، كأنها تُبعد فكرة الحنين له، ثم اعتدلت في جلستها ببطء تمسح دموعها بكفٍ مرتجفة لكنها عازمة، وملامحها بدأت تتماسك تدريجيًا، يتشكل على وجهها تعبير غامض بين الصدمة والعزيمة.
نظرت إلى الهاتف من بعيد لا برغبة في الاتصال، بل بنظرة حسابية باردة، وكأنها تعيد ترتيب الأمور في رأسها، فهمست لنفسها بصوت مخنوق لكنه ثابت:
-لأ مش أنا اللي يتقالي لا وأكمل عادي، مش أنا اللي كل ما أحن ألاقيه بيفوقني على صدمة.
كان واضحًا الآن أنها قررت ألا تستسلم لحنينها، وألا تنكسر أكثر بل تُكمل ما بدأته قبل دخولها المستشفى، ستؤدبه بطريقتها لا بخصام ولا بصراخ، بل بإبعاد حسناء عنه خطوة بخطوة، وبهدوء يُشبه السم البارد.
لن تتراجع عن مخططها، ولن تضعف أمام كلماته مهما كانت صادقة، ستظل قاسية بقدر ما يليق بكرامتها.
****
في اليوم التالي...
سارت سيرا وحدها في الطريق المؤدي إلى معرضه تخطو بخجلٍ بالغ، وهي تحمل في يدها حقيبة صغيرة مخصصة للهدايا، تحوي بداخلها هديته التي انتقتها بعناية فائقة، فقد كانت وحدها منذ الساعات الأولى للصباح، بعدما اعتذرت فاطمة عن مرافقتها مدعيةً الإرهاق الشديد، وأنها تحتاج إلى الراحة والنوم، فلم تجد سيرا حلاً سوى خوض هذه الرحلة منفردة، رغم حيرتها وتشتتها بسبب جهلها بذوقه في الهدايا، لكن وبمحض الصدفة وقعت عيناها على شيء في أحد المتاجر الصغيرة، شيء بسيط لكنه يحمل روحًا تعبر عنه، فشعرت أنه قد يسعده إن رآه، ثم أضافت عليه لمستها الخاصة واحتفظت به في الحقيبة.
توردت وجنتاها حتى صبغهما الحياء بلونٍ أحمر خفيف كلما اقتربت أكثر من وجهتها، قلبها يخفق كطبول صغيرة خائفة، فهي للمرة الأولى في حياتها تُهدي شابًا إذ لطالما اقتصرت علاقاتها السابقة على صديقاتها الفتيات، دون أن تتجاوز تلك الدائرة الآمنة.
اختلطت مشاعرها بين الخوف والارتباك، ترى هل سيفسر موقفها بشكلٍ خاطئ؟ هل سيراها متهافتة عليه؟ أم سيُدرك أنها فقط تحاول أن تُعرب عن امتنانها لموقفه الأخير معها؟
تملكها التوتر تمامًا حتى قالت هامسةً بصوتٍ متهكم:
-ربنا يسامحك يا فاطمة كنتي تعالي معايا.
وما لم تدركه سيرا أن فاطمة لم تكن متعبة بالفعل، بل تظاهرت بذلك عمداً لتمنحهما مساحة خاصة دون وجود طرفٍ ثالث يعكر صفو الموقف.
زفرت سيرا أنفاسًا عميقة وهي تقف أمام الباب الزجاجي للمعرض، وقد كانت الشمس تتهادى نحو المغيب، جالت بعينيها داخل المكان بحثًا عنه، حتى لمحته يقف مع إحدى الزبائن امرأة في منتصف الأربعين من عمرها، وبرفقتها فتاة تصغرها بسنوات، وكان من الواضح أنه يُحاول إقناعهما بشراء سيارة ما، إذ بدا مسترسلًا في الحديث معهما، وعيناه تلمعان بذلك البريق المعتاد عندما يتحدث مع الجنس الناعم، فيما تزينت ملامحه بابتسامة ساخرة جذابة، تعكس ثقته المفرطة بنفسه.
استجمعت سيرا شجاعتها وخطت خطوة إلى الداخل، ثم خرج صوتها ناعمًا لكنه مهزوز قليلًا:
-يزن.
أدار رأسه نحوها تاركًا الزبونتين، وعلت ملامحه لمحة دهشة خفيفة ثم استقرت عيناه عليها وهي تقف أمامه، تضم بين يديها الحقيبة الصغيرة بقوة، وكأنها تتمسك بها لتستمد منها بعضًا من الثبات، فيما ارتسمت على شفتيها ابتسامة باهتة تعكس ما بداخلها من اضطراب وارتباك.
ابتسم لها برفق ثم اعتذر من السيدتين، وكانت نظرات الأربعينية مليئة بالفضول وهي تحدق في سيرا نظرات متفحصة، خاصةً حين تركهما يزن وتوجه مباشرة نحو سيرا، فبادرت الأخيرة بتبرير حضورها سريعًا:
-معلش لو كنت عطلتك، بس كنت...
ابتسم لها بحنو عندما بدا مرحبًا بوجودها:
-لا أبدًا...تعالي ادخلي جوه في المكتب، وأنا هخلص واجيلك، استنيني شوية بس، ولا انتي وراكي حاجة.
حركت رأسها بنفي وهتفت بخجل واضح:
-لا ابدًا أنا فاضية.
دخلت سيرا المكتب بخطواتٍ مترددة، ثم جلست على أحد المقاعد المقابلة للزجاج بحيث يُمكنها مراقبة المشهد الخارجي دون أن تُلاحظ، فراحت تتابع تفاصيل الحديث بينه وبين السيدتين، ثم شاهدتهما تتجهان إلى أحد المكاتب الجانبية حيث اختفوا عن ناظريها.
زفرت بتنهيدة طويلة يختلط فيها الضيق بالغيرة، فأخذت تراقب عقارب الساعة في صمتٍ ثقيل يُوشك على خنقها، انتظرت كثيرًا حتى شعرت أن الوقت يمر ببطء شديد، فقررت أن تنهض وتخرج لتتظاهر بتفقد السيارات المعروضة، على أمل أن يراها فيتذكر وجودها.
تجولت بين السيارات تمرر أصابعها على مقابض الأبواب وتتفحص التفاصيل الصغيرة، حتى وجدت نفسها داخل سيارة تقع مباشرة أمام المكتب الذي يجلس فيه، فجلست بداخلها تُقلب محتوياتها وتتظاهر بالاهتمام، بينما عيناها لا تكفان عن مراقبته من خلف الزجاج.
ما أثار حنقها أكثر أن مظاهر الإعجاب والتودد لم تكن من الفتاة الصغيرة، بل من السيدة الأربعينية التي كانت تميل بجسدها وتضحك بجرأة مستفزة، فزمت شفتيها غيظًا وهمست بغيظ مكتوم:
-مش راحم لا كبيرة ولا صغيرة.
ثم في لحظة انفعالٍ حادة ضغطت على بوق السيارة بقوة أثارت انتباه جميع العاملين في المعرض وحتى هو نفسه، انطلقت الأنظار نحوها في دهشة، فحاولت استدراك الموقف بحمحمة خجولة وانكمشت أكثر في مقعدها تداري خجلها بابتسامة مهزوزة.
ويبدو أن تصرفها قد أزعج السيدة التي نهضت مغادرةً بصحبة الفتاة وانسحبت من المعرض بوجهٍ عابس:
-يا دي النيلة أنا طيرت له البيعة ولا أيه؟
بحثت عنه بعينيها مجددًا لكنه اختفى عن أنظارها، فراحت تلتفت يمينًا ويسارًا داخل السيارة، حتى فزعت فجأة عندما فُتح الباب بجوارها، فوجدته يقف مبتسمًا بسخرية قائلاً:
-لو خلصتي لعب، انزلي تعالي أنا فضيت.
تركت السيارة بسرعة تتبعه بخجل، ثم دخلت المكتب من جديد، لكنه جلس على المقعد المقابل لها، فيما وقفت هي حائرة تُصارع ترددها، إلى أن قررت إعطاءه الهدية والمغادرة مباشرة، فمدت يدها بالحقيبة الصغيرة دون أن تنطق، مما جعله يرفع حاجبًا بدهشة، ثم قال:
-إيه دي؟
-هدية.
ردت سيرا بصوتٍ خافت يخالطه توترٍ واضح:
-ايوه ما انا شايف لمين؟
رفع عينيه نحوها بسرعة ورغم أن نبرته كانت مرحة إلا أنها لم تُخفَ نظراته الفاحصة المتفحصة لملامحها المرتبكة.
-هتكون لمين يعني؟ ليك.
قالت ذلك بلهجة تنم عن محاولة يائسة لإخفاء ارتباكها، فيما كانت يدها تنقبض وتنبسط بجانبها، كأنها تبحث عن شيء تُمسك به لتستمد منه الثبات.
-بجد، بس عيد ميلادي لسه مجاش، بس هدية مقبولة.
تظاهر بالخفة لكن داخله لم يكن بنفس القدر من الهدوء؛ شيء في تلك الهدية لامس شيئًا أعمق لديه، فقالت بخجل وهي تُخفض رأسها، تُخفي نظراتها عن عينيه:
-دي عشان موقفك معايا، فاطمة قالتلي لازم اشكرك بالطريقة دي.
تجمدت ابتسامته قليلًا وظهر في عينيه بريق استنكار خافت، ثم قال بتساؤل مستنكر:
-نعم؟!
رمشت بعينيها كأنها لا تدرك سبب رد فعله:
-نعم أيه؟!
قال بجفافٍ ساخر وقد قطب جبينه:
-ومجبتيش فاطمة ليه تديهالي هي؟ انتي زي ما يكون حافظة مش فاهمة.
ارتفعت أنفاسها من الغيظ، لم تستوعب كيف تحولت نيتها الطيبة إلى سبب في السخرية، فردت بانفعالٍ مكتوم:
-بقولك ايه احترم نفسك، اشمعنا أنا اللي بتيجي عندي وبتديني كلام دبش، رغم إن أنت واقف مع كل من هب ودب وتضحك وتتكلم بأسلوب كويس.
كلماتها خرجت كدفعة واحدة، تنتظر أول لحظة غيظ ممزوجة بالغيرة لتندفع بلا هوادة، فضحك بخفة وهو يومئ برأسه مستهزئًا:
-ما أنتي مابتقدميش السبت يا حبيبتي عشان تلاقي الحد، أنتي مدمرة الاسبوع كله.
تقدمت خطوة للأمام ونبرة صوتها بدأت تعلو رغم محاولتها التماسك:
-يا سلام! والهدية دي إيه بقى؟ تصدق أنا غلطانة هات هديتي.
مدت يدها نحوه بحركة سريعة لكنها لم تجرؤ على لمس الصندوق، فقط أرادت أن تُظهر له أنها جادة في سحبها، ولكنه رفع الصندوق عاليًا وهو يبتسم كطفل انتصر في لعبة:
-لا...خلاص حقك عليا، هعتبرها عربون محبة.
ضيقت عينيها بغضب مكبوت وقالت:
-لا ده عربون شكر على موقفك وبس مفيش اكتر من كده.
تجمدت ابتسامته عندما ظهرت نظرة غريبة، تحمل مزيجًا من الحدة والتوتر، ثم قال بصوتٍ منخفض لكنه مشحون:
-شكر إيه يا معتوهة انتي؟!
رمشت عيناها مرتين ثم قالت بذهولٍ لا يخلو من حنق:
-انت بتشمني يا يزن؟
-ما انتي غريبة محسساني إن أنا واحد غريب عنك وجيتي طلبتي مساعدتي فأنا كتر خيري ساعدتك، أنتي عبيطة انتي اللي يفكر يأذيكي أعلم أمه الادب.
جملته الأخيرة انطلقت كتصريحٍ ناري حاد اللهجة، لكنه كان يفيض بحماية دفينة، رغبة مكبوتة في الدفاع عنها لم يُحسن التعبير عنها بالكلمات، فخرجت على هيئة انفعالٍ عشوائي.
هزت سيرا رأسها ببطء تائهة بين ما تسمعه وما تشعر به، ثم تمتمت دون أن ترفع نظرها إليه:
-وده كله ليه بقى؟ مش فاهمة إيه يعني اللي بينا عشان تقولي كده؟
ساد لحظة صمت مشبعة بالأسئلة، تبادل فيها كلاهما نظراتٍ خافتة، وكأنهما يتحسسان حدود العلاقة بينهما دون اعتراف صريح، ثم قال بصوتٍ منخفض لكن يحمل يقينًا:
-لا انتي فاهمة كويس بس بتعشقي تلعبي دور العبيطة.
انقبضت ملامحها من عبارته، لكنها تماسكت ورفعت رأسها بثبات فقالت بنبرة صارمة تكتم فيها رجفة مشاعرها:
-يزن لو سمحت متتعداش حدودك معايا.
قطب جبينه كأنه فوجئ بحدتها، لكنه لم يتراجع بل أكمل بنفس النبرة المستفزة:
-وانتي متعاملنيش كده!
انزعجت من غموضه وردت باستغرابٍ حقيقي:
-أنا بتعامل معاك ازاي مش فاهمة؟
-كأني واحد غريب!
رمشت عدة مرات لا تدري ما الذي يقصده تمامًا، لكنها قالت تلقائيًا:
-طيب ما انت غريب.
ارتفع حاجباه بدهشة واضحة وكأن تلك الكلمة نالت من كرامته بشكل لم يتوقعه، فاقترب قليلًا وقال بلهجة متأججة:
-وقراية الفاتحة اللي ما بينا.
شهقت بصوت مكتوم وابتلعت ريقها في ارتباك بسبب اقترابه الشديد منها، فحاولت أن تتمالك نفسها وقالت بتهكم دفاعي:
-بلها واشرب ميتها، مفيش رابط رسمي ما بينا.
وأشارت بأصابعها في وجهه لعدم وجد حلقة ذهبية في إصبعها، ورغم إدراكه لمقصدها إلا أنه مد يده وأنزل يدها بحسم وتملك، ونبرة صوته هبطت لتلامس أعماقها:
-نزلي صوابعك بس، في عرف عيلة الشعراوي قراية الفاتحة زيها زي الجواز بالظبط.
نظرت إليه شزرًا ورفعت ذقنها بكبرياء أنثوي جريح:
-في عرفكم انتم مش عرفنا احنا، وبعدين دي مش قصتي، هتاخد هديتك ولا لا؟!
لم يجبها بل اكتفى بالتحديق فيها بعمق، ثم فجأة قال بنبرة أخف ما تكون بين الجد والدعابة:
-انتي طمعتي فيها ولا ايه؟!
ثم أمسك بالحقيبة السوداء الصغيرة، يفتحها بروية كأنه يتعامل مع كنزٍ دقيق يقدره رغم كل انفعالاته السابقة معها، أخرج منها صندوقًا أسود صغيرًا مخمليًا، فتحه ببطء لتنكشف له المفاجأة.
سيارة صغيرة الحجم لكنها مشغولة بعنايةٍ بالغة، تُحاكي سيارته الحقيقية في كل تفصيلة، حتى إن الطلاء الأسود لمع تحت ضوء المكتب بانعكاس جذاب يُضفي عليها فخامة مدهشة، وكأنها ليست مجرد ميدالية، بل مجسم رائع يعبر عن روحه.
كانت السيارة معلقة بعلاقة معدنية فضية، بها قطعة فضية صغيرة على شكل حرف "الياء"، منقوشة بدقة بالغة، وإلى جانبها وُضعت وردة وردية ناعمة بكامل نضارتها، كأنها اقتُطفت لتوها من بستان ربيع.
ظل يزن يتأمل الهدية في صمت، عيناه ساكنتان وفي قلبه صخب لا يسمعه سواه، رفع بصره نحوها وقال بنبرة رصينة، لكنها تنزف سعادة:
-أحلى هدية جت لي.
ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها، وفي قلبها ارتباك لذيذ، وكأن اعترافه منحها جرعة أمل مفاجئة فتقدمت خطوتين وسألته بتردد:
-بجد عجبتك؟
هز رأسه مؤكدًا وابتسامته تتسع على مهل:
-اوي ده ذوقك؟ ولا ذوق فاطمة؟
رفعت حاجبيها سريعًا وقالت مدافعة بنبرة طفولية:
-لا والله دي ذوقي أنا، أنا أصلاً مكنتش عارفة اجيبلك إيه، بس لما شوفتها حسيتها شبهك.
ابتسم لها بحبٍ وامتنان وهو يتأمل تفاصيل الهدية التي فاجأته، ثم أمسك الوردة الوردية بين أنامله بإعجابٍ خالص، لكنها أثارت داخله تساؤلًا بسيطًا، خرج على هيئة همس يغلب عليه التعجب، إذ لم يتوقع أن تختار وردة بهذا اللون، فكان من المعتاد أن يُختار الأحمر للتعبير عن الود أو الحب، لا الوردي.
-طيب والوردة شبهي بردو؟!
ارتسمت على شفتيها ابتسامة خجولة، ثم نظرت إليه بنظرة مازحة وردت بخفة طفولية ممزوجة ببعض الحرج:
-لا دي شبهي أنا، هي الهدية كلها هتكون شبهك ولا إيه؟ متبقاش نرجسي.
انفجر ضاحكًا على ردها العفوي، لكنها عبست على الفور وقد شعرت أن تعليقها أُخذ على محملٍ ساخر، فمدت يدها فجأة وجذبت الوردة منه بحنق طفولي:
-هاتها بقى طالما اتريقت.
لكنه قبض عليها بسرعة وأعاد جذب الوردة نحوه وهو يقول بحسمٍ مرح يماثل طريقتها:
-لا دي هديتي اوعي.
ثم وضعها بعناية داخل الصندوق كأنه يُعيد كل شيء إلى مكانه الثمين، وأغلقه بحرصٍ بالغ ثم رفع عينيه إليها وقد اشتدت ملامحه فجأة وتحول صوته إلى نبرة خشنة، لكنها رخيمة تحمل دفئًا خفيًا:
-صحيح، سليم كان قالي اشوف معاكي يوم مناسب ليكم عشان الخطوبة.
ارتبكت سيرا على الفور ورفعت وجهها إليه بسرعة وقد استقرت على ملامحها مزيج من الذهول والإنكار ثم تمتمت باضطراب:
-خطوبة إيه؟ لا لا...
أمال رأسه وهو يرمقها بثبات، وكأنه لم يتوقع ردها المُرتبك فرد بهدوءٍ لا يخلو من جدية واضحة:
-لا لا إيه؟ هو لعب عيال؟
تراجعت قليلاً إلى الخلف وهي تسأله بوضوح وجرأة لم يتوقعها منها:
-انت متمسك بيا ليه؟!
نظر إليها طويلًا ثم قال بصوتٍ أخف، كأنه يعترف بشيء لطالما أراد إخفاءه:
-مش يمكن أكون معجب؟
ضحكت ضحكة ساخرة مريرة ثم ردت بتلقائية خالية من التصنع:
-معجب ولهان...معلش أصل أنا عمري ما هصدقك يا يزن إنك بتحبني أو تكون معجب بيا بعد اللي عرفته عنك، اكيد كل اللي انت بتعمله ده عملته مع بنات تانية.
انكمشت ملامحه من كلامها ثم قال مستنكرًا، بنظرة حادة ونبرة تنم عن استفزاز حقيقي:
-انتي دماغك دي محطوط مكانها قلقاس؟
شهقت في استياء وقالت بحدة:
-انت لو فضلت على نفس طريقتك دي صدقني...
قاطعها بانفعال وهو يلوح بيده بحنق لم يُخفِه:
-صدقيني انتي بجد، انتي متعبة بشكل غريب وعجيب، اجيلك كده تيجيلي كده، بصي يا بنت الحلال احنا كنا داخلين البيت من بابه وبشكل رسمي، عايزة تفركشي الحوار عندك أبوكي بلغيه وهو يبلغنا، بس نصيحة فكري.
ثم نظر إليها بحدة وصوته هذه المرة حمل قرارًا لا رجعة فيه:
-وأنا من ناحيتي عمري ما هضغط عليكي، وفي الأخر لو وافقتي يبقي كسبتي كنز كل الناس هتحسدك عليه، لو رفضتي يبقى خسرتي فرصة عمرك.
صمتت للحظات تحدق فيه بعينين متسعتين، لا تدري ما الذي يُفترض أن تقوله، لكن الجملة الأخيرة أثارت ضيقها بشدة فقالت:
-أنا ماشوفتش في بجاحتك بجد؟
رفع حاجبيه متصنعًا اللامبالاة، وقال:
-هعمل نفسي كأني مش سامعك، وبالنسبة لهديتك مش هرميها في وشك بعد ما دمرتي فرحتي بيها، هي ملهاش ذنب.
ثم لمس السيارة المجسمة بأنامله برفق، بينما عيناه شردتا قليلًا كمن يُبعد عن نفسه انكسارًا بصمت.
-أنا ممكن اخدها واطلع اجري ويبقى دمرت فرحتك بيها بجد، بس أنا مش هعمل كده وهسيبلك ذكرى مني تفكرك بيا، سلام.
اتجهت بخطواتها نحو الباب فبدت وكأنها على وشك المغادرة دون رجعة، لكنها توقفت فجأة وقالت بنبرة ساخرة وهي ترفع حاجبًا في سخريةٍ طفيفة:
-مكنش له لزوم الفيديو اللي بعته ليا وانت بتضرب فايق، عرفت إن عندك عضلات.
كأن جملتها الأخيرة سكبت فوقه دلوا من الوقود على نار مشتعلة، فأغمض عينيه بغيظٍ مفرط، يتنفس ببطءٍ محاولًا السيطرة على أعصابه المتأججة، يُكبح الغضب بداخله حتى لا ينفجر.
أما هي فحين رأت الشرار يتطاير من ملامحه دون أن ينطق بكلمة، أدركت أن لحظة الانفجار وشيكة، فتحركت بسرعة وفرت من أمامه وكأنها طفلة خائفة من العقاب، تسبق صوته ونظراته ويده التي ربما في خيالها كانت على وشك أن تقذف بها أي شيء.
***
وصلت أخيرًا إلى منزلها بعد وقتٍ ليس بالهين، قضته في السير شاردة الفكر، تائهة بين دهاليز قلبها وعقلها، وبين صراع المشاعر والخوف من المستقبل، فقد أغلقت هاتفها كما لو أنها تغلق على قلبها أبواب الأمل، وظلت تفكر بجدية في وسيلة تُقنع بها والدها بضرورة إنهاء أمر خطبتها من يزن، ولكنها لم تجد مهربًا سوى الصراحة، فكم من الأسرار ما زادت الأمور إلا تعقيدًا!
ورغم الحزن البادي على ملامحها، فقد أدركت أخيرًا أنها تحبه...نعم تُحبه ولكن للأسف جاءت هذه الحقيقة مع الشخص الخطأ، ولحظها العاثر أن أول دقة حب عرفها قلبها، قد خُصصت لمعشوق الفتيات، ذاك الذي تتهافت عليه القلوب وتتنافس عليه النظرات، فهل كانت دقتها مميزة بما يكفي لتصل إلى قلبه؟ أم أنها ضاعت وسط الزحام؟
تنهدت تنهيدة عميقة وهي تُخرج مفاتيحها بتثاقل لفتح باب الشقة، لكن يدها تجمدت حين وجدت الباب يُفتح من تلقاء نفسه، لتقع عيناها مباشرة على وجه أبلة حكمت، التي انطلقت من عينيها شرارات الغضب كأنها تقطر نيرانًا:
-انتي كنتي فين ده كله؟ وقافلة تليفونك ليه؟
ابتلعت ريقها بتوتر بالغ وهي تحاول تحريك لسانها للبحث عن كذبةٍ سريعة أو مبررٍ مقنع يُهدئ من عاصفة الغضب القادمة:
-كنت عند...يعني بدور...
لكن لم تلبث أن أنهت جملتها المبتورة حتى ظهرت فريال شقيقتها من خلف أبلة حكمت، وهي تقول بعجالة واضحة ونفاد صبر:
-مش وقته يا أبلة بجد، يلا بينا بسرعة يا سيرا تحت ننزل تحت عند أبلة حكمت.
ثم أطلت شاهندا من خلفهما تحمل بين ذراعيها فستانًا وردي اللون، براقًا كفستان أميرات القصص الخيالية، جعل حاجبي سيرا ينعقدان من الدهشة وعدم الفهم، وكادت تسأل عن سبب تلك الأجواء غير المفهومة لكن فاطمة قاطعتها من الخلف، وهي تلهث قليلًا وتحمل حقيبة مليئة بمستحضرات التجميل:
-الحمد لله إنك جيتي، أنا متأخرتش اهو يا أبلة.
دق قلبها بعنف لمجرد الشعور بأن هناك أمرًا جللًا يحدث، فتمتمت بارتباك وفضول حذر:
-هو في إيه؟ إيه اللي بيحصل؟
جاءها الجواب من أبلة حكمت كصفعةٍ مباغتة لا تملك لها ردًّا:
-اللي بيحصل إن يزن حب يعملك مفاجأة وجاب اهله وجاب الشقة والفستان وهنعمل الخطوبة النهاردة بس على الضيق.
قالتها بتذمر لا يخفى، فهي لا تريد مثل هذا الاحتفال الصامت لاختها الصغرى، تدخلت كريمة فكانت آخر من تحدثت، لكنها كانت الأكثر حكمةً واتزانًا حين هتفت بهدوء:
-كده احسن يا أبلة عشان الحسد والمنطقة كلها أصلاً مركزة معانا.
نظرت إليهم سيرا بذهول بينما عقلها يحاول استيعاب الصدمة، فقد كانت صدمةً قاسية ليس لقلبها الغض الذي كانت دقاته تتراقص فرحًا لإصراره عليها، بل لعقلها الذي تجمد للحظات أمام اختيارين لا ثالث لهما.
إما أن تستكين وترتضي ما تخشاه لاحقًا معه، أو أن تثور وتُعلن رفضها فتُشعل سعادتهم بنيران اعتراضها!
رواية غناء الروح الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم زيزي محمد
مرت أصابعها الرقيقة على تفاصيل الفستان الذي احتضن جسدها بانسيابية تُحاكي صنعًا خاصًا لا يُهدى إلا لملكات مميزة، فبدا وكأن خيوطه نُسجت خصيصًا من أجلها، فقد كان الفستان الوردي يُضفي على ملامحها نعومةً طفولية وسحرًا أنثويًا يُخطف الأبصار، حتى بريقه الخافت تحت الضوء انعكس على وجنتيها فجعلهما أكثر توردًا وجاذبية.
حتى فاطمة لم تبالغ في مساحيق التجميل، بل اكتفت بلمسات خفيفة أبرزت تقاسيم وجهها المتناسقة فأظهرت جمالها الحقيقي دون تكلف.
وقفت أمام المرآة تتأمل نفسها بينما كانت فريال تحدق بها بانبهار شديد، فخرج صوتها تلقائيًا وهي تهتف بإعجاب:
-بسم الله ما شاء الله يا سيرا، مشوفتش في جمالك وحلاوتك.
ابتسمت سيرا بهدوء متواضع، وقد شعرت بالحرج من كثرة المديح، ثم التفتت نحو فريال التي كانت تنظر إليها بنظرة حب أخوي صافٍ:
-مش اوي كده يا فريال.
رفعت حكمت حاجبها بنفاد صبر وهي تضع الكحل في عينيها بتردد:
-اتنيلي على عينك ده انتي قمر، يا بت والله لو كنا عملنا خطوبة واتفقنا على كل حاجة مكنتيش هتطلعي حلوة كده، حقيقي كل حاجة بتيجي مفاجأة بتبقى حلوة.
لم تستطع سيرا أن تبتسم بل مالت شفتيها إلى الأسفل بامتعاض خفيف، وهمست بصوت يحمل بحة حزينة كأنها تخشى الاعتراف:
-انتي بتراضيني يا أبلة عشان مزعلش؟
تبادلت حكمت نظرة مع فاطمة وأخواتها، ثم التفتت إليهن بنبرة أكثر جدية وقد بدا في صوتها غضب ممزوج بالقلق:
-أنا ماشوفتش في حياتي نحس ونكد قد سيرا اختي بجد، يعني خطيبها عسل وقمر وله شغله وما شاء الله مقتدر ماديًا وعيلته حلوة وكلهم حابينها والواد حب يفاجأها ويعملها خطوبة بسيطة بعد الحوارات اللي حصلتلهم وهي زعلانة ومتضايقة، يا بت بلاش تتبطري على النعمة عشان ماتزولش من وشك.
هزت شاهندا أختها الأخرى رأسها بسرعة وهي تؤكد بصوت جاد:
-اه والله كده هتزول، عيب الناس فرحانة بيكي موت، فكي بوزك ده مش ناقصين، هتكسري فرحة بابا بيكي.
رن هاتف كريمة فجأة فقطعت اللحظة وهي تقول بعجلة بعدما نظرت في شاشته:
-بابا اتصل تاني يلا بسرعة نطلع.
تقدمت فاطمة بهدوء ونظرت إلى سيرا بتمعن ثم قالت بلطف:
-طيب اطلعوا انتوا وأنا هجيبها واطلع وراكم، اظبطلها بس عينيها عشان الهانم في دموع في عينيها.
تأففت حكمت منها وخرجت مع باقي الفتيات على مضض، وقد لمعت نظراتهن بالفضول والقلق في آنٍ واحد، ثم أُغلقت خلفهن باب الشقة، وتركن فاطمة مع سيرا التي ما لبثت أن انهارت، فاقتربت فاطمة منها برقة وقدمت لها منديلاً ورقيًا ثم همست بلين:
-في إيه يا سيرا؟
لم تنتظر سيرا أن تُكمل سؤالها بل انفجرت بالبكاء، بكاء مرير لم يُراعِ التجميل ولا الفستان، لم تعبأ بأي شيء سوى ما ينهش قلبها من الداخل، وردت بصوت متقطع محمل بالقهر:
-مخنوقة يا فاطمة؟
نظرت إليها فاطمة بشفقة حقيقية واحتوت وجهها بنظراتها:
-ليه بس يا سيرا؟! المفروض تفرحي.
أخفضت سيرا رأسها كأنها تخجل من فرحتها الناقصة وهمست:
-افرح دلوقتي وبعد كده ارجع اعيط.
لم تتراجع فاطمة بل كانت كلماتها جاهزة:
-ما انتي بتعيطي دلوقتي هي فارقة إيه؟ وبعدين ترجعي تعيطي ليه يا سيرا؟ يا بنتي خرجي كلام حورية من دماغك.
هزت سيرا رأسها في إنكار يائس وابتلعت ريقها بألم:
-المشكلة مش في كلام حورية بس يا فاطمة، كلامه هو مابيطمنيش، مش صريح أبدًا.
تنهدت فاطمة ببطء وهي تحاول أن تكون عقلانية وسط دوامة المشاعر:
-بس تصرفاته معاكي تفرق يا سيرا، انتي مش غبية لدرجادي يعني.
رفعت سيرا نظراتها بعينين دامعتين وقالت بارتباك:
-مش غبية بس يمكن هو جدع كده مع كل الناس، يمكن ده طبعه يا فاطمة، أنا لسه ماحستش من ناحيته إنه بيخصني بحاجة مميزة عن كل اللي بيعرفهم، حتى كلامه ليا مش صريح، ولا اعترفلي اعتراف صريح إنه بيحبني، رغم إن أنا اتنيلت...
صمتت للحظة وكأنها تتردد في الاعتراف، ثم لفظت الكلمة أخيرًا بانكسار:
-حبيته، وخايفة اكمل معاه ارجع اندم عشان كانت حقيقته بالنسبالي ظاهرة من الاول.
تقدمت فاطمة خطوة إلى الأمام ووضعت يدها على كتف سيرا برفق:
-يا حبيبتي القلب مالوش سلطان، وكل اللي بتقوليه حقك تفكري فيه، سيرا أنا عارفة وفاهمة كويس اوي انك بتدوري على الاستقرار، بس يا حبيبتي هي فترة الخطوبة دي اتعملت ليه ما عشان نحطه في اختبارات ومواقف من خلالها نعرف نفهم شخصيته، وبردو تعرفي تحددي مشاعرك وتقدري تحددي مشاعره من ناحيتك.
صمتت قليلًا ثم أردفت برزانة الصديقة العاقلة:
-ادي نفسك فرصة واديله هو فرصة كمان، وادي اهلك واحنا كلنا فرصة نفرح، احنا مش بنقولك جواز دي مجرد خطوبة وتلبيس دبل يعني، وبعدين انتي محكتيش ليه إيه اللي حصل معاه وإيه اللي خلاه يجي يعملك مفاجأة؟!
زفرت سيرا بقوة وهي تمسح دموعها بمنديلها، ثم بدأت تحكي وهي تتلوى من ضيقها، تسرد كل ما دار بينها وبينه بنبرة مستنكرة وحانقة، بينما كانت فاطمة تتابعها بعينين متسعتين، وحين أنهت سيرا كلامها وقفت فاطمة وهي تضع يديها على خصرها بتهكم واضح:
-انتي هبلة يا بت ما انتي لمحتي زي العبيطة إنه مفيش دبلة في ايدك ولا رابط رسمي، فهو جه جري وجاب الشبكة واهله.
قالت سيرا سريعًا محاولة تبرير الموقف:
-أنا قولتلك قبلها سليم اخوه هو اللي قاله شوف معاد مناسب.
هزت فاطمة رأسها بعناد وردت:
-لا لا الحوار ده مش حوار اخوه خالص، الحوار ده طالع منه هو.
وفجأة فتحت الباب "دهب" ابنة حكمت، وظهرت بنبرة مهددة لاذعة وكأنها وريثة أمها في الحزم:
-ماما بتقولك يا خالتوا لو ماطلعتيش حالاً هتنزل بالشبشب تضربك.
ضحكت فاطمة وقالت مازحة:
-يلا ياستي ابلة حكمت ممكن تعملها وميهماش حد ، تعالي اظبطلك اللي بوظتيه.
***
صعدت سيرا الدرج بصحبة فاطمة، تتباطأ خطواتها كلما اقتربت من باب شقتها، وكأن قلبها يزداد ثقلًا مع كل درجة تخطوها ليس خوفًا بل توترًا لا تعرف كيف تُسميه، مزيجًا من الخجل والحيرة والرهبة من المجهول، كانت تمسك بفستانها من الأسفل بخفة، تخشى أن يتعثر أو تتعثر هي في لحظة كهذه.
وما إن دلفت إلى الشقة حتى انطلقت الزغاريد ونظرات الانبهار والاعجاب انهالت عليها من كل الزوايا، وكأن الجميع كان ينتظر قدومها على أحر من الجمر.
أمسكها والدها بسعادة لم تكن بحاجة كبيرة لرؤيتها وتقدم بها حيث بجلس يزن في أريكة ضخمة في منتصف الصالة وحوله عائلته في ثياب رسمية بسيطة يجلسون في رقي يتابعون لحظة تقدم يزن منها وعلى وجهه ابتسامة بسيطة، فتركت النظر إليهم وتعمقت النظر به.
كان به شيء من الجاذبية المختلفة هذه المرة، لم يكن يرتدي كرافته، فقط بذلة رمادية داكنة، وقميص أبيض مفتوح الزر الأعلى، مما أضفى عليه لمسة من الأناقة العصرية، شعره البني كان مصففًا بعناية بينما عيناه كعادته كانتا تسبحان في سحابة من الغموض، لا تقرأ فيهما وعدًا ولا اعترافًا، فقط سكون مربك ونظرة مترددة، جعلتها تُشدد قبضتها على طرف فستانها دون أن تشعر.
حاولت أن تفهم تلك النظرة ولكن عينيه لم تجبها
بل زادت حيرتها وارتباكها، وبينما هي غارقة في كم التساؤلات التي طرقت عقلها، انتبهت إلى صوت سليم الرخيم وهو يطلب من شمس زوجته تقديم علبة مخملية سوداء اللون إلى يزن، لتبدأ مراسم الخطبة في بساطة شديدة بين العائلتين وسط فرحة خالصة.
وضعتها شمس أمام يزن فوق الطاولة ثم فتحتها بهدوء وهي تنظر إلى سيرا التي أصابها الدهشة من جمال قطع المجوهرات التي اختيرت بعناية:
-على فكرة كلها ذوق يزن، مبروك عليكي يا حبيبتي.
ابتسمت إليها سيرا ابتسامة مهزوزة ثم انتقلت بنظراتها إليه وجدته يجذب عقد ناعم التصميم، تتوسطه قطعة صغيرة من الزمرد الوردي، واقترب منها حتى يضعه حول عنقها فتيبس جسدها بخجل ولم تقترب منه بل ظلت كالصنم عندما وصل إلى أنفها رائحة عطره التي سببت إليها خدر وادخلتها في عالم آخر، فنهضت مليكة تساعده من الاتجاه الآخر في إغلاق العقد.
فهمس إليها بنبرة ناعمة عابثة:
-مطلعتيش انتي بس اللي بتفهمي في الذوق.
ومن بعدها بدأ في تقديم أسورة تشبه تصميم العقد إلى حد كبير ووضعها حول معصمها وتعمد لمس يدها بأصابعه، فسبب لها توتر وخجل ظهر على ملامحها التي توردت بصورة واضحة، وتلاه خاتم بسيط به فص زمردي وردي ثم دبلة رقيقة جدًا، وكأنها اختيرت بعناية لتُشبه ذوقها المتواضع لا تلمع ببهرجة، بل بلمعة صادقة تشبه لمعة الخجل في عينيها.
وجاء دورها لتساعده في ارتداء دبلته الفضية، إلا أنها كانت كالخرقاء وهي تضعها في إصبعه، بينما هو كان على أتم الاستمتاع بها.
وبدأت المباركات والتهاني والتقاط الصور لهما منفردين ومع العائلة، وفي ظل انشغال العائلتين بسعادتهما، انفرد يزن بنفسه في الشرفة ثم أشار إليها لتتحرك خلفه.
للحظة أصابها الخجل وشعرت أن عيون الجميع تتربص بها، ولكن أبلة حكمت كعادتها كانت تستحوذ على انتباه سليم وزيدان مع زوجها صافي، بينما كانت أخواتها يجلسن بجانب شمس ومليكة يتعرفن عليهما بود ومحبة...أما منال فكانت تجلس بجانب والدة سيرا ووالدها، يتحدثن في أمور الشقة وموعد الزواج، حيث أوكل إليها سليم تلك المهمة كي لا يعرف يزن بها.
***
تركت الجميع خلفها ودخلت إلى الشرفة تقترب منه في خجل وتوتر، ولكنها استطاعت رسم العبوس على وجهها كتعبير بسيط عن تجاوزه إليها في أمر خطبتهما، رغم أن قلبها كان يفيض بمشاعر لا يمكن اختزالها في عتاب بسيط.
-ممكن افهم إيه اللي حصل ده؟
ابتعد أكثر في الشرفة متعمدًا التوغل لأبعد نقطة لا تصل إليها أعين المتلصصين، ثم استدار إليها وهمس بتسلية وعيناه يملؤهما مزيج من المشاغبة والثقة:
-مفاجأة يا فوزي.
زمت شفتيها بضيق وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها في اعتراض واضح، كأنها تُحكم حول نفسها درعًا من الحماية من عبثه المعتاد:
-يزن أنا نفسي مرة تكلمني بجد!
أدار وجهه نحوها مبتسمًا ووضع يده في جيب سرواله بجاذبيته الخاصة، بينما القميص الأبيض يُظهر جزءًا من صدره العريض، في لمحة لم تكن تخلو من تعمد، واقترب قليلًا وهمس بنبرة ناعمة مزج فيها بين الجدية والعبث:
-بذمتك يا نكدية مش المفروض تفرحي إن خطيبك فرفوش وبيحب الضحك والهزار؟
زفرت بهدوء وهي تحاول لملمة انفعالاتها، ثم تقدمت خطوة نحوه ووقفت بجانبه تستند على السور الحديدي، كأنها تبحث عن توازن فقدته فجأة:
-المفروض افرح لو هو بيعمل معايا أنا بس كده، لكن ازاي اللي ربنا وقعني فيه ماشي بمبدأ "حبيبي على نياته كل البنات اخواته".
ابتسم بسخرية جذابة وعيناه تلمعان بدهاء وهو يردف بخفوت عابث:
-غلبان يعني...والله عندك حق أنا غلبان، واتخلقت مبعرفش اعيش في نكد وغم، فعمرك ما هتلاقيني بنكد عليكي خالص.
ضحكت ضحكة صغيرة لا إرادية سرعان ما أخمدتها وقالت بنبرة متحفظة:
-اممم محاولاتك كلها بتوضح إنك بتجذب انتباهي ليك...
رفع حاجبه بدهشة مصطنعة وقال بتفاخر وهو يشير نحو قلبها:
-اجذب؟! سيرا أنا أكاد اجزم أني قاعد هنا ومربع.
هزت رأسها في امتعاض ساخر:
-ماتخدش مقلب في نفسك يا يزن بس، أنا بس لبست الفستان ورضيت باللي انت عملته عشان ماسببش أي إحراج ليك وفي الأخر تصعب عليا.
رد بسخرية خفيفة وصوته محمل بشيء من الرقة المقنعة:
-أنا وقعت في واحدة قلبها قلب خاسية.
نظرت إليه بحنق طفيف ولم تتلفظ بحرف، فسارع هو بمشاكستها وهو يرقق نبرته لتكون الطف واحن:
-فكي بوزك في حد يبقى خطوبته النهاردة يبوز بالشكل ده؟!
تنهدت بهدوء وهي تحاول أن تخرج من دائرة الانفعالات التي زُجت فيها عنوه بسبب رودوه الساخرة، فهمست باسمه بعد لحظات بسيطة من التفكير:
-يزن.
انتبه إليها وابتسامته الجذابة لا تزال تتعلق بشفتيه فتضيف وسامة ورقي:
-نعم؟
-هو انت بتتسلى بيا؟!
تغيرت ملامحه قليلًا ولكنه رد بجدية مغلفة بالدهشة:
-انتي عبيطة؟، يعني بعد كل الفرهدة دي وفي الآخر بتسلى بيكي.
نزلت عيناها للأرض كأنها تخجل من نفسها، أو من الشك الذي سكن قلبها قبل أن يتحقق الأمان داخله ثم همست:
-لازم تعذرني أنت عمرك ما كنت واضح معايا، وبعدين ما أنت ممكن تكون عملت مفاجآت لبنات قبلي يعني منين هعرف أنا مميزة في إيه؟!
اقترب منها خطوة ورفع حاجبيه وهو ينظر ليدها الموضوعة على السور الحديدي:
-في إن دبلتي في إيدك؟ في إن مابعملش مفاجآت لبنات أصلاً، الحقيقة بيتعملي مابعملش، في إن مفيش أي حاجة عملتها معاكي هعملها مع غيرك.
نظرت له نظرة طويلة وعميقة، كأنها تبحث في ملامحه عن صدق نادر الظهور ثم قالت بهدوء:
-عمرك ضربت حد عشان بنت قبل كده؟، زي ما ضربت فايق عشاني؟!
ضحك وقال بعبث:
-اه طبعًا ضربت، أنا يا بنتي جدع أصلاً.
تسارعت أنفاسها ثم رفعت يدها بتمثيل الغضب:
-شوفت...شوفت ده اللي قولته وبقوله، بتقولي حاجة وبتحسسني إن مفيش زيي، وبعدها في نفس الثانية بتنزلي لسابع أرض.
ابتسم بلطف هذه المرة وقال بهدوء:
-قصدك إن أنا مش واضح؟
أجابت بحنق طفولي:
-الصراحة اه.
هز كتفيه ثم قال بنبرة خفيفة الظل:
-طيب ما دي حاجة حلوة، انك تتخطبي لواحد مش واضح، فتحسي كل ثانية إنك في جديد، عشان الملل وكده، بصي أنا هخليها خطوبة مختلفة تحلفي بيها العمر كله.
للحظة كادت تصرخ من عبثه المستمر، ولكنها تعمدت أن تزفر بضيق وهي تقول بنبرة غاضبة يملأها اللا مبالاة:
-أنا تعبت بص أنا اللي غلطانة وكلت الجبنة.
وكادت تتحرك لتتركه وحده إلا أنه أوقفها سريعًا، ومال نحوها وهو يقول بنبرة هادئة لطيفة، وحنونه رغم لمحة السخرية الملاحقة لصوته:
-خدي هنا انتي هتتقمصي وتمشي، أنا مش عايز ازعلك في يوم زي ده، كفاية اللي عامله فيكي.
رمقته باستغراب لتقلبه السريع، ولكنها لمحته يتأمل يديها وشاكسها بخفوت:
-طيب بذمتك ذوقي مش حلو، الفستان حلو عليكي وشبهك حتى الشبكة....
أمسك يدها بحنان وكأنها كنز بين يديه، يتحسس دبلته ببسمة خفيفة ثم الأسورة، فمرر أصابعه على فص الزمرد الوردي:
-شبهك اوي، عجبتك؟
ابتسمت بخجل لم تستطع إخفاءه وقالت بصوت هامس:
-حلوين اوي، عجبوني.
ابتسم بثقة وهو يغمز اليها بطرف عينيه:
-أنا جيبتها من نفسي فاطمة مقالتليش وعلى فكرة كلهم جايبين هدايا ليكي من المحل عند سليم، بس أنا اللي اختارتها كلها، مفيش حد يجيب على ذوقه طول ما أنا موجود.
نظرت له نظرة طويلة ثم قالت بعدم فهم:
-كتر خيرهم، بس ليه مخلتهمش يجيبوا على ذوقهم، اتدخلت ليه؟
رد بنظرة امتلكت كل ملامحها:
-مابحبش حد يتدخل برأيه في حاجة لحد يخصني.
تسارعت أنفاسها خجلاً، ولكنها حاولت السيطرة على نفسها بسؤالها الذي طرق أبواب عقلها فجأة عندما تذكرت حديث فاطمة إليها:
-يزن.
همهم إليها وهو يستكمل ملامسة دبلتها في شرود تام:
-امممم.
ابتلعت لعابها وهي تسرد مشاعرها بهدوء تام رغم ملامسته لدبلتها ويدها التي سببت لها توتر وخجل كبير:
-بما إنك قولتلي إن مفيش حاجة هتعملها معايا أو عملتها معايا قبل كده عملتها مع غيري، فأنا عايزة احس إن مميزة أكتر.
رفع حاجبيه بدهشة طفولية:
-اشيلك وارميكي من البلكونة عشان تحسي إنك في التميز مفيش حد هيعديكي.
ضحكت وهي تهز رأسها بنفي ثم تمتمت بنبرة شبه راجية يتعلق بطرف خيطها الأمل في تحقيق مرادها الطفولي، فكانت رقيقة جدًا وهي تهمس بنعومة أمام أنظاره المتعلقة بها بشغف:
-بطل هزار، لا طبعًا، أنا عايزاك نتصور بتليفونك وتنزل صورتنا على كل السوشيال ميديا بتاعتك وهسيبلك الكابشن تحط فيه اللي انت عايزه، مش هتدخل طالما مابتحبش حد يتدخل في حاجة تخص حد يخصك.
رغم تأثره الواضح بها ورغم الشرارة التي اشتعلت في عينيه وهو يراها تطالبه بإثبات علني لمكانتها، إلا أنه أخفى ذلك خلف قناع من العبث والسخرية وهمس إليها بنبرة لاهية:
-إيه شغل البنات الهايفة ده؟!
ابتسمت بدلال عفوي وهي تميل برأسها قليلاً نحوه وقد اختلط في نبرتها المزاح بشيء خافت من العتاب الطفولي:
-معلش خدني على قد عقلي، ولا انت خايف الفانز يسيبوك ويخلعوا منك ويعملوا انفولو؟!
ضحك بخفة وهو ينظر إلى عينيها نظرة طويلة، ثم أردف بثقة لا تخلو من التحدي:
-نتراهن لو أنا نزلت الصورة وماجبتش ريتش اعلى من أي صورة عندي يبقي...
رفعت حاجبيها في مكر طفولي، وتقدمت منه خطوة وكأنها تدخل ساحة منافسة:
-يبقى احكم عليك تمسح كل البنات عندك وتسيبني أنا بس.
أشار إليها بإصبعه محذرًا وهو يبتسم:
-ولو أنا اللي كسبت هتعمليلي طاجن بامية.
ضحكت بصوت خافت وهي تهز رأسها موافقة:
-تمام موافقة.
ابتسم واتخذ خطوة للوراء وهو يشير لها بيده:
-تعالي اقفي جنبي وبيني الدبلة.
نظرت له بدهشة متعجبة من ثقته اللا محدودة، وقالت وهي تتقدم نحوه:
-إيه ده انت واثق اوي؟!
أجابها بنبرة ثابتة تملأها الصلابة والتباهي:
-أنا مفيش حد في الدنيا دي قدر ونجح يهز ثقتي في نفسي.
رغم كلماته المتباهية إلا أن دقات قلبها تسارعت، وشعور بالغبطة الممزوجة بالتوتر استولى على كيانها، وكأنها تقف على أعتاب لحظة استثنائية لا تتكرر.
- مغرور.
همست بها بغيظ ناعم وهي تقف بجواره، بينما هو كان قد رفع هاتفه عاليًا وضبط الزاوية بعناية، ثم التقط صورة لهما؛ هو يبتسم بهدوءه الواثق، وهي قد أغلقت عينيها في لحظة فطرية بريئة، ورفعت يدها اليمنى لتُظهر دبلتهما، وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة واسعة، تكاد تُخبر العالم كله بسعادتها.
مرت لحظة من الصمت لم تُرد أن تنكسر، لكن صوت لمسته وهو ينزل الهاتف ويشرع في تحميل الصورة على كل تطبيقات التواصل أعادها للواقع.
تابعته بشغف واهتمام وهي ترى أصابعه تتحرك على الشاشة، وفوجئت به يكتب دون أن يستشيرها، كلماته التي اقتحمت قلبها دون استئذان:
"One moment, one ring, one forever with my new world".
عندها فقط شعرت وكأنها نُقلت إلى عالم آخر...عالم لا يسكنه إلا هي وهو، حيث اعتراف ناعم غير مباشر، لكنه كافٍ ليُطبطب على كل شكٍ اعترى قلبها من ناحيته حتى لو كان مؤقتًا.
****
كانت أجواء الحفل بسيطة للغاية أقرب إلى تجمع عائلي هادئ، تسوده المودة والبساطة بعيدًا عن التكلف أو المظاهر الصاخبة، ومع ذلك أراد "قاسم وعبود" أن يحتفيا بأختهما بطريقة شبابية تنفض عنها عبء الأيام وتزرع البهجة في قلبها، لكنهما لم يحتسبا أن تلك الألعاب النارية التي اشترياها على سبيل المرح ستقع في أيدي الصغار، أولئك الذين امتلأت عقولهم بمقاطع "تيك توك" المتداولة، وقرروا تنفيذ أحدها داخل غرفة سيرا تحديدًا متسللين إليها سرًا، متحمسين لتصوير مغامرتهم وكأنهم أبطال، ولكن لم يدركوا حينها أن ما بدأوه باللعب قد ينتهي بكارثة.
وفي الخارج كانت حكمت تُنادي الجميع لتناول العشاء وصوتها يعلو فوق أحاديثهم، وعيناها تجولان على الأطباق التي رتبتها بعناية، ورغم اعتراضات سليم المستمرة ظلت تُصر بإلحاح مزعج لا يهدأ، عندها همس سليم لزيدان بنبرة ممتلئة بالحنق وكأنه على وشك الانفجار:
-أنا مفيش حد تعبني قد الست دي.
فرد زيدان ساخرًا وهو يطالعها من طرف عينه:
-دي ترهق مديرية اقسم بالله، المفروض ياخدوها عندنا في الشرطة يعذبوا بها المجرمين.
همس بها بغلٍ مكتوم فقد ضاق ذرعًا بتدخلها في كل كبيرة وصغيرة، رغم أنه ما إن تقع عيناها عليه حتى يبتسم مُجبرًا، محاولًا تفادي الاصطدام بها، فابتسامته لا تحمل سوى رغبة في النجاة من ضجيجها.
جلس الجميع على طاولة السفرة الكبيرة والأطباق تتوسطها، لكن سيرا كانت تقف في الخلف قرب نهاية الممر الطويل المؤدي إلى الغرف، فكانت جامدة تمامًا كأن الزمن توقف في عينيها، حدقت نحو الردهة بذهول مريب ونظرتها معلقة بها لا ترمش ولا تنطق، فقد أصيبت خلاياها بخدر غريب كأنها انفصلت عن جسدها، وعجزت عن التعبير أو حتى الحركة.
لاحظ يزن غيابها فالتفت نحو المقعد الخالي بجواره، وسألها بتعجب وهو ينادي عليها:
-سيرا تعالي واقفة ليه؟
لم تجبه فقط رفعت يدها المرتجفة وأشارت نحو الردهة، وعيناها تغرورقان بالدموع حيث كانت على وشك الانهيار عندما رأت خيوط الدخان تتسلل من أسفل باب غرفتها...ثم انفجرت صرختها حادة مرتعشة تمزق الهواء:
-اوضتي بتولع.
خيم الذعر في المكان كالصاعقة صرخات وحركة عشوائية في وجود أصوات متقاطعة، لكن يزن لم ينتظر وتحرك بسرعة خاطفة، مندفعًا نحوها ولحق بها وهو يحاول أن يثنيها عن الاقتراب، فجذبها بذراعه بقوة وهو يصرخ:
-استني يا سيرا ماتقربيش!
لكنها كانت كمَن فقدت عقلها تتلوى بين ذراعيه، تبكي وتصرخ بهستيريا، نظراتها عالقة بالأشياء التي تحترق أمامها السرير....الكتب....الثياب، حتى الصور ومرآتها الصغيرة التي لطالما جلست أمامها تتزين بحياء كلها تحولت إلى رماد.
-اوضتي بتولع يا يزن، اوضتي.
كانت تكررها بصوت مبحوح وممزق كأنها تودع عمرًا كاملًا، تلك الغرفة لم تكن مجرد مكان للنوم، بل كانت وطنها الصغير وحدود عالمها، ركنها الخاص الذي تلوذ به من ضوضاء عائلتها ومن أسئلتهم، من زحام متواجد ومستمر وقيود مفروضة عليها، فقد كانت فيها تبكي بحرية، تضحك وتلهو، وتغفو على وسادة لا تشاركها مع أحد.
أما يزن فكان يحاوطها بذراعيه، يمسكها بعنف خوفًا من أن تندفع نحو النيران وقلبه يخفق بجنون، بينما انطلق أفراد العائلة في سباق مع الزمن، الرجال اندفعوا لإخماد الحريق بما توفر لديهم، والنساء أخذن يخرجن الأطفال بسرعة من الشقة ثم من البناية كلها.
أما سيرا فقد دفعها يزن نحو الخارج رغم مقاومتها المستميتة، وعندما لمح عبود وقاسم صاح بهما بصوت آمر لا يقبل نقاشًا:
-خرجوها برة خالص، واوعوا تسيبوها لحظة.
تلقفها الشقيقان المرتبكان بينما كانت تتشنج بحرقة، تتمسك بأنفاسها بصعوبة وهي تكرر بجزع:
-اوضتي اتحرقت، لا..اوضتي.
لقد نُزعت من ملاذها كأنها اقتُلعت من جذورها، فرفعت رأسها نحو الأعلى حيث تتصاعد أعمدة الدخان من شرفتها، نظرتها كانت مكسورة مملوءة بحزن ثقيل، فقد كانت الوحيدة التي تبكي، بينما كان أفراد العائلة يُرددون الأدعية أن يُطفئ الله الحريق دون أن يمتد إلى بقية الشقة، لأن الجميع يعلم أن العواقب ستكون وخيمة...لن يكون هنالك بيت وسيتشردون جميعًا.
اقتربت شمس منها وجذبتها إلى حضنها برفق، ثم احتضنتها وهمست بصوت متهدج:
-متعيطيش كده، احمدي ربنا إنك مكنتيش فيها.
لكن عقل سيرا كان قد سافر بعيدًا حيث لا صوت يسمعه أحد فقد كانت تبحث في داخلها عن إجابة أين ستنام الليلة؟ أي مساحة في هذا المنزل المزدحم ستحتضن أنوثتها؟ كيف سترتدي ملابسها وسط أزواج شقيقاتها؟ وأين ستجد متنفسًا بعيدًا عنهم؟ متى ستظل ترتدي إسدال طويل تخنق به حريتها كل يوم؟
وبعد فترة قصيرة استطاع الرجال من عائلة سيرا، إلى جانب يزن واخويه وبعض الجيران، أن يُخمدوا الحريق بمجهودات بطولية، لكن الأضرار كانت جسيمة، فالغرفة بكل تفاصيلها صارت خرابًا، لم يعد يُمكن استخدامها، فقد أصبحت خارج نطاق الحياة وكأنها لم تكن.
****
صعدت سيرا إلى سطح المنزل بعد فترة بسيطة، هاربة من أعينهم المتطفلة التي ظلت تلاحق دموعها، ومن محاولاتهم المستمرة في إسكاتها دون جدوى، وكأن البكاء خطأ في لحظة كهذه! شعرت حينها بثقلٍ مهين من الحرج أمام عائلة يزن، وكأنها باتت عبئًا ثقيلًا في عيون الجميع، حتى فقدت قدرتها على التعبير أو حتى البقاء وسطهم، فكل ما أرادته لحظتها أن تبتعد، أن تُسكت ضجيج تساؤلاتهم وتتجاهل توسلات فاطمة بالذهاب معها للمبيت، وأن تهرب...تهرب من كل شيء.
جلست فوق مقعد خشبي قديم متآكل الحواف، استندت بكفيها فوق رأسها كمَن يحمل أثقال الدنيا فوق عنقه، تنفست ببطء ولكن بثقل، وكأن الهواء نفسه بات خانقًا لا يُحتمل.
وفجأة تسلل صوته إليها هادئًا وناعمًا كنسمة باردة تلامس وجهها في ليلة خانقة حارة:
-لسه بتعيطي؟
رفعت رأسها بتثاقل وجهها غارق بالدموع، عينان محمرتان وأنف متورد من شدة البكاء، فتمتمت بصوتٍ مبحوح متشبع بالحزن:
-لا خلاص مبعيطش.
رفع حاجبيه بدهشة ساخرة ونظر إلى ملامحها المنكسرة بتهكم طفيف لكنه لا يخلو من العطف:
-مابتعيطيش ايه؟! انتي مش شايفة وشك والفستان! ده انتي مغرقة الأرض بدموعك.
مسحت دموعها على عجل بظهر كفها، متظاهرة بالتماسك بينما نبرتها خرجت حادة تختلط بين الغضب والضعف:
-مش لدرجادي!
تنهد بعمق وهو يراقب ارتباكها فاقترب منها قليلًا بحذر، ثم همس بتساؤل خافت أقرب إلى العتاب الرقيق:
-بتعيطي ليه كده؟!
لم تحتمل السؤال فعادت دموعها تنهمر كأنما فتحت السدود من جديد، نظرت إليه بضعف وعيناها تنطقان بمدى حزنها، ثم قالت بصوت مكسور يشبه نغمة الأطفال حين يُخذلون:
-عشان اوضتي اتحرقت.
كاد أن يمد يده لاحتضانها ليحتوي هذا الانكسار ولكنه تراجع، فما بينهما لم يُحسم بعد بزواج، فهناك حدود وضعها العقل رغم أن القلب تجاوزها منذ أن رآها وأعجب بها، لكن يده خانت صمته وامتدت لتُمسك بكفها المرتجف وتربت فوقه بحنوٍ بالغ، فقال بلطف وبصوت دافئ يلامس الجراح برقة:
-طيب يا سيرا ده قضاء وقدر يا ماما، احمدي ربنا إنك مكنتيش فيها، وبعدين هتتظبط تاني متقلقيش.
نظرت إليه بصمت ولم ترد، لكن نظرتها كانت مليئة بتساؤلات لم تجد لها إجابات، فقد كانت غارقة في دوامة صمتها، لذا ارتبك من ردة فعلها وسارع بالسؤال:
-ساكتة ليه؟!
زمت شفتيها وشعرت أنها على وشك الانفجار، فتنهدت بأسى شديد ثم قالت بصوت أشبه بالهمس:
-عشان محدش فاهم حاجة.
شعر أن هناك شيئًا أعمق من مجرد حزن على غرفة، فازداد اهتمامه وربت على يدها مرة أخرى بحنوٍ صادق:
-طيب فهميني؟ في حاجة كانت جوه اتحرقت زعلانة عليها؟
هزت رأسها نفيًا ثم ضحكت بسخرية حزينة:
-لا...بس أنا اللي بقيت مشردة.
ابتسم ابتسامة خفيفة ثم بدأت تتسع تدريجيًا، ولكن سرعان ما واجهته بنظرة غاضبة، وقالت بصوتٍ ممتعض:
-ماتضحكش أنا فعلاً بقيت مشردة.
قبض على كفها برفق وهو يبتسم بمودة وممازحة:
-يا نهار ابيض! مشردة مرة واحدة! خطيبة يزن الشعراوي تتشرد كده وأنا موجود طيب دي تبقى عيب في حقي.
أشاحت ببصرها عنه محاولةً أن تمنع دمعة جديدة من السقوط، ثم قالت بنبرة مجهدة وسردت جزءًا من ألمها بصوتٍ مهزوم:
-انت أصلاً ماتعرفش حاجة، اوضتي دي كل حياتي، باكل وبشرب وبنام وبهرب فيها من دوشة عيال اخواتي، بتنفس فيها بحرية بعيد عن كل شوية لابسة الطرحة عشان لو في جوز واحدة من اخواتي موجود، كنت بفصل فيها من الزن والدوشة، دلوقتي هنام فين؟ ده بعيد عن إن أنا زعلانة على حاجاتي اللي اتحرقت.
نظر إليها نظرة مطولة عندما أدرك وقتها أنها ليست مجرد فتاة مدللة تبكي على غرفة، بل هي إنسانة كانت تحتمي بجدرانها الهشة، فهمس بصوت حنون يشبه وعدًا غير منطوق:
-حاجاتك تتعوض، أما بقى حكاية النوم تعالي معايا لغاية ما اوضتك ترجع تاني.
رفعت حاجبيها بدهشة وكأنها لم تصدق ما سمعت:
-نعم؟!
صمت لحظات ثم قال بنبرة عشوائية ولكن يملؤها الاهتمام:
-أنا بتكلم بجد، تعالي نامي عند شمس وهجيب سليم ينام معانا تحت...ولا اقولك لا سليم مقدرش اقوله كده، زيدان اقدر عليه عادي واقعده معايا تحت بالعافية.
ضحكت من بين دموعها ضحكة صغيرة ولكنها حقيقية لأول مرة منذ ساعات:
-شكرًا يا يزن، بس مينفعش أجي امشي الناس من بيوتها، وبعدين متقلقش أكيد هيشوفولي مكان يعني! مش هنام في الشارع متخافش.
تغيرت ملامحه ولم يعد يبتسم، بل بدا وكأنه يفكر في كل طريقة ممكنة لإسعادها، ثم قال بجدية واهتمام:
-طيب تعالي هحجزلك في فندق تقعدي فيه!
نظرت إليه بعدم رضا ثم قالت بحدة ولكن نبرتها تخفي امتنانًا:
-لا طبعًا مش لدرجادي، هتصرف متخلنيش اندم إن اتكلمت معاك وفضفضت في كلمتين.
أجابها بسرعة وبكل صدق وكأن كل ما يهمه فقط هو أن يطمئن قلبها:
-تندمي ليه؟ أنا عايز راحتك وتكوني مبسوطة، مش عايزك تزعلي ولا تشيلي هم حاجة.
نظرت إليه مطولًا ثم ابتسمت ابتسامة هادئة، كانت تحمل شكرًا صامتًا وشيئًا من المزاح الطفيف الذي أرادت به أن تُخفف توتر الجو الذي حدث بسببها:
-مش زعلانة، معقولة أبقى خطيبة يزن الشعراوي وازعل بردو؟
ارتسمت على وجهه ابتسامة عميقة امتدت بهدوء على ملامحه، لكنه لم يرد فهو لم يكن بحاجة إلى كلمات؛ بل اكتفى بالنظر إليها نظرة طويلة هادئة مشبعة بالعاطفة والحنان، أما عيناه كانتا تتحدثان نيابة عنه وكأنها تخبرها بصمته العميق أنه سيكون دائمًا إلى جوارها.
وبالرغم من أنها حاولت مقاومة أثر تلك النظرة، إلا أنها شعرت بخجلٍ دافئ يتسلل إليها، فخفضت بصرها سريعًا وابتعدت بعينيها عنه كأنها تحمي نفسها من ذوبانٍ مُحتمل في عاطفته، لكنها لم تستطع إخفاء تلك الرجفة الطفيفة التي اجتاحت قلبها للحظة.
ولكن اندفع أحد الأطفال إلى السطح بسرعة وهو يبكي بانفعال، فانتفضت سيرا من مكانها واقفة في توتر، وعينها على وجه الصغير الذي هرع نحوها، ضمت ذراعيها إليه سريعًا تستقبله بأحضانها قبل أن تتساءل بفزعٍ أمومي:
-مالك يا ميمو بتعيط ليه؟
رفع وجهه نحوها والدموع تنحدر على خديه الصغيرين، نظر إليها برجاء طفولي خالص وقال بنبرة مرتجفة:
-خبيني يا خالتو، ماما عايزة تضربني عشان أنا اللي ولعت في اوضتك.
في لحظة سكن الهواء من حولها، وتجمدت ملامحها لثوانٍ قبل أن يندفع يزن بسرعة ويفصل الطفل عنها، وهو يقول بلهجة ساخرة تخفي قلقًا داخليًا:
-انت عبيط يالا؟! جاي تستخبي في حضن الوحش، دي احتمال تقتلك دلوقتي.
بدأت يده تدفع الطفل برفق بعيدًا عنها، لكن صوتها خرج متهدجًا من بين شفتيها، يحمل غضبًا بدأ يتصاعد كسُحب عاصفة:
-بقى أنت يا ميمو يا كلب اللي ولعت في اوضتي؟
كان صوتها متوترًا ومشحونًا، والطفل بدأ يرتجف قليلًا من حدة الموقف، وقبل أن يجيب اندفعت فريال إلى السطح، وهي تلوح بحذاء في يدها وتصرخ بغضب شديد:
-هو فين ابن العبيطة ده؟
سارع يزن ووقف أمام الطفل ومد ذراعيه كحاجز حائل بينه وبين العاصفتين، يتحدث بتوترٍ يحاول تهدئة الأجواء:
-اهدو يا جماعة ده في الاول وفي الأخر عيل صغير، وبعدين احنا المفروض ندور على مين اللي حط العاب نارية في اوضتك.
وقبل أن تزداد حدة الموقف صاح الصغير فجأة بحماس، وكأن الفكرة أنقذته من الغرق:
-خالو قاسم وعبود يا ماما أنا بريء.
التفتت سيرا إليه فاغرةً شفتيها بدهشة لا تخلو من الصدمة، بينما قال يزن بسخرية مرهقة:
-اهو بريء يا جماعة اهدو بقى.
ولكن سيرا لم تملك نفسها فقد شعرت بأن غضبها اقترب من نقطة الانفجار، فتشنج وجهها وانسحب دمها إلى وجنتيها المتقدتين، ثم رفعت طرف فستانها برشاقة وهي تتراجع للخلف خطوتين استعدادًا للركض، وفي لحظة اندفعت كالسهم نحو الدرج، تنوي الانتقام دون تفكير، هاتفه بصوت قوي اخترق ليل السطح:
-قاســــم....عبــــود.
غزت نبرتها لذة انتقام بدت واضحة، وكأن الحريق الذي أكل حجرتها لم يطفئ بعد، بل استقر في صدرها، فركضت خلفها فريال تهتف باسمها وتحاول اللحاق بها، بينما ظل يزن في مكانه يراقب المشهد بخليط من الارتباك والضحك المذهول، وما إن ابتعدتا حتى انخفض يزن قليلًا إلى مستوى الطفل، ينظر إليه وهو يضع يده فوق كتفه بحذر، وسأله بنبرة مرحة ولكنها تحمل فضولًا صريحًا:
-هيعملوا إيه في خالك عبود وقاسم؟!
رمش الصغير بعينيه عدة مرات، ثم نظر إليه بجدية طفولية مدهشة، وابتسامة شريرة بدأت تتسلل إلى ملامحه، وهو يجيب بصوت يضج بالحماس والانتصار:
-مش هما اللي هيعملوا، دي خالتو حكمت هتعلقهم على باب البيت.
ضحك يزن رغماً عنه ومرر يده فوق شعر الصغير وهو يتمتم:
-لا بقى... احنا لازم ننزل ونتفرج، الحفلة دي مش هتفوتني!
******
مر يومان ولم تتعافَ غرفتها بعد من آثار الحريق، ظلت الجدران عارية تفوح منها رائحة الرماد بينما تم إخراج كل أثاثها المحترق، أما العمال الذين وعدوا ببدء التجديد لم يأتِ منهم أحد، وكعادة بعض عمال مصر الوعد شيء والمجيء شيء آخر تمامًا!
أما سيرا فكانت حرفيًا مشردة، تتنقل بين غرفة والديها أحيانًا، أو غرفة إخوتها عبود وقاسم أحيانًا أخرى، ومرات كانت تُستضاف لدى حكمت، في غرفة "دهب" التي لم تكن لتخلُ من ضجيجها وضحكاتها العالية، ومكالماتها التي لا تنتهي مع أصدقائها، فالغرفة كانت أقرب لمحطة إذاعية مفتوحة على مدار الساعة.
شعرت باختناق وهي جليسة المنزل لا تفعل شيء سوى النظر إلى غرفتها والجلوس أغلب الوقت صامتة تبحث عن عمل عبر وسائل التواصل الاجتماعي ولكن دون جدوى، أما علاقتها مع يزن فكانت هادئة يشوبها المكالمات البسيطة للاطمئنان عليها.
ولكن اليوم لم يأتيها اتصالاً منه كعادة كل يوم، أمسكت هاتفها لتجرى اتصالاً به متظاهرة بكسر حالة الملل التي أصابتها، ولكن رنين هاتفها يفيدها باتصال من فاطمة دفعها للرد سريعًا:
-فاطمة كويس انك اتصلتي، تعالي اقعدي معايا، ولا استني هاجي أنا اقعد معاكي.
جاءها صوت فاطمة النائم وهي تقول:
-أنا مطبقة، بقولك اتصلت عشان بعتلك رقم واحد عنده جيم شوفته على الانستا قبل ما أنام.
تهلهلت أساريرها وهي تقول بحماس:
-اشطا اقفلي هروح أكلمهم.
أغلقت الهاتف والتفتت حولها تحدد مكانًا هادئًا تجري به مكالمتها فلم تجد سوى الشرفة، ولكن ركوض الاطفال خلفها، جعلتها تقف تصدر أوامرها بصرامة:
-وربنا اللي هيجي ورايا هرميه من البلكونة، ابعد يالا منك ليها.
***
أما يزن فكان قد قرر الخروج برفقة نوح، إذ زارا عيادة الأخير سريعًا، ثم ألح عليه يزن أن يأخذ قسطًا من الراحة بعيدًا عن ضغط العمل وهموم الأيام المتتالية، فوافق نوح الذي كان مستهلكًا نفسيًا ولم يُمانع، بل شعر أن عقله بحاجة للهدوء أكثر من جسده.
وبينما كانا يمران من أسفل البرج، استوقفتهما يسر التي كانت واقفة أمام محلها الجديد، تحمل في يدها مجموعة من الدعوات الصغيرة، كانت توزعها بابتسامةٍ واثقة وعيناها تبرق كأنها تعلن بدء مرحلة جديدة من حياتها.
اقترب منها نوح وعلى وجهه ملامح الدهشة:
-انتي بتعملي إيه يا يسر؟
نظرت إليه نظرة غامضة خليط بين الفخر والمكر الأنثوي، قبل أن تُحول نظراتها نحو يزن ورمقته بابتسامة هادئة وعندما رأته يلمح لافتة المحل من خلفها:
-مبروك يا يسر.
-الله يبارك فيك يا يزن، هستناك تيجي في الافتتاح أنت وخطيبتك، وبالمناسبة الف مبروك أحسن قرار أخدته، مفيش أحسن من الاستقرار، ولا إيه يا دكتور نوح؟
مدت الدعوة ليزن فتلقاها مبتسمًا بخفة، قبل أن يلتفت إلى وجه نوح المحتقن، لتقول بمزاح خفيف وابتسامة واثقة:
-عايز دعوة يا نوح؟!
-معقول ده صاحب مكان.
قالها يزن بتسلية ثم أكمل حديثه بمشاكسة:
-ولا نفسك في دعوة؟!
رد نوح بغيظٍ مكتوم وكأنه يجاهد لكتم انفعاله:
-نفسي تسكت.
التفت إلى تلك الواقفة تنظر إليه بتحد، فرمقها بغيظ وهو يستنكر فعلتها:
-دعوات إيه يا يسر اللي بتوزيعها، هو فرح؟!
ابتسمت يسر وقالت بنعومة خادعة:
-طبعًا فرح! دي فرحتي بافتتاح أول شغل خاص بيا، ولا إيه يا يزن؟
بدت نظرات نوح ممتلئة بالغضب والغيرة، مما جعل يزن يشعر بتوتر واضح فقد أدرك أن الأجواء على وشك الانفجار بين الاثنين، فسارع بالتراجع خطوة وقال بسرعة:
-والله أنا رأيي إنها خصوصيات يعني وماليش اتدخل فيها، هروح اتطمن العربية فيها بنزين ولا لا.
وانسحب بهدوء لكن قبل أن يستقل السيارة، وقعت عيناه فجأة على وجه سيرا، كانت تقف أمام إحدى البنايات المجاورة، تتلفت حولها بتوتر واضح ثم دخلت إلى المبنى بعجلة شديدة، وكأنها لا تريد أن يراها أحد.
ارتفع حاجباه بدهشة وأخرج هاتفه بسرعة يجري اتصالًا بها، لكن كل مرة كانت تُغلق الخط فورًا، دون أن ترد، الأمر الذي جعل قلبه يضطرب فقد بدأ الشك يتسرب إليه، ومعه غضب لم يفهم أسبابه بعد، هل تخفي عنه شيئًا؟ ولماذا تتجاهل اتصاله بهذا الشكل؟
بدأت نبضاته تتسارع وفي رأسه ألف سؤال...لكن لا إجابة، حتى قرر التسلل خلفها ليرى ماذا تخفيه عنه.
رواية غناء الروح الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم زيزي محمد
الفصل الثامن والثلاثون
وقفت أمام المصعد تنتظر أن يستقر بالطابق السفلي لتستقله وتصعد نحو الطابق المنشود، بينما أنفاسها تتسارع بلا سبب واضح سوى توترها الداخلي من المقابلة التي تنتظرها، فقد كانت عيناها معلقة بأرقام الطوابق التي تتغير ببطء، ويدها تعانق حقيبتها الصغيرة كأنها تتشبث بها لطمأنتها.
لكن صوته الذي اخترق المكان بنبرة صارمة وحادة، جعلها تنتفض في مكانها فجأة كمن لُسع بالكهرباء، فامتزج الخوف بالدهشة في ملامحها، وارتسم تعجب واضح على قسمات وجهها:
-سيرا بتعملي إيه هنا؟
وضعت يدها على موضع قلبها تحاول تهدئة خفقاته التي باتت تعلو كطبول تحذرها من كارثة وشيكة، فاقتربت منه بخطوات بطيئة ووجهها يحمل خليطًا من التوتر والخجل، وهمست بصوت رقيق خرج منها رغمًا عنها مصحوبًا برجفة خفيفة فضحت اضطرابها:
-يزن أنت اللي بتعمل إيه هنا؟
نظر إليها بحدة ثم مد يده فجأة يمسك بذراعها بلطفٍ فيه شيء من السيطرة، وجذبها بعيدًا عن الأنظار إلى زاوية منعزلة عن أعين المتوافدين على البرج السكني، وعينيه تفحصتا ملامحها بدقة كأنه يبحث عن شيء لا يُقال، ثم قال بنبرة خشنة خلت من المجاملة:
-كنت واقف مع نوح صاحبي، وشوفتك وانتي داخلة هنا فاستغربت!
عقدت ما بين حاجبيها بدهشة لم تخفها وابتسمت ابتسامة خفيفة ممزوجة بالحيرة:
-استغربت ليه؟!
تغيرت نبرته وازدادت عمقًا وهو يرد بنبرة رخيمة، تحمل في طياتها استنكارًا مغلفًا بغيظٍ دفين:
-يمكن عشان ماقولتليش إنك خارجة مثلاً؟!
كلمات بسيطة لكنها كانت كفيلة بكشف مدى ضيقه، فحاولت تهدئة الموقف وقالت بهدوء ينبع من صدق نواياها، وقد تلألأت عيناها البراقتان بأمانة لا تُنكر:
-عادي يعني، أنا جالي فرصة شغل وجاية أقدم فيها.
رفع رأسه بتلقائية نحو الأعلى كأنه يبحث عن تفسير في سقف المكان، ثم تمتم بسؤال يفيض بالتعجب وهو يطالع أرجاء البرج بنظرة فاحصة:
-هتشتغلي إيه هنا؟!
هزت كتفيها بخفة وردت عليه ببساطة، وكأنها لا تفهم لماذا يُفاجَأ بشيء يعرفه جيدًا:
-مدربة في جيم!
رفع حاجبًا ساخرًا ونظر إليها بعينين تتقدان شكًا، ثم سألها بنبرة غليظة تحمل في طياتها أكثر من معنى:
-وفين الجيم اللي هنا؟ البرج كامل مفيهوش جيم!
اضطرب قلبها بين ضلوعها وشعرت وكأنها تتعرض لتحقيق مفاجئ، فترددت في الرد لوهلة ثم تماسكت وقالت بهدوء تحاول أن تصطنعه:
-أيوه ما أنا استغربت بردو، بس لما اتصلت بيهم من شوية قالولي أنهم مكتب توظيف ولسه هيعملوا مقابلة معايا الاول وعندهم كذا جيم وهنشوف المناسب ليا.
صمت لثوانٍ وكأنه يحاول استيعاب الأمر، ثم أمسك بكفها بإحكامٍ مفاجئ وقال بنبرة آمرة لا تحتمل الرفض:
-طيب يلا هاجي معاكي.
توقفت رغماً عنها تمانع سيره بها، وسألته بنبرة فيها شيء من الدهشة والاستنكار:
-بجد؟ طيب وصاحبك؟
هز رأسه بلا مبالاة وقال بنبرة متملكة تسللت إلى قلبها كنسمة دافئة:
-فكك منه انتي أهم.
كادت تبتسم بل كادت تذوب في تملكه الواضح لها، لكن فضولًا صغيرًا جعلها تتريث، فسألته بعينين تلمعان ببريق خاطف:
-أهم في إيه؟! يعني ده لسه يدوب هشوف هيوفقوا عليا ولا لا؟
اقترب منها أكثر وانخفض بصوته حتى بات رخيمًا يحمل في طياته بحة رجولية آسرة، وقال:
-يعني اسيبك يحصلك مصيبة وانتي لوحدك؟ وبعد كده متتكررش تاني أبدًا تروحي مكان غريب لوحدك، أنتي ماتعرفيش إيه ممكن يكون مستنيكي.
بلعت ريقها بتوتر، وقالت بارتباكٍ ظاهر:
-انت قلقتني بس يعني ان شاء الله خير، متقلقش عليا أنا أقدر اسد في أي حاجة.
ابتسم بسخرية ومال نحوها بشقاوة خفيفة:
-اه من واخد بالي، أنتي بتسدي معايا أنا بس، بس مع غيري فرخة بلدي مبتنطقيش.
رفعت رأسها بتعالي مصطنع وردت بنبرة متجاهلة:
-أنا هعتبر كأني ماسمعتش أي حاجة، وبعدين هو أنا ليه حاسة إنك متضايق كده؟
رمقها بغيظٍ كمَن ثم أفرغ ما يختلج في صدره من ضيق:
-عشان شايف إن ملهاش لزمة تشتغلي عند حد أصلاً، وقولتلك تعالي اشتغلي معايا، وكده هكون مطمن عليكي.
أغمضت عينيها لثوانٍ تشعر بمدى صدقه رغم صلابته، ثم ربتت على يده القابضة على يدها الأخرى بحنان وابتسمت إليه ابتسامة صافية:
-يزن أنا مقدرة جدًا....
لكن جملتها لم تكتمل إذ انبعثت فجأة أصوات رجال يتحدثون بصخب داخل المبنى، واندفع عدد منهم إلى الداخل، فارتبك المشهد فجأة وتقدم أحدهم بجسد ضخم ليزيحهم عن طريقه، فوضع يزن يده فوق كتفها ليحميها عندما قالت مستنكرة:
-اه في إيه؟ حاسب.
زمجر به يزن بغضب وهو يعلن انتباهه لوجودهما:
إيه ده؟ في أيه؟ حاسبوا؟
وقد ارتبكت سيرا من المشهد فحدقت في السيارات التي بدأت تصطف أمام البرج، ولاحظت لونها وأضواءها فهتفت بخوف:
-يزن هو في إيه؟ هما طالعين يجروا ليه كده؟
نظر نحوها بنظرة جادة ثم قال بحزم:
-اقفي هنا ثواني واوعي تتحركي، فاهمة..
أومأت برأسها دون نقاش تتابعه بأنفاس محتبسة، فابتعد نحو رجل يقف عند مدخل البرج، تبادلا كلمات سريعة، ثم عاد بملامح متجهم، الغضب يطل من عينيه والعتاب واضح في قسمات وجهه، فاقتربت منه تسأله بلهفة:
-يزن في إيه؟ مين دول؟!
قال بجمود وهو يرمقها بنظرة ثقيلة:
-دول بوليس الآداب يا سيرا وجاي يقبض على مكتب التوظيف اللي حضرتك اللي كنتي هتطلعيه لوحدك فيه؟ دي طلعت شقة مشبوهة والجيران بلغوا.
اتسعت عيناها بذهول وضغطت بكفها على صدرها بخوف، ثم شهقت وهي تهمس بذعر:
-يا نهار أسود؟ شقة مشبوهة؟ الحمد لله يا رب، الحمد لله، عايز اسجد شكر لله، الحمد لله.
ظل يزن يرمقها بنظرة معاتبة كأنه يحملها كل اللوم، فتفهمت صمته وانكمشت على نفسها بشعور بالحماقة:
-إيه ماتبصليش كده؟ انت اللي مصر اروح اشتغل عند الغريب، مع إن أنا قولتلك كتير اشتغل معاك بس انت بترفض، مع أنك هتكون مطمن عليا على فكرة وأنا معاك.
ابتسم إليها بهدوء، بعينين تحملان الكثير من الطمأنينة، ومد يده ليأخذ كفها الصغير برفق، ثم حركه نحو الاتجاه الآخر بخطى محسوبة، نحو محل يسر الذي تزينت واجهته بالألوان والزينة، استعدادًا لحفل الافتتاح، فأردف بلهجة رخيمة تحمل لمسة من المزاح الدافئ:
-هنروح نخلع من نوح بشياكة ونمشي، وتسلمي على مراته، تمام؟
نظرت إليه برفض خفيف ارتسم على ملامحها، وقطبت حاجبيها وهي تشيح بوجهها عنه:
-لا مش تمام، أنا لا يمكن أخدك من صاحبك، روح معاه أنا هروح.
توقف لحظة عن السير ومنحها نظرة عميقة وكأنها تحمل بين طياتها قرارًا لا رجعة فيه، ثم أردف بنبرة آمرة لا تقبل الجدل:
-لا...واللي قولته هو اللي يمشي.
ترددت لبرهة ثم عادت لتسير بجانبه، وقد اكتسى وجهها بابتسامة خفيفة، فيها شيء من الألفة والدلال ثم قالت بنبرة مشاكسة جديدة وهي تحاول أن تتدلل عليه:
-تمام همشيها بس النهاردة عشان خاطرك.
توقف مجددًا وكأنها فاجأته بتغير نغمتها هذه المرة، فنظر إليها باستغراب وقد ارتسمت على وجهه ملامح الدهشة:
-مستغربك وانتي هادية كده ولسانك مابينقطش كلام زي الدبش معايا.
نظرت إليه بعينين فيهما قدرٌ من الضعف، وأردفت بصوت يحمل براءة زائفة فيها القليل من التمثيل والكثير من النية الطيبة:
-ماليش وش الصراحة، فحبيت الم الدور....
لم تكمل حيث توقف كلامها فجأة حينما لفت انتباهها من خلال زجاج المحل مشهد بدا مقلقًا؛ فقد كان نوح ويسر يتشاجران داخل المحل، من لغة جسديهما وطريقة حركاتهما السريعة والمتوترة، فقالت بتوتر وقلق ظاهر على نبرتها:
-إيه ده؟ يزن الحق دول باين بيتخانقوا؟
نظر في نفس الاتجاه الذي أشارت إليه، وركز بصره على الداخل حيث كانت يسر تلوح بيديها غاضبة، بينما نوح يرد عليها بنبرة حادة وعلى وجهه علامات التوتر والانفعال، فقال بتنهيدة مثقلة كأنها تحمل على كاهلها عبء العلاقات المعقدة مثل علاقة نوح صديقه وزوجته:
-باين إيه!! ده أكيد، تعالي لما ندخل هيتحرجوا.
لكنها لم تتحرك بل ثبتت مكانها وقد ارتسمت على وجهها ملامح العناد وعنفوان أنثوي صلب، كأنها تحارب من أجل قضية لا تخصها وحدها، وقالت بنبرة فيها نبرة احتجاج أنثوية واضحة:
-ونقطع عليهم ليه؟ افرض هو كان جاي عليها، ما نسيبها تاخد حقها منه.
ابتسم يزن بخفة وهو يرمقها بنظرة خفيفة فيها سخرية لطيفة ثم أردف:
-ما هي بتاخده بالطريقة، ونوح بدأ يولع، وبعدين تعالي هنا دي انتي منهم ولا إيه؟
رفعت حاجبها بدهشة مصطنعة وقالت ساخرة:
-من مين بالظبط؟ عشان هما كتير!
ضحك بخفة وهو يومئ برأسه قائلاً:
-انتي بتسخني بوتاجز خمسة شعله؟!
رفعت رأسها وهي ترد بتحدٍ وقوة:
-لا، بس أنا من أنصار حقوق المرأة.
غمز إليها بطرف عينيه وهو يشاكسها بنبرة ناعمة:
-طيب وحقوق يزن؟ مش هتبقي من أنصاره؟
أجابت وهي ترفع يدها بحركة درامية وتبتسم بمكر:
-لا ما أنا ربنا رازقني بخطيب أنصاره كتير اوووي، لدرجة إن لو وقفت وسطهم مش هيشوفني أبدًا.
رفع حاجبيه وهو يقترب منها خطوة ثم قال بخفة ظل:
-طيب احلفي كده إني مش هشوفك؟ يا شيخة متبقيش عامية القلب والبصيرة!
ضحكت ثم مالت برأسها قليلًا وهي تقول بدلال:
-يعني هتشوفني يا يزون؟
تفاعل يزن معها بحب ثم قال بحماس وقرار نهائي لا رجعة فيه:
-لا بعد يا يزون دي، احنا نسيبهم يولعوا وتعالي افسحك النهاردة اليوم كله.
نظرت إليه بدهشة حقيقية هذه المرة وقد انقلبت نبرتها للقلق:
-أنا مقولتش لبابا!
قال بثقة مفرطة وهو يفتح لها باب سيارته بعناية، ثم وضع يده على إطار الباب من الأعلى خشية أن يصطدم رأسها بالإطار، وكأن حمايته لها أصبحت أمرًا لا يحتاج لتفكير:
-مالكيش فيه أنا هظبطلك الدنيا، يلا ادخلي.
لم تجبه فقط ابتسمت على استحياء، ثم جلست بهدوء على المقعد، بينما انتقل هو إلى مقعده خلف عجلة القيادة، استقل السيارة وشغل المحرك بسرعة كأنه يهرب بها من كل ما يمكن أن يعكر صفوهما، ثم مال نحوها يسألها بحماسٍ صادق، ظهر جليًا في نبرته ولهجته المشرقة:
-تحبي تروحي السينما الأول ولا نتغدا الاول؟
نظرت إليه بنظرة مشحونة بالغيرة الخفية التي تحاول دومًا إخفاءها خلف ابتسامتها، وقالت بنبرة تحمل مزيجًا من المزاح والتوبيخ:
-لا سينما إيه؟ السينما دي أكيد روحتها مع بنات كتير صح؟!
لمح في عينيها تلك الغيرة المحببة فابتسم بخفة وهو يغالبه ضحك مكتوم ثم رد بلهجة مرحة:
-امممم يا نكدية، عايزة إيه يعني؟
أجابته بنبرة توحي بشيء من التدلل، وكأنها تختبر ولاءه في تلك اللحظة العابرة:
-روحت قبل كده الحسين وشارع المعز؟
ظل صامتًا لحظات يستعيد ذاكرته، ثم أجاب بصدق وهدوء كي لا يثير غيرتها أكثر:
-امممم روحت بس مع نوح مرة ومع زيدان أخويا مرة تانية هو ونهى بنت عمتي.
أطلقت تنهيدة خفيفة وكأنها تحاول أن توازن بين غيرتها وثقتها فيه ثم قالت برضا ظاهر:
-حلو أنا راضية بأي حاجة روحتها قبل كده مع أهلك وصاحبك، بس ماتودنيش مكان روحت فيه مع بنات.
مر شبح ابتسامة على وجهه شعر وقتها أن غيرتها لم تضايقه بل لامست شيئًا رقيقًا بداخله، ذلك الشيء الذي يؤكد له أن مكانته عندها مختلفة، فنظر إليها نظرة حانية وفيها الكثير من الاطمئنان، ثم قال بحزم رقيق:
-حاضر انتي تؤمري يا ست سيرا، بس أنا مكنتش مبسوط في الأماكن اللي بروحها مع أهلى.
رفعت حاجبها الأيسر في تحدٍ مستنكر، متعجبة من طريقته كأنها لم تستوعب بعد طباعه الغريبة، ولكنه هز رأسه ساخرًا من نفسه ثم قال وهو يقود سيارته بسرعة كعادته التي لا يستطيع تغييرها:
-أيوه عادي أنا ابن عاق.
ابتسم بهدوء وهي تغوص في مقعدها للحظات، تتأمل ملامحه الجادة التي يختبئ خلفها ذلك الشاب الذي يشبه الأطفال أحيانًا في طيبة قلبه، فقد كان قلبها ينبض بسرعة غريبة وهي ترى نظراته تتعلق بها رغم انشغاله بالطريق!
فقد تراقص ضوء الغروب على زجاج السيارة بينما كانا يسيران بين الشوارع، وكأن القدر نسج لهما لحظة هادئة تحفظها ذاكرتاهما طويلًا، رغم ضجيج المدينة من حولهما، ولم يدرك يزن حينها أن بأفعاله تلك سيمنحها يقينًا لا يهتز بأنها صارت جزءًا من حياته لن يشاركه فيه سواها.
****
سارت سيرا إلى جواره في شارع المعز، بعد أن توصلا إلى قرار الذهاب إليه، وأخبرا والدها بأنها ستخرج في نزهة قصيرة برفقته وسرعان ما ستعود ولا داعي للقلق.
فقد كان المساء بدأ يُلقي بظلاله والشارع ينبض بالحياة والزحام كعادته؛ حشود من البشر وأنوار المحلات اللامعة وأصوات الباعة المتجولين، وروائح المأكولات الشعبية تعبق في الجو وتمنح المكان دفئًا خاصًا.
كانت تنظر إليه بين الحين والآخر وتبتسم كطفلة صغيرة أُطلق سراحها من قيود الروتين، تسير بحماس واضح وعيناها تجولان في الطرقات كأنها تراها لأول مرة، رغم أنها تحفظ كل زاوية وكل حجر في هذا المكان عن ظهر قلب، بسبب زياراتها المتكررة مع أبلة حكمت، فهما رغم اختلاف أعمارهما وأذواقهما تشتركان في حب هذا الشارع؛ هي تعشق التسوق واقتناء كل ما هو فريد، بينما أبلة حكمت لا تفعل شيئًا سوى التجول والجدال مع الباعة في ثمن كل شيء، تُرهقهم بطريقتها الحادة والساخرة أحيانًا.
قطع يزن شرودها بنبرة هادئة:
-مبسوطة؟
هزت رأسها بدلال طفولي وعلى ثغرها ابتسامة من القلب:
-اوي، أنا بحب أجي هنا كتير، بحب الدوشة اللي هنا والزحمة.
ابتسم إليها ابتسامة شاحبة وقد بدا على وجهه الإرهاق:
-أهم حاجة تكوني مبسوطة بس أنا تعبت من المشي، تعالي نقعد في مكان نشرب حاجة.
توقفت فجأة والتفتت إليه بنبرة اعتراضية أقرب إلى الأطفال:
-لا يا يزن، ده المتعة أنك تمشي وتتفرج، تعالى بس في محل بيبيع حلقان تحفة.
لم يجد أمامه إلا الاستسلام لرغبتها، فذهب معها على مضض لم يُبدِ اعتراضًا صريحًا، فقط سار إلى جوارها وهو يتأمل تلك السعادة البريئة التي تملأ وجهها، فتوقفت فجأة أمام محل صغير للمشغولات اليدوية وبدت مبهورة وكأنها ترى كنزًا دفينًا، أمسكت بحلقين أحدهما ذهبي صغير والآخر فضي متدلٍ ثم التفتت تسأله بحيرة:
-ده حلو ولا ده؟
تأمل القطعتين دون تركيز ثم قال بنبرة مرتبكة:
-معرفش، بس الصغير ده هيليق عليكي؟
نظرت إليه مترددة ثم اتجهت إلى داخل المحل وسألت البائع بفضول صادق:
-بقولك عندك مرايه؟ عايزة اشوفه بس على وشي.
رد الشاب وهو يبتسم بنظرة مريبة لم تعجبه:
-اه تعالي يا قمر هنا في مراية.
وأشار إلى ركن في نهاية المحل وبه مرآة طويلة وستارة سوداء، وقد ظهرت عينيه وهي تسلل بخبث إلى تفاصيل جسدها من الخلف.
لكن قبل أن تخطو خطوة واحدة، شعر يزن بشيء يتفجر في داخله فقبض على معصمها سريعًا وهمس بغلظة:
- انتي اتجننتي، اهدي تجربي إيه؟!
ثم جذبها إلى الخارج بنظرة حاسمة، والتفت إلى البائع بنبرة خشنة أثارت ارتباك الأخير:
-هات الاتنين دول طالما عاجبنيها، حقهم كام؟
-ميه جنية يا بيه.
أخرج النقود بسرعة ودفعها بعنف ظاهر، ثم أمسك بكف البائع بقوة وألقى المال بداخله عنوة وهمس بتحذير:
-أنا كان ممكن أطربق المحل فوق على دماغك بسبب بصاتك الـ**** دي، بس هعتبر أنك عيل غشيم ولسه ماتعرفش إن أكل العيش مفيهوش ****، فاحترم وقدر النعمة.
أنهى كلماته ونظراته توقد شررًا وكأن بركانًا من الغضب كان يغلي في صدره، فخرج من المحل بخطوات متسارعة نحوها وجذبها من معصمها بهدوء حازم.
-في إيه؟!
وقف أمامها فجأة وكأن كل ما يكتمه انفجر دفعة واحدة:
-هو إيه اللي في أيه؟، هي الطرحة دي ديكور؟! داخلة فين تخلعي طرحتك وتجربي الحلق؟، جربي في البيت يا ماما مش هنا ومع المعتوة اللي هناك ده!!
فتحت فمها لتفسر له موقفها، لتخبره أنها لم تكن تنوي خلع الحجاب، بل لها طريقتها الخاصة التي لا تُظهر شيئًا لكنه قاطعها بنبرة شبه عنيفة:
-بس خلاص يا سيرا وحياة أبوكي أنا مش ناقص كلمة منك دلوقتي، أنا على أخري.
انكمشت ملامحها رغم أنها كانت تعرف جيدًا أنه غاضب لكن لم تتخيل أن تكون قسوته بتلك الحدة، ورغم ذلك وجدت في غيرته لمحة إعجاب، لمعة خافتة أضاءت عينيها للحظة، فهزت كتفيها بلا مبالاة وقالت بعبوس زائف:
-مكنتش هقول حاجة، ويلا أنا خلصت، يلا نروح.
رفع حاجبيه بضيق من طريقتها:
-اتقمصتي يعني؟! طيب ما تسيبني اهدى مع نفسي، لا ازاي لازم تنكدي على اللي خلفوني.
قالت بذهول:
-هو مين اللي نكد على مين، مش فاهماك؟
-بس خلاص اسكتى بقى.
قالها وهو يرمقها بنظرة حادة، ثم التفت بعيدًا عنها في صمت يرسم الغضب على ملامحه بقسوة، أما هي فقد شعرت بوخز الحزن في صدرها، الحزن الذي يسكن القلب فجأة دون مقدمات، فقد كانت تنتظر أن تترك أول نزهة حقيقية بينهما ذكرى سعيدة، ولكن تحولت إلى موقف موجع ومحرج في عيون الناس المراقبين إليهما.
تراجعت خطوة للخلف تحاول أن تخفي مشاعرها، لكنها شعرت بالدموع تتسلل إلى عينيها، ترفض أن تستسلم لكنها فشلت في النهاية، أما هو فرغم كل ما شعر به من غضب لم يستطع أن يتمادى ولم يحتمل دموعها ولا ملامحها المرتبكة وهي تحاول التشبث بقوتها أمامه، فاقترب منها وقال بلطف متناقض مع شدته السابقة:
-بتعيطي ليه؟ انتي عبيطة هو أنا قولتلك إيه طيب؟ أنا معملتش حاجة لسه!
رفعت وجهها إليه واكتفت بنظرة دامعة ومرتبكة، ثم أخفت عينيها بكفيها لا تريد أن يراها بهذا الضعف، فاقترب أكثر وقال بصوت حنون خافت:
-طيب خلاص الناس بتتفرج علينا يا ماما....
أعطته ظهرها وهي تمسح دموعها بسرعة، ثم زفرت بهدوء لتستعيد تماسكها لكنه ظل يلاطفها بطريقته:
-لو ماسكتيش والله هحضنك في وسط الناس دي كلها، أنا عادي ومايهمنيش، خدي الحلقان طيب أهي.
أبعدت يده وقالت بحزمٍ مخنوق بالحزن:
-مش عايزة منك حاجة، أصلاً هما وحشين.
لم يجبها بل ابتسم بهدوء، ثم تحرك نحو بائع حلوى غزل البنات، وطلب منه واحدة وردية على هيئة زهرة، ثم عاد بها إليها وهو يبتسم بمشاكسة:
-متزعليش يا سرسورة، مع إنك أنتي اللي غلطانة، ويلا نقعد في الكافية اللي هناك ده، عشان احنا بقينا فرجة للناس خلاص.
تناولت منه حلوى غزل البنات بسعادة كبيرة وقد تناست أمر حزنها منه ومن صوته العالي الذي هاجمهما به في الطريق وسط المارة، ورغم أنها تشع كأن شيئًا من العتب لا يزال مختبئًا في أعماقها، إلا أن الطفلة التي تسكنها كانت أبرع في التمرد على تلك الأحزان وسرعان ما بدأت تلتهم قطعة صغيرة من الحلوى، تدسها في فمها بتلذذ واضح، ثم نظرت إليه وهي تمضغ بهدوء، وقالت برفض عفوي:
-لا ده في بنات قليلة الادب بترقص.
توقف لوهلة ثم ضحك بخفة وهو يدفعها للتحرك إلى الأمام وقد أعجبه ردها المفاجئ الصريح، فقال بتسلية:
-ده انتي حافظة بقى؟!
كان يحاول أن يفتح لها طريقًا للمرح مجددًا، يلهيها عن الضيق الذي تسلل إلى قلبها قبل قليل، فيما كانت خطواتهما تتباطأ وهما يقتربان من ناصية بها مجموعة من الكافيهات، فهزت رأسها بإيجاب:
-باجي كتير مع أبلة حكمت.
قالتها بلهجة واثقة وكأنها تُذكره بأن لديها تاريخًا طويلًا في هذا الشارع، تفوق به تجربته المؤقتة معه.
-طيب نقعد فين؟
سأل وهو يتلفت حوله يبحث عن مكان هادئ، فقد كان ضجيج الشارع لا يزال يطن في أذنيه، تقدمت خطوة وأشارت إلى أحد المقاهي القريبة، ثم أردفت بثقةٍ فيها لمسة احتراز:
-هنا في الكافية ده، نقعد في الدور اللي فوق عشان الدور اللي تحت ممكن تقوم بنت ترقص ولا حاجة.
كتم ضحكته وهو يرفع حاجبيه بدهشة مصطنعة ثم رد ساخرًا:
-اه أمان يعني فوق، بارك الله فيكي يا سيرا، أنا أصلاً راجل محافظ وماحبش اشوف الحاجات القليلة الادب دي.
قالها وهو يضع يده على صدره بتصنع الجدية، يحاول أن يضيف لموقفهما بعض المرح الساخر بعد التوتر الذي حل في البداية، بينما كانت هي تتظاهر بعدم الاكتراث لكنها كانت تستمتع بإيقاع حديثه، وبتلك المشاكسات الخفيفة التي تخفف عنهما وطأة الموقف السابق.
فتوقفت لثوانٍ كأنها تتحضر لسؤال مهم، ثم نادت باسمه فجأة بنغمة توحي بأنها تخطط لتوريطه في شيء ما:
-يزن؟
التفت إليها بنظرة حذرة:
-اوعي تسأليني شوفت بنات بترقص ولا لا؟
قالها بتحفظ ساخر وهو يرفع إصبعه كأنه يهددها مازحًا، فهزت رأسها نفيًا وهي تضم شفتيها وكأنها تتقمص دور العفيفة المحتشمة:
-لا مش هسأل، مابتكلمش في الحاجات القليلة الادب دي.
-امال؟
سألها بتلك النبرة المتوقعة الممزوجة بالفضول، وقد بدأ يعتاد تقلب مزاجها السريع ما بين الجدية والمزاح، فتوقفت فجأة ووضعت يدها على بطنها بتصنع الألم، ثم قالت بانفعال حقيقي هذه المرة:
-أنا جعانة اوي بجد، وخلاص حاسة هيغمى عليا، وفي واحد هنا بيعمل سندوتشات كفتة تجنن، وبعدها ياريت تعزمني على درة مشوي، وبعدها تقعدني في الكافية اشرب شاي بالنعناع ويبقى انت كده صالحتني وأنا رضيت خلاص.
قالت ذلك بملامح بريئة لكن ماكرة، وكأنها تنتزع التعويضات انتزاعًا وتُحدد شروط الصلح بوضوح لا يقبل التفاوض، أما هو لم يستطع مقاومة ضحكته فقد شعر وكأنه مع طفلة صغيرة ذات مطالب لا تنتهي، ورغم ذلك لم يكره مطالبها بل وجد فيه سحرًا لا يفهمه:
-بس كده من عنيا أنت يا باشا تؤمر وأنا أنفذ، الحقينا بقى ببتاع الكفتة عشان أنا واقع من الجوع.
كانت نبرته مازحة لكنها لم تخلُ من دفء خفي، فكان يحاول جاهدًا أن يضمد الشرخ الذي كاد أن يتسع بينهما قبل لحظات، أما هي فقد ابتسمت في صمت وكأنها تُسلم قلبها لهذا التقلب اللذيذ في مزاجه..
وفي طريقهما نحو عربة الكفتة كانت الأضواء الذهبية المنبعثة من فوانيس المحال القديمة تتراقص فوق وجهيهما، تعكس من ملامحهما طيفًا من الألفة والاعجاب، فقد كان شارع المعز شاهدًا على هذا التدرج العاطفي بينهما.
عندما وقفا أمام البائع كانت سيرا ترمق العربة بنظرة يعرفها جيدًا؛ تلك النظرة التي لا تفرق فيها بين الطفولة والأنوثة، نظرة مَن لا يخجل أن يُبدي سعادته بأبسط الأشياء.
وحين أمسكت ساندويتشها أخيرًا، لم تكن يدها ترتجف من الجوع فقط بل من شيء آخر خفي؛ ربما لأنها شعرت أخيرًا أن مَن بجانبها لا يُجيد فقط العبث، بل يُجيد الاحتواء أيضًا.
أما هو فكان يتأملها من طرف عينه يتظاهر بالانشغال بالطعام، بينما في قلبه جلبة صاخبة من المشاعر لم يعهدها من قبل، لم يتعود أن يضعف من دمعة أو أن يسعى لابتسامة فتاة تدلل عليه، ولكنها فعلت به ما لا يفعله أحد!
بعد الانتهاء، ألقت المنديل الورقي في سلة المهملات القريبة بحركة عفوية، فقال إليها بهدوء:
-شبعتي؟
نظرت إليه بشيء من البراءة المغلفة بحزم أنثوي:
-الحمد لله، بس منستش الدرة.
ضحك بخفة وهو يتراجع خطوة للخلف مفسحًا لها المجال ليبحثا معًا عن بائع الذرة المشوي، كانت خطواتهما هادئة ولكن يشوبها الحماس، يتبادلان النظرات بين حين وآخر كأنهما يتشاركان في مهمة خاصة لا يعلم بها سواهما، وما إن لمحت عيناهما عربة الذرة المتواضعة في نهاية الزقاق، حتى تقدم يزن بخطوات ثابتة نحو البائع، تتلبسه رغبة خفية أن يُرضيها ويمنحها لحظة سعادة خالصة.
طلب من البائع أن يختار لها كوزًا بعناية كأنما ينتقي جوهرة وقال بنبرة حريصة:
-واحد مظبوط على ذوقك يا ادارة، بس ده مخصوص ليها خلي بالك.
راقب تسوية الكوز بنظراتٍ دقيقة وكأنه يتابع لوحة فنية تُرسم لها فقط، وما إن انتهى البائع حتى التقط يزن الكوز ومده إليها، فمدت يدها وأخذته منه بابتسامة امتنان خافتة دون كلمات، لكن عيناها قالتا ما لم تستطع الشفاه أن تنطق به.
-مش ده الكافية اللي عايزاه، يلا عشان كده ابقى حققت طلبات الأميرة النهاردة.
قالها وهو يشير إلى المقهى الذي لمحته من قبل، مبتسمًا بمكر خفي وكأنه يُضفي لمسة من الدعابة على لطفه، فنظرت إليه بنظرة شبهة غاضبة وكأنها تقرأ ما وراء نبرته وقالت بمزيج من الحذر والمرح:
-حاسة بسينس تريقة بس مش عادي هعمل نفسي مش واخدة بالي.
ضحك وهو يومئ لها برأسه ثم أردف بنبرة أكثر دفئًا تتخللها لمسة من الصدق:
-أبدًا، أنا عايز أفرحك ومش عايزك تزعلي أبدًا، دي أول خروجة لينا.
لم تعلق بل اكتفت بالابتسام بخجل وكأن كلمات الإطراء بدت أكبر من أن تُقابل برد، دخلا إلى الكافية سويًا وخطواتهما متناغمة، بينما كانت عيناها تلتقط كل التفاصيل بفضول الطفلة وسعادة البدايات.
وفجأة اتسعت عيناها وهي ترى في أحد الأركان ما يشبه منصة مخصصة للتصوير، وقد تزينت بملابس مصرية شعبية....ملاءة حرير سوداء مطرزة بخيوط ذهبية تتدلى منها مشغولات تعكس ضوء المكان، وبجوارها منديل من ذات القماش والتطريز، لاحت على ملامحها انبهار ممزوج بحنين وطفولة بريئة، ثم استدارت إليه تقول بحماس طفولي لا يُقاوم:
-يلا يا يزن نتصور.
لم تنتظر رده وكأنها تعرف مسبقًا أنه لن يمانع، بل دفعت إليه حقيبتها وكوز الذرة بكل اطمئنان، ثم أسرعت ترتدي الملاءة وتلفها حول جسدها بخفة أنثوية عفوية، وضعت المنديل فوق رأسها وهي تضحك له ضحكة نقية لا تشبه سواها.
-في تليفوني عشان تصورني؟
نظر إليها بإعجاب لا يُخفى ثم قال وهو يُخرج هاتفه:
-هصورك بتليفوني وابقي خديهم.
أخرج هاتفه وبدأ يلتقط لها الصور وهي تتحرك أمامه بخفة فنانة تؤدي عرضًا خالصًا له وحده، كل حركة منها كانت تحمل روحًا، وكل لقطة من عدسته كانت تحفظ لحظة شعور لا يتكرر.
وبينما هو يتأملها كانت تزداد فتنة مع كل ابتسامة، أوقفها فجأة وشغل الكاميرا الأمامية، ثم اقترب منها وهو يقول بنبرة عابثة تشي بخفة ظل لا تخلو من الإعجاب:
-لازم اتصور مع الفاشونسيتا القمر دي.
اقترب منها ووقف بجانبها ثم رفع هاتفه ليلتقط صورة "سيلفي"، لكنها عبست قليلًا وقالت بضيق خفيف:
-انت بتتريق عليا؟، دي لحظات حلوة ماتتكررش.
نظر إليها للحظة طويلة وكأن الزمن توقف ليرى صدق مشاعرها، ثم قال بنبرة هادئة تفيض بالحنان:
-هو أنا قولت حاجة يا روحي؟ اعملي اللي انتي عايزاه طالما بتعمليه معايا.
كانت كلماته كافية لتُذيب ضيقها فاختفت العبوسة تدريجيًا عن وجهها وكتمت ابتسامتها بصعوبة، ثم نظرت إلى الكاميرا بهدوءٍ أنثوي خجول، تنبع منه أنوثة بريئة وببسمة خافتة وعينين تتلألأ فيهما السعادة.
وعندما انتهى من التصوير، نظرت إليه وسألته بفضول بريء وهي تعيد الملاءة مكانها:
-هتنزلها بردو على السوشيال عندك؟
أجابها بنبرة أكثر رزانة ولكن صوته انخفض وكأن ما سيقوله سرٌ لا يُقال على الملأ:
-مش كل حاجة حلوة بتتشارك يا سيرا، في حاجات لازم نخبيها وتبقى ملكية خاصة.
نظرت إليه بدهشة خافتة ها خجل لطيف، ثم قالت بنعومة وهي تميل برأسها:
-اممم مع أني كنت عايزة أعرف إيه الكابشن اللي هتكتبه عليا المرة دي.
لم يرد بكلمات بل ألقى نحوها نظرة طويلة، ثم انشغل بهاتفه للحظات فلم تفهم ما يفعل، حتى رن هاتفها برسالة واردة منه عبر "واتساب"، فتحتها بفضول لتجد صورتهما معًا، وقد أرفقها بجملة قصيرة:
"That smile is mine....only mine."
توقفت لثوانٍ تقرأها مرة واثنتين ثم ظهرت على وجهها ابتسامة لم تستطع كتمانها، وضحكة خفيفة خرجت منها كأنها خُطفت منها دون إرادة، ثم رفعت عينيها إليه وقالت بخجل لم تنجح المزحة في إخفائه:
-بس أنا بضحك كده لكل الناس.
اقترب منها خطوة وهمس كمَن يُعلن يقينًا:
-وأنا شايف إن ضحكتك دي مابتظهرش إلا وأنا معاكي.
لم تُعلق بل رفعت حاجبيها بمكر وقالت:
-دي وجهة نظرك بقى وأنا لا يمكن أناقشك فيها، أصل أنا بحترم كل وجهات النظر.
ابتسم وهو يفتح الباب لها قائلاً:
-واخد بالي، اطلعي.
رمقته ببسمةٍ حانية دافئة، تشي بغنجٍ خافتٍ ممزوجٍ بإعجابٍ أسر قلبه في لحظةٍ خاطفة، لكنها لم تكن عابرة الأثر، حيث شعر أنه رغم بساطتها، أن ابتسامتها وطنٌ صغير لا يطيق أن يشاركه فيه أحد، وفي تلك اللحظة أيقن أن ما يجمعهما لم يكن مجرد وقتٍ يمضي، بل بداية حكايةٍ من الغَنَاء...حكايةٍ من الاكتفاء التام الذي لا يحتاج إلى شيءٍ سواه.
****
في اليوم التالي...
حملت يسر سلةً مصنوعةً من الخيوط الثقيلة، ألوانها مبهجة وتحتوي على بطاقات دعوة تخص افتتاح محلها الجديد، وبها أيضًا بعض الهدايا الرمزية البسيطة ثم صعدت إلى عيادة نوح وهي ترسم على وجهها ابتسامة ماكرة، حيث قررت استكمال خطتها المحكمة رغم المناوشات التي حدثت بالأمس بينهما بسبب تلك البطاقات، وقد أكدت له أنه إن لم يتراجع عن تدخله في كل كبيرة وصغيرة تخصها، فسوف تدعو أحد المغنين الشعبيين لافتتاح المحل عنادًا به.
جذبت أنفاسًا طويلة وهي تدخل إلى العيادة وتتجاهل حسناء، ثم اقتربت من الزائرين وبدأت في رسم ابتسامة رسمية وبنبرة لبقة شرعت في دعوتهم جميعًا لحضور افتتاح المحل، فقالت إحداهن بانبهار بالهدية الرمزية التي كانت عبارة عن زجاجة عطر صغيرة جدًا ومعها ميدالية:
-الله ذوقك تحفة، أكيد الحاجات اللي عندك حلوة زيك، بس هو انتي مش مرات دكتور نوح؟
-ايوه أنا مراته، هستناكم يا جماعة كلكم تشرفوني.
وبدأت في استكمال توزيع البطاقات، فانهالت عليها المباركات وعبارات الشكر لذوقها بسبب الهدايا، وهذا لم يعجب حسناء فقررت أن تدخل إلى نوح وتبث السم في حروفها المرصوصة بعناية وتركيز:
-دكتور نوح في مشكلة برة، مرات حضرتك بتوزع كروت دعاوي عشان افتتاح المحل بتاعها!
رفع رأسه بتعجب ساخر وهو يقول:
-نعم؟!
-اه والله يا دكتور حتى اخرج وشوف بنفسك، أنا مش عارفة اسيطر على العيادة.
وقف سريعًا وتوجه صوب الباب يفتحه، فوجدها كادت تطرق على الباب وهي تبتسم بلطف:
-ممكن ادخل؟
أفسح لها المجال بصمت، فدخلت وأمر حسناء بالخروج من خلال نظراته، تفهمت وخرجت على مضض بينما توجهت يسر صوب مقعد نوح خلف المكتب وجلست عليه، فاقترب منها وهو يضع يده في جيب سرواله، وتساءل بخشونة يقطر منها عدم الرضا:
-ممكن افهم إيه اللي حصل برة ده؟
هزت كتفيها ببراءة مصطنعة وهي تقول بابتسامة رقيقة هادئة:
-حصل إيه؟ كنت بوزع كروت دعاوي الافتتاح، زعلت ولا حاجة؟
زفر بغيظ منها ومن أسلوبها الذي أصبح ملتويًا مؤخرًا، لقد فَقَدَ طرق الوصال معها وأصبح تائهًا وكأنه يتعرف عليها لأول مرة:
-يسر ماتستعبيطيش أنتي عارفة كويس اوي موقفي من حوار الدعاوي دي وشايف ملهاش أي تلاتين لزمة أصلاً.
مطت شفتيها بحزن وهي تردد بضعف:
-وأنا شايفة أن ليها لازمة ومبسوطة بيها، هتكسر فرحتي يا نوح؟
احتدت عيناه بحنق وهو يقول من بين أسنانه:
-استغفر الله العظيم، بقولك إيه متدخليش من نقطة ضعفي وتحاولي تسيطري عليا، عشان أنا حقيقي متغاظ من أم حوار الكروت ده، وبعدين جاية توزيعها برة عندي الناس تقول إيه؟!
لم تجبه بل ضغطت على الجرس المقابل لها وانتظرت دخول حسناء، التي دخلت في لهفة وكأنها كانت تقف خلف الباب.
-محتاج حاجة يا دكتور؟
ابتسمت يسر بسخرية من لهفتها وقالت بنبرة شبه باردة:
-ادخلي يا حبيبتي مش هو اللي محتاج أنا اللي محتاجة؟
دخلت حسناء ووقفت بحيرة وفضول في منتصف الغرفة وسط ذهول نوح الذي نظر إلى يسر بريبة من نظراتها الغامضة:
-وانتي يا حسناء داخلة تفتني للدكتور نوح عليا وتسخنيه مقولتيش ليه إن الناس برة كانت مبسوطة بيا وفرحانين ومحدش كان زعلان خالص، بالعكس شكروني على الهدايا اللي اديتهالهم وقالوا إنها لفتة لطيفة مني، وإني قد إيه كريمة وذوق زي دكتورهم دكتور نوح.
بلعت حسناء لعابها بتوتر وهي تنظر إلى نوح الواقف جانبًا ويبدو عليه التسلية:
-أنا مقولتش حاجة تضرك، أنا كنت ببلغ دكتور نوح بس بوجودك، وبعدين ليه حاسة إن حضرتك ظالماني ومابتحبنيش مع إني ماعملتش فيكي أي حاجة، وبردو رغم كل ده لو احتاجتي مساعدة في افتتاح المحل الجديد أنا معاكي في أي حاجة؟
كانت يسر تتلاعب بالأشياء الموجودة حول مكتب نوح وهي تستمع لتبرير حسناء بلا مبالاة، وعندما لمست شيئًا غريبًا أسفل صندوق صغير، جذب انتباهها فسحبته بهدوء من أسفل الصندوق ونظرت إليه من تحت المكتب دون أن يراه أحد، وقد تبين لها أنه حجاب للأعمال السفلية، فابتسمت بمكر وهي تخرجه وتلوح به مردفة:
-بتعرفي تفكي الاعمال يا حسناء؟!
رواية غناء الروح الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم زيزي محمد
جلست حكمت بجانب صافي زوجها في صالة منزلهما الواسعة، يتابعان معًا بترقب مشوب بالقلق باب غرفة الاستقبال التي يجلس بداخلها سيرا ويزن، فقد كان الصمت يخيم على الأجواء إلا من أصوات أنفاسهما المتوترة فاللقاء لم يكن عابرًا ولا مجرد زيارة عائلية عادية.
حيث اتصل يزن بحكمت منذ قليل بصوتٍ مبحوح يقطر غضبًا، وطلب منها أن ينفرد بسيرا لأمرٍ خاص بينهما، في بادئ الأمر ترددت كثيرًا، لكن التوقيت الذي اتصل فيه ونبرة صوته المتشنجة كانا كفيلين بإثارة قلقها وإيقاد شرارة الريبة في نفسها؛ إذ لم تعهد منه تلك الحدة، فقد كان دائمًا مرحًا خفيف الظل بعكس ما بدا عليه الآن.
انتفضت فجأة عندما شعرت بقرصة حادة على ذراعها، فالتفتت لتجد صافي يرمقها بعدم رضا، وهو يتمتم بصوت خافت مليء بالتوتر:
-حكمت ركزي معايا، أنا مش عاجبني إيه اللي بيحصل ده!
رمقته بنظرات غاضبة وردت بعنف مكتوم، محاولة خفض صوتها حتى لا يُسمع حديثهما مَن داخل الغرفة:
-يعني أنا اللي عاجبني؟! بس أنت شايف الواد جاي منظره ازاي؟ ده يا حبة عيني جاي بهدوم البيت زي الاهبل، ومنظر وشه زي ما يكون سيرا أختي قتلت له قتيل!
هز صافي رأسه في إيماءة بسيطة وكأنه يقر كلامها، ثم قال بنبرة تصديق ممزوجة بتحذير:
-ماشي هو منظره إن في مصيبة حصلت، بس أبوكي لو عرف هيبهدل الدنيا، ابوكي يسمح له بأي حاجة ده في النهاية أبوها، لكن انتي ماتسمحيش بحاجة ليزن عشان أبوكي هيحس إنك بتتعديه وفي الآخر هيخرب الدنيا.
أطلقت حكمت تنهيدة ثقيلة ووجهت نظراتها القلقة نحو باب الغرفة المغلق، قبل أن تهمس بغيظ خافت، كأنها تكلم نفسها أكثر مما تخاطب صافي:
-أنا بس لو اعرف المتنيلة على عينها دي عملت إيه؟
رفع صافي كتفيه بلا مبالاة واضحة، لكن عينيه حملتا ظلالًا من عدم الرضا، كان يشعر في أعماقه بأن الأمر خطير أكثر مما يبدو.
وبينما انشغلا بالتوتر القابع في الهواء، تقدمت حكمت بحذر شديد نحو باب الغرفة ووضعت أذنها عليه، وضيقت عينيها في تركيز حاد، محاولة التقاط أي كلمة من أصواتهما المتحاربة، ما سمعته لم يكن حوارًا هادئًا أبدًا؛ بل نبرات غاضبة، اعتراضات حادة، وانفعال يتصاعد بين يزن وسيرا كريحٍ تسبق العاصفة.
وعلى بُعد خطوات قليلة من هذا المشهد المشحون، وقفت دهب ابنة حكمت، عند باب غرفتها تتابع بعينيها المتقدتين بالفضول ما يجري في الصالة، فكانت تمسك هاتفها وتهمس إلى صديقتها بنبرة تكاد تخفيها عن العالم بأسره:
-يالهوي يا سمسم لو ينفع أصوره هعملها، إيه ده عامل زي بتوع السوشيال ميديا العيال اللي مفيهمش غلطة.
جاءها صوت صديقتها المتحمس عبر السماعة، فأجابتها بابتسامة واسعة ارتسمت على شفتيها وعينيها معًا:
-لا لا اتصور معاه إيه؟ بقولك شكله متضايق اوي، ماعرفش خالتو سيرا دي هببت إيه؟ عشان يجيلنا متضايق كده! أنا لما شوفته بيركن عربيته تحت ونازل بهدوم بيته اووووف عجبني اوي بجد، يابختها طول عمرها حظها من السما.
استرسلت دهب في سرد تفاصيل وسامة يزن، ونثرت كلماتها كما لو كانت حبات لؤلؤ في أذن صديقتها، بينما راحت الأخيرة تثرثر بأسئلة متلاحقة، وفي عيني دهب لمعة إعجاب صافية، بل ربما كانت شرارة هوس مراهقة يتفتح لأول مرة أمام صورة رجل لم تعرف مثله من قبل.
أما في الداخل...
كان الوضع على أشده والأجواء مشتعلة كشرارة نارٍ انطلقت في صمت الغرفة، إذ كان الغضب يكسو ملامح يزن بينما تعاند سيرا برفضٍ متصلب، كمَن يقف في وجه العاصفة متحديًا هبوبها العنيف، ارتفعت أنفاسهما في المكان حتى بدت كأنها تصطدم بجدران الغرفة وكأن الهواء نفسه قد أثقل من حدة التوتر.
قالت سيرا بعنادٍ محتدم وصوتها يرتجف من الغضب أكثر مما يرتجف من الخوف:
-يزن أنت مش من حقك تتحكم فيا بالشكل ده، وبعدين أنا ماعملتش حاجة غلط.
ارتفع حاجباه بدهشةٍ ساخرة واقترب منها خطوة بطيئة كذئب يستعد للانقضاض، وقبض كفه بقوة حتى برزت عروقه متوترة تحت جلده، وصوته يهدر بحدة متحكمة:
-هو إيه اللي ماعملتش حاجة غلط؟؟ ماتبقيش متخلفة بقى، أنتي عايزة تفهميني أنك مش فاهمة أنا بتكلم في إيه بالظبط؟
رمقته باستنكارٍ واضح وردت بامتعاض غاضب:
-لا مش فاهمة، أنت مأفور على فكرة!
كلمتها الأخيرة كانت كصب الزيت فوق النار، فاشتدت ملامحه غضبًا وانطلقت حروفه كالرصاص:
-سيرا بلاش استعباط، يعني إيه اسمحلك تروحي تشتغلي عند مرات واحد صاحبي؟ انتي عبيطة؟ انتي مقامك من مقامي، وماينفعش بأي شكل من الأشكال إنك تقللي من نفسك أبدًا!
ردت بعناد أنثوي متأصل ورفعت رأسها متحدية:
-وأنا هستناك أنت يا يزن عشان تعرفني ازاي ماقللش من نفسي؟! وبعدين قولتلك أنا هساعدها في شغلها، عشان هي حامل وتعبانة، فعادي يعني!
أطلقت تبريرها للمرة الألف ومع ذلك لم ينجح في تهدئته، بل زاد من احتدام صوته المقيد بالغضب:
-لا مش عادي، اغنيهالك مش عادي أبدًا، هي عايزة حد يشتغل معاها تروح تشوف حد غيرك، لكن انتي متشغليش عندها أبدًا.
زفرت سيرا بضيقٍ نافد الصبر وقالت بحدة:
-انت متكبر اوي على فكرة، مش طبيعي كمية الغرور اللي بتتكلم بيها!
اقترب منها فجأة حتى كادت أنفاسه تلامس وجهها وصوته هذه المرة انخفض تلقائيًا يحمل نبرة خطرة على مشاعرها:
-مغرور في اللي يخصني، انت مقامك من مقامي وراسك لازم تتساوى براسها ومحدش يبصلك أبدًا على إنك اقل منه، ولا تاخدي أوامر من أي مخلوق.
ارتبكت خطواتها فتراجعت قليلًا وهي تتحسس حجابها بيدٍ مرتجفة لكن عنادها أبى الانكسار، فقالت بنبرة متلعثمة تحاول أن تكون متزنة:
-ماشي، بس أنا بردو مابقللش من نفسي لو ساعدتها، وبعدين أنا لو كنت حسيت منها زي ما أنت بتقول كده، كنت رفضت لكن الست كانت ذوق وحسيتها وحيدة ومتلخبطة وعايزة حد يقف جنبها..
زمّ يزن شفتيه بقوة ورد بصرامة لا تقبل جدالًا:
-مالكيش دعوة، وتكلميها تبلغيها رفضك ومفيش شغل عند حد لا هي ولا غيرها.
رمقته سيرا بنظرة متقدة وفي داخلها شعلة أنوثة حرة لا تقبل القيد فهتفت بعنفوان:
-لا لو سمحت أنا ليا رأي وماينفعش تلغيه بالشكل ده ولا تكلمني كده، وبعدين أنا هتحرج ابلغها رفضي ومن جوايا حاسة إن نفسي اساعدها.
ابتسم ابتسامة ساخرة لكنها لم تُخفِ قسوته وهو يقول ببرودٍ قاطع:
-لا ماتحسيش بعد كده لو سمحتي.
كلماته تلك أشعلت النار أكثر فرفعت رأسها بكبرياء وتحدته:
-طيب أنا بقى مش هقولها حاجة، وأنا مش مقتنعة بكل أسبابك وكلامك.
في تلك اللحظة انفلتت أعصابه فانقض نحوها بسرعة، قبض على مرفقها بعنفٍ محاولًا تحجيم تمردها وصوته يهدر في الغرفة بأكملها:
-بقولك إيه أنت هتكلميها وهترفضي الشغل معاها يعني هتكلميها، أنا خلقي ضيق وماعنديش مرارة فمتعانديش عشان ماتزعليش مني.
حاولت أن تفلت ذراعها منه وهي تقول بعنادٍ متحدٍ:
-لا وريني بقى هتزعلني ازاي؟!
-سيرا ماتعصبنيش، متخليش جناني يخرج عليكي، أنتي ليه مش مقدرة حجم اللي انتي عملتيه؟
ارتفع صوته قليلًا كحد السيف، فارتجفت أنفاسها وهي تلمح بعينيها باب الغرفة المغلق، تخشى أن تتسلل نبرته خارجه وتصل إلى تلك التي لن ترحمها إن علمت، فقد كانت حكمت قد أبدت اعتراضها مرارًا على فكرة بحثها عن عمل، معتبرة أن مكانة عائلة خطيبها الاجتماعية والمادية لا تسمح بذلك، وأن سيرا يجب أن ترتقي بنفسها لتجابه مقامهم وتثبت جدارتها بهم.
أخذت سيرا نفسًا عميقًا تحاول به تهدئة ارتجاف روحها، ثم أبعدت يده عن ذراعها برفق قائلة بنبرة هادئة تكتم اضطرابها:
-انت متعصب ليه بس يا يزون وجاي لي بهدوم البيت وتاعب نفسك، ماكان ممكن تكلمني في التليفون ونتفاهم بردو؟
ابتعد خطوة للخلف وكأنه يحاول أن يبتلع غضبه، ثم مرر كفه بين خصلات شعره الثائرة بعنف قبل أن يزفر بحنقٍ ظاهر:
-ما أنتي قافلة تليفونك يا هانم، ومش عارف أوصلك، المهم ابعتيلها رسالة بلغيها أنك مش هتقدري تشتغلي معاها.
هزّت رأسها نفيًا في صمت بعنادٍ طفولي يثير الغضب أكثر مما يثير الشفقة، فما كان منه إلا أن عاد لاندفاعه الغاضب، وصوته يخترق المسافة بينهما كريحٍ صاخبة:
-انتي كده بتقللي من نفسك يا سيرا قبل ما بتقللي مني؟ خدي بالك عشان أنا وربي صبري نفذ.
رفعت حاجبيها بدهشة مصطنعة، وقالت بخفوت متلاعب تحاول به تليين الموقف:
-يا خبر أنا بقلل منك يا يزون؟ لا لا متفهماش كده، أنا سبب رفضي إني مكسوفة عشان اديتها كلمة بس.
لكنها لم تكمل جملتها حتى اندفع الباب فجأة بقوةٍ صادمة فاهتز قلبها من الرعب وهي تتراجع خطوة إلى الوراء، فقد دخلت أبلة حكمت كإعصارٍ هادر، وعصاها الغليظة مرفوعة عاليًا، وهي تصيح بصوتٍ كالرعد:
-ده أنا اللي هديكي علقة موت ما يعلم بيها إلا ربنا.
ارتبكت سيرا وارتدت إلى الخلف بخوفٍ واضح، بينما اندفع يزن دون وعي يقف أمامها كدرعٍ واقٍ، يجهل تمامًا ما قد تفعله حكمت في لحظة غضبها الجامح، لكن العصا لم ترحم ذراعه، إذ هوَت بضربةٍ عنيفة جعلت ملامحه تنكمش من الألم، فهتف بدهشةٍ ممزوجة بغضب:
-إيه ده في إيه؟
ردّت حكمت بصوتٍ مرتفع لا يعرف هوادة وعيناها تقدحان شررًا:
-في إن البت دي لازم تتربى، خدي هنا.
كانت سيرا قد اختبأت تمامًا خلف ظهر يزن، حتى أمسكته من ثيابه دون وعي تتوسل بصوتٍ مرتجف وهي تختبئ وراءه كطفلة خائفة:
-بلاش العصاية يا أبلة وأنا هفمهك.
لكن حكمت لم تُصغِ وانطلقت تصرخ بقسوة:
-تفهميني إيه يا منيلة؟ رايحة تشتغلي عند مرات واحد صاحبه يا عبيطة، وكمان بتبجحي!
كلما حاولت حكمت أن تصل إلى سيرا، كانت الضربات تُستقر فوق جسد يزن الذي تحمل الألم في صمت يحاول صدها بيديه بلا جدوى، فيما كان صافي يحاول التدخل بدوره لكنه تلقى ضربة عن غير قصد جعلته يتقهقر إلى الخلف، فصرخت حكمت بعنف وهي تهدر غيظًا:
-سيبني يا يزن عليها، سيبني على البجحة دي.
لكن سيرا اختفت أكثر خلفه تتوسل إليه بصوتٍ مخنوق:
-لا اوعى يا يزن، دي مش هتتفاهم عادي كده.
أدار يزن وجهه نحو حكمت صوته يعلو رغم محاولته كبح غضبه:
-يا ابلة اهدي سيرا خلاص اقتنعت بكلامي، اهدي لو سمحتي، عشان العصاية دي ضربتها تودي القبر، لو نزلت على جسمها هتوجعها.
كان يدافع عنها بشراسة لم يعهدها في نفسه من قبل، بينما سيرا تهز رأسها في صمت خلفه تدرك أن نبرة الضيق في صوته تنذر بغضبٍ حقيقي، ربما ليس على ما فعلته بقدر ما هو غضب من أختها الكبرى، لكنها لم تسلم إذ تلقت ضربة مفاجئة على ذراعها جعلتها تتألم وهي تدلك مكانها بغيظٍ مكتوم، فانحنى يزن نحوها بقلقٍ بالغ، يتفحص أثر الضربة فلاحظ دموعها التي بدأت تتجمع في عينيها، فأطلق تنهيدة مكتومة وهو يهمس بحدة ظاهرة:
-يا أبلة لو سمحتي كفاية، ده موضوع بيني وبينها وخلاص انتهى وهي هتعتذر لمرات صاحبي.
مسحت سيرا دموعها بعنادٍ بين شهقاتها وقالت بصوتٍ متقطع:
-لا...هتحرج منها، الست كانت متعشمة فيا.
التفت يزن نحوها بعنف ورغم أنه نبرته كانت مخفضة إلا إنها كانت تحمل قدر كبير من الحدة:
-واقسم بالله اسيبها عليكي.
-دي يا حبيبي مش هتجيبها لبر، صدقني أنا عارفة دماغها هتتعدل ازاي.
وفي اللحظة التالية رفعت حكمت العصا مرة أخرى، فانكمشت سيرا خلف ظهر يزن وهي تصرخ مستسلمة:
-خلاص...خلاص هعمل اللي انتوا عايزينه.
ثم أكملت حديثها بنبرة متألمة يختلط فيها القهر باستسلام موجع:
-بس يزن يخدني بكرة عندها، وأنا هبلغها عشان بجد هي كانت ذوق اوي وهي بتطلب مني اساعدها فمش حابة اكسر بخاطرها.
سارعت حكمت بالرفض الحاد تقول بأمر لا يحتمل نقاشًا:
-لا كلميها في التليفون، هي كانت من بقية عيلتك؟؟
تلقت سيرا كلماتها كطعنة مباغتة في الصدر، فتجمدت في مكانها بينما مد يزن يده ليخرجها من خلفه وعيناه تعتذران نيابة عنه وكأنه يتحمل وحده كل الضربات التي وُجهت إليها.
فقال بهدوء حاسم محاولًا إنهاء الموقف:
-خلاص يا أبلة أنا هخدها فعلاً عند يسر بكرة، نزلي العصاية دي لو سمحتي كفاية كده.
-عشان خاطرك بس.
تنهّدت حكمت استسلامًا، لكنها أردفت بتهديد مبطن إلى سيرا التي كانت تتسلل بحذر خلف ظهر يزن:
-العصاية دي ربتهم كلهم، أنا مش لسه هتناقش مع حد، ياخدوا كام ضربة ويتعدلوا بعدها على طول ولا إيه؟
تدخل صافي بتعب وقد أثقله النعاس:
-خلاص يا حكمت ما هي سيرا سمعت الكلام اهو.
رفع يزن حاجبيه معًا، مستنكرًا جرأتها على اقتحام الحديث أصلًا لكنه كتم غيظه، وانحنى نحو سيرا يهمس بنبرة حانية:
-روحي اطلعي يلا عشان ابقى مطمن عليكي.
رفعت وجهها إليه والدموع تلمعان بقطرات متلألئة متحجرة في مقلتيها، شعر بألم حاد يعتصر قلبه وندم يتسرب إلى روحه لأنه كان دون قصد السبب فيما حدث لها، لم يكن يدرك أبدًا أن حكمت تحمل كل هذا الجنون!!
بينما تسللت سيرا إلى الخارج بخطوات واهنة، لكن ما إن ابتعدت حتى انهارت تبكي في صمت حارق، لتفاجئها دهب بابتسامة ساخرة وهي تهمس بنبرة لا تخلو من الاستفزاز:
-معلش يا خالتو تعيشي وتاخدي غيرها.
مسحت سِيرا دموعها بسرعة، ترد بغضب مكتوم:
-ابعدي عن وشي، احسنلك.
دفعتها بحدة ومضت إلى الطابق الذي تقع فيه شقة والدها لكن شعورًا خانقًا اجتاح صدرها، فلم تستطع دخول الشقة، وجلست على إحدى درجات السُلم تحتضن ركبتيها ثم أنفجرت ببكاءٍ مكتوم، مزيجٍ من الألم والقهر والحرج خاصةً لحدوث كل هذا أمامه.
وفي الأسفل كان يزن قد استأذن حكمت باقتضاب، وكاد يغادر إلا أن دهب لحقت به حتى الباب، تهمس بنبرة يغلفها إعجاب خفي:
-نورتنا بجد.
ابتسم إليها ابتسامة مقتضبة:
-شكرًا يا قمر، عن إذنك.
لكنها سارعت قبل أن يغادر تسأله بخجل متكلف:
-هو أنا ممكن أبقى اجيلك الأجانص؟
انعقد حاجباه متسائلًا:
-الأجانص؟!
سارعت بتبرير مرتبك:
-يعني أصل أنا بحب العربيات أوي وبحب اشوفهم.
ابتسم ابتسامة عابرة وهو يرد ببرود:
-تعالي تنوري في أي وقت.
ألقى بكلماته دون اهتمام وغادر شقة حكمت لكن ما إن وطأت قدماه أولى درجات السُلم، حتى توقف فجأة، عندما استرقت أذناه صوت شهقات مكتومة صادرة من الأعلى، خفق قلبه بقوة وحدسُه يخبره أنها هي…سيرا.
صعد بخطوات مترددة واحدة تلو الأخرى، حتى لمحها في منتصف الدرج تجلس متقوقعة على ذاتها، رأسها مطأطأ بين ساقيها تبكي بعنفٍ في صمتٍ موجع، لم يتمالك نفسه وانساب اسمها من بين شفتيه همسًا كأنه دعاء:
-سيرا...
رفعت وجهها نحوه ببطء، وقد احمر وجنتاها بشدة وتورد أنفها من كثرة البكاء، بينما الدموع ما زالت تنهمر بغزارة على خديها، اقترب منها بخطوات حذرة وجلس إلى جوارها وصوته يقطر أسفًا:
-حقك عليا، أنا مكنتش اعرف إنها ممكن تسمعني ولا تعمل كده.
ارتبكت أمامه تشعر بتصدع داخلي يكاد يعصف بثباتها، لم تعُد حكمت مصدر خوفها في تلك اللحظة…بل قلبها الذي يخذلها أمامه، شعور غريب ينهشها؛ بين ضعفٍ يستدرجها نحوه، ورغبةٍ عارمة في الاحتماء به، وخوفٍ شديد من السقوط في هاوية المجهول.
مسحت دموعها على عجل تخفي انكسارها خلف عناد طفولي وهي ترد بنبرة خافتة:
-أنا مابعيطش ولا حاجة، أنا كويسة.
ابتسم وكأن صلابتها الصغيرة سحرته:
-ما أنا واخد بالي من الشلالات اللي عمالة تنزل.
رمقته بضيق وأدارت وجهها بعيدًا عنه، تدلك ذراعها المتألم بلا وعي، فلمح حركتها واشتعل الغيظ في صوته:
-معلش أنا مكنتش اعرف إن ابلة حكمت متهورة.
نظرت إليه بسخرية ممزوجة بمرارة:
-أنت ماتعرفش أي حاجة عنها، دي حاجة بسيطة من اللي بتعمله فينا.
تجهم وجهه يسأل باستنكار:
-هو انتي بس اللي بتعمل معاه كده؟
هزت رأسها بابتسامة كسيرة وكلماتها خرجت حذرة كأنها تلمس جرحًا مفتوحًا:
-لا كلنا أنا واخواتي وعيال أخواتي...هي بتحبنا ونفسها تشوفنا أحسن منها، ودايمًا حاسة إنها مسئولة عننا بس بتفسر كده بطريقة غلط زي ما أنت شايف كده، واهو نالك من الحب جانب.
رمق ذراعه حيث تركت حكمت علامات الضرب، فخفضت سيرا بصرها تهمس بإحراج:
-أنا أسفة استخبيت وراك، أنا بعرف اتفادى كويس العصاية، أنا أصلاً عندي خبرة في كده، بس يعني اتفاجأت إنها عملت كده قدامك.
ابتسم ابتسامة ساخرة:
-تتفادي إيه؟! ده كويس إن أنا موجود.
خفضت رأسها بخجل وهي تبرر:
-هي بتحبني والله أنا واخواتي، بس طريقة حبها غريبة شوية، عارف أنا مابزعلش منها خالص عشان عارفة أنها في النهاية بتخاف عليا.
رفع حاجبيه يسألها بصدق:
-امال بتعيطي ليه؟
أجابت في همس متألم:
-عشان وجعتني بس.
كانت نبرتها كافية ليغلي الدم في عروقه، إذ أدرك حينها أن ما يؤلمها ليس الجسد فحسب بل الروح المثقلة بضغط نفسي خانق، تمنى لو يضمها بين ذراعيه يحميها من كل شيء من حكمت…ومن خوفها…وحتى من نفسها.
شعر برغبة لم يعهدها من قبل تجاه فتاة، كأن رؤيتها وحدها تعيد تشكيل قلبه من جديد، فأراد أن يبدد حزنها ويخفف عنها قسوة اللحظة فقال بلطف:
-حقك عليا أنا لو اعرف أن ده كله هيحصل مكنتش جيت، بس كل اللي ضايقني فكرة أنك تشتغلي عند حد قريب مني، محبش أبدًا حد يقلل منك، رغم إن عارف كويس إن يسر محترمة وكويسة، بس أنا مش هكون مرتاح صدقيني، واحتمال يحصل مشاكل بيني وبين نوح واخسره لو حسيت إنها ممكن تضايقك، وهو كمان مش هيستحمل حاجة على مراته، وأنا مش هستحمل عنك الهوا.
أطرقت تفكر في كلماته بجدية ورغم ثِقَل المشهد، وجدت قلبها يتمايل مع اعترافه الضمني بمشاعره نحوها، فنظرت إليه في استسلام رقيق تهمس بخفوت:
-وأنا مرضاش إن علاقتك بصاحبك تبوظ بسببي، بكرة تعالى استأذن بابا وخدني ونروحلها المحل اقعد معاها شوية وابلغها اعتذاري.
رفع يزن نظره إليها بإعجاب عميق وكأنه يراها للمرة الأولى بنظرة مختلفة تمامًا، نبرة صوته انخفضت حتى بدت وكأنها نابعة من عمق قلبه وهو يقول بابتسامة خفيفة تحمل مزيجًا من الحنو والمزاح:
-طيب ما أنتي رقيقة وعسل اهو، بلاش دور المرأة العنادية اللي بتلعبيه ده عشان مش لايق عليكي، أنتي بسكوتاية ويڤر مابتستحمليش يا سيرا.
رمشت بعينيها بدهشة طفولية وهي ترد خلفه بنبرة ممتزجة بالاستنكار والاستغراب:
-بسكوتاية ويڤر؟
اقترب منها أكثر حتى أصبح صوته لا يسمعه سواها، وانحنى قليلًا برأسه وهمس بنبرة رقيقة صادقة كأنها قطرات دافئة تتسلل إلى روحها:
-اممم بحبها اوي وبشوفك دايمًا شبها.
لم تستطع أن تمنع ابتسامة خافتة من التسلل إلى شفتيها، فقد كانت نظرتها إليه صارت أكثر دفئًا وهدوءً وكأن تلك الكلمات نجحت في تخفيف شيء من وطأة انكسارها السابق، فشعرت للحظة أن دفاعه عنها وتلك النبرة الحانية قد أذابا جليد المسافات بينهما.
فأردات بخجل خفي أن تمازحه كمحاولة طفيفة لتخفيف الأجواء ولتعويضه بطريقة غير مباشرة عما بدر من أختها فقالت بعفوية ممزوجة بمرح متردد:
-طيب وامتى هتشوفني زي طاجن البامية؟
رفع يزن حاجبيه بدهشة طفيفة وكاد أن يرد بمزحة أخرى، لكن خطوات ثقيلة قطعت اللحظة فجأة، حيث صعد سليم الدرج ووقف أمامهما بثياب منزله البسيطة وقد بدا القلق واضحًا في ملامحه المتوترة.
فقد كان لحق بيزن منذ مغادرته المنزل، قاد سيارته خلفه في صمت وأوقفها أسفل بيت سيرا دون أن يشعره بوجوده، ظل يراقب من بعيد لدقائق إلا أن طول غيابه أثار ريبة قلبه، فقرر أن يصعد ليتأكد بنفسه مما يحدث.
رفع حاجبيه قليلًا وهو يقول بنبرة جادة يختلط بها العتاب والصرامة:
-معلش هقطع فقرة الأكل اللي انتوا فاتحينها على السلم، بس أظن إن والدك لو شافكوا قاعدين بالمنظر ده رد فعله مش هيكون لطيف أبدًا.
تجمدت سيرا في مكانها وجف حلقها من شدة الحرج، ووقفت بسرعة وهي تلوح بيديها محاولة الدفاع عن نفسها بحماقة ناعمة أقرب للطفولة:
-والله أنا ماليش دعوة هو اللي جه لغاية عندي، مش أنت السبب يا يزن؟
ظل يزن جالسًا مكانه مسندًا ذراعيه إلى ركبتيه، ينظر إلى أخيه ببرود مقصود، لكن عندما لمح كيف تحاول أن تتنصل منه وكأنه ارتكب جرمًا، قرر أن يرد بسخرية لاذعة ونبرة عتاب مغلفة باللعب:
-بعتيني فجأة؟ أصيل يا أبو رحاب!
ضاقت عيناها غيظًا من طريقته فأمسكت بطرف إسدالها ودفعته قليلًا في حدة طفيفة:
-قوم روح ومتجيش بيتنا تاني لو سمحت.
نهض يزن من على الدرج متثاقلًا، بينما كانت هي تبتسم بخجل لسليم الذي بدا جادًا للغاية، وقالت بصوت خافت تتوسل إلى الموقف أن يمر دون تعقيد:
-عن إذنك يا أبيه سليم.
لكنها لم تكد تكمل جملتها حتى انتفض سليم فجأة مستنكرًا وهو يعقد حاجبيه بقوة:
-مين قالك تقوليلي أبيه؟!
تجمدت الكلمات على طرف لسانها وارتبكت بشدة، بدأت ملامحها تتلون بخجل واضح، فهي لم تقصد سوى الاحترام لا أكثر، كما تعودت مع أزواج أخواتها وزوج أختها حكمت.
إلا أن يزن الذي اشتعل داخله شعور بالغيرة والحماية في آن واحد، لم يسمح للموقف أن يثقل على قلبها أكثر، فوقف أمامها بطوله الفارع كجدار حامٍ ونظر إلى سليم بثبات حاد:
-أنا يا سليم، أنا اللي قولتلها تقولك أبيه، عشان هي أصغر بكتير عنك ولازم تحترمك.
ساد صمت قصير فهم خلاله سليم حقيقة نبرتها، وتبددت ظنونه السابقة بأنها تسخر منه، أومأ برأسه في موافقة صامتة نحوها، ثم أشار ليزن بيده إشارة مقتضبة وهو يقول بجفاء معتاد:
-يلا يا بيه ورايا.
وقف يزن للحظة يتابع مغادرة أخيه ثم استدار سريعًا نحو سيرا، يبتسم لها بغمزة لطيفة كأنه يريد أن يطمئن قلبها المرتبك:
-متخافيش من سليم أخويا هو مابيعضش بيخوف بس، وبعدين ما تتعوديش تتوتري وتخافي من حد وأنا موجود، اعملي اللي انتي عايزاه وأنا في ضهرك.
لم تتمالك نفسها من الابتسام ابتسامة صغيرة لكنها دافئة، وهتفت بنبرة نعومة أخجلتها قبل أن تخجله:
-شكرًا يا يزوني.
غادرت سريعًا وهي ترفع طرف إسدالها بخفة لتصعد إلى شقة والدها، وتركت قلبه معلقًا خلفها، فوقف يزن في منتصف الدرج مبتسمًا ببلاهة جميلة، وكأن كلمة "يزوني" حملت له اعترافًا ضمنيًا بالخصوصية…وكأنها دون أن تدري وضعت اسمه في صندوقها الخاص وحده.
أما هو! فكان يشعر للمرة الأولى بأن شعور الانتماء قد وجد له مكانًا في قلبه…وكأنها ببساطة شديدة أصبحت وطنه الصغير الذي لا يريد مغادرته.
****
خرج يزن من بناية سيرا بخطوات ثابتة تحمل من الجرأة أكثر مما يجب دون أن يلتفت خلفه، وكأنه يتحدى كل شيء في تلك اللحظة، لم يتوجه إلى سيارة سليم كما توقع الأخير، بل اتجه مباشرة نحو سيارته الخاصة، وأدار محركها ثم انطلق مبتعدًا في هدوء متعمد يفضح تمرده.
تجمد سليم مكانه للحظة وملامحه تتلبسها غمامة من الغيظ، قبل أن يضيق عينيه وهو يتمتم بين أسنانه بنبرة مكتومة تكاد تشتعل نارًا:
-يا كلب، ماشي أنا هوريك.
لم ينتظر أكثر من ذلك انطلق بسيارته خلف يزن بسرعة جنونية والهواء البارد يصفع وجهه، بينما يزداد صوته الداخلي حدة كلما ازدادت سرعة العجلات،فقد كان قلبه يشتعل غضبًا، ليس فقط لجرأة يزن في الذهاب إلى بيت سيرا بتلك الطريقة، بل لكونه يتصرف خارج كل حدود الأصول والقيود التي تربوا عليها.
مرت دقائق قليلة فقط لكنها بدت طويلة ومتوترة، إذ كان يزن يقود سيارته بسرعة متهورة، يحاول أن يسبق سليم ويتركه خلفه، غير أن سليم بخبرته وتمكنه تمكن من تجاوزه فجأة قبل الوصول إلى المنزل بلحظات، ثم أوقف سيارته بحدة أمامه، مما اضطر يزن أن يضغط على المكابح بعنف ليتفادى الاصطدام.
اهتز جسده قليلًا مع توقف السيارة المفاجئ، وارتسمت على وجهه علامات صدمة، لكن تلك الصدمة لم تدم طويلًا، إذ رأى سليم يخرج من سيارته بسرعة أشبه بانقضاض ضابط شرطة على مجرم فار من العدالة، واقترب منه بخطوات عاصفة حتى بدا ظله يُخيم فوق سيارته، ثم انحنى نحو النافذة وهو يرمقه بنظرة صقر حانق:
-انزل يا بيه، انزل عشان هي هبت منك على الآخر.
تنهد يزن في داخله وهو يدرك تمامًا أن لحظة الحساب قد حانت، فتح باب السيارة بهدوء متعمد ثم ترجل منها ووقف أمام سليم، فبدا كمَن يستعد لتلقي عاصفة من التوبيخ دون مقاومة، لكنه لم يستطع أن يُخفي شرارة التحدي الصغيرة في عينيه.
انفجر صوت سليم حادًا وجافًا، وهو يشير نحوه بعصبية ظاهرة:
-انت مش ملاحظ إنك مابقتش تحترم حد أبدًا، وماشي براسك من غير ما تعمل حسابك لحد؟!
رمش يزن بعينيه ببطء قبل أن يجيب بدهشة مصطنعة ونبرة تفيض لا مبالاة:
-أنا؟!
-اه أنت، أنت من كتر بجاحتك رايح بيت خطيبتك الفجر يا مجرم من غير ما تعمل حساب للأصول ولا لأهلها.
رفع يزن يديه في حركة خفيفة وكأنه يحاول تبرئة نفسه ثم قال بنبرة دفاعية لكنها لم تخلُ من لمحة خفية من المراوغة:
-لا أنا أستأذنت أبلة حكمت اختها ووافقت، وبعدين أنا أكيد مش رايح أقعد معاها قعدة لطيفة، ده كان سوء تفاهم وحليناه مع بعض!
نظر سليم في عينيه مباشرة يبحث عن أي أثر للحقيقة، لكنه اصطدم بالغموض المعتاد في نظرات يزن، كان يعرف أن شقيقه الأصغر لا يفصح بسهولة، وأن ما يراه على وجهه ليس بالضرورة ما يدور بداخله، فأطلق تنهيدة عميقة وهو يرفع يده في وجهه، ثم قال بصرامة واضحة ونبرته تحمل نبرة الأب لا الأخ:
-أيًا كان سوء التفاهم ما بينكم مايوصلش إنك تتصرف بتهور، أنت كده مابتهزش صورتك بس، لا كمان صورة عيلتك، في حاجة اسمها أصول يا بيه ولازم تاخد بالك منها اوي، ولو ماتعرفش اسألنا أنا وأخوك موجودين.
أومأ يزن برأسه إيماءة بسيطة، محاولة منه لتجنب الجدال أكثر، لكن لسانه كعادته أبى أن يظل صامتًا، فأطلق ضحكة قصيرة وسخر بخفة متعمدة ليغيظ سليم أكثر:
-طيب أسألك انت مبلوعة، أسال زيدان ازاي؟ ده مايعرفش إن في حاجة في الكون اسمها أصول أصلاً!
وقبل أن يرد سليم جاءه صوت زيدان من الخلف، يقطر غيظًا وحنقًا:
-والله إنك عيل بارد وسافل وعايز تتربى.
التفت يزن إليه ببطء عيناه تلمعان بالانتصار الطفولي، وهو يشير نحوه بنبرة ساخرة مستفزة:
-شوفت قولتلك ميعرفش حاجة عن الأصول واقف بيتصنت علينا.
زمجر زيدان وهو يتقدم خطوة للأمام، يلوح بيده بعصبية:
-أنا يا حيوان واقف بتصنت عليكوا؟! أنا نازل اتطمن عليكم تفرق يااللي معندكش مفهومية.
رفع سليم يديه بينهما في يأس وهو يزفر غاضبًا:
-بس خلاص اسكتوا، احنا واقفين في الشارع وانتوا خناق خناق إيه عيال صغيرة؟
رفع يزن حاجبيه بخفة قبل أن يجيب بسخرية لاذعة وهو يستدير مبتعدًا:
-أسف يا أبيه، تصبح على خير.
ولم ينتظر ردًا بل انطلق إلى الداخل سريعًا قبل أن ينال نصيبًا آخر من توبيخ سليم، بينما ظل زيدان يرمقه بنظرات غيظ حتى اختفى عن الأنظار، ثم هز رأسه وهو يتمتم بضيق:
-عيل بارد مقاليش تصبح على خير زيك ليه يا سليم؟!
استدار سليم نحوه ببطء يحدق فيه بدهشة مستنكرة قبل أن يهتف بنبرة غليظة كالسوط:
-زيدان! أنت ده كل اللي شاغل بالك؟!
حمحم زيدان بصوت خشن، ثم رد بلامبالاة مصطنعة رغم أن الفضول كان يأكله من الداخل:
-عادي يعني واشغل بالي بحاجة أنتوا مش عايزين تقولوهالي.
أطلق سليم زفرة حادة ثم رفع عينيه للسماء وهو يتمتم بنفاد صبر:
-يا صبر أيوب.
ثم اقترب من زيدان خطوة واحدة، وملامحه يكسوها القلق أكثر من الغضب، وهتف بجدية خافتة لكنها نافذة:
-يزن دماغه هربانه منه، وتصرفاته مجنونة ولو اتعلق بخطيبته ممكن يتصرف بطريقة ماتصحش، أنا جايبه من بيتها، المجرم نزل وراحلها بيتها الفجر عشان مجرد سوء تفاهم!
اتسعت عينا زيدان بدهشة وهو يقول بصوت مرتفع:
-نعم؟! الواد ده جاحد ازاي يعمل كده؟
لكن سليم لم يهتم بتعجبه بل أكمل بنبرة عازمة وحاسمة:
-المهم مش إنه ازاي يعمل كده؟ المهم إننا ازاي نتحكم في تصرفاته ونخليه يروح لنهاية اللي احنا عايزنها.
عقد زيدان حاجبيه في حيرة واضحة وهو يقول بنبرة متثاقلة:
-لا وضح كلامك عشان أنا كل طاقتي وتفكيري خلصتهم في قضية النهاردة.
أخذ سليم نفسًا عميقًا ثم قال بهدوء مخطط بارع:
-يعني تبعت لي أي أرقام مهندسين ديكور عندك عشان من بكرة يشتغلوا في شقة يزن ونخلص من الموضوع ده، هنجوزه من غير ما يحس.
تسمرت ملامح زيدان لوهلة قبل أن تتسع شفتاه بابتسامة مكر وهو يومئ برأسه بإعجاب:
-اه يعني هتصدمه بجوازة سريعة، هيركب الإكسربيس بسرعة البرق.
-دي الحاجة الوحيدة اللي هتنفع معاه عشان نعرف نلمه، هو من دلوقتي مسحول ورا خطيبته ومش عارف يبص وراه، يبقى يتجوزها عشان تعميه نهائي ومايشوفش حد إلا هي.
ضحك زيدان بخفة وهو يرفع حاجبيه إعجابًا بدهاء سليم:
-ارفعلك القبعة يا سليم باشا، بس معلش عندي سؤال هو أنت مراقب يزن؟!
رمقه سليم بنظرة متعالية ثم ابتسم ببرود وهو يجيبه بثقة نادرة:
-اخباركم انتوا الاتنين بتجيلي لغاية عندي وأنا حاطط رجل على رجل في مكتبي.
ثم ألقى بكلماته وغادر بخطوات ثابتة، متبخترًا كطاووس يتباهى بنفسه، تاركًا وراءه صدى حضوره القوي، أما زيدان فظل واقفًا مكانه يهمس لنفسه بصدمة عميقة:
-ده حتى أنا؟ بيراقبني أنا كمان؟! بيراقب ظابط شرطة!
***
دخل سليم إلى شقته بخطوات مثقلة يزفر بضيق شديد مما حدث في الأسفل، فكان وجهه مشدود الملامح، وجبينه يقطر بعرق الغضب والكبت، وكأن الأحداث التي مر بها للتو تركت داخله ضجيجًا لا يهدأ.
لكن ما إن رفع رأسه حتى اصطدمت عيناه بمشهد شمس، واقفةً بجانب إحدى أعمدة الصالة تستند بنصف جسدها عليه، فقد كانت ترتدي مأزرها الصيفي القصير وتغلقه حول جسدها الممشوق بحركة آلية، بينما خصلات شعرها المتحررة تثور بعشوائية حول وجهها، متطايرةً كما يثور الغضب داخل عينيها.
تنهد سليم ببطء وهز رأسه بيأس وهو يدرك تمامًا سبب ثورتها، بل كان يتفهم غضبها قبل أن تنطق بكلمة واحدة، فأخرج هاتفه من جيبه ونظر إلى شاشته، فوجد عشرين اتصالًا فائتًا منها وعدة رسائل متتابعة تشي بمدى قلقها العارم، رفع عينيه إليها سريعًا وبدأ يبرر بصوت هادئ يخفي وراءه الإرهاق والاعتذار:
-مسمعتش صدقيني، أنا لو كنت عارف إنك بتتصلي مش هرد عليكي ليه يا شمس؟
لكنها لم تجب، بل ظلت واقفة في مكانها صامتة، تحدق في وجهه بعينيها المتسعتين المليئتين بالعتاب والقلق، وكأنها تبحث داخله عن تفسير لم يتفوه به بعد، فاقترب منها خطوة بخطوة حتى صار أمامها مباشرة، ثم جذبها إليه برفق وضمها إلى صدره، كمَن يستمد منها طوق نجاة وهو يهمس بنبرة خافتة غلفها الإرهاق:
-بلاش بصاتك دي، أنا مش ناقص يزن وزيدان خلصوا كل طاقتي تحت.
ابتعدت شمس قليلًا عنه رفعت يدها ببطء وأخذت تمرر إصبعها الرقيق فوق خط وجهه الحاد في لمسة تجمع بين الحب والعتاب، ثم همست بنبرة يغمرها العتاب أكثر من الغضب:
-اممم أنا ملاحظة إن طاقتك بتخلص عندي دايمًا.
-عشان راحتي موجودة بوجودك جنبي.
كلماته وقعت على قلبها كالماء البارد فوق نار القلق المشتعلة داخله، لكنها أخفت ارتباكها بابتسامة دافئة، ثم تعلقت برقبته بدلال طفولي وهي تهمس بخفوت:
-كنت ناوية اتقمص وازعل وانام في أوضة أنس واسيبك لوحدك، بس قلبي مهانش عليه يسيبك لوحدك أبدًا يا سولي.
اتسعت ابتسامته الحقيقية هذه المرة، يدرك تمامًا أنه نجح بدهائه المعتاد في النجاة من شجارٍ وشيك كان سيلتهم ما تبقى من طاقته، فاقترب أكثر وقبل وجنتيها برفقٍ مفعم بالحنان، ثم همس باعتراف لأول مرة يبوح به كمَن يلقي سرًا ثقيلًا لم يتجرأ على قوله من قبل:
-أنا مفيش حاجة بتهون عليا غير سولي اللي بتقوليهالي دي.
وبلا وعي دفن وجهه في عنقها بين خصلات شعرها الثائرة، كل ثقله ينساب خارج جسده، وألقى بهمومه وقلقه المستمر على عائلته فوق أعتاب صدرها، كأنه وجد الميناء الآمن بعد عاصفةٍ عاتية.
هنا يكمن ملاذه…هنا فقط يرسو قلبه، بعيدًا عن صخب العالم وضغوطاته، في أحضانها يجد حنانًا يكفي ليكمل معاركه ويواجه الغد مهما كان قاسيًا.
****
في اليوم التالي...
توقفت سيارة يزن أمام محل يسر، حيث كانت سيرا تجلس إلى جواره تحدق في واجهة المحل بعينين مترددتين، بينما تراقب حماس يسر الواضح وهي ترتب البضائع بعناية فائقة، وابنتها الصغيرة كانت تدور حولها وتلهو في براءة، كأن المحل كان عالمًا صغيرًا يخصهما وحدهما.
نظرت سيرا إلى يزن بعينين متعاطفتين وملامح يغلب عليها العتاب ثم همست بنبرة رجاء متوسلة:
-حرام اكسر بخاطرها يا يزن.
أغمض يزن عينيه للحظة وهو يفرك وجهه بكفيه بعصبية، قبل أن يفتحها ثانيةً ويقول بلهجة ساخرة تُخفي تحتها غضبه الداخلي:
-لا اكسري بخاطري أنا! انزلي يا سرسورة يلا اعملي اللي اتفقنا عليه.
رمقته سيرا بنظرة استعطاف أخيرة تتوسل منه أن يلين قلبه، لكنه تجاهلها عامدًا وأدار وجهه إلى الجهة الأخرى كي لا يضعف أمامها، فزفرت بغيظ وهي تفتح باب السيارة، ثم نزلت بخطوات متثاقلة نحو المحل متمسكة بابتسامة متكلفة وهي تدخل:
-إيه الجمال ده، ما شاء الله المحل منور.
التفتت يسر إليها بسرعة وملامحها تفيض بالحماس والود، فتقدمت نحوها واحتضنتها بود صادق كأنهما صديقتان منذ زمن بعيد:
-اتأخرتي ليه؟ انت وعدتيني تيجي بدري، تتصوري من الصبح مفحوتة مع زباين كتير اوي.
جلست سيرا بتوتر وشعور ثقيل بذنبٍ ينهش صدرها، فهي لم ترغب أبدًا في كسر خاطرها أو إطفاء حماسها، أخذت نفسًا قصيرًا وقالت وهي تتحاشى النظر في عينيها:
-أنا أسفة بس مش هقدر اشتغل معاكي، يعني...بابا رفض وقالي ملهاش لزمة عشان ...
لكن يسر جلست أمامها وهي تبتسم بسخرية رقيقة، وكأنها ترى ما وراء محاولاتها الفاشلة، تعرف الحقيقة دون أن تسمعها، مالت برأسها قليلًا وقالت بنبرة هادئة ممزوجة بالخذلان:
-متكذبيش، يزن السبب كنت عارفة أنه هيرفض.
رفعت سيرا رأسها بسرعة وعيونها متسعة بدهشة حقيقية:
-عرفتي ازاي؟
تنهدت يسر ببطء وابتسامة حزينة تتسلل على شفتيها وهي تهمس بنبرة كسيرة:
-يزن أنا اعرفه من زمان واعرفه من كلام نوح الكتير عنه، هو تلاقيه خاف عليكي أنا أزعلك أو نوح يتعرضلك من غير قصد...
ثم صمتت لحظة وخفضت صوتها أكثر وهي تضيف بهدوء:
-من خلال كلام نوح وأهله عنهم...عيلة الشعراوي عندهم كبرياء وغرور عمرك ما تشوفه على حد، ما بالك بقى لو واحدة تخصهم بيعاملوها كأنها نجمة، فعادي متوقعة خوف يزن عليكي.
خفضت سيرا رأسها في خجل، تبحث عن مبرر يُرضي حيرة يسر وغيظها المكتوم، ثم قالت وهي تعبث بأطراف أصابعها:
-هو بس خايف أنه ممكن يخسر نوح بسببي، أنا ماعرفش في إيه؟ بس يزن مُصر على ده...
نظرت إليها يسر مباشرة وملامحها تُظهر رغبة حقيقية في التمسك بها:
-لو روحت كلمته ووافق توافقي تبقي معايا؟!
ترددت سيرا بشدة قلبها ينبض بخوفٍ من رد فعل يزن، لكنها لم تجب بنفي وهذا هو الأهم، فابتسمت يسر ابتسامة سريعة وغادرت المحل بخطوات حاسمة، تتجه مباشرة نحو يزن الذي كان يقف أمام سيارته في وضع المتحفز، يراقب بخفة توتر حركات الداخل والخارج.
توقفت أمامه وقالت بصوت حاد يملأه العتاب:
-أنا قولت أنك اخويا ودايمًا بتقف في ضهري، المفرروض ماتقفش ضدي.
زم يزن شفتيه وقد أدرك أن محور الحديث سيذهب إلى منطقة لا يريد الدخول إليها:
-وأنا لسه عند كلامي، وبعدين أنا عملت إيه يقف ضدك؟
ارتجفت أهداب يسر وهي تحاول السيطرة على دموعها ثم تساءلت برجاء صادق:
-ليه مش عايز سيرا تشتغل معايا؟ يزن أنا حقيقي محتاجها تقف معايا، دي خطوة جديدة عليا وهي بنت جدعة وطيبة خليها معايا ومتخافش عليها.
ألقى يزن نظرة نحو سيرا التي كانت تتنقل داخل المحل براحة تامة، تمرر أصابعها فوق الأرفف وتتأمل البضائع بفضول طفولي فزفر بحذر وقال بصوت يغلبه القلق:
-أنا مش عايز أزعلك ولا أكسر بخاطرك، بس أنا أصلاً كنت رافض شغلها في أي مكان مش انتي بس، وبعدين سيرا طيبة وجدعة بس مغناطيس للمشاكل والحوادث، فيعني خليها بعيد أحسن، ممكن يحصلك حاجة ونوح مايسيطرش على نفسه، ووقتها أنا وهو ممكن يحصل مشاكل ما بينا.
ابتسمت يسر بتهكم يخالطه انكسار:
-متخافش أنا ونوح مش بالقرب اللي انت متخيله، أنا أغلب الوقت بقضيه لوحدي أنا ولينا في المحل وبعدها بروح بيت بابا، يعني نوح مابشوفهوش ومش هيتعرض لسيرا، هو ذكي كفاية إنه يحافظ على صحوبيتك.
زفر يزن مجددًا وصوته هذه المرة كان أعمق وأكثر وضوحًا:
-يسر انتي مافهمتيش قصدي، هوضحه اكتر بصي أنا خايف سيرا تعرض عليكي حاجة أو تديكي فكرة في حياتك لما تقربوا من بعض تسبب مشاكل بينك وبين نوح أنا مش هكون حابب كده، خليها بعيد، لإن نوح بيحاول بكل الطرق إنه يرجعك.
اتسعت عيناها بدهشة، غير مصدقة أنه يُفكر إلى هذا الحد:
-انت دماغك بتروح لبعيد جدًا.
ابتسم بخفة وهو ينظر نحو سيرا من خلف الزجاج ثم قال بصوت منخفض:
-معاها لازم احط كل الاحتمالات.
تأملته يسر بإعجاب وكأنها ترى في عينيه تعلقًا غير مسبوق:
-لدرجادي متعلق بيها؟ غريبة مع إنك اللي يعرفك
يعرف كويس إنك مبتتعلقش ببنت اكتر من يومين؟!
ابتسم بفتور وهو يردبحدة ممزوجة بالمرح:
-اهو ده بقى عيب انك تبقى حاكي لصاحبك حاجة عنك، لو روحتي حكيتي ليها حاجة زي دي هتطلع جنانها عليا وتشوفني بخونها مع ١٦ واحدة.
رفعت حاجبيها بدهشة وقالت بصدق:
-هي تعرف عنك كل حاجة؟! أنا والله مالحقتش اقولها حاجة.
رد باستنكار:
-وتبذلي مجهود ليه؟ هي عارفة كل حاجة بقولك بتحلم بيا بخونها.
-طيب يزن عشان خاطري خليها تبقي معايا يس في أول أيام الافتتاح وبعدها لو مش عجبك الوضع متخلهاش تكمل، وبالنسبة لنوح أنا استحالة اخليه يتعرض لها، متخافش خالص.
ظل يزن صامتًا لثوانٍ طويلة، يُحارب داخله بين خوفه على سيرا وبين رغبته في ألا يكسر خاطر يسر، فهو في الحقيقة كان يخطط لشيء آخر… كان يريد سيرا قريبة منه تحت نظره دومًا، لا بعيدة عنه، ولكن نبرة يسر المتوسلة اخترقت صموده:
-يزن هتكسر بخاطري؟
زفر بعمق وصوته جاء مثقلًا بالاستسلام:
-لا مقدرش..ماشي خليها معاكي و....
لكن فجأةً دوى صوت ارتطام عنيف! اندفع منير ابن خالة يسر من مدخل البرج بقوة فاصطدم بالزجاج الذي كانت سيرا تقف خلفه، فتفتت الزجاج إلى شظايا متناثرة في كل اتجاه، تجمد الزمن للحظة…ثم تسارعت الأحداث كالعاصفة.
اندفع الخوف في قلب يزن بقوة، وصرخ باسمها بكل ما أوتي من صوت وهو يركض نحوها بجنون:
-سيـــــــــــــــرا حاسبــــــي...
في حين كان نوح يقف في الجهة الأخرى كوحش هائج ممسكًا بمقعد حديدي، ينهال به على منير صارخًا بهستيريا:
-عايز تتجوز مين يا روح أمك..........
رواية غناء الروح الفصل الأربعون 40 - بقلم زيزي محمد
اندفع يزن بقوة داخل المحل يتخبط بين البضائع المتناثرة والأشياء المكسورة، يبحث عنها بعينين يملؤهما القلق حتى وجدها أخيرًا، فقد كانت سيرا ترقد على ظهرها محاطة بالفوضى والكثير من البضائع قد تساقط فوقها لتكون درعًا غير مقصود حماها من الزجاج المتهشم المنتشر في كل مكان.
اقترب منها بلهفة يكاد قلبه يخرج من صدره، فلم يعد يهمه شيء في تلك اللحظة سوى الاطمئنان عليها، فرأى عينيها المغلقتين عن خوف، ويدها المرتجفة المضغوطة بقوة على صدرها، فمد يده يمسك بذراعها يتحسس سلامتها بصوت حانق متقطع من شدة القلق:
-سيرا انتي كويسة، سيرا.
فتحت عينيها ببطء تحدق فيه بعينين واسعتين غمرهما الرعب الحقيقي، قبل أن تنتفض فجأة وتندفع نحوه بصراخ مكتوم، إذ وقع بصرها على ذلك الشاب الذي نهض مجددًا رغم الضربات، يتأرجح بخطوات متخبطة ثم يقتحم المحل بعنف، وخلفه مباشرةً كان نوح ينقض عليه كالعاصفة، ينهال فوقه بضربات عاتية لا يعرف فيها موضع يده من جسده، وكأنه فقد السيطرة على نفسه بالكامل، فكان كل ما تصل إليه يداه يدفعه بلا وعي ولا إدراك لما حوله.
وقف نوح يصرخ بنبرة خشنة متقطعة، ووجهه محتقن بالعروق البارزة، فبدا أشبه بمجرم هائج لا بطبيب محترم:
-قولتلي عايز تتجوز مين *******، عايزني اطلقها يا ******، ده أنا هطلع روحك.
تجمد المكان لثوانٍ قصيرة ومع ذلك وجد يزن نفسه مضطرًا أن يساعد سيرا على النهوض بسرعة، لكن الخروج من المحل كان مستحيلًا؛ إذ كان نوح يحتجز منير في المنتصف، يضغطه بين قبضتيه كفريسة عاجزة بينما ينهال فوقه بالضرب، وفي الزاوية الأخرى وقفت يسر تحتضن طفلتها الصغيرة، عيناها تتنقلان بين وجه سيرا المذعور والمحل الذي تحول إلى ركام منثور، وبين ابن خالتها الذي فقدت ملامحه تمامًا من شدة الضربات رغم محاولاته الدفاع عن نفسه.
أما سيرا فوجدت نفسها تنحشر أكثر في أحضان يزن، ترتجف بخوف حقيقي بينما تتابع بعينيها حربًا مصغرة تدور أمامها في منتصف المحل، فقد كانت الأشياء تتطاير من كل اتجاه، وصوت تحطم الزجاج يمتزج بصراخ منير وعلو الأنفاس اللاهثة من قبل نوح، ولولا يد يزن التي أسندها بحزم فوق رأسها لحمايتها، لكان رأسها هدفًا مثاليًا لتلك الشظايا المتطايرة!
حاول يزن أن ينهي هذه الفوضى بأي طريقة، فخرج صوته مشحونًا بالغضب والرهبة، متأرجحًا بين خوفه على سيرا التي ترتجف في حضنه، ونظرات لينا ابنة نوح التي اتسعت رعبًا، ودموع يسر التي انحدرت بحرقة على تعبها الضائع ومحلها الذي تحطم:
-نوح كفاية...نوح اللي بتعمله ده غلط.
توقف نوح للحظة وجهه يشتعل غضبًا وعيناه تقدحان شررًا، بينما كان يمسك منير من تلابيبه ويحركه بعنف يمينًا ويسارًا، ثم قال بصوت متقطع ممزوج بنحيب مكتوم وانفجار قهر:
-بقولك البجح عايزاني اطلق مراتي، عشان هو أحق بيها مني، الـ***** يا ابن الـ****، ده أنا مش هسيبك.
ثم عاد يضربه بجنون وكأنه يصب فوقه تراكمات أيام طويلة من الغضب والكبت، عندها همست سيرا وسط شهقاتها المختنقة بصوت مرتعش بالكاد يُسمع:
-يزن أنا خايفة....
ارتجف جسدها في أحضانه وهي تتذكر فجأةً مشهدًا قديمًا؛ لحظة اندفاع نجلا بالمقص نحو سليم...حيث الدماء...الصراخ والرعب، فغامت عيناها بالدموع وهي تخفي وجهها كليًا في صدره العريض تتمتم بصوت مخنوق:
-أنا خايفة.....اه الإزاز...
وما كادت تُنهي الكلمة حتى دوى صوت تهشم الزجاج الجانبي بصخب، لتنهمر البضائع فوقهم بقوة، اندفع يزن بحركة خاطفة يضمها إلى صدره أكثر ويجذبها بجسده بعيدًا نحو الاتجاه الآخر، يحتضنها بكل ما يملك من قوة وكأنه يحميها بروحه نفسها، تشبثت سيرا بخصره بعنف وهي تبكي بهلع، فلم تشهد في حياتها شيئًا كهذا.
وحين أبعدت وجهها قليلًا عن صدره، وقع بصرها على منير الذي كان بالكاد يلتقط أنفاسه، اتسعت عيناها صدمةً وصرخت بصوت مبحوح، تشير بيدها المرتجفة وهي تهذي برعب:
-يالهوووي بيموت يا يزن...بيموت.
استدار يزن بسرعة إلى حيث تشير، فرأى منير شبه فاقد للوعي بينما وقفت يسر كتمثال جامد، عيناها تشتعلان بالقهر ويقطر منهما انتقام مكتوم وحقد متأجج، حينها أمسك يزن سيرا برفق، دفعها أسفل مكتب يسر ليخفيها هناك، وربت فوق رأسها بحنو وهو يأمرها بصوت حاسم:
-اوعي تتحركي ، فاهمة ولا لا.
هزت رأسها سريعًا بالإيجاب وجسدها كله يرتجف، فهي لم تكن لتتحرك حتى لو أرادت ليس وسط هذه الفوضى المجنونة، ومن زاويتها الضيقة رأت يزن يتقدم نحو نوح بخطوات واثقة قبضتاه مشدودتان ثم اندفع فجأة نحو نوح دفعه بقوة نحو الجدار، وسدد له لكمة قوية ارتج لها المكان وهو يصيح بنبرة عالية حازمة:
-ما تقعد ساكت بقى، عامل زي التور الهايج ومحدش عارف يلمك.
دفعه نوح بعيدًا بغضب مكتوم وهو يصرخ بحدة:
-اطلع برة يا يزن انت، أنا ليا حساب مع الكلب ده.
اقترب يزن منه أكثر، ملامحه متصلبة وصوته يحمل تحذيرًا جادًا:
-حساب إيه؟! هو بقى فيه نفس ولا ملامح حتى، كفاية يا نوح كده مراتك وبنتك خايفين ومرعوبين من اللي بيحصل.
توقف نوح لحظة وأنفاسه تتقطع بعنف، عيناه معلقتان بوجه يسر المبتل بالدموع، فالتقت نظراتهما واشتعلت حرب صامتة بينهما، لكنها لم تدم طويلًا؛ إذ اندفعت يسر فجأة نحو نوح تضربه بكلا يديها بجنون في صدره، وهي تصرخ بصوت باكٍ متقطع تختلط فيه الحسرة بالغضب وبالخذلان العميق:
-بوظت كل حاجة، كسرت كل حاجة، كل حاجة تعبت فيها راحت، حسبي الله ونعم الوكيل فيك.
ابتعد يزن خطوتين للخلف وهو يجذب الطفلة لينا نحوه برفق، احتضنها بحنان وهو يدفن وجهها في عنقه حتى لا ترى مشهد انهيار والديها، وبيده الأخرى مدها نحو سيرا لتنهض من أسفل المكتب وتلتصق به في صمت مذعور، تقبض على ذراعه بقوة بينما تتأمل بعينيها الخراب الذي حل بالمكان، لكن فجأةً دوى صوت نوح غاضبًا ينفجر في وجه يسر الباكية وصوته يزلزل أركان المحل:
-بتتحسبني عليا ومش واخدة بالك من الـ**** اللي جايلي بكل ***** يطلب مني اطلقك عشان هو أحق مني بيكي، شوفي بجاحة ابنة خالتك جاية منين يا هانم؟
وفي لحظة جنونية فقدت فيها يسر كل خيط من خيوط ضبط النفس، اندفع عقلها نحو حافة الانتقام فصرخت في وجه نوح بعنفٍ لم تعهده من قبل، لم تعبأ بنظرات الواقفين ولا بوقع كلماتها على مسامع الجميع، كان صوتها متهدجًا يقطر وجعًا وغضبًا:
-أنا....أنا اللي قولتله يعمل كده، عايز مني إيه تاني؟ دمرت حياتي وعايزاني زي التابلوه جنبك، اعتقني لوجه الله وخليني اشوف حياتي بعيد عن وشك.
كلماتها انفجرت في وجهه كالقنبلة وحطمت آخر ما تبقى من اتزانه، ثم فجأة انطلق نوح نحوها كوحش هائج، قبض على ذراعيها بقوةٍ جنونية جعلتها تصرخ من شدة الألم والخوف، فقد تلبسته شياطين الغيرة حتى بدا على وشك ارتكاب جريمة لم يكن يدرك عواقبها، فكان صوته أشبه بزمجرة غاضبة وعروق وجهه تكاد تتفجر:
-أنتي بتقولي إيـــــه؟ انتي عارفة بتقولي إيه؟! ده أنا اقتلك واشرب من دمك.
ارتج المكان تحت وقع صوته، ولكن تحرك يزن بخطوات متوترة مبتعدًا عن سيرا ولينا الصغيرة، التي سارعت سيرا لحملها بحذر والتصقت بالجدار محاولة حمايتها من المشهد المشتعل أمامها، حيث اقترب يزن بحذر ووقف بين نوح ويسر دون أن يلمسها حتى لا يزيد الموقف اشتعالًا، ثم قال بصوت منخفض لكنه حاد يخفي خلفه صراعًا داخليًا بين الغضب والخوف:
-يا جماعة اقسم بالله اللي بتعملوه ده قلة أدب، بنتكم هتموت من الرعب....
ثم التفت نحو يسر محذرًا بصوتٍ أكثر صرامة:
-وانتي يا يسر متزوديش الطين بلة، كفاية اللي هو فيه...
التفت بعدها نحو نوح يحدجه بنظرة قاسية تشي بالإنذار الأخير، وقال نبرة تقطر عتابًا وغضبًا:
-بنتك يا نوح احتمال ماتقدرش تبص في وشك تاني...
كانت الكلمات كطعنة في صدر نوح، ففجر صرخة مبحوحة مختلطة بين القهر والغيرة المشتعلة في داخله، فبدت نبرته مجروحة حتى العظم:
-انت شايف بتقول إيه؟ هي اللي بعتته!! والله ما هطقلك وهسيبك كده.
ازداد توتر الموقف وازدادت دموع يسر غزارة وهي تبكي بعنف، كأن كل ما في داخلها ينهار دفعة واحدة فأطبق يزن أسنانه محاولًا التماسك، لكنه لاحظ فجأة ارتجاف جسدها ويدها التي أمسكت بطنها البارز في حركة عفوية أقلقته، فهتف محذرًا بصوت قلق:
-نوح مراتك شكلها تعبت...اطلع لو سمحت كفاية كده.
تراجع نوح ببطء يتقهقر إلى الخلف وكأن وقع كلماته أثقله، فرأى يسر تنحني إلى الأرض، وجهها شاحب، دموعها تتساقط بلا توقف، ثم اندفعت سيرا نحوها بخطوات متعثرة، وأمسكت بذراعها بخوف وهي تسألها بصوتٍ يقطر توترًا:
-تروحي المستشفى؟ حاسة بإيه؟
لكن يسر لم تجب بل حدقت فيها بعينين دامعتين قبل أن تنطلق منها صرخة ألم حادة، كادت تمزق القلوب وهي تشد على بطنها بقوة وتهمس بصوتٍ متقطع:
-الحقيني...
وفجأة سقط جسدها المنهك مغشيًا عليه قبل أن تتمكن سيرا من تلقفها ارتطم جسدها بالأرض، وارتطم معه قلب نوح الذي هوى نحوها كالسهم، أمسكها بذراعين مرتجفتين وجذبها إلى صدره، يهزها بعنف لا إرادي وهو يصرخ بجنون:
-يسر...يسر فوقي...
لكنها لم تجب فالتفت بعينين زائغتين نحو يزن الذي كان يحاول العبث بهاتفه بأصابع مرتعشة، وصرخ به بصوت يشي خوفًا لأول مرة منذ بداية الفوضى:
-اتصل بالاسعاف يا يزن بسرعة.
مرت الثواني بطيئة كدهرٍ كامل حتى جاء صوت سيارات الإسعاف يقطع صخب المكان، وفي دقائق معدودة، توقفت سيارتان أمام المحل....
واحدة لنقل يسر الفاقدة للوعي، والأخرى لنقل منير الممدد بلا حراك إثر الضربات العنيفة التي انهالت عليه من نوح.
تجمهر المارة في صفين على جانبي الطريق، تتعالى همساتهم ووجوههم مشدوهة إلى ما يجري، بينما كان المسعفون يسابقون الزمن لإنقاذ الأرواح.
هرع نوح نحو سيارة الإسعاف التي ترقد بداخلها زوجته، يداه ترتجفان وعيناه دامعتان من الخوف والندم، وفي المقابل تحرك يزن مسرعًا ممسكًا بـسيرا المذهولة، وهي تضم لينا الصغيرة المرتجفة بين ذراعيها، ساقهما نحو سيارته بخطوات سريعة.
أغلق الأبواب بعجلة وانطلق خلف سيارة الإسعاف، بينما كان يمسك هاتفه بيد واحدة ويجري اتصالًا عاجلًا بـفاضل والد يسر يخبره بما حدث ويطلب سرعة حضوره إلى المستشفى، ثم أجرى اتصالًا آخر بـزيدان وسليم، طالبًا منهما الذهاب فورًا إلى المشفى ليكونا إلى جانب نوح، فقد يتطور الأمر حد السجن إذا ما أفاق منير وقرر تقديم بلاغ رسمي.
*****
في المستشفى كان الصمت ثقيلًا كالرصاص،
حيث جلس بينهم نوح منكفئًا على نفسه، يضم يديه المتورمتين إلى صدره والدماء اليابسة تلطخ مفاصل أصابعه المتشققة، ترك الطبيب يطالبه مرارًا بالعلاج لكنه رفض رفضًا قاطعًا أشبه بالعناد الطفولي وكأنه يعاقب نفسه، أو ينتظر عقابًا أكبر، فقد كان يشعر بثقل الذنب يطبق على صدره حتى كاد يخنقه؛ كيف أوصل زوجته إلى حد الانهيار العصبي؟ كيف انزلقت الأمور إلى هذا الدرك؟ كل شيء داخله كان يصرخ لكنه جلس هناك يحدق بالأرض في صمتٍ مميت، لا يعنيه شيء سوى أن يسمع خبرًا واحدًا وهو أن يسر بخير.
أما منير فكان الوضع أخطر بكثير، بعدما أخبرهم الطبيب أن حالته حرجة، جروحٌ عميقة وكدمات متفرقة وكسور في مناطق عدة.
وفي نهاية الردهة وقف يزن إلى جانب سليم وزيدان، وقد كان يروي لهما تفاصيل ما حدث من البداية حتى النهاية، كان صوته متوترًا متقطعًا بين الندم والغضب، وكأنه يريد أن يستنجد بعقله كي يصدق أن ما جرى منذ ساعات كان حقيقيًا، فطلب منهما أن يساعداه على تهدئة الأوضاع، خاصةً مع الحاج فاضل والد يسر الذي كان يجلس قريب منهم، يغلي غضبًا وكأنه بركان ينتظر الانفجار.
وعلى أحد المقاعد جلست سيرا منهكة حد الإرهاق، ملامحها شاحبة وعيناها متورمتان من البكاء، تحتضن الصغيرة لينا فوق ساقيها، فكانت تهدهدها برفق، تربت على ظهرها بحنو بالغ، وتهمس بكلمات مطمئنة رغم أن قلبها يرتجف خوفًا.
جذب انتباهها فجأة تحرك سليم بخطواتٍ بطيئة لكنها تحمل من القوة والكبرياء ما جعلها تتابعه بدهشة، فكان يسير كرجلٍ من زمن آخر؛ رأسه مرفوع وملامحه ثابتة أما عن نظراته تحمل وقارًا يجبر الجميع على احترامه، تقدم بخطوات محسوبة نحو الحاج فاضل، الذي كان يجلس على مقربة منها، فتسنى لها أن تستمع للحوار كاملًا.
قال سليم بصوت هادئ واثق:
-ان شاء الله مدام يسر تقوم بالسلامة يا حاج فاضل.
رفع فاضل رأسه إليه ببطء وفي عينيه خليط من الحزن والغضب، وأومأ برأسه إيماءة مقتضبة لكن صوته حين خرج كان محتقنًا بالحنق:
-ان شاء الله، وكل واحد ياخد جزاته.
انتقل بصره إلى حيث يجلس نوح في صمتٍ مميت، لكن سليم التقط فورًا نبرة الغضب المتصاعدة في صوته فسارع بامتصاص حدتها، مستغلًا هدوءه المعهود ورزانته التي يعرفها الجميع:
-لو قصدك على نوح فانت شايف هو خايف ازاي على مراته، فكفاية اللي هو عايشه يا حاج؟
ابتسم فاضل ابتسامة مريرة نصفها استنكار ونصفها قهر، ثم رفع رأسه إلى سليم وكأنه يعلم تمامًا سبب وجوده هنا، لقد أدرك أن خوف يزن على صديقه دفعه للجوء إلى أخيه الأكبر الذي يمتلك من الحكمة والرزانة والمكانة الاجتماعية ما يمكنه أن يطوي الأمر في طي النسيان دون أن يمس نوح ضررًا، لكنه رفض الاستسلام بسهولة وقال بحدة قاطعة:
-لا مايكفنيش، بنتي وهخليها تخلعه، ومنير وهخليه يسجنه عشان اللي عمله.
حينها التفت نوح إليه فجأة، ابتسامة تهكمية غريبة ترتسم على وجهه المتورم، وفي عينيه جنون وسواد لم يُرَ مثلهما من قبل، لكنه لم ينبس ببنت شفة واكتفى بتحويل رأسه نحو باب الغرفة يراقب بصمت ثقيل.
أما عن سليم الذي بدا وكأنه محامٍ في قاعة محكمة، أمسك بخيط الموقف قائلًا بنبرة متماسكة لا تخلو من الحزم:
-السجن مرة واحدة؟؟ يا حاج فاضل ماتخليش الغضب يعميك عن إنه جوز بنتك وأبو حفيدتك.
نظر إليه فاضل نظرة حادة وقال بصوتٍ يقطر استهجانًا:
-وهو ماعملش حساب لمراته وإن ده ابن خالتها ليه يا سليم؟
هز سليم كتفيه بلا مبالاة مصطنعة، ثم قال بنبرة شبه حادة تكشف عن عمق قناعته:
-حساب إيه؟ ده واحد قاعد في شغله لقى واحد دماغه رايحة منه داخل يقوله طلق مراتك وانا احق بيها منك، أنا لو مكانه مكنتش سيبته عايش أصلاً، وبعدين يا حاج فاضل ماتلومش على رد الفعل طالما الفعل نفسه كان غلط من البداية، ده انت تاجر كبير وفاهم يعني!
ارتفعت حدة أنفاس فاضل وقال بحنق لم يستطع كبته:
-رد فعل إيه يا سليم ده دغدغ المحل وماسبش فيه حتة سليمة، حتى منير الله اعلم هيقوم يمشي على رجليه تاني امتى؟
حاول سليم استغلال مكانته لديه بسرعة، فاقترب منه أكثر وقال بنبرة هادئة حاسمة:
-نوح هيتكفل يرجع محل بنتك زي مكان وأحسن كمان، وأنا هتكفل بعلاج منير، عشان الصراحة مش هقدر اقوله عالج الراجل اللي جالك وعايزك تطلق مراته.
زفر فاضل بقوة ووجهه يتقلب بين الغضب العارم والشفقة الخفية، كأن قلبه ممزق بين أن يكون أبًا جريحًا أو رجلًا حكيمًا، وفي النهاية رفع رأسه وأصدر حكمه بصوت حاسم:
-مالوش دعوة ببنتي محل بنتي أنا كفيل ارجعه احسن من الاول ومحدش يدفعلها جنية، بس خلاص مايقربش منها ويمشي مش عايز أشوف وشه، وبالنسبة لمنير انت مش ذنبك حاجة عشان تتكفل بعلاجه، اللي ضربه الضرب ده هو اللي هيتكفل بعلاجه، حتى يبقى ليا وش وأنا بقول لاهله أنه اعتذر وهيتكفل بعلاجه، وده حكمي ولو مش عاجبه يتفضل يقعد لغاية ما الشرطة تيجي.
تدخل زيدان بسرعة واقترب من نوح بخطوات سريعة وجذبه واقفًا رغمًا عنه، وهو يحذره بصوتٍ منخفض حاد:
-قوم يلا امشي، عشان لو عاندت والشرطة جت، مش هيكون في مصلحتك، انت مدغدغ الواد.
اقترب يزن هو الآخر يدفعه قليلًا نحو الممر الآخر وهو يقول بحدة:
-ماتبوظش اللي أنا عملته، امشي ولم الليلة، لسه أهل منير الزفت هيجوا وهتبقى كده كده مدعكة.
تقهقر نوح للخلف مجبرًا على الامتثال لإصرارهم، لكن صوته خرج ضعيفًا متحشرجًا، وكأنه طفل ضائع لا يدري أين يذهب فهمس بتساؤل شبه مكسور:
-ويسر؟
ربت يزن على كتفه بحنان مكبوت وقال بصوتٍ خافت:
-احنا كلنا معاها وبعدين انت عارف وجودك هنا غلط وهي تعبانة بالشكل ده.
تراجع نوح ببطء ووجهه شاحب، عيناه متعلقتان بباب الغرفة وكأن قلبه معلق خلفه هناك... حيث ترقد تواجه انهيارها العصبي.
استطاع يزن أخيرًا إخراج نوح من المستشفى، وكان يظن أنه سيغادر بهدوء لكن نوح رفض الابتعاد واكتفى بالجلوس على مقعد خشبي بالقرب من بوابة المستشفى.
جلس هناك صامتًا يضع مرفقيه على ركبتيه، ويدفن رأسه بين كفيه للحظة قبل أن يرفعه مجددًا يحدق في فراغٍ مثقل بالذنب والخذلان، حيث كانت عيناه معلقتان على باب الطوارئ في ترقبٍ مضنٍ كأنه ينتظر أي إشارة....أي خبر، أي بريق أمل قد يخفف ضغط ضميره، ليته تحكم في أعصابه وضربه في محيط عيادته فقط، ولكن الجبان كان يركض منه ويحاول الوصول ليسر.
وفي الداخل كان سليم وزيدان يخوضان معركةً من نوعٍ آخر؛ جلسا في مواجهة الحاج فاضل، يحاولان إغلاق الموضوع بهدوء وسط توتر يزداد لحظة بعد أخرى مع وصول عائلة منير التي اندلعت غضبها لما حل به.
فتولى سليم مهمة تهدئتهم، لا بل تهذيبهم بحنكته المعهودة ونبرته الحاسمة، فلم يتردد في مواجهة استنكارهم بنظرات ثابتة وكلمات صارمة، مذكرًا إياهم بجرأة ابنهم الذي اقتحم حياة غيره مطالبًا بما لا يحق له، فكان يدير الموقف كما لو كان قاضيًا ويزن كل كلمة بحذرٍ وحزمٍ في آنٍ واحد.
على مسافة قصيرة ابتعد يزن قليلًا عن الصخب المتعالي في الردهة واقترب من سيرا، التي كانت تجلس منهكة فوق أحد المقاعد، تحتضن الصغيرة لينا النائمة على صدرها، جلس أمامها كالقرفصاء ينظر إلى وجهها الشاحب ونظراتها الزائغة بين أصوات الرجال المرتفعة حولها.
لم يهتم يزن بالفوضى من حوله فقط مد يده ليمسك كفيها برفقٍ حانٍ، وصوته حين خرج كان همسًا مترددًا يقطر قلقًا وحنانًا:
-انتي كويسة يا حبيبتي؟ مالك؟
حولت نظراتها إليه ببطء، بعينين يملؤهما القلق والارتباك، وردت بصوت خافتٍ بالكاد يُسمع:
-هو الموضوع ده هيخلص امتى؟ انا حاسة أنه بيزيد.
أدرك يزن أن الخوف سيطر عليها تمامًا حتى أنه أبعدها عن إدراك كلماته أو ملاحظة دفء نبرته، فقد كانت هشة لدرجة يخشى معها أن تتكسر من مجرد ارتفاع صوتٍ بجانبها، فابتسم ابتسامة باهتة محاولًا بث الطمأنينة في قلبها وهو يجيبها بنبرة مطمئنة:
-ولا بيزيد ولا حاجة، يلا عشان اوصلك زمانك تعبتي.
تعلقت بعينيه لحظة كأنها تبحث في ملامحه عن أمانٍ غائب، ثم همست بترددٍ يشوبه قلق:
-ولينا؟ دي متعلقة بيا، ينفع أخدها معايا؟
رأسه نفيًا بلطف ومد يده ليأخذ الطفلة منها وهو يقول بنبرة هادئة محسوبة:
-أنا هخدها تلعب مع أنس ابن سليم، وهروحك يلا عشان والدك مايضايقش من تأخيرك.
لم تجادله اكتفت بتحريك رأسها باستسلام، ونهضت تتحرك بجانبه بحذر تتلفت حولها خوفًا من أي يدٍ متهورة قد تطالها وسط أصوات الجدال المتصاعدة في الردهة.
أما يزن فألقى نظرة سريعة نحو زيدان، أشار له بعينيه أنه سيغادر، فتفهم الأخير على الفور ورد بإيماءة واثقة وصوت منخفض:
-روح أنت، أحنا هنا ماتقلقش.
وفي الخارج كان نوح لا يزال جالسًا على مقعده الخشبي، رفع رأسه حين لمح صديقه يخرج ممسكًا بخطيبته، تابعه بعينين مثقلتين بالندم، ورأى كيف فتح يزن لها باب السيارة بهدوء، واضعًا يده على مقدمتها ليحميها من الاصطدام قبل أن يتحرك للخلف بخطوات محسوبة، يحمل الصغيرة لينا النائمة ويضعها بحرص في المقعد الخلفي.
وقبل أن يستعد للانطلاق لمح نوح نظرة صديقه تتجه إليه وإشارات حادة صامتة بلغة العيون تشي بعدم دخوله للمشفى، فقد كانت نظراته تحمل في طياتها تحذيرًا قاطعًا، جعل نوح يشيح بنظره بعيدًا ويبتلع غصته في صمتٍ ثقيل.
****
بعد مرور دقائق طويلة بدت أثقل من ساعات…
غرقت سيرا في غفوة قصيرة رغمًا عنها، كأن جسدها المرهق أعلن استسلامه، فلم تشعر بشيء حتى توقف يزن أمام منزله لإيصال لينا أولًا، ثم عاد بسيارته ينطلق في صمتٍ مهيب نحو منزل سيرا.
لم تنتبه حتى حين توقف أمام "السوبر ماركت"، ولم تره وهو يتبضع لأجلها كطفلة مدللة؛ اشترى كل ما قد يرسم على ملامحها ابتسامة صغيرة، حلوى....رقائق متنوعة، جبن رومي مفضل لديها، وحتى بعض المأكولات لأطفال اخواتها كي لا يشاركها أحد في أشيائها الخاصة.
وأخيرًا وصل أمام منزلها، فاعتدل في جلسته قليلًا، ثم مد يده يلمس كتفها برفق وهو يهمس بصوت حانٍ:
-سيرا اصحي.
تململت أمام نظراته الشغوفة بها، وتحركت أهدابها الثقيلة لتكشف عن عينيها المرهقتين، ثم ردت بهمهمة شبه نائمة:
-نعم يا يزن..
كان وقع اسمه على لسانها مختلفًا…ناعمًا وهامسًا، اخترق قلبه مباشرة دون استئذان، فشعر بهزة تسري في أوصاله وكاد يفقد اتزانه لولا أنه تدارك نفسه سريعًا، فحول وجهه بعيدًا عنها يستغفر ربه في صمت، فلم يستطع أن ينكر على نفسه أن لا أنثى من قبل استطاعت أن تثير داخله هذه المشاعر المتدفقة والأفكار الحمقاء المنحرفة.
اعتدلت بصعوبة في جلستها ونظرت حولها بدهشة متسائلة:
-وصلنا؟
مد يده إلى الخلف يسحب حقيبتين بلاستيكيتين كبيرتين ممتلئتين على آخرهما ثم وضعهما فوق ساقيها:
-دي ليكي ودي لعيال اخواتك.
نظرت داخل الحقائب بدهشة وعدم فهم:
-ليه كل ده يا يزن؟
ابتسم بخفة وهو يجيب بنبرة مشاكسة:
-دول حاجة بسيطة عشان دمك اللي اتصفى من الخوف النهاردة.
ارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها رغم ارتباكها، ثم هزت رأسها بخفة وهي تهمس بحيرة:
-دي كانت زي حرب شوارع وحقيقي أول مرة أشوفها، بس هو ممكن الانسان يوصل لمرحلة إن الشيطان يتحكم فيه بالشكل ده
أجابها بواقعية بينما عيناه تلمعان بظلٍ من الغضب المكبوت:
-معرفش بس دي مراته أكيد الدم غلي في عروقه لما سمع الواد ده بيقوله كده.
هزت رأسها بتفهم وإن لم تكن مقتنعة تمامًا، فداخلها كان يقول إن هناك دائمًا مساحة للتعقل مهما اشتدت الأمور…لكن رؤيتها لآخر شخص كانت تتمنى ألا تراه جعلتها ترتجف وهي تهمس باسمه بخوفٍ مكتوم:
-فايق...
التفت يزن بسرعة نحو الاتجاه الذي تنظر إليه، فرأى فايق واقفًا أمام باب منزله، يبتسم لهما ابتسامة باردة ويلوح بيده بتحية عابرة ثم يغادر بخطواتٍ بطيئة، اتسعت عينا يزن صدمةً واستنكارًا فقد كان يظنه لا يزال خلف القضبان، أما سيرا فقد شعرت برعبٍ يزحف داخلها، حتى أفاقت على صوت يزن وقد اكتسى بخشونة وصرامة غير مألوفة:
-ماتخرجيش لوحدك أبدًا، يا أما معايا أو مع حد من اخواتك ولا اقولك معايا أنا بس فاهمة ولا لا؟
رمشت سيرا بأهدابها في بطء محاولة استيعاب نبرته القاطعة وردت بنبرة مستنكرة:
-يعني إيه؟ افرض عايزة اروح لفاطمة اكلمك تيجي لي توصلني.
هز رأسه بقوة وعزيمة لا تقبل الجدل:
-اه كلامي واضح اوعي تخرجي لوحدك، لغاية ما شوف المدمن ده خرج ازاي؟
زمت شفتيها وهي تحاول تهدئة خوفه المفرط، تحركت كلماتها كنسمة لطيفة لكنها لم تخفِ ضيقها:
-يزن ماتخفش هو مش هيقدر يعملي حاجة، هو هيخاف منك.
لكن كلماتها لم تزد النار المشتعلة في داخله إلا وقودًا، فأجاب بنبرة حادة تنذر بانفجار وشيك:
-أنا مش هستنى لما يعمل أساسًا، أنا معنديش احتمالات يا سيرا، اللي اقوله يتنفذ حتى لو رايحة لفاطمة.
أشارت للخلف في محاولة لإقناعه بهدوء:
-فاطمة اللي في الشارع اللي ورايا يا يزن؟ ما ماخرجش من البيت أحسن.
تلبسه رداء العناد تمامًا فرد بقوةٍ أشد:
-اه ماتخرجيش أحسن، سيرا ماتخوفنيش عليكي وحياة أبوكي، أنا أساسًا أول لما شوفته قدامي عفاريت الدنيا بتنطط في وشي...انزلي يلا.
فتح باب السيارة ونزل فتساءلت بدهشة:
-رايح فين؟!
-اطلعك فوق، مش هسيبك تطلعي لوحدك.
توقفت لحظة تحدق به في صمت، تتساءل بين نفسها....أهذا حد الهوس؟ أم أنها تتخيله فقط؟ أم أن وجود فايق بالفعل يثير كل هذا الخوف بداخله عليها؟
كانت أنفاسه تتسارع مع خطواته الصاعدة بجانبها على الدرج، حتى طرق باب منزلها بينما عيناها تتابعانه بدهشة وشيء من الامتنان الخفي.
فُتح الباب من قبل فريال فطلب منها يزن مقابلة والدها على انفراد، لم تمض دقائق حتى خرج حسني بملامح متوجسة ونظر إلى ابنته الشاحبة، لكنه لم يكد ينطق حتى استبق يزن الحديث بصوتٍ جادٍ حاسم:
-سيرا ماتخرجش لوحدها تاني يا حاج حسني يا إما معايا أو مع اخواتها الولاد، فايق جاركم خرج من السجن...
تسمرت نظرات حسني للحظة قبل أن يردد بدهشة:
-هو كان مسجون؟
رد بثبات:
-ايوه، كان مسجون عشان كان بيعبت رسايل تهديد لسيرا واتسجن بس لسه شايفه تحت حالاً، زيدان اخويا قالي قبل كده لما عبود وقاسم عملوه معاه مشكله أنه مش هيسكت وهيعمل مشاكل وغالبًا هتكون لسيرا، فيا ريت طلبي تنفذه يا حاج وسيرا ماتخرجش لوحدها أبدًا..
نظر حسني إلى ابنته بذهول حيث كانت صدمته أكبر من قدرته على إخفائها:
-وانتي امتى كنتي هتقوليلي أن فايق كان بيبعتلك رسايل تهديد يا سيرا؟
قبل أن تجيب انطلق صوت حكمت من الخلف لتتولى الدفاع بدلًا عنها:
-قالتلي يا بابا، بس أنا اللي قولتلها ماتقولش ليك عشان انت تعبان وكتر خيره يزن لما عرف حل الموضوع، ماتقلقش يا يزن يا حبيبي مش هنخرجها لوحدها أبدًا رجلي على رجليها.
تنفس حسني ببطء يخفي غضبًا تحت طبقاتٍ من الهدوء المصطنع؛ أكثر ما يزعجه أن يتخطاه أحد في أمرٍ يخص بناته لكنه سيطر على نفسه وقال بهدوء متماسك:
-كتر خيرك يا ابني وان شاء الله الأمور تعدي على خير...سيرا تعالي ورايا عايزك.
توترت سيرا وهي تلحق به تلقي بكافة نظرات العتاب نحو يزن الذي تهرب من مواجهتها، حول بصره نحو حكمت وهمس لها بنبرة هامسة متوسلة:
-لو سمحتي يا ابلة محدش يجي جنب سيرا النهاردة هي تعبانة وخايفة أساسًا.
ظنت حكمت أنه يقصد خوفها من فايق فردت بحماس مطمئن:
-ماتخافش دي في عيني.
ابتسم يزن ابتسامة باهتة وهمس لنفسه بمرارةٍ مكتومة:
-أنا أساسًا مش خايف إلا منك.
****
مساءً
دخل زيدان شقته وهو يحمل جسدًا مثقلاً بالتعب، صرخاته الصامتة تطلب النوم طلبًا، ولكن ما إن وقع بصره على مليكة جالسة في الصالة أمام التلفاز، حتى تحرك إليها سريعًا يخلص نفسه من كل ما يثقل جسده من متعلقاته، حتى مسدسه وضعه بهدوء فوق طاولة مجاورة، بعيدًا عن مرمى نظرها.
فـ "مليكته" لم تحب يومًا رؤيته ولم تألف وجود سلاحٍ بقربها، بل كانت تخشاه وكأن رصاصة طائشة قد تصيبها منه، أما زيدان على الرغم من قسوته التي يعرفها الجميع فقد كان شديد التفهم أمام مخاوفها؛ فما دام الأمر يخص مليكته، فهو مستعد لأن يلين لأجله مهما كان بعيدًا عن اللين.
اقترب بخطوات ثابتة وقبل أن يجلس بجانبها، لمحت عيناه جسد طفلة صغيرة مستلقية في سلام فوق الأريكة، رأسها مستند فوق ساق مليكة، بينما الأخيرة شاردة الملامح وعيناها محمرتان تذرفان دموعًا صامتة تخفي داخلها من الحزن ما لا يُحتمل.
توقف زيدان في مكانه لحظة وارتسمت على وجهه علامات الاستنكار....ما الذي أتى بـ "لينا" ابنة نوح إلى شقته؟ ولماذا تبكي زوجته بهذا القهر الذي لم يعتده عليها من قبل؟!
تلاقت عيناه بعينيها المتثاقلتين حزنًا، وقد خيم عليهما بؤس لم يره في ملامحها قط، وحين رأى ذراعها ترتفع نحوه في صمت، أدرك على الفور حاجتها إلى حضنه؛ ذلك المأوى الذي تهرب إليه دائمًا، فجلس بجانبها بهدوء ثم جذبها إلى صدره وضمها بقوة، يربت على ظهرها بحنانٍ حريص، بينما الحيرة تكسو قسمات وجهه، كمَن يغرق في بحر لا يرى له قرارًا، لم يستطع أن يطيل صمته فتساءل بنبرة مفعمة بالاضطراب:
-مالك يا روحي؟ مين زعلك؟
اشتدت قبضتها فوق سترته ،جذبت جسده نحوها أكثر وهي تبكي بحرقة، وشهقاتها تتلاحق وأنفاسها تتقطع بين كل دمعة وأخرى، فابتعد عنها زيدان قليلًا بتوجس ينظر إليها بحدة، وقد خشُنت نبرته على غير ما يتطلبه الموقف من رفق، لكن ذلك هو زيدان دائمًا يُظهر عكس ما يضج به قلبه:
-في إيه؟ مين زعلك لدجاردي؟ انطقي؟
ولعلمها بطبيعته الحادة التي قد تشتعل في أي لحظة، أرادت تهدئة نيران القلق المشتعلة في عينيه، فهو على أتم الاستعداد لقلب هذا المنزل رأسًا على عقب إن علم أن أحدًا آذاها، فمدت كفها تتحسس وجهه بلطف وهمست:
-أنا كويسة ماتقلقش، أنا بس زعلانة على لينا.
رمق الطفلة بنظرة حائرة ثم عاد بنظره نحو مليكة باستفهام صامت، فتنفست هي بعمق ثم بدأت تسرد ما يثقل صدرها، حين أبصرت الصغيرة وعلمت حجم الاضطراب النفسي الذي تعيشه، خصوصًا بعدما جلبها يزن إليهم، وما إن دخلت حتى بدا الرعب عليها واضحًا؛ ارتجفت بشدة حتى إنها لم تستطع التحكم بنفسها وابتل سروالها بالكامل وهي واقفة خائفة كطائر صغير وقع في قفص المجهول.
قالت مليكة بصوت مبحوح وهي تحدق في الطفلة:
-بتفكرني بنفسي، هو اه قصتنا مختلفة بس شعور الوحدة والخوف هيفضل واحد وهيفضل أوحش شعور ممكن أي طفل يحسه.
تنحنح زيدان بابتسامة صغيرة يحاول بها طمأنتها:
-بس يا حبيبتي هي أبوها وأمها عايشين، بس في شوية مشاكل وهتتحل، الموضوع بسيط.
لكن كلمات الطمأنة لم تصل إلى قلبها فانفجرت تبكي مجددًا وهي تقول بألمٍ مكتوم:
-لا مش بسيط، هما موجودين اه، بس ولا كأنهم موجودين غارقنين في مشاكلهم وسايبين بنتهم كده تحس بالخوف لوحدها، تفرق أيه عني لما أبويا مات وأنا صغيرة وبعدها أمي ماتفرقش حاجة يا زيدان، وحدة وخوف ومفيش حد يطبطب عليك ويريح قلبك...
صمتت لحظة تستجمع أنفاسها المتقطعة قبل أن تهمس بشرودٍ حزين:
-بابا مصطفى مقصرش معايا، بس مفيش بعد أب وأم حقيقين يكونوا حواليك ومعاك في كل خطوة، واهو بابا مصطفى اتجوز وكل فين وفين بيسأل عليا، وأنا مبقاش ليا حد.
اتسعت عينا زيدان بدهشة ممتزجة بالاستنكار، أمسك وجهها بين كفيه بقوة وقال بنبرة مفعمة بالملكية والحب:
-وأنا فين؟! أنا المفروض اكون كل حياتك، وبعدين أنا عيلتي عيلتك واظن انهم كلهم بيحبوكي وبيقدروكي لشخصك مش علشاني على فكرة، فإياكي تنطقي تاني كلمة ماليش حد دي تاني، انتي كده بتلغي وجودي.
ابتسمت وسط دموعها ثم ارتمت في حضنه تربت فوق ظهره بحنو أمومي، تهدئ من ثورته التي يعرفها قلبها جيدًا وهمست بنبرة خافتة:
-ربنا يخليك ليا ويديمك في حياتي يا زيدان، أنا كل اللي اقصده إن مفيش بعد الاهل الحقيقين.
طبع قبلة دافئة فوق وجنتها تبعتها قبلة أكثر حنانًا على جبينها، قبل أن يهمس بصوتٍ رخيم وهو ينظر في عينيها مباشرةً:
-أنا اهلك ودنيتك كلها، زي ما أنتي دنيتي كلها، أنا عشت عمري كله على ذكرياتي معاكي، قلبي مقفول بضبة ومفتاح مستنيكي، عشت عمري كله ندمان على لحظة ضيعتك فيها، كنت بتعذب ليل نهار في بعدك، وجودك غيرلي حياتي ونورها يا مليكة قلبي، لو بتحبيني اوعي تقولي الكلام ده تاني.
أخفضت عينيها بخجلٍ طفولي وارتسمت على شفتيها ابتسامة دافئة، وهمست وهي تمسح دموعها:
-يعني لازم اعيط عشان اسمع الكلام الحلو ده؟
ضحك زيدان بخفة ثم قال بلهجة متحسرة:
-كنت مجهزلك ربع رومانسي يجنن، بس بنت نوح قطعت على اللي خلفوني.
نظرت إليه مليكة بعتابٍ لطيف وربتت فوق وجنته:
-بلاش بصاتك دي، هي مش مجرم عندك مخبي عنك معلومة مهمة، دي طفلة...اقولك اعتبرها أنا وأستحملها.
نظر إليها ثم التصق بها أكثر غارقًا في تفاصيلها، وترك الطفلة جانبًا ثم همس بحرارة صادقة:
-أنتي مفيش زيك ولا بعدك، اتدلعي زي ما انتي عايزة يا مليكتي.
تركت مليكة الطفلة واتجهت نحوه تحتضنه بحنان، ملقيةً بكافة همومها عليه تشعر وكأنها تنعم بين أحضان رجلٍ لن تفقه سطور العاشقين في سرد حالته المهيم بها؛ رجلٌ يتقد شررًا للجميع عداها، رجلٌ له من الوجوه عدة، لكنها عنده وحدها تنهار حصونه ويظهر وجهه العاشق.
*****
دخلت حكمت الغرفة سريعًا وهي تغلق الباب خلفها متسائلة بفضول:
-ها بابا قالك إيه؟ وليه طالعة مش طايقة نفسك كده؟
نظرت إليها سيرا بحنق ولم تجب عليها فاكتفت بفترة صمت عقابي، عندها ضيقت حكمت عينيها بغيظ وهي تردد:
-انتي مخصماني يا بت يا سيرا؟
هزت سيرا رأسها بقوة وأجابت بنفس غيظ أختها:
-اه عشان زعلانة منك على اللي عملتيه فيا قصاد يزن امبارح، أنا يا ابلة ترفعي عليا العصاية، من امتى وانتي بترفعي عليا عصاية وبتضربيني؟!
نظرت إليها حكمت ببلاهة وأجابت وهي تتذكر:
-من تلات شهور لما خيبتي في عقلك وروحتي اشتريتي بلوزة بـ ٨٠٠ جنية.
زفرت سيرا بقوة وهي تقف أمامها معترضة على طريقتها وتعمدت تصحيحها:
-كنتي بتهوشي بيها وبعدين ده كله مواضيع عادية، لكن يزن يبقى موجود وانتي تتعمدي تضربيني، كده انتي بتقوليله يمسكني يضربني لما نتجوز طالما أنا متعودة على الضرب.
شهقت حكمت باستنكار حقيقي وارتسم شر غريب فوق ملامحها وهي تقول:
-ده أنا اقطع ايده لو فكر يلمسك لا هو ولا عيلته يا بت، وبعدين أنا كنت بهوشك بردو عشان تفتكري كلامي لما قولتلك بلاها حوار الشغل ده، وانتي راكبة دماغك.
تنهدت سيرا باستسلام فهي لن تستطيع مجابهة حكمت وإصرارها الرهيب على براءتها، وكأن جميعهم مذنبون في حقها:
-خلاص يا أبلة حصل خير، بس لو سمحتي خدي بالك من تصرفاتك قدام يزن، أنا مش عايزاه يستهون بيا.
-يا اختي اتنيلي ده الواد يا حبة عيني كان مرعوب عليكي ومكنش هاين عليه يمشي ويسيبك.
آه…مهما فعلت وقالت فلن تستطيع زحزحة يزن من عرش تفكير أختها؛ بحالته المادية والاجتماعية وشخصيته الفتاكة بينما هي بجانبه…لا شيء.
-اقعدي احكيلي بابا قالك إيه؟!
-مقالش كان زعلان مني عشان خبيت عليه، بس الحمد لله اتراضي ووعدته مش هخبيه حاجة تاني عليه أبدًا.
هزت حكمت رأسها في إيجاب بينما توجهت سيرا نحو أحد الأدراج لتفتحه وتضع به خاتم خطوبتها، إلا أنها فجأة تسمرت في مكانها ثم صرخت صرخة أفزعت من في المنزل وقالت بفزع:
-شبكتي فين؟ الدهب اللي كان هنا راح فين؟
****
جلس يزن بجانب نوح أمام المستشفى التي ترقد فيها يسر، وقد غمره صمت ثقيل كالجدران لم يتحرك ساكنًا منذ أن وصلا، واكتفى بالتحديق في الفراغ بندمٍ يثقل صدره وحسرةٍ تعصف بروحه، كأن عقله يعيد شريط أخطائه مرارًا، فظل هكذا حتى منتصف الليل، حتى لم تعد ملامحه تقاوم الإرهاق، وبينما كان غارقًا في شروده همس بصوت مكسور لا يكاد يُسمع:
-لينا مع مين دلوقتي؟
التفت إليه يزن بوجه متماسك وأجاب بهدوءٍ يخفف شيئًا من قلقه:
-عندي في البيت مع أهلى ماتقلقش واخدين بالهم منها.
زفر نوح تنهيدة طويلة وعاد ببصره نحو بوابة المستشفى، كأنه يريد أن يخترق جدرانها بعينيه ليطمئن على من أحب، انفصل عن العالم من حوله حتى كاد ينسى وجود يزن بجانبه لكن الأخير لم يتحمل طول هذا الصمت، فهز رأسه وقال بنبرة معاتبة جامدة:
-ممكن تقولي إيه وصلك للحالة اللي كنت فيها دي؟
ابتلع نوح ريقه بصعوبة وكأنه يحاول اقتناص أنفاس نقية من الهواء من حوله لكنه فشل؛ حلقه ضاق كأنه يختنق من داخله، أغلق عينيه واندفع عقله إلى الوراء يجره إلى اللحظة التي بدأ عندها كل شيء…إلى مواجهةٍ مع منير التي لم يكن مستعدًا لها.
★★
اطمأن نوح على يسر سريعًا من بعيد، نظرةً خاطفة من خلف زجاج سيارته التي صفها أمام البرج الذي تقبع فيه عياداته، قبل أن يهبط منها عابس الملامح، أراد أن يُظهر لها عدم اكتراثه ليثير غيرتها أو يستفز صمتها الذي بات يطوقه في الفترة الأخيرة، ثم اندفع نحو عياداته يحاول الغرق في عمله ليهرب من أفكاره المشتتة، لكن في منتصف اليوم…طرقت حسناء باب مكتبه ثم قالت بخفوت:
-في حد عايزك برة وبيقول عايزك ضروري.
رفع نوح رأسه دون اهتمام ورد ببرود:
-مين ده؟ دخليه ونبهي عليه مياخدش وقت عشان الناس اللي قاعدة من زمان برة.
هزت رأسها بالإيجاب وغادرت وما هي إلا ثوانٍ قليلة حتى فُتح الباب، ودخل منير بخطوات واثقة وابتسامة استفزازية كفيلة بإشعال شياطين نوح في لحظة وكأن وجوده يحمل معه لعنة غضبه، حاول أن يتمالك أعصابه أمام برود هذا المتبجح، لكن منير بدأ حديثه بنبرة هادئة تحمل خُبثًا واضحًا:
-السكرتيرة قالتلي متأخرش، وأنا فعلاً مش هتأخر هما كلمتين هقالهم وهسيبك تفكر.
عاد نوح بظهره إلى الخلف ثم ترك قلمه بإهمال على المكتب، وقال بملل متعمد:
-طيب بسرعة عشان أنا مابستحملش خلقتك دقيقتين على بعض قدامي.
ارتسمت على شفتي منير ابتسامة ساخرة وقال بتهكم صريح:
-ولا أنا وحياتك، ولولا إن الموضوع يخص يسر مكنتش جيت وشوفتك.
تشنج فك نوح وقبض فوق ركبتيه بعنف، ثم زمجر بخشونة مكتومة:
-وانت مالك بمراتي يا منير؟ مهما كانت درجة قرابتك ليها ماتوصلش أنك تيجي تكلمني في حاجة تخصها أصلاً..
اقترب منير خطوة وعينيه تتلألأ بنظرةٍ متحدية، ثم قال بنبرة قاطعة:
-لا يسر تخصني...تخصني كلها على بعضها مهما حاولت تمنع ده.
غلت الدماء في عروق نوح وصاح بغضبٍ متفجر:
-نعم يا روح أمك...انت بتقول إيه؟ هتبقى مبسوط وأنا بقوم بكسر المكتب ده فوق راسك اللي شبه البطيخة دي؟!
لم يزد منير إلا وقاحة وهو ينطق كلمته المدوية:
-طلقها.
شُل عقل نوح للحظة وتسمر مكانه ثم قفز واقفًا بعنف، وصاح مستنكرًا:
-اطلق مين يالا، أنت ليه مُصر تطلع أسوء ما فيا، منير أوعى تكون فاكراني دكتور محترم، لا ده أنا عليا النعمة أمر من أي بلطجي شوفته في حياتك....أنا غير آدامي يالا، فــــــوق.
لكن منير لم يتراجع ظل واقفًا ببرودٍ قاتل وقال بابتسامة متعالية:
-خليك متحضر يا دكتور يا محترم، أنا طلبي بسيط خالص، طلق بنت خالتي عشان انت من الآخر ماتستحقش جوهرة زيها، أنا أولى بيها منك.
لحظتها لم يعد نوح نفسه، كأنه مارد شرير تلبسه؛ هجم على منير كعاصفة، تراجع الأخير مذعورًا لكن يد نوح طالته قبل أن ينجو، ولسانه أطلق سيلًا من الشتائم القاسية على مرأى ومسمع الجميع، ارتفع صوت التحطيم في المكتب، كل ما وقعت عليه يده تحول إلى شظايا متناثرة، فقد كان جنونًا حقيقيًا جعل الجميع يهرب من طريقه ولم يجرؤ أحد على الاقتراب منه.
★★
عاد نوح من غياهب ذاكرته على صوت يزن المستنكر:
-وانت مش عارف تضربه فوق عياداتك؟ ما كنت تكسره فوق براحتك!
زم نوح شفتيه بغيظ شديد وقال بعصبية متقطعة:
-ابن الـ **** كان بيتعمد يفلت مني وينزل على تحت عندها وأنا مكنتش شايف قدامي يا يزن، أنت عارف يعني إيه جاي يقولي طلقها وأنا اولى بيها منك، وربي لو شوفتها بس قريبة منه لـ....
قاطعه يزن بتهديد صارم وهو يحدق في عينيه مباشرة:
-لـ إيه؟ انت ماتفكرش أصلاً تقرب منها خالص الفترة دي؟ سليم أخويا منبه عليا عشان لو جاله خبر إنك اتعرضلتها هو اللي هيقفلك، وهو ملصم أبوها بالعافية، وبلاش يا نوح تكسر كلمة سليم أخويا...عشان ده الوحيد اللي مضمنش رد فعله.
صمت نوح طويلًا ثم تنهد مستسلمًا، وانحنى رأسه وهو يهمس بصوت مبحوح:
-غصب عني لازم ابعد عنها الفترة دي، مش عايزاها تتعب أكتر من كده.
ولكن فجأةً انبثق في عقل نوح سؤالٌ كالصاعقة، مزق كبرياءه وأشعل فؤاده بلهيب الغيرة، فقد شعر وكأن قلبه ينكمش بين ضلوعه، ورغمًا عنه خرج صوته مترددًا أشبه بالهمس الذي أفلت منه رغمًا عنه:
-معقولة تكون متفقة معاه عشان اطلقها ويتجوزها؟
تجمد يزن لثوانٍ وحدق في صديقه بعينين تقرآن كل ما يعتمل داخله، ثم قال بجرأة ممزوجة بثقةٍ حاسمة:
-مظنش، يسر لو عايزة تهرب منك من زمان كانت هربت، هي بتحبك بس انت مالكش كتالوج في التعامل، عشان كده مش عارف توصل معاها لحل يرضيكوا.
أطرق رأسه في صمتٍ ثقيل عيناه معلقتان بظلمة الطريق الممتد أمام المستشفى، كأنهما تبحثان عن إجابةٍ بين ظلال الليل، وتمنى في أعماقه بكل ما تبقى فيه من قوة، أن يكون ظن يزن صحيحًا،
وإلا فإنهما على حافة غياهب الفراق الأبدي.
****
في اليوم التالي…
جلست سيرا منهكةً على الأريكة، وكأن روحها قد استنزفت بالكامل، التفت العائلة حولها جميعهم مجتمعون يبحثون بلا جدوى عن مجوهراتها المفقودة التي اختفت في ظروف غامضة، لقد كانت العيون متوترة والأنفاس متقطعة، حتى بدا المنزل كله وكأنه يغلي فوق صفيحٍ ساخن.
وبعد ساعاتٍ طويلة من البحث العقيم بدأ الهجوم ينصب عليها من كل اتجاه:
-انتي مهملة أصلاً، في حد يرمي دهبه في الدرج.
وأخرى تهتف بقلق ولوم:
-يعني يا سيرا مش عارفة تحطيهم تحت عن أبلة حكمت في الخزنة.
وأخرى تصيح بتوجس:
-دي تبقى مصيبة لو اتسرقوا هنقول لأهل خطيبك إيه بس؟!
كانت تلك الجمل تتناوب على أذنيها منذ ليلة الأمس، لم يغمض لها جفن ولم تعرف طعم النوم، أمضت ساعاتٍ تبحث في كل ركنٍ من أركان المنزل، تفتش الأدراج والخزائن تقلب أغراضها رأسًا على عقب، بينما الجميع يشاركها البحث…لكن دون جدوى.
كانت حائرة حتى الجنون عاجزة عن استيعاب ما يجري، هي لم تشك لحظة في أيً من أفراد عائلتها؛ فالجميع بالنسبة لها فوق مستوى الشبهات، لكن غموض الموقف كان ينهش عقلها، كيف اختفت الشبكة بهذه الطريقة المريبة؟ كيف تبخر الذهب وكأنه لم يكن؟
وبين كل لحظةٍ وأخرى كانت كلماتهم تلسعها كالسياط...مهملة…حمقاء… غير مسئولة، كأن الجميع اتفق على أن تحمل وحدها عبء هذه المصيبة!
ووسط هذا الجو المشحون، دوى رنين هاتف والدها ليقطع الصمت المتوتر، ارتبك قلب سيرا فهي ترى كيف بهت وجهه منذ أن علم بخبر اختفاء شبكة ابنته وكأنه فقد سنوات من عمره في يومٍ واحد.
رفع الأب الهاتف بيدٍ مرتجفة قليلًا وأجاب بنبرة ثقيلة متعبة:
-أهلا…يا أستاذ سليم...لا لا أبدًا صاحي اتفضل؟
ساد الصمت بين الجميع بينما كان يستمع بتركيز للطرف الآخر، عيناه تزدادان عبوسًا مع كل ثانية تمر، ثم أنهى الاتصال وهو يتنفس بعمق يحاول كبح اضطرابه، فبادرت حكمت بالسؤال بفضولٍ وقلق:
-في إيه يا بابا؟ ماله اخو يزن عايز إيه؟
نظر الأب إلى ابنته سيرا نظرة حاسمة ثم قال بصرامةٍ لا تحتمل الجدل:
-قومي البسي وخدي معاكي عبود وقاسم عشان سليم أخو يزن هيبعت عربية تيجي تاخدك وتروحي تشوفي شقتك عشان المهندس هيكون موجود هناك ويشوفك عايزة إيه؟
ارتبكت سيرا ولم تستوعب ما سمعته، أي شقة؟ أي مهندس ديكور؟ كيف يمكنها أن تفكر في تفاصيل كهذه بينما مصيبتها قائمة لم تُحل بعد؟ كاد عقلها يصرخ بالرفض، حتى همست في داخلها بحماقةٍ:
"طيب…ما تروح أبلة حكمت بدالي؟"
لكن يبدو أن همسها انفضح أو ربما كان هو نفس سؤال حكمت الذي خرج منها بصوتٍ مسموع ليُشعل غضب والدها فجأة:
-لا يا حكمت مش هتروحي معاها....
ثم تابع بنبرةٍ قاطعة حادة:
هتروح مع اخواتها الولاد صد رد وترجع، وكلكوا تفضلوا هنا تدوروا على الشبكة، لغاية ما نشوف حل في المصيبة اللي احنا فيها.
ساد صمت ثقيل في الشقة، لا يُسمع فيه سوى أصوات الأنفاس المتوترة، فقد كانت سيرا تشعر بأن الأرض تميد تحت قدميها، بينما قلبها يخفق بعنف، مزيجٌ من الخوف والارتباك يعتصر روحها، وكأنها محاصرة بين عيونهم المليئة باللوم ودوامة الحيرة التي لا تنتهي.
****
انتبهت إلى تململ أخويها عبود وقاسم في السيارة بل وصل بهما الحال إلى النفخ فالتفتت إليهما تسألهما بشك:
-هو انتوا دافعين حجز كورة؟
نفخ عبود بغيظ:
-اه ٢٠٠ جنية كل واحد فينا وراحت على الفاضي، ده أنا بحوش فيهم من الاسبوع اللي فات.
هزت رأسها باستسلام ساخر ثم قالت للسائق:
-لو سمحت اقف...
ثم التفتت إلى هذين المراهقين تخبرهما بفكرتها:
-انزلوا روحوا الحقوا وأنا هروح بسرعة اشوف المهندس، ولو بابا سألني هقوله أنكم سبتوني لما خلصت.
لمعت عينا الأخوين بحماس ولكن قال قاسم بتوتر:
-وينفع نسيبك لوحدك؟
ابتسمت إليهما وهي تمنع نفسها من الصراخ في وجهيهما:
-اه عادي، روحوا عشان أنا عارفة الكورة عندكم أهم من المياه والشرب، أهم مننا احنا عيلتكم.
فتح عبود باب السيارة وهو يقول بحماس:
-طيب كويس إنك عارفة، خلينا على اتصال.
غادر الأخوان إلى لعبتهما المفضلة بينما انكمشت في مقعدها بيأس، تنظر إلى الخارج بتوتر وخوفٍ نهش قلبها…كيف ستخبر يزن بذلك الخبر المشؤوم؟
****
كان يزن يغفو بسلام غارقًا في نومٍ عميقٍ بعد ليلةٍ طويلةٍ قضاها بجانب صديقه نوح، يحاول تهدئته والوقوف إلى جواره، اضطر في الصباح إلى العودة إلى منزله منهك الجسد مثقل الروح، فلم يتمكن من الذهاب إلى معرضه كعادته بسبب شدة إرهاقه وحاجته الماسة إلى النوم.
لكن هذا الهدوء لم يدم طويلًا…فقد شعر بأصابع صغيرة رقيقة تغزو وجهه تداعب ملامحه بشقاوة، حتى كادت أن تدخل فمه عنوة، فتح نصف عينيه بتثاقل ليبصر وجه قمر ابنة سليم الصغيرة، تتبسم فوقه ببراءةٍ مطلقة وخلفها يقف أنس ولينا يضحكان بحماسٍ صاخب، ابتسم رغمًا عنه وقبل قمر بحب وهو يجذبها إلى حضنه، ثم التفت إلى الصغيرين متسائلًا بنبرة استنكار ناعسة:
-مين جاب قمر هنا؟!
أشار أنس إلى نفسه بحماس وقال ببراءةٍ طفولية جعلت يزن يعجز عن توبيخه:
-أنا بعرف اشيلها وجيبتها هنا عشان تبتعد عن مامي عشان طنط سيرا فوق وماما بتعملها العصير وطالعة.
كاد يزن أن يغلق عينيه ثانية ويستسلم للنوم، لكن الاسم الذي انساب بسهولةٍ من بين شفتي أنس أيقظه من سباته دفعة واحدة، فارتفع جسده فجأة وهو يسأل الصغير بحدةٍ مموهة بابتسامة مصطنعة:
-طنط سيرا مين يا حبيبي اللي فوق؟
****
أما في الأعلى وتحديدًا في شقة يزن التي لم تجهز بعد، كانت سيرا تقف في مواجهة المهندس الذي جاء لوضع اللمسات الأخيرة على تصميم الشقة، لم تكن تسمع معظم ما يقوله؛ تكتفي بهز رأسها بإيماءاتٍ باردة، كمَن يوقع أوراقًا لا يقرأها، لم يكن ذهنها حاضرًا ولا قلبها متسعًا لأي حديثٍ عن ألوان الجدران أو تقسيم الغرف…فكل ما يشغل عقلها هو مصيبتها الكبرى...أين ذهبت شبكتي؟!
بعد مغادرة المهندس توجهت نحو سطح المنزل لتجري مكالمة قبل أن تهبط للشقة مجددًا تنتظر شمس ومليكة اللتان وعدتاها بعصيرٍ منعش، لم تستطع رفض طلبهما هذه المرة، خاصة بعدما رفضت نزولهما الأول معهما إلى شقة والدة يزن للجلوس هناك، فقد شعرت بالحرج الشديد منهن، وتفهمتا هيبتها للموقف فلم تضغطا عليها.
وقفت سيرا بجانب السور، تتأمل الأفق بعينين مثقلتين بالهم، ثم أمسكت هاتفها محاولةً الاتصال بأحد إخوتها للاطمئنان على مصير مجوهراتها، لكن الرد جاء نفسه كل مرة:
"لسه…ما ظهرش أي حاجة."
تنهدت بعمق، كمَن يبتلع مرارة الخيبة، حتى سمعت وقع خطوات شمس ومليكة تصعدان السلالم المؤدية إلى الشقة تبحثان عنها.
قالت مليكة بصوتٍ متوتر وهي تدخل تحمل أطباق الحلوى:
-الله هي راحت فين؟ معقولة تكون مشيت؟
التفتت إلى شمس بنظرة قلقة قبل أن تهمس لنفسها:
-لتكون زعلت من حاجة؟!
وقفت شمس أمام غرفة مجاورة وهي تدير بصرها فيها ثم قالت مترددة:
-ممكن تكون زعلت عشان يزن مكنش مستنيها...
كانت سيرا على وشك أن تطل من باب الشقة لتخبرهما بأنها ما زالت موجودة، لكن الكلمات الأخيرة جمدتها في مكانها، فقد توقفت أنفاسها وهي تسمع ثرثرة مليكة المندفعة بلا وعي:
-أصلاً لو يعرف كان زمانه واقف مستنيها من الصبح! سبحان مغير الأحوال بجد! مين يصدق إن ده يزن اللي كان مغصوب على خطوبتها…وقالب الدنيا حريقة عشان ميخطبهاش؟!
ارتجفت أنفاس سيرا وهي تقف صامتة كتمثالٍ حجري، كان وقع كلمات مليكة أثقل من خطواتها نفسها؛ كل حرفٍ منها نغز قلبها بمرارةٍ دفينة، كأنها لأول مرة تسمع حقيقةً لم تكن تجرؤ على التفكير فيها…
هل حقًا كان يزن مغصوبًا على خطوبتها؟!
هل كل ما ظنته إعجابًا بها كان مجرد سرابًا؟
اختلطت أنفاسها بحزنٍ مكتوم، وشعرت بأن الجدران من حولها تقترب أكثر فأكثر حتى كادت تخنقها.