تحميل رواية «بيت القاسم» PDF
بقلم ريهام محمود
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
مُحبي المره الأولى من كل شئ.. إليكم تلك الروايه. "زوجتك وكيلتي ريم أحمد عبد الحق على كتاب الله وسنة رسوله وعلى الصداق المسمى بيننا." "وأنا قبلت.." قالها كمال بهدوء وابتسامه بسيطه ترتسم على ثغره. انتهى المأذون من عقد القران بعد أن أعلنهما زوج وزوجه. تبادلوا المباركات والتهاني، فالكل فرح بالرغم من بساطة الحفل. ف "كمال" الأخ الأكبر يستحق أن تدق السعادة بابه من جديد. أما هي فكانت شارده بعالم أخر وكأنها تحضر عقد قران ليس لها. ليس وكأنها العروس وعلي شرفها يتم ذاك الاحتفال. شعرت بألم حاد في صدرها وهي ت...
رواية بيت القاسم الفصل الأول 1 - بقلم ريهام محمود
مُحبي المره الأولى من كل شئ.. إليكم تلك الروايه.
"زوجتك وكيلتي ريم أحمد عبد الحق على كتاب الله وسنة رسوله وعلى الصداق المسمى بيننا."
"وأنا قبلت.."
قالها كمال بهدوء وابتسامه بسيطه ترتسم على ثغره.
انتهى المأذون من عقد القران بعد أن أعلنهما زوج وزوجه. تبادلوا المباركات والتهاني، فالكل فرح بالرغم من بساطة الحفل. فـ "كمال" الأخ الأكبر يستحق أن تدق السعادة بابه من جديد.
أما هي فكانت شارده بعالم أخر وكأنها تحضر عقد قران ليس لها. ليس وكأنها العروس وعلي شرفها يتم ذاك الاحتفال. شعرت بألم حاد في صدرها وهي تعيد بذاكرتها كلام أبيها: "انتي الأحق بولاد اختك.. عايزه كمال يتجوز واحده غريبه تربى ولاده وتحرمنا منهم". وبمنتهي القسوه قالت أمها: "كام شهر وتمي التلاتين فُرصك في الجواز قليله اووي.. أرضي ياريم أرضى.. كمال جوز اختك عمرك ماهتلاقي زيه".
أفاقت من شرودها على صوت والدتها وهي تقبل وجنتيها وتبارك لها الزواج. وابتساماتها البارده كانت ترد بها على المباركات. وبعض الإطراء من الحاضرين يثنون على جمالها ورقتها وفستانها الهادئ. دارت بعينيها هنا وهناك. شعرت برجفه تحتل جسدها ودقات قلبها تدوي كالطبول حينما رأته. حبيبها السري وعشقها الوحيد الذي بات من المستحيل أن يرى النور. انشغلت بالتحديق به متناسيه من حولها. بينما الحبيب كان ومازال مشغول بأخرى.
***
نظراته الغاضبه لا تكف عن التحديق بها وبما ترتديه. فقد كانت مهلكة بفستان بنفسجي من الدانتيل تجاوز ركبتيها بإنشات قليله ضيق من عند الصدر فيترك للمخيله ما يكفي. انتفخت أوداجه من شدة غضبه. فالمدلله تجاوزت كل التعليمات وضربت بتحذيراته عرض الحائط.
"حنين.!"
انتفضت في مكانها كمن وخزته ابره. بينما قصف صوته كالرعد أجفلها. عضت على لسانها. والتفت تواجهه ببطء. اقترب منها ولم يعد يفصل بينهما سوى خطوتين. يشرف عليها بطوله الذي يفوقها بعده سنتيمترات مرتدياً قميص أسود وبنطال يماثله نفس اللون. تسائل بضيق من بين أسنانه:
"ايه اللي انتي لبساه ده.؟"
والمدلله حاولت ادعاء السذاجه. دارت حول نفسها لتبدو كالفراشه وبابتسامه شقيه هتفت:
"ايه رأيك.. حلو؟"
وتلك المره تنحى عن غضبه وتأملها بعمق. خصلاتها الكستنائيه تجمعها بربطه بسيطه على كتفها. محدده عينيها العسليتين باللون الأسود. ملامحها الرقيقه مزينه دون مبالغه. تعلقت نظراته على شفتيها الناعمتين.
"استغفرالله العظيم" هتف بها بداخله. فكل مره يتأملها تنحرف أفكاره ويتسائل عن مذاقهم. وجهها تغزوه حمرة الخجل من نظراته الجريئة. وهو لاحظ ارتباكها من نظراته. فعاد لصرامته.
"متستعبطيش وحياة امك.. ايه الارف اللي انتي لبساه ده؟!"
هو كاذب. يعلم أنه كاذب. وسكان الحي أجمع يعلمون أنه كاذب. اشتعلت غيطاً. لم تستطع أن تكبح جماح لسانها فهتفت بشراسه:
"ارف؟ بأي حق اصلا بتكلمني عن لبسي.. وبعدين انا ف البيت وكل الموجودين هنا قرايبنا."
ومدللته الصغيرة تسأل بأي حق. هي تعلم أنها حقه وملكه. هي له فقط.
"حنين متستفزنيش اكتر من كده اطلعي غيري الفستان ده وعدي ليلتك احسنلك."
ردت بِعناد:
"ولو مغيرتوش؟"
"يبقى هتطلعي ومش هتنزلي تاني."
وبحاجب مرفوع وابتسامه ماكره زينت ثغره أكمل:
"وانا عايز كده بصراحه."
برقت عينيها الذهبيتين وهدرت بغيظ:
"انا استأذنت جدي وهو موافق ع الفستان بتاعي."
وهنا اشتعلت نظراته غضباً. فهو وحده المسؤول.
"بلا جدك بلا بتاع.. جدك ملوش دعوه.. انتي مسؤوله مني انا.. وأنا بس اللي احدد تلبسي ايه وايه الممنوع انك تلبسيه.. وانتي عارفه ان فستانك ده ممنوع ف عقابا ليكي ياحنين هتطلعي ومش هتنزلي تاني."
ضربت قدميها بالأرض غاضبه.
"انا زهقت من تحكمك فيا.. وأنا هقول لجدي ع كل اللي بتعمله معايا."
وبخطوات سريعه غاضبه تركته واتجهت صوب الدرج الداخلي للمنزل وهي تتمتم بكلام غاضب غير مفهوم.
وهو ابتسامه ساخره منتصره على ثغره. "الحلوه" سهلة الغضب سريعة الاشتعال. وهو يود أن يراضيها بطريقته التي لطالما حلم بها. ولكن هانت. بالغد سيتحدث مع جده عن شأنهما.
***
على طاوله مستديرة مزينه بمفرش من الساتان الأبيض مزركش بورود زرقاء، جلست نيره أخت العريس تجاورها يارا بنت عمتها وبذات الوقت اخت زوجها. زوجها الغائب! وهي اعتادت غيابه واعتادت ع إلقاء تبريرات لمن يسأل عن غيابه. واليوم يبدو أن تلك واختها الجالستين امامها لن يتركونها بسهوله.
"هو زياد مش جاي ولا ايه يانيره؟ ده الحفله قربت تخلص!!"
سألت إحداهما بخبث ونظراتها تشتعل بالشماته.
رسمت ابتسامه بارده على شفتيها واجابت بهدوء يناقض النار المستعرة بداخلها.
"عنده شغل انهارده كتير.. مش هيعرف يجي."
غمزت شقيقتها بعينيها وهي تضحك.
"اه طبعا شغل.. ياحرام زياد بيتعب اووي ف الشغل.. ربنا يديلو الصحة."
أطرقت رأسها ومازالت ابتسامتها البارده مرسومه علي وجهها ومن داخلها كانت تغلي كالمرجل. بينما علت ضحكاتهما الخبيثة ونظراتهما الشامتة.
***
"الحب لا يجمع المتشابهين، الحب يجمع المختلفين دائماً، كاثنين بينهما فارق في العمر، أو أحدهم يعشق الاهتمام وآخر يحتويه البرود، أو قد تغير نفسك من أجل شخص بينما هو لا يغير ساكناً، اثنين أحدهما له ماضٍ والآخر يحب لأول مرة."
كان قد خرج من الحمام للتو يرتدي فقط بنطال خفيف بينما ترك جزعه العلوي عاري. وقف أمام المرآة يتفحص ملامحه واصابعه تمشط خصلات شعره المبتله. أما هي فكانت جالسه على طرف الفراش تنتظره. بنظرات تائهه راقبت قطرات الماء وهي تتدلي من خصلاته السوداء على وجهه. وذقنه النامية والتي زادت من حدة ملامحه. تأملت بشرود جسده المفتول وملامحه الغاضبة دوماً. انتبهت على حالها وشرودها حينما قطعها بصوته الساخر.
"ها خدتيلك كام صوره.!"
ارتبكت قليلا فمسحت على الفراش بكفيها. في محاوله يائسة لمداراة خجلها. همست بخفوت:
"أحضرلك العشا..؟"
"لأ.."
ثم وكأنه تذكر شئ. تحرك من أمام المرآة. واقترب منها خطوة تلو الأخرى. سألها بحده وهو يدقق النظر بعينيها.
"انتِ وجدي كنتو قاعدين مع بعض بتتكلمو في ايه في الحفله؟"
قطبت حاجبيها بحيره. وقالت:
"مفيش كنا بنتكلم عادي."
اصطكت أسنانه ببعضها البعض غيظاً من تلك التي تدعي الغباء أمامه. مال عليها وانفاسه الساخنة تحرقها.
"عايزه تقنعيني أن كلامك معاه كان عادي.. ولا ياحرام كنتي بتشتكيله وبتعيطيله م الراجل الظالم اللي جوزهولك..!"
وبالفعل نجح باستفزازها. وبعض من كبرياء متبقي لديها هدرت بتمرد وعيناها تحدق بسواد عينيه.
"قولتلك مفيش، كلامنا كان عادي.. ليه يا أكرم مصمم تفتح في موضوع مش عايزه اتكلم فيه."
وردها كان تحدي و تمرد رآه في نظراتها وأحس به ف نبرتها فقرر وأده في مهده. لحظه.. لحظه واحده كان فيها يرتدي ابتسامته الخبيثه. وسؤال ليس بوقته ولكن سأله ليتعمد به إذلالها.
"وصلتي لأمك واخوكي الشهريه؟!"
وان كان الهدف كسر شوكة تمردها الحديث فقد أصاب الهدف فلم يخفى عليه نظره الحزن التي رسمت بمقلتيها ولكنه تجاهلها. رغم تأثره بها ولكنه تجاهلها. وباطنه لن تكون هي الضحيه بل هو.
أغمضت عيناها بشده تحبس دموعها بصعوبه. ابتلعت تلك الغصه الحارقة بحلقها وقالت بمرارة.
"وصلت.. كتر خيرك."
ترك لعيناه حرية التأمل بجسدها الشبه عاري أمامه. كانت ترتدي غلاله قصيره من الستان بحمالات رفيعه وفتحه واسعه من الامام. اقترب منها أكثر حتى التصق بها. عيناه تلمعان ببريق تحدي يريد أن يرى مدى تأثيره عليها وإن كانت تجرؤ على رفضه.
اطبقت جفنيها بشده وأشاحت بوجهها عنه. بينما جسدها كله يرتجف بين يديه. ابتعد برأسه عنها قليلا. وأصابعه تتلاعب بحمالة قميصها. رفعت نظراتها اليه فرأته ينظر بعمق إليها. كانت نظرات مبهمه. لم تفهمها بالأساس أكرم كان رجل صعب الفهم بالنسبه إليها.
ومثلما اقترب فجأه ابتعد كذلك. تحدث بلامبالاة وكأنها لاتأثر به.
"روحي نامي جمب ملك انهارده انا مش محتاجك..!"
***
راقبته بينما كان هو يوليها ظهره. قامته المشدودة. شعره البني المصفف بعناية من منابته. طوله الفارع وجسده المشدود. تنحنحت بحرج وهي تراه يخلع سترته السوداء ليظهر قميصه ناصع البياض. التفت إليها وابتسامته الهادئة تزين محياه. بضيق تخلص من رابطة عنقه وألقى بها باهمال على كرسي طاولة الزينة. تحدث بمرح محاولاً تلطيف الأجواء.
"أنا مش عارف الكرافتات دي لزمتها ايه غير أنها بتخنق..؟"
والإجابة كانت صمتها وتوترها الملحوظ. ثم تابع بضحكه خفيفه.
"أنا اساسا مليش ف البدل والكلام ده.. بس قاسم هو الللي حكّم رأيه أني البسها."
شعرت برجفه في قلبها حين نُطق بأسمه. ولكنها ظلت صامته وتوترها كان سيد اللحظة. صمتها ورأسها المحني ونظراتها الخجلي أعطته الفرصه كي يدقق بها وبفستانها الابيض الباهت. فستان رقيق من الشيفون ضيق من عند الصدر مروراً بالخصر لينزل باتساع يغطي ساقيها. خصلاتها البنيه متجمعه على إحدى كتفيها. أكمل متأملا ملامحها الرقيقة وبشرتها البيضاء المشربة بحمرة طبيعية. وتلكأ بالنظر لشفتيها المصبوغة بلون وردي. حك مؤخرة رأسه وابتسامه بلهاء مرسومه على تقاسيم وجهه. ما له متوتر هكذا وكأنه لأول مرة سيتزوج. فهو لم يكن متوتر هكذا مع خديجة رحمها الله. هتف متأملاً إياها بعمق.
"تحبي أساعدك..؟"
وأشار بحاجبيه على فستانها. تضرج وجهها بحمره قانيه لتهمهم بخفوت.
"لا شكرا.. مش مستاهله."
والخطوة الأولى كانت ولابد أن يبدأ هو بها. اقترب من الفراش وجلس بجوارها محاولاً أن يمسك بكفيها. وما أن جلس بجوارها حتى انتفضت من مكانها وكأن لدغها عقرب. كانت دقات قلبها تدوي كالطبول. تقسم بأنه يسمع نبضاتها المتسارعة.
"كمال احنا لازم نتكلم الأول."
ضيق عينيه بتركيز وعلامات التساؤل احتلت ملامحه.
"هنتكلم في ايه دلوقتي؟"
ابتلعت ريقها بخوف، برقت عيناها بوميض دمعٍ الا أنه ابتلعته مجيبه بتلعثم.
"انا أهلي غصبوني ع الجوازه دي."
تسمر في مكانه كمن صعقته كهرباء. شعر بالحرارة تجتاحه بينما يشتعل غضبا. زعق بها.
"نعم.. جايه تقوليلي دلوقتي انك اتغصبتي ع جوازك مني..؟"
ثم صمت لحظه وتابع بصوته الغاضب.
"وبعدين اصلا انا سألتك وخدت رأيك وانتي سكتي..؟"
همست بحزن وهي تنظر اليه من بين غلالة الدموع التي غطت مقلتيها.
"سكت عشان كنت مغصوبه."
توسعت عيناه من الصدمه.
"فكرتك سكتي عشان مكسوفه."
دموعها كانت تهطل كالمطر. ضغطت على فمها وقالت بصوت مبحوح من أثر البكاء.
"انا فعلا كنت مكسوفه احرجك واعرفك اني رفضاك."
ارتفع الدم إلى رأسه. وكرامته تأبى أن يكون مرفوض.
"تحرجيني.. ورفضاني؟!"
أظلمت عيناه وتابع بنيران فشل في اخمادها.
"بس للأسف احراجك ورفضك خلاص مبقوش ينفعو دلوقتي لأننا بالفعل اتجوزنا..!!"
احمر وجهها بشده من شدة بكاؤها. ربتت بكفها الصغير على صدرها محاوله استعطافه.
"كمال انا طول عمري شيفاك اخويا الكبير.. مش هقدر والله العظيم ما هقدر اشوفك غير كده."
مسح كمال صفحه وجهه بحده. اقترب منها وقال بغضب.
"انتي يابت انتي عارفه انهارده ايه.. انهارده دخلتناا.. فاهمه ولا حكايتك ايه."
"انا هعيش معاك هعيش عشان ولاد خديجه هربيهم واراعيهم وهعملك كل طلباتك غسيل وترويق وهدوم .. اكتر من كده مش هقدر."
كان يشتعل غيظاً وغضباً. أعطاها ظهره دقيقه. دقيقتان. مسح بأنامله على لحيته الخفيفة مستغفراً. ثم استدار إليها. جاهد في أن تبدو نبرته هادئه. وقرر أن يحافظ على ماتبقى من كرامته. تحدث بجمود.
"متعيطيش ياريم.. مش انا الراجل اللي يرمي نفسه ع ست مش عيزاه.. ولا انا اللي هغصب واحده ع حاجه هي رفضاها."
ثم استرسل بحديثه وهو يتجه ناحية باب الغرفه. وبنصف التفاته من رأسه رمقه بخيبة أمل.
"الولاد بايتين تحت عند أمي.. انا هنام ف اوضتهم والصبح نبقى نشوف النظام هيمشي ازاي."
***
"أختر من يحبك وليس من تحبه."
وهي لم تفهم الحكمة جيدا لتسير خلف قلبها واختارت من تحبه بل تعشقه. حب الطفولة وحلم المراهقة وفارس الأحلام. وكأنه الرجل الوحيد ولا يوجد سواه. ابن العمة الوسيم متعدد العلاقات. هي من أحبت. هي من اعترفت بحبها له وانتظرت أن يبادلها الاعتراف ولكن طال الانتظار. حتى بعد أن تقدم لخطبتها بمبدأ انه أولى بأبنة خاله من الغريب. كانت تنتظر ولازالت تنتظر.
شردت أمام مرآتها تتأمل حالها شحوب وجهها وذبولها والهالات تحت عينيها السوداويتين وأناملها تمسد خصلاتها السوداء القصيرة بشرود وتيه.
كالعادة تأخر. تعلم بعلاقاته ولكنها اجبن من أن تواجهه. المواجهة معناها انفصال وهي لاتقوى على البعد. كل مره تعلم بعلاقة من علاقاته تبكي لوالدتها وتشكول. تجيبها الأم: "بكره ربنا يهديه". وفي إحدى المرات قد طفح الكيل من تصرفاته، وفاض بها. وكالعادة زجرتها الأم وهي تقول إحدى كلماتها المعتادة: "المهم آخر اليوم بيرجع لحضن مين".
أفاقت من شرودها على أزيز هاتفها معلناً عن وصول رساله نصيه فتحتها لتصدم بمحتواها.
"جوزك معايا."
رواية بيت القاسم الفصل الثاني 2 - بقلم ريهام محمود
كانت تجلس أمامه، تضع ساقًا على ساق، ويبدو أنها بانتظاره. من احمرار عينيها، يتضح أنها لم تنم. ونظراتها المشتعلة توحي بأن جرعة النكد اليومية ستبدأ ما إن يقول "صباح الخير".
اقترب منها وأهداها قبلة خفيفة على كتفها العاري.
"صباح الخير يا حبيبتي."
واحد.. اثنان.. ثلاثة.. وها قد بدأت وصلة "العكننة" كما يدعي.
"كنت فين؟"
"آه وصلة النكد بتاعته كل يوم أهي." هز كتفيه بلا معنى. تأفف بنزق.
"كون فين يعني؟ كان عندي شغل وسهران عليه." ثم تابع للتأكيد والمزيد من "البجاحة".
"ولو مش مصدقاني ابقى تعالي اسهري معايا في المكتب."
قالت نيرة بعتاب خفيف ونبرتها قد شابها حزن طفيف:
"هو أنا لما بكون قلقانة عليك واسئلك عشان أطمن، يبقى كده بنكد عليك؟ والمثل يقول: 'خدوهم بالصوت'."
علت نبرة صوته وتحدث من بين أسنانه بعصبية:
"لأ مش قلق.. ده شك.. وبصراحة ابتديت أتخنق. وبعدين انتي عاوزة إيه أكتر من كده؟ سبت كل حاجة وأول ما جدي قال إننا نتجوز، معترضتش. واللي أنا أعرفه إنك كنتي بتحبيني.. متهيأ لي المفروض تكوني مبسوطة وراضية بأي حاجة."
قالت وقد تحشرج صوتها:
"اتجوزتني عشان جدي بس؟!"
أغمض عينيه وزفر أنفاسه ببطء، محاولاً تهدئة نفسه. وقد كساه الندم من انفعاله غير المبرر.
"لأ أنا بحبك." ثم تابع بتحايل ونبرة متعبة:
"بلاش نقلبها نكد يا نيرة، الله يخليكي. أنا تعبان ومصدع وعايز أنام."
ثم دون مقدمات، انحنى برأسه إليها وطبع قبلة على وجنتها. وتركها واتجه صوب غرفة نومهم، وقد قام أثناء سيره بخلع قميصه ورميه أرضًا.
"حضريلي هدوم عشان آخد دش على السريع قبل ما أنام."
وإن كنت تريد معرفة الحقيقة، فاستمع للمزاح والانفعال. وإن كان نظر خلفه ليرى انكسار نظرتها.
***
كان قاسم يجلس أمام جده الذي كسى الشيب رأسه، في شرفة منزله. يفصلهما طاولة خشبية مستطيلة، عليها كوبان من الشاي، والذي قد قام قاسم بإعداده بنفسه ثم سكبه في كوبين من الزجاج، ووضع ورقتين من النعناع الأخضر في كل كوب.
كانا يتحدثان بشأن العمل. فبالرغم من أن قاسم لم يتجاوز الثلاثين بعد، إلا أنه منذ أن شب وصلب عوده، وهو المسؤول عن ورش النجارة وتصنيع الأثاث الخاصة بجده القاسم. جده الذي وثق به ثقة عمياء، وكيف لا يثق به وهو يرى حفيده قاسم شبيهًا له في كل شيء: شكلاً، طباعًا، واسمًا.
وبما أن حفيده المميز والمحبب إلى قلبه أعد له الشاي، فحتماً يريد شيئًا. والجد الماكر يفهم ويعرف ما يجول بخاطر الحفيد الغاضب.
ارتشف رشفة فأخرى من كوب شايه، ثم قال لقاسم بتلذذ:
"تسلم إيدك.. بتعمل شاي بيمزجني بجد."
ليهتف قاسم بصدق:
"أي خدمة يا جدي.. أنت تأمر بس."
ثم فتح فمه وأغلقه، وفتحه مرة أخرى في محاولة منه للكلام، ولكنه صمت. وقد انتبه عليه جده، فسأله:
"ها.. عايز تقول إيه؟"
وكأنه ضغط على زر، فبمجرد أن نطق الجد سؤاله، أجابه قاسم وعيناه مفضوحتان من اللهفة:
"بصراحة يا جدي.. أنا عايز أعرف انت هتكلم عمي عماد إمتى في موضوع جوازي أنا وحنين. أنا زهقت وكل ما أكلمك تأجل الموضوع."
قال الجد بهدوء وتفهم:
"قولتلك استنى أما حنين تخلص تالتة ثانوي، وساعتها هكلم عماد وأخليه ينزل عشان يبقى الموضوع رسمي."
زفر أنفاسه بضيق، ثم هتف بانفعال لم يستطع كبحه:
"وأنا لسه هستنى أما عمي ينزل من الكويت.. من يوم ما هو سابها وسافر وأمها رمتها واتجوزت، وانت المسؤول عنها." ثم لانت نبرته قليلًا وتابع بابتسامة جانبية شقية:
"وبما إنك المسؤول عنها، جوزها لي..!"
وكانت إجابة الجد ضحكة ولهجته شديدة الدهشة:
"أجوزها لك مرة واحدة.. طب قول حتى خطوبة."
"خطوبة إيه يا جدي.. ما إحنا يعتبر مخطوبين فعلاً."
"قولتلك استنى يا قاسم أما السنة دي تخلص، وساعتها نبقى نتكلم وأشوف رأيها.. يمكن مش عاوزاك."
قطب حاجبيه بغضب، وقد احتدمت نبرته:
"إيه اللي مش عاوزاك دي يا جدي.. أنت عايز تنرفزني وخلاص؟ من إمتى وكان رأي البنات مهم في حاجة زي دي؟"
قال الجد بلهجة غير قابلة للنقاش:
"أنا مش هغصب عليها يا قاسم، ولو هي مش عاوزاك.. أنا مش هضغط عليها."
مسح قاسم صفحة وجهه بحدة، ثم اقترب برأسه من جده:
"بس ده ما كانش كلامك ليا يا جدي.. من يوم يومها وانت وعدتني إنها لما تكبر هتبقى لي."
هتف القاسم الكبير بصدق:
"وأنا عند وعدي ليك يا قاسم.. بس أهم حاجة عاملها كويس وحاول تحتويها. حنين كبرت وعايزة حد يفهمها مش يشد عليها."
التقط قاسم أنفاسه براحة، ثم أمسك بكوبه وارتشف ما تبقى به من شاي. وتحرك مغادرًا بعد أن قبل يد جده.
ليستوقفه جده قائلًا بنبرة ذات مغزى:
"قاسم.. العصفور لما بيتخنق من صاحبه بيطير يا قاسم."
ليرد الآخر مطمئنًا بعد أن استدار بجسده وغمزة شقية من عينيه:
"متخافش يا جدي.. كله تحت السيطرة."
وبإشارة عسكرية، ضرب بأصابعه على جانب رأسه وهو يقول "سلام". ثم استدار وأغلق الباب خلفه.
***
في تمام الثانية ظهرًا، كان قاسم يقف أمام مدرسة حنين الثانوية. يميل بجزعه على دراجته النارية، مرتدياً قميص كاروهات أحمر اللون، يثني أكمامه حتى مرفقيه، وبنطال جينز أزرق. ويضع نظارته الشمسية السوداء فوق شعره.
نفث دخان سيجارته بملل، وكلام جده يتردد بذهنه بأنه سيضع بيدها الاختيار. ألا يفهم بأنها ملكه هي له فقط؟
رآها تخرج من البوابة الحديدية للمدرسة برفقة صديقاتها. لم تنتبه عليه إلى أن ناداها بصوت مرتفع. انتفضت على صوته، تلفتت حولها بحرج، وأعين البنات مصوبة عليه وعليها، وبعضهن تغامزن فيما بينهن.
تقدمت نحوه بخطى سريعة، وما أن وصلت إليه، سألته بغيظ وحرج:
"بتعمل إيه هنا يا قاسم؟"
رد بهدوء غير معتاد عليه، وهي أيضًا، بينما تزين شفتاه ابتسامة عذبة:
"مفيش.. كنت بقضي مصلحة قريبة من هنا.. وقولت أعدي عليكي أروحك في طريقي."
توجست من لطفه غير المعهود. قطبت حاجبيها وقالت:
"أنا عليا درس دلوقتي.. هروح مع أصحابي."
وهدوءه ولطفه لم يدم سوى دقيقة ونصف، بعد أن عادت عقدة حاجبيه مرة أخرى لتكتمل ملامحه المعتادة بها. سألها بضيق وغيظ ظاهرين في نبرته:
"والدرس ده من إمتى؟ مقولتليش عليه يعني؟"
والصغيرة ذات الثمانية عشر تتمرد. قطبت حاجبيها بعناد وقالت:
"المستر غير المواعيد.. ونسيت أقولك."
مسح على لحيته بكفه. أمسكها من معصمها ليسحبها إليه، وفي قانون قاسم أن يمسك بكفها فهذا يكون قمة الرومانسية.
"ممم.. هنبقى نشوف الموضوع ده بعدين.. تعالي اركبي ورايا هوصلك."
تأوهت بصمت من إمساكه بمعصمها. سحبت يدها من قبضته بضيق:
"لأ.. مش هاجي معاك.. أنا هروح مع أصحابي."
وأشارت عليهم، وهم كانوا بالفعل يتأففون من انتظارها.
وعيناه التقطتها على الفور تلك التي نبه وحذر من السير معها، فأشار بنظراته صوبها.
"مش قولتلك البت دي ما تمشيش معاها تاني؟"
أجابته بنزق:
"أنا مش ماشية معاها.. إحنا كلنا مع بعض."
ألقت جملتها ولوحت له منصرفة، تاركة إياه يرمق الأخرى بغضب.
بينما الأخرى كانت تضع هاتفها على أذنها تتمتم بصوت غير مسموع سوى للمتصل بها:
"لأ.. متجيش دلوقتي خلاص.. ابن عمها موجود!!"
وتظل الأنثى أنثى.. تريد الاهتمام، والتدليل، وكلمة "أحبكِ". وهو كان يجيد الاهتمام حد الاختناق والتدليل حد الإفراط.. دون أن ينطق بكلمة "أحبكِ". أليست أفعاله تغني عن نطقها؟ أو كما يقولون: الحب أفعال. وهو رجل أفعال.
***
"قصص الهوى قد جننتكِ.. فكلها غيبوبة وخرافة وخيال.
الحب ليس رواية يا صغيرتي بختامها يتزوج الأبطال."
في عالم الروايات الوردي، دائماً يكون فارس الأحلام وسيم كالامراء.. طويل كالحائط.. من عائلة أرستقراطية.. والعديد من مميزات لا تمت للواقع بصلة.
ولكن الوردية وجدته، بالضبط كما يقول الكتاب. والمميزات التي لا تمت للواقع تجمعت كلها فيه: وسامة.. طول.. وهيبة.. وألف فتاة تتمنى منه نظرة.
كانت تراقبه بخجل مراهقة على أعتاب الصبا. يجلس في أحد أركان النادي على طاولة دائرية موضوع عليها مفرش أبيض به نقط صغيرة حمراء. شعره بني فاتح مصفف جيداً، ذو بشرة حنطية وأنف أرستقراطي. أمامه قدح من قهوته المرة وسلسلة مفاتيحه، وبيده هاتفه.
يرتشف رشفة صغيرة من فنجانه، ثم يعيده بهدوء على الطاولة. وكان كل تركيزه منصب على الهاتف، وبأصبعه يمرر ويكتب، ويبدو أنه يتابع عمل مهم.
عينيها كانت شارده تتأمل تفاصيله، وقلبها يتغنى برؤيته، ويردد لسانها بهمس خافت اسمه: "عاصم".
"عاصم النجار".. شاب في مقتبل الثلاثين. رجل أعمال ناجح قد استطاع بذكائه ومهاراته أن ينهض بشركة والده المتوفي وأنقاذها من إفلاس مؤكد. ومنذ أن عرفته، ووقعت بحبه. وهي لا تكف عن زيارة حسابه الشخصي على الفيس بوك، وعرفت مواعيد ذهابه للنادي، ونوعه المفضل من القهوة، وبعض تفاصيل أخرى.
واليوم اكتفت من مراقبته وقررت مقابلته. وبمعظم رواياتها الرومانسية، في أول تعارف للبطل والبطله: اصطدام، ثم اعتذار، ثم نظرة، ثم حب.. والخ.. والخ..
ومجرد تخيلها وهي تستند بكفيها على صدره وذراعيه القويتان تحاوطان خصرها، أنعش قلبها واحمرت وجنتاها خجلاً.
وأخيراً انتهى من قهوته. نهض مغادراً، بعد أن سحب مفاتيحه ولا يزال هاتفه بيده يتفحصه غير منتبه لما حوله. والوردية يفصلها عنه خطوات. وكلما اقتربا، كلما زادت خفقاتها، وزاد ارتباكها. ومخططها للاصطدام به برقة لم يفلح، لأنها بالفعل تعثرت خطواتها.. وخطوة فأخرى ارتطمت بصدره بقوة.
أسندها بإحدى ذراعيه، وصوت ارتطام هاتفه بالأرضية أفسد اللحظة المنتظرة. ونظرة الحب استبدلت بأخرى غاضبة. والاعتذار وجملة "أنتِ كويسة؟" استبدلت بنبرة مشتعلة غيظاً وصوتاً مرتفع:
"مش تفتحي يا عا**!"
***
قرابة الساعة يجلس على إحدى ركبتيه أمام الفتاة التي اصطدم بها، يحاول تهدئتها. فبعد أن اصطدم بها.. وهي تبكي. ساعة كاملة تبكي، ولسان حاله يقول: من أين تأتي بهذا الكم من الدموع؟
والعديد من الأشخاص ملتفين حولها. سيدة بعمر والدته تربت على كتفها بحنو:
"اهدي يا حبيبتي.. متعمليش ف نفسك كده."
وصوت خشن من رجل يقف خلفها يتساءل بحمائية:
"هو لمسك ولا ضايقك في حاجة؟"
ليهتف عاصم بدفاع عن نفسه:
"ما تحترم نفسك.. انت بتقول إيه؟ دي هي اللي خبطت فيا وكسرت موبايلي."
تبكي بنحيب عالٍ، وكان بكاؤها الحل الأمثل للهروب من غضبه وحنقه. يداها معقودتان، وخصلاتها المبعثرة من ارتطامهما تغطي وجنتيها.
زفر بضيق بعد أن مسح وجهه بحدة وغيظ، ليردف بسخرية محاولاً إنهاء الموقف:
"خلاص يا آنسة.. أنا آسف إن انتِ خبطتيني وكسرتيلي فوني اللي كان عليه كل الـ projects وworks files."
ومثلما بكت، فجأة هدأت فجأة. وبلهفة مفضوحة بنبرتها:
"بجد يعني.. انت مش زعلان؟"
ليجيب بدهشة ممزوجة بسخرية من تبدلها السريع:
"لأ خالص."
كفكفت دمعاتها، والتفت برأسها لمن حولها، وقالت:
"خلاص يا جماعة.. حصل خير.. كان سوء تفاهم واتحل."
وكأنهم كانوا ينتظرون ردها، فبمجرد أن قالت جملتها، انفض الجمع من حولها. لتبقى هي مقابلة.. وعيناها الخضراء أسيرة عيناه.
"أنا آسفة بجد." وأشارت بعينيها على هاتفه الملقى أرضاً.
"مكنش قصدي والله."
ونبرتها كانت مليئة بالاعتذار والخجل. وعاصم "جينتل مان".. ومن المستحيل أن يحرج فتاة كالقمر مثلها، تمتلك شفتان كرزيتان وخصلات عسلية وعيناها خضراء كالعشب. واللمعت عيناه واستيقظت روحه الماجنة والعبث احتل ملامحه ونظراته وصوته، ليقول:
"مش نتعرف برضه."
والوردية بريئة، ولم تفهم عبثه ومكر سؤاله. ودقات قلبها زادت خفقان. وأحمرت وأصفرت وارتبكت وفركت كفيها بعضهما البعض بشدة.
إجابتها جاءت متلعثمة مترددة:
"أمنية.. اسمي أمنية."
واستغرب من ترددها وتوترها الباديان. كان مجرد سؤال لم يستدعي كل هذا الارتباك. ولكنه نفض استغرابه وأكمل تعارفه وعيناه تدقق النظر بها وبشفتيها:
"وأنا عاصم.. عاصم النجار."
رواية بيت القاسم الفصل الثالث 3 - بقلم ريهام محمود
رواية بيت القاسم الفصل الرابع 4 - بقلم ريهام محمود
ياجدي.. أخبر حفيدك ألا يحاسبني على ما أرتديه، فبنات عمي وأخته يرتدون ما يريدون دون أن ينتبه عليهم أحد!
قل له ألا يمرر لي الطعام على المائدة، وألا يطعمني الحلوى التي أحبها بيده..
فجميعهم يظنون أن بيننا علاقة.
أخبره أن يكف عن ملاحقتي، فصديقاتي يتغامزون فيما بينهم.
وإن عاتبته يصطنع البراءة وهو يقول "صدفة"!
وألا ينتظرني صباحًا كل يوم ليسألني بلهفة "كيف حالي".
أخبره عني أن حالي أفضل من حاله.
أخبره أن يتركني وشأني، لا دخل له بمن أرافق أو ماذا أدرس أو متى أعود من دراستي.
وألا يتدخل في أموريَّ الخاصة، فلقد سئمت تحكماته وأوامره.
فأني أحب أن آخذ أموري دون الرجوع إليه، وإن اعترضت قاطعني بنبرته الصارمة "لا أكرر كلمتي مرتين. انتهينا".
أخبره أن يكف عن مناداتي بصغيرتي، فأنا لم أعد صغيرة.
فليتوقف عن معاملتي كطفلته.
أخبره ألا يهتم بي مطلقًا، فأنا لست بحبيبته!
***
في العشق مهمة هي التفاصيل.. تلك التفاصيل الصغيرة!
ومن غيره مهتم بالتفاصيل، محب لكل تفاصيلها ويحفظها عن ظهر قلب.
كان قاسم يجلس على إحدى الأرائك الوثيرة بمنزل جده.
تجلس بجانبه يارا ابنة عمته وفي نفس عمر حنين.
حنين التي تجلس أمامه تمسك هاتفها بيدها ويدها الأخرى تضغط بها عليه.
ومن نظراتها المركزة على الهاتف وملامحها الشغوفة وابتسامتها الحالمة يبدو أنها تكتب شيئًا مهمًا أو تراسل إحداهن.
ويارا أكلت رأسه بحديثها الذي لا ينتهي.
فياارا أيضًا ممسكة بهاتفها تطّلع معه على الموتورات الحديثة والسيارات تثرثر وتعرفه بإمكانيات هاتفها الحديث وأشياء أخرى لم ينتبه لها.
فكل تركيزه كان مع تلك التي تجلس قبالته.
زفر حانقًا متجاهلاً يارا وحديثها.
ليضرب بأصبعيه على الطاولة الصغيرة الفاصلة بينه وبين حنين يقول باستياء.
- أنتِ بتعملي إيه.. ولا بتكلمي مين أنتِ؟
هزت حنين كتفيها بغير اهتمام.
- مفيش.. بتصفح عادي يعني.
مد يده على طول المائدة وقال بصوته الخشن.
- وريني كده بتعملي إيه.
رفعت هاتفها بعيدًا عن يده.
وقالت بتذمر.
- الله وانت مالك أنا بعمل إيه.
تدخلت يارا في الحديث وقالت بتسلية وهي تلاعب حاجبيها لحنين.
- أقولك أنا ياقاسم بتعمل إيه.
أدار رأسه إليها فاهتم وسألها.
- بتعمل إيه؟
اقتربت منه برأسها وكأنها ستقول له سرًا حربيًا.
أخرجت لسانها لحنين وقالت مغيظة لها.
- بتكتب رواية.
ارتفعا حاجباه دهشة والتفت إليها.
وبسرعة البرق كان يختطف منها هاتفها ويقرأ ما به.
نهضت حنين من مكانها وبحنق وغضب طفولي اقتربت منه وضربته على كتفه وحاولت أن تمسك بهاتفها ولكن قد سبق السيف العزل بالفعل.
وها هو يقرأ ما تكتبه بتركيز واهتمام.
- هقرأه وأقولك رأيي.
قوست فمها بحزن وتمتمت.
- لأ انت هتتريق عليا وع اللي كتباه.
وبضجر أجابها وعيناه مرتكزتان على الهاتف.
- قولتلك هقرأ وأقولك. خلاص بقى.
كان يضيق عيناه بتركيز شديد وكأنه يحل مسألة حسابية صعبة.
ملامحه غامضة.
فجأة انعقد حاجباه وارتسم الشر على ملامحه الرجولية.
ليرفع نظراته المشتعلة إليها ويتساءل مستفهمًا غاضبًا.
- مين قصي ده؟!
وأجابته كانت بسمة.
بسمة بسيطة حالمة وردية.
تنهدت ثم قالت.
- ده البطل بتاعي.
وكأن التبسنه قبيلة من العفاريت.
جعد بين حاجبيه أكثر وترك الهاتف جانبًا.
وقبض فجأة على ذراعها وهو يزعق.
- بطل على نفسه.. يعني إيه البطل بتاعي دي!
تأففت بحنق.
- بطل الرواية ياقاسم.
كز على أسنانه وتحدث بعصبية.
- وليه قصي يعني.. ليه يعني البطل بتاعك ميبقاش اسمه أي اسم... مثلاً قاسم... مثلاً يعني.
مطت حنين شفتيها غيظًا.
- قصي اسم حلو ويشد اللي بيقرأ.
وهنا ارتفع ضغطه.
وكور قبضته وهتف بنفاذ صبر.
- ياسلام ما قاسم اسم حلو ويشد اللي هيقرا.
ثم أكمل كلامه بأمر ونفاذ صبر وهو يناولها هاتفها.
- غيري اسم البطل خليه قاسم يللا.
عقدت ذراعيها.
أخذت شهيقًا طويلاً واحتبسته داخل صدرها ثوانٍ ثم أخرجته دفعة واحدة كي تهدأ.
سألته.
- طب إيه رأيك ف اللي أنا كتباه.
وقاسم مواليد برج الثور.
ويحمل كل صفات الثور.
وكالثور أجابها.
- زي الزفت.
اتقفلت خلاص مش عايز أكمل.
ثم تحرك من مكانه واقفًا أمامها بجسده المفتول وهو يقول باستياء وامتعاض.
- قال قصي قال والبطل بتاعي قال.. دانتي مشفتيش بربع جنيه تربية.
كانت يارا تضع كفها على فمها لتكتم ضحكتها.
وما أن تحرك قاسم وتركهم.
حتى انفجرت ضاحكة.
لتمسك حنين بأحد الوسائد الصغيرة وتقذفها بها بغيظ.
***
كان القاسم الكبير يجلس على كرسيه المفضل له بالمنزل بجانب المكتبة الخشبية.
وفي يده كتاب تفسير للقرآن الكريم.
مندمجًا بقرائته.
تجلس بجواره نورهان زوجة حفيده "أكرم" صامتة بعد أن تبادلا الأحاديث بينهما.
انتفض من جلسته كمن مسته كهرباء.
على صوت حفيده الخشن والغاضب دوماً.
- ياجدي..
ناده قاسم قبل أن يجلس قبالته على كرسي خشبي جانبي.
- بسم الله الرحمن الرحيم.. يابني حرام عليك.. أنا راجل كبير مش حمل إنك تخضني كل شوية بصوتك ده.
ضحكت نورهان بخفة وزفر قاسم وقد نفذ مخزون الصبر لديه.
سأله بعصبية وقلة تهذيب بعد أن ألقى السلام على نورهان.
- كلمتلي عمي عماد ولا لسه ياجدي.
مححت نورهان بحرج ونهضت من مكانها.
وقالت.
- هروح أجيباكو الشاي.
أومأ لها الجد سامحًا لها بالانصراف.
ثم قال بتفهم وسياسة.
- مش أنا قولتلك اصبر أما السنة تخلص!!
ارتفعت نبرته.
وثار داخله واقترب بجزعه من جده وقال بحده.
- لا السنة طويلة ياجدي وأنا تعبت وأنا بستناها.. كلملي عمي عماد يللا وهي كده كده موافقتها بالنسبالي تحصيل حاصل.
قال الجد بضيق بادٍ بنبرته.
- يعني إيه تحصيل حاصل.. قاسم انت عارف إن لو حنين قالت لأ كلمتها هتمشي!
بغضب مكبوت ونبرة منخفضة تحدث ضاغطًا أسنانه بعنف.
- مفيش حاجة اسمها لأ.. أنت وعدتني بيها زمان وأنا صدقتك.
اقتربت نورهان من جلستهم تحمل بكفها صينية فضية صغيرة عليها كوبين من الشاي كان معدًا مسبقًا.
تحدثت بابتسامتها البشوشة.
- اتفضل ياجدي.. الشاي زي ماحضرتك بتحبه..
وناولته الكوب وامسكته بين يده.
ثم وجهت كلامها لقاسم وابتسامتها الناعمة الجميلة مرتسمة على ثغرها.
وضعت أمامه الصينيه وفوقها كوب الشاي خاصته.
- الشاي ياقاسم.
أجابها سريعًا بضيق.
- شكرًا يانورهان.
ثم استأذنتهم بالمغادرة.
أنهى قاسم كوبه الساخن بعدة رشفات متتالية.
ثم قال لجده.
- ها.. هتكلم عمي عماد أمتى بقى ولا أروح أكلمه أنا.
ضحك جده.
وضرب كفًا بكف من تصرفات حفيده.
- يا قاسم.. أنت مفيش منك رجا والله.. الله يكون ف عونها وفي عوني.
لانت ملامح قاسم قليلاً وخفت حدة نبرته وباتت تشبه رجاء.
رجاء ممزوج بعبث.
- هو الله يكون ف عوني أنا.. جوزها لي بقى ياجدي.. أنا قربت أتـجوز على نفسي.
ضحك الجد ملء شدقيه.
وكأنه لم يضحك هكذا منذ زمن.
وكانت ضحكته الرائقة إجابة كافية لقاسم بأن جده سينظر سريعًا في أمر زواجه.
فشاركه الضحك.
حتى وإن كانت ضحكة خفيفة محرجة منه.
ولكنه ارتاح قليلاً.
***
كان أكرم يراقب "نورهان" زوجته.
ضحكتها المرتسمة بصدق على وجهها.
ملامحها المنيرة الهادئة، وبريق عينيها الزيتونية زاد توهجًا.
جلستها المريحة وحديثها مع جده والذي وللأسف لم يستمع لكلمة واحدة منه.
يتابع أدق تفاصيلها، لا يخفي عليه أنه كلما تلاقت أعينهما ازداد البريق اشتعالاً وتضرج الخدين حمرة فتبتسم خجلًا.
فبالأمس كانت بين ذراعيه سعيدة وكان هو راضيًا.
وبشدة.
تناسى كل شيء باحتضانه لها وكأنها كانت المرة الأولى لهما معًا.
كم كانت ناعمة، وخاصة وقت أن تهمس بنبرتها المغوية اسمه فيزداد رغبة.
حسنًا، جسده يريدها للأسف، يريدها وبشدة.
كان في صراع مع نفسه.
جسده يريد زوجته، وقلبه يريد الأخرى.
تلك الأخرى والتي تراسله منذ بداية اليوم وجميع رسائلها معروفة ومحفوظة وسهل كتابتها والإجابة عليها ولكن تنفيذها صعب.
فكانت الرسالة الأولى: "حبيبي متنساش أنت وعدتني إنك هتكلم جدك النهارده ف موضوعنا".
والرسالة الثانية: "أكرم النهارده آخر فرصة.. صدقني لو متحركتش النهارده وخدت خطوة جد ف موضوعنا تنسى إنك كنت تعرف واحدة اسمها جيلان".
ذيلت رسالتها بأخرى: "الموضوع سهل ياحبيبي معتقدش جدك ممكن يرفض".
وغيرها من الرسائل الإلكترونية الشبيهة.
وكانت إجابته واحدة: سيحدثه بشأن زواجه ولكن صبرًا.
وكأن الموضوع سهل الكلام عنه.
كان ينتظر فرصة جلوس الجد بمفرده ليحدثه ولكن لا أمل.
فالجد منذ الصباح وهو يجلس مع كمال، وعند مغادرة كمال جلس مع زياد ونيرة، والوقت يمر.
وهو الآن يجلس مع زوجته وبمنتهى الود كانت جلستهما.
فجده يحبها ويفضلها عن جميع إناث المنزل وقت أن دخلته كزوجته.
وللأمانة هي بالفعل سهل الوقوع بحبها واحترامها.
ولكن ليس هو، فبالأصل قلبه معلق بأخرى.
اعتدل بمكانه وهو يرى قاسم يجلس معهما ويتبادلا الحديث بأريحية.
شعور بالضيق يعتريه وهو يستمع لحديث أخيه قاسم المبسّط معها ونطقه باسمها مجردًا "شكرًا نورهان" هكذا وبكل بساطة.
ونظرتها الممتنة له.
هو لم يعلم سبب ضيقه وغضبه.
والأخرى "جيلان" تهاتفه وهو يغلق بوجهها.
فالمشهد أمامه يستفزه ويثير غيظه.
فتح تطبيق الواتساب وأرسل لها رسالة محتواها: "مش هعرف أكلم جدي النهارده".
وكان ردها: "بلوك" على الواتساب.
ليزيد غضبه.
ناداها بملامح جامدة.
- نورهان.
على الفور ركضت نحوه مبتسمة كما عهدها.
- أيوه.
ضغط على أسنانه قائلًا.
- يلا عشان هنطلع شقتنا.
وباستغراب شديد نظرت له.
لماذا تبدل؟ بالأمس كانا متفاهمين لأقصى الحدود، كانا كروحين بجسد واحد.
ترى ما الذي غيره.
أجابت بتردد.
- بس أنا لسه بــ...
لم يمهلها الرد ليهدر بها من بين أسنانه.
- قولتلك يللا.
***
كان يقف بمنتصف غرفة نومه مولياً ظهره لها لتتأمل هي عرض منكبيه وظهره المستقيم بغرابة وبخلدها ألف علامة استفهام!
الغل يأكل ملامحه وعيناه تتقد نارًا يتطاير الشرر منها.
كانت أسنانه تصطك ببعضها غيظًا.
أخذ يمسح صفحة وجهه بكفيه بحدة محاولًا الهدوء ولكن لا فائدة.
استدار لها ف تراجعت خطوتين للخلف من مظهره الغاضب خوفًا.
صاح بها هادرًا وهو يقطع الخطوات بينهما لتصبح قبالته تمامًا.
- أنا كام مرة نبهتك من معاملتك تحت معاهم.
وقلتلك مش عايزك تاخدي وتدي ف الكلام وبالذات مع قاسم.
وبالتأكيد هو لا يغار.
أبدًا.
مطلقًا.
ولكنه لا يحب التبسط مع أي شيء يخصه.
اتسعت عيناها الزيتونية حيرة.
فأي جرم ارتكبته لتستحق هذا الانفعال!
ازدردت ريقها ببطء.
وقالت بصوت يكاد لا يسمع.
- أنا كنت بتكلم معاه عادي والله.
اشتد به الغيظ فقال بحده.
- مش شايف أي داعي لكلامكو سوا.
أنا حتى مش عارف انتي ليه لازقة لجدي.
عايزه إيه.
عايزه تثبتي نفسك هنا.
استكمل كلامه وقد غلبه الغضب.
- انسى يانور، انتي هنا مجرد وقت وهتمشي.
ده كان اتفاقنا م الأول.
تضرج وجهها بحمرة قانية ودقات خافقها كالطبل تدوي بصدرها.
استفهمت بحزن.
- أنا عملت إيه ل ده كله!
أكفهرت قسماته.
زمجر قائلًا متحديًا.
- عايزه تعرفي عملتي إيه.
وهي تعلم بأن التالي سيجرحها، سيأخذها لمكان ودت لو فقدت عمرها مقابل ألا تذهب إليه ببالها ثانيةً.
همست بأسف كي تنهي الحوار.
- أنا آسفة.. مش هعمل حاجة تضايقك تاني.
وأسفها وخضوعها أشعل فتيل ثورته.
زفر أنفاسًا لاهبة واحتدم صوته أكثر.
- بتتأسفيلي ع إيه.
على حب عمري اللي ضاع مني بسببك.
ولا صورتي اللي اتهزت قدام نفسي قبل الكل بردو بسببك.
ولا طباعي اللي اتغيرت من يوم ماشوفتك.
ولا ع وضعك اللي مفيش أي راجل كان هيقبل بيه غيري.
كانت تراقب ملامحه الغاضبة.
أنفاسه الهائجة ترعبها.
كانت ترتجف خوفًا منه ومن بشاعة الذكرى الخاصة بوضعها الذي يلمح إليه.
هتفت بألم وهي تضرب بكفها على صدرها بخفة متألمة وبدأت الدموع تتسابق على وجنتيها.
- مكنش ذنبي.
لاحقها بانفعال وقد اتسعت عيناه قهرًا.
- ولا ذنبي.
ثم أردف وقد خرجت ضحكة متألمة مغتاظة من جوفه.
- مش ذنبي أشيل شيلة مش بتاعتي.
مش ذنبي اتحرم مـ الإنسانة اللي بحبها.
ياريتني كنت رفضتك وقت ما جدي قالي.
ياريتني ما كنت جيتلك.
ثم اقترب منها حتى لاصقها بجسده، يعصر جسدها بيديه رغبةً منه بإيلامها.
علها تشعر بالحريق المشتعل بداخله.
علها تشعر بتخبطه واضطراب دواخله بسببه.
تكلم بفحيح وكفيه تسيران على جسدها بعنف وهيجان.
- قوليلى أكتر حاجة بتكرهيها عشان أعملها.
قوليلي إيه اللي بيضايقك.
بتضايقي لما بلمسك.
انكمشت ملامحها ذعرًا واشمئزازًا من نبرته ولمساته.
ليقول بحدة ومازالت يداه تعبث بجسدها بعنف وغضب.
- بتضايقي من لمستي.
عندك نفور مني.
بتكرهيني زي ما أنا كارهك.
اخترقت كلماته قلبها ومزقته شر تمزيق.
رمقته بخيبة أمل وقد أنهمرت دموعها كالمطر.
ابتلعت تلك الغصة الحارقة وقالت برجاء باكٍ.
- ارجوك يا أكرم كفاية.
تكلم بنبرة جامدة وملامحها صارت كالرخام.
- هو فعلاً كفاية.
صدقيني كفاية أوي.
أنا مش هصبر ع الوضع ده أكتر من كده.
ثم ولاها ظهره.
وكظم ما تبقى في جوفه من حديث.
لتركض بعيدًا عنه وقد نالها من الذل والقهر ما يكفي.
***
غربت الشمس وجرّت ثوبها المشرق ولملمت نورها لتعلن عن غيابها.
وأفترشت خطوط الشفق الأحمر السماء.
كان قاسم موجودًا بسطح المنزل يستند على سوره الحجري بذراعه.
عاقد حاجبيه ممسكًا بهاتفه يكتب بضع كلمات على إحدى تطبيقات المراسلة.
"اطلعي عايزك.. أنا ع السطح".
وتمت الرؤية من قبل المرسل إليه وهي "حنين".
ومن غيرها.
فأساسًا بسبب حنين قام بتحميل تلك التطبيقات السخيفة كي يستطيع محادثتها وقتما يشاء وأيضًا مراقبتها أحيانًا.
ف لولاها لما كان حمل هاتفًا من الأساس.
وأتته رسالتها مذيلة برفض مائع مثلها تمامًا.
ليضغط على هاتفه بعنف وكأنها أمامه ويضغط على رأسها اليابس علها تشعر.
"قولتلك اطلعي..."
ثم أغلق الهاتف ووضعه بجيب بنطاله الجينز الضيق.
استدار صوب الجهة الأخرى حيث عدة خزائن خشبية بها ثقوب واسعة عكسية مطلية باللون الأحمر والأزرق.
وتلك الخزائن كانت للحمام الذي يقوم بتربيته.
وبغروب الشمس تعود طيوره إلى مكانها والتي تحفظه.
ولكن كعادته مال بجزعه قليلاً ليمسك بعلم أحمر موضوع جانبًا واقترب ثانيةً من السور وأخذ يلوح به عاليًا ويطلق صافرته عاليًا ليأتي الحمام تبعه من كل صوب.
أحس بحركتها خلفه ليلتفت برأسه لها.
رمقها بضيق لم يستطع مداراته بسبب بنطالها شديد الضيق بلونه البيج وكأنها لا ترتدي شيئًا وبلوزتها البيضاء عارية الذراعين ولكنه اكتفى بنظراته وقرر الصمت مؤقتًا عما ترتديه.
عاد برأسه لينظر أمامه مرة أخرى مثبتًا نظراته على السماء أمامه.
وقفت على تململ منها وهي تنظر لظهره العريض بغيظ والحمام المتطاير من حولها.
وباتجاهله لها أثار غضبها.
سألته من بين أسنانها غيظًا.
- عايزني ف إيه؟
مال برأسه قليلاً.
وقال بنبرة ثابتة.
- هو أنا هشحتك!
قولتلك اطلعي عشان عايزك.
قلبت عيناها ومطت شفتيها وتحدثت باستياء ناعم يليق بها.
- خير.
واستدار بجسده كله ليقف بمقابلها.
نظراته مثبتة على عينيها وفقط وكأنه يحدق بقلبها وليس بعينيها.
سألها باهتمام صادق واضح بنبرته.
- بتكتبي من امتى.
عقدت حاجبيها باستغراب وكأنها تنظر إلى مخلوق فضائي.
ردت بعناد.
- وانت يهمك ف إيه؟
واجابته كانت صارمة والنبرة عالية متملكة بتقرير منه أنها تخصه حتى وإن لم يصرح بذلك.
ولكن كل ما به ينطق بها.
- طبعًا يهمني.. يهمني ونص.
قلبت صفحة وجهها حتى وإن تأثرت قليلاً باهتمامه.
ولكنها لا تريد ذاك الاهتمام الزائف.
عقدت ذراعيها أسفل صدرها وبعدت بنظراتها عن مرمى نظراته.
هزت منكبيها استهانة وقالت بلامبالاة.
- بكتب من سنتين ونص.
قال مستفهمًا.
- عمرك ما قلتيلي يعني.
هزت رأسها متعجبة.
واجابتها كانت أبسط من سؤاله.
- عشان انت عمرك ما سألتني.
حلقت فوق رأسها إحدى حماماته البيضاء.
فأخفضت رأسها وانكمشت ملامحها ذعرًا.
فهي تخاف وبشدة من الطيور عمومًا.
ليضحك قاسم على مظهرها متجاهلاً رعبها.
ثم أمسك بالحمامة برفق ولين ومشى بأنامله على رأسها، ووضعها بخزانتها وأغلق عليها.
سألته من بين نظراتها المستاءة.
- مش خايف ف مرة وانت بتطيّر الحمام.. ميرجعش تاني.
ركز بنظراته على نظراتها.
عادت هكذا معها يترك النظر لكل شيء ويركز بعينيها وكأنه يأسرها.
هتف بثقة.
- الحمام ده بتاعي أنا اللي مربيه.
لو في يوم طار لبعيد ولو حتى راح فين أنا واثق إنه هيرجعلي تاني.
ثقته بنفسه ضايقتها.
لا تعلم لما ولكنها تضايقت فقط.
قالت بحنق طفولي وهي تنظر إليه.
- عارف نفسي ف يوم اطلع أطير الحمام ده وأتوهه وميجيش هنا تاني.
ضحك منها.
- حرام عليكي ليه كده؟
- عايزة أضايقك وخلاص، عشان أنا عارفة الحمام ده بالنسبالك إيه.
باغتها بالرد وكأنه كان ينتظر.
- وأنتي؟
ضيقت عيناها حيرة.
- أنا إيه؟
اقترب منها.
وقد تبدلت قسماته تمامًا من العبث إلى الجدية وبعينيه نظرة غامضة لم تستطع فهمها.
- انتي عارفة انتي بالنسبالي إيه؟
أحمرت وجنتاها.
وابتعدت عنه خطوة ليتقدمها هو ثانية.
تنظر إليه بغرابة تلعثمت دون خجل.
- مم مش فاهمه.
زفر أنفاسًا لاهبة وقال.
- طيب بلاش أسألكيها كده.. هجيبهالك بطريقة تانية.
العين بالعين.
والنظرات مثبتة على هدفها.
وأنفاسه الثائرة دليل على اهتياج مشاعره.
مال عليها وسألها بحرقة كحرقة الشمس الغاربة أمامه.
- أنا بالنسبالك إيه؟
وطفلة الأمس تقف أمامه تناظره بحيرة وخجل تقاوم مشاعر وأدتها عن اقتناع تام وتلقين بأن قاسم لا يليق بها.
قاسم لا يحبها.
قاسم يريد امتلاكها وفقط.
حاولت ادعاء الغباء وهمست.
- ابن عمي.
- حنين.
زجرها بحدة.
وعاد قاسم مرة أخرى لعادته وغضبه السريع ونفاذ صبره وقد طفح الكيل من دلالها وتحكم جده.
ابتعدت عنه حنين وقالت وهي تركض من أمامه.
- متهيألي جدي بيندهلي.. أما أروح أشوف عايز إيه.
تركته خلفها يرمق أثرها بنظرات غامضة وقبضة مكورة مضمومة بغضب وملامح وجهه تعبر عن كيله الذي طفح.
***
مستلقية على فراشها بجوار صغيرتها "ملك".
تناظر السقف بتيهٍ وشرود.
وعبراتها الحارقة تضرب وجنتيها بسوط لاذع.
ذاك الشعور المُر يعاود سكنها من جديد وذاكرتها تسحبها قسرًا لذلك اليوم المشؤوم.
يوم غارب كأحداثه تمامًا يومًا من أيام ديسمبر الغائم دائمًا.
كانت بمفردها بالمنزل وشقيقها الأصغر يلعب بالشارع مع أبناء الحي.
وأمها بالسوق ووالدها كعادته بعمله.
كانت تجلس على الأريكة المتهالكة بصدر منزلهم الصغير أمام التلفاز تشاهد إعادة مسلسلها الهندي المفضل وبالمطبخ تضع على الموقد قدر متوسط تشتعل النار من أسفله ومن آن لآخر تأتي للتأكد من طهيه.
طرقات عشوائية على الباب قطعت عليها حلاوة المشاهدة.
حاولت التجاهل واستكمال متابعة المسلسل ولكن معاودة الطرق نزعتها من مسلسلها لتنهض على ملل وهي توعد شقيقها الأصغر على إفساده لتلك اللحظة فبالتأكيد هو الطارق.
فتحت الباب بعنف وغيظ سرعان ما اختفيا ما أن رأت ابن خالها.
ابن خالها الشقيق الأكبر لوالدتها، رجل يقارب الأربعين من العمر لم يسبق له الزواج نظرًا لسمعته السيئة وللأشياء المحرمة التي يتعاطاها.
فأي معتوهٍ يرغب بزواج ابنته من رجل كهذا.
ارتجفت بداخلها ما أن رأته ف نظراته القبيحة تتفحص جسدها الصغير دون رحمة أو حرمة دم.
عيناه الصغيرة الوقحة تتلكأ على منحنيات جسدها، مما زاد من ارتجافها وخوفها.
كان يستد بكفه على الباب ذو الإطار الخشبي المتهالك.
تحدث بنبرته الخشنة والتي تأثرت بما يتعاطاه سائلًا.
- أمك فين يانورا كنت عايزها.
وضعت يدها المرتعشة على خصلاتها المنفلتة من جديلتها المتجمعة فوق رأسها وجذبتهم خلف أذنها في محاولة منها لمداراة خوفها.
قالت وهي ماسكة بطرف الباب تحول دخوله إلى المنزل.
- أمي مش هنا راحت السوق.. لو عايزها استناها تحت.
أدعت المسكنة وأمسك بصدره وأخذ يسعل بشدة.
هتف بأنفاسٍ لاهثة إثر سعاله.
- أيوه كنت عايزها.. والنبي يانورا بس هاتيلي كوباية مية قبل ما أنزل لـ ريقي ناشف.
لم تشعر بقبضة في صدرها.
تجاهلت الضيق الذي أصابها وأومأت برأسها.
ودت إغلاق الباب بوجهه ولكن لا يصح ف بالاخير هذا ابن خالها.
ردته قليلاً.
وذهبت مسرعة للمطبخ.
أمسكت بإحدى الأكواب الزجاجية وملأته بالماء.
وما أن استدارت حتى ارتطمت بصدره.
كان يقف خلفها مباشرةً.
جسده الضخم ملتصق بجسدها الصغير وخيالاته ترسم له أشياء محرمة أعمته عيناه.
جحظت عيناها من الصدمة وقبل أن تطلق العنان لصراخها كمم فمها بكفه الخشنة السوداء كسواد داخله.
حاولت الإفلات منه ولكنه نظرًا لأنه الأقوى وجسدها بالأساس صغير فكان من السهل أن يحكم جسدها بذراعه الآخر.
جرت الدموع أنهارًا على وجنتيها ترجوه بنظراتها أن يتركها.
ولكن هل تتوقع من الشيطان توبة أو غفران!
كان كالمغيب أو بالأساس كان مغيبًا فقبل أن يأتي إلى هنا كان عائمًا وسط أمواج من الدخان الأزرق برفقة أصدقاء السوء.
بنبرته الكريهة والتي تبغض سماعها تحدث وقد أعمته الشهوة عينه.
- متخافيش.. لو سكتي وبقيتي شاطرة وسيبتيلي نفسك مش هأذيكي.
وكلامه كان كفيلًا باهتزاز جسدها عنفًا تحت قبضته.
صرخات مكتومة كانت تطلقها تحت كفه تود التحرر.
وجسدها يأبى الانصياع ويقاوم وينتفض من لمسته المقززة.
هدر بها بأعين تشتعل بجنون شهوته.
- قولتلك متخافيش.. اهدي كده وروقي لأن كده كده هاخد اللي عايزه منك.. فخليه برضاكي بدل ما يبقى غصب عنك.
ارتخت كفه المحكمة على ثغرها فعضته بأسنانها.
وأطلقت صرخة ودت لو أن الجيران سمعتها ليأتوا وينقذونها.
ولكن عبث!
رغم تأوهه من عضة أسنانها.
إلا أنه عاد بسرعة وأحكم بكفه على فكها بعد أن صفعها بقوة.
كان يتوعدها بأبشع السباب.
بأقل من ثوانٍ كان ممسكًا بمقدمة قميصها القطني الرث ممزقًا إياه بعنف لتزيد من اشتعال الجنون بنظراته ما أن رأى صدرها البض النابض رعبًا.
جذبها من خصلاتها بقوة أوجعتها بعد أن سحب كفه وتركها تصرخ كما تشاء دون أن يأبه فأذنيه قد صمت عن السمع.
كافة حواسه قد تعطلت عن العمل وشهوته فقط هي التي تتحكم به كالبغال.
قام بصفعها عدة مرات ترنحت أمامه من ألم الصفعات وقوة الصراخ.
طرحها أرضًا بعد أن مزق ما تبقى من ثوبها.
وجثى فوقها كالجاثوم يخنق أنفاسها ويشل حركتها.
قبضته الغليظة كانت تمسك وبشدة على كفيها فوق رأسها.
كان يقبلها بشراهة أثارت تقززها وقلبت أمعاءها.
أنفاسه الكريهة كانت تخنقها.
كان يلهث بشدة تمنت لو كانت جثة بتلك اللحظة.
أخذت تصرخ وتأن ليعاود ضربها وصفعها كثيرًا حتى فقدت وعيها.
أتعلمين معنى الانتهاك؟
أتعلمين معنى أن تكوني جثة بقلب ينبض؟
أتدرين شعور بأن حقيرًا يتعدى عليكِ.. يسمح لنفسه بأخذ ما ليس حقه..
إن يشوه ذاتك.. ويغتال برائتك..
تكوني ضحية وبالوقت ذاته مذنبـة.
إن لم تعرفي ذلك الشعور فعليكِ أن تحيي ما تبقى من عمرك صيامًا وقيامًا شكرًا لله.
ومابعد ذلك كانت شهقة وصرخة قوية.
كانت الشهقة الباكية عجزًا لوالدها والصرخة لوالدتها جعلتها تستفيق من غيبوبة مؤقتة ودت لو كانت دائمة.
هـيئتها المدمرة وخصلاتها المبعثرة وجسدها المتهالك والكدمات التي تشوه كل جسدها.
والدماء على ساقيها وضحت الصورة كاملة.
الابنة تعرضت للاغتصاب بعقر دارهم.
زاد البكاء والنحيب والأم مصدومة، سقطت أرضًا وانهارت من البكاء.
وكانت آخر كلمات سمعتها من والدها وهو يهدر بقهر قبل أن تغيب في ثبات أشبه بغيبوبة من اختيارها.
- بنتـنا ضاعت يا أم نور.. البت ضاعت.
***
يقال أن شهريار كان رجلاً عاديًا كباقي الرجال حتى أن أحب فتاة بشدة وتزوجها فخانته.
فأصبح ينتقم منها في كل النساء.
قاعدة وتشكّلت أمام ناظري عاصم النجار إذا وُجد المال ركضت المرأة إليك أميالًا وأميالًا.
وحتى تلك الجالسة بجواره منذ النصف ساعة.
تلك التي اصطدم بها منذ يومين.
ها هي الآن معه في سيارته وبالتأكيد المرة القادمة بشقته.
وبالرغم من الخجل البادي عليها وارتباكها فمنذ أن تقابلا وهي تفرك بأصابعها تارة وتارة أخرى تلعب بخصلتها الهاربة من جديلتها الجانبية.
إلا أنه يعلم أنه ادعاء.
أي خجل هذا وهي من قامت بالاتصال به وبالتعريف عن حالها!
قطع الصمت السائد على الجو العام بسيارته فناوشها عاصم بمزاح.
- أنتِ هتفضلي ساكتة كده! مش اتفقنا نتعرف على بعض.
ثم تابع بتساؤل.
- وبما إنك عارفه عني كل حاجة زي ما هو واضح.. ممكن تعرفيني عنك وتعرفيني عرفتيني منين؟
وكأنه تحقيق.
وهي أساسًا لا تمتلك الإجابة أو تمتلكها ولكن من المستحيل أن تخبره من أين عرفته.
بالأساس لو علم من هي، سيتركها على الفور ولكن ليس قبل أن يصفعها على وجنتها لتأديبها.
حاولت الهرب من نظراته المراقبة لها.
ثم قالت بخفوت وبعض التوتر فشلت بإخفائه.
- عرفتك من النادي وسألت عليك.. جبت الأكونت بتاعك.. وكده يعني.
ارتفعا حاجباه ذهولًا.
اعتدل بجلسته ليصبح أكثر قربًا منها وعطرها الخفيف يسكره وينعش حواسه الرجولية.
فتاة جميلة كحالها بخصلاتها البنية كالكراميل الذائب.
وعينيها الخضراوين واقعة به وهو لا يدري.
ارتسمت ابتسامة متلاعبة على ثغره وتساءل.
- عندك كام سنة بقى يا أمنية؟
أجلت حنجرتها ومازالت تفرك بأناملها الرقيقة بعضها البعض.
نطقت بصوت بالكاد التقطته أذنيه.
- ٢٣ سنة.
وتلك المرة لم يرتفعا حاجباه فقط.
بل ارتفعا حتى كادا أن يلتصقا بمنابت شعره، فغر فاهه.
ثم قال بدهشة.
- ٢٣.. انتي متأكدة شكلك أصغر من كده بكتير.. أنا فكرتك في ثانوي بالكتير.
خفق قلبها.
واعتدلت بمقعدها لتصبح نظراتها مثبتة على نظراته.
تساءلت بتهكم خفيف.
- هو أنا لو كنت ف ثانوي أصلاً كنت هتكلمني؟
واجابته سريعة وقاطعة.
- لأ طبعًا.. كان زماني طردك برة العربية.
- كنت عارفه.
عقد حاجباه مستفهماً.
- كنتِ عارفه إيه بالظبط.
تداركت الأمر بعد أن انتبهت لذلة لسانها.
وقالت بابتسامة خفيفة حاولت رسمها رغم توترها وخفقاتها التي تضرب صدرها بعنف ونظراته المتربصة.
- كنت عارفة إنك مستحيل يعني تقبل إن عيلة في ثانوي تكون معاك.
ما زالا حاجباه معقودان يحاول فك شفرتها.
ولكنه آثر التجاهل والمضي قدمًا معها وما يريد معرفته سيعرفه لاحقًا بالتأكيد.
لا يهم سوى أنها جميلة على مستواه المطلوب تحبه وتسعى خلفه منذ فترة.
وهي فترة سيكون معها وسيتركها كغيرها بعد أن يمل منها ويصل لمبتغاه.
وبقية الحديث كانت تعارف.
والجميلة الخجولة تنجرف أكثر فأكثر.
وهو مستمتع.
منشد بحركة كفيها وهي تتحدث عن نفسها وعن اهتماماتها وأناملها التي تتلاعب بغرتها من حين لآخر ونبرتها الناعمة.
هو ليس مستمتعًا فقط بل مستمتع وبشدة.
فشهريار وجد فتاة جديدة ليثبت لنفسه بأن كلهن سواء.
رواية بيت القاسم الفصل الخامس 5 - بقلم ريهام محمود
الحب مخادع. أحياناً تشعر بأنه قوة لا يمكن إنكارها، وأحياناً يكون متحولاً وقابلاً للتشكيك.. أقل ما يقال عنه إنه معقد.. لكن المهم هو كيفية قبولك للحب......
بجلابيتها الحمراء والتي أرتدتها نيرة بعد انتهائها من أعمال المنزل وتحضير العشاء وتزيين السفرة بالورود المجففة والشموع الحمراء ذات الرائحة النفاذة..
تقف أمام المرآة تعدّل من هيئتها، تستدير نصف استدارة لترى قوامها. لقد نحفت كثيراً الفترة الماضية، ولكن تبقى جميلة كما هي..
اقتربت قليلاً من انعكاسها بالمرآة، تتأمل بشرتها وأسفل عينيها بضيق بسبب الهالات الواضحة أسفل جفنيها..
تنظر للساعة أمامها، فقد تجاوزت الثانية صباحاً، ولابأس، ستنتظره، وعلى ثغرها ابتسامة مرسومة بعناية من أجل الموضوع الذي تود محادثته به..
انتبهت على صوت مفاتيحه بباب الشقة..
اعتدلت في وقفتها وأخذت نفساً عميقاً، ثم أخرجته ببطء وتعود لتلك الابتسامة..
دخل زياد صالة منزله يحمل جاكيت بدلته بسبابته على كتفه..
وجدها أمامه بهيئتها الجميلة وابتسامتها الناعمة..
ليرمقها بلهفة وحيرة ارتسمت على قسماته..
اقترب منها وهو يلقي بجاكيته جانباً..
تحدث غامزاً:
- احنا ليلتنا فل ولا ايه..
ضحكت برقة..
وقالت وهي تبتعد عنه:
- ثواني أسخن العشا..
لينتبه لما حوله ومائدة الطعام المزينة والشموع..
سأل بتوتر:
- ف ايه هو انهارده عيد جوازنا ولا ايه..
ضحكت من خوفه الظاهر أن يكون اليوم عيد زواجهما حقاً وهو نسي كالعادة..
هزت رأسها يأساً منه ثم قالت:
- لامتخافش.. وحشتني بس فحبيت أدلعك..
وضع كفه على صدره متنهداً براحة:
- طب الحمدلله..
سار باتجاهها وحاوط خصرها بذراعه وبأنامله يتلمس ظهرها، ارتجفت إثر لمساته الحانية..
همس بجوار أذنها وهو يوزع قبلات ناعمة كالفراشات على بشرة وجهها:
- انا اتعشيت.. خلينا ف المهم..
قالها وهو يخلع قميصه بعد أن حل أزراره سريعاً..
مازالت محاطة بذراعيه...
يسير بها إلى غرفة نومهم ومازالت قبلاته ينثرها على وجهها وأعلى جيدها..
إلى أن قاطعته بنبرة منخفضة التقطها بصعوبة من وسط غمامة مشاعره:
- زياد.. أنا عايزة بيبي..
عقد حاجبيه بعدم فهم تلاشى فور أن فهم مغزى حديثها.. حديثها المرفوض.. ع الاقل تلك الفترة..
قال بمهادنة مستهزئاً:
- حاضر ياحبيبي.. بكره نروح اي هايبر ماركت نجيبلك البيبي اللي انتي عيزاه..
أبعدته بكفيها عنها..
غضنت حاجبيها بضيق وقالت:
- زياد متستعبطش..
تبدلت ملامح وجهه وامتعضت..
ليقل وهو يبتعد عنها هو الآخر:
- أنا بردو اللي بستعبط.. انتي عارفة الموضوع ده مرفوض حالياً..
كتفت ذراعيها النحيلين..
وسألته وقد ضاقت به ذرعاً:
- ممكن أعرف هيفضل مرفوض لحد أمته..؟
زفر حانقاً..
ثم زمجر بنفاذ صبر وضجر:
- قولتلك قبل كده بدل المرة عشرة احنا لسه صغيرين .. ومش هجيب عيل يوجعلي دماغي من دلوقتي..
- بس أنا عايزة..!!
وتلك النبرة الحزينة منها لا يحبها.. تضايقه.. فمهما حدث تلك نيرة حبيبته.. حتى وإن كان كصنف الرجال عموماً يعجب بالكثيرات، ولكن تلك التي بحبها..
اقترب منها خطوات بطيئة هادئة كهدوء صوته:
- نيرة.. انتي عايزة ايه وأنا أعملهولك.. أنا كل اللي عايزة راحتك صدقيني..
قالت متنهدة بيأس:
- راحتي انك تكون معايا..
أحتضن وجهها بكفيه وقال صادقاً بخفوت وعيناه تتقدان ببريق جذاب:
- مانا معاكي
ثم مال بوجهه إلى وجهها وداعب بأنفاسه أذنها.. وأنامله تسير براحة على ذراعها..
ثم ردد بهمس قتل ما تبقى من دفاعاتها:
- أنا كلي ليكي ومعاكي
والتقط شفتيها المطليتين بالأحمر القاني بعدة قبلات خفيفة ورقيقة سرعان ما تحولت لشغف وهو يسحبها دون أن تعترض إلى غرفتهم..
وما أن دلفا داخلها حتى أغلق الباب بقدمه..............
*****
خدعوه فقالوا أن الحب هو الشعور الأجمل على الاطلاق.. ولكنهم نسوا أن يخبروه بأن جماله يوازيه سوءاً ..
أن تحتوي مراهقة وتفهم تفكيرها وكل أمورها المعقدة لأمر صعب مع شخص كقاسم، صبره معدوم.. طبعه حاد..
كان يقف بالدكان الكبير للأخشاب الخاصة بعائلته "عائلة القاسم" مستنداً بذراعه على طاولة خشبية عريضة موضوع عليها عدة أخشاب.
يرتدي بنطال أسود كمزاجه اليوم يماثله قميصاً من نفس اللون، أزراره مفتوحة لمنتصف صدره..
يضغط بعصبية على هاتفه المحمول عدة ضغطات ثم يرفعه على أذنه فيجيئه الرد برفض المكالمة..
كررها عدة مرات ثم زفر بضيق واضح وهو يلقي بهاتفه على الطاولة أمامه بعنف محدثاً ضجة لينتبه إليه الصبيان اللذان يعملان لديه..
ومن ملامحه العابسة تنبأوا بيوم سيء سيمر عليهم..!
تناول قاسم إحدى الأخشاب ثم وضعها أمامه وأمسك بالمطرقة وحفنة مسامير وأخذ يطرق عليها بغل وغيظ..
ثم انتبه على نظراتهم المصوبة عليه ليصيح بحدة وغضب بإحدهم:
- واقف عندك كده ليه.. يلا انجر اعملي شاي..
ليركض الفتى من أمامه وهو يومئ بنفاذ طلبه..
وأمسك قاسم مرة أخرى بهاتفه وعاود الاتصال بحنين..
بالوقت ذاته كانت حنين تقف بحمام المدرسة بعد انتهاء اليوم الدراسي مع صديقتها (هنا) والتي حذرها قاسم من الحديث معها..
تمسك بهاتفها الذي لم يكف عن الرنين منذ مدة وتضغط بالرفض..
قالت هنا وهي تنظر لانعكاسها بالمرآة الصغيرة المعلقة على جدار الحمام:
- هو مش هيبطل رن بقى ولا ايه..
إجابتها حنين بقلق جليّ بنبرتها:
- خايفة يكون بيرن عليا عشان هيجي ياخدني!!
والقلق انتقل على الفور إلى الأخرى التي أمامها لتقول برجاء:
- لا والنبي.. بلاش انهارده رامي بجد جاب آخره مننا..
ثم انحنت أرضاً لتفتح حقيبتها الملقاة أرضاً وأخذت منها علبة السجائر خاصتها..
وقامت بإشعال واحدة وبأصابعها وضعتها بين شفتيها بمجون لتسحب نفساً ثم تقول من بين غمامات دخان سيجارتها وهي تمد بها لحنين:
- خديلك نفس..
هزت حنين رأسها رفضاً وابتعدت خطوتين عنها وكأنها جان سيتلبسها:
- لا مستحيل.. قاسم لو عرف هيقتلني..
امتعضت ملامحها وقلبت عينيها ضجراً ثم قالت بتهكم:
- يا دي قاسم.. وهو قاسم هيعرف منين..
هتفت حنين بتأكيد وكأنها تتحدث عن شيء بديهي:
- قاسم بيعرف كل حاجة وأي حاجة.. وعموماً أنا مش مرتاحة لفكرة السجاير دي اصلاً..
تجاهلت هنا نبرتها في الحديث عن قاسم.. هنا تعلم بمشاعر قاسم وحبه لحنين، رأته في عينيه حب صادق.. ولكن وعلى الرغم من صدقه إلا أنه ناقص.. والدليل أن تلك الغبية والتي أمامها لا ترى حبه ولا اهتمامه، لا ترى سوى تملكه فقط..!!
اعتدلت هنا في وقفتها واقتربت من حنين..
وتساءلت بمكر غير واضح:
- ها هتعملي إيه مع رامي.. الواد مش على بعضه ومستني ع نار..
توترت حنين وارتجفت دواخلها..
وقالت بخوف:
- أنا خايفة أوي أركب معاه وأكلمه، قاسم لو عرف هيفتلني والله..
وهنا لم تستطع أن تكبح جماح لسانها وغيرتها هتفت بشراسة:
- قاسم قاسم قاسم زهقتينا بقاسم ده..
ثم مالت على إذن حنين واستكملت حديثها بمكر وإغواء:
- رامي هيخرجك من عيشتك دي.. هتركبي أحدث عربية وهتلبسي أحلى لبس.. مش هيتحكم فيكي ويقولك تكلمي مين ومتكلميش مين وهتلبسي إيه وتروحي فين..... كفاية أوي إنه مش هيعايرك بأمك وجوازاتها..
وعلى ذكر أمها غامت عينا حنين بحزن..
تنهدت بيأس ثم قالت:
- طب خليه يكلم جدي..
تلعثمت هنا وبررت:
- هيحصل طبعاً ياحبيبتي.. بس هو عايز يكلم معاكي الأول يشوف تفكيرك.. كلامك وكده..................
***
على طاولة مستديرة بإحدى المقاهي الشهيرة..
كان زياد يجلس برفقة أكرم.. أكرم الذي قبل أن يكون شقيق زوجته وابن خاله فهو بالأصل صديقه ورفيق طفولته ..
كلاً منهما يجلس قبالة الآخر.. أمام أكرم فنجان من القهوة المرة كما اعتاد أحتسائها دائماً، أما زياد فأمامه مشروب بارد وعينيه الزائغة تجول بالمكان..
إلى أن استقرتا على الطاولة التي أمامه والتي تجلس عليها ثلاث حسناوات، بادل إحداهن غمزة وابتسامة عابثة لتضحك بخجل مصطنع وتشاركها صديقتيها الضحك والنظرات العابثة تبادلت..
هز أكرم رأسه وهو يتنهد يأساً من تصرفات زياد..
رفع فنجانه وارتشف رشفة مرة منه ثم قال:
- مش ناوي تتوب بقى ياأخي..!
ليلتفت زياد برأسه إليه وتتسع ابتسامته الشقية ليقول بمجون:
- أتوب واسيب النسوان الحلوة دي كلها لمين..
وعيناه العابثة جابت المكان كله وأشار بعينيه على فتاة ترتدي تنورة حمراء قصيرة ثم تركها وأشار ع أخرى تصطبغ شعرها بالأصفر الفاقع وغيرها وغيرها....
وتابع بغمزته العابثة:
- رد عليا أتوب واسيب المانجا دي كلها لمين. وعشان مين.!!
وإجابة أكرم كانت طبيعية حد اللا حد.. يذكره بواقع ملموس يحاول تجاهله:
- عشان نيرة.. عشان مراتك ياأخي..!
العبث تحول إلى عبوس.. والابتسامة خفتت..
أجاب بتقرير:
- نيرة بتحبني مستحيل تقدر تعيش من غيري ..
ثم التمعت عيناه ببريق ماجن وهتف ضاحكاً:
- وبعدين نيرة دي رقيقة أوي آخرها تتبلس وتتحط جمب الحيطة.. وأنا راجل كلي رغبات وعايز أدلع..
عقد أكرم حاجبيه..
وبخه بعصبية:
- ما تحترم نفسك ياجحش أنت.. لاحظ إنها أختي..
اقترب زياد بجزعه على الطاولة وبادله عصبيته:
- أيوه أنا عارف إنها أختك .. بس أنا مكنتش عايز أتجوز دلوقتي، هي اللي غبية وراحت قالت لجدي.
صمت أكرم وأحني رأسه دون رد يرسم بسبابته دوائر على حافة فنجانه..
سأله زياد متهكماً:
- إيه مردتش يعني.؟
هز منكبيه متنهداً بحيرة:
- هرد أقولك إيه..
قال زياد مستاءً وهو ينقر بأصابعيه على الطاولة:
- أنت مردتش عشان أنت زيي كمان جربت حكم جدك..
جابهه أكرم بنظراته وقال بتأكيد:
- بس أنت نيرة بتحبك..
اعتدل زياد واستند بظهره على الكرسي الذي يجلس عليه ورفع ذراعه بمحاذاة كتفه وقال:
- طب مانت نورهان بتحبك..
وما أن سمع اسمها حتى اكفهرت قسماته وزفر ضيقاً..
ثم هتف بانفعال:
- بس أنا مبحبش نورهان..
ضحك باستهانة ثم قال مستهزأً بوقاحة:
- مبتحبش نورهان.. أومال ملك دي إيه؟
ضرب بكفه على الطاولة..
ثم صاح به هادراً بملامح غاضبة:
- ولا مش عايز قلة أدب أحسنلك..
ضحك زياد ملء شدقيه فرؤية أكرم وهو غاضب هكذا تنعشه وتحسن من مزاجيته:
- خلاص سكت اهو.. قولي طيب أنت ناوي ع إيه؟
أطلق تنهيدة طويلة أتبعها بنظرات تائهة كروحه تماماً..
قال بهدوء:
- هروح انهارده أقابل جيلان هحاول أظبط معاها الأمور تاني.. واكلم جدي بعدها..
- طب ونورهان..!
سأله زياد باندهاش من تجاهله لها..
ليجيبه الآخر بحدة:
- نورهان مش من حقها تعترض أو توافق..
ارتفع حاجبا زياد وسأله بغيظ:
- ليه إنشاء الله.. هي مش مراتك ومن حقها توافق وترضي أو تطلق وتسيبك!
نظر أكرم إليه بذهول.. الكلمات كان وقعها غريب على مسامعه..
قال ومازال الذهول مسيطراً عليه:
- تطلق وتسيبني..؟
أجابه زياد ببديهية:
- طبعاً ده حقها..
ورد أكرم كان لارد.. وصمت وقد تلاعبت كلمات زياد برأسه رغم أنه يعلم أنها سترضي بأي حال .. فهو المسؤول عنها وعن عائلتها، الا أن احتمالية طلاقها قبضت صدره ...
واستمر الصمت بينهما طويلاً وما تلاه كانت مغادرة للمكان ووداع بارد ونية باللقاء ثانية بمفردهم..........
**
كان كمال يجلس على الأريكة الأثيرة بالصالة أمام التلفاز، بجواره ابنه مراد ذو السبعة أعوام ممسكاً بجهاز الآيباد خاصته يلعب به..
وحاتم ذو الخمسة أعوام كل تركيزه بالكارتون أمامه..
كان متجاهلاً لكل شيء إلا عنها.. يراقبها بصمت بدءاً من قميصها الرمادي القطني القصير ككل ملابسها تقريباً البيتية دون أدنى مراعاة لشعوره أو كونه رجل.. رجل مرفوض..
كانت تجلس أمامه على الكنبة الصغيرة وملتصق بها زين ابنه الثالث والذي لم يتجاوز الثلاثة أعوام، تطعمه بيدها.. ملعقة بفم الصغير وقبلة على وجنته لاطاعتها تختمها بجملة "شاطر يا زينو". .
ليزدرد كمال ريقه بصعوبة وأصبح الجو حار كحرارة أعصابه وهو يرى الدلال للصغير..
عض على شفتيه بحسرة وبصوت خافت همس من بين أسنانه:
- يا بخته..
- بتقول حاجة يا بابا..
قالها مراد ابنه الكبير وهو ينظر له مستفهماً..
فانتبه كمال لذلة لسانه ونفى برأسه:
- مبقولش حاجة..
وعاود التأمل والمراقبة والمشاهدة عن كثب.. وبعقله مقارنة بينها وبين خديجة رحمها الله زوجته المتوفاة وشقيقتها..
كانت خديجة هادئة منظمة، كانت تحمل نفس طباعه.. امرأة روتينية.. لاجديد يذكر في فترة زواجهما معاً.. سوى إنجابها لأولاده الثلاثة..
خديجة رحمها الله كانت مشاعره تجاهها ود وإحترام،
أم أطفاله ورفيقة دربه المتفهمة لكل خلجاته..
أما ريم فهي النقيض تماما، هي وخديجة كقضيبي السكة الحديدية لن يجتمعا إطلاقاً سواء بالشكل أو الطباع أو التصرفات.
فريم فوضوية، يذكر أنه كلما دخل غرفتها وجدها مقلوبة رأساً على عقب..
ملابسها منثورة هنا وهناك، تستخدم أكثر من منشفة بنفس الوقت..
خديجة كانت قليلة الكلام، ملابسها كانت أكثر حشمة حتى وهي بالمنزل،
أما ريم وملابسها فحدث ولا حرج، تغري الناسك على الخطيئة..
وهو ليس بناسك..
هو رجل بمنتهى البساطة يريد أنثى في حياته..
يريد زوجة وليست مربية....
هو لا يمانع بل يرغب وبشدة، ومن بحالته تلك ويرفض ذلك العرض..
على الأقل يشاهد..
حرك كفيه أمام وجهه يجلب بعضاً من الهواء كي يهدئ من حرارة الجو المشتعلة.
اشتعل غيظه وقد بلغ ذروته من برودها ودلالها للصغير وهو الأحق بهذا الدلال..
أجشى صوته قبل أن يهتف باسمها بحدة..
ـ ريم..
التفتت برأسها إليه مغضّنة جبينها باستغراب من نبرته الحادة..
بصوتها الناعم أجابت..
ـ أيوه يا كمال..
وكأن كمال كان ينقصه نعومة صوتها..
"أيوة يا كمال" والجو حار..
وخفقات قلب كمال زادت أضعاف..
تحدث بصعوبة محاولاً التقاط أنفاسه..
ـ عايزك جوه في كلمتين..
أومأت له وابتعدت عن الصغير..
ليقف هو الآخر ويسبقها إلى غرفة نومهم والتي أصبحت غرفة نومها هي..
تبعته باستفهام واستغراب..
وقف بمنتصف الغرفة وبدورها وقفت أمامه، بينهما مسافة لا بأس بها ليشتم رائحة عطرها وسائل استحمامها الذي يثير أعصابه..
تجاهل النار المشتعلة بداخله وقال بصوت أجش..
ـ ريم ياريت تاخدي بالك من طريقة لبسك وبالذات أمام الولاد..
ارتفعا حاجبيها بدهشة ثم سألته وهي تنظر لما ترتديه..
ـ ليه مالها طريقة لبسي!!
تدعي الغباء.. أم تدعي الوقاحة..
إن كانت تدعي الغباء فهذا ليس وقته، وإن كانت تدعي الوقاحة فهو أهلها..
ثبت نظراته على جسدها وقال بوقاحة مستحدثة عليه..
ـ لبسك يا ريم كله قمصان نوم..
أنا معنديش مانع تلبسيهم بس يعني هتلبسيهم إزاي وأنتي عايشة معانا هنا زي ما بتقولي داه؟!
هو فيه داه بتلبس قمصان نوم يا ريم؟!
احمرت واصفرت وتبدلت ألوان الطيف على ملامحها الجميلة..
لتهمس مصعوقة من وقاحته..
ـ كمال.. إيه اللي أنت بتقوله ده..؟
هز رأسه بتأكيد وعلى نفس الوتيرة تكلم..
ـ بقول اللي المفروض تعمليه من نفسك يا ريم..
ثم اقترب خطوة وهي متسمرة مكانها، فاقترب الثانية ثم مال عليها بطوله الذي يفوقها بالكثير وأكمل كلامه..
ـ لبسك ده معناه إنك عيزاني..
أنتي عيزاني يا ريم..؟
اتسعت عيناها ذعراً وكأنها ترى كائن مخيف..
أنفاسها الثائرة كانت دليل على رفضها وغضبها..
ابتعدت عنه وقد التمعت بعض حبيبات العرق على جبينها لتقول بحدة، متجاهلة كلامه الأخير..
ـ حاضر يا كمال عندك حق، أنا لازم أخلي بالي من طريقة لبسي..
ممكن تتفضل برة عشان أغير هدومي..!!
ولّتْه ظهرها بحركة ظاهرة منها أن حديثها انتهى..
اصطكت أسنانه ببعضها غيظاً، رمق ظهرها بغضب ودَّ لو أنه جذبها من خصلاتها المنسابة على ظهرها ليتم أمر زواجه حتى وإن كان رغماً عنها..
ولكنه اختار الصبر والتمهل، فخرج غاضباً من الغرفة يجرّ أذيال خيبته خلفه..
وما أن خرج حتى أغلقت الباب خلفه بالمفتاح واستندت عليه بظهرها، وببالها متى ستنتهي من كل ذلك....
رواية بيت القاسم الفصل السادس 6 - بقلم ريهام محمود
يقف بشرفة المنزل الواسعة يراقب الطريق الممتد أمامه بغضب. لاتمر عليه دقيقة إلا وهو ينظر بساعته ضيقاً وضجراً.
فالأميرة خاصته تأخرت بالعودة، وأيضاً لا تجيب على اتصالاته ولا رسائله. وعلى مايبدو أنه دللها حد الإفراط كي تتدلل عليه وتتجاهل رسائله.
يستند بذراعه على السور الرخامي للشرفة مائل بجزعه قليلاً. بجانبه على السور كوب الشاي الساخن تتصاعد منه الأبخرة.
رمق ساعة يده مرة أخرى غاضباً، وأصوات إخوته بالداخل تناديه ويتجاهلها بدوره. فاليوم ميلاد والدته وهم يحتفلون بها رغماً عنها. فوالدته الحبيبة لاتحبذ تلك الأشياء وتخبرهم كل مرة بأنها كبرت على ذلك والعيب وشيب رأسها وما إلى ذلك. ومع ذلك يحتفلون بها بقالب حلوى بسيط وهدايا قيمة تناسبها.
رفع رأسه مرة أخرى للطريق أمامه، وأخيراً رآها تسير بخطوات بطيئة على غير هدى وكأنها محبطة. خصلاتها المموجه برقة على وجنتيها وجبهتها تخفي ملامحها عن عينيه المشتاقتين.
رآها وهي تدلف للداخل بهدوء ليرتشف كوب شايه الساخن على رشفتين، ثم يلج للداخل.
لحظات وكانت أمامه تزفر بقنوط ملامحها عابسة ولا يعرف السبب. نزعت عن كتفيها حقيبتها ثم ألقتها أرضاً جانباً.
خطوات بسيطة وكان أمامه. وبسلطة فرضها هو عليها هتف بتساؤل:
- اتأخرتي ليه؟
قلبت ملامحها بضيق. وبحركة عصبية بأناملها أبعدت خصلاتها عن وجهها وقالت:
- كان عليا درس بعد المدرسة.
تحدث بحدة:
- و مقولتليش ليه؟ والدرس ده كان من أمته انشاءالله؟
قلبت عيناها بملل ثم هتفت من تحت أسنانها:
- مقولتلكش عشان مش لازم اقولك. مش كل حاجة لازم تعرفها ياقاسم.
وقبل أن يبتلعها كالعاصفة على قلة تهذيبها معه كانت أمه تناديها بنبرتها الطيبة:
- تعالي ياحنين كلي تورته. أنا عارفة انك بتحبي الشيكولاته ياحبيبتي.
ليقول كمال الذي يجلس بجوار والدته وهو يضحك بخفة:
- حنين عاملة دايت ياأمي. مش هترضي تاكل.
عقدت الأم حاجبيها باستفهام:
- ايه الدايت ده ياولاد. تعالي يانونا كلي أي حاجه.
نظرات الأم الطيبة لها لم تهز بها شعرة. ف هي قد أتت بآخر مالديها من صبر وطاقة تحمل. تجاهلتها كما تجاهلت حديث كمال المرح ونظرات قاسم الغاضبة، ونظرات ريم الحاقدة المحترقة بحسرة وهي ترى بأعينها اهتمام قاسم بها وحبه الجلي كالشمس. تكرهها وبشدة، فهي كانت الأولى والأحق باهتمامه وليس هي.
ودون سلام أو استئذان غادرت حنين تحت انظارهم المندهشة من تغيرها.
ليلحق بها قاسم بخطوات واسعة غاضبة:
- حنيييين..
كانت تلك زعقته باسمها يستوقفها قبل أن تصعد.
- مالك فيه ايه؟
والاهتمام ظاهر والنبرة قلقة والملامح تفضح عن حب لا يستطيع كتمانه أكثر.
- مفيش.
فقط كلمة واحده منها باهته كقسماتها اليوم. لتزيد من قلقه.
لانت نبرته قليلاً. وغير الموضوع.
- لما اتأخرتي فكرت انك بتجيبي هدية لأمي.
قالت بنبرة حادة مستهينة:
- وأنا هجيب هدية لأمك ليه.
غضن جبينه بغضب. حاول كبحه ونجح. قال باستفهام وهو يحدق بعينيها كعادته وكأنه بحاول سبر أغوارها:
- هي مش أمي تبقى امك بردو.
سكتت. سكتت دقيقة كامله تدار بين نظراتهم حرب. نظرات غضب وحنق. ونظرات انتظار. نظرات ذهول.
وبعزم وإصرار هدرت:
- لأ مش أمي.
ثم صعدت خطوه وشددت على كلماتها بفحيح:
- أمي لسه عايشه ياقاسم.
وولته ظهرها واستكملت خطواتها. فهتف بغضب:
- أمك اللي عايشه دي رميتك زمان ولا نسيتي.
اقتربت منه خطوتان ومالت بجزعها العلوي. ورفعت سباتها بوجهه محذره:
- آخر مره ياقاسم هسمحلك انك تقول اني رمتني زمان.
ليمسك برسغها يجذبها إليه في عنف واضح:
- ولو قولت ان امك رميتك هتعملي ايه. ها ردي عليا قوليلي هتعملي ايه.
ثم تابع بحرقة صدره منها. وقد أرتفعت نبرته واحتقنت ملامحه:
- مش دي الحقيقة. مش امك رميتك وراحت أتجوزت وبدل الراجل اتنين وتلاته. بتدافعي عنها اوي ومحموءة. طب بالنسبة للناس اللي ربوكي واهتمو بيكي واحتوكي دول ايه. هوا.
تمتم بخفوت مشتعل وكأن كلماته تخرج كنار تحرقه قبلها:
- احمدي ربنا ان احنا موجودين ف حياتك كان زمانك ضايعة.
واقترب منها حد تلامس الأنفاس:
- متبقيش جاحده زي امك.
تنهد بضيق وهو يجلس أمامها قرابة الساعة وذات الحديث الذي لا ينتهي. ود لو غادر وتركها بمفردها ولكن يعلم بأنها ستأكل رأسه بعتابها ولومها وكم أنها ضحت لأجله وانتظارها له والى آخره من كلامها الذي لاتكل ولا تمل من تكراره عليه.
اعتدل بكرسيه واراح بظهره عليه يرمقها بحيرة. جيلان كانت حب عمره منذ اللحظة الأولى التي رآها فيها بالجامعة وباتت حلم كل ليلة. كم لعن غباؤه وتسرعه حينما تركها واستمع لجده وتزوج نورهان. واااااه من زواجه بنورهان. وكأن نورهان عدوى أصابته باضطراب المشاعر وانفصام العواطف. فها هو يجلس أمام جيلان والمفترض بأنه يتوق أكثر منها لزواجهما ولكن عقله شارد بكلمة قالها زياد كان غافل عنها "أو تسيبك وتطلق" وهو لايريد طلاق فهي يتيمة ووحيدة وهو رجل ولا يقبل بأن يتخلى عنها. هكذا برر لنفسه تمسكه بها.
ضربة جيلان الغاضبة على الطاولة البلاستيكية الفاصلة بينهما جعلته ينفض أفكاره من رأسه وينتبه لها وهي تسأله باستياء:
- أكرم. هو انت متصل بيا وعايز تقابلني عشان تفضل ساكت وانا اللي اتكلم.
تأملها بعينان مركزتان تعقد مقارنة بداخلها. شعرها أسود ناعم دائماً منسدل على ظهرها. ملامحها الهادئه الناعمه وبشرتها الحنطية على العكس من نورهان شعرها قصير لا يتجاوز كتفيها خصلاتها دائماً منسابة بهدوء ودلال على وجنتيها كشخصيتها الخجولة دائماً. عينا جيلان سوداء ماكرة بنظرة واحدة لعينيها تعرف كم هي ذكية. أما نورهان فزيتونيتيها دائماً حالمة.
عض على شفتيه غيظاً من أفكاره اليوم وشروده. ليقول متنهداً:
- آسف. بس أنا مصدع من الشغل وكمان منمتش امبارح.
استندت بذراعها على الطاوله وابعدت كوب عصير البرتقال الموضوع أمامها بضيق. ثم قالت وحاولت أن تكون نبرتها ناعمه حزينة قدر المستطاع:
- قولي طيب يا أكرم هتقول امتى لأهلك ع جوازنا. انا بقيت حاسة انك مش عايزني زي ما انا عايزاك.
بنظرات حائرة سألها:
- ليه بتقولي كده.
انكمشت ملامحها بحزن تجيد تمثيله وقت اللزوم. وصنعت نبرة لطالما أثرت بها عليه:
- علطول سرحان وكلامنا مع بعض قل. هو انت مبقتش عايزني يا أكرم.
ومالت بجزعها أكثر للأمام وبكفها أمسكت كفه الموضوعة أمامه بدلال وجرأة أكملت كلامها:
- قولي يا أكرم خلاص مبقتش تحبني زي الأول. خلاص نسيتني. عايزني أبعد.
نظر لوجهها ورسم ابتسامة لطيفه على ثغره. وقال بجدية:
- طبعاً عايزك ولسه بحبك. وصدقيني خلال الأسبوع ده هكون معرف جدي كل اللي بينا.
لتنفرج أساريرها وهي تقول بسعادة:
- بجد يا أكرم وأخيراً. يارب فعلاً المرة دي تقوله بجد وتبطل خوف. أنت مش عارف أنا ضحيت عشانك ازاي واستنيتك قد إيه.
وها قد عادت لنفس الكلام عن التضحية والانتظار. ليقول بسخط وضيق:
- أنا مش خايف يا جيلان. أنا بس مستني فرصة مناسبة عشان اكلمه مش أكتر ولا أقل.
هتفت بتوتر وهي ترفرف بأهدابها كالأطفال:
- طبعاً ياحبيبي اكيد مش قصدي.
سحب كفه من بين كفيها وقال بجمود:
- طب يللا اشربي العصير بتاعك عشان اوصلك لاني تعبان وهموت وانام.
ابتسمت رغم شعور داخلي خبيث بداخلها يوسوس لها بأن الأمور لا تسير على هواها وأكرم نفسه تغير حاله. أمسكت بكأس العصير ومازالت ابتسامتها المصطنعة تعلو وجهها وأخذت ترتشف من العصير رشفات قصيرة متتالية. أما عن أكرم فنيران مشتعلة بخافقه بسبب ما قاله زياد ليهتف غاضباً بباله "منك لله يازياد".
ان قلنا أن شهريار متيم. ستشعر بغباء وانت تقرأها. كيف لرجل لا يؤمن بالحب يقع به. كيف لرجل ك "عاصم" أن يسلم قلبه لامرأة حتى وإن كانت ببراءة وجمال أمنية. كيف أن يثق وقد فقد ثقته في الجميع.
يجلس بمقهى خاص برفيقه على طاولته الخاصة بالمكان مرتدياً بنطال كلاسيكي كحلي اللون وقميص أزرق فاتح مفتوح أزراره العلوية بتبجح ليظهر صدره العريض وجسده المنحوت. تجلس بالقرب منه فتاة تنتظر ولو نظرة فقط منه وهو بارع بالتجاهل وخاصة وأن كان عقله شارد بأخرى. أخرى جميلة رقيقة ذات غرة تسلب الأنفاس. والجميلة تجيد التدلل فمنذ أن اتفقا على اللقاء بشكل يومي بالنادي من أجل أن يتعرف على بعضهما بشكل أقوى وهي مختفية.
تململ بجلسته ونظرات ملتصقة من جواره باتت تخنقه. التمعت بعينيه فكرة سرعان ما قام بتنفيذها. انتصب بجسده العلوي على الكرسي وقام برفع هاتفه النقال بطول ذراعه وقام بالتقاط صورة له بخاصية "السيلفي" وهو يبتسم ابتسامته الرائعة. ثم حملها ووضعها على "الانستغرام" تبعه مرفقة بكوب من القهوة. وهو ينقر باصبعه برتابة بانتظار نجاح خطته.
وبالفعل لحظات وجائته رسالة على الرسائل الخاصة: "حلوة الصورة". وابتسامته تحولت لضحكة ظفر. رد وقال:
- انتِ اللي حلوة.
مرفقة بوجه يغمز. وردها كان "قلب أحمر" وفقط. أرسل لها وقد نفذ صبره:
- مش بشوفك ليه.
ردها كان سريع دون تفكير كتبت:
- مش فاضية خالص. بذاكر.
اندهش. أي مذاكرة تتكلم عنها.
- بتذاكري إيه. مش المفروض انك خلصتي كلية.
غابت عن الرد دقيقة. دقيقة كافية برسم العبوس على وجه الوسيم. ثم ردت:
- ااه. ايوة بس انا باخد كورسات انجليزي وبراجعها حاليا. المهم انت عامل ايه.
كتب سريعا:
- الحمدلله تمام. المهم انتِ وحشاني هنتقابل امتى.
من الذي يتحدث ويسحب الكلام منها. هو. عاصم. والله لو قال أحدهم له قبل تلك الساعة أنه سينتظر رد فتاة على رسائله والتودد لها لضحك وقال عنه مجنون.
كتبت:
- بكرة هشوفك ف النادي.
- طب وبالنسبة لوحشاني.
ضحكت بخجل وارفقته بوجه أحمر وكتبت "أنا محستهاش" وأغلقت. وهو لازال على وضعه الهاتف بيده والإبتسامة على وجهه ورغم غرابة نظراته الا أنه كان سعيد. سعيد لدرجة الانتشاء.
ان عشت طفولتك في كنف أمك وأبيك بشكل طبيعي فهذه نعمة لا يدركها سوى من حرم منها. لطالما آمنت بأن اليتم الحقيقي هو يتم الأم والأب وهما على قيد الحياة. أنت لا تدرك معنى أن تكون بحاجة لحضن أمك ولا تجده لأنها وببساطة شديدة فضلت آخر عليك. آخر على شكل زوج. وأنت. أنت آخر اهتماماتها.
ممدة على فراشها. تنهمر دموعها دون إرادتها. وخافقها يضرب صدرها بعنف. تتسائل لما كل هذا يحدث معها. ف بعد أن اتفقت مع صديقتها هنا على مقابلة رامي. إلا أنها تراجعت بآخر لحظة خوفاً من أن يراها قاسم. وليتها ما تراجعت ع الأقل ما كانت سترى أمها. كانت تسير بجوارها مع رجل يبدو أنه أكبر منها بالكثير ولكن من ثيابه الفاخرة يبدو مدى ثراه. لم تنتبه أمها عليها. لم تشعر بها من الأساس. كانت وستظل على الهامش بحياتها وحياة والدها.
ازداد نحيبها قهراً وألماً حتى قاسم ذلك الكاذب والذي يدعي حبها لم يشعر بألمها. أليس الحب أن يشعر المحب بمن يحب دون أن ينطق. وكانت كلما شعرت بقهرها ضربت بقبضتها الصغيرة الفراش غضباً. أمسكت بوسادتها وكتمت به صرختها خشية من أن يسمعها جدها. صرخة لو سمعها أحد لتمزق قلبه وجعاً لأجلها.
نحيبها يزداد وسؤالها المقهور يضرب كل خلية بجسدها بقوة. "متى ستعود لأمها. أو بالأصح متى ستعود أمها لها".
بهوة المشاعر والأحلام كانت ريم تسقط دون إرادتها. تنظر إليه وهو أمامها يصعد درجة وأخرى إلى أن وقف أمامها وبابتسامته الهادئة الرزينة كشخصيته ألقى عليها تحية بسيطة. والشكر لله أنه وأخيراً رآها وحتى وإن كانت زوجة أخيه لا يهم. هي أرغمت على الزواج من كمال. هي مازالت تحب قاسم وترسم خيالات هو بطلها.
تنهدت بعمق وردت تحيته بابتسامة واسعة حالمة لم ينتبه عليها. واستكمل صعوده واستوقفته بصوتها الناعم كآلة موسيقية صوتها خفيف على الأذن:
- قاسم. أنا عايزة أتكلم معاك.
وقاسم وكعادته عقدا حاجبيه أكثر وضاق ما بين عينيه. ليتسائل ببلاهة:
- عيزاني أنا. خير ف ايه.
صعدت درجة لتفصل بينهما درجة واحدة صغيرة ترمقه بطوله المهيب وملامح الغاضبة دوماً. تلاعبت بخصلاتها ثم تحدثت بتوتر خجل:
- أنا ياقاسم عايزة اقولك اني اتغصبت على الجواز من كمال. وإن انا مش بحبه.
وليتها ماتحدثت ولا استوقفته. فالملامح الطيبة الغاضبة انكمشت أكثر وأكثر وتطاير الشرر من حدقتيه لو طالها لاحرقها مكانها.
- وتقوليلي ليه انك مغصوبة. مش عاجبك العيشة معاه اتطلقي كمال اخويا ألف واحدة تتمنى ضفره.
التمعت الدموع بعينيها وقالت بصوت غلبه النحيب بعد أن تشجعت:
- أنا بقولك عشان انا بحبك انت. بحبك انت ياقاسم.
كان كالشيطان أمامها باحمرار عيناه وقسماته التي احتقنت كالدم القاني. امسك بمعصمها بعنف آنت هي متوجعة. قال من بين ضروسه:
- اوعي اسمعك تقولي الكلام ده تاني. ولو شوفتك ف وشي تاني همسح بكرامتك الأرض.
تكلمت من بين غلالة الدموع المتساقطة على وجنتيها متوجعة:
- قاسم أنا.
ليقاطعها هو بحدة وهو ينفض يدها بعيداً عنه:
- انتِ حقيرة.
أحست بالضيق في كل شيء حولها. الدرج أصبح أضيق من ثقب الإبرة. ضاق صدرها عليها وضاقت أنفاسها. أحست بالاختناق لتنتفض من نومها فزعة. استقامت بمنتصف جسدها وهي تلهث بذات الوقت الذي اقتحم فيه كمال غرفتها دون أن يطرق الباب. أشعل الضوء الجانبي وهرول ليجلس بجوارها على الفراش. بكفه مسح جبينها من العرق الذي يتصبب عليه. ورفع خصلاتها الملتصقة بوجنتيها وجبهتها. ليقول قلقاً:
- ف ايه ياريم. انا كنت بصحي مراد عشان يفطر قبل مايروح المدرسة سمعتك وانتي صوتك مخنوق كأنك مش قادرة تطلعي صوتك.
رمقته ريم برعب وكأنها مازالت بذلك الكابوس الذي يراودها منذ فترة. قالت محاولة التقاط أنفاسها:
- مفيش كان كابوس مزعج. الحمد لله اني صحيت.
مسح بيده على خصلاتها وأعلى كتفها متجاهلاً قميصها الشبه عاري وهيئتها المهلكة لعينيه. قال مهدئاً بصوته الحاني:
- أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. خير متتوهميش نفسك. ارتاحي انتي. وأنا هفطر مراد وحاتم واوديهم المدرسة. وأما تفوقي وتهدي ابقى قومي لزين.
شكرته بعينيها وقد استمعت بعضاً من صوتها:
- شكراً يا كمال. هناملي ساعة ولا حاجة وهقوم لزين.
وكمال مضطر أسفاً أن يبتعد. نادماً أنه سيتركها هكذا. نهض مستاءً ليلتفت برأسه لصوتها وهي تقول:
- ممكن تقفل النور والباب وراك.
امتعصت ملامحه. ثم ضغط كمال بعنف على زر الإضاءة كي يطفأه ثم صفق الباب خلفه مغتاظاً.
سيسأل الرجل لامرأته ما أن يضمن بقاءها. تلك المقولة قالتها أمامي إحداهن. وكم كانت صادقة على قدر وجعها. الأمور كانت تسير بشكل روتيني بمنزل أكرم ونورهان. نفس الطقوس اليومية يعاد تكرارها. منذ آخر مرة تواجه بها معها وتركها. وهي مبتعدة عنه. ليس الابتعاد المادي الملموس فهي تقوم بواجباتها على أكمل وجه ملابسه مغسولة ومطوية بعناية. أكله ونومه وفراشه المنظم دائما. قهوته المرة والتي أدمنها من صنع يديها كل صباح بنفس الموعد تكون بانتظاره لاحتسائها. ولكنها مبتعدة معنوياً. نظراتها تائهة منكسرة وقد اختفى البريق اللامع بهما والى الأبد. يشعر بأنها جسد ينبض بلا روح. صامتة على الدوام عدا من بعض كلمات بسيطة كطلب يخص ملك ابنتهما أو شئ للمنزل. لا ينكر أن صمتها يحيره ولكنه يثير غيظه فهو غير معتاد.
اليوم لابد وأن يعرفها بما ينوي فعله. ف هو له كل الشكر لم يقصر معها أبداً. ولابد وأن يحيا حياته كما يريد ومع من يحب وهي ليست مضروورة بشيء.
انتظر أن تجلس بعد أن وضعت الطبق الأخير لوجبة الغذاء على المائدة. وقبل أن تبدأ قال بهدوء منافٍ تماماً لتوتر أعصابه:
- أنا هتجوز.
رواية بيت القاسم الفصل السابع 7 - بقلم ريهام محمود
الأمور كانت تسير بشكل روتيني بمنزل أكرم ونورهان.
نفس الطقوس اليومية يعاد تكرارها.
منذ آخر مرة تواجه بها معها وتركها، وهي مبتعدة عنه.
ليس الابتعاد المادي الملموس، فهي تقوم بواجباتها على أكمل وجه.
ملابسه مغسولة ومطوية بعناية.
أكله ونومه وفراشه المنظم دائماً.
قهوته المرة والتي أدمنها من صنع يديها كل صباح بنفس الموعد تكون بانتظاره لاحتسائها.
ولكنها مبتعدة معنوياً.
نظراتها تائهة منكسرة وقد اختفى البريق اللامع بهما وإلى الأبد.
يشعر بأنها جسد ينبض بلا روح.
صامتة على الدوام عدا من بعض كلمات بسيطة كطلب يخص ملك ابنتهما أو شيء للمنزل.
لا ينكر أن صمتها يحيره ولكنه يثير غيظه فهو غير معتاد.
اليوم لابد وأن يعرفها بما ينوي فعله.
فهو له كل الشكر لم يقصر معها أبداً.
ولابد وأن يحيا حياته كما يريد ومع من يحب وهي ليست مضرة بشيء.
انتظر أن تجلس بعد أن وضعت الطبق الأخير لوجبة الغذاء على المائدة.
وقبل أن تبدأ قال بهدوء منافٍ تماماً لتوتر أعصابه:
- أنا هتجوز.
بهدوء قالها.
هدوء ظاهري نقيض لحيرة تأكل كل شيء بداخله.
كانت تمسك بمعلقتها كي تبدأ بالأكل وبجملته الباردة تلك ألجمتها.
وضعت المعلقة بهدوء على المائدة أمامها.
وإن كان يريد منها تبدلاً أو شيء يثبت له بأنها لازالت تحيا، فقد ناله.
فنظرتها التي رفعتها لناظريه كانت كفيلة بالرد.
نظرتها وكأنها خاب أملها.
نظرة منكسرة لجندي خسر معركته الأخيرة.
- مبروك.
من قال أن المرأة سهل فهمها فهو أحمق، أبله.
فأكرم توقع ثورة.
انقلاب.
دموع ورجاء بألا يتركها.
ولكنها، وللأمانة، أفحمته بردها.
صمت قليلاً وهو يقلب بملعقته الطعام أمامه دون أن يأكل.
ثم سألها باستغراب لم يستطع كبحه:
- متفاجئنيش يعني.
كأنك كنتي عارفه.
والعجيب أنها ابتسمت.
نصف ابتسامة تعلو ثغرها، ملامحها احتلتها الحزن رأسها محني قليلاً وأمامها طبقها كما هو لم تمسه.
- كنت حاسة.
ثم انكسرت نبرتها أكثر.
ووجهها زاره البؤس رغم أدعائها بالنقيض.
وقالت:
- كنت حاسة بكل حاجة.
كل حاجة أنت كنت بتعملها معايا كانت بتأكدلي إنك هتسيبني قريب.
عاجلها بنبرة صادقة دون شك بصوته الأجش:
- أنا مقولتش إني هسيبك.
أنا هتجوز.
وبعرفك عشان متتفاجئيش وعشان تشوفي إنتي ناوية على إيه.
رفعت وجهها إليه.
وتفاجئ هو بنظراتها وكأن الدموع تحجرت بمقلتيها.
لو هزها لانهمرت على الوجنتين.
ظلت تنظر إليه بجمود.
جمود غريب عليه.
ران الصمت الثقيل عليهما لحظات طوال كانت كفيلة بحرق أعصابه وهو ينتظر ردها.
ونطقت أخيراً بعد تنهيدة مكتومة حبستها بصدرها.
نهضت من مكانها واستقامت.
- أنا هقوم آكل ملك.
مبروك للمرة التانية.
وتركته وهو يحدق بها بذهول وحيرة وبعض من الضيق.
ضيق للأسف اكتنف صدره ولا يدري سببه.
***
القهر يولّد الغضب، والعناد يولد التمرد.
وبداية التمرد عند حنين.
تنورة رمادية ضيقة تتجاوز الركبتين بالضالين.
إن رآها المقصود أغاظه لجن جنونه وهذا المطلوب.
يعلوها بلوزة زهرية اللون ضيقة للغاية مفتوح أول ثلاثة أزرار منها.
تقف أمام فراشها تنظر للبنطال والبلوزة والتي اعتادت ارتدائهم بناءً على تعليماته بغيظ تود تقطيعهم.
ولذلك ارتدت غيرهم من الممنوع عليها ارتدائهم.
وإن لم يعجبه فأمامه الجدار وليطرق رأسه اليابس به.
جمعت خصلاتها من الأمام بدبوس معدني مزين بحبات لؤلؤية صغيرة وباقي خصلاتها الكستنائية تركتها مسترسلة على كتفيها وظهرها.
جذبت حقيبتها المدرسية واحتضنتها وخرجت من غرفتها ثم خرجت من المنزل دون فطور، فمازال الجد نائماً على الأغلب.
كانت تطوي درجات السلم مسرعة وكأنها تسابق نفسها.
تنوي مغادرة البيت قبل أن يراها قاسم.
فهي حتى وإن تعمدت إغاظته فلا تفضل رؤيته حالياً.
ولكن، وللأسف، من لا تريد رؤيته يفصل بينهما عدة درجات بالفعل.
قلبت عيناها ما إن رأته أمامها بمدخل البيت الواسع يستند على البوابة الحديدية بانتظارها تقريباً.
يرتدي بنطال جينز أزرق داكن يعلوه قميص قطني رمادي خصلاته مبعثرة وذقنه غير مشذبة كعادته مؤخراً.
وما إن رآها حتى انتصب بوقفته وتبدلت قسمات وجهه من ملل الانتظار إلى الغضب بسبب ملابسها.
اتقدت عيناه ناراً تطاير الشرر منهما وهو يراها تتجاهله وتتخطاه دون كلمة وكأنه هواء.
خطوتان خلفها وكان يمسك برسغها يجذبها إليه بغيظ.
فتلفت إليه دون أن تنظر إليه.
فقال مستهزئاً:
- يا بنتي لو النظر عندك بعافية شوية.
عرفينا عشان نعالجك.
جذبت يدها من قبضته بعنف.
وقالت بحنق وهي تفرك رسغها من أثر مسكته الغليظة:
- مش عايزك تكلمني ياسيدي.
وأظن ده من حقي.
اشتد به الغيظ منها فقال بحدة:
- هو إيه اللي مش عايزة تكلميني.
هو أنا عيل بلعب معاكي.
وبعدين إيه اللي إنتِ لبساه ده ياحنين من امتى وانتِ بتلبسي كده.
قال كلامه الأخير وهو يشير بنظراته السوداء على ملابسها.
- من النهاردة ياقاسم هلبس كده عنداً فيك ووريني هتمنعني إزاي.
رفع إحدى حاجبيه بتحدي وقد اتسعت فتحتي أنفه.
مال عليها بطوله وهمس:
- أوريكي.
ابتعدت عنه قليلاً بخوف وتراجع.
ازدردت ريقها وهي تقول بتلعثم خفيف:
- مش من حقك تتدخل في حاجة تخصني أنا.
بابا عايش وكمان جدي مسؤول عني.
مش انت.
صاح بها وقد غلبه الغضب:
- اللي متعرفوش، أو عرفاه وبتستعبطي إن جدك نفسه هو اللي وكّلني أكون مسؤول عنك.
عنك كلك بلبسك بأكلك بشربك بكل حاجة.
من وانتِ خمس سنين وأنا كنت كل حاجة بالنسبالك وانتِ كمان.
شددت من احتضان حقيبتها وكأنها درع واقٍ سيحميها منه ومن فوران غضبه الدائم.
أشاحت بوجهها عنه وأغمضت عينيها وهي تهتف:
- ألغى كلام جدي أنا كبرت وخلاص أنا مسؤولة عن نفسي.
- من امتى.
ونبرته كانت غريبة.
عادت بنظراتها إليه لتتلقفها نظراته الغامضة.
وملامح وجهه لا تعبر عن شيء.
تسائلت بعدم فهم:
- هو إيه اللي من امتى.
وتلك المرة لانت نبرته ومازالت نظراته الغامضة تأسرها.
اقترب منها ونظراته مرت على كل شبر بها بدأ من خصلاتها المنسابة مروراً بحقيبتها السوداء والتي تخفي عن عينيه جزعها العلوي إلى أن وصل لخصرها ومقدمة تنورتها الضيقة.
فأعاد النظر ثانية لعيناها وهمسته الأجش باسمها.
- كبرتي من امتى ياحنين.
ولم يكن سؤال وقح.
تلك النبرة كانت صادقة هي أحست بها.
وكعادتها تهوى الهروب اعترضت.
تنهدت بضيق والحمرة القانية لونت وجهها:
- قاسم.
لو سمحت.
ولكنه تجاهل اعتراضها.
فسأل بآخر:
- كبرتي عليا.
- صباح الخير والعسل.
استدارا كليهما برأسيهما على صوت كمال وهي يلقي تحية الصباح عليهما بابتسامته المعهودة وملامحه الهادئة بفطرته.
أشاح قاسم بوجهه محرجاً دون رد وبادلته حنين التحية وهي تقترب منه مبتسمة:
- صباح الفل يا أبيه.
صاحي بدري ليه.
ارتفعت نبرة كمال وهو يرمق قاسم بخبث ليشير عليه وهو يقول بمكر:
- الظاهر إن مش أنا بس اللي صاحي بدري.
صاحي ياستي بدري عشان عندي شغل ضروري ولازم يخلص انهاردة عشان الحق أروح المحكمة.
تنحنح وأجلى حلقه يحاول أن يتخلص من ارتباكه.
فهو يكره أن يكون مكشوفاً هكذا.
ويعلم بأن كمال يفهمه وهذا يزيد من حرجه وتوتره.
قال ونظراته يوزعها هنا وهناك:
- صباح الخير يا كمال.
يللا ياحنين عشان أوصلك.
ردت بعناد:
- لأ.
أجز على أسنانه.
ثم تكلم بغضب غلف نبرته:
- بقولك يللا عشان هوصلك.
تدخل كمال منهياً كلامه:
- خلاص ياقاسم روح انت شوف مصلحتك أنا هوصلها.
اقتربت أكثر من كمال حتى صارت بمحاذاته.
ثم قالت مغيظة له كالأطفال:
- أيوة أنا عايزة أبيه كمال يوصلني.
فارت دماؤه حد الغليان.
زفر أنفاسه بغضب ثم قال لكمال بنبرة مكتومة:
- أنا بس مش عايزك تتعطل عن مصلحتك.
أنا هوصلها في طريقي يعني.
ابتسم كمال بمكر.
قال بتلاعب يجيده مع قاسم:
- لا مش هتعطل ياسيدي متخافش.
يللا يانون.
أحاطها كمال بذراعه على كتفيها بعاطفة أبوية تفتقدها هي دائماً ودائماً كان يعوضها كمال بها.
وما إن رأى قاسم ذلك المنظر حتى تحول لثور هائج من سرعة أنفاسه الساخنة الغاضبة.
ظل يراقبهم إلا أن اختفوا من أمام عينيه المشتعلة غيظاً.
استدار وسار بالطريق المعاكس وهو يسب ويلعن ويتوعد وبقدمه يركل الأحجار الصغيرة بعنف منفساً فيها ولو قليلاً عن غضبه.
***
وبعد أن أخذا الطريق سيراً على الأقدام، متجاهلاً هو لسيارته المعطلة.
كان كمال أمام مدرستها يقف أمامها ونظراته مليئة بالحنان.
فلطالما كان كمال بمثابة الأخ الكبير والذي عوض غياب الأب إلى حد ما.
وضع كفيه على بشرة وجنتيها بحنو صادق.
وقال بطيبته:
- حنين أنا عارف إني قصرت معاكي في الفترة الأخيرة بسبب وفاة خديجة الله يرحمها وانشغالي بالأولاد.
بس خلاص ابتدت الأمور تتظبط وريم ابتدت تشيل عني الحمل شوية.
لو عايزة أي حاجة مني ف أي وقت.
أي وقت يانون.
تكوني مكلماني أنا.
وسيبك من الواد قاسم الغلس ده.
اللمعت عيناها بالدمع ولا تعرف لما.
أومأت برأسها وهمست:
- عارفة.
أنا فعلاً محتجالك أوي يا أبيه الفترة دي.
وابتسم لها وهو يربت على وجنتيها وقال بمرح:
- وأنا ياستي هكون المارد بتاعك وقت ما تعوزيني.
اطلعيلي علطول وأنا كلي أذان صاغية.
وضحكت بوجه مشرق له.
ثم ودعته ملوحة له بكفها ودخلت لمدرستها وهو استكمل طريقه بعد أن استوقف إحدى سيارات الأجرة.
***
ومن توقع بأنها رفعت عنه الحمل ولو قليلاً غارقة حتى أنفها، فريم أنثى على مشارف الثلاثين لا تجيد شئ في الحياة إلا الدلال والغنج.
فوالدتها كانت لا تعتمد عليها بشيء وهي أيضاً.
وبين ليلة وضحاها أصبحت زوجة وأم بديلة لأولاد شقيقتها المتوفية.
حتى وإن كانت زوجة مع إيقاف التنفيذ إلا أنها تقطن مع رجل غريب عنها مسؤولة عنه وعن ملابسه وأكله وما إلى ذلك.
أما الأولاد فحدث ولا حرج.
مراد الولد الأكبر يشبه والده بكل شيء منظم حد الملل مهذب معها بالحديث وهي لا تشتكي منه أبداً.
فولد كمراد ذو السبع أعوام بتصرفاته تلك بالتأكيد معجزة.
وزين ذو العامين ونصف العام وحمداً لله أنه نائم الآن فهو منذ أن يستيقظ إلى أن يغفو إما أن يبكي أو يريد أن تظل حاملة إياه تلاعبه وتهدهده.
وحاتم واه من حاتم سبب عنائها بهذا المنزل ألا يكفي أنها مرغمة على العيش معهما.
لا، فحاتم لا يتقبلها كزوجة أبيه ولا يقبل مساعدتها بشيء ولا حتى يحدثها.
وإن صادف واجابها تكون وقاحته رداً: "انتي مش ماما عشان أسمع كلامك". "انتي عايزة تكوني مكان ماما".
خطوات سريعة وكانت تلحق بمراد تلبسه حقيبته المدرسية على ظهره وتضع بها شطائره والعصير الخاص به.
ثم ودعته بقبلتين على الوجنتين يخجل الولد بسببهما ولكنه يكتفي بالايماء.
يلحق به حاتم عاقد حاجبيه ممتعض الملامح منها ومن تصرفاتها.
لتقترب هي منه لتعدل من قميصه البيج فينفض يدها عنه بقلة تهذيب ويقول لمراد:
- كفاية رخامة بقى.
الباص هيفوتنا.
وهي لن تحزن فحاتم مازال طفل ولن تهتم بتصرفاته الوقحة تلك.
فخير علاج لوقاحته معها أن تتجاهله.
هرولت إلى شرفة المنزل بعد أن ارتدت مئزر الصلاة وعدلت الحجاب على خصلاتها.
لوحت للصغيرين بكفها قبل أن يصعدا الأتوبيس المدرسي ليلوح لها مراد بكفه مبتسماً والأخير هز رأسه رفضاً وصعد حانقاً.
***
وحضور الطابور المدرسي والنشيد الوطني والشمس المشرقة على رؤوس الطلبة لأمر مكروه عند حنين وهنا.
هنا التي ما إن رأتها حتى سحبتها من كفها خلفها لتسير ورائها تسألها:
- انتي وخداني موديني على فين.
مش هنحضر الطابور.
تسير دون أن تأبه بها.
ردت بلامبالاة:
- لأ مش هنحضره.
عايزة أوريكي حاجة مهمة.
وتجاوزا البوابة الحديدية الكبيرة.
وخرجت وحنين ورائها منساقة.
وبشارع جانبي وراء المدرسة رأته.
مستنداً على مقدمة سيارته "الجيب" مكتفاً ذراعيه أسفل صدره، يرتدي بنطال أزرق فاتح وقميص قطني أبيض مفتوح أعلاه يعلوه سترة سوداء وبعنقه سلسال فضي يختفي طوله أسفل قميصه.
اعتدل بوقفته وارتسمت على شفتيه ابتسامة واسعة رائعة يجيد رسمها.
ونظراته الثعلبية لمعت بمكر عند رؤيتها.
شهقت حنين بعنف وقد تفاجأت من وجوده.
التفتت برأسها إلى هنا ورمقتها بغضب.
ولكن هنا لم تهتم تركت يدها وابتعد قليلاً وقالت ضاحكة:
- أعمل إيه.
هو كان عايز يشوفك وانتي مترددة دايماً.
قولت أدبسك.
وركضت مسرعة لداخل المدرسة وتركتها بمفردها بمواجهته.
ليتحول غضب حنين إلى خجل وضيق فلأول مرة تكون بهذا الموقف.
استدارت سريعاً بنية العودة ولكنه كان أسرع منها فسد عليها طريقها دون أن يلمسها.
وقال لاهثاً وهو مازال يبتسم:
- انتي رايحة فين بس.
أنا ما صدقت أن وأخيراً شفتك وهنتكلم.
حبيبات عرق نبتت على جبهتها وارتباكها ورجفة أطرافها كانا دليلين على خوفها.
هتفت وهي تتلاشى النظر إليه بصوت بالكاد يُسمع:
- أنا خايفة حد يشوفني.
وبعدين أنا أول مرة أقف مع شاب.
والثعلب اقترب والخطوة الأولى كانت جرأة منه.
واقترابه زاد من إصراره ليقول بنبرة صادقة زائفة وهو يضع يده على صدره:
- طب أعمل إيه.
حطي نفسك مكاني بقالي مدة نفسي أشوفك وأكلمك وانتي بتماطلي.
وارتباكها ازداد وارتجف خافقها وقربه الجريء تسبب بصدمتها.
لتبتعد خطوة وتلون وجهها بالحمرة.
تردف بتلعثم:
- أنا مش بماطل.
وابعد شوية لو سمحت.
وجنتيها متوردتين أكثر من السابق.
تبدو شهية للأكل.
نفذ طلبها فوراً وابتعد ولكن ليس كثيراً.
همس بأسف مصطنع:
- آسف.
بس بجد أنا تعبت من الانتظار، وحابب يكون كلامنا وتعارفنا face to face من غير هنا ما تكون بينا.
تسائلت بضيق:
- طب وبعدين.
آخرة تعارفنا إيه.
صمت برهة وكأنه تفاجئ بسؤالها.
تدارك صمته سريعاً وقال مؤكداً:
- طبعاً لازم هاجي أخطبك.
أنا كلمت ماما عليكي وهي نفسها تشوفك فعلاً وتتعرف عليكي.
ثم أخرج من جيب بنطاله الضيق ورقة بيضاء مطوية واعطاها لها مستطرداً:
- عموماً ده رقمي.
أنا خدت رقمك من هنا.
سجليه عندك عشان لازم نتكلم.
وأثناء حديثه كانت هي تتأمله بصمت.
طويل جداً يفوق قاسم بسنتيمترات قليلة.
خصلاته الفحمية الناعمة بتسريحة عصرية تليق به كثيراً على عكس قاسم لا يمشط شعره إلا بالأعياد.
ولحيته السوداء الخفيفة وبابتسامته المذهلة ليس كعاقد الحاجبين دائماً.
نفضت رأسها تنفض تفكيرها بقاسم ف أكيد ليس وقته.
ابتسمت بخجل وتوترت ما إن لامسها بأطراف أنامله وهو يعطيها رقمه.
- حاضر.
ممكن تعديني بقى.
وكان مطيع.
فانزاح عن طريقها.
- اتفضلي.
خلي بالك من نفسك عشان خاطري.
ظل يراقب ظهرها وابتسامته الثعلبية ازدادت مكراً.
حدث نفسه وهو يتوجه لسيارته: "على عيني أسيبك بس الجايات أكتر ياقطة".
***
بشركة عاصم النجار.
أتاه صوت زياد من خلف باب مكتبه المغلق يطلب الإذن بالدخول وهو ما منحه له على الفور.
ليدلف زياد للداخل بهدوء ويجلس أمامه دون كلمة.
تسائل عاصم بحاجبين مرفوعين مندهشاً:
- زياد جاي بدري الشركة.
لأ دنتا تتحسد أنا هندهلك أماني تبخرك.
وزياد ليست تلك طبيعته.
فكان جالساً بهدوء يناقض صخبه المعتاد يزفر بضيق وهو ينقر بأصبعيه على المكتب.
عاود سؤاله باستغراب:
- مالك.
تنهد زياد ومازال يضرب بأصبعيه سطح المكتب:
- نيرة عايزة بيبي.
ورد عاصم ببساطة:
- طب ماتجيب لها بيبي.
رمقه بنظرة حانقة.
ثم تحدث من بين أسنانه:
- ولاه إحنا هنستظرف.
والآخر قرر مناوشته وزيادة عبوسه:
- هو إيه اللي هنستظرف.
زياد انت تمام يااض.
ونال الضحكة وعاد العابث لشقاوته ليهز كتفيه بمشاغبة:
- أنا زي الفل واسأل عليا.
ضحك عاصم بشدة وهتف بنبرة سمجة:
- لأ معلش أتأكد.
ليجيبه زياد غامزاً وقد تعدل مزاجه وأخيراً:
- لأ أنا ملييش في الخشن.
أنا في الناعم وبس.
- اتفضل دي العقود اللي حضرتك طلبتهم مني.
انتفض كل منهما على صوت ارتطام الملفات بسطح المكتب وصوت مدام أماني العالي الحانق دوماً.
قال عاصم وهو يرمقها بغل يحاول التقاط أنفاسه:
- بسم الله.
ف ايه ياحاجة.
قطعتيلي الخلف.
التفت زياد إليها برأسه وصاح بها:
- والله ما أعرف هو انتي عدوة البيبان يا ست انتي.
نفسي مرة أشوفك بتخبطي.
قالت وهي تتجاهل النظر إليه.
وقد امتعضت ملامحها فصارت كالجورب المقلوب:
- بلاش انت تتكلم معايا.
روح ربنا يهديك.
اتسعت حدقتاه مندهشاً ليسأل بحنق:
- إييييييه ده.
عاصم أنا مش عارف مين شغال عند مين.
وهي مازالت تتجاهل بمنتهى الوقاحة والبرود قالت بتقرير:
- لو سمحت يامستر عاصم.
قول لمستر زياد الست ال Rubbish اللي بتجيله هنا الشركة متجيلوش تاني.
حفاظاً على سمعة الشركة.
مال عاصم بصدره على المكتب وهمس بصوت مسموع نسبياً:
- أنت تعرف rubbish من ورايا.
وارتفع صوتها واستنكرت تصرفاته الغير مسؤولة:
- لا بجد يافندم أنا ملومش على مستر زياد بقى.
إذا كان رب البيت بالدف ضارب.
ثم خرجت من المكتب وهي تضرب الأرض بكعبي حذائها المتوسط غاضبة.
وما إن صفت الباب خلفها حتى كادت أن تخلعه.
ليلفت زياد لعاصم مستفسراً بذهول:
- أنت سايب الست دي تخبط فينا كده ليه.
ليجيبه عاصم ببديهية وهو يعدد على أصابعه مميزاتها:
- شايفة شغلها صح.
محترمة مواعيدها تظبط عليها الساعة ومنظمة وبتفهمني ودي أهم حاجة.
ثم استطرد مستنكراً:
- وبعدين إيه موضوع الست اللي بتجيلك هنا دي أنا مرضتش أحرجك قدامها.
بس لو عايز تعط تعط برة مش في شركتي يالا.
زفر زياد وعاد العبوس لملامحه مرة أخرى:
- صدقني أنا عايز أخلع منها.
أساساً أنا حاسس إن نيرة شاكة فيا.
ورد عاصم كان مليئاً بالشماتة:
- أحسن تستاهل.
يارب تعرف وأسيبك.
- حرام عليك.
لأ أنا خلاص هنهي الموضوع الشمال ده.
أنا قلبي مش مرتاح.
اعتدل عاصم على كرسيه.
وهتف بجدية:
- يبقي أحسن.
نخلينا في الشغل بقى.
أخبار الصفقة إيه.
أجابه واثقاً:
- متخافش إن شاء الله هترسي علينا.
وعاصم توجس.
عقد حاجبيه وقال بشك:
- هو أنا ليه لما انت بتقولي متخافش بخاف.
- والعابث غمزته حاضرة ورده ثقة ليشغبه:
- عشان انت خفيف ياحلو.
***
"... علموني أندم على الماضي وجراحه.
واللي شوفته قبل ما تشوفك عيني.
عمر ضايع يحسبوه ازاي عليا."
صدح المذياع بتلك الكلمات الملحنة للست أم كلثوم.
وبصوتها الذي يروقه دائماً ويعدل من مزاجه قام برفع صوت المذياع أكثر.
ثم عاد ليجلس كما كان جالساً عكس الكرسي الخشبي يستند بذراعيه على ظهره بفمه سيجارة وأسفل كرسيه وبجواره العديد من أعقاب السجائر التي قام بحرقها.
لم يكن مدخناً شرهاً من قبل ولكن اليوم شياطين الكوكب تتلبسه.
كان ممسكاً بهاتفه يضغط على شاشته عدة ضغطات ثم رفعه على أذنه.
يهز ساقيه بعصبية.
ينفث دخان سيجارته بضجر وهو بانتظار الرد.
وقد أتاه ليلقي سيجارته بالأرض وهو يهتف بتهذيب غير معتاد عليه:
- السلام عليكم.
إزيك ياعمي عماد.
وعلى الجهة الأخرى جاؤه رد ليجيب كاذباً:
- وإنت كمان والله.
لقيتك واحشني قولت أتصل أطمن عليك.
صمت قليلاً ريثما يأتيه الرد من عمه.
حك عنقه بكفه وهو يقول بحرج:
- إيه ده.
هو أنا للدرجادي مكشوف.
طب بما إنك عارف ياعمي.
فأنا شايف إن مفيش داعي للتأخير وتنزل الأسبوع الجاي نكتب الكتاب.
كاد أن يستمع ولكنه قاطعه:
- كل ده ومستعجل.
حرام عليك ياعمي.
ده تقريباً أنا الوحيد في العيلة اللي لسه متجوزتش.
عبست ملامحه وقال بضيق:
- طب ولا حتى تقدر تنزل خلال الشهر ده.
وانتظر أن ينتهي عمه ثم قال وهو يزفر أنفاساً مشتعلة:
- طيب خلاص.
اللي صبرني كل ده هيصبرني للشهر الجاي.
صمت مرة أخرى.
ثم قال منهياً قبل أن يغلق الهاتف:
- تنزل بالسلامة.
لا إله إلا الله.
***
"لو ياستي عايزة تتأكدي أن جوزك بيخونك تعالي المكتب بتاعه الساعة 9 وانتي هتتأكدي بعينك".
لن تكون تلك الرسالة هي الأولى فقد سبقها الكثير من الرسائل من أرقام مجهولة وبالتأكيد لن تكون الأخيرة إذا قررت التجاهل ككل مرة.
ولكن تلك الرسالة لا تستطيع تجاوزها هكذا.
فتلك بها ميعاد محدد.
وأمام التجاهل أو الحذف وقفت كالصنم.
والغريب أن ولأول مرة قررت نيرة المواجهة وتركت الرسالة دون حذفها.
رواية بيت القاسم الفصل الثامن 8 - بقلم ريهام محمود
بدأ الألم يتملكها، كمن يقترب من النار للتدفئة فيحرق أصابعه. رغبة في البكاء تملكتها، لكن دموعها جفت. تنتظر حكمًا بالموت على طيبتها وسذاجتها، وتبتهل بكل جوارحها ألا تأتي تلك اللحظة التي يتحطم فيها قلبها إلى شظايا، اللحظة التي ستفقد فيها عشقها للأبد. للأسف، تقف عند تلك اللحظة التي لطالما أخرتها، لكن لامفر.
وقفت بمفردها أسفل البناية التي يقع بها مكتبه، ترتجف أطرافها كارتجاف خافقها، بعد أن جائتها تلك الرسالة. لم تتردد كثيرًا، فقد اكتفت.
جمعت خصلاتها البنية في كعكة تعلو رأسها، وارتدت ملابسها على عجالة. سروال من الجينز الأسود يعلوه كنزة كشمير. لا تعلم هل هما متناسقان أم لا، ولا يهمها بالأساس. كل ما كان يهمها أن تصل على الموعد المحدد كيفما كانت.
ها هي الساعة التاسعة، الميعاد المذكور بالرسالة. تجر الخطى إلى مدخل البناية، خطوات متعثرة مرتعبة. كانت تسير بخوف وارتجاف وكأنها تغوص بين رمال متحركة. تجاهلت المصعد أمامها واختارت السلالم. خطوة للأعلى واثنتان تتراجع. صوت نبضاتها يكاد يصم أذنها. تتمسك بالسور الرخامي للسلم، تخشى الوقوع.
وبعد معاناة، ها هي تقف أمام باب مكتبه. المكان خالي من الموظفين. وقفت مبهوتة أمام بابه. تعلم أنها إذا فتحت ذلك الباب سترى ما لا يسرها. تعلم أنها النهاية، هكذا يخبرها قلبها. تمنت لو تركض، أن تبتعد، أن تستفيق من هذا الكابوس.
اقتربت رغم رفضها، وأصابعها على مقبض الباب. ثانية.. ثانيتان.. وفتحت الباب. بأسوأ خيالاتها لم تتوقع أن ترى زياد هكذا. ورغم صدمتها وسواد الرؤية، إلا أنها رأت زوجها أمامها يجلس على كرسيه أمام مكتبه، بقميصه الأبيض المفتوح أزراره كلها تقريبًا، عدا الزر الأخير. على وجنته وقرب ثغره، أحمر شفاه رخيص، كالتي تجلس أمامه على المكتب، تضع ساقًا على الأخرى، ترتدي فستانًا أحمر فاقع ضيق، تميل بجذعها عليه بشكل وقح.
صفعة الباب بالجدار جعلته ينتفض. والساقطة لم تتحرك، فهي لم تتفاجأ. جحظت عيناه من الصدمة. هز رأسه رافضًا لما رأته هي. وقبل أن يستوعب، ركضت هي. دفع ذات الخصلات المصبوغة بالأصفر عنه. وهي تجاهلت دفعه لها، وتشبثت بياقة قميصه بأناملها الطويلة المطلية بالأحمر، قالت بدلال محاولة استمالته:
"سيبك منها.. هو أنا مش عجباك ولا إيه؟!"
وتلك المرة، صفعه على وجهها المزين بحرفية، ودفعة أقوى من سابقتها. سقطت أرضًا من قوتها. وبسبابته، حذرها من بين أسنانه:
"لو شفت وشك هنا تاني هساويكي بالأسفلت."
هرول مسرعًا للخارج وهو يغلق أزرار قميصه، يبحث بعينيه عنها هنا وهناك. لا يرى لها أثرًا، وكأنه كان يتخيلها. ولكن عطرها الخفيف الذي يحاوطه دليل على وجودها. ضغط على المصعد بعنف، ودقات قلبه تضرب أضلعه بشدة. يشد على خصلاته بخوف وتوتر.
لحظات وكان بالمصعد. ضغط على الدور الأول. وما أن وصل حتى خرج منه مهرولًا، ليراها وهي تستقل سيارة أجرة، متجاهلة ندائه لها.
***
بإحدى دور العرض الموجودة بمول دائم التردد عليه، كان عاصم يجلس بجوار أمنية يشاهد بملل شديد فيلم يُعاد للمرة الألف تقريبًا. فيلم رومانسي سخيف، لا يحب رؤية تلك النوعية من الأفلام. فهو عندما اتفقا على أنهما سيشاهدان فيلمًا معًا، كان بمخيلته أنه سيحضر فيلم "The Fast and the Furious" الجزء التاسع، فهو يموت شوقًا لرؤيته. ولكن المدللة الوردية أبت، وبغنج لا يليق سواها، تحدثت:
"أنا مبحبش الأكشن.. هختارلك فيلم ع ذوقي هيعجبك."
والماجن غمزته دائمًا حاضرة. وابتسامته الواسعة وازت حديثه:
"أكيد هيعجبني طالما من ذوقك إنتي."
واختيارها كان فيلمًا مصنفًا للبنات، وللبنات فقط، "Me Before You". يكره الدراما والرومانسية وجو "الدلع" كما يقول زياد دائمًا. فهو رجل له جولات وصولات مع النساء. لم يمر عليه كمثلها، رقيقة، بريئة، كلامها يجذبه. يكون في حضورها مشدوهًا. حالة لم تمر عليه من قبل، حتى في أول أيام شبابه مع حبيبته الأولى. وإن يكن فيلمًا رومانسيًا، لا بأس.. فالحلوة تأمر وتدلل، وهو ينفذ. ووقت قطفها لن يرحمها أكيد.
بحركات يديها التي بات يعشقها ويعتادها، كانت تحكي وتسرد عليه أحداث الفيلم، رغم أنهما يشاهدانه معًا. ورغم أنه تابعه قبلًا ولم يلاقي استحسانه، ولكن منها.. غيــــــــر. يتأمل تأثرها وانبساط ملامحها وقت مشاهد البطل، وراحة وانقباض قسماتها وقت الدراما. وتوترها واحمرار خديها في المشاهد الرومانسية، والذي استغل هو إحداهما وأمسك بكفها بنعومة. وخجلت هي، وألوان الطيف جميعها تبدلت على وجهها. وابتسمت برقتها وأحنت نظراتها. وما زالت كفها بكفه، وبداية التجاوز ملمس الأيادي.
***
وأمام بيت القاسم الكبير، والذي شهد قصة حبها له ومراهقة عاشقة لرجل لا يكتفي بأنثى واحدة، ها هي تعود إليه امرأة باكية، جرحت بسيف الخيانة.
كانت تترجل من سيارة الأجرة والدموع تتسابق على وجنتيها. يستقبلها قاسم بعد أن اتصلت به منهارة، ترجوه أن يكون بانتظارها لأنها بحاجته. وما أن استدارت بجسدها، حتى تلقفها قاسم بحضنه، يربت على ظهرها بحنو. يخصها هي به، فهي شقيقته الصغرى البلهاء كما كان يسميها. لم يسألها، ولن يسألها هي بحالتها تلك. ليست بحاجة للسؤال، وإنما للعناق. وهو اكتفى بالعناق، وهي أيضًا. تبكي بنحيب يكتمه صدره الصلب.
لم يدم عناقهما سوى دقيقتين بالتمام. وصوت صرير سيارة زياد المسرعة وهي تحتك بالأسفلت، تقف أمامهما مرة واحدة، فرقهما. ولكن لا تزال في محيطه. ركض زياد نحوها، وملامحه المرعوبة ورفضها له جعله لم يحتج للمزيد ليعرف بأن زياد هو السبب بحالها. ودون سابق إنذار، كانت لكمته الغاضبة لوجه زياد، تتحداه أن يقترب من شقيقته. والأخير، رغم ترنحه، لم يتنازل، وكأنه لم يتألم من لكمته الفولاذية. حاول الاقتراب منها مرة أخرى، وهي تبتعد عنه وعن نظراته، تتحامي بظهر قاسم. توسلها بذعر جديد عليه:
"نيرة، خليني أشرحلك.. والله إنتي فاهمة غلط."
زاد بكاؤها. وبنحيب، استنجدت بقاسم، تدفن وجهها بقميصه:
"ابعده عني يا قاسم والنبي.. مش عايزة أشوفه تاني."
وكأن قاسم كان ينتظر رجائها. أزاحها برفق عن طريقه. وأمسك بتلابيب زياد، يسدد اللكمات على وجهه واحدة تلو الأخرى. وزياد لا يقاوم، وكأنه كان راضيًا بتلقي العقاب.
تعالت صرخات نيرة وصوت الضرب. جعل من بالمنزل ينزلون مهرولين مذعورين. الجد والأم وكمال وزوجته. وكانت الكلمة الأولى للجد، والذي صُدم مما رأى:
"قاسم، ابعد عنه.. إيه اللي إنت بتعمله ده."
وخلال حديث الجد، اقترب كمال منهما وفصل بينهما، ليتلقى لكمة طائشة من قاسم، كانت موجهة لزياد. والأم تولول وتضرب صدرها من منظر ابنتها وانتفاخ وجهها الباكي. وعلى ما يبدو أن الحدث جلل. صاحت بقاسم:
"فيه إيه يا قاسم؟ فهمني يا ابني بتضربه ليه."
وقاسم لم يرد. هو لا يعرف السبب، ولكن بالتأكيد سبب عظيم كي يجعل البلهاء تستنجد به. سأل كمال زياد بحدة:
"ممكن تفهمنا إيه فيه؟ وقاسم بيضربك ليه."
والبجح أجاب رغم الألم الذي يشعر به:
"مشكلة بيني وبين مراتي.. مش عارف هو بيدخل ليه."
صرخت نيرة به من بين بكائها:
"لأ مش مشكلة والسلام.. الأستاذ بيخوني.. وهيطلقني حالًا."
تبادلوا الشهقات. سبة بذيئة أطلقها قاسم بغضب في وجه زياد المشوه بكدماته. وتحدثت الأم، وليتها ماتحدثت:
"طلاق إيه يا بنتي الله أكبر.. كل مشكلة وليها حل."
ونهره قاسم هادرًا:
"ماما، اطلعي إنتي لو سمحتي وخذي نيرة معاكي."
وكاد زياد أن يعترض ويرفض، ليهديه قاسم لكمة أخرى برأسه الصلب بأنفه. صرخ بهما كمال محاولًا إبعادهما. ثم دفع زياد بكلتا يديه بقوة بعيدًا، ارتد هو على أثرها. وقال بتحذير:
"امشي يا زياد دلوقتي.. وبعدين نبقى نشوف اللي إنت هببته."
حاول الكلام، ولكن مقاطعة كمال له كانت صارمة، وتحت أنظار الجد المصدومة. عاد بأدراجه وأخذ سيارته وتركهم مرغمًا.
***
واللكمة التي نالها كمال بالخطأ تلونت وأصبحت بنفسجية. ممدد على الأريكة المريحة بجوار غرفته، يتحسس عينه. ريثما أتت ريم بكيس ثلج واقتربت من موضع نومه. مالت بجذعها عليه، ووضعت الثلج على عينه المكلومة، تكتم ضحكة تود إخراجها، ولكن الموقف غير ملائم.
"متكتمهاش.. اضحكي اضحكي." قالها بغيظ منها.
وأكثر من ذلك لم تستطع، فانفجرت ضاحكة وقالت:
"شكلك فظيع يا كمال.. يخرب بيت كده بجد."
وعلى الرغم من أنها تتنمر عليه، إلا أن قربها وضحكتها التي تصدح بدلال محروم هو منه، جعلته سعيدًا. وأهة متوجعة صدرت عنه لتقترب أكثر وتميل:
"سلامتك.. فيه إيه بجد؟! هي للدرجادي وجعاك؟!"
ونبرتها كانت قلقة صدقًا. وملامحها تتساءل وتنتظر إجابة منه. وهو ينعم بأطراف خصلاتها الناعمة على جبينه ورائحتها التي تسكره، تزيد من رغبته بها. واقتراب وجهها منه هكذا سيجعله يقبلها وليحدث ما يحدث. وإحقاقًا للحق، هو "عداه العيب" وصبر أكثر من اللازم. كان قاب قوسين أو أدنى من تقبيلها بالفعل. ولكنه همس بنبرة متهدجة:
"مش عيني اللي وجعاني."
وأمسك بكفها حتى كادا أن يلتصقا. وتبادل الأنفاس بينهما مابين ثائرة وخائفة. ونعومتها يستشعرها بصلابة جسده. نظرتها مرتبكة، ونظرته مليئة بالرغبة. وانتفضت وقاومت سحر اللحظة التي ولأول مرة تمر بها. نزعت كفها من بين يده واستقامت بوقفتها. قالت مرتبكة وهي ترجع خصلاتها خلف أذنيها:
"أنا هروح أنام.. تصبح على خير."
وبخطى سريعة مضطربة، تركته. وبغضب وحنق، كاد أن يلحق بها. ولكن كالعادة، الصبر مفتاح الفرج. وهو سيصبر والأمر لله.
***
لطالما اقتنعت بالحكمة التي تقول "البتر أفضل من النحت". أن تترك أمرًا معلقًا وكأنه سيُحل من تلقاء نفسه، فتلك وقاحة بحد ذاتها.
يهيم على وجهه منذ لقائه بجده عصر اليوم، وهو ليس هو. غاضب، حانق، مستاء وحائر. غاضب من نورهان "زوجته"، والتي أخبرت جده برغبته بالزواج من أخرى وأنها قررت الانفصال. أخبرت الجد وليس هو. أليس هو صاحب الشأن؟ وحديث الجد معه، والذي خاب أمله كثيرًا بحفيده الطيب. وكأن ليس بينهما اتفاق بأنه زواج مؤقت من أجل الستر، وهو مشكور وافق وارتضى. جيد.. بل جيد جدًا أنها ستبتعد. هكذا قالها لنفسه، مقتنعًا بما آلت إليه الأمور.
الساعة الثانية بعد منتصف الليل. يقف أمام باب شقته، يستند بجبهته عليه. منهك، خائر القوى. فتح الباب بمفتاحه. ودلف بخطى بطيئة خشية الإزعاج. ولكن تفاجأ بها وبابنته ملك، ما زالا مستيقظتين. ألقى بمفتاحه على الطاولة الموضوعة بجوار باب الشقة. واقترب منهم. ورغم الغضب، إلا أنه تساءل باستغراب:
"ملك سهرانة ليه؟"
والصغيرة ما أن رأت أباها حتى ركضت نحوه بخطواتها المتعثرة، وبنطقها الطفولي المبتدأ بحروف ضائع نصفها، قالت "بابي جه". فحملها وقبلتين على وجنتيها ودغدغة ببطنها، تعالت ضحكاتها. بهدوء، أردفت نورهان ونظراتها للصغيرة وفقط:
"تقريبًا مستنياك.. كل ما أجي أنيمها تعيط وتجري مني."
جلس على الأريكة متعبًا، وما زالت ملك على ذراعه. ونورهان تلاحظ تغيره، تعبه، ضيقه البادي، على الرغم من أنه صامت. قطعت الصمت السائد، عدا من همهمات ملك وقبلات أكرم لها.
"أحضر لك العشاء."
وردة كان نظرة.. نظرة طويلة.. وكأنها تحمل بين طياتها عتابًا. عجيب أكرم هذا، أمن حقه العتاب؟ قال بنبرة خلطتها أنفاسه الحانقة:
"مليش نفس."
ثم استطرد بحديثه:
"كلامك مع جدي كان إيه؟"
جلست أمامه، تفرك أصابعها بعضهم البعض بتوتر. ازدردت ريقها وهي تهمس:
"مش هو قالك."
"عايز أسمع منك إنتي."
أجلت صوتها. والموضوع صعب. والكلام كان بسيط وسهل مع الجد، أما مع أكرم فتشعر بأنها مذنبة وليست ضحية.
"قولتله إن إحنا هننفصل.. وإنك هتتجوز.. و..."
وقاطعه بحدة بعد أن انتبه أن الصغيرة نامت على كتفه. ووضعها بهدوء منافٍ للوضع. ثم التفت لها بوجهه الغاضب هادرًا:
"وتقولي لجدي ليه؟ الكلام ده المفروض يبقى ليا أنا مش لجدي. هو إنتي متجوزاني أنا ولا متجوزة جدي؟"
وتراجعت بجلستها. وخافت من ثورته. قالت بنبرة شابها الخوف والتوتر:
"أبدًا والله.. الكلام جاب بعضه.. ولما سألني ع قراري قولته."
ضحك.. ضحكة مستهزئة ساخرة. ومن بين ضحكته الغاضبة، سأل بانفعال:
"قرارك..!! قرار إيه يا نور اللي إنتي بتاخديه، لامؤاخذة؟ إنتي ناسيه إن مش من حقك تاخدي قرار أصلاً."
وبانفعال أقوى وأشد من انفعاله، صاحت به للمرة الأولى:
"ليه مش من حقي؟ وقبل ما أفتح الموضوع ده وتجرح بكلامك، أحب أقولك إن ده شيء ميعيبنيش. أنا مكنش ليا ذنب وإنت عارف كده كويس."
ورفعة حاجبيه واتساع حدقتيه كان دليلًا على ذهوله. ترفع صوتها عليه! قال مبهوتًا غير مصدق:
"بقالك صوت يانورهان.. بقيتي بتعرفي تتكلمي وتردي!"
والبركان الخامد بداخلها آن له أن يثور وينفجر. والنبرة الصادرة منها كانت لامرأة تعاني، تثبت حقها كإنسان قبل أن تكون أنثى مظلومة. هدرت بمرارة:
"حقي يا أكرم.. أنا استحملت منك كتير.. عصبية وذل وقلة قيمة.. قولت يمكن مع الوقت تحبني واستنيت وصبرت وجت ملك.. رغم إنك كنت منبه إن ميحصلش حمل، بس كانت إرادة ربنا أقوى من كلامك.. ومع ذلك محبتنيش. عملت كل حاجة حلوة عشانك.. ومستنتش منك مقابل.. وإنت أي حاجة بتعملها لي.. بتذلني قدامها سنة.. وجاي تقولي إن مليش حق يكون ليا قرار!! لأ.. أنا ليا حق وحق ونص كمان."
وسكتت وأشاحت بوجهها عنه، تحاول التقاط أنفاسها الثائرة. وهو.. هو؟! هو لا يعلم من هو؟ هو لا يعلم ما به؟ هو لا يعلم لماذا انقبض قلبه من كلامها؟ من المفترض أن يكون مرتاحًا، على الأقل سينفصلان وسيتخلص من عبئها هي وأسرتها. هو لا يعلم لماذا يشعر بأن صدره يضيق عليه.
تكلم بهدوء، سيد الموقف. وأكرم لن يقبل بأقل من أن يكون سيد الموقف، والقرار بيده.
"تمام.. أنا هعتبر نفسي مسمعتش حاجة.. هسيبك تفكري مع نفسك لبكرة.. وبالليل تقوليلي قرارك النهائي إيه! وعشان تعرفي إن أنا كريم معاكي، هسيبلك البيت كله النهارده عشان تراجعي نفسك وتعقلي."
كادت أن تتكلم. قاطعه بإشارة من كفه، منهيًا:
"متتكلميش دلوقتي.. قدامك لبكرة."
سلام. ألقاها عليها وغادر. وتركها. ولا يعلم بأنها قررت وانتهى الأمر.
***
بالمدرسة الثانوية للبنات.
كانت حنين تقف قبالة يارا بحوش المدرسة الواسع. فهما بنفس الصف ونفس المدرسة أيضًا. كان بينهما حوار يدور. يقارب على العشر دقائق، وآخر الحوار كان نبرة يارا القوية ونظراتها المتحدية:
"تمام أوي.. أنا هقول لقاسم إنك كنتي واقفة مع واحد إمبارح ورا المدرسة."
ورغم ارتجاف أنفاسها وخافقها، إلا أنها عاندت. استقامت وهددت بسبابتها:
"لو قولتي لقاسم.. أنا هقول لزياد إنك بتخرجي قبل الوقت ما يخلص من المدرسة.. ده غير الدروس اللي معتيش بتحضريها."
عقدت يارا حاجبيها، وتوترت، ولكنها لم تظهر توترها. قالت بلا مبالاة:
"وماله قوليله.. هيسألني هقوله كنت تعبانة وهو هيصدق والليلة هتعدي.. إنما إنتي.. متخيلة لما قاسم يعرف هيعمل إيه."
ابتلعت حنين ريقها بصعوبة. والعرق انتشر على جبينها. لتكمل يارا كلامها:
"هيقلب الدنيا. مش بعيد يخليكي متخرجيش تاني.. أنا مش هقوله. بس مش عشانك لأ.. عشانه هو.. أنا مش عايزة أجرحه وأصدمه فيكي.. وآخر مرة هبهملك وأحذرك. لو شفتك بتعملي أي حاجة هتزعل قاسم، أنا اللي هقفلك."
قاسم عند يارا خط أحمر. تحبه كأخيها.. بل أكثر. تكره حبه لحنين، ترى أنه يستحق أفضل من تلك المغرورة. ألقت عليها نظرة ممتعضة قبل أن تفارقها، لتشيعها الأخرى بضيق وغضب.
***
كانت كالثلج وهو كالنار. وبالالتقائهما سينطفئ إحداهما. وبالتأكيد الانطفاء سيكون للأكثر عشقًا. وحيث يكون العشق يبدأ التنازل. والتنازل بداية لسلسلة من التنازلات المتتالية. بدأت بأنها كانت تعلم بخيانته، ولكنها تنازلت من أجل ألا يفترقا. مرورًا بتأخره.. تجاهله.. حتى مشاعره كانت تهديه الكثير، فيمنّ عليها هو بالفتات. من قال أن الأنثى كائن ضعيف؟ فيكفي تحملها لأمور لا يستوعبها أي رجل. أخبروني عن رجل رأى خيانة امرأته وركض ولم يقتلها! يكفي عليها ما تحملته من أجل البقاء معه. ولكنها استكفت. والانفصال بات الحل الوحيد. وبمنطق قاسم "وجع ساعة ولا كل ساعة".
بالكاد تحركت من فراشها بعد أن غفت لأكثر من نصف يوم. ودت لو أنها تغفو الدهر كله، ولكن ليس كل ما توده ستناله. استقامت بطولها لتجد أنها نامت بملابسها. بخطوات بطيئة منهكة، كمن تجر خيبتها، خرجت من غرفتها لتجد والدتها وكمال وقاسم جالسين سويًا بصالة المنزل، وكأنهم بانتظارها. أو بالفعل كانوا ينتظرونها. تنهيدة مكتومة حبستها بداخل صدرها. والحزن محتل قسماتها. وبهدوء، اقتربت من جلستهم وجاورت شقيقها قاسم. ودون أي مقدمات، قالت لكمال الجالس أمامها بصوت متهدج:
"أنا عايزة أطلق. من فضلك يا كمال خلصني من الموضوع ده كله."
وشهقة مسموعة كانت جوابًا لم يعجبها. هتفت أمها تحاول إقناعها:
"يا بنتي الطلاق مش سهل زي ما إنتي فاهمة."
صاح قاسم بوالدته واحتدت نبرته:
"ولا الخيانة سهلة عشان هي تستحملها يا ماما. وهو رجل الخيانة ليست من شيمه. الرمادية خارج قاموسه ولا يعترف بها. أحبك وأكرهك ليس لهما ثالث. قراره منبعه عقل يابس لا يقبل التفاهم ولا يحبذ التنازل، على الرغم من أن قلبه يتنازل من أجل حبيبة قررت المضي والاستغناء."
تجاهل كمال كلاً من أمه وشقيقه الأصغر. وبحكمة تخصه هو وحده، تكلم:
"أنا عايزك تهدي وتفكري وتراجعي نفسك مرة واتنين وعشرة. والقرار اللي إنتي هتاخديه أنا هدعمك فيه."
ويبدو أن الصغيرة اتخذت قرارها. ملامح وجهها كانت جامدة كالرخام، ونبرتها كانت حاسمة، تشدد على حروفها جيدًا.
"أنا خدت قراري خلاص يا كمال.. مش هقدر أعيش معاه بعد اللي شوفته."
والتتمة كانت لقاسم، والذي قام من مكانه وشد من طوله، ليقول منهيًا حوارًا لا داعي لمناقشته بالأساس، على الأقل من وجهة نظره:
"خلاص هي قالت اللي عايزاه.. واللي عايزاه أنا اللي هعملهولها.. والواد ده هيطلقها والجزمة فوق رقبته. خلص الكلام."
وغادر بهيمنة، وترك خلفه أمه تندب حظ ابنتها العاثر، وكمال مهدئًا لها، يربت على ظهرها ويعدها بأن الأمور ستكون بخير، رغم أن الوضع لا يعجبه. وأخرى انكمشت بجلستها وبذراعيها احتضنت جسدها تلتمس الدعم من داخلها.
***
"إنني أضع حدا لحكايتنا.. هذا عناق عيني وعينكِ وفراق بيني وبينكِ! فإن تدمع.. فقد دمعت عينٌ لي من قبل، لا قميصَ تلقيه عليّ ليعود قلبي..! لا حكاية لنا سوى ما كتبناه الآن... أنت في ودائع الله... وأنا في مهب النسيان...!"
"نيرة"
خلاص يا زياد.. حياتكو مع بعض انتهت لحد كده. قالها الجد بحزن. رأسه منحنية للأسفل، يستند بيداه على ذراع كرسيه. يجاوره قاسم، مغضن جبينه عاقد حاجبيه، والشرر يتطاير من نظراته. وكمال، والذي رغم هدوئه الظاهر، إلا أنه يكظم غيظه وغضبه. هز رأسه رفضًا، يستنكر الموقف كله. دقات قلبه تضرب أضلعه بعنف. حاول وسيحاول لآخر نفس. لن يدافع عن نفسه، فهو مذنب ومخطئ وحقير، وكل ما سيقولوه عنه صحيح وسيقبل وسيرضي. المهم أن ترضي عنه هي وتعود. يكاد يجن من غيابها. ولأول مرة منذ زواجهما، ينام بمفرده على الفراش دونها. برجاء متعب، أردف:
"خليني أتكلم معاها يا جدي.. أنا محتاج أتكلم معاها."
وقاسم ضاق ذرعه من حديثهم الممل. ما الصعب في أنها تريد الطلاق؟ فليحترموا رغبتها. تحدث بغضب هادرًا:
"بقولك هي خلاص مش عايزك.. إنت إيه مبتفهمش."
فانفلتت أعصابه وهدر به:
"وإنت مالك إنت يا أخي.. هو أنا وجهتلك كلام!؟"
أمسك كمال بذراع قاسم الذي تحرك من مكانه كي يضربه. كظم غيظه وقال باقتضاب:
"نيرة مش عايزك يا زياد خلاااص.. وأنا وقاسم بنقولك كده لأن إحنا أخواتها وهي بلغتنا بكده."
تجاهلهم زياد ووجه حديثه لجده وحده. قال متوسلًا:
"كلمها إنت يا جدي.. إنت لو كلمتها هتسمع كلامك."
وزعقة الجد كانت بمنتهى الحدة:
"مش هغصب عليها عشانك."
لم يستطع كبح جماح لسانه. سأله بانفعال:
"اشمعني غصبت عليا أنا وأكرم..؟"
وبسؤاله الوقح، أثار غضب الجد وإشعال ثورته. هدر به:
"لأ.. أنا غصبت على أكرم بس، إنما إنت كنت ميال.. ملكش حق ولو بسيط إنك تقول مغصوب. محدش ضربك ع إيدك ولا حد قالك علقها بيك وشاغلها.. ولا إنت مفكرنا نايمين ع ودانا ومش فاهمين..!!"
وكلمة واحدة نطقها بحروف مشددة:
"طلقها."
دمعة هاربة من مقلتيه، ونظرة رجاء امتزجت برفض وندم صادق.
"مش هطلقها."
***
سيقولون الحب جنة، سيغرونك على دخولها. سيتلاعبون بك وستخسر أنت. ستحترق بنار الفراق وألم الفقد. ستموت كمداً وأنت ترى ذبولك يومًا بعد يوم.
كعادة لم يتخل عنها. يوميًا وقت الغروب، يقف على سطح المنزل بجوار حماماته. يمسك بيده العلم الأحمر يلوح به وصافرته المرتفعة تجذبهم إليه من كل صوب. يقف مستندًا بجسده على السور. يضع بأذنيه سماعتي هاتفه، يدندن بلحن ما. وكأنه بعالم آخر. لم ينتبه على تلك التي أتت وتحدثه منذ مدة. بأصبعها طرقت على كتفه بخفة. ليلتفت لها متفاجئًا. نزع إحدى السماعات عن أذنيه وظلت واحدة معلقة بأذنه. باستغراب سألها:
"حنين!!.. بتعملي إيه هنا؟"
زفر بملل ثم قال وهو يتلاعب بخصلاتها بلا اهتمام:
"بقالي مدة بناديلك وبسألك على فكرة.. بس إنت مش هنا."
زوى بين حاجبيه أكثر، مستفهمًا، متجاهلًا لخصلاتها التي استطالت والتي يتوق للمسها والتلاعب بها بشدة.
"بتسأليني ع إيه؟.. وبعدين مش إحنا متخاصمين أصلًا."
قوست شفتيها بحزن، وعبست ملامحها كالأطفال.
"خلاص بقى يا قاسم متبقاش قفوش."
ارتفع حاجباه بدهشة وهو يردد كلمة "قفوش". وتجاوزت هي وسألته بضيق شاب نبرتها:
"زياد عملتو معاه إيه.. أنا زعلانة عشانه أوي!"
كالعادة تثير غضبه وجنونه. هتف بحدة غير مستوعب لما قالته:
"زعلانة عشانه ومش زعلانة ع نيرة؟!"
عارضته بطريقة أثارت تعجبه.
"أيوة زعلانة عشانه.. نيرة كفاية عليها زعلكوا عشانها.. إنما زياد ملوش حد."
كز على أسنانه غيظًا، وبفظاظته المعتادة رد عليها بما تستحقه:
"إنتي يابت إنتي معتوهة.. ولا حد ضربك على دماغك وطلعالي..؟ أخفي من وشي أحسنلك."
تنهد باستياء، بينما أشاح بوجهه عنها في غلظة تستحقها. واقترب مرة أخرى من حافة السور وأطلق صافرة عالية أخرج بها القليل من كبته. قطعت هي الصمت بسؤال استدعى انتباهه:
"هو إنت ليه مبتعاملنيش زي نيرة ويارا؟!"
حدق بها وقد ذهب غضبه أدراج الرياح. لم يجيبها بل ظل على وقفته وتحديقه بها دقيقة كاملة. أسرها بنظراته، خجلت هي من تحديقه بها فأخفضت وجهها. بالأخير آتاها صوته الأجش بنبرة تظهر عشقه:
"عشان إنتي مش زي نيرة ولا زي يارا.. إنتي مش زي أي حد."
تمتم باسمها وقلبه يخفق.
"حنين..!!"
وبهدوء ردت:
"نعم."
أمسك بكفها، وتلك تعتبر سابقة من نوعها. وسحبها وراءه بلطف لا يشبهه.
"تعالى عايز أوريكي حاجة."
واقترب من أحد الخزائن الخشبية المخصصة للحمام وأشار بسبابته على اثنتين من الحمام الصغير.
"شايفة الزغاليل دي."
والتمعت عيناه، وابتسم بعذوبة. قال بتقرير عاشق:
"بتاعتك."
وقفت أمامه منتصف ظهرها ملتصقًا بصدره العريض تتأملهم بفرحة. قالت بجزل:
"الله.. شكلهم حلو أوي بس أنا بخاف منهم."
ولأول مرة منذ بلغت هي وكبرت، تكون بذلك القرب منه. لأول مرة منذ سنوات يرى ملامحها الهادئة وضحكتها الجميلة. وكأنها عادت تلك الفتاة ذات الأربعة عشر عامًا بجديلتها الطويلة دون عناد أو تمرد. والقرب يهلكه وهو الذي صام عن كل شيء عداها. دقات قلبه كانت تدوي كطبول المعارك. ترك لمخيلته العنان وهو يحتضنها ومال قليلًا بطوله واقترب بأنفه يشتم عطر خصلاتها الناعمة. قال بوله خالط أنفاسه الثائرة:
"هعلمك وهعودك.. هخليكي متخافيش منهم تاني.. هخليكي متخافيش من أي حاجة أبدًا."
استدارت بوجهها وسألته بنظرتها قبل ثغرها:
"ولا منك؟!"
واتسعت ابتسامته الحلوة. ومزاجه كان في أعلى مراحل السعادة، فالحلوة قد عادت. هتف مهددًا يداعبها:
"لأ.. خافي مني.. عشان أنا لو شفت منك غلطة واحدة هطير رقبتك."
وضحكت هي الأخرى، رغم أنها توترت من مزحه. غيرت مجرى الحديث وهي تجذب سماعة أذنه الغير معلقة وتركت له واحدة ما تزال عالقة بأذنه.
"بتسمع إيه.. سمعني كده!!"
مد يده بجيب سرواله الرياضي وأخرج هاتفه. ضغط ضغطتين تقريبًا وقال:
"ثواني هشغلها لك م الأول."
طالعها بنظرات عاشقة وتبادله هي بصمت وابتسامة وفقط. ثوانٍ وهتفت فرحة:
"الله.. منير.. أغنية تجنن."
ومابين نظرات لفّت عاشق حتى النخاع، مهووس للحد الذي لا حد له. ورغم أنه ينكر ورغم أنه لا يعترف، إلا أن النظرات تصرخ بالعشق الخالص وألحان منير تصدح بآذانهما بأغنية وكأنها كتبت لأجل تلك اللحظة.
"سمع بكايا الحجر.. نهنه وقال مالك.. مالك.. فتفت جلبي وأنا ببكي على حالك.. حالك.. فيه حاجة غالية عليك ياشتب ضيعالك.. ضيعالك..... أنا جولت ضاع الأمل مني ومش قايل.. يا حمام بتنوح ليييه.. فكرت عليا الحبايب.. يا حمام ضاع منك إيه.. دوبتني كده فوق مانا دايب."
رواية بيت القاسم الفصل التاسع 9 - بقلم ريهام محمود
بدأ ضيق شديد يصيب صدره، وإحساس بالاختناق من كل شيء حوله، ومن تلك التي تجاوره، ليست تجاوره فقط بل ملتصقة به كظله.
كان أكرم برفقة جيلان، يروا إحدى الشقق الموجودة بإحدى البنايات الراقية، وتلك الشقة الثالثة بعد اثنتين لم تنالا استحسانها.
من كان يصدق أن يكون أكرم برفقة جيلان ويشعر بالضيق والضجر!
من المفترض أن يكون فرحاً، بل أن يطير من فرط الفرحة.
يقف بطوله الفاره بمنتصف صالة المنزل، ينفث دخان سيجارته بعصبية. لم يكن مدخناً كقاسم، ولكنه من فترة لأخرى يقوم بالتدخين، وخاصة أن كان زياد برفقته. سيجارة واحدة كل فترة لا تضر، واليوم يخالف القاعدة، فتلك سيجارته السابعة تقريباً، أو التي لا يعرف عددها.
تُجذبه من يده كي يشاهد معها، تسأله، وقبل أن يبدي رأيه تقاطعه بحديث آخر. كانت مبهورة بتلك الشقة، بأحلامها لم تتخيل أن تحيا بمنزل كهذا.
زفر بملل وهو ينفث دخان سيجارته، قبل أن يرميها أرضاً ويدوسها بحذائه، غمغم من بين سحابة تبغه، وقد ضاق ذرعاً منها.
"يللا يا جيلان خلصي.. أنا طول النهار بلف على رجلي معاكي واتخنقت."
وجيلان ليست بغبية أو بلهاء كي لا تلاحظ تغيره، انعدام لهفته وضيق ملامحه واضح كالشمس.
اقتربت منه، هي بالأساس مقتربة، ولكنها اقتربت أكثر وتأبطت ذراعه وهمست بدلال لا يليق بها وعينيها تدّعي الحزن.
"اتخنقت وإنت معايا.. وأنا اللي كنت فاكرة إنك هتبقى مبسوط أكتر مني إننا هنكون مع بعض."
لانت حدة نبرته، وقد تأثر بنبرتها واقترابها بتلك الصورة. ابتعد بنظراته عنها وقال بشبه اعتذار.
"أنا مش قصدي إني اتخنقت بالمعنى الحرفي.. قصدي أقولك إني تعبت.. وكمان أنا حافظ ديزاين الشقق في الكمبوند ده كويس لأنه شبه ديزاين شقتي."
تغيرت ملامحها لأخرى ملؤها الحقد والغل. سألته بخبث وغضب مستتر.
"قصدك الشقة اللي كنت أنا المفروض أكون عايشة فيها معاك!"
وإجابته كانت صارمة بنبرة حادة يقطع عليها المماطلة.
"قصدي الشقة اللي ملناش نصيب نكون مع بعض فيها يا جيلان."
وبالفعل صمتت، وابتعدت عنه قليلاً توزع نظراتها هنا وهناك دون هدف محدد. الغيظ يأكل قلبها. غرزت أظافرها بباطن كفها وهي تقول بانفعال لم تتحكم به.
"ألا قولي يا أكرم هي مراتك موافقة عادي إنك هتتجوز وكده.. ولا ناوية تتطلق!"
لما يذكرون كلمة طلاق، هم لا يعرفون نورهان. نورهان لا تقوى أن تكون بمفردها. هي تحبه وهو أكيد من ذلك. وهو لا يستطيع تركها، فهي أمانة، وأيضاً شقيقها ووالدتها. الأمر مفروغ.
وبرغم اقتناعه بأسبابه الداخلية، وبرغم ثقته الواهية، إلا أن قلبه قُبض، واضطربت خفقاته. استدار للنافذة العريضة التي تنتصف الحائط يتطلع من خلالها للخارج.
أتاها صوته الأجش بنبرة خالطتها أنفاسه المتوترة.
"لأ أنا مش هطلقها.. وهي تمام مفيش مشكلة.. متقبلة الموضوع عادي."
كتفت ذراعيها النحيفين أسفل صدرها ترمق ظهره بغيظ ومازالت منفعلة.
قالت من بين ضروسها بحدة.
"معندهاش كرامة بقى."
التفت سريعاً وقد اتسعت حدقتا عينيه غضباً وكأنه سبها. هدر بتحذير من سبابته لوجهها، والذي فقد لونه رغم مساحيق التجميل التي تضعها، بعد أن انفلتت أعصابه.
"جيلااان.. دي أم بنتي ومسسمحش أبدآ بالغلط فيها. وبعدين مانتي قابلة الوضع زيها.. ولا إيه."
حملقت به غير مصدقة، كانت مصدومة من حدته. وسريعاً نفت من عقلها سؤال لم ولن تعترف به "أيحبها". ابتعدت بخطوات عشوائية سريعة عنه، تهز رأسها بعصبية. عدلت من وضع الحقيبة الصغيرة على كتفها، وسارت باتجاه الباب.
ليلحق بها هو سريعاً وقد استعاد رابطة جأشه. أمسكها من معصمها بلطف وهمس آسفاً.
"معلش يانور هان.. أنا آسف أنا بس أعصابي اليومين دول مشدودة شوية."
ولمعة عينيها بعد أن غشيتها الدموع أنبأته. قالت بنبرة مكابرة تواجه بقوة نظراتها.
"أنا جيلان يا أكرم."
ثم شددت أكثر على حروف اسمها.
"جــــــيلااان."
هتفت بها واستدارت بجسدها تسبقه للخروج. ثم أردفت من بين خطواتها بنبرة غامضة.
"يللا عشان توصلني."
مسح صفحة وجهه بحدة من غبائه وحيرته وذلة لسانه. يشعر بأنه يركض لأيام تحت شمس تحرقه، وبحاجة لدلو من الماء البارد يسكب على رأسه كي يستفيق.
***
حلّ الليل وقد أُسدل ستاره على الشوارع وأتشحت بالسواد. وها هو يقف أمام باب شقته وقد عاد لضيقه وتوتره ثانيةً. فبعد أن أوصل جيلان لمنزلها، وقد اعتذر عن ذلة لسانه غير المقصودة وأنه نظراً لـ تعوده على اسم الأخرى بحكم الحياة بينهما وما إلى ذلك من محاولات بدت لطيفة، قبلت الاعتذار على مضض ووعد بعدم التكرار.
دقات خافقه تخطت المسموح وهو يلج للداخل. الهدوء يعم المنزل. نظر بساعة يده مستغرباً ليجدها مازالت التاسعة. هدأ قليلاً والتقط أنفاسه ما أن وجد ضوء غرفة الصغيرة مشتعل. أخذ نفساً طويلاً قبل أن يدخل عليهما. وتخطي باب الغرفة واتسعت عيناه مما يرى.
فكانت نورهان تقف أمام الفراش مشغولة بطي بعض الملابس التي تخصها هي وملك وتضعها بالحقيبة الموضوعة على الفراش بجوار ملك، والتي كانت تعبث بمحتوياتها. ترتدي ملابسها كاملة عدا الحجاب.
عقد حاجبيه متسائلاً بدهشة.
"انتي بتعملي ايه."
رفعت رأسها إليه كالطلقة وقد انتفضت على صوته. قالت بنبرة مرتجفة.
"بلم هدومي عشان أمشي."
ويبدو أن ما يراه أصابه بالغباء. فسأل مجدداً بعدم فهم.
"تمشي تروحي فين."
أجابت بتعجب تحاول الثبات أمامه. تكبح دموعها كي لا تستجدي شفقته.
"هروح فين يعني.. هروح بيتنا."
عقد ذراعيه ومال بجسده يستند على الباب كي يخفي رجفة أصابته. قال بلهجة مستخفة.
"بيتكو."
ثم استطرد بجدية.
"شكلك خدتي القرار وبتنفذيه."
تجاهلت استخفافه ونبرته الحادة. قالت وهي تستكمل ما كانت تفعله قبل دخوله.
"أنا قراري قولتهولك أمبارح يا أكرم."
في حكايته هي امرأة كُتبت على هامش السرد. وفي حكايتها هي بطلة تستحق الحياة رغم ما عانته وتعانيه. فلماذا ترتضي بنصف رجل!
زفر أنفاساً لاهبة. وعيناه تبثان النار. قال من بين أسنانه وقد تجهم وجهه.
"حيث كده.. وطالما انتي اللي اختارتي.. يبقى مش من حقك تاخدي حاجة وانتي ماشية. خدتك بفستان رخيص.. تمشي بيه."
جحظت عيناها والحمرة القانية لونت وجهها من حديثه الجارح. بأصابع مرتبكة أزاحت الحقيبة جانباً وتناولت حجاب خفيف أحاطت به وجهها المستدير. وهي لن تبكي، ستصمد إلى أن ترحل ومن ثم تبكي على خيبتها باقي عمرها. حملت حقيبة متوسطة الحجم على كتفها ثم مالت على الصغيرة كي تستطيع رفعها.
"عايزة تمشي.. امشي لوحدك.. بنتي مش هتخرج من بيتي."
واجهها بقسوة بعد أن جذب الصغيرة من أحضانها. زمجرت غاضبة تدافع عن حق لها.
"أنا مش همشي من غير ملك."
جذب الصغيرة لحضنه يخفيها عن عينيها. شارف عليها بطوله وانفاسه الثائرة تحرق الأجواء. هدر بها.
"والله ما هتخرج من البيت.. انتي اخترتي.. يبقى تتحملي نتيجة اختيارك."
شبت على أطرافها تحاول أن تجابهه. الفرق بينهما كبير. ثارت وهاجت بوجهه.
"انت بتعمل معايا كده ليه.. كفاية ذل بقى يااأخي."
ابتعد عنها وولاها ظهره. يغمض عينيه بشدة. بساعديه يغرز البنت بصدره، علها ترجع بقرارها. يضغط على شفتيه بقوة. قالت وقد أنتحب صوتها تتحداه. وعيناها تومضان ببريق دمع.
"هاخدلها يا أكرم.. هظبط حالي واخدها.. أنا مطلعش من الجوازة دي غير بـ ذُلك وبملك."
وتركته. تركت أمنية ببيت تمنت أن تكون هي سيدته. سترحل ومعها خيبتها.
وعند الباب وقبل أن ترحل. اهتزت نبرته وخفتت حدته والنار المتقدة بعينيه أصبحت رماد. قال بتحذير واهٍ.
"لو خرجتي من الباب ده.. مش هتدخليه تاني يانور."
وما كان ردها. ردها كان نظرة ملؤها خيبة الأمل. هزت رأسها وكأنها تستنكر ما يحدث وأغلقت الباب خلفها. وتركت وراءها رجل عصاه قلبه وركض خلفها.
والغريب أنه الملام بحكاية لم يسطر حروفها. والأغرب أنه لم يبرر أو يدافع. يجلس أمام والدته كتلميذ سقط بالامتحان. رأسه محني يستند بساعديه على ركبتيه. فمنذ أن خطَّ الصباح نوره وجاءت والدته، توبخه وتأنبه. وكم خاب أملها به وقد سقط من نظرها. كانت متعجبة من تبدله.
هتفت بعتاب ممزوج ببعض الألم.
"جبت قساوة القلب دي منين يا أكرم.. د أنت مكنش حد في حنيتك."
رفع نظراته إليها يرمقها بضيق. أردف بعصبية خفيفة.
"حقي.. الشرع محلل لي.. ثم إن هي مش ناقصها حاجة."
عالجته بكلامها بنبرة حادة.
"ولا أنت كان ناقصك حاجة عشان تروح تتجوز."
زاغت نظراته. وابتلع ريقه يرطب حلقه الجاف. قال بثبات.
"كنت متفق مع جدي."
عقدت حاجبيها تتسائل. تحاول أن تفهم.
"مش فاهمه اتفقت مع جدك ازاي يعني.. هو في حاجة أنا معرفهاش."
وأمه لم تعرف بأي شيء وبالطبع لن يخبرها. تنهد بضيق، ونبرته لانت وصارت رجاء.
"ماما الله يخليكي أنا مش ناقص.. عندي صداع ومنمتش بسبب ملك.. هي نايمة جوة خديها عشان تأكلها وخليها عندك."
وزعقت به تقصد أن يستفيق.
"لحد امته."
وكأنه سيبكي. توسلها بنبرة لم تسمعها منه قبلاً.
"مااما.. ارجوك."
***
على أنغام أغنية غربية يصدح صوتها المرتفع بأرجاء السيارة. كانت هنا تهز أعلى جسدها ورأسها تمايلاً مع اللحن النشاذ. تجلس مع رامي بسيارته، والذي انتهى لتوه من لفافة تبغه ذو الرائحة الغريبة. فقام بسحب أخرى من العلبة التي أمامه وقام بإشعالها. أجواء ساخنة، ضرب من ضروب الفسق والمجون. أخذ نفساً عميقاً كتمه بداخله ثم نفثه دفعة واحدة بوجهها. ومن بين الضباب الدخاني جاءت ضحكتها الرنانة وهي تقول بفسوق.
"الكيف مناولة مش مقاولة.. هات نفس متبقاش بخيل."
ناولها لفافته بعد أن سحب نفس آخر دون كلام. بباكتياديتها وضعتها على طرف شفتيها. ترمقه بحاجب مرفوع ونظرة عابثة. سحبت نفس واستاءت قسماتها. ومن بين أنفاسها الساخنة قالت ممتعضة.
"مش هتبطل حشيش بقى يا أخي. طب ده حتى نوع مضروب."
حك أرنبة أنفه بسبابته. أتتها ضحكته الخشنة بسبب ما يتناوله من الدخان.
"هو إيه ده اللي نوعه مضروب.. والله ما حد نوعه مضروب في الليلة دي غيرك."
ارتفع حاجباها. وهتفت بحدة مشوبة بتهكم.
"دلوقتي بقيت نوع مضروب.. نسيت زمان ولا حنين جابتلك زهايمر."
ولفظها لكلمة "زمان" كانت مشددة، تلمح لما كان بينهما وقت أن قام باصطيادها من إحدى غرف الدردشة بإحدى التطبيقات. كلامه المعسول وطريقته في التعرف وأولى مقابلاتهم والتي انتهت بحدوث علاقة بينهما. ومن وقتها وصارت كخرقة بالية يدهسها بأي وقت يريده. ووقت أن يريدها بمكالمة صغيرة تكون أمامه كما يريد، ولا يحق لها الاعتراض وجملته والتي تعريها "كله كان بمزاجك". ومن وقتها وهي معه تقبل بأي شيء، وتنفذ له كل ما يأمرها به. مقابل ما تحتاجه هي من أموال وملابس وما إلى ذلك. وآخر طلباته كانت حنين.
"ااااااه حنييين.. حتة بسكوتة عايزة تتاكل."
قالها متنهداً وهو يجذب لفافته من بين أناملها ثم استكمل وقد انتشى.
"هي خام صحيح بس لذيذة.. هتغلبني شوية بس هي تستاهل."
وحديثه كان دون أن ينظر لها. ينظر بملامحها والتي تبدلت لأخرى مرعبة. ونظراتها شيطانية سوداء. تهكمت بغيرة حاولت مداراتها بنبرة عادية.
"بس خلي بالك ليها ابن عم أقل حاجة تتقال عنه إنه تور. ثم نبهت بحدة. "اسمي ميجيش في الليلة دي خالص. أخرى معاك همهدلك السكة. والباقي بمجهودك ياعم الحنيّن."
قهقه بغرور زائد. ونظراته مركزة في اللاشيء أمامه. رد بثقة رجل لا يقبل الرفض.
"ملكيش دعوة بالباقي.. ومتخفيش أنا اللي ناوي أعمله فيها هخليها تبوس أيدي ورجلي عشان تفضل معايا."
***
ماذا يريد الرجل! يبدو كسؤال صعب ولكن إن دققت بتفكيرك ستدرك أن إجابته بسيطة. الرجل بكل مراحله يريد أنثى. طفل يريد أم ينهل من حنانها وتأخذ بيده للصواب. شاب يريد رفيقة يكتشف معها لذة البدايات وروعة الحب. ورجلٌ يريد زوجة من حضنها يبني بيتاً واستقرار. وأبٌ يريد ابنة تحمل ملامحه وتحنو عليه وقت أن يكبر. ولكن إن قلنا ماذا يريد كمال! سؤال سهل وإجابته أسهل. كمال يريد زوجة!
ببساطة هو رجل صبور ولكن ليس لتلك الدرجة. أتدرك شعور رجل يجلس ببيت واحد تحت سقف واحد مع زوجة كـ ريم دون أن يلمسها. رجل متزوج يكتفي بالنظر!
الجملة وقعها على الآذان مضحكة. ولكنه بات يتخيلها بحضنه تريده مثله وأكثر. يتخيل فقط!
رجل تخطى الأربعين بثلاثة أعوام ومعه من الأولاد ثلاث. ويتخيل فقط!
"ريم."
وتلك كانت صيحته باسمها. بعد نفاذ صبره. والأخيرة ركضت نحوه مذعورة وبنبرة قلقة سألت.
"خير يا كمال ف ايه."
قابلها بحدة وقد تجاهل القلق بنبرتها. عاقد حاجبيه بشدة ونبرته تكشف عن أول "خناقة" بينهما.
"ولا قميص ليا نضيف. أومال انتي لازمتك إيه هنا."
تراجعت للخلف متوترة. وقد قررت احتواء الموقف ومرور اليوم على خير. أردفت بذهول.
"قمصانك كلها مغسولة ومتعلقة في الدولاب."
ثم سارت بجواره حتى الخزانة وفتحتها أمام عينيه واخرجت قميصاً تلو الآخر.
"اهم يا كمال. في حاجة تاني."
واخر كلامها تهكم وقد فازت. فأغتاظ واحمر وجهه. مر بجانبها وبكتفه اصطدم بكتفها عن قصد إغاظتها.
"وأنا من إمتى بحطهم في الدولاب. المفروض إنك تعليقيلي قميصين برة كل يوم عشان أختار منهم."
ثم استكمل وارتفعت نبرته.
"وكمان فين شرباتي. ولا شراب موجود."
رفعت إحدى حاجبيها. وبعمرها ما كانت غبية كي تفهم أنه بيتحجج. أومأت تهديه. ثم فتحت أحد الجوارير وسحبت عدة جوارب منه ولوحت بهم أمامه وقالت وقد انفلتت أعصابها.
"طول عمر الشربات بتاعتك بتتحط هنا. وحاضر قبل ما تقول وأنا لا متى إيه. تمام كل يوم هعلقلك قميصين تختار منهم وشراب. هديت."
"لسة."
ولم ينتهي. وقرر البتر. وبصراحة أقرب لوقاحة هدر.
"الوضع ده لازم ينتهي. أنا هفضل أنام في أوضة مراد لحد إمتى."
"قلت مكسوفة. مش متعودة. أسيبها تهدي. بس انتي جبلة ومعنديش دم."
ذهلت. واحمرت خجلاً وغضباً. هتفت بتوتر.
"كمال صوتك عالي. الولاد في الصالة."
ودون جدال. وكمال قد فقد صبره فعلياً هتف.
"متغيريش المواضيع. أنا مش ساذج ولا لسة صغير عشان أصبر على الوضع ده أكتر من كده."
"كمااا."
وباقي الأحرف كتمها بشفتيه. بعد أن جذبها بعنف إليه. عنف لم يدم سوى ثوانٍ. والتخيلات باتت حقيقة فكان يقبلها بنهم، بشغف وكأنها المرة الأولى له. يتبادل أنفاسها والتي تاهت بين أنفاسه. في البدء صدمت. وارتعبت، ولكنه بدا هادئاً، فأغمضت عيناها واستسلمت لشعور خدر له لم تجربه من قبل. دون أن تعترض كان يوزع قبلات رقيقة كالفراشات على بشرة وجهها فاشتعلت وجنتيها من أنفاسه. واستسلامها زاد من وطأة وقبلاته. شهقت بعنف ما أن رأته ينزع قميصه ولكنه أخمد شهقتها ببحته المغلفة بلهفة سؤال.
"ريم.. انتي راضية."
ولأول مرة ترى ذلك التحول بنظراته ونبرته جمدتها. لم تجب وأيضاً لم ترفض فاعتبرها موافقة.
صوت اصطدام كوب زجاجي بالأرض جعله ينتفض الأول ومن ثم هي فدفنت وجهها خجلاً بصدره. أبعدها برقة عنه وركض باتجاه باب الغرفة ليجد حاتم ابنه الأوسط يقف مبهوتاً وبجوار ساقه شظايا لكوب زجاجي كان به عصير يشربه. انحني على ركبتيه يطمئن عليه.
"انت كويس ياحبيبي."
وأجابه الصغير بنحيب، وكلامه مقبض غير متوقع.
"أنا عايز أروح لماما عند ربنا."
***
دلف للمنزل والذي كان هادئاً معتماً على غير عادته. حيث أنه لم يأت منذ ما حدث. بالأمس وأوله نام بفندق. رمى بمفاتيحه وبطاقات ائتمانه جانباً. وسار بخطى بطيئة منهزمة للداخل. وشعور بالضيق يعتمر صدره. يبحث عنها بعينيه في الزوايا. يقف أمام المطبخ. يشعل ضوئه كانت دائماً هنا. أحساس الألم يتفاقم بداخله. هو يغلق الضوء ويتجه لغرفة نومهما. يخلع عنه قميصه وكأنه جاثوم يطبق على صدره. كم كانت باردة دونه. تنهد بيأس. وانحنى بطوله يلتقط قميصها الحريري من الأرض. ومن رائحتها العالقة به عرف أنها كانت ترتديه قبل أن تذهب إلى مكتبه وتراه. دس أنفه بالقميص مغمضاً عينيه يضغط عليهما خشية البكاء. ويأمرون بالطلاق. كيف! فهو من يومين وتاه. أحس بالخواء. والله لن يحدث. تخاوى بجسده على الفراش مكانها. ومازال يقبض على القميص بكفه. الصداع كاد أن يفتك برأسه ويعلم أنها كانت تتناول أدوية له. فتح الجارور الخاص بها بجوار الفراش. قلب محتوياته وسرعان ما وجد شريط بنادول. سحبه ولكن لفت نظره آخر قبل أن يغلق الجارور. ضيق ما بين عينيه وأمسك به يدقق بنظرته. هو يعرفه جيداً كان ذلك شريط حبوب منع الإنجاب. والغريب أنه كان كاملاً.
بينما كانت نيرة. تجلس على حوض الاستحمام وفي يدها اختبار حمل. ترمقه بخوف وانتظار. تعد الثواني لتطمئن. والحمد لله هللت بها بداخلها ولله الحمد كانت شرطة واحدة. زفرت أنفاسها براحة. تنهدت مطمئنة وسيطلقها وستتخلص منه إلى الأبد. تحركت كي ترميه بسلة المهملات الموضوعة جانباً. وقبل أن تقذفه لاحظت شرطة أخرى وردية باهته تكاد لا ترى. انتابها الشك مرة أخرى وتوترت. خرجت لغرفتها وبحثت بعينيها هنا وهناك على هاتفها حتى وجدته على طاولة الزينة. أمسكت به. وضغطت على تطبيق الفيس بوك. وباحدي الجروبات النسائية كتبت منشور "بنات هو كده فيه حمل ولا لا." رافقها بصورة الاختبار بعد أن التقطت له صورة. وسرعان ما قُبل منشورها وانهالت عليها التعليقات والمباركات. "ألف مبروك ياحبيبي طبعاً حمل." "ربنا يرزقك بيبيي سليم معافى." "حمل خفيف نامي على ضهرك واتغذي كويس." ألقت الهاتف بعيداً ووضعت كفيها على رأسها مصدومة. لماذا الآن. فهي منذ عام لم تتناول تلك الحرب ولم يحصل حمل. ستجن وهي تصرخ "لماذا الأن".
وقبل أن تستوعب صدمتها وتأخذ وقتها الكافي لتقبلها. كان جرس المنزل يرن دون صبر. تجاهلته على أساس والدتها ستجيب. ولكن عاود الرنين مرة أخرى. قامت من مكانها متعبة. بائسة. وتوجهت كي تفتح الباب. وما أن فتحته حتى فغر فاهها وصدمتها صارت أضعاف. فـ زياد يقف على الباب مستنداً بجسده. يرفع يده أمامها ممسكاً بتلك الحبوب اللعينة أمام عينيها. وسؤاله مباشر.
"أنتي حامل."
رواية بيت القاسم الفصل العاشر 10 - بقلم ريهام محمود
أنتي حامل؟
سؤال مباشر دون مراوغة. ليس بحاجة لاتساع حدقتيها ولا ذهولها وكأنها ترى كائن فضائي أمامها.
ومابين سؤاله وجوابها دقيقتان مروا. ازدردت ريقها بتوتر وقالت:
- حامل ازاي يعني؟ لأ طبعاً مش حامل.
قالت جملتها متلعثمة ترمقه بخوف. وما أن انتهت حتى جذبت الباب تريد أغلاقه بوجهه. وقبل أن يُصفع بوجهه استند بكفيه عليه يرجعه للخلف ثانية. وتلك المرة أقتراب. ونظرة غائرة، وسؤال أشبه بتقرير:
- أومال ده إيه؟
يشير على الحبوب في قبضته. وينتظر.
ثارت أنفاسها وهاجت وكأنها تعدو بسباق. انفعلت بحدة وخير طريقة لإنهاء أي حوار هو الصوت العالي.
- إيه؟ ماله... عادي أنا بجيب ساعات بزيادة. وبعدين جاي المشوار ده كله تكلمني ع شريط برشام.
وابتسمت بتهكم. وقالت بنبرة يشوبها الحزن رغم مداراتها:
- دانا فكرتك جاي عشان تطلقني ونخلص بقى.
- نخلص! للدرجادي؟
نطقها مبهوتاً وكأنه صعق. جفاء؟ ومن من؟ من نيرة! تريد الخلاص. وتنطق الطلاق بكل سهولة. وعلى اقترابه كانت فرصة ليتأملها وهي أيضاً. هالاتها السوداء قد وضحت أكثر وخط الحزن وجهها. تلك اللمعة الدائمة بسواد عينيها قد غابت، وجسدها أصبح هزيلاً. وهو لم يكن بأقل منها، ذقنه ناميه بشكل ملفت وغير مشذبة وتلك ليست عادته. خصلاته مبعثرة، وثيابه غير مهندمة وكأنه طفل تركته أمه وسافرت.
ابتسم بجمود رغم الألم. رفع إحدى حاجبيه يتحدى.
- حلو.. عايزة تطلقي.. يبقى تعالى نكشف ونتأكد إنك مش حامل.
- أنت بتعمل ايه هنا ياااض انت؟
"هادم اللذات ومفرق الجماعات" هكذا كان يطلق زياد على قاسم دائماً. الاثنان كخطان متوازيان لا يتقابلان أبداً. وبعد أن قُطع عليه لحظته مع نيرة. فهو يستاهل ذاك اللقب وبجدارة. طحن ضروسه غيظاً وهو يلتفت للحانق دائماً صاحب أشهر عقدة حاجبين بالتاريخ. قال ببرود وهو يبتسم بسماجة:
- واقف مع مراتي بنتكلم.
ثم زاد من سماجته.
- مبروك يااا قــاسم هتبقى خالو.
حدق قاسم ببلاهة. يوزع نظرات غباء بينه وبين شقيقته. شقيقته التي هزت رأسها استنكاراً. وهتفت به تنفي عن نفسها تهمة:
- لأ ياقاسم متصدقهوش. هو بيوهم نفسه بحاجات محصلتش ولا هتحصل.
رفضها أثار غضبه. هتف بعنف.
- بوهم نفسي! .. طالما أنا بوهم نفسي وانتي صادقة تعالى نكشف عشان نفضها سيرة بقى.
جذبه قاسم من ياقة قميصه بقوة وسحبه بعيداً عن الباب. وقد تجهم وجهه وصار كتلة حمراء. قال زاعقاً.
- متكلمهاش. كلامك يبقى مع أخواتها الرجالة. لو شوفتك بكلمها أو بتضايقها تاني مش هخلي فيك حتة سليمة.
وعلى ارتفاع صوت قاسم. خرجت الأم من غرفتها مرتعبة وملامحها تبين أنها كانت نائمة تعدل من حجابها الصغير على شعرها. ومن الشقة المجاورة لشقة قاسم خرجت حنين بأعين متسعة وشعر متجمع بعشوائيه على كتفها ومنامة برسومات لديزني. تلاها الجد المُسن يتكأ على عصاه متسائلاً عما يجري ببيته.
وكان أول من تحدث. هي الأم. قالت بلهفة خائفة.
- في ايه ياولاد. خضتوني. صوتك ياقاسم جايب لآخر الشارع.
أجاب قاسم يركز بنظراته على زياد ومازالت ياقته بقبضته.
- الأستاذ من بجاحته جاي لنا بيتنا. وبيضايق نيرة. فاكر محدش هيقفله.
انفلتت أعصابه هو الأخر. دفعه بكفه بكل قوته ارتد قاسم للخلف قليلا فقط على إثرها. نظر زياد للأم مردفاً.
- نيرة حامل ومخبية عليا. قولتلها تعالى نكشف و نتأكد. ابقى أنا كده غلطت ف إيه؟
وابتهجت الأم و ضحكتها الواسعة تتراقص بوجهها. قالت بفرحة.
- أنتي حامل بجد يانيرة. متخبيش عليا وفرحي قلبي يابنتي والنبي.
فرحة الأم جلبت عبوس نيرة وغيظ قاسم واهتمام حنين التي قالت متجاهلة مايحدث.
- ألف مبروك يازياااد. وأخيراً هتبقى بابان.
- نهارها قاسم.
- بس يابت ياتافهة انتي. انتي ايه اللي موقفك أساساً. خشي جوة.
تجاهلته ووقفت خلف جدها كحماية. ضرب الجد الأرض بعصاه يفض تجمعهم بصوته الذي يرتجف بحكم عمره. نبرته حادة وصارمة.
- نيرة انتي حامل ولا لأ.؟
والأعين صوبت عليها. ارتبكت ونزح العرق من جبهتها بأنامل مرتعشة. همهمت بخفوت بالكاد التقطوه. وهي تومأ.
- أيوة.
وزغروطة الأم كانت فرحة وهي تسحب بنتها للداخل. وضحكة زياد لم تكتمل بسبب مقاطعة الجد له بحدة.
- زياد. اسبقني على تحت عشان عايزك.
وتركهم ودلف بعصاه الأبانوسية يستند ويضرب الأرض بها مستاءً. رفعة حاجبي زياد تتحدى ضيق عيني قاسم. زاغ بعينيه على تلك التي ماتزال واقفة ترمقهم بعدم فهم. فقرر مضايقته. اقترب من حنين مبتسماً كثعلب. كعابث لم ولن ينتهي عن عبثه.
- ايه الحلاوة دي ياحنون كبرتي وبقيتي زي القمر. لأ داحنا نشوفلك عريس بقي.
وهي فهمت إلى مايرمي وقررت العبث معه. فتلاعبت بخصلاتها بخجل مزيف.
- لو هيبقى زيك كده أنا معنديش مانع.
وضحك ولم يزد. فهو ضايقه وانتهى الأمر. وبالنسبة لحنين فرحمة الله عليها. شرارات لهب تخرج من حدقتي قاسم جعلتها تترك ساقيها للريح وتركض للداخل. تغلق الباب دون صفعه. والحمدلله تمت مهمة اغضابه بنجاح.
حين نزل الجد. وجد زياد ينتظره بالأسفل كما أمره. يجلس على الطاولة المستطيلة الموضوعة بالحوش الخلفي للمنزل. حوش كبير ملئ بالزرع الأخضر والورود الملونه وبعض الأعشاب ذات الرائحة النفاذة. كان مرهقاً بُيِّن ذلك من جلسته المتهالكة على الكرسي. أقترب منه وعصاه تسبقه. لينهض زياد مسرعاً يسنده بساعده ويجلسه براحة على الكرسي المقابل له. وما أن جلس الجد حتى عاد قاسم لجلسته ولكنه اعتدل قليلاً. قال الجد مستاءً. حانقاً منه ومن أفعاله.
- جايب بجاحتك دي منين يازياد.
وزياد تفاجأ بحدة جده. توتر وخاف فبرر كاذباً.
- جدي أنا مخونتهاش أن.
قاطعه الجد بصرامة مردفاً.
- زياد انت مش خاين.
فكاد زياد أن يقاطعه هو الآخر. فأوقفه الجد بكفه يستكمل حديثه.
- انت زاني. عارف الفرق بينهم ولا لأ يازياد.؟
توسله يرجوه. وقد أيقن أن الجميع ضده.
- ياجدي أرجوك.
نهره الجد ومازال على جلسته.
- لما جوزتك نيرة. كنت مفكرك عيل طايش أول مايتجوز هيهدي ويستقر. كنت عارف أنها بتحبك. وأنا راجل وأعرف أن الحب بيغير. بس الظاهر نظرتي فيك كانت غلط. وعموماً انا هصلح غلطتي. أول مانيرة تولد وتبقى تمام هتطلقها وبالتلاته.
وعلى تطبيق "الواتس اب" جائت رسالة لحنين فتحتها وكانت من قاسم.
" لو هيبقى زيك كده أنا معنديش مانع"
ذُيلها بوجه أحمر غاضب. ضحكت ملئ شدقيها وأرسلت له وجوه ضاحكة. ثم استكملت كتابة.
"طب بذمتك زياد ده مش قمر وأي واحدة تتمناه"
لاحقها برسالة.
"انتي قاصدة تغيظيني بقى"
وكتبت بشقاوة.
"وأغيظك ليه حبيبي. خطيبي.؟ دانتا حيالله قريبي."
أرسل وانتقلت شقاوتها إليه.
"والله التأخير من عندك يابومة"
بعثت وجوه غاضبة و "أنا بومة" ضحك فعلياً وعلى صوت ضحكته الرائقه. وكتب.
"بس بومة قمر."
وجائتها بتلك اللحظة رسالة من آخر. فحواها.
"الجميل تقلان علينا ليه."
وبين هذا وذاك. قررت تجاهل ذاك ومحادثة هذا. وتلاعبت.
"مش بتقل ولا حاجة..."
عاجلها برسالة أخري.
"اومال مردتيش عليا ليه لما رنيت."
"كنت نايمة."
سألها بأخرى.
"طب اتصل دلوقتي."
ردت.
"خليها بكرة أحسن يارامي..."
ودون أن تنتظر رده أغلقت. وألقت بالهاتف بعيداً. وانتبهت أنها تتلاعب باثنين في آن واحد. وقد كرهت الفكرة وبالغد ستستشير هنا صديقتها وتطلب نصيحتها. جائتها نغمة رسالة. ف اقتربت وأمسكته بتردد وقرأت وكانت من قاسم هذه المرة يقول.
" اطلعيلي ف البلكونة عايزك"
وعلى ضوء القمر تنهد. وأغنية للعندليب كلماتها تصدح من غرفته يتغنى معها بشاعرية غريبة عليه. شاعرية لم يدركها سوى معها ولها. لم يستغرب من تغيرها المفاجئ. يعلل لنفسه أنها منه وله. من أمامها حبٌ كحبهُ هو ولم تقع به.!! يقف بجزعٍ مائل. يستند بساعديه على حافة السور الرخامي لشرفته وبجواره على السور كوبين من الشاى الساخن تتصاعد الأبخرة منهما. في انتظارها هو وكوب الشاي الذي أعده لها وهو يحدثها على الواتس آب. والتفت لباب شرفتها وهي تفتحه وضحك. ضحكة ليس لها معنى أو إسم سوى أنها ضحكة قاسم. كانت شرفتيهما بجوار بعضهما يفصل بينهما مسافة أقل من متر تقريباً. على جدار شرفتها العديد من أواني الزرع الفخارية معلقة. وقفص لعصافير ملونة كان أهداها لها بعيد ميلادها السادس عشر وفرحت به كثيراً. وسارت بجهته وكان العندليب يشدو بألحانه من الداخل.
"ياراميني بسحر عنيك الاتنين ماتقولي واخدني ورايح فين."
وكأن العندليب يأتي بالوقت المناسب. وكأن كلماته مخصصة لها. وكأن شفتيه تتغنى بكلماتها دون إرادته. استندت على السور أمامه وبادلته ضحكته الرائقه ببسمة. وضع كوب شايها على صينية صغيرة وناولها إياها بطول ذراعه. لتأخذه منه. وقد اتسعت ابتسامتها لشبه ضحكة.
- ايه الدلع ده كله. بنفسك عامل لي شاي.
ورده كان صادقاً بحجم سرعته.
- معنديش أغلى منك.
هو صريح كمشاعره. وهي قررت التلاعب. كلمة قالها لم ولن تنساها.
" متبقيش جاحدة زي أمك"
أسدلت بأهدابها وبعدت بعينيها عنه واكتفت بابتسامة. وساد الصمت مرة أخرى. هو يرتشف شاييه بمزاج. يتطلع إليها بين كل رشفة وأخرى بحب. وهي تنظر للسماء تستكفي بالقمر وتحصي النجوم ببالها. قال وقد سأم.
- وآخرتها.؟
غضنت جبينها بتسائل مردفة.
- آخرة إيه. مفهمتش.
هتف ببديهية.
- آخرة اللي احنا فيه ده. هنقضيها شات وخلاص.؟
واستكملت ضاحكة.
- وأيموشنز.
وعادت عقدة حاجبيه مرة أخرى. زفر بضيق وقال.
- احنا هنهزر. حنيييين. ردي ع سؤالي.
واستفهمت بقلق.
- اللي هو إيه.؟
وأقصر طريق بين نقطتين خط مستقيم. وهو كالخط المستقيم لا انعواج.
- انتي بتبادليني مشاعري؟
بصراحة تفاجأت. واتسعت مقلتيها. شهقت بصدمة وقد نست التلاعب وعادت طفلة الأمس ثانية.
- قاااسم.
زفر وقد نفذ صبره.
- ردي.
وفصول السنة الأربعة مروا على صفحة وجهها. والحمرة القانيه لونت خديها. وخجلت. وللأسف خجلت قالت تنوي الدخول الهروب.
- مش هرد عليك. بس هشتكيك لجدي وأقول انك بتعاكسني.
وهرولت وتركته متسع الأعين. كاد أن يثب من شرفته لشرفتها وجذبها من خصلاتها التي يتوووق للعب بها ودس أنفه فيهم. ويتزوجها بالإكراه. ولكنه اكتفي بسبة ألقاها بصوت يصلها بغيظ منها ومن برودها. وهروبها.
وعند عاصم.
على طاولته التي أعتاد الجلوس عليها. ولفظت بإسمه تقريباً. كانت أمنية تجلس بجواره ممسكة بكوب "الهوت شوكليت" الذي تعشقه. بطرف لسانها ذاقته كعادتها أولاً تذوق ثم ترتشف. وتلك الحركة لاحظها فيها. ككل شئ بها هو حفظه كـ كف يده. تتطاير غرتها بفعل الهواء الخفيف. يتكلمون عن أي شيء وكل شيء دون هدف محدد. هو لاينكر كلامها يجذبه وبشدة وخاصة طريقتها وكأنها مراهقة لا تتجاوز التاسع عشر. ولكنه مل الكلام. هو رجل أفعال. أقرب طريق لقلب الرجل معدته وأقرب طريق لعاصم النجار هو الفراش. وإن كان منجذب لها سيقتل ذلك الانجذاب في مهده. فالحلوة تسمح له ببعض التجاوزات. حسناً ليست تجاوزات بالنسبه لعاصم. فتجاوزاات عاصم أعاصير وبعثرة شراشف. ولكنها تروقه فيرضي بتجاوزتها الخفيفة كمسكة يد. واحتضان كتف. وقبلة على باطن الكف تدغدغ مشاعر الخجولة وتحمر كالفراولة فيقبل خدها فتغضب وتنهره بعبوس لذيذ فيعتذر بتراجع لا يدوم دقيقتين. تناول فنجان الاسبريسو خاصته ورفعه على فمه وارتشف منه. قال وقد غير الحديث لصالحه. ومازال ذراعه يحتضن كتفهها.
- انا زهقان من النادي. ايه رأيك نقضي اليوم في مكان تاني.
تسائلت ببلاهة.
- هنروح فين طيب.
وقرر ضرب الحديد وهو ساخن. وأقترب منها برأسه وليته ماأقترب. وهمس بجوار أذنها وأنفاسه الحاره تضرب صفحة وجهها.
- أي رايك نكمل اليوم في شقتي؟
وتغير لون بشرتها للأصفر وكأن الدم سُحب منه كان دليل خوفها. طمأنها بنبرة ذئب قرر اللعب مع الجميلة قبل أكلها.
- إيه ده. انتي خايفة مني ياموني. فكرتك واثقة فيا.!!
والصغيرة غبيه. وبألاعيب الرجال جاهلة. وهو ذئبُُ ماجن ولعوب. صبر عليها وحان وقت إلتهامها. وردها أرضاه. ف هي في روايته مثلها كغيرها. وفي روايتها كانت سندريلا التي فازت بالأمير.
قرأت مرة. " أن تنجب طفلاً يعني أن تسمح لقلبك بالسير على قدمين" أن تستمع لثرثرته وينقبض قلبك من حزنه!! طفل لم يتجاوز الستة أعوام ويريد الموت واللحاق بوالدته!!
"أنا عاوز أروح لماما عند ربنا"
ورد بلهفة وخوف أب يرتعب من الفقد.
"بعد الشر عليك ياحبيبي. ف ايه بس مالك."
ومسح بكفه على ظهره بحنو. وترك للطفل مساحته ليحكي ببراءة.
"انت نسيت ماما. بس انا منستهاش. أنا عمري مانسيتها ومش هنساها"
وأجاب نافياً يحاول أبعاد تهمة عنه.
" أنا عمري مانسيت ماما ياحاتم. ماما في قلبنا"
ودبدب الأرض بقدميه غاضباً. طفل غاضب على الدوام متمرد.
"لأ انت نسيتها. وتحب ريم. خلي بالك يابابا أنا بكره ريم دي عشان عايزه تاخد مكان ماما."
قالها وركض غاضباً. يبكي. دخل غرفته وغلق بابها عليه. وكمال وقف مذهولاً.
" من أين أتى ابنه بتفكيره هذا؟!"
واستدار عائداً لغرفته ليجدها واقفة على بابها تستمع للحوار تحدجه بنظرة مبهمة لا يفهمها. بأناملها أغلقت أزرار منامتها والتي للتو كان يعبث بها وتجاوزته لغرفتها وأغلقت الباب بجمود. ويبدو أنه يوم غلق الباب العالمي بوجهه. وعاد لغرفته. كما كان. خائب الرجاء. ونفض عن رأسه تلك الذكرى. واليوم أيضاً. عدا المنامة والمنحنيات وما أدراه ما المنحنيات. يصعد الدرج متوجهاً لبيته وينوي استكمال ماقطعه ابنه حاتم حتى وإن اجتمعت قوات الناتو على إيقافه. يعلم بزيارة حماته اليوم. ساعة لا أكثر وتغادر ووقتها ستصبح زوجته شرعاً وتنفيذاً. ضحك من منحني تفكيره المنحرف لما سيفعله. ماله أصبح رجل عديم الأدب هكذا. بـ عمرهِ ماكان هكذا. كان عاقل وهادئ ورزين. يبدو أن ريم تبدله لهيئة أخرى تعجبه. وفتح باب شقته بهدوء وبعد أن فتحه أصابه الضيق من المفترض أن يدق الجرس أولاً بما أن حماته موجودة. ولكن هدوء البيت آثار استغرابه بحث بعيناه. ليجد الأطفال الثلاث يجلسون معاً بغرفة مراد يلعبون. مشي قليلاً ليأتيه صوت حماته من داخل غرفة ريم وقبل أن يطرق الباب سمعها تقول.
- ريم انسيه يابنتي. عمره ماكان هيحبك ولا يبصلك. انتي معاكي دلوقتي راجل، نادر تلاقي زيه دلوقتي. فاتلمي وشيلي الواد ده من قلبك ومن دماغك.
وآخر بعالم آخر. تائه وكأن ماله قد تبخر. يطرق باب منزل والدته. فتفتح شقيقته. يرمقها بتعجب ترتدي ملابس بيتية مريحة بنطال قصير للركبتين وقميص بربع كم بلون زاهٍ. فتحت له ودخلت كانت تجلس على الأريكة أمام التلفاز بجوارها ملك وطبق من "السيريلاك" تطعمها منه والصغيرة تلهو بهاتف عمتها. جلس أكرم أمامها على الأريكة الصغيرة وقد أغلق باب المنزل. قبل صغيره على شعرها. ثم سألها باستغراب.
- انتي بتعملي ايه هناا؟
ضحكت وهزت رأسها بيأس منه. والجملة النسوية الشهيرة.
- منتا لو مهتم كنت سألت. بس الاهتمام مبيتطلبش.
ضحكته لم تصل لعيناه. تنهد بتعب وقال.
- لاااا البوق ده تقوليه لجوزك. انا أخوكي.
معلقة ممتلئة "بالسيريلاك" وضعتها بفم الصغيرة ووضحت.
- انا قصدي أقولك انت لو مهتم. كنت عرفت ان انا قاعده هنا بقالي كام يوم عشان هطلق.
ونالت اتساع ف الحدقتين. وفاهٍ مفتوح. وصدمة ملئت النبرة.
- انتي بتقولي ايه؟ هتتطلقي.
ورغم حزنها. ورغم أن القلب عضو "مهزأ" في جسمها ومازال يخفق لأجل الخائن الا انها تعلم بأنها ستتجاوز. لحقته بصدمة أخرى.
- قولي مبروك انا حامل. مشفتش حظ أسود من كده؟
حاول الكلام وفشل. حاول مرة أخرى وقال مندهشاً.
- عايزه تقوليلي أن انتي وزياد. خلاااص finish؟
- اه خلااص.
قوس فمه. وضرب كف بآخر وأردف.
- خبرين عكس بعض تماماً. مش عارف اباركلك ولا أزعل. بس إيه بقى سبب الطلاق.
استهزأت به ورفعت حاجبها ساخرة.
- يعني مش عارف يا أكرم. ع أساس أن انتو مش صحاب وعارف اللي بيعمله!
أحني رأسه واختفت بسمته المصطنعة. ولديها الحق. رغم اعتراضه إلا أنه كان يعلم وصمت. هتف بمرح بصعوبة يحاول جلبهُ.
- لو واد هتسميه أكرم.
وشقيقته العاشقة تحدته. وبقوة قالت.
- إنسى. انا لو سميت أكرم هو مش هيضايق عشان بيحبك.
ثم ابتسمت بخبث مردفة.
- أنا هسميه قاسم.
شهق ضاحكاً.
- لأ انا كدة اتأكدت انك بتكرهيه.
وضحكتهم جلبت الأم من المطبخ ترتدي مريول المطبخ فوق جلبابها القطني. تتسائل.
- خير متضحكوني معاكو.!!
رد أكرم مستنكراً من غير ما حد كاتب وصيتك من غير ما.
- انتي ازاي ياماما متعرفيش أن نيرة بينها وبين زياد مشاكل.
لوت شفتيها باستهجان. وغمغت بغير رضا.
- واقولك أمته انشاء الله. ولا أقولك ليه. ما اللي انت عملته في بنت الناس بتترد ف أختك.