تحميل رواية «بيت القاسم» PDF
بقلم ريهام محمود
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
مُحبي المره الأولى من كل شئ.. إليكم تلك الروايه. "زوجتك وكيلتي ريم أحمد عبد الحق على كتاب الله وسنة رسوله وعلى الصداق المسمى بيننا." "وأنا قبلت.." قالها كمال بهدوء وابتسامه بسيطه ترتسم على ثغره. انتهى المأذون من عقد القران بعد أن أعلنهما زوج وزوجه. تبادلوا المباركات والتهاني، فالكل فرح بالرغم من بساطة الحفل. ف "كمال" الأخ الأكبر يستحق أن تدق السعادة بابه من جديد. أما هي فكانت شارده بعالم أخر وكأنها تحضر عقد قران ليس لها. ليس وكأنها العروس وعلي شرفها يتم ذاك الاحتفال. شعرت بألم حاد في صدرها وهي ت...
رواية بيت القاسم الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم ريهام محمود
بعد منتصف الليل بساعة، هل من الممكن أن يكون نصيبه من الألم أكثر من ذلك؟ أن يتمزق قلبه من كثرة الوجع، وهو الذي علّم قلبه وعوّده على حبها. منذ أن شبّ وصلب عوده وهو لا يرى لنفسه حبيبة غيرها، بطلة لياليه الخالية وأحلامه البريئة والجامحة. من يُمني بها قلبه قبل جسده.
يجلس على فراشه ينهت بأنفاس متعبة، حيث الليلة الماضية كانت من أطول لياليه وأبطأها، وقد خاصمه النوم وقاطعته الراحة. يدور بالغرفة ذهابًا وإيابًا. تواجهه المرآة العريضة الخاصة به، يتطلع لانعكاسه بضياع. يرى خيبة أمله في انكسار عينيه، ملامحه باهتة وأكتافه متهدلة بإحباط. رغم الغضب المستتر بداخله والنيران المستعرة بين أضلعه، ولكن لا يرى سوى خذلانها له. وخذلانها بالمرة السابقة له لا يزال طعمه الصدئ بحلقه.
يقف بعدما استقام، يتحرك صوب مرآته. يقف أمامها يواجه نفسه. وتلك المرة رفضها سيكون القطيعة والضربة القاصمة. يدقق بهيئته ولا تعجبه، يقارن بخياله بينه وبين آخر فيحزنه أنه الرهان الخاسر. يمسح صفحة وجهه المرهق، يتنهد بقوة يشعر بأن السماء والأرض يطبقان على صدره.
في خياله، يُخيل إليه أنه يسحبها من خصلاتها يعنفها فتعترف بحبها فيرتاح قلبه قليلًا من التخيل. وعلى ذكر خيالاته المضطربة، يلتوي شدقه بشبح ابتسامة وقد جن عقله. يحدث صورته بالمرة ببساطة:
"وفيها إيه لما أقوله أنا عايز أتجوّز بنتك؟!"
فتخرج روحه الكامنة من الداخل تتهكم بسخرية من تساهله:
"كرامتك ياااه!"
يدافع، يبرر والأمر خرج عن السيطرة والعقل راقد بسلام:
"طب مانا مش هتفيدني كرامتي لو اتجوزت غيري!"
والغير مرفوض، هي له وانتهى. هكذا يأتي عمه بكل برود ويعلن عن آخر ينافسه. أكان ينقصه آخر؟ وكمال يحذره، يطلب منه الصبر، التمهل، أن تتعب هي من أجله! لما لا يشعرون به؟ بغيرته. ببساطة يغار عليها. بالرغم من أخطائها، ولكن لازالت حبيبته.
ثار بركانه مرة أخرى من كثرة تفكيره، يلهث بأنفاسه وهو يبحث عن هاتفه حتى وجده ملقى جانبًا. أمسكه يضغط عدة ضغطات ثم رفعه على أذنه في انتظار الرد.
***
استيقظ أكرم من نومه المضطرب على صوت رنين هاتفه. ارتفع بجزعه قليلًا، يشعل الضوء الخافت المجاور لفراشه. ينظر حوله بعدم تركيز، ثم أمسك هاتفه عابسًا بضيق. سرعان ما تبدل لقلق احتل خافقه وهو يرى أن المتصل قاسم. يضغط زر القبول سريعًا دون تردد. يسأله بخفوت قلق:
"فيه إيه؟"
يمهله الرد، ثم يجيبه بعد لحظة من الاستيعاب:
"طب أنا هلبس وأنزلّك."
وأغلق الاتصال. يعتدل بعد أن أعاد الهاتف للكومود بجانبه. يهبط بنظراته للنائمة بجواره بملامح مسترخية وابتسامة ناعمة. نائمة برقة وعمق على عكسه. يسحب نفسًا طويلًا ثقيلًا ويحتبسه داخل صدره وهو يرى كتفها العاري عدا عن حمالة خفيفة ليس لها داعٍ.
"كريمة أنتِ يا نور هانم بملابسك!"
ولا يعنيكي ذلك الذي بجوارك والوضع بينهما كما هو الحال عليه. وعلى المتضرر اللجوء للصوت العالي والمطالبة بالحق الشرعي. يميل والنية قبلة خفيفة للكتف العاري أمام نظراته. قبلة خفيفة، ولكنه تراجع حيث أنه لا يفضل أن يرجع بوعد ألقاه. فابتعد مرغمًا، يسب قاسم في باله ألف سبة. يرتدي ملابسه على عجل. يحسدها بنظرة بائسة على نومها الهانئ.
دقائق وانتهى من ارتداء ملابسه. سحب مفاتيحه وخرج لمقابلة قاسم.
***
"إنت أهبل؟ فيوزات مخك ضربت ع الآخر!"
يصيح أكرم بتلك الكلمات من بين أسنانه وهو ينزل الدرجات المتبقية بتعثر خطواته ولا يزال النعاس يداهم خلايا عقله. ولا يعلم بتلك اللحظة كيف ارتدى ثيابه. وصل إليه واقترب منه يقلص المسافة الفاصلة بينهما. يقف يوازيه طولًا، رأسه برأس الحانق أمامه. يتابع بنبرة حادة:
"عمك إيه اللي عايز تروحله الساعة اتنين؟!"
غامت عينا قاسم، وقد أغضبته لهجته.
"لو هتقعد تقطمني خلاص سيبني أدخله لوحدي."
جز أكرم على نواجذه، يشيح بوجهه عنه يحاول جلب الهدوء لذاته من أجل احتواء الموقف. تنفس بعمق قبل أن يهتف بهدوء مصطنع:
"يابني افهم مش كمال قالك..."
ولم يعطه فرصة لاستكمال حديثه، أوقفه في خشونة قاطعًا أي حديث:
"مليش دعوة بكمال، كل واحد فيكم نايم في حضن مراته ومحدش حاسس بيا."
اتسعت حدقتا أكرم من وقاحته. نهره بانفعال:
"ولاه! بطل قلة أدب ولم نفسك."
ثم زفر بحنق محدثًا نفسه وهو يرمق الآخر بسخط:
"وأنا أقول الدنيا واقفة معايا ليه!"
قاطعه قاسم بنفاذ صبر:
"اخلص، هتدخل معايا ولا لأ؟"
تنهد أكرم بقلة حيلة. حيث أن نصف المرار ولا المرار كله. غمغم بغير رضا:
"هدخل وأمري لله."
سبقه قاسم بخطوة واسعة دون تراجع. جسده متحفز ينوي عراك وملامح وجهه لا تنذر بالخير. أوقفه من ساعده يسأله بقلق من بين عينيه:
"ناوي تقوله إيه؟"
تجهم قاسم، ومفاجأته بانت على وجهه. يردف دون هدى يحرك يديه بحيرة:
"مش عارف بالظبط، مكنش في دماغي حاجة محددة. بس الأكيد إني هبهزله."
"الله يخربيتك، ماتتكلمش وسيبني أنا أتكلم."
أومأ برأسه مرغمًا، ينفث أنفاس غاضبة من أنفه. يسير خطوة فيستوقفه أكرم مرة أخرى وقد نال منه التوتر.
"استنى.. معاك سيجارة؟"
فتش قاسم بجيوب سرواله الخفيف، حتى أخرج علبة تكاد تكون فارغة عدا من واحدة. أخرجها وألقى بالعلبة الورقية بعيدًا.
"آخر واحدة."
أخذها أكرم منه، يضعها بين شفتيه ريثما أخرج قاسم قداحة كانت بجيبه مع العلبة، وأشعل اللفافة المستقرة بطرف ثغر أخيه. يسحب نفسًا طويلًا ثم ينفثه على مهل في الأجواء، ليتابع بعدة أنفاس قبل أن ينفث النفس الأخير بوجه أخيه. يهتف من بين أنفاسه المعتقة بدخان تبغه:
"انت عارف إنك مجنون صح؟"
فيميل شدق الآخر باستمتاع، يُقر بحقيقة أمرهما:
"مش أجن منك.. عشان كده كلمتك."
وتبادلا النظرات بينهما بصمت، وابتسامة ماكرة تزين محيا الاثنين. يلقي أكرم بلفافة التبغ أرضًا قبل أن يدهسها بقدمه. تبع أخيه ليقفا أمام باب بيت جده، حيث عمه يقبع بالداخل. يرفع قاسم يده ويضغط جرس الباب دون توقف تحت أنظار أكرم المراقبة. يركز بهيئة قاسم ولم يرضيه ما يرتديه بهذه اللحظة. بنطال من الكاروه الخفيف وقميص قطني بلون كحلي "ثياب بيتية للنوم".
"هتقابل عمك ببنطلون البيجاما؟!"
قالها أكرم بأنف مشمئز ونظراته تزداد امتعاضًا. وللتو انتبه قاسم لما يرتديه. لثانية شعر بالحرج ولكن بعدها لم يهتم. رفع رأسه يقيم بنظرات ثاقبة شقيقه، حيث ثيابه هو الآخر كارثة لا تقل عن كارثة هيئته.
متقع وجه قاسم هو الآخر وامتعض، يسخر بنبرته:
"شياكتك مقوية قلبك."
هز رأسه بيأس من حالهما، وقاسم السبب لولاه ما كان ارتدى ثيابه بعشوائية هكذا. ينتظران الرد، أن يفتح أحدهم الباب. ولم يطل انتظارهما وهما يسمعان صوت خطوات بالداخل.
وقبل أن تقترب الخطوات المتثاقلة من الباب.. زفر أكرم بقوة قبل أن يميل على كتف قاسم ويهمس بخفوت:
"أنا عايز أقولك حاجة مهمة... كمال بكرة هينفخنااا...."
وفُتح الباب بزاوية صغيرة، وكان من فتح هو العم. يقف أمامهما يحجب عنهما رؤية الداخل. يتساءل بعينيه، والقلق بلغ أقصاه وظهر على قسماته. ينظر إلى أكرم باستفهام يوزعه بينه وبين قاسم، وملامح قاسم ووقفته المتأهبة لا تعجبه ولا تطمئن قلبه فيستقر بنظره على أكرم. أكرم الذي تسمرت مقلتاه بذهول، فعمه يرتدي مئزر من الساتان!!
سألهم بأعصاب منفلتة:
"فيه إيه يا ولاد؟ قلقتوني!"
وتدارك أكرم ذهوله. هتف بجدية بنبرة أجشة:
"ممكن نتكلم مع حضرتك شوية."
نظر إليهما باستنكار، يشير لتأخر الوقت:
"دلوقتي؟!"
وقد شعر بغباء ما قام به، وحماقة أخيه وأنه سار وراءه كالأبله ولكن لا وقت للتراجع. الأمر حدث وسينتهي. يردف بشبه رجاء:
"معلش ضروري."
ابتعد عمهما عن الباب، يسمح لهما بالدخول.
"اتفضلوا."
أغلق الباب فور دخولهما، وسبقهما للداخل وتبعاه هما يلحقان به لصالة البيت. جلس العم على الأريكة وبدورهما جلسا بالمقابل على أريكتين منفصلتين. ران صمت ثقيل على جلستهم، يتبادلون فيها النظرات اللائمة، والعاتبة، والحانقة، ولم يقو أيهما على بدء الكلام، ولكن أنفاس عمهما الضجرة وعقدة حاجباه.. جعلت أكرم يتدارك الموقف. يبتسم بزيف، يغمغم بأي شيء في اللاشيء:
"أخبار صحة حضرتك إيه؟"
يسخر وقد فاق ضيقه الحدود:
"أكيد مش جايين الساعة اتنين ونص عشان تسألوا عن صحة حضرتي!"
لم يتمالك قاسم نفسه. لم يستطع كبح جماح لسانه، يهتف باندفاع:
"أنا اللي جايلك يا عمي مش أكرم. عاتب عليك إزاي تتكلم عن عريس لبنتك وأنا موجود قدامك وعايزها..."
طالع عمه بصدمة وفاهٍ فاغرٍ بعد أن جحظت عيناه، يشعر بأن الدم يضرب برأسه. وأكرم لا يقل عنه بشيء. يُخفي بكفه وجهه من الحرج. يبتلع ريقه بتوتر وهو يرى ملامح عمه المكفهرة وعيناه المتسعة غضبًا على آخرها.
كاد عمه أن يرد، أن يقف ويركله بكل قوته خارج البيت، ولكن مجيء حنين قطع ما كان ينوي فعله وأنقذ الموقف. تخرج من غرفتها وتترك بابها موارب دون عناء غلقه، تقترب من جلستهما بتساؤل قلق دون كلام. راقب قاسم خطوات اقترابها دون شعور منه وقلبه يتضخم وكأنه يتشبع وجودها. يرتكز بنظراته على سترة منامتها ذات السحاب الطويل المغلق لآخر عنقها. أشاح بوجهه وعينيه وهو يستمع لصوت أبيها المستاء:
"حنين، صحيتي ليه؟"
"قلقت من صوت الجرس."
ثم جلست على طرف أريكة تجاور أكرم وملامحها شاحبة من القلق. سألت قاسم دونهما، تخصه بالنظرة:
"فيه إيه؟"
وتفاجأ بأنها اختصته بالسؤال، رغم الحرب المشتعلة بداخله إلا أنها خمدت وهو يراقب شفتيها الناعمتين وهي تسأله وتخصه بحديثها. للحظة انتشى داخله بغرور ذكوري، وأعاد التأمل وتلك المرة بشغف وشوق كبيران رغم حفاظه على ملامحه المتجهمة. منامتها القطنية المحتشمة بأكمام تتجاوز المرفقين وخصلات منسدلة على أكتافها بفوضى وقد عاد اللون البندقي لخصلاتها ثانيةً وزحف احمرار صبغتها إلى الأطراف. يتنهد وهو ينزل بنظراته لأسفل تحديدًا عند قدميها الحافيتين!
كاد أن يفتح فمه ويجيبها، ولكن ضغطة قاسم على ساعده أوقفته يحذره بعينيه، يأمره بالسكوت فزفر بقنوط. وحين انصاع مكرهًا، تكلم أكرم بعد أن اعتدل بجلسته بحمائية الأخ الكبير، والوضع كارثي:
"الموضوع باختصار يا عمي.. إن قاسم طالب إيد حنين منك."
عقد العم حاجباه بضيق، يستنكر الموقف كله. يرسل لهما نظرات ممتعضة:
"عم يرتدون أمامه؟ جاي يطلب إيديها الساعة اتنين بعد الفجر!!"
احتدت نبرة قاسم متعجبًا:
"هي مشكلتك الساعة اتنين؟ يعني لو جيتلك العصر هتوافق؟!"
وتجاهل عمه وقاحته وعدم تهذيبه، ولسانه المنفلت. يتجاهله عن عمد ويوجه كلامه لأكرم:
"مشكلتي إن أنا أديت للراجل كلمة، وهما مستنين رد حنين."
حينها توجهت عيناه صوبها فاحتقنت خجلًا ولكنه لم يراعِ. سألها باندفاع لم يستطع كبته:
"وانتِ ردك إيه يا حنين هانم؟!"
أسبلت بأهدابها، تمتم بنبرة رقيقة:
"ردي على إيه يا قاسم؟"
تتابع وهي تطأطأ رأسها وقد تضرجت وجنتاها بحمرة قانية حلوة كحلاوة قسماتها بهذه اللحظة:
"بصراحة يا بابا أنا وقاسم متفقين على الخطوبة من حوالي أسبوعين."
ترفع رأسها ببطء وبتمهل، فتصطدم بعينا قاسم التي ترمقها بذهول أشبه لصدمة أصابت جهاز النطق عنده. فتحيد بعينيها لأكرم فترى أنه يشبهه بتلك اللحظة، فملامحهما وقت الصدمة والمفاجأة واحدة. تستكمل وهي تفرك كفيها بتوتر، تعض على شفتها بخجل. تستكمل ببراءة:
"وكنا خلاص هنكلم جدي بس مجيت حضرتك خلتنا نأجل الموضوع."
وأول من تجاوز حيز الصدمة كان أكرم. مال على كتف أخيه بعدما اقترب منه بجزعه، يهمس بصوت بالكاد مسموع لقاسم فقط:
"ولاه.. إنت بتشتغلني ومعلق مع البنت من ورايا؟!"
نطق قاسم بلسان ثقيل يدافع، ينفي عن نفسه التهمة:
"والله العظيم ما حصل."
استجمع والدها شتات نفسه، يحاول كبح غضبه. يسأل هادرًا وسؤاله للجميع:
"ولما أنتوا متفقين... ليه لما قولت ع العريس متكلمتوش وعرفتوني؟!"
وتكفلت هي بالرد مشكورة، أسبلت أهدابها لتهمس مرة أخرى:
"مرضتش أحرج حضرتك قدامهم يا بابا."
تهكم الأب بنزق:
"وانتِ خليتي فيها حضرتك."
يوزع نظراته الحانقة بينهما بشك وريبة، والصدمة والذهول على وجه قاسم جعلاه يشعر بخطأ ما. ولكنه قرر إنهاء الموقف وفض الجلسة. يسألها بنبرة مشتدة:
"يعني إنتِ عايزة قاسم؟"
تجمد جسد قاسم ينتظر ردها. ودقات قلبه بلغت العنان، ورغم المؤشرات الأولية كانت إيجابية، ولكن نسبة قلق بسيطة لا تزال تسكن قلبه. رغم صدمته بحديثها وعبثها.. تقريبًا أجمل صدمة مرت عليه طوال سنوات حياته، وستكون الأجمل أيضًا لمستقبله كله. ترفع نظرتها الرائقة ببريق العسل لتواجه ذوبان البن بمقلتيه. تثبت النظرة بالنظرة لا تحيد عنها. تتكلم بثبات وثقة بصوت واضح ومسموع:
"آه.. أنا بحبه."
***
يقفان معًا على الدرج، والسكون يغلف الأجواء حولهما. يستند أكرم بظهره إلى الجدار وراءه يرفع ساق يلصقها بالحائط، يراقب قاسم الواقف أمامه بحاجب خبير مرتفع عن كثب وقد كان ساهمًا، شاردًا بشيء ما. بدت ملامحه بتلك اللحظة رائقة على عكس دخوله منذ قليل. قسماته مرتاحة وجسده مسترخي وكأنه اليوم استلم جائزة أحلامه بعد طول عناء وتعب.
ساد صمت هادئ بينهما لدقائق قبل أن يقطعه أكرم وقد تذكر شيئًا فالتمعت عيناه ببريق عابث يغمغم بشقاوة:
"عمك عماد لابس روب ساتان؟!"
جذبه بهالته العابثة، يحاول بصعوبة أن يكتم ضحكته:
"خدت بالك!"
تابع أكرم بتفكه:
"افتكرني بيحيي الفخراني في ليالي الحلمية."
ومع التشبيه وهيئة الروب الساتان لما يتمالكا نفسهما، فانفجرا بالضحكات العالية نسبيًا نظرًا لأجواء ما قبل الفجر الخالية من أي ضوضاء عدا نسيم الفجر الهادئ. والضحكة العالية لقاسم اختفت وظهرت أخرى بلهاء متسعة بغباء، يهتف بشبه هذيان:
"بتقول إنها بتحبني!"
يبتسم بالمقابل، يؤكد بنبرته:
"آه سمعتها... ومصدقها على فكرة."
تصلب جسده واتسعت عيناه بشكل ملحوظ، وقد استوعب أنه للتو نال منها اعترافًا بالحب عدا عن اعترافها الأخرق وقت أن كانت طفلة على أعتاب المراهقة وفور أن كبرت قليلاً ونضجت نكسته على الفور برفض مهين لكرامته. واستغرب قاسم تحول هيئته وتصلب وقفته. فاقترب يضربه على كتفه بخشونة:
"ولاه.. إنت اتشليت! لأ مفياش صحة أشيلك فوق."
وخشونة الضربة أعادت له الوعي. دفعه بقبضته ينبه بتشديد حروفه والليلة عادت له ثقته الضائعة:
"بقولك إيه... عايزك بكرة تفهمني قدام كمال."
زاد من تأكيده بغمزة:
"متخافش هظبطك."
"حبيبي يا أبو ملك."
برقت عينا أكرم للحظتين بذهول وكأنه سبه للتو، يهتف مستنكرًا:
"إيه أبو ملك دي! إنت شايفني ببيع عيش قدامك."
يردف متابعًا بقرف:
"بيئة.. هتفضل بيئة وعمرك ما هتتغير."
وآخر كلماته وازت صعوده، تركه بمفرده يتساءل عن سبب تقلبه بثغر مفتوح بدهشة:
"إيه ده.. إنت قلبت كده ليه."
يهز رأسه بلا معنى، يخرج مفتاح بيته من جيب سرواله البيتي. يتمتم بتقرير:
"الواد ده برج الجوزاء أكيد... ربنا يشفي."
***
دخل عليها غرفتها دون استئذان، يصفق الباب خلفه بشيء من عنف أجفلها. وكانت ترتب غطاء فراشها كي تعاود النوم من جديد بعدما حدث. وقفت أمامه تعقد ساعديها أسفل صدرها تنتظر:
"ممكن أعرف إيه اللي حصل بره ده؟"
"ما حضرتك شفت وعرفت كل حاجة، لازمته إيه كلامنا دلوقتي!"
يزم شفتيه بشيء من اعتراض:
"هو إيه اللي لازمته إيه؟ عايز أفهم كان من امتى الحب ده إن شاء الله."
يتابع دون رأفة، يصفعها بذكرى ما فعلته:
"ده إنتِ من كام شهر رفضاه قدام البيت كله وهربتي لأمك."
واحتدت نبرتها، وتلك السابقة الأولى لها معه:
"مش فاكرة يعني يا بابا إن حضرتك اهتميت برأيي وقتها!"
رفع حاجباه مستغرباً من وقع الكلمة على أذنه:
"رأيك؟!"
ثم ازداد ببديهية، يشير بيده حوله:
"أنا قولت طالما انتوا الاتنين عايشين في بيت واحد يبقى المفروض..."
وصمت بتوتر حيث أنه لا يجد الرد المناسب لإجابة مقنعة تقنعه قبلها، وقد أيقن وقتها بأن موافقتها فرض واقع، تحصيل حاصل.
تناولت هي دفة الحديث:
"المفروض إيه يا بابا؟ إيه كان المفروض بالظبط عشان أعرفه؟"
شعرت بغصة تخنق خلقها، تلك الغصة التي تزورها من حين لآخر كلما ذكرت سيرة أمها، أو لمح أحد على وضعها. اقتربت منه تزيد باختناق:
"المفروض تسبني عيلة لجدي يربيني. أروح من هنا لهنا زي المتسولين أدور على اهتمام أو حنية أو أكلة حلوة أو حد يغسلي هدومي!"
صرخت به تكمل بلا احتمال:
"المفروض إيه يا بابا... المفروض لما حد يتهجم عليا يبقى انت آخر واحد يجي على بالي إني ألجأله!"
ثم تهكمت بمرارة:
"لأ سوري... انت مبتجيش على بالي خالص."
عقدت الصدمة لسانه للحظات، لينطلق الشرر من عينيه قبل أن يصرخ بها بالمقابل:
"حد بيتهجم عليكي؟ مين يتجرأ؟"
رفعت حاجب، وانكمشت ملامحها بحزن تعيد أمام عينيها أحداث ودت لو وأدتها بيدها أرضًا. تباغته بألم النبرة:
"هو انت يا بابا مسألتش نفسك أنا هربت مع قاسم من بيت ماما وجوزها الفجر ليه؟"
"اتخنقت فقولت خلاص همشي."
ومع انقباض ملامحه بصدمة جلية على قسماته، تابعت تنحر أبوته بسكين ضياعها، وقد خذلتها دموعها تتسابق على وجنتيها تحرقها بحرقة الليلة المشؤومة. تسرد عليه الحقيقة، حيث أن الحقائق لا تظهر إلا في الخذلان:
"أنا هربت يا بابا... جوزها اتهجم عليا يا بابا... كان هيغتصبني لولا أن دافعت عن نفسي وقاسم لحقني."
وولته ظهرها تجهش ببكاء مرير تغطي وجهها بكفها، تلفظ أنفاسًا حارقة قبل أن تلتفت إليه مرة أخرى تمسح عيناها بعنف. تتابع وهي ترى تأثير كلماتها على وجهه:
"قطع لي هدومي وضربني... وخد عندك بقى ماما سوري قصدي ناهد هانم مسألتش عليا من ساعتها."
صوت بكائها يمزق نياط قلبه. ترتجف أطرافه ذعرًا وغضبًا وهو يتخيل من ينتهك حرمته. لا هذا كثير على رجل مثله! وأي كلام ستقوله بعد ذلك لا يهم. هي ذبحته وانتهت، ولم تكتفِ. تراه يتراجع بخطاه بوهن يستند بجزعه على الحائط، فتسترسل باختناق شاب نبرتها:
"أكمل بقيت المصايب بقى... طالما بتكلمني على المفروض."
وقررت كشف الأمور كلها أمامه، حيث أن خطأه أكبر من خطأها. بل أضعافها.
"أنا كنت على علاقة بواحد..."
يرفع رأسه لعينيها، يفاجئها ببريق دمع يلتمع بعينيه. يصعقه ما يراه بأعين ابنته من حزن وضياع. وتشتت ودمار نفسي.
"ولما بعدت وحبيت أنضف وأهتم بمستقبلي.. هددني، بهدلني. ولولا زياد وأكرم..."
تستكمل بحدة تواجهه حيث لا وجود لالتقاط الأنفاس بتلك اللحظات:
"أنا هقولك بقى المفروض."
تردف بتقرير، تعرفه بدوره الذي تخلى عنه بإرادته:
"المفروض تكون جنبي... أكون معاك انت في حضنك انت."
تبسط ذراعيها وسبابتها تشير صوبَه:
"مش تجيلي دلوقتي وتقول عايزك معايا."
يقف أمامها صامتًا كتلميذ يتلقى التقريع والتوبيخ من معلمته لأنه لم يفعل واجبه. يتلقى عتابها، لومها... حدة نبرتها بضياع صامت يوازي ضياعها. تبعد نظراتها عنه وقد بهت انفعالها قليلًا، تزيح خصلاتها التي التصقت بوجنتيها وجبهتها بإرهاق.
"يابابا أنا بتكسف منك... مش متخيلة إن أنا وإنت ممكن نقعد بمكان لوحدنا!"
أزدادت بألم:
"أنا مش قادرة أكون براحتي وحضرتك موجود."
تهدلت أكتافها، وقد هدأت ثورتها، تسحب نفسًا طويلًا قبل أن تردف بتعبير ساخر متألم. ترجع لنقطة البداية:
"متكلمنيش على المفروض يا بابا..."
توليه ظهرها بخذلان:
"متكلمنيش أصلاً... عشان الكلام بيجيب عتاب... والعتاب حضرتك مش أده."
وظلت على وضعها، تقف وظهرها له تنهت بأنفاس لاهثة وكأنها كانت تركض. تنهي بينهما الحديث والتي كانت هي بطلته... والإشارة واضحة فلتخرج وتعد كما كنت، غريبًا مثلهم.
***
"لو كنا ندرك نهاية أحلامنا.. لاختصرنا على أنفسنا عناء المحاولة."
البداية أشبه بتلك الحكايات الوردية التي لطالما حلمت بأن تكون بطلة بإحداها. حيث ارتطام وشهقة خجل مع أمير الأحلام الفارس صاحب الحصان الأبيض. وبعصرها الحالي لا يوجد فرسان ولا خيول تمتطى. بطلها كان كما قال الكتاب أنيق وسيم، صاحب طلة لطالما شردت بامتلاكها. واستبدلت الحصان الأبيض بالسيارة الفارهة. ورغم حلاوة اللقاء، وروعة البداية، ومتعة الأحداث بينهما. ولكن النهاية كانت كارثية بروايتها الوردية. حيث لا توجد وردية بل فرض الواقع رأيه يعلن عن وجوده بقسوة والختام كان تحرش أشبه باغتصاب نجت منه بأعجوبة. حسنًا، هل يجب على الراوي أن يسرد الحكاية منذ بدايتها مرة أخرى؟
تدخل الصالة الرياضية بثياب سوداء لا تناسب ورديتها السابقة. تسأل عن مكانه فتخبرها الفتاة العاملة عن مكان تواجده بغير رضا حيث أنها لا تبتلعه ولا تبتلع حضوره ولا اهتمام الكابتن بها. تسير بخطوات هادئة رغم تردد دواخلها من مواجهته. منذ ما حدث وما أثاره عاصم من فضائح وهي لم تره، وانقطعت أخباره عنها. هو يستحق العناء، يستحق التبرير. وهي بالتأكيد تستحق فرصة ثانية.
تدخل مكانه المخصص، تلك الغرفة التي كان يدربها بها، لتدرك كم كانت مميزة. فقط فرصة واحدة! يرى دخولها بطرف عينيه وقتها كان يلاكم كيس الملاكمة الضخم الذي ينتصف الغرفة. اكفهرت قسماته بغضب وباتت أنفاسه حارقة تشعل أجواء الغرفة حولهما. تجاهلها، والنية واضحة، طرد. حين سمع خطواتها تنقر الأرضية الرخام باقتراب، زاد من عنف ضرباته للكيس مصدرًا صوتًا مزعجًا أخافها. فتوقفت مكانها، تنتظر ولا تعلم ماذا تنتظر. ولكنها تستحق الانتظار. سعلت بخفة تجذب انتباهه، وبهذه اللحظة قررت الصراحة تسرد حكايتها:
"الحكاية عادية، هبلة جدًا. بنت بتعجب بصاحب أخوها الجان اللي عنده عربية وشركة تجنن."
تسهب بالسرد رغم سوء نظراته وحدة لكماته:
"فبتتجرأ في مرة وتكلمه وتكشف عن إعجابها بيه."
وتابعت رغم حرجها:
"وعشان كنت عيلة وكمان أخت صاحبه غيرت اسمي وسني."
"كنا بنتقابل، بنخرج سوا ولما كان بيقرب مني كنت ببقى مضايقة وخايفة بس مكنتش ببين عشان ميسبنيش ويزهق مني."
وتوقفت فور أن توقف، تزدرد ريقها الجاف بخوف وهي تراه يخطو صوبها. يقترب منها بجسده الضخم وعيناه الغاضبة. يميل عليها بخطورة:
"وبتحكيلي الفيلم ده ليه يا سندريلا؟"
رمقها بازدراء من خصلاتها المنسابة لاخمصها آثار في نفسها الحزن. يقول بجفاء النبرة:
"إنتِ وحبيبك أو الأكس زي ما بتقولوا.. مدخلاني طرف معاكم ليه!"
شعرت بسكين حاد يمزق صدرها وهي ترى نظراته المحتقرة لها. كان مخيفًا بالقدر الكافي لأن تركض من أمامه ولا تعود. استكمل رغم ذعرها بجفاء أشد:
"عاصم ميهمنيش يا يارا... إنتِ اللي كنتِ تهميني."
نفضها من بين يده كخرقة بالية يبتعد عنها باتساع. بأميال:
"عمومًا الموضوع انتهى... أساسًا خدتي وقت أكبر من وقتك معايا."
ينزع عن يده الأشرطة البيضاء وجانب جسده لها. وكانت هي بوقفتها بتلك النقطة بنفس المكان كصنم على وشك التحطيم. رمقها دون اهتمام يزفر بنفاذ صبر:
"عارفة باب الخروج ولا تحبي أوصلك؟!"
***
"تنتهي حكاية لتبدأ أخرى رغم أنها كانت بالفعل."
وعلى عكس الوردية كانت البداية مأساة، حمدًا لله أن الراوي تهرب من سردها مرة أخرى. فلنعيد ترتيب الحكاية. من آخرها لنقطة البداية. والأفضل أن نلغي البداية، فلا أحد يطالب بها.
أكرم ونورهان. أم نورهان وأكرم والغلبة لمن نال بعد طول صبر. "الحب كما الحرب.. كل الوسائل متاحة.. والأساليب مفروضة."
حلاوة الحياة تكمن في التفاصيل، وهي لا تفوتها تفصيلة تخصه، وأصبح هو أيضًا مثلها وأكثر. وذلك لم يكن الحب المعترف به، حيث أنه لم ينطق بها صراحة ولا هي تجرؤ على نطقها. تخاف المحاولة فتفشل. بل كان شيء أشبه بالاعتياد ومنطقة الراحة لكليهما.
كانا اليوم بطوله بالخارج وملك ترافقهما ومجد رفض الذهاب وفضل الجلوس مع أولاد كمال بعد أن صاروا أصدقاء. حيث اليوم كانت الزيارة المؤجلة لبيت أهلها المغلق ومكتبتها. وبداية اليوم تجاوره بسيارته. تلك مرة من ضمن المرات النادرة التي تركب بها سيارته. وهاته المرة كانت أروع وأجمل مرة. حيث أنه بدا مهتم يسحب كفها من لحظة لأخرى يضعها أعلى فخذه وكأنه معتاد على فعلها. والأمر أشبه بلقطة شاهدتها بفيلم وانتقدت المؤلف على خياله الواسع. يتبادل حديث مرح معها. عن سيارته، ملابسه.. حتى رائحة عطره سألها أن كان ثقيلًا يضايقها أم عادي. واجابتها كانت بابتسامة بلهاء حيث أن رائحة عطره ليس لها مثيل. تميزه هو عن غيره. عطره له تأثير الخمر يُسكر دون معصية. ولهانة هي، تقع في حب عطر رجل وساعة معصمه الأنيقة!
وأول اليوم حيث منتصف النهار، تقف بداخل المكتبة وملك معها تتلاعب بأوراق بالية. ويقف هو بالخارج بترفع وانف شامخ. يرتدي نظارته الشمسية السوداء فتختفي عيناه وما يكنه. يضع كفيه بجيبي سرواله الرمادي. كل دقيقة يسألها بغيظ من بين أسنانه أن تنتهي مما تفعل. وهي لا تفعل شيئًا محددًا، فقط اشتاقت لمكانها الجميل فجاءت. وهو من فرض نفسه، والآن هو نادم أشد الندم. حيث أن الحارة والناس والتجمعات تثير أعصابه، هو رجل اعتاد الهدوء. قليل الاختلاط.
تهتف باسمه برقة متأصلة بها، فيجيبها بنزق والمعنى اختناق:
"تعالى هات الكتب اللي فوق على الرف... بعد إذنك!"
ترفرف بأهدابها. تتوسله بشبه رجاء وهو أصبح ضعيف. ضعيف جدًا أمام رفرفة الأهداب. يخطو بغير رضا للداخل يقف أمامها.
"طب ماتجيبيها إنتِ!"
ترفع ذراعيها فلا تطول. تضحك وضحكتها كانت عفوية نابعة من فرحتها اليوم:
"انت طويل... هاتهم يللا."
يتسع صدره بغرور. واستجاب، يمد ساعده يأتي بهم ببساطة دون تعب. يفردهم أمام أنظارهما. وتلك الكتب كانت مجموعة مميزة ونادرة لروايات قديمة لنجيب محفوظ. فسألها مبهوتًا من أين لها بتلك المجموعة:
"عمو حسين قارئ قديم أوي... من الناس المثقفين اللي قلبك يحبهم. أول ما فتحت المكتبة جابهم لي هدية."
رفع حاجباه بإعجاب وتقدير. وضعتهم أمامه بحقيبة، فتساءل:
"هتاخديهم معاكي؟"
"طبعًا."
المدة التي جلساها معًا بالمكتبة لم تكن طويلة ولكنها كانت كافية بأن توطد العلاقة بينهما أكثر حيث أنه لم يكن يعرف أنها تحب القراءة ولا هي تعرف أنه يشاركها نفس الشغف. يبدو أن كتب نجيب محفوظ ستكون من ضمن حلقات الوصل بينهما.
وعند المغادرة، جعلته يغلق بابها. بالطبع فهو الرجل ولن يقبل بأن تميل أو تنحني أمام الأعين هكذا. عيب كبير بحقه، وليس لأنه يغار لا سمح الله!
وللمرة الثانية بهذا اليوم الرائع تركب بسيارته وبجواره وملك بالخلف بالكرسي المخصص لها. يفاجئها بغمزة باتت تلازمه مؤخرًا:
"هنتغدى برة النهارده."
والغذاء كان بمطعم فاخر على البحر. أكلة سمك مشوي متبل بالبهارات الخاصة مقطع فوقه شرائح من البندورة والبصل والفلفل الحار وإضافات جانبية من السلطات المتنوعة والطحينة. وعند المغيب جذبها تتأبط ذراعه والوضع شبه حميمي أو بمعنى أدق حميمي. يحمل ملك على ذراعه الآخر. يسيران بهدوء على الممشى الخاص بالشاطئ. يتجولان بالمول القريب، حيث محلات الملابس. تتأمل فستانًا معلقًا أعجبها فيشتريه لها بعد أن يدفع ثمنه دون نقاش رغم اعتراضها وحرجها. يبحث عن وشاح يناسبه فيختار لها ويقارن بين الألوان. يرفض هذا لأنه قماشه حريري وهي خصلاتها ناعمة فسينزلق. وهذا لأنه لا يناسب بشرتها. وهكذا!!
من أين له بكل تلك المعلومات والخبرات. ملك تريد غزل البنات فيأتي بواحدة لملك وأخرى لها. ملك تريد الحلوى فيضحك ويشتري لكليهما. واليوم كله وثقه بالصور. يلتقط لهما صورًا بأوضاع مختلفة هنا وهناك على الشاطئ وأعلى الممشى وبالسيارة. وأخرى عفوية وأنفيهما ملطخة بالآيس كريم. كان يوم حلو، كما يقال يوم للذاكرة. ليت اللحظات السعيدة تدوم للأبد. ليتنا نبقى هكذا ببال رائق ما تبقى من عمرنا.
واخر اليوم حيث الليل أسدل ستاره وتجاوزت الساعة الحادية عشر. تترجل من سيارته واليوم للأسف انتهى. تسبقه بالحقائب الخفيفة الموجودة بها ما اشتراه لها من ثياب وأوشحة وهو خلفها. على كتفه ملك غافية. يسألها حيث أن وجه الصغيرة مختفي عن عيناه:
"ملك نامت؟"
استدارت تتأمله وصغيرتها على كتفه. أغمضت عيناها وكأنها تشكره:
"انبسطت وتعبت، فنامت."
فتبسم لها يعبث بخصلات النائمة بعمق على كتفه. يوعد بالمزيد:
"نبقى نكرر الخروجة دي كتير بقى."
وأغلق البوابة الحديدية خلفهما، يصعد وهي بجواره متشابكي الأيدي. وعند باب شقة والدته كان يقف قاسم فجذبها للجهة الأخرى يضع كفه على خصرها بتملك. وأعجبها هذا الشعور، يميل على أذنها:
"اسبقيني إنتِ... هتكلم مع قاسم وأطلع."
حاولت أن تأخذ الصغيرة منه ولكنها تململت على كتفه. فطلب منها أن تتركها له. وتركتهم تصعد درجات السلم بسعادة عانقت السماء. بأحلامها البسيطة لم تتخيل أن تحيا مثل هذا اليوم.
وقف أكرم أمام قاسم يرمقه بنصف عين. يسأله بشك:
"واقف كده ليه.. كأنك مستني حد."
واخر كلامه وازى نظرة خبيثة للباب المقابل باب بيت جده. يحدق بقاسم بحاجب مرفوع. يقيمه بنظرة ثاقبة:
"ممممـ حالق دقنك وكاوي القميص، ولابس البنطلون اللي على الحبل!"
يتشدق بمكر:
"مش خير بردو."
يدور من حوله والآخر يهرب بنظراته. والوضع محرج على ثور مثله بهيئة رجل، يحدثه من بين أسنانه:
"إنت مالك يا بارد... يللا اطلع."
يصطنع الدهشة:
"بقى كده!"
يزيد بحزن زائف:
"بقى دي آخرتها. عموماً أنا هطلع عشان مش حابب أكون عزول."
يتحسس ذقن قاسم بأنامله الغليظة رغم ضجر الآخر وزفراته المختنقة. يغمز بعبث:
"شكلك ناوي تبوس."
شهق قاسم بعنف، يرمقه بحنق قبل أن ينحني بجزعه ليخلع حذائه ونيته قذف الوقح بها. والوقح تدارك الموقف. نجا بنفسه يصعد الدرجات بخطوات أشبه بالهرولة. يحدثه بصوت مسموع من الطابق الأعلى وقد أصبح بأمان:
"خد بالك أنا براقبك وعيني عليك."
بعد أن اطمأن أنه انصرف ودخل شقته، استقام بطوله. يعدل من شكل قميصه، يمسح عدة مرات على ياقته. وسأم الانتظار. يرفع هاتفه يرى الوقت وكم مر عليه منذ إرسال رسالته لها. حيث أنه أرسل رسالة نصية لحنين والنص كان "أنا هستناكي قدام الباب.. اطلعيلي."
لا يعلم ما يتوجب عليه فعله. أينتظر المزيد أم يستدعيها برسالة أخرى! زفر بقوة ووقف ينتظر بصبر رغم أنه قليل الصبر. ولكن نظرًا لتاريخه معها فهو لا يفعل شيئًا سوى الصبر. ابتسم براحة ظهرت على ملامحه وهو يرى الباب يُفتح وهي تخرج من خلفه. وقف مبهوتًا مما يراه بعينين متسعتين، تظهر أمامه بكامل هيئتها. فستان طويل حتى الكاحل بلون أبيض مطفي، تغطي خصلاتها الناعمة بحجاب أبيض نفس درجة الفستان. وجهها بهذه اللحظة كان ملائكي. ملامحها ناعمة وابتسامتها جعلتها تبدو مكتملة ناضجة. وقد فاجأته بهيئتها الجديدة. وحجابها!
يسير كالمغيب نحوها مأخوذًا بالطلة. وكانت هي أول من تحدثت وقطعت سحر اللحظة:
"إيه رأيك."
تدور حول نفسها ككل مرة كانت تريه فستانًا جديدًا. فرد بصوت خشن وعينان تنطقان بحب:
"جميل أوي."
تورّدت وجنتاها بحمرة طفيفة إثر خجلها من نظراته المنبهرة. قرار الحجاب أخذته بعد تردد لم يدم كثيرًا. وأرادت أن يكون هو أول من يراها به. زاغت بعينيها العسليتين عن عينيه قليلًا. تعيد السؤال بصيغة أخرى:
"إيه رأيك في الأبيض عليا؟"
واجابته كانت واثقة حد اللاحد:
"ميليقش عليكي غيره."
لا هذا كثير عليها. قاسم هادئ ونظراته ولهة. لو كانت تعلم بأنه سيصير هكذا لكانت تحجبت منذ زمن. كانت وفرت عليهما مشقة الطريق. حمحم بحرج وملامح محتقنة:
"كنت عايزني في إيه؟"
وللحظة أفاق من حلمه الجميل، وانتبه. ضرب على رأسه يحاول التذكر، ثم نطق بعد مدة:
"نسيت."
تهكمت ضاحكة:
"لأ بجد."
غمغم صادقًا:
"والله العظيم نسيت."
رواية بيت القاسم الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم ريهام محمود
"لا شيء يضاهي جمال المرة الأولى".... "هو رجل نال إعتراف بالحب.. مرتان..!!"
رجل لمع نجمه بعد انطفاء، كان على أعتاب الخذلان ونصفه الحب لأول مرة.
الصباح الباكر حيث الشروق والبداية، بداية لكل شيء وامتداد لعتمة الليل حيث لا نهاية لوعود المساء. يوم خريفي تظهر به الشمس على استحياء، والنسمات الباردة تعطي إنذار ببداية الشتاء.
واليوم فور أن استيقظ بعد غفوة لم تزد عن ساعتين، أخذ حمامًا دافئًا، باهتمام مبالغ اختار ملابس منمقة، غير تلك البسيطة الخاصة بالدكان.
وعطر ثمين نادرًا ما استعمله، واليوم استخدمه نفض عنه الغبار المتراكم إثر ركنته ونثر رذاذه الخفيف أعلى عنقه وباطن كفه.
وألقى على هيئته نظرة راضية وعلامة تقييم كاملة. وابتسامة منمقة تزين محياه.
يعلم وجهته، من نافذة البيت رأى جده بالأسفل يجلس بمفرده يرتدي نظارته سميكة الإطار وأمامه العديد من الجرائد الورقية يقرأها. كعادة سابقة توقف عنها بسبب كبر عمره واليوم أراد تجديدها على ما يظن.
ينزل درجات السلم بتمهل وعند الالتفاتة للحديقة الخلفية للبيت سحب نفسًا عميقًا لصدره، نفس محارب. أخرجه على دفعات متتالية.
يتوجه نحو جده يحمل بكفه كوب شاي بالنعناع الأخضر، وعلى ذراعه الآخر شال ثقيل.
وحين اقترب من جلسة الجد وصل لمسامعه صوت النقشبندي يصدح من مسجل صغير كان يضعه الجد على المنضدة الخشبية أمامه.
اندهش الجد من وجوده ف لازالت الساعة السابعة، باكرًا عن ميعاد استيقاظه، ولكن ما فاجأه بحق كانت هيئة حفيده. وكوب الشاي بالنعناع الذي يحمله.
"صباح الخير يا جدي"
يُلقيها بنبرة مرحة على غير العادة وهو يضع الكوب الساخن على المنضدة بجوار المسجل، واستدار خلف ظهر جده يضع الشال المحاك من الصوف على كتفيه.
عدل الجد من وضعية الشال الثقيل أعلى كتفيه، ثم ابتسم يرد عليه بتحية الصباح مبتهجًا.
"صباحك رضا وهنا يا بني"
جلس قاسم على الكرسي المقابل، يضم ساقيه بوضعية استعداد. يستكمل الكلام ولم يتخل عن ضحكته المفتعلة.
"أيوة كدة يا جدي انزل الجنينة وشم الهوا النضيف."
يناول جده الكوب الشفاف بتهذيب على غير العادة، فيأخذ الجد رشفة ويعيده مكانه. منتظرًا.
"واحشني يا جدي والله"
زاد بمرحه وضحكته الغريبة، مرحه المفقود بالفترة السابقة. وتقريبًا استشف الجد ما يريد بفطنته وبحكم خبرته وبالأساس قاسم ككتاب مفتوح أمامه من السهل قراءة ما يريد من خلال صفحة وجهه التي تفضح دواخله.
يرمق كوب الشاي أمامه والأمر بديهي فالكوب ماهو إلا "رشوة"!
"تحب أعملك مساج؟"
رمقه الجد متعجبًا. تعجب لم يطل وهو يرى قاسم يجثو على ركبتيه أمام ساقه، يستطرد بتقرير.
"هعملك مساج"
صاحب كلامه فعله، وهو يدلك ركبة جده بشكل دائري وبمنتهى الخشونة.
سأله الجد وهو يعلم الجواب مسبقًا.
"هات آخرك!"
أردف قاسم مسرعًا.
"أخرى عندك يا جدي"
يضطجع الجد بكرسيه يُعيد ظهره للخلف براحة، يُخبره.
"عماد حكالي ع اللي عملته من يومين"
بتوجس سأله قاسم.
"آه.. وايه رأيك؟"
يتلاعب العجوز بأعصاب الفتى الجاثي أمامه.
"الرأي رأي أبوها"
نطق قاسم على الفور، ويده توقفت عن التدليك.
"وانت أبوه... يعني كلمتين من عندك بقى"
يتابع ببسمة عابثة.
"خليه يكتب الكتاب قبل ما يسافر"
واستنكر الجد بوضوح.
"كتب كتاب مرة واحدة!"
تهكم قاسم بملامح ساخرة.
"لأ ع مرتين.. أصل هتجوز قطاعي"
والتهكم ختمه بحدة استقامة جسده، حيث أن المصلحة قُضيت. يُصيح بخشونة وهو يحرك كفاه بالهواء.
"مالك يا جدي... ماتلاغيني كدة، خليك معايا ع الخط"
يزيد بإصرار.
"أقنعه... عرفه إن ده لمصلحته ومصلحة بنته"
" بقدر العطاء يكون الأخذ"
صباح روتيني، تكرار معتاد حد الرتابة وقدح من القهوة المرة. يقف أمام الرخامة يتناوله ببطء دون مزاج رائق.
ظلمة باردة تمكنت منه، ببرودة الجو بالخارج. وما حدث فجرًا يعاد أمامه وكأنه شريط مصور، والمفروض يناقض الواقع بحدته.
وبقدر العطاء توقع الأخذ، حيث بالأمس كانا أكثر من السمنْ على العسل.
يأخذ رشفة من فنجانه الساخن، يزفر محتقنًا والرفض لازال يلون وجهه.
عند الرجوع بالأمس وبعد مشاكسته لقاسم على الدرج، وسهرة لطيفة أمام التلفاز لفيلم رومانسي عالي الجودة. عالي الجودة، والأمر لا يحتاج توضيح.
ودخلا معًا من أجل النوم. كان عار الجزع وكانت بمنامة حريرية. والمتوقع سهرة حيث كما ذُكر أعطى وانتظر!
ابتسامة ماكرة، وأخرى مترددة خجلة منها، واحتضان كان متمهلًا من ناحيته ومن جهتها كان مسرعًا باردًا أحبطه قليلاً، ولكن تجاوزه.
عدة محاولات من قبله لنيل الرضا. استجداء التبادل. وبالمقابل استدارت وغطت في نوم عميق!
"رائحة القهوة انتزعتها من نومها العميق. تلتفت حولها ولا تجده بالجوار، فنهضت بتكاسل ورأس مثقل بصداع يحتاج كوب من الشاي الثقيل لتفتيته.
ارتدت مئزر فوق منامتها وخرجت تتجه صوب المطبخ تتبع رائحة القهوة بعينين شبه ناعسة.
وعند رؤيته يقف وظهره لها، تذكرت الأمس وما حدث. ونومها!
غفت مرغمة بالفعل كانت متعبة، تصلب ظهره هكذا واعداده للقهوة دون انتظارها أشعرانها بفدح ما فعلت.
اقتربت بخطى ثقيلة متوترة، ومن انحناءة رأسه عرفت أنه أحس بوجودها.
"صباح الخير"
"مصحتنيش ليه أعملك القهوة؟!"
رد بنبرة قاتمة ولازال على وقفته ظهرها له.
"ده فنجان قهوة مش محتاج يعني"
وبعدها التفت، رفع عيناه نحوها بحدة وكانت ملامحه غائمة، ترى إرهاقه بوضوح. يقف بكامل أناقته وخصلاته الفحمية المصففة بعناية، وبجوار القدح مفاتيحه وهاتفه وساعة معصمه.
ازدردت ريقها الجاف وهي تقترب منه بقدمين حافيتين، تكاد أن تضع يدها على صدره الصلد. تهمس بخفوت.
"آسفة أنا راحت عليا نومة امبارح... كنت تعبانة و..."
"عادي أنا كمان كنت تعبان... بس منمتش"
النبرة قد تبدو هادئة، إلا أن الجرح مبطن بداخلها. يسحب مفاتيحه وهاتفه بشيء من حدة يقصدها، والرسالة واضحة!
يتابع بجمود ملامح. وكرامة بالأمس وتحديدًا فجرًا كانت غير موجودة.
"الظاهر أن لسه الأمور بينا مش تمام وأنا اتسرعت"
احتقن وجهها بحمرة قوية تهز رأسها بنفي، وثغر مفتوح ولم يهتم.
نظرته تحمل قسوة باردة. جفاء.
"اتغدو أنتو.. أنا هتأخر"
يتحرك من وقفته يمر بجوارها ويتجاوزها بصمت وأنفاس عالية. أغمضت نورهان عيناها تتشبع من رائحة عطره، تستجمع تماسكها.
وعند الباب وقبل أن يغادر هتفت بـ اسمه واللهفة واضحة.
"أكرم"
توقف ولم يستدر. ينتظر، وعقله أوهمه باعتذار ولن يقبله. فاقتربت هي، تقف أمامه، والشفاه قريبة جدًا.
تمد يدها رغم ضآلة المسافة بينهما.
"ساعتك"
تناولها بعد تلامس أطراف جعل الوضع مرتبك وزاد من احمرار وجهها.
ورغمًا عنها كانت تقترب رغم ابتعاده وتصلب جسده، تهمس بأنفاس دافئة قريبة لصدره.
"هستناك ع الغدا"
"إفتح الباب ده، بدل ما اطربق البيت ده ع دماغك ودماغ اختك الصفرا"
" إن كانت الزوجة غاضبة فتسلح باللامبالاه"
منذ أن احتجزها بعد خطة أخته الصغرى، وابتلاعها اللحظي للموقف ومرت الليلة بسلام.
باليوم الثاني وكأنها تبدلت، صراخ وصياح وعصبية زائدة ونغمة واحدة لا تحيد عنها - "خرجني من هنا.. افتح الباب"!
وهو رجل انتهاز الفرص، حيث أن فرصته جائته على طبق من ذهب. أيتركها؟!!
للتو استيقظ من نومه. بعد عذاب فكل مرة يغفو بها تُفيقه بطريقة مختلفة عن سابقتها، مرة صفعة، ومرة صرخة تصم آذانه. والأدهى ركلة بمنطقة تكاد تقضي على مستقبله الأسري. التعبير الأدق مستقبله كله!
بالأساس هو رجل بارد. وببروده ذاك كان يجلس بـ هاتهِ اللحظة على الأريكة العريضة المقابلة للباب، يستقبل طوفان ثورتها ببطنها المنتفخة.
ما بال النسوة يزددن حلاوة وفتنة بالحمل!
"يا حبيبتي اهدي... العصبية مش حلوة عشانك"
يتكلم ببرود أشعلها أضعاف.
"انت معندكش دم... مبتزهقش!"
بنفس البرود بل وأشد. يفرد ذراعيه بمحاذاة كتفيه مستندًا على الأريكة خلفه. يتلاعب بحاجبيه.
"خالص ده أنا عاطل وفاضيلك"
استفزها. صرخت به بحدة تدب الأرض بقدميها.
"عارف لو مفتحتش الباب ده دلوقتي... هقطعك!"
وارتفعا حاجباه بتسلية، حيث أن عقابها شديد، شديد جدًا. ذكره بعرض مسرحي ذكر الممثل فيه لممثل أمامه نصًا "إنت شديد أوي مع الموظفين بتوعك ياسيد بيه"!
يعتدل بغمزة.
"طب ماتقطعيني"
عقدت حاجبيها بغباء. تود قذفه بأي شيء ثقيل أمامها يفقده وعيه وتنتهي منه!
عبست بتساؤل.
"إيه اللي بتقوله ده!"
تضغط على فكيها والنية قتل من أمامها. فبسط ذراعيه يردف ببساطة.
"الحق عليا بحاول أهديكي وألطف الجو... ده انتِ خميرة نكد"
تنفي عن نفسها، تشير بسبابتها لصدرها.
"أنا خميرة نكد يابتاع النسوان!"
يلتوي ثغره بشبه استهزاء. يأخذ الأمور ببساطة.
"مش فاهم مضيقاكو في إيه بتاع نسوان مش احسن ما اكون بتاع رجالة!"
يتابع بنظرية علمية بحتة هو من وضعها. حيث أنه يشرح بكفه، يزيد من التوضيح.
"يا حبيبتي اللي معاها واحد بتاع نسوان بتمسك فيه باديها وسنانها.. الجو ملبش اليومين دول.. انتِ حرة"
رمقته بغضب قبل أن توبخه.
"مش بتاع نسوان وبس.. لأ وكمان بجح"
يستنكر.
"اعترضي بقى!"
ويزيد.
"ثم انك تخينة وساكت"
ألقاها وسكت. جحوظ في العينين، وصدمة أشبه بصاعقة أصابتها تهتف بخفوت حاد.
"قولت إيه؟"
والنبرة أقلقته. أعاد ما قاله بتوجس ونصف عين مغلقة، وصوت منخفض بالكاد يُسمع.
"تخينة وساكت"
حينها اقتربت من طاولة السفرة حيث طبق الفاكهة والسكين الموضوعة بجانبه. تسير صوبه بملامح تحمل الشراسة، تضع السكين الحاد بمنتصف حلقه ببساطة، فيصيح بها.
"يخربيت هرموناتك!"
تميل بأذنها تقربها من فمه. تسأله. واللهجة شبه تحذير.
"عيد تاني اللي قولته"
على ثبات الموقف وانخفاض النبرة وارتفاع منسوب الرعب.
"تخينة بس ساكت وراضي والله"
استقامت عابسة. تصرخ به.
"تاني... ده بيعيدها تاني!"
يرفع كفيه باستسلام.
"معنديش مشكلة مع التخن والله... أنا راجل بقدر كل أنواع الستات"
امتقع وجهها من وقاحته. الفاسق، الوقح.. الـ.... ألف سبة أطلقتها برأسها ببطء.
سحبت السكين من منتصف نحره، تجلس جواره بهبوط وأنفاس متهدجة. تسأله وهي تستند بظهرها لظهر الأريكة بتعب ولازالت تتلاعب بالسكين.
"عارف أنا نفسي أعمل إيه!"
يميل بوقاحة.
"يارب يكون اللي نفسي فيه"
تتجاهل الوقاحة وتتلذذ بالتخيل. تُقرب السكين منه ثانيةً.
"نفسي احط السكينة دي ف زورك"
تتابع بلمعة عين.
"وعارف بعدها هعمل ايه!"
يغمغم بنفاذ صبر.
"هتقطعيني حتت"
"عرفت منين!"
سألته باهتمام فأجاب ببديهية.
"ماهو القتل أول.. وبعد كدة التمثيل بالجثة"
تأكد ع كلامه بإبتسامة مرتاحة.
"صح"
بتر الوقاحة. والعبث والخيال المضطرب لزوجته. يزفر بملل ونفاذ صبر. يعتدل ليوازيها وركبتيه ملتصقة بركبتيها. يحتضن وجنتيها براحتيه.
"بقولك إيه يانونو.. ماتسيبك من خيالك الدموي ده ونتكلم بجد بقى"
يتابع بصدق النبرة.
"أنا والله العظيم بحبك وتوبت"
تهكمت بحاجبين مرفوعين. فنهرها بجدية.
"لأ والله العظيم توبت بجد"
يزيد بإبتسامة ووهج عيناه الصافي.
"وعايز نبدأ احنا التلات من أول وجديد... وترجعي نيرة بتاعة زمان"
رمقته بنظرة لائمة.
"الهبلة"
ينفي بهزة رأس.
"اللي بتحبني... أنا بحبك والله"
يسألها ببحّة نبرته ونادرًا ما تظهر. يراها تلين فيلين بالنظرة.
"هو انا مبصعبش عليكي.. دانا جالي جفاف من قلة البوس"
وسيظل وقح كما هو. ضحكت بعد طول عبوس. وأخيرًا تنفك عقدة حاجبيها.
تتنهد بيأس.
"خلاص هسامحك بس بشرط"
اشاح بوجهه بعيدًا بملامح رافضة ممتعضة، ف آخر مرة اشترطت عليه قُصم ظهره بورشة قاسم.
تضحك وهي تجذبه من ذقنه تعرض عليه بساطة الشرط.
"نسمي البيبي قاسم"
ضحك عاليًا قبل أن يتهكم.
"طبعًا"
تستعطفه.
"قاسم اتعشم وفرحان أنه هيتسمى ع اسمه"
يتهكم بزيادة تأكيد.
"أومال"
"والنبي يازياد.. بلاش تزعله"
انحنت شفتيه بثعلبية، يضع ساق فوق أخرى. يقلب الطاولة لصالحه.
"خلاص موافق بس بشرط!"
رفعت حاجباها بانفعال.
"ياسلاام..... طيب ايه هو!"
والتمعت عيناه. يميل بوقاحة حد الهمس.
"قربي هاتي ودنك"
والعبث انتقل لها من خلاله. تزيد الهمس بهمس.
"إيه خايف الكنب يسمعنا!"
يغمز والمعنى ببطن الشاعر.
"أخاف أخدش حياؤه"
تضحك بصفاء وملامح أشرقت بالفعل، تُجاريه بالعبث.
"لأ كله إلا خدش الحياء"
فجذبها دون مزيد. يرفع خصلات شعرها المنسابة على جانب وجهها وبيده الأخرى يثبت رأسها من خلف عنقها. يهمس لها بشيء تلاه عدة أشياء، جعلت ملامحها تبدأ باحمرار طفيف إلى أن انتهت بشرتها بإحتقان قوي وصفعة على وجنته تبعتها بصدمة خجولة.
"يا قليل الأدب"
" هناك أنثى بلذوعة المانجو، وأخرى بحلاوة الكريم كراميل"
دخل للتو بيته وخلع حذائه بجوار الباب، يضعه بمكانه وعلى منضدة جانبية ألقى بمحفظته الجلدية وعلاقة مفاتيحه.
خطوتان للداخل يخلع ببطء جاكيته ويمسك به حتى غرفة الاستقبال. وهناك كانت ريم تتوسط الأريكة الكبيرة المواجهة لشاشة التلفاز تضع أعلى ساقيها علبة كبيرة من المحارم، وجهها محتقن بشدة وكأنها تبكي!
كانت بالفعل تبكي. سقط قلبه بين قدميه وأول ما جال بخاطره حاتم ابنه الأوسط. حيث أنه حاد التعامل تلك الفترة مع الجميع وخاصةً معها! متمرد ولا يعلم سبب لتمرده هذا.
اقترب بحذر منها يسألها بقلق.
"بتعيطي ليه!"
أجفلها بوجوده، لم تنتبه وقت مجيئه. تؤشر بيدها على الشاشة أمامها. تجيبه من بين نحيبها.
"عشان فاتن حمامة"
أصابه غباء لحظي. عقد حاجبيه متسائلاً.
"مين فاتن حمادة؟!"
توقفت عن البكاء لحظة، ترمقه بحدة وكأنه أخطأ بحقها.
"حمادة مين! فاتن حمامة"
وتشير من جديد نحو الشاشة، هي تشير للشاشة وهو ينظر لسبابتها ببلاهة. بلاهة تبدلت لأخرى متسائلة يوزع نظراته بين الشاشة وهي.
جاورها بالأريكة بارهاق. تعب أنفاس. ينظر للشاشة أمامه دون تركيز.
حيث أن الرجال آخرهم بالمشاهدة مباريات كرة قدم. أو مصارعة حرة!
فيلم رومانسي غبي. تبكي وتختنق بعبراتها من أجل أبطاله! وماذا عن من يجاورها!
"الأنثى كائن غير مفهوم"
تثرثر هي وقد ظنت بجلوسه أنه اهتم وانجذب للمشاهدة تتناول محرم ورقي من أمامها تمسح عبراتها وأنفها المحمر من إثر البكاء.
"عمر الشريف ضربها وأهانها... وطردها مفكر انها خانته وهي بتحبه"
تفاصيل لا يريد سماعها. ثرثرة نسائية مملة، ما شأنه هو بشأن عمر الشريف! هو رجل يريد تناول العشاء، والنوم بجوارها.
ينهي الثرثرة بتقرير وزفرة مختنقة.
"معلش هي الأفلام المصرية كدة بس ف الاخر هيتجوزو ويخلفو ويجوزوا عيالهم وينزلو بتتر النهاية"
تضايقت منه، يعاملها كطفلة. زجرته بحدة غير مفهومة.
"كمال أنا شايفة الفيلم ده ١٠٠ مرة قبل كدة... وعارفة نهايته وحفظاها صم!"
رفع حاجب بدهشة ولم يزد بالكلام. هيئتها الليلة غريبة! خصلاتها متناثرة بعشوائية دون عناء تصفيفه أو حتى تجميعه بربطة. منامة واسعة ذات أكمام طويلة بلون غامق. محتشمة على غير العادة!
تنهد، فرك جبينه في محاولة هروب.
"أنا هروح أنام"
يتحرك فتستوقفه باستفهام حاد.
"هتنام وتسيبيني كدة!"
هو رجل حديث العهد بدرب النكد، حيث حياته السابقة كانت أشبه ببحيرة راكدة حد الملل والرتابة. على عكس بحرها الهائج من كثرة تقلبات المزاج. وتغيير الروتين.
يهتف بنبرة حادة أكثر منها حيث الأمر تافه.
"كدة اللي هو ازاي.... انتِ بتعيطي عشان فيلم ياريم!"
قلبت ملامحها بشبه بكاء جديد، هزت رأسها لتردف بخفوت متحشرج.
"لأ.. أنا عايزة شيكولاتة"
تتابع بحرج وبعثرة كلمات.
"أصل أنا خلصت الشيكولاتة اللي ف التلاجة.. وعايزة تاني"
بدا كمال حائرًا رغم استنكاره.
"مش عوايدك يعني!"
ابتلعت ريقها والحرج يزداد. تتوتر، تهمس بصوت خفيض وهي تعيد خصلاتها خلف أذنها بترتيب.
"ماهو أنا الكام يوم اللي ف الشهر ببقى عايزة شيكولا وحلو كتير"
وفهم ماتقصده. نوبة البكاء الحادة، ولذعة لسانها اليوم وأمس أيضًا. أحرج هو أيضًا وأحمرت أذناه.
"آه"
ثم بعد صمت دقيقة. غمغم بعاطفة ومازال محرجًا.
"طيب هنزل اجيبلك... عايزة نوع معين!"
وحينها أعتدلت تهديه ابتسامة ناعمة ظهرت من العدم.
"نوتيلا كبيرة وكابري"
وبعد نصف الساعة حيث أنه لم يجد طلبها بالمحل القريب، وصل بما كانت تريد. يحمل الكيس بيده ويدخل حيث كانت. وحيث تركها.
وعلى عكس بكائها كانت ضحكتها واسعة، تجلس القرفصاء وبين كفيها كوب ساخن من الأعشاب. عيناها مصوبة، منجذبة للشاشة أمامها تتابع مسلسل مفضل مصري عائلي أصيل.
حيث اليوم الحلقة الأشهر على الإطلاق من مسلسل لن أعيش في جلباب أبي.
وانتبهت لمجيئه، هتفت بـ اسمه بمزاج شبه رائق. بل رائق حد الكمال.
"كمال.. اتأخرت كدة ليه"
غير وتعالى انهاردة فرح سنية.
"فرح سنية!"
وتأكيد للتأكيد بأن "الأنثى كائن غير مفهوم مطلقًا.."
" إذا أردت شيئًا بقوة فتمسك به... فمن الغباء أن تطلق سراحه"
عودة الحب في نوفمبر. والاعتراف به أيضًا، وتوثيقه بقراءة الفاتحة!
لتلك اللحظة لا يصدق ما يحدث، لا يصدق فرحته بسماع كلمة أحبك منها. اعترافها الصريح، ونظراتها الولهة التي باتت تخصه هو بها، وتغيرها بالكامل.
في أمور العشق لا تسأل يومًا عن السبب. هكذا بين يوم وليلة يصبح الرجل ملكًا.
جلسة عائلية ذكورية بحتة ببيت الجد، كان متوتر بشكل ملحوظ. عريس متوتر أكثر من عروس وقت عرسها. حليق الذقن فبدا أصغر من عمره بسنوات.
هو رجل عشقه مفضوح بعينيه، يرتدي ثياب منمقة مختارة بعناية من قبل أكرم وقد اختار هو لون القميص، أختاره بلون من درجات البنفسجي تمسك به بناءً على حبها لذلك اللون. هو رجل مهتم بكل تفاصيلها، رجل يحفظها أكثر منها. وتعلم هي ذلك.
يجلس على الأريكة يتوسط أخويه، على يساره أكرم ويمينه كمال. أمامه جده ويجاوره عمه عماد.
نظرات جده له داعمة يبتسم له بفخر يراه بشكل جليّ فيبتسم له بالمقابل. وقد هدأ ارتباكه قليلاً.
كانت جلستهم خفيفة، غير صريحة للهدف الذي جاؤوا من أجله. مجرد جلسة عائلية يتحدثون عن الأمور العامة. والعم يحكي عن حياته بالخارج وكم هو مريح الاستقرار هناك.
أحاديث اقتطعها كمال بعد أن لكزه قاسم بخصره بحدة ونفاذ صبر، فحمحم بجدية يجذب انتباههم.
"احنا جايين عشان عايزين حنين لقاسم بشكل رسمي"
وكلام كمال كان واضح. حيث أن الأمر شبه واقع. يريد الموضوع بإطار رسمي دون تزيين.
بدا على العم عدم المفاجأة. اعتدل أكثر بجلسته. يتنهد بشبه ضيق ونظرة حزينة ظهرت بمقلتيه. من وقت حديث حنين معه ومواجهتها له. وهو يتجنبها والوقت ذاته أوجعه ضميره وخفق قلبه بأبوة كانت غائبة من أجلها يود تعويضها عن سنوات غيابه.
وجل ما يشغل باله بـ هاتهِ اللحظة أن تكون حنين مُرغمة عليه كالمرة السابقة. أن تكون تحت ضغط إما قاسم أو السفر معه.
أجاب بعد صمت قصير بصوت مبتسم.
"سيبوني افكر"
زم قاسم شفتيه ليتهكم.
"تفكر... ليه لسه هتسال عليا!"
باندفاع رد أكرم بنبرة باطنها لوم.
"لزمته ايه التفكير ياعمي!"
يتابع وقد ضاق ذرعه هو الآخر.
"قاسم وانت عارفه.. وحنين متربية اودام عينينا... ملهاش لازمة المماطلة"
اليوم معركته هو. حلم حياته الذي قارب على الوصول إليه، فشد من عضده، يأخذ نفسًا قوي وتجاهل الجميع عدا عمه. يحدثه بنبرة ثابتة واثقة وقد تخلى عن توتره ونحّاه جانبًا.
"عمي سيبك من أي كلام، أنا راجل مسؤول عن بنتك بالظبط بقالي خمس سنين.. وبِعلمك وعِلم جدي"
واقترب بجلسته للأمام يحافظ على هدوئه وثباته، يستكمل.
"مسؤول مسؤولية كاملة مواعيد دروسها هدومها وتلفوناتها.. كل حاجة وأي حاجة.. وكنت بعمل ده عن طيب خاطر.. بكيفي"
وصمت للحظة قبل أن تغيم عيناه بذكرى أنكرها عقله الباطن. وللتو تذكرها، غمغم برجفة شابت نبرته الثابتة فبدأ ضعيفًا أمامهم بتلك اللحظة.
"الفترة اللي فاتت حصل مشكله وبعدتت وأنا بعدت.... بس المشاكل اتعملت عشان تبين قوة العلاقة أو ضعفها"
ثم عادت إليه الثقة وابتسم. ابتسامة ظهرت من العدم.
"وآديني أهو قاعد أودامك وبقولك أنا عايز بنتك... عايز العلاقة تبقى رسمي.. عايز حنين تكون مراتي"
وصمت، يلهث بداخله وكأنه كان بسباق للركض وفاز به. ينتظر جائزته.
ران صمت للحظات قبل أن يغمغم عمه بضيق نبرة رغم نظرة إعجاب لقاسم.
"أنا مش عايز أحس إنها مضغوطة أو مجبورة"
عبس قاسم تلقائيًا وتبدلت قسماته للعصبية منذ متى دور الأب هذا!
وتدارك كمال الموقف يحتويه بحكمة وقد شعر بذبذبات غاضبة من المجاور له.
"وع إيه كل ده... إحنا ننده لصاحبة الشأن والرأي ف الآخر ليها"
وأكد على كلامه هتافه العالي لها دون انتظار رد أبيها.
"حنين"
ظهرت من الداخل وصوت كعب حذائها يسبق حضورها، تسير صوبهم ببطء شديد وعلى استحياء وملامح خجلة.
توقفت أنفاس قاسم وهو يتأمل حضورها، ابتسامتها الناعمة وحجابها الوردي الملتف حول وجهها فزاده فتنة بتلك اللحظة لعينيه، ترتدي سروال من الجينز الباهت وبلوزة حريرية ناعمة تنسدل على جزعها بنعومة.
وتفحصه لها هكذا أمامهم أصابها بتوتر فتعثرت خطواتها فنهض على الفور ليمسكها ولكن كمال منعه بحرج.
جلست على طرف الأريكة أمام كمال تُجيبه.
"أيوة"
رد عليها بإبتسامة.
"إنتِ عارفة أحنا جايين ليه انهاردة"
وبالطبع هي تعرف. رسالة نصية من قاسم، ومكالمة من نيرة وأخرى من أكرم. احتقن وجهها بخجل لتتمتم.
"عارفة"
رمى الكرة بملعبها وأخرج الجميع.
"طب وإنتِ إيه ردك؟"
لم تجب فور السؤال. أحنت رأسها فاختفتت ملامحها عن المحترق بصبرٍ كاد أن ينفذ أمامها، تتلاعب بطرف بلوزتها بأصابع مرتجفة.
كم دام صمتها لحظة. لحظتان... دقيقة كاملة، لترفع رأسها بإبتسامة رائعة. أروع ابتساماتها. ترد بثقة.
"موافقة طبعًا"
زفر نفسًا طويلًا كان يكتمه بانتظار ردها. نفس كاد أن يخنقه. ارتاحت ملامحه، وخفق قلبه بجنون. لا هذا كثير على قلبه، سيتوقف من كثرة سعادته.
خرجت يارا من المطبخ، تقريبًا بعد أن اطمأنت لموافقة حنين، تحمل بين كفيها صينية كبيرة، تقطع حديثهم وجلستهم باقترابها المرح وشقاوتها المعهودة.
"مبعرفش أعمل لا قهوة ولا شاي... جابتلكو فانتا تفاح وجبت لقاسم شويبس رومان"
رواية بيت القاسم الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم ريهام محمود
أتساءل لو أنّني منذ البداية عرفت
أنّ هذا الحب سيلتصق طويلًا بجلدي
هل كنت بدأته؟
نعم
نعم
ألف مرّة نعم
قاسم
عقد القران
مرّ أسبوع على اتفاقه مع عمّه، أسبوع واحد، سبعة أيام، أحصاها ساعة ساعة. والأمر يستحق الانتظار، فاليوم فرحته هو، عقد قرانه على من تمناها وخفق قلبه لها. والاتفاق كان بدايته خطبة وحفل صغير ببيت الجد، ولكن بعد إلحاح منه وموافقة من حنين تحولت الخطبة لعقد قران، لتكون بشكلٍ رسميّ حرمه مع إيقاف التنفيذ لحين الزفاف بعد الانتهاء من دراستها الثانوية.
اليوم فقط يشعر بالكمال، بأنه نال قطعة من السماء. لم يبالغ بمشاعره. مشاعره مشاعر رجل هزمه الحب مرة على أرضه وانتصر هو بالأخير.
يقف أمام المرآة ينظر لانعكاس هيئته بغير رضا ظاهر بشكل جليّ. تجاوره نيرة شقيقته، تعدل من ياقة معطفه. تهديه ابتسامة رائقة فيهديها عبوس ملامحه.
هتفت به بنعومة بعد تنهيدة يائسة:
"أفرد وشك بقى ياقاسم.. أسود إيه اللي عايز تلبسه في كتب كتابك؟!"
ورد كان زفرة غاضبة، ونبرته خشنة:
"تقومي تلبسيني لبني؟!"
رفعت نيرة حاجبيها باعتراض، تصحح:
"مسموش لبني يابني آدم... اسمه بيبي بلو."
استدار نحوها وعيناه تستنكر ما تقوله، يتهكم:
"ياريتك ماقولتيلي..."
تجيبه باستياء ناعم:
"سماوي ياقاسم... وبعدين انت مش شايف الألوان الفاتحة بتخليك قمر إزاي؟!"
وازى كلامها حركة كفيها وهي تجذبه من معطفه ليقابلها. تمسح بكفيها على ذقنه الحليقة بنعومة. ترمقه بابتسامة معجبة. عيناها تعطيه علامة كاملة، أليست الفتاة بأخيها مغرمة! هو يعلم بأن اختيارها أفضل من اختياره بمراحل.
يلتفت مرة أخرى للمرآة يطالع صورته، يحاول فك عبوس ملامحه وعقدة حاجبيه رغم لمعة عينيه الخفية. هيئته تعجبه. تزيده وسامة، متأكد من أن عروسه ستخطفها طلته، لترتخي ملامحه براحة وانتشاء لمجرد التخيل.
كان يرتدي سروال بلون القهوة الفاتحة ومعطف بلون صفاء السماء أسفلهم قميص أبيض وقد تخلى عن ارتداء ربطة عنق لأنه لا يستسيغها. وخلفه أعلى الفراش بدلته السوداء مجعدة، ملقاة بإهمال.
مقارنة سريعة بين ذوقه وذوقها والغلبة ستكون لها. يعقد حاجبيه مرة أخرى، يزفر بملل:
"مش كفاية إني تنازلت وجيت ألبس عندك عشان إنتِ مش عايزة تيجي؟!"
وبالفعل جاء بعد أن طلبت هي منه ذلك، بسبب عدم مقدرتها على الحضور. تبرر بإبتسامة خجلة، وبعض الحرج:
"زياد حلف بالطلاق إني مش هخرج غير ع الولادة."
وتبريرها أغاظه، سخر منها:
"لا والله؟!"
"آه والله." ردها ببراءة هكذا أشعل حنقه. تحرك من جوارها على مضض. يلتف حول نفسه بعصبية. يغمغم بحنق:
"مش حابب ألبس الجاكيت بتاعه."
تقترب منه ببطنها المنتفخ، تهدأ من توتره:
"أنا كنت جايبهوله هدية والله."
سكت لحظة، ثم اعترض مرة أخرى:
"طب والقميص والبنطلون؟!"
وتلك المرة لم تستطع التحمل، صرخت به بلا احتمال وقد ضاقت ذرعًا من تصرفاته الصبيانية:
"يووه بقى ياقاسم.. زهقتني...."
وقطع صياحها دخول زياد دون أن يطرق الباب حتى. يضع كفيه بجيبي بنطاله الضيق، يخطو لداخل الغرفة بعنجهية وشبه ابتسامة مترفعة. يدور حول قاسم والنية واضحة. يتفحص هيئته، متوشحًا بعبث منتقم.
اتسعت ابتسامته المتغطرسة، ثم قال بنبرة متسلية:
"ممممـ مش ده بردو الجاكيت بتاعي؟!"
انفجرت ملامح قاسم على الفور، يلتفت لشقيقته يسألها غاضبًا من بين أسنانه:
"مش بتقولي إنتِ اللي جايباه هدية؟!"
مط زياد شفتيه متشدقًا:
"وهي هتجيبه هدية بفلوس منين!! ... بفلوسي يابابا."
وتركه حانقًا، يشتمه من بين أسنانه بخفوت، يرميه بنظرات مشتعلة استقبلها هو بحاجبين متراقصين متعمدًا إغاظته. وقف أمام المرآة. يرتدي ساعته على مهل ونظرته مصوبة على قاسم، يدندن بصوت مسموع وكلمات الأغنية واضحة، يحاول استفزازه:
"بطلو ده.. واسمعوا ده، الغراب ياوقعة سودة جوزوه أحلى يمامة."
هتفت نيرة باسمه باستنكار، تحذره بعينيها:
"زياد...."
وبدا على قاسم عدم الاهتمام، رسم ابتسامة ماكرة. قبل أن يهتف ببرود:
"سيبيه براحته يانونا.."
يعانده بحاجب مرفوع ونظرة متراقصة:
"هو بذات نفسه هيشهد على جوازة الغراب من اليمامة."
بنفس التوقيت، بيت الجد
انتهت متخصصة التجميل من تجهيز حنين بعد أن وضعت زينة خفيفة ناسبت رقة قسماتها. ويارا ملتصقة بها. تبتسم بحبور، ملامحها كانت تشي بسعادة حقيقية. وكأنها العروس. واليوم اعتبرت حالها شقيقة العروس، وأخذت كافة الصلاحيات، من حين لآخر تطلق الزغاريد.
تطالع انعكاسهما بالمرآة فتبتسم لحنين تطمئنها. وخاصةً وقد بدا على ملامح الأخرى التوتر. تقضم أظافر يدها كعادة ملازمة لها كلما توترت أو انزعجت من شيء.
"مش مطمنة لقاسم، بقالي يومين بتلح عليه عشان أشوف هيلبس إيه وهو مش راضي."
تهديها يارا ابتسامة مطمئنة:
"متقلقيش.. نيرة معاه، مستحيل تسيبه يلبس ع ذوقه."
ورغمًا عنها ضحكت وتلاشى قلقها. أومأت بموافقة تؤكد على كلامها:
"عندك حق."
مازالت تقف بجوارها، تبتسم لها. فهتفت حنين بنبرة صادقة متأثرة:
"عقبالك."
وبدعوة حنين أعادت لها ذكرى أوجعتها. خفقة قلب ذائبة وآخر دهسها بحذاء كبريائه. غامت ملامحها بألم وبهتت ابتسامتها قليلاً. مالت قليلاً على المنضدة الخشبية أمامها الخاصة بالمرآة تنظفها من الفوضى، تغمغم بلا اهتمام تدّعيه:
"مش وقته."
"ها عروستنا الحلوة خلصت؟!"
أجفلت حنين على صوت ريم والتي كانت تقف على باب غرفتها، تنتظر منها إذن الدخول. فارتفعا حاجبي حنين بدهشة حقيقية، ترتفع بنظرتها ليارا لتراها لا تقل عنها دهشة. تلك المرة الأولى التي تتحدث فيها ريم معها. ريم والتي كانت شديدة التحفظ معها. تذكر مرة تقابلا أمام البوابة ولم تلقِ عليها السلام حتى.
تبتسم ريم وهي تستشعر غرابة الوضع. سابقًا كانت تغار منها، بسبب اهتمام قاسم بها. حيث كانت الخفقة الزائدة لقاسم ولن تنكر. ولكنّه تبخر. تبخر كسراب، كلحظة خاطئة.
لم تعد ترى سوى كمال. وكأنه الرجل الوحيد الموجود بحياتها، وهو بالفعل كذلك. من قال إننا نزهر مع أشخاص بعينهم كان لديه كل الحق. صدقت أمها حين قالت لها ذات مرة بأن كمال يحبها وهذا يكفي لنجاح العلاقة. وبالفعل كفى.
واليوم ستكسر الحاجز. حاجز وهمي كانت وضعته هي بينها وبين حنين. تبتسم بدلالها الفطري. تقترب بخطوات واثقة تقف ورائها تعدل من وضعية حجابها بحركة خفيفة.
"ممممم قمر ١٤ زي ما بيقولوا."
وتجاوزت حنين الدهشة. رغم استغراب ملامحها إلا أنها ابتسمت برقة:
"merci.. عنيكي جميلة فشايفاني جميلة."
ابتسمت ريم لها بحلاوة ملامحها. تهتف بصدق شابّه مرح:
"إنتِ جميلة مش محتاجة مجاملة."
كان المنزل بأكمله على قدم وساق استعدادًا لحفل عقد القران. حفل عائلي، ضيق، يُقام بالحديقة الخلفية للبيت. للعائلة فقط لاغير. أضواء براقة متراصة أعلى الأشجار وأخرى خافتة جانبية، وزغاريد عالية صدحت حين بدأ الشيخ بعقد القران.
طاولة مستطيلة بمنتصف الحديقة كان يجلس عليها وأمامه عمه متعانقي الأيدي ويتوسطهما المأذون. تتسع عيناه بغير تصديق رغم مظاهر الاحتفال أمامه، والمدعوين الذين جاؤوا من أجل مباركته، يشعر أنه بحلم جميل وعساه ألا يستفيق منه. ابتسامته الواسعة أشبه بضحكة رائقة. ملامحه بتلك اللحظة كمن توّج بالفوز.
يردد خلف المأذون بنبرة عالية واثقة، وحين جاءته كلمة أبيها "زوجتك ابنتي" عاجله بالقول السريع الواثق "وأنا قبلت". وأصبح حلمه واقع وهو يؤمّن على دعاء الشيخ: "بارك الله لهما وبارك عليهما وجمع بينهما بالخير".
اتسعت ابتسامته الصافية وخاصةً حين جذبه عمه في عناق أبوي متأثرًا:
"مبروك يا قاسم... حطها في عينك."
أجابه بتأكيد رجل واثق:
"طول عمرها في عيني."
تركه عمه لتتوالى عليه المباركات والتهنئة إلى أن استقر بأحضان أخيه كمال، يحتضنه بقوة هاتفًا بسعادة:
"ألف مبروك يا حبيبي."
وتأثر بحضن شقيقه الأكبر فاستمر باحتضانه حتى قاطعتهم أمه تدمع بتأثر ونبرة مرتجفة:
"أخيرًا شوفتك عريس ياقاسم."
والطبع غلّاب، عقد حاجبيه كعادته:
"إيه ياما وإنتِ كنتي شايلاني فوق راسك؟!"
زمت شفتاها الرفيعتان، تهز رأسها بيأس:
"والله ما هسيبك تعكنن عليا بحلوفيتك... تعالى ياواد."
لتجذبه بعناقها الدافئ فينحني بطوله لها، تربت أعلى ظهره:
"ألف مبروك يا نني عيني."
تمتم بخفوت ولا يزال متأثرًا بسحر اللحظة، بل اليوم بأكمله:
"ربنا ميحرمنيش منك أبدًا."
وتركها وسار بخطى ثابتة نحو جده بمجلسه، ينحني على كفه يقبلها بامتنان:
"شكرًا يا جدي."
ربت الجد على رأسه بحنو، يبارك له، داعيًا بالخير لهما. ثم هتف بمكر يُشير بنظراته باتجاه ما:
"روح بارك لعروستك."
سحب نفسًا عميقًا وهو يرفع رأسه باتجاهها، يسمح لنظراته بحرية التأمل، يشبع عيناه وكل خلية بجسده من طلتها. وخاصةً أنها كانت بالأعلى. وتلك النظرة الأولى بينهما. يسير نحوها كالمغيب، الأصوات من حوله كانت متداخلة مشوشة. فقط هي من نصب عليها تركيزه وسرقت لبه. كانت حولها هالة، أو هكذا هيأ له بفستانها الكريمي الذي ينسدل بنعومة حريرية على جسدها، مغلق لعنقها وله كمي حتى مرفقيها، حجابها بنفس لون الفستان. كانت ناعمة كعادتها، والآن وهي ملكه صارت أكثر نعومة. كانت كالأميرات. وَوَدّ بهذه اللحظة أن تراه أميرها مثلما يراها.
ازدرد لعابه وهو يتوقف عن التنفس مجبرًا، يقترب منها وهو مأخوذًا بنعومتها وبريق ابتسامتها له.
"العشق هي.. بكل تفاصيلها."
مال بطوله ولثم جبهتها بقبلة عميقة، كانت دافئة وضع فيها كل مشاعره. همس لها بنبرة أبحة وعيناه تفيض بحنان يخصها فقط:
"مبروك عليا."
ليخفق قلبها بجنون وهي تميز نظرته العاشقة، تُحني رأسها بخجل فطري ووجنتين مشتعلتين.
وقطع سحر اللحظة أكرم وهو يجذبه من ياقة معطفه، يميل على أذنه يهمس بمكر:
"بتبوسها من راسها... وأنا اللي قولت هيبقى فيه فعل فاضح في الجنينة النهارده!!"
يتابع وقد زادت لمعة عيناه شقاوة:
"مممـ شكلك مش تمام."
مال زياد بعبثية يستند على كتف أكرم، حيث أنه ظهر من العدم:
"مش تمام إزاي... أنا كنت شاكك فيه من الأول."
يتلاعب بحاجبيه يزيد من إغاظة قاسم، فيهدر قاسم فيهما من بين أسنانه بصوت بالكاد مسموع لهما:
"خف أنت وهو.. متخلونيش أتغابى عليكم."
وقبل أن يعود لعروسه، صدحت أنغام أغنية أجنبية بموسيقى هادئة، قد قامت يارا بتشغيلها من أجل الرقصة الأولى للعروسين. ولكنّ أكرم سبقه، يميل بطريقة مسرحية أضحكت حنين:
"الحلوة تسمحلي بالرقصة دي."
تقترب منه تحت نظرات الآخر المشتعلة، تضع كفها بكفه وهي تضحك:
"أكيد."
واليوم يومها، غمزت قاسم وهي تسير مع أكرم لمنتصف الحفل، تعلم بأن أكرم يريد إغاظته، فاستمتعت برؤيته هكذا. وداخل أكرم لم تكن نيته إغاظة قاسم - أبدًا - بل إغاظتها هي وقد نجح بذلك. حيث أنه يرى بوضوح اشتعال غيرتها بمقلتيها. وتبادل ألوان الطيف على وجهها.
"العشق كأمواج البحر.. متقلب."
وهو رجل لا يُرفض. إذًا فـ ليعاقبها على رفضها له. يمسك بحنين من كفها، بينهما مسافة مقبولة. حيث يعاملها كشقيقته وهي كذلك. يبعدها تارةً ويقربها تارةً أخرى. وأخرى يجعلها تدور حول نفسها. بين كل ثانية وأخرى يرمي بنظراته اللامبالية على نورهان. هو لا يتجاهل وبالوقت ذاته لا يتودد.
كانت تشعر بغيرة حانقة وتعلم بأن قسماتها تفضحها. رؤيته هكذا بكامل وسامته يراقص غيرها أشعلت فتيل غيرتها حتى وإن كانت حنين. وخاصةً أنه مؤخرًا كان يعاملها كامرأته. وهي التي كانت اعتادت النبذ. أحنت رأسها تضغط على جفنيها بقهر، بمحاولة فاشلة منها ألا تراه. ألا تتلاعب بها غيرتها وتهدم ثقتها. يجعلها تدور حول نفسها ثم يعيدها إليه مرة أخرى مع الحفاظ على المساحة الكافية بينهما.
اقترب منهما قاسم يلف ذراعيه حول خصرها بتملك يبعدها عنه، بينما يرمق أكرم بنظرات مشتعلة:
"الحلو مش ناوي يخف بقى؟!"
طريقته ونبرته جعلت أكرم يضحك وهو يرفع كفيه بموازاة كتفيه مستسلمًا، ليتركها له عن طيب خاطر وكفاه شر القتال. وقد وصل لمبتغاه. وحين التقط قاسم كف حنين وتمسك بها بخشونة كفه تبادلا النظرة فيما بينهما. وبتلك اللحظة عادت به ذاكرته لليلة كتبت بها بخط متعثر ومراهقة خجول. "وستدعوني إلى الرقص.... وسأقبل".
انتبهت نورهان لنظرات أكرم لها. كان ينظر لها بعينين سوداوين ثاقبتين. يمشطها بنظرات ثابتة دفعت الحمرة لخديها، لتنتظره بصمت. تراه يسير صوبها، يقترب منها ومن صغيرتها ملك التي كانت تحملها على ذراعها. نظراته هكذا أثارت توترها. وخجلها.
اقترب من وقفتها فظنت أنه سيدعوها للرقص، وسيكون من سوء حظها بالطبع لأنها لا تعلم عن الرقص شيئًا سوى مشاهدته فقط. يربكها برائحة عطره، أناقته. وهيئته المميزة. يربكها باقترابه هكذا أمام الجميع.
انحنى بطوله ليكون بموازاة الصغيرة التي تحملها، ينزعها منها برفق دون تلامس وهو يحدثها بلهجة طفولية رغم خشونة نبرته:
"حبيبة بابي اللي هترقص معاه."
وولاها ظهره والصغيرة على كتفه تضحك له. فركت اناملها بحرج. وتخضبت وجنتاها بحمرة قانية وقد شعرت بأن الجو بات حار رغم برودة ديسمبر. اللعنة كانت تظن أنه سيدعوها هي. ساذجة هي. والساذجات بلا حظ. عديمات الحظ، حتى أنها رأت حظها العاثر يقف بزاوية ويخرج لها لسانه.
"العشق مذاهب.. وهو رجل لا يتبع أي من مذاهبه." هو رجل متزوج لا ناقة له ولا جمل بالرومانسية وأمورها. وهي تقف بجواره بحالمية ووردية وكأنها تكتب رواية رومانسية هابطة عن رجل يعشق امرأة دون منغصات أو دراما.
"كمال... يلا نرقص."
وانتفض من الحالمية، وثار كرجل أربعيني محترم:
"لأ طبعًا.. أنا أتحرج جدًا."
وصممت على موقفها. تقنعه بجمال الطلة، ونعومة النبرة:
"كمال.. مفيهاش إحراج ولا حاجة، كله بيرقص عادي."
"لأ." و"لا" كانت قاطعة. فرفعت حاجب وأحنت الآخر تعيد رفضه بنبرة ذات مغزى:
"لأ!!"
وانتبه لنبرتها، يرمقها بتوسل، وبعقله هتف "فيها نكد أسبوع دي خلي بالك".
"فوق شغلي أغنية حلوة نرقص عليها."
"لأ وعلى إيه؟!"
تزيد والنية واضحة:
"اللي بيحرج قدام الناس.. يحرج وهو لوحده."
"العشق درجات... وهو بلغ أعلاه."
صاحبة الصون والعفاف... أحلى واحدة في البنات.. اللي عمري ما قلبي شاف زيها في المخلوقات.
كانا منسجمان بشكل ملحوظ في رقصتهما الأولى. يتمسك بكفها بكفه برقة أذابت أعصابها رغم خشونة كفه مقارنة بنعومة كفها، والكف الآخر يتوسد خصرها. سألته حنين برقة:
"إيه رأيك في فستاني؟!"
اشتعلت عيناه بنظرته التي يخصها بها، يميل على أذنها:
"جميل... زيك."
يتملكها بنظراته الرجولية، توردت أكثر لتقول:
"الظاهر إن نيرة فشلت إنها تلبسك كرافت!"
اعترض بشدة:
"انسي.... بس معنديش مانع ألبسها لو إنتِ اللي هتربطيهالي."
ضحكت فبادلها الضحك. ومال مرة أخرى وكأنه بعقد قرانه أصبح أكثر وقاحة. وعبث:
"هستناكي ع السطح لما الجو يهدأ."
"في عشق بيستنانا.. وعشق بنستناه."
عودة ليلية متأخرة بعد يوم طويل شاق قضته ببيت جدها مع حنين وبعدها حفلة عقد القران. تترجل من سيارتها الخاصة تلك التي أحضرها لها زياد بمناسبة نجاحها. سيارة وردية كانت اختارتها من قبل، وقت أن كانت أحلامها وردية مثلها. وقت أن كانت أمنية لا يارا الحالية. العشق ليس وردي، وتلك حقيقة تعلمتها بأسوأ الطرق.
صفعت باب سيارتها بعنف وهي تضغط على نواجزها بضيق. تعلم أنه خلفها كظلها من وقت خروجها من حفل القران. موجود تشعر به، مراقبته، ملاحقته. رسائله التي لا تنتهي.
يباغتها بالقول:
"عقبالنا."
خرجت من جوفه بعاطفية حارة، كان صادقًا في اشتياقه وملامحه كانت تفضحه وبالأساس هو لم يخفيه. رغم الظلام، إلا أن هناك ضوء خافت جعلها تتبين قسماته. عطره الثقيل داهمها قبل صوته.
أغمضت عيناها بيأس منه قبل أن تقول بضيق:
"أنت مبتزهقش؟!"
لثانية أحبطه ردها، لم يكن يعلم أن غفرانها صعب هكذا. ولكنه تجاهل وقرر أن مهما بدر منها لن تطفئ شعلة شوقه. يؤكد بالنبرة:
"عمري ما هزهق."
يستطرد ومازال تحت تأثير الاشتياق:
"أنا بحبك."
لم تتأثر برؤيته، ولا نبرته. جابهته وحروفها تقطر قسوة:
"وأنا بكرهك... ألحنالك؟!"
اقترب منها بشيء من غضب، يأكل المسافة الواسعة بينهما فتقلصت.
"فاكرة نفسك بتحبيه؟!"
يُزيد من غضبه أضعاف:
"إنتِ روحتيله عشان تنسيه بيا."
غامت عيناها بذكر سيره حتى وإن لم يصرح باسمه. يُشكك بحبها لأحمد، أين هو من مقارنته به. هي لم تحب عاصم أبدًا. أحبت سيارته، أناقته. أحبت كونها سندريلا التي سيتوب من أجلها الماجن. أما عن أحمد فكل شيء يختلف جملة وتفصيلاً. مجرد حروف اسمه تصيب قلبها برجفة لم تشعر بمثلها قط. رجفة موجعة وشهية بذات الوقت.
أخفت تأثرها ببراعة تُحسد عليها، ابتسمت بتعبير ساخر:
"واخد وضع أكبر من وضعك ياعاصم."
تزم شفتيها، قبل أن تتابع بتهكم مرير:
"بس مش هلوم عليك... العيب مني أنا اللي نفختك زيادة."
نبرتها تسخر، مسح وجهه بكفه غاضبًا، يبتعد عن نظراتها يحاول تهدأة دواخله. عيناه تلين قبل نبرته:
"تعالي ننسى اللي فات ونبدأ من جديد."
ثم تابع بانفعال ساخط لم يستطع كبته:
"الغلط مش مني لوحدي."
يردف وعيناه تغضب:
"ليه عايزة تطلعيني شرير الحكاية؟!"
ولم تهتم بغضبه، فليحترق بالجحيم لن تهتم. اغتصبت ابتسامة باهتة وهي ترد عليه:
"أنا هبدأ من جديد بس مش معاك.. ولا معاه."
للحظات قليلة توقف عن النطق. صدمه برودها، كان يتعشم بحب كان بينهما أنها ستتراجع من أجله.
انتفض وهاج. هاج من أجل كرامته:
"عايزاني أعملك أكتر من كده إيه.. ناقص أبوس رجلك عشان تسامحي؟!"
يجذبها من معصمها بشبه عنف، يهدر بها:
"مش أنا اللي أترفض وأتنسي كأني ماكنش ليا وجود."
وكانت الغلبة لها فور أن جذب معصمها، جذبته هي نحوها بشيء من قوة ثم دفعته بعنف أكبر من عنفه فترنح بوقفته، وتلك حركة من ضمن بعض حركات تعلمتها على يد أحمد.
"ايدك لو اتمدت عليا تاني هكسرها."
تحذره بسبابتها، تشدد على حروفها:
"افهم بقى... لما بنت تقولك لأ... يبقى لأ."
بهتت ملامحه بصدمة. خيبة أمل، وهي تصر على إسدال ستار حكايته بتحذير جامد:
"مش عايزة أشوفك تاني."
وتركته، توليه ظهرها. وقد خمدت شعلة عشقه واشتياقه، وانطفأت تمامًا بعد أن سكبت عليها مياه قسوتها. لا يدري كم مر عليه من الوقت وهو يقف هكذا متبلدًا وكأنه فقد إحساسه. وهنا انتهت حكايته معها. انتهت أسطورة شهريار تحت قدمها. توقف السرد، وكان نصيبه أن يكون على الهامش وقتما أتى بطلها الحقيقي.
"قربلي كمان ياحبيبي، سيبني أعيش.. نفس أعيش ليلة ماكانت على بالي."
على سطح بيت القاسم. كان قاسم مستندًا على السور يراقب السماء المظلمة في هذا الوقت المتأخر من الليل. السماء كانت حالكة عدا عن بضع نجمات متناثرة وقد غاب القمر. ينتظر صعودها دون ملل أو كلل.
ابتسامة هادئة زينت جانب ثغره وهو يستمع لصوت صرير باب السطح المزعج والذي وللعجب بهذه اللحظة كان كموسيقى رائعة. ما بال قلبه الأحمق يدق في صدره كالطبل، يرن في أذنيه بلحن الوصول والامتلاك.
تتسع ابتسامته وهو يستشعر وجودها خلف ظهره، وعطرها المسكر يداعب أنفه وكل خلاياه بتلك اللحظة. استدار لها بكل جسده وكانت نظراته سابقة، كانت تقف أمامه تتمسك بشقي سترتها كي تقيها البرد بعد أن استبدلت فستانها الرائع بجينز بسيط وتلك السترة الصوفية وحجاب وضعته على رأسها دون إحكام.
"اتأخرتي."
قالها ولا يزال على استرخائه وابتعاده وعيناه تتشربان تفاصيلها الصغيرة؛ خصلاتها البنية والتي ظهرت من حجابها المتطاير، وعيناها اللامعتان رغم الظلام المحيط بهما. تتلاعب بأناملها وحمرة خجل شهية تزين وجنتيها، تجيبه باستياء ناعم وبعض من دلال:
"مكنتش هطلع أصلًا."
رد بثقة ومازال يبتسم:
"كنت هنزلك."
"ممممـ كنت عايزني في إيه؟!"
اعتدل بوقفته واقترب منها، يخرج من جيب سترته الجلدية علبة مخملية صغيرة، يفتحها أمام نظراتها المتسائلة.
"عشان ده."
نبرته كانت عاطفية، حارة وخاصة وهو يقترب أكثر:
"معمول عشانك مخصوص."
يميل قليلاً ليخرج الحلقة الذهبية وضوء خافت من بعيد جعلها ترى بوضوح النقش الموجود بداخل الحلقة.
"حنين قاسم."
يتهجى حروف الاسم أمامها ببطء لذيذ، رغم ثبات نبرته وكأنه يؤكد ملكيته الحصرية. فغرت شفتيها للحظات وهو يتحدث ويُريها خاتمها، لتهمس بانبهار وقد لمعت عيناها كنجمتين مضيئتين:
"حلو أوي."
مدت كفها له، ليمسك بها ويلبسها إياه ببطء ونعومة ناقضت شخصه، وبعدما ألبسها قرب كفها الرقيق من ثغره يلثم باطنه بعمق وشغف. كانت لحظة كالسحر، كروعة الغروب باحتضان البحر. ثم أخرج حلقة أخرى فضية وكانت له، بسيطة، مجرد خاتم خطبة عادي دون نقوش، ليأمرها بلطف أن تضعه ببنصرها، وفعلت. لماذا لم يكن لطيف هكذا من البداية.
وبعد انتهائهما من تبادل الخواتم. وكانت مازالت في محيط أنفاسه. وتلك اللحظة لطالما حلم بها، أن تكون بين ذراعيه كما هي الآن. غمغم بنبرة هائمة:
"أهو أنا دلوقتي مش عايز أي حاجة من الدنيا."
اعتقدتها مبالغة، ولكن نبرته وعاطفته كانت صادقة، اخترقت قلبها بسهولة. يتابع بنفس النبرة:
"لو مين حلف لي إني ممكن أقف كده وأقول كلام حلو ورومانسي، كنت هقول عليه مجنون وأديه بالجزمة."
عضت على طرف ثغرها بخجل وبسمة خفيفة مرتبكة، يجذبها بنظرة ثاقبة:
"أنا نسيت أي حاجة... كل حاجة، مش فاكر غير العيلة اللي كانت متعلقة في ديلي وقالت إنها بتحبني."
مال بطوله لمستوى طولها، واقترب من شفتيها بقبلة صغيرة ليهمس بنبرة أجشة:
"قولي إنك بتحبيني."
ليخفق قلبها بجنون وهي تميز نظرته العاشقة. جسدها كله يرتجف بين ذراعيه، واعترافه بهذا الشكل، وذلك الاقتراب، وتلك النبرة سحرتها. همست باستنكار خجول:
"قاسم..."
همست اسمه برقة أذابت رجولته ليزداد من التصاقه حتى عانقها.
كان ذلك أول عناق. كان يحدث بينهما تقارب، تقارب بسيط، لمسة كف، مزاح طفيف بالأيدي. ولكن عناق وبهذا الشكل الحميمي لا. ولذلك طال العناق. عناق متبادل. عناق رجل لامرأته. كان عناقًا حارًا لم يطفئه حتى حبات المطر التي بدأت بالهطول باستحياء على رأسيهما. وكان أول من فصل العناق هو يرفع عيناه لأعلى. يغمغم بضيق:
"حبكت تمطر النهارده... ودلوقتي."
ضحكت من هيئته الضجرة. كانت تعلم بعدم حبه للشتاء والمطر. تابع مستطردًا:
"يللا ننزل."
يدفعها برفق ولكنها تشبثت بقدميها. تعانده بإبتسامة:
"ملكش في الرومانسية على فكرة!"
استنكر كلامها:
"إني أقف تحت المطر ده رومانسية.. ده اسمه جنان!"
ناغشته بضحكتها:
"بس جنان حلو."
نظراتهما تتعانق ثانيةً، واشتعلت النبرة مرة أخرى:
"ممممـ تعالى معايا وأنا هوريكي الجنان على أصوله."
وبعد عدة دقائق كانا كلاهما يقفان أمام موتوره، يُعدل من وضعية حجابها، ويغلق سحاب سترتها. ثم جذب خوذته وألبسها إياها وتلاها بالفعل. ركب أولًا ومن ثم هي تتمسك بسترته الجلدية وعلى ثغرها أجمل وأصدق ابتسامة لها على الإطلاق. وتلك واحدة من مغامراته لم يعلم عنها أحد ولن يعلم عنها أحد. سواها.
كانت نورهان تراقب زخات المطر الغزيرة من خلف زجاج نافذتها الشفاف. الجو كان باردًا، ورغم ذلك كانت ثيابها خفيفة قميص قطني يصل طوله لركبتيها يعلوه مئزر له نفس الطول. نظراتها مصوبة للخارج بتركيز ورغم ضبابية الصورة بفضل المطر إلا أنها كانت تتابع حنين وقاسم من مكانها. تميل على الزجاج تكاد تكون ملتصقة به وكأنها تريد أن تصل لهمسهما. ارتسمت على شفتيها ابتسامة ناعمة وهي تتابع مغادرتهما.
"واقفة كده ليه؟!"
التفتت دون مفاجأة لأكرم ومازالت بنفس الابتسامة، وقد أنهى لتوه استحمامه. الماء يقطر من رأسه وخصره ملفوفًا بمنشفة وأخرى صغيرة حول عنقه. عادت بعينيها مرة أخرى للخارج، تخبره:
"قاسم وحنين خارجين في الجو ده."
لم يخف اندهاشه. تساءل:
"دلوقتي!!! ... رايحين فين؟!"
ارتبكت عيناها وهي تلتفت له مرة أخرى. فتتسارع نبضاتها، هزت كتفيها بعدم معرفة.
"معرفش."
سار صوب مرآته، يزيح المنشفة الصغيرة من حول رقبته ثم يقوم بنثر بعضًا من عطره على جزعه تحت نظراتها المراقبة. نظرات مثبتة وكأنها مأسورة. مأسورة بوسامته، لحيته، عضلات صدره وهيبته. مأسورة بكل ما فيه. هو رجل يأسر أي امرأة تقع بمحيطه مهما كانت معتدة بنفسها. فكيف بامرأة كحالها.
ارتجف جسدها رغمًا عنها لتحيد ببصرها عنه محاولة تجنب نظراته وهو ينال منها متلبسة بمراقبته. استدارت تسير لغرفة الملابس التابعة لغرفتهما، غابت بداخلها قليلاً وخرجت تحمل له ملابس بيتيه وضعتها براحة على فراشهما. كان مازال أمام المرآة يمشط شعيراته الفحمية، يبادلها النظر من خلال المرآة، وهاته المرة لم تستطع أبعاد نظراتها الولهة عنه، ولا هو. يرمقها بتفحص متمهل بدأً من خصلاتها العسلية المنسابة على كتفها ملابسها البيتية فازدرد ريقه متذكرًا نعومتها. ينتظر خروجها. بكل مرة يبدل بها ملابسه كانت تخرج من الغرفة. شيء لم يحبه ولكن كان لا يعترض. والآن هو ينتظر خروجها. ولكن من وقفتها هكذا يبدو الأمر غير. يبدو وكأنها لن تتحرك من مكانها.
بحياته معها كان دائمًا هو من يريد، يفعل وينهي. ولا مرة كان لها البدء أو حق الرفض. وعلى ذكر الرفض تذكر آخر مرة تجاهلته بها، فغامت عيناه وحاد بنظراته عنها. وكأنها علمت ما يدور بخاطره، سحبت نفسًا طويلًا لداخل صدرها، تحلت بشجاعة ونحت خجلها جانبًا. تسير نحوه لتقف خلفه مباشرة وأناملها أخذت حريتها بالتجول على كتفه. افترقت شفتاه بمفاجأة وهي يراها من وراءه. وعلى الرغم من لمستها البسيطة إلا أن عيناه اشتعلت برغبة ولكنه انتظر. انتظر كمن يشاهد عرضًا ليس هو بطله. ويبدو أن الأمور ستنقلب، وستكون لها المبادرة.
ظل على وقفته هكذا. خشي أن يصدر أي صوت أو حركة فتتراجع. همست بنعومة وهي تتلمس ظهره:
"إيه اللي مزعلك... مني!"
يلتفت إليها متفاجأ بجرأتها. ونظراتهما تتعانق:
"طالما سألتي تبقي عارفة."
أحنت رأسها تعض على شفتها، تكتم ضحكة استفزته، رفع حاجب يتابع بتسلية:
"عارفة بس بتستهبلي."
ضحكت برقة، ثم رفعت نظراتها إليه. وإن كان هو راغب فكانت هي مثلها. استطالت على أطراف أصابعها وطبعت قبلة خفيفة بجانب ثغره. حسنًا اليوم يوم المفاجآت. والبداية كانت لها. كانت جميلة، وجمالها بتلك اللحظة لم يكن لون عينيها بقدر اللمعة البراقة بداخلهما. مبادرتها. طلبها، همسها الناعم.
تحدق بعينيه وسوادهما، فتنساب نظراته على ملامح وجهها وجيدها الناصع. وكان ذلك آخرها بالجرأة. وعلم ذلك من ابتعادها اللحظي وترقبها المنتظر لردة فعله. جذبها لصدره مرة أخرى ينوي التكملة، رد كرمها بكرم مضاعف منه. ليهجم على شفتيها بسيطرة ليبادلها قبلتها المرتجفة بأخرى أشد، وأكثر شغفًا وتطلبًا.
رواية بيت القاسم الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم ريهام محمود
بعد مرور سنة..
بعض النهايات لم تكن سعيدة قدر أن تكون منطقية.. حيث أن العابث بحكايته سيظل عابث، عربيد ولكن بتحفظ بعد أن خاف الخسارة..
القلب مغرم بزوجته ولكن عينه عابثة لايستطيع السيطرة عليها.. عيبه وهو معترف به..!
والمشهد عبثي، اجتماعي ساخر..
زياد يحمل صغيره الذي لم يتجاوز عمره العام بعد بحقيبة مربوطة بشكل عكسي على صدره، وملتصقة به نيرة تجر أمامها عربة مشتروات... حيث أن الخروج المعتاد للـ هايبر القريب، ولابد أن يثبت ولاءه كزوج، ودعمه كأب..
تسير بجوار الأرفف، تجذبه من ذراعه لتأتي بأنواع الحفاضات وتقارن بينهم..!
وهو رجل لا باع له ولا سيط في تلك الأمور وبلغة أخرى عابثة كصاحبها "كار الأبوة ده مش كاره"..
يزفر بضيق يُخفيه عنها، يبتسم من حين لآخر لها بمجاملة.. يتركها تتحدث فيما تريد وعقله غائب...
بممر ضيق هي أمامه وهو خلفها والصغير معه، تبحث بعينيها عن شيءٍ ما بالرف العلوي، ولكن شتت تركيزها صوت كعب انثوي مستفز.
نزعت عيناها من على الرف لتستقر على الصاروخ القادم..
أنثى تسير بهوادة ودلال مفرط تهدي نيرة نظرة عابرة غير مهتمة ومن ورائها تطول النظرة... والغمزة..!
واختفت بعد أن انتهى الممر، حينها التفت نيرة له بجسدها كله فوجدته يعبث بالأغراض أمامه بتركيز شديد!!
رمقته بحاجب مرفوع
-متمثلش.. شوفتك وانت بتبصلها..
فرفع كلا حاجبيه بالمقابل باستفهام
-ببص لمين..!!
واستنكرت
-والله..!!
- قصدك الصاروخ اللي كان ماشي جانبنا.. قالها ببساطة بلا مبالاة عبثية وكأنه شيء عادي
- اللي شعرها أحمر وجيبتها قصيرة.. يتابع رغمًا عنه بوقاحة متأصلة بجيناته- وعندها......
لم ينطق بالـ.... ولكن يديه ترسم ماقصد بالهواء.. ثم يعود كزوج مصري أصيل بعد أن خفض بصره وادعى البراءة..
ينفي
- لا مشفتهاش..
كتفت ذراعيها باستنكار
- والله..
تلوي شفتيها كاظمة غيظها قبل أن تنفجر به..
- أنا قولت ديل الكلب عمره ماهيتعدل..
يهتف بحمائية زائفة
- لا بقولك ايه تغلطي هغلط..
قاطعته بانفعال زوجة
- أغلط!! هو انت لسه شوفت غلط..
وزادت وهي توليه ظهرها تاركة له المكان كله..
- ابعتلي ورقتي ع بيت اهلي..
وقف مذهولًا بأعين متسعة، يهتف بها وقد اختفت هي الأخرى عن ناظره..
- خدي يامجنونة... طب خدي الواد..
ويبدو أنه سينال العقاب، يلوي قسماته بشبه بكاء مفتعل..
- ياني عليا وع سنيني السودا..
- طب الصاروخ راح فين..!!
ظل بالمنتصف كـالأبله، والصغير يضحك على هيئته، فرمقه زياد بغيظ، يشتم من بين أسنانه
- يللا يابن الكلب انجر معايا أما نشوف هنصالح أمك إزاي ..................
أن تكون أب لـ ثلاثة أولاد، لابد وأن تتأكد بأن لديك ثلاث كوارث متحركة..
وكارثته الوسطى، ابنه الثاني افتعل شجار اليوم بالمدرسة، على إثره قام بتحطيم كرسيين، وضرب شقيقه الأكبر..
كان غضبه أعمى، هائج ولم يوقفه سوى صياح المدير وهو يطلب إستدعاء والده...
والده الذي ترك كل مافي يديه وتوجه لمدرسة أولاده..
كان المدير يرغي ويزبد وطال بشكواه من حاتم وفرط عصبيته.. وكمال محرج، يتأسف تارةً، وتارةً أخرى يعنف حاتم أمام الرجل، وتكفل بمصاريف تصليح ما أتلفه إبنه بشجاره ومبلغ مالي على هيئة تبرع للمدرسة..
والآن منزله كأنه جحيم، يتوسط الصالة بوقفته وأمامه أولاده - مراد وحاتم-
مذنبين أمامه كلاهما ثيابهما مبعثرة وبعض أزرر من قميصيهما قد فقدت، وزاد من الكارثة كدمة أرجوانية تتوسط عين مراد اليسرى..
يقترب من حاتم، يصرخ به
- إيه مربي بلطجي..!
يزيد من صراخه وهياجه
-بتكسّر الفصل... وبتضرب أخوك..!!
يشدد على أحرف الكلمة بصدمة موجعة
-أخوووك ...
يستنكر غاضبًا
- خليت إيه لبتوع الشوارع..
رفع حاتم عيناه لوالده رغم بريق الدمع اللامع بعينيه إلا أنه لم يتماسك.. ثار وانهار..
- اشمعنى بتزعقللي أنا... اسأله هو عمل فيا ايه..
يريد أن يبكي، تنمر شقيقه الدائم له، سخريته منه ومن تعلقه المرضي بوفاة والدته.. ولم يستكفِ مراد بل جعل اصدقاؤه بالصف يتنمرون عليه..
لم يهتم والده قيد أنملة، استهزأ
- عمل فيك ايه...!!
يُقر بواقع مايراه
- أنا شايفه هو اللي مضروب...
يرمقه بنظرة حارقة، وغضبه فاق الحد
- كل الشكاوى مش بتيجي غير منك إنت.. وعليك إنت ..!
ثم التفت للوقفة بالجوار تتابع الأمر بصمت متأثرة
- ريم..
- الواد ده يتحبس ف اوضته.. ميطلعش منها أبدًا..
تهز رأسها رافضة، دون شيء حاتم يكرهها.. يتهمها بسرقة مكان والدته.. فكيف سيكون الحال وهي من ستكون سجانه..
ولم يبال كمال برفضها، تابع بنبرة باترة لأي جدال
- وإنتِ المسؤولة أودامي..
ثم استعرت نبرته بقسوة..
- أما أشوف هعرف أربيك ياحاتم ولا لأ ...
انفعلت عينا الصغير بضعف، بيأسٍ ممزق وخاصة وهو يراقب أخيه ونظرته المنتصرة اللامعة، يغيظه بتلاعب حاجبيه دون أن يلاحظ والده... هذا وإن لاحظ من الأساس....................
فرع جديد واليوم افتتاحه، متوقع له النجاح بناءً على السمعة الطيبة للفرع الأول...
ولـ مالك الفرع الأول......زيارة معتادة لشركة شقيقها، تسير بضجر وحرارة الجو تزيد من احمرار بشرتها..
تعدل من أحكام بلوزتها الحريرية على جزعها، وحقيبتها التي أغلقت للتو، في طريقها إلى سيارتها والتي لم تجد مكان قريب كي تركن به، فقامت بركنها بمرآب أبعد......
يرمق ساعة يده والتي كشفت له عن الوقت، فزفر بضيق ويبدو أنه تأخر عن موعد آخر......
كعب حذائها الذي يدق على الأرض بصوت غير مسموع بسبب الزحام والضوضاء.......
يسير في طريقه مسرعاً وهو يفتح أول ثلاثة أزرر من قميصه الكتاني بفضل الحرارة المرتفعة، ينزح بكفه حبيبات عرق من أعلى جبينه.....
أقدام وطريق مزدحم.. واصطدام خفيف.. واعتذار كادا أن ينطقان به ولكن....
اتسعت عيناها بمفاجأة نطقت بها
- أحمد..!!
ولم يتجاوز الصدام ولا الصدمة، مبهوتًا برؤيتها
-يارا..... إنتِ بتعملي ايه هنا!!
نظرت إليه مطولًا، وكأنها مشتاقة.. بل كانت مشتاقة، أخبرته بخفوت عن تفاصيل كانت تتمنى أن يكون على علم بها..
-مفيش كنت ف شركة زياد وأكرم، أصلهم فتحوا شركة سوا من فترة قريبة..
وانتبهت أنها تثرثر، وخشت أن يكون غير مهتم.. فعضت على شفتها بحرج
أخبرها هو الآخر وكان ينتظر سؤالها..
- أنا فتحت فرع للجيم هنا.. انهاردة الافتتاح..
يتأمل ملامحها عن قرب، مشدودًا لها كما كان سابقًا، توردت وجنتيها من نظراته.. فابتسمت برقة تهنأه
- مبروك ع الميدالية..
رفع حاجب مستغربًا
- كنتي متابعة..!!
أكدت بمرح
- أكيد.... مصر كلها كانت متابعة...
يخفق قلبها بشدة ولا تدري أهذا من أثر المفاجأة.. أم الحنين
- السوشيال كلها مكنش عندها سيرة غير البطل..
واحمر وجهه.. وكان حالة نادرة.. رجلًا يحمر وجهه إذا خجل، رغم شعوره بالزهو أمامها الا أنه غمغم بتواضع
- مش للدرجادي..
ولكنها لا تبالغ، تتابع بعفوية دون سيطرة
-أكتر ... انت كنت تريند..
وضحكت، فـ ضحك، وعيناه تفيض بنظرة غريبة ولكنها كانت رائعة..
ابتسم بـ شجن وهو يلاحظ ارتباكها، وكأنه عاد لأول مرة رآها بها، كان مرتبكًا، خجولًا... حتى أنه تذكر وقت أن صافحها طال بتمسكه بكفها... وكم كان ناعم وصغير بين أنامله..
ولسوء حظه اليوم لا توجد مصافحة بينهما.. ولكنّ عناق النظرات كان كافٍ
تنهد طويلًا قبل أن يسألها بود حقيقي، ود كان ممزوجًا بحنين
- عاملة إيه؟!
بطلها الوسيم يسألها عن حالها.. هل يسألها عن حالها بالعموم أم يسألها عن حالها بعد أن خذلها!!
وتذكرت الخذلان.. ودرسه القاسي.. همهمت
تمام...
ثم تحركت تنوي المغادرة، تبتسم له ابتسامة هادئة تودعه بها رغم فوضى مشاعرها..
خطوة خطوتان خمس خطوات واستوقفها ببحته المميزة
- يارا... رقمك لسه زي ماهو..!!!.................
"بس أنا ملقتش ونس للعمر أحسن منكملقتش سنين وحياة تتعاش غير وأنا وياك"..
يتمدد على الأريكة واضعًا رأسه فوق قدمها بينما هي تمرر أصابعها بين خصلاته السوداء تسحب شحناته السلبية بنعومة أناملها، تبتسم له بصدق وعشق حقيقي، تستمع لكل كلمة يقولها وكل حرفٍ يتفوه به رغم أن معظم حديثه عن العمل وهي لا تفقه فيه شيء ولكنها تهز رأسها وكأنها تفهمه ..
يشكو لها إرهاق العمل وقد صار مضاعفًا بعدما ترك وظيفته المرموقة بالبنك وتشارك مع زياد بشركة خاصة تحمل اسميهما معًا..
تحاوطه بعشق.. دفئ، تنير حياته وكأن حروف إسمها كله مختزلة في وجهها..
تركض ملك الصغيرة نحوهما، تقصد أبيها بالحديث تتنهنه ببكاء طفلة تعلم بتأثيرها على والدها..
-شوفت يابابي.. مجد زعلني وخد من التابلت بتاعي..
وطبعًا معظم حروفها كانت طائرة وفهم هو المضمون، نهض من مكانه المفضل، يدعي الغضب..
- لا مجد ملوش حق.. ازاي يزعل برنسيس بابي..
يعقد حاجبيه فضحكت الصغيرة..
-روحي خوديه منه.. قوليله بابي هيجيلك لو زعلك تاني..
وضحكت الصغيرة تتركه وتركض باتجاه غرفتها وعلى وجهها علامة نصر..
ليعود لنورهان مرة أخرى.. يتمدد.. يثرثر بالفراغ عن أي شيء وكل شيء
وهي لا تقاطعه.. يفرغ رأسه من الفوضى بداخلها..
يصمت قليلًا لينتبه لشرودها،زيغ عينيها.. فيعتدل.. يسألها
-ف إيه؟!
ينظر لوجهها بتدقيق
-مش ع بعضك انهارده..!
نظراته الثاقبة، تتوترها أكثر، تنفي بخفوت
-مفيش..
يصمم على رأيه
-لا فيه!!
يقترب منها، يحتضن كفيها بكفه، يحثها على القول
-انجزي وقولي..
تتهرب بنظراتها منه ثم تنهدت باستسلام وهي تتركه
-طب ثواني..
دخلت غرفة نومهما وغابت بداخلها لحظات قصيرة وعادت إليه، ملامح وجهها كانت شاحبة، وخطواتها متعثرة حتى جلست على أريكته ، على بعد منه..
ناولته شريط بلاستيكي لونه أبيض دون أن تتفوه بحرف..
سألها وهو يقلب الشريط بين كفه باستفهام
-إيه ده..!
توقفت نظراتها على خاصته، وخفتت نبرتها
- ده إختبار ..!
عقد حاجبيه بضيق
-مش فاهم؟!
يوزع نظراته بينها وبين مايحمله بدون فهم، ولكن ملامحها أخبرتها
قترب متسائلًا بتردد
- إنتِ حامل !!
اومأت بضعف..
استقبله هو بإبتسامة بدأت تظهر بشكل تدريجي أعلى ثغره.. ينظر للاختبار بيده بغير تصديق والفرحة بادية على ملامحه..
ينفض نفسه من حالته يسألها باستغراب
-طب وكنت مترددة تقولي ليه..
- خوفت تتضايق..
حيث أن بدايتها معه كانت مرهقة أكثر من اللازم..
واجابتها ضايقته بالفعل، عاتبها بالنبرة
- هو أنا كنت اضايقت في ملك.؟!
أشاحت بوجهها عنه وصمتت، وصمتها كان كفيل بإشعال ضميره.. ليس الآن، ليس بعد كل ماوصلوا له، ليس بعد العناء، ضميره يأنبه.. يذكره بجرحه القديم لها..!..
هز رأسه وابتسم، كانت إبتسامة حقيقية، دافئة وكانت هي بحاجة لها. وخاصة بـ هاته اللحظة..
لم يكن اختبار حمل بقدر أنه اختبار له.. ولحياته معها.. حياتهما سويًا..
يقترب منها، يقطع المسافة الفاصلة بينهما.. يحتضن وجهها براحتيه
-مبروك..
قالها بدفئ مشاعره وهو يلثمها بثغره بجانب رأسها، وطالت القبلة وكأنه يشكرها، وابتعد برأسه عنها قليلاً ومازال كما هو يعانقها بنظرته، يذوب فيها وتذوب فيه... وأهداها قبلة أخرى طويلة كسابقتها بجانب ثغرها..
فابتسمت له.. تهمهم برقة ودعوة صادقة..
-ربنا يخليك لينا..
يبتعد وقد التمع بريق عابث بمقلتيه، يسألها والنية بداخله سوء
-الباب مقفول كويس ع مجد وملك!!
ضحكت بدلال ، ترفض بحاجبيها
-اللي ف دماغك تنساه....انا مستنية المسلسليغمز بشقاوة
-الماتش ولا المسلسل..
تُصر على موقفها بثبات واهي
-المسلسليزفر بقوة قبل أن يغمغم
-مش وش نعمة......................
الزواج مقبرة الحب أو نهايته أو بدايته حتى لايهم.. المهم أن يتزوج!!
أن تُزف له عروسه.. ويغلق عليهما باب والبقية سيتكفل بها..
بعد عامٍ كاملٍ كان يعمل به بكد وصبر، وانتظر نجاحها حيث لازفاف قبل النجاح.. وقد كان، نجاح مبهر لها بالثانوية كما وعدته ووعدت جده والجميع..
وجاء اليوم الموعود... يوم زفافه..
قاعة كبيرة شهيرة تقع بأطراف البلد.. تضج بالزغاريد والحضور بكل ارجائها.. وعلى باب القاعة بوابة كبيرة مزينة بالورود واللألئ اللامعة مكتوب عليها بزخرفة "زفاف قاسم&حنين"..
يقف هو بأول القاعة ينتظر دخول عروسه وقد أصر والدها أنه هو من سيأخذها له.. يسلمها بيديه ليده..
ظهرت حنين متأبطة ذراع والدها بفستان أبيض رائع التفاصيل، يشبه فساتين أميرات ديزني،ببريق ماسي متلألئ..
أغنية لبنانية عريقة تناسب أجواء العرس وفستانها تصدح بالقاعة وقاسم يأخذ عروسه من والدها يقبلها من رأسها.. ثم يمسك بكفها بعد نظرة انبهار ألقاها عليها رغم أن الفستان من اختياره ولكن لم يكن يتخيل بأنه سيكون بتلك الروعة حين ترتديه..
يطالعها بين لحظة وأخرى بانبهار وحب، وهي أيضًا رغم خجل المرة الأولى..تتأبط ذراعه، ويسير بها متجاوزًا الحضور ليصعد للمنتصف حيث مكانه هو والعروس..
تزغرد أمه بفرح، وأخريات يلتففن حولهم بشبه دائرة..
ليبدأ الحفل برقصة هادئة للعروسين وكانت الغنوة المختارة من اختيار العروس.
"انت ياللي خدت قلبي من الزمان ومن اللي فيه..خدت قلبي لدنيا تانية أحلى م اللي حلمت بيه..كان يراقصها بفرحة حقيقية والجميع ملتفون حولهما، وكلمات الأغنية تنساب لمسامعه فيدق قلبه بعنف وكأن هي من تقولها له.. أليست من اختيارها.." أحلى عمر أنا عشته جمبك والحنان عندك كتير... هو فيه كدة زيقلبك... لسه فيه ف الدنيا خيير."..
انتهت الأغنية والرقصة على تصفيق الحضور، قبل أن تنقلب الإضاءة من حولهما وتتبدل الموسيقى...
اقترب زياد من حنين يهمس لها
-محضرلك مفاجأة هتبوسيني عليها..
نهاية كلامه غمزة والتقطها قاسم وبالطبع التقط كلامه.. فتوجس ورمقه بحيرة مصحوبة بضيق قابلها الآخر بتراقص حاجبين واغاظة..
لم يمر ثواني الا وأغنية معينة صدحت بالمكان، وحضرت هدية زياد، وهي مجئ مطربها المفضل،، فتعالت الصيحات والتهليل.... واقترب المغني من قاسم يصافحه، وأشار فقط للعروس.. ثم انطلق بالغناء وكان موجهًا لحنين.
" السما ف عنيه..
قلبها سيقف من الفرحة وهي ترى مطربها أمامها هكذا، ابتسامتها العريضة أشبه بضحكة بلهاء أطفأها قاسم وهو يجذبها من يدها بشبه عنف، يحذر بلهجة شديدة
-لو اتحركتي من جمبي هقطعلك شعرك بأيدي...
ووافقت مرغمة، وقررت ألا ينزع منها فرحتها، ظلت تتراقص بجواره..والفتيات تتمايلن معها.. وكانت أغانيه مختارة بعناية تناسب فرحتها.....
تقف يارا بعيد عنهم قليلًا، تتابع بسعادة حقيقية، تضم من الوشاح الخفيف الملفوف حول كتفيها، كانت مهلكة الطلح بفستانها الأسود اللامع فستان ضيق يبرز رشاقة قدها وضيق خصرها ينزل باتساع مابعد الركبتين يشبه بتصميمه حورية البحر.. عاري الكتفين ولذلك ارتدت وشاح يقيها انتقادات أحمد اللاذعة وكفاها شر القتال..
وعلى ذكره حضر واقترب منها يرمقها بضيق رغم إعجابه بها إلا أن فستانها ضيق بما يفوق الحد وعاري حيث حد اللاحد..
يقترب أكثر يميل عليها دون تلامس.. يهتف بنزق حقيقي..
- وأنا هفضل متعلق كدة لحد أمته..
وضحكت ملئ شدقيها وكانت ضحكتها حقيقية.. ترمقه وتعلم بأن صبره نفذ.. تحدثه بدلال..
-الله وحد ماسكك.. ماتتكلم زياد..
وابتعدت بغنج.. وسقط الوشاح وظهر ماتحته، جز على نواجزه غاضبًا، لابد وأن يضع الأمور بنصابها الحقيقي.. وعيناه تدور وتبحث عن شقيقها.......
وقبل رحيل المطرب طلب من العروسين، أداء رقصة على أغنية هادئة له وكانت علي ذوقه وهدية للعروس..
ويتجاوز قاسم ذلك الأمر.. سيتجاوز كي تمر الليلة، يقسم بداخله اغلظ الأيمانات أن يردها اضعافًا لزياد..
يحتضن خصر حنين بذراعيه وهي تتوسد صدره بكفيها.. وخفتت الإضاءة
"ياما حكيت عليك للناس وللأيام.. قالولي خيال وقولت حقيقة مشأوهام"
يلتصق بها، ف ابتسمت له، وتعلقت عيناه بشكل عبثي على شفتيها، ليهتف بنزق..
-أنا زهقت وعايز أروح..
وفهمت ما يرمي إليه، عكست كلامه تتلاعب به
-يعني الجو الجميل ده مش عاجبك..
ولم يروقه الحديث. لا الحفل حتى، ماينقصه أن يعلق على صدره يافطة مكتوب عليها بالخط العريض "أنه لا يطيق الانتظار"-
-لأ مش عاجبني، أنا عايز م الجو التاني بتاع أفك السوستة
ورغم خجلها ووقاحته، الا انها امتعضت
-سوستة إيه .. إيه الجو القديم ده.. معتش فيه فساتين بسوستة..
وعلا صوته ولكن لم يصل لغيرها نظرًا للموسيقى العالية
-نعم ياختي.. أنا أروح فيكو في داهية..
يتابع بحاجبين معقودين
انا حافظ ومذاكر أن السوستة ضرورية ..
يتسائل بجدية
انت دلوقتي لما تلغيلي السوستة أعمل إيه أنا؟...
- أراهنك أنه دلوقتي بيتخانق عشان عايز يروح..
يقولها زياد وهو يضحك يشير بسبابته على قاسم، فتبادله نيرة الضحك مؤكدة
- يعملها والله، اخويا وأنا عرفاه..
لاحظت اقتراب أحمد من وقفتهم فصمتت ونظرت لزياد بقلق
-ألف مبروك يا نيرة..
يقولها أحمد بنبرة هادئة وضحكة بسيطة زينت محياه فردت عليه بعاطفة اخوية
-الله يبارك فيك ياكابتن..
التفت لزياد واختفت الإبتسامة، يطحن ضروسه قبل أن يهتف مجبرًا..
-مبروك يازياد..
تهكم..
- نيرة وزياد حاف..!!
يسخر منه بغرور
- ماتيجي تبات عندنا أحسن..
ولكن الآخر تمتلك نفسه، يسحب نفسًا ويزفره، والمحبة بينهما متبادلة..
-ممكن ياأستاذ زياد بيه.. استغل الحفلة الحلوة دي وأطلب إيد أختك ..
وجاؤه الرد سريعًا، بسرعة البرق
-مش م موافق..
ضغطت نيرة على كفه، تهدر به بخفوت
-زياد..
يرفع كتفاه بغرور، وعيناه مرآه لداخله..
- مبحبوش ياستي..
ووصل الرد للآخر ولكنه تجاوزه وكأنه لم يسمعه، لتشدد نيرة على كلامها بنبرة ذات مغزى..
- زياااد... عيب بقى..
واضطر موافقًا تحت التهديد أن يتنازل قليلا.. تنهد قبل أن يقول مستسلمًا
- طيب خلاص هات الحاج وتعالى يوم الجمعة واللي ف الخير يقدمه ربنا..
ليجيبه أحمد..
- الحاج ماتتأثر زياد.. فلانت ملامحه ونبرته أيضًا.. الله يرحمه... خلاص هات الحاجة وتعالى..
باغته بالقول
- الحاجة ماتتماتلك المآسي..
تراجع قليلاً بوقفته رغم تأثره
-ياباي، وأنا لما اعوز اجيبلك كبير.. اجيب مين..!!
رد أحمد بثبات وثقة
- أنا كبير نفسي..
اشاح زياد بكفه له ودار برأسه عنه
- خلاص هات نفسك وتعالى يوم الجمعة............................
**"الختــــــــــام" **
،، بعد عدة سنوات،،...
الأمل هو تعويذة الاستمرارية في الحياة..
مالذي ممكن أن يحدث في سنوات..!! سؤال بسيط واجابته أبسط "الكثير"
كثير من الأحداث حدثت وتحدث، تقلب هذا وتغير هذا وتجمع تلك مع ذاك..
وخلال كل ذلك.. استمرارية، حيث لاوقوف ولا هدنة تأخذها بين الفواصل..
خلال سنوات تنضج، تتبدل... تصبح آخر.....
بمنزل جديد واسع، اختاره كمال على النظام الحديث.. يناسبه ويناسب أولاده من قبله.. وأولاده أهم منه، أختاره بمكان قريب من النادي المشتركين به، قريب من مدارسهم وحياتهم... وترك بيت العائلة وظن أن قراره صائب..
يقف بغرفة نوم مازالت فارغة والأثاث موضوع جانباً.. يرمق الجدران بنظرة مبهمة، غريبة..
أتت ريم من وراء ظهره تضع كفها على كتفه..
-مش مصدقة أن أحنا سيبنا البيت هناك...
نبرتها كانت حزينة مليئة بالشجن، استدار لها مبتسمًا، يتنهد بضيق..
-كان لازم يحصل، البيت هناك بقى صغير علينا..
تعلم بأنه على حق.. ولكنّ
-والولاد وذكرياتهم هناك..!
الأمل بنبرته واضح
-هنعمل ذكريات جديدة حلوة.. وإنتِ معانا..
والتأكيد الواثق منها، تقترب لتلتصق بصدره
-العمر كله هكون معاك ومعاهم..
ليحاوطها بذراعيه، يستغل الفرصة ليطبع قبلة عميقة أعلى جيدها استجابت لأثرها للحظات قبل أن تبتعد عنه، ترميه بضحكة حلوة من ضحكاتها..
وخرجت للصالة الواسعة، تدور بنظراتها هنا وهناك إلى أن استقرت على حاتم وجلسته يجلس على أريكة صغيرة للتو وضعها ممدًدا ساقيه أمامه على طاولة صغيرة..
يجذبها بحديثه الوقح، ولسانه السليط
- مش عارف أنا والله.. إنتِ جايه عشان تخدمينا ولا تلزقي لبابا..
وانفعلت.. انقلبت ملامحها لأخرى محتقنة، تصيح به
- اخدمكو! ليه انت شايفني خدامة؟!
يستنكر كلامها بسخرية، ولازال على بروده
- أومال المفروض انتِ جاية بدال ماما..!!
وانفعالها اشتد، حد البكاء ورجفة النبرة
-أنا مش جاية مكان حد.. أنا جيت عشانكو..
يهز رأيه وسخريته زادت وفاضت، يكتم ضحكة
- ممممـ واضح..
وعزّ عليها حالها أن تبكي أمامه.. ركضت من أمامه تلج الغرفة التي خرجت منها للتو..
فيأتيها صوته الغير عابئ بشئ
-يللا بسرعة أجرى اشتكيلو............................
وكأن حياته قبلها مجرد وهم.. مسابقة طويلة ونهايتها هي.. هي ميداليته الذهبية، من جعلت عالمه وردي مثلها..
كانت له العائلة التي حُرم منها، وكان لها الأمان والسند وأميرها الوسيم..
حفل زفافها به كان كبير، وجميل ضم باقة كبيرة من صفوة المجتمع كونه لاعب أولمبياد.. وكونه وجهة اجتماعية مشرفة لبلده... ولها..!
وقرار تأجيل الحمل كان لها، حيث أنها لا تستطيع أن توفق بين دراستها وحملها وكان هو خير داعم..
والآن تقف بمنتصف الغرفة وهو خلفها يحتضنها بصدره، يطبع قبلة على رأسها .. وثيابهما وكفوفهما ملطخة بالطلاء الأزرق والأرضية كلها مفروشة بورق جرائد ومجلات..
سيغيرون لون الغرفة من زهري ل أزرق فاتح.. حيث أن يارا تنتظر مولودها الأول..
يكتب أحمد أعلى الحائط فوق مهد الصغير الأبيض "boy"
تقلب شفتيها بشبه بكاء مصطنع
- كان نفسي ف بنت..
والتأكيد بالغمزة.. والعبرة لمن بدأ بالعبث
- المرة الجاية نجيب بنت حلوة زيك..
والتفت له، تتأمله، وقد زادته السنين وسامة، وطيبة
- هتسميه إيه؟!
يبتسم لها، يجيب بثبات هادئ
- بإذن الله هسميه محمد ع اسم الرسول عليه افضل الصلاة واتم التسليم وجدي الله يرحمه..
أمنتعليه الصلاة والسلامب...
الله يرحمه...
ثم تشاكسه
- طب وافرض اعترضت!!
وكان طلبها عز الطلب.. يتلاعب بأشرطة قميصها النبيتي، يجذبها نحوه وفعله سابق قوله..
- هقنعك بطريقتي....
ولم يستمع لأعتراضها الناعم ولا حتى لعلبة الطلاء التي انسكبت على إحدى ورقات مجلة ما كان يتصدرها عنوان رئيسي بخط كبير..،، حفل زفاف رجل الأعمال عاصم النجار على كريمة رجل الأعمال المصري محمود الهندي، حفل زفاف أسطوري يليق بوالد العروس... وأسفله خط أصغر عن شراكة بين العريس ووالد العروس، شراكة لم تكن بأحلام عاصم النجار ".....................
تفرد حنين ظهرها بتعب بعد وقفة طويلة على قدميها تقوم فيها بتحمير البطاطس لصغيرتيها" التوأم " تالا وتالين هي من اختارت اسمائهما، فهو كان ذوقه كارثي وقت اختيار الأسماء..
تقترب منه بجلسته، يحتسي قهوة ويتصفح هاتفه دون شئ مهم..
-بناتك دول هلكوني طلبات من الصبح..
يجيبها قاسم بجلافته المعتادة
-ياسلام وفيها ايه.. هو إنتِ أول واحدة تربى..!
تطلق زفرة يائسة منه.. تذكرت وقت حملها وحين جائها التعب كان ذاك هو رده
-ياسلام وإنتِ أول واحدة تولدي..!..
اعتدلت بجلستها، تنزع من هاتفه وتصرخ به
-دي مبقتش عيشة أنا طهقت..
يكمل عنها صياحها بنبرته هو.. يشيح بكلا ذراعيه بالهواء
- في لحظة هتلاقيني سايبالك البيت والبنات وماشية..
يتابع بعد صمتها ومراقبتها له وهو يقلد كلامها
-كل يوم طلبات طلبااات طلبات انا زهقت..
ثم يميل عليها، يستنشق عطرها الدائم.. يتمهل بكلامه، وعناق نظراته الذي لانهاية له..
- وأنا هقولك اسبقيني ع الاوضة حضريلي هدوم،... وهاجي وراكي أراضيكي.....
تغمغم بكلمات غير مفهومة، وأحمرت وجنتيها كثمرتي ناضجتين ، تشيح بوجهها عنه، ثم تعاود الصراخ به من جديد...
- بس علفكرة أنا طهقت..
وأقصر طريق للخناق الهجوم.. عبث بالنبرة
- خلاص اسبقيني ع الأوضة حضريلي هدووم............... َ.........
**"ما بعد النهاية" **
حيث أن لا نهاية.. النهايات ماكانت إلا بدايات لحكايات أخرى.. حكايات ولدت بلحظة.. وفرضت حروفها لتكون رواية..
**حاتم كمال القاسم :..**
وذلك بدايته أنه قرر أن يكون شرير الحكاية كي يلفت الانتباه له.. وفرض على الراوي تقبله.. وكبريائه أبى أن يكون دور ثانوي في حكايتها..
يقف،يدور حول نفسه، وأخيرًا يستقر أمام مرآته بملامح قاتمة، يحدث الجالس خلفه بنبرة أخافته..
- مش مهم مين بيحب ملك... المهم ملك هتحب مين..
**مراد كمال القاسم:**
الحياة عدسة كاميرا حديثة، يمسكها بيده.. تلك متعته وغايته.. أمامه فتاة عشرينية بملامح أجنبية ولكنة فرنسية تتمايل على لحن غربي قام بتشغيله من أجلها تتمايل فيتمايل معها، يبتعد عنها.. يلتقط لها العديد من الصور والأوضاع.. تجذبه بقبلة طويلة كان ليرحب بها، لولا رنين هاتفه المحمول.. ليمسك به ويجيبه مسرعًا بالطبع بعد أن أشار لمن تلتصق به أن تصمت.. يجيبها بلهفة مُحب صادقة..
-ملك... وحشتيني، مسافة السكة وأكون عندك..
**جواد زياد الدالي :**
الحياة تاء تأنيث، جيبة قصيرة أو طويلة، أو حتى عباءة سوداء لايهم..هو اتبع نهج والده وسار على خطاه.. فتى مراهق في الثامنة عشر من عمره
ظبطه والد زميلته ببيته، وبغرفة نوم ابنته.. بعد صراخ وتهديد وتحذير..وصراخ من نيرة وبكاء... وصل زياد لتصرخ فيه نيرة تلعن حظها..
-اتفضل شوف ابنك كان مع بنت جارنا في شقتهم..
ورمقه الأب بخيبة أمل، ونظرة منكسرة ما أن تركتهما نيرة وابتعدت حتى اجتذبه لأحضانه يربت بقوة، ثم يهتف بخفوت..
-أنا هعلمك تصيع إزاي من غير ماتتقفش..
**ريان زياد الدالي:**
-جواد قولي لو عايز اقول لواحدة اني معجب بيها اعمل إيه!
يقولها الفتى وهو يعدل من وضع نظارته ذات الإطار السميك على عينيه، يرف بجفنيه كل ثانية.. وينتظر إجابة الخبرة..
ليرفع جواد حاجب خبير..
-قولها ع أكتر حاجة عجباك فيها..
يسأله الفتى بشك
-متأكد!!
-جرب وادعيلي..
واستمع الفتى للنصيحة، وأخذها كما هي دون تزيين، حيث أن الفتى "غشيم" عار على والده وأسطورته في العبث والمجون ..
ينتظر انتهاء حصته، يهتف بإسم معلمته لتقف قبالته بملل وتنتظر قول مايريده..
ليعدل من نظارته فوق أنفه وكانت هي المقصودة..
-انتي حلوة أوي يامس عبير..
**مجد الزيني:**
.. الحياة غير عادلة.. من قال تلك المقولة كان معه كل الحق..هو رجل لا يعرف من رغد الحياة سوى اسمها، اسمه مجد وحياته كانت على نقيض من معنى اسمه.. منتهى البؤس.. ولكنه راضياً..
يستلقي أسفل سيارة يقوم بتصليحها في الشمس الحارقة.. بورشة ليس هو مالكها، ورشة موجودة بداخل مجمع لايعلم عنها سكانه بها والا أغلقوها..
يُخرج من أسفل السيارة ملطخ بسواد زيت الشحم، يقف ويلتقط منشفة صغيرة ملطخة ككل شئ محيط به يمسح بها كفيه وجبهته..
أحس بشئ بالأعلى يجذبه، شئ يلمع كلمعان شمس الظهيرة.. رفع رأسه بشكل تدريجي وعيناه استقرت على شرفة لطالما تأملها وتأمل من تقف بها مأخوذًا بـ الطلة ... فتاة بجمال القمر ونعومة الورد وجسد الحوريات تقف بالأعلى خصلاتها ذهبية فزادتها جمالًا وابتعادًا... يرمقها بإعجاب.. وحسرة..
حسرة أكدها مالك الورشة وهو يربت على كتفه بأبوة
-الناس دول مش زينا، لا عايشين عيشتنا.. ولا بياكلو أكلنا..
يبتعد عنه ولكن صوته يخترق أذنيه
- متبصش لفوق يامجد.. اللي بيبص لفوق رقبته بتتكسر..