تحميل رواية «بيت القاسم» PDF
بقلم ريهام محمود
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
مُحبي المره الأولى من كل شئ.. إليكم تلك الروايه. "زوجتك وكيلتي ريم أحمد عبد الحق على كتاب الله وسنة رسوله وعلى الصداق المسمى بيننا." "وأنا قبلت.." قالها كمال بهدوء وابتسامه بسيطه ترتسم على ثغره. انتهى المأذون من عقد القران بعد أن أعلنهما زوج وزوجه. تبادلوا المباركات والتهاني، فالكل فرح بالرغم من بساطة الحفل. ف "كمال" الأخ الأكبر يستحق أن تدق السعادة بابه من جديد. أما هي فكانت شارده بعالم أخر وكأنها تحضر عقد قران ليس لها. ليس وكأنها العروس وعلي شرفها يتم ذاك الاحتفال. شعرت بألم حاد في صدرها وهي ت...
رواية بيت القاسم الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم ريهام محمود
"لو سبتها هترجعيلي."
رفعت رأسها بغتةً كطلقة رصاص، اتسعت عيناها غير مصدقة ماسمعته للتو.
ملامحها قبل لسانها تهمس بسؤال خافت وملامح ذاهلة:
"انت قولت إيه؟"
أن كانت اندهشت مما قاله قيراط، فاندهش هو أربع وعشرين قيراط. لسانه وعقله يأبيان التصديق بما تفوه به، وكانت الغلبة لقلبه.
زفر نفساً حارقا أتبعه بآخر. ورؤيتها هكذا تقف بين ذراعيه وفي محيطه أعادت له الحياة من جديد. أعاد كلامه وكأنه يوصله لعقله ولسانه من قبلها:
"بقولك لو سبتها.. هترجعيلي..!!"
بريق عيناها الزيتونية إزداد توهجًا وهي ترى الصدق بعينيه.
يأكد كلامه باقترابه واقتراب أنفاسه. تلك المرة الأولى التي يضعها هي - نورهان - مع جيلان في مقارنة. نورهان التي لطالما كانت بزاوية جانبية بحياته، يضعها بنفس الخانة مع جيلان.. بل ويبديها؟!
ظلت على وقفتها أمامه مشدوهة بصمت وبريق اللحظة قد خُفت قليلًا.
ازدردت ريقها تقول بذكاء:
"سيبها ووقتها نتكلم."
رفع أكرم حاجبه بغيظ مكتوم وتلاعبها بالكلام أهانه:
"إنتِ بتراوغي ف الكلام ليه؟ سؤالي إجابته آه أو لأ..!"
أطلقت تنهيدة طويلة قبل أن تعقد ساعديها أسفل صدرها تُحيب بنفس أسلوبه:
"وأنا كنت واضحة معاك وقولت لك مش هعشم نفسي تاني.. سيبها ووقتها هنتكلم."
شعر بالدماء تغلى بعروقه. مازالت على وقفتها أمامه بثبات أما هو فابتعد.
ضاقت عيناه بخطورة ليهدر بحدة خافتة:
"إنتِ شايفة نفسك على إيه فوقي......"
غصة غبية ملأت حلقها، تلك الغصة كانت تصيبها كلما أهانها بكلامه. كانت فوراً تنزوي بأي ركن بعيدًا عنه تبكي كما لم تبك من قبل. أما الآن فاكتفت بهزة رأس يائسة. وهي تقول بقهر مكتوم تواجهه بحقيقته:
"انت زي ما انت يا اكرم، مبتحبش تخسر.. لو كنت عايزني أنا كنت سيبتها وجيتلي.. إنما أنت بتطمن الأول.. عشان لو قولت لأ يبقى انت ضامن هناك...."
واستكملت بملامح جامدة وكأنها تبدلت بتلك اللحظة:
"إنت عايز الدفا والحب. عايز زوجة وبيت وجو تبقى إنت فيه سي السيد.. ولما تزهق تروح البيت التاني تلاقي التفاهم والذكاء والحب اللي عايز تجدده.. إنت عايز كل حاجة وده عيبك.. وقانون الدنيا إن محدش بياخد كل حاجة...."
سيكون غبي أن لم يكتشف تغيرها من قبل. تلك نورهان. أما تلك الخانعة التي كانت تعيش معه وترضي بالفُتات الذي كان يمنّ به عليها كانت صورة وضعها هو بها بسبب ماحدث معها قبل ارتباطه بها.
رغم استنكاره لكلامها ورفضه البادي على وجهه الا أنه لم يناقش.
نقطة بداخله تؤكد كلامها بأنه لايريد الخسارة، ومشاعره المتناقضة تتصارع بين شقي رُحى.
تجاهل حديثها بعجرفة متأصلة به، ثم أخذ نفسُ قوي واقترب خطوة تلاها بأخرى يقابل عينيها بعد أن غاب بريقهما، مال على أذنها يؤكد بحدة:
"عارفة أنا مش هخسر.. محدش هيخسر غيرك...."
ورفع رأسه عن مستواها يتبادلان النظرات بينهما بحرب صامته قطعها هو بمغادرته بعد أن صفق الباب خلفه.
"اليوم التالي.. ليلًا"
"إيه الجمال ده."
رفعت ريم رأسها بإبتسامة ناعمة ترد بها على مجاملة كمال لها. يقف مستندًا على باب الغرفة يتأمل جمالها وقد زادت حلاوتها الليلة اضعافًا. كانت ترتدي فستان أسود يلتف حول جسدها بنعومة فيبرز خصرها النحيل وقدها الرشيق مزين من عند صدره بخيوط ذهبية لترتدي عليه حجاب بلون خيوط الذهب المطرزة به.
يتفحصها مشدوهًا وهو يراها تبتسم له ثم تعاود النظر لانعكاسها بالمرآه.
اقترب.. وما له ألا يقترب. يلف ذراعيه محيطًا لخصرها وكأنه لا يقوى على الابتعاد يستند بذقنه على كتفها. يرمقها من خلال المرآه بنظرات إعجاب. فتبادله بابتسامات انثوية راقية تزيد من احتضانه لها.
"أنا مبحبش المكياج الكتير علفكرة."
قطبت حاجبيها لتهتف بتهكم:
"ياااه مكياج.. الكلمة دي قديمة أوي.. اسمه ميكاب."
وتابعت وهي تضع ظلالً لامعً فوق جفنيها:
"ثم إن أنا مش بحط بشكل أوفر...."
تراجع قليلًا.. وكأنه انتبه للتو لتلك الفجوة الزمنية بينهما. ولكنه نفض عن باله أي شئ من الممكن أن يُعكر مزاجه.
سألها بمرح وهو يبتعد عنها بخطوات:
"ها ايه رأيك؟"
سألته عاقده حاجبيها:
"ف إيه؟!"
تمتم متنهدًا بإحباط حقيقي:
"لأ متحبطنيش وتقولي انك مخدتيش بالك."
ثم استدار يريها بذته الرمادية من جميع الإتجاهات. فأطلقت صفيرًا ناعماً.
ترفع حاجب انثوي رفيع. تتمتم:
"إيه الجمال ده يأستاذ كمال.. لأ أنا كدة اخاف أخرج معاك لاالناس تحسدني عليك."
فاقترب مرة أخرى وضمها إليه. فاستندت بساعديها على صدره. يهمس بحب:
"طب ماتيجي منروحش، ونقضي السهرة هنا."
ضحكت برقة تتلاعب بازارار قميصه الكحلي:
"مممممـ ده عرض ميتفوتش يا أستاذ كمال.. بس أنا بردو عايزة أروح الحفلة."
ختمت كلامها بقبلة ناعمة على خده فتنهد هو وابتعدت عنه تميل بجذعها لتمسك بحقيبة يدها الصغيرة. تمسك بيده فيحتوي كفها الرقيق بكفه ويخرجا معًا.
بمكان واسع مفتوح على إحدى الشواطئ الراقية، معد خصيصًا للمناسبات البسيطة والحفلات، على جانبيه أسوار خشبية بثقوب واسعة وبالمقابل طلة البحر. يحتوي العديد من الطاولات الصغيرة المستديرة.. ووسائد منتفخة ملونة للجلوس. الأنوار الخافتة تزين المكان ليلًا ونسيم البحر جعل منه حكاية من خيال.
تصدح أغاني أجنبية وأخرى عربية حديثة ذات ريتم سريع.
بإحدى الطاولات تجلس يارا والتي على شرفها أقيم الحفل كهدية من شقيقها بمناسبة نجاحها محيطة ببعض الصديقات. يتبادلن الضحكات والأحاديث المرحة الخافتة.
أما عن صاحب الحفل السيد المبجل زياد.. فيقف بالمدخل يصافح دون اهتمام حقيقي بالاصدقاء المدعوين.
كل دقيقة وأخرى يرفع ساعة معصمه يتحقق من الوقت. ينتظرها.. هي فقط. صاحبة الحفل الأساسية هي وليست يارا شقيقته.
وأخيرًا هدأ واتسعت ابتسامته فأصبحت ضحكةُ بلهاء. وهو يراها تترجل من سيارة أكرم. تسير نحوه ببطنها المنتفخة قليلاً وفستانها الزهري الطويل الواسع.
اقتربا منه.. فمد أكرم يده يصافحه، فمد هو الآخر كفه. ورأسه وعيناه عليها يسألها هي باهتمام وأعين هائمة ويتجاهل أكرم وكأنه غير موجود.
"اتأخرتي ليه..؟"
فسحب أكرم كفه بحدة ازعجت الآخر. يتهكم منه بملامح مقلوبة:
"يا حنين..."
ضحكت نيرة من تهكم أكرم. فمال زياد قربها يشاكس:
"دا احنا ليلتنا بيضا انشاء الله."
ضربه أكرم بقوة على صدره. يزجره:
"ولاه احترم نفسك.. دي اختي."
رد دفعه بدفعة أقوى. ثم تابع يميل مرة أخرى بشقاوة غامزًا:
"دي مراتي ياعم، ايه الجمال ده."
سحبها أكرم من كفها يبعدها عنه. يهمس لها:
"بقولك ايه ابعدي عن الواد ده شكله مش مظبوط."
تدخل زياد بينهما برأسه بتطفل:
"بيقولك إيه.."
ضحكت بمرح حقيقي. ليسحبها أكرم عنوة من كف زياد يدخل بها الحفل فيتبعهما زياد تاركًا المدخل واللعن على من حضر وسيحضر.
بعد وقت ليس بطويل.. كانت العائلة كلها تقريبًا موجودة. كلا على طاولة، عدا قاسم الذي كان ينظر للبحر أمامه بشرود. ظهره للجميع وباله بمكان آخر. يعلو صوت الموج أمامه فيشد على قبضتيه، وكأن صوت الأمواج تزيد من ثورة دواخله.
جائت يارا ووقفت بجواره وجهها للبحر وخصلاتها العسلية تتطاير من حولها. تسأله بمرح طفيف:
"إيه رأيك في المكان.؟"
رمقها باهتمام، يتأمل نعومة ملامحها وبريق عينيها. لطالما كانت يارا أخته وصديقته الشقية. أطال النظر بعينيها وكأن البريق خطفه وأرسله لمكان آخر به عينين لهما ذات البريق.
واستدرك صمته وطول تأمله فالتفت حوله يتفحص المكان. ثم قال بـ شبه رضا:
"حلو.. أول مرة أخوكي يعمل حاجة حلوة."
ضحكت ملئ شدقيها، فهي تعلم بالعداوة بينهما كقطبي متنافرين.
إلى أن خُفتت ضحكتها قليلاً، تزم شفتيها تنوي اخباره بشئ ولكن كانت مترددة. تمتمت بخفوت وصل لمسامعه بصعوبة:
"أنا عايزة أقولك حاجة بس مترددة."
أخذت انتباهه بنبرتها المتردده وملامح وجهها المغلقة. فتوجس قائلًا:
"قولي.."
عضت على باطن خدها، ثم هتفت بارتباك:
"أنا قولت لحنين تيجي...."
أُجفل من ذكر اسمها، والبحر والموج والهواء المحيط المعبق بحنين لصاحبة الاسم وبريق عينين يارا. كل تلك الأشياء تجمعت ضده ليقف بمفرده يحارب ذكراها بائسًا.
شُحبت ملامحه ليقول بخفوت حاد:
"ليه..؟!"
أجابت تفرك كفيها بعضهما بتوتر:
"عشان هي وحشتني و........"
قاطعها بانفعال:
"ليه بتقوليلي.. دي حفلتك انتِ اعزمي فيها اللي انتِ عيزاه."
ثم اشاح بنظراته عنها. يقف أمام البحر مرة أخرى يوليه إهتمامه ونظراته.
يغمغم بجمود:
"عموماً أنا شوية وماشي...."
على طاولة جانبية كانت تجلس ريم برفقة كمال؛ والذي أنشغل عنها بحديث مع رفيق له لم يره منذ فترة. تتابع الحفل بأعين مهتمة، هي كانت من هواة السهر والحفلات وأجواء الأفراح.
إلى أن توقفت نظراتها عليه. كان مختلف. الفترة الأخيرة شهدت تغيراً جذرياً بهيأته وملابسه. توليه انتباهها وقد جذبتها وقفته مع تلك ال "يارا".
سخرت بداخلهابالأمس حنين واليوم يارا. الله أعلم من بالغد؟!
والغريب أن قلبها لم يتأثر. تلك الدقة الغبية التي كانت تباغته لم تأت حين رؤيته.
أطالت التدقيق بوقفتهما ولم تنتبه على من يجاورها. وقد انتبه لصمتها وشرودها فودع رفيقه وافرغ وقته لها، لتفاجأه بتأمله لغيره. شقيقه!!
نظراتها طويلة بها شئ غريب لم تنتبه لنظراته ولا لضغطة كفه على كفها.
انتفضت على صوت كسر فارتجفت وهي ترى كوب زجاجي مكسور على الطاولة أمامها. وكف كمال ملوث بدماء قانية.
شهقت وهي تمسك بكفه تقلّبه بين يديها بقلق:
"إيه اللي حصل."
سحب كفه من بين كفيها بعنف استغربته هي. ولكنها سألته وقد بلغ قلقها أقصاه:
"إيدك. بتنزف..؟"
غمغم بنبرة مبهمه ونظرات غريبة:
"ايدي تمام.. يللا عشان نمشي."
همست بنزق:
"احنا لسه جايين يا كمال.. خلينا شوية ع الاقل نروح معاهم."
وتجاهل الرجاء. فاحتدت نبرته وهو يتحرك بها:
"يللا...."
وبجانب آخر كان زياد يقف مع نيرة بعد رجاء وتوسل لأكرم بأن يبتعد ويتركها قليلاً. وبعد إلحاح وافق على مضض ورؤية زياد مذلول له هكذا أبهجت قلبه.
يتجاذب معها الحديث وهي تجيب ببرود أو تكتفي بايماءة من رأسها أو ابتسامة صفراء. تزيغ بنظراتها عنه توزعها هنا وهناك، تبتعد قدر المستطاع عسى قلبها الخائن لا يحنّ له من جديد.
يستند إلى سور خشبي وهي أمامه. يهمس لها:
"حلو المكان عجبك صح!"
دارت بعينيها تجوب المكان بتقييم. ثم قالت بإعجاب واضح:
"جميل."
استقام بجزعه يفوقها بطوله. يتحدث بصدق وصلها:
"أنا عامل الحفلة دي عشانك."
غمزت بشقاوة:
"مممـ مش عشان يارا يعني؟!"
يؤكد بنفاذ صبر:
"إنتِ عارفه أنه عشانك.. متستعبطيش."
مالت برأسها وقلبها يعصف بين أضلعها من جديد. لا تنكر أنها كأنثى يعجبها مايفعله. ولكن كـ نيرة لن تنسى مهما فعل ومهما بلغ اهتمامه وصدق ما رأته.
عينيها كانت على المدخل حين شاهدت حنين تدخل على استحياء بخطوات بطيئة مترددة وكأنها طفلة صغيرة لتوها تعلمت السير. ترمق ماترتديه بذهول فستان نبيتي اللون تجاوز الركبه بعدة سنتيمترات قليلة.
التفتت لزياد تسأله باستغراب:
"إيه اللي جاب حنين هنا."
أجاب ببساطة وهو يضع كفيه في جيبي سرواله:
"يارا عزمتها.. ولو مكنتش يارا عزمتها كنت أنا اللي هعزمها."
فارتفعا حاجبيها بتهكم فاستطرد بتقرير:
"مش هقطع معاها لاجل سواد عيون أخوكي...."
ارتفعت زاوية فمها بسخرية كتمتها وتبدلت لأخرى شامتة وهي ترى اتساع حدقتيه وفغر فاه وكأنه رأي قبيلة من الجن.
ولم تكن القبيلة سوى ضيفها الوحيد والذي دعته خصيصًا بإلحاح كي يحضر. ولم يخيب أملها فها هو أمامها يمد يده مصافحاً لها.
ابتسمت بمجاملة وهي تبادله المصافحة:
"متشكرة جدآ يا كابتن أحمد انك جيت."
اكفهر وجه زياد. وزاد تنفسه يهدر بحدة بها ولكن عيناه معلقة عليه:
"إيه اللي جاب الشخص ده هنا!!"
ابتسمت تتحداه. قالت ببساطة:
"أنا عزمته.. هو مش المفروض إن أنا صاحبة مكان ولا إيه."
اصطكت أسنانه ببعضهما البعض من شدة الغيظ، رمقها بنظرة حارقة يلومها. فتأثرت بها ولكنها سرعان ماتجاوزت وهي ترى يارا تمر بجوارهما.
فامسكت بكفها تجعلها تقف بجوارها:
"أعرفك بيارا يا كابتن بنت عمتي و..... أخت زياد."
مد يده بسلام قابلته هي بإبتسامة رقيقة زينت ثغرها. نظراته له كانت غريبة وملامح وجهه لم تأبين منها شئ عدا عن طوله وجسده الضخم.
احنا رأسها تنظر لكفها الغارق بين كفه. وقد طالت مصافحته فهمت بسحب يدها ولكنه كان متمسك يضغط عليها دون أن يشعر.
تنحنح قليلاً بحرج وهو يترك يدها ولا يعلم ما أصابه. يركز نظراته عليها لها عينان بلون عسلي بالتأكيد يأسر كل من يراه. استدارة وجهها ونمنمة قسماتها. كيف لبسكوتة هشة مثلها أن تكون شقيقة لمثل هذا الجلف.
هتف بخشونة نبرته يهنأها:
"مبروك ع النجاح يا أنسة يارا....."
ضحكت ضحكة حلوة مثلها. تبعد خصلة عن وجهها:
"ميرسيه.. عنئذنكو.."
واستدارت تعض على شفتها بخجل من تحديقه بها. اما هو فدقات قلبه أصبحت كالطبول تصم أذنيه وجسده ملتف نحوها. شعر بنظرات كالرصاص. تخترق ظهره فالتفت ليجد زياد يحدجه بغيظ وغل واضحين للأعمى. قلّب نظراته وقد ناله الحرج والتوتر، ثم تومأ برأسه له ولنيرة التي كانت تطأطأ رأسها تزم شفتيها في محاولة بائسة منها لمنع ضحكتها. فانسحب دون إذن عائداً للخلف.
كانت حنين تقف وحيده بالمنتصف تتلاعب بحقيبتها، اشتاقت لتجمعهم وضحكاتهم، جو العائلة الذي افتقدته. تشعر وكأنها فارقتهم منذ أعوام.
مثبته نظراتها عليه. يتجاهلها أو ربما لايراها من الأساس. تميل برأسها تتأمله، والغريب أنها اشتاقت!
يرتدي قميص أرجواني وسروال أسود. وقد شذب ذقنه فظهرت ملامحه.
تمنت لو ينظر باتجاهها حتى ترى عيناه. وكأنه استجاب. بل لمحة بسيطة منه، تقريبًا بالخطأ رمقها. سرعان ماحول نظراته عنها لآخر يبعث له سلام بعينيه. لم تتبين أي شيء. كانت لمحته سريعة غامضة. تُرى هل غاضب منها أم مشتاق مثلها. أم صارت من ماضي لا يود الرجوع إليه.
"عاملة إيه؟"
انتزعتها نيرة من وحدتها وشرودها بسؤالها البسيط.
احنت رأسها بحرج. وهي تجيب بصوت منخفض:
"الحمدلله."
ف اقتربت نيرة منها. تربت على زراعها بلطف:
"وحشتيني."
رفعت رأسها. وكلمة نيرة البسيطة لمعت الدموع بعينيها. فاحتصنتها على الفور:
"وانتِ كمان وحشتيني أوي."
فابعدتها نيرة برفق. تبتسم:
"ولما أنا وحشتك مكلمتنيش ليه."
حابهتها بطفولية:
"طب وانتِ مكلمتنيش ليه."
هزت نيرة رأسها تقول بحزن:
"إنتِ اللي سيبتينا."
أحنت حنين رأسها مرة أخرى تقول بأسف حقيقي تحدث نفسها ولكن وصلت للاخري:
"كانت غلطة.. أكبر غلطة."
كان يقف ظهره للجميع ولازال على وقفته تلك، لا يعلم لما لم يغادر منذ وقت. بالأساس الجو لا يعجبه. وقد أصابه الضجر. ولكننه انتظر، انتظر مجيئها. يكذب قلبه بأنه لازال موجوداً دون سبب.
شعر بحضوره دون أن يلتفت. مازال قلبه يخفق بعنف حين مجيئها ووجودها في محيطه. احترق قلبه ألف مرة وهو لا يقوى على الالتفات ورؤيتها، يخشى أن يراها وتفضحه عيناه. كم اشتاق. كم بكى بصمت من مر غيابها. كم مرة رأها بكل شبرٍا بالبيت.
التفت على حين غرة لياكد احساسه بوجودها، ارتبك وسارع بنظراته لغيرها وكأنه لم ينتبه لوجودها.
اللعنة على قلبه اللذي يود الركض إليها ويحتويها ويبعدها عن الجميع.
التفت مرة أخرى صوبها وحمدًا لله كانت تتحدث مع نيرة. اختلس النظر يتأملها باشتياق وضيق. خصلاتها بدأت أن تعود للونها البنى الطبيعي وقد تراجعت صبغتها الحمراء للأطراف بعد أن استطال شعرها قليلا.
فستان بلون النبيت القاني قصير يزيد من غضبه وحنقه كاشفاً عن ذراعيها وساقيها. كيف تسمح لها امها بارتداؤه.
نحرها الطويل وعينيها. اشتاق أن يقترب ويعانق بنظراته بريق عينيها.
تنهد بحزن داخله وهو يرى احتضانها المباغت لشقيقته.
رفعت نظراتها نحوه ففاجاته ببريق دمعٍ بعينيها. ولكنه ارتبك ودار برأسه سريعاً بعيداً عنها وكأنها أمسكته بجرمٍ مشهود.
كان زياد يقف غاضباً. يزفر نارا من أنفه، يشد على قبضتيه بغيظ وغضب وهو يرى تجاهل نيرة وهروبها ومصيبتها الكبرى ذلك ال "أحمد". هذا ماكان ينقصه!
التفت على ربتة خشنة على كتفه. ليعانقه:
"أتأخرت ليه ياعاصم."
ليهمهم عاصم بلا مبالاة وهو يدور بعينيه بالحفل بغير اهتمام:
"أنا مكنتش هاجي اصلآ. . مليش أنا ف حفلات العائلات والشغل العيالي ده."
ثم انتبه لتجهم ملامح زياد فسأله بقلق:
"مالك ف إيه؟"
"متغااااظ."
ضحك بخفة ليقول:
"نيرة بردو..!"
أومأ برأسه ليواسيه بخبث يليق به:
"خلص الحفلة هنا وانا هظبطك بسهرة ترجع بيها أمجادك."
هز زياد رأسه يائسًا:
"ياعم بس بقى."
ثم هتف بـ اسم شقيقته يارا يستدعيها. يلتفت للآخر يتحدث ببساطة:
"أظن انت مشفتش يارا قبل كدة.. استنى أعرفك عليها وتباركلها."
وقد أتت تقف بجواره، ليضع ذراعيه على كتفها يحتضنها:
"أعرفك ياسيدي يارا أختي."
والتفت ينظر خلفه يبحث عن نيرة وقد غابت عن انظاره فاستئذن من عاصم لحظة.
عاصم الذي لم ينتبه لاتساع حدقتيه ولا ملامح الصدمة الواضحة على وجهه أخذ وقتا طويل. قبل أن يهمس بفحيح أرعبها:
"مبروك يايارا... ولا أقولك ياأمنية....!!"
رواية بيت القاسم الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم ريهام محمود
حين ناداها زياد والتفتت له لم تتبين من يقف معه.. بلحظتها كان ظهر عاصم لها، عاصم شبح الأيام الماضية.. من أرق نومها، وأثر بالسلب على حياتها.
جمدت مكانها وهي تراه يقف أمامها يحدق بها وصدمتها بالتأكيد لن تعادل صدمته، كادت نبضات قلبها أن تكف عن الخفقان من خوفها وحمدت الله أن زياد لا ينتبه.
شحبت ملامحها وكأنها بعالم الأموات وهو يقترب منها بخطورة يميل عليها ويهمس بنبرة جعلت أطرافها ترتجف.
- مبروك يا يارا.. ولا أقولك يااأمنية..!!
ابتعدت حتى كادت أن تتعثر فأمسك بها يضغط على ذراعها، يزفر بقوة وغضب بوجهها. حاولت أن تبتعد.. تركض من أمامه تختبئ بيت جدها كما فعلت وقت أن ضربته وفرت منه.
التفت حوله ومازالت أمامه، لا تقوى على الفرار. غمغم بخفوت ونبرة خطرة.
- هستناكي عند عربيتي برة.. دقيقتين وتكوني أودامي.. أحسنلك..
يشدد على كلماته بتحذير ونظرات عيناه ترسل شرارات وكأنها تخبرها.. "احذري أيتها الشاه فلا مجال للعبث مع الذئب..".
أقل من خمس دقائق وكانت أمامه، يستند هو على المقدمة وهي أمامه.. متعثرة.. متوترة... خائفة، تخفي عيناها عنه بغُرة، وجهها أصفر وكان الدم سُحب منه. يجلس بسيطرة، لا يراعي صغر سنها ولا ارتجافة جسدها.
الآن الأمور عادت لنصبها الصحيح، هيئتها الصغيرة، عفويتها في الحديث، أحلامها الوردية وبلاهتها، بعض كلمات ألقتها عليه لم يفهمها بوقتها والآن فهمها.
- كنتِ بتتسلي بيا، بقى أنا حتة عيلة في ثانوي تتسلي بياا..!!
زعق بها هادرًا، يهز رأسه بغير تصديق فانتفضت هي ورفعت رأسها تقابله بنظرات خاوية. وأخيرًا خرج صوتها، كان متحشرجًا مهزوزًا.
- أنا مكنتش بتسلى.. أنا كنت بحبك...
تجاهل "كنت" ورفع حاجبيه بدهشة مصطنعة.
- ولما انت بتحبيني، مقولتليش ليه..!!
ثم استطرد بنبرة أقوى وقد غامت عيناه بغضبٍ شديد.
- خليتيني مغفل!! حتة عيّلة زيك تخليني انا عاصم النجار مغفل...
المفروض أنا صاحب زياد. زياد لما يعرف أن اخته كانت عندي ف البيت هيعمل إيه.
رمشت بعينيها تهز رأسها.
- زياد مش هيعرف.. أنا مش هقوله..
نوبة ضحك هاجمته، كان يضحك بتقطع يثير اعصابها واستغرابها. نهض ليقف أمامها، فأصبح هو سيد الموقف والمشهد.
- لا ياحلوة.. أنا اللي هقوله..
ترجته بشهقات تنذر عن بكاء.
- لأ أرجوك ...
ألقى بتوسلها تحت قدمه، يستكمل كلامه من أجل إرعابها أكثر.
- ياتري زياد لما يشوف صورنا سوا هيعمل إيه..!!.. ولا كلامنا... مممممـ ولا لما يعرف ان انت كنت عندي ف البيت..
ثم تحولت ملامحه فجأة وابتسامة شيطانية داعبت ثغره، كانت ترتجف أمامه كقطة صغيرة دخلت لعرين الأسد بالخطأ، رفع غرتها عن عينيها بانامل خشنة، وربت على وجنتها، ربتة، وربتة أخرى، وأخرى.
ملمس كفه على وجهها واقتراب أنفاسه عاد لها ذكرى تلك الليلة التي حاول فيها اغتصابها.. اجفلت وشعرت بنوبة غثيان.. واختنقت أنفاسها.. فازاحت يده عنها بقوة لم تؤثر به قيد أنملة، وامتعضت قسماتها برفض.
عاند رفضها له.. واقترب غير مكترث بأنه لازال بالشارع بمكان عام وأمام المكان الذي يقيم به الحفل. يمسك بذراعها يسحبها نحوه. قاومته تصرخ منفعلة وتذكرت ما فعله تلك الليلة بها.
- لأ...
تغمض عيناها بشدة، تفاجأت بآخر يسحبها بعيداً يزيحها برفق.. لتجده أحمد صديق نيرة تقريبًا.. اليوم فقط تعرفت عليه. يقف أمام عاصم يفوقه طولاً.. وقوة. كان عاصم يلهث بعنف، يحدق به وكأنه كان مغيب منذ قليل.
غمغم بحدة. يريد الوصول ليارا.
- إبعد عن طريقي...
ولكن الآخر لم يتراجع. هتف من بين أسنانه.
- لما بنت تقولك لأ.. يبقى لأ..
وآخر كلامه كانت ضربة من رأسه وجهت لأنف عاصم. فارتد للخلف وترنح قليلًا، وانتصب بطوله يمسك أنفه النازفة يقترب منه.
رفع الآخر حاجبه ينتظره.. يتحداه، ولكن نظرة واحدة من عاصم لأحمد جعلته يتراجع فالفرق بينهما كبير وبالتأكيد الغلبة لأحمد. انسحب يهز رأسه بوعيد، يرسل الأخرى رسالة بعينيه.." لم ينتهِ الموضوع هنا".... وركب سيارته وغادر تحت أنظارهما، مع الفارق بينهما.
استدار أحمد واقترب منها يراها مذعورة فسأل بقلق.
- إنتِ تمام؟
أومأت برأسها بعد أن التقطت أنفاسها بمغادرة عاصم. فسأل بفضول.
- مين ده!!
اذدردت لعابها بتوتر. واكتفت بالصمت. فتابع.
- مش قصدي أتدخل.. ولكن يُفضل انك تقولي لاخوكي.
ردت مسرعة.
- لأ لأ.. مش عايزة زياد يعرف..
عقد حاجبيه مستغرباً فتداركت حديثها.
- هيقلق ع الفاضي.. خلاص موقف وعدى..
هز رأسه متفهمًا، بلّ شفتيه ثم قال.
- إنتِ ممكن تيجي مع نيرة، لو محتاجة Self-defense..
عقدت حاجبيها تستفهم. وعادت لمعة عيناها ثانيةً فارتبك واشتعلت أذناه. شرح بكفه.
- كورس défense عن النفس.. اعتقد انها هتفيدك...
تمتمت بعد تفكير قصير.
- لأ شكراً مش محتاجة..
ثم ارتسمت ابتسامة ممتنة على شفتيها.
- شكرًا انك جيت ف الوقت المناسب..
ابتسامتها تلك زادت توتره. وسخونة جسده. غمغم بخفوت وابتسامة واسعة.
- متشكرنيش.. أي حد مكاني كان هيعمل كدة...
وودعته بإبتسامة قابلها هو بتنهيدة وخفقات سريعة. وشئ غريب يحتل قلبه!
.........................................
فتح باب السطح فأصدر صريرًا مزعجًا دلّ على أهماله وتقصيره بالصعود كما كان يفعل سابقاً بشكل يومي.. ورغم اعتماده على والدته بأنها ستصعد من أجل إطعام حماماته، إلا أنها هي الأخرى قصرّت.
دخل بخطى رتيبة.. يحفظ خطواته هنا.. هنا يعود قاسم.. يتوجه صوب الخزائن الملونة يفتحها واحدة تلو الأخرى فتتطاير الحمامات أمام ناظريه بشكل عشوائي. سار باتجاه آخر، بركن جانبي يوجد صنبور فتحه وملئ عدة أطباق خزفية مجوفة وقام بوضعها بالخزائن بشكل متفرق. استقام يقف أمام خزائنه وحمامه بحنين شاب ملامحه.. يضم ساعديه خلف ظهره.. يتأمل بصمت ونظرات خاوية.
سمع صوت باب السطح يُفتح وصوت خطوات تأتيه من الخلف، ولكنه لم يلتفت.. لم يهتم أكيد أمه أو نيرة. ولكن رائحة أكرم الثابته وصلته قبل أن يضع أكرم كفه الخشن على كتفه. حضوره جعله يعقد حاجبيه متعجبًا. أكرم يجاوره بوقفته أمام الخزائن على السطح!!
دون كلام كلًا منهما يجاور الآخر بصمت وأنفاس متلاحقة ونظرات تحكي عن وجع مختلف لكليهما. صمت لم يدُم حين سألَ أكرم بنبرة غريبة.
- حنيت..!
يسأله عن الحنين.. مجرد كلمة حنين تعصف بقلبه وتهتز ثوابته، رفع ذقنه بتكبر.. ينفي باندفاع.
- أنا محنش لحد باعني..
التفت أكرم له. يقول بهدوء.
- ده شئ ميعيبكش.. محدش فينا ليه سلطان ع قلبه..
وغامت نظراته، شُرد بعينيه باللاشئ وكأنه يعني حاله بكلامه. تنهد وهو صار يعلم بأن الحنين له مذاقٌ مر كالعلقم.
أتاه صوت قاسم مغلف بقسوة.
- يبقى انت متعرفنيش يا أكرم.. انا قلبي تحت طوعي عمري ماهذله لحد.. أحس بألمه.. ورفض هزيمته فقرر مشاكسته.
- شكلها حنت ليك..
ضيق قاسم عينيه يرمقه بنظرة غريبة مبهمة. ثم تركه وتحرك قليلاً ليفتح خزانة مرتفعة ويمسك بحمامة بيضاء يداعبها من رأسها يتحسسها برفق.
- عارف يا أكرم.. الفترة اللي فاتت دي كنت بطير الحمام اللي أودامك ده بعيد.. بعيد أوي عشان يتوه وميرجعليش تاني.. بس كان بيرجعلي ف الآخر...
ثم ألقى الحمامة في الهواء الطلق لتعود داخل الخزانة مرة أخرى تحت أنظار أكرم. اقترب قاسم منه يقابله.
- عارف ليه؟
- ليه؟ نطقها أكرم بعفوية، مأخوذًا بكلام قاسم.
قال بثقة وهدوء أصبحا متلازمان له مؤخرًا.
- عشان تربية ايدي.. متربي أودام عيني.. كدة كدة هيرجعللي ف الآخر..
ثبت أكرم نظرته بعيني شقيقه.. يجابهه.
- واللي غاب!
حينها استدار قاسم عنه يرفع رأسه عالياً فيقابله صفو السماء.. فيزفر محاولًا الثبات. تحدث وكأنه يطمأن قلبه قبل أكرم.
- مسير الغايب هيرجع.. هيغيب شهرين... سنة... أكترف الآخر هيرجع بس وقت مايرجع مش هيلاقينا معاه زي زمان...
أتاه صوت أكرم أجش بخفوت.
- أول مرة أخد بالي انك شبهي ياقاسم..
التفت له قاسم رآه يرمقه بغرابة وكأنه للتو يكتشفه، اكتشاف خاطئ ومقارنة ظالمة أن يضع نفسه مع أكرم. ارتفعت زاوية فمه بشبح ابتسامة ساخرة.. يقول بنبرة ذات مغزى.
- أنا مش شبهك ياأكرم.. عمر ما كان اللي ساب زي اللي اتساب....
ثم ربت على ذراع أكرم بخفة يتابع.
- الفرق بيني وبينك زي الفرق بين حنين ونورهان..!!
...................................
"بشركة عاصم"...
يجلس على طرف مكتبه يؤرجح ساقه بعبث، ممسكًا بهاتفه أمام وجهه يبتسم بشيطنة لرقمٍ أمامه، وقد مر يومان من وقت حفلتها ورؤيتها. أنفه مضمدة بلازق طبي إثر كدمته التي تلاقاها من رأس أحمد. تظن أنه تناساها.. غبية هي.. فبفعلتها فتحت على نفسها باب من أبواب الجحيم. هو شهر يار زمانه، يمنّ على تلك، ويترك هذه، ويعبث مع أخرى. تأتي هي وبكل بساطة تتسلى به.
ضغط على رقمها أمامه واتسعت ابتسامته، طال الرنين ولم تجب. ولم ييأس.. ينتظر... وسينتظر... إلى أن أجابت.
جاءه صوتها مرتجفا مهزوزا تُجيب بتلعثم أحسسه بالمتعة. متعة سادية بشخصه وهو يرى من أمامه يتلوى ألمًا وخوفًا منه. يغمغم بعبث وثبات نبرة.
- برافو إنك رديتي... لو مكنتيش رديتي كنت هتصرف تصرف مش هيعجبك..!
سكت برهة يستمع لسؤالها المتلعثم.. ليضحك بخشونة وهو يتجه نحو شباك مكتبه الواسع يقف أمامه يتطلع على الشارع بلا مبالاه.
- تؤ تؤ عيب عليكي يعني أنا بجلالة قدري مش هعرف أجيب رقم أخت زياد... صاحبي..!!!
ثم أطلق تنهيدة حارة.. ساخنة.
- آه وحشتيني يايويو... ولا أقولك ياأمنية..!
ولم ينتظر الرد ليتابع بهيمنة.
- هقولك ياموني.. لايق عليكي أكتر... ده كفاية أنه الاسم اللي اشتغلتيني بيه...
فسألته يارا عما يريد منها فأجاب بنبرة مشتعلة.
- عايزك ياروحي.. عايزك كلك على بعضك..
وصمت.. ينظر أمامه بنقطة وهمية، يتخيلها هنا.. و خيالاته لم تكن بريئة مثله.. بل وقحة تناسب وضعه. تأفف بملل.. يقلّب عيناه.
- متعيطيش..... متخافيش طول ما إنتِ بتسمعي الكلام مش هقول لزياد حاجة...
وتابع بخبث ذئب.
- آه لو زياد شاف صورنا سوا ولا مقابلاتناا... أوف ده هيتصدم فيكي صدمة عمره.....
وانتظر ردها ولكن لم يجد سوا بكاء.. فقال بنفاذ صبر ووعيد.
- بكرة تجيلي النادي.. في مكاننا هستناكي وطبعاً عارفه لو اتأخرتي أو مجتيش أنا هعمل إيه..!؟
وكاد أن يستكمل وخوفها منه أبهجه.. ليدلف زياد من باب مكتبه دون أن يطرقه كعادته. أغلق الهاتف بتلقائية. يدقق بملامح زياد يتبين إن سمع شئ من حديثه ام لا. ولكن تباسط الآخر في جلسته أبعثت الطمأنينة لصدره. يلتف حول المكتب فيجلس مقابل زياد. وبعض الأوراق والمستندات بينهما، يتناول زياد مستندًا ويذيله بآخر.. وحديث عن العمل لا ينقطع. وحين رفع زياد وجهه لعاصم تفاجأ من كدمة بمنخاره. عقد حاجبيه متسائلاً.
- إيه اللي حصل لمناخيرك...
ارتبك عاصم وغطاها بأصابعه فتوجّع وكأنه للتو ضُرب فيها.
- مفيش اتخبطت وأنا قايم من النوم...
ضيق زياد عينيه بشك.
- خبطة المناخير دي مش غريبة عليا...
نهره عاصم.
- بطل تفاهه ووريني باقي الورق....
واستكملا العمل سويًا.. وبعض الملاحظات المرحة من زياد تلطيفًا للجو.
...................................
كانت حنين تجلس بحديقة الفيلا.. ممسكة بالهاتف تتصفح الفيس بوك. تقلّب بلا اهتمام حقيقي من أجل مرور الوقت، جائها إشعار بأن زياد حدث حالته فدخلت فورًا لحسابه، لتو أنزل منشور به بعضًا من صور الحفل، العديد من الصور.. وهو كان من بينهم.. يقف بثقة وثبات.. ذقنه المشذبة أظهرت وسامة ملامحه.. ولكن عقدة حاجبيه كما هي.. هو الوحيد في الحفل من كان يرتدي بنطال وقميص وجميعهم ببدلات رسمية أو معاطف خفيفة.. بعمره ما ارتدى بدلة حتى بفرح نيرة وأكرم لم يرتديها اكتفى بملابس عادية. ملابسه بالحفل كانت مهندمة لاقت به، لوهلة تخيلت هيئته وهو يرتدي بدلة، سيكون مميز بالتأكيد. متى أحبته هكذا..! بل متى تجدد حبه...
تذكر جيدًا أنها كانت معجبة به بأول مراهقتها.. كان هو فتاها الأول.. والوحيد الموجود أمامها. وقتها كتبت له رسالة ودستها بين أوراقه.. وحين وجدها وقرأها ضحك ملء شدقيه.. وكان نادرًا مايضحك هكذا. كانت ضحكته جميلة صادقة وقتها كانت فتاة لم تتجاوز الخامسة عشر بجديلة جانبية. حكم رأيه بأنها مثلما كتبت تلك الرسالة لابد وأن تقراها أمام عينيه.. و خجلت واحمرت وجنتيها، وهو كان متشبث برأيه بشكل غريب.. فقرأت كلماتها بخجل.. وحياء فطري.. تتلعثم بالحروف وكأنها لم تكتبها بنفسها له.
"طفلة الأمس التي كانت على بابك تلعب
والتي كانت على حضنك تغفو حين تتعب
أصبحت قطعة جوهر.. لا تقدر
صار عمري خمسة عشر
صرت أجمل .. وستدعوني إلى الرقص .. وأقبل..!"
وحين قرأتها.. طلب منها أن تعيد قراءتها مرة أخرى.. ولكن تلك المرة قرأتها بثبات أكثر. بعدها وقف أمامها، يبتسم ابتسامة رجولية جميلة.. بل كانت أجمل ابتسامة رجولية رأتها عيناها وقتها. يحدق بها بصمت.. كان يمشط نظراته عليها يتفحصها وكأنه للتو لاحظ أنها كبرت. بعدها قال بصوت أجش أسرها.
"حنين قاسم"
لم تفهم وقتها.. ولكن بعدها فهمت أنه يشار بأن اسمها مرتبط باسمه. افاقت من الذكرى مبتسمة بشوق كبير، وعاد من جديد شعورها بتلك الفترة.. كم كانت وردية وبريئة حينها..!
وضعت أحببت فقط على صورته دون صور البقية. ومع ارتفاع معدل اشتياقها، هاتفت نيرة.. كما أخبرتها. وأحست منها بأنها لا تريد الكلام. فقالت بتلعثم خفيف.
- إنتِ قولتيلي ممكن اكلمك عادي ف أي وقت..
وبررت نيرة بصدق تعلم بأن حنين ستأخذ الأمور بحساسية.
- أي وقت تكلميني فيه.. بس انا دلوقتي هروح للدكتور مع زياد..
وأنهت الإتصال معها. تلتفت برأسها تتأمل الحديقة الواسعة. ماذا لو غفت هنا.. أليس أكثر أمانًا من غرفتها.
..............................
"- وأخيرًا.. كتر خيرك انك فضتلي نفسك والله..!"
قالتها جيلان بضيق حقيقي.. بعد العديد من الاتصالات وسماع حجج فارغة منه.. أخيرًا أتى. يجلس أمامها بصالون منزلها، يرتشف من فنجان قهوة أعدته هي له، ومن ملامحه الممتعضة يبدو أن مذاق قهوتها لم يعجبه. تمشط نظراتها على وجهه ذقنه السوداء باتت أكثف وملامحه ذابلة اليوم على غير العادة. كل فينة وأخرى يرفع ساعة معصمه يرى الوقت وكأنه ندم بمجيئه.
ترك الفنجان أمامه على الطاولة. يغمغم.
- الفترة اللي فاتت بس كنت مشغول بكام حاجة كدة...
هكذا.. بكل برود العالم يعطي أسباب باردة كعلاقتهما. زفرت بعنف وهي تتحدث بحدة خافتة.
- لاا أنا مش هعاتبك ياأكرم، عشان تبررلي وتديني أعذار وحجج فارغة.. أنا ممكن احرجك اودام نفسك وأقولك إنت روحت لنورهان كام مرة واتصلت بيها كام مرة..!
سحب نفس عميق.. ثم أردف بضيق.
- لما بكلم نور بكلمها عشان ملك أو أمر متعلق بيها..!
"نور" هو يقصد أن يلفظ باسمها هكذا أمامها دون أدنى حساب لمشاعرها. تهكمت بكبرياء مجروح.
- طبعاً طبعاً.. مصدقاك.. أكيد مش هتكلمها عشان وحشاك..!
اعتدل بجلسته.. يشد جسده بتحفز.. يصيح بانفعال.
- ف ايه ياجيلان .. مش ملاحظة أن كلامك حاد وجامد ..!
ومضت دموع بمقلتيها.. تحبسهما بشدة.. تتحدث بحشرجة تلومه.
- وإنت مش ملاحظ أن متجاهلني وراكني ع الرف..؟
ثم تابعت.
- مش ملاحظ أن المفروض الفرح ف الكام يوم اللي جايين دول ومفيش أي ترتيبات إنت عملتها..!
- إنتِ عارفة إن أنا معترض ع الفرح.. خليها حفلة بسيطة و خلاص.. ونسافر بعدها..!
يتكلم ببساطة وكأنها لاتعني له شئ.. بل هي لا شئ لديه فعلاً.
- والله أنا أول فرحة لماما أكيد يعني أبسط حقوقي وحقوقها أن يتعملي فرح..!
عاند.
- وأنا لسه عند رأيي ومش عايز فرح...
أشارت على صدرها بألم.
- وأنا..
تجاهل نبرتها المتألمة، يكفي مابه، قال بهدوء بعد أن مسح وجهه عدة مرات يجلب الهدوء لنفسه.
- أنا شايف إن أنا وأنتِ أعصابنا مشدودة شوية.. ايه رأيك نبعد عن بعض فترة يمكن نهدا ونعرف نفكر..؟
غامت عيناها وهي تهتف بقهر.
- عارف يااكرم.. إنت طول عمرك كدة من أيام الجامعة.. مش عارف إنت عاوز إيه .. منفوخ ع الفاضي..
نهرها بغضب.
- جيلان احترمي نفسك..
وقفت أمامه.. بذقن مرفوعة.
- أنا هحترم نفسي فعلآ من هنا ورايح..!..
وأستطردت وكأن الأمر لها تحافظ على ماتبقى من ماء وجهها.
- سيبني أفكر ياأكرم ف موضوع ارتباطنا من تاني.. لأن حاسة إني ضيعت من عمري كتير أوي وأنا مستنياك..
ابتسم بسخرية.. ابتسامة طفيفة لاترى ولكنها لمحتها. يقول بقسوة جرحتها.
- إنتِ مستنتيش، متضحكيش عليا ولا ع نفسك.. ارتبطتي بغيري واتخطبتي..... يعني حياتك مكنتش واقفة عليا..!
بادلت سخريته بسخرية.. وقد فاجأها.
- لا والله.. اللي يشوفك دلوقتي ميشوفكش من كام شهر وأنت بترجع الحب القديم.. وبتبني وعود وأحلام فاضية زيك..!!
وقف هو الآخر ينوي الرحيل.. يهمس بخفوت فاتر وملامح جامدة.
- من غير مانغلط ف بعض ياجيلان.. يوم مارجّعت الحب القديم يوم ماارتكبت في حقك وف حق نفسي أكبر غلط..........................
"ليلًا بغرفة حنين"..
كانت ممدة على فراشها تغطي جسدها بغطاء خفيف، تشعر بالملل والضيق بهذا المنزل.. لا أحد هنا يجلس معها أو يهتم بها.. وخاصة أمها.. أمها.. تلك المرأة لغز يصعب حله.. معادلة مستحيلة. يوجد أمهات بالفطرة.. الغريزة موجودة وحنانهم يفيض.. وأمهات الله وحده أعلم بحكمته في إعطائهم هذا اللقب العظيم.
نفضت عنها التفكير.. نهضت من فراشها تفتح خزانتها الكبيرة تأخذ ملابس وتتجه نحو حمام غرفتها تدلف وهي تحمد ربها بأن من حسن حظها يوجد حمام بغرفتها.. ماذا سيكون الوضع وهي تستحم بحمام خارجي وتتقابل معه. أغلقت الباب تنوي أخذ حمامًا باردًا يهدأ من ثورة أفكارها.
وقفت تحت رذاذ الماء تستقبل قطراته براحة.. وجسد بدأ يتراخى.. وبعد مرور دقيقة أحست بشيء.. ففتحت عيناها وجمدت مكانها مما رأت...
رواية بيت القاسم الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم ريهام محمود
للحظات ارتجف جسدها كله رغمًا عنها، عيناها كانت ثابتة على المقبض، تحدق به بعينين متسعتين والخوف يملؤهما. بالرغم من أنها أغلقت الباب من الداخل وقت دلوفها إلا أنها ارتعدت رعبًا. تقف مكانها بحوض الاستحمام والماء ينهمر على جسدها بدون تركيز منها.
وبعد عدة محاولات فاشلة من الآخر بفتح باب المرحاض استسلم وغادر. تكاد تسمع خطوات قدميه المبتعدة رغم صوت المياه المتساقط.
وقفت مكانها بعد أن أغلقت صنبور المياه، تنظر للباب وكأنها تتأكد أنها أصبحت بأمان. تناولت ملابسها المعلقة ترتديها مسرعة، خائفة، كل ما بها يرتجف من أعلى رأسها لأخمص قدميها.
وبعد انتهائها من ارتداء ملابسها كاملة، استندت برأسها على الباب تسترق السمع، تحاول سماع أي شيء بالخارج. ولكن الهدوء كان المسيطر باستثناء لهاثها المرتعب وخفقاتها السريعة.
خرجت لغرفتها بعد أن فتحت باب دورة المياه بهدوء، تتلفت يمنة ويسرة. تدور بنظراتها هنا وهناك، الغرفة خالية، والباب موصد كما تركته.
أيمكن أن تكون تهيؤات أصابتها؟ لا، الرعب الذي عايشته بالداخل لم يكن تهيؤات من نسج خيالها الواسع، بل واقع هي تعيشه في هذا المنزل كل ليلة تقريبًا.
تقف بمنتصف الغرفة بخصلات مبتلة تحاول التقاط أنفاسها الهادرة، تهدأ من حالها. انتفضت قافزة حين أتاها صوت رنين هاتفها، فمالت بجزعها تمسك به تكتم صوته.
حدقت بالرقم أمامها وكانت نيرة، ردت مسرعة باهتزاز صوتها، نبرتها مرتجفة، متلعثمة، حروفها تخرج بشتات وخوف. وقد لاحظت الأخرى، تسألها تحاول الاطمئنان عليها، وحنين تجيب بأنها خائفة وفقط. تزيد من حيرة نيرة وقلقها.
وفجأة فُتح باب الغرفة، فألقت حنين بالهاتف على فراشها، تقف مرتجفة في حين دخل زوج أمها الغرفة بتبجح. يقترب منها دون تراجع، وكأنه قرر أن يكشف عن وجهه الحقيقي القذر.
تسمرت مقلتاها برعب حقيقي عندما تلاقت مع نظراته الماجنة، فاذدردت ريقها بصعوبة بالغة. انحنى بطوله قليلًا يمسك خصلة مبتلة بأنامله، يهمس بخفوت ماكر:
- كنتِ بتكلمي مين؟
حاولت الإبتعاد ولكن خلفها حائط وهو أمامها، حتى الصراخ لن يسعفها. أجابت بتلعثم:
- كنت بكلم صاحبتي.
كانت صغيرة، جسدها صغير، وعمرها أيضًا وهذا ما يفضله. الرعب الساكن بحدقتيها يعزز ذكوريته الشبه معدومة. يعلم جيدًا بأن زوجته على علم بما يفعل وسيفعل بابنتها ولكنها تغمض عيناها. حقيرة بالتأكيد لن تتنازل عن ما وصلت إليه بفضله.
غمغم بفحيح:
- مممممـ وصاحبتك دي حلوة زيك؟
نظراته كانت صريحة، فجة، اندفع الرعب ساريًا بأوردتها فاختض جسدها بخفقات سريعة. كانت كفه على كتفها والأخرى يحاول تثبيتها بها.
- ابعد عني.
صرخت بألم وهو يجذبها اليه، تحاول أن تهرب منه، تستغيث بأي شيء قريب، ولكن لم تجد. دفعها للجدار خلفها بقوة الصقها به، كانت تبكي بانهيار، تصرخ دون جدوى وكأنها تصرخ بقرية جميع سكانها أصماء. أمسك مرفقها بقبضته، والآخر أيضًا يرفعهما فوق رأسها، وتبدو أن تلك لحظة النهاية.
كان الهاتف لم يغلق، ظلت نيرة على الخط تستمع لما يحدث. انهارت أعصابها، ووجع ببطنها زاد. تركت تركض بأنحاء المنزل ولا يزال الهاتف على أذنها. تود الصراخ، تبحث عن أكرم أو قاسم تستنجد بهما. لم يكونا بغرفتهما، ألتفتت فجأة على صوت مفاتيح للباب، فوجدت قاسم يقف على الباب يرمقهما باستغراب وذهول. وقبل أن يسأل ما أصابها:
- الحق حنين ياقاسم.
اندفع قاسم بدراجته النارية في سرعة جنونية، يضرب الهواء وجهه بقوة فيزيد من ناره المشتعلة وقلقه المتفاقم، يدعو الله أن تأتي الأمور بستره، أن يلحق بها قبل فوات الأوان. سيندم كل الندم إن لم يلحق بها. ليته ما تركها، ليته ما ضغط عليها وفرض حبه. ليته ظلت بالبيت في رعايتهم وتحت حمايته. يحبس دموعه بصعوبة، ودموع رجل كقاسم عزيزة لن يذرفها إلا على العزيز الغالي.
منزل زوج والدتها للأسف على أطراف المدينة. سيستغرق وقتًا طويلًا إلى أن يصل. زاد من سرعته فأصبح كالسهم المنطلق المحدد لهدفه. وبعد وقت غير محدد بالنسبة له وصل للحي الراقي. هدأ من قيادته يحدق بالفلل أمامه لا يعرف أيهما تابعة لزوج أمها. إلى أن وجد لوحة رخامية مكتوب عليها بخط عريض: "فيلا زكريا مجاهد".
هبط من على دراجته فمالت أرضًا، مندفعًا لداخل الفيلا بعد أن تجاوز البوابة الحديدية وكانت خالية من وجود حارس. وقف على الباب الكبير يطرق بعنف ضربات قوية شديدة، ينادي باسمها تارة وباسم زكريا تارة أخرى. وبعد مدة قصيرة كان الباب يفتح من قبل الخادمة، فاندفع من خلاله يتجاوز صالته. وقف أسفل الدرج الداخلي للفيلا وبأعلى نبرة يمتلكها:
- انزلي هنا يازكريا لو راجل.
وجاء زكريا، رجل عجوز ذو بطن عالية شكله مقزز. يرمقه قاسم باشمئزاز وغضب. صعد إليه يأكل الدرجات مسرعًا لاهثًا ليمسك بتلابيبه فيصرخ الرجل به:
- لو مبعدتش ومشيت هندهلك الأمن.
وقبل أن ينهي كلامه كان قاسم يناوله لكمة بمنتصف وجهه، يجره من ثيابه الخفيفة المتمثلة في مئزر من الساتان المقلم وسروال خفيف يماثله، يتعثر زكريا فيزيد قاسم من جره إلى أن وصلا للأسفل. انحنى قاسم يوجه اللكمات لوجهه:
- عملت فيها إيه... انطق.
ممدد على الأرض يُخبأ وجهه بكفيه، يصيح بخوف:
- معملتلهاش حاجة.
قام قاسم من فوقه، يقف بأسفل الدرج، يزأر كأسد جريح:
- حنييييين.
ولم تُخيب رجاؤه، كانت أمامه، تركض نحوه، بلوزتها العلوية ممزقة وخصلاتها مشعثة مبعثرة، تبكي بصوت مسموع والرعب بادي على وجهها. ما أن وصلت إليه حتى ارتمت بأحضانه واستقبلها هو بكل ترحاب يضمها بشدة إليه، وكأنه يتأكد من سلامتها. كان حضنه أشبه بحضن الأب، وأمان الجد، واهتمام حُرمت منه. تنتحب بشدة فيبعد وجهها عنه، يحتضن وجنتيها بكفيه:
- أنا لحقتك صح.
كانت مقلتاه غارقة بدموع أبت السقوط، ينتظر إجابتها فاومأت برأسها، فتنهد براحة حامدًا. رغم ارتجاف جسدها كله بين ذراعيه.
- الواد ده بيعمل إيه هنا.
ذاك كان صوت والدتها، سؤال مستفز كوقفتها أعلى الدرج، ترمق قاسم بكره شديد. تهكم قاسم بحدة، صوته خشن وجسده يأخذ وضعية العراك:
- ااوه ناهد هانم. ياريت بس منكنش قلقنا منام سيادتك.
نهض زكريا من مكانه، وجهه ملكوم، والدم يتساقط من جبهته. يقف بترنح والصوت يخرج من حنجرته بأعجوبة:
- خدها وأمشي من هناا. يللا.
هتفت به ناهد صارخة، يتلبسها العناد والبغض، كانت لا ترى غير قاسم لا رعب حنين ولا مهانة زكريا:
- ياخد مين يازكريا. هي سايبة ولا إيه. اطلبله البوليس.
التفت قاسم لزكريا باستهجان، يسأله بنبرة ذات مغزى:
- إيه يازكريا. هتطلبلي البوليس. لو راجل وإبن راجل بجد اطلبه.
إلا أن زكريا هدر به بوهن، رجل مثله بالتأكيد يخشى الفضيحة:
- بقولك خدها وامشي من هناا.
سحبها معه يحتضنها من كتفيها يسير بها وكانت لا تقوي على فعل شيء. وقبل مغادرته وقف أمام زكريا بنظرات غاضبة، يود تكسير عظامه كلها بقبضته ولكن سلامتها أهم. اكتفى بأن بصق بوجهه ورحل.
وقبل أن ترحل حنين معه، التفتت برأسها لأعلى رغم خوفها وارتعاد دواخلها، إلا أنها التفتت. ترمق أمها بنظرة غريبة سريعة، نظرة واحدة، نظرة فقط كانت كفيلة بإحراقها حية.
على الطريق السريع الخالي كانت تركب خلفه تتشبث به بكل قوتها، وقد أعطاها خوذته، يقود بسرعة والهواء يضرب وجنتيها الظاهرة من الخوذة. ارتجف بدنها وهي تشعر بالبرد ينخر عظامها، فمالت برأسها تستند على ظهره تجلب الدفء والأمان لجسدها.
وذاكرتها تعيدها لقبل سويعات حين احتحزها بقبضتيه. يميل عليها برأسه الضخم يقبلها رغمًا عنها بخشونة ورغبة يحاول السيطرة عليها بجسده المقرف. حاولت التملص منه دون فائدة.
فجأة دون سابق إنذار رفعت ساقها وبكل قوة وغل ضربته تحت الحزام، تكون على بعضه أرضًا، يصرخ متوجعًا. ركضت مسرعة لدورة المياه وأغلقت عليها الباب من الداخل. تستند عليه تبكي بصوت عالٍ.
وبعد أن هدأ ألمه قليلاً وقف وتوجه لباب دورة المياه يطرقه بعنف، يتوعّد بها بخفوت هادر:
- لو مطلعتيش هكسر باب الحمام ده ع دماغك.
صرخت به من الداخل بقهر ونحيب:
- لو ممشيتش من هنا هفتح شباك الحمام وأصرخ وألم عليك الجيران.
زاد نحيبها واهتزاز جسدها الملتصق بظهره، فأوقف الموتور جانبًا. يهبط من عليه ويقف أمامها. بكل قلق العالم يسألها بعينين صادقتين:
- إنتِ كويسة.. بجد!
تهز رأسها، ترمقه بعينين دامعتين:
- أنا.. أنا كنت خايفة أوي. لو مكنتش جيت كنت هعمل إيه.
يغمض عيناه عن تخيل أسوأ الأمور، يقترب منها، فتتشارك الأنفاس وتتعانق النظرات وربما تلك المرة الأولى لهما هكذا. وتكاد أن تكون الأخيرة أيضًا.
- الحمد لله إنك كويسة.. ده أهم شيء. لما نوصل هتطلعي تنامي فوق مع نيرة ف بيتنا. لو خبطت ع جدك وشاف منظرك كدة دلوقتي ممكن يروح فيها. وأنا هطلع أبات مع أكرم.
قوست شفتيها تهمس بحزن:
- جدي مش هيسامحني.
يجيبها مبتسمًا برفق:
- جدي طيب.. اعتذريله وبوسي إيده هيسامحك علطول.
اليوم التالي صباحًا.
"منزل الجد"
بعد أن أنهى ورده اليومي، طُرق بابه وظن أنها فاطمة أحضرت فطوره، ولكن الطارق كان قاسم. تساءل الجد عن سبب مجيئه بالصباح الباكر هكذا.
فقص عليه قاسم ما حدث بالأمس، وقد استثنى تهجم زوج والدتها واكتفى بأن والدتها قامت بطردها بعد مشاحنات بينهما والآن هي بالجوار بشقتهم، بعد أن باتت ليلتها مع نيرة. وقد شعر الجد بالمزيد وأن قاسم يُخفي عنه شيء جلل ولكنه لم يلح في السؤال، شاكرًا لله أن حفيدته عادت له ولبيتها سالمة.
وبعدها بساعات قليلة كانت حنين تجلس بجانبه على الأريكة، تميل برأسها على كتفه، تمسك بكفه المجعدة تقبلها من حين لآخر. وقاسم يجلس بالمقابل على ذراع الأريكة يشاهد بصمت، هيئته كانت حيوية بقميصه الرمادي الذي شمر كميه لأول مرفقيه.
يشاكسها الجد بعد عتاب:
- عارفة لو مشيتي تاني من هنا هكسر رجلك.
تزيد من احتضان كفه بين راحتها:
- آخر مرة والله ياجدو.
وكانت صادقة للحد الذي لا حد له. تختلس النظر لقاسم الصامت بغموض، تتمنى أن يتحدث أو يعاتب كجدها، ولكنه اكتفى بجلسته الصامته ونظراته المبهمة. حتى أنه صباحًا وقت أن استدعاها لجدها لم يحدثها بل طلب من أمه أن تخبرها بأن تلحق به لشقة جدها.
- روحي إنتِ ياحنين لنيرة.. لأني عايز قاسم في كلمتين.
ابتسم قاسم، إن كان التواء ثغره هكذا يسمى ابتسامة من الأساس، ولكنه يعلم فيما سيحدثه الجد. عقدت حنين حاجبيها تستفهم ولكنه أشار لها بالصعود، فنهضت من جواره على مضض، تتهادى بخطواتها كي تعرف ماذا يريد منه.
ووقت أن سمع صوت غلق الباب ورائها لم يمهل حاله لحظة يقول لقاسم بنبرة محذرة:
- من هنا ورايح ملكش دعوة بحنين ياقاسم.
وكأن هدوء الكوكب تجمع بنبرة قاسم، جلسته مسترخية وملامحه جامدة عدا عن ابتسامة تشق ثغره بغرابة شديدة. لم يبدِ استغرابه حتى:
- متخافش ياجدي.. حنين بالنسبالي بنت عمي وبس.. وحط تحت بنت عمي دي ١٠٠ خط.
ثم استقام بوقفته يرمق جده بجمود وملامح نُحتت من رخام:
- حمدالله ع سلامة حفيدتك.
نظر إلى ساعة معصمه وهو يستند بتعب على حافة الباب، زفر بضيق وهو يمد يده إلى جرس الباب يضغط عليه، اليوم كان مضغوطًا بالعمل وبالأمس لم يغفو سوى ساعة تقريبًا، لذا استأذن اليوم قبل موعد خروجه بساعة لأنه لا يستطيع التركيز أكثر من ذلك. بتلك الفترة هو مقصر بحق نفسه وجسده وصغيرته أيضًا.
لحظات قصيرة وفتح الباب تستقبله نيرة ببطنها المنتفخة ومنامتها القطنية، تبتسم بوجهه بتردد، ولم يلحظ ف اكتفى بايماءة من رأسه. تحرك للداخل يتخطاها متنهدًا بارهاق، يرخي ربطة عنقه قليلًا ويفتح أول زرين من قميصه الأزرق.
خطوات وكان بصالة منزل والدته، يرفع حاجبيه باستغراب سرعان ما تحول لتجهم وهو يرى نورهان أمامه. تجلس على الأريكة المقابلة لنظراته برتابة، ملابسها منظمة وقد تركت العباءة السوداء الواسعة للحارة هناك. كتم زفرة غاضبة وعيناه تحوم عليها، فستان أسود ضيق من الأعلى يتوسطه حزام عريض بنفس اللون، وحجاب رمادي رقيق يحدد وجهها بدقة ويعكس نقاء بشرتها.
- السلام عليكم.
قالها بخشونة نبرته، فأجابت أمه السلام وهي معها بخفوت، تحني رأسها لأسفل وابتسامة خفيفة متوترة ترتسم على ثغرها، تحتضن ملك الصغيرة وتتلاعب بخصلاتها. ملامحه صارت أكثر تجهمًا وصلابة وهو يجلس بالاريكة المجاورة لها، يتذكر آخر لقاء بينهما وقت أن وعدها بأنها ستكون الخاسرة وليس هو. والآن لا يوجد خاسر سواه، يشعر بأن كلمة خسارة تزين جبهته بالخط العريض.
جلست نيرة بجواره تسأله:
- جيت بدري ليه.
يبدو أن وجوده غير مرغوب، ولولا أنه أتى قبل ميعاده لم يكن ليراها. تجاهل توتر جلستهم، وأجاب بارهاق بادي على قسماته:
- تعبان.
رفعت نورهان رأسها بغتة تراه أمامها تتأكد من صدق نبرته فقابلها هو بنظرة مغلقة وحاجب مرفوع ولا يزال على تجهمه. فطأطأت رأسها ثانية وعادت لابتسامتها البسيطة، تزدرد ريقها ببطء بالتأكيد لن تطيل النظر لوجهه، وخاصة عيناه. بداخلها شيء يهمس لها بتحذير: "لاتنظري لعينيه... ستغرقين أكثر".
وأصبحت الجلسة متوترة بوجوده، فأردفت نيرة تقطع التوتر بينهما:
- ده نور كانت في مشوار قريب من هناا. وعدت تشوف ملك.
عقد حاجبيه متسائلًا، يوجه نظراته لنورهان:
- كنتِ فين؟
رفعت رأسها متعجبة فردت نيرة ترفع عن نورهان الحرج:
- مشوار قريب.
فيعيد السؤال على نورهان:
- مشوار إيه؟
فأردفت نيرة من بين أسنانها بغيظ:
- ركز معايا هنا أنا اللي بكلمك.
فالتفت لها برأسه، تبعث له نظرة ذات مغزى فهمها وصمت. نهضت نورهان باستحياء، والصغيرة معها ترفع يدها تلامس حجابها بتوتر:
- طب أنا همشي عشان متأخرش.
ثم وجهت باقي كلماتها لأكرم تستأذنه:
- ممكن اخد ملك معايا انهارده. واجيبها بكرة.
كانت نبرتها وهي تحدثه منخفضة ناعمة، تنظر له بزيغ وكأنها متأكدة من رفضه. أطال النظر بعينيها، وقد زاد الوهج العسلي بزيتونيتيهما، فارتبك وضاقت أنفاسه، وكأنه يأبى أن تكون رائعة هكذا ببعدها عنه.
- ماشي.
فاجأها بموافقته. وزادت لمعة عيناها فزم شفتيه محبطًا. أومأت برأسها تشكره بإبتسامة صافية حلوة كحلاوتها اليوم. ينظر لها وبالأخص لعينيها بثبات يبعث القشعريرة والتوتر لجسدها، فتشد من حجابها تُخفي به خجلها واحمرار وجنتيها. تجاوزته والصغيرة معها وحقيبة صغيرة على كتفها، فسار ورائها:
- هوصلك.
لحقت به أمه:
- لأ هي هتاخد تاكسي. خليك انت أنا عيزاك.
رمق والدته بتعجب وأردف:
- هوصلها وأجيلك.
إلا أنها تمسكت بكلامها تجذبه بنظرة أمومية محذرة:
- قولتلك عيزاك.
وبالأساس هي لم تنتظر كانت عند الباب تتحدث مع نيرة بحديث لم يسمعه، لتهرب عيناها له دون إرادة منها، تنظر بعمق عينيه ثم تعاود النظر لنيرة. أقل من دقيقة وكانت تودعها مغادرة ومعها ملك.
بعد أن غادرت نورهان ذهب للشرفة مسرعًا، يستند بساعديه على حافة السور، ينتظر خروجها من البوابة. وحين خرجت اعتدل بوقفته يراقبها بنظراته دون رقيب. تتهادى بحذاء صيفي ذو كعب عالٍ. ابتسم بداخله، فهي بدونه بالكاد تصل لصدره، يذكر أنها كانت ترتدي الكعب خصيصًا كي تطال ذقنه. يراها تسير أمامه بالشارع الخاص ببيتهم قبل أن تصل للشارع الرئيسي، توليه ظهرها، تكمل طريقها بثبات. وقبل أن تختفي عن عينيه، طرق بكفيه على السور يهمس بصوت ضعيف:
- لفي.. لفي.... لفي.
يطلب استدارتها بلهفة. إن استدارت سـ... ولم يكمل أفكاره. فلبّت ندائه واستدارت، كانت لفتة سريعة منها قبل أن تختفي عن ناظريه. فمال فمه بإبتسامة منتصرة أطفأتها والدته وهي تقف خلف ظهره. تحدثه بحدة:
- هتفضل معلق بنت الناس معاك لحد امته.
واستغرب من هجوم والدته الحنون عليه، سألها مباشرة:
- هي اشتكتلك.
- أيوة اشتكتلي. وعايزة تنفصل بهدوء ومن غير مشاكل.
زفرة قوية كتمها بداخلها قبل أن يسأل بضيق:
- ممممـ وإنتِ رأيك إيه.
ردت عليه بغضب خافت:
- حقها. ولا إحنا مش هنرضاها على نيرة. وع البنت الغلبان دي تيجي عليها.
استنكر واكفهرت ملامحه:
- إنتِ بتقولي إيه ياماما. إيه اللي جاب نيرة لنورهان. وإيه اللي جابني لزياد.
قالت أمه بلامبالاة توبخه:
- والله انتو الاتنين نفس العجينة.
زاد استنكاره أضعافًا:
- ماما إنتِ هتساوي الحرام بشرع ربنا.
لوت فاطمة شفتيها بحنق تشيح بيدها:
- شرع إيه. اتلهي ع خيبتك. ده الست عندها جوزها يخونها مع ١٠٠ ولا أنه يتجوز عليها.
عقدة حاجبيه فُرجت وتبسم بتعجب وهي يستمع لمبدأ والدته الغريب. ولاها ظهره واستند على السور ثانية يتنهد بـ هم:
- عمومًا أنا خلاص... سيبت جيلان.
تتراقص نبرتها بسعادة، وهي تسأله أن يعيد ما قاله غير مصدقة:
- انت بتهزر. ده انهاردة يوم عيد. طب ورحمة الغالي لاعمل رز بلبن واوزعه على الجيران.
اندهش من فرحتها، ولكنه قال متذمرًا:
- ماما بلاش الحركات البيئة دي. إنك توزعي ع الجيران والجيران تبعتلك.
جزت فاطمة على أسنانها وقالت متغاضية عن تكبره:
- لأ مش هسيبك تعكنن عليا دلوقتي. والنبي لاعمل وتوزع عندًا فيك.
وتركته وقد تبدل مزاجها بلحظة. تُطلق زغرودة عالية وقت دلوف قاسم للشرفة. يسأل أكرم بمرح:
- أمك بتزغرط ليه. جالها عريس.
لم يستطع أكرم أن يمسك حاله من الضحك. مال بوجهه يقهقه عاليًا. ثم هدأ بعد مدة، يجيبه ببساطة:
- بتزغرط عشان قولتلها إني سيبت جيلان.
تفاجأ الآخر. ربت على كتف أكرم يهنئه:
- لا يا أخي. ألف بركة والله.
رمقه أكرم بحاجب مرفوع، وفرحته هو الآخر بعد أمه أثارت غيظه:
- ف إيه ياجماعة. انتو مش ملاحظين زعلي.
شاكسه قاسم على غير العادة:
- زعلك إيه بس. دانتا وشك نوّر.
بادله المشاكسة غامزًا:
- بجد.
أكد بتشديد:
- جد الجد كمان.
وانطلقت ضحكاتهما العابثة. كلاً منهما ينظر للشارع أمامه. إلا أن قاسم التفت برأسه للشرفة المجاورة. ثم أطلق تنهيدة طويلة. وعاد بنظره لأكرم يقول مغيرًا للحديث:
- إنت مش ملاحظ إننا كلنا قاعدين بخيبتنا جمب أمك ماعدا كمال المحظوظ.
ضيق أكرم عيناه يفكر، سرعان ما هتف بتأكيد:
- أيوة هو الوحيد اللي فلح فينا. ابن المحظوظة.
استدارا على صوت رنين جرس الباب المرتفع فخرجا من الشرفة متتابعين، ليروا من أتى. كان كمال هو الطارق. يقف على مدخل الباب ومعه أبناؤه الثلاث. مراد وحاتم أمامه وزين يحمله بذراعيه. يوجه حديثه لأمه دونهما:
- خلي الولاد عندك ياأمي.
ثم أخفض نبرته وقد كساها حزن غريب وتوتر:
- ريم هترجع بيت أهلها.
نظر أكرم لقاسم بذهول بادله الآخر بنفس ذات النظرة. أيميل قاسم على أذن أكرم هامسًا:
- منوره.
هز أكرم رأسه ينفي عنه التهمة:
- ده نورك إنت والله.
رواية بيت القاسم الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم ريهام محمود
"بيت نورهان"
فتحت باب بيتها والصغيرة على كتفها، تحمل بيدها الحرة عدة أكياس بلاستيكية بها طعام وأغراض للمنزل قد أتت بها بطريق عودتها.
كان البيت فارغًا فـ مجد شقيقها بالمكتبة مع العم حسين جارهم.
جلست معهما بعض الوقت قبل أن تتركهما وتصعد للبيت.
دلفت غرفة نومها تضع ملك على فراشها برفق وقد غفت، فمالت تطبع على وجنتها قبلة ناعمة، تمسح على شعرها الخفيف بحنان وقد اشتاقت لرؤيتها تغفو بين أحضانها وتحت عينيها.
ابتعدت عنها قليلاً، تجلس على الفراش بأرهاق وقد استنزفت طاقتها اليوم.
كلما رأته تعود مئات الخطوات للوراء.
تفشل محاولاتها العتيدة بنسيانه.
من قال أن الفراق سهل لم يعرف قلبه يومًا مذاق الحنين.
هربت من أمامه بالتأكيد لن تمكث بمكان هو فيه، تتحاشاه.
تتجنب وجوده ونظراته، نظراته التي تُعريها بحقيقة أنها أضعف من أن تجابه أو تقف أمامه.
في عمق عينيه ترى انكسارها مرسوم بدقة.
وما تبقى من كبريائها يصرخ بها بأن يكفي إلى هذا الحد.
زفرة متعبة اخرجتها وهي تلتفت وتمسك بهاتفها الموضوع على طاولة صغيرة بجانبها، هاتف ذو طراز قديم ولكنه يفي بالغرض، ولذلك تستعمله فقط بالمنزل أو المكتبة.
بالتأكيد أكرم لو رآه سيصعق، بالتأكيد لايعرف تلك النوعية من الهواتف.
تضغط على أزراره عدة ضغطات بلا مبالاه.
إلى أن اعتدلت تحدق بالشاشة ورسالة نصية من رقمه.
"لما توصلي كلميني"
والعديد من الاتصالات التي تَلَت رسالته، يبدو أنه أصابه القلق.
شعور بالخوف مس قلبها وهي ترى إلحاحه بالإتصال.
بالتأكيد والدته أخبرته بما طلبت.
ضغطت عدة ضغطات على الأزرار.
ترفع الهاتف على أذنها بانتظار رده وعتابه بالتأكيد.
بدأ قلبها يدق مع رنين هاتفه حتى جائها صوته اللاهث.
- بعتلك رسالة من مدة.. كنتي فين؟!
بللت شفتيها بتوتر من حدة سؤاله.
أجابت بهدوء تصنعته بعد أن أجلت حنجرتها.
- كنت ف المكتبة.. ولما طلعت شوفتها.
كتم زفرة غاضبة بسيرة المكتبة، كم يود احراقها أو تكسيرها على رأسها.
أغلق قبضته بعنف.
يسحب نفسًا عميقًا لداخله.
قبل أن يسأل بضيق.
- ماما كلمتني.....إنتِ شايفة إني ظالمك معايا؟!
لترد بصوت جامد به نبرة اختناق.
- أنت شايف إيه؟
كان بغرفته يجلس على كنبة صغيرة، نهض وقت أن سألته يتحرك بقدمين متعبتين،ليقف أمام مرآته.
يُدقق النظر لوجهه، لحيته، جزعه العارِ وقد اشتاق لعناق منها تعطيه له باحتواء ويقابله بترفع.
لاينكر أنه بالفترة الماضية كان يضغط عليها.
يتلمس حنانها المعتاد وتنازلاتها الغير متناهية معه.
قلبها الذي يغفر له كل شيء بسهولة.
وحبها.
حبها الغير موجود حاليًا.
تمتم بصوت محترق خافت وهو يمد كفه يحجب رؤية وجهه بالمرآه.
- أنا مش شايف غير واحد متمسك وإنتِ رافضة.... بتعززي نفسك وترخصيني..!!
هتفت بصوت مرتعش.
- أنا مش حسباها كدة.. زي ما أنت هتشوف حياتك أنا كمان عايزة ابدأ من جديد وأشوف حياتي...
هكذا ببساطة.
رغم ارتعاد صوتها الواضح لأذنه، إلا إنها استطاعت.
مازال على وقفته وقد تسارعت أنفاسه.
- حقك.. حقك طبعاً تبدأي من جديد.. وأنا مش هفرض نفسي أكتر من كدة.
ثم تابع بصوت مختنق.
- زي مابدأنا هننهيها.. هكلم جدي وننفصل وتاخدي حقوقك.
دعت عيناها وهي ترى اقتراب النهاية.
غمغمت بسخرية مريرة.
- أنا مليش حقوق.. أنت ناسي الجواز كان غرضه إيه!!
صوته قوي وثابت يسألها مباشرة.
- كان غرضه إيه؟ .. أصلي نسيت يوم ماشوفت ملك!
فكريني الجواز كان غرضه ايه يانور!
يتلاعب بها بعدم نزاهة.
هي ادري بتلك النبرة.
وقت ان يكون واثقًا بأن من أمامه لا يستطيع منافسته.
همست بخفوت حزين.
- أكرم.. أنا متنزلالك عن حقوقي.
ارتفعا حاجبيه باستنكار.
يسأل بنبرة مجروحة.
- يااه للدرجادي أنا عشرتي كانت وحشة!
هزت رأسها تنفي.
تغمض عيناها لتجيبه بصوت متهدج.
- لأ.. أنت عارف إنه لأ.. بس أنا مش هقدر أظلم نفسي معاك أكتر من كدة.
مش هقدر استنى لليوم اللي هتقولي فيه كفايه كدة عليا.
مش هستني لما جيلان تقولك سيبني فتسيبني وتختارها.
وصمتت وهو الآخر صمت.
صمت ثقيل بينهما، كانت تود إنهائه.
تشعر بأنها خائرة القوى.
تلك المكالمة أصعب من مواجهته وجهًا لوجه.
تنهد بعد صمته.
يهز رأسه بيأس منها.
- أنا سيبت جيلان.
رفعت رأسها المتعبة بسرعة ليقابلها انعكاسها بالمرآه المشوشة أمامها.
حدقتيها متسعة بذهول.
تشير بسبابتها على صدرها.
- عشاني!
نفى.
- عشانها.
وكان صادقًا.
استكمل بنبرة مبحوحة وكأنه عاد من معركة خاسرة.
يعيد على مسامعها ما قالته.
- عشان مش هقدر أظلمها معايا.
مش هستني لما تيجي في يوم تخيرني بينها وبينك فاسيبها واختارك.
"بالمساء"
على العشاء كان كمال يجلس على المائدة يمين والدته وأمامه قاسم وأكرم.
كانت جلسة فاترة.
كلًا في عالمه شاردًا بما يخصه، وقد انسحبت نيرة وأخذت معها الصغار اولاد كمال ليشاهدوا فيلم عائلي.
ران صمت ثقيل قطعته فاطمة بنفاذ صبر وهي تنتزع كمال من شروده تسأله بحنانها الذي تخصه هو به فقط.
- قولي ياكمال.. سبب المشكلة بينك وبين مراتك ايه يابني يمكن اقدر احلها.
زفر بقوة وهو يحذرها بعينيه يشير على إخوته.
- وأنا من أمته ياأمي.. كنت بخلي حد يحللي مشاكلي!!
أردفت بصدق حانٍ.
- يابني ده اناماصدقت أن ربنا صلح حالك وارتحت في بيتك.
غمم كمال بحدة مستنكرًا.
- للدرجادي يا أمي وجودي هيضايقك!
رد عليه أكرم يدافع عن والدته.
- ماما مش قصدها كدة ياكمال.
ثم اتجه بحديثه لوالدته.
- سيبيه ع راحته ياماما.
وبخته أمه بملامح ممتعضة.
- والنبي إنت بالذات تتلهي ع خيبتك التقيلة بدل منتا زي اللي راح وجه عل الفاضي لاطولت بلح الشام ولا عنب اليمن.
احمر وجه أكرم غضبا.
هدر بها بخفوت من بين شفتيه.
- ماما.
لم يستطع قاسم كتم ضحكته، فصدحت ضحكاته مجلجلة.
لتنهره والدته بتوبيخ هو الآخر.
- وانت كمان أخيب منه ياللي حتة عيلة ضحكت عليك.
صاح قاسم معترضًا.
- الله.. وانا كلمتك ياست إنتِ.
اشاحت بذراعها تتجاهلهما.
ثم تعود بنظراتها وحنو نبرتها تسأل كمال.
- كمال.. بطلت أكل ليه.. كل ياحبيبي.
ارتفع حاجب أكرم ليرمق قاسم بجانب عينيه، يتبادلان النظرات المغتاظة بينهما بصمت.
وملل.
وضع كمال شوكته بجانب طبقه.
ثم قال لها بهدوء شديد.
- ماما.. لما خديجة الله يرحمها ماتت أنا مشيلتش حد همي.. ولادي كانو معايا فوق.. أنا اللي كنت برعاهم و بقوم بكل حاجة معاهم.
ارتسمت ملامح الحزن على وجهها.
وهي تسمع اتهامه المبطن لها.
تعاتبه.
- اخس عليك ياكمال.. هو أنا لما أكون عايزة اطمن عليك يبقى ده ردك.
أغمض كمال عيناه يطبق عليهما بشدة.
قبل أن يتمتم بهدوء كاذب تفضحه نظراته الحزينة.
- اطمني يا أمي .. أنا كويس.. ربنا مبيجيبش حاجة وحشة أكيد.
رفعت فاطمة كفيها تدعو له بصدق.
- ربنا يكتبلك الخير كله ياكمال يارب.. ويهديلك العاصي.
هتف قاسم سريعًا وفمه ملئ بالطعام.
- وانا كمان يافاطمة.. ادعيلي.
رمقته بنظرة حانقة.
قالت قاصدة إثارة سخطه.
- ربنا يردلك عقلك.
رمقها قاسم بغيظ.
يعض على نواجزه ليستكمل طعامه متجاهلًا نظرات كمال المبهمة له اليوم.
".."
كان عاصم يجلس على طاولة جانبية بالنادي المشترك به.
مكان اعتاد الجلوس فيه بعيد عن أعين أعضاء وعضوات النادي المتطفلة.
والهائمة به!
أمامه عصير برتقال طازج وبجواره فنجان قهوة قد انتهى من ارتشافه منذ قليل وهو ينتظرها.
يريد رؤية وجهها الحلو صباحًا قبل أن يبدأ عمله.
يرفع ساعة معصمه كل دقيقة وأخرى، تأخرت وقد مل من الانتظار.
ينتظرها منذ ساعة، وسينتظر أكثر.
هو لايعرف أن كان أحبها ام لا.
هو جرب الحب مرة واحدة منذ زمن وقد فشل!
ولكنه يحب رؤيتها، وسماع صوتها.
لون العشب الصافي بمقلتيها واللمعة الصادقة بهما وقت رؤيته والتي اختفت آخر مرة رآها بحفلتها.
كان لاينوي التلاعب بها.
رغم أنها تلاعبت به واستغلته من أجل تسلية وقتية.
ولكن رفضها له وانكارها، جعل شيطانه يصحو من غفوته.
أخذ رشفة من العصير أمامه وقبل أن يعيده شاهدها تأتي نحوه.
كانت صغيرة وجسدها زاد نحولًا ترتدي سروالًا أبيض شديد الضيق يعلوه كنزة زرقاء صيفية، تعقص شعرها بشدة للخلف وتركت الغُرة على جبينها كعادتها تُخفي نظراتها التائهة.
التمعت عيناه بلمعة خاطفة، ويبدو أنه اشتاق لاعتياد مرآها، تجهم ملامحها الحالي يجذبه أكثر.
يعلم جيدًا بأنه السبب بتبدل ملامحها.
اقتربت من طاولته وضعت حقيبتها الانثوية الصغيرة أمامها.
دون كلام تسحب كرسي كان ملتصق بكرسيه بعيدًا عنه حتى صارت بمقابله.
رفع حاجبه من حركتها البلهاء تلك.
لو أراد شئ سيأخذه حتى وإن أشادت بينهما ألف حائط.
- اتأخرتي!
ألقاها بتهكم، استقبلته هي بازدياد تجهم قسماتها.
ورفض نبرتها.
- مكنتش هاجي أصلاً.
ارتفعا حاجبيه يدّعي الذهول.
يثني شفتيه بسخرية لاذعة.
- أووه إنتِ واخدة حبوب شجاعة قبل ماتيجي بقى!
تسارعت انفاسها قليلاً.
هتفت به ونظرتها كانت مرتعشة كنبرتها.
- انت مش هتهددني بزياد.. أنا ممكن أقوله علفكرة.
اعتدل بكرسيه وهو يميل على الطاولة.
يقول ببساطة.
- طب ماتقوليله.
الخوف المتراقص بعينيها وُخز قلبه بضيق لايعلم سببه.
أو يعلم لايهم!
يتذكر جيدًا زياد وهو يحكي ويتحاكي بشقيقته الرقيقة البريئة بالتأكيد ستكون صدمة حين يعلم بأخلاقه ويرى صورهما معًا.
هو لن يُري الصور لزياد بالطبع ولن يخبره حتى.
هو يهددها فقط.
ازداد شحوب وجهها ووهج قوتها يتراجع من جديد، فقالت تحاول أن تُنهي حوارهما بأقل الخسائر.
- طب مانفضها سيرة... وننسى أن أنا وانت شوفنا بعض أحسن.
- أنا مستحيل انساكي.
قالها بصدق مسرعًا.
ولكنه اكمل باستهزاء محافظًا على ماء وجهه.
- معقول هنسى البنت الوحيدة اللي اشتغلتني!
قالت.
- دلوقتي ورقي كله بقى مكشوف أودامك.
هتكمل بعدماعرفت أني أخت زياد!
التمعت عيناه ببريق عابث.
يغمغم بحرارة أنفاسه يشدد بتأكيد.
- هكمل... أنا عايزك بأي شكل سواء كنتي أمنية أو يارا... هكمل.
وبأقل من ثانية كان يقترب بكرسيه منها، يلمس الجزء الظاهر من بشرة ذراعها بإشارة واضحة منه على تأكيد كلامه، فشهقت بعنف وهي تبتعد.
تصيح بخفوت متوتر.
- ابعد ايدك.
- ولو مبعدتش.
يهدد بعيناه.
ويعيد اللمسة وتلك المرة أكثر خشونة وتملك.
فلم تستطع فعل شئ غير أنها جذبت حقيبتها ونهضت بتوتر وارتباك ممتزجان بخوف.
تبتعد من أمامه وتتركه بمفرده.
شقت شفتاه ابتسامة شيطانيةوهو يرى ابتعاده وتعثر خطواتها.
وفسر هروبها بشكل خاطئ كعادته.
".."
تقف هنا من مدة.
مترددة وخائفة.
تتلاعب بالكارت في يدها.
توزع نظراتها بين الكارت واللوحة العريضة المعلقة على المبنى الحديث أمامها.
"Gold's Gym"
وذيلت تحتها بخط رفيع.
"تحت إدارة ك/أحمد عادل".
تحسست ذراعها وقد عاد شعور النفور والخوف إليها.
فحسمت قرارها وتوجهت صوب المبنى.
تصعد درجاته القليلة وتدخله.
تقف بمنتصف الصالة حائرة لا تدري ماذا تفعل.
حتى اقتربت إحدى العاملات بالجيم منها تسألها بتهذيب.
- أي خدمة اقدر اساعدك بيها!
التفتت يارا لها بإبتسامة خفيفة.
تقول بتردد.
- ممكن أعرف كابتن أحمد هنا ولا لأ.
كانت تشد على الكارت بأصابعها تُخفي توترها.
كانت الفتاه أمامها ترمقها باستغراب وضيق من ملابسها الضيقة المُلفتة وحقيبتها الصغيرة أي أنها لم تأت من أجل تدريب أو اشتراك.
- الكابتن مش فاضي دلوقتي.
كادت تشكرها وتغادر.
ولن تعود ثانيةً.
ولكن صوت رجولي خشن النبرة هتف باسمها باندهاش.
- انسة يارا... بتعملي ايه هنا!
واقترب منها يقف أمامها يسد عنها الرؤية بجسده الضخم.
كانت أمامه تبدو كعصفورة وقفت أمام حائط.
غمغمت بارتباك.
- حضرتك نسيت انك قولتلي اني لو محتاجة Self-defense .. اجي هنا.
هتفت الفتاة الوقفة بينهما بضيق بان جليًا بنبرتها.
- بس احنا هنا مبنديش Self-defense!
انتبه أحمد على وجودها.
فقال لها.
- شكراً ياسلمي.. انسة يارا تبعي.. تقدري ترجعي تشوفي شغلك.
أُحرجت.
فاستدارت بـ آلية تُخفي احتقان ملامحها.
- عنئذنك ياكابتن.
وولاها اهتمامه ثانيةً.
يسأل بإبتسامة.
- ها تحبي تيجي أمته عشان نبدأ.
وتذكرت تهديده.
لمسته.
خوفها الزائد.
ليلة أن حاول يغتصبها.
وتحرشه بها.
وزياد.
هتفت دون أن تعي أن الآخر يراقبها.
- حالًا .. عايزة ابدأ دلوقتي.
اتسعت ابتسامته، فظهرت أسنانه المصطفة.
يقول بنبرة مرحة.
- مممممـ اتمنى ميكونش ده حماس البدايات وبعد كدة متجيش.
سألته بلهفة.
- يعني ينفع نبدأ دلوقتي.
أجاب وهو يفسح لها الطريق أمامه يرد بشكل عملي.
- عشان خاطرك ينفع.
".."
تبعته لغرفة واسعة، منفصلة عن الصالة تقريبًا، وكأنها تخصه هو فقط، وترك بابها مفتوحًا.
جزء واسعًا منها مغطى بالمرايا والباقي زجاج لامع.
فارغة من أي شئ عدا جهاز للسير السريع وبالمنتصف كيس ملاكمة أسود كبير الحجم.
جالت بعينيها المكان كله.
ثم استدارت تسأله.
- هندرب هنا.
صحح سؤالها.
يعطيها ظهره منشغلًا بتهيأة الجو.
- قصدك هدربك هناا.
ثم استدار لها يتحدث بعملية وهو يدور حولها.
- الموضوع مش صعب ولا كبير.. ولا محتاج أن جسم اللي أودامك يكون ف مستوى جسمك وطولك.
الدفاع عن نفسك نابع من جوة.
"يُشير بسبابته عليها"
من جواكي إنتِ.. لازم تكوني واثقة في قدرتك انك تقدري تجابهي اللي أودامك.. تتحديه.. وقتها هيعمل ألف حساب قبل مايلمسك.
كان صوته عالي.
ثابت.
كانت تلتفت له برأسها.
نصف كلامه كانت لاتفهم لولا إشارة يديه.
ولكنه جذبها، هيئته كانت كرجلٌ حقيقي ليس ذكر أو شبه رجل.
فاجئها بوقوفه أمامها مرة واحدة يلمس دون ملامسة حقيقية كتفها.
فشهقت تبتعد بكتفها عنه.
- انت بتعمل ايه.
- اللي أودامك مش هيستني سؤالك ده.. أول ماتحسي أن ايده قربت تلمسك.
تمسكيها كده.
وأمسك بكفها الطري بخشونة كفه يلويه بخفة ولكنها أوجعتها.
فهز رأسه بلا معنى واستنكر من "دلع البنات وميوعتهن".
- هعيد الحركة تاني.. ومطلوب منك ترديهالي بنفس الطريقة.
وبالفعل اعادها رغم بطء تحركاتها إلا أنها حاولت.
وأول محاولة كانت فاشلة وبجدارة.
ولم ييأس.
- لو مش هتقدري تلوي ايده.
اريح ايدك واضربيه ف رقبته.
وأشار بمنتصف حلقه على تفاحة آدم خاصته.
تراقب حركاته وانفعالاته بعيني متسعتين بشدة.
فيخطفة البريق المنبهر فيهما فيبتعد ويوليها ظهره مرة أخرى.
اقترب وألقى سؤال مباشر.
- يبقى مين.
تلقت سؤاله كصفعة.
ولا تعلم لما انزعجت أن تكون بها عيب أمامه.
ردت بخفوت بالكاد سمعه وقد فهمت من يقصد.
- صاحب زياد اخويا.
أمسك بكفها يفردها أمامه.
ثم يثنيها.
كررها أكثر من مرة وكل مرة تزيد شدة قبضته.
- ومقولتيش لزياد ليه.
سؤاله أشبه بتقرير، تغضنت قسماتها الناعمة من شدة قبضته، لتزدرد ريقها الجاف،ورفعت رأسها تجيبه.
- محبتش أكبر الموضوع.
تشنجت حركاته.
يشعر بأنها تخفي شئ أو ربما يتوهم.
استغل ارتباكها وسريعًا حاصرها بوقوفه أمامها وذراعيه مقتربان من أعلى ذراعيها.
تخشب جسدها وساقيها لم تقوى على الحركة.
- في إيه.
قالتها بصوت مرتجف واعين متسعة.
خطواته وحركاته غريبتان عليها.
عطره الخفيف يسيطر على حواسها.
ينتزع خلايا دماغها انتزاعاً من تأثيره بعطر آخر ثقيل كانت أدمنته.
ورغم عدم انحراف نظراته إلا أن بها لمحة إعجاب لاتخفي على فتاه مثلها.
- عنيكي بتتهز.
يتجاهل سؤالها.
ويكمل بحرفية.
- لما تكوني بنفس الوضع ده.. لازم تعرفي نقاط ضعف اللي أودامك عشان تدافعي عن نفسك.
أسهل طريقة ليكي.. انك تضربيه براسك ف مناخيره أو دقنه.
وفك محاصرتها يبتعد.
أطلقت تنهيدة طويلة مرتاحة.
ببالها أن خرجت من هنا ستركض ولن تعود.
ولكنها تذكرت شيئًا فضحكت بخفوت بعد أن التقطت أنفاسها، واستغرب هو.
عقد حاجبيه وسأل بتعجب.
- بتضحكي ع إيه.
ارتفعت ضحكتها تُخفي ثغرها بباطن كفها.
وعيناها تمنحانه سحر جميل يسحبه للأعماق بكل رضاه.
وقد أجل العواطف والمشاعر لبعد الميدالية الذهبية والبرونزية والمزيد من البطولات.
- أصل إنت بتضرب براسك.
عض على شفته يخفى احراجه ومنحنى أفكاره.
ضحك هو الآخر ضحكة صافية.
- أسهل وأسرع.
ثم استطرد وقد عاد للهجته العملية.
- كفاية عليكي كدة انهاردة.
اتجهت للمرآه تعدل من هيئتها وغرتها وكأنه هواء ولا وجود له.
وعلى الرغم من ضآلة جسدها إلا أنها جذبته كأنثى.
زاغت نظراته بالمكان كله، يحاول تجاهل اعجابه بها ومراقبتها هكذا.
وقرر بأن المرة القادمة لها ستكون مع مدربة أنثى مثلها.
فتلك المهمة شاقة على رجل مثله معها.
".."
"بـ شرفة قاسم"
كان قاسم يجلس على حافة السور.
يستند بظهره إلى الجدار وراؤه،وقد جفاه النوم تلك الليلة رغم اهاق بدنه وعقله، إلا أن تلك الفترة أصابه الأرق على مايبدو.
عقله شارد في البعيد، أو ربما في القريب بالغرفة المجاورة.
يمسك بورقة بيضاء وقلمًا من الرصاص يرسم به عليها.
موهبةكانت لديه منذ صغره ونماها جده مع الوقت ولذلك أحب الأخشاب والنجارة والنحت عليهما.
في البداية كانت نيته منظر طبيعي لـ الليل، سماء بدكنة الدُجى ونجوم متلألأة تُزينها، والجو المحيط به.
رسمة ببساطة تعبر عن السكون المحيط به.
ولكن انامله توقفت عن الرسم وهو يستمع لباب الشرفة المجاورة يُفتح بهدوء.
من وقت ان عادت لم يراها غير مرتان وبكل مرة كان يترك الجلسة ويرحل.
رغم رفض قلبه.
بالتأكيد بتجاهله هذا سينساها مع الوقت.
ولكن كيف وهي أمامه!
تقف مستندة على السور بمنامتها الصيفية الخفيفة.
تستنشق هواء الليل النقي بإبتسامة.
وكأنها تقصده هو بابتسامتها، أو لا تقصده، عمومًا لن يعيد بناء بيوتًا من أوهام برأسه.
لم ينطق، يستكمل مع يفعله دون تركيز.
- مش جايلك نوم زيي.
تسأله بخفوت ناعم وقد اقتربت من حافة السور خاصته.
يشعر بنظراتها المخترفة.
آه من الاشتياق وكرامته البائسة.
رد كاذبًا دون أن ينظر إليها.
- نمت العصر.. فمش عارف انام دلوقتي.
رده احبطها لا تعلم لم!
ارتفعت بطولها قليلاً تحاول أن ترى مايفعله.
- بترسم... وريني كدة.
سابقًا كان يُريها معظم رسوماته عدا رسمها لوجهها طبعًا.
كانت صغيرة تركض وراؤه في كل زاوية من زوايا منزلهم.
تُلح عليه أن تشاهد رسوماته.
وكبرت قليلا وقل الحاحها، إلا أن بلغت الثامنة عشر وتوقفت عن الطلب حتى.
ولكنه كان يُريها دون أن تطلب.
زفر بضيق، ليرفض بهدوء.
- مش برسم.. دي مجرد شخبطة.
ابتلعت ريقها برعشة وهي تشعر بنبذه لها.
همست بصوت خفيض ولكنه التقطه.
- انت لسة زعلان مني.
التفت لها وزاد تجهمًا، منحها نظرة خاصة تحمل بين طياتها لوم وغضب.
نظر إلى عمق عينيها اللامعتين قبل أن يجيب بحدة أثارت حزنها.
- وهزعل منك ليه يابنت عمي.!! ، هو إنتِ عملتي حاجة تزعل.
استقامت بوقفتها تزم شفتيها وقد لمعت حدقتاها ببريق دمع.
طأطأت برأسها تبتعد عنه بعد أن وصلتها رسالته.
- انا هدخل.. تصبح ع خير.
تنفس بقوة وهو يسمع باب شُرفتها تغلقه بهدوء كما فتحته،بالله كيف سيستطيع النسيان!
تنهد مطولاً قبل أن يسحب نفسًا عميقاً لصدره أخرجه على دفعات متتالية.
يعود بانظاره للورقة أمامه.
تتسع عيناه بمفاجأة وتبدلت رسمته لتصبح عبارة عن وجهها وخصلاتها القصيرة.
وكأن أصابعه تتحداه كـ كل شئ حوله.
"بعد عدة أيام"
كانت نورهان تقف أمام المكتبة بالخارج.
تتطلع إليها بانبهار وفرحة.
وقد تبدل حالها ومنظرها بعد أن قامت بطلائها هي ومجد شقيقها ليلًا،الجدار بلون النسكافيه والأرفف بتدرجات اللون البني.
هيئة وقورة تُليق بمكتبة حُلمت بها سابقًا.
تحمد الله بداخلها فالعمل أصبح رائعًا ومريحًا.
وبالطبع مُربحًا وخاصةً بعد أن افتتح سنتر للدروس قريب من المكتبة.
نظراتها السعيدة المنبهرة بمكتبتها.
جعل الجار يهنئها بمباركة.
- مبروك يانور يابنتي... بقيتي بسبس وومان كبيرة.
ضحكت باتساع.
ملامحها اليوم مُشرقة، تهز رأسها وهي تحدثه.
- مسمعش أكرم وانت بتقول بسبس دي.. اسمها بيزنز وومان ياعم حسين.
تهكم من التصحيح.
- طب وانا قولت ايه يعني!
ثم تابع بملامح ممتعضة.
- ثم إن جوزك ده مبيعجبنيش متكبر كدة وشايف نفسه..وكأن نوعيته انقرضت.
ضحكت ضحكة حلوة وعيناها تشرد رغماً عنها بأول ليلة معهما سويًا بمنزله.
وقت أن دخلته عروس.
كان وسيم ببذلة سوداء وقميص زهري دون ربطة عنق، وسمامة ملامحه خبأت وقللت من تجهم ملامحه وعقدة حاجبيه الدائمين.
هتف بها بنبرة خشنة.
يشير بكفه.
- اتفضلي.
أجفلت من خشونة نبرته وقد هدم سقف توقعاتها فوق رأسها.
كانت ترتدي ثوبًا أبيض ضيق من الأعلى ينزل باتساع ذو اكمامَا واسعة منحتها زيادة خادعة ، ناعم على جسدها يُعطيها أنوثة كانت على أعتابها باستحياء.
دلفت بهدوء ونطراتٍ خجلة.
تحني رأسها، ثم توقفت.
وكان هو مازال يقف على الباب وراؤها.
أغلق الباب بشدة، يزفر بصوت مرتفع.
- متتوقعيش مني اني اشيلك والجو ده.
عضت على شفتها، وارتسم الحزن على ملامحها.
همست بخفوت.
- لا مش متوقعة.
صوت جارها جذبها من الذكرى البائسة، لتتبدل ضحكتها لوجوم وصمت.
تمتمت بشرود.
- هو فعلًا متكبر.. بس قلبه طيب.
وكانت تقصد معاملته لأهلها.
وبعض زلاتٍ له كان هو يعتبرها أخطاء وتعتبرها هي تسامح منه وكرم من أجل استمرار الحياة بينهما.
تذكر أنها فعلت المستحيل له.
كي تنال رضاه وإعجابه.
فرجل كـ أكرم برجولته العاصفة ومستواه العالي بالنسبة لها يستحق أن تفعل أي شئ من أجل أن تكون معه.
دخلت المكتبة تقف أمام مكتب خشبي صغير مازالت رائحة طلاوؤه موجودة.
والعم حسين أعطاها ظهره يُرتب بعض الكراريس والأوراق على الأرفف.
فتحت الجارور الصغير بالمكتب تأخذ منه علبة مخملية رفيعة بلون كحلي.
وفتحتها.
لتخرج منها قلم لو بريق ذهبي تتأمله بإبتسامة زادت من وهج عينيها.
التفت العم لها يشاهد وقفتها الصامتة.
وامساكها بالقلم.
ليهتف بمكر لا يناسب سنه.
- مممممـ هدية صلح.
همست بصوت ناعم ومازالت تتأمل القلم بأصابع رقيقة.
- هدية معروف.
انتفضت بوقفتها على صياح شقيقها يركض نحوها يقول بانفاسٍ لاهثة.
- ابن خالك علي مات.
غامت عيناها وقد شُحبت ملامحها وكأن الدم سُحب من وجهها، ارتجف يداها فنظرت أرضًا للقلم تحت قدميها ولا تدري متى أو كيف سقط منها.
".."
خرجت نيرة من المصعد يتبعها زياد وهو يحاوط خصرها بذراعه.
كانا معًا بزيارتها الشهرية للطبيبة تطمئن على حملها.
تتراقص البهجة والسعادة على وجهه وقت أن علم بأنها تحمل بأحشائها صبي.
صبي منه هو، الفكرة بحد ذاتها تعزز شعور الأبوة لديه بعد تأجيل ونكران.
كانت تسير أمامه بملامح عابسة وحاجبان معقودان برقة.
كانت تريد فتاة من أجل اغاظته.
عند خروجهم من المبنى.
سبقها بخطوات بسيطة يفتح لها باب سيارته، لتتجاوزه هي وتنحني قليلًا لتركب بسيارته بإصرار منه.
يستدير سريعا بعدما أغلق بابها يدلف للداخل بدوره عائدًا بها لبيت جدها.
كان يقود سيارته بهدوء.
هو يعز سيارته جدًا أكثر من أي شئ.
لطالما حلم باشترائها، ووقت أن اشتراها العام الماضي كانت سعادته تكاد تبلغ العنان وكأنه بابتياعها نال أقصى أحلامه.
هتف بحبور يوزع نظراته على الطريق وعليها.
- الحمدلله.
قلبت ملامحها.
تحدجه بغيظ.
- الحمدلله أنه ولد.
أوضح باهتمام صادق.
- الحمدلله انك كويسة.. والبيبي كمان.
سحب نفسًا عميقًا وهو يرمقها بطرف عينيه.
تسترخي بالكرسي ولازالت على عبوسها الخفيف.
فستانها الأزرق الرقيق المنكمشة به رغم استراحتها بجواره.
هتف متنهدَا.
- أظن كفاية عليا كدة.. وترجعي بيتك بقى.
نال منها نظرة حزينة حين التفتت اليه.
رغم صدق نيته ونبرته إلا أنها تشكك به.
- مبقاش بيتي يازياد... ده بيتك انت.
بساطتها بالرفض أزعجته، لهث بعنف وهو يتمتم.
- إنتِ ليه يانيرة مكبرة الموضوع.
نظرت له بحدة وحاجب مرفوع.
فتدارك كلامه سريعًا.
- ماشي تمام الموضوع كبير.. بس والله توبت وندمت جدًا والله حتى اسألي جدي.
أغمضت عيناها لحظة قبل أن تردف بمرارة أستحكمت بحلقها.
- هتندم لنفسك وهتوب لنفسك.. أنا بقى هتعرف تنسيني اللي شوفته، بلاش تنسيني.. هتقلل شوية من وجعي ساعتها.
ابتلعت غصة حلقها تقاوم دموع تجمعت بمقلتيها وقد تسقط بأي لحظة.
- الجرح اللي لسه متقفلش انت هتعرف تعالجه.
واخفت وجهها عنه.
ترمق الطريق السريع أمامها دون اهتمام،وهيئته بذلك اليوم تخترق ذكراها كل ليلة بشهبٍ من نار.
تُعيد خيانته، استرخاؤه.
اغواء أخرى.
وقبلة آثارها طبعت على قلبها كـ صفعة قبل أن تطبع على خده.
هي محقة.
لها كل الحق، يعلم جيدًا جُرم مافعله بأنثي هشة ورقيقة مثلها.
تنهد بحرارة.
يقول بثبات صادق.
- اديني فرصة.. إنتِ مش مدياني فرصة اتكلم حتى.
كل محاولاتي معاكي بتقابليها بالرفض والتريقة.
أنا من حقي فرصة تانية.
وصمتها جعله يتابع بإلحاح يتوسل.
- والنبي يانون والنبي عشان خاطري.. عشان خاطر ابننا.
ابتلعت غصة دموعها بصعوبة، تأخذ نفسًا قبل أن تستدير توليه وجهها ونظرتها اللامعة.
- لو طلبت أي حاجة هتنفذها.
رد سريعًا غير مصدقًا بأنها توارب بابها.
- ع رقبتي.
أعادت كلامها بتحدي وبطء.
ونظرة خبيثة.
- أي حاجة.. أي حاجة.
التواء ثغرها المُريب ونظراتها الماكرة أثارت ريبته.
هتف بتردد.
- أي حاجة... ع حسب بردو يعني.
عدّت بداخلها "واحد إثنان ثلاث" قبل أن تلقي قنبلتها بوجهه.
- هاخد عربيتك أسبوع.
وخلال الأسبوع ده هتروح تشتغل عند قاسم.
التفت يسألها بوجه مشدود ونظرات خطرة.
- عيدي تاني كدة اللي قولتيه.
كتمت ضحكة بداخلها تهمس بخفوت.
- هاخد عربيتك.
وقاطعها صارخاً يشوح بذراعيه.
- دي بتعيدها تاني... ده انتِ اتجننتي.. تاخدي عربية مين!
ومين ده اللي يشتغل عند قاسم.
أنا زياد الدالي.
قاطعت صراخه تنهره.
- زياد.
وقف بسيارته أمام بيت جدها.
يفتح الباب المجاور لها بعنف.
- ششششش انزلي.
انزلي أحسنلك.
وزعت نظراتها بينه وبين الباب وذراعه الممدود لها بإشارة بالخروج.
تهتف بتوعد رغم ضحكتها بالداخل.
- هتندم علفكرة.
انفجر بها.
- هندم... دانا ندمان اني عرفتكو ياكلاب.
قال اشتغل عندكم قال.
يعلو صوته الساخط بغيظ بعدما صفعت الباب خلفها بقوة.
- عنك ماسمحتيني.
- قال تاخد عربيتي الغالية قال.
أخرج رأسه من شباك سيارته يهدر بها.
- وسعى يابت بدل مااشوطك بالعربية.
- قال اشتغل عند قاسم قال... ده ع جثتي.
سمعااااااني على جثتي.
"اليوم التالي"
"الساعة العاشرة صباحًا"
يترجل من سيارة أجرة متأففًا.
يرتدي ثياب عملية لا تُليق به قميص رمادي يثني عن اكمامه لكوعه وسروال من الجينز الباهت.
يقف أمام دكان كبير تعلوه لوحة خشبية كبيرة مكتوب عليها بألوان زرقاء،"ورشة القاسم لتجارة الأخشاب وبيع الأثاث".
وحين انحني بنظره للباب الواسع.
وجد قاسم يقف أمامه فاردًا ذراعيهيرمقه بنظرات غريبة وكأنه كان متأكدًا من مجيئه.
- يامرحب بالغالي.
رواية بيت القاسم الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم ريهام محمود
الذكرى فوهة تبتلعك بداخلها حد الألم، وذكراها كانت سوداء اللون.
بمرارة العلقم، ورائحة وجع الرفض وانتهاك الجسد.
وهي تركت نفسها لألم الذكرى تبتلعها فتشعر بالاختناق.
شعور مؤذي أن تكون مُدان وأنت ضحية.
يرتجف جسدها بشدة وخبر وفاة ابن خالها يعيد لها ماعانته بذاك اليوم.
وما تبعه.
وفاة والدها من شدة قهره وانعدام حيلته، ومرض والدتها والذي إزداد بقهر ما رأته.
غامت عيناها بسيل الذكريات.
وجود أكرم ومعرفته، معاملته الجافة، واهاناته المبطنة، جلده المستمر لها بسوط كلماته.
نظرات الندم التي كانت تلاحقه كلما اقترب منها.
ذكرى اول مرة لهما بذات الفراش ولم يستطع مقاومة أن تكون أنثى بحيزه ويتجاهل شعوره كـ رجل.
قبلاته واحتضانه.
همساته.
حتى اتساع حدقتيه وقتهاتتذكره.
"أكان ينتظر دماء شرف"!!
وكأنه للحظة قد نسا.
ومن وقتها يعاملها كزوجة فقط لرغبته ومن ثم يعود لسوء طبعه.
يأخذ مايريد ويتبعها بمنّ وأذي.
وندم يتفاقم بعينيه.
والتهمة أنها وبسببها حُرم من حبيبته.
وما ذنبه بأن يحمل حمولة غيره.
كما كان يخبرها كلما اختنقت واشتكت.
تتساقط دموعها على وجنتيها كأنهار تحرقها بحرقة ذلك اليوم والذي بسببه لم تعد هي.
تجلس على فراشها تثني ساقيها أسفلها.
لا تعلم مايجب عليها فعله كي تتجاوز ألمها.
لو كانت أمها موجودة لأخبرتها.
طمأنتها بضمة من صدرها الطيب.
ولكنها وحيدة.
دون شعور أمسكت بهاتفها القديم تضغط على ازراره بتيهٍ وقسوة.
ثم ترفعه على أذنها بشرود مقلتيها.
وأتى الرنين فانتبهت لما تفعله.
وقبل أن تنهي الاتصال نادمة انها اتخذت تلك الخطوة بغباء ودون وعي كان صوته القلِق يجيب.
- ألو...
كان نائم.
وانتفض على رنين هاتفه مذعورًا.
لم يمهل نفسه فرصة الاستفاقة وهو يرى رقمها.
لم تجب كان الصمت حليفها.
وشعر هو فسأل بقلق صادق النبرة.
- نورهان.... في إيه انتِ كويسة..!
- لأ..
قالتها بنبرة متحشرجة من أثر البكاء.
ثم عادت للصمت ثانيةً.
وتركته يغلي من قلقه الزائد.
- في إيه؟!
لم تترفق به.
تريد أن يشعر بالنيران التي تتأجج بداخلها.
عادت صورة ابن خالها لعقلها وخالها وبعض الجيران يحملون جثته المليئة بدماءه بعد أن صدمته إحدى الشاحنات على الطريق السريع.
- ابن خالي مات....
واحتبست الكلمات بحلقها.
يزداد نحيبها.
وتركت له حيرته.
يعقد حاجبيه بحيرة يحاول تذكر من ابن خالها هذا.
سرعان ماتذكره لتتجهم قسماته.
أنفاسه تتسارع بهياج قبل أن يهتف بحدة.
- في داهية...
نحيبها الرقيق يثير حفيظته.
وصمتها المغيظ.
ولا يجد تفسير.
يسألها ونبرته تشتعل بها الغضب ولا يبذل مجهود ليخفيه.
- بتعيطي ليه..!
تجيبه بصوت مكتوم بسبب اختناق أصابها.
- كان نفسي اخد حقي منه.... أنا اتظلمت وهعيش بظلمي وهو مات وارتاح...
أطلق تنهيدة طويلة.
اخرج بها غضبه وثورته.
يود تحطيم اي شئ بتلك اللحظة.
تكلم بهدوء اللحظة.
- إنتِ اتظلمتي وخدتي حقك.... وهو بين ايدين ربنا بيتسأل ع اللي عمله...
ثم يتابع بثبات النبرة.
- المفروض بموته تكوني مرتاحة وتعرفي إن آخرة الظلم هلاك...
أغمضت عينيها بشدة.
وداهمتها ذكرى معاشرتها له.
تصرخ به بضيق ونبرة مرتجفة.
- انت كمان ظلمتني.. كنت بتعاملني وحش..
هو لن يضع نفسه بخانة الدفاع.
كان حقير معها ويعترف بداخله.
رد بضعف وانهزام.
- كان غصب عني... كنت غبي..
يعترف ولن يخجل.
يرمي الكرة بملعبها علها بيومٍ ما تسامحه.
تعطيه فرصة يرى أنه يستحقها.
وبالفعل يستحقها.
ثم استكمل باستطراده يشير بعينيه على الفراش الواسع.
جهة نومها الباردة منذ أن تركته وغادرت وكأنها تراه.
- واديني بتعاقب أنا كمان..
يبتسم بسخرية مريرة.
ويبدو أن كلامه هدأ من حالتها فلم يسمع صوت بكائها ولا حشرجة صوتها.
يتبادلان الصمت.
عدا عن نبضة قلب حائرة تصيبه وتصيبها بالمقابل.
احس بتشتتها.
ضياع نبرتها.
فقرر قطع الصمت بينهما.
يغمغم بصوت ثابت رغم اهتزاز قلبه ودواخله.
- عيزاني........ أجيلك..؟!
ينتظر ردها.
يعتدل بجلسته بتحفز.
لو طلبت مجيئه فورًا سيكون أمام بابها.
يفسر سكوتها كتفكير بعرضه.
ولكنها لا تعرف بما تجيب.
ترعبها فكرة ان تتعلق به مرة أخرى وتعود خائبة الرجاء.
أن تتعشم بكرمه الزاخر ووقت أن يزهدها يحرقها بمعايرته.
كفى.
ستفيق.
هي قررت الافاقة والعودة لذاتها القديمة.
- لأ.. أنا هنام.. تصبح على خير.....
لم تغلق وهو أيضًا.
مر وقت عليهما لم تحسبه.
نداها بدفئ نبرته.
- نور...
يأسرها نطقه لاسمها بتلك الطريقة.
- نور- لفظ تحببي.
على يقين بأنه طالما نطق باسمها هكذا، سيقول مايعجبها من حديث.
ترد بعذوبة متنهدة.
بقلبٍ سيرتوي بعد صيام دهر.
- نعم..
همهمتها الناعمة والوقت المتأخر يثير شعور داخلي بأنه يريد عناقها بتلك اللحظة.
يهمس بخفوت صادق.
ينقر بكلماته على مسامعها.
- أنا فخور انك أم ملك... ولو رجع بيا الزمن بين إني أختارك أو أختار جيلان........ كنت هختارك إنتِ.... تصبحي على خير....................................
"آخرة العبث... مرمطة"
ولفظ " مرمطة" لما يعانيه منذ الأمس بسيط.
"آخرة الفاسد.. قندلة"
"نهاية الشمال.. إذلال"
يقف بجوار ماكينة قطع الأخشاب يتغنى بـ "ظلموه".
ويتبع " بهدلوه".
ويسترسل ببداية بكاء مصطنع " مرمطوه".
يقطع الأخشاب بحذرٍ بالغ.
يعاني.
جبينه يتصبب عرقًا.
ولكنه يقاوم.
بالأمس أعطاه قاسم مكنسة خشبيه وجاروف كبير وأمره بكنس الدكان و "ترويقه".
حينها صرخ به.
- أنا زياد الدالي عايزني اكنسلك الدكان.... انت اتجننت!!
فيهز قاسم رأسه بلا مبالاة.
يمسك بهاتفه وعدة ضغطات وهو يحدثه ببرود.
- براحتك.... عمومًا نيرة هتفرح أوي برفضك ده...
ليختطف هاتف قاسم من يده.
ويغلق الاتصال.
يرجوه.
- أي حاجة ياقاسم الا أني اكنس واعمل الكلام ده..!
فيصحح قاسم برفعة حاجب مستفزة.
- اسمي الريس قاسم... طول ما أنت هنا.. تقولي ياريس.. مفهوم..!
تمتعض ملامحه.
يمسح على وجهه بـ غل وضيق.
وقد ندم أشد الندم أنهاستمع لعقابها وجاء هنا.
- مفهوم...
- خلاص هعفيك من الكنيس... روح أملي كام جردل مية وادلقهم اودام الدكان يللا...
يحدثه بسماجة.
كان الله بعون من ستتزوجه.
يستشيط غضبًا يهدر به.
- إنت اتجننت والله العظيم.. انا مستحيل أعمل اللي بتقول عليه ده.!
ليسحب قاسم هاتفه مرة أخرى.
ينوي الاتصال.
- أحسن بردو... أما أعرف نيرة بقى....
بعدها.
كان يمسك بدلو ملئ بالمياه يسكبه أمام باب الدكان بعشوائية.
والدلو يتبعه بآخر.
حتى تعب.
جلس يلتقط أنفاسه ليأتي قاسم.
يقف فوق رأسه يطلب.
أو يأمر بالمعنى الأصح.
قوم حمّل الخشب ده كله ع العربية مع الصبيان.....
واليوم ظهره يتعبه.
جسده يصرخ يريد الراحة.
كان بسابق عهده أقصى مجهود يفعله أن يفتح نافذة غرفته.
مر يومان ولازال الأسبوع بأوله.
"المفترية" ألم تجد عقابًا آخر له.
جاء قاسم بجواره.
يمسك إحدى الأخشاب التي قام بتقطيعها ونشرها.
يوزع نظرات حانقة بينه وبين الخشب بيده.
يهدر به قاسم.
- ولا خشبة واحدة قاطعها صح.. ايش حال لو مكنتش معلملك عليه..عشان متنيلش الدنيا..
يرد عليه بصوت أعلى.
- والله ده اللي عندي... لو مش عاجبك مشيني..
- لا والله عايزني امشيك.. عشان تقول لنيرة إن العيب مني... ده بعينك..
يتوسله بعينيه.
بطريقة مضحكة.
- اعتقني لوجه الله ياقاسم.. وانا والله هظبطك..
يقف قاسم أمامه.
يتفحص هيئته.
واليوم أيضًا أتى بثياب بسيطة عملية.
عقد ذراعيه أسفل صدره العريض.
يتلاعب بحاجبيه.
- وهو دخول الحمام زي خروجه..
قالها ثم دفعه من كتفه بخشونة.
- يللا روح أعملي كوباية شاي..
يرد زياد ببلاهة.
- مين اللي هيعمل الشاي..
يجيبه قاسم ببساطة.
- هو فيه غيرك هنا.. يللا بسرعة.. وعايزه شاي تقيل..
يشير بسبابته لجانب به رخامة متوسطة يعلوها أشياء لم يتبينها من وقفته واسطوانة غاز صغيرة.
يعود بأنظاره لقاسم.
يسأله بتوجس.
- أنا هعمل الشاي فين..؟
يفهم مقصده.
فيستفزه.
يكتم بداخل صدره ضحكة شامته.
- هناك... ع الامبوبة اللي هناك دي، البراد والكوبايات عندك..
حينها رفع زياد حاجبيه.
يسأله من بين أسنانه.
- قاسم.. انت مسمعتش عن الكاتيل؟!!
.....................
يقف عاصم أمام المدخل بانتظارها ويديه في جيبي سرواله الضيق.
وقد قرر اليوم أن يرتدي بذلة كلاسيكية بلون العسل الغامق وقميص بدرجة أفتح ولم يكلف نفسه عناء غلق أزاراره العلوية.
يعلم أنها ستأتي، لا مجال للهرب.
وقد أرسل لها اسم المكان وحدده جغرافيًا في رسالة نصية مع تهديد مبطن بإن لم تأتِ.
سينزعج وبشدة.
وبالتأكيد هي في غنى عن إزعاجه.
لم ينتظر كثيراً.
كانت أمامه كالبدر وقت تمامه، هكذا يراها.
ملابسها خفيفة سراول من القماش الأسود وكنزة بلون القهوة ذات اكمام واسعة.
ملابسها كانت لاتليق بكلاسيكيته ولا بالمكان.
ولكن العيب منه هو لم يخبرها.
ملامحها مشدودة وحاحبيها معقودان.
صوت زفراتها القوية يصله.
اقتربت منه.
فمد يده يصافحها.
توزع نظراتها الحانقة بين كفه وبين وجهه.
ثوان معدودة ومدت يدها تصافح.
مجرد تلامس للأنامل وكان هو يريد احتضان الكفوف.
سحبت يدها سريعًا.
تضعها بجوارها.
واعتلى ثغره ابتسامة بلا معنى.
همس وهويشير إليها بأن تتقدمه.
- اتفضلي..
بتردد كبير تقدمت خطوة تبعتها بخطوة أخرى.
وكان هو خلفها ورائحة عطره المخصص له تسبقه.
رائحته أصبحت ثقيلة جدًا كرؤيته.
تزكم أنفها.
وتعطل باقي حواسها عن العمل.
تكتم غضب بداخلها منه ومن تصرفاته.
رسائله العديدة.
إلحاحه بمقابلتها.
وكأن رفضها لا يعني شيئًا.
انتهى المدخل وكانت تتوسط بوقفتها الذاهلة منتصف المكان.
مكان مفتوح آخره البحر.
تراه بوضوح.
أضواء المكان خافتة تبرز حُمرة السماء وقت الغروب وتواري الشمس خلف غيوم المساء.
طاولة مستديرة مزينه بورود حمراء متناثرة.
وشموع صفراء باهتة لها رائحة عطرية خفيفة.
وبالخلفية أغنية أجنبية هادئة.
هدأت ملامحها بفضل سماعها.
يفاجأها.
هو رجل المفاجأت بلا منازع.
جذبها من تأملها وشرودها وهو يسحب كرسي لها.
جلست على مضض.
واستدار يجلس على الكرسي المقابل.
ابتسامته كانت واسعة حقيقيه.
لا يدّعي السعادة بتلك اللحظة.
هي لحظة انتظرها.
ونالها.
ولن يفرط بها.
يفتح زر بذلته.
يرتاح بجلسته.
ونظرته مثبته عليها.
رغم اعتراض واهن بداخله على ثيابها.
وكان يريد كمال اللحظة بفستان يبرز نعومتها.
ولكن لابأس بالمرة القادمة.
يتنهد قبل أن يتحدث بإبتسامة مشتعلة.
- أول Date لينا .. وإنتِ يارا... وأنا عاصم كالعادة يعني..
رفعت حاجب بالمقابل.
ثقته وملامح وجهه الشامخة تستفزها.
ردت بما ينافي كلامه.
- إنت ليه مش قادر تفهم إني كرهتك!!
زفر بضيق.
اخفاه سريعًا ودفنه.
يسأل وكأنه لم يسمع منها شئ.
- إيه رأيك ف المكان؟!
يشير بكفيه على ماحوله.
خلو المكان وهدوئ.
لا تُجيب.
واكتفت بنظرات جليدية يفهمها ويتجاهلها.
استرسل بحديثه.
- أنا بقول بردو إن المكان أكيد هيعجبك.. ولسه لما تشوفي الاكل اللي مختاره هيعحبك أكتر...
- بكرهك..
نطقتها بـ غل أصاب غروره بمقتل.
لتعتدل بجزعه وقد تجهمت قسماته.
يسأل بغضب.
- بتكرهيني عشان إيه .. المفروض أنا إللي أكرهك مش إنت ِ..
تُسارع بالقول.
- طب ماتكرهني ياريت تكرهني..
يمرر كفه على وجهه مرورًا بلحيته الشقراء الخفيفة.
سحب نفس عميق يحاول الهدوء.
- أنا عاصم نفسه اللي إنتِ حبتيه.. وعملتي إللي عملتيه عشان تكوني معاه.
إيه أتغير دلوقتي؟!
تهكمت.
- إيه اتغير.... لأ مفيش حاجة بسيطة أوي اتغيرت ياعاصم.. انت حاولت تغتصبني..!!
يبرر.
يُفند الأسباب، والوضع خرج عن سيطرته.
- ووقتها كنت مضايق و.....
تقاطعه بحدة.
- وانت كل ماتتضايق بتتهجم ع للي أودامك..
ثم تابعت بسخرية.
- بداية مش مبشرة خالص بالنسبة لأول Date وكدة ياعاصم كالعادة ..!
أسبل أهدابه قبل أن يرفع عيناه يتوسلها بنظراته.
- أنا عايز نبدأ من جديد.. يارا وعاصم....
تعدّل الرد.
- قصدك يارا أخت زياد!! وياتري هتقول لزياد ايه؟
- مش لازم زياد يعرف.. ده سر هيفضل بينا..
- أنا مش موافقة..
يضرب على الطاوله بكفه فأجفلت.
- مش بمزاجك..
استقامت تتحرك.
- أنا عايزة أمشي ..
ألحق بها.
يمسك مرفقها بعنف.
يغمغم بانفعال.
- قولتلك مش بمزاجك..
- لأ همشي..
وبحركة سريعة جذبت يدها من قبضته.
تنسحب من أمامه بخطى أشبه بالهرولة.
تركته بجوار الطاولة يرمقها بغضب وثورة تأججت بداخله.
..........................
يصعد درجات السلم بتعب.
ملامح وجهه متغضنة من ألم بجانبه الأيمن.
يمسك أعلى خاصرته يضغط بشدة عله يخفف الوجع ولو قليلًا.
ببطئ الخطوات يتأني عند كل درجة يصعدها، وكأنه يأبى الوصول.
يصله صوت شجار.
يركز بأذنيه ليتبين أنه صوت أبناؤه.
وصل إليهما وحينها كانت مقدمة قميص مراد - ابنه الأكبر - في قبضة حاتم-الأوسط-.
يزعق به بنبرة طفولية ساخطة دون أن ينتبه لوصول أبيه.
ابيه الذي هدر به بقوة أرعبته فابتعد بعد أن ترك قميص أخيه.
- في إيه.. بتتخانقو مع بعض ليه..!
ليجيبه مراد ببراءة.
- أنا مش بتخانق يابابا.. هو اللي بيخانقني..
التفت بجسده لحاتم يسأله بحدة ونظرات غاضبة.
- بتخانق أخوك ليه..!
صمت الصغير لحظات وهو يبتلع ريقه.
وزحف الخوف لوجهه.
يهمس بتلعثم بسيط.
- عشان بيشيل ملك كتير وعمتو بتزعق..
فيصيح مراد مستنكرًا.
- انت اللي بتتضايق لما بشيلها وبتفضل تزعق..
فصل كمال بينهما.
يفض النزاع.
بحدة نبرته الموجهه لحاتم.
- حاتم إنت مش صغير ع الحركات دي..
- بابا أنا...
كاد حاتم أن يتحدث ليقاطعه كمال بصرامة وملامح حازمة.
- حاتم إنت معاقب.. هات موبايلك..وكمان مفيش فُرجة ع التي في لمدة يومين... هديلك قصة هتقراها وهسألك عنها...
قُطب حاتم بضيق.
- اشمعني أنا إللي دايمًا بتعاقب ومراد لأ..!
هدر كمال يحذره.
- حاتم...
طأطأ رأسه برهة.
ثم عاود رفعها وقد تغيرت نظراته لأخرى راكدة.
واغتصب إبتسامة غريبة على طفل في السابعة من عمره.
يتمتم مطيعًا.
- اللي تشوفه يابابا....
وتركهما مع نظرة تحذير مشددة لكليهما.
يدلف منزل والدته بعد أن رأى الباب مفتوح.
أمه بالمطبخ ونيرة تجلس أمامه على الأريكة وأمامها طبق كبير من حبوب الذرة.
تتناول منه وهي تركز مع الفيلم.
يقترب ويجلس دون أن تلتفت له حتى.
فيلتفت للتلفاز يرى ماتشاهد وقد كان فيلمها الأفضل والمفضل - الشموع السوداء -.
فيهز راسه بيأس منها.
حتى وإن شاهدت ذلك الفيلم للمرة المليون فالمرة المليون وواحد ستتابع بنفس التركيز والانشداه.
آهة حارقة خرجت من بين شفتيه رغمًا عنه.
ليجذب انتباه المنسجمة بجانبه.
تسأله باهتمام وقلق وقد رأت تغضن ملامحه.
- مالك ياكمال.. فيك إيه؟!
ليجيب بنبرة متهدجة وهو يضغط على شفتيه.
- الألم اللي كان بيجي ف جمبي اليمين رجع تاني بس أقوى المرادي.
أمسكت لجهاز التحكم تغلق التلفاز ثم اقتربت منه تتحسس جبهته وخصلاته.
- ممكن تكون لبخت في الأكل؟
- مكلتش حاجة انهاردة أصلا..
وحضرت فاطمة تحمل كوب من الليمون بالنعناع المثلج تناوله لنيرة.
تقول لكمال.
- استنى ياكمال. أما اعملك لمون بالنعناع انت كمان..
- لأ ياماما بلاش ساقع.. كمال جمبه وجعه..
عندها اقتربت فاطمة منه تجلس بالأريكة الملتصقة به.
تخبره بنبرة طبيب.
- عشان بتنام في التكييف وانت لابس خفيف..
يضحك بخفة رغم تعبه.
- خلاص شخّصتي حالتي.. ناقص تديني العلاج..!
ترفع ذقنها وتجيبه بتأكيد.
- علاجك عندي.. هقوم اغليلك شوية لبان دكر ومعاهم....
وقبل أن تستكمل وصفتها الخزعبلية هتفت نيرة باستياء رقيق.
- ماما أرجوكي بلاش وصفاتك اللي مش عارفة بتجيبيها منين دي..
لم يتمالك كمال نفسه ليضحك رغمًا عنه.
يتناقل ببصره بين جلسة أمه المتحفزة لتنتيف شعر نيرة على مقاطعتها والتقليل من دهاء وصفاتها.
ونيرة المسترخية بجلستها ولم تعيرها انتباه.
خفتت ضحكته شيئًا ف شيئًا.
ليخبر نيرة.
- زياد كلمني انهاردة.. بيقول ان قاسم مزهقه وبيضغط عليه..
أخفت وجهها عن أخيها تضحك خِلسةً.
تحاول أن تكتمها فتفشل.
فينهرها.
- حرام عليكي انتِ عارفة ان قاسم بيكره زياد.. ده هيبهدله..
زمت شفتيها تدعي الجدية.
- الله... وانا مالي هو اللي عمل فيها سبع رجالة في بعض يستحمل بقى..
- عمومًا أنا هكلم قاسم يخف عليه شويه.. زين خليه ينام هنا انهاردة..
قالها وهو ينهض من مكانه ينوي الصعود لشقته.
فتبعته شقيقته تسير خلفه.
استوقفته عند الباب.
- مش عايز تحكيلي اللي مضايقك..!؟
يحضتن وجهها الصغير براحتيه، يقول بصدق وابتسامة مجهدة.
- لو حسيت إني عايز أحكي هجيلك.....
وخرج.
تقف على الباب ترمقه بحزن من تبدل حاله.
صعد عدة درجات ثم توقف بالمنتصف يستدير بجزئه العلوي يسألها بشرود نظراته.
- نيرة لو إنتِ واحدة غريبة... وشوفتيني واتعاملتي معايا... ممكن تحبيني!!
سؤاله آثار استغرابها وزاد حزنها من أجله.
ولكنها لم تمهله وقت لتقول باندفاع صادق ونظرات مُحبة.
- هحبك... ده أنا هموووت فيك...
لم يزد اكتفي بإبتسامة وايماءة بسيطة.
يعلم بأن ردها يأتي بـ عين الشقيقة المحبة.
ليس أكثر.
.......................
- خُد..
يزعق بها زياد بنزق بينما يضع كوب الشاي بعنف على الطاولة الخشبية الصغيرة بجوار قاسم.
فيلتقطها الآخر بأطراف أصابعه.
وامتعاض ملامحه.
يرتشف ببطء وتأني.
وحذر.
وزياد يقف فوق رأسه منتظرًا رأيه.
فيومأ قاسم برأسه دليل ان الشاي نال استحسانه.
- ممممممـ مش بطّال... احسن ١٠٠ مرة من بتاع امبارح.
وشاي الأمس كان كارثة بكل المقاييس.
كوب يحتوي ماء ساخن حد الغليان بسكر، وحبوب الشاي قليلة بدرجة اصفرار الكوب الشفاف.
كاد قاسم أن يسكبه فوق رأسه.
ولكنه اكتفى بزعيق وعقاب مكثف كمشاوير للفرع الآخر وحضور بعض طلبات وكل ذلك سيرًا على الأقدام.
يسب نفسه بداخله.
تبًا لطيبة قلبه.
- عملتلك الشاي اهو... وطلع تمام سيبني أروح بقى..
هتف بها بسخط وهو يمسد عنقه المتعب.
يحرك جزعه قليلا يحاول فك فقرات ظهره.
- لسه بدري.. هتروح ازاي وانت منقلتش الخشب زي ماقولتلك..
اتسعت فتحتي أنفه من الغيظ.
يهدر متذمرًا.
- وهو الخشب وهو محطوط هنا مضايقك في ايه؟
يشير بذراعه على صف طويل من الأخشاب المتصافة فوق بعضها ملتصق بالحائط.
فيلوح قاسم بيده.
وكوب الشاي باليد الأخرى.
يقلب ثغره.
- مش مرتاح والخشب محطوط هنا.. شيله دخله المخزن جوة..
ينهي أوامره ويعطيه ظهره.
تملؤه الشماتة.
والنية إغاظة الآخر ووصوله للانتحار.
يقترب زياد من الأخشاب.
يمسك باحداها.
يتلمسها.
يتحسسها وقد اغمض عيناه.
يجز على ضروسه بعصبية.
وقد أتى بخياله هيئته وهو يضرب قاسم بتلك الخشبة على رأسه.
ورؤية دماؤه جلبت السكينة قليلا إليه.
يضع الخشبة مكانها فوق الصف بتساوٍ مع الأخريات.
ثم يقترب من قاسم.
يهتف بانفعال لم يستطع كبته.
- بدل ماتعمل راجل عليا أنا.. روح شوف الهانم أختك...
يعقد قاسم حاجبيه.
يهدر بقوة.
- أنا راجل ع أي حد يالا..
قال زياد متهكمًا بسخرية حانقة.
- لأ واضح... راجل ازاي وأختك سايبها تروح جيم مختلط..!
ضاقت عينا قاسم باستفهام.
يسأل.
- يعني إيه جيم مختلط..؟
وجهل قاسم بتلك الأمور جعل العابث بداخله يستيقظ.
يضرب على الحديد وهو ساخن يعلم بأن قاسم هو من سيمنعها.
- مختلط.. يعني بتتمرن أودام الرجالة.. بتوطي وتقوم وتقف...
إيه أوضحلك أكتر من كدة..؟
يزوي مابين حاجبيه بتجهم الملامح.
وعرق الرجولة لديه قد انتفخ.
- وأنا إزاي معرفش حاجة زي كدة..!
يربت زياد على كتفه بقوة.
يُحرضه.
- اديك عرفت وريني هتعمل إيه..؟
وضع قاسم الكوب بحدة أصدرت صوتًا مزعجًا.
يتحرك للخارج بخطى ثائرة.
هائجة وقد تلبسه قرينه من العصر الجاهلي.
يصعد على دراجته الناريه بعد أن أدارها.
يسأل الآخر المُراقِب.
- انت عارف مكان البتاع ده فين..!
فيومأ برأسه يركب خلفه وتلك المرة الأولى له لركوب دراجة نارية وخلف من.. خلف قاسم.
وعند وصولهم للمكان بعد وقتٍ ليس بقصير.
يترجل قاسم ويتبعه زياد.
يشير له على المكان.
فيأمره قاسم.
- خليك واقف هنا جمب الموتوسيكل..
يطمأنه.
ويهتف بخفوت له يحذره.
- بص لو لقيت نيرة جوة متكلمهااش... سيبني انا هعاقبها بطريقتي..
والماجن تخيل العقاب.
سيسحبها من خصلاتها سحبًا لغرفة نومه ثم إلى فراشه إلى أمد الآمدين.
وسار قاسم بعد أن تركه مسرعًا يدخل النادي.
ينوي افتعال شِجار.
استند زياد على الموتور خلفه.
منتشيَا بمافعل وسيفعل.
يضيق عينيه.
يتذكر شئ قد نساه أو تجاهله.
يضرب بكفه أعلى جبهته شاهقًا.
- نسيت أقوله انه بيضرب بالدماغ...
ضحك بداخله شامتًا يتخيل ضربة الآخر بمنتصف أنف قاسم.
فتبتهج قسماته.
وبداخله قد ضرب عصفوران بحجر واحد.
وطال انتظاره.
من وقت لآخر يرمق الساعة بهاتفه.
تأخر قاسم بالداخل.
تحرك ينوي اللحاق به.
ولكنه توقف حين شاهد قاسم يخرج ويسير نحوه بهدوء عكس مادخل.
هدوء آثار ريبته.
وضيقه.
يهتف بقاسم تزامنًا مع اقترابه بنفاذ صبر.
- ها عملت إيه..
يقابله قاسم بوجهٍ ضاحك ونبرة هادئة.
- تخيل الكابتن جوة بيقولي أن جسمي كويس جدا.. مع التمارين والممارسة هبقي رياضي أكتر...
وامتعاض ملامح زياد واتساع حدقتاه ولسانه الذي تحرك دون إذن منه.
- يافرحة أمك بيك..
هتف قاسم يوضح له.
- علفكرة بقى.. مش زي ما انت قولتلي.. البنات بتدرب بمكان والرجالة في مكان... اهدي شوية يابوتوجاز....
يركب والآخر يركب خلفه على مضض.
يتلبسه الغيظ والغضب.
وللتو تذكر قاسم شيء فهتف بصوت مستفز.
- آه م الحق يارا بتروح الجيم ده..
عقد زياد حاجبيه، يسأل.
- يارا مين؟
- يارا أختك...
قالها وانفجر ضاحكًا.
يقطع الطريق بدراجته وترك للأخر خلفه ندب حظه.
- أختي ومراتي... ناقص المرة الجاية أخرج أمي من هناك.!!
.......................
قررت الخروج مبكرًا.
استنشاق هواء الصباح النقي سيساعد على تحسين نفسيتها.
ملّت من الاضطهاد وكون أنها باتت منبوذة.
الوحيد الذي يعاملها بالحُسنى هو جدها.
والآخرون يتجاهلو عودتها.
وجودها.
كأنها عدم.
ليتها ماعادت.
معاملة قاسم الجافة لها تجلب الدموع لعينيه.
تسير على غير هدى.
أي طريق والغرض الابتعاد عن البيت.
الابتعاد عن مكان بات يخنقها كالسابق.
ماذا يفعل المرء وقت ان تضيق به الأماكن.
وينبذه الجميع!
تسير بطرق لا تعرفها.
تسلك طريق آخر ظنت أنه مختصرًا للعودة.
ملابسها الرياضية تساعدها على السير بحرية مع خلو الطرقات من المارة.
توزع نظراتها بالشارع أمامها بشرود.
أحست بالتيه فالتفتت يمنةً ويسرةً.
وللخلف.
تصطدم بآخر.
تدقق.
تتسع عيناها.
وتعود خطوتان للوراء.
ولسانها ينطق بصدمة.
- رامي..!
وبوقاحة متأصلة.
عينان تشعان جرأة.
يهمس بفحيح.
- وحشتيني....
رواية بيت القاسم الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم ريهام محمود
- وحشتيني....
همسته كانت ثقيلة أشبه بفحيح شيطان وجد ضالته. أجفلت وقتما رأته أمامها يظهر من اللاشئ. فتراجعت خطوتان للوراء.
صدمتها لم تدم طويلًا، لتهتف بازدراء، تدّعي القوة:
- ليك عين توريني وشك!
تتسع ابتسامة أعلى وجهه. ابتسامة تناسبه كشرير حبكته. تهاجمها نوبة ضيق تغزو قسماته، وذكرى الخديعة مسطرة أعلى جبينه.
تجاهل الضيق البادي على وجهها، ليتشدق بتصحيح مستفز:
- تؤتؤ اسمها وانت كمان وحشتني.
يشدّد على الحروف بوقاحة، بنبرة متحدية. نبرته هزت ثباتها الزائف. تحركت تنوي الابتعاد.
فتابع يحاول جذب انتباهها:
- في كلمتين هنقولهم في العربية.
- مفيش بينا كلام.
تهز رأسها بنفي صريح. ختمته باستدارة سريعة سيتبعها ركض:
- بالعكس ياعسل... داحنا الكلام بينا هيبتدي لسه!
ولم يترك لها الفرصة لتفسير كلامه. كاد لسانها أن ينطق بتساؤل بتره وهو يجذبها من كفها بعنف. يسير بها رغم محاولاتها العتيدة لسحب يدها من قبضته ولكنه كان متحكم بها. تستغيث بنظراتها هنا وهناك ولكن الطريق كان خالٍ تمامًا. وانتهز هو الفرصة. تشبثت بساقيها أرضًا. تحاول الثبات بخطواتها ولكن الغلبة كانت له. وهو يسحبها لسيارته. يحني رأسها كي تركب بالأمام بسيارته ويغلق بابه.
حظات وكان يستقل المقعد المجاور لها. ساكنًا دون قيادة.
أنفاسها كانت ثائرة، وخفقات نابضها تجاوزت المسموح. صاحت بنفاذ صبر:
- اخلص وقول عايز إيه. التمثيلية السخيفة اللي كنت عاملها إنكشفت يا أستاذ.
ضحك باستهزاء:
- آه ما أنا عرفت إن الـ... قلتلك.
ينطق بسبّة بمنتهى البساطة ولم يهتم باتساع حدقتيها حرجًا. وخجلًا. ثم تابع بتهكم، استهجان حاد:
- بس وحياتك عندي يانونو مسكتلهاش. عاقبتها. عاقبتها جامد أوي.
بهتت ملامحها. تسأله بذهول شابه خوف:
- عملت فيها إيه؟
أمسك بعُلبة سجائر كان يضعها على مقدمة سيارته، ليخرج واحدة يشعلها على مهل، ولم يكترث باحتراق الأخرى بجانبه. سحب نفس ثم نفثه أمامه بأريحية. يميل بعينيه نحوها بمكر:
- هقولك.
يخبرها باستمتاع بينما يتأمل ملامح وجهها الشاحبة:
- جواب صغنن أد كده. وشوية صور لينا سوا بعتهم لأخوها الكبير. وهو قام بالواجب.
شرد بذهنه بالفراغ. تتسع ابتسامته تدريجيًا لتتحول لقهقهة وهو يخبرها:
- تقرير المستشفى بيقول إن الكسور اللي في جسمها هتاخد سنين عشان تتعافى منها.
جمدت نظراتها ذاهلة. دون وعي همست:
- إنت مش طبيعي. إنت شيطان.
ضحك بينما يثبت صحة كلامها بغرور:
- yes I'm devil.
وكان محق. حقيقة مؤكدة يقولها بفخر، زهو وريث ابليس. وحالا تفحصته، وهاته اللحظة تغيرت نظرتها. هيأته، ضحكته. البريق المخيف بسواد عينيه يخبرها بحقيقة كونه الجحيم فعلًا وشكلًا. بأي ورطة أوقعت بنفسها، أكان ينقصها مصائب فوق مصائبها.
التقطت أنفاسها تحاول التهدئة. تتشبث بثبات واهي لتردف:
- طب وإنت فاكر إنك هتهددني زيها. ما خلاص أنا اتفضحت في البيت واللي كان كان.
ارتجاف كفيها، واهتزاز حدقتيها بخوف يراه جليًا بهما جعله يفرض سيطرته:
- إنتِ غيرها يانونو. كل بنت وليها نقطة ضعف.
يكمل باستطراد خبيث:
- وكل بنت وليها لوية دراع.
يراها تبتلع ريقها ببطء فيعلم أنه أصاب الهدف. والهدف إثارة خوفها. هو يريدها كغيرها. ورغم محاولات الثبات أمامه الا انها كانت مرتعبة:
- أنا مش هفيدك. أنا مش شبهك ولا شبه هنا.
بتصميم يبصق حقيقة الأمر بوجهها:
- هتبقى شبهها متقلقيش.
يتأنّي. ينفخ المزيد من دخان تبغه بأريحيه. ليتابع:
- أنا وإنتِ هنعمل زي ما بيقولوا كده صفقة متبادلة.
يقترب بجزعه من جلستها، يحاصرها، والخطر واضح بمقلتيه:
- هديكي اللي ناقصك الحب والاهتمام والحنية. ولو عايزة فلوس هديكي!
يثبت نظرته، ونبرته:
- وف المقابل هتديني اللي أنا عايزه.
يرى انقباض ملامحها بصدمة، فيستكمل بوقاحة، يتلاعب بأنامله بالهواء:
- هعلمك إزاي تعدلي مزاجي، وتعمليلي الدماغ اللي عايزها.
وزاد قربه ليزداد ارتعابها. ينفخ بوجهها ماتبقى من دخان. والرؤية صارت ضباب بعينيها. ببطء يميل عليها:
- م الآخر كله بالمزاج. وللمزاج.
وبعد أقل من ساعة كانت بالقرب من بيتها. ترى بوابته الكبيرة فـ أحست بالأمان. تركها بعد أن أفرغ بعقلها كل سمومه. حقيقته المرة، شيطنة أفكاره، وقيمتها بنظره. هي كـ غيرها. تلك المرة كيف ستنجو! من أين ستأتي بالخلاص!
كانت لحظة خطيئة. ذاقت لذة البداية، وأفاقت على صفعة الحقيقة. هي لازالت صغيرة على كل ما يحدث لها. تبكي بداخلها على حالها. هي لا تستحق كل ذلك. تقترب من البوابة الحديدية. فتدفعها بكفها بإحباط. تفتحها على مصرعها دون عناء غلقها. تصعد درجات السلم ببطء وتثاقل. أصابها التيه واليأس. درجة تتبعها درجة أخرى. حتى أتى هو بطوله الفاره.
نزل أمامها دون أن يراها. كان لازال بأعلى السلم. مشغول بثني كُمي قميصه. خصلاته كانت مبتلة وقد استطالت قليلًا لتغطي أعلى جبهته بعشوائية لطيفة. رفع رأسه بغتة فوجدها أمامه. فغض بصره سريعًا. نظرته بل لمحته لم تتجاوز الثانية وهذا ما زاد من احباطها وخيبة أملها.
وحين وصل لدرجتها ألقت التحية بخفوت وصله:
- صباح الخير.
لم يرد التحية. اكتفي بايماءة بسيطة من رأسه. وحركة شفتيه دون صوت كأنه يجيب بداخله. تسارعت خطواته للخروج. كأنه لا يريد أن يجمعهما مكان! يصفق الباب خلفه بعنف أجفلها. ظلت واقفة مكانها متهدلة الأكتاف. ترمق الباب بعين مغيبة وكأنها تراه خلفه. ترى كسر قلبها. ومن قبلها بذات المكان انكسار قلبه. وكأن التاريخ يُعاد من جديد. بأي غباء كانت تنوي الاستنجاد به!
- أنا أستاهل فرصة.
قالها زياد بسخط. يقين بأن الفرص خلقت من أجل استغلالها. هزت نيرة رأسها وهي تنظر إليه. تبسط كفيها أمامه:
- طب ما أنا اديتك يازياد!
وشاب نبرتها أسى، تتسائل:
- هو أنا عملت حاجة في حياتي غير إني بديك فرص؟
تجاهل مُرغمًا ضيقها الواضح. ألمها الذي ظهر بحدقتيها. ف أردف بنبرة مرحة:
- مروان محسن مش أحسن مني في حاجة. جاب شلل لإدارة النادي قبل الجماهير ولسه بردو بياخد فرص.
يشاهد انعقاد حاجبيها بعدم فهم. فيشيح بكفه متابعًا:
- بلاش مروان. كريم بنزيما يا ما ضيع فرص ودلوقتي ماشاء الله عليه. بقى هدااااف.
و"هداف" قالها بفخر. يشير بيده على صدره العريض. عبست بملامحها. تزيح خصلة شاردة خلف اذنها بحدة. واستائت من مزاحه، وتباسطه هكذا وكأنه ينتظر تمجيد!
استقام بوقفته. يبتعد خطوة. ومخطط بذهنه جاء من أجل تنفيذها. اختفت ابتسامته ليحل محلها انفعال خانق:
- عمومًا أنا مش جاي أتلكع عليكي ولا أتذلل خلاص يانيرة. انتي حرة.
ثم اكمل مستطردًا بعد برهة صمت يرى تسائل على وجهها:
- بس أنا بعرفك إني مش هروح تاني لقاسم خلاص. الشو السخيف اللي إنتِ وهو بتعملوه عليا. إنتهى لحد كدة.
كانت تعلم أنه لن يستطيع صبرًا. خاصًة وأن قاسم حاد التعامل معه. فحديثه هذا لم تتفاجأ به. ورغم ذلك ارتدت قناع عابس مصطنع. تحشر يدها بجيب بنطالها الضيق لتخرج منه مفتاح وتعطيه له:
- كنت عارفة إنك مش هتعمل عشان خاطري حاجة بسيطة زي دي. اتفضل مفتاحك.
أمسك بكفها الممدود بكفه برفق. يطبق على مفتاحه ويعيد كفها ثانيًا إليها بالقرب من صدرها. يستفهم بحزن:
- وأنا مليش خاطر عندك وإنتِ بتهنيني بالشكل ده!
العربية بقت ليكي خلاص يانيرة. إنتِ عارفة إني كنت ناوي أجيبلك عربية وليارا كمان لما تنجح.
لمعت عيناها ببريق خاطف. وقد انفرجت شفتاها بغير تصديق. وتوزع نظراتها المنبهرة بالسيارة الحمراء خاصته. أو التي كانت وبينه. ولكنها تذكرت شيئًا. فتماسكت وسألته بشك مضيقة أعينها:
- العربية دي كارت ضغط عليا؟
تنهد بحرارة ليطرق برأسه أرضًا بندم:
- أنا عمري ما هضغط عليكي تاني يانيرة. وبالنسبة للرجوع دي حاجة في إيدك.
رمقها بنظرة جانبية مختلسة يرى تأثرها بكلامه. للتو انطفأت اللمعة بعينيها. وشحبت بشرة وجهها فجأة. يتفحصها بعين رجل خبير دون أن تلاحظ اكتناز ملحوظ بثغرها جعل جمالها مضاعف. وزيادة بنسبة معقولة بخصرها الذي تبدل كليًا بفضل الحمل. ليس اكتناز وإنما هو ما يسمى ب "ورم الحمل". ما عليه من المسميات. سيحافظ هو بشكلٍ جدي على هذا بعد أن أعجبته هيئتها تلك. ولا فائدة منه ولا رجاء. سيظل الماجن ماجن حتى وإن كان بالفردوس. عض على شفته. يُحجم أفكاره العابثة نحوها. عاد لاطراقه مقرًا بالندم والخجل. يغمغم بأسف:
- خلاص أنا معترف بغلطي. الموضوع فعلا مش سهل.
وامتلئت عيناه بدموع الحسرة:
- لا هيرجع ندم أو أسف. ربنا يوفقك في حياتك.
ودعها بعينيه. يعطيها ظهره. يسير للأمام هكذا ببساطة ويتركها. وكانت تتوقع سيل من الاعتذارات ووابل من الوعود. نبرته وحزنه هكذا أزعج قلبها الرقيق. تبعته عدة خطوات ثم توقفت هامسة باسمه بصوت متحشرج:
- زياد.
توقف عن السير. يكتم ضحكة بداخله ود لو أخرجها. استدار ببطء:
- نعم!
سألته بملامح شاحبة:
- مش هتطلع لجدو!
أخرج زفيرًا حادًا قبل أن يغمغم بحزن:
- لأ هتمشي شوية. حاسس إني مخنوق.
والتفت يوليها ظهره. يبتعد شيئًا ف شيئًا عن مجال رؤيتها. وأخيرا حرر ضحكة ماكرة. ينزع عن وجهه قناع الحزن ليعود العابث كما كان. ليثبت نظريًا وعمليًا أن الطبع غلّاب. يهمس بوعيد من بين ضحكاته:
- يا أنا يا انتو يا ولاد الجزمة.
***
يقف أمام باب شقة زياد بتجهم. وقد عرف أنها اليوم ستبيت معه من خلال مراقبته لها. يزفر ضيقه في الهواء وينتشر في الأجواء. يرفع يده ليضغط زر الجرس ولكنه يتراجع. يعلم أن تلك الخطوة سيندم عليها كثيرا فيما بعد. هي السبب. ما سيفعله يرجع لرفضها له. ما كان يجب من البداية أن تتلاعب به. منذ متى والفتاة النائمة فازت على الذئب في روايته!
يقبض على كفه يستجلب الهدوء لاعصابه المشدودة. بيده الأخرى زجاجتان من النبيذ الأحمر له سُكرة الخمر كي تنطلي خدعته على زياد. سحب نفسًا عميقًا لصدره. يتحكم بغضبه فيفشل واصابعه تلك المرة عاندته وضغطت على الجرس. استند على الباب بعبثية مدروسة. ينتظر. حتى فتح زياد الباب وتفاجأ:
- عاصم!
يبتسم عاصم بمكر. يبرر وجوده:
- اتخنقت من القعدة لوحدي قولت نسهر سوا.
ما زال حاجباه مرفوعان يسأل بتوبيخ:
- طب ما اتصلتش ليه؟ أختي هنا.
يجاهد بإخفاء انفعاله. ودقات قلبه صارت كطبل يدوي بصدره. يغمز:
- يعني أرجع؟
- يعني تيجي لعند الباب وتمشي!
ثم افسح له الطريق يشير للدخول:
- اتفضل طبعًا.
ثم ركز بما يحمله يستفسر ويعرف الإجابة:
- إيه اللي في إيدك دول؟
- لزوم السهرة وكده.
يهز رأسه مستنكرًا:
- سيبهم ع الباب. أختي جوا.
يوافق دون مزيد. يضعهم بالجوار وهو يغمغم بشقاوة:
- ومالو نسيبهم ع الباب.
يزيد الآخر من أوامره:
- وأقعد بأدبك.
حينها تتسع ابتسامته بغرابة. يهاوده:
- حاضر هقعد بأدبي.
يتبطأ بخطواته وزياد يسبقه للداخل. على أتم الاستعداد للمواجهة. وحين وصل للصالة بعد نداء زياد له ودعوته للدخول بعد أن أخبرها بالتأكيد. وجدها تقف خلف زياد كالصنم. اصفر وجهها من الخوف وكأن الدم سُحب منها فصارت تشبه الأموات بهيئتها تلك. يتحدى. يرمقها بعبث وخبث. يمشطها بنظراته. ترتدي منامة قطنية بنطال كحلي برسومات نجوم لامعة يعلوه بلوزة صيفية بلون زهري وأكمام بلون ورسوم بنطالها.
- تعالى ياعاصم انت مش غريب.
قالها زياد ليقترب عاصم. يجلس على الأريكة المقابلة لها. ويبدو أن الصدمة ألجمت لسانها. لم تنطق أو تتحرك انش عن وقفتها. لينهرها زياد بخفوت:
- عاصم يايارا. إنتِ عرفاه، متتكسفيش منه.
ثم يتابع ضاحكًا ببساطة يبدد حياء شقيقته قليلًا:
- اعتبريه زي أخوكي الكبير.
أطلقت نفسًا مرتجفًا. تزدرد لعابها بتوتر وبطء شديد تحت وطأة نظراته المراقبة. تحركت تحث قدميها على السير وقد صارتا كـ هُلام. تنوي الاستئذان:
- طيب أنا هسيبكم على راحتكم. وأدخل جوة.
نبرتها المتحشرجة وقسماتها المرتعبة ابهجته. يعلم أن لها وجهان وجه تُخفيه. عابث، شقي، لذيذ كـ حلوى القطن الزهرية وهو ما رآه منها. ووجه آخر للمقربين كشقيقها والعائلة. وجه خجول، جيد. برئ كـ براءة الحَمل. يتشدق بتهكم والآخر لا يفهم. وحدها هي فقط من ستفهم:
- لااا. هو إذا حضرت الشياطين ذهبت الملائكة ولا إيه؟
ليغمغم زياد بحرج. خوفًا من أن يكون عاصم قد أُحرج من استقبالها:
- معلش أصل يارا خجولة شوية. ملهاش في السهر والقعدات المختلطة وكده.
كادت ضحكته الرقيعة أن تنطلق. تحكم بأعجوبة. يسخر بنبرة مبطنة:
- ماشاء الله على الأدب.
- كويس طالما جيت. يبقى نطلب بيتزا. إيه رأيك؟
يتباسط بالجلسة. يأخذ راحته:
- معنديش مشكلة.
ثم يلتفت زياد ليارا يسألها:
- يارا بيتزا معانا ولا إيه؟
لا تقوى على النطق. اومأت فقط. فهتف:
- تمام.
ليمسك بهاتفه. يتصل بإحدى المطاعم للوجبات السريعة. يملّي على العامل طلبه وينتظر رده. غافل عن نظرات الآخر. الجالس بجواره. الخائن بطبعه. خائن مثله! يأكلها بعينيه. ذلك الوميض الخطير بمقلتيه يخبرها بأن حكايتهما لم ولن تنتهي. والسهرة للتو بدأت.
***
بغرفة حنين.
للتو انتهت من صلاة قيام الليل. وقد قطعت عهدًا على نفسها بالتزامها بالصلاة بعد أشهر من التقطع. تجلس ممدة على فراشها. شاردة بالفراغ أمامها. وقد وعدت جدها اليوم بأنها ستبدأ دروس ومذاكرة من أجل النجاح. ستبتعد عن أي عبث قديم يبعدها عن حلمها الحالي وهو النجاح ونظرة الفخر ممن حولها.
أزعجها صوت هاتفها ينبئها عن وصول رسالة عبر تطبيق الواتساب. ففتحت لتفاجأ برسالة من رقم رامي. وقد غفت تمامًا عن رقمه وأنه لازال مسجل بهاتفه. كادت أن تمسح رسالته من الخارج ولكن فضولها غلبها. لتدلف مترددة. تجده بعث فيديو إليها. لا تدري لما انقبض قلبها هكذا. دون شعور فتحت الفيديو. ليصدر أصوات وقحة. ألقت بهاتفها بعيداً لطرف الفراش وكأنه حشرة تُلدغ. تنظر بصدمة واشتعال ملامح. فما كان الفيديو سوى فيديو قذر له هو مع هنا. يخفى وجهه ولكن صوته واضح. اهتز الهاتف بوصول رسالة أخرى. اقتربت كالمغيبة وسيل من دمعٍ شق وجنتيها. تقرأ رسالته الفجة بضبابية إثر الدموع:
- ها إيه رأيك؟
***
بعد أسبوعان.
بمشفى كبير بقلب العاصمة. غرفة خاصة من أجل السيد كمال القاسم. دخلها منذ قليل مع أسرته بعد استئصاله للمرارة بعملية جراحية. وكانت له فترة طويلة يُعاني من ألمها دون أن يعلم أنها أصل الداء. وسريعًا حدد الطبيب موعد لإجراء العملية وأنه لا يحبذ التأخير بحالته. مستلقي على الفراش متأرجح الوعي وقد بدأ مفعول المخدر يتراجع ويظهر ألم الجراحة. متغضن الجبين إثر الوجع. يلتفت لأمه القلقة بجلستها أمامه فيهديها ابتسامة خافتة يطمأنها بها. على فراشه بجوار قدمه تجلس نيرة تتحسس ساقه تمنحه دعم وهمي تبادله الابتسامة من حين لآخر. تغمغم أمه بعدم رضا:
- عشان تبطل تكتم وتشيل في قلبك. الحمدلله إنها جت ع قد كده.
يجيب بخفوت متهدج:
- وده إيه علاقته بس ياماما. هي كانت ملتهبة من زمان.
فتدخل نيرة تلوم بعتاب:
- انت كنت مقصّر بحق نفسك ياكمال. حتى الكشف ما كنتش بترضي تروحه.
يسأل، يتهرب بعينيه:
- قاسم فين؟
تجيب نيرة ولازالت تمسد على ساقيه المفرودة بجوارها:
- نزل الحسابات وبالمرة هيجيب العلاج.
- السلام عليكم.
ألقاها زياد بمرح يدخل للغرفة والتحية موجهة للجميع بما فيهم هي. يتجاوزها عن قصد بعد عبوس ألقاه بوجهها. يربت ع كتف كمال بعد أن مال عليه قليلًا:
- حمدالله ع السلامة يا وحش.
- أهلًا بالصايع.
يغمغم بها كمال رغم تعبه ضاحكًا. يحب رؤية ذلك الفتى للأسف. ليغمز زياد بعبثية:
- صايع بس لسة بمرارتي.
يعض كمال على شفتيه يمنع ضحكة لو صدحت سيتألم:
- متضحكنيش عشان الجرح.
يتهكم:
- جرح إيه ياكمال إنت هتستعبط دي مرارة!
يتابع بشقاوة عفوية لتخفيف الجلسة:
- اللي قدك دلوقتي شايلين ولاد ولادهم.
يقطع حديثه نبرة فاطمة تؤنبه:
- وأنا مفيش سلام ليا!
يلتفت برفعة حاجب. غير متفاجأ ولكن لا يبدو مهتم. يردف بنبرة عادية وهو يصافحها:
- أهلًا يامراة عمي. عاملة إيه؟
تتعجب بداخلها. تمط شفتيها بضيق وهي تسحب يدها:
- مراة عمك! كويسة.
يبتعد ويعود لوقفته بجوار كمال. من أسفل رموشه يرى المحتقنة الجالسة بغيظ أمامه. وقد قرر تجاهلها ومزيد من الصبر. وبكل الحالات هي لن تعود له بتلك الفترة. يرى ضغط شفتيها على بعضهما البعض. وفرك أناملها. يود السلام والاحتضان. ولكن ستقابله بجمود.
ينزعه كمال من مراقبته يأمره بلطف:
- اقعد.
ليرفع ساعة معصمه. يجيب:
- لأ أنا مستعجل. ورايا شغل فوق دماغي قد كده.
يستكمل بعد أن رمى نظرة للاخرى. نظرة بسيطة ولكن بين طياتها اشتياق:
- هعدي عليك بالليل.
وغادر بهدوء بعد سلام بارد منه. هو لا يدّعي بالفعل اشتياق. ولكن جزء من كبريائه يطلب منه الحفاظ على ما تبقى منه فاستسلم وسلم. يعلم أن قلبها رقيق لن تتحمل جفائه وستعود. بالتأكيد ستعود.
بعد مغادرته كانت تجلس مكانها. تهز ساقيها بعصبية واضحة ليسألها كمال باهتمام:
- إنت تمام؟
رفعت حاجب. تُجيبه بانفعال واضح:
- آه تمام. تمام جدًا كمان.
***
بعد وقت قصير كان قاسم يستند بساقه على الطرف الحديدي للفراش. يُقّلب الأدوية ويتفحصها مع نيرة. يسأل:
- واحنا هنعرف الأدوية دي بتتاخد امتى وازاي؟
ترد:
- لما الدكتور يجي هسأله.
يتحرك من مكانه صوب كمال. يسأل باهتمام بالغ:
- انت كويس؟
والأخير يهز رأسه بموافقة رغم تقطيب ملامحه من الألم:
- بقيت كويس شوية. هروح امتى؟
يجيبه وهو يتحسس بشرة جبهته. يستشعر حرارته. ويمسح بعض حبات العرق المتناثرة بوجهه:
- الدكتور بيقول بالليل.
يتركه ويلتفت لوالدته. والتي أرهقت من جلستها هكذا منذ الصباح الباكر. فيشفق عليها:
- يللا ياماما عشان الولاد. حنين ويارا مش هيسلكوا معاهم.
فيؤيد كمال كلامه:
- أيوه ياماما. روحي إنتِ ونيرة أهي معايا.
***
ومع مرور الوقت. وقد أعطاه الطبيب مسكن هدأ جسده واطمأن على استقرار صحته. أخبره بأنه سيغادر بالصباح أفضل له. غفا لدقائق لم تطل. ونهضت نيرة من جانبه لتجلس على الكرسي المقابل تعبث بهاتفها وقد أصابها الملل كما أصابه هو الآخر. يراقب الغروب من النافذة الزجاجية العريضة أمامه. يود النوم من أجل قطع الوقت. ورغم سكونه إلا أن داهمت أنفه المتحسسة عطرًا خفيفًا مسكرًا جعله يغمض عيناه بعدم تصديق. بالتأكيد تلك تهيؤات العملية والمخدر. ولكن الصوت الناعم المغناج بطبعه جعله يلتفت كطلقة رصاص:
- مساء الخير.
وكانت هي ريم صاحبة الخيالات والتهيؤات وبطلة الهلوسة داخل غرفة العمليات كما ذكر الطبيب وهو يضحك بمرح. كانت جميلة ناعمة على عكسه بتلك اللحظة كما يظن. حجابها الوردي زاد من وهج بشرتها البيضاء. وفستانها الطويل بلون ثلجي وكأنها أتت لتغويه. تسأله كيف سيستطيع المقاومة. وللأمانة هو لن يقاوم بالأساس.
حين لاحظت شروده وتجهم وجهه. سألت تجابهه:
- أدخل!
لتنهض نيرة من مكانها. تُلقي بهاتفها جانبًا على الكومود الصغير. تدعوها بود حقيقي:
- ياخبر. طبعًا أدخلي.
تدخل بهدوء وصوت كعب حذائها العالي ينقر بالأرض فيختل ما بقى من توازن بداخله. يردف بنظرات متسائلة:
- عرفتي منين؟
ترفع حاجبها المنمق تعاتبه:
- إيه. مكنتش عايزني آجي؟
تدخلت نيرة تلطف الأجواء:
- في إيه ياكمال. تعالي اقعدي ياريم.
ثم استطردت:
- أنا بعتلها رسالة من شوية وعرفتها.
والتتمة استئذان مُتعجل:
- هنزل أجيب حاجة نشربها.
تقدمت ريم نحوه تسأله باهتمام. وقد خرجت نيرة وأغلقت الباب من ورائها:
- طمني. بقيت كويس دلوقتي!
بخفوت أجاب:
- أحسن الحمد لله.
يجيب باقتضاب. دون أن ينظر إليها حتى. فتلومه:
- تخيل لو مكنتش نيرة قالتلي مكنتش هعرف أصلًا.
صداع خبيث كاد أن يفلق رأسه. يضغط على جفنيه بشدة فتقترب أكثر. وعبق عطرها يزكم أنفه أكثر وأكثر. تلمس خصلات شعره القصيرة:
- أندهلك الدكتور.
برأسه يلعن ذلك الاقتراب. جسده الواهن. أليس من حق المريض العناق والقبلات! ها هو وقد عادت الخيالات إليه من جديد. رجل شابت فؤاده يتخيل!
تقطع تخيلاته باستياء ناعم:
- مش عايز ترد عليا. ع أساس إن مش انت اللي مزعلني!؟
حاجباه ينعقدان بغضب وهو يرمق تلك المتبجحة:
- إنتِ هتنكري قولتيلي إيه!
وقد لاحظت تشنج جسده. فتكلمت وهي ترفع ذقنها باعتداد:
- عمومًا ده مش وقته ولا مكانه. بينا عتاب طويل أوي ياكمال. بس لما تكون كويس وتسترد صحتك.
وتحركت نحو حقيبة بلاستيكية لم ينتبه لوجودها بفضل تأمله بها. تميل بخصرها تخرج محتوياتها أمام مقلتيه المشتاقتين وقد أذاق من شهد نعيمها ومازال المذاق عالق بقلبه. وكل حواسه. تقترب، تضع عدة أطباق على الكومود المجاور له. يسأل بجبين متغضن:
- إيه ده؟
- عملتلك شوربة، وخضار سوتيه.
يتهكم بسخرية لاذعة:
- وتعبتي نفسك ليه؟
- تعبك راحة.
النبرة كانت صادقة حد اللاحد. يلتفت. يدقق. يراقب وهج عينيها الصافي وهي تحدق به. فيرتبك وكأنه عاد مراهق يبلل شفتاه بعد أن شعر بجفاف:
- هتاكل اللي أنا جايباه كله. أنا اللي عملهولك بنفسي.
تثبت نظراتها بخاصته بجرأة وكأنها تخبره بأن لا مفر من وجودها. حاول النهوض من رقدته. يستند على ساعديه فيفشل بعد أن توجع بخفوت. فانتفضت تقترب منه. تسأله:
- أساعدك!
ودون انتظار رده. كانت تساعده بالتحرك يستند على جزعها. حتى ارتفع قليلًا وبات وجهها بوجهه شبه ملتصقًا بعد أن عدلت الوسادة خلف ظهره. طال عناق عيناهما. وكم اشتاق لملامحها الجميلة. يبتلع ريقه الجاف على مهل. وقد انهارت مقاومته من هذا الاقتراب. يُغمض عينيه.
- اللعنة لما لا تبتعد من أمامي. ستتهاوى جميع حصونه أسفل قدميها هكذا.
وظلت هي على حالها. والوضع بينهما كان قوب قوسين أو أدنى من التقبيل وتبادل الأنفاس و...
دون طرق أو استئذان كانت نيرة تدخل مندفعة تحمل بين كفيها صينية أعلاها أربع أكواب من النسكافيه. تخشبت مكانها وقد أصابها الحرج من وضعهما. تقاوم خجلها بمرح:
- أنا جيت في وقت مش مناسب ولا إيه؟
- آه.
خرجت بذات اللحظة من كليهما دون تخطيط. فاحتقنت وجنتا نيرة خجلًا وحرجاً. واستدركت ريم الموقف سريعًا فابتعدت ولاتزال بجواره. تعض شفتيها بحرج شديد:
- قصدي آه إنتِ اتأخرتي.
تأخذ منها الصينيه تسألها باستغراب:
- أربع كوبايات ليه؟
لتضرب نيرة على رأسها وقد تذكرت:
- آه نور واقفة برة. بتستأذن قبل ما تدخل.
والحمد لله أنها ظلت بالخارج. لو كانت دلفت معها لكانت ماتت خجلًا من وضعهما. ليهتف كمال بتأكيد:
- قوليلها تدخل طبعًا.
هتفت نيرة باسمها. فدرفت على استحياء مبتسمة بحلاوة ملامحها. تقترب بوقفتها من كمال. تغمغم باهتمام:
- حمدالله ع سلامة حضرتك يا أستاذ كمال.
فيرد هو بامتنان شاكراً:
- الله يسلمك يانور. شكرًا ع سؤالك.
"نور" يناديها نور. وأمامها. لما لا ينادي باسمها كاملًا أو لا ينادي بالأساس! ماهذا! أهي تغار! تدقق بنورهان. أنثى لطيفة. جمالها هادئ. ذلك الجمال الذي تراه فتشعر بالراحة وتعطيها القبول. على حسب ذاكرتها بعد زواجها من كمال بوقت بسيط كانت غادرت المنزل بعد أن عرفت بأن أكرم سيطلقها. ويبدو أن الطلاق لم يتم بفضل وجودها وزيارتها لزوجها. جذبتها نورهان وهي تمد كفها تنوي المصافحة:
- ازيك ياريم.
قابلت ابتسامتها بابتسامة متكلفة. تمد يدها:
- انا الحمد لله. إنتِ عاملة إيه؟
... وجلستهما معًا كانت خفيفة. يتبادلون الأحاديث الودية بينهما. سلام وكلام وضحكات غنجة ورقيقة. وكمال يراقب باهتمام. عيناه لاتترك تفصيلة واحدة بوجهها أو بحركة جسدها. وريم والتي كانت مستاءة من حضور نورهان. وغيرتها على كمال. أشرقت ملامحها وزادت هدوءً بعد أن اكتشفت أن تلك ال" نورهان" فعلًا لطيفة وخجولة.
وقفت نورهان تنوي المغادرة بسبب تأخيرها. فاحتضنتها ريم وقد احبتها بالفعل. يتبادلن الأرقام. وتبعته نيرة إلا أن نورهان رفضت ولم تكن تريد إرهاقها. يكفي حملها.
***
خرجت من الغرفة. تسير بخطوات هادئة بالرواق. وقد اتبعت طريق الدرج فالمصعد مشغول ولن يفرغ لوقتٍ ليس بقصير. تميل بجسدها مع انحناء الدرج. تستند على السور خاصته. عدة درجات وكان أمامها. اتسعت عيناه بمفاجأة. كانت مفاجأة حلوة. يراها أمامه فتسبل أهدابها خجلًا. تعلقت عيناه بها. حجابها النبيتي الرقيق وملابسها المحتشمة والتي تليق بها وبشدة. يصعد يتجاوز الدرجات. يأكل المسافة الواسعة بينهما بقدميه وهو يمد كفه يصافح فأعطته كفها بتردد. فاختطفه يحتويه بكفه وطال. وقد أسره ملمسها الناعم. تقريبًا كان لا ينوي تركه. تورّدت رغمًا عنها لتهمهم وهي تسحب يدها بأعجوبة:
- كنت بزور أستاذ كمال.
أكيد هي هنا لزيارة شقيقه. ماذا ستفعل هنا بدلاً من أن تسأل عن حاله. وكأنها بالأمس كانت نائمة بأحضانه. تنهد بقوة. يسأل باهتمام:
- عاملة إيه؟
وبسؤاله يعنيه. فهو لم يرها منذ فترة. وكان آخر ما بينهما اتصال هاتفي وقت حادث ابن خالها. ترد بخفوت:
- الحمدلله.
- أوصلك.
- لأ. شكرًا.
النبرة ممتنة دون ضيق وهو أراد ألا يضغط عليها فتستاء من جديد. أفسح الطريق لها. فنزلت تحت نظراته المراقبة. ولم يستطع التجاوز فعاود عرضه:
- أوصلك وأرجع تاني. مفيش مشكلة!
- لأ بجد. أنا عايزة أمشي شوية وبعدين هركن.
أومأ برأسه متهمًا. تريد الوقت الكافي. وسيعطيه لها والوقت كفيل بإذابة جبل الجليد بينهما. تعطيه ظهرها وتتابع نزولها وعند استدارة السلم. التفتت له تناديه:
- أكرم.
وحينها نزل لمستواها. يقابلها ويفصل بينهما درجة واحدة. تلك الدرجة كانت كفيلة بأن يرى بوضوح ذلك الوهج اللامع بعينيها والذي لا تشوبه شائبة. وهج له ذوبان العسل بغابات الزيتون. يسأل بعينيه. ولكنها كانت منشغلة بحقيبتها. تعبث بمحتواها إلى أن أخرجت علبة مستطيلة من المخمل الكحلي. تعطيها له على استحياء وقسمات متوترة. يسأل بضيق عيناه:
- إيه ده؟
تغمغم بصوت خفيض تنتظر رأيه:
- هدية. كنت حاسة إني هشوفك انهاردة.
يفتح العلبة أمامها باهتمام وبطء. حتى تفاجأ بقلم رفيع بلون ذهبي لامع أنيق بشكل جذب نظره للوهلة الأولى. رغم أنه صعب أن يُجذب بأي شيء. تمتم بصدق وهو يقلب القلم بأصابعه بخفة:
- جميل أوي.
تختلس نظرة جانبية نحوه وهو منشغل بهديتها لتميز أناقته البسيطة التي تشبهه. تعلم بأن القلم سيعجبه. تفهم ذوقه جيدًا. لذلك وقت أن رأت القلم قالت هو له. رمقها بنظرة ثاقبة ليهمس بجدية:
- أجمل هدية جاتلي.
وحقيقةً كان لا يكذب. تلمع بؤبؤ حدقتاه وابتسامته الواسعة التي تخترق قلبها كشعاع نور جعلتها متيقنة من صدقه. أسبلت عينيها بحرج وهي تلتقط اقترابه منها. ياويلها بالتأكيد سيسمع ضربات قلبها الغبي عديم الكرامة. ابتعدت خطوة. فـ افتر ثغره عن بسمة ممتنة:
- شكرًا.
ابتسمت برقة لتهنس بعفوية وكأنها اعتادت ع الجملة:
- من بعد خيرك.
تبدلت ملامحه الرائقة للنقيض. شعر بأنها تلمح على معاملته بالسابق. ولكن تورد وجهها وابتسامتها الصافية نفت شعوره:
- عن إذنك.
وتحركت. تنزل من جديد. عدة درجات وكان يستوقفها مرة أخرى:
- نور.
وحينها نزل لمستواها. يقابلها ويفصل بينهما درجة واحدة. تلك الدرجة كانت كفيلة بأن يرى بوضوح ذلك الوهج اللامع بعينيها والذي لا تشوبه شائبة. وهج له ذوبان العسل بغابات الزيتون. يسأل بعينيه. ولكنها كانت منشغلة بحقيبتها. تعبث بمحتواها إلى أن أخرجت علبة مستطيلة من المخمل الكحلي. تعطيها له على استحياء وقسمات متوترة. يسأل بضيق عيناه:
- إيه ده؟
تغمغم بصوت خفيض تنتظر رأيه:
- هدية. كنت حاسة إني هشوفك انهاردة.
يفتح العلبة أمامها باهتمام وبطء. حتى تفاجأ بقلم رفيع بلون ذهبي لامع أنيق بشكل جذب نظره للوهلة الأولى. رغم أنه صعب أن يُجذب بأي شيء. تمتم بصدق وهو يقلب القلم بأصابعه بخفة:
- جميل أوي.
تختلس نظرة جانبية نحوه وهو منشغل بهديتها لتميز أناقته البسيطة التي تشبهه. تعلم بأن القلم سيعجبه. تفهم ذوقه جيدًا. لذلك وقت أن رأت القلم قالت هو له. رمقها بنظرة ثاقبة ليهمس بجدية:
- أجمل هدية جاتلي.
وحقيقةً كان لا يكذب. تلمع بؤبؤ حدقتاه وابتسامته الواسعة التي تخترق قلبها كشعاع نور جعلتها متيقنة من صدقه. أسبلت عينيها بحرج وهي تلتقط اقترابه منها. ياويلها بالتأكيد سيسمع ضربات قلبها الغبي عديم الكرامة. ابتعدت خطوة. فـ افتر ثغره عن بسمة ممتنة:
- شكرًا.
ابتسمت برقة لتهنس بعفوية وكأنها اعتادت ع الجملة:
- من بعد خيرك.
تبدلت ملامحه الرائقة للنقيض. شعر بأنها تلمح على معاملته بالسابق. ولكن تورد وجهها وابتسامتها الصافية نفت شعوره:
- عن إذنك.
وتحركت. تنزل من جديد. عدة درجات وكان يستوقفها مرة أخرى:
- نور.
وحينها نزل لمستواها. يقابلها ويفصل بينهما درجة واحدة. تلك الدرجة كانت كفيلة بأن يرى بوضوح ذلك الوهج اللامع بعينيها والذي لا تشوبه شائبة. وهج له ذوبان العسل بغابات الزيتون. يسأل بعينيه. ولكنها كانت منشغلة بحقيبتها. تعبث بمحتواها إلى أن أخرجت علبة مستطيلة من المخمل الكحلي. تعطيها له على استحياء وقسمات متوترة. يسأل بضيق عيناه:
- إيه ده؟
تغمغم بصوت خفيض تنتظر رأيه:
- هدية. كنت حاسة إني هشوفك انهاردة.
يفتح العلبة أمامها باهتمام وبطء. حتى تفاجأ بقلم رفيع بلون ذهبي لامع أنيق بشكل جذب نظره للوهلة الأولى. رغم أنه صعب أن يُجذب بأي شيء. تمتم بصدق وهو يقلب القلم بأصابعه بخفة:
- جميل أوي.
تختلس نظرة جانبية نحوه وهو منشغل بهديتها لتميز أناقته البسيطة التي تشبهه. تعلم بأن القلم سيعجبه. تفهم ذوقه جيدًا. لذلك وقت أن رأت القلم قالت هو له. رمقها بنظرة ثاقبة ليهمس بجدية:
- أجمل هدية جاتلي.
وحقيقةً كان لا يكذب. تلمع بؤبؤ حدقتاه وابتسامته الواسعة التي تخترق قلبها كشعاع نور جعلتها متيقنة من صدقه. أسبلت عينيها بحرج وهي تلتقط اقترابه منها. ياويلها بالتأكيد سيسمع ضربات قلبها الغبي عديم الكرامة. ابتعدت خطوة. فـ افتر ثغره عن بسمة ممتنة:
- شكرًا.
ابتسمت برقة لتهنس بعفوية وكأنها اعتادت ع الجملة:
- من بعد خيرك.
تبدلت ملامحه الرائقة للنقيض. شعر بأنها تلمح على معاملته بالسابق. ولكن تورد وجهها وابتسامتها الصافية نفت شعوره:
- عن إذنك.
وتحركت. تنزل من جديد. عدة درجات وكان يستوقفها مرة أخرى:
- نور.
وحينها نزل لمستواها. يقابلها ويفصل بينهما درجة واحدة. تلك الدرجة كانت كفيلة بأن يرى بوضوح ذلك الوهج اللامع بعينيها والذي لا تشوبه شائبة. وهج له ذوبان العسل بغابات الزيتون. يسأل بعينيه. ولكنها كانت منشغلة بحقيبتها. تعبث بمحتواها إلى أن أخرجت علبة مستطيلة من المخمل الكحلي. تعطيها له على استحياء وقسمات متوترة. يسأل بضيق عيناه:
- إيه ده؟
تغمغم بصوت خفيض تنتظر رأيه:
- هدية. كنت حاسة إني هشوفك انهاردة.
يفتح العلبة أمامها باهتمام وبطء. حتى تفاجأ بقلم رفيع بلون ذهبي لامع أنيق بشكل جذب نظره للوهلة الأولى. رغم أنه صعب أن يُجذب بأي شيء. تمتم بصدق وهو يقلب القلم بأصابعه بخفة:
- جميل أوي.
تختلس نظرة جانبية نحوه وهو منشغل بهديتها لتميز أناقته البسيطة التي تشبهه. تعلم بأن القلم سيعجبه. تفهم ذوقه جيدًا. لذلك وقت أن رأت القلم قالت هو له. رمقها بنظرة ثاقبة ليهمس بجدية:
- أجمل هدية جاتلي.
وحقيقةً كان لا يكذب. تلمع بؤبؤ حدقتاه وابتسامته الواسعة التي تخترق قلبها كشعاع نور جعلتها متيقنة من صدقه. أسبلت عينيها بحرج وهي تلتقط اقترابه منها. ياويلها بالتأكيد سيسمع ضربات قلبها الغبي عديم الكرامة. ابتعدت خطوة. فـ افتر ثغره عن بسمة ممتنة:
- شكرًا.
ابتسمت برقة لتهنس بعفوية وكأنها اعتادت ع الجملة:
- من بعد خيرك.
تبدلت ملامحه الرائقة للنقيض. شعر بأنها تلمح على معاملته بالسابق. ولكن تورد وجهها وابتسامتها الصافية نفت شعوره:
- عن إذنك.
وتحركت. تنزل من جديد. عدة درجات وكان يستوقفها مرة أخرى:
- نور.
وحينها نزل لمستواها. يقابلها ويفصل بينهما درجة واحدة. تلك الدرجة كانت كفيلة بأن يرى بوضوح ذلك الوهج اللامع بعينيها والذي لا تشوبه شائبة. وهج له ذوبان العسل بغابات الزيتون. يسأل بعينيه. ولكنها كانت منشغلة بحقيبتها. تعبث بمحتواها إلى أن أخرجت علبة مستطيلة من المخمل الكحلي. تعطيها له على استحياء وقسمات متوترة. يسأل بضيق عيناه:
- إيه ده؟
تغمغم بصوت خفيض تنتظر رأيه:
- هدية. كنت حاسة إني هشوفك انهاردة.
يفتح العلبة أمامها باهتمام وبطء. حتى تفاجأ بقلم رفيع بلون ذهبي لامع أنيق بشكل جذب نظره للوهلة الأولى. رغم أنه صعب أن يُجذب بأي شيء. تمتم بصدق وهو يقلب القلم بأصابعه بخفة:
- جميل أوي.
تختلس نظرة جانبية نحوه وهو منشغل بهديتها لتميز أناقته البسيطة التي تشبهه. تعلم بأن القلم سيعجبه. تفهم ذوقه جيدًا. لذلك وقت أن رأت القلم قالت هو له. رمقها بنظرة ثاقبة ليهمس بجدية:
- أجمل هدية جاتلي.
وحقيقةً كان لا يكذب. تلمع بؤبؤ حدقتاه وابتسامته الواسعة التي تخترق قلبها كشعاع نور جعلتها متيقنة من صدقه. أسبلت عينيها بحرج وهي تلتقط اقترابه منها. ياويلها بالتأكيد سيسمع ضربات قلبها الغبي عديم الكرامة. ابتعدت خطوة. فـ افتر ثغره عن بسمة ممتنة:
- شكرًا.
ابتسمت برقة لتهنس بعفوية وكأنها اعتادت ع الجملة:
- من بعد خيرك.
تبدلت ملامحه الرائقة للنقيض. شعر بأنها تلمح على معاملته بالسابق. ولكن تورد وجهها وابتسامتها الصافية نفت شعوره:
- عن إذنك.
وتحركت. تنزل من جديد. عدة درجات وكان يستوقفها مرة أخرى:
- نور.
وحينها نزل لمستواها. يقابلها ويفصل بينهما درجة واحدة. تلك الدرجة كانت كفيلة بأن يرى بوضوح ذلك الوهج اللامع بعينيها والذي لا تشوبه شائبة. وهج له ذوبان العسل بغابات الزيتون. يسأل بعينيه. ولكنها كانت منشغلة بحقيبتها. تعبث بمحتواها إلى أن أخرجت علبة مستطيلة من المخمل الكحلي. تعطيها له على استحياء وقسمات متوترة. يسأل بضيق عيناه:
- إيه ده؟
تغمغم بصوت خفيض تنتظر رأيه:
- هدية. كنت حاسة إني هشوفك انهاردة.
يفتح العلبة أمامها باهتمام وبطء. حتى تفاجأ بقلم رفيع بلون ذهبي لامع أنيق بشكل جذب نظره للوهلة الأولى. رغم أنه صعب أن يُجذب بأي شيء. تمتم بصدق وهو يقلب القلم بأصابعه بخفة:
- جميل أوي.
تختلس نظرة جانبية نحوه وهو منشغل بهديتها لتميز أناقته البسيطة التي تشبهه. تعلم بأن القلم سيعجبه. تفهم ذوقه جيدًا. لذلك وقت أن رأت القلم قالت هو له. رمقها بنظرة ثاقبة ليهمس بجدية:
- أجمل هدية جاتلي.
وحقيقةً كان لا يكذب. تلمع بؤبؤ حدقتاه وابتسامته الواسعة التي تخترق قلبها كشعاع نور جعلتها متيقنة من صدقه. أسبلت عينيها بحرج وهي تلتقط اقترابه منها. ياويلها بالتأكيد سيسمع ضربات قلبها الغبي عديم الكرامة. ابتعدت خطوة. فـ افتر ثغره عن بسمة ممتنة:
- شكرًا.
ابتسمت برقة لتهنس بعفوية وكأنها اعتادت ع الجملة:
- من بعد خيرك.
تبدلت ملامحه الرائقة للنقيض. شعر بأنها تلمح على معاملته بالسابق. ولكن تورد وجهها وابتسامتها الصافية نفت شعوره:
- عن إذنك.
وتحركت. تنزل من جديد. عدة درجات وكان يستوقفها مرة أخرى:
- نور.
وحينها نزل لمستواها. يقابلها ويفصل بينهما درجة واحدة. تلك الدرجة كانت كفيلة بأن يرى بوضوح ذلك الوهج اللامع بعينيها والذي لا تشوبه شائبة. وهج له ذوبان العسل بغابات الزيتون. يسأل بعينيه. ولكنها كانت منشغلة بحقيبتها. تعبث بمحتواها إلى أن أخرجت علبة مستطيلة من المخمل الكحلي. تعطيها له على استحياء وقسمات متوترة. يسأل بضيق عيناه:
- إيه ده؟
تغمغم بصوت خفيض تنتظر رأيه:
- هدية. كنت حاسة إني هشوفك انهاردة.
يفتح العلبة أمامها باهتمام وبطء. حتى تفاجأ بقلم رفيع بلون ذهبي لامع أنيق بشكل جذب نظره للوهلة الأولى. رغم أنه صعب أن يُجذب بأي شيء. تمتم بصدق وهو يقلب القلم بأصابعه بخفة:
- جميل أوي.
تختلس نظرة جانبية نحوه وهو منشغل بهديتها لتميز أناقته البسيطة التي تشبهه. تعلم بأن القلم سيعجبه. تفهم ذوقه جيدًا. لذلك وقت أن رأت القلم قالت هو له. رمقها بنظرة ثاقبة ليهمس بجدية:
- أجمل هدية جاتلي.
وحقيقةً كان لا يكذب. تلمع بؤبؤ حدقتاه وابتسامته الواسعة التي تخترق قلبها كشعاع نور جعلتها متيقنة من صدقه. أسبلت عينيها بحرج وهي تلتقط اقترابه منها. ياويلها بالتأكيد سيسمع ضربات قلبها الغبي عديم الكرامة. ابتعدت خطوة. فـ افتر ثغره عن بسمة ممتنة:
- شكرًا.
ابتسمت برقة لتهنس بعفوية وكأنها اعتادت ع الجملة:
- من بعد خيرك.
تبدلت ملامحه الرائقة للنقيض. شعر بأنها تلمح على معاملته بالسابق. ولكن تورد وجهها وابتسامتها الصافية نفت شعوره:
- عن إذنك.
وتحركت. تنزل من جديد. عدة درجات وكان يستوقفها مرة أخرى:
- نور.
وحينها نزل لمستواها. يقابلها ويفصل بينهما درجة واحدة. تلك الدرجة كانت كفيلة بأن يرى بوضوح ذلك الوهج اللامع بعينيها والذي لا تشوبه شائبة. وهج له ذوبان العسل بغابات الزيتون. يسأل بعينيه. ولكنها كانت منشغلة بحقيبتها. تعبث بمحتواها إلى أن أخرجت علبة مستطيلة من المخمل الكحلي. تعطيها له على استحياء وقسمات متوترة. يسأل بضيق عيناه:
- إيه ده؟
تغمغم بصوت خفيض تنتظر رأيه:
- هدية. كنت حاسة إني هشوفك انهاردة.
يفتح العلبة أمامها باهتمام وبطء. حتى تفاجأ بقلم رفيع بلون ذهبي لامع أنيق بشكل جذب نظره للوهلة الأولى. رغم أنه صعب أن يُجذب بأي شيء. تمتم بصدق وهو يقلب القلم بأصابعه بخفة:
- جميل أوي.
تختلس نظرة جانبية نحوه وهو منشغل بهديتها لتميز أناقته البسيطة التي تشبهه. تعلم بأن القلم سيعجبه. تفهم ذوقه جيدًا. لذلك وقت أن رأت القلم قالت هو له. رمقها بنظرة ثاقبة ليهمس بجدية:
- أجمل هدية جاتلي.
وحقيقةً كان لا يكذب. تلمع بؤبؤ حدقتاه وابتسامته الواسعة التي تخترق قلبها كشعاع نور جعلتها متيقنة من صدقه. أسبلت عينيها بحرج وهي تلتقط اقترابه منها. ياويلها بالتأكيد سيسمع ضربات قلبها الغبي عديم الكرامة. ابتعدت خطوة. فـ افتر ثغره عن بسمة ممتنة:
- شكرًا.
ابتسمت برقة لتهنس بعفوية وكأنها اعتادت ع الجملة:
- من بعد خيرك.
تبدلت ملامحه الرائقة للنقيض. شعر بأنها تلمح على معاملته بالسابق. ولكن تورد وجهها وابتسامتها الصافية نفت شعوره:
- عن إذنك.
وتحركت. تنزل من جديد. عدة درجات وكان يستوقفها مرة أخرى:
- نور.
وحينها نزل لمستواها. يقابلها ويفصل بينهما درجة واحدة. تلك الدرجة كانت كفيلة بأن يرى بوضوح ذلك الوهج اللامع بعينيها والذي لا تشوبه شائبة. وهج له ذوبان العسل بغابات الزيتون. يسأل بعينيه. ولكنها كانت منشغلة بحقيبتها. تعبث بمحتواها إلى أن أخرجت علبة مستطيلة من المخمل الكحلي. تعطيها له على استحياء وقسمات متوترة. يسأل بضيق عيناه:
- إيه ده؟
تغمغم بصوت خفيض تنتظر رأيه:
- هدية. كنت حاسة إني هشوفك انهاردة.
يفتح العلبة أمامها باهتمام وبطء. حتى تفاجأ بقلم رفيع بلون ذهبي لامع أنيق بشكل جذب نظره للوهلة الأولى. رغم أنه صعب أن يُجذب بأي شيء. تمتم بصدق وهو يقلب القلم بأصابعه بخفة:
- جميل أوي.
تختلس نظرة جانبية نحوه وهو منشغل بهديتها لتميز أناقته البسيطة التي تشبهه. تعلم بأن القلم سيعجبه. تفهم ذوقه جيدًا. لذلك وقت أن رأت القلم قالت هو له. رمقها بنظرة ثاقبة ليهمس بجدية:
- أجمل هدية جاتلي.
وحقيقةً كان لا يكذب. تلمع بؤبؤ حدقتاه وابتسامته الواسعة التي تخترق قلبها كشعاع نور جعلتها متيقنة من صدقه. أسبلت عينيها بحرج وهي تلتقط اقترابه منها. ياويلها بالتأكيد سيسمع ضربات قلبها الغبي عديم الكرامة. ابتعدت خطوة. فـ افتر ثغره عن بسمة ممتنة:
- شكرًا.
ابتسمت برقة لتهنس بعفوية وكأنها اعتادت ع الجملة:
- من بعد خيرك.
تبدلت ملامحه الرائقة للنقيض. شعر بأنها تلمح على معاملته بالسابق. ولكن تورد وجهها وابتسامتها الصافية نفت شعوره:
- عن إذنك.
وتحركت. تنزل من جديد. عدة درجات وكان يستوقفها مرة أخرى:
- نور.
وحينها نزل لمستواها. يقابلها ويفصل بينهما درجة واحدة. تلك الدرجة كانت كفيلة بأن يرى بوضوح ذلك الوهج اللامع بعينيها والذي لا تشوبه شائبة. وهج له ذوبان العسل بغابات الزيتون. يسأل بعينيه. ولكنها كانت منشغلة بحقيبتها. تعبث بمحتواها إلى أن أخرجت علبة مستطيلة من المخمل الكحلي. تعطيها له على استحياء وقسمات متوترة. يسأل بضيق عيناه:
- إيه ده؟
تغمغم بصوت خفيض تنتظر رأيه:
- هدية. كنت حاسة إني هشوفك انهاردة.
يفتح العلبة أمامها باهتمام وبطء. حتى تفاجأ بقلم رفيع بلون ذهبي لامع أنيق بشكل جذب نظره للوهلة الأولى. رغم أنه صعب أن يُجذب بأي شيء. تمتم بصدق وهو يقلب القلم بأصابعه بخفة:
- جميل أوي.
تختلس نظرة جانبية نحوه وهو منشغل بهديتها لتميز أناقته البسيطة التي تشبهه. تعلم بأن القلم سيعجبه. تفهم ذوقه جيدًا. لذلك وقت أن رأت القلم قالت هو له. رمقها بنظرة ثاقبة ليهمس بجدية:
- أجمل هدية جاتلي.
وحقيقةً كان لا يكذب. تلمع بؤبؤ حدقتاه وابتسامته الواسعة التي تخترق قلبها كشعاع نور جعلتها متيقنة من صدقه. أسبلت عينيها بحرج وهي تلتقط اقترابه منها. ياويلها بالتأكيد سيسمع ضربات قلبها الغبي عديم الكرامة. ابتعدت خطوة. فـ افتر ثغره عن بسمة ممتنة:
- شكرًا.
ابتسمت برقة لتهنس بعفوية وكأنها اعتادت ع الجملة:
- من بعد خيرك.
تبدلت ملامحه الرائقة للنقيض. شعر بأنها تلمح على معاملته بالسابق. ولكن تورد وجهها وابتسامتها الصافية نفت شعوره:
- عن إذنك.
وتحركت. تنزل من جديد. عدة درجات وكان يستوقفها مرة أخرى:
- نور.
وحينها نزل لمستواها. يقابلها ويفصل بينهما درجة واحدة. تلك الدرجة كانت كفيلة بأن يرى بوضوح ذلك الوهج اللامع بعينيها والذي لا تشوبه شائبة. وهج له ذوبان العسل بغابات الزيتون. يسأل بعينيه. ولكنها كانت منشغلة بحقيبتها. تعبث بمحتواها إلى أن أخرجت علبة مستطيلة من المخمل الكحلي. تعطيها له على استحياء وقسمات متوترة. يسأل بضيق عيناه:
- إيه ده؟
تغمغم بصوت خفيض تنتظر رأيه:
- هدية. كنت حاسة إني هشوفك انهاردة.
يفتح العلبة أمامها باهتمام وبطء. حتى تفاجأ بقلم رفيع بلون ذهبي لامع أنيق بشكل جذب نظره للوهلة الأولى. رغم أنه صعب أن يُجذب بأي شيء. تمتم بصدق وهو يقلب القلم بأصابعه بخفة:
- جميل أوي.
تختلس نظرة جانبية نحوه وهو منشغل بهديتها لتميز أناقته البسيطة التي تشبهه. تعلم بأن القلم سيعجبه. تفهم ذوقه جيدًا. لذلك وقت أن رأت القلم قالت هو له. رمقها بنظرة ثاقبة ليهمس بجدية:
- أجمل هدية جاتلي.
وحقيقةً كان لا يكذب. تلمع بؤبؤ حدقتاه وابتسامته الواسعة التي تخترق قلبها كشعاع نور جعلتها متيقنة من صدقه. أسبلت عينيها بحرج وهي تلتقط اقترابه منها. ياويلها بالتأكيد سيسمع ضربات قلبها الغبي عديم الكرامة. ابتعدت خطوة. فـ افتر ثغره عن بسمة ممتنة:
- شكرًا.
ابتسمت برقة لتهنس بعفوية وكأنها اعتادت ع الجملة:
- من بعد خيرك.
تبدلت ملامحه الرائقة للنقيض. شعر بأنها تلمح على معاملته بالسابق. ولكن تورد وجهها وابتسامتها الصافية نفت شعوره:
- عن إذنك.
وتحركت. تنزل من جديد. عدة درجات وكان يستوقفها مرة أخرى:
- نور.
وحينها نزل لمستواها. يقابلها ويفصل بينهما درجة واحدة. تلك الدرجة كانت كفيلة بأن يرى بوضوح ذلك الوهج اللامع بعينيها والذي لا تشوبه شائبة. وهج له ذوبان العسل بغابات الزيتون. يسأل بعينيه. ولكنها كانت منشغلة بحقيبتها. تعبث بمحتواها إلى أن أخرجت علبة مستطيلة من المخمل الكحلي. تعطيها له على استحياء وقسمات متوترة. يسأل بضيق عيناه:
- إيه ده؟
تغمغم بصوت خفيض تنتظر رأيه:
- هدية. كنت حاسة إني هشوفك انهاردة.
يفتح العلبة أمامها باهتمام وبطء. حتى تفاجأ بقلم رفيع بلون ذهبي لامع أنيق بشكل جذب نظره للوهلة الأولى. رغم أنه صعب أن يُجذب بأي شيء. تمتم بصدق وهو يقلب القلم بأصابعه بخفة:
- جميل أوي.
تختلس نظرة جانبية نحوه وهو منشغل بهديتها لتميز أناقته البسيطة التي تشبهه. تعلم بأن القلم سيعجبه. تفهم ذوقه جيدًا. لذلك وقت أن رأت القلم قالت هو له. رمقها بنظرة ثاقبة ليهمس بجدية:
- أجمل هدية جاتلي.
وحقيقةً كان لا يكذب. تلمع بؤبؤ حدقتاه وابتسامته الواسعة التي تخترق قلبها كشعاع نور جعلتها متيقنة من صدقه. أسبلت عينيها بحرج وهي تلتقط اقترابه منها. ياويلها بالتأكيد سيسمع ضربات قلبها الغبي عديم الكرامة. ابتعدت خطوة. فـ افتر ثغره عن بسمة ممتنة:
- شكرًا.
ابتسمت برقة لتهنس بعفوية وكأنها اعتادت ع الجملة:
- من بعد خيرك.
تبدلت ملامحه الرائقة للنقيض. شعر بأنها تلمح على معاملته بالسابق. ولكن تورد وجهها وابتسامتها الصافية نفت شعوره:
- عن إذنك.
وتحركت. تنزل من جديد. عدة درجات وكان يستوقفها مرة أخرى:
- نور.
وحينها نزل لمستواها. يقابلها ويفصل بينهما درجة واحدة. تلك الدرجة كانت كفيلة بأن يرى بوضوح ذلك الوهج اللامع بعينيها والذي لا تشوبه شائبة. وهج له ذوبان العسل بغابات الزيتون. يسأل بعينيه. ولكنها كانت منشغلة بحقيبتها. تعبث بمحتواها إلى أن أخرجت علبة مستطيلة من المخمل الكحلي. تعطيها له على استحياء وقسمات متوترة. يسأل بضيق عيناه:
- إيه ده؟
تغمغم بصوت خفيض تنتظر رأيه:
- هدية. كنت حاسة إني هشوفك انهاردة.
يفتح العلبة أمامها باهتمام وبطء. حتى تفاجأ بقلم رفيع بلون ذهبي لامع أنيق بشكل جذب نظره للوهلة الأولى. رغم أنه صعب أن يُجذب بأي شيء. تمتم بصدق وهو يقلب القلم بأصابعه بخفة:
- جميل أوي.
تختلس نظرة جانبية نحوه وهو منشغل بهديتها لتميز أناقته البسيطة التي تشبهه. تعلم بأن القلم سيعجبه. تفهم ذوقه جيدًا. لذلك وقت أن رأت القلم قالت هو له. رمقها بنظرة ثاقبة ليهمس بجدية:
- أجمل هدية جاتلي.
وحقيقةً كان لا يكذب. تلمع بؤبؤ حدقتاه وابتسامته الواسعة التي تخترق قلبها كشعاع نور جعلتها متيقنة من صدقه. أسبلت عينيها بحرج وهي تلتقط اقترابه منها. ياويلها بالتأكيد سيسمع ضربات قلبها الغبي عديم الكرامة. ابتعدت خطوة. فـ افتر ثغره عن بسمة ممتنة:
- شكرًا.
ابتسمت برقة لتهنس بعفوية وكأنها اعتادت ع الجملة:
- من بعد خيرك.
تبدلت ملامحه الرائقة للنقيض. شعر بأنها تلمح على معاملته بالسابق. ولكن تورد وجهها وابتسامتها الصافية نفت شعوره:
- عن إذنك.
وتحركت. تنزل من جديد. عدة درجات وكان يستوقفها مرة أخرى:
- نور.
وحينها نزل لمستواها. يقابلها ويفصل بينهما درجة واحدة. تلك الدرجة كانت كفيلة بأن يرى بوضوح ذلك الوهج اللامع بعينيها والذي لا تشوبه شائبة. وهج له ذوبان العسل بغابات الزيتون. يسأل بعينيه. ولكنها كانت منشغلة بحقيبتها. تعبث بمحتواها إلى أن أخرجت علبة مستطيلة من المخمل الكحلي. تعطيها له على استحياء وقسمات متوترة. يسأل بضيق عيناه:
- إيه ده؟
تغمغم بصوت خفيض تنتظر رأيه:
- هدية. كنت حاسة إني هشوفك انهاردة.
يفتح العلبة أمامها باهتمام وبطء. حتى تفاجأ بقلم رفيع بلون ذهبي لامع أنيق بشكل جذب نظره للوهلة الأولى. رغم أنه صعب أن يُجذب بأي شيء. تمتم بصدق وهو يقلب القلم بأصابعه بخفة:
- جميل أوي.
تختلس نظرة جانبية نحوه وهو منشغل بهديتها لتميز أناقته البسيطة التي تشبهه. تعلم بأن القلم سيعجبه. تفهم ذوقه جيدًا. لذلك وقت أن رأت القلم قالت هو له. رمقها بنظرة ثاقبة ليهمس بجدية:
- أجمل هدية جاتلي.
وحقيقةً كان لا يكذب. تلمع بؤبؤ حدقتاه وابتسامته الواسعة التي تخترق قلبها كشعاع نور جعلتها متيقنة من صدقه. أسبلت عينيها بحرج وهي تلتقط اقترابه منها. ياويلها بالتأكيد سيسمع ضربات قلبها الغبي عديم الكرامة. ابتعدت خطوة. فـ افتر ثغره عن بسمة ممتنة:
- شكرًا.
ابتسمت برقة لتهنس بعفوية وكأنها اعتادت ع الجملة:
- من بعد خيرك.
تبدلت ملامحه الرائقة للنقيض. شعر بأنها تلمح على معاملته بالسابق. ولكن تورد وجهها وابتسامتها الصافية نفت شعوره:
- عن إذنك.
وتحركت. تنزل من جديد. عدة درجات وكان يستوقفها مرة أخرى:
- نور.
وحينها نزل لمستواها. يقابلها ويفصل بينهما درجة واحدة. تلك الدرجة كانت كفيلة بأن يرى بوضوح ذلك الوهج اللامع بعينيها والذي لا تشوبه شائبة. وهج له ذوبان العسل بغابات الزيتون.
رواية بيت القاسم الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم ريهام محمود
تجمع عائلي بشقة كمال، والذي عاد من المشفى أول أمس.
اليوم تجرأت وصعدت لزيارته والسؤال عن صحته.
كان بصالة منزله ممدد على الأريكة العريضة والعائلة ملتفة حوله.
مراد ملتصق به على الأريكة بشبه احتضان، والدته بالمواجهة وبجوارها ريم زوجته، وقاسم ويارا بالجهة الأخرى ظهرهما لها.
جو دافئ، أسري بجدارة.
لذا تجنبت الجمع، واستسلمت مع فكرة النبذ.
جلست جانبًا بجوار الصغير "حاتم"، والذي يبدو مشغولًا برسمته عنهم.
تلتصق حنين بجلستها بالصغير، تبعثر خصلاته.
"قاعد لوحدك ليه؟!"
كان منهمكًا بما يفعله، أجاب بلا مبالاة.
"عشان مُعاقب."
رفعت حاجبيها بذهول، تُدعي الاستغراب بمبدأ الأفورة.
"ياخبر... معاقب ليه؟"
يرد ببرود.
"عشان كسرت التابلت بتاع مراد."
ثم تابع وهو يهز كتفيه بتمثيل.
"مكنش قصدي."
تسخر منه.
"ياسلام..!"
ولكنّه تجاهل.
رفع عيناه ينظر نحو التجمع دون تركيز، بملامح واجمة غمغم.
"اشمعني هو عنده تابلت وأنا لأ."
غامت عيناه، يتابع بنبرة مختنقة.
"هو ليه بابا بيحبه أكتر مني؟"
نبرته وملامحه كانت غريبة على طفل بالسابعة.
دققت النظر به.
كان يراقب بحقد.
تلمح في عينيه بداية ثورة.
سريعًا تمتمت، تؤكد له بكلامها.
"بابا بيحبكو انتو التلاتة زي بعض ياتومي."
وكأنه لم يسمعها.
ببراعة أخفى نظرته الحادة.
واغتصب ابتسامة باهتة.
"شوفي أنا رسمتك."
يفرد أمامها الورقة.
رسمة فوضوية، وألوان مبعثرة، لم تتبين ملامحها.
وقد شعر بتيهها فأشار بسبابته على الورقة.
"إنتِ قاعدة لوحدك هناك أهو. وأنا جمبك."
ثم رسم بأنمله الصغير دائرة حول بعض الخطوط المتشابكة.
"وهما كلهم هناك أهم."
يتابع باستطراده، يُلقي الورقة جانبًا ولم يهتم.
يراقب مرة أخرى.
وقد أصبحت النبرة جامدة أشبه بالركود.
"احنا الاتنين محدش عاوزنا."
طرفت عيناها بمشاعر مختلطة.
قلبها يدق بعنف.
والوجع بدأ بالتوغل أكثر بأعماق روحها الخربة.
وقلبها المنهك.
شعور مؤذٍ يتفاقم.
شعور بالألم.
الوحدة ولم يشعر بها أحد.
حينها رفعت نظراتها.
تراقب مثلما يراقب هو.
معه كل الحق لا أحد يريد وجودها هنا.
"رغم استغرابها من حديثه البالغ أضعاف عمره، وإحساسه الغريب على طفل والده" كمال"!"
ولكنها أرجعت أمره لحساسية سنهُ وكونّه اليوم مُعاقب.
كانوا مجتمعين بألفة.
أحاديث خفيفة.
وضحكة فاطمة تصدح بأرجاء الشقة وهي تهتف.
"أقنعه ياكمال يتجوز أي بنت م اللي بجيبهمله."
نطق بعصبية ظاهرة، يوزع نظرته بين حنين ووالدته.
"براحته ياماما هو مش صغير."
حينها صفق قاسم بكفيه، يشجعه.
"يسلم فمك ياابو كمال."
عبست فاطمة مردفة.
"طب والله لأوريك صورة العروسة اللي جيبهالك النوبه دي."
أخرجت هاتف حديث من جيب مئزرها الكتاني، تحاول فتحه مرة فتفشل.
تتابع بتذمر وهي تفتحه.
"ياخواتي مبعرفش أتعامل مع البتاع ده. ماله التلفون أبو زراير!"
تضغط بأصبعها ضغطات بسيطة.
تُمرر سبابتها بخفة، تتنقل بين الصور بصعوبة.
وأخيرًا هتفت منتصرة.
"إيه رأيك في دي."
تمد ذراعها بالهاتف لقاسم، ف يتناوله على مضض.
يدقق بالصورة أمامه.
حاجب ارتفع، وعين تفحص بدقه رجولية.
كانت الفتاة صهباء بخصلات نارية بعض النمش البرتقالي متناثر على جانبي وجهها.
ورغم جمالها إلا أنها لم تلفت قلبه.
غمغم بمشاكسة يعيد الهاتف لوالدته.
"بس دي راس بس يا أمي. هو أنا هتجوز بالراس!"
تؤكد أمه بتقرير.
"انت بس قولي رأيك وأنا هظبطك."
اكفهر وجه كمال يراقب ملامح حنين الباهتة في حين كانت يارا تكتم ضحكاتها بصعوبة.
ليرد قاسم بمرح.
"راسها حلوة. هعاين الجتة كلها أمته؟"
سكتت فاطمة لحظة قبل أن تنتبه.
"طب وهنروح بعيد ليه. تيجي نجوزك يارا!"
تبادل قاسم نظراته مع يارا.
ليرفع حاجبه مغمغمآ بلؤم.
"طب والله فكرة. زياد ممكن يتشل فيها."
تصاعدت ضحكة يارا تدريجيًا.
لتردف بشقاوة من بين شهقاتها المجلجلة.
"تخيل مش طايقك وأنت أخو مراته. تقوم كمان متجوز أخته...!"
صوت صفع الباب القوي جعلهم يتوقفون عن الضحك والحديث.
استدار قاسم برأسه.
يجد مكانها فارغًا وحاتم جالس بمفرده.
عاد للأمام بنظرة مبهمة.
نهرهم كمال بضيق.
"ينفع كدة!"
وقبل أن يوبخه كمال.
نهض من جلسته.
يبسط ذراعيه.
"أنا نازل."
سار خطوتان صوب أمه، يميل عليها.
يهمس لأذنها هي فقط.
"فاطمة إنتِ عارفة أنا عيني على مين وهتجوز مين. بلاش شغل الحموات الفاتنات بتاعك ده!"
لتقرص فاطمة خده برفق.
تهمس له بالمقابل.
"آآه منك ياسوسة يعني انت فاهم؟"
يغمغم غامزًا.
"عيب عليكي يابطة ده إنتِ تربيتي."
"بشركة عاصم"
وقف زياد مذهولًا أمام مكتب أماني السكرتيرة الخاصة بعاصم وكان ينوي الدخول مباشرًة إليه.
ولكن المشهد استوقفه.
ف أماني جالسة أمام مكتبها وأمامها العديد من المحارم الورقية.
تمسك بإحدى المحارم تمسح به الدموع المتساقطة على خديها.
وقد أدهشه أن تلون تلك المتبلدة لديها مشاعر كسائر البشر.
"ياساتر ياارب. أماني إنتِ بتعيطي!"
نطق بها زياد بدهشة، يستغرب حالها.
رفعت نظراتها الباكية إليه، تسهب في البكاء.
"كرامتي نائحة عليا أوي يامستر زياد."
ارتفعا حاجبيه حتى كادا أن يلتصقا بمنابت شعره.
"سيبك ِ من الفرحة. مستر زياد؟ أول مرة تحترميني!"
رفع كفاه يبتهل بمشاكسة.
"ياارب كرامتك تنئح عليكي علطووول."
وتابع متسائلًا باستغراب.
"وده مين الشبح اللي زعلك!"
سحبت منديلَا من العلبة بجوارها، تهتف بانفعال.
"مستر عاصم. بيزعقلي وبيتهمني بالتقصير!"
ثم اختنق صوتها لتهتف من بين شهقاتها.
"تخيل يامستر زياد. أنا يتعصب عليا ويقول إني خرفت وبضيع ورق!"
لمعت عيناه ببريق مشاكس، يكتم ضحكه بصعوبة.
غمغم باستنكار.
"لأ ده الموضوع كبير بقى. إنتِ تطلبيلي سبريسو وانا هدخل اشدلك ودنه."
واستكمالًا لـ تعجبه ضحكت على غير العادة.
ضحكة رائقة من وسط نحيبها.
فمال بجزعه على مكتبها بغير تصديق يهتف.
"أماني إنتِ بتضحكي. يافرج الله. طب والنعمة لادخل أخانقه عشانك."
واخر كلامه صاحب خطواته لمكتب عاصم.
نقرة خفيفة على الباب ثم دخل ضاحكاً.
يبسط ذراعيه بشقاوة.
"مش هتصدق ياعاصم."
رفع عاصم عيناه له متسائلًا.
"في إيه؟"
جلس بمقابله بأريحية.
"أماني برة مفحمة نفسها من العياط."
غضن عاصم جبينه مستفهمًا.
"ليه؟"
استنكر زياد.
"ليه ايه! بسببك وبسبب كلامك، ورق إيه اللي ضيعته!"
عاد عاصم بظهره للوراء يستند بظهره على الكرسي، يطلق زفيرَا حارقًا.
"مفيش حاجة ضاعت. أعصابي كانت تعبانة وطلعت غيظي عليها."
سأله زياد باهتمام.
"إيه إللي مخلي أعصابك تعبانة؟!"
يُشيح بنطراته عنه، يوزعها بأرجاء المكتب عدا النظر إليه.
هو الآن مكشوف.
تفضحه ملامحه.
إنفعالاته لم يعد يسيطر عليه.
ترفض مكالماته، مقابلاته ورسائله.
يشعر بالغضب.
بالتشتت.
يشعر بأن العلاقة خرجت عن السيطرة وبات في خانة الهوس.
يسحب نفسًا طويلاً لصدره ويخرجه تباعًا.
"مفيش!"
ضيق زياد عيناه، يراقب التغيرات التي طرأت على ملامح الآخر.
يُحلل، يتسائل.
"الموضوع فيه واحدة؟"
جاؤه الصمت من عاصم برأس منحني.
"طالما سكت تبقى واحدة. مين؟"
إنفعالاته غير محسوبة.
تهور سيخسره الكثير، بكلا الحالتين خاسر.
قرر البتر.
ولم يستطع كبح جماح تهوره وغضبه.
"فاكر أمنية."
"أمنية مين؟!"
خُفتت نبرته قليلًا.
"أمنية اللي..."
قاطعه زياد صائحًا وقد تذكر.
" اااه افتكرتها. مالها. مش كنت خلصت منها!!"
قبل أن يتحدث، يسرد عليه الأمر.
قاطعهما طرق الباب ودون إذن دلفت أماني ومعها صينية أعلاها فنجان من السبريسو.
تضعه أمام زياد.
متجاهلة الآخر.
"اتفضل يامستر زياد، السبريسو بتاع حضرتك."
رفع زياد نظراته.
يغمز بعبث.
"ده كتير عليا والله."
ردت بعناد مبالغ.
"مفيش حاجة تكتر عليك يامستر زياد يامحترم."
ونال الدهشة من ردها.
يرفع حاجب ويعجز عن الرد، فيضحك ببلاهة.
صداع عنيف كاد أن يفتك برأسه، لم يتحمله.
يمسح وجهه وأعلى رأسه بحدة.
وقد حمدالله بداخله أن اماني رحمته من غباء تهوره.
أين ذهب عقله!
"أماني الحقيني بفنجان قهوة بسرعة. دماغي هتتفسخ."
رفعت ذقنها بتحفز.
تردف بحدة.
"خلي عم عبده يعملهالك ويجيبهالك. أنا خرفت خلاص ومش عارفة اشوف شغلي."
وبعنجهية استطردت.
"عنئذنك يامستر زياد."
تخرج بهدوء عكس دخولها وقد استفزته.
ضرب زياد كفًا بكف متعجبًا.
"الست العاقلة اتجننت على اديك، ناقص تقولك طلقني!"
ولم يشاركه عاصم الضحك أو المزاح، ظل على وضعه ينقر بقلمه نقرات قوية على مكتبه.
هتف زياد وقد ولاه اهتمامه ثانيةً.
"ها.. كمل كنت بتقول ايه."
"امشي دلوقتي يازياد. أنا مش مظبوط."
يجابه.
يظل جالسًا مكانه، يفتح فمه ينوي السؤال وعنادهِ.
ولكن عاصم ضرب بكفه ظهر المكتب بعنف، يهدر بحدة غريبة عليه.
" قولتلك امشي الوقتي."
"بتعرف شعور لمّا، تلتقي صدفة بِحدا. مابيشبه حدا.!!"
"لما فجأة تموت العجقة ووحدك تشوفها هدا."
كلمات الأغنية تنساب لمسامعه، وكأنها غُنت لأجله.
بعمره ماكان رومانسيًا.
أو أبله يؤمن بالحكايا الوردية.
كان رجلًا من صغره بوفاة والده، اشتد عوده على أن يكون صاحب مسؤولية.
أحلامه كلها كانت مقتصرة على تحقيق بطولات، والفوز بالميدليات وفقط.
وترك أمر الزواج والحب وتلك الأمور الفارغة.
والتي ماعادت فارغة من وقتما رأها.
لتحيل كل شئ فوق رأسه.
سرقت دقات خافقه، أنفاسه.
تفكيره الدائم بها.
ينتظرها هنا بمقهى هادئ وقد اتفقا على التعارف.
وهي وافقت على مضض.
ولكن تصرفاتها، نظراتها بها لمحة من إعجاب وذاك الاحساس يريحه.
على الأقل بينهما شئ متبادل.
بالوقت ستكون وَلِهة مثله وأكثر.
يتنهد وقد رأها، تسير نحوه على استحياء.
فستانها السماوي جعلها سندريلا حكايته.
إذًا هو الأمير الوسيم!
ناعمة كالفراشة.
لونت كل شئ حوله لبهجة وفرح.
تجلس بالمقابل له.
بعد مصافحة خفيفة.
هو لم يعتد على مصافحة النساء رغم تعامله الدائم معهم ولكن بنطاق التدريب وفقط.
ولكنها بكل مرة تراه تمد كفها فيمد بالمقابل مُحرجًا.
"مممممـ اتأخرت ياكابتن."
يبتسم بالمقابل، يتحدث بعفوية.
"مواعيدك المايعة دي هي اللي هتبوظ علاقتنا."
ترفع حاحب، تستنكر برقة.
"علاقتنا. مش ملاحظ إن الكلمة كبيرة أوي ع للي بينا."
وسحب الدفة لصالحه.
يسأل.
"هو إيه اللي بينا يايارا."
تعد على اناملها.
وقد توردت وجنتاها بحمرة خفيفة.
"إعجاب.. استلطاف.."
هز راسه بعدم ارتياح للوضع.
يُصارح.
"لا مش إعجاب ولا استلطاف يايارا. أنا بحبك."
تلك النبرة التي نطق بها أحبك جعلت الخجل يزحف لبشرتها، قشعريرة غريبة أصابت جسدها كله.
تعلم بأنه صريح لا يهوى التلاعب وتلك ميزة.
تخفي وجهها عنه.
تهمس بخفوت معترض.
"أنا مش مستعدة للكلمة دي ياأحمد بصراحة."
أجاب بثقة النبرة.
وثبات النظرة.
"وأنا مش هرضى على نفسي اكون في زون البيست أو المعجب."
ثقته تشتتها.
تبعثرها.
"أنا..."
يقاطعها.
" يارا أنا عايز اكلم زياد."
تتسع عيناها، وتزدرد ريقها ببطء، بينما هو يتابع بثبات.
"عايز اللي بينا يكون بشكل رسمي."
يضيق عليها الحصار.
نطقت بصعوبة.
"طيب ممكن تديني وقت!!"
مد كفه على الطاولة.
كانت قريبة من كفها دون تلامس.
يغمغم بنبرة صادقة.
"صدقيني أنا مليش في الجو ده. أنا اتربيت إن الراجل الصح يدخل البيت من بابه."
يتابع بعد أن يحب يده، يزفر بضيق.
" لما بنتقابل عشان تدريب أو حتى مقابلة عادية بحس إني بسرق. إني بعمل حاجة غلط."
صمتت تسمعه، كل لحظة يزيد إعجابها به.
كان ردها غريب وهي تسأله.
"هو ليه الشخص الصح بيجي في الوقت الغلط؟!"
عقد حاجبيه بعدم فهم.
"مش فاهم!!"
ومازالت بنفس الغرابة.
وتوتر النظرات.
"ليه متقبلناش من سنة مثلًا..!"
يبتسم.
تلك الابتسامة الواسعة الواثقة.
ابتسامته كانت حلوة كحلاوة كلماته رغم خشونة صوته.
يجيب بيقين مؤمن به.
"نصيبي أقابلك دلوقتي. عشان تبوظيلي كل خططي، وأخسر كل حاجة. وأكسبك إنتِ."
"اليوم التالي"
تنهدت بضيق وهي تستند لسور حديدي مقابل لـ سنتر الدروس الخاصة بها.
منذ الصباح الباكر وهي بالخارج.
تنهي درس لتبدأ بآخر.
وعدت بالنجاح وستفي بالوعد.
سيكون ذلك شغلها الشاغل.
فقط لو يتركها رامي.
ذلك الشيطان الذي اقتحم حياتها وأحالها لجحيم وسواد.
ابن إبليس ذلك اللقب يناسبه أكثر.
يتماشى مع شره وابتزازه لها.
بيدها تحمل شطيرة من الدجاج المدخن.
تأكل منها دون اشتهاء.
وشرودها وجلستها السالمة لم تدُم.
وهي ترى حذاء أسود ضخم كاحذية الجيش.
تغمض عيناها بقهر وقد عرفت هوية الواقف أمامها من رائحة تبغه الكريهة.
"إنتِ مفكرة البلوك العبيط إللي إنتِ عملاه ده هيحوشني عنك!"
لم تنطق، أصابها خرس واشمئزاز.
تطأطأ رأسها لا تريد رؤية وجهه.
اقترب، كاد أن يلتصق ولكن انكماشة جسدها جعلته يتراجع.
يهمس بشيطنة بالقرب من أذنها.
"فوقي يابيبي واعرفي مصلحتك. مصلحتك اللي هي معايا."
يتابع، يُهدد بنبرة ملؤها الشر.
"إنتِ متعرفيش أنا ممكن أأذيكي إزاي!"
ازاد بفحيح.
"متفكريش إن حد هيعرف يحميكي مني."
يُلقي بآخر ورقة.
"حتى إبن عمك."
وهنا نال الرد.
استنكار حد الألم.
"لأ متخافش. ده خلاص."
ينطق بنبرة ساخرة.
بطيئة.
"أنا مبخافش. أنا بفهمك."
تغيم عيناه بنظرة قاتمة.
يعيد تهديده.
" عشآن لما ازعلك متعيطيش وتقولي خلاص والنبي."
وقبل أن ينصرف وازى طولها، ينحني لمسامعها، يهمس بخفوت أصابها بالرعب.
" اخرك معايا بكرة. هتعرفيني هيبقى برضاكي ولا بطريقتي أنا."
وغادر، كأنه شبح.
تلتفت برأسها هنا وهناك لم تجد له أثر.
تهاوت بساقيها أرضًا.
أصابها الوهن والخوف.
تبكي.
تشهق.
تنتحب.
الغصة المرة التي كانت تخنقها بالسابق كلما اشتاقت لأمها عادت من جديد.
لم تشعر بأي شئ.
تسحب هاتفها من حقيبتها.
تفتح تطبيق الرسائل.
عدة ضغطات وكان المحتوى الذي تم أرساله عبارة عن.
" زياد. أنا محتجالك."
تابع أكرم صغيرته من خلال مرآة سيارته، يلقى عليها نظرة اطمئنان، يبتسم لها فتبادله بضحكة عالية.
وقد قرر اليوم أن يأخذها لنورهان.
تلك الصغيرة هي من ستذيب الجفاء بينهما.
لما لم يستغلها من قبل!
سيعطيها لها ومعها حقيبتها.
سيعقد هدنة معها.
بالأساس هو طبق الشروط.
وفرض الولاء.
سيتنازل مرة من أجل أن يلين الحديد.
وتعود ملكه من جديد.
بالتأكيد ستسعد.
يتخيل هيئتها بتلك اللحظة.
فيتنهد.
بينما كانت نورهان مشغولة بمكتبتها.
رغبة تجديدها وتزيينها تمتلكها.
تراقب.
تدقق بما يفعله الشاب الذي جاء من أجل أن يطلي بعض الأرفف الجديدة.
ذلك الشاب تعرفه جيدًا.
كان ينوي خطبتها فور أن تنهي الدبلوم.
من أسرة بسيطة كحالها.
تعليم أقل من المتوسط.
وملامح عادية أحرقتها شمس الضهيرة.
ولكنه سافر، والنصيب كان له رأي آخر.
من حين لآخر يرمقها من بين رموشه، وهي تتجاهل.
تّدعي عدم معرفته.
وهذا آثار ضيقه.
يسأل وقد نزل لمستواها.
" إيه رأيك في اللون."
تقريبًا هي مدمنة لرائحة الطلاء.
كانت تستنشفه دون ضيق أو استياء.
أومأت برأسها.
"حلو. مقّرب للون اللي طلبته."
تقترب من الأرفف، لا تلمسها ولكنها كانت تتفحصها.
التفت إليه، تشكره باقتضاب.
"شكرًا."
تنوي محاسبته، ومغادرته.
ولكنه فاجأها يغمغم بحدة مكتومة.
" الشارع كله بيقول انك اتطلقتي."
يستكمل.
"كان ليه الأنعرة م الأول. ماكنتي تاخدي واحد من توبك."
جرأته ووقاحته أزعجتها.
اكفهرت ملامحها، تحذر.
" متدخلش في شئ ميخصكش."
تبسط كفها.
والنية واضحة طرد.
"ويللا اتفضل من هنا."
تسحب عدة ورقات لمحاسبته.
ولكنه أزاد من جرعة وقاحته.
" أنا معنديش مانع اتجوزك. أنتِ عارفة أني عايزك من زمان."
ستخلع نعلها وتضربه فوق رأسه به.
ولكن الصوت الخشن من وراء ظهرها أجفلها.
وارتعدت أوصالها فور سماع النبرة الغاضبة.
" تحبو أجيب اتنين لمون...!"
رواية بيت القاسم الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم ريهام محمود
تحبو أجيب اتنين لمون؟
تفغر شفتيها للحظة تحاول استيعاب وجوده، تسعى لنطق أي شيء يبرر موقفها، ولكنه لم يمهلها. يصعد درجات المكتبة البسيطة ويدخل. ناولها الصغيرة بنظرات صامتة مخيفة، فتناولتها من ذراعه بخوف دب في قلبها قبل ارتجافة يدها.
يتحرك صوب الآخر بخطورة، وقد تخشب الآخر بمكانه وكأنه تحول لتمثال من حجر، متسع الأعين، فاغر الفاه. يسأله أكرم بفحيح خطر:
- ها كمل كلامك... كنت بتقول إيه؟
ولم يتلق الرد. كل ما ناله هو صمت ونظرات متفاجئة. ليتابع هو بجمود ساخر:
- إيه القطة كلت لسانك.... اتخرست؟
يستطرد في غضبه، هياجه، ثورته، تهكمه اللاذع:
- أكملك أنا.. أنا ياسيدي قاطعت عرض الجواز المغري بتاعك.
يشير بأصابعه باحتقار للآخر، يترفع عن مقارنته بآخر أيًا كان:
- ده ع أساس إنك بتقارن نفسك بياا؟ وبمستوايا اللي كنت معيشها فيه!
يشعره بالدونية، بمنتهى التعجرف يقف أمامه يعريه أمامها، يشير إلى فقره وضيق حاله أمامها. يقارن الشاب بين نفسه وهو، والأغلبية للآخر بالتأكيد. يلقي نظرة عابرة على قميصه الرث الملطخ بألوان الطلاء وسرواله المهترئ القديم، على عكس أكرم وما يرتديه من قميص أسود وسروال من نفس اللون يحتويان جسده الغاضب. ملابسه منمقة، تناسبه كرجل من طبقة مرفهه على عكسه تمامًا.
يزأر بما تبقى لديه من كرامة:
- انت شايف نفسك ع ايه... بتكلم كدة ليه؟
يتابع دون أن يلتقط أنفاسه الهادرة:
- مين إداك الحق.. وصاحبة الحق معترضتش؟
وصاحبة الحق واقفة بينهما لاحول لها ولا قوة. تهز رأسها برفض.
يلتفت أكرم إليها بنظرة غاضبة، حانقة، يستشعر حركة عيناها الرافضة وجسدها المتوتر، ليستدير للأخر. يغمغم بسخرية قاسية:
- مش لما تكون صاحبة الحق ليها حق أصلاً!
يميل عليه، يمسك ياقة قميصه المتهالك بخشونة، يهدر به:
- جاي تخطب مراتي؟
آخر كلام أكرم كان بمثابة صفعة للشاب المتجمد أمامه، صفعة ببداية إفاقة. يهز رأسه بعدم تصديق، ولازالت ياقته بقبضة أكرم:
- الشارع كله عارف إنك طلقتها!
- انت والشارع كله تحت جزمتي.
يزمجر بها أكرم بلا احتمال وقد اسودت ملامحه، ينفض ياقته عنه بامتعاض ثائر. لن يلومه وحده، فزوجته أيضًا مُدانة. لو لم تكن تقف معه وتعطيه وجه، لم يكن ليتجرأ على ما تفوه به معها.
يبتعد عنه خطوات بسيطة، يرمقه من أسفل لأعلى بتقليل، زاد من دونية الآخر. ليخرج أكرم بعد ذلك من جيب بنطاله عدة ورقات مالية لم يهتم بعدّها. يدسها بين يدي الآخر باحتقار:
- خد دول أجرتك... والباقي بقشيش عشانك.
وزع الشاب نظراته المنكسرة بين أكرم والمال في قبضته بقهر. قهر لم يدم ليتحول لغل وحقد. ثم مالبث أن رمى النقود أرضًا، يعطيهما ظهره ويغادر بهوان.
وحين مغادرته التفت أكرم للباهتة وراءه، يُصيح بها:
- على فوووق... حالًا.
بعد دقائق قليلة، كانت تقف بمنتصف صالة بيتها أمام أكرم كمذنبة، وقد خلعت عن رأسها حجابها بعد أن أحست باختناق أصابها، ترتجف ذعرًا من نظراته المخيفة لها. وقد تركت ملك على الأريكة بجوارهما، تلك الصغيرة التي كانت تتابع شجاراتهما الدائمة بتصفيق طفولي وكأنها تشاهد عرض مسرحي.
- اهدا... هفهمك.
تتوسله، تطلب ما لا يستطيع تنفيذه بالوقت الحالي، تثير جنونه ومن ثم تطلب هدوئه. يا للبجاحة!
- أهدا! بعد اللي سمعته عيزاني ابقى هادي؟
صاح فيها بلا احتمال. اتسعت عيناها، لتقول بصوت مختنق:
- أنا كنت هوقفه عند حده.
بغضب وصل للحد الأقصى صرخ بها:
- وليه... ليه أصلًا خلتيه يتجرأ ويتكلم معاكي كدة!
تصرخ هي بالمقابل بشبه بكاء، وقد اختنقت أنفاسها بصدرها:
- متزعقليش... أنا اتفاجأت بكلامه.
رأى لمعان الدمع بمقلتيها، فجز على ضروسه بقوة، يطحنهما بغضب. أعطاها جانب وجهه يمسحه بكفٍ غاضب يحاول تحجيم انفعالاته. بما أتى! وما صارت إليه الأمور! ضاعت خططه سُدى، وصبره الذي طال، اشتياقه، وتنازل أقل من شأنه. سحب نفسًا طويلًا لصدره، ليغمغم:
- تمام مش هزعق... بس خلاص الوضع ده معتش مناسبني.
سألته دون فهم:
- يعني ايه؟
يُجيب بحزم وملامح صارمة:
- يعني مش هتقعدي هنا ساعة واحدة بعد اللي شوفته... هترجعي ع البيت.
ترفض بملامح شاحبة:
- أنا مش عايزة.
يقتب منها، يتنفس بعنف، يقبض على ذراعها بقبضته:
- مش بمزاجك... خلاااص مبقاش بمزاجك.
يتابع بأنفاس ثائرة ونبرة قاتمة:
- طوّلت بالي عليكي وفي الآخر خليتي زبالة زي ده يتجرأ عليا أنا!
وبغباء وليد اللحظة أردفت:
- لو إنت شايفه زبالة فأنا من نفس البيئة ز...
يسكتها بسبابته وقد وضعها على ثغرها يمنعها عن تكملة هرتلتها. يشدد من حروفه، يزرع كلماته داخل مخها الضيق بملكية يرى أنه أحق بها ولا تجوز لغيره:
- إنتِ مراتي... أم بنتي.. ملكي برضاكي أو غصب عنك.
كان هائج، غاضب، ولكن مشتاق. يصارع بداخله رغبة تقبيلها، عناقها، تكسير عظامها لأنها تستحق العقاب. يُقال أن الأعين فضّاحة، إن سكنهما شوقًا لن يخفي سرهما على أي مخلوق. مالها لا ترى شوقه، عاطفته الصادقة، وتغيره!
ينزع أصبعه من فوق شفتيها ليميل برأسه يبتلع ثورتها الوليدة بقبلة كانت في بدايتها إثبات لملكيته لها وأحقيته فيها. صاحبت قبلته لمسة ناعمة من يده لعنقها، واليد الأخرى تتلمس خصلاتها الناعمة. يتعمق بقبلته رغم رفضها الواهن، وقد ضرب بكل شيء عرض الحائط. وبالقبلة تذكر أيامها السابقة معه كانت أكثر من سعيدة معه، راغبة مثله وأكثر. يتعمق وينهال من شفتيها المزيد برغبة.
لينفصل ولازالت جبهته تستند على جبهتها مغمضًا عيناه بأنفاسٍ حارة، غائب بوعيه عن العالم المحيط بهما. وحالتها لا تقل عن حالته انشغالًا.
صوت فتح الباب جعلهما يبتعدان في لحظة، كلاهما مرتبكان وخطاهما كانت متعثرة. والآتي كان مجد شقيقها لتوه عاد من الخارج وقد انتهى من مباراة بالشارع. يوزع نظرات متسائلة، يرمق حالتهما بتعجب:
- في إيه؟
وكان أكرم هو أول من آفاق، وتدارك الموقف يأمر مجد بلطف:
- روح جهز هدومك يامجد.. عشان هتيجي معانا.
"بغرفة كمال"
كان يشمر كمي قميصه الأصفر بتروٍ، لون القميص بهت على ملامحه المرهقة، أسفل جفنيه حالك وبشرة وجهه شاحبة والسبب ليس مرضه، فهو تم شفاؤه وبالأمس نزع اللاصق للعملية وتوقف عن تناول المسكنات والأدوية. ولكن السبب الرئيسي هو رجوعها، وقد عادت وعاد معها الأرق والسُهاد.
خطواته بطيئة، يشعر بمراقبتها النافذة له، تنتظره، تسأله بعينيها عتاب، تريد أن ترمي اللوم على عاتقيه. يسير، يقف أمام المرآة يمشط خصلاته القصيرة بأصابعه دون أن يلتفت إليها. ولكن لمح ما ترتديه، فستان خفيف صيفي له رسوم الشجر وحبات الفراولة بربع كم يظهر بشرة ذراعها البيضاء بسخاء، وجيدها الملفوف.
يتحرك، ينوي الخروج وقد ملّ من الجلوس في المنزل، لتستوقفه بنفاذ صبر وقد وقفت أمامه:
- متهيألي احنا لازم نتكلم.
يزفر بضيق، يبتعد، وحالة الوهن تسيطر عليه، يوليها ظهره دون رد. فتقول هي:
- قولتلك لما تبقى كويس هنتعاتب.
وتزيد:
- وانت بتتهرب مني!
يلتفت لها بحاجب مرفوع، يتمتم:
- أنا مبتهربش... أنا تعبت من الكلام والمحايلة فيكي.
يؤكد:
- لو كنت بتهرب.. مكنتش هدخلك بيتي بعد اللي حصل بينا.
تخفض رأسها، تعض على ثغرها، لحظة، ثم تعاتب برقة:
- إنت ضربتني بالألم.
تأتي بآخر المشهد، تُذكره بخطأه هو فقط، أما هي، فلا هي ملاك لا تخطأ ولا عليها إثم. غضب، استنكار، وشعور الإهانة يحرق دواخله. يغمغم بحدة:
- بعد ما أهنتيني وقللتي من رجولتي!
يستعيد كلامها، قسوة حديثها، تبجحها وقتها:
- أحمد ربنا إني وافقت أتجوزك.. واحدة غيري كانت المفروض تبقى في حضن إلى بتحبه... مش اللي مفروض عليها.
يتابع بقسوة تمزقه قبل أن تصل إليها:
- مش ده كلامك!
أغمضت عيناها بشدة، بداخلها شعور مختلط بين ندم، وحسرة لعلمها أنها جرحت كرامته بحدة كلامها، ولكن لها العذر، فهو لم يتقرب إلا من أجل راحته كزوج. تهدج صوتها، تضع يدها فوق صدرها الهادر:
- إنت زعلتني لما شكيت فيا.. لما سألتني كنت بحب مين؟، لسه بفكر فيه ولا لأ.. وإذا كنت كلمته أصلا ولا لأ!
تفند الأسباب أمامه. قال بجمود وهو يجلس على كرسي بالغرفة بتعب:
- مبقاش يجي منه عتاب ياريم.. انا وإنتِ بقينا ع مفترق طرق دلوقتي.
وللتتمة يستعيد جزء من كلامها مرة أخرى بأنفاس محترقة:
- أكيد مش هرضالك تعيشي مع واحد زيي.. أكبر منك ب١٣ سنة!
هرعت إليه دون تردد، تنحني بجسدها، تجثو على ركبتيها أمام قدميه، وعيناه المتفاجئتين بذهول. تمسك كفيه بيديها الناعمة تحتويهما:
- خلينا نبدأ من جديد.. أنا وانت محتاجين الفرصة دي.
"بيت أكرم"
الآن تقف بالصالة الواسعة، بعد أن جذبها قسرًا لسيارته، وبالطبع مجد لم يحتاج مجهود لإقناعه، ففور أن أخبره أكرم بتحضير حقيبته وكان وقتها يقفز فرحًا، متحمسًا وبشدة لحياته الجديدة.
نظرة حنين، تردد، رجوع، ألم، خذلان، بكاء. تلك الجدران شهدت على كل ما مرت به بمنزله، وهي الآن ببيته، بيتها سابقًا، بيتهما معًا. تشعر وكأنها عادت لنقطة الصفر من جديد. أكرم غير مضمون، حتى وإن صدق تغيره وحسن نيته. ولكن هل سيأمن لها شر تقلبه؟ وهل سيجنبها معايرته؟ وزادت من الشعر بيت وشقيقها معها!
تميل، تمسح بأصبعها المائدة بجوارها. كانت نظيفة لا غبار عليها، وكأنها للتو مسحت. قاطع شرودها، يقترب بخيلاء، يقول ببساطة:
- أكيد مش جايبك عشان تروقيلي... البيت كله نضيف، أنت عارف أنا مستحيل أقعد في مكان مش نضيف. ماما كانت بتبعت ست كدة تنضف البيت وأنا برة.
يقترب أكثر، يتابع وهو يدور حولها:
- طبعاً ماعدا أوضة نومي.. إنتِ عارفة مبحبش حد يلمس حاجتي الشخصية.
سألته بحنق، وقد أغاظها أنه نال ما أراد وعادت معه:
- وانت جايبني أروقهالك؟
يرد بتأكيد، يثبت نظرته بخاصتها:
- جايبك بيتك.
تخبره، تعاتب بنظرة:
- غصب عني.
مال عليها مردفًا بهمسٍ مسيطر:
- عيني في عينك كدة... إنتِ مجبورة!
ازدردت ريقها بتوتر. نقطة بداخلها كانت تريد الرجوع، تعبت من الاشتياق والنبذ بعيدًا. نقطة لا تكذب ما يفعله، ترى بشكلٍ ملحوظ نظراته، ابتسامته وقت رؤيتها. تطأطأ برأسها، تغمغم:
- حاسة إني برجع تاني من الأول.. برجع لنقطة الصفر معاك.
رفع حاجبيه متهكمًا:
- نقطة الصفر!! المكتبة خلت كلامك عميق.
يبسط ذراعيه، ومازال على الاقتراب دون ملامسة، يردف بنبرة صادقة:
- عمومًا.. لو عايزة تبدأي من نقطة الصفر وأنا معاكي.. فأنا يعني أكون شاكر جمايل حضرتك.
وآخر كلامه كان يغمز بعبث، وتلك غريبة عليه. يتلاعب بها فتتشتت من جديد، تتلعثم:
- أكرم أنا...
يستوقفها وهو يهمس بصوت راغب، قرر البتر، وغلق الأبواب المواربة:
- أنا فاهم.. ومقدّر، ومستني... ومحتاجك.
الخطأ فعل نقع به جميعًا دون استثناء سواءً كان بإرادتنا أو سهوًا. ولك فرصة الرجوع عنه إن أردت ذلك. لك فرصة استجماع محاولاتك للصواب. تكرار الخطأ ذلك أشبه بحفرة تسقط أنت بها بكامل إرادتك. وقد خُيرت بين الانجراف والعودة. الأمر أشبه بمذاق التفاحة المحرمة، القضمة الأولى أصابتك بسُكر الخطيئة، والثانية بلذة المعصية، لتقضم ما تبقّى وتخسر جنّتك. وما بين الانجراف والعودة، كانت عالقة بالمنتصف رغم توبة صادقة إلا أن خطأها لن يتركها بسهولة كما كانت تتوقع.
تفتح باب سيارته، بعد اتصال سريع وقبول واهن استقبله هو بحفاوة شيطانية. اتفقا على المقابلة، وانتظرها ولم تخيب ظنه. وهاهي تجلس بجواره، منكمشة بمقعدها، ترتدي ثيابها الواسعة مؤخرًا.
يضحك باتساع يقترب بغمرة عاطفته المحرمة:
- كنت عارف إنك مش هتغلبيني معاكي ياحنين.
يتابع بذات القرب وعطره الثقيل يلتصق بجلدها مخترقًا ملابسها:
- كنت مراهن ع ذكائك.
ثم ومن دون مقدمات يُفتح باب سيارته المجاور لها وقد كانت شبه ملتصقة به. يأتي رجلٌ لا يعرفه يسحبها من مرفقها بقوة للخارج، وكان ذلك زياد. يهدر بها:
- انزلي إنتِ خلااص.
ولم يأخذ فرصته للتساؤل، مذهول ولم يتجاوز مفاجأته، ليفتح بابه هو الآخر ورجل آخر يسحبه بعنف. ونظرًا لصدمته لم يستطع المقاومة، وعنف قبضة الآخر وتجهم ملامحه أنبأه بالخطر ولا مجال للتراجع، فكان الآخر المتجهم يضربه بقوة على رأسه، ضربة جعلته يترنح قليلًا قبل أن يسقط فاقدًا للوعي.
ليهتف به زياد سريعًا:
- يللا ياأكرم.. حطه في الكرسي اللي ورا.
ليفتح أكرم باب السيارة الخلفي، يجره من قميصه بغضب، يُلقيه بإهمال على المقعد الخلفي، ويصفق الباب بعنف. يتابع زياد وهو يتكلم مع حنين، وكانت منهارة ترتجف أمامه كعصفورٍ تاه عن عش أمه. فيقترب، ينبه:
- روحي ع البيت علطول... إنتِ متعرفيش حاجة وملكيش دعوة بحاجة.
هزت رأسها ودموعها تتسابق على وجنتيها، خائفة والموقف أكبر من عمرها بمراحل. تترك ساقيها للرياح تُسرع بخطاها، الأمر كان أشبه بهرولة. دون مزيد من الكلام كان أكرم يجلس أمام المقود وبالجوار زياد، وبالخلف جسد رامي المسجى بغفوته الثقيلة. يربت بخشونة على كتفه:
- يللا ع المخزن.
وبعد وقت لا يعلم أن كان طويل أو قصير، عاد لوعيه، بشبه استفاقة، رأسه يؤلمه بشدة، والرؤية أمامه ضباب، مشوشة. يحاول رفع بصره دون جدوى، يقاوم رغم اختناق أنفاسه وكأنه يدفن حيّ! يرفع رأسه وذاكرته تخبره بما حدث اليوم، وما سبب الألم الذي أصاب رأسه. يحاول النهوض ولكن شيئًا ما يمنعه. يحني بصره يفاجأ، يصدم بأن قدميه وذراعيه مكبلتان بمقبض حديدي. يجلس على كرسي خشبي دون راحة. يعود ببصره للأمام، المكان غريب عليه، إضاءة خافتة جدًا.
يثبت نظراته التائهة على من ضربه وقد تذكره:
- هيييي.. انت بتعمل ايه.
كان أكرم مستندًا بظهره على جدار المخزن، يمسك بهاتف رامي، يُدقق، يُقلب في الصور، يتنقل بين الفيديوهات والرسائل وملامح الاشمئزاز والقرف تملأ وجهه. يسأله زياد بنبرة قلقة:
- ها تمام.
فيجيبه باطمئنان، يزفر أنفاسه براحة:
- اطمن ملهاش أي حاجة هنا.
والمقصود بكلامه "حنين". يتلاعب بالهاتف أمام المتذمر المقيد أمامه يستفزه، يصيبه القرف، الغثيان. الهاتف ملئ بالعديد والعديد من الفيديوهات القذرة له ولغيره من الفتيات الصغيرات، وفيديوهات مشتركة تجمعه مع المزيد، دون أن يظهر وجهه. والمزيد من الصور الماجنة والرسائل الفاحشة.
يصيح فيهما، يضرب الأرض بقدمه المقيدة بعجز:
- إنت اتجننت.. إنت متعرفش انا مين!
يقترب زياد، بملامح شر، يميل برأسه يتفحص هيأته:
- لأ اطمن عرفنا إنت ابن مين.
يستفيض بالاستهزاء:
- بس الغريبة يعني سيادت النائب مكنش عنده تلت أربع ساعات فاضيين يربيك فيهم بدل مايرمي القسم ف البرلمان!
ليصرخ رامي بلا احتمال، والألم يداهم جسده كله وبالأخص رأسه:
- إنت مش عارف أنا بابا ممكن يعمل فيكو ايه!
يتهكم:
- بابا... صدق خوفتني.
يلتفت لأكرم:
- خاف ياأكرم.
فيجيبه أكرم بلا مبالاة حقيقية، يعبث بالهاتف:
- خوفت جدًا.
يصرخ بـ أكرم بانفعال:
- إنت بتعمل إيه ف الموبايل.. سيبه.
يُخفض نبرته، يهادن:
- سيبه.. وهديك اللي إنت عايزه.. أي مبلغ تطلبه.
وكأن رامي كان يحدث نفسه، يتكلم مع الهواء، ففور أن انتهى أكرم من تفقد الهاتف والبحث فيه، انتصب بطوله يتقدم ببطء والهاتف بين يده. يرفع يده الأخرى ويقوم بثني الهاتف، يلتوي بين أصابعه خشونة وصوت طرقعته تصل لمسامعه. ثم يرميه أرضًا عند حذائه، يدهسه بقدميه بغل وغضب. يقترب، حتمية موته واجبة ومفروضة، بحقارته كتب شهادة وفاته. يهدر به:
- فهمّني إيه المتعة ف إنك تبتز بنات صغيرة بالصور والفيديوهات دي!
يرمقه من أخمص قدميه لخصلاته بازدراء:
- رغم المفروض إنك ابن ناس... ليه بتأذي بنات صغيرة بالشكل ده!
واخر كلامه كان بصراخ هادر منفعل، يتخيل أسوأ الأمور لابنة عمه الصغيرة. ليهجم عليه بلكمة فاجأته، جعلته يترنح بكرسيه، ثم يلكمه بلكمة أخرى أقوى من الأولى. ف يبعده زياد بعد أن جذبه من قميصه، ليبصق رامي بعض دماء من فمه، يتحدث من بين أنفاسه المرتعشة:
- أنا عرفت إنت مين.. إنت قاسم صح.. قاسم ابن عم حنين.
يضحك أكرم، صدقًا يضحك، يتخيل قاسم هنا، بموقفه ومكانه. يغمغم من بين ضحكه الساخر:
- صدقني لو كنت أنا قاسم.. كان زمانهم بيحطو على قبرك ورد دلوقتي.
يتابع، يشير على صدره وزياد:
- من حسن حظك إنك وقعت فينا احنا الاتنين.
يدرك حجم المصيبة التي أوقع حاله بها، يستنجد، يتوسل من بين لهاثه المتوجع:
- سيبيني وهديك اللي إنت عايزه.
وقف أكرم أمامه بسيطرة، يثني كمي قميصه ببطء، يقول:
- هسيبك... بس بعد قرصة ودن صغننة أد كدة.
ارتجافة جسده أمامه أشعرته بالنشوى، منظره الهائج خوفًا هكذا أثلج صدره وكأنه يأخذ بثأر من غدر بهن. ودون انتظار رده، أو الاهتمام بنظراته المرتعبة المتسائلة، كان يرفع هاتفه يُشغل خاصية الفيديو، وقد غامت عيناه بنظرة لم يستطع فهمها. يصيح بـ زياد بالتواء ثغره:
- قلّعه.
رواية بيت القاسم الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم ريهام محمود
"كيف أخبرك أني مشتاق دون أن أبدو كرجلٍ منهزم؟"
جالساً على فراشه، أمامه العديد من الصور الحديثة والباهتة، يبعثرهم أمامه. يمسك بصورة فيبتسم، وأخرى يمسكها بأصابعه فيتجهم، إلى أن استقر على إحدى الصور. يرفعها لمستوى بصره، يبتسم بحنين وقد زاره شوق قديم فتبعثر كالصور المبعثرة أمامه.
كانت الصورة تجمعه مع حنين ونيرة وجده، وقتها كان عيد ميلاده السابع والعشرين. صورة بسيطة ووجوههم كانت رائقة بتلك الليلة، وتلك من أقرب الصور لقلبه، ليس لسبب سوى نظرات حنين له. كانت تقف خلف جدها وخلفه، تنظر له بوله وهيام، تبتسم ابتسامة عريضة جميلة. حتى أنه وقت أن رأى نظراتها، تهكم وبعثر خصلاتها بغلظة وخشونة. بعمره ما كان رومانسيًا أو فارسًا لرواية في خيال فتاة حالمة، ولكنه كان يعجبها وكان يعلم ذلك. وبناءً عليه لم يغير بأسلوبه معها.
تنهد بضيق، يُلقي بالصورة أمامه وقد طال الخصام. هو ببساطة يريد اعتذار، رد اعتبار لكرامته أمام العائلة وهي قبلهم. يريد أن يشعر بأنه رجلها الذي أحبت.
اليوم والبارحة يشعر بقبضة تستحكم قلبه. أحلامه منذ يومان ضبابية غريبة، ولكنها بكل كوابيسه تمد يدها إليه تستنجد به فيصحو من نومه مفزوعًا.
بحرصٍ بالغ قام بجمع الصور ووضعها في صندوق خشبي خاص بها. ثم تحرك من مكانه بتثاقل، يضع الصندوق بداخل خزانته. ثم توجه إلى شرفته يقف بها، ينتظر ظهورها والاطمئنان ليس أكثر.
يستند بذراعيه على السور ينتظر مجيئها، يتأمل السماء المظلمة أمامه عدا بعض النجوم الصغيرة المتناثرة، والقمر مختفي. وقمره أيضًا مختفي.
نظراته مصوبة للفراغ أمامه، ومن حين لآخر يختلس النظر لشرفتها. ويبدو أنها نامت بهناء، وتركت له عدّ النجوم ومراعاتها، ونبضاته القلقة، وساعات الليل الطويلة.
***
منتصف النهار.
كان كمال موجود بالشرفة الكبيرة الخاصة بمنزل والدته، يجلس على كرسي من الخيزران شاردًا باللاشئ، عاقد ذراعيه بصمت. كان مجهدًا، وجهه يظهر عليه الإرهاق والتعب، يتثاءب بين الحين والآخر. عقله في صراع، وقلبه أيضًا. منذ عودتها وهي مختلفة كليًا. اشراقتها في الكلام، وضحكاتها الغنجة الحلوة، مبادرتها بالصلح وطلب بداية.
وآثر الصمت هو، واتخذه كدرعٍ واقٍ أمام إقبالها نحوه. هو بالتأكيد لا يعظم الأمور، ولكن لا يُلدغ مؤمن من جحر مرتين. وسيترك حياتهما للأيام المقبلة، والأيام كفيلة بإظهار النوايا. ولكن هو لن يسعى إليها مجددًا، يكفي استنزافًا لمشاعره وكبرياؤه كرجل.
صوت أمه البشوش جذبه من شروده، وهي تدخل عليه تحمل بين كفيها صينية بها قطع كعك وكوب من العناب المثلج. واستقبلها هو بإبتسامة مصطنعة، حيث لا مزاج رائق اليوم.
"وكمان مشبّر.. لأ دانا كده حماتي بتحبني." يقصد كوب العناب.
مصمصت شفتيها باستهجان.
"ومتحبكش ليه.. هو انت فيه زيك؟"
هز رأسه بيأس. ليت الجميع يراه كما تراه فاطمة، أمه.
تنهد قبل أن يغمغم بشبه ضيق.
"بمناسبة الحموات. ممكن تخفّي ع حنين شوية."
تتعجب ثم تجيبه بشيء من عصبية.
"أخف عليها.. دي بنت نمرودة وقليلة الأدب."
عقد حاجبيه باستنكار.
"ياما دي عيلة عندها ١٨ سنة!"
ردت بالمقابل بلامبالاة.
"لا ياخويا ١٩ باين."
"فرقت ياما؟!"
"مفرقتش." ترفع ذقنها، تعانده.
"لا تفرق وأنا أدها كنت متجوزة."
حاول أن يلتقط أنفاسه، وقد ثار بداخله من تعنت والدته. استجلب الهدوء وكسى نبرته.
"وأنتِ أدها كانت جدتي الله يرحمها معاكي." يتابع، يسأل بتقرير.
"هي أمها فين؟... أبوها فين...!"
حينها دافعت.
"أنا مقصرتش معاها ف حاجة!"
وبلا احتمال يضرب كمال على المنضدة الخشبية الفاصلة بينهما.
"إنتِ مش أمها.. إنتِ قريبتها اللي عمرك ماهتعمليها زي مابتعاملي نيرة أو حد من ولادك.... هي دايماً كانت بتتعامل ف البيت ده درجة تانية." يتابع باستنكار. حدة كلامه كانت كسـكين يبتر مهاجمتها.
"هو ليه أمر مسلم بيه إنها لازم تتجوز قاسم.. طالما قاسم عاوز كدة." يتحدى بالنظرة العاتبة، يُرغمها على مواجهته.
"عارفه ليه عشان قاسم ابنك.. هي مش بنتك.. لو كانت بنتك.. كنتي هتقولي كبير عليها.. مش مناسبـ....."
عارضته أمه بعنف تقطع حديثه، حيث أنها لا ترى سوى مميزات أبنائها وفقط.
"عندك... كله إلا قاسم ... متزعليش منك ياكمال." يبسط ذراعيه، يثبت صحة كلامه.
"اللي بتقوليه ده بيثبتلك كلامي... إنها درجة تانية." ولانت نبرته بشبه رجاء.
"لو سمحتي ياما، متعمليهاش بالجفا ده... كفاية عليها إنها يتيمة مع إن أبوها وأمها عايشين...!"
لا تجيب، واكتفت باشاحة وجهها بعيدًا عنه، تتجاهله باستياء.
كاد أن يهم بالمزيد من الحديث، ولكن رنين جرس الباب قاطعهما. تحرك ينوي أن يفتح هو، ولكنه أشارت له بصمت وملامح مقلوبة بأنها ستذهب هي.
ضحك متنهدًا، فأمه تعلم أنها على خطأ ولكن تكابر. تراجع في مقعده باسترخاء بعد أن كان متحفزًا. استرخاء لم يدم وهو يرى ريم تقبل عليه، تدخل وخلفها أمه بضحكة واسعة.
"اتخنقت فوق قولت أجي أقعد معاك." تخصه بالحديث دون الأخرى، تبتسم له بدلال عفوي التقطه على الفور، فقابله بازدراد ريقه الجاف، وتشنج جسده.
"ممكن أقعد؟!"
بالطبع لا تطلب الإذن، لأنها تحركت. تخطو من أمامه بشبه التصاق ساقيها بركبتيه، تجلس بأريحية وابتسامة حلوة. ومع صمت كمال هتفت فاطمة بمرح ومودة.
"دانتي نورتي البيت كله." وتلك المرة الأولى لها بزيارة بيت والدته. فاحمرت وجنتيها من حفاوة استقبالها، تشكرها بملامح ناعمة.
"ميرسيه ياماما."
"هروح أعملك حاجة حلوة تشربيها." لتهتف ريم والتي جلست بجوار كمال.
"شكرًا.. مش عايزة أتعبك."
اتسعت ابتسامة فاطمة تغمغم بصدق.
"ياريت كل التعب يبقى حلو كده." وانصرفت.
وكانت محقة بآخر كلامها عن حلاوة التعب المجاور له، والتي تقريبًا تراقبه.
رجع ظهره للوراء يلصقه بظهر كرسيه، يناظرها بصمت فتبتسم بالمقابل. وحجابها الهادئ يحدد ملامحها الناعمة. وعلى غير العادة قد ارتدت عباءة زرقاء محتشمة، أرضته كرجل، وكزوج غيور.
"مممممـ كنتو بتتكلمو في إيه؟"
يهز رأسه نافيًا.
"ولا حاجة.. موضوع ملكيش علاقة بيه."
وتجاوزت جفاء الرد، بل تجاهلت. كلامه شئ ونظراته وحركات جسده في وجودها نقيض الشئ.
مالت قليلًا بجذعها، تصطدم بجذعه، وكان مرحبًا وأكثر. تتناول كوبه تحت تفحص نظراته، ترفعه لثغرها، ترتشف ببطء منه عدة رشفات قبل أن تعيده مكانه بذات الطريقة. تمط شفتيها بتلذذ.
"حلو أوي.. لو بتحبه هبقى أعملهولك فوق."
وكانت تلك إشارة واضحة بالبقاء، وصدق نية البداية.
***
كان أكرم يرتدي ساعته وهو يخرج من بوابة البيت الخارجية. كان مزاجه رائق، يبدو ذلك من انفراج عقدة حاجبيه. عدة خطوات رتيبة قبل أن يرفع رأسه ويقابل حنين، والتي بدت بأنها للتو عائدة من الخارج تحمل بموازاة صدرها العديد من الكتب.
كانت تتحاشى النظر إليه، تخفض رأسها تتجاوزه بشبه هرولة، فاستوقفها، يسألها بهدوء.
"عاملة إيه؟"
توقفت عن السير، ولازالت مطأطأة الرأس، تهمس بخفوت بالكاد وصله.
"تمام.. الحمد لله."
نظر إلى رأسها المحني قليلًا قبل أن يهتف بصوت واثق.
"ارفعي راسك ياحنين.. مش حابب أشوفك كده."
حينها رفعت رأسها ببطء. ملامح وجهها كانت باهتة ونظراتها محرجة مليئة بالخزي، وبريق من الدموع.
يسألها باهتمام صادق.
"مالك؟"
تلعثمت، والخوف يحتل قسماتها ويتغذى على روحها الضعيفة.
"أنا.. أنا خايفة." ترتجف أمامه، بدت كطفلة مذنبة تخشى العقاب.
طمأنها بتأكيد.
"متخافيش الموضوع خلاص اتقفل... انتهى خالص."
أزاد وهو يرى عودة الدم لبشرتها الشاحبة رويدًا رويدًا.
"كل المطلوب منك ترجعي حنين القديمة.. عايز مجموع يشرف مش إكلام."
أومأت برأسها، توعده، قبل أن تغمغم بامتنان.
"شكرًا."
رفع أكرم رأسه عن مستوى رأسها، ووجد قاسم يقف بالخلفية بانعقاد حاجبين متسائلين، والغيظ يملؤه. ضحك بداخله وقرر إغاظته أكثر. يغمز بعينه.
"ع إيه.. أي خدمة." يتابع بتأكيد.
"لو عاوزتي أي حاجة.. أي حاجة أنا وقاسم موجودين." يُطيل بوقفته.
"ولو مش عاوزة قاسم يعرف حاجة.. أنا هكون في ضهرك دايمًا."
تهز رأسها بمزيد من الشكر، وقد انسابت دمعاتها. تشكره وتتحرك. ترى قاسم فتتجاوزه مُرغمة بعد أن طأطأت رأسها مرة أخرى، وتماسكت ولم تلقِ عليه السلام حتى.
كانت نظراته قلقة متسائلة أبعد ما تكون عن الغيرة والغيظ. يرمقها من بين أهدابه ينتظر تفسيرًا ولم يجده منها. تتجاهله، وكأنه هواء. يتهكم بداخله "هل ستجعله شرير الحكاية".
يقترب من أكرم، والذي بدوره كان يفتح باب سيارته ينوي الدخول، ولكنه استوقفه يسأله بقلق ظاهر.
"في حاجة؟"
يتعمد المناورة، يسأله بالمقابل.
"حاجة زي إيه؟"
جاء بها صريحة، هو لا يهوى التلاعب.
"حنين فيها حاجة؟!"
يخبره أكرم باطمئنان.
"كنت بطمن عليها عادي." يزيد بشقاوة مرحة يُغطي على كذبه، غامزًا.
"متخافش مش هخطفها منك."
وتركه واقفًا بصمت. ينحني بجسده ليدلف سيارته، ثم بعدها أغلق بابها. لينحني قاسم بجزعه يستند بساعديه على نافذة سيارة أكرم، يعيد سؤاله، يريد الصدق.
"حنين عندها مشكلة ياأكرم؟" شقيقه ويعلمه جيدًا لن يهدأ له بال إلا حين يعرف الحقيقة كاملة، وخاصةً وأن الموضوع خاص بحنين.
هتف أكرم بنظرة واثقة، يؤكد بكلامه.
"مفيش حاجة والله يابني.. كنت بطمن عليها وبحاول أخليها تفك شوية." ثم أزاد.
"لو عايز تتأكد صالحها واسألها."
***
ليلًا، بشقة كمال.
عبست ريم وهي تنظر إليه، يوليها ظهره. يجلس بعصبية أمام مباراة تلفزيونية لفريقه المفضل، كانت مباراة بالدوري الإسباني هكذا قال المعلق، وذلك جانب لم تكن تعلم به. حيث أنه شغوف بالكرة الإسبانية على وجه الخصوص، عدا طبعًا معرفتها بأنه أهلاوي قلبًا وقالبًا.
جسده متحفز، وبعض سباب يطلقه بخفوت، فـ البارسا بتلك الليلة غير موفقة. لعنات يصبها على الحكم والكثير على اللاعبين.
جلست بجواره، تزفر بضيق، وملل، وهو لا يهتم، فقط نظراته مركزة على أقدام اللاعبين والكرة.
قررت معاندته، فسحبت جهاز التحكم من جواره وغيرت القناة دون مبالاة لمن ذُهل بجوارها. تُقلب بين القنوات، فزعق بها.
"إنتِ مش شايفاني بتفرج ع الماتش!"
تهز كتفيها.
"وانت مش شايف ان أنا اتخنقت."
يتجاهل، يصيح بها بلا احتمال.
"هاتي الريموت."
"لأ." ردت بعناد فصاح بها مرة أخرى.
"قولتلك هاتيه." واقترب يأخذه، فابتعدت بجسدها، تُخفيه خلف ظهرها.
فيقترب، لم يهتم، ولكنها تأثرت، تخضبت وجنتيها وكستها حمرة قانية، وأنفاسه الساخنة تضرب جانب بشرتها. وزاد من استيائها وغضبها اهتمامه بالمباراة عنها.
ألقت بجهاز التحكم على الطاولة بعنف، وتركته ودخلت غرفة نومهما بعد أن صفقت الباب بغضب وقوة. وأيضًا لم يهتم.
عدا عن لمحة سريعة لكاحلها وقد خطفه خلخال فضي يداعب أعلى قدمها. يمسك بجهاز التحكم، يعيد القناة الخاصة بالمباراة. يزفر بضيق وغيظ، وقد فعلتها الريال وأدخلت جول تبعته بآخر سريعًا في شباك فريقه. وقد فقد الشغف، والمشاهدة لم تكن على المستوى المطلوب.
حانت منه نظرة خاطفة لباب غرفتهما، وتخيلها بانتظاره، هي والخلخال. "هو رجل التخيلات بجدارة."
أغلق التلفاز بفتور، ينوي الذهاب لها ومراضاتها، مرضاة تليق بها. واحتمال وارد بإن الأمور قد تتجاوز المرضاة بقليل. قليلاً يتجاوز المسموح به.
***
كانت نورهان واقفة أمام الحوض تغسل الأطباق بذهنٍ شارد، وأفكار متشابكة. أكرم ذلك معضلة حياتها. لن تفهمه حتى وإن عاشرته فوق القرن قرنًا آخر. اهتمامه الزائد بأمورها، تفهمه، صبره عليها. حسنًا هو لم يعترف بخطئه. هو لديه مشكلة بالاعتراف بالخطأ والإصرار على موقفه، حيث كل أموره صواب. بات شخصًا أكثر تفهمًا وهدوءًا. وهذا ما يثير قلقها، يجعلها دائمًا متحفزة، تنتظر أدنى خطأ منه. كي تهرب بشقيقها وتعود للبيت القديم المتهالك. شقيقها الخائن، الجاحد، الذي تركها والتصق بأكرم يتتبعه بكل مكان وأي خطوة. وقد اشترك له أكرم بالنادي القريب مع أبناء كمال، وأحضر له حاسوب وهاتف جديدان دون طلب، ليصبح أكرم بنظره "سوبر هيرو" وهي زوجة الأب.
وعلى باب المطبخ كان يقف هو، يراقب.
يقيم بنظرات رجولية جسدها الملتف بقميص صيفي قصير لركبتيها. خصلاتها منسابة على كتفها وغرة تزين جبهتها أسقطتها بعشوائية لذيذة دون مجهود. وعلى الرغم من ضآلة جسدها إلا أنها مغرية بالفطرة. منذ اليوم الأول لهما وهو يلاحظ ذلك. بالأول كان ذلك يغيظه، يثير غضبه خاصةً مع قراره بالانفصال. ولكن بمرور الوقت عجبه الأمر. جاء على هواه حيث أنه رجل كسائر الرجال وهي زوجته. هو لا يعلم تحديدًا متى أحبها وتعلق بها هكذا. كل ما يعرفه أنه اكتفى بها عن الجميع.
يغمض عيناه. يعلم أنها تفكر به. وضعها معه غير مريح. هي لن تعطيه الأمان. رغم نظراتها العاشقة. يقطع على نفسه المراقبة وروعة التأمل وهو يقترب بخفة. يلتصق بها من الخلف. يده مرفوعة لأعلى يحضر كوبًا من فوق رأسها.
أجفلت فور أن شعرت بوجوده وانتفضت تلتفت له بالمقابل بجسدها كله ليصبح رأسها مقابل رأسه. ونظراتهما متعانقة. كانت متفاجئة وخجلة. احتقان بشرة وجهها يعزز غروره ويدرك مدى تأثيره عليها.
تهمس بتوتر:
- في إيه؟
يحني ذراعيه لأسفل وبيده كوب زجاجي. يرد ببراءة مصطنعة:
- بجيب كوباية عشان أشرب.
ردت ببطء تشير بعينيها للمبرد:
- طب ماتروح تشرب.
يتمتم ببديهية:
- هشرب من غير ما أغسل الكوباية... يرضيكي!!
يتلكأ بوقفته. يزيد من جرأة نظرته. رجفت شفتاها رغمًا عنها تعض عليهما بخجل واستياء. ذراعيه محيطان بها يستند بهما على الرخامة خلفها. وقوفه هكذا واقترابه بهذا الشكل ذكرها بتلك القبلة بمنزل أهلها.
أنزلت رأسها تطلب بخفوت ونبرة متحشرجة:
- طيب أبعد شوية.
كان ذائبًا بوجودها. يزفر أنفاسًا حارة. يهمس بصوت مختنق:
- مش قادر أبعد!
لهفته تصلها. لن يستطيع الابتعاد. فماذا عنها؟ إن كان يحرقه الشوق قيراطًا، فيحرقها قربه أضعافًا. ازدردت ريقها. تحاول أن تبتعد. تهمس برجاء:
- أرجوك...
تنهيدة محترقة خرجت من صدره. يغمض عيناه بشدة قبل أن يبتعد مجبرًا. يشد من جسده وكأنه يحاول التحكم. بضع لحظات وهو يعطيها ظهره. ومن ثم استدار. يقترب دون تلامس ولكن أنفاسه الهائجة تضرب وجهها بقوة. يميل عليها يحاصرها مرة أخرى. يغمغم بخفوت حاد:
- المرادي ليكي. المرة الجاية لو عملتي إيه مش هوقف...
تلك الحكاية لا تحمل بين طياتها الاكتمال. تكرار الخطأ في حالته أشبه بمصيبة يفعلها عن طيب خاطر. حيث من الغباء أن تنتهي من علاقة وتدخل بأخرى. تلك حماقة! الحياة عبث في عبث. فوضى. وحياته عبث وكان يريد تغييرها معها.
يقف أمام منزل زياد ينتظر مجيئها. سيتوسل، يطلب سماحها، يعيد حبها له من جديد. هو عاصم النجار وما زال لديه القدرة على التلاعب بالقلوب وتحريكها كيفما يشاء. ينتظر وطال انتظاره. يترجل من سيارته. يستند على بابها ويشعل سيجارة ينفث دخانها بالأرجاء علها تهديه الراحة. يتخيل عودتها من بين ضباب تبغه وآخر معها. ولم تكن تخيلات. كانت حقيقة. هي أمامه تقف مع رجل طويل ذو بنية ضخمة ولم يتبين ملامحه.
يقترب بشبه صدمة وملامح تنبأ بالشر. ابتسامتها الهائمة ونظراتها الولهة لذلك الرجل. كانت له سابقًا. كانت تتلاعب. يقترب أكثر بخطوات غاضبة، والصورة باتت أوضح. ذلك حبيبها. وصار هو على الهامش بحكايتها. اقترب فتوسعت عيناها فور رؤيته. شهقت بصدمة وهو يجذبها نحوه يهدر بها:
- بقى هو ده اللي إنتِ فضلتيه عليا!
يشير على الآخر، يزيد بألم يحرق صدره:
- كل ده بتلعبي بياا!
يضحك بالأرجاء ساخرًا:
- بتلعبي بينا احنا الاتنين.
وأفاق أحمد من صدمته. وتذكر. ذلك نفس الشخص الذي حاول التحرش بها بحفلة نجاحها. يقترب أحمد من عاصم وقد أعماه الغضب:
- انت بتخرف بتقول إيه!
يجذبه من ياقة قميصه دون مقاومة من الآخر:
- انت مش هتبطل تضايقها.
تعالت ضحكات عاصم يرمق يارا بصدمة. عيناه متسعتان بذهول غاضب. يتهكم بمرارة:
- أضايقها!
ينفض يداه عنه بعنف. يسألها بلهث محترق وهو يمسك بمعصمها بعنف:
- أنا بضايقك!
وقبل أن يصرخ بها. يهاجم أو حتى يدافع عن دوره. فاجأه زياد يقف أمامه. ملامح وجهه مغضنة. يسأل بنظراته وقد ترجمتها شفتاه:
- عاصم.. إنت بتعمل ايه هنا!
ثم نظر لقبضته المحكمة على مرفق أخته فدفعه عنها هادرًا:
- ماسك يارا كدة ليه.
وحين وصول زياد ابتعد أحمد. يراقب. وقد تشابكت الأمور ببعضها، وتشوشت الرؤية لديه. ملامح يارا المرتعبة توحي بوجود شيء مع هذا الشخص. علا صراخ زياد بعاصم يلكمه دون أن يمهله فرصة الرد:
- فهمني.. انت ازاي تجيلك الجرأة تقرب من أختي كدة!
حاول عاصم التوازن. ينتصب بطوله وقد أصاب جسده وهن إثر صدمته. يقترب من يارا. يغرز أنامله بلحم ذراعها يقربها من زياد المصعوق من هيئتها. يقول بغضب جامح:
- فاكر أمنية...
يتابع بفحيح. وقد ضغط على زناد تهوره وقضى الأمر:
- أمنية هي يارا أختك.
ترك ذراعها بحدة. يواجه زياد:
- أنا ويارا على علاقة ببعض.
يثور بداخله. ينعى تاريخه العابث على يد مراهقة استغفلته. يتهور بالمزيد. يعلم أنه سيندم. ولكن لا وجود للتراجع بحكايته.
- أنا ويارا على علاقة تامة.
الرؤية أمامها صارت ضباب. كل شيء أمامها يدعو للانهيار. تريد البكاء. ولكن عيناها أبت. بهتت الرؤية شيئًا فشيئًا. تترنح بطولها بنصف وعي متأرجح بين الوعي واللاوعي. وأخيرًا تركت جسدها للانهيار. ومرحبًا بالسقوط.
رواية بيت القاسم الفصل الثلاثون 30 - بقلم ريهام محمود
أحيانًا لا يكفي بأن تقلب الصفحة، أو حتى تحرقها.. أفضل لك أن تغير الكتاب.
آخر اليوم، حيث الليل أسدل ستاره على نهارٍ طال كابوسه.
تستند يارا إلى نيرة بعدما ترجلا سويًا من سيارة نيرة، والتي أخذتها من زياد. كانت يارا منهارة وقت أن اتصلت بها، تستغيث، تطلب مساعدتها. وقد استغلت نيرة فرصة عدم وجود زياد بذلك الوقت، فغادرت معها. تسير معها بخطى رتيبة متثاقلة إثر جسدها الواهن.
وحين وصولهما لبوابة البيت، استوقفهم صياح زياد الغاضب بعد أن نزل من سيارته وترك بابها مفتوحًا. تقدمت منه نيرة، وتركت يارا خلفها.
يهدر بها زياد:
- أنتِ بأي حق تاخديها؟ هو أنا مش مالي عينك؟
تمتمت نيرة بهدوء عكس ثورته:
- خدتها يازياد لحد ما أنت تهدا.. وهي تفوق شوية.
يهتف زياد باستنكار:
- أهدا!! مفتكرش إني ههدا.
ثم حاول أن يقترب من يارا التي كانت ترتجف، تسد أذنيها بكفيها، يصرخ بعاصفة:
- تعالي.
دفعته نيرة بصدره:
- ابعد يازياد.. مش هتيجي معاك.
يعاند زياد، ولتضرب رأسها بالحائط:
- هتيجي.. وهربيها من أول وجديد.
ردت نيرة بثبات، تفصل بينه وبين يارا بجسدها:
- والله العظيم ما هتيجي معاك يازياد.. وامشي من هنا يللا.
مسد زياد وجهه بحدة، يجز على أسنانه بغضب:
- ابعدي يانيرة.. إنتِ مش عارفه هي عملت إيه؟
- عارفة.
وفاجأته الإجابة. ودون أن تمهله فرصة لأخذ نفسه، اقتربت منه نيرة توازيه بجسدها رغم قصر قامتها وبطنها المنتفخة، تضرب بكفيها صدره الصلب بقوة، تقتله بسكين الحقيقة:
- ثم أنت بتحاسبها على إيه!! حاسب نفسك أنت الأول.
عُقد لسان زياد، بهتت ملامحه فور انتهاء كلام نيرة، وكأنها تشير بأن الذنب له. لم تتعجب نيرة من انطفاء ملامحه، تعلم بأنها تخطت المسموح وجرحته. تزدرد ريقها وهي تراه يبتعد، وقد اهتز جسده، واعتلى الحزن ملامحه. لوهلة أنبها ضميرها.
طال الوقت وهو يحدق في يارا بنظرة طويلة لن يفهمها سواهما، حيث أن كأس الخيانة مذاقه مُر بعد أن أذاقه لها. حاول البحث عن صوته، فخرج بصعوبة. يبتعد عن نيرة وعن البيت، يحرك رأسه بتيه، يوجه حديثه ليارا:
- تمام.. خليكي.... بس متتورنيش وشك خالص.
***
حاولت يارا أن تسيطر على رجفة جسدها بعد مغادرة زياد. جلست على الدرج الداخلي لبيت جدها، بعد أن تركتها نيرة مُجبرة عندما توسلتها هي بأن تتركها بمفردها قليلًا تستنشق بعض الهواء وقد أصابها اختناق. لا تستطيع تجاوز نظرات زياد المخيبة لها. شعور الخزي يكتنفها بتلك اللحظة، وتقريبًا قد علم بالبيت بأمرها.
صوت خطوات هادئة يفرض عليها المشاركة. تلتفت برأسها فتجدها حنين، فتعود برأسها ترمق الفراغ من جديد بتشتت وحزن، ترسل إشارة صامتة بأنها لا تريد وجودها.
جلست حنين خلفها على درجة تعلوها، تنكمش بجلستها وساقيها مضمومتان لقرب صدرها تبدو وكأنها تشعر بالبرد.
التفتت يارا إليها تغمغم بحدة وصوت جُرحت أحباله الصوتية من كثرة البكاء:
- طبعًا فرحانة باللي حصل!
ولكن حنين كانت شاحبة، نظراتها غريبة، ويبدو أنها لم تستمع لكلامها. تسألها بعيون زائغة:
- خوفتي؟
دققت يارا النظر بها، نظراتها ضائعة، ملامحها غريبة ليست بطبيعتها. خفتت حدتها معها وتبخرت. تعيد رأسها للأمام تخفي دموعها والتي أنسابت على وجنتيها من جديد. تتمتم بنبرة مرتجفة:
- كنت مرعوبة.
شردت حنين في البعيد، تستعيد ذكرى تبدو مؤذية لأن قسماتها بهتت. تتحدث بنبرة غريبة:
- أنا كمان كنت خايفة.. كان بيني وبين أنه يغتصبني خطوة.
تتابع بألم كسا نبرتها:
- كنت بصرخ.. كان نفسي ماما تسمعني.. لو كانت جت كنت هديها فرصة إن أبدأ معاها من جديد.. بس هي سابتني زي أول مرة سابتني فيها.
اتسعت عينا يارا بمزيج من الصدمة والذعر. لا تدري بما ترد. قاسم لم يسرد تفاصيل خلافها الأخير مع أمها، اكتفى بأنهما لم يتوافقا.
تصعد الدرجة الفاصلة، تجلس بجوارها، تلتصق بجسدها وقد غابت حنين عن العالم وشردت بتلك الليلة. تجذبها إليها لتميل حنين برأسها على كتفها، والأخرى تربت على ذراعها بحنان، تطمئنها:
- إحنا هنا بأمان.
تصطنع المرح:
- منخرجش من هنا بقى.
وكان قاسم بالأعلى، وقد استمع لحديثهما الخافت، تنحني عيناه بقهر وحزن. صغيرته وحبيبته خائفة وهو موجود. يقبض على يده بقوة، وقد آلمه صوتها ونحيبها المتصاعد. يميل برأسه يتجاوز السور يرى يارا تحتضنها، تمسد كتفها بدفء. وكم تمنى بتلك اللحظة أن يكون مكان يارا، أن يكون هو مصدر الأمان وليس النقيض.
***
"حاسب نفسك الأول". كلماتها القليلة تحتل عقله، وكأنها عرفت كيف تؤذيه. يجوب بسيارته بالشوارع على غير هدى، وسيطر عليه الجنون. يقود سيارته بسرعة جنونية، يتجاوز الإشارات، لا يستمع لصياح أو زامورات لسيارات مرت به وكاد أن يصطدم بها. هو العابث، الماجن مع إيقاف تنفيذ بشكل مؤقت، درب سلكه دون دين أو ضمير.
"حاسب نفسك الأول". لن يحاسبها، فنفسه منهكة، وتلك قصمة ظهر له. بأسوأ خيالاته لم يكن يدرك أن يكون عقابه قاسيًا هكذا. يارا.. تلك الصغيرة، ما الذي أوقعها بوغدٍ كعاصم؟
يتحكم بسيارته، يعود الطريق مرة أخرى وقد تجاوز حدود المدينة. يقود سيارته ينوي خرابًا. وتلك المرة يعرف وجهته. دخل الكمباوند بكل هدوء، فهو معروف هنا بأنه الصديق للساكن بشكل دائم هنا.. عاصم النجار.
ترجل من سيارته، يقف أمام بابه، دون عناء الضغط على الجرس، استخدم قبضته يطرق بها بعنف. وطال الطرق وخرجت بعضًا من الأزواج المراقبة، تستاء، تهدد بأن يكف وإلا سيقومون بمحضر ضده لازعاج السكان بمنتصف الليل.
وبعد وقت ليس بقصير، فتح عاصم الباب. هيئته مبعثرة، حيث قميصه مفتوح كله، عارٍ الجذع عدا عن بنطال يستره. خصلاته مشعثة، وعيناه تحت تأثير النعاس. وقبل أن يتفاجأ أو يتساءل، كانت لكمة زياد تؤكد مجيئه. ترنح على الفور وابتعد. والآخر لم يمهله فرصة، فعالجه بلكمة أخرى أعنف وأشد، سقط على إثرها أرضًا. يمسح بكم قميصه سيل رفيع من الدم أسفل منخاره. ولم يهتم زياد بأعذاره.
عليه اللعنة، صرخ به:
- ليه؟
نهض عاصم يحاول أن يستند على ساعديه، يدافع عن نفسه في حضرة الهائج:
- هي اللي بدأت يازياد.
وزياد يزيد بعتاب مجروح:
- ليه دا أنت الوحيد اللي دخلتك بيتي!
وقف عاصم، يحاول أن يواجهه:
- هي اللي اشتغلتني، جاتلي النادي ع أساس أسمها أمنية وعندها فوق الـ 23 سنة.. ضحكت عليا.
ابتسامة ساخرة صاحبت قوله المستهجن:
- لأ وانت نونو ياولاه.. يضحك عليك!
يُجابه، يستمر بالدفاع:
- أنا مكنتش أعرف أنها أختك.. والله.
يقبض على تلابيبه، يصرخ به:
- ولما عرفت أنها أختي.. كملت ليه؟
يزيد من هياجه:
- مقولتليش ليه.
يبتعد عنه بصعوبة، يشرح موقفه:
- كنت حبيتها.. كنت مش هقولك.. كنت ناوي ع جواز والله.
يكمل بنصف كرامة:
- هي اللي سابتني بعد ما علقتني بيها.. كانت بتتسلي بيا يازياد!
- بينكم إيه؟
يجيب بصدق واضح كالشمس:
- مفيش بينا غير مقابلات والله.. محصلش حاجة.. أنا مستعد أصلح كل اللي حصل.. وأتجوزها.
هدر زياد غاضبًا:
- لو آخر راجل ف الدنيا مش هجوزهالك.. يارا مش شبهك ياعاصم.
حينها انتصب زياد بطوله، يشد من جزعه، يستحضر قوته.. ووقاحته:
- إنت مستكتر عليا يارا.. إنما نيرة حلال عليك صح!
يقترب منه رأسًا برأس، يبين له الصورة كاملة دون رتوش:
- فوق يازياد.. دانت نسخة تانية مني ويمكن أوسخ.. بص لروحك ف المرايا هتعرف أن أنا وانت نسخة من بعض.
ابتسم زياد ابتسامة صغيرة.. إن كان التواء ثغره بتلك الطريقة يسمى ابتسامة بالأساس.. يغمغم بمرارة:
- يارا فعلاً كتير عليك ياعاصم... بالظبط زي ما نيرة كتير عليا.
يهز عاصم رأسه بنفي. كاد أن يتحدث ولكن زياد قاطعه بحدة:
- بس وعد مني وحق ما كنت مخليك صاحبي ايدي دي هقطعها قبل ما أمدها في إيدك تاني.
***
لا يتذكر كم مر بطريق، وكم تراجع، بعد أن رحل من بيت عاصم. يهيم بسيارته للمرة الألف بطرقات المدينة التي حفظها عن ظهر قلب. إلى أن استقر أمام أحد البارات والتي اعتاد زيارته بماضيه.. ماضيه القريب.
يدخل بترنح، لم يتناول شيئًا منذ الأمس، هو متعب فحسب. يجلس على كرسي جلدي طويل له إطار معدني ملتصق بالبار الفاصل بين المشروبات والصالة الرئيسية للملهى. يميل بجزعه، ينقر بخفة للعامل أمامه:
- صب لي كاس.
والشاب ابتهج لرؤيته:
- فينك ياباشا من زمان مش شفتك!!
رد زياد بضيق مزاج:
- مشاغل ياااا..
والشاب أدركه باسمه:
- عاصم باشا هيجي دلوقتي؟
يسأله الشاب، وقد أعد له المشروب، يضعه أمامه بتهذيب. فرد زياد بحدة خافتة:
- لأ.
عيناه مركزة على الكوب أمامه، بسبابته يرسم دوائر أعلى حافة الكأس دون نية حقيقية لتناوله.
- الحلو فينه من زمان!
صوت أنثوي مائع قطع صمت وجلسته. التفت لها بعقد حاجبيه يحاول التذكر، فضحكت بميوعة تميل عليه:
- مممم، شكلك سكران طينة لدرجة إنك مش فاكرني!
يدقق بها، وإن مات المرء ظل الطبع موجود. يتفحصها بفجاجة، وهي لم تمانع، كانت مرحبة وأكثر. تستعرض نفسها وفستانها الأرجواني الشبه عارٍ خفيف يظهر أكثر مما يخفي.
- إيه رأيك نقضي ليلتنا سوا.
قطع عليها وهو يعود يتأمل كأسه:
- لأ لأ.
تلتصق بنظرة طامعة:
- متقلقش.. المكان عندي.
- عارفة ياا...
أطلقت ضحكة رقيعة قبل أن تقول اسمها:
- شوشو.
تنهد وهو ينطق اسمها:
- ااه ياشوشو.
ثم أكمل يهمس لها وكأنه يخبرها سرًا:
- عارفة ياشوشو أنا النهاردة خسرت صاحبي وأختي.. ومراتي.
مطت شفتيها باستياء، حيث لا تهتم:
- تؤ تؤ ياحرام.. مال.
وعيناه سقطت بالفتحة الخاصة بالفستان، وعاد العابث من مرقده:
- صعبت عليكي.
ضحكت وقد نالت مبتغاها:
- أوي.. تعالي أراضيك في البيت عندي.
عاود الكرّة السابقة، يميل على أذنها وكأنه يخبرها بسر حربي:
- عارفة ياشوشو أنا تقريبًا بقالي سبع شهور مقربتش من ست.
- أووه.. ده من حظي.
وتجاهل الوقاحة، وغفا العابث مرة أخرى:
- يبقى يوم ياشوشو ما ربنا يفرجها عليا... تكوني إنتِ.
احتقنت بشرتها بحمرة قانية. يتجاهل غضبها وهو يتحرك ينوي المغادرة، حيث الجو هنا بات مختنقًا. يضرب ع رأسه بإصبعيه:
- سلام ياشوشو.
ثم وجه كلامه للشاب يغمز:
- نادر.. حساب الكاس اللي مشربتوش عند مدام شوشو.
يوليها ظهره، ويضحك، ليس لسبب سوى أنه باستطاعته إحياء العبث بداخله.. ودفنه.
***
عودة الغريب.. أو كما ذُكر - المغترب. عودة الابن وهو ذاته الأب. يقف أمام البوابة الحديدية الخارجية للبيت بلا موعد.. أو اتصال يعرفهم بوصوله أو مجيئه بالأساس. يقف وجواره حقيبتان كبيرتان وأخرى معلقة على كتفه. ينتظر بنفاذ صبر وقد طرق على البوابة عدة مرات، إلى أن فُتح الباب وكان قاسم أمامه. قاسم الذي اتسعت عيناه من المفاجأة، يمد كفه.. فيعانقه الآخر. يستقبله بحفاوة، يحمل عنه حقائبه الثقيلة ويصعد أمامه، حتى وصلا لشقة الجد.
رنّ قاسم الجرس، ينتظر وعمه وراءه. ورؤيته لعمه دبّت الحماس بقلبه. وقت قصير وكان الجد يفتح بابه يلهث بارهاق مستندًا على عصاه. حتى رآه. دمعت عيناه من الفرحة، ودون مقدمات احتضنه. لا عتاب أو حتى طيف من لوم كان يحمله بصدره.. فقط احتضنه والابن بادله العناق بأشد. والاشتياق سيد اللحظة.
وبعد دخوله.. وجلوسه على الأريكة.. عاتبه الأب:
- أخيرًا فضيت نفسك ياعماد ونزلت.
يجيبه ببساطة ونبرة عملية:
- والله ياحاج الموضوع صعب.. الحياة هناك ريتمها سريع... أنا مش مصدق إني خدت إجازة أصلًا.
حتى وإن استطاع.. بالطبع كان بمقدوره الأعوام السابقة أن يأتي زيارة ولو لأيام قليلة ولكنه كان يتعلل بأي شيء حتى لا يتواجد. هو رجل لا يطيق القيود العائلية تحت مسمى "صلة رحم".
حديث بسيط.. والعديد من الأسئلة من قِبل أبيه، قبل أن ينهض من مكانه كي يخبر حنين النائمة بغرفتها بمجيء والدها. أخبرها وعاد يجلس بجوار ابنه، يربت على كتفه تارة، يتلمس ذراعه بشوق تارة أخرى. كم من تخيلات شيدها برأسه عند موته وابنه الوحيد مغترب واحفاده هم من يحملون نعشه ويدفنوه.
وقاسم يجلس على أريكة جانبية لهما، يستمع لحديثهما دون تدخل. ولا يعلم لما لا يستأذن ويتركهما وينصرف. لا.. هو يعلم، هو ينتظرها.. ينتظر حضورها، رؤيتها. يريد أن يرى كيف ستستقبل والدها. تُرى هل ستحتضنه ام ستبكي له وتشكي عما حدث لها بغيابه. ينتظر بلهفة.. ودقات خافقه تجاوزت المسموح، حتى خرجت من غرفتها، تأتي صوب جلستهم بهدوء وخطوات رتيبة تعرف طريقها. خصلاتها مجمعة أعلى رأسها، وثيابها أنثوية هادئة تناسب اللحظة.
قطع تأمله صوتها البارد وهي تمد كفها:
- حمد الله ع سلامة حضرتك.
تمد كفها على طول ذراعها، يفصلها عن والدها طاولة عريضة، وعن قاسم خطوات بسيطة. قام الأب من مكانه واقترب منها مبهوتًا، متفاجئًا. يقف قبالتها، يحتوي وجنتها براحة يده، يغمغم بدفء أصاب قلبه قبل نبرته، وقد لمعت عيناه بفرحة حقيقية:
- كبرتي ياحنين.
وابتعدت هي عن مرمى يده مصعوقة، وكأنه غريب. وبالفعل كان غريبًا عنها. أكثر من ثلاثة أعوام لم تره نهائيًا. كل مكالماتها معه كانت اتصالات صوتية فقط، وسريعة. حتى وقت أن طلبت رؤيته منذ عامين باتصال مرئي رفض، فلا وقت لديه لتلك الترهات.
ولاحظ هو تشنج ملامحها وابتعادها. عبس قليلًا وتحرك غير مهتم، يجلس بجوار أبيه، يربت على المكان الخالي بجواره:
- تعالي ياحنين اقعدي جمبي.
وكأنها لم تسمعه، جلست على الأريكة المقابلة له، لم تهتم بملامح وجهه التي تبدلت لأخرى عابسة، ولا حتى تحذير الجد لها بعينيه. حتى أنها لم تلحظ قاسم الجالس بالأريكة المجاورة. قاسم الذي يراقبها بعينين مترقبتين لأدنى فعل تقوم به. مستغربًا. لم يتخيل لقاءها بأبيها هكذا، سلامها عكس توقعه. كان سلامها باردًا، ملامحها جامدة كمنحوتة خشبية، عدا عن ابتسامة تشق ثغرها بدقة.. ابتسامة باهتة تبدو مكرهة عليها.
كانت تجلس هي بالمقابل، تتأمل والدها بنظرة جامدة، وقد انشغل بالحديث مع جدها. تتفحص هيأته، كان وسيم الطلة حتى ببلوغه عامه الخمسين، إلا أنه يحافظ على حلاوة قسماته. عيناه البنية ترمقها من حين لآخر بنظرات حانية لم تهتم بها أو تروقها. بعض تجاعيد بجوار ثغره، وتجاعيد أخرى بجوار عينيه تثبت تقدمه بالعمر، وشعيرات فضية متناثرة بكثرة أعلى رأسه.
شعرت بنظرات تخترقها. فالتفتت على حين غرة لتتفاجأ بقاسم يجلس بالجوار. رجف جفنيها، واختفت ابتسامتها الزائفة. عضت على شفتها بتوتر. أشاحت بنظراتها لأبيها ثانيةً دون تركيز بحديثه. وذلك الشعور القديم راودها من جديد، حيث ينتابها الخجل وتتسارع خفقاتها بحضوره. هي الآن تشعر باحتقان وجنتيها وبالتأكيد لاحظ هو. لما لا تنتبه لوجوده! الآن الجو بالصالة زاد حرارة.
ببطء عادت بنظراتها إليه، وجدته كما هو مثبت نظراته عليها، وعيناه تحمل نظرة غريبة لم تفهمها. واستفسار لم ينطق به.
***
"ليلًا". بالمبنى الذي يقيم فيه زياد، كانت يارا تقف أمام باب شقته، تتردد برن الجرس، خائفة من رد فعله. لا تعلم أن كان هدأ قليلًا أم ما زال على اشتعاله. تلك الليلة الرابعة لخصامهما، بالأحرى خصامه لها. وقررت اليوم مصالحته ومراضاته، حيث لا خصام يدوم أكثر من ثلاث ليالي. وأخيرًا أخذت قرارها، وسحبت نفسًا طويلًا لصدرها وهي تضغط على الجرس.
تنتظر رؤيته، تعلم أنه بالداخل فسيارته مركونة بجوار المنزل بالأسفل. ولم تنتظر كثيرًا.. فتح الباب بملل ونظرات متسائلة عن من يطرق بابه. ولكن ما إن رآها تحولت نظراته لأخرى حانقة والضيق بدا على وجهه. ينظر إليها بملامح جامدة، يزفر بحدة أحزنتها.
غمغمت بخفوت ونظرات لائمة:
- هتسيبني واقفة ع الباب كدة!
ولم يهتم بلوم نبرتها أو شحوب بشرتها. يسألها بحدة وقد بدا مجروحًا:
- خير.. جاية ليه.. مش اخترتي هناك وسيبتيني؟
تدافع عن نفسها بصدق:
- أنا مقدرش أسيبك يازياد.. أنا كنت خايفة منك.
رفع حاجبيه يسخر منها:
- حوشي يابت.. لأ وإنتِ بتخافي أوي.
طأطأت برأسها بخزي.. بين كل ثانية وأخرى ترفع نظراتها تبحث عن عناق. زفر بيأس قبل أن يلبي حاجتها ويجذبها في عناق أخوي، تشبثت به بالمقابل:
- تعالي.
وقد اشتاق لها أضعاف ما اشتاقت إليه، يربت على رأسها ولا تزال بحضنه، يشاكسها:
- كدة تشمتي فيا نيرة.
كانت صامتة تستند بجانب وجهها على صدره عدا عن دموعها التي تسابقت على وجنتيها بندم وخزي. ترددت قبل أن تقول بنبرة خفيضة منكسرة:
- محصلش بينا حاجة والله يازياد.
- عارف.
يؤكد بأفعاله على تصديقها:
- روحت كسرت البيت ع دماغه.
يشدد من احتضانها وقد شعر برجفتها:
- متخافيش.
أبعدها قليلًا عنه رغم رفضها البادي، وتمسكها بأناملها بقميصه بشدة. يمسح دموعها برفق:
- هاخدك ونسافر يومين نحاول ننسى اللي حصل.
وزادت هي بتقرير:
- وناخد حنين معانا.
نظر زياد إليها رافعًا حاجبيه، فاغر فمه قليلًا قبل أن يسأل متعجبًا:
- وده من امته!؟
طرقت برأسها تخفي ابتسامة صغيرة محرجة عنه، فهو يعلم بأنهما ليسا على وفاق. غيرت الحوار، توزع نظراتها بينهما بتساؤل:
- هو إحنا هنفضل واقفين ع السلم؟
جذبها بيده للداخل:
- تعالي.. هعملك عشوة عشان الصلح.
وقبل أن يغلق الباب ويلحق بها سمعها تهتف بألم مصطنع ضاحكة:
- اااه أهلاً بالتلبك المعوي.
***
"اليوم التالي"
"بشقة أكرم"
كانت نورهان تجلس على الأريكة تستند بوجنتها أعلى كفها، شاردة قليلًا بملامح عابسة، عيناها تائهتان بالفراغ وكأن بعقلها تدور حرب لا تعلم كيف تتصدى لها. تركت كل شيء خلفها، وعادت من جديد. بعد أن هيأت نفسها على حياتها الهادئة بدونه، بعد أن استسلمت لشعور النبذ، والخروج من جنته أو بالأحرى ناره. وتلك المرة هو من طلب.. وأقر، وأصر على العودة بكل الطرق. وهي من اعتادت النبذ والرفض منه دون سبب، ليأتي ويهدم كل شيء كانت تفعله من أجل الاستقرار بعيدًا عنه بفرقعة إصبع، حين جرها خلفه هي وشقيقها الصغير. شقيقها الذي رحب بالأمر. تخاف من تحوله، عودة أكرم السابق الذي أذاقها من العذاب ألوان.. كما أذاقها من الاهتمام والمراضاة أيضًا على طريقته. ماذا ستفعل إن تركها! أو حنّ لماضي بوجودها معه ستحرمه منه!
لم تكذب حين أسمته رجل التناقضات - الشيء وعكسه -. تخشى الرجوع لنقطة الصفر كما قالت له سابقًا وتهكم هو حينها.
تنهدت لتنفث أفكارها، تلتقط أنفاسها المضطربة بفضل تفكيرها السلبي، وتعود لوقتها الحالي. صغيرتها ملك نائمة بجانبها على الأريكة بعد أن تعبت من اللعب، وشقيقها الصغير يجلس على أريكة بعيدة عنها قليلًا يلهو بهاتفه الحديث، يعبث بتطبيقاته.. منبهر، وذلك أقل وصف يقال عنه مع اتساع حدقتيه.
اعتدلت بجلستها تهتف باسم شقيقها تنتزعه من فرحته بالهاتف، تقول بجدية:
- مجد أول ما أكرم ييجي.. هتقوله إنك عايز تروح البيت اللي هناك.
عقد مجد حاجبيه بنزق طفولي، يهز رأسه رافضًا:
- بس أنا مش عايز أروح.
قلبت عيناها باستياء:
- متخافش.. هترجع هنا تاني.. بس أهم حاجة تقوله.
رفض بعناد وهو يعود بناظريه لشاشة هاتفه:
- لأ مش هقوله.
زفرت بحنق قبل أن ترمقه بنظرة غاضبة:
- لو مقولتلوش.. هاخد الفون اللي إنت فرحان بيه أوي ده!
اعترض بحدة:
- مش من حقك تاخديه.. عمو أكرم هو اللي جايبهولي.
تهكمت:
- وهو عمو أكرم جايبهولك لله وللوطن!
تستكمل بكذبة وقد رأت ازدراده لريقه بخوف:
- هو جابهولك عشان أنا قولتله.
هز رأسه باستجابة وقد خاف من تهديدها، وافق مجبورًا:
- طيب خلاص هقوله.
ابتسمت باتساع وقد نالت ما أرادت:
- شاطر.. بس أوعى تقوله إن أنا اللي قايلالك.
أومأ بعد أن انكمشت ملامحه بإحباط:
- حاضر.
***
وبعد وقت، كانوا ملتفين حول المائدة الأنيقة يتناولون طعامهم بصمت عدا عن صوت أدوات الطعام واحتكاكها بالصحون.. وبضع ابتسامات توزع من حين لآخر.. ونظرة جانبية مختلسة من قِبل أكرم لنورهان. كان أكرم يجلس بالمقدمة على يمينه نورهان وصغيرتها تجلس أعلى ساقيها، ويساره مجد. يلاحظ حرب النظرات الدائرة بين زوجته وشقيقها ولكن يفضل عدم التدخل.
ظلت نورهان تحذر شقيقها بعينيها، تضغط على أسنانها تشير له بأن يتحدث كما اتفقا. وأخيرًا تحدث مجد مرغمًا:
- عمو... أنا عايز أروح بيتنا اللي هناك.
عبس أكرم بتساؤل:
- ليه؟
وانتظر إجابته، ولكن الصغير توتر وارتبك، يرسل نظرة متسائلة لأخته الجالسة أمامه فتقابله بطأطأة رأس. زاغت نظرات الصغير ولم يعرف بما يجيب بالأساس. نورهان اكتفت بأمرها بأن يقول كذا فحسب.
سأله أكرم باستغراب وقد شعر بتيه الصغير:
- مجد... إنت عايز تروح هناك بجد؟
حينها جاوبه الصغير وقد أطلق للسانه العنان:
- بصراحة لا.. نور هي اللي قالتلي أقولك يا إما هتاخد مني الموبايل اللي إنت جايبهولي عشان هي اللي قالتلك تجبهولي.
وأثناء كلامه برقت عينا نورهان تغمغم بخفوت من بين أسنانها:
- الله يخربيتك.
وفور انتهاء الصغير من الكلام، ناوله أكرم كوبًا من الماء البارد يهدئه، بينما يرمق الجالسة بجواره بحاجب مرفوع وقد نال منها. احمر وجه نور بشدة وارتبكت، كادت أن تغص بطعامها. فعاجلها أكرم بنبرة متسلية:
- إيه.. اجيبلك مية إنت كمان!
أحنت رأسها وشعرت بالعرق يتصبب منها تتلعثم بشكر لم يصله، وكل ما تريده بتلك اللحظة الهروب من أمامه. لحظة، لحظتان.. لحظات متتالية ورفعت رأسها تنظر إليه وقد تحول وجهها للون قاني إثر ارتباكها البالغ. كان لا يزال على حاله بحاجب مستفز مرفوع وشبح ابتسامة، فتبسمت بتوتر تحني رأسها ثانيةً بحرج شديد.
***
هو أكبر مخاوفها.. وهي فتنته. وفتنته تجلس أمامه على سريرهما الخاص، تقرض أظافر يدها بتوتر، حيث أنها عادة تلازمها كلما توترت أو شردت بشيء. عادة سيئة لم تستطع التخلص منها. تزم شفتيها وهي تراه يخرج من الحمام الملحق بغرفتهما عارٍ الجذع مرتديًا بنطال بيتي مريح، يجفف خصلاته الفحمية بمنشفة. هيأته بتلك اللحظة جعلت الاحمرار يزحف لبشرتها. بتلك اللحظة.. هو فتنتها، وهي أكبر مخاوفه.
أكبر مخاوفه بالتأكيد، لما لا تصدق اهتمامه، تغيره الملموس، صدق نيته! حسنًا من التبجح أن ينكر بأن له تاريخ حافل من الخذلان وانعدام الثقة. ملامحها الشفافة معبرة جدًا.. واضحة، يكاد يقرأ صفحة وجهها بوضوح. لما تريد الذهاب لحارتها القديمة، بيت أهلها! وسؤال كان بداخله أخرجه بصوت مسموع وهو ينظر لها بنظرة ثاقبة عبر المرآة:
- عايزة تروحي هناك ليه؟
ردت بشيء من العدائية، تنتفض بجلستها بتحفز تعلن الهجوم:
- أنا من حقي أروح هناك بأي وقت أعوزه.
عقد حاجباه، لم تعجبه النبرة ولا الهيئة المتحفزة. هتف بحزم ونبرة أجشة جدية:
- بالراحة.. إحنا مش بنتخانق.
وحزمه جعل تمردها وهجومها يتقهقران. تعتدل بإحباط، تقرض أظافرها بيدها. تفند أسبابها ودوافعها:
- عايزة أشوف المكتبة، وأطمن ع البيت.. أنت خدتني ومكنتش عاملة حسابي.
ظل على ثباته، يتشبث بالمنشفة أعلى كتفه يشد منها الدعم بوقفته:
- ولما تطمني ع البيت، وهتشوفي المكتبة... إيه هيتغير؟
يتابع بجفاء وليد اللحظة:
- مفيش حاجة هتتغير يانور... لا البيت هترجعيه تاني ولا المكتبة هتقفي فيها تاني.
إحباط، واختناق يصيبان صدرها، تهز رأسها بيأس. تتنهد قبل أن تردد بتقرير:
- فكرتك اتغيرت.
رفع حاجباه متعجبًا:
- ياسلام.. عشان مش عايزك تروحي هناك يبقى أنا وحش!
يشير على صدره بسبابته بجمود ونزعة حمائية:
- فكرتيني اتغيرت..! يعني ميمشيش معاكي إني غيران!
للحظة ألجم لسانها عن الرد، وقد فاجأها باعترافه. تتمتم بسؤال مستغرب:
- غيران؟
وقد لاحظ اتساع حدقتاها، والمفاجأة على وجهها، فيزيد من اعترافه ببساطة:
- اه غيران... هو أنا مش راجل ولا إيه؟
وبغباء منقطع النظير سألت بفاهٍ فاغرٍ:
- غيران من حامد.
ثار بعنفوان:
- متتطقش اسمه.
يزيد بتجهم قسماته:
- ثم أنا هغير من حامد!
واخر كلامه كان بازدراء واضح، حيث لا مقارنة تجمعه بأي شخص آخر. لانت نبرته بالاخير. يدس باقي اعترافه برأسها الصغير ضحل التفكير:
- أنا غيران عليكي.
- عليا!
كانت دهشتها عابرة للقارات، منظر الصدمة الجلي بنظرتها وحاجبيها اللذان ارتفعا لمنابت شعرها، جعله يضحك، ولكن كتم ضحكته بداخله حفاظًا على الهيبة. يُلقي بالمنشفة المبللة جانبًا، يعيد ترتيب خصلاته بيده. يتحدث:
- وعموما عشان أثبتلك إني اتغيرت... هنروح ياستي هناك بكرة.
سألته بإبتسامة ناعمة، رغم اندهاشها:
- هتيجي معايا!
يؤكد وهو يقترب:
- طبعاً هاجي... المرة اللي فاتت كنت هجيبلكو اتنين لمون... المرة دي بقى هجيب المأذون.
ضحكت باتساع ملء شدقيها.. ضحكة كانت صافية بالفعل. ردوده، مفاجآته، هيئته الرائعة وقد زادته ردوده المشتعلة وسامة فوق وسامته. رائحة صابون استحمامه والتي بالسابق كانت تزكم أنفها الحساس، الآن باتت تعجبها. وفوق كل هذا يغار.. يغار عليها! حمقاء هي.. بالتأكيد حمقاء ذات قلب أحمق بجدارة. وتلك المرة الأولى التي تعجبها حماقتها.
شرد بضحكتها، فابتسم.. ولكنه غمغم بضيق مصطنع وحاجب مرفوع:
- لا والله!
ترفع كفيها أمامها باستسلام. وتلك من المرات النادرة.. بالأصح المرات المعدومة التي يكون بها خفيف الظل هكذا:
- أسفة، بس وانت بتقولها شكلك ضحكني.
وانتقلت ضحكتها إليه، لتعلو ضحكته هو الآخر، يهز رأسه وقد بات على آخره. ولكنه قرر الصبر، حيث أنه تيقن، وتأكد من أن حياتهما لن تستقر أو تعتدل بالفراش.. بل بالحياة نفسها ومقابلة المواقف معًا.
يهمس لها ومازالت نظراته مثبتة عليها، تخترقها حتى العظام:
- ماشي... أما أشوف آخرتها معاكي إيه؟
***
صباح الجمعة، بغرفة كمال. "عروس خجول" حيث أن بحكايتهما هي الخجول وهو من استلم دفة القارب وتحريكها وفقًا لأهواء بحره. وبحره لم يكن هائجًا وبالتالي لم يكن راكدًا... بل معتدلًا كأمواج البحر بالصيف، يناسب وضعهما المستقر حاليًا. عروس.. حتى وإن كانت متزوجة من شهور.. ولكن بتلك الفترة، وهو الزوج المتحكم بمراعاة وبامتياز مع مرتبة الشرف وختم الخبرة. صاحبة الدلال، وصاحب الذوق الرفيع. هو رجل يجيد الاحتضان، وهي أدمنته بفضله.
تقف أمام المرآة تلف جسدها بمئزر زغبي أبيض اللون وهو خلفها للتو خرج من الحمام يرتدي كامل ثيابه. تقف بملامح مشرقة، تلهو نفسها عنه وعن نظراته المتفحصة الجريئة، تستعمل مجفف الشعر خاصتها، ترتسم على ثغرها الرقيق ابتسامة، فتبتلعها مداراة عن نظراته المراقبة. تمامًا لا تعلم متى ذابت به هكذا.. أو حتى هو.
عاطفتهما بالأمس، وسابقه، وسابق سابقه كانت صادقة. بالسابق.. بالفترة الماضية قبل أن تغادر منزله كانت العلاقة غير سوية بينهما. كان هو متلهفًا وكانت هي عادية حد الاختناق. كانت تستقبل عواطفه، مشاعره.. احتياجه كرجل ببرود. أما الآن فهي ترد صنيعه الضعف، تمنح بقدر عطائه بترحاب.
يتوجه صوب فراشهما، يجلس عليه، يتأملها بصمت وابتسامة متسلية. فتورد وجنتيها ينعشه، يروقه.. خجلها يعزز رجولته والتي تناقصت وتأثرت بالفترة السابقة بسبب رفضها له. يفرد ذراعه ويرفع نظراته إليها بجراءة أقرب لوقاحة وابتسامة متلاعبة.
قليل الأدب.. هتفت بها بداخلها وهي ترى نظراته الجريئة. تعض شفتيها وهي تغض البصر عنه وعن تصرفاته... ونظراته. وللأمانة هي مثله قليلة الأدب لأنها تعجبها قلة أدبه. تراه يتحرك صوب الدولاب، يفتحه يخرج منه عباءة واسعة بلون أرجواني ووشاح يماثلها لونًا. يضعهما برفق أعلى الفراش. يأمر بلطف:
- البسي دول.
تعقد حاجبيها باستفهام:
- اشمعنى؟
يبرر وهو يقترب، يقف بجوارها دون تلامس:
- إنهاردة الجمعة... إنهاردة كلنا هنتغدى تحت في بيت جدي.
ابتسمت بعذوبة، تضع المجفف جانبًا وقد انتهت من تصفيف خصلاتها الناعمة:
- ياااه.. من زمان متجمعناش تحت.
يمرر أنامله بلحيته، ينظر لانعكاسها بالمرآة:
- الغدا إنهاردة.. واللمة ع شرف عمي عماد.
يتابع، والنبرة ذات مغزى:
- لو مش عايزة تنزلي.. ونفضل هنا براحتك.
احتقنت بشرة وجهها. هتفت تقطع أفكاره المنحرفة:
- لا لا عايزة أنزل طبعًا.
***
وبعد صلاة الجمعة وعودة الرجال من المسجد.. متجمعون حول المائدة الطويلة ببيت الجد، حيث أن الغذاء يوم الجمعة يكون مبكرًا إن تجمعوا. والعزيمة اليوم بعد انقطاع دام لأشهر بفضل الابن المغترب. يجلس على المائدة بجوار القاسم أبيه، من حين لآخر يربت على كف أبيه. يتبادلان أحاديث عادية وأخرى محورية، وبعض أحاديث عابرة عن حياته هناك.. وإجابة قاطعة برفضه للاستقرار هنا، حيث أن من جرب الغربة لا يستطيع الفكاك من تشابك خيوطها. واليوم عُقد العائلة مجتمع عدا عن زياد، ولكن وجود ابنه يُغنيه عن الجميع.
الجميع يجلس بمكانه على المائدة عدا عن فاطمة والتي قامت بالطهي من الصباح، يساعدها كمال بوضع الأطباق على الطاولة. تقترب فاطمة من حنين بجلستها، تبدو غير مهتمة ظاهريًا وهي تضع أمامها طبق من أصابع الجلاش المحشو يختص بها هي وحدها لأنه طبقها المفضل. وضعته تتحدث بنبرة عادية رغم ارتجافة نبرتها أنه لها، فابتسمت حنين برقة وحبور تغمغم بشكر، وأشرقت ملامحها قليلًا تعلم بأن إعداد الطبق وإحضاره لها ما هي إلا بادرة صلح وتقبلتها هي بترحاب شديد. وقاسم يراقب الوضع بالجوار فابتسم هو الآخر تلك الابتسامة الرائعة والتي نادرًا ما يبتسمها. يشعر بأن الأمور تلك المرة تسير وفقًا لأهوائه.
رمق عماد الطاولة أمامه منبهرًا، يتمتم بحبور صادق:
- إيه ده كله ياحاجة فاطمة.. تعبتي نفسك أوي.
صدق نبرته واتساع عيناه بإعجاب أشعرها بالزهو تُجيبه بود خالص:
- وهو أنا هتعب لأعز منك!
تمسك بإحدى الأطباق تضع به مالذ وطاب من الأصناف المتنوعة أمامها على المائدة ثم تناوله إياه. ومن ثم تقوم بما تفعله بالتبعية كعادتها هي إطعام الجميع وهي بالأخير.
حديث جانبي مرح بين الشباب قطعه الجد وهو ينظر إليهم بفرحة حقيقية:
- متجمعناش من زمان ع الغدا.
أمنت فاطمة على كلامه تستوقف بـ غصة في حلقها:
- ناقصنا زياد... وتبقى اللمة كملت.
سعلت نيرة بحرج ما أن أتت سيرته. ينتابها حنين، وتلك الهرمونات الغبية الخاصة بأواخر حملها تطالب به وبشدة. أخفضت وجهها وقد تلون بالحمرة خجلًا وحرجًا. لينهرها كمال وقد لاحظ احتقان شقيقته:
- ماما...
تغمغم فاطمة مستسلمة:
- خلاص هقفل بوقي أحسن.
استكملوا الأكل بشهية تامة، عدا عن عماد كان قليل الأكل يتبع حمية وبالتأكيد كثرة الأكل الدسم أمامه سيفسدها. يراقب ابنته الجالسة قبالته يسألها باهتمام:
- مبتأكليش ليه ياحنين؟
لم يصلها صدق اهتمامه، ترفضه. رفعت حاجباها مستغربة، ترد باقتضاب:
- باكل!
حمحم بتوتر يجذب انتباههم:
- احم.. عندي خبرين واحد وحش والتاني حلو.
غمغم كمال بخفوت متوجسًا:
- استر يا رب.
بينما ردت فاطمة، والجميع ينظر إليه بانتباه:
- ابدأ بالوحش عشان نهدا بالحلو.
- الوحش أن أنا للأسف إجازتي قربت تخلص.. قدامي أسبوع وأسافر.
عم الإحباط على وجوههم وخاصةً الجد، يبتلع طعامه بصعوبة. وقد خبتت اللمعة بعينيه وعاد الحزن يحتلها من جديد.
- طب والحلو؟
سألته فاطمة رغم القلق الذي انتابها، فأجاب مبتسمًا يوزع نظراته بين الجميع:
- أن أنا هاخد حنين معايا.
التفت الرؤوس صوب قاسم، يرون الصدمة جلية على ملامح وجهه. ولكن كمال سأل بعدم فهم:
- هتاخدها إزاي مش فاهم؟
يتحدث بإبتسامة ثابتة، يضع الجميع أمام الأمر الواقع:
- هاخدها تستقر عندي... وكمان جاي ليها عريس.
يزيد بضحكة متسعة، يثرثر بمعلومات إضافية رغم عبوس الجميع أمامه:
- ابن مهندس زميلي هناك... الولد مهندس بترول لسه متخرج من سنتين.
هتفت فاطمة من بين أسنانها:
- هي دي أخبارك الحلوة دانت أخبارك تسد النفس.
سألته يارا بضيق:
- طب ودراستها ياعمو؟
يجيب ببساطة بنبرة عملية:
- أنا هحولها هناك... هسأل وأشوف الإجراءات إيه.. هناك فرصتها فالتعليم والمجموع الكبير حلوة.
هل ارتجف فعليًا أم يخيل إليه.. كاد أن يغص بطعامه. يرمق عمه بصدمة ونظرة غائمة، يحاول تمالك أعصابه قدر الإمكان. يقبض على كفيه محاولًا لجم ثورته ولم يستطع ليسأل عمه بحدة:
- وانت إزاي تديله لينك الأكونت بتاعها اللي فيه صورها!
لم يهتم عماد باللوم والتقريع. يحتد بنبرته بالمقابل:
- جرى إيه ياقاسم هو تحقيق!
نقل قاسم نظراته من عمه لحنين الصامتة أمامه باستفزاز أشعل فتيل غضبه، وود أن يزأر، يعترض، يجرها من خصلاتها وليجرأ من يعترض. ولكن اكتفى بانتصاب جسده الغاضب، يشيح بكفه ووجهه عنهم جميعًا:
- لا مش تحقيق.
يسحب هاتفه الملقى جانبًا لتستوقفه فاطمة برجاء:
- كمل أكلك.
ولكنه كان بالفعل يتحرك، يهدر بعصبية:
- طفحت خلاص.
***
ظل يدور حول نفسه بغضب، وقد تملكه الجنون. ففور أن ترك بيت جده صعد إلى سطح المنزل، وتبعه أكرم يحاول تهدأته ولكن فشل. جلس على كرسي خشبي بالجوار يتأمل نوبة غضبه، بوادر ثورته، حتى الحمام وقت رؤيته هكذا حلق بعيدًا، يكاد يجزم بأنه هرب ولن يعد ثانية. يدور على سطحية المنزل بجنون.. يصرخ ويشتم، ويتوعد.. وانامله تكاد تقتلع خصلاته من جذورها.
امسك أكرم مقدمة رأسه، يصيح به بنفاذ صبر وقد تشوشت رؤيته:
- بس بقي دوختني.
وقبل أن يرد قاسم عليه.. دخل كمال من باب السطح الموارب أمام ناظريهما. هادئ الملامح وكأن ماحدث منذ قليل لم يحدث، وكأنه لم يشهد على خذلانه للمرة الثانية.. أو المرة التي لا يعرف عددها.
هدر به قاسم بهيجان بعدما اقترب منه:
- شوفت... سمعت عمك بيقول إيه!
سحب نفس قصير واحتبسه، يرد بهدوء:
- شوفت، وسمعت.
واستفزه بروده. صرخ قاسم بقهر:
- طب واحنا هنسيبهالو كدة!
أردف كمال قائلًا:
- حقه.
هتف قاسم متعجبًا:
- حقه!
يتابع وعيناه اتسعت على آخرهما وقد أصبحت بلون الدم القاني:
- حقه إزاي... هو يرمي واحنا نربيهاله، وبعدين ياخدها ع الجاهز!
بسط كمال ذراعيه يوضح بمنتهى البساطة:
- بالظبط.. لو قال أنه عايزها معاه.. محدش هيقدر يمنعه.
يزيد بتشديد حروفه:
- دي بنته.... حنين عماد القاسم.
يستكمل كلامه، بغض النظر عن صراحته.. حدته، ولكن خير الأمور حسمها:
- إحنا حي الله ولاد عمها... درجة تانية.
حينها اقترب أكرم منه، يلكزه بكتفه. ينبه بخفوت:
- انت بتقول إيه ياكمال... بدل ما تهديه!
التفت له كمال قائلًا بحزم، يرسم بأصابعه إطارًا لصورة في الهواء:
- بالعكس أنا بوريه الصورة كاملة.
يزيد بإصرار:
- بعرفه اللي ليه واللي عليه.
لم يبالِ قاسم بحديثه. اشتدت ملامحه تجهمًا:
- أنا هنزل أتخانق معاه... حنين ليا أنا ومش من حقه يجوزها لحد غيري.
يمنعه من التحرك يدفعه بكف يده بصدره. يثبت نظرته بخاصة أخيه:
- لا هتنزل ولا هتتكلم معاه.
يضع الأمور نصب عينيه:
- المرادي.. انت مش هتعمل حاجة.
يفند الأسباب، يقنعه بإصرار:
- المفروض هي اللي تعمل... تتعب عشانك.
يزيد بصدق بالغ ومحبة أخوية دون تزييف:
- انت مش قليل عشان تفرض نفسك عليها، انت مشيتلها بلاد وهي مكلفتش نفسها بخطوة.
كلام كمال له ومواجهته بحقيقة أمره كان أشبه بسكين ثالم يضع فوق نحره. شعر بألم شديد بصدره، تحديدًا مكان خافقه وكأن أحدهم ضربه بقوة فوقه، عدا عن الحريق الذي نشب بصدره ولم ولن يخمد. غمغم بحرقة، نبعت من حريقه الداخلي:
- وافرض.
قاطعه كمال بحزم، يربت على كتفه يؤكد بأنه الداعم:
- مش هفرض حاجة قبل أوانها... كل اللي هيحصل هيكون لمصلحتك انت بالنهاية.
***
قهوة صباحية مُرة، رابطة عنق، بنطال كلاسيكي وقميص أنيق.. ساعة معصم جلدية باللون الأسود من نوع فاخر. صباح روتيني بامتياز.. حيث أن حياة أكرم أشبه بالرتابة على عكس حياتها تحيا اليوم بيومه. يستيقظ بالثامنة، يبدأ يومه باستحمام سريع يزيل به آثار نومه وفوضته، رياضة صباحية خفيفة حيث الحفاظ على أناقته ولياقة جسده مطلوبان وبشدة.
باتت تحفظ نظامه وأسلوبه كخطوط يدها. كانت تقف بالمطبخ تعد قهوته لحظة دخوله متجهمًا، يرتدي ثيابه ولكن ببعثرة غريبة عليه حيث أن قميصه خارج عن بنطاله، ورابطة عنقه متجعدة بيده، ألقاها أعلى المائدة أمامه، يجلس بارهاق على الكرسي، منهك، حيث أنه طوال الليل لم يغفو ولو دقيقة واحدة.
بالأمس كان يتفحص موقع التواصل الاجتماعي بلا اهتمام كعادته، يمرر بأصابعه المنشورات والأحداث بلا مبالاة إلى أن وصل لمنشور لإحدى الصديقات منذ أيام الجامعة ولم يستطع تجاوزه. منشورها كان مباركة وتهنئة وأمنية بخطبة سعيدة، وصدمته كانت جلية وهو يقرأ دون صوت اسم المشار إليها "جيلان". من وقت أن افترقا، ورمى يمين الطلاق غيابيًا وأخذت حقوقها كاملة منه، لم يرها، أو حتى يتتبع لمعرفة أخبارها، وكأنه نساها في خضم معركة رجوع نورهان إليه. حقيقةً لا يعرف ما ضايقه فعلًا! خطبتها أم تجاوزها له..!! ارتباطها بآخر أم نسيانه.!!
يضغط على اسمها ليدخل حسابها، تفاجأه بصورة شخصية وضعتها منذ أيام لها مع خطيبها الجديد. تبدو أكثر حلاوة.. رشاقة، شعرها الأسود منسدل بطوله على ظهرها بلمعة حلوة وملامح وجهها كانت مشرقة، يبحث بعينيه عن أي عيب بمن يلتصق بها في الصورة، غير مميز رجل كسائر الرجال، بشرة سمراء وجبهة عريضة وعوينات تخفي لون عينه وشكلهما.
يسحب الشاشة لأعلى.. تفاجأه أغنية وضعتها بالأمس تشاركه بها.. "حبه جنة". شتم بخفوت رغم سخريته بداخله منذ متى وهو "حبه جنة"؟! والعديد من المنشورات الرومانسية، وإشارة واضحة بإحدى المنشورات بأنها وجدت الرجل الحقيقي. وأخيرًا..!! أكان عصا مكنسة أمامها حتى تقل منه هكذا على العام.
رفع رأسه المتجهم عن هاتفه، ليفاجأ بقدح القهوة المتصاعد بخاره أمامه، ونور تقف مكتفة ذراعيها بصمت تراقبه. تناول الفنجان أخذ رشفة ثم وضعه دون اشتهاء لتكملته، يسألها:
- مش هتفطري!
تعيد خصلاتها خلف أذنها، تجيبه بإبتسامة:
- هفطر مع ملك ومجد لما يصحوا.
اعتدل بجلسته، يرمي بثقل جسده كله على الكرسي. يزفر بضيق وتعب:
- مش عايز أروح الشغل انهاردة.
خفق قلبها بعنف واقتربت منه تتحسس بشرة جبهته، تسأله باهتمام شاب نبرتها:
- انت تعبان ولا حاجة!
وتلك الحركة العفوية التي فعلتها، جعلته يغمض عيناه.. يتلذذ بقرب بات مبتغاه. صدقًا هو لا يعرف لماذا هو غاضب؟! فلتخطب أو تذهب للجحيم حتى.. هو الآن يحدد مشاعره، متأكد من أنه يريد تكملة المتبقي من عمره مع الواقفة أمامه دون غيرها. من الممكن أن يكون سبب ضيقه هو تجاوزها له بتلك السرعة.. كذبها والتي لطالما تشدقت أمامه بكلمات الحب والهيام وأغنية "حبه جنة".
جذبها نحوه بتملك، يمسك بكفها بعد نظرة ثاقبة مثبتة على وجهها يستند عليه كي يقف، ثم سحبها خلفه تسير ورائه باستغراب وهو يعيدها لغرفة نومهما. اقترب من السرير ليجلسها عليه تحت نظراتها المتسائلة بارتياب. يستدير نحو الجانب الآخر يرمي بثقل رأسه فوق ساقها الممددة. يجذب كفها الناعم مرة أخرى يضعها برفق فوق خصلاته يأمرها بلطف أن تعبث بها. نفذت أمره وهي تمرر أناملها الرفيعة بشعره الكثيف بنعومة، يغمض عيناه بتأثير تمرير أناملها برأسه وتدليكها الناعم.
ظلا صامتان على حالتهما لحظات قطعته هي تهمس بتساؤل:
- اللي حصل مع قاسم امبارح هو اللي مضايقك؟
فتح عيناه فجأة، يرمقها بعبوس وخبر آخر شغل عقله وأنساه قاسم وموضوعه. سرعان ما انحل عبوسه ليستبدله بضحكة كانت رائقة:
- أنا واثق إن قاسم منامش طول الليل... تلاقيه دلوقتي عمال يلف حوالين نفسه.
يتخيل هيأته، ثورته.. فيضحك متنهدًا، يهمس بنبرة غريبة:
- الحب ده مشكلة.
يؤكد بعد زفرة قوية:
- مصيبة.
سكتت تتأمل ملامحه، تمرر أصابعها برتابة بين شعره، أحست بأن هناك أمر آخر يشغله، فسألته بترقب، وخفقات مضطربة:
- في حاجة تانية مضايقاك غير موضوع قاسم؟
ينفي دون ثرثرة:
- مفيش.
وبعد لحظة سكون، انتبه.. غمغم:
- لو مضايقة أنا ممكن أقوم؟
وسرعان ما هزت رأسها تنفي، تهمس بلهفة صافية:
- لا خالص... بالعكس.
توردت وجنتيها بخجل طفيف جعلها بتلك اللحظة شهية للقضم، تعض على شفتها بحرج وقد بالغت برد فعلها كالعادة، وهو نظراته لا ترحم:
- قصدي يعني براحتك.
عيناه تتوهجان ببريق عابث:
- خلاص خلاص، اتفضحتِ وإللي كان كان.
صاحت بنزق:
- يووووه.
للمرة الثانية بهذا الصباح يضحك ضحكته الرائقة، الرائعة بنظرها، يستسلم بـ غمزة:
- خلاص متزعليش.. معنديش مانع أستر عليكي وأتجوزك.
رفعت حاجب مذهول، تجاريه في العبث:
- ده كرم كبير أنا مش قده الحقيقة!
زاد من ضحكاته، يعتدل برأسه فيصبح بالمواجهة:
- أنا كدة متعود أعطف ع الناس من فترة للتانية.
تبتسم باتساع وسط وهج عينيها الصافي، تتلاعب بخصلة تضعها خلف أذنها:
- بتعطف بالجواز... دانت لقطة.
يغمزها بنفس النبرة العابثة "المستحدثة":
- والله أنا عايز أعطف بأكتر من كدة.. إنتِ اللي مش مديني فرصة.
مزاجُه العابث، ومزاحه الحديث، وحتى تلك الغمزة الملازمة أمور غريبة على قلبها قبل عينيها وبقية حواسها. هدوء ملامحه السريع وروقان ضحكته تخبرانها بوضوح بأنها ذات الفضل بالتغيير.
مطت شفتيها قبل أن تهمس:
- شايفة إن مزاجك راق!
ولم يكن استفهام قدر أنه أمر واقع. فتعجب بداخله منذ قليل كان حانق، يشعر بضيق.. والآن رأسه على ساقها، يضحك دون هم ونسى الأخرى!
رفع رأسه عن.. عيناه فاضت بعبث ونظرة أخرى لم تستطع فهمها:
- طب مانكمل الروقان وتقومي تقفلي الباب.
بالتأكيد الحرارة المنبعثة من وجهها احتقان، حمرة خجلها لذيذة جدًا. نوى عدم الانتظار وتحرك يغلق هو الباب، لتأتي ملك الصغيرة تفرك بعينيها بنعاس، تلج غرفتهما بتعثر خطى وهي تهتف ببراءة:
- بابي.
تحمل دمية تشبهها، تتمسك بغطاء السرير تريد الصعود فيحملها هو عابسًا، فتضحك هي على هيئته تقرص وجنتي الصغيرة برقة. فيهتف بضيق مصطنع:
- علفكرة إنتِ اللي هتندمي.
يزيد بترفع ورأس شامخ بغرور:
- كان قدامك فرصة تشوفي أكرم لما يكون رايق.
تابعت ضحكاتها، هذا الصباح أجمل صباح مر عليها منذ لحظة ولادتها. محظوظة هي اليوم.. هتفت تبتعد:
- أنا فقرية.. عارفة نفسي.
***
أعصابها هشة، حيث الصراع الدائم بين العقل والقلب، والغلبة للمشاعر. تلعن غباءها للمرة الألف تقريبًا وهي تقف أمام بابه، تسب دون صوت؛ ولعنة تصيب يارا وألف لعنة تصب على رأس زياد. أعصابها مشدودة تستنكر وبشدة مجيئها، وندمت أشد الندم ولكن جاءت وانتهى الأمر بل وضغطت على الجرس بالفعل. تستمع لصوت خطواته المتثاقلة من الداخل قبل أن يفتح زياد الباب على اتساعه باندفاع. وطبعًا بالبداية ملامحه كانت غاضبة، ولكن سرعان ما تبدلت لنظرات غير مصدقة، وجهه يترنح بين شحوب المفاجأة وحلاوة اللقاء. اتساع عيناه يوشي بصدمته، ومفاجأته، مفاجأته برؤيتها، مفاجأة حلوة. يلهث بأنفاسه، والصورة أمامه تكتمل بوضوح، نيرة أمامه، أمام بيته تقف على بابه.
لم يشعر بنفسه إلا وهو يجذبها بعناق. احتضان وفي قانون الغياب أشبه بتكسير عظام. واستسلمت هي دقيقة وانفاسه الساخنة تضرب بشرة وجهها بشدة، شدة تتناسب بشكل جيد مع هرموناتها بتلك الفترة. وفي الدقيقة الثانية انتبهت.. استاءت، والغلبة للكرامة، تملصت من بين يديه وكان عناقه أقوى فلم تقوى على الفكاك. وإعادة الكرة تبتعد، تطالب بالإفراج عن خصرها. فابتعد مبهوتًا، وانثنى شدقه بإبتسامة بلهاء غير مدركة لوجودها تناسبه بـ هاته اللحظة.
يمسك بكفها لا يتركه.. يسأل بلهفة وعيناه تهبط بشكل تدريجي إلى بطنها المنتفخة:
- إنتِ رجعتي؟
يتابع بلمعة عين:
- رجعتيلي!
اعترضت، تبتعد خطوة عن محيطه، وأنفاسه:
- لأ.. أنا جاية عشان حاجة تانية.
عقد حاجباه بتساؤل:
- ليه.
يزفر بقوة، يبتسم ثانيةً:
- مش مهم، المهم إنك جيتي.
خصلات شعره مبعثرة، ذقنه نامية دون تشذيب.. ولكن للأمانة ووفقًا للهرمونات الغبية كان أشد وسامة من ترافولتا. تعيد على نفسها الأحداث، تطالب بكرامة مرهقة.. ترتدي الوجه الصلب:
- جاية عشان أكلمك عن يارا.
تسائل بقلق:
- مالها يارا؟
تسرد عليه حالة شقيقته باستياء:
- يارا يازياد... هتفضل لأمتى تعاملها بقسوة كدة!
- قسوة!
يردد الكلمة، حيث أنها نطقت القاف قاف بتفخيم، فردده ببلاهة أصابت عقله. تستطرد بحديثها:
- أوك.. هي غلطت بس إحنا كلنا بنغلط... وانت كمان بتغلط.
فاهٍ مفغور على آخره.. وأعين متسعة بغباء وهو يستقبل كلامها. تزيد من توبيخها:
- مش كل ما تجيلك تطردها وترجعها عندنا معيطة.
تعاتبه، تقرعه بلوم.. وهو على حاله يسأل ولازالت الرؤية مشوشة:
- يارا مين اللي بطردها.. وبعاملها بقسوة وبرجعها معيطة... يارا أختي!
يميل عليها بطوله.. يشير على رأسها بحركة دائرية:
- إنتِ مين قالك الكلام الأهبل ده!
كانت تراقب ملامحه المندهشة بكلامها.. بدأت أن تشعر بالقلق. فأجابته مبهوتة:
- يارا.... اشتكتلي وطلبت إني أجلك عشان تهدأ من ناحيتها.
بدأ أن يلتقط طرف الخيط فأمسك به، تربيته، شقيقته الصغيرة تقريبًا تحاول وصل العلاقة بينه وبين نيرة بخدعة. لا ينكر إعجابه بدهائها فانثنى ثغره بإبتسامة ماكرة، وقد ازداد البريق العابث بعينيه:
- آه يانيرة... قوليلي بس أتجاوز اللي حصل إزاي؟
يتابع وهو يسبل أهدابه بخبث، يصطنع التأثر بنبرته:
- دانا مبنامش بالليل.... مش قادر أسامح نفسي.
يجذبها مرة أخرى لأحضانه، يثبتها بكفيه من ظهرها تحت تأثير صدمتها واحساسها بالغباء، يربت على ظهرها يتلمسه شاكرًا لدهاء الأخرى:
- ياحبيبتي يارا.
تتحرك بعنف بين ذراعيه، تنوي الابتعاد ولم يسمح، تصيح به بحدة خافتة:
- بس يازياد.. ابعد بقى.
والضغط زاد. غمغم بعبث:
- لأ أصل أنا لما بعيط لازم حد يحضني.
تنهره:
- انت بتقول إيه.
على وضعه يتلمس ظهرها بأنامله صعودًا ونزولًا:
- خليكي بس... أصل وأنا صغير النور كان قطع فجأة وكنت لوحدي فروحت حضنت الشغالة.
تهتف بسخط من بين أسنانها:
- شغالة!
ويظل العابث عابث حتى بالجحيم:
- شغالة بس مزة.
تنظر حولها بحرج على الرغم من خلو الدرج واستعمال معظم سكان المبنى للمصعد.. إلا أن الحياء تملك منها. تنهره بإبتعاد:
- ابعد احنا ع السلم هتفضحنا الله يخرب بيتك.
أبعدها قليلًا، ينظر حوله تمامًا كما فعلت، يؤكد وه يسحبها من كفها يدفعها برفق للداخل:
- عندك حق.. تعالي جوة أكملك موضوع الشغالة عشان تبقى عارفة كل قاذوراتي.
ودون موافقتها أغلق الباب. ومن وراءه سُمع صياحها:
- افتح الباب أحسن لك.
ليعلو صوته العابث فوق صوتها والغلبة له، والاستماع للجيران:
- عليا الطلاق ما إنتِ خارجة م الباب ده غير وانتِ رايحة تولدي.