تحميل رواية «بيت القاسم» PDF
بقلم ريهام محمود
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
مُحبي المره الأولى من كل شئ.. إليكم تلك الروايه. "زوجتك وكيلتي ريم أحمد عبد الحق على كتاب الله وسنة رسوله وعلى الصداق المسمى بيننا." "وأنا قبلت.." قالها كمال بهدوء وابتسامه بسيطه ترتسم على ثغره. انتهى المأذون من عقد القران بعد أن أعلنهما زوج وزوجه. تبادلوا المباركات والتهاني، فالكل فرح بالرغم من بساطة الحفل. ف "كمال" الأخ الأكبر يستحق أن تدق السعادة بابه من جديد. أما هي فكانت شارده بعالم أخر وكأنها تحضر عقد قران ليس لها. ليس وكأنها العروس وعلي شرفها يتم ذاك الاحتفال. شعرت بألم حاد في صدرها وهي ت...
رواية بيت القاسم الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ريهام محمود
صوت رنين جرس الباب أفاقه من غفوته المتعبة على الأريكة.
لم ينم سوى ساعة أو ساعة ونصف الساعة على أقصى تقدير.
استقام بصعوبة وسار بجسدٍ مرهق وخطوات مترنحة ليفتح الباب.
ليتفاجأ بـ أكرم أمامه، يرمقه بشماته.
وضع كفيه بجيبي بنطاله ليتجاوزه ويدخل دون إذن بغروره وعرض منكبيه.
سار أمامه متجاهلاً حالته وهيئته المشعثة، ثم جلس على الأريكة الصغيرة يضع ساق فوق الأخرى بترفع.
تبعه زياد بعد أن صفق الباب بحنق وغيظ من برود الآخر وجلس على الأريكة المقابلة.
سحب من علبة السجائر أمامه واحدة يشعلها، نافثاً دخانها بتوتر وضيق لا يخفى على أكرم.
أكرم كان يتفحص هيئته، يحبس الكلام بحلقه.
ليهتف به زياد حانقاً بنفاذ صبر وقد انفلتت أعصابه بالفعل:
- بتبصلي كده ليه؟
اعتدل أكرم بجلسته وانحنى بجزعه قليلاً.
دون مراوغة قال بخشونة:
- حذرتك بدل المرة عشرة.
غضن جبينه واحتدت ملامحه، وقد مل التقريع والإهانة.
حاول أن يتجاهل الجرح بداخله، وبعضٌ من كرامة لديه ثارت.
- بدل ماتجيلي أنا روح حذر أختك. أنا جدك قام معايا بالواجب وزيادة.
سرد عليه ماحدث دون اهتمام حقيقي وقد يأس منه ومن وقاحته.
- مانا كنت عندها بالليل. سيبتها ولفيت شوية بالعربية وبعدين جيتلك.
أطفأ سيجارته بالمرمدة الموضوعة على الطاولة.
وانتصب بجزعه يوليه كل انتباهه.
وسأل متلهفاً:
- هاا.. وقالتلك ايه؟
رمقه ببرود للحظة قبل أن يطلق ضحكة ساخرة.
ثم هتف يثير حنقه أكثر:
- هتقوللي ايه يعني. مصممة ع الطلاق. وبيني وبينك حقها.
عض شفتيه غيظاً.
ثم هدر به من بين أسنانه وقد تملكه الغيظ:
- اه.. وانت بقى الأخ الحنين اللي هتساند أختك ف قراراتها الغلط مش كده؟
حدجه أكرم بنظرة مغتاظة.
هو يعلم أنه لن يعترف بخطأه.
يعلم ذلك جيداً.
هما الاثنان لديهما تلك الخصلة السيئة، ولكن زياد أكثر بجاحة ووقاحة منه.
- زياد.. أنا همووت واعرف جايب بجاحتك دي منين؟
وبسخرية غير مناسبة للموقف تلاعب بحاجبيه يقول بشقاوة:
- لأ مش هقولك لأحسن تروح تجيب منه.
وعلى إثر جملته ضحك أكرم ضحكة بسيطة مهمومة جذبت انتباه الآخر.
دقق بهيئته كانت ملامحه مرهقة هو الآخر، خصلاته الفحمية مشعثة على غير العادة ووجهه شاحب.
كتفاه مهدلان بإحباط.
سأله باستغراب:
- مالك.. وشك مقلوب ليه وكأنك هتطلق انت كمان؟
- وكأني..!!
مال ثغره مبتسمًا بسخرية.
استطرد وقد نزع عن وجهه قناع اللامبالاة وعادت ملامحه للتجهم.
- نور سابت البيت ومشيت.
جحظت عينا زياد من الصدمة وعُقد لسانه.
ولكنه صدمته لم تدم سوى دقيقة ليهتف بنبرة مرتفعة شامتة وهو يضحك:
- أوووبا بقيت زميل يعني... لأ دانا أقوم أعملك قهوة بقى عشان تديني التفاصيل.
قالها وهم من مكانه ينوي إحضار القهوة للمتعوس الذي يجلس أمامه.
ضحك أكرم ساخراً بداخله.
فبعد أن كان يتناول قهوته بيد ناعمة ووجه بشوش سيتناولها الآن من زياد!!
تنهد طويلاً من منحنى أفكاره.
ثم قال موجهاً لزياد حديثه:
- مش هتعرف تظبط قهوتي.
فـ تراجع زياد وقد فهم.
وبشقاوة مال على كتف أكرم يشاكسه وقد تصنع صوتاً أنثوياً مائعاً.
- طب مش تجرب قهوتي الأول ياسيدي...!!
أطلق أكرم ضحكة صافية وقد تعدل مزاجه قليلاً.
فرد بمزاح يوازيه بخشونة نبرته:
- يللا ياواطية.
وتعالت ضحكاتهم.
وبمنتهى البؤس هتف زياد من بين ضحكاته:
- ده باينها هتبقى أيام زي الزفت......
"بـ ورشة القاسم للأخشاب وصناعة الأثاث"
كان قاسم يقف أمام زجاج إحدى النوافذ الموجودة بالورشة، شاردًا بانعكاس صورته بأعين ضيقة.
يدقق بهيئته ومظهره.
يميل بوجهه يساراً ويمنةً يستعرض ملامحه بضيق.
فـ بالفترة الأخيرة قد انعدمت ثقته بنفسه بسبب تصرفات حنين معه.
سابقاً كان يقول خجل ومازالت صغيرة وما إلى ذلك من حجج واهية.
أما حالياً وقد انتبه لحالتها، صمتها، تمردها.
وتلك اللمعة الموجودة بمقلتيها تبهت عند رؤيته.
تلك الأشياء أثارت قلقه.
وغضبه أيضًا!
يعلم أنه ليس بـ وسيم كـ زياد أو أنيق كـ أكرم شقيقه.
يعلم أنه مهما حاول واهتم لن يصل لمستواهما.
ثم ما شأن الرجال بالوسامه؟!
المهم أن يكون الرجل رجلًا!
يمسح بأنامله الخشنة على لحيته الغير حليقة بعدم رضا.
يتسائل بخفوت أيكون كـ زياد ويتركها حليقة ناعمة أم كـ أكرم ويشذبها!
هو لا يهتم تارةً يتركها دون تهذيب وتارةً يحلقها.
أتري هي ماذا تحب!
واللعنة عليها قد جعلته يحدث حاله كالمجاذيب.
واللعنة عليه هو أيضًا سواء بلحية أو بغيرها، وسيم أو لا، سيتزوجها رغماً عنها وعن والدها وعن الجميع.
وقد وعده الجد.
ووعد القاسم دين.
انتصب بجسده واستقام يرمق هيئته للمرة الأخيرة بانعقاد حاجبيه.
ثم تحرك خارجاً ينوي المغادرة واللحاق بـ حنين قبل أن تخرج من مدرستها.
ولكن استوقفه مشهد جعل حاجباه يرتفعا تدريجياً بذهول.
فـ كان وليد إحدى الصبيين اللذان يعملان لديه بالورشه يقف وأمامه فتاة قد رآها من قبل بالمنزل المجاور للورشه، تقف أمامه باسدال صلاة بني اللون وبيدها طبق لا يعلم مابه.
ابتسامتها خجلي ترمق وليد بحياء ثم تحني رأسها.
وهو الآخر ضحكته البلهاء من الأذن للأذن.
اقترب منهما قاسم يوزع نظراته المتسائلة بينهما.
تحدث بتعجب وقد قطع مشهد رومانسي هابط بينهما:
- ايه ده....!!!
وانتبه وليد فاعتدل بوقفته وأغلق فاه.
وأجفلت هي وارتبكت فعدلت من حجابها بحركة واهية تُخفي بها توترها.
قالت بأحرف تحمل كثيرا من الارتباك:
- ده رز بلبن أنا اللي عملاه.. وقولت أجيب طبق لوليد عشان يدوقه.
وزع قاسم نظراته بين الطبق بكفيها وبين وجهها المليح.
ثم قال بنبرة محقق يرفع حاجب ويحني الآخر:
- واشمعني وليد بس اللي يدوقه..!! هو انا والواد اللي جوا ده مش باينين..؟
والصغيرة أمامه ارتبكت أكثر.
وأهتز الطبق بيدها.
ولم تجد رد وكأن القط أكل لسانها.
ليأخذ وليد منها الطبق ويقول بصوت جاهد أن يكون خشن وثابت بالنسبة لشاب على أعتاب الثانية والعشرين من عمره وكأنه حامي حمى البلاد:
- هاتي الطبق وروحي انتي يابسمة وانا هبقي ابعتهولك اما يخلص.
وبجملته أطلقت ساقيها تتحرك من أمامهما تحت أنظار قاسم المندهشة وهمس وليد والذي قرأته من بين شفاهه "تسلم إيدك" فابتسمت له بخجل ووجنتين متوردتين.
اعتدل وليد بوقفته واستدار لقاسم ومعه الطبق بيده.
قال سريعاً يخشى العقاب قبل المواجهة:
- أنا هروح أكمل شغلي بقى ياريس.
ودون انتظار رد ركض من أمامه وكأنه عفريت أمامه.
وقد تحولت ملامحه من الدهشة إلى الخِطرة.
وانتفض وثار بداخله.
سحب كرسي خشبي وجلس عليه خارج الورشة يردد ببؤس وقد أُحبِط:
- وليد بيحب ويتحب..!! وأنا لأ....!!!
- حنييين..
- رامي...!!؟
همست بـ اسمه خافتة بعد أن أُجفلت على ندائه لها.
فتمتمت وهي تقترب منه تتلفت برأسها متوترة وقد شحب وجهها:
- انت بتعمل ايه هنا..؟
قابلها بـ ابتسامة عريضة.
ثم قال بتلاعب وقد استند بجزعه على باب سيارته:
- وحشتيني.. فـ جيت عشان أشوفك.
ثم تابع وهو يتحرك كي يفتح لها باب السيارة المقابل له بحركة لطيفة تنجذب بها المراهقات والمغفلات.
- يللا اركبي أكيد مش هنفضل واقفين نتكلم ف الشارع أودام البنات كدة.
شعرت بالضيق والخوف.
فتمتمت بتلعثم تحاول الابتعاد عنه:
- أصل... مــ ينفعش... ممــ...
نزع نظارته الشمسية من أعلي عينيه فظهرت حدقتيه السوداء بسواد يوازي سواد ملابسه.
ورفع إحدى حاجبيه بمكرٍ عابثٍ واقترب بلطفٍ.
سحبها من مرفقها فسارت معه بتردد وخوف.
- متخافيش ياستي مش هاكلك.. هنتكلم شوية وبعدين هتروحي.
أخذت نفس طويل وهي تراه يجلس بجوارها.
شعرت بتلبك بمعدتها.
وقد خافت بالفعل وارتجف خافقها.
فتلك المرة الأولى التي تركب بها بسيارة شخص غريب.
وضعت حقيبتها المدرسية على صدرها وكأنها تحتمي بها من مجهول وثبتت نظراتها أمامها وانكمشت بمقعدها.
ثوانٍ بسيطة وكان يحتل هو المقعد المعاكس لها يضع يده على المقود.
مال برأسه قربها وتلاعب عابثًا:
- بقولك وحشتيني.. هاا مفيش رد ولا ايه؟!
بعدت برأسها قليلاً.
ثم ازدردت ريقها وهي تهمس بخفوت ممزوج بخجل.
وقد اختفى جانبها الجرئ.
- وانت كمان....
إبتسم وقد سره إحمرار وجنتيها وارتباكها.
عض على شفته السفلي يحجم من أفكاره الشيطانية.
ومن ثمَ بدأ بتشغيل سيارته وهو يقول:
- ماشي ياستي.. تحبي نروح فين مطعم لا كافيه ولا في مكان معين تحبي نروحه سوا..؟
ثم مال برأسه غامزًا:
- ولا تسيبيني اختار ع زوقي انا....
قالت سريعًا:
- لأ انا عايزه اروح.. اصل مينفعش أتأخر.
- مش هنتأخر متخافيش محدش هياخد باله.
- لأ مينفعش.. انا قاسم ماسكللي الساعة.
- قاسم..؟!!
سأل مستفهمًا.
ونبرته رغم ثباتها الا انها لم تخفي غيظه.
فأجابت بعدم فهم توضح:
- آه.. قاسم يبقى ابن عمي.
وهو يعلم من قاسم جيداً.
وهي بلهاء، غبية.
لا تعرف بأنه يعرف عنها كل شئ.
صمت قليلاً.
وتجاوز الكلام عن هذا القاسم.
مؤقتًا.
وحاول أن يرسم ابتسامة رغم الضيق البادي.
قال محاولًا تصنع اللطف:
- عموماً ياحبيبتي. أنا مش عايز اعملك مشاكل.. بس حبيت اقولك ع المفاجأة واحنا بنتغدا سوا.
وقد غفلت عن اللفظ التحبيبي الذي ناداها به متعمدة أو غير لايهم!
وظهرت بسمة خفيفة على محياها والتمعت مقلتيها بالسؤال:
- مفاجأة ايه؟
قابلها ببسمه تزين ثغره.
ونبرة واثقة لرجل يعلم جيداً تأثيره على مراهقة مثلها.
- مع اني زعلان بس هقولك.
مد يده أمامه وأمسك بورقتين بلون أزرق لامع.
ثم لوّح بهما أمام عينيها، وما أن دققت النظر بهما حتى عرفت بأنهما تذكرين لحفل مطربها المفضل.
صاحت بمرح وهي تصفق بكفيها فَرحة، فتلك تعتبر المرة الأولى التي ستحضر بها حفلة غنائية.
أو سهرة بالخارج على وجه العموم.
أما هو فلمعت عيناه بخبث ويعرف جيداً بأنه أجاد اختيار الهدية فضحك باتساع.
مالبث أن خفتت ضحكته واستغرب وهو يراها تعبس بملامحها تدريجياً وكأنها أحبطت من أمر ما.
وأصبحت ملامحها كجروٍ حزين.
- بس مش هينفع اجي للأسف.. أنا مش بتأخر برة البيت خالص.
ضغط على أسنانه.
ثم سألها بضيق شاب نبرته:
- ليه..؟
ببراءة أجابت:
- هقولهم ايه ف البيت.. دانا قاسم ماسكللي الساعة.
وسبه خافته قد نالها قاسم منه، وألف لعنه تُصب على رأسه.
ألا يكفيه بأنها صعبة المراس و حالة شبه مستعصية عليه.
صمت قليلاً ومن البداية قرر تجاهل سيرة "قاسم وسنين قاسم".
تكلم بإحباط حقيقي ممزوج بعصبية.
- معلهش حاولي.. هاتيلهم اي حجه ف البيت.
ردت مؤكدة على كلامها بقلة حيلة:
- مش هينفع والله.
- قوليلهم درس متأخر.. خطوبة صاحبتك اي حاجة يابيبي.
ثم تابع بعد أن سحب نفسً عميق لصدره، يأبى الإستسلام.
- عمومًا وقتها نبقى نشوف حل.
زفر بضيق ونظراته على الطريق، يقود سيارته بروية وهدوء.
وعقله مشغول بالتي تجاوره.
وسؤال خبيث يتردد بباله متى سينالها؟
اقترب منها دون أن تشعر به وكانت ماتزال مثبته نظراتها بتوتر أمامها.
تشد من وضع الحقيبة على جزعها.
أمسك خصلاتها العسلية من الخلف يتلاعب بها بنعومة وكأنه يخاف أن تشعر فتبتعد.
وهذا ماحدث بالفعل!
ضاقت قسماتها وهي تبتعد وارتجفت وقد ظهر ذلك بشكل جلي لعينيه.
وقبل أن يعتذر أو حتى يحاول، قالت بصوت حاد:
- أنا عايزة أروح من فضلك.
نفس الروتين اليومي، والصباح المكرر.
تستيقظ باكراً من أجل مدرسة الصغيرين وافطارهم.
ثم تنام قليلاً بجوار زين الصغير، وبعد ساعتين تقريباً تفيق وتتابع المنزل والاهتمام بـ زين وملاعبته.
كانت الساعة قد قاربت على الثانية ظهرًا.
وتلك المرة الأولى تقريباً التي يتأخر بها كمال بالنوم.
جلست ريم على الأريكة الصغيرة المقابلة لباب غرفته وقد انتابها القلق.
عضت على شفتها بتوتر لا تعلم ماذا تفعل!
من وقت زواجها به وهي لم تطأ بقدمها داخل غرفته وهوبها عدا مرة أو مرتين من قبيل الصدفة.
وما زاد ارتباكها أضعافاً ماحدث بينهم من تقارب.
استقامت واقفة وقد قررت أن تذهب للاطمئنان فقط لا غير.
طرقت باب غرفته بخفة، طرقة خفيفة لحقتها أخرى دون أن يأتيها رد.
أخذت نفس عميق ثم فتحت الباب بهدوء.
تميل برأسها وخصلاتها تميل معها حتى رأته كان يقف أمام المرآه يوليها ظهره، مرتديًا ملابسه كامله يمشط شعره.
رمقها بنظرة غير مبالية ثم عاود النظر لانعكاسه بالمرآه، يتأنى بتمشيط شعره وفكره مشغول بما سمعه بالأمس وقد خاصمه النوم ليلاً.
لا يعلم سبب ضيقه أو حزنه وقتما سمع ماسمعه ولكن يعلم أن نيران وحرائق تشتعل بصدره كلما تتردد كلمات أمها بعقله "ريم انسيه يابنتي.. عمره ماكان هيحبك ولا يبصلك.. انتي معاكي دلوقتي راجل، نادر تلاقي زيه دلوقتي.. فاتلمي وشيلي الواد ده من قلبك ومن دماغك..."
كانت تحب؟
أ كان حب فقط.
وهل مازالت تحبه!
الأكيد انها لازالت تحبه وكلام أمها دليل على ذلك.
نعم هو غاضب والسبب أنه رجل لا يقبل على نفسه أبدًا أن يكون ظلًا لآخر.
غاضب وحانق لأنه وللأسف الشديد أحبها وانجذب لها رغم مدتها القصيرة معه.
غاضب لأنه وللمره الأولى بسنوات عمره التي تجاوزت الأربعين لا يعلم ماهو التصرف الصحيح.
قطعت أفكاره التي تعصف برأسه وتأكل دواخله، بنعومة صوتها وحاولت إضفاء المرح بنبرتها كي تخفي خجلها وتوترها.
- صباح الخير.. أو مساء الخير بما اننا بعد الضهر.
وتلك المرة أطال النظرة.
بهية الطلة.
لها جمال خاص ودلال يشع منها.
شتان بينها وبين خديجة بجمالها المقبول وهدوء شخصيتها.
بكل مرة ينظر لها يطيل النظر.
مرة اعجابًا، ومرة تمني لما يريده منها.
ومرة من باب السكون والصمت في حرم الجمال.
ولكن تلك المرة نظرته كانت مختلفة.
لأول مرة يكتشف بأنها غير ملائمة له ولا لظروفه.
أومأ لها دون كلام كـ رد على صباحها.
استقبلتها هي باستغراب.
نظراته مبهمة وغريبه زادت من حدة توترها.
أمسكت بمقبض الباب تستند عليه تسأله والنبرة مليئة بالقلق البالغ:
- أول مرة تصحي متأخر.. قلقتني عليك..!!
- قلقتي..؟؟
لأ اطمني أنا تمام.
قالها بفظاظة بها لمحة تهكم.
يتحرك من وقفته ومازالت نظراته تخترقها.
تجاوزها دون أن يتلامسا لخارج الغرفة متشاغلا بإغلاق أزرار كمي قميصه.
سألها:
- الولاد لسه مرجعوش من المدرسة.
- لأ لسه.
ثم تابعت مغيرة مجرى الحديث:
- ماما كانت عايزه تشوفك امبارح وتسلم عليك بس انت جيت ودخلت الاوضه علطول.
استدار ينظر بعينيها:
- كنت تعبان هبقي اتصل بيها اعتذرلها.
ورغم هدوئه إلا انها تشعر بتغيره.
نبرته مختلفة ونظرته أيضاً وكأنه تبدل بآخر.
قالت بتوجس:
ـ هو فيه حاجة؟
رغم ضيقه إلا أنه آثر الصمت والصبر.
وهذا مازاد غضبه.
ـ قولتلك تمام. انا خارج.
- علي فين؟
زوى مابين حاجبيه باستغراب، وتسائل بحدة:
- من امته وانتي بتسألي؟!
ابتلعت ريقها بحرج وهمست أسفاً:
ـ أسفه مش هكررها تاني.
رواية بيت القاسم الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ريهام محمود
بعد أسبوع....
كانت ترتب الملابس على الأرفف بذهن شارد، أعصابها مشدودة منذ أن غادرت منزل أكرم. وما يثير حنقها حزن أمها، دائماً تبكي وكأنها بطلاقها منه سينتهي العالم، حقيقةً لا تعلم لما المبالغة؟!
انقلب حالها وتغيرت حياتها، والمفترض أن تشعر بالراحة. فهي ورغم وضعها معه إلا أنها لا تقبل أن يشاركها به أخرى، لازالت تحبه.. لن تنكر! ولكنها فضلت الحفاظ على ما تبقى من كرامة لديها.
داعبت ذاكرتها ذكرى أول مرة رأته بها.... كان كالبدر في تمامه بملابسه الكلاسيكية، وساعته الثمينة وعطره النفاذ والذي سرق خافقها فور تنشقه. كانت هيئته عكس المكان الذي يجلس به، فالمنزل جدرانه متهالكة وطلاؤه الجيري متساقط. كان يجلس على أريكة صغيرة منجدة بجوار جده وكأنه ملك.
منذ أن تشابكت نظراتهما معاً أحبته.. أحبته منذ اللحظة الأولى رغم تجهم ملامحه وقتها، إلا أن نظرته حينها كانت دافئة وكأنها تطمئنها، تربت على قلبها. ليتها لم تنساق وراء إحساسها.. فإحساسها كان خاطئ ككل شيء خاطئ حدث من يومها.
ابتسامة متألمة ارتسمت على ثغرها، تنهدت بحزن وهي تمسك بهاتفها بعد أن جلست على الفراش. تريد الاطمئنان على صغيرتها فمنذ رحيلها لم تراها، ولكن تطمئن على أخبارها من جدتها عبر الهاتف. وسماع همهمات الصغيرة وصوتها الطفولي لم يعد يكفيها.. فهي تريد احتضانها.
جاءها رنين وتلك المرة لم يكن الاتصال للجده ولكن لأكرم. زفرت بيأس وقد طال الرنين دون رد، وقبل أن ينتهي أتاها صوته الأجش متمتماً بسلام بسيط. التقطت أنفاسها وقد ارتبكت من نبرته، ويبدو من صوته أنه كان نائم. وكم اشتاقت له ولنبرته ولكل شيء.
طال صمتها فقال باهتمام.. أو هكذا خُيّل لها..
"عاملة إيه؟"
خفق قلبها بعنف، تمتمت شاكرة وقد اشتعلت خجلاً وكأنها لم تتمرد سابقاً.
"الحمد لله."
ثم صمتت قليلاً واستطردت بشجاعة مزيفة.
"عايزة ملك.. قصدي عايزة أشوفها."
"طب وإيه المشكلة.. تعالي شوفيها."
قالها هكذا ببساطة.. وكأن شيئًا لم يكن.
"مينفعش أجي.. ينفع تجيبهالي، أسفة؛ قصدي تبعتهالي!"
ومن تغير نبرته يبدو أنها استفزته وأخرجت المارد. فـ علا صوته وهتف بحدة.
"ليه مينفعش تيجي.. هو إحنا خدامين عندك! عايزة بنتك تعالي شوفيها غير كده متحلميش."
وردت تجابهه وقد اغتاظت منه ومن أفعاله وغروره.
"انت عارف إني مينفعش أجي.. فين المشكلة في إنك تبعتها."
همهم باحباط متعجباً.
"مشكلة!! هو انتي طلباني عشان كده؟"
"أيوه.. أومال هطلبك ليه تاني!"
استعاد رباطة جأشه ثم قال بحسم.
"تمام.. ملك انتي عارفة مكانها عايزة تشوفيها تعالي. غير كده بنتي مش هتخرج من بيتي."
وأغلق الهاتف بوجهها دون سلام. وقد أثارت جنونه ألقى الهاتف على طول ذراعه غاضباً، يطحن ضروسه ببعضها البعض. لا يصدق برودها! هي والتي من نظرة واحدة منه كانت كفيلة باشتعالها. كلمة بسيطة منه كانت كافية لاسعادها أيام.
حانق.. وبشدة، وما يثيره أكثر أنه لا يعلم سبب حنقه. يحدق في اللاشيء بقسمات مكفهرة ونظرات مشتعلة، جسده متشنج. دقائق قليلة كان على حاله، ثم تحرك بآلية وانحنى أرضاً ليمسك بهاتفه.
ضغطات بسيطة ورنين قصير قطعته صوت أنثوي. تجاهله هو وكأنه لا يسمعها. قاطعها بنبرة جامدة.
"حضري نفسك بالليل عشان هنروح نجيب الدبل والشبكة."
يتبعها بخطوات ثابتة، مدركًا حبها له حتى وإن أنكرت ذلك وتظاهرت بالعكس. وهو أيضًا يحبها ويحتاجها ولا داعي لهدم بيتهما من أجل نزوة. حسناً.. عدة نزوات صغيرة، فهو رجل وله احتياجات لا تستوعبها هي.
مالت شفتيه بشبح ابتسامة فور تذكره لحديث أكرم "من أين يأتي بتبجحه".
تسير أمامه بخطي متمهلة وكأنها متعبة، ترتدي سروالًا من الجينز الضيق يعلوه قميص فضفاض يصل لأعلى ركبتيها بقليل بلون زهري يتماشى لونه مع ربطة شعرها والذي جمعت خصلاته بشكل عشوائي أعلى رأسها. تبدو لعينيه أكثر نحافة من ذي قبل، هشة قابلة للكسر بأي لحظة.
لوهلة أنبه ضميره لما فعله بها، ولكن هاهو موجود اليوم ليصلح كل شيء. لحق بها ونادى باسمها بلهفة ظهرت جلياً بصوته.
"نيرة."
أجفلت من ندائه وكأنه ظهر من العدم. ثوانٍ بسيطة كانت تنظر له ببلاهة وفاه مفتوح غير مدركة وجوده هنا أمامها من الأساس. تخطت صدمتها وقد استفاقت من زهولها سريعًا فولته ظهرها وتابعت سيرها بتوتر دون رد.
فـ لحق بها مسرعًا وأمسكها من ذراعها يديرها إليه بتملك. نظراتهما تتقابل معًا، يعلوها بطوله. نظرتها ذابلة كانت تحمل عتابًا تحاول ألا تظهره، ونظرته مليئة بالرجاء. يحدق بها بعينين بنيتين متوسلتين.
"استني.. إحنا لازم نتكلم."
زاغت بنظراتها عنه وعن ملامح وجهه والتي كانت تهيم بها عشقًا. كتفت ذراعيها وحاولت أن تكون نبرتها ثابتة عكس ما يجوش بصدرها من تخبط وحيرة.
"هنتكلم في إيه.. معتقدش إن لسه فيه كلام بينا يا زياد."
"إحنا متكلمناش أصلاً يا نيرة ولا قعدنا مع بعض."
ثم تابع بينما يراقب عينيها يحاول التأثير بها كما كان يفعل سابقًا.
"لو كنتي بتحبيني صحيح.. كنتي المفروض تعاتبيني، تسأليني.. إن شاء الله يا ستي تتخانقي معايا. إنما تسيبيني وتمشي وتطلبي الطلاق كده مرة واحدة!"
رفعت حاجبيها باندهاش حقيقي. هتفت غير مصدقة.
"زياد.. انت بجح أوي كده ليه؟"
كاد أن يضحك بداخله فيبدو أنه حقًا "بجح" وبشهادة الجميع. ثم أكملت بمرارة كست نبرتها رغماً عنها.
"ولأ يا زياد أنا مطلبتش الطلاق مرة واحدة.. أنا صبرت عليك سنتين.. وكنت حاسة بكل حاجة.. بس كنت بكذب نفسي وبكذب تلقيحات الناس المحيطة بيا عشان بحبك ومش قادرة أبعد عنك. بس خلاص رصيدك في قلبي خلص."
مسد جسر أنفه بتعب. وجد أن زمام الأمور بدأت أن تفلت من بين يديه. فقال بهدوء يحاول أن يكسب بعض الوقت.
"أنا شايف إن إحنا نروح مكان هادي نتكلم فيه."
"تتكلموا في إيه بالظبط، مش قولتلك ملكش كلام معاها وكلامك يبقى مع أخواتها الرجالة."
انتفضا على زعيق قاسم والذي أشبه بطلقة نارية اخترقت وقفتهم. مسح صفحة وجهه بحده وغضب ولم يكن هذا وقته بالأساس. صرخ به وقد طفح الكيل منه ومن تدخله.
"إنت مالك إنت يابني آدم.. واحد ومراته وواقفين سوا بيتنيلوا بيتكلموا سوا.. تتدخل بينهم ليه!"
اقترب قاسم من وقفتهم وفصل بينهما بعرض جسده بالمنتصف، يجابهه بطوله وحدة نظراته وخشونة نبرته.
"أتدخل ونص وتلت تربع.. هي سمحالي.. وبصراحة كده أنا مبقبلكش.. ويللا بقي من هنا."
فارت دماء الآخر من الغيظ، فدفعه بكفيه هادرًا.
"انت بتطردني من الشارع انت عبيط يلا!"
"عندك حق.. إحنا اللي هنمشي ونسيبهولك، يللا يا نونا."
أنهى قاسم كلامه وهو يسحب كف أخته بين كفه بقوة تاركًا الآخر يسب ويلعن وقد ضاعت منه الفرصة!!!
بعد قليل على الدرج الرخامي للبيت. كانت نيرة تجلس على إحدى درجاته يعلوها قاسم بدرجتين. يراقب ظهرها، حركاتها الخرقاء لمداراة ضعفها وتوترها. تمسد خصلاتها بلا اهتمام حقيقي في محاولة فاشلة منها أن تتجنب مواجهته.
قرر قطع الصمت الثقيل بينهما فحمحم بخشونة وتساءل بمكر.
"لسه بتحبيه؟!"
تنهدت بضيق واكتفت بالتحديق في اللاشيء أمامها. فتابع هو يزم شفتيه يجيب بدلاً عنها. لطالما عرف كم كانت مدللة بحبه.
"يبقي لسه بتحبيه."
"بكرة تنسيه."
ضحكت نيرة ضحكة خفيفة تحاول إخفاء سخرية واضحة.
"ياريته كانت بالسهولة دي يا قاسم."
"الغريبة إن دائمًا كنا بنسألك بتحبيه؟ بس عمرنا ماسألنا هو بيحبك ولا لأ."
ثم تابع بحاجب مرفوع متسائلاً.
"هو بيحبك؟"
ارتج قلبها بداخله. فأمسكت برباط شعرها تزيحه فانسدلت خصلاتها السوداء على كتفيها بنعومة. لم تلتفت له بل تحدثت.
"الأمور مبتتاخدش كده يا قاسم.. حسابات القلب غير العقل خالص. انت بس عشان مجربتش فمش حاسس بيا."
هتف دون أن يشعر وكأنه يحدث نفسه بمرارة.
"مجربتش!! هو أنا في حاجة جيبالي الكافيه غير قلبي."
دارت بوجهها تحدق بعينيه. ويبدو أنها تولت المهمة وأصبحت مكانه.
"هسألك نفس السؤال.. بس ليك المرة دي. دايما بتقولي انت بتحب حنين.. بس عمرك ماسألت حنين بتحبك ولا لأ.. وبنفس نبرته السابقة وذات الحاجب المرفوع سألت تتحداه بنظرتها.
"ها.. حنين بتحبك؟!"
بهتت ملامحه في لحظة وتبدل مزاجه بوضوح. ساد صمت قصير بينهما يقطعه أنفاسهما ولكنه قال بنبرة جافة.
"أكيد بتحبني.. المفروض إنها تكون بتحبني.. مين يلاقي حد بيحبه ومحافظ عليه زيي وميحبوش؟!"
هزت رأسها وقد أصابت الهدف.
"طالما قولت المفروض يبقي شكيت. عرفت إن حسابات القلب بتختلف."
رد بعناد يجابهها علها تستفيق. هو رجل ذات مبدأ لا يحبذ الرمادية ولا تستهويه.
"بس وضعك غير.. كل شيء في الحب ممكن الواحد يتغاضى عنه عشان المركب تمشي إلا الخيانة."
وتابع بيقين ونبرة جامدة يشدد على حروفه.
"الخيانة بتكسر أي حاجة حلوة ممكن أكون مخزنها في قلبي. الخيانة بتهد وبتجيب الآخر."
ثم أكمل وقد قست نبرته.
"أنا لو مكانك عمري ما أسامح."
مالت برأسها. تنظر له نظرة خاوية لامرأة مجروحة، قالت بابتسامة متألمة.
"بلاش تبقى مكاني.. محبش أبداً يا قاسم إنك تكون مكاني."
قطع خلوتهما صوت حنين والتي عادت منذ قليل واستمعت لمعظم حديثهما معاً، ولكن فضلت عدم الظهور، فحديث قاسم عن الخيانة أزعجها. أزعجها لدرجة انقباض قلبها. ولا تعلم السبب.
"هاي."
"هاي ورحمة الله يا أختي.. إيه هاي دي الناس بتقول سلام عليكم."
رد عليها متهكماً. يرمقها بغير رضا بسبب ما ترتديه من بنطال شديد الضيق وبلوزة تحتوي جزعها وتظهر معالم أنوثتها بترحيب للناظرين. ولكنه تغاضى وقد هان الأمر وستصبح في عصمته قريبًا وكلمته ستسري عليها سواء كانت راضية أم لا.
تأففت في وقفتها بملل. وقلبت وجهها وقبل أن تنطق. هتفت نيرة وهي تقف، تعدل من ثيابها والتي انثنت بفضل جلستها. قالت مبتسمة بوجهها.
"أنا هطلع أنا قبل ما تبدأوا بـ وصلة الخناق بتاعكم."
ثم استدارت ونظرت لقاسم نظرة ذات مغزى وهي تشدد على معصمه تهمس له دون الأخرى.
"بالراحة عليها.. ده لمصلحتك قبلها."
تراجع في ضيقه قليلاً. ولانت ملامحه. سألها بهدوء.
"كنتي فين؟"
ارتبكت قليلاً. ازدردت لعابها ثم قالت.
"هكون فين يعني.. كنت في الدرس."
قال بضيق واضح في نبرته.
"مش ملاحظة إن دروسك كترت وبقيتي بتخرجي وتتأخري كتير؟"
وزعت نظراتها هنا وهناك بعيدًا عن نظراته المثبتة عليها. كان يراقب كل خلجة بها. يعلم متى تكذب ومتى تكون صادقة. ودون انتظار ردها. أكمل بتحذير.
"جدول الدروس بتاعتك يكون عندي بالليل.. مفهوم!"
هتفت باعتراض واضح والضيق ينضح من قسماتها.
"ليه بقي إن شاء الله.. مين خلاك ولي أمري!"
هنا فقد آخر ذرة من هدوئه وهو يصيح بها.
"ماتظبطي يابت بدل ما أظبطك.. ردودك كلها مستفزة وأنا مش هصبر أكتر من كده."
زفرت بضيق. وتجاوزته تتخطاه. فتحرك من جلسته يمسك بمعصمها قبل أن تتركه. كان غاضباً منها، بداخله شعور لا يعرف كنهه ولكنه شعور قبيح مقبض. سيتغاضى عنه للأسف من أجل حسابات القلب سيتغاضى عن أي شعور قد يهز ثقته بها.
ثبت عينيه على نظراتها المستاءة. ملامحها متوجعة من مسكته القاسية لمعصمها، قال ونبرته تغيرت للجدية.
"أبوكي هييجي آخر الشهر ده."
دب القلق بصدرها وظهر في عينيها. فسألته بضعف تلقائياً.
"ليه؟"
وكانت إجابته أكثر تلقائية ونبرته كانت ثابتة وقوية على عكسها.
"انتي عارفه ليه!"
نفض ذراعها عنه بعنف مثلما أمسك به. تركها تصعد تحت ناظريه بخطي مترنحة غاضبة. تركته متصلبًا مكانه والحيرة تأكل قلبه، وعقله يهتف بألف سؤال وسؤال.
وفي غرفتها وأمام مرآتها. كانت تراقب انعكاسها. دموع عينيها والتي بدأت بالتساقط، وقد استاءت من ضعفها. فأمسكت بهاتفها وقد قررت تغيير واقعها وعليهم احترام ما تريده. وعدة ضغطات على الهاتف ثم رفعته على أذنها ليأتيها الرد وتجيب هي بـ "ماما".
بإحدى محلات الصاغة الشهيرة والتي اعتادت عائلته التعامل معه. كان أكرم يجاور جيلان في وقفتها. يختاران معًا خواتم الخطبة كما وعدها. بريق الذهب أمامها خطف أنظارها رغم أنها ابنة وحيدة لأب ميسور الحال لم يقصر معها بشيء إلا أنها كانت دائمًا تريد المزيد والمزيد. أحلامها وطلباتها لا تنضب. في روايات من عرفوها وعاشروها يقولون عنها طامعة ذات أعين فارغة لا يملئها سوى التراب. ولكنها في روايتها هي طموحة ولا ضير في ذلك. وهي الآن تعيش أكثر أحلامها روعة وجمالاً. معها أكرم الذي يحبها ستجعله كالخاتم بإصبعها سيلبي طلبها قبل أن تأمر به. هي ليست حمقاء كي لا تشعر بتغيره وجفائه وتجهم قسماته. ولكن كل شيء يهون، مع الوقت ستعيده أكرم القديم. أكرم الذي رسب لعامين بالجامعة كي يظل معها وأمام ناظريه.
أفاقت من تخيلاتها الوردية على صوت الصائغ.
"دي أحدث وأجمل خواتم موجودة في المحل يا أكرم. نقي منها وعلى ضمانتي."
عيناها لا تتوقفان عن انبهارهما وهما تتجولان على كل قطعة أمامها. ابتسمت برقة وأعين منبهرة توجه حديثها لقاسم وهي تشير على خاتم ماسي.
"إيه رأيك في ده؟! خطفني أول ما شفته."
يبادلها الابتسام بنظرة لا تفهمها. بالأصح تتغاضى عنها. يدقق باختيارها دون تركيز.
"جميل."
قالها ببرود. غير مهتم وكأنه مجرد صديق ذهب معها ليعرض رأيه فقط.
استاءت من بروده معها. بلحظة تلاشت الابتسامة الرقيقة وحلت مكانها تكشيرة مصرية أصيلة. تعلم أنه لا يحب رؤية أحد حزين. وقد أصابت فقد خلع عنه قناع البرود. قال باهتمام.
"جميل بجد.. حقيقي يعني.. طالما عجبك أوكي ناخده."
تمتمت بخفوت كي لا يسمعها من يقف أمامهما.
"مش المفروض نختار سوا.. هو أنا غصبتك على حاجة يا أكرم؟"
"لا مش كده أكيد.. أنا بس بالي مشغول بالوضع في البيت عندي وكده."
عادت بنظراتها للخواتم أمامها تختار وتقارن بعقلها ونظرتها، تسأله وقد رقت نبرتها واصطنعت براءة لا تناسبها.
"طب وأنا ذنبي إيه يا أكرم.. هو أنا اللي لخبطتلك الدنيا كده!"
حقاً عجز عن الرد. بماذا يجيب! هو الآن بأسوأ فتراته. بل تلك الفترة هي الأسوأ بحياته. تنحنح، يمسح على لحيته الخفيفة بأنامله يخفي تيهه، واعتبرت سكوته انتصارًا لها. فابتسمت بوداعة وتابعا ما جاءوا لأجله. مبتسم بطريقة غريبة، وكأنه مسيّر أو مغيب، أو مضروب على رأسه. مبتسم بذبول. وكأنه.. وكأنه رجلٌ بورطة.
أنهت ريم رص أطباق الطعام على المائدة. وقد قررت اليوم أن يكون العشاء خفيفًا وبمفردهما من أجل تهدئة الأمور بينها وبين كمال. وقد غفا زين الصغير قبل قليل بأعجوبة، ومراد وحاتم بغرفتهما يستذكران دروسهما. ابتسامة رضا زينت ثغرها وهي تنظر للطاولة في الوقت ذاته دخل كمال ممسكًا هاتفه مدققًا به يكتب ويرسل أشياء تقريبًا لها علاقة بعمله. تجاهلها كعادته تلك الفترة وجلس مكانه دون أن يحيد بنظره عن الهاتف.
سحبت كرسيها وجلست تجاوره ومازالت ابتسامتها موجودة وملامحها هادئة لاتريد سوى أن تعود الحياة بينهما مثلما كانت. ملأت له كوبًا من الماء ووضعته أمامه فتناوله دون شكر. وأخيرًا ترك الهاتف ووضعه أمامه على الطاولة، فانتبه أنهما بمفردهما دون أبنائه. فسأل.
"الولاد فين؟"
"زين نام، ومراد وحاتم اتعشوا سندوتشات ودخلوا يذاكروا."
أومأ برأسه متفهماً. وبدأ بطعامه عاقدًا حاجبيه. ساد الصمت بينهما عدا عن أصوات أدوات الطعام. وقد ملت منه ومن صمته. فقررت قطع سكون اللحظة، أجلت حلقها وسألت بخفوت.
"كمال ممكن أعرف انت متغير معايا ليه."
تستلهم، تحاول فك شفرته، تجابهه بنظرتها ونعومة ملامحها. زفر بحدة وقد تجهمت ملامحه وازداد مزاجه سوءً، أجاب بجمود.
"مفيش حاجة.. معاملتي ليكي طبيعية جدًا."
صاحت به بانهيار.
"هو إيه اللي طبيعي.. انت يا إما زعيق يا إما مبتكلمنيش أصلاً."
هدر بها وقد تضاعف غضبه بسبب صوتها المرتفع.
"صوتك ميعلاش أحسنلك."
صمت لحظة وتعمد جرحها فهتف بلؤم لا يشبهه.
"وبعدين إيه اللي مضايقك.. ولا انتي عايزة حاجة تانية؟"
فـ غرت فمها تنظر إليه بصدمة منه ومن وقاحته، انعقد حاجبيها الرقيقين بشدة وهي تهتف مدافعة.
"أنا.. أنااااا.... أنا أكيد مقصدش."
ولم يقوى لسانها على التكملة، فنهضت واقفة من مكانها بعصبية تنوي المغادرة بعد أن ألقت بوجهه أنه عديم الاحترام. باللحظة ذاتها كان هو أيضًا يقف أمامها رأسه برأسها. وما بين خجل وعتاب.. غضب وحيرة.. رغبة يريد وأدها وبراءة تزيد من إغوائها. وتقول عنه عديم الاحترام إذاً فليريها ما أهانته بها.
كانت الغلبة لجسده بعد أن حاوطها بذراعيه مستندًا على ظهر كرسيها. جذعه الخشن مقابل نعومتها، أغمضت عينيها بشدة. تشعر بتشنج جسده، انحبست أنفاسها بصدرها وجسدها كله يشتعل خوفًا. وخجلًا.
كان يراقبها.. صدرها يعلو ويهبط بذعر. ملامحها الناعمة وخصلاتها الثائرة تأسرانه. هي كلها ملك يمينه ولكن لا يريد. لحظات وفتحت عينيها ببطء. ليتبادلا النظرات الصامتة واقتراب الأنفاس. كانا بعالم آخر. همست اسمه بنعومة تذيب الأعصاب.
"كمال."
وبنطقها لاسمه استفاق وانتفض بداخله، سارع بكسر السحر النابض بعينيها وتظاهر بالقسوة واللامبالاة. تابعت وقد تحول لون وجهها للأحمر القاني.
"أنا بس عايزك تديني وقت."
رد متعمد إحراجها بضحكة هازئة.
"تديكي وقت لأيه؟!"
ثم تابع بصوت أجش ومازالت ابتسامته هازئة.
"آه.. لأ أنا مش عايزك.. الرفض المرادي مني أنا!"
ثم تغيرت نبرته أصبحت أكثر سوداوية. يهتف من بين أسنانه بشراسة.
"انتي هنا زي ما انتي قولتي قبل كده للولاد والخدمة وبس.. متتعشميش بأكتر من كده يا ريم. وبالنسبالي لو هفني مزاجي على الجواز.. هتجوز يا ريم."
قطبت مابين حاجبيها، واستقامت بوقفتها رغم أنها مازالت بين الكرسي وذراعيه. صاحت بوجهه.
"اللي بتقوله ده في أي شرع بقى إن شاء الله؟!"
أجاب بجمود.
"اللي بقوله ده لا شرع ولا قانون.. اللي بقوله ده كان قرارك هنا في البيت ده اللي متغيرش.. خليكي قد قرارك ولو مرة واحدة يا ريم."
همست بصوت متحشرج.
"انت كده بتظلمني."
أردف بقسوة.
"انتِ اللي ظلمتي نفسك."
وخلال ثانية كان يبتعد عنها حانقًا، دخل غرفته سحب مفاتيحه... وتحرك. مغادرًا كإعصار. صافق الباب خلفه بكل قوة. ومع خروجه هوت بطولها أرضًا ترتجف، تدفن وجهها بين كفيها تبكي.
رواية بيت القاسم الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ريهام محمود
الجو صيفي بامتياز، وشمس العصاري تفرض أشعتها. كانت حنين تجلس على كرسي خشبي على سطح البيت المظلل بألواح خشبية مضلعة بتوازي صنعها قاسم، تنظر للحمام أمامها بذهن شارد وملامح باهتة. تجلس بأريحية بفستان ربيعي طويل يكشف نصف الذراعين بلون العسل يتماشى مع لون عينيها. تمسك بكوب عصير ساقع دون أن ترتشف منه، غافلة عمن يقف وراءها، يراقب كل حركة تقوم بها. كم مرة تنهدت، كم مرة لعبت بخصلاتها. اهتمامها الظاهري بحماماته يتمنى أن تهتم به أيضاً مثلهم حتى وإن كان زائف. والاهتمام الزائف بالوقت سيتحول لاهتمام حقيقي. حزينة، ملامحها حزينة وحتى جلستها حزينة، ولا يعلم السبب. سحب شهيقاً طويلاً لصدره، وقد قرر أن يقطع خلوتها.
هتف بصوت أجش:
ـ الحلو سرحان ف إيه؟!
أجفلت. اعتدلت بجلستها تحت نظراته الفاحصة، وردت بملل:
ـ ولا حاجة. بتفرج ع الزغاليل بتاعتي.
ـ مش انت بردو قلت إنها بتاعتي؟
ـ كل اللي أودامك بتاعك.
قالها بصدق يشير لما حولها بما فيهم هو دون أن ينطق بها. الكون كله ملكها لو فقط تمنحه الرضا. يدقق بعينيها وكأنه يقرأها، توترت وزاغت نظراتها. تبحث عن طريقة تخبره بها أنها لا تحبه. كلا، هي تحبه ولكن كأخ. كم تمنت أن يعاملها كـ نيرة أو يفهمها كـ يارا، ولكنه يأتي عندها ويتبدل. تذكر ذات مرة وهي في سن أصغر سألته لما لا يعاملها مثل البقية. وكانت إجابته مختصرة دون عناء: "بأنها ليست مثلهم". هو يقصد شيئًا وهي فهمت شيئًا آخر. دائمًا الشيء وعكسه. هو الثورة وهي الهدوء. هو الفعل المباشر وهي المراوغة. كادت أن تنطق بها صريحةً ولكنها تراجعت.
توهان نظرتها وحيرة معالمها جعلته يسأل:
ـ عايزة تقولي إيه؟
زفرت بيأس:
ـ مفيش.
يستجوبها وقد مال واقترب بجزعه منها. نظراته مطمئنة عكس نبرته.
ـ مخبية عليا حاجة؟
وإن كان يسأل بشك، فقد تأكد فور أن رأى توترها. حركة حلقها المتشنج وهي تبتلع ريقها بصعوبة أمامه. تجذب خصلاتها بعشوائية بحركة اعتادت فعلتها منذ صغرها حينما تكذب أو تخفي أمرًا وهو يحفظها كاسمه. بـ حلقٍ جاف تمتمت:
ـ لأ، مفيش حاجة أصلًا عشان أخبيها.
يحذرها بجمود مخيف وقد تعكر المزاج. وبداخله هاجت نبضاته واهتز ثباته.
ـ ياريت يا حنين، ياريت ميكونش فيه حاجة. عشان انتي مش قد شري لو عرفت إنك مخبية عليا حاجة.
***
ـ أيوه ياحاج. صدقني اللي حصل ده هو الصح.
هتفت بها والدة زياد عبر الهاتف، حيث أن تلك المكالمة الأسبوعية المعتادة منها. مكالمة بالعادة تكون باردة مثلها. "رباب" ابنة القاسم بـ أوائل الخمسينات من عمرها مستقرة بـ ألمانيا وقد نالت شهادتها أيضًا من هناك بسن متأخر نسبيًا بسبب زواجها والذي أسفر عن زياد وتأجيل دراستها. وما أن أنجبت يارا حتى عاودها حلم إكمال الدراسة والأبحاث. وكم كانت ذكية والجميع يشهد بأنها كانت ستحل مكانة علمية مرموقة، وهي الآن تُدرس بإحدى الجامعات هناك. ومن وجودها وعشرتها الدائمة للألمان اكتسبت برودهم وحلولهم العملية لكل شيء.
صدم القاسم من حديثها قال بشيء من الحدة:
ـ خراب بيت ابنك وحفيدتي يارباب صح؟ هو إيه الصح في كده؟
تفند الأسباب أمامه، تقنعه بعملية تمارسها.
ـ يابابا، الاتنين مش شبه بعض. متقنعنيش إن نيرة كانت تليق بزياد.
احتلت نبرته وخرجت زاعقة:
ـ ولما هما مش لايقين على بعض وافقتي يتجوزوا ليه؟
ـ محدش فينا وافق يابابا. انت قررت وعشان ترضيها غصبت على زياد يتجوزها.
ـ أنا مغصبتش على زياد يارباب. زياد بيحبها.
هتفت بتأكيد وكأنها تخاطب إحدى طلابها. مستحيل يكون بيحبها، هي غلطة وجه وقت تصليحها. إبني عايز واحدة يتباهى بها قدام الناس، مش ست بيت تستناه كل ليلة عشان تغسله رجله!!
جُفل وكأن شيئًا بداخله قد كُسر. ارتعش صوته وبان الوهن جليًا. رمش عدة مرات ثم همس:
ـ هي دي قيمة نيرة في نظرك؟ واضح يارباب إنك مش عارفة ابنك عايز إيه. لأن ابنك متمسك بيها ومش راضي يطلق. وبالنسبة ليارا، ياترى بتسألي عنها ولا حالها حال زياد؟
ردت بتكلف تنهي الموضوع لصالحها:
ـ إزاي يابابا، أكيد بكلمها. ده إحنا حتى متفقين إن الويك إند هتيجي تقضيها معايا. بس البركة فيك بردو يابابا.
تنهد بمرارة غلفت حلقه.
ـ أكيد البركة فيا. مانا بجوزكو عشان تخلفوا عيال وترموهم. ماذا كنتي انتي ولا عماد؟ فأنتم قلبكم أقسى من الحجر. ربنا يهديكم.
ومن دون انتظار ردها كان قد أغلق الهاتف. يتكئ على الجدار المجاور، مكالماتها كانت كفيلة باشعال فتيل إحساس الوحدة الذي بات يزوره مؤخرًا. رغم وجود فاطمة والأحفاد من حوله. يخشي أن يموت دون أن يراها هي وشقيقها. وما يحزنه ويغص قلبه أنها لن تهتم بموته من الأساس. واللعنة كل اللعنة على عقوق الأبناء وجفائهم.
***
أوقف عاصم سيارته السوداء بمكانها المخصص بمرآب الشركة وقبل أن يغادر، قابله زياد بسيارته محدثًا جلبة في المكان، مما استدعى انتباه حارس الأمن ولكنه اكتفى بنظرة وعاود عمله. ترجل زياد من سيارته يغلق بابها بعصبية ليبحلق به عاصم بدهشة وحاجب مرفوع. فهو يعلم كم هو ولّهاً بسيارته بأحاديثهم يطلق عليها المدللة. يعلم بأن حبه لها تخطى حبه للنساء والجونلات الضيقة.
اقترب منه وقد استشعر القلق من هيئته وذقنه المهملة. سأله بحذر:
ـ هي مراتك لسه مرجعتش؟
وكأنه ضغط على زر الاشتعال. رد بعصبية يلوح بكفه بالهواء بانفعال:
ـ لأ. الهانم مصرة على الطلاق.
ـ حقها.
همسة بسيطة، مجرد همسة ولكنها وصلت لمسامع المشتعل، فحدجه بغيظ يضغط على أسنانه.
ـ حق مين؟ دي مكبرة الموضوع أوي.
ـ متبقاش بجح يازياد.
هتف بنبرة خطرة وقد طفح الكيل من تلك الصفة التي التصقت به رغماً عنه.
ـ صدقوا بالله اللي هيقولي يابجح تاني هديه بضهر إيدي على وشه أعوره.
رفع عاصم كفيه مستسلماً بشقاوة. يحدثه وهو يتحرك بخطى سريعة إلى المصعد.
ـ لأ وع إيه الطيب أحسن. بس انت ناوي تعمل إيه؟
وقف بجواره بانتظار المصعد. أكتافه متهدلة بإحباط ونبرته مكتومة.
ـ مش عارف. هي مش مديني فرصة حتى نتكلم وتسمعني.
ولمع وصول المصعد دخلا معًا. يرتكن زياد بظهره في إحدى زواياه بإرهاق يضع كفيه بجيبي سرواله الضيق. ووقف عاصم أمام المرآة الموجودة به يعدل من هيئته، قميصه البني يتناسب مع سرواله البيج، فنظر لحاله برضا. يمسد بأنامله خصلاته البنية القصيرة وحاجب مرفوع بعجرفة رجل يعلم جيدًا أنه وسيم. يراقب إحباط صديقه من خلال انعكاسه بالمرآة. فقال ببساطة وكأنه يتكلم عن الطقس.
ـ اخطفها.
ـ اخطفها؟
ـ آه اخطفها. هو انت هتخطف حد غريب، دي مراتك.
وقد استدعى كل تركيزه فاستقام بوقفته. واقترب منه وقد نالت الفكرة استحسانه.
ـ اخطفها إزاي؟
ـ عادي استناها عند بيت جدك وأول ما تخرج اخطفها زي الأفلام.
ابتسم زياد كالأبله واتسعت ابتسامته فأصبحت ضحكة هبلاء، وقد فغر فاهه واتسعت حدقتاه بإعجاب للفكرة. فسأل:
ـ وبعد ما اخطفها أعمل إيه؟
مال عاصم بجسده يشاكسه وقد ادعى جدية زائفة.
ـ هو إيه اللي تعمل إيه؟ انت تمام يالا؟
هز رأسه بخفة وقد تبدلت حالته.
ـ تمام! إيش حال لو مكنتش ممسوك خيانة.
ربت عاصم على كتفه بقوة.
ـ خلاص الباقي عليك بقى يا عم.
وأمام مكتبه يرافقه زياد. ترمقهم أماني السكرتيرة بنظرة ممعنتة ونصيب الأسد من نظراتها كان زياد.
ـ قهوتي بسرعة يا أماني. عندي صداع.
وقبل أن يغلق بابه بوجهها، اقتربت منه بملامح غاضبة ونظارة ذات إطار سميك أعلى أنفها جعلتها أكثر شرًا. تشدّد على حروفها.
ـ ياريت يا مستر عاصم نحافظ على الألقاب. اسمي مدام أماني.
وولته ظهرها بكبرياء وكأنها من العائلة الملكية. وقد اعتاد هو وسلّم أمره لله. أما زياد فضرب كفًا على الآخر.
ـ مدام أماني لو بتقبضك آخر الشهر مش هتسكتلها كده.
جلس على كرسيه بارتياح. وجلس زياد بالمقابل.
ـ واحدة شاطرة وشايفالي شغلي صح، مش هيجرى حاجة لو فوتيلها.
ثم أمسك بهاتفه. يتصفح بتركيز، يدقق باهتمام إلى أن ارتسمت على ثغره بسمة رائقة. جذبت انتباه زياد. ليغمز بمكر وقد فهم.
ـ آآآه. الله يسهله يا عم.
ـ أهو نبر أهلك ده. هو اللي مخلي الموضوع مش سالك.
ـ ليه؟ هي لسه مجتش؟
اتسعت ابتسامته ولمعت عيناه ببريق عابث.
ـ لأ، لسه. بس هتيجي، كله بالحنية بيفك.
وساد العبث وطغى على النبرة.
ـ وريني هاني.
صمت عاصم لثوانٍ دون رد. برغم من أنه يمتلك لهما سويًا عدد لابأس به من الصور السيلفي، إلا أنه نفى ولا يعلم سبب نكرانه. ولكنه لا يريد أن يعرفها.
ـ مش معايا صور ليها.
رفع زياد حاجبه بمشاكسة. سأله بتوجس.
ـ ممممم. متأكد إنها مصلحة وهتعدي؟
ملامحه أصبحت مبهمة سرعان ما انقلبت لانعقاد حاجبين. ونبرة غريبة لا تحمل أي انفعال.
ـ زيها زي غيرها.
***
مطبخ واسع، مائدة مستطيلة تتوسطه. رخامة طويلة بنية اللون يتماشى لونها مع لون سيراميك المطبخ بتدرجاته البيج والبرتقالي. موقد حديث تقف ريم أمامه تضع أصابع البطاطس بالزيت المغلي، تدندن لحنًا قديمًا بنعومة مع تمايل طفيف لخصرها وخصيلاتها. ورائها على المائدة يجلس مراد وعلى فخذيه يجلس زين الصغير يهدهده يتناولان من طبق بطاطس قد وضعته ريم أمامهما منذ دقائق.
يقف منذ مدة يراقبها عن كثب دون ملل أو كلل وقد أوجعه ضميره لما فعله معها. بالأخير هي لا تستحق. يستمع لدندنتها وصوتها يدغدغ شعوره كرجل قد قرر أخذ هدنة، ونسيان ما سمعه أو تجاوزه. خصلاتها ثائرة كطباعها تركتها منسدلة بحرية على ظهرها، ترتدي قميصًا صيفيًا والحمد لله كان طويلاً يصل للكاحل بنصف ظهر مكشوف وكأنها تعوض عن طوله، يظهر نعومة بشرتها. قبض على كفيه تلقائيًا عند تذكره لملمس بشرتها حينما كانت بين يديه.
زفر طويلاً وقد يأس من تنبيهها مرارًا بشأن ملابسها أمام الأولاد. وأمامه أيضًا قبلهم. والأخيرة هتف بها ساخرًا بداخله. واللعنة عليها تضرب بكلامه عرض الحائط، وكأنها تتعمد ذلك.
حمحم بخشونة نبرته وقرر قطع مراقبته للوضع أمامه.
ـ ريم محتاج مساعدتك.
لم تنتفض أو تلتفت. كانت بالأساس تعرف بوجوده. ولم تهتم ولن تهتم. وقد قررت تجاهله ككل شيء حدث ضد إرادتها.
لحظات طويلة دون رد منها، وصبر منه. أمسكت بملعقة خشبية تقلب البطاطس بها ثم سحبتها ووضعتها بطبق. أغلقت الموقد بهدوء يتنافى مع ما يحدث بداخلها. ثم استدارت إليه تتحاشى النظر إليه. خطوة خطوتان، وثلاث، وكانت تقف على مقربة منه.
ـ خيير!
ـ تعالي ورايا.
قالها بنبرة طبيعية وقد عاد كمال القديم. وولاها ظهره واتجه لغرفته والمطلوب منها اتباعه. اغتاظت من بروده زفرت نارًا من غيظها. ولكنها تغاضت وذهبت خلفه. ودون استئذان كانت بمنتصف غرفته أمام المرآة عاقدة ذراعيها أسفل صدرها. تتابع ما يفعله حيث كان يقف أمام دولاب ملابسه في حيرة ينتقي ثيابًا ويضعها بشكل عشوائي على الفراش.
قطع هو الصمت وقد لاحظ تأففها.
ـ ورايا فرح مهم بالليل. ومش عارف ألبس إيه. ممكن تساعديني؟
وكأن شيئًا لم يكن، فكت ذراعيها وسارت للفراش تقف أمام ملابسه تنتقي وتختار وقد نجح فيما أراده. ابتعد عنها قليلاً يلاحظ تركيزها. كم ستكون الحياة معها رائعة وكم ستنعم بالدفء وهي معهم كأسرة حقيقية. مسد جسر أنفه بتعب قبل أن يقول متنهدًا بتوتر:
ـ أنا عارف إن الوضع كله مش سهل عليكي. ولا عليا.
استدارت بجسدها توليه اهتمامها. وقد أصاب "صعوبة الوضع". ترفع حاجبًا وتحني الآخر فانتظار باقي الحديث. ليقترب هو وقد هدأ قليلاً وخف توتره. فتابع بصوت أجش يعانق نظرتها بعينيه.
ـ كنت على الأقل أتكلم معاكي قبل كتب الكتاب. أشوفك مرتاحة ولا لأ. أعرف ناقصك إيه.
زفر بضيق وقد قرر المواجهة من أجل بداية نظيفة.
ـ أعرف على الأقل كنتي بتحبي حد أصلًا ولا لأ.
وقد توقع الإنكار. وبإنكارها ستنتهي الأزمة ولكنها فاجئته ككل مرة تفاجئه بها. رفعة حاجبيها تتحداه. نظرتها بها شيء غريب وكأنه تشفي؟
ـ ولو كنت عرفت إني بحب حد كنت هتسبني؟
أرادت رد الصاع صاعين. كما أهانها ستهينه. احتدت نبرته وبريق عيناه ازداد سوادًا.
ـ كنتي بتحبي مين؟
ضحكت بخفوت. وأجابت ببرود تجيده.
ـ مش ملاحظ إن السؤال متأخر أوي يا كمال؟
وبرودها أشعل النيران بقلبه. رمقه بنظرات حارقة.
ـ إحنا فيها. عايز أعرف مين. وآخرك كان إيه.
هزت رأسها اعتراضًا من تلميحه. استطالت قليلاً حتى توازيه طولاً، ترفع سبابتها بوجهه تحذره وقد انفعلت.
ـ كمال. الزم حدودك. أنا مسمحلكش.
ليمسك بسبابتها يثنيها بأصابعه الغليظة. كان قاب قوسين أو أدنى من كسره. يحرقها بنظراته الغاضبة وقد احتدت قسماته. وبأسوأ خيالاتها لم تكن تريد أن ترى هيئته تلك. تأوهت متوجعة وهي تحاول تخليص إصبعها من بين أصابعه. ودت الاعتذار والركض من أمامه خوفًا. إلا أنه نفضها عنه وكأنها خرقة بالية يرمقها باشمئزاز. يهز رأسه بغضب وأخيرًا نالت الإذن بالهروب فور أن سمعته آمرًا.
ـ اطلعي برة.
***
"بيت شهريار" وليس قصر. فـ شهريار هنا رجل عادي يقطن بإحدى المجمعات السكنية الراقية. حيث أن معظم سكانه ذات طبقته الاجتماعية. شقة واسعة بحديقة خارجية واضح اهتمامه بها. نظام أشبه بفيلا صغيرة. كانت الثامنة مساءً وقت أن تطلع على ساعته. وقبل أن يرفع بصره كان جرس الباب يعلن عن وصول المنتظرة.
بلهفة تحرك من مكانه وقف أمام مرآة طويلة بجوار الباب يعدل من هيئته. يتأكد بأن كل شيء به وحوله مضبوط لا ينقصه شيء. وبابتسامة رجولية تميزه هو فقط فتح لها. يستقبلها بحفاوة. اقترب منها يصافحها بحرارة. وهي أيضًا بابتسامتها اللطيفة ونظرتها البريئة. لها نظرة بريئة عكس ما تدعيه من جرأة أمامه!
تعلقت نظرتها به بإعجاب لم يخفى عليه وهي بالأساس لم تسعى لإخفائه. قميص أبيض مفتوح أزراره العلوية لتكشف عن صدر قوي وبنطال كلاسيك أسود وكأنه سيأخذها لحفلة ما. وساعته الثمينة تزين ساعده.
خطوات معدودة وكانت بداخل عرينه. تقف بمنتصف الصالة تتطلع إلى منزله بانبهار وأعين حالمة تلمعان ببريق الذهب. أول ما جذب نظرها كان المطبخ المصمم على النظام الأمريكي يفصله عن الصالة الواسعة بار محاوط بكراسي طويلة من المعدن. وماكينة قهوة حديثة. قطع تأملها يقول بلهفة بانت بنبرته وقد نال بعد أن صبر.
ـ وأخيرًا نورتيني.
وانتبه لما تحمله بين ذراعيها. باقة من الورود الحمراء قدمتها هي له على استحياء. ليأخذها منها يسأل باستغراب.
ـ ورد؟ جاية تزوري راجل عازب ف بيته جايباله ورد؟
قوست حاجبيها. وتوجست. هتفت بنبرة طفلة أخطأت التصرف.
ـ طب كنت المفروض أجيب إيه؟ معرفش والله.
ورده كان تهكم وهو يضع الباقة جانباً. يتذكر آخر تذكار جاءه من صديقة ألمانية زارته عدة مرات وبكل مرة قميص نوم مختلف!!
ـ ورد. المفروض تجيبي ورد.
التفتت حولها تدور بعينيها هنا وهناك. ثم هتفت بعفوية.
ـ بيتك حلو أوي. ماشاء الله يعني.
ضحك بانطلاق. وبالفعل كان مسرورًا بوجودها ببيته. تأملها مليًا. يحب النظر بعينيها وكأنها تعيده أعوامًا كثيرة للوراء. خصلاتها متجمعة بجديلة فرنسية على كتفها الأيسر ببراءة لا تناسب الوضع ولا خيالاته. وفستانها رقيق من الدانتيل الزهري يتجاوز الركبة ببنشات قليلة. كانت لطيفة، حلوة تشبه حلوى القطن الوردية باحمرار وجنتيها. هتف بالمقابل بمشاكسة يقلدها، عيناه تسير على كل إنش بجسدها و التمهل عند المنحنيات.
ـ انتي اللي حلوة أوي. ماشاء الله يعني.
ورغم مكر النبرة إلا أنها ضحكت فضحك هو الآخر ملء شدقيه. ثم أمسك بكفها الصغير يحتويه بكفه يسحبها بلطف إلى مائدة الطعام. لتقف أمامها وقد سحب كرسيًا لها وبمنتهى اللطافة أجلسها ثم سحب كرسي بالمقابل وجلس عليه.
عديد من الأطباق الإيطالية، ولم تندهش فمن خلال مراقبتها له علمت بحبه للمأكلات الإيطالية. وكأس بجوارها به مشروب أبيض. أزاحته هي جانبًا. ليقول وقد ارتدى قناع اللطف.
ـ دي فودكا. متخافيش ملهاش تأثير.
واجابتها بسيطة حد اللاحد.
ـ مبشربش الحاجات دي. ممكن لو فيه عصير فريش يبقى أحسن.
ابتسم على مضض. وبالفعل نهض ودخل مطبخه. يضع عصارة برتقال يدوية على الرخامة وبعض من حبات البرتقال قد أحضرها من المبرد بسرعة وبايدي خفيفة يعصره لها تحت أنظارها المعجبة الغبية ثم وضعه بكوب وقدمه لها.
والجلسة كانت خفيفة لطيفة تستهويها وقد شعرت بالأمان واطمأنت كثيرًا رغم القلق الذي انتابها وهي تراه ينهي كأسًا ويصب آخر. أحاديث بسيطة وثناء عن الأكل وشكر على إعداده ولتعلم كم هي غالية فهو الذي أعده بنفسه لها.
وعند الانتهاء وقفت حائرة. لا تعلم ماذا تفعل. قطع خجلها وحيرتها وهو يسحبها لـ كنبة عريضة بالصالة الأخرى أمامها شاشة عالية الوضوح.
ـ نكمل السهرة هنا بقى واحنا بنتفرج على movie.
ـ بس أنا كده أخاف أتأخر.
ونبرتها كانت قلقة وبالفعل هي تأخرت. وكانت تنوي زيارة عادية تثبت أنها تثق به وتحبه. جلست واستسلمت فجلس هو بدوره يجاورها غير ملتصق. والفيلم بدايته هادئة رومانسية وبطل مافيا ونوع من الأفلام الذي تحبه ولكنها لم تسمع به. قليلاً والرومانسي أصبح أكثر جرأة والتصنيف تحت بند "إباحي". اشتعلت بشرة وجهها وانكمشت على نفسها بجلستها تضم ساقيها وقد التصق بها. ثارت أنفاسها والمشهد بات أكثر سخونة ولا يناسبها.
يراقب انفعالاتها وتغيرها بعين فهد تلمع بـ شر. وما شربه من فوديكا جعله يفسر خجلها بشكل خاطئ. وضع كفه على ركبتها يتلمسها بنعومة. اختض جسدها أثر لمسته واقترابه بهذا الشكل. فانتفضت واقفة وقد نوت المغادرة بعد أن تسلل الخوف لقلبها.
ـ أنا همشي.
نهض بالمقابل يمسك بذراعها.
ـ تمشي إيه؟ دي لسه السهرة في أولها.
ـ لأ، قلت همشي.
جذبت ذراعها منه بقوة دون أن تنتبه على عضلاته المستنفرة ولا ملامحه التي سادها الغضب.
وبالفعل خطوات وكانت قريبة من الباب. ولكنه بخطى هائجة لحق بها يجذبها إليه بعنف. يصرخ بها منفعلًا.
ـ أومال انتي مفكرة هتجيلي البيت نعمل إيه؟ نلعب كوتشينة.
ـ خلاص أنا غلطانة. مش هعمل كدة تاني. سيبني أمشي.
وقد علا صوت نحيبها. تتوسله وقد شعرت بأن الخطر قريب منها بل تأكدت بأن عاصم هو الخطر ذاته. أتاها صوته لاهثًا هاتفًا بجنون تلبسه.
ـ أنا صبرت عليكي كتير وخلاص مش قادر أصبر أكتر من كدة.
ترجته من بين شهقاتها ببكاء عنيف بأن يتركها ولكنه لم يستجب وقد حضر شيطانه وانتصر. ألقاها بعنف على الكنبة واعتلاها غير مكترث ببكائها أو دفعاتها الواهنة له. قرر شيئًا وسيكمله للأخير. قبلاته محمومة حارة تحرق بشرتها يوزعها بأي مكان يطاله بسبب رفضها وتشنجها. وبالرغم من أنه الأقوى إلا أنها كانت تقاومه ولن تيأس. ابتعدت بعينيها تبحث عن أي شيء يساعدها. إلى أن وجدت مزهرية من الفخار الملون على طاولة جانبية قريبة منها. أمسكت بها وقد تأوهت من ثقلها وثانية واحدة وكانت مهشمة فوق رأسه بكل قوة وغل. حتى أن شظاياها طالتها وجرحت بشرتها. تصلب جسده وهو فوقها وقد اتسعت حدقتاه ثم مال بجسده ببطء حتى وقع أرضًا فاقدًا للوعي والنفس. وسائل أحمر تسلل من أعلى رأسه يغطي السجادة الفاتحة بلونٍ قاني.
رواية بيت القاسم الفصل الرابع عشر 14 - بقلم ريهام محمود
أزعجه رنين الهاتف، وقد غفا بصعوبة. تجاهل الرنين مراتٍ عدة ولكن دون جدوى. تقلب على فراشه يزفر بقوة، ومال بجسده جهة الكومود الملاصق للفراش، يمسك هاتفه بغضب وملامح عابسة. وقد قرر غلقه بوجه المتصل أو تهشيمه وإنهاء الأمر.
ولكنه انتفض فجأة، عاقداً حاجبيه باستغراب. واعتدل سريعاً واستقام ظهره، فكان الاتصال من نورهان زوجته. وقبل أن يجيب، لفت انتباهه أن الساعة تجاوزت الثالثة بعد منتصف الليل. فتح الخط وقد أنتابه القلق. وقبل أن ينطق بكلمة، أتاه صوتها تستنجد به بهلع أشبه بالبكاء.
"الحقني يا أكرم."
رد بكل حواسه دون تفكير، وقد شعر بأن القادم سوء.
"في إيه، انتي فين؟"
صوتها يرتجف من أثر البكاء، فارتجف قلبه هو الآخر.
"أنا في المستشفى.. ماما دخلت ف غيبوبة والمستشفى هنا مش راضية تدخلها."
استفسر وقد غادر فراشه الدافئ، ولازال الهاتف على أذنه يسنده بكتفه.
"مش راضية تدخلها ليه؟"
ثم وقف أمام خزانة ملابسه دون اهتمام، وبشكل عشوائي سحب قميصاً وسروالاً يرتديهم على عجل كي يلحق بها.
"عموماً أنا جايلك.. قوليلي انتي ف مستشفى إيه؟!"
بعد ساعة، متوتراً بمشفى قديم قريب من منزلها، وقد طوى الطريق بسيارته مسرعاً. وتأخر الوقت وخلو الشوارع من السيارات والمارة كان سبباً في وصوله بسرعة هكذا. كان يلتفت من حوله باحثاً عنها، إلى أن قاطعت حيرته وبحثه بمناداتها باسمه بلهفة. فاستدار بجسده، ودون انتظار تقدم منها بخطى سريعة أشبه بالركض، وفي المقابل كانت تسرع إليه. وقف بطوله الفاره أمامها، مد يده يمسك بكفها يطمئنها. فتشبثت هي بكلا كفيها بمعصميه تستنجد، وكأنه القشة التي ستنقذها من الغرق.
لم يخفِ عليه شحوب وجهها ولا ذبول نظرتها. مشطها بعينيه يركز بكل شيء. عباءة سوداء ترتديها دون أن تغلق الزر الأخير بها، واسعة تكاد تبتلع جسدها الصغير بداخلها، وحجاب بنفس لون العباءة وألقت طرفيه على كتفها دون إحكام.
انتزعه صوت شقيقها الأصغر مجد، ذو العشر أعوام والذي يقاربها طولاً، يبكي ويشير بيده تجاه إحدى الغرف الجانبية بالطابق الأرضي للمشفى.
"إلحق ماما ياعمو أكرم.. هي هناك ف الأوضة دي."
تفاجأ بوجوده، وهو بالأساس لم ينتبه سوى لها هي وحالها وفقط. ربت على كتفه باهتمام صادق، يهتف برفق وقد انحنى بطوله لمستواه.
"متخافش يامجد أنا هشوف ف إيه؟!"
ثم استقام بوقفته، يسحب نورهان من كفها بعيداً عن شقيقها بضع خطوات، يستفسر منها.
"فهميني ف إيه.. أنا مفهمتش حاجة منك ع الفون."
تزم شفتيها بحزن وبريق دمعٍ قد ومض بحدقتيها. صوتها يرتجف كنظراتها وكفيها.
"غيبوبة يا أكرم.. والمرادي مش زي كل مرة، المستشفى هنا رافضة تدخلها لأنها خلاص."
قالتها وأخفت وجهها بكفيها تنتحب بشدة، وقد غلف اليأس نبرتها وهي تتابع.
"الدكتور قاللي كدة.. قالهالي ف وشي ورفض دخولها... ولولا الممرضة صعبت عليها فاضطرت تدخلها الأوضة دي عقبال ما أعرف أتصرف."
اختلج صدره وتهدجت أنفاسه من هيئتها. دار بعينيه يمنةً ويسرى يبحث عن أي مسؤول هنا، إلى أن وجد أحدهم بالممر. اقترب بوجهه من وجهها يحتضن وجنتيها براحتيه، يربت عليهما بحنو يحدق بعينيها يطمأن وقد أصابه القلق.
"خليكي هنا مع مجد هروح أسأل وأشوف وأرجعلك."
هزت رأسها برفض.
"لأ أنا هاجي معاك."
رد بتصميم يعيدها.
"خلاص قولتلك.. خليكي هنا وهرجع أطمنك."
تحرك من أمامها يثبتها مكانها بنظراته. دخل الممر الرئيسي واستوقف طبيباً كان يقف بمنتصفه ومعه بعض الأوراق يمعن النظر فيها. كانا يتحدثان بخفوت وصوت لا يخرج عن وقفتهما. يسأل ويستمع لحديث الطبيب وقد تغيرت قسمات وجهه. كان يستمع لحديثه بنصف تركيز، والنصف الآخر كان معها لا يعلم كيف سيخبرها. يشعر بتأنيب ضمير شديد وغضب من نفسه. يومأ برأسه لها يحاول أن يحتوي خوفها، فيجد عيناها متسائلتان، ونظراتها مليئة بالقلق والهلع.
فيخرج زفيراً طويلاً من صدره وقد تألم قلبه شفقة عليها. سار نحوها بارهاق وملامحه قد شحبت هو الآخر وكأن الدم سُحب من وجهه. يبتسم وقد لاح التوتر على صفحة وجهه، ولكنه أخفاه ببراعة وهو يقول بهدوء منافٍ لداخله.
"هناخد ماما دلوقتي بعربيتي لأي مستشفى خاصة.. لأن المستشفى هنا مفيش فيها مكان فاضي ف العناية."
يكذب وهي تعلم من زيغ حدقتيه. ولكنها تشبثت بأمل واهٍ، أمسكت بكم قميصه تتوسل كطفلة وعيناها دامعتان تهمس ببكاء.
"متسبنيش لوحدي والنبي."
يبادلها نظرتها. اقترب منها أكثر، لا يفصلهما سوى خطوة واحدة وتوتر أنفاسهما. نظراتها ضائعة خاوية، ونظراته ثابتة صادقة. يوعد والوعد على رجلٍ مثله دين بِرقبتهُ.
"مش هسيبك.. أبداً."
يوم دراسي طويل كالمعتاد، كئيب ببدايته وبنهايته يتبدل المزاج. تقف حنين بمرحاض المدرسة وقد حان انتهاء الدوام برفقتها هنا صديقتها. معلقة على الحائط أمامهما قطعة مرآة مكسور حوافها، بالكاد يظهر وجهها. تعدل من حال خصلاتها العسلية بعد أن نزعت رباطهما وتركته منسدلاً على ظهرها وغرة جانبية تغطي وجنتها. تشد قميصها المدرسي، تفتح أول زرين ليظهر جيدها الطويل وبياض بشرتها فيغري الناظر ويطمع بالمزيد. وقد ناولتها هنا قلم حُمرة، وضعت حنين منه على شفتيها واستدارت إليها تسألها التقييم على هيئتها، فتعطيها الأخرى العلامة الكاملة.
حملت حقيبتها المدرسية على كتفها، وبخطوات سريعة كانت تسبق هنا تهتف بها دون النظر لها.
"يللا بسرعة عشان رامي مستني برة."
شقت ابتسامة خبيثة ثغر الأخرى، رفعت حاجب وأحنت الآخر تقول بمكر.
"مممم ياسيدي.. أنا ملاحظة إن انتي ورامي خروجاتكو بقت كتير."
ترد دون أن تلتفت باستهانة.
"كتير فين.. دول يادوب تلت أربع مرات اللي خرجت معاه فيهم."
ابتسمت بمرارة متهكمة، فهي أدرى برامي وشخصه، تعلم أنه قادر على تغيير من أمامه دون عناء كما فعل معها. وللحظة تملكتها الغيرة وملأها الحقد، ولكنها استطاعت مدارتهما.
"لأ داحنا اتجرأنا أووي وبقيناا فري خالص."
وكأنها لم تستمع لها، فكانت بوادٍ آخر. تشير بسبابتها بسعادة ظهرت جلية في صوتها.
"أهو.. عربيته أهي."
لوحت بكفها مودعة إياها، تقطع الطريق بلهفة الوصول إليه، فاستقبلها هو بابتسامته الساحرة بعد أن ترجل من سيارته، وقد توردت وجنتيها بحمرة شهية لعينيه. يفتح لها باب سيارته لتركب بالجهة المعاكسة له، تعدل من هيئتها ثانيةً دون أن تنتبه لغمزة ألقاها سراً لـ هنا، فبادله الأخرى غمزته بضحكة خبيثة.
ركب بجوارها وقد شد حزام الأمان على جزعه وطلب منها المثل. عيناه لاتحيدان عن جسدها بجرأة، فعضت على شفتها بخجل واشاحت بوجهها عنه. وقد غمرتها رائحة عطره حد الثمالة، تتجاهل النوايا وكل الدلالات في مقابل كسر قيود وضعها جدها وقاسم لها. وقبل أن يقود هتفت به برقة.
"مش عايزة أتأخر."
وكذئب ينتظر سقوط الشاه قال.
"متقلقيش."
يركن سيارته أمام نادي رياضي لا يعرفه من قبل، ولكنه رأها تدلف إليه منذ دقائق، ولا يعلم السبب. فنيرة زوجته ليست لها علاقة بتلك الأماكن. وقف بجوار سيارته ينزع عنه نظارته الشمسية يتفحص المكان بنظرة مراقب. أغلق باب سيارته وقد قرر الدخول واستكشاف أمر ما تفعله بالداخل. هو اليوم قرر خطفها كما نصحه عاصم بعد أن نالت النصيحة أعجابه. حسناً، هو لن يخطفها بالمعنى الحرفي للخطف، ولكنه سيجبرها بلطف أن تذهب معه، وان رفضت كان سيستعمل القوة ويخطفها وليكن مايكن.
عدة درجات للسلم المؤدي لباب الدخول قطعها بخطوتين واسعتين. لحظة وكان بالداخل دون أن يطرق باب، يلتفت حوله يبحث عنها دون أن يسأل، حتى رأها. كانت توليه ظهرها وخصلاتها السوداء الكثيفة مفرودة على كتفيها. مازالت نحيفة عدا عن زيادة بسيطة غير ملحوظة سوى له بما أنه يحفظ كل إنش بجسدها ككف يده. كانت تقف بأريحية مع عربة مصفحة على هيئة رجل ذو عضلات وبشرة سمراء لامعة. رفع حاجبيه مستغرباً واقترب من وقفتهما يسأل بتعجب لا يخلو من بعض الضيق.
"انتي بتعملي إيه هناا؟"
أجفلت واستدارت إليه متسعة الحدقتين مصدومة من وجوده هنا الآن أمامها. دون أن يتحرك الرجل الآخر أو يتأثر بوجوده. همست به مستاءة من بين أسنانها.
"انت اللي بتعمل إيه هناا؟"
فسأل الرجل بجدية مستفسراً، وقد لاحظ الغضب البادي على صفحة وجهها.
"ف حاجة يا أنسه نيرة؟"
وقبل أن تجيب جاؤه رد زياد متهكماً.
"أنـسه!!"
قالها ثم رمقها بغيظ ورمق الآخر بتحدي. حاول وباءت محاولته بالفشل أن يجابهه ويصل لطوله.
"أنا جوزها.. أنت اللي مين أصلاً..؟"
زجرته نيره بعينيها وهي تسبه من بين شفتيها دون صوت. فرد الآخر بجدية تماشت مع خشونة صوته. وجسده.
"أنا كابتن أحمد بطل كمال أجسام ومدير الجيم هناا."
قاطعتهم نيرة بنفاذ صبر تحاول أن تكظم غيظها. هتفت برقة متعمدة.
"متأسفة يا كابتن ع الموقف المحرج ده.. بس بإذن الله هنبتدي من بكرة أكيد."
أثارت شياطينه بتجاهلها إياه، وقد بدا وكأنه قفص جوافة بينهما. هز رأسه استنكاراً، فهو ليس "وكأنه" بل هو بالفعل قفص.
احتدت نبرته وجذبها من معصمها بحركة عنيفة.
"تيجي فين يللا امشي أودامي."
بوجه مجرد من أي انفعال، وهدوء لا يتناسب مع الموقف قال أحمد وهو يتدخل ويمد كفه ينزع قبضة زياد عن معصم نيرة.
"لو سمحت سيب ايدها.. واحترم المكان اللي أنت فيه."
اتقدت عيناه ناراً تطايرت الشرر منها. صاح به وهو يكور قبضتيه يدفع أحمد من صدره.
"انت مين انت أصلاً عشان تقولي أعمل إيه؟"
دون أن يهتز الآخر أو يرف له جفن من دفعته. جز على نواجذه يشدد على كل حرف ينطق به.
"أنا صاحب المكان اللي انت واقف فيه.. وبقولك احترم نفسك."
ختم كلامه بضربة من رأسه الضخم على أنف زياد، ضربة مفاجأة أفقدت الآخر اتزانه كرد بسيط على دفعته. أجفلت على إثرها نيرة واتسعت حدقتيها ذعراً وصدمةً، عالجتها سريعاً وهي تتدخل بينهما لإنهاء ذاك الوضع. تحركت مسرعة تسند زياد قبل أن يهوى أرضاً وتسحبه عنوةً كي لا تتطور الأمور.
وبعد وقت قصير كانت تجاوره على مقدمة سيارته أمام النادي. تمسك بيدها عدة محارم، تناوله واحداً تلو الآخر كي يزيل به آثار دم سال من أنفه بسبب شدة الضربة. تكتم ضحكة شماتة تحاول ألا تظهرها، ولكنّ ملامحها تفضحها.
يلتفت لها بنظرة غيط وملامح ممتعضة.
"اضحكي ياختي اضحكي."
لم تتماسك وكأنه أعطاها الإذن، فصدحت ضحكتها عالياً، تهتف من بين ضحكاتها.
"بصراحة منظرك دلوقتي وانت بتتضرب كان يهلّك م الضحك."
نزعة الحمائية عادت له من جديد. قال مدافعاً وقد نفرت عروقه.
"وأنا بتضرب إيه.. انتي مشفتيش وأنا بزقه.. ده لولا انتي واقفه كنت كسرّته."
تستفزه.
"طبعاً.. اومال!"
تجاوز نبرتها الساخرة ورجع لنقطة البدء وسأل مغيراً للحديث.
"قوليلي انت هنا بتعملي إيه..؟"
ببساطة أجابت وكأنه عابر سبيل وليس زوجها.
"هشترك ف الجيم."
ثم استقامت بوقفتها تقف أمامه لا يفصلهما سوى خطوتان، وبدلال متعمد مسحت بكفيها جسدها بحركة أثارت رجولته. وغيرته. تابعت.
"عشان احافظ على جسمي وقت الحمل."
رمقها بتحذير والمعنى "اتلمي". ودون مراوغة والضيق ظهر بسؤاله رغم تهكمه.
"لأ والله.. وملقتيش غير جيم مختلط تشتركي فيه..!!"
التوت شفتيها بسخرية. هتفت بجفاء.
"ايه ده مالك يازياد.. طول عمرك أوبن مايندد.. فين المشكلة دلوقتي؟!"
وقد لاحظ تغير النبرة. رد صادقاً وشعور الغيرة والتملك يتآكلان بداخله.
"أنا عمري ماكنت اوبن مايندد معاكي.... ولا عمرك كنتي بتلبسي كده عندي."
قالها يشير بعينيه على ملابسها وخاصةً ذاك السروال الضيق المطاطي الذي ترتديه، حتى وإن كانت تعلوه بلوزة قطنية طويلة إلا أنه يحدد التفاف ساقيها بسهولة ويسرق النظر إليهما. استطرد بحديثه بعد أن أشاحت بوجهها عنه تتأفف بحنق وقد أصابها الحرج.
"وياتري البغل اخوكي عارف وشافك ولا فالح يعمل راجل علياا..؟!"
هتفت بتحذير.
"زياد مسمحلكش تقول ع قاسم كدة."
"بلا اسمحيلي بلا بتاع.. يللا عشان أوصلك وأروح أكشف أنا حاسس ان الضربة جابتلي ارتجاج."
وقد فشلت خطته. ولكنه نال القرب ثانيةً حتى وإن كان لدقائق. ولكن هو يعلم جيداً أن جبل الجليد يحتاج مزيداً من الوقت... والصبر لإذابته. يكفي أنه استمع لضحكتها الصافية حتى وإن كانت تشفي وشماته به.
* * *
الخطيئة لحظة.. والخيانة لحظة.. والقرار لحظة.
كلاً منا له لحظة ستغير ماتبقى من حياته.
ولحظته هو.. لحظة افاقة بعد غفوة، لحظة هدم لصرحٍ من تراب بناه بخياله. الأكيد بأن تلك اللحظة هي أقسى لحظة سيعيشها على الإطلاق.
* الصدمة لحظة*
يقف بمنتصف الشارع وقد صُمت أذناه عن أبواق السيارات التي تطلب منه الابتعاد، مصدوم ثابت بمكانه وكأن أصابه شلل. الجو زاد سخونة من حوله وحرارة أغسطس لن تعادل حرارة صدره. بالتأكيد تلك أقسى لحظاته بعد موت أبيه. فـ إبنة عمه، وحبيبته وتربية يده تقف أمام ناظريه مع آخر. يراها ترمق الآخر بنظرات كم تمنى بأن تكون من نصيبه هو، يقفان معاً جسدها قريب من جسده لا يفصلهما سوى أنشات بسيطة يمسك بيدها، يسلُب حقه فيها. فتشتعل حرائق بصدره.
*والافاقة لحظة*
ولكن بعد فوات الأوان، وقد انتفض وتحرك باتجاهها ولكنّ الآخر كان قد غادر بسيارته دون أن ينتبه عليه من الأساس، وهي أيضاً لم تكن تنتبه. ولكنها مع الاستدارة رأته. كان يتحرك صوبها، يقترب فتبتعد. ارتجفت أطرافها وبان الرعب على قسماتها. فأسرعت بخطواتها تبتعد عنه، تهرول محاولة أن تصل البيت قبله علها تجد به أماناً. تحمد الله بسرها أن رامي أوصلها بالشارع الخلفي للمنزل. لحظات وكانت بقلب البيت لا يفصلها عن شقة جدها سوى الدرج الرخامي.
وقبل أن تصعد. أتاها صوته كالرعد باسمها.
"حنييييين."
لا مفر. استدارت له وصدرها مازال يعلو يهبط من الفزع. نظراته الحادة تخترقها، تبث الرعب بقلبها. سأل هادراً.
"مين اللي كنتي واقفة معااه؟"
ابتلعت ريقها بصعوبة بالغة. تبتلع الكلمات وتأبى الرد ولكن لامفر منه. بلسان ثقيل أجابته تزيغ بنظرتها عن مرماه.
"ده. ده ده أخو صاحبتي كان بيوصلني."
اصطكت أسنانه بعضها البعض من الغضب، هدر بها وقد فلتت أعصابه.
"لأ والله أخو صاحبتك.. واخو صاحبتك بيوصلك ليه؟"
بجسد يرتجف وصوت يكاد يكون معدوم تمتمت.
"عادي ساعات بيوصلـ..."
ولم تكمل كذبها وقد قاطعها بصراخه، وأكثر ما يبغضه الكذب، وبصوت جهوري أشبه بمذياع هدر بها.
"اخرسي متكدبيش.. أنا شوفتك وانتي واقفة معاه وماسك ايدك ومسبلين لبعض."
واستكمل كلامه بمرارة.
"وأنا زي النطع عمال انذل ع جدي وعمي عشان اتجوزك."
"بس أنا مبحبكش ومش عايزة اتجوزك."
وبجملة المصائب وليحدث مايحدث قالتها بجرأة غير عابئة بمن يحترق أمامها. ووقت أن قالتها كان جدها ينزل على الدرج يستند على عصاه وخلفه فاطمة أم قاسم. فسأل الجد والذي لم يسمع كلامها ولكن قاسم سمعه وأخترق أذنه.
"في إيه يا ولاد؟!!"
هتف بها الجد مذعوراً. لتسأل فاطمة هي الأخرى بخوف.
"مالك ياقاسم... إيه اللي حصل؟"
يزأر أمامهم كأسدٍ جريح، وعيناه تومض بقهر وقد أوجعه كلامها ورفضها له. أمثلة يرفض؟
"الهانم مستغفلاني... مستغفلانا كلنا ودايرة ع حل شعرها."
هدر الجد باستنكار.
"إيه اللي إنت بتقوله ده ياقاسم احترم نفسك واحترمني ع الأقل."
ضحك ساخراً بألم. انفعل والمرارة تقطر من كلماته.
"احترم نفسي.. احترم نفسي إزاي وأنا طلعت مغفل عمال أتذل عليك وع عمي عشان اتجوزها.. عمال أفكر أراضيها إزاي وهي.. وهي مش شيفاني أصلاً!!!"
ختم كلامه بالنظر إليها. بقسمات مكفهرة غاضبة. ومكسورة. فارتجف جسدها رهبة وخفق قلبها بعنف. وقد وصل كمال على زعيقه فسأل هو الآخر ولم يجيبه أحد. ولكنه على يقين بأن حنين لها يد بثورة قاسم. فتدخل بينهما يحاول تهدئة الوضع برزانته. أمسك بساعد قاسم يسحبه.
"قاسم ممكن تهدى وتيجي معايا."
ابتعد عنه برفضٍ قاطع وبداه تلوح بعصبية. ثائراً ينفث أنفاساً حارقة.
"مش هاجي معاك ولا ههدى."
*والقرار لحظة*
وقد تلبسه العناد والغضب، يقترب من جده بخطوات قوية عنيفة يدك الأرض بقدميه. يوجه كلمته له. له هو فقط. كبيره وكبير العائلة. وكلمته كانت صارمة وقراره حاسم.
"انت وعدتني أن حنين هتبقى ليا وحقي.. وأنا دلوقتي بطالبك بحقي فيها ياجدي."
ثم اقترب منها والغضب الأسود يشتعل في عينيه. وبنبرة مخيفة كانت تحمل نيران كان يحاول طول الوقت إخمادها قال.
"جهزي نفسك ياعروسه.. آخر الأسبوع هيتكتب كتابك."
رواية بيت القاسم الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ريهام محمود
رواية بيت القاسم الفصل السادس عشر 16 - بقلم ريهام محمود
"بشقة كمال".. الوقت ليلاً ولم يكن متأخراً.
ملَّ من وجوده معظم الوقت بغرفته فقرر الخروج والجلوس معها أو على قلبها. كليهما أصح وأقرب.
جلس وهو يتنفس بقوة على الأريكة المقابلة للتلفاز والمجاورة لأريكتها.
كانت تضطجع بأريحية تتلاعب بخصلاتها بدلال لايليق بسواها، غير عابئة بمن جاء ويراقبها.
ترتدي منامة صيفية ذات سروال واسع.
شاكراً لأفضالها لا تظهر شيئاً اليوم.
وقد غفا الصغار، وقررت هي من تلقاء نفسها أن من بعد العاشرة سيكون وقتها هي.
وهو كالعادة لا وجود له بالجدول.
تتابع مسلسل تركي، حلقاته طويلة لا تنتهي.
هو يكره المسلسلات التركية، يكره المسلسلات عموماً.
مندمج في تفاصيل المسلسل وهو مندمج بتفاصيلها.
هو رجل تخطى الأربعين بثلاث ولا يعيبه شئ إن أراد الزواج سيتزوج.
ولكنها ولسبب غريب تعجبه يريدها هي.
وجودها يوقظ به مشاعر كان قد دفنها تزامناً مع مرض خديجة ووفاتها.
أطراف خصلاتها العسليه تستفزه بأن يتلاعب بها هو بأصابعه بدلاً من أصابعها هي.
ذراعيها الناعمتين لا يزال يتذكر ملمسهما، ولطافة وجودها بحيزه.
سيبدأ هو، ستكون المبادرة له، وقد قالها صريحة أمام نفسه.
هو لايريد الزواج من أجل الزواج والاستقرار.
هو يريدها هي كزوجة دوناً عن غيرها.
وتلك ستكون فرصتها معه.
إما زوجة أو طلاق.
كان المشهد بالمسلسل أمامه رومانسي.
هو رجلٌ عملي بطبعه لن يهتم بالرومانسية ولم يفهم شئ من الدبلجة السورية.
ولكن جذبه المشهد.
وقت المشهد أشاحت بوجهها وقد أحرجها وجوده بهاته اللحظة.
ولم يخجل أو يتوتر مثلها، بل استمتع بالموقف وتمطأ بذراعيه يفردهما على طول الأريكة.
طبْ جرأة عكس طبعه الهادئ وسنوات عمره التي أهدته الرزانة.
حمْحمْ بخشونة.
وقد تلبس وضعية الزوج المصري.
- حضّري لي الهدوم عشان هاخد شاور.
رفعت عيناها كالطلقة، وقد اتسعت حدقتاها بذهول مضاعف.
- نعم!!
والحُجة باطلة والوقاحة سيدة الموقف.
عاملها كمعتوهة لم تفهمه فغير طريقته.
- هاتي لي هدوم عشان هستحمى.
وقبل أن تنطق تركها وسار صوب الحمام.
لم يلتفت ليرى فمها المفتوح باتساع وقد صُعقت ولكنه تخيل منظرها فضحك بخفوت قبل أن يغلق باب الحمام.
وبعد دقائق كانت تقف قريبة من الباب بعد أن طرقته بخفة مرغمة على ما تفعله.
والحرج والخجل يحرقان بشرتها.
ففتحه هو على الفور يميل برأسه وخصلاته المبتلة.
تتساقط المياه أرضاً من جسده ولا يهتم.
كانت توليه ظهرها منكمشة بجسدها بعيداً عنه، تغمض عينيها بشدة تعتصرهما.
تناوله بذراعٍ مفرود ملابسه وقد جعدتهم كومة قش.
- قربي هاتي الفوطة إزاي وانتي بعيدة كده.
وقد نال الشهقة واتساع العينين، وثبتت مكانها بصدمة.
فتابع هو بوقاحة شاب.
أو عريس يستدرج عروسه.
- هتقربي ولا أخرج آخدها أنا.
أنا معنديش مشكلة أخرج كده المشكلة فيكي انتي.
شهقت بذعر وتخيلها لما قاله جعلها تلقي بثيابه أرضاً وتركض فوراً من مكانها.
ويبدو أن اليوم وللأسف ستترك مسلسلها وستنام مبكراً.
وأبتسم هو على إثرها بثعلبية وعيناه ترسل شرارات مكر والجو بات يعجبه ويستهويه.
وقد تأكد بأن الأمور لن تأتي إلا بتلك الطريقة.
***
كان عاصم يستند بثقل جسده على مقدمة سيارته، ينتظر زياد بعد أن هاتفه وطلب لقاءه.
كان متهالك القوى.
متهدل الكتفين وعيناه غائرة.
من هيئته تشع التعاسة.
خصلاته كانت مبعثرة على جبينه.
يرتدي سروال رياضي وقميص قطني قصير الأكمام.
اعتدل قليلاً حينما رأي زياد يخرج من البوابة التابعة لسكنه.
ودون سلام قال زياد بقلق.
- فيه إيه قلقتني؟
- مخنوق يازياد هتجنن.
واستقام يعادل زياد بطوله يميل برأسه عليه وكان صادق.
والتعب واضح كالشمس على وجهه، وأنفاسه الثائرة.
فبعد بحث وسؤال هنا وهناك عن أمنية لم يجد لها أثر وكأنها سراب لا وجود لها.
ولولا الكدمة برأسه وبعض الصور لهما كان سيصدق بأنها لم تكن لها وجود من الأساس.
يتحدث هو بصوت ضائع وترك لزياد مواساته العقيمة.
- هتجنن يازياد ملهاش وجود نهائي.
السوشيال كلها قفلتها لا واتس ولا انستجرام ولا أي حاجة.
حتى رقمها علطول خارج الخدمة.
هتجنن والله العظيم معقول يازياد كانت بتتسلى بيا؟
- طب مسألتش أي حد في النادي اللي كنتوا بتتقابلو فيه عنها؟
بأحباط قال.
- تفتكر دي حاجة تفوتني.
طبعاً سألت ومحدش يعرفها.
حتى الأمن لما وريتهم صورتها قالو إنها مش مشتركة أصلًا في النادي وكانت بتدخل كضيفة.
ولم يحرجه ولكنه وقت أن طلب رؤيتها أخبره عاصم بأنه لا يمتلك صورة لها.
هذا ليس وقته.
عموماً موضوعه مع تلك الفتاة لا يستسيغه.
- طيب أهدى دلوقتي وأكيد بكرة هنلاقي حل.
إيه رأيك تطلع ترتاح عندي.
أنا نيرة زي ما أنت عارف ويارا عند جدي اليومين دول.
ودون إلحاح من زياد وافق الآخر وقد سأم الوحدة وتعب.
وتلك المرة أدرك أنه فشل.
فشهر يار أشتاق.
شهر يار تغير.
شهريار وقع بمصيدة الحب.
ومرحباً بالغرق إن كان من أجل مجهولة لها عينان بلون العسل.
***
من بين السطور يوجد سرد لم يقرأ.
سرد حزين لكاتب بائس قرر أن يكون بطل حكايته عاشق من طرفه وفقط.
"اليوم التالي عصرًا"
كان قاسم يقف عاقداً ذراعيه أسفل صدره بأول الشارع التي تسكن به تلك المدعوة بـ هنا، ثائر هائج الجسد.
أنفاسه متلاحقة سريعة تشي بنيران تشتعل بداخل صدره.
يرتدي الأسود من قميص وسروال يحتويان غضبه.
نظر بساعة معصمه وقد زاد انتظاره للهانم من غضبه.
وسبب وجوده هنا بشارعها.
اختفاء حنين المفاجئ.
وهاتفها المغلق.
فصباحاً استيقظ الجد ولم يجدها بفراشها وملابسها وحقيبتها وكل متعلقاتها موجودة بمكانها.
انتظر الجد حتى صلاة الجمعة أن تعود ربما اختنقت وارادت الخروج بمفردها دون قاسم وغضبه وتحكماته.
وبعد أداء الصلاة خاف الجد وتملكه القلق فهاتف قاسم على هاتفه وكان بالدكان وقتها.
وأخبره بعدم وجودها منذ الصباح الباكر.
فعاد فوراً.
يقوم بالاتصال برقمها يأتيه الرد بأنه مغلق.
تملكه الرعب وسيطر عليه الغضب وقد احتل رأسه ألف سؤال دون إجابة عن مكانها.
وما يرعبه أكثر هو هروبها.
وحاولت يارا احتواء غضبه بكلامها تطمئنه بأنها من الممكن أن تكون عند إحدى الصديقات.
وقد هاتف الجميع ولا أحد يعلم عنها شيئاً.
إلا هنا لا يمتلك رقم لها ولا عنوان.
فساعدته يارا بأن سألت إحدى الصديقات المشتركة بينهما عن عنوانها ورقم هاتفها وأعطتهما له.
وها هي أمامه بعد أن طلبها وهددها أن لم تنزل له سيصعد وسيفضحها أمام أهلها.
دون كلام جذبها من معصمها بعنف واوقفها جانباً يشرف عليها بطوله والغضب الأسود يشتعل بحدقتيه.
- حنين فين؟
وكانت صادقة بإجابتها.
- والله ما أعرف.
ترتجف أمامه كعصفور مبتل، ولم يكترث بخوفها.
احتدت نبرته وبرقت عيناه بشر.
- قولي لي هي فين بدل ما أطلع أعرف أهلك حقيقتك ال...
وآخر كلامه كانت سبّة سمعتها ولم تتأثر.
هي اعتادت ع تلك السبّة وتستحقها.
أقسمت.
- والله العظيم ما أعرف هي فين.
من وقت ما غابت من المدرسة بقالي كام يوم ما أعرف عنها حاجة.
أطبق فكيه بحدة.
ولا يزال ممسكاً بمعصمها بعنف.
سأل بعصبية.
- تعرفي مكان الواد اللي.
اللي كانت.
اللي كان بيشاغلها.
وكرامته تأبى تصديق أنها خانت.
يرمي السبب والعلة على الآخر.
وادّعت البراءة وتلونت بصدق لا يليق بقسمات وجهها.
- لأ معرفوش.
ده أنا حتى والله قلت لها عيب ومتكلمهوش بس هي مهتمتش ومعبرتش.
ومع امتعاض ملامحه لحديثها هاجمتها ذكرى أول مرة رأت قاسم من سنتين أعجبت به وهو لا.
لم تنل منه غير نظرات ازدراء وترفع.
رغم أنه لا يعرف عنها شئ وقتها.
تهكم بتعالٍ وضيق.
- انتي هتصاحبيني.
انجزي تعرفي أي حاجة عن الواد ده ولا لأ؟
تأوهت بخفوت من عنف مسكته لذراعها.
- صدقني ياقاسم أنا معرفش عنه حاجة غير أن اسمه رامي.
كانت قالت اسمه قدامي وهي بتكلمه في الموبايل.
إذاً غريمه اسمه رامي.
والعقبى لبقية المعلومات عنه.
ليته أمامه الآن.
لكان.
صك على أسنانه بغضب.
- لو عرفت إنك عارفة حاجة ومخبياها عليا همسح بيكي انتي وأهلك الأرض.
مفهوم!
رمقها بشر.
فأتبعت سريعاً.
- مفهوم، صدقني والله.
ولو كلمتني أنا هكلمك وأقول لك.
***
وعند مدخل البيت، رغم الفوضى واختفاء حنين وتوتر الجميع، رآها.
كانت تغادر البيت بينما هو يصعد ببطء مستفز يضع كفيه بجيبي سرواله الجينز الضيق ببرود.
ورغم ذهوله من وجودها هنا.
بالمنزل.
منزله.
جذبه بريق عينيها القططي وبه شرارة ضيق من رؤيته.
مشط بعينيه فستانها الأسود الضيق من أعلاه وواسع من آخره يظهر حجم خصرها والذي وللغرابة تاقت بتلك اللحظة لاحتضانه.
وغر من فكرة أن يراها غيره بنفس نظرته.
وتعجب بداخله من تأثيرها الحديث به، لم يكن هكذا من قبل.
"وهكذا" تعني ضربات قلب متتالية تزيد عن الحد الطبيعي في الدقيقة الواحدة عدة خفقات.
اقترب منها يهتف باسمها بتعجب.
- نورهان.
بتعملي إيه هنا؟
أجابته بصلف شاب استنكار.
- هو أنا ممنوعة من دخول البيت ولا إيه ياأكرم.
نفى، وكأنه ينفي عن نفسه تهمة.
برر وفند الأسباب يتعجب من تبدل الحال.
- أنا مقولتش كده.
بس كلامك امبارح عكس وجودك هنا انهاردة.
هتفت مؤكدة بنبرة واثقة.
نبرة لا تراجع بها.
- وأنا لسه عند كلامي ياأكرم.
أنا بس جيت عشان أجيب ملك لنيرة.
وزي ماقولتلك هظبط أموري وأخدها.
وولته ظهرها تنوي المغادرة ولكنها تذكرت شئ فالتفتت تتابع.
- وآه هتشوفني هنا الفترة اللي جاية عشان هاجي أشوفها.
لو هتضايق أنا ممكن أعرفك قبل ما آجي؟
وتجاهل ضيقها، وعبوس ملامحها.
اقترب منها.
اقترب أكثر إلى أن اختلطت أنفاسهما.
أحنى رأسه يوازي طولها، لتومض عيناه برغبة اشتعلت بحدقتيه.
همهم بنبرة أجشة.
- وأنا إيه هيضايقني.
شقتك فوق ولو عايزة تطلعي أنا معنديش مانع علفكرة.
ابتعدت فوراً، وكادت أن تتأثر بطريقته الحديثة والغريبة معها.
تلعثمت تحاول ألا تضعف أمامه.
ازدردت لعابها تتحاشى النظر إليه.
- أنا همشي عشان مجد سيباه لوحده.
وبنفس النبرة دون اقتراب ولكن البريق بعينيه زاد وهجاً أفضح عن مكنون دواخله.
يريدها الآن بأي شكل وسيكون غبيّ إن لم يستغل الفرصة.
- طيب انتي ممكن تجيبي مجد هنا لو عايزة يعني؟
رفعت نظراتها بحدة إليه.
وقد عاد القهر القديم وتملكها.
اشتعلت عيناها ببريق قوي.
- عشان بدل ما تعايرني لوحدي.
تعايره هو كمان.
قالتها ولم تنتظر رد منه.
جمدت ملامحه وتخشب مكانه وهو يراها تنصرف دون أن تنظر خلفها.
هز منكبيه بغضب وتعالي واستدار هو الآخر يردد بأنها الخاسرة بالتأكيد.
***
يدور حول نفسه بعصبية وانفعال.
الساعة تخطت العاشرة مساءً ولم تعُد، ولم يجد لها أثر.
سيجن والجميع من حوله يهدؤونه رغم القلق الذي استعر بصدورهم أكثر منه.
بحث عند صديقاتها وبعض الأقارب من بعيد، والمستشفيات القريبة.
وأراد أن يبلغ عن اختفائها ولكن لابد من تجاوز غيابها أربع وعشرين ساعة.
معقول أن تكون هربت.
تركته.
أيعقل أن يكافأ على حبه بجفاء ونكران جميل هكذا.
أقسم بداخله أن عادت بخير سيضربها، سيعاقبها أشد العقاب.
فقط أن تعود بخير.
يتمنى أن تكون بخير.
وصوت جده المنتحب يزيد من خوفه وقلقه وهو يضرب بكفيه المرتجفتين على فخذيه بوهن.
- هقول لأبوها إيه.
ده جاي بعد بكرة.
وزاد انفعاله وهدر بعصبيه يواجه جده.
- انت اللي فارق معاك أبوها.
أنا حاسس إن قلبي هيقف لو حصل لها حاجة.
فأتاه الرد سريعاً من جده يلقى بالذنب على كتفه.
- ماهي مشيت بسببك، قولتلك متغصبش عليها مسمعتش كلامي.
تدخل كمال قبل أن تتصاعد الأمور وخاصةً وهو يرى انفعال قاسم وغضبه.
- ممكن تقعد ياقاسم وتهدى عشان إنت موترنا كلنا.
جلس مرغماً على أريكة جانبية بجوار أمه والتي بدورها ربتت على كتفه بحنو تطمئنه تهدأ من خوفه.
أمسك بهاتفه وقام بالاتصال بهاتفها للمرة المائة وتسعين دون أن ييأس وبكل مرة يكون الهاتف مغلق.
حاول الاتصال مرة أخرى ولكنه فصله مع صياح نيرة شقيقته التي كانت تقف بشباك البيت المطل على الشارع الرئيسي بأنها رأت حنين في طريقها إلى هنا.
انتفض الجميع من مكانهم.
وسبقهم قاسم إلى الدرج مسرعاً، يأكل درجاته لاهثاً بعنف.
وفور مقابلتها وقف مصدوماً وقد بُهتت ملامحه، وقف مكانه كـ صنم.
والخطوات خلفه توقفت.
يرمقها بغضب من أعلى رأسها لأخمص قدمها يتفحص هيئتها بغيظ والتغيرات التي أحدثتها.
تقف أمامه غير مبالية بالنار المتقدة بين أضلعه وقد صبغت خصلاته العسلية بالأحمر وقامت بقصه ليوازي دوران وجهها.
ترتدي بنطال ضيق قصير يتجاوز الركبة بـ انشين على أقصى تقدير.
سأل وقد تبدد القلق وحل الغضب.
- كنتي فين.
أجابت ببرود وبمنتهى البساطة.
ترفع حاجب وتحني الآخر.
- كنت مخنوقة وخرجت.
سأل من بين أسنانه.
- إيه اللي انتي عملاه في نفسك ده.
ابتسمت بسماجة ورفعت اصابعها بتلقائية لخصلاتها المصبوغة حديثاً تتلاعب بها كي تستفزه.
- إيه رأيك حلو.
تغيير.
هدر بها وقد استدعت شياطينه يردد كلمتها.
- تغيير.
- أمشي ياقاسم وبكرة نتكلم.
قالها كمال.
يعلم جيداً بأن تلك الليلة لن تمر على خير.
جذبه من معصمه كي يخرج معه من بيت جده.
إلا أن الآخر نزع ذراعه واستدار لها وعفاريت الكون تتقافز أمامه.
جذبها بعنف من ذراعها دون أن يهتم بصراخ جده به أو تأوهاتها من قوته.
هدر بها والشرر تتقافز من عينيه.
- كنتي فين لحد دلوقتي.
انطقي.
هتفت بقوة تقف على أطراف حذائها ذو الكعب الرفيع تستطيل كي توازيه طولاً.
- ابعد عني انت ملكش حق تسألني أو تحاسبني.
ولطمة.
وتلك أول لطمة تنالها بعمرها.
وقبل أن تفيق من صدمتها كان يجذبها من خصلاتها للحمام.
فقفز كمال يفصل بينهما يهدر به وقد فُلت عياره.
- سيبها ياقاسم.
انت اتجننت خلاص ومش لاقيلك كبير.
أبعده قاسم وكانت الغلبة له.
أدخلها المرحاض عنوة يحني رأسها غصباً عنها أسفل الصبور بعد أن فتحه وتدفقت المياه منه.
يغسل خصلاتها.
يحاول أن يزيل صبغته.
وقد تملكه الجنون وانتهى.
دفعه كمال من كتفيه وأخرجه خارج المرحاض بقوة وغضب.
يضربه على صدره بقبضتيه.
وأفعاله تلك لاترضيه.
- والله العظيم ياقاسم لو ماعديت الليلادي ومشيت.
لأكون أنا بنفسي اللي طاردك برة البيت كله.
ليقف في وجهه بعناد وتحدٍ.
يزعق.
- مش همشي سيبني أربيها.
هدرت حنين بقوة به تحتمي خلف كمال.
جسدها كله يرتجف من الغل والغضب.
- إنت مش من حقك تعاملني كده.
مبحبكش.
إيه أغنيها لك.
العيّلة اللي كانت ماسكة في ديلك زمان ياقاسم كبرت.
كبرت وعرفت إنك مش مناسب.
رواية بيت القاسم الفصل السابع عشر 17 - بقلم ريهام محمود
دخلت فاطمة غرفة قاسم دون أن تطرق بابها كما اعتادت. الوقت أصبح عصراً، وهو على حاله منذ أمس، وقد توقعت منه ثورة ولكن للغرابة كان انسحابه هادئ. محبط!
لم يُخفِ عنها نظرة خيبة أمل احتلت حدقتيه، فهي أمه وأدرى الناس به. كان صمته غريباً. بعد أن أنهت حنين كلامها، ظل صامتاً أمامها يرمقها بنظرات غريبة. طال صمته وتحديقه بها وكأنه يراها للمرة الأولى بحياته. صوت أنفاس الجميع مابين ثائرة ومصدومة كان يغطي على الجو العام للبيت.
وقطعه هو وبكل هدوء غادر دون أن ينبث بحرف واحد. وقتها كرهت حنين الابن ومن بعده الطوفان. وحنين جرحته وأهانته أمام الجميع وهو لا يستحق هذا أبداً.
اقتربت من فراشه وكان هو مستلقي على جانبه وظهره لها، يتغطى بشرشف خفيف رغم حرارة الجو. تعلم أنه يدّعي النوم. كان يغمض جفنيه بشدة، وجنتيه شبه مبتلتين وكأنه كان يبكي. قاومت موجة بكاء ستنتابها على حال ولدها وربتت على ظهره.
"قاسم.. قوم اتغدى أنت مأكلتش حاجة من امبارح."
ولم يرد. ظل على وضعه عدا عن انكماش ملامحه الذي زاد وكأنه كان يتوجع. آلمها قلبها من رؤيته هكذا. ستبكي. اختنق حلقها بالكلام لحظات، ولكنها قاومت واقتربت من مكانه، بكفها تمسح على جبينه المتعرق.
"ولا يهمك يابني.. أنا من بكرة هدّورلك على عروسة.. والله لأجيبلك ست ستها."
وكانت نبرة الأم عالية تتابع دون أن تشعر بأن كلامها يزيد من جرحه. "ودي مين دي اللي متحبكش، دانتا سيد الرجالة ومفيش ف حنيتك حد." وأكملت بسكين كلامها تذبحه دون شفقة. "في داهية.. تبقى تورينا اللي هتتجوزه هيبقى عامل إزاي بنت ناهد دي."
أغمض عينيه يبتلع آلامه وانهزامه كرجل وانكمش أكثر بنومته تحت غطائه. فتهندت وقد يأست من أن ينهض. أردفت وقد غلف الألم نبرتها.
"قوم ياقاسم كل أي حاجة بالله عليك."
رد باقتضاب وكان صوته متحشرجاً بسبب زعقه بالأمس وعدم كلامه اليوم.
"مليش نفس.. سيبيني وأنا شوية وهقوم."
***
"بيت كمال"
دَلفت غرفته بهدوء، خطواتها بعد أن طرقت وأذن بالدخول دون سؤال عن من يطرق بابه. وقد انتهوا من تناول الغذاء من نصف ساعة. ومن سوء حظها كان لتوه قد أنهى حمامه يقف أمام مرآته يمشط بأصابعه الغليظة خصلاته القصيرة المبتلة، يرتدي سروال بيتي خفيف عاري الجزع وفقط منشفة بيضاء صغيرة معلقة على إحدى كتفيه. ذكرها بهيئته تلك ببطل الأفلام الرومانسية والروايات الهابطة التي كانت تقرأها.
كتمت شهقة خجولة بصدرها واستدارت عنه توليه ظهرها على استحياء تهمهم باعتذار لم يهتم به من الأساس. فهو الآخر كان ذهنه مشحوناً بماحدث بالأمس وما آلت إليه الأمور، وقد خرج الجميع عن السيطرة.
قطع تفكيرها الخجول يهتف ببساطة وكأنهما زوجان عاديان.
"ناوليني القميص."
"نعم..!"
و"نعم" تلك لم تكن استنكار، كانت دهشة من جرأته. بالأمس لم يعجبها ما فعله كمال معها، ليأتي الآن ويطالب بأشياء أخرى والله أعلم بالمرة القادمة ماذا سيطلب.
وطالت ريم بوقفتها تنظر له باتساع عسليتيها الذاهلتين، ليهتف بنبرة أعلى مشددة.
"القميييص."
يشير بسبابته على الفراش فتنزع نظراتها منه للقميص الموضوع وكانت أقرب إليه فعلاً. فمالت بجزعها تسحبه وخطوتان مرتبكتان وكانت قريبة منه تناوله إياه. ارتدته على مهل دون أن يحيد بنظراته عن انعكاسه بالمرآة أمامه وقد بدا أمامها بالفعل مشغولاً بشيء آخر. رفت بعينيها وحاولت بنظراتها الابتعاد عنه، ولكن رغماً عنها تأملته بطول قامته لاحظت أنه يفوقها على الأقل بعشر سنتيمترات ومنكبيه العريضين، وسمار بشرته. وانتبه هو على حضورها الصامت فرمقها باستفهام أجفلها.
"فيه إيه؟"
أجلت صوتها، جاهدت أن تكون النبرة ناعمة طبيعية.
"حاتم جاله جواب استدعاء ولي الأمر."
حاتم صغيره، ابنه الأوسط ذات السبع سنوات. مؤخراً لاحظ تغير سلوكه وتمرد خفيف بتصرفاته. اندهش وسألها باهتمام.
"ليه هو عمل إيه؟"
"مقالش."
"مقالش ولا انتي أصلاً مسألتيش؟"
يلمح بعتاب، يلقي عليها ذنب تغيره. عبست ملامحها واحتدت نبرتها رغم نعومتها.
"وعلى أي أساس أنا اللي أسأل وأهتم.. وأنت دورك إيه؟"
هتف بجدية يُقحم الحروف برأسها.
"على أساس إنك قولتي إنك هنا عشان الأولاد."
"لا الأولاد مرتاحين ولا أنا.. ولا انتي."
حسناً، لن تبكي أمامه، كانت لا تملك إجابة، فللأسف كلامه صحيح. رمشت بعينيها عدة مرات لاتقوى على الرد، زمت ثغرها وقد احتقنت قسماتها حرجاً، تعطيه ظهرها تنوي الانصراف.
"عن إذنك."
***
"غرفة قاسم"
صوت جلبة بالأسفل جعله ينهض من مكانه، وقد ظل بوضعيته تلك ولا يعرف كم الساعة الآن. تطلع على الساعة المعلقة على الجدار أمامه وجدها السابعة مساءً، وأصوات متداخلة بالأسفل تزيد من جنون صداعه. اعتدل قليلاً يركز بضيق عينيه، تقريباً الأصوات تأتي من بيت جده.
انتفض من مكانه وقد انقبض قلبه. نهض يتعثر بين طيات الغطاء، ووقف على قدميه الحافيتين بصعوبة فشعر بفقدان اتزان. ولكنه قاوم وسحب نفساً عميقاً لصدره يهدأ من روعه. اتجه نحو خزانته يخرج منها سروال رياضي وقميص كي يرتديهم وينزل لبيت جده.
صفق الباب خلفه بعد أن ارتدى ملابسه باستعجال رغم تعبه البادي على جسده ووجهه، يطوي درجات السلم مسرعاً للنزول وقد تعالى الصياح بوضوح لأذنيه.
وعند وصوله لباب جده المفتوح على مصرعه وقف مبهوتاً، والمشهد غريب عليه وكأنه يشاهده عبر شاشة عرض. جده القاسم مستنداً إلى عصاه الأبانوسية ومعالم وجهه محتقنة بغضب نادراً ما يظهر وقد اعتاد وجهه المجعد على الحكمة والهدوء، تجاوره والدته تتخذ وضع الدفاع وكمال يقف بالمقدمة وبالأسفل تحديداً بعد ثلاث أو أربع درجات تقف امرأة وجهها مألوف إليه ولكن لا يعرفها. خصلاتها مصبوغة بالأصفر ترتدي قطعة قماش صغيرة على رأسها، عيناها عسليتان ماكرتان بهما تجاعيد خفيفة من طرفيهما توحي بأنها كبيرة سناً ترتدي فستان بلون المشمش صيفي لا يتماشى مع جسدها ولا عمرها.
صوت جده الغاضب جعله يفيق من ذهوله وتفحصه.
"اتكلي على الله ياناهد انتي ملكيش بنات هنا."
ناهد! يشعر بأنه سمع الاسم من قبل يضيق بعينيه، يعتصر ذهنه عله يتذكر. لحظة واحدة وأتته الإجابة.
"حنين بنتي ياحاج برضاك غصباً عنك هي بنتي.. بنتي اللي رجعتلي وطلبت أنها تكون معايا."
وصدمة أخرى نالها. لكمة بمنتصف وجهه. استدار برأسه وتلك المرة انتبه لوجود حنين تقف خلف جدها بخطوة وبجوارها حقيبتين إحداهما زهرية كبيرة وأخرى توازيها حجماً بلون أسود. تقف بلهفة الوصول لأمها وقد اتخذت القرار. سأل الجد يواجه الصغيرة بعينيه يرجو أن تنصره.
"إيه رأيك ياحنين؟"
طأطأت برأسها أرضاً، والموقف بات أسوأ ولم تتخيل بأسوأ كوابيسها أن تضع جدها بتلك المقارنة مع أمها. همهمت بخفوت.
"عايزة ماما.. عايزة أعيش معاها."
ورغم انخفاض نبرتها إلا أنها وصلت لمسامع قاسم فزلزلت قلبه. يرمقها بنظرات ضبابية وعاد الصداع لرأسه من جديد. هتفت بها فاطمة بحقد وغضب.
"هي دي شكراً اللي بتقولها لنا يابنت ناهد."
نظر الجد صوبها وقال محذراً، يستعمل كارت الترهيب علّها تتراجع.
"لو خرجتي من البيت ياحنين وروحتي معاها انسى إنك تدخليه تاني."
دون أن ترفع رأسها وتواجهه، سقطت دمعة من عينها تلتها أخرى. لا تعلم ما سيحدث معها غداً ولكنها تريد أمها تريدها وبشدة. تفتقد حضنها، بالأساس لم تجربه كي تفتقده ولكنها تريد التجربة حتى وإن كان بالمقابل خسارة عائلتها جميعهم. ابتعدت عنه تجر خلفها حقيبتيها بإشارة واضحة بأنها اختارت والدتها. فنكس رأسه واستند على عصاه يتشبث به مخافةً أن يقع. وقد كسرته رد فعلها فتراجع. ونزلت تتبع والدتها التي سبقتها للخارج وقد تجاوزت قاسم دون النظر في وجهه المصدوم. فاستفاق ولحق بها يلهث بجنون رافض. يهتف باسمها بلهفة أنبتها فالتفت له. بنظرات منكسرة ترمقه لوهلة ثم توزع نظراتها في اللاشيء. التقط أنفاسه، ويوجه مجرداً من أي انفعال وهدوء لا يتناسب مع الموقف قال.
"انتي لو مش عايزاني.. خلاص أنا كمان مش عايزك.. بس متمشيش من هنا."
واخر كلامه أمسك بكفها. لمسته تلك أرجعتها بذاكرتها لأكثر من ثلاثة عشر عاماً. وقتها كانت بعمر الخامسة وقد تركتها أمها وحيدة بعد أن تزوجت ورفض زوجها وجودها معه فجاءت بها لجدها، ولم تنتظر حتى أن يأخذها منها بل تركتها بحقيبة ملابسها على البوابة وقتها كان المطر شديد وشدَّ أكثر مع نزول دموعها، وأجفلت على صوت فتح البوابة يخرج منها صبي بهيئة رجل مد كفه لها فتشبثت به. يربت على وجنتها بحنو تفتقده بعد أن مسح عبراتها. يقول بنبرة مراهق.
"تعالى اطلعي معايا.. من هنا ورايح انتي هتبقي زيك زي نيرة."
وعادت من ذكراها البائسة رافضة مستنكرة. رجعت خطوتان للخلف تهز رأسها رفضاً ودموعها تتساقط.
"لأ أنا عايزة أروح معاها."
هتفت أمها باسمها من الخارج تستعجلها.
"حنين يللا."
رفضها أشعل النار بصدره وكأنها غرزت خنجراً بمنتصف قلبه. انفلتت أعصابه واقترب يمسكها من ذراعها بعنف أوجعها، يهدر بها.
"روحي معاها وبكرة هتعرفي إن ناري أرحم من جنة أمك."
ثم نفضها عنه وكأنها لا تعنيه، وقد أنهكت من المواجهة، فاستكملت طريقها دون أن تنظر ورائها. ولو فقط كانت نظرت خلفها لوجدت صنم تركه قلبه وركض خلفها راكعاً.
وعند خروجها من البيت التفتت خلفها تنظر للبيت كله بندم وحسرة. جدها وعائلتها التي احتوتها وقت أن نبذها والديها. أجمل أيام عمرها واجمل ذكرياتها. ولكن أمها أهم من كل شيء. أكملت سيرها لأمها إلى كانت تستند إلى سيارة دفع رباعي سوداء اللون. للحظة لمعت عيناها بانبهار تم وأده مع اقتراب رجل سمين يرتدي بذة رمادية ومن ساعة معصمه وعطره الثقيل تبين مدى ثراه. اقترب منها حتى بات ملاصقاً لها فاختض جسدها رعباً. يربت على وجنتها يتحسسها نعومتها بخشونة كفه.
"بنتك حلوة زيك ياناهد."
***
"ليلاً، بعد منتصف الليل"
كان أكرم مستلقياً على فراشه مستيقظاً. وقد عاد بعد مغادرة حنين. وقصت عليه نيرة ماحدث تفصيلاً. تربيتة على كتف جده كمواساه، وبحث عن قاسم ولم يجده، وعلم بخروجه فطلب هاتفه وكان بالمنزل لم يأخذه معه. جلس قليلاً مع نيرة التي كانت تحتضن ملك صغيرته وتطعمها، قبّل الصغيرة بضعة قبلات صغيرة وتركهم وصعد لشقته. مهموم يتأمل السقف بشرود. يتلاعب بالحلقة الفضية التي تلتف حول بنصره ليرتسم أمام ناظريه صورتين. إحداهما بعينين بلون الزيتون الأخضر وخصلات بنية قصيرة فيبتسم بحنين. والثانية فتنته بخصلات سوداء كالظلام طويلة تصل لخصرها وملامح خمرية تشبهه. هو لم يقارن بالأساس بينهما هو يريدهما. يريد دفء البيت مع نورهان، وحب العمر والتفاهم مع جيلان.
قطع تأمله رنين هاتفه بنغمة خصصها لها. نغمة كانا يستمعان لها سوياً أيام الجامعة. انتصب بجسده يجيب.
"أيوة ياجيجي."
ولقب دلالها لأنه أهملها الأيام الماضية، يشعر بتقصير تجاهها فيحاول تعويضه.
"وانتي كمان وحشتيني."
هو ليس كاذب. هو مشتت، غاضب. غضبه كان بسبب نورهان بالتأكيد وسؤال بجح يتردد صداه "لماذا لا ترضى بالوضع". وصمت يستمع لها فيجيب متنهداً.
"مفيش شوية مشاكل ف البيت هنا."
ويبدو أنها اقترحت اقتراح أعجبه فتحرك من فراشه يسحب مفاتيح شقته وسيارته.
"ياريت أنا جايلك أهو."
***
بعد ساعة كانا يجلسان سوياً بحديقة أمام منزلها. قد اعتادا بزمانهما الجلوس بها دون علم الأهل، يجلس أمامها يستمع لصوتها العذب وقد قرر أنه لن يترك مشاعره لنورهان والتي يبدو بأنها لم تعد تريده. تهمس له.
"فاكر لما كنت بترن عليا عشان أنزل ونتقابل هنا."
وابتسم. ابتسامته كانت صافية. تنهد بصوت مسموع.
"طبعاً فاكر.. أنا كل حاجة حلوة عشتها معاكي فاكرها."
"مش عايز تقولي زعلان ليه."
تقترب منه بجلستها حتى ارتطمت ركبتها بركبته بخفة، لم تتراجع أو تعتدل وهو لم يتأثر. بصوت مشوب بالألم.
"انهاردة قاسم أخويا خسر حب عمره.. أنا الوحيد اللي ممكن أكون حاسس بيه دلوقتي."
"وايه كمان مزعلك."
"نورهان."
قال الاسم وصمت. صمت فتنهد ويتدار بوجهه يخفي عنها نظراته يخشى أن يفتح أمره. جزت على أسنانها بغلٍ ولكنها لم تبين.
"مالها؟"
استفهمت، فقال وهو ينظر في اتجاه آخر.
"خايف أكون بظلمها."
"بتظلمها؟"
استنكرت موقفه وقد استاءت. استطردت.
"طب وأنا مش خايف لتكون بتظلمني."
"أنا مش عايز أظلم حد معايا.. افهميني يا جيلان."
"فهماك.. وعشان أريحك لأ انت مظلمتهاش." ثم تابعت بقهرٍ تضرب بسبابتها صدره. "انت ظلمتني أنا لما أعرف من أصحابنا إنك اتجوزت وأنت كنت واعدني إن أنا هكون مراتك. إنت خذلتني يا أكرم ودي مش أول مرة."
"غصب عني."
قالها وكان صادقاً. ولن يقول أسباب هو قرر الستر وكفى.
"واحنا فيها، وادينا رجعنا لبعض.. فين المشكلة بقى."
يمسح جبهته بإرهاق. يردف.
"نورهان مصرة ع الطلاق."
قالت بنفاذ صبر.
"طب ماتطلقها وتخلص."
رمقه بنظرة غريبة. وكأن النجوم تتراقص بسواديتيه هكذا خُيّل لها.
"مينفعش أطلقها، دي أمانة.. انتي متعرفيش نورهان دي تغرق ف شبر مية.. غلبانة جداً متعرفش تعمل حاجة لوحدها."
اكفهرت ملامحها، ولم يعجبها سير الحديث. بضيق قالت.
"طب والعمل.. انت هتفضل معلقني معاك كتير كدة."
وفعلاً كان حائراً. سألها.
"شوري عليا أعمل إيه."
اقتربت ومالت بوجهها، تهتف بخبث جاهل هو به.
"سيبها يا أكرم.. ولما تتربى ابقى رجعها."
وأشاح بوجهه عنها، يفكر بكلامها، ولم تعطه الفرصة وقد قررت طرق الحديد وهو ساخن.
"ماما مستنياك بكرة ع الغدا هي وخالو عشان تحديد ميعاد كتب الكتاب."
***
على سطح البيت بعد عدة أيام. كان يقف أمام خزائن الحمام الذي يقوم بتربيته. الجو أصبح أكثر حرارة، والسماء صافية عكس الخراب بداخله. اقترب على مهل من خزانة خشبية ملونة بالأحمر بها ثلاثة حمامات كانت تخصها هي. هي حنين طفلته وحبيبته التي رحلت. يزفر بألم وقد سائت حالته الصحية، لا يريد الذهاب لطبيب وأمه تضغط عليه، لا أحد يشعر به. لا أحد يشعر بالنيران المتأججة بصدره. وأمه لا تنفك تبحث عن عروس مناسبة له. عروس ستأخذ بقايا رجل. رجل دون قلب.
فتح الخزانة وقد دمعت عيناه أمسك بإحداهن برفق من جناحيها. حمامة بيضاء ذات جناحين رمادية. تأملها وقد شرد بأخرى كان يتمنى بأن ترى حماماتها بعد أن اهتم بهم لأجلها. رغم ضيقها الذي ترسمه بأنها لا تحب الحمام أو الطيور عامةً، إلا أنه يعلم أن بداخلها طفلة تفرح بتلك الهدايا. سحب شهيقاً طويلاً لصدره أخرجه دفعة واحدة وهو يلقي بالحمامة بالهواء فتطير بعيداً. بعيداً عن عينيه. وأمسك بالثانية يدندن بغنوة غناها لها هنا بذات المكان. وقد تحشرج صوته.
"يا حمام بتنوح ليه.. فكرت عليا الحبايب."
وقد غصت العبرة حلقه. ليلقي بالثانية بالهواء يفعل كما فعل بالأولى.
"يا حمام ضاع منك إيه.. دوبتني كدة فوق ما أنا دايب."
وأمسك بالثالثة يتحسسها بفقد. اشتاق وسيشتاق. وسيعتاد على الاشتياق.
"عيباً أقول على نفسي احترت أو أقول وليف روحي هجرني."
وألقاها يتابعها تحلق عالياً، كانت حبيسة وكان هو السجان.
"من بين عيون الناس اخترت جوز العيون اللي جتلني."
وأغلق الخزانة، ستغلق للأبد.
"دانا ياحمام زيك نايح.. والحزن ده له لو لون وروايح."
واستدار يغادر دون أن يلتفت. يغلق باب السطح. وتلك المرة ستكون بلا رجعة.
رواية بيت القاسم الفصل الثامن عشر 18 - بقلم ريهام محمود
تململ بفراشه وهو ينقلب على جنبيه كمن يتقلّب على الجمر، دون أن يستطع أن يغفو ولو قليلاً.
هذا حاله منذ أن شاركته غرفته وجاورته بفراشه.
سحب نفساً عميقاً وهو يتذكر وقفتها أمامه قبل شهرين، كانت غاضبة بقدره بعد أن حملها رسوب حاتم الصغير وتجاوزاته العنيفة بالمدرسة.
كانت تجابهه تضع رأسها برأسه: "أين دورك أنت من تربية ابنك ولماذا ترمي كل الحمل عليّ؟"
وقتها ضاق ذرعاً منها وقد وصلت الأمور لذروتها.
"بيتي وأبنائي أهم من أي شيء ولأجلهم تزوجتك!"
حينها فقط هددها وكان تهديده شديد الوضوح: "إن لم تلتزمي، سأخبر والدتك بما تفعلينه.. إهمالك بتربية الصغار ورفضك لي ونفورك مني."
وعند نقطة النفور نغز قلبه وجرحت كرامته.
"سأترك غرفة مراد لك وأعود لغرفتي التي احتلتها بوقاحة منقطعة النظير."
وكان ذلك أول شرط له.
وحين رأى الرفض يتراقص بمقلتيها، تراقصت شياطينه غضباً وهدر بها: "أنا من لا يريدك، سنكون زوجين أمام الأولاد والأهل وفقط!"
وكان قرار مشاركتها لغرفته ونفس الفراش أغبى قرار اتخذه بحياته.
ومن يومها وزاد مراره أضعاف مضاعفة.
بالبداية كانت شديدة التحفظ، لا تغفو قبل أن تتأكد أنه غفا.
تنام بجواره بقمصان طويلة تصل لكاحلها وتغطي نفسها من رأسها حتى قدميها.
وللحق كان سعيداً بذلك رغم نقطة بعيدة بداخله تطالب بمزيد من الرؤية.
ومع الوقت أصبحت أقل تحفظاً، ملابسها صارت خفيفة أكثر فأكثر.
قميص صيفي يظهر جزء كبير من يديها، وآخر يحدد أقصر.
وغيره يظهر قدميها وهي تتقلب وقد ألقت بالغطاء جانباً.
والمصيبة أنها فعلاً تعامله كأخ!
ومع الوقت لانت الأمور بينهما وهدأت، وصارا متفاهمين أكثر.
عدا فوضويتها، كانت فوضية بشكل يثير حنقه وغيظه، فشخصه شديد الرتابة، منظم حد الوسوسة.
وكانت هي النقيض!
"صدق من قال: الوسادة لا تجمع متشابهان."
ارتسمت ابتسامة عميقة على وجهه وهو يميل بجزعه يتأمل ملامحها الرقيقة النائمة بعمق يحسده عليها.
"من أين تأتي بهذا الثبات والجمود!"
يتلكأ بالنظر لتفاصيل وجهها، أهدابها الطويلة وثغرها المكتنز، بياض بشرتها ونعومتها المستفزة لمشاعره.
ازدرد لعابه ببطء وهو يرى احتضانها لوسادة صغيرة كان هو أحق منها.
وقد أثارت جنون خيالاته بهيئتها تلك ككل يوم.
هب واقفاً مستغفراً ليتجه إلى الحمام الموجود بالغرفة متمتماً:
- الصبر من عندك يااارب.
دقائق وكان يخرج من الحمام مرتدياً مئزراً من القطن وقد هدأ كثيراً بفضل زخات المياه الباردة.
انتبه لتململها وتمطيها بالفراش، تفرد ذراعيها وقد ارتفعت قليلاً بجذعها.
بابتسامة رائعة ونبرة متحشرجة إثر النوم:
- صباح الخير.
وسيرد كعادة لازمته من شهرين:
- صباح الفل والياسمين.
اتسعت ابتسامتها فكشفت عن أسنانها.
تميل برأسها بدلال وتتمايل خصلاتها معها:
- شكلي صحيت متأخر كالعادة.
لم يجب واكتفى بالتأمل.
نظراته تخبرها بأنها تفعل ما يحلو لها.
أكملت بخفوت:
- وشكلك ما نمتش كالعادة.
حمحم وقد انتابه حرج طفيف، واستدار يقف أمام المرآة يمشط شعره:
- شكل الولاد صحيوا.
فردت وهي تتحرك من الفراش تنزل ساقيها:
- هروح أشوفهم.
- البسي روب.
نظرته لكتفها ألجمتها، فغطته على الفور بخجل وقد توردت وجنتاها كعادة لازمتها منذ أن تشاركا الغرفة والفراش.
فشدت القميص أكثر تغطي به كتفيها ومالت تمسك بالمئزر الملقي أرضاً ترتديه أمام ناظريه، فرمقته بابتسامة.
تراه يحرك شفتيه بكلام لا تسمعه فتغادر الغرفة وتتركه.
...
فيلا كبيرة تقع على أطراف العاصمة، يسكنها رجل الأعمال زكريا مجاهد وزوجته ناهد.
ومنذ شهرين انضمت للسكن معهما ابنة ناهد حنين.
كما كانت تتمنى، تمنت أن تكون بجوار أمها وحدث.
تمنت أن تقطن بفيلا كتلك ونالت.
وزوج الأم كان خارج إطار أمنياتها ولكنها ستتجاهله إن ضايقها لأجل أعين والدتها.
مرت أول خمسة أيام بشكل طبيعي، البهجة تملأ قلبها.
وأمها كانت دائمة الجلوس معها، وزكريا بك زوج والدتها يأتي متأخراً فزاد ذلك من شعورها بالراحة والاطمئنان.
اطمئنان لم يدُم أكثر من ذلك.
فـ ليلاً، متأخراً، كل ليلة تفتح باب غرفتها بعد الثانية صباحاً ببطء، بصوت لا يكاد يسمع.
تغمض عيناها بشدة وترتجف تحت غطائها رعباً لا تقوى حتى على الاستدارة.
دقائق تمر عليها أعوام ثم يغلق الباب بنفس البطء والهدوء الذي فتح به.
لا تنكر أنها كانت تكذب إحساسها وتقل بأنها من الممكن أن تكون والدتها.
ولكن بعد ذلك بأيامٍ يفتح الباب ويغلق ببطء بعد أن دلف من فتحه.
تسمع صوت أنفاس تشاركها الغرفة.
أنفاس سريعة، لاهثة.
تقبض قلبها، ترعبها.
تشد من الغطاء تحكمه حولها وتغمض عيناها بشدة.
فتأتي نظرة جدها الحنون تهون من روعها، وصوت قاسم الخشن ينتشلها بقوة من خوفها.
وللأسف غرفتها لا يوجد بها قفل داخلي أو حتى مفتاح.
بملابس واسعة قليلاً باتت ترتاح بها تنزل على درجات السلم الداخلي للفيلا.
تراه يجلس مع والدتها على المائدة الطويلة يتناولا افطارهما.
واستدار برأسه يرمقها بنظرات كانت بالبدء لا تفهمها.
نظرات غير مريحة كهيئته.
تجاهلت وقررت المضي في طريقها والخروج من هذا المنزل الكريه.
ولكنه أوقفها بصوت مرتفع قليلاً يضحك بسماجة:
- إيه ياحنون مش هتيجي تفطري معانا.
وتتدخل الأم:
- تعالي افطري قبل ما تخرجي.
- مليش نفس.
وجهت كلامها لزوج أمها بثغر مقلوب لتتبدل ملامحه فيقف ويقترب منها بخطى واسعة فتبتعد هي.
- أنا ملاحظ إنك مبتلبسيش الهدوم اللي بجيبهالك.
ملابس، إن حق القول لم تكن ملابس، بل أشياء صغيرة عارية تظهر أكثر ماتخفي.
يأتي بها الكثير والكثير، يطالبها وأمها بارتدائها وترفض هي.
هزت رأسها باستنكار وملامح ممتعضة.
- مش بلبس ع ذوق حد، أنا اللي بختار هدومي بنفسي.
نهرتها الأم:
- حنييين عيب، احترمي بابا ذكريا ده بدل ما تقولي شكراً.
وحركته التي تشعرها بالاشمئزاز بأن يدنو منها يتلمس بشرة وجنتها وكأنه يراضيها.
الأمر أبعد ما يكون عن المراضاة.
- سيبيها براحتها ياناهد، هي هتروح مني فييين.
والمغزى مفهوم وإن ادعت عدم الفهم.
دون رد تستدير وتغادر.
وكم تتمنى لو تغادر ذلك المنزل للأبد.
...
"ينهزم في الحب الأكثر عشقًا."
ممسكاً بهاتفه الحديث، وهو من كان لا يستسيغ الهواتف الذكية ولا المواقع الاجتماعية.
يتصفح حسابها الشخصي وكم نهرها من أن تضع صوراً لها.
يقف عند صورتها الشخصية يتأمل بصمت وألم وقد اشتاق لملامحها الحبيبة.
اشتاق ورجلاً كمثله حُرم عليه الاشتياق.
أغلق صفحتها بحدة وعنف وكأنه بذلك ينفي أنه حنّ.
وهو عزيز النفس لن يحنّ حتى وإن عادت زاحفة.
لن يسامح حتى وإن ركعت أمامه.
فقط تعود ووقتها سيذيقها ما فعلته به وأكثر.
لم يعُد لطبيعته من وقت ان غادرت.
وقت أن أخذت قلبه ورحلت.
تكلم كلامه.
وتواجده بالبيت أصبح شبه معدوم، يأتي للنوم فقط.
ينهمك بالعمل والورش.
والجميع قد احترموا رغبته بأنه لا يريد سماع اسمها أو أي خبر عنها.
وقد ظنوا أنه بتلك الطريقة سينساها.
زفر بيأس وقد قطع خلوته وليد أحد الصبيان اللذان يعملان لديه.
- يا ريس.
ولقب ريس ذاك يسعده، يشعره وكأنه ذا شأن وإن كان بسيطاً.
وهو رجل يحب البساطة، هو غيرهم، بعيد عن كمال برزانته، وأكرم بوجاهته.
هو قاسم، قاسم وفقط.
كان قاسم جالساً على كرسي جانبي، فرفع رأسه بإشارة للآخر أن يكمل كلامه.
فاكمل وليد قائلاً بحرج:
- انت عارف ياريس أن أبويا متوفي، أنا بإذن الله هروح أنا وأمي بكرة نخطب بسمة وكنت عايزك معايا بصفتك زي أخويا الكبير.
نهض قاسم من مكانه يرفع حاجباً ويحني الآخر بتعجب حقيقي.
سأل:
- طب وجيشك؟
ضحك وليد بخفة.
- أنا وحيد أمي ياريس، ملييش جيش.
خبط قاسم على جبهته يمازح وقد لانت قسماته المتجهمة.
- آه صح، ازاي نسيت.
سحب نفساً طويلاً داخله وسأله باهتمام:
- بتحبها؟
ابتسم وليد بحرج.
زاغ ببصره عنه وقد احمرت أذناه بشكل ملحوظ من خجله.
قال بصوت منخفض رغم ثباته:
- وأنا لو ما كنتش بحبها كنت هشتغل ليل ويا نهار عشان أجمع حق الدبلتين والخاتم.
تابع حديثه بنبرة غائمة:
- هي غلبانة زيي، هتعيش وترضى بظروفي وأنا عايزها تكون معايا ف كل خطوة ف حياتي.
ربت قاسم على كتفه يدعمه.
دوماً يشعر بأن وليد أخٌ له.
ثم مد كفه بجيب بنطاله الجينز واستخرج بضعة ورقات مالية.
دون عدها أو النظر بها مد بكفه يناوله إياهم.
- خد دول هاتلك قميص وبنطلون حلوين، ميصحش تروح بحاجة أي كلام.
وبامتنان حقيقي شكره وليد داعياً له.
ثم تركه لحاله وعاد يستكمل عمله.
ويبدو أنه لم ينتبه أنه تركه، فلا يزال يقف مكانه وكأن بحديثه مع وليد عاد لذكرى حاول نسيانها وفشل.
كم لبث على وقفته، دقيقة.
دقيقتان.
وانتفض.
خرج من الدكان متجهاً صوب موتوره.
يركبه وبأقصى سرعة كان يقود.
دون هدف أو وجهة محددة، يزيد من سرعته.
حتى خلا الطريق من حوله فباتت سرعته جنونية.
ومثلما قاد فجأة، وقف فجأة.
مال به واستند عليه شارداً.
ثم أخرج من جيب بنطاله الخلفي خاتماً.
حلقة ذهبية رفيعة وخفيفة يتوسطه حجر ماسي رقيق.
يرمقه بحزن، ألم، وخيبة أمل.
سرعان ماتبدلت لقهر وحقد.
ليستقيم بطوله.
وعلى بعد ذراعه قذفه.
قذف به بعيداً، وهكذا تخلص من ذكرى بائسة دوماً كان يحلم بها.
...
مطعم بمنتصف البلدة، شهير بأكلاته السريعة.
تجلس حنين وأمامها هنا بالكرسي المقابل وعلى المائدة بينهما طبقان من شرائح اللحم المطبوخ والعديد من السلطات.
وفي الخلفية غنوة لعمرو دياب تصدح بحنين: "وبينا ميعاد لو احنا بعااد اكيد راجع ولو بيني وبينه بلاد".
كان انتباه حنين كله مع الأغنية تردد كلماتها بخفوت مع اللحن المرتفع نسبياً: "قصاد عيني في كل مكاااان".
تقلب بالشوكة شريحة اللحم أمامها دون اكتراث حقيقي بتناولها.
- انتي جايباني عشان تفضلي ساكتة!
قالتها هنا باستنكار.
لتجيبها حنين بهدوء مبالغ:
- مليش مزاج أتكلم، عايزة أفضل ساكتة.
فاستاءت الأخرى، تعرف جيداً سبب تغيرها وصمتها الدائم ونحول جسدها.
تمتمت بصوت منخفض حانق:
- أنا نفسي أعرف انتي ساكتة ليه ع الوضع ده، ما تتكلمي مع مامتك.
ابتسمت حنين بسخرية وأردفت:
- الموضوع مش سهل زي ما انتِ فاكرة.
ثم تابعت بتعجب شابّه ضيق:
- كل حاجة بتحصل قدامها، تلميحاته، بصاته، الهدوم الغريبة اللي بيجيبهالي، مشفتش منها اعتراض، وكأنه طبيعي مع إن ده مش طبيعي.
كلامها قليل جداً معايا، علطول بتلمح أن أنا عندها ضيفة.
أنا بتأخر مخصوص بالليل عشان أشوف هتقلق عليا ولا لأ أو حتى تتصل تسأل أنا فين.
مفيييش الكلام ده عندها خالص.
وأما أروح بلاقيها نايمة.
وختمت كلامها بنبرة متألمة وأكتاف متهدلة بخيبة:
- يعني أنا لو مت أو حصل لي حاجة ماما هتبقى آخر واحدة تعرف!
سألت هنا دون مراوغة:
- مبتكلميش جدك؟
- رافض، لما بتصل بيقفل ف وشي.
- وقاسم!
تنهيدة طويلة.
وصمت، صمت تجاوز الحد المسموح.
التفت بنظراتها تبحث عن شيء غير موجود وقد غيرت إجابتها للسؤال.
- خلال الشهرين دول أنا حاسة إني كبرت عشرين سنة، ومع تجاهل ناهد هانم ليا، وحشتني خنقة قاسم وتحكمه.
أنا ساعات لما بكون لوحدي بتخيل أنه بيزعقلي عشان اتأخرت، عشان لبست بنطلون ضيق.
كانت تعيسة، نبرتها تعيسة وملامحها.
فالتعاسة الحقيقية ليست في عدم حصولنا على أشياء بعينها، وإنما في فقدانها بعد الحصول عليها.
- ارجعي بيت جدك ياحنين.
- مبقاش ينفع خلاص، جدي مش هيسامحني ولا قاسم كمان.
وكانت محقة، وظاهر على ملامحها مدى صدقها وحنينها.
يقال أن كل شخص له من اسمه نصيب.
ويبدو أن لها نصيب الأسد من اسمها، حنين لأمٍ ظلمها من أعطاها لقب أم، حنين لأب وجوده كـ عدمه، وحنين لدفا بيت تركته لاهثة خلف سراب.
وبعد صمت قصير قطعته هنا، تسأل مغيرة الموضوع:
- مممم طب إيه آخر كلام بينك وبين رامي؟
ردت بضيق:
- بيضغط عليا عايزني أروح أتعرف ع مامته ف البيت عندهم!!
وأنا بصراحة بمطل معاه، مش مرتاحة.
ويبدو أن هنا أشفقت على حالها.
اعتدلت بكرسيها وبصدق حقيقي قالت دون مواربة:
- حنين هقولك حاجة وتنفيذها من غير ما تسأليني، أوعى تروحي مع رامي بيته أو تشربي أي حاجة يديهالك!
...
"ليلًا"
يركن سيارته جانباً، بعدما وصل للحارة التي تعيش بها.
مازالت نظراته لتلك الحارة كما هي، تعالى... وقرف.
مضطراً أن يأتي لحارتها، يريد الاطمئنان.
اطمئنان فقط وليس أكثر.
فـ نورهان مؤخراً أصبحت لا تأتي لرؤية ملك يومياً كما اعتاد، أو كما تخبره نيرة بـ آخر الليل، لأنه قرر تأديبها ومنع نفسه من رؤيتها علها تتراجع عن قرارها الخاطئ.
مضى أسبوع ولم تأتي لرؤية الصغيرة، فانتابه القلق واستبد به.
وها هو بشارعها!
خطوات وكان أمام المنزل، لاحظ بأن الدكان أسفل المنزل مضاء.
اتسعت عيناه تدريجياً بصدمة وهو يشاهد نورهان زوجته تقف به.
وأمامها فاصل خشبي عريض موضوع عليه بعض الأقلام وتقريباً أدوات مدرسية.
لم يركز جيداً.
اقترب، حتى وصل الدكان واعتلى درجاته وبات أمامها.
أجفلت هي من رؤيته.
بدايةً ابتسمت، ولكنها سرعان ما تبدلت الابتسامة لعبوس ونظرات زائغة.
تزم شفتيها بتوتر.
توزع نظراتها هنا وهناك وبالمارة أجمعين عداه!
وأخيرًا ورغمًا عنها استقرت بنظراتها الحائرة على يده، والتي انتقل الخاتم من بنصره اليمين إلى اليسار بـ رسالة واضحة أنه عُقد القران.
قبضة عنيفة أصابت منتصف قلبها، وشعور الأمل بأن يعود قُتل بمهده.
جذبها بسؤاله يشير لما حولها:
- إيه ده!
يوزع نظراته داخل المكتبة، أرفف خشبية ملونة بالازرق الفاتح يعتليها أوراق وكراسات وبعضاً من الكتب والعديد من الملازم.
إجابته ببساطة:
- أنا ومجد قررنا نفتح الدكان مكتبة.
هكذا ببساطة، صدره يعلو وينخفض وقد أصبح تنفسه سريعاً وعالياً يوشي بعاصفة على وشك البدء.
- وجبتي فلوس منين؟
تضايقت من أسئلته.
عدلت من حجابها الأسود بحرج.
- خدت قرض بضمان البيت.
ومضت عيناه ببريق غاضب.
تمتم من بين شفتيه:
- ومقولتليش يعني؟
بتردد وخفوت قالت:
- هو أنا المفروض آخد إذنك؟
زفر بقوة.
حاول أن يقترب منها ولكن الفاصل الخشبي هو من منعه.
- مش إذن بس انتي ع ذمتي لو كنتي ناسيه يعني!
عقدت ساعديها أسفل صدرها.
سألت دون مراوغة:
- انت مضايق إني بشتغل ومقولتلكش ولا خايف ع منظرك؟
جمدت ملامحه وهو يشعر بالغضب يتملكه.
- تفرق؟
عددت الأسباب:
- كتير، لو بتسأل من باب الراحة فأنا قدامك أهو مرتاحة وكويسة وده شغل مكتبة يعني شيء مريح.
ولو من باب المنظر فإحنا كده كده هنطلق.
رفع حاجبيه مستنكراً:
- نطلق!
أومأت.
- أيوة.
هدر سريعاً بحدقتين معتمان من الغيظ.
- ده بمزاجي أنا، والوقت اللي أحدده أنا.
رده قهرها.
سحبت نفساً عميقاً لصدرها واخرجته ببطء سألته بقهر وهي تثبت عيناها بعينيه:
- أكرم هو انت ليه بتفرج بعذابي معاك، ليه مصمم إنك تأذيني وبس؟
عقد حاجبيه متسائلاً بذهول حقيقي.
- أأذيكي؟ بتتكلمي كأنك مشفتيش مني أي خير!
لتهتف بعتاب:
- هو لما تعايرني بقلة حيلتي يبقى مش بتأذيني؟
رد عتابها بعتاب آخر:
- وأنا لما أكون متمسك بيكي ومش عايز أطلق يبقى بأذيكي؟
وتابع وقد احتدت نبرته:
- لما أكون مستحمل معاملتك ليا ومقابلتك الجافة دي يبقى بأذيكي!
هزت رأسها بضيق وقالت يائسة:
- أكرم انت فاهم الأذية غلط!
طحن ضروسه غاضباً قبل أن ينفجر بها.
- عرفيني الصح، منتِ كنتي عايشة معايا وراضية وانتي عارفة إني مبحبكيش، إيه الجديد بقى؟
عقد الحزن لسانها.
ومحق فالتنازل يبدأ بخطوة.
وكم تنازلت.
- كنت عارفة وراضية بس ف كل وقت بدعي إن قلبك يميل ليا، وإنك تكون خير ليا.
شكل دعاي متقبلش، أو يمكن اتقبل وانت مش خير.
ثم أكملت بقهر مختلط بألم:
- والجديد إني مقدرش إنك تتجوزها وأنا عارفة إن قلبك معاها وأنا هترمي.
كده كده كنت هترميني، انت بس اللي مضايقك إن أنا اللي مشيت وطلبت الطلاق.
رواية بيت القاسم الفصل التاسع عشر 19 - بقلم ريهام محمود
رواية بيت القاسم الفصل العشرون 20 - بقلم ريهام محمود
فردت كفها أمامه بقلة حيلة.
- نفسي أقولك اتفضل، بس زي ما انت شايف المكان ميليقش بيك.
كاد أن يجيب ولكن جارها الذي أتى وجاوره بوقفته يتحدث دون أن يكترث لوجوده بصوت مرتفع.
- لسه الراجل ده بيضايقك؟
والاستفهام واتساع العينان والذهول كانا من نصيبه.
- راجل مين؟
أطبقت عينيها بشدة، تضغط على شفتيها. كانت لا تريد معرفة أكرم أو حتى تدخله.
التفت الجار له برأسه، يدقق النظر به، ولم تسعفه ذاكرته بمعرفته فالتفت لنورهان بنظرات متسائلة عنه.
أجابت بهدوء مفتعل.
- ده أكرم ياعم حسين. أكرم هكذا، مجرد من كلمة "زوج" حتى!
زاد الله من خيرها وأفاض. دون أن تحمل عناء تعريف جارها لزوجها، فمد الرجل يده بحرج يعدل من نظارته ذات الإطار السميك أعلى أنفه.
- آسف يابني. العتب ع النظر، ما أخدتش بالي منك.
إيماءة بسيطة حياه بها تنم عن قلة ذوقه، فازداد الرجل إحراجاً ولكن أكرم لم يهتم، استدار للآخرى مستفهماً.
- راجل مين اللي بيضايقك؟
سألها بنبرة غاضبة فازدردت لعابها بتوتر، تمتمت بخفوت وهي تشير بوجهها لدكان قريب منها بالجهة المقابلة.
- صاحب المحل ده.
نظر للمحل كانت وجهته من زجاج يحتل مكاناً كبيراً من الشارع، وللأسف كان مغلقاً.
هتف بانفعال قوي.
- بيضايقك إزاي يعني؟
طأطأت رأسها أرضاً، والتوتر احتل جسدها كله فارتجفت وارتجفت الصغيرة بين ذراعيها.
غامت عيناه بقتامة، واكفهرت ملامح وجهه. سأل.
- وما قولتيليش ليه؟
ووجود الجار أصبح محرجاً فانسحب والعرق يتصبب منه.
- طب عن إذنكم أنا.
وابتعد عنهما، تجاهله ونظر باتجاهها هادراً، يضرب بكفه الفاصل الخشبي بينهما.
- ما قولتيلييييش ليه!
انتفضت من زعقته.
- مش عايزة أكبر الموضوع.
انتفخت أوداجه غضباً، ونيران سوداء اشتعلت بحدقتيه، يهدر بها.
- جارك يبقى عارف ومهتم وجاي يسأل.. وأنا جوزك واقف زي الأطرش في الزفة!
ثم ارتفع صوته يصيح بها.
- هاتي ملك.
همست بخفوت متوترة، ترجوه.
- ياأكرم سيبها.
قاطعها بانفعال، يلهث بعنف، كان قاب قوسين أو أدنى من تكسير الفاصل الخشبي بينهما كي يصل إليها ويكسر عظامها من فرط غيظه.
- هاتي البنت.
ناولته الصغيرة بتردد، جذبها منها بعنف قوي فبكت الصغيرة وارتعبت هي.
رمقها بنظرات حارقة وولاها ظهره، يرمق الجهة الأخرى بغضب مستعر قبل أن يغادر الشارع بسيارته.
***
في غرفة كمال.
كان يجلس على طرف فراشه رافعاً ساقيه، يرتدي بنطال بيتي مريح يعلوه قميص رمادي قطني، يراقب تحركاتها بعين متفحصة مهتمة، تجلس أمامه على الكرسي الصغير أمام المرآة تمسح كفيها وذراعيها بكريم مرطب. تتجاهله، ترفض النظر إليه، وإن صادف وتقابلت نظراتهما تشيحها سريعاً عنه، منذ الأمس لم تتحدث معه بكلمة واحدة بعد أن ضايقها بكلامه على حسب روايتها هي. تتجاهله أو كما يُقال في عُرف النساء "مقموصة".
حامت عيناه عليها كلها، جسدها ملتف بقميص نبيتي خفيف بالكاد يتجاوز ركبتيها، خصلاتها ذات الأطراف العسلية استطالت وكأنها تستفزه ليتلمسها وهنا تنهد بداخله واستغفر ودعا بالتماسك. ماله ينظر إليها ويراقب ماتفعله وكأنه مراهق أو شاب ببداية العشرينات!
قرر قطع الصمت الثقيل بينهما يتمتم بنبرة حانية وهو يرمق انعكاسها في المرآة.
- تعالي.
تطلعت إليه خلال المرآة بعبوس لطيف وحاجبين منعقدين، زفرت وهي تلقي بالمرطب أمامها بنزق فارتطم بالمرآة، وتحركت من مكانها على مضض، جلست على الطرف الآخر من الفراش مما أثار ضحكته ليقول.
- تعالي اقعدي أودامي. متخافيش مش هاكلك.
يتكلم بمرح ويده تشير أمامه يمسح بكفه على الفراش قبل أن تأتي. كانت نبرته هادئة مما جعل حدة ملامحها تهدأ قليلاً. بالأساس حين يحدثها بتلك النبرة وينظر لها بنظرته تلك تحدث بداخلها أشياء غريبة، كدقة قلب زائدة، وقشعريرة لذيذة تسير على طول عمودها الفقري واحمرار بشرة وجهها.
استدارت بلا مبالاة زائفة تجلس أمامه، ومازالت تتحاشي النظرات بينهما. سأل بصوت أجش.
- ممكن أعرف انتِ زعلانة ليه مني؟
رفعت حاجبيها ترمقه باستنكار يدعي البلاهة أمامها وكأنه لا يعرف السبب، فضحك بخفة من نظرتها له فاكمل بملامح رائقة.
- مش هضحك عليكي وأقول إني متشدد، ممكن أقولك إني بغير.
ثم تابع وقد أسرها بنظرته.
- وده شيء ميقللش مني إني أعترفلك إني بغير عليكي.
احتقنت وجنتاها وخجلت، ورغم خجلها إلا أنها بدون تفكير ألقت سؤالها الذي استغربه لسانها قبل عقلها الغائب.
- وكنت بتغير كده على خديجة الله يرحمها؟
قطب حاجبيه، وتمتم بضيق.
- بلاش نتكلم في حاجات قديمة، بس اللي متأكد منه إن مشاعري ناحيتك مختلفة. أنا.. أنا حاسس إني بحب!
وضحك باتساع فاه، وجو الغرفة بات أكثر حرارة، يهز رأسه باستنكار متعجباً.
- أنا راجل معدي الأربعين ولسه عارف يعني إيه حب!
وانتقلت ضحكاته إليها، تضحك بخجل، تزيغ بنظراتها بعيداً عن عينيه. والجلسة بينهما صارت مريحة أكثر وأكثر. اقترب منها فلامست ركبته ركبتها، لم تبتعد ولا هو، ولكنه شعر برعشة سارت بينهما. لمعت عيناه وقد شجعه هدوؤها وخجلها وتورد خديها لأن يسأل.
- أحنا هنفضل كدة لحد إمتى؟
لم تجيب، تفرك بكفيها بخجل وتوتر، رأسها محني لأسفل وخصلاتها معه. همس بنبرة أبحة.
- طب انتي حاسة بنفور مني؟
فوراً رفعت رأسها باندفاع صادق تنفي ادعاءه.
- لأ.
تنهد بهدوء، كان يعلم الإجابة مسبقاً، فهي تتعامل معه بأريحية. زفر هواء صدره كله قبل أن يسأل بضيق ظاهر بنبرته.
- قلبك مشغول بحد؟
سكتت. وكان سكوتها ثقيلاً يزيد من ضيقه، وخوفه. غمغمت بخفوت بعد وقت ليس بطويل.
- لأ.
ابتسم براحة ظهرت على ملامحه، تابع بنبرة حانية.
- أومال منعاني عنك ليه؟
حنان نبرته جعلها ترفع رأسها إليه، تبتسم بدلال عفوي لنظرة الحنان التي تفيض من عينيه ويختصها بها. همست بتلعثم خافت، ناعم.
- مش منعـاك!
وبجوابها أعطته زر القبول، لمعت عيناه وابتسم وهو يقترب من جلستها، يزيح خصلاتها عن وجهها بأنامل مرتجفة من فرط اللهفة، زفر نفساً حارقاً قبل أن يميل برأسه مقبلاً شفتيها فشهقت من مفاجأته، ولكنه كتم شهقتها ورفضها الواهن بإطالة قبلته، قبلة بدأتها كانت ناعمة رقيقة كرفرفة الفراشات ومع الوقت صارت أكثر تطلباً وعنفاً. يداه تتحركان على كتفيها يجذبها إليه، ليبدأ جسدها بالتراخي شيئاً فشيئاً بين يديه. لا يترك لها فرصة للتنفس كي لا تتهرب كعادتها، حتى استسلمت، مغمضة العينين لا تنوي الإفاقة. ولا هو!
***
"بـ شارع نورهان".
كانت تقف أمام المكتبة على إحدى درجات السلم يجاورها العم حسين جارها. ينظران أمامهما للمحل الذي عُلق على بابه للتو بأنه معروض للبيع، بالأمس كان مغلقاً وأول أمس أيضاً. الأمر غريب، حتى الأحمق سيشك بالموضوع. قال الجار بنبرة طيبة مؤمنة.
- مش قولتلك يانور يابنتي سيبيها ع ربنا. أهي اتحلت من عنده أهو.
كانت تنظر للمحل نظرات غريبة. على عكس جارها، نظرات ملؤها الشك. شك تحول ليقين وهي ترى سيارة أكرم تركن جانباً ويترجل منها بثبات وجسد مشدود، يقترب نحوهما بعد أن ألقى نظرة ذات مغزى على المحل الواقفان أمامه ثم أعادها لوجه نورهان وثبتها بنظراتها المتسائلة. ابتسم الجار له فرد ابتسامته بأخرى مجاملة، ثم اقترب منها يحدثها دون الآخر آمراً بصرامة.
- اقفلي المكتبة دي. وتعالى نتكلم فوق.
ترددت بوقفتها تنظر له باستغراب، فحمحم الجار بحرج يدفعها نحو زوجها.
- اطلعي انتي يانور يابنتي. وأنا هخلي بالي من المكتبة.
أومأت للجار، وسارت باتجاه منزلها بخطى سريعة مرتبكة وكان خلفها مباشرة يتبعها كظلها. قلبها يدق كطبول من قربه هكذا فأسرعت الخطى حتى كادت أن تتعثر فيمسك بخصرها يساعدها بخشونة. فتحت باب منزلها، تحمد الله بسرها أنها وأخيراً وصلت إليه. وقفت بجانب الباب تمد ذراعها له تدعوه للدخول.
- اتفضل.
دخل بتأنٍ، ببطء، بروية متعمداً إثارة أعصابها يرمقها من علو. ثم تجاوزها ودخل لمنتصف صالة منزلهم. يقف ويأبى الجلوس.
خلعت عن رأسها حجابها بعد أن زفرت براحة وقفت وراءه كان يوليها ظهره يوزع نظراته على جدران المنزل وأثاثه، وشعر هو بوقوفها وراءه فاستدار. ازدرد ريقه ببطء شديد وهو يراها أمامه هكذا، فستان أسود واسع يحتوي جسدها الصغير الناعم، جميلة وفاتنة بعينيها الزيتونة الذائبة ببحر من العسل، وخصلاتها البنية والتي جمعتها بربطة خلف رأسها. تمنى لو مال واستنشق من عطر رحيقها. تذكر أنه كان يحب التلاعب به.
سحب هواء المنزل كله أصدره ثم زفره مرة واحدة. تحدث بحدة.
- أنا مش حابب شغلك في المكتبة واللي رايح واللي جاي يشوفك ويبقى له كلام معاكي.
هكذا دون مقدمات. يصلها من وقفته شحنات غضبه وضيقه. رفرفت بأهدابها وسألته.
- أومال هصرف أنا ومجد منين؟
هدر بها بنفاذ صبر.
- قولتلك انتِ واخوكي مسؤولين مني، وده مش شيء جديد يعني!
ردت تعانده.
- وأنا قولتلك شكراً وكتر خيرك لحد هنا.
وانخفضت رأسها، تحبس دموعها في حضوره. تنهد بعمق محاولاً بعد الغضب والتوتر عن محيطه، اقترب منها، يشرف عليها بطوله، يقول بصوت أجش.
- لو سبتها هترجعيلي.
رفعت رأسها بغتةً كطلقة رصاص، اتسعت عيناها غير مصدقة ماسمعته للتو. ملامحها قبل لسانها تهمس بسؤال خافت وملامح ذاهلة.
- انت قولت إيه؟
أن كانت اندهشت مما قاله قيراط، فاندهش هو أربع وعشرين قيراط، لسانه وعقله يأبيان التصديق بما تفوه به، وكانت الغلبة لقلبه. زفر نفساً حارقاً أتبعه بآخر. ورؤيتها هكذا تقف بين ذراعيه وفي محيطه أعادت له الحياة من جديد. أعاد كلامه وكأنه يوصله لعقله ولسانه من قبلها.
- بقولك لو سيبتها... هترجعيلي!
***
جلسة عائلية بامتياز. ملتفون حول المائدة والعزيمة اليوم على شرف يارا ونجاحها بمجموع كبير، وأعدت لها فاطمة أصناف الطعام التي تحبها. فاطمة تجلس بمقدمة المائدة بمقابلها أكرم وجوارها نيرة ويارا وقاسم. قاسم الصامت غالب الوقت حتى وقت أن هنأ يارا اكتفى بإيماءة وابتسامة جانبية. احتضنت نيرة كتفها بحبور تبارك لها بسعادة حقيقية.
- مبروك يايارو.. مبروك ياحبيبتي.
ردت يارا بفرحة.
- الله يبارك فيكي يانونا.
هتف أكرم يشاكسها.
- آآه منك يا أروبة ميبانش عليكي أبداً إنك دحيحة.
أجابت أمه تدافع.
- يارا طول عمرها شاطرة وذكية طالعة لمامتها.
تضحك وتناولها قطعة من اللحم المطهي وبعض أصابع من ورق العنب بطبقها. سألتها نيرة بنبرة بدت غير مهتمة.
- ها.. زياد هيجيبلك هدية إيه؟
تذمرت يارا وعبست بطفولية. تغمغم بحنق.
- لا زياد غضبان عليا مش هيجيبلي هدايا.
سألت نيرة بجدية.
- ليه؟
تخبرها وقد تحولت ملامحها من عبوس لعبث.
- عشان كان اتفق معايا إني لو أقنعتك أنك ترجعيله هيجيبلي عربية ع بداية دخولي للجامعة.
انطلقت ضحكة أكرم مجلجلة، تحدث من بين ضحكاته.
- يخربيت سنينه فاضحني في كل حتة.
نظرت له نيرة بامتعاض. ثم قالت بنزق.
- مبسوط أوي طبعاً ماهو حبيب قلبك.
هتف ضاحكاً.
- أصل بيصعب عليا.. كل ما أشوف حالته بضحك.
رفعت ذقنها. تسأله بحزن مفتعل.
- وأنا مبصعبش عليك يا أكرم؟
قال بشقاوة يختصها هي بها، يغمز بعينه.
- دانا محدش واخد قلبي وقافل عليه غيرك يانونتي.
توردت وجنتاها من تعمد مغازلته، ضحكت وقد لانت ملامحها.
- هقوم عشان آكل ملك.
قالتها وهي تنهض من مكانها ليستكملوا طعامهم. وحديث مرح بينهما لم ينقطع سوى بسؤال عفوي ألقته فاطمة ليارا.
- وحنين عملت إيه؟
توقفت يد قاسم عن الطعام. وسكن جسده عن الحركة وكأنه كان ينتظر، لم يلتفت أو يحرك رأسه ولكنه انتظر بصمت. صمت فسره أكرم بشكل خاطئ. فزجر أمه بحدة محذراً بعينيه.
- ماما!
يشير نحو شقيقه. فارتبكت الأم وتلعثمت.
- أنا هقوم أشوف الكيكة لا شكلها اتحرقت.
وتحركت مسرعة وتبعها أكرم متعللاً بالجلوس مع صغيرته قليلاً قبل أن يخرج. ظلت يارا بجوار قاسم الصامت. كلاهما يتلاعبان بطعامهما دون نية لتناوله. قطعت الصمت يارا وهي تلتفت لقاسم. تهمس بحزن ارتسم على ملامحها.
- حنين هتعيد السنة.
كانت تريد أي ردة فعل منه. ولكن عبس. وضع شوكته جانباً. ووقف متجاهلاً حديثها. مال بطوله قليلاً. يربت على كتفها بملامسة طفيفة وشبح ابتسامة باردة لم تصل لعينيه.
- مبروك ع النجاح.
قالها وولاها ظهره يغادر الغرفة بل البيت كله. تتطلع لمغادرته بصمت ثقيل وألم، وبعدها عادت لشرودها وحزنها مرة أخرى.
***
مستلقي على فراشه ممسكاً بهاتفه، والوقت تخطى منتصف الليل بساعة. أمامه تطبيق الواتساب مفتوح. وهي أيضاً مكتوب أنها نشطة. لم يستطع تمالك نفسه وأرسل رسالة.
- أونلاين مع مين!؟
قرأت أمامه رسالة من زياد. كانت تشاهد حالات الواتساب التابعة لأصدقائها بملل. فتحت رسالته. أرادت استفزازه فشاهدت الرسالة ولم تجب. وتجاهلها أغضبه أرسل أخرى بنفاذ صبر.
- مبترديش ليه.
مرفقة بوجه غاضب. ببرود كتبت.
- وانت مالك!
بعث رسالة أخرى.
- ماتتعدلي يانيرة.
ثم ذيلها بأخرى.
- بتكلمي مين؟
أعادت سؤاله إليه.
- وانت أونلاين بتكلم مين؟
ببساطة كتب.
- لأ أنا براقبك.
مرفقة بوجه يغمز. أرسلت وجوه تضحك، فكتب على الفور.
- دانا أمي دعيالي النهارده. أيوه كده ياشيخة اضحكي وطريها.
ثم أكمل كتابة.
- عموماً أنا هعمل حفلة صغيرة ليارا ع قد عيلتنا. هتيجي؟
- لأ.
دون سؤال أو مناقشة حتى. فجابهها بالرفض.
- لأ هتيجي.
اعتدلت بجلستها تسأله.
- حفلة إيه؟ لما سألت يارا مجابتش سيرة حفلة!
وأخذ مجرى الحديث لصالحه يكتب بشقاوة تقطر من بين حروفه.
- انت بتسأل عليا ياجميل؟
وارفقها بوجه به قلبين.
- طب مش تقول!
هزت رأسها يائسة وضحكت. أرسلت.
- أنا هنام.
وكادت أن تغلق ولكنه أرسل بوجه يتوسل بكفيه.
- لأ استنى شوية والنبي انتِ وحشتيني.
وتجاهلت.
- لأ هناااام خلاص.
- طب هتيجي الحفلة صح؟
- هشوف.
***
دلف غرفته بهدوء مرتدياً سروال جينز يعلوه قميص سماوي وقد عاد لتوّه من الخارج، يحمل بين يديه صينية مستطيلة بها ما لذ وطاب من الطعام، والذي طلب من والدته إعداده اليوم بحجة أن ريم اليوم متعبة، وأخذ أولاده الثلاثة بعد أن ساعدهم بارتداء ملابسهم وتجهيز حقيبة متوسطة بها أشياء خاصة بهم وأوصلهم لجدتهم أم ريم، يخبرها بأن أولاده اشتاقوا لرؤيتها وطلبوا زيارتها وهو لبى طلبهم وسيبيتون الليلة لديها أيضاً. وضع الصينية على طاولة جانبية دون أن يصدر أي صوت كي لا يقلقها، واستدار بجسده يتجه صوب الفراش، يراها تنام ببراءة وخصلاتها المشعثة الناعمة متناثرة حول وجهها الناعم. ازدرد ريقه وهو يقترب منها يزيح خصلة أعلى عينيها برفق، لمسته تلك جعلتها تتململ بدلال كقطة صغيرة، فاقترب بثغره يطبع قبلة على وجنتها فاستيقظت. ترفع رأسها قليلاً وقد شعرت بقبلته فتخضبت وجنتاها بحمرة لذيذة. ابتسمت تتمتم بصوت متحشرج إثر نومها.
- صباح الخير.
ضحك باتساع ولمعة عيناه تخبرها وتفضح كم هو سعيد.
- قصدك عصر الخير. العصر أذّن من شوية.
شهقت منتفضة وتحركت من مكانها جالسة ومازالت متمسكة بالغطاء حول جذعها.
تغمغم بعتاب.
- بتهزر يا كمال. وسايبني نايمة كل ده!
- أنا عارف إنك تعبانة. مرضيتش اصحيكي.
الوقح يلمح بكلامه ابتسامة ناعمة ارتسمت على ثغرها وهي تتذكر كيف كان لطيفاً معها، رقته وهدوئه، نظراته الولهة وكأنه لأول مرة يرى امرأة. بقيا معاً حتى الفجر لتتوسد صدره وتنام بأحضانه. اشتعل وجهها بحمرة قانية تحت نظراته العابثة المراقبة. تهمهم بخجل.
- احم.. زمان الولاد دلوقتي...
قاطعها وهو يقترب بشفتيه من رقبتها يطبع قبلة رقيقة تلتها أخرى أرق وأطول. حاولت أن تبتعد قليلاً ولكنه تشبث بذراعها بتملك. يهمس من بين قبلاته.
- الولاد لبستهم ووديتهم عند جدتهم عشان وحشاهم.
وتابع غامزاً بعبث.
- عشان تفضيلي أنا وبس.
اعتراض واهن وهي تهمس باسمه.
- كمال...
زفر وهو على وضعه.
- عيونه.
والهاء تعود عليه والدلال لها، تقاوم، تحاول أن تتحرك من أسر ذراعيه لها ولن يعطيها الفرصة. دون كلمة مال يقبلها، يكمل ما ينوي بشغف واشتياق لها، تبادله مشاعره وقبلاته، فيزيد ويزيد وكأنه يعوض حرمان سنواته الماضية.
***
جلست فاطمة بمقدمة المائدة بمقابلها أكرم وجوارها نيرة ويارا وقاسم. قاسم الصامت غالب الوقت حتى وقت أن هنأ يارا اكتفى بإيماءة وابتسامة جانبية. احتضنت نيرة كتفها بحبور تبارك لها بسعادة حقيقية.
- مبروك يايارو.. مبروك ياحبيبتي.
ردت يارا بفرحة.
- الله يبارك فيكي يانونا.
هتف أكرم يشاكسها.
- آآه منك يا أروبة ميبانش عليكي أبداً إنك دحيحة.
أجابت أمه تدافع.
- يارا طول عمرها شاطرة وذكية طالعة لمامتها.
تضحك وتناولها قطعة من اللحم المطهي وبعض أصابع من ورق العنب بطبقها. سألتها نيرة بنبرة بدت غير مهتمة.
- ها.. زياد هيجيبلك هدية إيه؟
تذمرت يارا وعبست بطفولية. تغمغم بحنق.
- لا زياد غضبان عليا مش هيجيبلي هدايا.
سألت نيرة بجدية.
- ليه؟
تخبرها وقد تحولت ملامحها من عبوس لعبث.
- عشان كان اتفق معايا إني لو أقنعتك أنك ترجعيله هيجيبلي عربية ع بداية دخولي للجامعة.
انطلقت ضحكة أكرم مجلجلة، تحدث من بين ضحكاته.
- يخربيت سنينه فاضحني في كل حتة.
نظرت له نيرة بامتعاض. ثم قالت بنزق.
- مبسوط أوي طبعاً ماهو حبيب قلبك.
هتف ضاحكاً.
- أصل بيصعب عليا.. كل ما أشوف حالته بضحك.
رفعت ذقنها. تسأله بحزن مفتعل.
- وأنا مبصعبش عليك يا أكرم؟
قال بشقاوة يختصها هي بها، يغمز بعينه.
- دانا محدش واخد قلبي وقافل عليه غيرك يانونتي.
توردت وجنتاها من تعمد مغازلته، ضحكت وقد لانت ملامحها.
- هقوم عشان آكل ملك.
قالتها وهي تنهض من مكانها ليستكملوا طعامهم. وحديث مرح بينهما لم ينقطع سوى بسؤال عفوي ألقته فاطمة ليارا.
- وحنين عملت إيه؟
توقفت يد قاسم عن الطعام. وسكن جسده عن الحركة وكأنه كان ينتظر، لم يلتفت أو يحرك رأسه ولكنه انتظر بصمت. صمت فسره أكرم بشكل خاطئ. فزجر أمه بحدة محذراً بعينيه.
- ماما!
يشير نحو شقيقه. فارتبكت الأم وتلعثمت.
- أنا هقوم أشوف الكيكة لا شكلها اتحرقت.
وتحركت مسرعة وتبعها أكرم متعللاً بالجلوس مع صغيرته قليلاً قبل أن يخرج. ظلت يارا بجوار قاسم الصامت. كلاهما يتلاعبان بطعامهما دون نية لتناوله. قطعت الصمت يارا وهي تلتفت لقاسم. تهمس بحزن ارتسم على ملامحها.
- حنين هتعيد السنة.
كانت تريد أي ردة فعل منه. ولكن عبس. وضع شوكته جانباً. ووقف متجاهلاً حديثها. مال بطوله قليلاً. يربت على كتفها بملامسة طفيفة وشبح ابتسامة باردة لم تصل لعينيه.
- مبروك ع النجاح.
قالها وولاها ظهره يغادر الغرفة بل البيت كله. تتطلع لمغادرته بصمت ثقيل وألم، وبعدها عادت لشرودها وحزنها مرة أخرى.