تحميل رواية «بين طيات الماضي» PDF
بقلم منة الله مجدي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في أحد الأبراج السكنية، تحديداً في شقة يبدو عليها الثراء على عكس حالة ساكنتها تماماً. ابتسمت مليكة للطفل الصغير الذي هدهدته حتى نام. مسحت على جبهته البيضاء برقة وحنان، فهو أهم ما لديها في الحياة ومن أجله يمكن أن تفعل أي شيء. وراحت تفكر أنها لم تعد تتحمل المزيد. إذا استمرت كلفة المعيشة بالارتفاع، فستصل لحائط مسدود. فمراد يكبر وتزداد متطلباته، ومدخراتها لم تعد تكفي. حتى وإن استطاعا تدبر أمرهما، فبالتأكيد ستنفذ بعد وقت قليل، ولا تستطيع إيجاد عمل في هذه الأوقات يمكن أن يسد كافة احتياجاتهما. وضعت وجه...
رواية بين طيات الماضي الفصل الأول 1 - بقلم منة الله مجدي
في أحد الأبراج السكنية، تحديداً في شقة يبدو عليها الثراء على عكس حالة ساكنتها تماماً.
ابتسمت مليكة للطفل الصغير الذي هدهدته حتى نام. مسحت على جبهته البيضاء برقة وحنان، فهو أهم ما لديها في الحياة ومن أجله يمكن أن تفعل أي شيء.
وراحت تفكر أنها لم تعد تتحمل المزيد. إذا استمرت كلفة المعيشة بالارتفاع، فستصل لحائط مسدود. فمراد يكبر وتزداد متطلباته، ومدخراتها لم تعد تكفي. حتى وإن استطاعا تدبر أمرهما، فبالتأكيد ستنفذ بعد وقت قليل، ولا تستطيع إيجاد عمل في هذه الأوقات يمكن أن يسد كافة احتياجاتهما.
وضعت وجهها بين كفيها وغلبتها دموع الإحباط. ماذا ستفعل؟ وماذا يمكن أن تفعل؟ لو أن تاليا لا زالت حية! لو أنها لم تمت وهي تلد صغيرها؟ لكانا على الأقل سعيا الآن لطلب مساعدة والد الطفل. ولكنها ماتت. وحتى هذا لا تستطيع فعله، فهي لا تعرف من هو والد ابن شقيقتها.
تنهدت في سخرية. أيعقل هذا؟ ولكنها سخرية الحياة. فقد قررت تاليا أن تجعل خبر زفافها وحملها مفاجأة لمليكة حينما تعود إلى القاهرة. لو أن تاليا لم تترك إسبانيا وتعود بمفردها لأجل تلك الشركة اللعينة. لو أنها بقيت بجوارها لما حدث كل هذا ولبقيت تاليا حية ولم تمت. لو أن؟ لو أن؟ لو أن؟
كم من المرات رددت هذا السؤال في السنوات القليلة المنصرمة، وأين أوصلها كل هذا؟ إلى لا شيء. ولكنها لن تترك مراد مهما حدث.
رفعت رأسها سريعاً لسماعها طرقات قوية على الباب. تطلعت بقلق ناحية مراد الذي بدأ يتحرك، فقد بذلت الكثير من الجهد لجعله ينام.
وقفت قلقة لتفتح الباب قبل أن يقرر الزائر طرق الباب مرة أخرى، وهذه المرة بقوة أكبر. شاهدت مراد يتملل بين ذراعيها، فربتت بهدوء على رأسه ورددت بصوت خفيف:
"مليكة: مفيش حاجة يا حبيبي متخافش، دا الباب."
ولكن صوت صاحبة المنزل لعلع بخشونة عند الباب:
"رانيا: أنا عارفة إنك جوة يا مدام مليكة."
توجهت مليكة إلى الباب وفتحته غاضبة، ووقفت تسده كي تمنعها من الدخول، تلك السيدة المتطفلة البالغة من العمر خمسين عاماً. ومن أدب مليكة عدم دعوتها بالوقاحة، ولكنها بالتأكيد كذلك. وحقيقة أنها أم غير متزوجة لا تعني لها شيئاً، بل لا تعني لأي شخص آخر.
لو أنها تمتلك النقود لاستئجار منزل آخر لفعلت منذ زمن. ولكن أين يمكنها أن تجد منزل كهذا وبهذا الثمن البخس في هذا الوقت؟ ولهذا يجب عليها أن تتحمل تلك السيدة المتطفلة في سبيل مراد.
"مليكة: حضرتك كنتي عاوزة حاجة؟!"
نظرت لها تلك المرأة بسخرية شديدة واضحة في عينيها، عاقدة ذراعيها أمام صدرها تهز خصرها كعلامة للاستهزاء.
"رانيا: أيوة، أنا جيت علشان أنا مضطرة أقولك إنك لازم تمشي."
شعرت مليكة وكأن الأرض تميد تحت قدميها، فهذا ما كان ينقصها الآن. صاحت مليكة بصدمة بعدما اتسعت حدقتاها:
"مليكة: ا... ااااا.... أمشي... بس مينفعش، أنا مش عندي أي مكان تاني أروحله. وبعدين أمشي ليه أصلاً، الإيجار أنا بدفعه في الوقت."
اختلت نبرة صوتها الواثقة وتخللها الاضطراب وهي تخفض رأسها.
"مليكة: أنا عارفة إني اتأخرت شوية الشهر ده، بس علشان المرتب اتأخر مش ذنبي والله."
رفعت رانيا حاجبها الناقم وهتفت بسخرية:
"رانيا: وأنا مش فاتحاها سبيل يا ست مليكة، اللي عندي قولته."
زاغت عينا مليكة وشحب وجهها.
"مليكة: بس هروح فين؟؟!!! أنا معنديش مكان تاني أروحله!!!!!!"
مصت رانيا شفتيها رافعة حاجبها بعدم اكتراث.
"رانيا: للأسف معرفش، مش مشكلتي. كلمي أبو المحروس ابنك خليه يساعدك."
أومأت مليكة برأسها، فهي لا تعرف ممن تستطيع طلب المساعدة. زفرت رانيا بحنق.
"رانيا: خليكي فاكرة إنك لازم تفضي الشقة قبل آخر الأسبوع."
واستدارت مبتعدة عنها. أغلقت مليكة الباب وأخذت تفكر ماذا ستفعل؟
***
أمضت اليومين التاليين في البحث عن مكان آخر للانتقال إليه، ولكنها لم تجد ما يمكنها تحمل نفقاته. تذكرت في ذلك الوقت أيامها في إسبانيا، تلك الأيام التي لم تكن تحمل فيها أي هموم. تذكرت رب عملها، ذلك الرجل اللطيف البشوش الذي كان يعاملها كابنته وليست مديرة أعماله. تنهدت بأسى عندما تذكرته وترحمت عليه من قلبها.
نظرت في ساعتها فعلمت أنها تأخرت كثيراً على عملها الذي لا تحصل منه على الكثير، فتوجهت مسرعة كي لا تتعرض للتوبيخ.
أنهت مليكة عملها مبكراً في هذا اليوم، فأخذت مراد وتوجها إلى منزل عائشة، رفيقتها التي تعاني هي وزوجها وابنتها الصغيرة ندى ذات السبع أعوام، مثل مليكة تماماً، من مشاكل المعيشة وغلاء الأسعار. فهذا ما يعطيهما سبب مشترك للحزن مع تقارب عمريهما، إلا أن عائشة حامل ومثقلة بأعباء أكثر.
وصلت إلى المنزل المنشود بعد وقت قليل وطرقت الباب. سمعا صوت عائشة بإنهاك:
"عائشة: حاضر جاية."
فتحت الباب فتهلل وجهها لرؤية صديقتها، فهتفت بفرحة:
"عائشة: عاملين إيه؟ ادخلوا، ادخلوا."
دخلت الفتاتان فحملت عائشة مراد وأخذت تداعبه. فتح مراد ذراعيه لعائشة وتمتم بسعادة:
"مراد: خالتو شوشو إزيك؟ والنونو عامل إيه؟"
ابتسمت بسعادة وتابعت بحماس:
"عائشة: أنا الحمد لله يا روح خالتو، من جوة والنونو الحمد لله."
زمت عائشة شفتيها وتابعت بشفقة بعدما قرصت وجنته بلطف:
"عائشة: مالك يا دودو؟ شكل ميمو مبتأكلكش، مالك خاسس كده ليه؟ وإنتِ كمان يا ميمو شكلك مرهق جداً."
قصت عليها مليكة ما حدث معها وأخبرتها بإنذار الرحيل. تنهدت عائشة بقلق وتابعت بحبور:
"عائشة: تعالي أقعدي هنا إنتِ ومراد لحد ما تلاقي مكان تقعدي فيه."
"مليكة بهدوء: مينفعش يا حبيبتي، أنا إن شاء الله هلاقي حل."
ثم تابعت باسمة:
"مليكة: سيبك من كل دا، أنا جبت شوية حاجات، تعالي نعمل كيكة ناكلها مع الشاي."
أجابت عائشة باسمة بحماس:
"عائشة باسمة: فكرة حلوة، وسيبي مراد يلعب مع ندي."
ذهبا سوياً للمطبخ وبدأ في إعداد الكعكة. من الرائع أن تنسيا مشاكلهما لفترة، تضحكان كطفلتان وقد اتسخ شعرهما. ضحكت مليكة ملء شدقتيها ثم هتفت بسخرية:
"مليكة: عاملين زي الأطفال بالظبط."
توقفت عائشة عن الضحك وارتسمت الجدية على ملامحها وهتفت بحزم:
"عائشة بجدية: ما إنتِ طفلة، عمرك كام إنتِ يعني؟"
"مليكة: 22."
"عائشة: 27. أكبر من تاليا الله يرحمها بسبع سنين."
"مليكة: عارفة يا شوشو، دايماً بفكر لو كانت تاليا عايشة... كنت كملت شغلي في إسبانيا وجبتهم يعيشوا معايا وصرفت عليهم، وكان مراد كبر هناك في ظروف أحسن وجو أنضف. موتها خبر صعب أوي... كانت لسه صغيرة... طفلة ولسه بتبدأ حياتها، حتي ملحقتش تشوف مراد."
أخفضت عائشة عيناها حزناً بعدما ترحمت عليها وتابعت متسائلة:
"عائشة: مجالكيش أي خبر من باباه؟"
زفرت مليكة بأسى:
"مليكة: معرفش عنه أي حاجة، مفيش دليل على وجوده، أنا حتى مش عارفة هو مين ولا فين. تاليا الله يرحمها اتجوزته وكانت مستنية نزولي علشان تعملهالي مفاجأة."
ثم تابعت باسمة بحبور تتطلع ناحية مراد:
"مليكة: عارفة، أعتقد إنه كان وسيم، يعني لو بصينا لملامح مراد، هو آه واخد لون عيني ولون بشرتي، لكن ملامحه مش شبهي ولا حتى شبه تاليا. أعتقد واخدها من باباه."
سألت عائشة بتردد:
"عائشة: طيب دورتي في حاجة تاليا؟ موبايلها واللاب توب بتاعها والصناديق اللي جات من بيتها؟"
ابتلعت مليكة غصة ألم وتمتمت في خفوت:
"مليكة: لا مدورتش، حاسة إني مش هقدر أعمل كده."
صاحت بها عائشة بغضب لمصلحتها:
"عائشة: الكلام ده كان زمان يا مليكة، إنما إنتِ دلوقتي محتاجة تعرفي مين والد مراد، وعلى الأقل لازم هو كمان يعرف إنه عنده ولد وإنه لازم يصرف عليه."
علمت مليكة بصحة قول عائشة، فقد كانت تاليا تحتفظ بأوراقها ورسائلها المهمة في صندوق خشبي مزخرف، ولكنها لم تجبر نفسها على التفتيش فيها مطلقاً، على الرغم من معرفتها أنها ستعرف من هو والد الطفلة إذا فتحت ذلك الصندوق أو حتى هاتفها، لظنها أنها لن تحتاج معرفته حتى، فهي أيقنت بحدوث مشاكل بينهما حينما لم تراه في المستشفى أو حتى تسمع عنه حينما أقامت عزاء تاليا.
وبعد انقضاء عدة ساعات، عادا مليكة ومراد إلى المنزل. توجهت مليكة إلى الغرفة الموضوع فيها صناديق تاليا بعدما وضعت مراد في فراشه. أخرجت الصندوق الخشبي من أحد صناديق الكرتون اللاتي أحضرها محمد، زوج عائشة، من منزل تاليا، وأخذت تحدق فيه عدة دقائق بألم وهي تتذكر كم كانت شقيقتها تعشق هذا الصندوق.
ثم فتحت غطاءه الخشبي المزخرف بالورود وترددت مرة أخرى، غير مرتاحة لأنها تنبش أسرار من الأفضل لو تبقى مطوية. أخذت تنظر إلى الأوراق وتلك الرسائل المكتوبة، فعلى الرغم من تقدم وسائل الاتصال، إلا أن تاليا كانت دائماً تعشق الرسائل الورقية.
أخذت يدها تقلب في الرسائل المكتوبة، متجاهلة المحتوى، تقرأ الإهداءات، فكل أولئك الأصدقاء تعرف أسماءهم، فهي تبحث عن شخص وحيد، كل ما تعرفه أن اسمه حازم، حتى وجدتها، فتأكدت أنه والد مراد. أعادت باقي الرسائل إلى الصندوق وترددت كثيراً متخوفة لحظة فتح تلك الرسالة.
وأخيراً لم تعد تستطع الانتظار، ففتحت تلك الرسالة. وقرأت ببطء الكلمات الشاحبة قليلاً، فقد بدا على بعض سطور الرسالة بقع جعلت بعض الكلمات تتلاشى، وكأن شخصاً ما كان يبكي وهو يقرأها. وهذا ما بدا لها حقيقياً عندما قرأت الرسالة.
كانت تلك الرسالة من حازم الغرباوي، يقول فيها وبصراحة أنه سيرسل لها ورقة طلاقها، ولم يذكر مراد، فرجحت مليكة أن سبب الطلاق هو مراد.
ثارت دماؤها غضباً وحنقاً وهتفت ثائرة:
"حسناً، قد آن الأوان أن يعلم هذا السيد بوجود ابنه."
نهضت سريعا وقامت بإيصال هاتف شقيقتها بالكهرباء ليعمل حتى تستطيع البحث فيه عن هاتف هذا السيد. وبالفعل وجدته وبسهولة. حاولت مهاتفته ولكنها وجدت أن رقمه غير موجود بالخدمة. فكرت في البحث عنه عبر موقع التواصل الاجتماعي (الفيس بوك) ولكنها لا تعرف كيف يبدو، فأصبح هذا الأمر مستحيلاً.
***
في صباح اليوم التالي.
توجهت إلى عملها باكراً وطلبت من أحد زملائها في العمل الذي يستطيع فعل مثل تلك الأمور أن يحضر لها عنوان هذا الرقم. وبالفعل بعد عدة ساعات كانت تملك العنوان. وبعد انتهاء العمل عادت إلى المنزل.
سمعت صوت طفلها يهتف في سعادة بعدما طرقت على باب جارتها إيمان، وهي سيدة في العقد الرابع من العمر، توفي زوجها منذ بضع سنوات وتزوج جميع أولادها، فأصبحت وحيدة. وقد طلبت من مليكة أن تترك لها مراد كي ترعاه ويسليها حتى عودتها من العمل.
"مراد: مامي جت يا نانا، مامي جت."
هتفت مليكة باسمة بأسف:
"مليكة: معلش يا طنط، آسفة إني اتأخرت على حضرتك."
تمتمت باسمة بحبور:
"إيمان: لا يا حبيبتي، مفيش حاجة، دا مسليني والله."
ثم تابعت بأسى:
"إيمان: مانتي عارفة مليش حد."
تابعت مليكة باسمة وهي تربت على يدها في حبور:
"مليكة: ربنا يبارك في عمر حضرتك."
"مليكة: عن إذنك."
ثم تطلعت لمراد باسمة:
"مليكة: مش يلا يا أستاذ مراد؟"
قبل مراد إيمان بسعادة:
"مراد: باي باي يا نانا، هكلك بكرة."
ضحكت إيمان بحب:
"إيمان: ماشي يا روح نانا."
حملت مراد وصعدت إلى منزلهما.
"مليكة: وحشتني يا ميمو، يلا بقي علشان ناكل."
قبلها مراد بسعادة:
"مراد: وإنتِ كمان يا مامي."
ابتسمت بحبور وهي تفتح الباب:
"مليكة: قولي بقي عملت إيه في الحضانة؟"
ابتسم مراد بحماس وتمتم في سعادة:
"مراد: النهاردة المس بتاعتي زعقت لياسمينا علشان ضايقتني."
ضحكت مليكة لأنها تعرف كم يكره طفلها تلك ياسمين. ومن ثم قبلته مليكة ووضعته أرضاً للعب وانغمست هي في تحضير الغداء، ولكن عقلها كان مشتتاً. أ تذهب هي لمقابلته أم ترسل له رسالة؟ احتارت كثيراً فقررت أن تسأل رفيقتها.
لم تكد تنتهي حتى وجدتها تتصل. أجابت بسعادة:
"مليكة: كنت لسه هكلمك."
سألت عائشة في قلق:
"عائشة: خير؟ مراد كويس؟"
"مليكة بهدوء: أه يا حبيبي، مراد الحمد لله زي الفل. أنا كنت عاوزة أقولك على حاجة تانية."
صاحت بحماس:
"عائشة: عرفتي حاجة عن باباه؟"
"مليكة بهدوء: أه."
"عائشة بحماس: قولي بسرعة."
قصت عليها مليكة كل ما عرفته وطلبت استشارتها، أ تذهب أم تكتفي بإرسال رسالة. أجابت عائشة بهدوء:
"عائشة: لا متروحيش، ابعتي رسالة. افرضي مثلاً العنوان اتغير ولا حاجة، هتروحي تقعدي فين بقي.... ومراد الغلبان ده هتدوخيه معاكي ليه."
"مليكة: تمام."
***
بعد تناول الطعام جلست مليكة لكتابة الرسالة وبعد ذلك أخذت مراد وذهبا لوضعها في البريد. كانت تشعر بالخوف الشديد من رد فعل والده. تراه سيعترف به؟ هل ستجده من الأساس؟ أم أنه رحل مثلاً عن هذا العنوان وستعود إلى نقطة الصفر مرة أخرى؟ شعرت بأنها تكاد تختنق يأساً. إحباطاً وخوفاً. ولكنها قررت التحلي بالصبر والدعاء، فليس أمامها غيره.
***
في صباح أحد الأيام.
ذهبت إلى عملها مبكراً وبعد انتهاء الدوام ذهبت كعادتها في الآونة الأخيرة للبحث عن منزل لها ولمراد، فلا يمكنها الاعتماد على والد مراد كلياً، وهي أيضاً لا تدري إن كانت ستجده أم لا، فقد مضى إلى الآن ثلاثة أيام على إرسالها لتلك الرسالة ولم يردها أي رد، مع أنها متأكدة أن تلك الرسالة قد وصلت إلى منزل الغرباوي.
ومع كل ذلك البحث لم تجد منزلاً آخر، فازداد وضعها سوءً وكانت بالكاد تنام ليلاً وينتابها القلق طوال النهار.
بعد فترة خلد مراد إلى النوم في أحضانها، فلم تحركه خشية إيقاظه، ولكنها رفعت قدميها إلى الأريكة وكورتهما أسفلها وأعادت رأسها إلى الوراء، فاستغرقت في النوم.
استفاقت فزعة بعد وقت قصير على صوت طرقات على باب المنزل. نظرت إلى مراد في فزع فوجدته يتملل بين ذراعيها. كاد أن يستيقظ. وضعته على الفراش في هدوء، بعدما مسحت على شعره لتطمئنه كيلا يستيقظ فزعاً.
ارتدت إزدال الصلاة وانطلقت مسرعة ناحية الباب قبل أن يطرق مرة أخرى. فتحت الباب واتسعت عيانها بصدمة وهي ترى رجلاً طويلاً ضخماً عريض البنية يقف متغطرساً ينظر إليها بكبرياء من خلف أنفه، وقد بدت بذته الرمادية تناسبه تماماً.
رواية بين طيات الماضي الفصل الثاني 2 - بقلم منة الله مجدي
أعادت نظرها إلى الرجل مرة أخرى، فوجدته ينظر إليها باحتقار واضح، يتأمل ملامحها ويمعن النظر في عينيها الزرقاوين وبعض النمش على وجهها، وكأنه يريد أن يحفظ تفاصيلها. لكن عينيه كانتا تعطيانها شعوراً مختلفاً، شعوراً لم تفهمه. كانت عيناه تناقض ملامح الاحتقار التي ارتسمت على وجهه، وكأنها تعبر عما اعترى قلبه، تعبر عن شعوره وكأنها تخبرها أنها بطلتها، تلك كانت كعاصفة هوجاء أحيت قلوب موتى ملّت طول الانتظار.
أخجلتها نظراته وأخافتها أيضاً، فهو حقاً عملاق فتبدو أمامه كالفأر الصغير، مما أضاف الرهبة لقلبها الصغير، وأيضاً يوتر عقلها ويؤثر على تفكيرها بشدة. كم أن حضوره طاغٍ، يوقف الزمن، يأسر حواسها.
تمتمت في توتر بغير وعي:
مليكة: اتفضل.
ابتسم بسخرية واضحة واحتقار جلي تماماً على قسماته:
سليم: واضح إنك بتثقي في الناس بسرعة.
حاولت الخروج من سهوها والتمتمة بأي شيء، فجفلت حينما رفع قامته وأكمل متابعاً بحزم، امتزجت بثقة وفخر جعلاها تشعر بمدى عظمته، على الرغم من أنها لم يسبق لها أن سمعت به قبلاً.
سليم: أنا سليم الغرباوي.
دار اسم الغرباوي في عقلها ليعطيها النتائج سريعاً، نعم إنها عائلة والد مراد، مما جعلها تهتف بصدمة:
مليكة: آه...
رفع يده ليصمتها وتابع بجمود وحزم، مثبتاً عينيه عليها:
سليم: في الأول لازم تعرفي إن حازم مات.
شحب وجهها، فلم يكن هذا ما توقعته إطلاقاً. كيف يمكن لهذا الرجل أن يقف هكذا ليقول ما قاله بكل برود؟ فأملها الوحيد لمستقبل مراد قد دمره هذا الشخص البارد المتعجرف. كادت تتهاوى، فقد شعرت بأن قدميها لا تقوى على حملها أكثر، شعرت بأن دموعها تكاد تنساب من زرقاوينها، فهي الآن بالتأكيد ستخسر مراد ولن تستطيع فعل شيء حيال ذلك.
كان ذاك الغريب ينظر إليها وكأنه يشرحها، فحتى في حزنها استطاعت ملاحظة جاذبيته المدمرة. وإن كان هناك شبه بين حازم وهذا السليم، فلا يمكنها لوم شقيقتها على تعلقها بحازم أبداً. ودون أن ينتظر تكرار دعوتها إياه بالدخول، دفع الباب ودلف للداخل وهو ينظر حوله باحتقار.
فهتفت هي بأسى ظهر واضحاً في نبرتها التي غلفها الإحباط واليأس:
مليكة: أنا آسفة جداً، البقاء لله.
استقام جزعها وتابعت في حزم:
مليكة: في الحالة دي أنا آسفة جداً لأني عطلتك وضيعت وقتك، لأنك للأسف مش هتعرف تساعدني.
ارتفع حاجباه بغطرسة للهجتها وتابع بعجرفة:
سليم: لا، خليني أنا اللي أحكم على الموضوع ده يا مدام. رسالتك كانت باينة منها إن الموضوع ضروري جداً، وإلا ما كنت جيت أبداً.
ألقى كلماته وهو يتطلع حوله باحتقار:
سليم: وبعدين إيه اللي يخليكي فاكرة إن حازم الله يرحمه ممكن يعمل حاجة أنا مش هعرف أعملها؟
همت بالحديث ولكنه رفع يده مرة أخرى ليخرسها، مردفاً بسخرية:
سليم: إنتِ مش هتقعديني ولا إيه؟
لاحظت مليكة أنه لا يزال واقفاً، فهتفت بحرج:
مليكة: أنا... أنا آسفة جداً، أكيد طبعاً اتفضل.
جلست في هدوء وجلس هو مقابلها سائلاً باحتقار:
سليم: ممكن بقي تقوليلي إيه الشيء اللي أخويا هيعمله وأنا مش هقدر؟ ولا الموضوع خاص أوي للدرجة دي؟
برقت عيناها للهجته الساخرة ونبرته المهينة في ذات الوقت، وهتفت به بجراءة وثقة:
مليكة: أعتقد يا أستاذ سليم إنك متعرفش إزاي تتكلم بذوق.
اعتدل في جلسته مستريحاً وهتف بسخرية:
سليم: بجد؟
ثم تابع بحزم:
سليم: أعتقد إنك غريبة، يعني بعتي رسالة ضرورية وعاجلة وممكن نقول ملحة كمان، ولما جيت أنا بدل حازم الله يرحمه، رافضة تقولي السبب.
أردفت بحزم:
مليكة: فعلاً عندك حق، آسفة لأني ضيعت وقتك ووقتي.
غلبت على نبرته الشوق والحنان وبعض التوتر:
سليم: الطفل اللي قولتي عليه ده يبقى ابن حازم، مش كده؟
أومأت رأسها بهدوء.
ضيق عينيه متابعاً في تساؤل:
سليم: وإنتِ مامته، مش كده؟
مليكة معترضة:
مليكة: بس أنا مش م...
همت بأن تخبره بأنها آنسة وأنها ليست والدته، همت بالرفض، ولكن قاطع حديثهما قدوم مراد وهو يفرك عينيه بطفولية، راغباً بأكله، أثرها محاولاً إزالة آثار النوم.
مراد: مامي، مين ده؟
وقف سليم مبهوتاً، فهو حقاً نسخة عن والدته. فقد أخذ لون بشرة والدته ولون عينيها، وأخذ منه هو لون شعره، كل ملامحه، أنفه المستقيم وشكل شفتيه، أهدابه الطويلة ورسمة عينيه، فمن يراه حقاً يظن أنه ابنهما وليس ابن حازم.
توجه إليه سليم وحمله جالساً به على الأريكة.
أخذ مراد ينظر إليه بعينين متفحصتين.
لانت معالم وجهه المتعجرفة القاسية كثيراً، هاتفاً بحبور:
سليم: اسمك إيه يا حبيبي؟
مراد بتوجس:
مراد: اسمي مراد. إنت مين؟
فابتسم سليم وتطلع ناحية مليكة بحزم سائلاً بهدوء:
سليم: قوليلي إيه اللي إنتِ عاوزاه بالظبط؟
أجفلت مليكة وذهلت من نبرته، ولكنها تابعت بإحباط:
مليكة: كنت عايزة حازم، بس بما إنه مش موجود، فخلاص أنا هتصرف.
صاح بها سليم بحدة:
سليم: متنسيش إنه ابن أخويا، يعني أنا أحق حد بيه، وأعتقد إني هعرف أوفر له اللي إنتِ مش هتقدري عليه.
شعرت مليكة بأنها كادت تفارق الحياة لمجرد التفكير أو الافتراض أن أحداً ما سيأخذ منها مراد، فقررت التملص من هذا المأزق.
مليكة بعناد:
مليكة: بس أنا مش متأكدة إنه كان ابن أخوك أو لأ.
شعر سليم بالتقزز والغضب، فاحمرت عيناه صائحاً بها غاضباً مشمئزاً:
سليم: يعني إيه مش عارفة؟ أمال مين اللي يعرف؟
انكمشت ملامح مراد خوفاً وتركه مسرعاً وذهب ليختبئ خلف جسد والدته.
مراد بخوف:
مراد: مامي، مين ده؟
اقترب سليم منه، مُربتاً على ظهره وهو يهدئ من روعه.
تحدث سليم بهدوء لأجل مراد:
سليم باشمئزاز: أنا هريحلك ضميرك، مراد ابن حازم. الشبه بينه وبين عيلتنا واضح جداً ويوضح إنه ابنه وبدون أي شك.
ثم أكمل بتقزز وازدراء:
سليم: ولا إنتِ من كتر الرجالة اللي عرفتيهم نسيتي شكل حازم؟
ابيض وجه مليكة غضباً من إهانته، حتى كادت أن تخبره السبب الحقيقي لعدم تأكدها، ولكن لا يجب عليها أن تتحمل كل الإهانة لأجل مراد، فهي لن تقدر على العيش بدونه ولو لثانية.
مليكة بسخرية:
مليكة: ويا ترى بقى يا هتعمل إيه يا سليم بيه؟ هتدفعلي فلوس علشان أسكت؟
أظلمت خضراوتاه وتابع بنبرة أرعبتها حد الموت:
سليم: لا لا، بالعكس، أنا مش ناوي أعمل كده نهائياً. الموضوع ده كان ممكن يعمله حازم، إنما مش حازم. مراد يبقى ابن أخويا وأنا مش هسيبه.
ثم تابع بنبرة يشوبها الاحتقار والسخرية:
سليم: يعني إنتِ واحدة ست، ولو إديتك الفلوس أكيد هتصرفيها على حاجات تانية، على الرغم من مشاعرك لمراد. بس أنا متأكد إني هقدر أديه أكتر منك بكتير، وأكتر بكتير كمان من اللي بتكسبيه من الرجالة اللي تعرفيهم.
صفعته مليكة على الفور وبدون تردد، فكانت تريد أن تؤلمه كما ألمها.
ثم ابتعدت عنه ترتعد، ضامة مراد إلى صدرها تلقائياً، مردفةً في صوت منخفض، محاولة منها في السيطرة على ارتعادة جسدها الهزيل الذي ظهر واضحاً للعيان:
مليكة: بس أنا مش بس عندي مشاعر لمراد، أنا بحبه... مراد هو كل حياتي تقريباً، وممكن أعمل أي حاجة عشانه.
ثم تابعت في حزم:
مليكة: ومحدش هياخده مني طول ما فيا نفس.
هدأت نبرتها قليلاً وتابعت بحكمة:
مليكة: أنا متأكدة إنك تقدر تديله أكتر من اللي ممكن أديهولوا من الناحية المادية، بس أنا بحبه... هو حياتي كلها، كل الكلام ده ميعنيلكش أي حاجة؟
هتف سليم ببرود:
سليم: للأسف لا.
ثم تطلع لمراد الذي كان على وشك البكاء قلقاً على والدته، فربت على رأسه مهدئاً وطلب منه الانصراف للداخل.
تطلع مراد ناحية والدته وكأنه يأخذ إذنها، فأومأت إليه بهدوء.
ثم تابع سليم بتفاخر بعدما تأكد من انصراف الصبي:
سليم: إنتِ أكيد عارفة إن عندي فلوس كتير، أكيد حازم قالك، وإنتِ عارفة برضو إن ده الوقت المناسب عشان تلعبي ورقتك الكسبانة، عشان كده قررتي تبعتي وتعرفينا بوجود مراد، يعني أعتقد إنك تعبتي من تربيته، مش كده؟
برقت عيناه بتقزز متابعاً في سخرية:
سليم: ولا اشتقتي لحياتك القديمة قبل ما حازم يقع في حبك؟
حدقت به في دهشة وفزع، كيف يمكن له أن يتخيلها بتلك الوضاعة والخسة.
ولكنها استمعت لعقلها الذي احتج غاضباً:
مليكة بغضب:
مليكة: دي أقل حاجة ممكن يقولها لك بعد ما قولتله إنك مش متأكدة من باباه. إنتِ لازم تقوليله الحقيقة.
هتف قلبها بأسى:
مليكة: بس لو قولته هياخد مني مراد ومش هشوفه تاني... لا مش هقوله.
ثم تابعت في إصرار:
مليكة: مراد كل حياتي، ومتقدرتش تاخده مني.
هتف سليم بتفاخر بعدما جلس واضعاً قدماً على قدم، وكأنه يريد أن يعلمها منزلتها ومكانتها:
سليم: مش هتقدري تمنعيني لو صممت، وخصوصاً لو الموضوع وصل للمحاكم، مش هتعرفي تعملي أي حاجة، وأنا ممكن وبكل سهولة أجيب شهود ضدك وأخلي المحكمة تتأكد إنك مش أم مناسبة لمراد وأخده منك، ده لو حابة نمشي الموضوع قانوني، وإنتِ أكيد عارفة إني أقدر.
صاحت به مليكة بتقزز:
مليكة: الفلوس مبتشتريش كل حاجة يا سليم بيه.
ابتسم سليم بثقة وتطلع إليها بترفع:
سليم: هي فعلاً مبتشتريش كل حاجة، بس هتخليني آخد اللي أنا عاوزه.
صاحت به مليكة بهستيرية:
مليكة بغضب:
مليكة: إنتَ بني آدم حقير ووقح وبارد ومعندكش دم.
ثم رفعت يدها وهمت بصفعه، ولكنه هب واقفاً ممسكاً بيدها، متمتماً بهمس يشبه فحيح الأفاعي، أرسل الرجفة في جسدها الهزيل:
سليم: أحسنلك مترفعيش إيدك تاني.
رفع رأسه بكبرياء وتمتم بجمود:
سليم: أنا همشي دلوقتي وهاجي تاني لما تكوني هديتي ونعرف نتكلم كلام ناس كبار عاقلين، وأعتقد إن عندي حل هيكون مناسب لجميع الأطراف.
مليكة بحدة:
مليكة: متجيش هنا تاني، وإنسي إن ليكِ أي قرابة بمراد.
رد سليم بهدوء وكأنه لم يسمع كلماتها الأخيرة:
سليم: سلام مؤقتاً.
وتركها وانصرف. فتهاوت أرضاً وهي تحتضن نفسها، باكية. هي لا تستطيع تركه حتى إذا اضطرت إلى العمل في عدة وظائف وعدم النوم حتى توفر له حياة كريمة. كيف يمكنه أن يتهمها بأنها تعبت من رعايته؟ كيف يمكن لأي إنسان في العالم أجمع أن يكن بمثل هذه العجرفة والوقاحة والقسوة.
خرج مراد على صوت شهقات والدته راكضاً ناحيتها بفزع:
مراد: مامي، إنتِ ليه بتعيطي؟ هو الراجل ده شرير؟
احتضنته مليكة بحب بعدما جففت دموعها بهدوء:
مليكة: لا يا روح مامي، مبعيطش، متخافش.
تابع مراد بغضب بعدما نفخ أوداجه بطفولية:
مراد: مراد مبيحبش الراجل ده عشان هو شرير.
قبلته مليكة واحتضنته بقوة، وبعدما استجمعت قوتها ونهضت عن الأرض، عاقدة العزم ألا تترك مراد يضيع منها مهما كلفها الأمر.
سمعت صوت هاتفها.
عائشة بسعادة:
عائشة: كويس إنك رديتي بسرعة يا مليكة.
مليكة بوهن:
مليكة: خير يا عائشة.
عائشة بحماس:
عائشة: هاتي مراد وتعاليلي دلوقتي حالاً.
تابعت مليكة بألم:
مليكة: مش قادرة أروح في حتة والله يا عائشة.
هتفت عائشة بحماس:
عائشة: اسمعي الكلام بس وتعالي، محمد لقالك شقة لقطة جمبي هنا وبإيجار 800 جنيه في الشهر.
تهللت أسارير مليكة بسعادة، وكأنها تشبه سحابة على وشك أن تنهال بالمطر، لكن عوض الله جاءها كضوء الشمس ضمها ومنعها من الانهيار.
هتفت بها بسعادة:
مليكة: إنتِ بتتكلمي جد؟
صاحت عائشة بحماس:
عائشة: آه والله، يلا بقى بسرعة.
هتفت مليكة بحماس أكبر:
مليكة: جايالك حالاً.
أغلقت الهاتف وخرت ساجدة للمولى على نعمته. فنثرت على وجهها بضع قطرات من الماء وارتدت ثيابها وأخذت مراد وتوجها مسرعين لعائشة.
طرقت على الباب ففتحته الأخيرة التي تغيرت ملامحها ما إن رأت مليكة.
عائشة بهلع:
عائشة: مالك يا مليكة؟ عينك مالها؟ إنتِ عيطتي؟
تنهدت مليكة بأسى:
مليكة: مش وقته دلوقتي يا عائشة.
فهتف مراد بضيق:
مراد: كان في راجل شرير عندنا وهو اللي زعل مامي وخلاها تعيط، ومراد مش بيحبه أبداً.
ضيقت عائشة عينيها بريبة بعدما رفعت حاجبيها ناظرة لمليكة بتوجس. فتابعت مليكة بوهن:
مليكة: خلينا ندخل الأول يا عائشة، وبعدين هحكيلك كل حاجة.
وبالفعل دخلا سوياً، فكان محمد زوج عائشة جالساً مع صاحب المنزل يتفق معه على التفاصيل ويحاول أن يخفض من نسبة الإيجار قليلاً. وبالفعل كتبا العقد واتفقا على كل شيء.
هبط محمد مع الرجل كي يوصله ويتوجه بعدها إلى عمله.
***********************
في المنزل
عائشة: خدي بقى اشربي الليمون ده وقوليلي فيكي إيه.
انفجرت مليكة باكية وأخذت تقص عليها كل ما حدث.
عائشة بهدوء:
عائشة: إنتِ غلطانة يا مليكة، في حد يقول لراجل صعيدي كده؟
هتفت بألم:
مليكة: خفت يا عائشة... خفت ياخدوه مني.
وتابعت بانهيار:
مليكة: مش هقدر... مش هقدر أسيبه والله يا عائشة. إنتِ عارفة إنه حياتي كلها، وإننا وهو ملناش غير بعض، ده هو الحاجة الوحيدة اللي باقيالي من تاليا الله يرحمها.
ثم تابعت بغضب غلفه الكره:
مليكة: وبعدين عمه ده راجل قاسي ووقح ومعندوش قلب، وحتى لو أخده مني مش هياخد باله منه. إنتِ مشوفتيهوش كان بيتكلم إزاي؟ كل كلامه فلوس وبيزنس بس.
ثم تابعت بأسى وإحباط:
مليكة: ولن يضر بعض الحنق أيضاً مما آلت إليه حياتها. أنا عارفة إني مش هعرف أوفر له ربع الحياة اللي هو هيوفرهالوا، بس أنا بحبه وهعمل كل حاجة علشانه، إنما هو معتقدتش.
احتضنتها عائشة محاولة أن تهدئها قليلاً:
عائشة: اهدي يا مليكة، وبعدين ده عمه برضوا يا حبيبتي، متخافيش. معتقدتش أصلاً إنه هياخده، اهدي إنتي بس.
زفرت مليكة بقوة وهي تحتضنها متمتمة بذعر:
مليكة: معرفش يا عائشة، أنا خايفة أوي.
ثم اقترحت عليها أن تنتقل لمنزلها الجديد من هذه الليلة كي لا يستطيع أن يصل إليها بعد الآن.
لاقت تلك الفكرة استحساناً بالغاً لدى مليكة، التي توجهت فوراً لمنزلها القديم كي تحزم أشياءها بعدما تركت مراد لدى عائشة.
بعد عدة ساعات حضرت شركة الشحن وحملت أشياءها وتوجهت إلى منزلها.
وبعد عدة ساعات أخرى من الترتيب كان كل شيء قد تم إعداده، فتوجهت بعد ذلك إلى منزل عائشة لأخذ مراد.
*************************
عادت مليكة إلى منزلها وخلدت متعبة لفراشها بعدما وضعت مراد في الفراش.
في صباح اليوم التالي استيقظت مذعورة بسبب رؤيتها لكابوس يؤخذ فيه مراد منها.
تطلعت إلى جوارها فوجدت مراد قد استيقظ بالفعل وبدأ في روتينه اليومي في جذب شعراتها كي تستيقظ.
تناولا الإفطار سوياً ثم ألبسته وانطلقت إلى منزل عائشة لتتركه بعهدتها حتى عودتها من العمل.
مرت عدة أيام بعد انتقال مليكة إلى منزلها الجديد.
مرت عليها وكأنها دهور، كانت مذعورة من أن يعرف سليم هذا مكانها. هي تعلم جيداً أن أمثال هذا الرجل لديه ما يكفي من السلطة ليُقفي أثر فتاة مذعورة وطفلها. لهذا كانت تقفز فزعة عند سماعها جرس الباب.
تخشي أن تفتحه ويكون الطارق سليم فيأخذ منها مراد وللأبد ولا تستطيع رؤيته مرة أخرى.
فحقاً تعبرك أيام ضجيج العالم فيها يبدو كالعدم، ولا يعد مسموعاً، إذ أن ضجيج داخلك يطغى على المشهد، روح تصرخ، قلة حيلة، تخبط وحيرة.
***********************
في أحد الأيام بعد عودة مليكة من العمل، وصلت إلى منزلها بعد أن مرت على عائشة لأخذ مراد.
وبعد تناول الغداء حملت مراد لتحممه بعد تلك الحرب الداهمة التي تقوم بينهما بسبب هذا الموضوع، فهو يعتقد أنه أصبح رجلاً كبيراً الآن ولا يحتاج لمساعدة مليكة في تحميمه.
دلفا سوياً للداخل وأخذا يلعبان بالماء والصابون، وفجأة سمعت جرس الباب.
مراد: مامي، الباب بيرن.
هتفت مليكة بحنق:
مليكة: مش وقته خالص يا عائشة.
ثم التفتت لمراد متابعة في حزم:
مليكة: مراد يا حبيبي متتحركش من هنا خالص، ثواني وراجعالك.
خرجت مسرعة لإحضار إزدالها، فارتدته وخرجت لفتح الباب.
ففتحت الباب مسرعة وهي تتمتم في عجالة:
مليكة: ادخلي يا شوشو بسرعة واقفلي الباب عشان مراد.
جاءها صوته في نبرة حادة وحازمة:
سليم: لا، أنا مش شوشو.
رواية بين طيات الماضي الفصل الثالث 3 - بقلم منة الله مجدي
دلف إلى الداخل مغلقاً الباب بقدمه.
كادت مليكة أن تفقد وعيها خوفاً.
في هذا الوقت، نظر سليم حوله بإزدراء وتمتم بعجرفة تتخللها سخرية بالغة.
سليم: إنتِ فاكرة إنك كدة هربتي ومش هعرف مكانك؟ واضح إنك لسة متعرفينيش.
تراقصت الكلمات على شفتيها توتراً، مهمهمة بكلمات غير مترابطة.
مليكة بتوتر ظاهر: لا..... أنا..... يعني... قصدي...
تابع سليم بغرور.
سليم: أنا قولت أسيبك شوية بس تتعودي على شقتك الجديدة، وبعدين أبقى أجلك عشان نكمل كلامنا.
سكت هنية ثم تابع بازدراء.
سليم: إيه مش هتقوليلي أقعد؟
وهنا هتف مراد مستدعياً والدته.
مراد: مامي..... مامي إنتِ روحتي فين؟
أجابته مليكة المضطربة بقلق.
مليكة: جاية أهو يا حبيبي ثواني.
تمتمت بارتباك.
مليكة: اتفضل ومعلش اديني ربع ساعة وهبقى معاك، اعتبر نفسك في بيتك.
فتابع باسماً بسخرية.
سليم: أكيد براحتك.
عادت مليكة إلى المرحاض مرة أخرى لمراد، الذي أخذ يضحك مستفسراً عن الشخص الموجود بالخارج.
بعد حوالي عشرين دقيقة، كانت مليكة أنهت تحميم مراد وبدلت ملابسه ووضعته في فراشه، ثم توجهت لسليم.
اعتذرت منه بخجل.
فتابع هو بعدم اهتمام.
سليم: محصلش حاجة.
ثم تابع بجدية امتزجت بسخرية أو حتى ازدراء أو الاثنين معاً.
لم تستطع مليكة التحديد وقتها.
سليم: ياريت تكوني فكرتي بعقل في كلام المرة اللي فاتت، ولو فاكرة إنك لما تمشي من البيت مش هعرف انتِ فين تبقي غلطانة.
ثم تابع بثقة.
سليم: من أول ما شفتك وأنا عارف إنك عنيدة وهتعملي كدة، عشان كدة خليت حد يراقبك.
اتسعت حدقتاها، ثم شهقت فزعة حينما أردفت بصدمة.
مليكة: أنا... أنا كنت متراقبة؟
نظرت إليه في حدة وتابعت بازدراء.
مليكة: ويا ترى بقى اللي راقبوني دول قالوا لك كام راجل جالي الفترة اللي فاتت؟
رفع سليم حاجبه بعجرفة وتابع بسخرية.
سليم: واحد بس، ومكنش مبسوط لما نزل من عندك.
شبكت ذراعيها أمام صدرها في حركة منها لحماية قلبها الجريح، إهانة هاتفة بسخرية تحاول أن تبتلع بها غصة تكونت في قلبها.
مليكة: بجد؟ لا من الواضح إن مستوايا بقى في النازل، أصل في العادة كلهم بينزلوا من عندي مبسوطين وبيرجعوا تاني.
تحدث بحدة وبصوت هادر جعلها ترتجف خوفاً.
سليم: متتكلميش بالطريقة دي معايا يا مليكة.
لمعت عيناها بالغضب وصاحت بحدة أكبر.
مليكة: وليه لأ؟ مش انت فاكر إن الرجالة بيزوروني عشان كدة وبس ولا إيه؟
هتف هو جازاً على أسنانه بنفاذ صبر.
سليم: أنا مقولتش كدة.
صاحت به بغضب حانق.
مليكة: كلامك معناه كدة.
هز رأسه في نفاذ صبر.
سليم: لو كنت شاكك لواحد في المية كنت أخدت مراد فوراً.
زفرت بحنق ثم سألته في حزم.
مليكة: ممكن أفهم انت ليه جاي دلوقتي؟
تمتم بأريحية.
سليم: جاي عشان نكمل مناقشتنا.
صاحت به بحدة.
مليكة: وأنا قولت كل اللي عندي يا أستاذ سليم.
هتف سليم بجمود.
سليم: بس أنا لأ.
تابعت بضيق.
مليكة: ياريت تقول انت عاوز إيه بالظبط.
جلس بأريحية على تلك الأريكة المتهالكة الموجودة في غرفة الصالون وتابع بهدوء.
سليم: عاوز إيه؟ دا سؤال كويس وأنا هجاوبك عليه. أنا عاوز أعمل لمراد مستقبل وأبني له بيت ويبقي عنده عيلة كاملة.
ثم تابع بنبرة يحاول فيها استعطافها ومخاطبة غريزة الأمومة لديها.
سليم: يعني أكيد لو أخدته البيت معايا كابن حازم، كل الناس هتعرف الحقيقة، ومراد طفل جميل يعني يستحق يعيش حياة أفضل من إنه يكون مجرد غلطة.
اعتدل في جلسته وهتف حازماً.
سليم: وعشان كدة أنا دلوقتي باتقدم لمامته وهكتبه باسمي ويبقى ابني.
حدقت مليكة فيه برعب وهتفت بعدم تصديق.
مليكة: إيه؟ لالالالا انت أكيد بتهزر، مينفعش أصلاً تكون بتتكلم جد.
ارتفع حاجبيه بعجرفة وأطبق شفتيه تعبيراً عن عدم رضاه.
سليم: لا أنا بتكلم جد، وفي الأخر الاختيار ليكي، يا إما هاخده يا إما نتجوز.
نظرت مليكة إلى الوجه القمحي لهذا الرجل الكريه الذي له القدرة على تدمير حياتها، فلم تلاحظ أي لين لديه، فمن الواضح أنه يعني ما يقول، ومن الواضح أكثر أنه يريد مراد وبشدة، فهو يشبهه كثيراً، فمن يراه يؤكد أنه ابنه لا محالة. وإذا أخبرته الآن أنها ليست والدته سيأخذه حتماً وبلا رجعة، فمن الأفضل لها في الوقت الراهن إبقاء هذه المعلومة لنفسها.
أحست بشفتيها جافتان وأنه من الصعب أن تنطق بتلك الكلمات.
مليكة: ليه؟ يعني أقصد عاوز تعمل حاجة زي دي ليه؟
حرك كتفاه بعدم اهتمام مطبقاً شفتاه تعبيراً يدل على سهولة الموضوع لديه، بعدها أردف ببرود.
سليم: وليه لأ؟
صمت هنية ثم تابع يطالعها بتوجس.
سليم: أوعي تكوني فاكرة إننا بنعمل كدة عشانك.
تابع ساخراً، محتقراً إياها.
سليم: لا أنا بعمل كدة عشان مراد، إنما انتِ كشخص متعنيليش بالمرة.
رمقها بازدراء سمح له بوضوح أن يطل من عينيه.
سليم: أنا أصلي مبحبش الحاجة المستعملة.
ابتلعت الغصة التي كادت تمزق قلبها لأشلاء، وأجادت رسم القوة بوضوح على معالم وجهها، متابعة في سخرية.
مليكة: ويا ترى بقى سليم بيه متعود على إيه؟
ثبت بصره عليها في تحدي وهتف بسخرية أكبر.
سليم: أكيد حازم قالك قبل كدة.
احمرت غضباً من لهجته الساخرة.
مليكة: مفتكرش إننا اتكلمنا عن حياتك الشخصية.
رمقها بازدراء وهتف بنبرة عزم فيها أن يقتل آخر ما تبقى لها من كبرياء.
سليم: فعلاً عندك حق، إزاي تفتكري كلام راجل انتِ أصلاً مش فكراه.
لم تجبه مليكة فقد شعرت بغضب شديد وكادت أن تصفعه، ولكنها تراجعت في اللحظة الأخيرة كيلا تغامر بفقدان مراد.
اكفهر وجهه غضباً واشتدت خضرة عيناه وهتف بسخرية أكبر.
سليم: من الواضح إن حازم الله يرحمه كان مهمل في علاقاته الفترة الأخيرة، أنا مسمعتش عنك خالص منه. انتِ بتشتغلي إيه؟
تابعت مليكة في هدوء.
مليكة: بشتغل سكرتيرة.
تابع باحتقار وسخرية.
سليم: واضح إن البنات اللي من النوع دا كانوا بيشدوا حازم الله يرحمه.
أحست مليكة بالتوتر للهجته المحتقرة.
سليم: وانتِ أكيد حابة ترجعي لشغلك؟
مليكة بصدق: لا خلاص دلوقتي الوقت اتأخر وعندي مراد هو كل حياتي.
بدأ على سليم الضجر لحديثها.
سليم: انتِ مش مضطرة على فكرة إنك تمثلي إن مراد هو كل حياتك وإنك مكرسة كل حياتك ليه.
هَمهمت مليكة بالتحدث، فرفع يده ليصمتها.
سليم: أنا دلوقتي اديتك فرصة بين اختيار ابنك وبين إنك تسيبيه.
أخذت مليكة تروح وتجيء أمام شرفتها، ثم توقفت محدقة به في ضيق امتزجت به الدهشة.
مليكة: انت ليه بتتعامل مع الوضع ببساطة أوي كدة؟ على فكرة الموضوع مش سهل زي ما انت فاكر.
سليم: أه فهمت، انتِ مخطوبة؟
أردفت بدهشة وهي تطالعه باحتقار.
مليكة: لا.
سليم بسخرية: يبقى مصاحبة؟
مليكة بغضب: لا طبعاً.
نفض سليم يديه متعجباً وهتف بتفاجؤ.
سليم: بجد؟ انتِ كل شوية بتفاجئيني.
تطلعت إليه مليكة وكأنه يمتلك سبع رؤوس.
مليكة: أكيد يعني متتوقعش مني إني أتجوز واحد معرفوش غير من كام يوم ومعرفش عنه أي حاجة غير إنه عم مراد.
صاح بها سليم بضيق.
سليم: متتصرفيش بهستيرية يا مليكة، عاوزة تعرفي عني معلومات؟ بسيطة جداً.
ثم تابع بعجرفة.
سليم: اسمي وعرفتيه، أعزب أكيد، عندي 35 سنة، عندي شركات في كل حتة تقريباً والحقيقة إن نصهم بتاعي وفي 3 بس بتوع العيلة وأنا أخدتهم وكبرتهم وفتحت لهم فروع في كل حتة وطبعاً بيساعدني ابن عمي ياسر. وأكيد بحكم شغلي بسافر كتير بس عندي بيت هنا بقعد فيه لما بنزل القاهرة. لما بنزل القاهرة بنزل كام يوم كدة الصعيد عشان أشوف أهلي وأشوف أمور الكفر. لما نتجوز هتقعدي انتِ ومراد في البيت اللي هنا وكمان هجيب لمراد مربية مقيمة عشان تقعد معاه وتخلي بالها منه.
صاحت مليكة محتجة.
مليكة: ودا اللي لا يمكن أوافق عليه أبداً، يعني لو وافقت على فكرة جوازي منك اللي هي في حد ذاتها منافية لأي عقل أصلاً، فهفضل أنا اللي هربي مراد وهاخد بالي منه.
زفرت في غضب وضيق.
مليكة: أنا لو عاوزة أعمل كدة كنت رجعت إسبانيا وجبت له مربية وكملت شغلي. كل الفكرة إننا مش مؤمنة بإن الأهل يستخدموا دادة ولا مربية أياً كان المسمى عشان يربوا ولادهم، دا غير إني هبقى بظلم مراد لو عملت معاه كدة في الوقت دا لأنه اتعلق بيا جداً.
سليم بسخرية: واضح إن معندكيش اختيار. الكلام اللي بتقوليه دا ميسبلكيش أي فرصة إنك تختاري.
نهض سليم، فسارعت مليكة بالقول.
مليكة بتوسل: طيب إحنا ممكن نوصل لحل وسط، انت عرفت عنواننا خلاص، ومراد ابن اخوك ومش همنعك عن زيارته في أي وقت تقدر تيجي تشوفه وتبقي أخدت بالك منه واهتميت بيه من غير جواز.
تابع سليم بنفاذ صبر لحماقتها.
سليم: أكيد لو كان ممكن كنت عملتها من غير ما تقترحي، لكن شبه مراد بعيلتنا واضح أوي، فهو ياما ابني يا أما ابن حازم الله يرحمه، وفي الحالة دي من الأفضل إنهم يفتكروه ابني أنا. حازم آه كان متجوزك، بس كان عنده خطيبة في الصعيد وهتضايق لما تعرف إنه كان خاطبها هناك ومتجوزك هنا. يمكن يكون دا عادي هنا، بس عندنا الخطوبة زي الجواز بالظبط.
مليكة بغضب: لو كنت ناسي فأحب ألفت نظرك إن اخوك هو اللي جه واتجوزني، يعني مينفعش تلوم الست على وضع هي اتحطت فيه أبداً.
رد سليم بحزن.
سليم: أنا عارف، عشان كدة من واجبي إني أخلي بالي منك ومن مراد.
زفر بأسي وكسى الحزن نبرته.
سليم: وبما إن حازم مبقاش موجود عشان يواجه مسؤولياته، فأنا هعمل كدة بالنيابة عنه.
مليكة بحنق: انت ليه بتتكلم عن الموضوع كأنه غلطة أو بيزنس مش حب مثلاً؟
سليم بازدراء: انتِ عاوزة تفهميني إنك حبيتي حازم؟
تابعت بثقة محاولة أن تستفزه لتجعله يكرهها بل ويقرر أنها ليست الزوجة المناسبة.
مليكة: يعني أعتقد إن مراد أفضل دليل على الموضوع دا، يعني أصل مفيش واحدة ست هتدي لطفل فرصة إنه يعيش ويخرج للدنيا ويشوف النور إلا لو كانت بتحب باباه. يعني على الأقل هي مش مضطرة لو مبتحبش باباه، وخصوصاً في الأيام دي الموضوع بقى سهل جداً.
رمقها سليم بازدراء أصابها في مقتل وتابع باحتقار.
سليم: دا بالنسبالكم، إنما بالنسبالي أي طفل سواء كان جاي نتيجة لحب أو خلافه ليه حق إنه يعيش ويشوف النور.
صمت هنية ثم تابع.
سليم: يعني انتِ بتقولي إنك كنتي بتحبي حازم مع إنك برضوا مكنتيش عارفة إذا كان مراد ابنه ولا لأ. على كدة بقى انتِ حبيتي كل الرجالة اللي كانوا في حياتك.
ردت مليكة بخشونة وغضب.
مليكة: لو كان رأيك فيا حقير بالشكل دا يا سليم بيه، مش هتبقى مخاطرة منك إننا نتجوز ولا إيه؟
ثم تابعت بسخرية.
مليكة: يعني مش خايف على سمعتك؟
أمسك سليم ذراعها بقوة وشراسة.
سليم: ومين قالك إني هسمحلك تعملي أي حاجة؟ إنتِ هتعيشي في بيتي تحت عيني.
صاحت به بنبرة تحمل الغضب والاحتقار معاً.
مليكة: أه، وانت بقى هتعمل إيه؟
سليم بتلقائية: هكون بشتغل يا إما برة يا إما هنا يا إما مسافر وهبقى أجي أزوركوا من وقت للتاني. يعني متفتكريش إني هتصرف كزوج مثالي على طول في البيت جنب عيلته، أنا عندي شغل.
مليكة بدهشة: إيه؟!
تابع بهدوء.
سليم: احنا بس هيبقي مطلوب مننا إننا نورّي الناس إننا بنحب بعض وخلاص.
هتفت بغضب قد بلغ منها مبلغه.
مليكة: لا مش بالنسبالي، أنا مش هعمل كدة، أنا مش مضطرة إني أبين إني بحب واحد أنا بك...
صمتت هي، فتابع هو.
سليم: سكتي ليه؟ بتكرهيه مش كدة؟ عاوزك تكوني واثقة إن الشعور متبادل.
تابع بلهجته المحتقرة إياها.
سليم: أنا متأكد إن اخويا كان بيحبك، بس أكيد مكنش يعرف نوعيتك إيه.
نهض مرة أخرى.
سليم: أنا همشي دلوقتي عشان أبدأ أجهز إجراءات الجواز وهجيلك على السبت.
مليكة بتوسل: لو سمحت سيبني أفكر شوية، الموضوع كله مفاجئ.
سليم بسخرية: مفاجئ؟؟؟ انتِ متوقعتيش إن دا اللي هيحصل وانتِ بتكتبي رسالتك ولا إيه؟
أردفت بصدق.
مليكة: لا أكيد لا، أنا توقعت إن حازم الله يرحمه لسه عايش وهيساعدني بس لحد ما أتصرف.
تابع سليم متسائلاً بدهشة.
سليم: وليه احتاجتي المساعدة دلوقتي بالذات ومراد داخل على أربع سنين زي ما قولتي؟ ليه مطلبتيش المساعدة من ساعة لما اتولد؟ أه صحيح افتكرت، مكنتيش واثقة إن حازم باباه. حتى لو كدة برضوا ليه كانت رسالتك مستعجلة؟
تابعت مليكة غاضبة.
مليكة: البيت اللي كنت قاعدة فيه صاحبته طلبت مني أسيبه في خلال أسبوع، ووقتها مكنش عندي مكان تاني أروحه، فقررت إني أبعت لحازم عشان يساعدني مؤقتاً بس لحد ما ألاقي بيت تاني.
ثم تابعت بأسى بنبرة قتلته في الصميم.
مليكة: ولو كنت أعرف إن كل دا هيحصل مكنتش بعتت الرسالة.
نفض عن رأسه كل تلك الأفكار بضمها إليه ومواساتها وتابع بجمود.
سليم: دلوقتي لازم تختاري بين إنك تخسري مراد ابنك، أو إنك تتجوزي واحد بتكرهيه. أصلاً انتي اللي عملتي كدة في نفسك، كان لازم تعرفي من الأول إن ملكيش مستقبل مع حازم.
رواية بين طيات الماضي الفصل الرابع 4 - بقلم منة الله مجدي
رفعت حاجبها بدهشة وتابعت بتساؤل:
"وليه كان لازم أعرف من الأول؟ وليه مليش مستقبل معاه؟"
استطرد سليم شارحاً بهدوء:
"أولاً لأنه كان خاطب وزي ما قولتلك الخطوبة عندنا زي الجواز بالظبط. ثانياً حازم مات قبل فرحه بإسبوع، ومتفتكريش إنك إنتِ الوحيدة اللي كنتي في حياته."
تنهد بعمق وتابع بأسي، مرفقاً بأهدابه في ضيق:
"للأسف كان في غيرك كتير."
تابعت هي بثقة:
"ودا يدل علي إنه محبش خطيبته أبداً."
حدق بها بسخرية وكأنها تأتي من الفضاء وهتف بدهشة:
"حب؟ حب إيه ومسخرة إيه؟؟؟ وإيه علاقته بالموضوع؟"
أردف متابعاً بآلية:
"فرحة بنت طيبة ومن عيلة كويسة وكانت هتجيب لحازم أولاد كتير يشيلوا اسم عيلتنا."
ضحكت مليكة بسخرية:
"وطبعاً صفاتها دي مش عندي."
رمقها بإحتقار وإزدراء وتابع بسخرية:
"من الواضح إن صفاتك التانية كانت مهمة ليه أكتر في الوقت دا."
نظر الي ساعته ثم هب واقفاً في شموخ:
"أنا عندي ميعاد مهم جداً ولازم أمشي. هجيلك تاني ويا إما نتجوز يا إما هاخد مراد وحياتك إنتِ حرة فيها."
"وأنا لو منك أوافق، يعني إحنا هنتجوز وهتيجي تعيشي في بيت كبير مش هتعملي فيه أي حاجة."
رمقها بإحتقار وتابع ساخراً:
"أعتقد إن دي فرصة كويسة جداً ليكي."
***
شعرت مليكة بفراغ كبير في غرفتها بعدما رحل وقامت بمهاتفة عائشة لإخبارها بما جري.
فهتفت تسألها:
"وماذا بعد؟"
ذلك السؤال الذي إحتاجت مليكة وبشدة لأحد ما كي يعطيها إجابته.
أردفت مليكة بضياع:
"مش عارفة أي حاجة، المشكلة إنه مصمم."
تابعت عائشة بهدوء:
"إنتِ لازم تقوليله كل حاجة، يمكن وقتها يغير رأيه."
أردفت مليكة بثقة مما إستطاعت تكوينه عن شخصيته:
"سليم إستحالة يغير رأيه، وأنا لو قلتله دلوقتي يبقي بسلمه مراد بإيدي."
زمت عائشة شفتيها بإضطراب ثم أردفت متسائلة:
"طيب وهتعملي إيه؟"
تنهدت مليكة بعمق بعدما رفرفت بأهدابها بحركة دليل علي عدم إرتياحها وإضطرابها العارم:
"مش عارفة، بس هفضل أحاول لحد أخر نفس."
أغلقتا الهاتف وتوجهت مليكة لتحضير طعام الغداء.
لم تعرف لما تشعر بالراحة الأن، فلقد كانت تشعر بأنها تكاد تفقد عقلها في الأيام الماضية.
وراحت تتسائل:
"أ حقاً إستراحت بعدما عرف سليم بمكانها؟..... فحقاً وقوع البلاء أفضل من إنتظاره."
***
في صباح اليوم التالي.
أخذت مراد الي الحديقة المقابلة لمنزلهما.
وقضيا اليوم كله سوياً في الخارج، فكان كلاً منهما يحتاج الي ذلك.
فلقد أخذت مليكة وقتها في التفكير بهدوء.
أما مراد فلقد إستنشق بعض الهواء النقي الذي كان يحتاجه في هذه الفترة.
أخذت مليكة تطالع مراد يلعب من حولها وهي تفكر بأنها لن تكون أنانية لتلك الدرجة لتحرم مراد من أن يكن له والداً.
فهي أكثر شخصاً في هذا العالم يمكنه الشعور بمدي قسوة ألا يكن لك والداً أو حتي عائلة تستمد منها الحب والأمن والقوة في لحظات الضعف والإنكسار.
ولا يمكنها أن تحرمه من أن يكن له عائلة يعيش داخلها.
عائلة ترعاه وتهتم به وتحبه.
وأسرة دافئة يترعرع وسطها.
هي تعرف كل المعرفة أن سليم سيوفر لمراد المستوي المعيشي الذي لا يمكنها أن تحلم بتوفيره لها علي الأقل في الوقت الراهن.
وهي يمكنها أن تعطيه كل الحب والحنان الذي يحتاجة.
لهذا ستوافق وتضحي بكل شئ لأجله.
***
في صباح اليوم التالي.
ذهبت الي عملها متأخرة بعض الشئ ويبدو عليها التعب والإرهاق.
جلست الي مكتبها في هدوء لتتابع عملها.
فتابع مدير عملها يسأل في هدوء بعدما جلس مقابلها بأريحية علي أحد المقاعد:
"شكلك مرهق يا مليكة قبل حتي ما تبدأي شغل."
جفلت لكلماته وتسألت في سخرية:
"أ حقاً تبدو مثيرة للشفقة لهذه الدرجة حتي أن الارهاق يظهر بذلك الوضوح علي قسماتها؟"
فعيناها البائستين لم تحظيا حتي بدقائق لتغمض أمساً من كثرة ما تشعر به من قلق، فاليوم هو اليوم الوعود.
اليوم يوافق السبت.
هتفت في أسف تحاول البحث عن أعذار واهية:
"أسفة جداً والله بس مراد."
إبتسم إبراهيم ضاحكاً بهدوء:
"إيه المرة دي؟"
لقد مر ابراهيم بهذه التجارب مرتين لطفلين مختلفين، أحدهما في العاشرة والأخر في الثالثة عشر، ويعلم كم هو ممتع هذا الأمر للأطفال ومرهق للأباء.
مليكة:
"قرر الساعة 3الفجر إن دا وقت اللعب، وشوف بقي إزاي هتقدر تقنع طفل إنك تعبان وإن الساعة 3الفجر مش وقت مناسب للعب أبداً."
وضع يده بأريحية علي قدماه وأردف ضاحكاً:
"إنتِ هتقوليلي، أنا أكتر حد عارف الموضوع دا."
إعتدل في جلسته وهتف متسائلاً في توجس:
"مليكة، هو فين بابا مراد؟ يعني مسمعتكيش بتجيبي سيرته قبل كدة."
جفلت لسؤاله وإرتفع رجيفها إضطراباً، ولكنها تمتمت بهدوء جاهدت أن ترسمه علي ملامح وجهها ثم أردفت محاولة إخفاء توترها:
"لا عادي بس هو مسافر."
حدق بها متسائلاً في دهشة:
"مسافر وسايبكوا؟"
زمت شفتاها بتعبير عن عدم رضاها.
فأكثر ما يزعجها هو التطفل الذي تلاقيه من بعض الناس.
مليكة:
"مسافر علشان مشغول بشغله."
وأخيراً قرر حظها أن يساندها بالوقوف جانبها، فنهض ابراهيم ناظراً في ساعته متمتماً في عجالة:
"أنا عندي إجتماع دلوقتي، ولما أرجع نبقي نكمل كلامنا."
إبتسمت مليكة في صمت وهي تومئ برأسها في هدوء وحمدت الله في داخلها أنه رحل الأن ولن يكمل إستجوابها.
حضر ابراهيم بعد إستراحة الغداء.
كان في حالة مزاحية مرحة بعد عودته.
وبدون أن تتفوه بحرف حضرت له فنجان قهوة مرة ووضعتها أمامه.
صاح بها متسائلاً بدهشة:
"بس أنا مطلبتش قهوة."
فتابعت هي بحزم:
"أشربة يا أستاذ إبراهيم، هيفيد حضرتك جداً."
حدق بها بدهشة هاتفاً بغضب:
"إنتِ بتلمحي إني سكران؟"
لم تعرف بما تجيبة، فرأت أن الإبتعاد عن طريقه في هذا الوقت سيكون من أفضل الحلول التي يمكنها تنفيذها لأنه في هذه الحالة يصبح مزعجاً.
هكذا أخبرتها سكرتيرته السابقة، ولكنها لم تلحظ يده التي امتدت سريعاً لتجذبها كي تجلس علي ركبتيه.
صاحت به مليكة في صدمة ورعب:
"إيه اللي إنت بتعمله دا؟"
نهض بها وهو مازال يمسكها:
"إيه يا ميمي؟ مالك معترضة ليه؟ يعني أهو إعتبريه تعويض عن الحمار جوزك اللي مسافر وسايبك هنا لوحدك."
صرخت به مليكة بإحتقار وهو تحاول الفكاك من بين قبضتيه بإستماته:
"إخرس وإياك تتكلم معايا كدة أبداً، إنت إتجننت."
هتف بها ابراهيم بهدوء محاولاً إستمالتها:
"إيه بس يا ميمي؟ مالك."
صرخت مليكة وقد بلغ منها الغضب مبلغه:
"إخرس ومتقوليش يا ميمي وسيبني أمشي."
وأخيرا إستطاعت الفكاك منه، فركضت مسرعة نحو الباب ولكنها إصطدمت فجاء بجسد طويل عريض وصدر قاسي.
رواية بين طيات الماضي الفصل الخامس 5 - بقلم منة الله مجدي
رفعت نظرها إلى العينين الخضراوتين الناظرتين إليها في اشمئزاز، وإلى الشخص الآخر في غضب. لم تعرف لما، ولكنها فجأة اختبأت خلفه، فقد كانت حقاً تشعر بالرعب الذي شعر به هو من ارتعدة يديها الممسكتين بثيابه.
لانت عيناه ناحيتها وازدادت نظراته الغاضبة تجاه ذلك الشخص الآخر.
انفجر إبراهيم غاضباً وهتف به في سخرية:
إبراهيم: إنت مين بقي إن شاء الله وبتعمل إيه في مكتبي؟
زم شفتاه دليلاً على عدم الرضا، ثم أردف في غرور بنبرته الرجولة المرعبة:
سليم: أنا سليم الغرباوي... وإنت اللي مين وكنت بتعمل إيه لمراتي؟
نظر إبراهيم لمليكة مدهوشاً، وكذلك كانت هي.
هاتفاً به في دهشة:
إبراهيم: مراتك!
نظر لمليكة بدهشة ثم تابع يسألها:
إبراهيم: بس إنتِ... يعني... أقصد إنك قولتيلي إن جوزك مسافر.
نظر سليم بتكبر إلى الرجل المحمر وجهه وتابع بازدراء:
سليم: مكنتش أعرف إن مليكة لازم تقولك وتبررلك اللي بيحصل في حياتها الخاصة... إلا طبعاً ليه، هي هتقدم استقالتها دلوقتي؟
نظرت إليه في ذهول. فسرورها لقدومه وتخليصه ا من هذا الوضع السخيف تحول إلى ريبة. تري ماذا سيفعل وكيف وصل إليها؟ فلا أحد يعرف عملها إلا عائشة. لكن مستحيل أن تكون قد أخبرته. أحست أنه لن ينتظر أكثر ليسمع قرارها. حقيقة، لديه كل الحق، فإبراهيم كان مهيناً لها للغاية وملاحظاته وتصرفاته أوضح من أن تكمل في عملها لديه.
هتف إبراهيم يسأل في دهشة:
إبراهيم: استقالة... استقالة إيه؟
رد عليه سليم في برود:
سليم: الاستقالة اللي هتكون على مكتبك النهاردة يا أستاذ، بس تصرفاتك خلت حتى الاستقالة ملهاش لازمة.
نظر لمليكة قائلاً بحزم:
سليم: يلا علشان نمشي.
تحركت في توتر، والتقطت حقيبتها وهاتفها. ولحقت بسليم الذي تحرك ناحية الباب.
وقف إبراهيم معترضاً طريقها وهم كي يمسك بيدها، فامسكها سليم قبل حتى أن توضع على يد مليكة.
لابد أن عجرفة سليم كانت أقوى من القهوة المرة في إعادة إبراهيم إلى صوابه. فهتف بها أسفاً، تبدو على ملامحه الخزي:
إبراهيم: أرجوكي يا مليكة سامحيني. أنا فعلاً آسف. أنا مش عارف أنا عملت كده إزاي. أنا آسف، سامحيني.
تراجع عنها مخافة تلك النظرات الشرسة الذي كانت تنبعث من عيني سليم تجاهه. ففتح الباب قبل أن يتفوه إبراهيم بحرف آخر، وجذب مليكة من يدها وأخذها ناحية سيارته الفارهة الرابضة أمام المبنى.
أما إبراهيم فوقف مذهولاً. كيف يمكن لفتاة في رقة مليكة أن تتزوج هذا الشيطان الأرستقراطي الوسيم، كما يطلقون عليه في عالم الأعمال، فهو رجل أعمال بلا قلب، آلة لديها عقل بشري.
***
فتح سليم السيارة وأجلسها داخلها وهتف بسخرية:
سليم: دلوقتي تقدري تتكلمي.
همست بخفوت وهي تحاول استعادة رباطة جأشها:
مليكة: بس أنا معنديش حاجة أقولها.
نظر إليها سليم باهتمام:
سليم: لو اللي إنتِ بتقوليه ده بجد، يبقى إنتِ ست مميزة جداً. إنتِ أول ست أقابلها مبتحبش تتكلم.
تابعت بسخرية وهو تحاول السيطرة على ارتعدة جسدها وطرد تلك التخيلات المرعبة من عقلها:
مليكة: يبقى إنتَ متعرفش حاجة يا سليم بيه. أنا أعرف ستات كتير جداً بيحبوا الهدوء.
رفع حاجبه الناقم في دلالة على عدم إعجابه بكلامها نهائياً وتابع بهدوء:
سليم: دا غير دا... آه، في ستات كتير بيحبوا الهدوء، بس دا ميمنعش إن عندهم كلام كتير جداً. أما بقي بالنسبة لأني معرفش حاجة، فدا أشك فيه، لأني موصلتش لعمري دا من فراغ يا مدام مليكة. يعني ممكن نقول إن عندي معارف كتير زيك بالظبط.
كانت هذه الكلمة السهم الأخير الذي اخترق كبرياءها ليكسر آخر جزء فيه، ويتحول كل ذلك إلى أشلاء اخترقت قلبها لتسبب لها غصة ألم.
فهتفت بألم:
مليكة: أخدت بالي وفهمت دا كويس أوي يا سليم بيه.
حرك رأسه يمنة ويسرة بشرود وتابع بضيق:
سليم: لا، مفهمتيش أي حاجة. بس مش مشكلة. واسمي سليم من غير أستاذ أو باشمهندس أو بيه. اسمي سليم وبس.
وجدت نفسها تهمهم بألم غير واعية:
مليكة: لو بس كنت أعرف إن الرسالة كانت هتقع في إيدك إنت وإنك إنت اللي هتيجي، مكنتش كتبتها أبداً. طلبي إني أشوف حازم كان غصب عني مش بإرادتي.
سمعته يجيبها بصوت عميق أرسل ارتعدة خفيفة في جسدها:
سليم: وياترى بقي موت حازم وإنه خلاص مبقاش هينفع يساعدك، دا بيقلل من أهمية حاجتك للمساعدة؟ ياترى كنتي ناوية تكملي حياتك كده وإنتِ يادوبك عارفة تصرفي على مراد؟
وتابع بغضب واحتقار:
سليم: آه، لا أنا نسيت. إنتِ أكيد كنتي هتعدي اللي الكائن المريض اللي فوق ده بيعمله على أمل إنه يزودلك مرتبك.
لم تشعر مليكة بحالها إلا ويدها مستقرة على وجنته في صفعة مدوية. شعرت بها تخترق أذنيها وتكاد تحطم زجاج سيارته الفارهة. ارتفع صدرهما وانخفض بسرعة دليلاً على انفعالهما وتوتر الأجواء بينهما، بينما تجمعت الدموع في عينيها ولكنها أبت أن تترك لهم العنان.
صرخت بألم وغضب وهي تشير بإصبعها بحزم أمام وجهه:
مليكة: إياك تتكلم معايا كده تاني. أنا ساكتة بس عشان مراد، إنما إياك تقولي كده تاني.
التفتت تتطلع أمامها بعدما استقام جزعها، مشبكة يديها أمام صدرها وأردفت بحزم:
مليكة: اعمل حسابك يا سليم، لو إنت آخر راجل في الدنيا مش هتجوزك.
لم يتفوه سليم بحرف، فقد كان يشعر بألم يقتله في الصميم ينبع من عينيها، فتغاضى عن فعلتها تلك. وهتف بها بدهشة:
سليم: ولا حتى عشان مراد؟
أردفت بحزم يتخلله ثقة:
مليكة: ولا حتى عشانه.
أدار وجهه ناحية المقود وتوجه ناحية منزلها بدون أي إرشادات منها. وصلا إلى البناية القابع بها منزلها بعد وقت قصير. فتوجهت مليكة إلى منزل جارتها لأخذ مراد، ثم عادت إلى منزلها. دلفت هي ومراد وسليم خلفهما.
وكأن مراد أراد أن يؤلمها أكثر، فمد ذراعيه إلى ذلك الرجل القادم مع الماما وهو يبتسم له بضحكته الساحرة التي لأجلها تحملت الكثير والكثير. بعدما وبخه بألا يحزن والدته مرة أخرى.
وضعته مليكة بين ذراعيه واستدارت دامعة. وقفت تشاهدهما يلعبان ويضحكان. وقفت تشاهد تبدل تلك الملامح المتعجرفة القاسية إلى ملامح حانية تفيض بالحب والحنان. هي لن تكون أنانية أبداً وتحرم مراد من أن يكون له والد كما حرمت هي. لن تستطيع أن تحرمه من العيش في حياة كريمة. لن تقدر أن تحرمه من مستقبل أفضل.
سمعته يناديها فجفلت وهي تحاول بائسة أن تمسح دموعها التي هبطت عنوة. أحست بنفسها تُدار بلطف شديد. فار تجف جسدها لملمس يديه القويتين.
هتف بها بدهشة، بنبرة تخللت أذنيها إلى قلبها مباشرة لتجعل وجيفها يرتفع في تناغم محبب:
سليم: مليكة! إنتِ بتعيطي؟
هزت رأسها بلطف يمنة ويسرة دليلاً على رفضها:
مليكة: لا، مبعيطش... في حاجة دخلت في عيني.
أخرج سليم منديلًا من جيبه وتابع باسماً بحبور جعل قلبها يخفق بعنف كطبول في عرس إفريقي:
سليم: طيب خدي منديل علشان تمسحي بيه دموعك اللي نزلت، مش عشان إنتِ بتعيطي، لا عشان في حاجة دخلت في عينك.
ابتسمت مليكة بهدوء والتقطت منه المنديل وشرعت في تجفيف دموعها، هامسة بخفوت:
مليكة: شكراً.
شردت قليلاً تفكر، فأردف يسألها في حيرة:
سليم: إيه سرحتي في إيه؟
أطرقت مفكرة ثم أردفت بهدوء، محركة رأسها بحركة تنم عن تفكيرها البالغ:
مليكة: كنت بفكر إني في الآخر لازم أتجوزك، يعني عشان مراد، بس عندي شرط.
رفع رأسه متكبراً وتابع باسماً بأرستقراطية:
سليم: معتقدتش إنك في وضع يسمح لك بإنك تحطي أي شروط.
هزت مليكة كتفيها دليلاً على عدم اهتمامها:
مليكة: طبعاً براحتك توافق أو ترفض... وعمومًا، أنا شرطي بسيط جداً. كل اللي عاوزاه إنك مترميناش على هامش حياتك وكأنك مكسوف مننا وكأننا غلطة أو عار. فلو كنت هوافق على الجواز، لازم نعيش في نفس البيت.
هتف بغضب:
سليم: إنتِ مش هتلزميني بحاجة. إنتِ تعملي اللي بقول عليه وبس.
ثم تابع باحتقار يتبعه سخرية:
سليم: إنتِ عارفة كويس إني مش عاوز أعيش معاكي في نفس البيت، إلا بقي لو إنتِ ناوية تغريني مثلاً.
توردت وجنتاها بحمرة الخجل، صائحة بغضب:
مليكة: لا طبعاً، دي آخر حاجة ممكن أفكر فيها في حياتي كلها.
وأكملت بهدوء:
مليكة: بس يعني إذا كنا ناوين نتجوز عشان نعمل عيلة وبيت مستقر لمراد، من الأفضل ليه إنه يشوف إن بابي ومامي بتوعه متفاهمين، وعلى الأقل لو مش بيحبوا بعض بيحترموا بعض وبيقدروا بعض. يعني يشوف إنه عايش في بيت طبيعي جداً باباه ومامته عايشين مع بعض. ولا إنت ناوي تبقى ليه بابا نويل تيجي كل 6 شهور شايل ومحمل هدايا وميشوفكش تاني غير بعدهم؟
أردف سليم بحدة:
سليم: أكيد مش قصدي كده. وبرضوا مش هينفع نعيش سوا، لازم تفهمي إن ده مستحيل.
ابتسمت داخلياً ولكنها تابعت بثبات تُحسد عليه حقاً لبداية نجاح خطتها:
مليكة: أنا آسفة جداً، بس كده جوازنا محققش أي حاجة لمراد.
هتف سليم بنفاذ صبر ساخراً:
سليم: يالله! إنتي بتكلميني وكأني أنا المسؤول عن حالتك.
صاحت بعصبية، حزن وضيق:
مليكة: مش حازم ده يبقى أخوك؟ مش كان المفروض هو يعمل كل ده لو كان لسه عايش؟
تصلبت ملامح وجهه في حزن:
سليم: أنا عمري ما هربت من مسؤولياتي، وأكيد إنتِ عارفة إن حازم لو كان يعرف كان وفر لك كل اللي إنتِ محتاجاه.
هتفت مليكة باستهزاء:
مليكة: ولو أنا اللي مكنتش عاوزة مساعدته؟
زم سليم شفتيه وحرك كتفيه دليلاً على عدم اهتمامه:
سليم: يبقى أحب أقول إنك مش بس عندكية، لا إنتِ كمان غبية. ومهما كان برضوا مستحيل نعيش سوا.
كافحت بإستماتة ألا تظهر ابتسامة الانتصار التي صدحت بداخلها على وجهها، وتابعت بثبات:
مليكة: كنت عارفة إن ده هيكون ردك، وعلشان كده إحنا للأسف مش هينفع نتجوز. وإن كنت عاوز ترفع قضية ارفع قضية، بس خليك متأكد إني هفضل أحاربك لآخر نفس. ومعتقدتش إنك هتحب الشوشرة اللي هتحصل.
اعتدل في جلسته وأردف بثقة:
سليم: يمكن مش هحبها، بس إنتِ عارفة إني هكسبها في الآخر.
رفعت حاجبها بثقة وتابعت في ابتزاز لمشاعره التي تعلم وبشدة أنها تكونت تجاه مراد:
مليكة: أكيد. بس ياترى بقى إنتَ مستعد إنك تبهدل مراد في المحاكم وسيرة حازم تبقى على كل لسان؟
نظر إليها بغضب ونفاذ صبر لابتزازها:
سليم: ماشي يا مليكة، تمام جداً. إحنا هنعيش سوا في نفس البيت.
ذهلت مليكة وكادت تبكي، فقد انقلب السحر على الساحر كما يقولون. فشلت خطتها فشل ذريع، فهي لم تتوقع قبوله. فقد ظنت أنه سيرضخ في نهاية الأمر لترك مراد، ويقبل فقط بأن يراعيه وأنهما لن يتزوجا. والآن أصبحت أمورها أكثر سوءاً عن ذي قبل. فهي لن تتزوج من تكرهه فحسب، بل سيعيشان في نفس المنزل.
ارتجف جسدها الهزيل لتلك الفكرة وأخذت توبخ نفسها.
حاولت الخروج من هذا المأزق بشتى الطرق. فأردفت بنبرات متوترة متقطعة تحاول جاهدة رسم ثباتها:
مليكة: إنت معاك حق يا سليم، إحنا مينفعش نعيش في بيت واحد.
لم تعلم لماذا رأت ذلك البريق في عيناه. نعم، إنها تعرفه جيداً، بريق التحدي، أو حتى بعض التشفي. متابعاً في حزم:
سليم: لا، إنتِ فعلاً معاكي حق. إحنا لازم نعمل كده عشان مراد.
شعرت بهبوط يبعث السقم في معدتها وراحت تتساءل.
نهض سليم ناظراً في ساعته، متابعاً بآلية شديدة:
سليم: أنا عندي اجتماع مهم وهعدي عليكوا بعد بكرة الصبح إن شاء الله تكونوا جهزتوا. هنطلع على المأذون وبعدين البيت. ويومين كده ونسافر الصعيد علشان تتعرفي على أهلي ويتعرفوا عليكي ويشوفوا مراد.
هتفت بهستيرية سببها الذعر:
مليكة: يومين... يومين إيه... طيب وهنقولهم إيه ومراد...
أمسك سليم بذراعيها بقوة وحنان في آن واحد وتابع بثبات ناظراً لعيناها بقوة:
سليم: شششش، إهدي يا مليكة وخذي نفس. أنا ميهمنيش حد أصلاً. أنا بس رايح عشان يتعرفوا على مراد ويعترفوا بيها. أما بقي هنقولهم إيه، فهنقولهم إننا اتقابلنا في مؤتمر واتعرفنا على بعض وحبينا بعض واتجوزنا من حوالي خمس سنين، بس إنتي كنتي بتدرسي بره ومستنيكي تخلصي. وسيبى الباقي عليا.
أومأت برأسها وهي لا تزال تشعر بالضياع الذي تلاشى قسماً كبيراً منه في الحقيقة بعد كلماته المطمئنة.
رواية بين طيات الماضي الفصل السادس 6 - بقلم منة الله مجدي
رحل بعدما ودع مراد.
علي أن يأتي لأخذهما بعد غد.
وبعد ذهابه جلست تفكر.
أ تأخذ مراد معها وترحل؟
أ تهرب إلى إسبانيا وتختبئ عند أي من أهل والدتها؟
قطع عليها مراد كل ذلك وهي تشعر به يجلس على أقدامها مشيراً بيده ويتلمس وجنتيها ليلفت انتباهها.
فمن الواضح أنه يناديها منذ فترة ولم تنتبه له.
نفضت رأسها في هدوء وأردفت باسمة:
مليكة: عيون مامي.
أخذ مراد يتساءل في حيرة بدت واضحة تماماً على قسمات وجهه:
مراد: مامي هو الراجل الشرير اللي أتخطف وبقي حلو ده بابي بجد زي ما بيقول.
أومأت مليكة برأسها في هدوء.
فهب مراد واقفاً يتراقص في سعادة:
مراد: يعني أنا هيبقى عندي بابي زي كل أصحابي اللي في الحضانة. وهيجي معايا يوم الأب ويحضر المسرحية بتاعتي.
شعرت بغصة تجتاح قلبها.
وكأنها ترى نفسها مرة أخرى.
طفلة لم تتجاوز عقدها الأول بعد يرحل والدها عنها ويُكتب عليها أن تبقى يتيمة وهو على قيد الحياة.
نعم ذلك ما شاهدته.
وجدت نفسها تجذبه إلى أحضانها وتربت على رأسه بحنو بالغ وهي تلعن كل تفكير أحمق راودها عن الهرب.
فلتذهب هي وحياتها إلى الجحيم.
المهم أنها ستشاهد تلك السعادة التي ارتسمت على قسمات طفلها واللمعة التي تلألأت في عينيه لتضيئهما سعادة.
وبعد وقت قصير هاتفت عائشة التي أجابت بلهفة:
عائشة: ميمي كنت لسه هتيجي.
اتصلت بيكي في المكتب وإبراهيم قعد يقول كلام كتير مفهمتش أي اللي حصل.
نهرتها مليكة بغضب بعدما سرت رعدة في جسدها اضطراباً إثر تذكرها ما حدث اليوم:
مليكة: متجيبيليش سيرته لو سمحتي.
أردفت عائشة بتوجس:
عائشة: في إيه؟
قصت عليها مليكة كل ما حدث بالتفصيل.
فأخذت عائشة تسبه في ضيق واشمئزاز.
أما هي فأطرقت تفكر ماذا إذا لم يأتها سليم في الوقت المناسب.
فسرت رعدة هزت أوصالها في خوف.
أخرجتها عائشة من تخيلاتها وهي تحمد الله على سلامة رفيقتها وعلى وصول سليم في اللحظة المناسبة.
وانصرف فكرها مباشرة إلى كلماته اللاذعة التي رماها أثناء جلوسهما سوياً في السيارة.
صرخ قلبها بكلمات ود لو تخرج من شفتيها عساها تخفف حدة الألم الذي يجتاحه.
حينها كان شعوري أشبه بسطح الماء أثناء هطول المطر.
لم يسكن للحظة كي أفهم ما الذي يحدث.
فقط استمر بوخز بإيلام في كل أنحاء قلبي.
همهمت مليكة بانكسار بعدما ظهر على نبرتها اختناق البكاء:
مليكة: عارفة يا عائشة إيه أكتر حاجة وجعتني إنه كان فاكر إننا كنت موافقة على اللي عمله معايا وإنها مش أول مرة.
تألمت عائشة كثيراً لنبرة الانكسار تلك التي تخللت صوت صديقتها.
الفتاة التي عاهدتها دائما قوية متفائلة حتى في أسوأ أحوالها.
فتابعت محاولة التخفيف على رفيقتها:
عائشة: عادي يا مليكة يا حبيبتي ده بس بسبب كلامك اللي قولتي.
ثم قصت عليها مليكة ما حدث معهما في المنزل:
مليكة: كل اللي عملته ده عشان أخليه يغير رأيه وبرضه مفيش فايدة.
وبغبائي بدل ما كان هيبقى هو في حتة وأنا في حتة لأ هيبقى قاعد معانا.
وكمان أربع خمس أيام كده وهنسافر الصعيد.
ضحكت عائشة بأسى ثم تابعت متسائلة في دهشة:
عائشة: ليه؟
أردفت مليكة في هدوء:
مليكة: عشان نتعرف على أهله.
تابعت عائشة بتوجس من رفيقتها:
عائشة: أقولك الصراحة يا مليكة ومتزعليش.
أنا شايفة من كلامك إنه شكله كويس أقصد يعني راجل.
امتعض وجهها وتابعت بتقزز:
مليكة: ده أكتر بني آدم بكرهه في حياتي.
تابعت عائشة لائمة إياها بلطف.
فهي تعرف أنه ليس الوقت المناسب ولكن يجب أن تجعلها تفوق.
عائشة: انتِ اللي عملتي كده يا مليكة.
قولتلك قوليله الحقيقة.
تنهدت مليكة بعمق وتابعت بأسى:
مليكة: مينفعش.
هو قالي إنه يقدر ياخد مراد مني بسهولة.
وإنتِ عارفة مراد ده النفس اللي بتنفسه لو خذه مني هموت.
حاولت عائشة أن تلفت نظرها إلى النصف الممتلئ من كوبها كي تستطيع أن تهنئ بحياتها القادمة.
عائشة: المهم دلوقتي إنك خلاص هتبدأي حياة جديدة.
ربنا يسعدك فيها يا ميمي يارب ويعوضك عن كل حاجة.
أردفت مليكة بتمني بعدما استمعت بوضوح لصوت ضحكة عقلها الساخرة بصخب:
مليكة: أمين يا شوشو يارب.
بس طمنيني الأول إنتِ هتولدي امتى يا حبيبتي.
أخبرتها عائشة بأن الطبيب أخبرها أنه لا يزال لديها شهر أو أكثر بقليل.
أخذت مليكة تدعو لها بصدق ثم طلبت منها أن تحضر هي وندي غداً كي تودعهما.
***
في شركة سليم.
دلف إلى مكتبه بعدما أنهى أحد اجتماعاته وقام بمهاتفة جدته.
جرى صوته الأجش عبر الهاتف بنبرة حنونة وقورة:
سليم: إزيك يا حبيبتي.
أجابت خيرية فرحة حتى خُيل إليه أن صوتها يضحك:
خيرية: سليم يا وليدي كيفك يا نور عيني.
ابتسم بحبور بعدما اعتدل في جلسته متابعاً يسألها عن أحوالها.
خيرية: زينة طول مانت زين يا وليدي.
إتوحشناك يا سليم هتيجي ميتي يا حبيبي.
أردف باسمًا:
سليم: يومين يا خوخة وهجيلك وعاملك مفاجأة.
يارب تعجبك.
تخلل التوجس نبرتها بقلق:
خيرية: مفاجأة إيه عاد؟
ابتسم مشاكسًا وهو يطرق بأصابعه على مكتبه في استمتاع:
سليم: أما أجيلك يا حبيبتي.
قوليلي عمتو عندك.
تابعت ضاحكة:
خيرية: أيوه يا ولدي هنيه هتكون فين عاد.
أهي قاعدة جاري هي خد أهي معاك.
التقطت عبير الهاتف من يد والدتها.
وتابعت باسمة بفرح:
عبير: سليم كيفك يا ولد الغالي.
إتوحشتنا يا ولد.
تابع باسمًا باحترام:
سليم: وإنتِ كمان والله يا عمتو.
إنتِ إيه أخبارك؟
أردفت هي بامتنان:
عبير: نحمد الله يا ولدي.
چاي ميتي؟
أخبرها بموعد قدومه وطلب منها تجهيز الغرفة الكبيرة أو كما يطلق عليها المندرة.
ثم أغلق الهاتف بعدما ودعهم على أمل اللقاء القريب.
***
وضعت عبير الهاتف بجوار والدتها كما كان يرتسم على وجهها تعابير الحيرة.
ترى من سيحضر مع سليم.
فأردفت والدتها تسأل في أمل معرفة أي شيء منها:
خيرية: جالك إيه سليم يا عبير؟
زَمت عبير شفتيها كتعبيراً عن حيرتها بعدما رفعت حاجبيها وأردفت في هدوء:
عبير: مجالش حاجة يا أماي.
جالي جهزي المندرة الكبيرة عاملك مفاجأة.
خيرية: نفس اللي قالهولي.
أطبقت شفتيها بحيرة وأردفت متسائلة:
عبير: ومقالش هيا إيه عاد؟
حركت خيرية رأسها بلطف يمنة ويسرة في تعبير عن الرفض:
خيرية: لأ يا بنيتي.
ثم تابعت آمرة في حزم:
خيرية: المهم دلوجيتي توضبوا المندرة ووجه ما يتحدث تاني عشان يخبرنا إنه چاي تحضروا وكل زين يا عبير.
شكله هيجيب معاه صحابه من البندر.
وإنتِ عارفة سليم عاد كل صحابه من الكبرات يعني لازم يتشرف أكده وسطيهم.
تمتمت عبير برأسها في ثقة:
عبير: واه متجلجيش يا أماي هي أول مرة عاد.
ثم انصرفت تاركة والدتها متوجهة إلى صحن القصر الكبير.
ووقفت تستدعي خادمتهم زهرة.
حقيقة هي ليست بخادمة فهم لا يعتبروا أي ممن يعمل في منزلهم كخادم بل يعتبروهم أبنائهم.
فزهرة قد ولدت وترعرعت في هذا البيت.
عبير: زهرة يا زهرة إنتِ يابت.
جاءت زهرة راكضة كي تلبي نداء عبير:
زهرة: أيوه يا ستي چاية أهه.
أردفت عبير موبخة إياها:
عبير: إيه يا مشندلة بجالي ساعة بنادي عليكي وينك.
عاد.
تمتمت زهرة معتذرة:
زهرة: معلش ياستي أصلي كنت في الزريبة حد البهايم لمؤخذة.
أردفت عبير بحزم تأمرها:
عبير: سليم بيه چاي كمان يومين عاوزاكوا تنضفوا المندرة زين.
حركت زهرة رأسها لأسفل وأعلى عدة مرات في طاعة:
زهرة: يا مرحب بيه.
من عيني التنتين يا ستي.
أشارت عبير بأصبعها في وجه زهرة محذرة:
عبير: عارفة يا مخربطة إنتِ لو لقيت هبابة غبرة هشندلك شنديل.
وضعت زهرة يدها على رأسها تعبيراً عن الفزع وهتفت في حرص:
زهرة: واه واه وعلي إيه عاد الطيب أحسن.
ابتسمت عبير في رضا وتابعت:
عبير: يلا روحي عاد.
توجهت هي لغرفة ابنتها فاطمة التي عندما دلفت وجدتها لا تزال نائمة.
زَمت شفتاها كتعبيراً عن عدم رضاها بعدما همهمت ببعض العبارات الدالة عن سخطها.
ثم توجهت إلى الستائر ففتحتها لتتيح فرصة لنور الشمس أن يضيء الغرفة.
فلقد قارب الوقت على الظهيرة ولا تزال ابنتها نائمة.
ثم توجهت لفراش ابنتها ساحبة الأغطية عنها.
هاتفة في ضيق ناهية إياها بغضب:
عبير: واه يا فاطمة لساتك نايمة يا بنيتي قومي ده إحنا داخلين على الظهر.
زمجرت فاطمة بغضب وهي تسحب الأغطية مرة أخرى لتتدثر بها وتعاود النوم مرة أخرى:
فاطمة: إيه يا أماي إقفلي الشبابيك عاد وهمليني أنام.
أردفت عبير باسمة بمكر:
عبير: قومي ده سليم ود عمك چاي كمان يومين أكده.
هبت فاطمة ناهضة ما إن سمعت اسم سليم.
ضحكت عبير بمشاكسة:
عبير: شوف البنية قامت وقمبزت وصحصح كمان.
انتشرت الدماء في وجنتيها بسرعة معبرة عن خجلها.
فاطمة: واه يا أماي متكسفنيش.
تنهدت بعمق ثم أردفت بيأس بعدما زَمت شفتيها بضيق:
فاطمة: وبعدين ما إنتِ خابرة إنه حتى لما ييجي مش هيعمل حاجة واصل.
جلست عبير مقابل طفلتها مربتة على يداها بحنو ثم أردفت بمكر:
عبير: شطارتك يا بنيتي تخلي.
ميعاودش البندر إلا وهو مكلم أبوكي في موضوع جوازكوا.
تابعت فاطمة بفخر بعدما تلألأت عيناها سعادة بمحبوب قلبها:
فاطمة: ما إنتِ خابرة يا أما.
سليم رأيه من دماغه محدش يقدر يجوله يعمل إيه وميعملش إيه.
أردفت عبير بخبث بعدما رفعت حاجبها بدهاء:
عبير: إتحركي إنتِ عاد وخليه يمشي على كيفك.
أومأت فاطمة برأسها في سعادة:
فاطمة: حاضر يا أماي حاضر.
رواية بين طيات الماضي الفصل السابع 7 - بقلم منة الله مجدي
بينما كانت مليكة تضع طعام الإفطار على المائدة، سمعا جرس الباب.
"مامي الباب." صاح بها مراد بين لعبه.
فأردفت هي بهدوء: "افتح الباب يا مراد، ده بابي."
صفق مراد بيديه في حماس وأردف باسمًا: "بابي."
دلف سليم حاملاً مراد وهو يداعبه قليلاً.
فأومأت هي برأسها باسمة في أدب مشيرة للداخل: "اتفضل."
دلف للداخل يحمل مراد بعدما أغلق الباب.
بينما انهمكت مليكة في وضع الطعام على المائدة، توجهت إليه تحمل مراد كي تطعمه وجلست على المائدة تحمله على ركبتيها.
رفعت بصرها إليه وكأنها تذكرت وجوده معهم، فأردفت بهدوء: "تعالى افطر معانا."
اعتذر منها في هدوء: "لا شكراً."
رمقته بإزدراء باسمة بسخرية: "متخافش، مفيهوش سم، فطار عادي وهناكل منه أنا ومراد أهو."
ابتسم بنزق على مزحتها السخيفة -من وجهة نظره- وتوجه إلى أحد مقاعد الصالون.
لم تعلق مليكة بل انهمكت في اللعب والضحك مع مراد حتى تجعله يتناول طعامه، ولم تلحظ نظرات سليم المتفحصة.
وبعد أن أنهى مراد طعامه، نهض سليم وحمله في هدوء.
سألت في دهشة: "فيه إيه؟"
أردف هو بحزم: "مراد خلاص خلص أكل، أنا هلعب معاه وإنتِ كلي بقى."
تابعت في ملل: "أنا أكلت."
أردف هو يطالعها بحزم: "إنتِ مأكلتيش لقمتين على بعض، يلا اقعدي كلي."
ازدردت ريقها في اضطراب، ومن ثم أخفضت رأسها لموضع طبقها بعدما تأكدت من ظنونها، فقد شعرت بنظراته تخترقها، ولكنها لم تجرؤ حتى أن ترفع رأسها لتتأكد، فأذعنت لكلماته وبدأت في تناول طعامها وهي تشاهدهما يلعبان سوياً.
وبعد انتهاء الطعام، نهضت حاملة الأطباق وهي تسأل في هدوء: "هعملك قهوة على ما نجهز. قهوتك إيه؟"
أردف هو بعدم اهتمام: "مظبوطة."
جلس هو يتناول قهوته في هدوء، بينما كانا مليكة ومراد يرتديان ثيابهما.
وبعد وقت قليل، سمعا طرقًا على الباب.
أخرجت مليكة رأسها من الباب لتطلب من سليم أن يفتح الباب: "بعد إذنك يا سليم افتح الباب، دي عائشة."
وبالفعل صدق حدسها، فما إن فتح الباب حتى شاهد فتاة تبدو في أواخر العشرينات من عمرها، بطنها منتفخ إثر حملها في الشهور الأخيرة، وبجانبها فتاة صغيرة تشبهها كثيراً.
رحب بها سليم في أدب وطلب منها التفضل بالدخول.
لم تكد تتقدم للداخل حتى سمعا ندي تتساءل في براءة: "وأنا كمان ممكن أتفضل؟"
ابتسم سليم في حبور وجثا على ركبتيه حتى يحادثها: "وإنتي كمان طبعًا ممكن تتفضلي."
دلفوا للداخل.
فجلست ندي مع سليم، أما عائشة فدَلفت لمليكة.
بعد تبادل السلامات والأحضان والقبلات، تمتمت عائشة مازحة بمشاكسة: "مش زي ما أنا تخيلته خالص."
فغرت مليكة فاها بعدم فهم وأردفت متسائلة: "يعني إيه؟ مش فاهمة."
لكزتها عائشة غامزة بعينيها بمكر: "أحلى بكتير."
زَمت مليكة شفتيها باستهجان. بعدما أردفت بتبرم واضح وهي تضحك بسخرية: "ميغرّكيش الشكل... ده الفخ اللي بيوقع فيه الناس... ده عنده أنياب ومخالب بس هو مخبيها."
انفجرت عائشة ضاحكة إثر كلمات رفيقتها: "الله يسامحك يا مليكة، موتيني ضحك."
قلبت مليكة عينيها بنزق وأردفت بسخرية: "اضحكي اضحكي، ما إنتِ متعرفيش حاجة."
وبعد أن انتهت مليكة من ارتداء حجابها، خرجا سوياً فوجدا سليم وندي ومراد، الذي خرج فور انتهائه من ارتداء ملابسه يلعبون سوياً في تناغم.
نقلت عائشة بصرها بينهم وبين مليكة رافعة حاجبها في إعجاب ودهشة، فحركت مليكة كتفيها بعدم اهتمام.
نظفت حلقها في هدوء وأردفت: "إحنا جاهزين يا سليم."
وقف في شموخ متابعًا بحزم: "تمام، يلا بينا."
ركضت ندي ناحية مليكة وأردفت بتبرم طفولي محبب: "إنتِ هتمشي يا مليكة خلاص؟"
جثّت مليكة على ركبتيها وتابعت باسمة: "آه يا دودو."
نفخت ندي أوداجها بتذمر وتابعت بحزن بعدما زمت شفتيها: "بس أنا مش عاوزاكي تمشي."
قرصت مليكة وجنتيها بلطف: "أنا مش همشي على طول، متخافيش. يعني لما أوحشك قولي 'جزر' هتلاقيني عندك."
ضحكت ندي بفرح ثم أردفت باسمة: "لأ، لما توحشيني هكلمك تيجي، ماشي؟"
ابتسمت مليكة وهي تحتضنها: "حاضر يا حبيبتي."
توجهت ناحية سليم واضعة يدها في خصرها ووقفت تسأل في قلق: "إنت هتخليها توافق تيجي صح؟"
أطرقت مفكرة ثم تابعت مشيرة لوالدتها بقلة حيلة: "يعني أصلنا مش هنعرف نروح لها إحنا عشان مامي شايلة نونو صغير ومش بتقدر تتحرك كتير."
جثا سليم على ركبتيه باسمًا بحبور: "وقت ما توحشك هجيبك إنتِ لعندها لحد ما مامي والبيبي يبقوا كويسين وتيجوا كلكم. إيه رأيك؟"
أومأت برأسها موافقة في سعادة.
ودعوا عائشة وندي ثم توجهوا إلى المأذون الذي عقد قرانهما سريعًا، ثم انطلقوا إلى المنزل.
ساد الصمت طوال الطريق إلا حينما قطعه مراد - بحديثه مع والده ووالدته - الذي قد خلد للنوم منذ وقت قليل على أقدام والدته، حتى قاطعه سليم مرة أخرى بصوته الأجش.
"إحنا دلوقتي في الطريق للبيت، وبعد يومين إن شاء الله هنسافر الصعيد."
أومأت مليكة برأسها في هدوء.
وبالفعل بعد وقت قصير، كانا أمام بوابة حديدية كبيرة.
فتح البوابة أحد الحراس. وكأنما فُتِحت تلك البوابة على قطعة من الجنة.
كانت مليكة ترى منزلاً كبيرًا من الرخام الأبيض يحيطه الحدائق والزرع من كافة الاتجاهات.
سارا سويًا في الممر المخصص للسيارات، فكان ممرًا طويلاً على جانبيه تقف العديد والعديد من الأشجار وشجيرات النخيل وأنواع مختلفة من الزهور التي تخطف الأنفاس.
استطاعت مليكة رؤية ممر آخر موازي لهذا الممر ولكنه مخصص للسير فقط، مشابهًا كثيرًا لهذا الممر.
وعندما انتهى الممر، شاهدت إحدى حمامات السباحة، وعلى جانبه بار للمشروبات يقع أمام القصر مباشرة. وحديقة مائية رائعة يصل بين جزئيها جسر خشبي رائع الجمال.
واستطاعت مشاهدة بعض الأسماك الصغيرة تتقافز في مرح.
ضحك مراد الذي استيقظ منذ وقت قصير بصخب وهو يشير في حماس: "سمك."
ابتسم سليم بحبور: "هنزلّك تلعب معاهم يا مراد."
أما مليكة، فعلى الرغم من كل تلك المشاهد الخلابة، ما لفت انتباهها هو برجولة خشبية رائعة يزينها الورود وتحيط بها من كل جانب، وعلى جانبيها تقع شجرتان متقاطعتان فوقها وكأنهما يحرسانها.
الطريق إليها كان عبارة عن ممشى من الورود.
وشاهدت بداخلها طاولة تتسع لشخصين.
كانت تلك البرجولة هي أكثر الأشياء التي أسرت قلب مليكة في كل القصر.
عندما وصلوا إلى الباب، شاهدت طاقمًا من الخدم في انتظارها.
عرفها سليم على الجميع، ثم توجهوا للداخل بعدما أمر بعض الخدم بإحضار حقائبها من السيارة.
كان القصر من الداخل لا يقل روعة وجمالاً وفخامة عن خارجه.
جلسوا قليلاً كي يستريحوا من الطريق.
لاحظ سليم أن مراد بدأ في النوم على ذراعي مليكة، فاستدعى أحد الخدم أمرًا بحزم: "خليهم يطلعوا الشنط لأوضة مليكة هانم."
التفت إليها متابعًا بهدوء: "تعالي يا مليكة عشان أوريكي أوضتك وأوضة مراد."
حمل منها مراد وصعدا في المصعد وليس الدرج.
سارا في ممر طويل نسبيًا وتوقفوا أمام الغرفة الثانية جهة السلم مشيرًا إليها في هدوء: "دي أوضتك يا مليكة."
أشار إلى باب آخر بجوار تلك الغرفة: "ودي أوضة مراد."
أردفت هي باضطراب: "بس مراد بينام معايا."
هم سليم بالاعتراض، فأردفت هي بتوسل: "أنا عارفة إنه كبر والمفروض يروح أوضة تانية، بس سيبه دلوقتي على الأقل على ما نتعود أنا وهو على البيت الجديد، وبعد كده هسيبه ينام في أوضة لوحده، بس عشان أبقى جنبه لو صحي وميبقاش خايف."
أومأ برأسه في هدوء: "خلاص براحتك. دقائق وأخليهم ينقلوا سريره لأوضتك."
أردفت هي باضطراب: "مفيش داعي، هو هينام جنبي، متشغلش بالك بيه."
حرك كتفيه باستسلام ورحل بعدما أخبرها بأنه سيعود متأخرًا. فبدأت مليكة في إفراغ حقائبها وترتيب أشياءها هي ومراد.
أعجبت مليكة كثيرًا بغرفتها، وخاصة تلك الشرفة التي تطل على الحديقة المائية. المملوءة بالورود.
كانت غرفتها كبيرة نوعًا ما. لونت جدرانها باللونين الأرجواني والتركواز. مفعمة بالحياة مليئة بالألوان، وهذا ما أعجبها كثيرًا. يتوسطها فراش كبير الحجم، يوجد بها أرجوحة صغيرة ومرايا كبيرة وخزانة كبيرة وتسريحة عصرية التصميم. ملحق بها مرحاض كبير.
لاحظت وجود بابين من الخشب متقابلين في غرفتها، فعلمت أن أحدهما يفتح على غرفة مراد ليجعل الوصول له سهل، أما الآخر فلا تعرف على ماذا يفتح، وحتى عندما حاولت لم يُفتح، فظنت أنه مجرد ديكور.
وبعد الانتهاء، هبطت للأسفل مع مراد، فاستقبلتها ناهد باسمة بلباقة: "أهلاً بيكي يا مليكة هانم."
أردفت مليكة باسمة بحبور: "أهلاً بيكي يا طنط، بس ممكن بعد إذن حضرتك بلاش هانم دي، مبحبهاش. قوليلي يا مليكة وأنا هقولك يا طنط، تمام؟"
حدقت بها ناهد بفزع وهي تهز رأسها يمنة ويسرة دليلاً على رفضها: "مينفعش يا هانم."
أردفت هي باسمة بحبور: "قولنا مفيش هانم دي، أنا مليكة... مليكة وبس."
أومأت ناهد باسمة في حنو ثم تابعت تسألها: "أحضر الغدا دلوقتي ولا هتستنوا سليم بيه؟"
أطرقت مليكة مفكرة لثواني: "لأ، أنا هستنى سليم، بس هحضر أكل لمراد."
حدقت بها ناهد بدهشة وهي تتابع برفض: "لأ يا بنتي مينفعش، قوليلي بس إنتِ عاوزة إيه وأنا أعمله."
أخذتها مليكة وساروا سوياً وأردفت باسمة: "لأ لأ، متقلقيش، أنا بحب أعمله حاجته بإيدي."
تابعت ناهد باضطراب: "سليم بيه لو عرف مش هيبقى رد فعله لطيف خالص."
أردفت مليكة باسمة بعدم اهتمام: "وإيه يعني؟ مبدئيًا محدش هيقوله، ثانيًا لو حتى حصل فأنا يا دادة هبقى أكلمه، متقلقيش. تعالي بس معايا وريني المطبخ."
وبالفعل ذهبا سوياً للمطبخ وتعرفا على بعضهما البعض، فأحبتها مليكة كثيراً وكذلك استراحت لها ناهد للغاية. وبعد الكثير من الثرثرة، علمت منها مليكة أن سليم هو من صمم كل قطعة في ذلك القصر.
أخذت مليكة مراد وخرجا للحديقة كي تطعمه.
وبعد ذلك أخذا يلعبان مع الأسماك ويركضان سوياً.
مرت الساعات سريعًا حتى موعد قدوم سليم.
كانت مليكة جالسة في الحديقة بعدما وضعت مراد في الفراش، عندما سمعت صوت سيارته.
كانت الساعة قد تجاوزت العاشرة.
لاحظ سليم أنها جالسة تقرأ كتابًا ما، فتوجه ناحيتها.
وقف يسأل في دهشة: "إيه اللي مصحيكي لحد دلوقتي؟"
وضعت مليكة الكتاب من يدها وفوقه نظارتها وهي تحرك كتفيها في عدم اهتمام: "عادي، مش جايلي نوم فقولت أقرأ كتاب."
حضرت ناهد بعد وقت قصير، فرحبت به ووقفت تسأله عن العشاء.
هز رأسه في هدوء بعدما أردف بحزم: "لأ يا دادة شكراً، أنا أكلت. اعملولي بس قهوة ودخلوها لي المكتب."
همت ناهد بالتحدث فأشارت إليها مليكة لتصمت.
توجه سليم إلى مكتبه وصعدت هي لغرفتها.
وما إن بدلت ثيابها وجلست على الفراش، حتى داعبها النوم واستسلمت إليه سريعًا.
كعادتها، لم يخلُ نومها من الكوابيس التي اعتادت عليها، وذلك وخصوصًا الكابوس الذي ترى فيه والدها وشقيقها يرحلان بعيدًا عنها.
في صباح اليوم التالي، استيقظت مليكة مبكرًا.
وكالعادة، كان مراد قد استيقظ وأخذ في اللعب.
نهضت عن الفراش وهي تلاعبه وتؤرجحه، وأخذا يضحكان كثيرًا.
حمّمت مليكة وتحممت هي الأخرى وارتديا ملابسهما وهبطا للأسفل.
قابلتها ناهد الباسمة بحبور: "صباح الفل يا بنتي."
أردفت مليكة بابتسامة مماثلة: "صباح النور يا دادة."
أشارت ناهد لغرفة الطعام بينما همت بالرحيل: "سليم بيه في أوضة السفرة، ادخلوا ودقيقتين وهجيبلكوا الفطار."
سألت مليكة مندهشة: "هو سليم تحت من بدري؟"
هزت ناهد رأسها يمنة ويسرة وأردفت بحبور: "لأ، ده لسه داخل من حبة."
أومأت مليكة رأسها في هدوء وتوجهت لغرفة الطعام ومعها مراد، الذي سرعان ما ركض لإعطاء والده قبلة الصباح.
كان سليم جالسًا على رأس المائدة يقرأ جريدته في إنهاك واضح.
نظفت مليكة حلقها وحمحمت بخفة: "صباح الخير."
أزاح سليم الجريدة وتمتم بجمود: "صباح النور. صاحيين بدري يعني؟"
مليكة: "عادي."
أحضرت إحدى الخادمات الطعام فشكرتها باسمة.
وكعادتها، انهمكت في إطعام مراد وهي تضاحكه وتمازحه، وسليم ينظر إليها صامتًا مبتسمًا.
وبعد أن أنهى مراد طعامه، حمله سليم متمتمًا بحزم: "كملي أكلك وأنا هاخده ونروح نلعب في الجنينة شوية."
ابتسم سليم بسعادة وهو يمسك بيد والده متمتمًا بحماس طفولي محبب: "بابي ييا ثباق."
أردف سليم بحنو بالغ: "يلا يا بطل."
أخذا يركضان ويلعبان ويضحكان، ومليكة تراقبهما من الداخل يزين ثغرها ابتسامة حزينة، فكانت العديد من الأفكار تعصف بذهنها. تذكرت والدها وهو يلاعبها هي وشقيقها. تمنت بداخلها لو أن زواجها هي وسليم حقيقي. لو استطاعت أن تخبره الحقيقة. لو أن سليم يحبها ولا يحتقرها، لكانت حياتها الآن اختلفت.
تنهدت بعمق وهي تفكر: "أسيل، حياتها دايما هكذا؟ لما هي دائمًا مشتتة وحزينة؟ ولكن ماذا ستفعل؟ هذا قدرها وما كتبه الله لها، وهي واثقة تمام الثقة أن هذا الأفضل لها، فالله لم يخلق عباده ليشقيَهم... ولكن أكثر ما يضايقها أن الناس لا يستطيعون غض الطرف عن حياتها. دائمًا ما تسمع انتقاداتهم وظنونهم اللاذعة. تلك التي تزيد حياتها مرارةً. فلا أحد يعلم ما أصابها. لا أحد يعلم كيف هي معركتها مع الحياة. ما الذي زعزع أمانها وقتل عفويتها. كم كافحت وكم خسرت. لا أحد يعلم حقًا من هي. فقط يكتفون بإصدار الأحكام دون أن يتكبدوا عناء فهمها حتى."
تنهدت بعمق وأخفضت بصرها لطعامها مرة أخرى.
لم تتناول إلا بضع اللقيمات حينما كانت تشعر بسليم يلتفت ناحيتها.
أنهت طعامها واستدعت أحد الموجودين لتنظيف المائدة وطلبت منهم إحضار الشاي بالخارج. وخرجت لسليم ومراد.
سأل سليم بدهشة: "مين اللي علمه يقول دادي؟"
ازدردت ريقها في توتر وأردفت مضطربة: "أ... أنا."
أردف شاكرًا بامتنان جلي تمامًا على قسماته: "شكرًا."
فرّت فاها بدهشة. أ ما سمعته صحيح؟ هل هذا سليم الذي اعتذر لتوه؟ هل من اعتذر لها الآن هو سليم الغرباوي؟ هو الشيطان الأرستقراطي كما قرأت بالأمس في إحدى الجرائد؟
نظفت حلقها بإحراج بعدما لاحظت تحديقه بها مندهشًا من تحديقها به بتلك الطريقة، ثم أردفت بخجل: "على إيه، دا واجبي أصلاً."
رحل بعدما طبع قبلة على جبين مراد وودعه.
قضيا مراد ومليكة يومهما في استكشاف المكان الساحر.
وفي تمام السادسة، سمعا صوت سيارة سليم بالخارج.
التفت مراد برأسه إلى مصدر الصوت وأخذ يضحك في سعادة عندما شاهد سيارة والده.
نهض عن الأرض وركض ناحيته باسمًا هاتقًا بسعادة: "بابي."
أما مليكة، فالتفتت برأسها لرؤية مصدر تلك الضحكات النسائية التي تسمعها. فوجدت نفسها تحدق إلى زوجها الذي ركض ليحمل مراد، ولكنه لم يكن وحيدًا، فوجدت امرأة شقراء طويلة كانت تتعلق بذراعيه وتضحك بإغراء في وجهه.
ضحك مراد ودادي المحبوب يرفعه عن الأرض ليستدير به في الهواء ليثير الفرحة في وجهه الصغير المستدير.
راقبتهما مليكة مذهولة، فمع مراد يكون سليم شخصًا آخر، يكون حنونًا ومحبًا وأبًا رائعًا.
زفرت بعمق تعبيرًا عما يعتريها من صراعات خواطرها. تري من تلك المرأة يا زوجي العزيز؟
رواية بين طيات الماضي الفصل الثامن 8 - بقلم منة الله مجدي
تقدم سليم ناحيتها وهو يحمل مراد وبجانبه تلك المرأة.
كبّت مليكة شهقة بعدما تعرفت إلى وجه تلك الشقراء الجميلة سلمي.
اتسعت عينا سلمي بدهشة حينما رأت مليكة، التي أخذت تدعو الله داخلها أن يمرر هذه الزيارة على خير وألا ينكشف سرها.
برقت عينا سلمي بينما تتمتم بدهشة:
مليكة! إزيك يا حبيبتي؟ وبتعملي إيه هنا؟
أطرقت مليكة مفكرة لوهلة ثم تابعت متسائلة بعدما رفعت حاجبها بمكر:
إنتِ أكيد مش مربية أمير سليم الصغنن؟
احمر وجه مليكة بقوة، فهي وسلمي لم تكونا صديقتين، بل كانت سلمي صديقة تاليا في مجال عرض الأزياء. ودائماً ما كانت مليكة تحذر تاليا منها، فهي فتاة لاذعة متقلبة، إلا حينما تكون في صحبة رجل وسيم.
ردت مليكة بهدوء وهي تنظر بحدة إلى زوجها:
لا يا سلمي، أنا مش المربية ولا حاجة.
توقف سليم عن ملاعبة مراد وأخذ ينظر إليهما.
تابع بمليكة بنبرة خُيل لها أنها نبرة فخر، ولكن سرعان ما غيرت رأيها:
لا يا سلمي، مليكة تبقي مراتي وأم مراد.
تساءلت سلمي بدهشة:
مراتك؟ مليكة تبقي مراتك؟ إنت قولت إنك فعلاً اتجوزت بس مش مليكة، ومن الواضح يعني من عمر مراد إنكوا تعرفوا بعض من مدة... علشان كدة اختفيتي يا مليكة؟
حدق بها سليم مستغرباً وأردف متسائلاً في دهشة:
إنتو تعرفوا بعض منين؟
استراحت سلمي في جلستها وكأنها تستخف بمنافستها مليكة وبشدة، وتابعت باسمة بمكر:
حكاية طويلة أوي يا سليم.
وضع سليم مراد على قدميه وتابع باسماً باهتمام:
أحب أسمعها جداً.
ابتسمت مليكة بتوتر لإحدى الخادمات التي جاءت حاملة صينية عليها ثلاث أكواب من العصير.
فأعطاها سليم مراد:
خدي مراد معاكي يا أميرة، وشوية وهنحصلك.
جلس هو بعدما أعطى الأكواب للسيدتين:
هاه، قوليلي يا سلمي تعرفوا بعض منين؟
ارتشفت سلمي قليلاً من كوبها ثم تابعت باسمة:
إزاي متعرفش وأنا ومراتك كنا شغالين في مجال واحد على الأقل من وقت طويل... إنت متعرفش إنك اتجوزت واحدة من أشهر العارضات ولا إيه؟
ضحكت بصخب ثم أضافت بمكر:
أنا طبعاً مش عارفة أشكرك إزاي، المنافسة كدة قلت كتير.
رد سليم من دواعي اللباقة:
لالا، إنتِ مينفعش تخافي من المنافسة، إنتِ جميلة طبعاً.
كادت مليكة أن تنفجر غضباً من كلام زوجها، وزمت بشفتيها في استهجان متبرمة بغضب:
لا، حنين أوي مع كل الستات وعندي أنا بتقلب.
أردف سليم باسماً بأدب:
طبعاً يا سلمي، إنتِ هتتعشي معانا.
أردفت سلمي باسمة بانتصار خفي شعرت به في عينيها:
شكراً يا سليم، بس مش عاوزة أكون متطفلة وتقيلة عليكوا.
ثم أردفت باسمة بمكر:
لو بس مليكة معندهاش مانع، فأنا هاخد منك جوزك الحلو دا شوية.
استفاقت مليكة من خيالها التي تخنق فيه سلمي بيديها الاثنتين على لهجتها الوقحة. هي صحيح قد تكون موجودة في هذا المنزل رغماً عنها، ولكنها لن تبدو أبداً كالغبية.
ثم أردفت متسائلة في ضيق بعدما نفخت أوداجها بطفولية:
ياترى سلمي بالنسبالك إيه يا سليم؟ ولو فعلاً زي ما أنا حاسة، فمش من حقك أبداً تجيبها البيت. زيارة حبيباتك البيت مكنش جزء من اتفاقنا ولا عمره هيكون.
قررت مليكة الرد. فابتسمت بأدب:
أكيد لا يا سلمي، إنتِ منورانا.
أومأت سلمي برأسها في مجاملة بينما ترتشف من مشروبها، الذي سرعان ما وضعته جانباً وأردفت في تعاطف مبتذل:
صحيح يا مليكة، البقاء لله. مجتش فرصة أعزيكي في تاليا. اتضايقت أوي لما عرفت.
شعرت مليكة بغصة في قلبها إثر تذكرها شقيقتها الراحلة، حتى تكون ستاراً من الدموع أمام زرقاويتيها.
"آه يا شقيقتي وجعي بك... مثل وجعي على ضفاف النيل... مثل نزف الشام على الثرى... مثل دمع بيروت على أهلها... مثل وجع يتيم لا يعرف إلا الأنين بيوم العيد. ولكن ما يمني قلبي ويصبر نفسي هو أن الوداع لا يقع إلا لمن يعشق بعينيه، أما ذلك الذي يحب بروحه وقلبه فلا ثمة انفصال أبداً."
تابعت مليكة لتزيد ألمها بأسى:
تاليا كانت واحدة من أجمل البنات اللي عرفتهم.
أفزعت مليكة حينما تذكرت سليم ونظرت ناحيته بتوتر، فسلمي لا تعرف مطلقاً خطورة الموقف الذي تخوض فيه. ثم أردفت في اضطراب جلي تماماً:
الله يرحمها.
وحاولت تغيير الموضوع بسرعة:
أنا شفت صورك اللي نزلت وإنتِ في باريس، كانت حلوة جداً بجد... المصور كان آدم مش كدا؟
تجاوبت سلمي مع الإعجاب بشدة:
أيوة، هو كان المفروض تاليا هي اللي تصور السيشن دي، بس اعتذرت في اللحظة الأخيرة، أعتقد لأنها تعبت.
كان سليم يراقبهما بعدم فهم، وتقلبت مليكة في مقعدها قلقاً. وأومأت برأسها في هدوء وهي تتمتم بتوتر:
صح.
اعتدلت مليكة في مقعدها، فتابعت سلمي متسائلة:
أنا عرفت إنها تعبانة، بس مكنتش أعرف من إيه.
علمت مليكة أن وجهها شحب، ولكنها لم تستطع أن تخفي حزنها. فقد مر وقت طويل حقاً، ولكن الذكرى لا تزال تؤلمها، ولم يتجرأ أي أحد أن يسألها كيف ماتت تاليا.
أخذت تشرح مقطوعة الأنفاس:
كانت... كانت تعبانة قبل ما تموت بكام شهر.
سلمي: أيوة منا عرفت، بس إيه سبب تعبها يعني؟
حاولت مليكة التفتيش عن عذر مناسب كي لا تنكشف.
وهنا تدخل سليم لإنقاذها دون أن يدري، فاعتذر بأدب:
معلش يا بيسان، أعذرينا دقايق. هنروح نطمن على مراد وننيمه ونرجعلك تاني.
ابتسمت سلمي في أدب بعدما أومأت برأسها:
أكيد، اتفضلوا طبعاً.
سحب سليم مليكة من يدها بقوة وهو يقودها إلى الداخل، ولكنه أدخلها غرفة نومه بدلاً من غرفتها.
قال وعيناه تبرقان:
من تاليا دي؟
مليكة: دي... دي... دي كانت واحدة صاحبتي.
وهنا سأل سليم في اضطراب:
وكنتوا قريبين زي ما أنا فهمت؟
أومأت مليكة برأسها وتابعت بتبرم واضح:
أيوة بالظبط... كويس كدة.
سليم: لا مش كويس، حازم كان يعرف بنت اسمها تاليا وكانت عارضة أزياء برضوا.
حدقت به مليكة بفزع. إذن لقد ذكر حازم اسم شقيقتها، لذلك عليها أن تكون أكثر حذراً أو ستقع بنفسها عما قريب.
صمت هنيهة ثم نظر إليها باشمئزاز:
إيه، كنتوا بتبدلوا الرجالة مع بعض؟
ثارت زرقاوتيها شجناً كمتوسط عروس البحر في ليالي الشتاء الحزينة، ثم تابعت بحزن تخلله غصة ألم اعترت قلبها، ولكنها لم تستطع تحديد السبب تحديداً، أ من كلماته أم إثر ذكرى شقيقتها الراحلة.
مليكة: أكيد لا طبعاً.
فعلاً، حازم وتاليا كانا مرتبطين لفترة، بس سابها وأنا معرفتش غير لما اتجوزت حازم.
حاولت تغير الموضوع فتذكرت سلمي وغلي الدم في عروقها، فصاحت به غاضبة:
ياريت بقي حضرتك تقولي إيه اللي جاب البتاعة دي، أقصد سلمي، هنا... ولا إنت عادة بتستقبل عشيقاتك هنا؟
صمتت هنيهة وهي تراقب نفور العرق النابض الموجود بجبهته، ثم تابعت صائحة بغضب:
لو دي من عاداتك، فإنت لازم تغيرها وتبقي تقابلهم في أي حتة... علشان إذا كنت إنت مبتهتمش لرأي الخدم، فأنا بهتم وجداً كمان.
الصمت الذي ساد كاد يحطم الأعصاب. ظنت مليكة أن سليم لم يسمعها في بادئ الأمر، ولكن ازدياد النبض فوق أوداجه دليل على سماعه التام لها.
ازداد توترها بازدياد الصمت.
وأخيراً قرر سليم قطعه، فهتف سائلاً بعدما ارتفع حاجبه بدهشة:
إنتِ فاكرة إنها عشيقتي؟
صاحت بغضب حاولت السيطرة عليه:
مش محتاجة يعني يا سليم بيه، علاقتكوا واضحة وجداً كمان. هي مكنتش تعرف إني مراتك، فأكيد مكنتش جاية تشوفني.
أردفت بسخرية خرجت منها إرادياً:
نحمد ربنا إنها عارفة أصلاً إنك متجوز.
ازداد غضبها، فاحمر وجهها وارتفع صوتها وهي تحدثه:
ولا كانت فاكرة إننا المربية كمان.
ابتسم سليم ابتسامة ارتفع لها وجيفها بعنف... ابتسامة كادت تنسيها كل شيء، وأردف في هدوء:
مش غريب على فكرة، دا شيء متوقع... إنتِ فعلاً شكلك زي المربية العذراء.
صاحت به بغضب:
نعم؟
أردف هو ببراءة كادت تدق عنقه لأجلها:
دي كانت رواية لكاتب اسكوتلاندي.
كادت مليكة أن تنفجر غضباً لهدوئه وأسلوبه غير المبالي، فأردف هو باسماً:
ستات كتير يعتبروا اللي قالته دا مجاملة حلوة يا مليكة.
صاحت بغضب وهي تضغط على كل حرف تخرجه:
أنا مش زي كل الستات، وكلامها دا مكانش مجاملة بالمرة، دي كانت قاصدة، وقاصدة جداً كمان. ضحكتها البريئة مدخلتش عليا، أنا أعرفها من زمان بالقدر الكافي اللي يخليني أقول إن كل كلامها دا كانت عاوزة بيه تطلعني واحدة قليلة، ونجحت الحقيقة.
ابتسم سليم ابتسامة خفية، ولكنه سرعان ما سيطر عليها وتابع بجدية:
مفيش داعي إنك تحسي إنك كدة، ومتقلقيش، أنا عارف بيسان كويس، بس دا ميسمحلكيش تقولي إنها عشيقتي، هي كانت صاحبة حازم.
اتسعت حدقتاها وصاحت بدهشة:
واحد تانية؟
أومأ سليم بأسى:
للأسف.
أردفت غاضبة:
ودلوقتي صاحبتك إنت مش كدا؟
صاح بها سليم بغضب ونفاذ صبر:
وقت موت حازم هي كانت في ألمانيا ولسة راجعة... فجتلي الشركة تعزيني، وملقتش غير إني أعزمها على العشا، ولما جت طلعتوا تعرفوا بعض.
تمتمت مليكة متصلبة:
أنا مش محتاجة شرح. كل اللي بقولهولك عشقيقاتك ميجوش هنا، على الأقل علشان شكلي قدام الناس اللي هنا.
تقدم منها سليم في خطوة مهددة وهتف بغضب:
قولتلك سلمي مش عشيقتي، وياريت تكوني مؤدبة أكتر من كدا مع ضيفة في بيتك.
صرخت به في عنف:
دا مش بيتي يا سليم، أنا بس مسموحلي أقعد فيه.
هدأت نبرتها حينما رأت نظراته المخيفة وتابعت في هدوء:
عمتاً أمرك يا سليم بيه، أنا هتحمل فكرة وجودها هنا علشان دا مش بيتي، وهعاملها في حدود الضيافة، لكن متطلبش مني إني أحبها، لأني آسفة مش هقدر... لأني مبحبش بيسان ومش هحبها أبداً.
زم شقتاه بنفاد صبر وأردف بحنق:
بلاش شغل عيال يا مليكة.
اتسعت حدقتاها بعدما ارتفع إحدى حاجبيها وتمتمت بغضب:
أنا عيلة بقي؟
شعرت وكأن ضغط كل الفترة المنصرمة وكلماته لها، وغضبها من تلك سلمي، وحزنها لفراق تاليا، وحزنها لفقد والدها وشقيقها، أو حتى غضبها، لا تعرف قد تجمع وانفجر الآن كل ذلك.
فصاحت بحنق:
متفتكرش إني هبلة ومش عارفة إنك مش طايقني في بيتك ومستحملني بس علشان مراد. أنا عارفة إنك شايف إني واحدة مش تمام، يعني ست زيي وعندها ولد ومش عارفة مين باباه. متفتكرش يا أستاذ سليم إني حابة الحياة هنا، لا أنا بكرهها وبكرهها جداً كمان.
اختنق صوتها بالبكاء وتماسك زوجها بكبرياء.
أخذ ينظر إلى رأسها المنحني ثم قال بهدوء:
إنتِ كنتي عارفة إن دا هيبقي الوضع من الأول.
أردفت باختناق:
أه، دلوقتي أنا اللي غلطانة كمان.
مش كفاية كدا بقي ولا إيه... كفاية، أنا تعبت بجد.
كادت أن تكمل ما بدأته... كادت أن تعترف بكل شيء، ولكن تلاشى صوتها عندما تهاوت يده لتصفعها، فارتفعت يدها إلى وجهها تلقائياً وحدقت فيه مذعورة ودموع الألم تندفع من عينيها.
سمعته يتمتم بضع كلمات بالإسبانية، ولكنها لم تكن تسمعه.
رواية بين طيات الماضي الفصل التاسع 9 - بقلم منة الله مجدي
شعرت بذراعيه وهي تقاومه لتفلت منه ويهتف بها في اعتذار وندم بالغ.
سليم: أنا آسف. آسف.
هزت رأسها وخدها يؤلمها.
ضحكت بسخرية ممزوجة بالقهر.
مليكة: لأ، إنت مش آسف يا سليم.
حاول أن يلمس كتفها ليهدأها، فنفضت كتفيها وابتعدت عنه خطوة وتابعت في حنق.
مليكة: سيبني لو سمحت.
تحدث بصوت عميق تخنقه المشاعر.
سليم: لأ يا مليكة، إنتِ كنتي بتقولي حاجات كتير جداً مش مظبوطة، ومكنش قدامي غير الطريقة دي علشان أسكتك بيها.
ابتسم ابتسامة جانبية غلى لها الدم في عروقها حتى سمعته يتحدث.
سليم: هي مكنتش الطريقة الوحيدة، أه، بس أعتقد إنك كنتي هتكريهي التانية أكتر بكتير جداً.
أردفت تسأل بعدم فهم.
مليكة: طريقة... طريقة إيه؟
اتسعت ابتسامته بتمهل خطف قلبها.
سليم: أكيد إنتِ تعرفي إني لو كنت... لو بوستك دلوقتي كنتي هتسكتي برضوا، بس أعتقد إن في حالتنا دي كانت هتنيل الدنيا أكتر.
ازداد احمرار وجنتيها على احمرارهما من الصفعة، وابتعدت بعينيها عنه خجلاً.
فأردف هو محاولاً تخفيف حدة الجو بينهما.
سليم: ابتسمي يا مليكة، ابتسامة واحدة ليا. بلاش ليا، على الأقل علشانك إنتِ... إنتِ أجمل من إنك تضايقي.
مسحت مليكة دموعها التي كانت دموع صدمة أكثر منها ألم.
مليكة: أنا آسفة، أنا مش في الطبيعي، هستيرية كده.
ابتسم سليم في مكر.
سليم: وأنا في الطبيعي بختار الطريقة التانية.
ابتسمت في خجل، فتابع هو بجدية.
سليم: اللي مريتي بيه في الفترة اللي فاتت مكنش سهل، علشان كده مش من المفروض إنك تكتمي جواكي كده.
أعطاها إحدى ابتسامته الرائعة وهو يتحدث.
سليم: ودلوقتي بقى يلا علشان نروح نبوس مراد ونقوله تصبح على خير.
أومأت برأسها موافقة وعدلت حجابها وقالت بصوت مختنق.
مليكة: شكلي بشع أكيد.
عمد بيديه القويتين إلى وجهها ليمسح لها دموعها، وبشكل غريب وجدت لمسته لذيذة.
فأردف باسماً.
سليم: إنتِ حلوة في كل أحوالك يا مليكة.
ابتسم بمرارة وهو يتحدث.
سليم: مستغربة من كلامي صح؟
حدقت به في دهشة.
مليكة: أنا ليه؟
أردف هو بسهولة.
سليم: إنتِ عاملة زي الألغاز المعقدة بالظبط، في لحظة بفتكر نفسي عرفت حلك وعرفت إنتِ إيه بالظبط... وفي لحظة تانية بلاقي نفسي مضطر أراجع كل اللي كونته عنك... إنتِ إيه يا مليكة؟ إنتِ بريئة وساذجة ولا ست ليكي خبرات وتجارب؟
لم تتفوه مليكة بحرف، بل تطلعت إليه بعينين صادقتين ومعذبتين أيضاً.
شاهدت وجهه يتصلب من جديد وعادت البرودة إلى عينيه، حتى أنها كرهتها.
كيف يمكنه أن يتحول إلى قاسي وبارد ومؤلم لهذه الدرجة؟
وتساءلت في دهشة ممزوجة بالمرارة.
مليكة: كيف تتحول نظراته بتلك السرعة؟
أردف هو بصوت أجش.
سليم: لو كنتي جاهزة يلا علشان نروح نشوف مراد ونطلع لسلمي، لأنه مينفعش نسيبها كل ده.
مليكة: حاضر، يلا بينا.
وتوجها سوياً إلى غرفة مراد الذي كان في غاية السعادة، وخصوصاً عندما شاهد دادي المحبوب.
فترك أميرة المربية وركض نحوه.
شاهدت مليكة كيف تتبدل ملامح سليم بجواره.
كيف يصبح ذلك الأب الرائع الحنون؟
جثى على ركبتيه ليحمله وأخذ يلعبان سوياً.
كانت رؤية مراد بهذه السعادة كفيلة بأن تجعل مليكة تتحمل ألم وقهر وظلم العالم أجمع.
يال للسخرية، فمن يراهم هكذا يظن أنهم عائلة رائعة سعيدة... وكم سيكون مخطئاً.
وقفت تتذكر نفسها حينما كانت صغيرة، كيف كانت تركض ناحية والدها حين عودته من العمل... وكيف كان يحبها والدها ويدللها، وحتى شقيقها الذي لم يكن يختلف عن والدها كثيراً.
تنهدت في ألم وشوق وعادت إلى أرض الواقع.
فأردفت بهدوء.
مليكة: سليم، معلش أنا هسيبكوا دلوقتي وأروح ألبس علشان ننزل على العشاء.
أومأ برأسه في هدوء.
سليم: تمام، بس متتأخريش.
أومأت مليكة برأسها، ثم قبلت مراد وتوجهت إلى غرفتها.
قررت مليكة أن تظهر بأبهى حلة، فهي لن تترك الفرصة لتلك السلمي أن تتفوق عليها.
اختارت واحداً من أجمل الفساتين التي كانت ترتديها أثناء عملها كعارضة، وكان من بين القليل الذي لم تبيعه.
كان فستاناً باللون البنفسجي القاتم يصل حتى ركبتيها بأكمام طويلة ولكنه عاري الأكتاف.
يضم انحنائات خصرها النحيل ويبرز معالم جسدها.
عقصت شعرها في كعكة غير مهندمة فأخرجت منها بعض الخصلات العشوائية على وجهها.
وارتدت حذاء خفيف للمنزل مزركش بالورود بدرجات البنفسجي، ووضعت أحمر شفاه قاتم بلون الفستان مما أبرز معالمها، ورشت بضع رشات من عطرها المفضل.
لقد كان حقاً هذا الفستان يناسبها، فهو يظهر لون بشرتها البيضاء وعينيها التي اتخذت من البحر لونه، وأيضاً شعرها الناري الذي ورثتهم عن والدتها رحمها الله.
هبطت إلى الأسفل في هدوء.
كانا سلمي وسليم مستغرقين في الحديث حينما دلفت إلى حجرة الاستقبال.
تسللت رائحة عطرها القوية الرائعة إلى أنف سليم.
فالتف برأسه ووقف في حركة سريعة وعيناه تتجولان بذهول فوق جسدها.
كانت المرة الأولى التي يعترف بها بطريقة ما بأنها تجذبه.
نعم، لقد أخبرها من قبل، ولكنه قالها بطريقة باردة.
أما تلك النظرة في عينيه الآن، فهي نظرة رجل لامرأة يجدها مرغوبة.
هو لا يستطيع أن ينكر أبداً أنها فتاة صوّر الله لحظها ليهتك أستار القلوب به عمداً.
تسللت لثغرها ابتسامة ثقة بعدما استقام جزعها في غرور، وأردفت باسمة بأدب.
مليكة: آسفة جداً لو كنت اتأخرت عليكوا.
تقدم منها سليم وهو يجذبها بين ذراعيه ليطبع قبلة هادئة على وجنتها.
سليم: اعذريني يا سلمي، بس لازم أقول لمراتي إنها حلوة جداً.
ابتسمت سلمي بسخرية.
سلمي: أكيد طبعاً، ليك حق.
تابع هو بهدوء.
سليم: مليكة، خليكي مع سلمي لحد ما أروح أعمل مكالمة مهمة، مش هتأخر.
نظرت مليكة إلى سلمي بعدما خرج سليم وسألت في هدوء محاولة تكوين أي حديث كصاحبة المنزل.
مليكة: ها، إيه أخبار شغلك؟
سلمي: كويس، حتى لو مكنش ماشي حاله أوي، بس أهو أحسن من القعدة في البيت... أصل قعدة البيت بتخنقني.
رمقتها بإزدراء واضح وأردفت بإستهزاء وهي تضع قدماً على أخرى في غرور.
سلمي: عارفة، أنا مش متخيلالك في دور الأم وربة الأسرة والكلام ده. مش عارفة أفكر فيكي كده خالص.
رفعت مليكة حاجبها بتحدي وتابعت بنزق.
مليكة: بجد؟ مكنتش أعرف إنك بتفكري فيا أصلاً.
تابعت سلمي بوقاحة جفلت لها مليكة.
سلمي: الحقيقة لأ، بس اندهشت لما شوفتك هنا. وأكيد سليم مش هيخلي مراته تشتغل. أكيد كنتي تعرفي حازم، كان وسيم أوي وبتاع ستات جداً... بس مش زي سليم. سليم غيره خالص، يعني سليم ده مثال كده للرجولة، ميكس فظيع من الراجل الشرقي الصعيدي والراجل الإسباني، ولو إن الاتنين ميختلفوش عن بعض كتير.
أردفت مليكة بثبات حاولت جاهدة ألا يسيطر عليها غضبها.
مليكة: اللي إنتِ بتتكلمي عنه ده يا سلمي، يبقى جوزي.
تابعت سلمي بتحدي.
سلمي: أه، أكيد عارفة، بس ده مينفعوش إنه يشوف ستات جميلة.
ابتسمت مليكة ساخرة.
مليكة: لسة زي ما إنتِ متواضعة جداً يا سلمي. عارفة إنتِ بالتواضع اللي عندك ده هتنجحي في مهن تانية كتير أكتر من الأزياء.
ابتسمت سلمي بخبث.
سلمي: أكيد مش ناوية أفضل عارضة كده على طول يا مليكة. أنا هبقى ذكية زيك وأدور لنفسي على راجل غني أتجوزه. بالمناسبة صحيح، اتقابلتوا إمتى وفين؟ يعني إنتِ لا بتحضري حفلات بتاعتنا ولا بتخرجي خروجاتنا. لقيتيه إزاي؟
اعتدلت مليكة في جلستها وأردفت باسمة بثقة.
مليكة: مش أنا اللي دورت، هو اللي لقاني.
رفعت سلمي حاجبها متسائلة في هدوء.
سلمي: بجد؟ وبقالكوا قد إيه متجوزين؟
رد عليها سليم وهو يدخل إلى الغرفة.
سليم: من فترة مش طويلة أوي، مش كده يا حبيبتي؟
وابتسم لها، فاحمرت خجلاً إثر نظراته المتفحصة، وحاولت أن تبادله الابتسامة.
مليكة: صح يا سليم.
تعلم مليكة تماماً أن تمثيل الحب أمام الناس هو من شروطهما، ولكنها أحست بالتوتر لتمثيلها هذا الدور وخصوصاً أمام سلمي، نافذة البصر.
سألت كي تخفف توترها.
مليكة: مراد كان نايم لما نزلت هنا؟
بدت على وجهه ابتسامته الرائعة تلك، الإبتسامة التي لا تظهر إلا حينما يفكر بمراد.
سليم: أيوة يا حبيبتي، وكان جميل زي مامته بالظبط.
مليكة بخجل: شكراً.
سليم: أنا مبقولش غير الحقيقة يا حبيبتي.
تقدم لإصطحاب زوجته.
سليم: مش يلا علشان العشاء بقى ولا إيه؟
الفتاتان: يلا.
تشبثت مليكة بذراع سليم وسارت سلمي الحانقة أمامهما.
بعد تناول العشاء، دلفا سليم وسلمي إلى غرفة المكتب ليناقشا بعض أمور العمل على حد قول سليم. أما هي، فاعتذرت وصعدت لغرفتها.
بدلت ملابسها وأخذت تتقلب على فراشها كأنها تتقلب على الجمر محاولة في النوم.
عندما سمعت محرك سيارة سليم.
إنها الواحدة الآن، لقد مضت ساعتان منذ خرج ليوصل سلمي إلى منزلها.
لا يلزمها الكثير من الوقت لمعرفة ماذا حدث في هذا الوقت.
نهضت غاضبة من نومتها.
فجلست على الفراش وأنزلت قدميها إلى الأرض تتلمس بهما السجادة السميكة الموضوعة أسفل فراشها.
ثم هتفت غاضبة لنفسها.
مليكة: لأ، أنا لا يمكن أسمح باللي بيحصل ده. أنا لا يمكن أسمح لأي حد إنه يقول متجوز وسايب مراته علشان يروح لواحدة تانية.
نهضت غاضبة عندما سمعت خطواته الخافتة الثابتة في الغرفة المجاورة.
من شدة غضبها لم تطرق الباب، لم تتذكر ثياب نومها الرقيقة للغاية، فكان غضبها قد وصل مبلغه.
رواية بين طيات الماضي الفصل العاشر 10 - بقلم منة الله مجدي
في صباح اليوم التالي
استيقظت وهي تشعر بدوار شديد وهبوط حاد وصداع يكاد يفتك برأسها.
تنهدت بائسة وزفرت بسخرية.
"ياللسخرية! فهذه الأعراض لم تشعر بها ولو لمرة واحدة أثناء أيام شقائها، وها هي الأن بين أحضان النعيم إن صح تعبيرها تعاودها هذه الأعراض القديمة."
سحبت نفسها بضعف لترتدي ثيابها، فالساعة قد تجاوزت العاشرة بقليل. ومن المدهش أن مراد لم يبدأ بالصراخ الذي يملأ المنزل.
لكنها تهاوت من جديد، فجسدها أضعف من أن يتحرك.
راودها شعور بالسخف وراحت تتسائل: أ يضعفها مجرد صداع ودوار؟
وسرعان ما غلبها النوم ثانياً.
لتفتح عينيها فجاءة على طرقات خفيفة على بابها.
فهمهمت بوهن:
"مليكة: اتفضل."
دلف سليم إلى الغرفة ومعه مراد. فحاولت تغطية جسدها، فلم يلحظ سليم ما بها.
وقف جوار فراشها وحياها بأدب:
"سليم: صباح الخير يا مليكة. ابنك صحي وبيسأل عن مامته، وللأسف مش عارف أحل محلك."
قفز مراد لفراشها ثم قبلها باسماً:
"مراد: ثباح الخير يا مامي."
ابتسمت بضعف بعدما احتضنته:
"مليكة: صباح الفل يا عيون ماما."
ثم سألت سليم:
"مليكة: صحي إمتي؟"
وتابعت بإعتذار:
"مليكة: أنا آسفة والله مش بتأخر في النوم لدلوقتي."
تابع باسماً بتفهم:
"سليم: إيه المشكلة؟ عادي يعني. هو صحي الساعة 7 وحاولت إني أعمل كل اللي أقدر عليه علشان أسليه، بس فشلت فشل ذريع وإكتشفت إني مش هعرف آخد مكانك حتى لكام ساعة."
ابتسمت مليكة وهي تحتضن مراد:
"مليكة: متقولش كدة، إنت عارف إن مراد بيحبك جداً."
لاحظ سليم شحوبها فسأل في قلق:
"سليم: إنتِ كويسة؟"
أردفت بوهن:
"مليكة: آه الحمد لله."
ثم تابعت مغيرة الموضوع:
"مليكة: إنت مش رايح الشغل النهاردة؟"
هز رأسه رافضاً:
"سليم: لا النهاردة الجمعة، وفكرت إني أقضي اليوم النهاردة معاكوا يعني بما إننا هنسافر بالليل."
أعاد سليم إليها النظر بدقة:
"سليم: مليكة، إنتِ مش كويسة خالص، الموضوع واضح زي الشمس، متحاوليش تنكري."
همهمت بوهن:
"مليكة: لا مفيش حاجة."
ولكن تلاشى صوتها ضعفاً مما يؤكد كذبها:
"مليكة: أنا بس مرهقة."
تابعت باسمة بوهن وهي تطالع مراد في حنان:
"مليكة: ومراد أعتقد إنه هيفرح كتير لو خرج مع دادي بتاعه."
سأل سليم بدهشة:
"سليم: مش هتيجي معانا؟"
هزت رأسها نافية، وتمنت لو لم تفعل، فقد تحول دوار رأسها إلى ألم حاد، وتمنت لو تعود إلى النوم مرة أخرى.
"مليكة: لا أنا محتاجة أنام شوية، فلو هتاخد مراد معاك هنام كمان ساعة واحدة بس لو معندكش مشكلة."
أردف قلقاً:
"سليم: لا طبعاً، لو دا اللي إنتِ عاوزاه."
حمل مراد من الفراش وأردف بقلق:
"سليم: إحنا هنمشي، نامي كويس."
سار قليلاً ناحية الباب ثم التفت إليها، شاعراً وقتها بالقلق وتأنيب الضمير ناحيتها، فهو يعرف جيداً أن الاعتناء بطفل مرهق للغاية، وخصوصاً لشابة مثل مليكة.
"سليم: مليكة، أنا عارف إن موضوع تربية مراد لوحدك دا مرهق جداً، وإنتِ عارفة إني من الأول حبيت أريحك، بس إنتِ الي رفضتي."
تغيرت قسمات وجهها واحمرت عيناها، ونهضت جالسة على فراشها غير عابئة بجسدها النصف عاري بسبب غلالة نومها السماوية التي تناسب لون عينها بشدة.
"مليكة: أكيد طبعاً مش هوافق، مراد ابني يعني دا واجبي كأمه إني أديه اهتمامي وطاقتي ووقتي. مراد كل حياتي ومش هستخسر فيه شوية طاقة ومجهود."
قطب سليم بشدة من هجومها الشديد:
"سليم: إنتِ أكيد يا مليكة عندك حاجات تانية يعني غير مراد؟"
هزت مليكة رأسها:
"مليكة: متخافش يا سليم، أنا منستش. ومنستش برضوا إن جوازنا دا ملوش أهمية، وإنك مستني مراد يكبر وننفصل، متقلقش أنا مش ناسية."
تقدم منها سليم غاضباً لتلك الكلمات السخيفة التي تتفوه بها، صائحاً بها بحنق:
"سليم: أنا مش فاهم إيه الكلام الغريب اللي بتقوليه دا يا مليكة."
أزاحت مليكة أغطية فراشها بتعب ونهضت عن الفراش تقف شامخة، شاعرة بدوار يكاد يقتلها.
ضحكت بداخلها بسخرية، فحقاً بينما هي تقف شامخة بكل عز، داخلها يتهاوى ألماً، شجناً وارهاقاً.
"مليكة: خلاص يا سليم أرجوك، إنت عاوز إيه دلوقتي؟ عاوزني أصحي مش كدا؟ أنا خلاص صحيت."
اتسعت حدقتاه دهشة ومن ثم أردف بذهول:
"سليم: مش دا قصدي خالص، أنا..."
أقاطعته بضعف متوسلة:
"مليكة: سليم بالله عليك متبدأش محاضرات دلوقتي، أنا فعلاً مرهقة ومش قادرة. أناهد بص أنا خلاص صحيت أهو، سيب مراد هنا وأنا ربع ساعة وهكون تحت."
شعر سليم بالقلق عليها، فهي تبدو في حالة مذرية، شاحبة للغاية، شفتاها شاحبتان، تبدو واهنة كثيراً.
"سليم بحنو: مليكة أنا..."
أزاحت عيناها فجاءة، شاعرة بتشوش في رؤيتها، الأرض تميد تحت قدميها، فصرخت فجاءة:
"مليكة: سليم!"