تحميل رواية «بين طيات الماضي» PDF
بقلم منة الله مجدي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في أحد الأبراج السكنية، تحديداً في شقة يبدو عليها الثراء على عكس حالة ساكنتها تماماً. ابتسمت مليكة للطفل الصغير الذي هدهدته حتى نام. مسحت على جبهته البيضاء برقة وحنان، فهو أهم ما لديها في الحياة ومن أجله يمكن أن تفعل أي شيء. وراحت تفكر أنها لم تعد تتحمل المزيد. إذا استمرت كلفة المعيشة بالارتفاع، فستصل لحائط مسدود. فمراد يكبر وتزداد متطلباته، ومدخراتها لم تعد تكفي. حتى وإن استطاعا تدبر أمرهما، فبالتأكيد ستنفذ بعد وقت قليل، ولا تستطيع إيجاد عمل في هذه الأوقات يمكن أن يسد كافة احتياجاتهما. وضعت وجه...
رواية بين طيات الماضي الفصل الحادي عشر 11 - بقلم منة الله مجدي
أسندها سليم بقوة كيلا تسقط.
صرخ مراد بهلع، فهَدَّأه سليم بينما يحمل مليكة التي سقطت بين ذراعيه فاقدة لوعيها كالجثة الهامدة.
وضعها على الفراش بعدما صاح مستدعياً إحدى الخادمات التي حضرت فزعة على صوت سليم الهادر.
الخادمة: نعم يا سليم بيه.
هتف بها بوله:
سليم: اطلبي د. أحمد بسرعة.
تجمعت الدموع في عيني مراد وهتف بقلق:
مراد: مامي مامي.
حمله سليم مربتاً على ظهره بحنو بالغ.
سليم: مامي كويسة يا حبيبي متخافش أنا جمبها أهو.
استدعى أميرة مربيته الخاصة طالباً منها أخذه.
حملته في هدوء وذهبت للخارج.
فالتقط هو إزدال الصلاة الخاص بمليكة وألبسها إياه ليداري جسدها عن أعين الطبيب، ثم ألبسها حجابها.
صعدت ناهد حينما سمعت الخدم يتحدثون عن إغماءة مليكة.
فسألته بلهفة:
ناهد: مليكة مالها يا سليم يابني.
أجاب سليم بحيرة امتزجت بقلق عارم، طل وبشدة من عينيه:
سليم: مش عارف يا داداة هي فجاءة وقعت، أنا قولتلهم يكلموا الدكتور.
جلست جوارها وأخذت تربت على رأسها في حنو بالغ وهي تدعو الله ألا يكون شيئاً خطيراً.
وفي ظرف نصف ساعة كان رجلاً لطيفاً يعاينها بلطف وحذر، إثر نظرات سليم الحانقة.
وأخبرها بأن ما تعاني منه هو الأنيميا الحادة.
ثم نظر إلى سليم قائلاً:
د. أحمد: مراتك شكلها قوية يا سليم، واحدة غيرها كانت وقعت من بدري.
أخبرهم أن مشكلتها ليست عضوية فقط بل هو إجهاد نفسي وعضوي أيضاً، وأخذ يوبخه بهدوء لعدم معرفته كم أن الاعتناء بمنزل وطفل مرهق كثيراً لشابة مثل مليكة.
استمع إليه سليم بتمرد، فهو ليس معتاد أن يتحدث معه بهذه الطريقة، لكنه تقبل الحديث صامتاً.
ثم سأل في هدوء:
سليم: لا... أنا... عارف، بس إنت تنصحنا بإيه.
د. أحمد: الأول أتأكد من ظنوني وبعد كدة نشوف.
سأل سليم في قلق:
سليم: ظنون إيه يا دكتور.
د. أحمد: مراتك أصلها احتمال تشرفنا في المستشفى كام يوم كدا.
هتف سليم يسأل بقلق:
سليم: ليه هو الموضوع خطير أوي كدة.
أما هي فصاحت بهلع:
مليكة: مستشفى إيه لا أنا مش هينفع أروح مستشفى.
أعطى دكتور أحمد ورقة.
د. أحمد: دي شوية تحاليل يا سليم تخليها تعملها.
وبعدين تجيبهالي ونشوف.
أردفت في توتر:
مليكة: لا يا دكتور مش لازم تحاليل متقلقش أنا هاكل كل الأكل المفيد وهاخد كل الأدوية ومش لازم تحاليل ولا مستشفى.
ابتسم د. أحمد، فمن واقع خبرته هو يعرف جيداً متى يكون المريض خائفاً من الحقن.
فطمأنها في هدوء.
فسأل سليم ساخراً في دهشة:
سليم: إنتِ خايفة من الحقنة يا مليكة.
تجمعت قطرات العرق على جبينها توتراً وعقدت العزم ألا تظهر مخاوفها لسليم.
مليكة: لا أنا مش خايفة ولا حاجة، أنا بس بقول ملهاش لازمة.
ضحك سليم في استهزاء:
سليم: مهو واضح.
د. أحمد: لا يا بنتي لازم علشان نتايج التحاليل هتحدد إذا كنتي هتيجي المستشفى ولا هتاخدي أدويتك هنا.
نظر لسليم ثم تابع طالباً في حزم أن تأتيه نتائج التحاليل سريعاً.
أردف سليم بجدية:
سليم: ساعتين أو تلاته بالكتير والتحاليل تبقي عندك يا دكتور.
أومأ برأسه ثم أردف مشيراً له بأصبعه للتحذير.
يطلب منه بعد تعافي مليكة أن يتجها لتمضية بعض الوقت خارج محيط المنزل وروتين الحياة العملية.
أردفت بإحتجاج:
مليكة: بس أنا مش عاوزة أسافر.
نظر إليها سليم ببرود:
سليم: دا كلام الدكتور مش كلامي أنا هرتب كل حاجة وبعدين إنتِ دلوقتي تعبانة، لما تخفي نبقي نتناقش.
احمد: أنا وجوزك نعرف إيه الاحسن ليكي يا مدام مليكة.
ثم أشار لسليم كي يخرجا من الغرفة.
وبدأ جفناها يسترخيان وأقفل سليم الباب خلفه وسأل الطبيب:
سليم: إنتِ متأكد يا دكتور إن مليكة كويسة وهو دا بس اللي هي محتاجاه.
أردف هو بهدوء مطمئناً إياه بأن هذا عادياً وخصوصاً بعد الحمل والولادة وتربية الطفل.
سأل سليم بتوجس:
سليم: طيب ومراد معتقدتش إن مليكة هتوافق نسيبه.
أردف احمد مؤكداً:
احمد: لا طبعاً...... أكيد لا متسيبهوش، واضح إن مراتك متعلقة أوي بالولد، فلما نبعدهم عن بعض هتبقي قلقانة ومتوترة ونبقي مساعدناهاش بالعكس.
أومأ سليم برأسه فتابع الطبيب في ضرورة:
احمد: أهم حاجة التحاليل وخليها ترتاح ومراد جمبها.
وعادي جداً هتلاقيها مرهقة ومش قادرة تقوم ودايخة على طول، بس إنتَ عارف الأمهات دايماً فاكرين إن محدش هيعرف ياخد باله من ولادهم غيرهم.
ابتسم سليم:
سليم: أنا أكتر العارفين، مليكة لازم تعمل كل حاجة لمراد بنفسها.
ضحك الرجلان بتفهم وذهب الطبيب.
أما سليم فهاتف إحدى معامل التحاليل كي يحضروا إلى المنزل.
وبعد عدة ساعات أتت الطبيبة لأخذ العينة ومعها مساعده.
دلف سليم معهم إلى غرفة مليكة التي سرعان ما هتفت بذعر:
مليكة: سليم أنا بقيت كويسة ملوش لزوم التحاليل.
أردف هو بهدوء:
سليم: مليكة دا كلام الدكتور لازم تحللي.
هزت رأسها يمنة ويسرة رافضة هاتفة بتوسل:
مليكة: سليم بالله عليك بلاش تحليل والله أنا هبقي كويسة.
تابعت الطبيبة بسخرية:
الطبيبة: متقلقيش يا مدام دي شكة إبرة، وبعدين دا إنتِ أم يعني عيب تقولي كدة.
أخذت مليكة تطلع لسليم بترجي وهي ترتجف كالأطفال.
اعتذر سليم من الطبيبة بأدب وطلب إنتظارهما خارجاً لوقت قصير.
فابتسمت الطبيبة بعدما أومأت برأسها وخرجت في هدوء.
الطبيبة: أه أكيد.
جلس سليم إلى جوارها على الفراش حينما سمع صوت الباب يغلق.
فأمسكت مليكة يده بتوسل وتطلعت إليه بعينيها كالأطفال تماماً.
مليكة: بص يا سليم أنا عارفة إنك مش بتحبني، بص أعمل أي حاجة بس بلاش حقن علشان خاطري.
أقولك علشان خاطر مراد بلاش حقنة.
تألم سليم كثيراً لنبرتها تلك، فلا يعلم من أين تأتي بتلك السخافات التي تتفوه بها.
احتضن بكفيه الضخمين يديها الصغيرتين ونظر إلى عينيها.
سليم: ششششششش إهدي بالراحة متخافيش الحقنة مش هتوجعك.
هزت رأسها رافضة.
مليكة: لا هتوجعني......بلاش حقن علشان خاطري.
تابع هو مطمئناً إياها.
سليم: وعد مني مش هتوجعك.
همت بالإعتراض فقاطعها بصدق.
سليم: والله مش هتوجعك دا وعد مني.
ذهب للخارج وطلب من الطبيبة أن تضع لها بعض المخدر.
ثم دلفوا إلى الداخل مرة أخرى.
جلس سليم إلى جوارها على الفراش.
بينما أخذت مليكة تطلع إليه في رعب.
الطبيبة: سيبي نفسك خالص يا مدام مليكة علشان الموضوع يبقي سهل وبصي الناحية التانية.
أومأت مليكة برأسها في رهبة.
وفجأة وجدت نفسها بين ذراعي سليم الذي احتضنها ليلهيها عن الإبرة.
دفنت رأسها في صدره والتفت يدها حول خصره تتشبث به بقوة.
شعرت بأنها تكاد تنصهر بين ذراعيه، لم تعرف هذا الشعور من قبل، شعرت بأن حرارة جسدها ترتفع.
أخذت ترتجف بين ذراعيه.
أما سليم فلم تكن حالته أفضل، أخذ يمنع نفسه بقوة من أن يدفن رأسه بين خصلات شعرها النارية التي تشبه طباعها كثيراً.
من استنشاق عبيرها الذي يسلبه عقله.
كاد يختنق وهو يحاول أن يغض الطرف عن عنقها المرمري الذي يتمنى لو يلتهمه من أوله إلى آخره حافراً عليه صك ملكيته.
انتهت الطبيبة وظلا كما هما لعدة دقائق.
فابتسمت بإتساع بعدما نقلت بصرها منهما إلى مساعدتها في سخرية محببة ثم نظفت حلقها متابعة في توتر.
الطبيبة: إحم أنا خلاص خلصت يا سليم بيه.
أفاق سليم لنفسه وهو يحمد الله كثيراً على انتهاء هذا العذاب.
فتركها من بين يديه بقوة وكأنها ورقة إنتهى من استخدامها، فكورها وألقاها أرضاً.
كرهت برودته وابتعده عنها، تمنت لو تظل بين ذراعيه هكذا.
أوصل الطبيبة إلى الأسفل وأعطاها عنوان الطبيب وطلب منها إيصال النتيجة إلى الطبيب.
صعد للأعلى فوجدها قد خلدت للنوم مرة أخرى.
فأغلق الباب في هدوء وهاتف جدته ليعتذر عن قدومه بسبب أمر طارئ.
وبعد عدة ساعات هاتفه الطبيب الذي طمأنه على حالتها وطلب منه الاهتمام بطعامها وأدويتها.
فتوجه في أريحية إلى مكتبه ليتابع بعض الأعمال.
ولكن ما إن جلس على المكتب وبدأ بالعمل حتى تدافعت إلى ذاكرته مليكة وهي بين ذراعيه.
أغمض عينيه وزفر بقوة وهو يحاول نفض تلك الأفكار البائسة عن عقله.
ولكن بائت محاولاته بالفشل فصعد لغرفته الرياضية وأخذ يمارس رياضته المفضلة في تلك الأوقات وهي الملاكمة حتى انقطع نفسه وسقط أرضاً لاهثاً.
وصاح بنفسه موبخاً بصوت مرتفع.
سليم: متنساش يا سليم إنها كانت مرات اخوك وإنك متجوزها علشان مراد......يعني لو هتموت متبصلهاش.
ألقى سليم بقفازاته وتوجه إلى غرفته كي يتحمم عسى بعض المياه تطفئ نيران عقله، فلقد ارتكب إثماً حينما تذوق الفاكهة المحرمة بعد صيام دام دهراً.
رواية بين طيات الماضي الفصل الثاني عشر 12 - بقلم منة الله مجدي
جلست مليكة نصف جلسة على فراشها لمراقبة مراد وهو يقص عليها كل ما حدث الفترة الماضية معه في فرح لتحسن والدته.
كانت أميرة أدخلت مراد لغرفة مليكة بناءً على رغبتها بعد أن أمضت في الفراش أربعة أيام.
زارها الطبيب مرة واحدة وأكد على تحسنها.
تمتمت مليكة تشكر أميرة بشدة على اعتنائها بمراد في الفترة الماضية.
أردفت أميرة بصدق:
أميرة: لا والله يا هانم، دا البيه الصغير كان هادي خالص وسليم بيه كان معاه على طول.
تغير وجه مليكة حينما سمعت اسمه.
إذن لقد أمضى وقتاً كثيراً في المنزل ومع ذلك لم تره إلا حينما أتى الطبيب لزيارتها.
فأردفت في هدوء:
مليكة: المهم إنه كان هادي.
أخذته أميرة وذهبت كي تتيح الفرصة لمليكة بأن تستريح.
بعد ساعتين نهضت مليكة عن فراشها وقررت الهبوط للأسفل فقد سئمت من الفراش وبشدة.
ارتدت ثيابها وهي تشعر بقليل من الدوار فاستخدمت المصعد للهبوط.
تهللت أسارير ناهد حينما شاهدتها قادمة.
ناهد: حمد الله على السلامة يا حبيبتي.
أردفت مليكة باسمة في حبور:
مليكة: الله يسلمك يا طنط.
تقدمت منها تسألها في قلق:
ناهد: بس يا بنتي انتِ مش حاسة بأي دوخة ولا حاجة؟
ابتسمت مليكة بعدما هزت رأسها يمنة ويسرة كدليل على أنها بخير.
جلست في الحديقة ومعها مراد يلعبان في هدوء.
شاهدها سليم الذي عاد من عمله مبكراً فتوجه ناحيتها وسألها بقلق:
سليم: مليكة، إنتِ إيه اللي منزلك من سريرك؟
أردفت باسمة:
مليكة: أنا الحمد لله بقيت كويسة يا سليم.
هم بالإعتراض فأردفت هي بهدوء:
مليكة: أنا كويسة والله.
اتسعت ابتسامته بأريحية وتابع:
سليم: إذا كان كده تمام.
جلس مقابلها حاملاً مراد.
نظفت حلقها في توتر وأردفت بإعتذار:
مليكة: أنا آسفة لأني بوظتلك خطة السفر بتاعة الصعيد، بجد آسفة.
تابع بهدوء:
سليم: إيه الكلام دا، مفيش حاجة عادي يعني.
فتمتمت هي بحماس:
مليكة: أنا بقيت كويسة، في أي وقت تحب نسافر معنديش أي مشكلة.
أومأ برأسه وتابع بجدية:
سليم: تمام، خلاص ممكن إن شاء الله نسافر بعد بكرة.
وشوفوا لو محتاجين أي حاجة.
أطرقت مفكرة للحظات وتابعت في حرج:
مليكة: لو مفيهاش مشكلة بالنسبالك، أنا كنت محتاجة أشتري لمراد شوية حاجات.
أردف بجدية:
سليم: مفيش مشكلة، بكرة إن شاء الله نروح نشوف هو محتاج إيه.
أومأت برأسها في هدوء ثم حاولت النهوض للذهاب لغرفتها فشعرت بدوار شديد فنهض هو مسرعاً ليسندها.
إرتجفت وتوترت بالكامل من دفء جسده الملاصق لجسدها.
جاءها صوته عميق أجش يسألها في قلق:
سليم: إنتِ كويسة يا مليكة؟
أومأت في هدوء.
تابع هو بضيق من قلقه عليها:
سليم: مكنش ينفع تنزلي دلوقتي.
هزت رأسها في هدوء باسمة:
مليكة: لالا مش كده، أنا بس علشان بقالي كتير متحركتش مش أكتر.
حاولت الابتعاد عنه قليلاً كي تثبت له أنها بخير.
مليكة: بص، بقيت كويسة أهو، متخافش.
أضافت مبتسمة كي تخفف التوتر:
ومتنساش الدكتور قالك إن مراتك ست قوية.
ابتسم فهو فشعرت بالخجل من تلك الكلمة التي تفوهت بها.
سليم: ماشي يا مليكة.
ابتسمت بخجل وصعدت إلى غرفتها لمحادثة عائشة فلقد اشتاقت إليها كثيراً.
وبعد العديد من ثرثرة الفتيات أغلقتا الهاتف وتوجهت مليكة لإعداد الحقائب.
في صباح اليوم التالي.
بعد الإفطار.
أردف سليم بحزم:
سليم: مليكة، إجهزوا يلا إنتِ ومراد.
أومأت برأسها في هدوء.
بعد وقت قصير كانا سوياً ومعهما مراد في السيارة.
بعد عدة دقائق صف سليم سيارته.
هبطت مليكة من السيارة وحمل سليم مراد الذي أخذت مليكة تغطيه جيداً كي تحميه من الشمس الحارقة.
فابتسم سليم حقاً إن مليكة تكاد تكون مهوسة إذا تعلق الأمر بسلامة مراد.
دلفا إلى الداخل وسليم يحمل مراد الذي أخذ يحادث والده في حماس بعدما أبى إلا أن يتجول في ذراع دادي المحبوب.
أخذا يتسوقان كثيراً ولاحظ سليم أن كل ما تشتريه هو لمراد فقط.
فسأل في دهشة:
سليم: إنتِ ليه مجبتيش لنفسك حاجة؟
أردفت هي بعدم اهتمام:
مليكة: عادي يعني، بس أنا مش عاوزة حاجة.
أومأ رأسه وأثناء طريقهم للخارج شاهدت مليكة سيدة عجوز ومعها حفيدها تحتاج لمساعدة لإحضار أحد الأشياء.
استأذنت سليم لدقائق وتوجهت لمساعدتهم ولكن الرف كان مرتفعاً للغاية.
ابتسم سليم ابتسامته الجانبية تلك التي تظهر فيها إحدى نغزتيه وتمتم محدثاً مراد:
سليم: مامي قصيرة أوي يا مراد.
ضحك مراد على كلمات سليم وهمس له بحذر:
مراد: مامي بتضايق، متقولش كده أبداً قدامها لحسن تزعقلنا أنا وانت.
فتوجه إليهن ووقف خلفها وأحضر للسيدة ما كانت تريد بسهولة دون عناء.
تطلع إليها بسخرية من قامتها القصيرة بينما تطلعت إليه مليكة في كبرياء كانت عيناها تخبره:
مليكة: لست أنا القصيرة زوجي العزيز، بل أنت هو العملاق.
ابتسم من نظراتها فقد فهم ما ترنو إليه تماماً.
فهتفت السيدة تشكره بقوة:
الست: شكراً يابني ربنا يحميك.
شعرت مليكة بشيء ما يجذب طرف فستانها وعندما نظرت لأسفل وجدته الطفل الصغير.
ابتسمت وهبطت لمستواه.
فتطلع سليم ناحيتهما شذراً بينما هو يحادث السيدة.
سألها الطفل في دهشة:
الطفل: طنط، هو إنتِ متجوزة الgreenman دا؟
ضحكت مليكة وأومأت برأسها في خفوت بينما كاد سليم أن ينفجر فهو لا يستطيع معرفة الحديث الدائر بينهما.
الطفل: بس هو ضخم أوي، يعني دا ممكن لو اتقلِب شوية وإنتِ نايمة جنبه يسفلتك.
سألته ضاحكة:
مليكة: إيه؟
قلب عيناه من سذاجتها وتابع بجدية تامة:
الطفل: يسفلتك زي توم وجيري كده.
انفجرت ضاحكة لعدة ثوانٍ وبعد أن هدأت اردفت بهدوء:
مليكة: متخافش، متخافش، عمو طيب خالص.
ابتسم الطفل في حبور وتابع بحذر:
الطفل: بس بردوا خلي بالك.
مليكة ضاحكة: حاضر.
أمطرتهما السيدة بوابل من الدعاء شكرتها مليكة وسليم ورحلا.
هتف سليم بحزم:
سليم: اتأكدي إن كل حاجة تمام علشان لو ناقص حاجة نرجع نجيبها.
تطلعت مليكة إلى العربة في نظرة خاطفة:
مليكة: لالا كده تمام.
توجها للكاشير لدفع الحساب.
كانت مليكة مشغولة باللعب مع مراد بينما كان سليم يفرغ العربة.
ولكن فجأة سمعت إحدى السيدات التي تحدث سليم.
سألت هند بدهشة:
هند: سليم الغرباوي؟
لفت انتباه مليكة صوت أنثوي ناعم للغاية.
فتطلعت ناحيتها رافعة حاجبها الناقم ونصف شفتها العليا لدلالها المبالغ فيه ووقفتها المريبة.
تطلع سليم ناحيتها بنظرة تحمل القسوة والجفاء وتابع بحزم:
سليم: مدام هند إزيك؟
أومأت هي برأسها باسمة:
هند: الحمد لله، إيه أخبارك إنت وأخبار شغلك؟
تابع باسماً بفخر:
سليم: الحمد لله.
سألته في دهشة:
هند: إنت بتعمل إيه هنا؟
أشار سليم للعربة باسماً بأدب:
سليم: زي ما إنتِ شايفة.
تحدثت مليكة لمراد في خفوت:
مليكة: أبوك شكلوا مش هيلم الدور يا مراد، يلا بينا نكبس عليهم.
ابتسم بحماس:
مراد: ييا ييا مامي.
ثم تطلع لتلك السيدة التي تقف بجوار والده.
وسألها بحنق:
مراد: مامي، هي مالها بتتكلم كده ليه زي ياسمين اللي معايا في الحضانة؟
ضحكت مليكة بخفوت فهي تعلم أنه يكره تلك الياسمين بشدة.
طفح كيل مليكة فقررت التدخل توجهت ناحيته وهي تحمل مراد.
تطلعت لتلك هند بعدم اهتمام وهي تسأل سليم في هدوء:
مليكة: في حاجة يا حبيبي؟
دهش سليم لبضع الدقائق من تلك الكلمة التي تفوهت بها ولكنه أخذ يحمد الله في سره على تدخلها فأحاطها بذراعه وتابع باسماً:
سليم: لا يا حبيبتي مفيش حاجة.
ثم تابع مشيراً للسيدة الواقفة أمامه:
سليم: أعرفك مدام هند مرات هشام محمود واحد من أكبر رجال الأعمال.
التفت إليها مليكة وابتسمت بنزق:
مليكة: أهلاً وسهلاً.
أشار سليم ناحيتهم باسماً بفخر:
سليم: مليكة مراتي ومراد ابني.
شعرت هند بمن سكب فوق رأسه دلواً من الماء البارد.
فصاحت بدهشة:
هند: مراتك؟
أومأت مليكة بعدما رفعت حاجبها بتحدي وأردفت بثقة وابتسمت ابتسامة صفراء:
مليكة: آه مراته.
شعرت هند بالحرج كثيراً فتمتمت جاهدة أن ترسم ابتسامة لبقة:
هند: أهلاً وسهلاً يا مدام مليكة.
إتشرفت بمعرفتك.
ابتسمت مليكة بتصنع:
مليكة: أنا أسعد.
معلش بقي يا مدام هند مضطرين نستأذن علشان مستعجلين.
رجعت خطوة للخلف وهي تتمتم في صدمة:
هند: طبعاً اتفضلوا.
سارت مليكة ساحبة خلفها سليم ليكمل ما كان يفعله ليخرجا من هذا المكان.
وبعد الانتهاء خرجا إلى السيارة ووضعا فيها الأشياء المشتراه ثم انطلقوا إلى المنزل.
في الطريق كان سليم شارداً صامتاً للغاية.
أما مليكة فكانت تستشيط غضباً من كل تلك النساء التي يجب عليها أن تقاتلهم.
رفعت حاجبيها ومنتصف شفتيها المغلقتان وتطلعت إليه في نظرة جانبية تنم عن الغضب.
زفرت بعمق وهي تتسائل في خفوت:
ياترى في إيه تاني يا ابن الغرباوي؟
وفجأة سمعت سليم يتحدث بصوت أجش عميق.
شعرت وكأنه يأتي من مكان بعيد مكان ملبد بالذكريات المؤلمة التي لا يريد تذكرها ومن الجلي تماماً أن رؤية تلك الهند أثارت تلك الذكريات مرة أخرى.
سليم: هند كانت خطيبتي.
فتحت عيناها دهشة مما يقول ولكنها تابعت الحديث بهدوء:
مليكة: وبعدين؟
سليم: راحت اتجوزت هشام اللي كان أعز أصحابي لما عرفت أننا مش ناوي آخد فلوس من عيلتي وأبدأ لوحدي ومن ساعتها مشوفتهاش.
صمت سليم عن الحديث فلم تتفوه مليكة بحرف بل أشاحت وجهها عنه في هدوء وأخذت تطلع في الطريق ولم تعرف لما شعرت بكل تلك الغيرة وكل ذلك الألم.
لما تشعر بتلك الغصة في قلبها.
تسائلت في دهشة:
تري هل من الممكن أن يتأثر سليم الغرباوي بامرأة؟
هل كان يحبها لتلك الدرجة؟
ولكن يبدو بأنها قد نسيت أنه لا أحد ينسى حبه الأول مطلقاً.
حتى لو كان حباً طفولياً.
وحتى لو كان بسيطاً مهلهلاً ضعيفاً.
حباً عادياً.
ولو كانت تفاصيله سطحية.
ستظل تلك الرابطة تضرب في جذورنا.
تخاطبنا وتنادينا مهما مر العمر وابعد.
سيظل الحب الأول هو بداية تشقق زهور الحياة.
رواية بين طيات الماضي الفصل الثالث عشر 13 - بقلم منة الله مجدي
بعد وقت قصير إنطلقا هي ومراد وسليم إلى المطار.
جالت ببصرها في ربوع المكان ومن ثم تمتمت تسأل في دهشة:
"هو إحنا مش هنركب القطر؟"
ضحك سليم بخفة على دهشتها:
"لا يا مليكة، قطر إيه، إحنا هنسافر بالطيارة."
تطلعت ناحيته في ذعر ولكنها لم تتفوه بحرف كيلا يسخر منها.
حمل مراد الذي كان سعيداً للغاية باللعب مع والده وبفكرة الطائرة وصعدا سوياً على متنها. أما مليكة فكانت تجلس ترتعد بداخلها، فهي تكره الطائرات وتخاف منها بشدة، فما كان يمنع نزولها القاهرة بعد سفرها إسبانيا هو خوفها من الطائرات.
لاحظ سليم شحوبها قليلاً وأيضاً خوفها البادي بسهولة على وجهها، فابتسم بسخرية:
"متخافيش أوي كدة يا مليكة، مش هرميكي من الطيارة، ولو إن الفكرة عجبتني جداً."
ضيقت زرقاوتيها ورسمت ابتسامة صفراء على شفتيها.
انفجر سليم ضاحكاً ما إن شاهدها.
مليكة بتساؤل:
"أصلاً هو إحنا إزاي ينفع نسافر للصعيد بطيارة وهتنزل فين يعني؟ مفيش شرطة مثلاً هتمانع؟ أو قانون كدا يعني؟"
ابتسم سليم وتابع بأنفة وكبرياء غلفت نبرات صوته:
"أكيد مش هتمنع من إني أستخدم حاجاتي، دا غير إني معايا ترخيص."
هزت مليكة رأسها موافقة على حديثه ولم تعقب. فهو محق بالتأكيد، لن يمنع من استخدام ممتلكاته الخاصة.
بعد سويعات قليلة هبطت الطائرة في مطار الصعيد.
كانت هناك سيارة فخمة في انتظارهم، يقف خارجها شاب يبدو على ملامحه اللطف في العقد الثالث من العمر، مقرب لسليم كثيراً كما عرفت هي فيما بعد.
هبط سليم أولاً، فتهللت أسارير ياسر وذهب لاحتضان ابن عمه ورفيق طفولته وهو يتمتم بدفء:
"مرحباً يا ولد العم، إتوحشناك يا سليم، كيفك وكيف أحوالك؟"
ابتسم سليم وتابع:
"وإنت كمان واحشتني يا ياسر، والله أنا يا سيدي الحمد لله كويس. إنت إيه أخبارك وإيه اخبار عمتو وتيتا؟"
أردف باسماً:
"كلاتهم بخير يا سيدي ومتسنينك على أحر من الچمر. يلا بينا."
تمتم سليم بهدوء عائداً للطيارة:
"آه يلا، بس أصبر."
صعد سليم درجتين من سلم الطائرة وأردف بهدوء حسدته عليه مليكة وبشدة:
"إنزلي يا مليكة يلا."
هبطت مليكة على استحياء تحمل مراد النائم بين ذراعها، الذي حمله منها سليم على الفور.
فأشار ناحية ذلك الرجل القابع أمام السيارة باسماً بفخر:
"ياسر ابن عمي يا مليكة."
فتح ياسر عيناه دهشة، فهو قد ظن أنها مزحة من قبل سليم وسأل بدهشة:
"دي مرتك يا سليم؟"
تابع سليم بفخر لم تصدقه مليكة بالمرة:
"أيوة هي يا ياسر، مليكة مراتي ومراد ابني."
أومأ برأسه في ترحيب وتابع باسماً:
"كيفك يا مرت الغالي، نورتي البلد ومرحب بيكي بيناتنا."
ابتسمت مليكة بخفوت وتابعت بخجل:
"منورة بأهلها."
تمتم ياسر مازحاً:
"يلا يا سليم، هم بينا لحسن لو إتاخرنا أكتر من إكده، الكبيرة هتبيتنا في الزريبة."
صعدا سوياً إلى سيارة ياسر، بينما ياسر وسليم يتحدثان ويتضاحكان.
ساروا بين الطرق الترابية المتعرجة والأراضي الزراعية الخلابة حتى وصلوا إلى منزل كبير فخم للغاية عتيق المظهر.
وقعت عينا مليكة المضطربة على لافتة متوسطة الحجم من الرخام حفر عليها "قصر الغرباوي".
فتح الباب أحد الرجال كبار السن يرافقه شاب في بدايات العقد الثاني، رحبا كثيراً بسليم.
دلت السيارة إلى القصر في هدوء.
وبعد وقت قصير كانوا أمام البوابة الداخلية للقصر.
دلف ياسر أولاً يتبعه سليم، خلفهما مليكة التي تحمل مراد الناعس بين ذراعها.
رحب الجميع بسليم بحفاوة.
فسألت عبير باسمة بعدما ضيقت عيناها توجساً:
"مش تعرفنا على ضيوفك يا سليم يابني؟"
أردف سليم بجمود:
"دي مش ضيفة يا عمتو، مليكة مراتي ومراد ابني."
تعالت شهقات الصدمة، يمكننا القول والفزع أيضاً.
خبطت عبير على صدرها في صدمة وتمتمت بهستيرية:
"يادي الفضيحة... ميتي حوصل إكده يا سليم؟"
شعرت مليكة بالألم مما تفوهت به عبير الآن. أحقاً أصبحت فضيحة؟ أغمضت عيناها تبتلع غصة ألم تكونت في حلقها وهي تستعد لمواجهة الأسوأ.
تطلع مهران إلى شقيقته محذراً متمتماً في غضب:
"إكتمي يا عبير، أحسنلك عاد."
ثم نظر إلى سليم يسأل في هدوء:
"كيف يا ولدي؟"
طالع شاهين تلك الواقفة أمامهم بازدراء شديد وتابع بتهكم:
"وليه مجولتلناش عاد؟"
رمقه سليم بنظرة تحذيرية لم يفهمها إلا هما الاثنان.
وتابع بهدوء وثبات:
"أولاً يا جماعة، أنا متجوز مليكة بقالي خمس سنين، يعني الموضوع لسة مش جديد. ثانياً أنا وهي اتجوزنا بسرعة لأني خفت ترجع تاني إسبانيا فكان لازم أربطها جمبي. ولما كنا جايين نقولكوا اتشغلت بموضوع حازم الله يرحمه. وبعد كده هي بقت حامل وكانت ممنوعة من الحركة أصلاً. ولما جات الفرصة المناسبة أديني جبتها وجيت."
ساد الصمت أرجاء الغرفة الواسعة، أما مليكة فقد كانت الدهشة تعلو وجهها وبشدة على تعابير زوجها الهادئة.
أحاطها سليم بذراعه وسارا سوياً وهو يتمتم بعدم اهتمام:
"أنا رايح أشوف تيتا، عن إذنكوا."
دلفوا سوياً إلى الداخل ومليكة تشعر بأنها تكاد تفقد وعيها إثر التوتر. ترى ستقول جدته هي الأخرى كلمات تؤلمها كعمته أم أنها سترفض مقابلتها من الأساس؟ كان من الحماقة أن تأتي إلى هنا بهذه الطريقة.
تهللت أسارير خيرية ما إن شاهدت حفيدها، فهتفت في سعادة:
"سليم وحشتني يا ولد."
توجه سليم ناحيتها وقبل يدها ورأسها وتابع في حبور:
"وإنتِ كمان يا حبيبتي والله، عاملة إيه وإيه أخبار صحتك؟"
أردفت باسمة في حبور:
"زينة يا ولدي، نشكر الله."
***
في الخارج.
وقفت عبير تحدث زوجها وشقيقها في تلك المصيبة وهي تهتف في هلع:
"هنجول إيه للناس عاد؟ هنجولهم سليم عمل زي أبوه و زي أمجد الراوي وجابلنا واحدة من البندر، لا وإيه عاد مخلف منها عيل؟"
برقت عينا زوجها في غضب وهو يهتف بها في حزم:
"إكتمي يا ولية عاد، مش ناقصين ولولة حريم فاضية."
أومأت برأسها بعدما وضعت يدها على فمها في غضب عارم.
أردف مهران في هدوء وهو يهاتف زوجته:
"وداد، خدي عبير وأطلعي فوق دلوجت."
انصاعت وداد لأمر زوجها في هدوء، فأخذت عبير وصعدا معهما قمر.
نظر شاهين بتمعن لشقيق زوجته وكبير العائلة بعد وفاة والد سليم رحمه الله:
"عنديك حديت كتير يا مهران، جوله."
أسبل مهران جفناه بهدوء بعدما زفر بقوة وتابع:
"إحنا مع نجيبش سيرة لحد باللي حصل واصل... ونخلي مرت سليم وابنه يحضروا حنة محروس ود ذكريا. وهناك لما الحريم يسألوا يبجوا حريماتنا يخبروهم باللي حصل. وإحنا نوبجي نجول إننا عاملين عشاء في الدوار لأجل وصول مرت سليم وده بالسلامة."
ابتسم شاهين بفرحة، فالآن لن يضطروا لسماع الأقاويل في القرية بسبب فعلة سليم، ولكنه ما زال يتألم لأجل طفلته، فهو يعلم جيداً أنها تعشق سليم، ترى ما سيحل بها حين تعلم.
ولكنه تابع بابتسامة:
"زين الحل ده يا خوي."
مهران باسماً:
"يوبجي على خيرة الله."
***
في غرفة خيرية.
تطلعت خيرية إلى مليكة بحب ومودة وتابعت بدهشة بعدما برقت عيناها باستنكار محبب:
"إنتِ لساتك واجفة يا بنيتي، أجعدي عاد."
ابتسمت لسليم وتابعت مازحة:
"جول لمرتك تجعد يا سليم، إحنا مبنعذبوش حد."
همت مليكة بالجلوس على كرسي في أحد أركان الغرفة، فأشارت لها خيرية بالجلوس جوارها.
خيرية بحب:
"تعالي يا حبيبتي هنيه چاري."
نهضت مليكة وسارت إليها في هدوء شديد.
ابتسمت خيرية وتابعت بحب للمختبئ في أحضان تلك الفتاة:
"لافيني الغالي ود الغالي."
وضعته بين ذراعي خيرية التي ظلت تعوذه من أعين الحاسدين.
خيرية:
"ما شاء الله ولا قوة إلا بالله، كيف البدر المنور في ليلة تمامه، كيف أمه تمام."
أشارت خيرية لمليكة بالجلوس جوارها على الفراش.
أخذت خيرية تربت على يدها في حنو بالغ وهي ترحب بها بحرارة. كادت مليكة تبكي من فرط توترها ورقة كلمات هذه السيدة.
أردفت باسمة باعتذار:
"أنا عاوزاكي اليومين الچايين متضايجيش من أيتها حاچة، إني عارفة إن لسان عبير بتي عاوز حشه، وإنها بترمي قوالح طوب من خشمها، بس هي طيبة وهتحبيها كمان، بس في الأول بس لحد ما يتعودوا عليكي وعلي وچودك بيناتهم. أعذريهم يا بنيتي، سليم اللي غلطان عاد، كان المفروض جالنا جبلها، بس خير اللي حصل حصل."
أومات مليكة برأسها في هدوء موافقة لكلمات خيرية التي تعلم صحتها وبشدة.
نظرت خيرية لأعين مليكة بنظرة لم تفهمها الأخيرة بالمرة وتمتمت بصوت عميق:
"عينك يا بنيتي مش غريبة عني واصل."
سرت رجفة خفيفة في جسد مليكة لتلك النبرة الحنونة التي تتحدث بها تلك السيدة طيبة القلب.
ولم تعلق.
أخذوا يتسامرون ويتضاحكون قليلاً في عدة مواضيع.
وبعد ساعة.
ربتت خيرية على يد حفيدها بحب وطلبت منه في حبور أن يأخذ زوجته ويصعدا لغرفتهما، فقد كان طريقهما شاقاً ومرهقاً للغاية.
وبالفعل صعدا سليم ومليكة إلى الغرفة.
وضعت مليكة مراد النائم على الفراش ونظرت لسليم فوجدته قد خلع جاكيت بدلته وألقاه على الأريكة.
برقت عيناها وهي تسأله في هلع:
"هو إنت بتعمل إيه؟"
تمتم بإرهاق:
"زي ما إنتِ شايفة، بغير هدومي."
أجفلت لما يقوله وتابعت بتوتر:
"أيوة منا شايفة، قصدي يعني ماتغيرها في أوضتك."
زم شفتيه وتابع بضيق:
"مهي دي أوضتي."
ازدردت ريقها في اضطراب وتابعت تسأل في دهشة:
"طيب وإحنا هننام فين؟"
تمتم بحدة ضاغطاً على كل أحرفه:
"هنا برضوا."
برقت عيناها هلعاً وصاحت بدهشة:
"إيه... لا طبعاً."
ترك ملابسه التي كان يحملها بيده بغضب على الفراش وزفر بقوة متمتماً بحنق، أجفلت هي على أثره:
"مليكة، إحنا مش في بيتنا يعني مش هينفع هنا أقولهم شوفولي أوضة تانية علشان أنا ومراتي مبنامش في أوضة واحدة."
تراقصت الكلمات على شفتيها تلعثماً وهي تهم بالاعتراض:
"بس..."
استطرد حانقاً:
"مبسش يا مليكة، نامي وإنتِ ساكتة، أنا تعبان جداً وعاوز أنام."
تمتمت بخفوت:
"أنا هنام على الكنبة خلاص."
أمسك سليم ذراعها بقسوة وحدق في عيناها بغضب أرعبها:
"مليكة، متعصينيش، إنتِ هتنامي على السرير ومعايا."
ثم تابع بسخرية:
"ومتخافيش، إنتِ لو أخر ست في الدنيا مش هاجي جمبك."
سيطرت بصعوبة على تلك الرجفة التي سرت في جسدها إثر نظراته الغاضبة التي أرعبتها حد الموت وتمتمت بعناد وغضب أيضاً:
"وإنت لو أخر راجل في الدنيا يا سليم، أنا مش عاوزاك."
تركها بتقزز وهو يتابع بازدراء ساخراً:
"كويس، حاجة متفقين عليها."
دلفت مليكة المرحاض وقررت أن تأخذ حماماً دافئاً عساه يهدئ أعصابها المتوترة وجسدها المشدود.
وبعد وقت قصير خرجت من المرحاض بعد أن ارتدت ثوباً قصيراً أحضرته للنوم.
أخذت تلعن نفسها كثيراً، فهي اعتقدت أنها ستبيت في غرفة هي ومراد بعيداً عن سليم، لهذا أحضرت ثياباً عادية للنوم. وعندما وصلت إلى الفراش وجدت مراد يرقد في أحضان سليم، فابتسمت وزفرت بقوة.
آه، كم يشبه ذلك العفريت الصغير.
دلفت إلى الفراش في هدوء كيلا تزعج نومهما.
بعد وقت طويل استيقظ سليم من نومه على صوت بكاء خافت وشهقات مكتومة وبعض الهمهمات.
في بادئ الأمر اعتقد أنه مراد، فاحتضنه وأخذ يربت على ظهره في حنو بالغ، ولكن لم يقل الصوت بل ازداد، ففتح عينيه في صعوبة محاولاً نفض النوم بعيداً، فوجد مراد هادئاً للغاية، وأن مليكة هي من تبكي.
كانت نائمة في وضع الجنين كعادتها، يغطي وجهها الكثير من الدموع. تتناثر قطرات من العرق على جبينها ووجنتها.
تصرخ تارة بوالدها وتارة أخرى بوالدتها وتارة بعاصم.
مليكة بألم:
"بابا... لا بابا... متسبنيش."
"عاصم... إستني... عاصم لا... ماما..."
شعر سليم بالغضب الشديد، ترى من هذا العاصم الذي تدعوه في أحلامها؟ آه على حواء تلك، ألا تخجل؟ ترقد بجوار زوجها وتحلم برجل آخر.
زفر بعمق متمتماً في غضب:
"اللعنة عليكي يا امرأة."
أيقظها في غضب، فنهضت فزعة من نومها وجدت سليم يطالعها بغضب، وتكاد تقسم أن عيناه حمراوان مثل الدم.
سليم بغضب:
"كنتي بتحلمي بمين يا مليكة؟"
أردفت بنفس مثقلة وألم، ولا ضرار أيضاً من بعض الفزع من هيئته:
"ببابا."
نهض في غضب وجذبها من أعلى الفراش، جاراً إياها خلفه إلى حجرة الاستقبال الموجودة بالمندرة كيلا يوقظ مراد.
تحدث بغضب وهو يضغط على كل حرف يخرج من فمه:
"مليكة، كنتي بتحلمي بمين؟"
أردفت بألم:
"سليم، سيب إيدي."
هتف بها بغضب هادر:
"أقسم بالله هقطعهالك حالا إذا ما نطقتيش، كنتي بتحلمي بمين؟"
تلعثمت الكلمات على شفتيها خوفاً وأردفت بصدق:
"والله كنت بحلم ببابا."
جذبها سليم بعنف أكبر:
"متكدبيش يا مليكة، إنتِ قولتي عاصم."
حدقت به بدهشة وتابعت بتلقائية:
"عاصم دا أخويا يا سليم."
زاد سليم من الضغط على ذراع مليكة وتابع بغضب:
"متعصبينيش يا مليكة، أنا مش أهبل، من إمتى وإنتِ عندك أخ أصلاً؟"
تألمت مليكة من قبضته بشدة، ولكن ما آلمها أكثر هو نظرات الشك والإشمئزاز في عينيه. اجتاح قلبها المسكين غصة ألم قاتلة، ألا يكفيها ما تعيشه حتى ترى كل ذلك الإشمئزاز والكره في عينيه؟
ولكن يبدو أنكِ نسيتي طفلتي بأن الذي يفتش عن أخطائك... لن يجد سواها.
فامتلأت عيناها بالدموع ولكنها تمتمت بثبات:
"أنا مش بكدب يا سليم، وإنت لو مش حابب تصدق، متصدقش، بس عاصم دا يبقي أخويا. وبعدين إنت إيه... إنت إزاي فاكرني كدة؟"
ضحك سليم بسخرية مريرة وتابع:
"أنا مش بتبلي عليكي يا مدام مليكة. يعني دا أكيد واحد من ضمن الرجالة الكتير اللي تعرفيهم، واللي مكنتيش عارفة مين أبو مراد بسببهم... يعني علاقتك الكتير دي أكيد صعب تنسيها، يعني علشان اتعودتي عليها."
صرخت به مليكة بألم وحزن وهي تحدق فيه بتحدي يخبئ وراءه ألم قاتل، كاد يفتك بها، بل وبه أيضاً!
مليكة:
"أنا بكرهك يا سليم يا غرباوي، بكرهك."
شعر بغصة تجتاح قلبه المسكين ولكنه تطلع إليها بسخرية متناهية، ثم تركها وعاد مرة أخرى إلى فراشه يرقد جوار مراد صغيره العزيز.
ظل ينظر إليه وهو يربت على رأسه في هدوء.
ثم زفر بقوة:
"إنتَ الحسنة الوحيدة لمليكة يا مراد."
أما مليكة فإنهارت مكانها وأخذت تبكي بشدة. فقد كانت تتألم حقاً، ألا يكفيها ابتعاد والدها وشقيقها؟ لا بل أيضاً سليم يشك بها. هي من فعلت هذا بنفسها، لو أخبرته الحقيقة منذ اللحظة الأولى لكانت حياتهما أفضل.
تنهدت بعمق، فهي تعرف جيداً أن حياتها كانت ستكون أسوأ، لأنه من المؤكد كان سيأخذ منها مراد.
فعلى الأقل هي الآن بجانب تلك الذكرى الوحيدة التي تبقت لها من عائلتها.
قررت أن تنهض لأداء الصلاة عساها تجد عند الرحمن ما يريحها، ففي رحمة الله أبواب مجنحة، تؤوي القلوب التي عانت وتؤوينا.
وهي تصيح داعية في جزع:
"أنت تعلم كم أجاهد يا الله... وحدك تعلم ما بي من صراعات أنهكت روحي وأرهقتها... ووحدك تعلم ما أخفي نفسي عنه ولا يزال يطاردني... اللهم حكمة... اللهم قوة... اللهم ثبات..."
انتحبت بقوة وهي تردد بعزتك رباه أجبر ما تحطم في دواخلي.
رواية بين طيات الماضي الفصل الرابع عشر 14 - بقلم منة الله مجدي
في صباح اليوم التالي، استيقظ سليم فوجدها نائمة على سجادة الصلاة في غرفة الجلوس التي تركها بها في الأمس. لم يعرف لماذا تألم بشدة لمظهرها هذا. هو يعرف أن غضبه هادر في بعض الأحيان، ولكن هي أيضاً أخطأت.
زفر بعمق وهبط لمستواها، فاستطاع أن يرى بوضوح أثر أصابعه التي أصبحت زرقاء على معصمها المرمري. انكمشت ملامحه إثر الغصة التي اعترت قلبه، فزفر بعمق وحملها إلى الفراش. أخذ يتطلع إليها بألم. هو يعلم أنه آلمها بالأمس، ولكن بتلك الطريقة ستتذكر جيداً أنها الآن زوجة سليم الغرباوي، لهذا لا يجب عليها حتى التفكير في رجل آخر.
وضعها على الفراش بهدوء وترك مهمة إيقاظها لمراد الذي بدأ يستفيق.
استيقظ مراد فجلس على الفراش وأخذ يوقظ والدته النائمة.
مراد: مامي مامي... ييا إثحي بقي... بابي ثحي وإنتِ لثة.
ثم أخذ يتحدث بلغته غير المفهومة بضع جمل.
استيقظت مليكة على قبلات مراد التي توقظها. ابتسمت بهدوء واحتضنته، طابعة قبلة حانية على وجنتها. أضاءت عيناه فرحاً لدي استيقاظ والدته.
مراد: مامي مامي ييا.
مليكة باسمة: صباح الورد يا عيون مامي من جوة.
ابتسم مراد بسعادة.
مراد: ثباح الخيل يا مامي.
دلف سليم إلى الغرفة في تلك اللحظة وتابع بحدة.
سليم: يلا علشان الفطار هنا بمواعيد.
مليكة بغضب: طيب.
ركض مراد لوالده بسعادة كي يلعب معه.
نظرت مليكة حولها فوجدت نفسها في الفراش. أخذت تفكر في أنها لم ترقد على الفراش، فمن أحضرها إليه؟ أجفلت لوهلة حينما فكرت أن سليم هو من وضعها على الفراش. ثم نهضت بهدوء.
ارتدت عباءة سوداء مزركشة بخيوط سيوية في غاية الإتقان والروعة والجمال، وارتدت فوقها حجابًا باللون الأبيض. كانت تبدو في غاية الجمال.
خرجت إلى سليم الذي توقف عن ملاعبة مراد ما إن رآها، فقد نالت إستحسانه كثيراً بهذه الملابس. هبطوا سوياً إلى الأسفل.
كانت مليكة متوترة للغاية. اتجه سليم للجلوس مع أعمامه وياسر ابن عمه. أما مراد، فذهب مع إحدى الفتيات الصغيرات التي تبدو في عامها الخامس ليلعبا سوياً.
وقفت مليكة وحدها لا تعرف إلى أين تذهب أو ماذا تفعل، حتى جاءت منقذتها.
قمر باسمة: صباح الخير يا حبيبتي.
مليكة باسمة: صباح النور.
قمر بحبور: أني جمر مرت ياسر.
مليكة باسمة: أهلا يا قمر، اسمك جميل أوي.
ضحكت قمر مازحة.
قمر: لا الحديت ده إحنا اللي المفروض نجوله.
ابتسمت مليكة بخجل وتابعت باضطراب.
مليكة: في أي حاجة أساعدكوا فيها.
ابتسمت قمر بارتياح وتابعت بحماس.
قمر: تعالي هاخدك معايا وإحنا بنحط الوكل عشان الفطور.
وبالفعل أخذتها قمر وعرفتها على وداد والدة ياسر. أخذت مليكة وقمر تتحدثان وتتضحكان بهدوء وهما تعدان المائدة. فقررت عبير أن تضايق تلك الفتاة قليلاً. فوقفت تنظر إليها بغضب وكره خفي لا تعلم مليكة سببه، هاتفة بحنق.
عبير: إيه يا جمر هنسيب شغلنا ونجفوا نضحكوا ونتسايروا عاد.
تمتمت قمر بهدوء.
قمر: أنا بشتغل يا خاله أهه متجلجيش.
ابتسمت مليكة بارتباك وتابعت بهدوء.
مليكة: متقلقيش حضرتك أنا هساعدها وهنخلص أهو.
جاءت وداد لإنقاذ الموقف.
وداد: سيبهم عاد يا عبير وتعالي.
أخذتها وداد ووقفت تحدثها بهدوء.
وداد: في إيه يا عبير.... مهران جال إنه لجي الحل اللي هيحل بيه الموضوع من غير فضايح كيف ما إنتِ رايدة.
رمقتها وداد بنظرات حذرة متوسلة.
وداد: سيبي البنيه في حالها بجي وخليها تاخد علينا وتحس إنها بجت منينا يا عبير..... إنتِ عندك بنيه.
احمر وجهها غضباً وتابعت بتهكم.
عبير: جصدك إيه يا وداد.....جصدك إني مش طايجاها و إني بتلككلها عاد.
ابتسمت وداد بهدوء وتابعت.
وداد: هو من الناحية دي فإنتِ فعلاً مش طايجة البنية من لما عرفتي إنها مرت سليم.
أشاحت عبير ببصرها بعيداً عن وداد التي تعلم أنها محقة للغاية. تابعت وداد بالم.
وداد: سليم ولدنا يا عبير ومش عاوزين نحسسه إنه بجي غريب كيف ما حوصل مع زين أبوه الله يرحمه.
زفرت عبير بغضب وتابعت بتهكم.
عبير: طيب عاد يا وداد.
في غرفة الطعام، ابتسمت قمر بتوتر وتابعت.
قمر: معلش عاد يا مليكة هي خالتي إكده بس هي طيبة والله.
أردفت باسمة.
مليكة: عادي يا حبيبتي مفيش حاجة متقلقيش.
جاءت همس ومراد يتضحكان.
همس: ماما أني چعانة عاد عاوزة أكل وكمان مراد.
هبطت مليكة لمستواهم ونظرت لقمر وهي تتساءل بحبور.
مليكة: بنتك يا قمر.
أردفت همس باسمة.
همس: أيوة واسمي همس.
قبلتها مليكة بحبور وأردفت بلطف.
مليكة: إنتِ عسولة خالص يا همس ربنا يحفظك يا حبيبتي.
ابتسمت قمر.
قمر: أمين.
ثم أردفت بجدية للأطفال.
قمر: أجعدي يا همس إنتِ ومراد إهنيه خمس دجايج والوكل يكون إتحط.
وبالفعل أُعدت المائدة واستدعت وداد الجميع. جلس الجميع إلى المائدة التي على رأسها جلست خيرية لتناول طعام الإفطار. كانوا يتحدثون ويمزحون سوياً.
شعرت مليكة بالألفة بين أفراد تلك العائلة وتذكرت عائلتها الصغيرة. كانوا هم أيضاً يجلسون على المائدة لتناول الطعام ويتضحكون ويمزحون كثيراً. أغمضت عيناها بألم شديد وابتلعت غصة ألم تكونت في قلبها، فلقد اشتاقت إليهم حقاً.
لاحظ سليم شرودها وعلامات الألم البادية على وجهها. فتحت عيناها التي امتلأت بالدموع فوجدت سليم يتطلع إليها في دهشة. تقابلت عيناهما لبرهة وكأنها تتوسله. ولكن من أجل ماذا؟ أ من أجل الحب؟ العطف أم الاهتمام؟
شعرت بأن الجو العام يخنقها. فاعتذرت بهدوء لعدة دقائق ونهضت عن المائدة. مالت خيرية على حفيدها قليلاً. ضيقت عيناها وتابعت تسأله بريبة.
خيرية: إنتَ مزعل مرتك ولا إيه يا سليم.
أردف هو بهدوء.
سليم: ليه يا تيتا بتقولي كدا.
سألت خيرية بلوم.
خيرية: مرتك جامت متضايجة وحزينة روح شوفها يا ولدي.
أردف هو بهدوء.
سليم: بيتهيألك يا خوخا.........هي كويسة.
هو يعلم صحة حديثها. نعم يعلمه، فلقد رأى عيناها منذ قليل، ولكن هو الآخر لا يعرف لماذا.
نهرهت هي قائلة.
خيرية: جوم يا ولدي وإسمع الحديت......جوم شوفها.
وبالفعل نهض سليم على مضض ليرى مليكة. نعم على مضض. فهو خائف. نعم خائف بشدة أيضاً. يخاف من قلبه، ذلك اللعين الذي يخاف من ضعفه.
دَلفت مليكة إلى حجرتها تاركة لدموعها العنان كي تخفف من هذا الشعور بالألم الذي يكاد يحرق قلبها وروحها. أخذت تمني قلبها ونفسها، تحثهما على القوة وعدم الضعف، ثم أردفت متسائلة بسخرية.
مليكة: إنتِ من إمتي يعني محتاجة حد جمبك ما إنتِ طول عمرك عايشة لوحدك ومش محتاجة حد. من إمتي وانتي محتاجة دفا وحنان وحب والكلام دا. إياكي تضعفي يا مليكة لو ضعفتي هتروحي في داهية وتبوظي كل حاجة.
جففت دموعها ونثرت بعض الماء على وجهها كي تخفي أثر البكاء وهمت بالذهاب للخارج، ولكنها ما إن فتحت الباب حتى وجدت سليم أمامها.
رمقه سليم بقلق يخفيه خلف الحدة التي غلفت صوته.
سليم: إيه اللي قومك من علي السفرة.
أردفت هي مضطربة.
مليكة: مفيش حسيت بس بشوية صداع فقومت أخد مسكن.
كان سليم يعلم أنها تخبئ شيئًا ما وأنها لا تخبره الحقيقة، فقد لاحظ عيناها المنتفختان وزرقاوتيها المعكرتان. شعر برغبة عارمة في ضمها إلى ذراعيه، ولكنه تراجع في اللحظة الأخيرة عندما خيل له أنها تبكي بسبب تذكرها لعاصم، ذاك الرجل الذي استدعته في حلمها.
سليم بقسوة: طيب يلا مينفعش نسيبهم كل دا عيب.
عادا سوياً إلى المائدة. ابتسم سليم لجدته كي يطمئنها.
سليم: قولتلك مفيهاش حاجة يا خوخا إنتِ اللي مكبرة الموضوع.
بعد انتهاء الإفطار، سمعت مليكة صوت وصول أحد ما تبعه أصوات ترحيبات كثيرة.
قمر: دي فاطمة وصلت.
تساءلت مليكة بدهشة.
مليكة: مين فاطمة يا قمر.
أردفت قمر باسمة.
قمر: بنت عمتي عبير وتوبجي بنت عمة سليم. كانت في الكيلة ولساتها چاية.
أما فاطمة، فكانت تبحث عن سليم بعينيها في أرجاء المكان. احتضنتها قمر.
قمر: حمد علي السلامة يا فاطمة.
أردفت فاطمة باسمة.
فاطمة: الله يسلمك يا جمر.
أشارت قمر لمليكة لتعرفها على فاطمة. سألت فاطمة باسمة.
فاطمة: أهلين بيكي إنتِ الضيفة اللي چاية مع سليم.
أردفت مليكة باسمة بحبور.
مليكة: أهلاً يا فاطمة أنا مليكة مراته.
تلاشت ابتسامة فاطمة تدريجياً من هول ما سمعته، وكادت أن تفقد وعيها. تري هل ما سمعته بأذنيها صحيح؟ أم أن أذنيها قد خدعتها؟ لا، هي متأكدة أن ما سمعته صحيح، ولكن كيف ومتى. لم تشك مليكة بشيء من ناحيتها، فهي تعلم أن لها الحق في أن تصدم كرد فعل الجميع بالأمس.
حضرت عبير للترحيب بابنتها وأخذها لغرفتها. صعدا الاثنان سوياً، وعبير ترمق مليكة بنظرات غاضبة، ساخطة، وحاقدة أيضاً. أخذت قمر مليكة وخرجا للجلوس في حديقة القصر.
***
أما في غرفة فاطمة، تمتمت فاطمة بغضب وحقد.
فاطمة: جوليلي إن الحديت الماسخ اللي سمعته تحت ده مش صوح.......جوليلي إنه غلط ومحصولش.
أردفت عبير بألم.
عبير: إهدي يا بنتي ومتجطعيش جلبي عليكي عاد.
اتسعت حدقتاها بصدمة وتابعت بضياع.
فاطمة: يعني الحديت دا صوح وهي مرته.
احتضنتها عبير بقوة، فأردفت هي وصوتها يقطر ألماً.
فاطمة: ليه يا أماي يعمل معايا إكده ليه يتچوز واحدة تانية وهو خابر إن الكل كان بيجول فاطمة لسَليم وسَليم لفاطمة. ليه جوليلي ليه.
أسدلت عبير جفنيها بألم وتابعت بهدوء.
عبير: النصيب يا بنيتي النصيب كل شي جسمة ونصيب......إنسيه يا فاطمة...... إنسيه يا حبيبتي وأني هچوزك سيد سيده.
أظلمت عيناها حقداً وجاشت ملامحها غضباً.
فاطمة: أني هنساه فعلاً يا أماي وجسماً باللي خلجني وخلجهم لهوريهم هما التنين.
رواية بين طيات الماضي الفصل الخامس عشر 15 - بقلم منة الله مجدي
في الحديقة
جالت قمر ببصرها في وجه مليكة في إضطراب وأردفت
قمر: مخبراش إن كان سليم خبرك بالحديت اللي هجوله دلوجت ولا لع بس أني هجوله
إعتري مليكة القلق كثيراً لحديث قمر فسألتها في قلق
مليكة: في إيه يا قمر
أردفت هي بهدوء
قمر: بصي يا حبيبتي كل العلية كانوا مرتبين چواز فاطمة من سليم لما فاطمة تخلص چامعتها علشان إكدة إتصدموا في الأول وعلشان إكده برضك خالتي عبير متضايجة منيكي وطبعاً أكيد كمان فاطمة
جحظت عينا مليكة صدمة مما تسمعه
مليكة: بس أنا مكنتش أعرف حاجة زي دي
أردفت قمر بإضطراب
قمر: بصي يا مليكة أني خبرتك بس علشان توبجي فاهمة ومتزعليش منيهم هم طيبين والله بس زي ما جولتلك هما بس مصدومين و أول ما يتعاملوا معاكي هيحبوكي وهينسوا كل حاچة فمتجلجيش كل الموضوع حبة صبر
زفرت مليكة بعمق و هي تتسائل بداخلها في سخرية
أه يا تري كم إمراة بعد أوقعتها يا سليم.....لا تستطيع أن تلومهم فهي قد وقعت في أسره منذ اللحظة الأولي نعم وكأنه لا يكفيها من حياتها آلماً وعذاباً لا بل أحبت هي رجلاً كل الطرق لا تؤدي اليه!!!!
أخبرتهم خيرية بزفاف محروس وطلبت من مليكة الإستعداد هي ومراد للذهاب معهن
وبالفعل إستعدت النساء وإرتدين ثياباً مزخرفة مزينة تليق بالمناسبة وأيضاً باسم العائلة ومكانتها
وبالفعل توجهن الي المكان المخصص إليهن
وعلي الناحية الأخري إستعد الرجال بإرتداء الجلباب الفلاحي وإرتدي البعض منهم العمم وتوجهوا الي المكان المخصص لهم في موكب مهيب يليق بإسم عائلة الغرباوي
يجلس سليم بين الرجال وبين أحضانه مراد طفله الصغير الذي أسر الجميع ببرائته وملامحه وأيضاً بشقاوته أخذ الجميع يرحب به فها هو ابنهم الغائب قد عاد الي الوطن ها هو طيرهم قد عاد لموطنه
بارك مهران لمحروس وأعلن مفاجئته وسط الجميع بأن سليم ابنهم قد تزوج وبأن الجميع مدعون غداً الي الدوار الكبير لتناول العشاء علي شرفه وشرف زوجته وطفلهما
وكذلك فعلت خيرية فقد عرفت عن مليكة منذ الوهلة الاولي ودعت السيدات الي المنزل لتناول العشاء
سعد بها البعض وحزن البعض ممن كانوا يرتبون لتزويج سليم لابنتهم ولكن مليكة حظيت بالكثير من المحبة والود فحقاً أؤلئك الناس طيبون للغاية
في صباح اليوم التالي
إستيقظ سليم مبكراً وذهب مع ياسر للإشراف علي أمور الكفر والأراضي الزراعيه......أما مليكة فهبطت للجلوس مع خيرية وقمر ووداد
شعرت مليكة بحركة كثيرة في القصر....وتجهيزات عديدة في الصحن فأردفت متسائلة في دهشة
مليكة: إيه الحركة الكتير اللي في البيت دي يا قمر
أردفت قمر باسمة بحبور
قمر: النهاردة هيوبجي فيه عشا في الدوار الكبير علشان چوازكوا إنتِ وسليم
تابعت خيرية باسمة في فخر
خيرية: دا هيوبجي بدال الفرح يا بنيتي
أردفت مليكة متسائلة
مليكة: طيب يعني هو أنا المفروض ابقي موجودة صح
أجابتها وداد باسمة
وداد: صوح يا بنيتي بس الكلام ديه لو في ستات
چم .....فإنتِ هتنزلي تجعدي وسطيهم علشان يرحبوا بيكي بيناتهم
أومأت مليكة برأسها في هدوء
ظلت السيدات في غرفة خيرية يتسامرن ويضحكن حتي ميعاد قيلولتها فصعدت مليكة لتأخذ حماماً وتستعد للعشاء وزيارة السيدات أما وداد فذهبت كي تري ماذا فعلت السيدات بالعشاء وذهبت قمر للإطمئنان علي همس ومراد
دلفت مليكة لمرحاض غرفتها وفتحت المياه كي تظبط حرارتها ولكنها فجاءة سمعت إحدي الخادمات تطرق باب غرفتها بعنف
أغلقت مليكة المياة بعدما ظبطتها وخرجت مسرعة لتفتح الباب متسائلة في دهشة
مليكة: في حاجة
هتفت بها الفتاة بهلع
الفتاة: إلحجينا يا ست مليكة سي مراد وجع وهو بيلعب وإيده انچرحت
شهقت مليكة بفزع بعدما إرتعد قلبها وركضت مهرولة لتري طفلها......ولكن عندما هبطت وجدت قمر تلعب معهما في هدوء ومراد بخير حال حتي إنه يلعب ويضحك في سعادة منقطعة النظير
شاهدتها قمر فتوجهت إليها في دهشة
قمر: مليكة!! في إيه عاد.........مالك نازلة بتچري إكده ليه حوصل حاچة
سألت مليكة بقلق
مليكة: مراد كويس يا قمر
حدقت بها قمر وأردفت في دهشة
قمر: مهو بيلعب وبيچري جدامك أهه.... في إيه!!!
أردفت مليكة بعدم فهم
مليكة: أصل واحدة من البنات اللي هنا طلعت وقالتلي إن مراد وقع وإتعور فأنا نزلت جري علشان الحقه
هتفت قمر بدهشة
قمر: مفيش حاچة يا مليكة أني مهملتهمش واصل وجاعدة معاهم متجلجيش وروحي شوفي كنتي بتعملي ايه
أردفت مليكة باسمة بحبور
مليكة: ماشي يا قمر
عادت مليكة الي غرفتها مطمئنة ولم تفكر حتي في كلام تلك الخادمة فقد ظنت أنها أخطأت
عادا سليم وياسر سوياً للمنزل فركض إليه مراد كعادته........حمله سليم للداخل وهما يضحكان وخلفهما ياسر وقمر وهمس
وفجاءة سمعوا صوت صرخة قوية تأتي من الأعلي
هتفت قمر متسائلة في قلق
قمر: مين اللي صرخ إكده عاد
صاح سليم بلهفة راكضاً للأعلي
سليم: مليكة
ركض الجميع للأعلي بفزع ......فدلف سليم للداخل وخلفه قمر وبقي ياسر بالخارج
حفاظاً علي حرمة زوجة ابن عمه
طرق سليم باب المرحاض بعنف وهو يسأل في قلق
سليم: مليكة إنتِ كويسة
خرجت مليكة من المرحاض ترتدي الروب تمسك بأعلي كتفها الأيسر وأسفل ظهرها يبدو الألم جلي تماماً علي قسماتها
هتفت بها قمر تسألها في قلق
قمر: مليكة إنتِ اللي صرختي إكدة عاد
أومات مليكة راسها بألم
أمسك بذراعيها وهو يتفحصها في قلق
سليم: فيكي إيه يا مليكة إنتِ كويسة
أردفت هي بدموع
مليكة: الماية السخنة حرقت كتفي
أجلسها سليم علي الفراش بحنان وقلق في أن واحد فتح مقدمة روبها وأنزله قليلاً كي يتمكن من رؤية كتفها.....إنكمشت ملامحه و شهقت قمر من مظهر كتفها فقد تأذي بشدة
هتف سليم بقلق
سليم: إيه دا
أردفت هي وقد غشا زرقاوتيها ستاراً من الدموع
مليكة: مش عارفة أنا.......أنا كنت مظبطة الماية ويدوبك بس نزلت وطلعت لما فتحتها كانت أكنها مغلية
دلفت قمر للمرحاض كي تري ماذا حدث
وضع سليم يده بالخطأ علي موضع سقوطها
فأنكمشت بجسدها الصغير بعدما تجعدت قسماتها
آلماً ......ظن سليم أنها إبتعدت عنه لأنها لا تطيق لمسته.......ففجأة تحول الدفئ في عينيه الي قسوة وبرود آلمتها وجعلت جسدها الصغير يرتعد وقلبها يصرخ باكياً
اااه يا لك من أحمق زوجي العزيز.... أه يا معذبي
لما كل هذا البرود والقسوة لما..... ماذا ظننت أظننت أني أكره لمستك
في المرحاض
وجدت قمر أن مؤشر المياه يشير لأعلي درجة حرارة وأيضاً يوجد الكثير من الصابون المسكوب علي الأرض فخرجت من المرحاض تسألها بهلع
قمر: إنتِ وجعتي يا مليكة
همهمت مليكة بخجل وهي تطالع سليم وكأنها تخبره سبب إبتعادها
مليكة: وأنا طالعة إتزحلقت
وتابعت بآلم كي يعلم سليم لما إبتعدت عنه
مليكة: ضهري واجعني
فهم سليم كل شئ وإتضحت أمامه الصورة بشدة
طلب سليم من قمر أن تساعد مليكة علي إرتداء ثيابها بينما وقف هو خارجاً ينتظرها يقص علي ياسر ما حدث
إنتهت قمر فدلف الرجلان للداخل
أردفت قمر مضطربة
قمر: الموضوع كدة مش طبيعي..... يعني الصابون المدلوج والسخان إكده مش طبيعي واصل
فكرت مليكة أنها إذا أعربت عما يعتريها ستثير المشاكل في المنزل وهذا اخر ما تريده فقررت تحويل مسار الموضوع وهي تحاول أن تفسر الموضوع بصورة طبيعية
ولكن سليم لم يقتنع وخصوصاً بعد أن سمع حكاية الفتاة التي جائت تدعوها لرؤية مراد
تطلع الرجلان لبعضهما وكأنهما قد عرفا من الفاعل
فمن له مصلحة في أذية مليكة غيرها.... نعم هي
فاطمة..... قرر سليم ألا يمرر تلك الفعلة علي خير ولكن الأن سيقوم بأخذ مليكة للمستشفي
مرت الأيام في روتين طبيعي بين حدة عبير وفاطمة مع ملكية وبين محاولات قمر ووداد وخيرية لجعل مليكة تنسجم بينهما وتشعر بأنها وسط عائلتها
وما عزز موقفها هو موقف سليم بعدما عادا من المستشفي
تتذكر حينها كيف دلف للداخل غاضباً وطلب أن يجتمع الجميع في صحن القصر من الخدم وأهل المنزل
وقف يصيح غاضباً
سليم: كلمة ومش هكررها تاني واصل وياريت تسمعوها وتوبجي حلجة في ودن الكل.....مليكة مرتي واللي يمسها يوبجي مسني أنا ومتفكروش إني مش دريان باللي بيوحصول.......أني عارف زين مين اللي عمل إكده وعارف ليه و وحيات اللي خلجني وخلجه ما هعديهاله
إرتعدت أوصال فاطمة كثيراً يومها حتي كادت أن تعترف ولكنها تراجعت في أخر لحظة
سألتها خيرية عن عائلتها فأخبرتها مليكة بالحقيقة دون ذكر أن والدها أخذ شقيقها وتركهما فأخبرتها أنه قد توفي في حادث ما هو وشقيقها
وبعد مرور عدة أيام
ملت مليكة من الجلوس الدائم وقلة الحركة فقررت النهوض والخروج للمروج الخضراء التي شاهدتها في طريقة
للقصر .....تمتع ناظريها قليلاً
بتلك الجنة الخضراء الخلابة التي لاطالما سمعت عنها......فنهضت وإرتدت ثيابها وطلبت من قمر أن ترافقها.......التي وافقت علي مضد فهي تعلم جيداً إذا علم سليم بالأمر فسيقتلها فوراً دون أن يرف له جفن.....فهو يغار علي مليكة كثيراً.....ومن الجلي تماماً الذي لا يلحظه هو بنفسه.......أنه يحب مليكة لا بل هو يعشقها.......ومن لا يحبها فهي فتاة رائعة للغاية
إرتدت مليكة ثيابها وخرجت الأخيرة ومعها قمر الي
الحقل .....بُهرت حقاً بتلك الخضرة رائعة الجمال وتلك المظاهر الخلابة التي تحيط بهم
أخذت الفتاتان تضحكان وتتحدثان كثيراً ولكن فجاءة وأثناء حديثهما سمعا صراخ طفل صغير
إلتفتا سريعاً في هلع ففزعا لما يحدث...... فقد شاهدا طفل يبدو في السابعة من عمره قد علقت إحدي قدماه في أحد السواقي التي تقودها المواشي.....أخذ يتطلع ناحية تلك البهيمة التي قاربت علي دهسه بفزع صارخاً محاولاً تخليص قدمة الصغيرة قبل أن تدهسها تلك الماشية
شهقت مليكة بهلع وهي تركض ناحيته فقد كانت البهيمة علي بعد خطوات حقاً من دهس ذلك الصغير.......جثت علي ركبتها بسرعة فائقة لم تصدقها حتي هي...........خلصت قدمه العالقة وإحتضنته بكل قوتها.......فكان جسدها يمثل له درعاً بشرياً من ضربات تلك الماشية الغاضبة
تلقت هي كل الضربات من تلك الأخيرة المغمضة العينين........لم تعرف حتي لما فعلت هذا ....أ لأنها تخيلته مراد......أم هو قلب الأم..... حقاً لا تعلم
رواية بين طيات الماضي الفصل السادس عشر 16 - بقلم منة الله مجدي
كانت تتلقى ضربات تلك الماشية بشجاعة غير معهودة، غير عابئة بكم الألم الهائل الذي تشعر به في ظهرها.
يكاد يقتلها.
تتساقط دموعها كالسيول في يوم شتوي ممطر، في صمت تبتسم بهدوء لطمئنة ذلك الصغير الباكي بين ذراعيها.
أخذت قمر في الصراخ والصياح حتى جاء ياسر وسليم على صوتها.
لم يكونا هما فقط من حضرا، بل جاءت البلد بأكملها.
شعر سليم بقلبه يغوص بأخمص قدميه حينما رآها بتلك الهيئة، فركض مسرعاً هو وياسر.
أمسك ياسر تلك الماشية الرعناء.
وحمل سليم زوجته الباكية التي بدأت تفقد وعيها من شدة الألم.
حدق فيها بقلق، سمح له أن يطل من خضراوتيه وهو يسمعها تهمس بأنين ناعم كما رنة نبرتها.
مليكة: سليم...
تأمل قسماتها المتألمة للحظات.
لحظات تعرف فيها قلبه على ألم ما ذاق مرارته يومًا.
أخذها إلى المنزل وخلفه سيارة ياسر ومعه قمر وذلك الطفل الصغير الذي لا يعرفون أهله بعد.
بعد دقائق معدودة، كانوا قد وصلوا إلى منزل العائلة.
وبعد عدة محاولات، نجح في حملها.
فتأوهت بوجع مزق قلب حديث الولادة في دنيا الحب.
وصعد بها لغرفتها.
أسرع واضعًا إياها على الفراش بحذر.
انتفض قلبه وروحه مع صرختها إثر لمس الفراش لظهرها.
فتشتت وما عاد يدري ما التصرف السليم وهو ينظر إلى جميلته الباكية المتألمة.
لذا ترك العنان لزمام قلبه كي يتحكم.
صعدت خلفه وداد وخيرية وبعض الخادمات.
وخلفهما عبير وفاطمة.
لطمت وداد على صدرها وشهقت بفزع حين رأت هيئة مليكة.
بينما تسللت ابتسامة خفية لثغر عبير.
هتفت خيرية تسأل في قلق:
خيرية: حصل إيه يا ولدي؟ مليكة فيها إيه؟
قص سليم عليهن ما حدث بتوتر وخوف.
تعالت شهقات الفزع.
وحقيقة لم يكن الخوف والفزع وحده المسيطر، بل كانت هناك بعض نظرات الفرحة والانتصار، نظرات غل وشماتة.
نظرت لزهرة نظرات قلقة آمرة.
خيرية: ادخلي يا زهرة بالعجل هتلاقي برطمان في أوضتي فيه دهان أخضر هاتيه.
هبطت زهرة راكضة لأسفل.
فأردفت وداد بقلق:
وداد: دي محتاجة حكيم يا أمة، لازم يشوفها حكيم.
استطردت خيرية بهدوء:
خيرية: الدهان ده هيريحها واصل، متقلقوش.
وإنت يا سليم، لما تفوق تاخدها طوالي وتروحوا الوحدة وهناك يشوفها حكيم.
تأوهت مليكة من شدة الألم الذي تشعر به بظهرها وبدأت تبكي.
جلس بجوارها ومد كفه نحو وجنتها ليمسدها بإبهامه بلطف وهو ينحني قليلاً ليهمس برقة أمام عينيها الباكية:
سليم: اهدي حالاً، هتبقي كويسة.
أحاطها برفق بين ذراعيه.
وفجأة صرخ بجميع الخادمات كي يستعجلن زهرة.
على الرغم من كل ما تشعر به من ألم، إلا أنها تمنت لو تلك اللحظة تدوم للأبد، لو تبقى ولا تنتهي.
لم تر سليم بهذه الحالة من قبل.
كانت تتمنى ألا تخرج من بين ذراعيه أبداً.
آه كم تتمنى لو تظل هكذا طوال العمر.
صعدت زهرة لاهثة وناولت العلبة لخيرية، التي ناولتها بدورها لسليم آمرة إياه أن يضعه مكان الكدمة.
ثم استدارت محدثة الجميع طالبة منهم أن يخرجن ويتركوهما.
هم سليم بالاعتراض، فهو لن يستطيع أن يقوم هو بوضع ذلك الدهان لها.
ولكنه تراجع في اللحظة الأخيرة.
فماذا سيقول؟
أخبرهم أنه يخاف من قلبه الأحمق؟
أم ماذا؟
هبطت خيرية ومعها باقي السيدات وأغلقت خلفها الغرفة.
فوقف هو مرتبكاً للغاية، لا يدري ماذا يجب عليه أن يفعل.
لم يعرف كيف همس بها برقة بالغة وحنان أشد:
سليم: حاولي تساعديني يا مليكة، وتنامي على وشك، وأوعدك والله كل حاجة هتبقى تمام.
رأى عينيها تتألقان بأمل خلف ستار العبرات التي غشت عينيها، قبل أن تحرك أهدابها صعودًا وهبوطًا موازية لحركة إيماءة خفيفة برأسها كما يفعل الأطفال.
ومن قال أنها ليست طفلة؟
هي لا تزال تلك الطفلة التي تركها والدها في الثامنة من عمرها، التي وأدت طفولتها عند ذلك العمر كي تجابه هذا العالم، كي تساعد والدتها وشقيقتها كي لا يتفرقا.
انفرجت شفتيه بابتسامة قلقة.
لا يعرف حتى من أين خرجت، فكل ما يعرفه أنها خرجت بأمر حاسم من قلبه.
وبعد بضع محاولات حثيثة، نجحت في الاستلقاء على بطنها.
أمسك هو بيده ذلك الدهان التي أعطته له جدته.
ليمسد بها ظهر تلك المسكينة المتألمة.
لكن... كيف؟
ظل لبضع ثوانٍ ينقل بصره بين البرطمان الذي بيده وبين مهجته المسجاة على الفراش.
فاختل تفكيره.
ولأول مرة، لأول مرة سليم الغرباوي يجد نفسه غير قادر على اتخاذ قرار صائب.
فتصلب كالأبله، لا يدري ما الذي يجب عليه فعله.
آه مكتومة صدرت منها.
جعلته يفيق من حالته الخرقاء تلك.
رفرف بأهدابه وزفر بهدوء وبطء وهو يفكر ويعد خطته.
ازدرد ريقه وهو يعتدل في جلسته كي يتمكن من وضع ذلك الدهان.
ولكنه فشل قبل أن يبدأ.
حين داهمته حقيقة أنها ترتدي إحدى فساتينها المزركشة.
فهذا يعني... هذا يعني أنه سينكشف منها أكثر مما يستطيع تحمله.
انعقد تفكيره.
وازدادت تأوهاتها حتى أنها امتجت بالبكاء.
فازداد توتره ووقف حائرًا لا يدري ماذا يفعل.
جاب ببصره بين ذلك البرطمان الممسك به وبين فستانها.
انطلقت منها صرخة خافتة متألمة لتبعثر شتات روحه.
رفع فستانها بهدوء وهو يغض الطرف عما انكشف منها بالضالين.
لينكشف أخيرًا ظهرها المرمري الذي غطته الكدمات الحمراء الزرقاء التي تلونت بالأخضر والأرجواني.
زفر بعمق وجلس بجوارها بهدوء.
أخذ جزءًا من ذلك الدهان وبدأ بتمسيده على ظهرها بأصابع يده بخفة ورقة بالغتين تتنافيان تمامًا معه.
كان يسمع تأوهاتها تقل شيئًا فشيئًا حتى هدأت تمامًا.
فعلم أنها قد خلدت إلى النوم.
وضع عليها الفراش بهدوء وهبط للأسفل كي يعرف ماذا فعلوا بذلك الطفل الصغير.
وحينما هبط للأسفل، سألته خيرية بلهفة:
خيرية: طمنيني يا ولدي، كيفها مليكة دلوقتي؟
أردف بهدوء:
سليم: نامت يا حبيبتي، متقلقيش.
أردفت وداد بقلق:
وداد: لما تفوق يا ولدي تاخدها وتروحوا للحكيم علشان نتطمنوا برضوا.
أومأ برأسه بأدب.
ثم تطلع إلى ياسر يسأل بصرامة:
سليم: الولد ده عرفتوا فين أهله؟
ازدرد ياسر ريقه بتوتر بعدما جاب ببصره كافة ربوع الغرفة.
فاستأذن من الجميع وسحب سليم للخارج.
ضيق سليم عيناه وسأل بتوجس:
سليم: في إيه يا ياسر؟
أردف ياسر مضطربًا بقلق:
ياسر: الواد ده يبقى... ولد عاصم الراوي.
اتسعت حدقتا سليم صدمة لما حدث وهتف بدهشة:
سليم: إيه!!!
ياسر بجمود:
ياسر: كيف ما سمعت يا سليم.
سليم بدهشة:
سليم: وإزاي يعني يدخل أراضينا؟
ياسر بحيرة:
ياسر: مخبرش كيف يا ود عمي، ودا اللي هيجنني.
دا غير إن أبوه مجاش يسأل عنه لحد دلوقتي.
سأل سليم بتوجس:
سليم: طب وبعدين؟
أردف ياسر بهدوء:
ياسر: مخبرش... أنا أصلاً...
ولم يتما حديثهما حتى سمعا أصواتًا مرتفعة تأتي من الداخل.
دلفا للداخل مسرعين.
تطلع مهران بصدمة لذلك القادم نحوهم، تظهر عليه وبوضوح علامات السن.
مهران: أمجد!!!
صاحت عبير غاضبة:
عبير: إيه اللي جايبك هنا عاد؟
صرخ شاهين بأحد الرجال الرابضون بالخارج:
شاهين: كيف يا بهايم إنتوا تدخلوه كده؟
تمتم الرجل بقلق:
الرجل: جالنا إن حضراتكوا اللي رايدينه.
هتف ياسر بهدوء:
ياسر: خلاص يا عمي، أنا اللي طلبت أمجد بيه.
ذهل الجميع مما تفوه به ياسر.
أولاً يعلم هذا الأحمق مدى تلك المشاكل بين العائلتين؟
هتف مهران بدهشة:
مهران: كيف يعني يا ياسر؟
تمتم سليم بصرامة:
سليم: خلاص يا عمي بعد إذنك.
أمجد بهدوء:
أمجد: زي ما سمعت يا شاهين.
أنا جاي هنا علشان آخد أمانة ليا عندكوا.
هتف به شاهين غاضبًا بحنق:
شاهين: أمانة كيف؟
أمجد: حفيدي... هنا عندكوا.
سألت عبير غاضبة بدهشة:
عبير: كيف يعني؟
نظر شاهين لزوجته كيلا تتفوه بأي حرف وتصعد لغرفتها.
فوضعت يدها على فمها حانقة وهي تلعن وتسب داخلها.
رمقهم سليم بنظرة صارمة وتحدث بحدة وجمود:
سليم: خلاص يا جماعة، كل واحد يتفضل على اللي كان بيعمله.
أنا وياسر هنتصرف في الموضوع ده، متشغلوش بالكم بيه واصل.
وكانت تلك الكلمات هي أمر واضح وصريح من سليم ليذهب الجميع وألا يتدخل أحد بينهم.
وبالفعل انصرف الجميع أثر نظرات سليم الحذرة.
أشار سليم لأمجد ناحية الحديقة:
سليم: اتفضل يا أمجد بيه، هنجعد بره.
أومأ أمجد برأسه موافقًا وتقدم المسيرة.
جلس الرجال على الطاولة الموجودة بالحديقة.
فاعتذر له سليم عما بدر من أهل المنزل.
ابتسم أمجد بود وأومأ له رأسه بهدوء:
أمجد: مفيش حاجة يا ابني، هما عندهم حق.
أخذ سليم يتحدث ويقص عليه ما حدث.
وأمجد غير عابئ إلا بهذا الشبل الذي يشبه صديقه كثيراً.
آه كم اشتاق له.
فقد كانوا أكثر من الإخوة.
امتلأت عين أمجد بالعبرات التي أبت أن تخرج.
دموع الفراق، الاشتياق، والحزن، والألم أيضاً.
لاحظ ياسر شروده فسعل سعلة خفيفة كي ينبهه دون أن يحرجه.
وبالفعل انتبه أمجد لحديث سليم الذي سرعان ما انتهى وقد فهم منه أمجد ما حدث تمامًا.
فأردف بامتنان واضح:
أمجد: أنا مش عارف أشكركم إزاي يا ابني.
ولو ينفع كنت حابب أشكر مراتك بنفسي.
لم يعرف سليم ما هذا الشعور بالنيران الذي اجتاحه فجأة.
أهذه هي الغيرة؟
لالا، إنه رجل كبير.
مما يغار؟
ولما قد يغار في الأساس وهي لا تحدث لديه فرقًا.
سليم بهدوء:
سليم: إن شاء الله يا أمجد بيه، بس هي حاليًا نايمة.
سأل أمجد بقلق:
أمجد: أخدتوها للدكتور يا ابني؟
صاحت سليم بغضب.
لما يصر على إغضابه.
حسنًا، اهدأ قليلاً.
إنه فقط يطمئن، فهي من أنقذت حفيده.
سليم باقتضاب:
سليم: لا لسة.
تمتم أمجد بفخر:
أمجد: اسمح لي يا ابني يعني لو مش هتبقى فيها مشاكل، أنا مرات ابني دكتورة.
يعني لو تيجي تشوفها علشان نتطمن.
وأحس إني حتى رديتلها جزء من جميلها عليا.
تهللت أسارير وجهه فرحًا.
فقد كان ما يغضبه إنه سيضطر لاصطحابها لدي طبيب ذكر.
فهو يعلم جيدًا أن المستوصف الموجود بالقرية ليس لديه عدد كبير من الأطباء.
أردف سليم بفرحة خفية لاحظها ياسر الذي يشاركه نفس التفكير والمعتقدات:
سليم: ياريت.
يعني لو مش هنتعبها.
أردف أمجد فرحًا:
أمجد: لا يا بني، لا هتتعبها ولا حاجة، دا شغلها.
وبالفعل هاتف نورسين زوجة ابنه للحضور لمنزل الغرباوي.
الذي ظن أنه لن يدخله مرة أخرى.
في غرفة مليكة.
كانت قد استيقظت بالفعل على بكاء مراد القلق الجالس بجوارها.
مراد باكياً:
مراد: مامي... مامي.
عمدت مليكة بكفها تمسح به وجنته الرقيقة وتبتسم له في وهن تطمئنه بأنها بخير.
ابتسم هو ما إن رأى والدته قد فتحت عينيها وقبل رأسها يسألها بقلق:
مراد: مامي، إنتِ كويسة؟
أردفت باسمة بوهن:
مليكة: الحمد لله يا حبيبي، متخافش.
دَلَفَت قمر إلى الغرفة ومعها أيهم.
ذلك الطفل الذي لمس شغاف قلبها من الوهلة الأولى.
ابتسمت له في حبور بينما كان يبكي.
تألم قلبها لرؤيته يبكي بهذه القوة.
قمر: كفاية بكى عاد، أهي صاحية وزينة كمان، متقلقش.
أردفت همس باسمة:
همس: شفت مش قولنالك إن خالتي مليكة بقت زينة.
أشارت مليكة له بالإقتراب باسمة في حبور:
مليكة: تعالي يا حبيبي هنا.
اقترب منها في هدوء وتردد.
فعمدت مليكة بيدها لتمسح دموعه برقة بالغة:
مليكة بهدوء:
مليكة: بتعيط ليه؟
أردف باكياً بتأنيب الضمير:
الطفل: علشان... علشان أنا اللي خليتك تبقي تعبانة وتعيطي كده.
أردفت هي باسمة:
مليكة: يا حبيبي، أنا كويسة، متخافش.
ثم تابعت باسمة:
مليكة: قولي بقي إنت اسمك إيه؟
الطفل: أيهم.
ابتسمت بعدما مسحت على شعره في حنو:
مليكة: ماشاء الله، اسمك جميل زيك.
تطلع لها أيهم ببراءة شديدة.
وحاولت ابتسامة رقيقة أن تصل إلى شفتيه في هدوء.
ثم سألها متوجسًا:
أيهم: يعني إنتِ مش زعلانة مني؟
مليكة باسمة:
مليكة: لا طبعًا يا حبيبي.
ربتت قمر على رأسه بحنو:
قمر: بس متلعبش جنب البهايم تاني يا حبيبي.
هز رأسه بحدة وتابع بخوف وكره:
أيهم: أنا بكرههم أصلاً.
ابتسمت قمر على فعلته وتمتمت باسمة:
قمر: لا يا حبيبي، متقولش كده.
إنت بس المرة الجاية تخلي بالك منهم، وهما مش هيعملولك حاجة.
أومأ رأسه باسمًا بحبور بحركات وئية، حركة جفناه.
أيهم: حاضر.
بعد وقت قليل صعدت نورسين للأعلى ومعها وداد.
أشرق وجه أيهم ما إن رأى والدته وركض إليها باشتياق:
أيهم: مامي.
جثت على ركبتيها لمستواه واحتضنته هي بقوة وأخذت تقبله في هلع هاتفة به بقلق:
نورسين: كده يا أيهم، تعمل كده في مامي.
تمتم ببراءة شديدة:
أيهم: يا ماما، أنا كنت عاوز ألعب معاها بس اتلعبكت (اتعكبلت).
ضحكت مليكة بوهن وألم على كلماته.
وكأن نورسين لاحظت وجود الناس حولها في تلك اللحظة.
فنهضت بإحراج وتوجهت ناحية مليكة متمتمة بامتنان:
نورسين: أنا مش عارفة أشكرك إزاي، إنتِ رديتيلي روحي.
ابتسمت مليكة بهدوء:
مليكة: متقوليش حاجة، أيهم زي مراد بالظبط.
وأنا معملتش حاجة والله، أي حد مكاني كان هيعمل كده.
لم تعلم نورسين بماذا تشكرها، فاكتفت بنظرات الامتنان التي تشع من عينيها.
نورسين: أنا دكتورة عظام، وبابا كلمني علشان أجي أشوفك.
أردفت قمر باسمة:
قمر: هو إنتِ مرات ولد عمي أمجد؟
نورسين باسمة:
نورسين: آه.
اضطربت مليكة قليلاً لدي سماعها الاسم، فهو يشبه اسم والدها.
ولكنها رحبت بها باسمة.
طلبت قمر من أيهم وهمس ومراد الهبوط للأسفل واللعب سوياً حتى تتمكن نورسين من معاينة مليكة.
قبل مراد والدته وهبط للأسفل في هدوء.
ساعدا قمر ونورسين مليكة على الاضطجاع على بطنها وفحصتها نورسين برفق.
نورسين: الحمد لله، مفيش حاجة خطر.
أهم حاجة بس تستريحي في السرير أطول فترة ممكنة، ودول شوية مراهم مسكنة تحطيهم كل 4 ساعات، وبإذن الله تقومي بالسلامة.
أردفت مليكة شاكرة إياها بشدة.
فتابعت هي باسمة:
نورسين: على إيه، دا واجبي، واعتبريه جزء من ديني.
ترك سليم الرجلان سويًا ولم يشعر بنفسه إلا وهو أمام غرفتها.
طرق الباب بهدوء ثم دلف للداخل وتنحنح.
قمر باسمة:
قمر: اتفضل يا سليم.
أومأ رأسه بهدوء.
سليم بقلق:
سليم: إيه الأخبار يا دكتورة، طمنيني.
طمأنته نورسين على حالتها كثيرًا وأعطته نفس التعليمات التي أعطتها إياها منذ دقائق.
أومأ لها سليم.
وظهرت على وجهه شبح ابتسامة امتنان.
سليم: شكراً.
خرجا قمر ونورسين وتركاهما بمفردهما.
أما بالأسفل، فطلب أمجد من ياسر أن يوصله لحجرة الحاجة خيرية التي تهلل وجهها ما إن رأت ذلك العجوز الذي يذكرها بولدها الراحل.
توجه ناحيتها مقبلاً يدها.
فهتفت بحبور امتزجت به الدهشة:
خيرية: أمجد!!! كيفك يا ولدي؟
أمجد باسماً:
أمجد: الحمد لله يا أمة، إنتي كيفك؟
أردفت هي بهدوء:
خيرية: أنا مليحة يا ولدي.
طمنيني عنك، لقيت بتك عاد ولا لسه؟
أظلمت عينيه بأسى وعبست ملامحه:
أمجد بأسى:
أمجد: لسة يا أمة، لسة.
خيرية بثقة:
خيرية: ربك هيعوضك فيهم يا ولدي.
تلاقيهم وعن قريب، متقلقش، ربك كريم عاد.
تنهد بعمق:
أمجد: يارب يا أمة، يارب.
عادت البسمة إلى ملامحه سريعًا حين تذكر سليم.
أشار إلى الخارج بسعادة بالغة وهو يتمتم مستفسرًا:
أمجد: سليم، سليم ده يبقى ولد زين؟
أومأت خيرية بفخر وسعادة:
خيرية بفرحة: شبهه مش كده؟
أردف بألم:
أمجد: نسخة طبق الأصل عنه يا أمة.
ثم تابع بأسى حزنًا لفقدان صديق عمره ورفيق دربه وطفولته.
دلف أيهم للداخل باحثًا عن جده.
برقت عيناها دهشة وسألت باسمة:
خيرية: حفيدك يا أمجد؟
حمله أمجد بفخر وحب:
أمجد: أيهم، ولد عاصم.
خيرية: ماشاء الله ولا قوة إلا بالله، ربنا يحميه ويحفظه ويبارك لكم فيه.
في غرفة مليكة.
سليم بجمود:
سليم: بقيتي أحسن؟
همست بخفوت:
مليكة: الحمد لله.
وفجأة دلفت عبير لغرفتهم تضرب مثل الأعاصير القمعية تمامًا صارخة بقهر:
عبير: ملقتيش إلا ولد الراوي اللي تلحجيه؟ ردي عليا، إنتِ عاوزة إيه بالظبط، هاه؟ قوللي، إنتِ مين مسلطك علينا؟
كانت مليكة مذهولة بما يحدث، فهي لا تعرف ماذا يحدث وماذا فعلت هي لكل ذلك.
وما زاد دهشتها هو اسم الراوي، ولكنها ظنت أنه مجرد تشابه أسماء لا أكثر.
وفجأة أفاقت من دهشتها على صوت سليم الهادر مثل الإعصار.
التف لها بحدة وتحدث بصوت مرتفع للغاية حتى سرت رعدة بسيطة في أوصالها.
سليم بغضب:
سليم: عمتو!
فزعت مليكة للغاية من نبرته، بينما تابع هو بلهجته الصعيدية التي عشقتها هي حد النخاع.
سليم بجمود:
سليم: اللي حصل حصل، ومسمحش بأي شكل من الأشكال إنه أي حد، أي حد يتجرأ ويكلم مرتي بالطريقة دي، فاهماني؟
وقفت عبير مذهولة لا تكاد تعي ما يحدث حولها، تحدق به كالبلهاء تمامًا.
أما مليكة، فارتعبت من نبرته حتى ارتعد جسدها الهزيل.
ولكنها أيضًا أشْفَقَت على تلك المرأة كثيرًا.
فهمت بالتحدث لإنقاذ الموقف.
ولكنها ابتلعت كل شيء وانكمشت على نفسها حين التف لها وبرقت عيناه رافعًا حاجبيه يطالعها بنظرة مخيفة وكأنه يخبرها: تحدثي إذا جرؤتي.
سرت على إثرها القشعريرة في كامل جسدها.
تابع سليم بنبرة أكثر حدة وارتفاعًا:
سليم: مفهوم يا عمتي؟
أومأت هي برأسها وخرجت من الغرفة بذهول.
أما مليكة، فقد كانت تتمنى أن تنشق الأرض وتبتلعها قبل أن يفتك بها سليم.
فهي لم تراه غاضبًا لتلك الدرجة.
لقد شعرت بأدخنة تتصاعد من عينيه وأذنيه.
أو هكذا خيل لها.
فتمتمت والكلمات تتعثر خوفًا على شفتيها:
مليكة: ا... اااا... أنا...
ازدردت ريقها في توتر بالغ وتابعت بسرعة واندفاع:
مليكة: أنا آسفة لو كنت سببت أي مشاكل.
للحظة فقط تأملها وهو يأخذ نفسًا عميقًا يخبره بنبرات غريبة عميقة لم تسمعها منه من قبل.
مأخوذًا بمظهرها الطفولي.
سليم: محصلش حاجة يا مليكة.
كان سليم يلعن نفسه بداخله.
أيها الأهوج، الأحمق.
هل ستترك لها الفرصة كي تظن أنها استحوذت عليك؟
أو حتى على قلبك؟
ماذا ستفعل الآن؟
أ تتركها هكذا وترحل؟
أخذت تطالعه بنظرات غريبة لم يستطع تفسيرها.
فصرخ قلبه وبشدة:
آه من زرقاوتيكي.
آه.
ألم يخبروك مهجتي ووتيني أن في عيناكي حرب؟
وفي داخلي ألف قتيل.
أما هي، فلم تنسَ تلك الفرحة الأسيرة التي عانقت روحها وتلك الفراشات الوردية التي انتشرت في ثنايا صدرها.
ولكنه صدمها كالمعتاد وأنزلها من معانقتها للنجوم التي كانت تسبح بها على جذور عنقها لتصطدم بأرض الواقع.
بعدما نفض عن عقله سحر عينيها واستقام جزعه واقفًا يطالعها بجمود وتحدث بنبرات صارمة ممزوجة برعونة ساخرة كادت أن تقتلها:
سليم: إنتِ أصلاً مبتعمليش أي حاجة غير المشاكل ولسة هنتكلم ونتحاسب، بس بعدين مش دلوقتي.
خرج وتركها.
غير عابئ بكم الألم الذي سببته كلماته.
خرج ولم يعطها حتى فرصة الرد أو الدفاع عن نفسها.
انهمرت الدموع من زرقاوتيها معلنة ألم قلبها الذي أصبح لا يحتمل.
لما يفعل معها هكذا؟
أخذت تبكي بألم واضعة يدها على قلبها عساها تهدئ من هذا الألم الذي تشعر به قليلاً.
ابتسمت بسخرية.
ولما تبكي من الأساس؟
أليست هي القوية؟
نعم، ولكنها القوية التي دائمًا ما أتت الحياة على ابتسامتها الباكية.
رواية بين طيات الماضي الفصل السابع عشر 17 - بقلم منة الله مجدي
في منزل الراوي
عادت نورسين ومعها أيهم للمنزل.
شاهدهم عاصم قادمون سوياً فاعترته القلق، فهتف يسأل بقلق:
عاصم: كنتوا فين يا بابا؟
إبتعدت نورسين عنه بغضب شديد حاملة أيهم وصعدا سوياً.
صاح به أمجد بغضب:
أمجد: إنت إيه يا بني آدم؟ إنت مش كنت واخد أيهم معاك علشان تفرجه علي الأرض؟
أردف هو مؤكداً:
عاصم: أيوه يا بابا بس جالي مكالمة شغل وسبته مع حميدة. وبعد كدة لما ملقتهمش إفتكرهم رجعوا البيت. هو إيه اللي حصل؟
صاح به أمجد غاضباً:
أمجد: يا أخي ملعون أبو الشغل. ابنك كان هيروح فيها لولا مرات سليم الغرباوي. الله أعلم كان إيه اللي هيحصل.
برقت عيناه دهشة وأردف بهلع:
عاصم: إيه؟
تمتم أمجد بيأس:
أمجد: ما إنت كل اللي همك الشغل. اطلع اطلع يا ابني شوف مراتك وابنك.
هم عاصم بالرحيل فأوقفه أمجد بنبرة غريبة لم يعتدها هو منه:
أمجد: خلي بالك يا عاصم قبل ما كل حاجة تروح منك.
صعد عاصم لغرفته قلقاً.
فوجد طفله يلعب بالغرفة علي حصانه الخشبي ونورسين في المرحاض.
حمله عاصم محتضناً إياه بقوة. على الرغم من عشقه للعمل، إلا أنه يعشق أطفاله، فهم فلذات أكباده. غير أنهم ثمرة حبه هو ونور عينيه، مهجة قلبه، نورسين.
وبعد دقائق خرجت نورسين من المرحاض فسألها وهو لا يزال حاملاً أيهم:
عاصم: إيه اللي حصل يا نور؟
تطلعت له بألم وتمتمت بخفوت:
نورسين: الحمد لله.
أردف متسائلاً في قلق:
عاصم: بابا بيقول إن مرات سليم الغرباوي لحقت أيهم. من إيه؟
أردف أيهم بعدما انكمشت ملامحه استياءً:
أيهم: من البقرة يا بابا، كانت هتدوس عليا بس طنط...
قاطعته نورسين حازمة:
نورسين: لو سمحت إقفل على الموضوع علشان أيهم. والحمد لله، المهم إنه بخير.
ساد بينهم صمت خانق لعدة ثوانٍ.
وكالعادة لم يكسر هذا الصمت إلا صوت رنين هاتفه بإحدى مكالمات العمل. خرج هو مجيباً عليه.
فوقفت تطالع مكان رحيله بألم. كم كرهت عمله. كم اشتاقت لعاصمها القديم. اشتاقت لمحبوبها القديم، أميرها الساحر كما كانت تدعوه.
***
في المساء
استيقظت مليكة من نومها على صوت صراخ ما بالأسفل لا تدري مصدره. تململ مراد في نومته فدثرته جيداً بالغطاء وحاولت النهوض كي ترى ماذا يحدث بالأسفل.
أما في الأسفل
صاح شاهين بغضب هادر:
شاهين: يعني هي مراتك ملجتش غير ولد الراوي اللي تلحجه؟ رد عليا. بعد كل الزمن ده أمجد الراوي يدخل بيتنا بكل بجاحة كده عادي وكأنه محصولش حاجة منه قبل كده. وكأنه صاحب بيت. وكأن كل المشاكل القديمة دي اختفت.
وقفت وداد تتألم لما يفعله شاهين، فما ذنبها تلك الفتاة كي يفعلوا معها كل هذا؟ من أين لها أن تعرف كل تلك المشاكل؟ ففي الصباح زوجته والآن هو. أما فاطمة وعبير فوقفتا يتشفيان في مليكة التي أصبحت لا تفعل شيئاً سوى جلب المشاكل لهم.
سليم أن يجيبه حتى أجابته خيرية التي صرخت بغضب في شاهين:
خيرية: شاهين، واضح إنك نسيت عاد. أمجد الراوي كان إيه وهيجي إيه. وإذا كنت إنت مش راضي بدخوله فهو لسه عندي زي زين الله يرحمه. وأوعاك تنسى، أوعاك يا شاهين تنسى إن البيت ده هيفضل مفتوح لكل خلق الله طول ما أنا لسه عايشة ولسه فيا نفس. سامعني؟
جز على أسنانه بغضب ورمقها باستياء شديد ثم صعد إلى غرفته كالإعصار الهادر.
قابل مليكة في طريقه للأعلى فرمقها بكره بالغ وتمتم بازدراء:
أهلاً ببنت البندر، بالحية اللي عمالة تنشر سمها من ساعة ما جت. نجول إيه؟ مهو العيب مش عليكي، العيب على اللي رباكي.
أظلمت عيناها غضباً وألماً.
لما، لما يستمرون دائماً في إيلامها بهذه الطريقة؟ لما يستمرون بإهانتها هكذا؟ لما لا يصمتون فقط؟ هي حتى لا تمتلك من يدافع عنها. نعم، لم تمتلك أباً أو أخاً. لم تحصل عليهم. حتى والدتها رحلت هي الأخرى وتركتها.
لما يستمرون بقتلها هكذا؟ ولكنها تمتمت بأنف وغضب:
مليكة: قول اللي حضرتك عاوزه عليا أنا، إنما مسمحلكش بأي شكل من الأشكال إنك تهين عيلتي.
رفع شاهين يده كي يصفعها على جرأتها هذه.
فصرخ به سليم ما إن شاهده وتوجه ليقف أمام زوجته موقفاً يده. شعرت مليكة وقتها بالأمان.
نعم، فلأول مرة منذ وقت طويل تشعر بأن لها سنداً. تشعر بأنها تحت حماية شخص ما، بأن لا أحد يستطيع أن يؤذيها طالما هو موجود.
سليم: عمي، إلزم حدودك. أنا ساكت علشان إنت عمي بس. أقسم بالله اللي يمد إيده على مرتي مش هقطعهاله بس، لا ده أنا أمحيه من على وش الدنيا.
رمقه شاهين بغضب ورحل كالإعصار تماماً. أما سليم فترك مليكة وخرج من المنزل بأكمله.
صعدت لغرفتها بألم وهي تكاد تختنق وجعاً وألماً.
هي حقاً لم تسبب شيئاً سوى المشاكل منذ أن قدمت لهذا المنزل. ولكنه لا يحق لأي أحد مهما كان أن يهين والديها. هم لا يعرفون أي شيء عنها أو عنهم.
انهمرت دموعها بصمت متألمة حتى استيقظ مراد.
عندما شعر أن والدته ليست بجانبه.
جلس على الفراش وأخذ يفرك بعينيه كي يزيح أثر النوم.
جال ببصره في الغرفة باحثاً عنها.
حتى وجدها تجلس في الشرفة.
توجه إليها فوجدها تبكي فسألها بقلق:
مراد: مامي بتعيطي ليه؟ مين زعلك؟
جففت مليكة دموعها وتمتمت باسمة بألم:
أه يا طفلي العزيز، وحدك أنت من تفهمني وتشعر بي في هذه الدنيا.
ثم تابعت باسمة:
مليكة: مفيش حاجة يا حبيبي، متخافش أنا كويسة.
مراد: لا يا مامي إنتِ بتعيطي. أنا شفت دموعك.
احتضنته مليكة وتابعت بألم:
مليكة: لا يا حبيبي مش بعيط، أنا بس بابايا ومامتي وحشوني.
احتضنها مراد وتابع ببراءة:
مراد: بس يا ماما عشان هما راحوا عند ربنا ومش هينفع نرجعهم تاني، فاعتبريني أنا باباكِ، إيه رأيك؟
دمعت عينا مليكة على برائته واحتضنته بقوة وهي تتمتم:
موافقة.
صعدا لها وداد وقمر وخيرية ليجلسا معها قليلاً.
واعتذرت منها خيرية كثيراً على ما فعله زوج ابنتها متعللة بغضبه الهادر من أمجد الراوي.
***
في صباح اليوم التالي
وبعد تناول الطعام.
ذهب الرجال لأعمالهم وجلست السيدات سوياً.
يثرثرن حتى ولجت زهرة إليهم تخبرهم بقدوم نورسين لتطمئن على مليكة.
ابتسمت مليكة وطلبت منها أن تُدخلهم.
دلفت نورسين باسمة ومعها أيهم وجوري طفلتها ذات الثلاثة أعوام.
نورسين: صباح الخير.
أردفت هي باسمة:
خيرية: صباح النور يا بنيتي، اتفضلي.
دلفت تمشي على استحياء وجلست بجوار مليكة وقمر وسألت مليكة عن حالها فاجابت باسمة بحبور:
مليكة: الحمد لله يا حبيبتي، بقيت أحسن كتير.
ابتسمت خيرية لتلك الطفلة التي تحملها:
خيرية: بنتِك يا بنيتي؟
ابتسمت نورسين وأومأت برأسها في هدوء:
نورسين: أيوه يا طنط، جوري.
ثم ناولتها لخيرية التي أخذت تعوذها من أعين الحاسدين:
خيرية: اسم على مسمى.
ابتسمت نورسين في هدوء.
أردفت قمر باسمة:
قمر: طبعاً أكيد هتطلع لأمها.
تمتمت نورسين بخجل:
نورسين: الله يخليكي يا قمر، أنا حلوة كده.
أومأت مليكة باسمة:
مليكة: طبعاً يا حبيبتي.
تمتمت وداد بدهشة:
وداد: تعرفي يا مليكة، حاسة إنها شبهك قوي.
ضحكت مليكة بأدب وأردفت بلباقة:
مليكة: بقي أنا بالحلاوة دي.
ابتسمت نورسين بهدوء:
نورسين: بابا بيقول إنها تشبه جدتها وعمتها الله يرحمها.
أجلت خيرية وتمتمت بأسى:
خيرية: الله يرحمها.
طلب مراد من والدته أن يأخذ جوري كي يلعب معها فوافقت نورسين مرحبة بعدما طلبت منه أن يعتني بها.
أما أيهم فأخذ همس من يدها وخرجا ليلعبا سوياً.
بعد وقت قصير وصلا سليم وياسر المنزل.
فشاهدا سيارة غريبة عن منزلهم. زم ياسر شفتيه بحيرة وهو يتمتم بدهشة:
ياسر: عربية مين دي يا عم عباس؟
جفل عباس ورفرف بأهدابه مرتبكاً فهو لا يدري ماذا يخبره:
عباس: دي... دي... دي عربية من بيت الراوي.
سأل ياسر بدهشة:
ياسر: مين من بيت الراوي هنا يا عم عباس؟
أردف مضطرباً:
عباس: دي الست الدكتورة مرات عاصم بيه بتطمن على الست مرات سليم بيه.
أسبل ياسر جفنه وتنهد بارتياح وتمتم بهدوء:
ياسر: ماشي يا عم عباس.
أنهى سليم هاتفه فالتفت يسأل ياسر:
سليم: عربية مين دي؟
ياسر: دي عربية مرات عاصم جاية تطمن على مراتك.
أومأ سليم بهدوء ودلفا سوياً للداخل.
حمحم الرجلان قبل الدخول فعدلت السيدات من حجابهن.
استطرد سليم مرحباً:
سليم: أهلاً بيكي يا دكتورة.
نورسين: أهلا يا أستاذ سليم.
تمتم ياسر يسأل بدهشة بعدما رحب بنورسين:
ياسر: أمال فين همس عاد؟ أنا مش شايفها.
أجابته وداد بتلقائية:
وداد: هتلاقيها بره مع أيهم ومراد بيلعبوا.
حدق بهم ياسر بصدمة. مع من؟ أيهم ومراد.
رفرف بغضب وتمتم بداخله:
يا سواد السواد يا ياسر.
ابتسمت قمر ما إن رأت معالم زوجها فهي تعرف جيداً أنه يغار على طفلته ولا يحبها أن تلعب مع أياً من الذكور. واتسعت ابتسامتها حين رأته يهرول للخارج كي يأخذها.
وجدها ياسر تقف أمام أيهم الذي أخذ يؤنبها غاضباً:
أيهم: مش أنا قولتلك امبارح لما نلعب بلاش فساتين وتلبسي بنطلون.
أردفت همس بضيق:
همس: أيوه أنا عارفة بس أنا ماكنتش أعرف إنكم جايين. وبعدين أنا قاعدة في بيتنا يعني عادي ومافيش حد غريب يعني.
التفت أيهم ناحية مراد مشيراً بحرد:
أيهم: يا سلام، ومراد؟
ضحكت همس بطفولية على حماقته:
همس: مراد ده عيل صغير.
أردف أيهم بحزم:
أيهم: برضوا يا همس، متلبسيش فستان تاني وإنتِ بتلعبي.
عقد ياسر ذراعيه باسمًا يبدو أن هذا الولد سيصبح رجلاً حازماً في يوم ما. ولكن إذاً فهو لن يترك طفلته هكذا.
تمتمت همس بضيق وهي تلتفت للناحية الأخرى:
همس: يوووه.
شاهدت والدها فركضت نحوه باسمة محتضنة إياه.
حملها ياسر وتابع بضيق:
ياسر: إحنا قولنا إيه عاد يا همس.
أردفت هي ببراءة:
همس: إيه يا بابا.
تابع هو متبرماً:
ياسر: مش قولنا مفيش لعب مع الولاد.
همت بالاعتراض فأوقفها قائلاً بحزم:
ياسر: من غير يا بابا. إنتِ تلعبي إنتِ والصغننة والولاد يلعبوا سوا.
أردف أيهم بثقة:
أيهم: سيبها يا عمو تلعب معانا ومتخافش، هخلي بالي منها.
تطلع له ياسر بضيق وتمتم بغضب:
يا خرابي على المرار الطافح اللي أنا فيه.
وتابع باسمًا بنزق:
ياسر: لا يا حبايبي، الولاد مع الولاد والبنات مع البنات. يلا يا همس زي ما قولتلك.
زفرت همس بضيق وأخفضت رأسها بأسى وتمتم:
همس: حاضر.
ثم حملت جوري ودلفا سوياً للداخل.
***
بعد الغداء كان سليم لا يزال على حالته منذ الأمس يتجاهل مليكة تماماً، فقط يلهو مع مراد وهمس.
قررت أن تنتظر حتى يصعد لغرفتهم ومن ثم تشكره لمدافعته عنها وتعتذر منه إن كانت سببت أي مشاكل. وبالفعل ما هي إلا دقائق حتى شاهدته يصعد للأعلى فصعدت خلفه بهدوء.
شاهدها سليم تقف عند الباب وهي تفرك في يدها وكأنها تريد أن تقول شيئاً. لم يعرف لما أحب مظهرها هكذا، فهي ولأول مرة تظهر جانبها الهادئ الضعيف أمامه، لذلك قرر ألا يعيرها اهتماماً حتى يرى ماذا ستفعل.
شاهدته مليكة وهو يرمقها بعدم اهتمام فجفلت لتلك البرودة التي سرت في أوصالها. حقاً إنه قادر وببراعة على أن يجعل من أمامه يشعر بمدى صغره وحقارته.
هتفت به بخفوت وبحّة:
مليكة: سليم.
ارتفع جفنه بنبض غريب عنه ورفرف بأهدابه ما إن سمعها تنطق اسمه بتلك البحة وكأنه يسمعه لأول مرة. محدثاً نفسه بتيه:
لم أكن أعرف أن لاسمي بين شفتيكي إيقاع خاص يخلق بقلبي نبضاً لم يكن.
ولكنه قرر ألا يعيرها انتباه.
زفرت بحنق حينما رأته يبتعد وكأنه لم يسمعها.
فتوجهت إليه ووقفت أمامه تتمتم بحزم:
مليكة: سليم.
أجابها بعدم اهتمام:
سليم: نعم.
فركت يدها بتوتر ونظفت حلقها بخوف:
مليكة: أنا عاوزة أشكرك لأنك دافعت عني امبارح. وعاوزة أعتذر عن أي حاجة سببتها.
ولكن كيف يصمت بسهولة؟
صاح بها بكلمات تقطر استحقاراً من بين شفتيه:
سليم: أنا معملتش كده عشانك، عملت كده عشانّي. يعني عشان متفتكريش إني خايف عليكي ولا حتى مهتم. وعلى فكرة عمي شاهين كان عنده حق، إنتِ أكيد لو أهلك كانوا ربّوكي مكنتيش هتبقي كده. بس واضح إن العيب فعلاً عليهم.
لم تدري متى وكيف رفعت يدها إلا حينما شعرت بها تستقر على وجنته التي اشتعلت كما اشتعلت عيناه تماماً بالغضب.
فوضعت يدها على وجنتيها وثارت زرقاويتها تماماً كموج البحر في يوم شتوي عاصف وهتفت به في غضب عارم:
مليكة: أنا عمري في حياتي ما غلطت في أي حد. ومش هسمحلك يا سليم إنت ولا أي حد إنكم تغلطوا في أهلي. محدش فيكم اتعامل معاهم ولا يعرفهم علشان تغلطوا فيهم.
رمقته بنظرة نارية وهتفت به باشمئزاز:
ومعتقدتش من الرجولة أبداً إنك تغلط في ناس ميتين.
لم تعرف حتى من أين واتتها كل هذه الجرأة التي تتحدث بها، ولكنها علمت أنها اقترفت خطأً فادحاً حينما رأت عيناه اللتان تقدحان شرراً. فأمسك ذراعيها بقوة وأخذ يهزها بعنف صارخاً بها بغضب ناري تماماً كخصلات شعرها التي تحررت من حجابها وكأنها تستعطفه أن يتركها:
سليم: أعتقد إني حذرتك قبل كده من إنك تمدي إيدك.
خرجت منه صرخة هادرة واهتزت هزة قوية منه جعلتها تنتفض كمن صعقتها الكهرباء.
لم تعلم لما لم تبتلع لسانها الأرعن الذي سيؤدي بحياتها الآن وتصمت. ألا تعرفين طفلتي أنه ليس من الحكمة تماماً استزاز الأسد الغاضب في عرينه.
رفعت عيناها بعينيه وتمتمت بتحدي:
مليكة: وأعتقد إنك سمعتني امبارح وأنا بقول مش هسمحلك ولا هسمح لأي حد في الدنيا يغلط في عيلتي.
صعق من شرارة التحدي المضيئة في عيناها والتي تتنافى تماماً مع ارتعاشة جسدها الهزيل.
ولكنها أعجبته. نعم أعجبته. لن يكذب، هو يعشق دفاعها عن الحق حتى ولو كان على حساب سلامتها.
وفجأة وجدت يده ترتخي من الإمساك بكتفيها وترك الغرفة بأكملها كالإعصار.
رواية بين طيات الماضي الفصل الثامن عشر 18 - بقلم منة الله مجدي
لايك قبل القراء وكومنت بعدها ❤😍
الفصل الثامن عشر
إستيقظت مليكة من نومها علي صوت طرقات علي الباب أدخلت قمر رأسها من الباب باسمة قمر: ممكن ادخل أردفت مليكة باسمة مليكة : إتفضلي يا قمر شاهدت قمر عيناها المنتفختان إثر البكاء قمر: صباح الورد علي عيونك يا مليكة فتمتمت باسمة مليكة : صباح الخير يا حبيبتي قمر: هاه نمتي زين أومأت مليكة برأسها باسمة قمر: أنا جيت علشان أحطلك الدوا وبعدين أخدك وننزل تحت علشان الحاجة عاوزة تشوفكوبالفعل وضعت لها قمر الدهان ثم جلست الي جوارها وهي تربت علي يدها بحنو قمر: أنا عرفت اللي حوصل إمبارح من عمتي عبير زفرت مليكة بأسي ولم تعلق فأردفت هي قمر: بصي يا مليكة غير كل المشاكل اللي بين العيلتين.....عمتي عبير كانت المفروض توبجي هي مرت عمي أمچدإتسعت حدقتا مليكة بصدمة فأومات قمر رأسها مؤكدة قمر: اللي كان سبب المشاكل بين العيلتين هو إن عمتي عبير وعمي أمچد كانوا لبعض من صغرهم.........بس يعني عمي أمچد حب واحدة تانية وإتچوزها......وطبعاً لما العيلتين عرفوا حوصلت مشاكل عويصة لأن دي إهانة لعيلة البنتة بس الوحيد اللي كان بيتصرف بعجل هو عمي زين الله يرحمه لأن عمي أمچد كان صاحبة وهو جاله حتي جبل ما يتچوز طبعاً عمتي عبير جعدت فترة حزينة وبعدها قررت إنها هتتچوز علشان تنتجم من عمي أمچد وكأنها بتجوله إنه مش فارج معاها واصل علشان أكده هي أكتر واحدة شايلة من عيلة الرواي أما مليكة فلم تكن تسمتع لنصف ما قالته قمر لكن هذا لا يؤلمها فكل ما يؤلمها هو كلمات سليم التي تفوه بها بالأمس فأردفت باسمة بخفوت مليكة : مفيش حاجة يا حبيبتي قررت قمر أن تخفف عنها وتمازحها قليلا ًفلكزتها بخفة وهي تغمز بإحدي عينيها الكحيلتينقمر: مكنتش أعرف إن بركاتك واصلة إكده فغرت مليكة فاها بعدم فهم وهي تسأل مليكة: يعني إيه مش فاهمة قمر: جصدي علي سليم....أنا عمري ما شوفته إكده واصل إمبارح كان شايلك وبيصرخ في الكل زي المچنون.....ولما سمعك وإنتِ بتبكي حضنك چامد وفضل يزعج إتسعت حدقاتها فعلي الرغم من وجودها ورؤيتها لكل ما حدث إلا أنها شعرت بالصدمة إثر كلمات قمر فسألت ضاحكة قمر : مالك تنحتي إكدة ليه أردفت مليكة المضطربة بتوتر مليكة : هاه لا مفيش حاجة قمر بهدوء : بصي يا مليكة.......أني عارفة ومتوكدة كمان إن حكايتك إنتِ وسليم غريبة واصل معرفش كيف ولا ليه عاد بس أني متوكدة من إكده واللي متوكدة منه كمان إن عشجه ليكي باين في عينه يا مليكة ضحكت مليكة بسخرية شديدة داخلها ااااه لو تعرفين عزيزتي عمن تتحدثين... فلو بيده هذا العاشق المتيم لقتلني منذ أزل..... لو تعرفي كيف يشعر تجاهي ........ولكنها قررت الصمت (وااه إنتِ اللي هبلة ومتعرفيش حاچة واصل😂💔✋)بعد وقت قصير سمعا طرقاً علي الباب عدلت قمر من وضعية حجابها فدلف سليم للداخل يخبر مليكة بالإستعداد كي يعودا للقاهرة زمت شفتاها بضيق وتابعت قمر: ليه عاد يا سَليم إنتو ملحجتوش تجعدوا معانا أردف هو باسماً بأدب سليم: معلش بقي يا قمر إن شاء الله نجيلكوا تانيأردفت هي بأسي قمر : هنتوحشكواإحتضنتها مليكة التي كادت تبكي فقد أحبت قمر وبشدة مليكة: وإنتِ كمان والله يا قمر هتوحشيني أوي هبط سليم لأسفل وأعدت مليكة حقائبها بمساعدة قمر ثم تبعته مليكة.........عادوا الي القاهرة بعد وداع حار ودموع ووعود علي العودة مرة أخري
***************************
مرت أيامهم بروتينيها الطبيعي حتي جائتهم مكالمة هاتفية في مساء أحد الأيام من زوج عائشة المذعور تفيد بإبلاغهم بأن عائشة تضع طفلها الأن هبطت مليكة المرتبكة من غرفتها تبحث عن سليم ومراد الذي ما إن شاهدها حتي ركض نحوهاهاتفاً بفرحة مراد : مامي إنتِ ثحيتي حملته باسمة بعدما لاحظ سليم إرتباكها الشديد فهمس بقلقسليم: مالك يا مليكة في إيه تلعثمت الكلمات علي شفتيها فرحة.... توتراً وإرتباكاًمليكة: عائشة.... عائشة بتولد .....وأنا.... تمتم سليم بهدوء بالغ سليم: طيب واقفة مستنية إيه يلا البسي علي مالبس ونروحلها صدمت مليكة فوقفت تحدق به وكأنه يملك سبع رؤوس.......هي حقاً لن تنكر أن زوجها وكما عاهدته هي في الأيام الماضية هو رجل شهم للغاية......وكيف لا يكون...... هل نسيت تلك الحمقاء كم هو صعيدي.....نعم رجل صعيدي بحق يعرف الواجب والأصول حق المعرفة ولكنها لم تتخيل أن يكون هو البادئ حملت مراد وصعدا سويا للأعلي مط مراد شفتيه مفكراً وهو يطالع والدته بحيرة مراد: مامي هي خالتو شوشو هتجيب النونو تسللت إبتسامة عذبة الي ثغرها ما إن رأت كتلة البراءة المتحركة هذه وتمتمت بداخلها أه كم اتمني أكلك صغيريضحكت بخفة وتمتمت باسمة مليكة : أيوة يا روح قلب مامي وعيون مامي من جوة خالتو شوشو هتجيب نونوإدعيلها يا مراد قول يارب خالتو تبقي كويسة هي والبيبي هتف داعياً بسعادة مراد : ياربي يا مامي ياربي إحتضنته مليكة بقوة وهي تقبله ......لا وللحقيقة تلتهمة ثم تابعت بجدية مليكة: مراد يا روحي هتقعد مع دادة أميرة وأوعي تغلبها تفخ مراد وجنتيه بغضب طفولي بالغ وتمتم بضيق مراد: عيب أثلاً يا مامي تقولي كدة لملاد علثان هو بقي راكل كبير خلاث ....بابي قالي كدةسألته بدهشة مليكة : قالك ايه يا عيون مامي مراد: بابي قالي إن ملاد راكل كبير وثاطر وبيثمع الكلام لوحده إحتضنته مليكة بقوة وقبلته بحنان مليكة: أيوة يا روح مامي دادي عنده حق بعد وقت قليل وصلا مليكة وسليم للمستشفي فصعدا لغرفة عائشة بعدما سأل سليم موظف الإستقبال عن مكان غرفتها ركض محمد ومعه ندي ناحيتهما التي إحتضنت مليكة ما إن رأتها تمتمت مليكة تسأل بتوجس مليكة: خير فين عائشة همس بقلق محمد: لسة جوة تمتمت مليكة بهدوء محاولة في أن تجعله يطمئن مليكة : إن شاء الله خير أخذتها مليكة بين أحضانها وجلست في هدوء ظاهري بينما القلق يكاد يفتك بها فهي تخاف جدا ًمن هذه المرحلة.........مرحلة الولادةنعم تخاف كثيراً بعدما فقدت صغيرتها تلك التي لم تستطع حتي رؤية طفلها.......وافتها المنية بالداخل نتيجة هبوط حاد بالدورة الدموية تجمعت الدموع في عينيها بعدما نفضت من عقلها كل تلك المشاهد والأفكار السوداء.....لازالت تتذكر جيداً كيف ماتت شقيقتها فجاءة.......لازالت تتذكر كيف أخبروها الأطباء أن صغيرتها قد وافتها المنية بكل هدوء وكأنه شئ عادي.........تذكرت أنها ماتت حتي قبل أن تودعها مسحت دمعة هاربة هبطت من محيطها وضمت ندي الي أحضانها جالسة تدعوا الله في صمت جلس محمد علي كرسي الي جوارها وهمس بهدوء محمد: الله يرحمها إدعيلها يا مليكة وإدعِ لعائشة ربنا يطلعها بالسلامة إبتسمت مليكة بآلم وتابعت بصدق الله يرحمها بعد وقت قصير سمعا صوت صراخ الطفل فهبت واقفة بعدما تهللت أساريرها خرجت الممرضة من غرفة عائشة تحمل الرضيع بين يديها هتفت ندي في سعادة وحماس ندي: النونو توجه الجميع لرؤية الطفل الذي حملته مليكة بين يديها مليكة: ماشاء الله ولا قوة إلا بالله إقترب محمد من صغيره وصديقنا يكاد ينفجر غضباً وغيرة لرؤيته لهذا الرجل يقترب من مليكة بهذا القدر وزين له الشيطان الكثير والكثير من التخيلات أ كانت معه هو الأخر........ أ هو من ضمن رجالها الكثر إعتصر قبضة يداه حتي إبيضت مفاصلهسألت مليكة في حماس مليكة : هتسموه إيه أردف محمد باسماً محمد: أنا وعائشة كنا متفقين لو ولد هنسميه عبد الرحمن أردفت هي باسمة بحبور مليكة : حلو أوي ناولته طفله فحمله منها محمد وبدأ في تلاوة الآذان في أذن الصغير والتكبير فيهما بعد وقت قصير إستفاقت عائشة فذهبوا إليها جميعاً ربتت مليكة علي يدها بحنومليكة : حمد لله علي السلامة يا شوشو إبتسمت بوهن وتابعت بخفوت عائشة: الله يسلمك..... فين عبد الرحمن عاوزه أشوفه دلف محمد حاملا طفله......طابعاً قبله حانية علي جبهة زوجته فرحاً بسلامتها وسلامة طفلهامحمد: حمد لله علي سلامتك يا حبيبتي همهمت هي بوهن عائشة :الله يسلمك يا حبيبي ثم ناولها طفلها طرق سليم الباب في خفوت ودلف غاضاً بصره متمتماً بصوته الأجش في هدوء سليم: حمد الله علي سلامتك يا مدام عائشة عائشة بأسف : الله يسلمك يا أستاذ سليم معلش بقي تعبنا حضرتك أردف هو باسماً بأدب سليم : لا أبداً مفيش حاجة وحمد لله علي السلامة مرة تانية جلس بالخارج برفقة ندي يجلس علي جمراً مستعراً يأكل قلبه وعقله حتي استحاله رماداً وبعد وقت قصير خرجا محمد ومليكة من الغرفة يمزحان بهدوء.......وكأنها كانت تلك القشة التي قصمت ظهر البعير.......فهب سليم واقفاً متمتما ببعض الكلمات يعتذر فيها من محمد ويستأذنه بالرحيل ثم سحب مليكة من يدها عنوة وتوجها ناحية السيارةكانت تتألم بشدة من قبضته الممسكة بيدها وطلبت منه كثيراً أن يترك يدها ولكن لا حياة لمن تنادي فقد كان مغيباً تماماً عنها ......لم يكن يسمعها حتي .......وما إن وصلا حتي دفعها للداخل بعنوةفلتت منها صرخة ألم إثر إرتطام رأسها بالزجاجأما هو فركب جوارها وعيناه تكاد تنفجر حنقاً منها وغضباً لفعلتها.......أما قبضته فإبيضت إثر ضغطه عليها بشده وإنطلق مسرعاً أغمضت عيناها بذعر وهي تتمسك بالمقعد تحاول نفض كل تلك الذكريات المؤلمة التي تجمعت بذاكرتها فتمتمت بتوسل باكية مليكة : سليم لو سمحت هدي السرعة .....سليم .....لم يعتد بها حتي أنه زاد من سرعته أمسكت بمقعدها بقوة اكبر وإزادت توسلاتها بشدة وهي تحاول منع عقلها من تذكيرها بتلك الليلة المشئومة فهمست باكية وهي تحاول بأخر رمق لديها محاربة تلك الذكريات مليكة: سليم هدي السرعة ........يا سليم أنا بخافصرخت بجزع حينما كادت السيارة أن تنقلب بهما ولكن فجاءة إرتخت فبضتها الممسكة بالمقعد وعادت تلك الطفلة ذات ال 15عاماً.....تلك الطفلة التي لم تحصل علي سعادتها منذ الثامنة شاهدت والدتها تجلس علي كرسي القيادة تمسك المقود بأيدي مرتجفة تنهمر دموعها في صمت تذكرت جيداً تلك الطفلة وهي تحاول تهدئة والدتها المنهارة.......تحاول تقويتها مليكة : مامي إحنا جمبك وحتي لو بابي حب ياخدنا إحنا مش هنوافق تابعت تاليا ببراءة تاليا : مامي أنا أه مشوفتش بابي أصلاً بس مبحبهوش هو وحش لأنه سابنا إحضنت ايسل الباكية مليكة الجالسة بجوارها وضمت يد تاليا مقبلة إياها وأردفت باكية أيسل : متخافوش يا حبايبي مامتكوا قوية أوي ومش خايفة ......بس بابي مش وحش يا تاليا الظروف هي اللي وحشة نفخت تاليا أوداجها في غضب طفولي وتمتمت ببراءة بعدما شبكت يداها أمام صدرها تاليا: أنا بكره الظروف زمت شفتيها بعدما أطرقت مفكرة تاليا : مامي هو إحنا مينفعش نكلم طنط الظروف ونخليها تسيب بابي أنا نفسي أشوفه أوي وأشوف عاصم كمان إبتسما مليكة وأيسل بألم علي سذاجة تاليا وتابعت أيسل باسمة وسط دموعها أيسل: للأسف لا يا تيتي همست مليكة بخوف لوالدتها التي كانت تقود السيارة في سرعة مليكة: مامي لو سمحتي هدي السرعة شوية أنا مبحبهاش ربتت ايسل الباسمة علي يد طفلتها وهي تخفض من سرعتها قليلاً أيسل: أنا أسفة يا حبيبتي وفجاءة صدمتهم إحدي شاحنات النقل الكبيرة بقوة حلقت علي إثرها سيارتهما في الهواء ثم دارت عدة مرات في الهواء ومن ثم إرتطمت أرضاً بقوة وضعت مليكة يدها علي أذنها وأخذت تصرخ بهلع باكية مليكة : مامي حاسبي..... لا......... لا متسيبينيش حدق بها سليم الجالس جوارها بدهشة وفزع وكيف لا يفزع وهو لا يعرف لما تصرخ بكل تلك القوةكانت تصرخ وكأن كل حياتها تعتمد علي تلك الصيحات.......فأوقف السيارة واضعاً يده علي كتفها يهزها برفق سليم بقلق : مليكة في إيه شعر بجسدها ينتفض رعباً تحت يده وهي لا تزال تصرخ وهي تهز رأسها بقوة مليكة: ماميييييييي وفجاءة فقدت وعيها وبدون أي مقدمات شعر وقتها بالهلع فأدار سيارته وإتجه ناحية أقرب مشفي مسرعاً جلس بجوارها لبضع ساعات بعدما أخبروه الأطباء بأنها تعاني من إنهيار عصبي ما......لا يعلم حتي ماذا فعل ليحدث كل هذا........ ولما أخذت تدعوا والدتها بهذا الشكل........ يجب أن يعرف الحقيقة..... نعم عاجلاً غير آجلاً يجب عليه معرفة الحقيقة
******************************
اتمني الفصل يعجبكوا فرولاتي❤😍
متنسوش الكومنتس حلوياتي ❤✋🌸
رواية بين طيات الماضي الفصل التاسع عشر 19 - بقلم منة الله مجدي
بعد وقت قصير شعر بها تتملل في الفراش.
رمشت بزرقاوتيها المغمضتين عدة مرات في خفوت وروية قبل فتحهما.
إتنفض جسدها علي الفراش ثم هبت جالسة وفتحت عيناها تحدق في ربوع الغرفة في ذعر.
ولكن كل ذلك هدأ.
إستكان جسدها وهدأت رعشاتها سامحة للهواء المنحبس داخل رئتيها بالتحرر في أريحية حين شاهدته جالساً بجوارها.
حقيقة لا تعرف لما إطمأنت تحديداً.
هل لرؤيتها له بخير.
أم لرؤيتها له في الأساس.
لا تعرف.
فسألت في خفوت:
مليكة: أنا هنا ليه.
أردف هو بآلية:
سليم: تعبتي وإحنا جايين في الطريق وأغم عليكي.
إعتدلت في جلستها بهدوء وهمست بخفة:
مليكة: ممكن نروح صح.
حرك سليم كتفيه في هدوء وتمتم بآلية:
سليم: أه عادي الدكتور قال وقت ما تفوقي.
أخفضت مليكة بصرها وعضت علي شفتيها متمتمة في هدوء:
مليكة: طيب معلش أنا عاوزة أروح.
أومأ برأسه ثم خرج من الغرفة طالباً من إحدي الطبيبات معاينتها كي يتسني لها الرحيل.
وبالفعل لم يمضي وقتاً طويلاً حتي كانا يسيران سوياً في السيارة.
كان الصمت هو المخيم علي الطريق بأكمله.
فكان هو يقود السيارة شارداً.
يود لو يسألها عما حدث معها ولما صرخت وكيف توفت والدتها بالأساس.
ولكن كبرياؤه الأرعن وقف حائلاً بين سؤاله.
فكيف يجهل سليم الغرباوي شئ ما.
أما هي فإستندت برأسها علي زجاج النافذة.
سارحة.
شاردة تتذكر والدتها.
تنهدت بعمق وهي تتمني لو ينتهي كل شئ.
فأحياناً ما تمر علينا أوقاتاً نشعر فيها بالتعب من كل شيء ومن اللاشيء.
نود لو أنه بإمكاننا أن نغمض عينينا فقط وينتهي كل هذا.
بعد وقت قصير وصلا الي القصر.
فهبطت مليكة من السيارة متوجهة للداخل في هدوء حتي سمعت صوت مراد ولكن معه ندي التي علمت منها أن سليم هو من أرسل إليها سيارة كي تأخذها للمنزل كيلا تبقي في المستشفي.
***
في منزل عاصم.
جلس الجميع علي المائدة يتناولون الطعام.
أخذا أيهم وجوري يحدثان والدهم ويقصان عليه كل ما فعلوه في النادي والحضانة لليوم.
وهو جالساً يعمل علي هاتفه وفقط يومئ برأسه إليهم.
أما نورسين فأخذت تطالعه بالم.
إلي أي مدي سيظل هكذا.
إلي أي مدي.
وبعد قليل سأل أيهم:
أيهم: بابي إيه رأيك.
أخذ عاصم يومئ برأسه في هدوء كما كان يفعل.
فلكزته نورسين:
نورسين: بابا أيهم بيسألك.
إبتسم عاصم بهدوء وتابع ناهياً أي مجال للنقاش:
عاصم: اللي مامي تقول عليه تعمله يا أيهم.
ثم نهض حاملاً أشياءه مودعاً إياهم ورحل.
زفرت نورسين بألم بعدما شاهدت طفلها يخفض رأسه في أسي.
فضحكت بهدوء وتابعت بحماس:
مين فيكوا بقي يا قطاقطي اللي خلص كل أكله.
نسي أيهم ما حدث وتابع بفخر:
أيهم: أنا يا مامي إنما جوري لا.
نهضت نورسين مقبلة طفلها وتابعت بفخر:
نورسين: أيهم هيكبر وهيبقي راجل أد الدنيا أما جوري هتفضل صغيرة.
وقف أيهم بكبرياء متابعاً بفخر وحماس:
أيهم: أيوة هبقي راجل أد الدنيا زي بابي بالظبط.
إبتسمت نورسين في سعادة وتمنت من الله أن يستفيق عاصم قبل فوات الآوان.
***
في منزل العائلة بالصعيد.
جاء رجل ما لخطبة فاطمة ولكنه يكبرها كثيراً في العمر وإنقسم المنزل بين مؤيد ومعارض ولكن القرار الأخير بيد فاطمة كما أخبرها والدها وعمها مهران وجدتها خيرية.
قررت قمر التحدث معها ونصيحتها في هدوء فهي تعتبرها شقيقتها الصغرى.
فأخذتها وخرجا للجلوس سوياً في حديقة القصر.
قمر: بصي يا حبيبتي.
ربنا اللي يعلم إنتِ إيه عندي وأني بعتبرك أكتر من شقيقتي.
إبتسمت فاطمة في هدوء وتمتمت:
فاطمة: وأنا كمان يا جمر والله.
قمر: بصي يا حبيبتي أنا بس جاية أنصحك نصيحة لوجه الله.
بلاها العريس اللي جاي ده.
متدفنيش شبابك بالحيا لأي سبب.
همت معترضة فتابعت قمر بإشفاق:
قمر: أني عارفة إنك كنتي بتحبي سليم ود عمك بس يا حبيبتي مش معني إنه مجاش يبقى خلاص.
بالعكس لسه بدري.
والبنية الزينة يا حبيبتي هي اللي تكتم جواها أي أحاسيس لحد البني آدم اللي من توبها.
اللي يشتريها بأغلى ما عنده.
الراجل الي يحسسها بأنها الكون كله.
ويرفع رأسها وميحوجهاش واصل.
والحوجة يا حبيبتي مش للفلوس.
لأ.
الحوجة الشينة تبقى للكلمة الزينة.
للاهتمام والحب.
الحوجة للحاجات اللي البنت سابتها في بيت أبوها.
فهمتيني يا حبيبتي.
أومأت فاطمة رأسها في هدوء حتي دخلت عبير التي استمعت إلى كل الحديث.
تصرخ بها بفضب هادر:
عبير: ملكيش صالح ببتي يا جمر.
أني بجولك أهو.
عاد.
متسمعيش كلامها يا فاطمة يا بتي.
هي بتعمل كده علشان مش عاوزاكي تتجوزي وتخلفي وتجيبي الواد اللي هي مش عارفة تجيبه.
آلمت تلك الكلمات قمر وبشدة.
فكيف تقول لها مثل هذا الكلام.
ألا يقابل الإحسان إلا بالإحسان.
كيف لها تظن بها هكذا وهي التي تنصحها بدافع أخوي.
برقت عيناها بألم واردفت بدهشة:
قمر: إيه اللي إنتِ بتجوليه ده يا خالة.
أردفت عبير بنزق:
عبير: زي ما سمعتي يا جمر.
كفاية حديثك الماسخ ده عاد.
تابعت قمر بإستهجان:
قمر: حديثي مش ماسخ يا خالتي.
أنا بس كنت بنصح خيتي نصيحة رب العباد هيحاسبني عليها.
وزي ما تحب تسمعها أو لأ.
ثم تركتهم قمر وصعدت إلى غرفتها باكية مما تفوهت به خالته.
نعم تتألم.
وكيف لا تفعل وهم يحاسبونها على شئ لم تقترفه يداها أو حتى يكن لها به ذنب من قريب أو من بعيد.
كيف لهم أن يفكروا هكذا.
بعد وقت قصير وصل ياسر إلى المنزل فوجد خيرية توبخ ابنتها كثيراً.
ضيق عيناه توجساً وسأل مُرتاباً:
ياسر: في إيه يا ستي.
صوتكم واصل لحد البوابة.
تطلعت ناحيته في ألم وهي تتابع بلوم:
خيرية: في إن تربيتي وتربية جدك وعمامك مهران وزين راحت بلاش يا ولدي.
وإستعوضت ربنا فيها خلاص.
إطلع يا ولدي شوف مراتك وراضيها.
الظاهر إننا خلاص نسينا حكمة ربنا وجدره.
ضيق ياسر عيناه بتوجس وتابع بقلق يغلفه بعض الدهشة:
ياسر: مرتي.
مالها جمر.
خيرية: هي مليحة يا ولدي.
إطلع بس.
لم يسمع ياسر ما تبقى من حديثهما وصعد لأعلى ملهوفاً ولعاً على محبوبته.
فوجد صغيرته تجلس باكية ووالدته إلى جوارها تحاول تهدئتها.
هتف يسأل في دهشة:
ياسر: في إيه يا أمة.
جمر بتبكي ليه.
فركت وداد يدها مضطربة وتابعت في توتر:
وداد: مفيش حاجة يا ولدي.
جمر زينة.
خبأت عليه.
نعم خبأت.
هي تعلم كيف يعشق ولدها زوجته.
كيف حتى أنه لا يطيق أن يضايقها النسيم.
فما بال كلمات عمته اللاذعة التي توافق السوط في حدته وتتفوق على سم الأفعى في ألمها.
فهتف بها بإستهجان واضح:
ياسر: لا مش زينة عاد ياما.
هو أنا مبشوفش.
ثم سأل زوجته بإستياء:
مين ضايقك يا جمر خبريني.
أردفت هي بهدوء فهي تعلم زوجها:
قمر: مفيش حاجة يا ياسر.
ياسر: لو مجلتليش يا أمة جمر مالها هنزل أعرف من ستي تحت.
تمتمت وداد في خفوت:
وداد: عمتك ضايجتها كالعادة.
هبط ياسر لأسفل تحاوطه أعاصيره القمعية.
وصرخ بأهل البيت في حنق وحرد:
ياسر: بصي بقى يا عمتي علشان تيجي كلمة وننتهي منها.
وأقسم باللي رفع السبع سموات ما هكررها تاني واصل.
والمرة الجاية هيجي فعل.
جمر مرتي وأي كلمة تزعلها تزعلني.
أما بقى بالنسبة للحديث الماسخ بتاع الخلفه وأبصر إيه.
لو متعرفيش فأنا اللي هعرفك.
ودلوقتي كل حاجة بإيد ربنا أولاً وثانياً جمر ملهاش أي دخل في الموضوع ده واصل يا عمتي.
وإياك.
إياك أسمع حد تاني بيتكلم ولا حتى بيلمح للموضوع ده من قريب ولا من بعيد.
حتى علشان المرة الجاية هاخد مرتي وبنتي وهمشي من هنا.
والكلام ده مش لعمتي بس ده للبيت كله.
ثم لملم أشلاء عبائته وصعد للأعلى غاضباً.
خرجت وداد بعد دخوله مباشرة تاركة فرصة للزوجين في الحديث بعدما أمطرت ولدها بوابل من الدعاء على نصرته لزوجته وعدم خجله من عدم إنجاب الأولاد.
وقف ياسر يرمق زوجته في حب بالغ ممزوج بإشفاق عليها من كلمات عمته التي يعرف جيداً أنها أكثر ألماً من لسعات السوط.
ثم توجه ناحيتها في حب وجلس أمامها مجففاً دموعها في حنان بالغ:
ياسر: مكفاكيش بكا عاد.
إرتفعت شهقاتها وإرتفع نحيبها ملقية بنفسها بين ذراعيه في ألم.
وكأنها طفلة صغيرة تحتمي بوالدها.
تبث له آلامها وأوجاعها.
ولما لا فهو قد وعدها بهذا من لحظتهما الأولى سوياً.
قمر: أني معرفش بيحاسبوني على إيه عاد يا ياسر.
كيف يعني يحاسبوني على إرادة ربنا.
إحتضنها ياسر بقوة:
ياسر: خلاص يا قمر عاد.
متقطعيش قلبي وكفاياكي بكا.
ثم تابع ضاحكاً:
إنتِ مشوفتيش جوزك وهو بيديهم الطريحة التمام.
كله علشان عيونك الكحيلة دي يا جميل.
تسللت إبتسامة صغيرة خجولة إلى شفتيها على استحياء.
فإنقض ياسر يزرع قبلاته على جانب فمها.
تلك القبلة التي تسلبها عقلها وتسحب أنفاسها.
همس ياسر ببحته الرجولية التي تسلبها لبها وكأنه يريد القضاء على آخر ما تبقى لها من وعيها:
ياسر: بجولك إيه.
هي همس فين عاد.
همست قمر بخفوت إثر سهادها:
قمر: عند فاطمة.
تهللت أساريره وأردف غامزاً:
ياسر: طيب ما تيجي أجولك كلمة سر.
***
طرق مهران باب غرفتها في هدوء ودلف يسير الهويني سائلاً بقلق:
مهران: خير يا أمة.
جالولي إنك نادمتي.
إبتسمت خيرية في حبور وأشارت على المقعد جوار فراشها:
خيرية: خير يا ولدي خير متجلجش.
أني كنت عاوزاك في موضوع كده.
جلس مهران في أريحية وتمتم بتوجس:
مهران: موضوع إيه عاد.
تابعت هي بثبات:
خيرية: أمجد الراوي.
تغصن وجه مهران بقليل من الحنق وتمتم في هدوء:
مهران: ماله يا أمة ولد الراوي.
هتفت خيرية بأمل:
خيرية: مش كفاينا عداوة عاد.
تابع مهران بحدة:
مهران: وعلي آخر الزمن نوطوا راسنا في الأرض لولاد الراوي.
خيرية: إنت أعجل من كده يا ولدي وعارف إن الموضوع مش هيمشي كده.
أمجد مغلطش والراجل عداه العيب لما راح استأذن اخوك زين الله يرحمه.
وزين وافق واداله الإذن والكلام ده زين اخوك الله يرحمه هو اللي جايله بلسانه.
أردف مهران بهدوء لأجل والدته:
مهران: خليني أمشي وياكي يا أمة وأجولك إننا عاوزين نتصالحوا طيب.
وبقيت الغرباوية اللي شايفينها عيبة في حقنا ومش هيسمحوا بحاجة زي دي واصل.
أردفت خيرية بعتاب:
خيرية: واحنا من امتى يا ولدي بنأخر حق علشان كلام حد.
إنت وسليم وياسر تجعدوا معاهم وتخلصوا الموضوع.
كفايانا عداوة.
كفايانا بقى يا ولدي.
عاوزة أقابل زين اخويا وأني متطمنة.
تمتم بإستنكار:
مهران: بعيد الشر عنك يا أماي.
إستطردت خيرية بأسى:
خيرية: أمجد طول عمره ولدي زيه زيك وزي زين الله يرحمه.
تنهد بعمق وتمتم بهدوء:
مهران: اللي فيه الخير يقدمه ربنا يا أمة.
أردفت هي بأمل:
خيرية: هاخد منك وعد يا ولدي.
هتف بدهشة مازحاً:
مهران: واه يا حاجة.
بس حاضر كلامك أوامر.
ربتت على كتف ولدها في فخر وتابعت باسمة:
خيرية: تسلم يا ولدي.
***
في غرفة فاطمة وعبير.
فاطمة: هسألك سؤال وتجاوبيني عليه وبصراحة يا بنتي.
أردفت فاطمة تسأل في توجس:
فاطمة: جولي يا أمة.
أردفت عبير:
عبير: لسه بتحبيه ورايداه.
أردفت هي بقهر إمتزج بأسى:
فاطمة: واه يا أمة.
بحبه بس.
ده أنا عشجاه.
ده حتى العشق قليل عليه.
أردفت عبير بثبات:
عبير: يبقى تسمعي حديثي زين ومتعارضنيش واصل في اللي هقوله.
أردفت هي بتوجس:
فاطمة: جولي يا أمة.
أني سامعاكي.
***
بعد مرور عدة أيام.
كانت مليكة جالسة في حديقة القصر تتناول شايها في هدوء.
بينما تراقب عيناها طفلها وهو يلهو مع والده في سعادة.
تطرب أذناها وقلبها بسماع صوت ضحكاتهم التي تملأ الأرجاء.
حتى سمعت صوت هاتفها الذي أخرجها من سهادتها.
إلتقطته في عدم اهتمام وإبتسمت بعدما رأت أن المتصل عائشة ولا أحد غيرها.
تركتهم وإبتعدت قليلاً لتجيب على هاتفها حتى يتسنى لها فرصة الحديث مع رفيقتها بهدوء.
أخذا يثرثرا سوياً لبضع ساعات حتى استمعت عائشة لصوت طفلها يبكي فاستأذنت مليكة التي أردفت بحبور:
مليكة: بوسيهولي لحد ما أجيلكوا.
أردفت عائشة باسمة:
عائشة: من عيني يا روحي وخلي بالك من نفسك.
أغلقت مليكة الهاتف ووقفت تطالع سليم ومراد يلهوان بصخب والضحكة لا تفارق محياهما.
زفرت بعمق وتنهدت بألم راجية من الله يفتح سليم عينيه بقوة.
ولكن كيف.
كيف تطلب منه أن يشاهد أي شئ هي لا تظهر إلا عكسه.
وفجاءة استمعت إلى أصوات قادمة من الأشجار خلفها فتسلل قلق عارم إلى قلبها.
واتجهت نحوه في توتر وتوجس هاتفة في خوف تسأل:
مليكة: مين اللي هنا.
زادت الأصوات والحركات ولكن لم يأتها إجابة.
شعرت بالتوجس وكادت أن تعود ناحية الفيلا مرة أخرى ولكن فضولها وقلقها تغلب عليها.
فافتربت من مصدر الصوت أكثر وأزاحت بعض الشجيرات بيدها.
كانت ترتجف بداخلها وترتعد أوصالها.
ولكن اللعنة وكل اللعنة على فضول الأنثى.
فسألت مرة أخرى بذعر:
مليكة: مين اللي هنا.
وفجاء لم تدرِ ماذا حدث.
فقد انقض عليها شخصاً ما ووضع يده على فمها وأخذها وتواريا خلف بعض الشجيرات.
اتسعت حدقتا مليكة زعراً وأخذت تصرخ ولكن بفم مغلق فلم يسمعها أحد.
أخذت تحاول ركله وتحرير نفسها من بين براثن ذلك الغريب الملثم ولكن دون فائدة فقد كان يمسكها بقوة.
همس بالقرب من أذنها بتهديد بصوت يشبه فحيح الأفعى جعل الخوف يشل جسدها.
ورعدة خفيفة طغت على جسدها:
أنا هشيل إيدي بس لو سمعتلك صوت إنتِ حرة.
أومأت برأسها عدة مرات في حركة وائمت حركة جفناها صعوداً وهبوطاً بقوة في هلع.
فأزاح يده بروية من على فمها وإقترب من أذنها ضاحكاً بسخرية على ضربات قلبها التي يسمعها من مكانه.
ثم تابع بسخرية أشد يسألها إن كانت زوجة سليم الغرباوي أم لا.
هتفت مليكة بصوت مرتعد وذعر تسأله:
مليكة: إنت مين وعاوز مني إيه.
ضحك بسخرية شديدة:
الملثم: إنتِ متعرفينيش بس أنا أعرفك ومش لازم تعرفي أنا عاوز منك إيه لأنك هتشوفي بعينك دلوقتي.
أومأت برأسها في هلع طالبة منه أن يتركها ويخبرها ماذا يريد منها.
ولكنها لم تلحظ السكين الذي أخرجها.
رواية بين طيات الماضي الفصل العشرون 20 - بقلم منة الله مجدي
وفجأة طعنها بالسكين الذي يحمله في يده واختفى مثلما جاء.
خرجت منها صرخة ألم بعدما وضعت يدها على موضع الطعنة فوجدت الدماء تسيل منه بغزارة.
جحظت عيناها هلعاً وهي تكاد تصاب بنوبة ذعر لخوفها من الدماء، ولكنها قررت الصمود وهي تتوسل عقلها بالتركيز فقط على ما يحدث لها الآن، حتى بدأت في إبعاد كل تلك الأفكار وغض بصرها عن كل تلك الدماء المتناثرة حولها في ثبات، وأخذت تدعو سليم في وهن وألم.
سمع سليم صرختها وشعر بحركة غريبة خلف الشجيرات.
اتجه ببصره إلى مكان جلوسها فلم يجدها.
اعتراه القلق فركض ناحيتها ليطمئن.
وفجأة وجدها تسقط أرضاً في ألم.
انتفض قلبه قبل جسده إثر رؤيته لدمائها الغزيرة تسيل من جسدها وثيابها التي تخضبت بالدماء، فركض ناحيتها محتضناً إياها قبل سقوطها واضعاً رأسها على قدمه وهو يضرب وجنتيها بلطف، هاتفاً بها في وله عاشق معذب عساها تستجيب.
يصرخ قلبه هاتفاً بوله: لن أسمح لكِ أن تنفصلي عني حتى لو أردتِ... أنتِ ملكي... كنتِ ضائعة مني وقد وجدتكِ... أريدكِ أن تبقي ملكي طويلاً... ملكي إلى الأبد.
ولكن كل ما تسرب إلى لسانه من ذلك الحديث الطويل هو صراخه بهلع.
سليم: مليكة مليكة ردي عليا.
حاولت أخذ أنفاسها بقوة وهي تحاول تحريك شفتيها التي تخضبت بدمائها بصعوبة لتتحدث، ثم فقدت وعيها.
ضمها سليم إلى جسده صارخاً بالأمن وطلب من أميرة أن تأخذ مراد إلى الأعلى كي لا يرى مليكة.
حمل هو مليكة وركض بها إلى سيارته بفزع، واضعاً جسدها الهزيل الملطخ بدمائها على المقعد إلى جانبه ممسكاً بيدها في قوة وحنان في آن واحد، هاتفاً بها في قلق.
سليم: مليكة عاوزك تفتحي عيونك متغمضيش يا مليكة.
كان يسمع فقط همهمات تأوهاتها فصرخ بها مرة أخرى بقلق قد بلغ منه مبلغه.
كانت هي تجاهد حتى تبقي زرقاوتيها مفتوحتين ولكنها تشعر بأنهما ثقيلتان وكأن بهما رمل.
فقدت الوعي تماماً وهدأت تأوهاتها فصرخ بها سليم بخوف كي لا تغلقهما.
وصلا إلى المستشفى بعد دقائق فحملها ودلف للداخل راكضاً وهو يصرخ بالجميع.
سليم: دكتور بسرعة.
حملتها منه الممرضات ودلفن إلى غرفة العمليات.
***
خارج الغرفة.
جلس سليم على أحد المقاعد الموجودة واضعاً رأسه بين يديه مفكراً، تراها ستفيق أم لا.
هبط قلبه إلى قدميه حينما راودته فكرة أن تكون إصابتها شديدة الخطورة إلى الحد الذي لا تستفيق فيه.
شعر بألم غريب يجتاح قلبه.
هز رأسه بعنف، فهو لا يحبها... لا يحبها... لا يجب عليه ذلك.
بعد عدة ساعات.
سمع أصوات حركة كثيرة وهرولة الممرضات وبعض الهرج والمرج.
فهب واقفاً بهلع محاولاً أن يوقف إحداهن.
صرخ بهلع.
سليم: فيه إيه... مراتي إيه اللي بيحصلها جوة.
فأخبرته الممرضة أن مليكة قد فقدت الكثير من الدماء ولا يجدون نفس فصيلتها.
هتف برجاء.
سليم: أنا O negative، خدوا كل اللي تحتاجوه بس المهم تفوق.
تهللت أسارير الممرضة كثيراً وطلبت منه أن يأتي معها.
وبالفعل دلف سليم إلى غرفة العمليات.
وضعوه على سرير يقابل سريرها ووصلوا بذراعه بعض الأنابيب لينقلوا لها الدم سريعاً.
أخذ يتطلع إليها وهي مُنسدحة على الفراش في وداعة شديدة، لا حول لها ولا قوة، تشبه الملائكة كثيراً على الرغم من شحوب وجهها الشديد وشفتيها أيضاً، ولكن كل ذلك لم يخفِ جمالها.
وبعد وقت قصير انتهت العملية.
فطمئنه الطبيب كثيراً مُخبراً إياه أنها ستظل في العناية المركزة حتى تمر أول 48 ساعة لخطورة مكان الإصابة ثم تنقل بعد ذلك إلى غرفة عادية.
زفر سليم بأريحية فطلب منه الطبيب أن يستريح ويتناول بعض السوائل حتى يعوض ما تم أخذه.
أومأ سليم برأسه ولم يعلق وجلس بجوارها حتى يكون بجوارها حين تستيقظ.
سمعها تنادي باسمه تارة، وتارة باسم مراد، وتارة أخرى بوالدها ووالدتها، وتارة بذلك العاصم الذي لا يعرف حتى من هو.
***
في قصر الغرباوية.
وتحديداً في صحن القصر كان ياسر يقف مودعاً والدته وجدته وزوجته لرحيله للقاهرة كي يطمئن على زوجة ابن عمه.
تمتمت قمر في لهفة.
قمر: خلي بالك من حالك بس وطمنا على مليكة الله يخليك أول ما توصل.
أومأ ياسر برأسه متمتماً في هدوء.
ياسر: إن شاء الله.
هم ياسر بالرحيل فشعرت قمر بأن الدنيا تميد تحت قدميها وبتشوش في رؤيتها.
فهتفت في صوت مضطرب متقطع.
قمر: إلحقني يا ياسر.
انتفض قلبه قبل جسده حينما سمع صيحة استنجادها واحتضنها قبل سقوطها أرضاً، ليصرخ منادياً باسمها ولكن... لا منادي.
اندفع الخفير عوض مستدعياً الطبيب ما إن صرخ فيه ياسر آمراً بذلك وهو يحمل قمر صاعداً الدرج في عجالة.
اندفعتا خلفه الحاجة خيرية ووداد في وجل.
وضعها ياسر على الفراش لاهثاً في وله حقيقي عليها، ينادي باسمها في فزع محاولاً إفاقتها لعلها تستجيب لندائه.
وعندما لم يجد منها أي استجابة، اندفع محضراً عطره ثم وضع بعضاً منه على كف يديه وقربه من أنفاس قمر التي بدأت في الاستجابة لتهمهم في وهن محركة رأسها يمنة ويسرة في هدوء.
زفر بأريحية.
في نفس اللحظة التي وصل فيها الطبيب على باب الحجرة.
دخل ليفحص قمر فانسل هو من جوارها تاركاً والدته وجدته مع الطبيب.
لم يستطع مداراة قلقه فوقف يدعو الله وهو يتحرك أمام الباب ذهاباً وإياباً.
حتى انفتح باب الغرفة أخيراً على خروج الطبيب مصحوباً باندفاع مفاجئ لزغاريد أمه وابتسامة جدته.
وقف تائهاً لا يعلم ماذا يحدث، كيف يبتسم ذلك الأحمق وحبة قلبه تعاني.
ابتسم الطبيب وتمتم في حبور.
الطبيب: مبروك يا ياسر بيه... المدام حامل.
تسمر ياسر للحظات مشدوهاً يحلق في الطبيب الذي اتسعت ابتسامته ونقل نظراته لوالدته التي أومات برأسها في ابتسامة يتبعها تأكيداً من جدته.
ليهتف ياسر أخيراً.
ياسر: إنت متأكد يا دكتور من حديثك ده.
يضحك الطبيب بخفة وتابع مشاكسًا بمرح.
الطبيب: على حسب معلوماتي الطبية المتواضعة جداً جداً فأقدر أكدلك كلامي ده.
ابتسم ياسر بحرج وتابع معتذراً.
ياسر: العفو يا دكتور مقصدييش كده.
ابتسم الطبيب بحبور وتابع مربتاً على كتف ياسر.
الطبيب: أهم حاجة دلوقتي هي الراحة التامة للمدام وطبعاً مش هوصي الحاجة على التغذية الكويسة عشان الحمل وكده.
هز ياسر رأسه مؤكداً وهو يطلب من عوض اصطحاب الطبيب للخارج دافلاً هو لغرفته مغلقاً الباب خلفه في سعادة.
اقترب من قمر المنسدحة على الفراش في هدوء وانحنى مقبلاً جبهتها في محبة عارمة.
فتحت قمر عيناها وهمست بحب.
قمر: مبروك يا أبو عمار.
ضمها إليه في سرور بالغ وكأنه يضعها بداخل قلبه.
فأغمضت هي عيناها تستنشق رائحته علها ترزق بطفل يشبهه في كل شيء كما تمنت دوماً.
***
بعد عدة ساعات كان قد وصل القاهرة بعدما ترك زوجته على مضض لأجل سليم فهو يعلم مدى قلقه الآن، فهو قد رأى حب مليكة يطل من بين عينيه ولكنه يعلم ابن عمه ورفيقه جيداً فهو يعافر بقوة كيلا يظهر هذا الحب وهو حقاً لا يعرف لماذا.
زفر بعمق وهو يتمتم بحنق.
ياسر: ياخرابي على المرار الطافح اللي إنت فيه يا ياسر.
هما يتنيلوا يحبوا وإنت تتجندل على دماغ اللي خلفوك.
***
وصل للمستشفى ليجد سليم قاعداً على أحد المقاعد عيناه خير دليل على عدم رؤيتها للنوم ولو لعدة دقائق حتى.
ياسر: طمني يا واد عمي.
هتف سليم بصوته العميق في وله وجزع.
سليم: الدكتور بيقول إنها بقت كويسة بس هي لسة لحد دلوقتي مفاقتش.
ربت ياسر على كتفه في إشفاق.
ياسر: إن شاء الله خير يا خيي متجلجش.
بس كيف دا حاصل... وكيف حد يدخل القصر عندك من غير ماحد لا يحس ولا يدرا بيه.
هتف سليم بحنق ودهشة.
سليم: مش عارف يا ياسر وده اللي هيجنني، دخل إزاي وكان عاوز إيه مادام هو مش جاي للسرقة أصلاً.
ربت على كتفيه في حنو وتابع بهدوء.
ياسر: اصبر يا واد عمي لما مراتك تفوق ونبقى نسألوها يمكن اللي عمل كده جالها أي حاجة نعرف منها هو مين أو حتى كان جاي ليه.
تمتم سليم بصبر.
سليم: أديني مستني.
تمتم ياسر بتوجس.
ياسر: في خبر كده أني عارف إنه مش وقته بس لازم تعرفه مش عارف أخبه عنيك عاد.
زم سليم شفتيه وتابع بسخرية.
سليم: خير في إيه تاني.
ابتسم ياسر ملء شدقيه وتابع بفرحة.
ياسر: لا دا خير وكل خير... جمر مرتي حامل.
ابتسم سليم في حبور.
سليم: مبروك يا ياسر ألف مبروك والله الواحد كان محتاج يسمع أخبار حلوة.
تمتم ياسر بهدوء.
ياسر: لسه أنا عارف قبل ما أجيك طوالي.
ضيق سليم عيناه وتابع موبخاً.
سليم: وإيه اللي جابك يا ابني إنت كنت خليك جنب مراتك عشان تاخد بالك منها وتراعيها.
استطرد موبخاً.
ياسر: والله عيب اللي بتجوله ده.
جمر وياتها أمي والحاجة خيرية والبلد كلها لو حبت بس إنتو هنية لحالكم يوبجي تسكت خالص.
ولم يكد سليم أن يتحدث حتى سمعا صوت أنثوي يهتف في دهشة ممزوجة بالقلق.
نورسين: أستاذ سليم.
التفتا سوياً على وقع الصوت في هدوء بينما اقتربت منهم نورسين التي دب القلق لأوصالها تسأل عن سبب وجودهم.
رحب بها سليم بأدب.
سليم: د. نورسين أهلاً وسهلاً مليكة تعبانة شوية.
تابعت نورسين بقلق.
نورسين: خير فيها إيه.
قص عليها ما حدث باقتضاب يخبئ ورائه الكثير والكثير من الغضب.
شهقت نورسين بفزع ثم حاولت الاستفسار عن سبب الحدوث فأخبرها سليم بعدم معرفته لأي شيء حتى الآن.
تركتهم هي بعد الاستئذان لتطمئن على حالتها وتطمئنه قليلاً.
وبالفعل بعد وقت قصير خرجت لتخبره بإفاقتها.
فهب سليم واقفاً هاتفاً بوله عاشق أضناه القلق واحترق بنيران الخوف من الفقد والفراق.
سليم: أنا عاوز أتطمن عليها.
تمتمت نورسين في هدوء تطمئنه وتخبره بألا يحدثها كثيراً كي لا تؤذي جرحها.
أومأ سليم برأسه عدة مرات واتجه مندفعاً لغرفتها يسبقه قلقه وشوقه.
وجدها منسدحة على الفراش في وداعة تبدو بوادر الألم على وجهها الذي أضحى شحوبه يماثل شحوب الموتى.
جلس إلى جوارها ممسكاً بيدها في حنو بالغ يتنافى مع قسوته في الأيام السابقة.
كيف لا والحب النقي بداخله هو من يسكن الوحش الذي بداخله.
همس برقة بالغة يعتريها قلق شديد سمح له بأن يطل من خضراوتيه.
سليم: حمد لله على سلامتك.
همست في وهن شديد يتخلله ألم تحاول جاهدة إخفاءه.
مليكة: الله يسلمكم.
مراد... مراد فين.
أردف يطمئنها في حبور.
سليم: متقلقيش مراد كويس.
رفرفت بأهدابها بتلك الحركة الطفولية وكأنها تقول له حسناً ثم غابت عن الوعي مرة أخرى.
هب سليم واقفاً في هلع وخرج مسرعاً ليحضر الطبيب.
سليم: د. نورسين مليكة... مليكة.
هتفت نورسين بهلع.
نورسين: مالها.
هتف سليم بجزع.
سليم: مش عارف أنا كنت بكلمها وفجأة لقيتها غمضت عيونها.
ابتسمت نورسين في حبور.
نورسين: متقلقش يا باشمهندس هي كويسة دا بس من البنج والعملية متخافش.
زفر سليم بأريحية وأومأ برأسه بمعني حسناً.
استأذنت نورسين ورحلت بعدما طلبت منهم إعلامها إذا احتاجوا لأي شيء.
ابتسم ياسر مشاكسًا بعدما خبط على كتف سليم.
ياسر: واه واه على زينة الرچال... إيه مشندل حالك كده يا واد عمي.