تحميل رواية «بين طيات الماضي» PDF
بقلم منة الله مجدي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في أحد الأبراج السكنية، تحديداً في شقة يبدو عليها الثراء على عكس حالة ساكنتها تماماً. ابتسمت مليكة للطفل الصغير الذي هدهدته حتى نام. مسحت على جبهته البيضاء برقة وحنان، فهو أهم ما لديها في الحياة ومن أجله يمكن أن تفعل أي شيء. وراحت تفكر أنها لم تعد تتحمل المزيد. إذا استمرت كلفة المعيشة بالارتفاع، فستصل لحائط مسدود. فمراد يكبر وتزداد متطلباته، ومدخراتها لم تعد تكفي. حتى وإن استطاعا تدبر أمرهما، فبالتأكيد ستنفذ بعد وقت قليل، ولا تستطيع إيجاد عمل في هذه الأوقات يمكن أن يسد كافة احتياجاتهما. وضعت وجه...
رواية بين طيات الماضي الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم منة الله مجدي
عاد سليم ومليكة إلى المنزل بعد وقت قصير.
وظلت بين ذراعيه حتى بعد أن غفت.
هو يعلم كم تتألم.
يعلم ما هو شعورها تحديداً.
رأى نظرات القهر القابعة في عينيها.
شعر بقلبها يصرخ ألماً بين ضلوعها.
كان يعلم أن هذه ستكون النتيجة، ولكن ما حدث هو الأفضل الآن.
ستتقبل وجودها ولو قليلاً.
***
في الصباح، استيقظ عاصم مسروراً يزف ذلك النبأ العظيم لجميع أفراد العائلة التي استقبلته بسعادة.
فهذا ما كانوا يحتاجونه الآن، خبر سعيد كهذا.
***
في قصر الغرباوي، ارتدت مليكة ثيابها محاربة ذلك الشعور بالكسل الذي راح يهاجمها منذ الصباح.
وهبطت لتساعد قمر ووداد وفاطمة في تحضير الطعام.
وحينما هبطت للأسفل لم تر شاهين بين الرجال.
زمت شفتاها في حيرة واتجهت للمطبخ.
ثم سألت قمر بخفوت بعدما ألقت تحية الصباح على الجميع:
مليكة: فين عمو شاهين؟ أنا مشفتهوش.
تمتمت قمر بأسى:
قمر: هتلاقيه في الإسطبل قاعد هناك من صباحية ربنا.
وضعت الطبق من يدها وهي تتمتم في اضطراب:
مليكة: أنا هروح أشوف مراد.
أومأ الجميع برأسهم في هدوء.
فتوجهت هي للإسطبل في هدوء، الذي وصلت إليه بسهولة مع إرشادات عم مسعد.
دَلفت للداخل وهي تدعو الله أن تمر تلك الزيارة على خير ومن دون أي مشاكل.
رأت شاهين يجلس في خنوع وانكسار لم تعتد رؤيته به أبداً.
للحقيقة، لن تكذب، هي أحبت هذا الشاهين أكثر من المتعجرف الآخر، ولكن هذا يمزق قلبها.
تقدمت منه تسير في هدوء.
نظفت حلقها وتمتمت في هدوء:
مليكة: حضرتك هنا والفطار خلاص اتحط.
رمقها بشزر متبرماً.
فجلست هي بتوجس متمتمة في هدوء وجدية:
مليكة: من غير ما تقول حاجة، أنا عارفة إن حضرتك بتكرهني وشايف إني وش نحس على العيلة وبتتمنى موتي في أقرب وقت.
برقت عيناه بضيق على حماقة تلك الفتاة وعجرفتها.
هي لا تفرق معه من الأساس، ولكن كل ما يؤلمه هو طفلته التي ماتت دون رعايته.
فاطمة التي حتى الآن لا يستطيع تقبل مفارقتها.
زوجته عبير التي أحبها بل وعشقها.
يتذكر جيداً كم كان فرحاً حينما علم أنهم وافقوا على عرضه للزواج.
يتذكر مقابلتهما الأولى.
فرحته وقتها.
ماذا ارتدت، عماذا تحدثا، كل شيء.
والآن لا يستطيع حتى تصديق ما فعلته.
تمتمت مليكة بحبور:
مليكة: أنا عارفة إن الموضوع صعب ومش سهل وإن حضرتك مش قادر تصدق.
بس الحقيقة مش على حضرتك بس، ده على العيلة كلها.
أنا بس عايزة أقول لحضرتك إن فاطمة بنتك قبل أي حد ومحدش يقدر ياخد منك الحق ده أو حتى ينكر الحقيقة دي.
تمتم بحرد:
شاهين: أبوكي خدها.
تمتمت هي بحبور:
مليكة: ولا حتى بابا.
برقت عيناه غاضباً:
مليكة: والله العظيم ولا حتى بابا يقدر ياخد منك الحقيقة دي.
فاطمة بنت حضرتك.
بنت شاهين الغرباوي قبل ما تكون بنت أمجد الراوي.
فاطمة هتفضل هنا معاك لحد ما حضرتك بنفسك اللي تزفها لعريسها.
أما مريم الله يرحمها فهي تذكرتك للجنة.
والله العظيم طنط نورهان كانت بتربيها أحسن تربية.
ودلوقتي حضرتك لازم تنسى الماضي وتفكر في المستقبل حتى عشان فاطمة ونانا خيرية.
عمتو عبير غلطت أه، فعلاً غلطت وغلطها لا يغتفر فعلاً ولازم تتعاقب.
بس بعد دا كله أكيد هيجي وقت وتسامحوها عشان هي بنتهم ومراتك اللي إنت بتحبها.
برقت عيناه بدهشة لعجرفتها، كيف تتحدث بكل تلك الثقة.
مليكة: مستغربش، أنا أصلي كنت بشوف بصاتك ليها.
حضرتك بتبصلها زي ما بابا كان بيبص لماما تمام.
علشان كده بقول لحضرتك الكلام ده.
وقفت في هدوء وأردفت:
مليكة: أنا كل اللي عندي قلته ولازم أمشي بقى عشان عمتو وداد هتقتلني عشان سايبنهم في المطبخ لوحدهم.
عن إذن حضرتك.
تركته متوجهة إلى الفتيات، بينما وقف سليم يراقبها باسمًا.
حقاً لا يدري كيف لم ير كل تلك البراءة والجمال من قبل.
كيف صدق أن تلك الفتاة امرأة مجربة ولها خبرات.
كم كان أحمق.
دَلفت للقصر، بعدها دلف هو لاصطحاب عمه لتناول الإفطار.
***
عادت فاطمة قبل الإفطار لمنزل الغرباوية بناءً على مكالمة مليكة.
قبلت يد شاهين كعادتها وجلست في مكانها.
أما خيرية فأصرت عليها مليكة وفاطمة أن تخرج لتناول الطعام معهم بالخارج.
وبالفعل قد وافقت بعد محاولات مستميتة.
ظلت الأوضاع متوترة قليلاً في المنزل، ولكن قد فعل الأطفال أفاعيلهم بهذا الصدد.
فـ سرعان ما رسموا البسمة على وجوه الجميع واستطاعوا إغلاق المواضيع القديمة على الأقل إلى الآن.
***
بعد مرور ثلاثة أيام على عودة سليم ومراد ومليكة للمنزل، حضرت عائشة وندي تصحبان عبد الرحمن لتوديع مليكة لسفرها لماليزيا.
ليدير محمد أحد فروع مصانع سليم القابعة هناك.
احتضنت الفتاتان بعضهما بفرح.
تمتمت عائشة بسعادة:
عائشة: حمد الله على سلامتك يا ميكو.
إنتِ مش هتتخيلي أنا كان إيه رد فعلي لما قولتيلي يا طنط.
ضحكت مليكة وتمتمت في اضطراب متوجسة:
مليكة: أنا عايزة أقولك على حاجة.
اعتدلت عائشة بجدية وتمتمت في توجس:
عائشة: إسترها يا ستير.
إفحميني.
هم سليم الذي حضر منذ قليل بالدخول، ولكنه استدار ما إن سمع صوت عائشة بالداخل.
ولكنه سمع ما جعله يتسمر مكانه.
تمتمت مليكة في خجل:
مليكة: أنا مكنتش فاقدة الذاكرة أصلاً زي ما قولتي.
أنا... أنا كنت... كنت بمثل عليكوا.
برقت عينا عائشة بعدما شهقت بدهشة:
عائشة: إيه؟
أومأت مليكة رأسها بخزي متمتمة بخجل:
مليكة: أنا عملت كده عشان سليم.
إنتِ عارفة وأنا في الغيبوبة شوفت مامته وماما وتاليا وهي قالت لي خليكي جمب سليم.
سليم طيب.
نهرتها عائشة بغضب:
عائشة: تقومي تكدبي عليه يا مليكة.
إنتِ مشوفتيهوش كان عامل إزاي ولا حالته كانت إزاي؟
تمتمت مليكة بضيق امتزج بالخزي من فعلتها:
مليكة: أنا عارفة إني غلطانة.
وعارفة إنه مكنش ينفع أعمل كده.
بس هو ده اللي لقيته قدامي.
كان لازم أعمل كده.
هزت عائشة رأسها برفض:
عائشة: لا يا مليكة مكنش ينفع خالص.
أنا مش معاكي.
احتضنتها مليكة وكأنها تطلب مسامحتها:
مليكة: خلاص بقى.
أنا أصلاً ضميري بيأنبني خلقة.
تمتمت عائشة تسأل في توجس:
عائشة: طبعاً سليم ميعرفش حاجة؟
طأطأت مليكة برأسها في خجل وهمست في خفوت:
مليكة: لا.
ضربت عائشة كفها بعدم تصديق متمتمة بحرد:
عائشة: إنتِ لازم تقوليله.
برقت عيناه دهشة.
شعر بألم يعتصر قلبه.
وهنا رحل.
لم يستطع الانتظار أكثر لسماع تلك الترهات التي تتفوه بها زوجته.
نعم خدعته لأنه أحمق.
كيف لم يفكر أنها خدعته آلاف المرات في السابق؟
لما لا تستطيع خداعه الآن؟
كيف صدقها؟
سمع عقله يوبخ قلبه بسخرية قتلته في الصميم.
تلك التي وثقت بها.
تلك التي أحببتها خدعتك بكل سهولة ولم يرف لها جفن حتى.
أردفت مليكة بأسى:
مليكة: هقوله والله هقوله بس أنا خايفة.
أنا بحبه أوي يا عائشة.
بحبه حتى أكتر من نفسي.
عشان كده عملت كده.
كان لازم أعرف هو بيحبني ليا أنا.
علشان مليكة.
ولا شفقة عشان مراد.
عارفة يا عائشة أنا عمري ما حبيت حد أد كده.
ولا كنت أتخيل إني أحب حد كده.
حنين بشكل.
عارفة يوم ما قابلت مرات بابا كنت قايلاله إني هخلص وأرجع البيت لقيته مستنيني.
ولما سألته قالي قولت هتحتاجيني.
بيحس بيا قبل ما أفتح بوقي حتى.
بيخاف عليا بشكل مش طبيعي.
طالعتها عائشة باسمة وتمتمت في حبور:
عائشة: وأنا متأكدة إنه بيحبك أكتر مما تتخيلي.
حتى أصلك مشوفتيش شكله يومها.
أنا كنت حاسة إنه مش معانا أصلاً.
حسيت إن قلبه وقف ساعة لما الدكتور ربنا لا يعيدها يارب قال إن قلبك وقف.
كوبت وجهها بيدها وأردفت بحنو:
عائشة: عشان كده إنتِ لازم تصارحيه بالحقيقة.
وأنا متأكدة إنه لما يعرف منك إنتِ هيسامحك.
***
في قصر الغرباوي، جلسا حسام وقدري ومعهما أمجد أمام مهران وياسر وشاهين يطلبان فاطمة من والدها شاهين كما قال أمجد.
وافق الجميع مرحبين بتلك الزيجة وبشدة على أن يعقد كتب الكتاب وبعده الزفاف بأسبوع واحد.
***
مر اليوم ولم يحضر سليم أو حتى يجيب على اتصالاتها.
ولكن في الساعة التاسعة مساءً هاتفها أحد من مكتبه مخبراً إياها بسفره المفاجئ لأمريكا.
تألم قلبها وبشدة لما لم يتكبد عناء إعلامها حتى.
لما رحل من دون إخبارها.
ألا يهتم لقلقها حتى.
***
في أحد المنازل الهادئة، انتهى سليم من تكسير معظم الزجاج المتواجد في المنزل وجلس أمام النافذة لا يكاد يصدق أن مليكة قد فعلت به هذا.
كيف لها أن تتمكن من خداعه.
كيف تمكنت من فعل هذا.
ألم تشفق على حالته.
ألم تشعر بقلقه.
كيف يمكنها أن تفعل به هذا.
***
في الصباح، استيقظت مليكة مرهقة للغاية تشعر بغثيان مريع حتى أنها لم تستطع تناول طعامها.
فقط اكتفت بإطعام مراد.
هاتفها فاطمة وأخبرتها بكل التفاصيل وبما حدث.
وهي لا تكاد تصدق أنها بعد وقت قصير ستصبح زوجة من تمناه قلبها.
تمتمت بسعادة:
فاطمة: قدامك 10 أيام وآجي لكِ هنيه إنتِ ومراد.
كتب الكتاب بعد 15 يوم.
ابتسمت مليكة بسعادة:
مليكة: بإذن الله يا طمطم.
أول ما سليم يرجع هقوله إن شاء الله.
تناولت قمر الهاتف وتمتمت في إصرار:
قمر: متجيش يا أختي ياسر هييجي يجيب سليم متخافيش.
ضحكت بخفة بينما داهمها ذلك الشعور بالدوار مرة أخرى.
قمر: أباي!
رحتي فين؟
تمتمت مليكة بتيه:
مليكة: معاكي أهو.
ضحكت قمر وتمتمت باسمة:
قمر: إني هقفل دلوقتي عشان عمار وأمل عاملين دوشة.
ضحكت مليكة بسعادة:
مليكة: بوسيهملي لحد ما أجي.
وضعت الهاتف من يدها وتهالكت على أقرب مقعد بسبب ذلك الدوار الأرعن الذي يهاجمها بشدة.
تقدمت منها ناهد تسأل في قلق:
ناهد: إنتِ كويسة يا حبيبتي.
أردفت مليكة بوهن:
مليكة: مش عارفة يا دادة.
حاسة إني دايخة أوي من الصبح.
تسرب القلق لناهد وتمتمت تسأل في توجس:
ناهد: تكونش الأنيميا رجعتلك تاني.
زمت مليكة شفتاها كعلامة على عدم معرفتها:
مليكة: والله ما عارفة.
ممكن.
هبت واقفة على قدماها:
مليكة: أنا هطلع أنام فوق ش...
لم تكمل كلماتها حتى باغتها الدوار مرة أخرى.
ولكن هذه المرة أقوى بكثير حتى شعرت بالأرض تميد تحت قدماها ورؤيتها تشوشت.
ساقطة على أحد المقاعد.
صرخت ناهد بهلع هاتفة ببعض الخدم ليحملوا معها مليكة للأعلى:
ناهد: أميرة اطلبي الدكتور أحمد فوراً.
وبعد وقت قصير هتف الطبيب بسعادة:
الطبيب: مبروك يا مدام مليكة.
إنتِ حامل.
تهللت أساريرها بسعادة بينما ارتفعت زغاريد الخدم بهذا الخبر المدهش.
خرج الطبيب فنهضت هي فرحة تبحث عن هاتفها لتخبر سليم ولكن دون جدوى.
لم يجب على مكالمتها كالعادة.
طلبت منها ناهد أن تستريح وألا تجهد نفسها كثيراً.
***
في قصر الراوي، وقف حسام يهاتف فاطمة بسعادة لا يكاد يصدق أن زفافهما سيعقد بعد خمسة عشر يوماً.
وأخيراً ستصبح محبوبته في عقر داره.
أخيراً سيتشاركا حياتهما بسعادة دون خوف أو حتى قلق.
***
في المساء، كانت تجلس في الشرفة ترتدي قميصه تطالع الهاتف في قلق.
لما لا يرد على مكالماتها.
كيف حتى لم يهاتف مراد يطمئن عليه.
حتى غفت مكانها.
بعد عدة ساعات، استيقظت على صوت بوق سيارته يشق سكون الليل.
ابتسمت بسعادة ناهضة راكضة لأسفل في حماس تتشوق لرؤيته.
حينما تخبره بحملها.
دلف للداخل كالإعصار تماماً.
شاهدها أمامه ترتدي قميصه فضحك بسخرية عارمة.
تمتمت بسعادة:
مليكة: حمد الله على سلامتك.
ابتسم بسخرية:
سليم: الله يسلمك.
سألت مليكة في عتاب:
مليكة: كلمتك كتير أوي مرديتش عليا.
تمتم هو بلا اهتمام:
سليم: كنت مشغول.
ألمها رده ولكنها قررت معاتبته في وقت آخر.
فـ بالتأكيد هو مرهق الآن.
سألته في حبور:
مليكة: أحضرلك عشا؟
تمتم هو بحرد:
سليم: لا.
أنا عايزك في حاجة أهم.
جذبها من يدها بقوة صاعداً بها ناحية الغرفة.
فتح الباب بغضب دافعاً إياها للداخل بقوة.
تأوهت بألم وهي تدلك يديها إثر قبضته:
مليكة: في إيه يا سليم؟
أغلق الباب جيداً وصرخ بها بحرد:
سليم: مخبية عني إيه يا مليكة؟
برقت عيناها قلقاً وفركت يديها توتراً بينما جالت ببصرها في ربوع الغرفة خوفاً:
مليكة: هاه... يعني... يعني إيه؟
ضحك بسخرية وهو يتمتم بحرد مطالعاً فيها بازدراء:
سليم: مكنتش أتوقع إني أقولك إنتِ كده.
بس للأسف مبتعرفيش تكدبي.
ابتسمت بتوتر:
مليكة: أه... أنا...
رفع يده كعلامة لإسكاتها:
سليم: لا أقولك أنا.
خلي المغفل اللي ضحكتي عليه هو اللي يقولك إيه اللي إنتِ مخبياه.
تمتمت بخوف:
مليكة: سليم أنا...
هتف بها كارهاً بألم:
سليم: يا ترى هتكدبي تاني وتقولي إيه المرة دي.
أنا عرفت كل حاجة يا هانم.
عرفت إن حضرتك مكنتيش فاقدة الذاكرة.
التفت يطالعها بعينان احترقا ألماً وغضباً:
سليم: جالك قلب يا مليكة تكدبي علينا كلنا.
هونت عليكي.
طيب بلاش أنا وباباكي مصعبش عليكي.
عاصم طيب مفكرتيش هتبقى حالته إزاي لما تبقي أخته ومراته الاتنين تعبانين في أكتر وقت هو محتاج الدعم فيه.
هتفت به بتوسل:
مليكة: ممكن تسمعني.
صرخ بها بصوته الجهوري غاضباً:
سليم: مش عايز أسمع صوتك أصلاً.
أنا جيت بس عشان مراد.
هو الحاجة اللي ربطاني بيكي.
ذلك كان السهم الذي اخترق قلبها ليقضي نحبه.
ولكن ماذا عن الحب الذي بينهم.
ماذا عن كلماته التي لا طالما أمطر بها قلبها في الآونة الأخيرة.
كيف يمكنه أن يقول لها هكذا بكل هدوء.
نعم هي أخطأت، ولكنه آلمها حد الموت.
أ بعد كل هذا مراد فقط ما يربطهم.
رفعت رأسها في كبرياء وتمتمت بجمود:
مليكة: شكراً.
ثم تركته وذهبت باكية لغرفة مراد.
أغلقت الباب خلفها ووقف تمسد على بطنها باكية.
كيف لا يفكر بعقله الأرعن هذا أن ما فعلته هو فقط لحبها له.
كيف يمكنه التفوه بتلك الكلمات.
رواية بين طيات الماضي الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم منة الله مجدي
استيقظت صباحاً تشعر بوهن قاتل، وذلك الغثيان القاتل الذي لم يتركها للحظة منذ اليوم الأول.
مر الآن 10 أيام على تلك الليلة اللعينة التي عرف فيها سليم كل الحقيقة.
وراحت تتساءل إن كانت ستقضي كل أشهر حملها على تلك الحالة أم ماذا.
ارتدت ثيابها في وهن، ووقفت تساعد مراد في ارتداء ثيابه هو الآخر.
تتمنى لو تراه اليوم، فذلك القلب الأرعن يتمزق ألماً للفراق، يتخبط شوقاً بين أضلعها.
فهي منذ ذلك اليوم لا تراه، يستيقظ صباحاً قبلها ويأتي للمنزل بعد نومهم فلا تراه.
لا يعطيها حتى الفرصة كي تناقشه وتخبره بأسبابها، فقد كان الخصم والقاضي معاً.
أصدر الحكم وقرر معاقبتها دون حتى أن يتنازل عن كبريائه اللعين ويستمع لها.
هي تعلم أنها أخطأت، ولكن كان يجب عليه سماعها قبل أن يلقي بكلماته التي تركت قلبها هشيمًا تذروه الرياح.
وقفت تطالع هيئتها بألم، تتساءل متى الخلاص من كل ذلك.
متى ستتهنى برغد العيش مع الوحيد الذي غرقت عشقاً فيه.
ضحكت بقهر وهي تفكر في حالتها، فهي ما زالت تمضي، تمضي رغم وفرة الحزن وتعب الخطوة وتمزق الطرق المؤدية للخلاص.
تمضي في غمرة كل هذا التيه، وتتساءل كيف عساها تنجو بالقليل الباقي منها.
سمعت طرقاً على الباب قطع عليها تفكيرها، تبعه دخول ناهد.
شاهدت ملامح وجهها المشرقة وهي تخبرها بأن سليم بالأسفل.
مليكة تعلم جيداً أنها ليست حمقاء، بالتأكيد هي تشعر بذلك الجو المشحون بينهم، ولكنها لم تتحدث، بل اكتفت بمؤازرتها في صمت.
تمتمت مليكة تسأل في دهشة:
مليكة: سليم... غريبة يعني.
أردفت ناهد باسمة:
ناهد: النهاردة معندوش شغل بدري، هو قال كده.
رسمت مليكة ابتسامة زائفة على ثغرها وهي تخبر مراد في سعادة بأن والده في الأسفل.
بينما تمتمت ناهد في قلق:
ناهد: أنا عملت لك البيض اللي بتحبه بالجبنة الرومي وعملت لك لبن بالشيكولاتة، ولازم تاكلهم. أنت بقالك 9 أيام عايشة على الشوربة، وده مينفعش يا حبيبتي.
تمتمت مليكة بضيق:
مليكة: والله يا دادة مش قادرة، الأكل كله بقى بيقرفني.
ابتسمت ناهد ومسحت على رأسها:
ناهد: علشان في الأول بس يا حبيبتي، لازم بس تغصبي على نفسك في الأول علشان الحلوة تطلع صحتها كويسة وعلشانك كمان والأنيميا.
أومأت مليكة بهدوء، بينما تبتسم على تعبيرات مراد المتحمسة بشدة، ثم انطلقا سوياً للأسفل، بينما ناهد وقفت تدعو لهما بصلاح الحال.
دلفا سوياً لغرفة السفرة، فركض مراد لوالده، بينما هي جلست في هدوء على أحد المقاعد بعيداً عنه.
توجه إليها مراد ليطعمه كالعادة، بينما هي لم تستطع حتى أن تأكل بضع لقيمات بسبب ذلك الغثيان.
لاحظ شحوبها واصفرار لونها، فاعتصر قلبه ألماً عليها، فهي حتى في أسوأ حالاتها لم تكن بذلك الضعف.
كاد أن يسألها عن حالها، ولكن كبرياؤه الأرعن منعه.
فتمتم في ثبات دون حتى أن يطالعها:
سليم: اجهزوا علشان المفروض نسافر كلنا النهاردة بالليل.
أومأت هي برأسها في هدوء وهي تتألم، فهو حتى لم يكلف نفسه عناء إلقاء نظرة عليها.
ألم يحبها؟ هل ما قاله لها في تلك الليلة هي حقيقة شعوره نحوها؟
شعرت بألم يعتصر قلبها وثقل خانق يجثم على روحها.
شعرت بستار العبرات يحجب عنها الرؤية، فنهضت قبل أن تعاودها تلك الرغبة بالبكاء وتفقد ما تبقى لها من ماء وجه.
همت بأخذ مراد، فأعترض هو طالباً منها تركه قليلاً.
شعرت بالدوار قليلاً، فهب هو واقفاً يطالعها بقلق، ممسكاً بذراعها يهتف بها بوله:
سليم: مليكة... إنتِ كويسة.
تمتمت هي في هدوء:
مليكة: أنا تمام، دوخت شوية بس مفيش حاجة.
اعتدلت وتركته وانصرفت لغرفتها.
تألم بشدة لعنادهما، ولكنه قرر أن يسمعها.
يجب عليه ذلك، فهذا من أقل حقوقها، أقل حقوقها عليه أن يسمعها.
تذكر كم آلمها بكلماته.
هو يعلم جيداً تخوفها في الماضي من أن يكون بقاؤه معها فقط لأجل مراد، وهو كالأحمق استغل هذا الأمر اللعين ليضايقها، وهو يعلم جيداً تأثيره عليها.
***
في قصر الغرباوي.
هتفت قمر بضيق:
قمر: ما الفستان زين ومفيهوش حاجة خالص أهه.
هتف بها غاضباً:
ياسر: يا جمر هي كلمة ومعنديش غيرها، أني جولت لأ يعني. لأ... الفستان عريان قوي مش هتلبسيه.
وضعت يدها بخصرها وتمتمت بإصرار:
قمر: وإيه فيها الجعدة كلها حريم، ودي فرح مفيهاش حاجة يعني.
تمتم ياسر بحدة:
ياسر: لأ فيها يا جمر، إنتِ اتجننتي عاد. جسمك باين قوي في الفستان ده.
طالعته بتحدي مصرة:
قمر: أني هلبس ده يعني هلبس ده يا ياسر. وبعدين مش انت اللي جايبهولي.
تنهد بعمق يطالعها في حنق، يحاول جاهداً أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم كيلا يتعاركا، حتى سمعها تسأل بغضب:
قمر: إيه هتاكلني إياك.
ابتسم بحب هاتفاً بمشاكسة:
ياسر: أباه... أكلك ومأكولكيش ليه يا ملبن إنتِ.
ضحكت بخفة، بينما تنفس هو الصعداء وضمها لذراعيه بحب، موبخاً إياها بلطف:
ياسر: بغير عليكي يا حبة قلبي... بغير لما واحدة تبصلك كده ولا كده. آه أني اللي جايبه بس جايبهولك تلبسيه ليا وبس... لياسر بس مش لكل حريم البلد عاد.
ضحكت بخجل وهي تتمسح به بغنج ودلال محبب:
قمر: طيب وهلبس إيه بقى دلوقت.
تمتم هو باسماً بحبور:
ياسر: وهي دي حاجة تفوتني برضك. هناك عندك في الدولاب هتلاقي علبة فيها كل حاجة.
ابتسمت بسعادة وهي تتمتم بدلال سلبه عقله:
قمر: ومقولتش ليه من قبل سابق ووفرت علينا كل ده.
ضحك مقبلاً إياها في شوق:
ياسر: لأ مهو أصل مصائب قوم عند قوم فوائد.
شهقت به هلعاً وهو يحملها مباغتة:
ياسر: كان نفسي أشوف الفستان عليكي بس يلا خليها بالليل.
برقت عيناها دهشة وهي تطالعه بخجل:
قمر: هو لسه فيه بالليل عاد.
تمتم هو بثقة:
ياسر: أُمال دا أني مسرب أكمل وعمار التنين علشان بالليل دي.
***
في قصر الراوي.
عاصم: نوري يا نوري يلا علشان هنتأخر على سليم ومليكة.
دلف يبحث عنها حينما لم يأتيه رد، فوجدها جالسة أمام البراد تحتضن علبة كبيرة من الشيكولاتة تأكلها بنهم في استمتاع شديد.
ابتسم بداخله بحب على تلك الطفلة التي وقع لها.
هو يعلم جيداً أنها منذ بضع أيام تشتهي أشياء غريبة في أوقات أغرب، ولكن الحمد لله هذه المرة تشتهي فقط الشيكولاتة وهذا أمر يمكن تدبره.
برقت عيناه بدهشة وهي يهتف بها:
عاصم: نورسين.
لم ترفع رأسها ناحيته حتى، بل أجابته مهمهمة بكلمات لم يفهمها.
ابتسم بخفة وتوجه ناحيتها بحبور، جالساً بجوارها في هدوء.
طالعته نورسين بهدوء، ومن ثم قدمت له العلبة:
نورسين: شيكولاتة؟!
ابتسم هو بمكر، بينما يطالع تلك الشيكولاتة التي لطخت بها فمها، ومال عليها يلثم ثغرها، ينهل منه حلاوة بنهم مستمتعاً.
ابتعد عنها لاهثاً يتمتم في استمتاع حقيقي:
عاصم: دي أحلى.
ابتسمت بخجل وهي تتمتم بتيه، فهتف هو ضاحكاً:
عاصم: لسة هتقعدي وتقولي أصل وبس، يلا ياختي علشان منتأخرش على الناس.
***
وصلا مراد ومليكة بصحبة سليم أولاً، وبعد وقت قصير حضرا أيهم وجوري بصحبة نورسين وعاصم.
أخذ الأطفال في اللعب، بينما جلس الأربعة سوياً.
سألت نورسين بقلق:
نورسين: مليكة إنتِ كويسة.
ابتسمت مليكة التي بدأت تشعر ببعض التوعك:
مليكة: آه يا حبيبتي.
هتف عاصم بجدية مصطنعة وهو يرمق سليم بنظرات شذرة محذرة:
عاصم: أوعي يكون سليم مزعلك.
التقطت نظراتهما سوياً، ممتلئة بالألم، الشوق والعتاب أيضاً، قبل أن تتمتم هي باسمة:
مليكة: سليم... هو في زيه في الدنيا.
ابتسم عاصم غامزاً سليم:
عاصم: هنيالك يا عم.
ضحك سليم ضحكة لم تصل لعيناه بألم جاهد لإخفائه جراء تأنيب الضمير الذي يشعر به.
شعرت هي بالغثيان وبعض التوعك، ولكنها أرجعت الأمر للطيران، فهي لا تزال تكرهه.
ما هي إلا بضع دقائق حتى توجهت مسرعة للمرحاض لترمي بنفسها على المغسلة بألم، تفرغ كل ما بمعدتها التي هي فارغة بالأصل.
وبعد وقت طويل قضته تحاول السيطرة على ذلك الغثيان المريع، خرجت تجر قدميها بتعب شديد، تجابه الدوار اللعين الذي يعصف بها، فتفاجأت به أمامها.
قفزت من الرعب وهي تراه يتأملها باهتمام.
تمتمت تسأله بوهن:
مليكة: في حاجة.
لم يبدِ اهتماماً لسؤالها، بل كان مشغولاً بتأمل وجهها الشاحب وملامحها المتعبة وعينيها الغائمتين بقلق.
امتد كف يداه يتلمس وجنتيها، هاتفاً بقلق:
سليم: إنتِ كويسة.
عادت خطوة للخلف تبتعد عن ذلك الفخ إثر لمسته، وتمسكت بمقبض الباب في ألم، متمتمة بتيه:
مليكة: آه.
اهتزت الطائرة قليلاً، فازدادت اضطراباً على اضطرابها.
شعرت بقدماها مثل القطن، فطوق خصرها يثبتها جيداً بمحاذاة صدره، يتمتم بقلق:
سليم: إنتِ تعبانة يا مليكة.
وحده الله يعلم كم جاهدت لتبقى عيناها مفتوحتين.
يعلم كم حاولت أن تبقى بوعيها، ولكن فجأة أغمضت عيناها بعدما ارتخى جسدها بين ذراعيه، ليعلن ذلك استسلامها للظلام.
***
في أحد المنازل.
صرخت عبير بقهر رافضة كل ما يحدث.
فاطمة ستتزوج، طفلتها ستتزوج وهي تُركت منفية في هذا المنزل اللعين وهؤلاء الرجال يمنعونها من الخروج.
ذلك الشهر لم يكن كافياً لها، بل زاد من ثورة غضبها ونيران الحقد التي تستعر بقلبها حتى أصبح رماداً.
لا يجب أن تتركهم، لن تفعل.
لقد تمادى ذلك الأمجد كثيراً، فأعلنت والدتها خبر وفاتها وتخلى عنها ذلك الأحمق شاهين، وحتى شقيقها قد أدار لها وجهه ورحل.
لن تتركه لا هو ولا تلك العينة مليكة، فهي السبب، هي السبب في كل ذلك.
***
جلسا قمر وفاطمة يعدان بعض الأشياء اللازمة للحفل الذي سيقام بدءاً من الغد، ويبقى حتى يوم الزفاف.
من أروع العادات والتقاليد المتواجدة في ذلك المكان الرائع أن تقام الاحتفالات لعدة أيام بدون انقطاع، حتى تلك الليلة التي تزف بها العروس لمنزل زوجها في موكب مهيب يترأسه والدها بكل فخر واعتزاز.
فرت دمعة هاربة من عينيها إثر تذكرها والداها.
هي تشتاق بشدة لوالدتها عبير، تتمنى لو كانت بجوارها الآن.
ضغطت قمر على كتفيها بحنان وهي تمسح على رأسها بلطف.
التفت فاطمة باكية، فأحتضنتها قمر تربت على رأسها بحنو:
قمر: أني عارفة إنها وحشاكي، وأني هكلم ياسر الليلة يكلم عمي مهران ويروحوا يجيبوها علشان تيجي جنبك.
احتضنتها فاطمة بألم وهي تتمتم بضياع:
فاطمة: على جد ما أني فرحانة علشان هتجوز حسام، على جد ما أني حزينة وضايعة. لسه لحد دلوقتي مش قادرة أصدق إن شاهين ميجيش أبويا ولا عبير تيجي أمي. مش قادرة أستوعب، حاسة إني بحلم بكابوس.
احتضنتها قمر بألم، وهي تتساءل ماذا ستفعلين يا صغيرتي حينما تعرفين كل الحقيقة.
***
في الطائرة.
حملها بهلع متوجهاً بها للغرفة الموجودة بالطائرة.
وضعها على الفراش برفق وقلبه يبكي وجعاً على حالتها.
عذراً طفلتي، لقد نشأ ذلك القلب على الهيبة.
ضحك بقهر وهو يردد بلهجته الصعيدية التي لا طالما عشقتها طفلته: "اتربيت على الهيبة والحب بجهامة".
ظل جوارها حتى بدأت تستعيد وعيها بهدوء وروية.
فتحت عيناها بقلق تطالعه بدهشة.
اعتدلت جالسة بهدوء كي لا تزيد من بشاعة ذلك الدوار.
أسندها هو بيده في رفق:
مليكة: سليم!!
أحضر هو طاولة صغيرة وضع عليها بعض أصناف الطعام التي يعلم أنها تعشقها، ووضعها على قدميها، متمتماً بقلق:
سليم: لازم تاكلي... إنتِ بشكلك دا مش هتقدري تمشي خطوتين. إنتِ مفطرتيش الصبح.
ضحكت بسخرية امتزجت بقهر وهي تحاول جاهدة أن تسيطر على ستار العبرات الذي يتكون بعينيها.
هذا هو سليم، لن يتغير.
هو وكبرياؤه، تباً لهما سوياً، فهتفت به حانقة:
مليكة: متخافش يا سليم بيه... أنا كويسة وهقدر أمشي، أوعدك مش هخليك تشيلني تاني. ومتقلقش مش هشيلك همي، أنا منسيتش إننا كل اللي بيربطنا مراد وبس.
مزقت كلماتها قلبه، ولكن عقله تخيل أنه يصفعها كي تترك التراهات التي تتفوه بها.
أ بعد كل هذا هي الغاضبة منه.
ارتسمت تعبيرات غريبة على وجهه، ولكنه أردف بثبات مضيقاً عينيه بتحدي:
سليم: اللي عندي قولته، مش هتتحركي من هنا إلا وإنتِ مخلصة الصينية دي.
عقدت ذراعيها أمام صدرها بحرد:
مليكة: لا شكراً مش عايزة أكل.
هي لم تكن تعانده، ولكن رائحة الطعام تزيد شعورها بالغثيان أكثر فأكثر.
تمتم بلا مبالاة وهو يجلس على الفراش في هدوء:
سليم: إنتِ حرة... خلينا بقى قاعدين للصبح.
توسلته بعينان دامعتان:
مليكة: سليم الله يخليك شيل الأكل ده من هنا.
طالعها بدهشة وهو يتساءل ما بها تلك الحمقاء، هذا طعامها المفضل.
سأل في دهشة:
سليم: فيكي إيه أنا مش فاهم... أنا جايب لك الأكل اللي بتحبيه مش عايزة تاكليه ليه.
أتاها شعور قوي بالغثيان، فوضعت يديها على فمها مزيحة الأغطية وهرولت راكضة للمرحاض.
ألقت بنفسها على المغسلة بألم، تشعر بأنها ستفارق الحياة في أي لحظة من كثرة ما تقيأت.
وبخت نفسها على حماقتها، إنه طفل سليم، فماذا تتوقع منه غير ذلك.
أسندها سليم بقلق وهو يهتف بها بوله:
سليم: لأ إنتِ مش كويسة أبداً... إنتِ لازم تروحي لدكتور.
صرخت به بحرد:
مليكة: كله بسببك إنت.
برقت عيناه دهشة وهو يطالعها بعدم فهم:
سليم: يعني إيه.
صرخت به مليكة حانقة:
مليكة: هتتوقع إيه من ابنك يعني دا أقل حاجة.
ضحكت بسخرية بعدما هبطت دموعها:
مليكة: هذا الشبل من ذاك الأسد.
وهنا فقد شعوره بأي شيء غيرها.
هنا لم يعد يسمع أو يشعر بأي شيء.
هي قالت طفله... نعم سمعها بوضوح.
برقت عيناه يسأل في دهشة يطالعها بتوجس:
سليم: اب... ابني.
هتفت به حانقة زامة شفتيها بنزق:
مليكة: إنت مبتتفرجش على أفلام... آه معلش نسيت سليم بيه أكيد معندوش وقت.
قلبت عينيها بنزق وهي تتمتم بحرد:
مليكة: لا مش ابنك... جايباه من السوبر ماركت.
وكأنه قد أفاق من غيبوبته، أضاء وجهه وتهللت أساريره باسماً بسعادة، محتضناً إياها بقوة.
شعر بتصلبها في أول الأمر، ولكنه لم يبدِ اهتماماً.
حتى شعر بها تلين تحت يديه منغمسة بين ذراعيه، تتلمس الأمان.
لم يبعدها عنه إلا حينما سمع نحيبها وشعر بارتعادة جسدها تحت يديه.
أجلسها على الفراش برقة، حتى سمع طرقات على الباب:
عاصم: سليم... مليكة كويسة.
اعتصر قبضته بحنق وهو يتمتم غاضباً:
سليم: أخوكي دا فصيل.
ضحكت بخفة وهي تنهره بلطف محذرة:
مليكة: متقولش على أخويا كده.
جففت دموعها، بينما ذهب هو ليفتح الباب ليدلف عاصم قلقاً:
عاصم: المضيفة قالتلي إنها تعبت.
ابتسمت وهي تنهض واقفة تتمتم باسمة في حبور:
مليكة: أنا حامل.
برقت عينا عاصم بدهشة باسماً، بينما ركضت نورسين التي حضرت لتوه تحتضنها بحماس، تهتف بسعادة:
نورسين: هنولد سوا.
ضحكت مليكة وهي تتمتم بحماس:
مليكة: أينعم.
***
في المساء.
في المندرة، تلك الغرفة التي امتلأت بالذكريات، منها الجيد ومنها السيئ لمليكة.
كانوا قد وصلوا قبل ساعات، قد علم فيها الجميع بخبر حمل مليكة، الذي زاد المنزل سروراً على سروره، حتى واهتم بها الجميع اهتماماً بالغاً.
فحرصت خيرية على أن تطعمها بنفسها، وحتى الطعام قد حضرته وداد بسعادة بمساعدة الفتيات قمر وفاطمة.
جلس هو على المقعد أمام الفراش:
سليم: اتفضلي بقى قوليلي كل اللي عندك.
تسائلت مليكة في ألم:
مليكة: وده يا ترى علشان عرفت إني حامل وإن خلاص بقى حاجة تانية تربطنا ببعض غير مراد.
تمتم هو بحرد، وها هو الآن على أعتاب إلقاء نصفيه الصعيدي والإسباني في عرض الحائط لأجل تلك المرأة التي وقع لها من النظرة الأولى.
وكأنها جنية ما أسرته بتعويذة ما منذ نظرته الأولى وكانت عيناها في ذلك الفخ.
سليم: إنتِ عارفة يا مليكة إني حبيتك من أول لحظة وإن كلامي ده كان في لحظة غضب.
جففت دموعها التي هبطت بألم، وأردفت بوجيعة:
مليكة: ما دام قولتها يبقى بتفكر فيها يا سليم.
تنهد بعمق وهو يغلق عينيه بقوة كيلا يرتكب أي حماقات:
سليم: طيب اسمعي بقى علشان الكلام ده مش هتسمعيه تاني... حطي نفسك مكاني تخيلي كم القلق والخوف حتى الرعب اللي كنت حاسس بيه. تخيلي يا مليكة البنت الواحدة اللي حبيتها وما صدقت أني فهمت كل حاجة وجيت وكنت ناوي أبدأ معاها من جديد تبقي مش فكراني ونرجع تاني لنقطة الصفر. تخيلي كده معايا لما تحسي إنك بعد ما لقيتي كل حاجة ترجع كل حاجة تروح من إيدك وترجعي تاني زي الأول. ترجعي تاني تايهة وخايفة ولوحدك هيبقي إيه موقفك. طيب هتحسي بإيه ساعتها.
خفق قلبها بعنف من كلماته، والتي تعلم هي جيداً كم هو من الصعب عليه أن يتفوه بها أمامها، حتى بعد كل تلك الأشواط التي قطعوها في علاقتهما سوياً، فهي تعلم أنه من النوع الكتوم الذي يعبر فقط عن حبه بأفعاله.
هتفت به في هدوء مقررة وأخيراً التنازل عن طباعها النارية:
مليكة: عارفة يا سليم... بس إنت دوست على أكتر حتة بتوجعني. إنت عارف قد إيه الموضوع ده بيخوفني.
هم بالحديث فتابعت هي بهدوء وندم:
مليكة: أنا عارفة إني غلطت بس مكنش قدامي غير كده، كان لازم أعمل كده على الأقل علشان أتأكد إنت بتحبني ليا أنا ولا إنت معايا علشان مراد بس.
عارفة إنه كان ممكن يكون فيه 100 طريقة غيرها.
بس أنا معرفتش أعمل غير... أنا عملت كده علشان بحبك يا سليم... بحبك وكنت خايفة.
عارفة إني اتصرفت بغباء بس إنت أول راجل في حياتي. أول راجل يدخل حياتي. أول راجل يعمل كده في مشاعري، يلخبطها ويعرف يقلب قلبي ضدي. إنت أول راجل أحس كده ناحيته، علشان كده معرفتش أتصرف.
نسي كل شيء بعد ما تفوهت به من كلمات.
نسي غضبه، حنقه بعد ذلك الاعتراف الفريد من نوعه حقيقة.
نهض طابعاً قبلة حانية بين عينيها محتضناً إياها بحنو متمتماً بندم:
سليم: أنا آسف... آسف والله آسف.
رواية بين طيات الماضي الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم منة الله مجدي
في الصعيد
في أحد المستشفيات
دلفت نورسين تجلس علي أحد المقاعد المتحركة تصرخ بقوة.
تضغط علي يد عاصم الممسكة بها بألم وهي تطلب من مليكة أن تعتني بطفليها.
فقد نقلت إلي المستشفي فوراً بعد أن واتتها آلام المخاض حينما كانوا يتناولون عشائهم في قصر الغرباوية.
وصلوا إلي غرفة العمليات فدلفت هي والطبيب والممرضات للداخل.
بينما بقي هو وسليم ومليكة ومعهما ياسر وقمر بالخارج.
إحتضنت مليكة ذراع سليم وهي تهمس بخوف كطفلة صغيرة تحتمي بوالدها من ذاك الشبح الذي يختبئ أسفل فراشها في محاولة بائسة منها لنسيان ذلك الشعور بالألم الذي راح يهاجمها ما إن دلفوا للمستشفي.
مليكة: أنا خايفة أوي يا سليم. هو بيوجع كده. لا أنا مش عاوزة أولد.
تمتم سليم يهدئها مربتاً علي يدها في حنو بينما عيناه تراقبان عاصم شاعراً بالشفقة ناحيته.
سليم: إهدي يا حبيبتي مفيش حاجة. دي بتبقى ساعة بس متخافيش.
إنكمشت ملامحها بألم وهي تمسد بطنها تحاول أن تبعد عن تفكيرها ما حدث سابقاً لشقيقتها لحظة ولادتها وهي تدعو الله أن تخرج لهم نورسين سليمة معافاة لطفليها.
أخذ هو يحدثها محاولاً أن يهدئ روعها.
بينما هي استندت علي الحائط وهي تحاول السيطرة علي ذلك الألم ظناً منها أن طفلها فقط بدأ في اللعب فهي حتى لم تبلغ أن بدأت في شهرها السابع منذ عدة أيام.
ولكن خرجت منها أنة ألم نتيجة التقلصات المميتة التي راحت تهاجمها بعنف.
أسندها سليم حينما شعر بها تتهاوى آلماً هاتفاً بها بهلع.
سليم: مليكة. مليكة في إيه. انتِ كويسة.
مليكة: انتِ لسة في أول السابعة.
هتفت بها عاصم بقلق.
عاصم: مليكة انتِ كويسة.
صرخت بهم حانقة وهي تكاد تخنقهما علي تلك الحماقة بينما يدها تضغط بقوة علي يد سليم الممسكة بها.
مليكة: آآآه بولد. بولد. أنا بولد.
وقفا الاثنان مدهوشين لا يعرفا ماذا يفعلا.
حتى جذبت هي سليم من تلابيبه تصرخ به بألم.
مليكة: إتحرك يا سليم هاتلي دكتور بدال ما أقتلك فاهم.
خرجت منها صرخة ألم أخرى جعلته يفيق وكأنها كانت التعويذة السحرية.
فركض مسرعاً يحضر الترولي والممرضات.
فحملوها مسرعين ودلفوا لغرفة العمليات.
وقلبه يكاد يفارقه للدخول معها. نعم قلق هو قلق ويذكر جيداً ما قصته الأخيرة عليه يوم ولادة شقيقتها لطفلها. يخاف الفراق. يخشى فقداناً لن يتحمله.
فأخذ هو وعاصم يذرعان الرواق ذهاباً وإياباً متعاكسين يكاد يقتلهم القلق.
وياسر وحسام يقفان بالخارج يتغامزان علي مظهرهما بينما فاطمة وقمر يأكلهما القلق.
أما خيرية ووداد فأخذا يتلوان القرآن لأجلهما حتى سمعا صراخ الطفلين بالداخل.
ابتسم سليم وعاصم بتلهف وهما يتجهان ناحية الباب.
خرجت الممرضة تحمل طفلاً جميلاً يشبه والدته كثيراً وأعطته للأخير تبتسم في حبور.
وهي تزف إليه ذلك الخبر الرائع.
الممرضة: مبروك يا أستاذ ولد زي القمر ماشاء الله يتربي في عزكوا يارب إن شاء الله.
حمله عاصم باسماً.
بينما هتف سليم الواقف جواره في سعادة قلقاً على زوجته متمتماً في فرح.
سليم: مبروك يا عاصم. يتربي في عزك يا حبيبي.
تمتم عاصم بسعادة وهو يتأمل ملاكه الصغير.
عاصم: الله يبارك فيك يا سليم عقبال مليكة يارب.
وهنا خرجت الممرضة الأخرى تحمل طفلاً رائع الجمال كيف لا وسليم والده.
ناولته لسليم الذي حمله يطالعه في تيه مأسوراً بجماله وبراءته لا يصدق. لا يصدق حقاً أنه وأخيراً أتى للحياة. أتى لحياتهما سالماً معافى.
تذكر ذلك اليوم اللعين الذي كاد أن يفقده فيه هو ومدللته مليكة قبل 7 شهور يوم زفاف فاطمة.
تذكر وقت أن جاءته همس وأيهم يركضان بفزع باكيان يخبرانه بسقوط مليكة من أعلى الدرج.
برقت عيناه هلعاً وهو يتساءل في فزع.
سليم: في إيه. بالراحة إهدوا وفهموني في إيه.
صرخت همس باكية.
همس: خالتي مليكة. خالتي مليكة وجعت وانجرحت جامد قوي.
لم يدري وقتها كيف وصل لمقعد السيدات. وشاهدها منسدحة أرضاً أسفل الدرج غارقة في دمائها.
حملها راكضاً بهلع وهو يبكي. يصرخ بها لتستيقظ.
سليم: مليكة ردي عليا. مليكة متسكتيش كدة أبوس ايدك.
وضعها في السيارة وانطلق بها يسابق الريح إلى المستشفى.
حملها منه الأطباء وأدخلوها فوراً لغرفة العمليات بعد أن قص عليهم ما حدث بإيجاز.
جلس هو متكوراً في أحد الزوايا بجوار الباب يطلب من الله أن ينجيها له. هو لا يريد غيرها. حتى ذلك الطفل الذي لطالما تمناه الآن لا يريده. لا يريد إلا سلامتها.
سيبكي خوفاً وألماً حتى سمع صوت الجميع يدلفون المستشفى في هلع.
شعر بيد ياسر تربت على كتفه بلطف بينما أخذت جدته تهدئه في جلد. التي ما إن سمع صوتها حتى ألقى برأسه بين ذراعيها يبكي كالأطفال تماماً.
لقد تعب. تعب خوف الفقدان. لن يستطع تحمله الآن. ليس بعد أن ذاق نعيم الحب.
ليس بعد أن وجد روحه. وجدها هي وفقط شريكة حياته.
أفاق وقتها من شروده على صوت الطبيب يخيره.
بأصعب خيار اتخذه في حياته.
خرج الطبيب من الداخل بملامح مشفقة وهو يربت على كتف سليم ويسأله في جلد.
الطبيب: سليم يا ابني الحالة صعبة أوي المدام نزفت كتير والأمانة تخليني لازم أفهمك الوضع بالظبط وانت تختار.
صمت لثانية بينما جالت عينا سليم بملامح الطبيب محاولاً أن يفهم المغزى وراء تلك الكلمات حتى عاود الطبيب حديثه بثبات.
الطبيب: بص يا ابني انت لازم تختار يا مراتك يا البيبي.
سمع شهقات النساء بالخلف بينما وقف الرجال يطالعوه بترقب.
حتى صرخ سليم بحزم.
سليم: دا سؤال دا يا دكتور. مليكة طبعاً أنا ميهمنيش غيرها. أنا عاوز مراتي تطلع سليمة يا دكتور ودا اللي يهمني.
شعر بيد جدته التي أطبقت على يده تؤازه بحنو وهي تطالعه بنبرة امتلأت فخراً وحناناً.
دلف الطبيب للداخل مرة أخرى وهو يحاول كل جهده أن ينقذ الاثنين معاً.
تهاوى جسد سليم على المقعد مرة أخرى وبجواره جدته تربت على كتفه بحنو.
بينما هو يطلب من الله في صمت أن ينجي له طفلته الأولى والأخيرة التي لن يستطع أن يحيا ولو لثانية من دونها. هو يعلم جيداً إن صار لها أي شيء يموت. لن تستطع روحه الصمود دونها.
استفاق من ذكرياته على صوت الممرضة تخبره بأن زوجته قد استفاقت وتريد أن تراه.
دلف للداخل بعدما مسح دمعة هاربة فرت من عيناه. طابعاً قبلة حانية بين عينيها متمتماً بحنان.
سليم: حمد الله على سلامتك يا حبيبتي.
تمتمت هي في وهن.
مليكة: الله يسلمك يا حبيبي.
وضع طفلهما بين ذراعيها في رفق متمتماً في انبهار بتلك اللوحة الرائعة التي يراها الآن.
سليم: هتسميه إيه.
تمتمت هي باسمة بحبور.
مليكة: زين. زين سليم زين الغرباوي.
ابتسم هو في سعادة بينما تمتمت خيرية بتأثر.
خيرية: ربنا يفرح جلبك يا بنيتي زي ما فرحتي جلب الست العجوزة كده.
ابتسمت مليكة بإشفاق لأجل تلك السيدة التي ظهر العمر على ملامحها بألم وخصوصاً بعد تلك الفاجعة التي ضربت بيتهم منذ تلك الليلة اللعينة.
قبل 7 اشهر.
استفاقت هي بعد وقت لا تعرف طوله وجدت نفسها في المستشفى يجلس بجوارها سليم.
همست به في قلق بينما يداها على بطنها تسأل في قلق.
مليكة: سليم. ابني يا سليم.
قبل يداها في حبور وتمتم بهدوء.
سليم: الحمد لله يا حبيبتي انتوا الاتنين زي الفل الحمد لله الدكتور طمني.
تنفست الصعداء وأخذت تحمد الله كثيراً.
فسألها مستفسراً.
سليم: ممكن أفهم إيه اللي حصل.
تمتمت مليكة بتوتر.
مليكة: أنا. أنا وقعت من على السلم اتكعبلت في الفستان وأنا نازلة.
دلت خيرية في ذلك الوقت تتمتم في ألم.
خيرية: لا موجعتيش عاد. عمتك زجيتها من فوق يا سليم.
هب ناهضاً بهلع. وزاد صوت الصرير المزعج الذي أحدثه دفعة الكرسي حدة الموقف.
سأل بدهشة مستفسراً وكأنه لم يصدق ما قد سمع للتو.
سليم: عمتي مين.
هتفت خيرية بقهر بينما تهالكت على الفراش بجوار مليكة.
خيرية: عبير. عمتك عبير.
هتفت مليكة رافضة وهي تمسك يده بقوة.
مليكة: لا لا يا سليم بالعكس هي كانت بتحاول تمسكني عشان مقعش. لا يا سليم مزقتنيش.
لم يصدق ما سمعه حتى أنه هز رأسه يمنة ويسرى كي يتأكد بينما تمتمت خيرية بخزي مشفقة على تلك الفتاة البريئة التي لا دخل بها بما يحدث.
خيرية: حجك عليا يا بنيتي. والله ما خابرة أقولك إيه عاد بس أني خلاص اتبريت منها. منها لله.
أمسكت مليكة بيدها تهز رأسها رفضاً على كلماتها.
مليكة: انتِ مذنبكيش حاجة يا نانا. متشيليش نفسك ذنب حاجة معملتيهاش ولا حتى عمته عبير هي كانت بتحاول تمسكني بس معرفتش.
هتفت خيرية بأسى.
خيرية: لولا جلعي ليها مكانش ده بقى حالنا. الله لا يسامحها.
وهنا خرج سليم متوجهاً للمنزل يضرب كالإعصار متجاهلاً صراخ مليكة به كي يعود. فهو يعلم جيداً أن جدته محقة وأن كلمات مليكة ما هي إلا كي تهدئه.
عادت من ذكرياتها على صوت سليم.
سليم: هاي روحتِ فين.
ابتسمت بتوتر وهي تتمتم بهدوء.
مليكة: طمني على نورسين.
ابتسم هو في حبور.
سليم: جابوا ولد ماشاء الله عليه.
تركها سليم تنال قسطاً من الراحة وخرج هو يجلس بجوار مهران. أشفق عليه بأسى فهو يعلم أنه لا يزال يتألم. يتذكر جيداً كيف حمل جسد شقيقته المخضب بدمائها راكضاً بها للمستشفى يدعو الله ألا تفارق روحها جسدها هكذا فهو لا يريدها أن تفقد دنياها وآخرتها. يتذكر يومها جيداً وكأنه البارحة.
خرج من المستشفى يقود سيارته بجنون ناحية القصر يجهز تلك الكلمات التي سيلقيها على مسامع عمته جيداً حتى تترك زوجته وطفله بحالهما.
سيخبرها أنها من توسطت لها لدى الجميع كي يحضروها للمنزل لحضور زفاف فاطمة.
أعد مئات لا بل آلاف الحوارات في عقله ولكن كل ذلك انتهى حينما شاهد عمه مهران يخرج بها بين ذراعيه.
يحمل جسد عمته الملطخ بدمائها بكثرة في هلع يركض بها مسرعاً وهو يصرخ بها ألا تتركه. ألا تفارق الحياة بتلك الطريقة والتي علم فيما بعد أنها هي من قتلت نفسها. ولكنها للأسف فارقت الحياة قبل حتى أن تصل للمستشفى وهي تطلب السماح فقط السماح. ولكن أي سماح.
عاد من شروده وهو يضغط على كتف عمه بلطف.
سليم: مش هتحمل زين الصغير ولا إيه عاد.
ابتسم مهران بإشراق وهو يطالع سليم بعدم تصديق.
أومأ سليم برأسه في حبور.
سليم: مليكة هي اللي سميته.
ابتسم مهران بحبور وهو يربت على كتف سليم متمتماً بصدق.
مهران: مليكة ست زينة يا سليم. وخليك فاكر يا ولدي اللي يحبه ربه يديه مرة زينة.
أومأ سليم برأسه باسمًا بفخر.
*****************************
بعد مرور 6 سنوات
اليوم في منتصف الشهر تحديداً يوم الجمعة.
يوم تجمع العائلة بأكملها في قصر الغرباوية.
في أحد الغرف التي ارتفعت منها أصوات أنثوية وضحكات مازحة.
تمتمت نورسين تسأل في حماس وهي تلقي بالوسادة ناحية فاطمة.
نورسين: إحكيلنا عنه يا فاطمة.
احمرت وجنتيها خجلاً بينما زاغت عيناها في ربوع الغرفة متمتة بلا اهتمام.
فاطمة: أخبّركم عن مين عاد.
تمتمت قمر بحرد مشاكسة.
قمر: أباي عليكي لما بتتلاوعي. هو فيه غيرة ولا إيه.
أردفت مليكة ضاحكة بمزاح تقلد قمر.
مليكة: الشاطر حسام يا حزينة.
ضحكت فاطمة بخجل وأردفت مازحة.
فاطمة: هو شاطر قوي قوي يا مليكة. عرف يخطف جلبي زين. عرف يحبب أبوي فيه ويحبب الخلق كلها فيه. بحبه قوي قوي يا خيتي.
تنهدت نورسين باسمة واضعة يدها أسفل ذقنها تسألها باسمة.
نورسين: وإيه كمان.
تابعت فاطمة بصوت غلب عليه الفخر وامتزج فيه بالحب والامتنان.
حسام ده مفيش منه. عارفين من وأنا صغيرة بحلم براجل يخبيني عن عيون الخلق. حسام شوي شوي هيخبيني عن عيوني وعيونه. عمره مزعلني واصل مبيعملش اللي يخليني آخد بخاطري منه. دايماً مراضيني. راجلي بصحيح.
قلبت عيناها بذهول.
أباه يا بنات لما يلاقي راجل يناغشني بيوجع الود وده ينزل يطخُه عيارين، ويتمشكل معايا جال يعني أنا جولتله تعالي. بس وسط معمعه زعيجه بيجولي. أعمل إيه أنا يعني في حلاوتك دي. أدلج على وشك ميه نار. بجوم ضاحكة ومن هنا بيهدي وبيحضني. يا بوي على حضنه. ولا ريحته بحس أني بدوب جواتهم دوب. بنسي حالي والله بغمض عيني وبحس أني طايرة. طايرة فوق ومحدش قادر يطولني. زمان مكانش ليا في الحب والكلام ده. كان جَلبي ضعيف. أول ما اتجوزته ردت فيا الروح من تاني وجلبي بقى عفي وصحته زين.
تمتمت مليكة مازحة.
مليكة: واه واه بركاتك يا سي حسام.
طالعت قمر مليكة تسأل في توجس.
قمر: مليكة انتِ عندك حاجة عاوزة تقوليها صح.
أومأت مليكة برأسها باسمة في خجل.
مليكة: أنا حامل.
هتفت الفتيات بسعادة يباركن لها.
سألت فاطمة بسعادة.
فاطمة: في الشهر الكام.
همست في سعادة وهي تمسد بطنها.
مليكة: الثاني.
سألت نورسين في قلق.
نورسين: مليكة أنا مش قصدي أي حاجة والله بس كده مش غلط عليكي.
يعني أصلاً لسه والدة التوأم الثلاثة يزن ويزيد ويس مبقالكيش تلات سنين وقبلها كان في زين يعني أقصد عشان صحتك.
تمتمت مليكة بخجل باسمة.
مليكة: لا يا نوري متخافيش يا روحي سليم سأل الدكتور وطمنه وسأل دكتورة تانية برة وبرضوا قالت نفس الكلام.
ضحكت قمر وتمتمت مشاكسة.
قمر: بس بس محدش يجيب سيرة الحمل قدام مليكة تاني لحسن دي تجريباً لو سليم عطس في وشها تلاقيها بجيت حامل.
انفجرت الفتيات ضاحكات فلكزتهم مليكة بغضب طفولي نافخة أوداجها بتذمر.
مليكة: ما انتوا معندكوش دم أصلاً.
لكزتها فاطمة باسمة تمسد بطنها المنتفخة.
فاطمة: هتولديني من كتر الضحك. كفاية عاد.
وانتِ قولي لسليم يهدي شوية مش كده.
ضحكت بخجل وهي تخفي وجهها فتمتمت قمر مازحة.
قمر: أباي كده كسفتوا البنتة.
سألت قمر نورسين وفاطمة.
قمر: وانتوا يا اختي منك ليها هتولدوا متى عاد.
تمتمت نورسين بحماس.
نورسين: الست لينا هانم هتشرف بعد شهر ونص كده بإذن الله.
بينما تمتمت فاطمة بسعادة وهي تمسد على بطنها المنتفخة.
فاطمة: الدكتور قالي إنه ده شهري فربنا يستر بقى وتطلع ملك بنت ناس وتنبهني قبلها متاخدنيش على غفلة.
ضحكت الفتيات بشدة حتى سمعت مليكة صوت هاتفها.
تمتمت قمر غامزة بمكر.
قمر: قومي ردي على الراجل تلاقيه مش على بعضيه.
ضحكت مليكة بخجل وهي تلقي عليها الوسادة ومن ثم حملت هاتفها واتجهت للشرفة.
سمعته يتمتم في شوق.
سليم: وحشتيني.
ابتسمت بخجل وهي تتمتم.
مليكة: وانت كمان.
ابتسم بمكر وهو يتمتم بهيام.
سليم: واه واه والله هطلع هاخدك من وسط اجتماع مجلس الاتحاد السوفيتي ده انتِ حرة عاد ونعلن عليهم الحرب.
ضحكت بصخب وهي تتمتم بخجل.
مليكة: سليم عيب. الولاد جنبك يقولوا إيه.
ضحك بإستمتاع.
سليم: عيب عليكي أنا بكلمك من الإسطبل.
ضحكت بخجل فتمتم هو بسعادة.
سليم: أخبار بنوتي الحلوة إيه.
تمتمت تسأل في دهشة.
مليكة: أنت برضوا مصمم إنها بنوتة.
تمتم هو بثقة منقطعة النظير.
سليم: متأكد قلبي بيقولي إنها بنوتة وهتطلع حلوة لمامتها وهتغلبني وتطلع عيني وأنا بحاول أبعد الولاد عنها.
ضحكت مليكة بصخب وهي تتمتم.
مليكة: واضح إني هغير منها قبل ما تيجي ده انت متحمسش للتوأم الثلاثة زي ما متحمس ليها كده.
ضحك هو بإستمتاع. ضحكته الرجولية التي تسلبها عقلها وخفقات قلبها حتى.
سليم: بقي ينفع قلبي سليم وعقلي سليم وروح سليم يقول كده. انتِ يا مليكة حياتي كلها.
انتِ قلبي وعقلي وروحي. أنا حبي ليكي غريب عليا أنا شخصياً. أنا معرفش أنا حبيتك كده إزاي أصلاً. معرفش انتِ عملتيلي إيه ولا عملتي فيا إيه. انتِ برجلتي كيان سليم الغرباوي. سليم اللي كل الناس بتعمله حساب خليتيه عيل في حبك وانتِ بقيتي امه وحياته كلها.
ابتسمت بخجل وهي تتمتم بصدق.
مليكة: بحبك يا سليم يا غرباوي.
فأردف هو بوله.
سليم: بحبك يا مليكة قلبي وعقلي وروحي بحبك يا حبيبتي وسكني وسكنتي.