تحميل رواية «بين طيات الماضي» PDF
بقلم منة الله مجدي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في أحد الأبراج السكنية، تحديداً في شقة يبدو عليها الثراء على عكس حالة ساكنتها تماماً. ابتسمت مليكة للطفل الصغير الذي هدهدته حتى نام. مسحت على جبهته البيضاء برقة وحنان، فهو أهم ما لديها في الحياة ومن أجله يمكن أن تفعل أي شيء. وراحت تفكر أنها لم تعد تتحمل المزيد. إذا استمرت كلفة المعيشة بالارتفاع، فستصل لحائط مسدود. فمراد يكبر وتزداد متطلباته، ومدخراتها لم تعد تكفي. حتى وإن استطاعا تدبر أمرهما، فبالتأكيد ستنفذ بعد وقت قليل، ولا تستطيع إيجاد عمل في هذه الأوقات يمكن أن يسد كافة احتياجاتهما. وضعت وجه...
رواية بين طيات الماضي الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم منة الله مجدي
لايك قبل القراءة وكومنت بعدها يا فرولاتي ❤😍
الفصل الحادي والثلاثون
في قصر الغرباويةألقت عبير زجاجة عطرها في المرآة وهي تصرخ غاضبة عبير: والله ما هسيبك يا أمچد لا إنتَ ولا بتك أنتَ إيه ياخي..... امها تاخدك مني.... وهي تاخد سليم من بتي حسابك تجل وبجي واعر جوي جوي والله ما ههنيك بيها..........وزي ما حرمتك من بتك والله لأحرمك مالتانية
************************
دلف الطبيب ومعه الجميع لغرفة مليكة التي أخذت تحدق في الجميع ببلاهة عدا والدها عاينها الطبيب بتلك الإجراءات الروتينية ثم سألها الطبيب : مدام مليكة إنتِ عارفة مين دول هزت رأسها يمنة ويسرة دليلاً علي عدم معرفتهم ثم أردفت تهتف بوالدها في قلق مليكة: بابي مين دول.........وأنا فينبرقت عينا سليم بهلع كيف لها ألا تعرفهم وتعرف والدها قرر الطبيب سؤالها سؤلاً أخر بعدما إتضحت لديه الرؤية قليلاًالطبيب: مدام مليكة إنتِ عندك كام سنة أردفت هي في هدوء مليكة : 8 ثم تابعت باسمة بحماس طفولي بالغ وهتم ال9 الشهر الجاي كاد أمچد أن ينهار أما سليم فهو الأن وبالتاكيد قد فقد عقله أخبرها الطبيب أنهم سيتركوها ترتاح قليلاً وإن إحتاجت أي شئ فما عليها إلا الضغط علي الزر الموجودة بجوارها ثم توجه ناحية غرفته ودلف معه سليم وأمجد وعاصم هتف سليم يسأل بقلق سليم: مراتي فيها إيه يا دكتور أردف الطبيب بأسي واضح جداً يا جماعة إن مدام مليكة جالها فقدان في الذاكرة..... وللأسف مش بس كدة لا هي فاكرة كل حاجة لحد عمر 8 سنين أما بعد كدة فهي مش فاكرة أي حاجةتمتم أمجد بضياع أمجد: يعني ايه أردف الطبيب مفسراًالطبيب: يعني مدام مليكة رجعت طفلة تاني عمرها 8 سنين وأي ذكريات بعدها مش موجودة عندها أصلاً سأل عاصم في جزع عاصم: طيب وهي ممكن تفتكر إمتي الطبيب : للأسف يا جماعة الموضوع دا زي الغيبوبة يالظبط محدش يعرف إمتي المريض ممكن يرجع لحالته الطبيعية ممكن يوم وممكن شهر ممكن أسبوع وممكن سنه
************************
في قصر الغرباوي سمعت فاطمة صوتاً مرتفعاً يأتي من غرفة والدتها فتسلل إليها القلق بشدة ثم إتجهت لتطمئن عليها همت بالدخول حتي سمعتها تهتف في حقد عبير: عاوزاك تخلصني منيها سامع صمتت هنية تستمع لحديث ذاك الشخص ثم أردفت بإنتصار عبير: ميتي بالظبط هبجي أجولك جبلها متجلجشحبست شهقة هلع خرجت من فمها بيدها وإنطلقت مسرعة لغرفتها لا تدري ماذا تفعل فهي تعلم جيداً أن والدتها تقصد مليكة ولكن الأن اصبح سليم لا يشكل لديها فرق بالمرة قد نسيته وما عاد يشغل بالها للحظة .....والفضل في ذلك كله يرجع لكلمات قمر التي مست شغاف قلبها فعلمت حينها أن سليم ليس لها ولم ولن يكن لها في أي يوم من الايام فعقدت العزم علي الحديث معها وردعها عما تحاول فعله
**********************
في المستشفي في غرفة مليكة رفضت مليكة بقاء أي شخص بجوارها غير والدها فهو من ظل جالساً الي جوارها طوال اليوم يطعمها يلهوا معها وحتي هو من جعلها تخلد للنوم وقلبه يتمزق آلماً علي حالتها فمن تبقت له من فتياته الثلاث قد عادت طفلة مرة أخري...... ولكنه حاول النظر للناحية الإيجابية فإعتبرها فرصة من المولي كي يعوض ما فاته ولكن زوجها......طفلها وحتي عاصم هي لن تتعرف عليهم زفر بعمق وهو يدعوا الله رحماك بالله
***************************
أما سليم فلم يبارح مكانه طوال اليوم .....علي الرغم من عدم قدرته علي الدخول لرؤيتها ولكنه ظل يراقبها طوال النهار من خلف الزجاج شعر بقلبه يتمزق كلما رآها .....هي حقاً طفلة حقاً عادت طفلة عمرها 8أعوام...... هو يعلم جيداً لما إختارت هذا العمر تحديداً......فهو أخر عمر شعرت فيه بالسعادة والهناء ورغد العيش ولكن ماذا سيفعل والدها حينما تسأل عن والدتها الراحلة أو شقيقتها ماذا سيفعل هو وهي لا تتذكره .....كيف سيمضي قدماً تلك الأيام القادمة فقد بات لا يعرف حتي أن يرتشف قدحاً من قهوته المفضلة من دونهافهي موطنه وملاذه.......والأن أصبح يعيش في غُربةٍ مُستمرة......فلا هو وجِد بدلاً مِنها موطن يحتويه ولا وجد ملاذ يهرب إليه من نفسه
*************************
ركض مراد بشوق ناحية والده الذي عاد وحيداً كما يري من دون والدته فإحتضنه بقوة وأردف يسأله مراد: بابي هي فين مامي تنهد بعمق بعدما اغمض عيناه آلماً وهو يفكر بما سيجيب ذلك الطفل الذي تتلألأ عيناه في إنتظار إجابة شافية تطمئنه عن والدته التي هو متعلقٌ بها حد الملازمة ......بماذا سيجيبه الأن زم مراد شفتيه وأردف يسأل مرة اخري مراد: بابي إنتَ نمت إبتسم سليم في حبور سليم: مامي مسافرة علشان حاجة ضرورية جداً يا روحي وهترجع قريب زم مراد شفتيه دليلاً علي عدم رضاه بذلك الخبر الذي يزفه إليه والده..... وشاهد سليم بوضوح ستار من الدموع الذي يغلف عيناه مراد: بث هي عمرها ما ثابتني إحتضنه سليم وأردف بحبور سليم: مامي سافرت علشان حاجة ضروري خالص مش بأيدها وهي قالتلي خلي بالك يا سليم من مراد وأوعي تزعله لحد ما أجيله وبعتتلك بوسه وحضن كباااار أوي أويإبتسم مراد في حماس وأردف يسأل في براءة مراد: بجد يا بابي أومأ سليم برأسه باسماً سليم: بجد يا عيون بابي ثم حمله وصعد به لغرفة مليكة كي يناما سوياً هناك فعلي الأقل يمكنه الإكتفاء برائحتها الأن عساها تحيي ذلك القلب الذي فارقته الروح......عساها تعيد السكينة لتلك الروح .......عساها تروي عطش ذلك القلب وتُحيي ذلك الجسد مرة....عساها تتخلل مسامات جسدة وتسير عبر أعضاؤه لتمتزج بدماؤه حتي تصل لقلبه عساها تهدأ تلك النيران التي تستعر بداخله قبل أن تجعله رماداً
***************************
في صباح اليوم التالي خرجت مليكة من المستشفي الي منزل سليم بعدما رفض رفضاً قاطعاً أن تذهب لمنزل والدها فطلب من أمجد أن يأتي هو للجلوس معها في منزلها وأقنعه أن ذلك كله لأجل مراد جلست مليكة طوال الطريق منكمشة علي نفسها خائفة من ذلك السليم ذو الجثة الضخمة والملامح الحادة القاسية وصلوا أمام باب القصر بعد وقت قصير فسألت مليكة الممسكة بيد والدها مليكة: بابي هو إحنا هنقعد هنا.......أمال فين بيتنا ربت أمجد علي وجنتيها في لطف وتابع في هدوء أمجد: بيتنا بيتصلح يا ميكو فإحنا هنقعد هنا شوية لحد ما يخلصوا تصليحه إقتربت من والدها في خفوت وهي تتمتم في همس مشيرة الي سليم مليكة: بابي هو the green man دا هيقعد معانا كمان ضحك أمجد بخفة وهو يري ملامح سليم الذي يطالعهما في شذر أمجد: أيوة يا عيون بابي..... دا بيته أصلاً وإحنا هتقعد عنده فأومات برأسها في ضيق ودلفوا للداخل وسط ضيق مليكة
*************************
في غرفة مراد جلس سليم يعقد إتفاقاً مع مراد كيلا يقلقه أو حتي يؤلمه لأجل والدته وما حدث معها......فكيف سيستطيع تقبل حقيقة أن والدته التي يعشقها لا تتذكره سليم: مراد يا حبيبيتمتم مراد ببراءة مراد: نعم يا بابي حمله سليم وجلس به علي الفراش يداعبه في حبور سليم: مراد يا حبيبي مامي جت قفز مراد سعادة وهو يصفق بيده في فرحة مراد: طيب يلا نروحلهاأردف سليم في هدوء سليم: بص يا مراد إحنا هنلعب لعبة حلوة كلنا مع بعض واللي هيكسب هياخد جايزة حلوة أوي برق مراد بحماس يراقب كلمات والده سليم: مامي هتلعب معاك وكأنها بنوتة صغيرة عندها8 سنين ولازم نفضل نلعب لحد ما المسئولين عن اللعبة يقولولنا خلاص ......المهم إننا كلنا لازم نتعامل مع مامي علي أساس إنها مليكة الصغيرة اللي عندها 8سنين تمام يا مراد خرج سليم ومعه مراد بعدما إتفقا سوياً علي كل التفاصيل
*************************
تناولا الغداء سوياً ومراد قد حاز علي إعجاب سليم تماماً فقو أتقن تمثيل دوره بنجاح منقطع النظير تعرفت عليه مليكة وإندمجا سوياً فلاحظ الجميع أن مليكة أحبته وبشدة ......حتي حينما لا يتذكر العقل يبقي قلب الام محتفظاً بكل شئ فهو لا ينسي لا يغفل بعد الغداء توجه أمجد لغرفته لينعم بقيلولته أما مراد ومليكة فذهبا للعب سوياً في الحديقة
**************************
جلس سليم يرتشف قهوته في هدوء فوجد مليكة تدلف غرفته بهدوء تعلق بصره بمظهرها الطفولي وذلك الفستان الذي يسلبه عقله بالمرة......إهتاجت عيناه بمشاعر عنيفة........ فهو الأن بين نارين إما أن يخنقها وإما أن يشبع كرزتيها تقبيلاً حتي تفقد وعيها بين ذراعيهدلفت تمشي في براءة تامة وسألت في هدوء مليكة : هو دا الكهف بتاعك حدق بها في بلاهة سليم : كهف...... أردفت مليكة مفسرة مليكة: أيوة يعني إنت ال green man فأكيد دا كهفك ضحك سليم ملئ شدقتيه حتي ترددت صدي ضحاته الرجولية في أرجاء الغرفة فتوجهت ناحيته باسمة بحماس تسأل في دهشة مليكة: إيه دا إنت بتضحك زينا حدق بها ببلاهة فهي ولأول مرة تقترب منه لتلك الدرجة بإرادتها دون أي ظروف أو ضغوط ثم لمست بأصابعها شفتاه في هدوء وهي تتابع باسمة مليكة: خليك بتضحك كدة علي طول كدة شكلك أحلي ثم إنسابت تحرك أصابعها علي قسمات وجهه وعيناها تتلألأ بطفوليه بالغة فهي بالتأكيد لم تكن تعرف تأثير أصابعها علي جلده فكلما تحركت أصابعها علي وجهه عَلي وجيفه وإحترق جلده ااااه هي تجلس بكل سعادة أمامه وهي تحرك يدها وأصابعها اللعينة تلك علي قسماته وهو يحترق يحترق آلماً وفراقاً ......يحترق رغبة حاول أن يغمض عيناه ويعض علي لسانه حتي ينفض تلك الأفكار السوداء التي تحيط بعقله ولكن هيهات فكلما إستطع أن يبعد تفكيره عنها تزيده لمسات أصابعها تفكيراً أكثر وأكثر أردفت مليكة باسمة بحبور مليكة : أضحك علطول علشان وشك ميلزقش ويكرمش وتبقي شبه الساحرة الشمطاء ثم ضحكت بخفة وتركته وهي تركض للخارج تنتدن بكلمات أغنية ما
اتمني الفصل يعجبكوا يا فرولاتي ❤😍واسفة جدا علي التاخير ❤
رواية بين طيات الماضي الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم منة الله مجدي
في قصر سليم
جاء عاصم ليطمئن على شقيقته في الصباح، بعدما تقبلت حقيقة تغير شكله. ظنت أنها تعويذة ما لعبوها، فحتى هي قد تغير شكلها كثيرًا وأصبحت تشبه والدتها، التي علمت منهما أنها قد سافرت هي وتاليا لعدة أيام.
بينما عاصم لم يتغير شكله كثيرًا، لهذا تقبلته سريعًا.
في قصر عاصم
أخذ عاصم يحزم حقائبه ليستعد للذهاب مع نورسين، التي هتفت به بهدوء:
نورسين: عاصم يا حبيبي، إحنا مينفعش نسافر دلوقتي، على الأقل نتطمن على مليكة وبعدين...
كلماتها المعلقة كانت تضيع بين شفتيه، التي أطبقت على شفتيها النديتين، يقبلها في شغف يبثها في شوق وحب، وحتى خوف. حب أعوام، خوف فقدانها، شوقه الدائم إليها، وحتى وهي بين ذراعيه.
احتضنها بقوة وأردف باسمًا بحبور:
عاصم: مليكة جنبها جوزها وبابا وكلنا، وهي لو تعرف أكيد كانت هتقولك سافري. وبعدين اطمني، هي كويسة الحمد لله.
همست نورسين بخفوت:
نورسين: أنا خايفة يا عاصم... خايفة أوي.
احتضنها عاصم، ثم ابتعد ممسكًا برأسها في حنو بالغ، مطالعًا عينيها بإصرار:
عاصم: متخافيش... مش عاوزك تخافي. أنا جنبك أهو، وهنروح إن شاء الله ونعمل العملية وترجعي زي الفل ليا ولأيهم وجوري. ونجيب لهم توأم تاني، إيه رأيك؟
ضحكت هي وسط عبراتها وانكمشت داخل ذراعيه أكثر تلتمس الأمان. نعم، فهي أيضًا خائفة. تخاف من فقدان العائلة التي وجدتها، تخاف من فقدان حبيب العمر، من فقدان طفليها.
تنهدت بعمق وهي تحتضنه بقوة، وقلبها يخبره: "لا أحبك فقط، بل أستند عليك وكأنك أكثر الأشياء ثباتًا في هذا العالم."
في قصر الغرباوي
دَلفت فاطمة لغرفة والدتها بعدما طلبت منهما الجلوس سويًا للتحدث قليلًا.
ضيقت فاطمة عينيها وهي تتمتم في هدوء:
فاطمة: أمه، إني سمعتك أولت امبارح بتتحدتي في التلفون وكتي بتقولي خلصني منها. إنتِ قصدك مليكة مش كده؟
برقت عينا عبير هلعًا وتمتمت متلعثمة:
عبير: إيه الحديت الماسخ ده عاد؟ أني... أني...
ربتت فاطمة باسمة على يد والدتها:
فاطمة: إني عارفة إنك بتعملي كده علشاني... يعني عشان فاكرة إني بحب سليم، بس لأ، متقلقيش يا أماي. إني خلاص شلته من دماغي وبقالى كتير كمان. خلاص يا أماي، إني مبقتش عاوزة منه حاجة. همليهم لحالهم عاد.
برقت عيناها غضبًا وتمتمت في حرد:
عبير: وده من ميتي إن شاء الله يا بت بطني؟ من ميتي الحنية دي كلها؟
تمتمت فاطمة بأسى:
فاطمة: من دلوقتي يا أماي، إني بقولك أهه إني مش عاوزة حاجة منهم... انسيهم وهمليهم لحالهم عاد.
صاحت بها عبير بحرد:
عبير: مالكيش فيه عاد وريحي حالك. إني مبعملش حاجة ليكي، كل ده علشاني أنا وخلص الكلام يا بت بطني.
في قصر سليم الغرباوي
وصل سليم من عمله متأخرًا، فوجد أمجد يجلس مع مراد في الحديقة. توجه ناحيتهما، فركض مراد لعنده، فحمله سليم باسمًا وهو يسأله عن والدته.
مراد: ما... قصدي مليكة نايمة.
ابتسم سليم ماسحًا على رأسه في حنو. ثم جلسا سويًا، فأخذ هو يتحدث مع أمجد قليلًا يسأله عن حاله ويطمئن على مليكة، الذي أخبره أنها كما هي، لم تتذكر حتى شيئًا ولو صغيرًا.
تنهد سليم بعمق واستأذنهما في الصعود لغرفته. فتح باب غرفتها، فوجدها نائمة مثل الملاك تمامًا في غلالتها السماوية التي تشبه لون عينيها. آآه، كم اشتاق لها. تنهد بعمق ثم خرج من غرفتها في ضيق. طلب من ناهد أن تعد له بعض القهوة.
وجلس هو في شرفته يشربها في هدوء. يجيش عقله بها، تعصف بأفكاره وكأنها عاصفة ربيعية لذيذة. ابتسم بقهر وهو يمرر أصابعه في شعره بقوة، عساها تلهيه عن ذلك الألم العارم الذي يعتصر قلبه. إنها حقًا سيدة الربيع، آآه كم تشبهه. كم تشبه طلتها نسمات الربيع التي تصيب القلوب لتحييها بعدما أماتها شتاء طويل دام طول الدهر. وكم يشبه شعرها الناري ورود الربيع وشمسه. كم تشبه لمساتها ذلك الدفء اللذيذ الذي تبعثه نسمات الربيع الرائعة.
تنهد بعدما أخذ يطالع قدح قهوته وهو يتساءل: "تُرى من الذي اخترع القهوة؟ ومن الذي اكتشف تسللها داخل كياناتنا بهذه الطريقة؟ هل كان يعلم بأننا سنتمنى فنجان قهوة مع شخص غاب منذ دهر؟ هل كان يعلم بأن رائحتها ستنتزع منا اعترافات بالعشق؟ هل كان يعلم بأننا في وجهها نرى كل الوجوه التي أوجعنا غيابها؟"
دفع قدحه غاضبًا، ثم نهض واقفًا بجوار السور حتى يبعد تفكيره عنها. ضحك بسخرية، كيف يبعد تفكيره وهي تستحوذ على قلبه وعقله وحتى روحه. وفجأة شاهد ما كاد أن يوقف قلبه.
كانت مليكة تسير على سور شرفتها في اضطراب وهي تتحدث مع نفسها كما يبدو له. وجد نفسه يصرخ بهلع، وكان حياته تعتمد على سلامتها، وركض مسرعًا ناحية غرفتها. والله وحده يعلم كيف وصل حتى، فقد كان يشعر وكأن قلبه قد توقف بالفعل. دلف لغرفتها يصرخ باسمها صائحًا في هلع.
فطالعته هي ببراءة بعدما وقفت في ثبات ضاحكة:
مليكة: الـ green man إزيك؟
أشار سليم بيداه كي تقف مكانها ولا تتحرك:
سليم: مليكة... بالراحة... انزلي.
ضحكت مليكة وهي تتحرك بخفة، بينما يتعالى رجيفه خوفًا. فماذا إذا سقطت مثلاً؟ آآه، كاد أن يفقد وعيه لمجرد التفكير في هذا.
لوت شفتاها متذمرة وأردفت بإستمتاع:
مليكة: ليه بس؟ دي الوقفة هنا حلوة أوي، تعالي جرب.
صرخ بها سليم بهلع بعدما كادت أن تتهاوى:
سليم: مليكة انزلي.
زمت هي شفتاها بحنق وأردفت بضيق:
مليكة: لأ مش عاوزة أنزل، دي حلوة أوي.
اقترب منها عدة خطوات في ثبات، حتى بات قريبًا للغاية. وفجأة زلت قدماها وكادت تسقط، فهرول هو ممسكًا بيدها في هلع صارخًا بها:
سليم: مليكة متسيبش أيدي سامعة؟
أومأت برأسها عدة مرات في هلع، بينما يحملها هو للأعلى وكأنها روحه. ولماذا كأنها؟ فهي بالفعل روحه. هي حتى النفس الذي يأخذه. هي كالأكسجين، بدونها يختنق. تنشقها فدخلت لقلبه محملة بالحب والنور. في جرحه كانت كالوردة التي أنقذت حياة جندي من الموت. أصبحت روحه التي تسكن داخله. ظل متمسكًا بها كالغريق الذي تعلق بقشة نجاته. سقطا سويًا على أرض شرفتها الباردة يلتمس دفئه منها. تغلغلت أصابعه في خصلات شعرها. هاجمت رائحتها رئتاه مستنشقًا عبيرها الأخاذ. سامحًا لنفسه بالتنفس أخيرًا. آآه، كم اشتاق. ارتفعت يده تلقائيًا لتمسك وجهها الناعم. حاول وحاول عدم فعل هذا. حاول الابتعاد ولم يستطع، قواه خارت وانهار تماسكه. إنه يشتاقها بشدة، ولا بأس من استغلالها الآن. رفع ذقنها بيده، دافنًا رأسها بين عنقها وصدرها، واستنشق عبيرها كغريق استطاع أن يتنفس الهواء أخيرًا. امتدت يده خلف ظهرها تدفعها إليه، تلصقها بصدره الواسع. أخذ يلعن وهو يشم شعرها وعنقها. شهقت بهلع حينما شعرت بشيء رطب يمتص جلد عنقها، صانعًا لها علامات زرقاء هنا وهناك. دفعته عنها بصعوبة وهي تنهض غاضبة.
بعدما دفعته بيدها الصغيرتين على صدره الواسع:
مليكة: إنتَ إزاي تعضني كده؟ إنتَ شرير وأنا بكرهك.
أمسكت رقبتها بألم لاهثة بغضب:
مليكة: أنا مش عاوزة ألعب معاك تاني، وهروح ألعب مع مراد.
سارت خطوتان للأمام بغضب ثم وقفت وهي تزم شفتيها بحرد:
مليكة: متكلمنيش تاني.
وانطلقت هي لغرفة مراد، بينما وقف هو يتنفس شذاها متعلقًا بصره بطيفها، بينما تعالى وجيفه بنشوة لذيذة رسمت ابتسامة على ثغره وروحه تقفز عشقًا صارخة: "أحبك... وسأحبك كما يشاء قلبي، لا يهمني عقلي... سأعشقك مثلما يوحي لي نبضي... فيا عزيزي سبحان الذي يغير فيك ما لم تتوقع... ويحدث بداخلك ما لم تنتظر... ويولد بقلبك نورًا كاد أن يموت!"
في قصر الغرباوي
وقفت فاطمة في شرفتها تحدث القمر الذي ينير تلك السماء، طالبة من الله أن تجد من ينير عتمة قلبها أيضًا. كم تتمنى، ولكن من الواضح أن هذا سيكون عقابها. ألا تجد من يؤنس وحشتها، من يرافقها الطريق، من ينير عتمة ليلها ويروي عطش ذلك القلب ويداوي جروح تلك الروح المنكسرة. ولكن ألا تعرفين طفلتي بأنه حين نظن أن كل شيء كاد أن ينتهي... يخلق الله لنا مخرجًا لنبدأ من جديد.
في صباح اليوم التالي
ذهب سليم ومعه نورسين وطفليهما لقصر سليم، كي يودعا أمجد ومليكة وسليم ومراد ويتركا بحوزتهما الطفلين. احتضنه سليم بقوة، يدعمه ويؤازره، فهو يعلم جيدًا كيف هو من الصعب أن يرى حبيبته تتألم. شعر بألم يعتري قلبه حينما تخيل مليكة في مكانها، فأخذ يدعو الله لذلك المسكين عاصم بالصبر، وأن ينجي زوجته.
احتضنت نورسين مليكة بقوة:
نورسين: أنا عارفة إنك مش فكراني، بس عاوزاكي تخلي بالك من أيهم وجوري، دول أمانتك لو حصلي حاجة.
احتضنتها مليكة بقوة باسمة:
مليكة: أنا فعلًا مش فكراكي خالص وأسفة جدًا والله، بس أنا مش فاكرة حاجات كتير أوي. بابي أصله بيقول إني وقعت جامد، عشان كده مش فاكرة أي حاجة. بس متخافيش عليهم، أنا ومراد وبابي هنخلي بالك منهم وهبقى أقول للـ green man يحميهم لك، متخافيش.
ابتسمت نورسين، بينما عمدت مليكة بيدها تجفف دموع نورسين باسمة:
مليكة: متعيطيش بقى.
فأومأت نورسين برأسها باسمة، ثم تركتها ورحلا هي وعاصم بعدما احتضن شقيقته بقوة يطلب دعمها كما في طفولتهم.
بعد رحيلهما بعدة ساعات، هاتف ياسر سليم يطمئن على أحوال زوجته ويطلب منه المجيء هو ومليكة حتى يتمكنا من حضور ولادة قمر التي تريد الاطمئنان على حالة مليكة.
تمتم سليم بقلق:
سليم: بس إنت عارف الوضع يا ياسر، دي مش فاكرة حاجة خالص.
أردف ياسر بحماس:
ياسر: يمكن لما تيجي هنية تفتكر. متنساش إنها قعدت هنية فترة زينة، عل وعسى تجدر الزيارة ترجع لها أي حاجة.
تحمس سليم لتلك الفكرة بشدة وهتف بسعادة:
سليم: خلاص هكلم الدكتور بتاعها وأسأله وأشوف، ولو كده على بالليل إن شاء الله هتلاقينا عندك.
وبالفعل لم يكد حتى أن يغلق الخط مع ياسر حتى هاتف طبيبها الخاص ليستشيره في مسألة سفرها، الذي وافق بدوره ورحب بتلك الفكرة كثيرًا. انطلق سليم يخبر أمجد، الذي لم يختلف رأيه كثيرًا عن رأي طبيبها، وتحمس الأولاد بشدة.
ماهي بضع ساعات حتى وصلا إلى البلد. وقف الجميع يرحب بهم في سعادة، بينما أخذت قمر تبكي وهي تحتضن مليكة. سألتها مليكة بدهشة:
مليكة: إنتِ مين؟
ارتفع بكاؤها وتمتمت:
قمر: إني عارفة إنك مش فكراني، بس إحنا كنا أصحاب أكتر من الأخوات.
أومأت مليكة برأسها بعدما زمّت شفتيها بحيرة:
مليكة: أيوه، أنا فعلًا مش فكراكي، بس خلاص بقى متعيطيش، وأنا إن شاء الله هفتكرك.
ابتسمت قمر بألم وارتفع نحيبها مرة أخرى وهي ترمي بذراع زوجها. وهكذا انقضت الليلة بين بكاء السيدات وترحيب الرجال بأمجد. ولا ضرار أيضًا من بعض الأحاديث لتوضيح سلامة نية الطرفين، ولكن من لم تظهر في تلك الليلة هي عبير، على الرغم من وجود فاطمة وترحيبها بمليكة. وحينما سأل عنها سليم، تعلت خيرية بأنها تشعر بالإرهاق قليلًا، لذلك خلدت للنوم مبكرًا.
بعد وقت قصير، طلبت منهم خيرية الصعود لغرفهم. لينالوا قسطًا من الراحة بعدما أصرت على أمجد البقاء في القصر الليلة. صعد الجميع للغرف، فطلب الأطفال البقاء مع جدهم، أما مليكة فأعطوها المندرة. ولكنها لم تكن تعلم أنها ستشاركها مع الـ green man.
دَلفت مليكة للمرحاض وبدلت ثيابها بإحدى فساتينها التي ترتديها في المنزل. وما إن خرجت، حتى وجدت سليم مضطجعًا على الفراش الوثير يتابع هاتفه في هدوء. فشقت هي بعلعة من المفاجأة، ثم وقفت واضعة يدها في خصرها متمتمة في غضب:
مليكة: ممكن أفهم إنتَ إيه جابك هنا أصلًا؟
طالعها سليم بنظرات أرعبتها، ولكنها لم تعرف لماذا شعرت بنظراته تخترقها تتفحص كل إنش في جسدها. حب وليس رغبة. ثم أردف باسمًا بمكر بعدما اعتدل جالسًا:
سليم: عمو أمجد اللي بعتني عشان هنا بيبقى في عفاريت بالليل.
واقفًا، محركًا كتفه بعدم اهتمام بعدما أردف بهدوء:
سليم: بس أنا غلطان خلاص، هطلع بره وأسيبك تنامي لوحدك.
جحظت عيناها وهي تتمتم في تلعثم:
مليكة: هاه... عفاريت إيه وتخاريف إيه؟
وضعت يدها في خصرها واستقام جزعها متمتمة في تحدي:
مليكة: أنا مش طفلة يا أستاذ إنت، أنا عندي تمن سنين بحالهم وكبيرة ومش بصدق أي حاجة.
ابتسم داخله وأردف بمكر:
سليم: خلاص إنتِ حرة، بس لما يجي بالليل متقوليش إني مقولتلكيش.
ثم اتجه واضعًا يده على مقبض الباب يتصنع الرحيل. فهتفت به هي في ثبات مصطنع، لدرجة أن ارتجافة قدماها كانت ظاهرة للعيان:
مليكة: لأ خلاص استنى، يعني حرام هتنام فين؟ كل الأوض مليانة، خلاص نام هنا، بس أنا هنام على السرير وإنتَ بقي نام على الكنبة.
اشتدت قبضته على مقبض الباب وهو يطالع حجم الأريكة التي تكاد تكفي بصعوبة لنصفه العلوي. ولكنه ابتسم في رضا وهو يتنهد بعمق، إن كانت تلك ضريبة حبها، فهو لها ولن يهتم لقضاء بعض الساعات على الأريكة. أومأ برأسه في هدوء وتوجه ناحية الأريكة بعدما حمل غطاءه ووسادته.
في غرفة ياسر
أنهى ياسر تقطيع الفاكهة وغسلها بيده، ووضعها على طبق ما ووضعه بجوار قمَره على الفراش، حتى إذا نهضت جائعة في الليل تتناول من هذا الطبق. جلس بجوارها باسمًا يمسد على بطنها في حماس بالغ:
ياسر: إني مش مصدق بجي ميتي ييجوا العيال دي.
ابتسمت قمر في حبور:
قمر: قريب جوي يا بو همس.
احتضنها بحب وخلدا سويًا للنوم.
في أمريكا
وصلا عاصم ونورسين بعد وقت قصير إلى المستشفى، فاستقبلهما الأطباء وأخضعا نورسين لعدة فحوصات، ثم أدخلاها لغرفة ما وهي المقرر إقامتها بداخلها حتى موعد العملية.
في غرفة مليكة
تقلبت على فراشها للمرة التي لا تعرف عددها في هذه الساعات، فبعد كلمات سليم وهي تلتفت فزعًا كلما شعرت بأي شيء حولها حتى وإن كانت نسمة هواء. وفجأة زفرت بعمق ونهضت واقفة بعدما حملت غطاءها وتوجهت ناحية الأريكة. وقفت تطالع سليم لدقائق، فوجدته يرقد بهدوء، وجسده يحتل الأريكة بأكملها. زمّت شفتيها بتبرم وهي تزفر بضيق. يشبه الوحش تمامًا، حتى إنه لم يترك مسافة صغيرة حتى كي تجلس فيها. وبعد عدة دقائق، تقلب هو على جانبه الأيمن، فاتسع بجواره مكان بالكاد يتسع لها. تنفست الصعداء وهي تبتسم بسعادة ودفنت نفسها بجواره ترقد في هدوء. وما إن غفت هي وشعر هو بانتظام أنفاسها، حتى فتح عينيه باسمًا، وضَمّها إليه يحتضن جسدها في سعادة. ومن ثم حملها ورقدا على الفراش في هدوء، وهي ترقد بين ذراعيه في وداعة تامة وهو يمسد على رأسها في حنو وقلبه يخبرها: "أنا لم أقع في حبك ولم أسقط فيه يومًا... أنا مشيت إليك واثق النبض، شامخ القلب. أنا لم أحيا بك يومًا ولم أفرح بك يومًا... أنا حييت بك كل الأيام وفرحت بك إلى الأبد. أنتِ ما اقتربتِ من قلبي ولا عرفت الدنو منه... أنتِ اقتحمتِ قلبي اقتحامًا لتقبضِ على نبضي متلبسًا بعشقكِ. أنا لم أمتلك الكون معك ولم أقبض على الدنيا بيدي... أنا امتلكت فقط الأشياء الجميلة بالكون... حين امتلكت..."
رواية بين طيات الماضي الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم منة الله مجدي
في صباح اليوم التالي، خرجت مليكة مع قمر وفاطمة للسير قليلاً، اتباعاً لأوامر الطبيب لتيسير وضع طفليها. كن يتحدثن ويمزحن في هدوء، حتى فجأة شاهدن أحد الفلاحين مهرولاً باتجاههن.
هتفت قمر متفاجئة:
"عم خضر... مالك يا راجل يا طيب بتجري كده ليه؟"
صرخ الرجل متوسلاً:
"ست فاطمة احجينا."
أردفت فاطمة متسائلة بقلق:
"في إيه يا عم خضر؟ جلجلتنا عاد."
هتف خضر بقلق:
"احجينا يا ست فاطنة الجاموسة... الجاموسة."
هدأته فاطمة وهتفت به:
"يلا بينا يا عم خضر."
ثم التفتت لمليكة وقمر وأردفت بحزم:
"خدي مليكة يا جمر وارجعوا على القصر طوالي."
أومأت قمر برأسها وانطلقت فاطمة وخضر مسرعين ناحية منزل الرجل الذي يعمل في أرض قدري الراوي.
وما هي عدة دقائق حتى وصلا إلى الزريبة الموضوع بها تلك الجاموسة. ركضت فاطمة ناحيتها بهدوء تعاينها بدقة. نعم، إنها حالة ولادة متعثرة، يجب عليها ألا تتأخر أكثر حتى لا يفقدا الجنين والأم أيضاً.
نظفت يداها جيداً وشمرت عن ساعديها، ودلفت لمساعدة تلك المسكينة على وضع جنينها. انهمكت في عملها بشدة حتى سمعت شخصاً يصرخ بجوارها، وتحديداً عند باب الزريبة.
حسام: "انت فين يا عم خضر... عم خضر."
دلف حينما لمح أحد الفتيات جالسة بجوار إحدى المواشي، فوقف يطالعها في دهشة. بينما التفتت فاطمة ناحيته وهتفت بحزم:
"مالك واقف تبحلق ليه كده؟ هم ساعدني... روح اغسل يدك زين وتعالى."
اتسعت حدقتاه بدهشة أكبر ووقف مشدوهاً، وكأنه لم يسمعها. حتى هتفت به بصوت أعلى وبحدة أكبر:
"لسه واقف مكانك كيف البجف؟ اتحرك يا بني آدم عاد... هم اخلص."
وكانت تلك هي الإشارة ليركض مسرعاً يغسل يده حتى يساعدها في جذب الجنين برفق دون إلحاق الضرر به أو بوالدته.
وبعد بضع دقائق، زفرت فاطمة بعمق باسمة بعدما وضعت الوليد بجانب أمه كي تتعرف عليه وتنظفه.
أما حسام، فوقف يراقب ابتسامتها الحماسية. كم تشبه الأطفال تلك الفتاة، ولكن ما يميزها هو عيناها الكحيلتان، الحالكتان كظلام الليل، ينيرهما شعلة تحدي تتراقص بداخل بؤبؤتيها، لتخطف آخر جزء تبقي من قلبه.
زفر بعمق وهو يهز رأسه حينما سمع صوت العم خضر. اختلط مع صوت ضحكاتها وعكر تلك الرنة الموسيقية الطفولية لضحكتها، فانكمشت ملامحه ضيقاً وتمتم بحنق:
"كنت فين يا عم خضر؟"
أردف خضر بسعادة:
"كنت بجيب مية سخنة عشان الجاموسة."
ثم التفت لفاطمة:
"الله يكرمك يا ست فاطمة، والله ما عارف أقولك إيه."
ابتسمت فاطمة بحبور وتابعت بهدوء:
"مفيش حاجة يا عم خضر، أنا معملتش حاجة."
ثم انصرفت للمنزل بعدما اطمأنت إلى العجل الصغير، رامقة حسام بنظرات متبرمة في شزر لتحديقه بها بتلك القوة. أما هو، فوقف مشدوهاً يراقب طيفها الذي سرعان ما تبخر، وهو يتذكر ضحكتها وملامحها وعيناها.
في أحد مستشفيات أمريكا، دلفت نورهان للداخل بجوارها عاصم ممسكاً بيدها، فقد التوى كاحلها فجر اليوم وها هما في المستشفى لمعاينته. أشار لها عاصم بالجلوس حتى يتوجه للطبيب. وبالفعل، حضرت بعض الممرضات وساعدوها على الدخول لحجرة الطبيب.
وبعد أن عاينها، قرر ربط قدميها طالباً منها الراحة وعدم الحركة، ولكن فجأة تم استدعاؤه لحالة طارئة. فاعتذر منها مستدعياً لها رئيسة الممرضات لمساعدتها.
دلفت في هدوء تطالع تقريرها الذي كتبه الطبيب، فابتسمت وأردفت بهدوء وهي تلتفت لها.
الممرضة: "ألف سلامة."
وفجأة، جحظت عيناها من هول المفاجأة وسقط ما بيدها وانسابت دموعها في هدوء. حركت شفتيها في محاولة بائسة منها للتحدث، ولكن بلا فائدة، فلم يخرج صوتها.
وبعد فترة، همست نورهان بقلق:
"إنتِ كويسة؟"
هزت السيدة رأسها يمنة ويسرة رافضة وهي تتهالك على أقرب مقعد.
نورهان: "طيب اهدي وقوليلي مالك يا بنتي."
همهمت السيدة أخيراً:
"أنا عايشة طول عمري بهرب منك عشان مش عاوزة أفتكر الحقارة اللي عملتيها زمان وسيبت مصر كلها... أشوفك هنا."
ضيقت نورهان عيناها وتابعت بدهشة:
"أنا؟"
أومأت نجلاء برأسها موافقة:
"أنا اسمي نجلاء، رئيسة ممرضات... إنتِ جيتي من حوالي 21 سنة كنتي بتولدي في مستشفى في الصعيد، مش كده؟"
أومأت نورهان رأسها بدهشة بعدما غشى ستار من الدموع عيناها أثر ذلك الألم المضني الذي يكاد يمزق قلبها لأشلاء ألماً وقهراً على طفلتها الراحلة، وأومات برأسها مؤكدة.
فأردفت نجلاء بخزي:
"وساعتها خلفتي بنت."
أردفت نورهان بألم يقطر من صوتها:
"نور، بس للأسف اتولدت متأخرة عقلياً وماتت بعدها بكام سنة."
هزت نجلاء رأسها يمنة ويسرة وهي تتابع بخزي بعدما أخفضت رأسها:
"بنتك كانت سليمة ومفيهاش أي حاجة."
حدقت بها نورهان بدهشة وهي تتساءل:
"إزاي؟ وهي كانت متأخرة والدكتور قال كده و... وماتت؟"
هزت نجلاء رأسها بقوة أكبر وهي تهتف بأسف:
"اللي ماتت دي مش بنتك... اللي إنتِ خدتيها دي مش بنتك."
صرخت بها نورهان بهلع حتى جاء على إثر صوتها عاصم.
عاصم: "في إيه يا ماما؟"
لم تجبه حتى، ولكنها صاحت غاضبة في تلك المرأة التي تقف أمامها:
"إيه الهبل اللي إنتِ بتقوليه ده؟"
أردفت نجلاء بندم:
"زي ما بقولك بالظبط. ساعة لما جيتي المستشفى، جت بعدك بخمس دقايق واحدة ست وشكلها كان من عيلة كبيرة عشان الاهتمام اللي كانت فيه، و ولدت بس جابت بنت متأخرة عقلياً. ولما الدكتور لفها زعقت وغضبت جامد جداً وقالت إن بطنها متشيلش عيال متخلفين وإنها مش بنتها وإن المستشفى هي اللي بدلت بنتها... طبعاً محدش اتكلم ولا حتى بلغوا أهلها. بس بعد كده لما دخلتلها عشان أطمن عليها وأديها أدويتها، قالتلي هتديني فلوس كتير أوي لو بدلت بنتها ببنت تانية سليمة تكون نفس العمر، وقالتلي إني كده بنقذ بيتها من الخراب عشان جوزها لو عرف هيطلقها وإنها خلفت البنوتة دي بطلوع الروح."
أخفضت بصرها وتابعت بخزي:
"وفعلاً ده اللي حصل، الفلوس عمتني أنا والدكتور، وإنتِ مكنتيش فوقتي وقتها من العمليات، فبدلت البنت وأديتك بنتها."
لم تعلق نورهان الجاحظة عيناها، منهمرة عبراتها، ولا حتى عاصم الذي لا يكاد يصدق ما يسمعه بأذنيه. لم تستفق إلا على صياح عاصم بحدة:
"هي مين الست دي؟"
أردفت نجلاء بصدق:
"والله ما أعرف أي حاجة عنها."
وهنا نطقت تلك الصامتة، نطقت تلك المرأة الهادئة، لم تنطق هي، ولكن صرخت الأم بداخلها، صرخت ألماً وقهراً، صرخت لفقدان طفلتها، وما زادها ألماً هو وجود ابنتها ولكنها لا تعلم أين.
نورهان: "يعني إيه؟ يعني تبقي بنتي الوحيدة عايشة ومعرفش أوصلها؟"
تألمت نجلاء لنبرتها التي تقطر قهراً:
"والله كل اللي أعرفه قولتهولك، بس إنتِ ممكن تدوري في سجلات المستشفى، مفيش غيركم إنتو الاتنين اللي ولد في نفس الليلة دي."
في المساء، جلست مليكة تلعب مع الأطفال داخل المنزل وحولها خيرية ووداد وعبير المتبرمة حنقاً وحرداً، وقمر بعدما خرج الرجال للجلوس في الدوار الكبير.
حتى فجأة شعرت قمر بألم قاتل، فعلمت أنه الموعد. خرجت منها صرخة هلع فانتفضت السيدات من حولها ووقفن في هلع لا يقدرن على التصرف، وانفض الأطفال عن لعبهم يراقبون المشهد في ترقب وقلق، بينما ركضت همس إلى والدتها:
"ماما... مالك فيه إيه... بتوجعي منين؟"
صرخت قمر بألم:
"هاتولي ياسر... كلمهولي إني بولد."
وكأنها كانت الإشارة لتوقظهم من هلعهم وتحثهم على التصرف، فذهبت خيرية لمهاتفة ياسر، بينما صعدت وداد لتجلب لقمر ملابسها.
وبعد عدة دقائق، وصل ياسر المذعور ومعه سليم ومهران وشاهين. ركبت السيدات سيارة مهران، بينما ركب شاهين مع سليم مع ياسر، وتركوا مليكة والأطفال في المنزل.
حاولت مليكة أن تلهي الأطفال، فقد أوضحت لها قمر كل شيء حين سألتها قبل يوم لما بطنها منتفخ هكذا، ففرح الأطفال وجلسوا في هدوء ينتظروا الطفلين.
وصل الجميع إلى المستشفى بعد وقت ليس بالقصير خلف ياسر الذي حمل زوجته وهرول بها للداخل يصرخ بالممرضات خوفاً وهلعاً، وحتى فرح أخذنها منه إلى غرفة العمليات، بينما جلس الرجال والسيدات بالخارج يدعون لها كي يعطيها الله وضعاً سهلاً وأن تخرج معافاة هي وطفليها.
لاحظت خيرية ابتعاد عبير لتجيب على هاتفها، ولكنها لم تعقب، فحال ابنتها لا يعجبها ويبدو أن الحديث بينهما سيطول بهذا الصدد، ولكن ليس الآن فليس وقته. أما سليم، فكان كمن يسير على جمر مشتعل، فمن ناحية هو قلق على طفلته التي تركها في المنزل بمفردها، ومن ناحية أخرى هو لا يريد ترك ياسر، من هو بمثابة شقيقه، حتى يطمئن هو الآخر على زوجته. فأخذ يدعو الله أن تنتهي تلك الولادة أسرع ما يكون.
وبالفعل، ما هو إلا وقت قصير حتى سمعا صراخ الطفل الأول يتبعه الطفل الثاني، فتهللت أسارير ياسر الذي ارتفع وجيفه فرحاً بسماع صوت طفليه. خرجت الطبيبة من الداخل، فركض هو ناحيتها يسأل بلهفة:
"طمنيني يا دكتورة مرتي... جمر كيفها؟"
ابتسمت في حبور وهي تتابع بهدوء:
"متتقلقش خالص، هي زينة وشوية صغيرين وهتفوق."
تنفس الصعداء وهو يحمد الله بشدة على سلامة الجميع، ورحل سليم بعدما اطمأن على قمر وطفليها وعلى ابن عمه أيضاً.
في قصر الغرباوي، تأخر الوقت فخلد الأطفال جميعاً للنوم، بينما هبطت مليكة للجلوس أمام التلفاز في صحن القصر. وبعد عدة دقائق، أتتها زهرة راكضة تستأذنها.
زهرة: "ست مليكة، إني باخذ الإذن إني أروح بس أطل على أمي عشان تعبانة حبتين، يعني إنتِ عارفة بكرة مش هعرف أروح في أي حتة عشان الست جمر."
أومأت مليكة رأسها بهدوء وأردفت باسمة:
"أكيد طبعاً، روحي وابقي طمنينا."
صمتت هنية ثم تابعت:
"إنتِ محتاجة أي حاجة يا زهرة؟"
تهللت أسارير زهرة:
"خيرك مغرجنا يا ست الستات، ولو عاوزة أي حاجة عم مسعد بره ناديه عليه بس وهو هييجي."
أومأت مليكة برأسها بحبور، فذهبت زهرة للخارج وجلست هي تقلب في التلفاز بملل، حتى سمعت صوت باب القصر يفتح، فنهضت واقفة تتساءل بقلق:
"نسيتي إيه يا زهرة تاني؟"
ولكنها سمعت صوت رجولي يتمتم بنبرة مرعبة أفزعتها:
"لأ، إني مش زهرة."
ارتجفت وتلعثمت في هلع:
"ااا... اان... إنتَ مين ودخلت إزاي؟"
في أمريكا، فتحت نورسين عيناها على ضوء الشمس، فوجدت عاصم يرقد بجوارها واضعاً رأسه على الفراش ويده أسفلها، يرقد في هدوء يشبه الأطفال. تسللت ابتسامة صغيرة لثغرها وهي تمسح على شعره بحنو. حب... عشق... وحتى خوف. نعم، فهذا هو اليوم الذي سيحدد فيه مصيرها، هي ستعيش أم... ترحل وتفارق تلك الحياة، تفارق محبوبها وأطفالها.
فتح عينيه بهدوء ثم سحب يدها طابعاً عليها قبلة طويلة، انتفض على أثرها جسدها. ابتسم عاصم محاولاً إخفاء قلقه:
"صباح الفل يا نوري أنا."
ابتسمت نورسين فهي ترى خوفه داخل عينيه، تشعر به في نبرة صوته، لمساته حتى.
نورسين: "صباح النور يا حبيبي."
ابتسم عاصم محاولاً تخفيف حدة خوفه وتابع مازحاً:
"استنى هروح أجيبلك الفطار... إنتِ عارفة بيعملوا هنا فطار أحلى من أكل الفنادق عندنا في مصر."
هم بالخروج فأمسكت نورسين بيده بعدما غلفت عسليتاها ستاراً من العبرات أعاق رؤيتها، وهي تهمهم بنبرة اختنقت إثر بكائها:
"عاصم..."
كانت تلك الكلمة هي الكفيلة لإسقاط كل محاولاته وشجاعته، فانتفض جسده إثر نبرتها بعدما فرت دمعة هاربة من عينيه وهرول إليها يضمها إلى صدره. أحاطت هي بخصره تدفن نفسها داخل صدره بقوة، وهي تحاول منع شهقاتها، حتى طوقها هو بذراعيه وضمها إليه أكثر هاتفاً بها بحنو:
"عيطي يا نوري... عيطي."
وكأنها كانت القشة التي قصمت ظهر البعير، فأنفجرت باكية بقوة، تعالت شهقاتها وارتفع نحيبها وهي تحاول الدخول بين أحضانه أكثر وكأنها طفلة صغيرة تختبئ بين ذراعي والدها، وكأنها تحتمي به من كل ما يخيفها. ربت عاصم على رأسها وهو يهدئها محاولاً منع نفسه من البكاء، حتى همست هي بخوف:
"أنا خايفة أوي يا عاصم... خايفة... نور خايفة... خايفة تدخل ومتخرجش تاني. خايفة دي تكون آخر مرة أحضنك فيها... آخر مرة أشوفك... آخر مرة أشم ريحتك... أنا خايفة أوي يا عاصم."
لم يقدر ذلك الجبل الصلب على التحمل أكثر، فتدافعت عبراته وكأنها تتسابق من سيصل لمحبوبته أولاً. شعر بيده ترتجف وهو يضمها إليه أكثر هاتفاً بحزم وإصرار:
"إنتِ هتدخلي وهتخرجي يا نور، سامعاني؟ هتخرجي عشان عاصم من غير نوره يموت، فاهمة؟ عاصم مش موجود من غير نورسين. هتخرجي عشاني وعشان أيهم وجوري. هتخرجي عشان لازم تخرجي، سامعة؟"
أبعدها عن ذراعيه وهزها بقوة وهو يطالع عينيها بإصرار:
"سامعاني؟"
هزت رأسها باكية تشهق في ألم وخوف، فانقض يلثم شفتاها بخوف، حب ورقة متناهية. فصل قبلته حينما شعر بحاجتها للهواء وضمها بين ذراعيه أكثر وكأنه يتمنى أن تنصهر بين ذراعيه وتمتزج به.
في المستشفى، وقف ياسر يشاهد طفليه وهما يرقدان في هدوء. فطبع قلبه هادئة على يده ومسح بها على أيدي طفليه، ثم اتجه ناحية زوجته يمسح على رأسها بحنو، فحسب كلمات الطبيبة ستستيقظ في أي وقت من الآن.
وبالفعل، ما هي إلا بضع دقائق حتى بدأت قمر تفتح عينيها بوهن. أول ما وقع بصرها عليه هو زوجها الباسم في حبور، فتسللت تلقائياً ابتسامة واهنة إلى شفتيها.
قمر: "ياسر."
حمل يدها بحنان طابعاً قبلة حانية عليها:
"حمد لله على سلامتك يا حبة جلب ياسر من جوة."
ابتسمت قمر بخجل وأردفت:
"الله يسلمك... ولادي... هما فين؟ عاوزة أشوفهم."
ابتسم ياسر بحنو بعدما أشار بجوارها على الفراش الصغير الموضوع بالغرفة:
"هما يا حبة قلبي نايمين... زي الجمر طالعين لأمهم تمام."
ابتسمت قمر وهي تحتضن يده بيداها:
"لأ إني عاوزاهم رجالة كيف أبوهم تمام."
رواية بين طيات الماضي الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم منة الله مجدي
في قصر للغرباوي
صرخت مليكة بهلع
مليكة: إنتَ بتعمل إيه هنا
ضحك الرجل ذو الصوت الغليظ المخيف وأردف في هدوء
الرجل: أني چاي أجبض روحك وأسلمها لعزرائيل طوالي
على رجيفها فكل ما تفكر فيه الأن هو ألا يهبط أحداً من الأطفال للأسفل.
لا هي كاذبة ليس ذلك كل ما تتمناه فقد كانت تتمني رؤية سليم.
نعم معذبها ومحبوبها.
فقط لو تودعه.
فقط لو تعترف بحبها.
فقط لو تخبره أنه رجلها الأول والأخير.
أشهر الرجل سلاحه بوجهها هاتفاً بها بهدوء
الرجل: إتشاهدي علي روحك الأول.
سمعت صوت الباب يفتح فأنتفض جسدها وهي تطالع القادم.
نعم هي تعلم من.
إستطاعت شم رائحته عطره التي طالما عشقتها.
شعر قلبها بطيفه.
طربت أذناها لوقع خطاه.
رفرفت بأهدابها في ثقل.
يبدو أنها النهاية.
يبدو أنه من المكتوب لها ألا تعش حياة عادية وتموت في سلام كباقي البشر.
يبدو أن الموت كتب عليها مبكراً.
شعرت بثقل نبضها خوفاً من القادم فهي من الممكن أن تضحي بحياتها بشرط ألا يتاذي محبوبها.
دلف سليم في هدوء يدعوها في قلق
سليم: مليكة إنتِ ف.
إبتلع كلماته حينما شاهدها تقف بتلك الهيئة أمام ذلك الرجل ولكن ما أوقف نبضه حقاً هو رؤيته شاهراً سلاحه بوجهها.
بوجه محبوبته.
صرخ به في هلع
سليم: إنت مين وعاوز إيه من مراتي.
ضحك الرجل ضحكة قوية إنتفض علي أثرها جسد مليكة بعدما أغمضت عيناها وتمتم هو في هدوء
الرجل: عاوز أجبض روحها ياولد و واضح إني هقبض روحك وياها.
وجدت نفسها تصرخ في هلع
مليكة: سليم.
في المستشفي
دلف الجميع لغرفة قمر للإطمئنان عليها.
أردفت خيرية بحبور
خيرية: حمدلله علي سلامتك يا بتي.
همهمت قمر باسمة
قمر: الله يسلمك يا حاچة.
سألت فاطمة في حماس بينما كانت تحمل أحدهما
فاطمة: هتسموهم إيه.
أردف ياسر باسماً
ياسر: عمار و أكمل.
تمتمت وداد في حبور
وداد: عاشت الاسامي يتربوا في عزكوا يا ولدي.
أما عبير فقد كانت منشغلة تماماً في هاتفها تنتظر إشارة التأكيد بان العملية قد تمت.
عملية قتل مليكة والتخلص منها للأبد لتحرق قلب أمجد عليها.
تمتم مهران في هدوء
مهران: الداكتور جال إن مرتك هتخرچ بكرة يا ياسر.
فاومأ ياسر برأسه
ياسر: إيوة يا بوي أني هجعد معاها الليلة دي وبكرة الصبح إن شاء الله هچيبهم وأچي وإنتوا روحوا دلوجت قبل ما الوجت يتأخر عاد.
إخترقت كلمة العودة أذناها بشدة فاقت من سهادتها فأردفت بنبرة مضطربة وإبتسامة لم تصل حتي لعيناها
عبير: أدينا جاعدين معاكوا شوية.
نتطمنوا علي جمر والعيال.
مط شاهين شفتاه دليلاً علي عدم رضاه
شاهين: أدينا إتطمنا يا وليه يلا علشان نسيبوا البنيه تستريح.
وبالفعل أخذ الجميع وخرجا للعودة للقصر مرة أخري.
في قصر الغرباوي
إتسعت حدقتاه وشعر بقلبه يرقص فرحاً.
هي دعته بإسمه.
تذكرته.
وأخيراً تذكرته.
أصبح حتي لا يعرف أ يجب عليه أن يسامحه أم يقبض روحه لأنه سبب الذعر لصغيرته.
نظرت إليه بعينين دامعتين هزت كيانه ليردف غاضباً
سليم: إنتَ شكلك كدة أهبل إنتَ عارف إنتَ دخلت قصر مين.
دا قصر الغرباوي.
إرتفعت ضحكات الرجل أكثر فوضعت مليكة يدها علي أذنيها تسدهما خوفاً من صوته.
فقد كان صوته حقاً مرعباً بعدما أردف بإستهزاء
الرجل: خلاص أني هعمل فيك چميلة.
حول يده ناحية سليم وتابع
الرجل: أني هجتلك إنت الأول.
صرخت به مليكة بهلع تتوسله
مليكة: سيبه.
سيبه هو معملش حاجة مش إنتَ جايلي أنا خلاص موتني أنا وسيبه.
أنا هعملك الي إنت عاوزة والله بس سيبه.
كان قلبه يتمزق ألماً علي نبرتها المرتعدة.
خوفها وتوسلها فأردف بحزم
سليم: إطلعي يا مليكة فوق.
إلتفت الرجل ناحيتها يحذرها من الصعود فباغته سليم وخطف منه المسدس لينقلب الوضع ويقف هو أعزل فركضت مليكة تختبئ خلف سليم تتمسك به مرتجفة الأيدي.
أظلمت عينا سليم غضباً وحرداً وأردف حانقاً
سليم: مين اللي باعتك.
إنطق.
هز الرجل رأسه يمنة ويسري دلالة علي رفضه للإفصاح.
فأطلق سليم الرصاص علي قدمة شهقت مليكة بفزع بعدما إختبأت خلف سليم أكثر وإشتدت قبضتها علي قميصه أكثر وهي تجاهد بقوة ألا تقع عيناها علي دمائه التي سرعان ما تدفقت منه كيلا تنهار الأن فتشتت تركيز سليم وإنتباهه.
فأردف هو بحنق
سليم: المرة الجاية هتبقي في رأسك.
فهز الرجل رأسه رفضاً مرة أخري.
كاد سليم أن يصوب علي رأسه هذه المرة حتي سمعا صوت الباب يفتح.
في أمريكا
روحه.
قلبه.
نفسه بالداخل وهو جالساً هنا يقرأ القران ويدعو الله ولكن ليس لها بل له.
فهو من يحتاج الدعاء أكثر منها يدعوا الله ألا يؤلمه فيها.
يدعوا الله ألا يذيقه مرارة الفقد وألم الفراق يدعوا الله فهو يعرف أنه سيموت بدونها.
هي ليست فقط زوجته.
هي طفلته.
ابنته.
محبتوته الأولي والأخيرة.
ذلك القمر المضئ الذي ينير حياته بأكملها.
صديقته وكل شئ.
كل شئ في حياته هي.
مر علي وجودها بالداخل أكثر من إثنتي عشرة ساعة.
إثنتي عشرة ساعة من العذاب.
من القلق والألم.
من الخوف وحتي الفزع.
علي الرغم من محاولات نورهان المستميته في طمئنته ولكن بلا فائدة.
فهو لن يهدأ حتي يراها تخرج أمامه معافاه سليمة بخير.
لن يهدأ حتي تخرج إليه ويري وجهها ويلمس يداها.
لن يهدأ هذا القلب وليس باليد حيلة.
لم يستطع أن يجلس أكثر فنهض يسير في الردهة المقابلة للغرفة ذهاباً واياباً عساه يخفف من توتره قليلاً.
بعد الخطوة العاشرة سمع باب غرفة العمليات يفتح ويغلق ذلك الضوء.
فهرب مسرعاً ناحية الطبيب يسأله عن حالتها.
فأجابه الطبيب باسماً بعدما ربت علي كتفه
الطبيب: كل حاجة تمام ونورسين بخير إتطمن يا عاصم.
مراتك بقت زي الفل.
تساقطت عبراته رغماً عنه حينما خر ساجداً علي فوره يحمد الله علي نعمته.
علي حفظه لها وعدم فجعه فيها.
شكرته نورهان باسمة وربتت علي كتف عاصم
نورهان: الحمد لله.
حمد لله علي سلامتها يا حبيبي.
هتف عاصم فرحاً
عاصم: الله يسلمك يا ماما نورهان.
الله يسلمك.
في قصر الغرباوي
فتح شاهين باب القصر ودلف الجميع للداخل.
شهقت وداد بهلع حينما شاهدت مليكة تختبئ خلف سليم الممسك بمسدس يصوبه تجاه رجل مصاب في الارض.
أما عبير فبرقت عيناها بذعر وإرتفع رجيفها وهي تدعوا الله ألا تنكشف وينفضح أمرها بينما ركضا مهران وشاهين ناحيته.
مهران: مين ديه يا سليم.
جز سليم علي أسنانه وهو يطالعه بإزدراء
سليم: دا كلب كان عاوز يموت مليكة.
برقت عينا خيرية بهلع ثم أردفت بتساؤل
خيرية: كيف يعني عاوز يجتلها.
ثم لكزته بطرف عصاها وهي تتسائل في حنق
خيرية: إنطُج يا ولد مين اللي باعتك علشان تعمل إكده.
أخفض الرجل بصره أرضاً ولم يتفوه بحرف.
فهو معد لأداء تلك المهمات جيداً ويعرف أنه في تلك المواقف يجب عليه أن يفضل الموت علي النطق بحرف.
هم سليم بقتله فصرخت فاطمة حينما شعرت بمليكة تتهاوي وتفقد وعيها فالتفت ممسكاً إياها بسرعة البرق.
فأمرته خيرية
خيرية: طلعها فوج يا ولدي وإنت يا مهران أربط الكلب ديه إنت وشاهين وأطلبله الحَكومة وهما يجرروه بمعرفتهم.
صعد بها سليم وقلبه يكاد يتمزق ألماً عليها فما شاهدته اليوم كثير.
كثير علي قدرتها علي التحمل حتي.
وضعهها على الفراش بهدوء ودثرها جيداً.
جلس جوارها في ألم يمسح علي شعرها في حنو بالغ يتحدث معها بسخرية مزجت بالقهر
سليم: حقاً لا أعلم صغيرتي لما لا يريدون تركك وشأنك.
لا أعلم لما لا يرتاحون دون أن يؤذوكي.
زفر بعمق وهو يدثرها جيداً ويهبط هو لرؤية ذلك الخسيس حتي يعلم منه من وراء هذا الأمر.
وجد بعض الغفر يقفون بالخارج ومعهم ذلك الخسيس توجه سليم ناحيته وتمتم بضيق
سليم: برضوا مش هتقول مين اللي باعتك.
لم يتحرك ذلك الرجل أو يتأثر حتي فتمتم سليم بتشفيه
سليم: أهو البوليس هيجي دلوقتي وهيتقبض عليك بتهمة شروع في قتل ودي فيها أقله إعدام.
وبالفعل لم يكد سليم ينهي كلماته حتي سمعا صوت عربة الشرطة بالخارج وشاهد المأمور يتوجه ناحيتهم.
في غرفة عبير
هتفت بها فاطمة بهلع
فاطمة: بجي توصل بيكي يا أمة إنك تعملي إكده.
عاوزة تموتيها ليه إذ كان أني خلاص صفيت من ناحيتها.
هاه عاوزة تموتيها ليه عاد.
برقت عينا عبير وأردفت بفحيح يشبه فحيح الأفعى
عبير: إخرسي عاد يا بت ومسمعش حسك مش عاوزين حد يدري ولا يحس باللي حوصل واصل.
وهمليني لحالي مش كفاية العَويل اللي چيبته معرفش يعمل حاچة ولساتني مخلوصتش منيها كَمان.
وقفت فاطمة تتمتم في تحدي وإصرار إمتزج بالتحذير
فاطمة: أني هسكت المرة دي يا أمة ومش هچيب سيرة لحد واصل علشان عدت علي خير بس لو حوصل حاچة زي إكده تاني أني اللي هكون مبلغة الحكومة.
متشيليش نفسك ذنب زي ديه إنتِ مش هتجدري تشيليه يوم الحساب يا أمة.
ثم تركتها وخرجت من الغرفة غاضبة بينما لعنت عبير كثيراً ذلك الفاشل الذي لم يخلصها من مليكة.
ولم يتحقق مرادها بأن تحرق قلب أمجد علي ابنته الأخري.
رواية بين طيات الماضي الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم منة الله مجدي
في صحن القصر
رحل رجال الشرطة ومعهم ذلك الرجل. أما هو، فصعد مرة أخرى لغرفة مليكة. وجدها تقف بجوار الفراش في سهادة. لم تعرف ماذا حدث، أو حتى كيف ومتى حدث. لم تستفق من سهادتها إلا حينما وجدت نفسها تنغرس بين ذراعيه، تشتم رائحته وكأنها غريق قد أُنقذ لتوه.
لم تعلم أي شيء، حتى ابتسمت بألم. فهي تعلم الآن أنه يحبها. سمعته، نعم سمعته حينما كانت غائبة عن الوعي في المستشفى. سمعته وهو يعترف بحبه لها، وكم تمنت وقتها لو تخبره بكل شيء. بباقي الحقيقة، بأنها لم تكن لشقيقه يومًا. هي حتى لم تره من الأساس. تمنت لو تخبره بأنها أيضًا أحبته وبشدة، ولكن بلا جدوى. لم يخرج منها الكلام وقتها.
آه، إنها تعلم وبشدة. في الفترة الماضية تعلم أنه اشتاق لاحتضانها، كما اشتاقت هي إليه. توسعت ابتسامتها الباكية وهي تحاول النطق وإخباره بكل الحقيقة، ولكنها لم تستطع. حبها له، خوفها منه كان يضيعها، فبكت أكثر، دافنة نفسها فيه أكثر، محاولة قدر استطاعتها لو تحتضن جزءًا منه، أن تخبره بعدم مقدرتها على الحديث. أنها تريده، تحتاجه، تعتذر منه عما سلف منها، أنها سامحته، فقط ليتوقف عن الصمت ويتحدث.
ولكن لا فائدة. كان هو فقط يبادلها الاحتضان بقوة أكبر. فقط تسمع منه ذلك الصوت الوحشي الذي جعل أوصالها ترتعد خوفًا. يضمها إلى صدره بقوة أكبر، دافنًا رأسه بين عنقها وصدرها، متنفساً إياها، منتشيًا بها كالإدمان. بكت بتلك اللحظة أكثر، غارقة بحضنه، محاولة إخباره أنها تريد الحديث ولكنها لم تستطع.
بقيا يتنفسان بعضهما هكذا بشراهة، كل واحد منهم يتعاطى جرعته من الحياة لفترة أطول. اختفى جسدها الصغير داخل جسده. كانت عضلاته الضخمة تحتويها داخله.
همست، بينما سمعت صوت هاتفه.
مليكة: سليم.
سمعت لهاثه وهو يغرز أصابعه بلحم ظهرها، يقربها منه أكثر، دافنًا وجهه بخصلات شعرها أكثر. أتبعه همهمات متوسلة خرجت من فمه.
سليم: ششش، خليني كده شوية... شوية كمان بس.
***
في أمريكا
وضعوا نورسين في غرفة ذات عناية مرتفعة كي يطمئن الطبيب على استقرار حالتها بالكامل. بينما قررت نورهان أن تعود لمصر لتبدأ رحلة البحث عن طفلتها. نعم، فهي قد عقدت العزم على عدم تركها بالمرة. أوصلها عاصم للمطار بعدما هاتفت هي أمجد وأخبرته بأن ينتظرها لمناقشة أمر ضروري.
***
في قصر الغرباوي
طلبت خيرية من فاطمة ووداد أن يصعدا معها للاطمئنان على مليكة. طرقت فاطمة الباب في هدوء. فانتفض جسد مليكة بين ذراعي سليم، هامسة بخجل.
مليكة: الباب بيخبط.
مط شفتيه دليلاً على حرده وعدم رضاه بالمرة، زافراً بعمق متمتماً بغضب.
سليم: اتنيلت، سمعته.
ابتسمت بخجل وهي تحاول أن تهندم هيئتها. فابتسم هو بانتصار وذهب ليفتح الباب.
تمتمت فاطمة بقلق.
فاطمة: إحنا جايين نتطمنوا على مليكة، هي زينة؟
ابتسمت وداد وخيرية بمكر على شعره المشعث وملابسه المبعثرة، ولكنهما تصنعا الجدية ولم يعلقا.
فأردف هو باسماً بأدب.
سليم: آه طبعاً، ادخلوا.
ثم أردف بسعادة.
سليم: مليكة رجعتلها الذاكرة.
تهللت أسارير خيرية بعدما أضافت فاطمة مازحة.
فاطمة: دا إحنا كده ننزلوا نكافئوه بدل ما نسجنوه.
ابتسمت وداد وهي تحتضن مليكة.
وداد: دي لما قمر تعرف هتفرح جوي جوي.
سألت مليكة بقلق وكأنها تذكرت قمر.
مليكة: هي عملت إيه؟
أردفت فاطمة باسمة.
فاطمة: جابت ولدين زي القمر ماشاء الله.
ابتسمت مليكة بسعادة.
مليكة: ربنا يبارك فيهم يارب.
استأذن سليم وذهب كي يحادث ياسر بعدما علم أنه كان المتصل حينما سمعا صوت هاتفه.
***
في صباح اليوم التالي
في أمريكا
جلس عاصم بجوار نورسين التي لم تستيقظ بعد. وألقى عليها السلام في صمت وقلبه يسأل: كيف حالك يا كل حالي؟ التقط يداها يقبلهما في حنو بالغ، فلقد اشتاق إليها وبشدة. اشتاق لبندقيتيها، اشتاق لابتسامتها، همسها وكلامها. ولكن ما باليد حيلة.
***
في قصر الراوي
صرخ أمجد الراوي بهلع وقلبه يكاد ينفطر.
أمجد: إيه اللي بتقوليه دا يا نورهان؟ يعني إيه؟ يعني بنتنا لسه عايشة؟ يعني بنتي مامتش؟
أومأت برأسها، حابسة دموع القهر التي تشعر بها الأم بداخلها. وسأل أمجد.
أمجد: طيب وهنجيبها إزاي؟
أخبرته نورهان بما أخبرته به نجلاء، ذلك الجزء المتعلق بسجلات المستشفى. فهب أمجد واقفاً.
أمجد: إحنا لازم نسافر مصر حالاً.
برقت بعينيها تتساءل في دهشة.
نورهان: طيب والمستشفى؟
أردف هو بحزم.
أمجد: مهو علشان كده لازم نسافر مصر.
***
في قصر الغرباوي
وصلت قمر للمنزل ومعها ياسر يحملان طفليهما. فوجدا الجميع في استقبالهما. أخذت خيرية تعوذ قمر وطفليها من الأعين. بينما انشغلت قمر في البكاء سعادة لعودة الذاكرة لمليكة، التي هتفت بها مازحة.
مليكة: هو إنتِ زعلانة؟ بتعيطي؟ فرحانة؟ بتعيطي؟
احتضنها قمر باسمة وهي تردف بسعادة.
قمر: أنا النهاردة فرحانة جوي جوي والله.
صمتا حينما سمعا سليم يخبر مليكة.
سليم: أنا هروح لعمو أمجد علشان أقوله إنك بقيتي كويسة يا مليكة.
تمتمت فاطمة بعدم اهتمام.
فاطمة: خليك يا سليم. أنا كده كده طالعة علشان أوزع الحاجة بتاعة عمار وأكمل على بيوت شوية ناس كده وأبلغهم بالعشا اللي هيتعمل النهاردة. هبجي أعدي عليه في طريقي وبالمرة أطمن على جاموسة عم خضر.
ابتسم سليم بامتنان وأردف في هدوء.
سليم: طيب مش محتاجة مساعدة؟
حمحت مليكة في خفوت. نعم، هي لا تزال تغار من فاطمة، حتى أنها متأكدة تماماً من تغيرها، ولكن هذا لا يمنع غيرتها.
سمعها سليم فابتسم باتساع وشكر لياسر تدخله، الذي ابتسم غامزاً بعدما أردف.
ياسر: أنا رايح معاها يا سليم. خليك إنتَ هنا علشان لو حد جه ولا حاجة.
وبالفعل ذهبا ياسر وفاطمة سوياً للمرور على بعض المنازل لإعطائهم الأموال فرحة لسلامة قمر وطفليها، ثم توجها لمنزل أمجد.
دلف ياسر للداخل، بينما توجهت فاطمة ناحية الزريبة. شاهدت ذلك العجل الرضيع يقف بجوار أمه، ومن الواضح أنهما يلعبان سوياً. فوقفت تراقبه في هدوء، يزين ثغرها ابتسامة مرحة.
وصل حسام من الأرض ومر على الزريبة في طريقه للداخل للاطمئنان على مهرته. فشاهد فاطمة واقفة بالداخل. طالعها بدهشة، فهو لم يعرف من هي. سمع قلبه يرفرف داخل ضلوعه بسعادة، فالآن قد واتته الفرصة على طبق من ذهب. الآن سيدخل ليتعرف عليها، ليعرف حتى على الأقل من هي تلك الفاتنة التي تتجول بأرضهم. فكل ما عرفه هو أن اسمها فاطمة، ولكن من فاطمة لا يعرف.
دلف يسير الهويني، واثق الخطي. وقف بجوارها بعدما رفع نظارته لأعلى وتابع باسماً.
حسام: شكلهم حلو مش كده.
ابتسمت فاطمة وهي تومئ برأسها.
انكمشت ابتسامتها بعدما التفت إليه في هدوء، وكأنها لاحظت وجوده، وهي تتمتم في دهشة.
فاطمة: إنتَ!!!!
ابتسم حسام بأدب وتابع في هدوء.
حسام: أيوة يا ستي، أنا... حسام جدري الراوي.
فاطمة: البجف.
ابتسمت بحرج وتابعت في خجل.
فاطمة: أنا فاطمة شاهين الغرباوي.
ابتسم حسام بسعادة.
حسام: إنتِ توبجي بنت عم جوز بت عمي.
ضحكت فاطمة بهدوء.
فاطمة: أيوة أنا.
أردف حسام باسماً.
حسام: أنا مش عارف أشكرك إزاي علشان لحقتيها. إنتِ متعرفيش الجاموسة دي إزاي غالية عند عم خضر.
ابتسمت فاطمة بلباقة.
فاطمة: أنا معملتش حاجة، دي واجبي.
سمعت صوت ياسر يدعوها بالخارج. التفت برأسها ناحية الخارج قبل أن تتمتم باسمة.
فاطمة: أنا همشي بقى، سلام.
زفر بعمق وهو يراقب طيفها باسماً.
ملامح عيناها تتهادى على ذاكرتي وتتمايل على قلبي الضعيف... أوقعتني تلك الفاتنة وليس باليد حيلة.
***
في قصر الغرباوي
انتهت مليكة من حزم حقائبها ومراد يقف جوارها. سعادة بانتهاء تلك الرحلة، طالباً من والده أن يسافروا سوياً. فقررا أولاً العودة للقاهرة حتى يباشر سليم عمله ثم يقررا أين يذهبا.
***
بعد مرور ثلاثة أيام
في أمريكا
استيقظت نورسين، شاعرة بألم طفيف في صدرها وصوت طنين ذلك الجهاز الذي يدل على نبضات قلبها. نظرت حولها، فوجدت نفسها ترقد إلى فراش وثير في غرفة بيضاء كاملة. أسبلت جفناها في هدوء وهي تستنشق الهواء حولها، بعدما رفعت ذلك الجهاز الموضوع على أنفها وفمها يساعدها على التنفس، فأحست برائحته التي تغلغلت في رئتيها كدواء لها. نظرت له، كان يدفن وجهه بعنقها، يحتضنها كالجنين، وكأنه خائف من فقدان أمه. كان يحتضنها بقوة. نست ألمها بحضنه الدافئ، وبدون شعور منها تغلغلت يداها في خصلاته البنية، تبتسم بوهن تلقائياً. كم يشبه الأطفال محبوبها. ابتسمت بحب. كان حالهم كحال عاشقين على فراش الحب، وليس على فراش الموت.
ابتسمت بمرارة وهي تلتفت بوجهها، فوجدت وجهه الوسيم الحاد يطالعها بهيام. كادت أن تشيح بوجهها في خجل، فأمسك ذقنها بلطف مجبراً إياها على النظر له. كانت عيناه تشرحان لها معاناته بغيابها. لم يَرَ عيناها. تباً، كم اشتاق لها.
خمس ليالٍ ينتظر استيقاظها بفارغ الصبر. خمس ليالٍ يحتضن جسدها وينام. ابتسم وهو يرى خجلها. كيف حقيقة، لا يفهم كيف حتى وهي بأسوأ حالاتها تضخ أنوثة مفرطة بهذا الشكل. ابتسم مقرباً وجهه من وجهها، لامس أنفه أنفها من دون حراك. عيناهما تشرحان كل شيء. عشقهما، حاجتهما، هواهما. استنشق هواها كما الغريق. وأي غريق؟ فهو غريق الحب والشوق. وأي شوق؟ فهو شوق محب أضناه الفراق.
***
في الصعيد
صرخ أمجد بحنق في المستشفى.
أمجد: يعني إيه؟ مهو أنا هشوف السجلات يعني هشوفها.
هنا تدخل الضابط الموجود.
الضابط: إهدأ بس يا أمجد بيه.
ثم وقف يتحدث مع مدير المستشفى في هدوء. وما إن انتهى حتى طلب منهم المدير بالجلوس، وأحضر لهم بعض السجلات ليبحثوا فيها. وفجأة برقت عينا نورهان هلعاً وانسابت العبرات من عينيها. نعم، كانت قريبة منها. طفلتها كانت بجوارها ولم تستطع أن تشعر بها، لم تستطع أن تعرفها.
رواية بين طيات الماضي الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم منة الله مجدي
لاحظ أمجد سهادتها ودموعها فالتفت لها يسأل في قلق.
أمجد: في إيه يا نورهان... مالك؟ لقيتي حاجة؟
ارتفعت شهقاتها وهي تدير له ذلك الملف الذي تطالعه كي يلقي بعينيه على الاسم الموجود أسفل اسمها.
حقيقة لم تكن حالته بأفضل من حالتها، فعينيه قد جحظتا للخارج صدمة مما رأى.
نعم بالتأكيد هي طفلته، ولكنه لم يعرف ماذا يفعل، أيذهب ويأخذها عنوة؟ أم يتأكد أولاً؟ لا يعرف حقاً، لا يعرف.
هبط سؤال الضابط على مسامعه ليستفيق من شروده.
الضابط: هاه، لقيتوا حاجة يا أمجد بيه؟
أومأ أمجد برأسه في هدوء، ثم هب واقفاً فتبعته نورهان.
أمجد: إحنا متشكرين جداً يا حضرة الظابط.
***
في قصر سليم الغرباوي.
مرت الأن ثلاث ليالٍ منذ عودتهم، ثلاث ليالٍ وهي تتجاهله، ثلاث ليالٍ تصعد للنوم قبل حتى أن يأتي، ثلاث ليالٍ بأكملها لا تسمح له بلمسها أو حتى الحديث معه وكأنها تتهرب منه.
طفح كيله، نعم طفح كيله وعقد العزم أنه سيحصل عليها اليوم. هو يحبها ولمس حبها له أيضاً.
لا يهمه أي شيء الآن، لا ماضي ولا مستقبل، هو فقط يريدها، يريدها في حاضره، فقط يريدها بجواره، يريد أن ينجب منها الكثير والكثير من الأطفال، هي فقط ولن يرضى بغيرها امرأة.
وكيف يرضى وهو دائمًا ما يشاهد صورتها حينما يكون مع أي امرأة أخرى؟ نعم خطفت قلبه ومنذ اللحظة الأولى الذي شاهدها فيها.
اليوم ستكون امرأته قلبًا وقالباً ولن يمنعه أحد.
وصل لمنزله مبكرًا على غير عادته، فشاهدها جالسة في الحديقة.
برقت عيناه حينما شاهدته وهمت بالصعود لغرفتها، فهتف بها صائحًا.
سليم: مليكة، استني.
التفتت ناحيته وجسدها يرتعد هلعًا ورجفتها ترتفع هلعًا وخوفًا، ومن ثم أردفت مضطربة.
مليكة: نننعم.
ضاقت عيناه حزمًا واشتد فمه صلابة، ثم قال ببطء وهدوء.
سليم: مليكة، اطلعي استنيني في الأوضة.
شحب وجهها حينما فهمت مراده ونظراته جيدًا، فهتفت به متوسلة.
مليكة: لا يا سليم، مش هينفع.
أظلمت عيناه حردًا وتابع بحزم.
سليم: هتعملي اللي قولته بالحرف يا مليكة، النهاردة يعني النهاردة، وبدون نقاش. اتفضلي اطلعي حالاً، وأنا 10 دقائق وجاي وراكي.
نظرت إليه نظرة توسل أخيرة، ثم استدارت لتصعد إلى غرفتها. تكاد تفقد وعيها خوفًا، فهي تعلم أن ذلك الإصرار الذي شاهدته في عينيه لن تؤثر عليه العواطف. لقد عقد العزم على ذلك ولن يردعه شيء. لهذا يجب عليها أن تهرب.
قررت أن تهرب وتأخذ معها مراد. نعم ستهرب.
ولكنه فجأة صاح بها.
سليم: مليكة... أوعي خيالك يصورلك إنك ممكن تهربي، لأنك لو رحتي فين هروح وراكي وهجيبك هنا تاني، بس ساعتها هتشوفي واحد تاني خالص. 10 دقائق يا مليكة.
***
في أمريكا.
تحسنت حالة نورسين بشكل ملحوظ، وأخبرهم الطبيب بنجاح عملية زراعة القلب، وهذا ما جعل عاصم يفرح بشدة. كيف لا ومحبوبته الآن بخير؟
كيف لا وقد ردت إليه روحه؟
***
في قصر الغرباوي.
جلست فاطمة بجوار قمر لتخبرها بكل ما حدث معها مع هذا المدعو حسام، وكيف تراه الآن يوميًا وهي ذاهبة أو عائدة من جامعتها.
ضحكت قمر ولكزتها.
قمر: شكل الراجل واجع لشوشته.
ابتسمت فاطمة بخجل وهي تتمتم.
فاطمة: أني خايفة... خايفة جوي يا جمر... خايفة لحسن يكون من الشباب إياها وأعالج جلبي بيه وبعديها أجع على چدور رجابتي.
انكمشت ملامحها قلقًا على فاطمة، فهي تعلم أن ألم آخر من ناحية الحب سيكون كفيلاً لتحطيمها تمامًا، فأردفت بهدوء.
قمر: بصي يا بت الناس، إنتِ اليومين دول تجفلي معاه أي حدِيت وتنشفيها عليه جوي ونشوف هيعمل إيه.
أردفت فاطمة بصدق.
فاطمة: بس إحنا أصلًا مبنتحدتش كتير جوي، يعني دول هما كلمتين إكده صباح الخير صباح النور وخلاص، بس دائمًا بشوفه عند الچامعة ويفضل ماشي ورايا كأنه بيتطمن عليا يعني. وبعدين ما إنتِ عارفة إن مفيش مني رچا في المرجعة العرج الصعيدي متبت جوي و چدوره مادة زين، فمتجلجيش واصل.
ابتسمت قمر لتذكرها ياسر. آه كم يشبهه ذلك الشاب. هي لن تكذب، فقد سمعت كثيرًا من الكلام الجيد بحق ذلك الشاب، كم هو شهم وعطوف مع الجميع، ولكن تكمل المشكلة في نسبه، فهو ابن قدري الراوي. وإن وافق شاهين لن توافق عبير بتاتًا. ستُرفض تلك الزيجة بشدة حتى ولو على حساب قلب ابنتها.
***
في قصر سليم الغرباوي.
جلست على فراشها الوثير والعبرات تهز جسدها الجميل. هي من أخطأت، هي من سمحت لمشاعرها بالتحكم بها. فهو لم يتصرف هكذا من تلقاء نفسه إلا حينما شعر بحبها ناحيته.
والآن عقد العزم على امتلاكها بدون أي تفكير بمشاعرها، بدون الاهتمام فيما إذا كانت مستعدة أم لا. هي لم تكن تعتقد أن ليلتها الأولى مع زوجها ستكون بتلك القساوة والحدة. لم تعتقد ذلك أبدًا.
تُرى هل تكمن المشكلة في أن ما يحدث قد خالف توقعاتها أم المشكلة في أنها ليلتها الأولى؟
نهضت واقفة بعدما جففت دموعها بحزم.
حسنًا، هو لن يجدها مستلقية موهنة العزيمة في الفراش تنتظره ليأتي إليها. إذا كانت الليلة ستكون ليلة زفافها، فستبدو تمامًا في هذا الدور كما كانت تتخيل.
نهضت ناحية دولابها فوجدت لنفسها غلالة نوم بيضاء صافية وضعتها على الفراش، ثم دخلت لتحمم، وبالطبع تخلل ذلك الكثير والكثير من إجراءات العناية ببشرتها وما إلى ذلك. ثم عادت إلى غرفة نومها، فارتدت غلالة نومها بأصابع مرتعشة ومشطت شعرها وجففته بعناية.
أطفأت نور الغرفة ولم تبقِ سوى على المصباح الصغير قرب الفراش. عندها أحست أنها جاهزة لاستقبال زوجها. لا، حقيقة هي كاذبة، فارتعاشة جسدها تؤكد عكس ذلك تمامًا.
كانت تبدو مثل حوريات النهر في ليلة عاصفة يرتجف أجسادهن برداً. ولكن للحقيقة لم تكن تلك الرجفة بسبب البرد، كانت خوفًا، ذعرًا وهلعًا.
حتى أنها كادت أن تفقد وعيها. لم تنتظر طويلاً. دقائق ودخل بدون استئذان إلى الغرفة.
ضاقت عيناه وهو يدخل الغرفة المعتمة قليلاً ويلاحظ جسدها الملفوف بغلالة النوم الشفافة.
اهتز جسدها بقوة أكبر إثر نظراته المعجبة، ولكن سرعان ما رفع حاجبيه دهشة وهو يراها تجلس في استسلام كالقطة الوديعة، ثم سأل بدهشة.
سليم: هدوءك دا معناه إنك مش هتقاومي مثلاً أو هترفضِ؟
أخفضت بصرها وهي تحاول كبح دموعها. وكل ما يجري بداخلها هو سؤال واحد: ماذا تراه سيفعل حينما يعلم أنها لا تزال عذراء؟
بالتأكيد سيبغضها ويهجرها وينتزع منها مراد ولن تراه للأبد.
فأردفت بنبرات مهزوزة من بكائها.
مليكة: مقداميش حاجة تانية أعملها.
تألم لنبرتها، فهو لا يريدها أن تشعر بكل ذلك الخوف. أين هي المرأة المجربة بداخلها؟
لما تجلس أمامه كفتاة خجولة في أول ليلة لها؟ لما تجلس بكل تلك الوداعة؟
فأردف بحرد.
سليم: فعلاً معندكيش أي اختيار تاني.
تقدم ناحيتها بضع خطوات، فأسرعت تختفي تحت الغطاء وقد أشاحت بوجهها عن جسده القوي.
ثم قالت بصوت متهدج باكٍ وكأنها تتوسله.
مليكة: سليم.
جذبها إليه بقوة ليضمها بين ذراعيه بحنو بالغ بحيث أصبح جسداهما معًا.
خلال دقائق أحست بدوار وكأنها في حلم. كانت كمن تسبح فوق غيمة عالية. لم تشعر بأي شيء حتى شعرت به يتراجع عنها شاحب الوجه، يهتف بضياع.
سليم: لا... مينفعش... مش ممكن.
تحرك مبتعدًا عنها، وجهه بلون بياض الموت، وتمتم مشوش التفكير متلعثماً.
سليم: إنتِ... أنا... محدش لمسك غيري بس... إزاي... ومراد؟
سألته بصوت خفيض.
مليكة: يهمك؟
وكرد عليها انتزع نفسه من ذراعيها ووقف مترنحًا قليلاً من ذهوله. وقد اتضحت أمامه كل الصورة، ولكن لا تزال أمامها بعض الأمور لتفسيرها.
مرر أصابعه في شعره الشعث ينظر إليها بعيني معذبتين وقد ستر جسدها بملاءة السرير وقلبه يتمزق ألمًا. هو لم يكن ليفعل معها هذا لو فقط أخبرته. كان سيكون كل شيء مختلفًا لو أخبرته أن هذه هي مرتها الأولى. هو لم يجبر أحدًا في حياته على شيء، وبالأخص لو كانت الفتاة التي أحبها، زوجته، الفتاة الوحيدة التي اختارها قلبه الأرعن. ينتهك أبسط حقوقها بتلك الخسة والوضاعة.
سليم: أنا... أنا مكنتش... أعرف.
أحست بالرغبة في الضحك على تعبير وجهه المتجهم.
فقالت له بخفة.
مليكة: محصلش حاجة يا زوجي العزيز... بكرة الصبح نتكلم في الموضوع دا.
أظلمت عيناه وتمتم بعنف مكبوت.
سليم: أكيد هنتكلم... وأكيد هتحبي ترجعي بيتك... أنا فاهم كل دا.
لم تعلم لماذا، ولكن كلماته ونظراته طعنت قلبها مرات ومرات، فابتسمت بسخرية وتابعت بقهر.
مليكة: فعلاً؟!
زاغ بصره وتمتم بتيه.
سليم: طبعاً... أنا... أنا... آه يالله أنا آسف والله أسف جدًا.
ثم هتف بتوسل.
سليم: ليه مقولتيش الحقيقة؟
سألته بدهشة.
مليكة: هي الحقيقة كانت هتغير حاجة؟ دا غير إنك مكنتش هتصدقني.
هتف بضياع.
سليم: لا أكيد كان الوضع هيتغير.
أظلمت عيناه حردًا وظلامًا وأردف بضياع.
سليم: بس للأسف مفيش حاجة هتصلح اللي عملته فيكي أبداً... مفيش أي حاجة... بس...
كان قلبها يشعر بآلمه، بضيقه، حتى بصدمته. ولكنها انتظرت منه أن يجيبها برومانسية. لو يخبرها مثلاً أنه سيظل يحبها حتى أبَد الآبدين، بأنه سيعتني بها طوال حياته. ولكنه صدمها برده حينما سألته في هدوء.
مليكة: بس إيه؟
أردف هو بلهفة.
سليم: هديكي كل اللي إنتِ عاوزاه... هجيبلك بيت في أي حتة إنتِ عاوزاها... هخصص ليكي مصروف شهري.
شعرت بقلبها يتمزق أشلاء حينما سمعت إجابته.
جاهدت كي تبقي دموعها حبيسة كي لا تشعر بالشفقة تجاه نفسها أكثر من ذلك. فقد بدا أن محبوبها مستعدًا أن يعطيها كل شيء عدا الشيء الذي تريده حقًا. وهو أن تبقي معه، أن تعيش حياتها بجواره، أن يهرما سوياً.
طالعت عينيه وهي تسأله بتوسل.
مليكة: إنت عاوزني أمشي؟
أردف هو بجمود.
سليم: لازم تعرفي إنه بقى مستحيل علينا نعيش سوا... مابقاش ينفع.
لكنها لم تكن تدرك شيئًا من هذا. ما عدا أنه لا يريدها بعد في حياته. ولا يمكن أن يكون قد أحس بما أحست به لتوها معه. وليس تلك التجربة الجميلة التي تعتبرها هي بين زوج وزوجته.
سألته للمرة الأخيرة. كما يقولون، هي فقط حلاوة روح منها أن تحارب في علاقتهما بهذا الشكل.
تمنت من الله أن تسمع منه ردًا يرضيها، فأردفت في هدوء.
مليكة: ليه؟
قالها بحزم قضى على آخر ذرة أمل تبقت فيها. قتل آخر ما تبقى من روحها، مزق الجزء الأخير من قلبها.
سليم: لازم تبعدي.
لم يكن ينظر إليها وقد بدت الهزيمة على وجهه. ليست الهزيمة فقط، فقد كانت تجاهد أن تبقي تلك المعالم ثابتة على وجهها كي لا تنهار أمامه وتكره نفسها أكثر على حبها لشخص مثل هذا. متحجر القلب عديم الإحساس.
فأردفت بلامبالاة وكأنها لا تهتم وقلبها يتمزق من الداخل وروحها تصرخ بآخر ما تبقى لها من رمق.
مليكة: تمام... متقلقش أوعدك إني هخرج من حياتك في أسرع وقت ممكن.
تمتم هو بثبات.
سليم: مفيش داعي للاستعجال... لازم نتكلم الصبح الأول... لا أنا ولا إنتِ هنعرف نفكر كويس دلوقتي.
أخفض بصره عنها خزياً وهتف بألم.
سليم: حاولي ترتاحي... يمكن النوم يقدر يمسح اللي عملته معاكي من شوية.
هتفت به بضياع.
مليكة: سليم... أنا...
عمد بيده للمقبض وفتح الباب متمتمًا بألم.
سليم: أرجوكِ... متقوليش أي حاجة تانية... لازم ننام ونفكر في اللي حصل ونشوف إيه اللي هيحصل الصبح.
ابتسم ابتسامة تجهم وهو يطالعها، فأمتلأت عيناها بالدموع وهي تتمتم باسمه في رجاء.
مليكة: لا... يا سليم.
استدار إليها بعينين معذبتين.
سليم: مليكة... أنا آسف.
هزت رأسها وهي تكاد تضربه على كلماته. لماذا يعتذر؟ لماذا يعتذر هذا الأحمق وهو لم يسيء إليها على الرغم من غضبه؟ فقد أخذها بحنو بالغ. نعم هي لم تسمع منه عبارات الغزل، ولكنها تعرف أنه يحبها. رأت ذلك في عينيه. لماذا يعتذر هذا الأرعن؟
وجدت قلبها يتحدث تلقائيًا بلهفة.
مليكة: متعتذرش.
طأطأ رأسه بألم.
سليم: معاكِ حق... اللي أنا عملته حتى الاعتذار مش هيمسحه.
أغلق الباب بهدوء، فيما دفنت رأسها في الوسادة. إنها لا تريد محو الذكرى، بل تريد الاستمرار في التذكر. لماذا لم يشعر ذلك الأحمق بنفس السعادة التي أحست بها؟ ولكن انتهى الأمر، هو لا يريد قربها ولهذا لن تبقى لدقيقة واحدة في ذلك القصر بعد الآن.
***
في صباح اليوم التالي.
الساعة الآن لم تتجاوز السادسة. الوقت مبكر جدًا، واتصال سريع إلى المطار أكد لها وجود مقعد لها على طائرة الساعة العاشرة المتجهة إلى كندا. هكذا أفضل. يجب عليها الابتعاد. عليها أن تبعد نفسها عنه، تبعد نفسها عن الإغراء في أن ترمي بين ذراعيه.
هاتفت إحدى سيارات الأجرة كي توصلها للمطار. استغرب السائق عيناها المنتفختان وأنفها المحمرة وذلك الطفل الذي تحمله بين ذراعيها، ولكنه لم يتفوه بحرف. فحمل حقيبة ملابسها ووضعها بصمت في الصندوق، وأدار محرك السيارة وانطلق بها وهو يسأل في أدب.
السائق: على فين يا مدام؟
أردفت مليكة بألم.
مليكة: المطار.
أغمضت عيناها بألم وهي تطالع مراد النائم على قدميها. هي تشعر كمن يعذب في الجحيم. قلبها يحترق ألمًا لفراق محبوبه. فقط تتمنى لو تغلق عيناها وتنتهي حياتها. لماذا لم تأخذها أختها معها؟ لماذا تركتها؟ خبطت على قلبها بحنو كأنها تربت عليه عساها تهدأ من حدة تلك النيران المستعرة فيه قبل أن تحرقه وتحوله لرماد.
انسابت عبراتها بغزارة وخرجت منها آه وجع، تألم على إثرها ذلك السائق العجوز.
فتوقف بالسيارة على جانب الطريق وهو يسأل في قلق.
السائق: إنتِ كويسة يا بنتي؟
عمدت بيدها تجفف عبراتها التي انهملت كأمطار يوم شتوي عاصف وهمهمت في هدوء.
مليكة: أيوة الحمد لله.
أردف السائق يسأل في قلق.
السائق: طيب تحبي تنزلي شوية تشمي هواء؟
هزت مليكة رأسها يمينًا ويسارًا بألم.
مليكة: لا شكراً.
تحرك بالسيارة في هدوء بعدما أدار إذاعة القرآن الكريم عساها تخفف من وطأة حزنها قليلاً.
وبالفعل أغمضت عيناها واضعة رأسها على النافذة تضم مراد بين ذراعيها.
شاهد السائق سيارة ما تتبعهم منذ مدة وهو الآن يحاول تخطيها. نظر في المرآة الأمامية ثم تابع.
السائق: إنتِ في حد بيدور عليكي يا بنتي؟
أوقف السائق العربة فهتفت هي بهلع.
مليكة: أنا...
استدارت بدورها وهي ترى سليم يفتح باب سيارته ويهبط متوجهًا ناحيتها.
لم تكد تطلب من السائق التحرك حتى انفتح بابها لترفرف بأهدابها هلعًا وهي تحدق إلى وجه زوجها الغاضب وكل ما تفكر فيه أنه سيأخذ منها مراد وللأبد.
وجدت نفسها تهتف به في هلع.
مليكة: سليم!!! أنا... أنا هفهمك.
أجاب بإختصار.
سليم: لما نوصل البيت ابقي قولي اللي إنتِ عاوزاه... لو سمحتي انزلي اركبي العربية.
همست في توسل.
مليكة: سليم لو سمحت خليني أفهمك.
جرها لتخرج من السيارة وتابع بحزم ناهيًا أي فرصة للحديث.
سليم: اتفضلي يا مليكة على العربية وأنا هحاسب الراجل وهاخد شنطتك وجاي وراكي.
***
في الصباح.
في قصر أمجد الراوي.
لم يعرف النوم طريقًا إلى جفنيه، فقد ظل طوال الليل يفكر ماذا يفعل؟ أيذهب ويأخذها عنوة أم يتريث؟ ولكن، وأخيرًا عقد العزم على الذهاب لقصر الغرباوي وأخذ طفلته من براثن تلك الوضيعة عبير.
***
بعد لحظات انضم إليها سليم ليضع حقائبها في صندوق سيارته. كانت تعابير وجهه أقل تجهمًا.
فرفعت رأسها وهي تتمتم بأسى.
مليكة: أنا كنت همشي يا سليم ورجوعي دلوقتي ملوش أي فايدة... يعني عادي لو مكنش النهاردة هيبقي بكرة.
أظلمت عيناه بإصرار.
سليم: مش هتهربي مني لا النهاردة ولا بكرة ولا أي يوم.
رمقت مراد النائم بين ذراعيها وهتفت بأسى.
مليكة: مش من الأحسن إنك تسيبني أمشي؟
همهمت بألم.
مليكة: ليه عاوز تزود عذابنا؟
هتف بسخرية امتزجت بالقهر.
سليم: عذاب... أه فعلاً... بس العذاب دا أنا اللي حسيت بيه وخصوصًا لما روحت أوضتك لقيتها فاضية ولقيت دولابك فاضي.
أوقف السيارة خارج الفيلا ونزل منها ليستدير ويفتح لها الباب. وقفت ليصبح جسدها قريب من جسده، فأحست كم هي ضئيلة أمامه. ولكنها أعرضت عنه ودخلت الفيلا.
استدارت لتواجهه بعد أن دخلا غرفة الجلوس. تشعر بهزيمتها أمامه. يا إلهي كم تحبه! ولكن بلا فائدة. ففي كلتا الأحوال هو لا يريدها. هو من طلب منها الرحيل.
انتظرت حينما أخذت الخادمة مراد.
هتفت به بوهن.
مليكة: ممكن أعرف جبتني هنا تاني ليه؟
تنهدت بعمق وهي تهمس بأسى.
مليكة: كدة هيبقي لازم أمشي تاني.
هتف بها بدهشة.
سليم: من غير ما تقوليلي... تودعيني حتى؟
أردفت بحزم.
مليكة: مكانش ليها لزوم... إنت كدة كدة مش عاوزني في حياتك.
هتف بها سليم بضيق.
سليم: مش بالطريقة دي... إنك تهربي في الضلمة قبل ما أشوفك ومن غير ما تقوليلي إنك هتمشي أو حتى تقوليلي لفين.
أردفت هي بيأس بعدما تنهدت بألم مطأطأة رأسها.
مليكة: أكيد كنت هقولك مراد يبقي ابن أخوك وليك حق تشوفه.
هز رأسه يطالعها بألم.
سليم: إنتِ فكراني إيه بالظبط؟ أنا أكيد مكنتش هبعد ابنك عنك.
همهمت بألم بعدما عمدت تمسح عبراتها التي تساقطت بألم.
مليكة: بس... بس مراد مش ابني.
لمعت خضراوتاه في وجهه الداكن وهتف بصدق.
سليم: مراد ابنك يا مليكة... أنا عارف إني في الأول كنت هاخده منك من غير أي تردد حتى... بس مش دلوقتي.
مش بعد ما شوفت أد إيه إنتِ بتحبيه... إنتِ مش مضطرة حتى إنك تثبتي أحقيتك فيه.
طأطأ رأسه خزياً وأردف.
سليم: أنا اللي محتاج دا... لحد دلوقتي لا كنت أب كويس ولا حتى زوج عادل.
هزت رأسها رافضة وأردفت بشفقة.
مليكة: لا مش صح... إنت عارف إن مراد بيحبك جدًا.
ضحك بخشونة وهو يسأل بينما أظلمت عيناه قهراً.
سليم: وإنتِ... إيه شعورك ناحيتي؟
هز رأسه يمينًا ويسارًا وأردف قهراً.
سليم: سؤال غبي مش كدا... أنا عارف كويس أوي إيه شعورك ناحيتي.
سألت مليكة بألم وهي تتساءل لما يستمر بتعذيبهما. لما يفعل هذا. لما يستمر ذلك الجزء الشهم منه بإيلامهما سوياً.
مليكة: يعني ليه رجعتني... ليه متسبنيش أخرج من حياتك بهدوء؟
شحب وجهه وتجهمت أساريره.
سليم: لو خرجتي من حياتي يا مليكة مش هيبقي بهدوء أبداً.
أردفت به ساخطة.
مليكة: بس إنت اللي قولت... إنت اللي عاوزني أمشي... إنت اللي عاوزني أعيش بعيد عنك.
هتف بها صائحاً مستنكراً حديثها.
سليم: مش كدة أبداً... مش دايماً... أنا بس عاوز تبعدي عني لفترة علشان تعرفي الحقيقة... تعرفي سليم الحقيقي... مش اللي بيوريه للناس.
لم تفهمه فأردفت بهدوء.
مليكة: بس أنا أعرف أحكم كويس أوي وأنا هنا.
أردف هو بحرد من نفسه.
سليم: لا مش هتعرفي... لأنك لما بتبقي قريبة مني أنا مش ببقى عارف حتى أسيطر على نفسي... أنا كنت حيوان معاكي امبارح... عملت اللي أنا عاوزه من غير ما أفكر فيكي.
بللت شفتيها وتابعت بخجل.
مليكة: بس أنا متضايقتش.
أردف سليم بألم.
سليم: ودا سبب تاني يخلينا نعيش بعاد عن بعض... أنا مش هعرف أسيطر على نفسي وأخرج زي امبارح.
تقدم ليقف أمامها، وذهلت لنظرة الألم على وجهه وتابع بألم.
سليم: أنا امبارح عرفت أسيطر على نفسي وأخرج.
صرخ قلبها بسعادة. إذن... هذا هو سبب مغادرته الغرفة فجأة. أنه يحبها، يريدها. النظرة في عينيه الآن أخذت تقول لها أشياء وجدت صعوبة في تصديقها وأرادت أن تصدقها. ولكنها لا تستطيع التفكير بوضوح. أصبحت مشوشة لا تعرف إن كان يحبها... أو هو فقط يرغب بذلك الجسد. تأوه قلبها حيرة.
أردف بأسى.
سليم: أنا حبيتك من أول لحظة شوفتك فيها... من لما فتحتيلي الباب أول يوم شوفتك فيه. أنا مش عاوزك تحبيني علشان خايفة إني آخد مراد... أو حتى إنك تحبيني علشان مضطرة تتعايشي معايا علشان مراد.
طالعها بثبات وهو يتمتم بتوسل.
سليم: أنا عاوزك تحبي سليم... علشان سليم نفسه... مش علشان أي حاجة تانية... عاوزك تحبيني وإنتِ مش خايفة.
لم تستطع تصديق ما تسمع. سليم... البارد... القاسي... الذي ظنته بلا شعور. ها هو يحبها.
بدأ وجهها يحترق وأحست برغبة في البكاء من السعادة وهتفت به بصدق.
مليكة: سليم... أنا بحبك علشانك إنت مش علشان أي حاجة.
لكن وجهه تجهم أكثر، وقال بلطف.
سليم: إنتِ حاسة إنك بتحبيني علشان الفترة اللي قضيناها سوا؟
هتفت به رافضة.
مليكة: لا... لا.
***
في أمريكا.
جلست نورسين تتناول طعامها وعاصم إلى جوارها يطعمها في حنو بالغ.
وبينما هو منهمكًا في إطعامها حتى لاحظ سقوط قطرة من الشوربة أسفل شفتيها.
أشار لها لتمسحها.
فضحكت وهي تعمد بيدها لتمسحها ولكنها مسحت جهة مختلفة.
ابتسم بمكر وهو يقترب منها كي يمسح ثغرها.
فباغتها بوضع يده أسفل رأسها وجذبها ناحيته مقبلاً شفتيها في نهم.
تركها بعد لحظات قليلة كي لا يثقل كثيرًا على قلبها.
ابتسمت بخجل، فابتسم هو.
عاصم: يااااه دا الواحد كان ميت يا جدع.
***
في قصر سليم الغرباوي.
تقدمت مسرعة لتقف أمامه. وأخذت تمسح التقطيبة من بين عينيه بعدما وضعت ذراعيها حول خصره وأراحت وجهها على صدره الذي يرتفع وينخفض من الإثارة وقالت هامسة.
مليكة: أنا حبيتك يوم لما مسحت دموعي وقولتلي إني أحلى من إني أعيط... فاكر يوم ما جبت سلمى البيت... غضبي وصريخي وعياطي اليوم دا كان من غيرتي عليك يا سليم... يومها اتأكدت إني غيرانة وإني بحبك.
وقفت على أطراف أصابع قدميها لتطبع قبلة رقيقة على شفتيه ثم ارتمت بين ذراعيه وهي تحس بالراحة وإلتفت ذراعاه حولها وكأنهما القيد الفولاذي وتأوه بقوة.
سليم: يارب تكوني قاصدة كل حرف قلتيه يا مليكة ومتندميش عليها... أنا مش هينفع أسيبك يا مليكة... مش هقدر.
أحست به يرتجف. وبكت من فرط سعادته.
متمتة بصوت متهدج باكٍ فرط سعادتها.
مليكة: أنا مش هسمحلك إنك تبعدني تاني ومش همشي تاني لو حتى إنت اللي طلبت.
أضاءت علامات الحب وجهه وأحنئ رأسه ليقبل جبينها ثم تحولت القبلة إلى سلسلة من القبلات انتشرت في كل مكان. أحس كل منهما بشوق مرير لبعضهما البعض، وقد أدركا حبهما العظيم وتصاعدت مشاعرهما لدرجة الغليان.
تراجع سليم وأنفاسه ممزقة بالعاطفة.
سليم: مش هتتخيلي النار اللي كنت حاسس بيها لما ملقتكيش في الأوضة... كنت حاسس إني هموت.
أراح جبهته على جبهتها يداه متشابكتان عند أسفل ظهرها. اتحد جسداهما معاً وتابع بسعادة.
سليم: مش هتتخيلي إحساسي وأنا بتخيل الرجالة اللي كنتي تعرفيهم ولا حتى أخويا أنا... وهو بيلمسك... كنت ببقى هموت... كنت بحس إني بغلي من جوايا وعاوز أجيبهم أقتلهم كلهم.
ابتسمت مليكة بخجل وأردفت.
مليكة: ويا ترى إيه شعورك دلوقتي؟
أردف سليم بسعادة.
سليم: أنا دلوقتي أسعد راجل في الدنيا كلها.
هتف في هدوء.
مليكة: وأنا كمان عندي اعتراف... إنتِ أول ست في حياتي حتى خطيبتي الأولانية عمري ما حسيت معاها باللي بحسه معاكي.
احتضنته مليكة بسعادة.
مليكة: خلاص إحنا ننسى بقي كل اللي فات.
غمزها سليم بسعادة.
سليم: إيه رأيك نطلع نكمل اللي بوظناه امبارح؟
شهقت بخجل وغزا الاحمرار وجهها وهي تدفن رأسها في صدره.
فضمها بين ذراعيه. وإنحنى ليقبلها وإندفع يصعد بها السلم فشهقت بخجل.
مليكة: سليم... حد يشوفنا... دادة ناهد لو شافتنا هتقول إيه دلوقتي.
أردف هو باسمًا بمكر.
سليم: وإيه يعني... ما يفتكروا اللي يفتكروه.
سليم: واحد بيحب مراته وواخدها وطالعين أوضتهم سوا.
لمعت عيناها بخجل في أن واحد ودفنت وجهها في عنقه. متشوقة لأن تعطيه ما تبقى من حياتها.
***
في قصر الغرباوي.
دلف أمجد لقصر الغرباوي كالإعصار تماماً ولم يكن لديه أي نية بالتراجع.
قابل قمر أولاً فابتسمت مرحبة به.
قمر: أهلاً أهلاً يا دي النور اتفضل يا عمي.
أجبر نفسه على الابتسام.
أمجد: أهلا يابتي... أمال فين عمك مهران؟
ابتسمت هي في حبور.
قمر: هبعت عم مسعد يناديه عليه.
هتف أمجد يسأل بلهفة.
أمجد: هو مش في الدار؟
أردفت قمر باسمة.
قمر: لأ دا في الدوار مع ياسر.
ابتسم وهو يتمتم في هدوء.
أمجد: تمام يا بتي أنا رايح لهم وأبقى سلميلي على الحاجة وجوليلها إني هاجيلها تاني.
ابتسمت وهي تومئ برأسها فرحل هو.
رواية بين طيات الماضي الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم منة الله مجدي
دلف أمجد للدوار فوجد ياسر ومعه مهران وبعض الرجال.
رحب به الجميع فجلس هو بجوار مهران وياسر، واستأذنهما في كلمة على انفراد.
ما هي إلا ثواني حتى بقي الرجال وحدهم.
أردف مهران بقلق:
أدينا بجينا لحالنا، اتفضل يا أمجد، قول في إيه.
حمحم أمجد باضطراب وأردف بتلعثم:
أني مش عارف أبدأ إزاي.
ابتسم ياسر بحبور:
كيف ما تحب يا عمي.
قص عليهما أمجد ما حدث معه منذ الوهلة الأولى وحتى بحثهم في كشوف المستشفى.
هتف ياسر بهلع:
إيه الحديت الماسخ ديه؟ إيه التخريف ديه يا عمي عاد؟
هتف مهران بجمود:
ما يمكن تكون البنت دي بتقول أي كلام، يمكن يكون حد زاججها علينا عشان نرجع في بعض تاني.
أردف أمجد بهدوء بنبرة صادقة:
علشان كده أني جيتلكوا النهاردة، جيت علشان نخلص الموضوع ده.
سأل ياسر بدهشة:
يعني إيه؟ يعني انت عاوزنا إحنا اللي نجيب لك فاطمة؟
أردف أمجد نافياً:
لا مش كده يا ولدي، أني عارف إنكم مش مصدقيني، ده أنا حتى نفسي مش مصدق الممرضة دي، فمفيش غير حل واحد.
أردف مهران بقلق:
وإيه هو؟
هتف أمجد:
تحليل DNA، بس أني مش عاوز فاطمة تعرف حاجة لحد ما نتأكد، عشان ما نأثرش على نفسيتها.
سأل ياسر:
كيف هناخدها تعمل تحاليل من غير ما تعرف حاجة؟
أردف أمجد بهدوء:
الدكتور قالي إنه ممكن أي حاجة تنفع للتحليل من غير ما فاطمة تعرف، شعراية مثلاً.
سأل مهران بعدم فهم:
ودي هنجيبها كيف؟
تلاقت نظرات ياسر ومهران في تلك اللحظة.
أمجد:
جمر هي اللي هتقوم بالمهمة دي، عاوزينها تجيب شعراية من شعر فاطمة وتديها لي.
أردف ياسر بهدوء:
الموضوع ده مش سهل.
هتف به أمجد بتوسل:
أني عارف إنها صعبة، بس عارف برضو إنك جدها وجدود.
***
في الصعيد.
كلية الطب البيطري.
ودعت فاطمة صديقاتها ووقفت تنتظر السائق الخاص بها، ولكن فجأة بينما هي تعبث بهاتفها شاهدت ظلاً ما حاجب ضوء الشمس عنها.
رفعت بصرها تطالع هذا الواقف أمامها وهي تستشيط غضباً، فشاهدت أحمد ابن أحد أعمامها من العائلة.
قلبت عيناها بملل وأردفت حانقة:
إيه جابك هنا يا ولد الناس؟
أردف هو باسماً بنزق:
جاي عشان أشوفك يا بت عمي.
طالعته شزراً وأردفت حاردة:
وأني فاكرة كويس قوي إني قولتلك قبل كده ملكش دعوة بيا واصل وإني مش عاوزة أشوف خلقتك في أي مكان.
أمسك عضدها بقوة وهو يجذبها ناحيته متابعاً في غضب خفي يحاول ردعه عن طريق ضغطه على أسنانه بقوة:
وأني جولتلك قبل كده إني مش هسيبك غير وإنتي مرتي.
طالعته بتحدي وأردفت بعزة:
على جثتي، لما تجيلي تشوف حلمة ودنك.
كاد أن يمد يده ليضربها، فأغمضت عيناها وانكمش جسدها بقوة، ولكنها فجأة سمعت صوت تأوه لشخص ما، حتى أنها شعرت بنفسها تختفي بالكاد خلف أحد ما.
صاح حسام بغضب هادر:
علشان تجيلي تفكر مليون مرة قبل ما تمد اللي تتقطع دي على مرة حسام الراوي.
انخفض لجسده المنسدح أرضاً وأمسك بتلابيبه غاضباً بشدة رافعاً إياه بحنق، بغضب عارم حتى كاد أن يخنقه بكلتا يديه على لمس صغيرته، بينما طالعه أحمد بوهن جاهداً أن يفتح عيناه فقد أصابت لكمة حسام الصميم.
حسام:
أقسم بالله خلقتني وخلقتك لو لمحتك، لمحتك بس على بعد 100 متر منها، أقسم بالله هجبض روحك وهعلقك في البلد علشان تجيلي عبرة لمن لا يعتبر ومتلومش إلا نفسك يا أحمد.
هزه بعنف وهو يصرخ به:
فاهم!
اعتدل واقفاً بعدما دفعه أرضاً كما كان وأخذ فاطمة وتوجها ناحية سيارته.
سألها غاضباً:
ممكن أفهم إيه اللي كان موقفك برة كليتك؟
رفعت فاطمة أصبعها تشير ناحيته غاضبة وعيناها ممتلئة بالعبرات:
إياك تتحدت معايا كده تاني، أني أقف مطرح ما يعجبني، وإذا كان على مساعدتك أني مكنتش محتاجاها من الأساس، أني أعرف أدافع عن نفسي زين.
التفت إليها بسرعة البرق عيناه تكاد تخرج النيران على حماقتها، ولكنّه أردف بهدوء قاتل:
أني اتحدت كيف ما بدي مع مرتي.
صرخت به فاطمة بهلع:
مرة مين يا مخبل انت؟
اعتدل ممسكاً بعجلة القيادة وهو يبتسم في هدوء رافعاً حاجبه في مشاكسة:
لهو انتِ متعرفيش؟ أصل أبويا بيكلم عمك أمجد دلوقتي عشان يروحوا يطلبواكي من أبوكي وعمك مهران.
برقت عيناها بدهشة:
إيه؟
ابتسم هو بينما أخذ يدندن مع كلمات أغنية للسيدة أم كلثوم صدح صوتها في المذياع:
إزاي إزاي إزاي أوصفلك يا حبيبي إزاي، قبل ما أحبك كنت إزاي، كنت ولا إمبارح فكراه، ولا عندي بكرة أستناه، ولا حتى يومي عايشاه.
محدثاً طرقات على عجلة القيادة وهي تطالعه في دهشة.
هي لن تكذب، حقيقة هي تكاد تطير فرحاً.
تسمع قلبها يرقص فرحاً بينما تحلق روحها بهيام.
أفاقت من سُهادتها على صوته وهو يخبرها بأن تهاتف سائقها لتعلمه برحيلها.
***
في أمريكا.
استقل نورسين وعاصم طائرتهما العائدة إلى أرض الوطن بعد كل ذلك العناء، وأخيراً سيعود وصغيرته معافاة بخير.
سيعود ليبدأ معها صفحة جديدة، صفحة سيخطها بالاهتمام، صفحة ستكتب عباراتها بالحب والود والحنان والاهتمام.
الاهتمام قبل كل ذلك، فحينما تقدم الاهتمام قبل الحب تكسب الحب ومن تحب.
***
في قصر.
هتف أمجد بريبة:
فاطمة مين؟
تابع قدري باسماً:
فاطمة بت شاهين الغرباوي.
أكمل باسماً بحبور:
لجيت الواد حسام أول امبارح جاي بيجولي أكلمك عشان نروح نطلبهاله.
نهض واقفاً يطالع شقيقه بتوجس:
مالك يا أمجد حاسس إنك متضايج عشان موضوع حسام؟ هو فيه حاجة؟
تهالك أمجد لأقرب مقعد وقص على شقيقه كل شيء، كل شيء.
فهتف به قدري دهشة، صدمة، ويمكننا القول أسى أيضاً:
يعني مريم الله يرحمها ما كنتيش بتك انت؟ كانت بت شاهين وعبير؟
أومأ هو برأسه في الم.
فسأل قدري بوجوم:
طيب وبعدين يا خوي؟
أردف أمجد باسماً بيأس:
متجلقش يا قدري. فاطمة بتي لحسام ولدك، هو أنا هلاقي زيه فين؟ يخاف عليها ويحبها، بس هي توافق وتيجي مليحة وودها زي ما اتفقت وياك.
نهض قدري مربتاً على ذراع شقيقه داعياً له بأن يلهمه الله الصبر ويرزقه بلقاء ابنته.
***
في قصر سليم الغرباوي.
فتحت مليكة عيناها شاعرة بفراغ بجوارها على الفراش، فنهضت جالسة بعدما أزاحت شعرها للخلف.
جابت ببصرها ربوع الغرفة في دهشة تتذكر ماذا حدث.
الساعة الآن لا تزال العاشرة صباحاً، ولكن... أين سليم؟
دَلفت للمرحاض كي تأخذ حماماً سريعاً ثم هبطت للأسفل مرتدية قميصه والذي كان عليها يشبه الفستان القصير.
هبطت للأسفل فوجدت خادمات القصر أجمعهن خارج المطبخ يتلامذون ويتغامزون.
توجهت ناحيتهن بخفة باسمة على تلك العلامات الغريبة التي تكلل أساريرهن.
شاهدتها ناهد فاحتضنتها بسعادة باسمة.
سألتها مليكة بدهشة:
هو في إيه يا دادة؟
احتضنتها ناهد بسعادة ثم كبت وجهها بيدها في حنو بالغ:
أنا مش عارفة أقولك إيه غير شكراً لأنك رجعتيله حياته.
تمتمت بتلك الكلمات الأخيرة وهي تشير ناحية سليم الذي يقف في للمطبخ.
برقت عيناها بدهشة وهي تطالع ذلك الواقف يعد طعام الإفطار في انسجام تام يدندن كلمات أغنية إسبانية ما.
يرقصان هو ومراد في سعادة بينما يصفقان أيهم وجوري بسعادة بالغة.
فتحت عيناها وأغلقتهم عدة مرات حتى تتأكد مما ترى.
أحقاً ذاك هو سليم؟ أين ذلك الشيطان الأرستقراطي؟ أين ذلك المفرور البارد؟
ابتسمت بخجل وهي تتقدم منهم بعدما صرفت الخدم.
أنارت عيناه بسعادة وهو يراها تتقدم منهما مرتدية قميصه الذي يشبه الفستان عليها.
تقدم منها باسماً ممسكاً بيدها يراقصها وهو يغني بسعادة فأخذت هي تردد معه:
calienta tanto que asusta
Y sabes lo que te gusta, te gusta, te gusta
Prendiendo fuego en el suelo
Pintando estrellas en el cielo
Y te diré lo que quiero.
طبع قلبه حانية على جبهتها وهو يهمس ببعض الكلمات في أذنيها:
سليم: القميص هياكل منك حتة.
ضحكت بخجل فأشار لها بالجلوس على أحد المقاعد الموجودة بجوار الأطفال بينما اهتم هو بوضع الطعام.
***
في قصر الغرباوي.
عادت فاطمة من جامعتها تسير بسعادة وهي تبحث عن قمر بعينيها حتى وجدتها تضع أكمل في فراشه.
احتضنتها بسعادة وهي ترقص.
حدقت بها قمر بدهشة ثم أردفت تسأل بريبة باسمة:
وااه وااه إيه مروق بال الجميل كده عاد؟
أردفت فاطمة بسعادة:
أني فرحانة قوي قوي قوي.
ضيقت قمر عيناها بتوجس باسمة تسألها:
خير اللهم اجعله خير، سمعيني.
جلست فاطمة وقصت عليها كل ما حدث معها منذ الوهلة الأولى.
هتفت بها قمر بسعادة:
والله لو أقدر أزرع كنت زرعت.
ثم تمتمت حاردة:
أهم حاجة إنك تدعي أن أمك توافق.
رفعت فاطمة يدها للسماء وهي تدعو الله بإلحاح:
يارب.
***
في مساء اليوم.
عاد ياسر من الخارج لا يدري ماذا يفعل، تعصف به الأفكار والهموم، تري ماذا سيحدث إذا أُثبت أن فاطمة ليست ابنة عمته عبير؟ ماذا سيحدث؟
كيف ستتأثر هي؟ كيف ستتقبل الحقيقة، أو حتى كيف سيتقبل الناس؟
لاحظت قمر سهاده وعبوس ملامحه.
فابتعدت منه تأخذ عباءته وعمامته ثم التفت لتقف أمامه مكوبة وجهه بيدها لتسأله في حنو امتزج بنبرة غنج:
يا ترى حبيبي ماله؟ إيه شاغل تفكيره لدرجة إنه ميشوفش حبة قلبه جمر؟
ابتسم بإرهاق:
ياسر عمره ما يغفل عن حبة قلبه واصل.
بس الموضوع واعر قوي يا جمر.
انكمشت ملامحها قلقاً بعدما أردفت تسأله بجدية:
موضوع إيه اللي واعر للدرجة دي؟ كفى الله الشر.
أخذها من يدها وتوجها ناحية فراشهما.
ثم جلسا سوياً بعدما أغلق الباب جيداً وقص عليها كل ما حدث.
فرت دمعة هاربة من عينيها حينما وضعت نفسها مكان فاطمة، كيف ستكون حالتها؟ كيف ستشعر؟
أردفت بأسى:
طيب وإحنا هنتأكدوا كيف؟
أخبرها ياسر بأمر التحليل وطلب منها خصلة الشعر في أقرب وقت ممكن.
رواية بين طيات الماضي الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم منة الله مجدي
لايك قبل القراءة وكومنت بعدها مانجاتي ❤😍
الفصل الثامن والثلاثون
في قصر سليم الغرباوي
جلس عاصم محتضناً شقيقته فرحاً بإستعادتها ذاكرتها......أما هي فكانت تحتضن نورسين بسعادة إثر شفائها
وأيهم وجوري يجلسان علي أقدام والديهما
مليكة: إنتِ مش هتتخيلي أنا فرحانة إزاي حمد لله علي سلامتك يا حبيبتي
ثم أردفت بأسي
كان نفسي أجي معاكي والله بس أديكي شوفتي بقي
ضربتها نورسين بخفة علي حماقتها و أردفت بحبور
نورسين: كفاية هطل بقي أهم حاجة إنك خفيتي
وبقيتي زي الفل
إبتسمت مليكة بإرتباك وأردفت
مليكة: الحمد لله
***************************
في قصر سليم الغرباوي
جلس سليم علي الأرجوحة المعلقة في الشرفة وهي علي قدميه متكورة بين ذراعيه واضعة رأسها علي صدره في هدوء كالطفلة الصغيرة التي تحتمي بوالدها بينما هو دافناً رأسه في خصلاتها الثائرة يستنشق رائحتهم التي تسلبه لُبه
فتح عيناه في هدوء بعدما رفع رأسه لتَحِل محلها أصابعه تمسد شعرها في حنو وكأنها طفلته
هامساً بها بصوته الأجش ......تلك البحة التي تذيبها.....ترشدها وكأنه ملاذها الوحيد
سليم : مليكة..... أنا عاوز أسألك علي حاجة
همهمت بتيه مما تفعله أصابعه بها فإبتسم متابعاً
سليم: إنتِ في حاجات كتير مفهمتيهانيش
إنكمشت ملامحها قلقاً ولكنها قررت البوح بكل شئ كي تريحه وتطوي تلك الصفحة من حياتها للأبد حتي يستطيعا البدء...... البدء من جديد والمُضي قدماً في حياتهما سوياً
رفعت عيناها ناحيته تراقب ملامحه وتمتمت في هدوء
مليكة: بص يا سليم بابي وعاصم سابونا وأنا صغيرة كان عمري حوالي 8 سنين كانت مامي وقتها حامل في تاليا بس مكنش لسة لا هو ولا هي يعرفوا.......هي عرفت بعد ما مشي بشهر المهم عدي الوقت ومامي خلفت تاليا وللأسف ماتت وتاليا مش كبيرة أوي يعني الإتنين ملحقوش يشبعوا ببعض بعد كدة روحنا قعدنا مع جدتنا في إسبانيا فضلنا قاعدين معاها لحد ما هي كمان ماتت وقتها كنت في الكلية فضلت أدرس وأشتغل لحد ما تاليا خلصت دراستها وكانت بتشغتل في مجال عرض الأزياء جمب الدراسة زيي يعني هي عجبها المجال دا وقررت تفضل فيه لحد ما في شركة مصرية مُعينة جابتهالها سلمي كانت عاورة تاليا تبقي العارضة الأساسية بتاعتهم وهتلف كذا بلد وبعدين يستقروا في مصر تاليا كانت صغيرة وعجبها الموضوع وبعد خناقات كتير إتفقنا أنا وهي إنها مش هتستقر في مصر و إنها هترجع إسبانيا أول ما تخلص الجولة بتاعتها وفعلاً فضلنا كدا وكنت كل ما أخد إجازة أروحلها
لحد ما في فترة كلمتني وقالتلي عندي ليكي مفاجأة لما تنزلي مصر طبعاً مكنتش أعرف أن المفاجاة هي جوازها بحازم اخوك ......وعدت أيام كتير والراجل اللي كنت شغاله عنده تعب وكان في أيامه الأخيرة فطبعاً مكنتش عارفة أنزل خالص لحد ما بعدها بحوالي عشر شهور كلمتني وأصرت إني أنزل وقالتلي إنها محضرالي مفاجاة تانية وإني لازم أنزل في أقرب وقت وفعلاً عرفت بالعافية بعد تلات أسابيع بس نزلت علي المستشفي كلموني في المطار وقالولي إن أختي في المستشفي......
تكونت العبرات في عيناها فأغلقتهما مُحَاولة بإستماتة ألا تُذرف أي دمعة من عيناها
بس لما روحت ملحقتهاش .....ملحقتهاش كانت ماتت قبل ما أوصل
وهنا لم تستطع الصمود أكثر فإنهمرت العبرات من عيناها في هدوء في محاولة من تلك العينان تَخفيف ذلك الألم الذريع الذي يشعر به ذاك القلب
الجريح .....لفقدان رفيقة عمرها.... طفلتها...... شقيقتها الصغري.....بهجة حياتها.....تذكرت حينها عندما أخبروها ذاك الخبر الذي قسم ظهرها فسَقَطت علي إثرهُ أرضاً جاثية علي ركبتيها تصرخ في وجع حتي إنجرحت حنجرتها.......حتي إنقطع صوتها.....كيف يخبروها بكل ذلك الهدوء أن شقيقتها قد رحلت ......تذكرت وقتها كم كان الألم مريع .......تذكرت كم صرخت....كم بكت حتي جفت دمعاتها......حتي أصبحت بلا قدرة علي ذرف المزيد ولكن بلا فائدة.....فكل ذلك الألم وكل تلك العَبرات لم تُعيد لها شقيقتها
شعر بعبراتها تُبلل صدره ويداها تنكمش ألماً علي خصره فضمها إليه بقوة أكبر كأنه يريد إحتوائها بداخله أكثر مربتا بحنو أكبر علي شعرها..... كيف لا وهو أكثر من يستطع الشعور بذلك الألم المريع الذي يُميت القلب.....يظلم الدنيا ويقضي علي ما تبقي من الحياة
همس بإشفاق
سليم: خلاص يا حبيبتي خلاص إهدي متكمليش
هزت رأسها رفضاً هامسة بألم
مليكة: وبعد ما فوقت أدوني مراد
إبتسمت بحبور وأردفت
كان هو النور اللي دخل حياتي علشان ينورها
كان زي الدوا اللي نزل علي قلبي علشان يداوي جرح موت تاليا وقتها كنت إتعرفت علي عائشة ومحمد لأنهم كانوا صحاب تاليا أصلاً وهما اللي إتصرفوا في الورق
عملوا شهادتين ميلاد واحدة إتقال فيها إني أنا الأم والتانية إتقال فيها الحقيقة إن تاليا هي الأم
وفضلت ماشية ببتاعتي بس التانية شلتها
وعيشنا علي كدة وكنت بقول لكل الناس إن أبو مراد مسافر وساعدني علي كدة شبه مراد بيا أكتر من تاليا نفسها......بس كدة دي كل حاجة ......كل حاجة متعرفهاش عرفتها.......عَليٰ رجيف قلبها وهي تسمعه يخبرها بأن هذا ليس كل شئ ولكن للأن هذا كل شئ .......هذا ما طمئنت به نفسها
******************************
في قصر عاصم الراوي
خلدا أيهم وجوري للنوم وجلس هو يشاهد التلفاز بعدما إطمأن عليهما
خرجت هي من المرحاض تسبقها رائحتها التي سلبت أنفاسه منذ الوهلة الأولي التي شاهدها فيها.......رائحة التوت البري
أغمض عيناه مستنشقاً رائحتها بِتَلذذ حتي فتح عيناه عليها وهي واقفة تمشط شعرها أمام المراءة ترتدي منامة باللون الأحمر القاني الذي يتنافي وبشدة مع لون بشرتها بكتف واحد تصل لأعلي فخذيها بقليل .....تنساب علي إنحناءات جسدها لتتفنن في إظهارها ببراعة
زفر بعمق وهو يحاول إلهاء نفسه وتلك الأفكار السوداء التي تجول بخاطره الأن
أسدلت شعرها علي جانب واحد وتوجهت ناحية الفراش لتجلس بجواره........ أزاحت ذراعه لتتوسد رأسها صدره
زفر بعمق وهو يحاول ألا يتنفس رائحتها وتلك الحمقاء تزيد النيران التي تستعر بقلبه أكثر وأكثر وهي تتمسح به كالقطة كي تخلد للنوم
إعتدل جالساً بضيق فسألت هي ببراءة
نورسين: مالك يا حبيبي إنتَ كويس
تمتم هو حارداً
عاصم: هبقي زفت إزاي وحضرتك جمبي كدا
برقت عيناها بدهشة وهي تسأله
نورسين: أنا مش فاهمة حاجة
ألقي وسادته بعنف وهي يتمتم بتذمر
عاصم: أعملي فيها بريئة ياختي.......إعملي فيها بريئة
كادت أن تبكي وهي لا تفهم شئ حتي سمعته يتمتم في حرد
عاصم: بصي أنا بصبر نفسي بالعافية عنك علشان كلام الزفت الدكتور
تعالي وجيفها سعادة ......وكيف لا وتلك الكلمات التي تخرج من فم زوجها الأن تُطربها حتي تكاد أن تجعل قلبها يرقص فرحاً....... ترضي غرور الأنثي بداخلها.....تطمئنها أن ذلك المحب لا يزال يراها محبوبته كما في السابق
شاهدها تحاول أن تَكتُم إبتسامتها التي سرعان ما إتسعت وتحولت لضحكة صاخبة فعلت بقلبه الأفاعيل فأردف مُحذراً
عاصم: نوري يا بنت الناس أبوس رجلك
حاولت كتم ضَحكاتها وهي تتصنع الجدية وتبتعد عنه في أدب
نورسين : خلاص أهو هقعد ساكتة
برقت عيناه حرداً وهو يضمها بين ذراعيه ويغلق التلفاز
عاصم: لا دا مش معناه إنك متناميش في حضني
إبتسمت بينما أطفأ هو الأنوار وتوسدت هي صدره كالعادة...... كيف لا وهي طفلته وصَغيرته المُدللة
داعياً المولي أن يُلهمه الصبر ويَمُر الإسبوع المتبقي علي خير
******************************
في مساء أحد الأيام
إستيقظت مليكة تشعر بعطش شديد
إمتدت يدها للكوب المجاور لها فوجدته فارغاً تأففت بإنزعاج فهي ستضطر لترك الفراش الدافئ وهبطت للأسفل
فتحت البراد تبحث بعيناها عن زجاجة المياه حتي وقعت عيناها علي شئ أخر......شيئاً أكثر جمالاً من الماء في نظرها
خفق قلبها بسعادة وهي تحمل علبة النوتيلا في يدها كأنها تحمل كنزاً ثميناً
طالعتها بسعادة وهي تتمتم بإشفاق
مليكة : إزاي يا حبيبتي سايبينك كدة لوحدك في التلاجة.......إزاي يجيلهم قلب يعملوا كدة.....أكيد سليم المتوحش هو اللي عمل كدة
إحتضنتها بسعادة وهي تتمتم بمكر
مليكة: أنا عندي ليكي مكان أحسن بمراحل
إلتقطت ملعقة وحملت العلبة وجلست بهما متربعة أعلي المنضدة بسعادة أزاحت شعرها للخلف وطربت أذناها بذلك الصوت المحبب الذي أحدثه فتح العلبة وبدأت بالأكل في نهم شديد
***********************
في الأعلي
تقلب سليم في فراشه أثناء نومه فلم يجدها بجواره ......نهض جالساً علي الفراش بقلق
أين هي .....أين ذهبت مليكة
أنزل قدماه للأسفل باحثاً عن خُفيه ثم نهض متوجهاً لغرفة مراد
فتح الباب الداخلي في هدوء فلم يجدها
دثر مراد جيداً بالغطاء والقلق يأكله أكثر
أين هي إذ لم تكن بغرفة مراد .......هبط للأسفل يبحث عنها بقلق ماراً بالحديقة ولكن حتي الحديقة فارغة عاد للداخل مرة أخري والقلق قد بلغ منه مبلغه حتي سمع همهمات تأتي من المطبخ
أ يعقل أن تكون هي..... لا فهي ممن يحبون المحافظة علي صحتهن وتعرف جيداً خطورة تناول الطعام ليلاً في ذلك الوقت ......دلف وهو متوجس خيفة حتي شاهد كتلة لا يستطيع تحديد معالمها يغطيها الشعر وفيما يبدو أنها تعطيه ظهرها
أغلق عيناه وفتحهما بريبة وهو يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ويهمس في خفوت بصوت مسموع نسبياً
سلام قولاً من رب رحيم..... سلام قولاً من رب رحيم
لم تسمعه تلك المسكينة المنهمكة في علبة الشيكولاته بشدة
حتي دلف هو بخطوات بطيئة متمهلة......ولا ضرار من بعض التوجس والتحفز حتي إصطدم بأحد المقاعد الموجودة حول الطاولة فإلتفت مليكة فزعة
فسارع هو الي زر الاضاءة
شهقت مليكة بهلع حينما رأته
مليكة : سليم خضتني......كنت بتعمل إيه هنا يا حبيبي
تنفس الصعداء وهو يطالعها باسماً علي مظهرها الطفولي للغاية تجلس فوق الطاولة وخصلاتها النارية تتناثر حولها في عشوائية محببة تشعل بداخله الرغبة في أن يدفن رأسه بخصلاتها ويشبع رئتاه من رائحة المسك التي تنبعث منه حتي يثمل جاب ببصره علي ملامحها فشاهد وجنتيها المحمرتان من البرد وطرف أنفها وتلك الشيكولاه التي لطخت بها كرزتيها في طفولية أشعلت بداخله رغبة إلتقاط شفتيها في قبلة تفقد علي إثرها الوعي
سحب أحد المقاعد وجلس عليها أمامها يسألها في مشاكسة
سليم: ممكن أفهم حضرتك بتعملي إية هنا دلوقتي
مطت شفتاها بحنق علي بلاهته وتمتمت بتلقائية
مليكة: زي ما إنت شايف......شوفتها في التلاجة وحيدة فناديتني ومقدرتش أسيبها لوحدها بصراحة
تابعت تسأله بحماس وهي تمد ناحيته الملعقة
مليكة : تاكل شيكولاته
ضحك سليم بخفة وهو يرفعها من علي المنضدة فشهقت هي بهلع
سليم: أه بس أنا هاكل شيكولاتي أنا
هتفت به متوسلة
مليكة: سليم بتعمل إيه نزلني حد يشوفنا
أجابها باسماً بهدوء بعدما إلتقط شفتاها في تلذذ
سليم: ما يشوفونا
دفنت وجهها بصدره خجلاً بعدما إستسلمت لحبه وغزله
لم يكد يصعد بها بضع درجات حثيثة حتي شاهد مراد يهبط للأسفل يفرك في عينيه باحثاً عنهما في فزع إرتسمت معالمه جلية تماماً علي قسمات وجهه الصغير
أنزل مليكة من بين ذراعيه بحذر وتقدما سوياً ناحية مراد الذي دفن نفسه بين ذراعي والده يبكي بخوف
إحتضنه سليم بعدما حمله بقلق وهو ينقل نظره بين ذلك الباكي بذراعيه وبين مليكة القلقة بدهشة حتي سمعها تسأله في قلق وهي تربت علي ظهره بحنو بالغ
مليكة: إيه يا روح ماما بتعيط ليه
إلتفت مراد برأسه وهو يفرك بعينيه
مراد: كان في عفليت تحت السليل يا مامي أنا خايف
ثم إلتفت لوالده
مراد: بابي أنا هنام النهالدة جمبك أنا خايف أوي
إحتضنه سليم وهو يتمتم بحرد لتلك الأمسية التي تدمرت قبل حتي أن تبدأ
سليم: طبعاً يا حبيب بابي
ضحكت مليكة بإستمتاع علي مظهره الحانق
حتي تمتم سليم حانقاً من بين ضروسه
سليم: إضحكي ياختي إضحكي
************************
في صباح أحد الأيام
إستيقظت مليكة متأخرة بعض الشئ فلم تجد لا سليم ولا حتي مراد
بدلت ثيابها وهمت بالخروج من الغرفة حتي شاهدت ورقة معلقة علي مرآة غرفتها
إلتقطتها في دهشة وهي تقرأ ما بداخلها
عاوزك تكوني جاهزة علي الساعة 6 ومتخافيش علي مراد هو راح لجده وولاد خاله
سليم
إبتسمت في قلق تري ماذا يريد.....لما يريد منها أن تتجهز ....
هبطت للأسفل للتتناول طعام إفطارها وكل ما يشغل بالها هو موعد السادسة
إنتهت منه بسرعة وعادت لغرفتها مرة أخري كي تتحضر جيداً لذلك الموعد
وبعد بعض ساعات من جلسات العناية بالبشرة والشعر سمعت طرقاً علي باب غرفتها قبل أن تأذن بالدخول
دلفت أميرة باسمة وهي تحمل في يدها أكياساً وصناديق
جابت مليكة ببصرها علي ما تحمله أميرة وهي تسأل في دهشة
مليكة: إيه دا يا أميرة
أجابت أميرة باسمة
أميرة: دا سليم بيه هو اللي جاب لحضرتك الحاجات دي وقالي أوصلها فوق وبيقول لحضرتك هتلاقي فيهم ورقة أقريها
إلتقطتهم مليكة من يداها باسمة وتوجهت هي لفراشها بعدما خرجت أميرة
أفرغت محتويات الحقيبة الأولي والتي كانت تحوي فستاناً باللون الأبيض قصير يصل الي ركبتيها نصفه العلوي من الدانتيل يبطنه من الأسفل قماشاً يكشف عن عظمة ترقوتها وذراعيها بينما جزئه السفلي إتخذ قماشاً من الشيفون الأبيض بقصة الأميرات تصل الي ركبتيها
شهقت بسعادة وهي تشاهد الفستان مقطوعة الأنفاس....... هذا هو فستان أحلامها..... الفستان الذي لا طالما حلمت به لعرسها .....ولكن كيف علم عنه سليم
أفرغت محتويات الحقيبة الثانية والتي كانت تحوي بداخلها حذاء من الكعب إتخذ اللون الأبيض زُين بوردات من الدانيل تشابه كثيراً قماش الفستان وبعض اللؤلؤ الذي أعطاه مظهراً رائعاً
وبالصندوق الأخر وجدت طقماً من الذهب الأبيض والألماس و ورقة كُتب بها
إلبسيهم وكوني جاهزة علي 6 هستناكي تحت
سليم
وضعتهم جانباً وهي تحاول السيطرة علي إبتسامتها التي سرعان ما إتسعت علي ثغرها
تحاول أن تهدأ من روع ذلك القلب الذي جُنت خفقاته حتي خيل إليها أنه يرقص فرحاً
إتجهت ببصرها ناحية الساعة المعلقة علي حائط غرفتها والتي أخبرتها بتمام الرابعة..... إنتفضت كمن لدغها عقرب وأخذت تركض في الغرفة وهي تحاول لملمة أشيائها كي تبدأ بإرتداء ثيابها وتصفيف شعرها وما الي ذلك
وبالفعل بعد مرور عدة ساعات وقفت تطالع نفسها في المرآة وهي تفرك بيديها توتراً
نعم هي عارضة..... نعم تعرف تأثيرها جيداً ولكن معه.... معه هو فقط تعود فتاة مراهقة..... تعود تلك الطفلة التي تنتظر كلمات الغزل من محبوبها حتي تَمُدها بالسعادة .......تجعلها تحلق حتي الغيوم
سمعت صوت طرقات علي باب غرفتها تبعها دخول دادة ناهد
هتفت مليكة تسأل بقلق
مليكة: دادة كويس إنك جيتي
تقدمت منها وهي تسير علي إستحياء
مليكة: إيه رأيك
جالت دادة ناهد ببصرها علي تلك الفاتنة التي تقف أمامها وهي تعوذها من أعين الشر
ناهد: ماشاء الله اللهم بارك يا حبيبتي زي القمر
سألت مليكة بسعادة
مليكة: بجد والله يا دادة
تمتمت ناهد بسعادة
ناهد: أه والله يا عيون دادة ربنا يحميكوا يا بنتي ويحفظكوا
همت بالخروج ولكنها عادت مرة أخري تتمتم ضاحكة
ناهد: شوفتي نسيتيني .....جيت أقولك يلا علشان سليم واقف تحت
إبتسمت مليكة وهي ترش نفسها بعطرها المفضل وهبطت هي وناهد سوياً للأسفل
كان هو يتحدث بهاتفه حينما تسللت رائحة عطرها الذي يعشقها لحواسه بينما سايرت خفقاته صوت حذائها...... إلتف بجسده في آلية وهو يشاهدها تطل بذلك الفستان الذي أثر حواسه منذ الوهلة الأولي .......حينما رآه في أحد المحلات التجارية عرف لحظتها أنه صُنع من أجلها .......هي فقط
هبطت للأسفل تسير الهويني برشاقه إرتفع وجيفه علي قرع خطواتها في الأرض
لاحظت نظراته المعجبة ......وتلك النظرة التي خفق لها قلبها راقصاً بفرح طرباً .....تلك النظرة التي يخصها بها .....هي فقط وكأنها الأنثي الوحيدة في الكون...... وكأن الأرض بكل نسائها ما عليها إلا هي
تقدم منها يسير في إنبهار وصل لعندها فإلتقط يدها في عشق جارف
سليم: إيه الحلاوة دي كلها
إتسعت كرزتاها باسمة برقة بينما همست بدلال
مليكة: عجبتك
أردف هو بصدق إقشعر له بدنها
سليم: إنتِ خطفتيني من أول نظرة
إبتسمت وهي تحتضنه بحب وبعد عدة ثواني إبتعدت ويداها تطوق خصره تسأل في دهشة
مليكة: إحنا هنروح فين بقي وأنا لابسة كدة
إبتسم وهو يطالعها بحب بينما يخبر ناهد بأنهما سيخرجان
إلتقط يدها وسارا للخارج .....في الطريق المؤدي لأول شئ أسرها في هذا القصر ......تلك البرجولة الخشبية التي تمنت كثيراً وكثيراً أن يجلسا سوياً بداخلها يوماً ما
سليم: مفاجأة
إبتسمت مليكة بسعادة حتي وقعت عيناها علي تلك الأضواء الذي زينت المكان بشكل ساحر لا يصدق
تمتمت بإنبهار
مليكة: الله ....كل دا علشاني
أوما سليم برأسه وهو يطبع قبلة حانية علي شفتيها أذابتها
سليم: دي أقل حاجة ممكن أعملها
دلفا للداخل وجلسا بعدما أمسك لها سليم بالمقعد
أخذا يتناولان الطعام في هدوء بينما سليم يغدقها بكلمات الغزل التي شاهدت تماماً مدي صدقها في عيناه
وبعد تناول ذلك العشاء الفاخر علي ضوء الشموع
جلسا سوياً علي إحدي الأرجوحات المعلقة في الحديقة بجوار تلك البرجوله
تمتم هو بصدق
سليم: عارفة يا مليكة
تمتمت باسمة وهي تجلس بين ذراعيه
مليكة: إيه يا عيون مليكة
سليم: أنا نفسي نجيب أطفال كتير أوي....يبقوا عزوة كدة لبعض عايز بتاع دسته كدة
شهقت بخجل وهي تدفن رأسها بصدره
مليكة : يا سلام ما أنت مش تعبان في حاجة
مط شفتيه دليلاً علي تفكيره وأردف مشاكساً
سليم: خلاص خليهم نص دستة 6 يعني ويلا نبدأ من دلوقتي شهقت بهلع وهي تشعر به يحملها وينهض متوجها ًللأعلي
مليكة: سليم عيب الخدم....
طبع قبلة حانية علي شفتيها حطمت مقاومتها الواهية
سليم: وإيه يعني خليهم يعرفوا علشان يدعولنا
شهقت بخجل وهي تحاول أن تمنع عقلها من التفكير فيما قد يظنه الخدم بهما
أما هو فجلجلت صوت ضحكاته الرجولية في أرجاء المكان بقوة علي خجلها
****************************
بعد مرور عشرون يوماً
في المستشفي
سأل أمجد بمشاعر مختلطة
لم يعرف إن كانت فرحة أم خوف أم هي دهشة
أمجد: إنت متأكد يا دكتور
أردف الطبيب بحبور
الطبيب: أيوة يا أمجد بيه زي ما قولت لحضرتك النتيجة إيجابية متطابقة مع حضرتك تماماً.....يعني حضرتك الوالد
أومأ أمجد برأسه يشكره في هدوء
ثم أخذ التحاليل وتوجه لمنزل سليم
****************************
في قصر سليم الراوي
وقفت مليكة تطالعه بقلة حيلة ثم أردفت بتذمر بعدما قوست شفتاها لأسفل نافخة أوداجها بغضب طفولي
مليكة: حد قالك تبقي طويل كدة أديني مش عارفة أعملك الكرافت
وبعد العديد والعديد من المحاولات في الوقوف علي أطراف أصابعها وهو يبتسم بهيام علي طفوليتها........شعرت بيده تطوق خصرها حامله إياها علي مقربة من عنقه يمكننا القول إحتضانها علي مقربة من عنقة
إبتسمت بحماس وهي تعقد رابطة عنقه في دقة شديدة......إعتلي ثغرها بسمة رضي ثم مسحت علي العقدة وهي تطالعه بسعادة
مليكة: تم يا سليم بيه
إبتسم هو بعدما أضائت عيناه ببريق ماكر وأردف يسأل بمشاكسة
سليم : طيب والأجر بتاع الشيلة دي فين
حدقت به بعدم فهم وهي تسأل ببلاهة
مليكة: يعني إي........
لم تكد حتي أن تكمل كلماتها حتي باغتها بقبلة
نقلت إليها مشاعره المتأججة .......حبه.... هيامه
عشقه لها وحتي شغفه بها.........بدأت هادئة كقصتهما ثم تحولت عميقه عاصفة تماماً كحكايتهما سوياً......كحبهما الذي أحيا قلوب موات مَلت طول الإنتظار
شاهد عيناها المغمضتين برقة وحمرة الخجل التي سرعان ما نشرت بظلالها علي وجنتيها فزاذتها جمالاً وبراءة حتي علي برائتها
سمعا طرقاً علي الباب
فإنتفض جسدها مبتعدة عنه في خجل بينما ظل هو متمكساً بها في قوة وتملك فهمست به في خجل
مليكة: سليم ......الباب
أحاط خصرها بقوة أكبر مقربًا إياها له أكثر
متمتماً بهدوء
سليم: وإيه يعني
برقت عيناها بخجل وهي تتوسله مرتبكة
مليكة: سليم عيب
ضحك من قلبه علي خجلها ثم أطلق لها العنان
فركضت هي لتفتح الباب
إبتسمت ناهد إثر رؤيتها وتمتمت بحبور
ناهد: أمجد بيه تحت يا حبيبتي
هتفت بسعادة
مليكة: بابا
ركضت للأسفل كي ترحب به
إحتضنها بسعادة هاتفاً بصدق
أمجد: حمد لله علي سلامتك يا حبيبة بابا
إبتسمت في حبور
مليكة: الله يسلمك يا حبيبي
سأل أمجد متوجساً
أمجد: سليم هنا
أردفت هي بهدوء باسمة بينما أنارت عيناها ببريق
لم تستطع تحديد سببه....فرح....فخر....سعادة وحب
أم جميعها لا تعرف حقاً ولكنها شعرت بأنها ممتلئة بالحب والسعادة..... شعور لم تعرفه قبلاً
هبط سليم باسماً يُرحب بوالدها في أدب
وبعد الترحيب وأدب الضيافة هتف أمجد مُتمتماً بإضطراب...... خرج صوته مرهقاً..... مثقل بالكثير من الألم..... كيف وهو أب قد وجد طفلته الضائعة ولا يستطع إنتزاعها من براثن القدر وضمها بين ذراعيه
أمجد: سليم يا بني..... أنا عاوزك ضروري
إعتدل سليم بعدما تغيرت ملامحه للجدية مضيقاً عيناه.... يسأل في توجس
سليم: إتفضل يا عمي
حمحمت مليكة بخجل وهمت بالإنصراف فأمسك أمجد رسغها بلطف
أمجد: لا إنتِ لازم تسمعي اللي هقوله دا
إزداد سليم قلقاً علي قلقه وجلست مليكة متوجسة خيفة وهي تطالع والدها بقلق
أمجد: أنا بعد ما سبت أيسل الله يرحمها روحت البلد وفضلت قاعد هنا كام سنة رفضت فيهم الجواز وكنت مقرر إني مش هلمس واحدة تانية بعد أيسل
إغروقت عينا مليكة بالعبرات فإحتضن سليم يداها مربتاً عليه في حنو بالغ..... رفرفت بأهدابها تحاول جاهدة منع هبوط عبراتها
أكمل أمجد بثبات
أمجد: بعد فترة قررت إني أتجوز علشان ست تربي عاصم وتبقي جمبه وفعلاً إتجوزت نورهان
وهنا لم تستطع الصمود أكثر ففرت دمعة لعينة من عيناها تعلن الألم القاتل الذي نشب أظفاره في قلبها بعدما زف إليها والدها ذلك النبأ الذي قضي نحبها فشعرت بيد سليم الحانية تحتضن يداها أكثر وكأنه بفعلته تلك يربت علي قلبها
أمجد: وفعلاً إتجوزنا وكان جوازنا علي ورق بس وهي معترضتش بالعكس كانت مبسوطة بكدة لحد ما في يوم حصل غير كدة وعرفنا بعدها إنها حامل في بنوتة
علي الرغم من آلمي بخيانة أيسل علي أد ما كنت فرحان إني هجيب بنوتة أحس فيها بيكي يا بنتي...أعوض إحساسي كأب إتحرم من بنته
وفعلاً الحمل كان سليم والدكتورة وقتها مقالتناش أي حاجة عن إن البنوتة فيها حاجة بالعكس كانت دايماً بتطمنا لحد الولادة وكانت عادية جداً لحد ما عرفنا بعد الولادة بربع ساعة إنها متأخرة
عقلياً ..... إتولدت كدة
إبتسم بقهر متمتماً بألم
كانت عسولة....... سمينيها مريم وكنا فرحانين بيها جداً علي الرغم من إننا كنا عارفين إنها مش هتعيش كتير بس مكناش مهتمين كنا بنحاول نعيش الوقت الحاضر وبس.....بس للأسف ماتت بعد فترة قصيرة
وكل حاجة كانت خلصت لحد ما نورسين سافرت أمريكا تعمل العملية ......نورهان راحت معاهم وهي نازلة من السلم رجليها إتلوت فراحو علشان يربوطها في مستشفي هناك .....وهناك قابلتهم ممرضة مصرية كانت شغالة في المستشفي بتاعة الصعيد وأول ما شافت نورهان عرفتها.........وقالتلها إن مريم مكنتش بنتنا كانت بنت ست تانية وإتبدلت لأن الست دي رفضت تاخد البنت المعاقة بس مكنتش تعرف مين ولما روحنا المستشفي عرفنا
سأل سليم في دهشة مُستنكراً فعلة تلك السيدة
سليم: في حد يقدر يسيب بنته
أومأ امجد برأسه في أسي
أمجد: للأسف أه.....
سألت مليكة في لهفة
مليكة: وعرفتوا مين اللي عمل كدة
أردف أمجد متوجساً
أمجد: مدخلش المستشفي يومها غير نورهان و......ومرات شاهين الراوي
برقت عينا سليم بينما أردفت مليكة بهلع
مليكة: عمتو.....عمتو عبير
أومأ هو برأسه في أسي فَهَب سليم ناهضاً يُتمتم في صدمة
سليم: إيه يا عمي الكلام الفارغ دا ما أكيد البنت الممرضة دي حد زاققها علشان يوقعوا بينا تاني
أردف أمجد بصدق
أمجد: كان نفسي يا بني والله ....أنا أول ما عرفت روحت لعمك مهران وياسر وطلبت منهم يجيبولي خصلة شعر لفاطمة وأخدتها فعلاً وعملت التحاليل والنتيجة طلعت النهاردة
سألت مليكة بقلق
مليكة: إيه يا بابا
أردف أمجد بثبات
أمجد: إيجابية ......فاطمة تبقي بنتي......بنتي أنا
جحظت عينا سليم وهو يطالع أمجد الجالس أمامه في حيرة....ضيق .....قلق وتوجس ولكنه حسم أمره.....فهو الرجل الذي نشأ علي الحق و رد الحقوق لأصحابها مهما كانت العواقب
أتمني الفصل يعجبكوا فرولاتي 💜🌸
بين_طيات_الماضي
رواية بين طيات الماضي الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم منة الله مجدي
في قصر الغرباوي
وصلا سليم وأمجد بعد بضع ساعات بالطائرة.
بعدما أقنع مليكة أخيراً أن تأتي هي في صحبة عاصم وزوجته وطفليه.
هو لم يخبرها السبب ولكنه يخاف.
يخاف عليها كثيراً من عمته.
هو لم يغفل عن محاولاتها في أذيتها التي لا يعرف سببها، لهذا قرر أن يتركها بضع أيام.
دلفا سوياً لغرفة خيرية، وسليم يرجو الله أن تتحمل جدته ذلك الخبر.
هو يعلم مدى قوتها وصمودها، ولكن خبر مثل ذلك يمكنه أن يؤدي بحياتها في غمضة عين.
تهللت أسارير خيرية بسعادة.
خيرية: أهلاً بالغالي. كيفك يا أمجد؟
جاهد أمجد لرسم ابتسامة على شفتيه وأردف متمتماً في ألم.
أمجد: أنا منيح يا ست الكل. انتِ كيف صحتك؟
أومأت برأسها باسمة.
خيرية: زينة الحمد لله يا ولدي.
طالعت حفيدها الذي يرمقها بنظرات لم تفهمها مشاكسة.
خيرية: إيه يا سليم، عاد شكلك جاي غضبان؟
جاهد سليم ليرسم ابتسامة هادئة ما إن تذكر مليكة.
سليم: مليكة دي نسمة والله يا خوخة. لا يا ستي متقلقيش مش جاي غضبان ولا حاجة.
جلسا سوياً وساد صمت خانق في الغرفة، بينما خيرية تطالعهما في توجس تنتظر أن يبدأ أحدهما الحديث.
فبالتأكيد قدومهما سوياً ينبئ عن أمر ما.
وهي ليست بالحمقاء، فمنذ دخولها تشعر بتوتر مشحون يسود الجو.
حتى قاطعه سليم بصوته القوي.
سليم: تيتا أنا عاوز أقولك حاجة.
لم تعلم لما نشب القلق أظفاره في قلبها بتلك القوة، ولكنها أردفت باسمة.
خيرية: مبتجوليش يا تيتا إلا لو فيه مصيبة. قول يا ولدي.
قص عليها سليم ما أخبره به أمجد بالحرف دون زيادة أو نقصان.
برقت عينا خيرية بصدمة.
وكيف لا وهي تسمع أن طفلتها، ابنتها الوحيدة، قد تعدت ما يفعله المجرمون.
قد تركت ابنتها دون أي ذرة رحمة.
تركتها لمجرد أنها لم تعجبها.
ضحكت بسخرية امتزجت بالقهر.
نعم، هي أم تركت طفلتها لأنها لم تعجبها.
وكأنها دمية.
قطعة ملابس تستطيع تبديلها إن أرادت.
تستطيع التخلي عنها متى شائت.
العار وكل العار على تلك الأم.
كيف تمكنت بعدمها حملتها في بطنها تسعة أشهر.
زُرعت فيها جوار قلبها.
استمعت لدقات قلبها.
لعبت معها.
تحملت بسببها الكثير والكثير.
كيف لها بعد كل ذلك أن تتركها هكذا.
دلف ياسر ومهران في تلك اللحظة بعدما علما وجود أمجد وسليم.
طالعته خيرية بنظرات تقطر ألماً، خذلاناً وانكساراً.
فسأل هو مطأطأً رأسه.
مهران: عرفتي؟!
أردفت هي بعدما ضحكت بسخرية.
خيرية: عرفت. أه عرفت.
أزاحت أغطية فراشها ونهضت غاضبة.
فأمسكها سليم بيده يتوسلها في هدوء.
سليم: لا يا تيتا علشان فاطمة. على الأقل مش دلوقتي. مذنبهاش حاجة.
تمتم ياسر بخفوت.
ياسر: بكرة فاطمة عندها جامعة بدري. نوبتي نتحدت وهي في جامعتها ونشوف هنعمل إيه.
خرج الجميع، بينما بقي سليم وياسر مع جدتهما.
ربت سليم على يدها في حنو بالغ.
سليم: أنا خابر إن الموضوع واعر عليكي. ومش عليكي انتِ بس، ديه علينا كلاتنا. بس إحنا لازم نوبتي جامدين علشان فاطمة. ملهاش أي ذنب.
أومأت برأسها في وجوم ثم تمتمت في هدوء.
خيرية: هملوني لحالي يا ولاد.
هم ياسر بالحديث مهدئاً إياها، فربت سليم على كتفه وأخذه وخرجا سوياً.
تمتم ياسر بقلق.
ياسر: أنا جلقان على ستك جوي يا سليم. هي أه قوية وياما شالت، بس المرة ديه واعر جوي جوي.
أومأ سليم برأسه بعدما تنهد بعمق متمتماً بأسى.
سليم: أنا عارف. بس المرة دي لازم ستك هي اللي تجرر. المرة دي المصيبة شينة جوي.
تمتم ياسر في وجوم.
ياسر: ربك يسترها.
صعد ياسر لغرفته، بينما توجه سليم للخارج محدثاً مليكة كي يطمئن عليها هي ومراد.
اطمأن عليهما وطمأنها، وحدث مراد وظل يتحدث لبضع دقائق مع مليكة، بعدها أغلق هاتفه متنهداً بعمق.
نعم، لم تمر إلا بضع ساعات وها هو يفتقدها.
نعم، اشتاق لكرزتيها وجنتيها، تلك البحة المميزة بصوتها، فيروزتيها، رائحتها.
اشتاق لرؤيتها.
لم يكذب القلب حينما قال أنه يمكننا امتلاك كافة وسائل الاتصال في العالم، إلا أن لا شيء يا صغيري، لا شيء أبداً يعادل نظرة الإنسان.
*************************
في صباح اليوم التالي.
قصر الغرباوي.
خرجت خيرية لصحن القصر، خلفها مهران بجوارها سليم وياسر.
أجلساها الشابان على المقعد الكبير.
بينما ذهب مهران لاستدعاء شقيقته وزوجها، وحضرا وداد وقمر.
جاءت عبير تسأل مضطربة، تحاول جاهدة أن تبدو طبيعية.
عبير: في إيه يا أماي عاد. خير مجمعنا كلياتنا إكده ليه؟
رمقتها خيرية بشزر امتزج بالقهر ولم تعقب.
حضر أمجد بعد قليل.
أردفت خيرية بوجوم.
خيرية: إكده الكل هنيه. اسمعوني زين. أمجد ولدي ليه أمانة عندنا ولازم نردها.
تمتم شاهين بنزق.
شاهين: أمانة إيه اللي ليه عندنا يا حاجة؟
تمتمت خيرية بثبات.
خيرية: بتُه.
تنفست عبير الصعداء، فهي قد ظنت أن المقصودة هي مليكة.
شاهين: وابننا اللي عندهم. أكيد مش هنسيب لهم مراد يربوه.
هم ياسر بالاعتراض، فأشار له سليم.
سليم: لا يا عمي الحجيجة ستي مش قصدها مليكة.
هنا وقع قلب عبير في أخمص قدميها.
اربد وجهها وتعالى رجيفها هلعاً.
تري إن انكشف سرها.
نهضت خيرية بثبات تتلائم خطواتها مع طرقات عصاها على الأرض في وقار وشموخ، على الرغم مما تشعر به من ألم تلك الأم، ولكن الحق حق، هذا ما نشأت عليه.
توجهت ناحية ابنتها ووقفت أمامها تطالعها بقهر.
متمتمة بحرد.
خيرية: تفتكري يا عبير لو كنت سبتك في الشارع بعد ما ولدتك علشان انتِ ما عجبتينيش كان إيه حصله؟
ازدردت عبير ريقها، بينما شحب وجهها وانهمرت قطرات العرق على جبينها هلعاً.
وجالت ببصرها في وجه أمها تحاول جاهدة أن تستشفي ماذا تعني.
ضربت خيرية على بطنها في قهر وحسرة.
وااااه يا جلبي على البطن اللي شالتك وجابتك. وااااه.
ثم أردفت بثبات بعدما أظلمت عيناها بقهر وارتسم الألم جلي تماماً على محياها.
فاطمة بتك أمجد الراوي.
صرخ شاهين بحرد وهو يطالع خيرية بذهول.
شاهين: إيه الحديث الماسخ اللي بتجولوه ديه؟
تمتم مهران بألم بعدما أخفض رأسه أرضاً.
مهران: الحاجة كلامها صح يا شاهين. فاطمة. فاطمة مش بتك.
صرخ بعدم اقتناع.
شاهين: وأنا عويل عاد علشان أصدج الحديث الماسخ اللي بتجولوه ديه. فاطمة بتي. بتي أنا من صلبي أنا ومش بت حد تاني واصل.
جال ببصره ناحية الجميع، فوجدهم يطأطئون رؤوسهم بأسى.
أخبره قلبه بالبحث عن إجابته في وجه زوجته.
محبوبته عبير التي سرعان ما زاغت ببصرها بعيداً عنه.
تهالك شاهين على المقعد بألم.
فعلى الرغم من كل طباعه السيئة، إلا أن فاطمة طفلته المدللة.
يعشقها أكثر من روحه حتى.
كيف له أن يصدق أنها ليست طفلته.
كيف له أن ينسى تلك الأيام التي سهر بجوارها من أجل الحمى.
تلك الأيام التي أطعمها بيده.
كيف له أن ينسى تعليمها ركوب الخيل.
كيف له أن يصدق تلك التراهات.
بأن تلك الفتاة التي ترعرعت على يديه وبين أحضانه ليست طفلته.
نهض من مقعده مترنحاً يصرخ غاضباً كالخيل الجريح يسير بكبرياء.
شاهين: وأنا إيه اللي يخليني أصدج اللي بتجولوه ديه. ما يمكن أي كلام.
أردف سليم متألماً لحالته.
سليم: عملنا تحليل DNA يا عمي.
صرخ شاهين بألم.
شاهين: لع فاطمة بتي أنا وهتفضل طول عمرها بتي. محدش هياخدها مني أبداً. لتكونوا فاكرين عاد إني هسيبهالكوا.
خبط بيده أعلى الطاولة التي يجلس أمامها هاتفاً بحرد.
بتبجح بتحلموا. أني يستحيل أهمل بنيتي لأي حد تاني.
نهض أمجد بهدوء.
هو يعلم شعوره.
يعلم كيف يشعر أب تُنتزع منه طفلته.
أمجد: أنا خابر زين إنك لو بتكره حاجة في الدنيا كلها هتكون أنا. وأنا مجدرش أنكر إن فاطمة بتكون بتك قبل ما تكون بتي يا شاهين. ومش هاجي أنا آخدها منك. أنا خابر زين إنت حاسس بإيه دلوقتي. ولو جولتلك إني أكتر واحد ممكن أحس بيك مش هكون بكذب عليك.
بس برضوا أنا رايدك تحس بيا. أنا أب اتخدت ابنه وفهموه إنها ماتت من زمان وييجي دلوقتي يعرف إنها عايشة وإنه اتحرم منها كل الزمن ده.
صرخ به شاهين الذي أوشك على البكاء حقيقة.
شاهين: دي بتي يا عالم. كيف عاوزيني أسيبها؟
دي بتي أنا. أني اللي ربيت وكبرت وسهرت. أني اللي حبيت. أني اللي جالتلي بابا أول مرة. أنا اللي كنت جنبها لما وجعت أول مرة من على الفرس. أنا اللي وصلتها أول يوم على المدرسة. كيف رايديني أنسي كل ده وأمسحه بإستيكة. لع ابجوا موتوني الأول وبعدها خدوا مني بتي.
كل ذلك وعبير جاثية على ركبتيها تبكي بصمت.
تركه شاهين واتجه لعبير كأنه لاحظها الآن فقط.
كأنه نسي وجودها.
رفعها من الأرض ممسكاً بعضدها هاتفاً بها بحرد.
شاهين: أنا عملت فيكي إيه علشان تعملي فيا كده. عملت فيكي إيه علشان تدي بتي لحد تاني يربيها. انطقي عملت فيكي إيه. كيف فكرتي بكل جبروت واجتدار إنك تعملي كده.
أنا طول عمري بحبك وبعملك كل اللي انتِ عاوزاه. يشهد ربنا إني عمري ما بيتك مجهورة ولا حزينة.
عملتلك إيه ردي عليا.
لم يشعر بيده إلا وهي تمتد لتصفع وجنتها لأول مرة في حياته.
لأول مرة منذ زواجهما.
صرخت به عبير بعدما أظلمت عيناها غضباً وتابعت بهستيرية.
عبير: أيوه أنا أخدت بتك. بدلتها علشان البت اللي جبتها كانت متخلفة. أيوه. أقولك على حاجة كمان. أنا اللي بعت لبته التانية مليكة واحد يقتلها في مصر.
تقهقر شاهين للوراء يطالعها بذهول، بينما برقت عينا أمجد بهلع مما تتفوه به تلك المرأة.
بينما ارتسمت ملامح القهر والغضب والألم على الباقين.
فتابعت ضاحكة بانتصار.
عبير: وأنا اللي جبتلها حد يقتلها هنا كمان بس نفدت.
تابعت بقهر بعدما أظلمت عيناها غلاً وهي تتطلع ناحية أمجد.
عبير: أنا عملت كل حاجة علشان أحرج جلبك على بتك يا أمجد يا راوي زي ما حرقت قلبي.
ولو في إيدي أي حاجة أعملها هعملها. بس أنا معرفتش إن فاطمة كانت بتك انت غير لما جيت البلد.
ضحكت بوجوم.
عبير: مكنتش المقصود يا أمجد يا را.
لم تكد تنهي كلماتها حتى شعرت بيد والدتها تصفع وجنتيها صفعة هادرة سمعت على إثرها طنين في أذنيها بعدما سقطت أرضاً جاثية على ركبتيها.
أمسكت وجنتها بألم، بينما هتفت خيرية بحسرة.
خيرية: وااااه يا حسرة قلبي. يا حسرة قلبي على بتي وتربيتي. يا حسرة قلب أبوكي عليكي. وااااه الضربة جأت واعر جوي.
يا خسارة تربية إخواتك يا حسرة جلب أبوكي وزين.
عارفة يا عبير انتِ بعملتك دي جتلتي مية مرة.
انتِ عملتي فيا اللي معملهوش موت حبيب الجلب.
إنتي جتلتي يا عبير. ذنبها إيه حتت اللحمة الحمراء دي إنك ترميها علشان ما عجبتكيش.
مخفتيش تجعي في يد ناس مبيرحموش.
مخوفتيش من رب العباد لما يسألك يوم الحساب عنها.
وهي لما تقف يوم القيامة وتجولك عملتي فيا كده ليه يا أمي هُنت عليكي ليه يا أمي. هتجوليلها إيه.
لما تجول لربنا اللي مبيرضاش بالظلم واصل أمي رمتني علشان ما عجبتنيش بدل ما تقف وتدافع عني وتاخدني في حضنها هتجوليله إيه يا عبير.
أخفضت عبير بصرها أرضاً ودموعها تنهمر بشدة على ما اقترفت يداها.
ولكن اليوم يوم الحساب.
يوم لا ينفع ندم أو بكاء.
تنهدت خيرية بألم ومن ثم خبطت على الأرض بحزم بعصاتها ناظرة أمامها متمتمة بحدة أخفت بها ذلك الألم الفتاك الذي يعتصر قلبها.
نعم، وكيف لا وهي على أعتاب إعلان وفاة ابنتها الوحيدة وهي لا تزال بجوارها.
آه وألف آه على قلب أم يتمزق وعقل سوي يرفض الانصياع.
خيرية: اليوم بيت الغرباوية يتعمل فيه عزاء.
عبير. اليوم النجف كله يعرف إن بتي ماتت. وانتِ امشي من البيت خلاص ملكيش قعاد إهنية تاني. وقبل ما فاطمة ترجع من جامعتها.
خرت أرضاً مرة أخرى شاهقة بألم جاثية عند قدمي والدتها ترجوها.
تستعطف فيها قلب الأم.
عبير: وااااه يا أماي واااااه. لع أبوس على جدك متعمليش فيا كده. أنا مليش غيرك. أهون عليكي تهمليني كده.
أردفت خيرية بجمود أكبر امتزج بقهر أم على فساد ابنتها.
خيرية: أبه لساتك بتسألي. أيوه هتهوني زي ما بتك هانت عليكي في يوم.
تركتها عبير ونهضت واقفة على قدميها راكضة ناحية شقيقها.
عبير: مهران. يا خوي متهملنيش. دا أنا خيتك. لحمك ودمك هتسيبني لمين.
نفض مهران يده التي تمسكها.
متمتماً بثبات متجاهلاً ستار العبرات الذي تكون بعينيه وذلك الألم الذي يعتري قلبه.
يكاد يفتك به ألماً على الحالة التي وصلت إليها شقيقته.
هي لم تكن شقيقته فقط.
بل ابنته.
طفلته.
مدللته التي سهر على تربيتها بعد وفاة والدهم كأنها قطعة منه.
مهران: والله ما عارف أقولك إيه. أقول يا خسارة عمري ولا تربيتي. ولا خسارة القيم والمبادئ اللي اتربينا عليها. عارفة النهاردة بس اكتشفت إن الغرباوية كلهم كان عندهم حق لما قالولي متعلمهاش. عيارها هيفلت.
يا خسارة الوجعة اللي وجعتها قدام الكل. يا خسارة ثقتي فيكي اللي راحت يا عبير.
خلاص. خيتي ماتت.
التفتت خيرية ناحية سليم وياسر وتمتمت بوجوم.
خيرية: هموا دخلوني لأوضتي.
انتفضا ياسر وسليم يدخلا جدتهما الغرفة.
وضعها سليم في الفراش بينما دثرها ياسر بالغطاء.
طابعاً قبلة حانية على جبهتها.
ياسر: نامي دلوقتي يا حبيبتي وشوية وهبعتلك أمة تجيبلك الأكل.
أومأت برأسها في وهن فانصرفا ياسر وسليم.
*****************************
في الصعيد.
أمام كلية الطب البيطري.
وقف حسام ينتظرها أمام الكلية كعادته في الأيام الماضية.
خرجت من جامعتها فشاهدته.
واقفاً في كسل يتكأ على الغطاء الأمامي لسيارته عاقداً ذراعيه يطالع نقطة ما في الأرض.
ارتفع وجيفها بهيام.
ولكنها سرعان ما رسمت ذلك الوجه الغاضب على أساريرها واتجهت إليه غاضبة العاصفة.
تسأله في حرد.
فاطمة: إنت إيه اللي جايبك إهنية دلوقتي؟
أرخي كتفاه بهدوء باسماً.
حسام: أولاً مينفعش أسيبك تقفي لوحدك مادام سواقك بيتأخر.
انتفخت أوداجه غضباً وتابع بحرد.
علشان مفيش حيوان تاني زي اللي اسمه زفت ده يجرب منك.
تسللت ابتسامة هادئة لثغرها حاولت جاهدة أن تخفيها وبالفعل نجحت وبجدارة وهي تصيح فيه غاضبة.
فاطمة: اللي انت بتعمله ده مينفعش عاد. أفرض لو حد شافنا هيجول عني إيه.
أردف حسام بهدوء وحرك كتفيه بلا مبالاة.
حسام: أنا ميهمنيش حد. هيجولوا راجل وخطيبته.
ثم اقترب منها على حين غرة.
وتمتم ببحته التي تسلب أنفاسها ولبها.
أنا مبحبش حب العاجزين ده يا فاطمة. أنا بحب حب الخطف والسرجة والعنف. رايدك. هتكوني ليا غصباً عن كل الناس. طالما انتِ كمان رايداني.
****************************
في قصر عاصم الراوي.
تأكدت نورسين من ظنونها تماماً.
اعتري قلبها الصغير فرحة عارمة.
نعم، هي الآن تحمل ثمرة حبهما في بطنها.
مسحت على بطنها بسعادة.
كم كانت تتمنى ذلك الصغير.
ولكن أ تخبر عاصم الآن.
أم تنتظر حتى تحل مشكلة شقيقته.
مسحت على بطنها بحنان وهي تدعو الله أن يكون مجيء طفلها بداية الخيرات على تلك العائلة.
****************************
في قصر الغرباوية.
وقف أمجد يحدث مهران ويطلب منه أن يؤمن لشقيقته منزلاً آخر فليس من الصواب تركها دون مأوى.
يعرف أنها أخطأت ولكن تلك نيران الحقد والكره.
وبالفعل سانده سليم مؤيداً حديثه فهي في الأول والأخير سليلة عائلة الغرباوي.
عمته التي طالما اعتبرته طفلها.
هو حتى الآن لا يتخيل ما قالته.
لا يستطيع تصديق حديثها حتى.
تذكر كم راعته حينما كان صغيراً.
كم اهتمت لشأنه.
كم مرة أطعمته ودللته.
حتى الآن لا يستطع تخيل فكرة أن تكون هذه المرأة الحنونة هي تلك الحاقدة التي كانت تتحدث بالداخل.
***************************
عادت فاطمة إلى المنزل تكاد تطير فرحاً بسبب ذلك الحسام.
تدعو الله من كل قلبها أن يجمعهما سوياً ويجعله نصيبها.
شاهدت أمجد يجلس مع والدها ومعهما عمها مهران وسليم وياسر.
شعرت بقلبها يحلق فرحاً فقد ظنت أن عمها أمجد قد أتى ليطلبها لابن أخيه.
دلت تمشي على استحياء ووجيفها يتعالى بسعادة.
رفع شاهين رأسه ما إن سمع همس تركض ناحيتها.
بحماس تسأله عن الحلوى التي تحضرها لها كل يوم.
ولكنه سرعان ما أخفض رأسه مرة أخرى بأسى.
جاءها صوت عمها مهران يدعوها بألم.
مهران: فاطمة. حمد لله على سلامتك يا بتي.
تعالي أنا عاوزك.
أومأت برأسها باسمة وهي تتقدم نحوهم في هدوء يسبقها قلبها.
فالآن سترى كما شاهدت في الأفلام.
سيسألها والدها إن كانت موافقة أم لا وهي ستهز رأسها بخجل متمتمة تلك العبارة التي تضم بين طياتها الموافقة "اللي تشوفه يا بابا".
أشار مهران على المقعد بجواره باسماً لها في حبور.
فجلست هي في هدوء.
تمتم مهران بعبارات مثقلة تقطر قهراً وألماً.
مهران: فاطمة يا بتي انتِ طول عمرك بتنا الوحيدة ودلوعة عيلتنا اللي ملناش غيرها واصل.
انكمشت ملامحها بينما شعرت بألم غريب في معدتها إثر كلمات عنها ونظرات والدها الغريبة التي اخترقت قلبها.
لما نظراته حزينة لتلك الدرجة.
أليس هو دائماً من يقول لها متى سأراكي عروس.
لما هو يتألم الآن.
اشتدمت ذراعاها تضم كتبها أكثر وكأنها تحتمي بها.
حتى سمعت مهران يتمتم في ألم بينما لمحت بعض الدموع تنفطر من عيني والدها.
مهران: فاطمة يا بتي في حاجة لازم تعرفيها.
أومأت برأسها في خفوت ورجيفها يزداد ارتفاعاً مع كل نفس وبصرها الزائغ متعلق بملامح الجميع.
هتف مهران بألم وهو يحاول جاهداً أن يغض الطرف عن أعين أمجد القلقة وأعين شاهين التي ينبعث منها ألم إذا وزع على أهل الأرض بأكملها لفاض.
مهران: انتِ بت أمجد يا فاطمة.
جحظت عيناها بينما شعرت بأن كل شيء قد توقف.
الوقت.
الصوت.
وحتى الحياة.
شعرت باختفاء الجميع عداها هي ووالدها.
كيف عسى عمها أن يخبرها بكل هذا الهدوء أنها ليست طفلة شاهين.
كيف يمكنهم محو تلك السنوات من أعمارها.
كيف وهو والدها وصديقها وشقيقها وكل شيء.
كيف يمكنهم التفوه بتلك التراهات.
سقطت الكتب من يداها فانتفض جسد شاهين الذي تمنى في ذلك الوقت أن يضم طفلته لذراعيه ويخطفها بعيداً عن أولئك البشر.
بعيداً عن تراهاتهم التي لا تعنيه مطلقاً.
يمكنهم أن يفعلوا ما يفعلوا أو يقولوا ما يقولوا ولكن فاطمة ستظل طفلته لأبد الآبدين.
شعرت بستار من العبرات يحجب عنها رؤيتها ولكنها أبت ألا تظهره.
فهتفت تصرخ به بوجيعة.
وجيعة طفلة فقدت والدها.
فاطمة: يعني إيه. وإيه الحديث اللي بتجوله ده.
طالعها مهران بألم بينما أردف وهو يتمنى أن تقبض روحه قبل أن يردف بتلك الكلمات.
شاهين: هي دي الحقيقة يا بتي.
تابع ياسر بتمهل.
ياسر: فاطمة عمي أمجد يكون أبوكي مش عمي شاهين.
صرخت فاطمة بهم بضياع.
فاطمة: إيه الحديث الماسخ ده.
نهضت تجلس جوار والدها المطأطأ رأسه في ألم تصرخ به بوجيعة.
فاطمة: بابا ما تتكلم انت ساكت ليه. رد عليهم وجولهم إن الحديث ده مش صح. إني بتك انت وبس. إني أبقى فاطمة شاهين الغرباوي ومش بت حد تاني.
شهقت باكية.
وهنا ألقى شاهين بوقاره لأول مرة وهو يضم طفلته إلى صدره بينما اختلطت دموعهما سوياً.
يحتوي انتفاضة جسدها بيداه يود لو يأخذها ويهرب بعيداً عن أولئك الناس.
ازدادت شهقات فاطمة وانتحابها بقوة حينما شعرت بوالدها بجوارها.
امتلأت أعين الجميع بالدموع وهم يطالعوهما بأسى حتى سمعوا صوت شاهين يصرخ بهم بوجيعة وهو يضم طفلته بين ذراعيه يحتويها بعباءته.
شاهين: هملونا لحالنا بجي. متحرمونيش منها.
التفت ناحية أمجد وهو يرجوه.
شاهين: خد كل حاجة يا أمجد. خد كل حاجة وسيبلي بتي. انت ربنا كرمك ولجيت بتك بعد ما كنت فاكر إنها مش موجودة وربنا يباركلك في ولدك عاصم وأحفادك. إنما أنا معنديش في الدنيا كلها غير فاطمة بتي. هملهالي يا أمجد دي هي الهوا اللي بتنفسه.
انكمشت فاطمة أكثر بين ذراعي والدها وهي تبكي بألم على ما آلت إليه حياتها.
ولكنها فجأة اعتدلت برأسها وهي تسأل.
فاطمة: حد يفهمني.
وهنا تمتم أمجد بثبات محاولاً توضيح الرؤية أمامها.
أمجد: بصي يا بتي حصل تبديل في المستشفى لأن والدتك ونورهان مرتي ولدوا في نفس اليوم.
واللي جالتلي كده الممرضة وروحت عملنا تحليل DNA واتأكدنا. رايدة تشوفيه أو حتى نعمل واحد جديد اللي انتِ رايداه أنا تحت أمرك. المهم إنك تعرفي يا حبيبتي إن محدش فينا كان له ذنب في أي حاجة. الغلط كان في المستشفى وأنا لسه عارف لما كانت مرات ابني بتعمل عملية الممرضة لما شافتها حكتلها على كل حاجة ووجدتها. بس إحنا عرفنا وجينا نتأكد الأول قبل ما نجولك أي حاجة.
صرخت بهم فاطمة بغير إدراك.
فاطمة: يعني إيه. يعني أنا مش بنت شاهين الغرباوي. أمي. فين ماما. أنا عاوزة ماما.
أردف سليم بهدوء.
سليم: عمتي مجدرتش تستحمل الخبر يا فاطمة.
كان واعر جوي فسفرناها من شوية.
سألت فاطمة بقهر.
فاطمة: من غير ما تشوفني.
صمت الرجال بينما أخفضوا رؤوسهم في ألم على حالة تلك المسكينة.
ربت سليم على يدها بحنو.
سليم: اعذريها يا فاطمة. أنا لو كنت سبتها هنا هباب كمان كان جرالها حاجة من كتر الصدمة.
تركتهم وركضت لجدتها.
نعم. هي ملاذها.
ما إن فتحت الباب حتى وجدتها جالسة تفتح لها ذراعيها كالأيام الخوالي تماماً.
ارتمت بين ذراعيها تبكي وتنتحب وهي لا تكاد تعي ما يحدث.
كيف يمكنها أن تتقبل تلك التراهات التي يتفوه بها والدها.
كيف يمكنها تصديق أنها ليست غرباوية.
أن الدم الذي يسير بعروقها ليس دماء الغرباوية.
أن ذلك الرجل الذي ربانا وأحبها.
الذي تعتبره حياتها بأكملها ليس هو والدها.
ومليكة.
مليكة تلك الفتاة التي طالما خططت للتخلص منها شقيقتها.
وحتى حسام.
شعرت بقبضة الشك تعتصر قلبها حتى أدمته.
أ لهذا وقع في غرامها.
أ لهذا خرق ذلك العرف الذي اتُفق عليه دون مواثيق بألا يقع أحد من الغرباوية في حب أحد من عائلة الراوي.
أ لهذا كان يخدعها.
أم لهذا السبب وقع في حبها.
رواية بين طيات الماضي الفصل الأربعون 40 - بقلم منة الله مجدي
وصل عاصم وزوجته ومعها شقيقته والأطفال.
فتوجه هو وشقيقته ومراد لمنزل الغرباوية بعدما أوصلوا نورسين وطفليها لمنزل الراوية.
قابله ياسر مُرحباً بهم بعدما أخبرهم بأن سليم ذهب لأمر ما.
سألت مليكة بإشفاق:
"فاطمة.... فاطمة عرفت؟"
أومأ ياسر برأسه.
أسفelta سوياً للداخل فوجدوا الرجال جالسون في صحن القصر.
إحتضن أمجد طفلته بينما رحب مهران بعاصم.
طالعت مليكة ذاك الرجل المطأطأ رأسه منزوياً في ركن بعيد عن الجميع بإشفاق وتمتمت تسأل في أسى:
"فين فاطمة؟"
جاءت قمر تتمتم في ألم دامعة:
"فاطمة فوق يا مليكة."
تركت هي مراد مع والده وجده وصعدت مع قمر.
طرقت الباب في خفوت حتى سمعت فاطمة تتمتم بنبرة مختنقة إثر بكائها:
"هملوني لحالي."
فتحت مليكة الباب في خفوت ودلفت في هدوء.
جلست بجوارها على الفراش بينما هي دارت برأسها لترى من القادم.
لم تشعر مليكة لما شعرت بكل ذلك الألم يعتصر قلبها لرؤيتها على تلك الحالة.
أين هي فاطمة تلك الفتاة المرحة المشاكسة؟
هي لم تعتد منها على ذلك الصمت.
الألم والخزي.
وضعت يدها على كتف فاطمة متمتمة بحبور:
"أنا مش هقولك أنا حاسة بيكي، بس هقولك أنا فاهمة إنتِ حاسة بإيه. عارفة إنك تايهة وتعبانة ومتلخبطة. حاسة إنك ضايعة وملكيش هوية. عارفة يا فاطمة لما تاليا ماتت حسيت إن حياتي كلها وقفت. هي أصلها مكانتش أختي بس لا، دي كانت كل حاجة. صاحبتي وبنتي وأختي وكل حاجة. ساعتها قولت أنا أكيد عملت حاجة وحشة أوي علشان كدة ربنا بيعاقبني. بس مكنتش أعرف إنه بيحبني أوي لدرجة إنه بعتلي أخت تانية. أخت تعوضني عن تاليا. أنا عاوزاكي تعرفي إنك هتفضلي طول عمرك بنت شاهين الغرباوي. محدش يقدر ينكر ده. محدش يقدر يمسح سنين عمرك معاه. لكن برضوا أمجد الراوي محتاجك."
إنخرطت فاطمة في البكاء فاحتضنتها مليكة بقوة.
حتى شعرت فاطمة أيضاً تتشبث بها وهي تنتحب بألم.
ظلت مليكة تضمها مربتة على رأسها بحنان وتركت لها العنان حتى أخرجت ما بداخلها بالكامل.
وبعد ما يقرب من ساعتين بكاء وفاطمة تشعر بالضياع.
وما زاد شعورها هو رحيل والدتها.
هي تحتاجها الآن أكثر من أي وقت مضى.
أردفت مليكة مشاكسة:
"أنا لو منك أفرح حد يطول يبقى أبوه شاهين الغرباوي وأمجد الراوي. أنا لو منك أستغلهم بقي أسوء استغلال."
ابتسمت فاطمة بوهن بين دموعها فأردفت مليكة بحبور:
"كله هيعدي وإحنا سوا. خليكي دايماً عارفة كده."
كانت تلك الكلمات كفيلة لجعلها تزداد في بكائها بقوة أكبر.
فاحتضنتها مليكة مرة أخرى سامحة لها بإغراق ثيابها دموعاً عساها تخفف تلك النيران المستعرة في قلبها.
حتى شعرت مليكة بسكونها قليلاً فأبعدتها برفق وهي تتمتم باسمة بحبور:
"بصي يا حبيبتي قومي دلوقتي اتوضي وصلي ركعتين لله بأي نية تحبيها واشكيله كل حاجة واطلبي مساعدته. أقولك حتى متتكلميش عيطي بس وهو كفيل والله إنه يحللك كل حاجة."
عمدت بأصابعها تجفف دموع شقيقتها وهي تستحثها على الابتسام.
حتى سمعا طرقاً على الباب أعقبه فتحه بخفة ومن ثم أدخلت قمر رأسها متمتمة في حرد:
"أه أحضان وكلام زين للست مليكة إنما جمر للبكاء بس."
ضحكت مليكة وهي تخرج لسانها لقمر:
"اه وملكيش إنت صالح واصل."
برقت عينا الاثنتين وقمر تتقدم في تمهل حتى جلست بجوارهما على الفراش.
تنقل الفتاتان بصرهما بين مليكة وبين بعضهما في دهشة.
حتى سمعا مليكة تضحك على مظهرهما وهي ترفع رأسها في إباء:
"واااه وااه لهو إنتوا متعرفوش ولا إيه؟ أنا أصلي صعيدي أباً عن جد."
ضحكت قمر بينما احتضنت هي فاطمة بحبور حينما شعرت بأنها على وشك البكاء مرة أخرى.
همت قمر بالحديث فتمتمت مليكة بحزم وهي تربت على رأس شقيقتها:
"إحنا هننزل دلوقتي يا طمطم وإنت روحي صلي يا حبيبتي ونامي شوية وأنا شوية وهاجي أصحيكي."
خرجت الفتاتان بعدما أومأت فاطمة برأسها وطبعت مليكة قبلة على جبهتها في حنو.
تمتمت قمر بتوجس:
"عمي أمجد كان عاوز فاطمة شوية."
أجابت مليكة بحبور:
"مش دلوقتي سيبيها دلوقتي تصلي الأول وتهدي علشان تكون فكرت على مهلها ومتبوظش الدنيا لأنها لسة تايهة."
إنكمشت ملامح قمر بأسى بعدما مطت شفتيها للأمام بإشفاق:
"مش سهل واصل."
أومأت مليكة برأسها وهي تدعو الله بداخلها أن يمر كل شيء على خير.
توجهت قمر لطفليها بينما توجهت مليكة لغرفتها كي تطمئن على مراد.
طرق الباب بسرعة وهو يستعد لملء عيناه منها.
سمع صوتها تتمتم في هدوء بينما هي منكبة على إفراغ حقيبتها:
"ادخلي يا قمر."
ابتسم وهو يدرك اعتقادها بأنه قمر فانتهز الفرصة وزحف خلفها ببطء يتحرك برشاقة حتى أصبح خلفها تماماً.
انحنى بجذعه حتى ضربت أنفاسه عنقها لتستدير هي بسرعة تطالعه في صدمة.
وقبل أن تفتح فمها للاعتراض كانت شفتاه أسرع في الإطباق على شفتاها، ناهلاً من نبعها.
حاولت دفعه ببطء ولكنه أحكم الإمساك بها وبدأ في الغوص لأعماق روحها دافعاً إياها للخزانة.
ابتعد عنها بعدما شعر بحاجتها للهواء مستنداً بجبينه على رأسها وهو يلهث بسرعة.
أنفاسه الحارقة تلتهم صفيحة وجهها هامساً بها برقة أذابتها:
"وحشتيني."
دفعته عنها برقة وهي تؤنبه:
"إزاي تعمل كده؟ هما افرض حد شافنا دلوقتي هيبقي إيه شكلي؟"
ضحك بخفوت:
"وإيه يعني ما يشوفونا يا روحي."
تجعدت أنفها بإزعاج وهتفت به حانقة:
"ده وقته يعني."
مط شفتاه مفكراً وهو يطالعها بنظرات ماكرة كأنه يفكر:
"إنتِ عندك حق، ده حتى عيب عليا."
تنفست الصعداء وهي تتمتم بهدوء:
"شوفت بقى."
ضحكات شريرة مجلجلة خرجت من شفتاه وهي تطالعه بذهول ليقتنص بعدها شفتاها في حبور.
حاولت دفعه عنها بآخر ما تبقى لها من مقاومة، قبل أن يخفق قلبها المحموم ويعلن شوقه لمحبوبها.
قبل أن تندثر آخر اعتراضاتها في جنح الحب.
في الصباح.
خرجت مليكة من غرفتها فوجدت والدها وسليم يقفان عند بداية الدرج.
تقدمت ناحيتهما تلقي على والدها تحية الصباح.
فردها باسماً:
"فاطمة عاملة إيه يا حبيبتي؟ أنا عاوز أدخلها."
تمتمت مليكة بإشفاق:
"الموضوع صعب عليها أوي يا بابا علشان كده ادوها وقتها. وعمو متقلقش، أنا هدخلها دلوقتي وإن شاء الله خير. إنتوا بس خليكوا جنب تيتا خيرية وجنب عمو شاهين متسيبوهمش."
أومأ الاثنان برأسيهما في هدوء.
بينما برقت عينا سليم ببريق امتزج بين الفخر والحب.
كم أن طفلته مراعية.
كم هي صافية وودودة.
فبعد كل تلك الإهانات والنزاعات التي حدثت بينها وبين شاهين تشفق عليه لهذه الدرجة.
تركتهما وتوجهت لغرفة فاطمة في إشفاق.
طرقت الباب في هدوء حتى جائها صوت فاطمة الباكي من الداخل:
"ادخل."
دلفت مليكة باسمة بحبور تطالع شقيقتها بإشفاق:
"صباح الخير يا حبيبتي."
تمتمت فاطمة بخفوت:
"صباح الخير يا مليكة."
تقدمت مليكة لتجلس بجوارها على الفراش:
"ها عملتي زي ما قولتلك؟"
أومأت برأسها:
"أه."
حمحمت مليكة بقلق:
"بابا عاوز يدخل. عاوز يتطمن عليكي ويكلمك."
تجعدت أنفها بقلق بينما نقلت بصرها لمليكة التي طمأنتها باسمة:
"متخافيش يا حبيبتي، أنا قولتلك بابا أول واحد مش هيجبرك على حاجة. هو بس هيتطمن عليكي ويكلمك وبس."
تمتمت فاطمة بتوجس فأردفت مليكة مؤكدة:
"لازم يا فاطمة. لازم المواجهة دلوقتي. أنا أجلتها شوية علشان تكوني هديتي وعرفتِ تفكري ومتخافيش محدش هيجبرك على أي حاجة وزي ما تختاري إنتِ إحنا هننفذ."
تركتها وهبت ناهضة تستدعي والدها الذي سرعان ما دلف للداخل يقدم خطوة ويؤخر الأخرى.
"ممكن أدخل؟"
ابتسمت مليكة بحبور:
"اتفضل يا بابا وأنا هنزل أجيب لكوا شاي."
دلف أمجد للداخل يسير في هدوء مثقلاً بالخوف من فقدان طفلته.
بالخوف من رفضه.
جلس بجوارها على الفراش بينما شعرت بقلبها يكاد يخرج من مكانه إثر التوتر.
هتف بها متمتماً في هدوء:
"فاطمة أنا عارف يا بنتي إنتِ قد إيه متلخبطة وتايهة وضايعة. والله يا بنتي أنا مش ناوي آخدك من شاهين ولا أحرمك منه."
غمزها باسماً وتمتم:
"على الرغم من إننا وهو مبنطقش بعض. بس إنتِ بنته قبل ما تكوني بنتي. هو اللي ربي وكبر وعلم وراعي. عارفة يا بنتي دايماً كنت بسأل نفسي ليه ربنا أخد مني تاليا قبل ما أشوفها وكنت فاكر إن ده عقاب علشان اللي عملته مع أيسل ومليكة. ودلوقتي بس اكتشفت إنه مش عقاب لا ده علشان أبقى حاسس بإحساس شاهين دلوقتي. أنا عارف النار اللي في قلبه دلوقتي عاملة إزاي. عارف يعني إيه أب بنته تضيع منه فجأة. عارف يعني إيه ضناه اللي رباها وكبرها تتحرم منه. تخيلي أنا حسيت بالنار دي وأنا مشوفتش تاليا. تخيلي بقى هو شافك وشالك ورباكي وكبرك وسهر وعلم وحب."
عادت نبرته للجدية وتمتم بألم:
"أنا مش طالب منك غير إنك تشوفي مامتك الغلبانة نورهان. خليها تملي عينها منك تحضنك وتتكلم معاكي. بس وبعدها شوفي إنتِ عاوزة إيه. إنت أصلك مشوفتيهاش عاملة إزاي دي. لما شافتك قبل ما تعرف أي حاجة مبطلتش كلام عنك من يوم العشاء اللي كان عندكوا هنا في الدوار. تخيلي بقى رد فعلها لما عرفت إنك بنتها."
أومأت هي برأسها في اضطراب بعدها تمتمت بألم:
"آني..... آني عاوزة أشوفها ممكن."
ابتسم أمجد بحماس وأردف باسماً:
"بالليل هاخدك إنتِ ومليكة تزورها. بس تتكلمي الأول يا بنتي مع شاهين."
ابتسمت فاطمة وتمتمت بتلقائية:
"شكراً يا بابا."
اتسعت ابتسامته وعلى وجيفه بسعادة متمتماً بغير تصديق:
"قوليها تاني."
تقدمت فاطمة باضطراب واحتضنته في خجل:
"حاضر يا بابا."
في الأسفل.
دلفت مليكة للمطبخ لتعد بعض الشاي للجميع.
انهمكت هي في وضع الإناء على النيران.
فانتهز سليم الفرصة ليدلف خلفها في هدوء.
حاول وحاول عدم فعل هذا.
حاول أن يبتعد ولكن قواه خارت وانهار تماسكه.
اشتاق إليها حد الموت.
نعم هي كانت بين ذراعيه منذ ساعات ولكن اللعنة وكل اللعنة على رائحتها التي تشبه المسك تلك التي سرعان ما هاجمت رئتاه فكانت كالخمر أسلبته عقله بأريحية شديدة.
آه كم اشتاق إليها.
اقترب منها محتضناً إياها بقوة دافناً رأسه في عنقها.
شهقت بهلع وهي تتمتم بخجل:
"سليم!!! إنت بتعمل إيه؟ حد يشوفنا."
تمتم بتيه غير مبالياً:
"واحد مراته وحشاه فيها إيه دي."
برقت عيناها بخجل وهي تتمتم بحرد:
"وحشاك!!!! ده أنا كنت لسه معاك من كام ساعة."
تمتم بتيه:
"أه بتوحشيني وإنتِ معايا."
شعرت بشفتاه الرطبتان على عنقها البض فشهقت بهلع تتوسله وهي تكاد تبكي خجلاً.
فكيف سيكون الوضع الآن إن دخل أحد عليها الآن.
كيف ستستطيع النظر في وجوههم إذا باغتهم أحد ما ودلف للمطبخ الآن.
أكمل هو غير مبالياً بأي شيء غير استنشاق رائحتها التي أدمنها.
بينما تجولت يده الكبيرة على بطنها وخصرها، مسببة لها رجفة عنيفة في كل جسدها.
أخذ قلبها ينبض بجنون وأصبحت غير قادرة على المقاومة.
أدارها ناحيته رافعاً وجهها إليه لاثماً شفتيها في قبلة عاصفة بث فيها شوقه المضني إليها.
سقط على إثرها الكوب من يدها لينكسر لأشلاء.
لتدلف على إثرها إحدى الخادمات التي سرعان ما شهقت خجلاً إثر رؤيتها للوضع الحميمي للزوجان المتحابان.
دفعته مليكة بعيداً بينما استترت خلفه خجلاً.
تمتمت الخادمة بكلمات الاعتذار ومن ثم تركتهم وذهبت للخارج.
تمتمت مليكة توبخه وهي تكاد تبكي إثر ذلك الموقف الحرج:
"عاجبك كده؟ شكلنا إيه دلوقتي."
طبع قبلة خاطفة على وجنتها متمتماً:
"وحشتيني."
ثم خرج مسرعاً ليلبي نداء مهران.
في منزل الراوي.
هتف حسام بدهشة غير مصدقاً ما يخبره به والده:
"يعني إيه؟"
تمتم قدري بهدوء:
"هي دي الحقيقة يا ولدي."
خبط حسام بكفيه غير مصدقاً:
"يعني فاطمة... فاطمة تبقي بنت عمي أمجد."
أومأ قدري متابعاً:
"أيوة يا بني وهييجوا بالليل هي ومليكة وعمو."
سأل حسام بإستهجان:
"وكنتوا ناويين تخبروني متى؟"
تمتم قدري بهدوء:
"مكنش لسه متأكدين يا ولدي. عمك أول ما اتأكد وجاب نتيجة التحليل طلع على سليم طوالي ومنها جه عندي هنا علشان يخبر الباقي."
أومأ حسام برأسه في اضطراب وتوجه ناحية الإسطبل كي يخلي بنفسه قليلاً.
ضرب الباب بقبضته غاضباً:
"واااه....... إزاي يعني مكونش جالك وقتها. واااه يا قلبي."
في قصر الغرباوي.
خرجت فاطمة من غرفتها متوجهة ناحية غرفة محبوبها الأول، بطلها الأول، فارسها المغوار، والدها شاهين الغرباوي.
طرقت الباب بخفوت وهي تجاهد بكل قوتها أن تتماسك وألا تذرف الدموع.
سمعت صوت شاهين يتمتم بإنكسار خلع قلبها.
هي تعرف أن والدها يحبها ولكن لم تكن تدرك أنها غالية لديه لتلك الدرجة.
دلت تبحث عنه بعينيها بإصرار.
التف ناحيتها وهو يكاد يختنق ألماً، قهراً وحزناً على حالتهما.
اندفعت ترمي بأحضانها باكية، وكأن كل تلك العبرات التي ذرفتها من قبل لم تكن.
فالبكاء بين ذراعي والدها شيء آخر.
احتضنها بكل قوته وهو يشاركها البكاء مرة أخرى للمرة التي لا يعلم عددها في اليومين الماضيين.
ابتعدت عنه برفق وعمدت بيدها تجفف عبراته، متمتكة بكلماتها التي هبطت على قلبه مثل البلسم تطمئنه وتهدئه:
"شاهين الغرباوي ميبكيش واصل طول ما بنته لسه عايشة، مش كده ولا إنت خلاص ما صدقت حد تاني جا لك إني مش بنتك علشان تخلص من ذنبي وطلباتي. له عاد انسى الحديث ده واصل."
سارع بجذبها بين ذراعيه وهو يبكي باسماً يتمتم بصدق:
"كل اللي تطلبه فاطمة أوامر على رجبة أبوها عاد."
ضحكت فاطمة الباكية تحتضنه بقوة وهي تتمتم:
"إنتَ أبوي. إنت اللي ربيت وكبرت وعلمت. أني طول عمري فاطمة شاهين الغرباوي وهفضل كده لحد ما أموت. إنت أبوي وهتفضل أبوي لحد آخر نفس في عمري. ومحدش في الدنيا دي كلها يقدر يقول غير كده ولا حتى بابا أمجد."
ربت شاهين على رأسها متمتماً بصدق:
"بعد الشر عنيك يا حبة قلبي أبوكي من جوه."
أخبرته فاطمة بخطة المساء فوافق ممتعضاً ولكنه أشفق على تلك السيدة التي تتحرق شوقاً لرؤية طفلتها.
في المساء.
أصرت مليكة على سليم ألا يأتي معهما ويظل بجوار مراد بعدما وعدته ألا تتأخر.
دلت وبجوارها فاطمة التي تتلمس منها الأمان.
هي حقيقة لا تدري من منهما تحتاج للاطمئنان أكثر الآن، هي أم فاطمة.
فهي الآن على أعتاب رؤية السيدة التي سلبت منها حياتها وسلبت مكانة والدتها.
لا تدري حقاً ماذا تشعر ناحيتها، كره فقط أم كره وحقد معاً.
ملأ الحقد جسدها على تلك السيدة التي عاشت حياتها محاطة بكل تلك الرفاهية والدلال وهي ووالدتها وشقيقتها أمضين أياماً لا يعلمن فيها كيف سيتناولن طعامهن.
ازداد حسدها لتلك المرأة التي حظت بالدلال والحب من والدها بينما قضت هي وشقيقتها أياماً يتمنين فيها أن يضمّن والدهما.
يشاهداه.
أن يلعب معهما ويدللهما.
آه كم تتذكر رغبة تاليا الملحة في رؤية والدها.
كان والدها يقف بجوارها يراقبها في هدوء ملاحظاً تغيرات ملامحها من الحقد إلى الكره ثم تلك المرارة التي استقرت في عينيها ممتزجة بغشاء رقيق من العبرات يأبى الهبوط بكبرياء.
هل كان أنانياً لتلك الدرجة بإحضارها لهنا؟
هل زاد من عذابها باشتياقها لوالدتها وشقيقتيها؟
هل كان حقيراً لتلك الدرجة؟
حقاً إنه نادم جداً الآن.
وما زاده ألماً هو تقدمها من نورهان بثبات راسمِة ابتسامة عظيمة على شفتيها:
"أهلاً بحضرتك أنا مليكة."
احتضنتها نورهان بحب باسمة بحبور:
"أهلاً بيكي يا بنتي. أبوكي مبيطلش كلام عنك. إنتِ حتى أجمل من وصفه."
ابتسمت مليكة بأدب بينما خرج صوتها مختنقاً:
"شكراً حضرتك أجمل."
طالعت فاطمة باسمة وهي تتراجع للخلف مشيرة لفاطمة التي تقدمت في توجس:
"فاطمة."
بينما أومأت برأسها لوالدها باسمة متمتة في اعتذار:
"توما أنا هسبقك علشان مراد ميغلبش سليم."
تمتمت نورهان باسمة:
"هاتيه معاكي تاني يا مليكة. أنا نفسي أشوفه."
ابتسمت مليكة بأدب بعدما أومأت برأسها موافقة:
"إن شاء الله."
خرج الجميع تاركين المجال لنورهان قليلاً مع طفلتها التي فقدتها والذي بدأ لقائهما بعناق طويل أشبعت فيه نورهان رئتيها برائحة طفلتها.
أما مليكة فودعت عاصم ونورسين وتوجهت للخارج، بعدما رفضت رغبة عاصم الملحة في إيصالها وأعربت عن رغبتها في الذهاب بمفردها.
خارج القصر.
خرجت مليكة مسرعة خطواتها تشبه الركض الهادئ تجفف دموعها في ألم رافضة أن يراها أحد بتلك الهيئة.
بتلك الضعف.
الذل والإنكسار.
حتى شاهدت سليم واقفاً يتكئ على سيارته بالخارج.
تسمرت مكانها لعدة دقائق بعدما جففت دموعها تطالعه بعينان تقطران ألماً وقهراً.
وفجأة عادت للبكاء وارتفع نحيبها وهي تركض ناحيته دافنة نفسها بين ذراعيه تبكي بحرية.
أحاطها بذراعيه مربتاً على رأسها بحنو.
وبعد ما يقرب من النصف ساعة سألته باكية:
"إنت إيه اللي جابك؟"
تمتم هو باسماً بحبور يناولها منديلاً:
"كنت حاسس إنك هتحتاجيني."
ابتسمت هي بعدما عادت لذراعيه من جديد.
طبع قبلة حانية على رأسها بينما تمتمت هي:
"أنا عاوزة أتمشى مش عاوزة أرجع بالعربية ممكن."
أردف باسماً بينما يغلق سيارته:
"بس كده يلا بينا يا ستي."
في قصر الراوية.
حملها عاصم بسعادة وهي يكاد لا يصدق ما يسمعه:
"إنتِ بتتكلمي بجد؟ إنتِ حامل."
أومأت برأسها باسمة في حبور.
بينما حملها هو مرة أخرى يقبل رأسها في سعادة.
في الأسفل.
أنهت نورهان حديثها مع فاطمة بعد بكاء دام لساعات وساعات.
وبعدها خرجت فاطمة تتمشى قليلاً في الحديقة وناحية الزريبة.
تفكر في كل ذلك الحديث الذي دار بالداخل.
كل تلك الحقائق.
نعم شعرت بالحنين تجاه تلك السيدة هي لن تنكر ولكنها أيضاً تشعر بالغرابة.
بالألم والخوف.
دلت للداخل هائمة على وجهها في خضم صراع أفكارها حتى سمعت صوت حسام هاتفاً بها بلهفة:
"فاطمة!!"
طالعته بشزر متمتة بتهكم:
"أهلاً يا ولد عمي."
رفع حاجبة بدهشة يسأل في توجس:
"ولد عمي!!!!"
هتفت به فاطمة بشزر:
"يا ترى يا حسام بيه وجعت في حب بنت الغرباوية متى؟"
برقت عيناه دهشة وهي يسأل في خفوت:
"إيه الحديث الماسخ ده."
تمتمت هي حانقة:
"دلوقتي حديثي بقى ماسخ."
أردف هو بصرامة غاضباً:
"وحياتك إنتِ عندي أني لسه عارف قبل ما تيجي بكام ساعة."
حدقت به غاضبة على استخفافه بعقلها:
"هبلة أني إياك، شايفني عبيطة وهصدق اللي إنت بتجوله ده."
اقترب منها بثبات يطالعها بشغف:
"اقسم باللي خلقني وخلجك يا فاطمة يا بت عمي أني لسه عارف الخبر ده قبل ما تيجي بساعات وإني حبيتك إنتِ لذاتك علشان إنتِ فاطمة حبيبة حسام وبس من غير ما أعرف إنتِ مين أصلاً. أني حبيتك من ساعة بجفا."
ارتفع وجيفها بسعادة بينما شعرت بعبراتها تهبط من عينيها بقوة، تتدافع منهمرة بشدة على حالتها.
اقترب منها وهو يكاد يحترق ألماً.
هو يعرف ألمها الآن.
يعرف خوفها وتيهها.
يتمنى لو يضمها بين ذراعيه.
لو ينتزع عنها كل ذلك الألم.
ولكن لا يجوز.
يعرف جيداً أن هذا لا يحق له.
وفي خضم صراع أفكاره شعر بها ترمي ببن ذراعيه وهي تبكي بقوة.
ارتفعت خفقات قلبه وبرقت عيناه بعدما وقف متسمراً للحظات لا يعرف ما الذي يجب عليه فعله الآن.
كيف يجب أن يتصرف.
ولكنه رمى بكل تلك التراهات جانباً حينما شعر بيديها تطوقه في خوف وهي تبكي بقوة.
احتضنها بكل قوته مربتاً على رأسها في حنو بالغ، بينما يسمع صوت شهقاتها التي تمزق قلبه فجعاً عليها.
فهمس مهدئاً:
"أشششش.... اهدى يا حبيبتي..... اهدى كل حاجة هتبقى زينة والله..... كلنا جنبك ومعاكي."
تمتمت بين شهقاتها:
"أني خايفة جوي يا حسام..... خايفة من كل حاجة..... حاسة إني تايهة جوي ومتلخبطة ومش عارفة أعمل إيه."
تمزق قلبه لكلماتها ولكنه ربت على رأسها في هدوء:
"سيبي كل حاجة علينا ومتخافيش...... إنتِ بس اهدى...... أني جنبك أهه ومش هسيبك واصل..... كل حاجة هتبقى زينة و الله."