تحميل رواية «انت عمري» PDF
بقلم احمد محمود
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
١٢ سنة حب ولا مرة فكرت للحظة واحدة إني أتخيل حياتي من غير عمار ابن عمي. من قبل حتى ما أفهم يعني إيه حب كانت كل حاجة بتجذبني له، مع إننا ولا مرة اتكلمنا. ودائمًا كان شايفني البنت الهبلة اللي بتعيط لو حد فكر بس يشيلها وهي طفلة. كان مسميني أم نص لسان عشان مكنتش بعرف أتكلم وأنا صغيرة. من أسبوع بس عرفت إنه قرر يسبني ويسافر. ما هو لما يمشي ويسيبهم يبقى هيسيبني أنا. معرفش إيه اللي حصل لي أول ما عرفت من خديجة أخته إنه قرر يسافر ويستقر في ألمانيا. للحظة في حاجة نخرت جوا قلبي واتخنقت مقدرتش آخد نفسي. نزلت...
رواية انت عمري الفصل الأول 1 - بقلم احمد محمود
١٢ سنة حب ولا مرة فكرت للحظة واحدة إني أتخيل حياتي من غير عمار ابن عمي.
من قبل حتى ما أفهم يعني إيه حب كانت كل حاجة بتجذبني له، مع إننا ولا مرة اتكلمنا. ودائمًا كان شايفني البنت الهبلة اللي بتعيط لو حد فكر بس يشيلها وهي طفلة. كان مسميني أم نص لسان عشان مكنتش بعرف أتكلم وأنا صغيرة.
من أسبوع بس عرفت إنه قرر يسبني ويسافر. ما هو لما يمشي ويسيبهم يبقى هيسيبني أنا. معرفش إيه اللي حصل لي أول ما عرفت من خديجة أخته إنه قرر يسافر ويستقر في ألمانيا. للحظة في حاجة نخرت جوا قلبي واتخنقت مقدرتش آخد نفسي.
نزلت من السطوح مع البنات وقعدت على السلم أبكي قدام باب بيتهم. فجأة لاقيته طالع من تحت وواقف قدامي وعلى وشه ابتسامة سخرية.
مالك يا أم نص لسان؟ وقعتي ولا إيه؟
أخدت بعضي ونزلت بيتنا من غير ما أرد عليه. ودخل شقتهم ورزع الباب. حسيت كأنه بيرزع الباب اللي بينه وبيني كأنه بيقول لي انسي مفيش بينا طريق عمرنا ما هنتجمع.
فات أسبوع على آخر مرة شفته فيها. لاقيت فاتن أختي داخلة تقولي لي:
كلمي جدك عثمان بسرعة حد شكله فتن عليكِ!
قمت لبست الإسدال ونزلت عند جدي. أول ما دخلت عنده المضيفة فكيت الحجاب وقعدت جنبه. كان بيصلي. أول ما خلص صلاة قعد مكان قعدته ومسك السبحة. لاقيت نفسي قعدت في الأرض ونمت على حجره وبدأت عنيا تدمع وثواني وبدأت أعيط.
مين اللي بكاكِ يا بنت عليّ؟
تعطيني الأمان يا جدي بجاه حبيبك النبي عليه الصلاة والسلام؟
عليه أفضل الصلاة والسلام عطيت الأمان يا بنت عليّ، بس احكي الأول. مش بتروحي كُليتك ليه؟ ولا بتنزلي الصبح تصلي الفجر معانا؟ ولا نزلتي امبارح تتغدي معانا زي كل أسبوع؟
ما هو ده نفس السبب اللي طلبت تعطيني الأمان عشانه يا جدي.
عمار؟
جدي عرفت منين إنه....
عمار يا بنت عليّ؟
ايوه هو، هيسافر يا جدي هيسافر ويسيبنا.
وإنتِ تكرهي له الخير؟
أنا ؟ لا والله أبدًا.
ريداه يا بنت عليّ؟
.. جاوبي..
طب اطلعي على بيتك وذاكري كويس وخدي بالك من دراستك لحسن أسيبه يسافر والله وما هسأل فيكِ.
هتعمل إيه يا جدي؟
على فوق يا بنت عليّ روحي.
لسه جاية أخرج لاقيته مسك تليفونه وبيتصل بِـ عمار. لافيت من الباب التاني ودخلت أوضة جدي ووقفت عشان أعرف هيقول له إيه. لاقيته بيقول له:
تجييني طوالي على المضيفة!
حسيت قلبي هيخرج من مكانه. دقيتين وكان عند جدي واقف قدامه.
خير يا جدي؟
هتسافر إمتى؟
لما استلم الفيزا يا جدي يعني ٣ أو ٤ شهور بالكتير.
تكتب على بنت عمك عليّ الأسبوع الجاير.
و قاله..
رواية انت عمري الفصل الثاني 2 - بقلم احمد محمود
لسه جاية أخرج لاقيته مسك تليفونه وبيتصل بعمار. لافيت من الباب التاني ودخلت أوضة جدي ووقفت عشان أعرف هيقول له إيه. لاقيته بيقول له تجيني طوالي على المضيفة! حسيت قلبي هيخرج من مكانه.
دقيتين وكان عند جدي واقف قدامه.
"خير يا جدي؟"
"هتسافر إمتى؟"
"لما استلم الفيزا يا جدي يعني ٣ أو ٤ شهور بالكتير."
"هتكتب على بنت عمك علي الأسبوع الجاي."
"مين؟ أنا؟ حضرتك بتقول إيه يا جدي؟ أنا مش فاهم حاجة!"
"إيه اللي مش مفهموم؟ كل عيال الدار اتزوجوا إلا إنت وهي وخلاص هتتخرج من كليتها بعد أسبوعين. وهي مخطوبة لك من ساعة ما كنتوا عيال وإنت عارف."
"يا جدي كنا عيال. دلوقت كل واحد كبر ومن حقه يختار شريك حياته. وأنا مش هرتبط بواحدة شايفها زي اخواتي!"
"متشوفهاش زي أ"
"اخواتك شوفها زي مراتك. أنا حكيت اللي عندي. هتكسر كلام جدك؟"
"ما عاش ولا كان. بس الجواز مفيهوش غصبانية يا جدي وهي أكيد مش هتقبل بكده."
"ملكش حق تتكلم بلسانها. طلبت منك طلب هتنفذه ولا لأ؟"
"يا جدي اسمعني الله يرضى عليك. أنا مبحبهاش. احنا مش في الصعيد هنا عشان تقولوا الولد لبنت عمه."
"صعيد ولا غيره. إنتوا لبعض من زمن. وأنا حكيت اللي عندي. لو عندك رأي تاني احكيه هنا!"
"يا جدي مبحبهاش."
"المرة الزينة تخلي جوزها يحبها."
"هو بالعافية يا جدي؟"
"لا مش عافية. معاك فرصة تحبها لحد ما تسافر. هتخطبها ولما تسافر تاخدها معاك."
"يا جدي حضرتك كده خلاص يعني خططت وقررت كل حاجة؟"
"هاااا موافق ولا عندك رأي تاني؟"
"حضرتك عارف إني مقدرش أكسر لك كلمة بس الموضوع صعب علي جدا لو حضرتك اللي مكاني هتعمل إيه؟"
"لو مكانك مش هفضل أرازي في جدي وأقاوح فيه وأقول له أمرك على رأسي يا جدي خصوصا لما أعرف إنه مختار لي زينة البنات."
".."
"ساكت يعني؟"
"بفكر يا جدي بفكر!"
"متفكرش يا ولدي بكرا تقول الله يرحمك يا جدي عطيتني زينة البنات."
"أنا مش عارف زينة البنات اللي حضرتك بتقول عليها دي شايفها زينة البنات على أساس إيه. بس حاضر يا جدي حاضر."
"بعد العشاء اطلع مع أبوك طوالي هنا عشان تطلبوها من عمك علي."
"طيب."
"روح لحالك."
".."
كنت حاسة إني نايمة وبحلم ورجلي مش شيلاني. هو وافق بجد؟ قومت بسرعة اتسحب خرجت من أوضة جدي ونزلت على بيتنا. لسه جاية أدخل سمعت صوت عمار عندنا.
"استني يا جويرية."
"ايوه يا عبد الرحمن؟"
"تعالي عمار عايز يكلمك."
حسيت إن هيجيلي ساكتة قلبية. فردت ضهري ومشيت ورا عبد الرحمن أخويا ووقفت جنبه. عمار كان متعصب جدا ومش طايق نفسه. كان باين عليه حتى لو هو بيحاول يخبي.
"اقعدي يا جويرية هروح أجيب الشاي وجاي عمار عايز يقول لك حاجة."
واول ما اخويا خرج عمار قرب لي وقال.
رواية انت عمري الفصل الثالث 3 - بقلم احمد محمود
كنت حاسة إني نايمة وبحلم، ورجلي مش شيلاني، هو وافق بجد؟ قمت بسرعة اتسحب، خرجت من أوضة جدي ونزلت على بيتنا.
لسه جاية أدخل سمعت صوت عمار عندنا.
"استني يا جويرية."
"ايوه يا عبد الرحمن؟"
"تعالي عمار عايز يكلمك."
حسيت إن هيجيلي ساكتة قلبية، فردت ضهري ومشيت ورا عبد الرحمن أخويا ووقفت جنبه. عمار كان متعصب جداً ومش طايق نفسه، كان باين عليه حتى لو هو بيحاول يخبي.
"اقعدي يا جويرية هروح أجيب الشاي وجاي، عمار عايز يقول لك حاجة."
"كنت فين؟"
"كنت عند جـ... كنت فوق، فوق السطوح."
"بتعملي إيه؟"
"كنت قاعدة."
"طب بعد كده شباك أوضتك اللي ع الشارع ده ميتفتحش، سامعة؟"
"ليه؟"
"من غير ليه؟"
"فهمني طيب!"
"امممم واضح إنها زينة فعلاً يا جدي، هي مرافعة ولا إيه الكلمة اللي اقولها تتسمع؟ بدل ما أجيب خشب ومسامير واقفل الشباك خالص."
"طيب حاضر."
"اتفضلي اخرجي."
"هاااا يا عمار قولت لها؟"
"اقول إيه يا عبد الرحمن؟ اقول لها النهاردة هتقدم لك وروحي قولي لجدك إنك مش موافقة؟"
"مش أحسن ما تتجوز أختي وإنتوا مش عايزين بعض يا عمار؟ طب أفرض اتعلقت بيك؟ أنا مش موافق ولا هسمح لحد يأذي أختي أو يجبرها على حاجة مش عايزاها. احنا فين هنا؟"
"دا اللي حولت افهمه لجدك بس هو رافض حتى يسمعني وبيكلمني بتهديد، يا إما أوافق يا إما يتبرى مني. معرفش بس حسيت كده من كلامه!"
"كمان!"
..
دخلت أوضتي وأنا عمالة أراجع تاني كلامه وحاطة إيدي على قلبي. مفهمتش هو ليه طلب مني كده! بيغير عليّ مثلاً ولا إيه؟ مفهمتش. تاني يوم عرفت إنهم اتجمعوا بليل عند جدي وطلبوني منه وجدي وافق. وبابا رجع من عند جدي مبسوط وفرحان. وأنا كالعادة مكنتش عارفة استوعب. هو اللي بيحصل ده جد وحقيقي ولا حلم وهفوق منه مكسورة؟ كان خلاص فاضل أسبوعين على التخرج. فاضل أسبوعين وأودع كليتي.
سمعت بابا وماما بيتكلموا عن كتب كتابي. يوم الجمعة الجاية. كنت عايزة اطلع اقول لهم بعيد يوم الجمعة لو ينفع خلوه النهاردة. حاولت أكون متزنة وامسك أعصابي. خرجت عادي من الأوضة كأني رايحة أشرب ومسمعتش حاجة. لاقيت بابا بينادي عليّ.
"أنا عايز افهم حاجة، جواز إيه اللي محدش سألك فيه عن رأيك ولا حتى فكرتي تعترضي؟"
"يا علي مش أبوك قال لك متفتحش معاها كلام في الموضوع ده."
"ماهي حاجة تجنن العاقل دي. ماقلتش أي حاجة ولا حتى أدنى اعتراض."
"طب وإنت زعلان ليه؟"
"مش زعلان بس مستغرب. ما تتكلمي يا بنتي."
"أنا هعمل شاي تشربوا معايا؟"
"شاي!"
"أيوه، عشان هدخل اذاكر."
"يا بنتي كتب كتابك الأسبوع الجاي مش عايزة تشاركي برأيك في حاجة؟"
كنت حاسة إني هقول لبابا إني معترضة على يوم الجمعة، وعيزاه النهاردة. استعنت بالله وهديت أعصابي.
"لأ، مش عايزة أقول حاجة بعد جدي."
"أموت وأعرف إيه اللي بينك وبين جدك؟"
"بعد الشر عنك يا بابا، هتشرب شاي؟"
"شاي إيه؟ اعملي كركديه عشان دمي فاير منك ومن جدك."
"من عنيا يا أحلى بابا."
"بنتك شكلها بتحب عمار يا علي!"
"بس هو شكله مبيحبهاش ومغصوب عليها يا أم عبد الرحمن!"
"ربنا يستر."
..
مكنتش مصدقة إن لمة الرجالة دي كلها عشاني أنا وعمار عشان كتب كتابنا. جدي رفض تكون خطوبة من غير عقد. عمار حاول معاه بس هو رفض. على قدر فرحتي بكل حاجة كانت بتحصل حوالي، على قدر الرعب والخوف اللي كنت فيه إن عمار يفضل رافضني كده، وميحاولش حتى يعرفني من جوايا ويكتشف قدر حبي له! بعد ما بقيت خلاص مراته، مش مجرد خطيبة ممكن يفسخ معاها في أي وقت!
"مبروك."
"الله يبارك فيك."
"هتروحي تنامي؟"
"مش هنخرج!"
"نخرج ليه؟"
"أقصد يعني تخرجني نتعشى سوا زي ما عبد الرحمن خرج هو وخديجة يوم كتب كتابهم!"
"عبد الرحمن وخديجة خرجوا يوم كتب كتابهم، عشان كانوا بيحبوا بعض. خرجوا عشان هما عايزين يخرجوا فعلاً، مش خارجين تمثيل!"
..
حسيت إن في حاجة بتحرقني في عنيا. لما دموعي نزلت على خدي واكتشفت إني ببكي ومش قادرة أرد عليه حسيت بوجع أكبر. حسيت إن كلامه انغرس في قلبي. مقدرتش اسمع منه ولا كلمة. قومت وسيبته دخلت أوضتي وقفلت الباب بالمفتاح. وعرفت إني محتاجة وقت كبير جداً عشان اخلي عمار يحس بي، ويعرف إني بحبه وهو كمان يبدأ يحبني!
تاني يوم كان عندي كلية. نزلت بدري قبل ميعادي بكتير. كنت عايزة اتمشى شوية وافكر في حياتي الجديدة. وقفت قدام النيل على الكورنيش. أول ما عنيا لمحت دبلة عمار نسيت أي حاجة كانت مزعلاني ومسببة لي ألم. مفتكرتش غير عمار حبيبي اللي امبارح بس بقى جوزي. حضنت إيدي اللي فيها دبلته وأنا بيتجدد جوايا أمل جديد إن ربنا هيساعدني مش هيسبني لوحدي وهيخلي عمار يحبني عشان هو وحده اللي بإيده قلوب العباد. رميت ورا ضهري أي خوف واستعنت بالله وأخدت بعضي ومشيت عشان ألحق اللي هعمله في الكلية لأن امتحاناتي كانت خلاص قربت تخلص.
بعدها بحوالي خمس ساعات رجعت البيت. مكنش فيه حد تقريباً. كان بابا وأخويا في شغلهم وماما وأخواتي كانوا في بيت جدي تحت كالعادة. دخلت أوضتي فكيت الحجاب وغيرت هدومي وروحت المطبخ أدور على حاجة آكلها. لاقيت طبق السيريلاك بتاع عبيدة ابن عبد الرحمن اخويا في التلاجة. كنت لسه هحضر أكل واسخن كسلت جداً. لاقيت الباب بيخبط جامد. من اللبخة خرجت افتح الباب والطبق في إيدي. عمار!
"في إيه؟"
"إنت متخلفة؟ رايحة تفتحي الباب بشكلك ده؟"
حسيت إني جالي فقدان في الذاكرة وحاولت افتكر أنا لابسة إيه. افتكرت وياريتني ما افتكرت. طلعت اجري على الأوضة. أو كنت لسه هجري لاقيته شدني من دراعي و..
رواية انت عمري الفصل الرابع 4 - بقلم احمد محمود
في إيه؟
إنت متخلفة، رايحة تفتحي الباب بشكلك ده؟
حسيت إني جالي فقدان في الذاكرة وحاولت افتكر أنا لابسة إيه. افتكرت وياريتني ما افتكرت، طلعت أجري على الأوضة. أو كنت لسه هجري، لاقيته شدني من دراعي.
"اِتهببي اقعدي هنا، ما إنت فتحتي الباب خلاص. إيه اللي في الطبق ده؟"
"ده أكل."
"بتأكلي إيه يعني؟"
"لا لا مش أكلي، دا أكل عبيدة."
"بأمارة ما شفايفك ملحوسة، امسحي امسحي. رايحة فين؟"
"مفيش حد هنا!"
"عارف مامتك وأخواتك تحت. أنا جاي عايز أكلمك، شوفتك وإنت طالعة. عايز رقمك صحيح، خدي سجليه هنا ورني علي عشان رقمي يظهر عندك وأبقى أسجله."
تليفوني كان على الكرسي جنبه، خوفت لو رنيت يعرف إني مسجلاه عندي بإيه.
"حاضر هسجله."
"رني كده، تليفونك اللي هناك ده، هاتيه."
"خلاص سجلته، خد."
"مرنتيش ليه؟"
"رن أهو معاك."
"خلاص هبقى أرن بعدين. المهم أنا كنت عايز أقول لك إني مكنتش أقصد أزعلك امبارح، يعني كنت بتكلم عادي، مكنتش أعرف إن الكلام هيضايقك بالشكل ده ويخليك تبكي."
"طول عمرك أصلًا مش فالح غير في كده."
"نعم قولتي إيه مش سامع؟"
"بقول لك محصلش حاجة عادي، كنت مضايقة بس شوية."
"طيب عايز أقول لك على حاجة تانية. أنا عارف إن الموضوع حصل فجأة وإن كل واحد فينا مخطط لحياته. واحنا عملنا كده عشان جدي اللي طلب مننا. إحنا ممكن نفضل مخطوبين لحد بس ما الفيزا تطلع ولما أقرب أسافر نفسخ الخطوبة وتقولي إنك مرتحتيش معايا عشان جدي ميزعلش مني."
"بس إحنا مش مخطوبين، إحنا كتبنا الكتاب امبارح ولا حضرتك نسيت؟"
"لا حضرتي منسيتش يا أم نص لسان. أنا حاولت أقنع جدي بخطوبة بس، لكن هو رفض ورأسه وألف سيف نكتب الكتاب. قال إيه عشان ناخد على بعض ونحب بعض."
"مش شايف إننا نستاهل فرصة؟"
"مين؟ أنا وإنت! خالص، مفيش أي كيميا بينا أصلًا."
"صح عندك حق. لو كان الأمر بإيدي أصلًا مكنتش أوافق حتى على خطوبة مش كتب كتاب. لكن المشكلة إن جدي اللي طلب ومقدرتش أرفض. لو سمحت أخرج عشان جاية من الكلية تعبانة وعايزة أنام."
"مش هتنزلي تتغدي معانا؟"
"لأ، نفسي انسدت."
"ما لازم تنسد في واحدة في سنك تأكل سيريلاك يا أم نص لسان."
"لو سمحت كفاية إهانة وأخرج بقى."
"إهانة مرة واحدة! أنا بهزر معاك على فكرة."
"ده ولا وقته ولا مكانه ولا حتى وضع هزار. لو بابا ولا عبد الرحمن شافوني وأنا واقفة معاك كده ومفيش حد في البيت هيقولوا إيه؟"
"عشان لابسة لبس قصير وشعرك مفرود ووشك ملحوس سيريلاك! لا متقلقيش مش هيقولوا حاجة، واقفة مع جوزك عادي."
"بتعمل إيه؟"
"استني متخافيش، كان فيه سيريلاك هنا بمسحه. امممم طعمه حلو."
"لو سمحت امشي."
"خلاص ماشي. بس انزلي اتغدي، عاملين أكل حلو جدًا تقريبًا بيحتفلوا بينا."
"لأ مش هنزل، أنا هدخل أنام."
"اسمعي الكلام. لو منزلتيش هجيب الأكل هنا وأكلك غصب عنك قدام عمي وعبد الرحمن. يلا أنا هنزل."
فضلت أراجع كل الأحداث اللي كانت بتحصل في اليومين اللي فاتوا، مكنتش عارفة أستوعب ولا أتخيل، هو حقيقة فعلًا ولا بتخيل؟
دخلت أوضتي وحاولت أنام شوية معرفتش. بعدها بثواني سمعت صوت رسالة على تليفوني، كانت منه. "عمار حبيبي". كنت مرعوبة يشوف أنا مسجلة اسمه بإيه. لاقيته كاتب لي: "لو منزلتيش تأكلي هنفذ كلامي وأكسفك يا جويرية، إنت حرة."
في ثواني كنت قايمة من على السرير ولبست هدومي ونزلت. مكنتش هستحمل أي موقف احتكاك تاني معاه. ممكن أقع وأعترف له بكل حاجة.
أول ما نزلت تحت في بيت جدي ودخلت الصالة لقيت..
رواية انت عمري الفصل الخامس 5 - بقلم احمد محمود
أول ما نزلت تحت في بيت جدي ودخلت الصالة لاقيته في وشي وبيبتسم بإنتصار عشان خلاني أنزل لأنه عارف إني خوفت ينفذ تهديده.
حاولت إني أصرف نظري عنه وأنسى إن الابتسامة الفظيعة دي مش لي.
أنا بس مقدرتش، لاقيتني ببتسم له بمنتهى الرضا كأن بينا حاجات كتير خاصة محدش يعرف عنها حاجة.
وكأن هو كمان حس بنفس الإحساس، فـ بطل يبتسم لي ورسم على وشه الجدية ومسك تليفونه يبص فيه.
لاقيت خديجة أخت عمار بتقول لي: "لابسة لبس خروج ليه؟ مفيش حد غريب هنا، روحي غيري وإلبسي لبس مريح ولا فكي حجابك يابنتي خلاص عمار مبقاش غريب ده جوزك!"
لسه جاية أرد عليها، لاقيت عمار وقف جنبي وسند بدراعه على كتفي، وحوط بيه الناحية التانية وقرصني في خدي وهو بيضحك وبيقول لي: "متسمعيش كلام أختي دي بالله لحسن بعد كده تنسي نفسك وتروحي تفتحي الباب لأي حد بلبس البيت زي واحدة صاحبتنا."
حسيت إن وشي بيخرج نار، وخديجة واقفة تبص لنا ومش فاهمة حاجة.
"على فكرة الهانم دي أكلت أكل ابنك."
"بالك على مين يا عمار؟"
"مراتي يا بنتي، أكلت السيريلاك بتاع عبيدة."
شدت منها الطبق بالعافية وأنا كمان دوقته، طعمها كان حلو على فكرة.
افتكرت هو يقصد إيه. بقيت واقفة محتارة فيه مش عارفة أفهم هو عايزنا مع بعض ولا مش عايزنا. كلامه معناه حاجة وتصرفاته بتقول حاجة تانية خالص.
لاقيت خديجة بتشاور بإيديها وبتقول: "مجانين والله، ربنا يستر." ومشيت وسابتنا.
وأنا تعصبت منه وشيلت دراعه من على كتفي، فضل ماسك إيدي ومش راضي يسبها.
"لو سمحت بطل هزارك ده لأنه بايخ جدا."
"أنا عملت حاجة؟"
"تقصد إيه من كلامك وتصرفاتك دي؟"
"أنا معملتش حاجة، إنتِ اللي مسكتي دراعي الأول."
حسيت بإهانة وكنت متعصبة منه. ولو كنت رديت عليه وقتها كنت هتكلم بصوت عالي وكلهم كانوا هيسمعوني. سيبت البيت وجريت. كنت هطلع شقتنا بس خوفت ألاقي بابا هناك ويشوفني وأنا بعيط.
طلعت على السطوح وقعدت أعيط.
لاقيتو طلع ورايا.
"أنا مش واقف بكلمك، بتسيبيني وتمشي ليه؟"
"أنا مش عايزة أتكلم معاك."
"يعني إيه مش عايزة أتكلم معاك؟"
"ومش عاجبني أسلوب معاملتك ده ولا هزارك. منين بتقول عايزنا نسيب بعض قبل ما تسافر، ومنين كل شوية تتكلم معايا وتضحك وتهزر وتخليني أتعلق بيك؟ ولا إنت بتتسلى لحد ما تسافر حاجة ببلاش يعني!"
رد وقال:
رواية انت عمري الفصل السادس 6 - بقلم احمد محمود
أنا مش واقف بكلمك بتمشي وتسبيني ليه؟
أنا مش عايزة أتكلم معاك.
يعني إيه مش عايزة أتكلم معاك؟
ومش عاجبني أسلوب معاملتك ده ولا هزارك. منين بتقول عايزنا نسيب بعض قبل ما تسافر، ومنين كل شوية تتكلم معايا وتضحك وتهزر وتخليني أتعلق بيك، ولا إنت بتتسلى لحد ما تسافر؟ حاجة ببلاش يعني!
احترمي نفسك. أنا لو مش عامل خاطر لجدي وعمي وأبويا وعبد الرحمن أخوك، أنا كنت كسرت عضمك دلوقتي على الكلمة اللي إنتِ قولتيها دي. أنا مقصدش كل القرف اللي إنتِ فهمتيه ده، أنا بهزر معاك زي ما بهزر مع أخواتي.
وأنا مش أختك. وقبل ما نكتب الكتاب مكنتش بتهزر معايا أصلًا. إيه اللي اتغير عشان تهزر دلوقتي؟
عادي، بس مش لدرجة إنك تفسري الموضوع بالشكل المقزز ده.
ملهوش معنى غير كده. واللي اتغير إني بقيت مراتك. وأنا مش هقبل باللعبة السخيفة دي. أنا مشاعري مش لعبة. مش عايزني يبقى نسيب بعض، مش تفضل تتسلى لحد ما تقرب تسافر على حسابي.
قولت لك اخرسي، متكرريش الكلام ده تاني. إنتِ شيفاني كده فعلًا؟
تصرفاتك بتقول كده.
وإنتِ عبقرية وبتفهمي أوي. حاضر يا ست المحامية المحللة العميقة، هنسيب بعض بس مش دلوقتي. شهر واحد بس عشان لما نسيب بعض يصدقوا إن فيه سبب سيبنا بعض عشانه. اتفضلي انزلي.
مش عايزة أنزل، أنا حرة. ومن هنا ورايح يبقى أحسن لو كل واحد بقى في حاله وملهوش دعوة بالتاني.
يبقى أحسن حاجة عملتيها. أنا غلطان إني كلمتك أصلًا.
***
قعدت أبكي على غبائي بدل ما كنت بحاول إننا نقرب من بعض ونكون أصحاب، بهدلت كل حاجة وبوظت حتى صورته في عنيا. دلوقت أو بعدين كان لازم ده اللي يحصل. فات حوالي شهر من غير ما نتكلم، وكنا بنتجنب نشوف بعض حتى لو صدفة. اتقابلنا كان كل واحد فينا بيلف عكس التاني. خلصت امتحانات ونتيجتي طلعت ونجحت، وحفلة التخرج قربت. الحلم اللي عشت عمري كله بحلم بيه إني بحضر حفلة التخرج وعمار معايا ماسك إيدي في إيده. حسيت إنه مستحيل، مش ممكن يحصل.
تاني يوم كان الجمعة، وكلنا كان متجمعين في بيت جدي تحت. لاقيت بابا بيبتسم وبيقول لي: "مش تباركوا لـ جويرية نجحت وحفلة التخرج كمان أسبوع؟"
"أحلى متر اسمها جويرية."
"لأ يا عبد الرحمن، قول إن شاء الله دكتورة."
"حبيبتك دي يا ست خديجة، طول عمرك تدافعي عنها حتى لما كان عمار يقول عنها بنص لسان كنتِ بتقفي له."
***
لاقيتني ببص ناحيته. كان باصص قدامه في الطبق كأنه مش واخد باله. لاقيته بيبص لي وبيقول لي: "مبروك."
"مبروك كده بس؟ ليه مش هتاخدها توديها حفلة التخرج؟ تروح معاها تحضرها وتجيبها؟"
"أنا عندي شغل يا جدي."
"تفضي نفسك يا ابن ياسر وتروح مع مراتك."
"حاضر يا جدي."
***
لاقيت فاتن أختي قرصتني في رجلي وغمزت لي وقعدت تضحك. بصيت لجدي وأنا في منتهى السعادة. لاقيته ابتسم لي في لمح البصر وابتسامته اختفت. كنت عايزة أقوم أحضنه وأقول له: "شكرًا يا جدي إنك موجود في حياتي." جدي كان هو أكتر إنسان غالي على قلبي. اتولدت على إيده، هو أول واحد شالني وسماني على اسم جدتي من حبه فيها. هو أكتر واحد فاهمني وعارف يعني إيه حب. أنا أخدت رزقي كله في جدي. ربنا ما يحرمني منه.
بعدها بأسبوع كان عمار واقف تحت البيت منتظرني. نزلت ركبت جنبه العربية. من كتر ما قلبي كان بيدق جامد، كنت خايفة يسمعه ويعرف حالتي. فجأة لاقيته قرب ناحيتي. قلبي كان هيقف. مد إيده وفتح طابلوه العربية كأنه كان قاصد يعمل الحركة دي عشان يغيظني. بس حاولت أفضل هادية ومبصيتش ناحيته. لاقيته ماسك علبة طويلة ومتغلفة كانت...
رواية انت عمري الفصل السابع 7 - بقلم احمد محمود
بعدها بأسبوع كان عمار واقف تحت البيت منتظرني.
نزلت ركبت جنبه العربية من كتر ما قلبي كان بيدق جامد كنت خايفة يسمعه ويعرف حالتي.
فجأة لاقيته قرب ناحيتي قلبي كان هيقف.
مد إيده وفتح طابلوه العربية كأنه كان قاصد يعمل الحركة دي عشان يغيظني.
بس حاولت أفضل هادية ومبصيتش ناحيته.
لاقيتـه ماسك علبة طويلة ومتغلفة كانت علبة هدية.
"اتفضلي."
"إيه دي؟"
"هديتك. مبروك على النجاح والتخرج. ودي هدية عادية جدا لبنت عمي ملهاش أي تفسير عشان دماغك متروحش لبعيد وتقعدي تفكري تفكير قذر."
"لو سمحت."
"أسف والله مقصدش. خديها بقى بدل ما هحدفها من الشباك."
"خلاص خلاص شكرًا."
"مش هتفتحيها؟"
"طيب."
"طب افتحيها. عمومًا خلاص براحتك متفتحيهاش."
"شكرًا على الهدية."
"عفوًا."
..
بعد حفلة التخرج رجعنا ركبنا تاني العربية عشان نرجع البيت.
لاقيتـه بيقول لي: "هااا بقى تحبي نروح نتغدى فين؟"
"مين؟"
"أنا وإنت يا جويرية!"
"ليه؟"
"عادي مش جعانة؟ إيه يا بنتي نروح نتغدى ونحتفل بيك كده بما إنك اتخرجتي وبقيتي متر على رأي عبد الرحمن أخوك."
"عايز تخرج معايا يعني؟"
"إنت مش عايزة تخرجي نتغدى سوا؟"
"لأ مش عايزة ياريت نرجع البيت."
"أنا غلطان إني سألتك أصلًا."
"رايح فين ده مش طريق البيت؟"
"هنروح نتغدى عشان أنا جعان."
"مش عايزة."
"بس أنا عايز اروح اتغدى عندك مانع!"
"خلاص بس أنا مش هاكل حاجة."
...
"بتهزر!! مطعم سوشي؟"
"لسه برضو مش هتاكلي؟!"
"إنت قاصد تجيبنا هنا بقى."
"بصراحة آه. مش بتحبي السوشي برضو؟"
"آه."
"يبقى انزلي بقى نتغدى وبلاش رخامة."
"طيب."
..
نزلنا المطعم اتغدينا وخلصنا وكان كل واحد سرحان ومحدش فينا اتكلم.
رجعنا ركبنا العربية تاني ومحدش فينا برضو فكر يتكلم.
وصلنا قدام البيت.
عمار ركن العربية وأنا نزلت ودخلت البيت.
لاقيتـه بيرن علي.
وقفت استنيته جوا لاقيته داخل وفي إيده العلبة.
"إيه مش عايزاها؟"
"أسفة نسيتها."
"مش هتفتحيها؟"
"ثواني هفتحها."
"إيه رأيك في السلسة؟"
"مفتاح!"
"آه. وحشة؟"
"لأ جميلة بس غريبة شوية أول مرة أشوف سلسلة على شكل مفتاح! هو فيه آه طبعًا منها بس أول مرة اشوفها وحد يهديها لي يعني."
"عجبتك؟"
"ايوه جميلة بس معناها إيه؟"
"وطلع وراها سر غريب."
رواية انت عمري الفصل الثامن 8 - بقلم احمد محمود
رواية انت عمري الفصل التاسع 9 - بقلم احمد محمود
في مكانٍ آخر...
كان مراد لا يترك "روان" لحظة منذ الشهور الماضية، بل أصبح كظلها، لا يفارقها إلا عند دخولها لجلسات الأشعة أو العمليات. كان يموت حرفيًا من الخوف كلما تألمت، ويشعر بألمها كأنّه يعيشه.
لم تتخيّل "روان" أنّ للحبّ هذا الشكل، تلك النظرة في عيونه كانت تخفف أوجاعها. اقترابه منها لحظة بكائها، وضمّه ليدها بين كفّيه، كان ينزع عنها كلّ الخوف والقلق.
أما "غادة"، فكانت تشعر أخيرًا بالراحة والطمأنينة على أولادها. حب مراد لروان كان واضحًا كوضوح الشمس، وكذلك أدهم، الذي لم يكن نصيبه منها بأقلّ حظًا، لذلك ظلّت تسجد لله شكرًا، ترجوه أن يديم الفرح في قلوب أبنائها.
---
في المساء...
استيقظ أدهم على طرقاتٍ خافتة على باب الغرفة. نادت "عشق" بنعاس:
– مين؟
ردّت الخادمة:
– أنا يا ست عشق، سيدي الكبير بيقول بيستناكم علشان العشاء.
– حاضر، ثواني ونازلين.
التفتت إلى أدهم بخجل، وسألته:
– ننزل ولا نكمل نوم؟
نظر إليها وهو يتأمّل هيئتها بشغف، وتمتم:
– بالنسبالي أنا... عايز حاجات كتير.
وقبل أن تفهم قصده، كان قد احتواها بين ذراعيه، وهمس بشوق:
– خلّيكِ في حضني شويّة، لأني مسافر الفجر.
رفع يده ليميل شعرها إلى كتفها، واقترب ليقبّل عنقها بلطف، فأغمضت عينيها. كانت تعيش معه مشاعر جديدة لم تعرفها من قبل. لكن قبل أن يتعمّق أكثر، أبعدها وهو يزفر بقوة، محاولًا السيطرة على نفسه، وقال بأنفاسٍ متقطعة:
– يلا ننزل... لو طولت مش ضامن نفسي، ومش هسيبك غير وإنتي مراتي!
قامت بتوتر، وارتدت عباءة سماوية وحجابًا بدرجة أفتح، فأصبحت كالملاك، يتناسب اللون مع عينيها تمامًا. شعر بالغيرة، فقد كانت تخطف الأنفاس، رغم أن عباءتها طويلة وواسعة، لكنها لافتة جدًا، فسألها بضيق:
– هو مافيش غير العباءة دي؟
نظرت لنفسها في المرآة ثم إليه وسألته:
– لو مش عاجباك أغيّرها؟
هتف بصدق:
– عاجباني جدًا... بس مش حابب حد غيري يشوفك بيها.
أومأت بهدوء:
– حاضر، ثواني وأغيّرها.
دخلت وغيرت عباءتها، ثم خرجت إليه. وحين أطلّت عليه، استغفر في سرّه:
(أعمل إيه أنا؟ الوقت مش مناسب! أنتي منوّرة، مش محتاجة تلبسي فاتح أصلاً!)
تمتمت "عشق" بحيرة:
– مفيش غيرهم يا وقت!
جذبها من يدها وتحرّك خارج الغرفة وهو يتمتم:
– ربنا يستر، ويعدّي اليوم ده على خير، بدل ما أرتكب جناية! وبدل ما حبل الود يتصل بينك وبين أهلك، أولّع فيه وأخفيه!
لم تفهم مقصده، ففضّلت الصمت وتحركت جواره.
نزل وهو يحتضن يدها بين يديه، جميلة تخطف القلوب. الجميع كان يتأملها، ما جعلها تشعر بالخجل، أما هو، فشعر بغيرة قاتلة، ولعن نفسه لأنه أتى بها وسط هذا العدد من الرجال.
هتف الجد بلهفة:
– تعالي يا جلب جدّك، تعالي جاري!
جلست بجواره، وأدهم بجانبها.
قال فهد:
– جهّزت لك نصيبك من ورث أبوكي، شوفي عايزة كيف.
أجابت بهدوء:
– ماجيت هنا علشان مال، أنا كل اللي بتمناه العيلة بس. مش عايزة ورث، عايزاك إنت وعمامي... عايزة دفء وحماية وبس. الفلوس آخر همي، بتدبّر بأي حاجة.
رفض الجد بشدة وقال بإصرار:
– بس ده حقك، ومافيش حد يكسر كلمتي يا بنت محمود!
تنهدت محاولة كسب رضاه:
– خلاص يا جدي، لو مصمم... ممكن نعمل مشغل يفتح بيوت للناس اللي محتاجة. والمكسب نكفّل بيه أُسر اليتامى والمحتاجين، ودي تبقى صدقة جارية على روح بابا وأخواتي، أو نعمل مستوصف لعلاج غير المقتدرين. لكن أنا مش هاخد فلوس.
انبهر الجد بتفكيرها غير المتوقع، وقال بفخر:
– نعمل كل اللي نفسك فيه، بس ورثك زي ما هو، مش هتيجي ناحيته. ونسمي المستوصف باسم ابني وأحفادي.
أُعجب أدهم بالفكرة وقال:
– وأنا عايز أشارك، سواء في ده أو ده.
أما فهد، الصخرة التي يُهاب حضورها، فتحدث بفخر حقيقي:
– يا عشق، أنا فخور بيكِ. كنت خايف يكون تفكيرك زي بنات البندر، اللي بيحبوا المظاهر ويجروا ورا شهوة المال. أكيد مش كلهم كده، بس الأغلبية... والحمد لله إنك طلعتِ إنسانة. وجودك شرف لأي مكان تدخليه.
ردّت بابتسامة امتنان:
– دي شهادة أعتز بيها يا أبيه.
تدخلت "قمر" بفضول:
– ممكن تحكي لنا عرفتي البشمهندس أدهم إزاي؟
نظرت "عشق" وأدهم لبعضهما وابتسما بتلك البسمة الحنونة التي تعيدهم لأول لقاء رغم صعوبته، وبدأت بسرد ما حدث ذلك اليوم...
استمع الجميع باهتمام.
– في ناس بتجري ورايا علشان تأذيني، وهو خلّصني منهم.
قاطع كلامها صوت مروان المتعجّب:
– يجروا وراكي ليه؟
– بعد وفاة بابا، الراجل صاحب المحل سحبه مني، لأني كنت صغيرة ومش هعرف أديره. بس اتصرّف في البضاعة، وعطاني حقها.
ومع مرور الوقت، الفلوس خلصت، والمعاش كان بالكاد يكفي مع الإيجار والدراسة، فاضطريت أخرج أشتغل علشان أقدر أتكفل بنفسي. كنت بشتغل بعد الكلية.
نظر الجميع لبعضهم بخزي، فهم أصحاب ملايين، وابنتهم تعمل حتى تحصل على قوت يومها.
لم تلاحظ تأثرهم بكلامها وهي تكمل:
– اشتغلت سكرتيرة في مكتب استيراد وتصدير، بس صاحب الشغل كانت عينه زايغة.
حاول بكل الطرق إنه يقرب مني، وأنا كنت بصد بعنف.
حاولت كتير وأنا شغالة معاه أشوف شغل في مكان تاني، بس للأسف مرتبه كان مغري.
اتاريه عامل كده علشان يجذب البنات ويستغل احتياجهم. وأنا كنت مضطرة أتحمّل، علشان المرتب كان كويس، وفي نفس الوقت مش مأثر على الكلية.
وفي يوم، اتصل بيا الساعة بليل، عايز ملفات مهمة بتاعة مزاد.
اعتذرت، ووصفت له مكانها، غضب، واتحجّج إنه مش لاقيها، ولو ما رُحتش، أعتبر نفسي مرفودة.
بصراحة، أنا ماكنتش حمل أخسر الشغل ده.
المهم، قال إنه عايز يرجّعها في الوقت ده، وأنا الصبح بكون في الكلية.
أونكل ناجي وطنط فتون خافوا عليا وقالوا: "سيبي الشغل أحسن."
فهمتهم إن المرتب ما أقدرش أعوّضه.
روحت وجبت الملفات، بس طريقته وضّحت ليّا الوضع، وإنه مش عايز الملف... كان ليه غرض تاني، ومجهّز كل حاجة، ورجّالته كانوا واقفين برّه لأي طارئ.
لقيته قريب مني، ونظرته مش مريحة.
سحبت تمثال نحاس كان على مكتبه، وضربته على راسه.
صفيت دمه، وخرجت بهدوء علشان رجّالته ما يشكوش في حاجة.
بلغتهم إنه مش عايز إزعاج، بصّوا لبعض، وطبعًا استغربوا، بس أنا مثّلت الدور كويس، خوفت لو حسّ بحاجة يمسكني لحد ما يفوق.
خرجت أجري بأقصى سرعة، بس لقيتهم ورايا.
فضلت أجري لحد ما لاقيت نفسي واقعة قدام عربيات الحرس بتاعة أدهم.
ودي كانت أول مقابلة بينا، ومن يومها وإحنا مع بعض.
شعر أولاد أعمامها بالغضب، وتمنوا لو يخلعوا عيونه وقلبه.
أما الجد، فكان شعوره مختلفًا.
غزاه ألم شديد في قلبه، وشعر كأن روحه تُسحب منه.
قام وطلب من عشق أن تأتي خلفه إلى غرفته.
دلفت خلفه وأغلقت الباب، وقبل أن تتحرّك، كان قد جذبها في حضنه وظل يبكي بحزن وتأنيب ضمير، فلو سامح ابنه على فعلته، ما حدث كل ذلك.
ظل يعتذر منها حتى تسامحه، لأنه قصّر في حق ابنه وحقها.
لم تتحمّل انهياره وهو بهذا السن، لذلك هتفت بدموع:
– كل ده نصيب يا جدي، أنت مالكش ذنب فيه، صدقني.
– هو برفضه، لا ليّا، إيه اللي حصل؟ اتجوّز عادي، عندنا الراجل يتجوّز واحدة واتنين.
كنت خايف تاخده مني، وهددته بحرمانه من الميراث.
مافيش حاجة خلّيته يفرّط فيها، لحد تهديدي إني أدور عليها وأقتلها، خلاه يبعد عن عيوني، وساب كل حاجة، لأني خُفت عليها.
ما عدتش عرفت طريقه، خفت تأخده مني، ضيّعته بإيدي.
جاه وطلب السماح لما عرف إنها حامل، وتحايل عليا يرجع علشان ولده يتربّى وسطنا، ووعدني إنه يعدل بينها وبين نعمة، بس الشيطان كان واقف قدامي.
هددت تاني بقتلها.
جالي لما ولدت، وكان نفس ردّي.
ودي كانت آخر مرة أشوف ولدي... اختفى من يومها.
كان حريص جدًا، بعت ناس وراه علشان أعرف مكانه، بس كل مرة يختفي كأنه فص ملح وداب.
وتقولي ماليش يد؟!
إزاي؟ ده أنا دم ابني ومراته وولاده على إيدي ليوم الدين.
كأن ربنا انتقم مني على ظلمي لابني ومراته، لأني كنت فعلًا ناوي أذيها، لأنها سحرت لابني وخلّته يعصاني.
وهو الأقرب لقلبي.
جالي يا منشاوي: مش أنت رافض ولدك وأحفادك؟ أنا خدتهم منك... موت بحسرتك عليهم.
قالت عشق بعقل وهدوء:
– أنت مؤمن يا جدي، وعارف إن كل شيء نصيب.
وأنت كنت مجرد سبب في حكمة ربنا وتدبيره.
ربنا اسمه "الحق"... استغفر كتير يا جدي على سوء ظنك بيه.
وأنا الحمد لله راضية بنصيبي، وبعد الضيق فرج، وربنا فرّجها بزوج مافيش زيه في الكون، وعيلة كبيرة وجميلة، وأنا حبيتكُم قوي.
اهدأ، واستغفر ربنا، وادعيله بالرحمة.
*********
---
عرض فهد على أدهم أن يخرجا لرؤية إسطبلات الخيل،
لكنه رفض، وعلت وجهه نظرة قلق وهو يقول:
– "لا... عايز أطّمن على عشق الأول."
فهد طمأنه وهو يربت على كتفه:
– "ما تقلقش، بس جدي متألم من اللي حصل معاها، وإحنا موجودين على وش الدنيا. تعال نمشي شوية، ولما نرجع يكونوا اتصافوا."
ذهبا إلى الإسطبل، واختار كلٌّ منهما حصانًا. تسابقا، وتبادلا الحديث حول الأعمال.
أخذ كلٌّ منهما فكرة عن عمل الآخر، وبرغم قِصر الوقت، شعر كلاهما بألفة تقرّب بينهما.
يشتركان في الشخصية القوية، والذكاء، والهيبة.
عاد أدهم بعد ساعة، فوجد عشق جالسة بين زوجات أعمامه.
حرّك شفتيه بصمت وهو يهمس:
"وحشتيني."
فتورد وجهها من الخجل.
لاحظ فهد ما حدث، فقال ممازحًا:
– "سيب البنت في حالها."
رد أدهم بغمزة:
– "اللي غيران مننا... يعمل زينا."
ضحك فهد برجولة وقال:
– "أنت رايدني أتقطّع تقطيع يا ولد؟ عندنا العشق عيب!"
لكن قبل أن يرد عليه، سمع أدهم صوت المنشاوي الكبير يناديه، يطلب الحديث معه على انفراد.
وبعد مرور نصف ساعة، استأذن أدهم لأنه سيسافر فجرًا.
وقفت عشق، وتوجهت معه إلى الأعلى في صمت، شاردة الذهن، تفكر:
"على أي وضع ستنتهي قصتهم؟"
---
عند أذان الفجر، قامت عشق لتؤدي فرضها، فوجدت أدهم جالسًا على الفراش.
سألته بقلق:
– "مالك صاحي؟ ليه الوقت؟"
تأملها بحب، وكأنه ينقل مشاعره بعينيه وهمس:
– "هتوحشيني يا عشق... أنا هصلّي الفجر ومسافر."
قالت بخوف:
– "أدهم، أوعى تنساني."
اقترب منها، وحرك أنامله على وجهها بحنان:
– "عمري ما أقدر أنساكي. أنتي النفس اللي بتنفسه، والدم اللي بيجري في وريدي، والقلب اللي بينبض بين ضلوعي."
صلّيا الفجر، وارتدى ملابسه، وهي تنظر له بشوق واضح.
ابتسم وهو يقول:
– "لا... عشق هانم كده خطر! ونظرتك دي ليها معاني كتير، وأنا أضعف من إني أقاومها."
ارتمت على صدره تحتضنه، فرفعها بين ذراعيه وضمها بقوة، وهمس:
– "متخافيش يا حبيبتي... أنا ما صدّقت لاقيتك، ومش ممكن أفرّط فيكي أبدًا."
اقتربت من أذنه وهمست:
– "أنا بحبك."
نظر في عينيها بصدق وقال:
– "وأنا بعشقك."
ثم تركها، يشعر وكأن روحه تُسحب من جسده.
أما هي، فكان قلبها منقبضًا بشكل غريب.
---
نزلت نعمة، فوجدت عشق تجلس شاردة، وعلى وجهها علامات الحزن.
– "مالك يا عشق؟ ليه قاعدة كده؟"
وقفت عشق فجأة، وارتمت في حضنها، وظلت تبكي.
ضمّتها نعمة بكل حب وسعادة؛ لطالما تمنت هذا الشعور، أن يكون لها أبناء يرتمون في حضنها وقت الضعف.
جميع أبناء العائلة يعاملونها كأم، لكن إحساسها الآن مختلف، فهي تحتضن قطعة من عشقها التي رفضت الزواج بعد ترك أدهم لها.
مسحت على ظهرها وسألتها برفق:
– "إيه يا حبيبتي؟ ليه كل ده؟ إيه حصل؟"
ردت عشق ببكاء:
– "أدهم وحشني... وخايفة ينساني."
ضحكت نعمة على طفولتها، وضمّتها أكثر:
– "كل ده علشان سافر؟! بكرة يرجع بالسلامة."
أزالت دموعها بيدها وقالت:
– "وبعدين، مين يقدر ينسى القمر ده؟ الكل حبك من أول يوم!
تخيلي اللي معاكي من شهور... اهدي كده، وادعي له ربنا يرجّعه بالسلامة."
ثم جذبت يدها بحنان وقالت:
– "يلا نشوف، الخدم جهزوا الفطار ولا لسه؟"
---
كان أدهم يجلس في سيارته، شاردًا... يفكر في من ملكت روحه.
"مش قادر... دي وحشتني، وأنا لسه سايبها من ساعتين! إزاي أقدر أتحمل أسبوع؟"
صوت عقله:
– "لا، اجمد! أنت عمرك ما كنت ضعيف، متخليش حاجة زي دي تأثر فيك. خليك عقلاني، متخليش قلبك يتحكم فيك."
وصوت قلبه يرد:
– "برفض! لا... عشق مش زي أي بنت! لو كانت زي فرح، ما كانتش هتسيب ورث بالملايين، وتفكر في الأيتام."
رفع هاتفه، واتصل بصديقه، ليفضفض له عمّا يجول بخاطره ويعكر صفو حياته...
علّه ينتشله من دوامة قلبه، ويدلّه على طريق الصواب.
*****
---
في مستشفى ألمانيا
كان يتابع دكتورة العلاج الطبيعي وهي تقوم بجلسات لروان، التي تألمت كثيرًا؛ فالعلاج الطبيعي كان أشد إيلامًا من العملية التي أجرتها.
قفز مراد بسرعة عندما بكت من الألم، ورفضت إكمال الجلسة:
– كفاية، أنا خلاص تعبت!
اقترب منها يضمها، وهو يردف بعشق وتملُّك:
– هش، خلاص يا قلبي... كفاية، بس بلاش دموع.
وطلب من الطبيبة أن تكتفي بهذا القدر لهذا اليوم. نظرت إلى انهيار روان، فوافقت وخرجت من الغرفة بصمت.
قالت روان ببكاء:
– أنا تعبت يا مراد... مش قادرة والله أكمل، غصب عني، الوجع فوق احتمالي.
حملها مراد بين يديه وتوجّه بها إلى غرفتها:
– خلاص يا قلب مراد، براحتك، ولو مش عايزة تكمّلي، مش هنكمّل. أهم حاجة عندي إنك تكوني مرتاحة.
وضعت رأسها على صدره من التعب، وأغمضت عينيها وهي تشعر بالأمان.
"ماذا فعلتُ حتى يكون مراد نصيبي؟" تساءلت داخلها، وهو نعم الزوج والحبيب الذي يحتويها بحبه وحنانه.
ولو كانت حكمة الله من تلك الحادثة هي ترك وائل لها لتصبح من نصيب مراد، فنِعْمَ تدابير الخالق عزّ وجلّ.
(تحسبه تدميرًا، وهو تدبير).
تحدّثت روحها بحزن على ما فات:
"كنتُ عمياء... إزاي عن العشق اللي في عيونه ليا لوحدي؟"
لقد رأت نظرات الممرضات له؛ فوسامة مراد شرقية، بشرته قمحية، عيناه عسليّتان، جسده رياضي.
هو وأخوها دومًا يهتمّان بصحتهما، ويمارسان رياضات مختلفة، ولم يقتربا من التدخين يومًا.
ورغم جمال الممرضات، لم يهتم بنظراتهن، وكانت عيونه لا ترى سواها.
أجلسها على السرير بهدوء، ودثّرها جيدًا، ثم انحنى وقبّل رأسها.
رنّ هاتفه باسم "أدهم".
غطّاها جيدًا، وقال:
– ارتاحي الوقت، وأنا هخرج أردّ على أدهم وراجع.
هتفت بتعب:
– سلّم عليه كتير... هو وعشق.
---
فتح الخط وهو يردف بسعادة:
– أدهم باشا! فينك يا راجل؟! أنت نسيتنا خلاص؟
أتاه صوت أدهم متعبًا وحزينًا:
– حد ينسى أهله؟ بس مشغول شوية... أنت عارف.
تسلّل القلق إلى قلب مراد، وسأله بلهفة:
– مالك يا أدهم؟ صوتك متغيّر ليه؟ فيك إيه يا صاحبي؟
أجاب أدهم بتنهيدة حارقة:
– تعبان يا صاحبي... ومش عارف آخد قرار.
– بعشقها... وكل ما أقرب منها، أشوف أحمد بينا.
نفسي أكمل حياتي معاها، نفسي أحب وأتحب، وأكوّن أسرة زي الناس الطبيعية...
كل ما أسمع صراخ أحمد ووعدنا ليه، أحسّ إني خاين.
قال مراد بحزن على حال صديقه:
– وبعدين معاك يا أدهم؟!
قولنا عشق غير فرح، وده نصيب.
ولو كان أحمد عايش، كان هو أول واحد يشجعك ويفرح علشانك.
– قلوبنا مش بإيدينا. سيب نفسك يا صاحبي... البنت تستاهل إنك تديها فرصة تانية، وتعيش حياتك.
أوعي تظلمها، هي مالهاش ذنب في أي حاجة.
ثم تذكر ظهور أهلها وسأله باهتمام:
– عملت إيه مع أهلها؟
تنهد أدهم وهو يتذكر ما حدث:
– متخيل تعمل إيه؟!
قابلتهم كأنهم مش غلطانين في حقها، ولو كنت شوفتها... تقول طفلة.
مافيش جوه قلبها حقد ولا كره، قلبها أبيض، حتى ورثها رفضته رغم إنه ملايين!
مراد:
– بالتأكيد! شوفت؟! مش قولتلك؟
قال أدهم بحيرة:
– جدها عايز يعمل لها فرح في البلد علشان الناس تعرف إنهم جوزوا حفيدتهم، وأنا لسه مش قادر آخد الخطوة دي.
وفي نفس الوقت، خايف رفضي يكسرها.
تكلم مراد بسعادة:
– خلاص كده... ماعُدش عندك حجة.
ابتسم أدهم على حماس صديقه:
– أنا مستناك... مش هعمل حاجة من غير وجودكم.
هانت يا صاحبي... كلها أسبوعين ونرجع ونكون مع بعض زي الأول.
أراد أن يوصيه على أمه وأخته، رغم ثقته التامة في رجولة ونخوة صديقه:
– إن شاء الله... أمي وأختي أمانة معاك.
عارف إن روان ممكن تكون زعلانة مني، لأني مزرتهاش في الفترة دي غير كام مرة، بس قولها تسامحني.
تحدّث مراد بهيام:
– دول في عيون قلبي يا أدهم.
روان عمرها ما تزعل منك... أنت مش أخ، أنت كنت ليها أب وأخ.
---
في غرفة نعمة
كانت تتحدث مع صورة زوجها، التي تحتل ركنًا كبيرًا على حائط غرفتها:
– أنا مش زعلانة منك يا محمود.
بعد ما شوفت بنتك، تأكدت إن كان ليك حق تجري وراها، وإن ده غصب عنك.
إذا كنا كلنا اتعلّقنا بيها من يوم واحد، أنا مش قصدي الشكل خالص، رغم إنها تبارك الخالق فيما خلق،
بس أنا أقصد روحها... طيبة قلبها.
– حاسة إني أعرفها من سنين... يمكن لأنك موجود بروحها.
سمعت طرقًا على الباب، فأذنت بالدخول بعد أن مسحت دموعها.
وجدت عشق تقف أمامها بخجل:
– ممكن أنام معاكي النهاردة؟
– طبعًا يا حبيبتي... دي غرفة محمود، يعني غرفتك.
دخلت عشق تتأمل كل شبر بها، وهي تسألها:
– دي غرفة جوازك إنتي وبابا، مش كده؟
مرّت عينا نعمة شوقًا لتلك الأيام، وهي تهتف:
– آه يا حبيبتي...
وقفت عشق أمامها تسألها:
– كنتِ بتحبيه؟
أجابت نعمة بخجل:
– كان حب الطفولة والمراهقة والشباب.
– يااه... كل ده؟!
جلسوا سويًا على الفراش، وبدأت نعمة تقصّ عليها قصة حبها لوالدها:
– كنت بحب أشوفه وهو ماشي بالفرس بتاعه. كنت طفلة صغيرة، معرفش حاجة غيره.
وقتها، كنت تحت رحمة ربنا.
رفعت أناملها على وجنتي عشق:
– إنتِ واخدة حنيته وطيبة قلبه.
كان يهتم بالكل، رغم إنه أصغر إخواته، لكنه كان خدوم جدًا.
مافيش حد يقصده في حاجة ويتأخر عليه أبدًا.
– عمي كان متعلق بيه أكتر من الكل، وكان بيخاف عليه من حنيته الزايدة، علشان محدش يستغله أو يأذيه.
– كل يوم كان بيعدي عليا، بتعلق بيه أكتر.
ولأني كنت لسه طفلة، فهمت اهتمامه وحنيته عليا على إنه حب،
وفضلت أرسم وأتخيل حياتي معاه لما أكبر.
– لما جه يدخل الجامعة، عمي صمّم يكتب كتابه عليا.
كنت أسعد واحدة في الدنيا، رغم إني لسه صغيرة، وماوصلتش سن كتب الكتاب،
بس ده كان منتشر وقتها.
البنت اللي تجيب 18 سنة من غير جواز، يقال عليها "قطر الجواز فاتها".
– لكن عمي حب يربطه بالبلد، خاف عليه من الدنيا الواسعة والبنات الحلوة ياخدوه منّي.
– في سنة تانية جامعة، عمي طلب نعمل الفرح والدخلة، لكن محمود رفض بقوة.
وكانت دي أول مرة يوقف فيها في وش عمي، وأول مسمار في فراقهم.
رواية انت عمري الفصل العاشر 10 - بقلم احمد محمود
محمود في الأول رفض، بس وافق بعد محايلة الكل.
وهو في تالتة كلية، رجع وقال لعمي إنه بيحب واحدة وعايز يتجوزها.
عمي اتعامل مع طلبه كأنه احتلال اليهود لمصر! غضب، واتخانق معاه من الأول، وعاند جدًا قصاده.
ولما لاقاه مصمم، قاله:
ـ "هحرمك من الميراث!"
محمود رد عليه بهدوء:
ـ "عادي، ما تفرقش، هشتغل وأصرف عليها وعلى كليتي."
عمي قاله:
ـ "هتبرى منك! ولا أنت ابني، ولا أعرفك."
ورغم صعوبة ده على عمي، بس كان كل غرضه إن ابنه يخاف على زعله ويرجع لحضنه تاني.
لكن أبوكِ كان متعلق بيها جدًا.
وكلنا قلنا: "سحرتله المصراوية، علشان يوقف في وش أبوه، وهو روحه فيه!"
غاب عن البلد سنة بحالها، وبعدين رجع علشان جدك يتقبل مراته.
عمي رفض، وهدده إنه لو شافها "هيجتّلها" ويخلص من سحرها.
ومن يومها، ماحدش شافه ولا سمع عنه خبر، غير من كام شهر...
مسحت دموعها، فليس من السهل أن تعيد أحداث رفض زوجها لها، وتفضيله لأخرى عليها.
عشق: طب ليه ما طلبتيش الطلاق وشوفتي حياتك؟
الأم: (بحزن) وِإيه عيشتي وحياتي من غيره؟
عشق (وهي تحتضنها بحنان): أنا بنته، ومن ريحته... وياريت تعتبريني بنتك.
أمل مصطفى
ضمتها نعمة بحب أمومي:
ـ "طبعًا، أنا بشوف روحه فيكي."
عشق: يعني ممكن أقولك "ماما نعمة"؟
ـ "أنا اللي بتمنى تقوليها... وعايزة أسمعها منك على طول."
عشق: طيب يا ماما، ممكن أنام في حضنك النهارده؟
ضمتها نعمة بحب:
ـ "طبعًا يا روح ماما."
وناموا بهدوء...
بعد ساعتين، سمعت عشق أزيز تليفونها، قامت بهدوء علشان ما تصحيش نعمة، اللي قلقت فعلًا من حركتها، وتوجهت لباب البلكونة.
ردت بصوت ناعم ورقيق:
ـ "ألو؟"
وصلها صوت تنهيدة حارة، وتلاها صوته:
ـ "وحشتيني يا عشق... وحشتيني لدرجة إني عايز أركب طيارة وأجيلك، آخدك في حضني علشان أهدا وأعرف أنام."
سكت لحظة، وبعدين كمل:
ـ "كام ساعة وهتجنن، مش عارف أعمل إيه... أول مرة أحس بالضعف والعجز ده."
ولما ما ردتش، ناداها:
ـ "عشق؟"
حاولت تسترد نفسها من حالة التيه اللي دخلتها بسبب كلماته المليانة شوق.
هي ما كانتش متوقعة إنه يتذكرها أصلًا.
ـ "آه، آه... أنا سمعاك، بس مش مصدقة إنك بتقول الكلام ده ليا! كأن حلمي أخيرًا اتحقق وبقى واقع."
ـ "حلم إيه؟" (سألها بحب)
تمتمت بتوتر، لأنها ما كانتش ناوية تكشف سرها الكبير:
ـ "بعدين أحكيلك..."
ـ "أنا عارف إنك اندمجتي مع عيلتك ونستيني، لأنك لاقيتي حد يعوضك غيابي." (قالها بحزن)
قالت في سرها: "ألم يعلم حتى الآن مكانته في قلبي؟ هل قصّرت في إظهار مشاعري؟"
بحثت في تليفونها، وهو لسه على الخط، وبعتت له أغنية (نسيت أنساك) لفضل شاكر.
ـ "الأغنية دي تعرفك مشاعري إيه في غيابك."
سمع كلمات الأغنية، وابتسم:
ـ "بجد يا عشق؟ يعني مفيش حد قدر يعوض غيابي؟"
ـ "أبدًا، لو بين مليون شخص، مفيش حد يعوض غيابك يا حبيبي."
أرسل لها أغنية (أنا اشتقتلك)، وسمعتها عشق وهي بتلف بتليفونها في سعادة كبيرة، وحضنت التليفون بقوة.
يجب عليه توضيح كل شيء، وإخبارها بحقيقة مشاعره... فهو يتظاهر باللامبالاة، لكنه ينصهر من شدة انجرافه نحوها.
ـ "عشق، لما أرجع... عايز أتكلم معاكي كتير."
ابتسمت بحب، كأنه شايفها:
ـ "أنا كمان يا أدهم... عايزة أحكيلك حاجات كتير جدًا، وتعرف حقيقية مشاعري ناحيتك."
ـ "أشوفك على خير."
ـ "وإنت من أهل الخير."
---
عادت عشق لأحضان نعمة، نامت زي الأطفال... بلا هموم.
استيقظت في الصباح، وما لقيتش نعمة جنبها.
قامت، اتوضّت، وصلت فرضها، ونزلت بسعادة تنادي:
ـ "ماما نعمة! يا ماما... إنتي فين؟"
خرجت نعمة من المطبخ، وقلبها بيطير من السعادة.
الجميع بيناديها باللقب ده، لكن لأول مرة تحسه من عشق...
عشق اللي هي قطعة من قلبها، ومن زوجها المرحوم.
ـ "أنا هنا يا قلب أمك... تعالي."
اقتربت منها عشق، وقبلتها:
ـ "صباح الخير يا ماما."
ـ "صباح النور يا قلب ماما."
ـ "ليه يا ماما نزلتي من غير ما تصحيني؟"
ـ "قلت أسيبك ترتاحي... وضحكت، لأنك طولتي في السهر امبارح."
ـ "هو حضرتك كنتي صاحية؟" (قالتها بإحراج)
ضحكت على خجلها، وردّت:
ـ "ربنا يسعدك يا حبيبتي."
ـ "طيب يا ماما، شوفي محتاجة أساعدك في إيه؟"
ـ "روحي صبّحي على جدك."
---
توجهت إلى غرفة جدها، طرقت الباب، فأذن لها بالدخول. دخلت بابتسامة وقالت: "صباح الخير يا جدي".
رد الجد بفرحة كبيرة، إذ لم تزرْه منذ سنوات طويلة: "صباح الورد والياسمين على قمر عائلة المنشاوي". اقتربت منه، وانحنت لتقبّل يده، فضَمّها إلى حضنه بحب وحنان قائلاً: "نورتي بيتك وأهلك، ورجعتي لجدك روحه".
قالت: "منور بيك يا جدي، أنت وعمامي. ما تتخيلش أنا فرحانة قد إيه بوجودي بينكم. الأهل والعزوة حاجة جميلة جدًا، حرمت منها سنين طويلة، بس الحمد لله ربنا عوضني أخيرًا".
مدّت يدها تساعده على الخروج، فقال ضاحكًا: "هو أنتِ فاكرة جدك خلاص عجز؟ لا والله، أنا بقيت شباب بشوفتك".
أضاف: "بس ده ما يمنعش أني أمسك القمر بيدي".
ابتسمت له وهي تهتف: "ربنا يعطيك الصحة والعافية يا جدي".
توجهت للخارج، فوجدت الجميع يتابع خروجهما بعيون مخدّرة من صوته الذي ارتفع بالضحك لأول مرة منذ وفاة ابنه، الذي كان دائمًا سبب ضحكته. كان قويًا، حادًا، صارمًا مع الجميع، إلا مع ابنه محمود؛ كان يتغير ليصبح لينًا، حنونًا.
وكان الكل يتعجب من شخصيته تلك التي لا تظهر لغيره. لذلك، كل من أراد شيئًا يطلبه من محمود، لعلمهم بتأثيره على والده.
جلس الجد على طاولة الطعام، ه الجميع باحترام.
قالت عشق: "صباح الخير".
رد الجميع: "صباح النور".
وجهت سؤالها لابنة عمها: "ها يا خلود، مستعدة نبدأ النهاردة؟".
أجابت خلود: "موافقة طبعًا، خليني أرتاح من عذاب المادة دي".
قالت عشق: "خلاص، بعد الفطار جهزي نفسك إنتِ وياسمين".
قال زين: "إيه رأيك يا شوشو أفسّحك النهارده في البلد؟".
قالت عشق: "بجد؟".
رد زين: "بجد طبعًا".
صفقت بيديها تحت صدمة الجميع من تصرفها، وقالت: "وأنا موافقة". لكن ملامحها تغيرت بتفكير.
تحدث فهد بسؤال: "مالك يا عشق؟ شكلك اتغير، ليه؟ في حاجة؟".
هتفت بحيرة: "مش عارفة، أدهم يوافق ولا لا".
دخلت قمر في الحوار تعطيها فكرة: "مش هو عارف إنك موجودة، وجدك يعطيكي الإذن؟ عادي، مش مهم تبليغه".
شهقت عشق بتعجب من حديث ابنة عمها عن الأمر كأنه هين، وهتفت برفض: "إزاي يا قمر؟ ده جوزي، وكل خطوة أخطيها من غير إذنه ذنب. تخيلي بقى بلدكم دي كام خطوة؟ ضحكت، ده أنا هروح جهنم حدف".
نظر لها الجميع باحترام.
قال زين بلهفة: "طب لو رفض، مش هنخرج؟".
قالت عشق: "للأسف، تبقى ضاعت الفسحة".
كانت نعمة تريد التحدث، ولكن قاطعها رنين هاتف عشق، التي تأملت هاتفها بحب عندما رأت اسم زوجها.
اعتذرت من جدها للخروج حتى ترد على أدهم، تحركت بسرعة إلى الخارج، وفتحت الخط بلهفة: "صباح الخير يا حبيبي".
هتف بوله: "صباح النور يا قلب حبيبك، وحشتيني. قولت أكلمك قبل ما أروح الشركة وأتلبخ في زحمة الشغل. صاحيتك؟".
قالت: "لا، أنا صاحيه بدري. أنت كويس؟ حاسة في حاجة!".
يشعر بغربة غريبة دونها، رغم أن وجودها في حياته لم يتعد الثلاثة شهور. كيف يحدث ذلك؟ فكرة عدم رؤيتها تسحب أنفاسه وتلقي به في بحر الشوق.
قال: "عمري ما أكون كويس وأنتِ بعيدة عن حضني. آه، كنا بنام كل واحد في غرفة، بس وجودك معايا في نفس المكان مريح جدًا ليا. إيه رأيك أجي أخدك النهارده؟ ده لو مش حابة تفضلي".
قالت: "وأنت كمان يا أدهم، وحشتني جدًا، رغم إنك ما فرقتنيش. أرجوك يا أدهم، بلاش تشرب قهوة قبل الفطار، علشان خاطري. أفطر واشرب عصير، وخلي القهوة لما توصل المكتب".
تحدث بحب: "خايفة عليا؟".
قالت: "مافيش عندي أغلى منك أخاف عليه".
قال: "آه يا عشق، لو كنتي قدامي الوقت".
قالت: "كنت هتعمل إيه؟".
قال: "كنت خدتك في حضني وما سبتكش غير وأنتِ مراتي".
خجلت ولم ترد.
قال: "مش بتردي ليه؟ مش أنتي اللي بتدوبيني بكلامك العسل ده؟ بذمتك، أعمل إيه لما أشوف الدلع والدلال والحنية دي كلها؟".
قالت: "وأنا عملت إيه بس؟".
قال: "كلامك، خوفك عليا، جنني. بيخليني أندم لأني ما قابلتكش قبل كده، وندمان على عمري اللي ضاع من غير وجودك. بتجنن من المشاعر اللي بجربها لأول مرة معاكي، أنتي بس. نفسي أحبسك في غرفتي، ما أخرجكش منها أبدًا، بس هانت، كلها أسبوع".
قالت بخجل: "أدهم، بلاش الكلام ده، عشانك بتكسفني".
قال: "قولي لي أعمل إيه بس؟ أنا عمري ما كنت أتخيل أني أقول الكلام ده لواحدة أبدًا".
قالت بهروب: "ينفع أخرج أتمشى في البلد شوية؟ مع زين ابن عمي".
قال أدهم بغيرة: "نعم؟ وليه مش حد من عمامك؟ وليه مش واحدة من بنات عمامك؟".
قالت: "هو اللي عرض عليا، لكن لو أنت مش موافق، خلاص، مش مهم. لما ترجع بالسلامة، أخرج معك".
قال أدهم بحيرة، فالكلامها يطيب خاطره دائمًا: "خلاص يا حبيبتي، أخرجي وتفسحي براحتك، بس خدي حد من بنات عمك، ولما ترجعي احكيلي عملتي إيه، روحتي فين".
ردت بسعادة: "طبعًا، كل حاجة أبلغها لك بالتفصيل الممل".
قال: "خلاص يا روحي، خلي بالك من نفسك، وأنا هكلمك بالليل".
تحول صوتها من فرحة لشغف: "أدهم، عيون أدهم، أنت هتيجي إمتى؟ أنت وحشتني قوي".
قال: "أنتي وحشتيني أكتر والله. ولولا السعادة اللي كانت بعيونك، ولولا خوفي على زعلك وكسر فرحتك بأهلك، كان مستحيل أمشي من غيرك. بس ما حبيتش أضيع فرحتك بعد حرمانك منهم كل السنين دي".
أغلق معها الخط وهو يتنهد ويطلب من الله الصبر على الكام يوم الفاضلين.
ركب سيارته وقام بالاتصال عليه فيديو. فتح الخط وقابله وجه مراد المبتسم وهو يهتف بمرح:
---
أخبارك يا عريس؟ عامل إيه؟
ضحك أدهم بفرحة وهو يهتف بمرح:
ـ أحسن منك طبعًا.
غمز مراد بشقاوة:
ـ إيه ده؟ بقينا نهزر ونفسنا مفتوحة! يا رب أوعدنا.
ـ مش كان الأصول أنا اللي أتجوز أول؟ حرام عليك... أنا بحب على نفسي من سنين، ولسه عايزني أستنى كمان شهرين!
قال أدهم بعناد كالأطفال:
ـ مليش فيه، إنت سايب الشغل على دماغي من ٣ شهور. تيجي تستلم وأنا أرتاح شوية، وبعد ما أقضي شهر العسل.
رد مراد بغلب:
ـ على أساس إنك كنت بتفسح، مش كده؟ دول كانوا أصعب وأسوأ أيام عمري!
---
يعلم جيدًا أنها لم تكن سهلة على مراد، رؤيتها تتألم بتلك الطريقة كانت تفتك به.
هو يعلم كم يعشقها، يعذر حالته، ويحسده على قوّته في الوقت نفسه.
فهو يعرف العشق منذ فترة بسيطة، ورغم ذلك لا يتحمل أن يراها تتألم، ولو مجرد خدش بسيط.
كيف لشخص في قوته أن يكون بهذا الضعف أمام ألم من يحب؟
كيف يتحول ذئب شرس بنظرة من عينيها إلى حمل وديع؟
حاول الخروج من عاصفة مشاعره وهو يستعيد مرحه:
ـ لو مش عاجبك قراري... نلغي الجوازة خالص!
رد مراد بسرعة:
ـ لا، عاجبني يا باشا! هو أنا أقدر أقول حاجة بعد كلام معاليك؟! ده رقبتي في إيدك!
ضحك أدهم:
ـ أيوه كده، اتعدل أحسن! إنت عارف قلبي، هاا... الفستان وصلك؟
ـ آه، أنا استلمت إمبارح. قدامنا أسبوع ونكون عندكم.
ـ كل اللي أنا طلبته جهز.
هتف مراد بحب:
ـ أنا وروان ومامتك جبنا كل حاجة، ما تتخيلش فرحتهم بالخبر ده! كان عندهم أهم من إن روان تمشي.
هتف أدهم بحنان:
ـ ربنا يخليكم ليا وما يحرمنيش منكم أبدًا.
---
دخلت ووجهها يبشر بالسعادة، وجدَتهم في انتظار ردّها.
ـ عملتي إيه؟
وقفت وهي تهتف بمرح:
ـ وافق طبعًا! إنت بتشك في قدراتي؟
لم يتوقع محمد موافقته، لقد سخر من زين وكان يستعد لمضايقته.
وعندما سمع كلام عشق، هتف بتعجب:
ـ يظهر إن تأثيرها قوي!
نفت عشق:
ـ أبدًا والله، ده أنا مسكينة! هو أدهم بيعمل حاجة مش عايزها؟
هتف محمد موضحًا:
ـ علشان كده بقول تأثيرك قوي عليه، لأن اللي سمعناه عنه القوة والجبروت، وكل السوق بيخاف منه وبيعمل له حساب.
هتفت حميدة بتعجب:
ـ للدرجة دي؟
تولّى مروان الرد:
ـ أكتر... الإنسان اللي كان هنا حاجة تانية خالص غير اللي عرفناه عنه لما كنا بندوَّر على عشق.
اعترضت عشق برفض:
ـ أبدًا، ده مافيش في حنية أدهم عليّ أنا وماما وروان.
رد فهد بهدوء:
ـ إحنا مش قصدنا إنه وحش، الطبيعي إنه يكون حنين مع أهل بيته.
لكن السوق محتاج القوة علشان يثبت نفسه ويفضل واقف على رجليه.
واللي يغفل لحظة... يقع ويداس! عالم الأعمال مافيش فيه رحمة، زي الغابة بالضبط: البقاء للأقوى.
بس أنا مش بحب الحياة دي.
قال فهد:
ـ دورنا نحميكم ونبعدكم عن الحياة دي.
زين:
ـ خلاص يا عشق، ساعتين وأعدي عليكي... تكوني جاهزة.
أوقفته بتوضيح:
ـ استنى بس، هو ليه شرط؟ حد من البنات ييجي معايا، لأن ماينفعش أمشي معاك لوحدي.
---
في مكان جديد، داخل أحد المنازل الفخمة المبنية على الطراز الحديث...
وقف يتحدث بقسوة وحقد، تفوح من كلماته سموم كأفعى سامّة تبخّ سمها في كل مكان:
ـ أخيرًا جه الوقت عشان آخد فيه حق ابني!
تحدث ابنه بعدم تصديق:
ـ مازال بيفكر في الانتقام من أجل ابنه الغلط بعد السنين دي؟
حق إيه يا بوي؟ ابنك كان غلطان! التاني كان بيدافع عن شرف بنت غلبانة!
صرخ فيه، وهو يعتبره عارًا عليه وعلى العائلة؛ لأنه رفض أخذ ثأر أخيه:
ـ اسكت يا ولد! جبر يلمّك! كيف تتكلم على أخوك كده؟
يا ريت كان عايش وجتلوك إنت! على الأقل كنت لاقيت راجل ياخد بتارك، مش زيك!
تحدث إبراهيم بعدم رضا:
ـ يا بوي، إنت مش عايز تقول الحق ليه؟
لو كان ده حصل مع أختي أو بنتي، ماكنتش اشتكيت زي ما عملوا، أنا كنت جتلتُه بإيدي!
كيف نرضاها لبنات الناس، حتى لو كانوا غلابة؟
رمقه والده بنظرة اشمئزاز ونفور:
ـ طول عمرك جبان، علشان كده مافيش حد هياخد حق أخوك مصطفى غير سالم!
هتف إبراهيم بخوف:
ـ لا يا بوي! حرام عليك! سالم لسه صغير، كفاية اللي راح بسبب دلعك لمصطفى!
ليه عايزنا كلنا ندفع ثمن دلعك وس...اخته؟!
إحنا مش جدّ عيلة المنشاوي!
ليه تفتح بحور دم يروح قصادها ناس مالهاش ذنب؟
ـ ابنك مات يا بوي... وغسل عاره!
ده لو فهد علِم، يخلص على عيلتنا كلها قصاد بنت عمّه!
وإنت خبرة... زين قلبه ميت، ومابيعملش حساب لحد!
هتف الأب الحاقد بعناد:
ـ والله لو العيلة كلها تتقتل، قصاد إني أقتل بنت محمود، وأحرق قلوبهم، وآخد تار ولدي، ما يهمني! وأعملها!
رغم إن مش هتبرد ناري زي قتل محمود نفسه... بس حظّه إنه اختفى وغار في داهية، قبل ما أفشّ غليلي فيه!
ونظر لابنه وهو يكمل:
ـ أنا بعتبرك ميت أنت كمان!
تابع إبراهيم خروجه وهو يستغفر ربه:
ـ استر يا رب من الجاي، ونجّي بنتي وأخويا من شرّه!
ولا أحد يعلم أسوأ مصير تم تجهيزه للانتقام من تلك الملاك... دون وجه حق