تحميل رواية «انت عمري» PDF
بقلم احمد محمود
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
١٢ سنة حب ولا مرة فكرت للحظة واحدة إني أتخيل حياتي من غير عمار ابن عمي. من قبل حتى ما أفهم يعني إيه حب كانت كل حاجة بتجذبني له، مع إننا ولا مرة اتكلمنا. ودائمًا كان شايفني البنت الهبلة اللي بتعيط لو حد فكر بس يشيلها وهي طفلة. كان مسميني أم نص لسان عشان مكنتش بعرف أتكلم وأنا صغيرة. من أسبوع بس عرفت إنه قرر يسبني ويسافر. ما هو لما يمشي ويسيبهم يبقى هيسيبني أنا. معرفش إيه اللي حصل لي أول ما عرفت من خديجة أخته إنه قرر يسافر ويستقر في ألمانيا. للحظة في حاجة نخرت جوا قلبي واتخنقت مقدرتش آخد نفسي. نزلت...
رواية انت عمري الفصل الحادي عشر 11 - بقلم احمد محمود
عاد زين في ميعاده المتفق عليه مع عشق، وجدها مازالت تشرح للبنات.
تحدث بملل: "خلاص يا عشق، كفاية كده النهارده، عايز نلحق اليوم من أوله."
شكرن البنات عشق، وهن في منتهى السعادة: "حقيقي أنا حبيت الماده، ياريت تعملي فينا ثواب وتيجي تفهمي."
المدرس بتاعنا طريقة شرح المنهج بدل ما هو عقدنا كلنا!
ضحكت عشق وقالت: "وأنا موافقة، هاتيه الحصة الجاية، وعرفيه إن الحصة بـ200 جنيه لو عاجبه."
خلود على الفرق في الشرح بينكم: "تستاهلي خمسمائة جنيه للحصة، ده ما حدش بيفهم منه، وبيأخذ مئتين الشهر، ربنا يجحمه."
هتف زين: "بس أنتي وهي، خلينا نلحق نمشي."
نظرت له خلود بحزن، وصعدت غرفتها دون كلام.
أما عشق، صعدت وارتدت ملابسها. كان عبارة عن فستان أبيض به فراشات زرقاء، وارتدت حجاب أزرق.
زين: "بسم الله ما شاء الله! لا، أنا بقول خليكي في البيت أحسن."
تحدثت عشق بغضب طفولي: "يعني أنت كنت بتضحك عليّ؟ ماشي، أنا مخصماك." نزلت تبحث عن نعمة لتشتكي لها. "زين، ماما، ياماما..."
خرجت نعمة وقالت: "مالك يا حبيبتي؟"
عشق بحزن: "يرضيكي زين يضحك عليّ، وبعد ما ألبس يقولي اقعدي في البيت أحسن."
نعمة بعدم استيعاب: "لا، زين طول عمره راجل، ومش بيرجع في كلامه."
عشق بعصبية: "ماشي، يعني أنا كذابة يا ماما؟"
نعمة بحيرة: "لا يا حبيبتي، مش قصدي. في إيه يا زين؟ مش عايز تخرجها ليه؟"
زين بتوتر: "بصي لها كده يا ماما."
نعمة رجعت بصرها إلى عشق وقالت: "مالها؟ يا حبيبي، بسم الله ما شاء الله، إيه الجمال ده؟ ولبسها واسع ومحترم."
زين مبررًا: "مش قصدي، قصدي إنها جميلة جدًا وملفته. أمشي بيها إزاي وسط البلد؟"
خجلت عشق وتورد وجهها من شدة الخجل.
زين: "طيب بصي بقى، شكلها إزاي لما احمرت؟ أعمل إيه؟ هقتل كل الرجالة النهاردة، ولا تلبسيها نقاب أحسن؟"
نعمة رافضة: "نقاب إيه يا حبيبي؟ لا طبعًا، بنتي لبسها واسع ومحترم."
زين: "خلاص، يلا يا عشق."
جذبتها نعمة لأحضانها وقبّلتها قبل الذهاب وقالت: "حطها في عنيك يا زين."
زين: "أكيد طبعًا، بس ما حدش يستني على الغدا. سلام."
---
وقفت تستنشق الهواء بمتعة كبيرة، وتتابع الفلاحين وهم في حالة نشاط مثل خلية نحل، الجميع يعمل ويشارك رجالًا وحريمًا وأطفالًا.
عشق: "ياااه يا زين، المكان تحفة جدًا، أنا مش مصدقة، ولا ريحة الأرض؟ تحس فيها الطيبة والنقاء."
رأت فراشة جميلة، تركت ما بيدها وركضت خلفها بسعادة.
حدثت نفسها بإعجاب شديد: "ياريتني قابلتك من زمان، ماكنتش سبتك لحد أبدًا."
"جمالك جنني، أنا لازم أكلم جدي لما أرجع."
---
على الغداء
فهد بتعجب: "كل ده؟ زين مرجعش هو وعشق؟"
نعمة بهدوء: "لا يا حبيبي، قال مش هيرجع على الغداء."
تحدث فهد بضيق: "بقي ظابط ولسه مش عايز يعقل ويتحكم في تصرفاته؟ يلف بيها كل ده في البلد؟ إزاي؟ كان عندي في المصنع من ٣ ساعات وطلبت منه ما يتأخرش."
الجد بصوت قوي: "ومالو يا ولدي؟ تلاقي عشق مبسوطة بالمناظر، عندنا حاجات مش بتشوفها في البندر."
نعمة: "أنا عارفة، مش سيب مكان في البلد غير لما يفرجها عليه."
تحدث فهد بعدم رضا: "يا جدي، ما كانش لازم كله في يوم. كان صبر عليها، هي مش متعودة على اللف ده وهتتعب."
الجد بفرحة لوجودها بينهم: "لا، ما تخافش، أكيد زين حطها جوه عينيه ومش هيتعبها."
كل هذا الحديث أمام تلك الصامتة من الخارج، بينما داخلها تغلي من الغيرة. فهو لأول مرة يهتم بفتاة من العائلة ويطلب الخروج بصحبتها. تريد أن تصرخ وتخرج ما بداخلها، لكنها لا تستطيع لأنها تعلم جيدًا أنها سوف تكون نهايتها.
بينما ابنة عمها، ياسمين، تجلس جوارها وتشعر بما تمر به، لكن ليس بيدهم شيء.
---
في مكان جديد وغريب،
يجلس رجلان بشكل غريب ومخيف في نفس الوقت، أمام نار يصنعان عليها شايًا.
يتحدث أحدهم بانبهار: "والله يا واد يا جعيدي، زي ما بحكيلك كده، بت لهطت جشطه زي اللي بنطلع عليهم في التليفزيون، جميلة الجميلات ماشية مع زين ولد المنشاوي، بيقولوا بنت عمه محمود."
"محمود وولاده ماتوا، وماعدش غيرها."
"واه، واه، أكيد شبه أمها عشان كده عارض المنشاوي الكبير وخرج من تحت طوعه."
"والله يبجاله حج! أنا اتفاجأت لما شوفتها."
انتفض الإثنان على صوت صراخ كبيرهم: "واد يا مخبل! منك ليه؟ سيبين شغلكم وقاعدين تتسامروا مع بعض؟ يومكم أسود، شكل ووشكم."
وقفوا باحترام، بينما نفى جعيدي: "أبدًا يا كبير."
صرخ عليهم فاروق: "هتنطق؟ كنت بتجول إيه؟ ولا أطخكم أنتم الاثنين؟"
تمتم حمد بخوف، فهو يعلم جيدًا كبيرهم أنه لا يتراجع في قرار يأخذه، وأن أرواح البشر لا تعني له شيئًا.
"خلاص والله يا كبير، كنا بنتحدد عن بنت محمود المنشاوي."
فاروق: "بإستغراب: هو محمود جه هو وولاده البلد؟"
حمد: "لا، بيقولوا مات هو وولاده، وبعتوا جابوا البنت الفاضلة. بس بنت كيف الجمر؟ ما شوفتش حريم زيها قبل، سابج غير في التلفزيون."
وقف فاروق يمسد شاربه الغليظ وهو يحدث نفسه باهتمام: "للدرجة دي؟"
حمد: "والله يا باشا، لو شوفتها ما تقدر تبعد عينك عنها أبدًا، كأنها جمر في ليلة تمامة، بتنور وحديها."
فاروق وهو شارد: "طيب، شوفوا شغلكم، وإلا هخلص عليكم."
*******
---
في المساء، دخل زين وخلفه عشق، تحمل حذاءها في يدها.
ضحك الجميع على هيئتها.
هند:
"واه يا عشق! أنتِ ماشيه حافية كده في الطريق؟"
ردت بخجل:
"أعمل إيه يا طنط؟ رجلي مش قادرة منها. خروجة النهاردة بعمري كله."
ابتسم الجد وقال:
"أهم حاجة تكوني مبسوطة."
اقتربت عشق منه، تنحني وتقبل يده، وقالت:
"جداً جداً يا جدي، كانت فسحة تحفة. روحنا أماكن كتير وجميلة جداً تهدئ الأعصاب. كان نفسي أنام فيها."
محمد وهو يميل على زين:
"غضب فهد لأنه متضايق جداً منك."
زين بتوتر:
"ليه؟ أنا عملت حاجة؟"
مروان:
"شايف إنك زودتها، وأنا معاه."
نظر له زين بسخرية وقال:
"هو أنت فاكر نفسك في المحكمة؟ أنا بقى معايا اللي تخرجني منها زي الشعره من العجين."
ضحك مروان وقال:
"أنت بتحلم! مفيش حد يقدر يخلصك منه، حتى جدك."
زين بابتسامة خبيثة:
"لا، فيه."
ارتعد الكل من صوت فهد الذي تحدث بغضب، وخاصة زين.
"حمد الله على السلامة يا حضرة الضابط. يا عاقل، حد يعمل في بنت عمه كده ويلف بيها؟ حسابك معايا."
لاحظت عشق توتر الجميع، فتهتف دفاعاً:
"بعد إذنك يا أبيه، فهد، أنا اللي طلبت منه يفرجني على كل الأماكن الجميلة عندكم. هو كان عايز يروح ونرجع يوم تاني، بس أنا صممت. الأماكن كلها كانت أجمل من بعض، والوقت سرقنا. معلش، عشان خاطري، سامحه المرة دي."
اتسعت أعين الجميع بصدمه، وبعضهم شعر أن ما يحدث مجرد وهم يتمنى حدوثه. فهد لم يعطِ الفرصة لأحد، ليأخذ ويعطي معه بالكلام، أما ما يحدث الآن ليس مجرد كلام فقط، بل جعلته يتراجع عن قرار قد اتخذه.
عندما رمق فهد زين بنظرة، وهو يردف بحدة:
"انكتبلك عمر المرة دي."
ثم ابتسم لعشق قائلاً:
"عشان خاطرك يا عشق."
مروان:
"بذهول: يا ابن الأيه! انكتبلك عمر جديد، إحمد ربك."
شاهد زين على نفسه وقال:
"حمد الله على ذكاء ابنة عمه وحسن تصرفها."
زين، رغم مكانته وقوته وجبروته خارج المنزل، لكنه كالطفل الصغير أمام أخيه الكبير، لا يستطيع مجاراته أو رفع عيونه أمامه.
وهذا ليس ضعفاً، إنما احتراماً وأخلاقاً وعادات وتقاليد تستوجب احترام الصغير للكبير.
نظرت له خلود بحزن، ولم تستطع الجلوس، فصعدت إلى غرفتها.
استغربت عشق من تصرفها، فهي لم تتحدث معها.
وقفت أمام نعمة، وقبلتها، وقالت:
"ماما، أنا طالعة لأن أدهم هيكلمني كمان شوية."
نعمة:
"طيب، خليكي، أجهز لك وكل، وبعدين اطلع."
هتفت برفض:
"أتكلم مع أدهم الأول وبعدين أنزل."
صعدت السلم بسعادة، وأدت فرضها، وجلست على السرير في انتظار مكالمة أدهم.
---
زين:
"جدي، لو سمحت، عايزك في موضوع."
استجاب له الجد، ودخل معه الغرفة وأغلق الباب خلفهم.
جلس الجد في انتظار حديثه الذي كان صدمة حقيقية للجد عندما هتف زين:
"بص يا جدي، أنا كنت عايز أتجوز عشق. أنا أولى بيها من الغريب."
الجد:
"كيف ده؟ عايزني أطلّقها من جوزها وأجوزها لك؟ بينك اتخبلت."
زين:
"بترجيك، فقد جذبه جمالها الساحر وطفولتها في مشاعرها. أرجوك يا جدي، وافق أنت بس، وأنا هحطها جوه عيوني."
تحدث الجد بحزم يتخلله الحزن والندم:
"ما ينفعش يا ولدي. مش هكرر نفس غلطة زمان وأجبر حد في الجواز. كفاية خسرت ابني وولاده بسبب قرار زي ده. بنت عمك بتحب جوزها، وجوزها كمان بيحبها، وأنا مش ممكن أخرب حياتهم بيدي. أنسى يا ولدي، جوزها لو عرف حاجة زي دي، مش هيسمح لها تيجي عندنا مرة تانية، وأنا مش هقدر على بعدها. وهي هتخاف منك. بدل ما تخسرها، اكسبها أخت ليك، بدل ما تضيع خالص. وربنا يريح قلبك."
---
---
جلست تنتظر اتصاله بشوق كبير، تحدث نفسها: هل تبادر هي بالاتصال أم يكون مشغولًا ويزعجها؟
عندما رن هاتفها، تناولته بلهفة، أوصلها صوتها لروحه.
شعر بخفقان قلبه من اللهفة الواضحة في صوتها.
"حمد الله على سلامتك."
عشق بحب:
"الله يسلمك."
سألها عن موعد رجوعها، وعندما أجابته، هتف بعدم تصديق:
"يااه يا عشق! كل ده بره البيت؟"
أجابته بإفتتان:
"البلد جميلة جدًا، وفيها أماكن كتير تاخد العقل. زورنا مصنع اللحوم، ومزرعة الدواجن، والأرض بتاعت القصب. أماكن ساحرة جدًا يا أدهم. وروحنا أرض زراعية كبيرة جدًا. أكلنا فطير سخن وعسل. اليوم كان جميل جدًا جدًا وكان هيبقى أجمل بوجودك."
لا يعلم لما كل هذا الصخب داخله كلما تواصلوا معًا، يريد أن يشاركها كل لحظة عاشتها حتى قبل أن يقابلها.
"معاكي صور للأماكن دي؟ عايز أشوفها."
خرج صوتها فرحًا من اهتمامه:
"أه، معايا كتير."
وقامت بإرسالها له صورًا كثيرة في أماكن مختلفة.
تصفح الصور وهو يحدثها:
"أنا كنت معاكي بروحي يا قمري."
خجلت، لتهرب منه، وهي تهتف بحنين:
"ماما وروان وحشني جدًا، عايزة أروح ليهم."
عشق:
"هانت يا حبيبتي، كلها أسبوع ويكونوا هنا. أهم حاجة عايزك تخلي بالك من نفسك لحد ما أجي أخدك."
---
بعد انتهاء المكالمة، توجهت عشق إلى غرفة خلود، وقامت بالطرق على باب غرفتها.
فتحت لها ياسمين:
"اتفضلي."
دلفت للداخل بابتسامة كعادتها، وجدت خلود تجلس على طرف الفراش، يبدو عليها البكاء.
اقتربت منها بخوف:
"مالك يا خلود؟ طلعتي بسرعة كده ليه؟ إنتِ كنتِ بتعيطي؟"
خلود:
"لا."
جلست عشق جوارها وتحدثت بحنان:
"مالك يا حبيبتي؟ مش إحنا أخوات، نتكلم ونفضفض لبعض."
لم ترد عليها، فوجهت كلامها لياسمين:
"مالها يا ياسمين؟ في إيه؟ زعلها؟"
قامت ياسمين بخفض وجهها ولم تتحدث.
أصابتها نغزة بقلبها، فقد تمنت العائلة والمودة، وما تراه الآن نفورًا وتجنبًا لا تعلم سببه.
لقد اندمجت معهم من أول يوم، فكيف تحس الآن بالبعد؟
هتفت بإحراج:
"أنا آسفة، يظهر أني فرضت نفسي عليكم. تصبحوا على خير."
وصلت للباب، وقبل أن تضع يدها على المقبض، تحدثت خلود ببكاء:
"أنا آسفة يا عشق. أنا كمان بعتبرك أختي."
رجعت لها عشق، وقامت خلود باحتضانها وهي تبكي بشدة.
ظلت عشق تمسد على ظهرها حتى هدأت.
خلود من بين شهقاتها:
"أنا بغير منك قوي."
تعجبت عشق من كلمتها، وقررت عدم فهم:
"تغيري مني؟ أنا؟ طب ليه؟ عندي إيه مش عندك؟"
خلود بحزن:
"كل حاجة، وأهم حاجة."
عشق:
"طيب، زي إيه؟ فهميني."
خلود:
"أولًا جمالك، اللي لفت نظر الكل. حب واهتمام الكل. فزت بيه من أول لحظة. حتى..."
ولم تكمل.
شجعتها عشق على إكمال كلامها لتعلم سبب تلك الفجوة التي بنيت بينها وبين بنات عائلتها، التي لم تتخيل وجودهم حتى الآن.
"حتى زين؟"
عشق بابتسامة:
"أه، قولتي زين؟ بقى كده يا ست خلود؟ ماشي. بصي يا حبيبتي، أنا بعشق جوزي لدرجة مش ممكن حد يوصل لها."
خلود:
"ثانيًا، زين أخويا وبن عمي، مش أكتر."
خرجت كلماتها مشبعة بالغيرة:
"بس هو مهتم بيكي أكتر مننا."
عشق بهدوء:
"هو مهتم بيه كأخت ليه أو بنت عمه اليتيمة، لكن مش اللي في دماغك ده."
ياسمين لتلطيف الجو بينهم:
"أصلها بتحبه جدًا، وهو مش سأل فيها ودايمًا يتعمد يضايقها."
ضمتها بين أحضانها، وتحدثت بفطنة:
"عادي، إحنا نقدر نلعبه ونخليه هو اللي يقدم فروض الطاعة والولاء ويطلب العفو كمان."
خلود بلهفة وتمني:
"إزاي؟"
عشق بمرح:
"تقللي يا أختي شويه، وبلاش يحس إنك مدلوقة عليه. وبلاش نظرة الغرام لما يكون قدامك أو تيجي سيرته. وقتها هو اللي يتجنن علشان يعرف سبب التغيير، ويجيب مائة فكرة وفكرة. هيعمل المستحيل علشان يلفت نظرك مرة تانية."
"وده دورك بقى. أما أنا هألعب اللعبة الكبيرة."
ابتسمت وقالت:
"ربنا يوفقنا على جمع القلوب في حلاله."
---
في الصباح،
وقفت عشق أمام جدها تستعطفه:
"جدّو، ممكن أخرج أتمشى شويّة؟"
قال لها:
"استني لما أي حد يرجع علشان أكون مطمئن علىكي."
ردّت بلطف:
"أنا مش هبعد، ورقمي مع ماما نعمة، وحياتي يا جدو."
وافق الجد، ولم يستطع أن يكسر خاطرها. وفي نفس الوقت، نسي أن هناك من يمتلئ حقدًا وكرها لذرية ابنه محمود.
قال:
"خلاص يا حبيبتي، بس خلي بالك من نفسك، وبلاش تتأخري عشان مقلقش."
انحنت تقبل يده بفرحة، وهي تردف:
"حاضر يا جدي."
خرجت، تتحرك بهدوء، وهي تشعر براحة نفسية شديدة من المناظر الساحرة حولها في كل مكان، حتى ابتعدت دون أن تشعر.
وجدت نفسها في مكان لا تعرفه، فَوقَفت، تلتف حولها، غير قادرة على تحديد الاتجاه.
رواية انت عمري الفصل الثاني عشر 12 - بقلم احمد محمود
تتحرك وهي تتأمل كل شيء حولها بحب وقلب بريء، لكنها ابتعدت دون أن تدري، ولم تعد تعرف أين هي. تلتفت حولها، فوجدت أمامها مجموعة من النساء العاملات في الأرض، يجلسن تحت شجرة كبيرة، وحولهن أطفال أعمارهم مختلفة يلعبون بالكرة التي أتت في اتجاهها. انحنت لتتناولها بابتسامة ساحرة، وتوجهت للأطفال.
وقفت بينهم وما زالت الكرة بيدها.
"ممكن ألعب معاكم؟"
فرح الأطفال، ورحبوا بالفكرة.
بينما ركضت إحدى السيدات نحوهم بخوف على طفلتها من تلك الغريبة. جذبت ابنتها ووجهت حديثها لعشق، تسألها عن هويتها وماذا تريد من أولادهم.
ردّت الأخيرة، التي أخبرتها باسمها بالكامل، مما جعل السيدة تتغير في المعاملة من الحدة إلى اللين.
"أنتِ حفيدة كبيرنا المنشاوي؟ كيف ده؟ إحنا نعرف أحفاده كليتهم."
قالت عشق:
"أنا بنت ابنه محمود."
ردّت السيدة بحفاوة:
"يا مرحب يا مرحب! اتفضلي معانا، نضيفك."
تحركت عشق جوارها، وتناولت منها ابنتها، شكرتها وجلست معهم. كانت تتوسطها سيدة عجوز، فسألتها:
"أكيد أنتِ بنت مراته الثانية اللي كسر كلام الكبير بسببها؟ لأن محمود وست نعمة مخلفوش بسببها."
أكدت عشق كلامها، وهي تكمل:
"أنا برضه بنت ماما نعمة."
وسألتها السيدة مرة أخرى:
"وأنتِ كيف الجمر كده لأمك؟"
قالت عشق:
"أه يا جدة، أنا شبه ماما الله يرحمها."
السيدة العجوز بصدق:
"أبوكِ الله يرحمه كان زينة شباب البلد، ما بيتكبر على حد، طيب وحنين على الكل، حتى العمال اللي بيشتغلوا عنده في الأرض كان ينزل يوقف وسطهم ويساعدهم."
شعرت عشق بفخر شديد من سيرة والدها، الذي أخذت جزءًا كبيرًا من حبه وحنانه. وزاد فرحتها من سماع الحكايات التي قصّت لها العجوز عن الكثير من أخبار البلد في زمن والدها، حتى تلك الحادثة الشنيعة.
مر الوقت بسرعة، وبدأت الشمس تغيب.
جاء الأطفال إليها يطلبون منها مشاركتهم اللعب. قامت وركضت بينهم، وضحكتها المرحّة ترن من شدة السعادة.
نظرت عشق إلى كبيرهم وسألته عن مكان بيع الحلويات. ناولته المال ليشتري لكل الأطفال، وهي معهم فرحة الصغار.
وسأل كل شخص ماذا يريد حتى يأتي به، ثم تركهم وذهب.
بينما رنّ هاتف عشق برقم نعمة، التي تحدثت بخوف:
"أنتِ فين يا عشق؟ لحد الوقت مش جُلتِ؟ مش هتتأخري؟"
ردّت عشق:
"والله يا ماما، توهت ومش عارفة أنا فين. ثواني هسأل."
توجهت إلى تلك العجوز تسألها عن اسم المكان.
تحدثت العجوز وأرسلت لها السلام:
"جولي ليها، أم الغوالي بتسلم عليكي."
قالت عشق:
"وهي كمان بتسلم عليكي يا جدة."
ردّت العجوز:
"حاضر يا ماما، هستناكِ."
بعد مرور ربع ساعة، توقف أمامها فهد، ونزل من سيارته وألقى السلام على الجميع.
وعندما فتحت عشق الباب، وجدت نظرته تغيرت من القوة إلى شيء آخر، ليس حبًا، وإنما حيرة. عندما التفتت إلى مكان نظرته، وجدت فتاة تقريبا في سنها أو أكبر بسنة، تنظر له بحب وحزن في نفس الوقت.
ركبت السيارة وأغلقت الباب.
فاق فهد من حالة التيه التي تصيبه كلما رآها. ركب سيارته وابتعد بها.
---
أما ماسه فقد توقفت تتأمل طيفه، وهي تحبس دموعها بقوة لأنها تعشقه. وما تراه الآن هزّ كيانها. تعلم جيدًا أن ارتباطهم أو رؤيته لها من رابع المستحيلات؛ لأن بينهما عداوة.
مجرد رؤية أي امرأة جواره يقتلها حية العجز والضياع. ما تشعر به الآن.
جدها هو سبب عذابها وسواد أيامها. فهو يعتبرهم أعداءه الألداء، ودائمًا يحفر بيده بئرًا ينهي حلم قربها منه.
توجهت إليها سلسبيل:
"إيه يا بنتي؟ بقالك ساعة بكلمك، وقفة كده ليه؟"
فزعت سلسبيل عند رؤية دموعها، لتسألها بقلق:
"إيه حصل؟ بتعيطي ليه كده في الشارع؟"
إرتمت في حضنها وهي تبكي. ظلت تبكي بعض الوقت.
سلسبيل بخوف:
"مالك يا حبيبتي؟ إيه حصل؟ أنا سبتك دقايق بس."
تمتمت من بين شهقاتها:
"شوفت فهد."
شهقت سلسبيل بخوف من سماع حديثها، وتلفّتت حولها، وهي تحذرها:
"تعالي نقعد في مكان لوحدنا. لو حد شاف انهيارك ده هيفهموا غلط، والكلام ها يكتر في البلد."
جلست الفتيات في مكان بعيد هادئ، وسألتها سلسبيل عن ما أوصلها لتلك الحالة، فهي دائمًا تراه وتكون حالتها النفسية فوق السحاب من شدة سعادتها، كأنها ليلة العيد.
"ماذا حدث اليوم لذلك التغيير؟"
قالت ماسه :
"شوفت النهارده معاه واحدة جميلة جدًا ركبت معاه العربية. شكله كان مهتم بيها."
وأنتِ عارفة كل تعامله مع حريم بيته. وأنا عارفةهم كلهم، لكن دي ملامحها أجنبية خالص، وأكيد تبقى خطيبته. ومعنى أنه خطب، يبقى مافيش أمل ليّا معاه."
تأملت سلسبيل حالتها بإشفاق، تريد أن تنتهي معاناتها، ثم قالت:
"بصي يا حبيتي، أنا مش قصدي أضايقك، بس أنتِ كان عندك معاه أمل. إمتى؟ كل حاجة حوليك بتقول إن ده مستحيل."
"ياما قولتلك شليه من حساباتك وعيشي حياتك."
"أنا خايفة عليكي من لحظة انهيارك. لو اتجوز، علشان خاطري وافقي على العريس اللي تقدم."
تعلم ماسه أن كلام ابنة خالتها صحيح، لكن ليس للقلب سلطان. وهتفت مختنقة بدموعها:
"غصب عني، مش بيدي. مش أنا اللي قولت لقلبي حبه دونا عن الناس كلها. قلبي مش ملكي بقى ملكه هو بس، ومش قادرة أشوف نفسي ملك راجل غيره."
"أعمل إيه بس؟ يارب، تعبت والله تعبت."
ربّتت عليها سلسبيل بحب:
"خلاص، اهدي واطلبي من ربنا يجعله من نصيبك."
*******
---
عند فهد وعشق
لم يتحدث منذ أن رآها، فهو يشعر بالإحساس نفسه كلما رآها؛ يكون مشغول الذهن، مشتّت المشاعر، لا يعرف ماذا يحدث.
عندما تقع عيونه عليها، تتحوّل مشاعره لحنان، أو سعادة، أو تمني... لا يعلم؛ لأنه ينكر تلك المشاعر.
ولكن، هناك شيء في نظرتها له دائمًا يجذبه، كأنها تناديه أو تطلب منه القرب.
أخيرًا، استطاع الانتصار على حالته وهو يحدث عشق:
– ليه خرجتِ من غير ما يكون حد مننا معاكي؟
هتفت بأسف:
– أنا فكّرت أخرج شوية، لأني بعشق الأراضي الزراعية جدًا، وبنسى نفسي فيها.
تحدّث بلين:
– بعد كده، لما تحبي تخرجي، يكون معاكي حد مننا.
أخفضت وجهها باعتذار:
– آسفة...
قال فهد، وهو ينظر لها بحنان جديد عليه، وخصّها به:
– أنا خايف عليكي، وعايزك تصبري... لحد ما البلد تعرف إنك بنتنا.
– حاضر يا أبيه.
---
في المساء
جلست تحت ضوء القمر في انتظار زين، الذي دلف، وعندما وجدها، توجّه إليها بابتسامة كبيرة:
– مساء الخير...
وأكمل بمرح:
– عمري ما شوفت قمر بيبص على قمر!
ردّت بخجل من مدحه:
– مساء النور يا زين.
– قاعدة كده ليه لوحدك؟
– كنت بستناك.
أنار وجه زين من كلماتها:
– خير؟
ألقَت طَعمها، وهي تردف:
– أنت عارف إنك الوحيد اللي بتعامل معاه براحة، فحبيت آخد رأيك في موضوع قبل ما أعرضه على جدي وفهد... علشان تقولي ينفع ولا لأ.
نظر لها باهتمام:
– أنا معاكي في أي وقت تحتاجي مساعدة.
تحدّثت بهدوء:
– في واحد صاحب أدهم، لما عرف إنه جاي البلد، طلب منه يشوف له عروسة أخلاق وبنت ناس.
أدهم كلّمني أشوف له كام عروسة نعرضهم على صاحبه، هو رجل أعمال كبير، ووحيد أهله، محترم، وبعتلي صورته.
– فأنا رشّحت خلود، وقلت أسألك... إيه رأيك؟ وتفتكر جدي وفهد ممكن يوافقوا؟
شعر زين بغيرة قاتلة، ونار اشتعلت في قلبه تحرق الأخضر واليابس... لا يعلم سببها.
فهي دائمًا محطّ سخريته، ويتلذذ بضيقها، لكن ردّه كان مختلفًا عن تصرّفاته، عندما هتف بضيق:
– نعم!؟ واشمعنى خلود يعني؟!
تحدّثت بهدوء، وهي تراه أمامها مثل الجمرة:
– لأن خلود غير ياسمين وقمر.
خلود ذكية، وعندها طموح، وعاملة حسابها إنها لما تخلص جامعتها، تسافر مصر وتفتح شركة ديكور، وتبني اسم لنفسها. فهي تكون مناسبة له أكتر.
– أما ياسمين وقمر، ماعندهمش استعداد يبعدوا عن البلد.
وعارفة إن قمر لمحمد، وياسمين لمروان.
قلت بنت عمي أولى بيه، ده شاب ما شاء الله، طول بعرض، ورجل أعمال. حتى شوف...
فتحت هاتفها ليري الصور، فكان الشاب مفتول العضلات، بعيون رمادية، وشعر قريب من الذهبي، وسيم بدرجة كبيرة، ولن ترفضه بنات اليوم، اللواتي ينظرن للشكل الخارجي.
ظلّ زين ينظر للهاتف بعض الوقت، ثم تركه وقال بسخرية:
– الهانم عارفة، وموافقة طبعًا بعد ما شافت صورته!
أردفت بسرعة:
– لا طبعًا! أنا ما كلمتش حد غيرك... خفت تحصل مشاكل من غير قصد.
لأول مرة، يتعامل معها بتلك الحدة:
– أولًا، إحنا ما عندناش بنات تخرج برّه.
جدي وفهد مش هيوافقوا.
– تاني حاجة، الهانم دي... حسابها معايا.
ثم تركها وذهب، وشياطين الأرض تلاحقه.
*****
---
في غرفة خلود
تحمل بين يديها صورته وهو يرتدي الزي العسكري، تحدثه كأنه أمامها، تحكي له كل ما يعتلي قلبها ولا تستطيع قوله في أرض الواقع.
كم أنت قاسٍ، زين قلبي! ملكتني، وأنا لا أستطيع حتى كسب معاملتك الجيدة...
تشكو له حزنها من قسوته معها، ثم قفزت خلود بفزع، ووضعت الوسادة على صورته عندما فتح باب غرفتها بقوة.
وقفت حين وجدته أمامها، ينظر لها بغضب واضح.
تحدثت بتوتر من وجوده معها في غرفتها، في هذا الوقت، وبتلك الطريقة غير الحضارية:
زين، في حاجة؟
قبض على ذراعها بقوة آلمتها، وهو يتحدث بغضب:
بقت الهانم بتفكر تدخل كلية وتقعد في مصر وتفتح شركة! علشان طموحها عالي وأكبر من حياتنا؟
ردت عليه بخوف من غضبه:
وفيها إيه؟ أكيد بتعلم، مش علشان أقعد في البيت.
تحدث بجنون:
ومين يسيب سيادتك تنفذي اللي في دماغك؟ ده أنا أقطم رقبتك! ومافيش تعليم! وعريس الغفلة، اللي عشق جايباه... أقتله لو فكر بس يبصلك!
وأكمل بصراخ:
فاهمة ولا لأ؟!
خلود (وهي لا تفهم عن ماذا يتحدث، هزت رأسها):
حاضر... حاضر.
هتف بتحذير:
لو عشق كلمتك، ترفضي العريس، وإلا هيكون رد فعلي صعب على الكل.
خلود (بذهول من رد فعله الحاد، والذي لا تعلم سببه، وعن أي عريس يتحدث... اتسعت عيناها عندما تذكرت كلمات عشق):
تحولت من عصفور مبتل يرتعش من الخوف، إلى قطة شرسة تحافظ على ما تبقى من كرامتها التي سُلبت في حبه، وتحدثت بقوة:
خارجيًا، أولًا، أنت مالكش كلمة عليّا! بابا وأخويا الكلمة كلمتهم، وأنا موافقة على أي قرار ياخدوه.
رمقها بسخرية واستهزاء:
إنتِ قد كلامك ده؟
ردت، وقد هربت منها قوتها الوهمية:
لو سمحت يا زين، ماينفعش وجودك في أوضتي. لو حد شافك تحصل مشكلة كبيرة.
رمقها بنظرة طويلة، ثم تركها وخرج بعنف.
جلست على طرف الفراش، تضع يدها على قلبها، تسترد روحها التي سُلبت من تلك المحادثة الغريبة.
---
تبسمت عشق بعد أن تركها زين، فتحت تليفونها وتصفحت الصور، فلم تجد صور خلود التي وضعتها على هاتفه عن قصد حتى ترى رد فعله.
طيب، ما إحنا بنحب أهو وبنغير كمان... طب ليه معذّب البنت معاك؟
---
دخل زين غرفته وهو يشعر بالضيق، ظل يدور حول نفسه ولا يعرف ما به.
ماذا حدث له عندما علم بفكرة ارتباطها برجل غريب؟
أليست تلك خلود التي كان يتمتع بمضايقتها ويُظهر بها كل العيوب؟
ماذا حدث الآن؟
لم يعلم بوجود تلك المشاعر تجاهها إلا عندما شعر بضياعها!
لم يتوقع أن تتحول كل تلك المشاعر إلى غيرة وغضب من فكرة امتلاك آخر لها.
وقف ينظر لنفسه بصدمة، لا يصدق حالته... إنه يختنق، دماؤه كلها ثائرة:
أنا لازم أوقف المهزلة دي... بكرة، قبل ما تضيع مني.
طب تفتكر ممكن توافق؟ وإنت دايمًا بتسخر منها وبتضايقها؟
رد على نفسه بغضب:
ماليش فيه! مش هتكون لغيري، حتى لو غصب عنها!
إحنا ماعندناش بنات تقول رأيها في موضوع الجواز ده، حتى لو اتعلمت وضحكت على نفسها وافتكرت إن ليها شخصية برضه!
*******
---
بعد صعود زين، ظلّت على نفس وضعها، شاردة في أدهم، تحدثه في خيالها:
وحشتني قوي... نفسي أملّي عيني منك، رغم إن صورتك محفورة جوا قلبي.
أنا اتخلقت علشان أحبك وبس... لا، أنا بعشقك!
تفتكر ليا جزء جواك؟ ولو بسيط؟
قطع حديثها مع نفسها صوت فهد، وهو يقول:
مساء الخير يا عشق.
عشق (بابتسامة):
مساء النور يا أبيه.
جلس جوارها وسألها بفضول لا يعلم سببه:
للدرجة دي بتحبيه؟
تورّد وجهها من شدة الخجل، وخفضت عينيها.
كان فخورًا بحيائها، وتواضعها، وزهدها الواضح في متاع الحياة، وإلا ما كانت لترفض إرثًا بهذا الحجم.
ورغم أنه لم يعرفها إلا منذ يومين، إلا أنه أحبها مثل قمر، أو أكثر، لأنه كان الأقرب لعمّه محمود، وشبع من حبه وحنانه، ويرى أن الأوان قد آن لتعويض ابنته.
لذلك، هي الوحيدة التي لها دلال عليه، ويسمح لها بالتحدث معه دون تكلّف، وتُنفَّذ أوامرها فورًا.
التفتت له وتحدثت بحماس:
أقولك سر؟... مافيش حد يعرفه، ولا حتى أدهم!
رواية انت عمري الفصل الثالث عشر 13 - بقلم احمد محمود
للدرجة دي بتحبيه؟ تورّد وجهها بحمرة الخجل.
بابتسامة أكمل:
– إجابتك وصلت خلاص، وأنا مبسوط جدًا عشانك. أدهم راجل وفخر لكل إنسان يدخل حياته.
تحدثت بخجل:
– أنا خلقت علشان أحبه... الأمان والراحة عندي هو وبس. ربنا عوّضني بيه عن الحرمان اللي عشته قبل ما أقابله.
تحدث فهد بشرود:
– يا بخته... أنا مش بثق في حاجة اسمها حب، لأنه بيضعف الراجل، وفي عرفنا عيب وعيب.
تفهمت ما يقوله، لكنها أردفت:
– الحب عمره ما كان ضعف، بالعكس... الحب قوة، يخليك تواجه الدنيا كلها علشان تحافظ على حبك وتعيش من غير خوف. بيخليك تملك الدنيا، حتى لو مش معاك جنيه في جيبك. مشاعر الحب أجمل إحساس، وربنا خلقه للراجل والست.
أقول لك سر؟... ما فيش حد يعرفه، ولا حتى أدهم.
نظر لها باهتمام:
– أنا سامعك.
تحدثت بخجل:
– أنا بحب أدهم من أربع سنين.
تحدث باستغراب:
– مش إنتِ بتقولي أول مرة تتقابلوا من ثلاث شهور؟
قالت بعشق مؤكد:
– آه، دي المقابلة الحقيقية، لكن هو ما يعرفش إني بحبه من قبلها بثلاث سنين، وتمانية شهور، وأسبوع، و12 ساعة، و35 دقيقة.
قال فهد بصدمة:
– إنتِ حسباهم باليوم والساعة؟
هزت رأسها بتأكيد:
– آه، ده يعتبر يوم مولدي الجديد. كان هو فارس أحلامي لمدة ثلاث سنين بعد وفاة أهلي.
كان يوم اشتد فيه الخوف والقلق، سجدت وطلبت من ربنا الأمان، وفي نفس اليوم ظهر هو ليا في أحلامي.
بقى هو سبب أماني، ويوم ما كنت بهرب من رجالة أمير، تمنيت إنه يكون شخص حقيقي من لحم ودم يحميني منهم، مش مجرد شخص نسجه خيالي أو وهم زار أحلامي.
وأنا تعلقت بيه... ناديته في سري، وأنا بتمنى أنام علشان يظهر ويخلصني منهم.
بس ما كنتش أتوقع إنه يتجسد قدامي فجأة، في عز احتياجي للحماية والأمان.
وقعت قدام عربيته... ونزل.
لحظة ما عيوني شافته، مش عارفة إيه حصل لي، كأن الزمن وقف بيا لوهلة.
تمنيت أقرب منه، ألمسه علشان أتأكد أنا في واقع ولا حلم.
ده مش من طبعي ولا أخلاقي، بس ما كنتش مصدقة. كأن صورته اللي في خيالي من سنين خرجت وتجسدت قدامي، بقت دم ولحم.
كان إحساس فوق الخيال... فارس أحلامي بقى قدامي إنسان حقيقي. كأن ربنا عوّضني بيه عن أهلي.
أنا حكيت كل حاجة عني... دورك بقى.
ابتسم فهد وهو يحدث نفسه:
"فيها شيء يجعل من أمامها يستسلم للحديث معها، بل يشعر بالراحة من تواجده جوارها. هل هذا شعور الجميع؟ أم هو فقط عرفان منه لفضل عمه المتوفي؟"
– أحكي إيه؟
قالت عشق:
– بتحبها من إمتى؟ وليه ما تجوّزتش لحد النهاردة؟ وأنت كبير العيلة وتقدر تتجوز أربعة.
نظر لها فهد بعدم فهم:
– هي مين دي؟
عشق بهدوء:
– البنت اللي كانت ماشية لما جت تاخدني.
"معقول؟! أخدت بالها من تلك الفتاة التي تجعل عقلي في حالة تشتت دون سبب؟ والله... تلك العشق بها شيء لله."
لكنه لم يظهر تلك المشاعر أبدًا أمام أحد، وهو يردف:
– مفيش حاجة... إنتِ بيتهيألك.
خرجت كلماتها موثقة بمشاعرها:
– نظرتك ونظرتها بتقول فيه... وفي كتير كمان.
"كيف أشعر بهذا الحرج أمام طفلة؟ ماذا حل بك يا فهد؟ لما أمامها تصبح طفلًا صغيرًا، تريد الحديث وإخراج ما بداخلك؟
تبًا... يجب عليّ الابتعاد، قبل أن تكشف تلك الملاك مشاعرك."
وقف، وهو يردف:
– لما أعرف في إيه، صدقيني... إنتِ تعرفي قبل الكل.
تصبحي على خير.
تحرك من جوارها، ذهب وهو لا يجد الرد على سؤالها.
عشق بنداء قبل أن يبتعد:
– فهد...
توقف، والتفت لها.
تحدثت بحنان:
– الحب مش عيب، ولا حرام، طول ما هو في إطار شرعي.
مش عيب نظهر مشاعرنا لحبايبنا.
صدقني، لو ما جربتش الإحساس ده، هتندم باقي عمرك.
الحب بيخلينا نطير فوق السماء، ونملك كل الكون بمشاعرنا وحبنا.
ابتسم لها... وتركها وذهب.
--
في الصباح
في غرفة "عشق"، كانت تستعد للنزول عندما اقتحمت "خلود" و"ياسمين" غرفتها فجأة.
قالت "خلود" بفرحة كبيرة:
– إنتي عملتي إيه لزين؟!
نظرت لها عشق مبتسمة:
– وإنتي عرفتي منين؟
هتفت خلود:
– جالي بالليل... وكان شكله يرعب!
نظرت لها "عشق" بذهول:
– بالليل؟! ده مجنون بقى... أنا كنت فاكرة هيستنى للصبح وبعدين يتكلم!
سألت خلود بفضول:
– هو إيه حكاية العريس اللي طالب مني أرفضه؟ لما تكلميني!
ضحكت عشق ضحكة ناعمة:
– هي حصلت؟! ده طلع مغرم!
قالت خلود بحيرة:
– يعني موضوع العريس ده مش بجد؟! أصله اتجنن خالص!
– لا طبعًا... كل الموضوع من تأليفي علشان نحرك الجبل، والغيرة دليل الحب.
–
تحدثت "ياسمين" لأول مرة:
– أنا بقولها كده ومش مصدقة!
اقتربت منها "عشق"، وضمت وجهها بين يديها بلطف:
– في ناس حبهم كده... زي القط والفار، ورغم كده، مافيش حد فيهم يقدر يبعد عن التاني لحظة.
أوقات كتير ما نعرفش نحدد مشاعرنا، وبنحتاج أي سبب يظهّرها.
وأنا عطيته السبب ده... مش أكتر. والغيرة أفضل علاج لإظهار حقيقة مشاعره.
هو كان بيحب يضايقك، بس ماكانش عارف إنك روحه... غير لما حس إنك ممكن تبعدي عنه.
شوفي... مقدرش يتحمل لحد ما النهار يطلع.
مضايقته ليكي، مشاكساته... كل ده دليل حب، بس هو ماكانش يعرف.
ولسه اللي هيحصل على الفطار... ده أنا هخليه يعترف قدام الكل!
ارتمت "خلود" في حضنها وهي تقول بانفعال:
– شكرًا... شكرًا يا أجمل أخت!
---
اجتمع الكل على الفطار كالمعتاد.
جلسوا حول الطاولة، وبينما السكون يسود، هتف الجد فجأة:
– يا يونس، في عريس متقدّم لبنتك "خلود".
ارتفعت كل العيون باهتمام، بينما هتف "يونس":
– خير يا بوي؟ وده نعرفه؟
قال الجد بهدوء وكأنه يعرفهم فقط من طرف "أدهم":
– نسيبنا بيقول رجل أعمال ومن ناس محترمة، وضامنه برقبته. وأنا شايف إن الأوان حان لارتباطها.
تبدلت ملامح "زين" في لحظة، وحدّق في "عشق"
بغضب مكتوم.
"ماذا يحدث؟ ألم تبلغه أنها تأخذ رأيه فقط ولن تُبلغ جدها؟ ماذا فعلتِ يا عشق؟! والله لن أسمح لأحد أن ينظر لها... ولو على جثتي!"
كاد "يونس" أن يرد، عندما قاطعه "زين" بانفعال:
– إزاي ده يا جدي؟! ومن ميتة بندّي بنتنا للغرباء؟!
قال محاولة للتلطيف:
– أدهم كيف ما بتقولوا... راجل زين، وأكيد مش هيجيب حد عفِش.
قال "زين" بحدّة:
– لا يا جدي، أنا مش موافق!
نظر له الجميع بتعجب، بينما تحدث "فهد" بغضب:
– كيف تتحدث كده مع جدك؟! و تعلي صوتك في وجوده؟!
أخفض "زين" وجهه بإحراج:
– آسف يا جدي... حقك عليّا. بس "خلود" ليا، ومش هتكون لحد تاني مهما حصل.
وأنا بطلب يدها منك يا عمي، وده آخر كلام عندي... ولو مش ليا، مش هتكون لحد تاني!
ثم ترك المكان بغضب، تحت صدمة الجميع، وأولهم "خلود" التي لم تصدق ما يحدث.
نظرت أمامها بذهول، وفمها متسع في حالة من الصدمة، مما جعل "عشق" تميل عليها و تهمس:
– اقفلي بقك ده... هتفضحينا! الله يخرب بيتك!
همست "خلود" بذهول:
– إنتي سمعتي اللي أنا سمعته؟!
ابتسمت "عشق" و"ياسمين"، ردّت "عشق" مؤكدة:
– آه...
التفتت لها "خلود" بكل جسدها وهي تقول بانفعال:
– و عايزاني بعد ده كله أكون طبيعية؟! ده أنا هصرخ من الفرح!
نظر الجد إلى "عشق" وهو يغمز لها، فابتسمت له بحب.
جذبتها "عشق" لتقف وتصعد معها إلى الأعلى، بصحبة "ياسمين"، قبل أن ينفلت لسانها و تفضح نفسها أمامهم.
تحركت إلى جوارها، وهي لا تزال على حالتها، تتمتم:
– أخيرًا... عشقها المستحيل اعترف!
أمام الجميع، إنها ملكه هو فقط...
دعت "خلود" لـ"عشق" من كل قلبها... فهي كانت سبب تحقيق حلمها.
---
---
في المساء...
طلب الجد رؤية "عشق"، فأبلغتها نعمة برغبته في لقائها.
نزلت عشق الدرج بسرعة متجهة إلى غرفة جدها، طرقت الباب برفق، وما إن أُذن لها بالدخول حتى قالت بقلق:
– خير يا جدي؟ ماما نعمة بتقول إن حضرتك عايزني.
أشار لها الجد كي تقترب من مكان جلوسه، وما إن وصلت حتى رفع ذراعه وجذبها لتجلس تحته، وقال بهدوء:
– عايزك تجهزي نفسك علشان تروحي مع حريم البيت تختاري شوارك.
رفعت عشق عينيها بدهشة، ثم تمتمت:
– بس أنا يا جدو متجوزة من كام شهر، والفيلا فيها كل حاجة!
رد الجد بإصرار لا يقبل النقاش:
– لا، هتروحي تجيبي كل شوارك زي كل عرايس عيلة المنشاوي... إنتِ بنت محمود المنشاوي.
– بس يا جدي...
قاطعها بتصميم:
– خلاص يا عشق، الكلام في الموضوع ده منتهي.
ثم لان صوته قليلًا وأضاف:
– زي ما أنا بسمع كلامك، تسمعي إنتِ كمان كلامي.
تذكّرت عشق حينها حديثها مع جدها في الصباح، وكيف كان مرحّبًا ومقتنعًا لأبعد الحدود...
---
فلاش باك
– صباح الخير على أجمل جد في الوجود!
ردّ الجد ضاحكًا:
– صباح النور على زينة عيلة المنشاوي وأجمل حفيدة في الوجود.
اقتربت منه وتعلّقت بعنقه بحب، وقالت:
– أنا ليا عند جدي حبيبي طلب.
قبّلها الجد وقال بحنان:
– إنتِ تأمري يا حبيبة جدك.
لم تكن تعلم كيف سيكون رد فعله، لكنها كانت تعلم أن عليها اتخاذ الخطوة. قالت بتردد:
– أنا كنت عايزة حضرتك تساعدني أوفّق راسين في الحلال...
ضحك الجد بصوت عالٍ:
– إنتِ هتشتغلي خطابة؟! إياكِ!
– آه يا جدي، وإنت تساعدني... زين بيحب خلود، بس مش عارف...
– وبعدين، تعرفيه إزاي؟
قبّلته على خده بحنان وقالت:
– بالغيرة يا جدي... الغيرة.
– وإنتِ عرفتي منين بجي؟
وضعت يدها على قلبها وهمست:
– عرفت بده يا جدي، وأنا واثقة في كلامه... علشان خاطري، خليك معايا.
ضمّها إليه بحنان، يشتم بها رائحة حبيبته الراحلة، وهمس:
– أنا موافق أكون معاكي... شوفي عايزة إيه وأنا أساعدك.
ضمت نفسها له بقوة، وهتفت بمرح:
– يا جدو... يا جامد!
---
انتهى المشهد، وعادت عشق إلى الواقع...
خرجت من تخيلها وصعدت لترى "خلود" التي لم تستوعب ما حدث حتى الآن. كانت عشق تشعر بالخوف على قلبها، فهو قد لا يتحمل هذا الخبر.
كادت تدخل عندما ارتمت خلود في حضنها للمرة التي لا تعرف عددها منذ اعتراف زين بملكيتها له، وظلت تقبّلها بجنون.
ضحكت عشق وقالت ممازحة:
– خلاص يا مجنونة! إنتي هتعملي زي أبو العربي؟! "أنا هريها بوس... يععع!"
ظلت خلود على حالها، فأبعدتها عشق وهي تضحك:
– ابعدي بقى! عرفتي إنه ما فيش في القلب غيرك يا قمر!
ضحكت خلود بمرح وردّت:
– قمر مين؟! سلامة الشوف... أنا خلود!
نظرت ياسمين وعشق لبعضهما، ثم هتفت ياسمين بمرح:
– يا سلام على المزاج العالي! وبنعرف نهزر كمان؟ بركاتك يا زين باشا!
---
على الغداء...
جلس الجميع، ما عدا زين، الذي لم يأتِ بعد.
سأل الجد بقلق:
– فين أخوك يا فهد؟
أكمل فهد طعامه وهو يردف:
– مش عارف يا جدي... واتصلت عليه كام مرة، مش بيرد.
علّق الجد وهو يزداد قلقًا:
– ضروري تخليه يرجع... وجوله بنت عمه ليه، هو أولى بيها من الغريب، وأنا ما يرضينيش زعله.
ردّ فهد باحترام:
– طلباتك أوامر يا جدي.
– ربنا يبارك لي فيك يا ولدي.
********
---
عودة زين...
عاد زين إلى الفيلا، وكانت ملامحه تعكس الضيق والانزعاج. قابلته عشق بابتسامة خفيفة وهي تقول بمزاح:
– تعيش وتاخد غيرها يا حضرة الظابط!
نظر إليها بضيق، وقال بحدة:
– عشق، ابعدي عني الساعة دي! كفاية إنك نكستي وعدك معايا، وبلغتي جدي!
ضحكت عشق، ثم بدأت تقصّ عليه ما حدث، تروي له كيف نُصِب له الفخ ليعترف بحبه ويطلب يد خلود أمام الجميع.
اتسعت عينا زين من الدهشة، غير مصدّق أن ضابطًا مثله قد وقع في شرك فتاة مثلها.
قال بدهشة وهو يضحك:
– بقي إنتِ يا زئردة تعملي كل ده فيا؟! أنا زين... اللي بيتهزّ له رجال بشنبات! والله ما يبان عليكي!
رفعت عشق كتفها بغرور، وقالت:
– "يُوضع سره في أضعف خلقه"، وبعدين إياك، ثم إياك تستخفّ بكيد الحريم... إن كيدهن عظيم.
ضحك زين بحرارة، وقال مازحًا:
– آه والله! اللي تخلي جدي بجلالة قدره يشارك في لعبة زي دي، تبقى قادرة وجبّارة!
ثم انحنى أمامها بمرح، وقال:
– ونرفع لها القبعات كمان!
انفجرت عشق ضاحكة بصوت عالٍ:
– لا يا سيدي، اشكرني لما تعيش أجمل قصة حب... سلام!
---
صعد زين إلى غرفته، أراد أن يأخذ حمامًا ويستريح من تلك الحرب الطاحنة التي أوقعته فيها عشق. ظل يلعن غباءه وهو يتذكّر كل تفصيلة.
خرج من الحمّام، مدّ جسده على السرير، وأخذ يتأمّل السقف بتنهيدة، مستغربًا من هذا الشوق الذي تسلّل إلى قلبه من غياب يومٍ واحد.
هل كان تعمّده إغاظتها حبًا؟ أم أنه كان يهرب من مشاعره الحقيقية؟
---
في المساء...
اجتمع الجميع في جلسة عائلية يتبادلون الأحاديث المختلفة، حين دخل زين وألقى التحية:
– مساء الخير.
ردّ الجميع السلام، فنادته والدته للجلوس بجوارها، لكنه تقدّم أولًا من جده، وانحنى ليقبّل يده باحترام.
قال معتذرًا:
– آسف يا جدي على طريقتي الصبح.
ربّت الجد على رأسه بحنان وهو يقول:
– أنا عاذرك يا ولدي.
في هذه الأثناء، رنّ هاتف فهد، فوقف وتوجّه خارجًا ليجيب بحرية أكبر.
---
التقت عينا زين بعشق، التي كانت تحاول كتم ضحكتها بشدة. رفع يده بخفة وكأنه يستحلفها بالصمت، فما كان منها إلا أن وقفت وقالت:
– بعد إذنك يا جدي، طالعة غرفتي، عندي حاجات هعملها قبل ما أنام مع ماما نعمة.
أشار لها الجد بالموافقة:
– اطلعي يا حبيبتي، خدي راحتك.
صعدت عشق غرفتها، تضحك في سرّها على نجاتها من "براثن" زين.
نظرت إلى دولابها، وتحدّثت إليه ممازحة:
– يا ترى، انت جامد وتتحمّل لو مسكت فيك؟ ولا توقعني؟! لازم أطلع كل الحاجات دي فوق.
---
عند البوابة...
وقف فهد أمام البوابة الرئيسية، ليجد أدهم يقترب منه بابتسامة واسعة، مشتعلة بالشوق الذي راوده منذ غياب عشق.
اقترب أدهم بشوق، وكأنّه يتوق لضمّها كي يطفئ نار الفراق التي أحرقت روحه.
قال فهد بترحيب:
– نورت يا أدهم.
صافحه أدهم وهو يبتسم:
– ده نورك يا فهد! أخبارك إيه؟ وأخبار الناس اللي عندك؟
قال فهد بخبث:
– أهلي؟ ولا حد تاني؟
ضحك أدهم وأجاب بمكر:
– أكيد فاهم... أخوك يقصد مين.
أشار له فهد بالدخول، ثم رفع صوته قليلًا قائلًا:
– ادخل يا أدهم، نورتنا!
تقدّم أدهم بتحمحم وهو يخفض رأسه خجلًا، سلّم على الجميع، وعيونه تبحث عن عشق، دواء قلبه الذي لم يهدأ.
مال فهد على أذنه وهمس:
– مش هنا... ما تدوّرش كتير.
نظر له أدهم متسائلًا:
– يعني الكل هنا... هي فين؟
تدخّلت نعمة قائلة:
– اطلعي يا خلود، نادي عشق.
لكن فهد تدخّل سريعًا:
– لا يا خلود، خليكِ... أدهم جاي تعبان، وأكيد محتاج يرتاح من السفر.
ثم التفت إليه وقال:
– تعال، أوصّلك غرفة عشق.
نظر له أدهم بامتنان، فهو لا يريد غيرها في تلك اللحظة.
توجّه إلى الجد واستأذنه بأدب:
– أطلع أرتاح ساعة من الطريق، وأنزل تاني.
أجابه الجد بلطف:
– براحتك يا ولدي، البيت بيتك.
صعد فهد مع أدهم وسط نظرات استغراب من الجميع، بسبب معاملته المريحة لأدهم بشكل يفوق تعامله مع أولاد عمومته وأخيه.
وقف فهد أمام الباب، وأشار إليه:
– هبعت لك حد من الخدم بالأكل... ارتاح، وبكرا أشوفك.
قال أدهم بإمتنان:
– شكراً ليك يا فهد، أنا فعلاً تعبان جدًا... صاحي من بدري، وخرجت من الشغل وسافرت ساعات طويلة... تصبح على خير.
– وأنت من أهل الخير.
---
عند باب الغرفة...
وقف أدهم ينظر إلى الباب، وقلبه يكاد يتوقّف من شدة الخفقان.
طرق برفق.
في الداخل، كانت عشق تقف على كرسي وضعته فوق "الكومودينو"، تحاول الوصول إلى ظهر الدولاب.
سمعت الطرق، فقالت بصوت عالٍ:
– ادخل!
فتح أدهم الباب بهدوء، وكأنه يفتح أبواب الجنة، وقلبه يرقص بين ضلوعه من سماع صوتها.
من كان يصدّق أن يومًا كهذا سيأتي، يعيش فيه تلك المشاعر؟
لو أخبره أحد بذلك من قبل، لنعته بالجنون!
رفع عينيه، فرآها تعطيه ظهرها، ترتدي "سلبت" أسود بكاب، وشعرها منسدل بطريقة ساحرة. ظل يتأملها بشغف، يتمنّى لو يدمجها بروحه، فتصبح جزءًا لا يتجزأ منه.
التفتت لترى من الزائر، فاهتز الكرسي تحتها، وصرخت وهي تسقط...
لكنها لم تصل إلى الأرض، فقد وجدت نفسها بين أحضان أدهم...
ذلك الخبيث، الذي ابتسم لها بشوق ولهفة، وكأنها أجمل مفاجأة في الوجود.
كأنّ لسانه كان سجينًا لسنوات، وها هو قد أُطلق ليغني لها:
– وحشتيني... وحشتيني جدًا... يا عمري.
****
---
"أنتِ عمري" — بقلم: أمل مصطفى
نظر إليها بعينين تفيض بالشوق، صوته مبحوح كأن الكلمات تنزف من أعماقه:
– "متعرفيش الأيام دي عدّت عليا إزاي... أنا كنت بموت من شوقي ليكي! الحياة ماكانش ليها طعم ولا لون من غير وجودك."
لم تمنحه فرصة للبوح أكثر، فقد كانت تشعر بكل ما يحس به... وهي بين أحضان حلمها الذي انتظرته عمرًا. لم تُجبه، فقط سكنت صدره، كأنها تعيد ترتيب نبضاته بصمت.
أسر شفتيها في قبلة شوق، حملت عبق حب قديم وجميل... أراد أن يسحقها بين ضلوعه، همس بشغف:
– "وحشتيني... وحشتيني أوي."
حينها فقط، استوعبت ما يحدث، فتعلقت أكثر بعنقه وهمست بصوت مرتعش بالعشق:
– "وأنت كمان... وحشتني قوي، قوي يا أدهم."
مرر يده برقة على خصلات شعرها التي انسدلت على ظهرها، وقال بعشق:
– "آه... لو تعرفي بحبك قد إيه، يا عشق... أنتي عمري الجميل، العمر اللي كنت حاطط بيني وبينه حيطان وجسور... كنت خايف على قلبي من لحظة ضعف، بس دلوقتي عرفت إن الإحساس ده هو أجمل حاجة ممكن أعيشها."
صمت لحظة، ثم تابع بنبرة يملؤها الرجاء:
– "أنا بعيش روعة الإحساس ده معاكي... وبتمنى مخرجش منه أبدًا."
بادلت مشاعره بشغف مماثل، وكأنهما انفصلا عن العالم؛ هو تذوّق حلاوة قربها، ونسي كل ما حوله. لم يعد يفكر في شيء سوى امتلاكها... أن تكون له وحده، في كل لحظة.
حملها برفق ووضعها على الفراش، ينهل من عبقها، يروي نيران شوقه المشتعلة داخله. لم يتبقَ الكثير لتصبح زوجته... لكنّه، رغم اشتياقه، استطاع السيطرة على رغبته بها. ابتعد عنها قليلاً، وما زال يحتضنها بشغف.
وضعت رأسها على صدره، تستمع لأنفاسه المتسارعة، وتسمع دقات قلبه الصاخبة. وفي رأسها سؤال واحد ظل يطاردها بصمت:
"لِمَ لم يُكمل زواجنا حتى الآن؟"
تمنّت أن تسأله، لكنها خجلت... خافت أن تبدو في عينيه سيئة الخُلق أو متسرعة. لذلك، فضّلت الصمت، واستسلمت لشيطان تفكيرها...
رواية انت عمري الفصل الرابع عشر 14 - بقلم احمد محمود
كان في رأسها سؤال واحد يلحّ عليها بقوة:
لماذا لا يكتمل زواجهما؟
هل يراها غير لائقة له؟ أم أنه لا يحبها؟
ولكن... كيف لا يحبها، وهي ترى شغفه بها وعشقه في عينيه التي لا تفتأ تتأملها كلما التقت نظراتهما؟
أم أنه يمرّ بحالة صعبة، ويتمنى من الله أن يمنحه الصبر لتحمل اليومين المتبقيين؟
تحدثت بتوتر، متأثرة بردة فعل "أدهم"، وهمست:
– عيون وقلب أدهم... هو ممكن... يعني، أسألك عن حاجة؟
اعتدل في جلسته باهتمام، وقال:
– طبعًا، اسألي عن أي حاجة تحبيها.
تلعثمت قليلًا، وقالت بخجل:
– هو... يعني... قصدي... أنتَ...
فهم ما ترمي إليه، فاقترب منها واحتضن وجهها بين يديه، وقال بعشق:
– أنا بعشقك، وكل يوم بحلم باللحظة اللي هنتمم فيها جوازنا.
أنتِ مش متخيلة ولا عارفة إحساسي إيه لما تكوني قدامي، وفي حضني.
كل ذرة فيا بتناديكي، وبتتألم من كبت مشاعري... وإنتي بين إيديا ومش قادر أوصل لدرجة الكمال!
بس كل ده... علشان عايزك تلبسي الفستان الأبيض، وتدخلي بيتك ملكة متوَّجة.
وقتها مشاعرنا هتكون مختلفة، وسعادتك أكبر وأروع.
أنا ما فيش حاجة تهمني غير إنك تكوني مبسوطة...
يا عشق، دي أهم خطوة في حياتي الجاية.
فاهمة، يا حبيبتي؟
---
جالت في خاطرها كل الأفكار السيئة، إلا هذه النقطة...
لقد لامس روحها، وشعرَت أن حديثه عزز من قيمتها، ولم يُشعرها يومًا بأنها أقل منه.
كان يرفع من شأنها، فشعرت برغبة عارمة أن ترد له جزءًا من سعادته.
وقفت فجأة، وقالت بابتسامة:
– آه، فهمتك... وعايزة أوريك حاجة.
ابتسم لها موافقًا، فذهبت وفتحت أحد الأدراج، وأخرجت صورة كبيرة، ثم جلست بجواره، ومدّتها له.
أخذ الصورة منها، ونظر إليها بدهشة... لم يكن يملك صورة كهذه، بهيئته تلك، في أي وقت مضى.
كانت صورته وقت حزنه وحداده على صديقه الراحل، ولم يكن حينها مستعدًا لأي شيء، حتى التصوير.
– دي صورتي؟ بس... أنا ما صورتش صورة زي دي قبل كده!
نظرت له بتردد، وسألته:
– مش عاجباك؟
رد وهو ما يزال يحدق فيها:
– جميلة... بس أنتي جبتيها منين؟ ورسمتيها إزاي؟
قالت بهدوء:
– من خيالي...
رمقها بعدم فهم، ثم قال:
– مش فاهم! من يوم ما شوفتيني وأنا حليق الذقن!
ابتسمت بحنين، وضمّت الصورة إليها، ثم همست:
– أنا هاحكيلك قصتي كلها...
---
– أنا رسمت الصورة دي من ثلاث سنين، و 11 شهر، و 14 يوم، وخمس ساعات.
نظر لها "أدهم" بذهول:
– ثلاث سنين؟!
أومأت برأسها، وتابعت حديثها بحب:
– بعد ما أهلي توفوا، فضلت شهور طويلة عايشة في رعب.
كنت بخاف أغمض عيني، خايفة حد يتهجم عليا، يسرقني، يقتلني، أو الأسوأ...
كل يوم كنت أقول لنفسي: "هتتعودي"، بس ما حصلش.
كل ما أكبر، ألاقي العيون عليا بتزيد، وخوفي بيكبر.
كنت بفضل صاحيّة لحد الفجر، أول ما يطلع النهار أنام ساعتين، وأصحى أجري على المدرسة، وبعد المذاكرة أنام ساعة كمان.
وفي يوم، التعب تملكني... كنت عندي امتحان مهم، ولازم أنام، بس خوفي منّعني.
فضلت أصلي وأبكي، وأنا بطلب من ربنا يطمني علشان أعرف أنام.
وأنا على السجادة، غمضت عيني وأنا ببكي...
فلما فتحتها، كان النهار طلع، وحسيت براحة ما عرفتهاش من يوم وفاتهم.
حاسّة بالأمان اللي فقدته...
علشان شوفتك في الحلم!
قال بدهشة:
– حلم؟
– آه، حلم.
كنت قاعدة على صخرة، في مكان واسع وظلمة، ما فيهوش غير ضوء بسيط.
كنت ببكي وبترعش، وفجأة سمعت صوت بينادي عليا...
فضلت أتلفت حواليا، لحد ما ظهرت أنت من بين الظلمة.
ورفعت الصورة أمامه:
– كنت بالمنظر ده بالضبط.
خفت، وحاولت أبعد، بس أنت ابتسمت وقلتلي: "اهدي، متخافيش، أنا مش ممكن أذيّك... أنا أمانك".
قلتلك: "بس أنا معرفكش"، فقلتلي بثقة:
"أنا كل حاجة ليكي، بس اهدي ونامي، وأنا هفضل جنبك لحد ما يطلع النهار."
سألتك: "إنت مين؟"، قولتلي: "أنا قدرك ونصيبك... استنيني".
من يومها، وأنا بشوفك في أحلامي كل يوم...
بقيت بحب النوم علشان أشوفك، وأتكلم معاك.
قربنا من بعض، وبقيت جزء من حياتي، بل الجزء الأهم.
النهار اللي كنت بستناه علشان أنام ساعة، بقيت بكرهه... لأنه بيبعدني عنك.
رسمت الصورة دي وعلقتها على الحيطة...
بقت معايا ليل ونهار.
وفعلًا، إنت كل حاجة في حياتي، وما حدش يقدر يعوضني عنك... لا أهل ولا أصحاب.
---
ضمّها "أدهم" بعشق، وهمس:
– معقول كانت أرواحنا متواصلة كل السنين دي... من قبل ما نتقابل على أرض الواقع؟
هو في كده بجد؟!
نظر في عينيها بعمق، وقال:
– وأنا عمال أدور على سبب واحد خلاكي دخلتي قلبي وملكتيه بسرعة كده...
اتاري إحنا لبعض من زمان، وأرواحنا عاشت الحب من بدري.
رفع أنامله، ومسح وجنتها بحنان، ثم همس:
– أنتي حبي... وجنتي على الأرض.
أنتِ المياه اللي غسلت سواد قلبي ناحية بنات حواء.
أنا دلوقتي بس عذرت أحمد صاحبي، الله يرحمه،
إزاي نفسه هانت عليه، وضحى بيها علشان واحدة ما تستاهلش.
أنا حاليًا عايش نفس إحساسه...
ممكن أعمل أي حاجة، وتفضلي معايا، وفي حضني.
وكل حاجة تهون... فدا نظرة من عيونك.
---
استيقظت "سلسبيل" منزعجة من رنين الهاتف المتكرر الذي لا يتوقف. مدت يدها بتكاسل وضيق نحو الهاتف لترى هوية المتصل، وقد كانت تعلم مسبقًا من المتصلة. وحين رأت الاسم، أغمضت عينيها بضيق، ثم فتحت الخط وهتفت بحدة:
– في إيه يا "ماسة" على الصبح؟! عمالة ترنّي ترنّي، صدعتيني! أنا زهقت منك ومن اليوم اللي أمك وأمي بقوا فيه أخوات!
لم تهتم "ماسة" بكل هذا الكلام، ودخلت مباشرة في صلب الموضوع:
– عرفت مين هي.
اعتدلت "سلسبيل" في جلستها، وهي ما زالت بين اليقظة والنوم:
– مين هي؟ اللي مين؟!
أبعدت الهاتف عن أذنها حين اخترق صراخ "ماسة" السماعة:
– "سلسبيل"، فوقي علشان تفهمي!
هتفت باستنكار:
– حرام عليكي يا "ماسة"، أنا نايمة بعد الفجر... في إيه؟
اتسعت عيناها حين ردّت "ماسة" ببرود:
– طب وأنا مالي! نمتي الفجر ولا حتى منمتيش خالص!
– يا لكي من وقحة يا "ماسة"! توقظيني من نومي وبدل الاعتذار تتنمرين علي؟ تبا لكِ، سأرد لكِ الصاع صاعين!
– طيب، وأنا كمان مالي... تصبّحي على خير!
هتفت "ماسة" بسرعة ولهفة:
– طيب، خلاص خلاص... أنا آسفة!
ثم تابعت بهدوء:
– البنت اللي كانت مع "فهد" طلعت بنت عمه... اللي من القاهرة.
سألتها ابنة خالتها بدهشة:
– وإنتِ عرفتي منين؟
– سألت وعرفت.
قامت "سلسبيل" من فراشها بفزع وسألتها:
– إزاي؟! إنتي مجنونة؟ لو حد عرف هيقتلوكي! وبعدين معاكي يا "ماسة"، ليه مصممة توجّعي قلبي عليكي؟
هتفت "ماسة" بجنون:
– الموت أرحم من الإحساس اللي كنت عايشة فيه! ومن لحظة ما شُفتها راكبة جنبه، بس الحمد لله... قلبي ارتاح لما عرفت إنها بنت عمه، وفرحها كمان كمان أسبوع على واحد من مصر زيها.
تنهدت "سلسبيل" بإشفاق على صديقة عمرها وابنة خالتها، لكنها كانت مصممة على نصحها حتى اللحظة الأخيرة:
– حبيبتي، حتى لو ما تجوزتش، برضه مش هيكون ليكي. أنتم بينكم عداوة، وجدّك عمره ما هيوافق. "فهد" كبير عيلته، ومش هيحط إيده في إيد جدّك.
اختنقت "ماسة" من تلك الحقيقة المُرّة، وهتفت بوجع:
– ليه كده؟ عايزة تضيعي فرحتي؟ سيبيني أعيش في أحلامي!
أوجعها صوتها الحزين، فهتفت "سلسبيل" بحنان:
– حبيبتي، أنا بحبك وخايفة عليكي من الصدمة. الأحلام الناس بتصحى منها، لكن إنتي عايشة في وهم... وده أخطر بكتير.
هتفت "ماسة" برفض، غير قادرة على تصديق كلماتها:
– لا، إن شاء الله ربنا هيطيب خاطري... بس إنتي ادعيلي.
– ربنا يريح قلبك يا حبيبتي، وتوصلي لكل اللي في بالك.
---
الفضول كان ينهش قلب "عشق". كانت ترغب بشدة في معرفة ما حدث لصديقه، وكيف أثّر عليه إلى هذه الدرجة. لقد شعرت بحربٍ تدور بداخله في كل مرة تقرّبت منه، فهتفت بحذر:
– هو... ممكن تحكيلي عن "أحمد" صاحبك؟
أبعد "أدهم" بصره عنها، وتنهد بألم:
– كنا تلاتة أصحاب زي التوأم: "أحمد" و"مراد" وأنا. ما كناش بنبعد عن بعض أبدًا.
آخر سنة لينا في الكلية، ظهرت شيطانة... هزّت سعادتنا، ودمّرت حياتنا. كانت منقولة عندنا من كلية تانية بقالها أسبوع بس.
كانت أول مرة نشوفها، وكانت أسوأ يوم في حياتنا.
أنا و"مراد" ما قبلنهاش من أول طلة.
بس للأسف، "أحمد" أعجب بيها جدًا من أول نظرة... كأنها خطفته.
وطبعًا بما إننا من أغنى شباب الجامعة، كان سهل عليه يقرّب منها، لأنها مادية جدًا.
هو قرّب حب، وهي قرّبت طمع وحقارة.
حاولت أنا و"مراد" نبعده عنها، ما استجابش.
ولما كنت بشوف سعادته، كنت بسكت.
"مراد" كان دايمًا يقول: يومين ويبعد لما يكتشف حقيقتها.
لكن اتاريها زي السرطان اللي بينتشر في الجسم ويدمره، ومن المستحيل استئصاله.
صرف عليها فلوس كتير جدًا: هدايا، فسح، وكل حاجة.
حاولت تقرّب مني أكتر من مرة، بس كنت بصدها، لدرجة إني في يوم ضربتها بالقلم!
شهقت "عشق" بعدم تصديق:
– كانت مع صاحبك... وتحاول معاك؟ دي مش طبيعية!
هز رأسه باشمئزاز وهو يتذكر:
– كرّهتني في جنس الحريم. كانت وقحة، لدرجة إنها كانت بتهددني تقول لـ"أحمد" إني بحاول أقرب منها!
كنت شايف حالة صاحبي، وخوفت أكون أنا أول مسمار في نعش صداقتنا.
بس كنت عامل حسابي وسجلت لها مكالمات معايا، ودورت عليها وعلى الكلية اللي كانت فيها، وعرفت إنها عملت مشاكل كتير بحاجات مشابهة.
هددتها بكل ده، وخافت تخسر البنك اللي وقعت عليه.
بس كانت بتبعده عننا بطريقة غير مباشرة: سهر، فسح، واهتمام زائف.
حبُّه أعمى عن حقيقتها اللي كانت واضحة للكل... إلا هو.
شخصية مادية، حقيرة، بتدور على فلوسه وبس.
زي ما بيقولوا: "مراية الحب عامية".
اتفق مع أبوه إنه لما ينجح في رابعة، يكتب كتابه ويتجوز.
وأبوه وافق... ابنه الوحيد وعايز يفرح بيه.
خطبها ولبّسها الدبلة.
بصراحة، حاولت أكتر من مرة أبلّغه بكل حاجة.
وفي آخر لحظة، كنت بخاف أخسره، أو إن قلبه ما يتحملش الخسارة.
"أحمد"... حنية الدنيا فيه، وقلبه طيب جدًا.
قبل فرحهم بكام شهر، كان عمي "حسن" داخل صفقة بكل فلوسه... وخسرها.
******
ما عُدش فاضل غير الفيلا والعربيات. لكن لما وصلها الخبر، بدل ما توقف معاه وتسانده، صرخت فيه قدّامنا:
– هو بجد الخبر اللي سمعته؟! باباك أعلن إفلاسه؟!
ردّ عليها بحزن شديد، وصوت منخفض مليء بالخذلان:
– آه، للأسف.
سألته ببرود، وكأنها تتحدث مع شخص غريب:
– وإنت هتعمل إيه دلوقتي؟ وفرحنا وضعه إيه؟!
حاول يجذبها من يدها علشان يتكلم معاها على انفراد، لكنها جذبت يدها بعنف، ورفضت تتحرك، وقالت وهي تنظر له باحتقار:
– قول إيه؟ العمل قدّام أصحابك؟!
شعر بالأسف، ليس من تصرفها فقط، بل من إحراجها الشديد له أمام الجميع. حاول يسيطر على صدمته، وردّ عليها بهدوء:
– بابا هيبيع الفيلا بتاعته، ويبدأ بيها مشروع صغير... وهيعيش معايا هو وماما لحد ما الوضع يتحسن.
هتفت بغضب ورفض قاطع:
– لا طبعًا! محدش يعيش معايا! ممكن يجيبوا شقة صغيرة على قدّهم!
طريقة كلامها كانت جارحة، مليانة أنانية، عدم احترام لمشاعره، وكأنها بتدوس على كرامته وهو في قمة ضعفه.
أنا شخصيًا، وقفت وقتها وكنت حاسس إني عايز أصرخ... كنت عايز أكسرها، لكن عمري ما كنت همجي أمد إيدي على واحدة، مهما حصل.
وقفت أشوف رد فعل "أحمد"... غضب جدًا، صرخ فيها بصوت عالي:
– أنا مش ممكن أسيب أمي تعيش في شقة!
ردّت عليه بكل وقاحة:
– طيب شوف... يا أنا، يا همّا!
نظر لها بصدمة، مش مصدق إن دي حبيبته... اللي كان مستعد يعمل المستحيل علشان يسعدها!
سألها بصوت غير متزن، كأنه بيحاول يستوعب الكارثة:
– قصدك إيه؟!
خلعت دبلتها من إيدها بدون لحظة ندم، وقالت ببرود:
– يعني لو عايز نكمّل مع بعض، يبقى كلامي هو اللي يمشي... وإلّا، خلي دبلتك معاك.
أنا عايزة أترفّع لفوق، مش أنزل تحت الأرض!
كان ردّها أقسى من صدمة إفلاسه. لقد خدعته، رسمت له حبًا زائفًا، وكان يتوقع منها في أسوأ لحظاته إنها تكون الحضن والسند... لكن لقاها أول وحدة بتسيبه في عز وجعه.
ما اهتمتش بحالة الضياع اللي احتلت ملامحه، ولا بنظرة الانكسار في عينيه... وسابته ومشيت كأنّه مجرد عابر سبيل في حياتها.
مر عليه أسبوع من أسوأ ما يكون. كان بيتمنى إنها ترجع، تعتذر، تقوله إنها بتحبه، وإن أسلوبها ده كان بسبب الصدمة.
لكن للأسف... ما جتش. ما سألتش، ولا حتى رسالة!
كان هيتجنن، مش عارف يعمل إيه... هي؟ ولا أهله؟
بس... أهله ما يستاهلوش يتباعوا!
دول عطوه كل حاجة حلوة في حياته، وفرحوا لفرحه، وزعلوا لزعله.
وكل ما والده يتصل بينا ويسأل عن حالة ابنه، كنا نقوله:
– زعلان علشانك.
لكن لو كان عرف اللي حصل بينهم، كان نفذ طلبها علشان حالة ابنه تتحسن.
بس للأسف، ما جاش في بالنا إن كل ده يحصل... وإنها مش حب وبس، دي كانت عشق.
وإلا، كان قدر يستغنى عنها مع الوقت.
بعد أسبوع، راح يرضيها... يشرح لها موقفه.
لكنها عاملته بتعالي، وطردته!
كانت صدمة قاسية، فوق ما يتحمل.
حبس نفسه شهر في البيت.
ذقنه كبرت، رفض ياكل، جسمه الرياضي اختفى، ووشه اللي كان دايمًا وسيم بقى هزيل كأنه هيكل إنسان.
أنا و"مراد" كنّا دايمًا معاه. كنا بنتبادل الوقت نحاول نطلّعه من حالته، لكن للأسف، تأثيرها عليه كان مرعب.
أهله زادوا حزن، مش علشان الفلوس اللي راحت... لكن على حال ابنهم، اللي كل يوم في دمار أكتر من اللي قبله.
وفي يوم... كنا أنا و"مراد" مضطرين نسيبه، علشان عندنا ضغط شغل.
اتصلت بيه، ولما فتحت الخط... سمعت صوت بكائه.
تخيلي؟ راجل بيعيط... علشان كلبة ما تستاهلش ظفره!
كان بيكلمني وهو في حالة عدم اتزان، وسايق العربية بسرعة جنونية.
قلبي اتقبض... حاولت أهديه، لكن كل حاجة خرجت عن السيطرة...
******
اتصلت به ببرودٍ قاتل، لتلقي في وجهه قنبلة جديدة:
– النهارده خطوبتي على راجل غني، يقدر يحقق لي المستوى اللي بحلم بيه.
فلاش باك:
ذهب إليها كالمجنون، يترجّاها أن تصبر عليه، وعدها أنه هيغير الوضع، أنه هيكافح علشانها.
لكنها قابلته بابتسامة ساخرة وكلمات كالسياط:
– اللي بتصبر بتكون بتحب خطيبها... بس أنا لا بحبك، ولا عمرى حبيتك.
أنا كنت عايزة فلوس وبس.
أنا عايزة راجل أخاف منه، أعمله حساب، مش واحد أحركه بإيدي زي ما أنا عايزة.
كان ممكن يصرخ، يردّ، ينهار... لكنه ما قدرش.
حبّه ليها كان كبير لدرجة إنه خرج من عندها مكسور، واتصل بيا وهو بيصرخ من الألم.
كان بيهذي:
– أوعدني يا أدهم، إنت ومراد... ما تسلّموش قلبكم لوحدة أبدًا.
الحب أسوأ حاجة في الدنيا!
– لما تسلّم قلبك لوحدة ما تستاهلكش، بتتحكم فيك، تستغلّك، وتذلك...
كلهم خاينين... كلهم بيحبوا الفلوس، وبس!
قلت له بحزن وأنا قلبي بيتقطع:
– اهدا يا أحمد، بالله عليك، ما تستاهلش دمعة من عيونك...
إنت فين؟ أنا هاجي لك.
صرخ:
– لا! افتح السبيكر... عايز مراد يسمعني.
صوته كان بيتهدج وهو يكمل:
– آسف يا أغلى وأحنّ أصحاب... على عيني بعدي عنكم.
مراد انفعل:
– بتقول إيه يا أحمد؟! تقصد إيه؟!
إوعي تضيع نفسك علشانها! بكرة تنساها، صدقني.
أنا حاولت أهدّي الموقف:
– مراد... اهدا شوية.
ثم وجّهت كلامي لأحمد:
– أرجوك يا أحمد... إرجع، أنا هحل الموضوع.
هديها اللي عايزاه، بس إنت ارجع.
فكّر في أمك وأبوك... هيتحملوا إزاي غيابك؟!
مراد اتكلم بحرقة:
– أرجوك... إحنا هنموت من غيرك.
لكن صوته كان موجوع، محروق:
– ترضى لي أعيش ذليل؟
تتحكم فيا؟
تحرّكني زي ما تحب؟
علشان الفلوس؟
ولما تزهق... ترميني؟
بكاؤه كان موجع، راجل مكسور قدّام الدنيا كلها.
كان عايز يبعد، بس ما عرفش.
الذل من البقاء معاها أهون من ألم فراقها... فاختار الأسوأ!
قالها وهو بينهار:
– كان نفسي نعيش سوا لحد ما نعجز، نتسند على بعض...
بس مش قادر.
قولوا لأمي وأبويا يسامحوني...
صرخنا فيه أنا ومراد معًا:
– لا يا أحمد! حرام عليك! ما تعملش كده!
لكن صوته خفّ، وكأنه بيودّع الدنيا:
– سلام... ادعولي.
مسح دموعه... وسابني.
يا عشق... الموت كان أهون عليه من بعدها.
خسر آخرته علشان كلبة.
ما قدرش يصبر شوية، لحد ما ربنا يبعث له اللي يضمّد جرحه، واللي يعرفه إن لسه في قلوب طيبة.
استلمنا جثته، أنا ومراد.
كنا بنموت...
بس اتماسكنا عشان أهله.
أمه ماتت تاني يوم.
وأبوه اتشل.
ما حدش فيهم قدر يتحمل!
وبعد شهور قليلة... مات الأب كمان.
أسرة كاملة اندفنت... بسبب طمع واحدة.
دورت عليها، وكان قلبي بيغلي نار... كنت ناوي أقتلها.
ما كانش فيه حاجة تبرد ناري غير كده.
بس مراد سبقني وهربها.
عرف بعدها بكم سنة... إنه أنقذني من ضياعي.
هو خاف عليّ...
خاف أقتلها وأتسجن... ويبقى ضاع كل شيء.
وقتها، بدأت أفهم...
بدأت أفهم ليه "عشق" كانت بتشوف قسوته جدار، مش قلب.
كل ما يقرب منها، يرجع يهرب كأنه بيهرب من شياطين الدنيا.
وفي لحظة مصارحة، حضنها بشدة، وقال بصوت مبحوح:
– أنا قلبي دق ليكي من أول مرة شفتك...
لما رفضتِ مساعدة "هاني" علشان ما يلمسك وإنتِ تعبانة...
الموقف ده شدّني جدًا!
– اتعاملت معاكي ببرود، بقسوة...
كنت بخاف على قلبي منك.
كنت بحمي نفسي من الحب، من الضعف...
وكل ما أحس إني بميل ليكي، أهرب، وأداري ضعفي بعنف.
بس غصب عني... قلبي عشقك.
قالت بصوت هادئ باكي:
– ربنا يرحمه برحمته الواسعة، ويثبّته يوم الحساب.
ردّ وهو بيشاركها الدعاء:
يا رب...
يا عشق، ادعيله إنتي.
قلبك أبيض، وربنا هيستجيب منك...
رواية انت عمري الفصل الخامس عشر 15 - بقلم احمد محمود
تحرّكت "عشق" من جواره وقالت بلطف:
– أجبلك أكل وترتاح شوية من الطريق.
جذب يدها، وأجلسها مرة أخرى، وهمس بغرام:
– أنا ارتحت لما شوفتك... وارتحت أكتر وأكتر لما اتكلمت معاكي. خرجت حمْل قلبي اللي شلته سنين... لما هلكت.
وقبل أن ترد، سُمِع طَرقٌ على الباب. ارتدت "عشق" إسدالها سريعًا، وتوجهت لفتح الباب، لتجد أمامها الخادمة تحمل الطعام.
قالت لها بابتسامة:
– سي فهد باعت العشاء لسي أدهم.
تناولت الطعام منها شاكرة، ثم وضعته على الطاولة المستديرة وهي تنادي بحنان:
– حبيبي، العشاء جاهز.
ابتسم "أدهم" وهو يقول مازحًا:
– والله فهد ده حاسس بيا، بعت العشاء وعايزني منزلش! فاكرنا متجوزين بجد... وغمز لها: عايز يديني مساحة علشان أتدلّع.
ردّت بخجل:
– تفتكر ده قصده؟
نهض من الفراش وتوجّه إلى الطاولة، جلس جوارها وقال بثقة:
– طبعًا يا حبيبتي، هم عارفين إننا متجوزين من شهرين... يعني أكيد بقيتي مراتي فعلاً.
ثم احتضنها وقبّلها بحب، وهمس معتذرًا:
– آسف... لأني ظلمتك بسبب حاجة مالكيش ذنب فيها.
تعلّقت "عشق" بعنق "أدهم"، وضغطت وجهها في تجويف رقبته. أنفاسها اصطدمت ببشرته، تدغدغ مشاعره التي يُحكم سيطرتها بجبروت داخلي.
قالت بصوت خافت:
– أنا ما كانش يهمني غير وجودك معايا في نفس المكان... أسمع صوتك، وأشوفك. ما فيش حاجة تانية تهمني.
تنفّس بعمق، وأبعدها برفق قائلاً:
– لا كده غلط... أنا بحاول أسيطر على نفسي علشان أوفي بوعدي، وأنتي مش بتساعديني خالص.
وبعدين تلوموني علشان ما لبستيش الفستان!
هتفت بخجل من طريقه تفكيره:
– خلاص خلاص... آسفة، بس ليا عندك طلب.
نظر لها متسائلًا وهو يتناول الطعام:
– تؤمري.
– أنا نفسي أركب خيل معاك.
وضع قطعة طعام في فمها، وابتسم قائلاً:
– بس كده؟ حاضر، هخلّي فهد يجهّز لنا فرس، وأخدك الفجر نروح نتمشّى شوية.
---
بعد أن تواصل "أدهم" مع "فهد" وطلب منه تجهيز الفرس، ناما قليلًا، وقبل الفجر...
نزل "أدهم" السلم، ويده تحتضن يد "عشق" بحب.
توجّها إلى الإسطبل، وهناك وجد "فهد" بانتظارهما، يبتسم ابتسامة واسعة.
رأى "فهد" لمعة عيون "أدهم"، وتوهج وجهه ووجه "عشق" من السعادة والحب... كأنه ليس هو نفس الرجل الذي صعد إلى غرفته منذ ساعات قليلة.
سأله "أدهم":
– هو ده الفرس؟
أجابه "فهد" وهو يمرر يده على الفرس بحنان:
– ده فرسي، ما حدّش بيركبه غيري... بس هو عارف المكان اللي رايحين له.
ركب "أدهم" أولًا، بينما استمر "فهد" في مداعبة فرسه، كأنه يوصيه، حتى يطمئن أنه سيوصلهم بسلام.
ثم جذب "عشق"، وأجلسها بين ذراعيه، وانطلقا معًا...
كانت "عشق" في قمة سعادتها، مستسلمة لهيامها، وهي بين أحضان فارسها، تشعر بالأمان وكأن العالم كله يتلاشى ما دام هو بجوارها... أحضانه كانت درعها الواقي من شرور الدنيا.
وقف "فهد" يراقبهما بصمت. لمعت في خاطره صورة طيف امرأة غريبة... تخيّل نفسه يمتطي فرسه، وهي بين أحضانه، يأخذها إلى مكانه المفضّل...
همس مستنكرًا من نفسه:
– والله يا عشق... تأثيرك عفش عليّا! الله يسامحك.
---
وصل الفرس إلى مكان هادئ وجميل، عبارة عن بركة ماء صغيرة يحيط بها الزرع من كل الاتجاهات، وكأنها مزرعة أو استراحة خاصة في مكان مفتوح. تتوسّطها شجرة كبيرة، ظلّها يغطي مساحة واسعة تكفي لأكثر من خمسة أشخاص.
كانت "عشق" تتأمل المكان من حولها على ضوء الشفق الأحمر، ذاك الضوء الناعم الذي يفصل الليل عن النهار. همست بإعجاب:
– الله يا أدهم... المكان جميل جدًا.
قبّلها "أدهم" برقة وهو يهمس:
– جميل علشان عيونك شافته.
نزل من على صهوة جواده، وأنزلها برفق، ثم جلس تحت الشجرة، وأجلسها على ساقه، وأسند ظهرها إلى صدره، يحيط خصرها بذراعه، بينما وضعت يدها فوق يده بحب. قالت:
– الشروق هيكون تحفة.
ابتسم وهمس قرب أذنها:
– فعلًا... هيكون أجمل شروق شفته في حياتي، لأنك في حضني وبين إيديا.
بدأ يفكّ حجابها، ثم حرّر خصلات شعرها الناعمة، وأسدلها على كتفها برفق. أخرج هاتفه، وأخذ يلتقط لها صورًا كثيرة، وهي في أحضانه، في أوضاع رومانسية عفوية.
قبّل عنقها بنعومة، مشبعًا بالرغبة... فارتجف جسدها، وتحدثت بتأثر:
– أدهم... ما ينفعش كده، حد يشوفنا.
ردّ عليها بصوت خفيض:
– فهد بعِتنا هنا وهو متأكد إن ما فيش حد يشوفنا... شكل المكان ده خاص بيه، وبعدين لسه الدنيا ضلمة.
احتواها بين ذراعيه، وجعلها في حضنه من جديد، وانهالت قبلاته عليها. كانت رغبته بها في ازدياد، حتى وجدت نفسها فجأة على الأرض، وهو فوقها. شعرت بالفزع، وهتفت برجاء:
– وحياتي يا أدهم... بلاش كده، إحنا نعتبر في الشارع، وإحنا في الصعيد، كده تبقى فضيحة.
تراجع على الفور عندما رأى الخوف في عينيها. جلس مرة أخرى، واحتضنها بقوة، يحاول تهدئة البركان الثائر داخله من شدّة رغبته ومشاعره المشتعلة من قربها.
مكثا قليلًا في صمت؛ هو يحاول الهروب من ما شعر به، وهي تحاول فتح حوار بلطف، فتمتمت بخجل:
– ماما نعمة ومرات عمي عايزين يجيبوا الشوار النهارده، وأنا معاهم أختاره على ذوقي... إيه رأيك؟
ظل يتنفس بعمق ليهدأ، ثم سألها:
– شوار إيه؟ هو في حاجة ناقصاكي؟
ردّت برفض:
– لا، ما فيش... بس جدي مصرّ، وأنا مش حابة أزعله.
تأملها وهي تتحدث، ثم ابتلع ريقه بصعوبة، وقال ببطء:
– بلاش النهارده... أنتِ وحشاني، ومش عايزك تبعدي عن حضني.
شعرت بفرحة كبيرة تتملكها من حبه واشتياقه الذي بدا واضحًا في عينيه.
– حاضر... نخليها لبُكره.
وضعت رأسها على صدره من جديد، فرفع ذراعه يضمها إليه أكثر، ومرر يده الأخرى بين خصلات شعرها، وعيناه تنظران أمامه، يتمتم لنفسه:
– بعشقك يا عمري... ومهما قلت، مش قادر أوصف السعادة اللي حاسس بيها من وجودك في حياتي.
أما هي، فحدثت نفسها بصمت:
"آه لو تعرف أنت بالنسبالي إيه... أنت حلم عمري اللي عشت أستناه سنين."
وقبل أن تستوعب ما يدور، كان قد حملها بين ذراعيه، ونزل بها إلى تلك البركة، ثم أسقطها برفق، لتصرخ من المفاجأة، بينما هو يضحك ويلاعبها في الماء، ولم يتركا بعضهما لفترة طويلة.
---
في ألمانيا...
تتجول "غادة" بين المحلات، وهي في منتهى السعادة. لم تتخيل يومًا أن يأتي مثل هذا اليوم.
قطع أفكارها صوت "مراد"، وهو يقول بمرح:
– وبعدين معاكي يا غادة؟ هتشتري البلد لعشق ولا إيه؟
ضحكت "غادة" بحنان:
– طبعًا! أنا عندي أغلى من أدهم... لحد دلوقتي مش مصدقة إن ابني اللي كان كاره بنات حواء، يتجوز، وأشوف أولاده! دي أجمل لحظة في حياة أي أم.
ضحك "مراد" بشقاوة:
– طيب... وأنا يا قلبي؟ ما ليّش من الحب جانب؟
قرصته "غادة" في وجنته بحنية:
– طبعًا ليك، يا حبيبي... ده أنت واخد حتة من قلبي!
ثم سألته بفضول:
– تفتكر... هو حبها بجد؟ يعني هيكمّل؟ أصل أنا مش مصدقة... يقفل قلبه كل السنين دي، ويفتحه فجأة كده في شهر!
ردّ "مراد" بثقة:
– براءتها وطيبة قلبها اخترقوا قلبه... ده عشقها مش حبها! كل مكالمة بيني وبينه بتكون عنها هي وبس. ده بقى متيّم يا غادة!
ضحكت بسعادة:
– وهي تتحب... عاملة زي البلسم اللي بيشفي التعب. شوف "روان"، كام سنة بعده عن الناس، ومن أول يوم استجابت ليها وفتحت لها قلبها.
ردّ بغرام:
– "روان"... آه من روان! أنا كنت قرّبت أتجنن، وأشوفها... تعبتني قوي بنتك دي!
ضحكت "غادة" بمرح:
– آه يا خلبوص! وما قولتش لمامتك ليه؟ كنت ريّحتك من وجع القلب ده.
ردّ "مراد" بوجع:
– ما كانش يهمني غير إنها تشوفني، وده مش بإيد حد غير ربنا.
ثم أكمل برضا:
– الحمد لله، ربنا عوّض صبري وبقت ليا. وربنا يهدي ابنِك ويسيبني أتجوز بقى... شكل وجع قلبي هيكمل على إيد ولادك الاتنين!
*********
عاد أدهم وعشق بعد الشروق، فوجدوا الجميع مجتمعين على مائدة الإفطار.
– صباح الخير.
ردّ الجميع بتحية مماثلة: – صباح النور.
انحنى أدهم وقبّل يد الجد، وفعلت عشق مثله، ثم جلس الجميع إلى المائدة.
بادرت نعمة بالسؤال:
– قررتِ تروحي إمتى علشان جهازك يا عشق؟
ردت عشق بخفة:
– آه يا ماما، بس بلاش النهارده... نخليها لبُكرة.
تدخل زين بحماس:
– وأنا يا جدي عايز أروح معاهم أجيب شبكة خلود.
شعرت خلود بسعادة داخلية وهمست لنفسها:
أخيرًا... هلبس دبلتك.
لكن الجد رفض قائلاً بنبرة حازمة:
– لا، سيبوا الحريم مع بعض. يكونوا على راحتهم، وخلود تختار دهبها زي عشق.
ردّت خلود وعشق معًا بامتنان:
– ربنا يخليك لينا يا جدي.
---
ظلّت عشق طَوال اليوم في حضن أدهم، الذي رفض النزول لتناول العشاء. فأرسلت نعمة الطعام إلى غرفة عشق، حيث قالت الأخيرة بخجل:
– هيقولوا إيه دلوقتي؟
ردّ أدهم وهو يمرر أنامله بنعومة على وجهها:
– إنتِ وحشتيني جدًا، ومش عايز دقيقة تفوت وإنتِ بعيد عن حضني... وبُكرة هتقضي اليوم كله بعيد عني، ولا أنا مش واحشك؟
قالت بحب ولهفة:
– لا طبعًا، إنت بتوحشني... وأنا وياك.
ضمّها أدهم إليه، وقال:
– طيب أعمل إيه أنا بعد الكلمتين دول؟
ضحكت عشق بمرح:
– نتعشّى؟
قال مبتسمًا:
– يعني ده حلك؟ طيب اسمعي الحل اللي عندي...
وضعت عشق يدها تحت وجنتها، وسألته:
– إيه الحل؟!
ردّ ممازحًا:
– آخد حبيبتي في حضني، وأفضل أتملى في جمالها، وأنام وأنا مبسوط وشبعان... إيه رأيك؟
تمثّلت التفكير وقالت:
– أنا بقول حلي أنا أحسن!
ضحك أدهم بقوة:
– كنت عارف إنك هتختاري الأسهل... يلا!
---
في الصباح، وقفت عشق ترتدي ملابسها، فاقترب منها أدهم واحتضن خصرها من الخلف، وقبّل عنقها بنعومة. تأثرت عشق بلُطفه وهمساته، بينما هتف بغرام:
– هتوحشيني الشوية دول...
استدارت بين ذراعيه، وقالت بنبرة شوق:
– إنت وحشتني من دلوقتي.
نظر إليها بشوق، ثم رفعها بين يديه بحب مجنون:
– طيب أعمل إيه؟! ده إنتِ لو حد سلّطك عليا مش هتعملي كده! كلامك كله بيجننّي.
ابتعدت بوجهها عندما سمعت طرقًا على الباب، وحاولت ضبط صوتها:
– مين؟
جاء صوت هدى من الخارج:
– الست نعمة بتقول لحضرتك: يلا!
– حاضر، قولي لها ثواني ونازلة...
وضعت رأسها على كتف أدهم وهمست:
– عجبك كده؟ كنا هنتقفش ونروح في داهية!
ضحك أدهم وغمز لها:
– دي تبقى أحلى داهية، ويطلبوا مني أصلّح غلطتي... وأنا هموت وأصلّحها!
ابتسمت بخجل، فقال وهو يتنهّد:
– يلا، ادخلي اغسلي وشّك اللي بقى نار قبل ما تنزلي.
سمعت كلامه، وبعد قليل نزلت.
---
في الأسفل، كانت نعمة تتفحص وجهها بقلق:
– مالك يا حبيبتي؟ وشك أحمر كده ليه؟! إنتِ تعبانة؟
خفضت عشق وجهها من الخجل:
– لا يا ماما، أنا كويسة...
وكزتها عواطف في خصرها وقالت هامسة:
– إنتِ ناسية إن جوزها كان معاها فوق؟! بطلي تحرجي البنيّة!
شهقت نعمة وقالت:
– آه والله! أنا ناسية خالص...
عقّبت عواطف بسخرية:
– لا يا حبيبتي، متنسيش بعد كده!
خرجت خلود وهي تنادي:
– أنا جاهزة، وياسمين كمان... يلا!
---
خرجوا فوجدوا سيارة تنتظرهم في الخارج، ركب الجميع، وبعد وقت وصلوا أمام مول كبير.
نزلت عشق تتأمل المكان بدهشة:
– أنا معرفش إن عندكم مول بالحجم ده!
ابتسمت خلود وأجابت:
– إحنا بلدنا قريبة من مكان سياحي، وطبيعي يكون في زي القاهرة.
********
---
في منزل المنشاوي، وقف الجميع على قدم وساق، يجهزون المكان قبل عودة "عشق" التي لا تعلم أنها ستُفاجأ بحفل زفافها، وترتدي الفستان الأبيض بعد يومين فقط. لقد ظنت أن جدها يريد فقط تجهيز جهازها.
كان أدهم واقفًا بجوار فهد وإخوته، يتابعون تجهيزات الزينة والذبائح، لتكون مفاجأة مبهرة لعشق عند عودتها، ويرى السعادة في عينيها حين تعلم أنها ستُزف إلى حبيبها بعد يومين، وتصبح "ملكته".
مرّت أكثر من ثلاث ساعات، ولاحظ فهد التوتر والقلق الواضح على وجه أدهم، فاقترب منه وسأله:
– مالك يا أدهم؟ مش على بعضك كده ليه؟ روح كلمها.
لم يكن أدهم يعلم السبب الحقيقي لما يشعر به، لكنه كان يشعر بألم وضيق في صدره، فهتف بحيرة:
– مش عارف ليه قلبي مقبوض... كان لازم حد فينا يكون معاهم.
ردّ فهد نافياً:
– المشوار ده للستات بس، علشان كده جدي رفض زين يروح معاهم. كلمها، يمكن قلقك يروح.
ابتعد أدهم عنهم وهو يخرج هاتفه، واتصل برقمها.
---
كانت عشق تقف بين النساء، وعندما رأت اسم أدهم يضيء شاشة الهاتف، أشرق وجهها وابتعدت عنهن قليلاً. فتحت الخط وتحدثت بصوت منخفض حتى لا يسمعها من بجوارها:
– حبيبي... وحشتني.
ابتسم أدهم وهو يرد:
– وإنتِ أكتر يا عمري. وصلتوا فين؟
تأملت عشق المكان بملل، وردّت:
– إحنا لسه في قسم المفروشات... بيشتروا كل حاجة تقابلهم، وأنا زهقت جدًا.
تنهد أدهم بشوق، ثم قال بمشاكسة:
– علشان خاطري، طوّلي في قسم اللانچيري... عايز أعوض الحرمان اللي عشته وأدلع شوية.
ردّت بصوت خجول:
– أدهم! وبعدين معاك؟
قال بمرح:
– يعني أنا ماستاهلش أدلع يا حبيبتي؟
ورغم خجلها، دافعت عن مكانته في قلبها:
– حبيبي يستاهل كل حاجة حلوة، بس أنا بتكسف... ومش هعرف أجيب الحاجات دي.
ردّ بنبرة تهديد مازحة:
– لو الحاجات ما عجبتنيش... أشتري أنا على ذوقي! وما أدراكِ ما ذوقي! أنتِ حرّة... سلام يا قلبي.
---
عاد أدهم إلى الجمع بوجه مشرق، تزينه ابتسامة راحة.
غمز له فهد وقال:
– طيب، ما كنت كلمتها من الأول بدل النكد ده؟
صدمه أدهم بكتفه مازحًا وهتف:
– إنت ما فيش عندك حد تشتغل عليه غيري؟ أبعد بقى.
ضحك فهد بقوة وهو يردّ له صدمة الكتف:
– لا، عندي!
غمز له أدهم:
– طب خليك في حالك.
اتسعت عينا زين الذي التفت إلى مروان قائلاً بدهشة:
– إنت شايف اللي أنا شايفه؟ أنا مش مصدق إن اللي واقف يضحك ويهزر كده هو فهد! أخويا اللي الناس كلها بتتعامل معاه على إنه الأسكف... سايب واحد غريب يمد إيده عليه!
ردّ مروان، وهو يتابع انسجام أدهم وفهد الغريب والسريع:
– آه، شايف... ومش مصدق زيك.
أضاف محمد موضحًا:
– لا مش غريب، فهد طول عمره شايل مسؤولية العيلة. ملوش أصحاب، غير جدي اللي كان دايمًا واخده تحت جناحه. يمكن ماكنش لاقي اللي يستحق صداقته أو قربه... ويبدو إنه لاقى ده في أدهم، بدليل إنهم قربوا من بعض في وقت بسيط جدًا، يعتبر قياسي كمان.
قال زين، وهو لا يزال تحت وقع الصدمة:
– ده أنا لو هزار بس قدامه، بيبقى عايز يقتلني!
---
في المول، وبينما كانت النساء يتجولن، هتفت نعمة محاولة إقناع عشق:
– تعالي يا عشق، يلا اختاري الرسومات اللي تحبيها.
وقفت عشق قريبة منهن، ووجهها يكتسي بحمرة الخجل، وردّت برفض خافت:
– لا يا ماما... اتكسفت!
قالت نعمة بنبرة غير راضية:
– حبيبتي، أمال كنتِ بتلبسي إيه لجوزك؟
خافت عشق أن يُكشف أمرها، لكنها حاولت أن تبدو طبيعية، فردّت:
– لا لا، طبعًا... ولا مرة لبست حاجات من دي!
سألتها عواطف بدهشة:
– أمال كنتِ بتلبسي إيه يا قلب أمك؟
ردّت ببراءة:
– كنت بلبس كاش وبِرموده... يا طنط!
عوجت عواطف فمها وردّت بسخرية:
– إيه يا أختي! بتقولي إيه؟!
وقفت بجوارها خلود وياسمين لدعمها:
– نختار إحنا بدالها... سيبوا عشق، كفاية ضغط عليها لحد كده.
صرخت هند بحدة:
– اتحشمي يا بنت إنتِ وهي! يلا يا عشق.
أعطتهم عشق ظهرها، ووجهها يزداد احمرارًا من الخجل.
قالت حميدة مندهشة:
– والله ما كنت أصدق إن بنات البندر يخجلوا بالشكل ده أبدًا!
---
بعد انتهاء التسوق وجمع كل المشتريات، حمّل الغفر "الشوار" على السيارات، وعادوا إلى السرايا، بينما توجّهت النساء لشراء الذهب دون مرافقة أي رجل.
---
جلس الجميع حول النار، يتناولون القهوة في أجواء دافئة ومليئة بالسكينة.
رنّ هاتف "أدهم"، فاستأذنهم وتحرك مبتعدًا عنهم قليلًا، ثم فتح الخط وهتف:
– مراد، أخبارك؟
ردّ مراد بصوته المعتاد:
– بخير، الحمد لله.
– هنكون في المطار الساعة ١١ صباحًا.
– أنا هاكون في انتظارك.
ثم سأله بلهفة:
– أمي جنبك؟
– آه، كلمها.
جذبت غادة الهاتف بسعادة:
– أخبارك يا حبيبي؟
– بخير، الحمد لله يا أمي. وحشتيني جدًا إنتِ وروان.
– وإنت أكثر، يا قلب أمك. هانت، كلها ساعات ونكون عندك.
أدهم، بابتسامة ممتنة وحب ظاهر:
– تنوري يا حبيبتي. تلاقيني في انتظارك... بوسي لي بنوتي على ما أشوفها.
غادة، وهي تكاد تبكي من الفرحة:
– إن شاء الله يا حبيبي. أنا مش مصدقة إن أخيرًا عقدتك اتفكت وهتتجوز، الحمد لله.
تحدث أدهم بصدق وعيناه تلمعان امتنانًا:
– كله بفضل دعاك يا ست الكل... ربنا ما يحرمني منك أبدًا.
تنهدت غادة بارتياح:
– ولا منك يا حبيبي...
---
عاد أدهم إلى مجلسه، وجلس مرة أخرى بجوار "فهد"، ثم أخبره:
– أمي وصديق عمري وأختي جايين الصبح بدري، وأنا هاروح أجيبهم.
ابتسم فهد بحرارة وقال:
– يشرفوا يا أدهم، وإن ما شلتهمش الأرض، نشتالهم فوق راسنا.
ردّ أدهم بامتنان:
– قدها يا بيت المنشاوي... وربنا يديم المعروف.
رنّ هاتف "زين" وكان الرقم لخلود، فأخذ الهاتف وابتعد قليلاً، وما إن فتح الخط حتى سمع صراخها العالي.
– مالك يا خلود؟! بتعيّطي ليه؟
قالها بقلق وصوت مرتفع.
حاول تهدئتها ليتمكن من فهم ما تقول:
– طيب، اهدِي عشان أفهم... في إيه حصل؟
صُدم حين سمع اسمًا جعل قلبه يتوقف للحظة:
– عشق... مالها عشق؟!
لم يعلم إن كان قد سمع اسمها بأذنه أم بقلبه، لكنه وقف كمن صُعق. لحظات قليلة، واقترب "فهد" منه، وقبل أن يسألاه عمّا حدث، صاح "زين" بعصبية وقد تسرب القلق إلى قلبه:
– إهدي! مش فاهم منك حاجة... مالها عشق؟
ثم صرخ بعنف:
– اتخطفت؟! إزاي؟! إنتوا فين؟!
خطف "أدهم" الهاتف من يده بعنف، وهتف بغضب جامح:
– عشق فين؟! إديني العنوان!
وقف كالمجنون، كبركان ثائر على وشك أن يقذف حممه في جميع الاتجاهات، يحرق الأخضر واليابس.
– عشق اتخطفت؟ مراتي اتخطفت وأنا موجود؟!
أقسم بعينين تشتعلان نارًا:
– والله لأدفن كل شخص سوّلت له نفسه أذيتها... ده يوم أسود على الكل!
رواية انت عمري الفصل السادس عشر 16 - بقلم احمد محمود
صرخ أدهم بجنون:
"عشق اتخطفت! مراتي اتخطفت وأنا موجود على وش الدنيا! ده يوم أسود على الكل!"
وقف فهد لا يقل عنه غضبًا وهو يهتف:
"مين جاله الجرأة يبص لحريمنا؟"
وجه كلامه لفهد قائلاً:
"أنا عايز حد يقفل مداخل ومخارج البلد. أما أبعث أجيب رجالتي."
رد فهد بغضب:
"ماذا حدث؟ تبعت تجيب رجالتك ليه؟ إحنا مش قليلين!"
زين بقوة:
"يلا على المول، أشوف الكاميرات."
فهد برفض:
"لا! إحنا نقسم نفسنا لمجموعات: مجموعة تروح المول، ومجموعة تقفل الدنيا، وحد يروح المستشفى، ماما نعمة هناك تعبانة."
ركب الجميع سياراتهم، وتوجهت كل مجموعة إلى وجهتها.
فهد وأدهم وزين إلى المول. وصلوا إلى هناك.
وباقي رجال العائلة توجهوا لقفل جميع مخارج البلد.
وصل فهد وأدهم وزين، الذي طلب من صديقه أن يحضر له إذن تفتيش. طلب زين رؤية الكاميرات بإذن.
في المستشفى، وصل محمد ومروان إلى نعمة، حيث وجدوا الجميع في حالة انهيار ونعمة تصرخ بصوت مرتفع:
"هاتولي بنتي! أنا عايزة بنتي!"
ركض محمد نحوها:
"اهدي يا ماما، إن شاء الله ترجع."
نعمة بالصراخ:
"فين فهد؟ أنا عايزة فهد! هو كبيرنا، هو اللي يقدر يرجعها!"
محمد، وهو يتناول المهدئ ليحقنها، قال:
"مروان، امسكها."
"لا! أنا عايزة بنتي! مش عايزة أنام! هاتوا لي بنتي!"
"لو كان محمود هنا، ما كانش في حد قدر يلمسها!"
سيطر مروان عليها، وأعطاها محمد حقنة مهدئة.
بعد أن غابت عن الوعي، قال مروان:
"إيه اللي حصل يا أمي؟"
حميدة:
"إحنا كنا خارجين."
فلاش باك
خرج الجميع من المول، وكانت عشق تتعلق بنعمة، قائلة:
"إيه رأيك يا موزتي في الحاجات اللي خلود وياسمين اختاروا؟"
"جميلة يا قلب أمك، بس كنت عايزاك أنتِ اللي تختاري وتفرحي بحاجتك."
مالت عشق على وكتبت قبلة على جنتها، وقالت:
"أنا وهم واحد، بس أنتِ ما تزعلش يا قمر."
جذبتها نعمة فجأة إلى حضنها، وهي تصرخ:
"حاسبي يا عشق!"
وجدت سيارة كادت تصدمها. وقبل أن يفوقوا من صدمتهم، جاءت سيارة أخرى (هامر)، وقبل أن تعتدل، جذبها رجلان من أحضان نعمة، التي صرخت بكل قوتها:
"عشق!"
صرخت عشق بخوف:
"ماما!"
مدت يدها إليها على أمل إنقاذها، لكنهما لم يستطيعا اللحاق ببعضهما. كانت معالم الفزع مرسومة على ملامحهم، واختفت السيارة في لمح البصر.
سقطت نعمة فاقدة للوعي.
---
في المول،
عندما رأى أدهم الكاميرات، شعر بنار في قلبه وأراد إحراق البلد بأكملها. تكرر المشهد أمامه مرارًا وتكرارًا، وأحدهم يجذبها بعنف. تواصل مع هاني وتحدث بقوة وغضب:
"عايزك تجمع كل رجالنا، وتكتر السلاح، وتيجي في طيارة تكون عندي في خلال ساعات. فاهم؟ متسيبش حد!"
ثم أغلق معه.
وجد زين يعيد تكرار المشهد وتوقف عند اقتراب السيارة.
فهد بغضب:
"مش ده من رجاله فاروق؟"
زين:
"أه."
"طيب، العربية اللي خبطتهم دي غريبة."
أدهم، وهو يقترب، وقف أمام الصورة ثم رجع العربية.
أدهم بغضب:
"العربية دي من عندنا، وما فيش حد يقدر يعمل كده غير أشرف السلاموني. هو إيه اللي بيحصل بالضبط؟ إيه لم الشامي على المغربي؟ وليه الاثنين قصدينها هي بس؟"
******
---
في السيارة – عند عشق
أجرى أحد الرجال اتصالًا هاتفيًا، وانتظر الرد الذي جاءه سريعًا، ليهتف بلهجة متوترة:
– "أيوه يا باشا، هي معانا... بس في مشكلة. أهلها اتحركوا بسرعة، وقفلوا كل المخارج."
جاءه صوت الرجل الآخر غاضبًا:
– "طيب، والراجل اللي تبعنا؟"
رد الرجل:
– "مافيش غير طريق الجبل، وبرضه مش هينفع. زعيم المطاريد كان باعت ياخدها، وإحنا سبقنا وخدناها من رجّالته."
علّق أشرف بدهشة:
– "ليه؟ ما بينهمش مشاكل، وهو أصلًا عمره ما راح المكان ده. علشان كده قلت دي نقطة ضعف، وبعيدة عن رجّالته."
قال الرجل بحيرة:
– "مش عارف يا باشا، أنا بحكي اللي حصل."
أشرف بنفاد صبر:
– "طيب، إديني أنا... هكلمه بنفسي."
---
في مكانٍ آخر
رنّ هاتفه، فتحه ببرود، فصدمه صوت أشرف الغاضب:
– "مش كنا متفقين إنك تطلع رجّالتي بيها؟!"
ردّ عليه الرجل بنبرة حادة:
– "أنا ماعرفتش إنهم اتحركوا بسرعة كده! ما قدّامكش غير الحل اللي عرضته من الأول!"
أشرف بعصبية:
– "إنت عايز تكسره؟ أنا هعملك الأصعب من كده
فكرتي دي ممكن تدمره على الآخر، لو هي فعلاً بالنسباله زي ما بتقول."
تابع مهددًا:
– "أنا سايب رجّالتي في عربية مختلفة، عند النقطة اللي اتفقنا عليها. ينقلوا رجّالتك لحد ما الدنيا تهدى. غير كده؟ قول على رجّالتك: يا رحمن يا رحيم."
هدد مجددًا:
– "لو رجّالتي اتمسكت، هيعترفوا إنك ساعدتهم في دخول البلد ووصولهم ليها، وساعتها الأذى هيطولك. أدهم نابه أزرق، ومابيحبش يسيب حقه، اسألني أنا عنه!"
ضحك الرجل بسخرية:
– "لو كنت بخاف، ماكنتش حطيت إيدي في إيدك. وأنا عندي ولاد المنشاوي أصعب كمان. أنا واحد ما بسيبش حقي، ولو بعد سنين!
شوف... مافيش ليك هنا غيري، ولولا الباشا الكبير حط الصفقة الأخيرة مقابل مساعدتك، أنا عمري ما كنت وافقت."
أشرف، وقد أدرك أنه بلا خيارات:
– "طيب... تمام، لما نشوف آخرتها!"
قال الرجل بنبرة خبيثة:
– "بس... في تغيير بسيط في الخطة."
صاح أشرف بغضب:
– "إيه الكلام ده؟! مش ده كان اتفاقنا؟!"
---
عند عشق
كانت ترتجف رعبًا مما حدث، وتمتمت ببكاء:
– "أنتم مين؟ وعايزين مني إيه؟!"
مرر أحد الرجال نظراته عليها باحتقار، وقال ببرود:
– "لو على اللي عايزينه، فإحنا عايزين كتير... بس للأسف، الموضوع مش في إيدينا."
همست عشق بخوف:
– "بس أنا ما عملتش لكم حاجة..."
رد الآخر بنبرة ثابتة:
– "دي أوامر، وأنا عبد المأمور. بصراحة، خسارة الجمال ده كله في الموت... بس زي ما قالك، إحنا رقبتنا في إيديه، وهو ما بيرحمش."
نظرت إليهم عشق بيأس، كانت وجوههم بعيدة كل البعد عن الله.
فضلت الصمت، وتقوقعت على نفسها، واستسلمت لما لا يغفل ولا ينام، تناجيه سرًّا بكل ما تحفظ من آيات، وتودّع أدهم بقلبها المكسور.
---
في منزل المنشاوي الكبير
خرج الجد إلى بهو المنزل، يتلفت حوله باستغراب، فلم يجد أحدًا. بدا أن الجميع قد غادر دون أن يخبروه بشيء، خوفًا عليه.
زاد استغرابه، فخرج إلى حديقة المنزل يبحث عن أي وجه مألوف، لكن المكان كان خاليًا. نادي بأعلى صوته:
– "الغفر!"
لم يجبه أحد.
عاد إلى الداخل، ينادي الخادمة:
– "بنت يا زهرة!"
حضرت زهرة، وعلى وجهها مسحة حزن واضحة:
– "نعم يا سيدي؟"
سألها باستغراب:
– "فين الناس اللي في البيت؟"
أجابت بتوتر:
– "خرجوا..."
قطّب حاجبيه وقال بحدة:
– "كله خرج؟! إزاي؟ مش في تجهيزات بتحصل؟! إزاي يسيبوا البيت كده؟!"
ابتلعت ريقها بصعوبة، وهمست:
– "بيقولوا... الست عشق اتخطفت!"
صُدم الجد، وصرخ:
– "إتخطفت؟! وإحنا موجودين؟! اتصلي بفهد حالًا!"
******
---
في طريقهم إلى الجبل
خرج أدهم من المول وهو يهتف بحزم:
– "أنا طالع الجبل."
رد فهد بعزم:
– "كلنا هنطلع."
تدخّل زين قائلاً بجديّة:
– "لازم نستدعي قوات، الموضوع مش نُزهة... إحنا عايزين نرجع بيها."
نظر إليه فهد ببرود وثقة:
– "إحنا ما بنخافش من حد، بس أنا محتاج منافذ البلد تفضل مقفولة."
هتف زين:
– "كل المخارج مقفولة، البلد كلها خرجت!"
استعد الجميع سريعًا، وركبوا سياراتهم، منطلقين نحو الجبل.
رن هاتف فهد، نظر إلى الشاشة، فإذا به رقم جده. فتح الخط بسرعة قائلاً:
– "أيوه يا جدي، خير؟ متقلقش، مش هنرجع من غيرها.
مش عارف هي فين، ولا مين اللي عمل كده، بس إحنا طالعين الجبل... رجالة فاروق كانوا في المكان،
بس اوعى تقلق يا جدي، هتكون في حضنك النهارده."
---
في الجبل
بعد وقت طويل، وصل الجميع إلى المكان المنشود.
نزل أدهم، وفهد، وزين، وأبناء عمومتهم، ومعهم مجموعة كبيرة من الرجال المدججين بالسلاح.
خرجت لهم مجموعة من قطاع الطرق، يرفعون أسلحتهم في وجوههم.
تقدم فاروق، بجسده القوي ووجهه الصارم كالحجر، وهتف بضيق:
– "خير يا فهد بيه؟ إيه سبب الزيارة؟ وليه كل الرجالة دي؟"
رد فهد بصوت عاصف:
– "فين بنت عمي يا فاروق؟"
رفع فاروق حاجبيه، متظاهرًا بالهدوء:
– "أنا أعرف مين بنت عمك؟ وإيه جابها هنا؟"
صرخ أدهم بغضب:
– "رجالتك كانت في مكان الخطف، ولولا إن العربية خبطتهم، كانوا خدوا البنت!"
ابتسم فاروق بلا مبالاة، وقال بسخرية:
– "يعني هتمنع رجّالتي يروحوا أي مكان؟ إنت منعتهم ينزلوا البلد، لكن مش كل مكان.
دي الحكومة مش قادرة علينا، وإنت عايز تتحكم فينا؟"
تقدم فهد بثبات، صوته مليء بالقوة التي يعرفها فاروق جيدًا:
– "إنت عارف كويس إني سايبك براحتي، وواثق إني أقدر أعمل معاك اللي الحكومة نفسها ما تقدرش تعمله.
فلم الدور، وقول: هي فين؟"
أجابه فاروق بنبرة خبيثة:
– "أنا ما أعرفهاش، لكن لما سمعت عن جمالها، قلت آخذها وأكمّل نص ديني...
بس البهايم ما عرفوش يجيبوها."
في لحظة، سُمع صوت طرقعة حادّة... ثم سقط جسد فاروق جثة هامدة تحت أقدام أدهم!
رفع الجميع أسلحتهم، فيما رمقهم أدهم بنظرة قاتلة.
صرخ زين، مذهولًا:
– "إيه اللي إنت عملته ده؟!"
أما فهد، فألقى نظرة باردة عليه، دون أن يعلّق.
قال أدهم ببرود قاتل:
– "دفع تمن تفكيره في مراتي..."
ثم أشار إلى الجثة، وتابع بقوة:
– "وده مصير أي حد يفكّر يبصّ لها."
لم يكن أحد يتوقّع هذه الوحشية. نعم، كانوا يعلمون عنف أدهم وقوته،
لكن أن يقتل فاروق بتلك السرعة؟ أن يكسر عنقه كمن يكسر عودًا من القش؟
لم يستطع أحد إنقاذه. وحين همّ رجال فاروق بالتحرّك، أشار لهم الذراع الأيمن لفاروق بخفض سلاحهم... فاستجابوا.
تقدّم أحدهم – حمد – وتحدث قائلًا:
– "إحنا ما لناش مشاكل معاكم، يا فهد بيه... اللي خدها ناس غريبة مش من البلد.
رجالتنا جابوا رقم العربيات، وسألنا عليها... طلعت مش ،
بس أكيد لسه ما خرجتش من البلد. وإحنا معاك في الخدمة لو احتجت حاجة."
---
تفتيش البيوت
وقف فهد، يفتش بعينيه عن أي أحد قد يحمل لهم ضغينة.
لكن الحقيقة المؤلمة ظهرت أمامه... لا أحد يكرههم.
رغم سلطتهم وقوتهم، لم يكونوا طغاة، ولم يظلموا أحدًا يومًا.
قال أدهم بلهجة حاسمة:
– "أنا هفتّش البيوت... بيت بيت. مش هفضل ساكت وأنا مش عارف هي فين، ولا مع مين."
حاول فهد تهدئته:
– "إحنا هنا محبوبين، ومافيش حد يشارك في أذانا مهما كان.
بس هنحدّد البيوت اللي ممكن يكون فيها شر مدفون."
بدأوا التوجّه إلى منازل عديدة. استسلم أهلها خوفًا من سطوة السلاح وعدد الرجال الكبير...
فرجال فهد لا يظلمون، لكن لا يرحمون من يتعدى حدوده.
أدهم كان غاضبًا، وعصبيته أرعبت الأهالي. حاول فهد تهدئته، لكن دون جدوى.
مرّ الوقت ببطء، وجنّ جنونه. قلبه يتمزق، لا يعلم ما بها، لكنه يثق أنها خائفة، وتحتاجه.
صرخ فهد بقوة:
– "ماعداش غير بيت كبير عيلة شعلان... وده أكتر واحد بيكرهنا."
---
أمام بيت حمدان
وصلوا إلى المنزل، فخرج حمدان عند البوابة حين أبلغه الحرس بوصول فهد وأبناء عمومته.
نظر إليهم بحقد وشماتة، وقال ساخرًا:
– "خير يا أحفاد المنشاوي؟ بيت إيه اللي عايزين تفتشوه؟"
رد فهد بقسوة:
– "بيتك يا حمدان، زيه زي أي بيت... لازم يتفتش."
صرخ حمدان بصوت عالٍ:
– "المنشاوي الكبير نسي يربي أحفاده، إزاي يتكلموا مع الكبار؟!"
رد فهد بحدة:
– "إحنا بنحترم الكبار لما يكونوا محترمين. وقصرناش، ومش فاضيين لكلامك."
هتف حمدان غاضبًا:
– "مافيش راجل يدخل بيتي! اللي يفكر يهوّب من البوابة، يتشهّد على روحه!"
أشهر أدهم سلاحه، وقال ساخرًا:
– "يبقى تتشهّد على روحك... أنا مش باقي على حد!"
تقدّم إبراهيم، أحد أفراد عائلة شعلان، وقال بحنان:
– "مش محتاجين كل السلاح ده، يا فهد. البيت بيتك، تفضّل في أي وقت."
نظر له والده بغضب:
– "جلبي اتحرّج عليهم... خلّيهم يجرّبوا بنفسهم."
رفع فهد سلاحه، وأشار للرجال:
– "ادخلوا، واللي يقف في طريقكم... طخّوه!"
ثم وجه حديثه لإبراهيم:
– "بلّغ الحريم يا حاج إبراهيم ياخدوا ساتر، وسامحنا على اللي بيحصل."
رد إبراهيم بأسف:
– "حجّك يا ولدي... تفضّلوا."
جذب والده بعيدًا عن الطريق، وساعده بعض أفراد العائلة الذين لا يريدون إشعال فتنة.
أما حمدان، فظل يضحك بسخرية... يعلم أنهم لن يجدوا سوى جثة هامدة، وهذا يُشفي غليله،
حتى لو فُنيت عائلته، ما يهمه الآن أنه أخذ بثأر ابنه.
قلب أدهم والرجال المنزل... ولم يعثروا لها على أثر.
خرج الجميع محبطين... فقد كان ذلك آخر أمل في عودتها.
*********
---
في اليوم التالي...
شعر إبراهيم بحركة غريبة في المنزل، فهبّ مسرعًا ليستطلع ما يحدث. وما إن نزل إلى الطابق الأرضي، حتى وقعت عيناه على رجال غرباء جالسين وسط الدار، فهتف بدهشة:
— "مين دول يا أبوي؟! واللي مقعدهم وسطنا؟! وإحنا معانا حريم؟!"
رفع والده نظره إليه بحدة وردّ ببرود:
— "مالكش صالح، ده بيتي وأجيب فيه اللي أنا رايده! مش كفاية اللي عملته امبارح؟! خليت أحفاد المنشاوي يدهسوا حرمة بيوتنا وانت واقف زي النطع؟! شوفت كيف الرجالة اللي ما بتسيبش حقها ولا بيهمها مين ما يكون؟! والله أنا بحسد المنشاوي على خلفته الزينة... كلهم رجال، زي الأسود! مش خلفتي العار... حتى ما قدرت تجيبلي حفيد ولد يعوض خيبتي فيك!"
نكس إبراهيم رأسه في خزي وهمس:
— "عندك حق يا أبوي... علشان كده أنا هاخد مراتي وبنتي وامشي قبل ما نار الغضب تطولهم."
صرخ الأب بغضب وهو يشير إليه:
— "مافيش حد خارج من البيت اليومين دول، لحد ما أنا أقول! بعدها غور انت ومراتك وبنتك، وشي الشؤم دول!"
تنهد الابن بأسى، غير مدرك لحجم الكارثة التي ارتكبها والده، وردّ:
— "بكيفك يا أبوي... بكيفك."
---
عند أدهم...
لم يكن يدري ما يفعل، بحث في كل مكان، والمخارج جميعها مغلقة، ولا أثر لها. تمنى الموت على أن يعيش في هذا العذاب، فصورتها وهي تصرخ وتمد يدها لنعمة، لا تفارق عينيه، وتلك الأيادي التي جذبتها من خصرها... وكأنها سلاسل من نار تلتف حول عنقه تخنقه.
رنّ هاتفه، فردّ بصوت متعب:
— "ألو؟"
أتاه صوت مراد بمرح:
— "إيه يا عريس! نسيتنا ولا إيه؟! إنت لسه ما اتجوزتش، أومال بعد الجواز هتعمل إيه؟! بقالنا ساعتين في المطار وماجيتش تاخدنا!"
خرج صوت أدهم مثقلاً بالهموم:
— "آسف يا مراد... نسيت، هابعتلك هاني بالعربية."
شعر مراد بقلق من نبرة صوته، فسأله:
— "مالك يا أدهم؟! فيك إيه؟! صوتك مش عاجبني."
حاول أدهم كتم اختناقه، ولكن حزنه كان طاغيًا، ولولا خوفه الشديد عليها، لترك نفسه يغرق في تلك المشاعر القاتلة.
هتف أخيرًا بصوت خافت:
— "لما تيجي... تعرف، سلام."
نظر مراد إلى الهاتف باستغراب، فسألته غادة:
— "ماله أدهم؟ نسي ميعادنا ليه؟"
ردّ مراد بقلق:
— "مش عارف... قال لما نيجي هنفهم، بس حاسس إن في حاجة كبيرة مضايقاه."
تغيرت ملامح غادة فورًا، وتمتمت:
— "خير يا رب..."
---
في غرفة المنشاوي...
وقف فهد بجوار سرير جده، يحايله:
— "وبعدين يا جدي؟! كل وخد علاجك، علشان لما عشق ترجع، تلاقيك بخير."
هتف الجد برفض حاسم:
— "لا! تحرُم عليّ الحياة بعدها... أنا مش قادر أصدق إن بنتنا تتاخد من وسطنا، وإحنا كبارات البلد، وما نعرفش نحميها!"
قال فهد، وهو يحاول تهدئته:
— "والله يا جدي، أنا مش ساكت، وأدهم قالب البلد يدور في كل البيوت، ومافيش حد فينا قادر يوقفه... لدرجة إن الناس خافت منه، ومش عايز يفهم إننا محبوبين وسط أهلنا، ومافيش حد ممكن يساعد في أذانا."
نظر إليه جده بحدة:
— "سيبه يعمل اللي هو عايزه... إن شاء الله يحرق البلد باللي فيها!"
خفض فهد رأسه قليلًا، ثم همس:
— "ما أنا ساكت يا جدي، علشان عذره... وحاسس بالنار اللي جوه قلبه."
---
وصول مراد وغادة...
أتى هاني بهما من المطار، ودخل من البوابة، فخرج الجميع لاستقبالهم، وعلى رأسهم نساء العائلة. نظرت غادة حولها بقلق، لم تجد ابنها بينهم. شيء ما بدا غير طبيعي.
بعد السلام والترحيب، بادرت بالسؤال:
— "عشق فين؟!"
انتفضت مم برعب، وقصّت عليها روان باكية ما حدث، وهي بين أحضان والدتها.
في الخارج، كان مراد يبحث عن أدهم، حتى أوصله إليه أحد رجال فهد. رأى ملامح الحزن وقد غيّرت وجهه، فأسرع نحوه وضمه بلهفة:
— "أجمد يا أدهم... صدقني هتلاقيها، وهترجع لحضنك تاني."
ردّ أدهم بصوت موجوع:
— "ضاعت مني يا مراد... ضاعت! ومش لاقي ليها أثر. قلبي بيوجعني قوي، مش قادر أتحمل، روحي بتروح مني. حاسس بخنقه بتوقف قلبي... أنا بمر بنفس تجربة أحمد، خسارة اللي بنحبه مش سهلة. كل المشاعر المؤلمة اتجمعت في قلبي. هموت من التفكير... مش عارف هي مع مين؟! يا ترى بيعاملوها حلو؟ ولا بتتهان؟! يا ترى بتبكي من الخوف وبتستنجد بيا أنقذها؟!"
وضع يده على قلبه، وأغمض عينيه بقوة، لا يقوى على تصور فكرة أن تُنتهك حرمتها.
هتف مراد، والقلق ينهش قلبه:
— "والله هترجع سليمة وبصحة... وهنجيب حقها كامل من اللي أذاها!"
صرخ أدهم بقسوة:
— "ترجع بس! وأعرف مين فكر مجرد تفكير... وأنا أخليه يندم على اليوم اللي اتولد فيه، ويتمنى الموت وما يطولوش!"
*******
عاد مراد إلى الداخل...
وجد غادة تقف عند باب المنزل، وعيناها تحملان القلق، فسألته على الفور:
— "فين أدهم يا مراد؟"
نظر إليها مراد بخوف دفين، خوف من أن يفقد صديقه الوحيد، ثم تمتم بصوت حزين:
— "أدهم حالته صعبة... خايف يحصل له حاجة زي أحمد."
شهقت غادة بذعر:
— "بعد الشر عليه، ما تقولش كده!"
أخفض رأسه وقال بأسى:
— "مش بيأكل، ولا بينام، ولا بيهدى... عمال يلف زي المجنون، كأن عقله طار منه."
تقدّمت أم علي بلهفة، وهي تتحدث عن ولدها:
— "طب خليه يكلمني... ولا أخرج أنا أشوفه؟"
هز مراد رأسه مؤكدًا:
— "لأ، أخرجي أنتِ أحسن."
خرجت غادة مسرعة، تبحث عنه، حتى رأته يتحدث في الهاتف بعصبية وغضب بالغ. أنهى المكالمة بعنف، ثم التفت إليها:
— "خير يا أمي؟ في حاجة؟"
مدت يدها إليه بطبق الطعام، وقالت بحنان:
— "أنا كنت جايبة لك حاجة تاكلها، علشان تقدر توقف على رجليك."
هتف برفض قاطع:
— "لا، مش عايز... عمرك شفتي ميت بياكل؟!"
شهقت غادة بفزع:
— "بعد الشر عليك يا حبيبي!"
وضع أدهم يده على قلبه، وتمتم بألم:
— "أنا ميت يا أمي... ميت من يوم ما ضاعت مني. أنا موجود، بس هي اللي كانت مخلّيني أعيش، أبعافر، ولسه واقف على رجلي... كل ده علشان إحساسي إنها محتاجة وجودي. كان زمانك بتدعي لي بالرحمة!"
احتضنته بذعر، وقالت:
— "بعد الشر عليك يا عمري! هو أنا ليا غيرك أنت وأختك؟! أوعى تقول كده تاني!"
مسح أدهم دموعها، وهمس بندم:
— "سامحيني يا حبيبتي... غصب عني، سامحيني."
---
في الخارج...
— "السلام عليكم."
— "وعليكم السلام، عايزة حاجة؟" سأل الغفير.
قالت بتردد:
— "ممكن أقابل فهد بيه؟"
أجابها وهو يشيح بوجهه:
— "معلش، هو مش فاضي دلوقتي."
تمسكت بفرصتها الأخيرة:
— "معلش، خلّيني أقابله... الموضوع يخص عشق هانم."
نظر إليها الغفير باندهاش، ثم ارتسمت الفرحة على وجهه وقال:
— "طيب، تعالي ورايا."
تحركت خلفه بخطى مرتعشة، قلبها ينبض بالخوف من رد فعله... هل يمكن أن يقتلها؟!
صرخ الغفير وهو يطرق الباب:
— "يا فهد بيه! يا فهد بيه!"
التفت فهد وقال بحدة:
— "عايز إيه يا مغاوري؟"
ردّ مغاوري بنبرة متوترة:
— "في واحدة برّه رايدة تشوف سعادتك... وبتقول إن الموضوع يخص عشق هانم."
تحرّك فهد وأدهم بسرعة، حتى وصلا إلى الفتاة الواقفة في توتر ظاهر. أشار فهد للغفير أن يتركهم وانصرف.
صرخ أدهم بعنف:
— "إنتي مين؟ وتعرفي إيه عن عشق؟!"
كشفت الفتاة عن وجهها بخجل، فتجمدت نظرات فهد نحوها، وتعلّقت أنظاره بها بدهشة صادمة، وهمس:
— "إنتِ...؟!"
رواية انت عمري الفصل السابع عشر 17 - بقلم احمد محمود
وقفت أمام هذين المتوحشين بأقدام مرتعشة، تلعن غباء تصرفها، لكنها كانت مضطرة لإنقاذ حياة تلك الفتاة التي لا تعلم من ألقاها في طريق جدها. لذلك، لا بد لها من التحدث.
هتفت بحذر:
– أنا عارفة مين خطف عشق.
فهم فهد من كلماتها أن للجد يدًا في الأمر، وأن الأمر لن يمر مرور الكرام. لذا سألها بحذر حتى لا تفزع أكثر:
– وإنتي عرفتي منين؟
أجابت بدموع تنساب على وجهها:
– عشان جدي هو اللي ساعد الراجل اللي خطفها.
هجم عليها أدهم بغضب، لقد تدمّر و تألم كثيرًا في الأيام الماضية بسببهم.
بينما هي تشاهدت على روحها من هجومه ونظرته القاتمة، لكنها لم تتوقع ما حدث بعدها، فقد وقف فهد بينهم كسدٍّ منيع، وهو يهتف بلهفة:
– إلّا دي يا أدهم! إلّا دي!
لاحظ خطأ ما تفوَّه به، فعاد وعدّل كلماته:
– هي مالهاش ذنب... دي جاية تساعدنا.
نظر فهد إليها باطمئنان، مشجعًا إياها على إكمال حديثها:
– تعرفي تحددي مكانها؟
ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تسرد عليهما ما حدث قبل أن تتمكن من الهرب من منزلهم...
فلاش باك
عاد والد ماسة إلى زوجته وهو يقول بقلق:
– أبويا شكله عامل مصيبة كبيرة، وناوي يوقعنا كلنا في الرجلين.
تحدثت الأم بخوف:
– ربنا يستر... وبعدين البنت اللي حيلتنا ممكن تروح فيها!
وقف إبراهيم أمام ابنته وزوجته، قائلاً:
– في حاجة مش طبيعية بتحصل، وأنا مش عارف أتصرف. علشان كده لازم تخرجي يا ماسة وتروحي بعيد عن يد جدك. أنا كلمت عمّك وهو هيستقبلك.
ناولها حقيبة بها بعض المال:
– دول أنا محتفظ بيهم علشانك... كلها فلوس حلال، ما دخلش فيها جنيه من فلوس جدك.
بكت ماسة وهي تنظر لهما بحيرة وارتباك:
– بس يا بابا... أنا مش هعرف أتصرف لوحدي! أنا عمري ما خرجت برة هنا!
اقترب والدها منها، يضم وجهها بين يديه ويشجعها:
– إنتي ذكية وتقدري تتصرفي... المهم تهربي قبل ما أذى جدك يطول الكل. أنا اتحملت القرف ده كله علشان أحميكي إنتي وأمك منه.
– ما فيش غير مكان واحد ممكن أخرجك منه، الممر اللي جدك عامله لما بيهرب منه الآثار اللي مخبيها تحت البيت.
– متخافيش، المكان مش مسكون زي ما بتسمعي... دي كلها تخاريف علشان يبعدوا بيها اللصوص.
احتضنت أمها وبكتا معًا:
– خلي بالك من نفسك يا قلب أمك... ولو في نصيب نتقابل من تاني.
نزل إبراهيم وخلفه ابنته على مسافة قريبة، فسمع والده يتحدث بعصبية:
– يلا يا بهايم، منك ليه؟ شيلوا التبن ده وحطوا العربية مكانه وغطوها بيه. وإنت، هات جلاليب تناسب حجمهم وخليهم يشتغلوا في الأرض!
دخل عليه إبراهيم متسائلًا بدهشة:
– مين دول يا بوي؟ وإزاي تقعدهم بينا؟
رد عليه والده بغضب:
– مالكش صالح بأي حاجة هنا، لو باجي على عمرك!
رن هاتف الجد، فتح الخط وتحدث بقوة:
– أنا ما رحتش لحد، هو اللي جه لحد عندي وطلب مساعدتي. وبعدين أنا كنت أعرفه منين؟ مش الباشا الكبير هو اللي عرفني عليه!
بينهم شغل، وطلب مني المساعدة، وأنا بنفذ أوامر الباشا. وبعدين، يجلك من إيه؟ مصلحتي ومصلحته واحد... أنا عايز أكسرهم وأنتقم لابني، وهو عايز يكسره.
البلد هنا مقلوبة... بس على مين؟ إحنا خلاص دفناها كده.
– دوري انتهى،
ابعت نصيبي
لا رجالته... ما ينفعش تخرج اليومين دول، لحد ما فهد يهدى أو يعرف إن ما فيش فايدة!
انصدم إبراهيم مما سمع:
– إنت عملت إيه يا بوي؟! عايز تفتح بحور دم تاني ليه؟ وعلشان إيه؟
– علشان آخد حق ابني، طالما ما فيش عندي رجالة تأخده!
صرخ إبراهيم:
– ابنك مين؟! ابنك المغتصب اللي مات في السجن من سوء عمله؟!
– فهد هيخرب البلد كلها و يمحي عليتنا من الوجود! ذنبهم إيه الحريم والأطفال؟! أنا لازم أبلغ فهد علشان يلحق بنت عمه!
أشار الجد لرجال "السلاموني" بلا تردد:
– خذوه!
اتسعت عينا إبراهيم في ذهول:
– إيه ده يا بوي؟! حتى ابنك مش باقي عليه؟! يا بوي، ارحمنا من شرك، وخاف على باقي ولادك!
أمرهم الجد:
– اربطوه و حطوه جوه العربية و غطوها تاني... لحد ما نخلص من الوضع ده.
استجاب الرجال لأوامره.
ارتعبت ماسة عندما سمعت ورأت ما يحدث. خرجت مسرعة، وهي تعرف من تقصد...
---
عادت من ذاكرتها وتحدثت ببكاء:
– ده كل اللي حصل والله...
صرخ أدهم برعب:
– يلا يا فهد، ما فيش وقت!
في ثوانٍ معدودة، تجهز كل رجال العائلة والحرس.
وقفت تشعر بالضياع، لا تعرف ماذا تفعل بعد أن هربت من منزلها.
توقف فهد أمامها:
– أنا هخلي حد يوصلك عند خالتك، متخافيش... ما فيش حد يقدر يأذيكي.
ثم تركها وابتعد، وهو يهتف:
– زين، ابعت القوات و الرجالة... خرج إبراهيم، وهات الرجالة اللي هناك، اربطهم لحد ما نرجع!
– ماشي... بس أنا جيت أطمئن على عشق.
توجه الجميع إلى المقابر، وكلما اقتربوا، كلما شعر أدهم بأن نبضات قلبه تقل من شدة خوفه من خسارتها.
توقف أمام المقابر.
قال فهد بقوة بين الرجال:
– ما فيش حد توفى في البلد من فترة، معنى كده إنها تكون جديدة. كله يدور، ولما حد يوصل ينادي!
تحرك الجميع، ومع كثرة العدد، أصبح الأمر أسهل.
أما أدهم، فقد كان يتحرك على نبضات قلبه وأقدام ثقيلة. لا يعلم ما ينتظره. فهي غائبة منذ ثلاث أيام...
هل ما زالت حية تُرزق، أم فارقت تلك الحياة القاسية التي لا تناسب ملاكًا مثلها؟
توقف أمام أحد القبور، ومرر يده على بابه بحنان، تحدث إليها بصوت مرتجف:
– أنا متأكد إنك هنا... قلبي بيقولي إنك موجودة هنا، بس خايف لما أفتح يكون الموت خطفك مني... مش عارف أعمل إيه... دليني!
كان فهد يتابعه بعين صقر، يعلم حالته جيدًا وما يمر به. وعندما وجده يقف بتلك الحيرة والرعب، علم أنها في ذلك القبر.
تحرك نحوه بسرعة، وأشار لأحد الرجال الذي يحمل فأسًا:
– تعال معايا!
قال فهد بثبات:
– هي دي يا أدهم... ده أجدد أسمنت موجود. حاسب علشان نكسر الباب.
اقترب الرجل حتى يكسره، لكن أدهم صرخ برفض:
– استنى يا غبي! كده ممكن تأذيها!
أشار له فهد بالتوقف، ثم مد يده لخالد:
– هات الخنجر ده يا خالد!
وقف أدهم من جانب، وفهد من الجانب الآخر، يحاولان فتح الباب دون تكسيره حتى لا تُصاب بأذى.
فتح الباب، وهو يشعر بضيق في صدره، ثم وجدها تجلس في وضع الجنين...
قفز داخل القبر بسرعة، وضمها إلى صدره بجنون.
وضع يده عند شفتيها ليتحسس أنفاسها، فوجدها بالكاد تُذكر، ووجهها قد قارب على اللون الأزرق.
لم يعد يحتمل كبت مشاعره أكثر، فهتف بوجع:
– لا يا عشق... أوعي تسيبي قلبي! مش حمل فراقك... أرجوكي، تمسكي بالحياة عشاني!
هزها بحنان:
– عشق! ردي عليا... أنا هنا يا حبيبتي، فوقي!
لم يجد ردًا، كأنها فارقت الحياة. صرخ:
– محمد! تعال شوف فيها إيه!
وقف محمد عند باب القبر يريد إخراجها حتى يدخل إلى صدرها هواء نقي، مد يده لأدهم:
– هاتها... لأزم تخرج من الخنقة دي علشان أكشف عليها!
لكن أدهم رفض:
– لا! ابعد عنها... أنا هطلعها، أخرجها الأول ثم اتبعها!
ما زال متمسكًا بها، ثم رفعها بين يديه وهو ما زال يحتضنها.
استدعى محمد المسعفين الذين تم تجهيزهم مسبقًا منذ علموا بوجودها في المقابر.
جاء إليه المسعفون لأخذها منه...
---
صرخ أدهم بجنون، وهو يزيح الجميع من حولها:
– ابعدوا عنها! ما حدش يلمسها!
وقف فهد بثبات، يحاول تهدئته وهو يرى ملامح الهياج ترتسم على وجهه:
– اهدى يا أدهم، لازم يخدوها! محتاجة تنفس صناعي، ولازم تتحط على الجهاز!
دون تفكير، حملها أدهم بين ذراعيه المرتجفتين، لا يعلم كيف يقف على قدميه حتى الآن، لكن احتياجها له هو ما منحه القوة لتلك اللحظة. ركب جوارها في سيارة الإسعاف التي تحركت بسرعة، تتبعها أعين ممتلئة بالرجاء.
---
في المستشفى
تولى محمد وأحد زملائه الكشف على "عشق"، ثم تنفّس محمد بارتياح وهو يقول:
– نبضها ضعيف جدًا، بس الحمد لله... خير.
تابع بعد لحظة:
– جسمها ما اتعرضش لأي انتهاك أو عنف، بس باين إنها بقالها كذا يوم من غير أكل، والمكان اللي كانت فيه مرعب... النفس ماكانش كويس عليها.
اجتمعت العائلة كلها في ردهة المستشفى، تترقّب بفزع تفاصيل حالتها. خرج محمد وزميله، فهتف الجميع بلهفة:
– خير يا محمد؟
ابتسم بحزن، وأردف:
– حاليًا، كلنا نصلي ونحمد ربنا إنها لسه على قيد الحياة.
ردد الجميع بصوت واحد:
– الحمد لله.
أكمل محمد، بنبرة جادة:
– في الطبيعي، هتكون محتاجة رعاية لمدة أسبوع على الأقل. جسمها كان منهك بسبب قلة الأكل والأكسجين، واتعرضت لضغط نفسي شديد، وده محتاج متابعة لما تفوق. بس حاليًا، هي تعتبر مستقرة... الحمد لله.
هتفت نعمة بقلب يعتصره الألم:
– أنا عايزة أشوف بنتي، يا محمد!
فرد بحنان:
– حاضر، يا أمي... ثواني بس. أول ما أدهم يخرج، هدخلك، لأن كتر النفس غلط عليها دلوقتي.
---
جلس أدهم إلى جوارها، يضمها إلى صدره، لم يفلت يدها لحظة، ولم يسمح لأحد بالاقتراب منها. مرّ أسبوع كامل من الوجع والحزن، والجميع يترقّب إفاقتها.
طوال تلك الأيام، كان محمد يعطيها أدوية مهدئة تساعدها على النوم، بالإضافة إلى المحاليل التي كانت تُعلّق لها باستمرار لتعويض ما فقده جسدها من تغذية.
دخل محمد كعادته على أدهم، الذي ظل جالسًا في نفس المكان، يمسك بكفّيها داخل راحتيه. ابتسم وهو يرى حجم عشقه لزوجته، وكأنه لم يغادر المستشفى منذ لحظة دخولها.
قال ليطمئنه:
– على فكرة، هي كويسة... أنا بس بديها مهدئ علشان جسمها محتاج يرتاح، والمحلول هيساعد أكتر من الأكل دلوقتي.
رد أدهم، دون أن يرفع رأسه عن يدها:
– بكرة... لو سبتها قبل ما تفوق، هخرج أقتلهم كلهم، واحد ورا التاني، بإيدي.
تنهد، ثم تابع:
– بس عارف إنها ممكن ما تسامحنيش... علشان كده مش عايز أسيبها، طول ما أنا شايفها، بهدى... لحد ما تفوق، وساعتها أشوف هرجع حقها إزاي.
ابتسم محمد وهو يربت على كتفه:
– وعلي إيه؟ الطيب أحسن... خليك جنبها.
ثم أجرى الكشف سريعًا، وتركهما في خلوتهما، يخرج وهو يهمس بدعاء صادق في قلبه:
– يا رب يعدّي الأمر على خير.
---
---
في منزل المنشاوي
تحدثت نعمة بحزن وهي تنظر نحو الفراغ:
– يعني كان فيها إيه لو سابني أقعد جنب بنتي أطمِّن عليها؟
ردّت غادة محاولة تهدئتها:
– معلش يا أم عشق، ابني غيرته وحشة، وعايز هو اللي يفضل جنبها.
هزّت نعمة رأسها بأسى:
– أنا ما قلتش حاجة، بس حتى كنت فضلت أقعد في الأوضة اللي جنبها علشان أرتاح.
تدخلت سلفتها "حميدة" قائلة:
– مش محمد بيطمنك عليها كل يوم؟ وقال خلاص، هانت، كلها بكرة أو بعده وتخرج بالسلامة.
---
كان أدهم يقبّل يدها برفق، وعيناه تتوسلان الحياة وهي لا تزال راقدة بين يديه، وهمس بوجع:
– الحمد لله على سلامتك، يا عمري. عارفة؟ أنا كنت بموت من الخوف إني أخسرك. قلبي ده ما عرفش الخوف غير من يوم ما ملكتيه. كل مرة أحس إن حياتي ممكن تبقى من غير عشق، قلبي بينتفض بين ضلوعي كأنه بيلفظ آخر أنفاسه.
تنهد بحرقة:
– الوجع صعب قوي... لو كان جرى لك حاجة، كنت لحقتك. صدقيني، قلبي من غير وجود أنفاسك في الدنيا... ميت.
ارتجف صوته وهو يكمل:
– أنا بستناكي علشان تلبسي الفستان الأبيض، وتفتحيلي أبواب جنتك... أتمتع بنعيم قربك، يا عشق. عارف إن اللي حصلك هيسيب أثر كبير جواكي، بس أنا مش هستسلم. هفضل معاكي لحد ما تنسي كل حاجة... إلا أدهم. أدهم اللي روحه مرتبطة بروحك... يا روح وقلب أدهم.
فجأة، انتفضت بجسَدها تصرخ برعب، تنادي اسمه بحروف متقطعة مخنوقة:
– أأأ... أدهم!!
ضَمّها بسرعة وهو يقول بلهفة وسعادة:
– أنا هنا، يا حبيبتي... أنا جنبك، يا روحي. اهدَي.
كانت تنتفض بين يديه بقوة، تتحدث بكلمات هستيرية غير مفهومة، لكن قلبه امتلأ سعادة بعودتها إليه.
ضمّها بحنان وهمس بجوار أذنها:
– أنا هنا... أنتي في حضني خلاص.
رفعت عينيها المرتجفتين نحوه، تتأكد من وجوده، ثم انفجرت في بكاء شديد.
كان بكاؤها كفيضان حزن ظل حبيسًا في صدرها طيلة تلك الأيام، فأشعره بالعجز والضعف الذي خنق روحه.
رغم قوته ونفوذه، لم يستطع حماية الإنسانة الوحيدة التي يجب عليه حمايتها.
دلف محمد إلى الغرفة مع إحدى الممرضات على صوت صراخها، فوجد أدهم يضمّها ويهدهدها، بينما هي تبكي بحرقة.
أشار إلى الممرضة لتجهّز حقنة مهدّئة، لكن أدهم أشار له بالرفض، وتركها تُخرج ما بداخلها من خوف، بينما كان يُمسِّد جسدها بحنان، في انتظار أن تهدأ.
---
مر وقت ليس بالقليل، حتى تراخت بين ذراعيه، ممسكة بملابسه بقوة، وكأنها تتشبّث بأمانه.
لم يرغب في تجديد عذابها بالسؤال عمّا حدث، لكنه كان يحترق شوقًا لمعرفة كل لحظة مرت عليها في بعده.
كأنها شعرت به، تمتمت بتعب، وعيناها الحمراوان مغرورقتان بالدموع:
– أنا كنت خايفة قوي يا أدهم... صحيت لاقيت نفسي في مكان ضلمة، ناديتك كتير وما رديتش. قريت قرآن، وطلبت من ربنا يدلك عليّ علشان تخرجني. الوقت طال... فضلت أحسس حواليا يمكن ألاقي مخرج...
ارتجف جسدها من جديد، وزادت دموعها، ثم تقطعت كلماتها وهي تتابع:
– لاقيت... لاقيت عضم بشر... وجمجمة...
ثم انهارت مرة أخرى من البكاء، وجسدها في حالة يرثى لها.
شاركها دموعها، وهو يهتف لها بكلمات عذبة يهمس بها قرب أذنها، يطمئنها:
– وحشتيني قوي يا عشق... وحشني صوتك، ملامحك... انسِ كل حاجة، أنتي هنا... في حضني.
شعرت بشيء دافئ ينساب على عنقها، فابتعدت تنظر إليه، لتجده يبكي... دموعه تسيل بصمت.
مدّت يدها بلهفة تمسح دموعه، وقالت بحزن:
– حبيبي، ليه تبكي؟
ابتسم من بين دموعه، وقبّل أناملها التي تمسح وجنته:
– مين في الكون يستحق دموعي دي غيرك، يا عشق؟ مين تاني يستاهل يشوف دموعي وضعفي... غيرك، يا قلبي؟
مدّت أناملها تمسك بوجهه بحنو، وقالت بصدق:
– حتى أنا ماستهلش دموعك دي... أوعى دموعك تنزل علشان أي حد.
جذبها لصدره بقوة، وقال بصوت مختنق:
– أنتي مش أي حد... أنتي أنا.
وضعت رأسها على صدره براحة، وهمست بهدوء:
– قريت آية الكرسي خمس مرات... علشان ربنا يحميني من الخوف والوهم اللي كانوا ماسكيني. وفعلاً، هديت... وفضلت أستناك.
هتف بوجع:
– آسف... لأني اتأخرت عليكي. سامحي تقصيري في حقك.
******
---
في المستشفى – غرفة عشق
ما إن انتشر خبر إفاقتها، حتى استعد الجميع للذهاب إلى المستشفى. دخلوا بوجوه يملؤها الفرح، يسبقهم الشوق والاطمئنان.
وحين فُتح الباب، وتزاحموا عليه، حاول أدهم أن يعتدل في جلسته ليستقبلهم، لكنها أبت ابتعاده. التصقت به كجلده، وكأن الأمان والحماية لا يسكنان إلا بين ذراعيه. ظلت في حضنه، لم ترفع عينيها عن صدره، لم تُسلّم على أحد، ولا حتى ردّت سلامهم. هو أمانها الوحيد، رغم الحبّ الذي كان واضحًا في عيون الجميع، إلا أنها انكمشت أكثر في أحضانه، كأنها لا تعرفهم.
كلما اقترب أحدهم لاحتضانها، كانت تدفن وجهها في صدره. لم يتضايق أحد من تصرفها، بل عذروها؛ فكلهم يعرفون أن ما مرت به ليس سهلًا.
بدأ الجميع بالمشاركة في الحديث، علّها تندمج معهم وتستعيد شخصيتها المرِحة الحنونة... لكنها بقيت كما هي. تستمع لصوت أنفاسه، وتراقب دقات قلبه القريبة منها، حتى غفت مرة أخرى، وهي تمسك بقميصه بقوة، كأنها تخشى أن يفلت منها الأمان.
تأمل الجميع المشهد. أدركوا أن هذا الرجل هو الوحيد الذي ملك قلبها وروحها. لا أصدقاء، لا أهل، لا أحد له تأثير في وجوده. أما هو، فكان قلبه يرقص طربًا على تعلقها به. تلك الأنامل التي كادت تخترق نسيج قميصه من شدة قبضتها، جعلته يقترب من أذنها وهمس برقة:
— "متخافيش... مش هقوم من جنبك، لو حصل أي حاجة."
تراخت إحدى قبضتيها على قميصه، بينما الأخرى بقيت كما هي... كأنها تتمسك بالحياة ذاتها.
---
في منزل خالة ماسة
جلست ماسة تبكي بصمت، وجوارها ابنة خالتها وصديقتها سلسبيل تحتضنها، تبكي لحزنها.
قالت سلسبيل، وقد اختنق صوتها:
— "بعدين معاكي يا حبيبتي... هتفضلي على الحال ده لحد إمتى؟ بصّي لنفسك في المراية، بقيتي مجرد خيال! راحت فين ضحكتك؟ ده الكل ما كانش يبطّل ضحك في وجودك..."
خرجت كلمات ماسة ممزوجة بالمرارة:
— "كده كل حاجة راحت... مستحيل يبص لي بعد ما جدي دفن بنته حيّة واتفق مع عدوه. جدي دمرني."
أشاحت سلسبيل وجهها، وهي تقول بحزن:
— "منه لله جدك، جواه شر يكفي بلد! أنا مش مصدقة إن أبوكي ابنه... مش أنا بس، كل الناس بتقول كده."
وضعت ماسة يدها على قلبها بألم، وهمست:
— "قلبي هيقف يا سلسبيل، أعمل إيه؟ كل ما أحاول أقرب خطوة... تيجي الظروف تبعدنا آلاف الخطوات!"
قالت سلسبيل بإشفاق:
— "مافيش حاجة تنفع تتعمل يا ماسة، وإنتي عارفة كده. بس ندعي ربنا... لو ليكي خير معاه، يقربه. وهو قادر على كل شيء، ده بيرزق النملة في حضن الحجر."
---
بعد يومين – في المستشفى
استعادت عشق جزءًا من روحها وهدوئها النفسي. استيقظت بفزع على صوت طرق الباب. نظرت حولها ولم تجده، فصرخت باسمه:
— "أدهم! أدهم!"
خرج أدهم من الحمام مسرعًا وهو يرتدي ملابسه:
— "أنا هنا، يا حبيبتي، ماتخافيش."
نزلت من السرير وارتمت في حضنه برعب، فاحتضنها بشدة، حزينًا على حالتها. رفعت عينيها إليه برجاء:
— "ما تبعدش عني تاني."
نظر إليها بشوق، وانحنى ليقبّلها هامسًا:
— "إنتي اللي ماتبعديش عني... أنا كنت بموت في بعدك."
عادت برأسها إلى صدره براحة، فأسندها على الفراش بلطف، ثم ذهب ليفتح الباب.
كانت خلف الباب فتاتان يظهر عليهما الحياء والحرج. ما إن رآهما، حتى اشتعل الغضب في عينيه. همّ بطردهما، لكن أنامل عشق قبضت على كفّه، وقالت بتعب:
— "خليهم يدخلوا... أرجوك."
امتثل لرغبتها حين رأى الرضا في وجهها، وأشار لهما بالدخول. تمتمت ماسة بخجل:
— "آسفة عشان جيت من غير ميعاد... بس حبيت أطّمن عليها."
ردّت عشق بابتسامة طيبة:
— "إنتي تشرفي في أي وقت."
ذهب أدهم لإحضار بعض العصير، وقال وهو يخرج:
— "هعمل مكالمة جنب الباب، لو احتجتي حاجة نادي عليّا."
أومأت عشق بابتسامة:
— "حاضر."
وقف أدهم خارج الباب، لا يُخفي ضيقه من وجود ماسة بعد ما حدث من جدّها.
في الداخل، قالت سلسبيل:
— "الحمد لله على سلامتك."
ابتسمت عشق:
— "الله يسلمك."
وانفجرت ماسة في بكاء مرير:
— "أنا آسفة... كل اللي حصلك كان بسبب جدي."
حاولت عشق أن تُبعدها عن دائرة الذنب، وردّت:
— "شوفي بتقولي إيه... جِدّك يعني إنتي ما ليكيش ذنب. بتعيّطي ليه بقى؟"
بكت ماسة أكثر. كانت تدرك تمامًا أنها فقدت كل الطرق المؤدية إلى عشقها، لكنها لا تملك الجرأة على البوح بما يختلج قلبها.
نزلت عشق من الفراش، واحتضنتها:
— "بلاش تعيّطي، أصل أعيط أنا كمان..." ثم ابتسمت وهي تمسح دموعها: "وبعدين أنا بقيت كويسة الحمد لله. آه، لسه حاسة بخوف، بس أدهم مش بيسيبني."
قالت ماسة، وهي تتذكر هجومه عليها:
— "لولا تدخل فهد ونظراته القاتلة، كان قتلني... أنا بخاف منه!"
نظرت لها عشق باستغراب:
— "مين؟ أدهم؟ هو في أحن منه في الدنيا؟!"
ثم سألتها بلطف:
— "اسمك إيه؟"
أجابت ماسة، مشيرة إلى الفتاة التي بجوارها:
— "اسمي ماسة، ودي سلسبيل، بنت خالتي."
ابتسمت عشق بحرارة:
— "تشرفت بمعرفتكم يا بنات... أنا عشق."
******
---
دخل فهد المستشفى، وما إن اقترب من ممر غرفة عشق حتى تعجّب من رؤية أدهم واقفًا خارج الغرفة التي لم يغادرها منذ دخولها، وملامحه تحمل الغضب والضيق معًا.
ضحك فهد وهتف بسخرية على حاله:
– هي طردتك ولا إيه؟! غريبة إنها سابتك تخرج من الغرفة!
رد أدهم بضيق:
– أصل البنت عندها جوه...
رفع فهد حاجبيه باستغراب:
– بنت مين؟
تمتم أدهم بتبرّم:
– اللي عرّفتنا مكان عشق... جوه، وأنا مش مرتاح لها، بس حسّيت إن عشق مرتاحة لوجودها، فسكت.
شرد فهد من مجرد ذكرها... هو لا يعرف حتى الآن حقيقة إحساسه تجاهها.
غمز أدهم ممازحًا وقال:
– إيه يا فهد؟ الصنارة غمزت ولا إيه؟
فهد بعدم اهتمام:
– صنارة إيه! إحنا بينا مشاكل من سنين، من قبل ما تتولد، وده السبب اللي خلا جدّها يعمل كده.
كلمات فهد جذبت فضول أدهم واهتمامه، فسأله:
– إزاي يعني؟
أجاب فهد وهو يسرد الذكريات:
– عمي وباباها كانوا طول عمرهم أصدقاء، قريبين جدًا من بعض. ومامتها وماما نعمة كمان أصحاب. باباها اتعرف على مامتها لما كان بييجي لعمي.
أخذ نفسًا وتابع:
– المهم، عمها إنسان وحش جدًا، وفلاتي، وبتاع ستات. وفي يوم، اغتصب بنت ناس غلابة... كانت صغيرة، وماتت. وبما إن أهلها على قدّ حالهم ومش قادرين ياخدوا حقهم، عمي طمّنهم إنه هيقف معاهم. وفعلاً، اتحرّك من غير ما حد يعرف، وجاب تقرير المستشفى وسبب الوفاة، ورفع عليه قضية.
عمي كان محامي شاطر... واتسجن. وبعد ما قضى سنتين في السجن، اتخانق مع ناس لا بش، وقتلوه.
تنهّد بمرارة وأكمل:
– من يومها، جدّها عايز ياخد تار ابنه مننا. باباها كان طيب، وعكس أبوه. حتى عمها الصغير، باباها سافّره علشان يبعده عن قسوة أبوه، ويجنّبه موضوع التار.
---
بعد مرور نصف ساعة
فتحت عشق الباب وخرجت. وجدتهما أمامها، فانخفضت عيناها وتحركت بوجع بجوار ابنة خالتها، بينما ظل فهد يراقبها وهي تبتعد، بنظرات طويلة.
---
بعد مرور أسبوعين
تحدثت عشق قائلة:
– ماما نعمة، عايزاكي إنتِ وطنط عواطف... ممكن؟
ردّت نعمة بلطف:
– طبعًا يا حبيبتي.
قالت عشق بتوتر:
– بصي يا ماما، وحضرتك يا طنط، أنا كنت عايزة...
وقصّت لهما ما تريده.
قاطعتها عواطف بقلق:
– لا يا عشق! مش ممكن نعمل كده، ده إحنا كلنا نروح في داهية!
عشق بإصرار:
– ماشي يا طنط، والله أنا خدت رأي جدي، وهو موافق.
قالت نعمة بتحفّظ:
– يا حبيبتي، ده أكبر من صلاحياتنا. ومنقدرش والله... إنتِ عارفة، لو في حاجة بإيدينا مش هنتأخر. بس إنتِ ما تعرفيش عاداتنا، واللي ممكن يحصل... الدنيا تتقلب!
نظرت عشق برجاء:
– عشان خاطري يا ماما... إنتِ وطنط يعني، تكسروا بخاطري!
دخل فهد في تلك اللحظة قائلًا بقوة:
– ما عاش ولا كان اللي يكسّر خاطر ست البنات! إنتو بتتعبوها ليه؟
قالت عواطف بتوتر:
– أبدًا يا ضنايا، بس لا أنا ولا مامتك نقدر ننفذ طلبها، وهي مش مصدقة.
تحدث فهد بنبرة حاسمة:
– طلبات عشق أوامر. شوفوا عايزة إيه، واعمِلوه.
سألته نعمة:
– يعني على ضمانتك؟
فهد بثقة:
– طبعًا! أنا عايز بس حد يعترض على حاجة هي عايزاها!
قالت عواطف باستسلام:
– خلاص... لو حد كلّمنا، نقول دي أوامر فهد!
أومأ فهد بثبات:
– أيوه.
ابتسمت عشق بحنان:
– شكرًا جدًا يا أبيه... ما أتحرمش منك أبدًا.
بادلها الابتسامة، ثم تحرك إلى الداخل، دون أن يعلم ما تخطط له تلك الصغيرة... وما تقوم به، لا يستطيع غيرها حتى تخيّله، فضلًا عن تنفيذه. مجرد فكرة قد تكتب نهايته.
---
قامت عشق بالاتصال على أدهم.
ردّ عليها بحب:
– عمري الجميل! وحشتيني.
قالت عشق بحزن:
– باين... علشان كده سايبني من الصبح!
أجاب بسرعة:
– طيب، البسي واستنيني قدام البوابة... ثواني وأكون عندك.
ارتدت ملابسها بسرعة، ونزلت. قالت لها قمر وهي تراها تنزل مُسرعة:
– بالراحة يا بنت! هتقعي! إحنا عايزين الفرح ده يتم بقى.
ابتسمت لها عشق وهي تقبّل وجنتها، ثم أكملت نزولها:
– هيكمل، هيكمل إن شاء الله.
قالت حميدة وهي تنظر إليها:
– والله البيت فيه بنات... بس عشق هي اللي خلت فيه روح.
---
وقفت عشق أمام البوابة، فرأت سيارة كبيرة تتوقف أمامها...
وفجأة، صرخت بقوة، وهي تقفز من الفرحة!
رواية انت عمري الفصل الثامن عشر 18 - بقلم احمد محمود
وقفت عشق أمام البوابة كما أمرها أدهم، تتأمل تلك السيارة الكبيرة التي توقّفت أمامها.
نزل منها أدهم، ه ناجي، وفتون، وفريال، وعزّة.
صرخت عشق بسعادة غامرة، وقفزت في أحضان ناجي وفتون، تردد بلهفة:
– وحشتوني! وحشتوني قوي!
ردّ ناجي بسعادة أكبر، وقد غمرته مشاعر الأبوّة التي افتقدها:
– وإنتِ أكتر يا حبيبتي... إنتِ عوضتينا عن غياب أولادنا.
التفتت عشق نحو فريال وعزّة، وقالت بذهول فرح:
– أنا مش مصدّقة إنكم هنا قدامي!
قالت عزة بسخرية لطيفة:
– ولا إحنا كمان! جوزِك جابنا بالإكراه، غصب عن أهالينا!
نظرت إليه عشق بامتنان عميق، فلطالما كان هو كل ما تبقّى لها من عالمها القديم.
اقتربت منه بسعادة، وهمست بشكرٍ صادق، فشبك أصابعه بين أناملها بحنان، وقال مبتسمًا:
– كنت عارف إن سعادتك هتكمل بيهم.
أسندت رأسها على كتفه، ورفعت يدها الحرّة، تمرّرها على ذراعه في حركة تعبّر بها عن عشقها العميق، وعن رضاها بكل هفوة تصدر منه.
---
جلست عشق مع الجميع، وتناولوا الطعام، وتبادلوا الحديث والضحكات.
كان جوًا دافئًا خفّف عن فتون الكثير من ألم الفقد، فقد تركها أولادها وسعوا وراء طموحهم، دون أن يلتفتوا خلفهم، وكأنهم جاؤوا إلى هذه الحياة وحدهم، بلا أمّ أو أب.
أما عشق، فرغم صخب حياتها الجديدة، لم تهملهم يومًا؛ لم تمرّ صباحاتها دون مكالمة صغيرة، ولم تتنكر لوجودهم في حياتها، رغم ما تعيشه من بَذخ ونعيم ظاهر في دنياها الجديدة.
ومع انتهاء اليوم، توجّه الجميع إلى غرفهم ليستريحوا من عناء السفر.
---
---
عادت عشق إلى غرفتها بعد أن جابت أرجاء السرايا باحثةً عن أدهم، لكنها لم تجده.
اتصلت به أكثر من مرة، ولم يردّ.
تسلّل الحزن إلى قلبها، وضاق صدرها، إذ لم تكن تتوقّع منه هذا الإهمال، وخصوصًا في تلك الفترة الحسّاسة من حياتها.
لم تره منذ الصباح، وكان قد اختفى مجددًا بعد أن أحضر أصدقاءها إلى السرايا.
أضاءت الغرفة، وقبل أن تغلق بابها، أحسّت بمن يجذبها فجأة إلى حضنه.
شهقت عشق، والتفتت سريعًا، لتجده واقفًا أمامها، يبتسم ابتسامة لعوب.
قالت له بعتاب امتزج ببعض الدلال:
– أنا زعلانة منك جدًا!
أغلق أدهم الباب بقدمه، واقترب منها أكثر حتى أصبحت بين ذراعيه، تحت سطوته وهيبته، وقال بنبرة واثقة:
– وأنا مقدرش على زعل حبيبتي... أنا بعمل كل ده علشانك يا قلبي!
مين يصدق إن أدهم، بجلالة قدره، ياخد أوامر من حد؟
نظرت إليه بحيرة، وسألته:
– أوامر من مين؟
أجابها بسخرية مرحة:
– من جدك يا ستي! أمرني إمبارح إن ما أباتش معاكي في الغرفة، ولا أشوفك النهارده، علشان بكرة الفرح...
وعلشان أكون مشتاق ليكي... بس هو ميعرفش إني مشتاق ليكي حتى وإنتي بين إيديا!
رفعت عينيها إليه، وسألته بخفوت:
– يعني ده السبب بس؟
قرص وجنتيها بحب، وقال:
– أومال إيه؟!
مين يقدر يمنعني عنك؟!
ورغم كده... مقدرتش أنام قبل ما أقولك: "تصبّحي على خير يا أجمل عروسة في الكون كله."
ضمّته عشق بحب وهمست:
– وأنت من أهل الخير، يا أجمل وأحنّ عريس في الدنيا.
انحنى عليها وقبّلها، ثم همس بصوته المفعم بالعشق:
– النهاردة آخر يوم في العزوبية... والفضل ليكي، يا حوريّتي.
سحرتيني، وقدرتي تملكي قلب كان زيه زي الإعصار، بيدمّر كل اللي يقرّب منه...
حبك حوله لنسمة صيف عذبة...
قبّل يدها برقة، ثم تحرّك مغادرًا الغرفة مرة أخرى.
---
في اليوم التالي...
دخلت نعمة على عشق بعد أن تم تجهيزها بالكامل، وهتفت بسعادة غامرة:
– بسم الله ما شاء الله! البدر في تمامه! الله أكبر!
التفتت لها عشق، واحتضنتها بفرح.
رغم قرب المسافة بينهما، كانت تلك الحضنات تعوّضها عمّا فقدته من حنان واهتمام.
ولم تكن نعمة أقل حنينًا منها، بل زاد احتضانها وهي تبكي:
– ألف مبروك يا حبيبتي... ما لحقتش أشبع منك، ولا من كلمة "ماما"!
عشق، ودموعها تترقرق على وجنتيها، همست:
– وبعدين يا ماما؟! أنا قلت لك، أنا مش هابعد! كل فترة هاجي وأكون هنا...
قاطعتها غادة بنبرة غير راضية:
– إيه ده؟! إنتي بتعيّطي كده؟! الميك أب هايبوظ!
سارعت نعمة إلى مسح دموع عشق، وقالت بلطف:
– فعلاً يا حبيبتي، كده لا...
---
في الخارج
وقف فهد خارج القاعة، يُحدّق في ساعته بتوتر. ما إن لمح أدهم يقترب حتى بادره قائلاً:
"عايزك في موضوع ضروري. "
أجابه أدهم بدهشة:
"هو ده وقته؟ بذمتك؟ "
جذبه فهد بإصرار:
"تعال بس، دي ربع ساعة. "
اتسعت عينا أدهم وهو يردف:
"ربع ساعة إيه؟ أنا بستنى عشق تنزل الوقت. خلينا وقت تاني. "
زاد إصرار فهد أمام رفض أدهم، مما زاد تعجبه ليسأله:
"هو في سر ولا إيه؟ هي عشق طلعت مش بنت؟ "
ضحك فهد بقوة:
"لا، بنت عمي والله. بس تعال معايا ومش هتندم. "
اضطر أدهم أن يرضخ له لكي يخلص.
ركب فهد سيارته.
هتف أدهم بملل:
"هو مشوار طويل عشان عربية؟ سبحان مين مصبرني عليك. "
"يلا بس، أنت كده بتضيع وقت. "
ركب جواره في صمت حتى وصلا إلى المكان الذي شهد منه هو وعشق الشروق.
كان المكان مزينًا ومضاءً، وفي الوسط كرسي أبيض.
دفعه فهد وهو يهتف:
"روح عند الكرسي ده. "
التفت له أدهم وتحدث بسخرية:
"ده وقت فوازير ولا إيه؟ "
تحدث فهد بتشجيع:
"يلا بس. "
تحرك أدهم بخطوات سريعة وقوية، وصل إلى الكرسي.
تأمل المكان حوله.
جذب انتباهه صوت جيتار.
التفت إلى مصدر الصوت، فوجد عشق تخرج من خلف الشجرة وهي تعزف موسيقى أغنية "نفسي أقوله ياه" لإليسا:
"نفسي أقوله كنت إيه قبله واستنيته ليه
كنت صورة حلوة ناقصة حاجة كملها بعينيه
كنت عايشة عمري خوف تحت رحمة الظروف
كنت قصة ناقصة تكمل أو كلام ناقص حروف
نفسي أقوله إيه كمان كنت أقابله من زمان
وردة دبلت وأما قرب فتحت قبل الأوان
نفسي أقوله ياه حلم كنت هموت وأطوله
نفسي أقوله ياه اسم برتاح أما أقوله. "
كانت تعزف وهي تقترب منه بسعادة، بينما هو يلتهمها بعينيه. كم هي رائعة الجمال، بل ساحرة بكل المقاييس.
ظلت تغني وهي تلتف حوله، بينما هو يحترق شوقًا لقربها وضمها، يغرق معها في بحر عشقها.
خرج الجميع من خلف الأشجار، البنات والشباب، ومعهم مصور يقوم بتصوير فيديو منذ دخول أدهم، الذي حملها بين أحضانه وهو يلتف بها بجنون عشقه.
قبل جبينها وأنزلها أمامه.
تفاجأ فهد من وجود ماسه، التي كانت تنظر له من وقت لآخر بخجل.
قام زين بتشغيل أغنية رقصت عليها عشق وأدهم سلو.
قال أدهم وهو يضمها:
"عملتِ كل ده إمتى؟ "
أجابت عشق:
"أنا طلبت من زين لأنه أكثر شخص رومانسي. عرضت عليه الفكرة ووافق، وهو اللي عمل كل حاجة. حبيت يوم فرحنا يكون مميز. "
أمل مصطفى:
"لأن الأفراح هنا العريس مع الرجالة والعروسة مع الحريم، وأنا مش هضيع فرصة رقصة السلو ولا الفستان ده. "
ابتسم بهوس من قلبه الذي ذاب عشقًا لتلك الملاك.
"وأنا كنت زعلان جدًا لأني مش عارف أخدك في حضني وأدور بيكي وأثبت للكل إنك ملكي أنا بس. "
أكمل كلماته وهو يحقق ما كان يتمنى لهذا اليوم.
ليسمع تصفيقًا حارًا من الموجودين الذين تأثروا بتلك الأجواء الرومانسية.
عاد الجميع. جلست عشق بين الحريم، وذهب أدهم بين الرجال. قام بالتحطيب هو وفهد في جو يتغلله الفرحة. كان يومًا سعيدًا على الكل.
بعد انتهاء الفرح، ودع أدهم وعشق الجميع وركبوا سياراتهم وتوجهوا إلى المطار.
---
بعد انتهاء الفرح وبعد ذهاب الجميع إلى منازلهم
تحدث فهد بحدة:
"عايز أعرف مين عزم عيلة الزيات؟ "
"أنا اللي طلبت منهم. "
توجه بنظره لجده الذي نطق بهذا الكلام.
سأل فهد:
"كيف ده يا جدي؟ "
تحدث الجد بهدوء:
"سبب الخلاف مش موجود، وأنت عارف إن ولاده مش زيه. أنا قررت بعد اختفائه نفتح معاهم صفحة جديدة. "
"جديدة يعني إيه يا جدي؟ إحنا بيننا وبينهم مشاكل. "
أجاب الجد بقوة ورفض، وهو يتذكر كلام عشق:
"البنت شكلها بتحبه وهو بيحبها يا جدي.
"بالنسبة يا فهد، أنا طلبت إيد بنته ماسه ليك، ولو مش عايزها ممكن نطلبها لأي حد من أولاد عمك. أنا ما حددتش لمين، من غير ما أخذ رأيك. قلت انت كبير العيلة وأولى بيها. "
*****
في منزل إبراهيم
صُعِقَتْ ماسة مما قصَّه عليها والدها، وهتفت بعدم تصديق:
"مش ممكن يا بابا! طلب إيدي؟ "
أجاب إبراهيم بهدوء: "أيوه، يونس المنشاوي بنفسه هو اللي طلب. "
تملكها الفضول والخوف، فسألته:
"لمين يا بابا؟ "
نظر إليها بحيرة وقال:
"مش عارف، ما قالش مين. هو قال لي: 'عايزين ناخد بنتك ونقوي العلاقات اللي بينا'. "
تغيرت ملامح ماسة بقلق، خشية أن تكون من نصيب شخص آخر في العائلة، وعندها تحدث الكارثة. فهي لن توافق أبدًا أن تكون لغيره، فماذا لو كان لشخص يعيش معها في نفس المنزل؟ ربنا يستر.
شعر والدها بتغير حالتها المزاجية، فسألها بحيرة:
"مالك يا حبيبتي؟ "
أجابت: "أبدًا يا بابا، أنا طالعة أنام. "
نظر إلى زوجته وسألها:
"ما لها بنتك يا خديجة؟ "
هزت كتفيها بعدم فهم وقالت:
"مش عارفة يا أبو ماسة، يمكن مش موافقة. "
أضاف إبراهيم: "وأنا عمري ما أغصبها، بس دي فرصة ننسى العداوة ونبدأ من جديد، بعيد عن المشاكل. "
صعدت ماسة إلى غرفتها بحالة تيه غريبة. أغلقت الباب خلفها بإحكام، ثم ألقت حقيبتها وجلست على طرف الفراش. فتحت هاتفها وتواصلت مع ابنة خالتها، التي ردت بلهفة، يأكلها الفضول لمعرفة ما حدث في الزفاف، وكيف كانت حالتها، وهل تقابلت مع فهد أم لم تره، ويكون كل تجهيزها ذهب أدراج الرياح.
"هاه، قولي، حصل إيه؟ والفرح كان حلو ولا لأ؟ وياترى شفتي فهد وهو شافك؟ "
أصابها الخرس المفاجئ عندما اخترقت أذنها كلمات ماسة:
"المنشاوي الكبير طلب يدي من أبويا. "
ظل الصمت سيد الموقف لبعض الوقت، ثم صرخت سلسبيل بعدم تصديق:
"ده بجد ولا أنا بحلم؟ "
أتاها صوت ماسة المتعب من الفكر: "بجد."
اعتدلت سلسبيل في جلستها وسألتها بتعجب:
"طب ليه مش حساك فرحانة؟ "
أخرجت مكنون قلبها لعلها تجد الراحة:
"خايفة يكون مش فهد المقصود. أنا أموت فيه. "
قالت سلسبيل بثقة:
"مش هيتجوز حد قبل كبير العيلة. "
تحدثت بتمني: "ما زين خاطب خلود وهو الصغير. "
تنهدت سلسبيل بحزن:
"ليه يا حبيبتي بتدوري على تعب نفسك وبس؟ سيبيها لله. "
---
عند أدهم وعشق
حملها بين يديه، وكل ما فيه ينطق عشقًا وتمنيًا.
تعلقت به بخجل شديد، دخل غرفته بالفندق وأغلق الباب خلفه. وضعها على الفراش بحب، جلس جوارها ينظر إليها فقط، كأنه لا يصدق أنها أخيرًا بين يديه. لا يوجد شيء في الوجود يستطيع التفريق بينهما الآن.
حرك أنامله على وجهها بحنان ونعومة، وتحدث بهمس مثير:
"بحبك، بحبك بجنون. أخيرًا هنام وأصحي وإنتِ في حضني. عارفة، حتى لو زعلنا من بعض في يوم، وأنا متأكد إن ده مش هيحصل، مش هبعد برده عن حضنك. "
"المفروض أنا اللي أكون أمانك، وحضني ده ملاذك. بس الغريبة إن أنا بقولك حضنك ده أماني وراحتي والكون كله بالنسبة ليا. "
"الرجل القوي اللي كل الناس بتعمل له حساب، بين إيديك طفل صغير محتاج حنانك وحبك واهتمامك كمان. ولو حاجة منهم نقصت، يتعب ويضيع. "
جلست أمامه تستمع لكلامه، لكن روحها الآن تطفو فوق غيمتها الوردية في عالم آخر من الشوق والهيام.
أخيرًا، حقق الله حلمها بعد تلك السنين العجاف. هو يسمعها نفس كلام الغزل الذي ظل رفيق حلمها سنين قبل اللقاء.
انتهى الكلام، انحنى عليها يقبّلها بنعومة. لم يعد يستطيع الصبر أكثر من ذلك على بركان مشاعره الثائر. ساعدها في خلع فستانها وضم جسدها إلى صدره بقوة، يريد معاقبتها على تلك المشاعر الجامحة التي غزته بقوة من قربها. الآن فقط يستطيع الاستسلام لها ورفع رايات المجون والهوس.
أبعدته بخجل:
"أدهم، حبيبي، تعال نصلي الأول. "
أدهم، وهو في عالم آخر من الرغبة والإثارة التي يعيشها لأول مرة بين يديها، لقد غزته تلك المشاعر منذ كتب الكتاب. لم يعشها أو حتى يشعر بها قبل ذلك، كأنها خُلقت داخله لأجلها فقط.
خرج صوته بهمس مفعم بالمشاعر:
"مش قادر يا حبيبتي، نصلي بعدين. "
أردفت برجاء:
"أرجوك يا حبيبي، أنت عارف إن أنا كمان ملهوفة عليك أكتر، بس خلينا نبدأ حياتنا بالصلاة علشان ربنا يبارك فيها. "
تتحدث وهي مغمضة العيون بسبب لمساته الناعمة لها، همست:
"أدهم، خلاص يا حبيبي. "
نفخ مثل الأطفال وهو يبتعد عنها:
"أدهم، بالطريقة دي وإنتي كمان مغمضة، مش قصدك أبعد أبدًا. "
فتحت عيونها بخجل:
"نصلي الأول، وبعدين أعمل كل اللي نفسك فيه. "
اقترب منها مرة أخرى وهو يهمس:
"أنا مش عارف أنا قبلك كنت عايش إزاي أو ليه. العشق اتخلق جوايا ليكي، يا عشق، بعشقك يا عشقي. "
"وأنا كمان بعشقك، يا حلم عمري. "
********
في فيلا أدهم
جلس مراد على الأريكة، يتأمل والدته غادة بغيظ، ثم قال:
"عجبك كده يا غادة؟ أعمل إيه في ابنك الظالم ده؟ فيها إيه لو كنت اتجوزت أنا كمان؟ "
نظرت إليه غادة بحدة، وقالت:
"اتلم يا ولد! بدل ما تدعي له بالسعادة والهنا. "
زفر مراد بقلة صبر، وقال:
"دعيت يا ستي وتمنيت له كل السعادة، بس أنا ذنبي إيه؟ الوقت بقى له شهر ومش عايز يرجع. أموت أنا بقى؟ "
تدخلت روان بلهفة:
"بعد الشر عليك يا حبيبي. "
التفت إليها مراد بغرام، وقال:
"الله يسلمك يا عمري. أعمل بس إيه في أخوك ده؟ "
رغم أن قلب غادة كان يرقص فرحًا بحياة أولادها التي غزاها الحب والرومانسية، لكنها تحدثت بسخرية مصطنعة:
"على فكرة، أنا قاعدة معاكم يا نحنوح أنت وهي. اتلموا، أصل أخلي أدهم يأجل كمان شوية. "
جلس مراد أمامها بفزع، وقبل يدها:
"أبوس إيدك، أرحميني أنت وابنك. حرام عليكم يا ناس. "
ثم وقف، وجذب روان من يدها، وتحدث إلى غادة:
"طب بعد إذنك، نروح نتغدى في النادي، ده لو مش عند حضرتك مانع يعني. "
ضحكت غادة، وقالت:
"لا يا أخويا، مش عندي. مع السلامة، خلوني أرتاح من الزن شوية. "
احتضن مراد يد روان بين يديه، وتحدث وهو في طريقه إلى السيارة:
"وحشتيني جدًا جدًا. "
أجابت روان:
"وأنت أكثر. "
قال مراد وهو يحكي لها عن تضحيته حتى يأخذها للخارج:
"أنا خلصت الشغل النهارده بأعجوبة علشان آخدك مكان هيعجبك جدًا. "
سألت روان بفضول:
"مش أنت بتقول نتغدى في النادي؟ "
غمز لها مراد:
"دي مفاجأة. "
ركب السيارة وتحرك إلى وجهته، وهو سعيد بوجودها جواره. رغم أنه مر على ارتباطه أربع شهور، لكنه كل يوم يشعر أنه أول يوم له معها؛ نفس اللهفة ونفس العشق وتوتر القلب، كل مشاعره وليدة اللحظة، كأنها تتجدد مع بزوغ النهار.
أغمض عينيها وهي مبتسمة حتى وصل أمام ملاهي دريم بارك. وعندما مر من البوابة، كشف عن عينيها.
شهقت روان بفرحة:
"مش معقول! الملاهي! ياااه يا مراد، أنا من سنين طويلة ما دخلتهاش. "
قال مراد بفرحة لفرحتها:
"بصي، هنتجنن أنا وأنت النهاردة ونعيش طفولتنا مع بعض. ما فيش لعبة مش هنجربها لحد ما نروح ننام من التعب. "
جذبته من يده وهي تركض من السعادة.
---
عند ماسة
لم يستوعب عقلها ولا قلبها تلك الفرحة، وتحدثت بسعادة:
"بجد يا بابا؟ أحلف! طب قول والله بجد. "
نظر إليها والدها ووالدتها، ولا يعرفان ماذا يحدث لابنتهما العاقلة الرزينة.
قال إبراهيم:
"مالك يا بنتي؟ أنتِ مش عايزاه؟ لو كده أبلغهم. أنا مش ممكن أغصبك أبدًا. "
ركضت بفزع إلى أبيها، وهي تحتضنه:
"أرفض مين يا بابا؟ أنا ما صدقت! "
لحظة ما نطق به لسانها توترت، وقالت:
"قصدي يا بابا، أنا ما صدقت أن العداوة انتهت أخيرًا. "
قال إبراهيم، وهو لا يعرف ما بها:
"فعلاً، عداوة ما كانش لها أي لازمة. ربنا يرحمه عمك، ومش عارف جدك اختفى فين. "
قالت ماسة:
"أحسن يا بابا، مش عايزاه. "
تحدث بحدة:
"بنتي، مالك؟ فيكِ إيه؟ ده مهما كان جدك. "
قالت ماسة بأسف:
"آسفة جدًا يا بابا. أنا هاطلع أكلم سلسبيل. "
صعدت السلم بسرعة حتى لا تفضح نفسها أمامهم.
قامت بالاتصال بابنة خالتها:
"هو هو، أنا هتجنن من السعادة. "
قالت سلسبيل:
"قصدك فهد؟ "
أجابت ماسة:
"آه، قصدي فهد. هتجوزه! ألف حمد لك يا رب. أنا مش مصدقة خالص، عقلي اتجنن. خايفة أعترف بحبي ليه، يتصدم فيّ ويفتكرني قليلة حياة. أعمل إيه؟ مش قادرة أسيطر على نفسي من الفرحة. "
قالت سلسبيل بسعادة:
"لا، اهدي كده يا ماسة. ما ينفعش جنانك ده. كلنا عارفين أن فهد مالوش في الكلام ده. اعترافك ليه هيجيب ألف فكرة في دماغه، ومش عايزين فضائح. "
---
خطوبة ماسة وفهد
تجهز الجميع للذهاب إلى خطوبة ماسة وفهد، الذي رفض إقامة حفل زفاف قبل رجوع أدهم.
كان في استقبالهم إبراهيم وأخيه سالم الصغير، الذي أرسل في طلبه بعد الاطمئنان من انتهاء الثأر.
بينما تقف ماسة بقلب يرتفع للسماء، ينثر سعادته على الكون، تطل كل ثانية أمام الشباك حتى ترى فهد.
نهرتها ابنة خالتها:
"حرام عليك، اقعدي بقى، زهقتيني. "
ضحكت ماسة بغرام:
"أنا هتجنن يا ختي، قلبي هيقف. "
نظرت إليها أمل مصطفى، وقالت:
"يا خبر، معقول تحصل؟ "
سألت ماسة:
"إيه اللي يحصل؟ "
قالت سلسبيل:
"إنك تتجنني من شدة السعادة. "
قالت ماسة بخوف:
"لا، أتجنن إيه؟ كده مش هيتجوزني. "
تنهدت سلسبيل براحة، وهي أخيرًا تجد ما تضعفها به:
"آه، علشان كده اقعدي بقى واهدي، واستغفري ربنا عشان تتهدي. "
---
---
في ذلك اليوم المميز، اجتمعت نساء العائلتين في غرفة العروس، حيث عمّت الأجواء بالفرح والترقب. وفي الجهة الأخرى، دخل الرجال غرفة الضيوف، يتقدمهم فهد بخطى واثقة وشموخ، يسير بجوار جده، محاطًا بنظرات الاحترام والتقدير من الحضور. جلس فهد، تاركًا لجده حرية التحدث في كل ما يخص مراسم الزواج.
في غرفة العروس، احتضنت نعمة صديقتها صفية بحب، قائلة:
"أخيرًا يا صفية، هنرجع لبعض."
أجابت صفية بحنان:
"أخيرًا، منه لله الظالم."
ثم نظرت إلى ماسة، وقالت بإعجاب:
"بنتك زي القمر، ربنا يحميها."
أرادت صفية أن تطمئن على ابنتها، فقالت:
"أنا الوقت بس اطمنت عليها، لأنها هتلاقي أم تانية ليها هناك."
عواطف، وهي تحتضن ماسة التي تجلس بخجل، قالت:
"بسم الله ما شاء الله، قمر يا حبيبتي."
خلود وياسمين انضمتا إلى الحديث:
"إحنا أصحابك يا ماسة، ده شرف لينا."
ثم أشارت إلى ابنة خالتها، مضيفة:
"ودي سلسبيل، أختي."
تعرف الجميع على بعضهم البعض، وتبددت مشاعر القلق، لتحل محلها المودة والمحبة.
تم عقد القران، وتعالت الزغاريد في الأرجاء. جلست ماسة بين النساء، تفرك يديها محاولة السيطرة على الرعشة التي أصابتها عند سماع الزغاريد، مدركة أنها أصبحت على اسمه. تمتمت بالحمد في سرها، وتمنت أن تقف وتصرخ من شدة سعادتها، لكن خجلها منعها. ظلت تنتظره حتى يلبسها الشبكة، وتملأ عينيها بملامحه الجذابة التي تعشقها.
لكن أحلامها تبددت عندما رأت عواطف تسلم الشبكة لياسمين، وتطلب منها مساعدتها في ارتدائها. غزا قلبها ألم شديد، شعرت وكأنها طائر يحلق في السماء بفرحة كبيرة، أصابته رصاصة خائنة من صياد غادر، فسقط فجأة من ارتفاع شاهق، وفقد الحياة.
لاحظت سلسبيل مشاعر ماسة، فاقتربت منها، تربت على يدها، وقالت:
"بكره هتكوني معاه، ووقتها تقدري تكسبي قلبه."
نظرت ماسة إليها بأعين حزينة، ثم أخفضتها في صمت.
رواية انت عمري الفصل التاسع عشر 19 - بقلم احمد محمود
همست سلسبيل بحنان، وهي تربت على يد ماسة:
"بُكرة تكوني معاه، وتكسبي حبه ووده. أصل ما فيش راجل يقدر يرفض حب كده. "
ظلوا يغنون ويرقصون حتى جاءهم طلب الرجال للعودة إلى المنزل.
---
بعد أسبوع من تلك الأحداث، في فيلا أدهم، استقبلتهم غادة بترحاب:
"حمد لله على سلامتكم يا حبايبي، وحشتوني جدًا. "
احتضنتها عشق بحب:
"حبيبتي يا ماما، وحشتيني والله، إنتِ ويارو، أخبارك يا قلبي؟ "
اقتربت يارو بسرعة، تحتضنها بحب:
"وحشتيني، وحشتيني يا عشق. "
كان أدهم يراقب المشهد، وقد غمره شعور بالرضا. زوجة تحب والدته وتعشق أخته، ما الذي يمكن أن يتمناه أكثر من ذلك؟
قال مازحًا:
"أحمم، أنا موجود معاها على فكرة. "
اتسعت ابتسامتها وهي تردف بحنان:
"قلبي، إنت وحشتني. "
احتضنها أدهم وقبّل جبينها:
"وأنتِ أكتر يا أمي. "
نظرت إليه والدته بفرحة كبيرة ورضا، فقد أنار وجهه السعادة والراحة. كم تمنت أن تراه زوجًا وأبًا، وقد فقدت الأمل في هذا حتى ظهرت عشق، لتقلب كل موازينه وتجعله هائمًا في ملكوتها دون مجهود.
نظر لأخته وتحدث بعتاب:
"إنتِ يا زئردة، من إمتى لكِ حضن غير أدهم؟ "
تركت عشق وتوجهت لأحضان أخيها وهي تتحدث:
"هتفضل طول عمرك السند والأمان الوحيد بعد ربنا. "
سمع صوت مراد الذي يتخلله الغيرة:
"وأنا إيه؟ خيال؟ "
رمقه أدهم بتهديد:
"وأنت مين؟ أنت أصلاً مالكش دعوة بأختي. "
لم ترد روان أن تحزنه بعد كم الحب والغرام الذي يغدقها به، لذلك أرادت جبر كسره بكلماتها الحنونة:
"أنت جوزي وحبيبي، مكانتك كبيرة في قلبي، بس ما فيش حد ممكن ياخد مكانة الأب. "
احتضنها أكثر وقبّلها، ثم جذب مراد أيضًا لحضنه:
"أنتم الاتنين حتة مني، وما فيش حد ياخد غلاوتكم عندي في قلبي. "
تأملته عشق بهيام على حنانه واهتمامه الذي يشمل كل عائلته:
"ربنا يخليك لينا كلنا، وتفضل سندنا. "
ابتعد مراد وجذب غادة مكانه، ووقفت عشق في حضن أدهم بينهم، وأخذ مراد صورة سيلفي لهم الخمسة، أجمل وأروع صورة تجمع بين الصداقة والأخوة والحب والألفة.
---
بعد مرور أسبوع من رجوع أدهم، تحدث بسخرية:
"مش فاهم، عايز تعمل فرحك مع فهد؟ إزاي تعمل الفرح بعيد عن هنا؟ "
رد مراد بإصرار:
"ما ليش دعوة، أنا كده كده ما ليش غيركم، ما يهمنيش إن حد يحضره، ومش هاستنى شهر كمان. "
أكمل بإعجاب:
"بعدين جو الأفراح عندهم عجبني أكتر من المنظرة اللي في أفراحنا، وهاحضر الفرح بجلابية كمان، تجديد، وهناك الناس بتتجمع بحب وتعاون، بيكون في بساطة في الموضوع. "
قال أدهم:
"خلاص، اعرض الموضوع على فهد، وأنت خد رأي روان وماما. "
رد مراد بثقة:
"أنا واثق إن روان موافقة، بس ماما من واحد في حجمك وشكلك، غريبة شوية، يعني مش مبلوعة. "
رفع أدهم حاجبه:
"غريبة خفة الدم دي، وبعدين أقول لها إيه؟ غادة ولا يا مدام؟ "
رد مراد وهو يستعد للهروب من أمامه:
"أنا بقول لها غادة عادي. "
دخل مراد برأسه بعدم تصديق عندما قذف أدهم منفضة السجائر تجاهه، لكنها كسرت في الحائط.
"عايز تقتل صديق عمرك وجوز أختك المستقبلي يا مجنون؟ "
أغلق الباب بسرعة.
ابتسم أدهم بحب:
"ربنا يديم وجودك في حياتي يا حبيبي، وجودك هو اللي صبرني على خسارة أحمد، الله يرحمه. "
********-
في منزل إبراهيم
دخل إبراهيم المنزل بخطى متثاقلة، وقد ارتسمت على وجهه ملامح الإحباط بعد رفض فهد دعوته. ركضت ماسة نحوه، تستقبله بلهفة:
"خير يا بابا؟ قال إيه؟"
شعر بالحزن من أجل ابنته، فقد رأى في وجهها لهفةً وقلقًا. تنهد قائلاً:
"معلش يا حبيبتي، اعتذر، قال مش فاضي."
كبتت دموعها، وتركت ما بيدها، ثم قالت بمرارة:
"آه، طبعًا، أكيد واحد زيه مش هيكون فاضي."
ثم وجهت نظرها لوالدتها:
"خلاص يا ماما، تعالي نعين الأكل ده، وأنا هطلع أنام شوية."
اقترب منها والدها، ضم وجهها بين يديه بحنان:
"حبيبتي، فهد من الرجالة الشديدة اللي مش بيعترفوا بالمشاعر والحاجات دي، اللي ممكن تلاقيها عند باقي الشباب. يعني مش هتلاقيه ملهوف على خطيبته أو يزورها كتير ويخرج معاها أو يحبها في التليفون. فهد راجل بحق، حياته ووضعه أجبره يكون كده. أبوه وأعمامه موجودين، بس حاطين كل الحمل عليه، وما فيش حاجة ممكن تحصل من غير إذنه. علشان كده، مش هتلاقي عنده اللي بتحلمي بيه. آه، هتلاقي السند والاحترام، لأنه كويس جدًا مع أهله، بس مش هتلاقي الحب والرومانسية اللي بتحلمي بيها."
رغم أنه فرحان إن بنته بقت زوجة لراجل بمعنى الكلمة، اسمه بس بيخرس الناس، لكنه كأب كان نفسه تاخد حد من ولاد أعمامه، ممكن تلاقي عندهم اللي تتمنيه.
ماسة، بإحساس مختنق:
"هو نصيبي، وأنا راضية بيه، ما تقلقش عليا."
قبلها من جبينها وتركها تصعد.
---
في منزل المنشاوي
هتف الجد بسؤال:
"ليه يا فهد رفضت عزومة الغداء؟"
تحدث فهد بحدة:
"يا جدي، أنا ما ليش في الجو ده، ومش لسه صغير علشان أشيل زيارة وأروح عند أهل خطيبتي وأقعد أحكي في مواضيع. أنا مش كده، وأنت عارف."
نظر له الجد وشعر بالحزن، فهو من صنع منه ذلك الجبل الذي يرى الاعتراف بالمشاعر عارًا، وأن الرجل يجب أن يكون مثل الصخر. ولكنه أيضًا يكون عطوفًا وكريمًا مع أهل بيته، أما من بالخارج، فلا يجب أن يروا غير القوة فقط، حتى يهابه الجميع. ليس بالظلم، بل القوة مع العدل والحكمة. وهذا خلق منه رجلًا بمعنى الكلمة، يجمع بين كل الصفات الجيدة.
لكنه ظلمه بتعليمه عدم إظهار مشاعره أو الاعتراف بها، حتى لا يكون نسخة أخرى من عمه محمود، الذي كان دائم الخوف والقلق عليه، لأنه أطيب وأحن أولاده. مشاعره هي التي تتحكم به، وهذا جعله دائم الخوف عليه من كيد النساء.
قال الجد بهدوء:
"الغفر هو اللي كان ياخد الزيارة ويوصلها قبلك. البنية لسه صغيرة، وأنت عارف، بنات اليومين دول بيحبوا الراجل اللي بيهتم بمشاعرهم، وعايزين يخرجوا ويتدلعوا. الأيام بتتغير يا ولدي، وأنت لو مش مرتاح للموضوع، ممكن تتراجع، علشان لا تظلمها ولا تظلم نفسك، كيف ما عمك ظلم بنت عمه، وعاشت عمرها لا هي متزوجة ولا هي مطلقة."
تضايق فهد من فكرة عرضها على أحد آخر من رجال المنزل، كأنها بضاعة لمن يريدها، لذلك هتف بضيق:
"لا يا جدي، من متى وإحنا نرجع في كلامنا؟ وبعدين ده نسب."
---
في غرفة أدهم وعشق
جلس أدهم بجوار عشق، يتأمل ملامحها الهادئة وهي نائمة، وهمس بكلمات محبة:
"قمر ومن السما نزلي، دي بسم الله ما شاء الله، تشوفها تسمّي وتصلي، علشان أوصافها ملهاش حل. كلام أغانيه كله أقل، دي خير في حياتي جاني، وهل، ومن حظي إنه متشالي."
حرك أنامله برفق على وجنتيها، وتابع:
"كان نفسي تكوني معايا في اليوم ده، وجودك يفرق معايا كتير. مش متخيلة اليوم ده بيكون صعب عليا قد إيه. واثق إنك لو هنا النهاردة، هبقى غير كل سنة. وجودك في حياتي غيرني 180 درجة، كأني ما كنتش عايش من قبلك. بعشقك يا نور حياتي."
انحنى وقبّلها برقة، ثم قام وأخذ شاور، وارتدى ملابسه، وتوجه إلى الخارج.
قابلته غادة وهو يحمل وردة حمراء، ويتوجه مرة أخرى ليصعد إلى غرفته.
تحدثت بابتسامة حب:
"صباح الخير يا عمري."
توجه لها، وانحنى يقبّل يدها:
"صباح النور يا حبيبتي."
نظرت لتلك الوردة بيده، وشعر بالحرج من والدته. شعرت به، فربّتت على كتفه:
"ربنا يهنيك يا حبيبي. ما تتصورش أنا فرحانة قد إيه عشانك. وعشق تستاهل كل حبك. وكل يوم بدعيلك ربنا يديم عليكم السعادة."
قبّل جبينها:
"السعادة هي وجودك معانا يا أمي."
قالت:
"اطلع يا حبيبي، على ما أخلي الدادة تحضر الفطار."
صعد السلم، دخل غرفته، وضع الوردة بجوارها على الوسادة، وتحتها ورقة مكتوب عليها: "صباح الخير على عيون حبيبي."
---
في منزل خالد، الحارس الشخصي لعشق
أتت والدته على حياء، وجلست أمامه على تلك الطاولة الشبه متهالكة، ورددت:
"حبيبي، أختك عايزة فلوس الدروس، ومحمد وكرم عايزين برضه فلوس الدروس."
أكملت بحزن:
"معلش، أنا عارفة إني بتقل عليك. كرم الجزمة بتاعته تقطعت، يعني لو ينفع أجيب له واحدة رخيصة، أصل بتاعته شكلها مش حلو."
ترك الطعام الذي بيده، ونظر لها بضيق، لأنه يشعر بالتقصير في تلبية احتياجات إخوته الصغار، الذين يعتبر هو أباهم وأخيهم الكبير. لقد حمل على عاتقه مسؤوليتهم وهو صغير.
هتف بحزن:
"لسه خمسة أيام على القبض يا أمي، وأنا بسيبلك الفلوس كلها، مش بسيب غير مصروف بسيط في إيدي. أنتِ عارفة أنا لا بروح قهوة، ولا بخرج مع أصحابي، علشان أوفر مصروف البيت."
الأم بحزن على حال ابنها:
"عارفة يا حبيبي، ربنا ينتقم من اللي كان السبب، سابنا حمل عليك لوحدك."
قام وضمها:
"ما تقوليش كده يا أمي. عمرك أنتِ وإخواتي ما كنتم ولا هتكونوا حمل عليا أبدا. بس أنتِ عارفة الحاجات اللي بتجيبها بالقسط لشوار ندى، بيأثر معانا كتير."
هتفت بضيق:
"ويا ريت يا حبيبي، عارفة أخلص حاجة. أنا تعبت من حماتها وكبريائها اللي بتتعامل معانا بيه."
يعلم جيدًا ما تتحدث عنه، لأن حماة أخته سليطة اللسان ومتكبرة عليهم ظروفها المادية.
"والله يا أمي، لولا إن البنت بتحبه، وهو راجل وعارف إنه هيحافظ عليها، عمري ما كنت كملت في الخطوبة دي."
نظر في ساعته، ليقف بسرعة، وهو يردف:
"معلش يا أمي، أنا ماشي، لأن كده متأخر."
نظرت له بحنان، وهي تتمنى له الراحة:
"مع السلامة يا ضنايا، ربنا يفتح لك أبواب الرزق، وينجيك."
---
في صباح يومٍ جديد،
استقلت غادة وروان وعشق السيارة، وتحركن في طريقهن إلى الصعيد. كانت الأجواء هادئة حتى قطعتها عشق بنبرة حزينة:
– "أنا مش كنت عايزة أمشي من غير ما أشوف أدهم النهارده... أول مرة أقوم مش ألاقي الوردة، وأرن عليه ما بيردش!"
نظرت إليها غادة بأسف وقالت بلطف:
– "معلش يا حبيبتي، اليوم ده بيكون صعب على أدهم ومراد جدًا، ودايمًا بيعتزلوا الناس فيه."
التفتت عشق إلى والدتها باهتمام وسألت:
– "ليه يا ماما؟"
تنهدت غادة وأجابت:
– "علشان النهاردة ذكرى وفاة أحمد."
شهقت عشق، ووضعت يدها على فمها. تذكّرت الليلة الماضية حين كان يحتضنها، شعورها به كان مختلفًا هذه المرة، وكلماته كانت مشبعة بوجع غريب حين قال بحزن:
فلاش باك
– "كان نفسي ما تسافريش اليومين دول..."
نظرت إليه بحيرة وردّت:
– "بس أعمل إيه؟ ماما نعمة وفهد كلموني أكتر من مرة علشان أقضي معاهم أسبوع الفرح."
ثم هتف بنبرة حب:
– "خلاص يا حبيبي، مش مهم أروح، خليني معاك."
ابتسم وقال بهدوء:
– "لأ يا حبيبتي، أنا كده كده مش هكون فاضي. ماما وروان هيروحوا علشان روان تختار ديكورات الفرح. إن شاء الله أنا ومراد نحصلكم."
نهاية الفلاش باك
خرجت عشق من شرودها فجأة، وصرخت بلهفة:
– "أوقف يا هاني، أوقف!"
توقف السائق فجأة، بينما التفتت عشق إلى غادة قائلة بإصرار:
– "أنا هركب تاكسي وأرجع لأدهم يا ماما."
ابتسمت غادة لها بحنان وقالت:
– "ياريت، يكون أحسن يا حبيبتي. رغم إنه بيرفض الناس كلها في اليوم ده، بس واثقة إنك الوحيدة اللي هيحب وجودها."
هتفت روان بلهفة:
– "وأنا يا ماما؟"
ردّت غادة بحزم:
– "هي هتكون مع جوزها، لكن إنتِ ما ينفعش. فرحك كمان أسبوع."
رفض هاني أن تعود عشق بمفردها، فأوقف لها تاكسيًا، وأرسل معها أحد الحراس الموثوق بهم.
---
في المقابر، وقف أدهم ومراد، تعلو ملامحهما علامات الحزن العميق. رفع أدهم أكمام قميصه، ووضع الزهور، ثم رش الماء حول قبر أحمد ووالديه. لم ينسوه لحظة واحدة، وكانوا دائمًا يزورونه، لكن هذا اليوم تحديدًا، يقضونه بجواره من الصباح حتى المساء، ويغلقون هواتفهم كي لا يلهيهم عنه شيء. لا يزال شعور الذنب يلازمهم، لأنهم لم يكونوا معه وقت رحيله.
كان مراد يوزّع أظرفًا مملوءة بالمال على كل من يقف أمامه من أطفال ونساء ورجال، فقد اعتاد الناس على انتظار هذا اليوم من كل عام، لما فيه من كرم صاحبيه. كان حتى رجال الحراسة يحصلون على شهر إضافي من الراتب في هذا اليوم، صدقةً على روح صديقهم، لعل الله يغفر له بكثرة الدعاء.
جلس أدهم إلى جوار القبر، ومعه مراد الذي تحسس القبر وهمس:
– "وحشتني يا حبيبي... وحشتني أوي. يمكن بنضحك، وبنخرج، وبنأكل، بس حزني عليك مش بيقل جوايا، ومافيش حاجة ممكن تنسيني زيارتك."
أكمل أدهم وهو يحدّق في القبر:
– "وحشتني يا صاحبي... وحشتني خروجاتنا، وضحكتك. ما تزعلش مني لأني خلفت وعدي معاك، بس غصب عني. إنت جرّبت الحب قبلي، وعارف قد إيه صعب تتحكم فيه لما يدخل قلبك... سامحني يا أحمد."
---
في منزل صفية، قال إبراهيم بضيق:
– "شكل بنتك حزين يا صفية... مش عارف أعمل إيه، مش قادر أتحمّل حزن بنتي الوحيدة كده!"
نظرت له صفية وهتفت بمرارة:
– "الوضع غريب يا أبو ماسه. عريس خاطبها من شهر ونص، والفرح كمان يومين، ولحد النهاردة لا شافها، ولا كلمها، ولا جه مرة حتى يجبر خاطرها!"
أضافت بنبرة موجوعة:
– "لازم تحزن، ما هي بتشوف أصحابها بيحبوا وبيخرجوا مع عرسانهم، وهي يا ضنايا عايشة كل يوم على أمل إنه ييجي. ومش بتسيب تليفونها، دايمًا ماسكاه... كأنها مش مخطوبة!"
تنهد إبراهيم بيأس:
– "أعمل إيه؟ أنا عرضت عليها نرفض، بس هي أصرت تكمل الارتباط."
ردّت صفية بحيرة:
– "فعلاً، مش قادرة أفهم فيها إيه... حساها غريبة!"
---
عاد في المساء وهو يشعر بالاختناق. دائمًا ما تكون حالته صعبة في هذا اليوم تحديدًا؛ فيعتزل العالم، حتى والدته وأخته. لكنّ الأمر كان مختلفًا هذه المرة... فقد زاد عليه ضيقه من بعدها. كم تمنى أن تكون بجواره، وكم يحتاجها ويحتاج حضنها الدافئ.
قذف بجاكيت بدلته على الكنبة، وصعد الدرج بخطى ثقيلة. لم يكن لديه أي شهية للحياة. فتح باب الغرفة بملل، فارتطمت عيناه بها. كانت تجلس على الفراش تنتظره، يظهر على ملامحها القلق.
لم ينتظر، لم ينبس بحرف، بل ركض نحوها واحتضنها بقوة، كأنه طفل صغير وجد أمه بعد فراق طويل. بكى في حضنها كما لم يبكِ من قبل. شاركته دموعه بصمتٍ مطبق، لم تنطق بكلمة واحدة، بل تركته يفرغ كل ما في قلبه من وجع، مستسلمًا لأحضانها، وكأنها الوطن.
أما هو، فلم يعلم كيف استطاع أن يبكي بهذا الشكل أمامها مرة أخرى. لطالما كان يخفي ضعفه عن الجميع، إلا هي... فقط هي. حتى والدته وشقيقته لم يريا دموعه يومًا، فماذا بها؟ ما سرّ هذه المرأة التي تفقده كل مقاومته على بابها؟
نطق من بين شهقاته، بصوت مرتجف:
– "وحشتيني أوي يا عشق... دي الذكرى السابعة على وفاته، ورغم كده مش قادر أنسى شكل جثته، مش قادر أتحمّل إنه مات وإحنا بعيد عنه. إحساس إنه كان بيتعذب لحد ما مات... بيموتني!
أنا ومراد بنحاول نكمل علشان أهلنا، بس كل يوم من جوانا بنتمنى الموت ونكون معاه..."
لم ترد، فقط ربّتت على ظهره بحنان، تسمعه في صمت، لا تقاطعه، تمنحه الأمان دون كلمات. ظل هكذا وقتًا طويلًا، حتى خفّت شهقاته التي كانت تمزّق قلبها.
بعد لحظة، رفع عينيه إليها وسأل بذهول:
– "إنتِ رجعتي إزاي؟"
أجابته بنظراتها المليئة بالحب:
– "ماما قالتلي وإحنا في الطريق إن النهارده بيكون أصعب يوم عليك، قلت ما ينفعش أسيبك فيه... أكيد هتكون محتاج وجودي."
ضمّها مجددًا، وهمس بشغف:
– "أنا كنت محتاجك أوي... محتاجك أكتر من أي حد تاني."
مرّرت أناملها بين خصلات شعره، وقالت بلطف:
– "وأنا معاك في أي وقت... إنت أهلي، وكل حبايبي."
ابتعد عنها فجأة، وتذكّر أنه لا يزال بملابس المقابر منذ الصباح. قال معتذرًا:
– "آسف، هدومي مش نضيفة..."
اقتربت منه أكثر، وضمّته بحنان:
– "هدوم إيه اللي بتتكلم عليها؟! ولو أصعب من كده مليون مرة، حضني ده بيتك، يستقبلك في أي وقت وبأي حال."
تأمّل ملامحها بشغف، ثم أسند رأسه إلى صدرها، يستمد منها القوة والراحة.
قامت بتجهيز الحمّام له، وسحبته برقة ليدخله. استجاب لها دون اعتراض، وكأن بين يديها كل الأمان.
نزلت بعدها لتحضّر له وجبة سريعة، عصيرًا وسندويشات خفيفة، ثم صعدت إليه مرة أخرى. كان قد خرج من الحمّام مرتديًا شورتًا وتيشيرت خفيفًا، وجلس على السرير.
اقتربت منه، ووضعت الصينية على قدميه، لكنه هزّ رأسه رافضًا:
– "لا، مش هقدر آكل..."
اقتربت منه بدلال، بنبرة لم تستخدمها من قبل، لكنها تعلم أنها الوحيدة القادرة على التأثير فيه:
– "حبيبي... العصير وسندويتش واحد بس، وحياة حبنا... ولا عشق ملهاش خاطر عندك؟"
أيّ جنون هذا الذي تسأله إياه؟ إن لم يكن من أجلها، فلأجل من؟ هي وحدها من يلقي بتعبه وضعفه في حضنها، وهي أيضًا الوحيدة التي لها سطوة عليه ودلال خاص.
تنهد وهتف باستسلام:
– "حبيبتي، خاطرك غالي... بس غصب عني."
– "وحياة عشق عندك، تشربه..."
مدّ يده وأخذ العصير منها، وقال بنبرة هامسة:
– "أنا ما عنديش أغلى منك يا عشق... وجودك في حياتي نعمة، وهفضل أحمد ربنا عليها لآخر يوم في عمري."
ثم وضع رأسه مرة أخرى على صدرها، يحاول استدعاء النوم علّه يرتاح من الفكر. وظلت هي إلى جواره، تطعمه، وتمنحه الأمان، حتى غفى في أحضانها من جديد.
وفي قلبها، كانت تحمد الله أن غادة تحدّثت معها في هذا الأمر، فلا تدري ماذا كان سيحدث له لو بقي وحيدًا بتلك الحالة...
---
في غرفة ماسة
هتفت سلسبيل بضيق، وهي تلعن فهد داخلها:
– "إنتِ بتعيّطي ليه الوقت؟
شكله مغصوب عليا ! أنا كنت فاكرة لما يخطبني هشوفه وأخرج معاه، ونسهر طول الليل، ونتكلم ونحب بعض...
بس طلع ده كله أوهام! أوهام عايشة فيها لوحدي ومصدقة نفسي!"
قالت سلسبيل بأسى:
– "إحنا عارفين من الأول إنك هتتعبي معاه، بس للأسف... قلبك الغبي هو اللي اختاره واتعلق بيه."
سالت دموعها أكثر، وهي تهتف بألم:
– "أنا وحشة للدرجة دي؟ علشان مش طايقني؟ ولا عايز يشوفني؟
قلبي مجروح أوي منه، ورغم كده... مش قادرة أبطل تفكير فيه!"
ضمتها سلسبيل إلى صدرها، وهي تدعو لها بالراحة، وأن يخفف الله عنها هذا الحزن الذي لا تستحقه.
رواية انت عمري الفصل العشرون 20 - بقلم احمد محمود
كانت دموعها تنساب بلا توقف، وداخل قلبها سؤال يصرخ بألم:
– "قلبي مجروح أوي... للدرجة دي؟! مش طايقني؟ حتى اللي مش بيحبوا بعض بيزوروا عرايسهم، وبيتكلموا معاهم... حتى لو هيتخانقوا!
بابا عزمه كذا مرة، وهو بيرفض وبيحرجه قدام الناس!"
نظرت إليها سلسبيل بحنو، وربتت على يدها بحنان، ثم قالت محاولة التخفيف عنها:
– "خلاص بقى يا حبيبتي... كم يوم وهتكوني معاه في بيته. حاولي على قد ما تقدري تليني قلبه."
هتفت الفتاة بحزن واضح، ونبرة صوتها تفضح ما يعتمل داخلها من خذلان:
– "مش باين عليه عايز يشوفني أصلاً... حاسة إن يوم فرحي هينام في أوضة تانية من كتر ما هو مش طايق يشوف خلقتي!"
---
في صباح اليوم التالي
نزل أدهم وعشق إلى السيارة، واستقرا في مقعديهما، وانطلقت السيارة متجهة نحو الصعيد.
قطعت عشق الصمت بسؤال:
– "هو مراد مش جاي معانا؟"
جذبها أدهم برفق إليه، وقال وهو يحتضن يدها:
– "لا، هيحصلنا بعربيته."
– "ليه مش جاي معانا؟"
ابتسم وأجاب بهدوء:
– "علشان أسافر وإنتِ في حضني، نكون براحتنا... مش شايفة إن مفيش لا سواق ولا حرس المرة دي؟"
نظرت له بحيرة، ثم قالت:
– "فعلاً، كنت هاسألك."
قبّل يدها برقة، وهمس:
– "عايز أعيش معاكي كل حاجة... كل حاجة شفتها قبل كده وما كنتش أتخيل إني أحب أعيشها، زي إني أسوق في طريق طويل، وإنتِ في حضني، وأشغل أغنية هادية."
ابتسمت عشق واقتربت منه أكثر، وقالت بشغف:
– "وأنا كمان عايزة أعيش كل حاجة معاك."
– "تحبي تسمعي إيه؟"
– "أي حاجة على ذوقك."
هز رأسه برفض لطيف:
– "لا، أنا عايز أسمع على ذوقك إنتِ."
ضحكت وقالت:
– "خلاص، المرة دي أنا، والمرة الجاية إنت. موافق؟"
شغّلت أغنية إليسا "في عيونك"، وانطلقت الكلمات تدغدغ مشاعرهما:
في عيونك... أنا ممكن أضيع عمري، وأضيع روحي، وأضيع...
في عيونك... حسيت بأمان، فـ عيونك قلبي أنا غرقان.
---
في الصعيد
كانت روان تقف بلهفة أمام الهاتف، وما إن رد على الاتصال حتى هتفت بعشق:
– "حبيبي، وحشتني جدًا... أخبارك إيه؟"
ابتسم مراد، وصوته يفيض حبًا:
– "بخير يا قلبي، إنتِ عاملة إيه؟"
أجابته بحزن وأسف:
– "أنا كان نفسي أكون جنبك يا مراد، بس غصب عني..."
قاطَعها برقة وهو يهمس:
– "مين قالك إنك مش دايمًا جنبي؟ حتى قبل ما أخطبك، كنت لما أكون تعبان، بأخذ صورتك في حضني وأنام،
ولما أكون متضايق أو فرحان، كنت بحكي لها كل حاجة جوايا. أسراري كلها معاها... حتى دموعي."
أكمل بنبرة صادقة:
– "مش محتاجة تكوني قدامي علشان تكوني معايا... إنتِ جوا قلبي."
كانت تستمع إليه بصمت، ودموعها تسيل بحرارة. في قلبها سؤال لم يُطرح بعد:
هل يوجد حب بهذا الشكل؟
من يكون أعمى عن هذا العشق؟
كيف يعشقها منذ سنين، وهي لم تعلم شيئًا!
هتفت بصوت مختنق بالعاطفة:
– "لو الحادثة دي حصلت ليا علشان أكون ملكك، فأنا مش ندمانة، وبحمد ربنا ليل نهار على وجودك في حياتي.
تعالى بسرعة... لأنك وحشتني جدًا جدًا."
اتسعت ابتسامته براحة، وقد شعر أخيرًا أنها تشاركه الحب ذاته. قال بشوق:
– "وأنتِ كمان يا روحي، وحشتيني."
ثم أضاف ضاحكًا:
– "أدهم رفض أركب معاه، ومشي هو وعشق لوحدهم."
ضحكت روان باندهاش:
– "يعني إنت جاي لوحدك؟"
هز رأسه مبتسمًا وهو يتذكر اتصال أدهم يخبره أنه سيسبقه مع عشق، وأنه سيلحق بهما لاحقًا.
أجاب بمزاح:
– "عايز يكون براحة يا ستي... مش عايز عزول معاه."
ضحكت روان وهي تهتف بدهشة:
– "لا ده أبيه اتغيّر 180 درجة! وحالته بقت صعبة... والله يا عشق طلعت مش سهلة! اللي محدش عرف يعمله في سنين، هي عملته في أيام!"
ابتسم مراد وأردف بإيمان:
– "الحب بيعمل المعجزات... ربنا يهنيهم."
*****
---
تمتمت نعمة بشوق وهي تنظر إلى الباب وكأنها تستدعيها بعينيها:
– "كده يا عشق؟! وحشتيني قوي..."
ردّت غادة مبتسمة،
– "والله يا حبيبتي، إنتِ كمان وحشتِها... وبعدين، مش بتكلمك كل يوم؟!"
وفجأة، دوّى صوتها من عند الباب:
– "ماما نعمة!"
ركضت نعمة نحو الباب بلهفة، وعشق تهتف بسعادة:
– "نعومة! وحشتيني يا قمر... فينك يا ماما؟!"
أسرعت خطواتها، اتجاه الباب لتجد عشق واقفة تمسك بيد زوجها أدهم، لكنه ما لبث أن ترك يدها عندما رأى الشوق في عيون نعمة.
احتضنتها عشق بحب كبير، ودموع الاشتياق في عيني نعمة وهي تعاتبها:
– "كده يا عشق؟! هان عليكِ ما تجيش كل ده؟! وإنتِ عارفة قد إيه وحشتيني!"
ردّت عشق بعفوية:
– "والله يا ماما، غصب عني... ما كانش ينفع أسيب. أدهم ."
تقدّم أدهم بخطوات هادئة وقال بلطف:
– "آسفين يا ماما نعمة... الغلط المرة دي كان عندي."
صافحته نعمة بحرارة وقالت مطمئنة:
– "لا يا ابني، حاشا لله."
دخلت غادة، وهي تنظر لابنها بعين الأم المشتاقة، ثم احتضنته وسألته:
– "أخبارك يا حبيبي؟"
– "الحمد لله يا أمي، بخير... ما تقلقيش عليا."
وفجأة، سمع أدهم صوتًا من خلفه يمازحه:
– "نورتنا يا عريس!"
التفت أدهم مبتسمًا، فإذا بصديقه يحتضنه قائلًا بمودة:
– "إنت العريس يا باشا!"
خرج الإثنان إلى الحديقة يتبادلان الضحكات، ليردف فهد بخبث:
– "ما شاء الله... شكلك جيت على الجواز، وشك نوّر!"
أجابه أدهم بنبرة شجن:
– "أنا عمري ما كنت أتخيل إني أحب، و أتجوّز، و أعيش السعادة اللي أنا فيها دلوقتي.
وندمان على كل لحظة عدّت وأنا بعيد عنها."
ضحك فهد بقوة، بينما أكمل أدهم بنبرة ساخرة:
– "إيه ده؟! إيه ده؟! أنا بقيت أقول شعر كمان؟!"
انفجر كلاهما بالضحك، ليكمل أدهم ممازحًا:
– "يا خبر... أنت عارف لو كنت شوفتني من خمس شهور، عمرك ما كنت تصدق إن ده نفس الشخص!
الحب بيغيّرك بشكل عجيب... أنت نفسك ما تعرفش نفسك! الدور عليك بقى يا بوص!"
هزّ فهد رأسه نافيًا وهو يقول بثقة:
– "لا، أنا غيرك. أنا اتربيت على إن المشاعر والحب عار على الراجل، لأنها ضعف.
ما ينفعش الراجل يظهر الجانب ده، خصوصًا مع مراته."
ضحك أدهم وقال:
– "كنت زيك... وأصعب كمان! كنت شايف الستات خاينين طماعين، بيدوروا على الفلوس وبس.
ثم تذكر شيء ونظر لفهد يهتف ساخرا
فاكر لما وقفت قدامي وقلتلي: إلا دي، إلا دي يا أدهم؟!"
تلعثم فهد للمرة الأولى، وهو يحاول تبرير موقفه:
– "لا، مش قصدي اللي وصلك... أنا قصدي إنها ملهاش ذنب."
ابتسم أدهم باستخفاف وقال بنبرة تحمل شيئًا من السخرية:
– "فهد، أنا شايف حبك في عينيك... ورغم إني مش بحب حد يهين ذكائي، بس بكرة تيجي وتقول: أنا عاشق!"
حاول فهد جاهدًا إثبات براءته، و ادّعى أن كل ما يقوله أدهم أوهام،
قائلاً:
– "أنا ما شوفتهاش من يوم فرحك... ولا مرة."
اتسعت عينا أدهم بدهشة وسأله:
– "هو مش أنت خطبتها؟! ورجعت كتبت كتابك؟!"
ردّ فهد بتنهيدة:
– "آه... بس ما شوفتهاش. يوم الخطوبة قراينا الفاتحة وهي مش موجودة، كانت في أوضتها.
ويوم كتب الكتاب، ما طلعتش... كنت مع الرجالة تحت، وأمي هي اللي لبستها الشبكة.
ومن يومها ما رحتش هناك، ولا كلمتها."
رمقه أدهم بنظرة ذاهلة وقال بصدق:
– "لا... أنت حالتك صعبة!"
---
---
في المساء، أخذت عشق الفتيات وتوجّهت بهنّ إلى منزل ماسة. لم تحضر الأخيرة كتب الكتاب، وأرادت عشق أن تراها، تبارك لها، وتقدّم لها هديتها بنفسها.
وقفت ماسة ووالدتها في استقبالهُنَّ بابتسامة كبيرة، رغم الحزن الذي حاولتا إخفاءه.
احتضنتها عشق بحرارة، وكأنّ بينهما عشرة عمر. شعرت براحة غريبة في أحضان تلك الفتاة الرقيقة، فهي جزء من حبيبها...
– "ألف ألف مبروك يا عروسة، وآسفة جدًا إني ما عرفتش أحضر كتب كتابك."
هتفت ماسة وهي ما زالت بين ذراعيها:
– "حسك معنا يا حبيبتي... وجودك كان هيفرق كتير، بس الحمد لله على سلامتك."
سألتها عشق، وقد بدت عليها ملامح الحرج:
– "هو ممكن أنا وأنتِ ندخل مكان أوريكِ فيه هديتي؟"
ردّت ماسة بترحيب:
– "طبعًا، تعالي ندخل أوضتي."
حملت عشق الشنط من جوارها، وهي تبتسم وتعتذر من الفتيات، ثم صعدت بصحبة ماسة إلى غرفتها.
هناك، فتحت إحدى الشنط، وأخرجت منها علبة كرتونية كبيرة، فتحتها ببطء، وقالت وهي تبتسم بخفة:
– "ده قميص ليلة الدخلة... أبيض ومعاه روب."
احمرّ وجه ماسة من الخجل، بينما ضحكت عشق بخفة وقالت:
– "ما تفتكريش إني مش مكسوفة، والله أنا مكسوفة برده! بس مش عارفة ليه جاتلي الفكرة دي فجأة."
ثم فتحت علبة أخرى، وأخرجت منها زجاجة عطر وقالت:
– "وده برفان حريمي، بس... مثير جدًا، ما فيش راجل يقدر يقاومه!
أنا اشتريت منه ثلاثة: واحدة ليا، واحدة ليكي، وواحدة لروان.
أتمنى ذوقي يعجبكم."
ثم أخرجت علبة ثالثة، وفتحتها قائلة بحماس:
– "ودي سلسلة ذهب..."
فتحتها أمامها، كانت تحتوي على قلب صغير بداخله صورتان: إحداهما لماسة، والأخرى لفهد.
– "دي صورتك معاها يوم الفرح... خليت الديزاينر يظبطهم ويحطهم مع بعض في القلب ده.
بصي... مش بيفتح غير لما تضغطي عليه من الجنب ده."
أخذت ماسة السلسلة بلهفة، وأعينها تلمع بامتنان:
– "شكرًا جدًا ليكي يا عشق... بجد، أنا مبسوطة جدًا إني عرفتك."
سألتها عشق بفضول وهي تتأمل عينيها الحزينتين:
– "طيب، ممكن تقوليلي الحزن اللي في عينيكي ده سببه إيه؟"
أجابت ماسة بسرعة وهي تتهرب بنظراتها:
– "أبدًا! حزن إيه؟ في عروسة تكون حزينة قبل الفرح بيومين؟"
– "مالك يا ماسة؟!
وعد، أي كلمة هتقوليها مش هتخرج برا الأوضة دي."
همست ماسة، والدموع تتجمّع في عينيها:
– "فهد مش عايزني... في حد غصب عليه الجوازة دي."
هتفت عشق بابتسامة هادئة:
– "فهد؟ وغصب؟ في جملة واحدة؟! مستحيل!
يبقى أنتِ مش عارفة هتتجوّزي مين."
نفت ماسة بسرعة:
– "لا، عارفة... بس ما فيش واحد يخطب واحدة بمزاجه، ومن يوم ما خطبها ما شافهاش، ولا كلّمها ولا مرة!
يبقى مش بيحبها... ولا طايقها."
جذبتها عشق من يدها لتجلس إلى جوارها، وهمست بهدوء:
– "مين قال كده؟!
أبيه فهد بيحبك... جدًا كمان."
رفعت ماسة عينيها إليها بحزن، وهمست:
–
الله يجبر بخاطرك، بيحبني مرة واحدة؟!
أنا عايزاه يشوفني... بس مش يحبني!
هو ما يعرفش إني موجودة أصلاً...
ولا إنه خطبني، ده ما كلّمنيش ولا مرة!"
ابتسمت عشق بهدوء وقالت:
– "بس يا حبيبتي... أنا عرفت إنه بيحبك من أول يوم جِه ياخدني فيه.
شفت نظرته ليكي... ونظرتك ليه.
عارفة إن فيه حاجة كبيرة قوي بين قلوبكم.
بس واحد بشخصيته ووضعه، مش سهل عليه يعترف بحاجة زي دي.
هو هيحارب الإحساس ده لأنه فاهم إن الحب ضعف...
وده دورك.
بطريقتك، وأسلوبك، وصبرك عليه، هيعرف إن الحب مش ضعف...
الحب حياة.
ولو دخلنا فيها، هنتمنى ما نخرجش منها أبدًا!"
ثم غمزت لها بمزاح وقالت:
– "وإيه رأيك؟! البرفان ده يجننه!"
ضحكت ماسة بخفة، ونظرت إليها بامتنان عميق، وكأن كلماتها كانت البلسم لجراح قلبها.
مدّت عشق أناملها لتزيل دموعها، ثم نهضت وهي تقول:
– "مش نرجع للبنات؟"
نهضت ماسة وهي ترد:
– "أيوه..."
مسحت دموعها، وخرجتا من الغرفة.
شغّلوا الأغاني، وضحكوا، ورقصوا، ومرّ الوقت بشكل جميل وظريف.
خرجت ماسة من حزنها، وعاد النور لعينيها...
والفضل كله يعود إلى عشق وحنانها.
---
- بقلم أمل مصطفى
قالت عشق لوالدتها، بنبرة فيها رجاء واهتمام:
– ماما، أنا عايزاكي تعملي حساب الاتنين الحرس اللي معانا، في لحمة وبط لبيوتهم. ولو في فطير أو أي حاجة، نجهزها لهم.
ابتسمت نعمة بحنان وقالت:
– بس كده يا حبيبتي... حاضر، أحسن حاجة علشان تليق بيكي.
احتضنتها عشق وهمست قرب خدها:
– بحب... حبيبتي إنتِ يا ماما.
---
كان الحارسان يجلسان جانبًا يتابعان تجهيزات الزفاف بانتباه. فقد طلب منهما أدهم أن يستمتعا باليومين دون الالتزام بمهمة الحراسة.
قال هاني وهو ينظر إلى صديقه:
– الباشا بتاعنا اتغيّر كتير عن الأول... بقى اجتماعي شوية.
تأمل خالد المكان أمامه، يستنشق الجمال المحيط، ثم قال بإعجاب:
– لازم يتغيّر، معاه ملاك بقلب نقي... لازم يحب الدنيا والحياة كمان. وبعدين هو دايمًا كويس معانا وبيراعي ربنا فينا.
ابتسم هاني:
– أنا مش قصدي كده، بس دايمًا كان مبتسم، ماكانش بيزور حد. حالياً جينا المشوار ده كذا مرة.
رد خالد بتنبيه حذر:
– طيب خلاص، أحسن يسمع ويفهم غلط... ونخسر لقمة عيشنا.
هز هاني رأسه موافقًا:
– عندك حق. أنا عن نفسي مش أتمنى أسيب الشغل عنده أبدًا. قليل لما تلاقي رجل أعمال في مكانته بنظافته وأخلاقه دي. على الأقل عارفين إن الفلوس اللي بتدخل بيوتنا مش حرام، وهي مش ناقصة بهدلة.
---
وقف أدهم أمام فهد، يحاول أن ينتزعه من دوامة تفكيره:
– يا عم، هات عروستك وتعالى، مش خسران حاجة.
هزّ فهد رأسه رافضًا:
– لا، أنا بمشي على عاداتنا. مش هشوفها غير بعد الفرح في شقتنا.
تأفف أدهم بضيق:
– اعتبره فرحين... واحد هناك مع مراد، والتاني هنا.
لم يكن فهد يريد رؤيتها قبل الزفاف، كان خائفًا من أن تضعف مشاعره أمام الناس، وهو الذي حاول دائمًا أن يكون قاسيًا، لا يُظهر نقطة ضعف.
قال بحزم:
– يا أدهم، افهم... ماينفعش أمشي وأسيب الناس وأنا كبيرهم. لازم أكون في وسطهم.
شجعه أدهم:
– ده يوم في العمر يا فهد، هتندم! وبعدين أعمامك وجدّك موجودين.
وحين لم يجد منه استجابة، قال مستسلمًا:
– خلاص، براحتك. أنا هاروح مع أختي ومراد وأرجعلك.
---
ركب الجميع سياراتهم وتوجّهوا إلى المكان. جلست عشق بجوار أدهم، وخلفهم قمر وياسمين، وخلفهما زين وخلود، وأمامهم مراد وروان.
انطلق الجميع بسرعة، كأنهم في سباق مرح. كانت الفتيات يشرن لبعضهن البعض وهنّ يضحكن بمرح، حتى وصلوا إلى المكان المنشود، ترافقهم كاميرا مُثبتة على سيارة أخرى تُصور تحرّكاتهم.
نزل مراد من السيارة مرتديًا بدلة
ارتفع صوت "الدي جي"، وبدأ يرقص ويلتقط العديد من الصور للجميع. ثم ارتدى جلبابًا فوق بدلته، وظل يرقص مع زين المجنون، الذي ترك أخيه ليستمتع مع مراد بالأجواء.
وبعد ساعة من المرح، جلس مراد على كرسي بجوار فهد، بينما جلست روان قرب ماسه وسط النساء.
---
بعد انتهاء الفرح، أمسك مراد يد روان وهو لا يصدق أنها أصبحت ملكه... له وحده.
ودّعتها عشق وغادة بعد كثير من الدموع والعناق.
ضمّ أدهم شقيقه مراد بقوة وحب، وهمس بجوار أذنه:
– حافظ على أمانتي.
ردّ مراد وهو يشدد من احتضانه:
– إنت عارف... أنا أفديها بحياتي.
أومأ أدهم بثقة:
– أنا واثق من كده، بس لازم أأكد عليك... ترجعوا بألف سلامة.
ثم وقف أمام أخته، وضمّها قائلًا:
– حُطي مراد جوّه عيونك، مش هتلاقي حد في الكون ده كله يحبك قده.
ونظر إليهما معًا:
– خلي بالكم من بعض.
تحرّك هاني بسيارة مراد، وخالد بسيارة أدهم، ترافقه عشق وغادة، التي أصرت أن تذهب معهم حتى المطار.
---
في غرفة فهد...
ظلت ماسه جالسة على الفراش وقتًا طويلًا في انتظاره. مشاعرها متأرجحة بين الخجل والتوتر، لا تعلم متى سيطلّ عليها ويدخل الغرفة.
قلبها يؤلمها من هذا التأخير؛ هي في الغرفة منذ ما يقارب الساعة، ولم يأتِ حتى الآن!
"معقول يسيبني في يوم زي ده؟ وينام في مكان تاني؟!"
مجرد الفكرة فتّت قلبها لأشلاء.
في الأسفل، كان فهد يجلس أمام فرسه، محتارًا، لا يعلم ما به... ولمَ تلبّسته هذه الحالة؟
لماذا لا يشعر بالفرح كأي رجل في وضعه؟
اليوم... يومه، الذي ينتظره الكثير من الرجال بلهفة، بينما هو يشعر وكأن هذا اليوم... قبض روحه.
"كيف أُسلم كياني لامرأة؟ كيف أسيطر على تلك المشاعر التي تحارب للخروج إلى الحياة؟"
وقف فجأة، وأخذ قراره.
"هي مالهاش ذنب في اللي بيحصلي... لو مش عايزها من البداية، كنت رفضت، ومحدش غصبني."
مرر يده على ظهر فرسه، ثم ترك المكان متجهًا إلى غرفته.
---
سمعت ماسه باب الغرفة يُفتح ويُغلق. شعرت برجفة خفيفة تسري في جسدها.
"يا ترى هيكلمني إزاي؟ هيعاملني بلطف؟ ولا بجفاء؟ هيكون لين؟ ولا قاسي؟"
سمعت خطواته تقترب منها.
دخل فهد الغرفة وهو لا يعرف كيف يتعامل معها.
يُحارب مشاعره تجاهها... شيء غريب يسكنه، يمنعه من الفرار، رغم أنه في الخارج منذ فترة، يحاول الدخول.
وجدها تجلس تحت "الخيمة"، بثبات عجيب.
"إزاي قدرت تقعد كل ده بالشكل ده؟"
اقترب منها، ورفع عنها الخيمة، فظهرت له... وجهها أحمر من التوتر، تفرك يديها بتوتر.
وضع شيئًا بجوارها، ثم جلس أمامها:
– مبروك.
تمتمت بصوت خجول:
– الله يبارك فيك.
قال مباشرة:
– ممكن أتكلم معاكي وتجاوبيني بصراحة؟
هزت رأسها.
– إنتِ حد غصبك على الجواز مني؟
قالت برفض:
– لا، بابا عمره ما غصبني على حاجة.
ابتسم:
– بداية مبشرة... طيب، كويس. إنتِ كنتِ بتدرسي... كان في بينك وبين أي شاب علاقة؟
رفعت عيونها بدهشة:
– يعني إيه؟
توتر من نظرتها... أول مرة يراها بهذا القرب. كم هي رائعة!
سيطر على نفسه وقال بتوضيح:
– يعني... حبّيتي؟ أو كنتِ بتحبي حد من زمايلك؟
نطقت بسرعة وتهور:
– أنا عمري ما حبيت حد غيرك!
شهقت بعدها، عندما رأت نظرته المصدومة، ووضعت يديها على فمها بخجل، تلعن نفسها وتهورها:
– الله يخرب بيتك... هتفضحيني؟ اتلمي يا بنت المجانين!
ابتسم على تصرفها الطفولي، ثم اعتدل وقال:
– مش هتغيري هدومك؟
وقفت سريعًا:
– طبعًا هغيّر.
رآها تجلس على الأرض أمامه، تخلع حذاءه. أمسك يدها، فارتعشت قلوبهما:
– بتعملي إيه؟
قالت بحب:
– بخلع حذاءك.
وقف وهو يجذبها معه ليوقفها:
– إنتي مرات فهد المنشاوي... يعني ما تنحنيش قدام أي إنسان، فاهمة؟
ردّت بحب:
– بس إنت مش أي حد... إنت جوزي، وده عادي.
تحدث برفض:
– حتى لو أنا! إنتي أكبر من إنك تقلعيلي حذائي. إنتي ماسه فهد المنشاوي... عارفة يعني إيه؟
سرحت بهيام في هذا الاسم... لم تكن تعلم أن اسمها له قيمة، إلا بعد اقترانه باسمه.
"ماسه فهد المنشاوي"... ياله من إحساس جميل!
أفاقت على صوته وهو يكمل:
– مكانتك عالية قوي... أوعي تقللي من شأنك، مهما كانت الظروف.
شعرت بالراحة والأمان من تلك البداية. تذكّرت كلمات والدها:
"فهد راجل بمعنى الكلمة... وبيحترم أهل بيته جدًا."
ابتسمت له بخجل:
– الموضوع ده ما يقللش مني... لأني بعمله بحب ورضى، مش غصب.
كرّر فهد الكلمة في نفسه:
– حب...
توترت من حالته وشروده، فرفعت فستانها، وقالت بخجل وهي تهرب:
– بعد إذنك... هاروح أغير.
ثم أخذت ملابسها ودخلت الحمام.