تحميل رواية «انت عمري» PDF
بقلم احمد محمود
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
١٢ سنة حب ولا مرة فكرت للحظة واحدة إني أتخيل حياتي من غير عمار ابن عمي. من قبل حتى ما أفهم يعني إيه حب كانت كل حاجة بتجذبني له، مع إننا ولا مرة اتكلمنا. ودائمًا كان شايفني البنت الهبلة اللي بتعيط لو حد فكر بس يشيلها وهي طفلة. كان مسميني أم نص لسان عشان مكنتش بعرف أتكلم وأنا صغيرة. من أسبوع بس عرفت إنه قرر يسبني ويسافر. ما هو لما يمشي ويسيبهم يبقى هيسيبني أنا. معرفش إيه اللي حصل لي أول ما عرفت من خديجة أخته إنه قرر يسافر ويستقر في ألمانيا. للحظة في حاجة نخرت جوا قلبي واتخنقت مقدرتش آخد نفسي. نزلت...
رواية انت عمري الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم احمد محمود
في طريق العودة من المطار، كانت غادة تبكي بحرقة؛ فهذه هي المرة الأولى التي تبتعد فيها ابنتها عنها. مشاعر الفقد والفراغ تغمرها بصمت موجع.
مدّت عشق يدها تمسح دموع والدتها، ثم قبّلتها بحب وقالت: – "مامتي، هي دلوقتي فرحانة... ليه تبكي؟ إحنا ندعيلها، ربنا يهنيها، وبكرة ترجعلك بألف سلامة."
تمتمت غادة بأسى: – "أول مرة تبعد عني..."
وضعت عشق رأسها على كتف والدتها وهمست بحنان: – "حبيبتي، ما تتحرميش منها أبدًا. سعادتك من سعادتها، وهي فرحانة الوقت ده، وده شيء يفرّحك."
ربّتت غادة على يد ابنتها، وردّت بحب: – "ربنا يخليكي ليا يا حبيبتي."
قالت عشق بدلال: – "ابتسمي بقى يا مامتي، بدل ما أعيط أنا كمان."
جلست عشق بين غادة وأدهم. كان قلبه ينبض باسمها، يتأثر بلمساتها الحنونة على أمه وأخته. مدّ يده نحو يدها، ضمّ أصابعها بين أصابعه، وضغط عليها بلطف وحب.
ابتسمت عشق دون أن تنظر إليه، وأغمضت عينيها، ورأسها على كتف والدتها.
---
في غرفة مراد
أخيرًا، شعرت روان أن الدنيا تضحك لها. كل شيء بات جميلًا، وكأن الغشاوة التي حجبت الضوء قد أُزيلت عن عينيها.
نظرت إليه، فوجدته يلتهمها بنظراته، بعينيه العاشقتين لأدق تفاصيلها. خفضت وجهها بخجل.
جذبها مراد إلى حضنه، يهمس بحمد الله أنها أصبحت له، بين ذراعيه.
كم تألم من حبها لذلك القذر! كم بكى، وانكسر عندما علم بما حدث لها، وعندما أُخبِر أنها لن تستطيع السير مجددًا!
كم تمنى أن يضمها إليه، أن يقوم بخدمتها بنفسه، أن يرعاها بكل كيانه.
زاد ألمه حين علم باعتزالها للجميع، حين أغلقت في وجهه آخر أبواب الرحمة، ولم يجد من يشعر بعذابه.
كيف كان له أن يطلب رؤيتها، وهي قد رفضت الجميع؟ وهو، لا يملك حتى الحق في الطلب...
أغمض عينيه من وجع القلب، لمجرد ذكرى.
مرر يده على ملامحها، يتساءل في نفسه:
متى استطاعت أن تحتل كيانه بهذه الطريقة؟
---
عند فهد
خرجت رهف من الحمام، تتحرك بخجل، ترتدي قميصًا أبيض قصيرًا فوق الركبة، كانت تلك هدية من عشق.
نثرت بعض العطر، على أمل أن تلفت نظره، أو ترى في عينيه نظرة إعجاب.
كان فهد يجلس على طرف الفراش، ينظر إلى الأرض، يحاول ترتيب أفكاره.
يعلم أنه لا بد أن يقترب منها، فاليوم هو بداية حياتهما، ولكنه أراد أن يمنحها الفرصة لتتعرف عليه أولًا.
رفع عينيه عندما شمّ عطراً جذب كل حواسه، ويا ليته لم ينظر...
رآها في هيئة خطفت أنفاسه. ظل يتأملها، كأنه تجمد أو تحول إلى تمثال.
تورد وجهها أكثر، وهمست بخجل: – "أنا خلصت..."
قام واقترب منها، كالمغيب، وفي داخله حرب طاحنة بين قلبه وعقله.
عقله يهتف:
"مالك يا فهد؟ إيه حصل؟ سيطر على نفسك شوية... من إمتى الحاجات دي بتفرّق معاك؟"
لكن قلبه يرد: "لازم تفرق... دي حبيبتي، مش أي واحدة. طبيعي ما أقدرش أقاومها... دي بالنسبة ليا كل الحياة."
يعود عقله ليهتف: "حبيبتك؟ وحياة؟ من إمتى وإنت كده؟"
فيرد قلبه بيقين: "من لحظة ما بقت من نصيبي... ومن وقت ما بقت حلالي... أنا أصلًا ليها، وبس!"
جذبها بلطف ليقربها منه، شعر برجفة جسدها من لمسته، فانحنى عليها يقبّلها بشوق، شوق اكتشفه من كلمات عشق وأدهم... فقد رأوا حبه لها قبل أن يدركه هو.
كانت قبلة تذوب فيها عشقًا، وهي مغمضة العينين، وعندما ابتعد عنها، تمسكت به أكثر، ووضعت رأسها على صدره بخجل وحنان.
ضمها إليه بسعادة، ثم حملها بين ذراعيه، وذهب بها إلى عالمهم الوردي، حيث لا مكان إلا للحب.
---
عودة عشق وأدهم إلى منزلهم
قبل أن تبتعد، وجهت عشق حديثها إلى خالد، قائلة بابتسامة: – "في شنطة العربية سبتين، واحدة ليك، وواحدة لـ هاني."
ابتسم خالد: – "شكرًا جدًا يا هانم."
دخلوا إلى الفيلا.
غادة، بتعب ظاهر، تمتمت: – "أنا هطلع أرتاح يا ولاد... عشق، أدهم، تصبحوا على خير."
جلس أدهم صامتًا، لم يتحدث معها.
صعدت غادة إلى غرفتها، فالتفتت عشق إليه باستغراب، واقتربت منه، تسأله: – "مالك يا حبيبي؟ فيك إيه؟"
نظر لها دون رد.
جلست على قدمه وسألته: – "روان وحشتك؟"
أجاب بصوت خافت: – "آه..."
مررت يدها على وجنته: – "بُكره ترجع بالسلامة."
رد بضيق: – "إن شاء الله."
تأملت ملامحه، ثم سألته بنبرة حزينة: – "مالك يا حبيبي؟ ليه بتقصّر معايا في الكلام؟ كأنك مش عايز تتكلم معايا؟ أنا عملت حاجة ضايقتك؟"
خرجت كلماته محمّلة بالغيرة: – "طول الطريق نايمة في حضن أمي، وسايبة حضني! وإنتي عارفة إني بغير عليكي... حتى من أمي!"
نظرت له بعدم تصديق...
وحشها، حبيبها، يغار منها لأنها غفت في حضن والدته، دون قصد؟
كأنه شعر بما يدور في نفسها، فابتسم:
– "آه يا عشق... أنا معاكي زي الطفل الصغير اللي بيغير على أمه من كل الناس... عايزك ليا وبس.
كنت أتوقع أغير من الناس كلها، إلا أمي وأختي.
بس معاكي... مشاعري وتصرفاتي بتتحوّل بشكل غريب، كأن حد تاني بيتحكم فيها غيري.
والحقيقة... أنا حبيت الإحساس ده معاكي.
أرجوكي، بلاش تحطيني تاني في الموقف ده."
اعتدلت لتقوم، لكنه جذبها بقوة إلى حضنه: – "ما تبعديش."
وضعت يدها حول عنقه، وهمست: – "ومين قالك إني أقدر أبعد؟... إنت حلم عمري."
تبعت كلماتها بقبلة رقيقة على وجنته.
وقف وهو يحملها بين ذراعيه: – "لا... مش دي اللي تصالحني!"
ضحكت على جنونه، وتغيره المستمر أمامها.
هو تمامًا مثل أمشير...
السماء تمطر، والشمس ساطعة!
********
---
فتح خالد حقيبة السيارة، فوجد بداخلها سلّتين كبيرتين، قادمتين من الصعيد.
نظر إليه هاني باستغراب وسأله:
– "دي فيها إيه؟"
هز خالد كتفيه وهو يرد:
– "مش عارف، كل واحد ياخد بتاعته ويشوفها في البيت."
ركب خالد السيارة، أوصل هاني إلى منزله، ثم توجه إلى بيته. أوقف السيارة وحمل السلة، وما إن دخل حتى فتحت أمه الباب، واحتضنته بشوق وقد غاب عنها أسبوعًا.
– "حمد الله على سلامتك يا ضنايا."
رد خالد وهو يضمها:
– "الله يسلمك يا أمي... أخبارك إيه؟ وأخبار إخواتي؟"
– "كلنا بخير يا حبيبي، أنا كنت قلـقـانة من تأخيرك ده."
انحنى خالد وحمل السلة من جانب الباب، وأدخلها إلى الداخل.
نظرت أمه باندهاش وسألت:
– "إيه ده كله؟!"
رد خالد وهو لا يزال مستغربًا:
– "والله ما عارف يا أمي، عشق هانم قالتلي ده بتاعك."
فكّت الأم الرباط، ورفعت القماش الذي يغطي السلة، ثم هتفت مندهشة:
– "بسم الله ما شاء الله! إيه ده؟!"
راحت تخرج المحتويات واحدة تلو الأخرى: جبنة قريش، سمنة، فطير، بط، فراخ، ولحمة!
خرجت ندى على صوتها، واحتضنت أخاها بحب:
– "حمد الله على السلامة يا أبيه!"
رد خالد وهو يضمها إليه:
– "هو ما فيش عندك مدرسة النهارده؟"
أجابت بخجل:
– "أصل ما دفعتش الدرس، والمستر قال ما حدّش ييجي من غير الفلوس، واتكسفت أروح المدرسة... هو ينفع أعزم سيد على البط؟"
قبّل خالد رأسها وقال بحنان:
– "آه طبعًا."
ثم التفت إلى أمه موصياً:
– "ما تنسيش تعملي حساب أم أحمد في الأكل، وكمان أم زينهم... ظروفهم أصعب مننا."
أومأت الأم:
– "أكيد يا حبيبي... هابعتلهم."
جلس خالد يناديها:
– "تعالي يا أمي، عايزك."
تركت ما بيدها، وجلست أمامه تسأله بقلق:
– "خير يا حبيبي؟"
رفع يده وأعطاها المال قائلًا:
– "خدي، هاتي لمحمد وكرم كل واحد جزمة جديدة... وندي فلوس الدروس، وهاتي لها طقم جديد."
تناولت الأم المال، لكنها قالت بتردد:
– "بس كده مش هنعرف ندفع القسط."
ابتسم خالد برضا:
– "الحمد لله يا أمي، أنا كنت ناسي إن الباشا بيدينا كل سنة مرتب شهرين في شهر واحد."
هتفت ندى وهي تحتضنه بسعادة:
– "يعني هجيب طقم جديد أخرج بيه مع أصحابي في الدرس!"
مسح على رأسها بحب:
– "آه يا حبيبتي، أنا عندي مين غيركم؟"
قالت الأم وهي ترفع يديها بدعاء:
– "الله أكبر... ربنا يزيدك من خيره يا حبيبي، ويخليك لينا."
قبّل رأسها وقال:
– "أنا هدخل أنام لأني تعبان من المشوار."
سألته وهي تحمل المال بفرحة:
– "مش تاكل لقمة قبل ما تنام؟"
رد وهو يتجه لغرفته:
– "لا يا أمي، أنا بقالي كام يوم بأكل لحوم. كلي إنتِ وإخواتي، واطبخي اللي نفسهم فيه... تصبحوا على خير."
اقتربت ندى من والدتها بسعادة:
– "ماما، خليه البط علشان سيد، إنتِ عارفة إنه بيحب البط."
– "حاضر يا عيون أمك، ربنا يبارك في عمرك ويحفظك يا ضنايا... وينتقم من أبوك اللي ضيّع شبابك في شيل الهم والحمل التقيل ده."
---
في الصباح
فتحت عيونها على صوت حركة بالغرفة، فرأته يقف أمام المرآة يعدّل عمامته. شعرت بالخجل، فغطت جسدها بالغطاء وقالت بخفوت:
– "صباح الخير."
رد دون أن يلتفت لها:
– "صباحية مباركة يا عروسة."
– "الله يبارك فيك... هو أنت خارج؟"
اقترب منها وسألها:
– "في حاجة؟"
نظرت له بتوتر:
– "لا أبدًا، كنت بسأل... أصل النهارده..."
ولم تكمل، كانت تريد إخباره أنه لا يجوز له أن يتركها يوم صباحيتها وينزل، فبحسب العُرف، لا يغادر العريس غرفته قبل مرور أسبوع. خروجه قد يجلب لها القيل والقال، لكنها فضّلت السكوت.
كان يعلم جيدًا ما أرادت قوله، لكنه لم يُظهر ذلك. نظر إلى حيرتها في عينيها وقال:
– "الشال في الدرج، علشان أهلك وأهلي."
هزّت رأسها بخجل، وقبل أن يتحرك، هتفت بلهفة:
– "مش هتفطر؟"
– "هفطر تحت... فاتهمي جهزت الفطار."
ثم تركها وخرج.
ظلت على حالها تحدث نفسها بحيرة:
– "أنا ليه حاسة إنه غير إمبارح؟ كأنه شخص تاني..."
تذكّرت ليلتهم الأولى، كم كان حنونًا ولينًا معها. لم يكن عنيفًا كما سمعت عن باقي الرجال، بل كان متفهّمًا لخوفها، صبورًا لأبعد الحدود... حتى أصبحت زوجته.
نهضت ودخلت الحمام، أخذت دشًا دافئًا يساعد على تسكين ألم جسدها، ثم ارتدت عباءة واستعدت للصلاة.
******
في الطابق السفلي من السرايا...
اجتمعت نساء الدار على وقع خطواته وهو ينزل السلم، ليعلو صوت الزغاريد والتهاني. تقدّمت أمه نحوه، تحتضنه بحب وتهمس بفرحة:
ـ "ألف مبروك يا حبيبي، يا رب يرزقك بالذرية الصالحة... نزلت ليه يا ضنايا؟! أنا كنت هبعتلك الفطار فوق."
أجابها فهد، رافضًا بلطف:
ـ "لا، أنا هفطر مع جدي، وبعدين أخرج شوية."
تبادل النساء النظرات فيما بينهن، فخروجه في هذا الوقت مخالف لعاداتهم الراسخة.
من خلفه، دوّى صوت الجد بنبرة صارمة:
ـ "إزاي تخرج يوم الصباحية؟! كده الناس هيتكلموا علينا."
رد فهد بصوت قوي، مفعم بالثقة:
ـ "مين ده اللي يقدر يجيب سيرتنا؟!"
تحدّث الجد بحكمة ووقار:
ـ "يا ولدي، دي عاداتنا. وأنت كبيرهم، يعني أولى الناس باحترامها، علشان هم كمان يحترموها. وبعدين، اللي هيتكلم هيكون من وراك، مش قدامك."
تنهد فهد وقال بنبرة ضيق:
ـ "يا جدي، أنت عارف إني مش هقدر أفضل أسبوع في الغرفة. وبعدين، أنا حر في حياتي... الناس مالهاش دعوة."
ثم تركهم وغادر.
---
في الأعلى...
كانت تنام بين ذراعيه براحة، بينما هو يشعر بسعادة غامرة. مشاعر كثيرة اجتاحت قلبه، لا تكفي كل كلمات الحب لوصفها، ولا الأقلام ولا الأوراق. وحده فقط من يشعر بها... يتمنى لو يصرخ من شدة الفرح لكونها بين أحضانه.
انحنى يقبّل وجنتها، ثم قام وهو يتمنى ألا يبتعد عنها لحظة. جهّز الفطور بنفسه، وضع العصير والفاكهة، وانتقى وردة بيضاء فوضعها على الصينية، ثم حملها نحو الفراش، وضعها جواره، وانحنى على شفتيها يقبّلها بنعومة.
فتحت عينيها، فوجدت نفسها في حضنه، يقبّلها بحرارة. ابتعد عنها بابتسامة عريضة، وقال:
ـ "صباح الخير على أجمل ملاك في الكون."
ردّت روان، وهي تشعر بالخجل من نظرته وقربه:
ـ "صباح النور."
سحب الصينية ووضعها أمامها قائلاً:
ـ "يلا عشان تفطري ونبدأ اليوم من أوله."
هتفت بابتسامة مرحة:
ـ "إنت جايب الفطار في السرير عشاني؟!"
قبّل يدها بلطف وقال:
ـ "أنا أعمل أي حاجة عشان راحتك... يا عمري."
تناولت قطعة توست، وضعت عليها المربى، وأطعمته بيدها. أخذها منها بحب، وقبّل أطراف أصابعها.
---
في الطابق السفلي...
ـ "صباح الخير يا أمي."
تركت ما بيدها والتفتت إليه قائلة:
ـ "صباح النور يا حبيبي. أنا كلمت روان واتطمنت عليها."
اتسعت عيناه بدهشة:
ـ "متى صحيت؟ ومتى اتصلتِ؟!"
ضحك وأضاف:
ـ "ومراد سابها ترد؟!"
ـ "هو يقدر يمنعها؟! دا أنا كنت رايحة بنفسي أخنقه!"
ضحك أدهم وقال بهدوء:
ـ "يا أمي، هي خلاص بقت على ذمة راجل. وإنتِ عارفة إنه بيعشقها وهيحطها جوه عيونه. سبيهم، وهم وقت ما يحتاجوا يتكلموا هايطمّنوكي... بلاش تزعجيهم."
تنهّدت بحزن:
ـ "أنا إزعاج يا أدهم؟"
أسرع يقف، يقبّل رأسها ويدها:
ـ "أنا مش قصدي كده، يا أمي. إنتِ نور حياتنا، بس مراد محتاج يقفل على نفسه شوية... تعب كتير."
أومأت برأسها بهدوء:
ـ "عارفة يا حبيبي، ربنا يهنيهم. عشق، مانزلتش ليه؟"
ـ "لسه بدري على محاضرتها... فقلت أسيبها ترتاح شوية."
---
عند خالد...
ـ "صباح الخير يا خالد."
ابتسم قائلاً:
ـ "صباح الخير، عشق هانم."
تأففت بملل:
ـ "برده هانم؟! أنا وأنت لوحدنا، وأنت أخويا."
ابتسم بإمتنان:
ـ "ده شرف ليا... وبجد مش عارف أشكرك إزاي على الزيارة الجميلة بتاعت امبارح."
قالت عشق بلطف:
ـ "دي حاجة بسيطة، وبعدين ما ينفعش تغيب عنهم أسبوع وترجع بإيدك فاضية... ربنا يخليك ليهم."
ـ "ويخليكي يا أطيب وأحن أخت في الدنيا."
---
عند ماسة...
بعد انتهائها من حمامها وفرضها، سمعت طرقًا على الباب. فتحت، فوجدت أمامها أمها وزوجات أعمامها وهنّ يزغردن:
ـ "صباحية مباركة يا ست العرايس!"
تورد وجهها بخجل، وانحنت تقبّل يد أمها:
ـ "الله يبارك فيكي يا ماما."
حضنتها نعمة بحب:
ـ "مبروك يا حبيبتي."
جلست النساء، بينما ظلت ماسة تشعر بالحرج. كانت تتمنى وجود فهد، فأحضرت لهن الشال. زغردت أمها مرة أخرى بسعادة، واحتضنتها مجددًا.
قالت نعمة بهدوء:
ـ "كلي لقمة، لأن أهلك على وصول. صفية كلّمتني وقالت إنهم هيكونوا هنا خلال ساعة."
تمتمت برفض:
ـ "أنا هستنى سي فهد... علشان آكل معاه."
تبادلوا النظرات، وشعرت نعمة بالحزن من أجلها. يبدُ أن الحب واللهفة واضحة في عينيها، لكن فهد نسخة أخرى من عمه، ولن تجد منه سوى الجفاء. تركها في صباحية زواجهما، وتناول طعام الغداء وحده في الأسفل، وطلب من أمه أن ترسل لها الطعام.
قالت عواطف:
ـ "طب صبّري نفسك بأي حاجة لحد ما يرجع، علشان أهلك لو شافوكي ضعيفة، هيقولوا جوعنا بنتهم."
ماسة بخضوع:
ـ "حاضر يا ماما."
بعد ساعة...
دقّ الباب، وسمعت صوت أمها. فتحت بسعادة، واحتضنتها:
ـ "ألف مبروك يا حبيبتي! بسم الله، الله أكبر، رقيتك من كل عين شافتك وما صلّت على النبي!"
جلسوا على الفراش، وسألتها الأم بإطمئنان:
ـ "خير يا ضنايا... عمل معاكي إيه؟"
ردّت بخجل:
ـ "الحمد لله يا ماما."
لكن الأم لم تكتفِ:
ـ "يعني إيه الحمد لله، يا بنت أبوكي؟!"
قامت ماسة وقدّمت لها الشال. رنّت الزغاريد مجددًا. ابتسم والدها، وكان يجلس مع الرجال، ثم وقف واحتضن فهد:
ـ "أنت دلوقتي بقيت ابني... وغلاوتك من غلاوة ماسة."
---
في غرفة ماسة لاحقًا...
همست الأم:
ـ "عاملك كويس ولا كان قاسي؟"
تمتمت ماسة بخجل:
ـ "كان حنين جدًا، يا ماما... وصبور، عكس اللي الناس بيقولوه. كانوا مخوفيني إنه ممكن يأذيني أو يكون عنيف، بس الحمد لله."
ابتسمت الأم بسعادة:
ـ "الحمد لله... طمّنتيني. أنا وأبوك ما نمناش من القلق."
قالت ماسة بحب:
ـ "قولي لبابا يطمن. كلامه عن فهد طلع صح... راجل، وحنين مع أهل بيته."
قامت الأم، قبّلتها، ووعدتها بتكرار الزيارة.
---
في السيارة...
نظر إبراهيم إلى زوجته صفية، وسألها:
ـ "شكلك مبسوطة... يبقى الحمد لله، مش كده؟"
أجابت بسعادة:
ـ "الحمد لله، يا أبو ماسة. كان كويس معاها... وقلقنا طلع على الفاضي."
ـ "الحمد لله... كنت واثق إنه هيطلع راجل، ويراعي ربنا فيها
رواية انت عمري الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم احمد محمود
دخل الغرفة، خلع ملابسه وتمدد على الكنبة، متعمدًا الابتعاد عن الفراش. وبعد وقت قصير، رفعت ماسة جسدها قليلًا لترى ما يفعل، وما إن رأته ممددًا هناك، حتى أدارت له ظهرها، ودموعها تنساب بصمت.
كان تصرفه الجاف دلالةً واضحة على أنه لا يطيقها، وهذا ما آلمها بشدة... بينما هو، كان يحارب نفسه كل ليلة كي لا يقترب منها، حتى لا تُبصر فيه الضعف مجددًا، كما حدث في المرة السابقة.
استمر الحال على هذا النحو لأسبوعٍ كامل؛ كانت تنزل في الصباح وتجلس معهم، ثم تصعد قبل عودته، حسب تعليمات عواطف، لتكون على استعدادٍ تام لاستقباله، وتحضير ملابسه وحمامه.
لكن، لا أحد يعلم أنهما يعيشان في غرفة واحدة كالغرباء.
تقربت ماسة من الفتيات، ووجودهن خفف عنها كثيرًا.
وفي أحد الأيام، ووسط الروتين المعتاد، صعدت إلى الغرفة بملل، وجلست على طرف الفراش، تتذكر صعوده بعد أن تنام، ونومه الدائم على الكنبة دون أن يتبادل معها كلمة.
كانت تستيقظ صباحًا فلا تجده، وعندما تصعد لاحقًا، يخرج من الغرفة سريعًا – كما فسرت لها عواطف – هروبًا من مشاعره، بينما هي ظنت أنه ينفر منها.
انسابت دموعها دون أن تشعر عندما فُتح الباب، ودخل فهد ليجدها في جلستها الحزينة تلك.
ضايقه المشهد، ولام نفسه، ثم اقترب منها ومدّ يده ليمسح دموعها.
انتبهت فجأة على لمسة يده، فمسحت دموعها بسرعة، واعتدلت في جلستها.
سألها فهد بصوت خافت:
– مالك يا ماسة؟ حد ضايقك؟
ردّت بتوتر، وهي تنهض من على الفراش:
– أبدًا، أنا كويسة، والكل بيتعامل معايا بحب واحترام.
وقفت ترتب حجابها، لتغادر الغرفة قبله، لكنه أوقفها بصوته:
– رايحة فين؟
أجابت دون أن ترفع عينيها:
– هخرج من الغرفة علشان تكون على راحتك.
جذبها من يدها ليمنعها، وخرج صوته مثقلًا بمشاعره التي حاول طويلًا دفنها:
– وإيه اللي يمنع راحتي في وجودك؟
ردّت بحزن وهي تحبس دموعها:
– لما بدخل وإنت هنا، وعلشان أشوف طلباتك، بتخرج على طول.
عرفت إنك بتنزل علشان وجودي مضايقك.
جذبها بسرعة إلى صدره، وهتف بحرارة:
– عمر وجودك ما ضايقني... سامحيني.
أجهشت بالبكاء، وهي تفرغ ما في قلبها منذ خطوبتهما:
– أنا عارفة إنك مش بتحبني، وإنك اتجوزتني غصب علشان تحل المشاكل اللي بين العيلتين... بس أنا بحبك، وعمري ما حبيت حد غيرك... وكل اللي طالبة منك فرصة، بس.
تركها تخرج كل ما بداخلها، ثم تحرك بها وأجلسها أمامه على الكنبة، ورفع وجهها، يمسح دموعها بيده، ثم قال بصوت أجش:
– أولًا، أنا ما فيش حد يقدر يغصبني على حاجة مش عايزها.
ثانيًا، أنا جوايا ليكي مشاعر جميلة، بس مش قادر أفك حصارها وأديها حريتها، لأنها غريبة عليّ ومش قادر أثق فيها.
ثم سألها بلهفة:
– أنتي بتحبيني بجد؟
هزت رأسها موافقة، وهمست:
– وكنت هموت لو اتجوزت واحدة غيري.
ضحك فهد بقوة، وقال بدهشة:
– للدرجة دي؟ وده من إمتى؟
أجابت بصدق:
– من سنين طويلة... من أول مرة قلبي عرف اللهفة والاشتياق.
أول دقة قلب كانت ليك، ولما شوفتك مع عشق قبل ما أعرف إنها بنت عمك ومتزوجة، كنت هتجنن... فضلت 3 أيام لا بأكل ولا بنام، لحد ما عرفت علاقتك بيها.
ابتسم لها بحب وقال:
– وأنا كمان بحبك يا ماسة من زمان، بس ماكنتش أعرف... لحد ما عشق وأدهم وجّهوا مشاعري ليكي.
أو ممكن تقولي إن الكل كان شايف حبي ليكي إلا أنا.
أكمل وهو يضحك بخفة:
– ولما كنتي تدخلي عليا، بهرب... مش علشان مش بحبك، لا، علشان قلبي بيتحول لطبول حرب بين ضلوعي، عايز يهرب بين إيدك.
رفعت عينيها بعدم تصديق، ومسحت دموعها، وسألته بتردد:
– بتحبني... بجد؟
ابتسم بحنان، وهو يمرر يده على ملامحها:
– بجد يا ماسة... قلبي.
---
وقف زين بضيق من تأجيل زواجه، ولم يجد سببًا مقنعًا لهذا التأجيل.
قرر أن يتحدث مع جده ويأخذ موقفًا.
توجه إلى حيث يجلس، ودخل مباشرة في صلب الموضوع:
– أنا عايز أتجوز يا جدي، فهد اتجوز خلاص، وأنا كمان عايز أتجوز!
تعجب الجد من طريقته وإصراره الغريب، خاصةً وهو الذي لم يفتح الموضوع منذ وقت قريب.
– مالك مستعجل؟ على إيه؟ اصبر.
رد زين برجاء:
– معلش يا جدي، كلّم فهد علشاني... أنا زهقت من الكلام معاه!
جاء صوت فهد القوي من خلفهم:
– الكلام مع مين؟
التفت له زين بقلق، وقال بتوتر:
– مع عمي... أصل مش بيسمع الكلام.
ابتسم الجد عندما رأى خوفه من أخيه، وهتف بتأكيد:
– حدد فرح أخوك يا فهد... خليني أشوف أولادكم قبل ما الحق ياخد حقه!
انحنى كل واحد منهم بلهفة، يقبّلون يد الجد، ويتمتمون:
– ربنا يديم وجودك في حياتنا يا جدي.
---
في فيلا أدهم...
وقف مراد محتضنًا روان في وضعٍ رومانسي، بينما كانت "عشق" تقف على مقربة منهما، تمسك بريشتها لترسم لهما صورة تذكارية. وفي تلك اللحظة، دخل أدهم من الباب، فتمتم مراد بضيق:
ـ تعال يا ابني شوف مراتك! بقالها ساعة موقفانا كده، علشان مصمّمة ترسم لنا صورة!
اقترب أدهم من عشق، يحتضن خصرها ويطبع قبلة على وجنتها هامسًا:
ـ بتتعبي نفسك كده ليه؟
نظرت إليه بحب وقالت:
ـ عايزة أرسم لهم صورة تبقى ذكرى بعد رجوعهم من شهر العسل.
تنهّد مراد بملل:
ـ وليه كل ده؟ ما في تليفون، ضغطة واحدة ونتصوّر برضه!
تدخلت عشق موضحة:
ـ قصدي تكون من صنع إيديا.
هتف مراد بضيق:
ـ بس أنا رجلي وجعتني من الوقفة!
ضحك أدهم ساخرًا:
ـ يعني عايز تفهمني إنك واقف وحاضن روان وباصص في عينيها، ولسّه فاكر رجلك؟
نظر إليه بضيق وأضاف:
ـ أنت تعبها ليه معاك؟ ما توقف عدل بقى!
رد مراد بسخرية:
ـ لا والله، هي اللي تعبت! أنا والمسكينة دي بقالنا ساعة واقفين... ربنا على الظالم.
نظر أدهم إلى عشق متحديًا:
ـ ها يا حبيبتي، متضايقة من حركته؟ تحبي أسمّره في الأرض علشان ما يتحركش تاني؟
ضحكت عشق بلُطف:
ـ لا خلاص، كده كفاية... مش عايزاهم، خلّصنا!
سحب مراد يد روان وجلس على الكرسي قائلًا:
ـ أخيرًا! أنا بعد كده مش هخلّيكي ترسميني.
دافعت روان عن عشق قائلة:
ـ أنا اللي طلبت منها.
نظر إليها مراد بحب وهمس:
ـ وأنا تحت أمر حبيبتي... لو عايزة نكمّل، عادي.
وفي طريقه للداخل، جذب أدهم يد عشق وقال ساخرًا:
ـ لا والله يا خفيف، لو بوّست إيديها، مش هخلّيها ترسمك تاني!
---
في غرفة فهد...
استسلم فهد لمشاعره تلك الليلة. قرّر أن يأخذ نصيبه من الحياة، ولو بالقوة. سيعيش مشاعره معها، لن يدفنها مجددًا، مهما كانت النتائج.
في صباح اليوم التالي، وأثناء عمله، فكّر في الابتعاد بها قليلًا... قضاء شهر عسل مؤقت، بعيدًا عن أعين الجميع. لن يُخبر أحدًا، لا من أبناء عمومته ولا أخيه، حتى لا يُمسّ بتلك الصورة القوية التي رسمها في أعينهم. وحده أدهم من يثق به.
اتصل به بعد التحية والسلام، فشرح له فكرته، طالبًا منه ترشيح مكان مميز لقضاء أسبوع.
عرض عليه أدهم الفيلا الخاصة به في الساحل الشمالي، وشرح له مميزاتها:
ـ خصوصية تامة، حديقة واسعة، مسبح خاص، وشاطئ مستقل. أفضل بكثير من الفنادق... هتحسوا براحة وهدوء هناك.
وافق فهد فورًا، ونسّق معه. أبلغ أدهم الحرس والخدم ليستقبلوهما ثم يغادروا المكان.
---
في المساء، صعد فهد إلى غرفته، فوجدها تنتظره بلهفة. وجهها ازداد إشراقًا بعد اعترافه بحبه واهتمامه، وقربه منها جعلها أكثر جمالًا. ضمّها إلى صدره، وهمس في أذنها:
ـ وحشتيني جدًا.
ضمّته بقوة وهي تقول:
ـ وإنت أكتر... بكتير.
نظر في عينيها بحب وقال:
ـ بعد العشاء، جهّزي شنطة صغيرة... هنسافر يومين نغيّر جو.
هتفت بصدمة:
ـ بجد؟ يعني هنخرج بره الصعيد؟!
لم يعرف لماذا شعر بتلك الفرحة تتغلغل في قلبه. قبّلها مجددًا وهمس:
ـ بجد!
---
في الفجر...
ركبا السيارة وتوجها إلى الساحل. كان الطريق طويلًا، لكنها كانت تطير من الفرح. لاحظ ذلك، فوضع يده على يدها، فانتفضت بخجل. ابتسم وقال:
ـ إنتِ مكسوفة مني؟
قالت بتوتر:
ـ لا، بس اتفاجئت...
سألها بحنان:
ـ مبسوطة؟
نسيت خجلها وهتفت بفرح:
ـ جدًا جدًا يا فهد! دي أول مرة أخرج من الصعيد... ومش مع أي حد، ده مع حلم حياتي كله!
توقّف فجأة عندما رأى سيدة تصرخ وتتشبث بطفلها، بينما يحاول رجلان انتزاعه منها بعنف، ويضربانها.
سألته ماسة بقلق:
ـ وقفت ليه؟
فتح باب السيارة ونزل، آمرًا إياها بعدم فتح الباب. نظرت حولها بخوف، فقلبها يرتجف خشية أن يصيبه مكروه.
اقترب بخطوات واثقة، وسحب الطفل الذي كان يبكي بشدة ويصرخ:
ـ ماماااا!
تحدث فهد بغضب:
ـ في إيه بيحصل هنا؟!
نظر إليه أحد الرجلين بازدراء وقال بفظاظة:
ـ وانت مالك يا جدع؟ شوف حالك، مالكش دعوة!
ضاقت عيناه، وقال بهدوء خطير:
ـ أنتم مين؟ وازاي تمدوا إيديكم على ست ما لهاش حول ولا قوة؟
قال الآخر:
ـ دي مرات أخونا... هربانة بالولد، وإحنا جايين نرجّعها!
نظر فهد نحو المرأة، رآها تضم ابنها برعب، وعيونها ترجوه بالحماية.
سألها:
ـ ليه خدتِ الولد؟ دي مش أصول.
قالت بخوف:
ـ دول مش أهله... دول عصابة! عايزينني أتنازل عن مال اليتيم، اللي ميعرفش حاجة! وإلا ياخدوه مني ويطردوني من البلد... وأنا مش هفرّط في ابني ولا في حقه!
صرخ عم الطفل:
ـ إحنا عصابة؟ يا بنت... الغلط على أخوي الله يرحمه، لما جاب واحدة من الشارع!
وقف فهد بينهما غاضبًا، وأشار للسيدة:
ـ روحي عند مراتي في العربية!
ركضت بسرعة، بينما هجم عليه الرجلان، لكن فهد صمد، وضرب أحدهما بقوة.
شهقت ماسة بفزع، تتابع الموقف من السيارة، في حين جلست السيدة تحتضن ابنها، تبكي وتدعو الله أن ينصره.
استجاب الله لها، وعاد فهد بعد دقائق، دون خدش واحد.
ركب السيارة، فسألته ماسة بلهفة:
ـ إنت كويس؟!
نظر لها مبتسمًا:
ـ ما تقلقيش... أنا بخير.
تحرك بالسيارة، ثم توقف أمام الرجلين اللذين يتألمان، وبصق تجاههما، ثم انطلق مجددًا.
سادت لحظة صمت، قبل أن تهتف السيدة بدموعها:
ـ ربنا يبارك في عمرك، ويحفظك لشبابك، ويكفيك شر الظالمين... نجّدتني أنا واليتيم ده من بين إيديهم!
سألها فهد:
ـ إنتِ منين؟ والولد ده من عيلة مين؟
أجابت:
ـ أنا من كفر الرجايبة، وجوزي الله يرحمه من عيلة محفوظ أبو دهب... لو تعرفه؟
فهد بتفكير:
ـ أيوه، عارف كفر الرجايبة... بتاع رجب الصاوي؟
ـ أيوه، الله ينور عليك! جوزي مات من سنتين، وكان محمد لسه طفل صغير... ومن وقتها، وهم عايزين ياخدوا الأرض مني، ويبيعوني، أو أطرد وأسيب الولد.
ـ كلمت ناس كتير، محدش ساعدني... الكل بيخاف من المشاكل.
طمأنها فهد:
ـ ما تخافيش... محدش هيقدر ياخد حق ابنك. هوصّلك الموقف وتركبي خط بلدنا... جبل الكفر قريبة منكم، وهكلم حد من أهلي يستقبلك، وتفضلي هناك لحد ما أرجع لك حقك. أنا عارف رجب الصاوي معرفة شخصية.
ـ ربنا يجعل طريقك خير، ويباركلك في السنيورة اللي معاك!
---
وصلوا بعد عدة ساعات، وكان الحرس والخدم بانتظارهم. دخلوا الفيلا، وانبهرت ماسة بجمالها العصري. أبلغ فهد أدهم بوصولهم، وأكد له أنه لا يريد أي خدم خلال فترة تواجده، فأمرهم أدهم بالمغادرة لأسبوع كامل، حتى يعطيهم إشارة العودة.
******
---
عند خالد
رنَّ هاتف خالد برقمٍ يعرفه جيدًا... أحد أصدقائه القدامى.
– "خالد! أخبارك إيه يا وحيد؟ عاش من سمع صوتك! بقالك فترة مخفي... فينك؟"
وصله صوت صاحب الطفولة وابن الحارة، فردّ عليه مبتسمًا:
– "أنا موجود، بس إنت اللي كبرت علينا."
ضحك خالد وهو يجيبه:
– "أبدًا، حالي من حالك."
لكن سرعان ما تغيرت نبرة وحيد إلى الجديّة، مما أثار استغراب خالد، حين قال له:
– "كنت عايز أقابلك بعد الشغل. في مصلحة تكسب منها قرشين حلوين، ينفعوك في شوار أختك."
رد خالد باستغراب:
– "ماشي، نتقابل كمان ساعة."
---
وبعد مرور ساعة، وصل خالد إلى المكان المتفق عليه. كانت قهوة بلدي شعبية، يجلس فيها وحيد، وما إن اقترب منه، حتى وقف الأخير يستقبله بحرارة زادت من حيرة خالد، الذي لم يطل في المقدمات وسأل مباشرة:
– "خير يا وحيد؟ شغل إيه ده؟"
خرجت كلمات وحيد بحذر وهو يراقب رد فعله:
– "حفيد السلاموني عايزك تشتغل لحسابه."
قطّب خالد حاجبيه وقال بجديّة:
– "هو أنا اشتكيتلك من شغلي؟"
سارع وحيد بالرد:
– "فاهم، بس هو عايزك تفضل مع أدهم وتنقل له أخباره."
فغر خالد فاه بدهشة:
– "يعني تقصد... جاسوس مزدوج؟"
ضحك وحيد قائلاً:
– "عليك تشبيه يا جدع! أيوه، حاجة زي كده."
وأضاف بنبرة مطمئنة:
– "يعني القبض هيبقى وهناك، ومفيش حد يعرف غيرنا إحنا التلاتة."
تمتم خالد وهو يفكر:
– "هو موضوع مغري، بس لو حد عرف هاروح في داهية. والباشا بتاعك أول واحد هيبيعني، خوفًا من أدهم باشا."
طمأنه وحيد:
– "ما تقلقش، لما تشوف المبلغ اللي هيوصلك أول كل شهر، قلبك هيتجمد."
سأله خالد بفضول:
– "يعني قد إيه؟ وليه أنا بالذات؟ ما في حوالي مية حارس في الشركة."
– "أولًا المرتب ٣ أضعاف مرتبك عند أدهم، وثانيًا، هو حاول مع ناس كتير غيرك، بس الكل رفض. وهقولك مين علشان تاخد حذرك منهم. لكن السبب الأهم... إنك حارس مراته، وهي نقطة ضعفه الوحيدة."
قالها وحيد بثقة، لتصدم خالد كلماته:
– "عشق؟! قصدي عشق هانم؟! وإيه دخلها بالموضوع؟"
هز وحيد كتفيه بلا مبالاة:
– "ده كلام مالناش فيه. هم الكبار، حروبهم على القوة والجاه ما بتنتهيش، وإحنا الغلابة مجرد بيادق في إيدهم نكسب الحرب. علشان كده، اسمعها نصيحة يا ابن الناس... إحنا بنتعب وبنجازف بحياتنا علشان لقمة العيش وبس."
هتف خالد بإقناع:
– "عندك حق. بس خليه يزود شوية، عايز أجهز أختي."
أضاء وجه وحيد كأنه رأى المكافأة بعينه:
– "تمام، هبلغه، وهيوصلك خط جديد بتليفون صغير محدش ياخد باله منه. توصلك عليه كل التعليمات. سلام."
---
في فيلا أدهم – بالساحل
حملها فهد بين ذراعيه ونزل بها إلى حمام السباحة. كانت ترتجف من الذعر، لم تعتد على المياه من قبل. أراد أن يخفف عنها:
– "ما ينفعش تخافي وإنتِ معايا... كده أزعل."
تمتمت وهي تحدق فيه برعب:
– "والله غصب عني يا حبيبي... مش قادرة، عمري ما نزلت ميّه."
– "أنا شايلك، خايفة ليه؟ حاولي تنسي خوفك، وخلّيكي عادي."
قالت برجاء:
– "معلش... بلاش تزعل. بس والله مش هتكون من أول مرة."
أنزلها على حافة البول، ثم غطس في الماء وظل تحت السطح فترة طويلة دون أن يصعد، مما جعل قلبها ينتفض من الفزع.
– "فهد!!"
صرخت باسمه... لم يجب. لم تتردد، قذفت نفسها إلى الماء، تقاوم الغرق بدافع خوفها عليه. وما إن شعرت قواها تخور، حتى صعد هو وهو يحملها بين ذراعيه.
تعلقت به، تتأكد من أنه بخير، سألها:
– "أنا كويس، كنت بهزر معاكي. كنت عايز أعرف بتحبيني قد إيه... هتجازفي بحياتك عشاني ولا لا. بس طلعتي غالية قوي."
ضربته بيدها على صدره وهي تبكي:
– "أنا كنت هموت لو حصلك حاجة!"
ضمها بقوة إلى صدره، يهمس بتحذير فيه شيء من المزاح:
– "إنتي عارفة... لو حد غيرك مد إيده عليا كده، كان حصله إيه؟"
نظرت له بخوف:
– "أسفة... مكنتش أقصد."
ابتسم وهو يضمها من جديد:
– "لو حد غيرك! بس إنتِ؟ أنا كلي ملكك يا ماسة."
لم يصدق ما قاله، ولا ما يشعر به الآن. المتعة التي يعيشها في هذا العشق الذي اشتعل سريعًا في أسابيع قليلة فقط. وبعد لحظات، حملها وخرج بها من المسبح.
---
في غرفة عشق
كانت عشق تجلس تتصفح ما هو جديد في الجروب الذي تتابعه، حين وجدت أبيات شعر أرسلها أحدهم لحبيبته. دخل أدهم الغرفة، فوجدها مندمجة في الهاتف، ووجهها يزدان بابتسامة عذبة.
سألها بغيرة:
– "إيه اللي شدّك كده لدرجة إنك مش حاسة بوجودي... ومبتسمة كمان؟"
رفعت رأسها عنه وقالت:
– "أبدًا، في شاب بيحب بنت في الجروب، وبيبعتلها كلام حب على هيئة أبيات شعر، وهي ولا على بالها! تعالى أقعد جنبي أقرألك..."
ثم بدأت تقرأ:
> "حبيبتي...
بين جنون الحب أجدك أنتي،
وبين هذيان الروح أجدك أنتي،
وبين حنين الشوق أجدك أنتي،
أنتي نبضة في قلبي تغفو وأنا أرتوي،
أنتي حياة تسطو وتعشق الاحتلال،
فأنتي وحدك معلقة بين أنفاسي،
وفي قلبي لكِ حنين... حتى وأنا معك،
فأنتِ حبيبتي، ومنكِ الروح تستمد أنفاسها،
وبكِ العشق كله... أحبك، حبيبة الروح."
سألته بابتسامة:
– "إيه رأيك؟"
رد أدهم ببرود:
– "عادي يعني... مافيش فيه حاجة تخليكي مبسوطة كده."
حاولت إقناعه:
– "بالعكس! ده جميل جدًا، بيدل على إنه إنسان حساس."
وقف أدهم غاضبًا واتجه نحو الباب:
– "خارج... لحد ما تخلصي شعر الجروب بتاعك."
لحقت به، أمسكت بذراعه:
– "رايح فين؟! متضايق علشان الشعر؟"
– "لأ يا عشق... اعملي اللي يريحك."
ارتمت في حضنه:
– "أوعي تزعل مني... خرجت من الجروب خلاص. بصّ، أهو! متزعلش مني."
حاول كتمان غيرته:
– "أنا مقدرش أزعل منك... بس حسيت بغيرة، إن في حد لفت نظرك غيري."
هتفت عشق بلهفة:
– "أبدًا، عمر ما حد غيرك يلفت نظري. أنا بتكلم عن طريقة التعبير عن المشاعر."
رفعها بين يديه:
– "يعني أنا مش بعرف أعبّر عن مشاعري زيه؟"
– "أكيد لأ... مافيش حد بيعرف يعبّر زيك."
ضحك قائلاً:
– "تعالي، عندي كمان شوية شعر عايز آخد رأيك فيهم."
همست بخجل:
– "ماما مستنيانا تحت علشان نتغدى ونروح عند روان."
قبّلها وقال:
– "ماما راحت... أنا قولتلها إنك مشغولة، وراكي شعر كتير النهاردة."
شهقت عشق بخجل:
– "قول والله؟! ماما مشيت وسابتني؟!"
– "والله مشيت وسابتك..."
---
في الصعيد – أمام مدرسة ثانوية بنات
وقف زين مستندًا إلى سيارته، ينتظر أخته وخطيبته. وحين خرجتا من المدرسة، أقبلتا عليه بفرحة كبيرة.
فتح الباب لهما، وأدار المحرك مبتعدًا عن الزحام. سأل خلود:
– "ها، عملتي إيه في أكتر مادة مش بتحبيها؟"
ردت بثقة:
– "ده كان زمان، قبل ما عشق تشرحها بطريقة سهلة... قفلت طبعًا."
أنار وجهه بالسعادة:
– "يعني... مجموع كبير؟!"
– "إن شاء الله... هندسة! بس في بيتي يا حلو، مش هاصبر أكتر من كده."
اقترب منها ليقبّلها.
لكن ياسمين قاطعتهما بخجل:
– "أحم أحم! إحنا هنا يا أبيه. نسيتني لما شفتها طبعًا!"
التفت إليها بضيق:
– "إنتي هنا من إمتى؟!"
قالت بحزن:
– "معقول؟ ما أخدتش بالك من أختك الوحيدة؟"
ابتسم وهو يرد:
– "بهزر معاكي يا أختي! هتقلبيها نكد ليه؟!"
قالت بسخرية:
– "ما شاء الله على الغرام والانسيجام! تحب أنزل وأفضيلك الجو؟!"
– "ياريت! قصدي... أنا هنزلك عند البيت، وهنخرج أنا وخلود شوية."
تتابع خلود ما يحدث بقلب يرفرف من السعادة، بينما ياسمين تدعو لهما بالخير.
*********
---
بعد مرور أسبوع...
في منزل "المنشاوي"، علت نبرة الجد بشوق عارم وهو يهتف:
– أنا اتوحشت الولاد... فهد وعِشق!
ردّ عليه محمد بعدم تصديق، قائلاً:
– كله كوم وفهد كوم يا جدي! مين كان يصدق إنه يبعد أسبوع بحاله؟
أكّدت "عواطف" كلماته بحرارة:
– آه والله، اتوحشته جوي!
تنهد الجد وهو يقول:
– الله يهنيه... سيبوه، طول عمره شايل حمل ومشاكل العيلة.
أومأ محمد موافقًا:
– عندك حق يا جدي، سيبه يرتاح شوية.
ثم أخرج هاتفه وأكمل:
– هتصل بيه، تشوفوه وتكلموه.
---
في غرفة "صفية"، كانت "نعمة" تزورها لتطمئن على "ماسة"، بعد أن لاحظوا أنها لا تتواصل معهم.
سألتها صفية بقلق:
– ماسة عاملة إيه؟ ما بتكلمناش خالص.
ضحكت نعمة بتفاؤل:
– بخير يا حبيبتي، كلمناهم وشوفتها على التليفون اللي بيدوسوا عليه ده! ليها حق تنسانا، المكان هناك جميل.
تنهدت صفية بارتياح:
– ربنا يهنيهم يا نعمة... أنا كنت خايفة عليها من فهد، يبهدلها أو يقسى عليها، بس الحمد لله، ربنا خيّب ظني.
هتفت "نعمة" بعدم رضا:
– لا يا صفية، ملكيش حق! كل ولادنا رجالة، وبيعاملوا حريمهم بما يرضي الله.
حتى "محمود" الله يرحمه، رغم إنه كان مغصوب عليّا، بس كان حنين جدًا معايا وبيحترمني.
نظرت إليها صفية بخجل، وهتفت نادمة:
– ما تاخذنيش يا أختي، مقصدش... بس الكل عارف إن فهد شديد وصعب عن باقي ولادكم.
ابتسمت "نعمة" بثقة، وقالت:
– مع الغريب آه، يا صفية، لكن معانا... مافيش في حنيّته ولا طيبة قلبه.
دي "ماسة" ربنا بيحبها علشان بقت من نصيب زينة شباب عيلة المنشاوي كلها!
وبكرة تشوفي بعينِك... فهد هيشيلها من على الأرض شيل!
---
في شركة السلاموني...
كان "رائف" يجلس في مكتبه، يبحث عن جده في كل مكان،
حتى أبلغته السكرتيرة بدخول "وحيد". اعتدل في جلسته، ولم يمنحه حتى فرصة الجلوس، وسأله بحدة:
– خير؟ عملت إيه معاه؟
ردّ وحيد بسرعة:
– زي ما اتفقنا يا باشا... قولت لحضرتك، هو الوحيد اللي وافق، لأنه حماه أخته فضحاهم في المنطقة علشان الجواز، وهو مش عارف يعمل حاجة بمرتبه.
تنهد، ثم تابع بسخرية:
– رغم إنه غبي... لو قصد الباشا بتاعه، كان قام بالواجب وأكتر!
أصل ما تاخذنيش يا باشا، رغم فلوسه دي، بس عنده ضمير وبيحب يساعد المحتاج، وبيخرج كتير.
صمت لحظة ثم أضاف:
– بس خالد... فاكره زي باقي البشاوات، لو طلب منه مساعدة يرفده، وكده يبقى في الشارع.
ارتفع صوت "رائف" بغضب وهو يقول:
– وحيد! إعدل كده في الكلام... أصل تلميحك مش عاجبني، وأنا اللي مش يعجبني... بمسحه على طول.
انحنى وحيد بخضوع:
– أنا أقدر أقول حاجة تضايق معاليك؟
وجودنا إحنا... علشان خدمتكم وبس!
تأمله رائف بسخرية باردة، ثم قال:
– آه... اتعدّل، واعرف إن دوركم في الحياة... الخدمة والطاعة. غير كده... يداس عليه.
أشار بيده وهو يختم:
– يلا، روح خد الظرف من السكرتيرة... وما أشوفش وشك لحد ما أحتاجك.
انحنى وحيد مجددًا وهو يتمتم:
– أوامر معاليك...
---
وحين خرج وأغلق الباب خلفه، التفت ببغض شديد وبصق، ::
– يلعن أبو الحاجة اللي تزلنا لكلب زيك!
ثم توجّه ليستلم الظرف، وهو يحدّث نفسه بأسى:
– والله... أنت غبي يا خالد!
تسيب الباشا بتاعك، اللي بيعاملك باحترام ورحمة... علشان واحد شمال وحقير زي ده؟!
تنهد بألم، وأضاف:
– أنا بلومه ليه؟!
ما أنا بايع نفسي علشانه برضه...
ربنا يتوب علينا من الذل ده، ويهديك يا خالد، وتشوف الصح وتعملها...
محدش يخون واحد زي "أدهم" أبدًا
رواية انت عمري الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم احمد محمود
قاد خالد السيارة بصمت، يصطحب "عشق" ليوصلها إلى وجهتها، حين رن هاتفه مرارًا، وكان الرقم من المنزل. التفت إليها معتذرًا بإحراج:
آسف يا مدام عشق، ممكن أرد على البيت؟
أومأت برقة:
– طبعًا يا خالد، إنت بتستأذن!
فتح الخط وهو متعجب من الاتصال في هذا الوقت، وما إن سمع صوت والدته حتى تبدل صوته، وقد تسلل الخوف إليه:
– خير يا أمي؟! إزاي حصل كده؟! وإنتي فين دلوقتي؟! ... خلاص، يا أمي، هوصّل مدام عشق وهاجيلك على المستشفى... سلام.
لاحظت "عشق" توتر ملامحه وتغير نبرة صوته، فسألته بقلق:
– خير يا خالد؟! مين تعبان عندكم؟
رد وهو يحاول ضبط انفعالاته:
– أختي... هأوصّل حضرتك وبعدين أروح أطمن عليها.
لكنها رفضت بحزم:
– لا، تعال نروح نطمن عليها، ماينفعش تسيب والدتك لو محتاجين حاجة ضروري. يلا يا عامر، طلع على المستشفى.
اعترض خالد بصوت رسمي:
– ماينفعش يا فندم، حضرتك كده تتأخري على ميعادك.
ردّت بإصرار:
– يلا يا خالد، نروح أنا وعامر وبس.
---
بعد مرور نصف ساعة تقريبًا، توقفت السيارة أمام مستشفى حكومي قديم. نزل خالد من السيارة، وأوصى عامر بإغلاقها جيدًا:
– ثواني ومش هتأخر على حضرتك.
فتحت عشق الباب ونزلت:
– لا، أنا جاية معاك، أطمن على أختك.
لم يعترض، لأنه يعلم جيدًا أنها لا تتراجع عندما تصمم على شيء. كانت تملك قلبًا من ماس، وكلماتها لا تقبل الجدل.
سارا معًا بخطى سريعة حتى وصلا إلى سيدة مسنّة تجلس على كرسي بلاستيكي متهالك أمام باب غرفة، وعلى يمينها طفلان يبدوان في السابعة والعاشرة من عمرهما.
وقفت "عشق" على مسافة قريبة، بينما اندفع خالد نحو والدته متسائلًا بلهفة:
– خير يا أمي؟ إيه اللي حصل؟
ردّت "فردوس" والدموع في عينيها:
– حماتها... الله ينتقم منها! جت الصبح، وقالت لو ما جهزناش على آخر الشهر، هتفسخ الخطوبة وتجوز ابنها. بقالنا سنتين موقفين حاله ومش بنعمل حاجة! حاولت أتكلم معاها، بس عصبت عليّا وسابتني ومشيت. أختك فضلت تعيط وقفلت على نفسها الباب. قلت أسيبها تهدى... وبعد ما خلصت شغل البيت، خبطت عليها، ما ردتش! قلقت، ناديت على أشرف ابن الجيران، فك الباب... لقيناها سايحة في دمها! جبناها وجينا... أختك كانت هتضيع مني، انتحرت! منها لله، حماتها!
زمّ خالد شفتيه بغضب، وتمتم بأسى:
– لما تفوق... حسابها معايا عسير! وأنا مش عايز الخطوبة دي خلاص... كفاية!
قالت فردوس بحزن:
– إنت عارف إن خطيبها بيحبها وشاريها، وكان مستعد يصبر العمر كله. بس أمه هي السبب... أكيد جت من وراه، لأنه لما اتصلت بيه، لقيته غير متاح... عرفت إنه لسه في شغله.
ازدادت أنفاس خالد ضيقًا؛ يعلم جيدًا مدى حب "سيد" لأخته، وصديقه هذا لم يكن يومًا مقصرًا، بل كان رجلًا بمعنى الكلمة.
– خلاص يا أمي، هتكلم معاه.
وفي الخلف، جاء صوت عشق بهدوء:
– سلامتها يا طنط... ألف سلامة.
التفت إليها خالد بإحراج:
– آسف يا فندم، الكلام أخدنا ونسيت حضرتك.
ابتسمت عشق بلطف:
– ولا يهمك.
مررت فردوس بنظرها على "عشق"، تمعن ملامحها المتواضعة وملابسها المحتشمة، قبل أن تسأل باستغراب:
– بسم الله ما شاء الله... مين دي يا خالد؟
أشار إليها خالد وهو يتحدث باحترام:
– مدام عشق... صاحبة الشغل بتاعي.
ثم التفت إليها:
– هي نايمة دلوقتي، ممكن أوصل حضرتك وبعدين أرجع لها.
لكن "عشق" رفضت بلطف:
– لا، هستنى أطمّن عليها، وجلست بجوار والدته.
تأملتها فردوس بإعجاب شديد، لتراها بعد قليل تسند رجلًا مسنًا كاد يسقط من يدي ممرضة شابة.
– حاسب يا حاج!
– خلاص يا بنتي... معدش في صحة!
ضحكت عشق بمرح:
– صحة إيه يا حجوج! أنت علاجك جوازة جديدة، تخف وتبقى حصان!
ضحك العجوز رغم ألمه:
– الله يحظك... عروسة مرة واحدة!
– أيوه طبعًا!
– طيب، عندك عروسة؟
هتفت بغمزة خفيفة:
– شاور بس، وأنا تحت أمرك!
ابتسم براحة:
– طيب، أتجوزك إنتِ يا قمر... يمكن أرجع شباب!
ضحكت عشق، وقالت:
– ما تتعزش عليك، والله! بس للأسف... متكلمين عليها، وإحنا صعايدة يا أبوي، ما بنرجعش في كلامنا واصل!
ضحك العجوز والفتاة على طريقتها الصعيدية العفوية، بينما كانت والدة خالد تراقب المشهد بدهشة:
– هي دي يا أخويا... مرات الراجل الغني صاحب القصر والشركات؟!
ابتسم خالد، وقال ببساطة:
– أيوه يا أمي... هي.
هزّت الأم رأسها بدهشة:
– غريبة... دي طيبة قوي، بحبوبة وبسيطة.
رد خالد باحترام:
– دي ملاك يا أمي... بتحب الناس كلها، وقلبها أبيض زي الطفل، ما تلوثش بحقد البشر. ما شفتش براءتها وتواضعها في حد قبل كده.
تنهدت والدته بتأثر:
– آه يا حبيبي، باين عليها... أنا شوفت ناس كتير من الأغنياء، بس ما شفتش حد زيها كده... بيتكبروا علينا.
---
وقفت "عشق" إلى جوار الفتاة وجدّها أمام عيادة الباطنة، حين تحدثت الفتاة بهدوء:
– لو سمحتي، الدكتور موجود؟
نظرت إليها الممرضة بلا اهتمام، وردّت ببرود:
– لا.
فقالت الفتاة بأدب:
– طيب، هييجي إمتى؟
– مش هييجي.
كان الردّ صادمًا، ونبرته باردة لا تحتمل. هنا تدخلت "عشق" بهدوء تحاول كبح انفعالها:
– طيب، لو سمحتي، شوفي أي حد ييجي يساعده... الراجل بيتألم جدًا.
رفعت الممرضة حاجبيها بسخرية وردّت بفظاظة:
– إحنا نعملكوا إيه يا أختي؟ ما تخديه أي مكان تاني! هو أنا هلف أدورلك على دكتور؟ وبعدين ما فيش دكاترة النهاردة!
هتفت "عشق" بضيق وقد بدأت تفقد صبرها:
– طيب قولي نروح فين، وإحنا نروح... خليكي مكانك بس!
ردّت الممرضة بعصبية:
– بقولك إيه، أنا مش ناقصة صداع من الصبح!
في تلك اللحظة، ركض "خالد" بغضب عندما سمع طريقتها في الكلام. هتف بها بصوت عالٍ:
– إنتِ اتجننتي؟! إنتي عارفة مين اللي واقفة قدامك؟ مرات مين؟! ده يومك اسود!
رفعت "عشق" يدها محاولة تهدئته:
– لو سمحت يا خالد!
لكنه رفض التراجع وقال بانفعال:
– معلش يا فندم، لازم تعرف مقامها!
صاحت الممرضة بصوت عالٍ، وقد اشتعلت غضبًا:
– نعم؟! نعم يا عنيه؟! مين اللي يعرفني مقامي؟!
صرخ خالد في وجهها، صوته يحمل نبرة لا تحتمل الجدل:
– أنا، يا حيوانة! أنا اللي هعرّفك تتكلمي معاها إزاي!
أسرعت "عشق" لتقف بينهما، تحاول إنهاء الموقف، بعدما تجمّع الناس حولهم:
– خلاص يا خالد، تعال نوديه مستشفى برّه!
قال "خالد" بنبرة ذات مغزى، وهو ينظر حوله:
– وليه مستشفى برّه؟ ده تليفون صغير من حضرتك، المستشفى دي تتقلب وييجي أحسن دكاترة! والدكتور معاده لسه ما خلصش، ولو غايب، بيكون في دكتور نبطشي!
فهمت "عشق" ما يرمي إليه، وتيقنت أن ما يحدث داخل هذا المستشفى خلل جسيم يمكنها إصلاحه.
أخرجت هاتفها، واتصلت بـ"أدهم"، الذي ردّ عليها بلهفة:
– حبيبتي! أخبارك إيه؟
– الحمد لله، بخير.
نظر في ساعته وهتف:
– إنتي ما دخلتيش المحاضرة ولا إيه؟
– لا، أنا ما رُحتش... بعدين هقولك. أنا دلوقتي في مستشفى.
– مستشفى؟! ليه؟! إنتي فيكِ حاجة؟!
شعرت بقلقه، فأسرعت تطمئنه:
– لا، مش أنا. بس في حالة محتاجة دكتور باطنة ومش موجود، والحالة تعبانة جدًا... ممكن تتصرف في الموضوع ده؟ وضع المستشفى كله غلط.
– حاضر، هكلم وكيل الوزارة أو وزيرة الصحة.
– لأ، بلاش تطور الموضوع كده... أنا بس عايزة حد مسؤول عن المستشفى.
قاطعتها الممرضة بسخرية لاذعة:
– لما إنتِ معاكي فلوس، كنتي دخلتيه مستشفى خاص بدل ما إنتوا بتتمنظروا علينا!
اتسعت عينا "أدهم" ذهولًا من لهجتها الوقحة، ثم صرخ مستنكرًا:
– مين اللي بيتكلم معاكي بالشكل ده؟! وإزاي تسمحي لها بكده؟!
– أبدًا يا حبيبي، دي ممرضة!
– كمان! طيب، إديني "خالد".
همست "عشق" بخوف:
– والله، هي ما تقصد حاجة.
لكن "أدهم" أصرّ بغضب:
– عشق، إديني خالد.
أخذ "خالد" الهاتف، ويده ترتجف توترًا:
– أمرك يا باشا...
جاءه صوت "أدهم" حاسمًا:
– الممرضة دي ما تتحركش من مكانها... لحد ما أجي.
ردّ "خالد" بقلق:
– أوامر معاليك يا باشا. سلام.
جلست "عشق" إلى جوار الرجل العجوز الذي هزّ رأسه بأسى:
– معلش يا بنتي، ربنا يكفيكِ شر الظلم... إحنا سببنالك مشاكل.
أجابت "عشق" بهدوء، تحاول طمأنته:
– ما فيش مشاكل ولا حاجة يا حج "نور"، أنا كنت بتكلم معاها عادي... ربنا يخفف عنك يا رب.
---
جاء مدير المستشفى وخلفه اثنان من الأطباء، فسارعت الممرضة بالوقوف، وقالت بتوتر:
– خير يا فندم؟
أشار المدير نحو عشق وسأل:
– حضرتك مدام أدهم باشا؟
ردّت بهدوء:
– أيوه.
مرّر عينيه بين الحضور قبل أن يتوجه إليها باحترام:
– فين الحالة اللي مع حضرتك؟ هشوفها بنفسي.
وقفت عشق تساعد الرجل الكبير، وقالت برقة:
– اتفضل يا حاج نور.
دخل الرجل وحفيدته غرفة الكشف، بينما جلست عشق جوار خالد، تلاحظ توتره الواضح خوفًا من ردّ فعل أدهم على ما حدث منه.
همست بطمأنينة:
– ما تخفش من حاجة، أدهم مش ممكن يضرك.
لكن خالد لم يستطع أن يخبئ ما يشعر به، فتمتم باختناق:
– حضرتك متعرفيش أنا محتاج الشغل ده قد إيه... لو عرف سيادته إني السبب في وجودك هنا، يغضب ويطردني.
ربتت عشق على يده:
– ما تخافش، والله مش ممكن أسبب لك أي أذى... أنت أخويا.
في الجهة المقابلة، كانت الممرضة تتابعهما بغيظ، تتمنى أن تمحو تلك الابتسامة من وجه عشق، الابتسامة التي زادتها إشراقًا.
خرج الطبيب من غرفة الكشف، فاستقبلته عشق قائلة:
– خير يا دكتور؟
ردّ بعملية:
– القولون عنده ملتهب جدًا، وده خطر في سنه. كتبت له علاج، ولازم يأكل سوائل لمدة أسبوعين. لو ما التزمش، ممكن تحصل مضاعفات.
وقبل أن ينهي كلماته، دخل أدهم... طلعته الرجولية تخطف الأبصار، يتقدم بثقة وشموخ، ملامحه تحمل غضبًا لا يخفى، وخلفه حرسه الخاص.
صاح بغضب:
– فين الممرضة دي؟
اقتربت منه عشق بحب وابتسامة حانية، جذبها إلى أحضانه وسأل:
– هي فين دي يا خالد؟
أشار خالد بشماتة نحو الممرضة التي ابتلعت ريقها وبدت منكمشة أمام هيبته:
– أهي يا فندم.
تدخل الطبيب محاولًا التهدئة:
– أهلاً وسهلاً، أدهم باشا. أنا كشفت بنفسي على المريض.
ردّ أدهم بعدم اهتمام:
– اسمك إيه؟
تلعثمت الممرضة:
– أنا... أنا...
رفع صوته بغضب:
– اسمك إيه؟!
– فاطمة.
صاح بصرامة:
– إزاي يا حيوانة تتكلمي مع مراتي بالطريقة دي؟!
ارتجفت الممرضة، وقالت بخوف:
– آسفة يا فندم، والله ما كنتش أعرفها.
حاول الطبيب التخفيف من حدته، وقال:
– نخصم لها جزاء يا فندم، لو ده يرضيك.
رمقه أدهم بسخرية وتعالٍ:
– لا، ما يكفّينيش... تتشطب من المهنة لسوء أخلاقها.
تدخل المدير، خائفًا على منصبه:
– اللي حضرتك تأمر بيه يتنفذ.
تقدمت عشق برجاء:
– أرجوك يا أدهم، بلاش تقطع عيشها.
اقتربت الممرضة من يد عشق لتقبّلها:
– أرجوكي يا هانم، آسفة، والله... أبوس إيدك، أنا بجري على كوم لحم.
جذبت عشق يدها وهي تتمتم باستغفار.
تابع الجميع ما يحدث في ذهول، من بينهم والدة خالد. تدخلت سيدة مسنة كانت تراقب الموقف، وقالت:
– والله عندك حق يا باشا... أسلوبها وحش، زقتني وزعقتلي علشان بس سألت على الدكتور هييجي إمتى، ومش مراعياه سني!
نظر إليها أدهم، ثم التفت إلى مدير المستشفى:
– إيه رأيك؟
– اللي تأمر بيه يتنفذ.
صرخت الممرضة باكية:
– والله يا باشا، حقك عليا، خلاص... أبوس إيديها ورجليها كمان، بس بلاش تقطع عيشي.
ضغطت عشق على يد أدهم، وحين رأى دموعها، هتف بلهفة:
– مالك يا قلبي؟ بتعيطي ليه؟
أجابت بصوت متهدج:
– قلبي مش مستحمل، علشان خاطري... سمحتها، وحياتي يا أدهم خلاص.
أزال أدهم دموعها، وضمها إلى صدره، دون أن يراعي وجود الناس:
– خلاص يا حبيبتي، علشان خاطرك بس.
ثم نظر إلى الممرضة بحدة:
– احمدي ربك إن عندها قلب نضيف وسامحتك، وإلا كنت مسحتك من على وش الأرض!
بعدها وجه كلامه إلى مدير المستشفى:
– والدكتور الغايب لازم يتحاسب، والتسيب ده أنا هبلّغ عنه، وكل حاجة لازم تتغير في المستشفى دي.
ردّ المدير بسرعة وخوف:
– إحنا آسفين يا باشا، والله كل حاجة هتتعدل... ممكن حضرتك تيجي فجأة، ولو في حاجة غلط، من حقك تتصرف.
جذب أدهم عشق إلى حضنه، وغادر المكان، وعشق تمشي بجواره وهي تردد:
– سلامتها يا طنط، ألف سلامة.
ردّت والدة خالد:
– الله يسلمك يا بنتي.
خرجوا من المستشفى، أدهم وعشق وخلفهم الحرس، حتى خالد معهم.
وقفت عشق أمام المستشفى وقد اتخذت قرارها... قرار أن تمد يد المساعدة لهذا العجوز، الذي بدا الحزن واضحًا في ملامحه عندما ناوله الطبيب روشتة علاجه.
نظرت إلى أدهم وسألته:
– أدهم، معاك فلوس؟
ضحك أدهم بحب:
– أكيد يا روحي، معايا... خير يا قلبي، عايزة إيه؟
– دايمًا معاك الخير. أنا قصدي فلوس نقدي، مش في الفيزا، لأني عايزة مبلغ أزود بيه اللي معايا، وأديه للحاج نور... الراجل تعبان وظروفه باينة صعبة.
أخرج أدهم كل النقود من جيب بنطاله وقال:
– اتفضلي يا حبي.
نظرت عشق إلى المبلغ الكبير بسعادة، وهمست:
– شكرًا يا حبيبي...
ثم تمتمت بحرج:
– طلب كمان؟
احتضن وجهها بين كفيه بحنان:
– أنتِ تأمري يا قلبي... شوفِ أي حاجة عايزاها، شاوري بس.
خجلت من طريقته، لكن لا بد من إبعاد الخطر عن خالد، فقالت:
– خلي خالد مع أمه وأخته، بلاش يمشي... أخته تعبانة.
هتف بدهشة:
– يعني أنتِ هنا علشان أخت خالد؟
– آه، هحكي لك كل حاجة بعدين... موافق؟
قبّل وجنتها وهمس:
– أنا كلي ملكك، حبيبي أبو قلب أبيض.
ثم أكمل بغرام:
– عارفة أكتر حاجة بتشدني ليكي إيه؟
أشار إلى قلبها وقال:
– ده... بحس معاه بالراحة والأمان. عندك استعداد تضحي براحتك علشان غيرك يكون مبسوط. ممكن تجوعي علشان ناس غريبة عنك تشبع.
أنا بحبك قوي يا عمري... نفسي أخبيكي جوا قلبي، من قسوة الأيام وغدر الناس.
مررت عشق عينيها على ملامحه بعشق، وهمست بثقة:
– متخافش عليا، طول ما ربنا معايا، وإنت بعده... عمر ما حد يقدر يأذيني.
*******
الجد أنور
كان في طريقه إلى الخروج من المستشفى، يسير بخطوات بطيئة يكسوها التعب، حين التفت إلى حفيدته قائلاً بأسى:
– إيه رأيك؟ مشوار زي قلته... سمعت كلامك، وجيت كشفت، شفتي حصل إيه؟! برضه كتب لي علاج من برّه! نجيبه منين دلوقتي؟
قالت البنت بحزنٍ عميق:
– مش عارفة والله يا جدي... أنا كان قصدي تكشف ويعطوك أي مسكن من عندهم، لكن طلع ما عندهمش ضمير.
تنهد الجد، فقالت بعتابٍ لنفسها:
– معلش يا حبيبي، سامحني إني جبتك المشوار ده وإنت تعبان... على الفاضي!
رد الجد وهو يربت على يدها بحنان:
– برضه الحمد لله يا حبيبتي... إنتِ مالكيش ذنب.
وصلوا إلى باب المستشفى، وهناك وجدوا "عشق" في انتظارهم، تبتسم ابتسامة واسعة تبعث في القلب طمأنينة عجيبة.
لا تدري "زينب" كيف تسلّلت عشق إلى قلبها من أول نظرة، فهتفت بإعجاب:
– هو حضرتك لسه هنا؟
ضحكت عشق:
– أنا اسمي "عشق"، مش "حضرتك"! وبعدين كنت بستنى جدي علشان أوصّله.
قال الجد بصوتٍ طيب:
– مالوش لازمة التعب يا بنتي... كفاية البهدلة اللي حصلتلك بسببنا.
نفت عشق بصدق:
– ما فيش تعب يا جدي، مش أنا زي حفيدتك؟ وأوعدك المرة الجاية المستشفى هتكون غير كده، وكل حاجة فيها تبقى تمام.
وعلى بُعد أمتار قليلة، وقف أدهم بقلبٍ يهفو إليها عشقاً. كان يتأمل طيبتها وتواضعها، وكل لحظة تمر تزيد من تعلّقه بها، بينما قلبه يخفق بخوفٍ عليها لا يعلم سببه.
اقتربت عشق من أدهم وسألته:
– ممكن نوصل الحاج نور؟
ابتسم أدهم، وقال بضعفٍ ظاهر:
– أنا بضعف قدّام نظرة عنيكي دي... ومش بقدر أرفض لكِ طلب.
أشار لعامر أن ينزل ليساعد الرجل الكبير على الركوب، بينما توجّه هو إلى سيارته.
ركب أدهم سيارته، وجلست عشق بسيارتها في الخلف بجوار الجد. أخرجت ورقة من دفترها، وضعت بها مبلغًا من المال، ووضعتها على قدم الجد. التفت إليها مستغربًا:
– إيه ده؟!
غمزت له عشق، فصمت الجد، وعلم أن هذا رزقٌ ساقه الله لهم، جعلها في طريقهم لتخفف عنهم المحنة وتطيب خواطرهم.
مدّت عشق يدها وسحبت الروشتة من يد زينب، قائلة:
– معلش يا عامر، ممكن تقف عند صيدلية؟
رد عامر باحترام:
– حاضر يا فندم.
توقف أمام صيدلية كبيرة، أعطته عشق الروشتة والمال، وانتظرت حتى عاد.
---
وقفت سيارة عشق أمام حيّ شعبي بسيط، نزلت لتودّعهم، وقالت لزينب:
– خلي بالك من جدك يا زينب، وأنا هابقى أطمن عليكم إن شاء الله.
ثم التفتت إلى الجد بحنان:
– هابقى أجي أشوفك يا جدي.
رد الجد بصوتٍ مفعم بالامتنان:
– ده شرف كبير يا بنتي... سكة السلامة، ربنا معاكي، ويجعل كل خطوة ليكي خير... يا قلب الخير كله.
ركبت السيارة مجددًا، وبعد وقتٍ بسيط، توقفت السيارة فجأة. سألت عشق بتعجّب:
– واقف ليه يا عامر؟
قال بهدوء:
– الباشا طلب حضرتك تركبي معاه، عشق. وأنتِ هتروحي فين؟
قالت بإصرار:
– ماشي... بس سيب العربية عند خالد، وأنا هاقول لأدهم.
رد عامر:
– أوامرك.
نزلت عشق، وجلست بجوار أدهم الذي ضمّها إليه بحب، دون أن ينبس بكلمة، حتى توقفت السيارة أمام شركته.
---
في منزل الجد أنور
كانت ابنته "سناء" تقف تنتظرهم بلهفة، تريد الاطمئنان على والدها، إذ لم تستطع الذهاب معه بسبب عملها في أحد مصانع الملابس.
قالت بقلق:
– حمد الله على السلامة! خير يا زينب، عملتوا إيه؟
ابتسم الجد قائلاً:
– صبرك علينا يا سناء... مش لما ندخل ونرتاح الأول؟
تمتمت بحرج:
– معلش يا بابا... كنت قلقانة عليك، اتأخرتوا.
جلس الجد وقال بامتنان:
– الحمد لله... ربنا رزقنا بملاك وقف معانا.
نظرت إليه بعدم فهم:
– ملاك إيه يا بابا؟!
ثم التفتت إلى زينب وصاحت بصوتٍ عالٍ:
– عملتِ إيه في جدك يا بِت؟!
رجعت زينب بكوب ماء، لتُعطي جدها علاجه، وقالت بإعجاب:
– آه والله يا ماما... أخدت من جمال الملائكة وقلبهم الأبيض الجميل، تحسيها كده مش زينا.
ضحكت سناء بمرح:
– مالك يا أختي؟! إنتِ وجدك كانوا بيوزعوا في المستشفى حبوب هلوسة؟!
ضحك الجد، وبدأ يقصّ عليهم ما حدث.
كانت سناء لا تزال غير مصدقة:
– معقول لسه فيه حد بيحب يساعد الناس؟ ده حتى الناس اللي معاهم فلوس بيستغلوا ضعف وحوجة غيرهم، وبيداروا علشان فاكرين إنهم لو ساعدوا المساكين، فلوسهم هتقل!
أكملت زينب بإعجابٍ صادق:
– آه يا ماما... لو شفتي جوزها وهو داخل! ما شاء الله... طول بعرض وجمال! وراه الحرس، كل المستشفى كانت واقفة تتفرج عليه... ولا نجوم السيما!
دخّلته ترعب، وفي نفس الوقت... تشدّك!
ثم قالت بحالمية:
– نفسي أتجوز واحد يبقى طول بعرض كده!
رمتها سناء بلعبة من فوق الطاولة، وهي تهتف بغضب:
– اتلمي يا بِت! إيه الجنان ده؟!
في تلك اللحظة، تذكر الجد ما أعطته له عشق، مدّ يده في جيب جلبابه، وأخرج الورقة، وهو يناولها لزينب قائلاً:
– خدي يا زينب... شوفي دي إيه.
تناولت زينب الورقة، فتحتها، لكنها تسمرت من الصدمة...
رواية انت عمري الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم احمد محمود
ناولها الجد ما في جيبه، وهو يسألها بصوتٍ متهدج:
– دول إيه يا زينب؟
تناولت من يد جدها تلك اللفافة، وفتحتها بفضول. حدّقت فيما بين يديها بعينين متسعتين، وفاهٍ مفتوح، إذ لم ترَ ربع هذا المال من قبل، ولا حتى حلمت أن تمسكه بيديها. تمتمت وهي ما زالت تحت تأثير الصدمة:
– دي فلوس يا جدي؟!
سألها بلهفة، يتمنى أن يجد رحمةً ترفع عن حبيبته وابنته الوحيدة الضغط المتزايد، فهو رجلٌ كبير في السن، خارت قواه، وأصبح كل الحمل عليها. لم تعد تستطيع توفير قوت يومهم، وتكاثرت الديون على كاهلهم، ما كان يكسِره.
قال بصوت خافت:
– يعني نقضي ونسد فلوس البقال... ونجيب شوية أكل للبيت.
قالت دون أن ترفع عينيها عن المال:
– فلوس كتير يا جدي... مبلغ عمري ما شفته قبل كده!
تناول الجد الأموال منها، وبدأ يعدها. ثم صدم، وهو يتمتم:
– إيه ده؟! خمسة آلاف جنيه؟! مش ممكن!
ثم بكى بحرقة، ورفع كفيه للسماء:
– ألف حمد وألف شكر لك يا رب... أنا مش مصدق! يعني نقدر ندفع الإيجار المتأخر، ونجيب شوية حاجات نبيعها ونعيش منها. يا كريم يا رب، فضلك مالوش أول من آخر... ألف حمد وألف شكر ليك يا رب!
---
وصل أدهم أمام شركته، التي تزورها "عشق" للمرة الأولى.
قالت بانبهار، وهي تحدق في المبنى:
– دي شركتك؟!
ضغط على أناملها الساكنة بين كفيه، وهو يهمس:
– وشركتك... كل حاجة ملكي، تبقى ملك حبيبي.
تمتمت بخشوع:
– ما شاء الله يا أدهم... جميلة جدًا. ربنا يباركلك فيها.
دخل أدهم بطَلّته الرجولية التي لا تليق إلا به. تسير "عشق" بجواره، تنظر إلى أرجاء الشركة بإعجابٍ شديد؛ تصميمها يدل على الرقيّ والذوق.
وقف السكرتير باحترامٍ شديد، يحاول إخفاء ذهوله من وجه أدهم المشرق، وتلك التي يسحبها معه بحب. قال بتقدير:
– حمد لله على سلامة معاليك.
رد أدهم بهدوء:
– الله يسلمك يا أحمد. عايز اتنين عصير ليمون، وممنوع أي اتصالات، ولا حد يدخل علينا.
أومأ السكرتير، وقال بجدية:
– أكيد، طبعًا... علم وينفذ.
دخلت "عشق" المكتب، دارت حول نفسها كطفلة، وابتسامة تعلو ملامحها. كان المكتب فخمًا، يعكس شخصية صاحبه من فخامة وشياكة وقوة.
اقترب منها بحب، وسألها:
– عجبك؟
التفتت نحوه بفرحة:
– جميل جدًا... بيعكس شخصيتك من القوة والغموض. أنا فرحانة أوي، دي أول مرة أزور مكتبك.
ثم، وعلى غير العادة، اقتربت منه، مدت يدها نحو جاكيت بدلته، وهي تقترب منه بدلال:
– أنا بعشق أي مكان تكون فيه روحك... بس مش بحب الغموض اللي في عيونك.
كان أدهم يتأمل ملامحها بعشقٍ واضح. تاقت نفسه لها، يريدها بشدة. همس بصوتٍ مبحوح:
– أنا كتاب مفتوح قدام حبيبي... فين الغموض ده؟ اللي يشوف ضعفي قدام عيونك، مش يصدق إن ده أدهم!
جذبها إلى أحضانه أكثر، أراد أن يقبّلها، لكنه توقف فور سماعه طرقًا على الباب. أخذ يدها بلطف، وأجلسها على الأريكة، ثم أمر الطارق بالدخول.
دخل السكرتير وهو يحمل العصير، وضعه أمامهم، وخرج دون أن يرفع عينيه عن الأرض.
رفع أدهم الكأس، وقربه من شفتيها، فتورد وجهها من الخجل.
– أدهم، أنا بعرف أشرب لوحدي.
همس بوله:
– لا... أنا عايز أسقي حبيبي بنفسي.
فتحت شفتيها وتناولت بعض قطرات العصير، ثم أخذت الكأس وشربت من نفس المكان، بحب.
سألها:
– إيه اللي ودّاكِ هناك؟
قصت له ما حدث، وحين أنهت حديثها، قالت:
– والله خالد ما كانش راضي، بس أنا صممت... وطبعًا هو ما يقدرش يرفض ليّا طلب.
خفضت "عشق" وجهها، ثم تمتمت بتردد:
– وكنت عايزة منك طلب...
أدهم، وقد أدرك مقصدها، ابتسم وهو يقول:
– اطلبِي.
– كنت عايزة آخد أخته، وأجيب لها من الفلوس اللي معايا كل حاجة ناقصاها... وأغلى كمان من اللي حماتها عايزاها، علشان بعد الجواز ما تكسرش عينها.
رد أدهم بحب:
– إنتِ معاكي فيزا؟ خدي كل اللي نفسك فيه من بتاعتي... مش بتاعة فهد.
– وليه ما نجيبش من اللي فهد عطاهالي؟ فيها فلوس كتير...
– لأنك مراتي يا عشق، وما حدش غيري يصرف عليكي.
قبلته "عشق" على وجنته، تمتص الضيق الذي غزا صفاء ملامحه، وهمست:
– ربنا ما يحرمنيش منك أبدًا.
جذبها مرةً أخرى، وتاه معها في دوامة عشقهم. حاولت أن تُعدّل من هيئتها، بعد أن بعثر مشاعرها وملابسها، ونظرت له بلومٍ على ما حدث.
لكنه قال بمرح:
– بلاش نظرة عيونك دي... أنا بضعف قدامها! هنسى المكان تاني. أنا مش بكتفي منك، وصراحة... مش ضامن حد يفتح الباب فجأة.
فتحت "عشق" عينيها على مصراعيهما، واعتدلت في جلستها، وهي تهمس:
– أنا مش هاجي معاك هنا تاني.
ضحك أدهم بقوة، وانحنى يقبل جبينها، وهو يقرص أرنبة أنفها بخفة:
– أخلص شوية الشغل دول، ونروح على طول... لأن غادة عاملة حفلة محشي النهارده، وعازمة روان ومراد.
هزت "عشق" رأسها بخجلٍ شديد، وقد أخذ الحياء من وجنتيها كل مأخذ.
---
---
خرج خالد يحمل شقيقته بين ذراعيه، وخلفه والدته وأخواته، بينما وجد عامر في انتظاره عند باب المستشفى.
توقف لحظة، يتأمل وجوده الذي أثار استغرابه، فسأله بصوت متعب:
– "إنت لسه هنا ليه يا عامر؟"
أسرع عامر يفتح باب السيارة، ليضع خالد حمله المتعب، وهو يهتف:
– "دي أوامر ست عشق... ألف سلامة عليها يا أم خالد."
تمتمت فردوس بحمد الله، بينما جلس الجميع داخل السيارة. وضع خالد شقيقته برفق، ثم جلست والدته وأخوه بجوارها، وأخذ معه شقيقه الصغير.
---
حين وصلوا إلى البيت، حمل خالد أخته من جديد، وأدخلها غرفتها. وقف أمامها بصمت خانق، لا يكاد يصدق أنها فعلت بنفسها ما فعلته، دون أن تفكر للحظة واحدة بمن حولها. أما هي، فخفضت وجهها خجلًا، تعلم تمامًا أنه في قمة غضبه، ولولا حبه لها، لأطلق العنان لغضبه المشتعل، منها، ومن نفسه، ومن الدنيا كلها.
قال بصوت متهدج، يكاد يخنقه الألم:
– "ليه كده يا ندى؟ عملتِ كده ليه؟ إيه اللي حصل معاكي يستاهل كل ده؟ عايزة تموتي كافرة؟!
ليه تخسري دنيتك وآخرتك... وتكسريني من بعدك؟ ليه مفكرتيش فيّا... ولا في أمك؟"
واصل بكلمات ممزقة:
– "إحنا بنعمل المستحيل علشان نجيبلك حاجتك... جيت على نفسي ورفضت الارتباط رغم إصرار أمي، وسني بيكبر يوم ورا التاني، وكل ده كنت بفكر فيك وبس.
كنت عايز أسترِك وأطمن عليكي... كنت أهم عندي من نفسي. الناس تسألني: هتتجوز إمتى؟ وتيجي صورتك قدامي... أقول لأ، أوعي تضعفي، دي بنتي الوحيدة، دور على نفسك بعدها..."
ابتلع غصة مريرة في حلقه وهو يكمل:
– "وإخواتك الصغيرين؟ أقول لأ... ندى أهم.
هم رجالة، وفي يوم هيكبروا ويشيلوا معاكِ المسؤولية.
بس إنتي؟ كنتِ كل همي.
إزاي تدوري على نفسك وتسيبي أمك وإخواتك اللي ميعرفوش غيرك؟ وبعد كل ده... عايزة تحرقي قلبي؟
ده جزائي يا ندى؟
عمري ما هنسى اللي عملتيه... ولا عمري هسامحك على وجع قلبي لما حسيت إنك هتروحي مني."
ثم استدار وخرج من الغرفة، تاركًا المنزل كله، كأن الهم أثقل قلبه، وفي عينيه أول دمعة ضعف تظهر.
لأول مرة يشعر بالفشل... بأنه لم يكن الأخ الجيد الذي يستطيع حماية شقيقاته من صفعات الحياة.
---
وقفت فردوس خلف الباب تستمع إلى كلماته، كأن كل كلمة سكين يقطع في روحها. سالت دموعها حزنًا عليه، وعلى حاله، وهي الأم الضعيفة العاجزة التي لا تملك شيئًا.
دخلت إلى ندى التي كانت تبكي بحرقة، وقالت لها بعتاب مؤلم:
– "عجبك كده؟ حال أخوكي؟
أخوك بيتعب ومش مقصر معانا... مصروف بيت، ومدارس، وشوار، بيعمل كل اللي يقدر عليه.
بيستخسر في نفسه هدومه، ولا حتى بيقعد على القهوة مع أصحابه، علشان يوفر فلوس الأقساط بتاعتك.
حتى لو مش قادر يكمل جهازك، بس كفاية إنه بيتعب.
بيشيل همنا لوحده، واحد غيره كان شاف نفسه، وقال وأنا مالي، ما أبوك عايش وهو المسؤول... بدل ما هو ماشي صايع ورا الحريم!"
لم تعد ندى تتحمل، فهي تعلم تمامًا ما يتحمله أخوها. صاحت ببكاء:
– "أنا آسفة يا ماما، والله غصب عني...
أنتِ عارفة أنا بحبه قد إيه، بس بحب أخويا خالد أكتر من أي حاجة في الدنيا.
قولي له يسامحني، علشان خاطري... لحظة شيطان ومش هتتكرر، بس بلاش يزعل مني."
---
في صباح يوم جديد، نزلت سناء من البيت بملامح أكثر إشراقًا وجمالًا، كأن المال الذي أرسلته عشق أزال عن وجهها ملامح التعب والإرهاق.
صدق من قال: "الدَّين همٌّ في الليل، ومذلّة في النهار."
كانت تشعر أنها تتنفس أخيرًا بعد سنوات من الاختناق، تنزل درجات السلم بخفة كأنها فراشة لا تحمل للدنيا همًا.
وهمها الأكبر الآن هو الإيجار المتراكم، والذي جعلها تحت رحمة صاحب المنزل، شوقي، الذي يتلاعب على وتر "الحلال" ليخفف عنها الحمل، ويمنّ عليها براحته مقابل زواج لا تريده.
لكن اليوم... حان وقت فك القيود.
توقفت أمام محل شوقي، الذي كان واقفًا بلهفة، يستقبلها بترحاب خاص، يخصها به دونًا عن غيرها.
كان يراها زوجة مثالية، بأخلاقها، وجمالها الذي لم تؤثر عليه الظروف الصعبة، وبقوتها التي لم تهزمها الحياة بعد وفاة زوجها، بل قاومت وحاربت لتحمي بناتها من الشوارع والذئاب البشرية.
قال وهو يبتسم:
– "أهلاً أهلاً بست الستات اللي ما فيش زيها في الشارع كله."
نفخت سناء بضيق من كلماته المتكررة، نعم، تراه يشتاق إليها، لكنه رجل لن تسمح له بالاقتراب من حياتها.
بعد وفاة زوجها، كرّست عمرها لبناتها الثلاث ووالدها فقط.
قالت بضيق:
– "إزيك يا حج شوقي؟"
ردّ وهو يتغزل:
– "أنا بخير لما بشوف طلتك يا ست البنات."
نهرته بحدّة:
– "وبعدين معاك يا حج شوقي؟ حاسب على كلامك معايا... أنا ماليش في اللون ده، وأنت عارف."
هتف برجاء:
– "عارف يا أم البنات... قصدي شريف، صعبان عليّ تعبك، عايز أقعدك و... ستّك، وكل طلباتك أوامر بدل بهدلتك عند الناس في المشغل."
قاطعته بحدّة، تقطع عليه حديثه:
– "أنا جاية أدفع الإيجار اللي علينا."
ثم أخرجت من حقيبتها مبلغ ألفين جنيه، ومدّت يدها نحوه:
– "هات الشيكات."
نظر شوقي للمبلغ بصدمة، فقد فشل مخططه في الضغط عليها لتقبل الزواج به، أو تزويج ابنتها لابنه.
الآن، لا حجة له ليرفض المال، فقال بضيق:
– "جبتي الفلوس دي كلها منين يا ست سناء؟"
نظرت له بتحدٍ:
– "من عند ربنا يا حج شوقي... أظن مالكش دعوة جبتهم منين. المهم الإيجار يتدفع. يلا هات الشيكات... أصلي مش فاضية."
أخرج الشيكات من الخزنة على مضض، تناولتها منه بفرحة:
– "عدّ فلوسك قبل ما أمشي، وتأكد."
تمتم بصدق:
– "البيت أمان يا أم زينب... طول عمرك أمينة، والمال يزيد معاكي مش يقل."
تركته سناء وهي تشعر براحة لم تذقها منذ وقت طويل، وتوجهت إلى السوبر ماركت الصغير، حيث يجلس صاحبه "محسن"، يراجع نفسه في قرار يريد اتخاذه.
كان ينوي أن يطلب منها جزءًا من الدين، لكنّه تراجع، يصبر نفسه بأنها تسعى على أيتام، وتسد ما تستطيع.
دخلت عليه بابتسامة، فوجدته شاردًا.
قالت بهدوء:
– "صباح الخير على عيونك يا راجل يا طيب."
وقف محسن يردّ بترحاب:
– "صباح النور يا بنتي."
وقفت أمامه قائلة:
– "كنت عايزة أعرف حسابي يا راجل يا طيب."
ردّ بابتسامة طيبة:
– "مافيش فرق يا أم البنات."
قالت شاكرة:
– "كتر خيرك يا عمي محسن، كفاية صبرك علينا... وأنا عارفة إن ظروفك مش ماشيه."
فتح دفتر الديون، ثم ناولها ورقة بمبلغ خمس مئة جنيه.
أخرجت المبلغ من محفظتها، ومدّته إليه:
– "اتفضل يا عمي محسن."
لم يصدق الرجل ما يرى. كم هو كريم ورحيم رب العالمين بعباده!
كان ينوي أن يطلب ثلاثين أو خمسين جنيهًا فقط... لم يتوقع أبدًا أن تسدد كل دينها دفعة واحدة.
تناول المال بفرحة، ودعا لها بسعة الرزق:
– "ربنا يوسعها عليكي يا بنتي... إنتِ بنت حلال وتستاهلي كل خير."
ابتسمت سناء وهي تقول:
– "الله يعزك يا عمي محسن... خد جهّز اللي في الورقة دي، هأعطيك حسابهم وأنا راجعة."
*****
في فيلا أدهم...
نزلت عشق في الصباح، تتهادى بخفة نحو غرفة الطعام، حيث كانت غادة تتناول فطورها بهدوء. ألقت عليها التحية قائلة:
— صباح الخير يا أمي.
رفعت غادة عينيها نحوها وابتسمت بحنو:
— صباح النور يا حبيبتي، تعالي افطري معايا.
جلست عشق إلى جوارها، ثم تمتمت وهي ترفع كوب العصير:
— أنا هشرب العصير بس.
سألتها بعد لحظة:
— حضرتك هتروحي إمتى عند طنط جيجي؟
أجابت غادة وهي تنظر إلى ساعتها:
— على الساعة عشرة إن شاء الله.
تنهدت عشق بأسف:
— والله يا ماما، لو ماكنش المشوار ده ضروري، كنت جيت مع حضرتك.
تفهمت غادة الوضع، خاصة بعد حديث الأمس، فربتت على يدها وقالت بحنان:
— عارفة يا حبيبتي... ربنا يوفقك يا رب. المهم تخلي بالك من نفسك.
انحنت عشق وطَبعت قبلة على خد والدتها، ثم غادرت متجهة إلى الخارج، حيث وجدت خالد وعامر في انتظارها. ألقت عليهما تحية الصباح، ثم ركبت السيارة وهي تلتفت إلى عامر قائلة:
— خد النهارده إجازة... خالد هو اللي هيسوق.
أومأ عامر باحترام:
— حاضر يا فندم.
جلس خالد خلف المقود، ناظرًا إليها من المرآة منتظرًا وجهتها. قالت ببساطة:
— عايزة أروح محل حلويات.
أجاب:
— حاضر.
تحركت السيارة، وبعد وقت قصير، توقفا أمام أحد المحلات. نزلت عشق ها خالد، فقامت بشراء أنواع مختلفة من الحلويات، ثم دفعت الحساب بينما حمل خالد الأكياس ووضعها في السيارة.
ركبا من جديد، فنظر إليها وسأل:
— هنروح فين؟
أجابت باختصار:
— بيتكم.
رمقها خالد باستغراب:
— بيتنا؟
ابتسمت وهي تؤكد:
— آه، بيتكم. عايزة أطمن على ندى.
رد بإحراج:
— هي الحمد لله بقت بخير.
كانت عشق تدرك جيدًا ما يشعر به، وما يدور في خاطره، فأرادت التخفيف عنه بروحها المرحة:
— أنت بخيل ولا إيه؟ مستخسر فيا كوباية شاي؟!
ضحك خالد سريعًا:
— أبدًا والله، حضرتك تنوري.
أجابته بسخرية لطيفة:
— مش باين يا خالد.
أسرع ليوضح، حتى لا تُساء نواياه:
— والله حضرتك فهمتيني غلط... أنا قصدي إن الحارة مش قد المقام، ولا البيت.
ابتسمت عشق بهدوء:
— مالكش دعوة... أنا رايحة على طنط فردوس وندى، ولما أبقى أجي بيتك اعترض.
ابتسم خالد بامتنان:
— اللي تأمري بيه.
انطلقت السيارة حتى توقفت أمام المنزل. نزل خالد وفتح لها الباب، ثم حمل الحقائب عندما طلبت منه ذلك.
وقفت تنتظره لتسير خلفه، إذ لا تعرف شقتهم في أي طابق. دخل خالد أولًا، ثم طرق الباب.
قابلته والدته بفزع، وقد تفاجأت بعودته في غير ميعاده، فهتفت برعب:
— حبيبي، خير؟! أوعى يكون الباشا بتاعك رفدك علشان وديت مراته المستشفى؟!
غمز لها بتحذير كي لا تُحرجه أكثر أمام عشق، وقال:
— لا يا أمي... وسّعي بس، اتفضلي يا عشق هانم.
دخلت عشق، وسلمت على فردوس التي كانت تتلفت حولها بإحراج، غير مصدقة أن "ابنة القصور" تزور منزلهم المتواضع.
قالت فردوس بترحيب مرتبك:
— أهلًا وسهلًا... اتفضلي.
ثم رتبت الوسائد على الكنبة لتجلس الضيفة الكريمة، التي قالت بتلقائية:
— هي ندى لسه نايمة؟ أنا مردتش أفطر، وقلت أفطر معاكم.
ردت فردوس بترحاب يملؤه الخجل:
— انتي تشرفينا في أي وقت... هو إحنا نطول ناس عزيزة وغالية زيك تتنازل وتفطر معانا؟ ثواني أصحيها.
توجهت إلى غرفة ابنتها بتوتر، ثم نادت عليها:
— قومي يا بت، الهانم اللي أخوكي بيشتغل عندها جايه بنفسها تطمن عليكي... فوقي بسرعة.
فتحت ندى عينيها بتعب، وهي تتألم من جرحها، وتمتمت بعدم فهم:
— هانم مين؟
هتفت فردوس بعجلة:
— مش وقته خالص! يلا، أنا هدخل أجهز الفطار على ما أنتي تجهزي نفسك... كفاية كسفتينا قدامها، وبيتنا كده!
*****
عند عشق وخالد
قالت عشق وهي تنظر إلى خالد بجدية:
– أنا عايزاك تكلم خطيب أختك وتطلب منه يجهّز هو ومامته، علشان نروح نجيب حاجة لندى النهاردة.
كاد خالد يردّ، حين خرجت ندى من الغرفة. فبادرتها عشق بابتسامة حنونة، وهي تهتف:
– حمد الله على السلامة يا ندى، كده تخضّينا عليكي! ده خالد كان هيجنن عليكِ.
ردّت ندى بإحراج:
– لحظة شيطان... والحمد لله، اتعلّمت منها كتير.
وضعت عشق يدها على كتف ندى بحنان، وقالت:
– الحمد لله إنها عدّت على خير. أوعدك إنها تكون آخر الأحزان.
قاطعتها فردوس بنبرة تأنيب:
– إنت واقف كده ليه يا خالد؟ روح هات فول وطعمية!
خرج خالد لينفذ طلب أمه، وما زال لا يستوعب ما يحدث... عشق في منزلهم؟! وستتناول معهم الفول والطعمية؟!
أعدّت فردوس وندى فطورًا مصريًّا بسيطًا، ووضعوه على الطاولة الصغيرة. رفض خالد في البداية أن تشاركهم عشق، لكنها أصرت، فجلسوا جميعًا يتناولون الطعام.
هتفت فردوس بترحاب حار:
– أهلاً وسهلاً، يا بنت الأصول. زيارتك دي فوق راسنا! نورتينا ونوّرتي الحارة كلها.
ابتسمت عشق بلطف:
– منورة بأهلها يا طنط، وربنا ما يحرمني من جمعتكم أبدًا.
ثم وجهت فردوس حديثها لخالد:
– على فكرة، خطيب أختك جه، وكان متضايق جدًا عليها، وقال إنه ماكنش يعرف باللي حصل، وكان نفسه يشوفها ويطمن عليها، بس أختك رفضت تقابله.
وأضافت وهي تنظر إلى خالد:
– آه يا خالد، ما تنساش تتصل بيه بعد الفطار علشان نلحق نبدأ اليوم بدري.
هزّ خالد رأسه وقال:
– هو حضرتك عارفة مامته طلبة أوضة نوم بكام؟ فوق الـ 15 ألف جنيه، ورافضة تختار حاجة أقل! هي قصدها تعجزنا علشان تفركش الخطوبة.
هتفت عشق بنفي :
– إيه؟! 15 ألف؟! لا طبعًا! ندى هي واحدة بس، ولازم يجيبلها أحسن حاجة.
تمتم خالد بأسف:
– هو حضرتك عارفة أنا بقبض كام؟
لم يعجب عشق نبرة الانكسار في صوته، فقالت بتشجيع:
– بعدين معاك يا خالد! اسمع الكلام من غير ما تتعبني.
وقف خالد باحترام:
– آسف يا فندم.
ثم تركهم وخرج ليبلغ سيد وأمه.
جلست عشق، و جذبت ندى لتجلس بجوارها، وسألتها بحنان:
– نفسك في إيه؟
نظرت ندى إلى أمها بخجل، ثم أعادت نظرها لعشق قائلة برضا:
– أنا أبيه خالد يجيبلي على قد ما يقدر... وهم لو مش عايزين يصبروا، أنا مش هضغط على أخويا وأزعله.
فاجأها سؤال عشق الصريح:
– بتحبيه؟
أحمرت وجنتا ندى، و فركت يديها بخجل:
– جدًا...
تدخلت فردوس في الحديث، تمدح خطيب ابنتها:
– صراحة الواد يتحب، أدب وأخلاق، وجدع. بس أمه قوية، وشايفة إنه كتير على بنتي. وبنت أختها أولى بيه. ماسكة و دانه زن، وبتقول إحنا مش هنقدر نشوّر، وهيفضل مربوط جنبنا لحد ما يكبر. وفعلاً، الشقة ما شاء الله كبيرة، ومحتاجة ناس معاهم فلوس. ومع كل ده، هو مش بيسأل في كلامها، وده بيزود غضبها علينا. وكل فترة، تعمل معانا مشكلة من وراه.
رفعت عشق عينيها، فوجدت خالد يقف بجوار الباب. سألته:
– إيه يا خالد؟ هنمشي ولا لسه مش جاهزين؟
ردّ بنفي:
– زمانه في الطريق.
أشارت عشق إلى والدته وهي تهتف بحماس:
– يلا يا طنط، أنتي وندى.
خجلت فردوس مما يحدث، وقالت بحجّة:
– لا يا حبيبتي، مش هينفع أجي معاكم. الولاد لما يرجعوا من المدرسة، هيروحوا فين؟!
ضحكت عشق:
– لازم تفرحي بحاجة بنتك! أنتي لسه واقفة يا ندى؟!
نظرت ندى لأخيها الكبير، وقالت عشق ممازحة:
– هو يقدر يقول حاجة؟! أرفده على طول!
ضحك خالد:
– يلا يا بنتي خلّصينا، مش عايز أترفد! سيبي المفتاح مع الجيران يا أمي.
---
بعد خروج الجميع، مدت عشق يدها إلى خالد، وناولته بطاقة الفيزا:
– خليها معاك... كل حاجة تعجب ندى، هاتها، ملكش دعوة بالأسعار. مش عايزة أفكرك، إحنا هنخلص كل شوارها النهاردة، واللي هي تختاره ييجي من غير تفكير.
لم يكن خالد يصدق ما يحدث، وتساءل في نفسه: "يا ترى، إيه الخير اللي عملته وخلى ربنا يرضى عني بالشكل ده؟!"
منذ أن عرف عشق، لم يرَ فيها سوى أخت ثانية. لم ينسَ أول مرة رآها، مختبئة خلف حائط منزلهم القديم، خائفة وبريئة. وعد نفسه حينها أن يحميها كما يحمي ندى.
تمتم بحب:
– أنا مش مصدق إن في ناس زيك لسه عايشين وسطينا... بتلاقي سعادتك في إسعاد الناس. ربنا يخليكي... حقيقي، كان يوم ما شوفتك، أجمل يوم في عمري. يا أحن وأطيب أخت في الدنيا.
---
خرجوا، فوجدوا أم سيد، وبجوارها ابنة أختها، وكأنها جاءت لتُظهر عجزهم أمامها. تحدث خالد بعصبية:
– مامتك قصدها إيه، وهي جايبة بنت خالتك معاها؟!
ردّ سيد بلا مبالاة:
– سيبك منها... أختك في قلبي وعيوني. وكل اللي هي بتعمله ده، ما يفرقش معايا.
يعلم خالد جيدًا أنه لا يرى سوي أخته ندى ، لكن الموقف ضايقه، فهتف بصدق:
– حبك ليها هو اللي مخليني مستحمل لحد دلوقتي.
رأت عشق التكبر والكره في عيون حماتها وابنة أختها، ونظرت إلى ندى، التي بدا عليها الخوف وثقتها المهزوزة.
فاقت عشق من تفكيرها على سؤال صارخ من السيدة:
– وإنتي مين يا أختي؟!
رفعت عشق رأسها بثقة، وقالت:
– أنا عشق، يا طنط... صديقة ندى.
عند الباب الخارجي، وأمام نظرات متبادلة تحمل كثيرًا من التساؤلات والشك، قالت "سيدة" بسخرية واضحة، وقد كانت تعلم أنهم لا يملكون أقارب أو معارف قريبين:
– أومّال ليه أول مرة أشوفك؟
ابتسمت "عشق" ابتسامة باهتة، ثم جذبت يد "ندي" بلطف، تقودها نحو السيارة، وهي تهتف بلهجة هادئة:
– لأني كنت مسافرة ولسه راجعة من كام يوم بس.
لكن خطواتها توقفت فجأة عندما سمعت نبرة "سيدة" وهي تخاطب خالد، وقد تجمد مكانه من الغضب، بعد أن صاحت دون خجل:
– مش هتنازل عن الأوضة اللي اخترتها!
استدارت "عشق" لها بحدة، ونظرة ثقة تملأ عينيها، قائلة بحزم:
– يا طنط، ندي غالية جدًا عندنا، وكل حاجتها هتخلص النهاردة، وأحسن من طلباتك كمان!
تبادلت "سيدة" وابنة أختها نظرات امتعاض، ولم تخفِ إحداهن شعورها بعدم الارتياح من ثقة "عشق" الزائدة. ثم استقلت "عشق" سيارتها الفاخرة، بينما ركب خالد جوار سيد في سيارته.
وفي الطريق، لم تستطع "سيدة" كتمان فضولها، فسألت باندهاش:
– هي دي عربيتك يا عشق؟
– آه يا طنط.
هتفت بتعجب، وقد اتسعت عيناها:
– باين عليها غالية قوي!
ردّت "عشق" بلامبالاة وهدوء:
– ولا غالية ولا حاجة، دي بمليون ومتين ألف بس.
شهقت "سيدة" غير مصدقة:
– بم كام؟!
أجابت عشق بابتسامة واثقة:
– آه يا طنط، دي عربية الحرس بتاعي، دفع رباعي.
توسعت عينا "سيدة" أكثر، والدهشة تعلو ملامحها:
– هو أنتي عندك حرس كمان؟!
أومأت "عشق" برأسها وهي تقول ببساطة:
– أيوه يا طنط... بس عطيتهم إجازة النهاردة علشان أخرج مع ندي. أصل حضرتك ما تعرفيش غلاوة ندي عندي، دي أختي، ومش ممكن أتأخر عليها أبدًا.
كان لكلمات "عشق" وقع عظيم على قلب "ندي" ووالدتها، شعرا بالفخر، ورأيا بوضوح ملامح القلق ترتسم على وجه "سيدة"، والانزعاج يغزو تعابير ابنة أختها. وهذا وحده كان كفيلًا بأن يمنحهما شعورًا خفيفًا بالراحة.
رنّ هاتف "عشق"، فتحت الخط، وما إن سمعت ما قيل، حتى توقفت فجأة وقالت بدهشة:
– إيه؟ بتقول إيه؟
رواية انت عمري الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم احمد محمود
توقّفت عشق فجأة، حين لمحت رقم خالد يسطع على شاشة هاتفها. رفعت الجهاز إلى أذنها قائلة بقلق:
– أيوه يا خالد، خير؟! إيه؟ بتقول إيه؟ صوتك مش واضح!
– مول إيه؟! طيب... تمام، استناني، همشي وراك، لأنّي معرفش مكانه. أوك، سلام.
بعد فترة قصيرة، توقّف الجميع أمام مول كبير، ونزلوا معًا.
راحت فردوس تتأمل المكان بانبهار، قبل أن تسأل باستغراب:
– هو إيه المكان ده؟
عشق أجابتها مبتسمة:
– ده يا طنط مول لتجهيز العرايس، فيه كل حاجة، بدل ما تلفّي من مكان لمكان، جمعوا كل حاجة هنا.
تدخلت سيدة، تحدثت إلى ابنة أختها بنبرة ساخرة:
– إيه يا أختي؟ المكان ده! هو إحنا اللي زيّنا يعرف يجيب حاجة ؟
ردّت الابنة بعدم رضا:
– ربنا يستر يا خالتي، وميفضحناش في المكان... الأسعار هنا غالية جدًا.
قالت السيدة بشماتة:
– يعني غرف النوم هنا أغلى من السعر اللي طلبته علشان نفركش الجوازة!
ضحكت ابنة أختها بسخرية:
– كتير يا خالتي، مش هتلاقي السعر ده هنا أصلًا.
دخل الجميع إلى المول، فاستقبلهم المسؤول عن المكان بأوامر من أدهم. وسأل بصوتٍ رسمي:
– مين مدام عشق؟
أشار خالد إليها، فاقترب الرجل منها باحترام قائلاً:
– تفضّلي معايا يا فندم، شرف كبير إن حضرتك تشرفينا في مكانّا المتواضع.
نظر الجميع إلى بعضهم بدهشة، باستثناء خالد، الذي كان يعلم جيدًا مدى قوة ونفوذ سيده.
– تحبّي تشوفي إيه الأول؟ غرف النوم؟ مش كده يا ندي؟
لكن ندي لم تستطع الرد، فقد كانت منبهرة تمامًا بالمكان وفخامته.
قال الرجل وهو يفتح باب المصعد:
– تمام، تفضّلي سيادتك.
وصلوا إلى الدور الثالث، وتوقّفوا أمام قاعة ضخمة تمتلئ بغرف النوم بمختلف الأشكال والتصاميم.
اقتربت عشق من ندي وهمست لها:
– اختاري اللي يعجبك، مالكيش دعوة بالسعر.
مالت مريم على خالتها وهمست:
– معقول يا خالتي تجيب أوضتها ؟ ده أخوها كان مستغل أوضة بـ ١٥ ألف! يقدر على الأسعار دي إزاي؟ أنا مش مرتاحة للموضوع أصلًا.
قالت السيدة بغيظ:
– إنتي مش شايفة البنت اللي ماشية معاها؟ راكبة عربية ثمنها كام! والراجل استقبلها إزاي؟!
مالت فردوس على عشق وقالت بدهشة:
– معقول الأوض هنا رخيصة كده؟! ماكانش حد تعب! شوفي دي ٣٠ جنيه، ودي ٤٥... يا بلاش!
ضحكت عشق وقالت:
– ٣٠ ألف يا طنط، مش جنيه!
اتسعت عينا فردوس بصدمة:
– يعني دي بـ ٦٠ ألف؟ ودي بـ ٧٥؟! آه يا طنط!
تقدّم سيد من خالد وندي وقال بانزعاج:
– إحنا جينا هنا ليه يا خالد؟ الأسعار غالية جدًا، وبعدين أنا كنت طلبت من صاحب المعرض يعمل لنا أوضة شبه اللي أمي مصمّمة عليها بنص التمن!
تأمّل خالد المكان من حوله، وقال مترددًا:
– والله ما عارف يا سيد...
ردّ سيد بنبرة حاسمة:
– طيب يلا نمشي، علشان الإحراج... نقول مافيش حاجة عجبتنا!
همس خالد لنفسه بتشتّت:
– عشق مصمّمة على المكان ده...
غمز سيد بخبث وهمس له:
– خالد بجلالة قدره واحدة تمشي كلامها عليه؟! غريبة! هي السنارة غمزة ولا إيه؟
اتسعت عينا خالد بصدمة، وهتف بحدّة:
– سنارة إيه يا عم! دي مرات أدهم الشهاوي! محترمة وبتعشق جوزها جدًا، وهو كمان بيدوب فيها! لو سمع حاجة زي دي، هيفجّر الحارة كلها!
ضم سيد حاجبيه بتعجّب وسأله:
– أدهم الشهاوي؟ اللي بتشتغل عنده؟
– أيوه، هو... بشحمه ولحمه.
سيد بدهشة:
– بس اللي يتعامل معاها ميحسش كده! شوف، حاطه إيديها في إيد أمك إزاي؟ وماشيين يضحكوا!
خالد قال بنبرة غير مصدقة:
– أنا نفسي مش مصدق اللي بيحصل! أصل الناس دي معدّية خالص... حتى أهلها من كبار الصعيد، وغنيين جدًا!
---
تابعت عشق نظرات ندي التي كانت تترقّب تعبيرات وجهها، وكأنها تحاول أن تعرف ما الذي يعجبها أكثر.
قالت عشق برقة:
– خلاص يا ندى، آخر كلام؟
وقبل أن تجيب، جاء صوت خالد:
– آه يا ندى...
تدخلت عشق:
– بس دي أجمل، يا ندى.
ردّت ندى وهي تنظر إلى السعر:
– آه، جميلة... بس التانية عجباني أكتر.
شدّتها عشق من يدها وهي تضحك:
– لا، دي اللي عجباكي أكتر!
أخفضت ندى وجهها بإحراج:
– عرفتي إزاي؟
ابتسمت عشق بثقة:
– أنا متابعاكي ومتابعة نظرتك... خلاص، حضرتك، ناخد دي؟ ولا إيه رأيك يا طنط؟
فردوس، وقد نظرت للسعر بحرج، تمتمت:
– اللي تشوفيه يا بنتي، أنا مش بعرف في الحاجات دي.
اقترب الموظف وسأل:
– طيب العنوان يا فندم؟ و الفاتورة بإسم مين؟
عشق:
– الفاتورة بإسم خالد، والعنوان في الآخر، لأن لسه هنروح أقسام كتير.
سألت ندى بحيرة:
– إيه رأيك نجيب مراتب فايبر بدل القطن؟
– مش عارفة...
التفتت عشق إلى السيدة:
– إيه رأيك يا طنط؟ لو بتجيبي لبنتك، أنهي أفضل؟
أجابت السيدة:
– الفايبر أحسن كتير، وبنات العيلة الوقت بيشتروا الجاهز... أنضف و أقيم. خلاص، توكّلنا على الله.
اختاروا جميع "الشوار"، وكان كله على ذوق ندى التي كانت تتهرّب من الاختيار، لكن أمام إصرار عشق كانت تفعل ما تطلبه منها.
قال خالد بإرهاق:
– تعالوا نأكل... أنا تعبت.
جلس الجميع في كافيتيريا المول يتناولون السندوتشات والعصائر.
قالت فردوس بفرحة:
– الحاجة كلها جميلة وفخمة... بس غالية.
خالد ابتسم:
– يا أمي، المول ده للناس المرتاحين ماديًا.
تدخلت السيدة بسخرية:
– ويا ترى الفلوس دي منين؟ سالفهم؟ ولا نصبتِ على الراجل اللي شغالة معاه؟
رفع خالد نظره بضيق وقال:
– كفاية، أنا لو حرامي ولا بقبل على نفسي قرش حرام، كنت جوزتها من زمان. وبعدين، جبتهم منين ده ما يخصش حد. أنتي طلبتي أوضة بـ١٥ ألف، جالك أوضة بـ٤٠ ألف!
عوجت السيدة فمها وهتفت:
– مش بطمن على فلوس الحاجة اللي داخلة بيت ابني!
سيد، وقد ضاق صدره، قال بحزم:
– كلام حضرتك غلط، وما يصحش يتقال... ولا أنتي مش شايفاني راجل قدامك؟
أجابت بسرعة:
– فشر! مين يقدر يقول كده؟! إنت راجل وسيد الرجالة.
عشق تضايقت من أسلوبها، وهتفت:
– حضرتك، خالد فوق مستوى الشبهات... ولو ماكانش راجل وأمين وأخلاقه عالية، عمر جوزي ما كان خلاه الحارس الشخصي ليا.
نظرت ندى إلى ملامح أخيها والدموع تملأ عينيها، فقد كُسرت فرحتها بإهانة أخيها وأبيها. لم ترَ والدها منذ أن كانت طفلة صغيرة، فقالت بانكسار:
– آسفة جدًا يا أبي... أنا السبب في كل ده.
ثم التفتت نحو السيدة، تلك التي كانت تنتظر هذه اللحظة منذ سنوات، وقالت:
– أنا ممكن أتحمّل منك أي حاجة... إلا إهانة أخويا والتشكيك في أخلاقه.
خلعت دبلتها وقدّمتها إليها.
نظر لها سيد بألم، وقال في نفسه:
"لهذه الدرجة؟ لا أعني لها شيئًا؟ أم أني رخيص في نظرها؟ لعبة بين يديها وأمها؟"
لم يعجب خالد تصرّف أخته، فهتف بعتاب:
– إيه ده يا ندى؟!
مسحت ندى دموعها بحزن:
– بعفيك يا حبيبي من أي إهانة... أنت عندي حاجة كبيرة... يلا يا ماما.
وقف سيد متألماً، يطالع ملامحها الحزينة:
– للدرجة دي أنا رخيص عندك؟ بتخلعي دبلتي بكل سهولة؟! شكرًا ليكي... بعد إذنكم.
حاول خالد إيقافه:
– استنى يا سيد!
لكنه مضى دون رد، يمشي بخطوات سريعة، يريد أن يبتعد عن المكان بقدر ما يستطيع. شعر بالاختناق... لم تهتم بمشاعره أمام الجميع، رغم أنه يعلم تمامًا أن أمه تجاوزت كل الحدود، وأنهم تحمّلوا منها فوق طاقتهم. لكن لم يتوقع هذا الموقف من ندى... بالذات منها.
أما ندى، فسالت دموعها بعجز. كانت في حيرة بين كرامة أخيها... وقلبها.
ضمّتها عشق وهمست:
– خلاص يا قلبي... دي لحظة شيطان وهتعدّي.
لكن فردوس انفجرت بعصبية وهي تغادر المكان:
– ياريت تكوني ارتحتي الوقت لما كسرتي قلوبهم وفرقتيهم... مبروك عليكي وعلى أختك!
نزل الجميع وتوجهوا إلى سيارة عشق، ما عدا السيدة ومريم، وقفتا على جانب الطريق.
رجعت لها عشق وسألتها:
– هو حضرتك واقفة ليه كده؟
أجابت:
– هنشوف تاكسي ونرجع.
قالت عشق بإصرار:
– لا، حضرتك جاية معانا، وترجعي معانا... حتى لو كل واحد هيروح لحاله، بس إحنا أكلنا مع بعض عيش وملح.
ركبت السيدة وابنة أختها جوار فردوس، التي كادت تترك السيارة لكنها خافت من زعل عشق.
ندى، منهارة من البكاء، حاولت السيطرة على نفسها أمام أكثر اثنين يشمتان بها، لكن قلبها كان ينزف قبل عينيها.
ركبت ندى وابنة أختها في الخلف، بجوار فردوس.
السيدة لم تعد تتحمل بكاء ندى... كانت تريد لابنها نسبًا يرفع الرأس، يكون سندًا له عند غدر الأيام، وكانت تحلم أن تدخل عروسه وهي تفتخر بها بين أهلها وجيرانها.
حاربت كثيرًا لإبعاد ابنها عنهم، لكنها الآن لا تعلم لماذا تألم قلبها لبكاء تلك الفتاة، ولانكسار نظرة ابنها...
أخرجت الدبلة من حقيبتها، وهمست بصوت نادم:
– كفاية يا ندى عياط... خدي يا حبيبتي، إلبسي دبلتك.
مريم هتفت باستنكار:
– إنتي بتقولي إيه يا خالتي؟! إنتي عايزاها ترجعله بعد ده كله؟
تمتمت السيدة بضيق، وهي تلعن أختها التي ظلت تبث السم في أذنها كل يوم:
– إن العروسة وأهلها لا يناسبوا ابني... وبدل ما يرفعهم لمستواه، هيسحبوه هما لمستنقعهم... ويبقى عزاله المتهالك محل سخرية الجيران.
لكن... شافت نظرة الانكسار في عين ابنها.
– أنا... أنا مش ممكن أكون سبب في كسر خاطره ولا قلبه أبدًا... خدي يا ندى، وربنا يهنيكم.
التفتت ندى لها بعدم تصديق، فهزّت السيدة رأسها بالموافقة.
أخذت ندى الدبلة، ولبستها وهي تقبّلها بحب.
تابعت السيدة فعلتها بندم... فقد رأت بعينيها كم تعشق تلك الفتاة ابنها.
بينما تمتمت عشق في نفسها بحمدٍ لله.
---
تحدث خالد بعتاب وهو ينظر إلى صديقه:
– إحنا سيبنا الحريم لوحدهم! ما ينفعش كده يا سيد.
رد سيد بصوت يملؤه الحزن:
– عايزني أفضل؟ بعد ما خلعت دبلتي بالشكل ده؟!
اقترب منه خالد، نبرة صوته تحمل دفئًا وودًا:
– سيد، أنت صاحبي قبل ما تكون خطيب أختي، وعارف أخلاقي كويس. بس بصراحة، كلام مامتك كان صعب جدًا.
تنهد سيد ورفع حاجبيه بأسى، ثم قال معتذرًا:
– آسف يا خالد، حقك عليا. أنا عارف وفاهم... وتعبت، والله، وأنا بتكلم معاها، بس خالتي وبنتها مغميين عنيها.
شرد خالد للحظات، ثم قال بصوت خافت ينزف ألمًا:
– أختي، بسبب كلام والدتك، فكرت تنتحر... وكانت هتروح مني. وأنت عارف، أنا مش مجرد أخ كبير، أنا أب ليها...
حد غيري كان فسخ الخطوبة من زمان، واللي مصبرني عليك إنك بتحبها، وهي بتحبك.
البنت لسه صغيرة، ومحتاجة أمان... وأنا مش هسمح لحد يبهدلها.
خفض سيد رأسه بندم، وقال بصوت حزين:
– يعني أنا اللي ممكن أوافق على كده؟!
ثم تنهد، وتابع:
– طيب، خليها تركب معايا... وأنا هرضيها بكلمتين. أكيد الوقت ده، مموّتة نفسها من العياط.
---
رن هاتف عشق، وكانت المتصلة خالد. ردّت بسرعة:
– أيوه، يا خالد... طيب، تمام.
وقفت عشق على جانب الطريق، وأمامها توقفت سيارة سيد.
نزل خالد، وفتح الباب لأخته، وساعدها على النزول. مسح دموعها بحنان، ثم همس:
– روحي لخطيبك، وارضيه بكلمتين... لأن اللي عملتيه غلط، وعيب في حقه. يلا.
تحركت ندى بسرعة، وركبت إلى جوار سيد داخل السيارة، بينما عاد خالد إلى عشق، وطلب منها أن تنزل، ثم قاد هو السيارة بنفسه.
---
جلست ندى بخجل بجوار خطيبها، عيناها لا تجرؤان على النظر إليه.
نظر لها بسخرية ممزوجة بالعتاب، وقال:
– يعني لبستي الدبلة تاني؟!
أجابته بصوت خافت:
– مامتك هي اللي عطتها ليا.
هز رأسه بحسرة:
– ما كنتش مصدق إنك تخلعيها بسهولة كده! ده وعد... وعدناه لبعض.
الدبلة دي ما تتشالش من إيدك غير يوم الفرح، ولما تتنقل، تتنقل لإيدك التانية... وبعد كده، ما تطلعش من إيدينا إلا بالموت.
تألمت ندى لوقع كلماته، وتمتمت بأسف:
– أنا آسفة... بس كلام مامتك دايمًا لينا قاسي، وجارح.
وخالد... تعب معانا، وبيستاهل التقدير والاحترام.
أومأ سيد بتفهم:
– أنا عارف... عارف إن كلامها صعب، وتصرفاتها مش عاجباني.
بس مش عارف أعمل معاها إيه...
وأنتي... يرضيكي أزعلها وتغضب عليا؟
لكن، يكفيكِ إني رغم كل ده، ما قلّتش حبي ليكي، ولا لحظة.
أخفضت ندى رأسها، وتمتمت بشكوى:
– بس أنا تعبت من إحساس إننا أقل منكم، يا سيد...
وضع سيد يده فوق يدها (علمًا أن هذا شرعًا غير جائز، لأن لم يُكتب كتابهم بعد)، وقال بنبرة حانية:
– مين يقدر يقول كده؟ أنتي تاج فوق راسي.
وأخوك... طول عمره راجل من وهو صغير، جدع وصاحب صاحبه، وبمليون راجل.
كفاية إنه ضيّع عمره علشان يحميكم من غدر الأيام، وهو مش دوره أصلاً...
أنا بتباهى بيه وسط أهلي وأصحابي.
*******
عشق وأدهم
عادت عشق إلى منزلها في غاية الإرهاق. صعدت إلى غرفتها، أخذت حمامًا سريعًا، وارتدت قميصًا رقيقًا، ثم جلست تنتظر عودته، والحزن يخيّم على ملامحها.
بعد مرور أكثر من نصف ساعة، سمعت صوت فتح باب الغرفة. دخل أدهم وهو يحمل باقة ورد وعلبة من الشوكولاتة، ووضعهما أمامها، ثم قال بابتسامة:
– مساء الخير، يا حبيبتي.
ردّت عشق بصوت خافت:
– مساء النور... حمد لله على سلامتك.
ثم أدارت جسدها إلى الجهة الأخرى.
ابتسم أدهم على تصرفها، فقد كان يعلم جيدًا سبب حزنها. دار حول الفراش واقترب منها، رافعًا باقة الورد أمام وجهها وهو يقول بأسف:
– آسف يا قلبي... غصب عني.
تناولت عشق الورد وضمّته إلى صدرها. جلس أدهم إلى جوارها على الفراش، وقال ممازحًا:
– يعني تحضني الورد وتدوّبي فيه، وحبيبك لأ؟
نظرت إليه وقالت بعتاب:
– الورد ما زعلنيش... ولا أهملني.
اقترب منها أكثر، وهمس بنبرة ندم:
– وأنا إمتى زعلتك؟ أنا حبيبك، وإنتي عمري.
بس والله غصب عني، يا عشق. كنت مضغوط جدًا النهارده، وعارف إن خالد مش هيسيبك لوحدك.
أنا كنت بس عايز أسمع صوتك... لكن كنتي قافلة فونك طول اليوم.
احتضنها، وتابع:
– والله المفروض أكلمك كل فترة... وأشوف عملتي إيه. سامحيني بقى.
لانت ملامحها، وتمتمت بصوت مفعم بالشوق:
– وحشتني... ما تعنتش تغيب عني كده. لازم تكلمني أكتر من مرة، أنت بتوحشني قوي.
هتف بشغف وهو يضمها بقوة:
– وإنتي بتوحشيني أكتر... وطول اليوم طيفك ما فارقنيش.
سامحيني يا عمري، آخر مرة، ووعد.
ناولها الشوكولاتة، ففتحتها بسعادة ورفعت قطعة نحو فمه. قبّل يدها برقة وهو يتناولها، ثم نهض وقال:
– هاخد شاور وارجعلك، أشوف عملتي إيه النهارده.
---
منزل خالد
في منزل خالد، جلس أمام والدته وهو يشرق بفرحة لا تُضاهى، وسألها بحماس:
– إيه يا أمي، ندى مبسوطة؟
اتسعت ابتسامتها، وردّت بحنو:
– هي مبسوطة بعقل!
مين كان يصدق إن ده كله يحصل؟ نجيب كل الحاجات في يوم واحد... وأغلى وأجمل من اللي كنا بنحلم بيه.
وحماتها كمان تقبلتها أخيرًا!
هتف خالد بحمدٍ ورضا:
– الحمد لله على كل حال. إن شاء الله الحاجة توصل شقتها بعد بكرة... ونروح نستقبلها كلنا، ونستلم الحاجة ونحدد معاد الفرح.
إنتي عارفة إن شقتها خلصانة... وكانت واقفة على شوار ندى بس.
ثم صمت لحظة، وقال بتردد:
– بس مش عارف أعمل إيه في كتب الكتاب... أبلغه؟ ولا لأ؟
لاحظت والدته الحيرة في عينيه، فقررت أن تحسم الأمر وقالت:
– بلاش تروح، يا حبيبي. إحنا مانفرقش معاه بحاجة، وكده كده هو آخر مرة شافها من ١١ سنة، ولا هيهتم... ويمكن كمان مش فاكر إن عنده ولاد.
تنهّد خالد بحزن، وقال بصوت خافت:
– أنا عارف كل ده، يا أمي... بس الأصول إن والدها عايش، وهو اللي يكون وكيلها.
أنا هعمل الأصول والواجب... أروح أبلغه، وهو حر. عايز يحضر ويكون وكيلها؟ أهلاً. مش عايز؟ عادي.
نظرت إليه والدته بدهشة، وسألته:
– يعني إنت عارف مكانه؟!
طافت سحابة حزن في عينيه، وهتف باشمئزاز:
– آه، يا أمي. أنا متابع كل خطواته... وعارف بيتنفس كام مرة، وأكل إيه.
هو أب ما يشرفش... بس أنا مضطر علشان أريح ضميري قدام ربنا.
ربتت على كتفه بحنان، وقالت:
– ربنا يخليك لينا.
ثم دخلت غرفتها سريعًا، حتى لا يرى الخوف الذي زار قلبها من مجرد ذكر اسمه.
هي لا تتمنى رؤيته أبدًا، ولا تريد أن تعطيه الفرصة ليعود إلى حياتها، تلك الحياة التي أصبحت أكثر راحة في بعده.
جلست على طرف الفراش، ومسحت دمعتها التي تسللت رغماً عنها، وهي تتذكر تلك الليلة التي هجم عليها كقضاء مستعجل...
---
فلاش باك
بعد انقطاع أخباره ثلاث سنوات كاملة – كانت الأسعد في حياتها – ظهر فجأة في ليلة سوداء، تُعدّ الأسوأ على الإطلاق.
زارها وهي وحيدة، وكان مخمورًا، تحكمه شياطينه.
حاولت منعه من دخول المنزل، لكنه ظل يطرق الباب بعنف، حتى تجمّع الجيران، فاضطرت إلى إدخاله خوفًا على ابنها الغائب من شره.
لكن الشرّ الأكبر كان في انتظارهـا...
دخل، وبعد قليل، علمت السبب المشين من زيارته.
ذهبت لتطمئن أطفالها، وطلبت من ندى، التي كانت تبكي بخوف من صراخ والدها في الخارج – ذلك الأب الذي لم تره من قبل ولا تعرف ملامحه – أن تحتضن أخاها وتنام، وألا تفتح الباب لأي أحد إلا لأخيها خالد فقط.
عندما خرجت من غرفة الأطفال، وجدته ينظر إليها بنظرة شهوة أقشعر لها جسدها، رغم أنه زوجها... لكنها لم تتقبّل لمسته يومًا.
اقترب منها ليقبلها. حاولت أن تتحمل، حتى ينتهي، خوفًا من أن يتصادم مع خالد الذي كان عمره اثنين وعشرين عامًا وقتها...
خافت عليه من بطش والده منزوع الرحمة.
لكنها لم تستطع كبت نفورها، فانهال عليها بالصفعات حتى تورم وجهها.
ورغم الألم الذي مزّق جسدها، كانت تبتلع صرختها، خوفًا على طفليها في الغرفة المجاورة.
وحين انتهى منها، بصق عليها... وخرج من المنزل، ولم يعد منذ ذلك اليوم.
اكتشفت بعدها أنها حامل بطفلها الأخير، الذي لم يعلم بوجوده حتى اليوم.
وعندما عاد خالد من عمله، وعلم بما حدث، أراد الذهاب إليه ليأخذ حقها، لكنها ارتعبت عليه، وبكت بحرقة، طالبة منه أن يتراجع، مؤكدة له أنها ستموت قهرًا إن ذهب.
استجاب خالد لدموعها، وضمها إلى صدره، حزينًا على حالها...
---
في منزل "سيدة"...
عادت سيدة وابنة أختها إلى المنزل، وهي تعلم جيدًا ما ينتظرها من ثورة أختها الكبرى "حنان"، التي استقبلتهما بغضب حتى قبل أن تجلس.
صرخت حنان بحدة:
ـ إيه اللي انتي عملتيه ده يا سيدة؟! إزاي بعد كل ده، توافقِي تدخّلي بنت البلطجي الإماراتي علينا؟! تسيبي بنت الحسب والنسب وتاخدي دي؟!
جلست سيدة تنهار من قلة الحيلة، وهتفت:
ـ أعمل إيه يا حنان؟! عملت كل اللي طلبتيه... حتى يوم ما حاولت تنتحر، لما هددت بفسخ الخطوبة، كنت هخسر ابني! ومن يومها وهو مش بيبات في البيت، وقالي لو كان حصلها حاجة، كان هيخسرني معاها.
وإنتي قلتيلي ده كلام مؤقت، وهتختفي من حياته، وهيعيش، بس النهارده نظرته ليها بعد ما خلعت دبلته... وجعتني!
أنا كل مرة بتعب... ابني بيتعب قبلي! لحد كده كفاية، مش هأذي ابني تاني!
ردّت حنان بحدة وقسوة:
ـ إنتي عارفة معنى كلامك ده إيه؟ إنك بتخسريني... بتخسري أختك الوحيدة!
أخفضت سيدة وجهها بحزن وهمست:
ـ ابني بيضيع مني... وأنا ما يهمنيش غير مصلحته.
اتسعت عينا حنان بعدم تصديق، وكأنها لا تصدق تمرد أختها بعد كل تلك السنين، ثم وقفت وقالت بحدّة قاطعة:
ـ خلاص يا سيدة! إنتي اخترتي! انسِي إن ليكي أخت اسمها حنان... وعمري ما هسامحك على كسر قلب بنتي! يلا يا مريم!
وقفت سيدة برجاء، تحاول استمالتها:
ـ بلاش نحط الأولاد بينا! إنتي عارفة إني بحب بنتك، وبتمنى ليها الخير، وبكره ربنا هيعوضها... وإحنا هنفضل طول عمرنا إخوات.
لكن حنان دفعتها عن طريقها دون رد، وغادرت.
جلست سيدة تراجع نفسها فيما حدث، لتشعر ـ رغم الحزن ـ براحة غريبة، وكأن قلبها يخبرها أن قرارها كان صائبًا... وأن راحة ابنها أهم من أي شيء في الدنيا.
---
في منزل المنشاوي...
في غرفة "فهد"، جلس بجوار "ماسة" الغافية، يتأمل ملامحها بحنان، وحرّك أنامله برقة على وجنتها. لم يكن يصدق نفسه، ولا مشاعره التي جعلته ينتظر نومها حتى يجلس جوارها كل هذا الوقت دون ملل.
اقترب الفجر، وتذكّر مشهد أدهم وهو يحمل "عشق" أمامه على ظهر الفرس... وتمنّى أن يعيش نفس التجربة، ولكن معها هي فقط.
ابتسم برضى، وقرر تنفيذ فكرته.
أخذ يهزها برقة، وهو يهمس:
ـ ماسة... حبيبتي، اصحي نخرج شوية.
ثم كرر بلطف:
ـ ماسة... اصحي يا حبيبتي.
فتحت عينيها بكسل، وهي تحاول استيعاب ما يحدث، فقالت بتثاقل:
ـ هو النهار طلع؟ ولا إحنا لسه بالليل؟
طبع قبلة على جبينها وهو يقف:
ـ إحنا في الفجر... يلا قومي.
اتسعت عيناها بدهشة، وهمست في سرها:
"نخرج الفجر؟ نروح فين؟!"
لكنها وقفت، وتوجهت للحمام تغسل وجهها، ثم خرجت مرتدية عباءتها السوداء، وسارت بجواره في صمت، حتى وصلا إلى إسطبل الخيل.
نظرت له بحيرة، لكنه ابتسم، وصعد فوق صهوة جواده، ثم مدّ يده لها.
أمسكت بها بقوة، فرفعها بين أحضانه بسعادة، وانطلق بالفرس مسرعًا، بينما تمسكت به بشدة، لا تصدق ما يحدث.
لقد ذاب جبل الجليد، وظهر وجهه الحقيقي. "فهد"... الشخص الرومانسي المدفون تحت أنقاض الهيبة والمسؤولية والقوة.
وضعت رأسها على صدره، تستمتع بسيمفونية أنفاسه، ودقات قلبه.
وصل إلى مكانه المفضل، أنزلها من على الحصان، وجلس جوار شجرة ضخمة، بينما كانت تتأمل المكان من حولها بفرح.
سألته بلهفة:
ـ مش ده المكان اللي كان فيه فرح عشق؟
ابتسم وقال:
ـ أيوه... ده مكاني الخاص، ولما طلب أدهم فرس علشان ييجي هنا، جيتي في بالي على طول.
كنت بتمنى أركب حصاني زيّه، وإنتي في حضني... بس ماكنتش متخيّل إن اللحظة هتكون بالروعة دي!
ثم جذبها بشوق، فتاهت بين كلماته، وتمتمت بتقطع:
ـ يعني... يعني أنت بتحبني من زمان؟
أجابها بصدق:
ـ مش هقدر أقول حب، بس كل مرة شفتك، كنت بحس بحاجات غريبة عليا... مافيش عندي خبرة في التعامل مع الحريم، بس الإحساس دايمًا كان حلو ومريح.
تابع بابتسامة:
ـ "عشق" وجهّتني في نفس اليوم، وقالتلي إن نظرتي ليكي كلها حب... وأنا مصدقتش.
أتاري حبي ظاهر للكل إلا أنا!
ضمّت نفسها له أكثر، وقالت بصدق:
ـ أنا بحبك قوي يا فهد... ومش مصدقة حبك وحنانك عليّ.
ربنا يخليك ليا... وخايفة كل ده يكون حلم جميل!
طبع قبلة على شفتيها، يتمنى من قلبه ألا يصحو من هذا الحلم أبدًا.
********
خرج أدهم، فوجدها في انتظاره.
صعد إلى الفراش، فتمدّد وهو يضمّها إلى أحضانه، ثم جمع خصلات شعرها إلى جانب واحد وهمس بحنان:
– ها؟ كان يومك عامل إزاي يا حبيبتي؟
جذبت يده، تضمها بين يديها وهي تسرد ما حدث:
– ندى كانت فرحانة، وجبنا كل حاجة ناقصة... كنت مبسوطة من الفرحة اللي كانت في عيونها هي وخالد وأمها، بسّ حماتها عملت مشكلة ونكّدت على الكل!
تعجب أدهم من تلك المرأة، وقال مستنكرًا:
– دول جابولها كل اللي هي عايزاه وزيادة! ليه النكد تاني؟! مش جالها أحسن من اللي كانت بتحلم بيه؟
– أيوه، بس طعنت خالد في أخلاقه، وقالت له: "إنت نصبت على الراجل اللي شغال معاه ولا سلفت الفلوس؟"
اشتعل الغضب في عيني أدهم، وهتف بحدّة:
– خالد من الشباب المكافحين، محترم وعنده ضمير... وإلا عمري ما كنت شغّلته معايا!
– الحمد لله، الموضوع عدى على خير.
لم تعلم كيف انتهى بها الحال، إذ وجدت نفسها على الفراش وهو فوقها، يهمس بخبث:
– أنا موضوعي لسه ما عداش على خير...
ثم أغرقها في بحر من القبلات الدافئة، يعتذر لها عن تقصيره طوال اليوم، ودون أن يشعر، غرق هو أيضًا في بحر عشقها...
---
في اليوم الثالث...
وقف خالد أمام ملهى ليلي وهو يشعر بالضيق والاشمئزاز. لم يرَ ذلك الرجل منذ سنوات، ولكنه كان يعلم أنه أسوأ مثال للأبوة، رجل ركض خلف الراقصات وبنات الليل وترك أبناءه دون أن يلتفت إليهم يومًا، حتى ليطمئن على حالهم. كان خالد في الثامنة عشرة حينها، وأخته الصغيرة لم تكن قد رأت نور الحياة بعد.
نزل من السيارة، فسأله صديقه عامر:
– أدخل معاك؟
هتف خالد بحزم:
– لا، خليك... مش هتأخر. أنا أصلاً قرفان إني داخل مكان زي ده، وعارف إني هشوف مناظر تكسرني.
تحرك نحو النادي الليلي بخطوات واثقة، متعمدًا المجيء قبل الزحام كي لا يرى ما يزيد من كرهه لوالده. السمع شيء، والرؤية شيء آخر...
أوقفه الحراس عند الباب، يرمقونه بريبة لطريقة دخوله. سأله أحدهم:
– إنت جاي لمين؟
رد خالد بضيق:
– زبون! وبعدين غريبة، من إمتى الكباريه يمنع حد من الدخول؟
أجاب الحارس:
– لا مش بنمنع حد، بس إنت وجه جديد، ولازم نعرف سبب الزيارة.
نظر له خالد بسخرية وتحرك للداخل. أما عامر، فلم يرتح للوضع، ودخل خلفه دون أن يراه، تحسبًا لأي طارئ.
تحرك خالد بهيئته الجذابة... شاب وسيم بجسد رياضي، يرتدي قميصًا يناسب بشرته، وقد ثنى أكمامه، يسير بخطوات ثابتة، لفتت أنظار الفتيات الموجودات.
راح يبحث بعينيه حتى توقّف فجأة، وقد رأى ما كان يخشاه. والده، شهاب، يجلس بين فتيات الليل، إحداهن على قدمه، يقبّلها وهو يضحك.
توجه إليه، يشعر بثقل في صدره. لم يتمنّ يومًا أبًا بهذه القذارة... لكنه مجبر.
توقف أمام طاولته، يخفض عينيه، يستغفر ربه مما يرى، ثم تمتم بصوت منخفض حاد:
– أخبارك؟
رفع شهاب عينيه، ولما تعرّف على ملامحه، قال بسخرية:
– أهلاً بابن أمه! إيه ده؟ كبرت وبقيت راجل ملو هدومك!
رمقه خالد بغضب مكتوم. كيف يقابل ابنه بعد عشر سنوات بهذا البرود؟ ألا يملك قلبًا أو مشاعر؟
تدخلت إحدى الفتيات بإعجاب:
– مين ده يا شهاب؟
أجاب شهاب بسخرية لاذعة:
– ابني البكري يا أختي!
صرخت الفتيات بإعجاب:
– ابنك؟! بالحلاوة والشياكة دي؟!
إحداهن وضعت يدها على كتفه تتحسسه:
– ما تقعد معانا، تنوّرنا...
نفض خالد يدها بتقزّز:
– ابعدي إيدك دي!
ضحك شهاب بقوة:
– ابعدي عنه... أصله طالع زي أمه، بتاع مبادئ وأخلاق! تلاقيه عمره ما لمس واحدة قبل كده!
اتسعت عينا خالد من وقاحته. كم هو فظ! ماذا يفعل مع شخص مثله؟ لا بد أن يغادر المكان فورًا.
قال بصوت غاضب:
– ممكن كلمة لوحدنا؟
رد شهاب وهو يحتضن الفتاة:
– دول عيلتي، اتكلم براحتك قدامهم.
– بس أنا عايزك لوحدك.
– ده مكان شغل، والزبائن بدأت تهل... مش شؤون طلبة إحنا!
تأمله خالد بحزن داخلي، ولعن نفسه ألف مرة لأنه فكر أن يمنح هذا الرجل اعتبارًا. قال بمرارة:
– أنا كنت جاي أقولك إن كتب كتاب ندى بعد بكره... لو حابب تكون وليها.
ضحك شهاب وهو يقف، ابتلع ريقه بصعوبة حين لاحظ فرق الطول والبنية، ولكنه حاول إخفاء قلقه:
– هتتجوزها؟! صغيرة ليه كده؟! ما كنت شغّلتها تجيب مصروفها الأول بدل ما تبقى عالة زي أمك!
اقترب خالد منه خطوة افزعته، وهتف بغضب:
– تجيب سيرة أمي في مكان زي ده تاني، ومش هتعرف غير شغلك!
ضحك شهاب بقوة، فهو وسط رجاله، والكثرة تغلب الشجاعة. لكن الغضب والانكسار يمنحان الإنسان طاقة مضاعفة.
قال شهاب بسخرية:
– هتعمل إيه يا ابن فردوس؟ جايلي في شغلي وبين رجالي تهددني؟
–
نظر له خالد ساخرا وهويهتف بقوة ::
أنا لا يهمني إنت ولا رجالتك!
وضرب على صدره بقوة أرعبت شهاب:
– القلب ده جمد وقسى من يوم ما رميتني صغير وجريت ورا العاهرات!
ولولا أمي اللي ربتني، كنت عرفتك مقامك!
أنا كنت جاي ابن لأبوه... علشان أختي. بس من اللحظة دي، كل حقوقك عندنا سقطت،
وحتى أمي... هطلقها منك غصب عنك! مستحيل أسيبها على ذمة واحد زيك!
اعتدل شهاب في وقفته، يهتف بوقاحة:
– روح العب بعيد يا شاطر! وأمك مش هطلّقها لآخر يوم في عمرها! خليها كده معلقة تحت مزاجي!
أشار لأحد الرجال:
– هو وزميله!
فجاء الرجل على وجه السرعة:
– خير يا معلم؟
أشار شهاب إلى خالد:
– بصوا للوش ده كويس واحفظوه... ما يعديش من الباب ده تاني! وإلا تخسروا شغلكم!
– أوامرك...
هتف خالد بحقد:
– تفتكر واحد زيي يشرفه يكون في مكان زي ده؟! إنت كده قفلت آخر باب بينا.
اقترب منه أحد الحراس، يضربه على كتفه:
– يلا قدامي...
التفت خالد إليه بغضب:
– إنت قد الحركة دي؟
نظر الحارس لزميله بسخرية:
– أأأه...
ولم يكمل، فقد هجم عليه خالد وأفرغ فيه جام غضبه المتراكم من أبيه ومن الأيام.
ابتعد شهاب مع البنات، مرتعبًا من غضب ابنه، الذي أسقط الحارس من أول ضربة، ثم وجّه لكمة قوية لزميله جعلته يسقط على الطاولة.
نادَى شهاب باقي الحراس. جاء أحدهم يحمل سلاحًا... نظر خالد لأبيه، تساءل في داخله: هل هان عليه ابنه لهذه الدرجة؟
لكن، وقبل أن يستوعب ألمه، انطلقت رصاصة غادرة... استقرت في صدر خالد
رواية انت عمري الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم احمد محمود
كان خالد يتصارع مع أحد الحراس حين نادى والده باقي الحرس الذين ركضوا نحوه. نظر خالد لوالده بصدمة، غير مصدّق أنه يأمر بقتل ابنه! لم يفق من ذهوله إلا حين انطلقت رصاصة غادرة نحو صدره.
لكن عامر تدخّل في اللحظة الأخيرة، وضرب حامل السلاح، فأخطأت الرصاصة هدفها. حدث اشتباك عنيف، أدى إلى خروج جميع من في الكباريه ما عدا الحرس، وخالد، وعامر.
كان عامر قد اتصل بأصدقائه قبل الدخول، تحسبًا لأي طارئ، فهو من كان ينقل أخبار شهاب لـخالد، ويعلم جيدًا مدى شرّه.
دخل الجميع، فوجدوا خالد وعامر محاصرين.
قال شهاب بشماتة:
– ورّيني بقى يا حيلة أمك، هتعمل إيه!
هجم عليه خالد بغلّ، وأمسك عنقه، موجّهًا السلاح نحو وجهه:
– هعمل كده!
لكن صوتًا غاضبًا صَدَع في المكان، فالتفت الجميع نحو مصدر الصوت، ليجدوا صاحب الكباريه ورجاله يقفون خلفه، وهو يصرخ في شهاب:
– إيه اللي بيحصل هنا؟! ومين ده؟!
لعن شهاب في سره زوجته وابنه، قبل أن يرد على الرجل بتوتر:
– ده... ده ابني.
قال الرجل بحدة:
– حل مشاكلك بره، وكل الخراب اللي حصل هنا، إنت وابنك هتدفعوا ثمنه.
صرخ خالد غاضبًا:
– أنا مش دافع حاجة! خليه هو يدفع دم قلبه!
رمقه الرجل بنظرة تقييم، لم يجد في عينيه خوفًا بل غضبًا صريحًا، فأراد جسّ نبضه:
– ما فيش حد يتعدى على أملاكي ويخرج سليم... اسمع الكلام، أحسن لك.
رد خالد بثبات:
– خد حقك مني، بس صاحبي مالوش ذنب... خرّجه وأنا معاك.
وافق الرجل على ترك عامر، فطلب خالد منه الخروج.
– اخرج يا عامر، ده حساب بيني وبين الراجل ده.
لكن عامر نظر له بحيرة، لا يريد تركه، وفي الوقت ذاته يخاف على زوجته وابنه، فهما اثنان فقط، في مواجهة عدد كبير من المسلحين. لم يستطع ترك صديقه، وهتف بإصرار:
– لا يا خالد، مش هسيبك!
صرخ فيه خالد بضيق:
– اخرج يا عامر، علشان خاطر ابنك... أنا مش خارج حي!
رد عامر برفض حاسم، وهجم على أحد الرجال خلفه، ليندلع الاشتباك مجددًا. لكن هذه المرة، وصل أصدقاؤهم الذين كان عامر قد طلبهم مسبقًا.
اندلعت حرب طاحنة، بينما فرّ شهاب هاربًا، تاركًا خلفه ابنه يواجه مصيره. ابنه، الذي نظر له وهو يهرب بنفسه دون أن يلتفت!
ثم دوّى صوت صاحب الكباريه مجددًا وهو يصرخ:
– بس خلاص! خد رجالتك وامشي!
توقف خالد، ينظر له بإشمئزاز، وهو يتمتم في نفسه: "هو خايف على مصلحته... ووالدي مافكرش يخاف على لحمه ودمه!"
خرجوا من المكان، بينما خالد يسند عامر، قائلاً:
– إنت غبي... ما قلتلك ما تخرجش من العربية؟!
أجابه عامر متأففًا:
– أعمل إيه يعني؟ ما كانش ينفع أسيبك.
قال خالد بحدة:
– أفرض كان حصلك حاجة؟! ابنك ومراتك كانوا هيعملوا إيه؟
نظر إليه عامر ساخرًا:
– بتهزر مش كده؟! وأمك وأخواتك يعملوا إيه من غيرك؟
لكن صوت هاني قاطع حديثهم، وقد بدا الذهول على وجهه:
– مش وقت الكلام ده... الباشا عايزنا!
توقف خالد عن المشي، والتفت إليه بنظرة مشككة:
– هو الباشا عرف منين؟!
رد هاني وهو يفتح باب السيارة:
– لما عامر كلم محمود، كنا معاه... وهو اللي طلب مننا نجي نوقف معاكم!
---
عند شهاب...
وقف يطرق باب منزله بعنف، ذلك المنزل الذي يسكن فيه مع بعض فتيات الكباريه. فتحت له فتاة تُدعى حليمة، فدخل وهو يسبّ ويلعن طليقته وابنه، الذي دمّر حياته في دقائق، وجعله يخسر ما جمعه في سنوات!
كان شهاب يعمل قوادًا لعدد من النساء، ويعلم أن صاحب الكباريه لن يتركه قبل أن يعوّض الخسائر... ولذلك كان مضطرًا لتنفيذ كل ما يطلبه للحفاظ على مصلحته.
سألته الفتيات بقلق:
– إنت كويس؟
صاح شهاب بغضب:
– ابن أمه كان هيقتلني... والكباريه اتكسر!
لبلبة قالت بإعجاب:
– أنا مش مصدقة يا شوش إن ده ابنك!
قال شهاب بغيظ:
– ولا أنا مصدق! أنا سايبه حتة عيل عنده 15 سنة، وكنت بروح وأجي عليهم، لحد ما بقى عنده 18... كان عامل زي العصاية، دلوقتي بقى عامل زي الطور... يعدي في الحيط! مش عارف البومة أمه كانت بتأكّله إيه!
ده ضرب الجموسة حلمي اللي كنا بنخوف بيها الزباين!
لبلبة تمطّت بدهشة:
– صراحة يا شوشو، ده غيرك خالص... آه آه، رجولة! رجولة يعني! طوله بعرضه... وحمش كده! لما ميرنا قربت منه، كان عايز يقتلها عليها... النظرة بتاعته... تهوّس!
شهاب صرخ بها:
– مالك يا (...) إنتي وهي؟! هو إنتوا أول مرة تشوفوا رجالة؟! ده انتوا لافينها!
*****
في الفيلا...
كان "أدهم" يتحرك في حديقة الفيلا بضيق واضح. ما إن دخل رجاله حتى وجدوه غارقًا في غضبٍ لا يُخفى.
وقف الجميع أمامه صامتين، وألقى عليهم نظراته الحادة، يتفقد وجوههم واحدًا تلو الآخر. لاحظ الإصابات، لكنها كانت طفيفة لا تُذكر، مما منحه شعورًا بالرضا الداخلي، وإن لم يُظهره.
قال بغضبٍ شديد:
– ممكن أعرف إيه اللي بيحصل من ورايا؟! ها؟ هتشتغلوا بلطجية؟!
انحنى "خالد" برأسه خزيًا وهتف:
– الغلط من عندي يا سعادة الباشا، محدش من الرجالة ليه ذنب... دي كانت مشكلة عائلية، وأنا موافق على أي عقاب تشوفه مناسب.
مرّر "أدهم" عينيه على "خالد"، فرأى أمامه رجلًا مهزومًا نفسيًا لا جسديًا، بداخله شرخ عميق في روحه يستحيل مداواته.
أمر الجميع بالانصراف، ثم التفت إليه وحده بعد أن خلا المكان، وسأله بصوت منخفض:
– إيه اللي خلاك تروح له؟
أجاب "خالد" بألم:
– كنت ببلغه ميعاد كتب كتاب بنته الوحيدة... زي الأغراب، كان عندي أمل إنه يكون اتغير، وحسّ بالأبوة ناحيتنا، بس للأسف... طلب من رجّالته يقتل ابنه!
ثم أردف بصوتٍ مبحوح:
– تخيل حضرتك... أب مشافش ولاده من ١١ سنة، ولما ابنه يروحلُه بدل ما ياخده في حضنه، يأمر رجّالته يضربوه بالنار؟!
أشفق "أدهم" على حاله، وزفر بضيقٍ من ذلك الأب الجاحد، ثم قال بثقة:
– أنت راجل، ومش محتاجه في حاجة. أنت وليّ أمر أختك، وأنا كمان هكون شاهد على عقد جوازها... ولا تزعل.
اتّسعت عينا "خالد" بدهشة ممزوجة بالفرح، ولولا خجله لاحتضنه في تلك اللحظة.
قد تكون كلمات عابرة من "أدهم"، لكنها بالنسبة لـ"خالد" كانت جبر خاطر عظيم، ومَعروفًا طوّق عنقه إلى آخر العمر، وسندًا حقيقيًا أزاح عنه شعور الوحدة والخذلان.
قال بصوتٍ متلجلج:
– وجود حضرتك شرف كبير لينا... أنا فرحتي بكلامك أكبر بكتير من فرحتي بجواز أختي!
ابتسم له "أدهم" وشاوره بيده:
– طيب يلا روح، وانسَ كل اللي حصل... أنت دلوقتي أخ وأب في نفس الوقت. لازم دايمًا تبان قوي ومتماسك، حتى لو جواك منهار.
********
في المساء...
دخل "أدهم" غرفته يبحث عنها بعينيه، وما إن رآها تخرج من غرفة الملابس، حتى هتف بعشق:
– ها، حبيبي، خلّصت لبس ولا لسه؟
ابتسمت بحيرة وسألته:
– عايزة أعرف رايحين فين، علشان أشوف لبسي مناسب للمكان ولا لأ؟
رد عليها بهيام:
– حبيبي، المكان هو اللي يليق بيها، مش العكس... شوفي اللي يعجبك، وأنا هستناكي تحت في المكتب.
وبعد لحظات، نزلت وهي ترتدي فستانًا أزرق، وحجابًا أبيض، بدت معه كفراشة ناعمة، تمشي على أطراف الضوء.
أطلق "أدهم" صفارة إعجاب، وهتف بانبهار:
– إيه الجمال ده كله؟! وبتقولي مش عارفة يناسب المكان ولا لأ؟! ده حبيبي آية في الجمال والرقة!
ضحكت بحب، وردّت عليه:
– وأنا مِهِمِّنيش غير عيونك...
أخذ يدها بلطف، وانحنى ليقبّلها برقة تليق بها، ثم وضعت يدها على ذراعه بحنان، وسارت معه إلى الخارج.
فتح لها باب السيارة، وبعد أن جلست، اتجه هو إلى مقعد القيادة، وانطلقا معًا.
بعد وقتٍ قصير، توقف أمام كافيه في مكان هادئ بعيد عن الزحام، نزل وأسرع ليفتح لها الباب، وسألها وهو ينحني نحوها:
– إيه رأيك في المكان؟
لم ترفع عينيها، واكتفت بالهمس:
– أي مكان أنت فيه يعجبني من غير كلام... كفاية إنه اختيارك.
وقبل أن يرد، جاء النادل ليقودهما إلى الطاولة. جلسا معًا، وطلب "أدهم" الطعام لها على ذوقه، كعادته، يعرف ما تحب قبل أن تنطق.
*******
عاد "خالد" إلى منزله بملامح تحمل الهم والوجع، كأن السنين أثقلت كاهله فجأة. بدا كشيخٍ أنهكته الخيبات، لا يصدق أن والده حاول قتله... دون أن يرمش له جفن!
فهمت "فردوس" حزن ابنها من هيئته، وقرأت في ملامحه ما لم يُنطق. عرفت أن "شهاب " ما زال يحمل جبروتًا وقسوة قلبٍ لم يلين. اقتربت منه تواسيه، دون أن تعلم تفاصيل ما حدث، وهمست بصوتٍ مملوء بالعطف:
– معلش يا حبيبي... أنت عملت اللي عليك، وهو حر! كفاية إنه خسر ابن زيه، فخر وشرف لأي أهل.
خرج صوت "خالد" حزينًا، متألمًا، وهو يهتف:
– تفتكري ليه بيكرهني كده؟! أنا ما شفتش في عيونه لمحة حب أو حنان... ليه؟!
أطرقت "فردوس" رأسها بحزن، ثم تمتمت:
– أبوك طول عمره قلبه قاسي و جاحد... ومش مصدق إنك ابنه!
رفع "خالد" عينيه بصدمة من مغزى كلمات والدته، تلك الكلمات التي يسمعها لأول مرة، وسألها بذهول:
– قصدك إيه؟!
أجابت وهي تتهرب من نظراته:
– فاكر إني خنته...
تأملها بتعجب، وهتف بمرارة:
– إيه اللي يخليه يحط في دماغه فكرة زي دي؟!
تنهدت تنهيدة متألمة كأنها تعيد فتح جرحٍ قديم، وبدأت تسرد له ما حدث لأول مرة، بصوت متهدج:
– كنت بحب واحد... وهو كان بيعشقني، على قده، آه، بس راجل جدع، وعنده ضمير، وابن حلال، وكل الناس كانت بتحبه.
أبوك كان بيغير منه قوي، لأنه محبوب من الكل.
ولما أبوك طلب إيدي قبله، أنا رفضت، لأن طول عمره شمال، والناس كلها عارفة إنه ماشي في أي حاجة تجيب فلوس.
سكتت للحظة، ثم تابعت:
– لما وافقت على "أيمن"، أبوك اتجنن... إزاي أرفضه وأوافق على واحد زيه؟ وقلب الدنيا.
تالت يوم من الخطوبة، منه لله، أبوك حط لأيمن حشيش في شنطته، وبلغ عنه...
اتقبض عليه، و معرفتش أطلعه، لأنه كان محتاج محامي كبير وفلوس كتير، وإمكاناتنا ما كانتش تسمح.
رمشت بعينين دامعتين، وأكملت:
– بعد أسبوع، جالي أبوك، وهو شمتان فيه، وعرض عليا الجواز!
اتخانقت معاه و طردته... خرج من عندي وشوه سمعتي، وقال إني كنت ماشية معاه في الحرام!
بكت بحرقة، كأنها تعيش الذكرى من جديد:
– أبويا ما تحملش كلام الناس... ومات
. الجاحد مصبرش علينا لما نفوق، وجه طلب إيدي من أمي، ووافقت علشان تلمّ لسان الناس... ما إحنا بقينا اتنين ستات من غير راجل!
وفعلًا، اتجوزنا... جوازة ندم! ضرب، وإهانة، وقلة أدب، لأن دايمًا كنت برفض قربه مني.
حياتي معاه كلها كانت غصب في غصب... ما كرهتش حد في حياتي قدّه!
مسحت دموعها بكفها المرتعش، وتابعت:
– وبعد ست شهور من جوازنا، خرج "أيمن"...
معرفش إزاي، ولا مين ساعده. أنا ما شفتوش من يوم ما اتقبض عليه.
جه عند "أم زينهم"، وقالها إنه مسافر، ومش راجع هنا تاني، بس نفسه يشوفني مرة أخيرة... من غير ما أعرف، علشان ما يسببليش مشاكل... هو كان عارف جبروت أبوك.
شهقت وهي تسترجع تلك اللحظة:
– يومها، "أم زينهم" جت خبطت عليا، طلبت مساعدتي في تقوير الكوسة، وفعلاً رحت...
عملت الشاي، وقعدنا نتكلم ونحكي وإحنا بنشتغل.
ثم قالت، وهي تغمض عينيها بألم:
– أتاري "أيمن" واقف ورا باب أوضتها اللي قدامي... وأنا معرفش!
قعدت معاها ربع ساعة، وبعدين روحت شقتي...
---
عند أدهم
هتف بتشجيع:
– تعالي نرقص!
تحدثت بخجل:
– لا... اتكسف. أنا حاجة غريبة بين الناس دي... شوف لبسي ولبسهم، حاسة إن الكل بيتفرج عليا!
جذب يدها وهو يقف بإصرار:
– طبعًا ملاك زيك لازم يكون محط أنظار الجميع. إنتِ الشمس اللي بيستمدوا منها ضوءهم، وهم مجرد نجوم.
ابتسمت له بحب، ووقفت أمامه. جذبها بحنان إلى صدره، وتحرك معها على أنغام الموسيقى الهادئة.
على طاولة أخرى
تحدث أحدهم بذهول:
– مش مصدق عيوني... ده حلم ولا علم؟ معقول اللي بيرقص قدامنا ده أدهم الشهاوي؟!
رد عليه آخر:
– والله ولا أنا! ده عمره ما وافق على حفلات، ولا كلم حريم، ولا رقص... أول مرة أشوفه كده.
قال ثالث:
– يا ابني دي أكيد مراته. أنا سمعت إنه اتجوز من كام شهر.
رمقتهم أخرى باستخفاف:
– أنا شايفة إنها مش من مستواه... شايف لبسها!
رد عليها:
– المشكلة مش في لبسها، المشكلة إنها قدرت توقع واحد زي ده. كان حلم كل البنات والستات اللي حواليه.
تحدثت الأخرى بغيرة:
– وأنا كنت منهم! وكل مرة أحاول أقرب منه، يبص لي من فوق لتحت كأني حشرة ويمشي!
لما يقعد، نروح نسلم عليه ونبارك له.
عند أدهم
تعلقت عيناها بعينيه، وهمست:
– أنا بعشقك، ومش مصدقة لحد دلوقتي إني مراتك.
ضمها بغرام:
– وأنا كمان بعشقك، يا عمر أدهم الجميل. وبالنسبة لإثبات إنك مراتي...
حملها ودار بها، فهتفت بخجل وهي تتمسك به:
– أدهم... الناس يا حبيبي!
هتف بغرام:
– أنا نفسي أصرخ بحبك قدام العالم كله من السعادة اللي عايشها في وجودك، واللي حاسس بيها دلوقتي.
أنا كنت قبلك فاقد الحياة. عايز كل الناس تشوف الملكة الجبارة... اللي قدرت تحتل قلعة أدهم الشهاوي من غير سلاح ولا جنود!
خلتني أستسلم في وقت قياسي، وبدل ما أحزن على احتلالها... رفعت الراية البيضاء، وأنا في منتهى السعادة والرضا.
تاهت في معسول كلماته لدرجة أنهم لم يلحظوا انتهاء الأغنية.
لكن نظرات من حولها جعلتها تفوق، فهتفت:
– الأغنية خلصت... والناس بتتفرج علينا!
قال بحب:
– انسي الناس والدنيا لما نكون مع بعض.
همس بابتسامة جذابة:
– بحبك...
قالت وهي تبادله نظرة شغوفة:
– وأنا كمان بحبك.
صفّق الجميع لهم، وكادت تفقد وعيها من شدة الخجل. لم يرحم ضعفها، بل قبّل جبينها، وأخذها وعادا إلى الطاولة.
---
عودة إلى خالد
الذي يستمع لحديث أمه بعقل مشتت، وهي تكمل:
– لاقيت أبوك راجع بغضب... شدني من شعري وضربني من غير ما يسأل ولا يعرف في إيه!
فضل يضرب فيا، وهو بيكرر كلمتين: "خاينة وقذرة"...
ومن شدة الوجع، بقيت أستنجد بالجيران وأنا بدعي عليه.
– لحد ما جت أم زينهم تسأله بيعمل كده ليه؟ وقالت له: "حرام عليك ضربك المستمر ليها!"
سبّها وقال لها: "إنتي فاتحة بيتك للوساخة!"
– غضبت، وقالت له: "أيمن أرجل وأشرف منك. على الأقل مش بياخد حاجة بتاعت حد، وطلب يشوفها من غير ما هي تعرف، لأنه بيفهم في الأصول".
– وقتها حسيت إن قلبي بيبكي على أيمن... حسيت إني خاينة لأيمن، مش لأبوك.
أيمن كان جاي يودعني من غير ما أعرف.
– عرفت بعدين إن واحد من رجالة أبوك شاف أيمن وهو طالع، فكر إنه جاي عندي، فاتصل بأبوك، ولما طلع وراه لاقاه داخل شقة أم زينهم.
وبعدها جت أخدتني، ولما روحت شقتي، هو خرج بعدي.
كل ده أنا ماكنتش أعرف عنه حاجة غير بعدها بفترة.
– يأذن السميع... إن بعد أسبوعين طلعت حامل.
ولما عرف، جن جنونه، وفضل يضرب فيا علشان يموت الجنين، بس ربنا أقوى من أي شيء.
الجنين منزلش، وفضلت في المستشفى شهر، ما جاش ولا مرة بص عليا.
– ورغم كرهي ليه، ولأي حاجة منه، حتى أنفاسه وقربه ليا... بس مقدرتش أكرهك.
بقيت خايفة عليك من أذاه.
ربنا جعلك عوض ليا، وسندي في الحياة.
قام خالد يضمها إلى صدره بحزن على حالها، لا يعلم أَيواسيها أم يواسي نفسه على حظه العاثر، الذي جعله ابنًا لذلك الأب.
قبّل رأسها، وتعهد أن يعوضها كل ما عانت مع قاسي القلب من أجلهم.
بكت في حضنه:
– سامحني يا حبيبي... كان نفسي يكون ليكم أب غيره، بس النصيب حكم، وإحنا ما لناش يد فيه.
***
عند أدهم
جلس على طاولته بصحبة عشق، يتبادلان نظرات غرامية هادئة، قبل أن يقطَع هذا الجو صوتٌ متطفل:
– "مساء الخير يا أدهم باشا."
رفع أدهم عينيه ببرود، ليجد أمامه رجلين من صغار رجال الأعمال، يكبرانه سنًا، لكنه يفوقهم مكانةً ونفوذًا.
– "مساء النور، خير؟"
ابتسم الأول قائلاً:
– "إحنا مبسوطين إننا شوفنا سعادتك."
وأضاف الثاني:
– "حبينا نمسي على سيادتك."
لكن قبل أن يُجيب، أشارت فتاة كانت برفقتهم إلى عشق، قائلة بفضول:
– "هي دي صاحبتك؟"
نظر إليها أدهم بنظرة اشمئزاز، وردّ بحزم:
– "أنا ما بصاحبش، يا مدام... دي مراتي."
بادلَه الرجلان التهنئة سريعًا:
– "ألف مبروك يا فندم."
ردّ عليهم ببرود:
– "ممكن نقعد في هدوء شوية؟"
اعتذر الجميع على الفور، وغادروا الطاولة بعد تمنياتهم له بأمسية طيبة. لكن تلك الفتاة لم تُخْفِ ضيقها، وهمست في سرها بسخط:
– "قليل الذوق وبارد... يستاهل واحدة عرّة زي دي."
---
بعد مرور يومين
في إحدى الحارات الشعبية، وقف خالد أمام منزله بتوتر ظاهر. اليوم سيحضر أدهم كتبَ كتاب شقيقته... لم يكن يصدق ما يحدث. رجل مثل أدهم، الذي لم يكن يقبل حضور مثل هذه المناسبات حتى في أرقى القاعات، سيحضر اليوم في حيّ شعبي، وبكل رضا!
قطع أفكاره صوت سيد، خطيب أخته، وهو يقول بمزاح:
– "مالك يا ابن الأصول؟ المفروض أنا اللي أبقى متوتر، دي ليلة كتب كتابي، مش إنت!"
التفت له خالد بدهشة:
– "أنت بجد مش عارف سبب توتري؟ لما واحد زي أدهم الشهاوي يتنازل ويتعطف ويحضر كتب كتاب أختي، اللي أبوها رفض يحضره؟ دي حاجة كبيرة."
أكمل بنبرة إعجاب:
– "الناس دي نفوذها أقوى من وزير الخارجية نفسه."
هزّ سيد رأسه متفهمًا:
– "فاهم وعارف ومقدّر، بس إهدى."
وصلت السيارات الفارهة، ونزل منها أدهم، وهو يُمسك بيد عشق ويُساعدها على النزول. التفّ حوله رجاله بمنظر مهيب لفت أنظار الجميع، حتى سيدة، والدة العروس، لم تخفِ انبهارها.
– "ده شكله حاجة كبيرة خالص!" قالتها بدهشة.
أجابتها فردوس، أم خالد، بفخر:
– "طبعًا، ده الباشا بتاع خالد... راجل واصل خالص."
تمتمت سيدة بسعادة:
– "باين... باين."
التفت أدهم إلى رجاله وقال بصرامة:
– "أنتم جايين تحضروا كتب كتاب أخت صاحبكم. يعني انطلقوا براحتكم... مش محتاج حد يحرسني."
اقترب منه خالد وقال بفخر:
– "شرفتني يا أدهم بيه... ده شرف ليا وللحارة كلها وجود معاليك بينا."
– "اتفضل حضرتك معايا."
عشق اقتربت وهمست:
– "أنا داخلة عند ندى."
فرد أدهم برفض:
– "لا، استني... أوصلك."
تحرك بجوارها حتى أدخلها، ولما اطمأن عليها، خرج مع خالد إلى الصوان، حيث كان العريس والمأذون في انتظارهما.
أشار خالد قائلاً:
– "اتفضل حضرتك."
تساءل أدهم:
– "اتفضل فين؟"
ثم أكمل:
– "شرف ليا إنك تكون ولي أختك... ماحدش يستاهل المكان ده غيرك. أنت اللي ربيت وكبّرت."
رد خالد باحترام:
– "حضرتك عزوة وفخر لينا كلنا."
جلس أدهم بجوار المأذون، ووضع يده بيد سيد.
---
عند عشق
دخلت عشق بفرحة وهي تبحث عن ندى. بمجرد أن رأتها، احتضنتها بحب:
– "عروستنا الجميلة... ألف مبروك يا حبيبتي!"
ردّت ندى بسعادة:
– "الله يبارك فيكي."
عشق سلمت على فردوس:
– "مبروك يا طنط فردوس."
فردوس وهي تحتضنها:
– "الله يبارك فيكي، يا أميرة يا بنت الأمراء."
همست عشق لفردوس:
– "اتفضلي، يا طنط... دي هدية ندى. خليها تفتحها بعد ما الناس تمشي."
أخذت فردوس الشنطة، ونظرت داخلها، لتجد علبة قطيفة. فتحتها، لتتفاجأ بطقم ذهب فاخر.
– "إيه ده، يا بنتي؟ كده كتير!"
عشق بابتسامة طيبة:
– "مافيش حاجة تغلى على نُودَه."
– "خلاص، لازم تلبسيها."
– "يا طنط، بعدين لما نكون لوحدنا."
أصرت فردوس:
– "والله أبدًا."
اقتربت من ابنتها وقالت:
– "شوفتي يا ندى هدية عشق؟"
نظرت ندى إلى عشق بإعجاب:
– "شكراً يا عشق... مهما قلت، مش ممكن أديكي حقك."
---
عند وحيد
جلس وحيد يتابع دخول أدهم ومعاملته مع خالد، يتمزق غيظًا في داخله، ويتمتم:
– "داهية تاخد حظنا الهباب! حد يصدق إن باشا زي ده يدخل حارتنا المعفنة دي علشان يحضر كتب كتاب أخت حارس عنده؟! مايسواش تلاتة مليم... زي ما كل البشوات بيبصلنا!"
تابع في نفسه:
– "والله يا خالد، تبقى غبي لو نفذت هدف حفيد السلاموني. لو الباشا بتاعي يعاملني كده، كنت أفديه بروحي!"
وحين ابتعد خالد عن أدهم، اقترب منه وحيد بسرعة، وجذبه من ذراعه على جنب، وهمس بتحذير:
– "عايز تغدر براجل زي ده؟! يا خالد، أول مرة أعرف إنك بالغباء ده! حافظ على النعمة اللي بين إيدك، وحطّه فوق راسك!"
---انفجر خالد بغضب، وهو يزمجر في وجه وحيد:
– "أنت اتجننت؟! إزاي تتكلم كده في مكان زي ده؟! اعمل حسابك، لو روحت في داهية... هشُدّك معايا! وإياك، ثم إياك، تتكلم في الموضوع ده تاني في مكان عام، وإلا هبلّغ حفيد السلاموني إنك بعته لأدهم!"
اتسعت عينا وحيد بصدمة، عاجزًا عن تصديق التغيّر الجذري في شخصية خالد...
الحارة بأكملها كانت تقسم أن هذا الشاب لا يجري في عروقه قطرة واحدة من دم أبيه القذر،
ذلك الرجل سيء السمعة والخلق، الذي لم يسلم منه بيت في الحارة،
بينما والدته كانت على النقيض تمامًا، طيبة القلب، تساعد كل من يحتاج دون مقابل.
– "معقول؟ ظهرت عليه جينات والده الأن ؟!"
قالها في نفسه بأسى، وهو يتراجع خطوة للخلف.
– "هل امتلك فجأة ندالة أبوه وسوء خلقه؟!"
ابتعد وحيد عن المكان، حزينًا على صديقه الذي شعر أنه خسره في لحظة واحدة.
********
في الداخل
اقتربت عشق من ندى، وعلى وجهها ابتسامة حانية، وهمست لها بلطف، بينما تساعدها في ارتداء الهدية تحت أنظار الجميع، في مشهد نسائي دافئ مليء بالمحبة.
فجأة، شقّ المكان صوت طلقٍ ناري، تلاه صراخ مرتعب من الخارج. تجمدت القلوب في أماكنها، ووقع قلب عشق من الخوف، لتهمس بذعر:
– "أدهم...!"
رواية انت عمري الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم احمد محمود
انتفضت عشق بفزع عندما سمعت صوت طلقة نارية، وهمست برعب:
– أدهم!
كان أدهم محاطًا برجاله الذين التفوا حوله، فصرخ بهم بغضب:
– بتعملوا إيه!؟ عشق أهم، ابعدوا عنها... ابعدوا!
ابتعدوا قليلًا، وكان خالد بينهم. أسرع أدهم نحو عشق ليتفقد حالها.
ركضت إليه بخوف، وارتمت في حضنه وهي تبكي:
– إنت كويس؟ فيك حاجة؟ ردّ عليّا!
– أنا بخير... كنت جاي أطمن عليكي.
تنهدت براحة:
– أنا بخير، بس خفت لما سمعت صوت الطلق والصريخ... جت في بالي على طول.
تقدّم سيد معتذرًا:
– ده شاب، مسدس الأفراح علّق معاه، والطلقة جت في صاحبه... بس خير، جت في رجله وراح المستشفى.
قال أدهم بلطف:
– يلا نروح؟ ولا عايزة تقعدي شوية؟
– براحتك... كتب الكتاب تم، والحمد لله على خير.
جذب يدها بحنان:
– طب يلا...
وقبل أن تتحرك، سمعت ندى تنادي لتسلم عليها قبل ذهابها.
أخذها أدهم بيدها وتوجها نحو السيارة.
اقترب هاني وعامر، لكن أدهم رفض:
– لا، خليكم، أنا هاخد العربية وأروح.
هاني برجاء:
– طب حد يكون مع سيادتك؟
– يا هاني، لو حصل حاجة هرن عليكم.
ركب السيارة، وعشق إلى جواره. وفي الطريق، جذبها إلى حضنه.
– خوفتِ عليّا؟
اقتربت منه أكثر وهمست:
– لو ما خفتش عليك، أخاف على مين؟ أنا بقي ليا عيلة بتحبني وبتخاف عليّا... بس حقيقي، إنت كل عيلتي وحياتي، وماقدرش أكمل فيها من غيرك.
انحنى يقبّل رأسها وقال بموافقة:
– وأنا زيك... كملت بيكي، ومن غيرك مافيش حياة. إنتِ ليا كل الحياة.
تحدثت بدلال:
– هو ينفع... يعني لو مش هيضايقك... ننزل على البحر ونأكل درة؟
نظر لها دون كلام، ففهمت صمته رفض علّقت بخجل:
– طيب خلاص، أنا عارفة إن عمرك ما قعدت في أماكن من دي...
مرر أنامله على ظهر يدها وهو يقول:
– أنا أعمل أي حاجة تسعدك يا عشق، وهاجرب معاكي كل حاجة حرمت نفسي منها.
بعد وقت قصير، توقف على جانب الطريق،
أخذ يدها ومرّا سويًا حتى وصلا إلى الممشي .
وقف أمام بائع الذرة، وطلب اثنين. ناولها واحدة، فأخذتها بسعادة، وجلسا على كرسي خرساني.
لمح أدهم طفلًا يحدق في أحد الباعة المتجولين بنظرة حرمان.
– ناداه اقترب الطفل بخوف ظاهر عليه.
سأله أدهم بلطف:
– إنت جعان؟
– آه...
– طيب روح خد اللي إنت عايزه، وأنا هأحاسب.
– الطفل برعشه مش راضي... تعال قوله إنت أنا طلبت منه يديني سندوتش ليّا ولصاحبي ورفض
دمعت عينا عشق.
وقف أدهم دون تردد وتوجه للبائع:
– اعمل كل اللي يطلبوه هو وصاحبه.
اعترض البائع وحدثه علي سبيل النصح :
– يا بيه، دول عيال زي الجراد، بياكلوا و مبيشبعوش، ومش عايزين يدفعوا! سيبك منهم
– لو مش عايز تبيع، نشوف غيرك، بس ماتدخلش في اللي مالكش فيه!
– اللي تشوفه، إنت حر...
أدهم للطفل:
– نادي صاحبك وتعال خد الأكل.
ناول الطفل ورقة بمئة جنيه:
– خد، ولو عايز عصير ولا مية، هات. أنا ثواني وراجع.
عاد لأجل عشق، وقال:
– تعالي نجيب هدوم للطفل وصاحبه... أنا بردت من شكله.
– حاضر...
ركبت جواره، تشعر بدفء وحنانه
عاد أدهم وجد الطفلين كما تركهما، ركضا نحوه و كأن الطعام الذي نزل معدتهم ردّ إليهما الروح.
– ادخلوا العربية...
ثم أردف:
– كل واحد فيكم ليه شنطة... خدوها و بدلوا هدومكم، ماشي؟
– شكراً يا عمو...
– العفو... خدوا الفلوس دي معاكم، ولو حبيتوا تجيبوا حاجة...
وأول وآخر مرة تركبوا عربية مع حد غريب، مفهوم؟
– إحنا مش بنركب مع حد... بس أنا حسّيت فيك الطيبة والشهامة، وده السبب اللي خلاني أركب معاك.
ابتسم له أدهم بإعجاب، ثم أخرج كارت و ناوله له مع بعض المال.
– طب يا لمَض، ده الكارت بتاعي، لو احتجتوا حاجة في أي وقت، أنا معاكم.
---
في غرفه فهد
صباح الخير يا حبيبي...
رد عليها بابتسامته:
– صباح الجمال على قلب حبيبك.
اقتربت منه ماسة وهي تحتضنه:
– كنت عايزة أكلّمك في موضوع... بس مش عايزاك تغضب عليّا.
– أغضب عليكي ليه؟
رطّبت شفتها من التوتر:
– كنت عايزة أروح أكشف... أشوف ليه ما فيش حمل؟ إحنا متجوزين من أربع شهور بس...
– خايفة يكون عندك مشكلة؟
جذب يدها و أجلسها على قدمه:
– إيه؟ إنتي زهقتي مني خلاص؟ وعايزة تتلبّخي في العيال!
نظرت له بعشق ورفض:
– عمري ما زهقت منك، بس كنت عايزة أفرّحك بطفل يشيل اسمك... وإنت كبير العيلة.
هتف برضا:
– دي حاجه بتاعة ربنا... وبعدين، الناس بتدور على الحمل بعد سنة، مش بعد شهرين. أنا حبيت فيكي الزوجة البشوشة... مش حابب الوش النكدي ده. ها، هتزعّلي جوزك قبل ما يمشي؟
ماسة وهي تحتضنه:
– حياتي فدى حبيبي كله... إلا زعلك، أبدًا.
احتضنها بحنان و قبّل جبينها:
– يلا عشان نفطر...
– يلا...
---
في الكباريه...
– شهاب الباشا عايزك جوه المكتب.
طرق شهاب الباب و دلف:
– أوامرك يا باشا؟
أشار له:
– تعال اقعد يا شهاب... عايزك.
– أنا تحت أمرك، لو عايز لبن العصفور أجيبه تحت رجليك!
أشعل الرجل سيجارة، وقال بلهجة صارمة:
– أنا عايز ابنك!
رفع شهاب حاجبه بدهشة:
– ابني؟ ابني مين؟
– خالد... عايزه يشتغل معايا. الواد عاجبني، راجل وقلبه جامد، وفيّ... ضحّى بنفسه علشان يحمي صاحبه، وده مش موجود في رجالتي. أنت عارف، لو حد دفع لهم أكتر
، يبيعوني في لحظة. بس اللي زي ابنك... يضحّي بنفسه علشان غيره، لأنه حاسس بالمسؤولية.
هتف شهاب بضيق وغيرة:
– بس للأسف، يا باشا، ابني طالع زي أمه... نزيه وعنده مبادئ، ومش هيمشي في شغلنا ده ولا يقبله. و الباشا بتاعه مدلّعه ومش ممكن يسيبه.
ردّ الرجل بتفكير ثعباني:
– خلاص، نخلي الباشا بتاعه هو اللي يطرده بفضيحة...
فرك شهاب رأسه:
– بس إزاي؟ وهو مش قابلني...
– إزاي؟ دي سيبها بعدين...
******
احتضن يدها بيده وهما يتمشيان على الشاطئ، والنسيم يداعب وجهيهما بلطف.
قالت عشق وهي تقترب منه بدلال:
– حبيبي الحنين، أبو قلب كبير... أنا مبسوطة جدًا جدًا وفخورة بيك! شوفت نظرة الرضا والامتنان، والبسمة البريئة دي؟ عند ربنا لها حاجة كبيرة جدًا.
جذبها إليه أكثر وهو يحتضنها قائلاً:
– أنتِ أستاذتي وقدوتي... حبي وحناني كان لأمي، لأختي، ولمراد بس.
ثم تابع بنبرة دافئة:
– من يوم ما دخلتي قلبي، وشاف قلبك الكبير اللي يساع الكون كله... حنانك وعطفك اللي بيطول أي حد تعرفيه، عرف قلبي إن السعادة الكاملة هي في إسعاد الغير، مش النفس بس.
ابتسم وهو يضيف:
– لما بشوفك وأنتِ فرحانة إن حد ابتسم في وشّك، بعشقك أكتر... بتمنّى أكون زيك وأسعد الكون كله، وأساعد أي حد محتاج وجه في طريقي.
ضمّها إليه بقوة وهمس بحنان:
– ربنا يخليكي في حياتي نور وفرحة...
ويخليك ليا، يا حبيبي.
أكملت عشق كلامها، وما زال هو يحتويها بين ذراعيه:
– الجو جميل جدًا... أنا وإنت، والليل، والبحر... وكل فين وفين لما نقابل ناس.
خلعت حذاءها وانحنت لتحمله، بينما تابع هو ما تفعله بتعجب:
– بتعملي إيه؟
أجابته بابتسامة طفولية:
– عايزة أحط رجلي في الميه.
هتف معترضًا:
– لأ، الجو برد، هتتعبي!
اقتربت من الماء وقالت بإصرار طفولي:
– طب سيبني أحط صباعي... لو برد، مش هبل رجلي كلها.
وافق، وهو يمد يده نحوها:
– طيب، هاتي الشوز بتاعك.
شهقت عشق بخجل ورفضت:
– لا طبعًا! عيب... تشيل الشوز بتاعي؟
هتف بضيق:
– اسمعي الكلام، أول مرة أحسّك عنيدة!
ردّت بتوضيح:
– أنا مش عنيدة، بس مكسوفة منك... إزاي أعمل كده؟
قال ضاحكًا وهو يكرر اسمها:
– عااااشق...
ثم تابع مستسلمًا:
– حاضر، حاضر... اتفضلي.
ناولته الحذاء واقتربت من الماء، وضعت قدمها فيه، ثم نظرت إليه وضحكت بسعادة. ابتسم لها بحب، لكن تلك الخبيثة فجأة رفعت الماء بيدها قذفته به.
نظر لها أدهم بذهول وصدمة، لم يتوقع منها تلك الجرأة. صرخ بصوت مصدوم:
– عااااشق! إنتِ قد الحركة دي؟!
ضحكت عشق بصوت عالٍ وردّت:
– آه! وكررت فعلتها مرة أخرى، ثم ركضت مبتعدة عن غضبه.
ترك حذاءها على الأرض، خلع حذاءه هو الآخر، ثم قذف جاكيت بدلته فوقهم وركض خلفها. كانت تضحك وهي تنظر خلفها، وحين رأته يقترب، صرخت وبدأت تركض بسرعة أكبر. لكنه لحق بها، ووجدت نفسها فجأة بين أحضانه.
قالت وهي تلهث من الركض:
– خلاص، آسفة... آسفة والله! آخر مرة!
مرّر عينيه عليها بخبث وهو مستمتع بما يحدث. فقد كسرت له دائرة الروتين اليومي، وحياة رجل الأعمال الصارمة. أعادت له شبابه المسلوب في دنيا المال والأعمال، وجعلته يستقبل الحياة بصدر رحب، لا يهمه نظرات الناس.
يعيش مشاعره بلا قيود.
حملها وهو ينوي قذفها في الماء، فصرخت وهي تضحك:
– حبيبي، آسفة والله... كنت بهزر معاك!
لم يتراجع، وما زال يتوجه بها نحو الماء، فقبلته على وجنته وقالت متوسلة:
– حقك عليّا... سامحني! كده هابرد بجد!
توقف عن السير، أنزلها على الأرض، وسألها بنبرة نصف مازحة:
– آخر مرة؟
تحدثت عشق بمرح، وهي تغمز له بدلال:
– آه...
ابتسم أدهم بخبث، ثم قال بصوت هادئ، كلماته لا تُشبه فعله:
– خلاص... آخر مرة.
وفجأة، قذفها بالماء وهو يهتف ضاحكًا:
– وأنا كمان... آخر مرة!
أدهم الشهاوي ما بيسيبش حقه.
شهقت عشق من المفاجأة، لقد اطمأنت له وصدقته... لكن، كان الفارق كبيرًا بين يده ويدها، فقد غرق وجهها وصدر فستانها تمامًا.
جلست على الرمال، غير قادرة على تمالك نفسها من شدة الضحك، بينما جلس هو بجوارها، وجذبها إليه ليشاركها الضحك هو الآخر.
---
عندما دخلا الفيلا، صُدمت غادة من هيئتهما، وهتفت بذهول:
– إنتوا كنتوا فين يا ولاد؟ هو كتب كتاب ولا مهرجان ألوان؟!
اقترب أدهم منها بابتسامة واسعة، وهو يشير إلى عشق قائلاً:
– البنت دي خطر على حياة ابنك يا أمي.
هزّت غادة رأسها نافية، وردّت بحنان:
– عشق وخطر؟ دي بلسم يا ابني.
اقترب منها أدهم بنبرة غير راضية وهو يشرح ما حدث:
– أنتِ عارفة يا أمي كنت فين الوقت ده؟ وبعمل إيه؟
ابنك جري حافي على الشط، واترش ميّه!
حضرتك متخيلة؟! الهيبة ضاعت!
ضحكت غادة من قلبها، وقالت ساخرة:
– هيبة إيه يا بني؟ عيش حياتك وما تدورش على حد... العمر بنتعيشه مرة واحدة!
ربنا يسعدكم يا رب... يلا اطلعوا غيروا هدومكم بدل ما تاخدوا برد.
---
عند مراد
هتف مراد بإحباط، وهو يستمع وأدهم يقص عليه ما فعله مع عشق الليلة الماضية:
– بقي يا عم، إنت عايش في العسل، وأنا مش عارف آخد مراتي مشوار؟!
أنا وصلت قدام باب النادي !
ضحك أدهم بقوة، ثم صاح مستنكرًا:
– أنا اللي بحسدك يا مراد! وكلامك ده إيه؟
مراد بمزاح
قرّ يا عم، سلام... خليني أشوف مزّتي!
---
نعود بالزمن عشر دقائق قبل دخول مراد من الباب...
كانت روان تجلس على طاولتهم في النادي، تنتظر مراد الذي طلب منها أن تنتظره لتناول الغداء سويًا. جلست شاردة، تفكر في حياتها الجميلة معه... حتى وجدته، آخر شخص تتمنى رؤيته، يجلس أمامها دون استئذان.
توترت من وجوده وهي وحيدة، ليبدأ هو بكلمات مهزوزة:
– وحشتيني... وحشتيني جدًا يا روان.
أنا عارف إني ندل، و إنك خسارة فيه، بس حقيقي... أنا بحبك، وبحبك قوي كمان.
... بعد الحادثه حسيت بخوف، معرفتش أتصرف.
حاولت أرجع... حاولت كتير.
عارف إني غلطان؟
ردّت بصوت مخنوق، يملؤه الغضب و الخذلان:
– لو كنت فضلت جنبي، كنت حاولت... وكنت حاربت عجزي وضعفي علشانك، علشان وجودك جنبي.
بس إنت... مش كفاية إنك كسرتني لما سيبتني بالحالة دي؟
لأ، كملت عليا لما خطبت صديقتي المقرّبة!
يعني مش دبحتني... لا، دوست على جثتي كمان!
همس بندم:
– آسف... آسف. اديني فرصة تانية.
وضع يده فوق يدها، يرجوها أن تسامحه... لكنها، لا تعلم لم نظرت في هذا الاتجاه قبل أن تبعد يده لتقع عيناها عليه.
علي ذلك العاشق الذي يقف هناك، مذبوحًا، وحيدًا، ينزف من جرحه الغائر يتألم في صمت ودون ارادته خانته عيناه سالت دموعه .
انتفض قلبها من هول ما رأت...
يقف على مسافة منهما، ينظر إليهما بصدمة وعدم تصديق.
سحبت يدها بفزع، لم تستوعب ما حدث، بينما هو تحرك مغادرًا دون رد فعل.
ماذا يفعل؟! هو الدخيل الآن.
لم يكن الحب يومًا يُفرض غصبًا...
تركها برضاه، لا يريدها أن ترى ضعفه.
ركب سيارته، ودموعه تسيل من شدة ألم قلبه.
لم يفكر يومًا أنه سيوضع بهذا الموقف... على يدها.
---
حين رأت نظرته وهيئته، أيقنت أنه قد يفعل شيئًا بنفسه.
ركضت خلفه وهي تناديه، لكنه لم يتوقف.
جلست على الأرض تبكي بحرقة، واتصلت به مرارًا، لكنه لم يُجب.
خرج بعدها، وجدها جالسة على الأرض، تبكي بانهيار.
جلس جوارها، وهمس بحزن:
– متبكيش يا روان...
نظرت له باشمئزاز، وهتفت بحدّة:
– أبعد عني أحسن لك!
ثم انفجرت باكية، وهي ترفع يديها إلى السماء:
– منك لله! مش مكفيك خربت حياتي زمان، جاي تخربها النهارده كمان؟!
أنت عارف؟! لو خسرت مراد، هقتلك بإيدي!
أنا ما صدقت... ربنا عوضني براجل زيه!
سند وحماية، وسر بسمتي!
سألها بصوت متهدج:
– روان... إنتِ حبتيه؟
أجابت بسخرية مريرة:
– لو ما حبيتش مراد، مين ممكن يتحب؟!
وقف وهو ينظر إليها بندم، ثم استدار، وتركها.
*********
جلس "أدهم" يراجع تلك الملفات المكدسة أمامه، بينما صورة "عشق" تلوح في مخيلته وتداعب مشاعره. كان يود أن يترك كل شيء خلفه ويهرب إلى دنياها، تلك الدنيا التي تجعله يشعر كأنه شخص آخر.
رنّ هاتفه فجأة، كان الرقم لروان.
أجاب مبتسمًا، لكن ابتسامته تلاشت ما إن سمع بكاءها، فوقف من مكانه بقلق وهو يهتف:
– مالك يا روان؟! مراد ماله؟
– اهدِي كده، وإنتي بتكلميني... إزاي ده حصل؟! طيب، اقفلي دلوقتي.
أغلق الهاتف، ثم أسرع بالاتصال بصديقه مراد، مرارًا، لكنه لم يتلقَ أي رد. كان يعلم جيدًا المكان الوحيد الذي قد يلجأ إليه مراد في تلك الحالة... المقابر.
قاد سيارته بسرعة جنونية حتى وصل، ووجد الباب مفتوحًا.
دخل وهو يعلم تمامًا ما قد يراه، وها هو مراد، عيونه دامية من كثرة البكاء، يجلس أمام قبر أحمد، منكسرًا.
جلس "أدهم" إلى جواره، واحتضنه بقوة، ثم قال بصوت متهدّج:
– ليه ما جيتش ورميت تعبك في حضني؟ ليه بعدت؟
– لأنها أختك، ومالهاش غيرك!
– وأنت صاحبي وأخويا، وقلتلك قبل كده... أنتوا الاتنين حتّة مني.
تمسّك "مراد" بصديقه وبكى بمرارة:
– لسه بتحبه يا أدهم... روان ما حبتنيش... لسه وائل جواها. أنا بموت يا أدهم، مش قادر أتحمّل.
نظر إليه أدهم بخوف، وقال:
– بعد الشر عليك يا حبيبي. والله بتحبك، و منهارة من الخوف عليك لتعمل في نفسك حاجة. كلمتني، وكل همها إن الحقك.
تنهد مراد بوجع:
– حسيت نفس إحساس أحمد... اتمنّيت الموت. الألم أقوى من احتمالي. مش مصدق إن الطعنة تيجي منها هي!
– هي وافقت عليا شفقة، مش حب!
وما إن أنهى جملته، حتى جاء صوت "روان" من الخلف، وقد جلست بجواره تبكي:
– لا... حب، وحب كبير كمان!
مسح مراد دموعه سريعًا حتى لا ترى انهياره، لكنها تابعت بألم:
– آسفة يا حبيبي، إن كنت سبب دموعك دي... بس والله لو كنت صبرت لحظة، كنت شُفتني وأنا بضربه بالقلم!
وقف أدهم، وترك لهما مساحة للتصالح، ثم خرج وهو على يقين أن حبّهما سيجمع شتاتهما من جديد.
تمتم مراد بصوت مرتعش:
– أنا تعبان قوي يا روان... الألم فوق احتمالي. كنت أتوقع الغدر من كل الناس، وكنت هقدر أتحمّله، إلا منك إنتي. الضربة منك بتموّت!
– إحساس صعب قوي إنك تعيش عمرك كله علشان شخص، وفي الآخر تكتشف إنك ولا حاجة عنده...
كان يتحدث وهو يشيح بوجهه بعيدًا عنها، لكنها رفعت يدها بلطف، و أجبرته أن ينظر إليها، ثم همست:
– أنا بحبك، وعمري ما هاحب غيرك. حتى لو إنت مش شايف، ... هافضل أحبك. قلبي ده ملكك، ولو فضلت العمر كله، هقضيه علشان أثبتلك حبي... لحد ما تقتنع!
أسند رأسه على شاهد القبر خلفه، وتمتم بيأس:
– يا ريت كنت فقدت بصري قبل ما أشوف المنظر ده!
رفعت يده و قبّلتها وهي تبكي:
– بعد الشر عليك يا حبيبي، أوعى تقول كده تاني!
لكنه سحب يده منها وهمس برجاء:
– أرجوكي، سيبيني لوحدي... مافيش حد ولا حاجة تقدر تخفف ألمي ده غير الموت.
وقفت وهي تهتف بقهر:
– يبقى أنا اللي لازم أموت، و أريحك مني خالص يا مراد!
– إنت فعلًا خسارة فيه.
ثم أكملت، وقبل أن تغادر، قالت بصوت مخنوق:
– بس قبل ما أمشي، أحب أقولك... إنك الوحيد اللي في قلبي، وإن علاقتي بوائل عمرها ما كانت حب!
ركضت بعدها وهي تمسح دموعها التي حجبت عنها الرؤية، فوقف مراد من مكانه وقد ارتجف قلبه من كلماتها، وركض خلفها صارخًا:
– روااااان... لا، لا!!
التفتت إليه وهي تتراجع إلى الخلف دون أن تنتبه لتلك السيارة المسرعة القادمة نحوهما...
– مراد (بصراخ): رواااااااااان!!!
رواية انت عمري الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم احمد محمود
ـ الحمد لله يا أستاذ... عدّت على خير.
ظلت متجمدة من الصدمة، وعقلها يرفض استيعاب ما حدث. الخوف من تكرار المحنة، ومن العجز مرة أخرى، سيطر عليها. لكنها هذه المرة لن تتحمل.
حاولت استعادة صوتها لتخفف من قوة ضمته التي تؤلمها، فقالت بصوت مهتز:
ـ مراد... أنا بخير... متقلقش عليا.
أبعدها قليلاً ليمعن النظر في وجهها، ظل يمرر عينيه على ملامحها، وكأنه يتأكد أنها حقاً بخير، ثم ضمها مرة أخرى، وكأنه لا يصدق أنها بين يديه وبخير.
---
في مكان آخر، تحدثت عشق بالهاتف:
ـ طيب يا زينب، ممكن تقابليني؟ إحنا وصلنا الشارع اللي نزلتِ فيه جدة.
صمتت قليلاً ثم تابعت:
ـ أمشي منين؟... طيب، خلاص... أنا بستناكِ.
أغلقت زينب الهاتف ونظرت إلى والدتها التي كانت تتابع المحادثة. قالت بتوتر:
ـ عشق هانم واقفة على أول الحارة، بتقول جايه تشوف جدو... هنعمل إيه يا ماما؟
سناء بابتسامة فرح:
ـ روحي يا قلب أمك، هاتيها وأنا هعمل عصير وأجهز حاجة... ده كله من خيرها.
ارتدت زينب عباءتها السوداء ولفت حجابها بسرعة، ثم خرجت مسرعة لملاقاة عشق.
---
أسرعت زينب في خطواتها عندما رأت السيارة. شعرت بارتباك غريب عندما وجدت نفسها أمام خالد. تلبكت وتبدّل حالها، وخجلت بلا سبب. ثقلت خطواتها حتى وصلت إليهما.
فتح خالد باب السيارة لعشق، التي نزلت بسعادة وهي تحتضن زينب:
ـ إزيك يا زينب؟ وإزي جدو أنور؟
ابتسمت زينب بخجل من تواضع عشق وتمتمت:
ـ كلنا بخير الحمد لله... والفضل يرجعلك.
مررت عشق يدها على كتف زينب بلطف وقالت:
ـ ما تقوليش كده... الفضل دايمًا لربنا.
كان خالد يخرج الزيارة من السيارة ويغلق الباب، بينما تحركت عشق وزينب أمامه، وهو يسير خلفهما. وقبل أن يدخلا الحارة، ناداهما شاب بنبرة فضولية:
ـ مين دول يا زينب؟
التفتت زينب إليه بملامح متجهمة، وتحوّل خجلها إلى حدة:
ـ أظن دي حاجة ما تخصكش!
نظر إليها بغضب واضح وردّ بلهجة حادة:
ـ لا يهمني... وأنتِ عارفة.
لم تعره زينب أي اهتمام، بل التفتت إلى عشق وقالت بابتسامة مُعتذرة:
ـ آسفة جداً... اتفضلي.
غمزت عشق بعينيها وهي تقول ممازحة:
ـ هو فيه جو ولا إيه؟!
ردت زينب بنفور واضح:
ـ أبدًا... هو عايز يخطبني غصب عني وأنا مش طايقاه، ولا هو طموحي أصلاً.
---
وصلوا أمام المنزل، لتجدوا سناء تقف في انتظارهم على الباب، وعيناها تلمعان بالسعادة. عندما رأت عشق، قالت باندهاش:
ـ بسم الله ما شاء الله... ربنا يبارك. معرفوش يوصفوا جمالك.
شعرت عشق بالخجل وتمتمت:
ـ إزي حضرتك يا طنط؟
ضحكت سناء وهي تضم عشق إلى صدرها بحرارة:
ـ طنط إيه؟! أنا ماما سناء... اتفضلي يا بنتي.
رغم بساطة المنزل، إلا أن عشق شعرت بدفء الجو الأسري الذي يغلفه. المكان مرتب ونظيف، وتفوح منه رائحة الحب والسكينة.
---
نظرت عشق حولها وسألت بابتسامة:
ـ فين جدو العجوز ده؟ مش عايز يشوفني؟
سمعت من خلفها صوت ضحكته المفعمة بالحياة، وهو يقول بمرح:
ـ هو جدك يطول ملاك زيك تيجي تشوفه وتطمن عليه؟!
ثم تابع بمزاح:
ـ هي الصنارة غمزت ولا إيه؟!
ضحكت عشق بعذوبة وهي تقول:
ـ طبعًا... مين يقدر يقاوم وسامتك؟! كفاية عيونك اللي لونها لون الزرع والخير.
سلمت عليه وجلست بجواره. بدا أن حالته النفسية أفضل من تلك المرة. بينما كان خالد ما يزال واقفًا يحمل الأشياء، وعيون زينب تتابعه بفضول وخجل.
نادته عشق:
ـ تعال يا خالد... دخل اللي معاك.
توجهت سناء إليه بإحراج قائلة:
ـ متأخذنيش يا بني... اتلبخت.
ردّ بابتسامة مطمئنة:
ـ ولا يهمك يا أمي.
لا تعلم سناء لما قفز قلبها بين ضلوعها من كلمة "يا أمي". شعرت بها بقوة، وكأنها سمعتها من ابنها.
ـ اتفضل يا ضنايا.
نظرت عشق إلى خالد وقالت بحنان:
ـ طيب يا خالد... امشي دلوقتي وساعة وتعالى خدني.
هتفت سناء بإصرار:
ـ لا، ساعة إيه؟! هتتغدى معانا.
ضحكت عشق وقالت بلطف:
ـ والله يا ماما ما ينفعش... أدهم مش بيأكل غير لما أكون معاه.
سناء بنبرة رجاء:
ـ يبقى ساعتين.
تحدث خالد بحزم:
ـ لا، أنا مش همشي وأسيبك... هقعد على القهوة اللي في وش البيت، ولما تخلصي رنّي عليّ.
خرج خالد، وأغلقت سناء الباب وهي ترحب بعشق:
ـ ثواني يا حبيبتي... وجيالك.
عشق بحنان:
ـ براحتك خالص.
ثم وجهت نظرها إلى الجد أنور وسألته:
ـ أخبارك إيه يا جدي؟ بتاخد علاجك ولا إيه؟
ابتسم الجد أنور بحب وقال:
ـ نحمد ربنا اللي جعلك سبب في نجدتنا... الفلوس...
رفضت عشق إكمال الحديث، وقالت بجدية:
ـ الفلوس دي مش مني... ده رزق ربنا اللي بعته، وجعلني سبب مش أكتر.
توجهت إلى زينب، التي كانت تجلس شاردة الذهن، فظنت أنها تفكر فيما حدث مع ذلك الشاب. سألتها بهدوء:
ـ قوليلي يا زينب... مين الشاب ده؟
قبل أن تجيب زينب، خرجت سناء من المطبخ وقد بدت على ملامحها علامات الاستفهام:
ـ شاب مين؟!
تنهدت زينب بضيق وهي تقول:
ـ أمير يا ماما... بيسأل الفلوس دي جت منين، وكلمني بطريقة ضايقتني، كأنه ولي أمري!
اشتعلت العصبية في صوت سناء وهي ترد:
ـ هو مش خلاص خلّصنا من الموضوع ده؟!
حاولت عشق تلطيف الأجواء، فابتسمت وقالت بمزاح:
ـ ما يمكن بيحبها يا ماما سناء! فيها إيه؟
لكن سناء سيطرت على انفعالها بسرعة، وتذكرت أن عشق ضيفة، ولا ينبغي الحديث أمامها بتلك الطريقة. ابتسمت بتكلف وقالت:
ـ لا، إحنا كان علينا إيجار متأخر، وباباه كان بيلوي دراعي عشان يتجوزني، وأبنه يتجوز زينب وهي رفضت. والفلوس جت نجدة، وبرضه مش بيسكت.
نظرت عشق إلى زينب وسألتها:
ـ أنتي يا زينب، معاكي شهادة إيه؟
ردت زينب بصوت خافت:
ـ معايا دبلوم صناعي قسم تفصيل، وماما هتشوف لي شغل في المصنع معاها.
سألتها عشق باستغراب:
ـ هو حضرتك شغالة في مصنع؟
أومأت سناء برأسها وقالت بابتسامة ممزوجة بالأسى:
ـ آه... ده مشغل بيصنع العبايات. وزينب، ما شاء الله، طلعة موهوبة زي باباها الله يرحمه. وكلمت صاحب المشغل، بس لسه مردش... إن شاء الله خير.
---
بينما كان خالد يجلس على كرسي خشبي، يحتسي كوباً من الشاي على ناصية القهوة، لمح شوقي وولده يقتربان منه. جلسا أمامه دون استئذان، وأشار شوقي إلى صبي القهوة الذي جاء على الفور:
ـ هات حاجة ساقعة للضيف.
تابع خالد ما يحدث ببرود تام، دون أن ينطق بكلمة أو يظهر أي اعتراض.
كسر شوقي الصمت وهو يهتف بسؤال:
ـ هو أنتم تعرفوا ست سناء منين؟ دي طول عمرها مالهاش حد.
رفع خالد عينيه نحوه بحدة وقال بصرامة:
ـ أولاً، دي حاجة ما تخصكش... وثانياً، ما عندناش حريم تيجي سيرتها على القهوة.
ثم حول نظره نحو الشاب، ونظراته تحمل تهديداً واضحاً:
ـ وأنت... لو اعترضت طريق الآنسة زينب تاني، أنا اللي هكون في وشك.
ثم تابع بصوت منخفض وحاد:
ـ أنا مليش في التهديد... أنا بنفذ على طول.
رن هاتف خالد فجأة، فأخرج الهاتف وتحدث بلغة مختصرة وبإشارات سريعة. أنهى المكالمة، ثم نهض وهو ينادي على صبي القهوة:
ـ هات الحساب.
وضع المال على الطاولة، وغادر دون أن ينظر إليهم، تاركاً شوقي وابنه يتبادلان النظرات المتوترة.
شوقي وهو ينظر إلى ابنه بتعجب:
ـ مين دول يا واد؟ شكل حد هيخطف مننا البت وأمها... دي تبقى كارثة.
---
في منزل زينب، طرق الباب مرة أخرى.
توجهت زينب إلى الباب، وعندما فتحته، وجدت فتاة صغيرة تتعلق بقدمها. انحنت زينب على الطفلة، حملتها بين ذراعيها وقبلتها وهي تقول بلهفة:
ـ شوشو... حبيبة زوبة! حمد الله على سلامتك يا قلبي.
دخلت زينب وتلك الصغيرة تحتضن عنقها، وتضع قبلة لطيفة على وجنتها. خلفها دخلت فتاتان من نفس العمر تقريباً، تبدو عليهما ملامح التوأم.
عشق بابتسامة واسعة:
ـ الله! مين القمر ده؟
زينب وهي تُنزل شوشو من بين ذراعيها:
ـ دي شوق... القمر بتاع البيت!
أخذتها عشق في حضنها وجلستها على قدمها، ثم قبلتها على وجنتها:
ـ ما شاء الله! إيه الجمال ده كله؟!
ثم نظرت إلى الجد أنور بمزاح:
ـ يظهر إن جدّو بهت على الكل.
ضحكت شوق وهي تضع يدها الصغيرة على وجه عشق:
ـ وأنتي كمان جميلة... وعيونك لون السماء.
ضحكت عشق وهي تقبّلها:
ـ قلبي أنتي.
---
دخلت سناء إلى الغرفة، ووضعت يدها على كتفي الفتاتين بفخر وهي تقول:
ـ دول هنا وجنى... في الصف السادس الابتدائي.
ابتسمت عشق وهي تسلّم عليهما بحب:
ـ والله ما كنتش أعرف إن فيه بنات بالجمال ده في سنكم!
ثم وجهت حديثها لشوق:
ـ وعد يا قمر... المرة الجاية أجيبلك عروسة جميلة وشوكولاتة كتير.
---
جلست عشق وسط الفتيات، يتبادلن الأحاديث والضحكات. كان المنزل بسيطاً، لكنه مليء بالدفء والروح الأسرية. سرحت عشق في وجوه الفتيات، وفي نظرات الجد وسناء، وتذكرت أخواتها ووالديها.
مرّ الوقت سريعاً، وعشق وعدتهم بتكرار الزيارة مرة أخرى.
---
جاء خالد على الباب، وأسرعت زينب لتفتحه. وقفت أمامه بخجل، وخفضت عينيها وهي تقول:
ـ اتفضل...
نظر إليها خالد، وخفض عينيه بدوره وهو يقول بجدية:
ـ أنا كلمت الشاب ده... لو فكر يعترض طريقك تاني، أنا هربيه.
رفعت زينب عينيها بدهشة، وقرأت في نظراته شيئاً غريباً... شيء يشبه الغيرة. حاولت أن ترد، لكن صوت عشق جاء من خلفها:
ـ أنا جاهزة يا خالد!
********
قاد خالد السيارة في صمت، بينما يداه تقبضان على عجلة القيادة بإحكام. كان يشعر بغصة في صدره، ولا يعلم سبب هذا التصرف غير المدروس. هل سيترك عمله فقط لمنع مضايقات أمير لزينب؟ منذ متى وعد وخلف؟
قطع شروده لمحة سريعة في المرآة، حيث لمح صورة عشق وهي مستندة إلى المقعد، وعيناها شاردتان وابتسامة هادئة ترتسم على شفتيها.
هتف خالد وهو ينظر لها عبر المرآة:
ـ شايفك مبسوطة.
هزّت عشق رأسها وهي ترد بنبرة دافئة:
ـ جداً يا خالد... أنا عشت سنين وحيدة ومحرومة من جو الأسرة. مع سناء وزينب والبنات حسيت إني وسط أهلي. افتكرت بابا وماما وأخواتي... الله يرحمهم.
تمتم خالد بخشوع:
ـ الله يرحمهم.
سكت قليلاً ثم تابعت عشق، ناظرة إليه بنظرة متفحصة:
ـ خالد... أنت ما فكرتش تخطب؟
ارتبك خالد من سؤالها المفاجئ، ثم رد بجدية:
ـ الحمل كبير... ومش مخليني أفكر. بس... بصراحة، حاسس إني ناوي أدي نفسي فرصة.
ثم أخذ نفساً عميقاً وأكمل:
ـ تفتكري ينفع؟ وفي واحدة ممكن تقبل تتجوز في شقة مع أهل جوزها؟
ابتسمت عشق بحكمة وقالت:
ـ والله الموضوع ده يرجع لحسن الاختيار ونوعية الواحدة اللي هترتبط بيها.
ثم نظرت إليه بنظرة ذات مغزى وقالت:
ـ إيه رأيك في زينب؟
شعر خالد بتوتر واضح، وبدأ يحرك أصابعه على عجلة القيادة بلا وعي. ثم رد بتردد:
ـ يعني... أطلعها من همّ له همّ؟ وبعدين شكلها صغيرة عليا.
ضحكت عشق وهي تهز رأسها:
ـ سيبك من السن. أنا قصدي الفكرة... البنت كويسة ومن معاملتهم مع بعض بتقول إنها متربية صح. فيه ترابط وألفة بينهم، ودي حاجة كويسة.
ثم تنهدت وتابعت:
ـ وبعدين خلاص... أقدر أقول إني اطمنت على ندى. بقت في بيت جوزها، وأخواتك لسه عليهم بدري.
ظل خالد صامتاً، ينظر إلى الطريق أمامه، وابتسامة خفيفة تلوح على شفتيه. همس وكأنه يحدث نفسه:
ـ ما حدش عارف الأيام مخبية لنا إيه.
---
مرّ أسبوع ثقيل على الجميع، خاصة على مراد، الذي باتت روحه متعبة وذهنه مشتتًا. في شركة أدهم، فتح الباب ودخل مراد بخطوات متثاقلة، وبدا عليه الإرهاق.
رفع أدهم عينيه نحوه، وقام من مقعده ليقابله قائلاً:
ـ جيت ليه النهارده؟ ما فكرتش تاخد مراتك وتخرجوا في أي مكان؟ تغيروا جو؟
جلس مراد على الأريكة، متكئاً برأسه إلى الخلف، بينما تغيم عيناه بنظرة شاردة. كان الأسبوع الماضي بمثابة جحيم له، فقد صار المنزل قفصًا مظلمًا يحبس أفكاره ويتركها تنهش في صدره.
جلس أدهم أمامه، وعيناه تراقبان ملامحه المتعبة. ثم سأله مباشرة:
ـ إنت خايف من روان يا مراد؟
تنهد مراد بعمق، وظهرت علامات الحزن على وجهه وهو يرد:
ـ خايف أكون ظلمتها بوجودها معايا... خايف تكون عايشة معايا جسدها بس وروحها في مكان تاني. خايف يكون حبي أعمى عينيّ عن الحقيقة.
نهض أدهم من مكانه بغضب، وتحدث بصوت قوي:
ـ لو هي فعلاً معاك وبتفكر فيه، أنا أقتلها بإيدي.
انتفض مراد من مكانه، وحدق في أدهم بعينين تقدحان شررًا وهو يهتف بصوت متهدج:
ـ ومين اللي يسمح لك تأذيها؟
رفع أدهم حاجبه بتحدٍّ وقال:
ـ ومين يقدر يمنعني؟ ولا يوقف في طريقي؟
اقترب مراد منه، وتحفز كل عرق في جسده، وهتف بقوة أكبر:
ـ أنا... أنا اللي هقف في وشك! ومش ممكن أسمح لك أو لغيرك إنه يلمسها!
ثم تابع بصوت مملوء بالألم:
ـ لو هي قالت إنها عايزاه، أنا هوديها له بنفسي. أنا بعشقها... فاهم يعني إيه؟ راحتها عندي أهم من تعبي!
ظل أدهم يتطلع إليه، ثم اقترب منه ووضع يده على كتفه، محاولًا تهدئته وهو يقول بنبرة أكثر لطفاً:
ـ هون على نفسك يا حبيبي... روان بتحبك، صدقني. ولو كنت شاكك ولو بنسبة واحد في المية إنها بتفكر فيه، كنت قلت لك أنساها عشان ترتاح.
ثم ابتسم بلطف وهو يربت على كتف مراد:
ـ خدها واطلعوا مكان بعيد يومين... روحوا غيروا جو، يمكن ده يفيدك ويريحك.
*******
جلست روان تبكي بحرقة في حضن عشق، التي مسدت على خصلات شعرها برفق،
وقلبها يعتصر ألمًا على حالها. كانت روان تشتكي بمرارة مما آل إليه حال مراد. فقد بات مهمومًا،
رافضًا للطعام، قليل الكلام، دائم الشرود. مهما حاولت إخراجه مما هو فيه، كانت تفشل فشلًا ذريعًا.
وكأنها تعود معه إلى أسوأ لحظة في حياتهما.
مسحت عشق على رأسها بحنان وهمست بصوت مطمئن:
ـ اهدي يا حبيبتي... والله هيرجع زي الأول، وأحسن كمان. مراد بيعشقك، ومستحيل يفرط فيكي.
لكن قلب غادة، الذي يؤلمها بشدة على حال ابنتها ومراد، لم يستطع الصمت. كانت ترى أن ابنتها أخطأت، وتستحق العذاب الذي تمر به الآن، بينما مراد لا يستحق أبدًا ما يشعر به.
تحدثت غادة بغضب مكبوت:
ـ أنتي تستاهلي اللي بيحصلك! لو كنتي فاكرة مراد فعلًا، كنتي مشيتي من المكان اللي هو فيه وما اديتيش له فرصة يكلمك! مش بس كده... أنتي سمحتي له يمسك إيدك! وجوزك يشوفك كده! عايزاه يفكر إزاي؟ لو كان شافك بتضربيه بالقلم، كان يمكن كمل عليه. لكن يلاقيه حاطط إيده على إيدك وأنتي ساكتة؟! يبقى إنتي موافقة وعاجبك اللي بيحصل!
همست عشق بلوم وهي تحاول تهدئة الأجواء:
ـ أرجوكي يا ماما... براحة شوية. هي ما عرفت تتصرف من الصدمة والموقف. لكنها بتعشق مراد. أرجوكي، بلاش تزودي همها.
رفعت روان رأسها، ودموعها تتلألأ في عينيها، وهتفت بانكسار:
ـ أنتي طول عمرك بتحبي أدهم ومراد أكتر مني؟
انتفضت غادة وكأن سهماً أصاب قلبها. نظرت إلى ابنتها بصدمة، ثم اقتربت منها وجذبتها من أحضان عشق بقوة، وقالت بغضب مكبوت:
ـ إيه الكلام ده يا روان؟ أنا أمك يا غبية! كنت بعامله بحنان علشان ما يحسش بالوحدة أو إنه غريب!
وبعدين لأنّي أمك وبحبك، بقولك على غلطك! ما ينفعش أقولك أنتي صح وأنا شايفاكي بتدمري حياتك!
حاولت عشق تهدئة الأجواء وهي تربت على كتف روان، قائلة بابتسامة مشجعة:
ـ خلاص يا جماعة، بكره الأمور ترجع أحسن من الأول.
بس بلاش تبعدي عن حضن جوزك. ارجعي بيتك... تحمليه مهما عمل لحد ما يهدي.
مسحت روان دموعها بأناملها المرتعشة، وهتفت بصوت ضعيف:
ـ حاضر...
******
في مساء ذلك اليوم، نزلت خلود الدرج بخطوات ثقيلة، وقد تملّكها الملل. الجميع قد ناموا، وهي لم ترَ زين طوال اليوم. وبينما كانت تهمّ بترك آخر درجة، شعرت بيد قوية تجذبها إلى زاوية مظلمة. شهقت بذعر وسألت بصوت مرتعش:
ـ مين؟
جاءها صوت زين، هامسًا بشوق قرب أذنها:
ـ أنا يا حبيبتي... زين.
أغمضت عينيها للحظة لتلتقط أنفاسها، ثم همست بقلق:
ـ زين! لو حد شافنا كده... هتحصل كارثة، ممكن يقتلونا!
ابتسم زين رغم ارتباكها، وهمس وهو يضمها إليه بقوة:
ـ أنتي مراتي وأنا مسافر مهمة ممكن أتأخر فيها شوية... وبقيت مهووس بيكي. وحشتيني من قبل ما أسافر. أعمل إيه يا خلود؟ مش عارف... ممكن أرجع من المهمة دي ولا لأ. عايز أشبع منك.
ارتجفت خلود وهي تضع يدها على شفتيه بفزع:
ـ بعد الشر عليك! أوعى تقول كده تاني. أنا أموت فيها.
ابتسم زين بحب، وهمس وهو يمرر أنامله على وجنتها:
ـ لو رجعت من المهمة دي على خير، جدي قال إنه هيحدد فرحنا.
قبل أن تستوعب كلامه، ضمها إليه وقبّلها بشغف. تجمد جسدها بين ذراعيه، وقد شعرت بالصدمة. منذ كتب كتابهما قبل شهرين، لم يقبلها من قبل. كيف حدث ذلك الآن؟
لم يمنحها الوقت للتفكير؛ ضمها مرة أخرى بفرحة مشوبة بالخوف. لكن فرحته لم تكتمل، إذ سمع صوت حركة خلفه. تشبثت خلود به في رعب، فربت على ظهرها برفق وهمس جوار أذنها:
ـ متعمليش صوت...
انتظر لحظات حتى هدأت الحركة، ثم تنفس بارتياح وهمس:
ـ اطلعي على فوق، دلوقتي.
هرعت خلود إلى غرفتها، بينما وقف زين يستعد للتحرك. لكن خطواته توقفت حين سمع صوت جده الحازم خلفه:
ـ تعال معايا غرفتي... دلوقتي.
---
دخل زين خلف جده إلى غرفته وهو يشعر بالضيق والندم على ما فعله. أغلق الجد الباب ثم التفت إليه بنظرات غاضبة وقال بحدة:
ـ أنت اتجننت؟ إزاي تعمل كده في بنت عمك؟ إزاي تسمح لنفسك تحطها في الوضع ده؟ إفرض حد من الخدم شافكوا! هتبقى فضايح!
انحنى زين برأسه خجلًا، ورد بصوت منخفض:
ـ آسف يا جدي... بس ليه فضايح؟ هي مراتي على سنة الله ورسوله.
هتف الجد بغضب أكبر:
ـ كأنك نسيت عوايدنا! مراتك لما تدخل بيتك قدام الناس كلها وفي غرفتك، غير كده لأ! أحمد ربك إن فهد مش هو اللي شاف المنظر ده... وإلا كان زمانك في خبر كان!
أغمض زين عينيه بضيق وهو يشعر بصدق كل كلمة قالها جده. تمتم بصوت متهدج:
ـ والله يا جدي، أنا طلبت كام مرة أتجوز خلود... وماحدش وافق. كأني عيل صغير أو لسه هكون نفسي!
نظر الجد إليه بتعجب وسأله بنبرة أكثر لطفًا:
ـ مالك يا زين؟ فيك إيه؟ مش عادتك ترد عليا كده!
أخفض زين عينيه وهمس بحزن:
ـ آسف يا جدي... بس حاسس إن مش هرجع من المهمة دي. وخلود هتوحشني قوي.
هتف الجد بارتباك وقد ارتعد قلبه:
ـ ليه يا ولدي؟ بتقول كده ليه؟ بعد الشر عليك!
أغمض زين عينيه وهو يشعر بغصة في صدره:
ـ والله يا جدي، ده إحساس كبير جوايا المرة دي...
اقترب الجد منه بلهفة، ثم قال:
ـ طب اعتذر يا ولدي! بلاها المهمة دي!
هتف زين بحدة ورفض:
ـ لا يا جدي! من إمتى بنخاف أو بنستسلم؟!
*******
---
في اليوم التالي، عادت عشق من جامعتها وهي تشعر بإحساس غريب يتزايد مع مرور الوقت. منذ الصباح وهي تشعر بعدم ارتياح، لكن الآن صار الإحساس مضاعفًا. فجأة، هتفت بصوت مرتجف:
ـ أوقف! أوقف يا خالد!
نظر إليها خالد باستغراب وهو يضغط على المكابح بسرعة.
ـ مالك؟ إيه اللي حصل؟
فتحت باب السيارة بسرعة، وهبطت منها وهي تبتعد مسرعة. وقفت على جانب الطريق، وانحنت تستفرغ ما في جوفها، وكأن معدتها كانت تقاوم شيئًا ثقيلًا عليها.
هبط خالد خلفها، وبيده زجاجة ماء، وسألها بقلق:
ـ إنتي كويسة؟
أشارت له بيدها أن يبتعد قليلًا، ثم تناولت منه زجاجة الماء دون أن تنظر إليه.
رفعت رأسها ومسحت وجهها، ثم استدارت لتواجهه. بدت شاحبة، وكأنها فقدت كل طاقتها. شعرت بدوار شديد وكأن قدميها لا تقويان على حملها.
اقترب خالد منها وقال بلهفة:
ـ تعالي، أسندك... تقعدي شوية.
مدت عشق يدها إليه لتتوازن، فاحتضن ذراعها وساعدها حتى جلست على حجر كبير تحت الكوبري.
ـ إيه اللي حاسة بيه؟
ـ بطني بتوجعني جدًا!
نظر إليها خالد بقلق، ثم قال:
ـ ممكن تكوني واخدة برد؟
ـ مش عارفة... بس ممكن يكون كلامك صح.
نظر خالد حوله باستنكار:
ـ طيب تعالي، ارتاحي في العربية... المكان هنا مش كويس، وريحته وحشة جدًا.
نهضت عشق وهي تتشبث بذراعه لتستند عليه، لكن فجأة توقفت. شعرت بشيء ما خلف الحجر. تراجعت خطوة للوراء وحدقت باتجاهه.
ـ خالد... أنا... أنا شايفة حاجة هناك!
نظر خالد إليها بدهشة:
ـ إيه اللي شايفاه؟
اتجهت بخطوات بطيئة نحو الحجر، ثم وقفت خلفه وأطلقت صرخة فزع:
ـ خالد!
اندفع خالد نحوها، وقد تملكه القلق:
ـ في إيه؟ مالك؟
أشارت عشق بيد مرتعشة إلى شيء ملقى على الأرض. كان طفلًا صغيرًا، بالكاد يبلغ عمره سنوات كريم. اقترب خالد وانحنى ليفحصه.
قالت عشق وهي تكاد تختنق بالبكاء:
ـ ده... ده ميت، مش كده؟ شكله مش بيتحرك!
لم يرد خالد، بل أمسك بيده الصغيرة، وضع أصابعه على عنقه ليتحسس نبضه. ثم قال بارتياح نسبي:
ـ لا، لسه حي... لكن حرارته عالية جدًا.
غطت عشق فمها بيدها، والدموع تنهمر من عينيها:
ـ طيب شيله بسرعة! تعال، نوديه المستشفى!
لم يتردد خالد، حمل الطفل بين ذراعيه برفق، ثم وضعه في المقعد الخلفي للسيارة. جلست عشق إلى جانبه وهي لا تكف عن البكاء، بينما قاد خالد السيارة بسرعة وهو يتمتم بغضب:
ـ إيه الأهل اللي يرمو عيالهم في الشارع بالشكل ده؟ ناس قلوبها حجر!
*********
عاد مراد إلى المنزل بعد يوم طويل، وكانت نفسُه ثقيلة ومرهقة. فتح الباب، ودخل ليجدها تضع الطعام على الطاولة. كانت ملامحها منهكة وعيناها متورمتين من كثرة البكاء.
تألم قلبه من المشهد. لم يتحمل أن يرى الحزن مرسومًا على وجهها. اقترب منها بخطوات بطيئة، ووضع يده فوق يدها التي كانت ترتجف وهي تضع الأطباق.
نظرت له روان بحزن، وزادت دموعها هطولًا، دون أن تنطق بكلمة.
رفع مراد يده ليمسح دموعها بلطف، ثم أمسك بيدها الأخرى ووضعها على صدره، حيث كان قلبه ينبض بسرعة من شدة الألم. همس بصوت متحشرج:
ـ ده عمره ما دق غير ليكي... من وأنتي لسه في أولى ثانوي.
ثم أغمض عينيه، وأخذ نفسًا عميقًا وهو يكمل:
ـ ورغم ده كله، مش قادر يكرهك... مش قادر يبعد عنك... رغم إحساس الغدر والخيانة اللي ضربوه في مقتل.
نظر إليها بعينين تملؤهما الرجاء:
ـ أنا محتاج منك تريحيني... قوليلي الحقيقة. صدقيني، أنا هعمل أي حاجة تريحك... بس ارجوكِ... إنتشليني من الدوامة والضياع ده.
ارتجفت شفتاها وهي تنظر له بحب ودموعها تزداد انهمارًا. اقتربت منه خطوة، وأمسكت وجهه بكلتا يديها، وهمست بقوة:
ـ عمري ما خنتك يا مراد... عمري ما هعملها.
هز رأسه ببطء وهو يشعر بالتشتت، بينما أكملت روان بصوت مختنق:
ـ أنا بعشقك يا قلبي... بلاش تعطي فرصة للشيطان أو حيوان زي ده إنه يدمر حياتنا الجميلة.
ازدادت أنفاسه اضطرابًا، لكن لم يقاطعها.
ـ أنا بحبك... ومقدرش أكمل من غيرك. وحياة روان عندك، صدقني.
رفعت رأسه بيدها، وأجبرته على النظر في عينيها مباشرة:
ـ أنت ليا... أبويا، وأخويا، وحبيبي. ومافيش في حياتي غيرك.
أغمض مراد عينيه بقوة، وكأن دموعه تأبى الانهمار. مشهد يد وائل فوق يدها لا يفارقه، لكنه لا يريد أن يخسرها. فتح عينيه من جديد، وحدق بها طويلًا قبل أن يقول:
ـ طيب... جهزي هدومك ويلا علشان...
وضعت روان يدها على فمه، وأومأت برأسها بشدة:
ـ أوعى تقول هروح بيت أهلي!
قبّل مراد يدها بحنان، وقال بصوت ضعيف:
ـ مش قادر أفرط فيكي... إحنا مسافرين يومين.
---
في غرفة فهد، كان يجلس مسترخيًا على الأريكة، يتصفح هاتفه دون اكتراث. فجأة، رن الهاتف بنغمة معتادة، فتغيرت ملامحه عندما ظهرت كلمة عشق على الشاشة.
اعتدل بسرعة ورد على الفور:
ـ ألو، أخبارك يا عشق؟
جاءه صوتها المرتجف من الطرف الآخر. كان بكاؤها واضحًا، يقطع قلبه إلى أشلاء. انتفض فهد من مكانه، مما أفزع ماسه التي كانت مستلقية إلى جواره.
ـ مالك يا عشق؟ فيكِ إيه؟
ارتفع صوتها بين شهقاتها:
ـ تعال حالًا يا أبيه... أنا محتاجاك أوي.
وقف فهد وهو يحاول تهدئتها بصوته القلق:
ـ طيب اهدي... أنا جاي لكِ. بس قوليلي إيه اللي حصل؟ في حاجة بينك وبين أدهم؟
ازدادت شهقاتها ألمًا وهي ترد:
ـ لا يا أبيه... بس أنا محتاجاك... أرجوك ما تتأخرش.
تنفس فهد بعمق، وحاول السيطرة على أعصابه:
ـ حاضر يا عشق... بطّلي عياط، أنا على الطريق... مسافة السكة وهكون عندك.
أغلق الهاتف بسرعة، واندفع نحو الخزانة ليبدل ملابسه.
راقبته ماسه بقلق، ثم سألت بخوف:
ـ مالها عشق؟ فيها إيه؟
هزّ رأسه بحيرة وهو يحاول ارتداء قميصه:
ـ مش عارف... بس منهارة جدًا. أول مرة أشوفها كده.
ترددت ماسه، لكنها لم تستطع كبح رغبتها في البقاء إلى جواره. تقدمت منه بخطوات مترددة، وقالت بحذر:
ـ ينفع... أجي معاك؟
استدار نحوها، والتقت عيناهما. وجد في عينيها نظرة رجاء وخوف. تردد للحظة، ثم ابتسم برفق:
ـ طيب... يلا.
لم تنتظر ماسه سماع الإجابة كاملة، بل قفزت بسرعة لترتدي عباءتها، ثم اتجهت نحوه وطبعت قبلة خاطفة على وجنته.
أمسك فهد بمفتاح السيارة، واتجه نحو الباب، وهو يشعر بأن شيئًا ثقيلًا ينتظره هناك.
رواية انت عمري الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم احمد محمود
دخل به غرفة الكشف
حاولت عشق الثبات حتي تطمئن عليه لكنها تشعر بالإعياء لذلك سألت علي التويلت تحركت ببطئ وجدت خالد جوارها هتفت برفض خليك جنبه لما نطمئن عليه
الدكتور بيكشف عليه وانا عايز اطمئن عليكي شكلك تعبانه جدا
تحدثت بتعب ارجوك متسيبوش شكله مريض قوي وانا داخله حمام الغرفه
دخلت الحمام بسرعه وظلت تستفرغ حتي خارت قواها لم تعد اقدامها تحملها لذلك جلست علي أرض الحمام
بينما تحدث الدكتور لخالد أزاي تسيبوه كده ده عنده نزلة شعبية حاده وكان ممكن يحصله مضاعفات من إرتفاع الحرارة لوكنت أتأخرت ساعه كمان كان حصله تشنجات ؟؟
:: ردد خالد الحمدلله خير إحنا مانعرفش هو مين
وحسس علي وجهه بحنان الحمدلله إننا لحقناك
تركه الدكتور وخرج بعد أن ركب له المحاليل
ألق نظره علي الباب لقد تأخرت بالحمام طرق عليها الباب لم تستجب طرقه مره أخري وهو ينادي عليها لم ترد
خبط الباب بكتفه بقوه دخل بإحراج وقلق وجدها تفترش الأرض
خالد بفزع عشق عشق قومي حملها وخرج ينادي علي أحد يسعفه ركض إليه دكتور وممرضه وهو يسأل ما أصابها
خالد ::بحده وأنا اعرف منين بقالها ساعه بتستفرغ
ولاقيتها فاقده الوعي الدكتور وهو يكشف عليها هي متجوزه ولا أنسه ؟؟
لا متجوزه نظر للممرضه نادي دكتوره وفاء بسرعه
رفع خالد هاتفه وطلب أدهم الذي رد بسرعه عندما رأي
رقمه خير يا خالد
خالد ::بتوتر ممكن حضرتك تيجي مستشفي *****
وقف أدهم مالها عشق ؟؟
تعبت شويه وبعدين فقدت الوعي لم يعطيه فرصه للإكمال خرج من مكتبه بسرعه
دخلت الدكتوره وطلبت منه الخروج وقف جوار الباب
وجد أدهم يدخل ويبدوا علي وجهه الرعب في إيه يا خالد مالها عشق
خالد تعبت في الطريق وإستفرغت
وهنا دخلت الحمام ولما اتأخرت ومش بترد عليا لأقيتها فاقده الوعي والدكتوره معاها جوه
قام بفتح باب الغرفه باللهفه
الدكتوره بغضب أيه ده أنت داخل كده ليه مش تستأذن
نظر لها نظره ناريه أخرستها توجه لعشق بلهفه مالك يا حبيبتي أيه حصلك حاسه بأيه
الدكتوره هو حضرتك جوزها أدهم أه أومال أخوها
نظرة له بحرج مبروك مدام عشق حامل نظر لها بعدم تصديق ثم نظر لعشق وهو يقبلها بحنان
مبروك يا قلبي
إعتدلت في جلستها بتعب الطفل عمل أيه
نظر لها بحيرة عن أي طفل تتحدث طفل مين قصة له ما حدث
نادا خالد الذي دخل وهو يخفض عيونه حمدالله علي سلامتك يا عشق هانم
عشق بتعب الله يسلمك يا خالد الولد طلع عنده إيه
رد بإحترام عنده نزلة برد حاده وقله غذاء
ولو أتأخر في علاجه كان هيموت لأن درجه حرارته عدت ال٤٠
عشق الحمد لله أنا عايزه أشوفه؟
اتسعت عين أدهم وهتف برفض استنى لما اطمن عليكي ونشوف الحركه كويسه ولا غلط
حبيبي أنا مش مسافره ده خطوتين وحياتي يا أدهم شكله صعبان عليا قوي
أخذها ودخل الغرفه وجد ممرضين يحملوه وهو يرتدي زي المستشفى
سألتهم بخوف مالوا رايحين بيه فين
الممرضة بعمليه كل شوية ندخله تحت المياه علشان الحراره تنزل
اقتربت منه عشق تتحسس حرارته ولكنها رجعة خطوه عندما تبينت ملامحه
شعرت دوامه تسحبها داخلها بلا رحمه لتفقد الوعي
لحقها أدهم الذي حملها بين أحضانه بخوف وتملك وذهب بها لغرفتها قام
ب الإتصال علي أمه التي أتت علي وجه السرعه بعد مرور وقت بسيط
دخلت غاده وهي تكاد تطير من السعاده إحتضنت إبنها بسعاده شديده وهي تقبله ألف مبروك يا عمري يتربي في عزك يارب
الله يبارك فيكي يا أمي بس أنا خايف علي عشق دي تاني مره تفقد وعيها في ساعه
غاده ::بإطمئنان ماتقلقش هم أول ٣شهور صعبين وعشق أكلتها ضعيفه بس بالغذا والفيتامينات هتكون بخير
إستيقظت وهي تبكي أدهم بلهفه مالك يا حبيبتي أيه تعبك أنا عايزه أشوف الولد ؟
::تحدث برفض لا أنتي تعبانه ومحتاجه ترتاحي ؟
عشق بإنهيار أرجوك أنا لأزم أشوفه وحياتي يا أدهم !
قولت لا يا عشق يعني لا ؟
غاده إهدي يا حبيبتي العياط غلط عليكي أهدي
أرجوكي يا ماما لأزم أشوفه أرجوك يا أدهم
أدهم ::وهو ينظر لها مستغرب حالتها مالوا الولد ده الدكاتره معاه ليه منهارة كده
أرجوك يا أدهم علشان خاطري طيب مش همشي شيلني أنت ؟
::خلاص يا حبيبي ريحها
::توجه لها حاضر يا أمي حملها وتوجه بها إلي غرفت ذالك الطفل ووقف بها أمام سريره نزلت عشق وهي تسند علي أدهم تأملت وجهه ودموعها تسيل
ثم طلبت من أدهم أن ينظر علي ظهره هل يوجد وحمه سوداء
فتح أدهم قميص المشفي وألقي نظره ورجع بنظره
المصدوم لعشق كيف علمت مكانها هل من الممكن
عشق في ولا لاء ؟؟
أدهم وهو يعتدل أه فيه عرفتي أزاي
عشق بهمس مش معقول يونس
إقترب منها أدهم بتقولي أيه
يونس أخويا ده يونس
رجع بنظره لذلك الطفل ثم حدثها أنتي قولتي إنهم كلهم ماتوا في حادثه من خمس سنين أو أكتر
أيوه الظابط بلغني أن الميكروباص تصادم مع مقطورة بنزين ومافيش حد خرج منه حي بس ده شبه بابا خالص و الشامه دي هو و ارثها من بابا
******************
نزل فهد وجواره ماسة
تعجب الجد من ذهابه دون أن يخبره وسأله رايح فين يا فهد
مسافر عند أدهم يومين يا جدي
هتفت نعمة بلهفه طيب ممكن أجي معاك عشق وحشتني أوي
نظر لها فهد بحيره فهو لا يريدها أن تري إنهيار عشق
ولو رفض سوف تحزن
فهمت تردده أنه يريد يومين مع زوجته ولا يريد عزول لذلك هتفت بخجل من صمته الذي طال خلاص خليها مره تانيه
اتخذ قراره فقد يخفف وجودها عن عشق الذي لا يعلم ما بها لا يا ماما تعالي معانا
وافقه الجد لانها سوف تترك المنزل لأول مرة منذ سنوات روحي معاهم يا نعمه بس ماتجيش من غير عشق أصلها وحشتني جدا
**************"*
إتصل فهد بأدهم بعد سفر إستمر ٤ساعات
وصف له أدهم المكان
وكان في انتظاره علي بوابة المستشفى سلم عليه وعلي نعمه التي تحدثت بخوف مالها عشق
شاور له وه بخير تعالوا نطلع وصلوا أمام جناح عندما دلفوا من الباب
قامت عشق وهي تركض علي نعمه تبكي في حضنها
بطريقه فزعت نعمه التي هتفت بقلق مالك يا قلبي فيكي أيه ليه بتبكي كده
إلتفتت لفهد أبيه وكادت تقترب لكن يد أدهم كانت أسرع وأقوي عندما أوقف قربها وجذبها لأحضانه
نظر لها بغيره قاتله لو كنتي عملتيها كنت قتلتك يا عشق
هكذا همس لها أدهم
أما فهد فقد إبتسم علي غيرته الواضحه وضوح الشمس
لكن ما يشغله الأن حالتها تلك ليسألها مالك يا عشق
توجهت للطفل الممدد علي السرير وبكت ده أخويا يونس
أتي دور فهد في الصدمه الذي سألها مين
أما نعمه كانت في لحظه جواره تتأمل ملامحه كأنها تري أمامها عشقها حركت يدها علي وجهه وتحدثت محمود
نظرة لها عشق مش كده يا ماما شبه بابا نعمه بدموع أه الله يرحمه
فهد وهو يقترب يري ملامحه ياماما يخلق من الشبه أربعين
عشق وهي تكشف ظهره ودي كمان نظرة نعمه دي كانت عند محمود الله يرحمه
تحدث أدهم عشق صممت تعمل تحليل ال DNAو لما النتيجه تطلع نتأكد
نظرت لفهد وهي تردف أيه رأيك يا أبيه لما تعمله أنت كمان
تمام مافيش مشكله في الطبيعي كان بيحتاج مده كبيره عشان يظهر ومعامل قليله جداا اللي بتعمله
حاليا بالاجهزه الحديثه مش بيحتاج وقت كبير
****************
في منزل سناء
هتفت زينب ماما أنا عايزه أخد رأيك في حاجه
قولي يا حبيبتي كل اللي نفسك فيه
زينب أنا الوقت بشتغل معاكي في المصنع بقول لو نشوف جمعيه ندخلها و نقبضها في الأول و أجيب ماكينه
أعمل شغل هنا جنب المصنع لتحسين الدخل
هتفت سناء بإعجاب شديد فكره حلوه يا زينب بس هتبقا تعب عليكي ؟؟
مافيش حاجه لما أتعب سنه أو اثنين وبعدين نرتاح
المبلغ اللي أنتي عيناه من الفلوس أبقي أجيب بيه خامات
نظبط أمورنا ونعمل كام قطعه كده حلوه و نعرضها عند
ناس ولو إتسحبت هانتعرف وهيكون علينا طلب
وأنا وأنت نشتغل من البيت بدل الشغل عند الناس
سناء وهي تحتضنها وأنا موافقه يا حبيبتي ربنا يكملك بعقلك
زينب وهي في حضنها هي عشق ما قلتش هتيجي أمتي
::تحدثت سناء وهي تنظر لإبنتها عشق برده هو أنا ماكنتش شايفه نظراتك ووشك اللي بيحمر كل ما يبص ناحيتك ؟؟
::ردت زينب بخجل هو ممكن الإنسان يحب حد ما شفوش غير مرتين بس ويحس أنه هو ده الشخص اللي بيتمناه؟؟
زادت سناء من ضمها وهي تهتف بحنين ومن مره واحدة كمان أنا شوفت باباكي
مره واحدة حسيت أن روحي تعلقت بيه وحياتي كانت نقصه لحد ما هو ظهر
الحب جميل قوي يا زينب
بس الحب الطاهر البرئ اللي يكمل بالجواز ؛؛
تنهدت بتمني يارب يا ماما يفكر فيه أو أكون لفت نظره
سناء ::بحنان مين يقدر يقاوم واحدة في جمالك ده كفايه الغمزات القمر دي
"*****************"
في منزل خالد
عاد وهو يشعر بالإرهاق فقد كان يوم صعب وما زاد صعوبته الخوف والقلق علي عشق
حالتها كانت توجع القلب لقد أتخذها أخت ثانيه مثل ندي منذ أول يوم رأها
دخل من الباب وجد أمه تجلس أمام التليفزيون تشاهد المسلسل التركي
مساء الخير يا أمي
::إلتفتت له وهي تخفض الصوت أحضرلك العشاء يا حبيبي ؟؟
ياريت يا أمي لو حاجه سريعه علي ما أخد دش و أغير لأن عايز أنام
خرج وجد والدته وضعت الطعام وجلست في إنتظاره
جلس جوارها وبداء في تناول طعامه نظر لها بإبتسامه
عشق حامل
فردوس :: يألف نهار أبيض يا ألف نهار مبروك طب خليني أبارك لها
مش هينفع الوقت لما أكون معاها لوحدنا هخليكي تكلميها
عقبال ما أفرح بيك يا حبيبي و أشيل عيالك
::ما أنا كنت عايز أخد رأيك في الموضوع ده
فردوس ::بسعاده يعني عايز تتجوز
::لسه بدري علي الجواز في بنت عجباني وكنت عايز أخطبها بس صراحه مش عارف أهلها ممكن يوافقوا
ولا لا
ومين يرفض شاب زيك ماشاء الله طول بعرض وشهامه
هتف بأسف الطول والعرض مش هم اللي هيأكلوا بنتهم ويغطوها في البرد مين ها يواقف أن بنتهم تعيش مع أهل جوزها وكمان وضع حياتنا ده
فردوس ماتقلقش إن شاء الله هيوافقوا
دخلت غرفتها وخرجت بعلبه صغيره بها خاتم وسلسله
دول كنت شيلاهم علشان اليوم ده ورغم الظروف اللي مرينا بيها رفضت أطلعهم وقولت دول لعروستك
خالد وهو يقبل يدها جبتيهم منين دول
دهب أمي الله يرحمها ثمنهم يبقوا أغلي من دهب الوقت هات بيهم خاتم و دبله وأنا هعمل جمعيه وندهن أوضتك و نجبلك عفش جديد
هتف بإحباط لو وفقوا نبقا نشوف موضوع الجمعيه ده .
يارب يا حبيبي يسعدك ويريح قلبك زي ما أنت بتريح قلوبنا
**************
فتح عيونه بتعب وجد نفسه في مكان لا يعرفه إعتدل في جلسته وهو ينظر حوله وجد ناس تجلس معه في نفس الغرفه
وقفت عشق بلهفه يونس حبيبي حمدالله علي سلامتك
ابتعد عنها وهو يهتف يونس مين أنا اسمي البرنس أنا أيه جبني هنا ؟؟
عشق وهي تقترب منه تحضنه أنا أختك عشق عارفه إنك مش فاكرني لأنك كنت صغير
قفز من فوق السرير قبل أن تلمسه
نظرة له بحيره اهدي يا حبيبي أنا مش ممكن أذيك
خرجت كلماته حاده عنيفه أنا محدش يقدر يأذيني
::تحدثت نعمه بدموع تعالي يا حبيبي أنا ماما نعمه
نظر في عينها مثل ذئب يقيم فريسته لكنه ضعف أمام هذا الحنان في نظرتها ودموعها
تمني أن يصدقها و يرتمي في حضنها يبدوا عليها الطيبه لكنه يعرف طريق أمه وقسوتها التي جعلته يهرب من المنزل
توجه إلي الباب حتي يهرب فتح الباب فجاه وظهر عليه شخص ضخم يرتدي جلباب
وقف فهد أمامه يسأله أنت رايح فين
عاد يونس بحذر عدت خطوات للخلف وهو يهتف بعنف أنت مين أنت كمان هو أنا وقعت وسط عصابه
لا أنا لحمي مر و ماحدش يقدر عليا قفز علي السرير
الذي تقف عشق جواره وسحب مشرط وضعه علي عنق عشق في دخول أدهم الذي رفع سلاحه دون أن يراعي طفولته وخوفه الواضح بعيونه
أدهم بغضب أنت بتعمل إيه يلا إتشاهد علي روحك ؟
عشق ببكاء لا يا أدهم إلا يونس أنا ممكن أموت وراه
رمقها أدهم بخوف شديد وهو يتخيل ماذا يحدث إذا لم يلحقها من ذلك الوحش الصغير
هتف بصدق ده مش أخوكي يا عشق ده كلب صعران مش عارف يميز بين صحبه وعدوه
لا هو بس خايف أنت مش عارف كان شكله أيه وهو مرمي في الشارع أرجوك ؟؟
يونس حبيبي أنا أختك الكبيره عشق
كنت فاكره أنك ميت مع بابا وماما و أخوك حمزه
أهدي أنا مش ممكن أسيب حد يأذيك تعال في حضني وأنت تفتكر
ياما شيلتك وأنا بذاكر وياما حميتك و الشامه إللي في ضهرك دي يوم ما شوفتها وأنت مولود كنت في سنك
وقولت لماما أنا عايزه وحده زيها يومها ضحكة و قالتي دي مش بتتباع دي جايه من عند ربنا زي بابا بالظبط بابا
عشان يأكد كلامها خلع قميصه و وراني .
سكن لحظه تركها بعدها و إبتعد .
ركض عليها أدهم حضنها وهو ينظر بقسوة لذلك الطفل أوعدك لو ما طلعتش أخوها أقتلك بإيدي علشان اللي عملته فيها
أما فهد نظر لذلك الشرس هو يتعامل بشراسه
حتي يحمي نفسه وهذا يدل علي أنه ليس لديه من يحميه
رجع يونس بظهره وجلس علي الأرض في ركن من الغرفه يتأمل الجميع بحيره وتشتت ثم تحدث
أزاي أنتي أختي وهي أمي وأنا أصلا هربان من أمي وأبويا لأنهم قاسيين و بيعذبوني لما يلاقوا الفلوس أقل من اللي هم عايزنها ؟؟
سايره فهد في الكلام حتي يعلم ما عاناه فلوس أيه أنت بتبيع حاجه ؟
::رد بتلقائيه لا بسرق
عشق ونعمه بشهقه تسرق
هز رأسه وهو يكمل كنت بسرق من ناس ومن المحلات هو عودني علي كده
الأول ياخدني معاه ويعرفني أعمل أيه ولما لأقاني
ذكي وبتعلم بسرعه سابني في المنطقه بتاعته وراح هو مكان تاني ؟؟
يستمعوا له بعدم تصديق لأنه يتحدث عن الأمر كأنه شيء عادي لا يخجل من كونه لص وسارق طريقته في الحديث مختلفه عن عمره كأنه شاب في العشرين
::وجه له أدهم سؤال أيه اللي خلاك تهرب ؟؟
ابتسم بسخرية كنت بنزه نفسي وأجيب أكل نضيف أتفسح و أعطيهم الباقي
جيبت لبس خبيته بعيد عن البيت ولما لأقي الفلوس كل فتره بتقل بداء هو ومراته يضربوني ويحبسوني من غير أكل كام يوم مثلت عليهم إني ندمان وأتعلمت من غلطي
ولما سابوني هربت بقالي ٦شهور ؟؟
كادت عشق تساله أين كان ينام عندما طرق الباب ودخل الطبيب بالتحليل
عشق بلهفه خير يا دكتور
التحاليل مطابقه بنسبة ٩٠×١٠٠
يعني أخويا مش كده الدكتور أه النسبه دي صلة دم
من الدرجه الأولي
توجهت له عشق وهي تحتضنه وتبكي كنت عارفه
بكي في حضنها يعني الناس دول مش أهلي
عشق لا يا حبيبي إحنا أهلك
دكتور هو ممكن يخرج أمتي
هو بقاله ٣أيام بيأخد علاج أنا شايف أن حالته محتاجه متابعه يومين كمان
*******
نادا خالد ندي بغرفته
التي طرقت الباب ودلفت للداخل خير يا أبيه حضرتك طلبتني
جذب يدها يجلسها أمامه ومرر يده علي و جنتها بحنان بنوتي وحبيبتي بكرة هتبقي أجمل عروسه في الكون
لحد الوقت مش مصدق أنك كبرتي و هتروحي مني
لحياة جديده بس كل اللي واثق فيه أن ربيتك صح عايزك
تكوني مع أهل جوزك واجه جميله لينا و لبيتنا عايز الكل يحلف بأدبك و اخلاقك
عارف أن أمه صعبه و هتتعبك قوي بس معلش اتحملي علشان حبيبك هو يستاهل أنك تتغاضي عن مساوئ أمه
مش بقولك تبقي ضعيفه أو تقبلي الاهانه أبدا
عايزك تبقي حكيمه في تصرفاتك وردود افعالك امتصي غضبها ببسمه أو كلمه حلوه علشان حياتك تمر
لكن وقت الاهانه أو حد يحاول يمسك بسوء هتلاقيني قدامك أحميكي من أي شر مهما كان مين أوعي تخافي أبدا من حد طول ما أنا موجود
بكت ندي وهي ترتمي بحضنه الذي استقبلها بحنان الكون مسد ظهرها وهي تهتف ببكاء مافيش واحدة تنكسر أو
تضعف وهي أخوها خالد هبقي دايما قويه بيك يا بابا نطقتها بإحساس شديد
أنت أبويا واخويا و سندي ربنا ميحرمنيش منك أبدا
هتف بإختناق وهو يحارب دموعه هاا وبعدين مش عايزين دموع النهارده بالذات علشان يصبح وشك زي البدر مش عايزين الناس تقوله جايب العروسه الدبلانه دي منين
ابتسمت وهي تمحي دموعها أوعدك يا أبيه أن اكون عند حسن ظنك بيه ودايما ارفع راسك و يحلفوا أن مشفوش تربيه احسن من تربية خالد
ابتسم لها وهو يهتف عارف يا حبيبتي انا صراحه مكنتش عايز جواز قبل ما السنه تخلص علشان لامتحانات اللي
علي الأبواب بس سيد وعدني أن هيكون عون ليكي
الشهرين الجيين يلا قومي نامي علشان بكره اليوم صعب وطويل
***********
ظلوا يومين اخرين بالمستشفي في انتظار تحسن حالته بينما استأذن خالد الغياب اليوم من اجل زفاف أخته الذي لا يستطيع تأجيله لأنه تم تحديدها يوم كتب الكتاب
تواصل فهد مع جده يخبره بتلك المفاجاه الصادم للجميع من يتوقع أن يظهر له حفيد أخر بعد تلك السنوات حي معافي ذلك الخبر رد به الروح أكثر وأكثر
*********
في قاعه جميله وقف سيد بقلب ينبض بفرحه يستقبل محبوبته التي تضع يدها بيد أخيها الذي يزفها إليه
بينما وقفت فردوس تتابع ما يحدث بدموع الفرحه
بينما جلست سيدة تحاول رسم الفرحه من اجل ابنها بينما داخلها بحر من الأحزان علي اختها التي تخلت عنها في أكثر ايامها احتياجا للدعم
اتسعت ابتسامه سيد عندما توقف خالد أمامه وهو ينقل يد أخته من يده يضعها بحب علي يد سيد وهو يهتف أنا عطيتك قلبي حافظ عليه ثم اكمل بتهديد مرح أوعي تزعلها يوم أصل اخليك تودع شبابك يا سيد وأنت عارف
ضحك سيد علي كلماته التي تخفي ما يشعر به الأن پان أحدهم يسحب روحه من جسده ونظر لتلك التي تتورد خجلا
أرجوك يا نودي لو زعلتك في يوم فكريني أن اخوكي
اسمه خالد مش عايز اودع شبابي ثم أكمل وهو يهتف برجاء بلاش تفتني عليا لو في يوم اتجننت و زعلتك أنا برده زي جوزك
ضحك جميع اصدقائهم احتضن سيد خالد وهو يردف أمانتك في قلبي يا صاحبي
توقفت فردوس أمام طاولة سيده وهتفت بإبتسامه أيه يا ام سيد ده مش مكانك أنت ام العريس ومكانك هناك
جنب ابنك في الكوشه يلا عايزين الولاد يفرحوا ده يوم في العمر
نظرت لها سيدة بتشتت و ألقت نظره علي ابنها وهو يتحرك علي نغمات الموسيقي بعروسته و الفرحه تشع من
عيونه وتصرفاته اخذت قرارها نعم ابنها يحتاج وجودها وهي لن تكسر فرحته من أجل أي شخص حتي
لو كانت اختها التي محت ما بينهم بالجفاء والبعد ومن لم يفرح بفرحة ابنها الظاهره أمامها الأن لن تحتاج وجوده
في وقت أخر
جذبها ابنها يراقصها علي تلك الانغام ابتسمت باتساع وهي تضمه لاحضانها تشاركه فرحته ليزيد من ضمها وهو
يضحك ويقبل جبينها بينما اقتربت منها ندي بحذر
خائفه من تعرضها للإحراج أمام كل هذا العدد رأت سيده نظرة
الخوف بعيونها ابتسمت في وجهها وهي تجذبها
لاحضانها ألف مبروك يا ندي أنت الوقت بقيتي بنتي التانيه ومرات الغالي افرحي يا حبيبتي ربنا يهنيكم
ابتسم سيد الأن اكتملت فرحته بتقبل أمه حبيبته بينما اتسعت عيون ندي من الموقف وهي في حضنها شاور لها
سيد الذي يقف خلف أمه ويري الذهول مرتسم بكل صوره علي ملامح ندي أن تصدق ما يحدث
الأن أمه تتعامل بطبيعتها بعد أن خرجت من تأثير أختها القاسي وعادت لقواعدها سالمه
رواية انت عمري الفصل الثلاثون 30 - بقلم احمد محمود
عاد الجميع للفيلا
عشق لم تترك اخيها لحظه تضمه تحت ذراعها وتتحرك جواره تصعد معه إلي الغرفة التي تجهزت من أجله
أخرجت له ملابس حتي يبدل ملابسه تهتف بحنان أنا ها غيرلك
::تحدث يونس برفض هو أنا صغير عشان حد يغير لي هدومي .
علي فكره أنا راجل وبعمل كل حاجه لنفسي.وكنت بحمي نفسي من كلاب الشوارع
عشق وهي تضمه ببكاء أجمل راجل في الوجود .
نظر لها مستغرب حالتها الباكية وسألها بفضول أنتي بتبكي كتير ليه جمدي قلبك كده علشان تقدري تعيشي في الدنيا دي وإلا الوحوش هتاكلك
نظرة له بإبتسامه مافيش حد يقدر يقرب مني طول ما أخويا سندي موجود غير علي ما أجبلك أكلك
***************
نزلت عشق وجدت الجميع في إنتظارها
بينما عيون أدهم تشتعل من الغيره يري هذا الطفل غريمه من أول وهله جذب كل أهتمامها بعد أن كان هو أهتمامها الأول جاء من يشاركه حبها وإهتمامها
حبيبتي تعالي اقعدي أنت لسه حامل في الأول وده غلط عليكي كان هذا رأي نعمه
اقتربت من مكان جلوسها بتعب وهي تهتف بحنو شكله تعب كتير يا ماما شايف دموعي ضعف وإن كده الناس هتأذيني
أكد فهد علي كلامها فعلا كلامه ونظرته أكبر من سنه الشارع دمر براءته وحوله وحش
شرد أدهم في حياته الحاليه كيف يصبح وضعه مع عشق في وجود هذا الدخيل لم يشارك في الحوار بل عيونه
علي تلك التي لم تجف دموعها و لم تنظر له منذ نزولها تلك الحركه أشعلت نار الغضب داخله
لاحظت أمه صمته الغريب لذلك سألته غاده مالك يا حبيبي ؟
تنفس بضيق دون ان يبعد عيونه عنها يحاول جذب عينها أنا كويس يا أمي ما تقلقيش
أتت الخادمه بالطعام وقفت عشق مرة واحدة تصعد معها مره أخري
دخلت الغرفه بعد أن انهي ارتداء ملابسه جلس علي طرف الفراش
جلست جواره وبدأت في إطعامه وهو إستجاب لها
هذا الإهتمام والحنان جديد عليه يجربه لأول مره وما أجمله من احساس
دخل أدهم الغرفه وقف ينظر لهم دون كلام رفع عيونه وجد نظرته الشرسه
إبتسم يونس ذلك الطفل الذي يملك ذكاء وخبث لا يناسب سنه عندما هتف علي فكره أنا أخوها مش ها خدها منك ولا حاجه
هتف أدهم بغيرة وغضب محدش يقدر يا خدها مني واللي يفكر مجرد تفكير يبقي أخر يوم في عمره
وقفت عشق تقترب منه تحاول امتصاص غضبه التي لا تعلم سببه حبيبي أهدي ده طفل نظر لها بضيق عندما
تدخل يونس بأسلوب فظ كأنه يتمتع بما يري من اشتعال ذلك العاشق طيب لما مافيش حد يقدر يا خدها ليه الغيره اللي باينه في عيونك دي
نظرة له عشق وهي تضغط علي شفتيها بمعني كفايه
نظر له أدهم بعدائيه وتحرك للخارج من يمنعه عنه هي فقط
خرجت عشق تتحرك خلفه أدهم أدهم حبيبي استني
توقف دون أن يلتفت لها دارت حوله حتي اصبحت أمامه متزعلش منه ده لسه صغير وبكره نعلمه طريقة الكلام
::تحدث أدهم بسخريه وهو يقترب منها ده طفل رباه الشارع يعني دماغه أكبر مننا
ومش سهل يتروض عيونه تتحداني ولسانه بيقول كلام تاني
أنا رايح أنام قبضت علي يده تستعطفه معلش اتحملني
هفضل جنبه لحد ما ينام و احصلك بسرعه
مرر عيونه عليها بخوف داخلي من خسارتها هو أناني في حبها و لن يقبل أبدا أن يكون رقم اثنين في حياتها ولو
استمر الوضع سوف تفقد حياتهم هدوئها لأن نار غيرته سوف تحرق الكل تركها وتحرك اتجاه جناحه في صمت
*************
في منزل الجد أنور
سمعت سناء طرق الباب هتفت من الداخل افتحي يا زينب
تركت ما بيدها وهي تردف حاضر يا ماما فتحت الباب و تسمرت مكانها من المفاجئة
مين يا زينب لم تتلقي رد خرجت تري ما يحدث وجدت
الإثنين يتأملوا بعضهم بشوق قطعت حبل وصالهم عندما أبعدت بنتها من أمام الباب
بضيق من جنان رد فعلها وهي دائما زينة البنات في تصرفاتها و حيائها ماذا حدث
تعال يابني اتفضل
هتف خالد بإحراج إزيك يا أمي
رغم تعجبها من وجوده الأن أمام بابها لكن تصرفه في خفض عيناه وأخذ ساتر جوار الباب جعلها تهتف بإستحسان الله يسلمك يا حبيبي اتفضل
سألها خالد بحرج هو جدي أنور موجود
اه تعال يا زينب صحي جدك اتفضل
دخل خالد جلس في زاوية لا تكشف أهل البيت في انتظار الجد أنور الذي خرج له بإبتسامة ترحيب أزيك يابني أخبارك وأخبار عشق
خالد وهو يقوم يستقبله بخير يا جدي بس عندها قريبها اليومين دول وأنا كنت هستنا لحد ما تفضي بس قولت اجي أنا بنفسي أحسن
::تحدث الجد بترحيب تشرف وتنور في أي وقت ده بيتك
::دخل خالد في الموضوع بدون مقدمات أنا كنت جاي أطلب إيد كريمتك زينب ؟؟
تحمل صينيه بها واجب الضيافه وهي في طريقها للخارج اخترقت كلماته قلبها قبل سمعها اهتزت الصينيه من رعشه جسدها وسقطت منها علي الأرض
مم جعل أمها تركض عليها بفزع هي وخالد
الذي هتف بلهفه أنتي كويسه فيكي حاجه
نظرة سناء لهفه هذا المغرم الظاهرة وعلمت ان ما اصاب ابنتها قد اصابه إبتسمت
زينب بتوتر لا أصل أصل رجلي اتعلقت في المشايه
شاورت له سناء بحنو إرجع أنت يا حبيبي وإحنا نحصلك
جذبت بنتها للمطبخ الله يخربيتك ما تروحي تقولي ليه أنا بحبك أحسن
تورد وجه زينب بخجل وهي تهتف بصوت منخفض أسفه يا ماما بس ما كنتش متوقعه!!
تعلم ما تشعر به ابنتها فقد عاشته من قبل لذلك لم ترد الضغط عليها وهي تهتف طيب أعملي حاجه تانيه علي ما الم الإزاز اللي تكسر
****"********
جلست عشق علي الفراش تجلس أخيها بين احضانها وهي تهتف تعال نتفرج علي صورك وأنت صغير جذبت ألبوم
فتحت صوره كان بها رجل شبيه يونس و جواره إمرأة شديدة الجمال بينهم طفله صغيره ده بابا أنت شبه ودي ماما وأنا اللي في النص
وده حمزه وأنت الصغير اللي أنا شيله ده كان أول عيد
ميلاد ليك ودي وأنت كان عندك ثلاث سنين وحمزه كان عنده سبعه ودي صورتنا كلنا ولما بقي عندك خمس سنين ظلت تتحدث معه فتره طويله
تعلم جيدا انه لم يتذكر شيء من ذلك لأن سنه آنذاك لا يسمح له بتذكر شي
كم تمنت ان تسأله كيف نجي من تلك الحادثه وقد توفي الجميع لكنها تعلم جيدا أنه لن يتذكر
**************
في غرفة ادهم يشعر بإختناق شديد لقد تركته منذ ساعتين ولم تحضر حتي الأن
مل من الانتظار وقد مر وقت طويل خرج من الغرفه بضيق وعندما فتح الباب وجدها نائمه في حضنه وهو متمسك بها
شعر بغزه بقلبه آلامته بقوة لأول مرة تنام بعيد عن احضانه منذ زواجهم حتي لو تأخر بالخارج لم تكن تغفل إلا بين احضانه
ظل علي وقفته تلك بضع دقائق ثم خرج بضيق يحاول السيطره علي بركان غضبه يستدعي النوم الذي عانده هو ايضا و لم يستطع ايجادة
عندما سطع ضوء النهار وقف يرتدي ملابسه وخرج من المنزل
*****
إستيقظت عشق وجدت نفسها ليست في غرفتها ووجدت أخيها في حضنها إبتسمت بحب وقبلته وخرجت لتذهب
لأدهم وتعتذر له لم تجده نظرة اتجاه فراشهم وجدته كما كان يبدوا أنه لم ينم به
نظرة للساعه بيدها مازال الوقت باكرا علي ذهابه
نزلت السلم وجدت نعمه وماسه إقتربت منهم إعتذرت
لماسه لأنها لم تقابلها بالطريقه اللائقه
::ردت ماسه بتفهم أنا مقدره يا حبيبتي ربنا يبارك فيه
وجه لها نعمه الحديث إحنا لأزم نأخذه ونروح البلد جدك هيتجنن من ساعة ما عرف الخبر بيكلمني كل دقيقتين
تمتمت ماسه بخجل أنا كنت عايزه أكشف هنا قبل ما أرجع يا ماما نعمه
طيب نقول لفهد وبعدين نروح
سمع فهد كلامهم وهو في طريقه للداخل ووجه كلماته لماسه التي صدمت من استماعه لكلماتها أنا مش موافق مش إحنا إتكلمنا لما يعدي علي جوازنا سنه ؟؟
لم تكن عشق معهم بل مشغوله بهاتفها تحاول التواصل مع أدهم حتي تعلم أين ذهب في تلك الساعه المبكرة نفخت بضيق شديد لأنه لا يرد علي اتصالها
استأذنت منهم وصعدت إلي غرفتها ترتدي ملابسها
بينما جلس فهد جوار ماسه وهو يحدثها بعتاب ليه عايزه تكسري كلمتي مش احنا اتفقنا خلاص
اخفضت وجهها بحرج وهي ترد بصوت منخفض نفسي افرحك مش قصدي ابدا كسر كلمتك لا عشت ولا كنت علشان اكسر لك كلمه
ابتسمت نعمه بحنان علي ذلك الوحش الذي يحمل كل هذا الحنان واللين لزوجته وهي تهتف سبيها علي الله يا حبيبتي و طرامه صاحب الشأن مش مستعجل يبقي خلاصة
نزلت وهي تحدث نعمه ماما أنا هروح عند أدهم لما ماما غاده تصحي عرفيها
اوقفها فهد استني يا عشق
استجابت له وهي تريد الركض للبحث عن حبيبها الذي تركها لأول مره دون ان يبلغها عن وجهته او يترك لها زهرتها الصباحيه
انا لاحظت تغيير أدهم من وقت ما اجينا نظرته ليكي فيها حزن احباط ونظرته ليونس فيها عداوة خلي بالك
غيرة الراجل صعبه وبذات لو حس أن حد هيشاركه
اهتمام مراته حاولي تمسكي العصاية من النص اخوكي
علي عيني بس جوزك أهم من الكل شخص بقوة وعنفوان أدهم مستحيل يتقبل أن يكون رقم اتنين في حياتك انت بذات
صدمت عشق من كلماته وسألت نفسها ماذا حدث هل ادهم يغير من اخيها
تمتمت بحيره مافيش حد بعدني عن ادهم أنا قلبي
وجعني عليه وعلي حاله ومش مستوعبه لحد الوقت ان
أخويا عايش وانا معرفش ولما صورته وهو مرمي جنب حجر تحت الكوبري قلبي بيتعصر وده سبب ان بحاول
اعوضه وأكيد أدهم فاهم وعارف ده
ابتسم فهد أدهم اعتبر يونس غريمه في حبك وده هيخليه مش طايق وجوده لأزم تبقي حكيمه في
تصرفاتك علشان تقربيهم من بعض وانا واثق في فطنتك
وحسن تصرفك
*******************
خالد
بص يا حج نور أنا في رقبتي أمي وأخواتي الصغيرين
وأختي ال جوزتها من شهر
ظروفي علي قدي يعني لو ماعرفتش أجيب شقه بره هتجوز مع أمي وأخواتي
أنا حبيت أفهمك الوضع عشان تخدوا قرار علي نور
سأله الجد يعني والدك متوفي
أردف بخجل لا عايش بس ميت من حياتي أنا وأمي من ١١ سنة من يوم ما رمانا أنا وأخواتي وهم لسه لحمه حمراء
صراحه أمي كانت دايما تصر علي إرتباطي بس ما كانش ينفع أفكر في نفسي و أسيب أخواتي لأن ظروفي
ماكنتش تسمح بس بعد جواز أختي ولما شوفت
زينب قلت يمكن ربنا يعوضني بيها خير
وقف وهو يستعد للذهاب أنا هستنا ردكم ومهما كان الرد أنا هفضل في مقام حفيدك ؟؟
لم يعطيه أنور فرصه للتحرك عندما تحدث بص يابني أنت تشرف أي بيت ولو لفيت الدنيا
مش هلاقي راجل ليها أحسن منك بس بنتي وولادها تعبوا جدا في حياتهم ومحتاجين حد ينتعهم من الفقر ده ؟
ابتلع خالد غصه مريره بحلقه وفهم سبب تلك المقدمه هو لا يلومه
متكملش يا حج نور أنا فاهم كل ده و مقدره و ماقدرش ألومك و هفضل ليك حفيد لو إحتجتني في أي وقت تلاقيني تحت أمرك بعد إذنك
هتف بحزن مش عايزك تزعل مني يا بني
تحدث خالد بكسرة مقدرش أزعل منك يا راجل يا طيب
خرج خالد ركب السياره و تحرك بها وهو يشعر بالإختناق
توقف في الطريق وسند رأسه علي دركسيون السيارة
يجلد نفسه علي تهوره كنت فاكر أيه هيقولك و مالوا خدها علي حبال إيديك
وفيها أيه يعني أنا مش بني أدم وليا حق أعيش زي باقي الناس
لا يا خالد الراجل عنده حق يعني يخرجها من فقر لقحط
************
وصلت عشق أمام شركته
متوجهة لباب غرفته طلبت من السكرتير أن تدخل دون أن يخبره ووافق
دخلت وجدته يجلس علي الكرسي يرجع رأسه علي ظهر كرسيه مغمض العيون ويضع ذراعه علي رأسه
رنة عليه حمل الهاتف ووضعه مره أخري
تقربت منه بوجع وهي تهتف باختناق ما كنتش أصدق إنك تعمل معايا كده
تفاجاه من وجودها واعتدل في جلسته وجدها تقف علي مقربه منه وعيونها تلمع بالدموع
وقف أدهم بإحراج عشق معلش أنا
نظرة له بإنكسار مش محتاج تبرر أسفه جدا علي
الإزعاج إلتفتت تخرج من المكان حتي تحافظ علي كرامتها أمام من أمام اقرب شخص لروحها
قفز من فوق الكرسي و جذبها لأحضانه أسف يا عشق بس غصب عني ظهوره ضيع فرحتي بإبني اللي كنت بستناه علي أحر من الجمر
خطفك مني بلحظه أنتي من وقت ما هو ظهر نسيتي الدنيا اهملتيني
أنا حاسس بغيره صعبه هتموتني مش قادر أتخيل أن أكون رقم 2 في حياتك وأنت اللي عودتيني أن الأهم فيها
شهقه بفزع بعد الشر عليك يا حبيبي
إلتفتت و وضعة رأسها علي صدره
أنا بحاول اعوضه الحب والحنان اللي إفتقده
شكله وتصرفاته تدل علي قسوة الناس والأيام عليه
في بعدنا
بس مافيش حد ممكن يا خد مكانتك في قلبي ولا يشاركك فيها
همس بحزن عشق أنتي سيبتيني و نمتي في حضنه وأنا منمتش من ساعتها ؟؟
النار اللي جوايا ذبحت روحي وسرقت النوم من عيني
وبذات لما رجعت لاقيتك نايمه في حضنه
نظرة له بندم وتذكرت كلمات فهد ماذا فعلت وكيف لم تستوعب أنه غار عليها من أمه فكيف له قبول شخص مثل اخيها
اقتربت منه بحنان ورفعت كف يدها تحتوي به وجنته ليغمض عينها بتأثر من لمستها أراح وجنته داخل كفها وهو يقبل باطن كفيها بعشق
هتفت بغرام أيه رأيك لما نفرد الكنبه دي و أخدك في حضني تنام ساعه أو اثنين ووعد مش هنام بعد كده غير في حضنك
تأمل ملامحها بحب موافق كلم سكرتيره وأمره بمنع أي شخص من الدخول وتأجيل كل شيء الأن
تمددت وأخذته في حضنها وعندما وضع رأسه علي صدرها شعر بأنه الأن بين داره و سكناه لذلك غفا بسرعه وأثبت لها أن لا حياه بدونها
ظلت تمسد علي ذراعه بحنان وهي تلوم نفسها علي تلك المشاعر المؤلمه التي زارته بسبب إهمالها له
***********
خرجت سناء وخلفها زينب الباكيه
وهي تسأل والدها بعتاب ليه يا بابا قولت له كده
الجد بتبرير عايزاني اوافق علي واحد بظروفه دي أزاي كفايه عليها هم وتعب لحد كده عايز حد يريحها يعيشها في مستوي أحسن من مستوانا
أنا عارف إنه راجل و يحافظ عليها بس هتتعب
كفايه أنتي وافقت علي الحب ونسيت أن الحياه مش حب و بس و أنتي شايفه وضعك جمالك إنطفي و شايله حمل خمس أفراد
زينب بحزن بس أنا يا جدو عندي طموح وفي إيدي
صنعه تأكلني الشهد هتبقي إيدي بإيده لحد ما نوقف علي رجلينا مع بعض أرجوك يا جدي بلاش تكسر بخاطري
ده أول طلب اطلبه منك
تمتم بحزن ماعدش ينفع بعد ما رفضته اتصل بيه واقوله انا موافق مش ممكن ارخصك مهما حصل
*************
بعد ان تحسنت صحة يونس اصر فهد علي الذهاب به لمكان والديه الوهميين الذي اعطاهم عنوانهم يونس وذهب معهم
تحرك فهد وادهم بسيارة أدهم بينما خلفه حرسه اوقفها بعيد عن مدخل تلك الحارة التي تفوح منها رائحة الفقر
تحرك يونس امامهم وهو في طريقه هتف أحد الجيران حمدلله علي سلامتك يا برنس كنت فين ده ابوك قلب عليك الدنيا
بينما تجلس مني تجهز الطعام الذي تركته عندما سمعت كلمات جارهم وركضت علي الشباك وهي تنادي زوجها الممدد بغرفته الواد رجع يا حسن
قفز ذلك الذي كان يجلس بغرفته يأكل نفسه من توقف حاله منذ مغادرة هذا الطفل الذي يعد بنك الحظ بالنسبه له
فتحت الباب تستقبله حتي تعنفه وقبل ان تتوجه له
وجدت خلفه حائطين بشريين شعرت بالرعب من هيئتهم وهي تحاول غلق الباب مرة أخره و تلطم خدها الواد جايب معاه الحكومه
اتسعت عيون حسن وقبل ان يتحرك وجد نفسه أمام
فهد وادهم
نظر ليونس وهو يصرخ جيلي و معاك الحكومه يا برنس حسابك معايا عسير
تحدث فهد بصوت عاصف برنس مين ده يونس محمود المنشاوي واقترب منه يقبض علي عنقه بعنف لاقيته أمتي وفين
يونس مين يا باشا ده ابني و هربان مني بقاله كام شهر
وقفت زوجته وهي تؤكد كلماته أيوة يا باشا والله ده
البرنس ابننا بس واد شقي و بتاع مشاكل لو عمل حاجه غلط سامحه
وقف يونس وهتف بقوة لا تناسب سنه انا عمري ما حسيت انكم أهلي
بس كنت بكذب نفسي لأن معرفش غيركم قولولي أنا مين
صرخ فهد به وهو يلكمه بقوة بفم معدته ثم وجهه قول أنت لاقيته فين ولا اعجز جسمك جزء جزء لحد ما تنطق ثم اكمل بسخريه بس مش عارف وقتها هينفع تتصلح ولا لا
نظر له بخوف وهو يمسح الدماء الخارجه من فمه
لاقيته في طريقي وأنا راجع مرمي علي الرمل قاطع النفس
سأله أدهم بفضول كان جنب عربيه و العه او قريب من حادثه
هتف حسن أه كان في حادثه كبيره يومها بس هو كان بعيد عن النار بشوية خدته وديته المستشفي وكنت
ناوي اسلمه للبوليس بس مراتي قالتي سيبه ينفعنا في كبرنا لأن احنا مش بنخلف
اقترب منه فهد يضربه وهو يهتف بحقد ينفعك أزاي لو كنت علمته صانعه أو خليته يتعلم كنت شيلتها لك جميله و عوضتك
لكن انت علمته السرقه
اقترب يونس وهو يضرب حسن بغضب يعني كل ده وانتم مش أهلي
أنا بكرهك ونظر لمني و بكرهك أنت كمان
جذبه فهد من يده وخرج من المكان بينما ظلت مني تندب حظها
ركب الجميع وتوجه للصعيد
خافت عشق من غيرة أدهم ونامت في حضنه بينما.
يونس إستقر في أحضان نعمه التي تغدقه بحبها وحنانها
الذي جعله يشعر معها بالأمومة الحقيقيه
حدثت أدهم سبحان الله ربنا ليه حكمه في كل حاجه يعني نلاقي أخويا بعد خمس سنين علشان ماما نعمه هي
اللي تربيه و يعوضها الحرمان انحني يقبل راسها المستقرة علي صدره وهو يهتف ربنا ليه حكمه بكل شيء
وصلوا أمام المنزل وجدوا جدهم في إنتظارهم بنفسه
فتح أحضانه ليونس وهو يتوجه ناحيته
نظر لعشق التي هزت رأسها توجه لجده الذي تأمله بحب فهو نسخه مصغره من إبنه
كأنه يراه وهو في نفس السن ظل يقبله و دموعه تسيل بعدم تصديق أن يجد حفيده الذي كان بين الرماد
صدع صوت طلقات ناريه في كل مكان إعلان رجوع حفيده الغالي
اقيمت الذبائح وكل شخص يتناول نصيبه يدعوا بالصحه وطول العمر ليونس
طلب منه الجد الصعود و إرتداء جلباب حتي يقف بين الرجال الذين أتوا يشاركوا فرحتهم
نزل ووقف بين الرجال ورغم صغر سنه لكنه كان يتمتع بالحضور شخصية قويه لبقة يتمتع بنظره شرسه ورثها من جده
أتي أحد الرجال بفرص يرقص به طلب يونس الركوب
لكن فهد رفض خوفا عليه أما الجد وافق حتي لا يحزن
فهو اصغر احفادة وسوف يكون اغلاهم
ركب فوق الفرس لكنه أوقعه وقف الجد بقلق تحول ابتسم بإتساع عندما وجده يقف بسرعه رغم عنف الوقعه
وركض خلف الفرس حتي يوقفه وبعد محاولات كثيره أوقفه وسحبه إلي مكان يستطيع الصعود عليه وركبه وهو يضربه حتي يتحرك
لكنه رفض إقترب منه فهد ووقف أمام الفرس وتحدث بطريقه لا تقبل النقاش أسمع اللي هقوله ليك و يتنفذ بالحرف الواحد وإلا هتكون أخر مره تركب فيها فرس
أخذ يده و ضعها بحنان علي رأس الفرس وهو يتحدث
الخيل العربي قوي ومش يقبل الاهانه أبدا ولا ينسي الأذية ورغم كده الحنيه هي اللي بتأثر فيه عامله بحنان يكون ليك أوفي من الإنسان
العنف مش يخليه يستجاب بالعكس يتمرد وممكن يغدر
حسسه إنك قريب ليه و فاهمه حرك يده أكثر من مره و إبتعد وتحرك يونس والحصان صفق له الجميع
*****************
بعد مرور اسبوع عادت عشق بعد ان رفض الجد عودة يونس معها فهو لن يتركه لحظه بعد الأن يبتعد عنه
لذلك تفهمت عشق الوضع وعادت مع ادهم
وفي الصباح وهي تجلس جوار غاده اتها اتصال من زينب التي قصت عليها ما حدث ببكاء لذلك طلبت منها ان تأتي لزيارتها وهي سوف تتصرف مع خالد وجدها
لأول مره في حياتها تكذب علي والدتها وتخبرها انها ذاهبه بعد العمل للبحث عن خامات جديده تعلم جيدا ان والدتها لن توافق علي ذهابها بمكان به خالد
خرجت من المشغل وركبت تاكسي أنزلها أمام الفيلا
رنة عشق علي خالد وطلبت منه أن يقابل زينب عند البوابه
إنتفض قلبه عند سماع إسمها وتحرك نحو الباب بغيره لأن زملائه سوف يروها
وجدها تقف بخجل عندما ناداها خالد أزيك يا آنسه زينب اتفضلي معايا
تحركت جواره دون كلام وعندما ابتعد عن أصحابه هتفت بحرج علي فكره أنا موافقه علي طلبك
توقف ونظر لها طلب أيه
زينب وهي تفرك يدها إننا نتخطب
رمقها بإبتسامه حزينه بس جدك رافض وهو عنده حق كل إنسان يحلم بالأحسن لنفسه تخيلي أولاده بيكون الإحساس مضاعف
هتفت بإنكسار يعني أنت مش عايزني خلاص
هتف برفض أنا عمري ما تمنيت حد في حياتي غيرك
بس فعلا ظروفي و وضعي مش مناسب لأي حد
::تحدثت تشجعه أنا عندي مشروع أبدا بيه و نوقف علي رجلينا مع بعض أنا جبت ماكينه و هعمل شغلي الخاص و أعرضه في المحلات وبكره هكبر
اتسعت عيونه مما تنطق به هل تراه صغير لتلك الدرجه لقد رفض عمل أمه رغم إصرارها حتي تساعده في تخفيف حمله ماذا تقول تلك المجنونه وترجم أفكاره في كلمه حاده يعني قصدك تصرفي عليا ؟؟
هتفت بسرعه عندما لاحت لها ملامحه المتجهمه لا مش قصدي أنا بتكلم ممكن نشارك بعض والمشروع يكبر ونبني حياتنا طوبه طوبه
رد برفض مش هقدر أطلبك من جدك تاني
اخفضت وجهها بتيه عارفه إن صعب تحرج نفسك مرة تانيه عشاني
هتف في نفسه أنا ممكن أعمل أي حاجه عشانك يا زوبه بس أنا مستخسرك في البهدله لتخرج منه الكلمات عكس ما يشعر لو ظلت امامه اكثر من ذلك سوف ينهار ويخرج عن هدوئه و يطلبها مرة أخري من جدها لذلك اغلق علي نفسه وعليها باب الاوجاع
وهو يرد ببرود يلا أوصلك علشان أرجع البوابه
نظرة له بحزن و تحركت جواره تشعر بقلبها يبكي لأنها تعيش إحساس الحب و اللهفه لأول مره معه وهو يصدها ولا تعلم شيء عن حربه التي تفتك به
بينما هو يخطف لها نظرات هائمه من وقت لأخر وهي تتحرك جواره
حلمك قدامك ومش قادر تلمسه لأول مره أكره ظروفي و العنها
**************
ماسه عايزاكي في أوضتي؟
حاضر يا ماما تحركت خلفها وهي من داخلها تعلم ماذا تريد أغلقت عواطف خلفها الباب أنت بقالكم أربع شهور متجوزين ومافيش حمل حصل ؟
::أنا طلبت كام مره من فهد نروح لدكتوره وهو رفض وقال لما يعدي سنه
شهقه عواطف بزهول سنه بحالها كيف ده
ممكن حضرتك تقنعيه ونروح أنا عايزه ولد منه النهارده قبل بكره يمكن يسمع كلامك
خلاص أنا هخلي عمك يكلمه ويشوف بس بلاش يعرف إني كلمتك في الموضوع ده
حاضر محتاجه مني حاجه تانيه
لا يا حبيبتي
ربنا يرزقكم بالذريه الصالحه
مالك يا ماسه بقالك فتره شارده ومش عجباني ؟
هتفت بحزن خايفه يا ماما نعمه لحد الوقت وأنا مش حامل وخايفه يكون عندي مشكله وفهد رافض إن أكشف
وده تعب أعصابي
ربتت علي يدها بإطمئنان أنتوا لسه صغيرين ما تتسرعيش
كل شي بأوان
دخل فهد هو ويونس والقوا التحيه
توجه يونس لنعمه التي إستقبلته بحنانها المعهود
بينما فهد تأمل ماسه التي إبتسمت في وجهه ولكن عيونها تفضح حزنها
منذ فتره لا يعجبه حالها دائما شارده ومتجهمه الوجه وعندما تشعر بوجوده تمسح دموعها وتبتسم
طلب منها فهد الصعود معه لفوق حاضر دخل غرفته وأغلق الباب
ليه دايما شايفك حزينه كده
أردفت بتوتر أبدا أنا كويسه
جذبها وأجلسها علي قدمه هتكدبي عليا أنا بفهمك من نظرة عنيكي برده نفس الموضوع اللي شاغل بالك مش كده
تحدثت وهي تخفض عيونها عايزه أطمن خايفه يكون عندي حاجه وأنت تسيبني
رفع وجهها وهو يتحدث بصوت رجولي خشن أنا بحبك عارفه يعني أيه يعني خلفتي أو لا مش ممكن أسيبك
تمتمت بخوف بس عمو محمود ساب ماما نعمه وإتجوز عليها
ابتسم بحنان وهو يمرريده علي ظهرها اتجوز عليها مش عشان الخلف أتجوز لأنه مش بيحبها مامت عشق هي أول حب
وضعنا مختلف أنا بحب ماسه وبس ومش ممكن أشوف غيرها
نظرت بعمق عيناه تبحث عن صدق كلماته لأنها تعلم حتي لو احبها سوف يدفعه الجميع للبحث عن زوجه أخري من
أجل الخلف ولن يستطيع أحد الوقوف امامه لأنه حقه
و عادتهم تعطي هذا الحق للرجل بقوة
تنهد بحزن علي تشتتها و حيرتها وهو يردف أنت مش بتثقي فيه
هزت رأسها بصمت
أنا عايزك انت بس واوعدك مهما حصل مافيش واحدة تاخد مكانك في قلبي او حضني مهما كانت الظروف
حضنته وهي تهتف و ماسه بتعشقك ونفسها تكون جنبك لأخر العمر
قبلها ورفعها بين يديه ليعيش معها في عالمه الخاص