رواية حلاوة روح الجزء العاشر 10 بقلم رانيا عامر حلاوة روحرواية حلاوة روح الحلقة العاشرة ـ إنت هتتجوز؟ ـ إيه؟ بصلي باستغراب، ولما استوعب قصدي اتسعت عينيه شوية. أما أنا فاتعصبت من نفسي فورًا وقلت بسرعة وأنا بتحرك عشان أمشي: ـ مفييييش. ـ سارة استني! قالها بحدة خلتني أقف مكاني تلقائي. استغربت نبرة صوته… أول مرة أسمعه بيتكلم بالشكل ده. لفيت له ببطء. قرب خطوة وقال: ـ أنا مش فاهم حاجة… ممكن تفهميني؟ ـ إنت بتزعق ليه؟
قولتها وأنا حاسة إني على بعد ثانية واحدة من العياط. بصلي باستغراب وقال: ـ يا بنتي أنا زعقت فين؟ ـ إنت مش شايف نبرة صوتك؟ سكت. وفضل باصصلي كام ثانية. ولما رفعت عيني أشوف ساكت ليه، لقيته مركز على إيدي. بصيت وراحت عيني على صوابعي اللي كانت بتفرك في بعضها بعصبية. كنت بعملها من غير ما أحس. حاولت أبعد إيدي بسرعة وأمشي. لكن صوته وقفني. المرة دي كان أهدى بكتير. ـ ممكن تبطلي فرك في إيدك؟ بصيتله باستغراب.
كان لسه باصص على إيدي وكأنه عايز يعمل حاجة… أو يقول حاجة… لكنه مش عارف. وبعدين رفع عينه ليا وقال: ـ ممكن أعرف إيه موضوع “هتتجوز” ده؟ نزلت عيني للأرض. ومش عارفة أقول إيه. ولا حتى أبرر السؤال. فضلت ساكتة. فقال: ـ هنفضل ساكتين كتير؟ ـ ولا كأنك سمعت حاجة… ينفع؟ ابتسم ابتسامة صغيرة وقال: ـ ولو قلت إنه مينفعش؟ ـ عندي هيبقى ينفع. وقبل ما يرد… خدت بعضي وجريت. أيوه. جريت تاني. وسبته واقف مكانه مستوعب اللي حصل.
فضل ثواني باصص في المكان اللي كنت واقفة فيه. وبعدين قال بصوت عالي: ـ ساااارة!! سكت لحظة. وبعدين هز راسه وضحك لوحده. ـ عبيطة والله… عبيطة. وسرح شوية قبل ما يكمل: ـ هي بتسأل ليه أصلًا؟ وسكت ثانية. وفجأة لمعت عينيه. ـ مش يمكن… تكون غيرانة؟ وبعدين ابتسامة عريضة ظهرت على وشه. ـ آه تصدق… يمكن. يمكن تكون حبتني فعلًا. أكيد برضه أنا أتحب. آه والله. فضل يكلم نفسه وهو داخل المستشفى. لحد ما قابل أحمد في وشه.
أحمد بصله باستغراب وقال: ـ إنت بتكلم مين؟ آسر اتعدل بسرعة وقال: ـ أنا؟ أنا… بكلمك. أيوه بكلمك. ممكن أعرف إنت كنت فين من شوية؟ بصله أحمد كام ثانية. ـ إنت عبيط يا ابني؟ إنت اللي كنت فين؟ ـ وكمان بتسألني! ـ لا لا… سيبك من ده كله. إنت عندك ربع طاير النهارده. وبعدين قرب منه وقال: ـ مش عايز تقولي حاجة؟ ـ حاجة زي إيه؟ ـ اعمل نفسك عبيط. إنت مقدم على طلب نقل وأكون آخر واحد يعرف في المستشفى؟ وكمان بالصدفة؟ يا سلام.
مش صاحبك أنا؟ ضرب آسر كف بكف وقال: ـ والله نسيت أقولك خالص. بس أصلًا لسه مش عارف هيمشي ولا لأ. ـ طب عايز تنقل ليه؟ وسكت لحظة قبل ما يكمل بمكر: ـ ولا صحيح… زي ما بيقولوا؟ هتتجوز؟ بصله آسر شوية. وبعدين قال بصدق غريب: ـ مش عارف. ـ مش عارف إيه؟ ـ مش عارف أنا عايز أنقل ليه…. أحمد فضل باصصله كام ثانية. وبعدين قال: ـ لا… إنت محتاج قعدة محترمة عشان افهم ـ ولا قاعده ولا حاجه مفيش حاجه اصلا فكك مني أحسن. ــــــــــــــــــــــ
رجعت البيت وأنا باخد نفسي من كتر الجري. أول ما دخلت أوضتي رميت نفسي على السرير. وبدأت أكلم نفسي كعادتي. ـ ده أنا لو هاخد بطولة في الجري والله ما هعمل كده. وبعدين غطيت وشي بالمخدة. ـ وبعدين إيه الغباء ده؟ أنا سألته ليه أصلًا؟ غباااااااااااء. قعدت دقيقة كاملة أبص للسقف. وفجأة شهقت. ـ يا نهار أبيض! أكيد دلوقتي افتكر حاجة واحدة بس. إني بحبه. قومت من مكاني بسرعة. ـ لا لا لا لا. حب إيه؟ أنا بس كنت بطمن. سكت شوية.
ـ طب ما “بطمن” دي معناها إني قلقت. وقلقت يعني… اتسعت عيني. ـ لاااااا. مش بحبه. أكيد فضول. أيوه. فضول. وسكت لحظة. ـ أو تطفل. أيوه. تطفل. ده تطفل أكيد. وبعدين وقفت قدام المراية وبصيت لنفسي. ـ يا سارة… إنتِ كذابة أوي. –يوسف…: وأنا راجع من الشغل لمحت رقية ماشية قدام بيتها. وقفت العربية وكنت ناوي أعرض أوصلها، لكن غيرت رأيي في آخر لحظة وقلت بهزار: ـ من غير شتيمة… أنا يوسف. بصتلي وقالت ببرود: ـ لا لا، مش هشتم. عايز حاجة؟
ـ لا… بس كنت هسألك، سارة قالتلك حاجة؟ لاحظتي عليها حاجة؟ بصت في الساعة وقالت: ـ بص، مش هعرف أقولك دلوقتي. هبقى أكلمك بعدين. وقالتها وهيا ماشيه هزيت راسي ومشيت. لما وصلت البيت، لقيت سارة نازلة فسألتها وانا بركن العربيه ـ رايحة فين؟ ـ رايحة أشتري آيس كريم، أجبلك؟ ـ يا ريت والله. ابتسمت ومشيت. طلعت أنا فوق ودخلت أوضتي ورميت نفسي على السرير من كتر التعب. وفجأة افتكرت رقية. مسكت الموبايل وبعتلها: ـ ها؟ إيه الأخبار؟
استنيت كام دقيقة. لحد ما ردت: ـ بص… كلمتها عادي. ـ وبعدين؟ ـ حاولت ألمح على موضوع الدوا، لقيتها بتهرب. ـ وبعدها؟ ـ بعد زن كتير قالت إنها بطلتهم خلاص. اعتدلت في قعدتي بسرعة. ـ طب سألتِها عن آخر مرة في المستشفى؟ ـ طبعًا. ـ وقالت إيه؟ ـ قالت إنها كانت تعبانة جدًا، وإن الحبوب كانت بتديها راحة مؤقتة بس، وإنها بتحاول تبطلها. سكتت لحظة. وبعدين كملت: ـ وقعدت تحلفلي كمان. ـ وإنتِ صدقتي؟ ـ هو ده سؤال أصلًا؟ أكيد لا.
باين أوي إنها بتكدب. بص….أنا اكتشفت حاجة. لسه هرد… وفجأة باب الأوضة اتفتح بعنف. وسارة اقتحمت المكان. في إيدها كيس شيبسي. وآيس كريم بتاكله. وآيس كريم تاني في الإيد التانية. ـ ها، خد دي ليك. ـ طب مش تخبطي يا غبية؟ ـ ما أنت قاعد أهو. مش بتعمل حاجة. بطلوا أوڤر بقى. وقالتها وهي بتخبطني على قفايا بخفة. بصتلها بقرف. أما هي فقالت قبل ما تخرج: ـ غير هدومك وتعالى عشان ناكل الشيبسي. قفلت الباب وراها. بصيت للآيس
كريم اللي في إيدي وقلت: ـ جه في وقته والله. الموبايل رن. لقيت رقية باعتة: ـ ها؟ روحت فين؟ كتبت بسرعة: ـ معلش، سارة دخلت فجأة. كملي. ـ تمام… أوعى تكون شكت. ـ عيب عليكي. ـ حلو جدًا. بص بقى… سارة مش بتاخد الدوا جامد غير لما حد يفتح معاها الموضوع. ـ طب كده مش هنوصل لحل. ـ ما هو أنا فتحت معاها قبل كده وقفلت الكلام. وآسر لما حاول يعمل كده شفت اللي حصل. مفيش غيرك. سكت شوية. وبعدين كتبت: ـ تمام. هحاول. وبعدين افتكرت حاجة.
ـ صحيح… مين آسر ده؟ ردت بعد ثواني: ـ اسأل سارة بقى. باي. ضحكت. واضح إنها بتهرب من السؤال عمد. قفلت الموبايل وغيرت هدومي. وقررت إني لازم أتكلم مع سارة النهارده. دخلت أوضتها. لقيتها قاعدة قدام كيس الشيبسي وبتقول: ـ هعد لخمسة… لو مجاش هفتحه. ضحكت وقلت: ـ طب افتحيه وشوفي هعمل فيكي إيه. بصتلي باستنكار: ـ طب كويس. فكرتك هتعمل نفسك كبير وتقولي لا ومش هاكل. ـ أنا لسه عيل أصلًا. وقعدت جنبها. ومديت إيدي للكيس.
في ثانية كانت سحباه مني. ـ في النص يا غبي. بطل طفاسة. ضحكت وقرصت خدها. ـ مقبولة منك يا عسل إنتِ. بصتلي بقرف وهي ماسكة خدها: ـ رخم. ـ متتماديش. وضربتها على قفاها بخفة. فاتأففت. وقعدنا ناكل ونتكلم في مواضيع كتير. لحد ما خلصنا. وساعتها قررت أفتح الموضوع. بهدوء. ـ سارة… متعرفيش قابلت مين النهارده؟ ردت من غير اهتمام: ـ مين؟ ـ فاكرة أستاذ علي الله يرحمه؟ ابنه بقى بينا شغل وكده. في اللحظة دي… وشها اتغير.
كأن اللون اتسحب منه مرة واحدة. ورفعت عينيها تبصلي. ـ آه… أيوه. ـ متعرفيش قالّي إيه؟ دلوقتي بقى كانت مركزة معايا بالكامل. ـ قال إيه؟ ـ سأل عليكي. وشكر فيكي جدًا. وقال إنك الوحيدة اللي كنتِ بتسألي على حالة أستاذ علي باستمرار وكان مستغرب قالت بسرعة: ـ مستغرب ليه؟ ـ مش عارف. بس أنا اللي مستغرب. سكت شوية. وبعدين قلت: ـ صحيح… إنتِ كنتِ بتسألي عليه ليه؟ ارتفع صوتها فجأة: ـ يعني إيه ليه؟ كان مدرس وباخد عنده درس!
طبيعي أسأل عليه! ـ ولما مات؟ ـ زعلت عادي. ـ أسبوعين كاملين؟ سكتت. وأنا كملت: ـ وبعدها فجأة قفلتي الموضوع كله. ليه؟ ـ مفيش ليه يا يوسف! كان صوتها بيعلى أكتر مع كل كلمة. وفي اللحظة دي دخلت ماما. ـ فيه إيه؟ صوتكم عالي ليه؟ أوعى تكون بترخم على أختك يا يوسف. ـ لا والله يا ماما. بنتكلم عادي. بصت لسارة. ولما لقتها ساكتة خرجت تاني. أول ما الباب اتقفل… بصيت لسارة. لقيتها بتفرك في إيديها بعصبية. ونظراتها مهزوزة.
وكأنها بتحارب عياطها. فقلت بهدوء: ـ ممكن أعرف إنتِ متعصبة ليه؟ ضحكت بسخرية. ـ متعصبة؟ وبعدين بصتلي وقالت: ـ بجد يا يوسف؟ إنت عايز إيه؟ ـ عايز أفهم. ـ تفهم إيه؟ وبعدين جاي تفهم بعد 12 سنة؟ إيه لازمة الكلام دلوقتي؟ هنا فقدت هدوئي. ـ لما تكوني واقفة في نفس المكان من 12 سنة… لا عارفة تمشي لقدام… ولا ترجعي لورا… يبقى لازمته إنك تعرفي تعيشي. بدل ما انتي شايله ذنب حاجه مش بايدك اتجمدت مكانها. ـ إنت عرفت منين؟ ـ مش مهم.
المهم إنك كل سنة ترجعي لنفس النقطة. كل ذكرى. كل مرة. كأن اللي حصل امبارح. سكتت. وبعدين قالت بصوت مبحوح: ـ اطلع بره. بصيتلها مصدوم. ـ إنتِ ليه بتحبي تهربي؟ واجهي نفسك مرة واحدة. وبطلي هروب. رفعت عينيها ليا. كانت دموعها متجمعة. وقالت بسخرية موجوعة: ـ أواجه نفسي؟ ويا ترى لو واجهت نفسي… هرجع اللي مات؟ ولا هصلح حاجة كان المفروض ما تحصلش؟ سكت. ولأول مرة حسيت بوجعها فعلًا. لكن كنت عارف إن لازم أكمل. ـ لا. بس هتعرفي تعيشي.
ـ حد قالك إني مش عايشة؟ ساعتها انفجرت. ـ عاجبك اللي إنتِ فيه؟ مشيلة نفسك ذنب مش ذنبك! اللي حصل حصل! وإنتِ عارفة ده! خلاص يا سارة! هو مات! مــــات! حطت إيديها على ودانها بسرعة. وبدأت تهز راسها. ـ اطلع بره. وبعدين بصوت أعلى: ـ اطلع بره! وبعدين صرخت: ـ اطــــــــلع بره! سكت. وبصيتلها. كانت منهارة بالكامل. عرفت إن أي كلمة زيادة هتكسرها أكتر. فقمت. وخرجت. أول ما فتحت الباب… لقيت بابا وماما واقفين برا.
واضح إنهم سمعوا كل حاجة. بصيتلهم. ومشيت على أوضتي من غير ما أقول كلمة. ماما جات ورايا وقعدت جنبي وسألتني: ـ فيه إيه يا يوسف؟ ـ مفيش يا ماما. محبتش أحكي، كنت أفضل إنها تسمع من سارة نفسها، رغم إني متأكد إنها مش هتاخد الخطوة دي. بصتلي وقالت: ـ هو إيه اللي مفيش؟ ما أنا سمعت كل حاجة، بس عايزة أعرف التفاصيل. قول وخلص. فضلت تسأل كتير، لحد ما قررت أحكيلها.
ولما خلصت، لمحت تعابير وشها وهي بتتغير، وكأنها افتكرت حاجة قديمة كانت ناسية إنها موجودة أصلًا. وقالت بصوت كله ذنب: ـ هي جات مرة وقالتلي إنها مش قادرة تكمل… وأنا افتكرت إنه عادي. سكتت شوية قبل ما تكمل: ـ هي… هي مقالتش على موضوع إنه أخد الخبطة بدلها… مقالتش عليه هيا اللي قالتلك؟ ـ لا طبعًا. قولتها بسرعة. ـ إنتِ شفتي منظرها لما كلمناها عملت إيه؟ أنا عرفت من رقية. بصتلي ماما بتوهان وقالت:
ـ بس لازم نتكلم معاها، مينفعش كده. ـ لا يا ماما… أوعي تحاولي دلوقتي…. شوفي هي عملت إيه من شوية. تنهدت وأنا بكمل: ـ أنا غلطت لما شديت معاها، بس بجد اتعصبت من عندها. فضلت ماما ساكتة شوية، وبعدها قالت: ـ طب والحل؟ ـ مفيش غير حل واحد. بصتلي باهتمام وقالت: ـ إيه هو؟ ـ نحاول نقنعها تروح لدكتور نفسي. هزت راسها بيأس. ـ مش هترضى طبعًا. إنت شايف لما كلمتها عملت إيه؟ هتروح مش هتتكلم، وهترفض أصلًا. بصتلها وحسيت إنها عندها حق.
وفضلنا ساكتين. كل واحد فينا تايه في أفكاره ومش عارف يعمل إيه. ــــــــــــــــــــ حسن دخل لسارة بعد ما يوسف طلع. لقاها قاعدة على السرير وبتعيط. قرب منها من غير ما يتكلم، وأخدها في حضنه وطبطب عليها بحنية. ـ ليه كل العياط ده بس يا حبيبة قلبي؟ فضلت ساكتة. فكمل وهو بيحاول يخفف عنها: ـ زعلك الواد؟ والله لأضربهولك دلوقتي ازاي بس يعلي صوته على حبيبة بابا؟ رغم دموعها، ابتسمت غصب عنها. فقال بسرعة: ـ أهو كده… دي أحسن.
فضل يطبطب عليها شوية لحد ما حس إن نفسها بدأ يهدى. وبعدين قال بهدوء: ـ يا سارة… أنا مش هفاتحك في مواضيع إنتِ مش عايزة تتكلمي فيها. سكت لحظة وكمل: ـ بس حقك تزعلي، وحقك تتعبي، وحقك تعيطي كمان. تنهد وهو بيبص قدامه. ـ بس يا حبيبتي، الموت ده حق. عارفة يوم ما أبويا مات؟ والله فضلت سنة ونص مش مصدق إنه مات. كنت كل يوم أروح البيت واديله الأكل زي ما كنت متعود. وأرجع تاني اليوم اللي بعده ألاقي الأكل زي ما هو.
كنت مفكر إنه زعلان مني. ضحكت سارة وسط دموعها. فابتسم حسن وقال: ـ أيوه والله. كنت مش مصدق. ولولا مامتك اللي فوقتني. كانت كل يوم تقولي إنه في مكان أحسن من ده، ووقفت جنبي لحد ما اتقبلت الفكرة. سكت شوية قبل ما يكمل: ـ هي هتبقى صعبة، وهيجي عليكي أيام تكوني مش قادره تكملي. بس مش بإيدك غير إنك تدعيله بالرحمة. خلص كلامه وبصلها. لقاها ساكتة، لكن أهدى من الأول. فقال بهزار: ـ هديتي؟ هزت راسها بمعنى أيوه. فابتسم وقال:
ـ طب معلش بقى، اديني فرصة أروح أدي الواد اللي بره ده علقة عشان زعل القمر ده. خمس دقايق وراجعلك على طول، تمام؟ هزت راسها وهي مبتسمة ابتسامة صغيرة. فقام وسابها بعد ما اتأكد إنها هديت. ــــــــــــــــــــ راح لأوضة يوسف. دخل لقى يوسف وسلوي قاعدين ساكتين. فبصلهم وقال: ـ إنتوا قاعدين كأن ميتلكم ميت كده ليه؟ بصله يوسف وقال: ـ هديت؟ ـ أيوه يا أخويا هديت. وبعدين بدل ما إنت قلقان عليها كده، زعقتلها ليه؟
ـ يا بابا حضرتك مش فاهم اللي حصل. ـ لا فاهم وعارف. وعارف من زمان كمان إن اليوم ده هييجي. بس اللي مكنتش أعرفه إنها متأثرة بالشكل ده. وبعدين إنت يا غبي تقوم مزعقلها؟ ما سمعتش عن الهدوء؟ ـ يا بابا والله ما قصدي، أنا بس اتعصبت من عندها. ـ ولا عند ولا حاجة. البنت عندها حق. بصتله سلوى اللي كانت ساكتة وقالت: ـ إزاي بقى؟ بصلها حسن باستغراب. ـ هو إيه اللي إزاي؟ إنتِ ناسية إنها كانت لسه عيلة صغيرة؟ دي كانت 14 سنة يا سلوي.
شافت المنظر ده بعينيها. وكمان مقتنعة إنه مات بسببها. مستنية منها إيه يعني؟ ما تعقلوا الكلام شوية. وسكت لحظة قبل ما يكمل: ـ وفاكرة يوم ما جاتلك؟ قولتلها إيه؟ بصتله سلوى وسكتت. وبعدين قالت بضيق: ـ خلاص بقى يا حسن… إنتوا هتقعدوا تقطموني إنت وابنك؟ يوسف بص لها بصدمة وقال: ـ وأنا مالي يا لمبي؟ ـ اسكت يا واد. قالتها وهي بتضربه على رجله بخفة. فضحك حسن وقال: ـ يلا قوموا. بدل ما إنتوا قاعدين كده، ننزل نتعشى بره.
يمكن البت تفك شوية. قام وسابهم وراح لسارة عشان يقولها تقوم تجهز. لكن أول ما دخل لقاها نامت. فضل واقف يبصلها شوية وقلبه بيتقطع عليها. وبعدين خرج وقفل الباب بهدوء. ـ خلاص يا رجالة، مفيش خروج. البنت نامت. ـ إيه يا بابا ده؟ تعشمنا وتخلي بينا؟ قالها يوسف بتذمر. فضربه حسن على كتفه وقال: ـ إنت عبيط؟ وبعدين مش مكفيك اللي عملته في أختك؟ ـ يا بابا قولتلك مكنش قصدي. ـ ماشي يا أخويا. ابقى صالحها بكرة. وبعدين بص لسلوى وقال:
ـ مش هتحضري العشا ولا إيه يا سوسو؟ يوسف رفع إيده بسرعة وقال: ـ أيوه والله، أنا جعان أوي. بصتلهم سلوى بصدمة وقالت: ـ ده إنتوا مفيش! إحنا في إيه ولا في إيه؟ ـ يعني هنفضل جعانين؟ قالها حسن ببساطة. فبصتله سلمى وقالت: ـ عشان خاطرك بس. يوسف بصلهم بصدمة وسكت. فضحك حسن عليه. —صحيت على صوت الأذان قبل الفجر بشوية. كانت دماغي مصدعة جدًا، وكنت ناوية ألف الناحية التانية وأكمل نوم، لكن صوت الأذان وقفني.
فضلت باصة للسقف ثواني… وبعدين تنهدت وقومت. اتوضيت وخرجت من الحمام، ولمحت يوسف صاحي هو كمان. بصيتله لحظة… وسبتـه ومشيت من غير ما أقول كلمة. دخلت صليت. ولأول مرة من فترة طويلة حسيت إن قلبي أهدى شوية. مش كتير… بس شوية. بعد ما خلصت صلاة حسيت إني جعانة جدًا، فقومت ناحية المطبخ. وأول ما دخلت لقيت يوسف داخل هو كمان. بصلي بابتسامة واسعة وقال: ـ صباح الخير يا حلويات. تجاهلته تمامًا. فجأة خبطني بكتفه وهو بيقول:
ـ خلاص بقى والله ما كان قصدي… متبقيش قموصة. ـ مش قموصة يا يوسف. ـ قموصة كبيرة كمان. وبعدين قرب مني وقال: ـ طب خلاص… قولي عايزة إيه وأصالحك. بصيتله شوية وأنا بفكر. وفجأة عيني لمعت. ـ أي حاجة؟ ـ أيوة أي حاجة… بس متتماديش. ابتسمت ابتسامة واسعة وقلت بسرعة: ـ تمام. وسكت ثانية وكملت: ـ عايزة آيس كريم كل يوم لمدة شهر. يوسف فتح عينه بصدمة. أما أنا فكملت بحماس: ـ لا لا استنى… اتنين آيس كريم كل يوم.
وكمان بيتزا كل يوم لمدة شهر. وممكن أغير رأيي . وكمان توديني الملاهي. فضل يوسف باصصلي كام ثانية وكأنه بيستوعب الكارثة اللي قدامه. وبعدين قال: ـ إيه أحلام العصر دي؟ انتي بتحلمي؟ هززت كتفي وقلت بمنتهى البراءة: ـ أوكي. يبقى نعرف بابا بقى بالكلام ده. ـ لا لا لا استني! قالها بسرعة. ـ خلاص موافق. اتنططت من الفرحة. أما هو فبصلي بقرف مصطنع وقال: ـ استغلالية. ـ اسكت. ضحك وهز رأسه ومشي. أما أنا فقعدت أفطر.
ولأول مرة من يومين… كنت باكل وأنا حاسة إن الدنيا أخف شوية. —بعد ما خلصت دخلت أوضتي. قفلت الباب ورايا وقعدت على السرير. الهدوء رجع يلف المكان تاني. وفجأة… رجع كلام يوسف يرن في دماغي. “إنتي لسه واقفة هناك من 12 سنة…” تنهدت وغمضت عيني. يمكن… يمكن هما عندهم حق. يمكن فعلًا لازم أعيش. يمكن لازم أبطل أجري من كل حاجة. لكن مجرد الفكرة كانت مرعبة. لأن الذنب اللي شايلاه جوايا بقاله سنين… مش حاجة بتختفي بسهولة.
كل يوم كنت بصحى وأنا حاسة إني السبب. وكل يوم كنت أحاول أقنع نفسي بالعكس. وكل يوم أخسر. بلعت ريقي وبصيت للشباك. الشمس كانت بدأت تطلع. يوم جديد… وحياة جديدة؟ لا. لسه بدري على الكلام ده. بس يمكن… أحاول. مش أتخطى. ومش أنسى. بس أحاول أعيش. ولو خطوة صغيرة. -كنت ناوية أقفل كل المواضيع اللي اتفتحت دي قبل ما أروح الشغل. وفعلًا، روحت لماما المطبخ وهي بتحضر الفطار لبابا. أول ما شافتني قالت باستغراب: ـ إيه يا سارة؟
ده انتي جهزتي… مش هتفطري؟ ابتسمت وقولت: ـ فطرت قبلكم يا جميل. وسكت شوية قبل ما أكمل: ـ ماما… اللي حصل امبارح أنا قفلته. أنا عارفة إن بابا ويوسف كان عندهم حق. مش هقولك إني هنسى… بس هحاول. تمام؟ فبلاش نفتح الموضوع ده تاني. وأوعدك إني هحاول بجد. بصتلي ماما بقلق واضح، كأنها مش متأكدة من كلامي، وقالت: ـ سارة… أنا زمان… قاطعتها بسرعة: ـ ماما، انتي كان عندك حق والله. خلاص بقى نقفل الموضوع الكئيب ده. تنهدت وقالت:
ـ ماشي يا ستي… اللي يريحك. ابتسمت وروحت حضنتها بسرعة. ـ حبيبة قلبي. أنا هنزل الشغل بقى. صحيح… بابا صاحي؟ ـ أيوة صاحي. سيبتها بعد ما حسيت إنها اطمأنت شوية، وروحت لبابا. أول ما شافني ابتسم وقال: ـ صباح الخير يا قمر انتي. إيه الأخبار؟ ـ صباح النور يا بابا. كويسة الحمد لله. وبصراحة كلامك امبارح كان تحفة. وقولتله نفس الكلام اللي قولته لماما. طمنته ونزلت. وأنا نازلة لقيت يوسف واقف جنب العربية وبيضحك.
فبصيتله باستغراب وقولت: ـ انت مستني حد؟ رد وهو فاتح باب العربية: ـ مستنيك يا قمر. قولت أوصلك كمان…..فيّا الخير والله. ضحكت وقولت: ـ أصيل يا ابني والله. وركبت. لف هو وركب وشغل العربية وانطلقنا. فضل ساكت شوية. وبعدين بصلي وقال: ـ أنا امبارح… قاطعته قبل ما يكمل: ـ كان عندك حق. بصلي ثانية. وبعدين رجع عينه للطريق وقال بهدوء: ـ مش لازم تبيني إنك كويسة. ـ لا لا… أنا فعلًا كويسة. يمكن كلامكم كان صح بجد. أنا هحاول.
سكت شوية وبعدين سألت: ـ صحيح… انت مين اللي قالك الموضوع ده؟ اتردد ثانيتين. واضح إنه مش عايز يقول. لكن في الآخر قال: ـ رقية. ـ رقية؟! قولتها بصدمة. فرد بسرعة: ـ بص، هي كان نيتها خير والله. أنا اللي زنيت عليها عشان أعرف. فاتفقنا مع بعض ندور على حل ونساعدك. بس والله. بصيتله بعدم استيعاب: ـ إزاااي؟ ـ إيه؟ ـ إزاي انت ورقية أصلًا؟ ده انتوا مش بتطيقوا بعض. ضحك وقال: ـ لا والله… طلعت مش زي ما كنت فاكر.
بصيتله وأنا بغمز وقولت: ـ إيه يسطا… أوعى تكون… ـ انتي عبيطة؟ أكيد لا. قالها بسرعة زيادة عن اللزوم. لدرجة إني ضحكت. وعرفت إنه مرتبك. أصل يوسف من زمان وهو بيحبها. بس عمره ما خد خطوة. وبعد شوية قال: ـ صحيح يا سارة. ـ نعم؟ ـ مين آسر ده؟ أول ما قال اسمه… افتكرت كل حاجة. الكافيه. المستشفى. الشهر اللي اختفى فيه. واللقاء الأخير. حسيت بحاجة خنقتني من جوا. بس حاولت أبان طبيعية. وقولت:
ـ قابلته في الكافيه بعد ما خرجت من المستشفى. فاكر لما تعبت بسبب الحساسية؟ ـ أيوة. ـ ساعدني وقتها. وقال إنه بيفهم في شغلي وكده. وبس. بصلي يوسف بنظرة مش مقتنعة خالص. وقال: ـ بس إزاي كلمك في موضوع أستاذ علي وهو أصلًا ميعرفوش؟ مش غريبة شوية؟ فهمت فورًا هو عايز يوصل لإيه. فلفيتله وقولت بمنتهى البساطة: ـ عشان هو بيحبني. وعايز يتقدملي. بس أنا اللي مش موافقة. سكت يوسف فجأة. لدرجة إني افتكرته هيعمل مصيبة.
لكن الغريب إنه رد بهدوء: ـ والله كنت عارف. بصراحة كان باين عليه أوي. وبعدين سأل: ـ بس ليه مش موافقة؟ بصيت للشباك وقولت ـ ده سؤال يا يوسف. ـ أيوة… إيه الإجابة؟ فضلت ساكتة. ولأول مرة سألت نفسي السؤال ده بجد. أنا ليه رافضة؟ إيه السبب؟ ولقيتني مش عارفة أجاوب. فقال يوسف وهو بيضحك: ـ روحتي فين؟ على العموم مش عايز إجابة. لأني عارف إن مفيش سبب أصلًا. بس انتي عنيدة. وقالها وهو بيقرص خدي. فضربته على كتفه:
ـ ركز في الطريق يا غبي. ضحك وقال: ـ طب لمي لسانك بقى. وسكت ثانية قبل ما يكمل: ـ صحيح… يوم ما شوفته في المستشفى… أنا اللي ضربته. التفتله بسرعة: ـ إيه؟! ـ أيوة. الصراحة كان مستفز أوي. وقالي كمان إنه بيحبك وعايز يتقدملك. وأنا رفضته. وقولتله ميقربش منك. بصيتله بصدمة: ـ يا رخم! عملت ده إمتى؟ ـ وانتي خارجة من المستشفى. كان جاي يطمن عليكي. فحصل اللي حصل بقى. سكت بعدها. وأنا فضلت باصة قدامي. وبفكر. وبفكر. وبفكر.
لحد ما أخيرًا… فهمت سبب اختفائه طول الشهر اللي فات. —وصلت الشغل. وبعد ما خلصت… روحت الكافيه كعادتي. وطلبت ليمون بالنعناع. لفيت حواليا. ملقتش آسر. فاتضايقت. بس حاولت أقنع نفسي إن الموضوع عادي. عادي جدًا. بعد شوية… باب الكافيه اتفتح. رفعت عيني بشكل تلقائي. واتجمدت. آسر. كان داخل. في اللحظة دي قلبي دق بسرعة غبية. فاتوترت جدًا. خصوصًا بعد اللي حصل آخر مرة. فأخدت شنطتي بسرعة وقررت أهرب قبل ما يشوفني. لكن قبل ما أقوم…
سمعت صوته. ـ سارة… رفعت عيني ليه. فكمل وهو باصصلي مباشرة: ـ عايز أتكلم معاكي شوية. ممكن؟ -….
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!