رواية انتي مشكلتي الجزء السادس 6 بقلم هيام أيمن انتي مشكلتيرواية انتي مشكلتي الحلقة السادسة تجمّد العالم. حتى الهواء اختفى للحظة. جيو ظل يحدق بالكائن أمامه… غير قادر على التنفس. —“…أبي؟ الكلمة خرجت منه هامسة. مكسورة. وكأنها تؤلمه. ابتسامة الرجل اتسعت ببطء. —“أخيرًا تذكّرت.” لكن ريان صرخ فجأة من خلفهما رغم الدم الذي يغطيه: —“لا تصدقه يا جيو! الكائن التفت له ببطء. وعيناه الحمراوان لمعتا بازدراء. —“ما زلت مزعجًا.”
ثم رفع يده نحوه. وفجأة —ارتطم جسد ريان بالحائط بعنف مرعب. سيا صرخت: —“ريان! لكن جيو تحرك فورًا. أمسك يد الكائن قبل أن يكمل هجومه. الظلال انفجرت حول الاثنين بعنف. الأرض تحت أقدامهما تشققت أكثر. الكائن نظر ليده الممسوكة… ثم ابتسم. —“قوتك تنمو أسرع مما توقعت.” جيو ضغط أسنانه بغضب. —“ابتعد عنهم.” الصمت سقط للحظة. ثم ضحك الكائن بخفوت. —“ما زلت متعلّقًا بالبشر؟ اقترب أكثر. —“حتى بعد أن رأيت حقيقتك؟ جيو لم يجب.
لكن عينيه الحمراوين اهتزتا بعنف. لأن الهمسات داخل رأسه كانت تزداد. —“دعهم…” —“إنهم ضعفاء…” —“اقتله…” وفجأة —ظهرت صور جديدة داخل عقله. مدينة تحترق بالكامل. السماء سوداء. والناس يركضون وهم يصرخون. وفي وسط النار… كان هو. واقفًا فوق جبل من الجثث. عيناه حمراوان. ويبتسم. شهق جيو بعنف وتراجع للخلف. —“لا…” الكائن اقترب ببطء. —“ذلك مستقبلك.” سيا هزّت رأسها فورًا وهي تصرخ: —“كاذب! التفت الجميع نحوها. حتى الكائن.
لكنها ركضت نحو جيو دون خوف هذه المرة. وقفت أمامه مباشرة. رغم ارتجافها الواضح. ثم أمسكت يده. تجمد جيو فورًا. سيا نظرت لعينيه مباشرة وقالت: —“أنت لست وحشًا.” الكائن ابتسم بسخرية. —“أنتِ لا تعرفين شيئًا.” لكن سيا صرخت بغضب: —“وأنت لا تعرفه! الصمت ضرب المكان. جيو نظر إليها بذهول. أما هي… فكانت ترتجف بالكامل. لكنها لم تترك يده. —“حتى الآن… هو يحمينا.” عينا جيو اتسعتا ببطء. وسيا أكملت بصوت مهتز:
—“الشخص الذي يخاطر بنفسه لحماية الآخرين… لا يمكن أن يكون وحشًا.” الهمسات داخل رأس جيو ارتبكت فجأة. تداخلت الأصوات بعنف. الكائن عبس لأول مرة. —“ابتعدي عنه.” لكن سيا لم تتحرك. بل اقتربت أكثر من جيو. —“انظر إليّ.” جيو فعل. وعيناه الحمراوان كانتا ترتجفان بشكل مرعب. —“أنت جيو… فقط جيو.” شيء ما داخل صدره… تحطم. وفجأة —اختفت الهمسات. لثانية واحدة فقط. ثانية صامتة بالكامل. الكائن اتسعت عيناه قليلًا. —“مستحيل…”
لكن تلك الثانية كانت كافية. لأن جيو استعاد السيطرة أخيرًا. الظلال حول جسده هدأت تدريجيًا. وأنفاسه بدأت تنتظم. ريان رفع رأسه بصعوبة وهو يهمس: —“جيد…” لكن الكائن فجأة ضحك. ضحكة منخفضة. مرعبة. —“مثير للاهتمام.” ثم نظر لسيا مباشرة. —“إذًا أنتِ نقطة ضعفه.” تجمد جيو فورًا. —“لا.” لكن الأوان فات. لأن الكائن اختفى فجأة. سيا شهقت عندما ظهر خلفها مباشرة. يده أمسكت عنقها. ورفعها عن الأرض بسهولة. —“سيا! جيو اندفع نحوه بجنون.
لكن الكائن رفع إصبعًا واحدًا فقط. فتجمّد جسد جيو بالكامل. وكأن شيئًا غير مرئي يسحقه. سقط على ركبتيه بعنف. الكائن نظر إليه بابتسامة باردة. —“أنت لا تزال ضعيفًا.” سيا كانت تختنق بين يديه. تحاول التنفس بصعوبة. لكن رغم ذلك… نظرت لجيو. ولم يكن في عينيها خوف منه. بل خوف عليه. وهذا وحده… كان أسوأ شيء يمكن أن يراه. الظلام حول جيو انفجر بعنف هائل. الأرض اهتزت. السقف تشقق. وكل النوافذ انفجرت دفعة واحدة. ريان شهق:
—“لا… جيو توقف! لكن جيو رفع رأسه ببطء. وعيناه هذه المرة… لم تعودا حمراوين فقط. بل سوداويتين بالكامل تتوسطهما دوائر قرمزية متوهجة. الكائن نظر إليه للحظة… ثم ابتسم أخيرًا. —“ها قد ظهر.” جيو وقف ببطء. والطاقة السوداء تتصاعد من جسده كاللهب. قال بصوت لم يكن صوته وحده: —“اتركها.” الصوت خرج مزدوجًا. بشريًا… وشيئًا آخر معه. حتى الكائن نفسه شعر بالصدمة للحظة. لكن بعدها ضحك. —“إذًا استيقظت حقًا.” ثم دفع سيا بعيدًا.
سيا سقطت أرضًا وهي تسعل بقوة. لكن جيو كان قد اختفى. وفي اللحظة التالية —انفجار مرعب دوّى داخل الفصل. الكائن اندفع عبر عدة جدران دفعة واحدة. المدرسة كلها اهتزت. سيا رفعت رأسها بصدمة. لأن جيو… لم يعد يشبه نفسه. الظلال غطت نصف جسده. وأذرع سوداء ضخمة خرجت من ظهره كالأجنحة. أما عيناه… فكانتا مرعبتين بشكل لا يوصف. ريان نهض بصعوبة وهو يهمس برعب: —“لقد تجاوز الحد…” داخل الحطام… وقف الكائن ببطء. يمسح الدم من فمه.
لكنه هذه المرة… لم يكن يبتسم. بل كان ينظر لجيو بدهشة حقيقية. —“كيف…؟ جيو اقترب خطوة. ثم أخرى. والأرض تتشقق تحت قدميه. —“قلت…” صوته اهتز كالزئير. —“لا تلمسها.” وفجأة —اندفع نحوه بسرعة جنونية. لكن قبل أن يصل —صرخت سيا بأعلى صوتها: —“جيو توقف!! الصمت انفجر. وجيو تجمّد فعلًا. قبضته توقفت على بعد سنتيمترات من وجه الكائن. الجميع اتسعت أعينهم بصدمة. حتى ريان. أما سيا… فكانت تبكي. نظرت إليه مباشرة وهمست:
—“إذا قتلته الآن… ستضيع بالكامل.” أنفاس جيو اضطربت بعنف. الظلام حوله بدأ يهتز. وكأنه يقاتل نفسه. الكائن راقب المشهد… ثم ابتسم ببطء مجددًا. —“مثير للشفقة.” ثم همس لجيو: —“البشر سيحطمونك دائمًا.” لكن جيو… أغلق عينيه للحظة. وصوت سيا ظل يتردد داخل رأسه. “أنت جيو… فقط جيو.” وفجأة —تراجع للخلف بنفسه. الظلال انفجرت ثم بدأت تتلاشى تدريجيًا. الكائن حدّق به بعدم تصديق. —“رفضتني…؟ جيو فتح عينيه ببطء.
وعاد اللون الأحمر الطبيعي إليهما. ثم قال بصوت متعب: —“أنا لست مثلك.” الصمت سقط ثقيلًا. لكن فجأة —ابتسم الكائن. ابتسامة واسعة بشكل مرعب. —“إذن… سنرى.” ثم رفع يده نحو السماء. وفجأة —كل المدرسة اهتزت بعنف هائل. الشقوق السوداء انفجرت عبر الأرض بالكامل. وصوت آلاف الهمسات عاد مرة أخرى. لكن هذه المرة… لم تكن داخل رأس جيو فقط. بل في المدرسة كلها. ثم دوّى صوت الإنذار مجددًا: —“تم تحرير الختم الثاني.” تجمّد ريان فورًا.
والرعب الحقيقي ظهر بعينيه. —“لا… ليس الآن.” سيا نظرت حولها بخوف. —“ماذا يعني الختم الثاني؟! لكن قبل أن يجيب أحد —انفجرت الأرض تحتهم بالكامل. وسقط الجميع نحو الظلام. السقوط لم ينتهِ. الظلام ابتلعهم بالكامل. سيا صرخت وهي تشعر بالهواء يصفع جسدها بعنف، بينما لينا كانت تبكي بشكل هستيري. أما جيو… فكان يسمع الهمسات مجددًا. لكن هذه المرة… كانت أوضح. —“اقترب…” —“عد إلى العرش…” —“الملك ينتظر…”
ضغط رأسه بألم وهو يسقط وسط الفراغ. ثم فجأة —أمسكت يد بيده. سيا. رغم الرعب… كانت تحاول الوصول إليه. —“جيو! صوتها اخترق الفوضى داخله للحظة. لكن قبل أن يرد —ارتطم الجميع بالأرض بعنف. الغبار انفجر بالمكان. ولثوانٍ… لم يسمع أحد شيئًا سوى السعال والأنفاس المتقطعة. سيا رفعت رأسها ببطء. ثم تجمدت. لأنهم لم يعودوا داخل المدرسة. بل داخل مكان ضخم جدًا تحتها. مدينة. مدينة كاملة مخفية تحت الأرض. أبراج سوداء مدمرة. جسور محطمة.
ورموز حمراء متوهجة على الجدران القديمة. الضباب الأسود يملأ المكان كله. ولأول مرة… شعرت سيا أن المدرسة لم تكن طبيعية أبدًا. لينا همست برعب: —“أين نحن…؟ لكن ريان، الذي كان يضغط على جرح صدره بصعوبة، أجاب أخيرًا: —“مملكة الظل.” الصمت سقط ثقيلًا. سيا نظرت له بذهول. —“أنت تمزح… صح؟ لكن تعبيره لم يتغير. بل كان أسوأ. خائفًا. وهذا وحده أرعبها أكثر. أما جيو… فكان واقفًا بصمت. عيناه تتحركان بين الأطلال وكأنه يعرف المكان.
ثم همس دون وعي: —“عدت…” تجمد ريان فورًا. —“جيو.” لكن جيو لم ينظر إليه. كان يحدق نحو بعيد. نحو قصر أسود ضخم يظهر وسط المدينة المدمرة. شيء داخله… كان يجذبه إليه. الكائن ذو العينين الحمراوين ظهر فوق أحد الأبراج فجأة. عباءته السوداء تتحرك مع الرياح المظلمة. قال بصوت تردد بكل المدينة: —“أهلًا بعودتك يا أمير الظل.” فجأة —بدأت الأرض تهتز. والظلال خرجت من بين الأنقاض. أشكال بشرية سوداء بدأت تظهر ببطء. عيون حمراء.
وأجساد مشوهة. سيا تراجعت بخوف. —“ما هذه الأشياء؟! ريان شد قبضته. —“جنود الظل.” ثم صرخ فورًا: —“اركضوا! وفي اللحظة التالية —انطلقت المخلوقات نحوهم بسرعة مرعبة. سيا أمسكت لينا وركضت فورًا. أما ريان فسحب سلاحًا فضيًا من سترته وأطلق النار. الرصاص اخترق أحد المخلوقات… فانفجر إلى دخان أسود. لكن العشرات غيره استمروا بالاندفاع. —“جيو تحرك! صرخها ريان بعنف. لكن جيو كان لا يزال واقفًا مكانه. ينظر للقصر.
وكأن شيئًا يناديه من الداخل. الهمسات عادت. أقوى. —“تعال…” —“عرشك ينتظرك…” —“اقتُل البشر…” وفجأة —ظهر مشهد داخل رأسه. هو… أصغر سنًا. يجلس فوق ذلك العرش الأسود. وآلاف الكائنات تركع أمامه. ثم صوت والده: —“كل هذا سيكون لك.” شهق جيو بعنف. ووضع يده على رأسه. لكن أحد جنود الظل انقض عليه مباشرة. سيا صرخت: —“انتبه! لكن قبل أن يلمسه المخلوق —انفجرت الظلال من جسد جيو تلقائيًا. المخلوق تمزق نصفين بالهواء. الصمت سقط للحظة.
حتى الجنود الآخرين توقفوا. ينظرون إليه. ثم… ركعوا. كلهم دفعة واحدة. سيا اتسعت عيناها بذهول. لينا شهقت. أما ريان… فأغمض عينيه وكأنه كان يخشى هذه اللحظة. لأن الجنود جميعًا قالوا بصوت واحد: —“وليّ العهد.” جيو تراجع خطوة. —“لا…” لكن الكائن فوق البرج ضحك. —“حتى هم يعرفونك.” ثم قفز من الأعلى. وهبط أمام جيو مباشرة. الأرض تشققت تحت قدميه. اقترب منه ببطء. ثم مد يده نحوه. —“تعال معي.” جيو حدق بيده بصمت.
شيء داخله كان يصرخ ليقبل. ليشعر بالقوة. بالانتماء. ليتوقف هذا الصراع. لكن فجأة —تذكر سيا وهي تقول: “أنت جيو… فقط جيو.” قبض يده بقوة. ثم أبعد يد والده بعنف. —“لن أذهب معك.” الصمت تجمد. ولأول مرة… اختفت ابتسامة الرجل بالكامل. —“ماذا قلت؟ جيو رفع رأسه. وعيناه الحمراوان كانتا ثابتتين. —“أنا لست أميرك.” الهواء بالمكان أصبح ثقيلًا بشكل مرعب. الجنود بدأوا يتراجعون بخوف. حتى ريان فتح عينيه بصدمة. لأن وجه الرجل… تغير.
الغضب الحقيقي ظهر أخيرًا. ثم قال بصوت مرعب هز المدينة كلها: —“أنت ملكي.” وفجأة —انفجرت طاقة سوداء هائلة منه. سيا صرخت عندما اندفعت بعيدًا من قوة الانفجار. ريان وقف أمامها فورًا ليحميها. أما جيو… فبقي مكانه. يواجه والده مباشرة. الرجل مد يده نحوه. فظهرت سلاسل سوداء ضخمة من الأرض. انطلقت نحو جيو بسرعة مرعبة. لكن جيو رفع يده تلقائيًا. والظلال حوله انفجرت بدورها. السلاسل تحطمت بالهواء. عيون الرجل اتسعت للحظة.
ثم ابتسم ببطء. —“إذًا… لقد ورثتها كاملة.” جيو عبس. —“ورثت ماذا؟ لكن الرجل لم يجب. بل نظر خلفه فجأة. إلى سيا. ابتسامته أصبحت أخطر. —“الآن فهمت.” جيو شعر بالخطر فورًا. التفت بسرعة —لكن الأوان فات. لأن الظلال خرجت من الأرض تحت سيا مباشرة. وأمسكت قدميها بعنف. سيا صرخت وهي تسقط. —“جيو! جيو اندفع نحوها فورًا. لكن والده أمسكه من عنقه قبل أن يصل. وثبته مكانه بسهولة مرعبة. اقترب منه هامسًا:
—“السبب الوحيد الذي يجعلك تقاومني… هي.” جيو حاول التحرر بعنف. —“اتركها! لكن الرجل شد قبضته أكثر. وعيناه الحمراوان اشتعلتا. —“إذًا سأقتلها.” الصمت انفجر داخل جيو. —شيء ما تحطم داخله بالكامل. الطاقة السوداء انفجرت من جسده بشكل أعنف من أي مرة سابقة. الأرض انهارت. الأبراج تصدعت. وحتى جنود الظل بدأوا يصرخون بخوف. ريان اتسعت عيناه برعب حقيقي. —“مستحيل…” لأن جيو… بدأ يتحول بالكامل. الهواء اختفى.
المدينة السوداء كلها ارتجفت وكأنها كائن حي يشعر بالخوف. جيو رفع رأسه ببطء… لكن ذلك لم يعد جيو بالكامل. الظلال غطّت نصف وجهه. علامات قرمزية ظهرت على رقبته وذراعيه كأنها تحترق تحت جلده. وعيناه… لم تعودا تحملان أي شيء بشري. حتى والده تراجع خطوة دون وعي. ثم همس بدهشة: —“الهيئة الملكية…؟ سيا كانت لا تزال محاصرة بالظلال، لكن أنفاسها توقفت عندما رأت جيو بتلك الحالة. وللمرة الأولى… شعرت بالخوف منه فعلًا.
جيو نظر نحو والده ببطء. ثم قال بصوت منخفض هزّ المكان كله: —“قلت… لا تلمسها.” وفي ثانية —اختفى. انفجار هائل دوّى عبر المدينة. والد جيو اندفع عبر ثلاثة أبراج دفعة واحدة. الحجارة السوداء انفجرت كأنها ورق. سيا شهقت. أما ريان فقبض أسنانه بعنف. —“لقد فقد السيطرة…” داخل الحطام… وقف والد جيو ببطء. الدم يسيل من جانب فمه. لكنه كان يضحك. يضحك بجنون حقيقي. —“نعم… نعم! هذا ما أردته! رفع يده نحو السماء.
فظهرت دوائر حمراء ضخمة فوق المدينة. رموز غريبة بدأت تتوهج داخلها. ثم دوّى صوت مرعب بكل الأرجاء: —“استيقظوا.” وفجأة —بدأت القبور السوداء المنتشرة بالمدينة تتحطم. يد تخرج. ثم أخرى. ثم عشرات. مئات. كائنات سوداء بدأت تنهض من تحت الأرض. بعضها يملك أجنحة ممزقة. وبعضها بلا وجوه. وأخرى تضحك بصوت مشوه. لينا انهارت باكية. —“أريد الخروج …” سيا أمسكتها بسرعة رغم رعبها. أما ريان… فكانت عيناه مثبتتين على جيو فقط.
لأن الطاقة الخارجة منه كانت تزداد بشكل مرعب. والأسوأ… أن جيو لم يكن يبدو متألمًا بعد الآن. بل هادئًا. هادئًا بطريقة أخافت ريان أكثر من أي شيء. والد جيو خرج من الدخان مبتسمًا. ثم فتح ذراعيه وكأنه يستقبل معجزة. —“انظر إليهم.” الكائنات كلها ركعت نحو جيو. المدينة بأكملها انخفضت أصواتها. قال الرجل بابتسامة واسعة: —“كلهم ينتظرون ملكهم.” جيو لم يرد. فقط حدّق بهم بصمت. ثم بدأت الهمسات تعود. لكنها لم تعد مزعجة. بل… مريحة.
—“أخيرًا…” —“عدت إلينا…” —“أحرق العالم…” شيء مظلم داخل قلبه بدأ يهدأ كلما استمع لهم. كأن هذا مكانه الحقيقي. ريان شعر بذلك فورًا. لذلك صرخ بأعلى صوته: —“جيو! الصوت اخترق الضباب داخل رأسه للحظة. جيو التفت ببطء. ريان كان ينظر إليه مباشرة رغم الدم الذي يغطيه. ثم قال بصوت متعب: —“إذا استسلمت الآن… لن تعود أبدًا.” الصمت سقط للحظة. لكن والد جيو ضحك بسخرية. —“لا تستمع لذلك البشري.” ريان نظر له ببرود قاتل.
—“أنا لست بشريًا أيضًا.” تجمدت سيا. —“ماذا؟! لكن ريان تجاهلها. عيناه الفضيتان توهجتا أكثر. ثم ظهرت علامات فضية على جلده. والهواء البارد انفجر حوله فجأة. والد جيو ابتسم بازدراء. —“كلب القمر.” ريان سحب نفسًا ببطء. —“خادم الظل السابق.” سيا شعرت أن عقلها توقف عن العمل. —“هل يوجد أحد طبيعي هنا أصلًا؟! لكن لا أحد أجابها. لأن والد جيو نظر لريان باهتمام أخيرًا. —“إذًا ما زلت تحميه بعد كل ما فعله؟ الصمت ثقل.
وجيو حدق بريان مباشرة. ريان لم يهرب من نظرته هذه المرة. بل قال بهدوء: —“لأن ذلك الطفل لم يكن مذنبًا.” عين جيو اهتزت للحظة. أما والده فابتسم بسخرية. —“لكنه قتلهم.” ريان قبض يده بقوة. ثم قال أخيرًا: —“وأنا من صنع الوحش.” الصمت انفجر داخل جيو. ريان أكمل بصوت مكسور: —“كنت أعرف ما أنت منذ البداية.” سيا شهقت. أما جيو… فبقي ساكنًا بالكامل. ريان اقترب خطوة رغم إصابته. —“أُرسلت لقتلك بعد ولادتك.” الهواء تجمد.
—“لكن والدتك ترجّتني أن أنقذك.” ظهرت صورة داخل عقل جيو. أمه تبكي. تمسك بيد ريان. —“أرجوك… ليس ابني.” ريان أغلق عينيه للحظة. —“لذلك خنتهم.” والد جيو عبس أخيرًا. أما ريان فأكمل: —“أخذتك وهربت.” جيو همس بصوت ضعيف: —“إذًا… كنت تكذب علي طوال حياتي.” الألم بعيني ريان كان كافيًا للإجابة. لكن رغم ذلك قال: —“كنت أحاول حمايتك.” —“بحذف ذكرياتي؟! صرخها جيو بعنف. المدينة كلها اهتزت. الظلال انفجرت حوله مجددًا. —“بجعلي أعيش كذبة؟!
ريان صرخ بدوره لأول مرة: —“لأنك كنت طفلًا! الصمت ضرب الجميع. حتى الهمسات اختفت للحظة. ريان أنفاسه ارتجفت. ثم قال بصوت منخفض: —“كنت تخاف من نفسك.” عين جيو اتسعت ببطء. ريان ابتسم بألم. —“كل ليلة… كنت تبكي وتسألني لماذا الناس تحترق عندما تغضب.” الذكريات ضربت جيو بعنف. طفل صغير. غرفة مظلمة. يداه ترتجفان. وريان يحتضنه بينما النيران تشتعل حولهما. —“أنا خائف…” شهقة خرجت من جيو. ثم فجأة —سيا أمسكت يده. نظر إليها بصدمة.
وعيناها كانتا دامعتين. لكنها ابتسمت رغم خوفها. —“أنت لست وحدك.” شيء ما داخل صدره اختنق. والده لاحظ ذلك فورًا. فعبس بغضب حقيقي هذه المرة. —“مرة أخرى… البشر.” ثم رفع يده فجأة. كل الكائنات السوداء نهضت دفعة واحدة. والسماء فوق المدينة تشققت. —“إذا كنت ترفض العودة بإرادتك…” ابتسامته اختفت بالكامل. وحل محلها غضب مرعب. —“فسأدمّر كل شيء تحاول حمايته.” ثم أشار نحو سيا. وفجأة —كل الوحوش اندفعت نحوها دفعة واحدة. سيا تجمدت برعب.
لكن قبل أن تصل إليها —ظهر جيو أمامها. الظلام انفجر من جسده كالعاصفة. ثم رفع رأسه ببطء… وقال جملة واحدة فقط: —“لا أحد يلمسها.” وفي اللحظة التالية —بدأت الحرب.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!