تحميل رواية «الطاووس الأبيض ©️» PDF
بقلم Manal Salem
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تم نشر فصول الأجزاء الثلاثة الأولى في روايات منفصلة، تحمل نفس الاسم المشترك (الطاووس الأبيض)؛ ولكن بأغلفة مختلفة لسهولة التمييز .. ترقيم فصول الجزء الأول: - من الفصل الأول حتى الخامس والثلاثين ترقيم فصول الجزء الثاني: - من الفصل السادس والثلاثين حتى التاسع والستين ترقيم فصول الجزء الثالث: -من الفصل السبعين حتى المائة وخمسة عشر يبدأ ترقيم فصول الجزء الرابع من الفصل مائة وستة عشر، وذلك استكمالاً لما سبق من تتابع للأحداث المشوقة .....
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الرابع الفصل الأول 1 - بقلم Manal Salem
تم نشر فصول الأجزاء الثلاثة الأولى في روايات منفصلة، تحمل نفس الاسم المشترك (الطاووس الأبيض)؛ ولكن بأغلفة مختلفة لسهولة التمييز ..
ترقيم فصول الجزء الأول:
- من الفصل الأول حتى الخامس والثلاثين
ترقيم فصول الجزء الثاني:
- من الفصل السادس والثلاثين حتى التاسع والستين
ترقيم فصول الجزء الثالث:
-من الفصل السبعين حتى المائة وخمسة عشر
يبدأ ترقيم فصول الجزء الرابع من الفصل مائة وستة عشر، وذلك استكمالاً لما سبق من تتابع للأحداث المشوقة ..
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الرابع الفصل الثاني 2 - بقلم Manal Salem
مساء الورد على الجميع ..في البداية وجب شكر كل شخص تفهم التأجيل الاضطراري الأخير، وكذلك كل قارئ دعمني بأي صورة على كافة المستويات الأدبية والشخصية ..إن شاءالله رجعنا نستكمل معاكو الأحداث، واعذوروني إن كان في يوم تم تأجيل النشر لظرف طارئ أو طرحه بشكل قصير .. لكن كل اللي أقدر أوعدكم بيه محاولتي الالتزام على قدر المستطاع مواعيد النشر الجمعة والثلاثاء من كل أسبوع .. العاشرة مساءً بتوقيت القاهرة، وممكن اتأخر حاجة بسيطة
الفصل المائة وستة عشر
تهادت في خطواتها وهي تواصل التقدم للأمام، إلى حيث أشار لها عند الطاولة المستديرة المقاربة للشاطئ، قبيل المغرب، سبقها بخطوتين ليتمكن من إزاحة مقعدها قليلاً كنوعٍ من اللباقة حتى تجلس عليه، فابتسمت في رقةٍ لتهذيبه، تحرك بعدها وجلس إلى مقابلها. دقيقة من الصمت سادت بينهما قبل أن تقطعها "ريم" متسائلة:
-مش هاتقولي جايبني هنا ليه يا "ماهر" بيه؟
أسند الأخير متعلقاته على سطح الطاولة، وقال بوجهٍ تزينه ابتسامة عذبة:
-عشان نتكلم على راحتنا.
ثم طلب منها بجدية:
-وأتمنى نشيل الرسميات بينا.
لم تبدُ مرحبة بتلك الفكرة، فاكتفت بالصمت لبعض الوقت، وتطلعت بعيدًا عن وجهه، نحو زرقة المياه الداكنة. حاول "ماهر" تجاذب أطراف الحديث معها فاستطرد مجددًا:
-إنتي عارفة إن أمر "فيروزة" يهمني، باعتبرها زي أختي "علا"، واللي مرت بيه مكانش هين، وخصوصًا إن صاحبنا كان آ...
ملّت من تكراره لنفس الحجج المستهلكة كلما طلب الالتقاء بها، لذا تلك المرة لم تتحمل تبريره لرؤيتها، وقاطعته بصوتٍ ثابت، وتعابير وجه كانت تميل للرسمية:
-"ماهر" بيه حضرتك وضحتلي الأسباب كلها قبل كده، وأنا كتبتها في المفكرة بتاعتي، وحقيقي مقدرش أفاتح المريضة بتاعتي في أسرارها بدون ما تكون هي مستعدة لده، وفي نفس الوقت مقدرش أطلع أسرارها لحضرتك لمجرد إنك عايز تطمن عليها، وإن كنت حضرتك مش واثق فيا، وحاسس إنيي مقصرة معاها يبقى تقدر تشوف بديل.
شعر بالحرج لانكشاف أمره، وحمحم محاولاً تلطيف الموقف:
-مش كده خالص، بالعكس أنا مبسوط إنها معاكي.
حملقت فيه بنظراتٍ مشككة وهي تسأله:
-طيب، أومال في إيه؟
أخبرها دون احترازٍ، وبتجريد اسمها من أي لقب يمكن أن يبقى الحاجز الوهمي بينهما قائمًا:
-"ريم" بصراحة كده أنا باستريح للكلام معاكي، وجايز موضوع "فيروزة" ده حجتي عشان أعرف أشوفك، بدل ما ترفضي.
تفاجأت من اعترافه، واحتفظت بملامح وجهٍ غير مقروءة حينما ردت متسائلة بهدوءٍ:
-وإيه اللي يخليني أرفض؟
قال مبتسمًا في بلاهة:
-مش عارف.
اكتفت بتلك الابتسامة الحمقاء، ولم تلاحقه بأسئلتها، ثم نظرت حولها في غير وجهة محددة، إلى أن توقفت عيناها على الأمواج، كأنما تتأمل حركتها المتتابعة، شتت نظراتها عنها حينما أردف يسألها:
-تحبي تشربي إيه؟
اعتذرت بلباقةٍ:
-مش عايزة، شكرًا.
ألح عليها بلطفٍ:
-يبقى إنتي زعلانة مني.
صارحته بما يختلج صدرها الآن من مشاعر مزعوجة:
-لأ، بس محبش أحس إن في حدد مقلل مني.
من تلقاء نفسه اعتذر منها بشدةٍ:
-وأنا استحالة أعمل كده، وحقك عليا لو كنت ضايقتك من غير قصد.
التوت شفتاها ببسمةٍ صغيرة، وقالت وهي تومئ برأسها:
-اعتذارك مقبول.
استرخى في جلسته، وأصر عليها بسؤاله؛ ولكن تلك المرة بعينين لامعتين في اهتمامٍ كبير:
-طب تمام، ها تشربي إيه بقى؟
........................................................
لليوم الرابع على التوالي تأتي في نفس موعدها، وتسير في نفس الشارع بثيابها السوداء لتتجه إلى دكانها، حينها فقط يشعر وكأن يومه قد بدأ بوجودها، فيزداد نشاطًا، ولا تفارق البسمة محياه. اضطر "تميم" أن يرضخ لتعليمات أبيه، وألا يبارح مكانه سوى عند الضرورة القصوى، منعًا للقيل والقال، في مجتمع يستسهل نشر الشائعات بدلاً من تحري الدقة، وإيقاف النميمة. بصوته الجهوري نادى على أحد عماله، ومستخدمًا يده في الإشارة أيضًا:
-خد ياض هنا.
امتثل لأمره، وقال صاغرًا:
-نعم يا معلم.
لف "تميم" ذراعه حول كتفي العامل، ومال على أذنه يُحادثه، بصوتٍ تعمد خفضه:
-هتعدي على دكان الأبلة، بتاع لوازم السبوع، وتاخد واد معاك، تشوفوا طلبتها، إن كان في حاجة تتروق ولا تتنقل، وتقولها الحاج "بدير" هو اللي باعتني.
أومأ برأسه في طاعة، وغمغم بجدية:
-ماشي الكلام.
ربت على جانب ذراعه بضعة مرات هاتفًا بلهجةٍ احتفظت بصرامتها، دون أن يرخي ذراعه عن كتفيه:
-وماتخلوهاش تعمل قشاية، مفهوم؟
لم يعارضه العامل، بل أظهر له انصياعه الكامل:
-أوامرك يا ريسنا.
ربتة أخرى خفيفة على جانب ذراعه قبل أن يحرره وهو يوصيه:
-يالا أوام، وماتسيبوهاش إلا لما تقفل.
همَّ العامل بالركض في اتجاه الطريق المؤدي إليها وهو يردد:
-عينيا.
فرك "تميم" كفيه معًا في انتشاء، وعيناه معلقتان في الطريق أمامه، ليهمهم مع نفسه وهو يدور بنظراته في المكان متتبعًا خطوات العامل:
-على الأقل كده أطمن عليكي، ولو حتى من بعيد لبعيد.
حاد بنظراته عنه، ليلتفت نحو أبيه الذي ناداه:
-"تميم"!
هلل معلنًا استجابته له:
-جايلك يا حاج.
توجس من احتمالية ملاحظته لاهتمامه الزائد بمتابعة ما يدور في دكانها، فجاهد ألا يبدو مرتبكًا أمامه، لذا دنا منه حتى وقف قبالته، وانتظر سؤاله التالي له، متوقعًا أن يكون عنها؛ لكن لحسن حظه سأله:
-إيه الأخبار عندك يا "تميم"؟ الرجالة جهزوا النقلة؟
هز رأسه قائلاً بارتياحٍ:
-كله تمام يا حاج.
استحسن "بدير" اجتهاده في عمله، وتابع متسائلاً:
-حلو، عملت إيه في دكان العجلاتي؟
بعد لحظة من التفكير، استخدم "تميم" يده في التوضيح حينما جاوبه:
-كلمنا المهندس، وخد المقاسات وهيعرض على "هيثم" الرسمة.
زم شفتيه هاتفًا وهو يستدير ليجلس على مقعده الخشبي:
-خير.
سبقه "تميم" في خطواته ليقربه منه، فربت والده على جانب كتفه امتنانًا من صنيعه، انتظر ريثما جلس الأخير، وسحب كرسيه إلى جواره مستطردًا:
-صحيح، كنت عايزك في موضوع يا حاج.
تحولت كامل أنظار "بدير" إليه، قبل أن يستقيم بكتفيه سامحًا له بالكلام:
-قول.
تنحنح ممهدًا لموضوعه:
-دلوقتي "هيثم" فاتحني من مده قريبة، في موضوع شرا شقتي القديمة.
تعقدت ملامحه متسائلاً بدهشة:
-شقتك؟!
أعاد سرد الموقف بصورة أخرى مُبسطة:
-هو مش شرا على أد ما نقول عليه إنه بدل!
طالعه بنظراتٍ جادة وهو يكرر عليه في صيغة تساؤلية:
-أنا مش فاهم حاجة، يعني مالها شقتك؟ عايزها منك ليه؟
ببساطةٍ علل له الأسباب التي قصها عليه ابن خالته:
-هو عاوز ينقل فيها مع مراته، ويبع بيت أمه، مش عايز يفضل فيه، وأنا اقترحت عليه نبدل.
استغرب "بدير" كثيرًا مما سمعه، ولسان حاله يتساءل:
-ليه كده؟
جاوبه كذلك في حيرة:
-معرفش دماغه فيها إيه.
بهزات متعاقبة من رأسه أردف في صوتٍ جاد:
-عمومًا أنا هتكلم معاه بعدين، ويالا عشان نشوف ورانا إيه، الشغل مابيستناش حد.
نهض "تميم" من على كرسيه أولاً وهو يرد، ليحمله بعدها بكفه:
-حاضر يا حاج.
..........................................................
تأكدت من ضبط الأكمام معًا، قبل أن تطوي القميص النظيف، وتضعه فوق كومة الملابس المرتبة، تلك التي انتهت من طيها وتنظيمها. أدارت "همسة" رأسها في اتجاه زوجها الجالس على الطرف الآخر من الفراش، يتطلع إلى التلفاز بنظراتٍ شاردة، مدت يدها وأمسكت بقطعة أخرى من الثياب، وسألته بحذرٍ:
-برضوه مش عايز تروح تشوفها؟
فهم أنها تقصد والدته دون أن تفسر ذلك علنًا، فقال بتعابيرٍ جامدة:
-لأ.
تنهدت تخبره بما يُقارب الرجاء:
-يا "هيثم" مهما كان دي أمك، وأكيد زيارتك ليها هتفرحها.
التفت يحدجها بنظرة منذرة وهو يشدد عليها:
-قفلي على الموضوع ده يا "همسة"، مش عايز أتكلم فيه تاني.
تأملت وجهه المتجهم، فأدركت أنه لا يمزح، لذا لم تستمر في محاولتها اليائسة لإقناعها بالعكس، وهسهست في استسلام:
-براحتك.
غيَّر زوجها من مجرى الحوار متسائلاً بصوتٍ لان قليلاً:
-ميعادك إمتى مع الدكتور؟
بعد زفيرٍ سريع أجابته مستفيضة في التوضيح:
-بكرة على المغرب، اتفقت مع "فيروزة" تعدي عليا ونروح سوا.
لم تتبدل ملامحه المتجهمة عندما علق:
-اعتذريلها.
سألته باسترابةٍ:
-ليه؟ في حاجة؟
جاوبها بتعابيرٍ حاول أن تكون مسترخية قليلاً:
-هاجي معاكي، فمالوش لازمة نخليها تيجي.
ابتسمت لاهتمامه، وقالت في استحسان:
-ماشي يا حبيبي، أنا هاعرفها الصبح، عشان برضوه لو وراها تخلصها، افتتاح محلها قرب.
قال وهو يعاود التحديق في شاشة التلفاز:
-ربنا معاها.
................................................
بمنديلها الورقي مسحت العرق المتجمع عند مقدمة رأسها، بعد أن أغلقت الباب خلفها، لتتجه بعدها نحو غرفتها، وتضع آخر مجموعة من الأكياس الممتلئة بالنواقص أرضًا، تبعتها والدتها وهي تجفف كلتا يديها بمنشفة المطبخ القديمة، ألقت عليها نظرة ماسحة، وسألتها بنبرة مهتمة:
-عملتي إيه النهاردة؟
ابتسمت رغم التعب، وأجابتها:
-الحمدلله، هانت، معدتش إلا حاجة بسيطة.
سألتها بحاجبين معقودين:
-هتنزلي تاني؟
فركت "فيروزة" جبينها بيدها، وحللت من عقدة حجابها الأسود قائلة بزفيرٍ مرهق:
-لأ، مش مستاهلة.
ردت في حبورٍ:
-على خيرة الله، كمان أختك اتصلت.
أخرجت "فيروزة" منامتها من الرف الأوسط بضلفة الدولاب، ووجهت أنظارها نحو والدتها تسألها:
-هي كويسة؟
هزت "آمنة" رأسها إيجابًا وهي ترد:
-أيوه، بتقولك هاتروح مع جوزها عند الدكتور بكرة، فمافيش داعي تعطلي نفسك.
ردت بعد زفير متعب:
-أوكي، طالما مش هتبقى لواحدها، وأنا كمان هاستغل الوقت ده، واشتري الكام حاجة اللي نقصاني، بحيث أبقى قفلت المحل من كل حاجة.
ابتسمت والدتها معقبة:
-ربنا يعينك يا بنتي، وأنا من بدري هاخد خالك ونطلع على دكتور العلاج الطبيعي، الصراحة الراجل مش متأخر علينا، عامل كل اللي في وسعه عشان خالك يرجع يقف على رجليه.
دعت له بصدقٍ:
-ربنا يجيب الشفا من عنده.
أمنت عليها مرددة:
-يا رب.
تساءلت "فيروزة" وهي تحمل أشيائها لتتجه إلى الحمام:
-أومال "كوكي" فين؟
جاوبتها وهي تشير بيدها نحو الخارج:
-أكلت ونامت جمب أبوها.
حررت شعرها المعقود ليتنفس الهواء، وأخبرتها:
-عايزة أبقى أشوف يوم كده أفسحها فيه، حرام هي بقالها كتير محبوسة، ويوم ما بتخرج بندويها يا عند دكتور، يا عند مركز العلاج الطبيعي.
أشفقت عليها عمتها، ورددت في عطفٍ:
-أه والله، غلبانة أوي البت دي ...
لكن سرعان ما تبدلت نبرتها للتفاؤل وهي تختتم جملتها:
-بس ربنا عوضها خير بيكي، ما إنتي أختها الكبيرة.
ظهرت ابتسامة صغيرة على ثغرها عندما ردت:
-ربنا يخليكي لينا يا ماما.
تحركت والدتها خلفها، وأضافت:
-صحيح سمعت في التلفزيون إن احتمال الجو يقلب آخر النهار، مش فاهمة كانوا بيتكلموا عن منخفض كده جاي.
علقت عليها بتهكمٍ:
-هو حد يصدق بتوع الأرصاد يا ماما، ما هو على طول بيقولوا هتطلع برد، نلاقيه حر، هتمطر، منلاقيش ولا نقطة نزلت، سبيها على الله.
رغم عدم اقتناع ابنتها بهذا التحذير إلا أنها أكدت عليها:
-إنتي خلصي بس بدري، وخدي بالك.
قالت كنوعٍ من الواجب:
-ماشي.
أكملت بعدها سيرها نحو الحمام لتغتسل من عناء يومٍ آخر كان مشحونًا بالكثير من المهام، انقضت غالبيتها على خير، وأكسبتها المزيد من الثقة، والشعور بالقدرة على الإنجاز.
.....................................................
هدهدت رضيعها في لطفٍ حذر، حتى يستغرق في نومه الهانئ، بعد أن انتهت من إطعامه. تطلعت إليه "هاجر" بعينين تعكسان حزنًا عميقًا، لم ترغب أن ينشأ صغيرها على ماضٍ غير مشرف خلفه له والده المُخادع، ربما قد يعايره به أحدهم عندما يشتد عوده، ويعي ما يدور حوله. أرجأت التفكير في مستقبله المجهول مؤقتًا لتحملق في وجه والدتها التي أطلت عليها متسائلة في محبة عظيمة:
-حبيب قلبي نام؟
ردت بابتسامة هادئة:
-أه الحمدلله.
أراحت نصفها السفلي على الفراش، لتبدو في مواجهة ابنتها، ثم استطردت تسألها، وهي تشملها بنظراتها المهتمة:
-فكرتي يا حبيبتي في الموضوع إياه؟
من البادرة الأولى لم يتفقه ذهنها لمقصدها، فردت متسائلة:
-موضوع إيه؟
أجابت بابتسامة عريضة، وهي تربت على ركبتها، كنوعٍ من إظهار الألفة لها:
-"سراج" العريس، أرد على أبوكي وأقوله إيه؟
اكتسبت ملامحها طابعًا منزعجًا، وقالت في ضيقٍ لم تخفه:
-لسه بفكر يامه ...
ما لبث أن فقدت انضباط أعصابها، وسألتها بألمٍ محسوس في صوتها، وهي بالكاد على وشك الانخراط في البكاء:
-هو إنتو مستعجلين على إيه؟ للدرجادي أعدتي معاكو مضيقاكم؟ فعايزين تجوزوني؟
استنكرت "ونيسة" محدودية تفكيرها، وهتفت مبررة دوافعها:
-حاشا لله، ده بيتك يا هبلة، وقسمًا بالله أبوكي ما نطق بكلمة، ده أنا من نفسي اللي جتلك، وقولت أزن عليكي عشان تاخدي الموضوع بجدية ...
ثم مدت يدها لتمسح عبراتها المنسابة على خدها، وتابعت بحنوٍ أمومي:
-ده إن كان على أبوكي عايزك ماتفرقيش حضنه لثانية، ده احنا اتعلقنا بـ "سلطان" الصغير أكتر منك.
سحبت "هاجر" نفسًا عميقًا لتثبط به نوبة البكاء التي هاجمتها، ربما بسبب وضعها الحرج، فأصبحت أكثر حساسية عن ذي قبل، مدت ذراعها قليلاً لتلتقط منشفة ورقية من علبة المناديل الموضوعة على الكومود، نفخت فيها أنفها، واقتضبت قائلة:
-ربنا ييسر.
استمرت "ونيسة" في تهوين الأمر عليها بترديدها:
-وإنتي بكرة لما ابنك يكبر هيبقى نفسك تفرحي بيه، وتجوزيه النهاردة قبل بكرة، وقتها هتحسي بيا، وتفتكريني، ما هو فرحتنا بعيالنا ماتتصوفش.
نظرت إليها في صمتٍ، فأتمت والدتها كلامها بحذرٍ:
-بصي أنا مش هضغط عليكي، لما توصلي لرأي ابقي عرفيني، المهم عندي تبقي مرتاحة ومتهنية في حياتك.
حررت زفرة خانقة من صدرها وهي تعقب عليها:
-إن شاءالله.
غادرت بعدها "ونيسة" الغرفة، وعينا "هاجر" تتابعاها في وجومٍ، لن تنكر أنها ترغب في تذوق طعم السعادة، في استعادة ما كانت تتنعم به من دلالٍ وغنج؛ لكنها في نفس الوقت تخشى من التجربة، خاصة مع رواسب العداوة القديمة؛ وإن كانت ترى –على الرغم من غرابة الوضع- مدى الانسجام والألفة بين شقيقها و"سراج"، وذاك أكثر ما يثير الحيرة والتساؤل في عقلها المزدحم بمخاوفه!
...........................................
بضغطة شبه قوية من ركبته على الحقيبة الجلدية العتيقة، الموضوعة على أرضية غرفة جده، تمكن "تميم" من جر السحَّاب في مجراه بعد أن علِق لأكثر من مرة، وغلقها. استقام بعدها واقفًا، وزحزح الحقيبة –الثقيلة نسبيًا- من طريقه ليتركها إلى جوار الدولاب الخشبي، ثم استدار ناظرًا إلى جده مخاطبًا إياه:
-كده أنا عبيت كل الحاجات اللي إنت مش محتاجها في الشنطة دي، عايزني أوديها فين بعد كده؟
حرك "سلطان" حبات مسبحته بحركة ثابتة بكلتا يديه، ورد على مهلٍ:
-طلعهم بقى لله.
ارتفع حاجبا حفيده للأعلى في دهشة وهو ينطق بتلقائية:
-كلهم؟
دون إعادة تفكير أكد عليه:
-أه .. هاعمل بيهم إيه؟ مش جايز يكون حد محتاجهم أكتر مني؟
بدا مبتسمًا في رضا وهو يكمل باقي كلامه:
-وبعدين خليني أخد ثواب إدخال البهجة على مؤمن.
أحس "تميم" بالفخر من نزعته الدينية المترسخة فيه، دومًا ينشد في جلوسه معه اكتساب أو تجديد عادة طيبة قد غفل عنها، لالتهائه الدائم بالعمل ومشكلاته. تقدم ناحيته، وانحنى على أعلى رأسه ليقبله منها قائلاً في حبورٍ شديد:
-ربنا يباركلنا في عمرك يا جدي.
تطلع إليه "سلطان" بمحبةٍ كبيرة، وسأله وهو يمسح برفقٍ على جانب ذراعه:
-قولي إنت أحوالك إيه؟
اعتدل واقفًا، وأخبره:
-أنا تمام الحمدلله.
لثانية من الزمن صمت دون أن تحيد نظراته عنه، ثم سأله موجزًا، وبابتسامةٍ صغيرة ذات مغزى على محياه:
-وبنتنا؟
وكأن مارد الحب قد انتفض من مصباحه السحري ليستفيض في التعبير عن مشاعرها، فباح له دون ترددٍ أو خوف، وبريق يشع بالأمل يتراقص في حدقتيه:
-يـــاه! مش متخيل لما بشوفها قصاد عيني بيحصلي إيه ..
تنهيدات –ويالها من تنهيدات- خرجت من صدره خلال وصفه العميق:
-بحس إن الدنيا كلها بتضحك، وقلبي من جوايا عايز يطير، ويروح لحد عندها.
قهقه الجد ضاحكًا قبل أن يعلق بمرحٍ:
-إنت حالتك بقت صعب أوي.
شاركه بالابتسام وهو يرجوه بما بدا مزاحًا:
-أه والله يا جدي، ما تكثف الدعاء كده عشان ربنا يكرمني بسرعة.
بثقةٍ تامة ردد عليه:
-قولتلك قبل كده، كل شيء بأوان إلى أن يأذن الله.
دون تشكيكٍ صدّق قائلاً:
-ونعم بالله.
سعلة خفيفة خرجت من جوف "سلطان"، تبعها نهوضه من مقعده، ليمشي بتؤدة متجهًا نحو فراشه، استلقى عليه، وحفيده من خلفه يدثره بالغطاء، أدار جده وجهه ناحيته، وقال له:
-روح مدد في فرشتك، وراك من بكرة هم كبير، أبوك قالي على النقلة الجديدة.
حك "تميم" مؤخرة عنقه بأصابعه، ليخفف من التيبس العالق في فقراته، وهو يُحادثه بتذمرٍ ظاهر كذلك على قسماته:
-أيوه، رحلة بحرية، والقبطان بتاعها حنبلي أوي، ده ناقص يعمل كشف هيئة للخضار والفاكهة، بس لو ظبطنا معاه الحاجة على الشعرة، هنرزق من وسع.
بدا المجهود المبذول في عملهم شاقًا، لذا دعا له بصدقٍ:
-ربنا يوسع عليكم من رزقه.
اعترض عليه "تميم" بعبوسٍ، وهو يلقي عليه نظرة تحمل مدلولاً بعينه:
-بس كده؟
كان مستمتعًا بما يعايشه من مشاعر نقية، فراح يتذاكى عليه قائلاً:
-ويكرمك يا واد ببنت الحلال.
أشار "تميم" بيديه في الهواء وهو يُلح عليه:
-الأبلة يا جدي، خلي الدعاء واضح ومباشر.
بصعوبة كتم "سلطان" ضحكته السعيدة، وزجره بحدةٍ كان يعلم جيدًا أن حفيده لن يسيء فهمها:
-إنت هتتأمر كمان؟ طفي النور، وخليني أنام.
نكس "تميم" رأسه في حزنٍ مفتعل، وقال في طاعة:
-ماشي يا جدي، تصبح على خير.
تثاءب الجد قائلاً بنبرة انخفضت بشكلٍ ملحوظ:
-وإنت من أهله...
مشى "تميم" ناحية باب الغرفة ليتفاجأ بجده يضيف من خلفه بصوتٍ كان مسموعًا إليه:
-ويجعلها من نصيبك يا رب.
ابتهجت أساريره، وقفز قلبه في فرحةٍ، تتضاعف لأقصاها كلما نبضت الرغبة بداخله.
...................................................
ظل مرابطًا أمام باب الدكان الأمامي، مركزًا بصره على المارة، ومنتظرًا عودة أحد أصحابه ليسلم إليهم الأمانة التي تركها المحامي لديه، فالأخير قد أكمل الناقص من الأوراق القانونية الخاصة بدكان "فيروزة"، من أجل استخراج ترخيص مزاولة المهنة، السجل التجاري، وأيضًا البطاقة الضريبية. كانت حركة المارة شبه محدودة، نظرًا لسوء الأحوال الجوية، وبالتالي سعت الغالبية لترك الشارع، والمكوث في المنازل من أجل الاحتماء من الهواء الشديد.
هب العامل واقفًا على قدميه، وأسرع نحو سيارة "تميم" حينما رأه يصفها في الزقاق الضيق، توقف أمام مقدمتها، وبأنفاس شبه لاهثة ناداه:
-يا معلم! يا معلم.
ترجل "تميم" من سيارته، ونظر إليه باسترابةٍ وهو يسأله:
-في إيه؟
للحظة انتابه هاجسًا بحدوث أمر خطير، خاصة مع الاضطراب الحادث في الطقس، لهذا لاحقه متسائلاً في جزعٍ انعكس على ملامحه:
-حد حصله حاجة؟
رد نافيًا ليطمئنه على الفور:
-لا يا معلم، كله تمام، واحنا مأمنين على البضاعة.
هتف به بخشونةٍ:
-أومال في إيه؟
امتدت يده الممسكة بالحافظة البلاستيكية إليه، وواصل إخباره:
-المحامي جاب الورق ده، ووصاني أسلمه بالإيد ليك أو للحاج "بدير".
أخذه منه "تميم"، وتفقد محتواه على عجالة قبل أن يقول في هدوء:
-كويس ...
لم ترتخِ ملامحه وهو يتابع إلقاء أوامره على العامل:
-قفل الدكان وهاتلي المفاتيح، وخلي باقي العمال تروح، النهاردة أجازة على حسابي.
وكأنه منحه جائزة استثنائية بكلامه التلقائي، فافترت شفتا العامل عن ابتسامة عريضة وهو يمتدح كرمه:
-تعيشلنا يا معلم، ربنا يخليك لينا.
انصرف بعدها نحو الدكان، وبقي "تميم" في مكانه حائرًا، أدار رأسه ناحية الطريق الآخر المؤدي لدكانها، وتطلع للفراغ الممدود على مرمى بصره مخاطبًا نفسه:
-أنا باصص على محلها من الصبح كان مقفول، معتقدش هتفتح في الجو ده.
راوده للحظة فكرة استحسنها للغاية، بل وأراد بالفعل تحقيقها في التو، لما لا يزورها ويُقدم لها الأوراق؟ أليست حجة مناسبة ومنطقية، وفي نفس الآن لا تدعو للاسترابة؟ لم يفكر مرتين، كان قد حسم أمره، واستقر خلف عجلة القيادة، وتعابير وجهه زاخرة بعلامات الحب.
.............................................
بمهارة قيادية عالية، تمكن "تميم" من تفادي بعض السائقين المسرعين في الشارع الرئيسي، رغم عدم عمل المكابح بكامل طاقتها، جراء تجمع مياه الأمطار في برك عميقة، زادت كذلك من صعوبة سير المارة في الطرقات. بحث عن بقعة شاغرة على مقربة من بيتها ليوقف سيارته؛ لكن للأسف تعذر عليه هذا وسط تواجد عشرات السيارات المصفوفة. ركز نظراته جيدًا فوجد مساحة بالكاد ستكون كافية لإيقاف سيارته، أسرع في اتجاهها ليبلغها قبل أن يصل أحدهم إليها قبله، ابتسامة انتصارٍ ظهرت على ثغره عندما نجح في ركنها.
استدار محدقًا في البيت الذي أصبح يبعد عنه بعشرات الأمتار بنظرة العاشق الواله، كان من المحمود أنه تواجد على مسافة بعيدة، وإلا لافتضح أمره! استطاع أن يلمح من زاويته حينما أخفض رأسه "خليل" وشقيقته، وتلك الصغيرة "رقية" يترجلون من سيارة أجرة، حقًا رؤية شخص ما من طرف من يحب تطرب النفس بقدرٍ جميل؛ كأنما قد التقى بشيء منه! جعل خطواته سريعة إلى حدٍ ما ليلحق بهم، كان سائق العربة قد أنزل المقعد المدولب من الصندوق الخلفي. تدخل "تميم" قائلاً:
-الجماعة تبعي، تسلم يا اسطا.
ابتسمت "آمنة" لرؤيته، ورحبت به وهي تخرج من حافظة نقودها الأجرة:
-إيه الصدفة الحلوة دي؟
رد مجاملاً:
-ده من حظي الحلو إني أقابلكم.
وقبل أن تفكر "آمنة" في إعطاء السائق أجرته، تولى عنها هذا، مانحًا إياه أكثر مما يستحق، ليظهر الأخير امتنانه الكبير بسخائه:
-متشكر يا باشا.
شكرته في حرجٍ بادي عليها:
-تعبت نفسك ليه بس يا ابني؟ ده أنا كنت بأطلع الفلوس وأحاسبه.
رد مبتسمًا:
-دي حاجة بسيطة، مش قضية يعني.
التفت "تميم" بعدها لينظر للصغيرة التي حاوطته من خصره قائلة بسعادة:
-عمو.
ربت على كتفها، ومسد بحنوٍ على رأسها وهو يبادلها الترحيب الودود:
-إزيك يا حلوة؟ عاملة إيه؟
هتفت في مرح وهي تنظر إليه ببراءة:
-الحمدلله كويسة.
حول "تميم" أنظاره في اتجاه أبيها يسأله في اهتمامٍ:
-أخبارك إيه يا عم "خليل"؟
بتلعثمٍ حاول التغلب عليه أجابه:
-الحمـ..د لله.
رد عليه "تميم" وهو يتجه إليه ليعاونه على الاستقرار في مقعده:
-يستاهل الحمد، شايف حالتك أفضل بكتير.
علقت "آمنة" في حبورٍ:
-لأ ولسه، لما نواظب على العلاج، مش هيحتاج الكرسي إلا قليل أوي.
دفع "تميم" المقعد إلى مدخل البيت الطويل، ومنه اتجه إلى ما قبل الدرج بمسافة خطوة، ليجد بعدها "خليل" يشير إليه، فحدق فيه بغرابةٍ قبل أن يرى "آمنة" تتقدم في خطواتها لتمنحه عكازًا طبيًا لم يكن قد لاحظه سابقًا، ناولته لشقيقها، ليتعاونا معًا في مساعدته على الوقوف على قدميه. من جديد تدخل "تميم" لمد يد العون له وهو يوجه ذراع "خليل" نحو الدرابزون ليقبض عليه، كوسيلة مدعمة لتثبيته خلال صعوده:
-اسند عليا، أنا هطلعك.
..................................................
لم يضجر من تباطؤ خطواته أثناء محاولة "خليل" تعويد قدميه شبه العاجزتين على استعادة قدرتهما على المشي، ليدرك أن هناك نعمة أساسية قد يغفل المرء عن شكر المولى عليها، استمر في دعمه لئلا تلفت ساقه حول الأخرى ويتعثر، فينكفئ على وجهه حتى بلغ الدور الأول، هناك وجد "آمنة" تنتظرها ولسانها يلهج بعبارات الشكر:
-كتر خيرك يا ابني، جمايلك دايمًا مغرقانا.
بعتابٍ ودود خاطبها "تميم":
-مافيش بين الأهل جمايل يا حاجة، واحنا عيلة واحدة.
ردت مؤكدة بمحبةٍ:
-طبعًا، ده احنا نتشرف بيكم.
ركز "تميم" نظره على "خليل" الذي أوشك على بلوغ عتبة المنزل، وسأله في اهتمامٍ:
-إنت كويس يا عم "خليل"؟ معلش ضغطنا عليك النهاردة.
هز رأسه قائلاً بأنفاس متعبة، وبصوتٍ كان متقطعًا:
-أه، الحمـ..د لله .. أديــ..ني بتــ..عود.
شد من أزره قائلاً:
-ربنا يقويك، إنت أدها وإدود.
تأكد من إدخاله المنزل، حينئذ قربت "آمنة" الكرسي المدولب منه، ليجلس وهو يزفر مطولاً نتيجة المجهود المضاعف الذي بذله، بعدها ضغط "خليل" على زر تحريك مقعده ليتجه إلى الداخل، في حين اختطف "تميم" نظرة سريعة باحثة عن طاووسه بالبهو المتسع؛ لكن لسوء حظه لم تكن في الأرجاء. عاد ليحملق في وجه والدتها التي سألتها:
-أجيبلك تشرب إيه؟
رفض بتهذيبٍ:
-تسلمي يا حاجة مالوش لزوم تتعبي نفسك ...
ثم مد يده بالحافظة المطوية، وتابع معللاً سبب وجوده:
-ده أنا كنت جايب الورق ده للأبلة.
سألته في استغرابٍ وهي تأخذه منه:
-ورق إيه؟
أشار بيده موضحًا:
-تراخيص المحل بتاعها، المحامي جابها الدكان عندنا من شوية، وخوفت تتبهدل.
راحت تشكره في امتنانٍ يستحقه:
-والله ما عارفين نقولك إيه، داوشينكم معانا وآ...
قاطعها بطريقته المعاتبة قبل أن تُنهي جملتها:
-تاني يا حاجة؟ قولنا إيه؟
ابتسمت وهي ترد:
-خلاص مش هتكلم، بس لازمًا تشرب حاجة، مسافة ما ترتاح من السلم هاكون عملالك عصير طازة.
كنوعٍ من المجاملة، وربما لرغبة خفية في نفسه، استطرد موافقًا:
-مش هكسفك.
انتقى أريكة عند الركن، وعلى مقربة من باب المنزل ليجلس عليها، حل الإحباط على ملامحه عندما تأكد من عدم وجودها بالمنزل، تصنع الابتسام وقد رأى "رقية" تُقبل عليه متسائلة:
-عمو، إنت مش بتيجي تزورنا ليه؟
أجابها بعفويةٍ:
-ما أنا موجود أهوو.
جلست على الأريكة المجاورة له، واسترسلت بتلقائية طفولية وهي تشير بكفيها:
-عارف، بكرة هيجيلنا بيبي صغنن أد كده.
برزت عيناه في صدمةٍ، وردد بخوفٍ دب في قلبه:
-بيبي؟
لوهلةٍ اعتقد أنها تتحدث عن وجود جنين ينمو في أحشاء "فيروزة"، مما قد يربك كافة الحسابات، كادت الهواجس تتفشى في رأسه لولا أن أوضحت له الصغيرة:
-أه، "همسة" هاتيجب واحد ألعب بيه.
تنفس الصعداء بارتياحٍ، وهسهس مع نفسه:
-يا شيخة خضتيني.
لم ينكر أن قلبه اطمئن للنبأ الصحيح؛ لكن ذلك لا يعني كرهه لرؤيتها تحظى بمولود تختبر معه أعظم إحساسٍ خلقت به الأنثى، ما كان يدور في رأسه في هذه اللحظة أن الجديد من العقبات قد يرجئ شروعه في خطبها، ويؤخره لبعض الوقت. انتبه "تميم" للصغيرة التي كانت ما تزال تنظر إليه؛ وكأنها تنتظر تعليقه، فأردف قائلاً:
-وماله يا حلوة، إنتي تاخدي بالك منه.
ردت عليه بمرحٍ وهي تشير إلى فمها:
-هاكله في بؤه، كدهون.
تحولت أنظارهما نحو الباب الذي فتح، وأطلت منه "فيروزة" مُلقية بالتحية:
-السلام عليكم.
خفق الفؤاد لرؤيتها بكامل الوجاهة، والنعومة، والجمال المميز الذي انحصر في شخصها؛ كأنما لا تبصر عيناه سواها من النساء، قفز واقفًا من مقعده، ورد عليها مبتسمًا ابتسامة بلهاء:
-وعليكم السلام، إزيك يا أبلة؟
دنت منه "فيروزة" ترمقه بنظرة غريبة، قبل أن تسأله بلهجةٍ مالت للرسمية قليلاً:
-خير يا معلم في حاجة؟
كانت تخاطبه بثباتٍ وهي تنظر في عينيه، ومع هذا كان مرتبكًا، متخبطًا، يبحث عن الكلمات المناسبة لينطق بها، بدا وكأنه بحاجة لفسحة من الزمن ليستجمع شتات نفسه أمام سحر النظرات الفيروزية الآسرة. قطع تواصلهما البصري الذي دام لثوانٍ صوت "آمنة" الهاتف بفزعٍ:
-كويس إنك رجعتي يا "فيروزة"، ده الجو قلب هوا جامد.
استدارت ناظرة إلى والدتها التي تابعت وهي تقدم المشروب للضيف:
-اتفضل يا ابني.
رد وهو يتناوله منها:
-شكرًا يا حاجة.
سحبت "آمنة" ابنتها للجانب لتهمس لها بقلقٍ:
-عايزين نلم الغسيل بدل ما يطير، ونقفل الشبابيك كلها.
ردت بإيماءة من رأسها:
-حاضر يا ماما.
اعتذرت "آمنة" من "تميم"، وهي تحاول الابتسام رغم التوتر الظاهر على محياها:
-متأخذناش يا ابني، خد راحتك، احنا بس بنأمن على البيت بدل ما الهوا والمطرة يبهدلوا الدنيا.
قال في تفهمٍ:
-ولا يهمك.
انسحبت من أمامه لتتجه نحو الشرفة القريبة حتى تجمع الثياب المعلقة على الحبال قبل أن تنتزعها الرياح العاصفة، بينما توجهت "فيروزة" نحو النافذة الموجودة في نهاية البهو لتغلقها؛ لكن لشدة الهواء، عجزت عن جمع الضلفتين معًا، بل فقدت القدرة على الإمساك بإحداهما، وظنت أنها ستنخلع لولا أن رأت ذراعًا قويًا –تأتي من ورائها- قد امتدت لتسحبها عكس حركة الرياح العاتية، وبالأخرى ثبت الضلفة الخشبية. سمعت "فيروزة" صوت "تميم" من خلفها يردد:
-دي نوة أكيد.
لم تترك الضلفة كذلك، وتشبثت هي الأخرى بها لتضمها إلى مثيلتها وهي ترد:
-فعلاً نبهوا عليها من إمبارح.
الحق يُقال أنه لولا دعمه لما تمكنت أبدًا من استعادة الضلفة وغلق النافذة دون خسائر. من منظور حسه المرهف في تلك اللحظة، وبعيدًا عن أي أمنيات مؤجلة؛ كانت أقرب ما يكون إليه وهي في كامل وعيها، وإن أولته ظهرها. ففي أقصى أحلامه المستبعد حدوثها الآن، رجا أن يراها مبتسمة، تغازل الضحكة شفتيها، ويداعب البهاء المغري صفحة وجهها؛ لكن أن تحتويها أحضانه، أن يشعر بها بين ذراعيه، كان حقًا يفوق كافة ما اشتاق تحقيقه. تراجع عنها سريعًا، قبل أن تدرك مدى الحرج الذي يُمكن أن تشعر به، إن اكتشفت أنها كانت محاصرة بين ذراعيه، دون أن يلمسها، لم يرغب في إشعارها بالسوء. ترك مسافة خطوتين، وغض بصره عنها رغم اشتياقه للظفر بنظرة أخرى من لؤلؤتيها، فقط لو تسمع صوت القلب الصارخ بحبها .................................... !!
...............................................
#منال_سالم
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الرابع الفصل الثالث 3 - بقلم Manal Salem
مساءكم زي الورد بأمر الله .. اعذروني لو كان الفصل قصير نسبيًا، معلش كنت مشغولة بمراجعة الرواية الجديدة لمعرض القاهرة وتسليمها لدار النشر فده خد معظم وقت فراغي .. فإن شاءالله هعوضكم ..
سامحوني يا غاليين ..
في انتظار دعمكم الطيب ..
الفصل المائة وسبعة عشر
هناك نوع من الدفء المغري، تشعر به يسحبك إلي محيطه، بطواعية تامة منك، لا تقدر على مقاومته، ولا تطمح في الاستغناء عنه، هكذا استشعرت للحظات هذا الشعور الغريب خلال محاولتها غلق النافذة بمساعدته. التفتت "فيروزة" لتواجه "تميم" فوجدته يدور بعينيه في المكان، وليست كما توقعت يحدق بها، تحركت لتبدو قريبة منه، واعترفت في لطفٍ:
-تسلم، مكونتش هاعرف أقفله لوحدي.
قابل اعترافها العادي بآخر نزق وهو يتجرأ على إدارة وجهه للنظر إليها:
-أنا موجود عشانك ...
تدارك زلة لسانه، وصحح بتلعثم لا يعلم كيف يصيبه في وجودها:
-قصدي عشان لو احتاجتوا هنا حاجة.
ابتسمت وهي ترد:
-شكرًا ليك، دايمًا تعبينك معانا.
قال في حماسٍ دون أن يحيد بنظراته الوالهة عنها:
-إنتي أؤمري بس.
هذه النظرات التي يمنحها لها كانت من نوعٍ خاص، ليست عابرة، ولا شهوانية جائعة، بها شيء ما دومًا ينفذ إليها بغرابة، فيضاعف من إحساسها بصدق ما يتلفظ به دومًا. تحولت أنظارهما نحو الشرفة عندما نادت "آمنة" عاليًا:
-يا "فيروزة"، التندة شكلها هتطير.
تلقائيًا اندفع "تميم" نحو البلكون ليسبقها قبل أن تصل إلى والدتها، وطلب منها في صرامة:
-ارجعي لورا شوية يا حاجة.
كومة من الغسيل المبتل تكونت على الأرضية الزلقة، بعد أن نجحت في جمع الثياب قبل أن تفقدها، انحنت لتلملم ما تناثر بمعاونة "فيروزة" و"رقية"، في حين قــام "تميم" بسحب المظلة للأعلى وجمعها بقوةٍ واضحة كانت حقًا لتعجز الاثنتان عن فعل ذلك مثله.
دقائق وأصبح الوضع بداخل المنزل على ما يرام، حقًا كان وجوده في مثل هذا التوقيت الحرج ذي فائدة كبيرة لأهل المنزل. أصرت "آمنة" على إكرام ضيفها بسخاءٍ، فألحت عليه قائلة:
-لازم تفضل معانا للغدا، مايصحش تنزل كده بعد التعب ده كله.
اعتذر بتهذيبٍ:
-تعب إيه بس، دي حاجة بسيطة، أنا معملتش حاجة، نخليها مرة تانية.
مع كلماته الأخيرة كان ينظر في اتجاه "فيروزة"، ولحسن حظه كانت تتطلع إليه، فجعلت داخله يخفق في ربكةٍ لذيذة. باعد أنظاره عنها ليحدق في وجه "آمنة" عندما خاطبته:
-أنا عارفة إن أكلي مش زي الحاجة والدكت، بس هيعجبك إن شاءالله.
رد "تميم" بحرجٍ:
-ماتقوليش كده، ده على عيني وراسي، بس معلش عشان مش عامل حسابي، وورايا شوية أشغال ..
ادعى تطلعه في شاشة هاتفه المحمول لينظر إلى الوقت، واختتم جملته:
-ده أنا يدوب أمشي.
اعترضت "آمنة" في حزنٍ طفيف:
-على طول كده؟
هتف مجاملاً:
-ربنا يجعله عامر بحسكم ...
تشجع لينظر من جديد في وجه فيروزته، وسألها:
-مش عايزة حاجة يا أبلة؟ الورق كله بتاع المحل عندك، لو نقص عليكي حاجة عرفيني، واحنا نكلم المحامي يخلصه.
اتضح سبب مجيئه لزيارتهم في المنزل، والذي لم تتمكن من معرفته في البداية نظرًا لانشغال الجميع في تأمين البيت من تبعات حالة عدم استقرار الطقس. لم تكذب عيناه حينما رأها تبتسم في رقةٍ وهي تشكره:
-تعبناك معانا، إن شاءالله ترتاح مننا الفترة الجاية.
رغم عفوية جملتها إلا أنها أشعرته بالضيق، وهتف محتجًا باندفاعٍ طفيف:
-لأ متقوليش كده، إنتي بس شاوري واللي نفسك فيه هيحصل.
حافظت على ثبات بسمتها الطبيعية، وأومأت له برأسها في خفة، فتابع مخاطبًا "آمنة" بعد نحنحنة بسيطة:
-عن إذنك بقى يا حاجة.
بدأ يتحرك في اتجاه الباب، وعبارات الدعاء تسبقه، توقف لمرة أخيرة عند أعتابه يُلقي نظرة على من تزيد من نبض الفؤاد، وتنعش فيه الرغبة في الحياة، رفع يده ملوحًا بالوداع، ووجهها المبتسم لا يفارق مخيلته.
-والله ما في زيه في الزمن ده.
رددت "آمنة" تلك العبارة المادحة وهي تعاود أدراجها تجاه كومة الثياب التي وضعتها على الأريكة، وافقتها "فيروزة" الرأي، وزادت عليها في تلقائية جعلتها تتعجب من نفسها:
-ده حقيقي، مافيش مرة اتأخر عن الواحد فيها سواء قال كده أو لأ.
تصلبت قليلاً باندهاش بعد أن انتبهت لما تلفظت به من وصفٍ لصفاتٍ طيبة متأصلة به، وتطلعت إلى والدتها تراقب ردة فعلها، توقعت أن تسألها عنه؛ لكن على ما يبدو كانت مشغولة بتقسيم الثياب ما بين جافة، وشبه مبتلة، ومبتلة. سحبت شهيقًا عميقًا، وقالت وهي تنسحب:
-أنا هبص على الورق اللي بعته المحامي، وأشوف "كوكي" بتعمل إيه في الأوضة.
علقت عليها "آمنة" بوجهٍ منكب على ما في يدها:
-ماشي يا حبيبتي.
وسيلة مناسبة للهروب من التفكير الغريب الذي شَاب عقلها، والالتهاء بشيء غير استحضار مواقفه الشهمة في ذهنها.
.......................................................
للحب صنوف وأصناف، تظهر حينما يهيم العاشق على وجهه في وادي الغرام، يبحث عن الوَجْد بين طيات الفؤاد، وحين يجده، لا يجعله يبارح ما بين يديه مهما كانت الصعاب. ظل قلبه يخفق في حماسٍ متقد طوال هبوطه على الدرجات، أمنيته البسيطة تحولت لذكرى عظيمة، آثارها ستلازمه كنوعٍ من السلوى لبضعة أيام. خرج "تميم" من البناية، وسار على الرصيف وقد بدأت الأمطار بالهطول، أخفض رأسه ليحتمي من الزخزات الهابطة عليها، ودار بعينيه يمينًا ويسارًا يتفقد المارة.
لمح سيدة كبيرة، تقف على الرصيف في منتصف الطريق بين الضفتين، تحاول العبور مع كم الأكياس التي تحملها، لم يتردد في مساعدتها، وأسرع ناحيتها يسألها:
-عايزة مساعدة يا حاجة؟
أجابته بأنفاسٍ شبه لاهثة:
-يخليك يا ابني ساعدني أروح الناحية التانية، الشنط تقيلة وآ...
لم تكمل طلبها، حيث تناول عنها كل الأكياس، وطلب منها التأبط على ذراعه لتستند عليه، ورغم خطواتها البطيئة إلا أنه بدا صبورًا للغاية، ولم يتعجل سيرها، تأكد من إيصالها لوجهتها المنشودة، فدعت له في صدقٍ:
-ربنا يجازيك خير يا ابني ويعوضك بالحلال.
-تسلمي يا حاجة.
قالها وهو يومئ برأسه عائدًا إلى الجهة المقابلة، لا يعلم أن جزاء معروفه الطيب كان النجاة من لوح معدني سقط بغتةٍ على بُعد عدة خطوات منه، إن لم يكن قد ذهب وساعد تلك السيدة، لربما هشم رأسه. تسمر في مكانه مذهولاً، وحملق في التدمير الذي أحدثه في البلاطات الحجرية مرددًا:
-لطفك يا رب.
التفت برأسه للجانب، حيث ترك السيدة، لم يجدها، فعاد للتحديق مجددًا في اللوح المكسور هاتفًا بقلب ينبض بقوةٍ:
-إنت المنجي يا رب.
جاء من خلفه أحد الغرباء يسأله:
-حصلك حاجة؟
هز رأسه بالنفي، فتابع الغريب كلامه:
-إنت فلت بأعجوبة الحمدلله.
لهج لسان "تميم" بالشكر دون انقطاعٍ حتى ركب سيارته، وتحرك بها وهو يكاد لا يصدق ما حدث لتوه!
..............................................
استغل تجمع العائلة على مائدة الطعام ليقص عليهم ما وقع معه من حادث غريب، نجا منه بفضل الله ورعايته. انقبض قلب "ونيسة" ونهضت عن مقعدها لتلف حول الطاولة، وتنظر إلى ابنها بعينين فاحصتين كأنما تضعه تحت جهاز الأشعة لتتفقد ما لحق به من ضرر، استنكر ما تفعله قائلاً بحرجٍ متذمر:
-يامه أنا كويس والله.
شملته بنظراتها أكثر، وعاتبته بغريزة أمومية:
-مكانش ليه لازمة النزول من أول اليوم وهو وحش كده.
علق عليها الجد قبل أن يضع ملعقة الطعام في جوفه:
-لا يمنع حذر من قدر، سبيها على الله، احنا ندعي إن ربنا يحفظه.
أومأ "تميم" إيجابًا مستحسنًا رأيه وهو يرد:
-صح يا جدي.
بينما أضاف "بدير" مُشيدًا بحُسن أخلاقه:
-ما هو اللي يعمل خير يلاقي خير.
التفت نحو أبيه مؤيدًا إياه كذلك:
-مظبوط.
رجعت "ونيسة" إلى مقعدها ولسانها يدعو له:
-ربنا يوقفلك ولاد الحلال زي ما بتقف مع الغريب قبل القريب.
ضحكت "هاجر" قائلة وهي تهدهد رضيعها:
-أيوه يامه ادعيله وباب السما مفتوح دلوقتي.
احتج عليها "سلطان" بنوعٍ من الدعابة:
-ليه هي كانت قافلة قبل كده؟ ادعوا ربنا في أي وقت، وهو –سبحانه- عليه الاستجابة.
قال "تميم" مبتسمًا:
-ونعم بالله ...
ثم أخفض صوته مكملاً باقي عبارته، وتلك اللمعة الخفيفة تتراقص في عينيه:
-أنا عارف كويس هدعي بإيه.
عمَّ الصمت من جديد إلا من أصوات ملامسة المعالق للصحون. لفت "ونيسة" الانتباه إليها عندما تشدقت قائلة بترددٍ طفيف، مخاطبة زوجها:
-يا حاج، ممكن بعد إذنك .. آ.. تخلي "سراج" يجي يتكلم مع بنتنا الأول، ده لو ميضايقكش.
اختلج وجه "هاجر" حمرة حرجة للغاية من نزق حديثها، وكزت على أسنانها تلوم والدتها في خجلٍ منزعج:
-يامه! هو احنا اتفقنا على كده؟ مش قولتي هتكلميه على جمب؟
استدارت تنظر إليها، وبررت تصرفها:
-ما مسير الكل يعرف، هي دي حاجة تستخبى؟
أنهى "بدير" جدالهما قبل أن يبدأ بقوله الحاسم:
-حاضر، هخليه يجي عندنا في الصالون، و"هاجر" تكلم معاه وتشوف دماغه، وبأقولك من تاني اعملي اللي يريحك، مش مفروض عليكي حاجة.
حاولت أن تبتسم لتخفي حرجها، وقالت بتعجلٍ:
-متشكرة يابا.
هتفت "ونيسة" برجاءٍ، وعيناها تنظران للأعلى:
-ربنا يجعل الفرح يدق بابنا.
أمن عليها الجد "سلطان" وهو يدير وجهه ناحية حفيده:
-يــا رب.
بدا وكأنه المقصود بدعائه، فحمحم "تميم" متسائلاً بتلبكٍ خفيف:
-بتبصلي ليه يا جدي؟
رد عليه "سلطان" بتعابير جادة، وبنبرة جمعت بين الحزم والمرح:
-عاجبني أبحلق هنا، عندك مانع؟
أحنى حفيده رأسه على جانبه من الطاولة، وقال وهو يسحب بمعلقته قدرًا من الأرز:
-براحتك يا سيد الناس.
....................................................
في غفلة منه، سرق المفتاح الاحتياطي لمنزل عمه، ليتمكن من التسلل إليه، في أول فرصة سنحت له بعد تعافيه قليلاً من آثار الاعتداء الأخير أمام باحة منزله. تجول "فضل" بخطواتٍ شبه عرجاء في البهو المعتم، لم ينر أي مصابيح حتى لا يثير الريبة، استعان بالإضاءة المنبعثة من هاتفه المحمول ليرى على أثرها. ما زالت ذاكرته تحتفظ بوصفٍ للمنزل من الداخل رغم قلة عدد مرات زيارته، اتجه نحو الردهة التي احتوت ثلاث غرف نوم؛ واحدة للأبوين، وأخرى للابنتين، وثالثة لمن يأتي من الضيوف. وضع يده على مقبض غرفة النوم، تلك التي يعلم أنها تخصها، كانت غير موصودة، فولج إليها دون عناءِ وهو يُحادث نفسه:
-شكلها متسهلة.
مرر ضوء الهاتف على الأثاث القديم برويةٍ، إلى أن توقف عند الدولاب المجاور للنافذة؛ كان مكونًا من ضلفتين صغيرتين على الجانب، يفصل بينهما ضلفة كبيرة نسبيًا، تلك التي تتدلى فيها الثياب المعلقة. تحرك في اتجاهه قاصدًا فتحه، نظر في محتويات الضلفة الأولى الصغيرة، كانت تضم بعض الأغطية، والملاءات النظيفة، بالإضافة إلى عددٍ من المناشف القطنية المرتبة في صفين متجاورين، دقق النظر في الصورة المثبتة من الخلف، كانت لـ "همسة"، لوى ثغره قائلاً بامتعاضٍ:
-إنتي متلزمنيش.
انتقل للضلفة الأخرى الموجودة في المنتصف، ضمت بعض المعاطف الثقيلة، والمزيد من أغطية الوسائد، غمغم في سخطٍ:
-حاطين هلاهيل هنا؟ إيه القرف ده.
أغلق الضلفة، وعيناه تحدق في الأخيرة، فتحها ونظر بتفحصٍ لما احتوته، تأكد أولاً من أنها تعود لـ "فيروزة"، فصورتها القديمة وهي في سنٍ أصغر كانت مثبتة بشريط لاصق على ظهر الضلفة، انتزعها من مكانها، وطواها ليضعها في جيبه، ثم أكمل تفتيشه الوقح بتأنٍ. وجد على الرف العلوي ضالته المنشودة، قطعة مهملة من ثيابها الداخلية، والمصنوعة من قماش الدانتيل، ربما قد تركتها لعدم حاجتها إليها؛ لكنها كانت غايته لتنفيذ مطلب ذلك المشعوذ الذي لجأ إليه. ابتسامة خبيثة برزت على ثغره وهو يرفعها نصب عينيه ليتأمل لونها الأخضر، توعدها بعينين تتوهجان بطريقة شيطانية:
-استني الخراب اللي هيحل على دماغك .............................. !!
..............................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الرابع الفصل الرابع 4 - بقلم Manal Salem
مساءكم فل .. تكملة فصل إمبارح زي ما وعدت حضراتكم ..
قراءة ممتعة
الفصل مائة وثمانية عشر
كيسًا بلاستيكيًا أخرجه من جيبه ليدس فيه قطعة الثياب التحتية، ثم أمسك باللفافة بيده، وأغلق الضلفة، وشعوره بالانتشاء مضاعف عن ذي قبل. خرج "فضل" مثلما جاء كاللصوص، تلفت حوله ليضمن عدم رؤية أحدهم له، ومشى مشية العَرَج عائدًا إلى منزله لئلا يثير الريبة. استوقفه رنين هاتفه المحمول، فتطلع إلى شاشته بعد أن استله من جيب قميصه، قرأ اسم والدته عليه، فأجاب على اتصالها ببرود:
-عايزة إيه يامه؟
سمع صوتها عصبيًا إلى حد ما وهي تسأله:
-إنت اختفيت فين يا "فضل"؟ روحت أطل عليك في الأوضة ملاقتكش.
علق عليها بفظاظةٍ:
-هو أنا لازم أديكي خط سيري قبل ما أخرج؟ عيل بريالة عشان تقلقي عليا؟
أخبرته باستياءٍ سمعه في نبرتها:
-ما إنت عارف أبوك منبه علينا بعد اللي حصل، ماتتحركش إلا بأمره.
أحكم قبضته على اللفافة، وكذب في ادعائه:
-اطمني، أنا خرجت أجيب عيش من الطابونة.
سألته بإيجازٍ:
-ولاقيت؟
التوى ثغره مكملاً باقي كذبه السريع:
-لأ .. شطبوا.
ردت عليه في ضيقٍ:
-طب تعالى أوام، قبل ما الجو يقلب بزيادة، دي غير إني مش ناقصة أخد كلمتين في جنابي بسببك.
نفخ قبل أن يقول منهيًا المكالمة:
-طيب، جاي.
أغلق معها الاتصــال، وأجرى آخرًا أكثر أهمية، بدا حذرًا خافت الصوت وهو يتساءل:
-أيوه يا شيخ، المطلوب جبته، أعمل إيه تاني؟
جاءه هسيس صوت يطلب منه:
-عدي عليا بكرة آخر النهار، وماتنساش المعلوم عشان تاخد نتيجة مضمونة.
اعترض بتبرمٍ:
-هو الأسياد لازمًا يقبضوا غالي كده؟ ماتخليهم يحنوا عليا حبتين، ده أنا على باب الله.
رد عليه الطرف الآخر بوضوحٍ:
-خلاص ماترجعش تزعل لو العمل مجابش مفعوله.
على مضضٍ غمغم:
-ماشي .. هاجيبلك الفلوس مش ناقصة مليم.
قطع الاتصال، وواصل تذمره الساخط بوقاحةٍ أكبر:
-حار ونار في جتت أهلك إنت كمان!
.....................................................
حل المساء، وأصبحت الطرقات شبه خاوية من المارة تقريبًا، لكون الطقس ما زال سيئًا، أما الأمطار فلم تتوقف إلا لدقائق، وتعود إلى ما كانت عليه متوسطة الحدة، وغزيرة في بعض الأحيان. تحدثت "همسة" هاتفيًا مع والدتها، وقالت وهي تجفف الأرضية المبتلة بخرقة قديمة تجرها بقدمها:
-لأ يا ماما مش هنزل، "هيثم" مش راضي.
استحسنت "آمنة" بقائها في المنزل بترديدها:
-كده أحسن، إنتي مش ناقصة بهدلة، ولا يجيلك دور برد تتعبي بزيادة.
قالت وهي تنحني بحذرٍ لتأتي بالخرقة المبتلة:
-معاكي حق، ربنا يكملها بالخير.
أوصتها والدتها كالعادة:
-يا رب يا حبيبتي، قفلي الشبابيك كويس، وحطي حتت قديمة تشرب مياه لو حاجة سربت.
ابتسمت وهي ترد:
-ما أنا عملت كده.
امتدحت حرصها على القيام بواجباتها المنزلية على أكمل وجه:
-ناصحة طول عمرك يا ضنايا.
رفعت "همسة" أنظارها فرأت زوجها يتأهب للنزول، تعجبت من حاله، وخابرت أمها بتلقائية لتنهي الاتصــال معها:
-طيب يا ماما، أنا هاقفل عشان أشوف "هيثم".
ردت عليه تدعوها:
-سلميلي عليه أوي، وأبقي هاتيه وتعالوا قضوا يوم معانا، بقالكوا كتير مجتوش عندنا.
لم تعطها وعدًا، وقالت بحيادية:
-إن شاءالله .. حاضر، هسأله وأعرفك.
-مع السلامة.
مع توديعها لوالدتها تحركت "همسة" نحو الأمام، إلى حيث يقف زوجها أمام المرآة المثبتة إلى جوار باب البيت، سألته في استغرابٍ:
-إنت نازل يا حبيبي؟
أجاب وهو يدس قدميه في حذائه:
-أه .. "تميم" كلمني ورايحين الدكان نبص على الحاجة اللي فيه.
لاحقته بسؤالها التالي، وبتعابير تبدو قلقة:
-مش إنتو مأمنين على البضاعة؟
التفت ناظرًا إليها، وأجاب بعد زفيرٍ سريع:
-أيوه، بس المطر شديد، والحرص واجب.
كان محقًا في تصرفه الحذر، فأوصته:
-خلي بالك من نفسك، وسوق على مهلك، الأرض مزحلقة، والفرامل هتلاقيها مش أد كده.
ابتسم في حنوٍ، وداعب وجنتها بيده وهو يقول:
-بقيتي شاطرة وبتفهمي في العربيات.
قالت بوجهٍ مرتخي التعبيرات:
-لأ دي معلومات على أدي من اللي بقراه على النت.
انخفضت يده لتمسح على بطنها المنتفخ، وقال بنوعٍ من التوصية:
-ماشي يا "هموس"، خدوا بالكم من بعض.
أومأت برأسها قائلة قبل أن تشب على قدميها لتطبع قبلة لطيفة على خده:
-حاضر.
........................................
سحبت "آمنة" طرف الملاءة غير المشدود، وحشرته في جانب الفراش لتجعله مستويًا، واستدارت برأسها تخاطب ابنتها التي كانت تحدق في النافذة الموصودة من خلف الزجاج:
-أختك عملت طيب لما أجلت ميعاد الكشف بتاعها.
قالت وهي تنقر بأناملها على الزجاج:
-كانت هتنزل إزاي؟ تبقى تروح في وقت تاني.
علقت عليها "آمنة" وهي تطوي الغطاء السميك:
-أيوه .. ربنا يفكها، الحبسة وحشة على الناس.
بنفس التعابير المتوترة، والنظرات المسلطة على الطريق الغارق ببرك المياه المتفاوتة في عمقها، استطردت "فيروزة" تكلمها:
-أنا شاغل بالي لو فضلت تمطر كده، إن المياه تسحب جوا المحل، وتبهدل الحاجة اللي رصاها.
سألتها والدتها بحاجبين معقودين:
-هو إنتي مش حطاها على رف عالي؟
أدارت رأسها ناحيتها، وجاوبتها:
-أه، بس مافيش حاجة مضمونة في الجو ده.
لعقت شفتيها، وردت:
-ربنا يستر.
تنفست "فيروزة" في عمقٍ، وتابعت تخبر والدتها بنبرة عازمة:
-بأقولك إيه يا ماما، أنا هروح أنقل الحاجات لفوق وأرجع بسرعة.
بدت مدهوشة للغاية من قرارها، وسألتها في استهجانٍ مال للرفض:
-يعني هتنزلي في الجو ده؟
أجابت وهي تتحرك في اتجاه الدولاب لتخرج ملابسها منه:
-مضطرية .. وبعدين مش هتأخر، هارجع على طول.
احتجت عليها بخوفٍ طبيعي:
-يا "فيروزة" في خطر عليكي وآ..
قاطعتها بحسمٍ معللة أسبابها:
-اطمني، مسافة السكة، مافيش حد هيخاف على مصلحتي أدي.
جاءت من خلفها توصيها:
-مش عارفة أقولك إيه، خلي بالك، وامشي بعيد عن عمدان النور.
ألقت "فيروزة" بثيابها على الفراش، وردت بهزة بسيطة من رأسها:
-تمام.
...............................................
سلط كشاف هاتفه المحمول على تلك البقعة المعتمة من الدكان، ليتأكد من عدم تسرب المياه عبر الشقوق إلى مفاتيح الكهرباء الخاصة بثلاجة الفاكهة الكبيرة، الموجودة في مؤخرة المكان، تأكد من سلامة الوصلات، ومن جفاف الحائط قبل أن يعاود أدراجه نحو "تميم" الذي كان مشغولاً بإزاحة المياه التي تسلل لمنتصف الدكان، نتيجة انسداد معظم بالوعات الشارع وامتلائها بمياه الأمطار. سأله الأخير بملامحه الجادة:
-بصيت على لوحة الكهربا؟ مافيش عليها مياه؟
رد "هيثم" مؤكدًا وهو يضع الهاتف في جيبه:
-أيوه شوفتها، مافيش فيها حاجة.
قال وهو لا يزال يجرف المياه للمدخل:
-زي الفل، بدل ما يحصل ماس وتعملنا قفلة، وساعتها لا قدر الله هتقلب بكارثة.
رد عليه مستخدمًا يده في الإشارة نحو الخلف:
-ربنا يستر، بس الحتة اللي ورا عاوزة تتوضب، البوهية قشرت في ساعتها.
أعطاه السبب المنطقي لحدوث ذلك عندما علق عليه:
-من الرطوبة، ما إنت عارف، هنكلم النقاش يشوفلنا علاج ليها.
أحضر "هيثم" ممسحة من الجانب، وقال وهو يمد يد العون:
-يكون أحسن.
تابع ابن خالته يأمره في جديةٍ وهو يشير نحو كومة من الأخشاب:
-سيبك إنت من ده، وحط ألواح الخشب دي هنا، خليها تحجز المياه شوية، بدل ما تسرق جوا الدكان أكتر.
ظهر التردد على محياه وهو يشاوره في الأمر:
-تفتكر هتنفع؟ البلاعات مسدودة، والبحر كمان عالي، مش ملاحقين.
رد دون تفكيرٍ:
-محدش كان عامل حسابه إنه هيحصل كده، خلينا نأمن على حاجتنا.
لم يجادله كثيرًا، واتجه إلى حيث توجد الأخشاب مرددًا:
-ماشي الكلام.
...............................................
ما يزيد عن الساعة -تقريبًا- من العمل المتواصل لبناء سدٍ مؤقت من الأخشاب عند منتصف المسافة من مدخل الدكان وحتى نهايته، لضمان احتجاز المياه قبل أن تمتد لبقية المكان، حيث تتراص أقفاص البضاعة المليئة بالثمار. نجح كلاهما في نزح المياه حتى المدخل، وتشكيل حاجز أولي كزيادة في التأمين. اعتدل "هيثم" واقفًا، وقال وهو يضع يديه أعلى منتصف خصره:
-لو فضل الوضع كده الحتة كلها هتتبهدل، محدش هيعرف لا يطلع ولا ينزل.
مسح "تميم" المنطقة المحيطة بدكانه، وقال بتعابيرٍ منهكة قليلاً:
-الله أعلم ببقية الدكاكين والمحلات، بس احنا عملنا اللي علينا.
علق "هيثم" مازحًا:
-كويس إنها مابتمطرش كل يوم، كان زمانا رايحين الشغل بفلوكة.
استساغ استظرافه، وشاركه قائلاً:
-لأ وبالعوامات الكاوتش، هايبقى شكلنا مهزق أوي.
قهقه ضاحكًا قبل أن يضيف:
-عايمين في بحر الغدر.
أشار له "تميم" بيده قائلاً بصيغة شبه آمرة:
-طب يالا بينا، خلينا نلحق نروح.
رد عليه وهو يخرج من جيبه هاتفه الذي بدأ في الرنين:
-ماشي الكلام...
أجاب "هيثم" على اتصال زوجته يُعلمها:
-أيوه يا "همسة"، احنا خلصنا، وراجعين في الطريق.
صمت للحظاتٍ ليصغي إليها قبل أن يرد بتعابيرٍ لم تكن مرتخية:
-ماشي حاضر، هاشوفها.
انتظره "تميم" في السيارة حتى يُنهي مكالمته دون مقاطعة منه، وما إن استقر إلى جواره حتى طلب منه "هيثم" بتعابيرٍ شبه متذمرة:
-معلش يا "تميم" عايزين نطلع على محل أخت "همسة" نبص عليها هناك.
تلقائيًا ردد لسانه في لهفةٍ، وذلك الوميض المهتم يلمع في حدقتيه:
-الأبلة، مالها؟
أجابه بزفيرٍ منهك:
-موجودة هناك، بتعمل زي ما احنا عملنا في الدكان ...
وليضمن "هيثم" عدم اعتراضه لاحق بالقول:
-معلش فيها شوية عطلة لينا.
لم يكن ممانعًا على الإطلاق من فعل أي شيء يخصها، بل على العكس ظهرت آثار سعادته لرؤيتها -لمرة ثانية في نفس اليوم- على تعابير وجهه؛ كأنما أشرقت وتوهجت بفعل تأثير الحب. تصنع "تميم" الجدية، وأخبره بعد نحنحة خشنة وهو يقود سيارته في اتجاه دكانها:
-لأ يا سيدي عادي، هو احنا ورانا حاجة.
....................................................
بعض المساعدة قد تفيد كثيرًا في مواقف بعينها، خاصة تلك التي تتطلب مجهودًا عضليًا زائدًا. كانت "فيروزة" بين الفنية والأخرى تتوقف لتستريح بعد أن قامت بمفردها بنقل معظم ما رصته على الأرفف السفلى، وجمعه في مكانٍ واحد بترتيبٍ متسق، ليسهل عليها إعادته لاحقًا في مكانه بعد أن تنتهي تلك الأزمة. انتفضت في فزعٍ عندما سمعت صوتًا يُلقي عليها التحية:
-سلام عليكم.
التفتت دفعة واحدة لتجد "هيثم" عند الأعتاب، لم تتوقع وجوده في هذا التوقيت، وضعت يدها على صدرها الناهج لتهدئه من تأثير الخضة المباغتة، ثم خاطبته بعد أن سحبت شهيقًا عميقًا:
-هو إنت، إزيك يا "هيثم"؟ و"همسة" عاملة إيه؟
سألها وهو يدور بنظراته في دكانها؛ كأنما يتفقد الضرر الواقع عليها:
-الحمدلله هي بخير، إيه الأخبار عندك؟
أخبرته ببساطة وهي تشير بيديها للرفوف الخاوية:
-زي ما إنت شايف، كل حاجة متبهدلة، والخشب شرب مياه لما قال يا بس.
تحولت أنظارها عنه لتحدق في ذاك الذي جاء من خلفه يُحييها بحرجٍ وهو ينظر إليها ملء عينيه:
-مساءك فل يا أبلة.
تفاجأت من وجوده هو الآخر، وردت بتعابيرٍ ما زالت تعكس دهشتها:
-مساء النور يا معلم.
تقدم ناحيتها محاولاً أن يبدو غير مهتز الصوت وهو يُكلمها:
-لو أعرف إنك هنا ..
عدَّل سريعًا من كلامه ليتابع بحذرٍ وهو يدير أنظاره في اتجاه ابن خالته:
-قصدي عندنا خبر إنك موجودة كنا جينا وساعدناكي من بدري.
امتدت يدها لتضبط مقدمة حجاب رأسها، وردت بعفوية:
-أنا مقولتش لحد، أكيد ماما كلمت "همسة"، وعرفتها، صح؟
كانت تنظر وهي تختتم جملتها بصيغة تساؤلية في اتجاه "هيثم" الذي أكد صحة تخمينها بقوله:
-أيوه.
حمحم "تميم" معقبًا وهو يوزع نظراته بتساوٍ بين الاثنين، لئلا يرتاب ابن خالته في أمر اهتمامه الزائد بها:
-معظم الناس هتلاقيها نزلت تطل على محلاتها، زيك كده.
تحركت "فيروزة" عائدة إلى المسند الزجاجي، ووضعت عليه قطعتين من مستلزمات السبوع، وتحدثت إليهما في جدية:
-عمومًا أنا قربت أخلص.
لحق بخطواتها ليلح عليها:
-ارتاحي إنتي، شوفي عايزانا نعمل إيه.
استدارتها كانت سريعة وفي مواجهته، بمسافة لا تتجاوز خطوة، التقت فيها نظراته التي تفيض عشقًا بها، بعينيها اللاتين تتطالعانه في اهتمامٍ تعجبت منه؛ كأنما تحاول رؤيته من منظور آخر غير المعتادة عليه، سرعان ما تداركت تحديقها فيه، وتحرجت من اقترابها غير المقصود منه، لذا تراجعت مشتتة نظراتها عنه وهي تقول:
-أنا مش عايزاكم تلخبطوا اللي عملته.
مثلها تراجعت لبضعة خطوات؛ مخفضًا نظراته في ارتباكٍ محبب إليه، وقال وهو ينظر بتمعن للأرفف، كأنما يفتش عن شيءٍ نسيت حمله:
-ماشي يا أبلة.
انتفضت "فيروزة" في ارتعابٍ مع الصوت القوي الذي انتشر في الأجواء، كدويٍ عظيم، من تلقاء نفسه فسر "هيثم" سبب حدوثه:
-السما بترعد برا جامد.
ردت وهي ترتجف قليلاً:
-ربنا يعديها على خير.
دنا "تميم" من ابن خالته رافعًا بصره للأعلى وهو يغمغم:
-شكلها ليلة فل.
تحدث "هيثم" في لهجة سريعة متوجسة، وهو يشير بيده للأمام:
-ألحق يا "تميم"، لوحة الكهربا اللي جمب دكان الحاج "هنداوي" بتطقطق.
اتجهت أنظاره إلى حيث أشار، وهتف على الفور وقد رأى شرارات متتابعة مصحوبة بصوتٍ متقطع تنبعث من اللوح الكهربي:
-ده كده فيها ماس، معاك رقمه نكلمه؟
رد وهو يعبث بأزرار هاتفه:
-أيوه.
التفت "تميم" برأسه يأمر "فيروزة" التي وقفت إلى جواره لتنظر بفضولٍ إلى ما يحدث:
-أفصلي الكهربا عن محلك احتياطي.
همت بالاعتراض عليه:
-بس كده آ...
قاطعها في صرامة:
-اسمعي الكلام، فين مكانه عندك؟
هزت رأسها في طاعة، واتجهت إلى الحائط الموجود به اللوح، لتفصل القابس المغزي للكهرباء في دكانها؛ لكنه سبقها في خطواته، وامتدت يده قبلها لتقوم بتلك المهمة، تطلعت إليه في غرابةٍ؛ لكنها زادت مع سؤاله:
-في لوح خشب هنا عندك؟
هزت كتفيها متسائلة:
-مش عارفة، بس إنت عايزه ليه؟
أجابها وهو يدور بعينيه باحثًا بين الأرفف عن قطعة يسهل استخدامها:
-هننزل بيه سكينة العمومي بتاعه، لحد ما يتصرف.
وجد ضالته، وأسرع للخارج؛ لكنها استوقفته بخوفٍ كان طبيعيًا:
-خلي بالك، الكهربا مافيهاش هزار.
أدار رأسه لينظر إليها بوجهٍ بشوش، وقال بدلالة معينة لم يتفقه لها ذهنها بعد:
-الأعمار بيد الله، ولو الواحد قابل وجه كريم دلوقتي هيبقى راضي ومبسوط.
أوصته رغم ذلك:
-خد بالك برضوه، الحرص واجب.
اتسعت ابتسامته بعذوبةٍ شديدة -كأنما فاز بكامل حظ الدنيا- مع تلك الوصية الغالية، وقال بقلبٍ يرفرف في سرور وابتهاجٍ:
-ماشي كلامك يا أبلة ................................ !!
....................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الرابع الفصل الخامس 5 - بقلم Manal Salem
مساءكم زي الورد
بنذكركم إن معرض بغداد الدولي للكتاب مستمر معانا حتى يوم 20 يونيو، كل رواياتي متوفرة في جناحنا إبداع بقاعة جواد حسني بأسعار في المتناول
ودلوقتي ميعادكم مع الفصل
الفصل مائة وتسعة عشر
فعل الخيرات، لا يحتاج إلى لحظة من التردد للإقدام عليه، وإنما هي سمة متأصلة غرزت في النفس منذ الصغر، تعوَّد صاحبها على القيام بها أينما تطلب منه هذا دون أن يشعر بالندم، كما أنه لا ينتظر عبارات الثناء عليها. تحرك "تميم" باللوح الخشبي الجاف –بخطواتٍ سريعة- متجهًا إلى حيث تنبعث شرارات الكهرباء من الأسلاك العارية، ومن خلفه جاء "هيثم"، وعلى مسافة لا تبعد نسبيًا عنهما وقفت "فيروزة" تراقب المشهد بقلبٍ شبه وجل، فإظهار البطولة في بعض المواقف قد تودي بحياتك في الأخير، فكيف له أن يضحي بحياته هكذا ببساطة لأناس لا تجمهم به أدنى صلة؟!
كتلة من اللهب اندفعت مرة واحدة جعلت "تميم" يتراجع تلقائيًا للخلف لينأى بنفسه من الخطر، ويحمي وجهه من الشرارات الحارقة، حذره "هيثم" بتوجسٍ، وهو يضع يده على كتفه:
-خد بالك.
رد في قلقٍ لم يخفه:
-ربنا يستر ...
حاول مد اللوح الخشبي نحو مفاتيح الكهرباء لفصل التيار عنها وهو يتساءل:
-كلمت الحاج هنداوي؟
أجابه ابن خالته، وعيناه تركزان على ما يفعله:
-أه، ونازل من فوق.
طقطقات أكثر حدة أجبرتهما على اتخاذ خطوتين للخلف، صاح خلالها "هيثم" محذرًا بجزعٍ:
-حاسب.
بكفين مضمومين إلى صدرها، اشرأبت "فيروزة" بعنقها محاولة رؤية ما يحدث في الأمام، شعرت بخوفٍ غريزي يتسرب إلى بدنها كلما ارتفع صوت الطقطقات المخيف؛ فمتابعة الموقف وهي في قلب الحدث، يختلف كليًا عن سماعه كقصة عابرة وسط ثرثرة عادية. ركزت كامل انتباهه عليه، وانزلق لسانها يدعو له سرًا:
-ربنا يسترها عليه.
بالكاد نجح "تميم" في إخفاض أول مفتاح ليفصل عنه التيار الكهربي، وخاطب ابن خالته:
-لسه السكينة التانية.
حذره ابن خالته من جديد وهو يضغط بيده على كتفه:
-خلي بالك.
نظر إليه "تميم" قائلاً بتبرمٍ:
-إنت موترني على فكرة.
أبعد "هيثم" يده عنه، ورفعها للأعلى كتعبيرٍ عن عدم إزعاجه له، فواصل الأول عمله بحرصٍ شديد، ونجح في إخفاض المفتاح الآخر ليصبح اللوح بلا أي خطورة. تنهد "تميم" في ارتياح، ولهج لسانه شاكرًا:
-الحمدلله، ربنا سترها، ولحقناها.
وضع "هيثم" يده على صدره قائلاً بزفيرٍ طويب:
-ربنا كريم.
تساءلت "فيروزة" من خلفهما في توترٍ:
-إيه الأخبار؟
استدار "تميم" برأسه ليواجهه، وقال وبين شفتيه ابتسامة عذبة:
-اطمني، عدت على خير.
رأى البسمة تزين محياها وهي تطرد الهواء من رئتيها في ارتياحٍ مرددة بصوت مرتخي سمعه:
-الحمدلله.
تحولت الأنظار نحو الرجل الخمسيني الذي خرج من باب جانبي للبناية القصيرة يتساءل في لهفةٍ قلقة، وهو يلف جسده بقفطانه البني:
-خير يا ولاد؟ حصل إيه؟
أجابه "هيثم" أولاً بوجهٍ متقلص في عضلاته:
-كان في ماس هيحصل لولا ستر ربنا.
جحظت عينا الرجل، فحاول "تميم" طمأنته:
-اطمن يا حاج "هنداوي"، فصلنا الكهربا خلاص، والدنيا أمان.
تنفس الأخير الصعداء، وشكره بتعابيرٍ عبرت عن امتنانه العظيم:
-ده من لطف ربنا إنك موجود، بالله كان زمان النار قادت في الحتة كلها، ما هو معظم البيوت هنا خشب، ولا كان حد هيدرى ولا يحس إلا بعد خراب مالطة.
علق "تميم" في سرورٍ:
-ده من رحمة ربنا بينا.
ربت الحاج "هنداوي" على جانب ذراعه مرددًا بحبورٍ:
-ربنا يجازيك خير عننا.
خاطبه "هيثم" بلهجةٍ مالت للجدية:
-هاتوا كهربائي يظبط اللوح ويقفله بدل ما هو مكشوف كده.
استدار برأسه ناحيته ليوجه كلامه إليه:
-من زمان وأنا عايز أعمله، بس بأتلبخ في حاجات كتير، وأنسى.
أضاف "تميم" بابتسامة صغيرة:
-أهوو جت الفرصة اللي يتعمل فيها.
هتف يؤكد عليه دون إعادة تفكير:
-من النجمة بأمر الله هيحصل.
لحظات وكان بعض الجيران قد هبطوا من منازلهم لرؤية ما يحدث بعد أن استقرت الأوضاع، وخف تساقط الأمطار. تركهم "تميم" مع ابن خالته يحكي لهم بإيجازٍ عن بطولتهم في نجدة الزقاق بمن فيه، وعاد إلى مهجة الفؤاد التي لم تتوقف عن منحه ابتسامةٍ أقل ما يُقال عنها أنها كالبدر في تمامه، امتدحت سرعة بديهيته ومهاراته العضلية قائلة:
-برافو عليك، بتعرف تتصرف في المواقف اللي زي دي.
بإشراقة كانت لتراها عظيمة على وجهه لولا العتمة السائدة في المكان حادثها بحماسٍ:
-الواحد ياما شاف، وخد خبرة من اللي سبقوه.
تنحت للجانب ليتمكن من العودة إلى داخل دكانها، وإعادة اللوح الخشبي الذي اقترضه في مكانه، تبعته في هدوءٍ، وسألته بفضولٍ ما زال يراودها من حين لآخر:
-إنت بتعمل ليه كده؟
التفت ببطءٍ ليتطلع إليها مليًا بنظراتٍ جاهد ألا تكون كاشفة لأمره، قبل أن يرد عليها متسائلاً:
-بعمل إيه؟
أجابته بعد زفيرٍ سريع:
-بتساعد غيرك قبل ما يطلب حتى ده منك.
ابتسم وهو يجاوبها:
-عشان بحب كده.
انقشعت المسافة ما بين حاجبيها، وقالت بما يشبه الاستهجان؛ كأنما تستحضر في ذهنها مواقف عشوائية من انعدام الرجولة معها:
-مش كل الناس زيك.
نظر إليها بغرابةٍ، فأكملت موضحة:
-إنت حالة فريدة.
سألها بتوجسٍ طفيف:
-وده حلو ولا وحش؟
جاءه ردها محايدًا عندما ردت:
-يعني أفتكر إنه على حسب تقدير اللي قصادك.
لم ينكر "تميم" أنه كان في قمة استمتاعه بحديثه المطول معها، بدا وكأنه يجالسها في جلسة رومانسية على أضواء الشموع الخافتة، ووسط بتلات الزهور الناضجة، ودَّ لو دام الحال لفترة من الزمن دون أن يقاطعهما أحد. انتبه لإطالته في نظراته الشاردة على معالم وجهها، وعلق عليها على مهلٍ:
-مش مهم عندي يقدر ولا لأ، كل اللي بيبقى فارق معايا إني أعمل الصح واللي مقتنع بيه.
شعر بلمحة من الاستنكار في صوتها وهي تعقب:
-بس اعذرني اللي زيك بقوا قليلين أوي.
كان تعليقه تلقائيًا ومندفعًا:
-كفاية إني فريد في نظرك ..
رفعت حاجبها للأعلى في دهشةٍ، ورأى تأثير كلامه العفوي على توتر ملامحها، ثم عدَّل من مقصده قائلاً:
-يعني بتعامل بأخلاقي الحلوة دي مع الكل.
اكتفت بالإيماء برأسها، فحاول أن يغطي على هفوات لسانه المتكررة بتغيير مجرى الحوار، فاستطرد يخبرها:
-وعلى فكرة محلك بقى شكله عظمة أوي، إن شاءالله يكون فاتحة خير عليكي وعلينا ...
خشي أن يُساء تفسير فلتة غادرة من لسانه الأهوج، لذا صحح لها من جديد:
-وعلى الكل أقصد.
تنحنح بعدها بصوتٍ خشن ليسألها:
-إنتي خلصتي؟ ولا إيه نظامك؟
أجابته بهزة مؤكدة من رأسها:
-أيوه ..
أشار لها بيده وهو يتحرك نحو الخارج قائلاً بلهجةٍ بدت آمرة:
-طيب تعالي معانا نرجعك البيت، مايصحش تمشي والطريق متبهدل كله.
اعتذرت منه بملامح جادة:
-مالوش لازمة، دي الحكاية كلها خطوتين.
التفت يرمقها بنظرة جمعت بين الرجاء واللطافة قبل أن يصر عليها:
-مش هاقبل ترفضي، أنا مستني برا.
تحرك مجددًا فاستوقفته بندائها:
-معلم "تميم"!
صوتها الناعم المنادي باسمه هكذا في لهفة، جعل الدماء تتدفق في شرايينه ليخفق قلبه، كأنما تهلل في سعادة لأنها اختصته بذاته بمنحة ميزة فريدة بنطق حروف اسمه. التفت كليًا ليواجهها بتعابير يغلفها مسحات من السرور، حمحم متسائلاً:
-أيوه.
دنت منه حتى أصبحت على بعد خطوة، عند أعتاب باب محلها. وقف كلاهما يتطلعان إلى بعضهما البعض في صمتٍ لحظي، قطعته بإخباره بابتسامة منمقة، مصحوبة بنظرة كانت واثقًا أنها دافئة، بل ورجا من الله أن تدوم للأبد:
-شكرًا على كل حاجة.
عجز عن الرد، كأن الكلمات فرت من بين شفتيه، أمام هالة البهاء التي تخدر بها حواسه، كلما أصبح قريبًا منها، وبات في محيط تأثيرها القوي. غادرت المكان ولم تغادر فؤاده، وإنما تربعت منذ اللحظة الأولى لانطلاق جذوة الحب على عرشه، واستقرت في قرارٍ مكين.
..........................................
جلس ثلاثتهم في السيارة، وبدأ "تميم" يشق طريقه متقدمًا نحو الشارع الرئيسي بسرعة شبه بطيئة، لكون المنطقة غارقة في بركٍ غير ضحلة من تراكم مياه الأمطار. أخفضت "فيروزة" نظراتها لتحدق فيما تسرب من مياه إلى داخل السيارة، وهتفت تخاطبهما في انزعاجٍ:
-مش معقول المياه عالية للدرجادي.
بادر "تميم" بالرد عليها قبل زوج توأمتها مفسرًا سبب تلك الأزمة:
-ما هو النوة المرادي شديدة، والبلاعات مش قادرة تقاوم، ده غير منسوب المد بتاع البحر.
علق "هيثم" ساخرًا:
-الناس مش محتاجة تروح البحر، احنا جبناه لحد عندهم، توصيل للمنازل.
ضحكت على طرفته، ورأها "تميم" من انعكاس مرآته الأمامية، فتضاعفت النبضات الولهة طالبة بالمزيد من الضحكات النضرة. سرعان ما لاحظ تبدل تعبيراتها المسترخية لأخرى شبه حادة وهي تستطرد متسائلة وهي تشير بيدها عبر الزجاج:
-هو مين اللي متشعبط هناك كده؟
سألها محاولاً النظر إلى حيث أشارت مع متابعته لقيادة السيارة:
-فين؟
أوضحت أكثر بقولها:
-هناك، ناحية المواسير دي.
بدت زاوية الرؤية جيدة من ناحية "هيثم" الجالس أمامها، فأطل برأسه مسلطًا نظراته على البقعة المشار إليها، وأردف قائلاً بتخمينٍ:
-شكله حرامي.
شهقت "فيروزة" مرددة في صدمةٍ:
-معقولة؟
ركز "تميم" بصره نحو منطقة أخرى، لاحظ وجود ما يدعو للريبة، فقد وجد أحدهم يدور بعينيه في المكان، وهو يرتكن بظهره على دراجة بخارية؛ كأنما تم تكليفه بمراقبة المنطقة وتأمينها، احتدت نظراته نحوه، وأشار ناحيته بسبابته قائلاً:
-ده في واد "ناضورجي" مستنيه قدام أهوو.
ردد "هيثم" وهو يفرك كفيه معًا:
-كمان، طب هدي العربية شوية.
ابتسم له "تميم" ابتسامة مغترة وهو يغمز له:
-شكل الليلة النهاردة فل على الآخر.
بادله الابتسام ورد:
-متوصي بينا.
لم تفهم "فيروزة" ما الذي يدور بينهما من حوارٍ غامض، وسألتهما:
-هنعمل إيه؟
تهادت سرعة السيارة بشكلٍ ملحوظ حتى توقفت تمامًا، والتفت "تميم" برأسه ليخاطبها بلهجته الآمرة:
-خليكي في العربية ماتنزليش، احنا هنتعامل.
اتسعت عيناها مذهولة؛ لكنه تابع أوامره وهو يفتح الباب:
-اقفلي بالقفل من جوا.
هتفت مقترحة من تلقاء نفسها:
-ما نبلغ البوليس.
أجاب عنه "هيثم" بانتشاء متحمس طغى عليه:
-هنكلمهم لما يتروق عليهم الأول عشان يلموا الجثث.
برزت عيناها أكثر في محجريهما من مجرد تخيل المشهد الدموي في رأسها، لم يكن بمقدورها شيء لمنع هذا العنف الوشيك، فقط تقدمت بجسدها للأمام لترى من داخل السيارة ما يحدث بالخارج.
..........................................
سار الاثنان متجاورين إلى بعضهما البعض، بأكتاف منتصبة، وخطوات ثابتة، تنم عن شموخ وقوة ظاهرة على جسديهما، أجلى "تميم" أحبال صوته بنحنحة خشنة، ليستطرد بعدها قائلاً:
-عايزين نشوف أخبار عضلاتنا إيه؟
وافقه "هيثم" الرأي وهو يشمر عن ساعديه:
-بالظبط.
بصوتٍ جهوري رن صداه في جنبات البنايات صاح "تميم":
-إنت يالا، بتعمل إيه عندك؟
انتفض الشخص المخول بمراقبة المكان من على الدراجة البخارية المستند عليها، وقد بدا متفاجئًا برؤية أحدهم يكشف أمره، بينما تجمد الآخر المعلق في الهواء مدهوشًا بتسليط كشاف الهاتف المحمول عليه لتبين مكانه وسط الظلمة التي تعم زاويته، ارتفع نداء "هيثم" لافتًا الانتباه:
-حــــرامي يا جدعــــــــــان في المنطقة ناحية بيت "سويلم".
بدأت أصوات فتح النوافذ، وصخب متداخل يسود في الأرجاء، كدلالة ملموسة عن تجاوب السكان مع ما سمعوه من تحذير شفهي. أسرع القائم بوظيفة (الناضورجي) بركوب دراجته للفرار، وكاد يدهس في طريقه "تميم" لولا أن أزاحه "هيثم" عن مساره الأهوج وسط صراخه المرتفع:
-حاسب يا "تميم".
بأعجوبة تفاداه؛ لكنه كان سريع الحركة في التقاط حجرٍ قريبٍ منه ليقذفه في اتجاه اللص، ارتطم برأسه في عنفٍ، وجعله يترنح من الألم، ومن ثم يفقد توازنه، ليُطرح أرضًا. أناسٍ غير معلوم من أين جاءوا تحديدًا التفوا حوله للإحاطة به، وضربه، وصوت التهليل ما زال يرن من مختلف الحاضرين:
-حـــرااااامي.
بمجرد أن هبط اللص الآخر عن ماسورة المياه التي استغلها في الصعود، حتى قبض عليه بقية المتواجدين بالشارع، وأبرحوه ضربًا حتى لم يعد في جسده عظمة سليمة. زم "هيثم" شفتيه معترضًا:
-احنا ملحقناش نعمل حاجة.
قال وهو يهز كتفيه في هدوءٍ:
-حظه بقى.
..........................................
بأعصابٍ ما زالت مشدودة، ظلت "فيروزة" حبيسة السيارة، تتلهف في خوفٍ وقلق لمعرفة ما الذي آلت إليه الأمور، خاصة بعد ازدحام المنطقة، وتعذر الرؤية من الحشد الذي تجمع في لمح البصر. تنفست الصعداء بمجرد أن رأت الاثنين يخترقان الصفوف ويقبلان عليها، بقيت عيناها على "تميم" تفحصه بتلقائية؛ كأنما تتفقد إن كان مصابًا من عدمه، طمأنها بابتسامةٍ جعلتها ترتبك، وتستعيد إحساسًا كانت تتعمد دفنه في أعماقها، فتح الباب وجلس خلف المقود يخاطبها قبل أن تشرع في سؤاله:
-الناس قاموا بالواجب قبلنا.
استقر "هيثم" في مكانه مضيفًا عليه:
-كنتي هاتشوفي مفرمة، بس يا خسارة.
ابتسم "تميم" وهو يتابع مازحًا:
-الخناقات جاية كتير، ماتستعجلش.
على عكس ما توقع استنكرت "فيروزة" ميول كليهما للعنف البدني، وصاحت معبرة عن رأيها في استهجانٍ:
-هو إنت بتتبسطوا من الحاجات دي؟
اندهش "تميم" من ردة فعلها الحادة، وأدار رأسه ليتطلع إليها عن كثبٍ، والحيرة تملأ عقله، خاطبته مباشرة كأنما تنذره:
-أخرتها ممكن تكون وحشة.
لم يستسغ "هيثم" كلامها، لذا رد عليها بنبرة غير مبالية:
-ربنا بيكملها معانا بالستر.
اتجهت أنظارها إليه، وقالت بشيءٍ من العصبيةٍ:
-أنا مش بحب كده.
لاحظ مدى التوتر الذي صارت عليه، فاعتذر منها على الفور:
-خلاص يا أبلة حقك علينا، احنا أكيد مش بنبقى نازلين نتخانق، في ورانا شغل ومصالح بنسعى عليها.
في حين هسهس "هيثم" ساخرًا منها:
-طرية.
حذره "تميم" بوجه اشتد على الأخير، ونظراتٍ أكثر صرامة:
-"هيثم"!
كز على أسنانه مبرطمًا:
-أديني ساكت.
قاومت "فيروزة" ذكريات العنف التي بدأت في مناوشتها، وجعل بدنها يرتجف من تذكر قساوة الضربات الوحشية التي نالت منها في لحظات قوتها، وأوقات ضعفها. طرأ ببالها أن تكون توأمتها تعامل بالمثل من زوجها، وتخشى البوح بهذا، لهذا دون ترددٍ سألته بلهجةٍ شابها التهديد:
-أوعى تكون بتتعامل كده مع "همسة"، والله ما هسكتلك.
أدار رأسه للخلف لينظر إليها بضيقٍ، ثم سألها في انزعاجٍ:
-وإيه اللي دخلها دلوقتي في الخناقة اللي ماتمتش دي؟
كانت إجابتها مباشرة ومنطقية:
-طالما ده أسلوبك وارد لو زعلتك في حاجة تمد إيدك عليها وآ...
قاطعها نافيًا في حدةٍ، وقد وجمت قسماته:
-ماحصلش...
وأضاف عليه "تميم" مؤكدًا بجديةٍ تامة:
-ولا هيحصل!
بدت غير مقتنعة بما يقولان، فأعاد عليها "تميم" خطابه بتريثٍ:
-احنا مش كده يا أبلة، بنعرف امتى نتعامل ومع مين.
رمقته بتلك النظرة المتشككة فكرر عليها:
-واستحالة نمد إيدنا على واحدة ست مهما حصل.
أشاحت بوجهها بعيدًا عن نظراته المثبتة عليها، رافضة تقبل أي عذر يبرر العنف الجسدي. سحبت "فيروزة" حقيبتها من جوارها، وضمت إلى صدرها، ثم كتفت ساعديها حولها؛ كأنما تشكل بها درعًا يقيها شرورًا لم تتعافَ كليًا منها بعد، لتغمغم في سخطٍ بوجهٍ قد انقلب بكامله من أثر الذكرى:
-كلام!
رأى "تميم" الوجوم الذي استبد بملامحها، والتعاسة التي احتلت نظراتها، حز ذلك في قلبه بشكلٍ كبير، نمَّت قسماتها عن انعدامٍ واضح في عدم تصديق ما تفوه به من حقيقة التزم به على مدار سنوات عمره، التفت يطالع الطريق بعينين غائمتين، وخاطب نفسه قائلاً بعزمٍ:
-دي حقيقة، ومسيرك هتتأكدي ................................. !!
...................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الرابع الفصل السادس 6 - بقلم Manal Salem
أعتذر عن التأخير الطفيف ..
موعدكم مع الفصل الجديد
وماتنسوش معرض بغداد لسه مستمر معانا بأمر الله لحد يوم 20 يونيو .. عشان الغاليين في العراق يقدروا يحصلوا على الروايات بأسعار في المتناول
#الطاووس_الأبيض4
الفصل المائة وعشرون
الإيذاء النفسي يبقى أثره عالقًا في الذهن، لا يمحى من الذاكرة بعد بضعة أيام، دومًا يطفو على السطح كلما تعرض الشخص لمواقف شبيهة، تضغط على أعصابه، وتحفز خلايا عقله على استعادة ما مضى. حاولت "فيروزة" تخطي تلك العقبة، والتأقلم مع تبعاتها؛ لكن إحساس الألم والضرب الموجع انتشر في أوصالها؛ كأنما قد تلقت للتو نفس التعنيف الشرس في كل مرة أبدت فيها مقاومتها لما يُفرض عليها جبرًا.
نظرة تعيسة سددتها لذاك الذي ادعى لتوه أنه لم يمس امرأة بسوء، جال بمخيلتها ذكرى تطاوله على زوجته في حضرتها، كأسلوبٍ صارمٍ منه لإيقاف اتهاماتها المخزية آنذاك تجاه توأمتها، لقد لجأ لنفس الأسلوب القاسي لإخراسها، عاملها بخشونةٍ، وهذا أكثر ما تخشاه في منح ثقتها له أو لغيره؛ لكن ما لبث أن عادت لتتذكر أنها منحته صفعة قاسية أحرجته بها أمام الغرباء، انتقامًا منه على شيء لم يفعله عند دكانه، ومع هذا لم يُعاملها بالمثل رغم المناوشات اللفظية بينهما في أول الأول، وإيحاءه برغبته في إيذائها إن كانت خاصته.
الكثير من التخبط والحيرة عصف بعقلها فأصبحت صافنة الذهن، غير منتبهة لتوقف السيارة عند بيتها، صوته المنادي جعلها تلتفت إليه بتعابيرها الواجمة:
-احنا وصلنا يا أبلة.
استدارت ناظرة من نافذتها إلى مدخل البناية، وقالت بقليلٍ من الحرج:
-آ.. شكرًا.
على الفور ترجلت من السيارة دون أن تنبس بالمزيد، وبقيت أنظار "تميم" عليها، والذي سرعان ما لكز بقبضته ذراع ابن خالته يأمره:
-انزل معاها وصلها .. مايصحش.
كان الضيق ما زال مستبدًا بـ "هيثم"، فعلق معترضًا بتبرمٍ:
-ليه هي قاصر؟
رمقه بتلك النظرة القوية وهو يخبره:
-خلي عندك ذوق، وبعدين بدل ما يكون في حد مستخبي كده في الضلمة يطلعلها، وقولها تقفل باب المدخل وراها.
كان محقًا في حرصه الزائد، خاصة بعد تجربة صدامهم مع اللصوص، لذا قال على مضضٍ وهو يفتح الباب:
-طيب .. أما نشوف أخرتها
تابعهما بنظراتٍ مهتمة وهما يختفيان بالداخل، ولسانه يردد بصوتٍ خفيض:
-ربنا يقرب البعيد وتعرفي إنك مهما عملتي عمري ما هزعل منك.
رفع "تميم" يده ليضعها على جانبه الأيسر متابعًا بزفير طويل:
-إنتي موجودة جوا ده.
دقائق وخرج "هيثم" قادمًا نحوه، استقر من جديد إلى جواره، فاستطرد يسأله:
-كله تمام؟
-أيوه، خلاص وصلتها ...
لم يحاول "تميم" الاستفسار عنها أكثر من هذا، يكفيه أن يجدها في مأمن من أي أذى ليطمئن ولو بقدرٍ بسيط، عاد ليقود السيارة وابن خالته يعلق في فتورٍ:
-العربية محتاجة تتنضف وإلا هتعمل ريحة.
ألقى نظرة شبه فاحصة على المياه المتسربة للداخل بسبب ارتفاعها بالشوارع، وقال في لهجة جادة:
-بكرة هوديها المغسلة، بس إدعي ربنا يبقى الجو عدل.
حرك "هيثم" رأسه متمتمًا:
-يا رب.
......................................................
تأكدت من وضع آخر طبق قامت بغسله في مكانه، قبل أن تخرج من المطبخ وتغلق الإضاءة خلفها، كانت والدتها ما زالت مستيقظة وتجلس أمام التلفاز تتابع أحد الأفلام العربية القديمة في البهو المتسع، جلست "فيروزة" إلى جوارها، وترددت للحظاتٍ قبل أن تستطرد قائلة بوجهٍ غامض في تعبيراته:
-عايزة أسألك في حاجة يا ماما.
لم تنظر ناحيتها، وردت بآذان صاغية:
-قولي يا حبيبتي، أنا سمعاكي.
فركت أصابع كفها معًا، وتشجعت لتقول:
-هو "هيثم" مد إيده على "همسة" قبل كده؟
ارتفع حاجبا "آمنة" للأعلى في استنكارٍ مصدوم، وهتفت تلومها:
-إيه الكلام ده يا بنتي؟
بتعابيرٍ ما زالت غير مقروءة أجابتها:
-ده مجرد سؤال عادي.
نفت والدتها على الفور وهي تشير بيدها:
-ماحصلش أبدًا، ده بالعكس على طول بتشكر فيه.
باعدت "فيروزة" أنظارها عنها، وطلبت منها بما يشبه الرجاء:
-برضوه ابقي اسأليها بينك وبينها، اطمني منها، مش هنخسر حاجة.
علقت عليها "آمنة" بتوجسٍ قلق:
-إيه اللي خلاكي تقولي كده؟ هو في حاجة حصلت؟
بالكاد خنقت غصة علقت في حلقها قبل أن تبرر لها:
-لأ، مافيش، أنا بس بطمن على أحوالها، معدتش في حد مضمون في الزمن ده.
ابتسمت أمها وهي تخبرها بحسن نية كعادتها:
-مش كل الناس مؤذية يا بنتي، في ولاد حلال موجودين حوالينا.
ظلت "فيروزة" تتطلع أمامها بعينين واجمتين، ظهر فيهما الألم، وخاطبت نفسها بصوت بقي حبيس أعماقها:
-أنا معرفتش غير المؤذيين وبس.
.................................................
قاوم على قدر المستطاع إشعال سيجارة أخرى للتنفيس عما يستعر بداخله من احتراقٍ لا يعرف سبباه؛ لكنه كان يزداد قوة كلما تذكر علامات الأسى المرسومة على ملامحها، وتلك النظرة المليئة بهمومٍ لا يعرف كيف تحويها بداخلها، كم تمنى أن ينفذ إلى روحها، ليزيح عنها ما يؤلمها! استند "تميم" بمرفقيه على حافة سور شرفته، محدقًا في الفراغ بنظراتٍ لا ترى سوى طيفها، تصلب جسده مع اللمسة الحنون على ظهره، فاستدار برأسه للجانب ليجد والدته تقف إلى جواره وهي تسأله:
-سرحان في إيه يا حبيبي؟
ادعى الابتسام وهو يرد:
-مافيش حاجة يامه.
سألته "ونيسة" في اهتمامٍ:
-الشغل ماشي معاك كويس؟ ولا فيه مشاكل؟
قال بعد زفيرٍ بطيء:
-من ده على ده، بس كله بيعدي الحمدلله.
ربتت على كتفه تدعو له بحنوٍ:
-ربنا يصلح حالك يا حبيبي، ويسرلك كل عسير.
ابتسم لها وهو يحني وجهه على مقدمة رأسها ليقبلها:
-يا رب.
عمَّ الصمت بينهما للحظات، قطعته "ونيسة" هاتفة بترددٍ ملحوظٍ عليها:
-بأقولك إيه يا ضنايا، إنت كنت كلمت "سراج" صاحبك عشان أختك؟
فرك طرف ذقنه بيده، وقال:
-اتلبخت والله، بس بكرة الصبح هاطلبه، وأبلغه باللي هي عايزاه.
أشرقت الابتسامة على تعبيراتها، واستمرت تدعو له في عاطفة:
-ربنا يفرحني بيك إنت وأختك ويعوضكم كل خير يا رب.
بادلها الابتسام، ولف ذراعه حول كتفيها مرددًا:
-الله كريم.
سألته مجددًا في نبرة مهتمة:
-مش عايز حاجة قبل ما أنام؟
أخفض ذراعه، وقال:
-تسلمي يا أمي.
غادرت "ونيسة" الغرفة، وتبعها "تميم" بنظراته إلى أن أغلقت الباب خلفها، فتابع تحديقه الشارد هامسًا بأنين:
-يا ريتني أقدر أعرف اللي جواكي!
..............................................
أمسكت بالمقشة اليدوية، وقامت بجمع وكنس بقايا اللب الذي بصقه ابنها على السجادة، لتعيد الغرفة إلى ما كانت عليه من نظافة وترتيب قبل أن يأتي ويفسد عليها مجهودها. تسمرت "سعاد" في مكانها مشدوهة بعد أن قذف بقنبلته في وجهها، وصاحت تلومه في استهجانٍ:
-عروسة إيه دي اللي أشوفهالك؟ يا ابني ده احنا لسه مش عارفين نحل مشكلتك مع أم عيالك وآ...
قاطعها "فضل" في حدةٍ بعد أن تجشأ بصوتٍ مقزز:
-بوز الإخص دي ماتجبيش سيرتها، هي السبب في النحس اللي أنا فيه.
رمقته بتلك النظرة غير الراضية؛ لكنه تابع بوعيدٍ صريح:
-اصبري عليا بس أفوق من اللي أنا فيه، وهحاسبها هي والبأف اللي جابته يعلم عليا هنا وياخدني على خوانة.
واصلت "سعاد" توبيخها اللائم له وهي تنحني لتزيل ما جمعته من أوساخ بالجاروف والفرشاة:
-إنت مش ملاحق تعادي مين ولا مين؟ ما تخليك في حالك، وتشوف أكل عيشك، ده الأبقى ليك ولعيالك من بعدك.
صاح في سخطٍ، وتلك النظرة الكريهة تطل من عينيه:
-وأحرم نفسي من متع الدنيا ليه؟ ده من حقي.
اعتدلت في وقفتها، وأوشكت على متابعة تحذيرها له؛ لكنه أسكتها قبل أن تبدأ بترديده الفظ:
-بأقولك إيه يامه، روحي نامي، الكلام معاكي زي قلته، لا هيودي ولا هيجيب.
نظرت إليه في استياءٍ، واستدارت منصرفة من غرفته قائلة:
-ربنا يهديك لحالك.
............................................
صدق فيما أخبره به بالأمس، حيث اشتم "تميم" رائحة عطن بسيارته جراء امتلاء بدنها بالمياه غير النظيفة، لذا كان أول ما قام به بعد نزوله من البيت هو الاتجاه بها إلى مغسلة السيارات. أعطى المفاتيح لأحد العاملين بالمكان، وأوصــاه مشددًا:
-روق عليها، عايزها تبقى فلة من جوا.
قال العامل في حماسٍ واثق:
-هخليهالك على الفبريكا يا سيد المعلمين، كأنها عروسة.
رفع "تميم" ذراعه، ووضعه على كتفه ليربت عليه بقوةٍ طفيفة وهو يتحداه:
-أما نشوف كلام جد ولا أونطة.
هز رأسه مؤكدًا عليه:
-يا باشا ده المغسلة كلها تحت أمرك، ولو الشغل معجبكش نعيده تاني ...
ثم أشار له ليجلس وهو يدعوه:
-مسافة بس ما تشرب الشاي هتكون خلصانة.
عقب في استحسانٍ:
-ماشي يا سيدي.
سحب "تميم" مقعدًا، وجلس بعيدًا عن الضجيج المحاوط به، وإذ بذلك العامل يأتي إليه بعد بضعة دقائق وفي يده حافظة نقود حمراء اللون، ناوله إياها قائلاً:
-معلم "تميم" لاقيت البوك الحريمي ده واقع تحت الكنبة اللي ورانا.
نظر إليه في دهشةٍ قبل أن يأخذها من يده، بينما انصرف العامل ليكمل مهمته دون الحاجة للحصول على أي تفسيرٍ منه. تفقد "تميم" الحافظة بنظراتٍ فاحصة مستريبة، سرعان ما تبددت حيرته إلى نوعٍ من الصدمة اللذيذة، خاصة وقد رأى نقشة لريشة الطاووس المميزة تزين حوافه الجانبية؛ وكأنه حاز على قطعة تلامسها، وجد نفسه يضمها إلى صدره بابتسامة بلهاء لا يعرف أنها تشكلت على ثغره.
تدارك نفسه، وأخفى في لحظة ملامح الوله التي تباغته ليبدو جاد التعبيرات، تردد كثيرًا في فتحها والتأكد من امتلاكها لها، برر لنفسه تصرفه في عزمٍ:
-ما جايز تكون مش بتاعتها.
رغم يقينه بأنها تعود إليها، إلا أن رغبة الفضول التي استحوذت عليها كانت لها الغلبة، ألقى نظرة خاطفة على من حوله ليتأكد من عدم تركيز أحدهم معه، تسلل إليه شعور الارتياح لانشغال الأغلب، فتشجع لفتح حافظتها، اضطربت دقات قلبه بخفقان متتابع أصاب كافة حواسه بنوعٍ من الشعور المتقد، مع رؤيته لصورتها الشخصية الموضوعة على الجانب خلف غلاف شفاف، سرت رجفة طفيفة في كامل بدنه وهو يتأملها بنظراته المتيمة عشقًا بها، دومًا تثير فيه كتلة من الأحاسيس التي لا يشعر بها سوى معها، تلقائيًا تحرك إصبعه ليلمس وجهها في بطءٍ كأنما يريد أن ينسخ ملامحها في وجدانه، وقبل أن تفيض به عواطفه الجياشة، وتطغى على إدراكه العقلاني، أغلق الحافظة، وأطبق عليها كفه مستشعرًا بقوة هذا الشعور المشتاق المضطرم في فؤاده. هب واقفًا من مكانه، وصاح بلهجةٍ جاهد ليخفي ارتباكه فيها وهو يخاطب عامل المغسلة:
-أنا رايح مشوار وراجعلك تاني.
رد عليه الرجل وهو منكفئ على مقدمة سيارته:
-براحتك يا معلم.
بخطواتٍ أقرب إلى القفز، عبر الطريق في خفةٍ وهو يدور بنظراته سريعًا على الجانبين. في الظاهر أراد إعادة ما فقدته دون قصدٍ منها؛ لكن في الباطن أراد ملء الروح بنظرة من جوهرتيها، لعَّل النفس تهدأ، والقلب يسكن!
.....................................................
جثت على ركبتيها لتنظر أسفل الفراش، قبل أن تستقيم واقفة لتفتش في نفس الأدراج التي بحثت فيها منذ لحظاتٍ، تحركت والدتها على خطوتها، وأخبرتها في حيرة:
-دوري يا بنتي كويس، جايز شيلتيها هنا ولا هنا.
ردت "فيروزة" في عصبيةٍ وهي تشير بيدها نحو حقيبتها:
-أنا متأكدة إنها كانت جوا الشنطة.
سألتها والدتها بشكٍ:
-مش يمكن نستيها في المحل؟
قالت وهي تتجه نحو التسريحة في يأسٍ حائر:
-احتمال برضوه، هاروح أدور هناك.
لفت حجابها حول رأسها، وأكملت حوارها معها في ضيقٍ:
-ربنا يستر وما تكونش ضاعت.
عادت "آمنة" لتسألها من جديد:
-هي كان فيها فلوس كتير؟
نظرت لها من طرف عينها، وأخبرتها وهي تحكم غلق طرفي الحجاب معًا بدبوسٍ صغير:
-مش أوي، بس هايبقى موال عقبال ما أطلع بطاقة تانية.
حاولت بث الأمل فيها، فرددت في تفاؤلٍ:
-إن شاء الله ربنا هيعترك فيها.
رغم عدم اعتقادها في عثورها عليها إن كانت فُقدت حقًا غمغمت في تعجلٍ:
-يا رب.
خرجت من الغرفة لتتجه إلى باب المنزل، وهناك التقطت حذائها من دولاب الأحذية، انتبهت لصوت قرع الجرس، فتساءلت "فيروزة" وهي تكمل ارتداء الفردة الأخرى:
-مين جاي السعادي؟
ردت عليها والدتها وهي تسير ناحيته:
-مش عارفة.
كانت "فيروزة" الأسبق في فتحه، تفاجأت من وجوده أمامها، فهتف في استغراب يشوبه الدهشة:
-معلم "تميم"!
الأحلام بعيدة المنال أصبحت قيد التحقيق الآن، وكأن وقت استجابة الدعوات قد أزف، وها قد لمس بوادر ذلك. أخفض "تميم" رأسه بعد نظرة سريعة إليها، ثم استطرد مرحبًا:
-صباح الخير.
تحرجت من وقاحتها غير المقصودة، وردت بعد أن ضغطت على شفتيها للحظة:
-صباح النور.
مد يده ناحيتها بحافظتها قائلاً:
-اتفضلي.
أخذتها منه بتعابير ابتهجت في سرورٍ، ورددت بنبرة أكدت له سعادتها بعثوره عليها:
-إيه ده؟ إنت لاقيتها، ده أنا قلبت الدنيا عليها.
لم يقاوم رغبته القوية في النظر إليها في تلك اللحظة، ويا ليته ما فعل! فملامحها المشرقة سلبته عقله، فشرد يطالعها بإمعانٍ، كأنما يريد أن تبقى صورتها عالقة في ذهنه إن فارقها وذهب مضطرًا هكذا للأبد. لم تكن منتبهة لطريقة تحديقه بها، مما منحه الفرصة لضبط انفعالاته قبل أن تستريب في أمره، تنحنح يخبرها بعد ذلك:
-كانت واقعة في العربية.
انضمت إليهما "آمنة"، وهتفت مرحبة به بودٍ شديد:
-اتفضل يا معلم "تميم"، مش عيب يا "فيروزة" تسبيه واقف على الباب كده؟
على الفور اعتذرت منه ببسمة زادت من قسماتها نضارة:
-أنا أسفة مخدتش بالي..
تنحت للجانب، وأشارت له بيدها:
-اتفضل.
قال وهو يوزع نظراته بينهما:
-لا مافيش داعي، أنا كنت جاي أرجع الأمانة، خوفت لا ماتلقيهاش وتقلقي.
كررت عليه "آمنة" شكرها على صنيعه الطيب:
-والله كتر خيرك يا ابن الأصول، يا عيني دي كانت شايلة هم إنها تكون ضاعت.
تلقائيًا تحولت أنظاره نحوها مجددًا، فوجدها تتفحص ما بداخلها، لهذا سألها:
-في حاجة ناقصة فيها؟
أجابته وهي تخرج هويتها لترفعها نصب عينيه:
-لأ، مافيش، ده أنا بتأكد من البطاقة.
شقت ابتسامة عذبة طريقها على شفتيه مع رؤيتها تبتسم في نعومة، واستطرد يكلمها:
-معاكي حق يا أبلة ...
السعادة بكافة معانيها حلت عليه في تلك اللحظات العابرة، ودَّ لو استمرت لساعات وساعات؛ لكن ما باليد حيلة، أبعد عينيه عنها، وقال في حرجٍ:
-احم .. لا مؤاخذة يعني، أنا بس كنت .. فتحتها عشان أشوف بتاعة مين، ولما لاقيت صورتك آ...
جاهد ألا ينظر إليها وهو يتم جملته:
-اتأكدت إنها تخصك.
كانت مشغولة بإعادة ترتيب محتويات حافظتها وهي ترد:
-تمام، تسلم يا معلم "تميم"، أنا مش عارفة أشكرك على إيه ولا إيه؟
تجرأ مرة أخرى لينظر إليها بتلك النظرة الساهمة، قبل أن يرد في لطفٍ:
-مافيش بينا شُكر، أنا تحت أمرك يا أبلة في أي حاجة.
أحست "آمنة" بعدم تقديرها لضيفها الذي أغرق عائلتها بالكثير من المجاملات، فأصرت عليه تستضيفه:
-يا معلم مايصحش كده، اتفضل عندنا شوية، تشرب شاي، وآ...
قاطعها معتذرًا بلباقةٍ:
-وقت تاني، المهم عم "خليل" بخير؟
ردت بإيماءة من رأسها:
-أه الحمدلله.
استأذن بعدها في تهذيبٍ:
-دايمًا يا رب، عن إذنكم، وأشوفكم على خير.
تقدمت "آمنة" خطوة لتودعه بمزيدٍ من الحرارة:
-تسلملنا يا ابني، شرفت وأنست، ده بيتك في أي وقت تشرف فيه.
وقفت "فيروزة" في مكانها تخاطب والدتها بحيرة:
-هو لسه في ناس كده؟
استدارت "آمنة" لتواجهها وهي ترد مادحة:
-بصراحة ما شوفتش في شهامته ولا جدعنته.
تحركت ابنتها خطوتين لتتجاوزها، وقالت بعد تنهيدة سريعة:
-ده حقيقي ...
سرعان ما سيطر على نبرتها حزنًا خفيًا حين تابعت:
-يا رب يفضل كده، ومايجيش يوم واتصدم فيه زي غيره!
لم تعلم أنه ما زال واقفًا على السلم يرهف السمع إلى حديثهما العابر عنه بحماسٍ متقد، خفقة قابضة آلمت صدره مع جملتها الأخيرة، فجعلته يزداد تخبطًا وريبة في أمرها، ما زال ذلك السؤال الحائر يدور في رأسه وهو يكمل هبوطه على الدرج:
-إيه اللي حصلها وأنا معرفوش ................................... !!!
.........................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الرابع الفصل السابع 7 - بقلم Manal Salem
مساءكم زي الورد
موعدكم مع سهرة لطيفة للطاووس الأبيض
في انتظار تفاعلكم الجميل
الفصل مائة وواحد وعشرون
طلبت تغيير مكان لقائهما المعتاد إلى آخر، لانشغالها معظم اليوم في متابعة الحالات المرضية هناك، وبالرغم من ترددها إلا أنها شعرت بالسوء لرؤية هؤلاء المسنين في حالة إهمال وهجر بعد أن تخلى عنهم ذويهم. أحست "فيروزة" بالضيق يستبد بصدرها، خاصة مع سماعها لمقتطفات عابرة عن كيف انتهى بهم المطاف هنا، لا يعانون من أعراض التقدم في السن والعجر فقط، وإنما قساوة الإهمال، وقلة الاهتمام. استدارت تنظر في اتجاه "ريم" التي لوحت لها بيدها وهي تقبل عليها أثناء هتافها:
-تعالي يا "فيروزة"، هنقعد هناك.
في معظم مقابلاتهما دومًا تحبذ "ريم" اختيار الأماكن المفتوحة، والمتخمة بدرجات مختلفة ومتفاوتة من الخضرة لتلتقي بها، ولم تكن "فيروزة" ممانعة، فقد كانت بحاجة لبعض التغيير في نمط حياتها الذي أصبح شبه روتيني، ورؤية أماكن جديدة ربما لم تكن لتأتي إليها من تلقاء نفسها. انفردت الاثنتان ببعضهما البعض، وجلستا عند بعض الأرائك الشاغرة في نهاية الحديقة. استطردت "ريم" تسألها عن المستجد في أوضاعها المعيشية، وأصغت إلى ردودها بانتباهٍ تام قبل أن تقول مباشرة:
-في جزئية دايمًا احنا بنلف وندور حواليها من يوم ما بدأنا مشوارنا سوا.
قطبت جبينها متسائلة بتحفظٍ:
-إيه هي؟
بأسلوبها الهادئ أجابتها:
-إنتي عارفاها كويس، وبتتجنبي الكلام عنها، مع إني حابة إنك تتخطي العقبة دي، وتواجهيها، اعتبريها زي تحدي جديد ليكي.
ظلت ملامح "فيروزة" متجهمة قليلاً، وقد فطنت إلى ما تحاول فعله، وتأكدت من مسعاها عندما أضافت:
-يمكن أنا عندي لمحة بسيطة عن اللي شوفتيه في تجربتك مع "آسر"، وده من كلام "ماهر"، بس أنا عاوزاكي إنتي اللي تحكي، تتكلمي، تطلعي اللي جواكي ...
حل المزيد من الوجوم على تعبيراتها، حتى نظراتها تبدلت من الاسترخاء للتحفز، بينما استمرت "ريم" تُحادثها:
-صدقيني ده هيفيدك أوي.
ما تريد معرفته ليس بهذا القدر من اليسر لتفصح عنه بسهولة، فقد احتاجت لكل شجاعتها لتطمره في أعماق أعماقها، لذا قررت الانسحاب من هذا اللقاء دون تفكيرٍ، هبت "فيروزة" واقفة، وعلقت حقيبتها على كتفها، لتقول بوجهٍ جامد كالحجر:
-سامحيني يا دكتورة، أنا مضطرية أمشي، عندي شغل.
وقفت "ريم" بدورها، وخاطبتها بلين الكلام وهي تتحرك ناحيتها:
-"فيروزة"، الهروب مش هو الحل ...
وضع يدها على ذراعها وأكملت:
-أحيانًا بنبقى مضطرين نواجه أكتر حاجة بنخاف منها عشان نعدي، ونكمل طريقنا صح.
سحبت ذراعها من قبضتها، وقالت بصوتٍ أجوف:
-دي صفحة وقفلتها.
ردت عليها بإيماءة سريعة من رأسها:
-صح، بس رواسبها لسه عايشة جواكي ..
وقبل أن تعارضها استمرت في التوضيح لها:
-وأنا دوري أساعدك تتخطي العقبة دي وإنتي بكامل قوتك، وشجاعتك، بحيث مافيش حاجة ترجعك لورا، تمنعك من إنك تحققي اللي بتحلمي بيه.
ثم ابتسمت لها قائلة بتأكيد:
-كمان أنا حاسة إنك هتعملي ده من نفسك قريب.
بطريقة ما نجحت في إثنائها عن عنادها قليلاً، فجذبتها "ريم" من مرفقها، وطلبت منها الجلوس بتهذيبٍ:
-مش معقول هنفضل واقفين، ده احنا لسه يدوب بنتكلم، ممكن تتفضلي لحد ما أجيب حاجة ناكلها سوا؟
تنفست "فيروزة" بعمقٍ قبل أن تعاود الجلوس على مقعدها، في حين انصرفت "ريم" لدقائق، لتأتي وفي يدها وعاءً يحوي ثمار الفاكهة الطازجة. أسندته على الطاولة، وجلست في الجهة المقابلة لتستأنف بعدها كلامها:
-إيه رأيك النهاردة نتكلم عن حد ليه أثر طيب وإيجابي معاكي؟
هزت كتفيها مرددة في فتور:
-عادي.
اشترطت عليها وهي تشير بإصبعها نحوها:
-بس حد يكون خارج دايرة الأسرة.
نظرت إليها في غرابةٍ، لتسألها بعدها:
-زي مين مثلاً؟
فكرت "ريم" قليلاً قبل أن تسهل عليها:
-ممكن من الجيران، أصدقاء في الشغل.
شردت "فيروزة" لبرهةٍ تحاول اختيار أحدهم لتتحدث عنه، بدت حائرة بعض الشيء، إلى أن وقعت أنظارها على ثمرة التفاح، حينها فقط تجلت صورته في ذهنها وهو يبتسم لها بابتسامة غريبة، كأنما يخصها بها، ارتفع حاجباها للأعلى، وقد ازدحم عقلها بالمزيد من الذكريات عنه، أصبحت ملامحها شاردة بشكلٍ ملحوظ. راقبتها "ريم" عن كثب، إلى أن قطعت استغراقها في التفكير لتسألها:
-الظاهر في حد معين في دماغك، صح ولا أنا استنتجت غلط؟
عادت إلى وعيها، وأجابت بردٍ شبه مائع:
-يعني.
ابتسمت "ريم" لتجاوبها، وتابعت أسئلتها لها:
-تقدري تكلميني عنه شوية؟
تحفزت دفاعاتها من جديد لترد بإنكارٍ:
-وليه ماتكونش واحدة؟
اعتمدت على هدوء نبرتها وهي تبرر لها:
-ده مجرد تخمين، مش فارق إن كان واحد ولا واحدة، المهم يكون ليه تأثير إيجابي على حياتك الفترة اللي فاتت.
أطلقت "فيروزة" زفرة طويلة محملة بالتردد، لتخبرها بعدها وهي ترمش بعينيها:
-عمومًا هو واحد.
علقت بإيجازٍ دون أن تفتر بسمتها الرقيقة:
-تمام.
من أسفل الطاولة فركت "فيروزة" أصابعها معًا في توترٍ، كأنها تنشد بتلك الحركة الحصول على بعض القوة والثبات وهي تبوح لها بشيء اعتبرت مجرد تطرقها إليه أمر حرج:
-مش قادرة أحدد طبيعة شخصيته إيه، ساعات كتير بحس إنه شهم أوي، فريد من نوعه، وساعات تانية بأقلق منه، وأخاف.
حافظت "ريم" على نعومة بسمتها وهي تنتقل لسؤالها التالي:
-طيب نسأل كده ليه ممكن تخافي منه؟
تجرأت وهي تجيبها:
-عشانه مش مفهوم بالنسبالي.
سألتها في هدوءٍ:
-من ناحية إيه؟
بعد لحظة من السكوت قالت وهي تستحضر في مخيلتها مواقف متداخلة له معها:
-تصرفاته، طريقته معايا مختلفة.
تساءلت في نبرة مهتمة:
-مختلفة إزاي؟
انتشر التردد على تعابير "فيروزة"، فاستطردت "ريم" توضح لها بلباقةٍ:
-أنا أسفة إني بسألك ورا بعض بالشكل ده، بس عايزة من كلامك ده عنه أكون صورة ليه بوضوح.
ضغطت على شفتيها في ربكةٍ، وتحاشت النظر ناحيتها كليًا، لتركز بصرها على ثمرة التفاح وهي تخبرها:
-حساه مهتم بيا بزيادة أوي، زي ما يكون مستني أطلب منه أي حاجة عشان يعملها بسرعة.
صمتت "ريم" لهنيهة قبل أن تعلق عليها:
-ما يمكن تكون دي طبيعته مع كل الناس.
أكدت عليها بأنفاسٍ مالت للاضطراب:
-ده حقيقي، بس معايا أكتر، وأنا حاسة بكده.
نقرت "ريم" بإصبعيها على الطاولة، ثم تشدقت قائلة:
-ما يمكن يكون اهتمام من نوع تاني.
زوت ما بين حاجبيها مرددة في استهجانٍ:
-نوع تاني، مش فاهمة!!
اتسعت بسمتها قليلاً وهي تجيبها:
-حب مثلاً.
جحظت عيناها في صدمةٍ، ما لبث أن تحولت لحالة من الهجوم وهي تصيح في عصبيةٍ:
-لالالا، استحالة، إيه الهبل ده؟ حب إيه؟ مش معقول، مافيش حاجة من دي، أنا مش قادرة أستوعب إن آ...
قاطعتها "ريم" بتريثٍ:
-اهدي، أنا مقولتش حاجة غلط، وارد يحصل إن الشخص ده يكون بيحبك.
صاحت بنفس الحدةٍ، وقد اِربد وجهها بتعابير غاضبة:
-أنا محدش بيحبني، ده مجرد اهتمام عادي، ليه بتقولي كده؟
حاولت امتصاص نوبة انفعالها وتثبيطها بإخبارها بهدوءٍ واضح:
-بالراحة يا "فيروزة"، أنا مقولتش إنك بتحبيه، بس طبيعي إن مشاعرنا تتحرك وتنجذب ناحية حد تاني، ومش شرط الحد ده يبادلنا نفس الشعور، ده توقعي.
ردت عليها تسألها في حدةٍ:
-دكتورة "ريم" ممكن نتكلم عن حاجة تانية؟ ولا أمشي؟
أشارت لها بيدها قائلة دون أن تتبدل قسماتها الهادئة:
-حاضر ..
تركتها للحظات تستعيد انضباط نفسه قبل أن تستطرد مرة أخرى:
-صحيح احنا ناويين نعمل حفلة هنا نحتفل بيها بالمسنين، ونرفه عنهم، إيه رأيك لو تعملي الديكور بتاعها؟
نظرت إليها متسائلة في دهشةٍ:
-أنا؟
أكدت عليها ببساطة:
-أيوه، ليه لأ؟
ظهر التردد على محياها وهي تخبرها:
-بس أنا لسه ببتدي، خبرتي قليلة في تجهيز الحفلات، مافيش داعي، ممكن أبوظ الدنيا.
قالت عن ثقةٍ:
-بالعكس أنا متوقعة إنك هتعملي أقصى جهدك عشان تنجحي، وده هيساعدك تنطلقي أكتر ...
أوشكت على الاحتجاج والرفض؛ لكنها أصرت عليها:
-مش هاقبل بالرفض، يالا منتظرة منك حاجة رقيقة زيك.
لم تنكر أن إحساسًا قويًا بالحماس انتابها، كأن تلك الطبيبة تعرف كيف تعيد إليها ما افتقدته، نظرت إليها في امتنانٍ، وقالت:
-شكرًا يا دكتورة "ريم".
بطريقتها الناعمة في الحوار أكدت عليها:
-لسه فاضل في مشوارنا سوا شوية خطوات، وأنا واثقة إنك هتقدري تتجاوزي أي تجربة ...
عمدت إلى بث المزيد من الثقة إليها فأضافت:
-قليل أوي اللي عنده قوتك يا "فيروزة"، ماتستقليش بده، واوعي تخلي حد يحبطك أو يمنعك عن أحلامك.
هزت رأسها وهي ترد باقتضابٍ:
-حاضر.
منذ اللحظة التي لجأت فيها للعلاج، بدأت "فيروزة" في ترميم الشروخ العميقة في روحها واحدًا تلو الآخر؛ لكن ظل واحد بعينه يحتاج لمعجزة لمداواته.
.................................................
بناءً على مكالمة هاتفية منه، جاء على وجه السرعة إلى دكانه ليقابله، والقلق مسيطر عليه. وجود والده كذلك عزز الشعور بالخوف داخله، خشي "سراج" أن يكون طلبه قد قوبل بالرفض، حبس أنفاسه، واضعًا يده على قلبه –مجازًا- وهو يستمع إلى الشرط الذي أدلت به "هاجر"، تنفس الصعداء بعد أن عرف ماهيته، وقال مبتسمًا في سرور:
-أنا تحت أمر ست البنات.
علق عليه "تميم" وهو يقرب كوب شايه من فمه ليرتشف منه:
-معلش بنتقل عليك، بس ده شرطها.
هتف نافيًا وجود أدنى شكوى بشأن ما تريد:
-يا معلم اللي تؤمر بيه، أنا موافق على طول.
أضاف "بدير" قائلاً بصوته الرخيم:
-وأنا بقترح تكون الست الحاجة معاك، ويبقى في مكان برا.
هز "سراج" رأسه موافقًا:
-وماله، شوفوا اللي يريحكم وأنا راضي بيه.
خاطبه "تميم" بملامح جادة:
-يبقى نخلي المقابلة على بكرة العشا بأمرالله، وأنا هتصل أكد عليك.
ارتسمت ابتسامة عريضة على وجه "سراج" الذي هلل في رضا:
-على بركة الله.
ربت "بدير" بيده على كتف ضيفه، وقال:
-مش هنعطلك أكتر من كده يا "سراج"، قوم شوف مصالحك.
رد عليه بنفس التعابير المبتهجة:
-متقولش كده يا حاج، أنا في الخدمة.
منحه ربتة أخرى على كتفه وهو يردد:
-تسلم.
نهض "سراج" من كرسيه الخشبي، واستأذن بالذهاب:
-سلامي للحاج الكبير.
رد "تميم" وهو يقوم من مكانه ليودعه:
-الله يسلمك.
ألقى عليهما التحية مجددًا قبل أن يغادر الدكان، تبعه "تميم" بنظراته حتى استقل سيارته وابتعد عن مرمى بصره، ليقول بعدها في ضيقٍ:
-الواحد مش مصدق إن عمره ضاع على كدبة.
تنهد والده وهو يهون عليه الأمر:
-كله مقدر ومكتوب يا ابني، وده كان نصيبك.
سحب شهيقًا عميقًا ملأ به رئتيه، قبل أن يلفظه بعدها مرددًا:
-الحمدلله.
قصد "بدير" تغيير مجرى تفكيره لشيء آخر، فاستطرد يخبره بابتسامة ماكرة، وتلك النظرة المتسلية ظاهرة على وجهه:
-عرفت إن أبلتك هتفتح الدكان بتاعها كمان يومين.
جلس "تميم" على المقعد بعد أن قربه من أبيه، وسأله في لهفة مراهقٍ حديث العهد بالحب:
-إيه ده بجد؟ هي جت هنا؟
كان سعيدًا لنجاحه في صرف أحزانه بالتطرق إلى ذكرها، تأمل ردة فعله المتشوقة، وجاوبه:
-أيوه، عدت عليا النهاردة عشان تعرفني، وتعزمني.
لعن سوء حظه لعدم تواجده معظم اليوم في الدكان بسبب انشغاله في إتمام بعض التوريدات، ومع هذا أخفى استيائه الطفيف ليقول في حماسٍ:
-لازم نوجب معاها يابا، نعملها حاجة محصلتش.
رد عليه قائلاً مع هزة صغيرة من رأسه:
-من الناحية دي متقلقش ...
ثم شدد عليه بلهجةٍ غير مازحة:
-بس مش عايزك تظهر في الصورة، أنا هتكفل بكل حاجة، ما إنت فاهم مش عايزين كلام يتنتور على الفاضي يمسها ولا يضايقها.
ورغم عدم اقتناعه إلا أنه قال على مضضٍ:
-ماشي يا حاج، اللي تعوزه ...
احتفظت عيناه بتلك الومضة المثيرة وهو يتم جملته:
-المهم هي تكون مبسوطة.
........................................
في الشعور بالألم الجميع يتساوى، أما في الفرح فتتباين ردات الفعل! بقلبٍ يدق في ترقبٍ وخوف، تطلع "هيثم" إلى شاشة التلفاز بعينين تلمعان بعبراتهما السعيدة، حيث أبصر ما ينمو في أحشاء زوجته، بينما نظرت إليه "همسة" في محبةٍ عظيمة، لم تتوقع أن تنتابه تلك المشاعر الجميلة لمجرد رؤية مبهمة، بدا في أوج سعادته وهو يتابع الحركات غير المفهومة للجنين، لم يحد بنظراته عنه والطبيب يخاطبه:
-ما شاء الله، أنا شايف كل حاجة تمام، النمو طبيعي، والسائل الأمينوسي كويس.
ردد في سعادةٍ أكبر:
-الحمدلله يا رب.
أخبرهما الطبيب في هدوء وهو يكمل فحصه الروتيني على بطنها المنتفخ بجهاز السونار:
-والعضو الذكري كمان باين أهوو.
اتسعت عينا "همسة" في ذهول، وسألته بأنفاسٍ مرتبكة:
-هو .. ولد؟
أكد عليها بثقةٍ:
-أيوه.
التفتت تنظر إلى زوجها المصدوم لتكرر على مسامعه:
-أنا حامل .. في ولد.
ضحك الطبيب قبل أن يؤكد لها مرة أخرى:
-أيوه يا مدام، ولا إنتو كنتو عايزين بنت؟
تكلم "هيثم" في فرحةٍ شديدة:
-أي حاجة، أنا راضي، المهم يجي بالسلامة ...
احتضن كف زوجته بين راحتيه، وهنأها:
-مبروك يا "هموسة".
ردت بوجهٍ مبتسم على الأخير:
-الله يبارك فيك يا حبيبي، إن شاءالله يكون سندك وضهرك.
نهض الطبيب من مقعده المجاور لسريرها الطبي، واتجه إلى الجانب الآخر من الغرفة ليوصيها بنبرة مرتفعة:
-عايزيك يا مدام الفترة الجاية تهتمي بالأكل الصحي، ويكون فيه حديد وكالسيوم، ده مهم جدًا كل ما اتقدمنا في الحمل.
تلك المرة رد عليه "هيثم"
-حاضر يا دكتور أنا هتابع معاها.
ابتسم له الطبيب، وحادثه بلطافةٍ:
-وإنت بقى تفكر في اسم حلو للمولود وماتتعبش المدام معاك.
قال وأنظاره بالكامل مسلطة على حبيبته:
-ده أنا هاشيلها على كفوف الراحة.
.................................................
لم تستطع تأجيل تلك الزيارة لتهنئة ابنتها على تأكيد نبأ حملها في جنين ذكر، وكأنها قد حازت على كأس بطولة دولية، جاءتها "آمنة" في نفس اليوم بالمساء مع توأمتها وابنة خالهما الصغيرة، مكثن جميعًا في غرفة نومها حول فراشها، قالت "فيروزة" أولاً وهي تمسح برفقٍ على ذراعها:
-إن شاء الله تبقي أم جميلة لأحلى حزومبل.
نهرتها "آمنة" في حدةٍ غريبة:
-بس متقوليش كده لأختك، ربنا يكملها اللي فاضل على خير.
مالت "فيروزة" على شقيقتها لتهمس لها بمزاحٍ:
-أمك من أنصار الذكور ولا إيه؟
أخفت ضحكتها بيدها، وردت بصوتٍ خفيض:
-مش عارفة.
هتفت "رقية" بمرحٍ وهي تقفز على الفراش:
-أنا عاوزة ألعب بالنونو.
وبختها "آمنة" هي الأخرى بصرامةٍ:
-بطلي تنطيط يا "كوكي"، واقعدي، بلاش الخايلة دي.
اعترضت عليها "همسة" بعبوسٍ صغيرة:
-سبيها يا ماما على راحتها.
قفزت الصغيرة مرة أخرى وهي تسألها:
-هتديني النونو؟
قهقهت ضاحكة وهي ترد:
-هاسيبهولك يا قلبي.
وضعت "آمنة" قبضتها على ذراع ابنتها تستحثها:
-اسمعي كلام الدكتور أهم حاجة، عايزينك تقوميلنا بالسلامة.
بالطبع لم يكن في مقدورها مجادلتها، فقالت في طاعة:
-حاضر يا ماما.
أمسكت "رقية" بعباءة عمتها، وطلبت منها وهي تتلوى بجسدها:
-عمتو، عاوزة أروح التويلت؟
نهضت من مكانها لتصحبها وهي ترد:
-تعالي.
جاءتها فرصة على طبقٍ من فضة لتستفرد بتوأمتها، وتسألها عما شغل بالها بشأنها، لهذا لم تضع الوقت، واستطرد قائلة بغموضٍ:
-بأقولك يا "همسة"، عاوزاكي تكوني صريحة معايا في حاجة كده.
نظرت لها بغرابة، وأخبرتها في قلقٍ:
-في إيه يا "فيرو"؟
لعقت شفتيها، ثم سألتها بحذرٍ، وكامل نظراتها المتفرسة عليها:
-محصلش كده في مرة .. إن آ.. "هيثم" مد إيده عليكي؟
استنكرت ما قالته بوجهٍ ممتقع:
-إيه الكلام ده؟
ألحت عليها بلهجة جادة للغاية:
-معلش ريحيني.
رغم الحيرة المسيطرة عليها لتفكيرها في ذلك إلا أنها أكدت عليها بما لا يدع أدنى مجالٍ للشك في عقلها:
-أبدًا والله، بالعكس ده أنا مبحسش بالأمان غير وأنا معاه.
في تلك الأثناء كان "هيثم" قد انتهى لتوه من إحضار المشروبات لضيوفه، استرق السمع دون قصدٍ منه للحوار الصادم بين الشقيقتين، غامت ملامحه كليًا، وشعر بالغضب يتصاعد في صدره لتشكيكها المتكرر في معاملته لزوجته. زفر الهواء ببطءٍ ليكبح غيظه، أراحه إلى حد كبير ردود "همسة" عليها، فهدأ ذلك من الاحتقان المتزايد بداخله، سمعها تضيف أيضًا:
-وعلى فكرة أي حاجة عملها زمان قبل ما نتجوز مش فارقة معايا حتى أعرفها، يهمني هو بقى إيه دلوقتي.
قبل أن تلعب برأسها قرر "هيثم" الدخول وهو ينظر إلى "فيروزة" في حدةٍ، رحب بها بسخافةٍ، وبتعابيرٍ عبرت عن انزعاجه منها:
-منورة يا أبلة.
بادلته نفس الرد السمج:
-أهلاً بيك يا جوز أختي.
.......................................................
سحابة من الدخان الكثيف انطلقت دفعة واحدة من المبخرة الكبيرة الموضوعة أمامه بعد أن وضع بها حفنة من البخور، ولسانه ينطق بعبارات متلاحقة بصوتٍ خافت للغاية. تراجع "فضل" برأسه للخلف، وسعل باختناقٍ لعدة مرات، قبل أن يطلب من الرجل –الخمسيني- الجالس إلى جواره على المصطبة العريضة:
-كفاية يا شيخ، هاموت.
ضم الرجل طرفي قفطانه الأسود ليخفي بدلته السوداء القديمة، وتطلع إليه من طرف عينه بنظرة ساخطة، ثم ألقى المزيد في المبخرة، كأنما لا يعبأ برغبته، وبيده الأخرى أدار حبات مسبحته مغمغمًا بكلماتٍ غير مفهومة. تنحنح "فضل" بصوتٍ متحشرج ليجلي أحبال صوته، وعلى غير استساغة منه أخرج رزمة من النقود، ليناوله إياه، وهو يقول بغير رضا:
-خد يا شيخ.
بمجرد أن أخذها بدأ في عدها سريعًا، ثم حدجه بنظرة أشد نقمًا على وجوده وهو يخاطبه:
-دول ألف جنية بس!!!
بلزاجته غير المقبولة علق عليه قائلاً:
-حلوين يا شيخ، لفهم أوام بدل ما يتقل بركتهم.
ألقى بالرزمة في حجره، وهدر به في عصبيةٍ:
-إنت بتستعبط يا جدع إنت، دول حق الأسياد، فين أجرتي أنا؟
احتج عليه "فضل" بوجهٍ منقلب:
-ما إنت طالب كتير يا شيخ، هاجيبلك منين؟
أشاح الرجل بوجهه الحانق عنه، وهدر في غيظٍ:
-خلاص بناقص منه ده عمل، إنت اللي عايزني مش أنا.
دمدم "فضل" بتزمتٍ وهو يخرج من جيب قميصه بعض الأوراق النقدية:
-خلاص خد الـ 500 دول كمان.
خطفهم الرجل من يده، ونعته علنًا:
-أعوذ بالله منك، بخيل.
اشتاط "فضل" من تهكمه الصريح عليه، وقال بتعابير مستاءة للغاية:
-ليه الغلط بس يا شيخ؟!
نظر له شزرًا قبل أن يرد:
-هو إنت خليت فيها شيخ؟
أشــار "فضل" بيده وهو يخبره:
-طب انجز كده، واعملنا عمل يطلع من نافوخها.
بعد زفيرٍ سريع التفت ينظر إليه متسائلاً:
-جبت حاجة من قطرها؟
برزت ابتسامة عريضة على محياه وهو يرد:
-أيوه، وصورتها كمان.
هز الرجل رأسه متمتمًا:
-حلو..
دس "فضل" يده في جيب سرواله القماشي ليخرج لفافة بلاستيكية سوداء، أعطاه للرجل الذي فتحه لينظر بداخله، تلمس قماش الدانتيل للثوب الداخلي بيده وهو يسأله:
-كانت لبساه؟
حك مؤخرة عنقه قائلاً بنظرات استغراب:
-مش عارف، هي تفرق يعني؟
اختلج وجه الرجل بعلامات السخط، وقال في قنوط:
-أه طبعًا، أومال هيجيب مفعول إزاي؟!
فكر "فضل" قليلاً، ثم أخبره بعد نحنحة سريعة:
-هو أنا لاقيته في الدولاب.
تفحص الرجل اللباس التحتي بعينين كالمجهر قبل أن يتكلم:
-شكله مش ملبوس.
بنظرة عبثية خبيثة سأله "فضل" بوقاحةٍ:
-هو إنت خبرة في الحاجات دي يا شيخ ولا إيه؟
رمقه بتلك النظرة الدونية وهو يرد:
-لأ بيبان عليه يا فالح.
ضحك "فضل" في لؤمٍ وهو يستظرف:
-خبرة إنت يا شيخ.
لم يعلق عليه الرجل، واكتفى بمنحه نظرة احتقارية، قبل أن يعاود التحديق في الصورة الفوتوغرافية ليضيف بعدها:
-أنا هعملك على الصورة، وأدفنه في قبر لسه مفتوح.
توهجت عيناه بشراسةٍ وهو يعقب في انتشاءٍ:
-حلو الكلام، بس ده هيخلص امتى؟
فرك الرجل ذقنه الطويلة كأنما يهذبها، ثم قال:
-هكلمك، بس الأسياد هيحتاجوا آ...
قاطعه قبل أن ينهي عبارته محتجًا في تنمرٍ صارخ:
-هما أسيادك دول مفاجيع ولا إيه؟
زجره الرجل صائحًا في عصبية رافضة لتطاوله غير المقبول:
-مش ليا، للأسياد يا ابن الأصول!!!
نهض "فضل" من مقعده غير المريح، وأخبره ببرود سمج وهو يلوح بيده في الهواء:
-أما أشوفك خلصت العمل نبقى نراضي الأسياد.
سدد له الرجل نظرة حاقدة للغاية ظلت تتبعه وهو يتحرك نحو باب غرفته المعتمة قبل أن يسبه في غلٍ:
-واحد بخيل وجعان ..................................... !!
...............................................................
#منال_سالم
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الرابع الفصل الثامن 8 - بقلم Manal Salem
مساءكم ورد يا غاليين ..
تصبيرة حلوة للقراء في كل مكان ..
الفصل المائة والثاني والعشرون
بالكاد تحامل على نفسه ليتجنب النظر إليها طوال الدقائق التالية، لم يرغب في افتعال المشاجرات معها؛ لكنها استثارت عصبيته بشكوكه غير الصحيحة، ربما لم يكن منذ البداية يسير على خطٍ مستقيم، ومع هذا سعى جاهدًا لئلا يعود إلى ما كان عليه سابقًا من الاستهتار والرعونة. اتجهت أنظار "هيثم" نحو "آمنة" التي هتفت تشكره بامتنانٍ واضح:
-دايمًا عامر يا حبيبي.
أومأ برأسه معقبًا:
-تسلمي يا حماتي.
جمعت الكؤوس الفارغة في الصينية، وأوشكت على الخروج من الغرفة لوضعهم في أماكنهم بالمطبخ بعد تنظيفهم؛ لكن اعترضت "فيروزة" طريقها قائلة بإصرارٍ:
-هاتيهم يا ماما، أنا هوديهم المطبخ
شعور الكره والنفور كان متبادلاً مع زوج شقيقتها، لم تحبذ البقاء معه في نفس المكان، وهي تكن له قدرًا لا بأس به من الضيق، اعتمادًا على خبرتها السابقة معه، وإن كانت تسعى للنظر إليه من منظور مختلف.
...................................................
سحبت نفسًا عميقًا، وأدت مهمة تنظيف الكؤوس على وجه السرعة، ثم أعادت ترتيب الفوضى الحادثة في المطبخ، قبل أن تلتفت لتجده واقفًا عند أعتابه يرمقه بتلك النظرة الحادة. أبعدت "فيروزة" عينيها عنه، وبدت إلى حد ما عصبية في حركتها، تقدم "هيثم" منها متسائلاً بحنقٍ رغم انخفاض نبرته وهو يغلق باب المطبخ خلفه قاصدًا الانفراد بها:
-إنتي عايزة مني إيه؟
قطبت جبينها مرددة في جديةٍ شبه حائرة، وقد تعلقت أنظارها بالباب المغلق:
-أفندم.
سألها مباشرة، ووجهه يعكس استيائه العظيم منها:
-بتلعبي في دماغ مراتي ليه؟
تفقه ذهنها إلى سبب طرحه هذا السؤال تحديدًا، على الأغلب تلصص عليهما، وسمع حوارها مع توأمتها. بشجاعةٍ لحظية رفعت رأسها إليه، نظرت له بتحدٍ وهي ترد:
-والله أنا من حقي أطمن على أختي، وأتأكد إنها كويسة.
بدا وكأن وجهه يفح نارًا من غضبه، فهتف بنبرة مالت للارتفاعِ قليلاً:
-إنتي خايفة عليها مني؟
أجابته بنزقٍ دون أن تهتز منها شعرة:
-طبيعي أخاف وأقلق من واحد زيك معروف هو كان إيه، وعمل إيه زمان .. ده لو كنت ناسي.
لم يكن "هيثم" من ذوي القدرة على ضبط انفعالاتهم، خاصة حينما يتم استدراجه نحو منطقة الغضب، زادت وتيرة التوتر بينهما، وصاح بها بغلظةٍ:
-أنا مقولتش إني ملاك، بس مراعي ربنا في مراتي، فماتجيش إنتي وتخربيها.
رددت في تهكمٍ، وهي تنظر إليه في عدم تصديقٍ:
-أخربها؟ إنت عارف كويس إنت اتجوزتها إزاي.
بادلها نظرة بغيضة قبل أن يدمدم قائلاً:
-مظبوط، بس حبيتها، ومستعد أعمل أي حاجة عشان تبقى مبسوطة معايا، وهي ماشتكتش.
هزت كتفيها قائلة بنصف ابتسامة، كأنما تسخر منه:
-أتمنى تفضل كده.
بلغ غضبه مبلغه، فهدر بها في تشنجٍ، وقد اشتعلت نظراته نحوها:
-في إيه؟ إنتي بتتعاملي معايا كده ليه؟
توترت من عصبيته الزائدة، خاصة أنها نشطت ذاكرتها بمشاهدٍ حملت نفس الأوجه القميئة الغاضبة التي ألحقت بها الأذى وبشدة. عفويًا تراجعت خطوتين للخلف لتنأى بنفسها منه، بينما استمر "هيثم" في الصياح بحدةٍ وهو يلوح بذراعه أمام وجهها:
-عمري ما جيت جمبك، ولا أذيتك، وعارف إنك مش طيقاني، ولا أنا بقبلك كمان ...
تفاجأت من اعترافه الفظ هكذا علنًا، وحملقت فيه بصدمةٍ لجرأته على الإفصاح عن ذلك بسهولة، كأنما كان يتحين الفرصة للنطق بهذا دون ندمٍ أو خجل، استمرت في الابتعاد عن محيطه، في حين أنه واصل هديره بها مهددًا:
-بس متقلبيش عليا مراتي وتخليها تكرهني، عشان مش هسكت!
لم تظهر إحساسها بالخوف في تلك الحظة، فنفس التعابير الحانقة جعلت بدنها يقشعر، وهتفت في شجاعة غير حقيقية:
-أنا بحذرك!
انتفض يلوح بذراعه بعدائيةٍ أمام وجهها وهو يكز على أسنانه:
-وأنا قولتلك مليون مرة أنا بحبها، ليه مش مصدقة؟
ثم التقط بيده أحد الأطباق الصغيرة، وقذفه أرضًا ليتحطم في عنفٍ جعلها تنتفض خوفًا، وهو مستمر في صياحه الذي ارتفع على الأخير:
-عاوزاني أعملك إيه عشان أثبت إن نيتي صادقة؟
اتسعت عيناها رهبة منه، وتراجعت بظهرها للخلف حتى التصقت بحافة الحوض وهي ترتجف كليًا من طريقته، رغمًا عنها استحضرت في عقلها وجه "آسر" وتصرفاته العنيفة معها، فأصبحت تراه متجسدًا أمامها بدلاً من منه، متذكرة كيف استحقرها، وعاملها بدونية قبل أن تتحول معاملته لطريقة بدائية ووحشية ترسخت معالمها العنيفة في الذاكرة قبل الجسد، وظلت آثارها ملازمة لها إلى الآن. تسمر الأخير في مكانه متابعًا لومه الصارخ بها:
-إنتي إيه؟ معندكيش دم؟ ابعدي عننا بقى، وسبينا نعيش كويسين.
انتصبت شعيرات جسدها أكثر، وأصابتها انتفاضة أخرى مصحوبة بوخزات حسية جعلتها غير قادرة على الصمود، بالكاد نجحت في التمالك حينما جاءت "آمنة" على إثر صراخه، لتتساءل بعد أن فتحت الباب ووزعت نظراتها الحائرة بينهما:
-في إيه يا "هيثم"؟
كانت والدتها تظن في البداية أن الصياح قادمًا من الخارج لكونه غير واضح؛ لكن ما إن أرهفت السمع وتأكدت أنه يأتي من داخل المنزل، حتى أسرعت ناحية المطبخ لتفقد الأمر، بقيت نظراتها تتجول على الاثنين في تخبط وهي تتساءل:
-في إيه يا ولاد؟ حصل إيه؟
لعن "هيثم" من بين أسنانه بصوتٍ خفيض؛ لكن بدت أصابع الاتهام تشير إلى "فيروزة" من طريقته العصبية، قالت الأخيرة فجأة بصوتها المهتز:
-أنا .. هامشي يا ماما.
رمقتها والدتها بنظرة مليئة بالشك وهي تسألها:
-تمشي؟
بلعت ريقها وادعت كاذبة بتلعثم:
-عندي مشوار، مش هتأخر.
تقلصت تعابير وجهها، وهتفت مستنكرة ذهابها المريب:
-مشوار إيه السعادي؟ في إيه يا "فيروزة"؟
لم تنظر ناحيتها وهي تواصل الكذب:
-حاجات خاصة بالمحل، عن إذنك.
كانت بحاجة للهروب من هذا الجو المطبق على صدرها قبل أن تنهار، وتكسب شفقة ليست بحاجة إليها ممن يكن لها الكراهية، فرت بخطوات راكضة نحو الخارج صافقة باب المنزل خلفها. اعترضت "آمنة" طريق "هيثم" وسألته بتوجسٍ:
-حصل إيه يا ابني؟ وكنتو قافلين الباب عليكم ليه؟
زفر سريعًا قبل أن يجاوبها:
-مافيش يا حماتي، دي كانت بتوصيني على "همسة" عشان ماتعبهاش في الحمل.
برقت عينيها في خيفة وهي تخبره:
-أوعى تكون ضايقتك بكلامها، أنا عارفة بنتي، بس هي والله طيبة.
صمت ولم يجبها، فأظهرت قسماته امتعاضًا صريحًا، عادت تسأله وهي تتأمل البقايا المتناثرة للطبق المهشم
-طب وإيه البهدلة دي؟
قال في جمود:
-الطبق وقع مني.
ربتت على كتفه في رفقٍ، وطلبت منه وهي تشير برأسها:
-ربنا يسترها معاكو .. روح لمراتك وأنا هنضف الأرضية.
انسحب مغادرًا المطبخ وهو ما زال على حالته الحانقة، اتجه إلى الشرفة ليبقى بها للحظاتٍ حتى يهدأ تمامًا قبل أن يعود إلى زوجته مدعيًا أن شيئًا لم يكن.
....................................................
ترجل من سيارته بعد أن أوقف المحرك، ثم استقام واقفًا، وأوصد بابها ليستند بمرفقه بعد ذلك على سقفها المعدني، أطلق "تميم" ضحكة سريعة، وأكمل الحديث في هاتفه المحمول مع أقرب رفاقه بمرحٍ:
-ده إنت هتلاقينا فوق دماغك يا صاحبي، بارك للحاج والحاجة، وإن شاء الله نقوم بالواجب وزيادة.
قهقه ضاحكًا من جديد قبل أن ينطق وسط ضحكاته القصيرة:
-هيطلع زي أبوه أكيد، عصب شديد زي كل رجالة عيلة "حرب".
لف ميدالية مفاتيحه حول إصبعه وهو يتابع كلامه:
-هاجيبك بنفسي أبارك طبعًا، هو التليفون ده ينفع.
احتفظ وجهه بابتسامته العذبة وهو ينهي المكالمة:
-الله يسلمك.
أعاد "تميم" الهاتف إلى جيب بنطاله الجينز، وســار على مهل متجهًا إلى مدخل بنايته، بدا وكأن الحظ قد أعطاه منحة أخرى من عطاياه، فبهيته الساحرة أطلت عليه من وسط العتمة كقبسٍ ينير الظلام؛ لكنها لم تكن ككل مرة مبتسمة مشرقة، كانت محنية الرأس، تسير في عجالةٍ، فلم تره، واصطدمت بكتفه خلال اندفاعها الأهوج للأمام، ارتدت تلقائيًا للخلف، واعتذرت ممن صدمته وهي ترفع رأسها إليه:
-أسفة.
وقف "تميم" قبالتها يمنعها من المرور، وتأملها عن كثبٍ بدقة، نظراتها الكسيرة حزت في قلبه، وأشعرته بانقباضةٍ غير مريحة في صدره، سألها على الفور وهو يتفرس في معالم وجهها بنظرة شمولية:
-إزيك يا أبلة؟ إنتي بخير؟
لم تتجرأ على إطالة النظر إليه، أخفضت عينيها الدامعتين، تقاوم الشعور بالخوف والمذلة، ازداد إحساسه بأنها ليست على ما يرام، سألها مرة أخرى بإلحاحٍ ملتاع:
-في حاجة حصلت؟
ارتجافة يدها الممسكة بحقيبتها تضاعفت، ومع هذا قالت بوجومٍ تعيس:
-لأ.. ومن فضلك حاسب.
لم تنتظر رده، بل تجاوزته لتخرج من المدخل وهي تمسح بظهر كفها دمعة نفرت من طرفها، التفت يتبعها بعينيه مرددًا بتعابيرٍ مبهوتة:
-شكلها مش طبيعي.
لم يستطع الصعود للأعلى وتركها ترحل هكذا، حسم أمره وقرر الذهاب خلفها، للغرابة كانت كمن يركب الريح، تطير لا تسير، مما اضطره لاستقلال سيارته للحاق بها، بقيت نظراته مرتكزة عليها خلال قيادته، ولسانه يتساءل بقلقٍ:
-هي رايحة فين كده؟
....................................................
قادتها قدماها إلى تلك البقعة التي احترق عندها أول أحلامها، وجدت "فيروزة" نفسها تجلس على الكورنيش تحدق في الفراغ بعينين تسبحان في الدموع المفعمة بكل الألم، استجدائها لتعاطف الغير لم يكن من خياراتها المطروحة؛ لكن أن تعايش إحساس البغض، المصحوب بالانتقاص من النفس كان كافيًا لإعادتها للمنطقة المظلمة في أعماقها، تلك الذكريات التي أرادت تحصينها بعشرات الأسوار الوهمية لتمنع حتى نفسها من العودة إليها. تصلبت في مكانها غير عابئة بالنظرات الفضولية المتطلعة إليها وهي تبكي في صمتٍ مرير.
بالرغم من وجود تحذيرٍ صريح بعدم صف المركبات هنا، إلا أنه لم يهتم بالمخالفة التي سيتلقاها، وأوقف سيارته بمحاذاة رصيف الكورنيش، هبط "تميم" منها متجهًا إلى حيث يجلس طاووسه الحزين، رأى الدموع تغرق وجهها، كان من رابع المستحيلات أن يتركها هكذا، دون أن يكون إلى جوارها، حتى وإن نبذته، جلس إلى جوارها تاركًا مسافة متر بينهما، وقلبه يعتصره الألم، كور قبضته ضاغطًا على أصابعه حتى ابيضت مفاصله، واستطرد فارضًا نفسه عليها في الحديث:
-أنا عارف إني مش من حقي أدخل في شئونك، بس مش همشي من هنا إلا لما ترجعي بيتك.
كان قد التفت إليها مع ختام جملته، لم تنظر ناحيته مطلقًا، ولم تنطق بكلمة، بدا وكأنه يخاطب نفسه، لولا رؤيته لعبراتها المنهمرة على خدها -من زاويته- لظن أن وجهها تحول لقطعة جامدة من الحجر، استبدت به هواجسه الخائفة عليها، وسألها في قلقٍ كبير:
-إنتي كويسة؟
استطاع سماع شهقاتها المكتومة رغم إطباقها على شفتيها بقوةٍ، لتمنع انفلاتها من بينهما. نهاج صدرها، وتشنج جسدها الملحوظ أكد له احتمالية تعرضها لنوبة أخرى، اقترب منها يناديها بنبرة خائفة:
-إنتي سمعاني يا أبلة.
تجرأ على تحريك يده ناحية قبضتها المتشنجة على الكتلة الحجرية الجالسة عليها، حاول لمسها، فانتفضت قابضة على كفه بقوةٍ متصلبة جعلته يدرك مدى سوء حالتها، حينها ناداها باسمها مجردًا:
-"فيروزة"!!
وقف قبالتها يخاطبها؛ لكنها لم تسمعه، بدا صوته بعيدًا للغاية، بل ويزداد تباعدًا، كأن أحدهم يشوش صوته ليصبح غير واضح، رمقته بنظرة غريبة رأت فيها لهفة حقيقية مطلة من عينيه، وخوف صادق لم يكن بحاجة لتزييفه، ابتسمت في سخرية مريرة، وسط الهلاوس التي تخوضها الآن أيعقل أن تكون طبيبتها محقة بشأن ما أخبرتها به في وقت سابق؟!
كانت غير فاقدة لقدرتها على التفكير والاستنتاج، استنزفت مقاومتها، ونفذت آخر ذرات صمودها لهذا اليوم، لهذا أغمضت عينيها مستقبلة غيمة الظلام التي حاوطتها بترحاب شديد، فتراخى جسدها، وكادت تفترش الأرضية الصلبة لولا أن تلقفها بذراعيه.
حملها "تميم" بحذرٍ وسط دهشة المارة، ليسرع في خطاه متجهًا إلى سيارته، أحدهم كان يلحقه متسائلاً:
-هي مالها؟
لم ينظر لهذا المتطفل، واكتفى بمنحه ردًا يرضيه:
-المدام تعبانة شوية.
ظن الرجل أنه يتحدث عن زوجته، فقال في تفهمٍ:
-ربنا يشفي عنها، ألف سلامة.
تجاهله ليهبط بها عن الكورنيش، وعاد إلى سيارته ليمددها في المقعد الأمامي وهو حريص كل الحرص على الانتباه لها. لف حول سيارته، ليجلس خلف المقود وغمغم راجيًا وهو ينظر إلى وجهها الشاحب نظرة مرعوبة:
-استر يا رب، عديها على خير يا كريم ..................................... !!!
........................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الرابع الفصل التاسع 9 - بقلم Manal Salem
من سهران معانا؟
عندنا تصبيرة حلوة للقراء الغاليين
الفصل مائة وثلاثة وعشرون
من أجرم هكذا في حقها لتغدو هشة من الداخل والخارج؟ حالها تبدل، وأحوالها تغيرت، لم تعد تلك القوية المعتدة بنفسها، بل كانت تذبل يومًا بعد يوم؛ وكأن رصيدها من الكفاح قد انتهى! وحين أفاقت من دوامتها، وبدأت تستعيد ما افتقده، عادت لنقطة الصفر خالية الوفاض، كأنما لم تحرز شيئًا. تطلع "تميم" إلى وجه "فيروزة" الغائب عن الوعي بقلقٍ بالغ، أظهرت ملامحه مدى خوفه عليها، قــاد سيارته إلى أقرب مشفى وسط تركيزٍ شبه ضائع، كان ينظر إليها بين الفنية والأخرى، آملاً ألا تتدهور حالتها للأسوأ، خاصة أنه اختبر معها لأكثر من مرة شعور السقوط في بئر ظلامها.
بالكاد بلغ المشفى بأعصابٍ شبه متلفة، صاح عندما عبر البوابة الرئيسية مناديًا بصوته الجهوري:
-عايز دكتور.
أوقف سيارته عند المدخل الرئيسي، وترجل منها مناديًا بنفس الصوت الهادر:
-حد يساعدني أوام.
رفع أنظاره للأعلى بعد أن فتح الباب الملاصق لـ "فيروزة" ليجد بضعة ممرضين يهرولون في اتجاهه بحاملٍ طبي، امتدت ذراعاه خلف ظهرها، وأسفل ركبتيها، ثم حملها من على مقعدها، وعاونهم في تمديدها على الحامل، قاموا بدفعها وإدخالها إلى الطوارئ في الحال، أسرع في خطواته ليلحقهم؛ لكن استوقفه أحد الموظفين طالبًا منه:
-مش هينفع يا أستاذ، حضرتك تعالى معايا عشان تملى البيانات بتاعتها.
على غير إرادته اضطر أن يتراجع ليسير مع الموظف؛ لكن ظل قلبه –ووجدانه- معلقًا بها!
..................................................
لا يعرف بالظبط كم مرة نظر فيها إلى ساعة هاتفه المحمول، ليحسب الوقت الذي مر عليها منذ أن اختفت بالداخل، احترقت أعصابه من الانتظار، وكاد يصل لحافة الانهيار من شدة خوفه عليها، تنفس بعمقٍ لمرات عديدة، ليثبط ما يعتري صدره من مشاعر مستعرة، أراد المساعدة فمنح الطبيب المكلف بتفقد حالتها لمحات غير مرتبة عن طبيعة ما شهده في حالته، ليساعده على التشخيص الصحيح. جال بخاطره أن يهاتف "هيثم" ليستعلم منه عن الأسباب التي أدت لوصولها لتلك الحالة السيئة، لم يفكر مرتين، وضغط على زر الاتصال به، حياه في اقتضابٍ، ثم سأله بلا تمهيد:
-هي الأبلة كانت عندكم يا "هيثم"؟
تردد صوته قبل أن يجاوبه:
-أيوه، بس مشت من بدري.
احتدت نبرة "تميم" وهو يعقب عليه بتعابيرٍ غائمة:
-ما أنا شوفتها، وحالتها زي الزفت.
ما كان من ابن خالته إلا أن قال له دون تجميلٍ:
-بصراحة أسلوبها يحرق الدم، ما إنت عارف طريقتها معايا.
بدأت معالم الصورة تتضح في ذهنه، فسأله بعد زفيرٍ ثقيل:
-إنتو شديتوا مع بعض؟
تنحنح في خفوتٍ ليجيبه بحذرٍ:
-حاجة زي كده.
انفجر صائحًا فيه دون أن ينتبه لتواجده في رواق المشفى الهادئ:
-مش أنا منبه عليك يا "هيثم"؟!!
رمقته ممرضة ما تسير على مقربة منه بنظرة محذرة، فرفع يده كنوع من الاعتذار غير الشفهي، ركز مع رد "هيثم" المبرر له:
-هي اللي مستفزة اقسم بالله.
كز على أسنانه مانعًا نفسه من شتمه، وسأله على مهلٍ كأنما بهذا يحاول ضبط أعصابه:
-احكيلي على اللي حصل بالظبط.
بعبارات موجزة سرد له ما حدث من مشادة كلامية انتهت سريعًا دون أضرار فعلية من وجهة نظره. اشتاطت نظراته بشكلٍ واضح، وتفشى في وجهه حمى الغضب، يكاد يُجزم من يتطلع إليه في تلك اللحظة أن ملامحه تبدو كقنبلة موقوتة، صوت أنفاسه كان مسموعًا وهو يخبره:
-طيب، خليك عارف بقى إن جالتها الحالة إياها في الشارع، ووقعت من طولها، وأنا نقلتها على المستشفى.
هتف مصدومًا:
-إيه ده، معقولة؟!
عنفه "تميم" بزجرة شبه مسموعة:
-يا ريت تكون مرتاح دلوقتي.
حاول التبرير فقال بتلعثمٍ:
-"تميم" أنا ...
لم يعطه الفرصة لإيضاح موقفه، وقاطعه بلهجةٍ صارمة تحمل في طياتها الإنذار المهدد:
-اسمعني، وماتقطعنيش تاني، اللي حصل حصل خلاص، بس من هنا ورايح مافيش أي صدام معاها، ماشي؟
رد دون نقاشٍ:
-طيب.
استطرد يكمل بعدها:
-تاني حاجة، ماتبلغش حد من أهلها لحد ما أطمن الأول، وأشوف إن كان الوضع يستاهل يعرفوا ولا لأ، مافيش داعي للشوشرة على الفاضي.
بالطبع لم يكن ابن خالته في وضعٍ يخوله بالجدال معه، فأبدى طاعته قائلاً:
-ماشي.
ضغط على زر إنهاء المكالمة وهو يبرطم في غيظٍ متزايد:
-هي كانت نقصاك يا "هيثم"!!
دس هاتفه في جيبه، وانحنى بجذعه قليلاً للأمام، ليستند بمرفقيه على ركبتيه، وواضعًا وجهه بين كفيه منتظرًا بأعصابٍ متلفة سماع ما يطمئنه.
...........................................
وجد في قربه منها كل السعادة الممكنة، وفي بعده عنها كل التعاسة المروعة، لما لا تريح قلبه المشتاق، ويحدث بينهما الوصال؟ أم تراها تتركه على جمر العشق يقتات؟ بعد برهةٍ من انخراطه وسط حزمة لا بأس بها من الأفكار السوداوية غير المبشرة بالمرة، حل ظل طويل عليه، فرفع رأسه ببطءٍ لينظر لصاحبه؛ لكن سرعان ما قفز واقفًا ليسأله:
-خير يا دكتور؟
ابتسم الطبيب وهو يُبلغه بصوته الهادئ:
-فاقت والحمدلله، كويس إنك ادتني فكرة عن حالتها.
سأله في لهفةٍ، وكامل نظراته عليه:
-يعني بقت أحسن؟
هز رأسه قائلاً بتردد بائن على وجهه قبل نبرته:
-ده على حسب ...
حملق فيه "تميم" بوجومٍ شديد، بينما استمر الطبيب في سؤاله:
-هي بتاخد أدوية؟
أجاب بعد تفكيرٍ سريع:
-أيوه، أنا كنت جبته ليها قبل كده.
تساءل الطبيب وهو ينظر مليًا إليه:
-بانتظام؟
انعكست الحيرة على قسماته، وأجابه:
-مش عارف.
أخبره الطبيب كنوعٍ من التحذير:
-ضروري تتأكد، بحيث الحالة دي متكررش تاني ليها، ونصيحتي ليها تبعد عن أي ضغوط نفسية الفترة الجاية.
أومأ برأسه هاتفًا:
-حاضر، اللي تشوفه يا دكتور.
مد الطبيب يده ناحيته بوصفة طبية دونها سابقًا، ثم قال:
-دي شوية مهدئات مافيش منها ضرر عليها، تقدر تصرفها من الصيدلية اللي هنا.
أخذها منه وهو يشكره:
-ماشي يا دكتور، تعبناك.
....................................................
تأكد من إحضار ما يلزمها من أدوية قبل أن يتجه إلى الفراش الطبي المستلقية عليه بغرفة الطوارئ بالمشفى، لم يتم نقلها لغرفة خاصة بسبب إصرارها على المغادرة، كما أن حالتها لم تكن تستدعي البقاء تحت الملاحظة. اجتاح دوار مؤلم رأسها وهي تنزل ساقيها عن طرف الفراش الضيق، مما اضطرها للتشبث بحافته للحظاتٍ حتى تستعيد اتزانها، أقبل عليها "تميم" بعد أن حددت له الممرضة مكانها بين بقية المرضى المفصولين عنها بحواجز قماشية بيضاء اللون، نظر إليها في خوفٍ وسألها بجزعٍ:
-إنتي كويسة؟ أناديلك حد من الدكاترة يشوفك؟
رفعت يدها لتشير له قبل أن تتكلم بصوتٍ نم عن تعبها:
-لأ.. مافيش داعي.
تطلع إليها بنفس الخوف، لكنه تنهد بارتياح مخاطبًا إياها بعفوية تامة:
-خضتيني عليكي.
رفعت "فيروزة" عينيها الحزينتين لتحدق فيه باستغرابٍ، لم يندم لاعترافه النزق، رغب في أن تعلم بأهميتها الشديدة عنه، أن ما تعانيه بمفردها يؤثر عليه بقوة، قرأت في تعابيره اهتمامًا مبالغ فيه، فضاعف من شكوكها، بل إنه أوشك على تأكيد ما ناقشته في وقت سابق مع طبيبتها، أخفضت رأسها وهي تشعر بالارتباك والتخبط، لم ترغب في استنباط أمور وهي في تلك الحالة. استجمعت قوتها لتنهض بحذرٍ، فتقدم منها "تميم" خطوة مقترحًا في تهذيبٍ:
-عايزة مساعدة؟
لف دوار آخر سريع برأسها مما جعلها تترنح، ومع هذا نجحت في التماسك، والاستناد بقبضتها دون قصدٍ على ذراعه الممدودة إليها، سحبتها على مهلٍ وهي تعتذر منه:
-سوري.
حمحم بخفوتٍ:
-ولا يهمك، أنا موجود معاكي لحد ما أوصلك البيت.
ثم أشــار لها نحو طريق الخروج متابعًا كلامه ببسمة صغيرة:
-اتفضلي يا أبلة.
تباطأت في سيرها لئلا تدع الدوار المزعج يعصف برأسها، ولم يتعجل "تميم" ذهابها، كان متمهلاً في خطاه ونظراته تراقبها بحرصٍ واضح. لن ينكر أن الحزن الذي احتل قلبه خف بقدرٍ كبير بعد أن عادت إلى وعيها، وبادلته الحديث، وإن كان بكلماتٍ مقتضبة؛ لكنها تكفيه ليرضى.
.....................................................
تردد للحظاتٍ قبل أن يفتح لها الباب الملاصق للمقعد الأمامي لسيارته لتجلس فيه، توقع أن يُقابل عرضه بالرفض، وربما تطلب استئجار سيارة أجرة؛ لكن على غير المعتاد استقرت به في صمتٍ، وكان في أوج فرحته، غير مصدق أنها اختارت أن تكون إلى جواره مجازًا. أغلق الباب بهدوء وهو يخبرها بابتسامةٍ عريضة:
-حمدلله على سلامتك.
دار حول مقدمة سيارته، وجلس بسعادةٍ لا توصف خلف المقود لينطلق بعدها بسرعة بطيئة نسبيًا، في حين أراحت "فيروزة" رأسها على الجانب، تتطلع إلى معالم الطريق بنظرات جمعت مختلف درجات التعاسة. ما زال التردد ممسكًا بـ "تميم" وهو يحاول جذب أطراف الحديث معها، بدت له فرصة لا تعوض، ليس فقط للحوار معها، وإنما أيضًا لانتشال الحزن من نفسها الكسيرة. أجلى صوته، واستطرد يخاطبها وهو يختلس النظرات ناحيتها:
-الفترة اللي فاتت إنتي كنتي مضغوطة في تجهيز كل حاجة في محلك لواحدك، ده تلاقيه تعبك ...
لم تنظر نحوه، واستمرت في تحديقها الشارد للطريق، فتابع مقترحًا:
-أما ربنا يفتحها عليكي شوفيلك بنت ولا اتنين يقفوا معاكي يساعدوكي ويخففوا الحِمل شوية.
كانت نظراته مشتتة، ونبرتها إلى حد كبير معذبة وهي تتساءل:
-هو أنا للدرجادي وحشة؟
تعجب من سؤالها الغريب، وأجاب نافيًا بما ظهر وكأنه تغزل بها:
-إنتي أحلى من البدر في تمامه، أجمل ما شافت عيني.
انخفضت نبرته مع اختتام جملته الأخيرة متوقعًا أن تنهال عليه بتأنيب عنيف؛ لكنها بقيت صامتة، لا تنظر في اتجاهه، تألم قلبه في حرقةٍ، وأخبرها بعد زفيرٍ سريع:
-إنتي جدعة أوي، مافيش زيك، ماتخليش حاجة تكسرك.
لدهشته التفت تنظر إليه في حزنٍ عميق، بدت غير مقتنعة بما يحاول بثه في نفسٍ تهشمت مرة بعد مرة، فلم يبقَ إلا الفتات ليدعس كذلك تحت الأقدام! بادلها نظرة صامتة محملة بما يضمره قلبه لها، رجا أن تنفذ تلك النظرة العميقة إليها، لترى داخل روحه الذائبة عشقًا فيها. قطعت تواصلهما البصري لتعاود التحديق في المعالم المتداخلة من الطريق.
بعد بضعة دقائق كان يصف سيارته أسفل بيتها، انتظر أن تتحرك من مكانها وتخرج؛ لكنها ظلت جالسة، غير مدركة أنه أوقف المحرك، ناداها بصوتٍ شبه هامس وهو يشملها بنظراتها الحانية
-يا أبلة!
استدارت ناظرة إليه في غرابةٍ، فأخبرها ببسمة لطيفة وهو يشير بسبابته:
-ده البيت.
كأنما قد أفاقت لتوها من سرحانٍ مريب، دققت النظر حولها، واستوعبت ما قاله لتضع يدها على قفل الباب وتترجل من السيارة، تبعها قائلاً في توجسٍ تسرب إليه:
-أنا هستنى هنا شوية لحد ما أطمن إنك طلعت.
هزت كتفيها قائلة بعدم مبالاة:
-اللي إنت عايزه.
أولته ظهرها وتحركت بنفس الخطوات البطيئة، فهتف يوصيها بقلبٍ يحزه الألم:
-خدي بالك من نفسك ...
انزلق لسانه متابعًا بحذرٍ تلك المرة:
-إنتي غالية عند الكل ...
أطبق على شفتيه ليحبس الحروف في جوفه وهو يكمل في لوعةٍ:
-وأولهم أنا.
......................................................
برزت عيناها في استنكارٍ حانق بعد أن رأتها من الشرفة تترجل من سيارته، وعلى الرغم من علمها الجيد بأن صاحبها لا غبار على أخلاقه، إلا أن ألسنة البشر لا تعرف التمييز، يميلون لاختلاق الأكاذيب، وترويج الشائعات من بضعة كلمات ملفقة. اختلجت تعبيرات "آمنة" بحمرة مستاءة، دارت بنظراتها في المكان لتتأكد من عدم رؤية أحدهم لابنتها قبل أن تنسحب من مكانها لتتجه إلى باب المنزل، والضيق يتزايد في صدرها. انتظرت بصبرٍ فارغ صعودها على الدرج، لتخرج إليها تسحبها من ذراعها من على أول البسطة، ثم دفعتها بعصبيةٍ إلى الداخل، أغلقت الباب وسألتها بصوتٍ محموم:
-كنتي فين يا "فيروزة"؟
طاقتها المستخدمة للتبرير لم تكن متوفرة بالقدر الكافي، فأثرت الصمت، وواصلت سيرها المتخاذل نحو غرفتها، مشيت "آمنة" ورائها تسألها في نبرة شبه متعصبة:
-مش دي عربية المعلم "تميم" اللي إنتي نازلها منها؟ هو إنتي كنتي معاه؟
تنهدت "فيروزة" بعمقٍ، وسألتها بصوتٍ خافت وهي تجرجر ساقيها الهزيلتين:
-هتفرق؟
استبد بها ضيقها، وبلغت عصبيتها أقصاها فصاحت بها تؤنبها:
-يا بنتي ردي عليا، بدل ما الناس تاكل وشي!!
وكأنها انتزعت فتيل لغمٍ دفن في حقبة سالفة دون أن تعي خطورته، احتدت نظرات "فيروزة"، واشتاطت وهي تلومها:
-الناس؟ هو ده اللي يهمك الناس هاتقول إيه؟ مش فارق معاكي أنا؟!!
أخبرتها ببساطة:
-أيوه، ما احنا مش عايشين لوحدنا ...
ثم رمقتها بتلك النظرة اللائمة وهي تتابع في قساوة لا تخلو من الاستفزاز:
-ده غير إنك أرملة، وأصحاب النوايا السوء ممكن يفكروا إن السِكة سالكة، وإنك آ....
لم تتحمل سماع هذا الافتراء الظالم وتسكت عنه، قاطعتها في عصبيةٍ ارتفعت وتيرتها في لمح البصر:
-نعم؟ إيه الكلام ده؟
ردت عليها والدتها بنفس الحدة:
-أنا بوعيكي باللي ممكن يتفهم غلط، الناس مش بتسيب حد في حالة.
اهتاجت "فيروزة" صارخة في وجهها، ومشاهد غير سارة تصارع بضراوة لاقتحام عقلها:
-الناس، الناس، الناس!!
لم تحتوِ "آمنة" ابنتها، واستمرت في الضغط عليها:
-أيوه الناس، لازم نعملهم اعتبار.. إنتي مش عايشة لوحدك على جزيرة مقطوعة.
ارتعشت أطراف "فيروزة" في عصبيةٍ مخيفة، وهدرت بكل ما اعتراها سابقًا من حرقة مؤلمة:
-عشان خاطر الناس دول أنا اتهنت واتبهدلت ...
كانت والدتها على وشك الرد؛ لكن أخرسها صياح "فيروزة" الرهيب:
-عشان كلام الناس اللي خايفة عليهم اترميت في الغربة لوحدي من غير سند ولا ضهر يحميني.
استمرت في رفع نبرة صراخها وهي تخبرها بألمٍ لا يزال نابضًا بها:
-عايزة تعرفي حصلي إيه هناك؟
رمشت "آمنة" بعينيها في ارتعاب فزعٍ، فتعابير ابنتها، وحركاتها الانفعالية أخبرتها أنها في وضع سيء، دنت منها لتهدئها؛ لكنها نبذت ذراعها وتراجعت مبتعدة عنها لتتابع في حنقٍ:
-هاقولك، خدت على دماغي، وبقيت أضرب كل يوم، وأتذل وأتهان بأبشع الطرق، ومش قادرة أفتح بؤي ولا اشتكي.
نهج صدرها، وهدرت أنفاسها مع قولها:
-أنا كنت بين الحياة والموت، مرمية في المستشفى، محدش دريان بيا.
انتزعت حجابها عنها، وأدارت رأسها للجانب وهي تُحدث فرقًا في شعرها، لتنطق بعد ذلك بنفس الصوت الصائح:
-بصي شوفي كويس الغرز اللي مدرياها دي، من "آسر" بيه سليل العائلات المحترمة، اللي بتدعيله بالرحمة على طول ....
هبطت الصدمة عليها كصاعقة بعد أن رأت ما ترك من أثر في فروة رأسها، وبدأت عيناها تحتجزان العبرات فيهما، في حين أرخت "فيروزة" يديها، واستقامت واقفة لتخبرها باعتزازٍ مخلخل:
-هو اللي عمل كده فيا، عشان الشجاعة خدتني ووقفت قصاده وقولت لأ، كفاية ذل واستعباد وآ...
عجزت عن إخبارها بما اختبرته، وعاشته من معاناة بشعة أودت بها للحضيض. انخفضت نبرتها نسبيًا، وتهدل كتفاها في انكسارٍ واضح عندما قالت بصوتٍ مهزوم:
-كمل على اللي فاضل فيا ...
سرعان ما عاد الهياج ليستبد بنبرتها وهي تضيف:
-أنا كنت هموت على إيده لولا إن ربنا كتبلي عُمر جديد.
رجتها والدتها في خوفٍ وقد فاضت عيناها بالدمع تأثرًا:
-اهدي يا "فيروزة".
صياحها الصارخ أجبر الصغيرة "رقية" على الاستيقاظ من نومها بفزعٍ، خرجت متسللة على أطراف أصابعها من غرفة أبيها النائم بعمق بسبب تأثير الأدوية الثقيل، فركت عينيها الناعستين، وتقدمت للأمام، وجدت ابنة عمتها تتشاحن مع أمها في عصبيةٍ هوجاء، وقفت عند باب غرفتها، تتشبث بحافته، أو الأحرى أنها تختبئ ورائه خوفًا مما يحدث بينهما.
أمسكت "فيروزة" بمزهرية صغيرة، التفت أناملها حولها بقوةٍ، وصاحت بنظراتٍ عكست ظلامًا مخيفًا:
-طالما الناس هيتحكموا في حياتي، أنا مش عايزاها، ولا عايزة الناس.
تحركت "آمنة" في عشوائية تحاول منعها من التصرف برعونةٍ وهي تستعطفها:
-استني يا بنتي، اسمعيني بس.
نفضت يديها اللاتين تحاولان إيقافها، وقذفت بالمزهرية في عنفٍ مفرط نحو التسريحة، فسقطت مرآتها الكبيرة مهشمة بدويٍ مفزع، شهقت "آمنة" في رعبٍ، وصرخت "رقية" بخوفٍ، بينما امتدت قبضة "فيروزة" لتمسك بقطعة من الزجاج الحاد، وتطلعت إلى والدتها بنظراتٍ جوفاء خالية من الحياة وهي تخبرها:
-أنا خلاص تعبت من كل حاجة، بعمل اللي يريح الناس، لكن أنا فين من ده كله؟!!
لطمت "آمنة" على صدغيها مستغيثة:
-يا لهوي، الحقوني يا نـــاس، غتوني!!
اشتدت قبضة "فيروزة" على نصل الزجاج القاطع، غير عابئة بالجروح التي نتجت عنها، ولا بالدماء التي نزفت منها، تخشب جسدها، وهدرت بأنفاسٍ منفعلة، وقد كست عيناها قساوة مخيفة:
-أنا هريحكم كلكم مني ........................................ !!!!
.....................................................
#منال_سالم
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الرابع الفصل العاشر 10 - بقلم Manal Salem
للساهرين بعد منتصف الليل ..
فصل جديد يستحق المتابعة
الفصل المائة وأربعة وعشرون
باسترخاءٍ ظاهر عليه وهو مستلقي على فراشه، ضم ساقه فوق الأخرى، وأراح ظهره للخلف مستندًا على وسادتين تحتاجان لإعادة نفض القطن المحشو بداخلهما، نظرة سريعة سددها نحو باب غرفته الموصود، قبل أن يتجرأ على إخراج قطعة الثياب التحتية المحتفظ بها أسفل إحدى الوسادتين للنظر إليها عن كثب. رفعها "فضل" إلى مستوى نظره وهو يتحسس ملمس قماشها الدانتيل، مستحضرًا في ذهنه لحظة عودته إلى المشعوذ -مدعي المعرفة والعلم- ليأخذها منه عنوة، بعد أن انتهى لقائه به بدقائق وهو يقول بتهكمٍ مستفز:
-ماظنش إنها هتفيدك في حاجة.
ضاقت عينا الرجل في استنكارٍ، وهتف يوبخه:
-يا ساتر عليك.
دسها في جيب بنطاله، وأشار بإصبعه مشددًا:
-ماتنساش اتوصى بالعمل.
بوجهٍ منقلب أخبره وهو يضع حفنة من البخور على مبخرته:
-قولتلك لما هخلصه هعرفك.
علق عليه في سخرية مليئة بالصلف:
-ماشي يا .. بركة.
أفاق من شروده السريع وهو يفرك بإبهامه الملمس القماشي، ثم قال بابتسامة بغيضة:
-هاتروحي مني فين يا بنت عمي؟
اسودت نظراته، وعكست شرًا دفينًا وهو يتابع وعيده:
-ده أنا هاطلع كل البلى الأزرق على جتتك.
-يا "فضـــل"!!
نداء والدته القادم من الخارج أجبره على إخفاض ذراعه، وإخفاء قطعة الثياب أسفل وسادته ليصيح بعدها بصوتٍ خشن:
-أيوه يامه.
أخبرته بصوتها المرتفع:
-تعالى شيل صينية الأكل عشان تتعشى.
وسد ذراعه خلف رأسه، وادعى بالكذب:
-هاتيهالي يامه، مش قادر أقوم من مكاني.
لحظاتٍ وأتت إليه حاملة صينية الطعام، بدت غير قادرة على الوقوف باستقامة، ولم يكلف نفسه عناء النهوض لتناولها عنها، انتظر حتى وضعتها على طرف الفراش، تأمل ما حضرته له، وقال بتعابيرٍ غير مبتسمة:
-إنتي محطتيش البيض المقلي على الفول؟
نظرت له قائلة بحاجبين معقودين:
-الزبدة خلصت، بكرة الصبح أبقى أشتري.
اعتدل في رقدته، وقال وهو يقطع رغيف الخبز إلى أجزاءٍ صغيرة:
-طب اعمليلي شاي في الخمسينة يظبط دماغي قبل ما أنام.
قالت وهي تزفر في ضيق:
-حاضر يا "فضل"، إياكش تبطل طلبات وتريحني.
ملأ فمه بالطعام، يبلعه دون مضغه جيدًا، كان يأكل بنهمٍ شديد، وكأن رغبته في الانتقام قد أصابته بجوعٍ غريب.
.............................................
التدخين .. عادة سيئة كان بحاجة للإقلاع عنها كليًا، وها هو يجتهد في مسعاه لأن يدخن أقل من المعتاد بكثير، حتى يتوقف عن فعل ذلك تمامًا، ومع هذا كانت في بعض الأحيان وسيلته المتاحة لطرد الشحنة المشتعلة بداخله، فإن بقت كما هي لربما جعلته يتصرف بغير حكمة؛ لكن في كل الأحوال البقاء على تلك العادة ليس بالمحمود على المدى الطويل. انتظر "تميم" مرتكنًا على جانب السيارة يهز ساقه في عصبية، ومكتفًا لساعديه أمام صدره، وعيناه تتطلعان إلى الأعلى، دعته الحاجة للإمساك بشيءٍ ما يفركه ليخفف من التوتر، ففضل البحث عن ولاعته، لم تكن بجيبي بنطاله، فانحنى يفتش عنها من النافذة؛ لكنه رأى كيس الدواء الذي ابتاعه موضوعًا كما هو على الكرسي الخلفي، غمغم يؤنب نفسه في انزعاجٍ:
-إزاي نسيته!
التقطه بيده، وأوصد سيارته عاقدًا العزم على توصيله لها، لكونه يعلم مدى حاجتها لتناول أدويتها في هذا الظرف المرضي الحرج. سحب شهيقًا عميقًا، وأسرع في خطاه متجهًا للداخل. بدأ في الصعود بخطواتٍ سريعة على السلم، فاسترعى انتباهه الصراخ القادم من عند طابقها، تهادى في سيره، وأرهف السمع لما قيل بوضوحٍ، حلت الصدمة على رأسه فأصيب بوخزات قابضة في صدره، جعلت أصابعه تشتد على حافة الدرابزين، بدا وكأنه سيسقط من هول ما سمعه مصادفة، بل وجسد عقله تلقائيًا مشاهدًا تخيلية لما يمكن أن تكون ذاقته من ويلاتٍ قاسية بمفردها دون دعمٍ أو مساعدة، أو حتى قدرة على إيقاف بطش ذلك الوغد الحقير. استشاطت نظراته، واصطبغت بشرته بحمرة حانقة صعدت إلى وجهه، مشاعره المدافعة عنها جعلته في تلك اللحظة راغبًا في الثأر لها، في تمني عودة الزمن إلى الوراء من أجل قتل هذا القميء قبل أن تمسها يداه بسوءٍ. ثقلت أنفاسه، وظهر بوضوح محاولته المضنية لتحجيم ما يستعر بداخله حاليًا. انتفض مع صراخ "آمنة" المستغيث:
-الحقوني يا نـــاس!
تحرك سريعًا نحو باب المنزل يقرع جرسه، ويدق على بابه في عصبية امتزجت بالخوف، كاد يجن وهو واقف بالخارج عاجز عن اقتحام المنزل، أوشك أن يحطم الباب لولا أن فتحت الصغيرة "رقية" له لتخبره وهي ترتعش:
-الحقنا يا عمو.
ظهرت علامات الرعب على كل تفصيلة من وجهها، سألها "تميم" في جزعٍ:
-فين عمتك والأبلة؟
أجابت ببكاءٍ وهي تشير بيدها:
-جوا.
كان يعرف الطريق جيدًا إلى غرفتها، لم ينتظر الإذن للسماح له بالدخول، اقتحم البيت قاصدًا نجدتها من أي ضرر قررت إقحام نفسها فيه، بسبب إتلاف أعصابها وإيصالها لحافة الانهيار.
جحظت عيناه فزعًا وقد رأى يدها القابضة على قطعة من الزجاج مخضبة بالدماء الغزيرة، ووالدتها جاثية قبالتها تتوسلها في حرقة:
-"فيروزة"، حرام عليكي يا بنتي.
نفضت ذراعها الممدودة إليها بقسوةٍ، وهدرت في غير وعي:
-سيبوني بقى، خلوني أموت وأرتاح.
لم يقف متجمدًا كالمشاهد كثيرًا، بل اندفع ناحيتها جاثيًا على ركبته، بعد أن ألقى بكيس الدواء جانبًا، ثم قبض على معصمها، ونظر إليها راجيًا:
-عشان خاطري أنا سبيه.
تطلعت إليه بعينين غائرتين، بها نظرات خاوية، ليست كتلك النظرات المعتاد عليها منها، وإن كانت في كثير من الأحيان فاترة. صرخت به "فيروزة" في شراسةٍ وقد اشتدت قبضتها على القطعة الزجاجية:
-ابعدوا عني، أنا تعبت من كل حاجة، كفاية بقى، عايزين إيه مني؟!
نظرت "آمنة" في عجزٍ أولاً إلى "تميم" تستجدي به، قبل أن تحملق في ابنتها تستعطفها ببكاءٍ:
-حقك عليا يا بنتي.
أشــار "تميم" بعينين صارمتين لأمها لتفسح له المجال ليتمكن من التعامل معها بروية، فتراجعت زاحفة للخلف وكامل نظراتها على وجه ابنتها، وضعت يديها على فمها تكتم شهقاتها المذعورة، في حين استطاع "تميم" الانتقال من موضعه ليغدو في مواجهة طاووسه الجريح، حاول تخلل أناملها المحكمة بشدة على قطعة الزجاج بيده الطليقة وهو يطلب منها بصوتٍ خفيض لكنه آمر:
-سبيه.
وكأنها تخاطب طيفًا وهميًا لا وجود له، واصلت "فيروزة" الصراخ باهتياجٍ:
-كفاية بقى تعذيب فيا.
حافظ على ثبات نبرته رغم الألم الذي يجتاحه عندما قال:
-محدش هيجي جمبك.
جُرحت أصابعه وهو يمررها في فراغٍ حاول إيجاده بين أناملها والنصل الحاد، بقوةٍ ذكورية كانت مضاهية لها في قوتها الناجمة عن انفعالها العصبي، لم يأبه للجروح التي نالت منه، ولم يكترث لو تقطع جلده واهترئ، يكفيه ألا تصاب بالأذى .. بقيت عيناه عليها، لا يرى سواها، بالرغم من كونه متيقنًا أنها لا تراه فعليًا، غضبها المتفجر حجب عنها الصواب، رمقها بنظرة دافئة بث فيها كل ما اعتمر كيانه منذ لحظة إدراكه لحبه لها، أرادها وسط غياهب الظلام المستبد بها حاليًا أن تبصر نقاء مشاعره، وقد كان له ما رجا، النظرات المشتاطة بدأت تسترخي، تتطلع إليه في حدةٍ أقل عما مضى، شاركها الألم ظاهريًا وباطنيًا، حاول احتواء غضبها الأعمى بصبره الحليم، وبعد مثابرة حذرة كانت قبضته تحمي كل يدها الجريحة من النصل، انتزعها منها وهو يبادلها نفس النظرات الحانية. في تلك اللحظة تحديدًا كانت "آمنة" ممتنة لوجده، شاكرة لحضوره معها، وإلا لكانت خسرتها للأبد. هتفت من ورائه قائلة بنهنهاتٍ باكية:
-أنا هاطلب الدكتورة بتاعتها تلحقها.
صوتها أجج من جديد الغضب في ابنتها، فصرخت عاليًا:
-كفـــــــاية.
وقبل أن تفكر في التقاط أي قطع زجاجية أخرى، قبض "تميم" على معصميها بكفيه مثبتًا إياها في مكانها، ليمنعها من تكرار المحاولة أو الإقدام على شيء أكثر تهورًا. قاومت "فيروزة" تحجيمه لقواها الغاضبة، وواصلت الصراخ الهيستري، فما كان منه إلا هتف:
-بسرعة يا حاجة الله يكرمك.
دنت "رقية" منهما، وتساءلت في ارتعاشٍ لا يزال مسيطرًا عليها:
-هي مالها؟
سلط "تميم" أنظاره عليها، وأمرها بحزمٍ:
-خليكي واقفة بعيد...
هزت رأسها في طاعة، وتراجعت إلى البقعة التي كانت تختبئ بها، حاول كذلك طمأنتها، فتصنع الابتسام وقال:
-متقلقيش عليها هاتبقى كويسة.
عادت عيناه تتأمل وجه "فيروزة" الغاضب، هزها في رفقٍ لتستجيب لكلامه وهو يخاطبها:
-إنتي أقوى حد عرفته، ماتستسلميش!
ضاقت عيناها في شراسةٍ تخللها القليل من الدهشة، وكأنها تبحث وسط ما تجابهه عن منفذ للخروج؛ لكن انفعالاتها الثائرة أبت أن تتركها بعد أن تفجرت بداخلها، هاجت وماجت وصرخت بألمٍ حتى خارت قواها، وسكنت في جمود مريب. تضاعف خوف "تميم" عليها، وصاح في حنقٍ وهو يدير رأسه نحو الباب:
-الدكتورة ردت ولا لأ؟!!
حينما عاود التحديق ناحيتها كان منكسة لرأسها، شعر بارتخاء تشنج معصميها أسفل قبضتيه، رأى كتفيها وهما يتهدلان، وأنفاسها المنفعلة تخبت، فاستطرد يخبرها بصوتٍ مال للخفوت؛ لكنه كان صادقًا للغاية:
-أنا جمبك .. على طول.
.................................................
انتهى الطبيب الذي استدعاه من تضميد جروح يدها قبل أن يعالج جروحه هو الآخر، بالطبع أعطاه نصائح إرشادية بضرورة عرض المريضة على طبيب نفسي، فتقبل نصائحه بصمتٍ، وأوصله إلى الخارج مع نفحة مالية سخية. استدار ناظرًا إلى الصغيرة "رقية"، كانت جالسة على الأريكة منكمشة على نفسها، تضم ركبتيها إلى صدرها، تحرك ناحيتها، وجلس إلى جوارها يسألها بإرهاقٍ:
-إنتي عاملة إيه؟
بعينين حمراوين من البكاء سألته في براءة:
-هي.. "فيروزة" هتموت؟
انقبض قلبه من مجرد الفكرة، ازدرد ريقه، ثم لف يده حول كتفيها نافيًا بوجهٍ متقلص العضلات:
-لأ بعد الشر عليها، هي بس كانت مضايقة شوية ...
تصنع الابتسام وهو يكمل:
-ودلوقتي هتبقى كويسة.
بدت غير مقتنعة بكلامه، ولم يكن في حالة مزاجية رائقة تجعله قادرًا على اختلاق الحجج لها لتبديد مخاوفها، مسد "تميم" بيده على شعرها كأنه يمشطه، وسألها في لطفٍ:
-إنتي كده مش اتأخرتي على ميعاد نومك؟ بابا هيزعل منك.
اعترفت له بنفس البراءة وهي تنظر إليه:
-أنا خايفة.
ربت على كتفها في تعاطفٍ متفهم، ثم أخبرها ببسمة صغيرة تشكلت على زاوية فمه:
-حد يخاف والمعلم "تميم" معاه؟
ما كان من الصغيرة إلا أن حلت ساعديها، وارتمت في أحضانه قائلة بعفوية الأطفال:
-أنا بحبك.
مسح على ظهرها في رفقٍ، وهو يتطلع إليها مليًا، قبل أن ينطق:
-إنتي كل الناس بتحبك.
نهضت من جواره مبتسمة، لتختفي بالداخل، وعيناه تتبعاها، تنهيدة بطيئة خرجت من بين شفتيه يلاحقها اعترافه الهامس:
-أنا بقى بحب بنت عمتك .. أوي.
قرع الجرس فقام "تميم" متجهًا إلى الباب ليفتحه متوقعًا الزائر المتأخر؛ كانت الطبيبة "ريم"، نظرت إليه بتفحصٍ وهي تتساءل:
-ده بيت "فيروزة أبو المكارم"؟
بادلها السؤال بآخر وهو ينظر إليها نظرة شمولية متشككة:
-حضرتك الدكتورة بتاعتها؟
أجابت في هدوءٍ:
-أيوه.
تنحى للجانب وتابع فيما يشبه الرجاء وهو يشير بيده:
-اتفضلي حضرتك، احنا مستنينك من بدري.
هزت رأسها في تفهمٍ، واتجهت إلى حيث أرشدها لتقوم بمهمتها وهي تعلم تمام العلم أن ما ينتظرها بالداخل ليس بالجيد.
..............................................
جلوسه بالخارج أصبح غير ضروري، لا معنى له، وربما غير مقبولٍ؛ لكنه كان مستعدًا لتحمل كل اللوم والتوبيخ في سبيل سماع ما يسره من أخبار. جاءت "آمنة" بوجهها الباكي إليه، حيث يجلس بمفرده بالبهو، وبالقرب من باب المنزل، أعدت له فنجان قهوة، واعتذرت منه وهي تنظر إلى يده الملتفة بالشاش الأبيض:
-أسفة يا معلم على اللي حصلك.
أخذه منها بيده الأخرى غير المصابة، وقال في هدوءٍ:
-المهم نطمن على الأبلة.
وكأنه ضغط على زر البكاء لديها، فراحت تنوح له شاكية في حسرةٍ:
-أنا معرفش إيه جرالها، احنا يدوب كنا بنتكلم ..
نظرت إليه من طرف عينها، وهي تتابع بحذرٍ:
-ومتأخذنيش يعني أنا بوعيها للصح.
فهم أنه المقصود من تلميحها المبطن، وحمحم قائلاً:
-أكيد، حقك طبعًا يا حاجة، محدش يزعل من كده ...
ثم عَمِد إلى تبرير موقفه موضحًا:
-بس بنتك كانت في المستشفى.
لطمت على صدرها بتعابير وجهٍ ذاهلة جعلتها تتوقف لحظيًا عن البكاء والنواح، فرغت فمها للحظة لتلعق شفتيها بعدها وتسأله في جزعٍ:
-حصلها إيه؟
لم يمنحها الجواب بسبب رؤيته للطبيبة وهي تعود إليهما، تعلقت أنظاره القلقة بها، وبادر بسؤالها:
-ها يا دكتورة؟ بقيت عاملة إيه دلوقتي؟
وزعت نظراتها المستهجنة بين الاثنين، وخاطبتهما بما يشبه التأنيب:
-حضراتكم ببساطة كده هديتوا كل اللي تعبنا فيه الفترة اللي فاتت، ووصلتوها للانهيار.
دافعت "آمنة" عن نفسها قائلة:
-أنا ملحقتش أقولها حاجة.
ركزت "ريم" نظرها عليها، ونطقت بتعابيرٍ مستاءة:
-مش لازم تكون من النهاردة بس، دي تراكمات على فترات طويلة.
استطرد "تميم" يخبرها هو الآخر:
-أنا كنت جايبها لسه من المستشفى، وكانت حالتها آ...
قاطعته قائلة بلهجة غلفتها الرسمية:
-ما أنا شوفت الدواء الموجود جوا، وده أكدلي إنها مكانتش في حالة طبيعية.
عادت "آمنة" للعويل مجددًا، فقالت:
-وأنا كنت أعرف منين إنها تعبانة؟
انخرطت في بكاءٍ سهل استدعائه وهي تكمل:
-والله كل الحكاية إني خايفة عليها وعلى سمعتها، كنت بفضفض معاها وآ...
لم تستسغ "ريم" ما تحاول تبريره من أعذارٍ ألحقت الأذى الجسيم بمريضتها المكافحة، فقاطعتها بلومٍ واضح:
-يا مدام بنتك مثال للأخلاق والأدب، إزاي تظني فيها حاجة وحشة لمجرد إنها بتعافر عشان تقف من تاني على رجليها؟!!
سألتها "آمنة" وهي تبكي في حزنٍ:
-يعني أنا السبب؟
تنفست بعمقٍ، ثم ردت كنوعٍ من التوجيه الناصح:
-مافيش داعي نرمي اللوم على بعض، المهم كلنا نتوحد في سبيل إنها تكمل علاجها وتتخطى المرحلة دي.
من تلقاء نفسه هتف "تميم" مؤيدًا إياها:
-كل اللي هاتقوليه هيتنفذ بالحرف يا دكتورة.
بنفس الطريقة المليئة بالغباء أردفت "آمنة" قائلة؛ كأنما تتجنب الهجوم والاتهام على شيءٍ لم يحدث من الأساس:
-والله كلامي كان نابع من خوفي على سمعتها، الناس مابترحمش حد، وخصوصًا لو واحدة كانت متجوزة ولا أرملة.
اشتاط "تميم" غضبًا من كلامها، والتفت يحدجها بنظرة قاسية قبل أن ينطق مهددًا:
-قطع لسانهم، وأنا كفيل أخرسهم كلهم، وإنتي عرفاني.
رمشت بعينيها رهبة منه، ثم ردت عليه في توترٍ:
-يا معلم إنت راجل، مافيش لوم عليك.
نفس أسلوب الإدانة المبتذل لشخص حبيبته، وهذا ما لم يقبل به أبدًا، ثارت ثائرته، وهتف بصوتٍ متشنج رغم عدم ارتفاعه:
-يا حاجة لولا إن الظرف غير مناسب كنت جبت أهلي واتقدمت لخطوبة بنتك.
اتسعت عينيها مذهولة من عرضه غير المتوقع، بينما عنفته "ريم" في إنكارٍ واضح على ملامحها قبل نبرتها:
-إيه الكلام ده؟
هسهست "آمنة" مكررة في عدم تصديق، كأنما لم تستوعب حقًا ما صرح به:
-تـ .. تخطبها؟
كان على وشك الرد عليها؛ لكن قاطعتهما "ريم" بعصبيةٍ طفيفة:
-كلمني من فضلك، جواز إيه اللي بتتكلم عنه دلوقتي؟
نظر إليها بتحفزٍ شبه غاضب، فأكملت مبررة اعتراضها:
-دي إنسانة محطمة من جواها، عايزها تخوض تجربة جديدة مانعرفش أثارها هاتكون عاملة إزاي عليها؟!!
أصغى للمنطق العلمي البارز في كلامها، ولم يعقب، فاستمرت تشرح له:
-المفروض الأول نعالج اللي فات قبل ما نزود همومها بحاجة هي مش مستعدية ليها.
أطلق "تميم" زفرة ثقيلة من صدره، وقال بنظراتٍ ثابتة:
-وأنا عايز اللي فيه مصلحتها.
تنفست الصعداء لعقلانيته، وردت عليه بتمهلٍ:
-يبقى الأفضل نتجنب الكلام عن المواضيع دي دلوقتي، ولو بشكل مؤقت.
هز رأسه مرددًا في تفهم:
-ماشي.
استدارت "ريم" لتنظر إلى "آمنة" قبل أن تقترح بحذر:
-كمان أنا أفضل الفترة الجاية تكمل العلاج تحت ملاحظتي.
سألها "تميم" في لهفةٍ يشوبها كل الخوف:
-يعني إيه؟
حولت أنظارها نحوه، وأجابته:
-أنا عايزة أنقلها لمكان مناسب تستجم فيه بعيد عن أي توتر.
صاحت "آمنة" متسائلة في حسرةٍ وهي تضرب على صدرها:
-هو بنتي ضاعت خلاص؟
ضجر "تميم" من تشاؤمها المستثير للأعصاب، ونهرها بخشونةٍ:
-يا حاجة بالله عليكي تهدي وتخلينا نفهم.
هزت رأسها في طاعةٍ، فعاود النظر إلى "ريم" التي أخبرته بتريثٍ:
-أنا بأروح زيارات يومية لدار مسنين مستواها معقول، فيها قسم للحالات النفسية، فاقترح إن "فيروزة" تتواجد هناك لكام يوم تحت متابعتي المباشرة.
رحب "تميم" بالفكرة، وقال دون ترددٍ:
-اعملي الصح يا دكتورة، واحنا موافقين.
همت "آمنة" كعادتها بالاحتجاج على طلبها:
-بس كده الناس هتفتكر إنها الشر برا وبعيد بقت آ....
أخرسها "تميم" بنظرة قاسية محذرة:
-محدش ليه دخل، الناس هتنفعنا بإيه؟ مصلحة الأبلة فوق أي اعتبار.
خشيت من جموح غضبه نحوها إن استمرت في الجدال معه، فلاذت بالصمت مهابةً منه، بينما استمر في قوله:
-الدكتورة تعرف أكتر مننا يا حاجة.
دمدمت في خنوعٍ:
-أكيد ...
ثم وجهت كلامها إلى "ريم" قائلة:
-لا مؤاخذة الكلام خدني وماجبتلكيش حاجة تشربيها.
ردت الأخيرة في تهذيبٍ:
-مافيش داعي.
أصرت عليها بصوتٍ ما زال مختنقًا:
-لأ ما يصحش.
غادرت وهي تكفكف العبرات المنسابة من عينيها، في حين حملقت "ريم" بفضول لهذا الشخص الماثل أمامها تسأله دون حرجٍ:
-أنا أسفة في السؤال، بس ممكن أعرف إنت مين؟ يعني صلة القرابة إيه مع العيلة؟
سهل لها إجابته قائلاً:
-ابن خالتي متجوز أختها ..
رمقته بنظرة حائرة قبل أن تتساءل مرة أخرى:
-هو إنت على طول متواجد في محيط الأسرة؟
نظر لها في استغراب وهو يقول:
-مش فاهمك.
رتبت أفكارها في رأسها سريعًا لتنطق بعدها بوضوحٍ:
-أقصد هل ليك تعامل مباشر مع "فيروزة"؟
تردد بشكلٍ شبه ملحوظ وهو يخبرها:
-آ.. يعني.
هزت رأسها دون أن تعقب مما دفعه لسؤالها بفضولٍ:
-بتسألي ليه يا دكتورة؟
تطلعت إليه مليًا، وأصابه ذلك بالضيق، لهذا تكلم بقنوطٍ:
-مش معنى إني مش من العيلة إني ماخدش موقف يخدم الأبلة، لأ أنا بفهم كويس وآ..
قاطعته برفع يدها أمام وجهه:
-لأ عادي، أنا بس بتأكد كده من حاجة.
زاد الفضول الحائر بداخله، وسألها في صبرٍ شبه نافذ:
-حاجة إيه؟
حاولت تبرير موقفها بشكلٍ عملي لا يفشي أسرار مريضتها:
-يمكن ماتفهمنيش، بس ده أسلوب بتبعه مع "فيروزة" كمريضة إننا نتكلم عن الأشخاص اللي ليهم دور إيجابي في حياتها، وجايز تكون واحد منهم.
سألها مباشرة، ونظراته ضاقت بشكٍ مستريب:
-هي قالت عني حاجة مخصوص؟
بملامح غير مقروءة أجابته برد دبلوماسي:
-دي مجرد تخمينات عادية، ماتشغلش بالك.
بدا غير مقتنعٍ بردها العائم، ومع هذا لم يناقشها كثيرًا، فأنهى الكلام معها بانسحابه:
-ماشي يا دكتورة.
ربما كانت عالقة في هذيانها المضلل، لا تعي غالبية ما يحدث معها؛ لكن فور أن سرى مفعول المهدئات في شرايينها، بدأت في الاسترخاء مستسلمة للاستكانة الإجبارية المقدمة لها، ومع هذا بدا عقلها شبه متيقظ لما يدور بالخارج، فالتقطت أذناها كلماته المدافعة باستماتةٍ عنها، شعرت بالأمان يتخللها، بسكينة غريبة تنتشر في أوصالها، إلى أن نطق بعرضه المفاجئ، ففتحت عينيها مصدومة ...................................... !!!
............................................