تحميل رواية «الطاووس الأبيض ©️» PDF
بقلم Manal Salem
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تم نشر فصول الأجزاء الثلاثة الأولى في روايات منفصلة، تحمل نفس الاسم المشترك (الطاووس الأبيض)؛ ولكن بأغلفة مختلفة لسهولة التمييز .. ترقيم فصول الجزء الأول: - من الفصل الأول حتى الخامس والثلاثين ترقيم فصول الجزء الثاني: - من الفصل السادس والثلاثين حتى التاسع والستين ترقيم فصول الجزء الثالث: -من الفصل السبعين حتى المائة وخمسة عشر يبدأ ترقيم فصول الجزء الرابع من الفصل مائة وستة عشر، وذلك استكمالاً لما سبق من تتابع للأحداث المشوقة .....
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الرابع الفصل الحادي والخمسون 51 - بقلم Manal Salem
مساءكم زي الورد ..بنذكركم في البداية باستمرار بالأردن حتى الـ 12 أكتوبر، رواية وباقي رواياتي متاحة في جناحنا إبداع بالمعرضكذلك هتتواجد الرواية وباقي الأعمال السابقة بأمر الله في بالمملكة العربية السعوديةوحاليًا كل أعمالي الورقية متاحة في فروع مكتبات سمير منصور بغزة بفلسطين الحبيبة
الفصل المائة أربعة وستون
مكمن الأسرار الهامة .. جرى في المعتاد أن يكون بداخل غرف النوم؛ حيث تتواجد الخزائن، والأدراج الموصدة، لهذا كانت وجهته منذ البداية محددة، فقط فتش –باستخدام إضاءة كشاف هاتفه المحمول- عن الطريق إلى الحجرة، وجد ضالته بغير مجهودٍ يُذكر، ورغم كون الأثاث مغطى بالملاءات والأغطية البيضاء لئلا تكسوه الأغبِرة، إلا أن المعالم الأساسية لكل قطعة كان بارزًا. فتح "حُسني" الباب، ودار بالإنارة المُركزة على الأركان في مرة سريعة، قبل أن يُعاود الكرة ثانية في تمهلٍ ليحدد موضع الدولاب.
سار ناحيته بخطواتٍ مهرولة، أمسك بأول ضلفةٍ ليفتحها، ولكون الدولاب قديمًا، فقد كان موصدًا بالمفاتيح، جذب اللوح الخشبي في عنفٍ ليتمكن من فتحه؛ لكنه فشل، سلط الضوء على باقي الضلف متوقعًا تواجد مفتاح منسوخ في واحدة منهن؛ لكن دون جدوى! ضغط على أسنانه في غيظٍ، وهسهس لاعنًا:
-إيه النحس ده؟ طب هفتحهم إزاي؟
أعمل عقله بتركيزٍ محاولاً الوصول لحلٍ عاجل يُمكنه من فتح الدولاب، فكر في التفتيش في الأدراج، إذ ربما وضعت المفاتيح بواحدٍ منهم، بدأ مهمة البحث الدقيق، غير مكترثٍ بترك بصماته في الأرجاء، لحسن حظه وجد ما يرغب بالدرج الأخير في تسريحة المرآة، كومة من المفاتيح المطابقة لتلك المستخدمة في الدواليب. التقط الكمية كلها، واتجه عائدًا إلى الدولاب، يجرب واحدًا تلو الآخر إلى أن تمكن من فتح جميع الضلف، وشعوره بالانتشاء يزيد بداخله.
لم يهتم "حُسني" بإعادة كل شيء إلى مكانه، بل بدا أكثر تصميمًا على إظهار تواجده بالشقة. انتقل من رف لآخر يفتش في كل ركنٍ وفي عمق كل زاوية باحثًا عن أيٍ من الأوراق التي تثبت تورط "خليل" في تزوير مستندات تسفير الشباب بصورة غير شرعية، أو أي دليل لأمر غير قانوني قد ارتكبه سابقًا لإدانته، وبالتالي تكون وسيلته في المساومة الجديدة، ومن منطق القوة!
...............................................................
كان في غرفته وحيدًا، مهمومًا، متباعدًا عمن حوله، غير منشغل بالثرثرات الجانبية عن أجواء العرس الذي حضره بلا ذهنٍ أو تركيز. جال بخلد "خليل" أن يكون "حُسني" قد قام بزيارة "حمدية" في محبسها، ولربما عرف منها بعض التفاصيل الدقيقة مما لم يُفصح عنها له، انتقامًا منه، لكونه هجرها بعد جريمتها النكراء، لهذا زارها سرًا دون أن يُعلم أحدهم بهذا الأمر، مستخدمًا التصريح الذي كان بحوزته صبيحة اليوم التالي لتهديده، مدعيًا ذهابه إلى العلاج الفيزيائي.
عاد بذاكرته إلى حيث كان اللقاء، "حمدية" بعباءتها الحمراء، إيذاءً بقرب تنفيذ حُكم الإعدام بها، وهو بعكازيه واقفًا في انتظار قدومها، قابلته بنظرة بها كل كره الدُنيا، وكأنه من استحثها على إلقاء نفسها في التهلكة، وإهدار أرواح الأبرياء ظلمًا وبهتانًا. بدت ملامحها أكثر وجومًا، ونظراتها أكثر عدائية، استطردت تخاطبه قائلة في ازدراءٍ بعد أن تُركت بمفردها معه في تلك الحجرة الرمادية الكئيبة:
-دلوقتي افتكرت تجيلي، وأنا بودع الدنيا؟
حاول الاستقامة في وقفته، وأخبرها بتلعثمٍ:
-إنتي اللي اختــ..رتي يا "حمدية" طـ..ريقك.
صرخت به في عصبيةٍ:
-وأنا عملت كده ليه؟ مش عشان خونتني؟ اتجوزت وعشت حياتك، وحرقت قلبي على نفسي .. ومن بعدها عيالي.
برر مدافعًا عن نفسه بلهجةٍ جاهد أن تكون غير مهتزة:
-أنا مقصــ..رتش معاكي في حاجة، أنا كنت بعامـ..لك بما يرضي الله، كـ..ل اللي كنتي بتـ..عوزيه كنتي بتلاقيه وزيادة.
احتقن وجهها، وتحول لمزيدٍ من الإحمرار وهي ترد عليه:
-ده حقي، وحق ولادي.
رمقها بنظرة متأففة قبل أن يعقب في أسفٍ:
-هتـ..فضلي زي ما إنتي، مش شـ..ايفة إلا نفسك.
لم تتحمل تلك نظرة الإشفاق في عينيه، فقست عيناها أكثر وهي تسأله:
-جاي ليه يا "خليل"؟
صمت ونظر إليها في تمعنٍ، فأكملت صراخها:
-تشمت فيا؟ تشوفني قبل ما رقبتي تتعلق على حبل المشنقة؟
انقلبت تعابيرها بشدة، وتابعت في اتهامٍ صريح:
-ولا تلاقي أختك وبناتها السو موصينك تعمل كده، ما إنتو كلكم بتكرهوني.
دافع عن شقيقته قائلاً:
-هما أحـ..سن منك، رغم ظلمي ليهم سـ..امحوني، وما تغيروش معايا.
هتفت مؤكدة في حرقةٍ متهكمة:
-أه طبعًا، لازم يسامحوك وياخدوك تحت جناحهم عشان يلهفوا كل حاجة في الآخر، ما إنت زي ما أنا شايفة رجليك والقبر.
حدجها بنظرة غير نادمة، وقال بحدةٍ طفيفة:
-أنا كنت مفـ..كرك اتغيرتي، نـ..دمتي على اللي عاملتيه، طالبة السمـ..اح قبل ما تقابلي وجه كريم.
ضحكت في حقدٍ قبل أن تبتر قهقاتها المريضة لتخبره:
-أطلب السماح منك إنت؟
اشتاطت نظراتها على الأخير، وصرخت في تشددٍ:
-لأ، مش هنولهالك يا "خليل".
تلون وجهها ببغضٍ يتضاعف مع كل لحظةٍ وهي تصرح له بشراسةٍ:
-تعرف أنا جزء من ناري برد لما قتلت مراتك، ولو رجع بيا الزمن كنت قتلتها بدل المرة عشرة، والمسخوطة بنتك اللي عايشة في نعيمي وحق ولادي اللي راحوا هدر، لو كنت فضلت برا كنت دبحتهالك، حسرتك عليها.
عجز عن الرد عليها من صدمته، وحاول مجاراتها مرددًا:
-إنتي بني آدمة آ...
لم تعطه الفرصة لإكمال جملته، حيث انقضت عليه، بكل ما فيها من عدائية، شراسة، غضب، تريد الإطباق على عنقه، وخنقه، قست يداها على مجرى تنفسه وهي تتوعده:
-أنا هقتلك إنت كمان، هي موتة ولا أكتر.
باغتته الصدمة، فانتفض مفزوعًا، وترك عكازيه يسقطان على الأرض ليتسببا في إصدار صوتٍ عنيف لافت للأنظار، جاهد لتحرير رقبته منها، انحبست أنفاسه مع زيادة ضغطها المؤلم عليه، بالكاد انفلتت منه استغاثة متحشرجة:
-الحـ..قوني.
مع التطور المتلاحق في أقل من بضعة ثواني تدخل أفراد الأمن لتخليصه من براثنها، وإبعادها عنه، قال أحدهم كأنما ينهرها في غلظةٍ:
-سبيه يا "حمدية"، ابعدي عنه.
وتولت سيدتين تعملان في حراسة سجون النساء تكبيلها؛ لكنها صاحت في جنونٍ وهي تتلوى بجسدها للإفلات من القبضة الأمنية:
-هموته، مش هاسيبه يعيش.
صاح مسئول المكان بلهجته الآمرة:
-خدوها من هنا.
استمرت "حمدية" في صراخها المهتاج وهي تُجر جرًا إلى الخارج:
-هموتك يا "خليل"، هموتك وأقهرك على كل حاجة في حياتك.
ارتخت أطراف زوجها في ذهولٍ، فألقى بثقله على المقعد القديم، محاولاً استجماع شتات نفسه، ولسان حاله يردد:
-لا حول ولا قوة إلا بالله، لا حول ولا قوة إلا بالله.
استفاق من هذا الشرود القاسي على شعوره بالثقل والضيق الشديدين، أخذ يخاطب نفسه في ندمٍ:
-أنا كنت إزاي معمي كده ومش شايف السواد اللي جواها؟!
من حديثه معها لم يتأكد إن كانت متورطة مع "حُسني" في تحويل حياته إلى جحيمٍ، فظل على وضعه الحائر، والهواجس المخيفة تسيطر على كامل تفكيره.
.......................................................
بكل ما لذ وطاب، امتلأت مائدة السفرة بأصناف الطعام المطهو منزليًا، وكذلك المُعد في أحد المطاعم الشهيرة، ليحظى الزوجان بوجبة عشاء دسمة وسخية في ليلة عرسهما المميزة. بعد أن تذوقا بوادر السعادة والاقتراب الحميمي، جلس كلاهما عند الطاولة، ترأس مقدمتها "سراج"، بينما جلست زوجته على ميمنته، وراحا يتناولان المأكولات باستمتاعٍ لا يخلو من ضحكٍ وملاطفات مرحة، أججت من لهيب الشوق بداخلهما، وعززت من عمق الرغبات بينهما.
أدار "سراج" طبق الدجاج المشوي للجانب، ليتمكن من نزع قطعة من اللحم الشهي بإصبعيه، ثم مد ذراعه نحو زوجته، وقرب اللقيمة من فمها قائلاً بإصرار تشوبه المحبة:
-تعدميني لو مكالتيش اللقمة دي.
أرجعت رأسها للخلف لتتجنب ملامسة الطعام لشفتيها، ورفضت بتهذيب وهي تشير بيدها:
-والله شبعت، مابقتش قادرة.
ألح عليها بعينين تُطالعان إياها في هيام:
-طيب قطمة صغيرة، حتة بس.
استسلمت أمام نظراته السارحة في ملامحها بولهٍ؛ فأشعرها بتأمله الحالم، بأنه يُجالس إحدى ملكات جمال الكون، وقالت في نعومة متدللة:
-دي وخلاص.
فتحت فمها لتأكل اللقيمة من يده، ووجهها يبتسم، فاستطرد معلقًا في تحمسٍ:
-ألف هنا.
انتظرت "هاجر" لأقل من دقيقة حتى مضغت الطعام وبلعته، لتنهض من مقعدها، ويداها تجمعان الصحون المتسخة والفارغة. نظر لها زوجها مدهوشًا، وسألها:
-إنتي هتعملي إيه؟
أجابته في تلقائيةٍ وهي تنظر إليه:
-هلم الأطباق، وأروق السفرة.
نهض بدوره من مقعده، وأرجعه للخلف، ثم أمسك برسغها، ومنعها من إتمام عملها قائلاً بلهجةٍ غير ممازحة:
-لأ سيبي كل حاجة في مكانها، مش عاوزك تعملي حاجة نهائي.
اعترضت عليه بحاجبين معقودين:
-ليه بس؟
سلطت أنظارها على الأطباق المفرودة، وتابعت:
-ده ربع ساعة وهاكون منضفة كل حاجة.
أبعد "سراج" يدها قبل أن تمسك بالصحن، وقال في إصرارٍ:
-النهار ليه عينين، وفي اللي هايجي يريحك.
حاولت المناص من قبضته اللطيفة، وتمسكت برأيها قائلة:
-أنا مبحبش حد غريب يخش بيتي ..
تطلع إليها في تعجبٍ، وهي ما تزال تُخاطبه موضحة أسبابها:
-ده غير الناس لو جت تباركلنا في الصباحية هايقولوا إيه والبيت متبهدل كده؟!!
مسح المكان بنظرة سريعة قبل أن يحتج:
-فين البهدلة بس؟
ردت مشيرة نحو مائدة الطعام:
-هنا أهوو.
ارتفعت يده لتلمس وجنتها في نعومةٍ قبل أن يخفض صوته ليكلمها بصوتٍ أقرب للهمس:
-طب وهما أصلاً مالهومش دعوة باللي بيحصل في بيتنا.
اعترضت في عبوسٍ مصطنع لتكمل:
-يا "سراج" آ...
قاطعها بابتسامةٍ مبتهجة مسبلاً نظراته نحوها:
-عيون "سراج".
حاولت الفرار من أمام موجة مهددة بمشاعرٍ أخرى شغوفة أشعلت فتيل الرغبة بداخلها:
-سيبني بس أخلص.
احتضن كفيها بيديه، وغازلها بغمزةٍ من طرفه:
-أنا عايزك تركزي معايا، وتقوليلي كده، إنتي كل شوية بتحلوي بزيادة، إيه السر؟
التوت رقبتها قليلاً في حياءٍ، وتحاشت النظر إليه قائلة بضحكةٍ خجولة:
-الله! ماتكسفنيش بقى يا "سراج".
امتدت ذراعه لتحاوطها من كتفيها، وأدارها ليسحبها إلى صدره قبل أن يجذبها لتسير في اتجاه العُش الشاهد على ميلاد حبهما:
-أنا كده مش هعرف أسيب البيت وأبعد عنك بالساهل.
ضحكت في نعومةٍ، فصاح مهللاً:
-وربنا أنا أمي دعيالي في ليلة مفترجة.
استمر في توجيهها بتؤدةٍ وهو يمازحها بكلماتٍ موحية، وتلك النظرة المتقدة تبرق في حدقتيه:
-تعالي جوا هاقولك كلمتين إنما إيه حكاية.
اعترضت في دلالٍ:
-طب مش تستنى أما نحلي الأول.
رمقها بتلك النظرة العابثة وهو يهمس لها:
-أحلى وأنا معايا طبق الحلويات كله؟
لكزته في صدره بغير قوةٍ وهي تتدلل عليه:
-يووه عليك، مش هتبطل؟!
غازلها عن قصدٍ وهو يحتويها في أحضانه:
-أنا لسه ببتدي يا "أم العيال".
رفعت حاجبها متسائلة في دهشةٍ لا تخلو من غبطةٍ:
-أوام عملتني "أم العيال"؟
قال مؤكدًا بصدقٍ؛ كأنما لم يرَ سواها أمًا لأبنائه:
-هو أنا أطول.
حيئنذ شعرت بقوة المحبة الطاغية تجتاحها، بالرضا الكبير يملأ صدرها، وكأنها نالت في نهاية صبرها الطويل مكافأة الله لها، لفت ذراعها حول جسده، ودعت له في تنهيدةٍ:
-ربنا يخليك ليا ..
انخفضت نبرتها بشدةٍ وهي تتم جملتها:
-عوض ربنا مالوش زي .. الحمدلله يا رب.
...................................................
اجتمعا بعد أن تفرقا، التقيا بعد أن تباعدا، أصبحا بمرور الأيام أكثر تناغمًا، تفاهمًا، وانسجامًا؛ كأن برعم الحب الناشئ بينهما قد نضج، وأزهرت وريقاته. بات يومها لا يبدأ ولا ينتهي إلا بالحديث معه، ليغدو –بعد طول انتظارٍ- جزءًا أساسيًا من حياتها، لا تريد الاستغناء عنه، تبقى لها خطوة أخيرة، وأكيدة، توطيد هذا القرب بتلاحمٍ جسدي في إطارٍ شرعي، تذوب فيه الأرواح، وتتشكل في كيانٍ متحد. وقفت "فيروزة" عند نافذة غرفتها المضيئة، تداعب بإصبعيها طرف الحجاب المحلول حول رأسها وهي تتأمل الطريق من زاويتها، ارتسمت ابتسامة رقيقة على ثغرها وهي تكمل حديثها بهدوءٍ عبر هاتفها المحمول:
-ما أنا قولتلك مالهاش لازمة الأعدة عند "همسة"، خليها تاخد راحتها في البيت.
خاطبها معترضًا في انزعاجٍ لم تفهمه:
-مجاتش من يوم ولا اتنين يا أبلة.
أخذت تنظر إلى طلاء أظافرها، وانتقلت للحديث عما فعله رفيقه وابنه من مداعبات متجاوزة بعض الشيء، استطاعت أن تسمع صوت ضحكاته المستمتعة وهي تشتكي إليه، فتبدلت نبرتها للعتاب عندما نطقت:
-لولا إنه كان صاحبك مكونتش عديت اللي حصل.
نما إلى مسامعها صوت تنهيداته، فاستمرت تقول:
-ما هو مش حتت ولد صغير يضحك على "كوكي" بحركاته دي.
وقبل أن يُفكر في التبرير حذرته وهي تستند بيدها على حافة إطار النافذة:
-ومتقولش إنهم عيال.
سمعته يتكلم أخيرًا في إيجازٍ بعد صمتٍ غريب:
-حاضر.
بدت وكأنها غير راضية عن رده المقتضب، فعنفته دون أن تسيء إليه:
-بس كده؟ ده ردك، إنت مابتكلمش ليه؟ وتاخد وتدي معايا، قول رأيك، هو أنا غلطانة في ده؟
قال في هدوءٍ:
-لأ.
ظهرت رنة الاحتجاج في صوتها وهي تُعيد عليه سؤالها:
-أومال مش بتقول رأيك ليه؟
أخبرها ببساطة أربكتها في التو:
-لأني عاوز أسمعك وبس.
رغم البهجة التي شعت في روحها جراء جملته الصادقة، إلا أنها استنكرت في نعومةٍ:
-يا سلام؟
أكد عليها بما أنعش قلبها وملأه بدفعة من المشاعر الجياشة:
-طبعًا، أنا لحد دلوقتي مش مصدق إني بكلمك عادي كده، إن بقى بيني وبينك حاجات ومحتاجات.
كان حذرًا في التصريح عن مشاعره؛ لكن مضمونها المُبطن وصل إليه بكلماته التلقائية. على ما يبدو ما قيل لاحقًا من عذب الكلام لم تنتبه إليه، فقد استرعى انتباهها ذلك الظل المتحرك في باحة البناية، ركزت كل نظراتها عليه محاولة تبين ملامحه وسط الظلام السائد، دق قلبها في سرعةٍ تأثرًا بالرهبة المباغتة التي تسربت إليها، انطلق لسانها يتساءل في تحيرٍ مرتاع:
-مش معقول، مين ده؟
من صوتها الخائف توتر "تميم"، وتساءل بلهفةٍ قلقة:
-في إيه؟
جمدت "فيروزة" نظراتها على الوجه المبتسم في شرٍ بعد أن تحرك ليقف في بقعة مضيئة متعمدًا أن تراه، ليُعلم الجميع بوجوده في محيط العائلة، شَخِص بصرها فزعًا، وتصلبت في مكانها مصعوقة. رفع "حُسني" يده ليلوح لها صائحًا بصوتٍ جهوري تقريبًا لتتمكن من سماعه:
-سلام يا قُطة ..
هبط قلبها بين قدميها، وتضاعف شعورها بالرعب وهو يواصل الكلام مؤكدًا لها أنها ليست مرته الأخيرة:
-أنا جاي تاني .. عشان أخد اللي ليا.
فهمت بعبارته الموحية هذه أنه يقصد الصغيرة "رقية"، نظراته الخبيثة وملامحه الدنيئة أصابتها برجفةٍ كلية، لم تتوقف عن متابعته بنظراتها المرعوبة حتى غادر المكان، لتنتبه بعدها لنداء "تميم" من الطرف الآخر في تخوفٍ شديد:
-ردي عليا يا "فيروزة"، في إيه اللي حاصل عندك؟
تداركت نفسها، ولملمت بعثرتها اللحظية أمام هول المفاجأة المفزعة، لتخبره بأنفاس مضطربة وهي بالكاد تحاول السيطرة على نوبة الخوف التي تفشت في أوصالها:
-"تميم" إلحق، خال "رقية" كان نازل من عند بيتنا ........................................... !!!
.............................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الرابع الفصل الثاني والخمسون 52 - بقلم Manal Salem
بذكركم إن هيبدأ بكرة في السعودية، و بالأردن هينتهي يوم السبت بأمر الله ..
رواياتي الورقية متاحة في كلا المعرضين، تقدروا تلاقوهم في جناحنا إبداع ..ودلوقتي أسيبكم مع الأحداث
الفصل المائة وخمسة وستون
كل ما فيها رقيق، ناعم، يدعو للتوق والرغبة، كان بحديثه معها يشبع جزءًا ضئيلاً من مشاعرٍ تُريد أن تتفجر كالعيون من أعماقها، ترك لصوتها مهمة تخدير حواسه، التسلل تحت جلده، وإشباع خلاياه بعذب تنهيداتها، حتى أصبح مدمنًا لكل ما يصدر عنها .. صبر واصطبر، وأطال في انتظاره رغم الشوق الذي يُضنيه، لعَّل الروح –في نهاية السعي- تستكين بساكنها.
التبدل السريع في نبرتها، وما أتبعه من إعلامه برؤيتها لـ "حُسني" جعله يبلغ قمة غضبه وخوفه، انتفض كالمذعور عائدًا إلى داخل غرفته، كان الهاتف ما زال ملتصقًا بأذنه وهو يُخرج من ضلفة دولابه ثيابه ليرتديها على عجالةٍ، أمرها مشددًا وهو يلتقط مفاتيحه كذلك ليدسها في جيب بنطاله:
-اقفلي الباب عليكم كويس، أنا جاي في الطريق.
أتاه صوتها خائفًا وراجيًا:
-حاضر، ماتتأخرش.
وكأن صافرات الإنذار بإعلان الحرب قد انطلقت في الأجواء ليتأهب الجميع ويتخذوا وضعية الدفاع المستميت، خرج "تميم" مهرولاً من غرفته، ليتجه صوب باب المنزل، لم يملك أفضلية الوقت ليقف ويطيل الشرح والتفسير لعائلته عن سبب خروجه المتأخر، ليأتي التبرير لاحقًا. ما إن كان على السلم حتى هاتف "ناجي" بلهجةٍ غليظة قاسية:
-إنت فين يا "ناجي"؟ والرجالة اللي بيأمنوا المكان مش موجودين ليه؟
أجابه في اندهاشٍ:
-كله كان في الفرح يا ريسنا، احنا كنا بنقوم بالواجب وآ...
قاطعه في حدةٍ:
-أهوو اللي كنت خايف منه حصل، والبأف إياه موجود عند الجماعة.
دون إضاعة وقتٍ في فهم التفاصيل أخبره في التو:
-على طول هنكون عندك يا كبير.
جاءه صوته صارخًا أكثر منه آمرًا وهو يهتف به:
-أوام.
أنهى المكالمة وهو يقفز آخر درجتين ليركض في اتجاه سيارته، ظل لسانه يردد في رجاءٍ:
-ربنا يستر، عديها على خير.
لم ينتظر إعادة تسخين المحرك، لتسير السيارة بسلاسة، بل إنه أدارها بخشونةٍ غير مكترث بالزمجرة الصادرة عنها، اشتاطت حدقتاه، واصطبغتا بحمرة غريبة وهو يصر على أسنانه مغمغمًا في هسيسٍ حانق:
-اقسم بالله لو مس حد منهم بشعره، لهخليه يقول حقي برقبتي من اللي هعمله فيه.
................................................
عاد الرعب ليسري في بدنها بعد أن تناست ذلك الشعور .. المطمئن قليلاً وسط هذه المخاوف المستجدة عليها أن هناك من تستند عليه بحقٍ، من أصبح بمواقفه جدارها المنيع، يزود عنها الأهوال بلا ترددٍ. امتثلت "فيروزة" لأوامر "تميم"، وجَرَت نحو باب منزلها لتتأكد من غلقه، أنارت معظم الإضاءة، وحاولت قدر المستطاع أن تغلق كافة النوافذ، وقلبها ما زال ينبض بعنفٍ. على إثر حركتها المستريبة في هذا التوقيت، خرجت "آمنة" من غرفتها تسألها وهي شبه ناعسة:
-في إيه يا "فيروزة"؟ ليه الدوشة دي؟
بصوتٍ خافت عكس رجفتها قالت:
-خال "رقية" كان موجود هنا.
شهقت لاطمة على صدرها قبل أن تسألها في جزعٍ وهي تدور ببصرها في المكان:
-هنا فين؟
هزت كتفيها قائلة وهي تشير بيدها:
-معرفش، بس أنا شوفته خارج من باب العمارة.
لطمت مرة ثانية على صدرها وهي تولول بتوجسٍ أشد:
-يا نصيبتي، لأحسن يكون ناوي على نصيبة.
نظرت إليها نظرة مرتاعة مثلها، في حين تابعت "آمنة" متسائلة بنفس الصوت المفزوع:
-طب والعمل إيه؟ ده جايز يكون متفق مع شوية عصبجية يأذونا ولا آ...
قاطعتها وهي تطبق على جفنيها محاولة ألا ينساق تفكيرها للأسوأ:
-هو مشى أصلاً.
هتفت والدتها تأمرها في نفس النبرة الملتاعة:
-كلمي أختك قوليلها.
علقت في استنكارٍ:
-السعادي؟ هقلقها معانا يعني؟ تفتكري هتسيب بيتها وتجيلنا دلوقتي تشوف حل؟
لوت ثغرها مرددة في تحير لا يخلو من خوف:
-يعني هنتصرف إزاي؟ ده شكله مش ناوي يجيبها لبر.
ظهر التردد على محياها إلى حدٍ ما وهي تخبرها:
-أنا كلمت "تميم" وهو جاي في الطريق.
على ما يبدو لم تلحظ خجلها من اللجوء إليه، وعقبت في استحسانٍ:
-كويس .. بس لازمًا نصحي خالك ونقوله.
هزت رأسها توافقها الرأي:
-ماشي.
استدارت "آمنة" متجهة نحو الرواق لتسرع الخطى وهي تكلم نفسها:
-استرها معانا يا رب، ده احنا غلابة.
.........................................................
النظرة المتألقة في عينيها ناحيته في هذه اللحظة، كانت تحوي كل ما تمناه يومًا معها، وإن لم يرها فعليًا تنظر إليه، فقط لو استدار وأبصر ما يضمره القلب بحق، لتناسى هموم الدنيا وأثقالها. انشغل "تميم" مع من جاءوا معه لفحص شقة خالها بتدقيق، وليتأكد أيضًا من تأمين البناية، بعد التقصير الملحوظ في حماية الأغلى إليه. غادر رجاله الصالة، وتجمعوا بالأسفل في انتظار جديد أوامره، بينما بقي في موضعه يفكر بعمقٍ في الدوافع التي جعلت "حُسني" يقوم بتلك الخطوة الجريئة رغم تهديده الصريح له. التفت نحو "فيروزة" أولاً ليرى في عينها نظرة سلبت لبه، وجعلته طامعًا في المزيد، نظرةٌ لم يشبع منها بعد، بصعوبة توقف عن تحديقه كالمبهور فيها ليتكلم موجهًا أسئلته لوالدتها وشقيقها:
-مافيش حاجة ناقصة؟ إنتو متأكدين؟
أجابت "آمنة" بإيماءةٍ من رأسها:
-أيوه، الحاجات المهمة كنت طلعت لميتها وسيبتها تحت عندنا.
أيدها "خليل" قائلاً كذلك:
-حتى الدهـ..ب، شايله في الدولاب جوا شكمـ..جية بقفـ..ل.
تساءل "تميم" في تحيرٍ أكبر وهو يمرر يده أعلى رأسه:
-يبقى كان جاي ليه؟
قالت "فيروزة" بنوعٍ من التخمين، وقد انعقد حاجباها:
-ممكن حركة يخوفنا بيها، أو كان عاوز يشوف سكة يعرف ياخد بيها "كوكي".
استبعد حدوث الأمر مفسرًا:
-ماظنش، لأنه مش هيورط نفسه في حاجة ممكن تتاخد قانونيًا ضده، وخصوصًا إن "رقية" حضانتها مع أبوها، ولو بفرض قدم ورق إنه مش قادر على رعايتها عمتها موجودة.
اندهشت "فيروزة" لتحليله المستفيض، وسألته بدافع فضولي متنامي بداخلها:
-إنت عرفت الكلام ده منين؟
منحها نظرة كاملة وهو يجيبها بثقةٍ:
-سألت المحامي عشان أطمن.
تضاعفت التساؤلات في عقلها، ولم تمنع نفسها من الإفصاح عن أحدهم:
-وإيه اللي يخليك تعمل كده؟
كان رده تلقائيًا غير مراوغٍ:
-بعد ما قعدت مع خالك كنت محتاج أعرف كام حاجة كده.
باغتها اعترافه، وتساءلت في استهجانٍ؛ كأنما لم تبدُ راضية عن قدومه في غيابها:
-هو إنتو اتقابلتوا وأنا معرفش؟
رأى تعبيراتها المزعوجة، فاسترعى ذلك انتباهه، أحقًا استاءت لعدم لقائها به؟ شعر بالنشوة تغمره لمجرد الفكرة، فاستطرد ملطفًا:
-دي دردشة عادية.
لم يكن الوقت مناسبًا لنشوب أي جدالٍ، لهذا تجاوزت عنه مرغمة، وقالت بتعابير منقلبة نسبيًا:
-أوكي.
بقيت أنظاره عليها للحظاتٍ إلى أن قطعت تأمله السارح فيها "آمنة" بسؤالها:
-طب المفروض نعمل إيه دلوقتي؟ نبلغ البوليس ولا آ...
قاطعها بحزمٍ قبل أن تنهي جملتها:
-هتقولوله إيه؟
نظروا إلى بعضهم البعض بنظراتٍ حائرة، فتابع كلامه المنطقي:
-ده غير إن مافيش شهود تثبت إنه اقتحم الشقة، لأن معظم الحاجة زي ما هي في مكانها، يعني غرضه يدور على حاجة معينة، وملقهاش.
هتفت "فيروزة" متسائلة في تحفزٍ:
-يعني هنسيبه؟
ركز عينيه عليها قائلاً بوجهٍ جاد:
-لأ طبعًا، ليه حسابه.
اقترحت "آمنة" في ترددٍ وهي تشير بيدها:
-طب ما نتكلم معاه ونشوف غرضه.
أدار رأسه في اتجاهها، وأخبرها بلهجةٍ لم تسترح لها "فيروزة"، حيث استشعرت خلالها نية مُبيّتة على القيام ضده بأمرٍ خطير:
-هيحصل.
......................................................
اشتعل صدره ولم يهدأ، وزادته نيران النارجيلة التهابًا، نفث الدخان في عصبيةٍ، وراح يشد نفسًا آخرًا يؤجج به الألسنة المندلعة بين ضلوعه، ظهرت حمرة الغيظ في عينيه، وامتزجت بغضبٍ لا يهدأ. راقبه زميله الجالس معه على المقهى الشعبي بنظراتٍ شبه ساخرة، قبل أن يهزأ منه علنًا:
-يعني زي ما روحت زي ما جيت؟
كز "حُسني" على أسنانه قائلاً باقتضاب متجهم:
-أيوه.
تكلم زميله في جديةٍ:
-وليه اللف والدوران ده كله؟ ما تطلب اللي إنت عاوزه وش.
استخف باقتراحه البسيط معلقًا بوجومٍ حانق:
-من غير ما يكون معايا حاجة أمسك رقبته بيها، ويكون تحت رحمتي؟!!
أخبره في نفس الهدوء المناقض لغضبه المتعصب:
-مش معاك باقي وصولات الأمانة؟
هز رأسه موضحًا، وخرطوم النارجيلة بين شفتيه:
-أيوه، بس سهل يدفعهم، مالهومش قيمة أد كده دلوقتي.
اقترح عليه في خبثٍ:
-طب ما تلعبه بالحيلة؟
انزوى ما بين حاجبيه في حيرةٍ وهو يسأله مستفسرًا:
-إزاي؟ مش فاهمك!
برزت ابتسامة شيطانية على محياه وهو يمتدح دهائه:
-أنا بردك اللي هفهمك؟ ده إنت أستاذ في اللعب بالبيضة والحجر.
زجره في صبرٍ نافذ:
-ياض أنا مخي مقفل دلوقتي مش فايق أفكر، ولا أقرى عُقب الحكاية.
حرك رأسه بإيماءة صغيرة قبل أن يميل ناحيته ليخاطبه على مهلٍ:
-ساومه، فهمه إن معاك اللي أهم من الوصولات، واشتري منه وماتبعش.
سأله ليتأكد مما استنبطه منه:
-يعني أقول معايا ورق مش موجود أصلاً؟
رد مؤكدًا ببسمة صغيرة واثقة:
-أيوه، بس اتكلم بقلب كده، حسسه إنه رايح في داهية وجُر رجله لحتتك، ساعتها هتلاقيه بقى زي الكتكوت المبلول.
على ما يبدو لاقت الفكرة غير المتكلفة استحسانه، فاسترخى في مقعده، وغاص فيه قائلاً وهو يلامس بالخرطوم شفته السفلى:
-طيب سيبني أمخمخ كده وأسويها في دماغي.
أمسك زميله بكوب شايه ليرتشف الجزء الأخير الباقي منه، رفعه إلى فمه مرددًا في غرورٍ واضح:
-سويها لحد ما تستوي .. وادعيلي.
.......................................................
استدعاء النوم في تلك الليلة، وبعد تلك التجربة الانفعالية، كان أمرًا مستبعدًا بالنسبة لها، تقلبت على جانبيها في سريرها كل بضعة دقائق، سحبت الغطاء أعلى رأسها لتمنح نفسها المزيد من الظلام، إلا أنها ظلت أبعد ما يكون عن الغفلة .. وبالرغم من يقينها بأنه لم يتركها بمفردها، ووضعه رجالاً حول محيط المنزل لمراقبته جيدًا، إلا أن رهبتها كانت تتجدد بين الفنية والأخرى بداخلها.
كان كمن يشعر بها، صدح رنين هاتفها، وشق السكون السائد في غرفتها، فانتفضت معتدلة بعد أن أزاحت الغطاء عنها، لتمد ذراعها وتلتقطه من على الكومود، ابتسامة سعيدة ارتسمت على محياها مع قراءتها للقب "المعلم" الذي يحتل شاشتها. استهلت حديثها في صيغة تساؤلية بعد ضغطة سريعة على زر الإيجاب:
-إنت لسه صاحي؟
تنهيدة عميقة التقطتها أذنها قبل أن يخبرها صراحةً:
-وهايجلي نوم إزاي بعد اللي حصل؟
أراحت "فيروزة" ظهرها على الوسادة، وأمسكت بخصلة من شعرها المهوش تلفه على إصبعها وهي تتساءل في صوتٍ مُرقق:
-إنت خايف عليا؟
اعترف لها بما نفذ إلى قلبها، وجعله ينتفض في ابتهاجٍ:
-إن مكونتش هخاف عليكي، هخاف على مين؟
صمتت كأنما تستمتع بتأثير كلماته على خلاياها الحسية، فتنقلها إلى عوالمٍ وردية، تشكلت في الفراغ من حولها، حيث تماوجت فيها الأحلام وازدهرت، أغمضت عينيها ليكتمل هذا الشعور الدافئ الباعث على الراحة والسرور، لم تشعر باستطالة سكوتها، فانتبهت لصوته المتساءل في جدية:
-إنتي كويسة؟
لم تخبت هذه الابتسامة الراقية عن وجهها وهي تعترف له بصوتٍ أقرب للهمس الناعم:
-بقيت أحسن دلوقتي.
وصله شعورها رغم عدم رؤيته لها، فقال كأنما يداعب وجدانها:
-ده عندي كفاية.
لوهلةٍ أحست بالندم لإرجائها تأجيل عقد القران، أليس من حق هذا القلب المتعب أن يستريح من الهموم التي تثقله؟ لماذا كل هذا التردد وهي متأكدة مما تكنه له؟ حتى في جلساتها الأخيرة مع طبيبتها "ريم" كانت لا تتوقف عن الحديث عنه، تأتي على ذكره في كل شاردة وواردة، لم ينقصها سوى إطلاق العنان لدفعة المشاعر المقيدة لتحلق في فضاء البهاء والهناء. مرة أخرى انتشلها "تميم" من شرودها اللحظي متسائلاً:
-مالك؟ ساكتة ليه يا .. أبلة؟
التردد الظاهر في نبرته وهو ينطق حروف لقبها جعلها تتحفز، فسألته في جديةٍ:
-هو إنت مش عاوز تقول اسمي ليه؟ على طول بتناديني أبلة .. وأنا بقولك يا معلم!
سكت لبرهةٍ كأن الكلمات تاهت منه، لم تتعجل جوابه، وشاركته الصمت، لينطق أخيرًا بحذر:
-إن كان عليا عاوز أناديكي بيه ليل نهار، بس الرك عليكي توافقي.
فهمت ما يرمي إليه مع ختام عبارته، فتنهدت بصوتٍ مسموع، وقالت بما بدا موحيًا له:
-جايز ربنا ييسرها قريب.
هتف في شوقٍ غارق في اللهفة:
-يـــــا ريت.
ادعت تثاؤبها وهي ما تزال تبتسم، ثم استطردت متهربة منه:
-هنام بقى، عاوز حاجة مني؟
اعترفت شفتاه بما ترجوه الروح، والنفس:
-عاوزك إنتي.
دق قلبها في ربكةٍ، وقد كسا بشرتها حمرة ساخنة، استجمعت شتاتها الذي تبعثر مع وَجْده الثائر لتردد بتلعثمٍ خجول:
-تصبح على خير.
أنهت الاتصال في التو، قبل أن تسمعه يقول بكل ما ملأ قلبه من رجاوات لا تفرغ:
-تصبحي وإنت معايا وويايا.
.........................................................
تهيأت لأداء صلاة الفجر قبل أن يبزغ خيط النهار الأول؛ لكن هذا الشعور الخانق، الجاثم على صدرها، منعها من التركيز، بالكاد انتهت من فرضها في الصالة، لتنهض بتثاقلٍ من على المصطبة، وسارت الهوينى في اتجاه الممر الصغير المؤدي إلى غرفة زوجها الذي ما زال حبيس جدرانها. دقت عليه الباب، ونادته وهي تدير المقبض لتفتحه:
-يا حاج "إسماعيل"! الفجر هيروح عليك.
كان موصدًا من الداخل، فانتظرت لهنيهة حتى يُجيبها؛ لكن لا شيء .. لا شيء مُطلقًا! ألصقت أذنها بالباب، وواصلت الطرق، وهي لا تزال تُلح عليه:
-إنت متعودتش تتأخر على فرض ربنا مهما حصل.
وقفت في مكانها مُتحيرة، ثم كررت عليه بإلحاحٍ:
-يا حاج "إسماعيل"، خصيمك النبي لتطلع.
تابعت دقاتها المزعجة على الباب دون كللٍ، مما اضطر ابنها للنهوض عن فراشه ليعنفها في جحودٍ:
-إيه يامه الدوشة دي؟ هتهدي البيت؟
نظرت له شزرًا، وقالت في عبوسٍ:
-بشوف أبوك، ولا ده كمان بقى مضايقك؟
علق في سخطٍ صارخ وهو يدعك وجهه الناعس:
-مش بالشكل ده، إيه! مش عارف أنام!
عاتبته في استياءٍ مستنكر:
-يعني مش كفاية إنه حابس نفسه في الأوضة من ساعة النصيبة اللي عملتها فيه، كمان مستخسر أشأر عليه؟
برر لها فعلته النكراء بسماجةٍ غير نادمة مُطلقًا:
-أنا عملت اللي فيه مصلحته ومصلحتي، وربنا عالم نيتي إيه!
كلماته الأخيرة كانت تهكمية أكثر منها بلاغية، فغمغمت معقبة في ازدراءٍ وهي ترمقه بنظرة متحسرة:
-أيوه، صح .. نيتك الحلوة.
حدجها بنظرة جوفاء، لا تحوي أدنى مشاعر المحبة لأبوين جاهدا لتربيته، ثم استدار مغادرًا مكانه، استوقفته "سعاد" هاتفة في صدمةٍ ذاهلة:
-إنت هتروح تنام؟ ما تخش تكلم أبوك وتحِب على راسه.
لم يلتفت ناحيتها عندما رد:
-مش دلوقتي.
صاحت به مغتاظة وقد انتفضت عروقها في حنقٍ:
-يا "فضل" راضي أبوك بكلمتين، إنت قهرته بعملتلك.
نفخ عاليًا، واستدار ليواجهها وهو يهسهس في قنوطٍ:
-يووه يامه، طيرتي النوم من عيني.
هتفت في عصبيةٍ:
-ما يطير ولا يروح في داهية، ده أبوك، واللي عملته فيه مش هيعدهولك بالساهل!!
ثرثرتها غير المجدية كانت كالصداع في رأسه، ليهرب من إلحاحها، أطبق بيده على المقبض، وهزه بعنفٍ ليفتحه وهو يقول في زمجرةٍ:
-لو عاوزة تفتحي الباب أهوو.
راح يدفع الكتلة الخشبية بكل غلٍ وغضب وقوة لبضعة مرات، إلى أن تمكن من انتزاع القفل من مكانه، فانفتح الباب على مصراعيه، ولجت "سعاد" بعدها في خطواتٍ متلهفة وهي تنادي:
-حاج "إسماعيل"!
وقف "فضل" عند عتبة الغرفة الفارقة بين الدخول والخروج، حائرًا في الإقدام أو الانسحاب، حك رأسه بأظافره، حسم أمره بالذهاب، فليس في مزاج يسمح له بتحمل توبيخات لاذعة، هم بالاستدارة والابتعاد؛ لكن صراخ والدته الفزع وهي تنادي على أبيه جمده في موضع قدميه:
-قوم يا حاج، رد عليا.
ببطءٍ وجل استدار ليواجهها، فوجدها منكفأة على جسد والده تهزه في عنفٍ، وهي لا تزال تصرخ به:
-يا حاج "إسماعيل"! جرالك إيه؟ رد عليا يا حاج.
هوى قلبه بين قدميه في صدمةٍ أولية، وتوقف عن التنفس للحظةٍ وهو يجبر عقله على استيعاب الموقف المريب وتفسيره، صراخ "سعاد" المفطور جعله يتدارك حقيقة ما يحدث، خاصة عندما ولولت:
-أبوك مابينطقش يا "فضل"، أبوك مــــات .............................................. !!
..........................................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الرابع الفصل الثالث والخمسون 53 - بقلم Manal Salem
مساء الفل على حضراتكم ..موعدنا مع فصل جديد من رواية الطاووس الأبيض، بس الأول بفكركم باستمرار حتى العاشر من أكتوبر .. أعمالي الجديدة والسابقة متاحة في جناحنا ..
قراءة ممتعة
الفصل المائة وستة وستون
الذهاب إلى هناك، واستحضار أسوأ ما جابهته لكسر نفسها، وكشف سترها لم يكن مستحبًا على الإطلاق؛ لكنها مرغمة على ذلك، ليس من أجلها، وإنما لخاطر من جاءوا معها للقيام بهذا الواجب الضروري. انقباضة غير مريحة عصفت بقلبها والسيارة تقترب من حدود بلدتها، شعرت بوخزاتها القاسية تزداد في حدتها كلما تقلصت المسافة، انعكس تأثير تلك الزيارة على تعابير وجهها، فأصبح شاحبًا، ممتعضًا، يكسوه النفور.
سحبت "فيروزة" نفسًا عميقًا تستجمع به شتاتها المبعثر، وراحت تجاهد لضبط أنفاسها المضطربة. رغمًا عنها اضطرمت النيران في صدرها، وبدأت أفكارها السوداوية في التزاحم بداخل رأسها المشحون .. نعتته في سرها بالمقيت، النجس، النذل، وغيرها من الألقاب غير المستحبة على الأذن، فقد استباح ما ليس له متناسيًا صلة الدم والقرابة، ولم يتوقف أذاه عند هذا الحد، بل امتدت لأكثر من مرة كلما سنحت له الفرصة بهذا.
أطبقت على جفنيها بقوةٍ، مقاومة سحبها لدوامة مظلمة، لن تجني منها سوى إهلاك أعصابها، وزيادة حجم الشروخ بها. ضمت أنامل يدها لتشكل قبضة متشنجة، والصقت يدها الأخرى بحقيبتها الموضوعة في حجرها، ظلت تكرر في نفسها بجملةٍ مُحفزة:
-إنتي رايحة تعملي الواجب وبس، إنتي أقوى من جبان زيه.
راحت تردد شبيه تلك العبارات في رأسها، لتستعيد انضباطها، وتحجم من الثورة المهددة بالانفجار إن التقت به وجهًا لوجه.
لم يخفَ على "تميم" تبدل أحوالها، وانقلاب سحنتها بشكلٍ مرئي للعيان، خاصة بعد أن أصر على الذهاب مع عائلتها في هذه الزيارة الاستثنائية، استقل جميعهم سيارته: خالها يجلس إلى جواره في المقدمة، وهي بجوار والدتها وابنة خالها في المقعد الخلفي، أما عن توأمتها وزوجها ورضيعهما فقد ركبوا في سيارتهم الخاصة، وتحركوا خلفهم ليلحقوا بهم. حانت منه نظرة مدققة في المرآة العاكسة أمامه، بمجرد أن تباطأت سرعة السيارة عند مفترق الطرق، تأمل ملامحها العابسة بشدة في غضبٍ يشوبه التوعد والوعيد لمن أذاها. أقسم على نفسه بألا يسمح له بأن يمسها بسوء، سينحر عنقه إن ضايقها بكلمةٍ أو بنظرة!
انتبه لصوت خالها عندما أشار له قائلاً:
-خـ..ش يمين من هنا.
ألا يعلم الأخير عن معرفته الطريق إليه جيدًا؟ كأنما يحفظه عن ظهر قلب، ظل "تميم" على سكوته وهو يدير المقود لينحرف بالسيارة نحو زقاقٍ ضيق لا يتجاوز المترين، واصل الحركة بها في تؤدةٍ حتى خرج إلى طريقٍ آخرٍ تمتد على جانبيه مساحات مزروعة، تباينت في درجة اخضرارها. لدهشته تعجب "خليل" من عدم سؤاله، فنظر إليه متسائلاً بتحيرٍ:
-هو إنت عـ..ارف السـ..كة؟
أجاب بنظرة خاطفة إليه قبل أن ترتكز عيناه على المرآة الأمامية ليحدق في وجه طاووسه الحزين:
-أيوه.
الفضول تسلل إلى داخل "فيروزة"، رفعت رأسها لتنظر إليه، والتقت العينان التعيستان بالعينين المتحفزتين، أومأ برأسه ليطمئنها، فاستحضرت في ذهنها لحظة أن أطلعها باسترداد حقها ممن تجرأ عليها، لن تكون وحدها، هو معها، لن يتركها لمصيرٍ تجهله، سرعان ما غطى الألم حدقتيها، ولم تخبئ ذلك عنه، فقرأ في نظرتها العميقة إليه طلبًا خفيًا للسند، للدعم، وللمُلْتَجأ، منحها نظرة عطوفة حنون تخللها وعدًا بحمايتها، نظرته المجردة من أي أطماعٍ شهوانية –في هذه اللحظة- عنت لها الكثير. ابتسمت ابتسامة باهتة، ولم تنبس بشيء، فقال بصوتٍ شبه متحشرج مُعلمًا الجميع:
-أنا معاكو لحد ما نخلص مهمتنا ونرجع.
دعت له "آمنة" وهي تمسح عبراتٍ متأثرة بفاجعة الموت عن صدغيها:
-ربنا يباركلك يا ابني.
عاد لينظر إلى وجهها؛ لكنها كانت قد غاصت في سكونها المستريب، فأبعد ناظريه ليحدق في معالم طريقه المعروف، وصدره يتضرج بالحقد المبرر.
.....................................................
تاهت منها لفظة البدء في الحديث، حين رأتها جالسة على المصطبة تضرب بكفيها على جانبي رأسها وهي تهز جسدها باهتزازة متكررة حزنًا وحسرةً على فقيد سنوات عمرها الطويلة. بدت "سعاد" وكأنها ازدادت أعوامًا على أعوامها، وتمكن منها العجز عن آخر مرةٍ رأها فيها أحدهم، أيفعل شعور الفقد لعزيزٍ هذا التأثير المؤلم بالأحياء؟ نعم، ويزيد!
تقدمت "آمنة" ناحيتها لتواسيها –وسط المعزيات من النساء- بصوتٍ منتحب:
-قلبي عندك ياختي، والله العظيم ما مصدقة اللي حصل.
رفعت رأسها المحني لتنظر إليها وسط غيمة الدموع التي تغطي عينيها، ثم استطردت تخاطبها بحرقة وهي تلطم على صدرها:
-"إسماعيل" راح يا "آمنة"، خلاص راح ومعدتش راجع.
وقفت قبالتها، وكفكفت عبراتها المنسابة بمنديلها قبل أن تنطق في نوعٍ من المواساة:
-دي مشيئة ربنا، هو راح عند ربنا، وهيشوف "علي"، ربنا يرحمهم هما الاتنين.
تقطع صوتها واختنق وهي تضيف:
-أيوه، بس راح وهو غضبان، محسور على اللي جراله.
استرعت جملتها الغاضبة انتباهها، وسألتها في فضولٍ تلقائي:
-هو حصل إيه؟
قبل أن تفسر مقصدها، ظهر "فضل" في المشهد، وصاح في صرامةٍ جافة خالية من أدنى إحساس أو تأثر:
-كفاية ولولة يامه، وخلينا نجهز للدفنة، وقت صلاة الضهر أزف.
حدجته والدته بنظرة مليئة باللوم، كأنما تحمله الذنب بأكمله لموت أبيه قهرًا، واصلت نواحها الباكي متجاهلة إياه، بينما أولى "فضل" وجهه نحو الضيفة متسائلاً بملامح مكفهرة:
-إنتي اللي جتي بس يا مرات عمي؟
ردت نافية وهي تشير بيدها للخلف:
-لأ، باقي الجماعة جوم معايا، هتلاقيهم بيعزوا برا.
علق في عدائيةٍ وقد حلت الشراسة في عينيه:
-اللي مات أبويا أنا، مش أبو حد تاني.
اندفع كالثور الهائج نحو باب المنزل قاصدًا الاشتباك معهم دون أي مراعاة للظرف الحزين؛ كأنما كان يتحين الفرصة لإظهار بغضه وكراهيته. لحقت به "آمنة" تناديه:
-يا "فضل" استنى، مايصحش كده.
لم تستطع مجاراة خطواته الراكضة، فتوقفت عند العتبة تردد في توجسٍ وقد أُحيطت بمجموعة من النساء اللاتي امتلأ بهن بهو المنزل:
-عديها على خير يا رب.
...........................................................
ارتجفت يدها وهي تدير المقبض لتترجل من السيارة، حاولت التغطية على رهبتها المنبعثة من رواسب الماضي الموجعة، والتسلح بشجاعة تدعمت بوجوده، نفسًا تلو الآخر سحبته بعمقٍ لتهدئ به من روعها. مسحت "فيروزة" الباحة الخارجية للبيت بنظرة شاملة، رأت فيها تجمعات متفرقة لغالبية رجال بلدتها، تعرفت على معظم الأوجه المألوفة، وعزفت عن تحيتهم، كانت في قرارة نفسها قد عقدت العزم على نسيان كل ما له صلة بهذا المكان الذي شهد على واحدةٍ من مآسيها القاسية؛ لكن هذا الظرف تحديدًا أجبرها على المجيء إليه، لملمت شتاتها المهتز، وبدأت تدنو من البيت بخطواتٍ ثقيلة، شبه متراجعة، تستحثها على الارتداد والعودة من حيث جاءت.
بذلت كل جهدها لتبدو جامدة، صلبة، شديدة البأس وهي تواصل السير، وحده من كان يعلم بترددها الخفي، استبقها "تميم" في خطواته ليعترض طريقها قائلاً بلهجةٍ جادة للغاية:
-لو مش حابة تدخلي خليكي واقفة هنا.
تلألأ في حدقتيها نظرة غريبة، غير هادئة، في عمقها تعكس غضبًا وكرهًا، وكل المشاعر الحاقدة. حافظت على جأشها وهي تخبره:
-عشان مرات عمي متزعلش، ده غير الناس آ...
قاطعها في صوتٍ متزمت غير مرتفع:
-ملكيش دعوة بالناس، محدش هيجبرك على حاجة مش عاوزاها.
بقيت تنظر إليه وهو يؤكد عليها من بين شفتيه:
-ولو حد من اللي هنا فكر يضايقك بحرف مش هايشوف طيب.
الحماية، كانت ما ترجوه، وها هي وجدتها معه، ظهر خوفه عليها واضحًا عندما تابع:
-أنا هنا جمبك وسندك.
تدثرت بعاطفته الحقيقية، وارتخت تعابيرها المشدودة نسبيًا، قبل أن تقول في النهاية:
-شكرًا على إنك هنا.
عاتبها في لطفٍ، وكامل نظراته المتلهفة عليها:
-أنا مش محتاج شُكر يا ..
انخفضت نبرته للغاية عندما أتم جملته مناديًا إياها باسمها مجردًا، وبعذوبةٍ لفت رأسها:
-"فيروزة"!
في هذه اللحظة ارتعش قلبها، وارتج كيانها، لم ترَ سواه، فبدا وكأنه قد استحوذ على كل الفراغ حولهما، شردت في نظراته المثبتة عليها، تستمد منها القوة، الثبات، والشجاعة لمواجهة ما هو قادم، نجح بطريقته المثابرة في ترميم الشروخ غير الظاهرة فيها، قضى على الوَحَشة المخيفة في أعماقها، كان في عينيها يستحقها، لقد اكتفت به، واستأنست معه.
لمح "تميم" من طرف عينه خالها وهو يقترب منهما بابنته الممسكة بكفه، فقال بصوتٍ شبه مسموع:
-ماتجيش معانا الدفنة، خليكي في العربية .. وعشان "رقية" كمان.
كانت على وشك الرفض؛ لكن خالها أيده في الرأي:
-أيوه، مـ..افيش داعي تبـ..قي موجودة، اسـ..تني مع بنتي.
العبء الذي على صدرها خف قليلاً؛ لكنه لم ينزاح كليًا، ومع هذا كانت راضية عن القليل من السكينة التي نالتها في حضوره.
......................................................
للموت حُرمة، وهيبة، لم يعبأ بهما على الإطلاق، أعماه غضبه، وأفقده احترامه وسط الحاضرين، دفع "فضل" باندفاعه الأهوج أحد المعزيين عن طريقه، وخرج من باب منزله باحثًا بنظراتٍ نارية عن "فيروزة" تحديدًا، ما اعتبرها أكبر خسائره، وسبب جميع نكباته، تصاعدت الدماء إلى رأسه حين رأى أكثر من يمقته بجوارها، اشتاطت نظراته والتهبت على الأخير، لم يستطع كبح جماح نفسه، صاح مهللاً بزمجرة لفتت الأنظار:
-هي دي الأصول يا بنت عمي؟
تحولت الأعين ناحيتها، فشعرت "فيروزة" بالخوف يتسرب إليها، ورغم هذا ثبتت، ولم ترتجف، بل أدارت رأسها لتحدق في وجهه القميء بكل بُغضٍ واستعلاء، أحس "فضل" بنظرتها المزدرية تصفعه على وجهه، فلم يجد سوى اتهامها علنًا:
-جاية وجايبة الغريب معاكي؟ خلاص مافيش خِشا ولا حياء؟!!
حذره "تميم" بغلظةٍ، وبإشارة من سبابته، بعد أن تحرك خطوتين ليقف بجسده كالسد المنيع أمامها:
-إياك تغلط!
قال أحد الأشخاص المتواجدين في محيط البيت:
-بالراحة يا "فضل"، مايصحش كده.
التفت ليخاطبه موجهًا بكلامه اللاذع إهانته المتعمدة نحو "فيروزة" ومن معها:
-ما هو إنت طلع العيب من أهل العيب ما يبقاش عيب.
توقع "تميم" ما كان متوقعًا بتواجده الثقيل السمج، إحداث الفوضى، وإثارة البلبلة، فتكلم في جديةٍ لا تخلو من تهديد:
-أحسنلك تحفظ أدبك، وتصون لسانك، بدل الدفنة ما تبقى اتنين!
انتفضت عروقه غيظًا منه، وصاح مصفقًا بيديه:
-سامعين يا ناس، هما دول اللي جايين ياخدوا بخاطرنا، شايفين.
تعمد قلب الحقائق وتشويهها ليغدو في نظر الحاضرين المجني عليه لا الجاني، لم يكترث "تميم" بتصرفاته الغبية، وواصل تحذيره القاسي:
-بلاش النمرة دي علينا، بدل ما تتهزق.
تدخل "فتحي" قائلاً بوجهٍ جاد، وقد وضع يده على كتف "فضل" ليضغط عليه:
-لِم الدور يا "فضل".
انتفض ثائرًا في غضبٍ مُضاعف:
-لأ يا حاج "فتحي"، أنا مسمحش للغريب اللي جه هنا، وأهاني سابق يحضر جنازة أبويا كده عادي.
ردد أحدهم من الخلف في استنكارٍ:
-لا حول ولا قوة إلا بالله.
بينما أضاف آخر معاتبًا:
-يا جدعان صلوا على النبي، بدل ما نشوف اللي راح مننا، واقفين نتخانق، ده حتى مش أصول، والميت ليه حرمته.
جاء تعليق "فضل" وقحًا للغاية وهو يشير بيده نحو خصمه:
-قولوا للدغوف ده.
بادله "تميم" الإهانة بأخرى أشد إيلامًا لشخصه المُهان دومًا:
-ماتغلطش يا (...)!
اشتعل وجهه بحمرة الغيظ، وهدر يولول كالنساء المكلومات:
-شايفين يا ناس؟ سامعين؟ أديني بتشتم عيني عينك أهوو.
واحدٌ من رفاق "فضل" تحرك خطوة نحو ابنة عمه التي تَرْقُب المشهد بنظرات ساخطة، ثم لوح لها بيده كأنما يطردها وهو يهتف بصوتٍ مرتفع:
-بت يا "فيروزة"، خدي الجدع ده وامشي من هنا.
اغتاظت من طريقته الفظة، وردت عليه بعنادٍ:
-واحنا مش هنمشي.
كان كمن يدعو لإلقاء حتفه، حيث نطق "فضل" بنزقٍ ناعتًا إياها مما أثار حفيظة الجميع:
-فَجَرت بعد ما مات جوزها، وعينها بقت بجحة.
لم تتحمل "فيروزة" صفاقته وكذبه، فصرخت به في حدةٍ:
-احترم نفسك.
ظاهره الهادئ تلاشى مع إهانتها المتعمدة، فتهيأ "تميم" للانقضاض عليه، بعد أن أخرج مديته من جيب بنطاله الخلفي، أشهرها في الهواء، وصاح بصوتٍ جهوري مخيف:
-إنت لسانك هيتقطع النهاردة.
شهقت "فيروزة" فزعًا وخوفًا على "تميم"، خاصة حين رأته يهجم بشراسةٍ مباغتة على غريمه ينتوي الفتك به، وتمزيقه إربًا، خلال ثانية واحدة تحول المكان إلى دائرة صغيرة مغلقة على من فيها؛ فـ "تميم" قابض بكفه القوي على عنقِ "فضل"، والأخير يحاول المناص من قبضته الضاغطة على مجرى تنفسه بكلتا يديه، وفي نفس الوقت يخشى أن يمسه نصل المدية، فيُحدث به قطعًا أو ندبة تنضم لسابقاتها المتروكة في وجهه منه. بالكاد نجح من حولهما في الفصل بينهما، وتخليص رقبة "فضل" الذي راح يسعل بحشرجةٍ مزعجة.
...........................................................
طبقًا للأعراف المتبعة، حين يأتي أجل أحدهم، وينتقل إلى جوار المولى عزوجل، تُترك الخلافات والمشاحنات جانبًا، ويتكاتف الجميع من أجل تقديم الدعم لأسرة المتوفي، من المفترض أن يكون الأمر هكذا، إلا معه! كان الوضع على النقيض، الغالبية في حالة تحفز وغضب، مشاعر الكراهية والعداء تعم الأرجاء.
لم تبقَ "فيروزة" في مكانها، أبعدها "تميم"، وأبقاها بجوار السيارة، مع الصغيرة "رقية" لينأى بها عن أي خطرٍ قد يحيق بها. كانت معترضة على إقصائه لها؛ لكنه أخبرها مؤكدًا:
-ده أحسن ليكي.
احتجت بوجهٍ متقلص في عضلاته:
-وأسيبك لوحدك معاهم؟
قال بهدوءٍ واثق وهو ينظر إليها ملء عينيه:
-متخافيش عليا، أنا أدهم.
بداخلها عاصفة على وشك أن تنفلت من خوفها عليه، كانت في أقصى مراحل صدقها مع نفسها حين رجته:
-خد بالك .. أنا لو أعرف إن ده هيحصل مكونتش جيت.
ما لمسه منها جعل عالمه يهتز، ينتفض، يثور لأجل الذود عنها، رد عليها دون سكينةٍ:
-كله مقدر ومكتوب، المهم عندي إنتي وبس.
طمح في رؤية نفس المشاعر المهتمة في عينيها، ولم تبخل عليه، رأى مرة ثانية في دُرتيها عاطفة حقيقة موجهة إليه وحده، نبعت من قلبها، ونفذت إلى قلبه، فأوجدت بينهما جسرًا غير مرئي، تركها مضطرًا ليعود إلى حيث يقف الرجال، فأبصر "فتحي" وهو يفرد ذراعيه على استطالتهما لجانبيه بعد أن علق رأس عكازه على معصمه صائحًا في ضيقٍ:
-ماينفعش كده، اهدوا يا جماعة، احنا في حداد، واللي راح غالي.
ضم "فضل" شفتيه في تأفف ناقم، ونظر إلى "تميم" شزرًا، قبل أن يبعد عينيه عنه ليحملق في رفيق والده الذي أكمل حديثه مخاطبًا الجميع:
-استعيذوا بالله من الشيطان الرجيم، واقرأوا الفاتحة على روح حبيبي الغالي الحاج "إسماعيل".
ظلت أنظار "فضل" المستشاطة مسلطة على خصمه، وقال بزفيرٍ ثقيل:
-أعوذ بالله منك يا شيطان ..
ثم حاول إظهار القليل من الاحترام بختام عبارته:
-ماشي كلامك يا حاج "فتحي".
هتف الأول في استحسانٍ رغم امتعاض تعابير وجهه:
-ربنا يهديك يا "فضل".
حاول "خليل" التدخل، وأردف قائلاً بعتابٍ مستتر:
-احنا واجـ..بنا نكـ..رم الضيوف، مهما كانوا مـ..ين، مش نِقل منهم، ومن جـ..الك بيتك، جــ..اب الحق عليك.
احتقره "فضل" بإهانةٍ قاسية استنكرها المتجمهرين:
-بلاش إنت تتكلم يا عم "خليل"، هتتعبنا معاك.
صاح "فتحي" في استهجانٍ صارم:
-"فضل"!
برر وقاحته النكراء بقوله:
-ده أنا خايف عليه، نفسه قصير.
ليكتمل مشهد استفزازه، ظهر في الأرجاء "رشيد"، وحفنة من أقاربه، تلون وجه "فضل" بحمرةٍ حاقدة، وانعكست كذلك في نظراته إليه، نأى بنفسه للجانب ليهينه، وراح يرمقه بالمزيد من النظرات الازدرائية، لمحه وهو يمد يده لتعزية "فتحي" أولاً:
-البقاء لله.
رد عليه الأخير مبديًا عرفانه بقدومه:
-شكر الله سعيك، ابن أصول طول عمرك.
ثم ربت على ظهره يستحثه على السير معه:
-تعالى يا "رشيد".
حينئذ أولاهما ظهره لتحقيره، ولم يستدر إلا عندما سمع صوته يردد:
-البقاء لله.
بترفعٍ وتعالٍ غير لائقين به، نظر "فضل" إلى يده الممدودة ناحيته وهو يدير رأسه في حركةٍ بطيئة، ثم استطرد هازئًا به بأسلوبه الفج رافضًا مصافحته:
-وإنت كمان جاي عشان تاخد اللقطة؟!!
أبعد "رشيد" ذراعه، ورد إهانته بحنكةٍ:
-لأ يا فلحوس، أنا جاي لأن الحاج "إسماعيل" يستاهل نزعل عليه، ده قبل ما يكون جد ولاد مراتي ...
تقوس جانب فمه في بسمة ساخرة ساخطة، تلاشت قبل أن تكتمل مع إكمال "رشيد" لعبارته بإهانةٍ ضربته في مقتل:
-ولو كنت إنت مكانش حد وقف على تُربتك.
اتسعت عيناه ذهولاً من رده المهين، وصاح في إنكارٍ:
-سامعين قلة الأدب؟
علق عليه "رشيد" في وقفته السامقة:
-إنت اللي جبت التهزيق لنفسك.
لم يتحمل سحق كرامته والدعس عليها من حاقديه، فصرخ في الواقفين:
-بقولكم إيه، اللي يحضر يكون بأدبه، يا يغور في ستين داهية.
موقفه الفاقد للاحترام جعله محط انتقاد المعظم، حيث احتج أحدهم على سلوكه المشين قائلاً:
-الحاج "إسماعيل" لو كان عايش مكانش خلصه اللي حصل ده، وخصوصًا من ابنه.
التفت "فضل" باحثًا عن مصدر الصوت، وقبل أن يبادر بإهانته كغيره، جاءت "سعاد" إليه، وصرخت فيه بمشاعرٍ ملتاعة وبقلبٍ مفطور:
-بتعمل إيه يا "فضل"؟ بتطرد أهل أبوك وناسه وحبايبه؟ عايز تحرمه في رقدته الأخيرة من اللي يقف يترحم عليه ويدعيله دعوة طيبة؟ خلاص مبقاش ليك كبير ولا رادع!!!!!
اِربد وجهه بالغضب من استمرار وصلة إذلاله، رفع يده أمام وجهها يأمرها:
-خشي مع الحريم جوا يامه.
ثم اندفع ناحيته بعنفوانه الحانق ليُبعدها، فانتفضت رافضة لمسته وهي تصرخ به في ألمٍ:
-ابعد إيدك ماتلمسنيش ...
تفاجأ الحاضرون بتصرفها، ونظروا لها مدهوشين، والفضول يزداد بداخلهم لمعرفة سبب هذا النفور، لم تتوقف "سعاد" عن لومه علنًا:
-أبوك مات غضبان عليك، إنت هتشوف أيام سودة.
جاءت إحدى النساء لاصطحابها لداخل المنزل وهي ترجوها:
-تعالي يا "أم فضل" معايا.
صاحت في صوتٍ صارخ:
-اللي يقهر أبوه ويموته مش ابني.
أشــار فضل للمرأة بعينيه لإبعاد والدته، فحاوطتها بذراعيها لتسحبها معها، جرجرتها عنوة؛ لكن ظل صوتها يردد في حرقةٍ شديدة وهي تقاومها:
-منك لله يا "فضل"، حرقت قلبه وقلبي، عمرك ماهتشوف طيب.
انضمت أخرى إليها قائلة بتفهمٍ:
-تعالي يا حاجة معانا.
ما يحدث الآن كان مُهينًا للغاية، مرفوضًا بشكلٍ قطعي، فاتفاقه معه كان يُلزمه بعدم افتعال المشاكل إلى أن يصير قانونيًا المتصرف الوحيد في أملاك والده، وسكوته عما يحدث قد يجعل أصابع الاتهام تشير إليه، ويصبح معلومًا للجميع أنه المتورط في اقتراح منع "إسماعيل" من التصرف في أمواله، حاول "فتحي" تحجيم "فضل"، فدنا منه، وأوصاه بقسمات وجه مزعوجة على الأخير:
-لِم الليلة يا "فضل"، كده الناس هتتقلب ضدك.
كز على أسنانه مغمغًا في تبرمٍ:
-يا حاج "فتحي" ما أنا مستحمل البهدلة وساكت ...
اتجهت نظراته الحسود نحو "تميم" وهو يكمل في نقمٍ:
-بس أني مش عاوز الطِحش ده يحضر جنازة أبويا، دي للعيلة وبس.
سمع "تميم" إهانته، وتحفز ضده مرة ثانية؛ لكن تلك المرة أراد إحراق دمه، واستثارته بتصريحه الهادئ:
-ومين قالك إني غريب؟ ما أنا من العيلة، ولا مبلغكش إني خطيب ستك وتاج راسك؟!!
كان كمن ينفث دخانًا من أذنيه، أصاب هدفه في مقتل، وجعل رأسه يحترق من الغيظ والكمد، لا من الحزن والأسى، دمدم في هديرٍ مغتاظ:
-سامع.
ولتزيد من إحراق أمثاله من معدومي الكرامة والأخلاق، بصب الزيت على النار لتأجيج ألسنتها الملتهبة، وقفت "فيروزة" إلى جوار "تميم" تنظر إليه بنظرة المحبين المعروفة لأرباب العشق، لم تحد بلؤلؤتيها اللامعتين عن ملامحه الرجولية وهي تخبر الجميع بفخرٍ مُطعم بالعزم:
-أيوه، ده خطيبي، وكلها كام يوم وهيبقى جوزي ............................................................ !!!
......................................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الرابع الفصل الرابع والخمسون 54 - بقلم Manal Salem
الفصل المائة وسبعة وستون
في نفس البلدة، ومع نفس الشخصية الحقيرة، وأمام ذلك الحشد المتجمهر، انطلق من بين شفتيها، اعترافًا خطيرًا، جعل قلبه يرفرف في الأفق البعيد، ومشاعره تهتاج في عاصفة عشقٍ لا حدود لها. جمعهما مكانٍ بعينه، واجتمعا في توقيتٍ معين، لتفيض بنفس الكلمات التي قيلت من قبل، آنذاك وأدت حبه في مهده؛ لكن اليوم غدت سبب ابتهاجه وسعده.
بثباتٍ عجيب، وعينان لا ترمشان، أضافت "فيروزة" على مسامع الحاضرين:
-ولولا ظروف وفاة عمي كنا بلغناه بالخبر عشان يحضر ويكون شاهد على العقد.
كأنما اشعلت فتيل غضبه، انفجر فيها "فضل" ينعتها بوقاحةٍ منقطعة النظير، غير عابئ بتبعات لسانه الأرعن:
-يا بجاحتك، عاوزة تتجوزي وعمك لسه مادفنش؟
ضاقت عيناها في غيظٍ من فظاظته؛ لكن سرعان ما تحولت تعابيرها إلى ذهولٍ مصدوم، حيث تأهب "تميم" للانقضاض على خصمه اللدود، فلم يمهد له وهو يكور قبضته، ليسدد أول لكمة في فكه، جعلته يرتد، ويترنح بشدة، من أثر المفاجأة المؤلمة، قبل أن يتوعده علنًا:
-إنت ناوي على موتك النهاردة.
بالكاد منعه الرجال المتواجدين من المساس به، وإلا لدك عظامه، وطحنها. تدخل "فتحي" قائلاً في رجاءٍ ليحتوي الموقف المتأزم:
-صلوا على النبي يا رجالة، بس ده لا وقته، ولا مكانه، الميت ليه حُرمة.
رد عليه "تميم" في حمئةٍ:
-كان رعاها البغل اللي واقف.
احتمى "فضل" بأجساد الرجال، ليصيح بعدها مدعيًا البراءة، وحفظًا لماء الوجه:
-شايفين الغلط؟ يرضيكوا البهدلة دي؟
علق عليه "فتحي" بنظراتٍ غير راضية عن تصرفاته الوقحة:
-ما إنت بردك يا "فضل" مش عامل اعتبار لا لكبير ولا صغير.
نظر إليه شزرًا قبل أن يدمدم في حرقة:
-دلوقتي بقيت أنا اللي غلطان؟
حدجه "فتحي" بنظرة صارمة وهو يخاطبه:
-ماهي دي مش أصول، وأنا غلبت أفهمك.
هز رأسه معقبًا في ازدراءٍ ناقم:
-ماشي يا حاج "فتحي"، أني الغلط راكبني، وأستاهل ضرب البُلغ ...
لم يكد ينهي جملته الساخطة تلك إلا وأشار بإصبع الاتهام نحو "فيروزة"، فقال علنًا:
-بس الرك على اللي مارعتش الأصول، وجاية فرحانة بمرقعتها.
فارت دماء "تميم"، وكاد يطيح به مجددًا، لولا أن تدخل "خليل" ليعنفه بخشونةٍ رغم اللعثمة الظاهرة في نبرته:
-بتسمــ..ي الجواز على سُنة الله ورسـ..وله مرقعة؟ إخص على كده.
ثم بصق عليه في نفور صريح.
ربت أحد الشيوخ الأجلاء على كتفه، ممن مشهود عنهم بسيرتهم الطيبة، وحنكتهم الخبيرة في حل المعضلات، ورجاه في ودٍ:
-اهدى يا عم "خليل".
استمر "فضل" في تجاوزاته المسيئة، فتابع بافتراءٍ:
-ما هو مش منطقي إنها تتسربع على الجواز كده إلا إن آ...
لم يدعه الشيخ يكمل أكاذيبه، لهذا قاطعه محذرًا بغلظةٍ:
-عيب يا "فضل" الكلام ده، إياك وقذف المحصنات!
كز على أسنانه مغتاظًا، والشيخ ما زال يخاطبه في تشددٍ:
-أنا بحذرك، كلمة زيادة وأهل البلد هيسيبوك ويمشوا.
اعترض عليه في غير رضا:
-يا شيخنا آ...
مرة أخرى قاطعه آمرًا الجميع:
-بينا على صلاة الجنازة.
لم يرُّده أحد، استجابوا له في طاعةٍ، وتركوا "فضل" في موضعه، يعض على شفته السفلى غيظًا، وكمدًا، لينصرفوا في اتجاه مسجد البلدة، بعد أن تولى حفنة منهم حمل النعش للصلاة عليه.
....................................................
في تلك الأثناء، نأى "تميم" بـ "فيروزته" بعيدًا عن تلك الأجواء المحملة بالغضب، والكراهية، والعداوة الصريحة، أشــار لها لتتبعه سائرة بخطواتٍ شبه متعصبة نحو السيارة، خاطبها في لينٍ محاولاً امتصاص الحنق المكبوت بداخلها جراء هذا الوضيع:
-مالوش لازمة تعكري دمك مع الأشكال دي، هو عامل الشويتين دول عشان يلم الناس حواليه.
نظرت إليه صامتة، فأكمل في هدوءٍ:
-واللي زي ده لما تعبريه وتديله قيمة أكبر من حجمه بيسوق فيها.
تنهدت مليًا قبل أن تتكلم بقليلٍ من الأسى المعكوس على ملامحها:
-معاك حق.
لم يستطع كبح نفسه وهو يعترف لها:
-زعلك عندي بالدنيا.
مرة أخرى نظرت في عينيه لتجده مشاعر الحب تنتفض فيهما، قوست شفتيها قليلاً لتظهر ابتسامة باهتة عليهما قبل أن تهمس:
-ما هو واضح.
ودَّ لو استمر في تجاذب أطراف الحديث معها إلى ما لا نهاية؛ لكن ليس كل ما يتمناه المرء يُدركه، ظهر "هيثم" على الساحة بعد اختفاءٍ مريب لبعض الوقت، علم منه أن زوجته كانت مشغولة بإرضاع طفلهما، فتفهم حاجتها للبقاء في مكانٍ شبه معزول لتتمكن من إطعامه، تساءل الأول بفضولٍ وهو ينظر للوجوه المتحفزة:
-في إيه يا ابن خالتي؟
جاوبه في غموضٍ:
-نمرة فكسانة كانت بتتعمل واتفضت.
جاءه تعقيبه في صيغة تساؤلية:
-من البغل طبعًا؟
قال وهو يومئ برأسه، وبتعابيرٍ شبه متجهمة:
-هايكون مين غيره.
أضاف "هيثم" باستهجانٍ:
-عمل حركاته الناقصة زي تملي.
دون أن تتبدل تعابيره المزعوجة أكد صحة تخمينه:
-بالظبط.
انسحبت "فيروزة" في هدوءٍ لتنضم إلى توأمتها، وراحت تثرثر معها عما حدث قبل برهةٍ بعباراتٍ موجزة، ليظهر الاستياء على وجه الأخيرة مستنكرة سلوكياته المشينة. زمت "همسة" شفتيها، واستطردت معلقة وهي تهز ذراعيها في حركة متكررة ومتناغمة ليخفو رضيعها:
-بصراحة واحد زيه المفروض يحس بالقهرة وكسرة القلب بعد وفاة أبوه، بس هو بني آدم فظيع، معندوش إحساس ولا دم.
بتأفف متزايد أخبرتها "فيروزة" وهي تدير رأسها في اتجاه "تميم" لتطمئن عليه من مكانها:
-ربنا يخلصنا منه.
عادت لتنظر إلى وجه شقيقتها عندما سألتها:
-إنتي هتعملي إيه؟
مسدت بيدها على حجابها لتتأكد من انضباطه على رأسها، ثم أجابتها مع زفيرٍ سريع:
-هشوف هيتفقوا على إيه.
لوت "همسة" ثغرها معقبة بجديةٍ:
-أنا رأيي نخلينا بعيد عن المشاكل، احنا مش ناقصين.
بعد دقيقة تقريبًا، جاء "تميم" ومن خلفه "هيثم" ليقول الأول في لهجة آمرة، لا تخلو من بعض الصرامة، وعيناه تتطلعان إلى "فيروزة":
-إنتو هتفضلوا هنا.
أضــاف عليه ابن خالته في صوتٍ يماثله في الجدية:
-بس مش هتستنوا في المكان ده، هنسيبكم عند حتة أمان عن هنا.
وافقته "همسة" الرأي، وأبدت استحسانها قائلة:
-كده أحسن.
في حين تساءلت "فيروزة" في اهتمامٍ جاد:
-فين يعني؟
تبادل "تميم" مع ابن خالته نظرة سريعة قبل أن يأتيها رده:
-بيت العمدة.
سكتت لتفكر في اقتراحه المناسب للوضع الراهن، ثم التفتت ناظرة إلى "همسة" التي أيدت رأيه بقولها:
-وأنا لسه كنت بقول لـ "فيروزة" الكلام ده، مافيش داعي نكون سبب في أي مشاكل.
لم تطل الكلام أكثر من هذا، فقد سرت همهمات شبه مرتفعة جعلت الأنظار تتجه نحو باحة البيت؛ حيث بدأ الحضور في التجمهر إيذانًا بخروج جثمان الفقيد، أشــار "هيثم" بيده لزوجته، وللبقية قائلاً:
-طب بينا، النعش اتحرك.
تحركوًا تباعًا؛ لكن "تميم" تعمد التباطؤ في خطواته ليغدو سائرًا بجوار "فيروزة"، لم يستطع منع نفسه من سؤالها:
-أنا عارف إنه مش وقته، بس ممكن أعرف حاجة؟
احتفظت بملامح وديعة رقيقة وهي ترد:
-اتفضل.
تنحنح في خفوت ليجلي أحبال صوته، قبل أن يتشجع قائلاً بترددٍ طفيف:
-اللي قولتيه قصاد الناس من شوية، كان بجد، ولا ده آ...
فهمت ما يرمي إليه، كان يظنها تمزح، مجرد بضعة جمل تُخرس بها الألسن قبل أن تنهش في سيرتها، لهذا قاطعته قائلة بثقةٍ، وتلك اللمعة تضيء في عينيها:
-أنا مابقولش حاجة وأرجع فيها يا معلم.
حملق فيها مدهوشًا، فأسرعت الخُطى لتهرب من هذه النظرات الوالهة، الناطقة بأسمى معاني الحب، رغمًا عنه تشكلت ابتسامة ضاحكة مستبشرة على وجهه، وهو يردد لنفسه في سرورٍ سرعان ما أخفى أماراته من على تقاسيمه:
-ربنا يرحمك يا حاج "إسماعيل"، موتك جه بفايدة.
............................................................
على الدرجة الرخامية الأولى للسلم الداخلي للبناية، جلس كلاهما معًا استعدادًا لتناول الوجبة الشعبية (الكُشري) بشراهةٍ، بعد أن تم تكليفهما بحراسة المكان ومراقبته طوال فترة غياب قاطنيه. نزع "حمص" الورق المفضض المغلف لعلبته، لضمان حفظ الحرارة به، ثم أفرغ كيسًا صغيرًا كان قد جاء مع الطعام بعد أن أزاح الغطاء البلاستيكي. تساءل "شيكاغو" وهو يفعل مثله:
-حط دقة زيادة ولا لأ؟
أجابه وهو يقلب محتويات علبته معًا:
-أه، أنا قولتله.
عقب "شيكاغو" بوجهٍ شبه منقلب وهو يدس ملعقته في الخليط الساخن:
-المرة اللي فاتت الصلصة كانت صايصة.
تقوست زاوية فم "حمص" الممتلئ بابتسامةٍ ماكرة وهو يرد:
-هو احنا سكتناله يعني؟ ما خدنا حقنا وزيادة.
هز رفيقه رأسه بإيماءة راضية بعد أن تذوق أول ملعقة، لم يكترث بتناثر بقايا الطعام من جوفه وهو يخاطبه في لهجةٍ جادة:
-بقولك صحيح، الواد "الأص" اتمسك بتُربة حشيش.
اكتست تعابير "حمص" بالضيق، وتساءل مصدومًا:
-إنت عرفت منين؟
بلع "شيكاغو" قدرًا من طعامه، وتابع الكلام وهو يمسح السائل المنساب من على طرف فمه بظهر كفه:
-حد من المقاطيع اللي معاه حب يعلم عليه، وحبايبي بلغوني.
غرَّز "حمص" ملعقته من جديد في علبته، ليضمن امتزاج المكونات معًا بعد إضافة الصلصة الحريفة إليها، ثم قال:
-ده لبسه في الحيط.
وضع "شيكاغو" بين أسنانه زجاجة المشروب الغازي، لينتزع غطاها ويفتحها، تجرع ثلثها في رشفة واحدة، ليطفئ اللهيب المندلع في جوفه، ثم تجشأ قائلاً:
-الكلام الداير إنها تصفية حسابات قديمة.
غامت ملامح وجه "حمص" وهو يكلمه:
-عاوزين نشوفلنا حد تاني نستقضى منه حاجتنا.
اقترح عليه بهدوءٍ:
-في "العُوكشة"، إيه رأيك؟
التوت تعابيره اشمئزازًا وهو يردد في غير رضا:
-ده واد فقري، وجِلدة.
......................................................
(اطرق على الحديد وهو ساخن) عَمِل بتلك المقولة الشهيرة، فقضى ما تبقى من ليله يفكر، ويدبر، ويرتب أفكاره الشيطانية، ليبدو أكثر تسلطًا، وتطلّبًا وهو يفرض شروطه عليهم، ليخرج رابحًا من هذه القضية الخاسرة. قطع "حُسني" الطريق أشواطًا، استنشق آخر دفعة دخان من سيجارته، قبل أن ينهيها بإلقائها عند قدميه ليدعسها وهو يقترب من مدخل البناية. بدا في وضعية تحفز، وعيناه تبرقان بوميضٍ غاضب؛ لكن ما لبث أن تبدلت قسماته المشدودة إلى لمحات من الذهول والاستغراب عندما رأى الاثنين المرابطين عند السلم، خاصة مع الندوب وعلامات الشجار العنيفة المحفورة على وجهيهما.
تردد لحظيًا، واستجمع نفسه قبل أن يظهر عليه ارتباكه من المفاجأة؛ حيث أنه لم يتوقع وجود أحدهم في هذا المكان، وتحديدًا هذه الأوجه الإجرامية. قرر تجاهلهما، والمرور بجوارهما في هدوءٍ لتجاوزهما؛ لكن "شيكاغو" استوقفه متسائلاً في صلابة:
-رايح فين يا أخ؟
حدجه "حُسني" بنظرة باردة، قبل أن يأتيه رده مثل نظرته:
-وإنت مالك؟
نهض من جلسته منتفضًا، وصاح بغضبٍ متصاعد في صدره، ونظرة حانقة تطل كذلك من عينيه:
-لأ مالي ونص وتلاتربع.
انضم إليه "حمص" وترك ما في يده، ليقوم واقفًا، ويسأله بلهجةٍ محققة:
-جاي لمين؟
التفت ناحيته، ورد عليه بنفس الأسلوب الفظ:
-يخصك في إيه منك ليه؟
أجاب عليه "شيكاغو" بغلظةٍ:
-كل اللي في الناحية دي يخصوني ...
سدد إليه "حُسني" نظرة نارية، أتبعها ببسمة هازئة مرسومة على ثغره، فما كان من "شيكاغو" إلا أن تابع بهديرٍ مهدد:
-هاتنطق ولا أعمل معاك السليمة؟
ضحك "حُسني" ساخرًا منه، قبل أن يتكلم بصعوبة وسط ضحكاته المصطنعة ليزيد من استفزازه:
-الله! هو إنت منهم؟
ارتفعت نبرة "حمص"، ولكزه في صدره متسائلاً:
-ماتلوكش في الكلام، جاي لمين؟
لم يجبه، ونظر إليه بتعالٍ، كأنما يتحداه أن يتجرأ عليه، في حين استطرد "شيكاغو" صائحًا:
-إنت لسه هتسأله، قلبه وشوف بطاقته.
لم يأخذهما على محمل الجد، ووكز أحدهما في ذراعه وهو يحتقرهما بكلماته المزدرية:
-إيدك إنت وهو ياض، معدتش إلا إنتو يا كُناسة الشوارع، ده أنا أسويكم بالأرض.
تحرك "شيكاغو" ليقف قبالته متحديًا إياه بجراءةٍ لا تخلو من نزعة التهديد:
-كان غيرك أشطر ...
نظرة غامضة منحها لرفيقه، فهمها الأخير، وأومأ برأسه بخفة، قبل أن يأمره صراحةً:
-رقده
تحولت أنظار "حُسني" على "حمص"؛ لكن في لمح البصر كان كلاهما قد تكالبا عليه، وأسقطاه أرضًا، رغم المفاجأة المباغتة إلا أنه قاوم محاولتهما لتقييده، وظل ينازعهما إلى أن خارت قواه أمام عنفهما المتزايد، لهث وتقطعت أنفاسه وهو يسألهما في عصبيةٍ:
-إنتو مين؟
لم يبخلا عليه بقدرٍ من اللكمات، وبعض الوكزات واللكزات المؤلمة في صدره، وعنقه، ووجهه، حتى أجهزا تقريبًا على طاقته المشحوذة ضدهما، تمكن بعدها "حمص" من انتشـال محفظته، ليخرج منها بطاقة هويته الشخصية، ولكونهما على علمٍ مسبق باسم الشخص المُراد الحيطة منه، كان من اليسير عليهما التعرف عليه، لوح بها إلى "شيكاغو" وهو يخبره بابتسامةٍ لم يفهم مغزاها سواه:
-هو اللي عليه العين.
خلت تعابير وجه "شيكاغو" من أدنى أمارات التعاطف وهو يهتف متوعدًا إياه:
-نهارك ماطلعلوش شمس.
أدرك "حُسني" أنه وقع في قبضة شرذمة من معتادي الإجرام، الندوب أصبحت أكثر وضوحًا، الشراسة باتت غير قابلة للإنكار، ازدرد ريقه غير الموجود في جوفه، وتساءل بصوتٍ جاهد لجعله غير مهتزٍ:
-إنتو مين؟
انطلقت شرارات عدوانية ممتزجة بانتشاء غريب من عيني "شيكاغو" وهو يخبره:
-احنا اللي هنسويك على الجانبين، لحد ما يبانلك صاحبك .. بس قَبلَة نشحنك على الشونة!
ارتجف قلبه رهبةٍ، وقاوم هذا الشعور بالخوف ليقول في عداءٍ، وهو يتلوى بجسده ليتحرر من قيدهما المحكم كرمقٍ أخير للنجاة ببدنه:
-حاسب يا (...) إنت وهو.
تبادل "حمص" نظرة سريعة مع رفيقه قبل أن ينطق بلهجة لم تحمل سوى نية صريحة بإيذاء موجع .. موجع للغاية:
-ده بيغلط، نهارك كوبيا!
..........................................................
الحنين إلى الماضي بكافة ما يحتويه من ذكريات، أمنيات، آمال، وقدر من الأحلام كان مطلوبًا في تلك الزيارة الاستثنائية، لتجاوز مرحلة الضغوطات المؤذية للنفس والمتلفة للأعصاب. أحست "فيروزة" بالدفء يتسلل إلى روحها بعد أن وطأت بيتها في البلدة، المكوث فيه لبعض الوقت كان مفيدًا إلى حدٍ ما، انتبهت إلى توأمتها القائلة بسعادةٍ ظاهرة عليها تناقض الظروف الحادثة:
-زي ما نكون سيبنا البيت إمبارح، كل حاجة في مكانها، وزي ما هي.
لاذت بالصمت وهي تصغي إليها عندما أكملت بحماسٍ:
-شوية تنضيف ويبقى زي الفل.
اكتفت بهز رأسها، واتجهت سائرة نحو الباب لتساعد خالها على الولوج، ثم أزاحت الغطاء الأبيض عن إحدى الأرائك وهي تدعوه للجلوس:
-تعالى يا خالي ارتاح هنا شوية.
أطلق زفرة متعبة وهو يلقي بثقل جسده على الأريكة، أراح رأسه للخلف، وأغمض عينيه في إرهاقٍ واضحٍ عليه، ابتعدت عنه، وتحركت في اتجاه "رقية" التي أخذت تتجول في المنزل وهي تتساءل في فضول طفولي:
-ده بيتنا يا "فيرو"؟
أجابتها بابتسامةٍ صغيرة لطيفة:
-أيوه يا "كوكي".
زمت الصغيرة شفتيها، ووضعت يدها على بطنها لتقول ببراءةٍ:
-أنا جعانة.
فتحت "فيروزة" سحاب حقيبتها لتخرج من داخلها ورقة مغلفة، قدمتها إلى ابنة خالها قائلة:
-معايا سندوتش جبنة، تاكليه؟
هزت رأسها موافقة:
-طيب
ناولته إياه بعد أن فضت الورقة عنه، ومسحت على جانب وجهها بحنوٍ قبل أن تمرق في الردهة المؤدية إلى غرفتهما القديمة، حيث استقرت شقيقتها مع رضيعها. وقفت "فيروزة" عند عتبة باب الحجرة تسألها:
-أومال فين جوزك؟
جاوبتها بإشارة من رأسها:
-واقف مع "تميم" برا، هيشوفوا هنعمل إيه بعد كده.
تلقائيًا استدارت رأسها نحو الشباك الموصود الذي يفصل غرفتهما عن الخارج، كأنها تطمح أن تنفذ نظراتها عبرته لتصل إليه، فتشعر بقربه، ويشعر بوجودها حوله، توقفت عن التماوج في فضاءات خيالها الحالم مؤقتًا لتردد في تبرمٍ:
-وطبعًا ماما مش هترجع دلوقتي من بيت عمي.
اتخذت "همسة" حذرها وهي توضح لها على مهلٍ:
-ما إنتي عارفة إن دي الأصول والعوايد، والمفروض على الأقل نكون كلنا هناك التلات أيام، بس عشان آ...
لمحة من التردد انعكست في نبرتها قبل أن تستأنف كلامها بمزيد من الحيطة:
-المشاكل وكده، فاحنا هنفضل هنا.
كانت في غنى عن الغوص في المزيد من التعقيدات، والاستفزازات المستهلكة لطاقة الفرد على التحمل .. تنهدت بعمقٍ قبل أن تعقب عليها في ملامح واجمة:
-أيوه .. عارفة، وربنا يهون.
...................................................
لو لم يكن قد تلقى ذلك الاتصال الذي أثلج صدره، وشَرَحه قليلاً، لربما بقي على حالته المستثارة، وذهب مرة أخرى إلى هذا الوغد الحقير لإشباعه بالضرب المبرح جراء زلات لسانه الوقحة، تلك التي لم يتوقف عنها حتى بعد دفن أبيه. لاحظ "هيثم" تبدل تعابير ابن خالته، فنظر إليه مستفهمًا، فأخبره في صوتٍ جاد:
-الواد اتجاب.
تساءل في تحيرٍ:
-واد مين؟
استخدم يده في الشَرحِ وهو يجيبه:
-اللي اسمه "حُسني"، قريب مراتك.
هز رأسه كمن تذكر الأمر، وعلق متسائلاً:
-أه، افتكرته، طب كويس، وإنت ناوي معاه على إيه؟
فرك "تميم" طرف ذقنه بيده؛ كأنما استغرق للحظةٍ في أفكاره الخاصة، لينطق بعدها بغموضٍ:
-نخلص من الحوار اللي هنا، وأفوقله.
.....................................................
-شكر الله سعيك.
ردد تلك الكلمات وهو يمد يده لمصافحة أحد الأشخاص ممن جاءوا لتعزيته في وفاة والده، ثم عاد للجلوس مجددًا على مقعده الخشبي الموجود في المقدمة، ليدير رأسه إلى الحاج "فتحى" الذي استمر في توبيخه بصوتٍ خفيض:
-يا غبي! أنا قولتلك تعمل كده؟ عاوز تلفت العين عليك؟
صر على أسنانه مدمدمًا بنبرة خافتة، ووجهه مغطى بأمارات الضيق والغيظ:
-يعني أسكت لما أشوف الطِحش ده قصادي؟ وأعمل فيها خروف؟!!
نظر له "فتحي" شزرًا، فاستمر يقول بنبرة مالت للارتفاع:
-ده كان حقي أكله بسناني.
حذره بإشارة صارمة من عينيه ليلتزم الصمت، ثم خاطبه في هسيسٍ كالأفعى:
-أخد الحق صنعة، مش جهجهوني كده.
رد بتبرمٍ وهو ينهض لمصافحة آخر:
-أهوو اللي حصل بقى.
عاود الجلوس، وحدق في وجه "فتحي" حين أكد عليه بخبثٍ:
-لو سمعت كلامي هتكسب.
ظل على تعابيره المكفهرة وهو يُحادثه بغير نفسٍ:
-ما أنا سمعته سابق، وشوف جرى إيه لأبويا.
كأن ما حدث لرفيق العمر لم يهز شعرة من رأسه، بل اعتبر أنه نال جزاء ما يستحق لفعلته السابقة مع "أسيف"، حين اتخذ صفها، وعارضه بشكلٍ جعله رغبته الانتقامية تتأجج فيه. استعاد إدراكه لما حوله، وقال بصوتٍ جاف تعمد تطعيمه ببعض الوعظ الديني، للتغطية على ذنبه:
-لكل أجلٍ كتاب، عمره كان لحد كده، هنعترض على قضاء ربنا.
رمقه "فضل" بنظرة حادة، في عمقها يظهر الاحتجاج؛ لكن سرعان ما قضى عليه "فتحي" في مهده بتبرير أسبابه:
-ولا كان عاجبك تبقى مرمي في الشارع رمية الكلاب، وخير أبوك يروح لغيرك؟
أطال النظر إليه متذكرًا حياة التشرد التي عاشها لأيامٍ بعد أن قام والده الراحل بطرده من المنزل، حيث ذاق فيها القسوة، والمُر، والإهانة، والمعاملة الدُونية، ربما استمر هذا الوضع البائس لفترة أطول لولا أن انتشله "فتحي" من القاع باقتراحه اللئيم، وقتئذ حثته دوافع الكراهية، ونوازع الانتقام، للفُجر في الخصومة، والاقتصاص منه بدهاءٍ، فكان بإقامة دعوة قضائية تمنعه من التصرف في أمواله قانونيًا، وحدث ما صبا إليه، ونال القهر من "إسماعيل"، ومات كمدًا وألمًا.
كالشيطان الذي يوسوس لضعاف النفوس، فيغريهم ويغويهم، إلى أن يسقطوا في الهاوية، سرى صوت "فتحي" على مسامع الجالس إلى جواره بقوله المليء بوعودٍ طامعة:
-اصبر .. ده أنا غرضي مصلحتك، ومعايا كل اللي نفسك فيه هيتعمل.
نظر في عينه، وقال بإذعانٍ واضح:
-ماشي يا عم "فتحي"، أديني وراك لحد ما أشوف أخرتها إيه.
في نفسه الخبيثة لم يكن يريد طاعته إلا ليصل إلى غاياته في الظفر بكل شيءٍ كان على وشك الحرمان منه قسرًا: المال، الجاه، الحَسب، السُلطة، القُدرة، وقبل هذا .. هي، لا لمحبةٍ خالصة فيها، وإنما لنزعة مريضة فيه ....................................... !!
............................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الرابع الفصل الخامس والخمسون 55 - بقلم Manal Salem
الفصل المائة وثمانية وستون
نهنهات البكاء وآناته، كانت سائدة في كل بقعة محيطة بالمنزل، ليس للتضامن مع الوغد الجالس بالخارج على رأس المعزيين، وإنما تقديرًا للفقيد الذي كان لا يدخر وسعه لمساعدة الكثيرين في البلدة. كفكفت "آمنة" دموعها المنسابة، بعد أن عصفت بها ذكريات الماضي الموجعة لرحيل شريك العمر، حاولت مواساة "سعاد" في مُصابها؛ لكنها تفاجأت بها تخاطبها في لهجة آمرة، وجامدة تدعو للاسترابة:
-خدي بناتك، وإمشي.
توقفت عن البكاء لتنظر إليها مدهوشة، رأت في وجهها جمودًا أعجب، صمتت لوهلةٍ كأنما تستوعب الأمر، ثم هتفت مستنكرة:
-إيه اللي بتقوليه ده يا "سعاد"؟
بنفس الطريقة الجافة أحرجتها أمام النساء المجتمعات في بهو المنزل:
-زي ما سمعتي، إمشي...
تدرج وجه "آمنة" بحمرة خجلة للغاية، ونظرت إليها متحيرة؛ لكنها استمرت في لهجتها الآمرة:
-خدي بعضك وامشي مع بناتك قبل ما الليل يجي، إنتي عملتي الواجب، وسعيكم مشكور.
تحولت ملامحها للتجهم الشديد، وقامت من مكانها معلقة باستهجانٍ:
-إنتي كده بتطرديني؟
لم تحد "سعاد" بنظراتها المتجهمة عنها، وأخبرتها في صوتٍ لم يصدر منها مُطلقًا:
-بعد كده هتشكريني.
أمام سكوتها القاسي، ونظرات الدهشة الممتلئة بها الأوجه، انسحبت "آمنة" من عزاء السيدات، وهي تحني رأسها في أسفٍ، ليتبع ذلك ترديدها الحزين عند عتبة باب المنزل:
-لا حول ولا قوة إلا بالله، بقى دي أخرتها؟!
كادت تصطدم خلال سيرها المتعجل بـ "فضل" الذي اعترض طريقها، تماسكت، وحافظت على اتزانها، لتنظر إليه في حسرةٍ، بادلها نظرات تحمل الإنكار لذهابها مبكرًا، وصاح متسائلاً:
-رايحة فين يا مرات عمي؟
رمقته بنظرة حادة، وتحركت إلى الجانب لتتجاوزه وهي ترد في نبرة شبه غاضبة:
-اسأل أمك.
تدلى فكه السفلي مندهشًا للحظةٍ، وتبعها بنظراته الفضولية متسائلاً في استغرابٍ حائر:
-اسأل أمي على إيه؟!!
......................................................
فرك بيده –في حركة سريعة متكررة- شعره عدة مرات وهو يتحدث هاتفيًا إلى أبيه ليطلعه على آخر المستجدات الخاصة بالعزاء، لم يكن ليخطو خطوة دون الرجوع إليه، خاصة هذا الأمر تحديدًا، اتقاءً لشرور النفوس الخبيثة. أطلق "تميم" زفرة طويلة، أضاف بعدها في جديةٍ:
-تمام، هشوف الوضع إيه يا حاج، وأعرفك.
بدت ملامحه إلى حدٍ كبير عابسة، وانعكس الضيق على نبرته أيضًا عندما تكلم إليه:
-أكيد طبعًا، أنا عامل حسابي.
استدار محدقًا في وجه ابن خالته، وقال موجزًا:
-مسافة الطريق.
ودعه دون أن تسترخي قسماته المشدودة:
-حاضر يابا، في رعاية الله.
بمجرد أن ضغط على زر إنهاء المكالمة، عاجله "هيثم" بسؤاله المتطفل:
-هتمشي؟
طرد الهواء من صدره في دفعة واحدة قبل أن يجاوبه:
-لو كان ينفع كنت فضلت معاك، بس عشان الأصول وكلام الناس.
أيده في رأيه متمتمًا وهو يُريح ذراعه على سقف السيارة:
-معاك حق، الحكاية مش ناقصة عك، وهنا ما بيصدقوا.
عقب عليه "تميم" في امتعاضٍ مستنكر:
-الناس في أي حتة ما بتصدق تعمل من الحبة قبة، واحنا عندنا واحد عامل زي نافخ الكير.
ابتسم في سخرية وهو يرد مخفضًا رأسه:
-على رأيك ...
سكت لهنيهة، ثم رفع رأسه استعدادًا لإكمال جملته؛ لكنه لمح أحدهم يقترب منهما في خطى شبه مهرولة، وسط الفراغ الممتد من حولهما، استرعى الأمر كامل انتباهه، وقال بتلقائية:
-بص هناك كده، في حد جاي علينا.
تحولت عينا "تميم" إلى حيث ينظر ابن خالته وهو يسأله في اهتمامٍ:
-فين؟
صحح له مسار نظره قائلاً:
-يمينك ..
أمعنا النظر في الكتلة البشرية المقتربة منهما، تلك التي بدأت تتضح معالمها، فنطق "هيثم" من جديد عاليًا:
-مش دي حماتي اللي جاية من بعيد؟
تفرس في هيئتها، وقال موافقًا:
-أه هي ...
لكن ما لبث أن تساءل مُتعجبًا:
-هي راجعة قبل ميعادها ولا إيه؟
زم "هيثم" شفتيه للحظةٍ قبل أن يُحادثه وقد استدار بجسده كليًا ليغدو في مواجهتها:
-باين كده.
أطال "تميم" التحديق بها وهو يضيف:
-دي كانت قايلة هتفضل لحد بعد العشاء هناك في بيت الحاج "إسماعيل".
اتفق معه في كلامه، فردد بتحيرٍ:
-أيوه، أومال حصل إيه؟
نظرة جانبية سريعة منحها له قبل أن يعاود النظر إليها قائلاً:
-دلوقتي نسألها ونعرف.
غمغم "هيثم" في توجسٍ:
-ربنا يستر ومايكونش قل بأصله.
أومأ بحاجبه هاتفًا:
-هيبان.
انتظرا قدومها إليهما، وبادر "هيثم" بسؤالها أولاً في نبرة مهتمة:
-السلام عليكم، إيه الأخبار يا حماتي؟
لم تتطلع إليه وهي ترد في وجومٍ مريب:
-جهز العربية يا ابني، احنا ماشيين.
لاحقها "تميم" بأسئلته متوقعًا حدوث الأسوأ معها:
-ماشيين ليه؟ حصل إيه؟ حد اتعرضلك ولا ضايقك؟
توقفت عن المشي لتستدير ناحيته، ثم أخبرته بما أصابه بالمزيد من الحيرة:
-لأ، بس قُعدنا مالوش لازمة ...
أبعدت نظراتها عنه، وأكملت كلامها في جديةٍ منزعجة:
-أنا هاخش أنادي على أخويا والبنات خلينا نلحق نمسك الطريق قبل ما الدنيا تضلم علينا.
لم يعقب أحدهما عليها، ظلا صامتين إلى أن غادرت، فاستطرد "تميم" مخاطبًا ابن خالته:
-شكل الموضوع كبير.
ربت "هيثم" على كتفه قائلاً بهزة واضحة من رأسه:
-الظاهر كده.
..............................................................
الكدمات والتورمات التي افترشت أنحاء جسده، جعلته عاجزًا عن إيقاف شعوره بالألم، خاصة مع حركته العنيفة والمقاومة للقيد الإجباري المفروض عليه، حاول "حُسني" تحرير معصميه؛ لكنهما كانا مثبتان بحبلٍ غليظ في مسندي الكرسي الخشبي المربوط فيه، انتفض بصدره في قوةٍ، علَّ بمحاولته اليائسة يزحزح الأربطة عنه، ورغم ذلك المجهود الكبير إلا أنه فشل أيضًا. جال بنظراتٍ جمعت بين الخوف والترقب المكان من حوله، فلم يتبين سوى تفاصيلٍ قليلة منه، حيث كانت الإضاءة باهتة، الجدران مطلية بلونٍ داكن، لم يستطع تحديد ماهيته، القش، الأقفاص، الألواح الخشبية، وبعض الكراكيب القديمة متناثرة هنا وهناك. تخشب في جلسته غير المريحة على الإطلاق وقد سمع صوت همهمات خارجية، أدار رأسه في اتجاه مصدر الصوت، وتجمدت عيناه على بابٍ معدنيٍ يُسحب للأعلى، برزت حدقتاه على اتساعهما عندما رأى الاثنين اللذين تصارعا معه عند منزل "خليل"، رغم انحباس نبرته في البداية وتحشرجها إلا أنه صرخ فيهما بتشنجٍ:
-أنا فين؟ وإنتو مين؟
ضحك "حمص" هازئًا منه، فواصل صياحه الهادر:
-خاطفيني ليه؟ بيني وبينكم إيه؟
تبادل "شيكاغو" الضحك مع رفيقه مما استفز مشاعره، وأغاظه، لهذا هدر مهددًا:
-ده أنا هوديكم في داهية!
مسح "حمص" على صدره في حركة دائرية، وأخبره بانتشاء مستمتع بإذاقته صنوف العذاب:
-احنا الداهية يا (...).
تحقيره، والتقليل من شأنه استثار أعصابه بسهولة، لذا رد عليه بنبرة هجومية:
-فكني وأنا هوريك مقامك يا (...).
دنا منه "شيكاغو"، وربت على صدغه بما بدا أشبه بالصفعات القاسية وهو يحذره:
-ما تخدش الموضوع على صدرك أوي بدل ما تندم.
التهبت بشرته، وظهرت أثار أصابعه على خده، فصرخ فيه بغلٍ:
-إبعد إيدك، ده أنا هقتلك.
كركر ضاحكًا قبل أن يبتر الضحكات المصطنعة ليقول بنوعٍ من الاحتقار:
-مش هتعرف.
استمر "حُسني" على صياحه الحانق لاعنًا الاثنين بكلمات نابية:
-فكوني يا شوية (...)، ده أنا هطلع (....).
كتف "حمص" ساعديه أمام صدره، ورفع كفه ليمسح به على طرف ذقنه سائلاً رفيقه بنظرة ميتة:
-هنسيبه يغلط فينا كده؟
توحشت عينا "شيكاغو" بشكلٍ مرعب حين تكلم بابتسامةٍ أبرزت نزعته المبيتة للإيذاء:
-لأ طبعًا، المعلم قال إيه، اللي يغلط يتأدب، وبالأصول.
علق عليه "حمص" بتأيدٍ مبطن:
-يبقى واجب نعرفه أصول منطقتنا.
النظرات الوحشية التي قرأها في وجهيهما أوحت بشرٍ مستطر، هوى قلبه بين قدميه، وهلل متسائلاً بفزعٍ:
-هتعملوا إيه؟!
زادت بسمة "شيكاغو" اتساعًا قبل أن يميل ناحيته، ليدنو من أذنه، ثم هسهس له بفحيح كالأفعى:
-إنت ضيفنا، وإكرام الضيف ....
برودة قارصة حلت ببدن "حُسني"، خاصة حين أتم جملته بنفس الصوت الخافت المفعم بالشراسة:
-واجب علينا.
............................................................
استطالت فترة الصمت، وما تردد من بضعة عبارات طوال مسافة الطريق كان موجزًا، مُحايدًا، لا يشير إلى موضوعٍ بعينه، حتى نظراته إليها كانت إلى حدٍ ما متباعدة؛ وكأن هناك ما يسعى لإخفائه عنها بتجنبها. تنامى هذا الشعور بداخلها وهو يميل على خالها عند مفترق كل إشارة ليكلمه بصوتٍ خفيض، عجزت عن تفسير ما يتردد خلاله.
أما عن والدتها فكانت أبعد ما يكون عنها، نظراتها تائهة، ملامحها واجمة، بالكاد تمنع نفسها من البكاء العميق، فقط تخونها الدموع بين الفنية والأخرى، فتمسحها بمنديلها الورقي المهترئ دون أن تنبس بكلمة. لم تستطع مقاومة الفضول المستعر بداخلها، فتساءلت عاليًا، لتبوح بما يعتمر رأسها من أسئلة متصارعة، لا تجد لها أي أجوبة:
-في إيه يا جماعة؟ هو حصل حاجة؟
التفت "خليل" برأسه ناحيتها لينظر إليها، وقال نافيًا بلا ابتسامٍ:
-لأ .. كله تمـ..ام.
دققت النظر في وجهه، فرأت التردد ظاهرًا عليه، بل إنه تحاشى إطالة النظر، وهرب بعينيه منها، فتساءلت بغير اقتناعٍ:
-متأكدين؟ أصل حاسة إن في حاجة غلط، أو إنتو مخبيين عنا حاجة؟
الكذب عليها لم يكن متاحًا لديه، لهذا كان الحل الأسلم له التزام السكوت، وادعاء انشغاله بالقيادة، وذلك ما لم ينطلِ عليها! أولت وجهها نحو والدتها تسألها في إلحاحٍ:
-وبعدين يا ماما إنتي مشيتي بدري ليه؟
جمدت "آمنة" نظراتها على الطريق، ولم تعقب، فاستمرت ابنتها تسألها:
-مش المفروض بنقعد الـ 3 أيام؟
محاصرتها بالأسئلة لن يأتي بفائدة، هربت من هذه الضغوطات بصياحها المزعوج:
-خلاص بقى يا "فيروزة" هو تحقيق؟ أنا دماغي مش فايقة!
تعجبت من ردة فعلها المبالغ فيها، المناقضة لما كانت عليه باكر، خاصة أنها من كانت توصيها طوال طريق الذهاب بالصبر، وعدم افتعال المشاكل، إن مكثوا لمدة أطول في البلدة. هزت رأسها دون أن تشبع فضولها، ورددت:
-طيب يا ماما.
ألصقت "فيروزة" حقيبتها بصدرها، وراحت تتأمل الطريق من جانبها، وهي تخبر نفسها في نبرة عازمة:
-عمومًا .. لو في حاجة، فأنا مسيري أعرفها.
..................................................
تهادت سرعة السيارة، وتباطأت حين انعطفت من الشارع الرئيسي، لتتجه إلى الطريق الجانبي المؤدي إلى البناية. أوقفها "تميم" بمحاذاة الرصيف، ثم ترجل أولاً، دون أن يُبطل محركها، ومسح المكان بنظراتٍ فاحصة، متأملة قبل أن ينطق في صوتٍ هادئ:
-حمدلله على السلامة، اتفضلوا.
عندئذ ترجلت والدتها دون أن تنطق بشيء كعادتها الغريبة في الساعات الأخيرة، ولحقت بها الصغيرة "رقية"، في حين استعدت "فيروزة" للنزول بعدهما؛ لكنها لمحت بطرف عينها يد "تميم" وهي تمتد لتضغط على جانب ذراع خالها، كأنها إشارة خفية لأمر ما، فمكث الأخير في مكانه دون حراكٍ، ضاقت عيناها باسترابة، ولم تمرر ذلك على خير، تعمدت التلكؤ وهي تترجل من جانبها، وحانت منها التفاتة جادة ناحيته؛ لكنه لم يكن ناظرًا في اتجاهها، وهذا شيء غريب، غير مستساغٍ عليها! انتبهت إلى صوته يقول بعد نحنحة سريعة:
-أنا عاوزك في مشوار كده يا عم "خليل".
تركز بصرها على خالها، ورأته وهو يومئ برأسه قائلاً دون جدالٍ:
-طيب.
استُثير شعورها بالريبة، وتضاعفت أماراته بداخلها، مررت نظراتها المتفرسة على وجهي كليهما، وباتت شبه متأكدة أنهما يخفيان عنها أمر ما. لفت حول مقدمة السيارة، ومنعت "تميم" من ركوبها، بوضع يدها على بابها المجاور له، حملق فيها مندهشًا، وحاول الفرار من نظراتها المتشككة عندما سألته مباشرة:
-إنت واخده ورايح على فين؟
حك طرف ذقنه قائلاً بصوتٍ هادئ، وعيناه تحاولان ألا تنظر إليها:
-مشوار على السريع.
انعقد حاجباها بشكلٍ واضح، مما زادها بأسًا على بأس، خاصة وهي تلاحقه بسؤالها التالي:
-أيوه فين يعني؟
أعطاها ردًا شبه مراوغ وهو يشير بيده:
-حتة مش بعيدة، جمبنا هنا.
ضاقت عينها بمزيدٍ من الشك، وسألته:
-ليه؟
قبل أن يفكر في منحها الجواب المناسب، حذرته مشيرة بسبابته:
-ويا ريت تكون واضح معايا.
التحايل عليها، وحياكة الأكاذيب لم يكن خيارًا مطروحًا، لهذا لم يجد بدًا من الاعتراف لها على مضضٍ:
-هنقابل قريبه.
كل لبيب بالإشارة يفهم، خمنت دون الحاجة للتفكير هوية الشخص المقصود، وأفصحت عنه علنًا في صيغة متسائلة:
-خال "رقية"؟
قال متجهمًا:
-أيوه.
منحته نظرة غامضة، تحوي غضبًا واضحًا، قد أخذ في التجمع في حدقتيها اللامعتين، قبل أن تتراجع من مكانها، لتعود إلى مقعدها بالسيارة وهي تردد في حسمٍ حازم:
-أنا جاية معاكو.
احتج على قرارها غير الصائب هاتفًا في صدمةٍ:
-استني بس، مافيش داعي لوجودك، ده الموضوع هننهيه في السريع.
أغلقت الباب من خلفها بقوةٍ، ونظرت إليه من نافذتها صائحة بعنادٍ أحمق:
-حتى لو هتخلصه في دقيقة، برضوه هاروح معاكو، فمتحاولش تمنعني.
استند بقبضتيه على إطار نافذتها، ورمقها بنظرة معترضة معلقًا في انزعاجٍ:
-إنتي عنادية أوي، وده ماينفعش، احنا مش رايحين نهزر.
بادلته نظرة أكثر عِندًا وهي ترد:
-ومين قالك إني رايحة ألعب؟ أنا رجلي على رجلكم.
أطبق على شفتيه مانعًا نفسه من الكلام المنفعل لحظتها، فنظرت إليه في تحدٍ وهي تأمره:
-ويالا عشان مانتأخرش.
تحلى مضطرًا بفضيلة الصبر، وسحب قبضتيه من على الإطار، ليردد في جديةٍ اكتسبتها نبرته وملامحها:
-ماشي يا أبلة.
كانت تعلم في قرارة نفسها أنه لم يكن راضيًا عن تصرفها المعاند له، وذلك لحرصه الواضح على عدم تعرضها للأذى، ومع هذا أصرت على الحضور، لتكون على رؤوس الأشهاد فيما سيحدث لاحقًا.
.......................................................
ما قيل عنه بأنه مكان قريب بداية الكذب، والخداع، وربما كشف خطورة الأمر المخبئ عنها. غامت تعابير وجه "فيروزة" وهي ترى السيارة تبتعد عن العمران، لتخرج نحو الطرق السريعة، قبل أن تنحرف في طريق جانبي، بالكاد لمحته، لتنطلق لما يقرب من عشرة دقائق وسط ما يعرف باسم طريق الملاحات. تباطأت السرعة بالتدريج حينما اقتربت من مكانٍ شبه مهجور، في قلب الأحواض المائية، دارت بعينيها في المحيط الغريب الذي كانت تراه للمرة الأولى في حياتها، شعرت بالخوف يتسرب إليها، برعدةٍ خفيفة تضرب بدنها، قاومت هذا الشعور، ونظرت إلى "تميم" الذي استطرد مخاطبًا الاثنين:
-احنا وصلنا.
ترجل أولاً ليلف حول مقدمة السيارة، حتى يساعد خالها على النزول، بينما تمهلت "فيروزة" في حركتها خشية ألا تزل قدماها على تلك الأرضية الطينية، وتتعرقل في سيرها. تساءلت في فضولٍ يشوبه التوجس:
-هو احنا جايين هنا ليه؟
ساد في نظرته إليها الأسف والضيق معًا، الأسف لكونها سترى جانبًا شبه إجرامي فيه لا يجيد السيطرة عليه حين تمس المخاطر أحبائه، والضيق لأنها ستعرف ما حرص على إخفائه عنها، لتحسين صورة خالها. تنفس "تميم" بعمقٍ، وأنذرها –كنوعٍ من التمهيد- قبل أن يتقدم في خطواته نحو الباب المعدني الموصود:
-بصي يا أبلة، الشخصية اللي هتشوفيها مش ملاك، ولا حد يستاهل المعروف، فخدي بالك.
توقعت حدوث الأسوأ، وقالت بعفويةٍ:
-شكل في مصيبة حاصلة جوا.
لم يعطها الرد الشافي، وترك لها حرية تحديد مدى السوء بناءً على ما ستراه. كور قبضته، ودق على الباب المعدني بقوةٍ رن صداها في الفراغ الممتد وهو يهدر بصوتٍ أجش:
-افتحوا يا رجالة.
ما هي إلا لحظاتٍ، وسمع ثلاثتهم صوت الأقفال وهي تفتح من الداخل، ليظهر بعدها "ناجي" مرحبًا:
-منور يا سيد المعلمين.
تفاجأ بوجود "فيروزة" معه، ونظر إلى رفيقه نظرة متعجبة مستنكرة الإتيان بها إلى هنا، فما كان منه إلا أن قَلِب ملامح وجهه وهو يغمغم بصوتٍ شبه خافت:
-متسألش.
رائحة عطنة، مع روائح أخرى غير مستحبة عبقت الهواء فجأة، وتفشت فيه، لذا وضعت "فيروزة" يدها على أنفها لتسده، وتمنع تلك الرائحة المنفرة من النفاذ إلى رئتيها، والتأثير على معدتها التي تقلصت، وانقلبت. واصلت السير خلف الرجال، وهي تجاهد لمنع شعورها بالغثيان، تغلبت مرة واحدة على هذه الأحاسيس المنفرة عندما رأت –من على بعدٍ- وجه "حُسني" مكدومًا، وغارقًا في دمائه، اتسعت عيناها ذهولاً، وتسمرت في مكانها لهنيهة حتى تستوعب ما يدور، ثم صاحت بعدها في استهجانٍ شديد:
-إيه اللي بيحصل هنا؟
انخفضت عيناها لتتأمله وهو مقيدٌ كالبهائم في مقعده، تراجع "تميم" في خطواته، بعد أن رأى ما اعتلى قسماتها من غضبٍ صريح، واتجه إليها، ليكون في مواجهتها، وقبل أن يفكر في تفسير أي شيء، تابعت استنكارها الصارخ موجهة أصابع الاتهام إليه تحديدًا:
-عشان كده مكونتش عاوزني أجي؟ ده اللي هتحل بيه الموضوع بشكل ودي؟
قبل أن يبرر أي شيء استأنفت هجومها المنفعل:
-لأ طبعًا، ده بالبلطجة، وشغل الفتونة، ولوي الدراع!!
رغم اختناق الجو بهذه الرائحة المقرفة، إلا أنه تنفس بعمقٍ ليثبط أي انفعالات تستثار حاليًا بداخله، خاصة أنها تعنفه أمام رجاله، وقال بهدوءٍ ممتزج بقدرٍ من التشنج:
-في أشكال ماينفعش معاها إلا العين الحمرة.
هاجمته بنفس الأسلوب المتعصب:
-أه وبعدين، هتنتهي على إيه؟
نظر لها بعينين محتدتان، فواصلت لومه وتقريعه بغلظةٍ:
-ترجع السجن تاني، وتكمل اللي باقي من عمرك محبوس، وتبقى الحكاية خلصت على كده.
حذرها بصوتٍ هادئ لكنه حازم:
-خلي الخناق بعدين، مش وقته.
رفعت إصبعها أمام وجهه تنذره في تشددٍ، وملامحه قد اشتعلت على الأخير من طريقتها:
-إنت لو هتستمر على الأسلوب ده في أي مشكلة تقابلك، يبقى أنا محتاجة أعيد تفكير في حاجات كتير.
سحب نفسًا آخرًا عميقًا، قبل أن يلفظه دفعة واحدة، ليقول برجاءٍ مهذبٍ:
-يا أبلة متكبريش الموضوع.
صاحت في سخطٍ ساخر:
-أكبره؟ ده على أساس إن خطف الناس حاجة عادية؟
بالكاد ضبط أعصابه لئلا تنفلت، ورد مبررًا الإمساك به:
-هو اللي جه لحد عندي برجليه، أنا مقربتش منه.
أمرته في غير مزاحٍ، وبنظرة صارمة تملأ وجهها:
-خلي رجالتك تفكه.
حدجها بنظرة غريبة، توقعت فيها أن يرفض ما قالته؛ لكنه خالف توقعاتها، ونطق في عبوسٍ بائن:
-ماشي كلامك.
اندهشت من تصرفه رغم حالة الاستياء المسيطرة عليها، وتتبعته بنظراتٍ محتقنة، وهو يأمر رجاله بتحرير "حُسني"، انتفض الأخير ناهضًا من على المقعد وهو يشعر بخوار ساقيه، بالكاد وقف على قدميه، وانطلق مهددًا في عدائية صريحة:
-ده أنا هوديكم في داهية، هسجنكم كلكم ....
تجمدت نظراته على خالها، وهو يكمل تهديده بإهانةٍ قاسية:
-وأولكم "خليل" الكلب.
شهقت "فيروزة" في استنكارٍ، بينما هاجت الدماء في عروق "تميم" وهو يحذره بغلظةٍ:
-ماتغلطش فيه بدل ما أقص لسانك.
تصنع "حُسني" الضحك، وهدر هازئًا منه:
-الفتوة الدكر ظهر يا جدعان ....
اشتاطت نظرات "تميم"، واكتست بحمرة أكثر غضبًا وحقدًا عندما تطاول متجرئًا على امرأته:
-لأ وجايب السنيورة تتفرج عليا، نِمرة حلوة تكسب بيها بونط .. حلو أوي، عشان تتحطوا في الكلبش لوكشة واحدة.
ردّه عن الانقضاض عليه كان صعبًا، خاصة مع تحفزه الواضح للفتك به، اندفعت "فيروزة" للأمام، وتجاوزت الرجال لتخاطبه في صوتٍ مرتفع، حتى ينتبه لها:
-اتكلم معايا أنا.
تحولت نظرات "حُسني" ناحيتها، وأخذ يُطالعها بغموضٍ، أحست بنظراته غير المريحة عليها، والأصعب من ذلك إحساسها بالغليان المندلع حاليًا في "تميم" جراء ما تفعله، تغاضت عن هذا التفكير الموتر لتسأله بثباتٍ:
-عاوز إيه؟
أخذها على محمل الجد، وجاوبها بنظرات قوية مسلطة عليها كالصقر:
-حقي كله.
حاولت تهديده لردعه، فقالت متحدية، كمن تناظره في القوة:
-إنت لو مفكر إنك بكده هتاخد "رقية" مننا تبقى غلطان، أولاً لأن القانون آ....
قاطعها بتلميحٍ شبه فج جعل وجهها يحمر حرجًا من جراءته:
-القانون ده لا مؤاخذة تبليه، وآ....
قبل أن يتم جملته الوقحة نسبيًا، هدر "تميم" مانعًا إياه من التفوه بأي إساءات نابية وهو يندفع قبالته:
-لسانك لو طول معاها هاقطعه.
تنفست "فيروزة" الصعداء لوجوده بقربها، فكيف سيكون التصرف إن وجه إليها ما لا يُسر من القول؟ سعت إلى لملمة الأمور قبل أن تتفاقم، وأعادت لغة الحوار إلى مسارها بنقاشه:
-إيه طلباتك؟
اتجهت عينا "حُسني" إلى "خليل"، وجاوبها مباشرة:
-وصولات الأمانة اللي مع خالك ...
صمت للحظة قبل أن يكمل في ابتسامةٍ لئيمة:
-بفوايدها.
هنا صاح "خليل" محتجًا في حقدٍ:
-إيـه الكـ..لام ده، أنا سـ..ددت نص القيمة.
اخشوشنت نبرة "حُسني" وهو يهب معترضًا على احتجاجه:
-وحق غربتي؟ والنصباية اللي اتعملت عليا منك؟
اِربد وجه "خليل" بالغيظ، وشعر بالضآلة وسره يُكشف على العلن، لم ترغب "فيروزة" في رؤية خالها في موقف العاجز الذليل، وتكلمت مرة أخرى تسأله:
-كام يعني؟
كأن الحظ ابتسم له بعد فترةٍ من الفقر المدقع، كانت تلك فرصته الذهبية للظفر بما يؤمن به مستقبله لسنواتٍ قادمة، فلا يمد يده، أو يُصاب بالعوز، عاد شعوره بالزهو يغمر جسده المتألم، حتى أنه تناسى أوجاعه مع الأحلام الطامعة التي اجتاحت عقله، أدار رأسه ناحيتها، كما التمع في عينيه الحقودتين وهجًا خبيثًا وهو يقوس ثغره قائلاً بجديةٍ:
-نص مليون جنية يا قُطة ......................................... !!
..........................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الرابع الفصل السادس والخمسون 56 - بقلم Manal Salem
الفصل المائة وتسعة وستون
هل يُجدي الندم بعد زلات الخطأ؟ ذلك السؤال ظل يتردد في رأسها بعد أن تداركت حجم الخطر الذي أوقعت نفسها فيه، بإصرارها غير الموفق على حضور مثل تلك النزاعات، ظنًا منها أنها قادرة على المناطحة كالرجال، دون أن يُستخف بها، وتُعامل كفريسةٍ سهلة المنال، فهي ليست في حضرة واحدٍ من الأشراف، وإنما تتعامل مع شرذمة من الأشرار. الأهم من ذلك، والذي استحوذ على تفكيرها لحظيًا قبل أن تُصدم بالمبلغ، إن عفا "تميم" عن ذلك الوغد، وأغفل عن وقاحته في الرد، فهل يغفر له تلميحاته غير البريئة نحوها؟ بالطبع لا، لن يسمح أبدًا بتمرير الأمر دون عقابٍ مؤلم.
خرجت من شرودها السريع، وتجمدت في مكانها مذهولة أمام الرقم الضخم الذي طلبه، بينما هدر "تميم" في استنكارٍ غاضب:
-كام؟!!!
تولى "شيكاغو" لكز "حُسني" في كتفه محذرًا باستهزاء:
-اظبط نفسك، إنت شطحت بخيالك.
بينما صاح "خليل" محتجًا في حنقٍ:
-دي .. مش قيـ..مة الوصولات الفعـ..لية، آخرهم كان 50 ألف.
نفض "حُسني" الأذرع الممسكة به، وراح يتجول بنظراته الواثقة على الأوجه المتطلعة إليه، قبل أن يركزها على "خليل" ليخاطبه بنبرة ذات مغزى:
-هي دي قيمتهم دلوقتي، ولو مش عاجبك هفتح بؤي وآ...
قاطعه "تميم" في التو متسائلاً:
-وبعد ما ندفعهم هتعمل إيه؟
التفت ناحيته ليجاوب بابتسامة خبيثة:
-ولا كأنكم تعرفوني، هنسى إن ليا بنت أخت.
استجمعت "فيروزة" شتاتها بعد الصدمة الفورية لتقول بشيءٍ من المنطقية:
-ادينا وقت نحضرلك الفلوس، هما مش جاهزين معانا.
-هأو، على مين يا حلوة.
النظرة الشرسة المنتفضة في عينيه مع نبرته القوية المحذرة جعلتها تجفل حين قال:
-احفظ أدبك في الكلام!
رفع "حُسني" يده معتذرًا بسخرية:
-لا مؤاخذة ..
ثم حملق في وجه "تميم" متابعًا كلامه في صيغة تساؤلية:
-وإيه اللي يضمنلي ماترجعوش في كلامكم؟
وقبل أن يحصل على الجواب، اتجه بناظريه إلى "فيروزة" كأنما يقصدها وهو يقول:
-أصله شكله اتفاق حريم.
احتدت نظراتها من وقاحته؛ لكن "تميم" بادر بإخراسه وإيقافه عند حده بقوله الصارم المزمجر:
-حريمنا بـ 100 راجل، وطالما ست الكل قالت كلمة، يبقى تبلع لسانك وتخرس.
كذلك تدخل "ناجي" منذرًا إياه:
-بعد إذنك يا معلم "تميم"، لو لسانه طال تاني بحاجة معجبتنيش هاقطعه.
لم يخفِ "حُسني" بسمته الهازئة من استعراض العضلات المفتولة، والتراشق بالألفاظ الحادث أمامه، فقال في لمحةٍ من السخرية:
-ماشي يا فتوات الحارة، قدامكم أسبوع، جهزوا الفلوس، وأنا مستني.
إشارة من يد "تميم" لـ "فيروزة" تأمرها بالتحرك دون أن ينطق، فامتثلت له بإيماءةٍ من رأسها، وبدأت بالسير معه؛ لكن استوقفها صوت "حُسني" الصائح:
-بس قبل ما أمشي عاوز عشراية حق بهدلتي هنا ....
استدارت تنظر إليه، فوجدته يستغل الفرصة ليقول مهددًا بابتسامةٍ وضيعة:
-ولا يرضيكي يا قطة أطلع من هنا أعمل محضر في خالك؟
اختلج الغضب قسماتها، وصاحت تنعته في غلٍ:
-إنت واحد حقير!
خرج "تميم" عن طور هدوئه الزائف، واندفع مُطبقًا على عنقه قاصدًا خنقه وهو يكز على أسنانه مدمدمًا:
-مش قولتلك تخرس وتحفظ أدبك؟
لم يتحرك أي من الرجال لمنعه من إيذائه، مما جعل الخوف يدب في قلب "فيروزة"، أحست بالخطر محدقًا به، فهرولت ناحيته ترجوه:
-خلاص يا "تميم"، سيبه علشاني.
اللعب على أوتاره الحساسة، وتحفيز الكامن في مشاعره، خلال المواقف المتأزمة، لن يكون مفيدًا الآن، توسلته مجددًا في خوفٍ متضاعف:
-مايستهلش إنك تودي نفسك في داهية، سيبه، لو سمحت.
لمعت عينا "حُسني" بنشوة الانتصار، وقال بصوتٍ مختنق:
-اسمع كلامها، مش هينفعك موتي.
رضخ مضطرًا، ولم يسكن ما اشتعل بداخله من نيران الغضب، حرره، وتراجع بعد أن أعطى نظرة صارمة لـ "فيروزة" لتبتعد عن محيط ذلك اللعين، فاستجابت دون كلام، وأبقت على مسافة آمنة بينها وبينه "حُسني" الذي مسح بلسانه أسنانه الصفراء في فكه العلوي، وعلق ببرودٍ مستفز:
-أنا نيلة النيلة، بس عاوز اللي يسكتني، عشان زعلي مش حلو.
وقعت عيناه مصادفةً على السوار الذهبي الذي برز من أسفل المنديل الملفوف حول معصم "فيروزة"، ظهر وهجه المغري في حدقتيه الطامعتين، واستطرد يطلب منها بوقاحةٍ فجة:
-هاتي الإسورة دي وأبقى كده مرضي.
تلقائيًا التفت يدها على السوار لتحميه، وضمت كفيها معًا إلى صدرها، كأنما تخشى فقدانه، بينما هدر به "تميم" مرة ثانية في غضبٍ أهوج:
-إنت اتجننت؟
رد مبررًا وهو يتراجع خطوتين للخلف لينأى من بطشه المهدد:
-ده عرض وطلب، عشان أسهلها عليكم.
زأر به "تميم" في نبرة خشنة قاسية:
-هتاخد اللي عاوزه على الجزمة ...
ثم أشار إلى رجاله آمرًا:
-طرأوه من هنا.
ردد "حمص" بتحفزٍ وهو يشمر عن ساعديه لينقض عليه:
-تمام يا ريسنا.
في لمح البصر، كان "شيكاغو" ممسكًا بذراعه الآخر يكبله، ومن الخلف انضم إليهما "ناجي"، حاول "حُسني" الفكاك، وصاح في تذمرٍ محتج:
-بالراحة عليا، أقبض همشي، غير كده هستموتلكم فيها.
الأمر لم يكن من قبيل الصدفة أن يحمل ذلك المبلغ في جيبه، أو يزيد قليلاً؛ لكنه أحضر معه ما قد يلزم استخدامه، إن حدث طارئ ما، وتأزمت الأوضاع في وقت العزاء، لذلك لم يفكر "تميم" مرتين وهو يخرج من جيبه رزمة من النقود المطوية، ألقاها عند قدمي "حُسني" وهو يصيح به بصوتٍ جهوريٍ غاضب .. للغاية:
-خدهم، وغــور من هنا.
..................................................
التواجد في هذا الخلاء المقفر، ليس بالطبع المكان المناسب للعتاب، أو حتى إبداء الاعتذار، لن تساعد الأجواء على تحقيق ذلك. حاولت "فيروزة" أن تبدو لطيفة، أن تبدد ما عمَّ من توترٍ ومشاعر حاقدة، دنت من مقدمة السيارة، تلك التي يجلس عليها "تميم" بعد أن أرسل "حُسني" مع رجاله بعيدًا عن هنا، لمحته من زاويتها فرأت الغضب ما زال مستبدًا بملامحه، بلعت ريقها، وضمت شفتيها معًا، وهي تردد بصوتٍ يرن في عقلها:
-ربنا يستر، وميكونش لسه مضايق.
أطلت "فيروزة" برأسها من النافذة المفتوحة على خالها الجالس بالمقدمة، وهمست إليه:
-هتكلم مع "تميم" دقيقة، وهنركب.
منحها الموافقة، فاستقامت في وقفتها، وبدأت تشحذ قواها لتبدو متماسكة، ثابتة الانفعالات، انتفضت حين رأته يستدير لينظر إليها في وجومٍ، قبل أن يبتعد عن السيارة، ويمشي إلى الأمام بضعة أمتار، ترددت لحظيًا في اللحاق به؛ لكن لا مفر من المواجهة، تنفست بعمقٍ قبل أن تستجمع نفسها لتدنو من البقعة الواقف بها. بلغته، وصارت قبالته، توقعت أن ينظر ناحيتها، أن يمنحها الاهتمام الذي تحبه منه؛ لكن لدهشتها صار يحيد بعينيه بعيدًا عنها، كأنه ينبذ اقترابها، تأملت تعابيره، فوجدتها قاسية، صلبة كالحجر، قاومت الخوف الذي اعتراها لهنيهة من رؤيته على تلك الحال، وسألته بلطافةٍ:
-إنت زعلان مني؟
نفخ في سأمٍ، ورد متسائلاً دون أن يمنَّ عليها بنظرة واحدة:
-تفتكري إيه؟
همَّت بالرد والتبرير:
-أنا...
لكنه قاطعها بغير تساهل:
-راجعي نفسك، وبعدين قرري.
أدركت من تلميحه المبطن خطئها الفادح في عدم الوثوق به أولاً، وثانيًا عدم توفيقها في انتقاء المناسب من العبارات حين تحدثت معه، هناك سمات مختلطة من العنجهية، التعالي، وربما عدم التقدير وهي تفرض عليه أرائها، لم تضع في الاعتبار أنها كانت تحادثه –أمام رجاله- بالمنطق أو التروي، وإنما تكلمت معه بلسانٍ شبه لاذع، قد يكون جرحه في بعض المواضع، وقد يكون احتوى على القليل من الاحترام لشخصه المهيب، ومع هذا لم يكن إلا صبورًا حليمًا معها. شعرت بالخزي من نفسها، وتحركت نحو مرمى بصره، وقالت في خجلٍ حرج:
-إنت عارف إني مكانش ينفع أسيب خالي يروح لوحده، وهو في ظروفه دي، وأكيد مقصدش حاجة من اللي حصلت جوا، أنا برضوه كنت بحاول أمنع كارثة من إنها تحصل.
جمد نظراته الخالية من أدنى ذرة تعاطفٍ معها، قبل أن يسألها:
-وأنا قصرت مع خالك؟
ضغطت على شفتيها للحظةٍ قبل أن تهز رأسها نافية وهي تجاوبه:
-لأ.
باعد ناظريه عنها، وتطلع إلى الأفق بنظراتٍ غائمة، غير مسترخية، انزعجت لتجاهله المتعمد، وأحست بالضيق يضرب صدرها، تأملت ملامحه من جديد، فرأت في وجهه التواءة زاوية فمه في سخطٍ صريح، حاولت أن تبدي ندمها، فاعتذرت عن رعونتها قائلة:
-أنا أسفة.
الاعتذار المجرد من أدنى إحساسٍ بالمسئولية، أو إدراك فعلي للخطأ في تقدير مدى خطورة بعض المواقف من عدمها لم يكن مقبولاً له، استمر "تميم" على حالته المستاءة، واستدار لينظر إليها في غير رضا وهو يعنفها:
-ماينفعش كل حاجة تاخديها عِند كده، لمجرد إنك عايزة تثبتي موقف.
لم تنجح نظرته القاسية في منعها من التبرير بإصرارٍ:
-ده غصب عني، أنا متعودتش حد يشيل المسئولية غيري، فصعب أتغير بين يوم وليلة.
عقب في لهجةٍ صلبة يشوبها العتاب أيضًا:
-بس سهل تعتمدي عليا، توثقي فيا، لكن اللي بشوفه منك غير كده، وده مش حلو.
استحقت ذلك التقريع، وأحنت رأسها في حرجٍ وهي تخاطبه:
-أنا فعلاً اتصرفت باستعجال، و ...
كأنه لم يسمع ما تقول، فقاطعها مجددًا وهو يهتف بنبرته الغاضبة رغم خفوتها:
-إنتي يبقالك الكلام لو قصرت معاكي في حاجة.
رسمت ابتسامة مهذبة على شفتيها وهي تواصل الاعتذار بوداعةٍ:
-خلاص .. حقك عليا، أنا غلطانة، ماتزعلش بقى.
تمهل في رده عليها، فتحرقت شوقًا للتأكد من عفوه عن زلتها؛ لكنه خيب رجائها، وأخبرها بعد صمتٍ قليل في فتور:
-ربنا يسهل.
هبَّ بها الضيق، فصاحت في تشنجٍ:
-لو سمحت حاول تفهمني، قدر موقفي.
انفعالها عليه بعد اعتذارها منه لم يكن في محله، أو حتى موفقًا، بل إنه زاد من الطين بلة، فراح يزيد من تقريعه لها:
-موقفك؟ ده على أساس إنك لما تظهري قلة الذوق، وتركبي دماغك وتمشي اللي فيها يبقى 100 100 وزي الفل؟!!
تدلى فكها السفلي وهي تطالعه بتلك النظرة الآسفة، حدجها بنظرة أخرى أشد جفاءً وهو ينهي عتابه اللاذع:
-راجعي نفسك قبل ما تبرري حاجة.
استدار تاركًا إياها في مكانها؛ لكن صوته تردد آمرًا:
-ويالا بينا، ولا عاجبك الأعدة هنا؟
-حاضر.
قالتها بصوتٍ خفيض، وهي تطأطأ رأسها في ندمٍ مليء بالإحباط، قبل أن تقوم برفع رأسها لتعود إلى السيارة، وشعورها بالضيق يتعاظم بداخلها.
...................................................
حجرة الصالون تحولت إلى ما يشبه حلقة اجتماعات مغلقة، شديدة الأهمية، تُطرح فيها كافة الاقتراحات، لاختيار المناسب، وتنفيذه في النهاية. كان لابد من تواجد "آمنة" خلال تلك الجلسة، ومشاركتها في الرأي، إذ ربما تخرج بشيءٍ مفيد. كانت فناجين القهوة ممتلئة إلى ما قبل المنتصف، ومع هذا نهضت "فيروزة" وأحضرت العصير البارد ليشربه الجميع. أصغت إلى والدتها حين تساءلت في حيرة وهي تضع أمام كل فردٍ كأسه:
-هنتصرف في الفلوس إزاي؟ ده مبلغ كبير!
نظر إليها "خليل" في عجزٍ وهو يقول:
-مش عــ..ارف، بس مش معـ..ايا يغطي.
ظل "تميم" مشدودًا في جلسته على الأريكة، متجاهلاً "فيروزة"، لا ينظر نحوها، يتابع ما يدور أن يعلق على كلامه، ومع هذا عقب على خالها ناطقًا بهدوئه الجاد:
-ماتشلش هم يا عم "خليل"، أنا موجود.
التفت الأخير ناحيته ليهتف في حرجٍ:
-وإنت ذنبك إيه؟
أضافت عليه "آمنة" بنفس التعبير المتحرج:
-احنا شاغلينك يا ابني بمشاكلنا، وإنت مش ناقص.
دون أن يبتسم قال:
-وأنا مش غريب.
ردت "آمنة" في استحسانٍ شديد:
-أكيد، ده إنت سندنا بعد ربنا سبحانه وتعالى.
استقرت "فيروزة" في مقعدها المقابل لـ "تميم"، وراحت تكلمه في جديةٍ، وكامل نظراتها عليه:
-بس ماينفعش نورطك في حاجة ملكش يد فيها، كفاية الأذى اللي كان هيحصلك بسببنا.
توقعت أن ينظر إليها باهتمامٍ، لكنه بدا غير مكترث بالتطلع إليها، وقال بصوتٍ جاف:
-أنا مش ممانع.
أصابها المزيد من الضيق لأسلوبه المتجافي، وأحست باعتصارة مؤلمة تعصف بقلبها، لم تخطئ للدرجة التي تستحق بها معاملة كتلك! تراجعت عن شرودها اللحظي لتتنبه إلى "رقية" التي اقتحمت الغرفة، لتقفز في حِجر "تميم"، وتتعلق بعنقه بذراعيها الرفيعين متوسلة إياه:
-ماتخلهوش ياخدني يا عمو.
تذمرت "آمنة" لوجودها، وقامت ناهضة لتوبخها:
-إيه اللي جابك يا "رقية"؟ مش احنا قولنا بنتكلم كلام كبار؟ عيب نسمعه؟
تشبثت أكثر بـ "تميم"، والتصقت به رافضة الابتعاد عنه، دفنت رأسها في كتفه، وقالت ببراءة:
-أنا مش عاوزة أمشي من هنا.
مسح "تميم" برفقٍ على ظهرها، وهمس إليها مؤكدًا:
-مش هايحصل، وده وعد مني.
أبعدت رأسها عن كتفه لتنظر إلى وجهه وهي تبتسم، ثم قالت في مرحٍ قبل أن تعطيه حضنًا آخرًا:
-أنا بحبك.
بالكاد نجحت عمتها في انتشالها من حضنه، وسحبها بعيدًا عنه، أمسكت بها من رسغها، وجرتها خلفها قائلة بقسماتٍ شبه منزعجة:
-تعالي معايا.
رغم مغادرتها للغرفة، إلا أن أنظار "تميم" بقيت معلقة بطيفها الراحل، ثارت بداخله رغبة مُلحة في الدفاع باستماتةٍ عنها، وعدم السماح مُطلقًا بالتفريط فيها. عاد الحوار إلى مساره مرة ثانية مع استئناف "خليل" للحديث بترديده:
-أنا كـ..نت محوش قرشـ..ين على جمب، يدوب يجيبوا 100 ألف.
استطردت "فيروزة" مضيفة بلعثمةٍ حرجة:
-وأنا معايا فلوس ورثي من آ...
حثتها حواسها على النظر إلى وجه "تميم" في تلك اللحظة، فأبصرته متحفزًا، متقلص العضلات، لا ينظر ناحيتها، فبترت كلامها، وصححت من جملتها:
-قصدي الميراث اللي خدته، حوالي 150 ألف.
علق "خليل" بعد حسبةٍ سريعة:
-كـ..ده نص المـ..بلغ.
تساءلت "آمنة" وهي تستلقي في مكانها مرة أخرى:
-هندبر الباقي منين؟
اقترحت "فيروزة" في صوتٍ جاد، ونظراتها تزوغ أحيانًا تجاه "تميم"، علّها تجده يختلس النظرات ناحيتها:
-ممكن نكمله لو بعنا حتة الأرض.
ردت عليها والدتها وهي تسوي مقدمة حجاب رأسها بيدها:
-بس دي صعب نلاقيلها مشتري دلوقتي بسعر مناسب.
تكلم "تميم" بمنطقيةٍ، وعيناه تنظران إلى "خليل":
-فعلاً، ولو اتباعت بيع المضطر هتخسروا فيها كتير.
ما هذا الشعور الذي يجتاحها بالاختناق وهي يتم تجاهلها عن عمدٍ من قبله؟ ثقلت أنفاسها، وبدأت تعابيرها في الانكماش تأثرًا للأمر، لقد نجح حقًا في إزعاجها بإظهار عدم مبالاته بشأنه، بل إنها تكاد تصل للجنون إن استمر على هذا المنوال. تركزت عينا "فيروزة" عليه في غيظٍ وهو يهتف:
-في اقتراح عندي، ما تاخدوا الفلوس مني على سبيل السلف، بحيث ننجز في الوقت.
انفجرت فيه بكل ما يعتريها من مشاعر حانقة، فخرج صوتها متعصبًا بشكلٍ يدعو للتعجب:
-لأ طبعًا، نص مليون إيه اللي سلف؟!!!
اندهش "تميم" لانفعالها الغريب، ونظر إليها بقليلٍ من الحدية، ثم علق بتريثٍ:
-ما إنتي معاكي نص المبلغ، أنا هكمل بالباقي، دي "رقية" غالية عندي زي ما غالية عندكم.
تحرج "خليل" من مساعدته السخية، وأردف معترضًا عليه:
-والله يا ابني ...
رفع كفه مقاطعًا في هدوءٍ مُصر:
-مافيش جدال في الحتة دي يا عم "خليل".
طرحت "فيروزة" مشاعرها الناقمة جانبًا، وبدأت تتحدث في عقلانية، إليه بالأَخَص:
-ممكن نوافق بس بشرط .. ده بعد إذنك يا خالي.
نجحت في اجتذاب نظراته إليها، وشعرت بالسرور يتسلل إليها لأنها ظفرت بانتصارٍ صغير، أخفت ابتسامتها السعيدة، وحافظت على جدية ملامحها وهو يسألها:
-إيه شرطك؟
حمحمت قائلة على مهلٍ وهي ترمش بعينيها:
-أنا ممكن أديله فلوس المهر، ويعتبروا دين علينا نسددهولك.
توقعت أن ينزعج للاقتراح، أن تتبدل تعابيره لشيء مغاير غير ملامح الصخر والوجوم؛ لكنه من جديد خالف ما كان متوقعًا بترحيبه:
-دي فلوسك وإنتي حرة فيها.
ردت عليه بحديةٍ؛ كأنما تصحح له لتغيظه فتذيب الجليد المغلف لوجهه:
-بس دي مش فلوسي، دي فلوسك إنت.
كان أكثر برودة مما مضى، وقال بترفعٍ:
-المهر مابيتردش يا أبلة طالما هنكمل الجوازة، إلا لو كنتي هتنهيها.
فزع قلبها، وانعكس هذا على الشحوب المريب الذي اجتاح بشرتها، فهتفت مستنكرة بشدة:
-أنا مقولتش كده.
أراح ظهره للخلف، وتكلم بنظرة قرأت فيها الجفاء:
-براحتك يا أبلة.
طريقة تلفظه بلقبها الذي اعتادت منه التدليل كان مختلفًا، يميل إلى الرسمية والجمود، لم تستطع تحمل المزيد من هذا الأسلوب، فاض بها الكيل، وانهار قناع جمودها، لذا كالطفل الصغير المتذمر، صاحت تعارضه وهي تلوي فمها:
-خلاص نبيع أي حاجة عندنا.
سألها مستحضرًا المنطق في حل الأزمة:
-وعادي تخسروا ألوفات، وترموها كده؟ ده مش كلام ناس عاقلة وبتفكر.
عاندته بتبرمٍ طفولي:
-ماهو يا تقبل إنهم يكونوا دين، يا نلغي الاقتراح.
ثم رمقته بنظرة مليئة بالإصرار، فما كان منه إلا أن قال ببرودٍ أكبر استثار بقايا هدوئها:
-اللي إنتي عاوزاه يا أبلة.
............................................
كانت كالترس الذي يدور في الفراغ، وهي تحاول استمالته إليها، بعد فشلٍ ذريع في جذبه لتبادل أطراف الحديث معها، فور أن انتهوا من تقرير مصير الأموال المدفوعة للمقيت "حُسني". وقفت "فيروزة" مع "تميم" عند عتبة باب الشقة ترجوه بنعومةٍ ولطف:
-خليك معانا شوية، منها ترتاح، وتاكل حاجة، ده إنت من الصبح دايخ ويانا من هنا لهناك، والأكل يدوب بيجهز.
قابل دلالها المستحب إليه بجمودٍ عجيب، فقال بنبرة ساد فيها طابع الرسمية:
-مالوش لزوم يا أبلة.
ابتسمت قائلة بإصرارٍ وهي تنظر إليه ملء عينيها:
-احنا مش هناخد وقت في تجهيز السفرة، دول عشر دقايق بالكتير.
أولى وجهه شطر السلم مقتضبًا في الكلام معها:
-شبعان ...
أوغر صدرها بعزوفه الصريح عنها، وساد في ملامحها تعبيرًا حزينًا، زاد وضوحًا مع ابتعاده وهو يخبرها:
-بيتهيألي مافيش حد هيضايقكم، وعمومًا أنا هسيب حد من طرفي قريب من البيت عشان لو في حاجة جدت.
خرجت نبرتها راجية مستعطفة إلى حدٍ كبير وهي تطلب منه:
-طب خليك معايا أنا شوية.
أحست بغصةٍ تنتشر في حلقها، وبالوحَشة تعصف في كيانها حين رفض بجفاءٍ:
-مش عاوز.
كسا العبوس كل وجهها، وتقوست شفتاها للأسفل في ضيقٍ بائن، لم ينظر ناحيتها وهو يودعها بنفس اللهجة الرسمية:
-سلام يا .. أبلة.
تأملت حالها بأسى، ما هذه الكآبة التي حلت بها لابتعاده الغاشم، اندفعت مقبلة عليه على بسّطة السلم، وسألته بصوتٍ مهموم:
-أبلة! هو إنت لسه زعلان مني؟
هبط الدرجات دون أن ينظر إليها، وكلمها في غير تعاطفٍ:
-خدي بالك من نفسك، تصبحي على خير.
نادته بصوتٍ مختنق وقد استندت بقبضتيها على حافة الدرابزين:
-"تميم"! استنى!
ندائها الناعم المحمل بالندم هز كيانه، جعل كامله يرتج؛ لكنه تسلح بجموده الزائف، وأطال في قساوته مودعًا إياها من جديد:
-سلام عليكم.
خشيت أن يكون بانسحابه الغريب على وشك هجرانها، والانزلاق من بين أصابعها، بل إنها توهمت أنه قد يعيد التفكير في مسألة ارتباطهما بشكلٍ جدي؛ كان ذلك جليًا عليه: في تصرفاته، في نبراته، في نظراته، وحتى في ملامحه. انقبض قلبها للفكرة، وهاجت مشاعرها السلبية وتفشت كالوباء في كل خلية حية تنبض بداخلها، أحست باضطراب أنفاسها، بثقلٍ يجثم على صدرها، تراجعت مبتعدة عن السلم وهي تردد لنفسها في توجسٍ حقيقي:
-يا ربي، هو أنا عكيت الدنيا أوي كده ....................................... ؟!!
......................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الرابع الفصل السابع والخمسون 57 - بقلم Manal Salem
عذرًا على التأجيل بالأمس نظرًا لإرهاقي الشديد
فصل اليوم .. قراءة ممتعة
الفصل المائة وسبعون
الجانب الآخر غير المعروف عنه، وتحديدًا إليها، كان يسود في التور، حين تبلغ قسوته منتهاها، وقت تعرض الأقرب، والأغلى إلى أزمةٍ ما. كان من التعقل بحيث لم يتصرف بغير تخطيطٍ أو تفكير، ادعى تصديقه لهذا الكذوب الطامع، وانطلاء خدعة اكتفائه بمبلغ مالي ضخم، فور أن يتلقاه، نظير بضعة إيصالات لا تستحق القلق لأجلها. أراده أن يقع في فخ الحيلة، أن يصدق بأنه بمقدوره الاحتيال على غيره، لتقوده قدماه إلى حتفه، ونهاية مصيره المغلف بالطمع.
صدَّقَ "تميم" -بسذاجة مفتعلة، وحماقة زائفة- ما قاله "حُسني" خلال ابتزازه خال "فيروزة"، وأكد على كونه متهورًا قليل الحيلة، لن يستطيع صده، في حين أنه كان يجهز له فخًا محكمًا للتخلص منه، دون أي ريبة. ما كاد يفسد الأمر هو مجيء "فيروزة" ومحاولتها التفاوض مع حقيرٍ مثله، لن يكتفي بما يأخذه مُطلقًا، ففور أن تنفذ النقود من جيبه، سيعاود الكرَّة، ويطلب الأموال، بأي حيلة كانت مشروعة أم لا. تجاوز عن عصبيتها وانفعالها الزائد أمام رجاله ليمسك أعصابه، ويتصرف بحنكة، الأمر يدعو للتعامل بعقلانية ليحدث المراد في النهاية.
في اللحظة التي ألقى فيها رزمة النقود عند قدميه خلال تواجدهم بهذا المكان المهجور، كان "ناجي" يقف من خلف "حُسني"، ولديه قطعة في ورقة مفضضة من (الحشيش)، دسها في جيبه دون أن يشعر، مستغلاً التهائه بجمع المال، بعدئذ جذبه بصحبة "حمص" و"شيكاغو" إلى الخارج، ثم استقل به سيارته إلى أقرب موقفٍ لنقل المواطنين بالمواصلات العامة، وهناك جاءت المهمة التالية لرجليه، بمراقبة ذلك الوغد دون أن يشعر بهما، ريثما يتم التقدم ببلاغٍ يفيد بقيام أحدهم بالترويج وبيع المخدرات عن طريق تلك المنطقة النائية، مستغلاً غفلة رجال الأمن عن معرفة هذا الأمر الخطير الذي يدور في الأرجاء.
ألا يعود فارغ اليدين كانا من أقصى طموحه لهذا اليوم، شعر "حُسني" بالانتشاء يغمره من رأسه لأخمص قدميه، وجيبه مملوءٍ بمالٍ يكفيه لعدة أيامٍ، قبل أن يحصل على جائزته الكبرى. جالت في رأسه عشرات الأفكار الحماسية عما يمكن أن يفعله، وراح يسرح في خيالٍ متخم بالأحلام المبهجة. خرج من شروده الممتع على لكزةٍ في كتفه أعادته إلى أرض الواقع المزعج، نظر إلى جانبه فوجد أحدهم يعطيه مالاً ويطلب منه:
-قول للسواق اتنين ورا.
نظر له بوجهٍ منقلب، وأخذ النقود ليعطيها لمن يجلس في الأمام مرددًا:
-اتنين ورا يا أخ.
نظرة مشمئزة صدحت على وجهه وهو يرى من يجلس حوله، ثم استطرد مرددًا لنفسه بنحنحةٍ خفيفة:
-كفاية ضنك بقى.
استمر في مخاطبة نفسي بآمالٍ واعدة:
-الواحد محتاج يشبرق على نفسه، ويسيبه من العالم الفقر دي اللي تجيب ورا.
عاد للتحليق في فضاءاته الواهية، فلم ينتبه للحديث الجانبي بين السائق ورفيقيه الجالسين في المقدمة، فقال الأول وهو يمعن النظر في أفراد الأمن الظاهرين على مدى البصر:
-دي حملة ولا إيه؟
قذف السائق سيجارته شبه المنتهية من نافذته، وعلق في تأففٍ:
-ربنا يستر، الظابط اللي واقف فيها من النوع الرزل، وياما كدر ناس.
رد عليه الأول محذرًا:
-طب قول لحبايبنا في الموقف اللي جايين على نفس الخط ياخدوا بالهم.
هز رأسه مرددًا بجديةٍ معكوسة على ملامحه قبل نبرته:
-ما أنا هعمل كده لما نعدي منه.
صوتٌ جهوري صدح في الفراغ الساكن آمرًا:
-اركن الميكروباص ده على جمب.
حمحم السائق قائلاً في طاعة واضحة وهو يخفض من سرعة السيارة:
-حاضر يا باشا.
قام بركن السيارة بمحاذاة الرصيف، وبدأ في تلقي أوامر الضابط التالية، من تفتيش المركبة بدقة، الإطلاع على هوية من يستقلونها، بالنسبة لمعظم الركاب كان الأمر روتينيًا ومعتادًا القيام بمثل تلك الحملات الأمنية، لهذا لم يرتابوا فيما يحدث.
نظرة مدققة ألقاها الضابط على الأوجه المتفاوتة في ردات فعلها تجاهه، قبل أن يعطي أمره التالي:
-نزلي الناس دي، وفتشهم.
تذمر الركاب من تسلطه الواضح، وبدأت شكواهم في الظهور علنًا؛ لكنه أخرسهم بأمره الصارم:
-واللي مش عاجبه، سيبه على جمب، لحد ما نشوفه على مهلنا.
همَّ أحدهم بالاعتراض ساخرًا:
-طب ليه يا باشا؟ ده احنا أنضف من الصيني بعد غسيله؟
زجره بنظرة قاسية من عينيه:
-إنت هتعارضني؟
رد معللاً سبب احتجاجه:
-أصل مايصحش اللي بيحصل ده، احنا ناس محترمة، ولا إكمن راكبين مكروباصات؟
سار الضابط ناحيته، حتى أصبح واقفًا قبالته، ثم ربت بيده القوية على كتفه قائلاً بتهكمٍ:
-الكلام ده لما يكون الخط معلهوش ديلرز مدارين وسط الناس المحترمين.
التفت برأسه نحو أحد رجاله يأمره:
-هاته، وشوف مزاجه.
غمغم السائق في صوتٍ خفيض للغاية وهو يرى ما يحدث معه ومع الركاب من تسلط مزعج:
-الليلة السودة بتبان من أولها.
...........................................................
في تلك الأثناء لم يكن "حُسني" مشغولاً بما يحدث من تفتيش أمني، مثله مثل أي راكب آخر بادر بالتقدم للانتهاء من هذا الأمر السخيف؛ لكن سرعان ما اكتسبت تعابيره قلقًا متوترًا، حينما تم إخراج الورقة المفضضة من جيب بنطاله، جحظت عيناه في ذهولٍ للمفاجأة غير المتوقعة، ووقع قلبه بين قدميه في صدمةٍ عندما تم أخذ النقود المطوية من جيبه الآخر. احتج على سلبه ما كان يملك صائحًا:
-دي فلوسي، واخدها فين.
اقتاده الفرد الأمني ناحية الضابط قائلاً في لهجة رسمية:
-تمام يا باشا، لاقينا معاه رزمة الفلوس دي، واللفة دي كمان.
امتدت يد الضابط لتفحص أولاً الورقة المفضضة، قربها من أنفه، واشتم رائحتها المميزة دون أن يفضها، رفع أنظاره نحو "حُسني" متسائلاً بنظرة غامضة:
-وده إيه ده كمان؟
أمام ناظريه، فتحها، وجعلها في مستوى نظره هاتفًا في نبرة مليئة بالاتهام:
-الله! ده حشيش!
برزت عينا "حُسني" في ارتعاب مفزوع، وصاح نافيًا هذه التهمة الصريحة:
-وربنا مدسوسة عليا، دي مش بتاعتي.
مط الضابط فمه للحظةٍ، وتساءل بنبرة محققة:
-يعني طالما مش تعاطي يبقى إتجار؟ صح كده؟
تهمة أكثر إدانة وقعت على كاهليه، فحملق فيه مدهوشًا، وقد اتسعت حدقتاه بشدة، خاصة والضابط يكمل:
-ودول طبعًا فلوس البضاعة اللي بتلمها.
على الفور أنكر ذلك بحمئةٍ:
-لأ وكتاب الله.
ضحك الضابط هازئًا منه قبل أن يتوقف عن الضحك ليخبره:
-احلف من هنا للصبح .. ده إنت ليلتك فل معانا.
ثم استدار آمرًا أفراد قوته الأمنية:
-خدوه لحد ما نشوف حكايته إيه.
حاوطه العساكر من جانبيه، وقيدوا حركته في لمح البصر، أحس "حُسني" بانهيار عالمه الذي لم يكتمل سوى في وحي خياله، وهتف في توسلٍ:
-يا باشا اسمعني.
تجاهله الضابط، وعاد لممارسة عمله آمرًا سائق المركبة التالية بالتقدم نحوه:
-اللي بعده.
رغم صراخه الباكي إلا أن الجميع تجاهل ما يحدث مع "حُسني"، فما ينتظره الآن مصيرًا مجهولاً محملاً بمفاجآت غير سارة على الإطلاق.
............................................................
انزوى بعيدًا عن الضوضاء المنتشرة بالقرب منه، ليتمكن من الحديث هاتفيًا إلى رجله، كانت عينا "ناجي" مرتكزتان خلال مخابرته على "تميم"، حيث بدا الأخير أكثر وجومًا، وضيقًا، حاد بهما بعيدًا عنه ليتساءل في جديةٍ تامة:
-عملت اللي قولتلك عليه؟
أخبره "حمص" بنبرة متحمسة:
-كله في التمام يا ريس، اترحل على كلبوش خلاص.
لانت تعابيره الجامدة، وظهر عليها الارتياح وهو يعقب عليه:
-زي الفل، خليه يتعلم هو وقف ضد مين.
تساءل "حمص" في اهتمامٍ:
-أي أوامر تانية؟
قال في هدوءٍ وهو يلف ذراعه خلف عنقه ليدلكه:
-لأ، ريحوا إنتو، وعدوا عليا عشان تاخدوا حلاوتكم.
هتف في سرور منهيًا معه الاتصال:
-ماشي يا كبيرنا، يدوم العز.
بوجهه المبتسم عاد "ناجي" إلى المقهى، ليجلس على مقعده المواجه لرفيقه، وخاطبه في ابتسامة منتشية:
-خلاص يا "تميم"، بقى بِخ.
لم يبدُ على ملامح الأخير أدنى تأثر، ونطق في إيجازٍ:
-كويس.
أشار بعدها "ناجي" لعامل المقهى ليأتي له بكوبٍ من الشاي، ثم حملق في رفيقه متسائلاً بنوعٍ من الفضول الحائر:
-بس مش حرام ترمي 10 ألاف جنية في الأرض؟
نظر إليه نظرة غامضة قبل أن يكلمه وهو يشعل سيجارة أخرجها من علبتها:
-ومين قالك إنهم راحوا هدر؟ ده الليلة خلصت كلها بكده.
من وجهة نظره -مقارنةً بالتفريط في هذا المبلغ الضخم- كان التصرف معقولاً، مناسبًا إلى حدٍ كبير للتخلص من هذا الجشع الدنيء، ومع ذلك تساءل ليشبع نزعة الفضول بداخله:
-على كده الجماعة يعرفوا باللي عملته؟
نفخ "تميم" الدخان في الهواء، وقال بتعقلٍ واضح:
-مالوش لزوم، خليها تيجي صدفة، عشان محدش يقول متورطين فيها.
أبدى إعجابه بقراره، وعلق مبتسمًا:
-صح الكلام.
جاء العامل ومعه الصينية المحملة بكوبين من الشاي الساخن، رص كل واحدٍ أمام صاحبه، ثم انصرف بعد أن أسند كوب السكر الصغير في المنتصف بينهما. أمسك "ناجي" بالكوب من حوافه، تجنبًا للحرارة الساخنة، رفعه إلى فمه، وارتشف رشفة صغيرة قبل أن يضعه في مكانه مرة ثانية، لم يستطع كبح تطفله، وتجرأ متسائلاً بخفوتٍ:
-مش ملاحظ إن حريمك زودوها شوية قصاد الرجالة وآ...
اختلجت تعابير "تميم" غير المسترخية مسبقًا المزيد من أمارات الضيق، قاطعه قبل أن يواصل إتمام جملته في نبرة حازمة:
-"ناجي"، إياك! إنت عارفني مابتسهلش في اللي يمس عيلتي.
رد مبررًا نزقه:
-أنا عارف والله، بس اللي أقصده تكون حِمش شوية، يعني زي ما إنت فاهم، لما بتسيب الحبل على الغارب للحريم، بيسوقوا فيها، ويركبوا، ويدلدلوا.
رمقه بنظرة قاسية محذرة قبل أن يحرجه بفظاظةٍ:
-مايخصكش برضوه ...
ثم نهض من كرسيه هاتفًا في صيغة يملأوها الصلابة:
-خلص شايك، وحصلني، لسه ورانا شغل متعطل.
رمش بعينيه مرددًا في حرجٍ:
-ماشي .. أوام.
شيعه "ناجي" بنظراته المنزعجة نسبيًا وهو يبتعد عن المقهى بخطواتٍ شبه متعصبة، قبل أن يردد معه نفسه في تهكمٍ:
-الواحد مايعرفش يتفك معاك في كلمتين!
....................................................................
تعاقب الليل، وجاء النهار، ثم هبطت ستائر الليل الجديد على السماء فغطتها، لم تصدق "فيروزة" ما يحدث معها من تجاهل تام من ناحيته، وكأن شأنها لا يعنيه، شردت في الفراع تتساءل في تحيرٍ متزايد، أتراه لا يزال غاضبًا منها؟ ألم تبذل ما يكفي من الجهد لإظهار ندمها؟ زفرت في سأمٍ، وقالت كأنما تُحادث نفسها في عزمٍ متزعزع:
-طيب هبعت أسأل عليه، وأشوف كده، جايز يكون مشغول.
أرسلت إليه برسالة نصية، وتلهفت لمعرفة رده، خاصة حينما جاءتها إشارة إطلاعه على ما قامت بإرساله، ولصدمتها الكبيرة لم يعلق، فصاحت مستنكرة بملامح وجهٍ جمعت بين الذهول والاستهجان:
-مش معقول، مابيردش على رسايلي مع إنه شافها!!
قررت مهاتفته، وراحت تهز ساقها في عصبيةٍ متوقعة أن يُجيب على اتصالها؛ لكن خابت ظنونها، واستمر على نهج تجاهله، فاشتاطت غيظًا من عنجهيته معها. كزت على أسنانها مرددة في استياءٍ:
-لأ كده كتير بصراحة، أنا مش عارفة أعمل معاك إيه؟
تحركت عائدة إلى سريرها، وجلست عند حافته، تُفكر في حيرةٍ؛ ولكن بصوتٍ مسموع:
-شكلك واخدها جد، طب أراضيك إزاي يا "تميم"؟
شعرت بالصداع يضرب رأسها من كثرة التفكير، فتمددت على الفراش، وسحبت الغطاء على جسدها وهي تعترف لنفسها بندمٍ حقيقي:
-دماغي دي ساعات بتوديني في داهية.
.....................................................
من جديد عشش الحزن في قلبه، وتشعب في عروقه، ليغدو مسيطرًا على كامل وجدانه، حتى أن اليأس تفشى في روحه، فأصبح متشائمًا عن ذي قبل بدرجة كبيرة. كعادته في كل مرة تسوء فيها الأمور وتتأزم، يلجأ إلى متنفسه الوحيد، إلى من يثلج صدره بالكلمات، ويطيب أوجاعه بالآمال. تربع "تميم" جالسًا عند قدمي جده المستريح أرضًا على سجادته، وراح يشكو إليه ما امتلأ به الفؤاد من همومٍ وأثقال، فما كان من "سلطان" إلا أن نصحه برويةٍ:
-على الأقل إديها فرصة.
أطلق زفرة بطيئة ثقيلة قبل أن يتابع شكايته:
-يا جدي حاولت، بس في كل مرة يحصل فيها موقف أتدخل فيه، عشان أحل المشاكل اللي واقعة فيها، بتحسسني إن مش أهل للثقة دي، إني غريب عنها، ومابفهمش.
أصغى إليه في إمعانٍ، ثم علق بهدوءٍ:
-أعذرها، وإنت اتكلمت مع الدكتورة بتاعتها.
أتاه تعقيبه مفعمًا بالضيق والإحباط:
-حصل، ومستعد استحمل بدل العذر مليون، بس ألاقي نتيجة، لكن في الآخر برجع معاها لنقطة الصفر.
اليأس المستبد به كان كفيلاً لجعل الجد يدرك أن مسألة ارتباطهما على المحك، تفرس أكثر في تعابيره متسائلاً:
-وناوي على إيه؟
هز كتفيه قائلاً في صوتٍ شبه متألم:
-مش عارف .. هي ليها حرية الاختيار.
لم يعلق "سلطان"، واستمع إلى صوت أنفاسه الثقيلة وهو يحاول ضبط نبرته، لئلا يشعر بما يعتريه الآن. بالحزن ذاته السائد في صوته اعترف إليه حفيده:
-أنا بحبها، بعشقها لدرجة محدش يتخيلها، بس لو مش عاوزاني يبقى خلاص ..
دمعة نافرة طفرت من طرف، أزاحها بإصبعه وهو يضيف في مرارةٍ:
-أنا مش عايز أكون نسخة من "خلود"، أتأذي من اللي بحبه لمجرد أفضل معاه والسلام.
اعتدل "سلطان" في جلسته، وقال وهو يدير حبات مسبحته:
-ربنا يصلح حالك يا ابني.
تصنع "تميم" الابتسام، ونطق معتذرًا:
-دوشتك يا جدي معايا.
رفع كفه معقبًا في تنهيدة شبه متعبة:
-وأنا يعني بعمل إيه طول اليوم؟ أديني قاعد مستني اليوم اللي أرتاح فيه.
غامت تعابير "تميم" أكثر لمجرد التفكير في خسارته، وهتف داعيًا المولى بصدق:
-ربنا يديك طولة العمر، ويحفظك لينا، ده أنا من غيرك ولا حاجة.
أنهى جملته وهو يميل على كف جده ليقبله في احترامٍ وتقدير، ليقوم "سلطان" بعدها بالربت على ظهره والدعاء له:
-إن شاءالله هتتعدل قريب .. ربك مع المنكسرين جابر.
...........................................................
بعد اتصالٍ مبكر للتنويه بقدومهم للزيارة، تأكدت "آمنة" من إعداد حجرة الصالون وترتيبها بشكلٍ لائق ومنمق، لاستقبال ضيوفها الهامين، ما إن جاءوا على الموعد، حتى رحبت بهم بودٍ كبير وبمحبةٍ غامرة، لدرجة أنها غطت إلى حدٍ ما على مشاعر الحزن المتوقعة بالنسبة للفقيد الراحل قبل يومين؛ لكن من كانت تنتظره "فيروزة" غاب عن المشهد، ولم يأتِ مثلما ظنت. استطرد "بدير" كلامه قائلاً:
-كان واجب نروح معاكو البلد.
التفتت "آمنة" تنظر إليه وهي تخاطبه:
-كفاية مجيتكم هنا يا حاج، وبعدين "تميم" ماسبناش للحظة.
التطرق لاسمه جعل نبضاتها تتسارع شوقًا ولهفة إليه، أمازال على جفائه القاسي معها؟ ألم تشتاق العين لرؤياها؟ وَجِمت، وتآكل داخلها ضيقًا. حاولت الالتهاء عن حزنها البائن على محياها، وانشغلت بالاستماع إلى الحوارات الجانبية دون تعليقٍ أو مشاركة، جالت نظراتها التائهة على وجه "ونيسة" وهي تردد:
-ربنا يجعلها آخر الأحزان.
سمعت والدتها ترد بعد تنهيدة سريعة:
-يا رب.
قفز قلبها مجددًا في مكانه، حتى كادت تظن أن في قفزته المباغتة صوتًا فاضحًا لأمرها، حين تساءلت والدتها في تلقائيةٍ مهتمة:
-أومال "تميم" فين صحيح؟
أجابت "ونيسة" بابتسامةٍ صغيرة ولبقة:
-كان واقف تحت من شوية، قال يوصلنا، وبعد كده يطلع يشوف الشغل اللي وراه.
هزت رأسها هاتفة في تفهمٍ:
-ربنا يقويه ويعينه.
ساد حزنٌ أكبر على محياها وهي تفكر في أسى:
-بقى كده، موحشتكش خالص؟ إيه قسوة القلب دي؟
قضيت ما تبقى من الزيارة شاردة في أفكارها التعيسة، راودتها الهواجس عن احتمالية تخلي "تميم" عنها، خاصة مع اقتصار حديث عائلته عن أمور العزاء، والموت، وما يحدث من خلافات تخص الميراث وغيره، لم يتم التطرق مُطلقًا للحديث عن مسألة خطبتها، أو حتى إتمام الزيجة، أو تأجيلها، مما عزز من تلك المشاعر السلبية بداخلها.
.............................................
ثلاثة أيام مروا عليها كأحمالٍ ثقيلة لا تنضب، ولا يخف ثِقلها. كاد يأسها يتملك منها، لولا أن هداها تفكيرها للكلام المباشر معه، فإن كان لا يحبذ وسائل الاتصال بكافة أشكالها، إذًا فلتكن المواجهة المباشرة، وليحدث ما يحدث، فليس هناك ما تخشى خسارته، بعد ذلك العذاب الموجع للقلب. لجأت "فيروزة" إلى حيلة القيام بزيارة مباغتة في منزلته، لتضمن تواجده، ولم تقدم على تلك الخطوة إلا حين رأته من نافذة منزل شقيقتها يصعد للأعلى، فاستأذنت توأمتها بالذهاب لبضعة دقائق للأسفل بحجة إلقاء التحية على الجد "سلطان"، ثم العودة إليها لإكمال العمل المنقوص.
بكل ألفةٍ وعدم تكلف، تقابلت "ونيسة" معها، ومنحتها كل الترحيب الحار الذي تستحقه، مما اعتبرتها دلالة طيبة على عدم وجود أي خلافات مُبيتة، فأنى لها تستقبلها بهذه المحبة وهي لا تريدها؟ شعرت بالارتياح لذلك، وبدأت تعلل سبب زيارتها الاستثنائية:
-أنا كنت فوق مع "همسة"، بنلم كام حاجة ناقصة، عشان نوديها على الشقة، وقولت أعدي أسلم عليكم، يعني ماينفعش أكون هنا، وماجيش.
ابتسمت لها الأولى في صفاءٍ، وشكرتها بلطفٍ:
-كلك ذوق يا بنتي، ده بيتك .. تنوري في أي وقت.
اختطفت "فيروزة" النظرات نحو الردهة، محاولة الوصول بعينيها إلى باب غرفته الموصود من زاويتها؛ لكنها لم تتمكن، كانت تحتاج لتبديل موضع جلوسها، لتصبح الرؤية أكثر وضوحًا. رسمت ابتسامة صغيرة على ثغرها، وتساءلت:
-أومال "هاجر" عاملة إيه مع عريسها؟
جاوبتها بأريحيةٍ:
-في نعمة والحمدلله، مبسوطة معاه، ربنا يهدي سرها، هي صبرت ونالت.
حافظت "فيروزة" على ثبات بسمتها وهي ترد:
-هي تستاهل كل خير.
أضافت "ونيسة" قائلة بعفويةٍ جعلت الشوق يدب في قلبها:
-عقبال يا رب ما نفرح بيكي إنتي و"تميم" قريب.
تضرج وجهها بحمرة طفيفة، وغمغمت في نبرة خجولة:
-يا رب.
البقاء بلا حراك في انتظار خروجه على إثر سماعه صوتها كان أمرًا سخيفًا، لذا استجمع جأشها لتسألها بسذاجةٍ مصطنعة:
-صحيح هو مش هنا ولا إيه؟
أخبرتها "ونيسة" بأسفٍ غير زائف وهي تستخدم يدها في الإشارة:
-نزل من شوية، قبل ما تيجي بـ 5 دقايق، لو كان يعرف إنك جاية كان استنى.
سرعان ما حلت غمامة من الإحباط على تقاسيم وجهها، اهتزت بسمتها اللطيفة، وبدأت متكلفة نوعًا ما وهي ترد:
-أها .. ربنا معاه.
اقترحت عليها في جديةٍ حين لاحظت ضيقها:
-تحبي أكلمه أقولك إنك هنا؟
يا لحظها التعس! لن تتمكن من رؤيته، وستعود كما جاءت خالية الوفاض، معذبة الفؤاد! خرجت من سرحانها اللحظي لتعترض في تهذيبٍ:
-لأ، مافيش داعي، خليه على راحته.
كادت تُنهي زيارتها بعد أن فشلت في تحقيق مسعاها، لولا أن انضم إليهما الجد "سلطان"، فوقف في مكانه بطلته المهيبة مستندًا بكفيه على رأس عكازه، وجَّه حديثه إلى "فيروزة" قائلاً بلهجةٍ مالت للجدية:
-كويس إنك موجودة.
نهضت من مكانها لترحب به:
-إزيك يا جدي؟
رد في هدوءٍ تشوبه الجدية:
-الحمدلله، أنا عاوزك في كلمتين.
توجست خيفة من أسلوبه الباعث على الريبة، ومع ذلك ردت:
-أنا تحت أمرك.
قال وهو يستقر في أريكته المعتادة:
-الأمر لله وحده.
تجمدت عينا "فيروزة" عليه، متوقعة الأسوأ قادم في الطريق، انقبض قلبها، وتوترت حواسها حين استطرد مخاطبًا "ونيسة" ليصرفها:
-بإيديكي الحلوة يا "ونيسة" اعمليلي فنجان قهوة.
قامت من جلستها وهي تقول:
-من عينيا.
شكرها على مجهودها مظهرًا تقديره:
-تسلميلي يا غالية.
بصبرٍ فارغ انتظرت ابتعادها لتسأله بتعبيراتٍ قلقة:
-خير يا جدي؟
استنشق الهواء بعمقٍ، ليستهل بعدها مفتتح حواره معها:
-عارفة يا بنتي، المواقف هي اللي بتحدد معادن الرجال، في ستات هتلاقيها بتصنع راجل يكون ضهرك، تتسندي عليه، ويحميكي وقت اللزوم، وستات تانية يدوب أخرها تربي بغل عندها في البيت، لا ينفع، ولا يستر.
تلك الدباجة الغريبة أكدت ما أنبأها به حدسها من وجودِ خطب ما بشأنها، بلعت ريقًا غير موجودٍ في حلقها، وعلقت بإيجازٍ:
-فعلاً.
لفظ دفعة من الزفير من صدره، وتابع بصوته الرخيم الهادئ:
-الراجل مهما كان صبور، وحمول، فبيجي عليه وقت مابيستحملش فيه قلة القيمة ولا الإهانة، حتى لو كان من عزيز عليه، ولا إنسان بيعزه.
خمنت تلميحاته المبطنة، وهتفت تسأله دون مراوغة:
-هو "تميم" اشتكالك مني في حاجة؟ أكيد قالك على اللي حصل مع خالي؟
نظر إليها بثباتٍ، وقال منتقيًا كلماته:
-مش شكوى على أد ما هو زعل من اللي حاصل.
زاد العبوس في ملامحها وهي تبرر له:
-أنا خوفت عليه إنه يتهور، واتفاجئت بتصرفه، فاتعاملت بحدة شوية ...
لم ينطق معلقًا بشيء، فاستمرت في التوضيح، بشيءٍ من الندم:
-بس لما قعدت مع نفسي وراجعتها، لاقيتني غلطانة، وبحاول أعتذرله، بس هو مش قابل.
أتاها تعقيبه منطقيًا:
-لو الراجل اتقل من احترامه، وخصوصًا من واحدة ست، صورته في عيون رجالته بتتهز، ودي مش أول مرة.
استشعرت الخطر في استئناف علاقتها الشائكة مع "تميم"، فوَجل قلبها، وهتفت تقول في جزعٍ:
-أنا مقصدش والله، ده كان شيء تلقائي.
حذرها "سلطان" بلهجةٍ غير لينة:
-حافظي على هيبة راجلك، ده لو فعلاً شايفاه كده .. راجلك مش غريب عنك.
كادت تبكي خوفًا من خسارته، وهمست في تلعثمٍ:
-يا جدي ...
أدار الجد عكازه بداخل راحته في حركة دائرية مستمرة، وأخبرها دون أن تتغير نبرته الجادة:
-إنتي غالية عندنا كلنا، وهنكون سندك على طول مهما حصل، حطي ده في راسك، اللي بيدخل وسطنا، بيبقى من أهلنا، مش شرط نسب ولا غيره، المهم يكون عاوزنا نبقى أهله.
طفرت الدموع من عينيها تأثرًا، فراحت تفتش في حقيبتها عن منديلٍ ورقي تمسح به آثار بكائها الموجوع قبل أن تعود "ونيسة"، حاولت استعادة ثباتها، والظهور بمظهرٍ غير متأثر، خاصة مع إشغال "سلطان" للأخيرة بطلباتٍ مفتعلة، حتى اطمئن لعودة الأوضاع لشكلها الطبيغي، فراح يمتدح زوجة ابنه في ثناءٍ:
-مافيش زيك بيعرف يعدل دماغي بقهوته.
استأذنت "فيروزة" بالذهاب، وقد نهضت من مكانها، فاعترضت عليها "ونيسة" في دهشة:
-ما تخليكي أعدة، هو أنا لحقت أرغي معاكي.
تصنعت الابتسام وهي تكرر اعتذارها بتهذيب:
-مرة تانية، عشان ألحق "همسة"، زمانها ملبوخة مع ابنها.
كانت حجة منطقية للهروب مؤقتًا بأحزانها ومخاوفها؛ لكن رغم هذا منحتها الفرصة لإعادة تقييم القادم من حياتها من منظورٍ مختلف تمامًا.
..................................................
ما عاد أي شيء يهم لديها سوى استعادة ما كانت عليه معه، ودَّت بشدة لو تمكنت من إعادة الزمن إلى الوراء، إلى حيث ما قد يُقال عنه مجازًا مُشادَّتهما الكلامية، وقتئذ لتركت له حرية التصرف كاملة في شأن عائلتها دون تشكيك أو تخوين، بلغ إحباطها منه مبلغه وقد أوشك الأسبوع على الانقضاء، فمن المفترض أن يكونا على اتفاقٍ واضح بشأن ما سيتم مع الجشع "حُسني"، كررت محاولة الاتصال به واستغلال تلك الحجة القوية للتواصل معه، وها قد أتت بمفعولها، لم يردّها؛ لكنه صدمها بإرجاء الحديث عن هذا الأمر لسببٍ لا تعلمه بعد.
لم ترغب في سبر أغواره، ومناكفته، لئلا تزيد من إفساد العلاقة، حاولت أن تبدو مهتمة به، لا متلهفة بشوقٍ عليه، فتنحنحت متسائلة:
-إنت مش ظاهر ليه؟
جاوبها بفتورٍ:
-عادي.
شعرت بالجفاء في نبرته، ومع ذلك تابعت سؤالها التالي بتفاؤلٍ:
-كله تمام معاك؟
رد في إيجازٍ موجز:
-أه.
تغاضت مرة ثانية عن تباعده المحسوس، وانتقلت لسؤالٍ روتيني آخر مستهلك على المسامع:
-خلصت شغلك ولا إيه؟
علق ببرودٍ:
-يعني.
استفزها بطريقته المتجافية، فلم تتمكن من ضبط أعصابها، والتمسك بهدوئها الزائف أمام جموده القاسي، خرجت عن شعورها، وصاحت في تشنجٍ:
-هو إنت مش طايق تكلمني؟
كان مترفعًا –ومغيظًا- في جوابه:
-مكونتش رديت.
صرخت بكل ما اعتلاها من كبت وغيظ:
-إنت رديت عشان اللي اسمه "حُسني"، مش عشاني.
علق في لهجةٍ جافة للغاية:
-عادي.
بلغت ذروة استحمالها، فاستمرت في صياحها بصبرٍ نافذ:
-على فكرة مش بحب الأسلوب الناشف ده.
توقعت أن يتأثر لعصبيتها، أن يتراجع عن بروده؛ لكنه واصل إغاظتها بردوده المقتضبة:
-براحتك.
خبا صوتها المنفعل بعد صمت ثقيل سمع فيه أنفاسها المضطربة حين قالت بيأس تعيس:
-هو أنا بتكلم معاك بالشكل ده؟ إيه اللي اتغير فيك؟
رد بعد لحظة من السكوت:
-أنا زي ما أنا.
سألته في ألمٍ ظاهر في توسلها المستتر:
-أومال في إيه؟
أخبرها ببساطةٍ:
-مافيش، أنا بس قولت أعاملك زي ما بتعامليني، وخصوصًا قصاد رجالتي أو الغُرب، إيه الغريب في كده؟
هذه المرة أبدت ندمها بصدقٍ:
-أنا أسفة .. خلاص أنا عرفت إني كنت قليلة الذوق جدًا، وغلطانة، حقك عليا، مش هيحصل تاني.
لانت نبرته الجامدة وعاتبها:
-هيفيد بإيه الأسف؟ وإنتي مستقلية بيا، وأنا عمري ما هحرجك قصاد حد، وأظنك مجرباني.
أحست بالاختناق يسود في صوتها وهي تعيد عليه اعتذارها:
-سامحني، مش هيتكرر، صدقني.
زفرة ثقيلة سمعتها تخرج منه قبل أن يعقب:
-ربنا يسهل.
آلمها بُعاده القاسي، والتاعت بهجره الجافي، ظنت أن قلبه خلا من الميل إليها، فلم تعد تستهويه، استطاع أن يسمع رنة الضيق في صوتها وهي تستطرد:
-إنت مكبر الموضوع.
أوضح لها في هدوءٍ:
-ماينفعش أصغره، ولا حتى أفوته، مهما كان الاحترام حلو ومطلوب، مالوش علاقة براجل ولا ست ...
صمتت والقلب يتألم، وزاد هذا الشعور مع إكمال "تميم" لجملته:
-لو مش عاوزة تقولي حاجة تانية، فأنا هقفل.
تنفست بعمقٍ لتسيطر على بكائها الوشيك، ثم قالت ممهدة كإشارة تحذيرية:
-أوكي، هي حاجة أخيرة، ويا ريت تسمعني كويس.
رد في هدوءٍ:
-اتفضلي.
عرفت من أين تؤكل الكتف، كيف تُعيد الشريد إلى أوطانه، كيف تضمه إلى داخل دائرته، بكلماتٍ سريعة مباشرة جمعت بين التهديد والقبول نطقت "فيروزة" بثباتٍ ووضوح:
-"تميم" لو مسامحتنيش، مش هقولك إني موافقة يكون كتب الكتاب والدخلة على آخر الشهر، سلام .................................................. !!
.........................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الرابع الفصل الثامن والخمسون 58 - بقلم Manal Salem
الفصل المائة وواحد وسبعون
الموافقة المشروطة، وما على شاكِلتها، من مساومات مغرية، كان غير مستلذٍ له، رغم تلهفه الحارق لسماع تلك الكلمات المُعلنة عن قبولها بالزواج منه، إلا أنه لم يكن مقتنعًا بالأمر. أراد أن تكون موافقتها نابعة من داخلها، لرغبة حقيقية منها في ذلك، وليس محاولة أخيرة يائسة لاسترضائه بعد جرح رجولته مرة بعد مرة. وقف "تميم" مشدوهًا في شرفة غرفته لبعض الوقت، لا يعرف بماذا يجيب أو يرد بعد أن أنهت الاتصال، تاركة له حرية الاختيار.
حز في قلبه أن يراها مرغمة على حياةٍ لا تستسيغها، الموت أهون عليه من أن يشعر بأن حبه ميؤوس منه، ومن طرفٍ واحد. سحب شهيقًا عميقًا حبسه في صدره، قبل أن يحرره، وصوتٌ يتردد في رأسه:
-مش ده اللي عاوزه منها!
حملق في شاشة هاتفه متطلعًا في صورتها المحفوظة عليه، ووجهه يعكس حيرته وحزنه، وألمه، تساءل في مرارة:
-ليه مش عارفة تحسي بيا؟
بدأت سحابة من الدموع تزحف إلى حدقتيه وهو ما زال يسأل نفسه:
-أنا إيه بالنسبالك؟
أخفض الهاتف بعد ذلك، وهو يتنفس بعمقٍ ليسيطر على ما يعتريه من ضيقٍ متأثر، ثم تحرك عائدًا إلى الداخل، والهموم تثقل كاهليه. كان بحاجةٍ للمشورة، لسماع الرأي السديد، لما يرشده لفعل الصواب، لذا لم يتردد في الذهاب إلى جده، والاستعانة به، علَّ القلب الضائع يهتدي إلى مرسـاه.
................................................................
تقلبت على فراشٍ من الجمر طوال ليلها، وهي تترقب وصول أدنى ردة فعلٍ منه، مضت عليها الدقائق طويلة، كأنها لا تريد الانقضاء، وعلى عكس المتوقع، جاء انتظارها بلا طائل، لم يصدر عنه شيء، أي شيءٍ مُطلقًا، مما استدعى شعور الإحباط بها. اعتدلت "فيروزة" في نومتها، وأسندت ظهرها لعارضة السرير، حملقت للمرة المائة في شاشة هاتفها، وهتفت في تذمرٍ يائس:
-ده مافيش ولا أي ريأكشن منه؟!!
جال بخاطرها أمرًا مستبعد الحدوث، خشيت التفكير فيه؛ لكن لسانها نطق به بصوتٍ مهتز:
-معقولة.
بدأت الفكرة السوداوية من احتمالية عدم إتمام الزيجة تتوغل في رأسها، وزادت مع تفكيرها التحليلي الذي راحت تعبر عنه بكلماتٍ مقتضبة:
-في حاجة غلط، إلا لو ...
نفت شكوكها بقولها المذبذب:
-مش للدرجادي.
حاولت شَطف تلك الهواجس عن تفكيرها، وركزت في أمرٍ آخر بدا منطقيًا، فحدثت نفسها:
-طب افرضي إنه رفض أصلاً الاقتراح.
برقت عيناها في ارتياعٍ وهي تردد:
-معنى كده إنه ...
عجزت لوهلةٍ عن إكمال جملتها، وانعكست تعابيرها المفزوعة على وجهها، لتقول بعدها كإفصاحٍ خافت عن مخاوفها:
-غير رأيه خالص.
نفت ما راودها بادعائها غير الواثق:
-لالالا .. ماظنش، أكيد هو متمسك بيا.
لم تكن واثقة بالفعل من هذا الكلام، ربما لفترة الجفاء الأخيرة التي سادت بينهما التأثير السلبي عليه، فعدل عن فكرة الزواج كليًا. تهدل كتفاها، وانتشر الحزن على ملامحها وهي تُعطيه أسبابه:
-طب هيتمسك بيا ليه، وأنا عمري ما حسسته إني مهتمية بيه؟!
تركت الهاتف من يدها، وكورت قبضتها لتضرب بها على الغطاء بضعة مراتٍ متتالية، وهي توبخ نفسها:
-أنا غبية فعلاً، معرفتش أحافظ على الإنسان الوحيد اللي على طول واقف جمبي.
ما آخر ذلك السكون المستنزف للأعصاب؟ ألن يخرج عنه ليثلج صدرها الملتاع؟ ألم يحن بعد إليها؟ أم تراه اعتمد القسوة سبيلاً؟ اعتصر الألم قلبها لمجرد التفكير في هذا الاعتقاد، وراحت تسأل نفسها كأنما تعترف بما يتعذر عليها نطقه في العلن:
-هو أنا فعلاً بحبه؟
......................................................
منذ الساعات الأولى للنهار، كان "تميم" ماكثًا في غرفة جده، يريد منه النصيحة والمشورة، حكى له ما دار من مكالمة شبه حاسمة للقادم من حياته مع من يعشقها، بالطبع ليس بالأمر الهين عليه أن يبتعد عنها؛ لكن إن كان تواجدهما معًا مُقيدًا، فمع الوقت ستتحول براعم الحب النابضة في قلبه إلى مسوخ تقضي على كل ما هو طيب بينهما. لم يقاطعه "سلطان"، وتركه يفرغ ما في جعبته، إلى أن انتهى من الكلام، حينها جاء دوره، وسأله بهدوءٍ:
-إنت قررت إيه في النهاية؟
أخفض رأسه، وحدق في نقطة وهمية عند قدميه، ليجاوبه بعدها بعد زفيرٍ قصير:
-إنت عارف إني عايزها يا جدي، بس واضح إنها لأ.
لم يعلق الجد، وتركه يسترسل في إبراز دوافعه:
-بدليل إنها مطوحت في الميعاد من الأول، ودلوقتي الموضوع بقى مساومة عندها.
قتل غصة مؤلمة علقت في حلقه وهو يتابع بمرارةٍ:
-ودي الحاجة الوحيدة اللي ماينفعش أجبرها عليها.
طالعه "سلطان" بنظرةٍ متعاطفة وحنون، حافظ على صمته ليكمل حفيده بتنهيدةٍ موجوعة:
-لو غصبت نفسها على العيش معايا، مع الوقت هتكرهني، وده مش هتحمله.
رد عليه جده بهدوءٍ:
-سبيها على الله، محدش عارف الخير فين.
هز رأسه باهتزازة خفيفة وهو يرفع عينيه إليه، ليضيف الجد بتفاؤلٍ:
-بس وقت ما ربك يأذن، هتلاقي علامات التيسير قصادك.
تنهد مطولاً قبل أن يخبره "تميم" بتعبيرٍ مبهم غير مقروءٍ:
-كله خير... كله خير.
.................................................
قبيل الظهيرة، في هذا الوقت تحديدًا، تواجد في منزل عائلتها، وهو مُتيقنٌ من انشغالها بالعمل في محلها، لإطلاعهم على المستجد بشـأن "حُسني"، وما وصل إليه –عبر محاميه- من أخبارٍ بعد تجديد حبسه. دار بعينيه على المكان وهو يشعر بالاشتياق إليها، إلى نظرة ناعمة منها، إلى كلمة رقيقة تصدر عنها، مصحوبة بضحكة متدللة تداعب الأوتار؛ لكن كيف للحظة عابرة أن تُبدل هذه المشاعر السامية إلى أخرى مُوغرة. تجاوز "تميم" عن لهفته، وغطى عليها بملامح جادة متصلبة، ثم أكد له بثقةٍ كبيرة:
-مش عاوزك تقلق يا عم "خليل"، الموضوع عندي، وخلاص اتحل.
سأله في دهشة وهو يرمقه بتلك النظرة الحيرى:
-إزاي؟ ده الـ ..مفروض كنـ..ا نجمع الفــ..لوس، ونديهاله.
ابتسم ابتسامة صغيرة وهو يخبره بغموضٍ:
-ربنا كريم، وبعدين لا يفل الحديد إلا الحديد، المهم ارتاح، وبنتك في أمان.
هتف "خليل" شاكرًا المولى:
-الحمـ..د لله.
ربت "تميم" على فخذيه استعدادًا للنهوض، وقال مستأذنًا:
-طيب يا عم "خليل"، هاقوم أنا، ونتقابل تاني على خير.
جاءت إليه "آمنة" تسأله في استغرابٍ:
-إنت لحقت يا ابني، ده القهوة لسه على النار.
اعتذر منها بلباقةٍ:
-معلش، أنا كنت جاي في كلمتين على السريع وماشي، تتعوض وقت تاني.
سألته بغتةً بما جعل دقات القلب تتسارع:
-طب و"فيروزة"؟
لاذ بالصمت مرغمًا، لا يريد الاعتراف لنفسه بأنه يتحين الفرص لرؤيتها بالرغم من ضيق صدره، لكنه قسا على شوق قلبه، وفعل ما لا يُحبذه، متحملاً تبعات اختياره المتجافي. عاد من شروده السريع، وتنبه إلى صوتها القائل بنوعٍ من العتاب اللطيف:
-دي هتزعل لما تعرف إنك جيت ومشيت من غير ما تشوفها، وبعدين مش كنت تستنى تعرف بالأخبار الحلوة دي معانا منك؟ ده حتى مزاجها مقلوب الأيام اللي فاتت، ومش على بعضها نهائي، فجايز ده كان يفرحها.
أحزنه سماع هذا، وتلقائيًا انقلبت تعابيره، ليردد بعدها في جديةٍ:
-هابقى أكلمها أطمن عليها.
تصنع الابتسام ليخفي ضيقه المتفشي فيه، وقال بأدبٍ:
-عن إذنك ..
خَفَّض من نظراته في احترامٍ، وتقدم في خطواته، ليصل إلى باب الشقة وهي من خلفه تهتف:
-إذنك معاك يا ابني.
أوصلته إلى الخارج وهي تدعو له بصدقٍ:
-ربنا يباركلنا فيك، ويخليك لينا.
منحها نظرة ممتنة قبل أن يهبط درجات السلم، والألم ما زال مستبدًا بقلبه، ألم يأن الوقت بعد لتشعر به بحق؟!
.................................................
حينما ضاقت بها السبل، وعجزت عن إيجاد الحل المنطقي لمعضلتها، لجأت إلى طبيبتها النفسية، إذ ربما مع استفاضتها في البوح بما يمتلئ به عقلها من مخاوف وهواجس، أرشدتها وسط دوامتها اللا متناهية إلى الدرب الصحيح. اتفقت "فيروزة" على لقائها في دار رعاية المسنين، وقت الظهيرة، في الحديقة المورقة. كانت المقابلة تسير على ما يرام، بها الكثير من التفريغ العاطفي للكبت المشحون بداخلها، إلى أن تلقت هذا الاتصال، خرجت عن مألوفها المعتاد، وراحت للحظاتٍ فيما يشبه الغيبوبة الذهنية، بعد أن أطلعتها والدتها هاتفيًا على زيارة "تميم" للمنزل، وفي غيابها، كأنما تعمد فعل ذلك ليتجنب الالتقاء بها، سرعان ما انتفض فيها الغضب وهتفت بكدرٍ متزايد في صوتها:
-كان موجود، ومسألش عليا؟!!
علقت والدتها في هدوءٍ:
-قال هايكلمك.
بالكاد سيطرت على نبرتها المحتدة، وقالت:
-طيب يا ماما.
سألتها "آمنة" مستفهمة:
-هتتأخري؟
ردت بوجومٍ شديد:
-لأ، هخلص اللي ورايا، وأرجع.
جاءها تعقيبها مختتمًا المخابرة:
-ماشي يا "فيروزة"، مع السلامة.
ألقت بالهاتف على الطاولة في عصبيةٍ، لتتطلع إلى طبيبتها بنظراتٍ مستشاطة، قبل أن تتابع شكواها إليها بتشنجٍ:
-سمعتي بنفسك يا دكتورة "ريم"، متجاهلني بشكل كامل، يعني خلاص خد القرار.
امتصت حنقها الظاهر عليها بسؤالها في نبرة هادئة وذات دلالة مباشرة:
-طب ليه ماتفسريش الموضوع على إنه حاجة تانية؟
على ما يبدو لم تستوعب وسط غيظها المغزى وراء هذا السؤال، فاستمرت على عصبيتها عندما ردت:
-حاجة تانية إيه؟ ده أنا قولتله موافقة نكمل الجوازة.
طلبت منها "ريم" بتريثٍ متعقل:
-من فضلك إهدي، ده مش أسلوب للنقاش، ولو اعتمدتي على الطريقة دي في الكلام معاه هتتفهم غلط.
نظرت إليها بعينين ضيقتين، وأطبقت على شفتيها مانعة نفسها من التعليق، في حين بادلتها "ريم" نظراتٍ خبيرة وهي تواصل تعرية الحقائق لها:
-هيعتبرك بتقللي من احترامه، ومافيش تقدير ليه.
نفس العبارات المعاتبة تكررت على مسامعها بشكلٍ آخر، مع اختلاف الشخصية، بذلت جهدًا لتضبط من أعصابها، واعتذرت في عبوسٍ:
-أسفة.
ردت عليها بمنطقيةٍ:
-الاعتذار ممكن مايكونش مُجدي لو وصلتي في الخلاف لعدم الاحترام.
كانت كمن يتجرد من دروعه في إسقاطها الحر معها، احتدت نظراتها المستنكرة إليها، ومع ذلك استأنفت "ريم" كلامها اللاذع بأسلوبٍ رزين وهادئ:
-ده اللي عاوزة أوصلهولك يا "فيروزة"، صحيح إنتي قولتي موافقة فعلاً، بس موافقة مرهونة بشرط معين، يعني حطيتي حاجة قصاد حاجة.
رمشت بعينيها في ضيقٍ عارم، و"ريم" ما زالت تتكلم بغير تحيزٍ:
-وده طبعًا مرفوض عند راجل بطباع "تميم"، دمه حامي، وليه شخصية قوية ومستقلة، محتاج اللي قصاده يحترمه، ويديله التقدير اللي يتناسب معاه.
تصلبت في جلستها، واستقام كتفاها وهي تريح ذراعيها على الطاولة، لتقول بعدها في استياءٍ منزعج:
-أنا كده مابقتش عارفة أعمل معاه إيه.
لاحت بسمة رقيقة على ثغرها وهي تخبرها:
-الموضوع بسيط جدًا، حطي فيه ثقتك، وحسسيه بده.
عقبت على الفور في حمئةٍ ظاهرة في نبرتها:
-طب ما أنا بعمل كده.
أتاها تبريرها منطقيًا، ويحمل اللوم في طياته:
-أيوه، بس بعد إيه؟ لما الدنيا تكون اتعقدت.
اِربد وجهها بالمزيد من علامات الضيق، وتضاعف مع استمرارها في تقريعها بشكلٍ مهذب:
-وده يعتبر سوء تصرف منك.
ردت بشيءٍ من العجرفة:
-ماشي، بس يخليه يرفضني؟
الأسلوب المُعاند، والمتخم بنزعة التعالي المكروهة، كان غير مقبول في التعامل معه، لهذا أرادت "ريم" الإشارة إلى تلك السمة التي اتخذت مسارًا كبيرًا في الظهور ضمن طباعها المستحدثة مؤخرًا، عن طريق اللجوء لحيلة ذكية، لوضع يدها على ذلك العيب الخطير. لفظت الهواء من رئتيها، وأخبرتها ببسمة هادئة:
-وده مضايقك؟ ماهو عرض وطلب، ليه مستغربة؟
سادت رنة الغيظ في صوتها وهي تجيبها:
-يعني أنا بالنسباله واحدة بتفرض نفسها عليه؟ أومال فين المشاعر الحلوة، اللي كان بيلمح بيها؟ اختفت فجأة؟
زمت شفتيها للحظةٍ قبل أن تخبرها ببساطة:
-هتظهر، بس مش في وقت الأزمات.
كانت على وشك الاحتجاج عليها؛ لكنها أسكتتها بإشارة مرفوعة من يدها قبل أن تكلمها بهدوئها المعتاد:
-وبعدين ما تنسيش لازم المشاعر بينكم تكون متبادلة، مش من طرف واحد بس، والطرف التاني مستقبل فقط، أو يحسس اللي قدامه إنه بيمن عليه لما يتعاطف معاه، كده مش علاقة سوية، دي بوادر لعلاقة فاشلة.
أرجعت "فيروزة" ظهرها للخلف، وشبكت ساعديها وهي تمط شفتيها في تجهمٍ شديد، راقبتها "ريم" بنظراتها المتفرسة، وداومت على معاتبتها بأسلوبها الرقيق، فقالت:
-زي ما هو بيستوعبك وقت عصبيتك، هو متوقع منك إنك تعملي كده كمان معاه، مش تمني عليه، ولا تقابلي دعمه بعدم تقدير وإهانة.
هاجت مشاعرها من جديد، وانتفضت مدافعة عن نفسها:
-أنا مقصدتش، كان غصب عني، وفي نفس الوقت كنت بحميه من مصيبة كان هيقع فيها لو اتهور، ليه دلوقتي عاوز يبعد؟
امتد النقاش في تلك الجزئية لبعض الوقت، ما بين شدٍ وجذب، إلى أن تساءلت "ريم" في الأخير وهي تنظر في عين مريضتها مباشرة:
-"فيروزة" إنتي بتهربي من إجابة السؤال اللي سألتهولك أول ما تكلمنا، بتلفي وتدوري ومش عاوزة تجاوبي عليه، إنتي بتحبيه ولا لأ؟
تحاشت النظر إليها، لئلا ترى صراع التخبط الدائر في رأسها، سمعتها تقول في هدوءٍ:
-لو قدرتي تجاوبي على السؤال ده بصدق قصاد نفسك، هتعرفي إنتي عاوزة تعملي إيه معاه، وهتحددي هتكملي اللي جاي من حياتك إزاي ...
بلغ الحوار مُنتهاه معها، فأنهته بجملة تحذيرية لخصت اللقاء، ووضعتها عند أول الطريق:
-غير كده إنتي بتعملي حواجز، وهتفضلي عند نقطة الصفر، مع الفرق إنك هتفقدي الحب، والأمان، والسند اللي بجد.
..........................................................
لفتها مشاعر الغضب، الكدر، الألم، والحزن، بعد تلك المصارحة المتخمة باللوم والتوجيه؛ اللوم لإساءة التصرف في أمورٍ تتطلب حنكة وذكاء، والتوجيه لاستعادة ما هو على وشك الفقد بالحكمة والتروي. مكثت "فيروزة" في دكانها بمفردها، بعد أن صرفت مساعدتيها مبكرًا، لتنزوي مرة أخرى وسط دوامة أفكارها المتصارعة. تنهيدة سريعة لاحقتها بأخرى وهي تُعيد على نفسها ذلك السؤال بعينه؛ حيث نطقت به بصوتٍ خافت مهموم:
-ليه دخل حياتي من الأول لما هو مش عاوزني في الآخر؟
فركت جبينها بإصبعيها وهي تستند بمرفقها على سطح مكتبها، قبل أن تتساءل في جديةٍ:
-طب وأنا؟ عايزاه ولا لأ؟
وجدت الأفكار السوداوية طريقها إلى عقلها المرهق، فقالت في نبرة محبطة:
-هتفرق في إيه؟ كل اللي كنت بستناه وبحلم بيه بيروح قبل ما يبتدي.
لكن ما لبث أن قاومت ذلك الزحف المهلك بتأكيدها:
-بس هو غيرهم.
لمع في حدقتيها وميضًا حزينًا وهي تتمتم باشتياقٍ:
-على طول معايا، وفي ضهري.
تقوست شفتاها للأسفل ليتكمل مشهد العبوس على وجهها وهي ما زالت تُخاطب نفسها:
-أنا اللي اتصرفت غلط من الأول، عاملته على إنه غريب، وهو أقرب واحد ليا.
استوت على مقعدها، ولملمت أشيائها المبعثرة في حقيبتها، لتردد في عزمٍ شديد الجدية:
-لازم أتكلم معاه، مش هسيب الموضوع متعلق كده.
نهضت من مكانها، وتابعت استرسالها أحادي الجانب مقررة بحسمٍ:
-النهاردة هنهيه، يا نكون سوا، يا إما كل واحد يروح لحاله.
..................................................
أوصدت باب محلها، ووضعت القفل بين مقبضيه، لتنطلق بعدها سائرة في اتجاه دكان عائلة "سلطان" بخطواتٍ متحفزة، شبه متعجلة، وصوت دقات قلبها يصم أذنيها من فرط قلقها. تنفست "فيروزة" بعمقٍ لتضبط انفعالاتها المتوترة، واستعدت لتعبر من الزقاق الضيق إلى الشارع الواسع، حيث يتواجد الدكان على ناصيته، بدا الطريق خاليًا من السيارات؛ لكن أحدهم قطعه بغتةٍ ومن الاتجاه المعاكس، بالكاد نجت من اصطدام وشيك، وتراجعت للخلف وهي تسمع صوت صرير احتكاك المكابح بالأسفلت، تجمدت في مكانها مشدوهة، قبل أن تتحول نظراتها المرتاعة نحو السيارة، وقائدها الأرعن.
التقطت أنفاسها المضطربة من الصدمة المباغتة، واستدارت توبخ المخطئ بحدةٍ:
-مش تحاسب، في ناس ماشية على الأرض.
أطل صاحبها برأسه من النافذة، وصاح بها بفظاظةٍ أدهشتها كليًا، وألجمت لسانها للحظة:
-إنتي اللي غبية، وعامية، ما تفتحي وتبصي قدامك، ولا هو رمي بلا؟!!
استفاقت من ذهولها المؤقت لتهدر به في غضبٍ متصاعد:
-احترم نفسك، يعني غلطان وبجح؟ ده بدل ما تعتذر؟!!
ترجل من سيارته ليواجهها، وقال في إهانةٍ فظيعة جعلت الأنظار تتجه إليهما:
-اعتذر ليه يا (....)، يخربيت أبو اللي علمكم المشي.
على إثر نعته النابي، اتسعت عينا "فيروزة" في ذهولٍ، قبل أن تتبدل للقساوة، تجمع غضبها على الفور، وراحت توبخه في تشنجٍ:
-أما إنت واحد قليل الأدب، ومش محترم بصحيح.
لم ترده نظراته القاسية، بل إنه تقدم ناحيتها هادرًا بصوتٍ جهوري، وملوحًا بذراعه في وقاحة جريئة:
-تعالي علميني الأدب يا (...).
احتج أحد المتواجدين على أسلوبه غير اللائق في الحديث إليها، واقترب منه يعنفه في غير رضا:
-عيب الكلام ده ...
نظر له الرجل الغريب باستخفافٍ، فتابع ذلك الفرد تقريعه:
-مايصحش تتعرض لبنات الناس بالشكل ده؟
حاد بنظراته المتأففة عنه ليمنح "فيروزة" نظرة احتقارية مشمئزة وهو يخاطبه بطريقته الفجة:
-دي واحدة صايعة و(...).
شهقة أخرى مستنكرة انفلتت من بين شفتيها على إثر سبابها المهين لها، كان ذلك الرجل وقحًا للدرجة التي جعلت المتجمهرين يزومون في استهجانٍ شديد لوضاعته المتجاوزة معها.
......................................................
في تلك الأثناء، بين رجاله وقف شامخًا، صلدًا، حازمًا، يُلقي الأوامر هنا وهناك، ليتأكد من إنجاز المطلوب في وقتٍ وجيز. أعطاه أحد عماله ورقة ليتطلع عليه، فقرأها في إمعانٍ قبل أن يزيل آخرها بتوقيعه، استدار برأسه نحو آخر يناديه في جزعٍ:
-إلحق يا معلم "تميم"!
سأله بحاجبين معقودين:
-في إيه؟
جاوبه العامل بصوتٍ لاهث:
-جماعتكم بيتخانقوا على أول الشارع.
برزت عروقه وانتفضت في كامل جسده مع تلك الكلمات المستثيرة للأعصاب، اندفع كالثور الهائج ركضًا ولسانه يتوعد بحنقٍ جم:
-ليلته مهببة!
اختطف النظرات خلال اندفاعه الغاضب ليعي من المقصود بجماعته، فالعامل لم يفصح بشكلٍ مباشر عن هوية من تتعرض للاعتداء، أنبأه قلبه بأنها المقصودة، وصدق النبأ حين رأها تنفعل في وجه أحدهم، اخترق صفوف البشر التي أعاقته عن بلوغها بدفعهم لجانبيه بكلتا قبضتيه، سمع نعت ذلك الوغد الوقح إليها، فاشتد هياجه، وهدر بصوتٍ زلزل صداه في الأرجاء:
-إيه اللي بتقوله ده يا (...)، قسمًا بالله ما سايبك النهاردة.
لم يستطع أي فرد منعه من الوصول إليه، بل يمكن الجزم بأنهم اتفقوا فيما بينهم دون ترتيب على إفساح المجال له للانقضاض عليه. ترك "تميم" العنان لنوبة غضبه المندلعة لتنفجر في وجهه، لكمه بقساوةٍ، بعد أن أطبق بقبضته القوية على عنقه، تفاجأ الرجل بهذا الهجوم الغاشم عليه، وحاول صده إلا أنه فشل أمام سيل اللكمات العنيفة، حتمًا فسدت ملامحه، وامتلأت بالتورمات والكدمات المختلفة.
لم يستغرق الأمر سوى أقل من دقيقة لتدرك "فيروزة" أن حاميها على وشك زهق حياة أحدهم للذود عنها، لمجرد أنه سمع بالأمر، رغم الجفاء والتباعد بينهما. رأته في كامل غضبه واهتياجه، هوى قلبها جزعًا عليه، ونادته بصراخٍ مرعوبٍ وقد رأت الآخر يلكمه في فكه كمحاولة بائسة لحفظ ماء وجهه بعد بعثرته:
-"تميم"، خد بالك.
لف "تميم" ساقه حول ركبة الرجل، ثم ثناها في خفةٍ وسرعة ليطرحه أرضًا، فارتطم جسده بالأسفلت الصلب، وصاح متألمًا، لم يعبأ بصراخه الموجوع، وجثا على صدره بركبته ليثبته على وضعيته المستلقية، ثم أطبق على عنقه مجددًا، وأخذ يخمش في جلده بأظافره وهو يزيد من ضغطه القاسي على مجرى تنفسه. بصق عليه وهو يواصل تهديده العدواني الشرس:
-عامل فيها راجل على واحدة ست؟ طب قابل الرجالة اللي بجد.
قاومه الرجل قدر استطاعته رغم الألم المنتشر في بدنه، حاول النهوض؛ لكن "تميم" كان يعيده لاستلقائه الأول بتحكمٍ واضح، التقط الرجل بيده حجرًا لمحه من طرف عينه، وحاول إصابته به في لحظة غادرة؛ لكن "فيروزة" صرخت لتنبيهه:
-حاسب يا "تميم"!
تفادى الضرر الجسيم الذي كان من الممكن أن يصيب وجهه على إثر تحذيرها، وسدد بكوعه لكزة عنيفة كادت تطيح بفك الرجل؛ لكنها جعلت خيوط الدماء تتفجر من بين أسنانه. وجدت "فيروزة" نفسها تتراجع بشكلٍ لا إرادي للخلف، لتنخرط وسط النساء بعد أن تجمع بعض الرجال حول "تميم" لإقصائه عن الرجل الذي سيهلك بين براثنه، إن استمر على نفس النهج العنيف معه. نجحوا في إبعاده، وشكل البعض بأجسادهم حاجزًا يحول بينهما، ثم قال أحد عجائز المنطقة كمحاولة للسيطرة على الموقف قبل أن يتفاقم، ويتطور للأسوأ:
-صلوا على النبي يا معلم، اهدى كده.
توعده "تميم" بعدائيةٍ وهو يمسح العرق من على جبينه:
-مش هاسيبه ابن (...) ده!
رد عليه الكهل بهدوءٍ:
-إنت عرفته غلطه.
مضت "فيروزة" في طريقها إليه، إلى أن أصبحت بجواره، توسلته في رجاءٍ شديد:
-عشان خاطري، خلاص، سيبه.
التفت ناحيتها فرأى الخوف متجليًا على قسماتها، كررت عليه استجدائها:
-بلاش تضيع نفسك، ده واحد مايستهلش، عشان خاطري.
بالكاد استجمع نفسه، وصاح بهديرٍ غاضب:
-غور من هنا يا (...).
تنفست "فيروزة" الصعداء لاستجابته المحمودة، ورمقته بنظرة ممتنة دون أن تبتسم، بينما نهض الرجل من رقدته المهينة، بمساعدة أحدهم، عاونه على المشي إلى أن بلغ سيارته، استقلها بعدها هاربًا وهو يئن من الألم الشديد.
ما إن تأكد "تميم" من رحيله، حتى عاود النظر إلى "فيروزة" بعينيه المشتعلتين، لن تنكر أنه دبت في أوصالها رعدة خائفة، تجاوزتها بنظرة تقدير إليه، قابلها بجمودٍ، ثم أبعد ناظريه عنها، ليصيح في زمرة البشر المحتشدة:
-خلاص يا جدعان، الحكاية اتفضت.
بدأ أهالي المنطقة في التفرق والابتعاد، كلٌ ذهب في طريقه، لتخلو الساحة بعد أقل من دقيقة من الزحام. أصبحت "فيروزة" بمفردها معه، وقبل أن تفكر في الكلام، أمرها بلهجة من يقرر:
-تعالي!
تبعته في صمتٍ حكيم؛ لكنها لم تتوقف عن اختلاس النظرات إليه وهي تسير باعتزازٍ معه، غمرها ذلك الشعور الدافئ الذي افتقده -بوجوده- طوال فترة خصامهما، ودَّت لو رجعت بالزمن للوراء وتصرفت بتلك الطريقة، لربما فازت بأكثر من مجرد محاولة غير مضمونة للتصالح، ونيل الغفران.
أشار لها بالجلوس على المقعد المواجه لمكتبه بداخل الدكان، وسألها في اهتمامٍ، وعيناه تشملاها بنظراتٍ فاحصة لتتأكد من سلامتها:
-إنتي كويسة؟
ردت بعد ضغطة حرجة على شفتيها:
-الحمدلله..
غالبت التردد الذي أمسك بلسانها لتطمئن عليه، فسألته أيضًا باهتمامٍ يفوقه:
-حصلك حاجة؟
رد نافيًا وهو يتحرك مبتعدًا عنها ليقترب من مدخل الدكان:
-لأ.
بقيت نظراتها المتلهفة عليه، تفحص بعض الخدوش التي أصابت وجهه، وهو يعطي العامل أمره الصارم:
-قفل بقيت الطلبية، وماتسلمش الحاجة من غير إذن التوريد.
رد الأخير دون جدالٍ:
-حاضر يا ريس.
لم تكن إصابته تدعو للقلق، بضعة أيامٍ وستختفي آثارها بالكامل، كأنها لم تكن. أطالت النظر، واستطالت فيه باستمتاعٍ؛ كأنما تعوض ما فاتها من حرمانٍ بغيابه عنها، عاهدته رجلاً وهو يعمل، وأكثر رجولة وهو في أشد المواقف خصومة. أحست بفيضٍ من المشاعر الغريبة يجتاحها في تلك اللحظة، مشاعرٌ تتوق إلى الارتماء في أحضانه، الشعور بالقوة تحتويها وهي محاصرة بين ذراعيه، أفاقت من تماوج أفكارها الحالمة عندما اقترب منها، وسألها بلهجةٍ مالت للرسمية:
-جاية هنا ليه؟
رغم إحساسها بالحرج لأسلوبه المغلف بالجمود، إلا أنها تمسكت بهدوئها، وسألته في صوتٍ رقيق معاتب، وتلك النظرة التواقة تطل من لؤلؤتيها:
-هو إنت مش عاوز تشوفني؟
جلس على كرسيه، وقال مصححًا دون أن تلين نبرته:
-مش القصد، بس في حاجة حصلت عندكم؟
هذه الرسمية المستفزة جعلت الخيالات الحالمة تتلاشى، وتحل محلها ما خشيت الاعتقاد فيه من أفكارٍ سوداوية، تنهدت سريعًا، ثم عبست وهي تجيبه باقتضابٍ:
-أه .. في.
سألها بصيغة شبه آمرة:
-إيه؟ قوليلي.
أطلقت زفرة سريعة مغتاظة من جفائه، ونطقت مرة واحدة:
-إنت.
رفع حاجبه للأعلى متسائلاً في قليلٍ من الاستغراب:
-أنا؟!
أومأت برأسها مؤكدة في عتابٍ لم يصل للحدة:
-أيوه، طالما إنت مردتش عليا في اللي قولتله، فأنا فهمت إنت عاوز إيه.
مرر يده على رأسه، وسألها وهو يريح ظهره للخلف:
-إيه اللي فهمتيه؟
أجابته بشيءٍ من العصبية دون أن ترتفع نبرتها:
-إنك غيرت كلامك، ومش عاوز الجوازة تكمل، بس محروج تقولي كده، فأنا جاية النهاردة عشان أعفيك من الحرج ده.
نظر لها مليًا بلا تعقيب، فاغتاظت مجددًا من صمته، وسألته:
-كلامي مظبوط؟ صح؟
رفع ناظريه عنها ليحدق في العامل الذي جاء متسائلاً:
-نجيب إيه يا معلم؟
أشار بعينيه إليه وهو يجاوبه:
-هات ليمون للأبلة.
التفتت ناظرة للعامل تعتذر له:
-شكرًا، مش عايزة حاجة، فمافيش داعي تتعب نفسك.
وكأنها لم تنطق بشيء، أمر العامل بلهجته الحازمة:
-روح، هات الليمون، ومتتأخرش.
استدارت "فيروزة" تنظر إلى "تميم" بنظرات مغتاظة، فتجاهلها، وحدق في وجه العامل الذي هز رأسه في انصياعٍ وهو يرد:
-تمام يا معلم.
عاودت التحديق هي الأخرى في العامل، لتجده انسحب من محيطهما، سحبت شهيقًا عميقًا، حبسته لثوانٍ في رئتيها قبل أن تحرره وتدير رأسها في اتجاه "تميم"، تطلعت إليه مجددًا بثبات، ثم استطردت قائلة بغصةٍ محسوسة في صوتها:
-عمومًا أنا مش هاخد حاجة مش بتاعتي، المهر والشبكة جاهزين في أي وقت تقدر تبعت تاخدها، والفلوس اللي دفعتها لـ "حُسني" هرجعهالك معاهم.
بادلها نظرات جامدة، غامضة، لم تطرف عيناه، ولم ترتخِ ملامحه، بل راح ينقر بأصابعه على سطح المكتب وهو يسألها في إيجازٍ:
-وبعدين؟
اكتفت "فيروزة" من معاملته القاسية، وتعلمت درسها بحقٍ، هبت واقفة، وعلقت حقيبتها على كتفها لتخبره بتعابيرٍ مكفهرة:
-خلاص كده، وكتر خيرك يا معلم على اللي عملته معانا كلنا.
توقف عن النقر، واعتدل في جلسته، ثم سلط كامل أنظاره عليها وهو يأمرها:
-اقعدي.
زوت ما بين حاجبيها مرددة في استنكارٍ:
-نعم.
تحفز في جلسته، وخاطبها بهذه اللهجة الحازمة:
-اللي سمعتيه، اقعدي .. أنا مردتش عليكي لسه.
عاندته في غيظٍ:
-أنا محدش يديني أوامر، وخصوصًا لو مافيش بيني وبينه حاجة.
نهض واقفًا ليبدو أكثر مهابة عن ذي قبل بتعابيره الصارمة، ونظراته المهددة، أحست برعشة طفيفة تصيب ظهرها، وتنتقل سريعًا إلى أطرافها وهو يكز على أسنانه محذرًا:
-والحكاية مخلصتش يا أبلة، اقعدي بدل ما اعمل مصيبة تانية، أنا جايب أخري.
استسلمت على الفور، وتخلت عن عنادها، لتعاود الجلوس في مقعدها وهي تغمغم بخفوت:
-استغفر الله العظيم.
لم يجلس مثلها، بل دار حول المكتب وعيناها ترقبانه بتوترٍ متحفز، ابتعد عن محيطها ليتوجه إلى واحدٍ من عماله، أمره في صوتٍ قوي جعلها تخشى مجادلته في لحظات عصبيته:
-مش أنا قولت تحط الرصة دي هناك، الربع نقل هاتحملها كمان شوية، كفاية لكاعة، ولا لازم يعني أعملها شغلانة معاكو؟!!!
اندهش العامل من حمئته، ومع هذا قال في طاعة:
-حاضر يا معلم، هنخلصها في السريع.
أعطاه أمره التالي بنفس الأسلوب:
-وافتح سكة من الناحية دي، العربيات مش هتعرف تعدي.
قال وهو يسرع الخطى لتنفيذ ما تلاه عليه:
-أوامرك يا كبير.
رجع إليها "تميم" وهو يسير معتدًا بنفسه، فتنحنحت ناهضة لتخبره بوجهٍ شبه متورد:
-لو مشغول نتكلم وقت تاني.
جلس هذه المرة مواجهًا لها، وقال بغير ابتسامة:
-خلاص فضيتلك.
ظلت واقفة تحملق فيه من مستوى نظرها بتوترٍ حائر، أرادت النفاذ إلى داخل رأسه لتعرف ما الذي يفكر فيه بشأنها، الغموض المحاوط به جعلها في حالةٍ من التخبط، اللوعة، والرغبة! دبت فيها رجفة خفيفة عندما أمرها:
-اقعدي.
استجابت لأمره بامتعاضٍ ظاهر على ثغرها، وراحت تنظر إليه في تحفزٍ وقد بدأ يخاطبها من جديد بجديةٍ:
-شوفي يا أبلة، لما طلبت إني اتجوزك لأني عاوز ده فعلاً، لا بعتبر الموضوع زي أي جوازة والسلام، ولا شايفك واحدة كويسة، تنفع تبقى مراتي، إنتي أعلى وأغلى من كده بكتير.
أخذت تعابيرها المشدودة تلين جزئيًا، خاصة عندما تابع:
-مش عاوزك تبقي مجبورة ولا مغصوبة على الجواز، لمجرد بس ترضيني أو ترضي غيرك.
أحنت رأسها على صدرها قليلاً، وأصغت إليه وهو يواصل معاتبته لها بعتاب المحبين:
-زعلي منك معروف سببه إيه.
بترددٍ بائن على محياها، وواضح في نبرتها كذلك، أسبلت عينيها قائلة:
-أنا بعترف إني اتصرفت غلط، مكانش ينفع أكلمك بالشكل ده، بس والله كنت خايفة عليك تتهور.
سكت، وترك لها المجال لتتكلم، فأردفت في هدوءٍ:
-الواحد ساعة الغضب مابيفكرش كويس، وإنت عصبيتك صعبة حبتين.
رمقها بتلك النظرة الغامضة، العميقة، وهي ما زالت تخاطب ودَّه بلين الكلام:
-بس بعد كده لما راجعت نفسي اتأكدت إن كان ممكن أتكلم بأسلوب تاني، والنتيجة هاتكون أحسن.
عقب عليها بجملةٍ استرابت منها:
-ساعات اللسان بيسبق التفكير، وللأسف ده ممكن يضيع الحلو.
سألته بتوجسٍ، وقد خبا التورد الدافئ من وجهها:
-قصدك إيه؟
لم تهتز تعبيراته وهو يخبرها بصوته الجاد:
-قصدي إني مش هربط موضوع مسامحتي بالجواز، فلو إنتي عاوزة الليلة تنتهي لحد كده، فده عشانه اختيارك إنتي، مش لأني ماسمحتكيش.
انخلع قلبها مع قراره الصادم لتوقعاتها، واعترضت في ذهولٍ:
-بس آ...
قاطعها مؤكدًا بإشارة من يده أمام وجهها لتسكت:
-إنتي هتفضلي غالية، وليكي قيمتك مهما حصل.
تطلعت إليه بنظراتٍ مصدومة، قابلها بنظراتٍ تعكس كبريائه الجريح:
-وأنا عاوز الاحترام والود بينا يزيد بالجواز مايقلش.
بلعت غصة مريرة في حلقها، وردت بصوتٍ شبه خافت:
-تمام .. فهمت.
قام من مقعده ليتابع بنفس الصوت الجاد:
-خدي وقتك وفكري براحتك من غير أي ضغوط.
تبعته بنظراتٍ شبه تعسة وهو يتحرك مبتعدًا عنها عند مدخل الدكان، نظر مرة ثانية نحوها، بحزنٍ مناقض للجمود الذي استحوذ على نظراته قبل قليل، ثم خاطبها في صوتٍ هادئ مستسلم وهو يدس يديه في جيبي بنطاله:
-وأنا قابل بأي قرار ليكي.
نهضت بدورها، وعدلت من وضعية ذراع حقيبتها على كتفها، قبل أن تنطق في صوتٍ شبه مختنق:
-طيب .. شكرًا يا معلم على كل حاجة.
الخذلان، يا له من شعورٌ مؤلم! يسحب معه كل ذكرى طيبة وجميلة، فقط إن سمحت له بالاستحواذ على الجيد في حياتها. بدأت "فيروزة" بالسير؛ لكنها توقفت قبالته لتواجهه في وقفته السامقة، ثبتت عينيها عليه وهي تقول في تصميمٍ:
-قبل ما أمشي، أنا مابرجعش في كلمة قولتها طالما مقتنعة بيها، وإلا مكونتش قولتها من الأول ...
حدق في نظراتها إليه بتعاطفٍ خفي، فأكملت على نفس المنوال:
-بس لو الطرف التاني مش عايز أصلاً، وقتها يبقى الكلام مالوش لازمة.
لمعت عيناها بدمعاتٍ متسللة، حين تابعت بنبرة مالت للندم:
-وساعتها الحلو اللي جوايا مش هيظهر، ويروح زي حاجات كتير حلوة بنتمناها وتضيع مننا في لحظة عناد.
علق عليها بتنهيدةٍ خافتة:
-الغالي بيبقى غالي عشان اللي بيقدره.
أتاه ردها تلقائيًا، محملاً بالمشاعر العميقة:
-وإنت أكتر من غالي.
منحته نظرة أخيرة فجَّرت فيه ذلك الجمود القاسي، قبل أن تحيد بعينيها بعيدًا عنه استعدادًا لذهابها، تحرك "تميم" ليسبقها في خطواتها، اعترض طريقها بجسده، فارتدت بشكلٍ عفوي للخلف، نظرت إليه باستغرابٍ متحير، تلونت شفتاه ببسمة خفيفة، أتبعها نظرة دافئة في عمق جوهرتيها متسائلاً:
-موافقة تتجوزيني يا أبلة؟
وكأن وهج الحياة النابض قد أعاد النضارة إلى بشرتها، سرعان ما تبدل الحزن بفرحةٍ حيَّة لا يمكن إنكارها، ابتسمت في رقةٍ وهي تجيبه بمراوغةٍ يشوبها الدلال:
-إنت عارف الرد.
جاءها تعقيبه متحديًا، وبنظرة ذات مغزى:
-طب الشهر فاضل عليه 12 يوم، واخدة بالك من ده؟
أشرقت، وتفتحت، وظهر البهاء عليها. ضحكت "فيروزة" في صفاءٍ قبل أن تقبل التحدي بقولها:
-طبعًا، الرك بقى على اللي يعرف يخلص كل حاجة فيه، من توضيب شقة، وتجهيز عفش وآ...
أشعلت جمرات الحب بداخله، تلك الجمرات التي لم ينطفئ لهيبها يومًا، قاطعها "تميم" بثقةٍ، وهذه النظرة المغترة تسود في عينيه:
-كله بأمر الله هيخلص.
زادت من مستوى التحدي، فأخبرته بإشارة من حاجبها:
-وريني شطارتك.
انتصب في وقفته المهيبة، وازداد ثقة على ثقة وهو يؤكد لها بما لا يدع مجالاً للشك في قدراته:
-أنا أد القول .. يا أبلة.
ابتسمت في نعومة مغرية، جعلت القلب يرفرف في سماء الحب، لترد بعدها:
-متأكدة من ده ..
تقدمت في خطاها ناحيته، طالعته بنظرة شغوف أوحت بالكثير، والكثير مما ينتظره، بل إنها جعلت عاصفة من العواطف المحمومة تنطلق في كيانه، مالت نحوه قليلاً، فبدا صوتها قريبًا، دافئًا، تلفح حرارته صدغه، وهي تهمس له، بما بدا أقرب للاعتراف بهيمنته المستحبة إليها:
-ما هو ماينفعش حد غيرك يكون المعلم "تميم سلطان" .................................................. !!
.................................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الرابع الفصل التاسع والخمسون 59 - بقلم Manal Salem
الفصل المائة واثنان وسبعون
جاء إليه ملكومًا، مكدومًا، متكدرًا، تصرخ عظامه من الأوجاع الشديدة، ويصيح جلده من الجروح الغائرة التي لن تلتئم إلا بعد بضعة أيامٍ من العلاج الكثيف. جلس الرجل الغريب ببطءٍ على المصطبة، كأنما يخشى أن يتصدع ما تبقى متماسكًا منه، التفت ناظرًا إلى "فضل" بنظراتٍ حانقة، قبل أن يستطرد في الكلام بحرقةٍ:
-احنا ماتفقناش على كده.
وضع الأخير مَبْسِم النارجيلة بين شفتيه، وسحب نفسًا طويلاً، أجج به صدره المشتعل، قبل أن يطلق سحابة من الدخان، ليقول بعدها ببرودٍ، غير مكترث للحالة الشنيعة التي أصبح عليها:
-خلاص هزودك قرشين.
أغاظه فتوره في التعامل مع وضعه الحرج، وصاح مستنكرًا بغلٍ يصدح في نظراته أيضًا:
-ده أنا كنت هروح فيها، جسمي كله اتخرشم ومابقاش فيا حتة سليمة.
نقل "فضل" مبسم النارجيلة من يده لليد الأخرى، حتى يتمكن من دسها في فتحة صدر جلبابه، أخرج ورقة مطوية من النقود، أعطاها إلى هذا الغريب قائلاً بتعابيرٍ شبه ممتعضة:
-يا عم خلاص ماتنوحش، خد دول ...
تناول منه الورقة، وتفحصها بعينين تشعان غضبًا، في حين تساءل "فضل" بسماجةٍ؛ كأنما فعل معه معروفًا كبيرًا يستحق الشكر عليه:
-مرضي كده؟
رفع الرجل الغريب الورقة نصب عينيه، وصاح في حدةٍ متعصبة:
-إيه ده يا "فضل"؟ لأ ماينفعوش؟
ألصق مجددًا المبسم بشفته السفلي، وتكلم بترفعٍ وهو يمن عليه بنظرة من طرف عينه:
-أنا كلامي معاك كان إمسح بكرامتها الشارع، مكانش في اتفاق على ضرب وسحل، إنت اللي خالفت الاتفاق.
هدر الرجل في غيظٍ أكبر:
-لا يا شيخ؟!
نفخ "فضل" الدخان بسماجةٍ باردة، فانتفض الرجل واقفًا، ونوبة من الألم الشديد ضربت في أوصاله، تحامل على نفسه، وهتف يلومه بحنقٍ متزايد:
-ما إنت لو مرسيني على الفولة من أولها كنت عملت حسابي.
علق عليه في سخافةٍ استفزته:
-حد قالك ماتبقاش غشيم وتطول وقفتك معاها، هما كانوا كلمتين تهزيق على الطاير، وتخلع.
تصاعدت الدماء في رأسه المكدوم، وارتفع صوته المحتج:
-وأهوو حصل اللي معملتش حسابه، وروحي كانت هتطلع في إيد الجدع اللي جه يحمئلها.
تصنع الابتسام السمج، وقال وسحب الدخان تنطلق من جوفه:
-مردودلك في مصلحة تانية.
زأر الرجل معترضًا بتهكمٍ ضاربًا كفيه معًا كعلامة على فض التعامل بينهما:
-مصلحة تانية؟ دي جبرت على كده، خلصت يا عمنا.
ثم انحنى ملتقطًا طبق الفاكهة الموضوع أمامه ليأخذه وهو يضيف في عبوسٍ شديد:
-وهات دول.
رمقه بنظرة مزدرية موبخًا إياه بتأفف:
-طفس!
في تلك الأثناء، اشرأبت "سعاد" بعنقها لأكثر من مرة لتتمكن من النظر من عند زاويتها لصاحب هذا الوجه المألوف، اعتصرت ذهنها عصرًا لتتذكر أين رأته من قبل. في البداية خانتها ذاكرتها، وتعذر عليه معرفته؛ لكن مع سماعها لصوته الأجش، وتفرسها في تعابيره المليئة بعلامات الإجرام، استطاعت أن تتعرف عليه. أصابها الكدر لتواصله مع ابنها، وتساءلت بين جنبات نفسها عن الرابط الخفي الذي يجمعهما معًا، أنبأها حدسها أنه يدبر لكارثة ما سيئة معه، وإلا لما حرص على مقابلته هنا بالمنزل، بعيدًا عن أعين العامة من أهل البلد.
انتظرت على أحرِ من الجمر مغادرته، لتخرج من مكمنها، وتذهب إلى ابنها، وقفت قبالته ترمقه بنظراتها الساخصة، قبل أن تبادر بسؤاله دون تمهيدٍ، وبنوعٍ من التحفز:
-هو الواد الشُضلي ده بيعمل إيه هنا؟
نظر إليها "فضل" من طرف عينه، وأجابها بغموضٍ لم تسترح له:
-عاوزه في مصلحة.
قطبت جبينها متسائلة في استهجانٍ:
-مصلحة إيه اللي معاه؟ ده واد سوابق، وبتاع مشاكل.
علق في جمودٍ، وتلك النظرة القاسية تنفر من عينيه إليها:
-مايخصكيش يامه.
كظمت غيظها منه، وانتقلت لسؤالها الآخر في تحفزٍ أكبر:
-طيب روحت المحكمة عملت إعلام الوراثة؟
نفخ دخان النارجيلة عاليًا، ثم قال نافيًا بنفس الطريقة المتعجرفة:
-لأ.
اشتاطت نظراتها من تقاعسه المستفز، وسألته في حدة:
-ليه يا ابني؟
لوح بالمبسم في وجهها مبررًا بسخافة:
-مافضتش.
وضعت "سعاد" يدها أعلى منتصف خصرها، وسألته في تجهمٍ محفورٍ على ملامحها:
-وهتروح امتى؟
نفخ في صبرٍ نافذ قبل أن يجاوبها:
-معرفش.
استمرت في الضغط عليه بإلحاحها الزائد:
-طب إخواتك البنات عاوزين حقهم في ورث أبوهم، ماينفعش العطلة دي.
نظرة جافة، قاسية سددها إليها وهو يقول بنبرة حقودة:
-بعدين، مستعجلين على إيه؟!!
هدرت به بانفعالٍ مستنكرة تعليقه:
-ده حقهم، ولا ناوي تاكله عليهم؟
ألقى بمبسم النارجيلة جانبًا بعصبيةٍ، وصاح في صوتٍ خشن مرتفع:
-حقهم خدوه من زمان.
تفاجأت والدته من رده، واتسعت عيناها صدمة لوهلة، سرعان ما تحولت إلى إنكارٍ شديد، فدنت منه ملوحة بيدها وصارخة في وجهه:
-إنت بتقول إيه؟
نهض بتشنجٍ من جلسته المسترخية، وانتفض يزمجر في احتجاج مغلول:
-سنين بنبعتلهم كل شهر فلوس، إيه مابيشبعوش؟!
هتفت تعارضه في استهجانٍ:
-إنت هتحاسبهم على اللي كان أبوك بيعمله معاهم بطيب خاطر؟!!
اندفع في خطوات متعصبة ليتجاوزها متجهًا نحو باب البيت وهو يخبرها:
-محدش ليه حاجة عندي.
لحقته مرددة في استياءٍ كبير:
-حرام عليك، هتاكل مال الورث بالباطل؟
التفت يرمقها بنظرة نارية، انبعثت فيها شرور النفس البشرية، قبل أن يهدر في نقمٍ متزايد:
-ده مالي وحالي، مش هفرط فيه لمين ما كان!
لطمت "سعاد" على صدرها، وراحت تنوح في مرارةٍ:
-هاقول إيه بس غير ربنا يخلص منك، إنت ظلمت أبوك وهو عايش، وبتظلم إخواتك وهو ميت، فكرك هتعدي كده من غير حساب؟
نظر لها بغير مبالاة ليعقب في نوعٍ من الاستخفاف:
-هابقى استغفر ربنا .. ما هو غفور رحيم.
ثارت على ردوده المتلاعبة بالدين، واندفعت ناحيته تضربه في صدره بقبضتيها وهي تعنفه:
-ياخي إنت جنس ملتك إيه؟ اتقي الله، ده الظلم ظلمات يوم القيامة.
أبعد يديها عنه بقوةٍ، ورد في خشونةٍ، وعيناها تطقان بالشرر:
-ده مالي وحالي، مش هفرط فيه، سامعة يامه...
حملقت فيه مذهولة؛ كأنها ترى شيطانًا خبيثًا غير فلذة كبدها، تركها ترمقه بتلك النظرات المصدومة ليقول في حزمٍ:
-قفلي على السيرة دي نهائي، كفاية ورمتي دماغي بالهري ده.
فتح الباب، وخرج مدمدمًا في حدةٍ:
-الواحد مش عارف يلاقي الراحة في بيته.
ثم صفق الباب في عنفٍ خلفه، لتنتفض "سعاد" في مكانها وهي ما تزال على حالتها تلك. لم تصدق ما تبصره عيناها، وما تسمعه أذناها من فجور وجحود لا قِبل لها به. أهذا هو وليد رحمها؟ أهذا من أرضعته لأشهر من لبنها؟ بالطبع لا، فمن تراه الآن هو مسخٌ مشوه لبقايا إنسانٍ عمَّ الظلام روحه. رفعت سبابتيها للسماء تدعو عليه بحرقةٍ، وقلبٍ مفطور:
-حسبي الله ونعم الوكيل، إنت مش هاتشوف طيب أبدًا يا "فضل"، مش هاتشوف نهائي بسبب جحودك ده!!!
....................................................
لو كانت السماء تُمطر ذهبًا، لما ابتهج وهاجت مشاعره بتلك الطريقة السارة. هرول "تميم" عائدًا إلى منزله، ومظاهر الفرحة تقفز من عينيه. وجد والده جالسًا إلى مائدة الطعام، أسرع ناحيته، وانحنى يقبل أعلى كتفه، ثم سحب المقعد وجلس على يساره متسائلاً بصوتٍ شبه لاهث من فرط انفعاله:
-مجتش الدكان ليه يابا؟ ده أنا قاعد مستنيك على نار.
أخبره أباه في هدوءٍ:
-يدوب خلصت أعدتي مع تجار سوق الجملة، وعمك "عوف" صمم يوصلني، وبالمرة طلع سلم على جدك.
قال مبتسمًا بسعادة غير قابلة للإنكار:
-فيه الخير.
تساءل "بدير" في اهتمامٍ:
-إنت كنت عاوزني في إيه؟
جاوبه بفرحةٍ عارمة، تكاد تنطلق من عينيه قبل نبرته:
-وافقت يابا خلاص.
تعمد التلاعب معه قليلاً، فتساءل بشيءٍ من المراوغة مدعيًا عدم فهمه:
-مين دي اللي وافقت؟
غمز له قائلاً بابتسامةٍ نضرة:
-اللي عليها العين يا حاج.
بادله والده الابتسام، وقال في تغزلٍ:
-صاحبة التفاح الصابح.
أومأ برأسه إيجابًا وهو يرد بنفس التعابير المبتسمة:
-أيوه يابا، خلاص هنتجوز على آخر الشهر.
خاطبه "بدير" في لهجةٍ مالت للجدية:
-ده يدوب مش فاضل غير حاجة بسيطة.
هز رأسه مرة أخرى هاتفًا:
-أيوه.
تسأل "بدير" مستفهمًا، وقد انعكس على ملامحه طابع جدي:
-طب وظروف وفاة عمها وآ... ؟!
قاطعه مؤكدًا:
-ماظنش في مانع عندهم، وإلا مكانتش أكدت عليا.
ربت "بدير" على جانب ذراعه متمنيًا:
-ربنا يقدملك اللي فيه الخير.
كانت "ونيسة" تمشي الهوينا وهي تحمل وعاء الشوربة الساخن، لئلا تُقذف محتوياته خارجه مع أي اهتزازة مفاجئة. وضعتها في منتصف المائدة، ورفعت ناظريها إلى ابنها قائلة بتلقائية:
-شوية شوربة إنما إيه تُرم العضم.
رد "تميم" بحماسٍ كبير يفوق المعتاد منه:
-تسلم الأيادي يا ست الكل، يا مدلعانا.
ابتسمت لثنائه، وقالت في ودٍ:
-يسلملي حسك يا غالي.
همَّت بالتحرك، والعودة إلى المطبخ لإحضار باقي الطعام؛ لكنه استوقفها بقوله الفرح:
-خلاص يامه هتجوز على آخر الشهر.
حملقت فيه مدهوشة للحظةٍ قبل أن تعم الفرحة سائر ملامحها، لتردد في سعادة عارمة:
-بجد، الله أكبر، مبرووك يا ضنايا.
راحت تُطلق الزغاريد ابتهاجًا بالخبر السعيد، فقهقه "تميم" ضاحكًا في نشوةٍ لمظاهر تعبيرها العفوية عن نبأ زواجه، وردد في امتنانٍ:
-دي ببركة دعاكي ليا يامه.
لم تكف عن إطلاق الزغاريد إلى أن تقطعت أنفاسها، فتوقفت للحظاتٍ حتى تلتقط أنفاسها من جديد، عندئذ طلب منها "تميم" بتهذيب:
-عاوزك تكوني مع الجماعة تشوفي إيه ناقصهم، عشان احنا مزنوقين في الوقت.
أشارت بسبابتها نحو عينيها قائلة:
-عينيا يا حبيبي، ده يوم المُنى.
نهض "تميم" بهدوءٍ من مكانه، وقال وهو يشير بيده نحو الردهة:
-أما أخش أفرح جدي، وأناديله عشان يتغدى.
استحسن "بدير" ذهابه، وخاطبه داعيًا في حنوٍ:
-وماله .. ربنا يزيدك من الفرحة والهنا.
تحرك في خفةٍ تجاه الممر المستطيل الممتد بين غرف المنزل، وصوت الزغاريد يلاحقه، شاعرًا بدبيب السعادة ينتفض في كل ذرة من خلاياه الحسية.
..........................................................
طرقاته على باب حجرته بدت أشبه بالقرع المبهج على الطبول، كأنما يعزف مقطوعة موسيقية ذات ترانيم خاصة، استأذن "تميم" بالدخول قبل أن يلج للداخل، أَلِف جده جالسًا –كعادته- على مقعده، وممسكًا بمصحفه الشريف بين يديه يقرأ فيه بعض آيات الذكر الحكيم. دنا منه قائلاً دون تمهيدٍ، وابتسامة عريضة تنير صفحة وجهه:
-حصل المراد يا جدي.
رفع "سلطان" ناظريه نحوه وهو يختتم بترتيلٍ عذب ومسموع لما يقرأه حاليًا:
-إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ .. كأنما جاءهالرد السماوي على لسان جده، فتمتم في خشوعٍ:
-صدق الله العظيم.
انحنى جاثيًا على ركبتيه أمامه، ثم أضاف في عينين تدمعان فرحة:
-فعلاً يا جدي، دي مكافأة ربنا لصبري.
وضع "سلطان" كفه على كتف حفيده، وربت عليه بضعة مرات قائلاً في صوتٍ رخيم:
-ربنا يراضيك من وسع، وكل ما ترضى باللي كاتبهولك، هيدهشك بعطائه.
لم يخجل من الدموع التي انسابت تأثرًا على صدغيه، وردد في رضا كبير:
-ونعم بالله.
امتدت يداه لتحتضن كف جده، دلكهما برفقٍ، وركز بصره عليه متابعًا:
-أنا فرحان أوي يا جدي، النهاردة بس حسيت إن الحياة دبت في روحي.
ابتسم الجد في سرورٍ لرؤيته مبتهجًا، وقال في نبرة ذات مغزى:
-ولسه لما تتدلع مع مراتك، وتاخدوا على بعض ...
اتسعت بسمة "تميم" أكثر، وتحولت إلى الضحك والجد يكمل جملته بمزاحٍ:
-بس ماترجعش تشتكي لما النكد يبدأ!
بادله الضحك المرح، وقال دون أن تخبت بسمته الصافية:
-هو أنا ليا لي مين غيرك ينصحني؟
ثم قرب كفه من فمه ليقبله في توقيرٍ، ودعا له بحبٍ لا شك في قوته:
-ربنا يديمك فوق راسي.
استل "سلطان" يده برفقٍ من بين راحتيه، ومسح بها على خده الندي قائلاً في عطفٍ:
-ويباركلي فيك يا حبيب جدك.
.......................................................
كما للموت سكرات، فإن للحب دلالات! أحست "فيروزة" بالضجيج يعم في كيانها، وتحديدًا تلك العضلة النابضة بين ضلوعها، لم تسكن، ولم تهدأ، ولن تستكين إلا بإتمام العهود. بدت متقبلة لهذا التغيير الشامل دون الشعور بالتردد أو الخوف، يمكنها الآن الإعلان صراحة عن رفع رايات استسلامها لسلطان العشق. صعدت درجات السلم المؤدية إلى طابق منزلها في نشاطٍ غير مسبوق، وصوتٌ يصرخ في رأسها بإلحاحٍ:
-أيوه أنا بحبه ..
خجلت وتوردت بشرتها لهذه المصارحة الجريئة غير المنطوقة؛ وراحت تؤكد لنفسها:
-ومسيري هاقولهاله، وهيحس بيا أكتر ساعتها.
أخرجت مفتاح البيت من حقيبتها، دسته في قفله، وانزلق يُفتح في يسرٍ، وطأت الصالة ملقية التحية، وهي محملة بالآمال والتطلعات لحياة مشرقة تمحو بها مساوئ الماضي. وجدت والدتها جالسة على واحدة من الأرائك، تضع "رقية" بين ساقيها لتتمكن من تمشيط شعرها، أقبلت عليها قائلة بعد نفسٍ عميق:
-ماما، أنا عندي ليكي خبر مهم.
نظرت إليها في اهتمامٍ، وسألتها:
-خير يا بنتي.
-إن شاءالله كتب الكتاب والدخلة آخر الشهر.
على ما يبدو صُدمت بالخبر، وانعكست علامات صدمتها على محياها، لتهتف بعدها في غير تصديق:
-آخر الشهر ده؟
هزت رأسها إيجابًا وهي ترد:
-أيوه يا ماما.
ظهر القليل من التردد على قسماتها وهي تبرر لها:
-بس يا بنتي، الظروف اللي احنا فيها، وعمك الله يرحمه مفاتش على وفاته أد كده، والناس هتتكلم وتقول وتعيد.
اختلج وجه "فيروزة" الضيق سريعًا، واشتاطت قائلة في تزمتٍ:
-مالناش دعوة بحد، إنتي ليالك أنا وبس، ولا مش من حقي أفرح؟
أجابتها بحذرٍ:
-لأ من حقك، ده اليوم اللي بستناه ...
ابتلعت "آمنة" ريقها وهي تراقب انفعالات ابنتها المتزايدة، ثم أضافت على استحياءٍ يشوبه القلق:
-بس مرات عمك هتزعل، وهاتقول مرعناش الأصول.
على خلاف المعهود في مثل تلك الظروف الحزينة، كان من المفترض أن يتم إرجاء أي مناسباتٍ سارة، لحين مرور بعض الوقت على التعافي من المشاعر المؤلمة الخاصة بفقدان أحدهم؛ لكن لأنها لم تعد تكن مثل هذه المشاعر التقديرية لأمثال هؤلاء، ممن تناسوا صلة الرحم، فقد أصبح الوضع سيان بالنسبة لها، تجاوزت عن همومها، وتعاملت مع المسألة بشكلٍ شبه عادي، لن توقف حياتها على أحدهم، وتحديدًا من استباحوا ما لا يخصهم لأجل أهواءٍ مريضة وشكوكٍ لا صحة لها، لمجرد الخوض في عرضها، والنيل من سمعتها.
هنا ارتفع الغليل في صوتها وهي تخبرها بألمٍ ما زال ينبض كلما تذكرت أحداث الماضي:
-ومين امتى حد منهم كان راعى الأصول معايا؟ كفاية اللي عملوه فيا، سيبني أعيش حياتي، وأرمي اللي حصل ورا ضهري.
لم تحاول إفساد فرحتها، يكفيها ما ذاقته من آلام وأوجاع بقيت آثارها لوقتٍ قريب، هزت رأسها بالقبول وهي تكلمها:
-إنتي معاكي حق، اعملي اللي يريحك، وربنا يقدم اللي فيه الخير.
رغم الغضب الثائر في صدرها، إلا أنها لم تدعه يتملكها، ويطغى على فرحتها المنتظرة، حولت "فيروزة" نظراتها عن والدتها لتحملق في ابنة خالها التي استطردت قائلة ببراءة:
-هلبس الفستان الأبيض يا "فيرو"؟
مالت ناحيتها، وطبعت قبلة حانية على وجنتها وهي تؤكد لها:
-طبعًا يا عيوني، أحلى فستان لأحلى "كوكي" في الدنيا.
احتضنتها "رقية" في عفويةٍ، فضمتها ابنة عمتها إلى صدرها، أطبقت على جفنيها للحظاتٍ تستعيد في ذهنها لقائها الأخير مع "تميم"، عادت إلى تحليقها الوردي في أفق الأحلام، فأشرقت ملامحها مرة ثانية كوردةٍ بتول تفتحت، وأينعت، وصارت أشهى وأجمل مع أول ضوءٍ للنهار لامس براعمها النقية.
...................................................
أرادت التهيؤ نفسيًا لما هي مقبلة عليه، خاصة مع تكرار التجربة، ومعايشة تفاصيلها الموترة للأعصاب بشكلٍ أو بآخر. قامت "ريم" بدورها مع مريضتها على أكمل وجه، منحتها بعض النصائح الهامة للتعامل مع الموقف، ولم تدخر وسعها في مساعدتها على إزاحة رواسب الماضي الموجع، وإحلال الذكريات الطيبة محمودة الأثر كبديلٍ عنها، لتتخذ موضعها في بواطن نفسها. امتدت يد "فيروزة" لمصافحتها بحرارةٍ في ذلك اللقاء الأخير الذي يجمعها بها، واستطردت تشكرها في امتنانٍ:
-حقيقي يا دكتورة "ريم" إنتي كنتي زي مراية لنفسي، وقفتي جمبي في أصعب المواقف، وعمرك ما يأستي مني أبدًا، رغم إن اللي مريت بيه كان يهد جبال.
ردت عليها طبيبتها تدعمها في ثقة:
-مكونتش هنجح لوحدي يا "فيروزة"، لو مكانش عندك الرغبة والإرادة إنك تتخطي المحن دي، صدقيني ولا كنت هاقدر أعمل حاجة.
ابتسمت "فيروزة" لمؤازرتها الكبيرة، بينما تابعت الأخيرة على نفس المنوال الهادئ:
-كتير غيرك فِضل حابس نفسه جوا دوامة الماضي، مرضاش يتحرك، قفل على نفسه، بس لأنك إنسانة قوية وعندها عزيمة عملتي المستحيل، ورجعتي وقفتي على رجليكي بشجاعة وصمود.
غمرها إحساسًا عظيمًا يدعو للاعتزاز والفخر بما أنجزته، سحبت يدها من راحتها، وكررت على مسامعها:
-شكرًا يا دكتورة "ريم"، حضرتك دلوقتي بقيتي أكتر من أخت ليا، بعتز بصداقتك ومعرفتك.
أخبرتها "ريم" في ودٍ وهي تشبك كفيها معًا:
-ده أنا أتشرف بده، ولو احتاجتي مشورتي أو مساعدتي في أي حاجة، وفي أي وقت، فأنا موجودة.
-أكيد.
قالتها "فيروزة" وهي تستعد للانصراف بصدرٍ منشرح، وتعابيرٍ بشوشة، فاليوم فعليًا قد أسدلت الستار على ماضٍ ولى بكل ما فيه من مآسٍ، وبدأت في الولوج لمرحلة أخرى أكثر نضجًا من حياتها.
...................................................
خلال الأيام التالية، جرى العمل على قدمٍ وساق، فتحول منزلها إلى ما يشبه خلية النحل، الكل يتسابق لتجهيز ما ينقص، واستكمال ما يحتاج لإعادة توضيب، قبل مجيء اليوم الموعود. لم تصدق "فيروزة" عينيها حين رأت (عش الزوجية) وقد صار مُعدًا لاستقبالها كعروسٍ جديدة، شتان الفارق بين ما كان عليه بيتها المتواضع مع شبيه الرجال "آسر"، وبين رمز الرجولة "تميم"، فالأخير أثبت لها -عن جدارةٍ واستحقاق- أنه قادرٌ على الإيفاء بوعده مهما واجه من عراقيل.
لحُسن حظها أنها لم تطل في مدة الانتظار، وإلا لقضت المزيد من ساعات الليل ساهدة، حالمة، وطوال النهار تغرق في أحلام يقظتها الوالهة. تركت العنان لقلبها ليختبر هذه المشاعر الجميلة بكامل طاقاته، منحت نفسها الحرية الكاملة، وتحررت من القيود التي وضعتها لتمنع نفسها من الوقوع في الحب، والتلفح بنيران العشق. لأول مرة تشعر أنها طليقة، غير نادمة على اختيار هذا الدرب لتسلكه، بل بدت مؤخرًا تلوم نفسها على تأجيل تلك الخطوة لشكوك واهية.
تبقى لها فقط حسم أمر الذهاب إلى مركز التجميل بدلاً من التزين في منزلها، عارضت رغبة "تميم" في التواجد بواحدٍ من المراكز الشهيرة التابعة للفندق المقام به مراسم عقد القران؛ لكنها رضخت أمام عناده وإصرار من حولها، لتعم في النهاية البهجة على الجميع بقبولها.
وفي اليوم المنشود، كان الجميع على أهبة الاستعداد لوضع اللمسات الأخيرة، لإسدال الستار على قصة غرام لطالما ظن "تميم" أنها لن تكتمل، ولن يجتمع بها إلا بمشيئة المولى وإرادته جلَّ وعَلا! بالطبع بذل جهده لرؤية العروس خلسة؛ لكن مُنع كليًا من الظفر بلمحة منها، وقفت له "هاجر" بالمرصاد، وأغاظته بتشددها الزائد، فوقف عند باب غرفتها بالفندق كالذليل يرجوها:
-يرضيكي تعملي في أخوكي حبيبك كده؟
ردت بتسلية، كأنما تعانده عن قصدٍ، وهي تسد بجسدها الفرجة المواربة التي تمنعه من رؤية من بالداخل:
-أه يرضيني، لسه الوقت مجاش عشان تشوفها.
ألح عليها بنظرةٍ تدعو للتعاطف معه:
-ده أنا هشوف إن كان ناقصها حاجة كده ولا كده.
لم تشفق على حاله المتلهف، وقابلت إلحاحه ببرود مستفز:
-إنت مش المفروض تروح للحلاق تتوضب، وتلبس؟
اغتاظ من تشددها المُبالغ فيه، ورد في تجهمٍ:
-أنا أخرى رباعية وأكون جاهز، إنما إنتو يومكم بسنة.
-بالظبط كده، يومنا بالسنة، نشوفك السنة الجاية.
مد قدمه ليمنعها من غلق الباب، وحاول دفعه برفقٍ وهو يتذلل إليها بمحبةٍ أخوية:
-ماتبقيش بايخة، ده أنا وقفت جمبك، وعملتلك الحلو كله.
شهقت قائلة في فزعٍ، وبلامح مرتاعة بشدة:
-إيه ده أبويا ده ولا مين اللي جاي هناك؟
مع نظراتها المتسعة التفت برأسه للخلف ساحبًا قدمه، وتساءل في توترٍ:
-فين؟
أشارت بعينيها لنقطة وهمية وهي تؤكد له:
-هناك.
أدار رأسه الناحية الأخرى لينظر إلى حيث أشارت؛ لكنه تفاجأ بها تغلق الباب بحدةٍ لينتفض مصدومًا على حيلتها الساذجة التي انطلت عليه، سمع صوتها وهي تناكفه من الداخل بضحكاتٍ مستمتعة:
-لا مؤاخذة يا "تميم"، بس دي العوايد.
كور قبضته بقوةٍ، وضرب على الباب الموصود في غيظٍ وهو يتوعدها بمزاحٍ:
-طيب يا "هاجر"، ليا لي كلام مع جوزك.
انصــرف بعدها مجرجرًا أذيال الخيبة ورائه؛ لكن ما لبث أن راح يُمني نفسه بالأمنيات، والآمال، فقال في زفيرٍ مزعوج:
-معلش، اصبر، فات الكتير.
............................................................
ساعدها الإرهاق اليومي قبيل هذه الليلة على النوم بعمقٍ، وإن كان لساعات قليلة؛ لكنها ألهت عقلها عن التفكير فيما هي مقبلة عليه من مصيرٍ رجت أن يكون أفضل مما مضى، خاصة أن الوقت قد أزف لكشف المستور عن سرها الخطير، ذاك الذي لم تطلع عليه أحد سوى طبيبتها. كانت "فيروزة" تخشى من ردة فعل "تميم" إن عَلِم بعذريتها، وأدرك أنها لم تخض تجربة الزواج الكامل من قبل، كيف تبوح له بأنها لم تحظَ بليلةٍ دافئة تتخلى فيها الفتاة عن تاج العفة، لتغدو امرأة مفعمة بالأنوثة الشهية؟
وتَّرها التفكير في الأمر، وأرعبها إلى حدٍ ما، لولا النصائح الذهبية التي ظلت تمليها "ريم" على مسامعها، طوال جلساتها العلاجية، لتتعامل مع هذه المسألة برويةٍ وهدوء، علَّها تمضي بها على خيرٍ إن وصلت إلى ليلة الزفاف.
مكثت بغرفتها المحجوزة مسبقًا بالفندق، واستقرت على المقعد بعد أن ارتدت ثوب عرسها، بمساعدة شقيقتها ووالدتها فقط. تأكدت من تغطيته لكافة جسدها، حتى عنقها، كانت ياقته مستطالة بالقدر الذي لم يظهر من رقبتها شيئًا، كأنما تخشى أن ينظر أحدهم إلى ندوبها، ويعايرها بها بنظرة أو كلمة مبهمة. عادت إلى المقعد، وجلست عليه، لتقوم إحدى فتيات مركز التجميل بلف ساترًا ذي وجهين من القماش والبلاستيك حول الثوب للحفاظ على عدم تلطيخه خلال تزيينها.
أحنت "فيروزة" رأسها للأمام، تاركة لمصففة الشعر تصفيف خصلاتها قبل أن تجمعه في عقدة، لتضع فوقه حجابها الأبيض، لمحت والدتها وهي تضع الطعام في صحنٍ صغير لتطعمها، فتذمرت في إرهاقٍ:
-ماليش نفس يا ماما.
ردت عليها "آمنة" وهي تملأ الملعقة بالأرز المختلط بالبطاطس الموضوعة بالفرن:
-ده لسه اليوم طويل، قوتي قلبك بلقمتين.
انتفضت معدتها وزمجرت لرؤية الطعام، ففتحت فمها، ولاكت ما قدمته لها. نظرت "آمنة" إلى "همسة" المشغولة بوضع مساحيق التجميل على وجهها هي الأخرى، وحادثتها في صوتٍ شبه ممتعض:
-مش كنا طلعنا من البيت أحسن؟ لازمتها إيه التكاليف دي كلها؟
علقت "همسة" بضحكة مرحة:
-خطيبها مصمم يعملك أحلى حاجة، حد يقول للدلع لأ؟
ابتسمت "فيروزة" على استحياءٍ، وتساءلت لتغير من مجرى الحوار الذي حين يتطرق إلى سيرته يصيبها تلقائيًا بالخجل الممزوج بالتوتر:
-أومال مين كان على الباب؟
أجابت "هاجر" تلك المرة وهي تنضم لباقي النساء:
-العاشق الوالهان خطيبك.
دق قلب "فيروزة" في ربكة، وتلبكت بشكلٍ شبه فاضح وهي تتوسلها:
-ماتخلهوش يدخل يا "هاجر" بالله عليكي، أنا لسه مجهزتش، ومش مستعدية وآ...
ضحكت في استمتاعٍ قبل أن تقاطعها قائلة بطرافةٍ:
-اطمني، في أسد قصر النيل واقف على الباب.
تنفست في ارتياحٍ، وبدأت في استعادة هدوئها بعد عاصفة اللهفة التي اجتاحتها، وكادت تطيح بثباتها الزائف لمجرد توقع قدومه إلى هنا. عدَّلت من وضعية رأسها، ونظرت إلى المصففة تطلب منها بلباقةٍ:
-من فضلك ماتحطيش ميك آب كتير، مش بحب الأفورة.
امتدحت الشابة حُسنها، فقالت في إعجابٍ ظاهر في عينيها قبل نبرتها:
-ما شاءالله عليكي، إنتي مش محتاجة أصلاً.
................................................
بقلبٍ لم يعد يحمل بين ثناياه سوى المحبة، الشوق، والاشتياق، وقف "تميم" بشموخٍ أمام باب القاعة المخصصة لإقامة الأفراح يستقبل مدعويه، تعجب المعظم لتواجده بدلاً من الاختفاء والاستعداد كالبقية؛ لكنه خالف المعتاد، وانتظر بنفسه وصول المعظم. كان من أوائل الحاضرين للتهنئة رفيقاه العزيزان "منذر" و"دياب"، واصطحبا معهما والدهما، وزوجة الأول، والابن الأكبر للأخير. بعد أن اتجه "طه" للجلوس مع رفيقه "بدير"، بقي الأصدقاء معًا يتسامرون في مرحٍ، استطرد "منذر" قائلاً فيما يشبه المداعبة:
-أخيرًا عملتها.
ردد "تميم" ضاحكًا في سرورٍ:
-الحمدلله، أنتم السابقون، ونحن اللاحقون.
علق عليها في رجاءٍ:
-ربنا يتمم على خير، ويجعلها نعمة الزوجة.
قال رافعًا كفيه للمساء مُؤَّمنًا عليه:
-اللهم أمين.
أومأت "أسيف" برأسها تهنئه في لباقةٍ واضحة، وهي تهدهد رضيعها:
-ألف مبروك.
نظر ناحيتها بنظرة سريعة، ارتكزت معظمها على الصغير، وقال في تهذيبٍ:
-الله يبارك فيكي، عقبال فرحتكم بـ "زين".
هتفتٍ في لطفٍ:
-شكرًا على ذوقك.
أشــار "تميم" بيده نحو القاعة مرددًا:
-إنتو أصحاب فرح، مش محتاجين عزومة.
قهقه "منذر" في مرحٍ، وقال وهو يتناول رضيعه من زوجته ليحمله عنها:
-أكيد.
تحركت أنظاره نحو "دياب" الذي هتف في حماسٍ وهو يلقي بكفه في باطن راحة رفيقه لمصافحته بحرارة:
-أبو الصحاب.
جذبه "تميم" إلى صدره ليحتضنه مرددًا:
-حبيبي.
تراجع عنه الأول، وراح يزيد من تهنئته الحارة بنفس الأسلوب المداعب:
-مبروووك يا غالي، وربنا يجعلها جوازة السعادة والهنا.
ابتسم لابتهاجه، وقال بملامح بشوشة:
-الله يبارك فيك يا "دياب".
مال رفيقه عليه برأسه، وغمز له بطرف عينه هامسًا بما يشبه النصيحة المازحة:
-ما تخلع يا ابني، بدل ما تلبس مؤبد.
أشار له بكفه معترضًا:
-لأ أنا راضي ومبسوط.
لم يكبت ضحكته المتسلية وهو يعقب:
-يعني أقصدك أطلع منها؟ هنياله يا سيدي.
ربت على صدره بضربات خفيفة قائلاً:
-متشكر.
حمحم "دياب" مُضيفًا:
-جماعتنا معرفتش تيجي، خلاص بقى على وش ولادة.
رد عليه "تميم" في اهتمامٍ:
-ربنا يقومها بالسلامة، وتعيش وتخاوي.
هنا ارتفعت يداه للأعلى في احتجاج ساخر:
-كفاية علينا كرم ربنا، أكتر من كده هقلبها مدرسة.
كركر "تميم" ضاحكًا في استمتاعٍ على طرافته التي لا تنتهي، تبع بنظراته الصغير "يحيى" الذي تقدم منه بعد أن دفعه والده إليه وهو يأمره:
-تعالى جمبي يا "يحيى"، بارك لعمك "تميم".
بوجهٍ يدور في كافة الاتجاهات، ونظراتٍ شبه زائغة تساءل الصغير في جديةٍ:
-مبروك، أومال فين "كوكي" الحلوة؟ عاوز ألعب معاها وأنا لابس البدلة الجديدة دي.
حاوط "دياب" كتفي طفله قائلاً بنحنحةٍ خفيفة:
-اللي مصيتني في كل حتة أهوو.
حذره "تميم" بنظرةٍ شبه صارمة:
-لِم ابنك يا "دياب"، ها .. سامعني؟ بناتنا مش زي أي حد.
اتسعت بسمته اللاهية وهو يرد بعد نحنحة مقتضبة:
-احم، ده حبيب أبوه، وبيراعي الأصول.
عقب "تميم" بغير ابتسامٍ:
-أه طبعًا، وأبوه معروف، بيراعيها على الآخر.
مسح "دياب" في افتخارٍ على صدره هاتفًا بابتسامة يختلجها الضحك:
-أومـــال!
.......................................................
لاحقًا، تنقل "تميم" من طاولة لأخرى لتحية ضيوفه مرة ثانية، وهو ينظر في كثيرٍ من الأحيان إلى ساعة يده، شعر بالوقت يمرُ بطيئًا، أضناه الانتظار، وأحرقه الشوق. تقدم ناحية الطاولة الجالس بها جده، مال عليه، يقبله من أعلى كتفه، ثم سأله في نبرة مهتمة:
-ناقصك حاجة يا جدي؟
أجاب "سلطان" نافيًا:
-لا يا ابني، الحمدلله في نعمة ...
ثم زوى ما بين حاجبيه متسائلاً في هدوءٍ جاد:
-المهم فين عروستك؟
أشار حفيده إلى نقطة ما بالفراغ وهو يجيبه:
-قربت تنزل من فوق.
سأله الجد ببوادر ابتسامةٍ صغيرة؛ كأنما يؤكد له على أهمية التحلي بفضيلة الصبر:
-شوفت آخرت الصبر الجميل إيه؟
أومأ برأسه مؤكدًا:
-فعلاً يا جدي، رضا ربنا مالوش حدود.
دعا له جده في سرورٍ:
-ربنا يرزقك السعادة والخير، ويديم نعمه في حياتك.
-اللهم أمين.
قال جملته المقتضبة تلك، وهو ينحني مجددًا على رأس جده ليقبله في احترامٍ، قبل أن يستقيم واقفًا لينظر إلى أبيه الذي انضم إليهما، هنأه الأخير في حنوٍ واضح:
-مبروك يا ابني.
أقبل عليه يحتضنه في سعادةٍ وهو يقول:
-الله يبارك فيك يابا.
وَجَّه "بدير" إليه سبابته مشددًا عليه:
-مش هوصيك بقى، راعي ربنا في مراتك، وصونها، عشان تحفظك وتصونك في غيبتك.
هز رأسه في طاعة وهو يردد:
-حاضر يا حاج.
شعر "تميم" بيدٍ قوية تربت على ذراعه، فالتفت تلقائيًا نحو الجانب ليجد "سراج" واقفًا إلى جواره يخبره في حماسٍ:
-المأذون وصل يا عريس.
ابتهجت أساريره هاتفًا بقلبٍ يرقص طربًا:
-زي الفل.
أشــار له "بدير" بيده قائلاً:
-طيب، يالا عشان تشوف عروسك.
استأذن بالذهاب من جده، وأسرع في خطاه نحو الخارج، ولسانه يردد في تضرعٍ:
-اكرمنا يا رب، وكملها على خير.
................................................................
استقبلته والدته ببهو الفندق المتسع بعد أن اجتمعت مع بعض نساء العائلة للترحيب بالضيوف، وكذلك للتواجد مع العروس، حين تهبط من غرفتها استعدادًا لبدء مراسم عقد القران، ومن ثم إقامة حفل الزفاف. احتضن "تميم" والدته في محبة أمومية شديدة، تراجع عنها لترفع كفيها إلى وجهه تمسح عليه بودٍ، دمعت عيناها وهي تخبره في صوتٍ دافئ:
-زي القمر يا ضنايا.
قبَّل أعلى رأسها متكلمًا في امتنانٍ:
-الله يباركلي فيكي يامه.
دعت له "ونيسة" من جديد وهي تضبط رابطة عنقه لتضعها في منتصف ياقة قميصه الأبيض:
-ربنا يفرح قلبك زي ما بتراضينا دايمًا.
اتسعت ابتسامته السعيدة وهو يخاطبها متضرعًا:
-يا رب أمين.
في دلالٍ وعبثية، دنت "هاجر" من شقيقها تمازحه:
-عروستك حكاية يا "تميم"، قمر ماشاء الله.
رمقها بنظرة مغتاظة من فعلتها السابقة، وتصنع العبوس معاتبًا:
-دلوقتي رضيتي عني؟
وضعت يدها أمام فمها وهي تضحك، لتضيف بعدها:
-أه خلاص، الحظر اتفك، مش هنوصيك عليها بقى، دي الفاكهة بتاعتنا.
ظل على عبوسه الزائف وهو يعقب عليها:
-الناس كلها بتوصيني عليها، طب مافيش توصية ليا أنا؟ وربنا ده أنا غلبان، وطلع عيني الأيام اللي فاتت.
تدللت في حديثها معه، فقالت:
-معلش بقى، هي تستاهل الحلو كله.
هز رأسه هاتفًا في إذاعٍ:
-وماله، لأجل الورد يتسقي العليق.
....................................................
راودته كل الأماني، وعبثت بمخيلته كل الأحلام الرومانسية، الهادئة منها والجامحة، حين اقترب منها، وهي توليه ظهرها بثوب عرسها البهي، تنتظر قدومه إليها، ليصطحبها إلى البهو الفسيح، حيث ينتظرهم الجميع. بدا وكأن العالم خلا إلا منهما، اضطربت دقات قلبه، وأخذت تتسارع في عدوٍ محبب إليه، تنفس بعمقٍ ليهدئ من هذا الهائج الثائر بصدره، تقدم أكثر إليها، ليلتف حولها، حتى أبصرتها عيناه، ويا ليته ما نظر إلى حُسنها الآخاذ، وفتنها المُذهبة للعقول!
سلبت لبه، وسرقت قلبه، تدلى فكه في دهشةٍ وهو يجوب بعينين فاحصتين لكل تفصيلة فيها من رأسها لأخمص قدميها؛ كأنما يريد لكل هذا البهاء والسحر أن ينطبعا في ذاكرته للأبد. كان ثوبها كقطعة فريدة، غير متكررة، صممت خصيصًا لأجلها، مرصعًا بقطعٍ لامعة صغيرة الحجم تغطي منطقة الصدر، وتمتد حتى الخصر الذي يضيق قليلاً، ثم يبدأ في الاتساع بطبقات قماش التل المتراصة فوق بعضها البعض إلى أن تصل لنهايته. لم تكن بحاجة لوضع كمياتٍ مهولة من مساحيق التجميل، بل القليل كفاها، وجعلها في أبهى صورها.
انفرجت شفتاه تقول في استحسانٍ عظيم:
-اللهم صلي على النبي، ماشاءالله على الجمال، هو في كده.
بصوتٍ شبه مهتز من فرط التوتر الخجل، حذرته "فيروزة" وهي ترفرف بجفنيها:
-ما تبالغش!
دار حولها دورة كاملة، ليملي عينيه من سحرها الآخاذ، ثم بَسط كفيه مرددًا في عبثيةٍ لذيذة، وهذه النظرة الشقية تطل من عينيه:
-هو أنا قولت حاجة لسه؟
تشعبت حمرة دافئة في بشرتها النضرة، وتحاشت النظر إليه وهي تستشعر ارتفاع خفقاتها المرتبكة. أنقذها من مداعباته المتغزلة بها مجيء توأمتها، فقالت وهي تنحني لتضبط طرحة الثوب الممتدة على الأرضية اللامعة:
-خلوا الرغي بعدين، المأذون جه تحت، عاوز يكتب الكتاب، عشان نبدأ بعد كده الزفة والفرح.
تفاجأت "فيروزة" بإحضار "تميم" لهذه الفرقة الشعبية، المتخصصة في إحياء الأفراح بقرعهم المميز على الطبول والمزامير. حقًا لم يرتضِ أبدًا إلا بإقامة كل ما له علاقة بحفلات الزفاف، دون أن يتغاضى عن أي تفصيلة واحدة، وإن كانت غير هامة بالنسبة لها، كأنما يعوضها عما فات ولم تستطع معايشته. انعقد حاجباها إلى حدٍ ما، ورمقته بتلك النظرة المندهشة وهي تسأله:
-برضوه صممت تعمل زفة؟
بهدوءٍ مناقض لتلك المشاعر المهتاجة في كيانه، تطلع "تميم" بنظراتٍ هائمة، والهة، تشع فيضًا من المحبة الخالصة، إلى حبيبته التي أصبحت قاب قوسين أو أدنى من الاقتران باسمه، تأنق بابتسامة في غاية العذوبة، وحادثها بتنهيدة عاشقة، بل تكاد تنطق بكل ما تغنى به شعراء الغرام:
-الغالي للغالي يا أبلة .. "فـيروزة" ................................................... !!!
..................................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الرابع الفصل الستون 60 - بقلم Manal Salem
الفصل المائة وثلاثة وسبعون
بدت في تلك اللحظة المميزة وكأنها ثمرة ناضجة، تشتهيها الأعين، يطيب أُكلها، وها قد حان وقت قطفها. شعرت "فيروزة" أمام تلك النظرات المتيمة التي يرمقها بها، كأنما حلقت فوق السحاب، تلقائيًا استحضر عقلها مشاهد سريعة مبهمة لمراسم عقد قرانها الأول، كانت بغير فرحة، تؤدي دورها كأي عروسٍ، دون الشعور بشيء سوى الرهبة والقلق مما هو قادم، أما اليوم فمع نادئه العذب بحروف اسمها، تخللتها مشاعر غريبة، استثارت حواسها، وداعبت أعماق أعماقها.
نفضت عن رأسها الذكريات المزعجة، وجعلت كامل تركيزها منصبًا على ما تعايشه الآن، رجفة طفيفة عصفت بها مجددًا، لا رهبة من المجهول، وإنما توقًا للتقرب أكثر منه، أيمكن للحب أن يسمو بالمشاعره بهذه الطريقة؟ جاءها الرد في بواطن عقلها بالإيجاب.
أشــار لها "تميم" لتتعلق في ذراعه وهو يخاطبها بتنهيدة حارة مفعمة بالمزيد من الأشواق، ليستحثها على التحرك:
-مش يالا بينا.
برجفة خفيفة مدت ذراعها نحو خاصته، تأبطته في ترددٍ خجل، وشعورٌ مغري بالاحتواء قد بدأ في التسلل أسفل جلدها، ربما روى القليل من ظمأ القلوب العطشى. بمجرد أن لامسته أحست بثقل أنفاسه، وبتصلبٍ طفيف يسيطر عليه. سحبت –هي الأخرى- شهيقًا عميقًا حاولت به ضبط الانفعالات المضطربة التي اجتاحتها حاليًا مع اقترابه الموتر لها. نظرة جانبية خاطفة منحته لها، فرأته ينظر إليها ملء عينيه بمحبةٍ تفوق الوصف؛ كأنما لا يبصر سواها، ومن ينظر لغير القمر وهو يمتلكه بين راحتيه؟ توهجت بشرتها، وشاعت فيها حمرة متدرجة، اختفت جزئيًا أسفل مساحيق التجميل؛ لكن أثرها الدافئ شعرت به كليًا.
سارت على مهلٍ لئلا تتعثر في أطراف ثوبها الطويل، ومن خلفها لحقت بها توأمتها، تنحني كل بضعة خطواتٍ لتفرد لها ما يلتف من القماش أو يتعقد. صدحت الزغاريد المبتهجة حين خرجت إلى العلن، كانت الفرحة غير مزيفة، صادقة، نابعة من قلوبٍ صافية، طافت بنظراتٍ سريعة على الوجوه المحدقة بها، فوجدتهم قد اتفقوا جميعًا على إظهار مشاعر الود والسعادة لكليهما.
تقدمت "ونيسة" أولاً لاستقبالها، وراحت تهنئها بعد زغرودة عالية:
-مبروك يا بنتي، ربنا يتمم بخير، ويرزقك سعادة الدنيا والآخرة.
تشكلت بسمة ناعمة على ثغرها، وردت بصوتٍ شبه مهتز من الخجل الممزوج بالحياء:
-الله يبارك فيكي يا طنط.
حملقت فيها "فيروزة" وهي تخاطب ابنها، بما يشبه الوصية:
-عروستك بين إيدك أهي، تحافظ عليها، مش هوصيك.
عفويًا أرادت النظر إليه وهو يعلق على والدته، فوجدته يحدق فيها بنظراته العميقة، التي تنطق بشغفٍ نفذ إلى وجدانها على الفور من مدى صدقه، ارتفع دبيب قلبها، وصار كالمجنون وهو يؤكد عليها:
-يامه اطمني، دي محطوطة جوا قلبي.
قطع تواصلهما البصري مجيء "آمنة" التي وقفت أمام ابنتها تبارك لها:
-ماشاءالله يا بنتي، ربنا يفرح قلبك ويسعدك.
ابتسمت وهي تعقب عليها:
-الله يبارك فيكي يا ماما.
أوصتها هي الأخرى على زوجها:
-خلي بالك منه، ده سيد الرجالة، وحطيه جوا عنيكي.
طأطأت رأسها في استحياء، وهمست بصوتٍ متلجلج من ربكتها:
-حاضر.
أن تكون محط الأنظار في ليلة كتلك احتاج لبذل جهد جهيد للبقاء في سكينة، وإن كان القلب في أوج حماسه وانفعاله السار.
.............................................................
أصر "بدير" على عقد مراسم القران أولاً، قبل الشروع في إقامة أي مظهر من مظاهر الفرح، ليكون ابنه على حريته مع زوجته، بعد أن طال انتظاره وترقبه لهذا اليوم المنشود. تحولت مقدمة القاعة بعد عشر دقائق، إلى مجلسٍ يضم المأذون الشرعي، وكيل العروس، وعدد لا بأس به من الشهود، في حين جلست "فيروزة" على مقعدها بالكوشة، وحولها النساء المبتهجات من العائلتين. تساءل المأذون بصوته الهادئ وهو يدور بنظره على من حوله:
-مين وكيل العروسة؟
تكلم "خليل" قائلاً وهو يتحفز في جلسته:
-أنا إن شاءالله.
هز رأسه في استحسانٍ، وتساءل مجددًا:
-على بركة الله .. والشهود جاهزين؟
أجاب عليه "تميم" وهو يشير بنظراته إليهما:
-جدي إن شاءالله، وصاحبي "منذر".
حرك المأذون رأسه بإيماءة بسيطة، قبل أن يقول:
-تمام، إيدك يا عريس.
تعانقت الأيادي معًا، وحُبست الأنفاس لوهلةٍ، ليردد بعدها المأذون في صوتٍ هادئ جهوري مستخدمًا الميكروفون ليصل الصوت لجميع من في القاعة:
-بسم الله نبدأ.
..................................................
غاصت في أمانيها وأحلام يقظتها خلال عقد القران، تنظر من عليائها إلى كل من جاء للحفل لمشاركتها فرحتها، لم تصدق أنه في بضعة أشهر تبدل بها الحال، وصارت واحدة أخرى غير تلك المضطهدة المغلوب على أمرها بعد معاناة امتدت لفترات طويلة، كانت اليوم أكثر قوة، إرادة، ورغبة في التنعم بمباهج الحياة، والعيش في صنوف الحب الجميل. رغمًا عنها، انعقدت المقارنات في رأسها، ويا ليت عقلها يكف عن ذلك الأمر! فشتان الفارق بين الليلتين، واحدة أجبرت فيها على ابتلاع مرارة الظلم، والارتضاء بمن أمطرها بمعسول الكلام، فقط للهروب من افتراءات الألسن، فعاشت أسوأ كوابيسها، وآخر بذل الغالي والنفيس لحمايتها من شرور البشر، دون أن يكترث لأمر سلامته شخصيًا، المهم أن تشعر في الأخير بالأمان، والسكينة، إلى أن استشعر قلبها حبه الصادق النابع من بواطنه.
تدثرت بالعواطف الذكية التي راحت تنشط في ذاكرتها، مع كل موقف أثبت لها فيه أنه جديرٌ بها، وقتئذ أدركت أنه منحها أسمى معاني الحب العذري، ذلك الحب الخالي من الأطماع، والأهواء، خرجت من شرودها عندما تنبهت لصوت "تميم" وهو يردد في نشوة عارمة عمًّت أرجاء القاعة:
-وأنا قبلت الزواج منك.
اتجهت عيناها إليه وسط الزحام المحاوط به، لم تستطع تبين وجهه المختفي خلف من هم فوق رأسه، فحادت بنظراتها نحو شاشة العرض التي ركزت فيها على ملامحه، رأته في كامل بهجته، لم يكن مدعيًا، ولم يزف مشاعره، بل بدا متفاخرًا أنه حظى بها كزوجةٍ في النهاية بعد مشقة واجتهاد، حينئذ زاد شعورها بالاعتزاز والشوق، فرجلٌ مثله استحق امرأة مثلها!
دقائق أخرى مضت عليها وهي تتلقى المباركات والتهنئات ممن حولها، إلى أن خف التزاحم، وظهر "تميم" من بين هؤلاء، عندئذ شعرت بخفقات متلاحقة تعصف بقلبها، دبت في شغافه ارتجافات الفرحة، وتفشت في أوصالها ارتباكة عظيمة، لم تهدأ باقترابه، ولن تهنأ إلا في أحضانه!
وقف قبالتها يرمقها بنظرة مطولة، احتوت على الكثير مما أراد البوح به والتعبير عنه؛ لكنه امتنع مرغمًا عن ذلك، تقديسًا لما بينهما من مشاعر سامية، وعواطف غالية، لا يجوز الإفصاح عنها إلا في طقوس خاصة تليق بها. كانت كالحلم الذي اقترب كثيرًا من تحقيقه، وأوشك على الغوص في كافة تفاصيله، ومعايشتها بروحه ووجدانه، تقوست شفتاه عن بسمةٍ نقية، أضاءت وجهه أكثر وهو يستطرد مهنئًا بقليلٍ من الغزل:
-مبروك يا جميل.
رمشت بعينها في توترٍ، وقالت بصوتٍ خجول:
-الله يبارك فيك.
خفضت من رأسها لتجده يمد يده ناحيتها، فرفعت ناظريها إليه تسأله بنظرة متسائلة حائرة، فأجاب مفسرًا في تهذيب:
-الزفة مستنيانا.
اعترضت في ترددٍ واضح:
-مكانش ليه لازمة وآ...
قاطعها قبل أن تنهي جملتها بعشمٍ وصدق:
-أنا بعيش معاكي كل حاجة كأنها أول مرة ..
رمقته بنظرة مليئة بالاهتمام، لمعت بشدة، وظهر التأثر عليها عندما تابع:
-لأني عايشها بقلبي.
منحته يدها في استسلام، وهي تطالعه بنظرة حانية، تحوي قدرًا من المشاعر الشغوفة، فاشتهى ضمها بشدة، ورغم ذلك قاومت رغبته الملحة، وأرجأها لوقت لاحق، حين ينفرد بها، عندئذ ستختبر معه كافة درجات الهيام، وهو يجيد التعبير باحترافيةٍ عن هذا!
................................................
ثبتت في مكانها تصفق بيديها في وقارٍ، وهو أمامها يرقص مع رفاقه في بهجةٍ عارمة، كانت عيناها لا تفارقان وجهه، تتبعه في لهفةٍ أينما اتجه، كأنها تخشى أن تضيعه في لحظة تلتهي فيها عند متابعة غيره، ومن وقت لآخر التفت ناحيتها يمنحها ابتسامات ناعمة ونظرات شغوفة مليئة بالرغبة، قابلتها دومًا بنظرة متدللة مرحبة كأنما تحوي في باطنها على دعوة خفية لتذوق فاكهة الجنة الشهية.
وقعت عينا "فيروزة" مصادفة على الصغير المشاكس، ذاك الذي راح يُراقص "رقية" في مرحٍ متحمس، تصنعت العبوس، وأرسلت إشارة صارمة إلى "تميم" بمجرد أن نظر ناحيتها، تطلع الأخير إلى حيث أشارت، فهز كتفيه مرددًا بضحكة حيرى:
-طب أعمله إيه؟
حدجته بتلك النظرة القوية، فرضخ أمام تحذيرها المبطن، وتحرك تجاه "يحيى" يطلب منه مبتسمًا:
-تعالى ارقص معايا.
رفض الصغير بعنادٍ طفولي وهو يتمايل بجسده:
-لأ، أنا عاوز أرقص مع الأمورة دي.
ردت عليه "رقية" بصوت مرتفع تصحح له:
-اسمي "كوكي".
بادلها الصغير الابتسام، وعَرَّف بنفسه وهو يمد يده لمصافحتها:
-وأنا "يحيى".
صافحته، فوجدته يجذبها إليه، ويضمها إلى صدره، فحانت من "تميم" نظرة جانبية نحو "فيروزة" فوجدها تحدجه غير راضية عن الانسجام الحادث بين الصغيرين، فتنحنح مناديًا على رفيقه:
-يا "ديــــاب"! حل الإشكالية دي بسرعة بدل ما يتنكد عليا.
جاء إليه متسائلاً في دهشة:
-إشكالية إيه؟
عاتبه "تميم" بوجهٍ شبه جاد:
-ماينفعش اللي بيحصل ده، مرة بوس، ومرة حضن!
رد عليه "دياب" بمزاحٍ وهو يمرر يده بين شعره:
-لأ معاك حق، طب أداري عليهم بضهري ولا إيه؟
رمقه بنظرة حادة قبل أن ينذره بغيظٍ:
-بقولك لِم ابنك، تقولي أداري؟
حافظ على ابتسامته المرحة وهو يخبره:
-خلاص يا سيدي اعتبرني خطبتها لابني، ومؤجلين الخطوبة لكام سنة قدام عقبال ما ياخدوا الابتدائية.
نظر له "تميم" في استخفافٍ قبل أن يعقب:
-إنت الكلام معاك ماينفعش، كل حاجة واخدها هزار ...
ثم التف نحو "رقية" يأمرها بلهجةٍ جادة وهو يتصنع الابتسام:
-تعالي يا "كوكي".
اعترضت عليه، وقالت وهي تتمايل في مرحٍ:
-عاوزة أرقص مع "يحيى" شوية يا عمو.
هنا رد عليه "دياب" مبتسمًا على الأخير:
-سمعت بنفسك.
تركزت كافة الأنظار مع الصغيرين، خاصة "يحيى" الذي تكلم في هدوءٍ وهو يخرج من جيب سترته قطعة مغلفة من الحلوى:
-أنا جبتلك شيكولاته من جوا، خدي.
تناولتها "رقية" من يده وهي تبادله ابتسامة لطيفة، قبل أن تقول:
-شكرًا.
انتفض كلاً من "تميم" و"دياب" في صدمةٍ حينما أتت "فيروزة" بغتةً، وصاحت في استنكارٍ، كأنما أمسكت الجميع بالجرم المشهود، لا بتبادل قطعة من الحلوى اللذيذة:
-ده اسمه إيه ده؟
أجاب "دياب" بتعابيرٍ شبه جادة، تشوبها بسمة مهذبة:
-بيصالحها، مش كان مزعلها المرة اللي فاتت؟
حولت أنظارها نحو "تميم"، وسألته في تحفز:
-وإنت موافق على كده؟
تنحنح في خفوتٍ قبل أن يقول محايدًا:
-الصلح خير.
أوشكت على الاعتراض، لكنه سحبها من ذراعها، وحاوطها من خصرها بذراعه الآخر، ليلصقها بصدره، جذبها بعيدًا عنهم، وطوقه ما زال مُحكمًا حولها. مال على أذنها يهمس لها في عبثيةٍ:
-بصي، احنا نسيبنا من العيال دلوقتي، وتعالي أقولك كلمتين كده حلوين تستاهليهم.
حركته المفاجئة أربكتها بشكلٍ كلي، أحست بفيضٍ من المشاعر الغريبة المصحوبة برعشات متقطعة تجتاحها في غزوٍ كامل مباغت يضرب كل جزء حسي بها، تلعثمت وهي تحتج عليه:
-بس آ...
قاطعها مجددًا بصوته الهامس، المذبذب لكيانها، دون أن تخف قبضته عنها:
-يالا بينا بس، ده أنا مصدقت إنك بقيتي ليا، وكلها شوية وأخدك في حضني.
ارتج داخلها، وتزعزعت أعمدة الصلابة مع لهيب أنفاسه اللافحة لبشرتها. ادعت تماسكها، وبحثت بنظرها عن توأمتها، وجدتها على مقربةٍ منها، فطلبت منها:
-"همسة"، عينك على "كوكي".
هزت الأخيرة رأسها موافقة، في حين استمر "تميم" في الابتعاد بطاووسه الصارم عن الصخب المحيط بهما، ليواصل كلامه إليها بلطافةٍ:
-ده إنتي شكلك هاتبقي حماة صعبة.
عند هذا القرب المغري أخبرته بابتسامة واثقة، ونظراتها اللامعة تكاد تنفذ إلى عمق عينيه:
-طبعًا، مش هاسكت عن الغلط.
وجدته يخفض عينيه ليتطلع إلى شفتيها باشتهاء واضح، جعلها تهتز، خاصة حين غازلها بتنهيدة حارقة:
-قمر، أوي.
حاولت الانسلال من ذراعه المطبق عليها، والتحرر من هذا التهديد المحفز لرغباتٍ تتولد بداخلها؛ لكنها فشلت في الإفلات من حصاره المطوق لها، بلعت ريقها، وحذرته بصوتٍ متلجلج خجل:
-مايصحش.
استمر على قربه الخطير، وشدد من ضمه غير الكامل لها، وهو يخبرها بنبرة ذات مغزى بعد أن أصبحا شبه معزولين عن الزحام الموجود بالقاعة:
-ده احنا لسه هنقول اللي يصح، واللي مايصحش لما نبقى لواحدنا.
تلبكت، وسرت فيها رعدة لذيذة، قاومتها بعزمٍ متأرجح بين الثبات والاستسلام أمام تلك المغريات المتصاعدة. استجمعت شتاتها لتقول بغموضٍ حرج، معكوس في نظراتها التي بدأت في تحاشيه:
-أنا كنت عاوزة أقولك على حاجة كده.
دار في خلده أنها تعاني من آثار زائرتها الشهرية، فهتف في توجسٍ مفزوع:
-أوعي تقولي ظروف، كده أبقى أنا نحس بجد!
كتمت ضحكة خجلة على إثر ردة فعله الطريفة، وقالت وهي ما تزال على ترددها:
-لأ، حاجة تانية مهمة.
منحها نظرة مترقبة، غير متعجلة، كأنما يحبذ أن تطيل في سكوتها، ليزيد من تودده إليها بالتصاقه المتعمد بها، زاد التردد على محياها أمام شغفه الصريح، أرادت البوح بسرها؛ لكن تاهت منها الكلمات، كأنما لم تعرف كيف تبدأ في مفاتحته، وكيف تستطيع ذلك دون تمهيد مسبق عن هذه المسألة الحرجة؟ أتراه سيفرح حين يعلم؟ أم سيكون الأمر سيان لديه؟ لم تكتمل فرصتها بسبب مجيء "ماهر" وشقيقته، والطبيبة "ريم". تطلعت إلى ثلاثتهم في سرورٍ، وبدأت ذراع "تميم" ترتخي قليلاً عن خصرها، ركزت بصرها على الأول وهو يخاطبها مبتسمًا في وقارٍ:
-مبروك يا "فيروزة".
ردت مبتسمة ابتسامة رقيقة:
-"ماهر" بيه، الله يبارك فيك.
آه لو استطاعت أن ترى نيران الغيرة المشتعلة في حدقتي "تميم"، وغيره يناديها باسمها متجردًا من أي ألقاب! انتفض جسدها فجأة وقد شعرت بذراعه القوي تحاوط خصرها من جديد وتشدد عليه، ألصقها به، كأنما يعلن صراحة أنها صارت ملكيته، غير مستباح لغيره بالتجاوز معها، وقتئذ استدارت برأسها نصف استدارة لتنظر إلى وجهه من هذا القرب الشديد، رأت تعابيره مشدودة، ملامحه متجهمة، نظراته تكاد تلفظ حنقًا. ازدردت ريقها، ونظرت بتوترٍ مرة ثانية إلى "ماهر" وهو يخاطب زوجها:
-مبروك يا عريس.
مد يده لمصافحته، فوجدت "تميم" يبادله المصافحة بقوةٍ وهو يقول، دون أن تخف وطأة ذراعه على خصرها:
-الله يبارك فيك.
سحب "ماهر" يده، وخاطبه بلهجةٍ محذرة:
-خد بالك منها، ولو زعلتها في يوم هتلاقيني فوق دماغك.
للعجب صارت ضمة "تميم" لها أكثر تملكًا، ضاعف من إلصاقها بجانبه، حتى شعرت أنها ستذوب بداخله، حتى أن صوته صار أكثر تحكمًا وهو يعقب عليه:
-اطمن يا باشا، هي في أمان معايا.
حاولت "فيروزة" أن تخفف من التوتر الذي استشعرته بالترحيب بطبيبتها:
-دكتورة "ريم"، كنت هزعل لو ماجتيش.
بالكاد نجحت في التخلص من حصار "تميم" لتتمكن من احتضان الأخيرة وهي تخبرها في محبةٍ:
-مقدرش محضرش فرحك، ربنا يتمم بخير ويسعدكم.
تراجعت قليلاً عنها، وردت في ابتسامة صغيرة:
-يا رب.
ثم تركزت عيناها على رفيقتها، وسألتها في نبرة مهتمة:
-فينك يا "علا"؟ اتأخرتي ليه؟
قبل أن تبدأ في الكلام، أجاب عنها "ماهر" ساخرًا:
-عقبال ما لبست، واتزوقت، مفكرة نفسها العروسة.
هتفت شقيقته تحتج في حنقٍ:
-دي كلها حاجة بسيطة، ونتجوز.
رد عليها بنفس الطريقة المستخفة:
-ده بعد ما تطلعي اللي فاضل من عين "وجدي".
استغلت "ريم" فرصة انشغال "فيروزة" بالحديث، لتدنو من "تميم"، وتستأذنه في جديةٍ:
-ممكن كلمة يا أستاذ "تميم" على جمب.
تحرك مبتعدًا معها لعدة خطوات وهو يقول:
-اتفضلي يا دكتورة.
توقفا عند مسافة معقولة، لا تثير الاسترابة عند النظر إليهما، واستطردت تُحادثه على عجالة، لا تخلو من جدية:
-أنا عاوزاك النهاردة يكون بالك طويل مع "فيروزة"، مافيش داعي للاستعجال في أي حاجة، سيبها تاخد عليك الأول، ده هيكون أحسن ليك وليها.
قال بوجهٍ متبرم قليلاً:
-ربنا يسهل.
واصلت التأكيد عليه بنفس النبرة المحذرة:
-"فيروزة" مرت بتجربة صعبة، ومحتاجة مننا كل الدعم عشان تستعيد ثقتها في نفسها، وخصوصًا إنها بتعيد تجربة الزواج معاك.
لم يستسغ تلميحها المتواري بانسياقه وراء شهواته –كحيوانٍ جائع يستعد لالتهام فريسته- بدلاً من احتوائها بالعطف والحنان، جَمُدت تعابيره، ورد في جديةٍ تامة:
-يا دكتورة محدش هيخاف عليها زيي.
ابتسمت في لباقةٍ وهي تواصل الكلام:
-أكيد، وده مخليني مطمنة، بس برضوه ماتستعجلش.
بزفيرٍ سريع قال وهو يدير رأسه نحو "فيروزة":
-إن شاءالله.
رأت الأخيرة ملامحه المزعوجة، فتحركت في تؤدة نحوهما وهي تتساءل بنظرةٍ حيرى، مستشعرة وجود خطب ما:
-في حاجة يا دكتورة؟
ردت نافية بنفس الوجه الهادئ:
-لأ، ده أنا بوصيه عليكي.
ساروتها الشكوك قليلاً مع محاولتها المكشوفة للهروب من نظراتها المتفرسة، انتبهت مرة أخرى لـ "تميم" وهو يدعو ضيوفهما للمكوث:
-اتفضلوا يا جماعة، شرفونا جوا.
استعدت للذهاب خلفهم؛ لكنه استوقفها بإعادة إحكام الطوق القوي حول خصرها، تسمرت في مكانها، واستدارت ناظرة إليه باستغرابٍ حائر، فرمقها بنظرة تحوي حنان الدنيا ودفئها المغري، التفت ذراعه الأخرى حول ظهرها، وقربها برفقٍ إليه، لتستند بكفيها تلقائيًا على صدره، كأنما تمنع نفسها من الالتصاق به، أسبل عينيه نحوها ثم رجاها بخفوتٍ:
-خليكي جمبي.
سألته في تشككٍ بدأ يجوس بداخلها:
-في حاجة حصلت وإنت مش عاوز تقولي؟ طب دكتورة "ريم" قالتلك على حاجة؟
رد نافيًا في استرابة:
-لا أبدًا، دي بتوصيني عليكي.
ابتسمت قليلاً، وهزت رأسها في تفهمٍ قبل أن تحاول المناص منه، لم يفلتها، وأصر على بقائهما هكذا، فتحرجت كثيرًا من وقفتهما الرومانسية، وهمست في ارتباكٍ:
-ماينفعش كده.
غازلها بنظراته الجريئة، وهتف في حرارةٍ وهو يزيد من ضمه:
-هو إيه اللي ماينفعش؟ إنتي مراتي دلوقتي.
تلوت بجسدها محاولة الفكاك منه، ووجهها ينطق بحمرة قوية، تلعثمت وهي تردد:
-الناس بتبص علينا.
لم يكترث لكائنٍ من كان، وراح يقول في تحدٍ مستمتع:
-مالناش دعوة بيهم ...
من موضع يديها استشعرت تسارع نبضاته، كأنها تعترف لها بما يعجز اللسان عن قوله، انتفض ما بين ضلوعها، وذاب كليًا وهو مستمرٌ في مداعبة أذنها بحلو كلامه:
-وبعدين هو حد يبقى في حضنه القمر، ويسيبه؟ ده يبقى أهبل!!
تراجع كلاهما عن بعضهما البعض في حرجٍ شديد، وقد صدح من خلفهما صوتًا معنفًا:
-خلي جو الغراميات ده بعدين يا سي "روميو".
أطرق "تميم" رأسه في تحرجٍ، وقال بصوتٍ شبه متقطع مبررًا وقفته العبثية مع زوجته:
-يابا ده أنا آ...
قاطعه في تشددٍ:
-يالا قدامي، ليكم بيت ترغوا فيه براحتكم.
هز رأسه في إذعانٍ كامل، وأشار لزوجته بيده لتتأبط ذراعه، ثم مشى معها متصنعًا الجدية، قبل أن يميل برأسه عليها ليخبرها بصوتٍ خافت منزعج، وهو يراها تحاول بجهدٍ إخفاء ضحكاتها المرحة:
-مش بقولك أنا محظوظ .. أوي ................................................. !!
............................................................