تحميل رواية «الطاووس الأبيض ©️» PDF
بقلم Manal Salem
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تم نشر فصول الأجزاء الثلاثة الأولى في روايات منفصلة، تحمل نفس الاسم المشترك (الطاووس الأبيض)؛ ولكن بأغلفة مختلفة لسهولة التمييز .. ترقيم فصول الجزء الأول: - من الفصل الأول حتى الخامس والثلاثين ترقيم فصول الجزء الثاني: - من الفصل السادس والثلاثين حتى التاسع والستين ترقيم فصول الجزء الثالث: -من الفصل السبعين حتى المائة وخمسة عشر يبدأ ترقيم فصول الجزء الرابع من الفصل مائة وستة عشر، وذلك استكمالاً لما سبق من تتابع للأحداث المشوقة .....
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الرابع الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم Manal Salem
مساءكم ورد ..
تصبيرة لطيفة من الطاووس الأبيض
الفصل المائة وأربعة وخمسون
شعرت وكأن جسدها يسبح على موجات هادئة، تدللها، تداعب أطرافها، مما أجبرها على الاستيقاظ، نهضت بكسلٍ، واعتدلت في رقدتها الغريبة على هذا الفراش الوثير، لتنظر حولها بدهشةٍ يشوبها كل القلق. أمعنت "فيروزة" النظر في أركان هذا المكان غير المألوف عليها والمكسو باللون الأبيض، مدت ذراعيها للأمام، وأخذت تقلب كفيها لتنظر إلى الأكمام الواسعة المتدلية أسفل معصميها، شعرت بالملمس الناعم للقماش على جلدها، تلقائيًا امتدت كلتا يديها أعلى رأسها تتحسس حجابها، لم يكن موجودًا، كان شعرها طليقًا، ينساب على ظهرها.
أدارت وجهها للجانب، تحاول رؤية الندبات البارزة على جانب كتفها؛ لكنها لم ترها، وبكل ما يعتريها من خوفٍ ورهبة تجرأت على تحسس موقعها، فلم تجدها، خفق قلبها بقوةٍ، وتساءل صوتٌ ما بعقلها:
-أنا فين؟ وإيه اللي بيحصل؟
شعرت بوجوده قبل أن تبصره، فأخذت عيناها تبحثان عنه في لهفةٍ وتوق، إلى أن رأته يتقدم نحوها حاملاً بين ذراعيه سلة خشبية مستديرة، بها ثمار التفاح الحمراء، أحست بلعابها يسيل، وبنبضاتها تتسارع، تركزت عيناها على وجهه البشوش، ونظراته الدافئة، تسلل إليها المزيد من شعور الدفء والأمان، رأته يُقبل أكثر عليها، وهو في كامل الوجاهة والوسامة، دققت النظر في ثيابه، كان يرتدي ألوانًا فاتحة، تميل للأزرق السماوي، في كلٍ من قميصه وبنطاله، ظل يتقدم ناحيتها إلى أن جلس عند ركبتيها، ورأسه مرفوع نحوها، يُطالعها بنفس الطريقة المحببة إليها.
بادلته النظرات الحالمة، وابتسامة صافية تزين شفتيها، سمعته يهمس لها بشيءٍ مبهم، فتساءلت دون أن تنبس بكلمة عما يريد قوله، أرهفت السمع إلى نبرته الساحرة وهو يغازلها:
-التفاح للتفاح.
ضحكت ملء شدقيها، وراحت تردد في سعادة:
-برضوه، معندكش إلا كده؟
زاد الخفقان بقلبها وهو يُخبرها بنفس الوجه المشرق:
-وحشتيني.
توهجت بشرتها بدموية ساخنة، وأظهرت حدقتاها هذه اللمعة المثيرة، رأته يمد يده بثمرة تفاح يستحثها على تناولها، وقبل أن تتمكن من الرد عليه، صدح حولها طنين مزعج، زفرت في تأفف لإفساده هذا التناغم والانسجام، حاولت تجاهله، وسعت بشتى الطرق للتغاضي عنه؛ لكنه ظل يرتفع أكثر فأكثر، مما جعل تفاصيل المشهد الناعم تتداخل بشكلٍ أصابها بالضيق، وسرعان ما تلاشى ما حولها، لتستيقظ من نومها على صوت المنبه المنفر.
فتحت "فيروزة" عينيها، وظلت ترمش لعدة مرات حتى تستفيق كليًا، وما زالت آثار حلمها اللطيف حاضرة في ذهنها، عفويًا تقلبت على جانبها، وامتدت يدها لتلتقط هاتفها المحمول من على الكومود، لتنظر إلى الرسالة الرمزية التي بعثها بالأمس لها (ثمرة التفاح)، فأغاظته بإرسـال رمز (الطاووس) فمنحها رمزًا لقلبٍ يخترقه سهم الحب، ضحكت وقتئذ، وهي تستشعر تسارع الخفقات في تلك العضلة الرقيقة حبيسة ضلوعها.
أحست "فيروزة" بنفسها تبتسم مع استحضار الذكرى اللطيفة، والتي تم تدعيمها بحلمٍ يليق بحالتها المزاجية الرائقة. تنهدت بعدها بعمقٍ، وأعادت الهاتف إلى مكانه لتستعد إلى النهوض وهي في قمة نشاطها، وسعادتها!
....................................................
انتهى من ممارسة بضعة تمارين للضغط، كنوعٍ من تفريغ الطاقة المكبوتة بداخله، وأيضًا لتقوية عضلاته التي أهمل الاعتناء بها في الفترة الأخيرة، قبل أن يتجه إلى الحمام ليغتسل، ويبدل ثياب المنزل بالعمل. مشط "تميم" شعره، وهذب ذقنه، ليخرج من غرفته متجهًا إلى المطبخ، وجد والدته مشغولة بتحضير طعام الإفطار، دنا منها وهو يُلقي عليها تحية الصباح، ليضيف بعد ذلك:
-تاعبة نفسك يا ست الكل.
أجابته وهو تضع حشوة الجبن في رغيف العيش الساخن:
-أنا قولت ألحقك من بدري عشان تاكلك لقمة قبل ما تنزل.
علق عليها وهو يلتقط ثمرة الخيار ليقطمها:
-هابقى أفطر بعدين في الدكان مع الرجالة.
ناولته الرغيف قائلة بوجهٍ مبتسم:
-وماله، بس دي تصبيرة.
أحنى رأسه على كتفها يقبلها منه وهو يردد:
-ربنا ما يحرمني منك.
ثم بدأ في تناول الرغيف، ورأسه مشغول بأمرٍ ما. راقب والدته وهي تعمل إلى أن قرر سؤالها أخيرًا بلمحة من التردد:
-بقولك إيه يامه؟
انتبهت إليه متسائلة في اهتمامٍ، ويداها لا تكفان عن التنظيف:
-قول يا حبيبي.
تنحنح موضحًا بنفس رنة التردد المحسوسة في صوته:
-عايزك كده .. تكلمي حماتي.. وترتبي معاها نزورهم.
اتسعت ابتسامتها على الأخير وهي تخبره بترحيبٍ:
-حاضر يا ضنايا، على الضهر هكلمها، وأشوف ظروفها.
ملأ الحماس كامل قسماته، كأنما حققت له إحدى أمنياته الغالية، وهتف يشكرها:
-تسلميلي يا رب.
استطردت "ونيسة" معقبة في لهجةٍ هادئة:
-تعرف يا "تميم"، حساك المرادي مبسوط عن أيام جوازك بـ "خلود"، فرق بين المرادي والمرة اللي فاتت.
لم يحبذ التطرق إلى سيرتها بمحمود الكلام أو عكسه، تحت أي ظرف أو حجة، لذا ما كان منه إلا أن قال:
-الله يرحمها، هي في مكان أحسن.
شملت "ونيسة" ابنها بنظرة غير عادية، وأكدت له عن يقينٍ:
-قلب الأم عمره ما يكدب، وأنا إحساسي صح.
تهرب من عينيها الفاضحة لأمره، فدعت له بتضرعٍ:
-ربنا يرزقك الفرحة اللي تتمناها ويريح قلبك.
بلع آخر لقمة في رغيفه، وأمن من ورائها:
-يا رب أميــــن ..
ثم مشى متجهًا نحو باب المطبخ، وقبل أن يخرج منه أكد عليها بابتسامة لم يخفها:
-ما تنسيش بقى.
استخدمت سبابتها في الإشارة لأسفل جفنيها وهي ترد:
-عينيا!
تابع سيره نحو الخارج، وقد ذهب بعقله ووجدانه بعيدًا، إلى عند من ملكت الفؤاد وتربعت على عرشه.
.....................................................
بدت حجة مناسبة للذهاب إلى دكان عائلته، والالتقاء به ولو لبضعة لحظاتٍ، بعد هذه الليلة المشحونة بالعواطف من قِبلها، خاصة أن طبيبتها النفسية قد عززت كذلك من دوافعها لتقوية تلك النواحي الشعورية بداخلها، كوسيلة فعالة للاستقرار النفسي والعاطفي. بخطواتٍ خفيفة نشطة خطت "فيروزة" في اتجاه مدخل الدكان الجانبي، جالت بنظراتٍ سريعة شاملة على المتواجدين في تلك البقعة، لم تجده بين الواقفين، فغامت ملامحها نسبيًا، طرأ ببالها أن تتحرك نحو الجهة الجانبية الأخرى، لعله يكون متواجدًا هناك، فاستدارت بتؤدةٍ وعيناها تدوران على المجتمعين؛ لكن للأسف خلا المكان منه. أطلقت زفرة محبطة وهي تردد مع نفسها:
-هو فينه؟ ده كان بيبقى واقف من النجمة هنا!
لم تجد بدًا من الالتفاف والعودة، فتابعت السير المتهادي إلى أن توقفت عند المدخل، رحب بها أحد العاملين، وصاح عاليًا:
-حاج "بدير"! الجماعة عايزينك برا.
جاء الأخير على إثر ندائه ليستقبلها بحرارةٍ، ثم دعاها للجلوس معه عند المكتب، أخرجت من حقيبتها مظروفًا مغلقًا، وأعطته له وهي توضح:
-ده جالي بالغلط من المحامي.
تفحص "بدير" المظروف، وقلبه على الجانبين، ليقرأ ما دون على ظهره، كان مرسلاً من واحدٍ من البنوك المودع بها أرصدتهم، على ما يبدو تم إعطائه لها بالخطأ ضمن بضعة أوراق استلمتها من مندوب المحامي. وضعه في الدرج، وقال مبتسمًا:
-وجايباه بنفسك، كنتي بعتي أي حد يا بنتي بدل ما تتعبي.
ردت مبررة ببسمة مهذبة:
-أنا قولت عشان لو في حاجة مهمة، وبعدين مافيش تعب، ده أنا بمشي رجلي شوية.
شبك "بدير" كفيه معًا، وأضاف في لطافةٍ:
-عمومًا دي فرصة إني شوفتك، احنا خلاص حددنا ميعاد فرح "هاجر"، وكنا هنعرفكم بده.
هنأته بسرورٍ ظاهر عليها:
-ألف مبروك، ربنا يتمم على خير.
حل تشابك يديه، وأشار بسبابته نحو وجهها وهو يخاطبها:
-إنتي مش محتاجة عزومة، دي أختك.
هتفت دون تفكير:
-أكيد طبعًا.
رمقها بنظرة ذات دلالة معينة وهو يتابع في كلماتٍ موحية:
-وعقبال ليلتك إنتي كمان، هتلاقي الكل واقف معاكي فيها.
لم تراوغه في الرد، وقالت دون أن تفتر ابتسامتها الرقيقة:
-لما ربنا يأذن.
أومأ برأسه معقبًا:
-إن شاءالله، كل شيء بميعاد.
تحفزت في جلستها، وشعرت بقلبها يقفز بين ضلوعها عندما سمعته يهتف وهو يشير بعينيه لما خلفها:
-"تميم" أهوو جه.
تلقائيًا استدارت برأسها لتنظر إلى حيث أشار، فرأته مقبلاً عليها بابتسامة متسعة، جعلت الجلد أسفل جفنيه ينكمشان من سعادته. استطرد "تميم" مرحبًا بها بغزلٍ بدا عفيفًا:
-يا صبــاح التفاح، والمانجة، وكل حاجة حلوة.
خجلت من النظر إليه، وحادت بعينيها بعيدًا عنه، لتتطلع إلى معصمها الملفوف بمنديلٍ للرأس، سمعت "بدير" يعلق عليه ممازحًا:
-السلامات دي ليا طبعًا؟
تلجلج "تميم" وهو يرد بنفس الابتسامة العريضة:
-أه يا حاج، ليك ولكل الناس الحلوة اللي في الدكان.
بدا صوته قريبًا من أذنها وهو يرحب بها على وجه الخصوص:
-منورة يا أبلة.
نظرة سريعة سددتها إليه قبل أن تخفضها وهي ترد في لعثمة بسيطة جراء حرجها من تواجد والده:
-ده .. نورك يا معلم.
ضحك "بدير" على أسلوبهما في الحوار، والذي اتخذ طابعًا رسميًا، ليقول بعدها:
-أبلة ومعلم! عقبال ما يترفع التكليف بينكم في بيت العَدل إن شاءالله.
هلل من ورائها "تميم" في رجاءٍ صريح:
-يا رب يا حاج، يا رب.
شدد عليه "بدير" في تزمتٍ:
-طب مش نشوف أشغالنا ولا إيه؟!!
ظنت "فيروزة" أنها المقصودة بكلامه الأخير، فنهضت واقفة وهي تعتذر بتحرجٍ كبير:
-أنا أسفة، عطلتكم، وآ...
قاطعها موضحًا وقد نهض بدوره:
-الكلام مش ليكي، إنتي قاعدة معايا للفجر حتى، ده الكلام للمعلم اللي واقف سادد الهواء علينا.
كتمت ضحكة عفوية على طرفته، في حين علق عليه "تميم" في تبرمٍ:
-دايمًا كسفني كده يا حاج قصاد الغاليين.
أشــار له "بدير" بإصبعه قائلاً في لهجةٍ لا ترد:
-يالا الأقفاص مستنياك، شيلها في إيدك، بدل ما تاخدها في وشك.
غمغم في عبوسٍ مصطنع:
-وعلى إيه الطيب أحسن.
بالكاد حافظت "فيروزة" على ثبات تعبيراتها المبتسمة وهي تستأذن بالانصراف:
-أنا همشي، عشان أشوف شغلي، ومبروك مرة تانية لـ "هاجر".
تحرك معها قائلاً في حبور:
-الله يبارك فيكي يا بنتي ...
ثم أشار لها بيده ليستوقفها مرددًا:
-خليكي لحظة.
نظرت له في حيرةٍ، وتبعته بنظراته وهو يسبقها بخطوتين لينادي بنبرة جمعت بين التهكم والشدة:
-إنت يا سيد المعلمين.
عاد "تميم" إلى داخل الدكان وهو يسرق نظرة سريعة نحو وجه القمر المرابط خلف أبيه، ليتكلم في طاعة:
-أيوه يا حاج.
وضع يده على كتفه ضاغطًا بقبضته عليه وهو يوصيه مشددًا:
-مع الأبلة بتاعتك توصلها لدكانها، 5 دقايق وتكون عندي.
ابتهجت أساريره بشدة، وقال في انصياعٍ:
-حمامة، مسافة السكة.
تنحى "تميم" للجانب ليفسح المجال لـ "فيروزة" للمرور، وناداها:
-اتفضلي يا أبلة.
خفضت من رأسها وهي تمر من جواره قائلة في وداعةٍ:
-شكرًا يا معلم.
قبل أن يتبعها استوقفه والده بالإمساك من ذراعه مكررًا عليه توصيته الحازمة:
-إيــاك!
بكلمةٍ غير قابلة للشك قال:
-اطمن.
انتظر للحظة حتى تجاوزت محيط الدكان، فراح يتبعها، ويسير إلى جوارها، توقع أن تتجاذب معه أطراف الحديث؛ لكنها بقيت صامتة، فاتخذ الخطوة الأولى لمخاطبتها بمدحه المتواري:
-منورة الفيس بوك يا أبلة.
وكأنه وجد السبيل لتذكيرها بلحظاتها الحافلة بكل ما هو مُبهج، فالتفتت تنظر إليه نظرة سريعة، قبل أن تحول عينيها عنه لترد موجزة:
-شكرًا.
لئلا يسود الصمت بينهما من جديد استمر في الكلام معها:
-الصراحة فرحت لما لاقيتك طالبة الصداقة.
لم تنظر ناحيته، أو تعلق بشيء، واستمرت في سيرها غير المتعجل معه، حاول "تميم" قراءة تعبيراتها الجامدة؛ لكنه لم ينجح، فواصل الحديث في نفس الموضوع قائلاً بنبرة ذات مغزى:
-نورتي الصفحة ...
انخفضت نبرته إلى حدٍ كبير وهو يختتمها:
-وعقبال يا رب ما تنوري بيتي.
تأثرت بجملته الصريحة رغم خفوت صوته، وتباطأت خطواتها نسبيًا، وهي تقاوم تلك الرجفة الملبكة التي انتابتها، تجرأت على النظر إليه من طرف عينها، وجدته محدقًا أمامه وصوت تنهيداته يكاد يكون مسموعًا لها، لا شعوريًا تحولت كل نظراتها إليه، لتتأمله دون حرجٍ، أمسك بها عندئذ، فأشاحت بعينيها في وجلٍ خجل.
غمرته السعادة للشعور بمدى تأثيره عليها، حمحم متسائلاً بعد ذلك في توجسٍ، وقد رأى ما يحيط بمعصمها من ربطة عجيبة:
-هو مال دراعك؟ إنتي متعورة ولا حاجة؟
جاوبته موضحة بتعابيرٍ جادة وهي ترفع ذراعها للأعلى:
-لأ، أنا تمام، بس عشان لابسة الإسورة اللي إدهاني جدو "سلطان"، فأنا مخبيها، بحيث ماتتسرقش، وأهوو محدش ياخد باله منها.
أبدى إعجابه بذكائها قائلاً:
-برافو ..
ثم أتبع كلمته المقتضبة بسؤالٍ استفهاميٍ مباشر:
-يعني جدي إدالك الإسورة؟
استغربت من سؤاله، وبادلته بآخرٍ، وقد انعقد حاجباها:
-أيوه، إنت مش مبسوط ولا إيه؟
قال في بساطةٍ، وهو ينتصب بكتفيه:
-لأ بالعكس، فرحان جدًا، ده معناه إنه بيحبك أوي.
ابتسمت في نعومة وهي تشاركه الرأي:
-جدو "سلطان" أصلاً يتحب لوحده.
تلك الإشراقة المغرية في وجهها، والمدعمة ببسمتها الآسرة جعلته صريع عشقها! فما كان منه إلا أن قال في تنهيدة هائمة:
-يا بخته!
ضمت شفتيها في قوة لتخفي ابتسامة أخرى أكثر إشراقًا، فتنحنح مضيفًا وهو يشملها بنظراته:
-احم .. تعرفي "هاجر" كمان خدت (ماشاءالله) ستي الله يرحمها، كانت عزيزة عليها، ولما جت تتجوز أول مرة جدي طلعها من الشكمجية، وادهالها هدية، مش قادر أقولك فرحتها بيها كانت عاملة إزاي، وخصوصًا إنه مش متعود يفرط في حاجاتها.
أدارت رأسها لتنظر إليه متسائلة بنبرة مهتمة:
-هو جدك متعود يعمل كده؟
توقف عن السير ليغدو في مواجهتها، ثم أسبل عينيه ممعنًا النظر في لؤلؤتيها السارقتين لكيانه، ككل مرة تنجح في سلب عقله قبل وجدانه، تجعل أسير عينيها، وسجين محبتها. أبقى "تميم" نظراته المتيمة عليها وقد استطرد مجيبًا إياها، بما اعتمر صدره بكل صنوف الرغبة، التمني، العشق، والشوق:
-مش لأي حد، الغالي بس بيطلعله الغالي ............................... !!
.......................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الرابع الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم Manal Salem
مساء الورد على حضراتكم ..ملحوظة لطيفة، الفصل اليوم قصير، كنت هعتذر عنه لأني مجهدة للغاية، ضغط شغل مع أمور تانية بنجزها لوحدي، بس لأني وعدتكم إمبارح بإن هايكون في فصل، فأنا اجتهدت أكتب ولو جزء بسيط .. بحيث نظل على تواصل مع الأحداث .. وإن شاءالله تعجبكم ..
الفصل المائة وخمسة وخمسون
كلما نطق بمثل تلك الكلمات العفوية العذبة، امتلأ قلبها بالمزيد من هذه العاطفة الغريبة تجاهه، خشيت أن يصبح تعلقها به بعد برهةٍ إدمانًا لها، لا تستطيع التخلي عنه، أو حتى الاستغناء عنه، ومع هذا لم تنبذ تلك الأحاسيس، بل فتح باب فؤادها على مصراعيه ليستقبل كل ما يمنحه لها. قاومت "فيروزة" تأثير حضوره عليها، لتخبره وهي تشير بيدها نحو دكانها:
-احنا وصلنا عند المحل بتاعي.
تلفت "تميم" حوله، ليتحقق من صدق كلامها، وقال في تجهمٍ مصطنع:
-بالسرعة دي، أنا محستش معاكي لا بالوقت ولا بالسكة.
هزت كتفيها دون أن تعلق، فأوصاها بابتسامته الصغيرة:
-خدي بالك من نفسك.
أدركت "فيروزة" وهي تتأمله من زاويتها أن وجهه اكتسى بطابع وسامة رجولية مثيرة، ازدردت ريقها، وبادلته الابتسامة معقبة في صوتٍ رقيق:
-وإنت كمان.
عمق من نظراته ناحيتها؛ كأنما يريدها أن تنفذ إلى داخلها، فتستشعر عن طريقها مدى العشق الذي يكنه لها. لم تخبت بسمته وهو يرد في لباقةٍ:
-حاضر.
تسمر في مكانه، رافضًا الحركة أو الابتعاد، إلى أن شرعت في المشي عائدة إلى دكانها وهي تلوح له بيدها، حيئنذ أخذ يسير على مهل، وهو يتراجع بظهره للخلف، دون أن ينتبه جيدًا لخطواته، لذا كاد أن يتعثر في الركام الناتج عن أعمال حفر وصيانة الطريق، حافظ على توازنه قبل أن ينكفئ على وجهه، وهتف في مزاحٍ وهو يفرك مؤخرة عنقه عندما رأها تضحك على تصرفاته الخرقاء:
-هما عملوا الحفر دي إمتى، لازم الواحد يركز لأحسن يضيع.
اكتفت بإظهار ضحكاتها الرنانة وهي تلج للداخل، فلوح بيده في سلامٍ أخير قبل أن يختفي عن أنظارها، استعادت "فيروزة" رزانتها، وألقت التحية على مساعدتيها:
-صباح الخير يا بنات.
نهضت إحدى الفتاتين من مكانها لتستقبلها وهي ترد في نبرة وديعة:
-صباح الخير يا أبلة "فيروزة".
انتبهت كامل حواسها للقب الذي أصبح مستحبًا لها بسببه، جلست على مكتبها، ولسان حالها يردد بغير صوتٍ مسموع:
-محدش بيعرف يقولها زيه!
...............................................
راقبته بشيءٍ من الغبطة والسرور، وهي تقف عند أعتاب باب الغرفة للحظاتٍ، قبل أن تتحرك ناحيته، والاعتزاز ينتشر في أوصالها لرؤيته على تلك الحالة المغايرة لما كان عليه في السابق. دنت "سعاد" أكثر من ابنها، وصاحت تمتدح عزيمته الجديدة:
-إيه النشاط والهمة دي يا "فضل"، عيني عليك باردة يا ضنايا.
استدار نحوها معلقًا وهو يرتدي الفردة الأخرى من حذائه:
-عشان أبويا يعرف إني اتغيرت، وبقيت واخد بالي من مصلحة العيلة قبل مصلحتي.
ربتت على كتفه في استحسانٍ، ودعت له بتنهيدة راجية:
-ربنا يحميك لشبابك يا حبيبي.
سوى بيده الأجزاء المتجعدة من جلبابه، وقرب طرفي الياقة معًا ليخبرها بعد ذلك باهتمامٍ تعجبت منه:
-بقولك إيه، ماتعزمي إخواتي البنات وإجوازتهم ...
رغم نظرة الاندهاش السائدة على ملامحها إلا أنه تجاهلها ليكمل في هدوءٍ:
-عاوزين نتلم من تاني، اديلنا زمن ماتجمعناش سوا.
أبدت ترحيبًا واسعًا بالفكرة، فقالت:
-عينيا، هرتب معاهم، وتجمعوا كلكم، وهعملكم ديك رومي إنما إيه حكاية.
احتضن "فضل" بكفيه وجه والدته، وأحنى رأسه على جبينها يقبله، ليضيف في ودٍ:
-ربنا يديم لمتنا، احنا مالناش إلا بعض.
طباعه الجديدة كليًا كانت مثارًا للدهشة والاستغراب، أمعنت "سعاد" النظر في ابنها غير مصدقة أنها تحلى بالمحمود من الصفات، تبعته في خطاه وهو يتجه خارج غرفته متسائلة:
-مش هتستنى أبوك؟
رد نافيًا وهو يدير مقبض باب المنزل:
-لأ، هسبقه على الأرض ...
ظلت نظرة التعجب تحتل قسماتها، وهو ما زال يخاطبها:
-عايز أشوف مع الرجالة اللي ناقص من التقاوي عشان أجيبهم، وبالمرة أحاسب الأنفار على اليومين اللي فاتوا.
قفز قلبها في سرور متعاظم لتبدل أحواله للأحسن، واستمرت في دعائها له:
-الله يحميك من العين، ويباركلي فيك.
كان على وشك الخروج من المنزل؛ لكنه تراجع في اللحظة الأخيرة، ليدس يده في جيبه، أخرج "فضل" محفظته، وفتحها، ثم تناول عدة أوراق نقدية منها، طواها، وتقدم نحو والدته ليضعها في راحتها قائلاً بحنوٍ استرابت كذلك منه:
-خدي دول يامه كمان، إديهم للعيال، وشوفي لو محتاجين حاجة، حس أبوهم في الدنيا.
-حاضر يا "فضل"، ربنا يخليك ليهم، وتعيش وتجيبلهم.
تطلعت إليه في دهشةٍ أكبر، وتلك الابتسامة الفرحة تنعكس على ثغرها، ودعها بنفس اللطافة الغريبة، ليغادر بعدها المنزل، وصوت دعائها يلحق به. أوصدت "سعاد" الباب بعد ذهابه، والتفتت إلى زوجها الذي استطرد متسائلاً في جديةٍ:
-إيه الدوشة دي على الصبح؟
بكل ما يسود فيها من بهجةٍ وفخر أخذت تخبره:
-"فضل" ابنك يا حاج، من النجمة قايم يشوف مصالحك، ده غير إنه مراعي حق عياله، وعاوز يلم إخواته حواليه.
وكأنها نطقت بسخافة غير مستساغة للضحك حتى، فعقب عليها في نقمٍ:
-مش بعوايده، أكيد وراه مصيبة.
استاءت من سوء ظنه، وعاتبته دون أن تتجاوز في حديثها معه:
-ليه بتقول كده يا حاج؟ ده بدل ما تفرح إن حاله اتبدل وبقى أحسن.
جاءها رده بسيطًا ومنطقيًا:
-ديل الكلب عمره ما يتعدل يا "سعاد"، وابنك صعب يتغير بين يوم وليلة.
استهجنت صراحته، فهتفت بملامح عابسة للغاية:
-متقولش كده يا حاج.
لوى ثغره مرددًا في نفس النبرة المتهكمة:
-عشان أنا فاهمه كويس.
استمرت على دفاعها عنه، وقالت في تشددٍ:
-ليه بتكسر من مأديفه؟ ده بدل ما تشجعه ..
رمقها بنظرة غير مُريحة، فتابعت في تحفزٍ:
-يبقى إنت لسه شايل منه.
قال بلا تعابيرٍ مرتخية:
-اللي عمله مش بالساهل يتنسي.
اشتاطت لتحيزه ضده، وواصلت الوقوف بصفه هاتفة:
-إيش حال ما بيعمل كل حاجة عشان يرضيك.
رفع سبابته أمام وجهها يؤكد لها بنبرةٍ ذات مغزى:
-المهم يرضي ربنا، مش أنا!
كزت على أسنانها في غيظٍ مكبوت من أسلوبه الجاف، وراحت تزيد من دفاعها المستميت عنه:
-ده طاحن نفسه في الشغل بقاله كام يوم، والكل شايف بيعمل إيه عشان يريحك، و آ...
ضجر "إسماعيل" من سماع هذا الهراء المستفز، فأنهى الحوار معها بفظاظةٍ:
-مالوش لازمة الرغي اللي على الصبح، هاتي المداس خليني ألحقه بدل ما يعملي مصيبة مع الرجالة.
بحثت عن حذائه أسفل المصطبة، وأتت إليه به، ارتداه في تؤدةٍ، ثم غادر المنزل ونظرات زوجته الحانقة عليه، أغلقت الباب من ورائه، وهي تردد في تذمرٍ:
-ربنا يهديك يا "إسماعيل"، أنا عارفة إيه اللي مش عاجبك فيه؟!
.........................................
محاولة الالتهاء بالعمل وأداء المهام المكلفة بها لم يبدُ كافيًا لمنع عقلها من التفكير فيه، حيث استحوذ "تميم" بتصرفاته العفوية والمتعمدة على غالبية أفكارها، وبدا وكأن طيفه يُلهيها عن الحصول على التركيز الكامل، فأصبحت غالبية الوقت تنظر إلى الطريق كأنما تتوقع قدومه، تشرأب بعنقها حين تسمع صوتًا رجوليًا على مقربة من الدكان معتقدة أنه هو، ضجرت من ادعاء الثبات أمام مساعدتيها، وانصرفت مبكرًا من العمل، لتعود إلى منزلها وهي تشعر بتأثير تلك الشخصية الجديدة عليها؛ هذه الشخصية المُقبلة على الحياة، التواقة لما ينتظرها من سيل العواطف الجياشة.
اشترت "فيروزة" بعض ما ينقص المنزل من احتياجاتٍ في طريق عودتها، ووضعت الأكياس بالمطبخ، لتخرج بعدها باحثة عن والدتها التي كانت تجمع الثياب المبتلة من (الغسالة)، سألتها الأولى في اهتمامٍ جاد:
-خالي عامل إيه؟ أنا مش شايفاه في البلكونة زي تملي.
اعتدلت "آمنة" واقفة وهي تحمل الغسيل المبتل في سلة بلاستيكية، قبل أن تجاوبها:
-قافل على نفسه الأوضة.
حملتها عنها "فيروزة"، وقالت بنبرة عازمة:
-طيب أنا هدخل أتكلم معاه.
أمسكت أمها بقطعة قماشٍ نظيفة تجفف بها باب الغسالة المبتل قليلاً وهي تقول في رجاءٍ:
-يا ريت، جايز ربنا يصلح حاله ويسمعلك.
اتجهت "فيروزة" أولاً إلى الشرفة لتسند سلة الثياب بها، ثم سارت ناحية غرفة خالها، تنهدت مليًا قبل أن تطوي قبضتها لتطرق على الباب متسائلة في تهذيبٍ:
-صاحي يا خالي؟
أتاها صوته من داخل الغرفة هاتفًا:
-تعـ..الي.
فتحت الباب، وأطلت برأسها متسائلة بوجه مبتسم:
-أخبارك إيه النهاردة؟
قال في رضا وهو يرفع نظراته الممتنة للأعلى:
-الحمـ..د لله.
تقدمت ناحيته متابعة حديثها إليه في صوتٍ هادئ:
-ماما قالتلي إنك مش عايز لا تاكل ولا تشرب، وطول اليوم قافل على نفسك، ومحبوس في الأوضة.
لاحظت الغيمة التي حلت على ملامحه، فأدركت بفطنتها سبب انزوائه، استمرت في اقترابها منه حتى وقفت أمام كرسيه المدولب، وأخبرته بصراحةٍ:
-لو ده بسبب الموضوع إياه، فإنت يا خالي مش مجبور تعمل حاجة مش عاوزها.
بصوتٍ متشنج، وتعابيرٍ متقلصة علق عليها:
-"حمـ..دية" مجـ..رمة، قتـ..لت ولادنا، ويتـمت بنتي بعد ما قـ..تلت أمها.
ردت في لهجةٍ جادة:
-والقضاء قال كلمته، واتحكم عليها بالعقاب اللي تستاهله.
خرج صوته محملاً بالانفعال عندما قال:
-أنـ..ا مش عايـ..ز أشوفها، دي مجـ..رمة.
أيدته في رأيه قائلة بجديةٍ:
-حقك، وده اختيارك ..
لكن ما لبث أن لانت نبرتها نسبيًا وهي تتم جملتها:
-بس اسمعها لمرة واحدة، يمكن عندها اللي تقوله.
هتف في ازدراءٍ مليء بالقنوط:
-هتـ..قول إيه؟ إنها معمـ..لتش كده؟ دي ظـ..المة، منها لله، ربنا ينتـ..قم منها.
لم تضغط عليه أكثر من ذلك، ونطقت بدبلوماسية:
-عمومًا يا خالي فكر مرة واتنين وعشرة، لسه قدامك وقت على ميعاد الزيارة اللي مكتوب في التصريح.
ثم ابتسمت له وهي تستأذن بالانصراف:
-هسيبك ترتاح يا خالي، بس لازم تاكل.
استوقفها قبل أن ترحل مناديًا:
-"فـ..يروزة".
ركزت أنظارها عليه وهي ترد:
-أيوه يا خالي.
نظر في عينيها قبل أن يوصيها بصوتٍ غلفه الحزن:
-لو جـ..رالي حاجة، خدي بالك من "رقـ..ية"، عايـ..زها تـ..طلع زيك، ماتخافش غير مــ..ن اللي خلقها.
انقبض قلبها لكلامه، وصاحت في إنكار بائن على تقاسيم وجهها، وأيضًا في نظراتها إليه:
-ربنا يديك طولة العمر وتشوفها أحسن مني.
بدا الندم واضحًا في نبرته وهو مستمر في اعترافه:
-إنتي جـ..وهرة، شر "حمدية" وحقــ..دها عماني عن قلبك الطيب، وروحك الحلوة.
أدمعت عيناها تأثرًا لكلماته، وخنقت غصة نبضت في حلقها، لتقول مبتسمةٍ؛ كأنما تسعى لمحو الذكريات السيئة بطرقٍ أخرى سلسة معززة لإرادتها وذاتها القوية:
-ده بقى من الماضي يا خالي، انساه زي ما أنا نسيته، وخلينا نبص لبكرة.
هز رأسه في قبولٍ، فاستغلت الفرصة لتلح عليه:
-طب مش هتاكل بقى عشان خاطري؟
تخلى عن عناده أمام نظراتها الدافئة، وقال في استسلامٍ:
-طـ..يب.
اعتلى ثغرها بسمة رضا، وأخبرته في حماسٍ:
-دقيقة وهاتكون أحلى صينية أكل عندك.
................................................
بعد بضعة أيامٍ، قبيل وقت العصر تقريبًا، دارت "همسة" بنظرات شمولية مدققة، على المترجلين من السيارة المصفوفة أمام مدخل البيت، أثناء تواجدها بشرفة بيت والدتها، برقت عيناها في سعادةٍ، كما ارتسمت ابتسامة عريضة مسرورة على وجهها، فاليوم هو ميعاد الزيارة العائلية المتفق عليها، للتقريب بين العروسين؛ كانت أكثر حماسًا عن شقيقتها، وتشوقت لكسر الجليد بين توأمتها وخطيبها، ليصير الاثنان أكثر انجذابًا إلى بعضهما البعض، لعل الوصــال يزداد بينهما، ويقرران تقديم ميعاد عقد القران بعد إرجائه لسببٍ غير معلومٍ للجميع.
هرعت للداخل وهي تضع يدها على بطنها المنتفخ هاتفة بنبرة عالية، لتلفت انتباه الجميع:
-الجماعة جوم تحت البيت يا ماما.
نهض "هيثم" الجالس على الأريكة بصالة المنزل، ليتجه إلى الباب ويفتحه، استعدادًا لاستقبال الضيوف، في حين تأهبت "فيروزة" في وقفتها بداخل المطبخ، وانسحبت منه لتعود إلى غرفتها وهي تشعر بهذا التوتر اللذيذ يعتريها. سمعت صوت والدتها يقول من الخارج:
-أنا جهزت مطبقيات الشوربة، ناقص بس أفرغها فيهم، جوزك يا "همسة" هيشيل الصينية بيهم وقت ما نقعد على السفرة عشانها هتبقى تقيلة.
أنصتت إلى رد توأمتها عليها:
-حاضر يا ماما، شوفي عاوزة إيه واحنا هنعمله.
أرهفت السمع كذلك إلى أمرها:
-قولي لأختك تجهز بسرعة.
عندئذ واربت "فيروزة" باب غرفتها، وتحركت إيذاء مرآة التسريحة، لتتطلع من جديد إلى هيئتها، كانت قد ارتدت كنزة فضفاضة من اللون الأحمر، على بنطالٍ أبيض اللون .. في البداية شعرت بالثقة وبقدرتها على اجتذاب نظراته طوال الوقت عليها؛ لكن سرعان ما تبدلت لمحة الغرور بها إلى الحرج والتردد من رؤيته لها ترتدي مثل تلك الألوان المبهجة، حاولت تشجيع نفسها، فقالت:
-مش لازم أكون كئيبة، دي ألوان عادية.
ضبطت طرفي حجابها الأبيض، وألقت واحدًا منهما على كتفها الأيسر مؤكدة لنفسها مرة أخرى:
-إنتي كده جميلة، مالك قلقانة ليه؟!
تنفست بعمقٍ، وراحت تتحسس بروش زهرة الأوركيد الذي وضعته على عند الياقة اليمنى لكنزتها، مالت برأسها للأمام، ومسحت المتسرب من كُحل العين على جفنها. استقامت واقفة من جديد، واستطردت تتكلم في ثباتٍ مصطنع:
-أنا هستنى لما ينادوا عليا.
لكن التوق كان مستبدًا بجوارحها، أخذت تعزز من جمودها الهارب، علها تستدعيه، على أملِ ألا يكتشف تلهفها المتضاعف كلما مرت عليها الدقائق، لرغبتها المتنامية في مقابلته، الجلوس معه، ومشاركته حُلو الكلام وعذبه ............................................ !!
..............................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الرابع الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم Manal Salem
مساء الورد على حضراتكم ..
يا رب تكونوا بخير
عذرًا إن كنت متغيبة الفترة اللي فاتت بسبب إني خدت لقاح أسترازينكا الجرعة التانية المضادة لكورونا .. وإن شاءالله تكون بفايدة، والله يحفظنا جميعًا ..
مش هطول عليكم هاسيبكم مع الأحداث اللطيفة
الفصل المائة وستة وخمسون
ريثما يترجل أفراد عائلته من السيارتين، كان "تميم" قد تحرك ليقف خلف صندوق سيارته، حتى يخرج الحلوى التي اشتراها للعروس وأسرتها كهدية تعزي من روابط الود، وتأصل من العلاقات الطيبة بين العائلتين. التفت برأسه للجانب ليتطلع إلى والدته التي أقبلت عليه، ثم ألقى نظرة عابرة على شقيقته وزوجها "سراج"، حيث كان كلاهما مشغولان بتدليل الصغير "سلطان"، عاد ليحدق في وجه أمه متسائلاً:
-شكلي حلو يامه؟
تأملت "ونيسة" ابنها في قميصه الكحلي، وبنطاله الجينز، بنظرات فخورة، لتجيبه قائلة في مدحٍ واضح:
-الصلاة على النبي مافيش بعد كده.
ابتسم في استحسانٍ لرأيها الداعم، فتابعت في نبرة داعية:
-ربنا يجعل في وشك القبول، ويزرع محبتك في قلبها.
أمن من ورائها برجاءٍ شديد:
-يا رب، يا رب.
ما إن تأكد من وقوفها إلى جوار والده، حتى سبقهما في خطاه ليقف بجوار جده، ثم استطرد هاتفًا في نبرة جادة وهو يمد ذراعه إليه:
-تعالى يا جدي، اسند عليا.
تعلق الجد "سلطان" في ذراعه، واستدار ناظرًا إليه وهو يسأله في نبرة مهتمة:
-ها جبت الحاجة الحلوة لعروستك؟
رفع "تميم" ذراعه الآخر معلقًا في حماسٍ:
-أيوه، شيكولاتة، ومن أفخر الأنواع كمان.
امتدح اختياره قائلاً:
-الله ينور، دلعها عشان تشوف أيام حلوة.
قبل أن يفكر حفيده في الرد عليه؛ وإن كان بنوعٍ من المزاح، تدخل "بدير" محذرًا بلهجةٍ متشددة:
-بيبقى يدلعها ويناغشها براحته بعد الجواز يابا، قبل كده هيتسك على دماغه.
أدار "سلطان" رأسه للناحية الأخرى ليخاطبه في مرحٍ:
-الكلمة الطيبة صدقة يا "بدير"، خليه ياخد ثواب فيها، ويسمعها كلمتين حلوين.
وافق "بدير" أبيه الرأي، وأبدى تبريره الحازم موضحًا:
-وماله، طالما في وجود حد مننا أو من أهلها، غير كده هيتحسب الكلام ضده مش ليه.
امتثل "تميم" لأمر والده الصارم، فقال في طاعة غير منزعجة:
-حاضر، هبقى أخلي معايا محرم.
...........................................
تلكأت في خطواتها نسبيًا وهي تسير نحو الرصيف، بعد أن تركت رضيعها لزوجها يحمله. رفعت "هاجر" طرف عباءتها، لئلا تتعثر في مشيتها بسبب طولها الزائد، أنزلتها بمجرد أن صعدت على الرصيف، واستدارت تكلم "سراج" بوجهٍ مبتسم:
-لو عودته على الشيل هيتعبك، اسمع مني.
بادلها ابتسامة عذبة وهو يرد في سرورٍ:
-خليه يتعبني هو وأمه، على قلبي زي العسل.
حذرته مشيرة بسبابتها أمام وجهه:
-مترجعش تشتكي بعد كده!
قال في عفويةٍ وهو يرمقها بنظراته المحبة:
-الشكوى لغير الله مذلة.
عبست من رده التلقائي، وهتفت محتجة بتبرمٍ:
-بقى كده .. ماشي.
أدارت رأسها للأمام، وأسرعت في خطاها لتسبقه؛ لكن التف ذيل عباءتها حول كعب حذائها، وكادت تُطرح أرضًا، لولا أن قبض "سراج" على ذراعها، ليحول بينها وبين السقوط هاتفًا في خوفٍ شديد:
-حاسبي.
ساعدها على استعادة اتزانها، ثم أبعد يده، فعاتبته في دلالٍ:
-أهوو شوفت، كنت هقع على وشي بسبب زعلي منك.
حملق فيها مدهوشًا، ورفع حاجبيه للأعلى متسائلاً في استهجانٍ:
-هو أنا قولت حاجة غلط؟
ضمت قبضتها، وثنيت ذراعها، ثم وضعته أعلى منتصف خاصرتها لتعلل له بتعابيرها المتجهمة:
-المفروض لما حاجة تضايقك تقولي، مش تكتم في قلبك وتسكت، أنا محبش كده.
حافظ "سراج" على نقاء ابتسامته وهو يخبرها بغير كذبٍ:
-عينيا.
عادا للسير مجددًا بتلكعٍ وهما يتهامسان في محبةٍ لا يمكن إنكارها، زجرتهما "ونيسة" في حزمٍ:
-يالا يا ولاد، بلاش عطلة.
عندئذ مال "سراج" على زوجته يهمس لها في أذنها بتنهيدة محملة بالشوق:
-بكرة لما يتقفل علينا باب هاقولك أحلى كلام، ومش هاخلي حد يقاطعنا.
خفضت من صوت ضحكاتها النضرة، وأنذرته بعبثية متراقصة في نظراتها إليه:
-طب بس بقى لأحسن المرة الجاية أبويا يشوفنا، ويزعقلنا.
تصنع الجدية وهو يعقب عليه:
-كله إلا الحاج "بدير"!
..................................................
انفتح الباب على آخره، وبدأ الضيوف في الولوج واحدًا تلو الآخر، و"آمنة" تقف عند الجانب تستقبلهم في حرارة شديدة، انتظر "تميم" حتى النهاية ليطأ أعتاب المنزل، اختلس النظرات سريعًا علَّه يُبصرها عند أي زاوية؛ لكنها لم تكن في الأرجاء، غامت ملامحه قليلاً، ثم قدم الهدية الشهية إلى حماته، مصحوبة بابتسامةٍ لبقة، فمنحته الأخيرة ترحيبًا زائدًا، ليلحق بعدها بأفراد أسرته، وصوتها من خلفه يكرر:
-يا مراحب بالناس الغالية، تسلم إيديكم ورجليكم.
تساءلت "ونيسة" في لطافةٍ:
-إزيك يا "آمنة"؟ عاملة إيه؟ وأخبار صحتك إيه؟
أجابتها بعد تنهيدة سريعة:
-الحمدلله في أحسن حال.
رددت في ودٍ:
-دايمًا يا رب.
حرك "خليل" كرسيه المدولب ليدنو من ضيوفه الأعزاء ملقيًا عليهم التحية:
-سـ..لام عليـ..كم.
أسرع "تميم" ناحيته ليدفعه وهو يقول في أدبٍ:
-خليك زي ما إنت يا عم "خليل"، احنا جايين لحد عندك.
علقت "آمنة" كنوعٍ من المجاملة وهي تستقر في واحدة من الأريكتين الشاغرتين:
-شرفتونا يا جماعة والله، ونورتونا .. ده احنا زارنا النبي.
تفاوتوا في سرعة ردودهم؛ لكنهم قالوا جميعًا:
-عليه الصلاة والسلام.
أحضر "هيثم" مقعدين من مقاعد السفرة ليضعها بغرفة الصالون، في المساحة الخالية، وتنحى للجانب حتى تمر زوجته، وتجلس على واحدٍ منهما، أحنى رأسه عليها يسألها، وقد لاحظ الإعياء على وجهها:
-إنتي كويسة؟
أجابت بإيماءة من رأسها:
-أه الحمدلله.
ضيق عينيه ناحيتها، كأنما يتفرس في قسماتها المتعبة، وقال بصوتٍ خافت في غير اقتناعٍ:
-بس لون وشك مش مريحني.
تنهدت في عمقٍ طاردة الإرهاق من داخلها، وأخبرته ببسمة لطيفة:
-معلش، ده تلاقيه من تعب الأيام اللي فاتت، إنت عارف ماما كانت قالبة البيت فوقاني تحتاني.
احتج على المبالغة في تصرفات والدتها قائلاً وهو يكز على أسنانه:
-مش عارفة إيه لازمتها حملة النضافة دي كل شوية، ما يراعوا ظروفك شوية، ولا لازمًا يعني أتكلم مع أمك.
اختطفت "همسة" نظرة سريعة على الحاضرين، لتتأكد من عدم متابعة أحدهم لنقاشهما شبه المحتدم رغم انخفاض صوتيهما، ثم مدت يدها ووضعته على قبضته المسنودة في حجره تستجديه برجاءٍ:
-خلاص يا "هيثم"، مش وقته، الناس هتاخد بالها.
ظل متمسكًا باعتراضه مبررًا سبب تشدده:
-معلش يعني محدش هينفعني لو جرالك حاجة، إنتي ولا اللي في بطنك.
مسحت براحتها على يده المضمومة، وهمست في نعومةٍ:
-حبيبي، حصل خير.
رمقها بنظرة حادة قبل أن يحرك فكيه لينطق منذرًا:
-عمومًا ليا لي كلام مع أمك بعد الليلة دي ما تتفض.
لم تجادله، وتطلعت إلى الأوجه المحيطة بها؛ لكن ما إن وقعت عيناها على والدتها حتى هتفت بها تأمرها في جديةٍ:
-الحاجة الساقعة بسرعة يا "همسة".
أومأت برأسها متمتمة بابتسامةٍ صغيرة وهي تنهض مجددًا:
-عينيا يا ماما.
انزعج "هيثم" من إرهــاق زوجته بالكثير من الطلبات، خاصة أنها باتت في أشهرٍ متقدمة من الحمل، نهض بدوره ليتبعها وهو يقول بصوتٍ عكس القليل من تجهمه:
-منورين يا جماعة.
فقط تولت "آمنة" الرد عليه بضحكة مفتعلة:
-تعيش يا جوز بنتي، دايمًا تعبينك معانا.
تجاهل التعليق عليها، ولحق بزوجته وهو يبرطم بكلماتٍ مبهمة إلى أن اختفى عن الأنظار.
.................................................
دقائق من الثرثرة الفارغة في عدة مواضيعٍ روتينية عمت بين الحاضرين، تخللها الكثير من النظرات الشاردة المتعلقة بالباب، على أمل أن يكون "تميم" أول من يراها وهي قادمة؛ لكنها أطالت في الظهور، مما ضاعف من الأشواق بداخله، يا ليته ما وافق على اقتراحها المعذب له، أما كان الآن يتنعم بنعومة ودفء أحضانها؟ أطلق زفرة بطيئة محبطة، وأدار رأسه في اتجاه شقيقته التي تساءلت بمكرٍ؛ كأنما قرأت ما يدور في خلده:
-أومال فين عروستنا القمر؟
قبل أن يعاتبها بنظرته الصارمة، جاءه صوتًا يشتاق لسماعه في كل ثانية:
-أنا موجودة.
نبض قلبه بشدة، واستدار في لهفةٍ ليتطلع إليها ملء عينيه، وهو لا يدرك أنه يبتسم لها في ابتهاجٍ ونشوة. التقت نظراته الساهمة بنظراتها الضاحكة، في لحظة توقف فيها الزمن عن الدوران، لتنفذ من خلالها إلى القلوب. في خلال تلك اللحظة العابرة، كانا –عن طواعية ورغبة حقيقية- قد سرقا منها ذكرى أول ملاطفة بصرية بينهما، ودا لو دامت للأبد!
تشتت حدقتا "فيروزة" اللامعتين ببريق عاطفة لا تكابر لإظهارها حين وقفت "هاجر" للترحيب بها، فأخذتها الأخيرة في أحضانها، وقالت في ألفة شديدة، وتلك النظرة الماكرة تنطلق من عينيها، لتصوبها نحو شقيقها:
-يا أهلاً بخطيبة أخويا العسل.
تراجعت عنها "فيروزة" وسألتها في هدوءٍ رغم الضجيج الصادح بداخلها:
-إزيك يا "هاجر"؟ عاملة إيه يا حبيبتي؟
ردت بضحكة مرحة:
-الحمدلله في أحسن حال، وخصوصًا لما شوفتك.
حافظت على رقة بسمتها وهي تعقب على مجاملتها اللطيفة:
-دايمًا يا رب.
أكملت دورها في تحية كافة الموجودين، فيما عدا "تميم"! ضنت عليه عن عمدٍ، وبقليل من الدلال، بترحيب يشبع الجوع المتزايد بداخله للارتشاف من نهر عشقها. تلفتت "فيروزة" حولها لتنتقي المكان الذي ستجلس فيه؛ لكن الجد "سلطان" رشح لها الاختيار الأمثل بقوله الذي لا يرد:
-تعالي جمبي يا حبيبتي.
وكأنه يفعل المستحيل للتقريب بين قلبين أتعبتهما مشاق الحياة وخياراتها القاسية، لذا جعلها تجلس في المنتصف بينه، وبين "تميم" على الأريكة العريضة، بعد أن طلب منه التحرك للالتصاق بالمسند. نظرة امتنان سددها حفيده إليه، أعقبها نظرة متوترة لأبيه الذي احتفظ بصمته المحذر.
شمل "سلطان" العروس بنظرة أبوية حانية قبل أن يمتدح زينتها غير المبهرجة:
-ماشاءالله، زي القمر.
أخفضت رأسها قائلة في نبرة وديعة:
-شكرًا لحضرتك.
أصابتها لبكة فجائية حين سمعته يأمر حفيده في طرافةٍ:
-ما تديها الحاجة الحلوة يا واد، ولا عايزها تقول عليك بخيل؟
هتف "تميم" مدافعًا عن نفسه بابتسامته العريضة:
-هو أنا لحقت؟ على طول أهوو.
كان قد احتفظ بحقيبة كرتونية صغيرة، لا تتجاوز في حجمها حجم كف اليد، لم يعطها لـ "آمنة" عند ولوجه للمنزل، قدمها إلى عروسه الجالسة إلى جواره قائلاً بوجه ينيره وهج الحب:
-اتفضلي، يا رب تعجبك.
تناولتها منه دون أن تمس أصابعه أناملها، ونظرت إلى ما بداخلها، لتجد علبة من الشيكولاتة الدائرية الشهيرة ذات الأوراق الذهبية، ومعها بطاقة صغيرة، بالطبع لم تملك من الشجاعة أو الجراءة ما يجعلها تُظهرها للعامة وتقرأها علنًا، التفتت برأسها لتنظر إليه عن هذا القرب الخطير، وهسهست بخفوتٍ:
-شكرًا، هدية طعمها حلو.
علق مغازلاً إياها دون احترازٍ بصوتٍ خافتٍ مسموعٍ فقط لها:
-مش أحلى منك.
برقت عيناها مذهولة لجرأته، وقبل أن ينكشف أمر مداعبته المتوارية، ويتم إحراجه بشدة، كانت "آمنة" قد تكلمت عاليًا:
-على إيه التعب ده؟ ده خيركم سابق يا جماعة.
تنحنح "تميم" قائلاً في جديةٍ زائفة وهو يلصق جسده بمسند الأريكة:
-دي حاجة بسيطة للعروسة.
...............................................
العالم أمام سحر النظرات الفيروزية ما زال حائرًا! فكيف له أن ينأى ببدنه عن تعويذة جعلته أسير حبها؟ كانت في صمتها كالوقود الذي يحتاجه ليأجج من النيران المندلعة في صدره، وفي كلامها كالشلال الذي يغمر الأنهار الضحلة بفيض مائه، آه لو يلمس الشفاه ويتذوق الرحيق الكامن فيهما! تنهيدة تلو أخرى تحررت من رئتيه؛ لكنها زادت من أوج الرغبة بداخله.
من زاويته، جاهد "تميم" ليحفر في ذاكرته كل إيماءةٍ تصدر عنها، الابتسامة الرقيقة، الضحكة المهذبة، وحتى النظرة المثيرة التي تمنحها له من طرفها. لم يتوقف عن الابتسام لهنيهة، وكأن كل الأمنيات تحققت في قربها المُهلك! بالكاد حاد بعينيه عنها عندما نادت والدتها:
-يالا يا جماعة السفرة جاهزة.
ردت عليها "ونيسة" في ودٍ:
-ربنا يديم لمتنا وجمعتنا.
بعد دقيقتين تقريبًا، استقر الجميع في مقاعدهم حول المائدة المتخمة بصنوف الطعام الشهية، ولحسن حظه جلست "فيروزة" في مواجهته، ليتمكن من النظر إليها مباشرة، دون الحاجة للالتفاف. تحولت عينا "تميم" نحو "آمنة" التي استطردت تخاطبه:
-دوق كده يا ابني، وقولي رأيك في الأكل.
رد مجاملاً وهو يدس المعلقة في صحن الأرز:
-تسلم إيدك يا حماتي، كفاية تعبك.
رمقته بنظرة ذات مغزى وهي تؤكد له:
-ده "فيروزة" واقفة معايا من طلعة النهار عشان تساعدني في تحضير الأكل.
ما هذا الكذب الذي تسمعه علنًا؟ اتسعت عينا "فيروزة" في صدمة جلية بعد ادعاء والدتها غير الحقيقي، وتوقفت عن مضغ الطعام، لتسعل قليلاً، ثم ما لبث أن استدارت لتنظر إليها في استنكارٍ معكوسٍ على ملامحها. تجاهلت "آمنة" نظراتها المستهجنة، واستمرت تقول في ثقة لتدعم أكذوبتها:
-دي عليها حبة وصفات تجنن.
قالت "رقية" في تلقائية:
-بس دي كانت بتلعب معايا.
صححت لها "آمنة" بعد نحنحنة مسموعة:
-بعد ما نمتي يا "كوكي"، ويالا خلصي طبقك كله عشان يدعيلك.
حينئذ ضاقت عينا "فيروزة" أكثر بتحذيرٍ غير منطوق لوالدتها، لئلا تضيف المزيد من الادعاءات؛ لكن سرعان ما التفتت لتحدق في "تميم" وهو يردد مبتسمًا:
-أكيد هايكون نفسها حلو لأمها.
سددت له نظرة حادة فيها لمحة من الضيق، وقبل أن تنطق موضحة الحقائق، بادر الجد مازحًا:
-حتى لو غير، "تميم" هياكل وهو ساكت، بدل ما يقضيها نواشف.
أمنت عليه "فيروزة" بجدية غير ساخرة:
-بالظبط يا جدي ...
انخفضت نبرتها على الأخير، لتبدو وكأنها تكلم نفسها وهي تتم جملتها:
-بلاش سقف الطموح يعلى أوي.
ابتلع "تميم" ما في جوفه، وقال بنفس الوجه المبتسم:
-صح يا جدي، أنا هاكل عشان الطبق يدعيلي.
انفلتت منها ضحكة صغيرة، جعلتها تتحرج بشدة لتحول الأنظار إليها، مما اضطرها للتحديق في صحنها، وكأنها مشغولة بتناول الطعام، في أقل من لحظات التهى الجميع عن التحديق بها ليتحدثوا عن أمرٍ آخر؛ لكنها لم تتوقف عن اختلاس النظرات إليه. حقًا مقاومة تأثيره بات مستحيلاً، كيف له أن يفعل ذلك ببساطة؟ أن يحرك الماء الراكد أسفلها، لتصبح أخرى غير تلك التي كانت عليها، أنثى مليئة بالحيوية، الشغف، والرغبة في الحياة!
........................................................
تحول البلكون المتسع بعد انتهاء الغذاء، إلى حلقة عائلية اجتمع فيها أفراد الأسرتين للتسامر، في أجواء معبأة بالمودة والألفة. استغل "سراج" هذا الاجتماع –وبعد مداولة سريعة مع زوجته- ليقوم بالإعلان بصوتٍ شبه مرتفع، موجهًا كلامه إلى عائلة "فيروزة":
-إن شاءالله جوازي على "هاجر" الأسبوع الجاي، أنا قولت أعزمكم بنفسي على الفرح.
انطلقت زغرودة مجاملة من "آمنة"، أعقبها ترديدها الفرح:
-ألف ألف مبروك، ربنا يتمم على خير
في حين رد عليه "بدير" مصححًا زلة لسانه غير المقصودة:
-هما مش محتاجين عزومة، دول أصحاب فرح يا ابني.
لم تخبت ابتسامة "سراج" وهو يرد:
-أكيد طبعًا يا حاج "بدير"، هما من الأهل والأحباب.
وجهت "فيروزة" تهنئتها لـ "سراج" فقالت:
-مبروك يا معلم "سراج"، ربنا يتمم بخير.
رد يشكرها وهو يومئ برأسه:
-تسلمي يا رب، وعقبالك.
حادت بنظراتها عنه لتحدق في "هاجر"، وهنأتها هي الأخرى قائلة وهي تربت على جانب ذراعها:
-مبروك يا "هاجر"، تساهلي كل خير يا حبيبتي.
هدهدت الأخيرة رضيعها بين ذراعيها، وهتفت ضاحكة:
-الله يبارك فيكي يا حبيبتي، وعقبالك يا رب عن قريب، عاوزين الفرح يدق بابنا.
تورد وجهها قليلاً، فتجاوزت عما تشعر به من حرجٍ، لترد في هدوءٍ محايد:
-ربنا يسعد الجميع.
أحضرت "رقية" طائرتها الورقية، واخترقت أرجل الجالسين، لتتمكن من المرور والوصول إلى "تميم" المرتكن بظهره على حافة سور الشرفة، رفعتها إليه وقالت في مرحٍ طفولي:
-عايزة أطيرها, تلعب معايا؟
لم يرد طلبها، وانحنى جاثيًا على ركبته ليغدو في مستوى نظرها، وسألها مبتسمًا:
-تحبي نطيرها فين؟
أعطته الطائرة، وقفزت في مكانها مرددة في لهفةٍ:
-فوق، في السطوح.
هز رأسه ممتثلاً لطلبها:
-ماشي.
استدارت "رقية" تخاطب أبيها:
-هاروح معاه يا بابا.
هز رأسه بالإيجاب، وعلى وجهه ابتسامة متفائلة، بينما استقام "تميم" واقفًا، وشبك يده في كفها الصغير، ليبدأ السير معها من خلف المقاعد؛ لكن استوقفه اقتراح جده النزق:
-خد عروستك معاك، هتطلعوا لوحدكم كده؟
خفق قلبه بشدة لمجرد الفكرة، وانتفضت عواطفه تزأر للظفر بلحظات مميزة بتواجده معها، ابتلع ريقه، ونظر نظرة خاطفة نحو أبيه الذي تجهم قليلاً، فأمسك التردد بصوته وهو يقول:
-لو .. هي .. تحب؟
ثم حمم مضيفًا، وعيناه تنظران إلى والده، كأنما يستأذنه:
-إيه رأيك يابا؟
أجابه "بدير" بلهجةٍ جمعت بين الشدة واللين:
-طالما في حد معاكو معدنيش مانع.
أحرقت الرغبة في تحقيق ذلك اللقاء أوصاله، وألهبت عواطفه بشكلٍ لا يمكن تحمله، أخفى مشاعره تحت غطاءٍ من الهدوء، وكرر طلبه على "فيروزة" بأسلوبٍ لبق:
-تجي معانا يا أبلة؟
رمقته بنظرة غامضة قبل أن تمنحه جوابها:
-أكيد، بس "همسة" تيجي معايا.
امتقعت ملامح وجه "هيثم" لمجرد طرح الفكرة، وقبل أن يعترض سبقته زوجته رافضة بتنهيدة متعبة:
-لأ مش قادرة أتحرك، خلوني أعدة في مكاني، أنا كده كويسة.
أسندت "آمنة" أكواب المشروب الغازي بعد أن ملأتها، واقترحت في غير مبالاة وهي تجلس إلى جوار حماة ابنتها:
-ما تطلعوا لوحدكم، هيجرى إيه يعني؟
اِربد وجه "فيروزة" بالضيق لهذا القدر من التساهل المكشوف، بينما علقت "ونيسة" بابتسامةٍ مبتورة لتخفف من وطأة الأمر:
-بيتكسفوا يا "آمنة"، ومايصحش برضوه، خليهم على راحتهم.
جاءها مبررها فجًا بعض الشيء بعد ضحكة مصطنعة:
-ما هو لازم ياخدوا على بعض، أومال هيتجوزوا عمياني.
لم تكن "فيروزة" راضية عما يحدث، وكادت ترفض الاقتراح برمته، لولا أن استطردت "هاجر" قائلة في حماسٍ:
-خلاص أنا و"سراج" رايحين معاهم، خلينا نشوف المنظر من فوق.
ردت عليها "آمنة" في استحسانٍ وبحماسٍ زائد:
-ده تحفة، هيعجبك أوي.
غمغم "بدير" من بين أسنانه في خفوت:
-يكون أحسن.
من بين كل الحاضرين، كان يخشى –بشدة- قلبتها الوشيكة، رأى "تميم" الكدر بائنًا في وجهها، وتوقع أن ترفض التواجد معه، لكنه لم يمانع من المجازفة وسؤالها بحذرٍ:
-إيه رأيك يا أبلة؟ جاية معانا؟
دفعتها "هاجر" من كتفيها، وقد تولت الإجابة عنها:
-وهي هترفض ليه؟ تعالي معايا.
لم تترك لها الخيار، فاضطرت "فيروزة" أن تنساق معها نحو الخارج، والغيظ من تصرفات والدتها غير المستساغة ظاهرًا في عينيها. تلكأت في حركتها، وتعمدت التباطؤ خلال صعودها للأعلى، كما أنها لم تتوقف عن النفخ عاليًا كتعبير عن انزعاجها، حتى أصبحت الأخيرة في الوصول والانضمام إليهم. تسمرت قدماها عند المدخل، وكتفت ساعديها أمام صدرها لتراقب "تميم" بصمتٍ مشحون، لن تنكر أن الغيرة قد بدأت تتسلل إليها لانشغاله كليًا عنها، وإن كان مع الصغيرة، بدا مهتمًا بجعل الطائرة تحلق عاليًا وكأنها المهمة المستحيلة.
باعدت نظراتها عنه لتحدق في "سراج" و"هاجر" المشغولين بالتقاط بعض الصور التذكارية مع الرضيع، هسهست في غيظٍ:
-وأنا جاية أتفرج عليكم ولا إيه؟
لوت ثغرها متابعة تبرمها المغتاظ:
-شكلي أنا العزول اللي بينكم!
ظلت على تلك الحالة، توزع نظراتها على الجانبين، والكدر يتملك منها، سرعان ما انتفضت في وقفتها، وارتخا ذرعاها عندما سمعت "تميم" يناديها:
-تعالي يا أبلة، مستنينك.
حفظًا لماء الوجه، رفعت أنفها للأعلى، وادعت عدم اكتراثها، فقالت بفتورٍ وهي تداعب طرف حجابها:
-عادي، خدوا راحتكم.
نادتها "رقية" في تلهفٍ:
-يالا يا "فيرو"، عايزين نطيرها سوا.
أجلت أحبالها الصوتية، وقالت بكبرياءٍ في غير محله:
-علشان خاطرك بس.
ثم سارت بتكاسلٍ في اتجاههما، إلى أن وقفت في مواجهة "تميم"، نظرة سريعة منحتها له، متوقعة أن ينظر إلى ما سواها؛ لكنها وجدته يطالعها بإمعانٍ وتدقيق، وتلك الابتسامة العجيبة تنير ثغره، يا للوقاحة! ألا يكف عن التحديق أبدًا ناحيتها بهذه الطريقة؟!
حمحمت مجددًا، وتساءلت مستفهمة:
-المفروض أعمل إيه؟
أشار لها بعينيه نحو بكرة من الخيط السميك موضحًا دورها:
-امسكي طرف الخيط كويس، بس أوعي يفلت منك.
تطلعت إليه بنظرة مليئة بالثقة قبل أن تنطق في عنجهية أعجبته:
-لا أطمن، اللي بمسك فيه مش بسيبه.
أسبل "تميم" عينيه نحوها، وعمق من نظراته المتيمة وهو يتأملها عن لهفةٍ وتوق، كأنما يبحث عن المنفذ إلى حصونها المنيعة، لعله يجد في نهاية السعي السبيل للاستحواذ على قلبها وعقلها .. شعرت "فيروزة" بنظراته تخترقها كالسهام الصائبة، فنالت من تلك العضلة الكائنة بداخلها، وجعلتها صريعة لعواطف رائعة لم تتصور أن تبزغ بها، وتصرخ دون صوت؛ كأنما تريد منه ألا يتوقف عن إغراقها بهم، أحست بالدماء الدافئة تسري في عروقها، تمدها بترياق الحياة، وهو يؤكد لها بكلماتٍ موحية:
-وأنا مش عاوز إلا كده، ماتسيبهوش أبدًا ............................... !!
....................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الرابع الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم Manal Salem
عودة لاستئناف فصول الطاووس الأبيض بعد توقف اضطراري مفاجئ نظرًا لتعرض ملف الرواية لفيرس مدمر على جهاز اللاب توب بتاعي، وبالتالي ضاع كل المجهود المبذول في الكتابة والمراجعة .. قدر الله وما شاء فعل
أنا استلمت الجهاز وقمت بكتابة الفصل، وفيما بعد هاقوم بتجميع السابق من الفصول لإعادة تنقيحها ..
كذلك من يوم الاثنين القادم هينطلق معرض بورسعيد للكتاب، ومكانه في جراج ديلسبيس باي للي قصاد حلواني ملفاي والمركز الثقافي .. كل أعمالي هاتكون متاحة فيه بخيمة إبداع وبسعر مخفض
وهاكون موجودة للتوقيع يومي الخميس والجمعة القادمين، وجودكم هيسعدني كثيرًا
عذرًا للإطالة، وأسيبكم مع الفصل
الفصل المائة وسبعة وخمسون
صناعة الذكريات الرائعة لا تحتاج سوى لأناسٍ يجيدون إدخال السعادة على النفس، بطرقٍ بسيطة غير مصطنعة أو متكلفة. وجدت "فيروزة" نفسها تتأمل المشهد من حولها، بعد أن صعد الجميع واحدًا تلو الآخر إلى السطح لينضموا للبقية، مررت نظراتها على "هاجر" وهي تشاكس رضيعها، ومن خلفها زوجها الذي يستحثه على مواصلة السير بمفرده، ثم انتقلت ببصرها نحو "ونيسة" ووالدتها، حيث جلست الاثنتان قريبتان من بعضهما البعض تثرثران في حماسٍ وألفة.
حركت عينيها نحو خالها، فرأته يلوح بيده خلال حديثه مع "بدير"، والجد "سلطان"، لم تُبقِ نظرها عليهم كثيرًا، فتابعت التحرك بحدقتيها نحو توأمتها الجالسة في ركنٍ منزوٍ مع زوجها بالقرب من حافة السور. تنهيدة سريعة حررتها من صدرها لتعاود التطلع إلى "تميم" وهو يلاعب الصغيرة "رقية"، أمعنت النظر إليه أثناء لهوه العفوي معها، أطالت في تأملها كأنما تمنح خيالها الفرصة لحفر ملامحه في أعماقها، أمسك بها وهي تنظر إليه بهذه الطريقة، فراحت تظهر ابتسامة لطيفة على وجهه وهو يسألها:
-في حاجة؟
تداركت نفسها، وأبعدت نظراتها الحرجة عنه، لتحدق في الأفق الممتد أمامها وهي تدعي بلجلجة طفيفة:
-لأ، ده أنا بشوف بتعملوا إيه مع الطيارة.
لف الخيط حول معصمه ليجذب الطائرة الورقية قليلاً، وأجابها وهو ما زال محافظًا على ابتسامته العذبة:
-الخيط جامد، مش هيتفك بالساهل.
هزت رأسها وهي تعقب بإيجازٍ:
-كويس.
استراحت "فيروزة" بساعديها على حافة السور، وتابعت حوارها الهادئ معه:
-تعرف دي أول مرة الكل يتجمع هنا على السطح.
نظر إليها "تميم" مدهوشًا، وتساءل بنبرة مهتمة:
-بجد؟ إنتو مابتطلعوش تقعدوا هنا؟
هزت رأسها نافية بعد زفيرٍ سريع:
-لأ، قليل أوي ..
ظهرت لمعة حزينة في مقلتيها وهي تكمل مسترسلة:
-كان زمان أيام بابا الله يرحمه، بس بعد كده بطلنا، ويدوب لو في غسيل كتير عاوز يتنشر، أو سجاد يتحط عشان ينشف.
أشار بيده الطليقة معلقًا:
-ده المنظر من هنا تحفة، حرام ماتستغلوش المكان.
بقيت أنظارها مسلطة على أمواج البحر المتلاطمة وهي ترد:
-فعلاً.
خفق قلبها بتوترٍ عندما سمعته يضيف عن قصدٍ:
-إن شاء الله نبقى نوضبه سوا.
التفتت ناظرة إليه في عينين ضيقتين، فصحح مبتسمًا:
-كلنا يعني.
بادلته الابتسام برقةٍ وهي تقول:
-إن شاءالله.
.....................................................
نغزات متفرقة انتشرت في أسفل ظهرها، وأنحاءٍ متفرقة من جسدها، حاولت التغاضي عن مقدار الألم الذي تشعر به يأتيها من وقتٍ لآخر، ولم تبدِ أي شكوى لأحدهم، خاصة حينما سكنت أوجاعها إلى حد ما. عند ذلك الجانب الهادئ، فضَّلت "همسة" المكوث مع زوجها المنزعج، بعيدًا عن البقية، لئلا يلاحظ أحدهم مدى الضيق الظاهر على محياه، رغم عدم تصريحه العلني بهذا. نظرت إليه في مودةٍ، واستطردت تسأله:
-أجيبلك حاجة تشربها؟
زجرها محتجًا في حدةٍ رغم خفوت صوته:
-هو إنتي عاوزة تفضلي كده نازلة طالعة؟ ارحمي نفسك شوية، وارتاحي.
حاولت الابتسام وإخفاء الألم عن وجهها، وقالت في لطفٍ:
-يا حبيبي أنا عاوزاك تكون مبسوط.
رد عليها بنفس التعابير المتجهمة:
-هابقى مبسوط لما أمك تخف عنك شوية، حرام اللي بتعمله فيكي ده، ما تراعي حالتك شوية.
وجدت صعوبة في التنفس بانتظام، وبدأ الشحوب في الزحف على وجهها، مع ظهور ذلك العرق البارد، وتجمعه عند جبينها. سحبت شهيقًا طويلاً، لفظته على مهلٍ، وراحت تكلم زوجها بتريثٍ:
-معلش يا "هيثم"، ما إنت عارف الظروف، ولازم أكون معاها، وإيدي بإيدهم.
دمدم بغضبٍ من بين أسنانه:
-الكلام ده لما تكون بطنك فاضية، مش قربتي خلاص تولدي.
كانت منهكة الملامح وهي ترد:
-هانت.
علق في تبرمٍ، وقد تحولت نظراته نحو الطريق:
-والله شكل موال أختك ده مش هيخلص.
حاولت مجاراته في الحديث بنفس النبرة الهادئة؛ لكن النغزات عادت لمهاجمتها، قاومت شعور الألم، ورجته في مودةٍ:
-"هيثم"، قولنا إيه؟ بلاش تخليني أزعل.
أطبق بيده على فمه بعد أن غمغم سريعًا:
-أديني قاعد ساكت أهوو.
تقوست شفتاها عن بسمة راضية حين عقبت عليه:
-تعيش يا حبيبي.
أخذت "همسة" تسحب أنفاسًا عميقة، تحبسها للحظةٍ قبل أن تطلقها من صدرها، لعلها بهذا تثبط من الوخزات الحادة التي عادت للنيل منها، حمدت الله أن زوجها نهض من جوارها ليجري مكالمة هاتفية، وإلا لرأى ما أصابها، ونالت القليل من تقريعه المستاء، وإن كان محقًا في معاتبتها. انتبهت لصوت "رقية" القادم من جانبها وهي تناديها:
-"هموسة".
استدارت ناحيتها، وتساءلت في حنوٍ:
-أيوه يا "كوكي"، عايزة حاجة؟
أجابتها وهي تشير بيدها نحو الأسفل:
-عاوزة الكورة.
أفسحت لها المجال لتمر، فانحنت "رقية" لتلتقط الكرة الصغيرة الخاصة بالرضيع "سلطان"، والتي انحشرت إلى جوار المقعد، لاحظت الماء المنسكب من بين قدمي ابنة عمتها، فاعتدلت واقفة، وتساءلت في فضولٍ حائر:
-إيه المياه دي؟
ضاقت عينا "همسة" بشكٍ، وردت على سؤالها بتساؤلٍ متحير:
-مياه إيه يا حبيبتي؟
أخبرتها الصغيرة بعفويةٍ:
-تحتك.
على الفور تحولت أنظار "همسة" إلى الأسفل، واعتلت الدهشة تعابيرها، لتتساءل بعدها في استغرابٍ:
-إيه ده صحيح؟
للحظة نظرت إلى كوب مشروبها المسنود على الحافة، وقالت في نفس اللهجة الحائرة:
-أنا مكبتش حاجة.
عندئذ ضربتها وخزة عنيفة جعلت أنة متأوهة تنفلت من بين شفتيها:
-آه ..
وقفت "رقية" تتطلع إليها في توجسٍ، وسألتها بعفويةٍ:
-إنتي كويسة.
كتمت "همسة" تأويهة متألمة أخرى، ودارت بيدها على بطنها المنتفخ تتحسسه في رفقٍ. عاد إليها "هيثم"، وشملها بنظرة فاحصة قبل أن يسألها في خيفةٍ معكوسة على وجهه:
-مالك يا "هموس"؟ حاسة بإيه؟
أطبقت على جفنيها، وأجابته بصعوبةٍ:
-مش عارفة، بس في مغص جامد أوي، وحاسة بوجع رهيب في ضهري.
ظن أنها تعاني من آثار إرهاق اليوم، لهذا عنفها في ضيقٍ:
-أنا قولت من الأول إنك في الآخر هتتعبي.
انسابت دفعة من المياه بغتةً من بين ساقيها؛ كما لو أن أحدهم سكب شيئًا بقوة، مما جعل كلاً من "هيثم" و"رقية" يتراجعان للخلف كردة فعلٍ تلقائية، ليتساءل بعدها الأول في قلقٍ أكبر:
-يا ساتر، إيه ده كمان؟
صرخة مليئة بالألم انفلتت من جوفها، يتبعها استغاثة صريحة:
-إلحقني يا "هيثم"، أنا شكلي بولد، آآآآه.
بصوتها المرتفع لفتت "همسة" الأنظار إليها، وأكد على وجود خطب ما صياح "هيثم" المستنجد:
-الحقونا يا جماعة.
هرولت "فيروزة" ركضًا نحو توأمتها تناديها في هلعٍ:
-"همسة"!
بينما نهضت "آمنة" واقفة لتردد بجزعٍ:
-بنتي.
في أقل من دقيقة حاوط الجميع "همسة" التي كانت تتلوى وتصرخ بألمٍ واضح، أسندتها "فيروزة" من جانبٍ، وتولى "هيثم" الجانب الآخر لحثها على السير، في حين تحركت "آمنة" من خلفهما تدعو في رجاءٍ شديد:
-جيب العواقب سليمة يا رب، دي كانت كويسة وبخير.
قالت "ونيسة" مفسرة ما يحدث معها:
-شكلها ولادة يا "آمنة".
صرخت "همسة" مجددًا، وتوقفت عن السير، وقد انحنت بجسدها للأمام، واضعة يدها أسفل بطنها، كأنها تخشى سقوطه، لم يستطع "هيثم" تحمل رؤيتها تتألم بهذا الشكل، فلف ذراعه حول خصرها، وانحنى ممررًا ذراعه الآخر من أسفل ركبتيها ليحملها، وهو يردد على مسامعها:
-متخافيش يا "همسة"، إن شاء الله تعدي على خير.
هتف "بدير" يأمر ابنه في جديةٍ:
-جهز العربية يا "تميم" بسرعة تحت البيت عشان ننقلها على المستشفى.
هز ابنه رأسه في طاعة، بينما اقترح "سراج" في تهذيبٍ:
-وأنا هاخد الحاج "بدير"، والحاج "سلطان" معايا في العربية.
استوقفت "آمنة" ابنتها الأخرى، وأملت عليها أوامرها في لهفةٍ:
-"فيروزة"، انزلي بسرعة تحت هاتي شنطة الولادة بتاعة أختك، هتلاقيني حطاها جمب الدولاب بتاعي، جبيها وحصلينا على المستشفى، وخدي "رقية" معاكي.
أومأت برأسها قائلة وهي تسرع في خطاها:
-على طول.
لم يتوقف لسان "آمنة" عن الدعاء وهي تهبط الدرج:
-عديها على خير يا رب.
ارتفع الصراخ طوال مسافة النزول للأسفل، تشنج جسد "همسة"، وتعلقت بذراعها حول عنق زوجها تشكو له:
-آآآه، مش قادرة.
لم يعرف بماذا يجيبها، بذل قصارى جهده لنقلها إلى السيارة، وضعها بالمقعد الخلفي، واستقرت "آمنة" إلى جوارها، وهي تخبرها:
-امسكي نفسك يا حبيبتي، كلها شوية ويشرف ابنك بالسلامة.
تحرك "هيثم" ليجلس سريعًا إلى جوار ابن خالته، فضغط الأخير على دواسة البنزين لينطلق بالسيارة نحو المشفى، وقلبه قبل عقله متروكٌ لدى وليفه الذي لم يأتِ معه.
.................................................
مر الوقت بطيئًا للغاية عليه، كأن الثواني ترفض أن تمضي، ذرع "هيثم" الردهة الممتدة أمام غرفة العمليات جيئة وذهابًا في توترٍ مختلط بالخوف، تعلق قلبه بزوجته المحتجزة بالداخل، وأحس بالمزيد من الخوف يتسلل إليه مع شعوره ببطء مضي الزمن، حاول الجلوس إلى جوار الجد "سلطان"، فلم يمكث سوى لدقيقة أو أكثر بقليل، لينتفض واقفًا بعدها وهو يتساءل في قلقٍ:
-هما اتأخروا جوا كده ليه؟
رفع الجد رأسه لينظر إليه، وأخبره بيقينٍ واضح في صوته:
-إن شاءالله خير، اطمن يا ابني، احنا كلنا هنا وبندعيلها.
تضرع "هيثم" مناجيًا المولى، والخوف يعتصر فؤاده:
-يا رب كملها على خير، يا رب تقوم بالسلامة.
في الركن المقابل، وعلى المقاعد المعدنية، أخذت "آمنة" تقول بما يشبه النواح:
-مكانش لا على البال ولا على الخاطر إنها تولد النهاردة، ده احنا كان لسه ميعادنا مع الدكتور الأسبوع الجاي، عديها على خير يا كريم.
طمأنتها "ونيسة" الجالسة إلى جوارها بقولها الهادئ:
-ربنا لما يأذن، إن شاءالله تطلع من جوا، ونطمن عليها.
ركزت "آمنة" نظرها للأعلى، وراحت تزيد من دعائها:
-يا رب اجعلها ساعة سهلة من عندك.
رغم أن الرواق عج بأفراد العائلتين، إلا أنه لم يبصرها بين المتواجدين، بدت وكأنها قد اختفت عن المشهد بعد أن أحضرت الحقيبة للمشفى، توتر "تميم" من اختفائها، وشعر بالسخافة إن تطرق لسؤال أحدهم عنها، سحب هاتفه من جيبه، وتردد في الاتصـال بها، بيد أن القلب حسم الأمر بإجراء المكالمة؛ لكن قوة إرسال الشبكة لم يسعفه، فقد تعذر عليه إتمام الاتصال. زفر في سأمٍ، وأدار رأسه نحو الطبيب الذي ظهر لتوه في منتصف الممر، ليستمع إليه وهو يتساءل عاليًا:
-لو سمحتوا فين زوج المريضة؟
هرول "هيثم" ناحيته مرددًا بصوتٍ مليء باللهفة والخوف:
-أيوه أنا.
أخبره الطبيب ببرودٍ:
-عاوزينك تحت في الحسابات شوية.
حدجه "هيثم" بنظرة نارية، فقد توقع أن يطمئنه عن وضع زوجته، لا أن يطلب منه الذهاب وهو في تلك الحالة المنزعجة، تدخل "تميم" عارضًا خدماته:
-خليك إنت هنا يا "هيثم" جمب مراتك، وأنا نازل تحت.
لم يكن في حالٍ جيد يسمح له بالاعتراض أو الرفض، بل إنه تقبل عرضه بترحابٍ واضحٍ:
-طيب .. يبقى كتر خيرك يا "تميم".
ربت ابن خالته على كتفه قائلاً في ودٍ:
-على إيه يا ابني، ده احنا إخوات.
ربما في انصرافه فرصةً للتواصل معها، لهذا لم يتلكأ في سيره، وابتعد عن الردهة، متجهًا نحو طريق المصعد، ويده تعبث بشاشة الهاتف.
............................................
حملته قدماه نحو المصعد؛ لكن لصدمته وجدها جالسة عند المقاعد المعدنية المرصوصة في البهو الخاص بهذا الطابق. قفز قلبه فرحًا، وحاول تهدئة انفعالاته السارة برؤيتها ليبدو هادئ الملامح. دنا منها "تميم"، كانت مغمضة العينين، ومنكسة الرأس، تدفن وجهها بين كفيها، استقر في هدوءٍ حذر في المقعد الشاغر بجوارها، سمعها تردد في خفوتٍ:
-يا رب احفظها، يا رب ما تضرنا فيها.
أمن عليها في صوتٍ خفيض:
-أمين يا رب العالمين.
انتبهت "فيروزة" لوجوده، واعتدلت في جلستها لتنظر إليه بوجهٍ مطبوع عليه باللون الأحمر آثار أناملها الضاغطة عليه، بادر بسؤالها في استغرابٍ مهتم:
-إنتي هنا؟ ليه مش موجودة مع الجماعة هناك؟
لم تجبه، وسألته في قلقٍ لا يمكن إنكاره:
-في جديد؟ عرفتوا حاجة؟
هز رأسه نافيًا وهو يخبرها:
-لأ لسه، بس إن شاءالله خير.
أراحت "فيروزة" ظهرها للخلف، وضمت يديها معًا لتسندهما في حجرها أعلى حقيبة يدها، صمتت لهنيهةٍ قبل أن تستطرد قائلة؛ كأنما ترغب في مشاركته مخاوفها الدائرة في عقلها:
-أنا خايفة أوي على "همسة"، قلبي مش مطمن، شكلها كان تعبان أوي، واحنا مخدناش بالنا منها.
ودَّ لو استطاع محاوطتها من كتفها، وأخذها إلى صدره ليضمها، علَّها تشعر خلال ضمته القوية بالأمان والاحتواء، تنهد سريعًا، وقال بعد لحظة من التفكير:
-أول ولادة بتبقى صعبة.
لم تتوقع رده، فضحكت في عفويةٍ، وسرعان ما دخلت في نوبة ضحك غريبة، جعلت عيناها تدمعان بشكلٍ غريب، ومع هذا لم يقاطعها "تميم"، بل إنه استمتع برؤيتها هكذا، وظل يراقبها في سرورٍ، حاولت "فيروزة" التوقف عن إطلاق الضحكات؛ لكنها استصعبت إيقافها، وقالت بقهقهة مصاحبة لكلامها:
-إنت بتكلم زي ماما على فكرة.
رفع ذراعه ليمرره أعلى رأسه، وقال بابتسامةٍ صافية:
-ما أنا مش عارف أقول إيه، وبعدين كنت بسمع أمي تقول كده.
نظر "تميم" إليها ملء عينيه، وأضاف في حبٍ لا يتمكن من إخفاء علاماته:
-المهم عندي إنك إنتي بخير.
نجحت في السيطرة على نوبة ضحكها، وبادلته النظر بامتنانٍ، رغم ذلك الشعور المريب بعدم استطاعتها الرد على عذب عباراته، بدت وكأنها تريد منه الاستمرار في الكلام، وهي فقط تصغي إليه، تقلصت عضلات وجهها عندما رأته ينهض، ضاقت عيناها بشكلٍ غريب، وسألته في تلهفٍ استنكرته لاحقًا:
-إنت رايح فين؟
شعوره الجميل -في هذه اللحظة تحديدًا- باهتمامها العفوي به كان ممتعًا للغاية؛ لكنه كان مضطرًا للالتزام بالضوابط المفروضة بينهما مؤقتًا، إلى أن يجتمع الوليفان معًا، تحت سقفٍ واحد. دس هاتفه المحمول في جيبه، وأجابها:
-نازل الحسابات.
رأها تنهض من مكانها، وتطرح حقيبتها على كتفها وهي تخاطبه بنبرة عازمة:
-طيب أنا جاية معاك، مش عاوزة أفضل لوحدي.
أبقى عينيه عليها قائلاً بصوتٍ نبع من أعماق قلبه الغارق في العشق:
-وأنا جمبك.
........................................................
لم تتجاوز عقارب الساعة الخمس وأربعين دقيقة، ليخرج بعدها الطبيب المسئول عن إجراء عملية الولادة القيصرية لمريضته التي فاجأتها آلام المخاض وأوجاعه غير المحتملة، ليطمئن ذويها عن وضعها الصحي، خاصة أنها لم تخضع لولادة طبيعية كما كان يتمنى. رسم ابتسامة منمقة على محياه، واستهل حديثه مخاطبًا من التفوا حوله في شكل نصف دائرة:
-ألف مبروك يا جماعة، المدام ولدت، وبخير، والبيبي كمان بخير، يتربى في عزكم.
هلل "هيثم" في بهجةٍ عظيمة:
-اللهم لك الحمد والشكر.
بينما رددت "فيروزة" في سرورٍ كبير، وهي تضم قبضتيها إلى صدرها:
-الحمدلله يا رب.
في حين صاحت "آمنة" في رضا وهي تمسح بكفيها على كامل وجهها:
-ياما إنت كريم يا رب.
تساءل "هيثم" في لوعةٍ وهو يقبض على ذراع الطبيب ليوقفه:
-طب هنشوفها إمتى؟
بهدوءٍ حذر استل الطبيب ذراعه من أسفل يده، وأجابه بنفس الابتسامة اللبقة:
-هي في الإفاقة، وشوية وهننقلها على أوضتها.
عادت قبضته لتمسك به متابعًا سؤاله التالي، وبؤبؤاه يتحركان في توترٍ:
-طب والنونو؟
ربت الطبيب على جانب ذراعه، ثم أخبره موضحًا ما يتم إجرائه من خطواتٍ معروفة عند كل حالة وضعٍ:
-مع الممرضة، بتنضفه، وهتلبسه هدومه، وشوية وهيكون في الأوضة مع مامته، أنا بس حبيبت أطمنكم.
تنفس "هيثم" الصعداء، وراح يشكره في سعادة ظهرت علاماتها على تعابيره المشدودة:
-كتر خيرك يا دكتور.
منحه الطبيب ربتة سريعة على كتفه، قبل أن يجول بنظراته على الحضور وهو يقول:
-مبروك مرة تانية، وحمدلله على سلامة الأم وابنها.
استأذن بالذهاب، وغادر المكان، ليكرر "هيثم" من جديد في تضرعٍ شاكر:
-الحمدلله يا رب.
أقبل الجد "سلطان" عليه يهنئه:
-مبروك يا "هيثم"، يتربى في عزك.
احتضنه الأول في عفويةٍ شديدة، وأدمعت عيناه تأثرًا عندما نطق:
-الله يبارك فيك يا جدي.
اقتربت منه "آمنة"، وقامت بتهنئته هي الأخرى بابتسامةٍ عريضة:
-مبروك ما جالك يا جوز بنتي.
رد بفتورٍ محاولاً مقاومة شعوره بالانزعاج منها:
-الله يبارك فيكي.
لاحقته بسؤالها التالي، وهذه اللمعة الغبطة تتراقص في حدقتيها:
-ها ناوي تسمي حفيدي إيه؟
أخبرها في نوعٍ من السماجة؛ كأنما يوبخها بشكلٍ مستتر:
-أطمن على مراتي الأول، وبعد كده نشوف حكاية الاسم.
هزت رأسها توافقه الرأي، وقالت وهي تستدير عائدة إلى مقعدها لتجلس في استرخاء عليه، بعد أن تجاوزت قلقها الغريزي:
-معاك حق، ده المهم دلوقتي، نطمن على "همسة".
................................................
استقرت الأوضاع أخيرًا، ومكثت "همسة" في غرفتها بالمشفى، بعد أن انضم إليها وليدها في سريرٍ صغير منفصل، كانت تئن بخفوت وهي تحاول تحريك جسدها، وسحبه للأعلى حتى تتمكن من الاعتدال في رقدتها. وضعت "فيروزة" الوسادة خلف ظهرها لتدعم من استقامتها، ثم سألتها في اهتمامٍ كبير:
-حاسة بإيه يا "هموسة"؟
نظرت إليها قائلة بوهنٍ:
-مش قادرة، تعبانة.
مسحت بمنديلٍ ورقي ما تجمع عند جبينها من عرقٍ، وابتسمت قائلة في لطافةٍ:
-معلش يا حبيبتي، دي ضريبة الأمومة، إن شاءالله هاتبقي بخير.
حركت "همسة" رأسها للجانبين، وتساءلت في نفس الصوت المليء بالضعف:
-فين ابني؟
أشارت بيدها نحو الركن وهي تجيبها:
-هناك أهوو، نايم زي الملايكة في سريره.
صمتت للحظاتٍ مستسلمة للخدر الذي ما زال متفشيًا في عروقها، قبل أن تتساءل مجددًا
-و"هيثم" فين؟
تلك المرة أجاب "هيثم" عن توأمتها وهو يتقدم نحو فراشها:
-أنا هنا يا "همسة".
عندئذ تحركت "فيروزة" مبتعدة، لتترك له المجال للبقاء بالقرب منها، وانضمت إلى النساء الجالسات على المقاعد بالجانب. امتدت يده لتمسك بكفها، مسح عليه بإبهامه، ومال عليها ليخبرها بصوتٍ خافت:
-كلنا حواليكي يا "هموس".
رغم الإعياء البادي عليها إلا أنها ابتسمت لقربه، تابع كلامه معها قائلاً بحماسٍ:
-ماشاء الله ابننا زي القمر، طالع لأمه أكيد.
هنا تساءلت "آمنة" من جديد:
-فكرتوا في اسم ليه؟
سلط "هيثم" أنظاره عليها، وقال في ثقةٍ:
-أيوه، أنا و"همسة" اتفقنا عليه من فترة.
سألته بفضولٍ أكبر:
-إيه هو؟
عاود النظر إلى زوجته، ثم قال وهو يبتسم:
-"خالد".
حلت الدهشة على قسمات النساء، وتفاوتت في درجاتها، فالاسم كان شبيهًا للغاية من اسم عمة الرضيع الراحلة "خلود". غمغمت "آمنة" في تبرمٍ، دون أن ترفع من نبرتها:
-"خالد"! ده عشان أخته ولا إيه؟!!!
بادرت "ونيسة" بتهنئته على حُسن اختياره للاسم:
-عاشت الأسامي، ربنا يباركلكم فيه، ويجعله السند ليكم.
قال ممتنًا وهو ينظر ناحيتها:
-يا رب يا خالتي.
استطردت "هاجر" مهنأة هي الأخرى:
-مبروك يا "هيثم" يتربى في عزك.
هز رأسه معقبًا عليها:
-الله يبارك فيكي، تسلمي.
بالرغم من انزعاجها من اختيار هذا الاسم تحديدًا، نظرًا لإيحائه الدائم لذكرى "خلود" بمحاسنها ومساوئها، إلا أنها لم تمنع نفسها من المشاركة في التهنئة، فقالت بلهجةٍ مالت للجدية:
-مبروك ما جالك يا "هيثم"، ربنا يحفظه ليكم.
أدار زوج شقيقتها رأسه ناحيتها، وقرأ في وجهها أمارات الضيق، وكان ذلك منطقيًا، فلكلٍ منهما أسبابه في الفرح أو الانزعاج؛ لكنه صاحب الاختيار. اكتفى برسم ابتسامة متكلفة على ثغره، ورد عليها في إيجازٍ:
-يا رب.
..............................................
لاحقًا، خرجت "فيروزة" من الغرفة، لتطمئن الرجال الجالسين بالخارج على حال شقيقتها، تحركت صوب البهو المجتمعين فيه بالطابق، كانت عيناها تبحثان عن "تميم" أولاً، وحين وجدته تلألأت بشكلٍ فاضح، لذا شتت نظراتها المضيئة عنه، لتتطلع إلى "بدير" الذي همَّ بالنهوض من مكانه لمخاطبتها في صيغة متسائلة:
-أخبارها إيه دلوقتي؟
ابتسمت وهي تجاوبه:
-الحمدلله أحسن، اتفقوا يسموا البيبي "خالد".
لحظة من السكوت حلت على الجميع، بدوا مصدومين كذلك من الاختيار؛ لكنهم كانوا الأسرع في التغاضي عن الأسباب المعلومة أو حتى غير المعلومة، ليقوموا بالتهنئة واحدًا تلو الآخر. أردف الجد مباركًا في النهاية:
-على بركة الله، ربنا يطرح فيه الخير والبركة، ويكون نعم الذرية الصالحة.
ردت وهي تنظر ناحيته:
-يا رب أمين.
بإشارةٍ من عكازه نطق "بدير" في لهجةٍ جمعت بين الأمر والهدوء:
-مش بينا احنا بقى، بيتهيألي أعدتنا مالهاش لازمة.
لا إراديًا اتجهت نظراتها نحو "تميم"، وبدت مصدومة نوعًا ما لذهابه المتوقع، بالكاد نجحت في ضبط وتحجيم انفعالها الغريب، واعترضت عليه بعبوسٍ:
-ده إنتو الخير والبركة، خليكوا معانا شوية.
برر لها "بدير" بمنطقيةٍ:
-عشان تاخدوا راحتكم، وأختك كمان ترتاح من الدوشة، وعشان تقدر تفوق لابنها.
ظهر الحزن في عينيها، ورأه "تميم" صريحًا، خاصة أنها كانت لا تزال تنظر إليه بهذه الطريقة، فأصاب ملامحه التجهم، وباعد نظره عنها بصعوبةٍ وهو ينفخ مطولاً. انتبه لصوت أبيه القائل:
-نادي بس يا بنتي على "هاجر"، والحاجة "ونيسة" من جوا.
ردت في اقتضابٍ:
-حاضر.
استدارت عائدة من حيث أتت لتنفذ طلبه، فقام "تميم" بتشيعها بنظراتٍ مودعة لها، تحوي في طياتها وعدًا بلقاءٍ قريب، وإن لم تر هذا مُطلقًا! رحلت كالنسمة العابرة؛ ولكن ظلت صورة وجهها الحزين تطارده ما بقي من يومه.
........................................................
-متشكر ياسطا.
ردد ذلك الغريب تلك العبارة لسائق سيارة الأجرة، بعد أن ترجل منها وتلقى من نافذة بابها الملاصق له بقية نقوده. استقام واقفًا، وطوى المال في راحته، ثم وضعه في الجيب الأمامي لبنطاله الجينز مراقبًا ابتعاد السيارة واختفائها عن مرمى بصره. التفت بعدها نحو الرصيف، وصعد عليه ليسير بتؤدةٍ، ثم توقف للحظاتٍ في مكانه، وبدأ يدور بعينيه على معالمه ليتأكد من وجهته الصحيحة. أخرج ورقة شبه ممزقة من جيبه الخلفي، وقرأ ما فيها قبل أن يكرمشها ويعيد دسها في مكانها مرددًا لنفسها:
-هو ده البيت؟ العنوان مكتوب فيه كده.
جال بنظراتٍ أكثر دقة على المكان، ثم تقدم نحو المدخل مكملاً حديث نفسه
-أما اطلع أشوفهم.
استمر في صعود درجات السلم إلى أن وصل للطابق الثاني، لم يتعذر عليه البحث عن ضالته، فكل طابق يحوي بابًا واحدًا، لهذا دنا من الكتلة الخشبية، وأخذ يدق عليها بقبضته المضمومة تارة، ويقرع الجرس تارة أخرى. تراجع خطوة للخلف متوقعًا أن يقوم أحدهم بفتح الباب؛ لكن لا استجابة على الإطلاق، لذا تحرك مجددًا ناحيته، وألصق أذنه بالباب ليرهف السمع.
كان الصمت سيد الموقف، فارتد خطوتين للخلف متسائلاً في تحيرٍ:
-مافيش حس ولا خبر، هو محدش موجود ولا إيه؟
فرك مقدمة رأسه في حيرةٍ أكبر، ثم حسم أمره قائلاً:
-أجرب أشوف الجيران اللي تحت.
هبط الدرجات للأسفل، وراح يكرر ما فعله من طرق مزعج على الباب، ومع ذلك لم يجد أي استجابة، فهسهس في امتعاضٍ:
-برضوه، إيه الحكاية؟
تحرك ليقف عند الدرابزين، وأطل برأسه من الفرجة الخاصة به متسائلاً في وجومٍ غير فرح:
-فين الناس اللي هنا ............................................. ؟!!
............................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الرابع الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم Manal Salem
تصبيرة صغيرة من الطاووس الأبيض
الفصل المائة وثمانية وخمسون
بخفة وتدبر، أفرغت مشروب (المُغات) الساخن، في الفناجين البيضاء المصنوعة من الفخار، لترصها بعدها بتوازنٍ في الصينية العريضة، فاليوم هو اليوم المنشود للاحتفاء بقدوم أول حفيدٍ لها، لهذا لم تدخر وسعها في إبراز سعادتها بمجيئه إلى الدنيا. استخدمت قطعة من القماش لتمسح البقايا المنسكبة على سطح الرخامة، وكذلك حول الفناجين. التفتت "آمنة" باحثة عمن يأتي لحمل الصينية الثقيلة عنها، وإعطاها للضيوف المتواجدين بباحة المنزل، حيث يُقام الاحتفال بمرور أسبوع على ميلاد الرضيع "خالد".
خرجت من المطبخ تلقي نظرة على من بالصالة، وجدت "فيروزة" تحمل بين ذراعيها صندوقًا كرتونيًا يحوي على أكياس الفول السوداني، ناداتها قبل أن تخرج من باب المنزل:
-يا "فيروزة"!
استدارت الأخيرة ناحيتها، وسألتها:
-أيوه يا ماما، في حاجة؟
هتفت بها تأمرها وهي تشير بذراعها في الهواء:
-سيبي اللي في إيدك وتعالي شيلي المغات للناس اللي تحت.
أخبرتها ابنتها بإشارة من رأسها:
-طب هودي دول وأطلعلك.
أصرت على تنفيذ مطلبها بقولها شبه الصارم:
-خلي الفول بعدين، المهم المغات، الناس المفروض تشربه قبل ما يبرد.
اعترضت على تشددها قائلة:
-هو مش هيلحق، دي دقيقة.
ظلت متمسكة برأيها مرددة:
-معلش، الفول الناس بتاخده وهي ماشية.
رضخت "فيروزة" أمام إلحاحها، وانحنت واضعة الصندوق بجوار الباب وهي تغمغم:
-طيب يا ماما.
بدأت بالسير في اتجاه المطبخ؛ لكن استوقفها صوت قرع الجرس، فالتفتت عائدة إليه وهي تقول:
-ثواني أشوف مين.
بقيت والدتها واقفة في مكانها تتابع من زاويتها البعيدة ما يحدث، في حين قامت "فيروزة" بفتح الباب لتجد "تميم" واقفًا عند أعتابه، بوجهه المبتسم، وعيناه الضاحكتان، ابتسمت تلقائيًا لرؤيته، وشعرت بالسرور يتصاعد بداخلها لحضوره، انتبهت له وهو يُلقي عليها التحية، وكامل نظراته عليها:
-مساء الفل.
استقامت في وقفتها، وسوت بيدها مقدمة حجاب رأسها الأزرق، قبل أن ترد في رقةٍ:
-مساء النور عليك.
ما أحلاها حين يتبدل على جسدها الأقمشة المزركشة، فتبدو كالطاووس الذي يتباهى بألوان ريشه الجاذبة للأنظار، بالكاد أبعد عينيه الهائمتين عنها، ليلمح من مكانه والدتها وهي ترمقه بنظراتٍ متربصة، تنحنح مرحبًا بها وهو يرفع يده إلى جبينه:
-مبروك يا حماتي، يتربى في عزكم.
دنت منه لتبادله الترحاب الودود:
-الله يبارك فيك يا معلم، عقبال نهار فرحتنا بعوضك إنت و"فيروزة".
برقت عينا الأخيرة في استنكارٍ لدعوتها الصريحة، وانسحبت مغادرة المكان وهي شبه تركض، لا تعرف إن كان من عبارتها المحرجة، أم لرغبتها الغريبة في حدوث مثل تلك الأمنية، أن يجتمعا معًا، وتغدو العلاقة بينهما في مسارها الطبيعي. سمعت صوته يردد في رجاءٍ:
-إن شاءالله، دعواتك يا حماتي.
انتظرت لما يقرب من الدقيقة بداخل المطبخ، متوقعة انصراف "تميم"، ثم حملت بحذرٍ تام الصينية المتخمة بالفناجين، مشت على مهلٍ حتى أوشكت على الوصول إلى باب المنزل، عندئذ انتبهت لوجود "تميم" الذي استطرد عارضًا عليها دون تأخير:
-عنك يا أبلة، دي تقيلة عليكي.
سيطرت على انتفاضة مصدومة لبقائه، وهتفت معترضة:
-لأ، أنا تمام، عارفة أتعامل.
تمسك بطلبه، وأصر عليها بلطافةٍ تجعل الرأس العنيد يلين:
-عشان ماتدلقش منك، هتكسفيني؟
نظراته الساهمة التي تحتويها، وقسماته الناطقة بشيءٍ تحب دومًا رؤيته على وجهه، جعلاها تتراجع عن عنادها، ابتسمت قائلة وهي تناوله إياها:
-طالما إنت مُصر، اتفضل.
أخذها بحرصٍ من يديها، لتشعر بإزاحة هذا الثقل المزعج عنها، انتصبت بكتفيها، وهمهمت بصوتٍ شبه خافت:
-أوف، كانت تقيلة.
على ما يبدو التقطت أذناه شكواها العفوية، فعلق في عذوبةٍ:
-التقيل يخف عشانك.
لم تخفِ ابتسامتها المرحة، ونظرت إليه بطريقة جعلت قلبه يخفق في بهجةٍ، من كان يظن أن تتألف الأرواح في نهاية المطاف! انتظر "تميم" تحركها قبله؛ لكنه تفاجأ بها تنحني لتحمل الصندوق الكرتوني، اعترض على ما تفعله هاتفًا:
-لازمتها إيه تشيلي الكرتونة، شوفي إنتي محتاجة إيه تنقليه، وأنا موجود عشانك.
تلك الكلمات البسيطة المباشرة، وغير المصطنعة، دومًا تزيد من شعورها بالأمان في وجوده، لم تكن مجرد أقاويل تُردد لملء أذنها بالفارغ من الكلام، لحجب الحقيقة عنها. كان كما تراه، داخله كخارجه، نقيًا، مليئًا بسماتٍ قلما تجدها في الرجال! أحاطت "فيروزة" الصندوق بذراعيها، وألصقته بصدرها، ثم أخبرته عن عزيمة أظهرتها له:
-بسيطة يا معلم، وبعدين أنا سيباك للتقيل.
أشار بعينيه نحو الصينية التي يحملها مُعلقًا بطرافةٍ:
-ما هو واضح، اختبار قدرات.
لم تعد تخجل من الضحك في حضرته، بل أدركت أنها عرفت كيف تضحك معه، وكيف يكون للابتسام معنًا حقيقيًا بمشاركته الحديث غير المتكلف.
......................................................
تلك المرة جاء سائرًا، لم يملك من المال الكافي ما يخوله لاستئجار عربة خاصة لإيصاله إلى وجهته دون مشقة، بالكاد استعان بما معه من مدخرات، لركوب المواصلات العامة حتى يصل لبيته. في مرته السابقة ذهب مثلما أتى خالي الوفاض، لهذا اضطر أن ينتظر لبضعة أيامٍ لئلا يعود فارغ اليدين. رأى في مرمى بصره أحد الأكشاك عند الناصية، اتجه إليه على الفور، توقف بالقرب من مالكه، وناداه في لهجةٍ شبه جافة:
-بقولك يا أخ ...
انتبه له صاحب الكشك، فتابع مشيرًا لواحدٍ من المباني القصيرة:
-مش ده بيت "خليل العربي"؟
نظر الرجل إلى حيث أشار، وأكد بإيماءة من رأسه:
-أه اللي هناك ده.
لوح هذا الغريب بيده قائلاً بملامحٍ مالت للتجهم الشديد:
-طب متشكر.
تقدم في سيره نحو البيت، وعيناه تفحصان المكان بتدقيقٍ، رأى الصخب المحاوط بالبناية، والإنارة المعلقة على الجدران، امتلأ قلبه بالحقد، وراح يدمدم مع نفسه في غضبٍ متزايد:
-واضح إن عندهم زيطة وزمبليطة، أه طبعًا، هو هيفرق معاه حاجة، ماهو عايش ملك زمانه.
واصل تحركه مكملاً بنفس النبرة المغلولة، والشرر ينطلق من حدقتيه:
-أنا جاي عشان أخد حقي منه، مش هاسيبه يعيش في الميغة دي لوحده!
......................................................
هبوط درجات السلم معًا كان ممتعًا، فقد أصبح وسيلتهما المتاحة للدردشة اللطيفة المحملة بالعتاب الرقيق. ترك "تميم" خطيبته تنزل أولاً، وتبعها في خطواتٍ متمهلة حذرة، حين وجدها تقتضب في الرد عليه، تجاذب أطراف الحديث من جديد معها، فاستطرد قائلاً بابتسامةٍ عريضة:
-أنا رنيت عليكي إمبارح قبل ما أنام.
نظرت إليه "فيروزة" نظرة سريعة محملة بقدرٍ من الغيظ، قبل أن تخبره في تحفزٍ:
-أه شوفت مكالمتك الصبح، أصلي كنت نمت.
عقب عليها بتفهمٍ:
-ما أنا قولت كده برضوه، نوم العوافي عليكي.
استفزها رده البارد، فأخذت تهاجمه دون أن ترتفع نبرتها، وعيناها تشتعلان غيظًا:
-وبعدين في حد يكلم خطيبته متأخر أوي كده؟ مش في أصول؟
صمت لهنيهة قبل أن يتكلم في تهذيبٍ:
-معاكي حق.
استمرت في تعنيفه بتحيزٍ:
-بتتصل قبل الفجر، وأنا بصحى من بدري، ما ينفعش أفضل سهرانة كل ده!
تغاضى عن كل ما قالته أمام جملتها الأخيرة، وكأنه منحته شعورًا عظيمًا بالرضا، ابتسم ببلاهةٍ وهو يسألها:
-هو إنتي كنتي مستنياني؟
تداركت زلة لسانها، وتصنعت العبوس وهي ترد:
-وإن يكن، ده مش موضوعنا.
اعتذر منها بتنهيدة عاشقة:
-حقك عليا، غصب عني والله، كان عندنا توريد في الميناء، وكان لازمًا نخلصه قبل ما المركب تطلع، أنا مايهونش عليا زعلك.
ترفعت عن النظر إليه، وقالت موجزة:
-ماشي.
اقتضاب ردودها خير دليل على انزعاجها، لم يكن ليتركها تحمل ضغينة ناحيته، خاصة بعد أن تطورت العلاقة بينهما بشكلٍ إيجابي وفعال. استمر في اعتذاره قائلاً:
-خلاص بقى ماتشليش مني، ده شغل، والله ما كنت بلعب.
هزت كتفيها قائلة بقليلٍ من التجهم:
-عادي.
ألح عليها قائلاً وهو يسبل عينيه:
-طب عشان خاطري.
نظرت إليه بعينين ضيقتين، فتابع ضغطه الرقيق للقبول باعتذاره في التقصير معها:
-طب عشان خاطر جدي؟
زمت شفتيها للحظةٍ، وقالت بابتسامةٍ مغرية:
-عشانه بس.
تصنع الغيرة، وهتف بتذمرٍ:
-وربنا هو محظوظ بيكي أكتر مني.
كبتت ضحكة شقية أرادت الظهور، ورسمت الجدية على ملامحها وهي تخبره في لهجة حازمة:
-طب يالا عشان نفرق المغات على الناس.
استمر في مشاكستها فأردف قائلاً بكلماتٍ موحية:
-ممكن تحوشيلي كيس فول، أصل غاوي سوداني، وخصوصًا لما يكون من إيديكي.
هزت رأسها نافية، وأغاظته عن عمدٍ بتصريحها:
-لأ، هدي نصيبك لجدي.
ضحك من خلفها، وقال وهو يتخذ حذره في خطواته الأخيرة من الدرج:
-مش بقولك محظوظ، ربنا يزيده.
..............................................
بعيدًا عن الحشد المجتمع، وقفت "هاجر" بجانب زوجها تتابع مكالمته الهاتفية مع أحد الأشخاص، ظلت صامتة إلى أن أنهى الاتصال، فراح يخبرها بفحوى المكالمة، لما لها من صلةٍ بابتياع الناقص من لوازم توضيب منزل الزوجية. كررت عليه سؤالها بحاجبين معقودين؛ كأنما تشكك في احتمالية حدوث ذلك:
-إنت متأكد إن المنجد هايجيب المراتب القطن بكرة؟ ولا هيغير كلامه زي المرة اللي فاتت؟
أجابها بإيماءة مؤكدة من رأسه:
-أيوه، لسه قافل معاه، وهاروح الشقة استناه قبل الميعاد.
مطت شفتيها للحظةٍ قبل أن تعقب في غير اقتناعٍ:
-خير إن شاءالله.
قبل أن ينتقلا للحديث عن أمرٍ آخر، قاطع حوارهما ذلك الغريب ذي الملامح المكفهرة، استطرد الأخير هاتفًا بوجهٍ منقلب:
-سلام عليكم.
تفرس "سراج" في تعابيره، ورد التحية في تحفزٍ:
-وعليكم السلام.
بينما رمقته "هاجر" بنظرة شملته من رأسه لأخمص قدميه، انتابها هاجس غريزي بأن وراء ذلك الرجل المتجهم خطبٌ ما، تركت لزوجها مهمة التواصل معه، واستمعت للرجل وهو يتساءل مستفهمًا:
-بقولك يا أخ، هو فين الأستاذ "خليل العربي"؟
تحولت أنظار "سراج" ناحية إحدى الزوايا، وأشار بيده كذلك وهو يجاوبه:
-هناك، اللي قاعد على الكرسي ده.
أمعن الغريب النظر إليه وقد اشرأب بعنقه، ما إن تأكد من ملامحه حتى قال بغير ابتسام:
-تمام، شوفته، متشكر.
رد عليه "سراج" في اقتضابٍ لا يخلو من حيرةٍ:
-العفو.
شيعته "هاجر" بنظراتٍ متفرسة متحيرة، وتساءلت بعد انصرافه:
-مين ده؟
أجاب زوجها بنوعٍ من التخمين:
-مش عارف، بس جايز يكون حد قريبه.
لم تقف كثيرًا عند تلك المسألة، وقالت وهي تنقل رضيعها من كتفها الأيمن للأيسر:
-احتمال.
مد ذراعيه ليحمله عنها قائلاً بحنو أبوي:
-هاتيه، إنتي شلتيه كتير.
لم تجادله، وأعطته له قائلة بتبرمٍ:
-مش مريح نفسه.
احتضن "سراج" الرضيع، وأخذ يداعبه بإصبعه، والصغير يستجيب لملاطفاته بغمغمة غير مفهومة، تطلع بعدها إلى زوجته وهو يقول في فرحةٍ:
-سبيه براحته، ربنا يباركلنا فيه.
.................................................
اخترق الغريب الصفوف المتراصة بعشوائية، وتركيزه بالكامل منصب على "خليل"، لم يحد بنظراته النارية عنه، بدا وكأنه يحمل في صدره ناحيته كرهًا كبيرًا، تعابيره عبرت عن القليل من هذا البغض. وقف أمامه بشحمه ولحمه، وشرع يحدجه بنظرات قاسية شرسة، في البداية لم يكن "خليل" منتبهًا له؛ لكن حين حط ذلك الظل الطويل على رأسه، أدار وجهه إليه ليتطلع في صدمةٍ إلى آخر من توقع رؤيته بعد كل تلك الأشهر. هتف الأول قائلاً بنبرة مالت للتهكم عن التوضيح:
-أبو نسب!
برزت اللعثمة أكثر في صوت "خليل" وهو يردد مذهولاً:
-"حـ..حُسني"؟!
هدر الرجل بنبرة أقرب للصياح مستخدمًا كفيه في التلويح:
-إيه يا عم، خلاص مصدقت سوحتني برا، عشان تطنشني وتقطع الجوابات، إيش حال ما أنا أخو مراتك اللي اتخدت غدر ..
جف حلق "خليل"، وظل يُطالعه بنفس النظرات المصدومة؛ كأنما حلت مصيبة قاسمة للأظهر على رأسه بظهوره علنًا أمام عائلته التي تجهله كليًا .. انقبض قلبه بتوجسٍ شديد، وشحب لون وجهه المنهك و"حُسني" يسأله بصوتٍ مليء بالاتهام:
-فين حق أختي "سماح" ......................................... ؟!
........................................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الرابع الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم Manal Salem
بعتذر إن الفصل قصير إلى حدٍ ما لانشغالي يوميًا بمعرض بورسعيد الرابع للكتاب، باعتباره الحدث الثقافي الهام على أرض المحافظة .. وحقيقي مقدرش أفوت المشاركة اليومية فيه، لأني من كبار داعمي تشجيع القراءة ونشر الوعي الثقافي بين الجمهور في بلدي .. فده بحيث واجب عليا أكتر منه مجرد شيء عابر لأي كاتب ..
أسيبكم مع الفصل
الفصل المائة وتسعة وخمسون
بحركةٍ شبه فاقدة للتركيز، حاولت غلق أزرار كنزتها، بعد أن انتهت من إرضاع وليدها الذي بدا هشًا للغاية وهي تحمله بذراعها. ضمته "همسة" بالذراع الآخر إلى صدرها، ثم رفعته بحذرٍ على كتفها، وأخذت تربت على ظهره برفقٍ حتى يتجشأ، وتفرغ ما امتلأت به معدته من الهواء. اتجهت عيناها نحو الباب حين سمعت الطرقات عليه، وهتفت في نبرة لم تكن عالية نسبيًا:
-اتفضل.
أطل زوجها برأسه بعد أن فتحه، فابتسمت لرؤيته، ولج إلى الداخل، وأغلق الباب من خلفه، ليسألها في اهتمامٍ:
-رضعتيه يا حبيبتي؟
أومأت برأسها وهي ترد، ويدها ما تزال تمسح على صدر الرضيع:
-أيوه يا "هيثم".
ثم ما لبث أن ابتسمت وهي تكمل:
-السُرة الحمدلله وقعت.
قال في رضا وهو يجلس على طرف الفراش إلى جوارها:
-طب خير، ربنا يباركلنا فيه.
ردت بعد تنهيدة بطيئة:
-يا رب.
راحت تداعب الرضيع في حنوٍ للحظاتٍ، حتى استكان، وغفا على كتفها، أخفضته بين ذراعيها، وتطلعت إلى زوجها الذي كان مأخوذًا به، ظهر التردد على محياها وهي تخاطبه:
-بقولك آ..
انتبه لها متسائلاً:
-إيه يا "هموس"؟
لعقت شفتيها، وتابعت بنفس النبرة المفعمة بالارتباك والندم:
-تفتكر "فيروزة" هتزعل مني، لو عرفت إني اللي أصريت على اختيار اسم ابننا مش إنت؟!!
بدا غير مهتمٍ بمسألة علمها من عدمه، وقال في جديةٍ:
-مش لازم نقولها كل حاجة، ده شيء يخصنا احنا وبس، كفاية إنها تفرح لابننا، وتتمناله الخير، مش عايزين منها أكتر من كده.
اعترفت له بما يضيق في صدرها:
-أنا مش متعودة أبقى كده، حاسة نفسي وحشة أوي وأنا بخبي عليها.
كان "هيثم" هادئ الملامح وهو يخبرها بوجهة نظره المنطقية:
-يا "همسة" لازم تفهمي إن احنا دلوقتي بقالنا حياتنا الخاصة، ماينفعش نحشر فيها حد لمجرد إننا عاوزين نرضيه، ولا يحس إنه مهم عندنا، ده اتفاق بيني وبينك، اتناقشنا، وقررنا، وخلاص ..
نظرت إليه بغير كلامٍ، فأكمل على نفس الشاكلة:
-وبعدين في الأول ولا في الآخر ده ابني، وهيشيل اسمي، ولو مكانش عاجبني مكونتش وافقتك عليه.
ردت بنبرةٍ مالت للحزن، وقد نكست رأسها للأسفل قليلاً:
-أكيد والله كل نيتي خير، يعني اعتبرته زي تكريم لأختك الله يرحمها.
هتف في غير مبالاة وهو يمد يده نحو ذقنها ليرفع وجهها إليه:
-مش الكل عِرف إن ده اختياري، ماتشليش هم بقى.
شعرت بالرضا عن التوافق الحادث بينهما في كل أمر يخوضاه معًا، وابتسمت قائلة في ارتياح:
-ربنا يخليك ليا.
نهض من مكانه على مهلٍ وهو يكرر عليها مجددًا:
-سيبك من الكلام ده، ماتوجعيش دماغك بيه.
هزت رأسها بالإيجاب قائلة:
-طيب.
أشار بيده نحو الباب متابعًا:
-المفروض ننزل نشوف الناس اللي مستنيانا تحت.
ضبطت "همسة" من ثيابها المتهدلة قليلاً وهي تقول:
-أنا خلصت خلاص، هبص على نفسي في المراية بصة أخيرة وخلاص.
أحنى جسده عليها ليحمل رضيعه عنها وهو يداعبه في محبة أبوية تزداد يومًا بعد يوم:
-تعالى يا حبيبي في حضن أبوك
.....................................................
بدا وكأن ماضيه التعس يطارده بعد أن ظن أن السكينة قد حلت عليه، استمر "خليل" في التحديق لوجه صهره بنظراتٍ جمعت بين الخوف من الفضيحة، والرهبة من كشف ما كان يرتكبه خلسة لكسب أموالٍ غير شرعية. شحب لون بشرته أكثر مع استمراره في تهديده الضمني:
-خلاص "حُسني" رجعلك، ومش هايسيب حقه، أنا ماتكلش أونطة!
ازدرد ريقه، وحاول الكلام؛ لكن "حُسني" واصل على نفس المنوال الغاضب:
-وبقولهالك من تاني، أنا يا فيها لا أخفيها.
تلعثم وهو يجاهد لصد تهديداته:
-أنـ..ا .. مكونـ..تش آ...
سئم صهره من لجلجته المستفزة، وهدر به بوقاحةٍ فجة:
-متعمليش فيها بتموت، والروح بتطلع، وإنت جن مصور!
صوته المرتفع جذب الأنظار إليهما، واستمرار "حُسني" على نفس الوتيرة الحانقة جعل الفضول يشيع بين المتواجدين لمعرفة تفاصيل الخلاف العميق بينهما. بمجرد أن لاحظ "تميم" توتر الأجواء، ترك ما في يده، ودنا من هذا الغريب يسأله في لهجةٍ غير متساهلة:
-إنت مين يا جدع إنت؟
رمقه بنظرة احتقارية، ونعته بما بدا أقرب للسُبة:
-طرأنا، مايخصكش.
ما أسهل استثارة أعصابه بتلك الطريقة! اخشوشنت نبرة "تميم" وهو يرد بغضبٍ متصاعد في صدره، ويده تسبقه في جذبه من ياقته:
-ما تتكلم بأدب.
ضرب "حُسني" ذراعه ليتحرر من قبضته وهو يهتف في حقدٍ:
-إيدك يا شبح!
جاءت "فيروزة" هي الأخرى على إثر الأصوات المحتدمة، وتساءلت في قلقٍ، ونظراتها تجول على كافة الوجوه المشحونة بالحنق والغضب:
-في إيه يا جماعة؟
لم يحبذ "حُسني" تدخل الآخرين في شئونه، فحدجها بنظرة ازدرائية قبل أن يزجرها قائلاً وهو يشير بكفه نحو "خليل":
-محدش ليه فيه، احنا نسايب في قلب، وبنصفي الحساب اللي بينا.
رددت في ذهولٍ لا يخلو من الصدمة:
-نسايب!!
استغرقها الأمر بضعة لحظاتٍ لتجد الصلة التي تجمع بين الاثنين، حملقت فيه بنظراتٍ قوية، بينما تلفت "حُسني" حوله كأنما يفتش عن أحدهم قبل أن يتساءل بصوتٍ جعله أجشًا:
-وفين البت "رقية"؟
ثم نادى عاليًا ليزيد من جذب الانتباه إليه وهو يتجول في الأرجاء:
-بت يا "رقية"، إنتي فين يا بت؟ تعالي لخالك!
أتت الصغيرة على صوته المألوف بعد تكرار ندائه، وفزعت عند رؤيته، تجمدت لوهلةٍ في مكانها، مستعيدة في ذهنها تقريعه البدني المؤذي لها حينما كانت تخطئ في أمر بسيط، التصقت لا إراديًا بساق ابنة عمتها، وشفتاها تتحركان لتنطق برعشة ظاهرة عليها:
-خالو.
وقعت أنظاره عليها، فأشار لها بيده لتقترب منه وهو يأمرها:
-تعالي يا بت.
أخفت وجهها عنه، وتشبثت بساق "فيروزة"، فلفت كلتا ذراعيها حولها، كأنما تستنجد بها دون أن تنطق. اغتاظ خالها من عدم تجاوبها مع أمره، وهمَّ بالانقضاض عليها لجذبها عنوة؛ لكن اعترض "تميم" طريقه بجسده ليقضي على أي فرصة للاقتراب من إحداهما، وهدر بها في تشنجٍ:
-مكانك، هي سايبة؟!
نظر له شزرًا قبل أن يعلق في لهجةٍ متهكمة تدعو لشحذ قوى الغضب ضده:
-قول للقُطة دي تركن على جنب، وتسيب البت، بدل ما تجيب لنفسها التهزيق!
لم يتحمل "تميم" سماع مثل تلك الإهانات اللاذعة الموجهة لنصفه الآخر، لم يشعر بنفسه وهو يندفع لا إراديًا نحوه لينقض عليه، جاذبًا إياه بقبضتيه من ياقته في قساوةٍ متضاعفة وهو يهتف به بعنفٍ:
-إنت اتجننت؟
حدق فيه "حُسني" مشدوهًا من حركته المباغتة، بينما تابع "تميم" تهديده الصارخ له وهو مستمرٌ في جذبه من عنقه:
-إياك تغلط فيها لشقك.
خشيت "فيروزة" من تصاعد الأمور، وتطورها للأسوأ، فاندفعت تناديه في خوفٍ غير مصطنع:
-"تميم"!
رغم الخفقة التي عصفت بقلبه لسماعه اسمه مجردًا من على شفتيها، إلا أنه ظل ثابتًا على وضعه العنيف المهدد بإحراق الأرض ومن عليها، تابع دفعه بعيدًا عن الأعين المراقبة لهذا الشجار الوشيك، حتى وصل به إلى بقعة غير مزدحمة، وتبعتهما "فيروزة"، والصغيرة، وأبيها؛ لكنها توقفت عند مسافة آمنة، لتنأى بابنة خالها من أي خطرٍ في حال تعقد الأمور.
....................................................
رأت "آمنة" ما يحدث من على بعدٍ، وقلبها يدق في توجسٍ، حاولت إلهاء الموجودين عن الشغب الدائر في محيط باحة المنزل، وطلبت من مشغل الموسيقى رفع الصوت للتغطية على بوادر الشجار الملحوظ، وما إن تأكدت من ابتعاد "تميم" ومن معه عن أعين الضيوف حتى هرولت في اتجاهه، وهي تتساءل بجزعٍ، وعيناها مسلطتان على الغريب:
-صلوا على النبي يا جماعة، في إيه بس؟
كأنه لم يسمع شيئًا منها، ظلت يداه قابضتان على "حُسني" وهو يحذره بلهجةٍ غير متسامحة:
-كلامك معايا أنا، ولم لسانك بدل ما أطربأها على دماغك.
رد الأخير هازئًا منه:
-لأ كده خوفت.
أطبق "تميم" بقبضته على ياقته أكثر، واستخدم ساعده في وضعه على عنق ذلك المستفز، قاصدًا الضغط على مجرى تنفسه وهو يهدده من بين أسنانه:
-إنت عاوز تعمل نمرة على الكل؟ هات آخر الحوار.
جاوبه دون مراوغة بنبرة غير مريحة، وهو ينظر في اتجاه الصغيرة:
-عاوز بنت أختي.
هنا تضاعفت رجفة "رقية"، وبدأت في البكاء خوفًا منه وهي تتوسلها:
-مش عاوزة أروح معاه.
ارتابت "فيروزة" من رهبتها منه، وامتلأ رأسها بالشكوك والهواجس، ومع هذا طمأنتها بقولها:
-متخافيش يا حبيبتي، إنتي هتفضلي معايا
أتاه تعليق "تميم" حاسمًا للأمر، وقد أخفض ذراعه الآخر نحو ياقته ليمسك به جيدًا؛ لئلا يفلت منه:
-مافيش بنات، حِس أبوها في الدنيا.
قال في سخريةٍ فجة، ونظراته تتحول ناحية "خليل":
-أبوها، الوقيع ده؟
هزه "تميم" في عنفٍ وهو يخبره بنفس اللهجة المليئة بالتهديد:
-الوقيع ده أنا ممكن أجيبك تحت رجله في ثانية، تستسمحه يرحمك من اللي هيتعمل فيك مني.
حاول "حُسني" الضحك للاستخفاف به؛ لكن خرجت ضحكاته متقطعة، ثم استطرد قائلاً بعدها بطريقته المتهكمة:
-إيه يا عم الشبحنة دي كلها؟ ماتخشش بصدرك أوي كده.
لم يعد بمقدوره ضبط أعصابه أكثر من ذلك أمام استفزازه الناري الحاقد، لذا مد "تميم" قدمه ليعرقله من ساقه، ثم طرحه أرضًا على ظهره، وكور قبضته استعدادًا للكمه بشراسةٍ .. أوشك بالفعل على تلقينه درسًا قاسيًا، لولا أن جاء والده، وتدخل في اللحظة الأخيرة ليأمره بلهجةٍ لا تُرد:
-"تميم"، لم الليلة، مش وقته!
اعترض عليه وهو لا يزال جاثيًا فوقه:
-يا حاج ده جاي يقل من الموجودين، مش عامل اعتبار لحد.
أتاه رده حازمًا وحاسمًا:
-حاسبه بعدين، مش قصاد الغُرب.
لم يرد أمره، ونهض عنه قائلاً في طاعةٍ:
-ماشي الكلام يابا.
لكنه لم يترك هذا المقيت في مكانه، بل جذبه بغيظٍ من رقدته المهينة، ثم دفعه دفعًا نحو الخارج ليطرده وهو يقول في نبرة حمئة:
-يالا من هنا.
نفض "حُسني" ذراعه عنه، وهتف به في غلٍ:
-ماتزوءش!
هدده "تميم" مجددًا وهو مستمرٌ في إبعاده عن المكان:
-أخرج بأدبك بدل ما أسحلك.
رفع الأخير سبابته مهددًا بغير خوفٍ:
-ماشي، أنا طالع المرادي يا فتوة المنطقة، بس حقي مش هاسيبه، وهاخده بالقانون.
بقيت أنظار "تميم" عليه وهو يدمدم بكلماته الغاضبة المتوعدة أثناء خروجه من باحة البيت، ظل واقفًا في مكانه حتى تأكد من ذهابه نهائيًا، حينئذ استدار عائدًا إلى حيث تقف "فيروزة" مع أبيه، وخالها، والصغيرة "رقية"، وأيضًا والدتها. سمع الأخيرة تردد بما يشبه الولولة وهي تلطم على صدغيها برفقٍ:
-يادي الفضايح، احنا كنا ناقصين، الناس هتقول إيه دلوقتي؟
رد عليها "بدير" بصوتٍ هادئ:
-محصلش حاجة، اهدي يا حاجة.
وجهت "آمنة" كلامها إلى شقيقها تسأله بنبرة لائمة:
-مين ده يا "خليل"؟
نظر إليها نظرة العاجز الخائف من افتضاح أمره، لم تملك من الصبر أدنى ذرة، لهذا كررت سؤالها عليه بإلحاحٍ حانق:
-إنت ما بتردش ليه؟ ده مين؟
أحس بالوهن يسري في جسده، فلم يعد قادرًا على تحريك مقعده، دارت عيناه اللاتين غلفهما سحابة من الضباب على من حوله متسائلاً في ضعفٍ:
-فـ..ين "رقـ..ية"؟
أظهرتها "فيروزة" له بعد أن كانت تختبئ خلفها وهي تخبره:
-معايا يا خالي.
أشار ناحيتها قائلاً بصوتٍ مختنق:
-هاتيها.
اندهشت "فيروزة" من الحالة الغريبة التي سادت على ملامحه، وانعكست على أطرافه، تركت الصغيرة تركض ناحيته، لتجلس في حجره، فضمها إليه بكل قوته؛ كأنما يخشى فقدانها، شتت نظراتها الحائرة عنهما لتتطلع إلى والدتها التي استمرت في نواحها:
-شايفة العكننة؟
أطلقت زفرة سريعة، وقالت بوجومٍ:
-خلاص يا ماما، محصلش حاجة.
ظلت تشكو في تحسرٍ:
-الناس تقول علينا إيه دلوقتي؟ الموضوع مش هيعدي كده على خير من غير ما الناس تتكلم.
تلقائيًا تحركت أنظار "فيروزة" مع "تميم" الذي انفرد بوالده بعيدًا عنهم، ثم انتبهت لوالدتها، وعلقت بجديةٍ:
-وارد يحصل في أي بيت مشاكل، ده العادي، محدش ضامن الظروف.
في تلك اللحظة انضمت "همسة" إليهما، والفضول مستبدٌ بها، دارت بعينيها في الأرجاء وهي تتساءل
-في إيه يا جماعة؟ الجو مكهرب ليه؟
ردت عليه "فيروزة" باقتضابٍ عابس:
-بعدين يا "همسة".
لم تجادلها توأمتها كثيرًا، وانسحبت في خفةٍ لتعود إلى زوجها ورضيعها، بينما انشغلت "فيروزة" بالنظر إلى "تميم"، أصبحت لا ترى سواه في تلك اللحظة، ثبتت نظراتها عليه، وراحت تفكر فيه بشكلٍ كبير، تبدلت الكثير من الأمور عنه، بعد أن شاهدت بأم عينيها استبساله في الزود عن الضعيف باستماتة، لامت نفسها لأنها كانت تظن في وقت من الأوقات أنه يفعل ذلك لاسترضائها، واستثارة إعجابها؛ لكن على العكس كان مقدامًا مع من يحتاج إلى دعمه بلا شروط .. وقتئذ أدركت أنها كانت حمقاء لعدم اكتشافها مبكرًا هذا الجانب الرجولي الشهم منه، امتلأت نظراتها نحوه بالاعتزاز والزهو، وأخذت تخاطب نفسها في عتابٍ تشوبه ابتسامة صغيرة ساخرة:
-ليه حق يضايق مني عشان غباوتي ...................................... !!
......................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الرابع الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم Manal Salem
الفصل المائة وستون
بين طرفة عينٍ وانتباهتها كان قد اختفى عن أنظارها كالسراب، أقل من دقيقة التهت فيها عن التطلع إليه لتخاطب توأمتها التي استبد بها فضولها لتستعلم عن سبب بوادر الشجار المريب، التفتت بعدها لتنظر إلى رمز المروءة فلم تجده، أصابتها تعاسة غريبة، وشعرت بانقباضة مزعجة تعصف بقلبها. تحركت "فيروزة" من مكانها ودارت حول باحة المنزل الخلفية لتفتش عنه بين المتواجدين؛ لكنه كان غير موجودٍ، حاولت البحث عنه وسط عائلته، فلم تجد سوى والدته وشقيقته وزوجها، أما هو وأبيه وجده فلم يكونوا حاضرين.
نالت منها الحيرة، وتوقفت في مكانها، والضيق يكسو وجهها، كتفت ذراعيها أمام صدرها، ورددت مع نفسها في استياءٍ متعاظم:
-للدرجادي ماليش اعتبار عندك؟ تمشي من غير ما تقولي إنك ماشي!
دنت منها "آمنة" تناديها، فلم تنتبه لها، كررت عليها النداء بتذمرٍ:
-مش سمعاني يا "فيروزة"؟ عمالة أنادي عليكي من بدري.
استدارت ناحيتها لترد بعصبيةٍ ملحوظة عليها:
-أيوه يا ماما، في إيه؟
أشارت لها بيدها نحو بعض الجالسين عند الأركان وهي تأمرها بنوعٍ من التوجيه:
-شوفي مين ماخدش أكياس الفول وفرقي عليه، خلينا نلهي الناس في الأكل، بدل ما يركزوا في البهدلة اللي حصلت من شوية.
قطبت جبينها مغمغمة في خفوت بائس من محدودية تفكيرها الحالي:
-ده اللي همك.
لم تفهم والدتها ما الذي تقوله، فتساءلت، وعيناها تتجولان على الضيوف:
-بتقولي إيه؟
هتفت في غير صبرٍ:
-حاضر يا ماما، حاضر.
ثم غادرت بعدها في خطوات عصبية لتنفذ طلبها، و"آمنة" من ورائها تتطلع إليها بدهشة وهي تتساءل:
-مالها دي كمان؟!
.........................................................
انقضى ما تبقى من اليوم على خير بالنسبة للجميع فيما عدا هو، كان وحده مثقلاً بالهموم والضيق. انزوى "خليل" بغرفته، مصطحبًا معه طفلته الصغيرة، أصر على مبيتها معه بالرغم من اعتياد الأخيرة على النوم مع عمتها أو ابنتها. بقي ماكثًا على مقعده المدولب، شاعرًا بعدم قدرته على السير أو تحريك أي طرفٍ من جسده كما كان يفعل قبل سابق؛ وكأن العجز قد تمكن من أوصاله. تأملها بنظراتٍ حزينة لا تعكس معها سوى الخوف، تساءل صوت ما في عقله:
-هتعمل إيه يا "خليل"؟ "حُسني" مش هيسكت، ده جاي وناوي على الشر.
عاد بذاكرته إلى الوراء، حيث كان يمتهن وظيفة تسفير الشباب إلى الخارج، عن طريق اللعب بأحلامهم، وإيقاعهم في فخ الثراء السريع بمجرد أن يطأوا البلدان العربية المتخمة بالثروات التي لا تعد ولا تحصى، آنذاك رأى "سماح" مع شقيقها "حُسني"، شريكه في تصدير الوهم. لفتت أنظاره، وانشغل عقله بها، قاوم التفكير فيها؛ لكنها سلبت لبه، وازدادت الرغبة بداخله في الزواج بها، بالطبع لصغر سنها، ولقدرتها على تعويضه عما يفتقده في علاقته مع زوجته "حمدية".
بالنسبة له بدت صفقة مناسبة أن يتزوجها في مقابل منح شقيقها فرصة وهمية للسفر إلى الخارج، معتقدًا أن حيله وألاعيبه ستنطلي عليه مثل الآخرين؛ لكن الأخير كان أكثر ذكاءً عن البقية لم يرتضِ بالأمر، وقيده بشروطٍ مادية أثقلت كاهليه ليوافق على تزويجها له، واضطر أن يرضخ لطلباته للظفر بحياة هانئة مع فتاة لطيفة تُجيد دب مباهج الحياة في روحه التعسة. سارت الأمور على ما يرام لبعض الوقت، وبدأ يدفع له بانتظامٍ كلما سنحت له الفرصة لتسفير أحدهم للخارج؛ لكن مع التدقيق الأمني، والحملات المكثفة للقبض على وكلاء مكاتب السفر الوهمية، أنهى "خليل" عمله في هذه المهنة الخطيرة، واقتصر على بعض المعاملات الحسابية غير المضرة للحصول على مالٍ إضافي، وحين فقد "حُسني" عمله الآخر، بات مزعجًا له، يُطالبه إما بسداد باقي المستحقات التي لم تُدفع بعد، أو بفضح أمره بين أفراد عائلته، خاصة أن يملك من الأوراق القانونية ما يُدينه بشدة.
حيئنذ ظهر "آسر" على الساحة، وكان كطوق النجاة له، وسيلته الفعالة للخروج من المأزق الذي وقع فيه، فاستغل معارفه، وصلاته الجيدة في الحصول على تأشيرة للسفر لأحدهم، وأعطاها له مقابل تزويج "فيروزة" به، لم يمانع "خليل" مُطلقًا التضحية بغيره للنجاة ببدنه، اعتبر أنها صفقة رابحة للجميع .. وبالفعل حصل على أوراق السفر، وساوم "حُسني" على أن يعطيه باقي الإيصالات وما يُدينه في مقابل منحه تأشيرة السفر المضمونة لإحدى الدول العربية.
ولمعاشرة "حُسني" الجيدة لـ "خليل"، شعر أن بالأمر خدعة ما، لهذا وافق على إعطائه نصف الأوراق والإيصالات، وتأجيل البقية لحين استقراره في العمل؛ لكن ما لم يعلمه كلاهما أن التأشيرة لا تضمن فرصة الحصول على عملٍ جيد، مجرد وسيلة مضمونة لدخول البلاد، فاعتقد "خليل" بمغادرة صهره أن الكابوس قد انتهي، هو لن يعود مطلقًا، سيتدبر أمره، ويعمل بأي مهنة كبديلٍ عن العودة فارغ اليدين.
لكن جاءت الرياح بما لا تشتهي السفن، وحدث ما لم يكن في الحسبان، عاد شريكه في بيع الوهم، وبعد مجيئه، لن تكون الأمور كسابق عهدها! حتمًا سيطالب بالدين، ويهدده بفضح أمره أمام الغرباء قبل الأقرباء إن لم يدفع ما يخرسه للأبد.
أفاق من شروده على نفس الصوت النادم المردد في رأسه:
-هتصرف إزاي؟ بعد ما خلاص بقيت في عيون اللي حواليا مجني عليه ومظلوم، هابقى جاني ونصاب.
نظر مطولاً إلى ابنته النائمة، وتنهد مضيفًا في توجسٍ:
-ده غير إن بنتك مالهاش سند غيرك.
رفع رأسه للسماء، وأخذ يتضرع في حيرةٍ بصوتٍ غير منطوق:
-دبرها من عندك يا رب.
..............................................................
لم تتوقف عن قضم أظافرها وهي تجوب في جوانب غرفتها بعصبيةٍ وتوتر، اختفائه المريب دون وداعٍ يليق بها جعل الغضب يتصاعد بداخلها، لو لم تكن حاضرة وشاهدة على المشادة العنيفة بينه وبين هذا الغريب لما تساهلت معه. انتظرت "فيروزة" اتصاله بها ليطمئنها عليه، ولم تحاول مهاتفته كعقابٍ ضمنيٍ له. وقفت أمام نافذتها، تنظر للظلام الحالك بعينين مشتعلتين، انتفضت في لهفةٍ حين سمعت صوت الرسائل بهاتفها، ليعلن عن وصول رسالة متأخرة. اتجهت إلى تسريحة المرآة لتلتقط هاتفها، فتحته، وقرأت رسالته الموجزة بصوتٍ خافت؛ كأنما يسألها:
-صاحية؟
بأناملٍ عصبية كتبت له الرد وهي تنطق به كذلك:
-هيفرق معاك يعني؟ ما إنت خدت في وشك ومشيت، كأنك مصدقت.
انفلتت منها شهقة صغيرة وقد اهتز الهاتف في راحتها ليعلن عن اتصاله بها، ترددت في الإجابة مباشرة عليه، وتعمدت التلكؤ وهي تحترق لهفةً للرد. رفعت أنفها في إباءٍ، وضغطت على زر قبول الاتصال قبل أن يتوقف الرنين، لتهتف بعدها في تجهمٍ:
-أيوه، خير؟
لفظ زفيرًا مهمومًا من صدره قبل أن يقول بهدوءٍ:
-أنا عارف إنك زعلانة مني، بس كان لازم أمشي.
علقت عليه في جدية واضحة:
-وأزعل ليه؟ هو أصلاً زعلي يهمك؟
جاءها رده صادقًا، نابعًا من أعماقه، مما جعل نبضاتها تتسارع:
-كل حاجة فيكي تهمني، ومقدرش أبدًا أزعلك، ده إنتي الغالية عليا.
لانت نبرتها الجافة قليلاً، وسألته في فضولٍ لا يخلو من حيرة:
-طب مشيت ليه؟
سكت لحظيًا قبل أن يجاوبها:
-أبويا طلب مني ده، عشان كان عارف إني مش هسكت.
أكملت ما اعتبرته منقوصًا من اعترافه في صيغة تساؤلية:
-بسبب قريب خالي؟!!
أكد بعد صمتٍ بسيط:
-أيوه، أنا صعب شوية في عصبيتي مع اللي يمس اللي بحبهم.
التفت سبابتها حول خصلة من شعرها وهي تعقب بإيجازٍ:
-خدت بالي.
أضــاف "تميم" أيضًا في نفس النبرة الهادئة:
-ده غير إن جدي كمان كان محتاج يرجع البيت.
حررت خصلتها عن سبابتها، وسألته:
-هو كويس؟
أجابها في تمهلٍ:
-أه الحمدلله ...
بدأت نبرته تتحول للعبثية حين أتم جملته:
-مش هتسألي عني طيب أنا عامل إيه؟
تلونت بشرتها بحمرةٍ طفيفة، ورواغته الرد بآخر مبطن:
-مش لما تسأل إنت الأول.
أطلق ضحكة قصيرة، ليقول بعدها بلطفٍ:
-صح، أخبارك إيه يا أبلة؟
تنحنحت قبل أن تجيبه في جدية مصطنعة:
-الحمدلله يا معلم.
عابثها عن قصدٍ، ليزيد من ربكتها، ومن الحمرة الساخنة المتدفقة إلى خديها:
-مافيش "تميم" كده حاف من غير معلم، ولا الحاجات الحلوة مش بتطلع غير في الخناقات؟!
حمدت المولى أن اتصالهما كان صوتيًا فقط، وإلا لرأى بأم عينه تأثير كلماته العذبة عليها، عضت "فيروزة" على شفتها السفلى لثانية، وتلعثمت في نعومةٍ وهي تبرر قائلة:
-ما أنا خوفت بصراحة عليك تعمل حاجة كده ولا كده، والبني آدم ده مستفز، وناوي على شر.
أطربه ردها، وجعله في حالة انتشاء ونشوة، لذا هتف متسائلاً في لهفة محسوسة في صوته:
-بجد خوفتي عليا؟
أمام شوقه الظاهر ارتبكت أكثر، وبدا التردد واضحًا عليها، ألح عليها بصوته الهادئ؛ كأنما يرجوها:
-ما تبقيش بخيلة عليا كده، اكسبي فيا ثواب.
أطبقت على شفتيها مانعة نفسها من التفوه بكلمة؛ لكن سرعان ما تخلت عن عزوفها المتردد لتعترف له وهي تخبئ عينيها بيدها الآخرى؛ كأنما تخشى أن يرى خجلها اللذيذ:
-أه خوفت ..
هنا صاح مهللاً، كمن حاز على نصرٍ عظيم:
-يا فرج الله! أيوه بقى، مرة من نفسي.
قهقهت ضاحكة من أسلوبه المرح، وحاولت المناص من رومانسيته المغرية بقولها:
-طب يالا عشان عاوزة أنام.
ردد مستنكرًا:
-إيه ده، الوقت الحلو بيخلص بسرعة ولا إيه؟!
مازحته وهي تضحك:
-إنت اللي جاي في الوقت الضايع.
علق عليها مؤكدًا بما بدا تحديًا لها:
-خلاص هعمل حسابي المرة الجاية اتصل من بدري، وأخد وقتي كله من أوله.
لوت ثغرها في غرورٍ، وقالت معلنة قبولها عرضه:
-أما أشوف.
ودعها بقليلٍ من الغزل اللطيف:
-ماشي يا ست البنات، مساءك قمر.. زيك.
لم تختفِ الابتسامة السعيدة من على وجهها وهي ترد:
-تصبح على خير.
سمعت تنهيدته قبل أن يقول:
-وإنتي من أهله.
لم تضغط "فيروزة" على زر إنهاء الاتصــال، ونفضت بيدها شعرها في الهواء، قبل أن تستقيم واقفة وهي تغمغم:
-ناس ماتجيش إلا بالعين الحمرة.
قفزت في مكانها مصدومة حينما سمعت تعليقه:
-أنا مقفلتش الخط على فكرة، بس أي حاجة منك راضي بيها.
ارتعشت في حرجٍ شديد، ورددت بربكةٍ كبيرة:
-إنت لسه موجود، سـ.. سلام.
عندئذ تأكدت من الضغط على زر الإنهاء وهي تنظر إلى شاشته بعينين متسعتين في ذهولٍ حرج، تركت الهاتف على الفراش، ودفنت وجهها بين راحتيها هاتفة في خجلٍ، وهي تشعر بالسخونة المنطلقة من كامل بشرتها:
-ياني على الكسفة!
...................................................
جاء في موعدٍ كان متأكدًا فيه من عدم تواجدها بالمنزل، ليلتقي بخالها الذي طلب مقابلته في التو، استقبلته "آمنة" بترحابٍ كعهدها به كلما أتى إلى المنزل، أغلقت الباب من ورائه، وأشارت له بيدها ليتوجه نحو الردهة الواصلة بين غرف البيت وهي تخاطبه:
-اتفضل يا ابني، "خليل" مستنيك جوا في الأوضة.
قال في ابتسامةٍ صغيرة:
-شكرًا يا حماتي.
سألته وهي تسير خلفه:
-تحب تشرب إيه؟
توقف عن المشي ليقول معتذرًا بلباقة:
-مالوش لزوم.
أصرت عليه في ألفةٍ ومحبة:
-ودي تيجي، مايصحش والله، ده بيتك.
أخبرها بعد لحظةٍ من التفكير:
-خلاص، إن كان ولابد يبقى شوية شاي.
هزت رأسها قائلة:
-حاضر، من عينيا.
أشارت من جديد نحو غرفة "خليل" ليكمل سيره نحو بابها وهو يشكرها:
-تسلميلي يا رب.
لم يكن الباب مغلقًا بشكلٍ كامل، كان مواربًا بعض الشيء، ومع هذا طرق "تميم" عليه مستأذنًا بالدخول:
-السلام عليكم، موجود يا عم "خليل"؟
أتاه رده عاليًا:
-وعليـ..كم السـ..لام، اتفضل.
دفع الباب بيده، وجال بنظرة سريعة على الحجرة ليحدد مكان مُضيفه، وجد الصغيرة "رقية" تركض ناحيته لترحب به في سعادة كبيرة:
-عمو "تميم"!
استقبلها في أحضانه، وربت على ظهرها برفقٍ وهو يسألها:
-إزيك يا حلوة؟
ابتعدت عنه، لترفع عينيها إليه وهي تجيبه بتعابيرها البشوشة:
-كويسة.
هتف "خليل" بلهجةٍ شبه آمرة:
-نروح نـ..لعب برا شوية يا "كوكي"؟
أدارت رأسها بتلقائية نحو أبيها، وقالت في طاعةٍ:
-حاضر.
لكن قبل أن تنصرف خاطبت "تميم" في براءةٍ:
-عايزة أطير معاك الطيارة تاني.
هز رأسه بالإيجاب وهو يؤكد لها:
-حاضر، طلباتك أوامر يا حلوة.
ودعته بتحريك كفها في الهواء، وغادرت الغرفة لتترك الاثنان بمفردهما، طلب "خليل" من ضيفه في حرجٍ طفيف:
-ممكن تـ..رد الباب؟
أومأ برأسه موافقًا، وأغلق الباب قبل أن يتجه إلى المقعد الآخر الشاغر بالغرفة ويجلس عليه، أمعن النظر في ملامح "خليل" التي اكتسبت طابعًا جديًا غريبًا، ظل يتفرس فيه وهو يستطرد متسائلاً:
-كنت عاوزني في إيه؟
أخفض "خليل" من نبرته قائلاً بحذرٍ واضح:
-هاقولك .. بس توعـ..دني قبلة محدش يـ..عرف حاجة ...
استشعر "تميم" خطورة الأمر، وتضاعف إحساسه مع إكماله لعبارته بما يشبه التشديد:
-وخصوصًا "فـ..فيروزة".
ثبت كامل نظراته عليه، واكتست تعابيره بالجدية وهو يعلن قبوله بوضع الأمر في طي الكتمان:
-ماشي الكلام.
....................................................
تذكرت أنها تركت ما استلمته من المطبعة في غرفتها، ولم تأتِ به أثناء ذهابها للعمل اليوم، لهذا غادرت دكانها مبكرًا –في غير موعدها- لتأتي بالمطبوعات الورقية، لئلا يظل العمل غير متكملٍ. صعدت "فيروزة" الدرجات في نشاطٍ وهمة، ويدها تعبث داخل حقيبتها لتأتي بمفتاح الشقة، تفاجأت بنزول "تميم" على نفس السلم، تسمرت في مكانها، وطالعته بعدم تصديق، انفرجت شفتاها عن صدمة بائنة، لتسأله بعدها بنفس الملامح الذاهلة:
-إنت كنت فوق وأنا معرفش؟
على ما يبدو تفاجأ هو الآخر بتواجدها، فنظر إليها مصدومًا لوهلةٍ، مع طريقة تطلعه إليها سرعان ما استبدت بها الهواجس، وظنت وقوع مكروه ما، فتابعت متسائلة دون أن تمهله الفرصة للرد:
-في حاجة حصلت؟
أجابها نافيًا، وقد تقوست شفتاه عن ابتسامةٍ صغيرة:
-لأ، كله تمام.
سألته بنبرة مالت للتحقيق:
-أومال كنت بتعمل إيه عندنا؟
غازلها بتجرؤ غير نادم، لعله بهذا يصرف ذهنها عن التفكير في أي شيءٍ قد يثير الشكوك ناحيته:
-جاي أشوف القمر.
لم تترك لمعسول كلامته التي تطرب آذانها الفرصة لتُلهيها عن معرفة الحقيقة، ما زالت تستريب من وجوده، تقدمت في خطاها، واقتربت منه متسائلة بشكلٍ مباشر:
-اتكلم جد، في إيه؟ أنا حاسة إن الزيارة دي مش طبيعية، هو قريب خالي جه تاني؟
كانت فطنة الذكاء، لا يسهل خداعها، لذا راوغها في رده:
-وأنا هعرف منين؟
ضاقت نظراتها وهي تزيد من ضغطها عليه لتكشف سبب مجيئه المريب:
-طب عيني في عينك كده؟
من الغباء أن يترك فرصته معها تضيع سدى، لهذا استغل "تميم" عرضها السخي، وأسبل عينيه نحوها قائلاً بابتسامةٍ عذبة:
-هو أنا أطول أبص في عينيكي الحلوين دول؟!
خجلت من طريقة تحديقه بها، وتجاوزته لتقول في عبوسٍ زائف:
-إنت بياع شاطر على فكرة، أنا مش عارف أخد معاك لا حق ولا باطل.
أدار رأسه ناحيتها ليتبع حركتها، وادعى البراءة قائلاً:
-ما هو لو في حاجة أنا هاقول على طول.
اغتاظت من محاولته التذاكي عليها، واستفزته بقولها المتعمد:
-ماشي، طيب فرصة إنك هنا عشان تاخد الشبكة بتاعتك.
بقيت ابتسامته مشرقة على وجهه، واعترض في لباقةٍ:
-لأ خليها شوية.
زوت ما بين حاجبيها قائلة بعنادٍ:
-هترجع في كلامك معايا؟ إنت وعدتني.
صعد إلى البسطة الواقفة عليها، وأكد لها بتعابيرٍ مسترخية:
-وأنا عند كلامي، بس تفتكري لو دخلت على أمي بعلبة الشبكة هتعمل إيه؟
نظرت إليه نظرة حائرة، فتابع موضحًا:
-أقل حاجة هتقلب الدنيا، ويجي في بالها إننا فركشنا لا سمح الله، وهتعكنن عليا، وهتبقى ليلة نكد على الكل.
رفعت حاجبها للأعلى مرددة:
-للدرجادي؟!!
أومأ برأسه قائلاً في لهجةٍ جمعت بين الجد والهزل:
-أه، إنتي متعرفيش أمي، ربنا ما يجيب لا هم ولا غم علينا.
ضاقت عينيها بشكٍ وهي تعقب عليه:
-ماشي، هصدقك.
من جديد أسبل عينيه اللامعتين ناحيتها متسائلاً برجاءٍ:
-مش ناوية تحني عليا ونقرب البعيد؟
رمقته بنظرة مترفعة قبل أن توجز في ردها:
-بعدين.
رفع كفيه في الهواء قائلاً بنبرة غير ممانعة:
-أنا مستني، طالما في الآخر هنكون سوا.
بدأت في الابتعاد عنه، والاقتراب من باب منزلها وهي تخبره ممازحة:
-ما احنا مع بعض أهوو.
قال بنبرةٍ ذات مغزى وهو يستند بيده على الدرابزين:
-أيوه، بس أنا طمعان نقرب أكتر كمان.
طنين خفقات قلبها المتلاحقة كاد يصم أذنيها، تمالكت نفسها، وادعت عدم تأثرها، لتقوم بدس المفتاح في قفله بالباب، استدارت ناحيته، وقالت وهي تدفع الكتلة الخشبية لتتوارى خلفها:
-يبقى ادعي بذمة.
سلط كل نظراته عليها، وهتف يُكلمها في لهفةٍ مغلفة بالشوق:
-ده أنا مش هاقوم من على سجادة الصلاة!
لم تخبئ ابتسامتها الناعمة وهي تقول بنبرةٍ موحية:
-هيبان.
هلل في صوتٍ غير مرتفع، ويداه مرفوعتان للأعلى كأنما يدعو:
-يا مهون يا رب.
ودعته "فيروزة" بنظرة ضاحكة من عينيها، لتظل تلك الذكرى الجميلة حيّة في ذهنه، طوال الساعات القادمة من يومه المشحون بالكثير من المستجدات الواجب عليه تنفيذها، للذود عن أقرب الأحباء إليه .................................................. !!!
..................................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الرابع الفصل الثامن والأربعون 48 - بقلم Manal Salem
تنويه هام للقراء الأفاضل
الرواية كانت متوقفة كليًا لحين اكتمال فصولها، بسبب تعليقات الغالبية بشعورهم بالملل والفتور من أحداثها اللي أصبحت طويلة، أو المشاهد تمتد لأكتر من فصل لنفس الأحداث ..
كنت قد عقدت العزم على عدم نشرها نهائيًا إلا لما تكتمل حتى لو بعد شهور، لكن بعد إلحاح وضغط من الجميع، بإعادة النشر ولو حتى فصل أسبوعيًا منعًا لنسيان الأحداث .. وامتثالاً للرغبات دي، ونزولاً عند رأي القراء المحترمين، قررت الرضوخ والتراجع عن قراري بشكل مؤقت، بمعنى، وقت الفراغ هكتب العمل بدون قيد أو شرط، وفي الأغلب هايكون في أجازة الأسبوع يا الجمعة يا السبت .. بدلاً من التأجيل لشهور ..
السبب في القرار الأولاني عدم التقدير، والمعظم عارف المستجدات في حياتي، واللي مابحبش أحكي الجانب الصعب منها، لكن ده لا يعني الاستهانة بمجهودي أو الاستخفاف بالوقت اللي بمنحه للكتابة في مقابل كلمات محبطة هادمة لا تسمن ولا تغني من جوع ..
رجاء عند الشعور بالملل ترك العمل نهائيًا وعدم متابعته، لتقل خيرًا أو لتصمت .. على الأقل هيكون في نوع من الاحترام المستتر ..
الفصل المائة وواحد وستون
بعصبيةٍ وتشنج، انتقل من درجٍ إلى آخر، ليفتش عن غرضٍ بعينه، دون أن يعبأ بالفوضى التي يُحدثها، حيث تنشطت ذاكرته في الأيام الأخيرة بذكرى قيامه بعمل نسخة احتياطية لمنزل زوج شقيقته، فعندما كان في زيارة عادية لها ببيتها، أثناء وجود "خليل" معها، استغل فترة بقاء الأخير بالحمام للاغتسال بعد عودته من العمل، وانشغال "سماح" بإعداد الطعام بالمطبخ، ليتسلل إلى داخل غرفة نومهما، لم يبذل أي عناء في إيجاد غايته، حتى الصغيرة "رقية" لم تكن على قدرٍ من الوعي لتدرك ما الذي يفعله بالداخل، فتابعت اللعب في غرفتها ببراءةٍ.
ما إن تأكد "حُسني" أن الأمور تسير على ما يرام، حتى أخرج قالب من الصلصال كان يحتفظ به في جيب قميصه، آنذاك قام بوضع ذلك المفتاح المميز الخاص بمنزله الآخر على جانبي القالب، فانطبع تصميمه عليه، ثم بنفس الحذر أعاد وضع القالب في جيبه، وأكمل باقي زيارته دون إثارة الشكوك والريبة.
دار في خلده أن يُقدم على تلك الخطوة الخبيثة من غير علمه، إذ ربما احتاج لمساومته في يومٍ ما، إن استمرت أحواله على نفس المنوال البائس دون أي تحسن يُذكر، فتفكيره الجامح أوهم له أنه يضع الهام من الأوراق، وكذلك النقود، عند زوجته الأولى. وقتئذ اتجه "حُسني" إلى أحد معارفه ممن يقومون بصنع نسخ للمفاتيح، وحصل على نسخته، وظل محتفظًا بها لحين الحاجة، ومع تطور الأوضــاع وحصوله على عملٍ بالخارج تناسى تلك المسألة، إلى أن خسر ما لم يملك، وعاد كما ذهب خاوي الوفاض.
برقت عينا "حُسني" بشدة، والتمعت في انتشاء حين وجد ضالته المنشودة، رفع المفتاح المنسوخ أمام نظراته الطامعة، وراح يردد مع نفسه في نشوةٍ عارمة:
-دلوقتي بس هعرف أخد حقي ...
قست عيناه على الأخير وهو يتم جملته بنبرة لا تبشر بخيرٍ أبدًا:
-وبزيادة.
...............................................................
لا تعرف ما الذي دفعها، لإلقاء نظرة على ألبومات الصور الفوتوغرافية القديمة، المحتفظة بها في قاع دولابها، أخرجتهم "ونيسة" بتمهلٍ، وأخذت تنفض الغبار عن الغطاء الخارجي الذي تشقق بفعل عوامل الزمن، ثم راحت تتأمل كل صورة على حدا، كأنما تسترجع شريط ذكرياتها القديم. توقفت أمام صورة قديمة جمعتها بشقيقتها "بثينة"، ازدحمت حدقتاها بسحبٍ من الدموع، بدأت في الانسياب في صمتٍ، لتتحول بعد بضعة دقائق لنهنهات متألمة.
رأى "بدير" زوجته على تلك الحالة المهمومة، فجلس إلى جوارها على طرف الفراش، وربت على كتفها بحنوٍ، فاندفعت تبوح له بنوعٍ من الشكوى، وبما يضيق به صدرها:
-أنا مقصرة مع أختي أوي، المفروض أكون جمبها، حتى لو هي مش عاوزاني.
بصوتٍ رزين وهادئ علق عليها:
-إنتي بتعملي اللي عليكي، واحنا متابعين مع الدكتور بتاعها، سواء "هيثم" كان على علم بده ولا لأ.
كفكفت بظهر يدها دموعها المنسابة، بينما أكمل "بدير" كلامه الموجه إليها:
-والدكتور آخر مرة بلغنا إن التحسن بطيء، ولسه الزيارة مش مرحب بيها.
أظهرت اعتراضها على ما أخبرها به بترديدها المنزعج:
-يعني هنسيبها لوحدها كده مقطوعة؟
رد نافيًا دون أن تتبدل نبرته الهادئة:
-لأ طبعًا، بس بنمشي حسب التعليمات.
امتدت يدها لتسحب منديلاً ورقيًا من العلبة الموجودة على الكومود، نفخت فيه أنفها، ودعت لها بصدقٍ
-ربنا يهونها عليها، ويخفف عنها..
ثم نظرت إلى زوجها، وواصلت الكلام بصوتٍ ما زال منتحبًا:
-الحكاية مش سهلة خالص، مافيش أم تستحمل خسارة ضناها قصاد عينيها، ما بالك كمان بقطع لسانها، لطفك يا رب.
عقب "بدير" في تريثٍ:
-مشيئة ربنا، وإرادته.
أضافت "ونيسة" في توترٍ وهي ترمش بعينيها:
-بيني وبينك يا حاج، ساعات بحس بتأنيب الضمير، رايحة أجوز ابني وأفرح لولادي، وسنوية "خلود" لسه مجاتش، ده غير إن آ...
لم يستسغ هذا النوع من الحديث، فقاطعها في نبرةٍ حازمة:
-الأعمار بيد الله، والحي أبقى من الميت.
ردت عليه مبررة بقدرٍ من القلق:
-ما أنا عارفة، بس الحزن جوا الواحد وآ..
مرة أخرى قاطعها بقوله الجاد:
-هيفيد بإيه الحزن، لا عمره هيرجع اللي راح، ولا هيخلينا ننسى اللي حصل، وفي النهاية كله بأمر الله.
أدركت أنها لن تصل في نقاشها العقيم معه إلى أي شيءٍ، خاصة أنه يُحادثها بمنطقية، وهي تحاوره بعاطفتها الأنثوية. طردت تنهيدة ثقيلة من صدرها قبل أن تقول:
-ونعم بالله.
أوصاها بتشددٍ طفيف:
-ركزي مع ولادك، وسيبيك من الهم دلوقتي، ربنا أنعم علينا بالفرحة، بدل ما نقول اللهم لك الحمد والشكر، ندور على الغم ونغرق نفسنا فيه؟!!
أحست بالحرج أمام كلماته العقلانية، فأومأت برأسها هاتفة في طاعة:
-حاضر يا حاج.
.....................................................
لملم طرفي قفطانه القطيفة معًا، ونهض من مجلسه، ليسير في خطوات شبه سريعة، وهو يسعل سعالاً متقطعًا، قاصدًا الاتجاه نحو باب منزله، بعد أن سمع الطرقات القوية عليه، كانت "سعاد" الأسبق في الوصول إليه؛ لكن زوجها استوقفها بأمره الصارم:
-استني عندك، أنا اللي هفتح.
ثبتت في مكانها، وقالت في انصياعٍ:
-ماشي يا حاج.
تراجعت بضعة خطوات للخلف، وسلطت أنظارها على الباب الذي فتح على مصراعيه، لتجد "إسماعيل" يتساءل في فضولٍ، وهو يتفرس بعينيه ذلك الغريب المرابط أمامه:
-خير يا ابني؟
أجاب عليه الرجل متسائلاً في لهجةٍ رسمية:
-ده بيت "إسماعيل أبو المكارم"؟
جاوبه بصوتٍ عبر عن تحيره:
-أيوه، ده أنا، في حاجة؟
اقتربت "سعاد" بحذرٍ لتعرف ما الذي يدور، ودون أن تظهر في مرمى البصر، في حين فتح الرجل دفتره الورقي، وأخرج منه ورقة ما، ناوله إياها وهو يخبره بنفس الطريقة الرسمية:
-اتفضل الإعلان ده يا حاج.
أخذها منه، ونظر إليها في غير فهمٍ، قبل أن يعاود سؤاله بحيرةٍ أكبر:
-إعلان إيه ده؟
استمر الرجل في تأدية عمله الرسمي الذي جاء من أجله، فأدار دفتره للجانب، وأشار نحو أحد الأسطر وهو يخاطبه بغموضٍ:
-وقع هنا بالاستلام الأول.
اغتاظ "إسماعيل" من أسلوبه الفظ في التعامل، وصاح به في انفعالٍ شبه ظاهر في صوته:
-مش أفهم الأول بوقع على إيه؟
تطلع إليه الرجل قائلاً بسماجةٍ:
-ده إعلان بقضية مرفوعة عليك يا حاج.
اتسعت عيناه في دهشة عجيبة، وهتف متسائلاً بصدمةٍ:
-قضية! يا ساتر يا رب، من مين؟ وليه؟
بسّط له الرجل طبيعة الإنذار القضائي بقوله:
-ده إعلان بمنعك من التصرف في أموالك.
شهقت "سعاد" من خلفه، ولطمت على صدرها في إنكارٍ صارخ، بينما جحظت عينا زوجها في ذهولٍ أكبر، وصاح مستنكرًا بشدة:
-نعم؟ إيه التخاريف دي؟ مين اللي عامل كده؟ ده مالي بتعبي وشقايا؟ مسرقتوش من حد؟!!
نظر له الرجل بجمودٍ، كأنما اعتاد على مثل تلك الانفعالات الثائرة من الأشخاص حين يتلقون إنذارات قضائية، لم ينبس بكلمةٍ، وطالعه بنظرة أوحت بانزعاجه من مماطلته. هدر به "إسماعيل" مجددًا وهو لا يزال على حالة الاستهجان تلك:
-أكيد في غلط، إنت متأكد يا ابني؟
هز رأسه مؤكدًا بهدوءٍ يناقض الثورة الحادثة أمامه:
-أيوه يا حاج، ده شغلي .. واللي رافع عليك الدعوة هو آ...
قبل أن يتم جملته للنهاية، ظهر على الساحة "فضل"، برقت عيناه بوميضٍ خبيث، وقاطعه قائلاً بقوةٍ أصابت والده بالصدمة الشديدة:
-أني يابا.
تحولت حدقتاه المدهوشتان ناحيته، فلم يعد يرى ذلك الرجل، تركز كل بصره عليه، فبدا وكأن عيناه ستبرزان من محجريهما من هول صدمته فيه، تلجلج لسانه وهو يسأله في عدم تصديقٍ:
-إنت .. يا "فضل"؟
بجحودٍ لا يضاهيه شيء نطق ابنه البكري عن ابتسامةٍ شريرة، وبكل ثقة، ودون أن يظهر الندم على تقاسيم وجهه:
-أيوه، حقي، وهخده.
.......................................................
داعب إصبعها وجنته الناعمة بحنوٍ، قبل أن تنخفض يدها لتضبط من وضعية رابطة العنق الصغيرة، ذات اللون الأحمر الداكن، والمعقودة على شكل أنشوطة، لتكتمل هيئته الأنيقة بعد أن ألبسته الحُلة الجديدة. ابتسمت "فيروزة" للرضيع في سرورٍ، ومدحته بابتسامةٍ غير متكلفة:
-عسل أوي في البدلة.
دنت "همسة" من توأمتها، وألقت نظرة إعجاب على وليدها المستلقي على الفراش، لترد بعدها في رضا:
-مجايب خالته الجميلة.
التفتت ناحيتها لتخبرها بمحبةٍ:
-ربنا يقدرني وأجيبله كل حاجة حلوة.
احتضنتها "همسة" في تلقائية، وعلقت بنبرة راجية:
-حبيبتي ربنا يخليكي، وعقبال ما أشيل عوضك يا رب.
تجاوزت عن كلامها الموحي الأخير، وسألتها لتغير من مجرى الحديث:
-أومال فين جوزك؟ من بدري ماشوفناهوش هنا عندك.
بالطبع لكون أفراد عائلتها قد قضوا النهار بأكمله في ضيافة "همسة" وزوجها لحين انتهاء مراسم الزفاف الخاصة بـ "هاجر"، فقد لاحظت "فيروزة" غياب "هيثم" معظم الوقت، إلا من بعض الدقائق العابرة خلال الساعات الطويلة الماضية. حاولت التأكد من ألا يكون سبب عزوفه عن القدوم له علاقة بها، خاصة أن الأمور بينهما كانت إلى حدٍ ما جيدة، لا يشوبها أي تعكير أو كدر. ظلت أنظارها المتفرسة على وجه شقيقتها وهي توضح لها في عفويةٍ:
-موجود تحت مع الرجالة عشان يظبطوا فِراشة الفرح والكوشة، ما إنتي عارفة "هاجر" ودماغها، حلفت ما تعمل زفتها في قاعة، وصممت تبقى طالعة من بيت أبوها.
هزت رأسها في تفهمٍ، وقالت بابتسامةٍ منمقة:
-هي تستاهل كل خير.
رمقتها "همسة" بتلك النظرة الماكرة وهي تضيف:
-عقبال ليلتك إنتي كمان.
تعمدت "فيروزة" ألا تلتفت لقولها، أو تُلقي له بالاً، فمشاعرها العاطفية شأنًا خاصًا لا تحبذ مشاركة الغير في التعبير عنها، تحركت مبتعدة عن الفراش وهي تكلمها:
-أنا هشوف "كوكي" لبست ولا لأ.
استوقفتها "همسة" متسائلة في اهتمامٍ:
-هتنزلي عند العروسة؟
هزت كتفيها مرددة في غير اكتراثٍ:
-هي عندها اللي يساعدها، ماظنش هتحتاج حاجة مننا.
التوت شفتا "همسة" ببسمة عبثية وهي تخبرها:
-برضوه لازم نقف معاها، احنا من العيلة.
منحتها "فيروزة" نظرة صارمة قبل أن تقول بجمودٍ:
-أما أجهز، هاشوف هعمل إيه.
ظلت شقيقتها محتفظة بملامحها الوديعة وهي تُطلعها على خطواتها التالية:
-ماشي، وأنا يدوب أرضع "خالد"، وأكمل لبسي.
وقفت "فيروزة" عند أعتاب الغرفة، ثم أمسكت بمقبض الباب قائلة بهزة طفيفة من رأسها:
-خدي راحتك.
أغلقت الباب بمجرد أن وطأت للخارج، ووضعت يدها على صدرها تتحسس ذلك المتلاحق في نبضاته، تنفست بعمقٍ لتهدئته، وراحت تقاوم التفكير في رؤيتها لمن بات القلب يهواه، فإن كانت تدعي الجمود في وجود الآخرين، فما يحدث داخلها ينبئ بثورة قادمة من المشاعر الجياشة، فقط تنتظر اللحظة المناسبة لتحريرها من قيودها.
..........................................................
رغم أن الوقت ما زال مُبكرًا على بدء فقرات الزفاف، إلا أن بعض أهالي المنطقة أصروا على المجيء منذ اللحظات الأولى، والمشاركة في أفراح عائلة "سلطان"، والمعروفة دومًا بأنها تحتل القمة في كل شيء؛ جودة التنظيم، السخاء والكرم الظاهر فيما يتم تقديمه من مأكولات ومشروبات، والاحترام الواضح لكل من يُبدي ودّه وتقديره لأي فردٍ من العائلة. كان "تميم" على رأس الموجودين لاستقبال الحضور بحفاوةٍ، وأيضًا للتأكد من إتمام كل شيء مثلما اتفق مع منظمي الحفل. جال بنظراتٍ غير مدققة على الأوجه الجالسة في السرادق، إلى أن لمح "ناجي" قادمًا من على بُعد، حينئذ تجهمت ملامحه، وأصبحت نظراته أكثر جدية وتحفزًا، رفع ذراعه للأعلى ليشير إليه، فبادله الأخير الإشارة، وأسرع في خطاه ناحيته، التقط أنفاسه مستطردًا الحديث:
-مبروك يا كبيرنا، وعقبال ليلتك.
قال "تميم" في لهجةٍ رسمية، وبتلهفٍ ملحوظ، وعيناه تتابعان حركة العفوية لإخراج سيجارة من علبته المحتفظ بها في جيبه:
-الله يبارك فيك، قولي في جديد عندك؟
بنوعٍ من الغرور أجابه:
-طبعًا، وإلا مكونتش جيتلك وأنا إيدي فاضية.
استعجله مرددًا في غير صبرٍ:
-ها، إيه الأخبار؟
أشعل سيجارته، ولفظ دخانها الذي سحبه دفعة واحدة قبل أن يجاوبه مسترسلاً في التوضيح:
-سافر على شغلانة مضروبة، مالهاش ورق، وفعلاً مكانش الخال يعرف بده، اللي جابها كان عاملها زيارة، ويبقى يضربها بعدين ولا يقلبها فيزا عمل.
ضاقت عينا "تميم" بطريقةٍ غامضة، وسأله في إيجازٍ:
-وبعدين؟!
أخبره مزيدًا في إيضاحه:
-البيه حاول يمشي أموره في أي حاجة لحد ما يلم القرشين اللي بعترهم، ولما جاب حق التذكرة هوب طيران راجع على هنا.
احتدت نظرات "تميم" متسائلاً:
-والأفلام بتاعة زمان؟
انقلبت تعابيره وهو يؤكد له:
-كان مدورها معاه، تسفير غير شرعي، والأغلب مراكب.
صمت "تميم" مليًا، كأنما شرد في عالمٍ خاص به، يوازن فيه الأمور بطريقة تمكنه من التعامل معها بالأسلوب المناسب. طال سكوته بشكلٍ دعا للاسترابة، مما دفع "ناجي" لسؤاله:
-ناوي على إيه يا ريسنا؟
أخبره بغموضٍ:
-أديني بلف الحوار كله في دماغي، وهشوف ...
هز "ناجي" رأسه، فتساءل رفيقه في جديةٍ:
-بس مظاهرش هنا ولا هنا؟
أجابه نافيًا:
-لأ، بعت الرجالة في المطارح اللي قولتلي عليها، بس لا حس ولا خبر.
أومأ برأسه وهو يعقب عليه:
-ماشي الكلام، المهم تأمن على بيت الجماعة.
أكد عليه "ناجي" بجديةٍ غير مشكوكٍ فيها:
-من الناحية دي اطمن، عامل ورديات قصاد بيت الجماعة، رجالتنا واخدين بالهم.
استحسن اهتمامه بالأمر، وربت ربتة سريعة على جانب ذراعه وهو يرد:
-زي الفل.
تساءل "ناجي" بعدها وهو ينهي تدخين سيجارته:
-ها تؤمر بحاجة تانية؟
ضرب على كتفه بقوةٍ قليلة وهو يقول:
-الله يكرمك، عيش بقى مع معلمين السوق.
التفت برأسه للخلف، وهتف متحمسًا:
-تمام يا كبير، ومبروك مرة تانية.
رد بغير ابتسامة:
-الله يبارك فيك.
شيعه بنظراتٍ شبه شاردة، وقد بات عقله مشغولاً بهذا اللئيم غير المرحب به، زفر الهواء من رئتيه، وتساءل مع نفسه في تحيرٍ كبيرٍ:
-يا ترى ناوي على إيه يا "حُسني"؟ شكل نابك أزرق، ونيتك سودة!
..........................................................
كان واجمًا، متجهمًا بعض الشيء، ملامحه تعكس تفكيره العميق في أمرٍ ما، سرعان ما عاد من سرحانه المنزعج، عندما انزلقت عيناه على من هجرت سماء النجوم العالية، لتهبط إلى أرض عشقه، وتغدو بين العامة بدلالها ونعومتها الرقيقة، السارقة للقلوب قبل الأنظار. أحس "تميم" بشفتيه تتقوسان عن بسمة صافية، تبدد معها الضيق الذي احتل صدره، خاصة حينما التقت الأعين ببعضها البعض في لقاءٍ حصري، اقتصر على كليهما.
منحته "فيروزة" بسمة جمعت فيها بين الرقة والحنو، كأنما تنامى بداخلها إحساسًا مؤكدًا برغبته في الظفر بقدرٍ من هذا الشعور المفعم بالألفة والود. ومثلما اعتادت حين تلقاه، أن تتجمل في بهاءٍ تضمن به بقاء كامل أنظاره عليها لأطول مدة، وإن كانت ترى مقاومته المستميتة لتأثيرها الطاغي عليه، فتجده يتحاشى النظر إليها، كأنما يبخل عليها بنظرة مرضية لها كأنثى.
تهادت في خطواتها، وهي تضبط بيدها أطراف كنزتها النبيذية، تلك التي فضلت ارتدائها على بنطال أسود مصنوعٍ من القماش، مع حجابٍ من اللون الذهبي، تتخلله تشبيحات متفرقة من نفس لون الكنزة. أطبقت على جفنيها لثانيةٍ قبل أن تعاود النظر إليه، تقدمت ناحيته بثبات، لكن ما بين ضلوعها لم يثبت، كان يقفز في فرحةٍ وانتعاش، كأنه حظى بجنته على الأرض، أبقرب الحبيب يتبدل الحال من حالٍ إلى حال؟ هكذا كانت تشعر.
رسمت ابتسامة لطيفة على ثغرها، واستهلت تحييه:
-مساء الخير عليك.
ذابت القسوة، وتلاشى التجهم مع نعومتها المزلزلة لكيانه، بالكاد حافظ على ثباته في حضرتها، وقال بابتسامة عريضة للغاية لا تخلو من الغزل:
-مساء النور على القمر.
لامست بيدها طرف حجابها المتدلي على كتفها، كأنها وسيلتها لتخفيف التوتر المُربك الذي انتابها، ثم تنحنحت بصوتٍ خفيض، وردت بعدها وهي ترفرف برموشها:
-مبروك لـ "هاجر"، هي شوية ونازلة، أنا بصيت عليها، وكل حاجة تمام.
هز "تميم" رأسه في استحسان، وقال ضاغطًا على كلمته الأخيرة:
-على خير يا رب، وعقبالنا ..
حاولت ألا يبدو تأثير نواياه الصادقة نحوها ظاهرًا عليها، أخفضت من نبرتها حين عقبت عليه:
-إن شاءالله.
تفاجأ من ردها، ونظر إليها في ابتهاجٍ، حاولت الهرب من نظراته التي تحاصرها، وادعت وهي تشير بيدها:
-أنا هشوف "رقية"، بدل ما تتوه وسط الزحمة.
انسحابها التكتيكي كان ضروريًا لئلا تنجرف مشاعره نحو التهور، سرعان ما استعاد رشده، وسألها في لهجةٍ غير ممازحة:
-قوليلي في حد ضايقكم الأيام اللي فاتت؟
تعجبت من تحوله للجدية التامة، وسألته بنفس الوتيرة القلقة:
-تقصد خال "رقية"؟
أجابها في إيجازٍ، وما زالت ملامحه تنم عن الجدية:
-أيوه.
ردت نافية:
-لأ، من ساعة السبوع ماظهرش تاني.
زم شفتيه للحظةٍ قبل أن يقول مقتضبًا:
-كويس.
ساورتها الشكوك، وتفشت في رأسها، لهذا ظلت باقية في مكانها لتسأله بنبرة المحقق:
-هو إنت عرفت حاجة ومخبي علينا؟
استقام في وقفته، ليبدو أكثر شموخًا ومهابة، ثم وضع يديه في جيبي بنطال بدلته الكحلي ليقول في تمهلٍ:
-لأ، بطمن بس عليكم.
لن تنكر أنها تشعر بالفخر لوجودها بقربه، فمثله يدعو للتباهي بالاقتران به .. تدللت عليه، وابتسمت قائلة في مرحٍ:
-العيلة كلها طبعًا.
نظر مباشرة في عمق عينيها، حتى شعرت أنه بنظراته الدافئة قد نفذ إلى مواطن الضعف بداخلها، ليحتل -بلا مقاومة منها- كامل كيانها، خاصة عندما صاحب ذلك قوله الهادئ:
-وإنتي قبلهم ..................................... !!
...............................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الرابع الفصل التاسع والأربعون 49 - بقلم Manal Salem
الفصل المائة واثنان وستون
الفرار، ثم الفرار، ثم المزيد من الفرار، كان الاختيار المناسب حتمًا، إن أرادت أن تحافظ على ثباتها المتزعزع في وجوده .. ألبضعة كلمات عادية، منقحة من أي عبارات خادشة للحياء، كل هذا التأثير القوي عليها؟! لم تصدق "فيروزة" نفسها حين شعرت بهذه الرعدة الخفيفة تسري في أوصالها ابتهاجًا لشعورها باهتمامه الواضح بها. انزوت عن محيط أنظاره؛ لكن بقي القلب مُعلقًا بمن نجح في احتلال ثناياه والتربع على عرشه. انتقت لنفسها مكانًا بين الحضور في المقدمة، لتبدو قريبة من العروس، إن احتاجت إلى شيءٍ، فلبت ندائها بمحبة صافية. جلست إلى جوارها "همسة"، ومعها رضيعها النائم، لتلحق بهما "آمنة"، والصغيرة "رقية".
تبقى القليل على بدء مراسم الزفاف، والعروس ما تزال في منزلها بصحبة والدتها، في تلك اللحظات العاطفية الخاصة، حانت من "فيروزة" نظرة خلفية تبحث بها عن "تميم"، رأته يصافح أحدهم بحرارة، والضحكات العفوية تملأ وجهه، لحظها السعيد التقط نظراتها السارحة فيه، فخجلت، ووجلت، واستدارت محدقة أمامها وهي تشعر بدقات قلبها تعلو وترتفع، حتى كاد ضجيجه يصم آذانها. عنفت نفسها في صوتٍ هامسٍ للغاية:
-في إيه يا "فيرو"؟ ما تهدي كده.
بالكاد منعت نفسها من النظر إليه، وكأن العين لم تعد ترتوي بما يطفئ لهيب الظمأ فيها إلا برؤياه!
حاولت الالتهاء بالحديث مع شقيقتها، علَّها بهذا تسكت الصوت المنادي في رأسها باختلاس النظرات إليه، وبإرادة كاملة منها انصاعت لرغبات العقل تلك المرة، وراحت تدير رأسها في حركة بطيئة حذرة لتتطلع إليه، ويا له من شعور عظيم يزيد من إحساس الألفة والمودة بداخلها كلما أبصرته يضحك، أو يبتسم، بل يمكن الجزم بأنها شعرت بالغيرة لكون تلك الضحكات العفوية مع غيرها.
عبوسٌ طفيف سيطر على ملامحها سرعان ما تبدل لابتسامة خفيفة حين طلبت منها "همسة" بلطفٍ:
-ممكن تشيلي "لودة" شوية، لحد بس ما أشوف "هيثم" عاوز مني إيه.
امتدت ذراعاها نحوها، التقطته منها، وضمته إلى صدرها بحذرٍ وهي تُبدي ترحابها:
-ماشي يا حبيبتي.
تابعتها بنظراتها وهي تسير في تعجلٍ، تتجه نحو زوجها، في حين ضجرت "رقية" من الجلوس ساكنة، وتعلقت عيناها بالصغار الذين يلهون أمام خشبة المسرح، نهضت من مكانها استعدادًا للذهاب؛ لكن أنذرتها عمتها بجديةٍ:
-خليكي هنا يا "كوكي"، بلاش شقاوة!
زمت شفتيها محتجة في عبوسٍ طفولي:
-عايزة ألعب.
حذرتها "آمنة" من جديد بنبرة غليظة:
-وتبهدلي نفسك؟ ده لسه الفرح مابدأش.
كتفت "رقية" ساعديها، وعادت للجلوس وهي تنفخ عاليًا في سأمٍ، فتدخلت "فيروزة" لإقناعها بالقبول:
-سبيها يا ماما، هي بتلعب قصادنا.
بادرت بالاحتجاج مجددًا
-بس فستانها هيبوظ، وجايز تقع، و..
قاطعتها قبل أن تنهي ما بدأت من كلام:
-معلش، دي برضوه عيلة، مش هتفضل متقيدة في مكانها طول الوقت، لما الفرح يبدأ تبقى تقعد جمبنا.
تنهدت "آمنة" بعمقٍ، ثم استدارت تنظر لوجه الصغيرة الرقيق، لانت ملامحها واستسلمت، ثم شددت عليها بإشارة من سبابتها كذلك:
-طيب ما تروحيش بعيد، ولو التفت وملاقتكيش هعاقبك.
صدحت ابتسامة سعادة على وجهها، وتلاشى هذا التجهم مع موافقتها، ركضت لتنضم لبقية الصغار وهي تردد:
-حاضر.
ابتسمت "فيروزة" لبراءتها، وودت لو عاد بها الزمن إلى الوراء، وكانت لا تزال صغيرة، تلعب بلا همٍ، وتبيت ليلتها بلا خوفٍ من المجهول. انتشلها من شرودها السريع صوت والدتها المتساءل:
-مافيش جديد عندك؟
نظرت ناحيتها، وردت متسائلة بقليلٍ من الحيرة
-جديد إيه؟
أخبرتها ببساطة عن قلقها:
-يعني محدش كلمك في كتب كتاب ولا جواز؟ بقالنا فترة على وضعنا!
تجهمت كامل قسماتها، وهتفت قائلة في اعتراضٍ مستاء:
-مش وقته الكلام ده يا ماما.
ردت بسخافةٍ وضيق:
-أومال إمتى وقته؟ ما هو كله أهوو ربنا كرمه وبيتجوز، إنتي بس اللي هتعملي فيها بنت بارم ديله.
هسهست في غيظٍ:
-استغفر الله العظيم يا رب.
استمرت والدتها في الضغط عليها بسؤالها المُزعج:
-ها مردتيش عليا؟
أظهار أسبابها لها لن يجعلها تفهم ببساطة ما الذي تحاول فعله قبل أن تُقدم على تلك الخطوة الفاصلة في حياتها، هي تستمتع بما يتنامى بداخلها من مشاعر نقية، تُعايش وتحفر في أعماقها ذكريات حلوة تكون سلواها في المستقبل، لذا أشاحت "فيروزة" بوجهها بعيدًا عنها، وقالت في برودٍ:
-لما يبقى في جديد هاقولك، حلو كده.
رمقتها "آمنة" بنظرة حادة، مزعوجة، رافضة لعزوفها عن الزواج، تفكيرها المحدود يوهمها أن ابنتها تدلل على من لا يصلح التدلل معه، إطالة مدة الخطبة تعني إعطاء الفرصة لغيرها للقفز عليها، ومحاولة إيقاعه بالحيلة لإنهاء تلك الخطبة المزعومة والزواج بأخرى مستعدة لهذا، لم تبتسم وهي تعقب عليها:
-ماشي، ربنا يهديكي لنفسك.
...................................................
تحفز في وقفته، وبدا على أَهُبة الاستعداد، حين اصطفت السيارة المألوفة على مقربة من سرادق الفرح، اعتلى ثغر "تميم" ابتسامة اعتزاز، سرعان ما امتزجت مع نظرة الفخر التي أطلت من عينيه، عندما ترجل رفيقاه المقربان منها. تحرك "دياب" أولاً ناحية الباب الخلفي ليُخرج طفله، ثم حاوط كتفيه بذراعه، واستحثه على السير للأمام بتلكؤٍ ملحوظ، ليلحق بهما "منذر". ما إن أصبح ثلاثتهم على مقربةٍ من "تميم" حتى هلل صائحًا في مزاحٍ:
-والله كنت هزعل لو ماجتوش.
امتدت يد "منذر" لمصافحته، قبل أن يجذبه إلى صدره لاحتضانه وهو يبادله الترحاب الحار:
-هو احنا نقدر نتأخر عنك، مبروك يا "تميم"، وعقبالك.
تراجع عنه "تميم"، والتفت ناظرًا إلى "دياب" الذي خاطبه ممازحًا:
-يا عم إنت عاوز تنكد عليه من تاني، هو كده حلو.
عاتبه "منذر" بنظرةٍ ذات مغزى:
-الجواز بقى نكد دلوقتي؟ ما كان حلو من كام شهر.
رد عليه شقيقه الأصغر متصنعًا العبوس:
-ده بقى تأديب وتهذيب وإصلاح، وتقويم، وكل حاجة تخيلك تمشي عدل.
قهقه "منذر" ضاحكًا، وشاركه "تميم" الضحك، ليتبع ذلك قول الأول الطريف:
-مع مراتك أيوه، الله يكون في عونك يا "دياب".
علق عليه بطرافةٍ مماثلة:
-ده أنا ساعات بخاف منها وربنا، صعبة في زعلها، فاكر لما اتخانقت مع الجزار، دي مابيهمهاش حد.
أخبره "تميم" مبتسمًا في مرحٍ:
-كل الستات كده، عاوزين كتالوج عشان نفهمهم.
عندئذ كرر "منذر" سؤاله عليه بنظراتٍ موحية:
-طيب مش هنفرح بيك بقى؟
في حين اعترض "دياب" بنفس الأسلوب المتسلي:
-برضوه؟! ليه عاوز تجيبله النكد؟
أجاب عليه "تميم" وهو ما زال يقاوم الضحك:
-لما ربنا يأذن، هتلاقيني دخلت القفص برجليا.
أنذره "دياب" بإصبعه المرفوع أمام وجهه:
-ومترجعش تزعل، وتقول ندمان.
هز رأسه نافيًا:
-لأ يا سيدي مش هشتكي.
جذب الصغير "يحيى" ذراع والده، وطلب منه بنوعٍ من الإلحاح وهو ينظر نحو حفنة من الأطفال يلعبون على مقربة منه:
-بابا عاوز ألعب هناك.
ألقى "دياب" نظرة شمولية على البقعة المشار إليها، كأنما يُقيم مخاطرها بنظراته الثاقبة، ثم أبدى موافقته المشروطة بلهجةٍ جمعت بين الجد والهزل:
-ماشي، بس مضايقش حد، والعب مع البنات الحلوة بس.
رد "يحيى" في حماس مرح وهو يعدو ركضًا:
-حاضر يا بابا.
ما إن انصرف الصغير حتى عاتبه "تميم" في خشونةٍ:
-في حد يعلم ابنه كده؟
غمز له مبررًا بعبثية:
-خليه يجرب حظه من بدري، أومال يحصله كبت زي ناس؟
رفع "منذر" كفيه للأعلى كأنما يبرئ ساحته، وأتبع ذلك معترفًا في لطافةٍ:
-اتكلم عن نفسك، أنا مبسوط مع جماعتي.
حدج "تميم" رفيقه العابث بنظرة صارمة قبل أن يوجه كلامه الجاد إليه/
-ده أنا لو عندي بنت وإنت جاي تخطبها لابنك، وربنا لأنشف ريقكم قبل ما أوافق.
شاركه "منذر" الرأي مؤمئًا برأسه:
-لو "تميم" يعملها معاك وش.
فرد "دياب" ذراعيه في الهواء، وأحنى جذعه كأنما يؤدي تحية احترامٍ لشخصية وقورة وهو يردف مازحًا:
-هو احنا نطول نناسب الفخامة كلها!
لم يكبت "تميم" ضحكه المستمتع، وجاراه في مزاحه مرددًا:
-أيوه، اضحك عليا بكلام السوق، أصلها بيعة سهلة، ده إنت متعرفنيش، أنا عند أهلي وناسي ببقى صعب جدًا.
علق وهو ما زال مبتسمًا، وبغمزة سريعة:
-يا عم الصعب نسهله عشانك.
استمر "تميم" على جديته معه، فقال:
-برضوه هطلع عين ابنك، وعينك قبل منه.
لَحَظ "منذر" اتخاذ الأمر منحنًا جادًا فيما بينهما، فهتف يلفت انتباههما بلهجةٍ بدت شبه عالية ولا تخلو من المرح:
-إنتو بتكلموا في إيه؟ مش لما تتجوز الأول، وربنا يكرمك بالذرية الصالحة، والعيال تكبر، وتشيل الهم بدالنا، تبقى تتشرط عليهم، يعني خدلك كام سنة.
-على رأيك، عملنا زي اللي جابوا السلَّبة قبل الجاموسة.
..................................................
التجمعات الطفولية كانت وسيلة فعالة لاجتذاب الصغار للعب تحت أنظار البالغين، خاصة حينما تكون في مساحة مغلقة. تحمست "رقية" لمشاركة مثيلاتها من الفتيات، ممن يرتدين الأثواب البيضاء في الأعراس، للهو والمرح. بضعة دقائق انقضت وانضم المزيد من الأطفال للمشاركة، وقع الاختيار من غالبية الصغار على لعب "الغميضة"، وبدأوا في الركض في كل الاتجاهات، وما هي إلا لحظات وصدحت أصوات الصراخ الحماسي في الأجواء.
تحولت واحدة من تلك الصرخات الضاحكة إلى شهقة مفزوعة، حين جذب اجتذب أحدهم الأنشوطة التي تزين ثوبها، كمحاولة للإمساك بها خلال اللعب. ورغم أنها انتُزعت دون قصدٍ، إلا أنها أصيبت بالجزع، وتوقفت في مكانها مشدوهة، مرتعدة الفرائص. انحنت "رقية" لتلتقطها من على الأرض، وقد تقوست شفتاها للأسفل في حزنٍ لا يمكن نكرانه. دنت منها إحدى الفتيات تسألها:
-مالك؟ مش بتلعبي معانا ليه؟
أجابتها في عفويةٍ، وعيناها تغرقان في الدموع:
-الولد ده قطعلي الفيونكة...
ثم أشارت بيدها نحو واحدٍ من الصبية بالتحديد، نظرت إليه صديقتها، وحاولت تهوين الأمر عليها، فقالت:
-متزعليش، مش باينة، محدش هياخد باله.
هزت رأسها نافية، وردت بصوتٍ باكٍ:
-عمتو هتزعق عشان اتقطعت.
عضت الطفلة الأخرى على شفتها السفلى في حيرة، وأخبرتها بعد لحظة من التفكير السريع:
-ممكن تتربط كده.
وقامت بتجربة ما هداه إليها تفكيرها المحدود؛ لكن محاولتها باءت بالفشل، ارتاعت الصغيرة أكثر، وراحت تردد في بكاءٍ أكبر:
-أنا خايفة، هتزعقلي جامد، وممكن تضربني.
أشفقت عليها الطفلة الأخرى، واقترحت عليها في صوتٍ جاد:
-قوليلها إن الواد ده قطعها، دي مش غلطتك.
ثم أمسكت بها من معصمها، وأضافت بنبرة مهددة:
-وأنا كمان هزعقله قصادك.
اتجهت الاثنتان للصغير الذي تسبب في إفساد مظهر الثوب الرقيق، وبدأت الطفلة الأكبر سنًا في توبيخه، وتهديده بجديةٍ، خاصة مع كونه غريبًا عن المنطقة، فزأر "يحيى" يرد مدافعًا عن نفسه في حمئة عجيبة:
-مكانش قصدي، وإنتي ملكيش دعوة.
اغتاظت منه "رقية"، فراحت تهدده هي الأخرى بشجاعة رغم الرجفة الظاهرة في صوتها:
-إنت وحش، هاقول لبابا عليك.
نظر في اتجاهها، ورد بوقاحةٍ، كأنه لا يكترث لتهديدها:
-قوليله، بابايا هيضربه.
اتسعت عيناها في صدمة، وناطحته الطفلة الأخرى الرأس بالرأس، وكالت له من التهديدات المصحوبة ببعض الشتائم لتهينه، فواصل الرد عليهما بصوتٍ تعمد جعله حادًا وقويًا، مما جعل "رقية" تغادر راكضة بحثًا عن المساعدة اللازمة بعد أن تحول الأمر لمشكلة حقيقية .. كانت "فيروزة" في مرمى بصرها، لهذا بدت الخيار المناسب لإيجاد الحل.
........................................
بين الفنية والأخرى، كانت "فيروزة" تدور برأسها على محيط المكان من حولها، لتتأكد من بقاء ابنة خالها تحت ناظريها، خاصة مع بدء ازدحام السرادق بالمدعوين، تجمدت عيناها على الصغيرة حين رأتها ترنو إليها بخطى راكضة، زوت ما بين حاجبيها، وسألتها في اهتمامٍ ملحوظ يشوبه القليل من القلق:
-في إيه يا "كوكي"؟
التقطت أنفاسها لهنيهة قبل أن تشكو إليها بصوتٍ جمعت فيه بين اللهاث ونهنهة البكاء:
-في ولد قطع الفيونكة بتاعة الفستان.
نظرت إلى الأنشوطة الموجودة في راحة يدها، وتناولتها منها، ثم فحصت الثوب بعينين مدققتين قبل أن تخبرها مبتسمة في لطفٍ لتهون عليها الأمر:
-حبيبتي، خلاص متزعليش، أنا هصلحهالك.
ظلت "رقية" على عبوسها وهي تضيف:
-عمتو هتزعل.
طمأنتها "فيروزة" بنفس الأسلوب الحاني:
-مش هنقولها، وهي مش هتاخد بالها.
من زاويتها استطاعت "رقية" أن تلمح الطفل الفظ وهو يسير منفردًا، رأته ينظر إليها، قبل أن يخرج لسانه من فمه ليغيظها، فصاحت في تذمرٍ وهي تشير بيدها ناحيته:
-بصي هو الولد ده، وقال هيضرب بابا كمان.
هنا برزت عينا "فيروزة" في غضبٍ مستنكر، واستدارت ناظرة إليه حيث أشارت ابنة خالها، ثم هتفت تتوعده بتحفزٍ واضح:
-إيه الكلام ده؟ أنا هبهدله، عيب مايصحش يقول كده، لازم نحترم الكُبار.
..............................................
لم تمضِ دقيقة إلا وكانت "فيروزة" واقفة قبالة "يحيى"، حاصرته عند الزاوية، وحدجته بنظرة قاسية، بعد أن اشتاطت غضبًا وغيظًا من تصرفه الفظ، بدأت في تقريعه على سوء فعله؛ لكنه تجاهلها، وأخذ يركل كومة من التراب أسفل قدمه ليبعثره. تصاعد الحنق بداخلها أكثر، وهتفت صارخة في وجهه:
-ينفع تعمل كده في فستانها؟
بفتورٍ علق عليها:
-مكونتش أقصد.
هدرت به بتشنجٍ وهي تستخدم يدها في التلويح:
-اللي مايقصدش يعتذر عن الغلط اللي عمله، مش يقول كلام وحش للأصغر منه.
وزع "يحيى" نظراته ما بين هذه الشابة الغاضبة الغريبة عنه، وبين الصغيرة المبتسمة في نشوة انتصارٍ عجيبة، ظهر الكدر في عينيه، وصاح متوعدًا الاثنتين، وهو ينحني بجسده للأمام، ليفر في خفة من حصار ذراعها المفرود قبالته:
-أنا هاجيبلكم بابا.
شيعته بنظراتٍ مستشاطة، وردت عليه بصياحٍ قوي:
-هاته، يعني هخاف منه!!
بقيت أنظارها عليه رغم اختفائه في الزحام، ورددت مع نفسها باستهجانٍ:
-إيه العيال دي؟!!!
................................................
بوجهٍ متوهج بحمرة الغضب، اتجه "يحيى" إلى أبيه، بعد أن شق طريقه وسط الحشد المتجمهر في السرادق، لم يجد صعوبة في إيجاده؛ لكن الأخير نظر إلى ملامح طفله العابسة بشدة، والقلق يعتريه، خاصة مع تلك النظرة الحانقة التي تطل من عينيه. سحبه بعيدًا عن الصخب المحاوط بهما، وسأله مستريبًا:
-في إيه يا "يحيى"؟
أخبره بعد زفيرٍ حاد، وهو يدير رأسه في كافة الاتجاهات إلى أن حدد بقعة بعينها:
-الناس اللي هناك دول بيزعقولي.
حملق ناحية الوجهة المُشار إليها، وتابع متسائلاً في تمهلٍ، ليفهم سبب نشوب الشجار قبل أن يبادر بالرد الرادع:
-عملت إيه؟
تردد قبل أن يجاوبه كاذبًا:
-آ .. ولا حاجة.
استشعر "دياب" من ملامح صغيره المهتزة وجود خطب ما، الحكاية منقوصة، إكمالها يتطلب الذهاب منه إلى الطرف الآخر ومعرفة التفاصيل قبل تقييم الوضع بأكمله، قبض على معصمه، وسحبه خلفه هاتفًا بنبرة حازمة لا ترد:
-تعالى نشوف الحكاية.
تثاقلت خطوات "يحيى" وهو يتبعه مجبرًا، فقد أدرك أنه وقع في مأزق بسبب رعونته الطفولية، وتباهيه غير الضروري مع صغيرة لا حول لها ولا قوة، قبل أن يتصاعد لتهديدٍ نزق مع شابة بالغة، الآن عليه تحمل العواقب!
................................................
احتدت نظرات "فيروزة" على الرجل القادم في اتجاهها وهو يجذب معه الطفل المشاغب، الملامح المألوفة لكليهما معًا، بالإضافة لبعض المشاهد غير واضحة المعالم لمواقف سابقة بدأت في اقتحام عقلها، لتذكرها بأنها رأتهما فيما مضى؛ لكنها لا تذكر حاليًا أين تحديدًا، لهذا سعت جاهدة لاعتصار عقلها عصرًا علَّ ذاكرتها تتنشط قبل مجيئهما.
في البداية ساورتها الشكوك وهي تتحدث إلى الصغير، أما الآن مع حضور أبيه فقد تضاعف إحساسها بأنها تعرفهما من مكانٍ ما، تغاضت "فيروزة" مؤقتًا عن حيرتها، وبدأت بالهجوم أولاً، وأصابع الاتهام موجهة للاثنين:
-إنت أبو الولد ده؟
الطباع الحادة للنساء دومًا تكون من نصيبه، لماذا هذا الحظ الغريب معه؟ أمكتوبٌ على جبينه صالحٌ لتنفيس الانفعالات النسائية؟ امتعضت تعبيرات وجه "دياب"، ونظر لها نظرة مزعوجة وهو يرد مبررًا:
-أيوه، وأنا كنت جاي عشان آ....
قاطعته قبل أن يختتم جملته بنفس الأسلوب المهاجم:
-كويس إنك عارف إنه غلطان، يعني يصح اللي عمله ده؟!!!
نفذ صبره من هجومها العدائي تجاهه، وهتف في استياءٍ وهو يرخي قبضته عن رسغ طفله الذي أخذ يُطالع "رقية" بنظراتٍ فاحصة حادة:
-إديني فرصة أتكلم بس، هو أنا ملاحقك؟!
هدرت به "فيروزة" في انفعالٍ؛ وكأن غضب الدنيا قد تجمع في عينيها، غير منتبهة لابنة خالها التي تنظر نظرة خجولة قلقة لهذا الفظ الصغير:
-أيوه يعني عاوز تحور، وتغلوش على الموضوع، بحيث تطلعه منه زي الشعرة من العجينة.
ضرب "دياب" كفه بالآخر معقبًا في استنكارٍ:
-لا حول ولا قوة إلا بالله، هو أنا لحقت أنطق؟
ردت عليه في حدةٍ:
-ما الجواب بيبان من عنوانه.
صاح ساخرًا في صبرٍ نافذ:
-يا ربي على الجنان، أنا ربنا مابيقطعش بيا!
..........................................................
لم يصل الأمر بعد إلى جدالٍ يصُعب حله؛ لكنه أوحى ببوادر صدامٍ شرس، قد يلوح في الأفق، إن استمر على هذا التواتر المتزايد. انتبه "تميم" لوقوف طاووسه الصلد مع أحد رفيقيه العزيزين، فأسرع في مشيه لينضم إليهما، لم يركز في بادئ الأمر مع الطفلين الواقفين بمحاذاتهما عند كل جانب، واللاذين راحا يتابعان الصراع في صمت مشدوه، كأنهما لم يتسببا فيه منذ البداية.
وقف "تميم" بينهما متسائلاً في توجسٍ، وقد رأى علامات التحفز والاستهجان على كليهما:
-خير يا جماعة؟ في إيه يا "دياب"؟
ما إن تيقنت من وجود الصلة به، حتى التفتت "فيروزة" تنظر إلى "تميم" في غضبٍ، وهتفت تشكو إليه بغيظٍ:
-شوف صاحبك.
تحولت أنظاره نحو رفيقه، وسأله متوجسًا:
-عملت إيه؟
على الفور نفى أي تهمة عنه بأمارات استهجان ملأت وجهه كذلك:
-ولا أي حاجة.
هنا استطردت "رقية" قائلة، وإصبعها الصغير يشير نحو "يحيى":
-عمو "تميم" الولد ده بوظلي الفستان!
أيدتها "فيروزة" بتحفزٍ واضح وهي تخاطب "تميم":
-سمعت؟
اتجهت كافة الأنظار نحو "يحيى"، فزجره والده متسائلاً بنظرة صارمة:
-"يحيى"! إنت عملت كده؟
نكس رأسه في خزيٍ، واعترف بذنبه الصغير مُظهرًا ندمه:
-مكونتش أقصد يا بابا.
رفع "دياب" يده أعلى رأسه ليحك منابت شعره وهو يعلق في لهجة شبه مازحة:
-يعني الغلط عندنا؟ يادي الكسفة اللي احنا فيها!
مد "يحيى" ذراعه للأمام مشيرًا نحو "رقية" متهمًا إياها:
-بس هي زعقلتي جامد مع صاحبتها.
ردت عليه "رقية" بتجهمٍ كبير وهي تضع يدها المتكورة أعلى منتصف خصرها:
-وإنت قولت هتجيب باباك يضرب بابا.
فاقت جملتها حد تصور "دياب"، فانزعج للغاية من تصرف طفله، ووبخه بصرامةٍ:
-عيب كده يا "يحيى"، ماينفعش تقول الكلام ده.
استمر الصغير في إحناء رأسه حرجًا من سوء فعله، بينما استطرد "تميم" هاتفًا في هدوءٍ، ليكمل مسعاه في إصلاح ما أفسده الصغار بلهوهم العفوي:
-يا جماعة حقكوا عليا أنا، احنا ساعة فرح، وماينفعش نزعل.
شبكت "فيروزة" ساعديها، وتساءلت بحاجبٍ مرفوع للأعلى:
-والفستان اللي باظ؟
أخبرها "دياب" وهو يضع يده على صدره:
-عندي، هاجيبلها عشرة بداله.
نظرت له بترفعٍ قبل أن ترفض عرضه بكبرياءٍ عجيب:
-لأ شكرًا مش عاوزين إحسان من حد.
رد "دياب" مستنكرًا تعاليها المصطنع:
-إحسان إيه؟ ده تعويض بسيط، وآ...
قاطعته وهي تدير وجهها للجانب؛ كأنما تنأى عن الحديث معه:
-مابنقبلش العوض.
خشي "تميم" من تصاعد الأمور وتعقدها مجددًا، بسبب بعض التوافه، خاصة مع عودة طاووسه المشاكس لتلك النزعة المليئة بالعنجهية، في حضور رفيقه المتحفز دومًا للشجار على أصغر الأمور .. لهذا لم يترك الأمر معلقًا، وتحرك في اتجاه خطيبته يرجوها بلطفٍ:
-خلاص يا أبلة، دول ضيوفنا برضوه.
هسهس "دياب" ساخرًا في صوتٍ خفيض متذكرًا لقب زوجته المميز:
-أبلة تاني!!!
النظرة المستجدية في عينيه، مع اقترابه الخطير، كانا كفيلان بتخليها عن عنادها، والإصغاء للصوت المنادي في رأسها بتلبية أمره في التو، ترققت نبرتها، ولانت ملامحها المتجهمة بشكلٍ ملحوظ عندما قالت:
-عشان خاطرك بس ..
ابتسم في سعادة لتجاوبها معه، أمعقول ما يحدث بينهما من انسجامٍ يدعو خلايا الجسد للذوبان في إحساسٍ ناعم يفوق الوصف، ربما حظى في هذا الاحتدام العجيب بلحظةِ انتصارٍ خاصة به. أفاق "تميم" من هيامه اللحظي على باقي جملتها المحذرة:
-وقول لصحابك تاني مايزعلوش اللي من طرفي.
لم يستطع "دياب" منع نفسه من التعليق مازحًا وهو ينظر لطفله نظرة معاتبة:
-صح، واللي مني مزعلني.
عبس "يحيى" أكثر، فواصل والده توبيخه:
-في حد يعمل كده مع الحلوين؟
حاول الصغير التبرير له:
-والله يا بابا آ...
هتف مقاطعًا في حسمٍ:
-بابا إيه دلوقتي؟ اتفضل قولها آسف، ولم الدور.
أيده "تميم" في الرأي:
-بالظبط.
استحسنت كذلك "فيروزة" هذا التصرف، وقامت بدفع ابنة خالها في رفقٍ لتقف أمامها، وراحت تنتظر إقبال "يحيى" عليها ليُبدي ندمه على ما اقترف. أمسك التردد بخطوات الصغير، وتلكأ وهو يسير نحو الأمام، تسمرت قدماه على بعد خطوة من "رقية"، ونظر إليها بوجهٍ غير مبتسم وهو يقول:
-سوري.
ثم أحنى رأسه على وجنتها ليقبلها في سرعةٍ وسط دهشة الجميع، ثم انسحب مختبئًا خلف والده، تلون وجه "فيروزة" بالغيظ، وصاحت في إنكارٍ شديد وهي تجذب ابنة خالها إلى جوارها:
-إيه ده؟
حمحم "دياب" هاتفًا في استهجانٍ زائف، وهو يبذل جهده لإخفاء ابتسامته:
-أنا قولتلك صالحها، مش بوسها، عيب كده.
برر له "يحيى" تصرفه بعفويةٍ وهو يرفع رأسه لينظر إليه:
-ما إنت قولتلي قبل كده الحلوين لما نزعلهم يتصالحوا ببوسة.
حك "دياب" مؤخرة عنقه بيده متمتمًا في خفوتٍ حرج:
-هو أنا قولتلك كده؟!
احتدت نظرات "تميم" ناحية رفيقه، ولكزه في جانب ذراعه بخشونةٍ طفيفة قبل أن يسخر منه بوجه منقلب؛ لكنه لا يرتقي لحد الضيق:
-ونعم التربية والأخلاق ......................................... !!!
...................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الرابع الفصل الخمسون 50 - بقلم Manal Salem
الفصل المائة وثلاثة وستون
مسح بنظراتٍ ثاقبة المكان من حوله وهو يطل برأسه من سيارة الأجرة التي استقلها، ثم أشــار إلى السائق بالتوقف عند إحدى الزوايا، فامتثل الأخير لطلبه، وأبطأ من السرعة .. ما إن ترجل منها "حُسني" حتى أعطاه أجرته، دون أن يترك له الفائض. مشى قليلاً إلى أن وصل عند ناصية الشارع الرئيسي، سحب نفسًا أخيرًا من سيجارته التي أوشكت على الانتهاء، ثم ألقى بعقبها أسفل قدميه ليدعسه.
خطا للأمام بحذرٍ، وعيناه ترقبان المنطقة بتركيز، ساعده هدوء الأجواء على التجول بحريةٍ، ظل يسير بحيطةٍ حتى بلغ بناية "خليل"، شمل محيطه بنظراتٍ فاحصة سريعة، فلم يجد أحدهم في الجوار، رفع رأسه للأعلى ليلقي نظرة على الواجهة، كانت إلى حدٍ ما معتمة، مما منحه الشعور بالأمان للإقدام على خطته، تسلل إلى الداخل، عابرًا المدخل بسهولةٍ، بعد أن وجد البوابةِ غير موصدة، كان السكون تامًا حوله، ومع هذا تنامى شعوره بالحقد وهو يصعد الدرجات للطابق العلوي؛ حيث شقة "خليل"، فهناك موطن الخبيئة المنتظرة، أو كما يتوهم. كز على أسنانه يتوعده وهو يدس المفتاح المنسوخ في القفل:
-هاخد اللي ليا منك، حتى لو فيها موتي، ما أنا كده كده ميت!
لم يجد صعوبة في فتح الباب الخشبي، وطأ على مهلٍ وهو ينير كشاف هاتفه المحمول ليستكشف خطواته، أوصد الباب خلفه، وبدأ في مسعاه الذي جاء من أجله .. السرقة!
..........................................................
الأجواء المشحونة ببوادر التوتر تبددت بالتدريج، إلى أن تحولت إلى أخرى لطيفة مرحة، يطغى عليها المزاح والتعارف الودي، كأن شيئًا لم يكن، وهذا ما أراد "تميم" الوصول إليه. نظرت "فيروزة" بتركيز لا يخلو من تحفز إلى وجهه المبتسم وهو يتساءل في حذرٍ:
-ها نقول صافي يا لبن؟
أضاف عليه "دياب" مشيرًا بيده إلى صدره:
-الغلط عندنا، واحنا طالبين السماح، ده حتى العفو عند المقدرة.
سكتت لحظيًا كأنما تمنح نفسها الفرصة قبل أن تبدي قبولها بهذا التصالح النادم؛ لكن الصغير "يحيى" قال فجأة، وهو يتطلع في ابتسامة عابثة إلى وجه "رقية"، وأيضًا مستخدمًا سبابته في الإشارة ناحيتها للتأكيد أنه يقصدها:
-لو لسه زعلانة، أبوسها تاني يا بابا؟
خرجت شهقة مصدومة من بين شفتي "فيروزة"، أتبعها نظرة صارمة من عينيها إليه، ليقوم بعدها "دياب" بإخراس طفله بوضع كامل راحته على فمه هاتفًا في لهجةٍ مزجت بين الجد والهزل:
-اتلم ياض، كده هنلبس في الحيطة!
توجس "تميم" خيفةً من تجدد التوتر ثانيةً، فأدار ظهره نحو رفيقه وابنه، ليحجب الرؤية عن "فيروزة"، واستطرد يقول في نبرة شبه راجية:
-خلاص حصل خير، مش كده؟
ضاقت نظراتها ناحيته، فاتسعت ابتسامته المهذبة والمستجدية، لم تكن لترد طلبه، فأومأت برأسها وقد لانت تعبيراتها المشدودة، تنفس الصعداء، واستدار يواجه رفيقه معقبًا:
-يبقى حليب يا إشطا.
أردفت "فيروزة" تحذر الصغير وهي تلوح بإصبعها:
-يا ريت ده ما يتكررش تاني، ماشي؟
تساءل "دياب" مستفهمًا:
-إيه اللي مايتكررش؟
أجابته بشفاه مقلوبة، وهي ترمقه بتلك النظرة غير الراضية:
-الحركات اللي بتعلمها لابنك، يبوس البنات، عيب كده.
حمحم معلقًا بوجهٍ مال للجدية:
-في دي معاكي حق ...
لكن سرعان ما غطته بسمة ساخرة وهو يختتم جملته؛ كأنما يريد إغاظتها كردٍ مناسب لأسلوبها السمج في إدارة الحوار:
-بلاش بوس، نخليها أحضان.
جحظت عيناها مذهولة من تعليقه، والتفتت ناظرة إلى "تميم" تلومه:
-سامع صاحبك؟
هتف على الفور مصححًا، والقلق يملأ وجهه:
-بيهزر، وربنا بيهزر، ده إنتي مش عارفة "دياب"، غاوي يقلب الجد هزار.
حاوط "دياب" كتف طفله، ورسم ابتسامة مصطنعة على وجهه وهو يخاطبها:
-عمومًا احنا اتشرفنا يا .. أبلة.
تعمد الضغط على الكلمة الأخيرة كأنما يغيظها باللقب لا يوقرها، وقبل أن تفكر في الهجوم اللفظي عليه، استدار ساحبًا ابنه معه وهو يمتدحه بنبرة شبه هازئة:
-تعالى يا رافع راس أبوك، يا اللي جالبله وجايبله الكلام.
رغم سيره مع أبيه، إلا أن "يحيى" أدار رأسه نصف استدارة لينظر إلى "رقية"، لوح لها بيده مودعًا إياها:
-باي يا حلوة.
بادلته "رقية" التلويح، فوكزتها "فيروزة" في جانب ذراعها وهي تنهرها:
-بس يا "كوكي"، كده عيب.
نكست الصغيرة رأسها في خجلٍ، في حين تكلم "تميم" قائلاً بلطافةٍ وهو يشير بعينيه نحو رفيقه وابنه اللذين ابتعدا عنهما:
-لذيذ أوي "يحيى"، صح؟
نظرت له في غير اقتناعٍ، قبل أن تنطق بتجهمٍ ساخر:
-أه فعلاً.
وجه "تميم" سؤاله للصغيرة، وهو ينحني للأمام ليبدو قريبًا من مستوى نظرها:
-لسه زعلانة يا "كوكي"؟
قالت نافية وهي ترمش بجفنيها:
-لأ.
استقام واقفًا، ثم أسبل عينيه نحو طاووسه المزعوج متسائلاً في صوتٍ تعمد جعله خفيضًا:
-وإنتي يا أبلة؟
منحته نظرة غامضة لا يتبعها أي تعليق، فاستطرد يهمس لها بنبرة ذات مغزى:
-على فكرة، لو لسه مضايقة أنا ممكن أصالحك زي "يحيى"!
مجرد تخيل الفكرة في رأسها، ومحاولته تقبيلها في وجنتها، جعل قلبها يخفق، وعيناها تتسعان، بل إنه حفز خلاياه، وجعل رعشة قوية تصيب جسدها، تراجعت خطوة للخلف في تلقائية، ورفعت سبابتها تحذره بتشددٍ غير ممازح على الإطلاق:
-إياك، أنا مش بحب كده!
أصابه الندم لرعونته، واعتذر في لباقةٍ:
-حقك عليا، ده أنا بهزر وربنا ...
أبقى عينيه عليها وهو يتابع الكلام بحزنٍ زائف:
-وبعدين أنا عارف نفسي، من يومي بائس، ومغضوب عليا.
اهتزت شفتا "فيروزة" عن بسمة خائنة، وأدتها في مهدها لتبدو جادة؛ لكنه التقطها، فقال مبتسمًا:
-بس مسير المايلة تتعدل، والدنيا تحلو معايا.
داعبت كلماته فؤادها، وقاومت تأثيره اللذيذ عليها، ولئلا يبدو عليها تجاوبه مع السلس اللين من عذب عباراته، أشاحت بوجهها بعيدًا، وقالت بلهجةٍ جادة وهي تشبك يدها في كف ابنة خالها:
-يالا يا "كوكي" عشان نتفرج على الزفة.
شيعهما بناظريه إلى أن انغمسا وسط الحضور، فراح يردد مع نفسه في تهكمٍ، ودون أن تفتر ابتسامته:
-عقبال زفتنا .. اللي شكلها هتكون واحنا بنتخرج من الدنيا!
رفع أنظاره للسماء، وأخذ يدعو المولى بصدقٍ:
-يا رب يسرلي الحال، هون باللي فاضل، يا كريم!
................................................
استعان بماسكةٍ معدنية ليتمكن من تحريك حجر الفحم على أرجيلته، فتزداد القطع توهجًا، وينبعث الدخان من خرطومها أكثر كثافة وقوة. حملقت "سعاد" في وجه ابنها الذي بدا مغايرًا عما اعتادت أن تراه، واصلت التحديق به بنظراتٍ مطولة مليئة بالحسرة والشعور بالخذلان .. ظنت أنها تُطالع وجهًا شريرًا غير وليد رحمها، شخصًا آخرًا بدلته الأيام، وحولته لمسخٍ لا يعرف سوى القسوة والنكران. دنت منه وشملته بنظرة أخرى يكسوها الحزن والقهر، ولدهشتها بادلها النظرات المستخفة، لم يطرف له جفن، ولم يكترث لأمرها، بل إنه جلس في سموٍ على المصطبة الخشبية، كأنه يجلس على عرش "سبأ". لفظت كتلة مشحونة من الهواء من صدرها الملتاع، وسألته بصوتٍ متلجلج:
-عملت كده ليه يا "فضل" في أبوك؟
أدار وجهه نحوها، ونظر إليها في صمتٍ، فتابعت بنفس النبرة المتألمة:
-هو يستاهل منك كده؟ بقى بعد العمر ده كله تبهدله في آخر أيامه؟
ظهر الاختناق على صوتها وهي تواصل لومها:
-هي دي وصية ربنا ليك؟ تحجر على أبوك؟!!
وكأنه لم يقترف جرمًا يلومه عليه أهل الأرض جمعاء، نظر لها شزرًا، ثم طرد دخان الهواء الحارق من رئتيه قبل أن يرد موجزًا بتعالٍ:
-حقي!
سألته في انفعالٍ بدأ في التزايد جراء طريقته المستفزة:
-حق إيه؟ ده تعب أبوك وشقاه؟ عايز تاخده منه عافية؟ هو ده اللي اتربيت عليه.
بجحودٍ مُطعم بصنوف القسوة المؤذية للروح أخبرها:
-أه هاخده عافية وبالقوة، طالما قِبل إنه يبهدلني ويطردني من داري ...
احتدت نظرات "سعاد" نحوه، وحدجته بنظرة غاضبة اشتاطت مع قوله الفج:
-البيت ده معمول بفلوسي اللي كنت ببعتهالكم كل سنة، الطفح اللي كان بيتجاب من فوايد فلوسي اللي شايلها في البنك، إخواتي اللي اتجوزوا واتبغددوا كان من شقايا ...
تدلى فكها السفلي في صدمةٍ، بينما أكملت "فضل" في عدائيةٍ:
-ده أنا صرفت وأنا في الغربة أد ما صرف هو مليون مرة، فيها إيه لما أحافظ على الفلوس اللي فاضلة بدل ما تضيع.
تحولت ملامحه للشراسة؛ لكن نبرته انخفضت إلى حدٍ كبير، مستحضرًا في ذهنه مشاهد إذلاله في حضرة الغرباء لأكثر من مرة، فبدا وكأنه يُحادث نفسه بصوتٍ لم يتردد سوى داخله:
-ما كفاية الذل اللي شفته، واللي راح مني عشان أفدي رقبتي.
حسنًا لن تنكر "سعاد" أن مساهماته المادية قديمًا في تيسير شئون المنزل المالية، فاقت بكثير ما كان ينفقه زوجها، خاصة في أوقات تزويج إخوته، ومع ذلك عنفته في نبرةٍ مالت للحدية:
-أنت ومالك لأبيك .. هتستخسر كام قرش ادفعوا؟ ما هو كله في الآخر ليك إنت وإخواتك بعد عمر طويل!
هدر بها في حقدٍ، وقد اصطبغت حدقتاه بحمرة الحنق:
-كام قرش!! دي ألوف ...
كانت على وشك الرد عليه والاعتراض مرة أخرى؛ لكنه أسكت لسانها بتهكمه الصارخ:
-بقولك إيه اللي متفهميش فيه، ماتكلميش فيه!
أطل الكدر من عينيها حسرة على ما أنجبت، وعاتبته في استياءٍ مضاعف:
-بتهين أمك يا "فضل"؟ دي أخرتها؟
رمقها بنظرة احتقارٍ قبل أن يدس خرطوم الأرجيلة في فمه، فاستمرت "سعاد" في زجره:
-طب اعمل حساب الناس، هايقولوا عليك إيه دلوقتي؟
لوى ثغره هاتفًا في ازدراءٍ، بنبرة جعلها جافة صلبة كأنها زئير غاضب:
-هو حد كان بيطلع من جيبه ويديني؟!!!
ردت محتجة مجددًا على سلوكه المشين، والمرفوض بكل أشكاله:
-بس إنت كده صغرت آ...
قاطعها في خشونة غليظة وهو يرفع كفه أمام وجهه كإشارة لإسكاتها:
-ملكيش دعوة، أنا حر في مالي وما أملك!
ضربت كفها مرددة في تحسرٍ مقهور، وعيناها ترمقاه بنظرة العاجز، غير القادر على التصرف في شيء:
-يا حزني على ما جابت بطنك يا "سعاد"!
نهرها على بدء وصلة النواح السخيفة تلك بصياحه الجهوري:
-ما كفاية ندب وتقطيم، دماغي ورمت.
أخذت العبرات تتجمع في طرفيها أسفًا على ما أفنت عمرها في تربيته، غادرت المكان وهي تغمغم في يأس مقهور؛ لكن ذلك لم يهز شعرة من رأس ابنها الجاحد، بل زاده عنادًا وإصرارًا على المضي قدمًا في شروره:
-من هنا ورايح أنا صاحب الكلمة ...
أظلمت نظراته، وغامت تعابير وجهه وهو يردد لنفسه بصوتٍ مسموع:
-أنا الآمر الناهي في البيت ده!
...............................................................
بعد أن انتهى العرس، وغادر أفراد عائلتها باحة البيت الأمامي، توارت "هاجر" بداخل حجرة نومها بمنزلها الذي أشرفت على إعداده بالكامل وفق رغباتها، اتجهت في خطواتٍ متهادية نحو مقعد تسريحة المرآة، وهي تحمل بيديها جزءًا من ثوب عرسها، لئلا تتعثر فيه، شعرت بالتوتر يجتاحها، بنفس شعور الرهبة يتفشى فيها، ربما امتلكت من الخبرة الزوجية ما يؤهلها لتيسير أمورها في تلك الليلة الخاصة بحنكة وحكمة، ومع هذا بدت خجولة عن المعتاد. احتفظت بأفكارها المتخبطة لنفسها، وغرقت في الصمت، فلم تشعر بوجود "سراج" حولها، تطلع إليها الأخير مبهورًا بجمالها، الحلم غدا حقيقة واقعة، ويا له من شعور أن تذوب في أحضان معشوقك!
لم يتعجل في الظفر بما تخيله مؤخرًا، ولجأ للحوار العادي لإذابة الجليد بينهما، فقال في جديةٍ وهو ينزع رابطة عنقه المزعجة:
-مش كنا جيبنا "سلطان" معانا؟
نظرت "هاجر" إلى انعكاسه في المرآة من زاويتها، وخاطبته في نبرة أظهرت حرجها قليلاً:
-والله كان نفسي، بس أمي صممت يبات النهاردة بالذات معاها.
أخبرها بإصرارٍ وهو يخلع عنه سترته:
-إن شاءالله من بكرة هاجيبه، ابني مايبتش برا حضننا.
أثلجت عباراته العازمة صدرها، وبددت أي مخاوفٍ كانت تراودها بشأن علاقته المستقبلية برضيعها إن اكتملت الزيجة على خير، حينئذ التفتت إليه ناظرة في عينيه مباشرة، وسألته بتلهفٍ وهي تنهض من مقعدها:
-بجد يا "سراج"؟ إنت معتبره ابنك، ولا ده كلام بتراضيني بيه عشان تجبر بخاطري؟
دنا منها قائلاً بتأكيد، وعيناه لا تنظران إلا لوجهها الناعم:
-وربي المعبود أنا مابعتبروش إلا ابني من صلبي، والأيام هتثبتلك ده.
أسبلت عينيها إليه، وقالت في ابتسامة رقيقة:
-مصدقاك يا "سراج".
امتدت يده لتمسك بكفها، شعر بملمس بشرتها على جلده، وراحت يده الأخرى ترتفع للأعلى لتتلمس وجنتها الساخنة، أحس بفيضٍ من المشاعر المتأججة تغمره، تنهد بعمقٍ وهو ما زال يتأملها في انتشاء، ليقول بعدها في صوتٍ هامس، له تأثير عجيب في آسر حواسها:
-بس إيه الحلاوة دي، قمر 14.
خفضت من رأسها خجلاً من نظراته الساهمة، وتكلمت بتلعثمٍ طفيف وهي تنسحب بلطفٍ من أمامه:
-بلاش تكسفني بكلامك الحلو.
تبعها بنظراته المتحرقة شوقًا لارتشاف رحيقها المغري وهو يُحادثها:
-هو أنا لسه قولت ولا عملت حاجة؟
سارت نحو الدولاب، وادعت انشغالها بالتطلع إلى ما داخل ضلفتها، قبل أن تقول بلهجةٍ شبه جادة:
-لا أنا تعبانة، ويدوب هاكل لقمتين وأنام.
عاتبها في نبرة لينة:
-كده على طول، مش هنتسامر سوا؟ وناخد وندي؟ ده أنا مشاعري قايدة نار
استدارت لتواجهه، وألصقت ظهرها بالضلفة الخشبية، ثم علقت في نعومة، كأنما تدلل عليه:
-بكرة، ولا بعده.
رفع رأسه مستغربًا جملتها قبل أن يهتف في حسمٍ:
-بكرة ولا بعده! وربنا ما يحصل.
-عيب يا "سراج"!
قالتها بدلالٍ مثير، كأنما رددت كلامها بحروفٍ غير الحروف العادية، تلك الحروف التي تطلق إشارات الرغبة والنشوة في خلايا الجسد الساكن، تبعها زوجها في لهفة، والشوق يهتاج في وجدانه، أغلق الباب ورائه إيذانًا ببدء ليلة دافئة ستعصف بكيانها مشاعره الجارفة، وتنقلها إلى عوالمٍ حميمة تذوب فيها مرارًا وتكرارًا، متنعمة فيها بسحر الحب وإغوائه.
................................................................
على فراشه العتيق، وبين وسائده القديمة، استلقى "إسماعيل" بجسده الذابل وهو في حالة وهن شديدة، كأنما بلغ من العمر أرذله في بضعة ساعاتٍ، لم يأتِ بخاطره أبدًا أن يُقدم من جاء من صلبه على ارتكاب هذا الفعل المشين، وعلى حين غرة ليقسم ظهره، ويفتت ما بناه لسنواتٍ. الجحود وقسوة القلب سمتان في غاية البشاعة، إن اجتمعتا في نفس أحدهم، خاصة المظلمة، فلن ترى منه إلا السواد الأعظم، والبغض الذي لا يضاهيه شيء!
وها هو قد اختبر بنفسه ظلام ابنه وإجحافه غير المنصف معه، كأنه عدو مقيت له لا والده الذي نشأ في كنفه. تساءل "إسماعيل" بغير صوتٍ، وهو يتطلع بعينين فارغتين لنقطة وهمية أمامه:
-طب ليه يا "فضل"؟ أنا قصرت معاك في إيه؟
الخذلان المصحوب بكسرة النفس جعل قلبه يعتصر ألمًا على ما أفنى في ولدٍ لم يكن إلا طالحًا، ناكرًا لكل شيء، حتى الإحسان! في النهاية كان كمن أنفق ماله على حديقة ظن أنها –في نهاية المطاف- ستصبح غناء، مليئة بما لذ وطاب؛ لكنها باتت خاوية على عروشها، فضاع ماله وجهده سدى!
تزايد شعوره بالوهن يغزو جسده الضعيف، تخشبت أطرافه، وصار عاجزًا عن تحريكها قيد أنملة، بل إنه فقد الرغبة في هذا، كان على مشارف الموت بنظراته الخالية من الحياة، ووجهه الشاحب. فاضت من عينيه التعيستين عبرات احتوت على القهر، والحسرة، والألم، والانكسار. أحنى "إسماعيل" رأسه على صدره في خوارٍ مليء بالذل، وهذا الصوت ما زال يرن في عقله بحزنٍ عميق:
-قلبي وربي غضبانين عليك .. أنا مش مسامحك.
ارتجفت شفتاه وهو يهسهس بصوتٍ متذبذب:
-منك لله يا "فضل"، عمرك ما هتشوف طيب ...
اختنق الصوت المتقطع في جوفه وهو ما زال يردد:
-روح الله لا يسامحك ولا يعفو عنك.
كانت هذه كلماته الأخيرة، قبل أن يصير صوته حبيس جوفه، تقلصت عضلات وجه "إسماعيل" بشدة، جراء الألم الشرس الذي باغت عضلة قلبه المفطور، مزقته الوخزات الحادة، وانتشر تأثيرها في صدره، شهقات مكتومة بدأت تصدر منه قبل أن تتحول لخرخرات متقطعة. أرجع رأسه للخلف محاولاً التقاط أنفاسه؛ لكن لا جدوى، انهارت أجهزته الحيوية، وراح الجسد المعذب في صمت يستسلم لسكرات الموت، وما هي إلا بضعة ثوانٍ وارتخت كافة الأطراف، وثقل الرأس وتمايل للجانب معلنًا عن مفارقة الروح للجسد الفاني، ليتبع ذلك دمعة أخيرة نفرت من عين انطفأ نورها نهائيًا ......................................................................... !!!
..........................................................................