تحميل رواية «الطاووس الأبيض ©️» PDF
بقلم Manal Salem
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تم نشر فصول الأجزاء الثلاثة الأولى في روايات منفصلة، تحمل نفس الاسم المشترك (الطاووس الأبيض)؛ ولكن بأغلفة مختلفة لسهولة التمييز .. ترقيم فصول الجزء الأول: - من الفصل الأول حتى الخامس والثلاثين ترقيم فصول الجزء الثاني: - من الفصل السادس والثلاثين حتى التاسع والستين ترقيم فصول الجزء الثالث: -من الفصل السبعين حتى المائة وخمسة عشر يبدأ ترقيم فصول الجزء الرابع من الفصل مائة وستة عشر، وذلك استكمالاً لما سبق من تتابع للأحداث المشوقة .....
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الرابع الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم Manal Salem
لكل الساهرين حتى الآن مساءكم تفاح
موعدكم مع فصل جديد
الفصل المائة أربعة وأربعون
أفادها وجود بعض قمصانها القطنية القديمة في دولابها، لتبدل فيها بأريحيةٍ، فلا تتقيد بنفس الثياب طوال اليوم. خرجت "همسة" من غرفة نومها السابقة تتجه إلى البهو وهي تعقد شعرها كعكة، بصرت والدتها وهي تجلس وفي يدها هاتفها المحمول، جلست بحذرٍ على الأريكة المقابلة لها، وتفرست في وجهها متسائلة في حيرةٍ:
-إنتي بتعملي إيه يا ماما؟
أشارت لها بيدها لتصمت، فألحت عليها بفضولٍ:
-هتكلمي مين؟
وضعت "آمنة" الهاتف على أذنها، وأجابت:
-عمك "إسماعيل".
برزت عيناها في صدمةٍ مستنكرة، ورددت بفمٍ مفتوح:
-نعم!
بتعابيرٍ مالت للجدية بررت لها اتصالها:
-أيوه، لازم يعرف، مايصحش يبقى زيه زي الغريب، ويكون آخر واحد عنده خبر بخطوبة أختك.
حذرتها "همسة" في توجسٍ ظهرت آثاره على تقاسيم وجهها:
-بلاش يا ماما، "فيروزة" هتزعل.
بسماجةٍ غير مستلذة تساءلت:
-ودي فيها إيه يزعل بس؟
اشتعلت نظراتها، وهتفت في استهجانٍ شديد، وقد تقلصت عضلات وجهها:
-مش معقول نسيتي كل اللي عمله ابنه كده بالساهل؟!!
علقت عليها بتجهمٍ:
-أنا ماليش دعوة بابنه، أنا ليا لي الحاج "إسماعيل"، وده واجب عليا.
همَّت بالاعتراض عليها؛ لكنها أسكتتها بإشارة صارمة من عينيها:
-بس بقى عشان التليفون بيرن.
لم تكن "همسة" راضية عن تصرف والدتها، ولم تستطع للأسف منعها من إجراء تلك المكالمة. ارتسمت ابتسامة زائفة على وجه "آمنة" حين استهلت قائلة:
-ألو، سلام عليكم، حاج "إسماعيل".
أتاها صوتًا أنثويًا قائلاً في رسمية:
-لأ، أنا "سعاد" يا "آمنة".
ردت عليه بحاجبين معقودين في استغرابٍ:
-الله! أومال فين الحاج "إسماعيل"؟
جاوبتها ببرودٍ محسوس في نبرتها:
-نسى تليفونه في البيت، وبعدين مافيش إزيك ولا حتى سلامات؟
انقلبت ملامح وجه "آمنة" إلى حدٍ ما، و"سعاد" ما تزال توبخها بحدةٍ:
-خلاص اتنست كل حاجة؟ طب نراعي إن كان بينا عيش وملح!!!
ردت قائلة في حرجٍ:
-لا ماتقوليش كده، أنا بس اتوغوشت لما ملاقتوش رد.
تعجبت "همسة" من موقف والدتها غير الحازم في تعاملها مع من تسببوا في إلحاق الأذى الجسيم بابنتها، اشتاطت غضبًا، وامتلأت عيناها بالحنق، حاولت الإشارة لوالدتها وإبلاغها بإنهاء المكالمة؛ لكنها تجاهلتها، وأصغت إلى "سعاد" وهي تسألها بجفاءٍ:
-هو إنتي كنتي عايزاه في حاجة مهمة؟
تنهدت سريعًا قبل أن تخبرها على مهلٍ:
-أنا كنت بس هاعرفه إن "فيروزة" بنتي هتتخطب.
تفاجأت بها تصرخ فيها:
-فرطتي في لحمك يا "آمنة"، وطلعتيه للغريب؟!!
اختلج وجهها بقليلٍ من الضيق وهي ترد متسائلة:
-ليه بتقولي كده؟
أخبرتها بنفس الصوت الهادر المليء بالغضب:
-مش ابني كان أولى بيها؟ على الأقل كان هيراعي ربنا فيها، ويلم عرضها.
استمرت على موقفها المتراخي وهي تنطق بشفاه ممتعضة:
-كل شيء نصيب.
صوت "سعاد" كان مسموعًا عبر الهاتف وهي تواصل صياحها اللائم بغير حقٍ:
-إنتي لو كنتي عاملة حساب للعِشرة مكونتيش إديتها للغريب.
أخيرًا لجأت "آمنة" للحدة معها بعد أن يئست ابنتها منها، فخاطبتها بحمئة:
-يا "سعاد" ده إنتي ابنك مخلف وفي رقبته أورطة عيال، وهي مابقتش تنفعه.
راحت تعلق بوقاحةٍ:
-وده يمنع يعني؟ طالما قادر يفتح بدل البيت اتنين وتلاتة وأربعة، وكله بشرع ربنا، كان هيعملها الحلو كله.
هتفت محتجة في تبرمٍ:
-لا حول ولا قوة إلا بالله، بس ده ما يرضيش ربنا ..
وقبل أن تبادر بالهجوم عليها، لانت نبرتها وهي تكمل سريعًا جملتها:
-عمومًا مالوش لازمة العتاب، ربنا يبختله مع حد أحسن.
هدرت بها بسخطٍ:
-إزاي يا حسرة؟ ما كفاية اللي اتعمل فيه من القريب قبل الغريب.
على الفور اندفعت "آمنة" تقول:
-ما ابنك غلط في حق بنتي، وقال كلام عنها مايصحش، ده غير البهدلة وآ...
قاطعتها مبررة سوء أخلاقه بوقاحةٍ:
-وَزة شيطان، إيه نعلقله المشنقة؟ إيه مافيش شوية رحمة في قلوبكم؟ ده ربنا غفور رحيم
أدركت "آمنة" أن جدالها العقيم معها لن يصل بها إلى شيء سوى إحراق دمها، واستثارة أعصابها، أطلقت زفرة سريعة، وقالت في تعجلٍ:
-ربنا يهديه، وأنا عرفتكم باللي ناويين عليه.
دمدمت "سعاد" معقبة بنبرتها العالية:
-هبقى أبلغ الحاج لما يرجع من برا.
ردت عليها على مهلٍ، وقد شعرت أنها خرجت من معركة مرهقة للأعصاب:
-إن شاء الله، وآ...
لم تكمل جملتها للنهاية، فقد انقطع الاتصــال فجأة، أبعدت "آمنة" الهاتف عن أذنها لتنظر إليه مصدومة، قبل أن تنطق في ذهولٍ بائن على وجهها:
-دي قفلت السكة في وشي.
هبت "همسة" واقفة رغم شعورها بالألم من الحركة المباغتة، وعاتبت والدتها بغيظٍ:
-إنتي غلطانة والله يا ماما إنك بتكلميهم، صدقيني "فيروزة" لو عرفت هتضايق جدًا.
رغم الكدر الظاهر في عيني "آمنة" إلا أنها ردت بسقمٍ:
-خلاص ماتقوليلهاش.
ما لم تضعه الاثنان في الحسبان، هو عودة "فيروزة" إلى المنزل وفي يدها علبة الحلوى، وزعت نظراتها بينهما متسائلة في فضولٍ:
-هو إيه ده اللي هتضايق منه؟
حملقت "همسة" بعينين متسعتين مليئتين بالتوجس والقلق في وجه توأمتها وهي تحرك شفتيها لتنطق:
-"فيروزة"!
سألتها "آمنة" بدهشة لا تقل عن ابنتها:
-إنتي رجعتي ليه؟
بدا من السخافة أن تخبرهما بالموقف المحرج الذي تعرضت له قبل قليلٍ على الدرج، لهذا حاولت اختلاق عذرًا مقنعًا لا يثير الاسترابة في نفسيهما، تنحنحت قائلة وهي تضع العلبة على الطاولة المستديرة:
-ده آ.. أنا لما كنت تحت، لاقيت العريس باعت العلبة دي لينا، فأنا خدتها، وطلعتها.
رجت في نفسها ألا يحاولا الاستعلام منها عن المزيد من التفاصيل، وشعرت بالارتياح يتسلل إليها حين أقبلت والدتها على العلبة لتنظر إلى ما بداخلها وهي تقول:
-ناس ولاد أصول.
فضت الشرائط عنها لتفتحها، فتطلع ثلاثتهن إلى قالب الحلوى الأبيض المليء بكافة أنواع الفواكه الغارقة في شراب العسل، سال لعاب "همسة"، وهتفت قائلة في انبهارٍ، وهي تمد إصبعها لتتذوق طرفها المغري:
-ماشاءالله، ده من أفخم المحلات اللي هنا وأغلاها.
ضربت "آمنة" على يد ابنتها قبل أن تصل إليها، وصاحت في حزمٍ:
-أنا هحطها في التلاجة، بدل ما تتبهدل برا.
ردت "همسة" في تذمرٍ:
-طب أنا عاوزة أدوق.
رمقتها بتلك النظرة الصارمة وهي تقول:
-بعدين، مش دلوقتي.
ثم انحنت لتحملها في حرصٍ واضح، بينما تحركت "فيروزة" للجانب وهي تتساءل في فضولٍ:
-مردتوش عليا، إيه اللي هيضايقني؟
حاولت توأمتها المناص من إجابتها بالادعاء وهي تبتسم في سخافة:
-ماتحطيش في بالك يا "فيرو".
شعرت أنه وراء تلك الابتسامة الغريبة ما تخفيه عنه، أمعنت النظر في وجهها متسائلة بجديةٍ:
-ناويين على إيه؟ قولوا!
تهربت منها قائلة بتلعثمٍ:
-أنا هشوف "كوكي" فين.
ساورتها الشكوك بصدق حدسها، فدنت من والدتها تسألها بإصرارٍ:
-في إيه يا ماما؟
لم تكلف "آمنة" نفسها عناء مراعاة شعورها، وقالت بغير احترازٍ:
-أصل آ.. أنا كلمت مرات عمك أعرفها بخطوبتك.
وكأنها ببساطة ضغطت عن عمدٍ، على زر التفجير المتصل بإحدى القنابل الموقوتة، فصاحت فيها "فيروزة" بغضبٍ تصاعد إلى رأسها مندفعًا بقوة:
-تاني يا ماما؟ للدرجادي هونت عليكي؟ كل اللي عمله فيا اتمسح بأستيكة؟
عللت لها بما ضاعف من حنقها:
-أنا عملت الأصول.
ردت عليها بصراخٍ:
-الأصول؟ هي دي الحجة المرادي؟
نظرت "آمنة" إلى ابنتها قائلة بما بدا وكأنه استفزاز لها:
-محصلش حاجة لكل ده، هما كلمتين، وانتهى الموضوع!
هدرت بانفعالٍ لم ولن يخبت:
-يا سلام، بالبساطة كده!
عادت "همسة" إلى الخارج ترجو شقيقتها:
-بالراحة يا "فيرو"، هي ماما متقصدش.
تطلعت "فيروزة" إلى والدتها بنظراتٍ حانقة مليئة بالكمد والغضب، أبت الكلمات أن تخرج من بين شفتيها لتلومها، فالأخيرة لن تشعر بتأنيب الضمير وإن رأتها تحترق حية قبالتها، لم تستطع البقاء وملازمة مكانها ساكنة دون أن تتهور، لهذا كان الأسلم لها الابتعاد مؤقتًا قبل أن تُطيح بالجميع في لحظة غضبها الأعمى، اندفعت ركضًا نحو الباب لتخرج من المنزل، و"همسة" من ورائها تحاول اللحاق بها وهي تناديها:
-"فيروزة"، استني هنا!
لم تصغِ لها، وصفقت الباب خلفها بعنفٍ، لتظل "همسة" عالقة في مكانها وهي تشعر بالأسى على حال توأمتها، استدارت ناظرة إلى أمها لتعاتبها في غيظٍ:
-مش قولتلك هتزعل يا ماما لو عرفت، يا ريتك ما قولتيلها.
هزت "آمنة" مرددة في برودٍ قبل أن تتجه للمطبخ:
-هعمل إيه يعني، كنت مغسلة وضامنة الجنة؟!!
.........................................................
ساعدها على تجاوز هذا الإحساس الخانق تجولها غير المشروط على كورنيش البحر لمدة لا بأس بها، سبقه مكالمة موجزة مع طبيبتها التي أرشدتها لطريقة آمنة للتنفيس عن الحنق المكبوت بداخلها، لئلا تغرق في دوامة الغضب الأهوج، وتفعل ما لا يُحمد عقباه، كذلك حثتها على تذكر الأشياء الجيدة والإيجابية لتعزز من الذكريات السارة في مخيلتها، ولحظها كان هو بطل اليوم بلا منازع.
وجدت "فيروزة" نفسها تبتسم من استحضارها لمشهد إحراجها على السلم، وكيف تجرأ وأرسل لها قبلة في الهواء، كالصبية المراهقين حين يتغزلون بالفتيات. تألمت قدماها من كثرة المشي، فتلفتت حولها لتحدد أين أصبحت، لحسن حظها، كانت قريبة من الطريق المؤدي إلى دكانها، لهذا عبرت الشارع الرئيسي، وانتقلت منه إلى آخر فرعي، لتعرج عبر بضعة أزقة حتى وصلت إلى وجهتها، قصدت تجنب السير في الطريق المشترك بين دكانها، ودكان عائلة "سلطان"، فلم تكن قادرة على مواجهة "تميم" بعد موقفه الأخير معها.
وحين وصلت للزقاق الموجود عند ناصيته دكانها، رأت بضعة عمالٍ يقومون بحفره طوليًا بآلة مزعجة، من أجل تبديل مواسير الصرف الصحي، حذرها أحدهم مشددًا:
-خدي بالك يا أستاذة، الشارع ده، واللي بعده هيتقفلوا عشان الحفر.
وضعت يدها على أذنها لتخفف من حدة الإزعاج الشديد، وقالت وهي تومئ برأسها:
-حاضر.
بالكاد نجحت في الوصول قبل أن تعلق فيه، ولجت إلى داخل دكانها، ألقت التحية على مساعدتيها، ثم جلست خلف مكتبها تنتظر الزبائن بذهنٍ صافن، ما زالت بقايا مكالمة والدتها تؤثر عليها، وجاهدت لتتجاوز الشعور المؤلم، لتنظر إلى ميدالية الطاووس الموضوعة على سطح مكتبها، تلمستها بطرفي إصبعيها، وكررت نفس الجملة السابقة بابتسامة هازئة:
-مين يعني "تميم سلطان"!
خفق قلبها في رهبةٍ حين سمعت أحدهم يسألها بغتةً:
-إنتي بتكلمي نفسك؟
وضعت يدها على قلبها تتحسسه، ونظرت بعينين جاحظتين إلى "علا" التي جاءت لزيارتها. تنفست الصعداء لأنه لم يكن هو، حقًا لن تكون مسرورة إن أحرجها مجددًا، وفي العلن. لفظت دفعة من الهواء عن رئتيها تثبط به النهجان المفاجئ الذي أصابها قبل أن تردد:
-يا شيخة خضتيني!
ردت عليها وهي تجلس على المقعد المواجه لها:
-ما إنتي سرحانة من الصبح!
تنهدت "فيروزة" بعمقٍ، وسألتها في روتينية:
-إيه أخبارك يا "علا"؟
أجابتها بتذمرٍ بعد أن أراحت ظهرها للخلف:
-ده أختك طلع معاها حق فعلاً!
نظرت إليها في عدم فهمٍ قبل أن تنتفض مصدومة على نهوض رفيقتها المفاجئ لتصيح بها بصوتٍ مرتفع:
-إنتي سايبة الدنيا تضرب تقلب وقاعدة هنا؟
أشارت لها بالجلوس وهي تخبرها:
-عادي يا "علا"، اقعدي بس، في إيه؟
دارت حول المكتب لتجذبها من ذراعها، وهي ترد في إصرارٍ:
-قومي يا بنتي، بطلي بواخة، ده إنتي عروسة.
حاولت المناص منها، وتحرير ذراعها قائلة بتعابيرٍ شبه مكفهرة:
-بالله عليكي سبيني.
ردت في عنادٍ:
-لأ مش هاسيبك.
نجحت "فيروزة" في استعادة ذراعها، وقالت بعبوسٍ ملحوظ وهي تنهض بدورها من مكانها:
-بالله عليكي سبيني، أنا مش ناقصة.
شعرت بوجود خطب ما بها، فسألتها في نبرة مهتمة:
-حصل إيه؟ الخطوبة اتفركشت، إنتي قادرة وتعمليها.
ابتسمت لاستظرافها الزائد، وقالت في وجومٍ:
-لأ لسه.
هزت رأسها تسألها بنفس الفضول المهتم:
-أومال في إيه؟
أجابت بعد زفيرٍ طويل:
-ماما كلمت عمي بعد كل اللي اتعمل فيا من ابنه.
وضعت "علا" يدها على فمها مستنكرة ما سمعته، لتبعد كفها متسائلة:
-طب وبعدين؟ عملتي إيه؟
قاومت الذكرى المزعجة، وجاوبتها بنفس الملامح التعسة:
-خرجت من البيت بدل ما أعملها خناقة.
ضحكت "علا" ساخرة من الموقف برمته:
-أد إيه إنتي عروسة فقرية، مامتك عارفة إزاي تنكد عليكي.
زجرتها في تبرمٍ:
-إنتي بتتريقي؟
قالت في مرحٍ:
-أه طبعًا لازم أتريق، يا بنتي ارمي ورا ضهرك، بدل ما تفكري في اللي بيزعلك، ركزي هتخطفي عين عريسك إزاي.
لاحت ابتسامة خفيفة على محياها، وصورة "تميم" تقتحم مخيلتها، لم تخبت بسمتها الرقيقة عندما ردت:
-إنتي هتعملي زيهم ولا إيه؟
أومأت برأسها مؤكدة:
-أه طبعًا، ده الطبيعي على فكرة.
عاودت الجلوس في مقعدها قائلة بفتورٍ يشوبه الانزعاج:
-يا "علا" دي قعدة اتفاق، مافيش حاجة لسه رسمي، ليه مكبرين الحكاية؟
جذبتها مرة أخرى لتجبرها النهوض وهي تُصر عليها:
-طب قومي يالا، خلي البنات يروحوا بدري، وتعالي نشوف اللي ورانا.
تثاقلت في التجاوب معها، وهتفت بعد زفيرٍ سريع:
-ورانا إيه؟ ما الفستان موجود، والطرحة كمان.
عضت "علا" على شفتيها قبل أن تخبرها بغموض:
-هو أنا مقولتلكيش!
تخشبت في مكانها متسائلة بملامح اكتسبت جدية غريبة:
-في إيه؟ عملتي إيه إنتي كمان؟
ردت مطمئنة إياها:
-مش حاجة خطيرة يعني.
رمقتها "فيروزة" بتلك النظرة الحادة وهي تخاطبها بصيغة آمرة:
-قولي عملتي إيه!
حمحمت مرددة بابتسامة منمقة:
-بصراحة كده ليا واحدة صاحبتي Fashion Designer .. وفاتحة بوتيك جديد، فادتني كام فستان ألبسهم كدعاية ليها، وأنا جبتلك أحلى واحد فيهم عشان النهاردة.
اعترضت عليها بشدة:
-وأنا مش هاقبل بكده.
حاولت أن تبدو هادئة خلال سعيها لإقناعها بالقبول به:
-هو أنا بقولك خديه، أنا بس عايزاكي تبقي شيك، وأحلى واحدة النهاردة.
تمسكت برأيها في عنادٍ غير مُجدي:
-ما الفستان موجود.
أومأت برأسها معللة بأكثر وسائلها إقناعًا:
-ماشي، بس ده هايبقى ألطف، وبعدين ده لونه الـ Baby blue اللي بتحبيه، هتقولي برضوه لأ؟
رفعت "فيروزة" حاجبها متسائلة في استهزاءٍ:
-كده بتقنعيني؟
تعلقت بذراعها، وردت مبتسمة ابتسامة متسعة:
-أه، ويالا بقى ماتنشفيش دماغك، مجاتش على الكام ساعة اللي هتلبسيه فيهم.
نجحت "علا" في جذبها بعيدًا عن مكتبها وهي ما تزال تُصر عليها:
-ويالا بقى، مش عايزين نتأخر.
تذمرت في امتعاضٍ:
-يا "علا"..
قاطعتها بنوعٍ من التهديد المازح:
-والله أشتكيكي لـ "ماهر".
رمقتها "فيروزة" بنظرة متحدية؛ لكنها لم تبالِ وفرضت عليها رأيها وهي تدفعها دفعًا نحو الخارج:
-ما تبقيش غلسة.
استسلمت أمام إلحاحها قائلة بتنهيدة:
-طيب.
هللت في فرحةٍ، بينما ألقت "فيروزة" أوامرها على الفتاتين:
-إنتو أجازة يا بنات النهاردة، امشوا وأنا هقفل
سَعِدت الاثنتان بخبر العطلة المفاجأة، وأخذتا تلملمان أشيائهما في عجلٍ، لتقوم بعدها "فيروزة" بغلق الدكان، والذهاب بصحبة رفيقتها إلى المنزل.
....................................................
اضطرت مرغمة للالتفاف حول دكانها، والذهاب من الطريق المعاكس، حيث يتواجد دكان عائلة "سلطان". اختطفت "فيروزة" نظرات سريعة منذ أن أبصرته على مرمى نظرها، لتتأكد من عدم وجود "تميم" به، لحظها لم يكن ظاهرًا! وهذا أشعرها بالارتياح نوعًا ما، خاصة حين أصبحت وشيكة من محيطه؛ لكن لمحها "بدير" من مكانها، فلوح لها بيده مناديًا إياها، دنت منه مرحبة به:
-سلام عليكم، إزي حضرتك.
نهض من على كرسيه الخشبي يدعوها بترحابٍ أكبر هي ومن معها:
-تعالي يا بنتي، اتفضلوا.
ردت "علا" معتذرة في تهذيبٍ:
-شكرًا يا عمو، احنا مستعجلين شوية.
أصر عليهما بنظرة معاتبة
-وده ينفع كده، تعالوا حبة.
لم تجد "فيروزة" بدًا من البقاء قليلاً، والتفتت ناظرة إلى رفيقتها تطلب منها الموافقة؛ لكنها مالت عليها تهمس لها في أذنها:
-بصي خليكي إنتي، وأنا هسبقك، وحصليني لما تخلصي.
كزت على أسنانها متمتمة في خفوتٍ:
-ما تفضلي معايا.
رفضت في لباقة:
-لأ مش هينفع، أنا هسبقك.
لم تضغط عليها وأومأت برأسها في تفهم، لتنطق بعدها "علا" برقةٍ:
-معلش يا عمو ورايا كام حاجة، فهمشي، وفرصة سعيدة.
كان "بدير" غير ممانع في ذهابها، وودعها بابتسامةٍ وقورة:
-شرفتي يا بنتي، مكانك في أي وقت.
غادرت "علا" المكان، وبقيت "فيروزة" واقفة إلى أن أحضر لها أحد العمال مقعدًا لتجلس عليه، فجدد "بدير" ترحابه بها:
-منورانا يا عروسة.
ابتسمت قائلة في لطفٍ:
-شكرًا لحضرتك.
......................................................
على الجانب الآخر، اخترقت نبرتها المميزة أذنيه وهو يقف في الخلفية يملي أوامره على عماله بإفراغ شحنة البضائع الجديدة، وتخزينها بالثلاجة، تجمد في مكانه شاعرًا بنبض قلبه يتصاعد في فرحةٍ عارمة، دار برأسه محاولاً رؤيتها؛ لكنها لم تكن في مرماه، تحرك بخطواتٍ متمهلة، حتى بات واقفًا خلف مقدمة إحدى الشاحنات التي تحجب الرؤية عن مكانه، التوى ثغره بابتسامة رائعة وهو يراها تتطلع أمامها؛ كأنما تفتش عنه، حدث نفسه في نشوة مستمتعة:
-ده احنا لسه بنقول يا هادي.
تأكد "تميم" من البقاء بعيدًا عن عينيها حتى تزيد الحيرة فيها، أراد أن تكون منجذبة إليه بقلبها قبل عقلها، أن يغمر كيانها الشوق لا المنطق. توارى عن أنظارها، وأرهف السمع لوالده الذي كركر ضاحكًا، ليمازحها بعد ذلك
-شوفي يا بنتي، إنتي تخليكي كده قاعدة معايا لحد ما يجي وقت الزيارة، نتحرك ساعتها سوا، ولا تسألي في حد.
شاركته الضحك قبل أن تخبره:
-ده كانت ماما قلبت الدنيا.
رد مجاملاً:
-ربنا يباركلك فيها.
قالت مبتسمة برقةٍ:
-تسلم يا رب.
تلقائيًا أخذت عينا "فيروزة" تبحثان عنه بالداخل لأكثر من مرة، حتى لم تعد منتبهة لكلام مُحدثها. توقعت أن يظهر في أي لحظةٍ، ويحرجها بنظراته؛ لكن هذا لم يحدث، مما أصابها بقليلٍ من الإحباط، لن تنكر أن التشويق الذي ساد في حياتها مؤخرًا بسببه أضفى عليها الإثارة والحماس، وجعلها تتطلع إلى المستقبل الواعد، عن البقاء في قاع الماضي المؤلم.
أطالت "فيروزة" النظر إلى داخل الدكان، ولم تلحظ عيني "بدير" المرتكزة عليها في تفرسٍ، سألها الأخير مهتمًا:
-مالك؟ شكلك مضايقك؟
تحرجت من ملاحظته لها، وتحججت بحجة رجت أن تكون مقنعة له، وألا يظن بها شيئًا آخرًا:
-لأ، مافيش .. ده أنا بس ملبوخة عشان بجهز اللبس بتاعي.
أخبرها عن مدحٍ واضح وهو يشير لها بيده:
-طالما القالب حلو، يبقى ولا يهمك.
ابتسمت في حياءٍ، فتابع في تسليةٍ:
-الواد ابني لو سمعني هيفتكرني بعاكسك.
قالت بوجهٍ تورد أكثر:
-حضرتك الخير والبركة.
سألها "بدير" وقد جاء إليه أحد العمال:
-تشربي إيه؟
اعترضت في تهذيبٍ:
-مالوش لزوم، ده أنا يدوم ألحق أقوم، وأرجع البيت.
استمر في إصراره عليها:
-كده على الواقف، ماينفعش.
حافظت على إشراقة ابتسامتها وهي ترد:
-ما حضرتك عارف الظروف، والمرات جاية كتير
قبل أن ينطق الأخير استطرد العامل مناديًا:
-يا حاج "بدير"!
أدار رأسه ناحيته يسأله بجديةٍ:
-في إيه يا واد؟
أجابه وهو يشير بيده للخلف:
-الحاج "عوف" طالبك على الخط الأرضي.
هز رأسه معقبًا:
-طيب، أنا جايله.
قامت "فيروزة" واقفة وهي تستأذن بالذهاب:
-ماشي يا عمي، أنا هسيبك لشغلك، ونتقابل بالليل بقى.
نهض بدوره، وقال:
-إن شاءالله يا بنتي، استني أبعت معاكي حد يوصلك.
رفضت بأدبٍ:
-لأ والله، ما يحصل! ده البيت قريب.
بدأت في السير، فسمعته يدعو لها:
-في حفظ الله.
.................................................................
لأن الاتجاه المجاور لها كان يعج بالعمال المنشغلين في نقل الأقفاص من هذه الشاحنة الضخمة، انحرفت "فيروزة" عن مسارها، وعرجت نحو الاتجاه الآخر، حلت بها الصدمة حين رأت "تميم" يقف في الخلف، مرتكنًا على مقدمة سيارته، ويخفض رأسه للأسفل وهو يغمغم بصوتٍ خفيض لم تتبين ماهية ما يقوله. عندئذ أمسك التردد بخطواتها، وتجمدت لحظيًا في مكانها متحيرة بين التقدم للأمام، أو التراجع والذهاب من طريقٍ آخر. استجمعت جأشها، وقررت المضي قدمًا؛ وكأن شيئًا لم يحدث في وقتٍ باكر، رفعت رأسها للأعلى، وخطت بتمهلٍ آملة ألا تلتف ساقها بالأخرى وتتعثر من الارتباك الذي يستبد بها الآن، خاصة مع استحضار ذهنها لذكرى القبلة وبقوة.
نفضت الذكرى عن رأسها عنوة، وحبست أنفاسها متابعة تقدمها نحوه بكتفين منتصبين، لمحته من طرف عينها ممسكًا بثمرة تفاحٍ، يُقطع أجزائها بمديته، ويضع القطع الصغيرة واحدة تلو الأخرى ليلوكها على مهلٍ، كانت خطواتها تتباطئ وهي تسرق النظرات إليه، إلى أن شتت نظراتها عنه، وأكملت مشيها بقليلٍ من السرعة حتى تتجاوزه.
ظنت "فيروزة" أنه سيلقي التحية بها أو يرحب بها عندما يراها؛ لكنه لم يفعل، كانت كالسراب وهي تمر من جواره، ومع هذا سمعته يدندن بكلمات أغنية شعبية شهيرة، التقطت منها جملاً مقتضبة:
-بنت الجيران شغلالي أنا عينيا، وأنا في المكان والخلق حواليا.
خطت مبتعدة عنه والحرج يعتريها، فبديهيًا كانت المقصودة بهذه الكلمات، أوشكت على الابتعاد عنه؛ لكنها توقفت في المنتصف عن السير والتردد مازال ممسكًا بها، ضربت براحة يدها على جانبها بضعة مرات في توترٍ، ثم التفتت ناظرة إليه، لم تستطع تجاوزه في صمتٍ غير مستحبٍ هكذا!
أمعنت النظر فيه، ما زال على وضعيته المتجاهلة لها، أدركت حينها أنه من المحتمل أن يكون ما يزال غاضبًا منها، لأنها كانت فظة بعض الشيء في لقائها اليوم معه، شعرت بالندم، وتأنيب الضمير، أرادت الاعتذار منه لئلا يحمل في قلبه ضغينة ناحيتها، راحت تقنع نفسها بضرورة فعل ذلك، لذا عاودت أدراجها، ووقفت قبالته متوقعة أن يلقي عليها التحية؛ لكنها تفاجأت به يدندن:
-وتجيني تلاقيني لسه بخيري.
انزعجت مما اعتبرته وقاحة في استقبالها، وكتفت ساعديها أمام صدرها تسأله في غيظٍ طفيف:
-أفندم؟
كان "تميم" متكلفًا في النظر إليها، وعلق بجفاء:
-في حاجة؟
أجلت أحبال صوتها، وأخبرته وهي تنظر إلى أي شيء سواه:
-أنا جاية أقولك (سوري) على اللي حصل الصبح، أنا كنت سخيفة حبتين معاك، بس والله أنا مقصدش المعنى بتاع إنها زي أي جوازة!
هز كتفيه معلقًا بغير اهتمام:
-عادي
استفزها بروده رغم محاولتها الاعتذار، فأرخت ساعديها، وواصلت تبرير تصرفها بانفعالٍ قليل، ومستخدمة يدها في التلويح والإشارة:
-وبعدين أنا مضغوطة بقالي كام يوم، وإنت موترني على فكرة، كل شوية تظهر قصادي فجأة، يا ريت تبطل كده!
بدا وكأنه يمنع عليها بالنظر، فرد ذراعيه في الهواء، وصحح لها بإشارة من حاجبه:
-على فكرة أنا واقف في دكاني، ماتنقلتش من مكاني.
أصابها الحرج الشديد، وردت في تعجلٍ محاولة عدم إشعاره بما يعتريها الآن من ربكةٍ غريبة:
-وإن يكن، برضوه تاخد بالك.
مط فمه للحظةٍ قبل أن يتكلم في النهاية:
-حاضر.
توقعت أن يتجاذب أطراف الحديث معها؛ لكن خابت ظنونها، وظل على وضعية التعجرف في تعامله عندما سألها:
-في حاجة تاني؟
قالت نافية في عصبية عبرت عن اغتياظها:
-لأ.
ضجرت من تعاليه الواضح، ورفعت سبابتها أمام وجهه تهدده بتهورٍ:
-إنت لو فضلت على الأسلوب ده أنا ممكن أقول لأ، وافض الحكاية.
مرة أخرى ظنت أنه سيثور عليها، وتظهر بوادر انفعاله؛ لكنه كان هادئًا حد البرود عندما علق:
-براحتك، محدش هيجبرك على حاجة ...
فغرت شفتيها مصدومة من ردوده، بينما واصل "تميم" الكلام؛ كأنما يسألها وهو يضع يده الممسكة بالمدية على صدره بعد أن طواها، وعيناها تتطلعان لها بنظرةٍ دافئة:
-بس يرضيكي تكسري بقلبي، وبخاطر جدي ، وتزعلي كل اللي بيحبوكي؟
تلبكت أمام كلماته الناعمة التي تسللت أسفل جلدها، وبدأ تأثيرها ينعكس عليها، ما بال الحمرة معها؟ دومًا تنشط في بشرتها عند وجودها معه. استمر "تميم" في مخاطبتها بأسلوبه المراوغ، وهو يرفع يديه للأعلى:
-وأنا ساعتها مش هاعمل حاجة غير إني أدعي في كل صلاة، وأقول يا رب، إنت شايف أهوو يا رب اللي بتعمله فيا.
شهقت متسائلة في ذهولٍ، وقد ارتفع حاجباها للأعلى:
-إنت هتدعي عليا؟
ابتسم في عبثيةٍ، وهو يجيبها بغمزة من طرف عينه:
-لأ، هدعي ربنا يهديكي ونتجوز.
تصنعت العبوس، وهتفت قائلة:
-أنا ماشية.
أشار لها بالذهاب؛ لكنها تجمدت في مكانها لتخبره بتجهمٍ، وهذه النظرة الساخرة في عينيها:
-أه، ومكانش ليه لازمة تجيب تورتة، احنا أكيد يعني عاملين حسابنا.
ظل يبتسم لها وهو يرد:
-دي لـ "رقية" مش ليكي.
أحرجها بتعليقه، فحفظًا لما وجهها عقبت بغيظٍ:
-أحسن برضوه، أصلاً مابحبش الكريمة.
لم تخبت ابتسامته وهو يقول في برودٍ:
-يا ريت أبقى أفتكر لو فكرت أجيبلك مرة تانية.
نجح في استفزازها، فهتفت في غيظٍ:
-أنا ماشية.
لوح بيده مودعًا إياها:
-اتفضلي.
مشيت في خطواتٍ سريعة غاضبة؛ لكنه استوقفها مناديًا:
-يا أبلة!
توقفت عن السير، والتفت تنظر إليه متسائلة بملامح رسمية:
-أفندم؟
اتسعت ابتسامته وهو يخبرها:
-أنا رأيي تلبسي أبيض حلو عليكي.
رمقته بنظرة مشتاطة قبل أن يأتيه ردها المعارض:
-هلبس أسود.
رفع إبهامه كتعبيرٍ عن إعجابه قبل أن يخبرها في تسليةٍ:
-وماله، هايبقى أحلى وأحلى.
عجزت عن مجاراتها ومناطحتها الرأس بالرأس، فتابعت سيرها وهي تغمغم بكلماتٍ متبرمة، سمعته يهتف من خلفها بنبرة عالية وذات مغزى، تأكدت أنه يقصدها به، فابتسمت في رضا:
-خد يا ابني بالك من التفاح وإنت بتنقله، ده فرز أول، متنقي بالواحدة، ومدفوع فيه الغالي كله .......................................... !!!
..........................................................
.....................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الرابع الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم Manal Salem
سهرتكم سكر يا غاليين ..
معلش اتأخرت عليكم، بس إن شاءالله تقضوا وقت طيب
الفصل المائة وخمسة وأربعون
مفهوم الحب من ناحيتها كان محدودًا، قاصرًا على ما قرأت عنه، أو سمعته على الألسن المرددة لنفس العبارات المستهلكة للتعبير عنه؛ لكن معايشته بكافة جوارحها ووجدانها كان للأسف غير متاحٍ لها سابقًا، بل كانت أبعد ما يكون عن التنعم في ملذاته المغرية، أما الآن فلا تستطيع تحديد ماهية الشعور المداعب لقلبها، أو حتى التفقه لما يختلج صدرها من مشاعر مربكة، بيد أنها تحبذ أساليب المراوغة السائدة فيه، تلك التي تمنحها تارة الأفضلية في شيء، وتعطي ندها تارة أخرى التفوق في شيء آخر على النقيض معها .. الشد والجذب بينهما امتلأ بخليطٍ من التضاد، المصارحة، اللين، الحزم، المتعة، والمرح.
لن تنكر أن الجانب الآخر منه كان مَغيظًا، مزعجًا لها، ويجعلها تشعر كأنها فتاة بلهاء؛ لكنه رغم هذا كان مفيدًا بشكلٍ ما، فقد ساعدها على اكتشاف مشاعر لم تختبرها من قبل، انتشل من أعماقها ما ظنت أنه غير موجود بها، ولن يظهر على السطح مهما حدث، أصبحت الآن شابة أخرى غير تلك المهشمة الكارهة لمباهج الحياة، أيعقل أن يكون ارتباطها به قائمًا على المشاعر الحقيقية الأصيلة؟ ربما حين تغدو العلاقة رسمية بينهما يتضح لها ما يبدو غير مفهومٍ –مؤقتًا- في مشاعرها المتخبطة ناحيته.
أدركت "فيروزة" بعد حين أن مناوشته المستفزة لها نجحت في تبديل مزاجها المتعكر، لآخر رائق، يشع بالحماس، ويمتلئ بالنشاط. عادت إلى المنزل على عكس ما خرجت منه، استقبلتها همسة في قلقٍ ظاهر على وجهها، ودنت منها متسائلة:
-عاملة إيه دلوقتي؟ مش عايزاكي تضايقي من آ...
قاطعتها بهدوءٍ، وبإشارة من يدها أمام وجهها:
-قفلي على الموضوع ده، أنا مش هتكلم فيه.
ردت مبررة موقفها:
-أنا بس عاوزة أطمن عليكي.
أخبرتها بعد زفير متمهل:
-أنا كويسة.
حاولت "همسة" التفرس في وجهها لمعرفة سبب هذا التغيير العكسي الكبير، زادت حيرتها عندما لم تصل لشيء، وسألتها:
-هو إيه اللي حصل؟
لاح في مخيلتها مشهد لقائها العابث مع "تميم"، شردت متذكرة تلميحه المتواري وتشبيهه لها بثمرة التفاح، لم تشعر بابتسامتها التي احتلت ثغرها من أثر الذكرى اللطيفة، شردت للحظاتٍ غير منتبهة لشقيقتها التي ظلت تلوح لها بيدها أمام وجهها بضعة مرات وهي تناديها:
-يا "فيروزة"! إنتي معايا؟
انتبهت لها، وقالت بتعابير اكتسبت جدية زائفة:
-أيوه يا "همسة"، في إيه؟
أشارت بسبابتها نحو الردهة وهي تخبرها:
-بقولك دي "علا" موجودة في الأوضة جوا، بتظبط اللوك بتاعك.
تنهدت بعمقٍ، وعلقت:
-طيب، أنا داخلة عندها.
لم تتجادل "فيروزة" مع والدتها أثناء مرورها على المطبخ، رأتها منكفأة على الطعام، فابتعدت في صمت، واتجهت إلى غرفتها، مقاومة التعاسة اللحظية التي تنخر في سعادتها، رغمًا عنها يفرض عليها عقلها مقارناتٍ بديهية بين ماضٍ ولى عنها وبين مستقبل قريب منها، سعت جاهدة لتنحية الماضي جانبًا، وإيقاف تلك المقارنات السخيفة، لتركز على من يتسلل رويدًا رويدًا إلى داخل ما بين ضلوعها، آملة بين جنباتها ألا تخيب رجاواتها في شخصه.
.................................................
أدلت كل واحدة بدلوها، واحتدم الجدال بينهما إلى حدٍ ما، إلى أن انتهى الأمر بارتدائها الثوب الذي أهدته لها رفيقتها، كان ملائمًا للغاية؛ كأنما تم تفصيل قماشته على جسدها بالضبط. تطلعت "فيروزة" إلى هيئتها في المرآة بنظرات طويلة مدققة، وكلتا يديها تمران على جانبيها في بطءٍ، كأنما تشعر بملمسه على أناملها، وضعت "علا" كفيها على كتفيها بعد أن وقفت خلفها، وسألتها وهي تنظر إلى انعكاسها في نفس ذات المرآة:
-ها إيه رأيك؟
أحسنت رفيقتها اختيار التصميم مع اللون، فلم يكن ضيقًا ليبرز مفاتنها، ولم يكن مبهرجًا بدرجة زائدة تصيب العين بالانزعاج، بل ناسبها بدرجة جعلتها تشعر بالرضا عن حالها، كانت أقرب إلى أميرة خرجت من حكايتها، حيث خلى من فتحة عنقٍ عريضة، فغطى قماشه معظم رقبتها، أما عن كميه، فكانا ينسابان على طول ذراعيها حتى يضيق طرفيه عند معصميها، بينما يتموج الفستان في طبقاتٍ تزداد اتساعًا بالتدريج بداية من الخصر وحتى نهاية الثوب. رمشت "فيروزة" بعينيها قائلة في إعجابٍ:
-الصراحة، هو حلو أوي.
ضحكت "علا" في تفاخرٍ، وعلقت:
-عشان تعرفي كان عندي حق.
تصنعت "فيروزة" الجدية، وأخبرتها:
-بس دي لسه قاعدة اتفاق، يعني آ...
قاطعتها قبل أن تكمل جملتها مؤكدة عليها:
-وماله، اتفاق، قراية فاتحة، إن شاء الله جواز، ده مايمنعش إنك تلبسي شيك، لنفسك مش لحد تاني.
جاءت "همسة" ومعها حقيبة معدنية مليئة بمساحيق التجميل ذات الماركات الشهيرة، وضعتها على التسريحة، وأيدتها في رأيها:
-"علا" معاها حق، كنتي فين من بدري، بدل الدوخة دي معاها.
استمرت في ضحكتها وهي ترد:
-عشان تعرفوا بس ...
امتدت يدها لتنتقي ما ستبدأ استخدامه من الحقيبة وهي تتابع:
-طيب يالا نشوف هنعمل إيه في الميك آب، قبل ما تلبسي الطرحة.
.....................................................
داهمها أضعاف ما كانت تشعر به من توترٍ، في اللحظات التي سبقت قدوم عائلة "سلطان" إلى المنزل، حاولت التحلي بالهدوء، وضبط نبضاتها المتلاحقة؛ لكن تكالبت حواسها ضدها، كما لو كانت في خصومةٍ معها، ورغم كونها تُعايش نفس الموقف، إلا أن إحساسها فيه كان مُغايرًا، بدت مشاعرها مرهفة، أكثر حساسية، وأكثر قلقًا عن ذي قبل، وهذا ما لم تستلذه، فهي تفضل الظهور بمظهر الثبات لا التردد أو الارتباك.
رفضت "علا" البقاء معها وحضور اللقاء الودي، وانصرفت بعد أن أنهت مهمتها، متعللة بأن التجمع عائلي، لا يصح أن تتواجد فيه، لتظل "فيروزة" مع شقيقتها في غرفتها، تشبك يديها معًا لتقضي على الرجفة التي تنتابها بين الفنية والأخرى. أمسكت "همسة" بزجاجة العطر ونثرت منها على مقدمة الثوب قائلة:
-كده معدتش في حاجة ناقصة.
سعلت "فيروزة" من الرائحة النفاذة، وطلبت منها:
-كفاية يا "هموس"، ليه كل ده؟
أجابته بقسماتٍ جادة وهي تضيق ما بين حاجبيها:
-يا بنتي الجو حر، وعشان ريحتك تفضل حلوة.
التقطت أنفاسها بعد سعالٍ متكرر، واحتجت قائلة بتبرمٍ:
-بس مش بالشكل ده، أنا نفسي اتخنقت.
استمرت في نثر الرائحة على كل ثوبها وهي تطلب منها:
-خلاص أهوو، خدي الروج تقلي بيه على شفايفك.
انزوى ما بين حاجبيها متسائلة:
-ليه كمان؟ ما هو ثابت.
ابتسمت وهي تعلل لها:
-عشان يا حبيبتي يبقى فريش عليكي.
سئمت "فيروزة" من المبالغة الزائدة منها، وهتفت في نبرة قاطعة:
-مش هاعمل أي حاجة زيادة، أنا كده تمام.
توقفت "همسة" عن إزعاجها، وتركتها جالسة على طرف الفراش، ثم تحركت نحو النافذة، لتتطلع إلى الطريق، ما إن رأت السيارات تتوالى تباعًا لتصطف أمام الرصيف المجاور للمنزل، حتى انتشر الحماس في وجهها، وكذلك في نبرتها وهي تقول:
-شكلهم جوم.
تصلبت "فيروزة" في جلستها، وأحست ببلوغ التوتر لديها أقصاه، لجأت للتنفس بعمقٍ لتهدئ من حالها، وتابعت بعينيها خروج توأمتها من الباب وهي تشدد عليها مستخدمة أيضًا سبابتها في التأكيد:
-خليكي مستنية هنا لحد ما ننادي عليكي.
صاحت ساخرة في تبرمٍ:
-شوفتني قومت جريت على الباب.
مرت عليها الثواني بطيئة، مرهقة لأعصابها، تعلقت عيناها بعتبة الباب حين جاءت إليها "رقية" لتخبرها في براءةٍ وهي تصفق بيديها:
-العريس جه يا "فيرو".
أومأت برأسها قائلة ببسمة متوترة:
-ماشي يا "كوكي".
أشارت لها بيدها لتتحرك وهي تكلمها بعفوية مرحة:
-يالا عشان تبوسيه.
برزت عيناها في محجريهما في ذهولٍ، وهتفت في استهجانٍ شديد:
-نعم؟! عيب الكلام ده!!
بررت لها بلطافة بريئة:
-مش كل العرايس بتعمل كده؟
رمقتها بنظرة صارمة قبل أن تخبرها بنبرة أقرب للتهديد:
-مش أنا يا حبيبتي، ويا ريت منقولش الكلام ده تاني، عشان مازعلكيش، ماشي؟
لوت "رقية" ثغرها، وانقلبت تعبيراتها المبتهجة إلى أخرى عابسة، ثم بضربت بقدمها الأرض في عصبيةٍ، ودمدمت قائلة وهي تركض خارجة من الغرفة:
-طيب.
رفعت "فيروزة" كفيها إلى وجهها لتتحسس برقةٍ ملمس بشرتها الدافئ، فصدمة كلمات "رقية" العفوية قد عكست تأثيرها في التو عليها، سحبت من جديد شهيقًا عميقًا، ورددت لنفسها في حزمٍ؛ كأنما تعزز من طاقة ثباتها، فلا تظهر عليها أي بادرة ضعفٍ أو خجل:
-نهدى كده مافيش حاجة حصلت!
....................................................
بحفاوةٍ كبيرة، وترحيبٍ حار استقبلت "آمنة" ضيوفها المنتظرين، وصوت ضحكاتها الرنان يرن في الأرجاء، أجلستهم بغرفة الصالون لتتبادل معهم حديثًا وديًا تمهيديًا يسبقه أسئلة روتينية عن أحوالهم، قبل أن ينتقل الحوار إلى الموضوع الذي أتوا من أجله. سحبت "همسة" زوجها نحو الخارج في حذرٍ، واحتجزته في الردهة لتعاتبه على تأخيره غير المقبول:
-اتأخرت ليه يا "هيثم"؟ مش كنت جيت من بدري؟
كان الإرهاق باديًا على ملامحه وهو يجيبها:
-يدوب عقبال ما قفلت كام حاجة، وظبطت مع العمال، ورجعت وغيرت هدومي.
شملته بنظرة فاحصة طافت على بدلته البُنية التي ارتداها على قميصٍ من اللون البيج، قبل أن تمتد يديها نحو ياقته لتخبره بلهجةٍ شبه آمرة:
-هات أظبطلك الكرفتة.
أمسك بطرف رابطة العنق، وقال بتذمرٍ:
-لازمتها إيه الخنقة دي مش فاهم.
ضبطت عقدتها، وجعلت وضيعتها في المنتصف قبل أن تعلق في رضا، وبابتسامة زهو واضحة:
-عشان تبقى شيك.
مازحها "هيثم" بغمزة من طرف عينه:
-ليه ناوية تجوزيني تاني؟
انقلبت تعابيرها للوجوم، وحذرته بلهجةٍ غير متسامحة:
-طب فكر تعمل كده بس!!
أطلق ضحكة قصيرة، قال بعدها وهو ما زال مبتسمًا:
-أنا اكتفيت بيكي يا "هموسة".
ربتت على جانب ذراعه تستحثه على الحركة وهي تتابع:
-أيوه كده، خليك لطيف، روح مع الضيوف لحد ما أجيب الحاجة الساقعة والجاتوه.
عقب على تعليقها ساخرًا من اهتمامها الزائد:
-ضيوف مين؟ دي العيلة يا بنتي، مش حد غريب.
نفخت في نفاذ صبرٍ، وخاطبته بتشددٍ:
-اسمع الكلام من غير جدال.
غمغم مع نفسه بهسيسٍ غير مفهومٍ لها:
-قولة حاضر بتريح...
ما لبث أن رسم ابتسامة عريضة على فمه، وهز رأسه قائلاً في طاعة:
-حاضر يا ستي.
.................................................
لم يتخلف "سراج" عن الحضور، فأراد –باعتباره فردًا من العائلة- مشاركة صهره فرحته في إتمام الاتفاق الرسمي مع عائلة زوجته المستقبلية، وربما تقديم الدعم له، وإظهار الأسباب والدوافع الحقيقي إن تطرق الحديث إلى مسألة بقائه بالسجن، وأصبح عائقًا في إكمالها. جلس على يساره ولوح بيدها يدعو له:
-ربنا يتمم على خير.
رد "تميم" بملامح يشوبها الخوف:
-يا رب.
أردف الجد "سلطان" الجالس على الأريكة العريضة قائلاً:
-متقلقش، كله خير.
على عكس ما بدا نهارًا كان "تميم" في أوج قلقه، ردات فعل طاووسه دومًا غير متوقعة، يخشى أن تقوم برفضه للرد على سخافته معها اليوم، لفظ الهواء من صدره على مهلٍ، وهو يدعو الله بصدقٍ أن يتحقق ما يصبو إليه.
حين أطلت بهذا الحُسن السارق للقلوب، والخاطف للعيون، انفتح دولاب عواطفه الجياشة على مصراعيه، وامتلأت عيناه بعلاماته الواضحة. أحبها "تميم" بالقدر الذي جعله مستعدًا للتضحية بأي شيء في سبيل أن تبادله نفس المشاعر المتيمة، وتشعر بما يختلج قلبه منذ أن أدرك حقيقة أحاسيسه ناحيتها، ربما بوادر ذلك الوله قد بدأت تداعبها؛ لكنه يريدها أن تتمرغ باستمتاعٍ بين صنوفه اللذيذة.
سارت "فيروزة" متبخترة في خطاها، يداها تمسكان بجانبي ثوبها، ترفعه قليلاً عن الأرض، لئلا تتعثر فيه؛ تهادت أكثر في مشيتها كأنما تتعمد اللعب على أوتار فؤاده المُعذبة بعشقها بهذا التباطؤ المثير. بخلت عليه بنظرةٍ، ويا لها من قاسية! أتحرمه من متعة النظر إليها في هذا اليوم الموعود؟ ألقت التحية على الجميع، وحرمته من كلمة واحدة، ألن ترأف بعاشقٍ أضناه ذلك الحب المستحيل؟ حتى في جلستها اختارت الزاوية البعيدة عنه، لتختبر قوة جَلَده في حضورها الطاغي.
أراح "تميم" ظهره للخلف، وأخذ يوزع نظراته على جميع المتواجدين في الغرفة، إلا هي! كانت نظرته لها قصيرة، مليئة بمزيجٍ من الحب، الرغبة، الاشتياق، واللهفة! انتبه لصوت والدتها التي بادرت مادحة:
-بسم الله ماشاءالله، البدر هل علينا.
انزلقت "همسة" قائلة من تلقاء نفسها:
-ده كده مش حاطة حاجة يا طنط، بالعافية لما أقنعناها.
ردت عليها "ونيسة" بابتسامة يتخلل الضحك"
-هي ما شاء الله عليها مش محتاجة ...
ثم تطلعت إلى ابنها تسأله مباشرة:
-ولا إيه رأيك يا "تميم"؟
كأن صاعقة ضربت برأسه، اتجهت كل الأنظار إليه كما لو أمسك به أحدهم بالجرم المشهود، ابتسم قليلاً، واختطف نظرة سريعة نحو والده الذي كان متحفزًا في جلسته، كأنما يترقب ردة فعله، فكان صمته خير إجابة، لأنه يعلم جيدًا عدم تساهله في أمور المناغشة والغزل علنًا، ولينأى بنفسه من الإحراج قال في تهذيبٍ:
-هي تستاهل كل حاجة غالية.
لكن بين جنبات نفسه، قال معترفًا بصوتٍ غير منطوق، وعيناه ترتكزان على وجه "فيرزوة":
-هي أحلى ما شافت عيني.
استطرد "سلطان" ممسكًا بزمام الحوار بنبرة جمعت بين الجد والهزل:
-سيبونا بس من أمور الدلع والحاجات الحلوة دي، هاتيجي بعدين، ومسيره يسمع القمر بتاعنا أحلى كلام، بس خلينا نتكلم في المهم.
أطرقت "فيروزة" رأسها في استحياءٍ من تلميحاته التي تأرجحت بين المبطن والمفهوم، وبدأت الخيالات الحالمة في اقتحام عقلها، ليزيد هذا من تلبكها. تولى "خليل" دوره في الكلام مرددًا بتمهلٍ:
-احـ..نا مش هنختـ..لف إن شاءالله.
أيدته "آمنة" بتصريحها:
-ربنا ما يجيب خلاف، ده احنا عيلة.
عاد "سلطان" ليضيف في جديةٍ وهو يدير عكازه بين راحته:
-هو مش مدح لا سمح الله في حفيدي، بس يعلم ربنا هو تعب في كل مليم كسبه بالحلال، وهو مصمم يتكفل بكافة شيء تحتاجه بنتنا، رافض إننا نساعده.
هتفت "آمنة" معلقة بوجهٍ مبتسم:
-إنتو بيت كرم طول عمركم.
أشــار "سلطان" لابنه يخاطبه بلهجةٍ آمرة:
-كمل إنت يا "بدير" الباقي.
هز رأسه في طاعةٍ، قبل أن يوجه حديثه إلى "خليل"، ونظراته تتوزع بالتساوي على أهل العروس:
-اتفاقنا ده بس عشان نبقى على نور، وكل الحاضرين هنا شاهدين عليه.
صاحت "آمنة" مرددة في حبورٍ:
-ده إنتو كلمتكم وعد.
استحسن قولها، ثم تابع ويده تشير نحو ابنته:
-المهر 100 ألف، وشبكة زيهم، المؤخر زي "هاجر"، نص مليون جنية، وجاهزين يدفعهم بعد كتب الكتاب.
كتمت "آمنة" شهقتها الغبطة وعيناها تنظران تلقائيًا إلى "هاجر"، قبل أن تعاود النظر إلى "بدير"، وهي تهتف في سرورٍ معكوس في كل وجهها:
-أد القول يا حاج.
ما تقوم به عائلته من طرح عروض سخية لإقناعها بقبول الزواج به لم يكن في باله، كان شاغل "تميم" الوحيد حاليًا وسط كل هذه الحوارات السائدة أن تقوم برفضه لشخصه، حينئذ سينفطر قلبه؛ فالمال مهما كان مُغريًا، فإنه لا يشتري الحب، والعشق الحقيقي لا ثمن له! اختلس النظرات إليها ليعرف رأيها من ملامحها؛ لكنها كانت غير مقروءة، مبهمة، يسودها جمود مخيف، وهذا أكثر ما أرعبه! راح ينظر إلى أبيه الذي أضاف:
-أما العفش فالعروسة هتختاره كله على ذوقها، ما هو بيتها زي ما بيقولوا كده مملكتها، فمن حقها تنقي اللي هترتاح فيه.
أشارت "آمنة" بيدها معلقة في رضا واضح:
-عداكم العيب.
تدخلت "هاجر" قائلة بحماسٍ، وهي تهدهد رضيعها:
-ده "سراج" وراني كام معرض فيهم حاجات خرافة، لو عايزاني أديكي أساميهم قوليلي.
علقت "فيروزة" بكلمة مقتضبة بعد أن نظرت في اتجاهها:
-تمام.
استغرقت "آمنة" في التفكير مع نفسها لبعض الوقت، فكل المغريات تقدم لابنتها الأرملة على طبق من ذهب، وكأنها شابة حديثة العهد بالزواج، والحق يُقال أنها لم تسمع أو ترى في سنوات عمرها من يفعل هذا لإحداهن، فيما عدا سليلة عائلة "سلطان"، لكونها ابنة الحسب والنسب، أما ابنتها فلم تملك من المقومات المادية ما يؤهلها للمناطحة معهم، لذا إن رفضت كل هذا لأتصفت بالغباء الأكيد، ولهذا لم تدخر وسعها في التعليق على كل ما يُقال لتبدي استعدادها التام للقبول ولو عرض عليها أقل من هذا بكثير. توقفت عن تفكيرها التحليلي لترد غير ممانعة:
-دي أمرها سهل.
.................................................
في تلك الأثناء، غادر "هيثم" بهدوء حجرة الصالون، باحثًا لنفسه عن مكانٍ يدخن فيه إحدى سجائره، كانت الشرفة الخيار الأمثل، فأراح مرفقه على حافة السور، وحملق بشرود في العتمة الممتدة أمامه، شعر بلمسةٍ رقيقة على ذراعه، فأدار رأسه للجانب لينظر إلى زوجته التي انضمت إليه، تفرست الأخيرة في ملامحه التي كساها الحزن لتسأله في توجسٍ:
-مالك يا حبيبي؟ في حاجة مضايقاك؟
بلع غصة عالقة في حلقه، وأجابها بوجومٍ:
-أصل اللي بيحصل النهاردة بيفكرني بيوم خطوبتنا.
استندت برأسها على كتفه، وعلقت في ابتسامة رقيقة:
-صح نفس الأعدة، بنفس الناس.
شعرت بتصلب جسده أسفل رأسها وهو يجاوبها بنبرة مريرة:
-أيوه، بس الفرق لا أمي ولا أختي موجودين.
أحست بوخزة من الألم تضرب صدرها، وأبعدت رأسها عنه لتستقيم واقفة، ثم نظرت إليه متسائلة في حذرٍ لا يخلو من خوفٍ تفشى فيها:
-هو .. إنت زعلان إن "تميم" هيتجوز أختي؟
عمَّ الصمت بينهما لما يقرب من دقيقة قبل أن يجاوبها بحزنٍ:
-لأ، ده النصيب، بس صعبان عليا اللي حصلها، ملحقتش تعيش حياتها ولا تتهنى.
نكست رأسها في أسفٍ، وقالت:
-ربنا يرحمها برحمته الواسعة، هي في مكان أحسن دلوقتي.
اجتاحه حزنًا أعمق وهو يضيف:
-وأمي شوفي بقت فين دلوقتي!
رغم أنها لم تسلم من لسانها السليط، وطباعها الحادة، إلا أنها علقت في هدوءٍ، خانقة بداخلها تلك المشاعر المستاءة التي نبضت فيها:
-مسيرها تخف وصحتها تبقى أحسن عن الأول.
قال في غير تفاؤلٍ، وقد طفرت دمعة متأثرة من طرفه:
-الله أعلم.
مدت "همسة" يدها لتمسح العبرة النافرة من عينه، ثم أخبرته في محبةٍ:
-إن شاءالله خير، دوام الحال من المحال.
وأد "هيثم" أحزانه التي تجمعت في صدره مضطرًا، ولف ذراعه حول كتفي زوجته ليدفعها برفقٍ خارج البلكون وهو يكلمها:
-تعالي بدل ما يفكروا إن في حاجة.
حاوطته هي الأخرى من خصره، وقالت في غير ابتسام:
-ماشي يا حبيبي.
..........................................
نظرة أخرى خاطفة من عينيه نحو وجهها الساكن، بدا كما هو غير متأثر، يظهر فقط على بشرتها توردًا محببًا إليه، جعله يطيل النظر إليها دون أن يرف جفناه. وجد "تميم" نفسه يشرد في لون الحجاب الذي التف حول رأسها، وراح يعقد مقارنات في مخيلته بين ما رأه من ألوان ترتديها تتماشى معها، لن ينكر أن الحمرة الخفيفة مع نقاء اللون السماوي جعلها كهالةٍ جاذبة للأعين، تأسر من وقع تحت تأثيرها طواعية، وتسحبه نحو مجهولها الغامض باستسلام لا ندم فيه. شتت "تميم" أنظاره عنها، وتحفز في جلسته وهو يتنحنح في خفوتٍ، خاصة عندما هتف والده موضحًا:
-الشقة عندكم اختيارين ليها، "تميم" عنده بيت تاني فوق شقة "هيثم" الجديدة، يعني ده لو حبت تسكن في نفس العمارة مع أختها، أو نشوفلها حاجة تانية مناسبة ليها، في المكان اللي تحبه.
هنا تكلم "خليل" مخاطبًا ابنة شقيقته بصيغة تساؤلية:
-رأيـ..ك إيه يا "فيــ..روزة"؟
لاذت بالصمت لهنيهة قبل أن تخبرهم في حرجٍ:
-كتير أوي اللي إنتو عاملينه ده.
تحدث الجد ممازحًا ببسمة عريضة وهو يشير بنظراته نحو "تميم":
-الغالي للغالي، وبعدين عشان الواد ده يعرف إنه دفع دم قلبه في واحدة هتفضل معاه العمر كله، ويفكر مليون مرة قبل ما يفرط فيكي.
دون احترازٍ انزلق "تميم" مؤكدًا:
-هو أنا أقدر يا جدي!
استمرت نظرات "سلطان" على حفيده وهو يخبره بنبرة جادة:
-ما أنا مش هعيشلك كتير، بس أضمن حقها من بعدي.
ردت عليه "آمنة" في جزعٍ:
-طولة العمر ليك يا حاج.
انتقلت نظرات "سلطان" نحو "فيروزة" يسألها تلك المرة مباشرةً:
-ها يا بنتي؟ مناسب ده ليكي؟
ضجيج قلبه في تلك اللحظة كان يصدح في أذنيه، حبس "تميم" أنفاسه مترقبًا قرارها الحاسم، واشتدت قبضتيه على مسندي الأريكة من فرط قلقه من احتمالية رفضها، أخفض رأسه محدقًا في الأرضية، ونهجان صدره قد بات ملحوظًا، في حين تطلعت "فيروزة" إلى الجد مليًا، وحدسها كأنثى يخبرها أن أعصابه على المحك، استمتعت بتلك الثواني الغالية قبل أن تجاوب بإيماءة من رأسها:
-أيوه.
سرت همهمات رضا بين الحاضرين، كان أكثرها مسموعًا التنهيدة الصادرة من "تميم"، فقد نال في نهاية السعي الدؤوب جائزته، رفع عينيه على الفور، وحدق ناحيتها وشرارات الحب تتطاير منهما. التقت النظرات الساحرة، بالنظرات الشغوفة، لتمتزجا معًا في انسجامٍ، وكأن العالم خلا إلا من سواهما، أخذت جذوة الغرام في الاتقاد، لعل الأشواق المنتفضة في صدره، تنفذ إليه، فتلامس عينة مما يدخره لأجلها لاحقًا.
امتلأ المكان بأصوات الزغاريد المبتهجة، وتسابقت النساء في إطالتها، ليعلم الجيران بلمحة خاطفة ومشوقة عن النبأ السار. حول "سلطان" أنظاره عن العروس ليخاطب البقية:
-يبقى على بركة الله، نقرى الفاتحة.
ارتفعت الكفوف للأعلى، وبدأوا في قراءة سورة الفاتحة كاستهلالٍ لخطبةٍ موفقة، ما إن انتهوا حتى هتفت "ونيسة" بفرحةٍ:
-الصينية فين يا "هاجر"؟
خفضت ابنتها من يدها لتلتقط الصينية الصغيرة المسنودة إلى جانب الأريكة، ناولتها إياها وهي ترد:
-أهي يامه.
حينئذ وضعت "ونيسة" الصينية في حجرها، وأخرجت من حقيبتها حليًا من الذهب، كانت أولهما قرطين للأذن مصممين على هيئة ريش الطاووس المميز، بالإضافة إلى (بروشٍ) على هيئة زهرة الأوركيد، نهضت من جلستها لتتجه نحو العروس التي وقفت احترامًا لها، ثم خاطبتها وهي تمد يديها بالصينية ناحيتها:
-دي بقى هدية بسيطة ليكي مني، وبكرة الصبح تنزلي مع عريسك تنقوا الشبكة.
تأملت ما ابتاعته لها مرددة في حرجٍ:
-كتير والله، مكانش ليه لازمة.
أصرت عليها في وداعةٍ:
-ده إنتي بقيتي بنتي التانية خلاص.
لم تستطع رد هديتها، فقبلت بها، وأخذتها من الصينية، لتقوم بعدها "ونيسة" باحتضانها، وهي تدعو لها:
-ربنا يجعل نِعم الزوجة لابني، ويجعله سندك في الدنيا يا رب.
تلقائيًا اتجهت عيناها من فوق كتفها ناحية "تميم" الذي رمقها بنظراته الوالهة، في حين أطلقت "آمنة" زغرودة أخرى كتعبيرٍ عن سعادتها البالغة بالأمر، لتهلل بعدئذ:
-ربنا يديم المعروف والخير بينا جميعًا.
عادت "فيروزة" إلى مكانها لتجلس وهي تنظر عن كثبٍ للهديتين الموجودتين في راحتها، عمقت من تأملها لهما، كانتا مميزتان؛ لكن البروش نشط ذاكرتها بذكرى رؤيتها لشبيه ما كان بحوزتها كمشبكٍ للرأس في درج الكومود الموجود بغرفة "تميم"، أمن المحتمل أن يكون هذا البروش تحديدًا من اختياره؟ أيعلم أن ما يحتفظ به خاصتها ولهذا قصد إيصال رسالته المتوارية لها عن طريقه؟ تجاوزت عن حيرتها لتسمع صوته القائل في لهجة جادة:
-أنا عندي طلب بعد إذنك يا جدي ويابا.
منحه والده فرصة الحديث بتعابيره الهادئة:
-قول يا "تميم"، عايز إيه؟
تشجع مقترحًا على الجميع في جراءةٍ غير متوقعة:
-نخلي كتب الكتاب على طول، مالهاش لازمة الخطوبة، وتضييع الوقت.
صُدمت "فيروزة" بما ينوي فعله، واتسعت عيناها ذهولاً. قبل أن يفكر أحدهم في الاعتراض عليه علل أسبابه بمنطقيةٍ:
-وبعدين عشان نعرف نخلص اللي ناقصنا من غير ما حد يقول كلمة كده ولا كده.
من تلقاء نفسها هتفت والدته محتجة:
-هو حد يستجري ينطق أصلاً عليكم بحاجة؟
أجابت "آمنة" وكأنها تبدي تأييدها الكامل لرغبته بشكلٍ ملتوٍ:
-الناس مابتسبش حد في حاله يا حاجة "ونيسة"، تلاقيهم يعملوا من أي كلمة يسمعوها فيلم ولا شبورة، وكله بالباطل، المهم تفضل سيرة الواحدة دايرة على اللسان.
مصمصت شفتيها متمتمة بهزة خفيفة من رأسها:
-في دي مظبوط، ربنا ينجينا من الناس دي.
تحركت "آمنة" لتقف إلى جوار ابنتها، وسألتها بتلهفٍ:
-موافقة يا "فيروزة"؟ ردي يا بنتي.
أجابت على سؤالها بآخر أظهر ترددها:
-هو كتب الكتاب هايكون إمتى؟
لعق "تميم" شفتيه، وراح يخبرها بحذرٍ:
-يعني مش بعيد، أسبوع ولا اتنين بالكتير، ونخلي الدخلة بعدين، مش هنستعجل في دي.
بدا اقتراحه مناسبًا إلى حدٍ كبير، ترقبت "آمنة" تعليق ابنتها النهائي بصبرٍ شبه نافذ، وتجمد "تميم" في مكانه منتظرًا سماع رأيها الأخير في مزيجٍ من اللهفة والخوف. ألحت الأم على ابنتها بعد أن اعتبرت سكوتها قد زاد عن المحتمل:
-أهوو كده حل معقول.. ها قولتي إيه؟
هتف الجد معقبًا في جدية:
-سيبوها تاخد وقتها، وتفكر، مش عايزين نضغط عليها.
كاد "تميم" يجن من صمتها المريب؛ لكنها بددت كل المخاوف دفعة واحدة بإعلانها الهادئ:
-أوكي.. مافيش مشكلة.
من جديد تنهد عاليًا وهو يهلل في بهجةٍ لا توصف:
-على خيرة الله.
انطلقت الزغاريد مرة أخرى، أعقبها تهنئة "سراج" السعيدة لصهره:
-ألف مليون مبروك لأجدع معلم في الحتة كلها.
رد مجاملاً وهو يومئ برأسه:
-الله يبارك فيك، وعقبال ليلتك الكبيرة.
ضحك قليلاً، وأخبره في طرافةٍ:
-يا مسهل، لسه تكة ونوصل للدخلة.
مع كلمته الأخيرة كان "تميم" يتطلع ملء عينيه في نشوةٍ عارمة إلى من باتت خطيبته، وقريبًا من ستصبح في عصمته!
....................................................
امتلأ الوسط بصوت بعض الأغاني المتنوعة ما بين شعبي وشبابي، بعد أن قامت "همسة" بتوصيل هاتفها المحمول، بسماعة ضخمة أحضرها زوجها في وقت سابق، للاحتفاء بشقيقتها التي تم خطبتها للتو. تبدلت أماكن الجلوس وأصبحت "فيروزة" مستقرة في الأريكة العريضة إلى جوار "تميم" رغم وجود مسافة معقولة بينهما؛ لكن إصرار الغالبية –خاصة النساء- على جلوسهما معًا جعلها ترضخ في النهاية. وزعت "آمنة" كؤوس الشربات على عائلة "سلطان"، قبل أن ترصص "همسة" صينية الأطباق المليئة بقوالب الجاتوه على الطاولة لتناول كل فردٍ خاصته على حدا. دنت من توأمتها قائلة بعبثيةٍ، وتلك الابتسامة الفرحة تزين محياها:
-قولي لعريسك ياكل يا "فيروزة".
رمقتها بنظرة حادة لم تكترث بها شقيقتها، وأصرت على إعطائها صحنه، لتقدمه له بنفسها، وضعته "فيروزة" قبالته قائلة بتلميحٍ مفهومٍ له:
-اتفضل، دي بالشيكولاته، غير التورتة اللي إنت جبتها.
أخذ الطبق منها، وابتسم معلقًا في لطفٍ:
-ما أنا واخد بالي.
اقتطع بالشوكة جزءًا من عند الحافة، وتذوقها متلذذًا بها، قبل أن يخبرها بنبرة ذات مغزى:
-طعمها حلو.. زيك.
نظرت إليه نظرة محذرة، استقبلها بتحدٍ يشوبه الاستمتاع، فالبريق الذي يشع من حبتي الفيروز يستحق التأمل، أبعدت عينيها عن نظراته الطويلة، لتتساءل وقد التقطت أذناها كلماتٍ مقتطفة لما كان يدندن بها في نهار اليوم:
-مش دي الأغنية اللي كنت بتغنيها؟
أكد لها بعد لاك ما في جوفه:
-أه هي ..
أسبل عينيه نحوها، وتابع مبتسمًا في إشراقة بهية:
-أنا مكملتلكيش بقيتها..
تطلعت إليه في اهتمامٍ، فدندن مع الكلمات العالية بولهٍ جعل وجهها يتقد بحمرة ساخنة:
-مش هتبقي لغيري، أيوه أنا غيري مافيش!
حاولت الحفاظ على جديتها وهي ترد:
-لا والله.
ابتسم ببلاهة وهو يؤمى برأسه مرددًا:
-أه والله.
حادت بنظراتها بعيدًا عنه وهي تقاوم شبح ابتسامة مستمتعة بصحبته، كان يثير بداخلها مزيجًا من الأحاسيس العجيبة، كلها تصب في صالحه، كأنما قد اتحدت معًا لتدعم من موقفه، انتشلها "تميم" من سرحانها السريع بالنداء عليها:
-يا أبلة!
التفتت ناظرة إليه، وهي ترد في رسميةٍ بحتة:
-نعم يا معلم.
جاءه تعقيبه مازحًا:
-الاحترام بينا حلو مافيش كلام، صح ولا إيه؟
بالكاد كتمت ضحكتها وهي تخبره بإيجازٍ:
-طبعًا.
أسند "تميم" الطبق على الطاولة أمامه، واستطرد يكلمها في لهجةٍ مالت للجدية قليلاً:
-أنا كنت عاوز أقولك على حاجة كده.
أبدت اهتمامها قائلة وهي تلعب بشوكتها في قالب الحلوى:
-اتفضل.
تنحنح متابعًا بتريث:
-فاكرة يوم كتب كتاب "هاجر"، لما كنتي قاعدة في المطبخ لوحدك؟
هزت رأسها قائلة:
-أيوه.
أراد في قرارة نفسه ألا يكون بينهما أسرار، أن يكون مرئيًا لها، لهذا تشجع لإخبارها بحيلته السابقة. حافظ على ثبات بسمته وهو يعترف لها:
-ساعتها عملت نفسي بتكلم في التليفون، وإني مش شايفك عشان تسمعيني وأنا بقول مش هجبرك على الموافقة، وهبعد ومش هظهر في حياتك تاني.
تعقدت ملامحها نوعًا ما وهي تتكلم في اقتضابٍ:
-فعلاً.
ظل مبتسمًا عندما أضاف:
-الصراحة الكلام ده كله كدب، ومن ورا قلبي، وكانت حركة معمولة عشان تبدأي تفكري في كلامي بجدية.
أخفى الجزء الخاص بجده، لكونه غير مستحبٍ له، الأفضل أن يتلقى التوبيخ وحده، رأى في نظراتها نحوه استنكارًا جليًا لما اعتبرته لعبته السخيفة. عبست قسمات "فيروزة" وهي تسأله في ضيقٍ:
-يعني كنت بتضحك عليا وبتستغفلني؟
هتف نافيًا على الفور:
-أبدًا والله، مقدرش أعمل كده فيكي ...
تحركت يده نحو موضع قلبه، وأكمل مبررًا تصرفه:
-أنا بس كنت عايزك تحسي بده.
تلبكت أمام اعتراف منقوص بشيءٍ يكنه لها، ورمقته بنفس النظرة الجامدة قبل أن تخبره بتجهمٍ:
-عمومًا الفاس وقعت في الراس خلاص، وأنا مش هحرجك إكرامًا للناس اللي جت النهاردة هنا.
سألها في قلقٍ استبد كليًا بوجهه:
-يعني إنتي ناوية تفضي الجوازة قبل ما تكمل؟
راوغته في إجابتها:
-احتمال وارد.
لم يحبذ مطلقًا اللعب على وتيرة مشاعره، أو الاستهانة بها، لهذا قست ملامحه، وشاح بعينيه بعيدًا عنها، ليستطرد قائلاً بلهجةٍ خلت من أدنى مظاهر المرح:
-وعلى إيه؟ خلاص ننهيها من دلوقتي طالما دي رغبتك.
انقبض قلبها مع ختام كلماته، وشعرت بالدماء تفر من عروقها، لهذا اعترفت دون تفكيرٍ:
-مالك قفشت كده ليه؟ بهزر معاك على فكرة.
عاد ليتطلع إليها في نظرة معاتبة وهو يسألها:
-والله؟ زي أي جوازة والسلام برضوه؟
تحرجت من تذكيره بزلة لسانها السخيفة، وقالت بردٍ لم يرقه وهي تزين محياها بابتسامة مفتعلة:
-اعتبرها واحدة قصاد واحدة، إنت عملت عليا حركة، وأنا رديتهالك، يبقى خالصين.
سألها في جدية بحتة، وكامل عينيه عليها:
-كده خدتي حقك مني؟
حركت رأسها قائلة، وقد اتسعت بسمتها السخيفة قليلاً:
-أيوه.
أومأ برأسه معقبًا بغير هزلٍ وهو يشير لها بيده:
-زي الفل، خلينا بقى على جديده، ونرمي اللي فات كله ورا ضهرنا.
صمتت قبل أن تمنحه ردها:
-أوكي بس لو زعلتني هزعلك.
تعقد جبينه هاتفًا في استهجانٍ:
-وده اسمه إيه ده كمان؟
هزت كتفها قائلة ببرودٍ:
-مجرد تحذير عادي.
سدد إليها نظرة طويلة غامضة، قبل أن ينطق بعد زفير بطيء، وهذا اللمعان المريب يتراقص في حدقتيه:
-زي الفل يا أبلة.
لم تسترح لتلك النظرة، كما أن اعتماده لهذا الأسلوب الرسمي الجاف في ردوده عليها استفزها بشكلٍ ما، فراحت تتنمر عليه بنبرة شبه حادة:
-إيه حكاية زي الفل دي اللي مسكهالي؟ كل ما أقولك حاجة تقولي زي الفل!
حمئتها الغريبة جعلت فكه السفلي يتدلى في غير تصديق، ليهتف بعدها ضاربًا كفه بالآخر:
-مش معقول! هو موسم الخناق بدأ بدري ولا إيه؟ ده أنا ملحقتش أدلع.
انفرجت شفتاها عن غيظٍ واضح، وسألته في تحفزٍ:
-عايز تقول إني نكدية؟
دافع عن نفسه في التو:
-هو أنا نطقت بحرف؟
خشي من تصاعد الأمور بينهما من لا شيء، فمد يده ليمسك بطبقه وهو يغمغم:
-أقولك أنا هاكل جاتوه.
ما إن حمل طبقه بيده حتى وضعت صحنها على الطاولة، كأنما تعانده، فاقتطع بشوكته قطعة من القالب، وتذوقها في اشتهاءٍ، قبل أن يميل بجذعه ناحيتها ليهمس لها بما بدا وكأنه يغازلها:
-حلو على فكرة، سكر محلي محطوط على كريمة!
تراجعت بظهرها للخلف، ورفعت حاجبها للأعلى قائلة في جديةٍ:
-يا سلام!!
اعتدل "تميم" في جلسته، وغرز الشوكة مجددًا في قالبه، ليحصل على قطعة أكبر، قربها منها قائلاً ببسمة مهذبة:
-طبعًا، تدوقي يا أبلة؟
هزت رأسها رافضة بنفس التعابير الجادة:
-لأ، شكرًا.
لانت قسماته وهو يداعبها قائلاً بتنهيدة تصحبها غمزة من طرف عينه:
-ليه بس؟ ما تخليني أجرب أحط الشوكة في بؤك؟ هتكسري بخاطري.
لمعت عيناها بشكلٍ غامض، قبل أن تقرب رأسها منه لتخبره بهمسٍ وهي تضع يدها على جانب فمها:
-باباك بيبص علينا على فكرة، وشكله ناويلك.
تلقائيًا حانت منه نظرة سريعة نحو أبيه، فوجده يطالعه بنظرة قوية مغزاها أنه لن يقبل بأي تجاوزٍ يحدث تحت شعار الخضبة، حرك "تميم" جسده على الأريكة، ليزيد من المسافة الفاصلة بينه وبين طاووسه المشاكس، ليدمدم بعدها بعبوسٍ ساخر، وكل تركيزه أصبح منصبًا على بقايا قالب الجاتوه:
-أه عارفها البصة دي، كده هيحط الطبق كله في وشي ............................................. !!
.......................................................
#منال_سالم
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الرابع الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم Manal Salem
تصبيرة لطيفة للساهرين بعد منتصف الليل
الفصل المائة وستة وأربعون
كانت جلسة تقريع أكثر منها تنبيه، لئلا يفكر في التجاوز في تصرفاته مع خطيبته فيما بعد، إن التقى بها بترتيبٍ أو مصادفة، اعتمادًا على حجة الخطبة المزعومة، وما قد يحدث فيها من عدة مخالفات غير مقبولة. شدد "بدير" على ابنه بضرورة الالتزام بكامل وصياه، وإلا لن تكون العواقب محمودة عليه، كرر من جديد على مسامعه بنفس النبرة الحازمة:
-عايز تشوفها، يبقى في بيتها، وبعد ما تستأذن خالها وأمها، اللي مانرضهوش على أختك، مانقبلش بيه على بنات الناس.
انتزع "تميم" رابطة عنقه الزرقاء الداكنة عن ياقته بعد أن حل وثاقها، ليظل جالسًا أمام أبيه بقميصه الأبيض، وبنطال بدلته المماثل للون الرابطة. لفظ الهواء بطيئًا ثقيلاً من صدره، فالقيود تزداد يومًا بعد يوم كلما أوشك على توطيد علاقته بها، انتظر "بدير" سماع رده، وسأله بتجهمٍ:
-قولت إيه؟
ضغط على شفتيه للحظةٍ قبل أن يجاوبه بما يشبه الوعد:
-اطمن يابا، كلامك نافذ.
حذره بإشارة من سبابته:
-ولو جت اشتكتلي في يوم منك هحاسبك إنت.
احتج على تشدده قائلاً بتذمرٍ وهو يضيق عينيه:
-طب إفرض مزعلاني؟
جاءه تعليقه واضحًا ومباشرًا:
-ماتزعلهاش، ما حبكش اليومين دول تنكدوا على بعض، وخلي الأيام تعدي على خير، لحد ما ربنا يكرمكم.
هز رأسه هاتفًا، رغم أمارات التنمر الظاهرة على محياه:
-ماشي الكلام.
ابتسم "بدير" له، وأنهى حواره معه:
-ربنا يتمم بخير.
بادله الابتسام بشكلٍ مقتضب، قبل أن يغادر الغرفة، لتعاود والدته أدراجها، وتنظر إلى زوجها بنظرة معاتبة، قبل أن ترجوه في لطفٍ:
-خف على ابنك شوية يا حاج، هو مالوش في الغلط.
أخبرها بعد زفيرٍ بطيء:
-أنا عارف، بس لازمًا الكلام ده، بكرة يجي يشكرني.
ردت "ونيسة" مبتسمة رغم إرهاقها، وهي تزيح الغطاء عن الفراش تمهيدًا للاستلقاء عليه:
-ربنا يصلح حاله ويراضيه من وسع.
تمدد "بدير" إلى جوارها، وتمتم موجزًا وقد أطبق على جفنيه:
-يا رب.
................................................
جرجر أذيال الخيبة وراء ظهره، بعد أن تلقى وابلاً من الأوامر الصارمة، بالطبع لم يكن ليخالف تعليمات والده؛ لكن لا داعي لكل ذلك التشديد في مسألة لن تتجاوز بضعة أيامٍ، قبل أن تتخذ العلاقة بعدًا رسميًا. انتشله من شروده في أفكاره المهمومة صوت شقيقته المنادي في حماسٍ:
-"تميم"!
راح يرنو إليها بنظرة عادية وهو يجيب، مُلقيًا بسترته على كتفه:
-أيوه يا "هاجر".
لكزته في جانب ذراعه قائلة في استمتاعٍ، وتلك النظرة الماكرة تداعب عينيها:
-عشان تعرف أختك بتحبك أد إيه ...
تطلع إليها في عدم فهمٍ، لم يملك من الصبر أو الطاقة ما يخوله لتحمل ممارسة أي أحجيةٍ الآن معها، فسألها في تعبٍ واضحٍ عليه:
-قولي يا "هاجر"، أنا مافياش دماغ.
غمزت له بطرف عينها وهي تخبره بابتسامةٍ عريضة:
-أنا صورتك مع العروسة كام صورة حلوة ...
ثم أخذت تعبث في هاتفها لتريه ما التقطته من صورٍ فوتوغرافية وهي تتابع:
-هبعتهوملك على الواتساب.
تناول الهاتف من يدها، وبدأ يتفحص الصور المتنوعة التي احتفظت بها في هاتفها، كانت للقطات مختلفة لكليهما أثناء تناول قالب الحلوى، بدت "فيروزة" فيها رغم جديتها راقية، ملكة متوجة بحق! تطلعت إليه "هاجر" في فضولٍ لتتأمل نظراته، وسألته دون أن تخبو بسمتها:
-إيه رأيك؟
الكشف عن مشاعره، وسبر أغوار قلبه ليس متاحًا للمشاركة، لهذا اضطر أن يقلب بين الصور بسبابته في تعجلٍ، كأنه غير مهتم برؤية وجه القمر، ليخاطبها بعدها مازحًا، وهذا الامتقاع الزائف معكوس على وجهه:
-حلوين أوي، بس أنا مالي طالع كده ليه؟
انعقد ما بين حاجبيها في حيرة، فأخذ يشير إلى هيئته وهو يأكل بالشوكة، ثم أضاف موضحًا:
-بصي عليا، زي ما أكون فجعان، أول مرة أشوف أكل.
ضحكت على تعليقه، وبررت له ببساطة:
-ما هو أنا كنت مركزة مع العروسة، مش معاك بصراحة.
أعاد إليها الهاتف قائلاً في امتنانٍ:
-تسلميلي ياختي.
حافظت على صفاء ابتسامتها وهي ترد:
-أي خدمة.
تحولت قسماته للجدية وهو يخاطبها عابثًا:
-أبقى أردهالك في "سراج" إن شاءالله، هصورك حبة صور عجبك.
برقت عيناها في توجسٍ، واختفت البسمة عن شفتيها، لتحذره بغير مزاحٍ:
-إياك تصورني صور وحشة، والله هزعل منك!
قهقه عاليًا، ثم تحرك من أمامها وهي تناديه في قلقٍ:
-يا "تميم"، سامعني، بجد الحاجات دي مافيهاش هزار.
استمر في الضحك قبل أن يتوقف ليدير رأسه في اتجاهها، وهو يقول:
-هو أنا أقدر برضوه أزعلك، هاورح أسلم على جدي قبل ما ينام.
تنهدت في ارتياحٍ، ولوحت له بيدها:
-طيب، تصبح على خير.
بادلها ابتسامة صغيرة وهو يرد:
-وإنتي من أهله.
ثم التفت ناظرًا إلى باب حجرة جده المغلقة للحظاتٍ، والضيق قد بدأ في ملء صدره، كان يحتاج حقًا للحديث معه، لعله يجد في كلماته المُطيبة ما يبدد هذا الثقل، ويزيح الهم عنه.
.................................................
أطل برأسه بعد أن طرق الباب بدقة خفيفة وفتحه، ليطوف بنظره على أرجاء الغرفة في صمتٍ حذر، إلى أن وقعت عيناه على مكانه بالأريكة، كان "سلطان" شاردًا في تأمل إحدى الصور، يكاد يكون في عالمٍ خاص به، فلم يشعر بوجوده، بدا "تميم" مترددًا في اقتحام خلوته، فاستأذن قبل الدخول بعد نحنحةٍ سريعة:
-فاضي يا جدي؟
رفع "سلطان" نظره إليه، وابتسم وهو يدعوه للدخول مشيرًا بيده الأخرى:
-أه يا "تميم"، تعالى.
ولج إلى الداخل، وأغلق الباب من خلفه، ليدنو منه، جلس عند قدميه، واختطف النظرات إلى الصورة القديمة التي بحوزته، ثم قال في اهتمامٍ:
-دي صورة ستي الله يرحمها.
أعطاها له لينظر إليها عن كثبٍ وهو يؤكد عليه:
-أه هي.
أمعن النظر في ملامحها الدقيقة؛ وجهها المنحوت بعناية، نظراتها العميقة المشبعة بالدفء، شعرها الثقيل والمجموع عند كتفٍ واحد، هذا الوشاح الملقى على رأسها ويدور حول صدرها، حتى يغطي نهاية أطراف شعرها الظاهر، ثم أخيرًا ابتسامتها الخجول، تلك التي توقف عندها قليلاً، ورغم كون الصورة قديمة للغاية، وباللونين الأبيض والأسود، إلا أنها كانت في حالة جيدة. بعد لحظاتٍ من مشاهدتها في انبهارٍ، قال "تميم" أخيرًا:
-دي كانت صغيرة أوي، وحلوة يا جدي.
زجره "سلطان" بنبرة تأرجحت بين الشدة والمزح:
-أومال يعني اتولدت كبيرة؟ ما هي كانت صبية تسرق القلب.
أبدى "تميم" إعجابه بمواصلة جده مدح جدته الراحلة إلى الآن، وكأن شعلة الحب لم تخبت يومًا في قلبه، فكلما جاء على ذكرها، كلما تجدد الحب بداخله! وبالرغم من رحيلها الذي مضى عليه سنواتٍ عدة؛ لكنها ما زالت تحتفظ بنفس المكانة والتقدير. أعاد إليه الصورة وهو يتكلم إليه بنبرة مهتمة:
-مقصدش، بس دي أول مرة أشوف الصورة دي ليها.
أخذها منه، ليضعها بداخل المغلف الأصفر وهو يخبره:
-ما أنا محتفظ بيها في الظرف ده عشان ماتتبهدلش.
امتدت يد "تميم" لتمسح على كف جده قبل أن يردد:
-تعيش وتفتكر يا جدي.
لمعة من الحزن اتخذت طريقها إلى حدقتي "سلطان" وقد تطلع أمامه؛ كأنما يرى طيفها متجسدًا في الهواء، زفر الهواء على مهلٍ، ثم خاطبه بصدقٍ:
-ستك دي ماتتعوضش.
تأمله حفيده في اهتمامٍ أكبر، وسأله:
-كنت بتحبها؟
رد بابتسامة أوجدت مكانها على ثغره:
-بحبها بس؟ ده أنا مكونتش شايف غيرها.
اتسعت ابتسامة "تميم" وهو يمتدح وصفه المرهف:
-سيدي يا سيدي...
لكن ما لبث أن تبدلت نبرته إلى أخرى شاكية عندما تابع:
-طب يرضيك اللي أبويا عامله معايا؟
ضحك على هيئته المزعوجة، ثم قال في هدوءٍ:
-أبوك بيحبك، وعايز مصلحتك.
رد في تذمرٍ:
-ده أنا معملتش حاجة أصلاً، وعمال أخد في جنابي.
لم يكبت "سلطان" ضحكاته المرحة الهازئة من شكواه البائسة، إلى أن توقف أخيرًا، ليكلمه بعدها في صوتٍ مال للجدية:
-وبعدين أبوك مايجيش حاجة جمب اللي عمله فيا أعمامي.
تعقدت تعابير "تميم" بينما الجد يواصل استرساله؛ كأن الزمن عاد به إلى الوراء:
-أول ما الوقت أزف، والمفروض كنت أشوف بنت حلال أتجوزها، فعمي الكبير اختارلي واحدة من بنات الحاجة "لواحظ".
أصغى "تميم" إليه بانتباه كامل، وهو ما زال يُحادثه:
-ومحدش وقتها كان زي دلوقتي متاح يشوف البنات كده عيني عينك وينقي، اتقالي نصيبي إني هتجوز "فُتنة".
علق تلقائيًا:
-طب كويس.
ألقى عليه نظرة غريبة غامضة، قبل أن يستأنف سرد حكايته القديمة:
-وأنا معرفش شكلها، فعملت فيها شجيع السيما، وروحت نواحي بيتها كده، ووقفت أراقب الحتة، على أساس ألمحها، جايز تكون نازلة تقضي طلبات لأمها، ولا تقف تنشر حاجة كده ولا كده.
تحمس حفيده في جلسته، ولمعت عيناه متسائلاً في لهفة:
-ها وبعدين؟ شوفتها؟
حل العبوس على وجه جده، وأخبره بشفاه مقلوبة:
-لأ، عمي الكبير شافني، عكشني من قفايا، وكانت ليلة سودة ما يعلم بيها إلا ربنا.
برزت عينا "تميم" مصدومًا، والجد ما زال يضيف بامتعاضٍ:
-نزل فيا ضرب وطحن مع باقي أعمامي، وهو بيقولي عايز الناس تقول الواد "سلطان" واقف على النواصي لبنت "لواحظ" عشان يشاغلها.
زادت تعابيره ذهولاً، بينما تنهد الجد مطولاً قبل أن يتابع:
-بالعافية لما سبوني بعد ما اتعدمت العافية، ووقتها حلف لو كانت إيه ما هتجوز إلا هي!
تقوس جانب فمه قليلاً وهو يكمل مستخدمًا يده في الإشارة:
-أنا قولت بس دي باينها ماتتعاشرش، وخصوصًا إن الأصغر منها كان بيطلب للجواز عنها، وهي محدش بيجيب سيرتها.
تساءل "تميم" في اهتمامٍ يشوبه اللهفة:
-وإيه اللي حصل؟
أجابه الجد بتريثٍ:
-حاولت أقولهم بلاش، فضوني من الجوازة دي، بس محدش قِبل برأيي، وعمي حلف ليخلي العيلة كلها تتبرى مني، لو صغرتهم ورجعت في كلمة اتقالت.
رفع حاجباه متسائلاً:
-للدرجادي؟
أكد عليه بملامحه التي اكتسبت طابعًا جديًا:
-أيوه يا "تميم"، الناس كانت غير الناس، والزمن كان غير الزمن.
لاحقه "تميم" بسؤاله التالي:
-واتجوزتها؟
وكأن وهج الحياة قد انبعث على تلك التجاعيد لتنطق بنضرة الشباب المفقود حين راح يخبره:
-طبعًا، وكانت نعمة ربنا ليا، القمر العالي اللي ناس مش طايلاه، جالي وبقى بتاعي ...
انبهر "تميم" من وصفه الحالم، وابتسم في تلقائية. سكت "سلطان" للحظة ليستكمل بعدها:
-عارف لما ربنا يرزقك بعطية كبيرة من عنده، تعوضك عن اللي فات كله.
ردد حفيده في ثناءٍ:
-سبحان الله!
تهدل كتفا "سلطان"، وعاد الحزن ليغطي معظم تقاسيم وجهه وهو ينطق بألمٍ شبه محسوس في نبرته:
-بعد ما راحت مابقاش للحاجة طعم من غيرها، وكتير بيوحشني الكلام معاها، بس بأصبر نفسي وأقول ما أنا شوية وهروحلها.
أحس "تميم" بغصة تضرب حلقه تأثرًا به، خنقها قائلاً:
-بعد الشر عنك يا جدي، طولة العمر ليك.
لم يبدُ "سلطان" مكترثًا وهو يعقب عليه:
-هو احنا هناخد زمانا وزمن غيرنا؟ كلنا رايحين يا ابني، يالا حسن الختام.
نهض "تميم" من جلسته، ليحتضن جده وهو يقول بنظراتٍ ترقرقت فيها عبراتٍ خائنة:
-متقولش كده يا جدي، ده الكلام معاك بيريحني، ربنا يخليك ليا.
ربت على ظهره موجزًا معه في الكلام:
-تعيش.
تراجع "تميم" عنه، واستقام واقفًا، ليمسح العالق من دموعه عن أهدابه، ثم نظر إلى جده الذي عاد لهزله المرح بترديده:
-بس عروستك كانت قمر!
تلقائيًا راح يبتسم على ذكرى رؤيتها في بهائها المغري وهو يرد:
-مش كده؟ تستاهل اللي بيتعمل فيا عشانها.
سخر منه الجد في نفس الأسلوب اللطيف:
-ده إنت بتاخد كلام، غيرك أخد عُلق.
انطلقت ضحكة صادقة من قلبه، تبعها تعقيبه:
-معاك حق يا جدي.
تنهد "سلطان" بعمقٍ، ودعا له:
-ربنا يجمع ما بينكم قريب.
رفع كفيه للأعلى، وأخذ يقول:
-يا مسهل الحال يا رب.
ثم انحنى على رأس جده يقبله في تجليلٍ واحترام وهو يكرر شكره الممتن له، لقدرته العجيبة على إعادة شعوره بالفرحة، بعد أن تكدر لبعض الوقت، خرج من غرفته عكس ما دخل إليها، ممتلئ القلب بالسرور والرضا.
...................................................
من يدٍ لأخرى أخذ البروش يتنقل في راحتيها، وكل نظراتها الحائرة عليه، فزهرة الأوركيد بهذا التصميم المماثل لمشبك رأسها ليس بمصادفة، رغم محاولاتها المضنية إقناع نفسها بالعكس؛ لكن عقلها أبى التصديق! تقلبت "فيروزة" على جانبها، ونظرت في إمعانٍ إلى قرطيها الجديدين الموضوعين على الكومود، رمز الطاووس حتمًا اختياره، فدومًا يهديها ما يشير إليه، شقت شفتيها ابتسامة رقيقة وهي تحاور نفسها:
-أكيد إنت اللي قولت لمامتك عليه، ما هو في حاجات تانية غيره كان ممكن تجيبها!
امتدت يدها لتضع البروش إلى جوار الهدية الأخرى، ثم استلقت مجددًا على ظهرها، وعيناها تحملقان –على اتساعهما- في السقفية. وسدت ذراعيها خلف رأسها مستغرقة في ذكرى يومها اللطيف؛ كان مختلفًا عن السابق، فمراسم اليوم ظهر فيها البهجة، الوداعة، الأصالة، المرح، والحب، أما آنذاك فكان اللقاء جافًا، غارقًا في المظاهر المخادعة، خاليًا من الودية، ومغلفًا بالنفاق والرياء.
نفضت "فيروزة" الذكرى المزعجة عن رأسها، وعنفت نفسها في تأففٍ:
-المفروض أصلاً تمحي الأيام دي من دماغك.
سرعان ما لاح في مخيلتها وجه "تميم" وهو يدعي عبوسه حين هددته بأبيه، عفويًا انفلتت منها ضحكة شبه عالية، ما لبث أن وضعت يديها على فمها لتكتمها؛ لكن ظلت عيناها تضحكان في سرورٍ كبير. لن تنكر أنه بذل الكثير من أجل الحصول على موافقتها اليوم، رأت في نظراته الخاطفة إليها ذلك الدفء الذي له طريقته في جذبها، وإجبارها على تصديقه، وعندما تجرأ ليطلب تعجيل عقد القران، قرأت الخوف في عينيه إن أبدت رفضها، بداخلها أرادت المماطلة؛ لكن حينئذ انتابتها رهبة قوية، لم تستطع المجازفة، بل لم تقدر عليها من الأساس، لهذا انطلق لسانها يعبر عن قبولها قبل أن تتهور لمجرد مناطحته الند بالند.
خاصم النوم جفنيها ما تبقى من الليل، والسبب ببساطةٍ لأنه استحوذ على تفكيرها، وكانت سعيدة بهذا، وللغرابة تمنت أن تمضي ساعاته البطيئة لتلتقيه في النهار! بررت "فيروزة" لنفسها الأمر، وهي تسحب الغطاء عليها:
-مش أنا بقيت خطيبته، يبقى من حقي أشوفه ......................................... !!!
.................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الرابع الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم Manal Salem
مساء النور على حضراتكم ..بذكركم إن هنتوقف لمدة أربع أيام عن النشر، وبأمر الله هنستكمل باقي الفصول من يوم السبت القادم ..عذرًا إن كان الفصل قصير شوية، بس ده يدوب اللي لحقت أنجزه في الوقت المتاح كان عندي .. وده أقصى استطاعتي بعد ما زودت أيام النشر من تلقاء نفسي ..كذلك رجاء عدم استباق أو استعجال التخمينات، الرواية ما زالت قيد النشر، وفيها تفاصيل أساسية وفرعية متنوعة ..فاللي يحس بإن فيه نوع من المط أو المماطلة، عشان نفسه يشوف حدث بعينه، وخصوصًا لأني باتكلم في أكتر من جانب في نفس الوقت، فأنا بطلب منه يوقف قراءة لبضعة فصول، ويعاود القراءة لاحقًا بدلاً من كتابة تعليقات زي (مافيش جديد، بقت الأحداث يايخة، لسه هنستنى) وكلام من هذا القبيل، لأن تقريبًا مش بخرج غير للضرورة ومعظم وقت فراغي مخصصاه للكتابة، بدلاً من محاولة الترفيه وتأجيل الفصول أو حتى الاقتصار على يومين في الأسبوع ..طولت عليكم .. بس صدقوني عدم التقدير بيجيب إحباط
الفصل المائة وسبعة وأربعون
الأبيض كان اختيارها الأول والنهائي بلا منازع، لترتديه على بنطالها الجينز الأزرق، انتقت بلوزتها هذة -ذات الياقات العريضة- عن قصدٍ لترى تأثير اختيارها في عينيه. وقفت "فيروزة" أمام تسريحة مرآتها تتفقد هيئتها للمرة الرابعة على التوالي، قبل أن تلف رأسها بحجاب يجمع بين اللونين الأبيض والأزرق، ولم تنسَ وضع البروش الذي أهدته لها والدتها على جانب ياقتها اليسرى، ابتسمت في رضا وهي ترى كيف تبدلت ملامحها الواجمة لأخرى مليئة بالإشراق والنضارة.
أدارت رأسها في اتجاه والدتها التي ولجت إلى غرفتها بشكلٍ يدعو للاسترابة، وما عزز من هذا الشعور بداخلها، إغلاقها الباب خلفها برويةٍ وحذر، ضاقت عيناها على الأخير، وسألتها في دهشة:
-خير يا ماما؟ في حاجة؟
ظلت يد "آمنة" موضوعة على مقبض الباب، وتكلمت بصوتٍ شبه خفيض:
-هما كلمتين هاقولهم ليكي على السريع قبل ما أختك تيجي عندك الأوضة.
كانت "همسة" قد جاءت مبكرًا هذا النهار، لتبقى بصحبة "رقية" ريثما تذهب هي وأمها مع "تميم" وعائلته لشراء المصوغات الذهبية. نظرت إليها "فيروزة" بتوجسٍ، وردت متسائلة:
-في إيه يا ماما؟ إنتي قلقتيني!
لم يكن من اليسير عليها أن تخبرها بما لم تعتد سماعه منها، فبريق الذهب له إغرائه الطامع، خاصة وإن كانت الأسرة في طريقها لظروف مادية شبه متعسرة، فالمال الذي جناه شقيقها أنفق معظمه في العلاج والأدوية الباهظة، حتى يتماثل للشفاء، كذلك مع قلة مصادر الدخل المتوفرة بعد نشوب الخلافات مع "إسماعيل"، وعدم التزام الأخير بإرسال الأقساط الربع سنوية لهما، وإهماله المتعمد للأرض الزراعية مما ضاعف من سوء الحال، بل وجعل الوضع المادي غير جيدٍ بالمرة.
ناهيك أيضًا عن المصاريف اليومية للإنفاق على المنزل، وتسديد الفواتير المستحقة لشركات الكهرباء، المياه، والغاز، بالإضافة لبدئها في مشوار تجهيز الفتاة الصغيرة بما قد تحتاج إليه عند الكبر. كل تلك الأسباب وغيرها دفعتها لتغيير نمط تفكيرها التقليدي، خاصة أن ابنتها اعتادت على الكد منذ الصغر، فلا ضرر من الاحتفاظ بعض المال لاستخدامه وقت اللزوم، هكذا هيأت نفسها للقادم، ورتبت أفكارها بناءً عليه!
ارتسمت الجدية على وجه "آمنة" بشكلٍ واضح، وراحت تخاطب ابنتها بهمسٍ، كأنما تملي عليها أوامرها:
-بصي لما تنقي الشبكة بتاعتك، اختاري التقيل، واللي مافيهوش شغل، ويستحسن يكون عيار 21، أهوو ينفعوكي للزمن، لو اتزنقتي فيهم.
بعينين متسعتين في ذهولٍ صادم، ردت مستنكرة بشدة:
-إيه الكلام ده؟
حافظت على جمودها وهي تؤكد عليها بإصرارٍ:
-ماتستغربيش، بس أنا ببص لقدام، ده غير إن عيلة خطيبك ناس كريمة، مش هيفرق معاهم ألف ولا اتنين زيادة هيدفعوهم.
بالكاد كبت غضبها المتصاعد في صدرها، لئلا يطفو على السطح، وتفسد الزيجة برمتها، أخذت تعاتبها في حنقٍ:
-واحنا من امتى بنتعامل مع الناس كده يا ماما؟ هو أنا اتربيت على كده؟ ده احنا ممكن نقضيها عيش حاف ولا نبص لحاجة غيرنا.
أتاها تعليلها منطقيًا:
-عارفة كل ده، بس يا حبيبتي اللي زي المعلم "تميم" في مقدوره يفتح بدل البيت اتنين وتلاثة، وعشرة، ومطمع لأي واحدة، وزي ما عجبتيه، ممكن تعجبي غيره.
على الفور ردت في عصبيةٍ:
-يبقى بناقص منه لو عايز غيري، أنا مأجبرتش حد على إنه يتجوزني.
ظلت "آمنة" متمسكة بهدوئها وهي تردد على أذنيها:
-ربنا كرمك وبختلك واحد زيه، وعشان أنا عارفاكي كويس، فبعمل لمصلحتك، ده إنتي في لحظة ممكن تسيبيله الجمل بما حمل، واللي في مقامه مايتعاندش، فعلى الأقل يبقى معاكي حاجة تسندك في الزمن الأغبر ده.
هزت رأسها في استهجانٍ، وغطت تقاسيمها قهرة غريبة، فبدلاً من تدعيم مشاعر الثقة بداخلها، وبث الإيجابية، وجدتها تنظر إلى المادة، وبشكلٍ غير مسبوق ينم عن طمع واضح، رفعت سباتها مدمدمة بأنفاس منفعلة رغم خبوت نبرتها:
-أنا مش عارفة أقولك إيه، حقيقي مصدومة من اللي بسمعه.
حاولت استمالة عقلها بالمنطق، واستمرت في إقناعها:
-أنا شوفت كتير وقليل يا "فيروزة"، وإنتي بنفسك عارفة الحال بينا وصل لفين، وآ...
قاطعتها في حدةٍ وهي تسد أذنيها:
-بس يا ماما، كفاية، مش عايزة أسمع حاجة!
ردت بإيماءة من رأسها:
-ماشي يا حبيبتي، بس اعملي اللي قولتلك عليه وخلاص، مش هتخسري حاجة.
لم تنتظر تعليقها، وانصرفت مغادرة الغرفة لتتركها على حالة من الصدمة والحزن، اختفى ذلك الوميض اللامع عن حدقتيها، وملأهما إحساسًا جديدًا بقلة الحيلة وخيبة الأمل، تكونت غصة في حلقها وهي تتساءل:
-ليه كده يا ماما؟ ليه؟
جلست على طرف الفراش دافنة وجهها بين راحتيها لدقائقٍ عدة، قبل أن تخفضهما لتحملق في الباب المغلق مليًا، والدموع تترقرق في عينيها، لم تستطع كبحهم، فطفرت بعض الدمعات من طرفيها، لتنساب بغزارة على صفحة وجهها، بكت دون صوتٍ، مستشعرة بوخزات حادة في صدرها. وضعت يدها على موضع الألم تفركه في رفقٍ، توقفت بعد برهةٍ عن البكاء، ومسحت بظهر كفيها ما بلل صدغيها، ثم أخذت تتنفس بعمقٍ لتستعيد السيطرة على حالها.
نهضت من مكانها بثقلٍ، وألقت نظرة على ملامحها الباهتة في المرآة، امتدت يدها لتمسك بمنديلٍ ورقي، وأزالت لطخات الكحل المنساب أسفل عينيها، حدقت في نفسها مرة أخرى، وتكلمت في هدوءٍ؛ كأنما تحفز نفسها:
-هي تقول اللي عايزاه، وأنا هعمل اللي شايفاه صح ليا.
أبقت على خلو بشرتها من مساحيق التجميل فيما عدا الكحل؛ لكنها راحت تزيله هو الآخر بعد أن فسد في عينيها. سحبت شهيقًا عميقًا، وتابعت الكلام:
-ليه بقت كل حاجة بتتقاس بالفلوس؟
تحيرت في أمر والدتها، فقلما كان المال يعنيها، وظلت تتساءل في صدمةٍ:
-للدرجادي التفكير ممكن يتغير؟
انتصبت "فيروزة" في وقفتها، ورددت لنفسها بثباتٍ؛ كأنما تجددت العزيمة بداخلها:
-لو هو مفكر إنه بيشتريني بالفلوس يبقى مايعرفنيش كويس.
نزعت البروش عن ياقتها، ووضعته بداخل الصندوق المعدني الصغير الموضوع في منتصف التسريحة، وهي تواصل الحديث مع نفسها:
-أنا غير أي واحدة دخلت حياته.
نظرت إليه مع القرطين قبل أن تغلقه، لتضيف في حزمٍ:
-يا يقبل بيا كده، يا ننهي الحكاية دي.
عادت لتجلس على طرف الفراش، وهي تكرر تلك العبارات في رأسها، انخفضت عيناها، وحملقت بشرود في نقطة وهمية في الفراغ، بقيت ساكنة إلى أن اقتحمت "همسة" الغرفة، وهي تهتف في صوتٍ مرتفع:
-إنتي لسه أعدة عندك والعريس مستني تحت.
توقعت أن تقفز توأمتها عن الفراش في حماسٍ، مثل أي فتاة في مثلها، تتلهف للقاء خطيبها؛ لكن على العكس وجدتها منكسة الرأس، تحدق بجمود في الأرضية، دنت منها متسائلة في حيرةٍ:
-في إيه يا "فيرو"؟
جلست إلى جوارها، وتأملتها عن كثبٍ، وهي ما تزال تبتسم، سرعان ما تلاشت بسمتها حين رأت التعاسة بادية عليها، وضعت يدها على طرف ذقنها لترفع وجهها إليها، فرأت الحمرة المحتقنة في نظراتها، انقبض قلبها أكثر، وسألتها:
-إيه يا حبيبتي، إيه اللي مزعلك كده؟
لاذت "فيروزة" بالصمت وهي تنظر إليها نظرة العاجز، كانت حائرة بين نارين: نار إطلاعها على ما طلبته والدتها، فتنصدم هي الأخرى بها، ونار كتم غضبها بداخلها، فتتألم بمفردها، وكعهدها اختارت ما يضرها وحدها! احتضنت "همسة" توأمتها، ومسدت على ظهرها صعودًا وهبوطًا وهي تخمن سبب حزنها:
-إنتي أكيد افتكرتي المرحوم "آسر"، وده مزعلك، هو عند ربنا، وإنتي من حقك تشوفي حياتك.
صيحة استهجان كانت على وشك إطلاقها تذمرًا على العذر غير المعقول، ومع هذا بقيت على سكوتها، فالأفضل أن تعتقد توأمتها هذا، ولا تسيء الظن بوالدتهما، ابتعدت "همسة" عنها، تاركة يديها على جانبي ذراعي شقيقتها، وهي تخبرها بلطفٍ:
-افرحي يا "فيرو"، إنتي تستاهلي ده.
انفلت لسانها معقبًا:
-مش باين.
شهقت متسائلة في جزعٍ:
-ليه بتقولي كده؟
بحثت عن الرد المناسب على أمل ألا تثير الشكوك بداخلها، فقالت وقد تهدل كتفاها:
-أنا حظي قليل.
نفت في إنكارٍ:
-لأ، إزاي؟ والله ده إنتي تتحبي، وتخشي جوا القلب على طول.
ادعت "همسة" الضحك قبل أن تخبرها وهي تومئ بعينيها:
-وبعدين عريسك ملطوع مع مامته تحت، هايقول عليكي بتتقلي عليه، مش من أولها كده، خليها مرة ومرة.
نظرة واجمة سددتها إليها قبل أن تتساءل بنزقٍ:
-تفتكري الجوازة دي هتكمل؟
اندهشت لقولها، وردت في غرابةٍ:
-وإيه اللي يمنع؟ كل حاجة تقريبًا شبه جاهزة.
ثم لاح على ثغرها بسمة عابثة وهي تخمن:
-شكل حبك لـ "آسر" مأثر عليكي.
استاءت من التطرق إلى ذكره، كأن ما كان بينهما يدعو للتفاخر، تجهمت تعابيرها، وصاحت في حقدٍ:
-بلاش السيرة دي دلوقتي.
تفهمت رغبتها في التوقف عن الحديث عنه، وبررت:
-معاكي حق، أي راجل ممكن يضايق لو خطيبته بتفكر في حد تاني.
ضجرت من خلق الأعذار عنها، وهتفت بها بتعابيرٍ انقلبت بشدة:
-"همسة"! من فضلك أنا معنتش بفكر فيه، هو خلاص مرحلة انتهت من حياتي.
تعجبت من تبدل حالها، وردت في طاعة:
-طيب، حاضر.
تحولت أنظار الاثنتين نحو الباب عندما صاحت "آمنة" من الخارج في لهجةٍ صارمة:
-"فيروزة"، الجماعة واقفين تحت، عيب نسيبهم كده.
ضحكت "همسة" بتلقائية، وغمزت لها قائلة:
-مش قولتلك، زمانه واقف على نار.
....................................................
ارتكن بظهره على جانب السيارة الأيمن، بعد أن انتقلت والدته، للجلوس في المقعد الخلفي، رغم إصراره على بقائها بالمقدمة؛ لكنها أرادت منحه فرصة للتقرب من عروسه المستقبلية، والجلوس معًا؛ وإن كان في نطاقٍ محدود، علَّ الوصـال يزداد بينهما. أطل "تميم" برأسه من النافذة المنخفضة المجاورة لها وهي تشدد عليه:
-أوعى تبخل على عروستك بحاجة، أبوك موصيني لو الفلوس نقصت أنا هكمل من معايا، هو مديني زيادة.
قال في امتنانٍ وهو يتحسس جيبه بتلقائية:
-الجيب مليان يا ست الكل، اطمني.
دعت له "ونيسة" بابتسامتها الصافية:
-ربنا يزيدك كمان وكمان.
استقام "تميم" واقفًا لمرة أخرى، وطيف "فيروزة" لا يبارح خياله، لم تفارقه صورتها بالأمس، ولم يستطع النوم بسبب تفكيره المفرط فيها، سعى بجهدٍ جهيد لتحجيم مشاعره عند اللقاء بها، فكيف لجائع أن يزهد ما لذ وطاب وهو متاح له؟ عذاب الانتظار فاق عذاب الشوق، ردد مع نفسه في رجاءٍ:
-يا رب صبرني الأيام دي لحد ما نبقى سوا.
رفع عينيه للأعلى لينظر إلى الشرفة العلوية، آملاً أن يمنحه القدر فرصة عابرة لرؤياها؛ لكن لم يجدها، كانت توأمتها وافقة بها، يا للتعاسة! لوحت له "همسة" بيدها، كأنما تُعلمه بقدومهن، هز رأسه بإيماءةٍ صغيرة، قبل أن يخفض عينيه وصدى كلمات والده المحذرة قد راحت تنطلق في عقله كدوي إشارات الإنذار، ساد الامتقاع على قسماته، وقال في صوتٍ غير منطوق:
-بلاش تجيب لنفسك الكلام، اللي باقي حاجة بسيطة.
استمر على وضعه، يقاوم مشاعره الثائرة بتوق الحب، لئلا يفكر في التجاوز إن رأى مهجة الفؤاد ببهائها تقبل عليه. انتبه "تميم" لصوت والدته وهي تسأله من جديد لتخرجه عن تفكيره العميق:
-هما الجماعة اتأخروا ولا إيه؟
أجاب وهو يدير رأسه ناحيتها:
-لأ نازلين، مرات "هيثم" شافتني.
قالت "ونيسة" مبتسمة، وهي تضع حقيبتها في حجرها، لتفسح المجال للقادم منهن، حتى تجلس بأريحية:
-على مهلهم، ربنا يقضي اليوم ده على خير.
لفظ كتلة من الهواء في عجالةٍ قبل أن يرد:
-يا رب.
تحفز في وقفته عندما أقبلت عليه "آمنة" أولاً، مدت يدها لمصافحته بحرارةٍ وهي تُحييه:
-سلام عليكم، إزيك يا ابني؟
بادلها التحية بابتسامة لبقة:
-الحمدلله في نعمة.
تجاوزته، ثم أحنت جسدها للأمام قليلاً لتنظر إلى "ونيسة" عبر فاتحة النافذة، وبادرت بالترحيب بها:
-إزيك يا حاجة، عاملة إيه؟
أجابتها "ونيسة" بودٍ شديد وهي تشير لها بيدها:
-في نعمة والحمدلله .. تعالي جمبي يا أم العروسة، وخلي العرسان جمب بعض.
كانت مرحبة للغاية بعرضها، وقالت وهي تشد المقبض لتفتح الباب:
-ده أنا اتشرف بيكي، وربنا ما يفارقهم عن بعض أبدًا.
.............................................
على الجانب الآخر، تلكأت "فيروزة" في خطواتها؛ كأنما لا تريد الذهاب، فقدت حماسها، وتبدل بشيءٍ آخر منزعج، لا تريد الإفصاح عنه، تأبطت "همسة" في ذراعها، وأخبرتها بقليلٍ من المكر، وهي تقرب فمها من أذنها:
-مش المفروض تطلبي من خطيبك رقم موبايله.
استدارت ناظرة إليها وهي تتساءل في ضيقٍ:
-هعمل بيه إيه؟
تعجبت "همسة" من حال شقيقتها، بالرغم من كونها ذكية إلا أنها افتقدت للشغف الموجود في العلاقات الثنائية، حتى أبسط البديهيات فيه لم تكن مهتمة به، لهذا علقت مستنكرة بلومٍ:
-الله! المفروض ده شيء عادي، رقمه لازم يبقى معاكي.
قبل أن تهم بالاعتراض، بررت لها:
-وبعدين لما تحتاجيه في حاجة هتطلبيه إزاي؟ بالبلوتوث مثلاً؟!
ثم أضافت فيما بدا وكأنه تهكم ساخر:
-ده إنتي متجوزة قبل كده، والمفروض مجربة مع المرحوم.
حسنًا ليس الأمر كما تظن "همسة"، فوضعها آنذاك مع "آسر" كان قائمًا من الأساس على قرارها المفاجئ بالارتباط به، دون وجود عاطفة حقيقية نحوه، الاختيار اعتمد على العقل، لكونه وسيلتها للرد على اتهامات ابن عمها الباطلة، كما أن ذلك الوغد قد لجأ معها للخداع والحيلة، لتقع فريسة في شباكه الماكرة كصيدٍ سهل.
أما إن استبعدت عبارات الحب الزائفة، وما كان يغرق به مسامعها من أحاسيسٍ لم تستشعرها للحظةٍ، فإن مكالماته المنتظمة لها في فترة الخطبة المزعومة دارت في غالبيتها حول مستقبلٍ واعدٍ له، ومجهولٍ بالنسبة لها، ناهيك عن سفره قبلها للترتيب لقدومها، فارتكز الحوار بينهما في معظمه على إنهاء الإجراءات، والمزيد من العبارات غير المحسوسةِ لها. سيطر عليها التخبط والقلق، ومع هذا استسلمت قائلة أمام إلحاحها:
-طيب.
تساءلت "رقية" في فضولٍ وهي تأرجح كفها المشبوك في يد ابن عمتها "فيروزة":
-إنتو بتقولوا إيه؟
أجابت "همسة" بابتسامةٍ مرحة:
-بقولها أنا هخدك معايا نجيب فستان جميل ليكي، وحاجات للنونو.
هتفت في حماسٍ:
-أنا عاوزة حاجة حلوة.
هزت رأسها تعدها:
-حاضر، بعد ما نخلص.
تنهدت "فيروزة" معقبة:
-ما تخليها تيجي معانا.
لكزتها برفقٍ في جانب ذراعها، وهي تخبرها بصوتٍ شبه خافت:
-عشان تبقوا على راحتكم، وبعدين ماما مكلفاني بالمهمة دي، وخليكي إنتي مع عريسك.
تبادر إلى ذهنها خطة والدتها الساذجة التي أطلعتها عليها، وشرعت في تنفيذ أركانها، معتقدة بهذا أنها ستجبرها على تحقيق رغباتها المستجدة في اكتناز المال على هيئة مصوغاتٍ ذهبية ثقيلة الوزن، غطى وجهها تعابيرًا ناقمة، وكزت على أسنانها مغمغمة في تهكمٍ مستاء:
-أه طبعًا ................................... !!
......................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الرابع الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم Manal Salem
الفصل المائة وثمانية وأربعون
الظروف الاقتصادية، والتغيرات الطارئة قد تبدل من طريقة تفكير الفرد، خاصة إن كان اتكاليًا، غير معتادٍ على ممارسة أي دور فعال، لذا يبحث عن الوسائل المضمونة والأكثر سهولة لتوفيق أوضاعه، وربما لجني المال دون خسارة فعلية لما بحوزته، معتمدًا في هذا على خبراته، سواء كانت تلك الخبرات محدودة أو على نطاق أوسع.
بالنسبة لها شراء المصوغات المصنوعة من الذهب –تحديدًا- يعني ارتفاعًا مؤكدًا في قيمته بمرور الزمن، فإن احتفظت ببعض القطع لعدة سنوات، حتمًا ستجني ربحًا معقولاً في حال فكرت في بيعها في يومٍ ما، أو عند الحاجة، لذا لم تكترث "آمنة" إن انزعجت ابنتها من طريقة تفكيرها المُعدلة، فهي الآن المنوطة بالتصرف في كل شيء، كما أن ما ورثه "فيروزة" عن زوجها الراحل قد ترفض المساس به لسببٍ تجهله، كأن بهذا الميراث لعنة غريبة، ولن تقبل بالتصرف فيه بسهولة إن اضطرت لهذا.
في تلك اللحظات تحديدًا جال بخاطرها تصرفات "حمدية" في هذا الشأن، وما كانت تفعله لاكتناز المال وجمعه بكل السبل، لوهلةٍ تمنت أن تكون في مثل دهائها؛ لكنها كانت محدودة الفكر، فقيرة الخبرات.
رسمت "آمنة" ابتسامة ودودة على ثغرها، والتفتت تخاطب "ونيسة" في تهذيبٍ، بعد أن نفضت عن عقلها كل هذا التفكير المرهق:
-والله يا حاجة الناس كلها تشهد بأخلاق "تميم"، يا زين ما ربيتي.
لم تكن مُضيفتها متصنعة وهي تخبرها بصدقٍ:
-تسلمي يا حبيبتي، إنتو برضوه ولاد أصول، وحتى لما حصل سوء تفاهم بسيط بين الولاد، إنتي مخلصكيش.
على إثر جملتها الأخيرة، استحضرت "آمنة" على الفور في ذهنها ما حدث بينهما قبل أشهر من تبادل اتهامات في قسم الشرطة عقب حريق عربة الطعام المملوكة لـ "فيروزة"، تلبكت، وارتفع الأدرينالين المتحفز في دمائها، وأخذت تبرر بلعثمةٍ بائنة نسبيًا:
-آ.. أكيد يا حاجة، ده زي ما إنتي قولتي .. كان سوء تفاهم، والحمدلله راح لحاله، ودلوقتي بقينا أكتر من الأهل.
مدت "ونيسة" يدها وربتت على كفها المسنود في حجرها لتقول في لطفٍ دون أن تفتر بسمتها:
-ربنا يديم المعروف بينا.
رددت في عجالة:
-يا رب، ويحفظهم ويبعد عنهم عين الحسود ...
توقفت لهنيهة عن الكلام لتستأنف بعدها مغيرة من الموضوع:
-بس فكرة كويسة إن أهل الحتة يشوفوهم سوا.
أيدتها "ونيسة" في الرأي، وعقبت:
-أيوه، بكده يعرفوا إنهم اتخطبوا، وقريب هيتجوزوا.
دعت في رجاءٍ شديد، ويداها قبل عينيها مرفوعتان للسماء:
-ربنا يجمعهم على خير.
..............................................
التخبط الدائر في رأسها بين ما تريده، وما ترفضه كان على أشده، فانعكست آثاره على تعبيرات وجهها، حين خرجت "فيروزة" متلكأة من مدخل بيتها، خفق قلبها في توترٍ عندما رأت "تميم" واقفًا عند جانب السيارة؛ لكن ما لبث أن استعادت جأشها والسيطرة على انفعالاتها لتبدو كلوحٍ من الجليد. مشيت ناحيته، وبادرت بإلقاء التحية دون لهفةٍ حقيقية:
-سلام عليكم.
بالكاد نظر إليها قبل أن يتحرك من مكانه بعد أن جذب مقبض باب السيارة وهو يرد:
-وعليكم السلام.
لم تخرج "همسة" في التو، تعمدت التأخر ريثما ينصرفوا بالسيارة، فلا تضطر للمجيء معهم، وتفسد باقي خطة والدتها في التقريب بين عروسي المستقبل. حل العبوس على وجه "فيروزة" وقد رأت تعامله الجاف معها، حقًا كان اللقاء بينهما خاليًا من الدفء، بدا أقرب للجفاء، الفتور، والتقليدية البحتة.
استنكرت ترتيب جلسة السيارة، لتستقر في المقعد الوحيد الشاغر إلى جواره، غمغمت مع نفسها في تبرمٍ:
-أل يعني طايق يقعد جمبي!
ولتغيظه عن عمدٍ، قبل أن تستقل السيارة، أطلت برأسها من النافذة المجاورة لأمها، لتلقي التحية على والدته بألفةٍ غير زائفة:
-إزي حضرتك يا طنط؟ ما تتفضلي قدام، مايصحش تقعدي هنا.
ردت عليها "ونيسة" بضحكة بشوشة:
-أنا الحمدلله في نعمة، ومبسوطة وأنا قاعدة هنا، خليكي إنتي جمب عريسك.
تلك الكلمات العفوية أطلقت إشارة احمرار بشرتها، كأنها تتحين الفرصة لتتلون بتلك الصبغة التي لطالما كانت تجهلها إلا حينما تغدو معه. أجلت "فيروزة" أحبال صوتها، وردت بابتسامةٍ خفيفة:
-عادي يا طنط، المقامات محفوظة، وحضرتك لو آ...
قاطعتها تلك المرة "آمنة" قائلة بنظرة ذات مغزى:
-يالا بنتي اركبي، مش عايزين نأخر الجماعة.
مع معرفتها بنواياها الخفية، خبا اللون تدريجيًا من بشرتها، لتغدو أقل توردًا وهي تعلق موجزة في طاعة غريبة:
-حاضر يا ماما.
واصلت كلاً من "ونيسة" و"آمنة" الحديث بعفوية واسترســال ضاحك طوال الطريق، كأنما يستعيدان ذكريات الماضي بحواراتهما المقتضبة والمختلفة، بينما ســاد الصمت بين "تميم" و"فيروزة"، كأنهما قد أصبحا من الغرباء فجأة، تباعدت عنهما المشاعر، وحلت محلها الروتينية والفتور. استاءت "فيروزة" من هذا اللقاء المتجافي الخالي من أي ودية، حميمية، أو حتى تعابير اللهفة، كذلك يئست من محاولته استدراجها للكلام، خاصة عندما اختلست النظرات ناحيته من طرف عينها، ووجدته يصب كامل تركيزه على الطريق، حركت شفتيها دون صوتٍ:
-ماله ده كمان؟
التوت زاوية فمها ببسمة تهكمية وهي تواصل حديث نفسها، خلال مطالعتها للطريق من جانبها:
-ما هو مش معقول غاصبين عليه يتجوز؟!
تحفزت في جلستها، وتصلبت عندما امتدت يده فجأة للأعلى لتخفض المرآة العلوية وهو يخبرها في هدوءٍ:
-عشان الشمس متضايقش عينيكي.
كالبلهاء تطلعت إليه للحظاتٍ، في نظرات متسعة، مصدومة من اهتمامه الغريب بتفصيلة صغيرة كتلك، هي نفسها لم تكترث بها! بدا صوتها متحشرجًا بشكلٍ ما وهي ترد في اقتضابٍ:
-شكرًا.
حاولت ألا تعطي الأمر أكبر من حجمه، وأدارت رأسها للخلف متسائلة:
-أومال فين "هاجر" يا طنط؟ مش كان المفروض تيجي معانا.
ردت "ونيسة" وبين شفتيها ابتسامةٍ صغيرة:
-عقبالك كده يا حبيبتي مع "سراج" بيشوفوا الستاير، وبيشتروا النجف.
عقبت "آمنة" في حبورٍ:
-ما شاءالله، ربنا يهنيهم سوا.
تحرجت "فيروزة" من عفويتها، وحافظت على ثبات بسمتها وهي ترد:
-ربنا يسعدهم.
التفتت مرة واحدة عندما سألها "تميم" بغتةً:
-في محل دهب معين عايزة تروحيه؟
عندئذ تذكرت حديث والدتها المقيت، عن شراء الأكثر وزنًا من الحُلي الذهبية، وإن كان الاتفاق بين العائلتين نص على شراء ما يُعادل في قيمته مائة ألف جنية، إلا أنها لم تحبذ هذا الشعور المنفر بأنه يتم شرائها بالمال لا بالمشاعر. رمقته بتلك النظرة المزعوجة قبل أن تخبره بوجومٍ:
-لأ، عادي أي مكان.
اقترحت "ونيسة" من خلفها:
-ودينا عند الصايغ معرفتنا، أكيد هيعمل معانا الواجب.
سألتها "آمنة" بنظرة مستفهمة:
-مضمون ده يا حاجة؟ أصل ساعات بنسمع عن اللي بيغشوا الدهب ويبيعوا الصيني على إنه دهب أصلي.
أكدت عليها في جديةٍ:
-ده مضمون، وبنتعامل معاه من زمان.
استحسنت اختيارها، وردت في إيجازٍ:
-خير ..
لم تنتبه "آمنة" لنظرات ابنتها الحانقة المرتكزة عليها، وتمتمت في خفوتٍ:
-مش فارقة صيني من غيره!
..........................................
مقاومة النظر إليها، والادعاء بأنها غير موجودة، تطلب منه استخدام أقصى درجات ضبط النفس، ليبدو في حالةٍ من الثبات العجيب في حضرة بهائها الساحر. بين الفنية والأخرى، كان يسرق نظرة إليها، يحاول قراءة ما تنم عنه تعابير وجهها الواجمة، من المحتمل أن يكون قد طرأ أمر ما عليها، تنفس "تميم" بعمقٍ، وسأل نفسه:
-يا ترى إيه اللي ضايقها تاني؟
تحير في معرفة الجواب المناسب، وحاول الالتهاء عن سؤالها بالتطلع إلى الطريق، ومراقبة حركة المرور بتعاسة عجيبة حطت عليه، إلى أن بادرت بالحديث مع والدته، فأحس برنة صوتها تخترق فؤاده وتُحدث ضجيجًا به، هنالك شعر بحتمية كسر حاجز الجمود بينهما، وشارك في الحوار بحذرٍ، لئلا يفلت لجام سيطرته على مشاعره؛ لكن ردودها كانت مقتضبة، بالكاد تجاوبت في حديثها، كأنما تستصعب الكلام معه.
لم ينكر أن هذا أصابه بالإحباط والضيق، وغالب بجهدٍ هذا الشعور، باحثًا عن بارقة أمل قريبة تبدد ما فات من مشاعر سلبية مزعجة زحفت إليه. وجد لسانه يردد في عفويةٍ بصوتٍ شبه مسموع:
-خير إن شاءالله.
تفاجأت به "فيروزة" ينطق بذلك بعد صمتٍ طويل، فسألته مستفهمة:
-نعم؟
لم ينظر ناحيتها وهو يرد:
-مافيش.
سألته ساخرة بشفاه ملتوية:
-هو إنت بتكلم نفسك؟
تصنع الابتسام وهو يرد:
-حاجة زي كده.
تطلعت أمامها وهي تكلمه:
-أوكي.
اختطف نظرة سريعة ناحيتها فوجدها لا تنظر إليه، لفظ الهواء ثقيلاً من رئتيه، وردد في خفوتٍ:
-يا رب يسر ولا تعسر.
.....................................................
حركت قدمًا أمام الأخرى بتباطؤٍ وهي تتجه نحو باب المنزل لتفتحه، برزت حدقتاها في غير تصديقٍ حين رأت ابنها واقفًا عند عتبته، بغريزتها التلقائية اندفعت "سعاد" ناحيته لتحتضنه في لهفةٍ وشوق، قبلت كتفه ورددت في صوتٍ خافت؛ كأنما تخشى سماع أحدهم لها:
-وحشتني يا ضنايا.
قال "فضل" وهو يقبل أعلى رأسها:
-وإنتي أكتر يامه ...
دققت النظر فيمن جاء خلفه، وتراجعت عن ابنها لترحب به:
-إزيك يا حاج "فتحي"؟
رد عليها الأخير وهو يومئ برأسه:
-بخير يا "أم فضل"، "إسماعيل" عندك؟
هزت رأسها بالإيجاب، فتابع بصيغةٍ شبهه آمرة:
-طب قوليله إني عاوز أشوفه.
قالت بإيماءات صغيرة من رأسها:
-حاضر.. اتفضل.
استضافته في منزلها، وذراعها يحاوط ابنها، سرعان ما انتشرت فيها رجفة متوترة عندما سمعت زوجها يتساءل من الداخل:
-مين يا "سعاد"؟
بلعت ريقها، وأجابت بوجهٍ تحول للشحوب:
-ده الحاج "فتحي".
رد عليها بنفس النبرة العالية:
-خليه يتفضل ..
وقبل أن تتكلم كان "فتحي" الأسبق في قوله:
-أنا مش لوحدي يا "إسماعيل".
جاءه ترحيبه الكريم:
-أهلاً بيك وبضيوفك.
تقدم "إسماعيل" نحو البهو الفسيح للترحيب بزائريه؛ لكن حلت الصدمة على قسماته بمجرد أن أبصر ابنه يقف إلى جواره، قست نظراته ناحيته، وأظلمت تعابيره بشكلٍ واضح. استند "فتحي" بكفيه على رأس عكازه، وقال في هدوءٍ:
-ده مش ضيف، ده ابنك "فضل".
أشاح "إسماعيل" بوجهه بعيدًا عنه، وهسهس في حنقٍ:
-استغفر الله العظيم، جايبه ليه معاك يا "فتحي"؟
وضعت "سعاد" يدها على صدرها متوقعة حدوث الأسوأ، في حين استمر "فتحي" على هدوئه وهو يقول:
-عشان يصلح اللي عمله!
ثم استدار يأمر "فضل" وهو يشير إليه بعينيه:
-حِب على راس أبوك، واستسمحه.
دون نقاشٍ تحرك "فضل" مندفعًا نحو أبيه، أمسك بكفه عنوةٍ بين راحتيه ليجذبه إليه، وانهال يقبله معتذرًا:
-حقك عليا يابا، سامحني يا حاج، ده أنا من غيرك ولا حاجة.
سحب "إسماعيل" يده في عصبيةٍ، رافضًا هذا الأسلوب السخيف للضغط عليه، وأصر على موقفه هاتفًا:
-وأنا مش عايزك في داري، غور من هنا.
ظل "فضل" محنيًا على ذراع والده يتوسله:
-سامحني يابا.
نبذه بقبضته بعيدًا عنه -بعصبيةٍ واضحة- وهو يرد:
-ماتقربش مني!
اعتدل "فضل" في وقفته، ونظر إلى "فتحي" بنظراتٍ حائرة، فتدخل الأخير قائلاً:
-يا "إسماعيل" ماتحبكش الحكاية، هو غلطان من ساسه لراسه، بس عمر الضفر ما يطلع من اللحم.
جاءه رده قاسيًا وهو يلوح بذراعه:
-لأ بيطلع لو كان فاسد.
كرر "فضل" اعتذاره النادم له، وهو ينكس رأسه في خزيٍ:
-أني محقوقلك يابا، اعمل فيا ما بدالك، بس ارضى عني.
لم تتجرأ "سعاد" على النطق بشيء؛ لكن نظرات الاستجداء الظاهرة في عينيها أكدت رغبتها الشديدة في نجاح تلك الوساطة، وإنهاء الخصام، ليعود ابنها إلى المنزل، تركزت أنظارها مع "فتحي" الذي استمر قائلاً:
-هو طالب السماح منك.
بوجهٍ ذي تعبيرات مكفهرة أخبره "إسماعيل":
-ربنا وحده اللي بيسامح.
وافقه الرأي، فقال في تريثٍ:
-مظبوط، ربنا غفور رحيم، بس العفو عند المقدرة ...
ثم تقدم خطوتين نحوه، وتابع باقي كلامه بكلماتٍ موحية:
-مش ده كلامك يا "إسماعيل" لينا على طول؟ هتبخل بيه على أهل بيتك؟
احتج عليه في تبرمٍ:
-يا "فتحي" آ...
قاطعه في نبرة لينة:
-أني المرادي بتوسطله عندك، إيه هتكسفني؟
ظهر الحرج على قسماته التي خبت قسوتها نسبيًا، واستطرد يخبره:
-إنت مقامك محفوظ عندي، بس هو مايستهلش.
علق عليه بهدوءٍ:
-وخلاص خد جزاته، وعِرف غلطه، وبقى عِبرة وسط أهل البلد، خلينا نوجهه يعمل الصح.
هتف معقبًا في تهكمٍ:
-بعد ما شاب ودوه الكتاب؟ أني جبت أخري منه، هستنى إيه تاني؟
أكد عليه "فتحي" بإصرارٍ:
-المرادي برقبتي، وأني مردتش ليك كلمة قبل كده!
لم تستطع "سعاد" كبح نفسها تلك المرة، فهتفت تتوسله بعينين تترقرق فيهما الدموع:
-وافق يا حاج، خصيمك النبي لتوافق، هو خلاص تاب وأناب.
ألح عليه "فضل" هو الآخر متسولاً مشاعره:
-بالله عليك يابا، حقك عليا، أنا هبقى تحت رجليك، مطرح ما تحطني ما هنطق.
سئم من كل هذه المحاولات للضغط عليه، وردد بتنهيدة طويلة:
-لا حول ولا قوة إلا بالله.
تفرس "فتحي" في ملامح وجه رفيقه، وحين لم يجد منه رفضًا واضحًا، هتف آمرًا:
-خش يا "فضل".
استوقفه "إسماعيل" قبل أن يتحرك برفع عكازه في الهواء وهو يتساءل:
-ولو غلط؟
لاحت ابتسامة واثقة على محياه وهو يرد:
-أني بنفسي هكرشه برا البيت.
لم يعلق عليه "إسماعيل"، واكتفى بالنفخ في سقمٍ، لم يبالِ "فضل" بتأففه، وتشجع للدخول، لتلحق به والدته والفرحة تقفز من عينيها، في حين استأذن بعدها "فتحي" بالذهاب، واصطحبه رفيقه للخارج ليدمدم بعدها بغير رضا:
-ديل الكلب عمره ما يتعدل لو حطوا فيه قالب!
...................................................
تباطأت سرعة السيارة تدريجيًا، عند انحرافها لناصية الشارع الخاص بأشهر محال تجار الصاغة. بحث "تميم" بعينيه عن بقعة خاوية؛ لكنه لم يجد واحدة متاحة، لهذا التفت برأسه مخاطبًا والدته:
-انزلوا إنتو هنا يا ست الكل، وأنا هشوف حتة فاضية أركن فيها، وأحصلكم.
ردت عليه "ونيسة" وهي تستعد للترجل عنها:
-ماشي يا ابني، ربنا يسلم طريقك.
تساءلت "آمنة" في فضولٍ:
-هو المحل قريب من هنا؟
أجابتها في تلقائية وهي تشير بيدها:
-أيوه، عند العمارة اللي هناك دي.
هبطت "فيروزة" عن السيارة، وملامحها خالية من الابتسام، ضغطت على شفتيها في ضيقٍ ملحوظ، وتحركت بخطواتٍ غير متحمسة خلف والدتها و"ونيسة"، إلى أن توقفت الأخيرة بالقرب من أحد المحال، رفعت ذراعها لتشير إليه قائلة:
-المحل أهوو.
تأملت "آمنة" واجهته بنظراتٍ مبهورة، وانعكس بريق الذهب المغري في حدقتيها، تدلى فكها للأسفل للحظاتٍ قبل أن تلعق شفتيها وتقول مادحة:
-ماشاءالله، باين عليه شغله العالي.
ردت عليها "ونيسة" في ودٍ:
-إن شاءالله تلاقي العروسة اللي يعجبها فيه.
هتفت في حبورٍ شديد يشوبه الانبهار:
-بإذن الله، ده مافيش أحلى ولا أفخم من كده ...
ثم أدارت رأسها للخلف، وصاحت في ابنتها المتأخرة بضعة خطواتٍ عنهما:
-تعالي يا "فيروزة".
غمغمت في صوتٍ متذمرٍ بالكاد خرج من جوفها:
-هو أنا هروح فين.
رعشة خفيفة أصابتها حين سمعت صوته يأتي من ورائها متسائلاً:
-اتأخرت عليكم؟
وجدت نفسها ترد من تلقاء نفسها:
-لأ.
لامت نفسها لتسرعها، ولم تظهر ذلك على وجهها، وسارت بنفس الخطوات البطيئة، إلى أن لاحظت من طرف عينها أنه يسير تقريبًا إلى جوارها، لم تتعجل السير، وتبادر إلى ذهنها فكرة ما، تعمدت التلكؤ أكثر بعد أن لمحت والدتها تختفي خلف والدته عندما وصلتا إلى باب المحل الزجاجي، استدارت كليًا فجأة لتستوقفه قائلة بجديةٍ تامة:
-عايزاك في كلمتين يا معلم.
توجس "تميم" خيفة من ملامحها الغامضة، لم تكن تعبيراتها تنم عن دلال أنثوي، أو حتى رقة لطيفة، بل كانت أقرب للجفاء، تقطب جبينه، وسألها وهو ينظر إليها في حذرٍ:
-أؤمري يا أبلة.
لم يظهر عليها بادرة تردد وهي تخبره:
-أنا مش عايزة شبكة!
حملق فيها مدهوشًا، وصاح مستنكرًا دون أن ترتفع نبرة صوته:
-إيه الكلام ده؟
خاطبته في تزمتٍ:
-اللي سمعته، هي الحكاية مش شاروة ومين هيدفع أكتر، أنا كل اللي محتاجاه حاجة بسيطة، يدوب دبلة وخاتم وخلاص.
رمقها بنظرة مستاءة من سوء تفسيرها للأمور، فحبه لها أسمى من أن يقدر بحفنة من الأوراق النقدية؛ وإن كان يملك من الثروة ما يخوله لشراء ما يريد وقتما يريد. حافظ على جمود تعابيره، وعلق معترضًا في خشونةٍ طفيفة:
-بس ده مكانش الاتفاق.
أتاه تبريرها صريحًا:
-صح، وأنا مش هاخد حاجة زيادة لمجرد الاستعراض وعمل شو قصاد الناس.
مجددًا أساءت الظن فيه، لذا عاتبها في ضيقٍ لم يخفه:
-وهو أنا مستني أعمل كده؟
صمت للحظةٍ قبل أن تعلل أسبابها التي بدت منطقية من وجهة نظرها:
-معرفش، بس أكيد الرقم الضخم اللي محطوط عشان الشبكة تتجاب بيه هيعمل اللازم، مش شرط منك، بس الناس بتتكلم!
عقب عليها بتعقلٍ وهو يحاول مُهَاودتها:
-وبرضوه الناس مش لازم تعرف بكل تفصيلة عننا، مايخصهمش.
ضغطت على شفتيها قليلاً كأنما تفكر لهنيهة في كلامه قبل أن تصر على رأيها:
-معاك في ده، بس هيشوفوا الحاجة، وأنا عن نفسي محبش أجيب حاجة مش هلبسها.
بعد زفيرٍ بطيء ألح في عنادٍ:
-بس دي هديتي ليكي.
تمسكت برفضها قائلة:
-وأنا مقدرش أقبل حاجة معرفش أردها.
لمحة من التبرمٍ سادت صوته عندما هتف محتجًا على عِنادها الغريب:
-وأنا مش عايزك ترديها.
لم تلين رأسها أو نبرتها وهي تقول بغير تساهلٍ:
-وأنا مش هقبلها.
وجد "تميم" أن جداله معها لن يصل به سوى إلى طريقٍ مسدود، لهذا حاول حل تلك المعضلة بدبلوماسية:
-طيب .. هنشوف الموضوع ده لما ندخل جوا.
همَّ بالتحرك؛ لكنه استوقفته مجددًا بقولها الغامض والمستريب:
-حاجة تانية.
رغم الضجر المستبد به حاليًا، إلا أنه حافظ على ثبات نبرته وهو يتكلم:
-اتفضلي.
لاح التردد في صوتها حين استطردت تخاطبه:
-أنا .. كنت عاوزة آ...
سألها في حذرٍ، وقد توقع أن يكون القادم غير مُرضٍ له:
-إيه؟
رمشت "فيروزة" بعينيها قبل أن تلفظ الكلام دفعة واحدة:
-عاوزة نأجل كتب الكتاب شوية.
هنا ارتفعت نبرته المستهجنة وهو يردد في صدمةٍ حطت على رأسه فأصابته بالعصبية:
-نعم؟ إيه الكلام ده؟!!
علت نبرتها هي الأخرى وهي تحاوره:
-أيوه، أنا مش مستعدية نفسيًا، وحابة أخد وقتي في التفكير، من غير ما حد يضغط عليا، إيه الغلط في كده.
سحب "تميم" نفسًا عميقًا، حبسه للحظات في صدره، ليثبط به ما تصاعد بداخله من دماء ثائرة، ثم طرده على مهلٍ ليسألها بوجهٍ شديد الوجوم:
-والتأجيل ده أد إيه كده؟
هزت كتفيها قائلة بعدم مبالاة استفزته نسبيًا:
-معرفش لسه، بس أهم حاجة ميكونش في استعجال.
سدد لها نظرة مغتاظة، لم يخبئها حتى، وانعكس الكدر على ملامحه أكثر. رفعت "فيروزة" حاجبها للأعلى، وسألته في جديةٍ:
-ها قولت إيه؟
لم يحد بنظراته القوية عنها، ولاذ بالصمتِ لبضعة ثوانٍ قبل أن يخبرها في غموضٍ:
-ماشي كلامك .. بس بشرط.
عقدت حاجبيها مغمغمة في دهشة:
-شرط!
اخشوشنت نبرته قليلاً وهو يقول:
-أيوه .. اشمعنى أنا مقولش رأيي؟ المفروض احنا بنتشاور سوا، ولا أنا غلطان؟
أطلقت زفرة سريعة، وشبكت ساعديها أمام صدرها، ثم سألته بنبرة بدت شبه مستخفة بشرطه:
-اتفضل .. إيه هو شرطك؟
كان حازمًا في صوته قبل ملامحه عندما أوضح لها:
-طالما هتأجلي كتب الكتاب لحين ما يأذن ربنا يبقى نكمل نص دينا على بعضه.
وكأن كلماتها لم تكن بالوضوح الكافي لتستوعب تفسيره شبه المتواري، لذا لوت فمها تسأله:
-مش فاهمة، إيه قصدك؟
نظر في عينيها بعمقٍ وثبات، كما لو كان يفرض سطوته عليها بتلك النظرات المفعمة بالذكاء، ليلقي على مسامعها بعدها موضحًا بابتسامة صغيرة:
-يعني هيبقى كتب كتاب ودخلة مع بعض، ماشي يا أبلة ....................................... ؟!!
...........................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الرابع الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم Manal Salem
للساهرين بعد الواحدة .. تصبيرة لطيفة من بأكد من تاني، لا يوجد ميعاد ثابت لكتابة ونشر، على قدر المستطاع لو كنت فاضية قليلاً بكتب مشاهد زيادة، بحيث أزود أيام النشر ..وللقراء الراغبين في تسارع الأحداث وقفوا قراءة لبعض الوقت، وارجعوا اقرأوا الفصول مجمعة، ساعتها هتحسوا إن مافيش شعور بالتباطؤ .. أسيبكم مع التصبيرة
الفصل المائة وتسعة وأربعون
القلب ليس مجرد عضلة تدفق الدماء النقية إلى الشرايين وتستقبل غيرها، وإنما هو موطن الإحساس بكل ما هو جميل ومميز. ما تفوهت به جعله يدير دفة الأمور إلى الاتجاه المعاكس، على أمل أن تكون النتائج في صالحه. ألقى "تميم" بشرطه المباشر عليها منتظرًا ردها، فاستغرقت "فيروزة" في تفكيرٍ سريع قبل أن يأتي وجهها بأكثر من لون وهي تصرخ رافضة:
-لأ طبعًا، إنت بتساومني؟
تسلح بالهدوء، وسألها بوجهٍ متقلص العضلات إلى حدٍ ما:
-مين قال إنها مساومة؟ احنا بنتناقش سوا.
احتدت نبرتها وهي تجادله:
-فين النقاش، وإنت بتعقد الأمور أكتر؟
رد مستنكرًا في ضيقٍ بدأ بالظهور عليه:
-أنا اللي بعقدها؟ طب إزاي؟ ده احنا لسه بنقول يا هادي.
ارتفع صوتها قليلاً وهي تواصل هجومها غير المبرر عليه، مستخدمة يدها في التلويح:
-أنا ضد إن حد يحطني تحت ضغط، ويجبرني على حاجة مش عاوزاها.
لم يسعَ للخروج عن طور هدوئه رغم المحفزات الداعية للعكس، وسألها بتريثٍ كابتًا ما يعتريه من ضيقٍ:
-فين الإجبار بالظبط؟
كان صوتها أقرب للصراخ وهي تتهمه:
-أومال اللي إنت قولته ده إيه؟ لو اتأجل ميعاد كتب الكتاب هيبقى كتب كتاب ودخلة سوا، ده مش أسلوبك للضغط عليا؟
برر لها موقفه بهدوءٍ حذر:
-ما أنا سايب المدة مفتوحة، خدي كل الوقت اللي إنتي عايزاه، مابقولش نعمل ده بكرة ...
سرعان ما أنار وجهه بسمة لطيفة وهو يختتم جملته:
-ولو إني أتمنى إنه يحصل.
استمرت في مهاجمته بعدائيةٍ غريبة وقد ارتفعت يدها للأعلى في الهواء:
-أه طبعًا لازم يحصل على مزاجك، وإنت يفرق معاك حاجة؟ ما هو كل حاجة بيعة وشاروة بالنسبالك، نجيب شبكة بأد كده، ندفع مهر بأكوام فلوس عشان عين العروسة وأهلها يزغللوا فيوافقوا بدون تفكير، وكأننا مصدقنا، ولما تضمن حقك، تروح تشوف بيعة جديدة تملى عينك!
حملق فيها "تميم" مدهوشًا للحظات محاولاً استيعاب كل ذلك التحفز ضده؛ كأنما ارتكب جريمة ما دون أن يعلم عنها شيئًا، استنكر اختلاقها لأسبابٍ غير حقيقية في تحميل كامل الذنب لأمر مجهول، وهتف –رغم ذلك- مدافعًا عن نفسه بحذرٍ:
-إنتي بتجيبي الكلام ده منين؟ أنا مش فاهم حاجة، وبعدين ده مش طبيعي يا أبلة، إنتي جايز متعرفنيش كويس، بس أنا مش كده.
رمقته بنظرة حانقة قبل أن تخبره بحسمٍ:
-أنا مش للبيع يا معلم "تميم" ..
حدق فيها بوجومٍ، وزادت نظراته قتامةً عندما نطقت في حزمٍ:
-اعتبر الجوازة منهية!
وكأنها وخزته بطعنة غدرٍ في صدره، فصاح بها في صدمةٍ وقد استبد الألم بكامل كيانه:
-إنتي بتقولي إيه؟
........................................................
بقائهما بالداخل طوال تلك الدقائق أعطى الصائغ الفرصة لعرض أحدث المشغولات لديه، لتكون الخيارات متنوعة ومتاحة للعروس حين تنتقي الأفضل، الأقيم، والأغلى، بناءً على طلب "ونيسة". توقعت "آمنة" أن تلحق بها ابنتها؛ لكنها بقيت بالخارج، فنظرت عبر زجاج واجهة المحل إليها وهي تتحدث إلى "تميم"، ظنت أنهما يتأملان الحُلي المعروضة بالخارج، فلم تلقِ لهما بالاً، إلى أن انتبهت للصوت شبه المرتفع بينهما، حينئذ ارتكزت نظراتها عليهما، وقلبها ينبض في توجسٍ، وعند ارتفاع وتيرة الصدام بينهما، تركت ما في يدها لتخرج إليهما وهي تتساءل في قلقٍ كبير:
-خير يا "فيروزة"؟ في إيه؟
النظرة التي منحتها ابنتها لها أكدت أن الأمور ليست على ما يرام، تجمدت الكلمات على طرف لسانها، واتسعت عيناها في ذعرٍ، في حين تساءلت "ونيسة" في تحيرٍ:
-في إيه يا ولاد؟ حصل إيه؟
سلطت "فيروزة" عينيها الحانقتين على والدتها، وأخبرتها بقسوةٍ جعلت قلبها يقصف هلعًا وهي تنفض يديها أمامها:
-خلاص يا ماما ارتاحي، كله بح، خلص، انتهى!
لطمت "آمنة" على صدرها في حسرةٍ، بينما رددت "ونيسة" مذهولة:
-يا ساتر.. ليه كده؟
اندفعت بعدها "فيروزة" مغادرة المكان، لتسرع في خطاها متجهة للأمام دون أن تحدد وجهتها، بينما وجهت "ونيسة" سؤالها إلى ابنها بوجهٍ مال للشحوب:
-إيه اللي جرى يا "تميم"؟
لم يعرف بماذا يجيبهما، فقال وهو يهم باللحاق بطاووسه الجامح:
-معلش يا جماعة، ده سوء تفاهم بسيط، استنونا جوا، أنا هاجيبها وأرجع.
ارتجفت شفتا "آمنة" عندما سألته بوجهٍ أقرب للموتى:
-في إيه؟
ابتسم في تصنعٍ، قبل أن يقول كنوعٍ من المزاح، ليبث الطمأنينة لكلتيهما:
-هرمونات!
ثم هرول ليلحق بها وصوته يأمرهما:
-استنونا جوا المحل، شوية وراجعين.
تسمرت "آمنة" في مكانها، ونظراتها تشيع "تميم"، شعرت بالوهن يزحف إلى قدميها، فعجزت عن المشي باستقامةٍ وهي تولول متحسرة:
-استر يا رب، ده اللي كنت عاملة حسابه، العين ودت صاحبها القبر، أكيد هما اتحسدوا.
ربتت "ونيسة" على كتفها قائلة:
-ربنا يبعد عنهم الشيطان، تعالي يا "آمنة"، خلينا نستنى ونشوف هيحصل إيه.
جرجرت ساقيها عائدة إلى الداخل، ولسانها لا يتوقف عن الترديد في خفوت:
-ربنا يعديها على خير، استرها يا رب، مش ناقصة خساير.
.................................................
في لحظة الاختيار، وحين أصبحت بين مطرقة وسندان، رفضت بشتى الطرق أن تكون في موضع إكراه لشيء لا ترغب في فعله، انطلقت دفاعاتها تلقائيًا لتمنعها من القبول بما قد يجعلها تحت وطأة الضغوط، فانسحبت طواعية عن اختيار المجازفة، رغم الوجع الغريب الحارق في صدرها! إن كان ذلك قرارها، فلماذا كل هذا الشعور بالألم والندم؟
لم تحدد "فيروزة" وجهتها، سارت إلى حين اندفعت قدماها، كأنهما يملكان بوصلة توجهها، سمعت صوت "تميم" يأتي من خلفها يناديها:
-يا أبلة!
واصلت السير بخطواتٍ أقرب للركض متجاهلة إياه، وعند أول زقاقٍ قابلته انحرفت عنده، وصل إليها صوته المنادي عاليًا:
-استني يا أبلة، إنتي رايحة فين؟
تلفتت حولها لتحدد أين هي، فوجدت نفسها محاصرة بين بناياتٍ قصيرة الارتفاع، يفصلهما شارع غير معبد، يكسوه التراب، وعرضه لا يتجاوز المترين، استمرت في التقدم بخطواتها العصبية، وصوته ما زال يلحق بها. بلغت نهاية الزقاق، فوجدت عنده حائطًا من الطوب يسد عليها الطريق، توقفت في مكانها، وهي تبرطم بغيظٍ، استدارت حين سمعت صوته قريبًا منها:
-اسمعيني يا أبلة!
صرخت به في تشنجٍ، وقد كورت قبضتيها:
-محدش ليه دعوة بيا، أنا حرة في نفسي.
رفع "تميم" كفيه قائلاً على مهلٍ؛ كأنما يحاول امتصاص نوبة غضبها المستريبة:
-ماشي، بس إنتي داخلة كده فين؟
جاوبته بعصبيةٍ:
-رايحة في داهية.
بيد أنه علق في مزاحٍ طريف، علها بذلك تهدأ:
-بس مش دي سكتها.
اغتاظت من أسلوبه الممازح في هذا الظرف الهام، وسألته في حدةٍ:
-عاوز إيه مني؟
أخبرها بودٍ مشيرًا بسبابته، وما زالت تلك الابتسامة اللطيفة تنير ثغره:
-دي حارة سد على فكرة، أنا بس بعرفك.
أطبقت على جفنيها، ورفعت رأسها للأعلى لتعقب في سأمٍ:
-زي كل حاجة في حياتي.
رد عليها بعد زفيرٍ سريع:
-استهدي بالله كده يا أبلة.
فتحت "فيروزة" عينيها ورمقته بنظرة نارية محذرة، فقال بشبح ابتسامة وهو يشير بكفيه لها:
-أنا عاوز بس أفهم إيه اللي مخليكي تفكري كده.
الصراع القائم بين طيات عقلها بلغ أوجه، واتحد مع الضغوطات المتولدة مما عايشته صباح اليوم، فانفجرت مكنونات صدرها، وباحت له بما يستعر فيها:
-إنت تاجر يا معلم، يعني أكيد فاهم إيه الصفقة الرابحة ليك، وإيه الصفقة الخسرانة، وبالنسبالك أنا كده.
لازم أسلوب العقلانية وهو يسألها:
-وليه تحسبيها بالمنطق ده؟
جاءه ردها صريحًا ومنفعلاً:
-عشان هي ماتتفهمش إلا كده، تقدر تقولي إيه اللي يخليك تدفع كل الفلوس دي في واحدة الله أعلم إن كانت هتحبك ولا لأ؟!!!
رغم قساوة تبريرها، وحصره في مفهوم المال، إلا أنه تغاضى عنه متفهمًا ما تمر به، وخاطبها بتعقلٍ:
-لأن ده الطبيعي، طالما أنا قادر أتجوز وأريح اللي هاتكون مراتي، ليه ماجبلهاش كل اللي نفسها فيه.
هزأت منه في فظاظةٍ:
-كلام مايتصدقش غير في الأفلام.
رمقها بنظرة معاتبة، لم تتجاوب معها، واستمرت في تحقير نواياه:
-يا معلم إنت بلوكشة الفلوس دي كلها تقدر تدفعهم في أربعة ستات بدل واحدة، وتبقى إنت الكسبان كمان.
مجددًا لم يحاول أن يخرج عن هدوئه وهو يسمع سوء ظنها به، تنفس بعمقٍ، وكرر عليها بصدقٍ بائن في نبرته ومن قبلها عينيه:
-بس أنا مش عايز إلا إنتي.
رغم بساطة الكلمات، إلا أنها نفذت إلى قلبها بشكلٍ جعلها تتلبك لوهلةٍ، ومع هذا أنكرت الشعور اللذيذ الذي تسلل إليها باعترافه المتمسك بها، وسألته في نفس اللهجة العصبية:
-وأنا فيا إيه مختلف عشان تصمم عليا للدرجادي؟
سكت لهنيهةٍ عن الكلام؛ لكن القلب لم يسكن، بل انتفض صارخًا به أن يثور ويثأر لحبه المهدد بالضياع. تخير كلماته حين نطق أخيرًا:
-كل حاجة، ومش هينفع أقول أكتر من كده.
برقت عيناها أمام اعترافه المريب، وأوشكت على الاحتجاج بقولها:
-يا معلم ..
قاطعها بلطفٍ -سبقها تنهيدة خاطفة- وبإشارة من سبابته أمام وجهها:
-يا أبلة أنا اعترفتلك إني عاوز أتجوزك عشان عاوزك أكتر منك، مش حكاية بيع وشراء خالص.
تعقدت ملامحها في توترٍ، فترديده لنفس العبارة بهذه النبرة أربكها، وزاد ذلك الشعور بداخلها عندما تابع مؤكدًا:
-وبقولك من تاني مش مستعجل على إنك تبقي مراتي، خدي كل وقتك، لحد ما تبقي متأكدة إنك عايزة الخطوة دي، إن شاءالله نأجل الجوازة سنة، وصدقيني لو كان قرارك في النهاية إنك مش هتكملي، فأنا مش هتعرض.
لن تنكر أنها شعرت بالراحة عقب ذلك، بأن ثقلاً كان جاثمًا على صدرها قد أزيح مرة واحدة. صمتها الطويل كذلك شعره بالطمأنينة، فسألها بنظراتٍ حذرة:
-اتفقنا؟
لم تعطه ردًا مباشرًا، وأردفت تقول في صوتٍ حاسم:
-طب أنا مش عايزة شبكة.
هز رأسه موافقًا وهو يعلق عليها:
-حاضر، هنجيب حاجة بسيطة.
صححت له نافية:
-لأ، مش عاوزة حاجة نهائي.
عارضها بصوتٍ ما زال هادئًا:
-ما إنتي قولتي نخليها دبلة وخاتم، هترجعي في كلامك؟
قطبت جبينها أكثر، فكرر عليها مبتسمًا في عذوبة:
-دبلة وخاتم بس، مش أكتر من كده!
حين استمرت على صمتها، زاد الأمل بداخله بأنها لن ترفض، بعد برهةٍ، كتفت ساعديها أمام صدرها، وأطلقت زفرة سريعة، لتقول بغير ابتسامة:
-إذا كان على أد دول ماشي ...
ثم اشترطت عليه وهي تشير بإصبعها أمام وجهه:
-ومافيش حفلة خطوبة.
جاراها في قرارها قائلاً بمنطقية:
-طيب .. بس أهالينا مالهومش ذنب يزعلوا، ولا حتى نكسر فرحتهم اللي مستنينها .. اعتبريه بثوابه، دخلي السرور عليهم مؤقتًا.
انزوى ما بين حاجبيها قائلة:
-مش فهماك.
تنحنح قبل أن يوضح لها:
-بصي هنعمل حيلة كده عليهم ...
لاحقته بسؤالٍ متعجل دون أن تمهله الفرصة لإتمام جملته:
-حيلة إيه دي؟
لفظ الهواء من رئتيه، وقال على مهلٍ:
-يعني نقي كام حاجة كده قصادهم، وأنا هفهم الصايغ إننا هنرجع الحاجة بعدها بيومين، حلو الكلام؟
هزت كتفيها رافضة بعنادٍ:
-أنا مش موافقة.
لم يكف عن محاولة إقناعها، فقال:
-يا ستي، دي لعبة صغيرة، وقولتلك عشان ما يزعلوش، ونبقى راضيناهم، وعملنا اللي احنا عاوزينه.
حلت تشابك ساعديها، وهتفت به في حدةٍ:
-إنت بتاخدني على أد عقلي؟ مفكرني هبلة ولا حاجة؟
ابتسم نافيًا:
-لأ، لا سمح الله، إنتي أعقل حد قابلته.
علقت في غيظٍ:
-بتتريق حضرتك؟
فاض به الكيل بعد كافة المحاولات لإظهار مدى رغبته الشديدة بالظفر بحبها بأفعاله لا أقواله، فتحدث إليها في يأسٍ بعد أن نضبت كل السبل أمامه:
-والله العظيم أنا غُلب حماري، ومابقتش عارف أعمل إيه معاكي، طب إيه يرضيكي؟
نظرت له بعبوسٍ، فغمغم في مزاحٍ:
-كتالوجك مالوش ماسكة.
بالكاد منعت ابتسامة خائنة من الظهور على شفتيها، وردت بجدية شديدة، لتبدو على نفس موقفها المتصلب:
-قول أي كلام، وإنت ذات نفسك بتتعالى عليا، كأنك مجبور على الجواز.
حدق فيها في غير تصديقٍ، وأنكر هذا بشدة، وهناك ابتسامة هازئة تداعب ثغره:
-أنا؟ طب قولي كلام غير ده.
جاءه تعليلها منطقيًا جراء معاملته المتحفظة لها:
-أومال مش طايق تبص في وشي ليه؟ وبتكلمني من تحت الضرس، وعلى فكرة دي مش أول مرة.
حمحم بعد لحظة من التفكير المتأني:
-بصي كل اللي أقدر أقولهولك إني براعي ربنا فيكي، لأنك في غلاوة أختي "هاجر"، اللي مقبلش بيه عليها، مرضاش بيه ليكي!
كانت كلماته كالبلسم الذي ضمد جراحًا غير مرئية فيها، ربما لم تكن راضية كليًا عن جفائه معها؛ لكن نوعًا ما بدا محقًا في تصرفاته. قفزت "فيروزة" في ذعر، وصرخة مباغتة انفلتت من بين شفتيها، حين سمعت صوت قذيفة غريبة أُلقيت من خلفها، ارتدت تجاه "تميم"، وضربته في صدره بحقيبة يدها، فتشبث بالحقيبة بقبضتيه، كأنما يمنع سقوطها.
توازنت "فيروزة" سريعًا، واستعادت ثباتها لتحدق بشيءٍ من الفزع في الشيء الذي أرعبها وهي تتساءل:
-إيه ده في إيه؟
أجابها "تميم" بهدوءٍ:
-محصلش حاجة، الظاهر حد حدف بلوى من الشباك.
تأملت "فيروزة" كيس القمامة الذي تبعثرت محتوياته على مسافة متر منها، وصاحت في استهجانٍ ساخط:
-الناس دي معندهاش ذوق ولا دم، بيحدفوا الزبالة كده على الناس اللي واقفة.
بوجهٍ لا زال جادًا أخبرها "تميم":
-الحمدلله إنه مكانش تنضيف فراخ ولا سمك، كنا هنتبهدل، ومنظرنا هيبقى وحش أوي.
خنقت ضحكة متأثرة لخفة دمه، وعقبت بتجهمٍ غير مقنع:
-حقيقي سلوكيات بشعة.
اتسعت بسمة "تميم" على الأخير، وراح يمازحها:
-بس بصي للجانب الحلو، أنا لحقت شنطتك، وخدتها بالحضن، الحمدلله مجرلهاش حاجة.
تلقائيًا انخفضت عيناها نحو حقيبتها التي ما زالت ممسكًا بها، استعادتها منه، وهي تبتسم! تنفس "تميم" الصعداء، واستطرد قائلاً في ألفةٍ:
-نستعيذ كده بالله من الشيطان الرجيم، ونروح نعمل مشوارنا ...
ظل محافظًا على عذوبة ابتسامته وهو يكمل:
-بدل ما نتحدف بالطوب، وساعتها هنقضي يومنا في الطوارئ.
علقت "فيروزة" حقيبتها على كتفها، وضمت شفتيها في قسوةٍ لتمنع هذه الضحكات الغادرة من الظهور على وجهها، أشار لها بيده لتتقدمه، وتابع من خلفها في نفس اللهجة الطريفة، ليجبرها على الضحك بخفوتٍ:
-اتفضلي يا أبلة، خديلك ساتر بس وإنتي معدية، محدش ضامن هايجيلنا إيه تاني من فوق، جايز المرة الجاية تكون بطيخة، ودي هتبقى القاضية، لا هينفع معاها شبكة ولا دخلة ............................................... !!
....................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الرابع الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم Manal Salem
مساء النور على حضراتكم ..موعدكم مع فصل اليوم من الطاووس الأبيض ..ومن تاني بأكد إن اللي يحس بملل، فتور، تباطؤ في الأحداث يسيب الرواية لفترة من الزمن، ويرجع يقرأها لاحقًا، ساعتها هيتغلب على الشعور ده ..كذلك أنا بكتب في القدر المتاح لي من الوقت، بأكون حاطة بعض الأفكار الرئيسية محل الشرح والتوضيح؛ لكن أحيانًا بتنبثق أحداث فرعية محتاجة أحطها الأول عشان شيء قادم فيما بعد .. وخلال الكتابة قد يطرأ ظرف ما شخصي يجبرني على التوقف عند جزئية معينة لممارسة مهامي في المنزل .. فأرجو تفهم ده بصدر رحب ..وحتى لا أطيل على حضراتكم الفصل متاح للقراءة
الفصل المائة وخمسون
اكتساب الثقة لا يأتي من فراغ، ولا يحدث بين عيشة وضحاها، بل إنه يحتاج لبذل الجهد ومواقف عدة لإثبات أن هذا الشخص جدير بها. اضطرت "فيروزة" أن تتباطئ في خطواتها لتنتظر استباق "تميم" لها لتعود إلى المكان الذي كانت متواجدة فيه قبل أن يستبد بها غضبها، نظرًا لتشابه معظم المحال في هذه المنطقة. أشار لها الأخير بيده نحو أحد محال الصاغة قائلاً:
-ده المكان.
رفعت رأسها للأعلى لتلقي نظرة فاحصة على وجهته واسمه قبل أن ترد في إيجازٍ:
-تمام.
ما إن رأتهما "ونيسة" حتى نهضت من مكانها، ودنت من الباب لتتساءل بملامح تسودها الحيرة:
-إيه يا ولاد؟ حصل إيه؟
أجاب "تميم" مبتسمًا وبدبلوماسية واضحة:
-مافيش حاجة يامه، كله تمام.
وجهت "ونيسة" سؤالها لمن تقف خلفه، وكامل عينيها عليها:
-هو زعلك في حاجة؟
هزت رأسها بالنفي، بينما تدخلت "آمنة" في الحوار، وتساءلت بتعابيرٍ مالت للفزع:
-"فيروزة"! إنتي عملتي إيه؟
تجهمت قسمات وجهها في انزعاجٍ واضح من رنة الاتهام المستترة في صوتها، وقبل أن تهم بالإجابة عليها، تولى "تميم" الرد بلطافةٍ:
-متقلقيش يا حاجة، الدنيا زي الفل، وربنا ما يجيب زعل إن شاء الله.
تنفست "آمنة" الصعداء، ونهج صدرها في ارتياحٍ، لتعلق بعدها في رضا:
-ألف حمد وشكر ليك يا رب.
التفتت "ونيسة" بجسدها قائلة في بهجةٍ أمومية:
-طب يالا يا ولاد عشان تنقوا الشبكة.
تحفزت "فيروزة" في وقفتها، ومالت على أذن "تميم" تهمس له:
-زي ما اتفقنا.
أدار رأسه ناحيتها، وابتسم معقبًا في ثقة:
-أومــال ..
تلك النظرة الغامضة في عينيه جعلت الشكوك تساورها، فسألته في لهجةٍ غير مريحة:
-أوعى تكون بتضحك عليا؟
وضع يده على صدره معاتبًا إياها بصوتٍ خافت:
-عيب عليكي، ده أنا هكلم حتى الصايغ أفهمه على جمب أهوو قصادك.
أومأت له بعينيه كأنما تشجعه:
-ماشي .. اتفضل.
سبقها في خطواته متجهًا نحو صاحب محل الصاغة الذي نهض واقفًا ليقوم باستقباله بترحابٍ شديد، ووديةٍ واضحة، في حين تلكأت في سيرها مدعية إلقائها نظرة على ما تعرضه الواجهات الداخلية.
............................................
وزع "تميم" نظراته السريعة ما بين الصائغ وبين "فيروزة" التي كانت تراقبهما عن كثبٍ، وبالتالي مراوغتها لإنهاء هذه المسألة العالقة لن يكون سهلاً. رسم تعابيرًا جادة على وجهه، واستمع إلى مُحدثه حين خاطبه:
-تحت أمرك يا معلم "تميم"، المحل كله بتاعك.
شكره أولاً في اقتضابٍ قبل أن يخفض صوته ليطلب منه:
-بقولك إيه، عاوزك تهز دماغك كده كأن مش عاجبك الكلام.
عقد ما بين حاجبيه متسائلاً في دهشة:
-ليه؟
علق عليه بحزمٍ، ودون توضيحٍ كافٍ:
-من غير ليه، تعمل اللي بقولك عليه.
هز رأسه بالإيجاب وهو يرد:
-حاضر اللي تؤمر بيه.
حين وجده يفعل العكس بتلقائية وبخه في غير عصبية:
-يا سيدي هز راسك بلأ، إيه الصعب في كده؟
قام الرجل بتنفيذ طلبه وهو يقول:
-طيب.
عندئذ استدار "تميم" برأسه نحو "فيروزة" التي كانت تتابعهما، أوحى لها بتعابير وجهه أنه يواجه القليل من الصعوبة في إقناع الرجل؛ لكنه لن يتوقف، وعاود الحديث إليه بنفس النبرة الخفيضة:
-افضل هز راسك وكشر كأن في حاجة مش عجباك.
قال الصائغ في تحيرٍ شديد:
-ولو إني مش فاهم حاجة بس ماشي.
واصل تذمره الزائف على أمر يجهله كليًا حتى أتاه قول "تميم" الأخير وهو يربت على كتفه:
-الله ينور، كده زي الفل.
من الناحية الأخرى تحركت "آمنة" نحو الركن الذي تقف في ابنتها، معتقدة أنها حائرة في انتقاء المناسب من المشغولات، وقفت إلى جوارها، وسألتها بعينين تعكسان بريق الذهب فيهما:
-عاوزة مساعدة يا حبيبتي؟
نظرت لها "فيروزة" من طرف عينها في تحفزٍ، وردت نافية:
-لأ.
كأنها لم تنبس بشيء، بل أشارت بيدها نحو قلادة كبيرة الحجم، وأخبرتها في حماسٍ:
-ما تشوفي كده دي عليكي، شكلها فخم وآ...
قاطعتها في صوتٍ حازم رغم خفوته:
-لأ، هختار المناسب ليا.
لاحظت "ونيسة" التوتر السائد بين الأم وابنتها، وخمنت بطبيعة الحال سببه، لهذا اقترحت قائلة بما ينم عن سخاءٍ كبير:
-سبيها على راحتها يا "آمنة"، اللي يعجبها تاخده مافيش مشكلة.
استدارت "آمنة" برأسها ناحيتها، وشكرتها:
-كتر خيرك يا حاجة، طول عمركم أهل كرم.
إظهارها بهذا الشكل الطامع استفزها بدرجةٍ كبيرة، وجعل تقاسيم وجهها تشتد وتعكس حنقها، بالكاد قاومت انفلات أعصابها لتسأل "تميم" الذي انضم إليهما:
-ها كلمته؟ عرفته هنعمل إيه؟
أجابها مبتسمًا ابتسامة عريضة وهو يلوح بيده:
-طبعًا .. كله تحت السيطرة!!
...................................................
إقناعها بشراء تلك الحلي، فاق في صعوبته الجمة، الحصول على توكيل توريد الأطعمة الطازجة لواحدة من السفن السياحية الهامة، لم يصدق "تميم" أنه نجح في استمالة رأسها، ومضى الأمر على خير. رفضت "فيروزة" حمل علبة الشبكة، وأعطتها لوالدة "تميم" عنادًا في والدتها التي كانت تعيش في حالة من السرور العظيم، استطردت الأخيرة تقول في امتنانٍ كأنها ظفرت بكنزٍ لا يقدر بثمن:
-تسلم إيدكي ورجليكي يا حاجة، ماشاءالله الشبكة تحفة، ده مافيش بعد كده.
ردت عليها "ونيسة" في وديةٍ:
-على إيه بس؟ هي تستاهل الحلو كله، وعقبال ما نتعبلهم في الفرح دايمًا.
أمنت عليها في نبرة متلهفة:
-يا رب أمين.
على النقيض مع ما كان عليه في بداية اليوم، أصبح "تميم" يراقب "فيروزة" أثناء قيادته للسيارة، كأنما يخشى ارتكابها لحماقةٍ ما تضع كليهما في موقفٍ حرج، أمسكت به وهو ينظر إليها، وسألته بنظرة حادة:
-في حاجة؟
أجابها نافيًا، وشفتاه تتقوسان عن بسمةٍ صغيرة:
-لأ، مافيش.
كانت على وشك إضافة شيء ما لولا أن قالت والدته مقترحة من الخلف:
-خلوا الحاجة معاكو.
هبطت عليها الصدمة المستنكرة، وهتفت محتجة:
-مالهاش لازمة، احنا مش آ...
قاطعتها في لطفٍ، وهذه التعابير الدافئة تغطي وجهها:
-هتزعليني منك يا بنتي؟
تحرجت من رفض طلبها، واشتدت قبضتها على حقيبة يدها وهي تبرر لها رفضها:
-لأ، بس لسه بدري على كتب الكتاب، وأنا مش هلبسهم أصلاً.
تلون وجه "آمنة" بكافة الألوان المذهولة، لوهلةٍ ترددت في التدخل لئلا تظهر بمظهر الطامعة التي سال لعابها لمجرد رؤية الذهب، حاولت الحفاظ على القليل من ماء الوجه، وأردفت كذبًا؛ كأنما تؤيد ابنتها:
-الحاجة تزيد معاكو يا حاجة، وفي الأصل دي بتاعتكم.
نظرت لها "ونيسة" في عتابٍ، ثم خاطبت ابنها في تذمرٍ:
-يرضيك الكلام ده يا "تميم"؟ ما تقول حاجة!
حملق في والدته لهنيهةٍ قبل أن تدور عيناه على وجه "فيروزة" كأنما يرجوها برجاءٍ خفي:
-معلش يا أبلة اسمعي الكلام.
قرأ الاحتجاج جليًا في نظراتها إليه، وبادلها تلك النظرة الحانية المليئة بالرجاء وهو يصر عليها:
-عشان منكسرش بفرحة حد.
اضطرت للرضوخ على مضضٍ، وغمغمت:
-ماشي.
دقيقة أخرى مضت وكانت السيارة تقف أمام مدخل البيت، ترجلت "آمنة" أولاً وهي تودع الاثنين في محبةٍ وسرور، لتتبعها "فيروزة" في تلكعٍ، بينما أمرت "ونيسة" ابنها في حبورٍ:
-انزل وصلهم كده للحوش وتعالى، خلي خطيبتك تفرح بقربك.
كأنما منحته التصريح لختام لقائه بها بوداعٍ لطيف، قفز قلبه بين ضلوعه، وردد مبتسمًا:
-حاضر يامه.
أوقف المحرك، وترجل من مكانه، لينظر أمامه باحثًا عنها، سارع الخطا، ووجدها عند المدخل تقدم قدمًا، وتؤخر الأخرى، فخمن أنها كانت تتوقع قدومه، وها قد صدق توقعها! هتف من ورائها يودعها في لهجةٍ جمعت بين اللهفة والجدية:
-طيب يا أبلة، خلي بالك من نفسك.
ما إن سمعت صوته حتى استدارت لتواجهه وهي تعنفه في كدرٍ:
-هو إنت مش قولت إنها تمثيلية؟ ممكن تفهمي إيه اللي حصل ده؟
بلع ريقه، وأخبرها بابتسامةٍ مهتزة:
-أيوه، بس هعمل إيه، ما هو كله على يدك، ده غير إني ...
توقف عن الكلام ليجدها تسدد له نظرة مهددة، فتابع بحذرٍ:
-يعني مقدرش أكسف أمي وأزعلها، ست كبيرة برضوه.
تذمرت عليه في نقمٍ:
-وأنا مقدرش أقبل أسيبهم معايا، ده غير إننا أجلنا كتب الكتاب، هاتقولهم إمتي بده كمان؟
فرك مؤخرة عنقه معلقًا في وجومٍ طفيف:
-إديني فرصة أمهدلهم في البيت، مش هديهم الخبر خبط لزق كده في وشهم.
سألته في تجهمٍ، وهي تشير بيدها للأعلى، إلى حيث صعدت والدتها بعلبة الشبكة:
-طيب، وأنا المفروض أعمل إيه بدول؟
حك طرف ذقنه مقترحًا بتلقائية:
-اعتبريهم أمانة عندك لحد ما نرجعهم.
أتاه تعليقها فيه لمحة من السخرية:
-أمانة؟ إزاي يعني؟ دي تهمة!
تجاوز عن وصفها غير المناسب، وعلق في هدوءٍ:
-زي أي حاجة يا أبلة.
نفخت في ضيقٍ، وأضافت:
-بس دي شيلة تقيلة أوي.
ابتسم يخبرها في صدقٍ:
-وإنتي أدها.
نظرت إلى عينيه في تلك اللحظة فرأت فيهما ثقة كبيرة لم تعتدها، حينئذ ارتخت ملامحها المتشنجة قليلاً، ورددت في قلقٍ:
-ربنا يستر.
حافظ على عذوبة ابتسامته وهو يؤكد لها بغزلٍ متواري:
-هايستر إن شاءالله، ده إنتي اللي زيك اليومين دول مافيش.
لم تنكر إعجابها بطريقته الغريبة في تحوير المواقف الأكثر تأزمًا إلى شيءٍ لطيف، يمس جزءًا من قلبها بشكلٍ ما تتلذذه في كثيرٍ من الأحيان، شردت في تأملها له، ولم يبعد "تميم" عينيه عنها؛ كأنما يغتنم فرصته الذهبية على أكمل وجه، أشاحت بوجهها للجانب حين نادت والدتها من الداخل:
-يالا يا "فيروزة"، إيه اللي مأخرك كده.
هتفت ترد في نبرة مرتفعة:
-جاية يا ماما أهوو.
تنهدت مجددًا، وهزت رأسها تودعه بقسماتٍ اكتسبت جدية غريبة:
-ماشي يا معلم، شكرًا.
قابل تحيتها الجافة بشفاه مبتسمة وهو يرد ملوحًا بيده في الهواء:
-صباحك تفاح يا أبلة.
على إثر ذكر تلك الكلمة تحديدًا ابتسمت في عفوية، وتلك اللمعة تظهر في حدقتيها، استدار معاودًا أدراجه ووجهه يشع ببهجةٍ راضية، الآن شعر بأنه فاز بتعويضٍ ملائم ينسيه مشاحنات اليوم الغريبة، ومع هذا لم يكتفِ بذلك، بل أخرج هاتفه المحمول، واتصل برقمٍ يحتفظ به في القائمة، لينطق بعدها في جديةٍ تامة:
-أيوه يا دكتورة، محتاج أتقابل معاكي ضروري.
هز رأسه مصغيًا إليها، وهو يقول:
-ماشي يا دكتورة، أه مناسب، هاكون هناك.
استغرقها الأمر ما يقرب من دقيقة لتكمل "فيروزة" صعودها المتكاسل على درجات السلم وهي تكرر على لسانها:
-اشمعنى التفاح بالذات اللي ماسكهولي؟
انخفضت نظراتها نحو حقيبتها الممتلئة بألوف الجنيهات في شكل حليٍ ذهبية، عاد الصراع يسود في رأسها، ما بين إنكار لأطماع والدتها، وبين ثقة عمياء لخطيبٍ يسعى لنيل ثقتها، سئمت من هذا التخبط المتلف للبقايا المتماسكة من أعصابها، فقررت اللجوء للمساعدة من طبيبتها المختصة، كانت بحاجة ماسة لذلك، لهذا لم تتردد في الاتصال بها، وهاتفتها وهي تلج إلى داخل منزلها:
-دكتورة "ريم"، أخبار حضرتك إيه؟ عاوزة أتكلم معاكي في حاجة مهمة وتعباني.
..............................................
قبل ميعاده معها ببضعة دقائق، كان "تميم" متواجدًا في الاستقبال التابع للمركز العلاجي الذي تعمل به "ريم"، أصر على اللقاء بها لمناقشتها في وضعه المتأرجح مع "فيروزة"، لهذا أرجأ كافة أعماله، وتفرغ بالكامل لمقابلتها. جال ببصره في المكان مترقبًا قدومها، ورأسه يزدحم بعشرات الأفكار القلقة، وعندما انضمت إليه الطبيبة النفسية، أخذ يقص عليها تصرفاتها المليئة بالتهور، والرعونة، ثم راح يشكو إليها تهديدها بإنهاء الخطبة في أي وقت، ومحاولاته المضنية للتحايل على اضطرابها المبرر.
استحسنت "ريم" حسن تصرفه، وبدأت تسترسل في التوضيح ليعي جيدًا تبعات أزمة انتكاستها الأخيرة:
-عين العقل اللي إنت عملته ده، وأنا قايلالك إن علاقتك بـ "فيروزة" محتاجة تتبني على الثقة قبل ما أي حاجة، الخذلان اللي شافته في حياتها صعب أي حد طبيعي يتحمله، وهي رغم كل ده قاومت وحاولت تقف على رجليها.
أكد عليها دون تفكيرٍ:
-أنا معاكي يا دكتورة في أي حاجة، بس تديني الفرصة أعمل كده...
تحولت نبرته للضيق حين استكمل:
-ده أنا ساعات بحس إنها مخلية موضوع خطوبتنا على تكة، كأنها مستنية تنهيه في أي لحظة، وده مزعلني شوية.
أخبرته بنبرة عملية:
-مقدرش ألومها، طبيعي يكون ده ردة فعلها.
تطلع إليها في صمتٍ، فاستمرت في المتابعة:
-هي بتحسب كل شيء بالعقل، وبتحدد مدى الضرر اللي هيقع عليها، حتى لو كان من علاقة عادية، أي تهديد بسيط يدخلها الدوامة اللي كانت فيها هتلجأ للدفاع عن نفسها غريزيًا.
اِربد وجهه بالمزيد من الضيق، فبارقة الأمل التي لاحت في الأفق أصبحت قاب قوسين أو أدنى من التلاشي. حاولت "ريم" بث التفاؤل في روحه:
-أنا مش عاوزاك تستعجل يا أستاذ "تميم"، كل حاجة مع الوقت هتتحسن وتبقى أفضل، إنت تعتبر في تحدي كبير معاها، ومحتاج كل جهد لحد ما تفوز بيها.
قال بعد زفيرٍ ثقيل:
-أنا صابر، وربنا يكرم.
تابعت الثناء على مجهوده بتشجيعه:
-حقيقي أنا ممتنة لدورك المهم في علاجها، وأتوقع في النهاية إن النتيجة تكون إيجابية.
لم يعرف "تميم" إن كان يبتسم، أم يرسم الحزن على محياه وهو يعلق ساخرًا، وقد تهدل كتفاه:
-يا رب يا دكتورة، بدل ما تلاقيني بتعالج عندك ..................................................... !!
....................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الرابع الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم Manal Salem
لكل الساهرين بعد الواحدة، موعدكم مع فصل جديد من الطاووس الأبيض
الفصل المائة وواحد وخمسون
يومًا بعد يوم، كانت تتأكد من وجود علبة الشبكة -المستأمنة عليها- في الصندوق المعدني ذي القفل النحاسي، قبل أن تلفه بإحدى الملاءات النظيفة، وتعيده إلى مكانه بالرف السفلي في دولاب ملابسها. تركت "فيروزة" لوالدتها العلبة الأخرى الصغيرة لتحتفظ بها منذ أن أخذتها منها في محل المصوغات، تلك التي تضم خاتم الخطبة، وآخر عريض قليلاً يشبه القرط الذي أهدته لها "ونيسة"، بالإضافة لسلسلة خفيفة الوزن، لتكتمل المجموعة، أما العلبة الأخرى فرفضت التفريط بها، وحملت أمانتها على عاتقها إلى أن تعيدها إلى الصائغ مثلما اتفق معها "تميم"، ذاك الأخير الذي اختفى عن المشهد لما يقرب من أسبوع لسبب لا تعلمه.
أغلقت الضلفة بخرقة قماشية صغيرة حتى لا تنفلت كعادتها من مكانها، ثم خرجت من غرفتها متجهة إلى والدتها المتواجدة بالمطبخ .. سألتها الأخيرة في جديةٍ، وهي تدير مفتاح الموقد لإشعاله، قبل أن تضع إبريق الشاي عليه:
-هتخلصي إمتى النهاردة؟
جاوبتها وهي تتجه نحو الثلاجة لتسحب زجاجة مياه قامت بتبريدها بداخلها منذ ليلة الأمس:
-يعني على حسب ما دكتورة "ريم" تقول.
احتجت "آمنة" على ذهابها، فقالت:
-مش فاهمة إنتي لسه بتروحيلها ليه؟ مش الحمدلله إنتي بقيتي أحسن، وزي الفل.
كبت ضيقها من اعتراضها غير المقبول، وأخبرتها بتريثٍ، محاولة ألا تنفعل في الحديث معها:
-أنا برتاح معاها، ومحتاجة استشارتها دايمًا في اللي يخصني، بيتهيألي ده مش مضايق حد في حاجة.
بررت والدتها سبب رفضها للمتابعة في تلك الجلسات غير المجدية من وجهة نظرها:
-أنا عايزاكي تركزي في الجواز، والعريس اللقطة اللي معاكي.
عندئذ خرجت عن هدوئها، ودافعت عن رغبتها العنيدة في نيل العلاج المناسب لها بوجهٍ متجهم بشدة:
-ماما، بلاش الله يكرمك أي كلام من النوع ده، أنا على فكرة كويسة من جوا ومن برا، وأستحق حد كويس يعرف قيمتي ويقدرني، ولو مكانتش شايفة ده صدقيني كان رأيي هيختلف تمامًا.
راحت تعلق في سخافةٍ غير مستساغةٍ لها:
-يا بنتي أنا خايفة على مصلحتك، بنات اليومين دول بيعرفوا يوقعوا أجدعها راجل بحركتين مُحن، وشوية دلع.
النقاش معها لن يجدي بأي حالٍ، لهذا غيرت من الموضوع، وسألتها:
-هي "كوكي" هتفضل عند "همسة" كتير؟
أجابت نافية وهي تأتي بصينية لترص فيها الأكواب الزجاجية:
-لأ.. آخر النهار عدي هاتيها وإنتي راجعة.
اعترضت "فيروزة" على إطالة مدة بقائها هناك:
-طيب، بس مكانش في داعي تسبيها اليومين دول يا ماما عندها، هي "همسة" ناقصة وجع دماغ؟
رمقتها بنظرة غامضة قبل أن تعلل أسبابها:
-أهي تسليها شوية، بدل ما هي قاعدة لواحدها، وبعدين لولا إن جوزها مسافر أنا مكونتش تخليها تبات.
لوت "فيروزة" ثغرها في غير رضا، فأكملت والدتها مشددة في حزمٍ:
-المهم ماتغيريش الموضوع، واهتمي بخطيبك، خليه ملهوف عليكي.
تجاهل كلامها كليًا، وقالت في نبرة متعجلة:
-أنا اتأخرت على المحل، لو ناقصك حاجة كلميني.
أتاها صوتها من خلفها وهي تخرج من المطبخ موبخًا إياها:
-اهربي زي تملي.
حاولت ألا تلتفت لها، وتتجنب الاشتباك معها لئلا تفسد صفو مزاجها اليوم، رأت خالها جالسًا في الشرفة، اتجهت إليه، وألقت عليه التحية في ودٍ:
-صباح الخير يا خالي، عامل إيه النهاردة؟
قال بلعثمةٍ طفيفة وهو يبتسم:
-الحـ..مد لله.
سألته في اهتمامٍ، ويدها تمسح على كتفه في حنوٍ:
-دايمًا يا رب، مش عايز حاجة أجيبهالك من تحت وأنا راجعة؟
رد مبتسمًا في امتنانٍ:
-تسـ..لمي يا رب.
همَّت بالتحرك؛ لكنه استوقفها قبل أن تتابع سيرها مُناديًا:
-"فيــ..روزة"!
استدارت عائدة إليه وهي تردد:
-أيوه يا خالي.
ران إليها بنظرة عطوفة مليئة بالندم، قبل أن يتمتم قائلاً:
-ربـ..نا يخلـ..يكي ليا.
لم تعرف بماذا ترد، فاكتفت بمنحه ابتسامة لطيفة، لتواصل السير بعدها حتى باب المنزل، أغلقته خلفها بمجرد أن خرجت، لتهبط درجات السلم وهي تفتش في حقيبتها عن هاتفها المحمول، نظرت إلى شاشته المظلمة، وغمغمت في امتعاضٍ متذمر:
-مافيش مرة كده يغلط ويتصل بيا؟!!
ثم صححت لنفسها ساخرة:
-هو أصلاً معاه رقمي! هعاتبه على إيه؟
خرجت من مدخل البيت، لتمشي على الرصيف بخطواتٍ شبه متعجلة، وتابعت حديث نفسها المنزعج:
-بس المفروض كان ياخده مني، مش يفضل المدة دي كلها من غير سؤال.
راودتها الهواجس، فتكلمت بغير صوتٍ:
-ولا يكون عامل الحركات دي عشان مانرجعش بقية الشبكة، لأ يبقى مايعرفنيش كويس!
تصلب كتفاها وهي تعبر للجهة الأخرى من الطريق لتواصل قائلة بعزمٍ:
-عمومًا هو هيروح مني فين، مسيرنا نشوف بعض، مش هيفضل مستخبي كتير.
رن هاتفها في يدها، فرفعته نصب عينيها، لتقرأ اسم طبيبتها النفسية عليه، أجابت على اتصالها بحماسٍ:
-أيوه يا دكتورة "ريم"، أخبارك إيه؟
انتظرت لوهلة حتى تصغي لما تقوله، ثم استأنفت:
-تمام، أنا فاكرة كويس، هاجي على الميعاد.
أنصتت لتعقيبها، وعلقت:
-شكرًا على وقتك وذوقك.
أنهت معها المكالمة، واستمرت في سيرها وهي تشعر برغبةٍ ملحة تنبعث من ثنايا نفسها، تستحثها على الذهاب من الطريق الآخر، لتعرج على دكان عائلة "سلطان"، وتتفقد "تميم" هناك، علَّه عند رؤيتها يمنحها هذا الاهتمام المُرضي لها، قاومت رغبتها قدر المستطاع، لتقول في عبوسٍ يشوبه العتاب:
-هو المفروض اللي يدور عليا مش العكس!
عدلت عن تنفيذ رغبتها بصعوبة، وسارت من الشارع المغاير لتنأى بنفسها عن محيط العائلة، وذلك الشوق العجيب إليه يحز في قلبها.
..................................................
انصرفت مبكرًا من عملها، لتلتقي بطبيبتها في الحديقة التابعة للمركز العلاجي الذي تقوم الأخيرة بالإشراف فيه على كبار السن من المرضى، كان المكان مريحًا بشكلٍ كبير لها، اعتادت على التنفيس عن أكثر همومها ثقلاً بتواجدها فيه. جلست "فيروزة" على المقعد المريح، وسحبت الوسادة لتضعها خلف ظهرها، ثم واصلت الكلام بشكلٍ يعبر عن ضيقها:
-أنا بأحس إني مطمنة معاه، بس في نفس الوقت مش عايزة أأقرب منه.
كانت "ريم" جالسة في الجهة المقابلة لها، تراقبها بعينين دارستين لكل ما يصدر عنها، دونت شيئًا ما في مفكرتها الصغيرة، وسألتها بهدوءٍ:
-ليه مش عايزة تقربي؟
تهدل كتفاها في خوارٍ وهي تجيب:
-خايفة.
نظرت إليها بثباتٍ، لتوجه سؤالها التالي لها بنفس النبرة الهادئة:
-خايفة من إيه؟
سحبت نفسًا عميقًا، طردته على مهلٍ، قبل أن تخبرها بترددٍ:
-خايفة أحط ثقتي الكاملة في حد ويخذلني.
لحظة من السكون عمت في المكان، إلى أن تكلمت "ريم" في النهاية لتسألها:
-طب هو خذلك قبل كده؟
لم تفكر وهي تجيبها نافية مصحوبة بهزة من رأسها:
-لحد دلوقتي لأ.
ابتسمت "ريم" ابتسامة عملية، وتابعت متسائلة بتريثٍ:
-وإيه اللي يخليكي ماتجازفيش معاه وتديله الأمان؟
خنقت غصة جارحة لحلقها حين أخبرتها في ألمٍ:
-لأن "آسر" كان كده، زي ما بيقولوا عملي البحر طحينة، لسانه حلو، بيعرف ينقي الكلام، واستحالة لو بتسمعيه تُشكي فيه.
قبل أن تعقب عليها، صمتت "ريم" لما يقرب من دقيقة حتى تهدأ، فقد رأت تأثير الذكرى على ملامحها المتشنجة، ثم عارضت تفكيرها غير الموفق في حذرٍ:
-بس "تميم" غيره نهائي، المقارنة بينهم ظالمة!
لمعت عينا "فيروزة" إلى حدٍ كبير بعبراتٍ خائنة، وهذا الشعور الغريب يؤلمها، ازدردت ريقها بصعوبةٍ، وتنهدت ببطءٍ حتى تثبط من نوبة بكاءٍ وشيكة، لتقول بعدها:
-أيوه، وده محسسني بالذنب، وخصوصًا إني شيفاه بيحاول يرضيني ويريحني، ده تقريبًا ما بيجبرنيش على حاجة.
هونت عليها الأمر بتأكيدها:
-خدي الموضوع ببساطة يا "فيروزة"، مافيش داعي إنك تشيلي نفسك فوق طاقتها.
ردت في ألمٍ:
-غصب عني.
لجأت "ريم" لأسلوبٍ آخر في الحوار معها، فخاطبتها بابتسامةٍ متفائلة:
-يعني نقدر نقول إنه شيء كويس في "تميم"، إنك تقدري تتفاهمي معاه، وتخلقي لغة حوار شيقة بينكم.
هزت رأسها موافقة حين ردت:
-أيوه.
تأملتها "ريم" وهي تخرج من حقيبتها منديلاً ورقيًا لتمسح العالق في أهدابها من دموعها، لتسألها مباشرة:
-"فيروزة"، إنتي لسه مش قادرة تبني الثقة بينك وبينه، صح؟
ساد في نبرتها ندمًا واضحًا وهي تعترف لها:
-أنا بحاول والله، بس غصب عني، هو كمان ساعات بيديني إحساس إني مجرد واحدة عادية، وأوقات تانية بحس إني كل حاجة مهمة عنده.
اللقاءات المنتظمة معه جعلتها تفهم الكثير عن طباعه ومبادئه المتأصلة فيه، لهذا كان من اليسير عليها أن تخبر مريضتها بغير تحيزٍ:
-مافكرتيش للحظة إن دي ممكن تكون طبيعة شخصيته؟ أو البيئة المحيطة بيه بتفرض عليه إنه يتصرف برسمية شوية؟!!
أصغت لها "فيروزة" بانتباهٍ تام، وكأنما تعاود تقييم الأمور من منظورٍ آخرٍ قد غفلت عنه منذ أن اتخذت علاقته بها منحنًا رسميًا، في حين تابعت "ريم" إيضاحها المستفيض قائلة:
-خاصة إن بعض العلاقات في المجتمع الشرقي مرفوض فيها إن الراجل يبين بعض اللطف، أو نقدر نقول نوع من الحميمية البدائية المتبادلة مع الطرف التاني، وده طبعًا قبل ما تاخد الشكل الرسمي ليها.
جاء تعقبيها بسيطًا ومنطقيًا:
-ما احنا مخطوبين.
تركت "ريم" مفكرتها جانبًا، وضمت كفيها معًا وهي تخبرها:
-طيب أنا هفهمك قصدي بطريقة تانية، بس يا ريت تجاوبي بصراحة.
رحبت بهذا الاقتراح، فقالت:
-اتفضلي، أنا جاهزة.
استقامت "ريم" في جلستها، وسألتها في ثباتٍ دون أن تطرف عيناها:
-هل تقبلي إن خطيبك يتجاوز معاكي في تصرفاته سواء في الكلام أو التلميح، وفي بعض الأحيان اللمس؟!!
على الفور تحفزت "فيروزة" في جلستها المسترخية، وغابت عنها ملامح الندم، لتحل علامات النفور والغضب على محياها وهي ترد:
-لأ طبعًا، استحالة أسمح بكده.
ابتسمت وهي تشير بيدها:
-شوفتي، إنتي رافضة النوع ده من استباحة التصرفات في العلاقة ...
هزت رأسها تؤيدها، فأكملت "ريم" تسألها بنفس الثبات:
-طب ليه التناقض ده موجود جواكي؟
عاد التردد يسيطر عليها وهي تقول:
-مش عارفة، حقيقي مش لاقية سبب للي بعمله.
ظلت "ريم" محافظة على ابتسامتها الودودة وهي تسألها:
-ولا ممكن نفسر الموضوع بإنك حابة تحسي باهتمامه أكتر بيكي؟
على ما يبدو أن وجه "فيروزة" قد أصبح أكثر دفئًا مع استحضارها لمشاهدٍ خاطفة من لحظات لقائه بها على مدار الأشهر السابقة، أراحت ظهرها للخلف، وقالت بشرودٍ:
-أيوه، يمكن ده مفتقداه ...
راقبتها "ريم" عن كثب وهي تستفيض في التوضيح:
-أنا بشوف في نظراته ليا كلام كتير عايز يقوله، بس فعليًا ما بينطقش بحاجة، تقريبًا آ...
توقفت عن إتمام جملتها وهي تشعر بنوعٍ من الحرج؛ لكن "ريم" استمرت في الضغط عليها برفقٍ، لتستخرج منها ما تريد معرفته:
-تقريبًا إيه؟
تحاشت النظر إليها وهي تقول:
-يعني بيعاكسني كده بكلام مداري.
ضحكت الأخيرة في وداعةٍ، وأثنت عليه قائلة:
-دي محاولة لطيفة منه.
ردت في اقتضابٍ خجل:
-شوية.
لم تحبذ طبيبتها أن تكون لحوحة في سبر أغوارها، أرادت ألا تستثير دفاعاتها لتلجأ للصمت أو كبت مشاعرها عنها، فأرجأت الحديث عن هذا الموضوع لتنتقل إلى آخرٍ على نفس القدر من الأهمية، فاستطردت تخاطبها في نفس اللهجة المهتمة:
-طيب نتكلم عن الشق التاني في مقابلتنا النهاردة، والدتك.
وكأن الحزن قد وجد طريقه إليها، فرزت علاماته في عينيها، وانعكست في نبرتها حين أردفت قائلة:
-ماما .. تقريبًا واخدة سكة مرات خالي، رغم إني بحاول أكدب إحساسي ده، بس حبها للفلوس بقى مكشوف، دلوقتي بتدور على المادة أكتر من اهتمامها بيا، يمكن في الأول كنتي تحسي بخوفها عليا أنا وأختي، بس معرفش إيه اللي حصل وخلاها تفكر بالشكل ده، وللأسف بيأثر عليا بشكل بشع.
مطت "ريم" فمها للحظةٍ، ثم أمسكت بمفكرتها، وبدأت في التحاور معها بتريثٍ مدروس:
-خلينا نحكي أكتر بالتفاصيل عن المواقف اللي عززت الشعور ده جواكي.
...............................................
يومها الطويل، المزدحم بعشرات الأشياء، انتهى أخيرًا بعد زيارتها القصيرة لتوأمتها، مكثت لما يقرب من الساعة معها، ثرثرت في عدة مواضيع مختلفة، كانت غالبيتها تدور حول "تميم" بشكلٍ مبطنٍ أحيانًا، وبشكلٍ مباشر في الأغلب. ظهر الإرهاق على وجه "فيروزة"، وبدأ يزحف على باقي جسدها، فنهضت واقفة، واتجهت إلى الباب ويدها تسحب "رقية" خلفها، تبعتهما "همسة" قائلة بتعابيرٍ حزينة:
-ما تخليكوا قاعدين شوية، ده أنا ملحقتش أشبع منك يا "فيرو".
وعدتها بلطافةٍ:
-مرة تانية هبقى عاملة حسابي أقضي النهار كله معاكي، مش هيبقى ورايا إلا إنتي ...
ثم ما لبث أن تحولت نبرتها للجدية وهي توصيها:
-المهم خدي بالك من صحتك، ومن البيبي.
ردت بعد زفيرٍ متمهل:
-ربنا المعين.
وكأنها تجد بعض السلوى والتسلية في الحديث مرارًا وتكرارًا عنه، فخفق قلبها وشقيقتها تسألها:
-مقولتيش "تميم" بيكلمك؟
كسا العبوس وجهها وهي ترد نافية:
-لأ.
برقت عينا "همسة" مصدومة، ولسانها يردد في ذهولٍ:
-معقولة!!!!
أوجدت له "فيروزة" العذر:
-هو مش معاه رقمي.
لاحقتها مباشرة بسؤالها التالي، بما يتضمن الاتهام بالتقصير في أمرٍ خطير:
-إيه ده، هو إنتي ماخدتيهوش من يوم ما خرجتوا تجيبوا الشبكة؟
قالت نافية:
-لأ، اتلبخنا في كام حاجة بعدها.
ضربت "همسة" راحتها بالإطار الخشبي للباب، ودمدمت في استياءٍ:
-يادي الحظ الفقر، وهو أصلاً مسافر مع "هيثم"، مشغولين في توريدة كبيرة، يعني مش هيسأل عنك خالص لحد ما يرجعوا.
يا للمصادفة! الآن علمت سبب اختفائه المريب عن الساحة، وهي التي ظنت أنه يتجاهلها عن عمدٍ، ليثير في نفسها مشاعر الغيظ، وربما الغيرة، ندمت لتسرعها المعتاد في استباق الأحكام عليه، وكذلك الظن السيء به. تعقد ما بين حاجبيها، وراحت تخبر توأمتها:
-عشان كده مش بشوفوا نواحي الدكان خالص مع إني بعدي كل شوية من هناك.
رمقتها "همسة" بنظرة عابثة وهي تقول مبتسمة في لؤمٍ:
-أيوه بقى، ابتدينا الحركات والتكات.
تحرجت من اعترافها النزق، وأخذت تبرر لها ببعض الحجج التي لم تكن مقنعة بالقدر الكافي:
-يا بنتي ده عشان بس الشارع مكسر، فبضطر أعدي من قصادهم.
غمزت لها "همسة" من طرف عينها، وقالت في عبثيةٍ:
-وماله، ده خطيبك، وكلها كام يوم ويبقى جوزك رسمي، يعني ادلعي براحتك عليه.
صححت لها "فيروزة" الشق الخاص بعقد القران، فأخبرتها بتعابيرٍ تحولت للجدية في لحظةٍ:
-مش أنا معرفاكي إننا هنأجل شوية.
استمرت في عبثيتها وهي تعلق عليها:
-أيوه، بس جايز تغيروا رأيكم، وخير البر عاجله.
رمقتها بنظرة محذرة قبل أن تشير بإصبعها قائلة:
-إنتي هتعملي زي ماما ولا إيه؟
ارتفعت رنة الضحك في صوتها قبل أن تمتدحه في فخرٍ:
-أه طبعًا، ده المعلم "تميم" على سِن ورمح، مين زيه في المنطقة!
لئلا يظهر شعورها بالغبطة لمجيء الحديث على ذكره، وتنعكس آثاره غير القابلة للشك على تعابيرها، عَمدت "فيروزة" لوضع قناع التجهم على وجهها، وقالت في جديةٍ:
-بقولك إيه، أنا همشي أحسن.
أنهت جملتها وهي تسير على البسّطة متجهة إلى الدرج، وبصحبتها ابنة خالها، ليتبعها صوت "همسة" المودع لهما:
-ماشي يا "فيرو"، باي يا "كوكي".
استدارت "رقية" برأسها ناحيتها، ولوحت لها بيدها قائلة:
-باي باي يا "هموسة".
جاء صوت "همسة" عاليًا بعض الشيء وهي تهتف:
-هستناكي تقوليلي خدتي رقمه ولا لأ.
هبطت "فيروزة" الدرجات بتعجلٍ، إلى أن وصلت عند طابقه، وقفت أمام باب منزله، تجمدت نظراتها لثوانٍ على الكتلة الخشبية، كأنما تريد لعينيها أن تنفذا للداخل، فتشبع النهم الغريب المتفشي في وجدانها، والمُطالب بملء الفراغ الذي أحدثه بغيابه القاسي، أخذت تسير بتباطؤ، كأنما تستصعب الابتعاد عنه حتى أصبحت على السلم من جديد، وهذا الصوت المستنكر يصرخ في طيات عقلها:
-مش لما أشوفه الأول، للدرجادي قادر يغيب عني ....................................... !!!
.........................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الرابع الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم Manal Salem
أشرت في منشور سابق على الفيس بوك إن هايكون في توقف اضطراري لمدة أسبوع فقط، بسبب انشغالي الأيام القادمة، وعدم تفرغي للكتابة .. بس بأمر الله من السبت 21 أغسطس هنعاود استكمال باقي الأحداث ..
كذلك حابة أشكر كل القراء المتفاعلين سواء هنا أو على الواتباد أو على الجروب، وحتى في منتدى رواياتي على الجو النقاشي الجميل، أو لو كان متحفز في بعض الأحيان، بس في النهاية أعطى الشخصيات الروائية المزيد من الحياة والتضامن والدعم ..
ويا رب لا ينتهي النقاش الحماسي بينكم في أي عمل أقوم بكتابته ..مش هطول عليكم، هاسيبكم مع الأحداث اللطيفة
الفصل المائة والثاني والخمسون
جعل العوز، مع ضيق ذات اليد، تفكيرها مغايرًا لما كان عليه، فأصبحت أشد حرصًا على ما يُدر عليها المال؛ وإن كان مخالفًا للمعهود. طوت "آمنة" الإيصــال الذي قامت بتسديده في الصباح، وناولته إلى شقيقها قائلة بزفيرٍ مهموم:
-كده أنا دفعت القسط التالت يا "خليل"، ويومين وهاخد حُجة الأرض من البايع.
رد في استحسانٍ وهو يدسه في جيب قميصه العلوي ببطء:
-كـ..ويس.
عاتبته في تبرمٍ صريح:
-مكانش ليها لازمة تعمل كده، إنت عارف إننا محتاجين كل قرش دلوقتي، أنا لوحدي مش هقدر أتصرف.
طالعها "خليل" بنظرة طويلة غير نادمة على إقدامه على تلك الخطوة، فتجميد ما كان معه من أموال سائلة، ووضعها في مساحة من الأرض، قد يتضاعف ثمنها أضعاف ما دفعه فيها في المستقبل، بدا القرار المناسب. كما أنه أصر على أن يتم تسجيلها باسم وحيدته، ليضمن توفير حياة كريمة لها بعد رحيله، فلا تضطر للجوء للغرباء أو طلب الإحسان من الغير. كان وجهه كلوحٍ من الجليد وهو يخبرها:
-بأمــ..ن مسـ..تقبل بنتي بـ..فلـ..وسها.
اعترضت عليه بنفس التجهم:
-وأنا مكونتش هقصر معاها، بس إنت فاهم وضعنا بقى عامل إزاي، المصاريف يدوب على الأد، واللي رايح أكتر من اللي جاي بكتير ...
نظر إليها في عجزٍ، فقد كان المقصود بتلميحها المتواري عن زيادة أعباء علاجه غير المنتهي، لم تهتم "آمنة" بنظراته المليئة باللوم، واستمرت في شكواها المريرة، فقالت:
-ده غير إن "فيروزة" عمرها ما هتفكر زيك ولا هتكون زيي، هي ماشية بدماغها.
وبخها في حدةٍ:
-بنتـ..ك شافت كتير، مش هنبقى احـ..نا والـ..زمن عليها ...
قست نظراتها ناحيته، فواصل كلامه بنفس النبرة الحادة رغم تلعثمه:
-زمـ..ان لمـا كنت.. بصحتي أنا أذيتها جــ..امد، ودلوقتي أنـ..ا ندمـ..ان على كـ..ل حاجة عملـ..تها فيها.
علقت عليه في يأسٍ:
-أنا نفسي تعمل زيك وتأمن مستقبلها، محدش ضامن بكرة هيحصل فيه.
لوى ثغره معقبًا في استهجانٍ:
-يـ..اريت ماتبقـ..اش زيي.
نهضت من جواره، وتحركت مبتعدة عنه وهي تخاطبه في غيظٍ:
-إنت يا "خليل" دماغك بقت أنشف من الحجر الصوان، من ساعة اللي جرالك وإنت اتغيرت.
رفع من نبرته قائلاً، ورنة الندم تظهر فيها:
-أنا خسـ..رت مكسبتش حاجة، خليني أحــ..افظ على اللي فــ..اضل.
تغاضت عن الرد عليه، لتخاطب نفسها بنبرة متنمرة، والضيق يملأ صدرها:
-الظاهر الشقا اتكتب عليا لوحدي وأنا في السن ده.
.................................................
الاشتياق، شعورٌ لم تتفقه أبعاده الكاملة بعد؛ لكنها كانت في أول مراحله، أصابها السأم لبعده، ونال منها الضجر لعدم رؤياه. حالة من الفوضى والتخبط انتشرت في رأسها، حتى كادت تصيبها بالإحباط، لحرمانها من مناوشاته اللطيفة معها، تلك التي ينجح في نهايتها في رسم الابتسامة على شفتيها، كأنما يعرف جيدًا كيف يجعلها تضحك بذكائه. خرجت "فيروزة" من مدخل البناية وهي تسحب "رقية" خلفها، أشارت بيدها للأمام قبل أن تشرع في عبور الطريق:
-تعالي عشان نعدي من هناك.
تثاقلت خطوات ابنة خالها، بل بدا وكأنها تجذبها للخلف مستصعبة السير معها، فالتفتت الأولى لتنظر إليها في استغرابٍ، وقبل أن تسألها بادرت "رقية" قائلة بجسدٍ يتلوى قليلاً:
-"فيرو"، أنا عاوزة أروح التويلت.
توقفت عن المشي، وضاقت عيناها قائلة في استنكارٍ:
-وده وقته؟
كررت عليها الصغيرة وهي تضم ساقيها معًا:
-"فيرو"، مزنوقة.
تلفتت "فيروزة" حولها في حيرةٍ وهي تتساءل؛ كأنما تفكر بصوت مرتفع:
-طب والعمل إيه؟
انخفضت نظراتها نحو الصغيرة، وسألتها رغم تيقنها بأنها لن تتحمل:
-مش هتقدري تمسكي نفسك؟
هزت رأسها نافية وهي ترد:
-لأ.
استدارت عائدة من حيث أتت، وهي تشد "رقية" معها، لتغمغم بصوتٍ لم يكن عاليًا:
-طيب تعالي نرجع لـ "همسة"، مقدمناش إلا كده.
على غير المتوقع، وعند المدخل تحديدًا، تقابلت "فيروزة" مع الحاج "بدير"، ما إن رأهما الأخير حتى ألقى عليهما التحية مرحبًا بحرارةٍ واضحة:
-يا أهلاً بالغاليين، نورتوا المكان.
ردت "فيرزوة" في تهذيبٍ:
-إزي حضرتك يا عمي؟
أجابها مبتسمًا في وقارٍ:
-الحمدلله في نعمة ..
ثم ثبت نظراته على الصغيرة التي تهتز في توترٍ، وتساءل مستفهمًا:
-كنتو عند الحاجة "ونيسة" ولا إيه؟
ضمت شفتيها لثانية، قبل أن تجاوبه نافية في حرجٍ:
-لأ، ده احنا كنا عند "همسة" شوية، بس "كوكي" عاوزة تروح الحمام، فطالعين عندها تاني.
عاتبها عتابًا راقيًا:
-يعني تبقوا موجودين هنا، وماتعدوش علينا؟ يعني لولا زنقة البنت مكوناش نشكوفكم؟!
بررت له في تحرجٍ واضح على محياها:
-احنا مش عايزين نزعج حضرتك.
أشار لها بيده الممسكة بعكازه لتتبعه في السير وهو يكلمها بمحبةٍ:
-إزعاج إيه بس، ده اسمه كلام برضوه، ده بيتك.. تنوريه في أي وقت .. تعالي يا بنتي.
همَّت بالاعتراض عليه، فقالت بترددٍ لا يخلو من الحرج:
-بس آ..
قاطعها في إصرارٍ غير قابل للنقاش وهو يتجه صعودًا في همةٍ:
-والله أنا اللي هزعل، ده غير إن الحاجة بتسأل عليكي، وجدك "سلطان" هايفرح أوي لما يشوفك.
أمام دعوته السخية، عجزت "فيروزة" عن رفض طلبه، وقالت وهي تسرع في صعودها على الدرج:
-حاضر.
................................................
ظلت جالسة في بهو الصالة، غارقة في الصمت الخجل، حين ولجت لداخل المنزل، تاركة الصغيرة تنسل من يدها، لتتجه إلى الحمام، حتى تقضي حاجتها، بدا السكوت اختيارها الأمثل في زيارتها الاستثنائية لعائلته، خاصة في عدم حضوره، حقًا ترك غيابه القليل من الأثر الممتزج باللهفة في نفسها، أحست كم أن يومها فارغًا بدونه! يكاد يمر ببطء؛ وكأن الدقائق لا تمضي بيسر.
استغرقت "فيروزة" في تفكيرها عنه حتى انتبهت لصوت "ونيسة" المرحب بها:
-يادي النور، يادي الهنا، عروسة ابني القمر عندنا.
نهضت واقفة لتبادلها التحية الحارة، المصحوبة بالقبلات والأحضان القوية، قبل أن ترد بوجهٍ تورد بشكلٍ خفيف:
-شكرًا يا طنط على ذوقك.
ابتسمت وهي تدعوها للجلوس:
-نورتي يا بنتي، ده أنا بفرح لما بشوفك عندنا.
حمدت الله أن الأفكار المنتشرة في رأسها عن ابنها لا تُقرأ، وإلا لكُشف أمرها وأصابها الحرج الشديد، زينت ابتسامة لطيفة صفحة وجهها وهي تكرر شكرها:
-ربنا يخليكي يا طنط ...
ثم أضافت وهي ترمش بعينيها في استحياءٍ مبرر:
-أنا أسفة على الدوشة اللي حاصلة من "كوكي".
أخبرتها في عفويةٍ، وصوت ضحكتها يسبق كلامها:
-متقوليش كده، دي في معزة "سلطان" الصغير، والعيال ياما بيعملوا، وبعدين "هاجر" مصدقت تمسك فيها.
علقت في امتنانٍ:
-حقيقي هي حنينة أوي وطيبة.
برزت ابتسامة عريضة على وجه "ونيسة" وهي تؤكد لها عن ثقة بائنة كذلك في عينيها:
-ماتتخيرش عن أخوها، الاتنين مافيش أحن منهم على غيرهم.
مجرد استحضار مشاهد تعامله الحاني مع الصغيرة، وحتى معها، جعل الدفء يتسلل إليها، سرعان ما تلاشت الصور الوهمية لتصبح كالسراب، عندما انضم إليهما "بدير" قائلاً وهو يتخذ مكانه للجلوس بعد أن بدل ثياب العمل بأخرى مريحة:
-معلش يا "ونيسة" هتعبك شوية، اعمليلنا بإيدك الحلوة ليمون بالنعناع.
استقامت واقفة، واحتجت في لطفٍ أظهر إصرارها:
-ليمون إيه يا حاج؟ ده أنا هحضر السفرة، خلينا نتجمع وناكل سوا.
هنا نطقت "فيروزة" بوضوحٍ رغم تحرجها من رفضها السخيف:
-مش هينفع خالص، أنا مقولتش لماما، وكمان لازم أرجع بدري عشان خالي مايضايقش من تأخيرنا.
تفهم "بدير" أسباب رفضها المقنعة، وجدد دعوته قائلاً بوجهٍ مبتسم:
-طيب اعملي حسابك بقى كلكم معزومين عندنا، ظبطي مع الحاجة والدتك، وبلغينا بالميعاد المناسب ليكم.
أومأت برأسها معقبة:
-حاضر ربنا يسهل.
استطردت "ونيسة" تخبرها بملامحها الضاحكة البشوشة:
-إن شاءالله الزيارات ماتتقطعش بينا، والله أنا المفروض كنت أعدي واسأل عليكي، بس "تميم" مسافر، ومحلفني ما أروح إلا ورجله على رجلي.
الإتيان على ذكره عفويًا أصابها بالتلبك، وجعل نبضات قلبها تتسارع، يا لدهشتها المتعجبة! أترديد اسمه فقط ينقلها بقوة إلى تلك الحالة من اللهفة؟ أجلت صوتها، وقالت في ابتسامة صغيرة:
-ربنا معاه.
هتف "بدير" في زوجته يأمرها:
-اللمون يا "أم تميم"، ولا هنقضيها رغي؟
ضحكت قبل أن تخاطبه في ودية:
-أعدتها مايتشبعش منها، على طول يا حاج هاعمل أحلى لمون يطري على القلب ...
بدأت "ونيسة" في التحرك، ووجهت إليها كلامها:
-شوية ورجعالك يا بنتي.
هزت رأسها في تفهمٍ، واستدارت ناظرة إلى "بدير" بعد أن اختفت عن مرمى بصرها، لتصغي إليه وهو يكلمها في جديةٍ:
-أنا مشيتها عشان أقولك كلمتين على جمب كده.
تحفزت في جلستها، وقالت:
-اتفضلي يا عمي.
استخدم سبابته في الإشارة وهو يردد:
-شوفي أنا طبعي ناشف حبتين، شديد على عيالي، ماحبش العوج، ولا الدلع اللي في غير محله.
أحست في قرارة نفسها أن الأمر على قدرٍ من الخطورة، فأوجزت في تعقيبها لئلا تشتت أفكاره:
-تمام.
دق قلبها في قوةٍ، وشعرت بضجيج نبضاته يتردد في أذنيها، استعدت للقادم من حديثه، وافترش على وجهها علامات القلق حين تابع:
-فعشان كده تلاقيني مشدد على "تميم" إنه يلزم حدود الأدب معاكي لحد ما ربنا ييسر ويتقفل عليكم باب واحد.
بدأت الآن تستوعب كل ذلك الجمود في علاقة ابنه بها، كأن هناك طوْدًا فاصلاً بينهما، ارتخت تعبيراتها المشدودة بالتدريج وهو يمنحها المزيد من التوضيح:
-جايز ده يخليكي تفتكري إني محبكها شوية معاكو، بس أنا بعمل لمصلحته قبل مصلحتك، فتلاقيني موصيه يحسن الأدب معاكي، ولسانه مايفلتش بكلمة كده ولا كده، يتقي ربنا فيكي، لأن اللي مرضاش بيه لـ "هاجر" أنا مقبلش بيه عليكي.
التقدير، والشعور بالاعتزاز ازدادا عمقًا بداخلها بعد أن علمت ما غاب عن تفكيرها من تفسيرٍ ملائم لذلك الحذر في المعاملة، وما أشارت إليه أيضًا "ريم" خلال جلستها الأخيرة معها. عادت إلى رشدها بعد شرودٍ لحظي لتصغي إليه وهو يؤكد لها:
-بس مسيرك تعرفي وتشوفي غلاوتك عنده، وساعتها هتقولي عمك كان معاه حق يقرص عليه ومايسبلوش الحبل على الغارب.
المزيد من الاعترافات المتخمة بالحقائق المنقوصة جعلها تشعر بالانتشاء والسعادة، إذًا لم يكن كما كانت تظن أنه مجبرٌ على الزواج منها، بل هناك فيضٌ من المشاعر الجياشة المحجوزة وراء سدٍ من الجمود والجدية، قاومت سرحانها في التفكير فيه قدر المستطاع، وحمحمت قائلة بجديةٍ غير حقيقية:
-الصح والأصول ماتزعلش حد.
رفعت "فيروزة" وجهها الدافئ نسبيًا من الدماء المتصاعدة إليه، لتنظر ناحية الجد "سلطان" الذي أطل عليهما قائلاً في ترحابٍ يشوبه العتاب:
-يعني أبقى آخر من يعمل إن الغالية عندنا هنا؟!
رد "بدير" ناهضًا من مكانه:
-لأ يابا، احنا كنا هنقولك، دي يدوب لسه جاية ...
ثم أفسح له المجال ليجلس مكانه، وانتقل إلى الأريكة الأخرى قائلاً:
-اتفضل يابا، ارتاح هنا.
وقفت "فيروزة" احترامًا وتبجيلاً له، ثم قالت في تهذيبٍ:
-أنا جيت من شوية يا جدي.
رد "سلطان" مبتسمًا:
-نورتي يا بنتي.
ثم خاطب ابنه في غلظةٍ زائفة:
-فين المحمر والمشمر؟ إنتو عايزين تجوعوها ولا إيه؟
هنا انتفضت معترضة في تحرجٍ خجل:
-أبدًا والله، ده هما قايمين بالواجب وزيادة، بس أنا اللي مش عاوزة.
قال في نبرة موحية:
-أيوه، مش موجود اللي يفتح نفسك.
برقت عيناها في صدمة لتلميحه المفهوم، وازدردت ريقها وهي تجلس في تباطؤ في مكانها، ثرثر الجد قليلاً في بضعة مواضيعٍ متفرقة، قبل أن يخاطب ابنه بلهجة متسائلة:
-إنت مش خلصت كلام معاها يا "بدير"؟
حرك رأسه بالإيجاب عندما جاوبه:
-أيوه يابا.
استند الجد على مسندي الأريكة بقبضتيه ليدعما جسده وهو ينهض، ثم قال بعد زفرة سريعة:
-يبقى ده دوري تقعد معايا حبة، تعالي يا حبيبة الغالي.
نهض "بدير" بدروه تقديرًا لوالده، ووجه الأمر لـ "فيروزة":
-روحي يا بنتي ورا جدك.
اعترضت في ترددٍ:
-بس "كوكي" آ...
رفع "بدير" يده أمام وجهها، مقاطعًا إياها قبل أن تتم جملتها، ليطمئنها:
-متقلقيش عليها، هي مع "هاجر"، وبعدين دي ليها هنا زي ما ليكي.
تنحنحت قائلة في لطفٍ:
-ربنا يخليك يا عمي.
استأذن بالذهاب خلف الجد "سلطان"، وتباطأت خطواتها نسبيًا حين سبقها في الدخول أولاً، ليأتيها أمره بعد ذلك واضحًا:
-واربي الباب وراكي.
ولجت للداخل، وتركت فرجة صغيرة من الباب وهي تقول في طاعة:
-حاضر.
راقبته بانتباه واضح وهو يجلس في مقعده المجاور لفراشه، أشار لها لتتقدم نحوه، فامتثلت لأمره غير المنطوق، وسألته في اهتمامٍ:
-خير يا جدي؟
وجه أنظاره نحو تلك البقعة من طرف الفراش، حيث اعتاد حفيده الجلوس في مواجهته، وأمرها في حزمٍ:
-اقعدي هنا.
أومأت برأسها قائلة:
-طيب.
لم تكن "فيروزة" قد رأت الصندوق الخزفي الموضوع إلى جوارها، انتبهت إليه فقط حين أشار إليه "سلطان" بيده:
-افتحي الشتمجية دي.
انحنت قليلاً لتلتقطه بيديها، كان ثقيلاً بعض الشيء، أسندته في حجرها، وسألته في غرابةٍ:
-فيها إيه؟
قال بغموضٍ مُلح:
-افتحي بس.
لم تجادله، وأوجزت في انصياعٍ:
-حاضر.
تنفست بعمقٍ، وتحسست براحتيها حوافه البارزة، قبل أن ترفع الغطاء المطعم بالفضة للأعلى، لتنظر إلى المشغولات الذهبية التي تحتويه، تدلى فكها السفلي في دهشةٍ عظيمة، وأخذت تردد وعيناها تطوف على مقتنياته باهظة الثمن:
-ماشاءالله.
خاطبها الجد بنفس النبرة الهادئة:
-في إسورة عريضة محطوطة على الوش.
لم تكن بحاجة للبحث عنها، فقد كانت الأبرز في لفت الأنظار، امتدت يدها لتسحبها من وسط باقي الحُلي، ورفعتها إليه متسائلة:
-دي يا جدي؟
لمحة من الحزن العميق انتشرت في عيني "سلطان" وهو يؤكد لها:
-أيوه هي.
مدت يدها الممسكة بحذرٍ بالسوار العريض والمقسم إلى تضليعات مربعة ناحيته، قبل أن تقول في نبرة مهذبة:
-اتفضل يا جدي.
رفع راحته معترضًا على أخذها وهو يأمرها بنبرة لا تُرد:
-خليها معاكي.
حملقت فيه مذهولة، وسألته في ربكةٍ متوترة:
-أعمل بيها إيه؟
سحب "سلطان" نفسًا عميقًا يثبط به نوبة الحزن التي اجتاحته، ثم حرك يده ليرفعها نحو وجهه في تمهلٍ، ليمسح الدمعة النافرة من طرفه، وقال بنبرة شبه مختنقة:
-دي هدية ليكي، حافظي عليها لأنها غالية عندي.
خفق قلبها في تأثرٍ، وتطلعت إليه في غير تصديقٍ وهي تسأله:
-ليا أنا؟
باعد أنظاره الحزينة عنها، ليقول في هدوءٍ، كأنما يستحضر طيف محبوبته الغالية في فضاءات عقله:
-أنا كنت شاريها للمرحومة "فُتنة" مراتي في أول جوازنا، مقلعتهاش من إيدها، كانت بتعزها أوي، زي ما تكون حتة منها .. فضلت لبساها لحد ما راحت لدار الحق.
زاد تأثرها لاعترافه، وأحست بالقيمة المعنوية لهديته عن قيمتها المادية، انخفضت نظراتها لتتأملها في إمعانٍ، وعيناها تحتجز عبراتٍ رقراقة بداخلهما. واصل "سلطان" استرساله في شوقٍ ما زال نابضًا به:
-كان صعب أفرط فيها، وأديها للي مايعرفش قيمتها عندي، دي حتة مني، ماتطلعش غير للغالي زيها.
شعرت بدفءٍ يجتاح بشرتها جراء الدموع المنسابة على وجهها، خاصة عندما قال:
-بس دلوقتي أنا مطمن، لأنك هتحافظي عليها كويس.
لم تخفِ دمعاتها المتأثرة وهي تقول بتحيرٍ حقيقي، يسود فيه الامتنان الشديد:
-أنا مش عارفة أقولك إيه يا جدي.
منحها الجد نظرة عطوفة وهو يخبرها:
-لما بشوفك بفتكرها، فيكي حاجات كتير منها ..
لامس قلبها بكلماته العذبة عن زوجته، رأت في عينيه، كما سمعت في نبرته حبًا حقيقيًا لم تضعفه الأيام، أو ينسيه الفراق المُر. تقوس فمه عن بسمة بسيطة وهو يحادثها:
-تتهني بيها يا بنتي.
بالرغم من نبذها الشديد لمثل تلك النوعية من المغريات المخادعة، إلا أن امتلاكها لهذا السوار تحديدًا كان ذي قيمة معنوية غالية، فاقت ما دونه بكثير. وجدت "فيروزة" نفسها تضمه إلى صدرها، وتشدد من قبضتها عليه، قبل أن تهتف مؤكدة بغصةٍ عالقة في حلقها:
-دي من أغلى الحاجات اللي جاتلي، أوعدك يا جدي إني مفرطش فيها أبدًا مهما حصل.
قال، وبين شفتيه نفس البسمة اللطيفة:
-وأنا متأكد من ده.
ظلت "فيروزة" تنظر إلى السوار في تركيزٍ، كأنها ترى فيه ماضيًا ممتلئًا بالمشاعر العزيزة، أطالت النظر إليه حتى قاطع تأملها الشارد صوت الجد القائل:
-مش هعطلك، سلمي على اللي عندك كلهم.
أغلقت الصندوق، وتركته إلى جوارها على الفراش، ثم نهضت من مكانها تودعه بابتسامةٍ باهتة:
-الله يسلمك يا جدي.
................................................
وضعت "فيروزة" السوار بداخل حقيبتها بحرصٍ واضح، قبل أن تخرج من الغرفة، وتغلق الباب خلفها، انفلتت منها شهقة مباغتة وهي تستدير بغير احترازٍ لتجد "تميم" أمامها، وعلى وجهه إشراقة بددت أي ضيق استبد بها تجاهه. رمقته بنظرة غاضبة كتعبيرٍ عن اعتراضها على ظهورها المفاجئ هكذا بعد غيابٍ دام لعدة أيام. وجدته يبتسم لها في بهجةٍ لا يمكن إنكارها وهو يستطرد قائلاً:
-أنا مصدقتش لما أمي قالتلي إنك موجودة هنا.
نجحت في إخفاء توقها لرؤيته، وعاملته برسمية واضحة:
-إزيك يا معلم؟
زادت بسمته اتساعًا حتى ظهرت النغزات في صدغيه وهو يعترف لها ببطءٍ ضاغطًا على كل كلمة يتفوه بها:
-بقيت أحسن بكتــير لما شوفتك ..
لن تنكر أن السعادة تسللت أيضًا إلى قلبها المُعذب في ابتعاده، وبدأت آثار هذه الفرحة تظهر على وجهها في صورة ابتسامةٍ رقيقة، لم تقاومها، تركتها تتشكل مع نظراته الهائمة إليها، لتجد الكثير من التوق يطفر من عينيه وهو يبادلها النظرات. قطعت التواصل البصري بينهما لتسير في الردهة، وهو من خلفها يسألها:
-هو إنتي كنتي عند جدي؟
أجابت دون أن تنظر إليه، مستشعرة تدافع دقات قلبها، كأنما ترقص في ابتهاجٍ لحضوره:
-أيوه.
هتف يسألها في توجس مرح:
-أوعي تكوني بتشتكيني عنده؟ ده مكانش كيس زبالة اتحدف بالغلط علينا، وربنا ما أنا اللي رميته!
لم تكبت ضحكتها القصيرة الغادرة تعقيبًا على كلامه، وردت في غموضٍ:
-لأ متقلقش.
تنفس عاليًا في ارتياحٍ، وخاطبها بنفس الأسلوب الودي:
-كده أنا أطمن.
تحولت أنظارهما نحو الجانب حين نادى "بدير" بصوته الصارم:
-يا "تميم"!
غمغم في خفوتٍ وهو يشير بإصبعه:
-أبويا.
هزت رأسها في تفهمٍ وهي تكتم ضحكة متسلية لرؤيته يتصرف بتأدبٍ زائدٍ عن الحد، كأنما يخشى العقاب الشديد إن تم لمحه يسيء التصرف، بالكاد نطقت في ثباتٍ وهي تشاور بيدها نحو الأمام:
-اتفضل روحله.
ضم "تميم" إصبعيه معًا وهو يرفعهما نصب عينيها، ثم أخبرها هامسًا:
-ثواني وراجعلك..
ليهرول مبتعدًا عنها وهو يرفع من نبرته هاتفًا:
-أيوه يابا.
شيعته بنظراتها إلى أن اتجه إلى والده الواقف عند أعتاب غرفة نومه، سمعته يخاطبه بلهجته الآمرة موصيًا إياه:
-تنزل توصل خطيبتك للبيت، ماتسيبهاش تمشي لواحدها.
اعترضت "فيروزة" من مكانها:
-مالوش لزوم يا عمي، مافيش داعي أتعب حد معايا.
وجه "بدير" نظراته إليها، وقال في نبرة لا تُخير:
-لا ما يصحش.
استدار "تميم" برأسه هو الآخر ناحية "فيروزة"، ورمقها بتلك النظرة الساهمة المصحوبة بابتسامة بلهاء، ما لبث أن تبددت وتحولت قسماته للوجوم عندما لكزه والده في كتفه يحذره في صوتٍ حازم:
-ومتتأخرش، مفهوم!
تنحنح في خفوتٍ قبل أن يبدى طاعته له:
-حاضر يا حاج، مسافة الطريق.
كانت البدايات بينهما جافة، خالية من أدنى مشاعر الألفة، والقبول، أما في تلك اللحظات، فهناك نوع من الاهتمام المطعم باللهفة والشوق، خاصة من جانبها، وذاك ما كانت تصبو إليه بغير ممانعة!
.......................................
جمعت كل القوة المتبقية بداخلها بعد مجهود اليوم الشاق، لتبدو جامدة، صلبة، غير متأثرة بوجوده؛ لكن على ما يبدو خانتها قواها، وتأزرت مع حواسها لتظهر مدى سرورها بعودته، وكانت عيناها أول من فضحها، لهذا قاومت النظر إليه طوال سيرهما معًا، أثناء حمله للصغيرة "رقية" التي استرخت ونامت على كتفه. بعد لحظات متكررة من التردد تكلمت "فيروزة" أخيرًا، فيما يشبه المعاتبة:
-على فكرة أنا مش معايا رقمك.
رد مبررًا، ونظرة شوق تطل من عينيه إليها:
-أنا ملحقتش أديهولك، اتلخمنا في كام حاجة، بس ملحوئة ...
توقف عن السير، وطلب منها في نبرة مهذبة:
-ممكن الموبايل؟
توقفت هي الأخرى، ولم تتلكأ وهي تعطي له خاصتها، لتقول بابتسامةٍ صغيرة، كأنما كانت تتحين الفرصة لهذا:
-اتفضل.
التقطه من راحتها، وأخذ يعبث به موضحًا ما يفعل:
-أنا بتصل عليا عشان أسجلك عندي، ولو عوزتيني في أي وقت كلميني.
عزوفه عن محاولة التودد إليها أصابها بالغيظ، لهذا وجدت نفسها تسأله فيما يشبه التحفز:
-ليه هو إنت مش هتكلمني؟
آه لو تعلم أنه يضع كل العراقيل ليحجم من مشاعره الثائرة المُطالبة بكل ذرة فيها، بان في عينيه كل الشغف وهو يكلمها بغير صوتٍ كابتًا اعترافه:
-إن كان عليا عاوز أكلمك ليل نهار، مفارقيكش لثانية واحدة.
طال صمته الهائم، فتدارك نفسه ليقول في تريثٍ:
-لو حابة أعمل كده فهتلاقيني بكلمك من وقت للتاني اطمن عليكي.
شعرت بالفتور في رده، فقالت بعبوسٍ بعد أن استعادت هاتفها منه:
-عادي، براحتك.
واصلت السير مجددًا، فسمعته يقول وهو يلحق خطواتها:
-"كوكي" نامت من التعب.
لم تنظر إليه عندما علقت على جملته:
-أه بتلعب طول اليوم بقى.
نظرة متفرسة لوجهها جعلته يدرك مدى انزعاجها من ردوده الجافة؛ لكن ما باليد حيلة، أطلق زفيرًا سريعًا، ثم سألها في هدوءٍ:
-مش ناوية تشوفي الشقة؟
نظرت إليه متسائلة في غرابةٍ طفيفة:
-أنهو شقة؟
أجابها بنزقٍ:
-اللي هنسكن فيها فيما بعد ...
ضمت ما بين حاجبيها في استنكار، فعدَّل من جملته موضحًا بحذرٍ:
-يعني عشان لو معجبتكيش أدور على حاجة تانية مناسبة، عقبال ما ربنا ييسر ونكتب الكتاب حتى لو بعد سنة.
مطت فمها قليلاً، كأنما تفكر فيما ستخبره به، لتقول:
-لما أروح مع "همسة" شقتها هابقى أعرفك.
هز رأسه قائلاً في تفهمٍ:
-ماشي.
ضميره اليقظ يمنعه من التجاوز معها في أي تصرفٍ، كان "تميم" يسير إلى جوارها، حاملاً الصغيرة النائمة على كتفه؛ لكنه غير ملتصقٍ بها، لا تتشابك الأيدي، ولا تتعانق الأذرع، أوجد مسافة نصف متر بينهما؛ ومع هذ ثار القلب الجائع لحبٍ لطالما رجا التمتع به، فحرك كيانه، واستحث لسانه، لينطق معترفًا بلا احترازٍ:
-وحشتيني ............................................ !!
.......................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الرابع الفصل الأربعون 40 - بقلم Manal Salem
عودة للنشر من جديد بعد انقضاء الأسبوع المرهق ..
في انتظار تفاعلكم الطيب
الفصل المائة وثلاثة وخمسون
كأول شعاعٍ لفجر يومٍ جديد، بزغ النور بداخلها، وأخذ قلبها يقصف في ربكةٍ لذيذة، بعد ذلك الاعتراف غير المتوقع باشتياقه المتلهف لها. على عكس المعتاد منها، لم تهاجمه "فيروزة"، أو تمنحه تعابيرًا غاضبة لتصرفه الأهوج، بل حادت بنظراتها الفرحة بعيدًا عن وجهه، لئلا ينظر إليها ويكتشف مدى السرور الذي حل عليها، جراء تأثير كلمة واحدة صادقة، ونابعة من الفؤاد.
حدث ما حدث، ونطق القلب قبل اللسان، لم يكن نادمًا، ولم يبدُ مستاءً من رعونته، فمن وجهة نظره كانت تستحق أن تشعر بمدى رغبته في التودد إليها، والبقاء بقربها قدر استطاعته، حمحم "تميم" قائلاً بما يشبه الاعتذار، بعد أن لاحظ صمتها الحذر:
-أنا مش عايزك تضايقي مني، بس ده إحساسي فعلاً ناحيتك.
لم يعلم بأنه يزيد الطين بلة بتحرير اعترافٍ آخرٍ له، فـ "فيروزة" كانت في حالة صراعٍ ما بين المشاعر المرحبة بهذا الشوق، والمشاعر المرتعبة من الانسياق ورائها، ومع هذا لم تقاوم لذة هذا الإحساس المغري، وتركت خدر كلماته يتسرب إلى داخلها، فالقليل من الكلام العذب قد يفعل الكثير في الوجدان.
سكوتها المريب منحه إشارة تحذير ضمنية، ليكف عن الإسهاب في التعبير عن مكنونات صدره، عَمِد إلى تغيير الموضوع، وسألها في اهتمامٍ:
-أخبار الشغل معاكي إيه؟
أجابت مختصرة بعد أن أجلت صوتها:
-الحمدلله.
تقوست شفتاه عن بسمة لطيفة، وهو يعقب:
-ربنا يزيدك، ويبقى من أنجح المحلات في المنطقة.
للغرابة اندهشت من تشجيعه لاستمرارها في العمل، ولم يمنع ذلك فضولها من التجرأ ومخاطبته:
-ممكن سؤال؟
بدا متشوقًا لتبادل الحديث معها، فقال بلهفةٍ ظاهرة في صوته:
-اتفضلي.
ضغطت على شفتيها للحظةٍ قبل أن تسأله مباشرة، وهي تدير رأسها لتنظر إليه ملء عينيها:
-هو إنت مش مضايق إني بشتغل؟
أمسك بها وهي تنظر إليه بنظرة المحقق المشككة في نواياه، فتابعت توضيحها بمنطقيةٍ:
-يعني واحد زيك قادر يصرف على بيت واتنين وعشرة، إيه اللي يخليك توافق إني أكمل في شغلي، ده في حالة لو جوازنا كمل.
أتاها رده بسيطًا، ومصحوبًا ببسمة عذبة:
-طالما الشغل في الحلال، ومخليكي مبسوطة، إيه اللي يزعلني؟
رغم وضوح كلماته، إلا أن الظنون ظلت تساورها، لذا لاحقته بجملةٍ أخرى تحوي القليل من الشك:
-بس إنت مكونتش كده مع مراتك.
غامت ملامحه نسبيًا للتطرق إلى ذكر علاقته بـ "خلود"، تنفس بعمقٍ، وأخبرها بتريثٍ:
-هي مكانتش بتشتغل أصلاً، ولا كان في دماغها أي طموح غير إنها تتجوزني.
علقت "فيروزة" ساخرة بتهكمٍ غطى كافة قسماتها:
-قصة حب طبعًا.
صحح نافيًا على الفور:
-لأ.
استغربت من حمئته رغم اقتضاب رده، ورمقته بتلك النظرة المتعجبة، فما كان منه إلا أن أضاف في نوعٍ من الهروب:
-وبعدين لازمتها إيه نجيب في سيرتها دلوقتي، هي في مكان أحسن دلوقتي، الأفضل ندعيلها بالرحمة هي وجميع موتانا.
همهمت في خفوتٍ:
-ربنا يرحمها.
ســاد الصمت بينهما للحظةٍ قبل أن تبادر "فيروزة" بمقاطعته في غير احترازٍ:
-كنت بتحبها؟
كأنما ندمت على تسرعها في هذا السؤال، فلم تملك الشجاعة الكافية للنظر إليه، فحدقت أمامها، وصوته يخترق أذنها:
-يهمك تعرفي؟
حافظت على جمود ملامحها وهي تخبره، دون أن تنظر أيضًا في اتجاهه:
-لو مش عاوز تقول براحتك، عادي مش هتفرق.
رنة الضيق الظاهرة في صوتها أوحت له بأنها ربما قد تشعر بالقليل من الغيرة، لانتقال الحديث عن أنثى غيرها، كغريزة تلقائية موجودة بداخل المرأة، وإن لم تعلم بأنها كانت منافسة لها في الاستحواذ على قلبه! حاول تبرير ارتباطه العائلي بها، فاستطرد موضحًا:
-الحكاية إن آ...
قاطعته قبل أن تعلم شيئًا بصياحها المنزعج، وهي تشير بيدها نحو الأمام:
-هو ده عسكري اللي رايح ناحية بيتنا؟
تحولت أنظاره نحو مدخل البيت، والرصيف المحاوط به، ثم تساءل في تدقيقٍ:
-اللي هناك ده؟
أسرعت في خطاها وهي ترد:
-أيوه، ربنا يستر.
لحق بها "تميم" حاملاً الصغيرة النائمة، لتنطق "فيروزة" متسائلة في توترٍ قلق:
-خير يا شاويش؟
رمقها الفرد الأمني بنظرة فاحصة قبل أن يسألها في لهجةٍ تشوبها الرسمية البحتة:
-ده بيت "خليل العربي"؟
دق قلبها في خوفٍ، وتجاوزت عن رهبتها العفوية لتتساءل في لهفةٍ:
-أيوه، ده خالي، في حاجة؟
طالعها الفرد الأمني بنفس النظرات الثاقبة قبل أن تتحرك رأسه نحو الجانب ليصغي إلى من معها وهو يسأله:
-إنت عايزه في إيه يا شاويش؟
أجابه في تزمتٍ:
-مش أنا اللي عايزه، ده جايله استدعاء من البيه المأمور، ولازمًا يجي معايا يشوف جنابه.
أحست "فيروزة" بالدماء تفر من عروقها، وهتفت مدافعة عنه في توجسٍ مرتاع:
-استدعاء؟ ليه؟ هو معملش حاجة.
بنفس الجمود غير المبالي قال:
-أنا معنديش أي خبر، هو ساكن في الدور الكام؟
رد عليه "تميم" في هدوءٍ:
-موجود هنا، بس احنا محتاجين نفهم السبب، و آ....
قاطعه الفرد الأمني في غلظةٍ:
-ما قولت أنا معنديش خبر، وفي القسم هتعرفوا ...
كانت "فيروزة" على وشك الكلام؛ لكنه سبقها في القول الآمر:
-حاسبوا من طريقي خليني أطلعله.
تجاوزها ليمر، فاشتاطت غيظًا من فظاظته، ولحقت به قائلة بنبرةٍ عازمة:
-أنا رايحة معاه، مش هاسيب خالي يتبهدل في الحالة دي من غير ما أكون معاه.
تبعها "تميم" هاتفًا في إصرار:
-ومين قال إني هاسيبك إنتي أو هو لوحدكم؟ رجلي قبل رجلكم!
توقفت عن صعود الدرج لترمقه بهذه النظرة الغريبة المليئة بشيءٍ من الامتنان، ليواصل بعدها باقي حديثه:
-خلينا نطلع البت الصغيرة فوق، ونطمن، وأنا كمان هكلم المحامي يحصلنا على هناك.
لوهلةٍ شعرت بالارتياح لوجوده إلى جوارها، كانت بحاجة إلى ذلك السند غير المشروط، لهذا الدعم الكبير، وإن كان في أبسط الأمور.
......................................................
وقفت ساهمة في الرواق الطويل لقسم الشرطة، نظراتها إلى حدٍ كبير شاردة، وصورٌ متفرقة تتجمع في ذهنها لما خاضته من تجارب غير طيبة في ردهات هذا المكان الباعث على الاكتئاب، قاومت الذكريات السيئة قدر استطاعتها، وراحت تفكر بغير هدى في أسباب استدعاء خالها القعيد للمثول أمام المأمور في هذا التوقيت المتأخر. دنا منها "تميم" إلى أن وقف إلى جوارها، لم تشعر بقربه إلى أن مال برأسه عليها ليطلب منها:
-ارتاحي يا أبلة، مش هتفضلي واقفة كده حيرانة ...
رمقته بنظرة قلقة، وهو ما زال يتابع الكلام:
-المحامي على وصول وهيفهمنا في إيه.
لن تنكر أن تواجده معها عزز من شعور الأمان بداخلها، تنهدت مليًا، وقالت في تبرمٍ:
-خالي من ساعة اللي جراله وهو ماشي جمب الحيط، مالوش دعوة بحاجة.
مرر "تميم" يده بين شعره القصير، ثم علق في هدوءٍ:
-أنا متوقع إنه يكون في سوء تفاهم.
احتدت نبرتها رغم خفوتها وهي تحتج عليه بغضبٍ بدأ في التجمع في عينيها:
-سوء تفاهم إزاي وهما باعتين استدعاء ليه؟ ومش من أي حد، ده المأمور!
كانت محقة في خوفها البديهي، ومع هذا امتص غضبها الوشيك بتأكيده:
-استبشري خير، وأنا موجود معاكي.
نظراته المطمئنة نفذت إليها لتبعث في روحها قدرًا من السكينة، لم تشعر بنفسها وهي تبتسم له ابتسامة مهتزة؛ لكنها عبرت عن امتنانها الخفي لوجوده.
..........................................
في حركة رتيبة متكررة، نقر المأمور بأصابعه على سطح مكتبه، وهو يرمق الجالس على كرسيه المدولب بنظراتٍ طويلة متفرسة، قبل أن يعطي نظرة آمرة للفرد الأمني بغلق الباب بعد إحضاره عصير الليمون. ضم المأمور يديه معًا، واستطرد مخاطبًا "خليل" في لهجةٍ هادئة:
-احنا وصلنا إشارة من سجن النسا، مكتوب فيها إن مراتك طالبة تشوفك قبل ما يتنفذ فيها حكم الإعدام.
اتسعت عيناه ذهولاً، وهتف متمتمًا باسمها رغم ازدياد اللعثمة في نبرته:
-"حـ..مـ..دية".
أومأ برأسه مضيفًا كنوعٍ من الإيضاح:
-أيوه، في النوع ده من الطلبات، بنحاول نلبيها لنزلاء السجن، خصوصًا إنها مش آ..
قبل أن يتم جملته قاطعه برفضٍ صريح، وقد تضاعف النهجان في صدره:
-أنا مـ..ش عايـ..ز أشوفها.. دي مجــ..رمة.
لاحظ المأمور انفعاله، فسعى إلى تهدئته قائلاً:
-هو مافيش إجبار يا أستاذ "خليل"، بس جايز يكون عندها حاجة مهمة حابة تقولهالك، وماظنش إن في فرصة تانية هاتكون متاحة ليها عشان تسمعها.
لو كان قادرًا على الحركة بشكلٍ طبيعي، لأطاح بكوب العصير الموضوع أمامه؛ لكنه مقيد بعجزه! تمسك "خليل" برفضه، وقال بتشنجٍ:
-دي .. تستـ..حــ..ق المـ..وت.
نهض المأمور من مقعده، ودفعه برفقٍ للخلف، ثم دار حول مكتبه حتى أصبح في مواجهته، وأخذ يكلمه في تريثٍ:
-عمومًا ده اختيارك، أنا بس عاوزك تعيد تفكير في الموضوع ...
ثم مد يده ليسحب ورقة ما موضوعة على سطح مكتبه ليناوله إياها وهو يخبره:
-ده تصريح الزيارة، تقدر تروح في الميعاد المكتوب عندك، لو حبيت!
انتبه الاثنان لصوت طرقات خافتة على باب الحجرة، فتحرك المأمور عائدًا إلى مكانه، وصاح في لهجته الحازمة:
-اتفضل.
ولج إلى الداخل أحد أفراد الأمن، أدى التحية العسكرية أولاً، ليقول بعدها في رسميةٍ:
-في محامي موجود برا جاي مع الأستاذ.
أشار له بالانصراف آمرًا:
-قوله مافيش داعي، الموضوع مش مستاهل.
طرق الفرد الأمني بقدمه على الأرضية في طاعة وهو يردد:
-تمام يا فندم.
..........................................
ألقت نظرة عابرة على شاشة هاتفها المحمول، والذي لم يتوقف عن الرنين، لتضغط على زر إنهاء الاتصال بدلاً من الإجابة عنه، ثم تطلعت إلى "تميم" بوجومٍ، قبل أن تبدد فضوله الظاهر على محياه بإخباره:
-دي ماما، أكيد هتجنن على خالي، وعايزة تعرف حاجة عنه.
تفهم سبب عزوفها عن الرد، وأردف قائلاً في صوتٍ هادئ:
-إن شاءالله نطمنها.
عاد المحامي الذي جاء قبل قليل إليهما، وعلى وجهه تعبير غامض، تحركت "فيروزة" صوبه، وسألته في عجالةٍ:
-خير يا أستاذ؟
أجابها في صوتٍ رزين وهو يوزع نظراته بينها وبين "تميم" بالتساوي:
-المأمور رفض دخولي، وبيقول إنه الموضوع بسيط ومش مستاهل وجود أي محامي.
هنا نطق "تميم" بما بدا وكأنه تهليل:
-سمعتي بنفسك، إن شاء الله يطلع من جوا، ونعرف السبب.
تساءلت في حيرةٍ، وعيناها تتجهان نحو "تميم"، كأنما تستجدي العون منه:
-بس ليه عاوزه؟
طمأنها بابتسامته العذبة، فقال:
-دلوقتي هنعرف.
.........................................................
تبدد الغموض، وأصبح السبب معلومًا للجميع، ورغم ذلك لم يسعَ أي طرف لنقاش هذه المسألة الحرجة دون رغبة حقيقية من صاحب الشأن في الحديث عنها، فوحده هو من يملك الحق في الاختيار وإقرار ما يريد فعله. أوقف "تميم" سيارته بمحاذاة الرصيف الملاصق للبناية، ثم ترجل منها ليساعد "خليل" على استخدام مقعده حتى أوصله إلى الداخل، حينئذ أصر الأخير على الصعود بمفرده مستندًا على عكازيه المتروكين في غرفة المخزن، لم يعارضه، وقدم له يد العون حتى اجتاز نصف المسافة، ومن ورائهما كانت تصعد "فيروزة" في تباطؤ مهموم.
بعد بضعة دقائق، كان "خليل" متواجدًا بالداخل مع شقيقته التي أسرعت إليه لتستعلم منه عن الأمر، بينما انتظرت "فيروزة" على مقربة من باب المنزل، لتقوم بتوديع "تميم" بعد التهاء من بالبيت عنه؛ لكن الأخير كان مشغولاً بالرد على الهاتف، سمعته يتكلم في صوتٍ خافت نسبيًا:
-تمام يا حاج، مسافة السكة.
لم يكن ناظرًا ناحيتها، جم تركيزه منصبًا على الهاتف، أنهى المكالمة والتفت خلفه ليجدها تستند على إطار الباب بظهرها، وترمقه بنظرة حانية، أنعشت الشوق بداخله، وجعلت الابتسامة تشرق على وجهه، كأنما بددت بصفائها أثقال اليوم الطويل. أطال النظر إليها، وهو يبتسم في سرورٍ من المُحال إنكاره، أصغى إليها حين نطقت في اعتذارٍ لطيف:
-سهرناك معانا.
قال في تلهفٍ دون أن تخبت بسمته:
-متقوليش كده، أنا في الخدمة، وبعدين احنا بقينا عيلة.
هربت من نظراته المليئة بما تخشى السقوط فيه طواعية، وبإرادة كاملة منها، لتقول وهي تشير بيدها:
-أنا هدخل أشوف ماما.
تنحنح معقبًا عليها بعفويةٍ ظاهرة، وبنفس التعابير المبتسمة:
-طمنيها، وأنا هكلمك أطمن عليكي، قصدي عليها.
طرافته التي تطفو بين الحين والآخر في حوارهما كانت قادرة على جعلها تبتسم، رمشت بعينيها قائلة:
-إن شاءالله.
تحركت خطوة للداخل لتسحب الباب بيدها، وهو يودعها بتنهيدة حارة:
-تصبحي على خير.
منحته ابتسامة رقيقة عندما ردت:
-وإنت من أهله.
ظل يتراجع بظهره على البسَّطةِ حتى كاد أن يتعثر في خطواته وهو يهبط على الدرج، ليبدو كالأخرق أمامها، استعاد اتزانه، وتمسك بالدرابزين متسائلاً في مرحٍ:
-إنتو عملتوا السلمة دي إمتى؟
وضعت يدها أمام فمها لتكتم ضحكتها، قبل أن تخبره:
-هي موجودة من زمان على فكرة.
حمحم معقبًا بجديةٍ مصطنعة:
-يبقى أنا اللي مش مركز.
هبط درجة أخرى على السلم، وقال بنظرة متيمة، وهو يلوح بيده في الهواء:
-سلام يا أبلة.
حركت رأسها بإيماءة خفيفة وهي تبادله الوداع:
-مع السلامة يا معلم.
لم يبعد عينيه عنها وهو يكمل هبوطه، إلى أن اختفت من مرمى بصره، ورغم هذا لم تغادر "فيروزة" موقعها، ظلت باقية ترهف السمع إلى دندنة لم تكن بالغريبة على أذنيها، حتى خبا الصوت، وانصرف من المكان، عندئذ تحركت عائدة إلى الداخل، مغلقة الباب خلفها، وصوت دقات قلبها يعلو بشكلٍ متواتر.
...............................................
بخطواتٍ حثيثة، أخذت تمر بين الغرفة والأخرى لتتأكد من إطفاء الإنارة، وغلق النوافذ، وجمع المتسخ من الثياب، قبل أن تخلد للنوم. توقفت عند غرفة ابنتها، فوجدت أشيائها مبعثرة في أكثر من مكانٍ بالحجرة، لهذا تحركت "آمنة" للملمتها، وإعادة ترتيبها على تعجلٍ .. أثناء قيامها بوضع حقيبة "فيروزة" على التسريحة، عَلِق ذراعها بمقبض الباب، فجذبتها بشدةٍ، لينفتح سحابها نصف المغلق على الأخير، وتناثر بعض ما بها على الأرضية، غمغمت في إرهاقٍ:
-يادي الغلب.
انحنت لتجمع متعلقاتها بعد تحرير الذراع العالق، ووضعتها بالداخل، ثم تحركت في اتجاه التسريحة؛ لكن انعكس الوهج اللامع للسوار الذهبي في عينيها، لذا بتلقائية تأملت ما يلمع بفضولٍ، ويدها قد سبقتها لتلتقطه.
رفعت "آمنة" السوار نصب عينيها المفتوحتين على اتساعهما، وتطلعت إليه في انبهارٍ شديد، ظلت تنظر إليه وهي تتساءل في تحيرٍ:
-جابتها منين دي؟
تعقدت ملامحها في دهشة لا تخلو من التعجب، لم تدع الحيرة تأكل رأسها، فتركت الحقيبة في مكانها على التسريحة، وخرجت من الغرفة تبحث عن ابنتها لتسألها عنها.
....................................................
استحوذت عليها رغبة غريبة، حثتها على الوقوف في الشرفة، وتأمل البقعة التي كان واقفًا عندها، كأنما تستحضر وجوده مرة أخرى، استراحت بمرفقيها على حافة السور، وتطلعت إلى الفراغ بنظراتٍ ساهمة، هائمة، وصوت تنهيداتها يكاد يكون مسموعًا وسط الصمت المحيط بها، ضحكت في نعومة وهي تستعيد مشهد تعرقل "تميم" على الدرج، وزادت ابتسامتها نضارة مع محاولتها تذكر الكلمات التي ظل يرددها لها.
انتفضت "فيروزة" في وقفتها المسترخية عندما سمعت نداء والدتها المتكرر، ثم استدارت عائدة للداخل وهي تتساءل:
-في إيه يا ماما؟
رفعت "آمنة" السوار في مستوى نظرها متسائلة:
-إيه دي يا "فيروزة"؟
جزعت الأخيرة لرؤية السوار بين أصابعها، وأقبلت عليها تختطفه في ضيقٍ وحنق شديدين، قبل أن تبادلها السؤال بآخر:
-إنتي شوفتيها فين؟
على ما يبدو لم تسمع ما قالته، واستمرت في سؤالها التحقيقي:
-ردي عليا، جبتيها منين؟
أطبقت "فيروزة" راحتها على السوار، كأنما ترفض التفريط به، وأخبرتها في إيجازٍ، دون أن يخف الكدر الظاهر عليها:
-دي هدية.
زوت ما بين حاجبيها مرددة في استغرابٍ:
-هدية!
أكدت عليها بلهجةٍ غير متساهلة:
-أيوه، وهدية غالية كمان.
ومضت عينا "آمنة" في إعجابٍ، ثم هتفت معلقة في مكرٍ:
-ما هو باين عليها، شكلك سمعتي كلامي.
توقعها غير الصحيح بتبديل مبادئها بين ليلة وضحاها تحت تأثير إغراء المال أصابعها بالانزعاج والإحباط، حاولت الإيضاح لها فقالت:
-الحكاية مش كده، آ....
قاطعتها في غير اهتمامٍ:
-أنا يهمني إنك تسمعي كلامي، وصدقيني مافيش حد هيخاف عليكي أدي.
غمغمت في قنوط ساخر:
-فعلاً.
ربتت "آمنة" على ذراع ابنتها، وشجعتها:
-إنتي بس ركزي في مستقبلك، وإزاي تأمنيه.
لم تطق سماع مثل تلك الكلمات السقيمة، وتحركت مبتعدة عنها لتقول بعبوسٍ:
-تصبحي على خير يا ماما، أنا تعبانة.
كانت والدتها غير منتبهة للتجهم الكبير الذي اكتسى به وجه ابنتها، وظنت أنها مرهقة من مشقة اليوم، فراحت تقول في بساطة:
-وإنتي من أهل الخير يا حبيبتي.
فرت "فيروزة" من الجو الخانق المفعم بالطمع وما يخالف ما تتمسك به، لتنزوي بغرفتها وهي تضم السوار القابضة عليه في راحتها إلى صدرها، ألقت بجسدها على الفراش، وأخذت تكرر على مسامعها:
-مافيش حاجة هتغيرك.
..................................................
فقط لو لم تتكلم والدتها بالسخافات الأخيرة لمضى يومها على خير، واحتفظت بذكرى متكاملة الأركان عن لقائها غير المرتب معه. تمددت "فيروزة" على جانبها، محاولة إجبار عقلها على استدعاء النوم؛ لكنه عاندها ولم يأتِ بسهولة، بقيت في حالة يقظة حتى وقت متأخر، وتأملت السوار الذي ارتدته في معصمها بنظرات مطولة؛ كأنما تبحث عن مفتاح الحب بين ذراته الثمينة، رفضت وضعه مع بقية المشغولات الذهبية، وفضلت إبقائه ملاصقًا لجلدها.
استراحت على ظهرها، وحدقت في السقف المعتم، زاره طيفه الذي بات عزيزًا، فالتوت شفتاها ببسمة بهية، لوهلةٍ دار بخلدها النظر إلى رقمه بهاتفها، فمدت ذراعها لتسحبه من على الكومود، حدقت في أرقامه بنظراتٍ جمعت بين الضيق واليأس، قبل أن تتساءل في تبرمٍ:
-هو ماتصلش ليه؟ مش كان قايل هيطمن عليا؟
نفخت في سأمٍ، وفتشت عما تلهي به عقلها، فانتقلت إلى مواقع التواصل الاجتماعي تقرأ بعض ما نُشر عبرها، ولكونها قد احتفظت برقمه في سجلات هاتفها المحمول، ظهر حسابه الشخصي أمامها. قفزت في رقدتها المسترخية، واعتدلت جالسة لتنظر إلى صورته بقلبٍ يخفق بقوةٍ، ارتعشت يداها لرؤيته يبتسم؛ كأنما يقصدها بابتسامته، وبدأ السؤال التالي يراودها، رغم أنها لم تنطق به سوى في طيات رأسها:
-أبعتله طلب صداقة ولا لأ؟
حكت مقدمة جبينها، وترددت لحظيًا قبل أن تحسم أمرها، وتضغط على زر الإضافة وهي تخبر نفسها:
-ما أنا خطيبته، إيه الغريب في كده.
................................................
على الجانب الآخر، وخلال انتظاره لآذان صلاة الفجر، وصل إلى أذنيه رنة إشعارٍ ما، تحرك "تميم" بثقلٍ نحو هاتفه الموضوع على التسريحة ليتفقده، وإذ بدقات فؤاده تنتفض وتصرخ في ابتهاجٍ حين رأى طلب الصداقة، دون إعادة تفكيرٍ ضغط على زر القبول وهو يدور حول نفسه في سعادةٍ مضاعفة مرددًا لنفسه:
-وربنا ما مصدق ...
تحرك في حماسٍ في أرجاء الغرفة متسائلاً كمراهقٍ عاجز عن التفكير:
-طب أعمل إيه دلوقتي؟ أكلمها، ولا آ...
وضع يده أعلى رأسه، وراح يقول:
-ما هو برضوه مايصحش، هتبقى قلة ذوق مني.
عصر عقله اعتصارًا ليفكر في شيء ما يرحب عن طريقه بها بشكلٍ لطيف ومبهج، وأيضًا دون أن يتجاوز في تصرفاته معها .. وجد يده تنتقل لا شعوريًا نحو الرسائل، ليبعث لها برمزٍ كان واثقًا أنه سيجعلها تبتسم، ولسان حاله ينطق عاليًا، بابتسامة عريضة أظهرت نغزاته الساحرة:
-ما هو التفاح للتفــــاح .............................................. !!!
...............................................................