الفصل 92 | من 97 فصل

ذنوب على طاولة الغفران الفصل الثاني وتسعون 92 - بقلم نورهان العشري

المشاهدات
23
كلمة
8,453
PDF
تحميل الفصل
التقدم في الرواية 95%
حجم الخط: 18

بسم الله الرحمن الرحيم
قبل القراية متنسوش فوت و كومنت و فولو ليا و سيبولي كومنتات على الفقرات اللي حبتوها♥️

السبيل الثامن و العشرون ج١❤️‍🔥

أنا أُحِبُّك... حين ينطلق سهم هذه الكلمة، لا تعود مجرد أحرفٍ واهية ينطقها اللسان كشيئٍ عابرٍ، بل هي إعلانٌ صريح لحفنة من الوعود الأبدية، ونهرٌ متدفق من المعان التي لا حصر لها.
​مثلًا أنا أحبك تعني: أنا هنا لأجلك، كظلك الذي لا يفارقك أبدًا، وحارسًا لخطوتك حتى إذا ما تعثرت يومًا، وجدتَ كفوفي تسبق الأرض لتمنع سقوطك. وحين يثقل العالم كاهلك، سأكون أنا الكتف الذي لا يميل، حتى لو استندتَ عليه لألف عام.
​الحب ليس مجرد نزهة أو محطة يقف عندها الإنسان ليلتقط أنفاسه. بل هو المعجزة التي تسرق الأنفاس ثم تُعيد ترتيب فوضاها، هو المعركة الوحيدة التي تستحق أن نُشهر لأجلها السيوف، ونرفع لواءات الحرب؛ ومن لا يقاتل حتى الرمق الأخير لينال شرف هذا الحب، يستحق الحرمان من نعيمه طوال الدهر، وأن يُنفى خارج حدود جنّته.
​فما هي الحياة في غياب من نُحِب سوى صحراء قاسية المناخ، باردة الطقس. تشبه بلادًا موحشة غادرها سكانها تاركين خلفهم صمتًا مميتًا؛ حتى وإن كانت تلك البلاد آمنة، فإنها تبقى خاويةً بلا حياة. أما في وجود الحب، فالجحيم ذاته ينقلب نعيمًا أبديًا حتى وإن امتلاء بالحروب، و اشتدت في ساحاته المعارك و سُفِكت لأجله الدماء، و لو كانت الدروب محفوفة بالمخاطر والأشواك فالموت وأنا أُمسِك بيدك هو الخلود الذي لا يجرؤ الموت على المساس به...

نورهان العشري ✍🏻

🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁

أصوات شجار و جلبة في الخارج جذبوا انتباه غنى التي بصعوبة تحاملت على نفسها لتقوم من مخدعها و تتوجه إلى الخارج لمعرفة ماذا يحدث، و إذا بها تشهق بعُنف حين رأت ذلك الشجار العنيف بين عنايات و صابرين التي كانت تصرخ بملء صوتها:

ـ ابعدي عن بنتي يا بنت ال... عايزة منها أيه؟

عنايات وهي تحاول التغلب على صابرين حتى تنال من غنى:

ـ بنتك دي أنا هاخد روحها و أخليها تحصل رأفت. ابني اللي حسرتوني عليه..

اندفعت غنى تحاول دفع عنايات عن والدتها وهي تصرخ بعُنف:

ـ ابعدي عن أمي يا مجنونة أنتِ.

التمعت عيني عنايات بالشر وهي ترى ضالتها المتمثلة في غنى لتهتف بوعيد:

ـ اهي السنيورة ظهرت أهي.

أنهت جملتها تزامنًا مع إخراجها لسكينًا كبيرًا كان مُخبىء أسفل عباءتها لتشهق غنى بذُعر وهي ترى نصل السكين الذي يلتمع بوعيد شابه ما تفوهت به عنايات في هذه اللحظة:

ـ قولتلك قبل كدا اني مستعدة أهد الدنيا عشان ابني، و أنتِ مصدقتنيش. روحتي بعتي الكلبة اللي اسمها هيام عشان تضحك عليا و تفهمني أنها بتكرهك، و أنها عايزة تثبت انك كذابة و زقت عليا وعلى ابني بت بنت ستين كلب اتسببت هي و أهلها في موته. ابني مات. رأفت مات بسببكوا.


كانت غنى تتراجع إلى الخلف بخطوات متعثرة، ينهش الذعر أوصالها أمام عيني تلك المرأة التي تخلت عنها إنسانيتها وغرقت في جنونٍ مطلق. لم تكد الكلمة الأخيرة تفارق شفتي المرأة، حتى تحولت إلى وحش كاسر و اندفعت بجنون تشق الهواء، رافعةً نصل السكين عاليًا، لتهوي به بلمح البصر نحو رأس غنى التي ​انطلقت من أعماقها صرخة مزقت سكون المكان، صرخة حارقة ومستسلمة، بدت وكأنها الوداع الأخير لروحٍ أيقنت أن هذه هي اللفتة الأخيرة لها في هذه الحياة، ​ولكن... في جزء من الثانية التي تفصل بين الحياة والموت، سمعت صوت زمجرة خشنة تلاها صراخ عنايات التي كان يقودها ثلاثة رجال أقوياء إلى الخلف وهي تصرخ بعُنف و تتخبط بين أيديهم:

ـ سيبوني اخلص عليها. اوعوا يا ولاد ال.... سيبوني...

لم تكد غنى ترفع رأسها المُثقل بالرعب لتستوعب المعجزة التي حدثت، حتى تلاشت برودة الخوف دفعة واحدة حين وجدت نفسها محاصرة بسياجٍ دافئ من ذراعين تعرف تفاصيلهما عن ظهر قلب. ذراعان طالما كانا حصنها المنيع وملاذها الأخير من قسوة العالم. ​في تلك اللحظة ارتمى جسدها المرتجف بين أحضانه مستسلمًا، وكأنها طفل عاد إلى بيته بعد عاصفة هوجاء. ثم رفعت عينيها المغرورقتين بالدموع، لتقع نظراتها على ملامحه التي بددت كل مخاوفها، فضغطت على شفتيها المرتعشتين وهي تهمس باسمه بنبرة خافتة، متحشرجة، لكنها محملة بكل ما في قلبها من راحة وعتب وامتنان:

ـ ياسر...

شدد من ضمها إليه وهو يهتف بنبرة مُلتاعة:

ـ روح قلب ياسر...

كان في حالة من الصدمة و الذعر يُرثى لها، فبعد أن هاتفه أحد الحرس الذي كلفه بحمايتها ليخبره بأن هناك أمرأة منتقبة توجهت إلى بابهم و مظهرها كان يبعث على الريبة، فقد كانت تتلفت يمينًا و يسارًا بشكل جعل الحارس يشك في أمرها، مما جعله يهاتف ياسر على الفور و الذي لم يتوانى عن التوجه رأسًا إلى بيتها ليمنع الكارثة من أن تحِل، و ها هي آمنه بين يديه، لتظل شفاهه تردد عبارات الحمد تون توقف ليشعر بها تتراجع من بين ذراعيه التي أفلتتها على عكس عينيه التي كانت تتعلق بها بقوة لتتجاهلها غنى و تتوجه إلى والدتها التي كانت تجلس على المقعد تحاول التقاط أنفاسها و بجانبها والدها الذي اقترب من ابنته يحتضنها وهو يقول بلهفة:

ـ أنتِ كويسة يا بنتي؟

غنى بطمأنه:

ـ كويسة متقلقش عليا.

التفتت إلى صابرين التي لأول مرة ترى في عينيها هذا التعبير، وهو القلق والخوف الكبير إضافة إلى الندم الذي احترق به صدرها وهي تُدرِك أنها ألقت بابنتها الوحيدة ذات يوم بين أحضان الشر المتمثل في هذه المرأة لتمد يديها إلى غنى التي ارتمت بين ذراعيها وهي تبكي لتخرج الكلمات مقهورة من بين شفتي صابرين:


ـ سامحيني يا قلب أمك. سامحيني رميتك في النار بإيدي. حقك عليا. حقك عليا يا غنى..

انفجرت غنى بنحيب مرير لم تعهد مثله قط، بكاءً حاراً غسلت به سنين الحرمان والشوق لدفءٍ ظنت أنه مجرد سراب، كانت ترتوي من حنان والدتها الذي ضنت به عليها لسنوات، وتنتفض بين يديها كعصفور بلله المطر، متشبثةً بثوبها بقوة وكأنها تخشى أن تستيقظ وتجد أن هذا العناق مجرد حلم عابر لن يتكرر، ​وعلى مسافة خطوا واحدة منها، كان يقف هو... يراقب المشهد بملامح جامدة وصدر يغلي من الغضب المثير للدهشة، فقد شعر بظلال الغيرة المظلمة تنشب مخالبها الحادة في أعماق قلبه. غيرةٌ هوجاء لم ترحم حتى تلك المشاعر البريئة بينها وبين والدتها، فهو يراها ملكًا خالصًا له، بكل تفاصيلها، بأنفاسها، بدموعها، وبضعفها. إنها طفلته وحبيبته التي استوطنت روحه، ولم يكن يحتمل فكرة أن يمنحها الأمان شخصٌ آخر غيره، أو أن تجد الطمأنينة في عناق غير عناقه. لقد أراد أن يكون هو النهر الوحيد الذي ترتوي منه، والملجأ الأول والأخير لقلبها.

مرت دقائق هدأت بها ثورة المشاعر و تزاحم الأنفاس لتلتفت غنى ناظرة إليه بعتب لتتفاجئ بذلك الغضب الذي يتراقص في مقلتيه، و الذي جعلها تشعر بالحيرة لتسمع صوت والدها يقول:

ـ مين الناس اللي خدوا عنايات يا ياسر؟ و أنت عرفت منين أنها هنا؟

ياسر بجمود:

ـ دول حرس كانوا حوالين البيت يا عم صابر. و أول ما شافوها قلقوا و كلموني جيت على طول..

صابرين باندهاش:

ـ حرس! ليه يا ابني ؟ هو في ايه؟

ياسر بنبرة ذات مغزى:

ـ طبيعي أني أكون مأمن مراتي و خصوصًا لما تكون مش قدام عيني..

انتصبت في وقفتها بكبرياء جريح، وتوجهت صوب المرحاض لتغسل عن وجهها آثار التعب. وحين دلفت إلى غرفتها، وجدته هناك... جالسًا فوق مخدعها كقدر لا مفر منه، وكانت عيناه الصقريتان تخترقان ملامحها بنظرات حادة تشتعل بلهيب غامض. ف​تجاهلت وجوده متظاهرة بالبرود، وتحركت نحو طاولة الزينة لتزيح خصلات شعرها المتمردة عن وجهها بفعل تلك الحرارة اللاهبة التي بدأت تسري في عروقها. لكنها تجمدت في مكانها... حين فاجأتها كفاه الخشنتان القويتان وهي تنتزعان مشبك الشعر من بين أناملها برقة حذرة ولن يكتفِ بذلك، بل أخذ يفرد خصلات شعرها المموجة ببطء، تاركًا إياها تتدفق فوق ظهرها. غارسا أصابعه في أعماق شعرها لتتغلغل بين ثناياه بلهفة طاغية، وكأنه يطمئن على روحه الضائعة، و كأنه يتفقد تفاصيلها بشوق عارم جرف في طريقه كل ذرة كبرياء أو تردد لديه في تلك اللحظة. ثم خطى نحوها خطوة أخيرة ألغت كل المسافات، لينحني دافنًا وجهه بين خصلاتها، غامرًا أنفه في عطرها، ليستنشق رائحتها العذبة بأنفاس متلاحقة، وكأنه رجل يرتشف الحياة بعد طول ظمأ.


ـ الغريبة اللي غيابها دوب قلبي..

ارتج قلبها لحديثه و تجلى ذلك في عينيها التي طالعته بعتب و شوق في المرآة لتهتف بنبرة هامسة:

ـ لو كان دوب قلبك بحق و حقيقي مكنتش سبتني أغيب عنك دقيقة واحدة..

كانت طفلته التي تربت على يديه و حبيبته التي يعشقها و يعرفها جيدًا لذا أدارها لتكون في مواجهته ليقترب منها أكثر مستندًا بيديه على الجهتين فوق طاولة الزينة التي أسندت إليها جسدها ليقول بعتب حمل العبث بين طياته:

ـ بقى بتلوي دراعي يا بت مرزوق، و سيباني أرن من غيرك تلت أيام على بعض ؟

لكزته غنى في كتفه وهي تقول بحدة طفيفة:

ـ أنا اللي سيباك ترن؟ ولا انت اللي ما صدقت..

ياسر بغضب:

ـ وهو أنا اللي كنت قولتلك امشي على بيت أهلك؟ بت أنتِ اعدلي بدل ما اعدلك.

غنى بعناد:

ـ مش هعدل. وريني بقى هتعمل ايه؟

اتسعت ابتسامة ياسر الذي بنبرة عابثة:

ـ ما قولتلك هعدلك أنا...

أدارت وجهها إلى الجهة الثانية حتى لا تضعف أمام وسامته القوية وشوقها الضاري ليمد يده و يُدير وجهها إليه مرة آخرى قبل أن يقول بنبرة حازمة:

ـ نقول كلمتين جد و بعدين نبقى نصالح بمزاج بقى.

رفعت عينيها تطالعه بترقب لا يخلو من الخجل ليتحدث وهو يُشدد على كل حرف يتفوه به:

ـ أول و آخر مرة تسيبي بيتك او حتى تفكري. لو مهما عملت فيكي يا غنى، لو حتى كسرتلك دماغك اوعي تعملي كدا تاني..

غنى باستنكار:

ـ نعم...

ياسر بنبرة عابثة:

ـ يابت مانا هعالجك. ماهو أنا اللي بجرح وانا اللي بداوي بردو.

اهتاجت ضربات قلبها من حديثه ولكنها تجاهلت تأثرها الكبير بقربه و كلماته لتقول بنبرة جادة:

ـ لا اسمعني بقى. كله إلا الإهانة و انك تكسرني قدام حد. بيني وبينك ممكن اتحملك لكن قدام الناس مش هتحمل منك حرف. لو مش هتحترمني قبل ما تحبني يبقى بلاها الحب دا..

كانت تتوقع ثورته لحديثها ولكنها تفاجئت حين مد يديه يحتوي كفها يُلثمه برقة قبل أن يقول بنبرة عاشقة:

ـ على راسي يا غالي والله. أنا مش بس احترمك دانا أشيلك فوق دماغي.

رغمًا عنها لونت ابتسامة عذبة ثغرها، ولكن سرعان ما انمحت وهي تتذكر ما حدث لتقول بعتب:


ـ و مترميش ودانك لحد يقومك عليا يا ياسر، وانت فاهم قصدي كويس.

كانت محقة فيما تقول، ولم يكن يخجل من الإقرار بذلك لذا قال بنبرة حانية:

ـ عندك حق. أنا فعلًا الكلام عصبني في وقتها. بس دا لأنك كنتي مضيقاني. بس أوعدك مش هيتكرر تاني، وانتِ كمان لما تلاقينا سخنت كدا تهدي الدنيا مش تقعدي تجننيني اكتر..

أعجبها كثيرًا كونه لم ينكر خطأه مما جعلها هي الأخرى تقر بخطأها حين قالت:

ـ أنا فعلًا اتضايقت من نفسي اني كبرت الموضوع، و اتكلمت قدام هيام بس أنا كنت مرعوبة عليك و أديك شوفت اللي حصل.

لم يكن يريد الحديث عن الأمر لذا تحدث بنبرة معاتبة:

ـ كل حاجة سهلة قصاد انك تسيبي البيت يا غنى، و بالطريقة دي أنتِ كنتِ كإنك بتلوي دراعي، و أنتِ عارفة أني مبجيش كدا.

غنى بإذعان:

ـ عندك حق أنا عارفة اني غلطت. بس أنت سبتني تلت أيام مسألتش عني..

ياسر بنبرة مشحونة بالعواطف:

ـ كنت بحاول اتقل، بس وعهد الله كنت هتجنن عليكِ يا غريبة قلبي...

اندفعت إلى داخل أحضانه وهي تصيح بلهفة:

ـ وأنت كمان وحشتني يا قلب الغربية....

حملها ياسر و أخذ يدور بها في الغرفة فقد اشتاقها للحد الذي لا حد له.

اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ"❤️

★★★★★★★★★

كانت تقف أمام الشرفة تنظر إلى البحر الواسع و تتمنى لو أنها تحمل كل تلك الهموم التي يعج بها صدرها و تلقيها وسط أمواجه المتلاطمة لتتوه عنها في أعماق الجُب حتى تستطيع العيش بسلام، ولكن أي سلام هذا وهي لا تقدر على خوض غِمار الحرب؟! هل يستحق السلام من لم يحارب من أجل أثمن أشياؤه؟ كان هذا الاستفهام يلاحقها طوال الثلاث أيام المنصرمة التي قضتها بعيدًا عن جنته. تلك الجنة التي كانت تظن بأنها جحيمٍ و اتضح بعد أن غادرها أن الجحيم هو أي مكان خاليًا منه.

اشتاقته، و اشتاقت نظراته العاشقة وكلماته الحانية و دفء وجوده. اشتاقت تلك العينين التي كانت تطمأنها من مجرد نظرة، لم تتخيل أن يتركها تغادر، وقد ظنت أنه سيمسك يدها كما هي العادة، ولكن صفعها تخليه عنها، والأكثر من ذلك هو موقف سوزان التي سمعتها للنهاية و اكتفت بجملة واحدة كانت كالسوط من فرط قسوتها:

ـ معنديش كلام أقولهولك. مش انتِ سبتي بيتك و جيتي تريحي اعصابك ؟ لما تبقي تريحي اعصابك نبقى نتكلم...


ولكنها لم ترتاح بل تلفت أعصابها و اختنقت رئتيها في غيابه، وكأنها كانت في السابق تتنفس وجوده لا الهواء، و قد كانت تظن أنه هو الآخر مثلها، ولكن ها هي ثلاث أيام مضت لم تره ولم يحادثها حتى لمجرد الإطمئنان عليها. ترى هل مل منها و من ضعفها و قلة حيلتها؟ كان الأمر كارثيًا بالنسبة إليها خاصةً وهي تتخيل تلك المرأة زينة وهي تستغل غيابها وتتقرب منه. كان هذا الأمر أكثر من مؤذيًا بالنسبة إليها مما جعلها تنتفض في وقفتها و تقرر الحديث مع سوزان حتى ترشدها إلى الصواب، فتوجهت إلى المخبز لتتفاجيء بوجود آسيا و بجانبها شروق فألقت التحية لتهتف آسيا بتهكم:

ـ أهي رقائق الويڤر الناعمة شرفت أهي..

أدارت سوزان رأسها إلى الجهة الآخرى بينما حاولت شروق قمع ضحكتها مما جعل أشجان تقول بحدة طفيفة:

ـ ايه خفة الدم دي؟

آسيا بغيظ مكتوم:

ـ والله خفة الدم أحسن من خفة العقل..

زجرتها سوزان بحدة:

ـ آسيا. خفي شوية. هي مش صغيرة، واللي بيشيل إربة مخرومة بتخر على راسه.

بهتت ملامح أشجان من حديثهم لتقترب و تجذب أحد المقاعد و تتربع فوقه وهي تقول بانفعال:

ـ الكلام دا انا المقصودة بيه ياسوزي؟

سوزان بنبرة جامدة:

ـ أنتِ أدرى..

أشجان بحزن و نبرة تقترب من البكاء:

ـ أول مرة تكوني قاسية عليا كدا يا سوزي..

رقم قلب سوزان لحديثها ولكنها حاولت أن تكون حازمة حتى تجعلها ترى فداحة ما ارتكبته لتقول بنبرة جامدة:

ـ عشان كل اللي فات كان كوم و غلطتك الكبيرة دي كوم تاني. ياترى لما ريحتي اعصابك عرفتي أنتِ غلطتي في ايه؟

أشجان بيأس:

ـ مين قالك اني ارتحت ؟ أنا تعبت قد ما كنت تعبانه عشر مرات..

تدخلت آسيا قائلة بعتب:

ـ عشان جربتي تعيشي من غير خالد، وشوفتي انك مقدرتيش صح ولا لا؟

أشجان بحزن:

ـ صح. حاسة أنه واحشني أوي...

سوزان بتعقل:

ـ و عشان من جواكي عارفة انه ميستحقش منك انك تتخلي عنه بالشكل دا عشان حتة عيلة قالتلك كلمتين.

تدخلت شروق قائلة باستفهام:

ـ عيلة مين وقالت أيه؟

قصت أشجان عليها ما حدث بينها وبين رنا في الآونة الأخيرة لتهتف آسيا بسخط:

ـ يخربيت الچينات بتاعتهم! دي ولا الفيروس، و بعدين تعالي هنا هو خالد ذنبه أيه في اللي حصل من رنا؟ دا هو نفسه لو عرف هينفخها.


أشجان بحدة:

ـ اه. كنتِ عيزاني أقوله، واطلع فعلًا مرات الأب الوحشة زي ما هي قالت..

آسيا بانفعال:

ـ يا سلام. ما أنتِ كدا كدا محطوطة في الزون دي من غير ما تعملي حاجة. على الأقل يبقى شايف هي وصلت لدرجة أية من الوقاحة، و بعدين تعالي هنا. هو مش نبهك وقالك أن الحرابيق دول بيحاولوا يفسدوا بينك وبين رنا؟

أجابتها أشجان قائلة:

ـ مقالهاش صريحة. بس أه نبهني، وقالي أنه هيعتمد عليا في الموضوع دا بشكل كلي وجزئي.

تدخلت سوزان مُستفهمة:

ـ عملتي ايه بعد ما هو قالك كدا؟

و هتفت آسيا أيضًا:

ـ أيوا قوليلي عملتي ايه عشان تتقربي من البنت بعد ما هو قالك كدا؟

صمتت أشجان قليلًا تفكر قبل أن تقول بخفوت:

ـ أنا بعاملها كويس جدًا هعمل ايه اكتر من كدا؟

سوزان بتقريع:

ـ تعملي اللي هتعمليه لو مريم في مكانها. أنتِ وقفتي مكانك كالعادة يا أشجان. متقدمتيش خطوة ناحيتها.

أشجان بانفعال:

ـ طيب عيزاني اعمل ايه؟ أنا مش قد نبيلة و أنتِ اكتر واحدة عارفة دا..

سوزان بتعقل:

ـ اركني نبيلة على جنب. أحنا بنتكلم عن رنا دلوقتي.

آسيا بانفعال:

ـ معلش يا سوزي اركني أنتِ على جنب دلوقتي. هو ايه اللي مش قدها؟ هي نبيلة دي ربنا أداها عقل و أنتِ لا؟

أشجان بحدة:

ـ آسيا بطلي تستفزيني. دي بني آدمة مؤذية فوق ما تتخيلي.

قاطعتها آسيا بانفعال:

ـ لا أنا متخيلة. نبيلة دي مفيش حاجة متعملهاش. دي ممكن تحط أقرب الناس ليها تحت رجليها هي ميرهان وهايدي دول تربية مين؟ ماهم تربيتها. تبقي عبيطة لو فكرتي انك لما تتجنبيها هتأمني شرها. لا يا حبيبتي.. دي زي الكلب المسعور بيهاجم في كل وقت و أي حد.

شروق بتأييد:

ـ آسيا عندها حق على فكرة..

أشجان بانفعال:

ـ بس أنا مش هقدر أقف قدامها. أنا كل اللي عايزاه اني اعيش في سلام، وهي الحياة بالنسبالها حرب.

باغتتها آسيا حين قالت ببساطة:

ـ خلاص مقدامكيش كل غير انك تنفصلي عن خالد..


كان جملة ثقيلة وقعها وقع القنبلة التي فتتت قلبها من الداخل للحد الذي جعلها تردد الكلمات بنبرة مبحوحة و كأن حديثها جرح الكلمات فوق شفتيها:

ـ ايه؟ انفصل عن خالد؟؟

تدخلت سوزان هذه المرة قائلة:

ـ ماهو خالد مش لوحده يا أشجان. خالد مش عايش لوحده. خالد دا كبير عيله و العيلة دي كبيرة اوي، وفيها كل انواع و أصناف البشر. لازم تتعاملي مع كل دول لو كنتِ عايزة تكملي معاه.

آسيا بجمود:

ـ الشيلة مبتتجزأش يا أشجان. هاخد خالد وارمي اللي حواليه. شيلي شيلتك كاملة. يا خالد بمشاكله و أخواته و حواراتهم يا إما تنفصلي عنه و تعيشي في سلام مع ولادك..

استفهمت شروق قائلة:

ـ بما انك بعدتي عن القصر وعن نبيلة و عن خالد نفسه حاسة انك قادرة تكملي حياتك بعيد عنه؟ يعني دا هيكون أحسن ليكِ ؟

رفعت رأسها إلى شروق وعينيها تروي حكايات من الألم والشوق و اللوعة التي احتلت قلبها منذ أن غادرته، كما جاءت نبرتها مُعذبة تئن ألمًا:

ـ أنا وقت ما سبته وانا بموت مش عارفة اكل ولا اشرب ولا حتى اتنفس. أنا مقدرش اتخيل حياتي من غيره..

آسيا بتأثر لحالها:

ـ ماهو عشان كدا بقولك لازم تشيلي الشيلة كاملة. مفيش حلاوة من غير نار، و خالد يستحق انك تحاربي عشانه..

أشجان بأسى:

ـ والله غصب عني. دي قدرات، وانا مبعرفش أرد زيك، ولا اتخانق ولا اجرح حد. مبعرفش أكون شخص قليل الذوق مع حد. بخاف على كل اللي بحبهم. بخاف على ولادي وعلى خالد و على رنا والله. بس مش عارفة ادافع عنهم ازاي

تولت سوزان الإجابة هذه المرة حين قالت بحنو:

ـ مش محتاجة غير حاجتين أولهم انك تقولي يارب وانا عارفة انك قريبة من ربنا أوي. تاني حاجة انك تقربي من خالد. تحتويه تكوني الحضن اللي يرتاح فيه. اكبر غلطة غلطيها انك تسيبي بيتك و تسبيه وهو في الظروف دي، و خصوصًا انك سمعتي زينة بودنك وهي بتقوله مالك. مينفعش تسيبي غيرك ياخد مكانك.

شروق بحدة:

ـ دا أنتِ اكنك بتقوليلها اتفضليه على طبق من دهب.. هو في كدا يا أشجان؟

آسيا بعملية:

ـ اركني خالد على جنب دا أمره سهل. خلينا في رنا. زي ما خالد بيعتبر ولادك ولاده يبقى رنا دي بنتك. تقربي منها حتى لو هي بعدتك. قربي غصب عنها. روحيلها المدرسة..

ساندتها سوزان هي الآخرى قائلة:

ـ آسيا عندها حق. اتعرفي انتِ على. أصحابها. اعزميهم يقضوا يوم في القصر، وبعدين خلي بالك معنى انك تقولي لخالد أنا هاخد ولادي وهمشي يعني رنا دي مش فرقالك، و أنتِ عارفة أن خالد بنته رقم واحد عنده.


تدخلت شروق قائلة:

ـ و طبعًا دي مش حاجة وحشة يا أشجان. دا راجل مسئول و بيحب بنته و بيحبك أنتِ كمان، و عشان تصلحي اللي حصل بينك وبينه لازم تبدأي من عند رنا علشان تمحي عنده الاحساس بأنها مش فارقة معاكي، و ممكن زي ما آسيا قالت تروحيلها المدرسة أو اعزميها هي وأصحابها و نعمل حفلة بنات بس هنا. أو حفلة الكولورز دي.

آسيا بحماس:

ـ أيوا صح، و نعمل ديكورات حلوة في المكان أو نعمل فطاير سوى. اللي هو أي حاجة تخليها يبقى ليها حياة معاكي. كمان خليها تقرب مننا. يكون ليها سكة معانا. نخرج نشتري لبس سوى. نتغدى بره. البنت محتاجة تكون مع بنات سنهم قريب منها و في نفس الوقت تكون مع ناس عمرهم ما هيأذوها..

سوزان بتشجيع:

ـ والله برافو عليكوا يا بنات. هي دي الأفكار ولا بلاش..

بدت و كأنها تستعرض أشياء جديدة كُليًا عليها لذا هتفت بحماس:

ـ أيوا صح. كمان انتوا مش هتضلوها بالعكس هكون متطمنة عليها معاكوا، و منه أبعدها عن نبيلة و ميرهان و زينة، والناس المريبة دي. بس..

سوزان بنفاذ صبر:

ـ بس ايه يا بت تعبتي قلبي...

أشجان بقلق:

ـ تفتكروا هي هتوافق أصلًا. دي حد مالي دماغها من ناحيتي وشيفاني عدوتها.

آسيا بتعقل:

ـ قولتلك اجبريها بالطريقة، واوعي تسمحيلها تتمادى معاكي أو تغلط و تطلعي تجري زي العيال الصغيرة. خليكي حنينة بس في نفس الوقت يكون في حزم. عشان بردو هي تعملك حساب و متتجرأش تغلط قدامك.

أشجان بتفكير:

ـ تصدقي أنتِ عندك حق. أنا كان مفروض أوقفها عند حدها لما قالتلي الكلام دا، و افهم خالد الموضوع بدل ما اتنيلت مشيت و سبت البيت.

سوزان بتهكم:

ـ كويس انك عارفة انك نيلتي الدنيا لما مشيتي وسبتي البيت، وياريت الغلطة دي متتكررش أبدًا. الست العاقلة متسيبش بيت جوزها أبدًا. إلا في حالة واحدة. الإهانة غير كدا تبقى غلطانه ألف مرة لو فكرت بس تسيب بيتها..

آسيا بتهليل:

ـ الله ينور يا سوزي. أديها مترحميهاش.

أشجان بنفاذ صبر:

ـ فرحانه فيا أوي حضرتك؟ يا جماعة حد يفهمني خالد شخصية مرعبة و غضبه صعب الكل بيترعب منه . انتوا ناسيين أنا متجوزة مين ؟ دا الوحش بجلالة قدره..

آسيا بتهكم:

ـ أومال أنا اللي معايا الجحش اعمل ايه؟ احمدي ربنا..


قهقهت الفتيات على حديثها لتقول سوزان بهدوء:

ـ أشجان أنا مش عيزاكي تخسري خالد أبدًا. نبيلة دي ربنا كفيل بيها. و ان شاء الله هيوقعها في شر أعمالها. خالد دا مفيش منه، وأنتِ بتحبيه لازم تحاربي عشانه.

ساندتها آسيا قائلة:

ـ والحرب دي مش بالسلاح. دي بالعقل. مش مطلوب منك تقفي قدامها و تتخانقي معاها. بس تبقي مصحصحة وعينك في وسط راسك، واوعي تخليها تحس انك خايفة منها.

شروق بنصح:

ـ و في نفس الوقت بردو متستفزيهاش. عشان اللي زي دي ملهاش أمان.

صمتت أشجان تفكر في حديثهم قليلًا قبل أن تنصب عودها وهي عازمة على تنفيذ ما توصلت إليه لتقول بعُجالة:

ـ هحاول اعمل كدا، وربنا أن شاء الله مش هيسيبني. أنا هروح لرنا المدرسة لازم نتكلم أنا وهي.

سوزان باستفهام:

ـ مش هتقولي لخالد انك هتروحيلها؟

اشجان بنفي:

ـ لا. أنا مش هكلمه أصلًا..

سوزان بتعب:

ـ ليه يا بنتي؟

تدخلت آسيا قائلة بلهفة:

ـ ليه ايه؟ أيوا متكلمهوش. مش معنى أنها غلطانه وعايزة طلقتين في نافوخها انها تروح تكلمه بردو. دي هتلاعبه من بعيد لبعيد. هتروح للبت المدرسة وطبعًا هو هيعرف فهيفهم أنها مش أنانية و بتحب بنته و مش نسياها يقعد هو بقى يتشغل بيها و يفكر و يمكن ربنا يهديه و چينات الصهاينة بتاعتهم دي تتنحى و ييجي هو يكلمها. أيوا معلش أختي عندها كرامة هو اللي ييجي ياخدها.

ناظرتها سوزان بسخط تجلى في نبرتها وهي تقول:

ـ عوض عليا عوض الصابرين يارب..

اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو فَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ" ❤️

★★★★★★★★★

كانت تبكي بحرقة وهي تنظر إلى البعيد و قلبها ينزف دمًا كلما تذكرت ما حدث قبل أيام من اليوم

عودة إلى وقتٍ سابق

تململت في فراشها أثر شعورها بلسعات البرد على ظهرها، و أيضًا تلك الأنامل الخشنة التي كانت تجوب بقعةٍ ما في الجزء الأيمن من ظهرها لتُدرِك حقيقة ما يحدُث، فانتفض جسدها لتعتدل وهي تضم الغطاء حولها لتستر نفسها وهي تنظر إلى رحيم بغضب مغموس بالألم و اللوم ليقول الأخير بنبرته الغليظة:

ـ ايه يا بت الناس مالك؟ چرصتك حية ولا اي؟

نجاة بنبرة محترقة غاضبة وهي تحاول منع العبرات من التدفق من بين مآقيها:


ـ لا مكنتش حية دا عقرب.

كظم رحيم غضبه قدر الإمكان ليلتفت إلى الجهة الآخرى يلتقط جلبابه ليرتديه وهو يقول بجفاء:

ـ لو لدغك عجرب صوح. كان زمانك في خبر كان. متقوليش على نفسك يا بت الناس..

نجاة بانهيار:

ـ ماني بجيت في خبر كان اهه. خدت اللي انت عايزه يا عمدة؟ عرفت الطريج خلاص ؟ و ياترى هترميني ميتا؟ ولا ألم خلجاتي و امشي أنا بكرامتي جبل ما الاجي نفسي في الشارع. ماهو دا طبعك. تاخد الناس لحم و ترميها عضم..

توقّف عن الحركة تمامًا، وتصلّب ظهره كأنّ صدمةً كهربائية سرت في أوصاله إثر حديثها. ل ثوانٍ ممتدة، بدا وكأن الزمن قد تجمّد و توقفت بهم حركة عقارب الساعة، ولم يعد يسمع سوى أزيز الصمت الثقيل الذي خلفته كلماتها الجارحة واتهاماتها التي نزلت عليه كالسياط.

​التفت إليها ببطءٍ شديد، في حركة آلية تحمل في طياتها نذير شؤمٍ و غضب مرعب بدا على محياه الذي كان جامدًا كصخرةٍ صمّاء نحتتها العواصف، وجسد الذي كان ممشوق ومشدود بشكل مخيف يُوحي ببركانٍ يوشك على الانفجار لكنه يحاول منعه من الإنفجار مُستخدمًا كل ذرة إرادة يمتلكها. حتى ملامحه التي كانت مألوفة يومًا ما، غدت الآن قناعًا من القسوة المفرطة، خالية من أي لين رأته منه يومًا،​أما عيناه... فقد كانت الحكاية الأكثر رعبًا وإيلامًا. لو كانت النظرات تطلق الرصاص، لكانت نظراته في تلك اللحظة قذائف من جحيم. في عمق حدقتيه، امتزجت كيمياء معقدة من المشاعر المتناقضة التي تلتهم بعضها بعضًا لتأتي نبرته و تُكمل الصورة المُرعبة التي تراها:

ـ و أيه كمان يا بت رماح؟

كان جسدها يرتعب و كأن صاعقة برد أصابته، فولدت له الرجفو كحمى لا يفلح أي عقار في السيطرة عليها، و خاصةً حين سمعته يناديها باسم أبيها. هل هكذا وضعها بخانة العدو! هل الآن انكشف وجهه الحقيقي بعد أن أخذ منها ما أراد؟

ـ ساكته ليه؟ جولي أني سامعك. جوليلي صفاتي العِفشة كلاتها.

نجاة بشفاة ترتجف من فرط الذُعر:

ـ أنت عارف حالك أحسن مني..

اقترب رحيم منها بخطوات وئيدة لم تملك القدرة على تفاديها أو الهرب منها، فقد سمرها الخوف بمكانها لتجد نفسها في مواجهة هذا الضخم الذي كانت ملامحه تعج بغضب مُريع و كذلك لهجته حين قال:

ـ صوح. أني عارف حالي زين، و عشان اكده عايزك تعرفي أني مبرميش حتى العضم. بقرقشه أو برميه للسباع. مفيش حد بيخرچ من تحت يد رحيم الوتيدي وهو لسه فيه النفس...

كاد الذُعر أن يجعل قلبها يتوقف في هذه اللحظة لتنحبس الأنفاس بصدرها وهي تشعر بأنها هالكة لا محالة لينفلت زمام الأمور بداخلها و يتوقف العقل عن العمل لتنخرط في نوبة إنهيار عاتيةكانت عبارة عن ضربات قوية تلقاها صدره دون أن يهتز وهي تصرخ في وجهه بحروف متقطعة:


ـ أني بكرهك. بكرهك. بكرهك..

لم يعد في استطاعته احتمال تصريحها بأنها تكرهه فقام بتكبيل يديها التي كان تضربه بقوة ليهزها بعُنف تجلى في نبرته حين قال:

ـ اكرهيني كد ما تحبي. مبقاش يفرج كتير. عِملت كل اللي اقدر عليه عشان تحبيني لكن أنتِ عايزة تكرهيني وبس. عايزة تشوفيني وحش معندوش جلب. مجدراش تنسي اللي حوصول. مجدراش تنسي اني اتفرضت عليكِ. لو عايزة تطلعيني عفش عشان تلاجي سبب تكرهيني عشانه مش هجولك لاه..

آلمتها ذراعيها من قبضته الغير رحيمة لتحاول نزع نفسها من بين يديه وهي تصرخ بقهر:

ـ إيوا بكرهك و بكرهكوا كلكوا. محدش فيكوا حبني. عمالين تشجطوني لبعض كيف الكورة الشراب. هي رمتني ليك عشان تهرب منيه و هو رماني ورماها زمان، و أنت كل اللي يهمك تعرِف طريج الوكر و أني اتحرج. اني مفرجش لحد..

صرخ بها للحد الذي افزعها وجعلها تشهق مذعورة وهو ينفي هذه التهمة عن قلبه:

ـ مين اللي جالك اكده؟ جوليلي عِملت ايه عشان تجولي انك مش فرقالي؟

نجاة بانفعال:

ـ مكنتش بتعمل جبل أكده عشان كان لك حاچة عِندي. لكن أول ما خدتها جولتلي يا بت رماح..

قالت جملتها الأخيرة بشفاة مُرتجفة و بكاء حار لامس قلبه الذي أدرك هفوته التي أوقعه فيها غضبه ليقول بنبرة أهدأ قليلًا:

ـ چسمك مش بعيد عني ولو كنت عِفش زي ما بتجولي كنت كتفتك و خدت اللي أنا عايزة من زمان..

جن جنونها من حديثه الذي يحجبها حقها في الرفض أو الدفاع عن حرمة جسدها لتصرخ بانفعال

ـ مين قالك أكده؟ فاكرني كنت هسكتلك إياك. أنت تعرِف أنا اتحملت عذاب و ألم كدا ايه لحد ما خلصت الوشم ده! أني كنت برتچف من شدة الوچع و اصرخ كيف المجانين، و مجدراش أجولها لاه. ماهو ده الحاچة الوحيدة اللي هتخليني في أمان.

رحيم بانفعال:

ـ أمان من مين؟ مني؟

نجاة بقهر:

ـ منكوا كلكوا..

امتدت يده لتجذب خصرها بقوة و تقربها منه حتى بدت وكأنها جزءلا يتجزء من جسده ليُتمتم بخشونة مرعبة:

ـ أمانك ده..

قال جملته وهو يضرب على صدره بقوة افزعتها كما فعلت أنفاسه الساخنة التي أحرقت بشرتها ليرتجف جسدها الذي كانت تحيطه بالشرشف الطويل، و تأرجحت الكلمات فوق شفتيها وهي تقول:

ـ أني بنت عدوك. عدوكوا يا رحيم.. هتجدر تنسى دا؟ لو أبوي عفش زي ما بتجول كيف هتآمنلي؟ بلاش. طيب لو خلصت عليه هعيش وياك ازاي وانت يدك متغرقة بدم أبوي. حتى لو معرفتوش. حتى لو معشتش وياه بس هو أبوي.


أدار رأسه إلى الجهة الآخرى فقد كانت كلماتها تنغرز في قلبه كالخناجر، فهي محقة هو عدوهم الوحيد الذي يتمنى لو يقتلع قلبه من مكانه حتى يُشفى وجعه. شعر بيدها تمتد لتُدير رأسه حتى تتشابك نظراتهم لتقول بنبرة تئن قهرًا؛

ـ لو أبوي جتل حد منيكوا. وجتها هتقدر تبص في وشي؟ رماح الهلالي مالوش عيال غيري. هتاخد تارك وجتها مني ولا هتسامح عشاني؟

لم يكن يعرف الأجابة، ولأول مرة في حياته يشعر بأنه عاجز عن الرد و الحديث، فكل ما ذكرته كان حقيقي و كل الاستفهامات التي طرحتها كانت تلدغه كالعقارب، ولا يعرف كيف يُجيبها لتضاعف لوعته حين قالت:

ـ عشان أكده اتچوزتني، و أنت عارف انك عمري ما هتخلف مني. صوح!

رفع رأسه يطالعها بنظرات جامدة محتنقنة بالغضب و الألم معًا لتُتابع بنبرة مُلتاعة:

ـ لو في يوم من الأيام عرفت انك تجدر تخلف عيال. هكون أنا امهم يا رحيم ؟ ولا مش هتجبل أن بنت رماح الهلالي تشيل ولادك في بطنها؟

انتظرت إجابته بفارغ الصبر. لم تكن تريد سوى الأمان أن يخبرها أنها لا يراها ابنة عدوه تعلم أنه يعشقها ولكنها تعلم أنه لو وضعت في كفة الميزان هي و الكفة الآخرى واجبه تجاه عائلته سيختار عائلته لا محالة، و أيضًا هناك ذلك الرجل الذي يسمى والدها والذي لن يتركها بسلام وهي أضعف من مقاومة الجميع..

نزع رحيم نفسه من بين يديها وهو يقول بنبرة جافة:

ـ تعرِفي ايه الرموز اللي في الخريطة دي؟

تجاهله لسؤالها كان الإجابة التي ترتعب منها لذا احتضنت جسدها وهي تقول بجمود:

ـ أيوا عارفة..

التفت رحيم يناظرها بغموض وهو يقول بجفاء:

ـ هتجوليلي معناها ايه؟

نجاة باختصار يتسم بالقسوة و الجفاء:

ـ لاه..

شعرت به يطحن أسنانه من فرط الغضب، ولكنه لم يصرخ أو ينفعل بل تحدث بنبرة جامدة:

ـ جبل ما تاخدي قرارك اعرفي إن اللي شوفتيه مني في الچبل في الليلة دي في ألف بنت بتشوف أضعافه في الوكر، و محدش بيلحقهم. البنات أهناك بيموتوا في اليوم ميت مرة و بيصرخوا لما يتجطع نفسهم و مبيلاقوش حد يلحقهم، و النچاة الوحيدة هناك هي الموت..

عودة إلى الوقت الحالي

كانت تتألم كما لو أن خناجر العالم أجمع انغرزت في صدرها. تريد الصراخ ولا تجروء على الحديث حتى. منذ ذلك اليوم وهي تغلق هاتفها. لا تريد سماع صوت ذلك الرجل ولا سماع أي شيء يمكنه أن يضيف إلى معاناتها. يكفيها ذلك الألم الذي يجيش بصدرها ولا تستطِع تحمله.


طرق على باب الغرفة جعلها تكفكف عبراتها و تمحو ذرات ألمها الذي لا تريد جعله مشاعًا يجذب أعين الفضوليين. لتتفاجيء بصافية التي كانت تتقدم منها بخطوات هادئة وعينيها تتفحصانها باهتمام كبير تجلى في نبرتها حين قالت:

ـ كيفك يا نجاة؟

نجاة بارتباك طفيف:

ـ بخير يا عمة. كيفك أنتِ؟

صافية بابتسامة هادئة:

ـ نحمد لله على كل حاچة. شيعتلك واحدة من البنتة من يومين تجولك أني رايدة اتحدت وياكي و طنشتيني. جولت مابدهاش يا صافية روحي أنتِ.

حاولت نجاة البقاء هادئة، فلم تكن في مزاج للحديث مع أحد، و خاصةً هذه المرأة لا تعلم هل تخشاها أم تخشى حديثها؟

ـ اجعدي يا نچاة. خلونا نتحدتوا.

تقدمت نجاة لتجلس أمام صافية بهدوء لتقول الأخيرة وهي تناظرها بتفحص مربك:

ـ تعرِفي انك شبه رماح جوي..

ارتجف قلب نچاة هلعًا حين سمعت حديث صافية التي تابعت بنبرة ناعمة:

ـ ياترى تعرفي رماح يا نچاة؟

لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ❤️

★★★★★★★★★

وضعت الفطيرة في الفرن وهي تُدندن بشجن مع صوت فيروز الحاني الذي يأخذها إلى مكانٍ آخر و زمن آخر كانت تحيا بين أحضان سعادة ظنتها أبدية، فخاب الظن..

أطلقت تنهيدة قوية وهي تقول بنبرة مُثقلة بالحنين و الألم معًا:

ـ أمسِ انتهينا فلا كنا ولا كانا. يا صاحبَ الوعدِ خلِّ الوعدَ نسيانا.

ـ مكنتش اعرف انك بتحبي فيروز.

انتشلها ذلك الصوت القارس البرودة من سطوة الماضي و أنين الذكريات لتلتفت إلى الخلف، فإذا بها تجد كمال يقف على أعتاب الباب الداخلي للمخبز الذي كان خاليًا في هذا الوقت من الصباح لتبتسم سوزان بهدوء قبل أن تجيبه قائلة:

ـ محدش في الدنيا مابيحبش فيروز..

تقدم كمال منها حين وجدها تجلس حول الطاولة المُستديرة التي تتوسط الغرفة ليقول بنبرة يشوبها الحنين:

ـ الأغنية دي بالذات ميحسهاش أوي غير اللي حب و اتوجع أوي..

سوزان بهدوء:

ـ محدش في الدنيا محبش و اتوجع يا كمال. الحب مش تعويذة بتحصن الناس من الوجع، بس ممكن يخففه زي المضاد الحيوي بالظبط. بيعالج سبب الألم. لكن مش بيمنعه في وقتها.


كمال بنبرة مُتحشرجة:

ـ لو مش بيحمينا من الوجع يبقى ايه لازمته؟

سوزان بهدوء:

ـ أهو على الأل لما بنحب بنلاقي حد يقاسمنا وجعنا. يشيل معانا الشيلة و بدل ما تتقسم على واحد يبقوا اتنين...

اومأ كمال برأسه قبل أن يقول بنبرة يتغلغل الخذلان بين طياتها:

ـ طيب ولو كان هو سبب الوجع أصلًا. مفروض نتصرف ازاي؟

سوزان بتعقل:

ـ نديله فرصته يمكن يكون هو اللي هيداوينا بردو. الحب زي البحر بالظبط اللي ممكن في لحظة أمواجه تخبطك و تفقدك قدرتك على التوازن لدرجة أنك تحس بروحك بتتسحب منك، وهو هو نفسه اللي لو سلمتله و بطلت تقاومه و سبتله نفسك هيرفعك و يمشي بيك لحد ما يوصلك بر الأمان.

كمال باستفهام:

ـ تقصدي أنه سلاح ذو حدين؟

سوزان بنبرة جادة:

ـ هو مش سلاح أصلًا. هو شعور قوي. احنا اللي بنسمحله يتحكم فينا واحنا اللي بنحجمه عشان نعرف نتعامل، و نحل مشاكلنا اللي بالمناسبة محتاجة عقل وحكمة. لكن إحنا بنستسهل و نرمي كل حاجة على الحب و نستنى منه بقى يبقى ساحر و يحللنا كل العقد اللي في حياتنا. مينفعش أبدًا نسمح لأي حاجة تلغي عقلنا لا الحب ولا الوجع.

كمال بنبرة جافة من فرط الألم:

ـ طيب بما انك بتتكلمي عن العقل و أن مينفعش نسيب الحب يتحكم فينا ولا نشيلة فوق طاقته قوليلي أنتِ العقل يعمل ايه قدام الخيانة. قدام الكذب؟

سوزان باختصار:

ـ يفكر..

كمال بنفاذ صبر:

ـ تعب من التفكير.

سوزان بهدوء:

ـ خلينا نحط ايدينا على المشكلة يا كمال. مشكلتك الحقيقية. انك مش قادر تتقبل فكرة أن مراتك راحتك تعاتب حبيبها الأولاني صح؟

تفننت في صياغة الحديث بالشكل الذي يؤلمه حد الموت مما جعله يغمض عينيه بقوة و هو يحاول التغلب على نوبات الألم الضارية التي تكاد تفتك بصدره ليكتفي بإيماءة من رأسه فتابعت سوزان بنفس لهجتها قائلة:

ـ سمعت من آسيا دفاعها عن نفسها؟

ـ سمعت.

ـ اللي هو أيه ؟

كمال بنبرة جريحة و كأن الحروف تشكو كسرته في كل فتحٍ وضم:

ـ مفروض أنها راحت تعاتبه عشان هو ابن عمها اللي كان شاهد على كسرتها في الليلة إياها وهو اللي لحقها ووو

لم تطاوعه شفتيه بذكر باقي الحديث لتقول سوزان باستفهام:

ـ كلمة المفروض اللي قولتلها دي معناها انك مش مصدق كلامها صح؟

كمال باختصار:

ـ كنت مصدقها.

سوزان بنفاذ صبر:

ـ بص يا كمال أنت مجتش هنا غير لما الدنيا ضاقت بيك. لا قادر تبعد ولا عارف تقرب. جيت و أنت يائس من كل حاجة، فلو عايزني أساعدك و انت تساعد نفسك. هات اللي عندك كله، و خليك فاكر أن النار اللي جواك دي مش هتنطفي طول ما انت حابسها جواك. بالعكس دي هتفضل تاكل فيك لحد ما تموتك بالبطيء لو عايز كدا أنت حر..

كانت مُحقة، فهو لم يعد له طاقة لتحمل تلك االنيران التي تنهش بداخله لذا جاء بعد أن أعياه المسير في هذه الحياة حاملًا جراح نازفة لا يفلح شيء في ترميمها.

ـ أنا هقولك على كل حاجة...

يتبع.. الجزء الثاني فاضل فيه مشهد و القفلة يعني هينزل كمان ساعتين بالكتير أن شاء الله ماهو أنا خلفتكوا و نسيتكوا 😒

يالا مش مهم أنا بحبكوا و انتوا حبايبي قراءة ممتعة يا فرولاتي 🍓😘

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...