استاهل تفاعل ناري و استاهل على كل فقرة خمسين كومنت أي والله لقت تشضضت يدي من كتر الكتابة😭😭😭 حلوة تشضضت يدي دي والله تنفع مطلع أغنية 😂😂 بارت ١٢ ألف كلمة اظن تسامحولي في الأجازة و تخلوني أعيد بمزاج 🙂
السبيل السابع و العشرون ج٢ ❤️🔥
زمجر خالد بنبرة خشنة أرعدتها:
ـ أنتِ أيه علاقتك برؤوف ابن عم آسيا؟!
رجفة قوية ضربت سائر جسدها حين سمعت حديثه و نبرته المرعبة لتتزاحم أنفاسها بداخلها، فبللت حلقها الجاف قبل أن تقول بتلعثُم:
ـ رؤ. رؤوف معرفة قديمة، و نعرف بعض يعني...
خالد بتهكم قاس:
ـ رؤوف معرفة قديمة، فتركبي معاه عربيته عادي! ونعم التربية والله.
ميرهان باندفاع:
ـ هو حضرتك ليه بتكلمني كدا؟ على فكرة مامي عارفة....
صاح خالد بشراسة:
ـ مامي و زفت. اسمعي أما أقولك. اللي حصل دا ميتكررش تاني عشان لو حصل هقطم رقبتك أنتِ و مامي، سمعتي؟!
كان جسدها يرتجف بقوة، فلم تستطِع الحديث من فرط الخوف فقط اومأت برأسها بالموافقة ليُتابع خالد بتحذير:
ـ وخلي بالك أنا عيني عليكِ في كل مكان، واي حاجة هشوفها متعجبنيش متلوميش في نفسك..
في هذه اللحظة دلفت نبيلة إلى الداخل وهي تقول بلهفة:
ـ في ايه يا خالد؟ صوتك واصل لحد بابا القصر بره. حصل ايه؟
اندفعت ميرهان إلى أحضان والدتها تبكي و تنتحب ليقول خالد بحدة:
ـ أنتِ كنتِ عارفة الهانم كانت راكبة عربية مين امبارح؟
ميرهان بلهفة:
ـ مش أنتِ كنتِ عارفة ان رؤوف وصلني...
تفهمت نبيلة نظرة هايدي لتقول بتوتر:
ـ اه. هايدي قالتلي أنها قابلته صدفة و وصلها. إيه المشكلة؟
كاد أن يُجن من مدى اللامُبالاة التي تتحدث لها ليصيح بشراسة افزعتهم:
ـ نعم! يك أوه. أنتِ مجنونة ولا كبرتي خرفتي؟ بنتك تركب عربية مع واحد غريب ليه؟ و مش اي واحد دا ليه قصة مع الزفتة التانية و بسببها اتخرب بيت أخوكي. إيه مبقاش عندك نظر؟!
اجفلتها طريقته التي لأول مرة تصل إلى هذه الحد من التوبيخ، ولكنها تعرف جيدًا أنه حين يصل إلى هذه المرحلة من الغضب، فمن التعقل ألا تجادله مما جعلها تقول بلهفة:
ـ أنا عارفة أنه غلط،و قولتلها بس هايدي لسه صغيرة و أنا بوجهها. مفيش داعي لكل الانفعال و التجريح دا..
خالد بنبرة حادة كالسيف:
ـ حافظي على بنتك يا نبيلة، و قدامك أهو لو عرفت انها قابلت اللي اسمه رؤوف دا هكسر دماغها قدامك.....
نبيلة بلهفة:
ـ حاضر يا خالد. متقلقش من الموضوع دا...
خالد بجفاء:
ـ خديها من وشي...
خرجت نبيلة و معها هايدي غافلين عن ميرهان التي تمكن منها الغضب حالما سمعت اسمه يقترن بهايدي لتقبض على يدها بعُنف حتى انغرزت أظافرها في راحة كفها لتساقط منه الدماء بينما هي في عالمٍ آخر لتهمس بوعيد:
ـ بقى بتضحكي عليا و بتقابليه من ورايا؟! أما وريتك يا هايدي...
ـ ادخلي يا هانم وقوليلي ايه حكاية رؤوف دا كمان؟ مش دا ابن عم الزفتة اللي اسمها آسيا؟ ايه كلكوا بقيتوا بترمرموا؟! دا موسم ولاد الخدامين ولا ايه؟
هكذا تحدثت نبيلة بحدة مع هايدي التي ضيقت عينيها بخُبث تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ دا بدل ما تشكريني اني بجيبلك اخبار محدش لسه يعرفها..
نبيلة باستفهام:
ـ أخبار ايه دي بقى؟
ميرهان بابتسامة صفراء:
ـ خالو كمال. اتجوز بره، وخلف ولد، ورجع مصر و معاه ابنه، و رجع بنت الخدامة مراته تاني عشان تربيله الولد.
شهقت نبيلة بعُنف من فرط الصدمة التي كادت أن تجعلها تسقط أرضًا لولا المقعد الذي احتضن جسدها لتهمس دون وعي:
ـ كمال خلف ولد... ازاي؟ مش معقول... بقى أنا بحارب هنا عشان ميجيش حد ياخد كل حاجة مننا، يقول ييجي الغبي دا و يهدلي كل حاجة. لاااا. لاااا. مش هيحصل...
رفعت رأسها لتجد نفسها وحيدة في الغرفة مما جعلها تتوجه إلى هاتفها وتقول بالاتصال برقم ما لم تتطرق لطلبه منذ سنوات، وما أن جاءها الرد حتى هتفت بشر:
ـ يظهر أن مكتوبلنا طريقنا يتلاقى تاني...
اللَّهُمَّ يا باسط اليدين بالعطايا، افتح لنا أبواب رزقك، ويسّر لنا أسباب فضلك، واجعلنا من أغنى خلقك بك، وأفقرهم إليك" 🩵
★★★★★★★★★★
ـ صباح الورد على وردتي الحلوة...
هكذا تحدثت أشجان بحنو وهي تنظر إلى رنا التي كانت تضع اغراضها داخل حقيبة سفر، فاستدارت تنظر إلى أشجان بعُجالة وهي تجيبها قائلة:
ـ صباح النور...
قطبت أشجان حاجبيها وهي تقول باستفهام:
ـ هو أنتِ بتحطي هدومك في الشنطة ليه يا رنا؟ أنتِ مسافرة ولا ايه؟
رنا بحماس وهي مسترسلة بوضع أشيائها في الحقيبة:
ـ أه. هسافر في الويد إند دهب مع صحابي..
أشجان بذهول:
ـ نعم! ازاي دا؟ بابا عارف الكلام دا...
توقفت رنا عما كانت تفعله و أجابتها بهدوء:
ـ خالتو زينة قالتلي أنها هتقوله، و هيوافق...
أشجان باستنكار:
ـ والله؟! و هي خالتو زينة ضمنت موافقة بابا ازاي بقى؟
ـ معرفش. بس هي قالت هتقنعه..
هكذا تحدثت رنا لتقول أشجان بنبرة حازمة:
ـ طب يا رنا وقفي اللي بتعمليه دا و خلينا نتكلم...
رنا بنبرة جافة بعض الشيء:
ـ تقدري تتكلمي وانا بجهز حاجاتي أنا سمعاكِ...
حاولت أشجان التحلي بفضيلة الصبر حين قالت:
ـ يا رنا يا حبيبتي انا مش عايزة أضايقك. بس موضوع السفر دا استحالة بابا هيوافق عليه. مينفعش أصلًا.
رنا بصدمة:
ـ حضرتك بتقولي ايه؟ ليه مش هيوافق وليه مينفعش؟
أشجان بهدوء:
ـ عشان مفيش بنوته في سنك ينفع تسافر لوحدها و تبات كمان..
رنا بلهفة:
ـ سهيلة هتكون معايا و همس و لمار، و اصحابي كلهم مسافرين معايا....
أشجان بعتب:
ـ أنا كام مرة قولتلك اني عايزة أشوف سهيلة و اقعد معاها، و كمان باقي أصحابك. مش مفروض اشوفهم و اتعرف عليهم عشان أقدر اعرف اذا كانوا فعلا ناس كويسين
صاحت رنا بانفعال:
ـ مش مهم حضرتك تشوفيهم. أنا عرفاهم وهما اصحابي، و كمان خالتو زينة شافت سهيلة، و بعدين هو أنا المفروض اختار أصحابي من وجهة نظر حضرتك ؟! يعني لو عجبوكي أصاحبهم و لو لا ابعد عنهم...
شعرت أشجان بضيق الفتاة لتقترب منها تحاول أن تربت فوق كتفها وهي تقول بحنو:
ـ يا رنا يا حبيبتي. الموضوع مش كدا خالص أنا..
تفاجئت من نفور الفتاة و تراجعها للخلف مما جعل الصدمة تخيم على ملامح أشجان التي قالت بحُزن:
ـ رنا يا حبيبتي انتِ مش ملاحظة أن الفترة اللي فاتت احنا بعدنا أوي عن بعض فيها؟
اندفعت الكلمات من شفتي رنا بنبرة حادة:
ـ عشام حضرتك بتعملي كل حاجة تضايقني، و مش عيزاني أصاحب حد ولا استمتع بحياتي، و بتخلي بابا يزعل مني، و بتخليه يعترض على كل حاجة بتفرحني. حتى لو أنتِ مقتنعة بدا. اللي أنتِ بتقوليه دا ممكن يكون هو الصح عندكوا في الحارة لكن هنا عندنا مش صح.
اخترقت إهانتها صميم قلب أشجان التي تصلبت ملامحها لوهلة قبل أن يجتاحها حزنًا عميق جعل رنا تشعر بالندم لما تفوهت به و خاصةً حين قالت:
ـ الصح يا رنا يا حبيبتي مالوش علاقة بالمكان اللي أنتِ عايشة فيه، الصح صح في كل وقت و كل مكان، و لو مفكرة أن خوفي عليكِ دا معناه اني عايزة امنعك من انك تعيشي حياتك بالعكس. أنا بعتبرك بنتي. بخاف عليكِ من النسمة. بترعب عليكِ من الفتن اللي ماليه المجتمع و النفوس الوحشة اللي محوطانا. مقصدش أبدًا اخنقك أو اضايقك، و مع ذلك حقك عليا.
كانت الفتاة ممزقة بين مشاعرها تجاه أشجان و بين هذه السموم التي لوثت عقلها، فأخذت تُعاد مقتطفات من حديث سهيلة على مسامعها:
ـ أنا متحمسة للرحلة دي و مجهزة بروجرام خرافي. هنعمل حاجات مجنونة و هنقضي كل الوقت سوى.. هننبسط لدرجة أنك هتقولي مش عايزة ارجع..
ـ بس انا خايفة خالتو متقدرش تقنع بابا. بفكر أقول لماما أشجان تقنعه هي
سهيلة بنبرة مسمومة:
ـ أولًا أشجان دي مش ممتك.دي مرات باباكي، و عمر مرات الأب مابتحب ولاد جوزها. لكن بنوتي الحلوة عشان بريئة و رقيقة مفكرة أنها يا حرام بتحبك، وهي كل اللي بتعمله تمثيل عشان تكسب باباكي..
ـ سهيلة أنتِ بتقولي ايه؟
سهيلة بنبرة خبيثة:
ـ بقول الحقيقة. دي عايزة تخنقك. بجد يا رنا اسمعي كلامي. دي مابتحبكيش. اصلا لو دورتي على اكتر حد بيحبك و بيخاف عليكِ هيكون أنا، و الدليل اني مبسمحش انك تعملي حاجة غلط او تقربي من البنات وانا عارفة أن سلوكهم مش هيعجبك..
عادت رنا للنظر إلى أشجان المجروحة القلب لتحاول ألا تتأثر و جعلت نبرتها جافة حين قالت:
ـ حضرتك مش ماما عشان تحبيني بالطريقة دي، و مش مضطرة تقولي كدا عشان أنا عارفة كويس اوي مين بيحبني ومين لا. ياريت تبطلي تضايقيني و تدخلي في حياتي و أرجوكي بلاش توتري علاقتي ببابا...
لم تعد تملك القدرة على الصمود أكثر لتتدافع العبرات من مقلتيها وهي تقول بعدم تصديق:
ـ أنا مذهولة. بجد مش عارفة أقولك ايه..
أنهت حديثها وغاردت بقلب مفطور وحين كانت في طريقها إلى غرفتها شاهدت زينة التي كانت تدلف إلى غرفة المكتب ليشتعل رأسها بالغيرة، مما جعلها تغير خطتها و تهبط درجات السُلم وعبراتها تفرش الخطى أسفلها لتقرر محوها قبل أن تدلف إلى داخل الغرفة لتستمع إلى حديثه مع زينة التي قالت باهتمام:
ـ مالك يا خالد في ايه؟
خالد بنفاذ صبر:
ـ قرفان...
زينة بحنو:
ـ ليه بس كدا؟
خالد بملل:
ـ انسي. قولي كنتِ عايزة أيه؟
زينة باهتمام:
ـ مش حاسة انك في مود اني اتكلم معاك في حاجة. بس أنا موجودة لو حابب انت تحكيلي على حاجة...
ـ الحقيقة يا زينة الحكاوي دي تخصني أنا....
هكذا تحدثت أشجان وهي تدلف إلى داخل الغرفة ترسم على وجهها ابتسامة صفراء لم تصل إلى عينيها لتناظرها زينة بسخط قبل أن تتجاهلها و تتوجه بالحديث إلى خالد قائلة:
ـ واضح يا خالد ان مفيش في البيت اي خصوصية تخليني اتكلم معاك براحتي. عشان كدا هجيلك الشركة.
لم يكُن ينقصه ما يحدث الآن، و على الرغم من غضبه منها إلا أنه لم يستطِع أن يخذلنا أبدًا لذا هتف بنفاذ صبر:
ـ هو أنتِ بتتكلمي في حاجة بتهدد الأمن القومي يا زينة وانا مش واخد بالي؟ ما تقولي اللي عندك..
زينة بغضب من كلماته التي تعرف جيدًا ما السبب خلفها:
ـ معلش أنت عارف ان طول عمري حدودية و ماحبش اتكلم في اللي يخصني قدام حد غريب..
أطلق خالد زفرة حارة قبل أن يقول بجفاء:
ـ زي ما تحبي. اتفضلي شوفي وراكي أي..
غادرت زينة وهي ترغي و تزبد من فرط الغضب لتهتف أشجان بسخط:
ـ هي ليه طول الوقت بتحسسني أن بينكوا أسرار و مينفعش أني أعرفها ؟!
خالد بجفاء وهو يقلب في صفحات الورق أمامه:
ـ ابقي اسأليها..
أشجان بانفعال:
ـ هو أنا ممكن اعرف انت بتكلمني كدا ليه؟
خالد بحدة افزعتها:
ـ عشان انتِ بقى يخرج منك ردود أفعال بتضايقني و مع ذلك بحاول اتجاهلها عشان مزعلكيش..
ـ اللي هي أيه ردود الأفعال دي؟ عشان دخلت قطعت عليكوا حديثكوا الشيق و الهانم عماله تتوددلك!
هكذا هتفت بحدة، فزمجر خالد بقسوة افزعتها:
ـ أشجان... بلاش تتجاوزي في الكلام عشان متزعليش مني...
أشجان بألم:
ـ أنا مبتجاوزش. بس اكيد أنت شايف أسلوبها عامل ازاي؟
خالد بحدة:
ـ ما تولع. هو أنتِ شيفاني عيل صغير قدامك؟
أشجان بانفعال:
ـ لا مش شيفاك كدا. و اللي مضايقني انك أكيد ملاحظ...
خالد بنبرة خشنة:
ـ زينة متجرؤش تتجاوز حدودها معايا، و كمان هي شخص مهم جدًا بالنسبة لرنا، ولازم تفهمي دا، و مع ذلك قبل ما اسمحلها تقعد هنا سألتك.
اغتاظت من حديثه الذي كان يحمل الكثير من الصواب لذا هتفت حانقة:
ـ طب بخصوص رنا بقى، فاحنا في مشكلة وحضرتك مش شايف اللي بيحصل..
خالد بسخرية مريرة:
ـ أهلًا. اللي هي ايه بقى؟
أشجان بنبرة جريحة:
ـ رنا أسلوبها متغير معايا و بتعاملني كاني غريبة عنها لا مش كأني دي بتعاملني فعلًا على اني مجرد مراتك. أنا حاسة أن في حد بيوقع بيني وبينها و بيزود الفجوة بيننا.
صاح خالد بسخرية غاضبة:
ـ والله! و أنتِ عرفتي كدا لوحدك؟ طب حلو اوي. ما هو دا تحديدًا اللي قولتهولك و قولتلك كمان أني هعتمد عليكِ اعتماد كلي و جزئي في موضوع رنا دا. حضرتك عملتي ايه بقى؟!
اغضبتها لهجته و شعورها بالعجز حيال كل ما يحدث معها لتهتف بانفعال:
ـ المفروض اني اعمل ايه؟
خالد بقسوة لأول مرة تنال نصيبها منها:
ـ تعملي الصح. مفروض تشوفي ايه اللي بيحصل من ورا ضهرك و توقفيه، وتحاولي تصلحي علاقتك معاها. رنا مفيش أطيب منها. طفلة كلمة بتجيبها و كلمة بتوديها.
أشجان باندفاع:
ـ مبقتش كدا..
خالد بنبرة باردة كنصل السكين الحاد:
ـ لا هي كدا. ومش عايز ازعلك واقولك ان اللي قدر يوقع بينك وبينها دا شخص عارف هو بيعمل ايه و محدد هدفه كويس و شغال عليه لكن انتِ لا.
باغتتها كلماته و آلمتها للحد الذي جعل أنفاسها تضيق مما جعل لهجتها تخبو كنيران أطفأ وهجها المياة المُثلجة:
ـ قصدك تقول أنه أذكى مني صح ؟
كان ينظر إليها بجمود وفي صدره ركام من المعارك الصامتة التي لا يعلم عنها أحد، حملٌ ثقيل ينوء به كتف رجلٍ واحد، ولكنه كان يسير به طوال الطريق دون أن يستند أو يشتكي. كل جدار تصدّع في حياته كان يرممه بدمائه، وكل صفعة من الأيام كان يتلقاها بوجهٍ صلب لا يلين، حتى باتت روحه كأرضٍ خربتها الحروب. صامدة لكنها مهشمة من الداخل. في تلك اللحظة بالذات، وخلف قناع القسوة والجفاء الذي يرتديه، كان يتأهب للانهيار، يتوق سراً لزاوية آمنة يُلقي فيها أسلحته، ولـ يدٍ دافئة تمتد إليه دون دون حديث، و كتفٍ يضع عليه رأسه المثقل بالخيبات ويسمح لنفسه ولو لمرة واحدة أن يتعب، دون أن يُحاسبه أحد على تعبه. زفر بقوة قبل أن يقول بجفاء:
ـ قصدي قولته بصراحة. أنتِ حابة تفهمي حاجة معينة افهميها.
أشجان باستفهام جريح:
ـ يعني ايه يا خالد؟
نصب عوده الفارع وهو يتوجه إليها وقد كان هناك تناقض موحش بين هيبة جسده الفارع والانكسار الذي يحتل عينيه. الخشونة في صوته لم تكن سوى قناعٍ لقلبٍ ينزف ببطء، فالحزن الذي يجيش به لم يكن عادياً، بل كان وجع الخيبة فيمن استثناه من كل سوء في هذا العالم. التقت نظراتهما، فكانت عيناه تقصان عليها حكاية ليلٍ طويل من السهر والتفكير وضيق الصدر بسببها. عاتبها بمرارة تذبح الوجدان، وكأن كل حرف خشن يرميه نحوها هو صرخة استغاثة صامتة من رجلٍ أوجعته خيبته فيها، رجلٍ كان يرى فيها الملجأ، فضنت عليه بالرحمة:
ـ يعني لما الموضوع بيكون له علاقة بيكِ أنا عندي استعداد اهد الدنيا و أحط الكل تحت رجلي عشان خاطرك. أنا كمان محتاج اشوف منك انك بتعملي اي حاجة عشاني.
أوجعتها كلماته و ثقل ما تحمل داخلها لتهتف بألم:
ـ مش لازم أقولك أنا بتحمل ايه عشانك..
اكتظت نبرته بالغضب حين قال:
ـ و تتحملي ليه؟ مش متجوزة راجل لو عندك مشكلة تيجي تقوليله؟
ـ أشجان باندفاع:
أنت بتحصر الموضوع في زون غير اللي انا اقصدها.
خالد بسخرية مريرة:
ـ عشان أنتِ مبتقوليش اللي تقصديه بصراحة..
ضاقت ذرعًا من هذا الجدال الذي يقودها إلى طريق مليء بالشوك الذي لن تتحمل ألمه لتهتف بنبرة مُلتاعة:
ـ مش كل حاجة ينفع تتقال. في حاجات مينفعش اقولها وانا معنديش عليها دليل. عشان خالد الوتيدي بجلالة قدره. راجل عملي، و عنده الكلمة بحساب و واحد زائد واحد يساوي اتنين.
اهتاجت اوداجه غضباً و ارهقته الحيرة والمراوغة لذا هتف بقسوة:
ـ معرفش انتِ بتتكلمي عن ايه لأنك كالعادة بتلفي و تدوري لكن صح انتِ عندك حق، والمفروض حضرتك يا حرم خالد الوتيدي يكون عندك القدرة انك تسعي و تدوري ورا اللي محتاجاه و توجدي دليلك بنفسك.
لم تعد تحتمل كل هذا الضغط لتصرخ بانفعال:
ـ أنا تعبت بجد، و حاسة أن طول الوقت بجري لما نفسي اتقطع..
ضيق عينيه بصدمة من حديثها، و ارتسمت ابتسامة ساخرة بعيدة كل البعد عن المرح ليقول باستنكار:
ـ نفسك اتقطع؟! ااااه، وهو دا بقى السبب انك خدتي حبوب منع الحمل عشان متخلفيش مني؟
قال جملته الأخيرة بسخرية مريرة لتقول بجفاء لا يشبه ما يجيش بنظراتها من ألم:
ـ تقدر تعتبره كدا...
اومأ برأسه و تجهمت ملامحه و اسودت عينيه بغضب مقيت قبل أن يقول بنبرة باردة يشوبها عدم الاهتمام:
ـ حلو. أنا اعتبرته كدا فعلاً. طيب شوفي عايزة ترتاحي ازاي وانا معاكِ؟
آلمها جفاءه وطريقته التي توحي بعدم الاهتمام بما تعايشه لتتكالب عليها جميع اوجاعها و مخاوفها لتهتف بقسوة لم يعهدها منها ولم يتوقعها أبدًا:
ـ أنا محتاجة ابعد شوية. هاخد الولاد وأروح اقعد عند سوزي كام يوم!
في هذه اللحظة كان طوله الفارع يبدو كحصنٍ يوشك على التهاوي؛ لم تكن الخشونة في صوته رغبة في القسوة، بل كانت رجفة حزنٍ يحاول إخفاءها. كانت نظراته تفيض بوجعٍ مكتوم، وجع الشخص الذي تلقى الطعنة ممن ظنّه أمانه. عاتبها بعينين تلمعان بانكسارٍ مرير، وكأن كلماته الخشنة كانت تخرج من حنجرةٍ يملأها البكاء المتحجر. كان عتابه يحمل سؤالاً واحداً لم ينطقه لسانه لكنه استقر في صميم روحها: 'كيف طاوعك قلبكِ أن تفعلي هذا بي؟ وكيف هان عليكِ حزني؟' لقد كان مجروحًا منها لدرجة أنه لم يعد يملك طاقة للمداراة، فخرجت حروفه محملة بمرارة الخذلان.
ـ إيه دا؟ ايه اللي سمعته دلوقتي دا؟
أشجان بنبرة جريحة:
ـ اللي سمعته يا خالد. محتاجة اخد نفسي و أرتاح من كل الضغط دا، لو سمحت سيبني أروح..
لم تكد تُكمل جملتها حتى تفاجئت منه يجلب هاتفه و يقول باتصال لتسمعه بعد لحظات يقول بنبرة آمرة و انفاس متلاحقة:
ـ عم عبدو جهز العربية هتوصل الولاد عند مدام سوزان..
توقعت منه عناقاً يلم الشتات، أو رفضاً قاطعاً يزلزل رغبتها في الغياب، وربما صرخة اعتراضٍ مدوية تليق بحجم الألم، ولا تدري أنها أنها بقرار رحيلها هذا قد ذبحته من الوريد إلى الوريد، وتخلت عنه في منتصف الطريق بلا رحمة.
تساقطت العبرات بغزارة من عينيها، مالحة، حارقة، وخاصةً حين رأته يتراجع ببطء ليأخذ مقعده، محنياً كشجرة ضربتها العاصفة على حين غرة، ثم انكب ينظر إلى الأوراق المتناثرة أمامه بجفاءٍ مصطنع، والحقيقة المريرة أنه لم يكن يتجاهلها، بل كان يلوذ بـ الصمت كدرعٍ أخير، محاولاً بكل ما أوتي من كبرياء جريح أن يخفي كم الألم الضاري الذي يكاد يفتك بصدره. كانت تلك الأوراق أمامه مجرد ستار يخفي خلفه نزيف روحه، وجداراً واهياً يتكيء خلفه كي لا تلمح عيناها بريق الهزيمة في عينيه، أو تسمع شهقة الانكسار التي تختنق في جوفه في هذه اللحظة
ـ يالا عشان متتأخريش. عم عبدو مستنيكي بره..
هكذا تحدث بنبرة خشنة دون أن يرفع عينيه تجاهها، فقد كان في هذه اللحظة يتوق إلى أن تغادر من الغرفة ليتمكن من التنفيس عن هذا الغضب المقيت الذي يجتاح أوردته و تلك الآلام التي تكاد تفتك بروحه ليأتيه صوتها المُعذب وهي تقول:
ـ ماشي يا خالد. همشي...
ما أن سمع صوت اغلاق الباب حتى قام بإلقاء جهاز الحاسوب في الحائط ليتناثر إلى أشلاء كما تناثر قلبه تماماً، ولم يكتفي بذلك بل و حمل المقعد الخاص به ليُلقيه في أحد النوافذ، فتحطم الزجاج و كذلك هو. ليشعر بالإختناق مما جعله يقوم بفك رابطة عنقه و أزرار قميصه ليحاول تنظيم أنفاسه وهو يهمس بهسيس خشن:
ـ امشي. امشي..
كانت الكلمات تذبحه وهو ينطقها ولكم ود الصُراخ حتى يستطيع التنفيس عن كل ما يجيش بصدره ولكنه لا يملك تلك الرفاهية.
رن هاتفه فحاول سحب أنفاسه وهو يتوجه إلى الهاتف ليقوم بالإجابة على عابد الذي قال بعملية:
ـ خالد بيه جبتلك المعلومات اللي طلبتها عن أمين عبد السلام
خالد باختصار:
ـ سامعك..
ـ الحقيقة يا فندم في حاجة غريبة أوي و مش مفهومة. أمين دا شارك رجل اعمال لبناني تقيل اوي و فجأة بقى عنده بدل المصنع اتنين وتلاته. أنا معرفش ازاي دا حصل. بس اللي عرفته انه بقى مسنود جدًا و له علاقات كتير، وووو
خالد بحدة:
ـ و أيه ؟ كمل..
عابد بتوضيح:
ـ هيدخل قصادنا في مناقصة الخشب اللي داخلينها الشهر الجاي.
تشرست معالم خالد و تشنجت عضلات وجهه كما اسودت معالمه ليُزمجر بشراسة:
ـ أنا شامم ريحة قذارة في الموضوع، و لازم أعرف جاية منين.. اسمع اللي هقولهولك و نفذه بالحرف.
عابد باحترام:
ـ سامعك يا فندم.
خالد بخشونة:
ـ قبل أي حاجة عايزك تكثف الحراسة اللى عند البيت و المخبز بتوع مدام سوزان. عايز في كل متر حراسة، و مش اي حراسة. حتى تحت الأرض لو لزم الأمر. أنا مش عايز غلطة. مش عايز غلطة واحدة يا عابد سامع..
عابد بطاعة:
ـ اعتبروا حصل يا فندم.
خالد بوعيد:
ـ بخصوص الكلب دا تسمعني كويس. عشان عايز القلم المرادي يكون منه للقبر...
اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا، وَرِزْقًا طَيِّبًا، وَعَمَلًا مُتَقَبَّلًا" 🩵
★★★★★★★★★★
مرت ثلاثة أيام طويلة على الجميع و خاصةً هو ذلك الذي لم يكُن ينام الليل من فرط الألم و التفكير كالقوارض يأكل عقله ولا يجد حل او حتى طرف خيط يمكن أن يعتبره بداية لطريق عودتهم لذا توجه إلى الشخص الوحيد اللذي يعرف أنه سيساعده، فقام بطرق لعب المخبز ليجد سوزان التي كانت. تقرأ ما تيسر من أيات الذكر الحكيم، وحين رأته ابتسمت بلُطف ثم أغلقت المصحف لترحب به قائلة:
ـ اهلًا يا دكتور عمر. اتفضل..
كان عمر يقف أمامها بأكتاف مُتهدلة وجسد رغم ضخامته وبنيانه الفارع بات واهناً كأن نسمة هواء عابرة يمكنها أن تسقطه؛ فالألم ما إن يحتل القلب حتى يمتص منه الحياة شيئاً فشيئاً، ويترك المرء هيكلاً شاخصاً بلا روح.
توجه إليها وكأنه يجر خيبته خلفه، بعد أن فعل الوجع به ما لم تفعله السنوات. نمت ذقنه بكثافة عشوائية، واختلطت خصلات شعره الطويل الذي طاله الإهمال بنبتٍ من الشيب المبكر، ليغزوه الكِبر على غير أوان. و انطفأ بريق الحياة في عينيه، وارتسمت على ملامحه تجاعيد حفرها السهر والكمد، حتى بدا وكأن الأحزان قد اختصرت عمره في أيام، محولة هذا الشاب الصلب إلى كهلٍ أعيته الحياة. يسير في ركام نفسه شيخاً مكسوراً يسكن جسد رجلٍ ثلاثيني، و قد اشفقت سوزان على حالته كثيرًا و خاصةً حين قال بنبرة متعبة:
ـ بقالي كتير بلف. مش عارف أروح لمين ولا اتكلم مع مين؟ حاسس ان الدنيا جردتني من كل حاجة بملكها، و في الآخر لقيت رجلي جيباني على هنا.
سوزان بنبرة ودودة يشوبها المرح:
ـ على أساس انك مش طول الليل قاعد قدام البيت؟
عمر بابتسامة وجع:
ـ فعلًا أنا طول الليل قاعد في العربية قدام البيت. طب هروح فين؟ مفيش مكان قادر ارتاح فيه وأحس أنه بيتي، فجيت أقعد قدام بيتها.
سوزان بحنو:
ـ هون على نفسك ياعمر. كل حاجة في الدنيا ليها حل.
عمر بتعب:
ـ بحاول الله اهون على نفسي و افكر في حلول. بس مش عارف ومش لاقي.. عقلي مبيبطلش تفكير. مفيش حاجة زمان كنت بحب اعملها أو كانت بتفرحني حاسس اني عايز اعملها دلوقتي.
زفر بقوة قبل أن يقول بألم:
ـ عارفة؟ عمومًا احساس الخسارة شيء صعب. بس لما تكتشف انها مش مجرد خسارة عادية دانا خسرت الإنسانة الوحيدة اللي حسستني بطعم الحياة. الإنسانة الوحيدة اللي قلبي دقلها، و الغريب اني لما بدأت اعرف دا كانت هي ضاعت من ايديا...
تألمت لأجله و طرفت العبرات عينيها لتقول بتأثر:
ـ أنا حاسة بيك جدًا. الخسارة دي صعبة و خصوصا لو خسرت اغلى حد عندك في الدنيا. بس أنت لسه فيها، و تقدر تداوي الجرح اللي اتسببت فيه..
عمر بألم:
ـ طب ازاي؟ عايز بس طرف خيط يمشيني على الطريق الصح. أنا جوايا احساس وحش جدًا بالكره لكل حاجة حواليا حتى اسم عيلتي. بقول لنفسي يمكن لو مكنتش عمر الوتيدي كان ممكن اقابل شروق في أي مكان عادي. تعجبني و أعجبها تحبني وأحبها و اتجوزها زي كل الناس العادية..
سوزان بتعقل:
ـ مين قالك أن الناس العادية بيحصل معاهم كدا أو حياتهم بتكون بالسلاسة دي؟ انت ممكن فعلًا تقابلها و تحبها وهي تحبك بس النصيب يفرقكوا. يحط بينكوا الف عائق. زي ان ظروفك مش سامحه تتجوز وهي أهلها يجوزوها لواحد مش عايزاه و تنتهي القصة نهاية مأساوية مفيش مهرب واحد منها. لكن أنت حالك أحسن بكتير. أنت واقف على أرض صلبة. عارف انها بتحبك بس موجوعة منك، و دا العائق الوحيد اللي بينكوا. شطارتك انك تحاول تتخطاه
عمر بلهفة:
ـ حاولت...
سوزان بنبرة حانية:
ـ حاولت تاني. اكسب قلبها من جديد. تخيل انكوا لسه متقابلين في مكان عادي، وهي عجبتك و انت عجبتها. بس هي تقيلة، و مش هتسلم بسهولة هتعمل ايه بقى وقتها ؟
شرح للحظات قبل أن يقول بحالمية:
ـ هخطفها لمكان بعيد عن عيون الناس، و هفضل اقولها بحبك و مقدرش اعيش من غيرك لحد ما توافق إننا نكون لبعض؟
سوزان بتقريع:
ـ هو أنت يا ابني متطرف ليه كدا؟ يعني لا تكرفها و تكرهها في عيشتها لا تخطفها و تمرمطنا معاكوا! في اختراع اسمه وسط ممرش عليك ؟!
عمر باستنكار:
ـ مش أنتِ اللي قولتي تخيل؟ اديني تخيلت..
نهرته سوزان قائلة:
ـ لامتتخيلش تاني. تخيلاتك زي الزفت. إحنا نفكر بعقل عشان شروق عاقلة و رزينة، و عايزة تشوف بعينيها انك بتحبها و غير انك بتحبها انك عمرك ما هتغدر بيها تاني. شروق عايزة تطمن من ناحيتك...
عمر بلهفة:
ـ أنا نفسي ألاقي طريقة اوصلها بيها اني أقسم بالله عندي استعداد أفديها بروحي..
سوزان بهدوء:
ـ هتلاقي بدل الطريقة ألف. بس بالعقل و الحكمة..
صاح عمر باندفاع:
ـ حلو اوي دا لقيتها. أنا هخلي حد يضربني بالنار قدامها، فتعرف تاني بحبها..
سوزان بذهول:
ـ يا ابني انا ست صاحبة عيا و مريضة ضغط. أنت جاي تنقطني؟!
ـ ليه بس؟
ـ ليه ايه؟ أنت متفكرش تاني أحسن.
عمر بانفعال:
ـ يعني ايه خلاص كدا؟
سوزان بنفاذ صبر:
ـ لا مش خلاص. أنت بس تتوضى و تصلي ركعتين بنية أن ربنا يهديلك دماغك بدل الشياطين اللي ركباك أحسن ما البنت تضيع منك خالص. ألا قولي هو أنت بتصلي يا عمر؟
قالت سؤالها الأخير بفضول، فأحنى عمر رأسه بخجل كان غريباً كليا عليه ليُجيبها بحرج:
ـ بصراحة يعني. بقطع.
سوزان بعتب:
ـ و عايز حياتك تتحسن؟
زفر بتعب لتُتابع بنبرة حانية ولكنها قوية:
ـ طول ما انت مبتديش ربنا حقه اوعى تستنى خير. ربنا مش لازمة صلاة حد لكن إحنا لازمنا أننا نرضي ربنا و نتقرب منه و نرفع ايدينا و نقوله يارب أجبر كسرنا، و ارحم ضعفنا وقلة حيلتنا و ارزقنا من حيث لا نحتسب. أنت كعمر تقدر ترفع ايدك لربنا دلوقتي وتقول الدعاء دا؟ اوحتى تطلب من ربنا أنه يهديلك شروق..
عمر بإذعان:
ـ لا
سوزان بنُصح:
ـ عشان حاسس انك مقصر في حق ربنا ملكش عين تقول يارب. لكن لو بتدي ربنا حقه هتلاقي لسانك على طول بيطلب العون من ربنا..
عمر باستفهام:
ـ طيب هو أنا ينفع اصلي عشان اطلب من ربنا أن حياتي تتعدل كدا مش هبقى بتقرب من ربنا عشان سبب ؟
سوزان بابتسامة دافئة:
ـ وماله! هو ربنا بيختبرنا و بيبتلينا ليه؟ مش عشان نلجأله و نجري عليه؟ مش عيب انك تقرب من ربنا عشان محتاجه لكن العيب أن بعد ما ربنا ينعم عليك باللي كنت عايزه تقوم انت تنسى تشكره و ترجع تهمل عبادته تاني، وتقول خلاص ماهو اللي أنا عايزه حصل.
جعلت الأمر يبدو سهلًا حتى أنه شعر بموجة من الراحة تتسلل إلى قلبه بعد أن أعطته كل هذه الطاقة و أنارت الطريق أمامه لكي يبدأ حياته بالنحو الصحيح ليقول بصدق:
ـ تعرفي أن كلامك مريح أوي ؟
سوزان بنبرة ودودة:
ـ الراحة اللي بجد هي القرب من ربنا. يااااه الدنيا و مافيها، و يمكن اللي حصلك دا عشان تفوق يا ابني لنفسك و تلحق اللي فاتك و تعيد حساباتك في علاقتك بربنا، و وقتها اطلب منه المستحيل ﴿وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ صدق الله العظيم
سورة إبراهيم: الآية رقم (20).
أخذ نفسًا عميقًا حتى ارتوى صدره ليقول بابتسامة رضا و امتنان:
ـ أنا مش عارف اشكرك ازاي؟ أنتِ نورتيلي طريقي اللي كان كله ضلمه. حقيقي أنا مش لاقي كلام أقوله.
سوزان بحب:
ـ قول لا إله إلا الله سيدنا محمد رسول الله
عمر بنبرة هادئة:
ـ لا إله إلا الله سيدنا محمد رسول الله.
سوزان بابتسامة جميلة:
ـ عايزة أشوف من عمر اللي يخليني ليا عين أقول لشروق انك تستحق فرصة تانية.
عمر بصدق:
ـ اوعدك. بس بشرط ؟!
قطبت سوزان جبينها وهي تقول:
ـ شرط ايه؟
عمر بنبرة مُتحشرجة من فرط التأثُر:
ـ تعتبري من النهاردة أن عندك ابن لما تضيق بيه الدنيا هيجري عليكِ يشكيلك و مش عايز منك حاجة غير انك تطبطبي عليه و تقوليله اطمن، كل حاجة هتبقى كويسة...
أغرورقت عينيها بالعبرات، فهي تعلم أنه يملك أسوأ أم في هذا العالم لذا مدت يدها لتربت بلُطف فوق كفيه وهي تقول بنبرة حانية:
ـ اطمن. كل حاجة أن شاء الله هتبقى كويسة..
كان له ما أراد ليقوم باحتضان كفيها بقوة وهو يقول بنبرة مُتحشرجة، فالعبرات كان في طريقها إليه:
ـ يا بختهم بيكِ.
سوزان بابتسامة دافئة:
ـ ما أنت خلاص بقيت منهم...
لم يكن التأثر من جانب هؤلاء الاثنين فقط، فقد كان خلف الجدار تحديدًا في غرفة الخبز هناك من يرتجف جسده من فرط التأثر و الألم معًا ولكنها كانت تحاول ألا تُصدر صوتًا، فيعرف أنها سمعت حديثهم، ولكن في الحقيقة حين رأت سيارته تقف على الطريق العام أمام سور المخبز شعرت بأنه سيأتي إلى سوزان طالبًا العون، وقد صح ظنها، ولكم أرادت في هذه اللحظة احتضانه بقوة و الربت بلُطف فوق ظهره و إخباره أن كل شيء سيكون بخير، ولكنها كانت أمنية بعيد المنال، فطريقهم معًا لازال طويلاً مليء بالأشواك..
اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَرَبَّ الْأَرْضِ وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى، وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْفُرْقَانِ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ، اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ، وَأَغْنِنَا مِنَ الْفَقْرِ". 🩵
★★★★★★★★
كانت تحتضن جسدها و تبكي بحرقة كما اعتادت أن تفعل طوال الثلاث أيام المنصرمة، فقد تركها دون خبر او اتصال او حتى سؤال! لم تكن تتخيل أن يطاوعه قلبه على تركها كل هذا الوقت، ولكنه فعل! و هي الآخرى أبت كرامتها عليها الاتصال به، فقد كانت تطمئن عليه من يزيد و هي تمطره بوابل من التحذيرات حتى لا يخبره أنها تطمئن عليه.
ـ طب وبعدين يا مرزوق؟ الجدع دا سايبها ولا سائل فيها اديله تلت أيام. مش واجب تكلمه بردو و تسأله في ايه؟ و سايب مراته ليه؟
هكذا تحدثت صابرين إلى مرزوق الذي عنفها قائلاً:
ـ أنتِ اتجنيتي يا ولية؟ بدل ما هو اللي يكلمني علشان يصالحها أروح أنا اكلمه؟
صابرين بلهفة:
ـ مش القصد. بس ميرضيش ربنا بعد ما خد ورثه و بقى هيسكن في قصر يرميلنا البت. مع اني واثقة أن كل دا من تخطيط اللي ما تتسمى هيام.
مرزوق بضيق:
ـ بنتك طول عمرها حظها قليل. هنقول ايه بس؟ أنا هقوم اريح ساعتين قبل صلاة المغرب وهروح أصلي في الجامع اللي بيصلي فيه جابر. يمكن يكلمني في حاجة.
صابرين بلهفة:
ـ أن شالله ياخويا. ربنا يفك عقدته..
مرت نصف ساعة وهي جالسة تشاهد التلفاز و تقوم بتقطيع الخضروات لتسمع جرس الباب يرن، فتوجهت لمعرفة من الطارق، فإذا بها تجد إمرأة ترتدي النقاب و تتشح بالسواد، فلم يظهر منها سوى سواد عينيها المرعب مما جعلها تقول باستفهام:
ـ أهلًا ياختي. أنتِ مين و عايزة أيه؟
دلفت المرأة إلى الداخل لتغلق الباب خلفها ثم قامت برفع النقاب لتشهق صابرين بعُنف وهي ترى عنايات التي كان الشر يقطر من نظراتها و نبرتها حين قالت:
ـ أنتِ عارفة أنا مين كويس. أما جاية ليه بقى، فعشان أخد روح المحروسة بنتك...
يتبع....
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!