بسم الله الرحمن الرحيم
قبل القراءة حفظنا الفوت الجميل و الكومنتات القمر على الفقرات اللي حبتوها آمين؟آمين يالا يا حلوين قراءة ممتعة 😂♥️
السبيل السابع والعشرون ج١❤️🔥
رسالة لن تصل إلى صاحبها:
" بكامل إنكساري، وبكل ما أوتيت من أسفٍ مرير. أبوح لك اليوم بما عجزت إرادتي عن كتمانه:
أنا لازلتُ أتنفسك...
لقد أحرقني الفِراق، و أضناني الألم، و ذبحني الشوق، لكن حبكِ لم يغادر كما فعلت، بل تغلغل في أعماقي كوشمٍ أبدي تجدر في جسدي و كأنه عقِد مع دمي حلفاً قويًا لا ينفصم إلا بإنفصال الروح عن الجسد. وأنا التي ظننت بأن البُعد يقتل العشق، فإذا به يميتني و يُحييك في داخلي.
أشتاقك.. أشتاقك بقدر كل لحظات الألم التي عايشها قلبي في بعدك وبعدد كل دمعةٍ جرت من عيني وأنا أبكي لوعة غيابك غارقة في لحظاتٍ يذبحني فيها الحنين، فيقودني قسراً إلى رداءٍ يحمل رائحتك كنت قد خبأته ذات ليلة بين أشيائي الثمينة، لأظل أتنفس بقايا رائحتك العالقة به بنهم غريق يتشبث بآخر أنفاس الحياة، فحُبك كان بمثابة جمر ظنه الفِراق رمادًا، فما زادته رياح البُعد إلا اشتعالًا..
وأخيراً أفتقدك... أفتقدك بالرغم من الجراح النازفة و الآلام التي لا تهدأ ولا يسكُن أنينها، افتقدك بالرغم من أنني أعلم بأنك لن تسمع صرخات روحي و ذلك لأن لي كبرياءً صارم سيشنقُ هذه الكلمات على أعتاب شفتي قبل أن تصل إليك. كبرياءً يقف بيننا كجلادٍ يُحصي أنفاسي، و يحفظ كرامتي النازفة ويمنعني من الارتماء في بين ذراعي من ذبح الطمأنينة بصدري.
أعلم جيدًا أن الشوق هوان وأن بوحي هذا يُعد انتحار، لكنه انتحار صامت هاديء ليس له ضجيج؛ فهذه الحروف لن تُغادر عتمة صدري، ولن تُبصرها عينيك أبداً، و أعلم أيضًا أنني سأموت ذات يوم بحُمى الفقد وسأدفن بيدي جثة اشتياقي تحت نُصب كبريائي العنيد، لتبقى أنت في غيابك سالمًا، وأبقى أنا في صمودي مُحطمة.
نورهان العشري ✍🏻
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
ـ خير يا خالد في ايه؟
هكذا تحدث كمال بقلق وهو يرى خالد الذي كانت الغضب يظهر جليًا في ملامحه و عينيه و نبرته حين قال:
ـ خير! هو أنتوا وراكوا خير؟! ولا اللي يشوفكوا يعرف خير؟
صُدِم كمال من حديث خالد و كذلك عمر لتطوف عينيه فوق كُلًا من رحيم الذي لا يقل غضبه عن غضب خالد، و هيام التي بدا وأنها بكت كثيرًا و بجانبها غنى التي كانت لاتزال تبكي، و أخيرًا جابر الذي كانت ملامحه متجهمة ليهتف كمال بخوف:
ـ ياسر فين؟
و هتف عمر من الخلف مرتعبًا:
ـ و يزيد؟ حد منهم جراله حاجة؟
لم يكد يُنهي جملته حتى خرج يزيد من الغرفة و بجانبه مجموعة من الأطباء ليقترب خالد منه قائلًا بقلق:
ـ ياسر عامل ايه؟
يزيد بتعب:
ـ كويس متقلقش. الرصاصة جت في كتفه زي ما قولتلك، والحمد لله مجتش في منطقة حيوية من جسمه..
تحدث رحيم بغضب ساخر:
ـ المرة الچاية هتاچي يا دكتور متجلجش...
زفر خالد حانقًا قبل أن يقول بجفاء:
ـ أجل الكلام دا دلوقتي يا رحيم. دخل مراته تشوفه و تطمن عليه، و بعدين نبقى ندخل احنا.
كانت كل ذرة بها ترتعب منذ أن رأته يسقط غارقاً في دمائه لم يكن ما تشعر به مجرد خوفًا عابرًا، بل هو ذعرًا حقيقيًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، في تلك اللحظة حين رأته غارقًا في دمائه صرخت بقوة و كأنها أرادت أن تهتز الأرض لمصيبتها، ثم هدأت و كأن حبال الصلة بينها وبين العالم الخارجي قد انقطعت، و اخفتت الأصوات حولها حتى تحولت إلى طنين مبهم، وبدت الوجوه والحركات كفيلم سينمائي قديم يعرض بلا صوت.
دخلت في حالة من الإنكار الصارم رافضة تصديق ما تراه حتى أن رئتيها بدت رافضة أن تتنفس، فكثُرت تنهيداتها وكأنها تتوسل إلى الهواء ألا يخذلها هو الآخر. كانت الخسارة هنا ليست مجرد غياب لشخص عزيز، بل هي عملية بتر للروح حيث تقف على حافة الهاوية تشاهد نصفها الآخر وهو يسقط مدركة أنها إذا فقدته، فلن يتبقى منها سوى شبح لإمرأة أحياها العشق و قتلها الغياب..
ـ غنى. قومي ادخلي عشان تطمني على ياسر..
تزاحمت اللهفة في عينيها دون أن تفصح شفاهها عن شيء فقط نصبت عودها و توجهت بخطوات مرتجفة إلى داخل الغرفة، لتقع عينيها على ياسر الذي كان يجلس فوق السرير و ذراعه مضمد بالكامل و مُعلق في رقبته، و ما أن رآها حتى اعتدل في جلسته وهو يهتف بلهفة:
ـ غنى..
خرجت الحروف مرتجفة هامسة من بين شفتيها و كأنها غير مصدقة أنها تراه حيًا أمامها:
ـ ياسر..
لاحظ حالتها، فهب من مكانه متوجهًا إليها دون الالتفات إلى ألمه وهو يقول بنبرة عاشقة:
ـ أنا كويس يا روح قلب ياسر..
وكأن جملته بثت الحياة بجسدها لتتعالي شهقاتها وهي تهتف بلوعة:
ـ ياااااسر...
لم تكمل جملتها كان قد حاوط خصرها ليحملها بيده السليمة و يعانقها بكل ما أوتي من عشق، فهذا الذعر المرتسم على ملامحها والألم الذي يتساقط من عينيها و رجفة جسدها بهذه الطريقة بين يديه جميعها أشياء جعلته يكاد يُجن حتى يمحوها و يُعيد الصفاء إلى ملامحها مرة أخرى، فتوجه بها إلى السرير ليجلس وهي بين ذراعيه يهدهدها كطفل صغير، يديه تحنو، و شفتيه تغازل و كلماته تطمئن روحها المُعذبة:
ـ ايه كل الدموع دي يا غُريبة قلبي؟
غنى بهمس:
ـ مش مصدقة انك قدامي. شكلك وانت غرقان في دمك....
قاطع حديثها بطريقة خطفت أنفاسها حين هوى يرتشف حزنها مع رحيقها العذب، وكأنه يؤكد وجوده بجانبها بالأفعال ولكنه كان مـراعيًا لحالتها ليتراجع عنها وهو يقول بنبرة عابثة:
ـ وأدي إثبات واضح و صريح اني هنا قدامك، و يارب يكون لسه عندك شك. عشان أأكدلك المرة دي بإثبات لا يقبل الشك..
نجح في رسم البسمة فوق شفتيها التي تشققت بفعل البكاء، ليهتف ياسر مُهللًا:
ـ اللهم صل عالنبي. دانا جرحي طاب من الضحكة يا جدعان..
أخجلتها كلماته فأخفضت رأسها وهي تقول بارتباك:
ـ ياسر بطل كلامك دا...
ياسر بتحسر:
ـ والله ياسر غلبان. مش في أيده حاجة غير الكلام في الوقت الحالي. بدراع واحد و في المستشفى، و كفار قريش مستنيني بره.
رفعت غنى رأسها وهي تقول بلهفة:
ـ أيوا صح. دول كانوا هيتجننوا عليك. يدوب يزيد كلمهم لقيناهم جم و خالد قالب الدنيا عشان يعرف مين عمل كدا ؟ هو مين عمل كدا يا ياسر؟
ضيق ياسر عينيه قبل أن يقول بنبرة متوعدة:
ـ هعرف، و هخليه يدفع تمن اللي عمله دا غالي أوي..
هبت غنى من مكانها و هتفت بانفعال:
ـ بس انا عارفة.
صُدم ياسر من حديثها وقال مُستفهمًا:
ـ يعني ايه عارفة؟
غنى بلوعة:
ـ هو أنا أغمي عليا ليه لما عرفت اللي عملتوه في رأفت؟ عشان عارفة أن عنايات و الزفت جوزها مش هيستكتوا. أكيد هيعرفوا الملعوب اللي عملتوه و هياخدوا تاره، و أدي اللي حسبته لقيته..
ياسر بحدة:
ـ ما يتحرقوا ولا يولعوا بجاز. هو أنا هخاف منهم! ولا الخربوش دا هيأثر معايا؟ اتأكد بس أنهم ورا اللي حصل وانا و عزة جلالة الله هخليهم يحصلوه ابنهم.
جن جنونها، فهتفت بانفعال:
ـ أنت بتقول اي يا ياسر؟ بدل ما تندم على اللي أنت عملته؟
ياسر بقسوة:
ـ نعم ياختي ! أنتِ اتهبلتي في عقلك ؟ اندم على أيه ؟ اندم اني جبتلك حقك من ابن ال**** هو و أمه؟
غنى بحدة:
ـ أنا مطلبتش منك دا. حقي عند ربنا هو اللي هيجبهولي منهم. أنا كل اللي عايزاه منك انك تحافظ على نفسك عشان أنا مقدرش اعيش لحظة من غيرك. أنا قلبي كان هيقف لما شوفتك واقع و غرقان في دمك..
كان الغضب يتراقص في مقلتيه و لم يعد يحتمل سماع اي شيء في هذا الأمر لذا قال بنبرة آمرة:
ـ غنى. اعمليلك قفلة عشان مش طلباكي، و لو رجع بيا الزمن حتى لو كان فيها موتي هعمل كدا.
أعماها الخوف و الغضب في هذه اللحظة لتصرخ بصوت عالٍ تخطى حدود المسموح:
ـ يبقى مش هعيش معاك لحظة واحدة لو هتفضل تفكر بالطريقة دي...
في هذه اللحظة دخلت هيام لتستمع إلى حديثها الذي اغضبها بقوة مما جعلها تقول بحدة
ـ و أيه السم اللي بيخرج من بقك دا يا ست غنى ؟ دا كلام تقوليه لجوزك اللي لسه واخد طلقة في كتفه؟!
أما عنه، فقد تجمدت ملامحه من فرط الصدمة و اطفأ الألم بريق عينيه حين سمع كلماتها التي مزقت أحشاؤه من الداخل، و بالرغم من كل هذا الألم إلا أن لهجته كانت باردة كالصقيع حين قال:
ـ هو أنتِ حطالي شروط عشان تكملي معايا؟!
تهدلت أكتافها بتعب وحاولت أن تقمع عبراتها و تمحو الرجفة من نبرتها حين قالت:
ـ سميها زي ما تسميها. بس أنت عارف كويس اوي أني ممكن أروح معاك النار معنديش مشكلة. لكن انك تحط نفسك في وش المدفع مش هسمحلك. انك تعرض نفسك للخطر و تخليني احس الاحساس المرعب اللي حسيته النهاردة دا تاني يبقى لا، و ألف لا يا ياسر...
كان تبريرًا مقبولًا أن احتكم العقل و القلب ولكن هناك من سمم الأول و جرح الثاني حين قال:
ـ أصيلة والله يا غنى. بدل ما تاخدي جوزك في حضنك و تطبطبي على جرحه واقفة تعلي صوتك عليه، و تشرطي كمان....
استدرارت غنى إلى هيام بحدة ليصرخ ياسر بنبرة أفزعتها:
ـ يزيد...
دلف يزيد إلى الداخل ليكمل ياسر بنبرة قاسية وهو ينظر إلى غنى:
ـ وصلها البيت...
توسعت عينيها بصدمة من حديثه كما تألم قلبها بشدة لقسوته و عدم تفهمه لخوفها عليه ليتلبسها شيطان الغضب و التفتت موجهة حديثها إلى يزيد:
ـ وديني على بيت أهلي يا يزيد...
غادرت و خلفها يزيد الذي غضب بقوة مما حدث ولكنه لم يُعلِق ليكز ياسر علي أسنانه و أحكم قبضته بقوة من جملتها التي استقرت في منتصف قلبه لتقترب هيام منه وهي تربت فوق صدره بحنو تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ والله ما أنت مزعل نفسك. جرحك لسه حي يا قلب أختك.
ياسر بنبرة غاضبة حد الألم:
ـ أنتِ مش سمعاها بتقول ايه؟
هيام بلهفة:
ـ متاخدش على كلامها. دي عيلة هبلة و عايزة قرصة ودن تعدلها. اسمع مني الدلع و الحنية أوقات كتير بيجيبوا نتايج عكسية. أنت شوية تشد و شوية ترخي. تقوم هي تفهم أن مش معنى انك بتحبها. انك ضعيف قدامها. لاااا. كدا تركب و تدلدل رجليها..
في هذه اللحظة دلف خالد الى الغرفة، و من خلفه كُلًا من رحيم و عمر و كمال ليقول الأول باهتمام:
ـ عامل ايه دلوقتي ؟
ياسر باقتضاب:
ـ الحمد لله أحسن.
اطمئن رحيم على حالته قائلًا:
ـ حمد لله على سلامتك يا واد عمي. طمني عليك..
ياسر بجمود:
ـ الله يسلمك يا رحيم أنا كويس..
تحدث عمر أيضًا:
ـ ألف سلامة يا ياسر. شدة وتزول يا ريس
ياسر باختصار:
ـ الله يسلمك يا كمال..
كان حديثهم قد وصل إلى مسامع الجميع في الخارج مما جعل كمال يقول بجفاء:
ـ ما صوتك ملعلع أهو اومال قالقنا عليك ليه؟
هيام بعتب:
ـ الملافظ سعد يا كمال. دا يا حبة عيني وشه أصفر لمونة ازاي؟
كان خالد قد سمع حديثها الذي ذكره بشقيقته، فشعر بالغضب منها مما جعله يقول بنبرة جافة:
ـ جوزك بره و شكله مرهق و تعبان يالا روحي معاه واحنا هنجيب ياسر و نيجي وراكوا..
هيام برفض قاطع:
ـ لا طبعًا يا خالد. أروح فين و أسيبه؟
قاطعها رحيم بحدة:
ـ هو احنا مش ماليين عينك ولا اي يا هيام؟ ما تسمعي الكلمة، و زي ما خالد جالك هنروحوا لحد الدار.
خالد بنبرة خشنة:
ـ يالا يا هيام.. عشان أنا لا عندي وقت ولا خُلق للكلام الكتير...
حاوطها ياسر بذراعه السليمة وقبل أعلى رأسها وهو يقول بنبرة لينة بعض الشئ:
ـ يالا يا حبيبتي. روحي من الحاج جابر وأنا هرجع معاهم، و مش هنتأخر متقلقيش..
أضطرت للإذعان في نهاية الأمر و غادرت مغلقة الباب خلفها ليبدأ خالد بالحديث حين قال بتقريع:
ـ بالله عليك انت شخص مسئول؟
ياسر بنفاذ صبر:
ـ انا عملت ايه يا خالد؟
خالد بحدة:
ـ قول معملتش ايه؟ هو أحنا يا بني آدم مش متفقين أن محدش في العيلة كلها هيمشي من غير الحراسة ؟ ايه اللي خلاك تمنعهم يأمنوا البيت..
ياسر بحنق:
ـ هو البيت دا في التجمع يا ياسر؟ دا في حارة. يعني وجود حرس و بودي جاردات هيلفت الانتباه، و مش بعيد الناس كلها تقف تتفرج..
صاح رحيم مُعنفًا:
ـ يتفرچوا ولا يتحرجوا. عاچبك اللي حوصول ده ؟ افرض كانت الرصاصة چت في.نافوخك ولا في صدرك جصفت عمرك ؟ كنت هتروح لابوك تجوله ايه؟
أيده خالد مُضيفًا:
ـ ولا مراتك اللي كان هيجرالها حاجة من الخوف والرعب عليك. دا كلام بزمتك؟!
حين أتى على ذكرها اهتاجت جيوش شوقه و غضبه في آنٍ واحد ليهتف بانفعال:
ـ ماهي الهانم اللي كان هيجرالها حاجة من الخوف غضبت وراحت عند أهلها أول ما اطمنت عليا...
تفرقت أنظار الرجال ليتدخل عمر قائلًا بجمود:
ـ بلاش ترمي دماغك للشيطان و تخلي كلمة تجيبك و كلمة توديك يا ياسر. عشان محدش هيندم غيرك..
ياسر بحدة:
ـ أنا مش هندم عشان مجتش عليها يا عمر. لكن هي هتندم عشان أنا ميتلويش دراعي..
لم يستطِع كمال الصمت أكثر بل تدخل قائلًا بجفاء:
ـ طيب بما أنك شايف انك مش غلطان، فخليني اتكلم معاك بصراحة. البنت عندها حق تخاف عليك و كلام هيام ليك صدقني غلط في غلط. أنا يمكن معرف غنى بس شوفت هي قد أيه بتحبك.
ياسر بصرامة:
ـ هيام مقالتش غير الصح. يمكن طريقتي معاها هي اللي خلتها تفكر أنها ممكن تلوي دراعي وانا عشان بحبها هقبل بأي حاجة تقولها.
كمال بنفاذ صبر:
ـ كلام هيام دا مكانه الوحيد هو الزبالة. على فكرة يا ياسر. هيام واضح جدًا أنها بتغير من غنى، و عشان تبقى في الصورة لما اتحبست وروحنالها أنا وآسيا احنا دخلنا لقينا هيام مبهدلة غنى و شوية و كانت هتضربها و سمعتها أسوأ كلام ممكن حد يسمعه، ولولا أننا وصلنا في الوقت المناسب منعرفش كان الموضوع هيوصل معاها لأيه،و اتهمتها أنها السبب في اللي حصلك. معرفش انت عندك علم بالموضوع دا ولا لا. بس كان لازم أقولك.
بهتت ملامح ياسر من الصدمة ليتدخل خالد في الحديث قائلًا:
ـ واضح إنك متعرفش و أن غنى مقالتش، و دا لو ليه معنى، فهو أن البنت دي بنت ناس و بتحبك حتى لو غلطت و قالت كلام في لحظة انفعال كان مفروض تحتوي الموقف، و متسمحش لحد يملى دماغك من ناحية مراتك..
سانده رحيم هو الآخر قائلًا:
ـ صوح الحديت ده يا واد عمي. افصل بين التنين عشان ترتاح و تروج دماغك. الحريم مشاكلهم كتير مفضيينش احنا.
تحول غضبه إلى بقعة آخرى وهو يتخيل ما حدث ولكن خالد لم يُمهله الوقت إذ قال بنبرة خشنة:
ـ و دلوقتي خلينا نتكلم في المهم. إيه قصة ضرب النار دي! و حوارك مع اللي اسمه عبد الحفيظ الصباغ دا؟
ياسر باستفهام:
ـ هو أنت عرفت منين حوار عبد الحفيظ الصباغ دا؟
خالد بنفاذ صبر:
ـ واحد اتصل على يزيد وقاله قول لأخوك اني مش هسكت غير لما أموته زي ما اتسبب في موت ابني، ويزيد قالنا ان الراجل دا اسمه عبد الحفيظ الصباغ. أية قصته دا بقى؟!
تحمحم ياسر قبل أن يقول بنبرة ذات مغزى:
ـ دا موضوع حساس يا خالد. هبقى احكيهولك بعدين..
زفر خالد بغضب قبل أن يقول باختصار:
ـ يالا عشان نروحك..
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28] 🩵
★★★★★★★★★
تجمدت الدماء بأوردتها حين رأت تلك المربية وهي تعامل الطفل معاملة سيئة وتحاول أن تجعله ينام بالقوة وهي تهتف حانقة:
ـ نم أيها الطفل الغبي، لقد سئمت منك، و سئمت من بكائك اللعين هذا. هي نم أو مت لا اهتم..
في خضم انفعالها و بكاء الصغير لم تستمع إلى صوت الباب الذي انفتح و أطلت منه آسيا التي اقتربت تدفعها بقوة وهي تصرخ بانفعال:
ـ ماذا تفعلين أيتها الحقيرة؟ هل هكذا تتعاملين مع طفلٍ صغير؟
سقطت المربية أرضاً وهي تنتفض من شدة الفزع، حين رأت آسيا التي أمسكت بها وهي تعنف ذلك الصغير البريء الذي كان وجهه مُحمرًا من شدة البكاء لتحمله آسيا بين أحضانها وهي تهدهده بلُطف تحاول تهدئته وقد كان الطفل ينظر إليها وهو يبكي و كأنه يشكو لها الشعور المرعب الذي عايشه مع تلك العديمة الإحساس لتضمه آسيا إلى صدرها وهي تحاول طمأنته، فقد كان تصرفًا عفويًا تجاه طفل شاهدته يُعنف بطريقة غير آدمية، في هذه اللحظة لم تتذكر ابن من يكون ؟ ولا كونه ثمرة خيانتها الموجعة، بل كادت أن تفتك بهذه الفتاة الملقاة أرضًا ترتجف من الرعب الذي تجلى في نبرتها وهي تحاول تبرير فعلتها:
ـ سيدتي. لقد. لقد فهمتي الأمر بشكلٍ خاطئ، لم أكُن أعنفه. كنت. كنت أحاول أن اجعله ينام..
لم تدعها آسيا تُكمِل حديثها بل صرخت في وجهها بقوة:
ـ اخرسي. أيتها الكاذبة اللعينة، و تجرؤين إلى الكذب أمامي! ماهذه الوقاحة؟ هيا اغربي عن وجهي واعلمي أنها المرة الأخيرة التي ستضعين يدك عليه. هيا اغربي...
هبت الفتاة مذعورة لتندفع إلى الخارج بينما آسيا تبدلت نظراتها وهي تنظر إلى عيني الطفل الجميلة التي تغلفها طبقة كريستالية من العبرات لتحاول آسيا محوها بلُطف تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ خلاص مشيت. خليك راجل بقى و بطل عياط.. دا أنت وتيدي يعني جايب الاحساس دا كله منين؟
أنهت حديثها و ابتسمت ليبتسم الطفل أيضًا، فأخذت نفسًا عميقًا قبل أن تقول بنبرة يخالطها مرارة الخذلان:
ـ فرحان عشان لقيت حد يدافع عنك. أنا كمان جه عليا وقت كان نفسي ألاقي حد يدافع عني. بس للأسف في كل مرة كنت بلاقي نفسي لوحدي. لحد ما اتعلمت ادافع عن نفسي..
ابتسامة مريرة ارتسمت على شفتيها وهي تتابع:
ـ طبعًا مش كل مرة بعرف أخد حقي. بس أديني بعافر، و ربنا بيكرم يعني...
كان الطفل يبدو و كأنه يستمع إلى حديثها باهتمام وهو ينظر إلى داخل عينيها لتبدأ هي في هدهدته و عينيها تشتبك مع عينيه في لحظات بثته حنانًا يحتاجه و استمدت منه راحة نفسية تحتاجها، و في هذه اللحظة قررت أن لا تنظر إلى أبعد من وجه الطفل، لن تنظر إلى صلته بهذا الرجل ولن تراه بعد الآن رمزًا لخيانتها، فما ذنب الطفل المسكين كونها أحبت ذلك الخائن؟
بدأ الطفل يخلد إلى النوم رويداً رويدًا حتى أغمض عينيه أخيرًا، وفي هذه الأثناء سمعت صوت أقدام في الخارج، فارتجف جسدها، و كأنها ترتكب جرمًا كبيرًا، فاقتربت لتضع الطفل في سريره، تزامنًا مع انفتاح الباب بقوة افزعت الطفل الذي انتفض باكيًا لتشهق آسيا بفزع هي الآخرى وهي تشاهد كمال الذي كانت ملامحه متصلبة، و عيناه كانت كجمرتين متقدتين تقطران شرراً أحرق كل ما تبقى من هدوء في داخلها. لم يكن غضباً عابراً، بل كان سيلًا جارفاً يوشك أن يلتهمها لتتراجع خطوة إلى الخلف وقد تجمدت الدماء في عروقها، و تسارعت أنفاسها وانقبض صدرها بضيق، كأنها تقف أمام وحشٍ حطم قفصه للتو، و هيبدو أنها ستكون فريسته، ولكنها أبت أن تدع الخوف يكبلها و خاصةً حين سمعت صوت تلك المربية الحمقاء تهتف بانفعال:
ـ أرأيت يا سيد كمال؟ أنها تعامله معاملة سيئة، ولهذا طردتني. حتى لا أخبرك بفعلتها النكراء...
توسعت عيني آسيا من إدعاءات تلك الحقيرة، فلم تشعر بنفسها سوى وهي تقترب منها وتحاول صفعها وهي تصرخ بحدة:
ـ ماهذا الهراء الذي تتفوهين به أيتها الساقطة ؟
المربية بذُعر:
ـ ابتعدي عني..
نالت المربية صفعة لم تكن قوية من يد آسيا لأن كمال تدخل ليقف بالممنتصف، وهو يهتف بحدة:
ـ آسيا خلاص وقفي الجنان دا..
قاومته آسيا وهي تريد من النيل من هذه الفتاة الكاذبة لتهتف بحنق:
ـ سأقوم بقطع لسانك الكاذب هذا... تعالي إلى هنا..
حاوط كمال خصرها بيد و بالآخرى كان يحاول تخليص خصلات شعر آنا من بين يديها وهو يصرخ بصرامة:
ـ آسيا قولتلك خلاص بقى...
تلاشت كل ذرة هدوء تمتلكها، فقامت بجذب نفسها من بين يديه وهي تلتفت ناظرة إليه بغضب و عينيها تتوهج بغضب يكلله عبرات غزيرة اهتزت بها جفونها لتصرخ بنبرة مُلتاعة:
ـ بلا آسيا بلا زفت اوعى ايدك دي من عليا. الحيوانة دي أنا دخلت عليها لقيتها بتضرب الولد وبتحاول تنيمه بالعافية عشان كدا طردتها. لكن تصدق أنا غلطانه، مفروض كنت سبتها تبهدل فيه عشان تعرف قد ايه انت شخص مستهتر و متستهلش أصلًا أن حد يبص في وشك ولا يعبرك..
تدحرجت العبرات من بين مقلتيها بغزارة تزامنًا مع انهائها الحديث لتستدير تنوي المغادرة، ولكن يداه أوقفتها وهو يقول بلهفة:
ـ آسيا استني..
نزعت يدها من بين قبضته وهي تصرخ باكية:
ـ اوعى كدا سيبني..
كاد أن يذهب خلفها إلا أن يد آنا أوقفته والتي هتفت بضعفٍ كاذب:
ـ سيد كمال رجاءً لا تصدق إدعائها. هي من أساءت معاملة الطفل و تريد إلصاق التهمة بي.
قاطعها كمال حين زمجر بشراسة أفزعتها:
ـ اخرسي، و احملي حقائبك و غادري في الحال، و أقسم أنني لو رأيتكِ هنا في الصباح، فسأجعلك طعامًا لكلابي..
تراجعت الفتاة مذعورة بينما اندفع هو تجاه غرفة آسيا التي كانت تقف في الحمام أمام انعكاسها في المرآة وهي تصرخ بتوبيخ:
ـ شاطرة يا آسيا هانم. بهدلتي نفسك وقللتي منها وحطيتي كرامتك تحت رجليه. تستحقي كل اللي يجرالك. عشان مهزقة و حيوانة و بتسمعي كلام قلبك الغبي.
قامت بحمل أحد الزجاجات الموضوعة فوق الرف الجانبي و قذفتها بعُنف في المرآة لتتحطم و تحدث صوتًا عاليًا وهي تصيح بقهر:
ـ غبية يا آسيا. غبية و ستين غبية..
هوى قلبه بين ضلوعه حين سمع صوت زجاج يتحطم، واخترقت كلماتها المُعذبة أذنيه كخنجرٍ مسموم. في تلك اللحظة الخاطفة، تلاشت كل تلك الحصون الشاهقة التي شيدها بينهما عبر شهور من الجفاء، و البعد، وانهارت كبيتٍ من الرمال وخسر وجعه معركته أمام خوفه الجارف عليها. فبالرغم من كل الألم الذي يتجرعه بسببها، إلا أن رُعبه عليها هزم كبرياءه في لمح البصر. و مزقت صرخاتها أحشاءه وكأنها تفتك بأوتار روحه، فلم يعد يرى أو يسمع سوى طيفها الخائف؛ وبلا وعي، هرول إليها بجسدٍ ينتفض، ساقطاً في فخ حب عجزت كل الحواجز عن قتله ليراها تقف أمام المرآة تنتفض ألمًا و تتهادى عبراتها تحفر وديان الألم فوق خديها و أمامها زجاجٍ متناثر تمامًا كحالها ليهمس بأنفاس مقطوعة:
ـ حصل ايه؟
انصبت جميع مشاعرها في بوتقة الغضب، و انتفض كبريائها الذي أبى أن يمنحه شرف رؤيتها وهي في هذه الحالة لتهتف بشراسة:
ـ محصلش. أخرج بره.
زمجر كمال مُحذرًا:
ـ أنا ميتقاليش كدا.
صاحت بانفعال:
ـ أنا أقول اللي أنا عايزاه. أخرج..
توقف عقله عن التفكير، و تخدرت جوارحه وهو يرى شتاتها، وهذا الألم الطاغي الذي يذبح بدمٍ باردٍ وهج الياقوت في عينيها الذي لطالما تاه في سحرهما.، وفجأة وتهاوت جميع الحواجز التي كانت تقطع طريق الوصل بينهما كقصورٍ من ورق. لتغمره عاطفة قوية ألغت عقله وهزمته شر هزيمة أمام هذا الضعف الطاغي الذي تسرب إلى داخله وهو يرى رجفتها و شعورها العارم بالخزي مما حدث،و بلا تفكير، مد يده وانتزعها من بين شتاتها بقوة مفرطة، ليغمدها في أعماق صدره، ويزرعها عنوةٍ إلى جوار قلبه. كان عناقاً عنيفاً في لهفته، و احتواءً مطلقاً أعلن فيه استسلامه الكامل، مضحياً بكبريائه تحت أقدام خوفه عليها، في لقطةٍ أذهلت روحها المنهكة و جعلتها لثوان عاجزة عن الحركة، فهي غارقة بين يديه و جسده الضخم يطبق عليها فيحتويها كليًا، و رائحته التي كانت تعشقها تحتل أنفها كحقيقة تتنفسها وليس سرابًا كما كان يحدث أثناء غيابه، و لكن.. يبقى الكبرياء يقظًا حينما يغيب العقل، فهناك جراحًا لا زالت تنزف بغزارة و آخرى تلوثت بقيح الخيانة
ـ ابعد عني و متقربش مني...
هكذا تحدثت بنبرة مهترئة تعج بالألم لتقابلها نبرته المُعذبة، وهو يقول بقوة:
ـ هقرب وقت ما أحب.
حاولت دفعه وهي تقول بنبرة مُتحشرجة:
ـ مش هسمحلك.
شدد من احتوائها وهو يقول بنبرة طابعها الصرامة:
ـ مش هاخد اذنك أصلًا.
شعرت بالتعب و الإرهاق يجتاح جسدها كليًا لتحاول استرداد أنفاسها التي سلبها قربه، و إذا بها تشعر بأنفاسه المحرورة تمر فوق ساحة عنقها ليصل إلى أذنها وهو يقول بصوتٍ أجش:
ـ أنا وأنتِ محتاجين الحضن دا أوي...
بكت بقوة، وهي تحاول استرداد ثباتها لتهتف بألم:
ـ أنا مش محتاجة منك حاجة...
عنادها قائلًا بنبرة تحترق قهرًا:
ـ بس انا محتاج.
تراجع عنها ينظر إلى عينيها وهو يقول بنبرة مُعذبة:
ـ أنا محتاج اعرف أنا بتعامل مع مين؟ محتاج اعرف أنتِ زي مانا شايفك ولا لا؟
أسند جبهته فوق خاصتها وهو يقول بنبرة تتضور وجعًا:
ـ أنتِ جنة ولا نار؟ أنا تعبت...
كانت عيناه مرآة مشروخة، تعكس بوضوح مرير تفاصيل العذاب، والقهر، وحيرة روحٍ تائهة في مجاهل الألم. أما ملامحه فكانت كلوحةٍ لون الوجع تفاصيلها، فيها حزنٌ يصرخ مستجدياً الرحمة، حزنٌ ارتد صداه في أعماقها ليؤلمها هي الأخرى. تألمتْ من أجله بقوةٍ هزت أركانها وهي تراه بهذا الهوان والشتات.. ولكن، بالرغم من هذا السيل الجارف من الشفقة التي كادت تذيب صدرها، كان قلبها يقف كجدارٍ من جليد ونار؛ جليد لا يُزيبه العشق، ونار لا يُطفئها النسيان، فخيانته محفورةً في أعماق قلبها كشفراتٍ حادة كلما مالت تجاهه متعاطفة، انغرست تلك الشفرات في صدرها لتُذكرها بطعنة تنزف بسخاء داخلها ، فظلّت مُعلقة بين سياط الوجع عليه، وسياط القهر منه لتهمس بنبرة جريحة:
ـ جنة أو نار. خلاص مبقتش تفرق. أنت دبحت كل المشاعر اللي كانت جوايا ليك لما اترميت في حضن واحدة تانية غيري، و خلفت منها.
لأول مرة لم ينفعل ولم يصرخ، بل هتف بنبرة متألمة:
ـ و أنتِ مخونتيش ثقتي فيكِ يا آسيا؟ مكذبتيش عليا وقولتيلي انك روحتيله عشان هو اللي شهد على وجعك الليلة دي؟
آسيا باندفاع:
ـ مكذبتش. والله ما كذبت. يمكن خنت ثقتك لما روحت، و كنت غبية و كرهي لميرهان ضللني. بس عمري ما خنتك ولا حتى بمشاعري...
وضعته الكلمات بين شقي الرحى، وبات عقله يتحرك بعنف بين جحيمين. يرى بعينيه صدقها، ويستشعر كمّ الألم الذي يعتصِر تفاصيلها، ولأول مرة تكن أمامه مكشوفة إلى هذا الحد، عارية من أي زيف أو قناع. بينما هو يقف في منتصف المسافة تماماً، ممزقاً بين روايتين. إحداهما سمعها بأذنيه وصارت كمسامير دُقت في وعيه، و الآخرى تراها عيناه الآن وتنبض بالصدق والوجع. باتت حيرته كحبل مشنقة يلتف حول عنقه؛ فكل فكرة تهاجمه تمحي ما قبلها، مما جعله ينوي بتر هذا التخبط، والتأكد من كل شيء حدث ليضع حداً لمعركته الطاحنة. مد أناملة يمحي عبراتها قبل أن يقول يقول بوعيد:
ـ عارفة يا آسيا. لو طلع اللي بتقوليه دا صحيح؟ أنا هفتح أبواب جهنم على الكل، و مش هسمي على حد..
انصهر جسدها تحت وطأة الخوف من حديثه، وقد شعرت بأن هناك الكثير مما تخفيه هذه النظرات لتهمس بنبرة خافتة:
ـ تقصد ايه؟
تراجع عنها وهو يحاول كبح جماح مشاعره الضارية تجاهها بالإضافة إلى يأسه و غضبه ليقول بنبرة جافة:
ـ أنا طردت آنا، و بكرة هشوف حد تاني غيرها..
أنهى جملته وغادر تاركًا خلفه تلك التي تكالبت عليها جميع مخاوفها و أوجاعها دفعةٍ واحدة لترتمي فوق مخدعها تحتضن وسادتها التي احتضنت عبراتها طوال الليل..
لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ 🩵
★★★★★★★★★
رن هاتفها، فدب الذُعر في قلبها، وقد قررت بأنها لن تُجيب، فيكفي هذه المعاناة التي تعيشها و القلق الذي يخيم على حياتها خوفاً من انفضاح أمر تواصلها مع والدها لتقوم بغلق الصوت وهي تضع رأسها بين يديها ليصل إلى سمعها صوت رسالة نصية حالما وقعت عينيها على حروفها حتى تجمدت الدماء في أوردتها و تزاحمت أنفاسها حين قرأتها مرة أخرى
" أمك چاري و نفسها تسمع صوتك.."
هبت نجاة من مكانها وهي لا تصدق ما تراه إلى أن رن الهاتف مرة آخرى، فأجابت بلهفة:
ـ أما...
جاءها صوت بدرية المرتجف على الطرف الأخر:
ـ إيوا يا ضي كيفك يا بتي؟
ضي! استغربت حين نادتها والدتها بهذا الاسم بدلًا عن نجاة، فقد كان نجاة هو اسمها الحقيقي كما أخبرتها لما نادتها باسمها المزيف، ولكنها لم تطيل التفكير بل هتفت بنبرة مُلتاعة:
ـ أني هتچنن عليكِ ياما. فوتيني لحالي ليه؟ جلبي كان بيغلي من القلق عليكِ.
بدرية بتحفظ:
ـ أجمدي يا بتي، اني زينة طمنيني عنيكِ.
كان الجمود و التحفظ في نبرتها وجهًا آخر للخذلان الذي نال من قلبها، و بقوة، ألم تشعر والدتها بالقلق عليها بعد أن زوجتها لرجل غريب؟ ألم يُلِح عليها قلبها يومًا بالسؤال عنها؟
تساقطت عبراتها من بين مآقيها تنعي شيئًا بقلبها قد انكسر، لتقول بنبرة هادئة و كأن أحدهم نثر المياة على وهج مشاعرها:
ـ أني زينة.. نحمد ربنا.. كنتِ فين المدة اللي فاتت دي؟
بدرية بجمود:
ـ في الدنيا.
نجاة بعتب:
ـ والدنيا دي مفكرتكيش انك حداكي بنت حتى تفكري تسألي عنيها؟
لم تهتز نبرة بدرية، فقد كان كل تركيزها على عيني الشيطان الماثل أمامها مما جعلها تقول بجفاء:
ـ خلاص ماني اطمنت عليكِ. جوليلي چوزك عامل معاكِ ايه؟
نجاة بتحسر:
ـ أحسن من الدنيا.. على الأجل شايفني بني آدمة...
قالت جملتها الأخيرة بنبرة خافتة لم تصل إلى بدرية التي زجرها رحيم في كتفها لتهتف بتلعثُم:
ـ بجولك يا ضي. إني يا بتي غلطت. غلطت في حكك لما فكرت أن رحيم الوتيدي هو اللي هيحميكي. بس. بس كنت غلطانه..
تنبهت نجاة لحديثها وقالت باستفهام:
ـ يعني أيه الحديت ده؟
ابتلعت بدرية ريقها وهي تتحدث بارتباك:
ـ فاكرة ولد الحرام اللي طلع عليكِ في الچبل، و كان عايز...
قاطعتها نجاة قائلة بلهفة:
ـ فاكرة..
ـ هو. هو رحيم الوتيدي، و اللي عرفته بعد أكده. أنه. أنه مش أول مرة يعملها. ده. ده عِمل أكده كتير جوي، و ياما جتل بنته كتير، في نفس المكان بعد ما خد غرضه منيهم.
انتفض جسد نجاة و ضربته الرجفة كصاعقة لتجعل الكلمات تهتز فوق شفتيها وهي تقول:
ـ بتقولي ايه ياما؟
بدرية بتوتر:
ـ ده كمان. مبيخلفش، و ، وهو اللي جتل مرته. متصدجيش وش الملاك اللي لابسه. و الحديت اللي بيملى راسك بيه. ده. ده كمان بيكره أبوكي كره العمى، و عايز. عايز يكرهِك، و أني جولتلك جبل سابج.. فاكرة؟ فاكرة يا نچاة.جولتلك ايه على أبوكي؟ أنه راچل زين، و أنه....
جذب رماح الهاتف من يدها حين شعر بأنها تكذب، فهي لم تكن لتتحدث عنه بالخير أبدًا لذا بدأ هو بالحديث قائلًا:
ـ وعدتك هخليكي تسمعي صوتك أمك، و نفذت وعدي، و أديكي سمعتي منيها حجيجة الراچل دا. لازمن يا بتي تساعديني أخد حجنا منيه....
شعرت بأن قلبها على وشك التوقف من فرط الصدمة و الألم، و الحيرة لتقول بأنفاس مقطوعة:
ـ أنت عايز مني ايه؟
رماح بنبرة أتقن تزييف الضعف بها:
ـ عايز بتي توبجى في ضهري. بتي اللي اتحرمت منيها عمر بحاله، وهي اللي بجيالي من الدنيا.. چدك و عمك يرتاحوا في قبرهم، عشان بتهم مش هتسكت و هتوجف جدام عدوهم، و مهتخافش واصل..
شعرت بباب الغرفة يُفتح، فهمست بخفوت:
ـ أني هجفل دلوق...
أغلقت الهاتف و استدارت إلى الجهة الأخرى تمحو عبراتها و تحاول الظهور و كأن كل شيء على ما يُرام، ثم التفتت لتجد رحيم يدلف إلى الداخل وهو يقول بنبرته الغليظة:
ـ السلام عليكم..
نجاة بنبرة متحشرجة:
ـ عليكم السلام ورحمه الله وبركاته.
خلع رحيم عباءته وهو يقول بجمود:
ـ عاملة ايه النهاردة ؟!
نجاة بتوتر لا تعلم من أي جهة يتسلل إلى داخلها:
ـ أني زينة والحمدلله.
اومأ برأسه قبل أن يتحمحم قائلًا بجفاء:
ـ صافية شيعت الخدامة تجولك اني عايزاكي. لو مش وراكي حاجة مهمة روحي شوفيها.
لا تعلم لما تشعر بالخوف من هذه المرأة، أو لنقل فإن نظراتها ثاقبة بدرجة تبعث الرهبة في نفسها وخاصةً وهي بهذا الوضع لذا أجابته بتوتر:
ـ هتكون عيزاني في أيه يعني؟
لم يُعجبه حديثها مما جعله يتحدث بنبرة حادة بعض الشيء:
ـ لما تروحي أكيد هتعرِفي.
أجفلتها نبرته مما جعلها تقول بخفوت:
ـ هبجى أروح حاضر..
كان يقف وقفته المعتادة واضعًا يديه خلف ظهره ثم ضيق عينيه وهو يناظرها قبل أن يقول بخشونة:
ـ قربي مني...
ضربت حفنة من الوخزات الموترة سائر جسدها وبدأت قدميها بالإرتخاء وهي تقف على بعد خطوات منه تخشى أن يرى هذا الألم في عينيها و هذا التخبط الذي يكتنفها لذا حاولت الهرب من بين براثنه قائلة بتلعثم:
ـ ماني. ماني جريبة أهو.
ارتفع أحد حاجبيه وهو ينظر إلى المسافة التي تفصلهم ليقرر محوها هو قائلًا:
ـ خلاص أقرب اني..
ما إن رأت خطاه تتقدم نحوها، حتى ارتدت إلى الخلف بجسدٍ يحكمه الخوف و ليست الإرادة. لتتعثر خطوها المتعجلة بالحائط الصلب خلفها، وكأنها بلغت نهاية المفر و هناك انحبس العالم في صدرها الذي أخذ يعلو ويهبط في تموجات صاخبة، بينما تلاطمت أنفاسها الحبيسة بين أضلعها كطيورٍ مذعورة تضرب جدران قفصها، مُحدثةً ألم قوي تئن لا الروح، ويجعلها تبدو كمن قطع أميالاً من الركض فراراً من شبح شخص تعرف أنه حين يقسو سيكون الهلاك مصيرها.
لم يقترب فحسب بل اقترب حتى صارت أنفاسه هي أكسجينها، فصارت شفاهها ترتجف بقوة مما جعله يمد يده و يلامس خدها بحنو وهو يقول بنبرة عميقة:
ـ للدرچادي خايفة مني؟
حاولت أخراج الكلمات من بين شفتيها بصعوبة بالغة حين قالت:
ـ لا. لاه، و أني، و أني هخاف. منيك ليه؟
رحيم بنبرة عميقة يشوبها بحة رجولية مميزة:
ـ عيونك الحلوين بيهربوا، و شفايفك بيرچفوا، و چسمك بينتفض. افسِر دا بأيه؟
هربت بعينيها من عينيه التي تعريان تخبطها و لوعتها و خوفها لتقول بتعب:
ـ مش لازم كل حاچة يكون ليها تفسير..
رحيم بجمود:
ـ كل حاچة في الدنيا ليها سبب...
ضاقت ذرعًا من هذا الضغط، فقد كان رأسها على وشك الإنشطار إلى نصفين في هذه اللحظة، فهتفت بنفاذ صبر:
ـ جولت مفيش حاچة.
شعر بأنها تحت ضغط كبير لذا قرر أن يسلك طريق آخر معها ليمد يده و يُعيد رأسها في مواجهته مرة أخرى وهو يقول بصوتٍ أجش:
ـ عِندك حج. ملهاش لازمة الأسباب دلوق. خلينا اللول نمحي الخوف اللي في عنيكِ دا، و بعدين نوبجى نشوف بعد أكده..
كان يتحدث و يداه تلتف حول خصرها مما جعل المشاعر تتزاحم في صدرها ليخرج صوتها لاهثًا حين قالت:
ـ هتِعمل ايه؟
رحيم وهو يدنو منها أكثر:
ـ هطمنك على طريجتي....
همست بخوفٍ حقيقي:
ـ رحيم...
رحيم بنبرة عميقة تعج بالمشاعر:
ـ رحيم عاشجك يا نچاة... كنت مفكِر اني عشجت جبلك، بس اللي حاسة وياكي. محستوش مع حُرمة جبلك. أنتِ أول عشج يدوجه رحيم، و مش هفرِط فيكِ لو الدنيا اتهدت
غيبت كلماته عقلها عن الوعي لثوانٍ تاهت فيها بين امواج مشاعرها المُتلاطمة، فاستغل هو تلك الفجوة الزمنية ليدنو منها، متلهفاً ليروي ظمأ روحه من فيض قربها، ويسكب في قلبها من عشقه الضاري ترياقاً يمحو مرارة الخوف. و في لحظةٍ واحدة انقشع عن تفكيرها كل وجع، فكيف لا تفعل وهي بين يدي رجلٍ مثله يملك في هيبته سر الطمأنينة؟ رجلٌ في حضوره يخشاه الخوف و يفر منه القلق. استطاع أن يغمرها بأمانٍ دافئ عانق روحها كرداءٍ أبدي لا ينفصل عنها.
معه فقط ينكمش الذعر ويتلاشى، كأنه لم يجد له شبراً واحداً يتسع له في حضرة عشقه الجارف.
اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، وَابْنُ عَبْدِكَ، وَابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجِلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي 🩵
★★★★★★★★★
ـ صباح الخير يا خالو.
هكذا تحدثت هايدي إلى خالد وهي تدلف إلى غرفة المكتب لتجد الأخير ينظر إليها بجمود جعل القلق يتصاعد إلى عقلها، ولكنها التزمت الهدوء قدر الإمكان ليتحدث خالد باختصار:
ـ اقعدي..
اطاعته في صمت ليبدأ خالد حديثه من بطريقة كانت صادمة بالنسبة إليها:
ـ كنتِ فين امبارح؟
بهتت ملامحه، و امتقع لونها من استفهامه، ولكنها لم تأخذ وقت للتفكير إذ حاولت التصرف حين اسبلت عينيها بحزن تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ هو حضرتك عرفت اللي حصل ؟
خالد باختصار:
ـ اللي هو ايه بالظبط؟
حاولت التحلي بالهدوء و الثبات حين قالت:
ـ اللي شاهي عملته فيا، ولولا مصطفى صاحب عمر كان موجود في المكان كانت بهدلتني...
خالد بجفاء:
ـ و مصطفى صاحب عمر كان بيعمل ايه في المكان؟
زحف التوتر الى نبرتها حين قالت:
ـ معرفش. هو أنا. كنت بفطر و لقيته جه سلم عليا و سألني عن حالة بابا. ماهو متابع معاه، و يدوب ملحقناش لقينا شاهي داخلة علينا و قالت كلام سخيف جدًا و مش بس كدا دي كمان حاولت تضربني لولا أنا لحقت نفسي و مصطفى كتفها لحد ما مشيت..
تجهمت ملامح خالد وكذلك نبرته حين قال:
ـ و بعد كدا حصل اية؟
وصل إلى نقطة مرعبة بالنسبة إليها، و خاصةً وهي ترى ملامحه المتجهمة، و لكنها يجب أن تتخطى هذا الأمر بذكاء لتقول بنبرة زيفت بها الاندهاش:
ـ أبيه هو حضرتك بتراقبني؟
زمجر خالد بنبرة خشنة أرعدتها:
ـ أنتِ أيه علاقتك برؤوف ابن عم آسيا؟!
الجزء الثاني بفنش فيه ساعة بالكتير و ينزل ماهو أنا خلفتكوا و نسيتكوا قاعدة بكتب من الساعة سبعة امبارح في البارت 😭😭😭😭
اللي صايم يقرأ بعد الفطار يا ست أنتِ وهي مش عايزة أشيل ذنب حد، و اللي هيقرأ و مش هيتفاعل هعضه خلصانة🙂
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!