السبيل الثامن و العشرون ج٢ ❤️🔥
متنسوش فوت و كومنت على الفقرات اللي حبتوها وفولو ليا ♥️
ـ خلينا نحط ايدينا على المشكلة يا كمال. مشكلتك الحقيقية. انك مش قادر تتقبل فكرة أن مراتك راحتك تعاتب حبيبها الأولاني صح؟
تفننت في صياغة الحديث بالشكل الذي يؤلمه حد الموت مما جعله يغمض عينيه بقوة و هو يحاول التغلب على نوبات الألم الضارية التي تكاد تفتك بصدره ليكتفي بإيماءة من رأسه فتابعت سوزان بنفس لهجتها قائلة:
ـ سمعت من آسيا دفاعها عن نفسها؟
ـ سمعت.
ـ اللي هو أيه ؟
كمال بنبرة جريحة و كأن الحروف تشكو كسرته في كل فتحٍ وضم:
ـ مفروض أنها راحت تعاتبه عشان هو ابن عمها اللي كان شاهد على كسرتها في الليلة إياها وهو اللي لحقها، ووو الباقي أنتِ أكيد عرفاه
لم تطاوعه شفتيه بذكر باقي الحديث لتقول سوزان باستفهام:
ـ كلمة المفروض اللي قولتلها دي معناها انك مش مصدق كلامها صح؟
كمال باختصار:
ـ كنت مصدقها.
سوزان بنفاذ صبر:
ـ بص يا كمال أنت مجتش هنا غير لما الدنيا ضاقت بيك. لا قادر تبعد ولا عارف تقرب. جيت و أنت يائس من كل حاجة، فلو عايزني أساعدك و انت تساعد نفسك. هات اللي عندك كله، و خليك فاكر أن النار اللي جواك دي مش هتنطفي طول ما انت حابسها جواك. بالعكس دي هتفضل تاكل فيك لحد ما تموتك بالبطيء لو عايز كدا أنت حر..
كانت مُحقة، فهو لم يعد له طاقة لتحمل تلك النيران التي تنهش بداخله لذا جاء بعد أن أعياه المسير في هذه الحياة حاملًا جراح نازفة لا يفلح شيء في ترميمها.
ـ أنا هقولك على كل حاجة..
ـ سمعاك...
كمال نبرة مشجبة:
ـ النار دي كانت خلاص قربت تطفي لما شوفت وجعها و عرفت اللي حصلها. بس بعد ما عرفت اللي عملوه في نار تانية قادت في قلبي و كنت عايز أجيبلها حقها منهم، وأولهم الكلب دا.
سحب قدرًا كافيًا من الهواء داخل صدره قبل أن يُتابع بقسوة:
ـ روحت القصر و هناك واجهتهم و أكيد أنتِ عرفتي باللي حصل وقتها. بس أنا مكنتش مكتفي بدا. أنا مقدرتش اعمل حاجة غير أني اقطع علاقتي بأخواتي البنات. لا هقدر أأذيهم ولا أعاقبهم بأكتر من كدا. في النهاية اللي يمسهم هيمسني، و غصب عني اللي هيوجعهم هيوجعني.
سوزان بأسف:
ـ فروحت لرؤوف صح؟
اومأ برأسه بتعب وهو يقول:
ـ صح...
عودة إلى وقتٍ سابق.
كان يقف في مكان منعزل يشعر بأن هذا العالم الفسيح لا يتسع لحزنه وذلك الغضب الذي كان يغلي بداخله و كأنه يتنفس زجاجاً مكسوراً بدلًا من الهواء والاستمرار في التنفس يمزق أحشاءه من الداخل. كل شهيقٍ يمزقه وكل زفيرٍ يشرخ ضلوعه، و ينهش صدره وكأنه يطحن عظامه ببطء
لم يكن غاضباً فحسب، بل كان صدره ساحة معركة لـ كلابٍ ضالة تجوع وتنهش في لحمه. غضبٌ مسعور ينهش قفصه الصدري من الداخل، ويتركه واقفاً في البرد منزوع الأحشاء عاجزاً عن الصراخ، والأشد قسوة من الغضب نفسه، هو اضطراره لـ إغلاق كفيه على الجمر لأن النار لا تجد طريقاً لمن أشعلوها، فباتت تأكل الوعاء الذي يحملها، وتصنع مجزرة صامتة داخل ضلوعه، لتنحسر فجأة الرؤية أمامه في شخصٍ واحد. يكرهه لأنه ساعدها بدلًا عنها و يكرهه لأنه خذلها، و يكرهه لأنه شاء أم أبى جزء من الماضي و الحاضر لذا لم يفكر مرتين و قام بعمل مكالمة هاتفية كانت عبارة عن بضع كلمات جافة تحمل وعيدٍ لا يخطأه سمع ليدرك بعدها ضالته التي توجه إليها بكل ما يحمل من غضب و بغض و رغبة عاتية في الانتقام، لذا لم يفكر مرتين وهو يضرب باب مكتب رؤوف الذي انفتح بقوة جعلت الأخير يهب من مكانه مذعورًا، ولكن سرعان ما تحول ذعره إلى غضب عارم حين شاهد كمال الذي كان يطالعه كأسد جائع ينوي الفتك بفريسته.
ـ أنت ايه اللي جابك هنا؟
هكذا صرخ رؤوف باستنكار قابله كمال بركلة قوية في معدته وهو يهتف بشراسة:
ـ جيت عشان أصفي حساب مفتوح بقاله سنة....
ما أن أنهى كمال جملته حتى ناوله رؤوف لكمة قوية نالت من فكه، فتراجع كمال إلى الخلف ليهتف رؤوف بوعيد:
ـ كويس انك جيت وفرت عليا المشوار..
زمجر كمال بوحشية وهو يقترب ضاربًا رؤوف بمقدمة رأسه ضربة قوية افقدت الأخير توازنه وهو يزأر بوعيد:
ـ لو شوفتك قريب من آسيا تاني ولا رجلك جابتك عند شركتنا تاني هدفنك حي...
كان مجرد ذكر اسمها كفيل بجعل جميع حواسه تتأهب مما جعله يصرخ قائلًا:
ـ أنت اللي تبعد عنها و اياك تفكر تقرب منها. آسيا خلاص فاقت و عرفت حقيقتك، و عرفت أنها عمرها ما حبتك في يوم من الأيام.
كمال بوحشية:
ـ اخرس يا حيوان..
رؤوف بتشفي:
ـ ايه هي الحقيقة بتوجع أوي كدا؟
كمال بانفعال:
ـ حقيقة ايه يا كلب ؟ آسيا عمرها ما حبت حد غيري.
رؤوف بشماتة:
ـ بتضحك على نفسك. آسيا محبتش إلا أنا. أنت كنت بالنسبالها وسيلة انتقام، و الطريقة الوحيدة اللي هتخليها تسيب حياة الفقر. لكن لما وصلت للي هي عايزاه و فاقت لنفسها اتأكدت أنها محبتش حد غيري، والدليل أنها متحملتش تعرف اني بشتغل مع ميرهان و جريت عليا. أظن مفيش دليل أكبر من كدا على أنها عمرها ما حبتك..
لم تكن مجرد كلمات ألقيت على مسامعه، بل كانت خناجر حادة غُرست في عمق جراحه النازفة، ثم مرّت فوقه كعجلات شاحنة ثقيلة دهست بقايا روحه و سحقت جميع قواه، مُشعله في صدره حريقاً من الألم لا يُطاق، حتى تجمّد الهواء في حنجرته، وانعقد لسانه، فمضى يبتلع ألمه وهو عاجز تماماً عن النطق، و كأن تلك الطعنات لم تُصِب قلبه فقط، بل ذبحت الحروف على شفتيه ليُتابع رؤوف بتشفي:
ـ جتلي عشان غيرانه عليا. عشان بتحبني، لو كانت حبتك ولو للحظة مكنتش حتى هتفكر فيا...
لم يستطِع تحمل ذلك الألم الناجم عن هذه الحروف المسمومة مما جعله يضربه في أنفه وهو يقول بشراسة:
ـ دا تفكيرك المريض اللي صورلك كدا. آسيا جتلك عشان أنت الوحيد اللي شوفت اللي عملوه فيها ليلة الحفلة. أنت الوحيد اللي كنت شاهد على وقاحتهم و جريمتهم، ومع ذلك روحت حطيت ايدك في ايد ميرهان و نسيت اللي عملوه في بنت عمك...
تجمد جسد رؤوف لثوان وهو يستمع إلى حديث كمال الذي استنكره قلبه، و أبى تصديقه مما جعله يصرخ نافيًا هذا الأمر:
ـ بطل تضحك على نفسك. الكلام دا مش حقيقي.. آسيا جتلي عشان بتحبني و ندمت أنها اتجوزتك...
نهشته نيران الغيرة حتى كاد أن يُجن مما جعله يطبق على عنق رؤوف وهو يزأر بوعيد:
ـ آسيا عمرها ما حبتك، و أنت كنت مجرد ابن عمها وبس، والكلام دا انا سمعته منها و أنا عارف أنها مبتكذبش، ولو كان عقلك المريض مصورلك أنها جتلك عشان جواها حاجة من ناحيتك، فروح اتعالج أحسنلك..
قام رؤوف بدفعه بقوة وهو يصيح بصوتٍ جهوري:
ـ كذب. أنت اللي بتضحك على نفسك مش انا، ولو كان دا العذر اللي بتضحك بيه على نفسك تبقى انت اللي محتاج تتعالج. اتقبل ان أختك باعتك عشان خاطري و مراتك كمان..
انحبست الأنفاس بصدره جراء تلك الطلقة التي استقرت في منتصف روحه إثر جملة رؤوف الذي تابع باستفزاز:
ـ لو كانت آسيا قالتلك أنها جتلي عشان أنا الوحيد اللي كنت معاها الليلة دي و شوفت اللي عملوه فيها، فهي كذبت عليك..
توسّعت عيناه في ذهولٍ جاف، وشخصت نظراته كمن يشهد لحظة موته. كان حديث رؤوف بمثابة صاعقة سوداء ضربت سماء واقعه، لتهدم آماله وتدك حصونه فوق رأسه في ثوانٍ معدودة. لم يجد مساحةً ليلتقط أنفاسه، فقد كانت الكلمات تدفعه بقسوة مرعبة، وتلقي به في جوف نار مستعرة أكلت روحه وأحرقت ماضيه ومستقبله. وقف مكانه مشلولاً وسط الركام والرماد، يرى حياته تتهاوى أمام عينيه، وقد أحكم جحيم الصدمة قبضته على روحه، وهو يتخيل أنها كانت تكذب عليه. لكنه حاول التشبث بها و بآخر ذرة ثقة بينهم ليقول بجفاء:
ـ تقصد أيه؟
ـ أنا مكنتش مع آسيا وقتها، و عرفت اللي حصل منها هي..
هكذا تحدث رؤوف بنبرة باردة كنصل السكين الذي اخترق صدر كمال، ولكنه كان يقاوم حتى لا يسقط من فرط الألم الذي يشعر به، فكيف يمكنها الكذب وهي في هذه الحالة من الانهيار؟ هل خدعته مرة آخرى؟ أبى قلبه تصديق ذلك الأمر ليصرخ في وجه رؤوف بانفعال:
ـ أنا مشوفتش في ندالتك. بتكذبها عيني عينك عشان بس تثبت انك انتصرت عليا...
رؤوف ببرود مثير للأعصاب:
ـ أنت اللي مُصر تنكر اني فعلًا انتصرت عليك. انتصرت عليك يوم ما ميرهان جريت ورايا، و عملت المستحيل عشان اوافق اشتغل معاها و مفكرتش فيك اصلًا. انتصرت عليك يوم ما جت آسيا تعاتبني، من غير ما تعملك أي حساب. لو كانت حبتك ولو للحظة مكنش هيفرق معاها أشارك مين ولا اعمل ايه. عشان انت المفروض تكون مكفيها. لكن دا محصلش. قولي يا كمال بيه.. عايز إثبات أي تاني عشان تصدق اني انتصرت عليك؟
كان أسوء موقف يُمكن أن يتعرض له أي رجل في هذه الحياة، لم يقتصر الجرح على قلبه فقط بل كرامته و كبريائه أيضًا، وقد كان الأخير يزأر بقوة يريد القصاص لتلك الإهانة الغائرة مما جعله يقول بنبرة قاسية تشبه عينيه و نظراته:
ـ قد كدا أنت شايل و معبي مني؟ دانا كنت عاملك أزمة كبيرة وانا مش واخد بالي... بس عمومًا أنا عارف ان الناس الناقصة اللي زيك زيك ممكن يكذبوا و يخدعوا و يعملوا اي حاجة عادي. عشان كدا مش هكذبها و أصدقك.
كان ذلك الرجل العقبة الوحيدة في طريق سعادته في الحياة لذا أراد إزاحته بأي طريقة ممكنة مما جعله يقول بنبرة حادة:
ـ وماله. شوف أيه يثبتلك ان أنا مكذبتش عليك، واني مكنتش معاها وقتها وانا هعمله...
كان قلبه يبكي كطفل صغير مرتجف داخله. لا يتقبل وجود أي احتمال مهما كان ضئيلًا بأنها قد تكون خدعته مرة آخرى، ولكن هذا الرجل يتحدث بثقة ترعبه، و فجأة وقعت عينيه على شيء ما فوق الطاولة لذا اندفع كمال و جذب المصحف من فوقها وهو يمده إلى رؤوف قائلًا:
ـ تحلف على كتاب ربنا دا انك مكنتش معاها فعلًا في الليلة دي؟
ـ عودة إلى الوقت الحالي
سوزان بلهفة:
ـ و حلف؟
أخفض كمال رأسه و اكتفى بإيماءة بسيطة من رأسه بالإيجاب لتشهق سوزان بصدمة:
ـ يا ساتر يارب.. ازاي يعمل كدا؟ حلفان على المصحف كذب!
كمال بنبرة مُتحشرجة:
ـ ما يمكن مبيكذبش....
سوزان بانفعال قلما يظهر عليها:
ـ لا يا كمال. استحالة آسيا تكذب في الموضوع دا.. أنا عارفة بقولك أيه؟
كمال بنبرة متعبة:
ـ أنا مبقاش عندي ثقة في حد...
كانت سوزان تغلي من فرط الغضب مما جعلها تقول بنبرة جافة:
ـ اسمعني كويس. أنا هثبتلك أن آسيا مكذبتش عليك. بس أنت توعدني انك تتصرف بعقل..
رفع كمال رأسه ناظرًا إليها كالغريق الذي لمح من بعيد القشة التي ستنقذه و هتف بنبرة متلفهة:
ـ موافق..
جذبت سوزان هاتفها و هي تقول بانفعال و أنفاس متقطعة:
ـ اللي أنا هعمله دلوقتي عارفة أنه هيزعل آسيا مني. بس أنا مش هقدر أقف اتفرج وانا شايفة اللي بيحصل دا.
أنهت حديثها وقامت بفتح مكبر الصوت ليستمع إلى صوت آسيا على الطرف الآخر تُجيب قائلة بمرح:
ـ ايوا يا سوزي متقوليش اني وحشتك..
سوزان بنبرة حاولت جعلها عادية:
ـ معرفتش اقعد أنا و أنتِ النهاردة نتكلم على راحتنا قولت اتصل اطمن عليكِ.
آسيا بنبرة ودودة:
ـ أنا كويسة يا حبيبتي متقلقيش عليا..
تحمحمت سوزان قبل أن تقول بتوتر طفيف:
ـ طمنيني عليكِ طيب. أعصابك هديت بعد اللي حصل آخر مرة بين كمال و رؤوف عندك؟ معرفناش نتكلم في الموضوع براحتنا ولا قولتيلي ناوية على أيه مع رؤوف؟
توقفت آسيا على جانب الطريق وهي تقول بإنفعال:
ـ مبدأيًا كدا مسموش رؤوف اسمه زفت الطين، و مش ناوية اعمل أي حاجة معاه غير اني معرفوش العمر كله..
كانت عيني سوزان متعلقة بعيني كمال الذي بالرغم من كل شيء انشرح صدره قليلًا من حديثها عن ذلك الرجل لتحاول سوزان التطرق إلى الأمر بدون أن تجعلها تشعر بشيء:
ـ هو أنا كام مرة قولتلك بطلي تنفعلي كدا، و بعدين احنا مش اتفقنا نتعامل مع المواضيع بعقل، و حتى لو رؤوف غبي هو بردو ابن عمك، و وقف جنبك في اكتر وقت كنتِ مدمرة فيه.
تهدج صوت آسيا كثيرًا و دوت رنة الحزن به حين قالت:
ـ ياريته ما كان وقف يا سوزي. تعرفي بقيت أقول لنفسي ياريتني كنت لوحدي الليلة دي و مكنش هو موجود. وقتها مكنتش هتنيل أروح اعاتبه ولا اكلمه، ولا كنت هخسر كمال..
كانت المشاعر تموج بعيني كمال كالبحر الهائج مما جعل سوزان تقول بنبرة هادئة:
ـ مفيش حاجة اسمها ياريتني يا آسيا. كل حاجة بتحصلنا قدرنا، وأكيد ربنا له حكمة فيها، و بعدين لما هو كان معاكي ازاي مدافعش عنك قدامهم؟
آسيا بتعب:
ـ ايه يا سوزي أنتِ هنجتي ولا اي؟ هو مكنش واقف لما ضربوني، هو كان بره في العربية ولما اتأخرت عليه دخل يدور عليا، و شافني وانا مرمية على الأرض و بنزف...
صمتت تحاول تفادي الذكرى المؤلمة لتقول بنبرة متعبة:
ـ بلاش تقلبي عليا المواجع. أنا نفسي انسى كل اللي حصل دا. نفسي انسى ميرهان و هايدي و رؤوف كل حاجة بتفكرني بالماضي...
قصدت استفهامها حين قالت:
ـ مجبتيش سيرة كمال في قايمة الناس اللي عايزة تنسيهم يعني؟
كانت ملامحه مشدودة بشكل مُريب، عينيه يتماوج بهم الشعور بطريقة توحي لمن يراه بأن هذا الرجل ينتظر حكمًا إما بالإعدام او العتق من الموت، و لسبب لا تعلمه و بلحظة ضعف جرفتها رغمًا عن عقلها وكبريائها، و كل شيء أجابت سوزان بنبرة مبحوحة و دمعة أفلتت من بين براثن الوجع الكامن في أعماقها:
ـ يمكن عشان عارفة أن استحالة قلبي هيقدر ينساه. غصب عني و عنه كمال محفور جوايا يا سوزي...
كان رد فعله عبارة عن ابتسامة بسيطة مصحوبة بدمعة حارة غدرت بكبريائه و جرت فوق خده لينصب عوده متوجهًا إلى الحوض الكبير ليقوم بغسل وجهه وكأنه أراد يمحو ذرات ضعفه و التخفيف من حدة غضبه الذي يستعر بداخله، فالتفت ناظرًا إلى سوزان التي أنهت المكالمة و رمقته بنظرة معاتبة تشبه لهجتها حين قالت:
ـ أتأكدت أنها مكذبتش عليك؟
كان صدره يعلو ويهبط بعُنف وكان الأنفاس سيوف تضرب ضلوعه بقوة مؤلمة، ولكن كان الغضب في هذه اللحظة يطمس كل شعور لديه مما جعله يقول بنبرة حادة كالسيف:
ـ اتأكدت...
سوزان بتقريع:
ـ طبعًا دلوقتي كل اللي أنت عايزة انك تخلص على رؤوف، و دا قمة الغباء. عشان انت مشكلتك مش رؤوف. رؤوف دا مجرد طرف في الحكاية اللي انت بطلها، فياريت يكون تفكيرك دلوقتي ازاي تصلح كل العبث دا، و تبطل هروب.
زأر كمال بانفعال:
ـ الهروب دا مكنش بمزاجي أنتِ مش قادرة تفهمي الوجع اللي جوايا عامل ازاي؟ أنا اتحطيت في أسوأ موقف ممكن يتحط فيه راجل. أنا مراتي و أختي وقفوا يقطعوا فيا قدام عيني بسببه. رؤوف اللي بتقوليلي أنه مجرد طرف. كان سبب في تدمير حياتي.
سوزان بحدة:
ـ أنت اللي سمحتله يكون كدا. كان ممكن بدل ما تضيع سنة كاملة من عمرك في الهروب، وقفت آسيا و سمعت منها، و بعد كدا قررت هتعمل ايه. أنت متعرفش هي اتعذبت في السنة دي قد ايه؟
أطلق ضحكة قوية كانت ابعد ما يكون عن المرح قبل أن يقول بسخرية مريرة:
ـ متكلمنيش عن العذاب بدل معرفتيش أنا حصلي ايه في السنه دي؟ اللي شوفته فيها هيفضل محفور في قلبي و عقلي و جسمي العمر كله..
الوجع في نبرته كان مرعبًا للحد الذي جعل جسدها يرتعش لتقول بتأثر:
ـ هعرف ازاي لو أنت محكيتش؟! قول خرج اللي جواك. كفاياك سكوت و هروب. دا غلط. بتهرب من أيه إذا كان الوجع ساكن قلبك. لو روحت اخر بلاد المسلمين مش هتعرف تهرب من اللي جواك.
كمال بيأس:
ـ غصب عني. مكنتش قادر اتعامل. مكنتش عارف ابص في وش حد منهم. أنتِ متعرفيش ميرهان دي كانت عندي ايه؟
تغضنت ملامحه بألم عظيم جعل جسدها ينحني وهو يشرد الى البعيد و كأنه يرى الماضي بتفاصيله ليُتابع بنبرة تفوح منها رائحة الوجع:
ـ أنا كنت بعتبرها بنتي. لما كانت بتتعب كنت أنا اللي بسهر بيها. أنا اللي كنت معاها أول يوم مدرسة. أنا اللي كنت معاها أول يوم جامعة. أنا اللي كنت بقف قدام خالد لو فكر بس يزعلها. كانت بتنام في حضني و تقولي أنت بابا. كنت بحاول اعوضها عن غياب بابا وماما بكل الطرق. مكنتش بتحمل اشوف دموعها، و في الآخر داست عليا و طعنتني في ضهري عشان خاطر واحد زي رؤوف. كذبت عليا و قصت الفويس و سمعتهولي ناقص و مهمهاش هحس بأيه ولا هتوجع ازاي ؟
رفع رأسه عاليًا مطلقًا أنفاسه المحمومة التي تحرق صدره قبل أن يُتابع بنبرة جريحة مُثقلة بالألم:
ـ و آسيا. البنت الوحيدة اللي حبتها في حياتي. حبتها لدرجة اني مكنتش مستنيها تحبني. مكنتش مستني منها أي مقابل غير وجودها في حياتي.
اشتبكت عينيه مع عيني سوزان بنظرة مطولة رأت بها كم الدمار الذي يحمل صدر ذلك الرجل لتسمعه يقول بنبرة مُتهدجة يكتظ بها الألم:
ـ أنتِ متعرفيش أنا قلبي دا كان بيدق ازاي لما كنت بشوف آسيا.
صمت لثوان يحاول استرداد أنفاسه قبل أن يقول بنبرة مُـلتاعة:
ـ كان عندي استعداد اجبلها الدنيا بحالها تحت رجليها. لما كنت بشوفها فرحانه كانت الدنيا بتضحكلي، و في الآخر خذلتني بسببه بردو..
رفع عينيه يناظرها بقهر احتل ملامحه ونبرته و هو يقول:
ـ تخيلي تملي كفوفك ورد و تمديها لحد بتحبيه، و بعد ما ياخد منك اللي هو عايزه يغرز فيها سكينة. الاحساس اللي حسيته وقتها مفيش كلام في الدنيا عن الوجع يقدر بوصفه.
جملته اخترقت عقله و قلبه سوزان التي تناثرت عبراتها وهي تقول بلوعة:
ـ حاسه بيك أوي.. خذلان مع ألم صعب، مع صدمة و احساس مرعب بالرفض. مش قادر تصدق ان الشخص دا عمل فيك كدا.
كمال باندهاش:
ـ ازاي عرفتي توصفي اللي جوايا كدا؟
تمتمت سوزان بنبرة جريحة:
ـ عشان عيشته...
لم تصل كلمتها إلى مسامعه ليقول باستفهام:
ـ بتقولي ايه؟
تحمحمت نافضة عنها غبار الذكريات لتقول بنبرة حاولت جعلها ثابتة:
ـ أنا عارفة انك اتظلمت من اللتنين. بس صدقني آسيا بالرغم من غلطها الكبير إلا أنها ندمت. آسيا بتحبك فعلًا.
كمال بنبرة متعبة:
ـ و أنا محبتش في حياتي غيرها.. بالرغم من كل الوجع و الألم. بس انا لسه بحبها...
استجمعت شجاعتها وقالت باستفهام:
ـ لو بتحبها مكنتش قدرت تكون مع واحدة تانية غيرها يا كمال...
رفع رأسه يطالعها بصدمة استغلتها هي وقالت بنبرة حادة كالسيف:
ـ أنت فعلًا قدرت ترتبط بواحدة تانية غير آسيا؟
كانت تراقب انفعالاته و عينيه التي زاغت بعيدًا عنها لتتفاجيء به حين نصب عوده و توجه إلى الباب الخارجي، فأوقفته كلماتها الحادة حين قالت:
ـ سيف ابنك يا كمال؟
رأت تصلب عضلات ظهره و كيف كانت يديه ترتجف، و قد ظنت أنه يقاتل شيء ما بداخله لتتفاجيء به حين التفت ناظرًا إليها وهو يقول بنبرة خشنة تئن حروفها وجعًا:
ـ أنا عمر عيني ما شافت واحدة ست تانية غير آسيا....
يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين، اللهم افتح لي أبواب رزقك وجد عليّ بفضلك وجودك.❤️
★★★★★★★★★
ـ ممكن اعرف مين الزفت اللي ركبتي معاه و معبرتنيش دا؟
هكذا تحدث مصطفى إلى هايدي التي اعتدلت في جلستها وهي تمسك الهاتف قائلة بحدة:
ـ لا يا بيبي ملكش الحق تسألني عن أي حاجة، و خصوصا بعد ما وقفت مع الزفتة دي قدامي..
مصطفى بانفعال:
ـ بطلي جنان دي حاجة و دي حاجه و بعدين البنت مدمرة بسبب اللي عمله أخوكي فيها..
هايدي بسخرية:
ـ يا حنين! و انت بقى الهيرو اللي أنقذها مني أنا أخويا الشرير ؟
مصطفى بحدة:
ـ بطلي أسلوبك دا، و تعالي الشقة عشان نتكلم.
ـ مش هاجي، و خليك فاكر اني مش هعديلك اللي عملته دا. يالا باي..
أغلقت الهاتف و هي تزفر بقوة لتهب من مكانها تنوي التوجه إلى الخارج ليوقفها رنين هاتفها، فعادت أدراجها لتتفاجيء حين وجدت رقم رؤوف لتجيب بمرح قائلة:
ـ ايه المفاجأة القمر دي؟
رؤوف بسخرية:
ـ هعمل ايه ما أنتِ دايمًا قلقاني عليكِ.
هايدي بتهكم:
ـ قلقاك عليا؟ دا ازاي بقى؟
ـ كل مرة أقابلك فيها الاقيكي بتعيطي و من امبارح برن عليكِ موبايلك مقفول. يبقى ليا حق أقلق ولا اي؟
هايدي بدلال:
ـ تصدق عندك حق. أخس عليا..
رؤوف باختصار:
ـ عايز أشوفك...
ـ ليه؟
ـ من غير ليه ؟
ميرهان بتخابث:
ـ معنديش حاجة اسمها كدا...
رؤوف بجمود:
ـ أنا عندي.. هستناكي بكرة في الكافية اللي كنا قاعدين فية اول مرة.. تصبحي على خير...
★★★★★★★★★
ـ وحشتني قد الدنيا كل دي غيبة؟
هكذا تحدثت زينة وهي تنظر إلى عز الذي صدمه حديثها مما جعله يقول بارتباك:
ـ معلش. السفرية دي كانت مهمة أوي. عشان. عشان الشغل يعني...
زينة بتلقائية:
ـ حمد لله على سلامتك.. طمني اتوفقت في السفرية دي ولا اي؟
عز بابتسامة:
ـ اه الحمد لله. ربنا يسهل بس و الدنيا تمشي زي مانا عايز.
زينة باستفهام:
ـ مالك يا عز؟ حاسة انك قلقان أوي..
لا يعرف لما أراد أن يفتح لها قلبه أو ربما هي تملك مفتاحًا خفيًا لكل الابواب المغلقة داخله:
ـ المشروع اللي أنا داخل عليه ضخم وانت لسه باديء مبقاليش كتير، و خايف اتزنق في السيولة، وخصوصا أني لسه مخدتش القرض بتاع البنك
.
زينة بلهفة مقصودة:
ـ طيب ما تطلب من نبيلة تساعدك. ماهي ليها ورث كبير مع أخواتها اعتقد انك لو خدت جزء منه مش هتحتاج قرض أصلًا..
عز بتهكم:
ـ نبيلة عمرها ما هتاخد جنية من ورثها من خالد.
زينة بتخابث:
ـ ولا حتى عشان تساعدك؟
ارتبك عز قليلًا وهو يقول:
ـ لا هي اكيد مش هتتأخر لو طلبت منها. بس يعني. فلوسها بتزيد معاهم..
زينة بأسف مصطنع:
ـ فهمت.. عمومًا لو حبيت أنا عندي هو مش كبير اوي. دا ورثي من سامح، و من بابا الله يرحمه. لو احتاجته تقدر تاخده لحد ما تعدي الفترة دي..
صُعِق من حديثها مما جعل عينيه تبرقان من شدة الذهول الذي تجلى في نبرته حين قال:
ـ بتقولي ايه يا زينة؟
ـ بقول خد الفلوس فك بيها زنقتك وابقى رجعهالي تاني. في ايه يا عز ؟ أنت مصدوم كدا ليه؟.
هكذا تحدثت زينة بتلقائية ضاعفت من دهشته ليجد نفسه يقول:
ـ أنتِ بتعرضي عليا تديني كل اللي بتملكيه في الدنيا ازاي؟
زينة ببساطة:
ـ عادي جدًا. هو مش الصحاب لبعضيها؟ يعني أشوفك محتاج وأقف اتفرج؟ حد قالك عليا اني صاحبة مش جدعة؟
التمعت عينيه بشيء خاص تجاه تلك الفتاة التي لا يعرف كيف تتسلل إلى داخله لتصبح قريبة منه إلى هذا الحد، فهاهي على استعداد أن تعطيه كل ما تملكه في هذه الحياة كي تساعده، بينما زوجته التي أعطاها كل شيء لم تفعل ذلك؟
ـ أنتِ مش بس جدعة! أنتِ جميلة أوي يا زينة...
رفرفت زينة برموشها وهي تقول بخجل:
ـ ميرسي يا عز...
اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَرَبَّ الْأَرْضِ وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، رَبَّنَا وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى، وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْفُرْقَانِ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ، اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ، وَأَغْنِنَا مِنَ الْفَقْرِ ❤️
★★★★★★★★★
توقفت السيارة أمام باب المدرسة لتترجل منها أشجان التي كان صدرها يعلو و يهبط من فرط الانفعال، و التوتر لتحاول تنظيم أنفاسها، وهي تخطو إلى داخل الفناء الداخلي متوجهة إلى مكتب مديرة المدرسة التي رحبت بها كثيرًا لتقول أشجان بلُطف:
ـ ممكن متقوليش لرنا اني هنا؟ أنا كنت حابة اعملها مفاجأة، و تلاقيني قدامها ممكن ولا اي؟
المديرة بابتسامة هادئة:
ـ طبعًا. ممكن. اتفضلي والمشرفة هتوصلك عندها دلوقتي معاد البريك.
أشجان بلُطف:
ـ ميرسي أوي...
و بالفعل قادتها المشرفة إلى مكان تجمع الفتيات لتتفاجيء رنا حين وجدت أشجان تقترب منها وعلى وجهها ابتسامة جميلة لتقول سهيلة باستفهام:
ـ مالك متسمرة كدا ليه يا بنتي؟
لم تكد رنا تُجيبها ليأتيهم صوت أشجان الحاني:
ـ عاملة ايه يا رنا؟
التفتت سهيلة إلى أشجان التي قالت بلُطف:
ـ أنتِ سهيلة صح؟
كانت سهيلة تعرفها من الصور التي رأتها على هاتف رنا لتهتف بترحيب مبالغ فيه:
ـ و حضرتك طنط أشجان صح؟
أشجان بهدوء:
ـ صح..
سهيلة بتملق:
ـ أهلًا بيكِ. حضرتك أجمل من الصور بكتير. دا أنتِ اللي يشوفك يقول عليكِ قدنا..
أشجان بنبرة ودودة:
ـ ميرسي يا حبيبتي. تسلميلي..
التفتت تنظر إلى رنا لتمد يدها و تداعب خدها بلُطف تجلى في نبرتها وهي تقول:
ـ مش هتعرفيني على باقي أصحابك يا رنا ؟
كانت رنا تشعر بالحيرة والارتباك معًا ولكنها قامت بتعريفها إلى باقي الفتيات اللواتي تعاملن مع أشجان بلُطف ماعدا سهيلة التي كانت تبالغ في إطرائها على جمال أشجان و تتملقها بطريقة أغضبت رنا كثيرًا ولكن الأخيرة لم تُعلِق لتجد يد أشجان تحيط بكتفها وهي تقول بحنو:
ـ ما تيجي نقعد شوية مع بعض قبل ما البريك يخلص
أطاعتها رنا بصمت لتجلس معها حول أحد الطاولات، فبدأت أشجان بالحديث قائلة:
ـ عاملة ايه يا رنا؟
رنا بخفوت:
ـ الحمد لله. حضرتك عاملة ايه؟
أشجان بنبرة لم تخفي الحزن بها:
ـ هو طبعًا الحمد لله على كل حاجة.. بس أنا مش في أفضل حالاتي...
رنا بلهفة:
ـ ليه؟
أشجان بعتب:
ـ عشان زعلانه منك أوي. لما بنزعل من الناس اللي بنحبهم طبيعي مبنكونش في أفضل حالاتنا، و قبل ما تتكلمي أو تقولي كلمة ملهاش لازمة زي اللي قولتيها قبل كدا أنا فعلا بحبك.. حبيتك من أول مرة اتقابلنا فيها. وقتها مكنتش لسه اعرف باباكي أصلًا. خدتك في حضني و طبطبت عليكِ زي بنتي بالظبط. فاكرة يا رنا ؟
رنا بخفوت:
ـ فاكرة..
أشجان بحزن:
ـ معرفش ايه اللي خلاكي تفكري اني مابحبكيش. قوليلي يا رنا شوفتي مني ايه يخليكي تقولي كدا؟
احتارت رنا ماذا تخبرها ولكنها اكتفت بإجابة بسيطة:
ـ مفيش حاجة معينة.
رأت حيرتها في عينيها مما جعلها تقول بنبرة مُشجبة:
ـ على فكرة أنا سبت البيت بعد كلامنا على طول. سبته عشان اثبتلك أني مش بقوم باباكي عليكي ولا حاجة. بس ياترى بقى هو وافق انك تروحي الرحلة ؟
رنا بحزن:
ـ لا.
ـ أنا مجبتلوش سيرة على فكرة، و مشيت بعدها على طول. يعني ماليش يد في أنه يرفض.
شعرت رنا بالحزن و الارتباك و الحرج لتبدو لهجتها تائهة حين قالت:
ـ عارفة، و بصراحة مكنتش متخيلة انه هيرفض.
أشجان بجمود:
ـ بس أنا مكنش عندي شك أنه ممكن يوافق.. عارفة المشكلة فين؟ المشكلة عند اللي فهمك ان باباكي ممكن يوافق على حاجة زي كدا، و عشمك بحاجة زي دي..
فطنت رنا إلى مقصدها ولكنها كانت تشعر بالحزن ولا تجد أي إجابة على تساؤلاتها مما جعلها تقول بشيء من الانفعال:
ـ ليه ميوافقش طيب ما كل اصحابي اهاليهم موافقين!
أشجان بتوضيح:
ـ مفيش حاجة بتحلل الغلط حتى لو كل الناس عملوه. الغلط غلط في كل مكان وزمان مش عندنا في الحارة بس زي ما قولتيلي، وبعدين بصي حواليكي كدا يا رنا.. مش ملاحظة أن الحراسة زادت على القصر و عليكوا أنتوا كمان؟
رنا بانتباه:
ـ أيوا فعلّا أنا لاحظت دا..
ـ طيب دا يعرفك أنا أكيد في حاجة و بابا خايف عليكِ.
اومأت رنا برأسها لتُتابع أشجان بحنو:
ـ اسمعيني يا رنا أنا مش بعتبرك بنتي. أنتِ بنتي فعلًا، ولو مكنتش بحبك مكنتش جيت النهاردة عشان اتكلم معاكي، ولو انا وحشة أو بقوم باباكي عليكِ كان ممكن قولتله على كلامك ليا اللي اكيد مكنش هيقبل بيه. بس انا حبيت اللي بيني وبينك أنا وانتي نحله مع بعض.
كانت تعرف خطأها ولا تخجل من الاعتذار عنه، فهي بريئة تتقاذفها النوايا السيئة و الأيدي الملوثة بالكراهية لذا قالت بشفاة مذمومة وكأنها ستنخرط في البكاء:
ـ أنا بعتذر مكنتش أقصد ازعل حضرتك.
مدت أشجان يدها لترفع وجه رنا إليها وهي تقول بمزاح:
ـ طيب و زعلانه اوي كدا ليه؟
رنا بخفوت:
ـ ولا حاجة..
أشجان بابتسامة جميلة:
ـ طيب ايه رأيك بقى أن في سبب تاني خلاني اجي هنا النهاردة ..
رنا بفضول:
ـ سبب ايه؟
أشجان بنبرة ودودة:
ـ مش انتِ كان نفسك تقضي وقت حلو مع أصحابك و و تخرجي معاهم و تلبسي كمان براحتك؟
ـ أيوا
أشجان بحماس:
ـ خلاص يا ستي تاهت و لقيناها اخر الاسبوع هنعمل حفلة شوي عند سوزي و تقدري تعزمي أصحابك البنات و مش بس كدا دي آسيا وشروق و جميلة هيكونوا موجودين و هاخدك و نروح نختار احلى فستان لأحلى بنوته في الدنيا.
أضاءت عيني الفتاة بالسعادة لتهتف بلهفة:
ـ دا بجد ؟
أشجان بتأكيد:
ـ بجد طبعا و مش بس كدا دا احنا هنخلي آسيا تغيرلنا ديكورات المكان عشان تتصوروا زي ما انتوا عايزين. و اعملي حسابك هتقعدي معاها تختاري الديكور اللي تحبيه و المنيو كمان، و فكرت أننا ننزل نشتري هدايا عشان تقدميها للبنات، و تقدري تعتبريها تعويض عن السفرية اللي اتلغت لحد ما الدنيا تهدى و نبقى نسافر كلنا سوى..
كادت أن تطير من فرط السعادة لتهتف بحبور:
ـ أنا مش مصدقة اللي حضرتك بتقوليه. ميرسي اوي. أنا بجد فرحانه جدًا..
أسعدها كثيرًا رد فعل رنا مما جعلها تقول بصدق:
ـ وانا مش عايزة حاجة غير اني أشوفك فرحانه كدا..
رنا بخفوت:
ـ يعني مش زعلانه مني؟
أشجان بحنو:
ـ مفيش أم بتزعل من بنتها، بس عايزة اتفق معاك على اتفاق..
ـ اتفضلي..
مدت أشجان يدها تعانق كفوف رنا وهي تقول بنبرة ودودة:
ـ عايزة تفضل علاقتنا كدا على طول. أم وبنتها متسمحيش لحد أنه يتدخل بيننا و متسمحيش لحد أنه يكون وسيط بينك وبين باباكي. باباكي مابيحبش في الدنيا قدك، و مش هيعمل خاطر لحد في الدنيا غيرك. بلاش تدخلي حد بينكوا..
تأثرت رنا بحديثها كثيرًا مما جعلها تقول بهدوء:
ـ حاضر..
أشجان بحماس:
ـ اعملي حسابك بقى انك هتيجي تباتي معايا النهاردة. خلاص فاضل تلت أيام على معاد الحفلة و ورانا حاجات كتير نجهزها، و حاجات كتير نشتريها..
رنا بلهفة:
ـ اوك. بس قولي لبابي..
أشجان بنبرة جادة:
ـ قوليله أنتِ هو مش انا مش لسه بقولك متدخليش حد بينكوا؟
رنا بلهفة:
ـ ايوا صح. حاضر هقوله.
نهضت أشجان من مقعدها وهي تقول:
ـ يالا بقى عشان ترجعي لأصحابك، وانا هستناكي النهاردة...
أغرورقت عيني الفتاة بالعبرات جراء ذلك الحنان الذي غمرتها به أشجان لتقول بامتنان:
ـ ميرسي بجد..
ابتسمت أشجان بحب وهي تقول:
ـ تعالي في حضني...
عانقتها رنا لتشدد أشجان من عناقها، و تدحرجت عبراتها من بين مآقيها لتقول بتأثر:
ـ أنتِ بنتي يا رنا أنا والله بحبك أوي. فوق ما تتخيلي..
رفعت رنا رأسها لتنظر إلى أشجان قائلة بتأثر:
ـ وأنا كمان بحبك والله. بليز خليكِ جنبي أنا حاسة اني متلخبطة أوي، و في حاجات كتير مش فهماها...
شعرت أشجان بأنه هناك خطبٍ ما لتقول بحنو:
ـ أنا جنبك و النهاردة بالليل هنسهر سوى نتكلم و نحكي للصبح...
ابتسمت رنا لتتقدم منهم سهيلة بأعيُن يلتمع بهم شيء ما جعل أشجان تشعر بانقباضة في قلبها، و خاصةً حين استمعت لحديث سهيلة الساخر:
ـ ايه جو الغراميات دا؟ احضنوني معاكوا أنا كمان عندي نقص حنان...
ابتسمت أشجان بتحفظ قبل أن تتجاهل حديثها قائلة:
ـ متنسيش تقولي للبنات يا رنا على الحفلة، هنبقى نكمل كلامنا بالليل...
اومأت رنا برأسها، لتغادر أشجان و تقترب سهيلة من رنا قائلة بسخط:
ـ هي الحرباية دي عرفت تدحلبلك و توقعك في حبالها تاني ولا اي؟
صُدِمت رنا من حديثها الوقح عن أشجان مما جعلها تقول بشيء من الحدة:
ـ هو أنتِ ازاي تتكلمي عنها كدا؟
سهيلة باستنكار:
ـ ايه يا رنا مالك دي مرات أبوكي في ايه؟
رنا بغضب:
ـ في أن دا أسلوب وقح جدًا وانا مش هقبل بيه، وبعدين أنتِ ازاي كنتِ بتتكلمي معاها و كأنك بتحبيبها جدا و دلوقتي بتشتمي عليها ؟
سهيلة بحنق:
ـ يابنتي دي مجاملات، يعني هروح اشتمها في وشها؟
رنا بنبرة حادة:
ـ يبقى متشتميهاش في ضهرها. عشان دا أسلوب بذيء. عن اذنك..
التفتت رنا عائدة إلى الفتيات لتزفر سهيلة بحنق قبل أن تقول بإرسال رسالة نصية إلى أحد الأشخاص...
اللهم إن كان رزقنا في السماء فأنزله، وإن كان في الأرض فأخرجه، وإن كان بعيداً فقربه، وإن كان قريباً فيسّره، وإن كان قليلاً فكثّره، وإن كان كثيراً فبارك لنا فيه ❤️
★★★★★★★★
كان يجلس خلف مقعده بملامح مُكفهرة، وعينين تماوجت بها المشاعر والتي كان على رأسها الألم، ليستمع إلى طرق على باب مكتبه، فأعطى الإذن بالدخول دون أن يرفع رأسه من الأوراق أمامه، فإذا به يستمع لصوت خطوات هادئة عرفها على الفور ليرفع رأسه ناظرًا إلى أشجان التي كانت تقدم خطوة و تؤخر الثانية لتشتبك عينيه البنية مع خاصتها الزمردية في حديث صامت مليء بالعتب قطعه صوتها الخافت حين قالت:
ـ ممكن أخد من وقتك دقايق؟
استفهامًا لا يحتمل الرفض بالنسبة إليه فبالرغم من كل هذا الألم بداخله، فهو حتماً لن يردها مكسورة الخاطر أبدًا:
ـ أكيد. اقعدي.
اطاعته بصمت، وقد حاولت جاهدة السيطرة على جموح عبراتها التي تهدد بالهطول مما جعل نبرتها مُتحشرجة حين قالت:
ـ خالد.
طافت عينيه فوق ملامحها بقلق ارتسم بوضوح في عينيه ولكنه حاول طمسه من لهجته حين قال:
ـ سامعك.
كانت شفتاها ترتجف و عينيها تفصحان بقوة عن ألمها الذي تناثر فوق خديها وهي تقول بنبرة جريحة:
ـ أنت لسه زعلان مني!
كان ألمها إضافة قوية إلى وجعه الكبير منها، لذا قام بمد محرمة ورقية لها لتمحو عبراتها التي تهبط كالصخور فوق قلبه فتناولتها منه بأيدٍ مرتجفة ليتضاعف الألم بداخله مما جعله ينصب عوده متوجهاً إلى المقعد المقابل لها وهو يناظرها بعتب تجلى في نبرته حين قال:
ـ افتكر انك مش جاية تسأليني عن سؤال أنتِ عارفة إجابته كويس.
أومأت برأسها بالموافقة وهي تبكي بقهر تجلى في نبرتها حين قالت:
ـ صح. أنا مش جاية عشان كدا.
لم يكن باستطاعتها النظر في داخل عينيه التي كانت تعاتبانها بقسوة لتحاول التحلي بالشجاعة حين قامت بمحو عبراتها قبل أن ترفع رأسها إليه وهي تقول بنبرة هامسة:
ـ أنا حامل يا خالد.
يتبع....
يارب البارت يعجبكوا.. مقدرتش اكمله امبارح و نمت و على ما خلصت يومي النهاردة و طبعا انتوا عارفين البيت والأكل والضغوطات و أبوهم وقدرت اكتبه يارب يعجبكوا بحبكوا ❤️
دا جروبي نوروني عليه
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!