تحميل رواية «صراع الذئاب» PDF
بقلم ولاء رفعت علي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بداخل أحد الأحياء الشعبية في وسط القاهرة... أصوات تتعالى وتردد تكبيرات صلاة العيد في مشهد يجعل قلبك يخفق بشدة من الفرح والسعادة وأنت ترى هؤلاء الذين يفترشون الأرض في ساحة شاسعة في الشوارع بسجاجيد الصلاة.. معظم الرجال والشباب يرتدون العباءة ذات اللون الأبيض الناصع، والنساء بعضهن ترتدي إسدال الصلاة الأنيق وأخريات ترتدي عباءة ذات اللون الأسود ويعلوها الحجاب، ولا ننسى الأطفال الذين يركضون هنا وهناك بين المصلين يرتدون ثياب العيد وبأيديهم البالونات والألعاب، والجميع مستمر في ترديد التكبيرات في صوت مهي...
رواية صراع الذئاب الفصل الأول 1 - بقلم ولاء رفعت علي
بداخل أحد الأحياء الشعبية في وسط القاهرة...
أصوات تتعالى وتردد تكبيرات صلاة العيد في مشهد يجعل قلبك يخفق بشدة من الفرح والسعادة وأنت ترى هؤلاء الذين يفترشون الأرض في ساحة شاسعة في الشوارع بسجاجيد الصلاة.. معظم الرجال والشباب يرتدون العباءة ذات اللون الأبيض الناصع، والنساء بعضهن ترتدي إسدال الصلاة الأنيق وأخريات ترتدي عباءة ذات اللون الأسود ويعلوها الحجاب، ولا ننسى الأطفال الذين يركضون هنا وهناك بين المصلين يرتدون ثياب العيد وبأيديهم البالونات والألعاب، والجميع مستمر في ترديد التكبيرات في صوت مهيب تخشع له القلوب.
"الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر ولله الحمد. الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرةً وأصيلاً. لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده. لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، ومخلصين له الدين ولو كره الكافرون. اللهم صلِّ على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد، وعلى أصحاب سيدنا محمد، وعلى أنصار سيدنا محمد، وعلى أزواج سيدنا محمد، وعلى ذرية سيدنا محمد، وسلم تسليماً كثيراً".
ونذهب إلى ذلك البناء القديم حيث مدخل الفناء الضيق الذي تصدر منه رائحة عطنة، والدرج الذي يحده الدرابزين المعدني الصدأ ذو مسند خشبي متشبع من المياه المتساقطة من السجادة التي قامت بوضعها إحدى السكان بالطابق الثالث منذ البارحة.
بينما في الطابق الثاني بداخل شقة الشيخ سالم البحيري، تقف تلك الجميلة ذات العينين الواسعتين بأهداب كثيفة وعدستيها البنيتين مثل لون البندق أمام المرآة المستديرة المعلقة على الحائط، ترتدي حجابها الأسود على شعرها البني القاتم ليحاوط وجهها ذو البشرة الناعمة باللون الحنطي.
انتهت من ارتداء الحجاب ثم خرجت من غرفتها ذات الحوائط المطلية باللون الوردي حيث يوجد بها مضجع من الطراز القديم الذي يعود إلى القرن الماضي، وخزانة خشبية تتكون من ضلفتين، ومكتب من الصاج يشبه المكاتب التي توجد في الهيئات الحكومية قديماً، يعلوه على الحائط مكتبة من أربعة رفوف، بكل رف تتراص عليه العديد من الكتب.
وقفت في الردهة أمام المنضدة المستديرة المحاطة بثلاث مقاعد خشبية يعلوها مفرش باللون الأبيض ومزهرية بداخلها ورود بلاستيكية، وبمحاذاتها هاتف خلوي تضيء شاشته بوميض واهتزاز واسم المتصل "شيماء".
انتبهت إلى الهاتف لتطلق تنهيدة ثم توجهت نحو الشرفة ذات السور المعدني والمسند الخشبي، وقفت بقامتها التي لا تتعدى 165 سنتيمتراً تنظر لأسفل لتجد تلك الفتاة ذات البشرة التي اكتسبت بعض السمرة من أشعة الشمس وعينيها التي تشبه أعين الهرة بلونها العسلي المزينة بكحل يعلو أهدابها، ترتدي إسدالاً من اللون الأحمر القاتم.
زفرت بحنق وقالت بصوت جلي وهي تنظر لأعلى:
- كل ده يا خديجة! أنجزي يا بنتي الصلاة قربت تبدأ.
أشارت لها خديجة بيدها وقالت:
- حاضر نازلة أهو بسرعة.
قالتها ثم خرجت إلى الردهة لتتناول محفظة النقود خاصتها من فوق البوفيه المجاور لباب الشقة، أخرجت المفتاح وفتحت الباب لتشهق بذعر وقالت:
- هااا حرام عليك يا طه، مش تخبط الأول ولا ترن الجرس يا أخي؟
دلف ذلك الشاب الثلاثيني ذو البشرة السمراء والشعر البني الكثيف وحاجباه الكثيفان أيضاً فأجاب عليها بتهكم:
- هو أنا كنت أعرف إنك ورا الباب! وبعدين نازلة لوحدك ورايحة فين؟
قطبت حاجبيها بضيق وقالت:
- رايحة أصلي العيد هكون رايحة فين يعني! وأنت مش ناوي تركعها بقى؟
جلس على الأريكة وزفر بحنق وقال:
- وأنتي مالك... أصلي ولا ما أصليش أنتي اللي هتدخلي جهنم بدالي يعني!
ابتسمت بسخرية وقالت:
- ربنا يهديك يا طه يا أخويا ويصلح حالك.
وقف بغضب محذراً إياها بسبابته وقال:
- خليكي في حالك أحسنلك ولا عايزة تاخديلك قلمين على الصبح!
صاحت في وجهه وقالت:
- والله يا طه أنت لو ملمتش نفسك وتبطل تمد إيدك عليا لأقول لبابا وخليه يتصرف معاك.
ضحك بسخرية وقال:
- تصدقي خوفت! يلا يا بت من هنا روحي شوفي بتعملي إيه.
زفرت بتأفف ولم تجب عليه ثم غادرت الشقة وهي تصفق الباب خلفها بقوة.
في الأسفل ما زالت تنتظر صديقتها ليأتي أحد الشباب المتسكعين بالشوارع وقام بمغازلتها قائلاً:
- إيه يا عم الأحمر الجامد ده ما...
قاطع جملته على الفور صفعة قوية على مؤخرة رأسه من ذلك الشاب ذو الواحد والثلاثين عاماً ليقف أمامه بطوله الفارع وبنيان جسده القوي يرمقه بنظرات نارية يمسكه من تلابيب قميصه وقال بصوت أجش:
- جرى إيه ياض يا (...) على الصبح.
قالها ثم وجه له لكمة قوية فصرخت شيماء. وقع الشاب على الأرض وهو يضع يده في مكان اللكمة وقال بصوت مرتجف:
- والله يا أسطى عبد الله ما أعرفش إنها تخصك.
جذبه عبد الله من ذراعه لينهض وقال:
- حتى لو ما تخصنيش إياك أشوفك تبص لأي واحدة في الشارع ده، أنت فاهم ياض ولا أفهمك؟!
قالها وهو يوجه يده في استعداد تسديد لكمة أخرى، صاحت شيماء وقالت:
- خلاص بالله عليك يا عبد الله الناس عمالة تبص علينا.
رمقها بنظرات حادة بعينيه ذات اللون الأخضر جعلتها تصمت ودب الخوف في قلبها فقال بنبرة أمر:
- روحي على بيتكو يلا.
قالت شيماء:
- أنا رايحة أصلي.
ترك الفتى من قبضة يده واقترب منها بجسده العريض لتقف أمامه بخوف وقال:
- شيماء أنا قولت إيه؟
جاء صوت خديجة لينقذها منه فقالت:
- في إيه يا شيماء؟
قالتها وهي ترمق عبد الله الذي ما زال ينظر إلى شيماء بنظرات لو كانت نيران لأحرقتها حية، فأردفت:
- في إيه يا عبد الله إحنا رايحين نصلي عايز منها إيه على الصبح.
لم ينظر إليها فقال لشيماء:
- روحي مع صاحبتك عشان تصلوا وحسابك معايا بعدين.
ثم غادر من أمامهما. وضعت خديجة يدها على عضد شيماء وقالت:
- سيبك منه ده بق على الفاضي ويلا عشان نلحق الصلاة زمانها هتبدأ.
وفي ساحة المصلين تجلس امرأتان إحداهما سيدة في بداية الستينات وبمحاذاتها فتاة في أوائل العشرينيات.
قالت السيدة:
- بت يا فاتن شايفة البت اللي لابسة عباية هناك دي؟
قالت فاتن:
- أنهي واحدة ياما ما كل النسوان لابسة عبايات.
لكزتها والدتها في كتفها وقالت:
- البت اللي لابسة طرحة أزرق في أبيض دي.
قالت فاتن:
- أنت قصدك على البت رحمة بنت أم أسامة؟
لوت فمها جانبًا وقالت:
- أيوه يا آخرة صبري هي... إيه رأيك نروح نطلب إيديها للواد عصام أخوكي.
قالت فاتن بامتعاض:
- دول شحاتين ياما ومش لاقيين ياكلوا، ده غير عندها 25 سنة وعادل عايز عروسة في حدود 20 سنة.
قطبت حاجبيها بضيق وقالت:
- وأنت مالك يا بت هو أخوكي يقدر يقولي لأ!
رمقتها فاتن وقالت بسخرية:
- أنتي هتقوليلي عليكي ده الكلمة كلمتك والشورى شورتك.
رمقتها بغضب فقالت:
- بتتريقي! ماشي يا بنت أبوكي شوفي مين بقى اللي هيخليكي تخرجي تتفسحي مع خطيبك بكرة.
قالت فاتن:
- لأ والنبي أبوس إيدك كله إلا الخروج ما صدقت رجع من السفر.
قالت بتهكم:
- اللي يسمع كلمة السفر يفتكر أنه راجع ومعاه مال قارون ما يعرفوش الوكسة اللي هو فيها.
قالت فاتن:
- حرام عليكي ياما يعني هو ذنبه إيه إنه اتنصب عليه.
قالت والدتها:
- طيب اسكتي يا اختي وقومي عشان الصلاة هتبدأ أهي.
وبداخل المسجد يقف الشيخ سالم البحيري إماماً للمصلين ورفع يديه وقال "الله أكبر"، ليردد من بداخل المسجد ومن بالساحة في الخارج خلفه التكبير.
تقف خديجة بجوار شيماء، وتلك السيدة وبجوارها ابنتها فاتن، وتلك الفتاة التي تُدعى رحمة والحزن يرتسم على ملامح وجهها المستدير وعينيها اللوزيتين، شاردة في عالم آخر وهي تتذكر ليلة البارحة.
فلاش باك...
تجلس على حافة السياج المطل على نهر النيل وبجوارها ذلك الذي يلقي بعض الصخور الصغيرة في المياه.
قالت رحمة:
- وبعدين يا طه آخرة حبنا ده إيه؟ أنا عمالة أرفض أي حد يجيلي على أمل إنك تيجي تكلم أمي وتطلب إيدي منها.
التفت لها ورمقها بغضب وصاح في وجهها وقال:
- عايزاني أعملك إيه يعني ما أنتي عارفة اللي جاي على قد اللي رايح، وصاحب المحل اللي بشتغل فيه يدوب بيديني كام ملطوش يدوب بجيب بيهم السجاير والباقي مصاريفي.
صاحت في وجهه هي الأخرى وقالت:
- هو أنا بقولك هاتلي شقة ملك! ولا شبكة! أنا كل اللي قولتهولك إني مستعدة تتجوزني في شقة عم سالم ومش عايزة دهب غير حتة دبلة وممكن تجيبها دهب صيني.
زفر بحنق وقال ساخراً:
- وبعدين! هصرف عليكي منين؟ ده حتى أبويا يدوب معاشه مكفي مصاريفنا بالعافية هقوم أجيب له بلوة تزيد الحمل عليه.
شهقت بصدمة وقالت:
- هااا! أنا بلوة يا طه؟
قال باقتضاب:
- ما كنتش أقصد أنا بديلك مثل.
التفتت ثم نزلت من فوق السور وقالت بصوت مرتفع:
- ولا تقصد... عموماً متشكرة جداً وآسفة جداً بس الأسف ده ليا.. إني ضيعت وقتي مع واحد مستهتر وأناني زيك.
رمقها بحدة ثم التف ونزل هو أيضاً وقال:
- وطي صوتك يا رحمة صوتك ما يعلاش عليا.
قالت بإصرار وتحدٍ وغضب كامن:
- لأ هعلي وهخلي كل الناس تعرف إنك ندل و...
لم تكمل جملتها ليقاطعها هو بصفعة قوية على وجهها وهو يزفر ويلهث بقوة. لم تتفوه بكلمة سوى تعالي شهقات بكائها التي أجهشت به للتو، لتركض من أمامه وتتجه نحو منزلها.
باك...
انتبهت من شرودها لتجد الإمام قال: "سمع الله لمن حمده".
ركع الجميع لتتعالى الهمسات، انحنت بجذعها وهي تسند يديها على ركبتيها وقالت بصوت غير مسموع:
- سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد والشكر.
في حديقة قصر آل البحيري...
قصر لا يوصف بالحديث عنه لابد من أن تراه بعينيك حتى تستمتع من رؤية ذلك البناء المعماري الضخم الذي شُيد بمزيج من الطراز الكلاسيكي والحديث في آن واحد، له العديد من المداخل بحري وشرقي وقبلي، وعلى كل مدخل لا يقل عن حارسين بأجساد ضخمة. وبالخارج حديقة شاسعة تحاوط القصر يوجد بها إسطبل للخيل ومنزل صغير متكون من العديد من الغرف وذلك للخدم وجميع العاملين بالقصر، وبخلف القصر يوجد مرآب يوجد فيه أسطول من السيارات بجميع الماركات العالمية الحديث منها والكلاسيكي.
نذهب إلى الداخل حيث عالم آخر غير الخارجي تماماً... الجدران ذات الارتفاع الشاهق المليئة باللوحات الفنية لأشهر الرسامين وخاصة من عصر النهضة كأمثال دافنشي، البهو يشعرك بقشعريرة من نسمات الهواء البارد التي تلفح بشرتك عند دخولك لأول مرة، الإضاءة معتمة، الطلاء مزيج من الأسود والألوان القاتمة ولاسيما الديكورات والتماثيل البرونزية والفضية، تشعر وكأنك في قصر الخديوي. نصعد سوياً على ذلك الدرج المتسع تتوسطه سجادة باللون الأحمر القاني، على جانبيه درابزين من معدن النحاس في بدايته ونهايته تماثيل رومانية.
وفي الطابق الثاني يوجد رواق كبير وطويل يتفرع منه العديد من الغرف ذات المساحات الشاسعة، وبداخل أكبر الغرف أو بالأحرى "الجناح الملكي" كما يطلق عليه أبناء عزيز حكيم البحيري صاحب أكبر مجموعة شركات البحيري للصلب في الشرق الأوسط، رجل يرتسم كلاً من الهيبة والوقار على ملامحه التي تجعلك تشعر بالرهبة عندما تراه، يبلغ خمسة وستين عاماً.
يقترب مبتسماً من تلك الحسناء على الرغم من بلوغها الخامسة والخمسين عاماً لكن تمتلك جمال فتاة العشرينيات فهي جيهان الدالي، سيدة تتمتع بقدر عالٍ من الجمال والأناقة تتميز بعينيها ذات اللون الرمادي الممزوج بلون السماء وخصلات شعرها التي تشبه أشعة الشمس الذهبية وبشرتها الشقراء الممتزجة بالحمرة الطبيعية حيث أصولها التركية التي تنحدر منها سلالة عائلتها.
قال عزيز بصوته الرخيم وهو يحاوطها بذراعيه ليلتصق صدره بظهرها وهي تعدل من هندامها مرتدية العباءة المغربية ذات اللون الأبيض والمطرزة بالخيوط الذهبية:
- كل سنة وأنتي طيبة يا حبيبتي.
التفتت إليه لتصبح في مواجهته وقالت:
- وأنت طيب يا زيزو.
ثم أطلقت ضحكة. انفرجت أساريره بالضحك وقال:
- زيزو! لسه ما نسيتيش الدلع ده.
- ده أنا جد بقالي 7 سنين.
حاوطت عنقه بيديها وقالت:
- حتى لو بقيت عجوز خالص برضو هدلعك وهفضل أحبك.
ضمها إليه أكثر وقال:
- أنا مقدرش على الكلام الحلو ده، كده هتخليني مخرجش من الأوضة خالص.
كادت تنطق فأوقفها صوت مرتفع من إحدى الغرف.
***
بداخل إحدى الغرف..
يمسك ساعدها بقبضته القوية ويصيح فيها قائلًا:
- انسي يا هانم اللي قولتيه دلوقت ومفيش خروج خالص، أنتِ فاهمة؟
ردت عليه بنفس مستوى الصوت المرتفع وقالت:
- ليه إن شاء الله! هو أنا مكتوب عليا كل عيد أتحبس في القصر ومروحش لبابي؟
دفع ساعدها وألقى به وقال:
- أنا مامنعتكيش تروحي لأهلك بس مش أول يوم العيد، وكمان هم مسافرين وأنتِ عارفة من آخر مرة وأنا مانعك.
قامت جيهان بفتح الباب وتنظر إليهما وقالت:
- في إيه يا يوسف أنت وإنجي؟ كل اللي في القصر سامع صوتكم، ينفع كده؟
ثم نظرت إلى ابنها وقالت بنبرة تهكم:
- ينفع كده يا حضرة الدكتور؟
أجاب يوسف بغضب وقال:
- يعني ينفع اللي الهانم عايزة تعمله ده؟
أجهشت إنجي بالبكاء وركضت نحو جيهان وقالت:
- شوفتي يا عمتو يوسف بيعمل معايا إيه؟
صاح غاضبًا وقال:
- مش عايز شغل المحن ده وإلا...
قاطعته جيهان وصاحت فيه بغضب وقالت:
- ولد! اخرس، جرى إيه أنا مش مالية عينك! وإيه محن والألفاظ دي؟
نظر لأسفل بخجل وقال:
- سوري يا ماما بس بصراحة بتخلي الواحد يخرج عن شعوره.
قالت إنجي وهي ما زالت تبكي:
- قصدك إيه يعني؟ أنت اللي بقيت عصبي ومبقتش تطيق ليا أي كلمة، حتى لوجي بنتك كل ما تيجي تقعد معاك تقوم مزعقلها.
- صحيح الكلام ده يا يوسف؟
قالها عزيز الذي دلف إلى الغرفة للتو.
أجاب يوسف وقال:
- يا بابا حضرتك فاهم غلط، كل القصة إن بقالي يومين منمتش بسبب العمليات اللي كانت عندي في المستشفى وإنجي هانم مش مقدرة ظروفي.
اندفعت إنجي وقالت:
- يا أونكل عزيز كل اللي طلبته منه قولتله عايزة أسافر مع بابي ومامي الجونة هيقضوا إجازة العيد هناك، ومن غير حتى ما يتناقش معايا فضل يزعق فيا.
دفعت تلك الصغيرة ذات السبعة أعوام باب الغرفة وهي تقول:
- كل سنة وأنتوا طيبين.
التفت الجميع إليها وانحنى عزيز مهللًا وقال:
- حبيبة وقلب جدو.
قالها وهو يفتح ذراعيه لتركض نحوه وترتمي على صدره ليحملها ويقف فأردف:
- فين البوسة بتاعة جدو؟
طبعت الصغيرة بشفتيها التي تشبه الفريز قبلة على وجنتي جدها.. أردف بسعادة:
- الله الله الله على العسل.
قالت جيهان:
- طيب وجي جي ملهاش بوسة؟
اقتربت الصغيرة وقالت:
- أنتِ حبيبتي يا جي جي متزعليش.
قالتها ثم قامت بتقبيل جدتها من وجنتيها.
أخذ عزيز الصغيرة وفتح الباب وقال:
- أنا نازل تحت في الجنينة.
قالها ثم ألقى نظرة ازدراء نحو يوسف وإنجي ثم غادر.
التفتت إليهم جيهان وقالت بنبرة توبيخ:
- عاجبكم اللي بتعملوه ده؟ أنتوا مش صغيرين على خناقتكم اللي مبتخلصش.. يلا هات مراتك في إيدك وانزلوا عشان نفطر.. شوية وعمك سالم جاي هو وعياله.
قالتها ثم غادرت.. فقالت إنجي بغرور وسخرية:
- جايين زي كل مرة ياخدوا الحسنة من أونكل عزيز.
رمقها يوسف بعينيه السوداوين باحتقار ثم زفر بحنق وقال:
- مفيش فايدة فيكي وعمرك ما هتتغيري.
قالها ثم غادر الغرفة وصفق الباب خلفه بقوة.
(يوسف البحيري.. ذو ثلاثين عامًا.. يتميز بكونه طبيبًا ماهرًا في مجال الجراحة حيث أصبح مدير مشفى البحيري الاستثماري الذي يشاركه فيها خاله والد إنجي زوجته التي تصغره بعام ويدعى مهدي الدالي، وهو من أكفأ الأطباء الذين نالوا شهرة بداخل وخارج البلاد).
***
وبعد انتهاء صلاة العيد..
ما زالت رحمة تجلس في مكانها ولم تشعر بعبراتها التي تتساقط على هاتفها الذي بيدها.. انحنت نحوها خديجة وقالت:
- كل سنة وأنتِ طيبة يا جميل.
لم تجب عليها رحمة حتى لاحظت خديجة صديقتها تبكي فقالت:
- مالك يا بنتي بتعيطي ليه؟
رفعت وجهها وهي تكفكف عبراتها وقالت:
- لأ مفيش حاجة عينيا وجعاني بس.
رفعت خديجة إحدى حاجبيها وقالت:
- عليا أنا الكلام ده؟ قوليلي هو طه زعلك؟
زفرت بضيق وقالت:
- خالص بقى يا خديجة قولتلك مفيش.
نهضت خديجة وقالت لها:
- براحتك يا رحمة أنا ياما حذرتك وقولتلك بلاش طه أخويا ده ليه دماغ لوحده.. مسمعتيش كلامي وروحتي مشيتي معاه.
رمقتها رحمة بنظرات عتاب فأردفت خديجة بعد أن أطلقت زفرة بضيق:
- والله ما قصدي حاجة، أنا أخويا عارفاه كويس كل ما تتمنعي عنه وتديله على دماغه وتفهميه إن سكته معاكي يجي يطلب إيدك من أهلك هيتعلق بيكي أكتر، لكن أنتِ يا رحمة خلتيه يخرج معاكي وبتكلميه من ورا أهلك وموقفة حالك عشانه، ليه كل ده؟
أجابت بصوت مبحوح من البكاء:
- عشان بحبه يا خديجة ومستعدة أضحي بأي حاجة عشانه حتى لو اتجوزني في أوضة فوق السطوح.
لوت شفتيها جانبًا فقالت:
- تبقي عبيطة وهبلة.. يا رحمة أنتِ مش شايفة نفسك؟ أنتِ ما شاء الله زي القمر ومعاكي بكالوريوس وكل يوم واحد يروح يطلب إيدك من مامتك وأنتِ بغباءك بترفضي حتى من غير ما تدي فرصة لحد، وكل ده ليه وعشان إيه؟ عشان أخويا اللي أصلًا مش عارف يبقى مسئول عن نفسه.
ربتت خديجة على كتفها وأردفت:
- يا ريت تفكري في كلامي يا رحمة، أنا لو مش بحبك وبخاف عليكي زي أختي مكنتش قولتلك كده.
نظرت رحمة إليها وقالت بتهكم:
- طيب ما تنصحي نفسك بدل ما أنتِ معلقة نفسك في أوهام.
رمقتها خديجة بامتعاض ولم تتفوه بكلمة ثم تركتها وغادرت وهي تبحث عن صديقتها الأخرى التي اختفت حيث قد نسيت هاتفها معها.
***
تمشي بخطى مسرعة إلى البناء الذي تقطن فيه.. ودلفت إلى الفناء لتجد يدًا تجذبها إلى داخل غرفة صغيرة.. شهقت بذعر وقالت:
- هااا.. يخربيتك خضتني.
رمقها بنظراته الحادة وقال:
- مش قولتلك متلبسيش الإسدال ده قبل كده!
قالها وهو يمسك بطرف حجابها ويقوم بخلعه.
قبضت على يده وقالت:
- أنت بتعمل إيه يا عبدالله؟ سيبني أطلع زمان أبويا راجع من الصلاة ولو شافني معاك هيطين عيشتي هو ومراته.
قال بحنق:
- ليه يعني هو أنا شاقطك؟ أنتِ خطيبتي والحارة كلها تشهد.
قالت بسخرية:
- مخطوبين بقالنا خمس سنين يا عبدالله وسيادتك محلك سر، وكل ما تعملك قرشين تصرفهم على التوكتوك بتاعك.
اقترب منها وهو يقترب بأنفاسه من وجنتها وقال:
- يا بت أنا داخل جمعيات والتوكتوك اللي مش عاجبك ده هو اللي بيسد قسطها، وأول ما هقبضها هاجي لأبوكي وأحدد ميعاد الفرح.
دفعته في صدره ليبتعد عنها وقالت:
- طيب من هنا لحد ما تيجي لأبويا مش عايزة أشوف خلقتك.
قالتها لتهم بالمغادرة.. فقبض على معصمها ليجذبها ويغلق الباب ويدفعها نحو الحائط وقال:
- عايزة تسيبي حبيبك كده من غير تصبيرة؟
قالت وهي تدفعه مرة أخرى:
- أنت مابتزهقش؟ حرام عليك يا أخي.
اقترب منها وهو يجذبها نحوه بين ذراعيه وقال:
- لأ مبزهقش، حد يزهق من العسل ده؟ يا بت لما بزعقلك على الإسدال عشان لما بتلبسيه بيخليكي جامدة والشباب مبتنزلش عينيها من عليكي.
- طيب أبعد عني وحياة أبوك لحد يشوفنا.
قالتها شيماء وهي تدفعه في صدره وهو ما زال يعانقها بقوة.
- لأ مش هسيبك غير لما أدوق العسل.
قالها وهو يقترب من شفتيها.
بينما في الخارج تقف خديجة أمام البناء وهي تقول:
- راحت فين دي بس؟ لما أطلعلها.
دلفت إلى الفناء بخطى لم يشعر بها كلاهما، ولم يلاحظ أحدهما الباب الذي كان مواربًا.. توقفت متسمرة بمكانها وهي تراهما فأصدرت شهقة حتى ابتعد عبدالله عن شيماء والتفتوا نحو خديجة التي رمقتهم بازدراء.
خرج عبدالله بدون أن ينظر لها وقال:
- سلام عليكو.
ثم غادر وهو يعدل من هندامه.
اقتربت شيماء نحو خديجة بخجل شديد وهي تمد يدها إليها بهاتفها.. أخذته منها بعنف وقالت:
- مش عايزة أعرفك من النهاردة.
ثم غادرت البناء وذهبت إلى البناء المقابل حيث يوجد منزلها.
***
في منزل سالم البحيري..
دلفت خديجة إلى داخل المنزل بعدما فتحت الباب بالمفتاح.. وجدت شقيقها يجلس على الأريكة بأريحية يشاهد التلفاز وهو يدخن سيجارته ليدفس ما تبقى منها في المنفضة المعدنية.
لم تعره أي اهتمام متجهة نحو غرفتها ليوقفها بصوت أجش:
- تعالي هنا عايزك في كلمة.
رمقته بنظرات حادة وقالت:
- نعم!
اعتدل في جلسته وقال بنبرة تحذيرية:
- اتعدلي معايا يا خديجة لأعدلك.
عقدت ساعديها أمام صدرها فقالت باستهزاء:
- بجد! طيب إيه رأيك يا طه لما بابا يجي هقوله على أسلوبك معايا ده، غير إيدك اللي مدتها عليا أول إمبارح، وكله كوم وموضوعك مع رحمة كوم تاني.
نهض وعينيه كالبركان الذي يقذف حممه وقال:
- أنتِ بتهدديني؟ ما تقولي لبابا ولا تغوري في داهية.. وموضوع رحمة ده ملكيش فيه حاجة متخصكيش.
صاحت بغضب وقالت:
- لأ ليا لأنها صحبتي وجارتي وعشرة عمر، اللي أنت معملتش حساب لكل ده وعمال ماشي معاها وتسرح بيها.
- هي اللي غلطانة محدش ضربها على إيديها وقالها تحبني، وهي عارفة إن محلتيش حاجة ومش هقدر أتجوزها.
قالها طه.
ابتسمت بسخرية وقالت:
- فعلًا هي اللي غلطانة أنها وثقت في واحد زيك ندل وجبان.
استشاط غضبًا من كلماتها فاقترب نحوها ورفع يده وكاد يصفعها ليوقفه صوت فتح باب الشقة والشيخ سالم يدخل وقال:
- جرى إيه يا ولاد؟ إيه صوتكم جايب لآخر الشارع.
أجاب كلاهما بخجل وقالوا في صوت واحد:
- مفيش يا بابا.
خلع حذاءه ووضعه جانبًا وقال:
- يلا اجهزوا عشان رايحين لعمكم عزيز.
قال طه بتهكم:
- قصدك رايحين نشحت من عمنا عزيز.
نظر إليه والده بحنق وقال:
- اللي هنعيده نزيده تاني يا بني؟ قولتلك إحنا مبناخدش حسنة من حد، ده إيجار الأرض اللي ورثناها كلنا عن جدك البحيري الله يرحمه.
قال طه:
- وبالنسبة للقصر مش الأرض اللي مبني عليها لينا فيها برضو؟
زفر سالم بضيق وقال:
- الكلام ده تقوله لجدك يحيى الله يرحمه هو اتنازل عن الأرض لأخوه حكيم، يعني يا أبو مخ تخين ملناش حق فيها.. ويلا عشان العربية اللي جاية تاخدنا زمانها على وصول.
***
بداخل إحدى غرف القصر..
تقف بداخل الشرفة المطلة على المسبح وجهها كالملاك تنظر إلى السماء بعينيها التي قد ورثتها عن والدتها، وشعرها البني الممتزج بالأسود القصير الذي يصل إلى منتصف عنقها، وبشرتها البيضاء الناعمة.. تتحدث في هاتفها بشفتيها الوردية المكتنزة:
- بتتكلمي بجد!
- .............
- مش عارفة بابي هيوافق ولا لأ.
- .............
طرقات على باب الغرفة فقالت:
- طيب أنا هقفل معاكي دلوقت في حد بيخبط على الباب شكلها مامي.. هبقى أرد عليكي ساعة كمان.. باي.
أغلقت المكالمة ودخلت الغرفة لتجد والدتها.
جيهان:
- كل سنة وأنتِ طيبة يا ملوكة ماما.
قالتها لتتجه نحو والدتها لتعانقها وقالت بسعادة:
- وأنتِ طيبة يا جي جي يا عسل أنتِ.
رمقتها جيهان بمكر وقالت:
- اممم كلمة عسل مابتتقالش غير لما تكون وراها مصلحة، قولي عايزة إيه؟
ابتسمت بخجل وقالت:
- بصراحة أصحابي مسافرين بكرة الساحل وعايزيني أروح معاهم.
قالت جيهان:
- أنتِ عارفة يا ملك بابي مانعك إنك تسافري لوحدك.
قالت ملك بتذمر:
- يا مامي أنا مش لوحدي معايا أصحابي اللي في الجامعة، وبعدين أنا مبقتش صغيرة أنا عندي 20 سنة.
ضحكت جيهان وقالت:
- حتى لو بقى عندك 100 سنة هتفضلي في نظري ملوكة الصغيرة.
زفرت بحنق وقالت بسأم:
- أوك أنا عارفة مين اللي هيقنع بابي.
ابتسمت والدتها وقالت:
- هو كمان مش هيوافق.
رمقتها بتحدي وقالت:
- ولو وافق؟
جيهان:
- بنت أنتِ بتتحديني!
ملك:
- لأ يا مامي مش تحدي ده رهان.
جيهان:
- مش وقت رهان وكلام فاضي، يلا غيري هدومك عشان شوية وعمك سالم وولاده جايين.
انفرجت أساريرها بالفرح وقالت:
- أشطا ديجا جاية دي وحشاني أوي.
تنهدت جيهان بسأم ثم قالت:
- ربنا يهديكي يا ملك.
قالتها وغادرت الغرفة.
أمام البناء تتوقف السيارة الفارهة من إحدى الماركات الشهيرة. خرج من الفناء الشيخ سالم وخديجة ويليهم طه الذي ارتسمت على وجهه ملامح الامتعاض. نزل السائق على الفور ليقوم بفتح الباب الخلفي.
قال طه بصوت يكاد يكون مسموعًا ساخرًا:
- بعتلنا عربية وسواق خايفين لنروحلهم بتوكتوك.
قالت خديجة:
- يعني هم غلطانين أنهم مش عايزنا نتبهدل في المواصلات.
قالتها ثم ولجت إلى داخل السيارة.
قام طه بدفعها وقال:
- متتكلميش معايا عشان أنا على أخري منك.
رمقته بازدراء ثم أطلقت زفرة بحنق، وانطلقت السيارة.
في قصر عزيز البحيري..
بداخل صالة الألعاب الرياضية يمارس تمارينه كالعادة، وجسده الرياضي تنسدل عليه قطرات عرقه بغزارة التي قد بلت معظم أنحاء القميص الأبيض القطني بنصف أكمام.
توقف وتناول المنشفة القطنية ليجفف ذلك الانسدال الذي يزعجه، وقام بخلع القميص حتى أصبح عاري الصدر.
دلفت للتو تلك الخادمة التي يبدو عليها صغر عمرها الذي لم يتجاوز الثامنة عشر عامًا، تمسك بيدها صينية صغيرة يعلوها كوب من العصير الطازج، فقالت بخجل دون أن تنظر له:
- ياسين بيه العصير.
التفت إليها وقال بغضب:
- أظن إن فيه باب المفروض تخبطي عليه ولو أنتي داخلة بيتكو!!
تطلعت إلى عينيه الرماديتين وقالت بوجل:
- أ.. أنا نسيت.
اقترب منها ليزداد توترها وخوفها أكثر حتى ارتجفت يدها لتندفع الصينية عنوة عنها بالكوب، فانسكب العصير على بنطاله الأسود ويقع الكوب على الأرض ليصبح حطامًا، فشهقت بذعر ووضعت يدها على فمها.
وكأن الغضب يتأجج بداخله كالنيران المشتعلة، صاح في وجهها وقال:
- برررررره.
أجهشت بالبكاء ولم تقدر على النطق أو الحراك، فازداد غضبه أكثر وقال وهو يشير نحو أذنه:
- أنتي مبتسمعيش!!! بقولك بره.
كان يمر من أمام الصالة ليفتح الباب عندما سمع صياح شقيقه.
- بتزعق كده ليه يا ياسين؟؟
قالها يونس الذي لاحظ العصير المسكوب على بنطال شقيقه والكوب المحطم على الأرضية الخشبية.
قال ياسين بغضب:
- لو سمحت يا يونس خد الغبية دي وطلعها بره.
تعالت شهقاتها أكثر، زفر يونس بضيق فقال:
- روحي يا ياسمين على المطبخ وأنا هبقي أخلي حد يجي ينضف اللي على الأرض.
غادرت الصالة على الفور وهي تركض نحو المخرج المؤدي إلى المنزل الصغير.
بينما في الصالة، قال يونس:
- مكنش داعي للزعيق ده يا ياسين، البنت ملهاش ذنب أن الكوباية تقع تكسر، دي مهما كان أمانة عندنا ومينفعش تعاملها كده.
ضحك بسخرية وقال:
- والنبي يا حضرة الفنان نقطني بسكاتك... أنت عارفني طول عمري مابحبش الغباء، الهانم دخلت عليا من غير ما تستأذن وجاية تديني العصير وقعت الكوباية ودلقت عليا العصير، عايزني أعملها إيه أطبطب عليها!!
يونس:
- برضو متكلمهاش بالطريقة دي، بابا لو عرف مش هيسيبك غير لما تعتذر ليها.
غر فاه وقال بازدراء وعنجهية:
- نعم!!! أعتذر لبنت الجنايني أنت اتجننت!!
يونس:
- ما تحترم نفسك وراعي أنك بتتكلم مع أخوك اللي أكبر منك.
قال ياسين بسخرية:
- يا عم هم 3 سنين فرق قارفني بيهم وخلاص كلها شهرين وهتم الـ 24 سنة.
يونس:
- طيب يلا عشان بابا مستنينا في الجنينة من بدري.
في منزل الخدم حيث الطابق الثاني بداخل إحدى الغرف المتفرعة من الرواق الطويل..
تدفن وجهها في وسادتها وهي تبكي بشدة. طرق أحدهم على باب الغرفة، توقفت عن البكاء فقالت وهي تمسح عبراتها:
- مين؟
أجاب الطارق:
- أنا علا يا ياسمين.
نهضت وهي تعدل ثوبها الأسود وحجابها الزهري، لتتقدم بخطوات نحو الباب وفتحت لتشير إليها بالدخول.
قالت علا وهي تتفحص آثار عبراتها على وجنتيها:
- أنتي كنتي بتعيطي؟
أومأت لها ياسمين بالنفي وقالت:
- مفيش كنت مخنوقة شوية.
علا:
- يبقى ياسين بيه سبب دموعك.
وعندما ذكرت اسمه أشاحت وجهها بعيدًا عنها وهي تحاول أن تكبت عبراتها.
اقتربت علا منها فقالت:
- على فكرة أنا سمعت الحوار اللي حصل وأول ما لمحت يونس بيه جريت على طول... بس أنتي فعلًا غلطانة وقلبك هيوديكي في داهية، أنتي مش قدها والظاهر نسيتي هو مين وأنتي تبقي مين... فوقي لروحك يا بنت عم إسماعيل الجنايني.
رمقتها ياسمين بغضب وقالت:
- احترمي نفسك يا علا.
تنهدت علا وقالت:
- آسفة مش قصدي معايرة أبدًا والله، أنا كنت عايزة أسمعك الكلام اللي هيتقالك لو مرجعتيش عن اللي في دماغك ده.
نظرت ياسمين لها بدون أن تنبس بكلمة.
بداخل حديقة القصر..
تتجمع عائلة عزيز البحيري جميعها حول الطاولة. عزيز يترأس الطاولة وتجلس على فخذيه حفيدته لوجي، وعلى يمينه جيهان زوجته، وبجوارها ابنتها ملك ويليها ياسين الذي يمسك بهاتفه، ومن الجهة الأخرى يجلس يوسف وتليه إنجي زوجته ثم يونس.
قال يوسف:
- تعالي يا لوجي اقعدي جمب مامي خلي جدو يعرف يقعد.
أجابت بتذمر وهي تعقد ساعديها وقالت بصوتها الطفولي:
- لاء أنا عايزة اقعد مع جدو زيزو.
ضحك الجميع فقال عزيز:
- سيبها تقعد براحتها دي روح جدو.
قالها ثم قام بتقبيل وجنتها.
قامت بمعانقته وقالت:
- وأنت كمان روح لوجي.
قالت جيهان:
- أومال فين آدم؟
يونس:
- أنا شايفه من بدري وهو رايح ناحية الخيل.
قالت ملك:
- طبعًا رايح يصبح على رعد، هاروح له أنا وأندهله.
قالتها ثم نهضت وأزاحت المقعد للخلف وغادرت وهي تركض نحو إسطبل الخيول حتى اصطدمت بذلك الجبل الذي لم يهتز من ذلك الارتطام.
رفعت عينيها التي تشبه السماء الصافية لتلتقي بتلك العيون الرمادية الحادة، حتى شعرت بفارق الطول حيث طولها لا يتعدى الـ 160 سم وهو فارع الطول الذي يتعدى 195 سم.
رمشت عدة مرات فقالت:
- سوري مصعب.
قالتها وانحنت حتى تلتقط هاتفها الذي وقع من يدها، فسبقها هو وقام بالتقاطه ثم أعطاها إياه وقال بصوته الأجش:
- ولا يهمك يا آنسة ملك.
أخذت هاتفها وهي تبتسم له، ليشرد في ابتسامتها التي أسرته ليفيق من ذلك الشرود على صوت الشيخ سالم.
- السلام عليكم.
رد الجميع عليه بنفس التحية. ركضت ملك نحو خديجة وهي تعانقها وقالت:
- وحشاني أوي يا ديجة كده متسأليش عليا زعلانة منك.
ابتسمت خديجة وقالت:
- وميرضنيش زعلك يا ملوكة.
قالتها ثم نظرت إلى الجميع وذهبت نحو عمها عزيز وقالت:
- أزيك يا عمي كل سنة وأنت طيب.
قال عزيز:
- وينفع السلام من بعيد كده؟؟
سالم:
- روحي يا خديجة سلمي على عمك.
تقدمت بخجل لتصافحه ثم صافحت جيهان بالعناق والقبلات، ومدت يدها إلى إنجي فرمقتها بزهو وكبرياء وقالت:
- أزيك.
شعرت خديجة بالإحراج فتراجعت، فقال يوسف:
- أزيك يا خديجة عاملة إيه؟
خديجة:
- الحمد لله.
ركضت نحوها الصغيرة لوجي وقالت:
- ديجة حبيبتي.
فانحنت لتعانقها وتحملها وقامت بتقبيل وجنتيها وقالت:
- عاملة إيه يا لوجي؟
لوجي:
- أنا زعلانة منك مبقتيش تيجي وتحكيلي حدوتة.
ابتسمت خديجة وقالت:
- حاضر يا قلبي أنا النهاردة هاحكيلك حواديت قد كده.
جيهان:
- يلا عشان نفطر سوا مع بعض.
ثم قامت بمناداة الخادمة:
- يا علا.
جاءت علا لتنحني نحو جيهان التي تهمس في أذنها.
فاقتربت ملك من خديجة وأمسكت يدها وقالت:
- تعالي معايا يلا.
كادت تتعثر خديجة في الطريق وقالت:
- وخداني على فين؟
ملك:
- تعالي معايا وأنتي هتعرفي.
قالتها وهي تغمز لها بإحدى عينيها.
وصلت كلتاهما عند الإسطبل. وقعت عيناها ذات لون البندق نحو ذلك الذي يمتطي جواده الأسود، بجسده العريض حيث يرتدي قميصًا أسود أنيقًا يلتصق بمنكبيه العريضين مفتوحة أزراره العليا لتبرز عضلات صدره ذو البشرة الخمرية المكتسبة بعض الحمرة، ويرتدي أيضًا بنطالًا كلاسيكيًا باللون الأسود. يرمح بالخيل في الساحة المحاطة بسياج معدني يمسك لجام الخيل بقبضتيه بحزم وقوة وأيضًا السوط. خصلات شعره الأسود الكثيف تتراجع إلى الخلف وقطرات العرق تنسدل على جبينه وحاجبيه الحادين، ينظر أمامه بعينيه ذات اللون البني تحاوطهما أهدابه السوداء الكثيفة، يغلق عينيه ويستنشق الهواء بأنفه المستقيم، وما زالت قطرات العرق في طريقها نحو لحيته المشذبة. فها هو آدم ذو الثلاثة والثلاثين عامًا الابن الأكبر لعزيز البحيري ومدير شركات والده.
لاحظ وجود شقيقته وابنة عمه فشد لجام الخيل ليتوقف ويطلق صهيله القوي. نزل من فوق الخيل بمهارة ليتقدم نحوهما بطوله الفارع الذي يصل إلى 192 سم يمسك بيديه السوط من طرفيه، ومع كل خطوة يخفق قلبها بشدة ومقلتاها التي تتلألأ عند رؤيته.
قال آدم بصوته الرجولي العذب:
- أزيك يا خديجة.
ابتلعت ريقها وقالت بابتسامة وخجل في آن واحد:
- الحمد لله بخير.
ملك:
- يلا عشان هنفطر.
آدم:
- طيب دقيقة هادخل رعد الإسطبل وجاي دلوقت.
ملك:
- طيب إحنا جايين معاك.
نظرت لها خديجة وقالت وهي تهمس:
- هنروح فين؟
ملك:
- تعالي بس معايا عشان عايزاه في موضوع مهم وعايزاكي تكوني موجودة عشان تقنعيه.
خديجة:
- موضوع إيه؟ فهميني بس الأول.
ملك:
- دلوقت هتعرفي.
ذهبا إلى الإسطبل. آدم أدخل رعد إلى مكانه وأغلق البوابة بإحكام.
ملك:
- آدم عيزاك في موضوع قبل ما نروح نفطر.
تنهد وقال:
- قولي.
ملك:
- أصحابي مسافرين الساحل بكرة وعايزة أروح معاهم.
قطب حاجبيه وقال بنبرة شبه غاضبة:
- تاني يا ملك؟ مش بابا آخر مرة محذرك وقايلك مفيش رحلات لوحدك غير لما يكون في حد معاكي سواء أنا أو يونس أو ياسين.
زفرت بضيق وقالت:
- أنت طول النهار والليل في الشركة ويونس في الجاليري بتاعه وعارف كويس أنا وياسين مبنطقش بعض.
رفع إحدى حاجبيه وقال:
- والمطلوب؟؟
ملك:
- تقنع بابا يوافق.
زفر بسأم وقال:
- خلاص هقنعه أنه يوافق بس على شرط مصعب يطلع معاكي الرحلة.
غرت فاها وقالت:
- أنت بتهزر يا آدم هو أنا طفلة!!
زمجر آدم وقال:
- بقولك إيه يا ملك أنتي عارفة أن بابا ليه أعداء كتير ومحدش فينا بيخرج من غير السكيورتي.
خديجة:
- معلش يا ملك بس آدم عنده حق.
استشاطت غضبًا فقالت:
- يعني أنا جايباكي عشان تقفي جمبي تقومي تأيدي كلامه.
قالتها ثم تأففت وتركتهما وغادرت.
كادت خديجة تنادي عليها فقاطعها آدم وقال:
- متزعليش منها هي على طول كده بتغضب بسرعة وبعد كده بتهدى وبتنسى اللي حصل.
خديجة بتوتر قالت:
- طيب عن إذنك أنا هاروحلها.
قالتها لتهم بالمغادرة ليصدر الخيل صهيلًا بصوت مدوٍ فارتعبت لتتعثر قدماها وكادت تقع على ظهرها، فلحق بها آدم ليجذبها من خصرها وتشبثت بقميصه لتنقطع أزراره جميعها. تلونت وجنتاها بالحمرة وشهقت ثم ابتعدت عنه وقالت:
- آسفة والله مكنش قصدي.
ابتسم آدم وقال:
- ولا يهمك... يلا عشان منتأخرش عليهم.
تقدمت هي أمامه وهو خلفها حتى وصل كليهما عند الطاولة، ولم تلاحظ خديجة عيني طه شقيقها والشرار يتطاير منهما حيث ظن السوء. جلست بجواره ليقترب منها ويهمس وهو يمسك بيدها بقبضة قوية:
- كنتي بتعملي إيه مع آدم لوحديكو في الإسطبل؟؟؟
اتسعت حدقتاها بصدمة وقالت:
- أنت اتجننت!!!
- وزراير قميصه المتقطعة دي؟؟؟
جذبت يدها من قبضته وقالت:
- لم نفسك يا طه وبطل تفكيرك الشمال ده.
كاد يتفوه لينتبه نحو إنجي التي تبتسم بمكر وخبث حتى أدرك أنها قد استرقت السمع، فقال هامسًا:
- ماشي يا خديجة لما نروح البيت.
لم تجب عليه وتصنعت النظر إلى شاشة هاتفها.
صعد آدم إلى غرفته ليبدل ثيابه ثم نزل إليهم وجلس على يمين والده. كان الخدم قد وضعوا أطباق الطعام بشكل أنيق فوق المائدة، وبدأ الجميع في تناول الطعام.
حل المساء ليسطع نور القمر الذي يتسلل إلى شرفتها متوجهًا إلى تلك العينين المنتفختين من كثرة البكاء، وهي تمسك بحبل مصنوع من الشراشف والمفارش تقوم بعقده حول درابزون السور.
دوى طرقات على باب غرفتها، لتنتفض وتنظر خلفها لتدلف إلى غرفتها وتجيب بحذر:
- مين؟
أجاب الطارق وقال:
- أنا زينات يا صبا هانم، عابد بيه بيقولك يلا عشان المأذون جه والمعازيم مستنية تحت.
قالت صبا:
- قوليله نازلة حالًا.
وفي البهو بالأسفل، يقف عابد الرفاعي صاحب مجموعة شركات الرفاعي ستيل للصلب، وبجواره ذلك الذي يزفر دخان سيجارته الكوبية الفاخرة ويستقبل المدعوين بشموخ... يبتسم فتبرز عظام فكيه العريضين وعينيه الحادتين التي يمتزج لونها بالأخضر والرمادي... يقطب حاجبيه الكثيفين عندما أخبره أحد الحراس شيئًا ما في أذنه.
وفي الحديقة، نجحت أخيرًا بأن تلوذ بالفرار لتستغل دخول وخروج المدعوين وهي تتنكر في ثياب رجالي، وترفع خصلات شعرها الكستنائي لأعلى وتخفيها أسفل القبعة التي يخبئ ظلها تلك الرماديتين ذات الجفون الملتهبة من البكاء... مشت بخطى هادئة حتى لا تجذب الأنظار إليها.
وصلت إلى الطريق الرئيسي لتشير إلى سيارة أجرة...
السائق:
- ع فين يا كابتن؟
لم تجبه حتى لا يفتضح أمرها، فأخرجت من حقيبتها التي كانت تحملها على كتفها ورقة مالية لتعطيها للسائق، ثم أخرجت دفتر ملاحظات صغير الحجم ودونت بإحدى الورقات بعض الكلمات، ثم قامت بنزعها وأعطتها إلى السائق.
بداخل فيلا عابد الرفاعي...
صعد الدرج والغضب بداخله كالنيران المتأججة يضع يديه في جيوب بنطاله... وقف أمام غرفتها وطرق على الباب وقال بصوت مرعب:
- افتحي يا صبا أنا قصي.
لا رد من الداخل.
وضع يده على المقبض وأداره بعنف وهو يقول:
- افتحي يا صبا الناس مستنية تحت والمأذون موجود من بدري.
ليجد ما زال الهدوء يسكن الغرفة، ليدفع الباب بجسده مرة تلو الأخرى حتى انكسر المقبض وفتح الباب على مصراعيه، ليجد الغرفة شاغرة وباب الشرفة الزجاجي مفتوحًا... تقدم نحو الشرفة ليجد ذلك الحبل المتدلي لأسفل، فقام بجذبه لأعلى ثم ألقاه بقوة على الأرض ويزمجر كالأسد الذي وصل لقمة غضبه... يرجع خصلات شعره البنية إلى الخلف وهو يزفر بغضب عارم، ثم نادى بصوت اهتزت له جميع جدران المنزل:
- كناااااااااااان.
وفي غضون ثوانٍ وصل ذلك الحارس الخاص به ذو البنية الجسدية الضخمة، فقال:
- أمرك يا قصي باشا.
قصي وهو يشير له بأصبعه بلهجة آمرة:
- جهز العربيات والرجالة حالًا.
كنان بعدم فهم:
- أمرك يا باشا بس ليه؟
زمجر بغضب وقال:
- من غير ليه.
أومأ له كنان وقال:
- دقيقة سعادتك وكل شيء هيبقى جاهز.
(قصي العزازي... ذو الخامسة والثلاثين عامًا... من أكبر تجار السلاح لكن ذلك في الخفاء، والظاهر في مجال العمل هو شريك عابد الرفاعي في مجموعته بنسبة كبيرة.)
وقبل أن يغادر قصي الغرفة، لاحظ وجود ثوب الزفاف الملقى بجوار التخت، وكاد يمسك به ليلتفت إلى تلك الصورة التي يظهر جزء منها من أسفل الوسادة، ليلقي بالوسادة على الأرض ويتناول الصورة ليرمقها بنظرات نارية قاتلة، وأطلق ضحكة مرعبة وقال:
- آدم البحيري يا أهلًا.
رواية صراع الذئاب الفصل الثاني 2 - بقلم ولاء رفعت علي
- نيران حبك تندلع في قلبي وأنت لم تشعر بي يومًا... أعلم أن قلبك يهوى غيري لكن لم أستحمل ذلك دومًا... أخشى أن يأتي ذلك اليوم وأولج إلى محراب عشقك حينها قد يكون قلبي أصبح رمادًا... يا آدم القلب والعقل يكفيني أن أحفظ حبك بداخلي ولم أبح به لأحد حتى لو كان جمادًا... حروف اسمك عنوان دربي؛ الألف أنا ذاتي... والدال دنياي... والميم مملكة فؤادك التي أتمنى أن أمكث فيها طوال حياتي.
أطلقت تنهيدة بأريحية عندما انتهت من تدوين تلك الخواطر التي تدونها منذ سنين... في ذلك الدفتر الذي يحمل في طيات أوراقه أسرار قلبها وعشقها الذي تخفيه وتحتفظ به لذاتها فقط.
أفاقت من شرودها ومن عالمها الخاص بها على صوت نداء شقيقها لها:
- خديجة أنتِ يا هانم...
قالها طه الذي يجلس أمام المائدة في الردهة ويتأفف متضايقًا.
خرجت إليه وقالت:
- مالك بتزعق كده ليه؟ أنا مش في آخر الدنيا.
- أنا أزعق براحتي زي ما أنا عايز...
صاح بها طه.
رمقته بغضب وقالت:
- ده على نفسك مش عليا، وراعي إن أنا محترمة إنك أخويا الكبير، غير كده كان هيبقى ليا معاك تصرف تاني.
ألقى الملعقة التي بيده على المنضدة بعنف ونهض وهو يزيح المقعد جانبًا واقترب منها وقال:
- سمعيني تاني كده يا اختي اللي بتقوليه!
رمقته بنظرات تحدٍ وقالت:
- زي ما سمعت كده بالظبط.
أمسك بقبضته ساعدها وهو يعنفها وقال:
- طيب اسمعيني بقى يا حبيبة أبوكي، لو مبتبطليش تردي عليا الكلمة بكلمة وتسمعي اللي بقولك عليه وتنفذيه... هاخد أجندتك الجميلة وهوريها لأبوكي وأقوله شوف بنتك بتاعت "قال الله وقال الرسول" عمالة تحب على الورق في ابن عزيز البحيري اللي ميستنضفش يبص لأشكال زيها.
تجمعت عبراتها التي انسدلت للتو على وجنتيها وقالت بنبرة توتر:
- أ.. أجندة إيه؟ وإيه اللي بتقوله ده؟
ترك ساعدها ودفعها جانبًا ليدلف إلى غرفتها... ركضت خلفه وكادت أن تمنعه أن يمسك بدفترها فقام بأخذه وضحك بسخرية واستهزاء.
- هات الأجندة يا طه أحسنلك...
قالتها خديجة بنبرة رجاء وتهديد في آن واحد وهي تبكي.
ابتسم لها ابتسامة استفزازية وقال:
- لأ مش هتاخديها وهتفضل معايا لغاية ما أعلمك الأدب وأعرفك تكلميني كده إزاي.
قالها ثم غادر الغرفة وتركها تبكي.
وتعالت صرخات الاستغاثة من البناء المقابل لهم... ركضت إلى الخارج وهي تمسح عبراتها وخرجت إلى الشرفة لترى مصدر ذلك الصراخ حتى سمعت إحدى الجيران تقول:
- يا ساتر يا رب، ده الصويت ده جاي من عند الحاج فتحي أبو شيماء.
***
منذ قليل...
تصعد نعمات درج البناء وهي تتمتم بحنق:
- ده إيه الخطوبة النحس دي يا رب؟ يعني بنت أخويا تلبس الشبكة من هنا وأم العريس تطب ساكتة.. يلا أحسن أهي غارت في داهية، كانت هتطلع عين البت ولية حربوءة.
وصلت وهي تلتقط أنفاسها أمام باب المنزل... وضغطت على زر الجرس وهي تقول:
- بت يا شيماء... افتحي يا بت.
بالداخل كان ذلك الثمل ينهال على تلك الفاقدة للوعي بقبلاته المقززة على أنحاء وجهها، وهي مثل الجسد بلا روح، ووجهها الشاحب وفمها المنسدل بجانبه خط دمائها إثر صفعاته على وجنتيها بقوة... لم ينتبه لدوي رنين الجرس الذي لم ينقطع... عيناه ترمق جسدها بشهوة تملكت عقله المغيب فأمسك بتلابيب منامتها وكاد يمزقها... توقف عندما رأى نعمات وهي تدفع باب المنزل بعد أن قامت بفتحه بالمفتاح الخاص ووقعت عيناها على ضوء غرفة ابنة زوجها لتجد الذي يعتليها فأطلقت صرخة:
- يا لهووووووووووووي الحقونيييييي يا ناس...
صاحت بها نعمات لتصل صرخاتها إلى مسمع الجيران.
نهض عبد الله والشر يتطاير من عينيه ليسرع نحوها وهو يصيح فيها:
- اخرسي يا ولية بدل ما أموتك.
قالها ليلفت انتباهه السكين الموضوعة فوق المنضدة بجوار الفاكهة ليلتقطها ويقترب منها... ركضت خارج المنزل... تجمع الجيران وشباب الحارة حتى تجمعوا خلال ثوانٍ.
قال أحد الشباب:
- بتعمل إيه عندك يا عبد الله؟
نعمات:
- الحقوني عايز يقتلني وكان بيعتدي على البت شيماء.
توقف وهو يشهر السكين أمام الجميع وقال:
- اللي هيقرب مني هشقه نصين.
وصل طه الذي يلتقط أنفاسه ليرى صديقه في تلك الحالة فأدرك أنه تأثير ما يتناوله.
- عبد الله اهدى كده وارمي البتاعة اللي في إيدك دي...
قالها طه.
عبد الله بصياح قال:
- محدش ليه دعوة بيا، دي خطيبتي وأنا حر أعمل اللي أنا عايزه معاها...
قالها ثم أشار إلى نعمات وقال:
- والولية دي لازم تموت.
ارتعدت من الخوف وقالت:
- أخص عليك، ده أنا بعتبرك في مقام ابني.
اقترب طه من عبدالله فأحكم قبضته على معصمه بقوة حتى تراخت يده ووقعت السكين... أمسكه طه وهو يدفعه نحو المرحاض، وقام بفتح صنبور مياه الحوض ليدفع رأسه تحت المياه المنهمرة.
ركضت نعمات نحو الغرفة واقتربت من شيماء حتى شهقت من رؤيتها آثار صفعتها على وجهها والدماء التي تنزل من جانب فمها... أخذت تربت على وجنتيها حتى تستيقظ.
قالت نعمات:
- اصحي يا بت الله يخرب بيتك... يا ريتني ما روحت خطوبة ولا زفت، هو يوم باين من أوله.
صاح بها الحاج فتحي وهو يمسك عصا غليظة (شومة):
- هو فييييييين؟ فييييييييين ابن الـ.......؟ وربنا لأموته.
***
في قصر العزازي...
تتمدد على المضجع مدثرة بغطاء وثير... تهذي بكلمات تكاد مسموعة.
قالت صبا التي يتصبب العرق من جبينها ولم تشعر بذلك الجالس بجوارها:
- آدم... متسيبنيش... بابا... قصي... حرام... عليكو... كفاية... آدم.
دلفت الخادمة للتو وقالت:
- قصي بيه، دكتور حازم وصل تحت.
التفت إليها وقال بصوت أجش:
- خليه يطلع.
أومأت له برأسها وقالت:
- أمرك يا بيه.
قالتها ثم غادرت وأوصدت الباب خلفها.
انحنى وهو يحكم الغطاء على جسدها ولا يظهر منها سوى رأسها وعنقها، فاقترب منها وهو ينصت لهذيانها حتى التقط اسم من يمقته ويكرهه دومًا.
أغمض عينيه وزفر بغضب دفين بصدره... اقترب بشفتيه بجوار أذنها وقال:
- وحياة أمي اللي اتبهدلت واتقتلت على إيد عيلة البحيري لأدفعهم التمن غالي، وأولهم آدم اللي هخليه يتمنى الموت ومايطولوش... إنما أنتِ ملكي أنا، واليوم اللي تفكري فيه وتهربي أو تسيبيني هيكون الموت ليكي رحمة عن العذاب اللي هتشوفيه.
كانت كلماته تلج إلى مسمعها وتدخل في عقلها ليصور لها صورًا مزعجة ووجهه وعينيه المخيفتين وهو يحدق بها بغضب... لاحظ انكماش ملامحها بخوف وارتجاف... فارتسمت البسمة على محياه ولم تصل إلى عينيه.
طرق الطبيب على الباب ثم دلف إلى الغرفة وقال:
- السلام عليكم... إزيك حضرتك يا قصي بيه؟
وبدون أن يرد تحية السلام قال بنبرة آمرة:
- إنجز واكشف عليها بسرعة وشوف عندها إيه.
رمقه الطبيب بامتعاض ليضع حقيبته جانبًا وأخرج منها سماعته الطبية وجهاز الضغط وقياس حرارة الجسم... اقترب من صبا وكاد يرفع الغطاء لتسبقه يد قصي وهو يرمقه بنظرات نارية.
ابتلع الطبيب ريقه بخوف وقال:
- أنا هكشف عليها إزاي حضرتك؟!
قال قصي:
- قول لي هتعمل إيه وأنا هعمله بدالك.
زفر بسأم وقال:
- أنا كنت هشوف النبض وبعد كده أقيس الضغط.
أشار قصي له أن يعطيه الأدوات التي بيده... ليتناولها منه ثم مد يده من أسفل الغطاء ليخرج يدها وقام بالاطمئنان على النبض وهو ينظر إلى ساعة يده الباهظة وقال:
- معدل النبض مظبوط.
قالها ثم أمسك جهاز الضغط الرقمي ووضعه حول ساعدها وقال:
- 100/60.
قال الطبيب:
- كده ضغطها واطي... ومن شكلها درجة حرارتها مرتفعة.
لم يجب عليه قصي، فقام بقياس درجة حرارة جسدها بالترمومتر الذي وضعه بداخل فمها وأسفل لسانها... ثم وضع السماعة في أذنيه وأخذ طرفها ووضعه أسفل جيدها تحت نظرات الطبيب المتعجبة.
قال الطبيب بنبرة تهكم:
- طيب لما حضرتك أنت اللي بتكشف لها أنا لازمتي إيه؟
رمقه قصي بملامح متجهمة وقال:
- لازمتك إنك تكتب لها على العلاج.
قالها ثم سحب من فمها الترمومتر وأخذ يقرأ فأردف:
- 39.
أمسك الطبيب بدفتر ورقي صغير وأمسك قلمه من جيب سترته ودون أسماء الأدوية وهو يزفر بضيق، ثم نزع الورقة من الدفتر وأعطاها إلى قصي وقال:
- أنا كتبت لها حقن للسخونية، وبالنسبة للضغط تشرب سوايل اللي ترفعه شوية مع شرب المية الكتير، وطبعًا ما تنساش الكمادات ويا ريت لو دش ساقع.
قالها ثم أخذ أدواته وقام بوضعها في حقيبته وهم بالمغادرة فأردف:
- عن إذنك.
قالها ثم غادر.
نهض من جوارها ليزيح الغطاء جانبًا... فما زالت ترتدي ثوب الزفاف... جلس مرة أخرى ليلف ذراعيه حول جذعها وهو يجعلها تنهض قليلًا، وقام بإنزال السحاب حتى انكشف كتفيها... أخذ يخلع عنها الثوب تمامًا حتى أصبحت بقطعتين فقط من الثياب... وقبل أن يحملها حدق بجسدها الممدد أمامه... ابتلع ريقه ثم تنهد وانحنى حتى يحملها على ذراعيه... شرد في وجهها الذي طالما عشقه منذ الطفولة... اتجه بها نحو المرحاض وهو يدفع الباب بقدمه... ولج إلى الداخل ووضعها في حوض الاستحمام، وقام بفتح صنبور المياه التي عندما انهمرت على جسدها شهقت وتشبثت به وهي تحاوط عنقه بذراعيها.
تعالت أنفاسه ليحاوطها معانقًا إياها وهو يغمض عينيه... ترك يديها ثم دخل الحوض بثيابه ليتمدد بداخله بجوارها، وجعل رأسها تتوسد صدره ليرجع رأسه إلى الخلف وعانقها كالطفل الذي يستمد الحنان من والدته.
ليغفو في ذلك الوضع غير مهتم لتلك المياه التي تنسكب فوق كليهما حتى غمرت جسدهما.
***
في منزل الشيخ سالم.
- اهدى يا حاج فتحي وإن شاء الله خير... أنا مقدر اللي أنت فيه وحقك تعمل اللي أنت عايزه... لكن هو عمل كده ومش في وعيه، يعني تحت تأثير الهباب اللي بيتعاطاه ده.
قالها سالم الذي جمع كلًا من والد شيماء وعبد الله الذي يجلس في خجل، وبعض كبار رجال الحارة.
قال فتحي:
- يعني أنت ترضى يا شيخ سالم ييجي كلب زي ده وأنت مش موجود ويتهجم على أهل بيتك؟ ما تقولوا حاجة يا رجالة!
رد عطا صاحب محل الجزارة:
- لأ طبعًا ميصحش... بس أنت غلطان يا أبو شيماء إنك خليت بنتك تتخطب لعيل نطع زي ده.
نهض عبد الله وزمجر بصوت غاضب:
- جرى إيه يا عم عطا؟ هو أنا عشان ساكت هتغلط فيا؟ أنا ممكن أقل منك قدام الرجالة ولا يهمني.
نهض عطا وبنبرة غاضبة قال:
- اخرس جتك قطع لسانك! لولا إن إحنا في بيت الشيخ سالم كنت علقتك من عرقوبك زي الدبيحة.
قال سالم وهو يشير إليهما بالجلوس:
- اقعد يا عبد الله يا ابني وعيب تكلم اللي أكبر منك كده... واهدى يا حاج عطا إحنا جايين نصالح مش نولعها.
قال فتحي:
- شوفت غلطان وبيبجح إزاي!
زفر سالم وقال:
- ما تصلوا على النبي يا جماعة.
ردد الجميع:
- عليه أفضل الصلاة والسلام.
قال سالم:
- أنا مرضتش أعمل قعدة الصلح دي عندك يا حاج فتحي وخليتها عندي، وقبل ما تتفض لازم يكون كل طرف فيكوا مرضي.
قال عبد الله:
- والله يا شيخ سالم أنا كل مشكلتي إن حاج فتحي مش راضي نتجوز في الأوضة اللي فوق السطوح اللي عايش فيها.. أي نعم هي على القد بس بشوية توضيبات هخليها أحسن من شقة سوبر لوكس... لكن هو رافض وأنا وبنته خللنا في الخطوبة دي.
رد فتحي:
- يعني عايز البت تخرج من شقة أبوها على أوضة فوق السطوح! ليه إن شاء الله؟
قال سالم ثم نظر إلى عبد الله:
- استنى بس يا حاج فتحي... أنت في مقدرتك إيه يا عبد الله؟
حك رأسه من الخلف وقال:
- بصراحة كل اللي معايا يدوب أجيب بيهم أوضة نوم على القد وأنتريه محندق، والباقي أوضب بيه الأوضة دهانات وكهربا.
قال فتحي:
- وأنا مش موافق حتى لو جبت شقة، أنا مأمنش على بنتي معاك تاني.
تدخل أحد الحاضرين وقال:
- يا حاج فتحي إحنا عايشين في حارة وزمان كل بيت فيها عرف اللي حصل، يعني لو فسخت خطوبة بنتك أنت عارف الناس ما بتصدق والكلام هيتطور وبنتك سمعتها هتبوظ.
نهض فتحي من مقعده وصاح بصوت جهوري:
- قطع لسان اللي يجيب سيرة بنتي بكلمة كده ولا كده.. أنا بنتي ست البنات وأشرف من الشرف... بس الواد ده خلاص يشوفوله حد غيرنا.
قال عبد الله:
- وأنا مش هسيب شيماء يا قاتل يا مقتول.
قال سالم:
- خلاص يا عبد الله... وأنت يا حاج فتحي اقعد، المسائل دي مبتتحلش بالزعيق والصوت العالي... أنا هقولكوا على حل... الشقة اللي في آخر دور فاضية وسكانها عزلوا من قيمة شهرين، ممكن عبد الله وشيماء يتجوزوا فيها وهاخد منه إيجار بسيط لحد ما أمورهم تتحسن.
ابتسم عبد الله وقال:
- ربنا يخليك يا شيخ سالم.
قال فتحي:
- ابقى قابلني لو ادالك الإيجار في ميعاده.
قال سالم:
- نفترض الخير يا حاج فتحي وإدينا بنكسب ثواب، وعبد الله صاحب طه وفي مقام ابني، وإن شاء الله هيتغير للأحسن وهيبطل البتاع اللي بيتعاطاه، ولا إيه يا عبد الله؟
أومأ له عبد الله وقال:
- يحرم عليا ليوم الدين اشتريه ولا اشربه تاني.
قال سالم وهو ينظر إلى ابنه طه الذي يقف بعيدًا:
- ربنا يهديك يا ابني ويصلحلك الحال أنت وكل اللي زيك.
ثم أردف وقال:
- ها قولت إيه يا أبو شيماء؟
قال فتحي:
- كلامك على راسي يا شيخ سالم بس على شرط، كتب الكتاب والدخلة الخميس الجاي... قدامه أسبوع يتشقلب يعمل قرد، يا إما كده يا إما معندناش بنات للجواز.
حدث عبد الله نفسه قائلًا:
- بتعجزني يا أبو شنب شبه شنب عشماوي؟ أما وريتك بس أنول مرادي الأول.
سأل سالم:
- إيه يا عبد الله خلاص اتفقنا؟
أجاب عبد الله:
- إن شاء الله يا عم سالم.
قال سالم:
- يلا بينا نقرأ الفاتحة ونفتح صفحة جديدة وربنا يهدي النفوس.
رفع الجميع أيديهم يقرؤون سورة الفاتحة، وبعد دقيقة قال سالم:
- ولا الضالين...
مبروك يا عبدالله مبروك يا حاج فتحي .
______________________
_ أشرقت الشمس معلنة عن بدأ يوم جديد مليئ بالأحداث ....
وفي قصر عزيز البحيري ....
صدح رنين هاتفه ... نهض يوسف بجذعه قليلا فأمسك به وأجاب بصوت ناعس : ألو يا مها
مها: دكتور يوسف معلش بس إحنا محتاجين حضرتك ضروري
يوسف : حصل حاجه؟؟
مها : جالنا حالة طوارئ واحد خبطته عربية ومحتاج تدخل جراحي بسرعة ودكتور آسر مش موجود ف مصر ودكتور مهدي ف الجونة
يوسف : طيب نص ساعة مسافة الطريق وهكون في المستشفي إن شاء الله وخليهم يحضرو العمليات عقبال ما اجي ..... سلام
أغلق المكالمة ونهض وهو يزيح الغطاء جانبا ... أستيقظت أنجي بتأفف عندما قام بفتح الستائر لتولج أشعة الشمس وأزعجت عينيها
_ رايح فين يا يوسف ... مش النهاردة أخر يوم العيد وأنت أجازه ؟؟ ... قالتها إنجي
يوسف وهو يخلع قميصه القطني ويلقيه جانبا قال : أرواح الناس مبتستناش أجازات يا إنجي هانم .
زفرت بضيق وقالت : أنا نفسي أفهم إزاي مستشفي إستثماري بالمستوي العالي ده تفتح فيها طوارئ مجانا وبتصرفلهم علاج ببلاش ... ده كده قلبت مستشفي حكومي.
فتح الخزانة وتناول منشفه قطنية كبيرة وقال : الناس الغلابة كتير وفيه ناس ممكن تموت عشان معهاش جنيه تجيب بيه العلاج ... طبعا الي زيك ميعرفش الكلام ده ... قالها ودلف إلي المرحاض وأوصد الباب
نظرت إلي إتجاه المرحاض بإمتعاض وقالت وهي تقلد طريقة حديثه بسخرية : الي زيك ميعرفش الكلام ده ... ماشي يايوسف
دق الباب ...
إنجي : أدخلي يا سميرة
فتحت جيهان الباب ودلفت : صباح الخير
نهضت إنجي من فوق التخت وقالت : صباح النور ياعمتو
جيهان وهي تبحث بعينيها قالت : أومال فين يوسف؟
إنجي : ف الحمام بياخد شاور عشان وراه عمليات تبع الطوارئ
جيهان : مش عيزاكي تزعلي مني ... بس ياريت تغيري أسلوبك مع الناس ... من تواضع لله رفعه
إنجي : ياعمتو أنتو فاهميني غلط خالص
جيهان : لاء يا إنجي أنا أكتر واحدة فهماكي بس مش هلوم عليكي أنا هلوم ع مامتك الي ربيتك ع التعالي والتكبر... أنا عايزة مصلحتك
تنهدت إنجي وقالت : حاضر ياعمتو هحاول أتغير
خرج لتوه من المرحاض يلف المنشفة حول خصره وجذعه عاريا ... أتسعت عينيه خجلا وقال : سوري ياماما ... قالها ودلف إلي غرفة الثياب مسرعا
ضحكت كلا من جيهان و إنجي ... وبعد مرور دقائق معدودة
خرج من الغرفة يرتدي بدلة رسمية ويمسك بساعة يده ويغلقها
_ صباح الخير يا أجمل جي جي ف الكون كله ... قالها يوسف وهو يقبل رأس والدته
جيهان : صباح النور يا قلب جي جي ... كنت عيزاك ف خدمة
يوسف : أؤمري يا جي جي
جيهان : عيزاك تكلم آدم أخوك وتخليه يرجع القصر
يوسف : بصي ياماما ياريت تسبيه يومين كده ...
الي حصل مش سهل أنتي أكتر واحده عارفة صبا كانت بالنسبة له اي
جيهان : أعمل أي يابني باباك هو السبب و عزيز لما يقول ع حاجة لاء خلاص مبيرجعش فيها
يوسف : حاضر ياحبيبتي أنا هكلمو وهروح أقابلو بعد ما اخلص العملية الي مستنياني دي وهطمنك عليه
جيهان : وتجيبو ف ايدك وأنت راجع
أومأ لها مبتسما : من عيوني ياست الكل
جيهان : تسلملي عيونك ياحبيب قلبي
إنجي وهي تعقد ساعديها أمام صدرها قالت بمزاح : الله الله عيني عينك كده تحبو بعض أدامي
تجاهلها يوسف ولم يعيرها أي إهتمام ونهض وهم بالمغادرة وقال : عايزة حاجة ياجي جي
جيهان : ميرسي ياحبيبي زي ماقولتلك أوك؟
يوسف وهو يمسك يدها ويقبلها قال : حاضر يا جي جي .. مع السلامة ... قالها وغادر ع الفور
إنجي بحنق قالت : شوفتي ياعمتو بيعمل معايا أي؟
ضحكت جيهان وقالت : يلا أومي صحي لوجي وأنزلو عشان نفطر سوا .
__________________________
_ في منزل عائلة شيماء ...
_ وأنا قولت مش هتجوزو يعني مش هتجوزو ... صاحت بها شيماء وهي تبكي
نعمات : خلاص يا عينيا أبوكي أتفق مع الواد أدام رجالة الحارة ودخلتكو الخميس الجاي
شيماء : والله لأسيبلكو البيت وهاروح قعد عند خالي ف البلد
لوت نعمات فمها جانبا بسخرية : روحي لخالك عشان لما يعرف الي حصل يعمل فيكي الي أبوكي معملهوش ... احمدي ربنا ده أبوكي كان ناوي يقطع جسمك بالحزام لولا أنا قعدت اهديه وحوشته عنك
شيماء بصياح : هو أنتو ليه محسسني إن أنا الغلطانة !!
نعمات وترمقها بغضب : أيوه غلطانه يا بنت سهير لما تخلينا مش موجودين وتفتحيلو الباب أهي النتيجة كان هيضيعك وهيضيعنا معاكي ... وده بدل ما تشكريني إن جيت أنقذتك ع أخر لحظه!!
_ ف أي يا نعمات صوتك جايب لأخر الحارة ليه ؟؟... قالها فتحي بصوته الأجش
نعمات : تعالي شوف السنيوره بنتك وعمايلها ال أي مش عايزه تتجوز عبدالله ... الله يرحم لما كانت هتنتحر عشان توافق ع خطوبتهم
فتحي بنبرة تحذيرية : لم نفسك ياشيماء .. أنا حايش نفسي عنك بالعافية عشان فرحك الي بعد كام يوم ... وقسما بالله لولا إن إديت كلمة للجربوع خطيبك ده كنت مسكتك كسرت عضم جسمك ومخلتكيش تشوفي الشارع ده تاني
رمقته بوجل ورعب فقالت : حاضر يابا الي تشوفه
وضع يده ف جيب عباءته الفضفاضة وأخرج منها محفظة النقود خاصته وقال: خديها يانعمات وشوفي أي الي ناقصها ف جهازها واشتريهولها ... قالها وهو يخرج النقود ويعطيها لها
نعمات : يلا يابت روحي البسي عشان ننزل
رمقتها شيماء بإزدراء وولجت إلي غرفتها
نعمات : شوف البت بتبصلي بأرف إزاي !!!
_____________________________
_ في مشفي البحيري الإستثماري ....
يقف بداخل غرفة العمليات مرتدي المأزر الطبي والقلنصوة والقفازات المطاطية ... منهمك ف إجراء العملية الجراحية التي بدءها منذ قليل
قال من أسفل الكمامة التي يضعها ع فمه وأنفه : تقرير الحالة ؟
الممرضة : اسمه سيد إبراهيم ... 27 سنة ... فصيلة الدم.... كسر ف كسور ف ثلاثة ضلوع أمامية ونزيف ف المعدة A موجب
يوسف وهو يمد يده إليها : مشرط .... أعطته المشرط وقام بفتح عند موضع المعدة
وبعد مرور ساعتان ....
وقف ف المرحاض الخاص بالأطباء يغسل يديه بالمطهر أولا ثم بالصابون وقام بتجفيف يده بالمنشفة الخاصة به ... حدق قليلا بصورته المنعكسة ف المرآه التي تعلو حوض المياه وكأنه ينظر إلي شخصا آخر ... تنهد بعمق وغادر المرحاض متجها إلي غرفة مكتبه ... دخل وجلس خلف المكتب وهو يرجع رأسه إلي الخلف ...
ألقي نظرة ع هاتفه
دق الباب فقال : أدخل
دلفت الممرضة وتحمل ملف ورقي ووضعته أمامه ع المكتب وقالت : أتفضل يادكتور تقرير الحالة
يوسف : خليهم يعملولي فنجان قهوة
الممرضة : حاضر يادكتور ... قالتها ثم غادرت
أخذ الملف وقرأ محتواه لتلتمع عينيه ... أمسك هاتفه وأجري إتصالا
_ ألو مدحت باشا ......... أي الأخبار؟.......... والكتكوته الصغيرة عاملة أي؟.......... خير إن شاء الله ......... ما أنا بتصل بحضرتك عشان أطمنك بأن لقينا المتبرع ........ متقلقش أنا بنفسي هخلص معاه كل الإجراءات والسعر الي هيطلبه هبلغ بيه حضرتك.
_______________________
_ يمسك بيديها ويتجه بها نحو ذلك الخيل الأسود ذو العلامة البيضاء التي تشبه وميض البرق ف السماء ....
_ خلاص وصلنا ولا لسه ؟؟ قالتها صبا وهي معصوبة العينين
_ خلاص ياحبي ... قالها آدم ثم وقف خلفها ليقوم بفك تلك الشريطة ثم أردف : كل سنة وأنتي طيبة يا أجمل صبا
فتحت عينيها وهي ترمش عدة مرات ... أقتربت من الخيل وهي تضع يدها تمسد ع جانب وجه الخيل وقالت : الله يا آدم ده نفس الحصان الي كنت بدور عليه
أبتسم وحاوط وجهها بكفيه وقال : عارف يا روحي أنا وصيت عليه مصعب لحد ما لقي المواصفات الي أنتي عايزاها .
أقتربت منه وعانقته وقالت : ميرسي أوي ياحبيبي ربنا يخليك ليا
آدم : ويخليكي ليا ياحبيبتي ... ها هاتسميه أي؟
صبا : هاسميه رعد
وضع قدمه مستندا ع سرج الخيل ليمتطيه ثم مد يده إليها وقال : يلا أطلعي
صبا : لاء أنا بخاف .... أن أخري أتفرج عليه وهو بيجري
آدم : ماتخافيش أنا معاكي وأنتي هتركبي ورايا وتمسكي فيا
مدت يدها لها ليجذبه بحركة سريعة لتصبح خلفه وتشبثت به وهي تحاوط جذعه من الخلف ... قام بشد لجام الخيل ليبدء بالركض ف الساحة
_ لم يستيقظ من ذكرياته التي يبحر بداخلها إلا عندما سمع صوت شقيقه
_ كنت متأكد هاجي الأقيك ف الشركة ... قالها يوسف الذي دلف للتو وجلس بجوار آدم ع الأريكة الجلدية
نهض آدم وأتجه نحو الحائط الزجاجي وهو ينظر إلي نهر النيل الذي يطل عليه مبني شركة البحيري
_ جي جي الي بعتاك ؟؟
يوسف : يعني هيكون أبوك الي بعتني يعني ؟
زفر آدم بحنق وقال : عمري ماكنت فارق معاه ... أهم حاجة عنده اسم العيلة والشغل
يوسف : بابا خايف عليك من عابد الرفاعي والي ممكن كان هيعملو فيك لو أتجوزت صبا من وراه
آدم : خلاص يا يوسف ملهوش لازمة الكلام
يوسف :طيب لما أنت عارف إن ده بقي أمر واقع مش عايز ترجع البيت ليه ؟؟
آدم : كنت بخلص شوية حاجات تبع الشغل وهاروح بلليل
يوسف بنبرة أمر : لاء هتروح دلوقت ويلا بقي أنت عارف ماما ممكن مدخلنيش القصر لو أنت مجتش معايا ... قالها مازحا
آدم : يالا يا يوسف ... قالها وتناول سترته وهاتفه ومفتاح سيارته وغادر كليهما المكتب والشركة بأكملها .
____________________________
_ أديني جيتلك .... نعم ؟؟... قالها طه ويقطب حاجبيه
_ ياااااه للدرجدي ياطه مش طايقني !!! قالتها رحمة
زفربضيق وتأفف : أوووف أستغفر الله العظيم يارب ...
- مش آخر مرة إحنا متخانقين وقولتلك مش هقدر أكمل معاكي!!
بدأت عبراتها تتجمع بعينيها وقالت:
- أنا طلبت إني أقابلك عشان أقولك متقدملي عريس يا طه.
ابتسم بسخرية وقال:
- ألف مبروك، والفرح إمتى؟
رمقته بنظرات نارية وقالت بغضب:
- ده إيه كمية البرود اللي أنت فيها دي!
صاح بها طه:
- يعني عايزاني أعملك إيه؟ ما أنتي عارفة اللي فيها والظروف الزفت... فوقي يا رحمة، اللي زيي عشان يقول يا جواز هيكون دخل في الأربعين سنة.
انسدلت عبراتها بألم مرير وقالت بصوت باكي:
- يا طه أنا بحبك وعمري ما تخيلت نفسي مع راجل غيرك.
طه وهو يمسح عبراتها قال بنبرة خبيثة:
- عادي يا رحمة، ممكن تتجوزي غيري ونكون مع بعض برضو.
ابتعدت إلى الوراء وعيناها تتسع بذهول من كلماته وقالت:
- أنت إزاي بتقول كده!! أنت فاكرني إيه؟
قال طه ببرود ومكر:
- ومالك مستغربة ليه؟ بنات كتير متجوزة وعلى علاقة بحبيبها اللي بتحبه قبل ما تتجوز.
تعالت أنفاسها بالغضب، فاقتربت منه وانهالت على وجهه بصفعة قوية وقالت:
- أنت شيطان وقذر وسافل وحيوان، واللي زيك ميستاهلش واحدة غير تكون من عينته.
اشتد غضبه لتثور أغواره، ليقترب منها ويجذبها من يدها ويقبض باليد الأخرى على عنقها، وصاح بها:
- بتمدي إيدك عليا يا بنت الـ......؟ القذر هو أنتي لما كنتي بتستغفلي أخوكي وأمك وتخرجي من وراهم معايا وأنتي متأكدة إن أنا مش بتاع جواز، ده غير لما كنتي بتسمحيلي أحضنك وأبوسك وأنتي معندكيش أي مانع خالص.
دفعته بيدها الأخرى بقوة حتى نجحت في أن تفلت من قبضته، وقالت وهي تلتقط أنفاسها:
- أنا كنت بعمل كده عشان كنت بحبك وبثق فيك، لكن فعلًا أنا قذرة إني سمحت لأشكال زيك بأن يقف وقفتك دي ويعايرني إني حبيت واحد زبالة.
هوى كفه بصفعة على وجنتها وهو يقول:
- كلمة تاني وقسمًا بالله يا رحمة هاروح لأسامة أخوكي وأسمعه تسجيلات مكالمتنا أنا وأنتي.
- روح يا شيخ منك لله، إلهي يا طه ربنا يوقعك في واحدة تدوقك من المر كاسات... حسبي الله ونعم الوكيل فيك.
قالتها وغادرت من أمامه وعيناها تذرف عبراتها على حالها، وهي تلعن بداخلها ذلك الذي كانت تدعوه يومًا حبيبها، وتلعن قلبها الذي أذلها له.
شعرت باهتزاز هاتفها بداخل محفظة نقودها التي تمسكها بيدها، فأجابت:
- ألو يا ماما.
والدتها:
- أنتي فين يا رحمة؟
رحمة:
- كنت بشتري شوية حاجات وجاية.
والدتها:
- وماله صوتك؟
رحمة:
- مفيش كنت مخنوقة شوية... ماما كلمي طنط عديلة وقوليلها أنا موافقة.
***
في قصر العزازي.
استيقظ بعد مرور ساعات من نومه وهي بين ذراعيه، بينما هي فتحت عينيها لترى المياه التي تغمر جسدها وشعرت بجسده الذي يحاوطها.
انتفضت فجأة وهي تنهض من حوض الاستحمام وتنظر له بغضب، وكادت تتفوه حتى أدركت أنها لا ترتدي سوى قطعتين من الثياب... ركضت إلى الخارج بداخل الغرفة لتلتقط ذلك المعطف القطني الملقى على الأريكة وترتديه على الفور.
نهض من حوض الاستحمام بثيابه المبتلة ليبدأ في خلعها. أخذت تبحث عن ثياب لترتديها، دلفت إلى غرفة الثياب وكانت غرفة كبيرة مقسمة إلى جزء رجالي خاص بزوجها، والجزء الآخر مليء بثياب نسائية وأحذية.
ظلت تبحث عن شيء يناسبها وترفع يدها لتأخذ ثوبًا، وجدت يده تسبقها وهو يمسك بثوب حريري باللون الأبيض اللامع. التفتت لتجده أمامها ولا يفصل بينهما سوى بضع إنشات... وضعت كفيها على عينيها وهي تشهق بخجل عندما رأته لا يرتدي سوى منشفة حول خصره، لكن لاحظت كلمات بلغة أجنبية موشومة على صدره.
اقترب منها قصي وقال:
- ألف سلامة عليكي.
قالها ثم طبع بشفتيه قبلة على جبهتها، ثم أردف وقال بنبرة هادئة:
- أنا هستناكي تحت عشان نتغدى مع بعض.
ثم التقط بعض قطع الثياب الخاصة به وغادر الغرفة.
أنزلت كفيها بعدما سمعت صوت باب الغرفة وهو يوصده خلفه... نظرت إلى ذلك الثوب الحريري، فقامت بخلع المعطف لتبدله بذلك الثوب، وقامت بتجفيف خصلات شعرها بالمجفف الكهربائي، وقامت بتمشيطه لترفعه لأعلى على هيئة ذيل حصان، وارتدت في قدميها حذاءً نسائيًا مريحًا باللون الأبيض.
وبعد قليل هبطت الدرج وهي تبحث عن غرفة مائدة الطعام، فهي ما زالت لا تعلم بأماكن الغرف بالقصر... جاءت نحوها خادمة آسيوية وقالت:
- تفضلي معايا مدام صبا، قصي باشا مستني حضرتك.
تتبعتها صبا إلى الغرفة التي قامت الخادمة بفتح بابها الذي ينفتح على مزلاج بداخل الجدار. دخلت لترى غرفة مليئة بالديكورات التي تدل على الثراء الفاحش، ويتوسط الغرفة مائدة طويلة يحيطها أكثر من ٢٥ مقعدًا. يترأس الطاولة مرتديًا قميصًا أسود مفتوحة أزراره العليا، يمسك لوحًا إلكترونيًا (تابلت) يتصفح آخر أخبار البورصة وأسهم شركات الرفاعي وشركاته الخاصة.
مشت ثم توقفت لدى مقعد يبتعد عنه بسبعة مقاعد، وكادت تجذب المقعد حتى تجلس، فأوقفها صوت طرق يده على الطاولة حيث يشير إليها لأن تجلس بالمقعد الذي يقع على يمينه، ولم يرفع عينيه عن الشاشة. زفرت بحنق وهي ترمقه بازدراء، وتوجهت إلى المقعد الذي أشار إليه.
ترك ما بيده ونهض ليجذبه لها ثم جلست.
المائدة يعلوها العديد من أطباق الطعام، لكن هي لم تكن لديها الشهية فظلت شاردة حتى لفت نظرها تلك اللوحة المعلقة بعرض الحائط، وهي لحصان أسود يرمح في المياه... نظرت إليها وابتسمت عندما تذكرت رعد.
- عجبتك اللوحة؟
قالها قصي وهو يقطع شريحة اللحم بالسكين ثم تناولها بالشوكة.
أجابت وكأنها في عالم آخر ولم تدرك أنها تتحدث إليه فقالت:
- رعد أجمل حصان شوفته في حياتي... آدم جابهولي هدية عيد ميلادي أول ما اتخرجت من الجامعة... أنا بخاف أركب الحصان لكن هو كان دايما بياخدني وراه فمكنتش خايفة خالص لأن عمري ما حسيت بالأمان غير معاه.
كانت تتحدث ولم تشعر ببركان الغضب الذي على وشك الانفجار على الرغم من السكون الذي يعم الغرفة.
اهتزت المائدة بكل ما يعلوها من أطباق وأدوات من قبضته... لتفيق من شرودها بفزع... أمسك يدها بقوة حتى كادت تشعر بعظام أناملها تُسحق في قبضته... وقال بصوت هادئ ومرعب:
- لما تكوني على ذمة راجل وتجيبي قدامه سيرة واحد تاني وتقولي اللي قولتيه ده يبقى ملهوش غير معنى واحد.
نهض من مقعده ليدنو منها وقال:
- إنك و........
اتسعت حدقتاها ولم تدرِ بكفها الذي هوى على وجهه بصفعة تردد صداها في أرجاء الغرفة... ترك يدها لترى تلك الابتسامة التي لم تصل إلى عينيه التي تحولت إلى الظلام المعتم... تأكدت أن تلك الصفعة لن تمر على خير... ابتلعت ريقها بوجل... ونهضت من مقعدها مسرعة لتهم بالمغادرة... جذبها من خصلات شعرها المربوطة وهو يجز على أسنانه وأسرع خطواته ويسحبها خلفه وهي تصرخ:
- آآآآآآآآآآه... سيب شعري يا حيوان.
صاحت بها صبا.
صاح بغضب مرعب وقال:
- شكلك نسيتي لما قولتلك إيدك لو اتمدت تاني هعمل فيكي إيه... وكمان بتغلطي... وأنا يا صبا هربيكي من أول وجديد.
قالها وما زال يسحبها خلفه حتى وصل إلى درج يصل إلى القبو.
وقفت الخادمات بذعر لتقول إحداهن:
- والله صعبانة عليا دي ممكن تموت في إيده.
قالت الأخرى:
- أنتي مشوفتيش اللي عملته فيه... أنا كنت لسه هدخلهم العصير لاقيتها رزعته قلم طرقع على وشه.
- يا لهوي ربنا يستر وميعملش فيها حاجة ده شراني... عمري ما هنسى اللي عمله في البت نوسة لما سرقت الخاتم بتاع كارين هانم.
- فاكرة يا ختي ده لولا كنان لحقها من إيده كان زمان جسمها كله متجبس مش دراعاتها الاتنين بس ومن ساعتها و....
لم تكمل لتقاطعهم صرخة أفزعت كل من في القصر.
رواية صراع الذئاب الفصل الثالث 3 - بقلم ولاء رفعت علي
يهبط كل درجة ويسحبها خلفه جاذبًا خصلات شعرها الملتفة حول قبضته القوية، حتى وصل إلى القبو وتوقف أمام باب خشبي، فقام بدفعه وألقى بها إلى الداخل... تعثرت قدماها فسقطت على تلك الأرض الصلدة.
- من هنا ورايح مكانك هنا... أكلك وشربك هيجوا لحد عندك... وده لغاية ما تتعلمي الأدب.
قالها قصي بنبرة تحذيرية وتهديد.
نهضت ووقفت وهي ترمقه بنظرات تحدٍ برماديتيها:
- كتبت كتابك عليا من غير ما أوافق غصب عني... خدتني من بيت خالي غصب عني... عملتلي فرح كان بالنسبة ليا عزا قلبي اللي مات غصب عني... لكن عايز تحبسني في البدروم كأني حيوانة ده اللي مش هقبله... فوق بقى أنا مش بحبك بالعكس بكرهك وكل يوم بكرهك أكتر من الأول.
كانت تتحدث بكل كلمة وهو يقف مائلًا يسند جسده على إطار الباب، ويعقد ساعديه أمام صدره، ويرمقها بدون أي تعابير تدل على حالة الغضب الذي يثور بداخله.
أردفت حديثها:
- مسألتش نفسك ليه أنا بحبه!! لأنه راجل وحنين وعمره ما زعلني في يوم... وعمره ما غصبني على حاجة في يوم من الأيام... آدم بالنسبـ...
لم تكمل حديثها، حيث عندما ذكرت آدم... وكأنها أضرمت نيرانًا اندلعت في هيئة شيطانه الذي أسدل الظلمة أمام عينيه التي تحولت من لون الزيتون إلى الأسود حتى أصبح مظهره مخيفًا مرعبًا... اقترب منها وهي تتراجع إلى الخلف وهي تحاول أن تخفي ذلك الرعب الذي جعل جسدها يرتجف وجلًا.
ظلت تتراجع حتى أوقفها ذلك الجدار الذي ارتطم به ظهرها... تتلفت يمينًا ويسارًا حتى وقعت عيناها على سلاسل حديدية ملقاة في الأرض... وعلى الجانب الآخر مقعد ذو مسندين وعليه حبل مبعثر... مد يده ليجذبها من ساعديها فلا أحد يعلم ما ينوي عليه لها...
وفي تلك اللحظة لفت انتباهها على الجدار صرصور كبير ذو شوارب... قد أتى من فتحة البالوعة الموجودة بالغرفة... صاحت بصرخة اهتزت لها جميع الجدران بالقصر:
- آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه...
وهي تدفع ذلك القصي وهي ترتمي على صدره وتتشبث به وعلامات الذعر على وجهها... ارتسمت البسمة على محياه حيث أدرك أن لديها رهابًا من ذلك الكائن الذي ترتعب منه أغلب بنات حواء.
نظرت إلى عينيه بخوف وقالت بنبرة رجاء واعتذار:
- قصي.. أنا آسفة مش هعمل كده تاني... بس أرجوك بلاش تحبسني... أنا...
قاطعها صوت ارتطام حذائه في الجدار وهو يدعس الصرصور.
تنفست الصعداء فابتعدت عنه... اقترب منها وأمسك طرف ذقنها ليرفع وجهها إليه وهو يحدق في عينيها وقال بنبرة هادئة:
- اللي رحمك مني ده...
قالها وهو يشير إلى الصرصور الذي تساوى بالجدار، فأردف:
- المرة الجاية يا صبا لو انطبقت السما على الأرض محدش هيرحمك من اللي هعمله فيكي... اتقي شري أحسن لك.
أومأت له برأسها بالموافقة وقالت:
- يعني مش هتحبسني؟؟
قال قصي:
- والله ده يتوقف عليكي... ويلا اطلعي عشان تتغدي وبعديها جهزي نفسك عشان هنسافر.
- أنا مليش نفس.
تنهد وقال ساخرًا بنبرة تهديد:
- الظاهر عجبك البدروم وعايزة تقضيلك فيه يومين حلوين... خاصة لما أهل المسكين اللي لازق في الحيطة ده يطلعوا من البلاعة واحد ورا التاني عشان يقروا الفاتحة عليه.
ابتلعت ريقها ثم قالت:
- خلاص.. خلاص هطلع أتغدى.
وضع يديه في جيوبه وقال بأمر:
- اطلعي قدامي.
مشت بخجل فغادرت الغرفة وصعدت الدرج... لتجد الخادمات ينظرن إليها بدهشة وقلق وهن يتفحصن بنظراتهن جسدها لعل حدث لها مكروه على يد قصي كما يظنون... جاء خلفها فاختبأن قبل أن يراهم.
ذهبت صبا اتجاه الدرج الذي يؤدي إلى الغرف... فاستوقفها بإشارة من يده وقال:
- من هنا...
يشير إلى غرفة المائدة.
كادت تتجه نحو الغرفة... فالتفتت له وقالت:
- إحنا هنسافر فين؟؟
أمسك سيجارته ووضعها بفمه وأشعلها بالقداحة ليأخذ نفسًا عميقًا وزفر دخانًا بشراهة وقال:
- إيطاليا.
- مش هينفع أسافر... معنديش باسبور.
قالتها وهي تدعو في داخل عقلها بأن يسافر ويتركها تتنفس بحرية.
لكن خابت ظنونها حينما أجاب وقال بثقة:
- إحنا هنسافر في طيارتي.
قالها لتعقد حاجبيها بضيق ليعلم ما يجول في ذهنها فأردف:
- معلومة تحطيها في دماغك كويس... وهي إن مفيش خطوة هتخطيها بره باب القصر ده غير ورجلي على رجلك... ولو حصل أي ظرف هيكون كنان مكاني... وصلت؟؟؟
قالها وهو يحدق في عينيها فلم تجب عليه... وضع السيجارة بفمه ثم زفر دخانًا كثيفًا في وجهها متعمدًا... أبعدت الدخان من أمامها بيدها لتشعر بالسعال واشتد حنقها، فأخذت السيجارة من بين أصابعه وألقتها على الأرض ودعستها بحذائها... ثم رمقته بتحدٍ وإصرار وتركته وذهبت لتتناول الطعام، وقبل أن تخطو قدماها الغرفة أوقفها صوته وقال:
- اللي أنتي عملتيه في السيجارة ده نفس اللي هعمله في أي حد يفكر يقرب من أي حاجة ملكي.
علمت مغزى حديثه الذي يقصد به آدم البحيري... فقالت بصوت غير مسموع:
- ملكك!!! .... ربنا ياخدك وأرتاح منك.
***
يتجمع حشد من عشاق اللوحات الفنية بداخل معرض فني... العديد من الأعمال المعلقة على الجدران يقف أمامها الحاضرون.
يتجول يونس باحثًا عن صديقه الذي أرسل له دعوة للحضور... وها قد رآه أخيرًا... ابتسم له وتوجه نحوه ليصافحه بعناق أخوي:
- وأخيرًا شوفتك يا عم زياد... إيه يا ابني سافرت إيطاليا وقولت عدولي.
قالها يونس مازحًا.
عدل من ضبط نظارته الطبية وقال:
- يا عم ما أنت عارف بقى معارض ومؤتمرات مبتخلصش... المهم سيبك مني عملت إيه في حوار بتاع روسيا؟؟
قالها بنبرة ماكرة وهو يغمز له بإحدى عينيه.
ابتسم يونس وقال:
- يا ساتر عليك... مبتنساش حاجة أبدًا.
زياد:
- حد ينسى الصاروخ النووي ده... يا ابني مشوفتش نظراتها ليك كانت إزاي... ده عليها جسم يا لهوي.
يونس:
- الله يخرب بيتك وطي صوتك.
زياد:
- أوطي صوتي إزاي... ده أنا عايز أمسكك أديك بوكسين في وشك، البت تطلب منك ترسمها زي بطلة فيلم تايتنيك وأنت بكل برود تقولها لأ وزعقتلها كمان!!!
يونس:
- لأن عمري ما هعمل كده وأنت عارف هي غرضها إيه من ورا الصورة... وطبعًا اللي حكالك عم عليش السكيورتي.
زياد:
- آه هو وقالي إنها جاتلك الجاليري وأنت طردتها يا أبو قلب حجر.
زفر بحنق وقال:
- عمرك ما هتتغير أبدًا تفكيرك كله منحصر في حاجتين معدتك و.... ولا بلاش خليني محترم أحسن.
زياد:
- ماشي يا خفيف بمناسبة معدتي ممكن تيجي تقف مكاني عقبال ما أروح التويليت وأرجعلك؟
يونس:
- روح بسرعة بس متتأخرش.
زياد:
- ادعيلي أنت بس.
ضحك يونس وقال:
- ربنا يفك زنقتك يا صاحبي.
قالها ثم أمسك هاتفه وينظر إليه.
- لو سمحت ممكن تقولي عن اللوحة دي؟؟
قالتها فتاة تمسك بورقة وقلم وتدون شيئًا ما، وتقف خلفها فتاة أخرى مولية ظهرها وتتحدث بالهاتف.
رفع عينيه عن شاشة هاتفه ثم نظر إلى اللوحة وكانت لرجل يُقبل امرأة من القرن الثامن عشر... فأجاب بعفوية:
- دي للفنان ساندرو بوتيتشيلي وزي ما حضرتك شايفها كده.
رمقته الفتاة بامتعاض وتركته وذهبت وهي تزفر بضيق... بينما تلك صاحبة الشعر العسلي الذي تتدرج أطرافه إلى الأشقر... قد سمعت ذلك الحوار فقالت باقتضاب:
- طيب سلام دلوقتي.
قالتها وهي تغلق المكالمة.. ثم التفتت إلى يونس الذي عاد ينظر إلى هاتفه:
- دي للرسام الإيطالي فرانشيسكو هايز وعنوانها (القبلة) ورسمها سنة 1853 ودي النسخة لكن الأصل بتاعتها في متحف بيناكوتيك دي بريرا في إيطاليا... وياريت قبل ما تقول معلومة لحد تكون متأكد منها مش تفتي وخلاص.
قالتها بنبرة حادة.
نظر إليها ثم تلفت يمينًا ويسارًا ثم أشار إلى نفسه وقال:
- بتكلميني أنا!!!
أجابت بسخرية:
- لأ بكلم اللوحة.. عن إذنك.
قالتها وهمت بالذهاب.
- وأنتي مين إن شاء الله عشان تكلميني كده!!!
قالها يونس بحنق.
التفتت إليه وقالت:
- خريجة فلورنسا أكاديمي في إيطاليا وحاليًا بحضر ماجستير في الفن في عصر الباروك اللي اترسمت فيه اللوحة اللي وراك دي.
نظر لها بتحدٍ وقال:
- لأ أنا متأكد إنها لساندرو.
قطبت حاجبيها وقالت بغضب:
- أنا مبحبش الغباء.
اتسعت عينيه بالغضب من أسلوبها الفظ فاقترب منها ونظر في عينيها وقال:
- قصدك مين بقى اللي غبي؟؟؟
- اللي عارف إنه غلطان ومُصر على الغلط بيبقى غبي.
قالتها لترى يجز على فكيه ورمقها بنظرات حادة وقال بنبرة تهديد:
- أنتي عارفة لولا إنك بنت كنت زماني عرفتك الغباء على حق.
رفعت إحدى حاجبيها بامتعاض وعقدت ساعديها أمام صدرها وقالت:
- لا والله!!! تصدق خوفت... أنا مردتش أكسفك وأطلعلك الكتاب اللي معايا تشوف اللي بقوله ده صح... بس ملهاش لازمة لأن واضح الغباء عندك في كله مش في التفكير بس.
قالتها وذهبت مسرعة لأنها تعلم ما سيحدث.
ركض خلفها وجذبها من الحقيبة التي تحملها على ظهرها لتتعثر إلى الخلف فصاحت بغضب:
- لااااء ده أنت كده فعلًا غبي.
صاح في وجهها بغضب وتحذير:
- أنتي يا بت احترمي نفسك... بدل ما والله أمسك اللوح دي كلها وأطربقها فوق في دماغك.
جاء إليهما زياد راكضًا وهو يرفع بنطاله قليلًا وقال:
- في إيه يا يونس بتزعق كده ليه؟؟
يونس بنبرة غاضبة وهو يشير نحوها قال:
- ما تشوف يا عم البلاوي اللي بتجيبوها المعرض دي منين... عمالة تقل أدبها عليا.
- أنا قليلة الأدب!!!!
قالتها بغضب.
يونس:
- آه وغبية كمان.
زياد وهو ينظر لهما ليرى الشرار المتطاير المتبادل في نظراتهما لبعضهم البعض قال:
- خلاص يا يونس اهدى فرجتوا الزوار علينا... وحقك عليا أنا يا آنسة كارين... يونس ميقصدش.
يونس بإصرار:
- لأ أقصد.
زياد:
- أبوس إيدك متقطعش عيشي ده أنا ممكن أروح ورا الشمس.
يونس ساخرًا:
- ليه يعني تطلع مين!!! ... ولو كانت بنت الجن الأزرق أنا يونس عزيز البحيري.
قالها فاتسعت حدقتاها.
زياد:
- دي الآنسة كارين الـ...
قاطعته كارين وهي تنظر إليه حتى يفهم أنها لا تريد الإفصاح عن عائلتها:
- كارين رسلان.
قالتها ثم نظرت لكلاهما وذهبت لتغادر المعرض بأكمله.
***
في قصر البحيري...
يمكث في غرفته ويمسك بحاسوبه المتنقل خاصته... يتأمل ملامحها في الصور التي جمعت بينهما... يشتاق لرؤيتها كثيرًا... إلى إشباع مسامعه بصوتها الذي يعزف على أوتار قلبه العاشق عندما تتحدث أو تناديه باسمه.
- آدم... آدم.
قالتها جيهان التي دلفت للتو وجلست بجواره على مضجعه.
انتبه لها وقال:
- ماما... إزيك يا حبيبتي وحشتيني.
قالها ثم وضع حاسوبه جانبًا وقبل يدها ثم جبهتها.
ارتسم الفرح والبسمة على ملامحها بعودة ابنها وقالت:
- لو كنت وحشتك مكنتش سبت القصر ومرجعتش غير لما بعتلك أخوك.
تنهد واعتدل في جلسته وهو يثني ساقيه في وضع القرفصاء وأمسك يديها:
- يا أمي يا حبيبتي أنا مقدرش أبعد عنك... بس أنا بجد كنت محتاج يومين قعد مع نفسي عشان متهورش ولا أعمل حاجة تزعلكوا مني.
جيهان:
- طيب ممكن تنسى أي حاجة حصلت وتركز في حياتك وشغلك.
آدم:
- صعب يا ماما أنسى... صبا تبقى الهوا اللي بتنفسه.
تألم قلبها من أجله فتصنعت الغضب وقالت:
- ما خلاص بقى يا آدم هي دلوقتي واحدة متجوزة... ومش من أي حد... ده قصي العزازي... ولا ناسي لما أنت وباباك اتحديتوه هو وعابد في مناقصة مناجم الواحات السنة اللي فاتت عمل فيكوا إيه... بكلمة واحدة من قصي كان كيان البحيري ده كله هينهار في ثانية بعد تعب وشقى أكتر من 30 سنة عشان يبقى اسم البحيري معروف في الشرق الأوسط كله.
- حاضر يا ماما هحاول أنساها عشان خاطر بابا والعيلة واسم العيلة ومش مشكلة قلب ابنك يتحرق ولا يولع بجاز.
قالها آدم.
جيهان:
- يا آدم حرام عليك نفسك وحرام عليك اللي بتعمله فيا ده... بتحملني ليه وجع قلبك... ولا تكون فاكر أنت الوحيد اللي خسر حب عمره... في غيرك خسر حب كان كل حياته وكمل واتجوز وخلف وشاف عياله بيكبروا قدام عينيه ولو كان عمل زيك كده كان زمانه انتحر من زمان.
رمقها بنظرات استفهام وقال:
- أنتي تقصدي مين؟؟
توترت ملامحها فنهضت وقالت بحنق وتوتر:
- بضربلك مثل عادي يعني...
- وبعدين قوم يالا عايزاك تروح لعمك سالم.
تنهد بسأم ورمقها بنظرات لتتفهم أنه لم يصدقها فقال:
- عايزاني أروح له ليه؟
جيهان:
- هبعت معاك شوية كتب كنت هديهم لخديجة لما كانوا عندنا فنسيت بسبب اللي حصل وقتها.
آدم:
- طيب ما تبعتيهم مع السواق.
عقدت ساعديها أمام صدرها وقالت:
- لأ عايزاك أنت اللي توديهم بنفسك... لأنك أنت وإخواتك قاطعين صلة الرحم، المفروض تروحوا تسألوا على عمكم سالم وعياله وعلى خالك مهدي اللي حضرتك مبتشوفهوش غير لو جه عندنا.
آدم بنظرات اندهاش:
- عم سالم كان لسه هنا من يومين وأنتِ عارفة مبحبش أروح لهم عشان ابنه البارد الحقود ده... وخالي أصلًا مش فاضي، يا مع ابنك يوسف المستشفى يا إما في سفر ومؤتمرات طبية يا إما مع مراته في كل بلد شكل.
جيهان تصنعت الحزن:
- شكرًا يا آدم يا ابني مكنش طلب طلبته منك يعني... خلاص هروح بنفسي هدي لها الحاجة.
اقترب منها وقبلها فوق رأسها وقال:
- حقك عليا متزعليش مني... حاضر هروح أدي لها الحاجة.
انفرجت أساريرها بابتسامة ماكرة وقالت:
- أيوه كده أنت آدم ابني حبيبي... هسيبك بقى تغير هدومك وأنا هروح أحضر لك الكتب.
قالتها ثم ذهبت، ليبدأ هو في خلع قميصه القطني ويدلف إلى غرفة ثيابه.
بينما هي دلفت إلى غرفة الكتب خاصتها التي تمكث فيها عندما تقرأ، وقالت:
- يارب يا آدم يا ابني تنسى وجع قلبك وتحس بالقلب اللي عشقك وأنت مش حاسس بيه.
***
في قصر العزازي...
تقف صبا أمام المرآة تنظر إلى ثوبها الذي أمرها أن ترتديه، وكان عبارة عن ثوب ذو لون أزرق زهري بأكمام تصل إلى معصميها وطويل وفضفاض إلى حد ما، وينغلق بشريطتين عند العنق.
تعقد الشريطتين بتأفف فهي تبغض أي شيء ينعقد حول عنقها لأنها تشعر بالاختناق. دق الباب ليأتي صوته من الخارج:
- صبا خلصتي؟
صبا من الداخل:
- لأ لسه.
قصي:
- في أي حاجة عايزاني أساعدك فيها؟
صبا:
- لأ شكرًا.
قصي:
- طيب ممكن تناوليني الولاعة من عندك.
زفرت بضيق وتأفف:
- أووووف... حاضر.
قالتها لتلتقط القداحة من فوق الكومود واتجهت نحو الباب وقامت بفتحه وهي تمد يدها له بالقداحة وقالت:
- خد.
ضيق عينيه بغضبٍ وقال:
- اسمها اتفضل.
أخذتها من يده ثم أعطتها له وقالت:
- اتفضل... حلو كده!!!
قالتها بسخرية. أخذها ليمسك السيجارة التي بيده ويشعلها ليزفر الدخان بعيدًا ثم التفت بوجهه لها وقال وهو يحملق في ثوبها:
- تمام حلو كده.
تفهمت مقصده وقالت:
- نفسي أعرف إيه اللي عجبك في الشوال ده عشان تخليني ألبسه!!! ده غير الشرايط اللي بتتربط عند رقبتي وأنا بتخنق من أي حاجة تتلف أو تتربط حواليها.
مد يده إلى تلك السلسلة الذهبية التي ترتديها ليمسك بالقلادة التي تتوسطها وقال:
- أومال لابسة دي إزاي!!!
ثم لاحظ أن القلادة تُفتح فهي عبارة عن شكل قلب يفتح وبداخله توضع صورتان. توترت ملامحها لتمسك بيده وقالت:
- لو سمحت سيب السلسلة.
لم يذعن لما قالته حتى تسنى له رؤية الصورة المختبئة بداخل القلب ليجدها صورة آدم والصورة الأخرى لوالدتها.
أغمض عينيه وهو يجز على أسنانه ليبرز عظام فكيه، ولم يعطها فرصة لتتحدث فانتزع السلسلة بعنف من عنقها لتنقطع ونتج عنه خدش قد آلمها، ثم ألقي بها على الأرض ونادي بصوت جهوري مرعب:
- أميررررررررة.
جاءت الفتاة الخادمة ركضًا وقالت:
- أمرك يا قصي بيه.
أشار إلى السلسلة الملقاة في الأرض وقال:
- شيلي الزبالة دي من هنا.
نظرت إليه ثم لصبا التي تجمعت عبراتها وصاحت به:
- دي بتاعت ماما الله يرحمها... مين اللي إداك الحق تقطعها من رقبتي وترميها وعايز تخلي الشغالة ترميها في الزبالة!
دفعها إلى الداخل ليدلف خلفها وأوصد الباب وهو يزفر دخان سيجارته وقال:
- أنا أكتر حاجة بكرهها الصوت العالي... وأول وأخر مرة تعلي صوتك عليا وخصوصًا لو قدام أي حد من الشغالين.
أجهشت في البكاء فتعالت شهقاتها وقالت:
- متعليش... متلبسيش... كلي... اشربي.... أوامر... أوامر... أنا تعبت من حرقة الدم دي... أنا نفسي أفهم أنت متجوزني عشان تنتقم مني؟ ولا تخليص حق؟ ولا إيه بالظبط؟
أطفأ سيجارته في المنفضة الكريستالية ثم اقترب منها وقام بمعانقتها وهو يمسد على ظهرها وقال:
- خلاص اهدي ومتعيطيش.
شعر بأنفاسها قد بدأت في الانتظام، على الرغم من الكراهية التي تكنها له لكن في تلك اللحظة كانت أشد احتياجًا بأن ترتمي إلى صدر يحتويها ويحتوي آلام وجراح قلبها التي لم تندمل بعد. أبعد رأسها عن صدره لينظر في عينيها وأخرج المحرمة التي بداخل جيب سترته العلوي، أخذ يجفف عبراتها. ود لو يعتذر لها لكن كبرياءه يمنعه لاسيما تذكر الصورة التي تحتفظ بها بداخل تلك القلادة.
أمسك بشرائط الثوب المتدلية وقام بعقدها على شكل (فيونكة)، وحاول أن يجعلها تتهاوى قليلًا حتى لا تشعر بالاختناق. لامست أنامله الخدش الذي في عنقها فتأوهت.
عقد حاجبيه بضيق وقال:
- هي مضايقاكي؟
صبا:
- لأ بس في جرح صغير في رقبتي لما حضرتك شديت السلسلة منها.
رفع ذقنها بأنامله حتى رجعت رأسها إلى الخلف قليلًا ليري ذلك الخدش الموجود عند العرق النابض في عنقها، ولم تكن تتوقع ما سيفعله.
انحنى ليقترب بشفتيه يلثم ذلك الجرح بقُبلة حانية. اتسعت حدقتاها بصدمة فقامت بدفعه في صدره ليبتعد عنها. ابتعد ولكن لم تستطع تحريك ذلك الجدار الذي يقف أمامها، يرمقها بزيتونتيه التي تلألأت بداخلها نظرات العشق لكن سرعان ما تحولت إلى نظرات قاتمة حادة عندما تفوهت وصاحت بتلك الكلمات:
- أنت إيه مبتفهمش!! قلت لك بكرهك ومش عايزاك تلمسني... ولو فاكر عشان برضخ لأوامرك يبقي كده رضيت عنك وبدوب في هواك... تبقى بتحلم لأن أنا لسه على مبادئي عايشة معاك أه لكن جوازنا هيبقى مجرد على ورق مش أكتر.
صاحت بها صبا لكن دب الرعب في أوصالها عندما لم ترَ أي علامات على وجهه الساكن مثل صورة الذئب المعلقة على الحائط خلفه.
***
عيناه تلتمع بشر... أنفاسه يسيطر عليها بصعوبة... أمسك رابطة عنقه وقام بفكها بهدوء قاتل... خلع سترته وألقاها على المقعد المخملي المقابل للمرآة... خلع ساعة يده البلاتينية المرصعة أرقامها بفصوص الألماس الباهظة... تعالت دقات قلبها بالخوف. يقترب منها وهو يفك أزرار قميصه واحد تلو الأخر ونظراته تقتلها من الرعب، تتراجع إلى الخلف:
- ابعد عني أحسن لك... لو قربت مني والله هرمي نفسي من البلكونة.
قالتها بنبرة تهديد وإشارة تحذيرية بأصبعها. لم يتأثر بكلمة، وجدت لا مفر سوى بأن تنفذ تهديدها، لتسرع بالذهاب نحو الشرفة ليلحق بها في أقل من لحظة جاذبًا إياها من خصلات شعرها المنسدلة فتأوهت بصوت جلي.
قال من بين أسنانه:
- أنا كل مرة ماسك نفسي عنك بالعافية ومش راضي أطلع شيطاني عليكي... لكن لسانك اللي عايز قطعه ميت حتة هيخليكي تندمي على كل كلمة نطقتي بيها دلوقت.
قالها وأخذ يجذبها وألقي بها فوق التخت ليهتز بها بقوة.
- آآآآآآآآآآآآآآه... ابعد عني والله هصوت وهخلي كل الشغالين في القصر عندك يعرفوا أنت قد إيه حيوان.
قالتها لتندلع نيران غضبه أكثر، فصاح بصوت مرعب اهتزت له الجدران:
- صوتي... عايزك تصوتي براحتك... واحد ومراته ومحدش يقدر يفتح بوقه.
قالها وابتسم بتوعد وأردف:
- ومحدش يقدر يمنعني عن اللي هعمله فيكي.
قالها لينقض عليها ويعتليها محاصرًا ساقيها بين ركبتيه. ظلت تصرخ:
- أوعى يا حيواااااااااان... أنا بكرهك... بكررررررررررررررررررررهك... آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه.
صرخة أطلقتها عندما انهال على وجنتها بصفعة أحست بصفير أُذنها، لتشعر بدوار يوصد الرؤية أمامها وهي تشعر بثوبها يتمزق. أغلقت عينيها رويدًا رويدًا حتى فقدت الوعي.
- أنا هخليكي مراتي بجد مش كتابة على الورق... أنا...
لم يكمل وعيده الذي كان شرع بتنفيذه ليوقفه مظهرها الذي أرعبه لينهض من فوقها. ربت على وجهها وقال:
- قومي وبطلي تمثيل أنتِ فاكرة هرحمك زي كل مرة... قومييييييييي.
صاح بها ولا حياة لمن ينادي. ابتلع ريقه ليقترب منها ويتصنت إلى أنفاسها وهو يضع أنامله على عنقها يجس نبضها. ركض نحو المرآة ليأخذ من أمامها زجاجة عطره وقام بنثر القليل منه على ظهر يده ثم وضعها لدى أنفها... لم تستيقظ. تناول دورق المياه الزجاجي وأخذ منه بعض المياه ليقوم بنثرها على وجهها.
دق الباب، ليأتي من خلفه صوت الخادمة:
- قصي بيه آنسة كارين منتظرة حضرتك تحت.
خلل أنامله بين خصلات شعره وزفر بغضب وقال:
- خليها تطلع بسرعة.
ذهبت الخادمة وهي تركض وأخبرت كارين التي صعدت على الفور. طرقت على الباب ثم قامت بفتحه لتقع عيناها على تلك الراقدة ممزقة الثياب فأطلقت شهقة بذعر وصدمة.
***
بداخل الصالة الرياضية...
يجلس على جهاز السحب (جهاز لعضلات الجذع والعضلات الظهرية)، يمدد ساقيه أمامه يسند قدميه على قطعتين تشبه مكابح السيارة، ويمسك بكل يد على حدة قابضة بلاستيكية يجذبها نحوه بقوة. يمارس تمارينه لكن ذهنه مشغول بتلك الحمقاء التي تطاولت عليه، وأكثر ما يثير غضبه عندما كانت ترمقه بقوة بتلك العسليتين، كما قامت بنعته بالغباء وهي تزفر بتلك الفراولتين الممتلئة. توقف فجأة وقال بتوعد وهو يجز على أسنانه:
- يارب أشوف خلقتك تاني وهعرفك مين الغبي.
انتبه إلى المنشفة الذي ألقاها فوق رأسه شقيقه.
- ما دام دخلت صالة الجيم يبقى حاجة من الاتنين، حصل حاجة عندك في الجاليري... أو واحدة جت علمت عليك.
قالها ياسين وهو يتناول كوب العصير. زفر يونس بضيق وقال:
- خليك في حالك.
ضحك ساخرًا ثم قال:
- حلوة؟
ثم ارتشف رشفة. ترك يونس القوابض ونهض وقال:
- أنت بارد يا أخي.
ياسين:
- الله يسامحك... اسمعها نصيحة من واحد خبرة في الصنف ده، تدي لها على دماغها تيجي لحد عندك زي الجزمة.
أمسك المنشفة وألقاها بقوة في وجه شقيقه وقال:
- وفر نصايحك لنفسك يا... يا جزمة.
قالها وذهب.
ياسين:
- طيب شوف مين بقى اللي هيجيب لك زباين للوحات الفكسانة اللي بترسمها دي... وبكرة تجيلي يا صاحبي وأقول لك كان على عيني.
قالها وأطلق قهقهة. طرقت على الباب بخجل.
ياسين بسخرية:
- الباب مفتوح على فكرة.
ولجت وهي تتحاشى النظر إليه وتمد يدها له بهاتفه وقالت:
- ياسين بيه حضرتك نسيت تليفونك في الجنينة وكان بيرن.
أخذه منها ورمقها بمكر ضاحكًا وقال:
- على فكرة الفون كنت لسه سايبه في أوضتي على الشاحن.
تلون وجهها باحمرار وقالت بتلعثم:
- أأ أنا...
- أنتِ كدابة.
قاطعها ياسين ثم اتجه نحو الباب وأوصده. شعرت بالتوتر والقلق وقالت:
- والله أبدًا آنسة ملك...
لم تكمل حيث أمسكها من خصرها ودفعها نحو الحائط واقترب منها وهو ينظر لعينيها البريئتين وملامحها الطفولية. انحنى يهمس بالقرب من وجهها حتى أحست بأنفاسه تلفح بشرتها، فقال بصوت كالفحيح:
- فاكرة قلتي لي إيه آخر مرة؟
ابتلعت ريقها بخوف وتوتر جلي:
- مش فاكرة حاجة.
ابتسم بخبث ومكر وقال:
- أنا هفكرك... لما زعقت لك أنك دخلتي أوضتي واتأسفتي وقلتي لي مش هتتكرر... أنا قلت لك لو اتكررت تاني... قلتي لي بشفايفك الحلوة دي ابقى اعمل اللي أنت عايزه.
قالها وهو يحدق بداخل عينيها ثم يرمق شفتيها بنظرات جعلت قلبها يدق خجلًا وخوفًا.
- أنا والله ما دخلت أوضتك.
قالتها وعيناها على وشك البكاء. همس أمام شفتيها وقال:
- أنا مبحبش الكدب ولا الكدابين... وعقابك أنتِ اللي حددتيه سيبيني بقى أعمل اللي أنا عايزه.
قالها وكاد يُقبلها. تردد صدى صفعتها التي هبطت على وجهه للتو وهي تدفعه ليبتعد عنها. شهقت بصدمة وهي تضع كفها على فمها حين أدركت ما فعلته الآن.
تطاير الغضب كالشرر من عينيه ذات اللون الرمادي الممزوج باللون السماء. أسرعت وهي تفتح الباب وركضت مسرعة وهو خلفها، وفي طريقها اصطدمت بسميرة رئيسة الخادمات بالقصر...
دلف ياسين إلى إحدى الغرف قبل أن تراه سميرة، حيث أراد أن يثأر من تلك الحسناء الصغيرة بطريقته الخاصة.
سميرة بنبرة حادة:
- مالك بتجري كده ليه؟؟؟ إحنا هنسيب شغلنا ونقعد نجري ونلعب.
ياسمين وهي تلتقط أنفاسها حتى هدأت قليلاً:
- أنا مش بلعب... أنا كنت...
قاطعتها سميرة:
- طيب اتفضلي روحي على أوضة آنسة ملك وهاتي سبت الغسيل وبعد كده وديه في أوضة اللاندري (المغسلة).
أومأت لها وقالت:
- حاضر يا مدام سميرة.
قالتها ثم راقبت الرواق الذي لابد أن تسير من خلاله لتصل إلى الدرج... كل خطوة لها تنظر خلفها ليطمئن قلبها وهي تقول بداخل عقلها: "إيه اللي أنا عملته في نفسي ده... بالتأكيد مستحلفلي ومش هيسيبني غير لما ياخد حقه مني... بس أحسن يستاهل... محدش قاله يقرب مني ويب..."
صمتت لتبتسم وهي تضع أطراف أناملها على شفتيها، ثم أردفت:
- يلا يا هبلة شوفي شغلك قبل ما ست الناظرة دي تطلع عينيكي.
وصلت أمام الغرفة وقامت بفتح الباب وولجت إلى الداخل وهي تتمتم بكلماتها بسعادة:
- الله عليكي يا بت يا ياسمين... أيوه جدعة.. أهو بعد القلم ده ميقدرش يكرر اللي عمله ده تاني.
قالتها ففزعت من صوت إغلاق الباب وانطفأت الإضاءة بالغرفة لتحل العتمة.
- بسم الله الرحمن الرحيم...
قالتها وهي تتجه نحو الباب ذاهبة لتضغط على زر الإضاءة... ارتطمت بشيء ولم تستطع أن تصرخ حينما وجدت ذلك الذي يحاوطها بذراعيه ويضع يده على فمها.
__________________________
يتجول في الغرفة ذهاباً وإياباً وهو يزفر بغضب ويرمق ذلك الطبيب الذي يتفحصها، وودّ من داخله أن يهشم عظام يديه التي تلمسها... انتهى من الفحص... نظرت كارين إلى صبا التي تحملق في سقف الغرفة كأنها تمثال متحجر لا يتحرك شيئاً فيها سوى أهدابها.
قال الطبيب وهو يرمق قصي بنظرات حادة:
- صدمة نفسية نتيجة ضغط نفسي اتعرضت ليه المدام.
قصي:
- وعلاجه إيه؟؟
قال الطبيب وهو يرمق قصي وكأنه يقصده بكلماته:
- تبعدوها عن أي حاجة تحرق دمها أو تستفزها خصوصاً لو حد مش بتحبه.
اقترب منه قصي ليمسك بتلابيب قميصه ويعنفه:
- اسمع يا زفت أنت، لو مابطلتش تلميحاتك السخيفة دي لأنا بنفسي هجبلك اكتئاب حاد من اللي هعمله فيك، أنت فاهم؟؟؟
ارتجف الطبيب بين يديه وقال:
- حح حاضر.. اللي تؤمر بيه حضرتك.
تركه قصي وقال:
- مش خلصت كشف؟ يلا اتفضل غور بره.
الطبيب:
- أنا لسه هكتبلها على مهدئات.
قصي بصوت غاضب:
- بررررررررررره... وابقى اديها لكنان.
أخذ الطبيب حقيبته وأدواته وهو يتمتم بداخل نفسه ويلعن ذلك المتعجرف ثم غادر.
قالت كارين التي ترمقه بازدراء:
- ممكن أفهم اللي حضرتك عملته فيها ده؟؟
صاح بها قصي:
- كارين بقولك إيه مش ناقصك على المسا.
نهضت ووقفت أمامه وقالت:
- اللي أنت عملته ده اسمه محاولة اغتصاب.
ضحك بسخرية لتتعالى ضحكاته وقال:
- اغتصاب!!! فيه واحد بيغتصب مراته؟؟
كارين:
- قصي متضحكش على نفسك، أنت قبل الفرح بيومين وأنا متخانقة معاك وسيبتلك القصر بسبب موضوع جوازك صبا غصب عنها، وفي الآخر أجبرتوها أنت وعابد الرفاعي... ذنبها إيه المسكينة دي في انتقامكم من عيلة البحيري.
قالها قصي بنبرة تحذيرية:
- كاااارين... لو سمحت متدخليش في حاجة متخصكيش عشان متزعليش مني.
كارين:
- شكراً يا قصي... عموماً أنا كنت جاية اتطمن عليك... وياريتني ماجيت.
قالتها واتجهت نحو الباب وقبل أن تدير المقبض أردفت:
- ياريت تقول للجاردس بتوعك يبطلوا يمشوا ورايا أنا مش طفلة وعارفة أحمي نفسي إزاي.
قالتها وغادرت وهي تصفق الباب خلفها بقوة.
تقدم نحو تلك متجمدة الملامح وجثى على ركبتيه بالقرب منها وأمسك كفها ووضعه على وجنته، ثم قام بطبع قُبلة بداخله وقال:
- ليه بتخليني أعمل معاكي كده!! أنا بعشقك ومبستحملش عل
يصدر من الداخل صوت المذياع الصادر منه أغنية "انتهينا خلاص" لشيرين عبد الوهاب.
وبدون أن تطرق الباب، دلفت لتراه يوليها ظهره مرتديًا فانلة وبنطالًا قصيرًا ملطخين بالطلاء، يدندن مع الأغنية.
عبد الله: كنت تسبني... آه سبني من ناري... لمراري...
- ياريت والله يبقى وفرت عليا الكلام.
قالتها شيماء وهي تخلع خاتم الخطبة.
التف إليها وترك الفرشاة التي بيده وقال:
- أهلًا وحشتيني يا شوشو.
رمقته بازدراء:
- متشوفش وحش يا ابن شلبية.
عبد الله: طيب ليه بتجيبي في سيرة أمي الله يرحمها؟
شيماء بنبرة تهكم:
- الله يرحمها ويرحم الجميع يا أخويا.
عبد الله: أخوكي!! مالك يا بت على المسا؟
ألقت الخاتم في وجهه وقالت:
- خلي عندك كرامة وألغي الاتفاق الزفت ده مع أبويا.. لأن أنا خلاص مش عايزاك ولا طايقاك.
رواية صراع الذئاب الفصل الرابع 4 - بقلم ولاء رفعت علي
يهبط كل درجة ويسحبها خلفه جاذبًا خصلات شعرها الملتفة حول قبضته القوية، حتى وصل إلى القبو وتوقف أمام باب خشبي، فقام بدفعه وألقى بها إلى الداخل... تعثرت قدماها فسقطت على تلك الأرض الصلدة.
- من هنا ورايح مكانك هنا... أكلك وشربك هيجو لحد عندك... وده لغاية ما تتعلمي الأدب.
قالها قصي بنبرة تحذيرية وتهديد.
نهضت ووقفت وهي ترمقه بنظرات تحدي برماديتيها وقالت:
- كتبت كتابك عليا من غير ما أوافق غصب عني... خدتني من بيت خالي غصب عني... عملتلي فرح كان بالنسبة ليا عزا قلبي اللي مات غصب عني... لكن عايز تحبسني في البدروم كأني حيوانة ده اللي مش هقبله... فوق بقى أنا مش بحبك بالعكس بكرهك وكل يوم بكرهك أكتر من الأول.
كانت تتحدث بكل كلمة وهو يقف مائلًا يسند جسده على إطار الباب ويعقد ساعديه أمام صدره، ويرمقها بدون أي تعابير تدل على حالة الغضب الذي يثور بداخله.
أردفت حديثها:
- مسألتش نفسك ليه أنا بحبه!! لأنه راجل وحنين وعمره ما زعلني في يوم... وعمره ما غصبني على حاجة في يوم من الأيام... آدم بالنسيـ.....
لم تكمل حديثها حيث عندما ذكرت آدم، وكأنها أضرمت نيرانًا اندلعت في هيئة شيطانه الذي أسدل الظلمة أمام عينيه، التي تحولت من لون الزيتون إلى الأسود حتى أصبح مظهره مخيفًا مرعبًا... اقترب منها وهي تتراجع إلى الخلف وهي تحاول أن تخفي ذلك الرعب الذي جعل جسدها يرتجف وجلًا.
ظلت تتراجع حتى أوقفها ذلك الجدار الذي ارتطم به ظهرها... تتلفت يمينًا ويسارًا حتى وقعت عيناها على سلاسل حديدية ملقاة في الأرض، وعلى الجانب الآخر مقعد ذو مسندين وعليه حبل مبعثر... مد يده ليجذبها من ساعديها فلا أحد يعلم ما ينوي عليه لها... وفي تلك اللحظة لفت انتباهها على الجدار صرصور كبير ذو شوارب، قد أتى من فتحة البالوعة الموجودة بالغرفة.
صاحت بصرخة اهتزت لها جميع الجدران بالقصر:
- آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه...
وهي تدفع ذلك القصي وهي ترتمي على صدره وتتشبث به وعلامات الذعر على وجهها... ارتسمت البسمة على محياه حيث أدرك أن لديها رهاب من ذلك الكائن التي ترتعب منه أغلب بنات حواء.
نظرت إلى عينيه بخوف وقالت بنبرة رجاء واعتذار:
- قصي.. أنا آسفة مش هعمل كده تاني... بس أرجوك بلاش تحبسني... أنا.....
قاطعها صوت ارتطام حذائه في الجدار وهو يدعس الصرصور.
تنفست الصعداء فابتعدت عنه... اقترب منها وأمسك طرف ذقنها ليرفع وجهها إليه وهو يحدق في عينيها وقال بنبرة هادئة:
- اللي رحمك مني ده...
قالها وهو يشير إلى الصرصور الذي تساوى بالجدار، فأردف:
- المرة الجاية يا صبا لو انطبقت السما على الأرض محدش هيرحمك من اللي هعمله فيكي... اتقي شري أحسن لك.
أومأت له برأسها بالموافقة وقالت:
- يعني مش هتحبسني؟؟
قصي:
- والله ده يتوقف عليكي... ويلا اطلعي عشان تتغدي وبعديها جهزي نفسك عشان هنسافر.
- أنا مليش نفس.
تنهد وقال ساخرًا بنبرة تهديد:
- الظاهر عجبك البدروم وعايزة تقضيلك فيه يومين حلوين... خاصة لما أهل المسكين اللي لازق في الحيطة ده يطلعوا من البلاعة واحد ورا التاني عشان يقروا الفاتحة عليه.
ابتلعت ريقها ثم قالت:
- خلاص.. خلاص هطلع أتغدى.
وضع يديه في جيوبه وقال بأمر:
- اطلعي قدامي.
مشت بخجل وغادرت الغرفة وصعدت الدرج... لتجد الخادمات ينظرن إليها بدهشة وقلق وهن يتفحصن بنظراتهن جسدها لعل حدث لها مكروه على يد قصي كما يظنون... جاء خلفها فاختبأوا قبل أن يراهم.
ذهبت صبا اتجاه الدرج الذي يؤدي إلى الغرف، فأوقفها بإشارة من يده وقال:
- من هنا.
أشار إلى غرفة المائدة.
كادت تتجه نحو الغرفة، فالتفتت له وقالت:
- إحنا هنسافر فين؟؟
أمسك سيجارته ووضعها بفمه وأشعلها بالقداحة ليأخذ نفسًا عميقًا وزفر دخان بشراهة وقال:
- إيطاليا.
- مش هينفع أسافر... معنديش باسبور.
قالتها وهي تدعو في داخل عقلها بأن يسافر ويتركها تتنفس بحرية.
لكن خابت ظنونها حينما أجاب وقال بثقة:
- إحنا هنسافر في طيارتي.
قالها لتعقد حاجبيها بضيق ليعلم ما يجول في ذهنها فأردف:
- معلومة تحطيها في دماغك كويس... وهي إن مفيش خطوة هتخطيها بره باب القصر ده غير ورجلي على رجلك... ولو حصل أي ظرف هيكون كنان مكاني... وصلت؟؟؟
قالها وهو يحدق في عينيها فلم تجب عليه... وضع السيجارة بفمه ثم زفر دخانًا كثيفًا في وجهها متعمدًا... أبعدت الدخان من أمامها بيدها لتشعر بالسعال واشتد حنقها، فأخذت السيجارة من بين أصابعه وألقتها على الأرض ود
"وبعدين قوم يالا عايزاك تروح لعمك سالم."
تنهد بسأم ورمقها بنظرات لتتفهم أنه لم يصدقها فقال:
- عايزاني أروحله ليه؟
قالت جيهان:
- هبعت معاك شوية كتب كنت هديهم لخديجة لما كانوا عندنا فنسيت بسبب اللي حصل وقتها.
قال آدم:
- طيب ما تبعتيهم مع السواق.
عقدت ساعديها أمام صدرها وقالت:
- لاء عايزاك أنت اللي توديهم بنفسك... لأنك أنت وأخواتك قاطعين صلة الرحم، المفروض تروحوا تسألوا على عمكوا سالم وعياله وعلى خالك مهدي اللي حضرتك مبتشوفهوش غير لو جه عندنا.
قال آدم بنظرات اندهاش:
- عم سالم كان لسه هنا من يومين وأنتِ عارفة مبحبش أروحلهم عشان ابنه البارد الحقود ده... وخالي أصلًا مش فاضي يا مع ابنك يوسف المستشفى يا إما في سفر ومؤتمرات طبية يا إما مع مراته في كل بلد شكل.
تصنعت جيهان الحزن وقالت:
- شكرًا يا آدم يا ابني مكنش طلب طلبته منك يعني... خلاص هروح بنفسي هديلها الحاجة.
اقترب منها وقبلها فوق رأسها وقال:
- حقك عليا متزعليش مني... حاضر هروح أديلها الحاجة.
انفرجت أساريرها بابتسامة ماكرة وقالت:
- أيوه كده أنت آدم ابني حبيبي... هسيبك بقى تغير هدومك وأنا هروح أحضرلك الكتب.
قالتها ثم ذهبت، ليبدأ هو في خلع قميصه القطني ويدلف إلى غرفة ثيابه.
بينما هي دلفت إلى غرفة الكتب خاصتها التي تمكث فيها عندما تقرأ، وقالت:
- يارب يا آدم يا ابني تنسى وجع قلبك وتحس بالقلب اللي عشقك وأنت مش حاسس بيه.
***
في قصر العزازي...
تقف صبا أمام المرآة تنظر إلى ثوبها الذي أمرها أن ترتديه، وكان عبارة عن ثوب ذو لون أزرق زهري بأكمام تصل إلى معصميها وطويل وفضفاض إلى حد ما، وينغلق بشريطين عند العنق.
تعقد الشريطين بتأفف فهي تبغض أي شيء ينعقد حول عنقها لأنها تشعر بالاختناق. دق الباب ليأتي صوته من الخارج:
- صبا خلصتي؟
قالت صبا من الداخل:
- لاء لسه.
سأل قصي:
- في أي حاجة عايزاني أساعدك فيها؟
أجابت صبا:
- لاء شكرًا.
قال قصي:
- طيب ممكن تناوليني الولاعة من عندك.
زفرت بضيق وتأفف:
- أووووف... حاضر.
قالتها لتلتقط القداحة من فوق الكومود واتجهت نحو الباب وقامت بفتحه وهي تمد يدها له بالقداحة وقالت:
- خد.
ضيق عينيه بغضبٍ وقال:
- اسمها اتفضل.
أخذتها من يده ثم أعطتها له وقالت بسخرية:
- اتفضل... حلو كده!!!
أخذها ليمسك السيجارة التي بيده ويشعلها ليزفر الدخان بعيدًا، ثم التفت بوجهه لها وهو يحملق في ثوبها:
- تمام حلو كده.
تفهمت مقصده وقالت:
- نفسي أعرف اللي عجبك في الشوال ده عشان تخليني ألبسه!!! ده غير الشرايط اللي بتتربط عند رقبتي وأنا بتخنق من أي حاجة تتلف أو تتربط حواليها.
مد يده إلى تلك السلسلة الذهبية التي ترتديها ليمسك بالقلادة التي تتوسطها وقال:
- أومال لابسة دي إزاي!!!
ثم لاحظ أن القلادة تُفتح فهي عبارة عن شكل قلب يفتح وبداخله توضع صورتان. توترت ملامحها لتمسك بيده وقالت:
- لو سمحت سيب السلسلة.
لم يذعن لما قالته حتى تسنى له رؤية الصورة المختبئة بداخل القلب ليجدها صورة آدم والصورة الأخرى لوالدتها.
أوصد عينيه وهو يجز على أسنانه ليبرز عظام فكيه، ولم يعطها فرصة لتتحدث فانتزع السلسلة بعنف من عنقها لتنقطع ونتج خدشًا قد ألمها، ثم ألقى بها على الأرض ونادى بصوت جهوري مرعب:
- أميرررررررررة.
جاءت الفتاة الخادمة ركضًا وقالت:
- أمرك يا قصي بيه.
أشار إلى السلسلة الملقاة في الأرض وقال:
- شيلي الزبالة دي من هنا.
نظرت إليه ثم لصبا التي تجمعت عبراتها وصاحت به:
- دي بتاعت ماما الله يرحمها... مين اللي إدالك الحق تقطعها من رقبتي وترميها وعايز تخلي الشغالة ترميها في الزبالة!
دفعها إلى الداخل ليدلف خلفها وأوصد الباب وهو يزفر دخان سيجارته وقال:
- أنا أكتر حاجة بكرهها الصوت العالي... وأول وآخر مرة تعلي صوتك عليا وخصوصًا لو قدام أي حد من الشغالين.
أجهشت في البكاء فتعالت شهقاتها وقالت:
- متعليش... متلبسيش... كلي... اشربي... أوامر... أوامر... أنا تعبت من حرقة الدم دي... أنا نفسي أفهم أنت متجوزني عشان تنتقم مني؟ ولا تخليص حق؟ ولا إيه بالضبط؟
طفأ سيجارته في المنفضة الكريستالية ثم اقترب منها وقام بمعانقتها وهو يمسد على ظهرها وقال:
- خلاص اهدي ومتعيطيش.
شعر بأنفاسها قد بدأت في الانتظام. على الرغم من الكراهية التي تكنها له لكن في تلك اللحظة كانت أشد احتياجًا بأن ترتمي إلى صدر يحتويها ويحتوي آلام وجراح قلبها التي لم تندمل بعد.
أبعد رأسها عن صدره لينظر في عينيها وأخرج المحرمة التي بداخل جيب سترته العلوي، أخذ يجفف عبراتها. ود لو يعتذر لها لكن كبرياءه يمنعه لاسيما تذكر الصورة التي تحتفظ بها بداخل تلك القلادة.
أمسك بشرائط الثوب المتدلية وقام بعقدها على شكل (فيونكة)، وحاول أن يجعلها تتهاوى قليلًا حتى لا تشعر بالاختناق. لامست أنامله الخدش الذي في عنقها فتأوهت.
عقد حاجبيه بضيق وقال:
- هي مضايقاكي؟
قالت صبا:
- لاء بس في جرح صغير في رقبتي لما حضرتك شديت السلسلة منها.
رفع ذقنها بأنامله حتى رجعت رأسها إلى الخلف قليلًا ليرى ذلك الخدش الموجود عند العرق النابض في عنقها، ولم تكن تتوقع ما سيفعله.
انحنى ليقترب بشفتيه يلثم ذلك الجرح بقُبلة حانية. اتسعت حدقتاها بصدمة فقامت بدفعه في صدره ليبتعد عنها. ابتعد ولكن لم تستطع تحريك ذلك الجدار الذي يقف أمامها، يرمقها بزيتونتيه التي تلألأت بداخلها نظرات العشق لكن سرعان ما تحولت إلى نظرات قاتمة حادة عندما تفوهت وصاحت بتلك الكلمات:
- أنت إيه مبتفهمش!! قولتلك بكرهك ومش عايزاك تلمسني... ولو فاكر عشان برضخ لأوامرك يبقى كده رضيت عنك وبدوب في هواك... تبقى بتحلم لأن أنا لسه على مبادئي عايشة معاك أه لكن جوازنا هيبقى مجرد على ورق مش أكتر.
صاحت بها صبا لكن دب الرعب في أوصالها عندما لم ترَ أي علامات على وجهه الساكن مثل صورة الذئب المعلقة على الحائط خلفه.
***
عيناه تلتمع بشر... أنفاسه يسيطر عليها بصعوبة... أمسك رابطة عنقه وقام بفكها بهدوء قاتل... خلع سترته وألقاها على المقعد المخملي المقابل للمرآة... خلع ساعة يده البلاتينية المرصعة أرقامها بفصوص الألماس الباهظة.
تعالت دقات قلبها بالخوف، يقترب منها وهو يفك أزرار قميصه واحد تلو الآخر ونظراته تقتلها من الرعب. تتراجع إلى الخلف:
- ابعد عني أحسن لك... لو قربت مني والله هرمي نفسي من البلكونة.
قالتها بنبرة تهديد وإشارة تحذيرية بإصبعها. لم يتأثر بكلمة... وجدت لا مفر سوى بأن تنفذ تهديدها، لتسرع بالذهاب نحو الشرفة ليلحق بها في أقل من لحظة جاذبًا إياها من خصلات شعرها المنسدلة فتأوهت بصوت جلي.
قال من بين أسنانه:
- أنا كل مرة ماسك نفسي عنك بالعافية ومش راضي أطلع شيطاني عليكي... لكن لسانك اللي عايز قطعه ميت حتة هيخليكي تندمي على كل كلمة نطقتي بيها دلوقت.
قالها وأخذ يجذبها وألقى بها فوق التخت ليهتز بها بقوة.
- آآآآآآآآآآآآآآه... ابعد عني والله هصوت وهخلي كل الشغالين في القصر عندك يعرفوا أنت قد إيه حيوان.
قالتها لتندلع نيران غضبه أكثر، فصاح بصوت مرعب اهتزت له الجدران:
- صوتي... عايزك تصوتي براحتك... واحد ومراته ومحدش يقدر يفتح بوقه.
قالها وابتسم بتوعد وأردف:
- ومحدش يقدر يمنعني عن اللي هعمله فيكي.
قالها لينقض عليها ويعتليها محاصرًا ساقيها بين ركبتيه. ظلت تصرخ:
- اوعي يا حيواااااااااان... أنا بكرهك... بكررررررررررررررررررررهك... آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه.
صرخة أطلقتها عندما انهال على وجنتها بصفعة أحست بصفير أذنها، لتشعر بدوار يوصد الرؤية أمامها وهي تشعر بثوبها يتمزق... أغلقت عينيها رويدًا رويدًا حتى فقدت الوعي.
- أنا هخليكي مراتي بجد مش كتابة على الورق... أنا...
لم يكمل وعيده الذي كان شرع بتنفيذه ليوقفه مظهرها الذي أرعبه لينهض من فوقها. ربت على وجهها وقال:
- قومي وبطلي تمثيل أنتِ فاكرة هرحمك زي كل مرة... قومييييييييي.
صاح بها ولا حياة لمن ينادي.
ابتلع ريقه ليقترب منها ويتصنت إلى أنفاسها وهو يضع أنامله على عنقها يجس نبضها. ركض نحو المرآة ليأخذ من أمامها زجاجة عطره وقام بنثر القليل منه على ظهر يده ثم وضعها لدى أنفها... لم تستيقظ. تناول دورق المياه الزجاجي وأخذ منه بعض المياه ليقوم بنثرها على وجهها.
دق الباب، ليأتي من خلفه صوت الخادمة:
- قصي بيه آنسة كارين منتظرة حضرتك تحت.
خلل أنامله بين خصلات شعره وزفر بغضب وقال:
- خليها تطلع بسرعة.
ذهبت الخادمة وهي تركض وأخبرت كارين التي صعدت على الفور. طرقت على الباب ثم قامت بفتحه لتقع عيناها على تلك الراقدة ممزقة الثياب فأطلقت شهقة بذعر وصدمة.
***
بداخل الصالة الرياضية...
يجلس على جهاز السحب (جهاز لعضلات الجذع والعضلات الظهرية)، يمدد ساقيه أمامه يسند قدميه على قطعتين تشبه مكابح السيارة، ويمسك بكل يد على حدة قابضة بلاستيكية يجذبها نحوه بقوة.
يمارس تمارينه لكن ذهنه مشغول بتلك الحمقاء التي تطاولت عليه، وأكثر ما يثير غضبه عندما كانت ترمقه بقوة بتلك العسليتين، كما قامت بنعته بالغباء وهي تز
دلف ياسين إلى إحدى الغرف قبل أن تراه سميرة، حيث أراد أن يثأر من تلك الحسناء الصغيرة بطريقته الخاصة.
سميرة بنبرة حادة:
- مالك بتجري كده ليه؟؟؟ إحنا هنسيب شغلنا ونقعد نجري ونلعب!
ياسمين وهي تلتقط أنفاسها حتى هدأت قليلًا:
- أنا مش بلعب... أنا كنت...
قاطعتها سميرة:
- طيب اتفضلي روحي على أوضة آنسة ملك وهاتي سبت الغسيل وبعد كده وديه في أوضة اللاندري "المغسلة".
أومأت لها وقالت:
- حاضر يا مدام سميرة.
قالتها ثم راقبت الرواق الذي لابد أن تسير من خلاله لتصل إلى الدرج، كل خطوة لها تنظر خلفها ليطمئن قلبها وهي تقول بداخل عقلها: "ايه اللي أنا عملته في نفسي ده... بالتأكيد مستحلف لي ومش هيسيبني غير لما ياخد حقه مني... بس أحسن يستاهل... محدش قاله يقرب مني و..."
صمتت لتبتسم وهي تضع أطراف أناملها على شفتيها، وأردفت:
- يلا يا هبلة شوفي شغلك قبل ما الست الناظرة دي تطلع عينيكي.
وصلت أمام الغرفة وقامت بفتح الباب وولجت إلى الداخل وهي تتمتم بكلماتها بسعادة:
- الله عليكي يا بت يا ياسمين... أيوه جدعة.. أهو بعد القلم ده ميقدرش يكرر اللي عمله ده تاني.
قالتها ففزعت من صوت إغلاق الباب وانطفأت الإضاءة بالغرفة لتحل العتمة.
- بسم الله الرحمن الرحيم...
قالتها وهي تتجه نحو الباب ذاهبة لتضغط على زر الإضاءة، فارتطمت بشيء ولم تستطع أن تصرخ حينما وجدت ذلك الذي يحاوطها بذراعيه ويضع يده على فمها.
***
يتجول في الغرفة ذهابًا وإيابًا وهو يزفر بغضب، ويرمق ذلك الطبيب الذي يتفحصها وود من داخله أن يهشم عظام يديه التي تلمسها.
انتهى من الفحص، نظرت كارين إلى صبا التي تحملق في سقف الغرفة كأنها تمثال متحجر لا يتحرك شيئًا فيها سوى أهدابها.
قال الطبيب وهو يرمق قصي بنظرات حادة:
- صدمة نفسية نتيجة ضغط نفسي اتعرضت ليه المدام.
قصي:
- وعلاجه إيه؟
الطبيب وهو يرمق قصي وكأنه يقصده بكلماته:
- تبعدوها عن أي حاجة تحرق دمها أو تستفزها، خصوصًا لو حد مش بتحبه.
اقترب منه قصي ليمسك بتلابيب قميصه ويعنفه:
- اسمع يا زفت أنت، لو مبطلتش تلميحاتك السخيفة دي لأنا بنفسي هجيب لك اكتئاب حاد من اللي هعمله فيك، أنت فاهم؟؟؟
ارتجف الطبيب بين يديه وقال:
- حـ.. حاضر.. اللي تؤمر بيه حضرتك.
تركه قصي وقال:
- مش خلصت كشف؟ يلا اتفضل غور بره.
الطبيب:
- أنا لسه هكتب لها على مهدئات.
قصي بصوت غاضب:
- بررررررررررره... وابقى اديها لكنان.
أخذ الطبيب حقيبته وأدواته وهو يتمتم بداخل نفسه ويلعن ذلك المتعجرف ثم غادر.
قالت كارين التي ترمقه بازدراء:
- ممكن أفهم اللي حضرتك عملته فيها ده؟؟
صاح بها قصي:
- كارين بقولك إيه مش ناقصك على المسا.
نهضت ووقفت أمامه وقالت:
- اللي أنت عملته ده اسمه محاولة اغتصاب.
ضحك بسخرية لتتعالى ضحكاته وقال:
- اغتصاب!!! فيه واحد بيغتصب مراته؟؟
كارين:
- قصي متضحكش على نفسك، أنت قبل الفرح بيومين وأنا متخانقة معاك وسيبت لك القصر بسبب موضوع جوازك، صبا غصب عنها وفي الآخر أجبرتوها أنت وعابد الرفاعي... ذنبها إيه المسكينة دي في انتقامكم من عيلة البحيري.
قال قصي بنبرة تحذيرية:
- كاااارين... لو سمحت متدخليش في حاجة متخصكيش عشان متزعليش مني.
كارين:
- شكرًا يا قصي... عمومًا أنا كنت جاية أطمن عليك... وياريتني ما جيت.
قالتها واتجهت نحو الباب وقبل أن تدير المقبض أردفت:
- ياريت تقول للجاردز بتوعك يبطلوا يمشوا ورايا، أنا مش طفلة وعارفة أحمي نفسي إزاي.
قالتها وغادرت وهي تصفق الباب خلفها بقوة.
تقدم نحو تلك متجمدة الملامح وجثا على ركبتيه بالقرب منها، وأمسك كفها ووضعه على وجنته ثم قام بطبع قُبلة بداخله وقال:
- ليه بتخليني أعمل معاكي كده!! أنا بعشقك ومبستحملش عليكي حاجة... أنتي روحي يا صبا اللي من غيرها أموت... أرجوكي ردي عليا.
التمعت عبرة تنسدل من جانب عينيها، نظر إليها بندم وعينيه تصرخ بالأسف والاعتذار. صعد وتمدد بجوارها وهو يأخذها بين ذراعيه ليقترب بشفتيه من وجنتها ليمنع تلك الدمعة عن التساقط ليتذوقها بداخل فمه وهو يغمض عينيه، ودفن وجهه في عنقها وهو يستنشق عبق عطر بشرتها الذي يذكره برائحة اللافندر.
***
في الحارة.
قال طه الذي يقف أمام البناء:
- رايح فين يا عم عبده؟
يحمل عبد الله في يديه دلو طلاء والأخرى أدوات تستخدم في الدهانات فأجاب:
- بدل ما عمال تتريق كده شيل عن صاحبك شوية.
طه:
- ما أنت زي الشحط أهو، مش كفاية أبويا مأجر لك الشقة بملاليم.
عبد الله:
- ماشي يا صاحبي بتعايرني!! ما أنا دافع الشهر قبل ما اسكن، غير عمال أصرف على الشقة ومش عايزه تخلص.
طه:
- أنت بتسمي الـ 300 ملطوش دول فلوس!!!
عبد الله:
- طول عمرك عيل حقود وغلاوي.
طه:
- وأنت طول عمرك ندل وواطي... عشان كده إحنا أصحاب.
قالها ليقهقه الاثنان معًا.
عبد الله:
- الحق مش ده الواد عادل ابن عديلة بتاعت الفراخ؟؟
طه:
- آه تصدق هو، وايه الشياكة اللي حطت عليه دي!
عبد الله:
- الله يرحم لما كانت أمه بتلبسه البنطلون وترفعه له لحد صدره... طول عمره ابن أمه وملوش كلمة.
طه:
- فاكر يالاه كانوا مسمينه إيه؟
عبد الله:
- أها فاكر طبعًا كنا مسمينه "عادل جلدة"... وهو لزق فيه الاسم لحد ما بقى أشطر سباك في المنطقة وخده خاله معاه الكويت.
طه:
- إيه ده هو وأمه وأخواته دخلوا بيت عم عكاشة ليه؟؟
عبد الله:
- يا عم وإحنا مالنا.... أنا هسيبك بقى وطالع فوق خليني ألحق أخلص دهان الصالة واكلة مني لحد دلوقت جردلين بويه... متقولش السكان اللي كانوا فيها بياكلوا الحيطان.
طه:
- طيب وأنا طالع معاك أمري لله هساعدك.
صعدا كليهما الدرج.
وفي الحارة تقترب تلك السيارة الفارهة ذات الماركة الإيطالية المعروفة (لامبورجيني) طراز هذا العام. توقفت أمام بناء الشيخ سالم، أمسك هاتفه وأجرى اتصالًا بعمه فلم يجب عليه منذ ساعة مضت. فتح باب السيارة بحذر حتى لا تصطدم بتلك العربة ذات الثلاث إطارات (توكتوك) وهو ينظر إلى السائق بازدراء.
صاح سائق التوكتوك:
- ما تخافش عليها يا عم اللي أداك يدينا.
زفر بتأفف وانحنى لداخل سيارته وهو يأخذ حقيبة ثم علبة الشيكولاتة التي اشتراها في طريقه. أوصد الباب وأغلق أبواب السيارة من جهاز التحكم الذي بيده. دلف إلى الفناء، انكمشت ملامح وجهه بتقزز من رائحة الفناء، صعد الدرج بحذر وهو يتفحص الجدران المقشر طلائها وتتدلى عليها خيوط العنكبوت. وصل أمام باب المنزل ليقرأ تلك اللوحة الخشبية المحفور بداخلها: "منزل الشيخ سالم يحيى البحيري".
ضغط على زر الجرس، هي كانت بالداخل تؤدي فرضها وفي آخر سجدة تدعو الله بأن يحقق ما تتمناه منذ سنوات. وبعد أن انتهت من التشهد ألقت السلام، نهضت مسرعة وهي تطوي السجادة وتركتها على التخت وخرجت إلى الردهة.
قالت خديجة وهي تفتح الباب مرتدية إسدال الصلاة ذو اللون الأسود:
- حاضر يا بابا جاية...
نظرت إلى ذلك المبتسم غير مصدقة وظلت تحدق في عينيه وقلبها يتراقص من الفرح والسعادة.
قال آدم بصوت رجولي عذب:
- إزيك يا خديجة.
أجابت بتوتر:
- اا الحمد لله.
آدم مبتسمًا:
- هفضل واقف على الباب كده كتير؟؟
خديجة بخجل:
- أنا آسفة يا آدم مش هينفع أدخلك بابا في الجامع ومعرفش هيرجع إمتى وطه نزل من بدري.
جز على أسنانه وبادلها بابتسامة صفراء وقال:
- طيب اتفضلي الحاجات دي.
خديجة:
- إيه ده؟؟
آدم:
- دي كتب باعتها لك ماما... ودي حاجة بسيطة.
قالها وهو يعطيها علبة الشيكولاتة.
خديجة:
- طيب خليك ثواني هحاول أتصل على بابا يمكن يرد.
آدم ببرود:
- مفيش داعي أنا أصلًا ورايا مشوار ومش هلحق.
تجهم وجهها وقالت:
- حاضر اتفضل.
ولم يتفوه بكلمة ثم غادر وهو يهبط الدرج ويزيل ذلك الغبار الذي تعلق بكتف سترته السوداء.
وفي تلك اللحظة هبط طه الدرج، ذاهب لكي يشتري دلو طلاء آخر. خرج من الفناء حتى قطب حاجبيه عندما وجد آدم يدلف إلى داخل سيارته، اقترب منه وقال بسخرية:
- إزيك يا آدم بيه نورت الحارة... مش كنت تقول إنك جاي كنا فرشنا لك الحارة ورد وعملنا معاك الواجب.
التمس آدم السخرية والاستهزاء في حديث طه فابتسم له بتصنع وقال:
- متشكر خديجة قامت بالواجب.
قالها يقصد إنها أحرجته والآخر قد تفهمها على محمل آخر من ظنونه السيئة.
غادر آدم بسيارته الحارة. كاد يلج طه إلى الفناء حتى أوقفه صوت زغاريد تعالت في كل أرجاء الحارة، ليتسمر في مكانه وهو يرى عديلة تمسك بيد رحمة التي ترتدي ثيابًا أنيقة وتضع مساحيق أظهرت جمالها.
قالت عديلة ثم أطلقت زغرودة جلية:
- يالا يا أم رحمة نلحق عم جورج الجواهرجي قبل ما يقفل خلينا نفرح... واد يا عدولة امسك أيد خطيبتك وتعالى ورانا.
اقترب عادل ذو الجسد الضخم من رحمة وأثنى ساعده وقال بابتسامة:
- حطي إيدك يا عروسة عشان أنجشك.
وضعت يدها على ساعده لتلتقي عينيها بعينين طه الذي ينظر لها من أسفل لأعلى بامتعاض، وهي تبادله بنظرات تحدي وكأنها تقول له الحياة لا تقف عليك يا من أسميتك في يومًا حبيب.
***
دلف إلى البناء والغضب يتملك منه ليشعر بالنيران التي تأكل داخله، عقد العزم على صب كم غضبه على شقيقته التي توعد لها عندما علم بوجود آدم.
فتح الباب بمفتاحه الخاص به ودلف إلى الداخل ليجدها تجلس خلف المنضدة وأمامها كتب متراصة وتمسك بإحداهم.
قالت خديجة بمزاح ولا تعلم نواياه:
- ما ترمي السلام أنت داخل على كفار ولا إيه؟؟
اقترب منها والتقط كتابًا تفحصه بنظرات استهزاء وقرأ بصوت مرتفع:
- علمني الحب... سوزان ستيفنز.
قالها ليطلق ضحكة سخرية وأردف:
- مش أولى قبل ما تتعلمي الحب تتعلمي الأدب أحسن؟
- قصدك إيه يا طه؟؟
- مش دي كتب مدام جي جي أم المحروس اللي كان نازل من عندك يا صايعة.
قالها وهو يمسك الكتاب ويمزقه.
صاحت به خديجة:
- أنت بتعمل إيه يا مجنون دي أمانة وهرجعها تاني... وايه اللي أنت بتقوله ده؟؟
طه:
- اخرسي يا صايعة أنتي وأصحابك، واحدة أبوها قفش خطيبها في البيت كان هيعتدي عليها والتانية اللي كانت ماشية مع واحد وأول ما سابها صدقت تتخطب.
خديجة:
- آه... قول بقى إنك متغاظ عشان رحمة اتقرت فاتحتها... أنا عارفة وكلمتني الصبح... وفرحانة ليها إن ربنا نجدها منك.
قالها وهو يخلع حزام بنطاله:
- شمتانة فيّ؟؟؟
ركضت نحو غرفتها وصاحت:
- والله يا طه لو قربت مني لأقول لبابا على كل البلاوي بتاعتك.
استشاط غضبًا ليركض خلفها، أوصدت الباب ليقوم بدفعه بجسده فلم تستطع مقاومته. ابتعدت وهي تحتمي بذراعيها وتصرخ ولم يبالي لصرخاتها وانهال عليها بحزامه الجلدي على جسدها.
صاح بها طه:
- عاملة نفسك ست الشيخة وتدخلي البيه ابن الأكابر البيت وإحنا مش موجودين... طبعًا من حقه أبوه بيرمي لنا شوية ملاليم وابنه بييجي ياخد المقابل من ست الحسن.
خديجة وهي تبكي وتصرخ:
- أنت إنسان قذر ودماغك شمال.... أقسم بالله ما حصل حاجة ولا دخل الشقة أداني الحاجة ونزل على طول.
- بتستعبطي عليا يا بت ده أنا فاهم دماغكم كويس يا صنف و...... كلكم زي بعض.
قالها وما زال ينهال عليها بسوط حزامه لتتعالى صرخاتها.
***
في منزل عائلة شيماء.
ارتدت عباءتها وحجابها ثم راقبت زوجة أبيها التي غطت في سبات عميق. أخرجت المفتاح الذي خبأته في سلسلة ترتديها حول رقبتها وتخبئه في طيات ثيابها بالداخل. ألقت نظرة أخيرة من الشرفة حتى تتأكد من وجوده بالمنزل الذي يقوم بإعداده للزواج.
فتحت الباب وغادرت بدون إصدار صوت وركضت مسرعة قبل أن يراها أحد.
وصلت أخيرًا وهي تلتقط أنفاسها أمام باب المنزل الذي كان مفتوحًا.
يصدر من الداخل صوت المذياع الصادر منه أغنية "انتهينا خلاص" لشيرين عبد الوهاب.
وبدون أن تطرق الباب دلفت لتراه يوليها ظهره، مرتديًا "فانلة" وبنطالًا قصيرًا ملطخين بالطلاء، يدندن مع الأغنية.
عبد الله:
- كنت تسيبني... آه سيبني من ناري.. لمراري...
- يا ريت والله، يبقى وفرت عليا الكلام.
قالتها شيماء وهي تخلع خاتم الخطبة.
التف إليها وترك الفرشاة التي بيده وقال:
- أهلًا وحشتيني يا شوشو.
رمقته بازدراء:
- ما تشوفش وحش يا ابن شلبية.
عبد الله:
- طيب ليه بتجيبي في سيرة أمي الله يرحمها؟
شيماء بنبرة تهكم:
- الله يرحمها ويرحم الجميع يا أخويا.
عبد الله:
- أخوكي!! مالك يا بت على المسا؟
ألقت الخاتم في وجهه وقالت:
- خلي عندك كرامة وإلغي الاتفاق الزفت ده مع أبويا.. لأن أنا خلاص مش عايزاك ولا طايقاك.
رواية صراع الذئاب الفصل الخامس 5 - بقلم ولاء رفعت علي
في قصر البحيري...
- لو صرختي ولا عملتي حركة كده ولا كده هقولهم مسكتك وأنتي بتسرقي السلسلة بتاعت ملك.
قالها ياسين بنبرة تهديد وهو يضغط على زر الإضاءة الخافتة ويمسك بيده سلسلة شقيقته.
اتسعت عيناها بصدمة وذهول، أزاحت يده بعيدًا عن فمها وقالت بصوت متهدج ومرتجف:
- أ.. أنت عايز مني إيه؟
رمقها بنظرات ماكرة وقال:
- أنتي اللي عايزه... من ساعة ما جيتي القصر وعينك مني.
- أنت فاهم غلط على فكرة.
قالتها ياسمين.
اقترب من جانب رأسها حيث ترتدي الحجاب وبنبرة خبيثة قال:
- لأ فاهم صح... وقاري نظرات حبك ليا في عينيكي.
ابتلعت ريقها بتوتر ورمشت عدة مرات وقالت:
- ح.. حب.. أنا...
جذبها ليحاوطها ما بين ذراعيه وهو ينظر بداخل عينيها، وبنبرة خادعة وحديث معسول قال:
- مكسوفة ليه؟ عارف أنك بتحبيني... وأنا كمان.
اقترب هامسًا بجانب شفتيها وأردف:
- بحبك.
خفق قلبها بشدة لا تعلم هل تفرح أم تقلق وتحذر منه، ما زالت صغيرة وليست لديها خبرة كافية حتى تفرق بين المشاعر النابعة من القلب وما بين المشاعر الخادعة المزيفة، وبخبرة تجاربه مع الفتيات قرأ لمعة عينيها واحمرار وجنتيها ودقات قلبها التي كادت تصل لمسامعه.
- ياسين بيه إزاي...
قالتها ياسمين ليقاطعها بنفس وتيرة نبرة صوته التي تمكنت من تملك عقلها وقلبها، قال:
- أنا عارف إنك مستغربة إزاي واحد زيي في المستوى اللي أنا عايش فيه يحب بنت الجنايني، بس أنا عمري ما بفكر كده، الكلام ده انقرض من أيام فيلم رد قلبي، دلوقتي مفيش أي حاجة تمنع أي اتنين بيحبوا بعض إنهم يتجوزوا.
رمقته باندهاش وقالت:
- ياسين بيه... بتتكلم بجد؟
ابتسم بمكر الثعالب وقال:
- أه بتكلم بجد... حتى حسي بقلبي وهو بيدق كده.
قالها وأمسك يدها ووضعها على موضع قلبه وأردف:
- حاسة بقلبي وكل دقة فيه بتقول ياسمين.. ياسمين.. ياسمين.
حدقت في عينيه بهيام وتيه لم تصدق ما تسمعه أذناها من الفرحة والسعادة التي غمرت قلبها، لكن تنبهت لشيء فأرادت أن تطمئن قلبها وقالت:
- أومال كنت ليه بتعاملني وحش وكل ما تشوفني بتزعق فيا؟
تحركت مقلتاه يمينًا ويسارًا وقال:
- أصل بصراحة كنت كل ما بشوفك ببقى عايز أخدك في حضني أعبرلك عن حبي ليكي وكنت خايف تفهميني غلط، وفعلاً اللي كنت بحسبه طلع صح لما حاولت أعبرلك عن مشاعري ضربتيني بالقلم، ومفيش راجل يقبل على نفسه كده.
قالها ورمقها بامتعاض مصطنع.
رمقته بنظرات اعتذار وقالت:
- أنا آسفة يا ياسين بيه.
ياسين:
- مفيش ألقاب بين اتنين بيحبوا بعض... ولو مش عايزاني أزعل من القلم... عايزك تعوضيني.
نظرت إليه بعدم فهم وقالت بعفوية:
- أنا آسفة.
ابتسم بسخرية من سذاجتها وقال:
- التعويض مش اعتذار يا حبيبتي.
تراقص قلبها من الكلمة الأخيرة، اقترب من شفتيها وهمس أمامها وقال:
- التعويض اللي أنا عايزه كده.
قالها وكاد يقبلها.
- ياسمين مد...
قالتها علا التي دلفت للتو، تسمرت عندما رأتهما هكذا.
تلون وجه ياسمين من الخجل والوجل الشديد وهي تبتعد عن ياسين.
- أنتي يا زفتة مش تخبطي قبل ما تدخلي؟
صاح بها ياسين.
علا:
- مدام سميرة كانت بعتاني لياسمين عشان اتأخرت و...
قاطعها ياسين وقال:
- خلاص أنتي هتحكيلي قصة حياتك؟ روحي شوفي شغلك، وأنتي يا ياسمين لما تخلصي مع سميرة اطلعي نضفي أوضتي عشان متبهدلة.
قالها وهو يرمقها بنظرات ذات مغزى، ثم غادر.
علا وهي ترمق ياسمين بازدراء من أسفل لأعلى قالت:
- يا خسارة يا ياسمين.
قالتها وهمت بالذهاب.
ركضت ياسمين نحوها وأوقفتها وقالت:
- ثواني يا علا... أنا هفهمك كل حاجة.
_______________________
ألقت الخاتم في وجهه وقالت:
- خلي عندك كرامة وألغي الاتفاق الزفت ده مع أبويا، لأن أنا خلاص مش عايزاك ولا طايقاك.
زمجر بصوت جلي ويتطاير الغضب من عينيه كالشرر، اقترب منها ليجذبها من يدها وغادر المنزل ليهبط الدرج وهي خلفه وقال:
- تعالي معايا بقى يا روح أبوكي وقولي الكلام ده قدامه وشوفي هيرد عليكي هيقولك إيه.
- أوعى سيب إيدي... أنت فاكرني هخاف ولا إيه؟
صاحت بها شيماء.
لم يجب عليها حتى استوقفتهم تلك الصرخات الصادرة من منزل الشيخ سالم، جاءت لها فكرة أن تستغل ذلك الموقف.
قالت شيماء:
- يا لهوي دي البت خديجة... بالتأكيد أخوها اللي تتقطع إيده بيضربها.
عبد الله:
- وإحنا مالنا؟ انجري يلا قدامي.
جذبت يدها من قبضته وأخذت تضغط على جرس المنزل:
- يا خديجة... يا عم سالم.
نادت بصوت مرتفع.
بالداخل توقف طه عن ضرب شقيقته وهو يلتقط أنفاسه وقال:
- هروح أشوف مين اللي بيرن الجرس... وراجعلك تاني.
ذهب وتركها وهي تضم ركبتيها إلى صدرها وهي تشهق وتبكي بشدة.
فتح الباب لتدفعه شيماء من أمامها وهي تبحث عن صديقتها:
- خديجة.. خديجة.
دلفت إلى غرفتها.
ركضت نحوها لتحاوط ظهرها بذراعها وتربت عليها وقالت بلهفة وخوف:
- حصل إيه عشان الواطي ده يعمل فيكي كده؟
خديجة بصوت باكٍ ومتهدج:
- م.. معملتش حاجة... والله ما عملت حاجة.
قالتها وظلت تذرف عبراتها وتدفن وجهها في صدر شيماء التي عانقتها لتواسيها.
في الردهة...
- حرام عليك يا أخي أختك محترمة ومؤدبة وعمرها ما بتعمل حاجة غلط... ليه بتمد إيدك عليها؟
قالها عبد الله.
طه:
- خليك في حالك وملكش دعوة... أختي وبربيها.
عبد الله:
- عم سالم لو عرف اللي أنت عملته مش هيعدهالك، مش بعيد يطردك من الشقة.
طه:
- هي أول مرة أضربها!!! على طول بمد إيدي عليها.
عبد الله:
- لأ يا طه المرة دي زودتها أوي.
- السلام عليكم.
قالها الشيخ سالم الذي ولج الآن، فأردف:
- أزيك يا عبد الله عامل إيه يا عريس؟
نظر عبد الله إلى طه ثم أجاب بتوتر:
- الحمد لله يا عم سالم.
صاحت خديجة بغضب من الداخل:
- أنا قرفت منه ومن مد إيده عليا ويشتمني ويتهمني بحاجة محصلتش... مش هيبطل تفكيره الشمال ده.
نظر سالم إلى عبد الله وطه وقال:
- هو في إيه؟
قالها واتجه نحو غرفة ابنته ليجدها في حالة يرثى لها وصديقتها تربت على ظهرها.
- مالك يا بنتي؟
قالها الشيخ سالم.
نهضت خديجة وتوقفت عن البكاء وهي تواري وجهها وعينيها ولم تستطع أن تتفوه بكلمة.
اندفعت شيماء بحنق وقالت:
- ابنك طه يا عم سالم نزل على جسمها بالحزام ومسابهاش غير لما جيت وخبطت عليهم.
اتسعت حدقتاه بغضب وذهب متجهًا نحو ابنه وأمسكه من ثيابه بعنف وقال:
- اطلع برة يا كلب مش عايز أشوف وشك.
طه:
- مش لما تسمع الأول أنا عملت فيها كده ليه؟
سالم:
- بنتي طول عمرها في حالها وهادية... أنت اللي قليل الأدب ومش متربي.
عبد الله:
- خلاص يا عم سالم... حصل خير.
سالم بنبرة تهكم وسخرية:
- خير!!! هيجي منين الخير طول ما الشيطان ده عايش معانا.
طه:
- طيب اسمعني بقى... بنتك اللي مبتفوتش فرض وحافظة كتاب ربنا... لقيت آدم ابن عزيز البحيري نازل من الشقة عندها وإحنا بره.
خرجت خديجة وهي تصرخ:
- كداااااااااب... والله العظيم ما دخلته الشقة يا بابا... هو جه يديني الكتب دي والله ومشي من على الباب على طول.
قالتها وهي تشير إلى الكتب الموجودة فوق المنضدة.
أمسكه والده من تلابيب قميصه وهو يدفعه إلى الخارج وصاح بغضب:
- اطلع برة البيت يا كلب يا شيطان ياللي مبيجيش من وراك غير المصايب.
- أنت هتصدقها وتكدبني أنا؟
صاح بها طه.
سالم:
- حتى لو عملت غلط... أنا لسه عايش ممتش عشان تمد إيدك عليها.
قالها ودفعه خارج المنزل وخلفهم عبد الله الذي أبعد صديقه حتى لا تسوء الأمور بينه وبين والده.
أوصد سالم الباب بعنف واقترب من ابنته وقال:
- حقك عليا يا بنتي.
قالها لترتمي على صدر والدها وأخذت تبكي.
وأردف:
- منك لله يا طه... منك لله.
_____________________
بداخل الحرم الجامعي للجامعة الكندية...
تنتظر أمام المبنى الإداري، ونسمات الهواء تداعب خصلات شعرها القصير وأطراف ثوبها الرمادي القصير الذي يصل إلى ركبتيها.
جاءت نحوها فتاة بملامح متجهمة وهي تمسك بورقتين.
قالت ملك بقلق:
- إيه يا رودي عملنا إيه؟
أعطتها ورقة وقالت بصياح ومرح:
- واااااو... نجحنا يا ملوكة.
قفزت ملك بسعادة:
- الحمد لله... أنا كنت خايفة أوي لأشيل مادة زي السنة اللي فاتت وأضطر أخبي على بابي وجي جي وخصوصًا آدم.
رودي:
- طيب بالمناسبة السعيدة دي هعمل عندي بارتي بكرة وطبعًا أنتي مش محتاجة عزومة.
تغيرت ملامح ملك من الفرح إلى الحزن وقالت:
- معلش اعذريني مش هعرف أجيلك، أنتي عارفة النظام عندي.
رودي:
- أوف بقى يا ملك.. إيه دماغ باباكي الغريبة دي... أنا برضو بابي رجل أعمال وبالتأكيد ليه أعداء، بس مش ماسك عليا كده، بيسيبني أسافر براحتي وأخرج براحتي أروح عند صاحباتي.. نو بروبلم.
زفرت ملك بضيق وقالت:
- خلاص هتصرف... بس مش هتأخر يعني بالكتير ساعة زمن وهمشي على طول.
وفي جانب آخر على مقربة من الفتاتين... يقف ثلاث شباب أحدهم لا تبرح عيناه ملك.
قال أحدهم إلى ذلك الشارد:
- إيه يا روميو مالك مبحلق في البت كده ليه وعينك هتاكلها... أنت محرمتش من التهزيق اللي كانت بتديهولك؟
قال الآخر وهو يضحك:
- ولا القلم اللي لسعتهوله على وشه في آخر يوم في الامتحانات.
اشتد حنقه وقال:
- ما تلم نفسك منك ليه... ومين اللي قالكوا إني نسيت... أنا من ساعتها وبخططلها على رواقة عشان أعلمها الأدب وأعرفها مين هو رامي السيوفي.
قال الأول:
- بقولك إيه يا زميلي خد بالك دي مش بنت من إياهم... دي ملك البحيري ده عندها 4 أخوات رجالة يطحنوك غير جيش الحرس اللي عندهم، وكل كوم والواد الجتة اللي بيوصلها ويروحها ده كوم تاني.
قال الآخر:
- أنا فاكر أول يوم في الجامعة الواد هيما حب يستظرف معاها... شافه الحارس اللي معاها مسكه أكله علقة موت.
- بس يا جبان منك ليه... على آخر الزمن هخاف من حتة سيكورتي بإشارة من رجالة بابا يساووا بيه الأسفلت.
صاح بها رامي.
قال الأول:
- إحنا مش خايفين غير عليك أنت... عشان عارفين دماغك كويس مبتسبش حقك غير بمصيبة.
ما زال يرمقها بنظرات توعد وقال:
- مصيبة... وأي مصيبة كمان... دي هتبقي خبر الموسم.
نعود إلى ملك التي همت بالذهاب وقالت:
- يلا يا رودي مش جاية معايا أوصلك في طريقي؟
رودي:
- لأ يا حبي... أنا هستنى شوية بابا هيعدي عليا وهو راجع من الشركة.
ملك ببسمة تظهر غمازتيها:
- طيب يا قلبي... أنا ماشية بقى قبل ما ألاقي مصعب ينط ليا زي المرة اللي فاتت والبنات يفضلوا يبصوا عليا ويضحكوا عشان هو طويل جدا وأنا أوزعة جمبه.
ضحكت رودي وقالت:
- ههههههه بصراحة أنتي جمبه زي العصفورة وهو زي الجبل جمبك... بس هقولك على حاجة هو بيحبك أوي.
- آنسة ملك.
صاح بها مصعب الذي ولج من بوابة الجامعة.
زفرت ملك بسأم وقالت:
- مش قولتلك.. يلا باي.
قالتها وركضت مسرعة نحو ذلك المنتظر.
رفعت وجهها إليه وهي تنظر بسعادة وقالت:
- مش تقولي مبروك؟
ارتسمت البسمة على ثغره وقال:
- نجحتي؟
أومأت له ملك بسعادة وقالت:
- وبتقدير جيد جدا كمان.
خلع نظارته الشمسية المعتمة وابتسم لها بعينيه الرمادية وقال:
- ألف ألف مبروك يا آنسة ملك وعقبال التخرج.
زمت شفتيها كالطفلة وقالت:
- بس كده؟
ضحك من تعابير وجهها الطفولية وقال:
- هديتك أنا محضرهالك من أول ما كنتي بتمتحني.
ملك:
- أنا مش قصدي على الهدية.
مصعب:
- طيب الأميرة ملك نفسها في إيه وأنا هنفذه ليها على طول.
ابتسمت وتلألأت عيناها التي تشبه السماء الصافية ليخفق قلبه من تلك الصغيرة التي تسحره في عالم لا يعيش بداخله سواه، ظلت تتحدث وهو لا يسمعها فكأنه في وادٍ آخر.
- مصعب.. مصعب.
صاحت بها ملك.
انتبه لها أخيرًا وقال:
- معاكي.
رمقته ملك بنظرات ماكرة وقالت:
- طب أنا كنت بقول أي؟؟
حك ذقنه بحيرة من أمره وقال:
- بصراحة مش عارف.
أمسكت يده بعفوية وقالت:
- طيب تعالي معايا وأنا هقولك ف الطريق.
لمسة يدها ليده أحس كأنه تملك العالم بأسره... وصل كلاهما لدي السيارة.
- ممكن بقي تسيبني أسوق أنا المرة دي؟
قالتها ملك.
تصنع التفكير ف الأمر وقال مازحًا:
- وياتري هنلبس ف أي المرة دي؟؟
لكزته ف صدره وقالت:
- يوه بقي أنت هتفضل تذلني... أنا مكنتش واخدة بالي وقتها إن ف كشك ف الطريق.
ضحك وقال:
- وهو الكشك كان ف الطريق برضو!! ولا كان ع الرصيف.. وعمومًا أمري لله هجازف بعمري وهخليكي أنتي الي تسوقي.
- بعد الشر عليك.
قالتها ملك بطيبة ولم تقصد أن تشعل نار العشق التي تتأجج بداخل قلبه.
دلف كلاهما بداخل السيارة... لتشعل المحرك وانطلقت.
أمام معرض للموبيليا الحديثة... وقفت سيارة أجرة لترجل منها رحمة ووالدتها... ثم عديلة وابنها عادل الذي أنزل والدته وهي تستند ع يده.
- يا مسهل يارب.
قالتها عديلة وهي تترجل من السيارة.
عادل:
- ع مهلك يا ست الكل.
عديلة:
- يخليك ليا يا ضنايا.
قالتها ثم التفت إلي والدة رحمة وقالت:
- أي رأيكو بقي أنا جبتكو عند أحسن معرض موبيليا عنده شوية أوض أحسن من العمولة بميت مرة... أي رأيك يا عروسة؟
تصنعت رحمة الابتسامة وقالت:
- شكرًا يا طنط يسلم ذوقك.
عديلة:
- أي طنط دي!!! لاء يا حبيبتي من هنا ورايح تقوليلي يا ماما أنا هبقي زي مامتك.
والدة رحمة:
- يا حبيبتي أنتي الخير والبركة... هي بس لسه أول مرة ومتعودتش.
زمت رحمة شفتيها بامتعاض وقالت:
- كلمة ماما دي متتقالش لأي حد غير للأم بس.
وضعت عديلة يدها ف خصرها والأخرى أمسكت بأناملها ذقنها وقالت:
- هو أنا أي حد يا رحمة!!!! ده أنا هبقي حماتك أم جوزك... وبعدين عيزاكي تتعودي عليها عشان لما تقعدي معايا لما عادل هيسافر.
رحمة:
- ليه هو أنا مش هسافر معاه زي ما اتفق مع أخويا!!!
عادل:
- معلش يا رحومتي هي ماما قصدها لما هكون هنا أنا وأنتي ف مصر.
والدة رحمة:
- عندك ولا عندها يا أم عادل الاتنين واحد.
عديلة:
- أه طبعًا يا حبيبتي... دي رحمة هتبقي مرات الغالي وهشيلها جوة عنيا.
قالتها ثم مشت أمامهم لتتغير ملامح وجهها بنظرات توعد وهي تتمتم بداخل عقلها: "بتتأمري عليا يا بنت المقشفة... أما وريتك".
ولج الجميع إلي المعرض... وكان الرأي والأمر والاختيار يعود إلي عديلة التي تشير إلي أي شيء نجلها يوافق عليه وهو مغمض العينين ولا يستطيع أن يعترض... بينما رحمة تستشيط بداخلها من الغضب من سلبية عادل... وبعد مرور أكثر من ساعتين أخيرًا قد انتهوا من شراء حجرة النوم والأطفال والصالون والسفرة.
انتظرت رحمة ووالدتها خارجًا حينما تنتهي عديلة من الدفع....
- عجبك كده يا ماما عمايل الولية الي جوه دي.
قالتها رحمة بحنق وهي تجز ع أسنانها.
والدتها:
- اهدي يا بنتي ووطي صوتك... وبعدين أنتي عايزة أي الست مش هتخلينا نشتري حاجة غير هدومك وشوية الحاجات الي كنت شيلهالك من زمان... احمدي ربنا مشيلوناش زي العرايس ما بتشيل.
رحمة:
- يا ماما أنا من حقي زي أي عروسة أنقي حاجتي الي هتبقي ف شقتي... وبعدين مش شايفة ذوقها ده كفاية الصالون الي من أيام الملك فاروق... ولا النيش الي نملية ستي أشيك وأحلي منه.
كادت تضحك ع حديث ابنتها لكن سيطرت ع ضحكاتها حتي لا تثير حنقها وقالت:
- بصي يا رحمة يا بنتي هقولهالك نصيحة... الدنيا مبتديش كل حاجة للبني آدم لازم بيبقي ف حاجة ناقصة ومن ناحية تانية حاجة بتكمل الي ناقص ده.. ومتعلميش الخير فين... ومتقلقيش من حماتك أنتي مش هتعيشي معاها يعني... كلها أول أسبوعين جواز وهتطيري مع جوزك ع الكويت.
رحمة:
- ما هو ده الي مصبرني عليها.
لكزتها والدتها ف ذراعها وقالت:
- اسكتي بقي دول جايين علينا.
عديلة:
- ألف مبروك يا عروسة.
- الله يبارك فيكي يا طنط... قصدي يا ماما.
قالتها رحمة.
عديلة:
- واد يا عادل روح خد خطيبتك وشربها عصير قصب ولا ساقع وإحنا مستنيين أنا وخالتك هنا.
عادل:
- حاضر يا ماما.
قالها ثم مد يده إلي رحمة وقال:
- يلا يا حبيبتي.
لم تمد يدها له وقالت:
- أنا بعرف أعدي الطريق لوحدي.
قالتها وذهبت لتعبر الطريق وهو خلفها يستشيط غضبًا ويتوعد لها بداخل عقله: "ماشي.. صبرك عليا يا رحمة".
غادرت كارين المبنى الذي تقطن فيه متجهة نحو دراجتها النارية... ترتدي خوذة الأمان... صعدت فوق الدراجة وارتدت حقيبتها التي تلازمها عندما تذهب إلي عملها أو المعارض الفنية... وكالعادة يذهب خلفها اثنان من الحراس التابعين لقصي يستقل كلاهما سيارة سوداء...
وقبل أن تشغل المحرك قامت بإجراء مكالمة هاتفية وتتحدث من السماعة البلوتوث بداخل أذنها.
كارين:
- أيوه يا عمار عملت أي ف حوار اللوحة؟
عمار:
- والله يا كارين ما لاقيها ف أي معرض... بس يمكن ف أمل تلاقيها عند واحد متخصص ف رسم البورتريهات وممكن تلاقي عنده البورتريه ده.
كارين:
- طيب متعرفش اسم الجاليري ده والاقيه فين؟
عمار:
- أنا هدورلك عليه ع جوجل ماب وهبعتلك اللوكيشن أوك؟
كارين:
- ياريت والله يا عمار لأن خلاص المفروض فاضل ليا أسبوع وهاروح أقدم الرسالة ومعاها اللوحات ويعتبر خلصت كله ماعدا اللوحة الفقرية دي.... هاقفل بقي معاك وابعتلي بسرعة اللوكيشن وخليني أخلص بقي... سلام.
أغلقت المكالمة لتزيد سرعتها حتي لاحظت ف مرآة الدراجة التي تقع ع يمينها السيارة التي تلازمها أينما ذهبت.... زفرت بحنق وقالت:
- ماشي ابقوا وروني بقي هتمشوا ورايا إزاي.
قالتها لتزيد من السرعة أكثر وهي تتسلل من بين السيارات وازدحام السير حتي تطرقت إلي منعطف أدي بها إلي طريق لم يستطيعوا الوصول إليها.
بداخل السيارة...
الحارس بصوت أجش:
- الو.. قصي باشا... أنسة كارين خدت بالها مننا واختفت ف الإشارة.
صاح قصي بغضب قد اخترق أذن كلا الحارسين:
- عشان مشغل شوية مساطيل... اسمع يا كلب منك ليه تدوروا عليها وتخلوا بالكو منها لو غابت عنكو لحظة مش هقولكو هاعمل فيكو أي.
الحارس:
- أمرك يا باشا.
هدأت من السرعة حتي توقفت أمام متجر لبيع الحلوى والسناكس...
جاءت لها رسالة ع هاتفها... قامت بفتحها وقرأتها فابتسمت وقالت:
- حلو أوي ده قريب مني.
أوقفت دراجتها خلف سيارة في موقف انتظار أمام المتجر... خلعت الخوذة... دلفت بداخل المتجر المليء بالأرفف المعدنية التي تصطف بالتوازي... لمعت عيناها عندما وجدت مبتغاها وهو إحدى السناكس الشهيرة... أمسكت سلة المشتريات ألقت بداخلها 3 أكياس وكذلك أخذت بعض عبوات الشيكولاتة التي تعشقها... توقفت لتسترق السمع عندما لفت انتباهها صوت ليس بغريب ع مسامعها.
وفي الجهة الأخرى من الرف المعدني... يمسك بعبوات معدنية لمياه غازية ويتحدث إلي صديقه ف الهاتف....
- مين دي الي تضايق يونس البحيري... لا هي ولا ألف زيها.
زياد:
- بس متنكرش أن البت بجمالها وحلاوتها علقت ف دماغك يا صاحبي.
يونس:
- جمال مين... دي لبسها زي الواد وفاكرة نفسها أرسطو ولسانها عايز مقص بتاع الشجر... أنا تقولي غبي والله لما اشوفها هخليها تعيط عشان أسامحها.
زياد:
- ده أنت لو عرفت هي أخت مين أنت الي هتعيط عشان تسامحك.
يونس:
- واحدة باللسان ده هتلاقي أخوها إبراهيم الأبيض ولا رفاعي الدسوقي بتاع مسلسل الأسطورة.
قالها وقام بأخذ شيئًا من فوق الرف حتي ظهر له الجهة الأخرى ليري طيفها بعد أن اختبأت وهي تتوعد له بداخلها وهي تجز ع شفتها السفلى.
وقع من يده بدون قصد هاتفه فتأفف بغضب وقال:
- أستغفر الله العظيم حتي سيرتها النحس لما جت قلبت بكوارث.
- أنا نحس يا منبع الغباء أما وريتك مبقاش كارين.
قالتها لتسرع إلي المحاسب حتي تدفع ثمن ما أخذته وهي تراقب ذلك الذي يقف بعيدًا مازال يقف مكانه.
في قصر العزازي....
يجلس خلف مكتبه يزفر دخان سيجارته... يجلس أمامه كنان مساعده وصديقه والحارس الخاص له.
- كنان أنا عايز الشغل يمشي زي الألف ف خلال اليومين الي هسافرهم.
قالها قصي بحسم.
كنان:
- طبعًا يا باشا كأنك موجود... والشحنة الي هتوصل بعد بكرة هبعتلك تقرير عنها صوت وصورة.
قصي:
- كده تمام أوي... وطبعًا مش هوصيك زود الحراسة ع المخازن دي بضاعة بالملايين ولو اتسرقت منها حاجة تطير فيها رقاب.
كنان:
- متقلقش سعادتك ف الحفظ والصون... بس ممكن سؤال لو مفيهاش رذالة مني.
تنهد وأرجع ظهره إلي الخلف وهو يحرك المقعد يمينًا ويسارًا:
- قول.
كنان:
- هي السفرية دي الهني مون؟؟ ولا صفقة جديدة مع سنيور أندرو؟؟ ولا هني مون مع صفقة؟؟
ارتسمت ع محياه ابتسامة ثقة وقال:
- الاتنين مع بعض وحاجة تالتة هتعرفها بعدين.
دق الباب...
قصي بنبرة أمر:
- ادخل.
دلفت الخادمة وقالت:
- قصي بيه صبا هانم رافضة الأكل تمامًا... الفطار لاقيت الصينية زي ما هي والغدا أميرة دخلته ليها صرخت ف وشها وطردتها برة.
جز ع فكيه واحتدت عيناه بنظرة مخيفة.. ارتعبت الخادمة....
- روحي دلوقت وأنا طالع ليها.
قالها بنبرة هادئة وتحمل مكنون من الغضب.
ركضت الخادمة مسرعة إلي المطبخ... نهض من مكانه وهو يفك رابطة العنق التي شعرته بالاختناق.
كنان:
- باشا... أرجوك اهدى وبلاش عنف.
رمقه قصي بنظرة كفيلة بإسكاته وقال بصوت أجش:
- أنا عارف بعمل أي.
قالها وغادر الغرفة متجهًا نحو الدرج.
كنان:
- ربنا يستر وميتهورش عليها.
وصل أمام الغرفة ليطرق الباب....
- أنا قولت مش عايزة أشوف وش حد... أنتو مبتفهموش.
صاحت بها صبا من الداخل.
فتح الباب بهدوء لينظر إليها ويضع يده ف جيبه والأخرى يستند بها ع الباب وقال:
- مبتاكليش ليه... ولا لازم أجيلك بنفسي عشان تاكلي؟؟
رمقته بخوف ورعب وهي تجذب الغطاء لتدثر به جسدها ع الرغم من ارتدائها منامة لم يظهر منها سوي قدميها وكفيها... بدأت تنتابها قشعريرة ليرتجف جسدها ولم تتفوه بكلمة... تقدم نحوها بخطوات... حمل الصينية التي فوقها أطباق الطعام ووضعها ع المنضدة ليحملها ويضعها أمام التخت.
ثم أشار إليها نحو الطعام وقال بنبرة تهديد:
- الأكل ده لو متاكلش دلوقتي بمزاجك هتاكلي غصب عنك.
تحولت ملامحها من الخوف إلي الغضب... تمالكت قواها لتستعيد رباطة جأشها... نهضت ووقفت بتلك الرماديتين التي تلتمع بالتحدي... ابتسم بجانب فمه ليعلم أنها عادت إلي طبيعتها المتمردة.
- صبا... لو عيزاني متهورش عليكي... أو أعمل شئ هتندمي عليه... تعالي كلي عشان الطيارة زمانها ع وصول.
قالها قصي بهدوء وتهديد.
صبا:
- مليش نفس.
أشار لها بيده لتأتي إليه وقال:
- تعالي وأنا هفتح نِفسك.
رمقته بتقزز وازدراء وقالت بنبرة متهكمة:
- أنا من ساعة ما بقيت معاك ما بقتش بحس بطعم أي حاجة... بقيت عايشة مجرد حلاوة روح.
مسح وجهه بكفيه ليزفر بينهما... نهض ليتجه نحوها... لن تتحرك لكن لاحظ انقباض قبضة يدها وهي تحاول أن تخفي ما تشعر به من خوف من اقترابه لها... وجدت لا مفر من أن تبتعد رجعت إلي الخلف حتي اصطدمت في الحائط بظهرها.... حاوطها بين ذراعيه مستندًا بهما ع الحائط... حدق ف عينيها بنظرة عميقة... لتتفاجأ بانحناءه ليحملها من ركبتيها.
- بتعمل إي نزلني... مش مكفيك الي عملتو فيا عايز تعمل أي تاني.
قالتها وهي تضربه بقبضتيها ع ظهره.
أنزلها ليجلس ع طرف التخت أمام منضدة الطعام ثم جذبها وأرغمها ع الجلوس ع فخذيه... محاصرًا خصرها بذراعه والأخرى يمسك بها ملعقة أرز وقام بوضعها أمام فمها.
- أنت كل حاجة عندك غصب!!... أنت مبتفهمش أنا مش جعانة... مش عايزة أكل....
صاحت بها صبا وهي تحاول أن تتخلص من قبضة ذراعه التي تحاوط خصرها.
قال بأمر:
- افتحي بؤك.
زاد إصرارها وعنادها وقالت:
- إيه البرود اللي أنت فيه ده... أنت مبتزهقش!!!
قالتها والتقطت أنفاسها، أرادت أن تثير حنقه حتى تتمكن بأن تفلت من قبضته وتبتعد عنه... لكن فاجأها بهدوئه وهو يترك الملعقة على الصينية... وبدون أن تتوقع ما سيفعله أمسك وجهها لينهال على شفتيها بقُبلة تملك... أخذت تدفعه في صدره لكنه أمسكها من مؤخرة رأسها، أنامله تتخلل خصلات شعرها... شعر باختناقها فابتعد عنها وهو يرمقها بنظرات عشق ووله... كم تمنى أن تبادله بنفس المشاعر المكنونة بداخله إليها... كم تمنى أن يتذوق رحيق شفتيها بإرادتها وليس عنوة عنها... ظل شاردًا في عينيها وشفتيها التي أخذت تمسح كليهما بيدها وكأن شيئًا مقززًا قد لامس خاصتها... رمقته بعينيها التي تشتعل بنيران الغضب من فعلته وجدت لا مفر من التفوه بما يثير أغواره..
سبقها وقال:
- لو مسمعتيش الكلام وأكلتي هكررها تاني وتالت.
ابتسمت بسخرية وقالت وهي تحدق في عينيه بكل قوة:
- خليك تاخد كل حاجة غصب مني كده، لأنك عمرك ما هتطول مني أي حاجة برضايا... لأن اللي اتمنيت أعيش معاه كل لحظة حب، حتى اللي عملته معايا دلوقت، هو الوحيد اللي قلبي دق له ولا هيدق لغيره.
قالتها لترى تلك الظلمة القاتمة التي تسيطر على لون عينيه، فأردفت حتى أشعلت فتيل غضبه:
- هو آدم.
***
غادرت المتجر... واتسعت حدقتاها بغضب عندما شاهدت دراجتها التي تصطدم بها من الخلف تلك السيارة البيضاء بدون سقف ماركة "ميني رودستر" ذات مقاعد أمامية فقط... اقتربت من السيارة لتبحث عن أي شيء يدل على هوية مالكها حتى تنتقم منه لما فعله بدراجتها التي تطبق فيها معدن الإطار الخلفي.
ذهبت إلى السائس وقالت:
- لو سمحت عربية مين اللي هناك دي؟
قالتها وهي تشير نحو السيارة.
السائس:
- دي عربية الفنان.
زفرت بحنق وقالت:
- أنا بسألك عن اسمه مش بيشتغل إيه.
السائس:
- دي بتاعت يونس بيه، هو زبون الماركت وبيجي هنا على طول.
كارين:
- أوك.
ذهبت نحو السيارة وهي تفتح حقيبتها، وأخرجت أسطوانة معدنية وقامت بالضغط عليها ليخرج منها لون أسود، وقامت بكتابة تلك العبارة:
"إياك تسوق تاني عربيات يا غبي... مع تحيات: كارين".
انتهت لتصعد فوق دراجتها وانطلقت مسرعة في اتجاه المعرض.
خرج الآخر من المتجر حتى اتسعت عينيه بالغضب من المدوّن على سيارته، ليشتد حنقه أكثر عندما وقعت عيناه على توقيعها، ليدرك أن ما رآه بالداخل لم يكن وهمًا بل هي.
وصلت أمام المعرض لم تجد مكان تصطف فيه دراجتها فقامت بوضعها بعيدًا...
- سلام عليكم... هو ده جاليري دافنشي؟
قالتها كارين إلى عم عليش الناعس.
عليش بصوت ناعس:
- أيوة يا بنتي، معلش مشغلتش الإضاءة بتاعت اليافطة... اتفضلي... والفنان زمانه على وصول.
دلفت إلى الداخل ولم تعر للجملة الأخيرة اهتمامًا... بل ظلت تبحث عن تلك اللوحة... لكن ما لفت انتباهها تلك البورتريهات الرائعة لشخصيات شهيرة من العصور القديمة والعصور الحديثة. ظلت تسير في رواق متسع على جانبيه لوحات... تسمرت بمكانها ليرتسم الامتعاض على ملامح وجهها عندما رأت بورتريه لذلك الغبي كما لقبته هي...
- وكمان مخليهم يرسمولك صورة ويعرضوهالك في الجاليري... بس محتاجة شوية تعديل.
قالتها والتفتت يمينًا ويسارًا حتى تراقب الطريق، وأخرجت قلم ألوان ذو سن سميك، وأخذت ترسم له أذني حمار... وشارب مضحك، وكتبت على جبهته "غبي".
- نسيتي تكتبي مع تحيات كارين.
قالها يونس الذي وصل للتو بدون أن تشعر به.
***
تركها بعنف وكادت أن تسقط على الأرض، لكنها تمكنت من الاستناد على المنضدة وابتعدت مسرعة قبل أن ينهض كالوحش الثائر يركل كل ما يقابله ويقلبه رأسًا على عقب...
صدح صوت مرتفع يأتي من الخارج، وهو صوت المروحية وهي تهبط على تلك الأرض الفضاء الموجودة خلف القصر... توقف ليلتفت إليها بنظرات ارتجفت خوفًا منها.
دق الباب ليأتي صوت كنان من الخارج:
- قصي باشا... الطيارة وصلت.
- خد الشنطة واللاب والحاجات اللي في المكتب وخلي حد يوصلها عقبال ما أنزل.
قالها قصي آمرًا ونظراته الحادة المرعبة لم تفارق عينيها.
- انزلي.
قالها آمرًا إياها.
بادلته بنظرة اندهاش وقالت:
- ثواني هغير البجامة وهلبس حـ...
لم تكمل ليقاطعها بنبرة أرعبتها أكثر عندما صاح في وجهها:
- انزلي يا صبا.
- مش هنزل بالمنظر ده أنت اتجننت ولا إيه!!!
صاحت بها، وفي لمح البصر وجدته يجذبها من يدها بقبضته ويسحبها خلفه وهو يفتح باب الغرفة، وهبط الدرج وهي تصيح وتصرخ ليترك يدها، وكل ذلك أمام مرأى ومسمع العاملين بالقصر.
غادر القصر ليترك يدها ثم قام بحملها على كتفه... وهي تركل ساقيها في الهواء... توجه إلى خلف القصر وهو ما زال يحملها وتصرخ حتى وصل أمام باب الصعود للطائرة... صعد الدرج ولم يبالِ لصرخاتها حتى دلف بالداخل تحت نظرات قائد المروحية الذي تعجب مما يراه.
كان كل شيء في الداخل يصرخ بالفخامة والرقي، وكأنها قصر سيحلق في السماء وليست طائرة... ألقاها على ذلك المقعد الجلدي وانحنى بجذعه وهو يرمقها بزيتونيتيه اللتين تحول البياض الذي يحاوطهما إلى الاحمرار من الغضب... جذب حزام الأمان وقام بربطه في الجهة الأخرى وأحكمه جيدًا.
جلس على المقعد المقابل لها وبينهما تلك المنضدة التي يعلوها حاسوبه المحمول وحقيبة جلدية... بدأت الطائرة في الإقلاع... وهو يجلس بكل ثبات أمام شاشة الحاسوب يتابع أعماله... أمسك بالحقيبة وقام بفتح السحاب ليخرج منها ملفات ورقية ونظر بتمعن، وهي تزفر بحنق ولم ترد أن تتحدث لتتحاشى ردود أفعاله غير المتوقعة.
***
وبعد مرور ساعة... ما زال منهمكًا حتى انتهى ليرجع إلى الخلف وظهر مسند المقعد يرجع إلى الوراء... أغمض عينيه ويسند ساعديه على مساند المقعد الجانبية.
- ممكن أقوم؟
قالتها صبا وهي تزفر بسأم.
أجابها وعيناه مغلقتان:
- رايحة فين؟
أجابته بنبرة سخرية من سؤاله:
- رايحة أهرب تيجي معايا... هكون رايحه فين يعني!!!
تفهم مقصد توجهها فقال:
- التويليت هتلاقيه آخر الطرقة على إيدك اليمين، وبعدها هتلاقي أوضة فيها شنطة هدوم ليكي وكل حاجة أنتي عايزاها.
اتسعت عيناها متعجبة كيف علم ما تريد بدون أن تتفوه به... ألقت عليه نظرة ازدراء وهمت بالذهاب حتى وصلت أمام ذلك المرحاض الفاخر... توقفت أمام المرآة وهي تتفحص ملامحها التي انطفأت وعينيها والإرهاق الذي يحاوطها... عقصت خصلات شعرها لأعلى... أخذت تشم رائحته حتى أمسكت منامتها لترى رائحة عطره ودخان سيجارته متعلقان بها.. انكمشت ملامحها بتقزز وقامت بخلع تلك المنامة ودلفت إلى كابينة الاستحمام الزجاجية...
انتهت وخرجت من المرحاض مرتدية المعطف القطني وفوق رأسها منشفة قطنية... ذهبت إلى الغرفة ودلفت بالداخل وهي تخلع المنشفة من فوق رأسها لتتدلى خصلات شعرها المبتلة، جذبت الحقيبة ثم وضعتها بأعلى التخت وقامت بفتح السحاب... أفرغتها من الثياب لتجد جميعها ثيابًا بألوان داكنة ذات أكمام طويلة... التقطت ثوبًا أخضر قاتمًا... أوصدت الباب قبل أن تشرع في خلع المعطف حتى ترتدي ثيابها الخاصة ثم الثوب... قامت بفك حزام المعطف الذي يحاوط خصرها وكادت تخلعه ليستوقفها فتح باب بداخل الغرفة لم تلاحظه عندما دلفت... خرج منه وهو يلتف حول خصره منشفة قطنية.
شهقت بخجل لتعقد الحزام على الفور وهي تضم تلابيب المعطف وقالت بتوتر وخجل:
- مش تقول إنك هنا... وبعدين لما فيه تويليت في الأوضة خلتني أروح للتاني ليه؟؟
لم يجب عليها واكتفى بفتح سحاب حقيبته وأخرج له قطعًا من الثياب... وضع يده على المنشفة وكاد يخلعها.
- استني عندك أنت بتعمل إيه!!!
صاحت بها صبا وهي تضع يدها على عينيها.
أجابها ببرود:
- هكون بعمل إيه، بخلع البشكير عشان ألبس.
صبا:
- مش تقول قبلها؟؟
قصي:
- محدش قالك تقفي عندك لو بتتكسفي كده.
توجهت نحو الباب وقامت بفتحه وغادرت وتمتمت بحنق:
- أوووف يخربيت برودك.
***
ظلت تنتظره حتى خرج من الغرفة مرتديًا سترة أنيقة (بليزر) باللون الأزرق القاتم وأسفلها قميص باللون السكري وبالأسفل بنطال بلون القميص... تفوح منه رائحة عطره القوية... أشاحت وجهها حتى لا تلتقي عيناها بعينيه، فأسرعت بالولوج إلى الداخل وأوصدت الباب من الداخل... انتهت من ارتداء الثوب وتصفيف خصلات شعرها التي تركت لها العنان لتنسدل على كتفيها... تضايقت كثيرًا من بشرتها التي تبدو شاحبة... تذكرت أنها لاحظت مساحيق تجميل بالحقيبة، فأخذت قلم الحمرة الوردية وقلم الكحل وعبوة الماسكرا وعلبة حمرة الوجنتين... وبدأت تضيف لوجهها بعض اللمسات الخفيفة لتخفي ذلك الشحوب الذي يزعجها... ارتدت حذاءها البني اللامع بدلًا من ذلك الشحاط ذي الفراء... انتبهت لتلك الموسيقى الآتية من الخارج...
خرجت على الفور وهي تتجه نحو مصدر الصوت لتجد ذلك الجالس على الأريكة الجلدية وبيده كأس من النبيذ المعتق، وبيده الأخرى سيجارته التي لم تفارقه... ارتشف من كأسه حتى رفع عينيه ليلاحظ تلك الحمرة التي تلمع على شفتيها... ارتسمت ابتسامة على ثغره ولم تلمس عينيه... عقدت حاجبيها بضيق وقالت:
- أنت بتضحك على إيه؟؟ شايف أراجوز واقف قدامك؟؟؟
نهض ليترك الكأس والسيجارة فوق الطاولة... واقترب منها ليمسك بيدها، والأخرى وضعها على جانب خصرها وقال هامسًا بجانب أذنها:
- بالعكس، أنا شايف قدامي أجمل بنت شافتها عينيا.
قالها ليطلق تنهيدة بأنفاسه التي لامست بشرة عنقها ووجنتها... شعرت بالتوتر وأرادت أن تبتعد ليشد من قبضتيه حتى لا تفلت منه... حدقت في عينيه حتى أدركت أنه بدأ يثمل.
- ليه كل ما بقرب منك بتبعدي!!!... ليه مش عايزة تحسي بقلبي اللي بيعشق كل حاجة فيكي!!!... تعرفي نفسي تاخديني في حضنك وأفضل نايم جواه... عارفة ليه؟؟
قالها وينظر في عينيها بعشق لا يدرك مشاعره التي يتفوه بها، فأردف:
- عشان بحبك.
قالها وهو يُقبل جبهتها... فأردف:
- وبعشقك.
ثم طبع قُبلة على وجنتها... فأردف:
- وبموت فيكي.
قالها وكادت تبتعد خشية أن يلتقم شفتيها، ففاجأها بعناق قوي وقال:
- إشمعنا هو يا صبا؟؟... يفرق إيه عني؟؟... ها؟ جاوبيني.
قالها ليبتعد برأسه ويقترب بشفتيه من وجنتها وقال:
- ساكتة ليه؟؟ ها؟؟
قالها بنبرة مليئة بالحب والشجن والهيام النابع من كل حرف يتفوه به.
نظرت إلى عينيه لتتجمع عبراتها وتطبق شفتيها حتى تمنع عبراتها من الانسدال... وضع يده على وجنتها ويتلمسها بحب وشغف وقال:
- ساكتة ليه؟؟... ريحي قلبي اللي بيموت كل يوم وهو شايف صورته جوه عينيكي... أنا... أنا بعشقك أوي يا صبا.
قالها ليحاوط وجهها بكفيه وانهال على شفتيها ليروي ذلك الظمأ وجفاف قلبه الذي يتمنى أن تهطل أمطار حبها فوقه وتبعث بداخله الحياة من جديد بدلًا من السواد المسيطر بالانتقام.
دفعته بقوة في صدره...
- عشان بحبه ومش قادرة أنساه.
صاحت بها صبا وهي ترمقه بغضب، لم تدرك بجملتها تلك أنها أيقظت بداخله شياطين الشر التي تملكت منه للتو وقد يحدث ما لا يحمد عقباه.
تحولت نظرات العشق خاصته إلى نظرات تتخللها ابتسامة تلتمع من بينها أسنانه... ابتعدت بخوف واتجهت وهي تركض نحو الرواق... وهو يخلع سترته وألقاها أرضًا يسرع خلفها بخطواته التي تسبق دقات عقرب الثواني... دلفت إلى الحجرة وتتعالى دقات قلبها من الخوف وترتعد أوصالها من الرعب... كادت توصد الباب لتسبقها قدمه التي وضعها حاجزًا تمنع إغلاق الباب الذي دفعه بقوة لترتمي على الأرض.
- بتحبيه؟؟؟ ومش قادرة تنسيه؟؟؟... أنا هخليكي تنسيه يا صبا... هخليكي تنسيه خااااااااااالص.
صاح بها قصي وهو يجذبها من خصلات شعرها وهي تصرخ.
- آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه فوق يا قصي أنت سكران.
صرخت بها صبا وهي تحاول أن تفلت منه وتحرر شعرها من قبضته.
- أنا فايق... وفايق أوي كمان لكل كلمة قولتيها...
- بس عايزك تفتكري كويس أنا ياما حذرتك...
صاح بها قصي.
- أرجوك بلاش يا قصي... أنا آسفة... مش هجيب سيرته تاني خالص...
قالتها بنبرة توسل وهي تبكي.
جذبها أكثر لأعلى ليلقي بها على ذلك التخت الذي تتسلط عليه أضواء من السقف، التقط ذلك المعطف الذي كانت ترتديه وقام بسحب الحبل الذي يتوسطه، اعتلاها وأمسك بيديها وقام بضمهما معًا خلف ظهرها.
- أنا آسفة يا قصي... حقك عليا... مش هجيب سيرته تاني.
تلك الكلمات التي ظلت تكررها وتصرخ بها وهو لم يبالِ لها، تغيب عقله تحت تأثير الخمر، انتهى من تقييد يديها، وأمسك رأسها من الخلف ليقربها من وجهه وهو يحدق في عينيها وقال:
- عايزك قبل ما تنطقي اسمه تفتكري اللحظة دي كويس.
ألقاها ليمد يديه إلى تلابيب ثوبها وقام بنزعه وتمزيقه...
رواية صراع الذئاب الفصل السادس 6 - بقلم ولاء رفعت علي
يقف أسفل المياه المنهمرة على جسده وخصلات شعره تغطي جبهته... يستند على الحائط الزجاجي بكفيه وينظر لأسفل بألم دفين... لم يستوعب ما قد اقترفه منذ قليل... لم يكن يريد أن يفعل هذا عنوة عنها على الرغم إنها زوجته... كان يتحدث بداخل عقله وكأنه شخصان وليس شخصًا واحدًا:
- ليه عملت فيها كده وأنت بتعشقها ومبتستحملش عليها حاجة!!! ده أنت من كتر حبك فيها واشم اسمها على صدرك.
- هي اللي اضطرتني أعمل فيها كده... كل ما تجيب سيرته بتصحي الألم اللي جوايا وبتزيد نار الانتقام وببقى عايز أخلص منه ومن عيلته وخاصة عزيز باشا.
- طيب هي ذنبها إيه في اللي حصلك زمان... منين بتحبها ومنين بتعاملها بقسوة فين الرحمة اللي في قلبك ليها... مش كفاية اتجوزتها غصب؟
- الرحمة مش في قاموسي... وهي ملكي سواء برضاها أو غصب عنها.
- يبقى تفرق إيه عن اللي ظلموك وظلموا والدتك؟
- كفااااااايه بقى...
صاح بها بصوت مسموع وهو يحاوط جذعه بذراعيه كأنه يعانق ذاته... وتمر أمام عينيه ذكريات من الماضي...
**فلاش باك**
يمسك ذلك الطفل ذو التسع سنوات يد والدته التي تبكي ويقترب منها وينظر إلي عينيها التي تذرف عبراتها بغزارة وقال بصوته الطفولي:
- ماما ليه بتعيطي؟
رفعت وجهها وهي تكفكف عبراتها وتربت على وجنته وقالت:
- مفيش يا حبيبي عينيا كانت وجعاني.
قطب الطفل حاجبيه بضيق وقال:
- لأ إنتي بتعيطي عشان جدو زعقلك وضربك وطردنا من البيت... إحنا كده هنروح فين؟
قامت بمعانقته وتقبيل رأسه وتقول بصوت متألم باكي:
- ملناش غير ربنا يا قصي.
**باك**
فتح عينيه وهو يشهق ويزفر بقوة... قام بإغلاق الصنبور ثم غادر الكابينة والتقط منشفة قطنية كبيرة وأخذ يجفف قطرات المياه من على جسده وقام بلفها حول خصره... خرج إلي الغرفة ليجد "صبا" تتدثر بالغطاء الحريري تضم ركبتيها إلي صدرها وتتعالى شهقات بكائها... انتبهت له وهو يرمقها بدون أي تعبير يظهر على وجهه... لاحظ خط الدماء الرفيع المتجلط من جانب شفتيها المنتفخة والمليئة بالجروح... ووجنتيها عليها آثار أنامله.
صرخت به صبا:
- أنا بكرهك... أنا بكرهك... بكررررررهك.
ما زال يحدق بها بنظرات باردة خالية من أي مشاعر... انحنى بجذعه ليلتقط ثيابه المبعثرة في الأرض... وقال بدون أن ينظر لها:
- ألف مبروك يا عروسة.
صرخت بجنون لتعيد تلك الكلمات على مسمعه:
- أنا بكرهك يا قصي... بكرهك... بكررررررررررهك.
قالتها وأخذت تبكي. كان من الخارج مثل جبل الجليد لكن قلبه كان يتألم بشدة... شرع في ارتداء ثيابه وعيناه مسلطة عليها وهي تدفن رأسها بين ساعديها لا تريد رؤيته.
أغلق أزرار قميصه وأخذ سترته وقام بارتدائها... تقدم نحو الكومود ليجدها تبتعد وهي تتشبث بالغطاء... التقط ساعة يده ليرتديها حول معصمه وقال بنبرة جدية ولم يعر لحالتها وهيئتها المزرية أي اهتمام:
- قومي خدي شاور وجهزي نفسك كلها ربع ساعة وهنوصل ميلانو.
غادر الغرفة متجهًا نحو غرفة القيادة.
ظلت هي تنظر من حولها تحفر في ذاكرتها كل ركن في تلك الغرفة التي كانت تطلق عليها بداخل عقلها "غرفة الإعدام".
نهضت وهي تتمسك بالغطاء ودخلت المرحاض... ثم كابينة الاستحمام الزجاجية وهي تلقي بالغطاء وقامت بفتح المياه لتهطل على جسدها التي أخذت تفركه بيديها وكأنها تريد أن تمحو آثار لمساته عليها... معصماها حولهما علامات تقييدها بالحبل... عنقها وجيدها يمتلئ بعلامات وردية وزرقاء ومائلة للاخضرار... آثار قبضته على عضديها... تذرف عينيها عبراتها لتختلط بالماء المنهمر على أهدابها وجفونها المنتفخة... تهبط بجسدها لأسفل وظهرها يحتك بالجدار المعدني غير قادرة على الوقوف... جلست على الأرض وهي ترجع خصلات شعرها إلي الوراء بيديها.
________________________
- نسيتي تكتبي مع تحيات كارين.
قالها يونس الذي وصل للتو بدون أن تشعر به.
أطلقت شهقة ذعر لتلتفت إليه وقالت:
- أ.. أنت إيه اللي جابك ورايا؟
أجابها بسخرية:
- وأنا هاجي وراكي ليه إن شاء الله؟
قالت كارين:
- عشان تاخد حقك مني على اللي عملته في عربيتك... بس إنت اللي ابتديت خبطلي الموتوسيكل بتاعي.
أطلق قهقهة ساخرًا ثم قال:
- هو البتاع الخردة اللي كان مركون قدام عربيتي ده بتاعك!
أجابته بحنق وهي تشير له بتحذير:
- بطل ضحك وتريقة... أنا في إمكانياتي أجيب أحدث موديل بس ده عزيز عليا أوي.
تنهد وعقد ساعديه أمام صدره وقال:
- اعتذري.
غرت فاها وقالت:
- نعم؟
قال يونس بنبرة أمر:
- اعتذري على اللي عملتيه في العربية وعن اللي عملتيه في صورتي دلوقت.
جزت على شفتها السفلي بحنق وقالت:
- أنا مبعتذرش... وبعدين عربيتك قصاد الموتوسيكل اللي خبطته.
يونس:
- وبالنسبة للبورتريه؟
ظلت تنظر إليه وهي تفكر وقالت:
- هرسملك صورة غيرها بس بعد كام يوم عشان مشغولة شوية... خلاص ارتحت؟
- تؤ تؤ... هترسمي دلوقتي عشان عندي عرض بعد بكرة.
كارين:
- دلوقتي إيه؟ إنت بتهزر! أنا مش فاضية عندي تحضير رسالة الماجستير والمفروض أقدمها بعد أسبوع... ووسع كده من قدامي إنت نسيتني أنا جاية ليه هنا.
قالتها وكادت تذهب فأمسك بحقيبتها وقال:
- مش هتمشي غير لما تعتذري يا ترسمي اللوحة.
قالت بغضب وصياح:
- أنا قولتلك هرسمهالك.. في إيه تاني؟
يونس وهو يشير إلي باب المعرض الذي وجدته مغلقًا:
- هترسميها دلوقت يا إما مش هتخرجي من الباب ده.
زفرت بحنق وقالت:
- إنت غبي ليه! أنا بقولك مشغولة واللي جابني المعرض هنا بدور على لوحة للفنان كارفاجيو.
ارتسمت بسمة ماكرة على محياه وقال بنبرة استفزازية:
- مش هطلعهالك غير لما تنفذي اللي قولتلك عليه.
قالتها بسخرية:
- وبصفتك إيه إن شاء الله؟
اقترب منها وقال:
- بصفتي إن أنا صاحب الجاليري اللي إنتي دخلتيه برجليكي.
ابتعدت بضع خطوات إلي الخلف وقالت:
- طيب عن إذنك يا صاحب الجاليري عايزة استعير منك لوحة كارفاجيو وهرجعهالك تاني.
يونس:
- طيب اسمعيني إنتي بقى... صورتي وهترسميها ومش هتتحركي من هنا غير لما تخلصيها.
صاحت به وقالت:
- إنت بتهزر! عشان أرسملك البورتريه ده على الأقل يومين أو تلاتة... وأنا مش فاضية عندي زفت بحضرها عشان أقدمها الأسبوع الجاي... فهمت ولا هشرح تاني!
ابتسم لها باستفزاز وقال بسخرية:
- معلش بقى ربنا وقعك مع واحد غبي ومش بيفهم ولا هيخليكي تطلعي برة الجاليري غير لما تكوني رسماني بورتريه أو تعتذري.
أطلقت زمجرة بحنق وقالت:
- وأنا مش راسمة حاجة ولا عايزة استعير اللوحة وخليها اشبع بيها ولا هعتذر... وعندك الحيطان حواليك كتير اخبط راسك في اللي تعجبك... Con sicurezza... مع السلامة.
قالتها وهي ترمقه بنظرات نارية وهمت بالمغادرة... وهو يقف يبتسم بثقة... ذهبت نحو الباب ووضعت يدها على المقبض لتديره فلم يُفتح... فعلتها مرة أخرى حتي تأكدت أن الباب موصد بالمفتاح... خلعت حقيبتها من فوق كتفيها وألقتها جانبًا وهي تتمتم بكلمات غير مسموعة وتشمر أكمام قميصها عن ساعديها... تقدمت نحوه وقالت بالهدوء الذي يسبق العاصفة:
- هات المفتاح عشان أمشي.
تركها وذهب باتجاه إحدى المقاعد الجلدية وجلس بأريحية وقال:
- الباب ده مش هيتفتح غير تاني يوم على الضهر كده.
صاحت به كارين:
- إنت بتستهبل!
ابتسم ليثير غضبها أكثر وقال:
- والله زي ما بقولك كده بالظبط... أنا كل يوم باجي الجاليري زي دلوقت وبفضل سهران لغاية الصبح عقبال ما عم عليش السكيورتي يجي يفتحلي الباب لأنه بيقفل عليا الباب من برة.
رفعت أحد حاجبيها بعدم تصديق فأردف بتهكم وسخرية:
- متستغربيش... أصل أنا غبي.
ظلت صامتة وهي تأخذ شهيقًا وتطلق زفيرًا في محاولة تهدئة روعها... وبدون سابق إنذار صاحت وهي تركض نحوه وتقفز عليه لينقلب المقعد بهما إلي الخلف.
_____________________
خرجت من الغرفة ثم إلي الخارج... تسمرت مكانها عندما وجدته يجلس على المقعد ينتظرها يضع ساقًا فوق الأخرى ويزفر دخان سيجارته ويرمقها بنظرات ثاقبة... التفتت لتذهب إلي الغرفة فهي لا تتحمل رؤيته.
قال قصي:
- رايحة فين؟
توقفت لكن بدون أن تنظر له:
- رايحة الأوضة ولما نوصل ابقى بلغني.
قالتها ولم تنتظر ردًا منه، وبمجرد أن دخلت الغرفة وجدته خلفها.... شهقت بذعر وهي تبتعد وقالت بصوت متهدج:
- عايز مني إيه تاني؟
فتح حقيبتها وتناول منها وشاحًا... وضع السيجارة بين شفتيه.. قام بطيه واقترب منها ووضعه حول عنقها بشكل أنيق.
أخذ السيجارة من فمه وقال:
- أنا عارف إنك مبتحبيش حاجة حوالين رقبتك... بس استحملي لحد ما نروح البيت.
أدركت أنه يريد إخفاء تلك العلامات... اندهشت عندما رأته يمسك بقلم حمرة ثم أمسك طرف ذقنها بأنامله ليشعر بجسدها يرتجف من الخوف... أخذ يكسو شفتيها بالحمرة ليخفي تلك الجروح... ثم ألقي به على التخت واتجه نحو الباب.
أوقفته هي تقول:
- عمال تداري اللي عملته في جسمي... طيب الجرح اللي جوايا وعمال بينزف هتقدر تخبيه هو كمان!
لم يجب عليها سوى بداخل عقله فقط وقال:
- كنت قدرت أداوي جروحي الأول.
مرت دقائق حتى هبطت المروحية على أرض مطار "ليناتيه" بميلان... ارتدى نظارته الشمسية ونزل بكل زهو وشموخ... وهي تتبعه وتنظر برماديتيها إلي الأجواء المحيطة بها.. تداعب نسمات الهواء خصلات شعرها البني ويتطاير طرف ثوبها المخملي الأسود الذي يصل إلي كاحليها.
استقبلهم رجل ذو شعر أبيض وبشرة خمرية ممزوجة بالحمرة... وتحدث إلي قصي بالإيطالية وهو يفتح له باب السيارة الفاخرة:
- Benvenuto signore a Milano (مرحبًا بك سيدي في ميلانو).
رد قصي قائلًا:
- Grazie (شكرًا).
قالها ثم دخل إلي المقعد الخلفي... وذهب الرجل مسرعًا إلي الجهة الأخرى وفتح الباب لـ "صبا" وقال:
- Vai avanti, signora (تفضلي سيدتي).
رمقته باقتضاب ولم تجب عليه ودخلت إلي السيارة لكن تتحاشى الجلوس بجواره... لتلتصق بالنافذة المجاورة لها.
أخرج هاتفه وهو ينظر إلي الشاشة... وأجرى مكالمة هاتفية... وقال:
- Tutto pronto? (كل شيء جاهز؟)
- ............
- Bene ... lasciamo tutti a parte la signora Matilda (حسنًا... اجعل الكل يغادر ما عدا السيدة ماتيلدا).
أغلق المكالمة على الفور وهو ينظر من النافذة المعتمة ليشرد في تلك المباني الأثرية التي شُيدت منذ قرون حيث تأسست تلك المدينة على يد إحدى شعوب السلت في عام 400 قبل الميلاد... وصلت السيارة إلي ميناء يقع على نهر البو ويقع شمال إيطاليا... ترجل السائق من السيارة ليفتح الباب لـ "صبا" ثم لقصي... ليترجل كل منهما.
وقال الرجل مبتسمًا:
- Lo yacht ti sta aspettando signore (اليخت في انتظارك سيدي).
وصلا إلي اليخت... مد يده إليها وقال:
- اطلعي.
رمقته بازدراء لتصعد بمفردها ورفضت مساعدته لها... صعد خلفها وهو يزفر بنفاد صبر.... صعدت إلي السطح وجلست على المقعد وهي تراقب مياه النهر الجارية والطيور التي تحلق في السماء... ظلت شاردة في تلك الطبيعة الساحرة حتى تحرك اليخت وهو كان القائد.
توقف أخيرًا أمام جزيرة صغيرة ليرسو في ميناء خاص بذلك اليخت.
قال قصي:
- يلا وصلنا.
هبطت الدرج لتغادر اليخت لكن كان الميناء أقل ارتفاعًا واليخت يعلوه ولابد من أن تقفز... لكنها توقفت وخشيت أن تقفز وتسقط في الماء وما زاد خوفها تأرجح اليخت... شهقت بذعر عندما وجدته يحملها على كتفه وقفز بها على الميناء ثم أنزلها.
زفرت بحنق وقالت:
- أنا مطلبتش منك مساعدة وكنت هعرف أنزل لوحدي.
خلع سترته وقام بطيها وأثناها على ساعده واليد الأخرى في جيبه ومشى في ممر طويل تقع في نهايته بوابة حديدية كبيرة... ذهبت خلفه وهي تكاد تموت غيظًا من ذلك البارد... توقفا أمام البوابة التي فتحها الحارس القابع في غرفة صغيرة بمحاذاة البوابة.
كان منظرًا مهيبًا... حدائق من أشجار ونخيل مرتفع للغاية... ممر طويل في نهايته منزل مبني من الحجر ومكون من طابقين.
توقف قصي ونظر إلى يمينه ليطلق صفيرًا مدويًا، ويعقبه صوت قرع أقدام خيل قادمة نحوه...
حتى ظهر من بين الأشجار ذلك الحصان الأسود، واقترب منه وهو يمسد على جانب وجهه، وقال وهو يمد يده إليها:
- هاتي إيدك عشان تركبي.
رمقته باندهاش وقالت:
- أنت عارف مبحبش أركب الحصان وبخاف منه.
بادلها بابتسامة هادئة أرعبتها؛ لأنها تعلم أن كلما ابتسم ذلك يفعل شيئًا غير متوقع... تنفست الصعداء عندما رأته يمتطي الخيل ويشد اللجام ليركض الحصان اتجاه المنزل... لكن تبدلت علامات الراحة على وجهها إلى الرعب عندما وجدته يلتف ويتجه نحوها، وفي لحظة جذبها بذراعيه لتجلس أمامه وساقيها متدلية على جانب الحصان... شعر بخوفها وارتجافة جسدها.
قالت صبا بصوت متهدج:
- نزلني يا قصي أنا خايفة.
أصدر الخيل صوت صهيل ورفع قدميه الأماميتين... صرخت وهي تلتف إلى قصي محاوطة جذعه بذراعيها وهي تتشبث به... وعلى الرغم من ثبات انفعاله ومظهره الهادئ، لكن صوت دقات قلبه اخترق مسامعها التي تتوسده برأسها.
قال لها:
- اهدي عشان الحصان لو حس إنك خايفة هيوقعنا أنا وأنتي.
قالها وابتسم بمكر ليزداد خوفها وتتمسك به بقوة.
قام بشد اللجام حتى انطلق الحصان نحو المنزل وتوقف أمام الباب... نزل من فوق الحصان... وقام بإنزالها وهو يمسك خصرها بيديه... ثم انطلق الحصان في وسط الأشجار.
فتحت الباب لهما سيدة في الأربعينات... واستقبلتهما بابتسامة ترحيب وقالت:
- حمد الله على السلامة سنيور قصي... أهلاً وسهلاً صبا هانم.
رمقتها صبا بتعجب، فأردفت السيدة وقالت:
- متستغربيش ماما من مصر وعلمتني أتكلم مصري... أنا اسمي ماتيلدا.
ابتسمت لها صبا وقالت:
- أهلاً بيكي.
قال قصي إلى صبا بأمر:
- اطلعي ارتاحي شوية عشان بعد ساعة هنتغدى وهيجيلنا ضيوف.
رمقته بامتعاض... فقالت ماتيلدا:
- تعالي معايا يا صبا هانم.
مر يومان...
توقفت سيارة نقل أمام منزل الشيخ سالم تحمل أثاثًا ومفروشات، ويجلس بجوارهم شابان...
قالت تلك الفتاة التي ترتدي حجابًا يصل إلى منتصف رأسها... يحدد وجهها المستدير التي تملؤه مساحيق التجميل... ترتدي عباءة تحدد منحنيات جسدها... ترجلت من السيارة وهي تمسك بيد خالتها ذات الجسد البدين، وقالت:
- بس هنا يا أسطى.
ثم تابعت:
- يلا انزلي يا خالتي.
الخالة:
- آه يا ركبي ياني، مش كنت وطيت سلم العربية يا أسطى.
أجاب السائق بسخرية:
- معلش يا حاجة المرة الجاية هعملهولك سلم كهربا.
الفتاة:
- يلا يا كابتن منك ليه نزلوا الحاجة.
أنزل الشابان تلك قطع الأثاث القديمة وكل ما يوجد بصندوق السيارة...
قال أحدهم:
- نزلنا العفش كله يا آنسة سماح... تؤمري بحاجة تانية.
وضعت يديها في خصرها وقالت:
- نعم يا أخويا منك ليه!!! بقولكو أي أنتو لاهفين مني 200 جنية عشان تنزلولي العفش، يلا يا جميل منك ليه طلعوه الدور التاني قدام الشقة الي على ايديكو الشمال عقبال ما أروح أجيب المفتاح.
بينما بالأعلى في الطابق الأخير... يوصد عبدالله باب الشقة ويتحدث في هاتفه:
- يا عم أنجز زمان العيال بتوع الفراشة على وصول ولازم أتمم على كل حاجة وبعدين جايلك على المحل... بقولك أي النهاردة فرحي عايزك تظبطني.
توقف على الدرج عندما رأى تلك التي تصعد بطريقة مغناج وتتشدق بالعلكة.
أردف لينهي المكالمة:
- طيب اقفل يا سمعة أنت دلوقت... سلام يا صاحبي.
نظرت إليه سماح وقالت بدلال:
- لو سمحت يا اسمك أي... مش دي شقة الشيخ سالم؟
هبط الدرج ليقف أمامها وقال:
- أيوه يا...
أجابت:
- سماح... اسمي سماح.
مرر لسانه على شفتيه وقال وهو يتفحصها بنظراته:
- أهلاً وسهلاً بيكي... أي خدمة تاني؟؟
ضحكت بميوعة وقالت:
- شكرًا يا...
- محسوبك عبدالله وبينادوني يا عبده.
سماح:
- متشكرين يا عبده.
عبدالله:
- عن أذنك.
قالها ثم هبط الدرج ويتبادل كليهما النظرات.
في الأسفل... يقوم مجموعة من الرجال بغرز أعمدة خشبية في الأرض وصنع منصة خشبية تحضيرًا لحفل الزفاف الذي سيقام الليلة.
ترجل طه من "التوكتوك" يحمل غلافًا بداخله بدلة... رأى عبدالله فقام بمناداته:
- يا عبده... أنت يا ابني.
التفت له عبدالله وذهب نحوه وقال:
- أي جبت البدلة؟
طه:
- أها يا عم اتفضل... بس أيدك على 150 جنيه.
عبدالله:
- خلاص بقى يا طه متبقاش معفن.
طه:
- لا يا عم الدنيا مأشفره معايا والراجل اللي كنت بشتغل عنده قفل المحل وباعه.
عبدالله:
- طيب اصبر عليا لما ألم النقطة... لأن آخر 100 جنيه في جيبي هدفعها للواد سمعة الحلاق... وبعدين بتسألني على 150 جنيه يا واطي وأنا اللي خليت أبوك يسامحك ويرجعك البيت بعد ما اتحايلتلك عليه.
أجابه بسخرية:
- يعني رجعتني الجنة يا أخويا... وعمومًا ماشي اعتبر دي نقطتي ليك... أسيبك أنا بقى وألحق أطلع أحضر الطقم اللي هلبسه بالليل وهحصلك على الكوافير.
عبدالله:
- ماشي يا صاحبي... هستناك.
دخل طه الفناء ليجد هؤلاء الشباب يحملون بعض الأشياء ويصعدوا بها إلى أعلى...
قال طه:
- أنتو طالعين فين بالحاجة دي؟
أجاب عليه الشاب:
- ده عفش ست صباح وبنت أختها.
تركهم وصعد مسرعًا ليفتح الباب بمفتاحه ودخل مناديًا:
- يا بابا.
خرجت خديجة من غرفتها تحمل ثيابًا مطوية ومتراصة فوق بعضها وقالت:
- بابا لسه مجاش من الجامع.
جلس على الأريكة وهو يخلع حذاءه وقال:
- هو سكن حد جديد؟
أجابته باقتضاب:
- أه.
طه:
- ومالك بتتكلمي من تحت ضرسك كده؟
رمقته خديجة من أسفل لأعلى بامتعاض وزفرت بضيق وقالت:
- مفيش.
ثم دخلت غرفة والدها لتفتح الخزانة وتضع بداخلها الثياب.
وقف طه على باب الغرفة وقال:
- أنتي لسه زعلانه؟
رفعت إحدى حاجبيها وقالت:
- وأنت عملت حاجة تزعل!!! أنا بكلمك بس عشان خاطر بابا... بس أنسى قلبي هيصفالك على الكلام اللي أهنتني بيه وأنت عارف أنا مين كويس وعارف أخلاقي.
اقترب منها وقام بتقبيل رأسها وقال:
- حقك عليا متزعليش مني... أنا كنت متضايق ساعتها وموضوع قراية فاتحة رحمة حرق دمي ولما شوفت آدم نازل من عندنا الشيطان قعد يلعب في دماغي وخلاني مشوفش قدامي.
تنهدت بسأم وقالت:
- بُعدك عن ربنا يا طه هو اللي مخليك لعبة في أيد الشيطان... وبالنسبة لرحمة يا ريت تتمنالها الخير هي صبرت معاك كتير لحد ما تاخد خطوة جد وأنت للأسف خذلتها... شيء طبيعي تتخطب وتتجوز.
طه:
- ادعيلي يا خديجة ربنا يهديني.
خديجة:
- ربنا يهديك يا طه ويصلح حالك ويبعد عنك شيطان الإنس والجن.
في قصر البحيري...
تتجمع عائلة عزيز حول المائدة لتناول وجبة الغداء...
قالت جيهان:
- مالك يا ملوكة... مبتاكليش ليه؟؟
قال ياسين بسخرية:
- سيبك منها يا جيجي دي دماغها تافهة كل ده عشان بابا رفض تروح البارتي بتاعة صاحبتها.
جزت على أسنانها وقالت:
- خليك في حالك يا ياسين.
رمقها ياسين رافعًا إحدى حاجبيه وقال:
- ولو مخلتنيش في حالي هتعملي إي؟؟
عزيز:
- والله عال لما قدامي وبتعملوا كده أومال من ورايا بتعملوا أي.
ابتسمت إنجي بخبث وقالت بسخرية:
- أبدًا يا أونكل... دول ملايكة.
رمقها كل من ياسين وملك بنظرات حادة.. فقال ياسين:
- يا ريت كل واحد يخليه في نفسه.
يوسف:
- ياسين احترم نفسك.
ياسين:
- ما تقولها تحط لسانها في بؤها وتسكت ولا هي ما بتصدق تولع الدنيا.
يوسف:
- تصدق إنك قليل الأدب.
جيهان بنبرة غاضبة:
- خلاص منك ليه... ولا لازم كل يوم خناقة على الأكل.. ولا محترمين وجود باباكو ولا وجودي.
جاء آدم للتو وقال:
- سلام عليكم.
رد الجميع عليه السلام...
عزيز:
- اتأخرت ليه؟؟
آدم وهو يجذب المقعد الشاغر ليجلس:
- شوية مشاكل في الشركة وكنت بحلها.
عزيز:
- بخصوص؟؟
تنهد آدم وقال:
- عابد الرفاعي نزل أسعار الحديد عن السعر اللي بنبيع بيه.
عزيز:
- ده عايز يضاربنا في السوق بقى.
ابتسم بتهكم وقال:
- قصدك بيعلن الحرب اللي بدأها معانا من فترة.
جيهان:
- أظن ده وقت الأكل.. مش وقت كلام في البيزنس.
نهض يوسف وقال:
- عن أذنكو همشي بقى عشان ورايا عملية بعد ساعة.
نهضت إنجي أيضًا وقالت:
- وأنا رايحة أصحي لوجي عشان هاخدها ورايحين النادي.
يوسف:
- مفيش نادي يا إنجي... البنت تعبانة من إمبارح ولو خرجت هتتعب أكتر.
قالت إنجي:
- خلاص هسيبها مع عمتو وهروح أنا.
يوسف:
- أنتي معندكيش إحساس خالص... بنتك تعبانة وعايزة تروحي تتفسحي.
زفرت بحنق وقالت:
- أنت بتكلمني كده ليه!!! البنت بقالها أيام تعبانة وأنا محبوسة في القصر من وقتها ومبخرجش.
يوسف:
- ما هو أنتي السبب في تعبها... خدتيها النادي المرة اللي فاتت وعارفة أنها عندها حساسية على صدرها وقعدتيها مع صحباتك اللي بيشيشوا.
جيهان:
- خلاص يا يوسف أنا هقعد مع لوجي.
يوسف:
- لا يا ماما معلش.. إنجي مش هتخرج من باب القصر وهتقعد زي أم مع بنتها العيانة تراعيها وكفاية دلع بقى... بقت عيشة تقرف.
قالها متأففًا وغادر.
ضحك كل من ياسين وملك على وجه إنجي الذي كاد ينفجر من الغضب...
ياسين:
- يا لهوي على الكسفة.
نظرت إنجي لهم جميعًا ثم قالت:
- شكرًا يا عمتو شيفاه بيزعقلي وساكتين... أنا عامة هخرج وهروح النادي... ويعمل اللي يعمله بقى... عن أذنكو.
قالتها لتتجه إلى الدرج.
زفرت جيهان بين كفيها وقالت:
- أنت ساكت ليه يا عزيز؟؟
عزيز وهو يمسح فمه بالمنشفة:
- عيزاني أقول أي... اتدخلت قبل كده وقولت كلمة الحق... جه أخوكي مهدي وقلب الدنيا هو ومراته وحسسوني إننا بنعذب في بنتهم.
ثم نهض وأردف:
- لما تخلص أكل يا آدم تعالالي على المكتب.
أومأ له آدم وقال:
- حاضر يا بابا.
ملك:
- مامي خليكي بعيد أحسن... يوسف فاهم دماغها وعارف بيتعامل معاها إزاي.
آدم:
- أومال يونس فين؟؟
ياسين:
- بقاله يومين في الجاليري... عشان عنده عرض النهاردة.
آدم:
- وأنتي يا ملك... الطبق بتاعك متاكلش منه معلقة... مالك؟
نهضت ملك وقالت:
- مفيش غير أن أنا الوحيدة اللي مظلومة في البيت ده... كلكو بتخرجوا وتروحوا أي حتة وأنا ممنوع الخروج ولو خرجت يبقي معايا مصعب... خيال الظل بتاعي.
انفجر ياسين من الضحك وقال:
- هههههههههههه خيال ظلك إزاي!!! وأنتي أوزعة وأنا يالي أطول منك لما باجي أكلمه برفع راسي لفوق.
زمجرت بحنق وقالت:
- أنا عمري ما شوفت في تقل دمك... أنا هروح أوضتي أحسن.
قالتها وكادت تذهب لترى ياسمين التي تحمل دورق المياه المثلج الزجاجي لكي تضعه أمام آدم، وقبل أن تذهب نحوه كانت تسير خلف ياسين... اصطدمت بها ملك عن قصد فتعثرت ياسمين لينسكب منها الماء على ظهر ياسين الذي صاح بفزع وهو ينهض.
صاح بها ياسين:
- مش تاخدي بالك يا حمارة؟؟؟
قالت ياسمين وهي على وشك البكاء:
- أ.. أنا أسفة يا ياسين بيه والله ما كنت أقصد.
آدم:
- خلاص يا ياسين مكنتش تقصد... أختك اتخبطت فيها وهي كانت هتوقع.
قام بفك أزرار قميصه المبتل وقام بخلعه ليصبح جذعه عاريًا.
جيهان:
- روح على أوضتك والبس حاجة لتبرد.
ياسين وهو يرمق ياسمين بنظرات ذات مغزى:
- أنا رايح على أوضتي.
قالها واتجه نحو الدرج ليصعد إلى غرفته... لكنه توقف واختبأ في مكان ما حتى انتظر تلك التي تتجه نحو المطبخ، وعندما دخلت... ذهب خلفها... وجدها تقف أمام الطاولة الرخامية وهي تضع الدورق فوقها وتبكي ولا يوجد سواها في المطبخ.
همس بجانب أذنها وقال:
- قدامك ثواني وألاقيكي في الأوضة عندي... عشان لو طنشتي زي كل مرة هتلاقيني جايلك في أوضتك.
قالها ثم غادر مسرعًا قبل أن يراه أحد.
تتلفت يمينًا ويسارًا وتراقب الأجواء قبل أن تدخل غرفته... تشعر بالتوتر والخوف، وضعت يدها على المقبض وقلبها يخفق.
لتجد المقبض يدار من الداخل، وفُتح الباب ليجذبها من يدها إلى داخل الغرفة ثم أوصد الباب بالمفتاح.
اقترب منها وقال:
- بقالك يومين عمالة بتستعبطي وبتشوفي وشي بتطلعي تجري وتبعدي ... ممكن أفهم في إيه؟؟
أجابته بتلعثم:
- مممم ....
قاطعها بحنق وقال:
- إنتي هتقعدي تمأمئيلي!
- بصراحة مش هينفع يا ياسين بيه ... قالتها ياسمين.
اقترب منها أكثر ليحاوط خصرها وبدأ يتحدث بنبرة لعوب:
- مش هينفع إيه يا قلبي ... أنا بحبك وإنتي بتحبيني، في إيه لما ببقى عايز أشوفك وأعبرلك عن حبي.
- بتحبني بأمارة لما شتمتني قدامهم تحت وزعقتلي .... قالتها ياسمين.
- متزعليش مني ... أنا اتنرفزت من الميه المتلجة لما وقعت على قفايا وضهري كأن اتكهربت ... وبعدين مالك بقى تقلانه عليا ليه؟؟
أزاحت يديه من على خصرها وقالت:
- أنا هعملك كل اللي إنت عايزه بس بشرط تتجوزني.
كاد يقهقه ساخرًا من سذاجتها وبراءتها وعقلها ذو الخبرة الضئيلة، لكن ارتسمت بسمة خبيثة على ثغره وقال:
- طيب ما أنا ناوي فعلًا أتجوزك.
انفرجت أساريرها من الفرح وقالت:
- بجد يا ياسين بيه؟؟
اقترب منها وحاوط وجهها بكفيه وقال:
- بجد يا قلب ياسين .. وبعدين مش قولتلك بلاش ألقاب وإحنا مع بعض.
رمقته بنظرات بريئة وقالت:
- حاضر اللي تؤمر بيه يا حبيبي.
أغمض عينيه وقال:
- الله على كلمة حبيبي لما بتطلع من شفايفك دي ... ببقى عايز ...
قالها لينحني ويقترب من شفتيها، فأوقفته وهي تضع كفيها على صدره العاري وقالت:
- طيب إنت ناوي تطلب إيدي من أمي إمتى؟
جز على أسنانه ثم عاد لهدوءه وحديثه المعسول:
- مش هينفع أطلب إيدك دلوقت وعم إسماعيل الله يرحمه لسه ميت من شهر ... ومش وقت الكلام خالص.
قالها ليقترب من شفتيها مرة أخرى، وكاد يُقبلها ليصدح رنين هاتفها، فابتعدت عنه وهي تخرج الهاتف من جيب ثوبها لترى المتصل مدام سميرة.
- يالهوي مدام سميرة بالتأكيد كانت بتدور عليا ومش لقياني.
قالتها ثم اتجهت نحو الباب وأدارت المفتاح وفتحت الباب وغادرت.
زفر بحنق وقال بتوعد:
- ماشي يا ياسمين.
***
في مستشفى البحيري...
بعدما انتهى من العملية التي أجراها للتو، ذهب إلى غرفة مكتبه، ليجد مدحت والد الفتاة التي أجرى لها زرع كلية، نهض من المقعد وقال بنبرة شكر:
- ألف ألف شكر ليك يا دكتور يوسف، أنا مش عارف كنت هعمل إيه من غيرك، بنتي كانت هتضيع مني وإنت بفضل الله أنقذتها.
ابتسم يوسف وقال:
- أنا معملتش غير الواجب ... وتقدر تروح تشوفها زمانها خرجت من أوضة العمليات.
غادر مدحت وقلبه يتراقص من السعادة لإنقاذ حياة ابنته التي قد أُصيبت بالفشل الكلوي.
دق باب المكتب.
يوسف:
- ادخل.
دخل الطبيب آسر وقال:
- فاضي ولا ألف وأرجع تاني.
يوسف بفرح وترحيب قال:
- حمدالله على السلامة.
آسر وهو يصافحه بالعناق الأخوي:
- الله يسلمك يا جو.
يوسف:
- قولي يا بطل عملت إيه في المؤتمر الطبي؟؟
آسر وهو يجلس ويرجع ظهره إلى الخلف:
- يا عم متفكرنيش ده أنا اتسحلت اجتماعات ولقاءات ... وتعرف شوفت مين هناك؟
يوسف:
- مين؟
آسر:
- دكتور عبد الرحمن صاحب المستشفى إياها اللي اتفضحت على السوشيال ميديا وقالوا إنهم بيتاجروا في الأعضاء.
ابتلع يوسف ريقه بتوتر وقال:
- وطلع في المؤتمر إزاي؟؟
آسر:
- يا بني ده واصل وليه معارف كبار في الدولة ... لبس القضية لكام دكتور من حديثي التخرج اللي كانوا بيشتغلوا عنده ... بس اللي مستغرب له إزاي هو غني أوي كده وبيتاجر في الأعضاء!!
نهض يوسف وقال:
- خليك استناني هنا هاروح أطمن على مريض وراجع لك.
آسر:
- طيب يلا مستنيك عشان لسه هحكيلك على موضوع مهم.
غادر يوسف المكتب واتجه إلى رواق طويل يتفرع منه غرف المرضى، دخل إحداها بعد أن طرق الباب.
- عامل إيه دلوقت يا سيد؟؟
نهض سيد بجذعه قليلًا وقال:
- الحمدلله يا دكتور بقيت أحسن شوية بس جمبي اليمين بيوجعني جامد.
اقترب يوسف من كيس المغذي المعلق على المشجب المعدني، وغرز فيه إبرة وأفرغها وقال:
- أنا أديتلك مسكن هيهديلك الألم ومتقلقش كلها يوم أو يومين وهتخرج.
قال سيد بوهن:
- ممكن سؤال يا دكتور؟
يوسف:
- اتفضل يا سيد.
سيد:
- هو أنا لما بعت كليتي كده يبقى حرام؟؟
يوسف:
- هو أنا لما عرضت عليك الموضوع وإنت وافقت كان عشان إيه؟
سيد:
- عشان أخد الفلوس وأعمل لأمي عملية في عينيها بدل ما بعد الشر تتعمى.
ابتسم يوسف وقال:
- يعني غايتك كانت خير ... والغاية تبرر الوسيلة.
***
بداخل مركز تجميل...
- أنا خلصت يا عروسة.
قالتها الفتاة التي تزين شيماء التي نظرت إلى انعكاس صورتها لكن ارتسم طيف ابتسامة على محياها، وقالت بصوت خافت:
- حلو تسلم إيدك.
اقتربت منها رحمة لتعانقها:
- ألف مبروك يا شوشو.
شيماء:
- الله يبارك فيكي عقبال ليلتك يا رحمة.
خديجة:
- ألف مبروك يا حبيبتي.
شيماء:
- عقبالك يا خديجة مع الإنسان اللي يستاهلك ويحافظ عليكي.
قالتها وتجمعت العبرات بداخل عينيها.
رحمة:
- مالك يا بنتي هتعيطي ليه .. هتبوظي الميك أب ومفيش وقت زمان عريسك على وصول.
ابتسمت بحزن وقالت:
- ياريته ما يجي.
نظرت خديجة إلى رحمة على مضض ثم إلى شيماء وقالت:
- خلاص يا شيماء ده بقى جوزك وكتبت كتابه إمبارح وبقى أمر واقع ... إنتي بقى حاولي تغيريه واديله فرصة تانية .. هو لما كان عندنا حلف قدام الرجالة وقال مش هيقرب من البتاع اللي كان بيتعاطاه تاني.
تنهدت شيماء بسأم وقالت:
- إنتي صدقتي!!! ياما حلفلي وفي الآخر أعرف أنه رجع ليه.
رحمة:
- يمكن اتعلم الأدب خلاص ... وإيه النكد ده ... إنتي عروسة والليلة ليلتك يا قلبي.
دوى صوت الزغاريد التي أطلقتها نعمات التي دخلت للتو، واقتربت من شيماء وقالت:
- ألف ألف مبروك يا بت يا شوشو.
شيماء:
- الله يبارك فيكي يا مرات أبويا.
نعمات:
- افردي وشك يا بت ده عريسك برة مستني ... عايزة الناس لما تشوفك تقول علينا إيه.
دخل عبدالله الذي يرتدي بدلة سوداء أنيقة وشعره مصفف بعناية، كان وسيمًا ويبتسم وهو يقترب من زوجته التي ظل شاردًا في جمال وجهها المستدير الذي برز معالم جماله بعض اللمسات الفنية من مساحيق التجميل، والحجاب الأبيض الملفوف حول رأسها بطريقة منمقة وأنيقة ويعلوه تاج من الفصوص اللامعة واللؤلؤ وتتدلى من جانبيه طرحة ثوبها المطرز أطرافها وتتدلى إلى أسفل خصرها.
أمسك يديها وقام بتقبيلهما وقال:
- ألف مبروك يا روحي.
ابتسمت ولم يصل الفرح إلى عينيها وقالت:
- الله يبارك فيك.
عبدالله:
- يلا عشان عاملك في الحارة ليلة ولا ألف ليلة وليلة وفي مفاجأة جيبهالك.
أطلقت الفتيات الزغاريد وشيماء تغادر مركز التجميل وهي تسند يدها على ساعد عبدالله الذي يثنيه، ساعدها في أن تدخل إلى السيارة بسبب ثوبها الضخم، والتف إلى الجهة الأخرى وجلس بجوارها وأمسك يدها التي أحس ببرودتها وترتجف قليلًا.
همس في أذنها وقال:
- مالك يا حب ... إيدك ساقعة كده ليه ... يلا كلها ساعتين الفرح ونطلع شقتنا وأدفهالك.
رمقته بازدراء وأشاحت وجهها للجهة الأخرى ولم تتفوه بكلمة.
عبدالله:
- بقولك إيه مش عايز أم البوز ده ... النهارده ليلتنا ومش عايز نكد.
شيماء:
- ولما أنا نكد إيه اللي خلاك تتجوزني.
اقترب منها وقال:
- عشان بحبك يا مزتي ... ده إنتي الحب كله والحلاوة والعسل يا عسل.
ابتسمت عنوة عنها، فصفق بكفيه وقال:
- يالهوي على القمر لما بيضحك ده إحنا ليلتنا هتبقى فل بالصلاة على النبي.
***
وفي الحارة بدأت الأغاني في العمل وهي تدوي بصوت مزعج من مكبرات الصوت القوية، ووصلت سيارة العروسين، لتبدأ موسيقى الاستقبال من المنصة الخشبية الموجود بأعلاها مقعد العروسين وبمحاذاته جهاز تشغيل الأغاني (الدي جي)، وأمام المنصة تصطف مقاعد حديدية مبطنة بالمخمل الأحمر الرديء المتهالك، تجلس نساء الحارة والمدعون والأطفال الذين يركضون في كل مكان، وبعدهم تتراص الطاولات التي يجلس حولها الرجال والشباب ويعلوها زجاجات البيرة الخضراء وأطباق مليئة بالترمس والتسالي.
ترجل العروسان من السيارة ليأتي لهم مصور الفيديو بآلته التسجيلية المنبعث منها إضاءة متسلطة، يرجع إلى الخلف ويتقدم نحوه العروسان حتى وصلوا إلى منصة المسرح. صعد عبدالله ذلك الدرج الجانبي ومد يده إلى شيماء التي صعدت معه، وجلس كلاهما على المقعد المخملي ذو اللون الأبيض وخلفهم ستائر من الشيفون المدعمة بالإضاءة الملونة والبالونات المعلقة.
بدأت الأغاني الشعبية، لتصعد الفتيات وتجذب العروس حتى تنزل وترقص معهم، وكذلك الشباب جذبوا العريس ليرقص معهم وكل ما يقابله يصافحه بالعناق.
- ألف مبروك يا عبده ... الليلة ليلتك يا معلم ... خد دي وابقى ادعيلي.
قالها أحد أصدقائه وهو يدس له في جيب سترته قرصًا مغلفًا.
وبعد مرور الوقت صعد العروسان إلى المنصة، ليأتي الرجل الذي يتحدث في الميكروفون وقال:
- سمع هوووووووووس ... الفنانة ... نجمة الجيل وكل الأجيال ... أم عود زي الكامانجا ... اللي مشرفانا في كباريهات شارع الهرم ... ومعكم الراقصة اللولبية المهلبية ... الفنانة شاكيرا.
صعدت على المنصة امرأة ذات شعر مستعار أسود منسدل ويصل إلى أسفل ظهرها، ترتدي معطفًا طويلًا، تعالى صفير الشباب وكلمات الغزل.
وبدأت الموسيقى لتلقي المعطف أرضًا مرتدية بدلة رقص تكشف معظم جسدها وبدأت تتمايل وترقص بخصرها.
جزت شيماء على شفتها السفلى واقتربت من عبدالله:
- وربنا لأوريك يا عبدالله جايب رقاصة ... ومين البت شكرية اللي قفشتك معاها كذا مرة.
عبدالله:
- ما تهدي بقى يا حب ... إيه اللي مش عجباكي دي بقت أشهر من نار على علم في شارع الهرم وبقت بتتطلب بالاسم في الأفراح ... ولعلمك أول ما عرفت إني هتجوز حلفت لتيجي ترقصلنا في الفرح وببلاش.
رفعت إحدى حاجبيها بامتعاض وقالت:
- ببلاش برضو!! ... وإيه المقابل اللي ادتهولها؟
عبدالله:
- الله يسامحك ... ما إنتي عارفة يا شوشو إنتي الحتة الشمال والحب كله.
شيماء:
- ماشي يا عبدالله وهنشوف آخرتها إيه.
اقتربت شاكيرا من العروسين وهي تتراقص بخلاعة وتثني جذعها أمام عبدالله الذي يرمقها بنظرات شهوة، ليجد كف شيماء الذي أظلم الرؤية وقالت وهي تلكزه:
- ابقى ارشق عينك تاني وأنا هافقعهملك.
كاد يتفوه ليجد يد شاكيرا التي تجذبه وتتراقص معه على أغنية:
"عبدو عمل إيه ، عبدو حصل إيه .. لا والنبي يا عبدو ، عيب مش كده يا عبدو ... يا حتة شيكولاته يا لوز وعليه بطاطه ما تيجي نعيش يا وزة ... أنا قلبي واكلني منك ، مقدرش استغنى عنك متزودش المعزة".
نهضت شيماء لتجذب عبدالله من سترته وكاد يقع لتدفعه بقوة وجلس على الأريكة في وسط ضحكات المدعوين.
***
وأخيرًا انتهى الفرح ليصعد العروسان إلى عش الزوجية.
- خليكي واقفة مكانك.
قالها عبدالله ثم قام بحملها على ذراعيه ودخل الشقة وأغلق باب المنزل بقدمه.
اتجه إلى غرفة النوم وأنزلها بروية، وقال:
- وأخيرًا يا شوشو اتلمينا في الحلال يا بت.
ابتسمت له ابتسامة صفراء وقالت بسخرية:
- آه يا ضنايا.
- يلا بقى يا مزة هسيبك تغيري براحتك وأنا هاخد الترنج بتاعي وهغير في الحمام وأول ما تخلصي اندهيلي ... أشطا؟؟
أجابته بنظرات غامضة وقالت:
- أشطا يا حبيبي.
وبعد دقائق خرج من المرحاض وهو يدندن: "لاء والنبي يا عبدو ... عيب مش كده يا عبدو".
وجد باب الغرفة موصدًا، دق على الباب وقال:
- يا شوشو ... يا مزتي ... خلاويص؟
صاحت من الداخل وقالت:
- روح ناملك في أي ركن يا عبده أنا عايزة أنام.
غر فاه وقال:
- نعم يا ختي!!! افتحي الباب يا بت.
- مش فاتحة.
- وربنا لو ما فتحتي لأكسره عليكي.
- ابقى اعمل كده وأنا ساعتها هديك ضربة تخليك قاعد زي الولايا.
- آه يا بنت المجنونة ...
- افتحي الله يخرب بيتك، ده أنا مبلبع صيدلية بحالها.
- وأنا مالي؟ محدش قالك تاخد حاجة.
- وبعدين؟ أروح فين أنا دلوقت؟
- اصطبح وقول يا صبح وغور يلا، عايزة أنام.
- ماشي يا شيماء.
قالها ثم اتجه إلى المطبخ، وأخذ سكينًا رفيعًا ووضعه بدون إصدار صوت في المقبض، وأداره بحذر فانفتح الباب... اتسعت عيناه فلم يجد لها أثرًا.
وكاد يلتفت خلفه حتى صاح بذعر؛ ليجدها تمسك سلاحًا أبيض (مطواة) وتشهره أمام وجهه، وقالت بنبرة تهديد:
- وربنا لو قربت مني لأغزك.
رواية صراع الذئاب الفصل السابع 7 - بقلم ولاء رفعت علي
تصعد نعمات الدرج وتحمل على رأسها صينية طعام يكسوها غطاء متدلي من جوانبها، وخلفها الحاج فتحي يلتقط أنفاسه، وصل كلاهما أمام شقة عبدالله.
قال الحاج فتحي:
- حبكت يا نعمات نزورهم على الصبح كده... ده الفرح خلصان على نص الليل وهم عرسان هتلاقيهم يدوب نايمين الفجر.
نعمات وهي تنزل الصينية من فوق رأسها قالت:
- صبح ولا ضهر هتفرق في إيه... الحق عليا صاحية من النجمة عشان أحضرلهم فطار يقويهم.
عقد حاجبيه بضيق وقال:
- إحنا يدوب نسلم عليهم وننزل على طول أنتي فاهمة؟
نعمات:
- طبعا يا أخويا نطمن عليهم ونطمن على بنتك ونتكل على الله.
فتحي:
- لما نشوف.
قالها ثم ضغط على زر الجرس وهو يتحمحم وقال:
- يارب يا ساتر.
وبالداخل في الردهة، يتمدد عبدالله على الأريكة يحتضن الوسادة ويتمتم بكلمات غير مسموعة ويبدو أنه يرى حلمًا ما.
وبداخل غرفة النوم ما زالت بثوب الزفاف ونائمة على وجهها، انتبه مسمعها إلى صوت الجرس المزعج فنهضت مسرعة وفتحت الباب الذي أوصدته منذ البارحة.
نعمات بالخارج:
- بت يا شيماء... يا عبدالله... افتحوا.
فتحي:
- ما تصطبري يا ولية متسربعة على إيه.
بالداخل خرجت إلى الردهة تبحث عنه وجدته يغط في سبات عميق والغطاء منزلق من على جسده، اقتربت بهدوء وهي تتأمل وجهه الذي يبدو كالحمل الوديع وهو نائم، ابتسمت عندما تذكرت ليلة الأمس وهو يأخذ وسادة وغطاء ليمكث في الردهة بعدما قامت بتهديده، وضعت يدها على خصلات شعره ثم وجنته وهي تهمس له:
- عبدالله... اصحى يا عبدالله.
تقلب ليصبح في مواجهتها وظن أنه في حلم فأمسك يدها وقبلها ويقول بصوت ناعس:
- بحبك يا شوشو.
أخذت تلكزه في كتفه وقالت:
- قوم يخرب بيتك أبويا ومراته على الباب... قوم وشيل المخدة والكوفرتة دي.
بدأ يفتح أهدابه لتنكمش عينيه من ضوء الشمس الذي تسلل من الشرفة، نهض بجذعه وظل ينظر من حوله وقال:
- بتصحيني ليه مش كفاية طردتيني من الأوضة وضيعتي عليا أجمل ليلة في العمر.
اقتربت منه وقالت بصوت منخفض وتجز على أسنانها وتمسك بتلابيب قميصه القطني:
- مش وقته الكلام ده... قوم أحسنلك افتحلهم عقبال ما أغير... وحسك عينك تقولهم على اللي حصل إمبارح.
قالتها ثم التقطت الوسادة والغطاء وذهبت إلى الغرفة.
زفر بحنق وقال:
- اللي حصل إمبارح!!! هو حصل حاجة أصلاً... ماشي يا بنت عشماوي.
ما زال قرع الجرس يصدح.
نهض وهو يعدل من هندامه ويرجع خصلات شعره إلى الخلف بيده وقال:
- حاضر ياللي بتخبط... مش واقفين لكو على الباب يعني.
فتح الباب لتدفعه نعمات وهي تحمل الصينية.
قالت نعمات بضيق:
- وسع يا أخويا من وشي... إيه ساعة عقبال ما تفتحوا الباب.
دخل فتحي وهو يقول:
- يارب يا ساتر... صباح الخير يا جوز بنتي.
قالها وهو يصافحه، وبادله عبدالله المصافحة وقال:
- صباح النور يا عم فتحي.
وضعت نعمات الصينية فوق المنضدة لتجد صينية العشاء التي تركتها لهما الأمس كما هي، فقالت بسخرية:
- ده الأكل زي ما هو يعني!
عبدالله:
- مكناش جعانين.
رمقته بنظرات ماكرة وقالت:
- طبعاً ما صدقت بعد 5 سنين أخيراً اتلميتوا في بيت واحد... ومش وقت للأكل.
نظر إليها فتحي بنظرات غاضبة وقال:
- نعماااات... ملكيش دعوة.
قالتها ولوت فمها جانباً:
- هو أنا قولت حاجة.
فتحي:
- فين بنتي يا بني عشان نسلم عليها ونباركلها... وعشان نسيبكو تكملوا نومكو.
عبدالله:
- ثواني يا عمي هاروح أشوفها وجاي.
دق الباب، فقالت شيماء من الداخل:
- ادخل.
***
في قصر البحيري...
ترتشف فنجان القهوة وهي تتأمل تلك الأزهار الملونة في الحديقة الشاسعة تستنشق عبق عبير الصباح العليل، جاء ياسين من الخلف ليضع كفيه على عينيها.
وضعت الفنجان على الطبق وقالت:
- اللي مزعلني دايماً ومش بيسمع كلامي وعلى طول بيضايق في أخته.
أزاح يديه وأمسك يدها وقال:
- أنا أقدر أزعل القمر ده.
ثم قام بتقبيل يد والدته.
رفعت حاجبيها وقالت:
- بطل بكش... وقولي خرجت إمبارح بالليل وراجع الفجر كنت فين؟
تناول تفاحة من طبق الفاكهة وأخذ ينظر لها وقال:
- سهران مع أصحابي إيه الجديد يعني.
قالها ثم قضم التفاحة.
وضعت الطبق وعليه الفنجان فوق الطاولة وقالت:
- مش هتعقل بقى وتروح تشتغل في الشركة مع أخوك وباباك؟
تأفف بسأم وقال:
- أوووف بقى يا جيجي كل مرة تقوليلي السؤال ده وأنا بجاوبك للمرة الألف أنا مليش في جو الشركات والبيزنس.
رمقته بامتعاض وقالت:
- أومال ليك في إيه إن شاء الله؟
رجع بظهره إلى الخلف وتنهد وقال:
- هفتح جيم.
أجابت باقتضاب:
- جيم!!!
ياسين:
- أه ماله الجيم... أنا كنت مستني ألاقي المكان المناسب اللي هفتح فيه ولقيته الحمد لله، مستني بس استلم شحنة الأجهزة... وإن شاء الله هيبقى أضخم وأشهر جيم على مستوى مصر وهاسميه "ياسو جيم".
جيهان:
- والله أتمنى أن يكون ليك حاجة خاصة بيك وتنجح فيها... بس ياريت تبقى قد المسئولية.
ياسين:
- ادعيلي أنتي بس يا جيجي.
جيهان:
- ربنا يوفقك يا ياسين ويهديك.
جاءت علا لتأخذ الفنجان الشاغر من فوق الطاولة وقالت:
- عايزة حاجة تاني يا جيهان هانم؟
جيهان:
- شوفي ياسين يفطر إيه؟
ياسين:
- لأ مش بفطر دلوقت.
علا:
- طيب عن أذنكو.
قالتها وكادت تذهب، فأوقفتها جيهان وقالت:
- علا ناديلي ياسمين لو سمحت.
كان ياسين يمسك هاتفه ويتصفح الإنترنت لكن ينظر إلى والدته بطرف عينيه عندما ذكرت اسم ياسمين بامتعاض. ذهبت علا لتنادي ياسمين.
دخلت المطبخ وقالت:
- ياسمين.
تركت ياسمين الشطيرة التي كانت تتناولها وجبة الفطور وقالت:
- نعم.
رمقتها علا بنظرات قلق وقالت:
- أنتي عملتي حاجة أو رجعتي تكلمي ياسين بيه تاني؟
ابتلعت ياسمين ريقها بقلق وقالت:
- لأ زي ما وعدتك مش بكلمه ومليش دعوة بيه... هو في إيه بالظبط؟
علا:
- مدام جيهان عايزاكي بره في الجنينة ووشها بيقول إنك عملتي حاجة وهي متضايقة منها.
دق قلبها من التوتر وقالت:
- ربنا يستر.
علا:
- طيب روحي شوفيها بسرعة وابقي طمنيني.
عدلت من حجابها وهي تمسح فمها بيدها من أثر الطعام وذهبت إلى الخارج. تمشي وهي تنظر إلى ذلك الجالس في واجهتها وجيهان مولية لها ظهرها، وصلت وهي تنظر إلى ياسين الذي يتصنع النظر إلى شاشة هاتفه، خشيت أن يكون حدث شيئاً ما.
قالت ياسمين لتجد ياسين ينظر لها:
- جيهان هانم علا قالتلي حضرتك عايزاني.
جيهان وهي تشير إليها بالجلوس:
- اتفضلي اقعدي.
جلست على المقعد المحاذي لياسين، فأردفت جيهان:
- ينفع اللي بتعمليه ده؟
***
دخل وكاد يتفوه ليتسمر في مكانه تلك الحورية ذات الجمال الفاتن، شعرها الأسود ينسدل على ظهرها، مرتدية عباءة استقبال ذات لون أبيض مطرزة بالخيوط الذهبية تحدد منحنيات جسدها، تقف أمام المرآة تضع بعض اللمسات البسيطة من مساحيق التجميل.
ظل يرمقها وهو يجز على شفته السفلى ويقول بداخل عقله: "يخرب بيت حلاوتك".
ثم انتبه لها وقال:
- بتقولي حاجة؟
تركت قلم الحمرة وأمسكت بزجاجة العطر لتقوم بنثر القليل عليها وقالت:
- مالك واقف عندك زي التمثال ليه كده؟
اقترب منها وهو يحدق في عينيها كالثمل وقال:
- أنتي حلوة أوي يا شوشو... ما تجيبي قطة.
قالها ليقترب منها، فدفعته في صدره وقالت:
- بقولك إيه أنا لسه على كلامي من إمبارح... احنا هنعيش في بيت واحد أه بس كل واحد في حاله.
عبدالله:
- وده يبقى اسمه جواز!!!
دفعته لتذهب نحو الباب وقالت:
- اسمه مش هتعدل معاك غير لما تتربى الأول.
جز على فكيه وقال:
- ماااشي... الصبر حلو.
خرجت لتطلق نعمات زغرودة وقالت:
- صباحية مباركة يا عروسة.
ثم عانقتها بقوة.
شيماء وهي تبتعد بعدما شعرت بالاختناق:
- الله يبارك فيكِ يا مرات أبويا.
فتحي:
- ألف مبروك يا بنتي.
اقتربت من والدها ليعانقها ثم أمسكت يده وقبلتها وقالت:
- الله يبارك فيك يا بابا.
شيماء:
- ثواني هاروح أجيب حاجة وجاية.
فتحي:
- متتعبيش نفسك يا بنتي إحنا جايين نطمن عليكو ونمشي على طول.
شيماء:
- وده اسمه كلام يا بابا.. استنوا هنفطر مع بعض.
جاء عبدالله إليهم وهو يحمل صينية يعلوها كأسين من العصير وطبق فاكهة ثم وضعها على المنضدة التي تقع أمامهم.
قالت نعمات بداخل عقلها: "شوف البت مخلية جوزها هو اللي يقدم الحاجة... طول عمرك قوية يا بنت سهير".
ثم أردفت بصوت مسموع:
- بت يا شيماء عايزاكي ثواني.
قالتها لتنهض واتجهت معاها شيماء إلى غرفة النوم.
نعمات:
- قوليلي يا بت ها طمنيني.
رفعت شيماء إحدى حاجبيها وقالت:
- أطمنك على إيه؟
رمقتها بنظرات خبيثة وقالت:
- يا بت بطلي استهبال أنتي عارفة قصدي إيه.
جزت شيماء على أسنانها وقالت:
- والله دي حاجة خاصة ما بيني وبين جوزي.
نعمات:
- لأ يا عينيا مش لازم نطمن عليكي... ولا يكون عملها معاكي قبل الجواز.
اتسعت عينيها بالغضب وصاحت:
- اخرسي قطع لسانك.
أجابتها نعمات بنبرة غاضبة:
- اتكلمي معايا عدل يا بت أحسنلك.
دخل عبدالله على أثر الصياح وقال:
- في إيه مالكو يا جماعة؟
نعمات وهي تلوح بيدها وقالت:
- بقول للسنيورة طمنيني عليكي مش عاجبها الكلام.
تفهم عبدالله ما ترمي إليه فاقترب من شيماء ليضع ذراعه على ظهرها بحنان وقال:
- دي حاجة تخصني أنا ومحدش ليه دعوة.
قالت بسخرية:
- لأ يا أخويا من حقنا نطمن عشان ده في وشنا إحنا ومش ناقصين لو حد لسن بكلمة كده.
صاح في وجهها وقال:
- وأنتي مالك... واللي هيجيب سيرة مراتي بكلمة هقطعله لسانه... ولو كنتي فاهمة غلط عشان اليوم إياه لما كنت عندكو في الشقة محصلش حاجة.... وأظن كده خدتي واجبك ويلا عشان عايزين ننام.
رمقته بنظرات نارية وقالت:
- بتطردني يا عبدالله!!!
عبدالله:
- أهلاً وسهلاً بيكي طول ما بتحترمي صاحبة البيت ده... ولو اتكلمتي معاها تاني بالأسلوب ده تاني الباب يفوت جمل.
- ماشي يا بنت سهير.
قالتها وغادرت.
ضمها إليه وقال وهو يمسد على ظهرها:
- متخافيش أنا عارف أوقف إزاي أي كلب يضايقك عند حده.
***
نهض ياسين وقال:
- طيب يا جيجي أنا رايح مشوار كده عايزة حاجة؟
جيهان:
- اقعد لسه مخلصتش كلامي معاك.
تلون وجه ياسمين بالخوف والقلق وقالت بصوت متهدج:
- هو أنا عملت حاجة؟
جيهان:
- أه... من ساعة ما عم إسماعيل الله يرحمه توفي والدتك بتتصل عليكي وأنتي مش بتردي... آخر ما زهقت كلمتني بتشتكيلي منك.
تنفست ياسمين الصعداء لتعود الدماء لمجراها وقالت:
- أنا فعلاً مش برُد عليها... مكنتش بتسأل عليا خالص لما سبت البيت وجيت قعدت هنا مع أبويا الله يرحمه.
جيهان:
- حتى لو هي عملت كده دي مهما كانت مامتك ولازم تسألي عليها ومتدخليش مشاكلها مع والدك الله يرحمه ما بينك وبينها.
قال مصعب الذي جاء للتو:
- جيهان هانم في واحدة ست على البوابة بتقول أنها أم ياسمين.
جيهان:
- خليها تتفضل على هنا.
أومأ لها وقال:
- أمرك.
ثم ذهب.
جيهان:
- شوفتي جاتلك من آخر الدنيا إزاي عشان تطمن عليكي.
ابتسمت ياسمين بتهكم.
- جيجي أظن كده أنتي مشغولة أنا ماشي بقى.
قالها ونهض ليغادر وهو ما زال يمسك هاتفه واتجه نحو البوابة لتصطدم به تلك السيدة التي ترتدي عباءة سوداء وحجاب بني.
صاح بها ياسين:
- مش تحاسبي يا ست أنتي.
السيدة بنبرة اعتذار:
- آسفة والله يا بيه مكنتش شايفة قدامي.
رمقها ياسين بازدراء ثم ذهب.
تقدمت نحو جيهان مسرعة ومدت يدها إليها وقالت:
- أزيك يا جيهان هانم.
جيهان:
- الحمد لله... حمد الله على سلامتك.
السيدة:
- الله يسلمك ويعز مقدارك.
نهضت جيهان وقالت:
- عن أذنكو بقى هسيبك تقعدي مع ياسمين ولو عايزني في حاجة ابعتولي حد من الشغالين.
السيدة:
- تسلمي يا ست هانم.
قالتها ثم جلست على المقعد الذي نهض منه ياسين، وتبدلت ملامحها إلى الغضب وقالت وهي تلكز ابنتها في ذراعها:
- أنتي يا هبابة مش بتردي عليا ليه من ساعة أبوكي الله يجحمه ما مات وأنتي ماصدقتي.
رمقتها ياسمين بغضب وقالت:
- ربنا يرحمه ويجعل مثواه الجنة.
والدتها:
- أنا مش جاية ياختي عشان أترحم على أبوكي.
ياسمين:
- أومال عايزة مني إيه؟؟
والدتها:
- عايزاكي تبعتيلي فلوس من "الخُرْم" اللي أنتي عايشة فيه ده.
ياسمين:
- ولما أنا أبعتلك، جوزك اللي طردتيني من البيت بسببه ده لازمته إيه؟
والدتها:
- ما هو من بختي الأسود اتجوز أبوكي الكحيان، ولما اتطلقت منه قولت أشوف حظي مع حد عدل، طلع التاني أنيل وأضل وقاعدلي زي الولايا في البيت.
رمقتها ياسمين باحتقار وقالت:
- معيش فلوس دلوقتي أديهالك، لسة مقبضتش.
والدتها:
- اه بقى كده يا بنت أبوكي... اسمعيني بقى وبصيلي كويس، أنا حايشة عنك أهل أبوكي ومش قايلالهم على مكانك... لأن من وقت موت أبوكي عمامك وعماتك بيسألوني عليكي... فأحسنلك كده تقومي زي الشاطرة وتجيبيلي قرشين من الهانم اللي جوه دي، يا إما تاني يوم هتلاقي عمك عباس هنا يجي ياخدك من قفاكي ويجوزك خميس ابنه، وبدل ما بتشتغلي هنا خدامة بالفلوس... مرات عمك هتخليكي خدامة لبيت العيلة كله.
نهضت وقالت:
- بتهدديني ياما!!!... عمومًا أنا هاروح أجيبلك القرشين اللي حيلتي، كنت محوشاهم عشان مصاريف الجامعة.
قالت والدتها بسخرية:
- روحي ياختي هاتي.
قالتها لتحدق بها ياسمين على مضض ثم ذهبت.
***
يجلس على المقعد الجلدي بثبات وهي تجلس على ذلك المقعد المرتفع تضع اللمسات الأخيرة على ملامحه التي قامت برسمها أكثر من خمسين مرة منذ ثلاثة أيام.
تنهدت كارين وقالت:
- وأخيرًا خلصتها.
نهض يونس وتوجه نحوها ليلقي نظرة على صورته وزم شفتيه لأسفل وقال:
- مش بطالة.
كارين:
- نعم!!!!
رفع حاجبيه وقال:
- أكدب عليكي يعني... أنتي أصلًا رسمك مش حلو في البورتريهات... مش فاهم متخرجة من أكاديمية الفنون اللي في إيطاليا إزاي!!!
نزلت من فوق المقعد وصاحت قائلة:
- بقولك إيه، بقالي 3 أيام مستحملة وعاصرة على نفسي فدان لمون طول النهار، لحد بليل يدوب بروح أنام وأغير وأجيلك تاني يوم عشان أرسم وشك العكر ده وفي الآخر مش عاجبك.
عقد ساعديه أمام صدره وقال:
- والله الحل كان في إيدك من الأول، كلمة بسيطة جدًا تقوليلي آسفة يا فنان... بس طبعًا بعد "وشي العكر" دي... هسيبك تمشي بس مفيش لوحة هتستعيرها.
أغمضت عينيها وهي تأخذ شهيقًا ثم تطلق زفيرًا ثم قالت:
- لأ كده كتير أوي.. متزعلش بقى مني.
يونس:
- قصدك إيه؟
لم تُجِب عليه لكنها ارتدت حقيبتها ودخلت غرفة ثم خرجت تحمل دلوًا ورفعته وهي تدفعه لأعلى لينسكب منه "مازوت" على اللوحات المعلقة على الحائط.
ركض نحوها وصاح:
- يخربيتك بتعملي إيه!
ألقت بالدلو على الأرض وقالت:
- زي ما أنت شايف كده... وخد الهدية دي من عندي.
قالتها لتمسك بإحدى اللوحات وقامت بإلقائها على رأسه بقوة حتى اخترقت رأسه اللوحة من المنتصف... وركضت مسرعة لتغادر.
تأججت نيران الغضب بداخله لينتزع اللوحة من رأسه... وكاد يركض خلفها لتنزلق قدماه في المازوت المنسكب من الدلو على الأرض ليقع إلى الخلف.
بينما هي أسرعت بركوب دراجتها وانطلقت مسرعة ولم يسعفها الوقت لأن ترتدي خوذة الأمان... لتتركه يزمجر من الغيظ ينادي على حارس المعرض لمساعدته في النهوض... وقام بتبديل ثيابه من حقيبته التي يتركها في المعرض... وغادر واستقل سيارته لينطلق نحو القصر.
تنطلق على الطريق كالطير المحلق في السماء تبتسم بانتصار عما فعلته في ذلك الغبي كما تدعوه بداخل عقلها... ظلت شاردة في صورته المعلقة بذهنها وهو يبتسم ولم تكن منتبهة لتلك الشاحنة القادمة نحوها وتصدح بتنبيه مدوٍ، حتى انتبهت أخيرًا وجاءت تتفادى ذلك الاصطدام فانقلبت دراجتها النارية بها فارتمت على الأرض... ركض نحوها بعض المارة.
صاح أحدهم:
- يا جماعة حد يتصل بالإسعاف بسرعة.
قالت سيدة:
- لا حول ولا قوة إلا بالله، ربنا ينجيكي يا بنتي.
وفي تلك الأثناء يمر من ذلك الطريق الرئيسي ليلفت انتباهه تجمع الناس، ولم يستطع رؤيتها لكن اتسعت حدقتاه بالفزع عندما رأى تلك الدراجة النارية المنقلبة على الرصيف... توقف على الفور واتجه نحوهم راكضًا.
تسلل من بين التجمع المحيط بها حتى وقعت عيناه عليها بخوف وقال:
- كارين!!
قال الرجل:
- أنت تعرفها يا أستاذ؟
لم يُجِب عليه وانحنى ليحملها على الفور... أوقفه رجل آخر وقال:
- أنت واخدها على فين؟
دفعه يونس وصاح في وجهه:
- أوعى من وشي.
ثم ركض بها نحو سيارته ليضعها بالمقعد المجاور لمقعد القيادة على مهل... والتف ليقفز بداخل سيارته المكشوفة وانطلق بها اتجاه المشفى.
***
في منزل الجزيرة بإيطاليا....
تقف أمام النافذة الزجاجية تتأمل تلك الأشجار والنخيل المرتفعة... انتبهت إلى قرع أقدام الحصان فعلمت أنه قد جاء... ركضت مسرعة إلى مضجعها وجذبت غطاءً تدثر به جسدها وتصنعت النوم... وظلت منتظرة دخوله إلى الغرفة.
سمعت صوته وهو يتحدث في هاتفه:
- Ti aspetterò, signor Andrew
(سأكون بانتظارك سيد أندرو)
.......................
- Non c'è bisogno .... Grazie
(لا داعي .... شكرًا لك)
أغلق المكالمة وأدار المقبض ودخل الغرفة لتقع عيناه عليها... بينما هي تغلق أهدابها المرتجفة... خلع سترته وألقاها على المقعد المتأرجح... تمدد على التخت ليريح جسده... تقلب على جانبه واقترب منها... يمسد على خصلات شعرها المبعثرة على الوسادة وأخذ يستنشقها بعمق وهو يغمض عينيه... شعرت بانتظام أنفاسه ظنت أنه قد غط في النوم... انسحبت بهدوء لتنهض من جواره وهي تراقب عينيه المغلقتين... وفجأة فتح عينيه ليرمقها بزيتونتيه... شهقت بذعر وهي تضع يدها على فمها.
نهض من مضجعه وذهب نحو غرفة الثياب ببرود.
صاحت بها "صبا" وهي تتبعه:
- أنا زهقت... من ساعة ما جينا وأنت بقالك يومين سايبني لوحدي.
أخذ يفك أزرار قميصه وقال بسخرية:
- إيه وحشتك؟؟
أجابت:
- لأ بالعكس كنت مرتاحة، بس في نفس الوقت مخنوقة من البيت ده عايزة أرجع مصر.
ابتسم بتهكم وقال:
- جهزي نفسك عشان عندنا حفلة النهاردة.
ثم خلع قميصه وفي تلك المرة انتبهت جيدًا إلى تلك الجملة الموشومة على صدره:
"Amore spirituale Seba"
تحاول قراءتها فهي تعلم القليل من اللغة الإيطالية... تفهم نظراتها ليقترب منها وقال بنظرات عاشق ولهان:
- صِبا عشق روحي.
انتابتها القشعريرة وهي تبتعد إلى الخلف، فمهما كانت كلماته صادقة ونابعة من قلبه لكنها لم تغفر له اعتداءه عليها في الطائرة.
حدقت بوجوم وقالت لتغير مجرى الحديث وتتهرب من نظراته التي أربكتها:
- وياترى عازم أنهي زعيم مافيا من اللي بتتعامل معاهم؟؟
رفع أحد حاجبيه بامتعاض وقال:
- زعيم مين ومافيا إيه اللي بتتكلمي عنها؟؟
عقدت ساعديها أمام صدرها وقالت:
- أنا عارفة كويس مصدر ثروتك دي كلها من تجارة الأسلحة.
قهقه بسخرية وقال:
- ومين بقى اللي قالك الكلام العبيط ده؟
قالتها بتوتر:
- محدش قالي بس أنا عرفت وخلاص.
فاقترب منها أكثر ليحاوطها بجسده وقال:
- ياريت تحتفظي بمعلوماتك لنفسك أحسن ليكي.
على الرغم من الخوف الذي يسري بداخلها لكن تظاهرت بالقوة ورمقته بنظرات تهديد وتحدٍ:
- مش خايف لأبلغ عنك في يوم من الأيام؟
رمقها بتلك الابتسامة المرعبة وقال بنبرة هادئة:
- عيبك يا صبا لغاية دلوقتي معرفتنيش كويس... بس أحب أعرفك أن لغاية دلوقتي مشوفتيش وشي التاني، لأنك يوم ما هتشوفيه هتتمني الموت عشان هيكون أهون بمليون مرة من اللي هتشوفيه مني.
ابتلعت ريقها برعب جلي عندما رأت تلك اللمعة المرعبة في عينيه على الرغم من هدوء كلماته... ابتعد عنها ليفسح لها مجالًا للتنفس وأردف:
- قدامك ربع ساعة وتكوني جاهزة.
قالها ثم تناول ثوبًا معلقًا وقال:
- ابقي البسي ده.
ثم اتجه إلى المرحاض.
***
في مشفى البحيري....
دخل من البوابة الزجاجية وهو يحملها على ذراعيه ينادي بصوت جهوري:
- حد ينادي دكتور يوسف بسرعة.
جاءت إحدى الممرضات تهرول إليه وقالت:
- تعالى من هنا لو سمحت ودكتور آسر هيشوفها لأن دكتور يوسف في العمليات.
ركض يونس ودخل إلى غرفة الطوارئ ووضعها فوق التروللي... دخل آسر وهو يتفحص بعينيه تلك الفاقدة للوعي... ونظر إلى يونس وقال:
- يونس!
يونس بخوف:
- الحقني يا آسر بسرعة، هي بتسوق موتوسيكل واتقلب بيها.
تنهد آسر وقال:
- متقلقش هناخدها نعملها أشعة وفحوصات... هو أنت اللي خبطها؟
قالها وهو يفحصها، فأجابه يونس:
- لأ... كنت رايح القصر ولاقيتها عاملة حادثة على الطريق.
نادى آسر الممرضات:
- يا مها يا سلوى... تعالوا خدوها على غرفة الأشعة بسرعة.
ثم رمق يونس بنظرات ماكرة وقال:
- أنت تعرفها؟
أجابه باقتضاب وقال:
- اه مش وقتك يا آسر.
جاءت الممرضات وقاموا بنقلها على الفور.
***
في قصر العزازي بالقاهرة.
يقف كلا الحارسين أمام كنان الذي يشبه البركان عندما ينفجر.
صاح بهما كنان بصوت تردد صداه في جميع أركان القصر:
- أنا نفسي أفهم يا شوية بهايم أنتو كنتوا فين لما هي اختفت.
قال أحدهم:
- والله يا كنان بيه كنا زي ضلها، بس النهاردة كان المحور واقف وهي اختفت في وسط الزحمة.
جز على أسنانه بحنق وقال:
- طيب تحبوا أتصل بقصي باشا دلوقتي وأحكيلو على اللي حصل؟؟؟
قال الآخر بنبرة رجاء:
- لا بالله عليك يا كنان بيه إحنا مش قده.
كنان بنبرة تهديد وأمر:
- قدامكو ساعة زمن تقلبوا الدنيا عليها وتشوفوا هي فين، يا إما تقروا الفاتحة على أرواحكو أنتو الاتنين... يلا غوروا.
أومأ له الحارسان ثم ذهب كليهما.
أخذ يزفر بغضب عارم ويجول المكان ذهابًا وإيابًا حتى توقف عندما صدح رنين هاتفه.
كنان:
- ألو يا شناوي ما هي نقصاك أنت كمان، خير؟؟
شناوي:
- عايزينك تيجي حالًا المخازن.
اتسعت حدقتاه وهو يفك رابطة عنقه وقال:
- حصل إيه؟؟
شناوي:
- تعالى وأنت هتعرف.
أغلق كنان المكالمة على الفور وذهب مسرعًا نحو المرآب واستقل سيارته ودلف بداخلها وشغل المحرك وانطلق مسرعًا بعد أن فتح له الحارس البوابة.
***
بعد انتهاء الفحوصات خرجت للتو من غرفة الأشعة وتم نقلها إلى غرفة خاصة... نهض يونس وذهب خلفهم وجاء إليه الطبيب آسر.
يونس:
- ها طمني.
آسر وهو ينظر إلى النتائج على الأوراق التي بيده:
- الحمد لله مفيش كسور، هو شرخ في الساعد اليمين وكدمات بسيطة في وشها ومنطقة الركبة.
قالها ثم صمت وارتسمت ملامح وجه الوجوم وأردف:
- بس فيه حاجة ملهاش علاقة بالحادثة.
قطب حاجبيه وقال بقلق:
- حاجة إيه؟
آسر:
- لما عملتلها رسم قلب لقيت في حاجة مش مظبوطة... وعشان أتأكد عملتلها فحص الإيكو زي ما توقعت، لاقيت عندها اضطراب نظم القلب.
يونس:
- يعني إيه؟
آسر:
- غالبًا شكلها مولودة بيه... متقلقش بالتأكيد هي بتاخد ليه علاج.
انتبه كليهما لصوتها الخافت وهي تتمتم بكلمات غير واضحة.
نظر يونس إلى آسر وقال:
- طيب هي ممكن تخرج دلوقتي؟
آسر:
- ممكن تخرج آخر النهار كده.
ثم رمقه بابتسامة خبيثة وأردف:
- عن إذنك ورايا حالات هطمن عليهم.
لكزه يونس في كتفه بمزاح وقال:
- امشي يا آسر بدل ما هخلي يوسف يديك استمارة 6.
آسر بثقة وزهو:
- نعم يا أخويا!! ده أخوك عشان روحت مؤتمر طبي ومكملتش كام يوم على بعض كان لايص من غيري... يا ابني أنا لو مشيت المستشفى دي هتقفل.
قهقه يونس وقال:
- مش قولت وراك حالات... يلا بقى طرقنا.
غمز آسر بعينه وقال:
- ماشي هسيبك براحتك مع المزة... عشان خاطر إحنا سناجل زي بعض وحاسس بيك.
أمسك يونس الأوراق وألقاها عليه وقال:
- غور من هنا يالا.
ركض آسر وغادر الغرفة... جذب يونس مقعدًا ليضعه بجوارها.
- بس طلع ذوقك جامد يا ننوس....
قالها آسر الذي تسلل ثم ركض مرة أخرى مسرعًا قبل أن يلحق به يونس.
عاد ليجلس بجوارها واقترب منها وهو يزيح تلك خصلات شعرها المبعثرة على جبهتها ولأول مرة يتأملها... يتخلل قلبه شعور لم يعهده من قبل سوى معها فقط... تذكر مرضها الذي أخبره به آسر منذ قليل أحس بالخوف عليها فهو ليس شعورًا بالشفقة بل هو الحب الذي ولد في قلوب جمعها القدر.
- أنتي نمتي تاني ليه... اصحي بقى أنا لسه ماخدتش حقي منك... فكرك عشان الحادثة اللي حصلتلك هنسى الزفت اللي دلقتيه على اللوحات وبسببك ضهري كان هيتكسر.
بدأت مقلتاها بالحركة تحت جفونها... اعتصرت عينيها بألم لتطلق آهة من الألم.. فتحت عينيها ببطء وحاولت النهوض.
بادرها يونس بالمساعدة فقالت: أنا فين؟
يونس: إحنا في المستشفى.
نظرت إلى ساعدها الذي يحاوطه الجص فقالت: إيه ده... أنت عملت فيا إيه؟؟؟
يونس: والله ماعملتلك حاجة.. بس تقدري تقولي ده ذنبي واللي عملتيه فيا في الجاليري... قالها مبتسمًا.
- أنت شمتان فيا!!! .. قالتها بانزعاج.
- أبدا والله أنا بهزر معاكي... اللي حصلك أنتي اتقلبتي بالموتوسيكل اخدتك وجبتك على مستشفى يوسف أخويا.... قالها يونس.
نهضت بجذعها وهي تتألم تريد أن تنهض وقالت: أنا عايزة أروح.
يونس: الدكتور قال إنك هتمشي على آخر النهار مش دلوقت.
كارين: مش هينفع ورايا حاجات كتير ولازم أخلصها... ثم حدقت في ساعدها الملفوف بالجص وأردفت: ينهار أزرق هعمل إيه أنا دلوقت.
يونس: في إيه بس؟؟
كارين بسأم: مش فاضل غير 3 أيام والمفروض أبعت رسالة الماجستير بتاعتي وفاضلي اللوحة اللي عندك المفروض أرسمها.
- متقلقيش أنا معاكي وهساعدك في كل ده.
- شكرًا كفاية تعبك معايا... قالتها على مضض.
يونس: ولا تعب ولا حاجة... ولو عايزة تمشي تعالي وأنا هوصلك لحد البيت.
ابتسمت لكن التوتر جلي على ملامحها.
_______________________
في إيطاليا....
بدأ المدعوون بالتوافد حيث جاء منهم من خلال مروحية والآخر عبر اليخوت التي يمتلكها قصي... بينما بالأعلى تقف صبا أمام المرآة ترتدي ثوبًا باللون الأحمر القاني المائل للنبيتي... خصلات شعرها منسدلة على كتفيها محاوطة وجهها الذي تزينه بعض اللمسات الخفيفة من مستحضرات التجميل... جاء خلفها بهيبته وبدلته الأنيقة وحذائه الأسود الجلدي... يزفر دخان سيجارته في الهواء... ثم وضعها جانبًا فوق الطاولة وتقدم منها لتتفاجأ بقبضته تجمع خصلات شعرها وقال بنبرة أمر:
- شعرك ده تلميه.
رمقته بامتعاض وقالت: وشعري مضايقك في إيه لما أسيبه؟؟
اقترب قصي من أذنها ووضع يديه على خصرها ويغرز أنامله بقوة وقال: أنا مبحبش أكرر الكلام... وخدي بالك لما ننزل... سلام على أي راجل ممنوع... تكوني زي ضلي.
اعتصرت عينيها من الألم وأومأت له بالإيجاب... ابتسم وقام بدفن وجهه في عنقها ليطبع قبلة جعلتها انتفضت وابتعدت عنه.
رمقها بابتسامة خافتة وقال: مستنيكي تحت.... ثم غادر الغرفة... اتجهت نحو الباب وهي توصده من الداخل وعزمت على أمر ما لابد من المحاولة... دلفت غرفة الثياب وأخذت تبحث عن أوراقها الخاصة من بطاقة الهوية وجواز السفر الذي أحضره قصي معه... فتحت إحدى الأدراج لتبحث عن أي أموال تساعدها في الهرب لاحظت وجود مسدس أخذته ثم وجدت بعض رزم من النقود فأخذت ما يكفيها.... تنهدت والقلق والخوف يسيطران عليها... ثم خلعت ذلك الثوب الذي لم تشعر براحة في ارتدائه فقررت تبديله بآخر.
بالأسفل هبط قصي الدرج ليجد ذلك الرجل ذو الملامح المهيبة والقاسية يدلف إلى البهو وأنظار الحاضرين ترمقه بانبهار... فهو من أكبر رجال الأعمال في إيطاليا ومن أكبر زعماء المافيا في تجارة الأسلحة وكل أنواع التجارات غير المشروعة.
Benvenuto, signor Andrew
أهلاً وسهلاً سيد أندرو.
قالها قصي وهو يصافحه.
ابتسم أندرو بشموخ وقال:
Grazie signor Qusay شكرًا لك سيد قصي.
Scusa, ho dimenticato di congratularmi con te per il tuo matrimonio ... Buon matrimonio.
أعذرني لقد نسيت أهنئك بمناسبة زواجك... زواج سعيد.
أجاب قصي:
Grazie ... Quando mi congratulerò anche con te?
قهقه أندرو وقال:
Non lo farò, amo volare come un uccello senza restrizioni ... Ma quando ho saputo del tuo matrimonio, ero sicuro che il cuore del re doveva essere posseduto da una donna senza pari.
لن أفعلها فأنا أحب أحلق كالطير بدون قيود... لكن عندما علمت بخبر زواجك تأكدت أن لابد من استحوذت على قلب الملك امرأة ليس لها مثيل.
قالها ثم رفع ناظريه إلى تلك صاحبة العيون الرمادية بعد أن جمعت خصلات شعرها لأعلى بشكل أنيق وأطلقت بعض الخصلات تحاوط وجهها فأصبحت أكثر جمالًا... وثوبها الوردي الذي يكشف ذراعيها وعنقها وجيدها وضيق من الصدر ويتسع من الخصر ويصل إلى ركبتيها وحذائها ذو الكعب المرتفع الذي زادها أنوثة... التفت قصي إلى اتجاه ما ينظر إليه أندرو... تعالت دقات قلبه من سحرها الذي يأسره بنظرات عاشقة سرعان تبدلت إلى نظرات قاتلة لو كانت نيرانًا لأحرقتها حية للتو... ابتلعت ريقها من الخوف لكن ارتسمت ابتسامة على محياها... أسرع نحوها ليمسك يدها ويعتصرها في قبضته وهمس لها:
- وقسمًا بالله يا صبا الحفلة تخلص وهعرفك إزاي تلبسي الفستان ده كويس.
- آآآه إيدي هتتكسر... تأوهت من اعتصار قبضته ليدها.
جز على فكيه وقال من بين أسنانه: أوعدك دراعاتك ورجليكي اللي فرحانة بيهم ومبيناهم مش هيعدي عليهم اليوم غير ما يغطيهم الجبس إن شاء الله لما أكسرهملك.
رمقته بعينيها التي تجمعت بداخلها عبراتها التي على وشك الانسدال وقالت: الدريس اللي أنت اخترته كان خانقني من رقبتي... وبعدين أنا مش متعودة ألبس الستايل المقفول ده... أنا بحب ألبس الحاجة اللي برتاح فيها.
التفت لها لتصبح عينيه التي تكسوها الظلمة من الغضب في مواجهة عينيها وقال: الكلام ده قبل ما تكوني حرم قصي العزازي... وأنا محذرك قبل كده ومنبه عليكي في موضوع لبسك أنا اللي أختاره.
- حرام عليك بقى وكفاية أوامر... صاحت بها صبا في وجهه.
مرحبًا سيدتي الجميلة Ciao mia bella signora.
قالها أندرو الذي اقترب من صبا ومد يده لها... وبدون إدراك منها مدت يدها ليصافحها بطبع قبلة ظهر كفها... سحبت يدها على الفور بعدما تذكرت تحذير قصي لها بالأعلى.
scusa معذرة.
قالتها صبا وأسرعت بالابتعاد قبل أن يفتك بها قصي أمام الحاضرين.
_______________________
توقف يونس بسيارته أمام ذلك البناء الشاهق....
- بس نزلني هنا.... قالتها كارين بوهن.
يونس: بتعملي إيه استني أنا هنزلك وهطلعك لحد فوق.
كارين: بليز يونس... أنا هعرف أطلع لوحدي.
يونس بضيق: بطلي عند بقى مش شايفة شكلك عامل إزاي!!!
زفرت بسأم وقالت: ماشي أمري لله يلا.
ترجل من السيارة ليلتفت إليها ثم حملها على ذراعيه فتمسكت به وهي تحاوط عنقه بيديها... تلاقت عينيه بعسليتيها وكل منهما كالتائه الذي وجد الملاذ في عيون الآخر.
دخل الفناء الشاسع وهي على ذراعيه... تحت نظرات ذلك الرجلين إحداهما أمسك الهاتف وبدأ بالتحدث: لسه واصلة حالًا مع واحد وشالها وطلعها فوق.......... لأ أول مرة نشوفه............ ثواني هقولك رقم عربيته............
وصل المصعد إلى الطابق الذي تقطن فيه... خرج وهي مازالت على ذراعيه.
كارين: كفاية لحد كده وميرسي تعبتك معايا.
يونس: طيب بعد إذنك نمرة موبايلك عشان أبقى أطمن عليكي.
قالها وهو يعطيها هاتفه لتدون عليه رقم هاتفها.
كارين: ميرسي مرة تانية على اللي عملته معايا.
ابتسم وقال: على إيه.. أنا معملتش حاجة... هسيبك بقى عشان تدخلي ترتاحي.. واتفضلي شنطتك أهي.... قالها وأعطاها حقيبتها.
______________________
وبداخل السيارة السوداء ذات الدفع الرباعي يقود كنان بسرعة جنونية وهو يطلق السباب واللعنات على المصائب التي تتوالى.
رن هاتفه ليجيب من خلال سماعة البلوتوث: ألو... عرفت مين صاحب العربية؟؟؟
المتصل: يونس عزيز حكيم البحيري.
جز كنان على شفته السفلى بغضب وقال: طيب سلام أنت دلوقت.
أغلق المكالمة وانعطف بالسيارة ودلف من بوابة كبيرة مفتوحة أبوابها على مصراعيها فتوقف وترجل من السيارة ليجد رجال الشرطة قد أمسكوا بحراس المخازن.... والآخرون يفتشون في كل الأرجاء.
ضابط المباحث بنبرة متعالية: وأنت مين بقى؟
أخرج كنان بطاقته الشخصية وأعطاها للضابط وقال: أبقى مساعد والحارس الشخصي لقصي باشا.. أقدر أفهم حضراتكو بتعملو إيه؟؟؟
رمقه الضابط باحتقار وقال بسخرية: حضرتنا جايلنا أمر بتفتيش مخازن الباشا بتاعك.
- رائد باشا ملقناش غير أسياخ حديد... قالها العسكري.
رمق الضابط كنان بنظرات ماكرة وقال: روح يا ابني انده على العساكر وقولهم يلا.
ابتسم كنان بانتصار وقال: شرفتنا يا باشا.
الضابط: متفرحش أوي كده لأن المرة الجاية هلاقي اللي كنت بدور عليه وساعتها هتشرف أنت والباشا بتاعك في السجن..... قالها وذهب ليدلف لداخل سيارة الشرطة وانطلقت.
توجه كنان بخطوات سريعة وصاح قائلاً: شناوي افتح البوابة.
وبدأت الأرض في التحرك لتنفتح بوابة سرية يهبط منها كنان إلى الأسفل للاطمئنان على صناديق الأسلحة.
_______________________
في منزل الشيخ سالم...
يتناول ثلاثتهم وجبة الغداء....
- تسلم إيدك يا بنتي... نفسك في الأكل زي والدتك الله يرحمها.... قالها سالم.
ابتسمت خديجة وقالت: ربنا يرحمها... شكرًا يا بابا.
طه: بابا كنت عايزك في موضوع.
ابتلع سالم طعامه وقال: خير؟
طه: أنا عارف إنك لسه زعلان مني حتى بعد ما رضيت أرجع البيت.
ترك الملعقة في الطبق لتصدر صوتًا ثم زفر بضيق وقال: أنا لو لسه زعلان منك مكنتش دخلتك من باب الشقة... لكن زعلان على تربيتي ليك كل السنين اللي فاتت وأنا براعي فيك ربنا.
طه: يا بابا ما أنت شايف ظروفنا وكل ما أروح أقدم في شغل يقولولي لما نحتاج هنتصل بيك.
سالم: مش عمك عزيز قالك كذا مرة تيجي تشتغل في المصنع أو الشركة عندهم وأنت اللي مش راضي.
طه: يعني واحد معاه دبلوم زي حالاتي هيشغلني أي حاجة من الاتنين يا عامل من عمال المصنع يا إما أمن في الشركة... ويبقى آدم ابنه قاعد في مكتب وتكييف وسكرتيرة ويتقاله يا بيه ويا باشا... وأنا واقف زي الكلب تحت بحرسهم.
سالم: أستغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم... أنا نفسي أعرف أنت جايب السواد اللي في قلبك ده منين؟؟
صاح طه بصوت مرتفع: من الظلم وقسوة الدنيا يا بابا اللي حضرتك عامل مش شايفهم.
وأخيرًا تدخلت خديجة وقالت: عيب يا طه ووطي صوتك أنت بتكلم بابا مش واحد صاحبك.
رمقها بامتعاض وقال: خليكي في حالك... قالها ثم نهض وأردف: عن إذنكو أنا نازل... قالها ثم غادر المنزل.
نهض سالم وقال: الحمد لله.
خديجة: يا بابا أنت مكملتش أكلك.
سالم: شبعت يا بنتي.
خديجة: ادعيله يا بابا ربنا يصلح حاله.
سالم: أخوكي طول ما قلبه أسود والحقد عامي عنيه عمر ما هينصلح حاله.
خديجة: ربنا يهديه.
سالم: ربنا يديله على قد نيته.
__________________________
وفي الأسفل... خرج من الفناء وأخرج علبة السجائر والتقط واحدة وقام بإشعالها ويزفر بحنق...
وعلى بعد أمتار تسير بطريقة مغناج وتتشدق بالعلكة مرتدية عباءتها وحجابها الذي يظهر نصف خصلات شعرها... تمسك بيديها مجموعة من الأكياس البلاستيكية.. وصلت أمام البناء فانتبه لها طه.
فابتسمت بمكر وقالت بدلال: لو سمحت يا اسمك إيه ممكن تشيل معايا الشنط دي لغاية الدور التاني ينوبك ثواب.
رمقها طه بنظرات شهوة وقال: عنك... قالها وهو يأخذ منها الأكياس متعمدًا ملامسة يدها.
فأردف وقال:
- العسل ساكن فين؟
أشارت له إلى البناء وقالت:
- هنا في الدور التاني.
ابتسم بسعادة وقال:
- ده إحنا جيران بقى، ميكونش أنتو الـ...
قاطعته وأومأت له وقالت:
- أيوه إحنا اللي ساكنين جديد.. وأنت ساكن في أنهي دور؟
طه:
- أنا ساكن قصادك.
انفرجت أساريرها بفرح وقالت:
- ايه ده أنت ابن الشيخ سالم!
طه:
- آه... مقولتليش اسمك ايه؟
أجابت بدلال:
- سماح، والدلع موحة.
طه:
- وأنا طه... ولو احتجتي أي حاجة في أي وقت أنا في الخدمة... إحنا جيران والجيران...
قاطعته وقالت:
- لبعضيها... هيهيهيهيييييي.
أطلقت ضحكة رقيعة ثم أردفت:
- طيب يلا والنبي لأحسن خالتي تبهدلني.
قالتها ثم دلفت إلى داخل البناء وهو يتبعها، تصعد الدرج وهي تتعمد أن تتمختر بخصرها، وصل كلاهما أمام باب المنزل، فقامت بالضغط على الجرس.
- افتحي يا خالتي.
قامت الخالة بفتح الباب وقالت:
- كل ده في السوق يا عين خالتك!
رمقتها سماح وهي تغمز لها بعينها وقالت:
- أعرفك يا خالتي... طه يبقى ابن الشيخ سالم صاحب البيت.
ابتسمت له بتصنع وقالت:
- أزيك يا بني لا مؤاخذة ما خدتش بالي.
ابتسم طه وقال:
- ولا يهمك.
سماح وهي تأخذ من يده الأكياس:
- شكرًا يا سي طه.
طه:
- العفو.
قالها وهمّ بالذهاب.
الخالة:
- ينفع كده تمشي من غير ما نعمل معاك الواجب؟
طه:
- تسلمي خليها مرة تانية... سلامو عليكو.
***
دلفت سماح إلى الداخل ثم وضعت الأكياس فوق المنضدة وخلعت حجابها.
- وده حكايته ايه يا بنت المليجي؟
قالتها الخالة وهي تضع يديها في خصرها.
زفرت سماح بتأفف:
- أوووف اصبري يا خالتي لما أخد نفسي.
قالتها لترتمي على المقعد المتهالك بأريحية.
جلست الخالة على المقعد المقابل وقالت:
- ها صبرت، وبعدين؟
ابتسمت بخبث وقالت:
- مش نفسك ربنا يتوب علينا من البهدلة ونعيش في شقة ملك ومحدش يكرشنا عشان الإيجار المتأخر؟
أجابت الخالة بسخرية:
- وده إزاي بقى يا روح خالتك!!
- هو ايه اللي إزاي... ومالي ياختي ناقصة إيد ولا رجل؟
صاحت بها سماح.
الخالة:
- إنتي هتضحكي على نفسك يا بت؟ ما إحنا عارفين اللي فيها، ولا تحبي أكلملك المعلم بيومي؟
سماح:
- يعني عجبك بقالي سنتين بتحايل عليه يكتب عليا رسمي وهو مش راضي، كل ده خايف من أم أربعة وأربعين مراته.
الخالة:
- أنتي اللي وافقتي على كده من الأول.
سماح:
- وافقت أحسن ما كان خادني غصب زي جوزك الله يحرقه دنيا وآخرة.
رواية صراع الذئاب الفصل الثامن 8 - بقلم ولاء رفعت علي
حل المساء وبدأت الموسيقى، ليتراقص الجميع في الساحة الشاسعة أمام الدرج. دلفت من الحديقة حتى تستغل التزاحم والاختباء من عينيه التي تترصدها أينما ذهبت، والحراسة الكثيفة المشددة في كل أرجاء المنزل، وفي الحديقة، وعند البوابة الخارجية.
شعرت بالظمأ، فذهبت إلى المطبخ. لم تجد أحدًا، فتنهدت براحة، واتجهت نحو الطاولة الرخامية لكي تلتقط كوبًا زجاجيًا، وقامت بسكب الماء بداخله من ذلك الدورق الزجاجي، وارتشفت حتى ارتوت. وجاءت تلتفت حتى تذهب، فأطلقت شهقة بخوف عندما وجدته خلفها مباشرة.
فقالت بخوف: "قصي!!"
اقترب منها بهدوء وهي تتراجع إلى الخلف ليلتصق خصرها بحافة الرخامة.
ترك كأس الفودكا الذي كان بيده فوق الطاولة وقال: "مالك خايفة ليه؟"
أجابته بتوتر: "مش خايفة... أنا اتخضيت لما لقيتك ورايا."
رمقها بنظرات عشق دفين واقترب منها وحاوط خصرها بين يديه وقال: "أنا ليه مش شايف أي واحدة غيرك؟... الحفلة مليانة ملكات جمال، كل واحدة فيهم تتمنى أقضي معاها ساعة... لكن أنتي اللي عايز أقضي معاها باقي عمري كله."
لم تتفوه بكلمة وظلت محدقة في عينيه. فأردف وهو ينحني ويدفن وجهه في عنقها لتشعر بحرارة أنفاسه: "صبا عشق روحي... صبا عشق قلبي اللي بيدق بحروف اسمها... قلبي وعقلي متيم بيكي... أنا عاشق ما بين إيديكي... ومقدرش أبعد عنك لحظة لأن روحي فيكي."
تسمرت بمكانها لتجده يضمها بقوة ويقبل عنقها بتملك يجمع ما بين العشق والقسوة. وعندما سمع أنينها من قسوة قبلاته التي تركت علامات ملكيته، ابتعد برأسه ليحدق في رماديتها التي سحرت قلبه وعقله وهواه. فرفعها لأعلى من خصرها لتجلس على الطاولة الرخامية لتدفع يدها بدون قصد الكأس، ووقع على الأرض ليدوي صوت حطامه. فلم يكترث له وحاوط عنقها بكفيه، وانهال بنهم ليرتوي من أنهار عسل شفتيها. تمنى أن يثمل من خمر عشقها ويدخل في مملكة فؤادها، بل هو أسير عينيها التي تحرقه في نيران الحب.
"أحم... قصي باشا..." قالتها ماتيلدا التي دلفت للتو وشعرت بالإحراج والخجل.
التفت قصي لها ورمقها بغضب: "عايزة إيه؟"
ابتلعت ريقها بوجل وقالت: "سنيور أندرو بيسأل عن حضرتك."
"امشي أنتي وأنا جاي." قالها بأمر لتغادر.
فالتف مرة أخرى إلى صبا وقام بإنزالها وهي ما زالت صامتة، تخشى أن تتفوه بحماقة ويفشل مخطط هروبها. بينما هو ظن أنها قد بدأت بالإذعان إلى عشقه لها.
خرجا سويًا وهو يحاوط خصرها بذراعه.
"Dove sei andato? أين ذهبت يا رجل؟" قالها أندرو.
أجاب قصي: "Sei andato nel mio cuore e l'hai portato con me. ذهبت إلى قلبي وأحضرته معي."
قالها ثم أمسك يدها وطبع قبلة حانية عليها.
ابتسم أندرو لهما ثم قال لصبا: "Mi lasceresti ballare con te, signora? هل تسمحين لي بالرقص معك يا سيدتي؟"
نظرت صبا إلى قصي فلم تفهم ما يقوله أندرو.
ابتسم قصي وهو يجز على فكيه وقال: "Scusa... signore. Mia moglie non ha solo ballato con me. عذرًا سنيوري... زوجتي لم ترقص سوى معي فقط."
قالها قصي ليرمقه أندرو بابتسامة مصطنعة. بدأت موسيقى التانجو.
جذبها من يدها ليتوقف في ساحة الرقص.
"هو كان بيقول إيه؟" قالتها صبا.
وقف خلفها وجعل ظهرها يلتصق بصدره ويديه على خصرها ليبدأ يتراقص معها رقصة التانجو. همس بجوار أذنها: "كان عايز أحفر له قبر وأدفنه مكانه."
قالها ثم أبعدها لتلتف بدوران حول نفسها ثم أمسك يدها ليجذبها نحو صدره، فحاوطها بذراعيه لتلتصق به وجهًا لوجه. فقام برفع ساقها لتلف حول فخذه ورفع يده الأخرى وهو يمسك يدها وانحنى بها للأمام على إيقاع الموسيقى.
"ساكتة ليه؟" قالها قصي ونظراته تخترق عينيها.
أجابت: "وهتكلم أقول إيه؟"
رفعها من خصرها لأعلى لتحاوط جذعه بساقها وأخذ يدور بها في الساحة. ثم أنزلها وقال: "قولي اللي حسيتيه في عينيكي وإحنا في المطبخ."
رمشت عدة مرات وهي تفكر كيف أن تخرج من ذلك المأزق. فابتعدت من بين يديه لتقف خلفه وتلتصق به وتضع كفيها فوق كتفيه. فأمسك بإحدى كفيها ليجعلها تلتف إليه وتلتصق به وجهًا لوجه. وضعت يدها على كتفه وهو يحاوط جذعها بذراعه، ويده الأخرى يرفع ساقها ممسكًا بفخذها ويتحركان سويًا. أغمضت عينيها وهي تتخيل من يتراقص معها هو آدم. همست بجوار أذنه بصوت أنثوي قد أذاب قلبه بين يديها: "ب...ح...ب...ك."
ثم ابتعدت لتدور حول نفسها ثم عادت مرة أخرى لتحاوط عنقه بذراعيها وحاوطت خصره بإحدى ساقيها ثم انحنت إلى الخلف ثم اعتدلت لتنزل ساقها وتوقفت الموسيقى ليتعالى تصفيق المدعوين. وما زال يحدق في عينيها كأن الزمان توقف في تلك اللحظة، لم يصدق مسامعه التي تلقت الكلمة التي طالما تمنى سماعها. على الرغم من أنه يساوره الشك، لكنه أراد أن يعيش ذلك حتى لو كانت برهة من الزمن. لم يكترث لمن حوله، عانقها بقوة وهمس أمام شفتيها: "وأنا بعشقك."
ثم أخذ يرتوي من شفتيها كالظمآن الذي وجد نهرًا جاريًا وظل يرتوي منه، تحت نظرات النساء الحاقدات منهن وأخريات تمنت لها السعادة.
في منزل عبد الله،
تقف أمام الموقد تقلي رقائق البطاطس، وكانت تدندن بدلال. لتجد ذلك الذي يحاوطها من الخلف ويقول: "والله العظيم بحبك يا شوشو... واللي بتعمليه فيا حرام وظلم وافترا."
التفتت إليه وهي تدفعه في صدره، وصاحت في وجهه: "بقولك إيه يا عبده، اتمسي وأقول يا مسا... مش معنى إنك وقفت معايا قدام مرات أبويا وأديتها على دماغها يعني كده إني هسامحك بالساهل."
زمت شفتيه للأسفل بسأم وقال: "طيب أعملك إيه عشان تسامحيني؟"
أطفأت نار الموقد وقالت: "لما أحس إنك اتغيرت وبطلت تشرب الهباب اللي كنت بتشربه."
نظر لها برجاء: "طيب ده مقدرش أبطله بالساهل، ممكن واحدة واحدة."
رمقته بحدة وقالت: "يعني كنت بتحلف لأبويا في قعدة الرجالة كذب!!!"
اندفع وقال: "والله أبدًا، أنا فعلًا ناوي أبطله بس أنتي ترضي عني وحياة عيالنا اللي لسه ما جوش بسببك."
رمقته بخبث وقالت: "يعني أنت بتلف وتدور عشان تنول غرضك مني."
غر فاهه وقال: "حرام عليكي يا شيخة، أنا جوزك مش واحد شاقطك."
رفعت إحدى حاجبيها وقالت: "وبرضو مش هخليك تلمسني غير لما أحس إنك اتغيرت وبقيت عبده اللي حبيته واستحملت كل حاجة عشانه."
اقترب منها وأمسك يديها وقال: "وأنا والله زي ما عرفتيني... والليلة إياها اللي كنت هعتدي عليكي فيها ما كنتش في وعيي."
وضعت يديها على خصرها وقالت: "وأنت فاكر هنسي الموضوع ده كده وهعديه... اقتربت منه واحتدت عينيها وأردفت: بعينك يا عبد الله."
أخذ يتمتم بكلمات تكاد مسموعة: "يا دي حظك النحس يا عبد الله اللي أنا عملته في نفسي ده."
"بتبرطم بتقول إيه؟" صاحت بها شيماء.
عبد الله بحنق: "ما بقولش... وبعدين تعالى لي هنا، أنا راضي بذمتك منين بتعاقبيني ومش عايزاني ألمسك زي ما بتقولي وقاعده لي طول النهار والليل بالعباية الضيقة دي ومبينة كل رجلك ودرعاتك."
عقدت ساعديها أمام صدرها وقالت بدلال لتجعله يموت من الغيظ: "أولًا ده اسمه كاش مايو، ثانيًا وأنت مالك، قاعدة في بيتي والجو حر... ولا مش عاجبك روح ارجع للأوضة اللي فوق السطوح اللي كنت عايش فيها مع الفراخ يا عم الديك."
جز على أسنانه وهو يقبض بقوة على قبضتيه وقال: "ماشي يا شيماء، إنما للصبر حدود على رأي الست... وها شوف آخرتها معاكي إيه."
أطلقت ضحكة رقيقة: "هيهيهيهيهيهي... آخرتها مانجا وتفاح وعنب وكل ما تشتهي من الفواكه."
ابتسم عنوة عنه وقال بطريقة كوميدية مضحكة: "طيب أنا عايز كوكتيل."
قالت بنبرة استفزازية: "روح كله عند بتاع عصير القصب اللي على ناصية الشارع... قالتها ثم أخرجت لسانها بطريقة طفولية."
زمجر بحنق وغادر وقال وهو يفتح الباب: "طيب والله لنازل أقعد في الشارع والناس لما تشوفني هيأكلوا وشك وهيقولوا ده جوزها زهق منها وسابها في يوم الصبحية ونزل."
صاحت من مكانها وقالت بتهديد: "أبقى انزل يا عبده عشان هخليك تاكل طول عمرك كوكتيل من عند بتاع العصير."
صفق الباب ودلف إلى الغرفة وقال: "حسبي الله ونعم الوكيل."
انفجرت من الضحك وقالت بصوت منخفض: "أنت لسه شوفت حاجة، أما ربيتك من أول وجديد ما بقاش أنا شيماء بنت الحاج فتحي."
ها قد انتهى وقت الحفل وبدأ الجميع بالمغادرة. تختبئ بين الأشجار في الحديقة بعد أن أبدلت ثيابها وارتدت بنطلون جينز وقميص قطني وحذاء رياضي. جمعت خصلات شعرها مثل ذيل الخيل وارتدت الحقيبة على كتفيها. تسللت من بين النخيل والأشجار حتى وصلت إلى السور وهو عبارة عن أشجار متشابكة. أخذت تتسلق الشجرة بدون أن تلفت الأنظار إليها ثم قفزت إلى الخارج. تنفست الصعداء لتركض نحو إحدى اليخوت الشاغرة قبل أن يأتي أحد ويراها، فالجميع يعرفها جيدًا عندما رقصت مع قصي.
قفزت بداخل اليخت بدون اكتراث وأخذت تبحث عن مكان للاختباء. وجدت بابين متقابلين، دلفت من الواقع على يمينها لتجدها غرفة كبيرة يتوسطها تخت ذو فراش وثير ومقاعد من المخمل الأسود ونوافذ زجاجية ترى من خلالها النهر والسماء. انتبهت إلى قرع أقدام يأتي نحو الغرفة. خشيت أن يكتشف أمرها أحد، وجدت بابًا بداخل الغرفة فأدركت أنه المرحاض الملحق بالغرفة، التجأت إلى الاختباء بداخله. بدأ اليخت في التحرك ليغادر المرسى. ظلت بالداخل طوال مسافة الطريق وبعد مرور أقل من ساعة، أحست باستقرار اليخت، توجهت نحو النافذة الصغيرة حتى رأت ذلك الميناء. انفرجت أساريرها بالسعادة وأخيرًا ستبتعد وتنال حريتها. فتحت باب المرحاض رويدًا وهي تراقب الغرفة، زفرت بأريحية وخرجت وغادرت الغرفة. وصلت إلى الردهة وجاءت تخرج من الباب الزجاجي لتصعد إلى السطح وتغادر.
ليفاجئها صوت قهقهة مرتفعة لتلتفت إلى مصدر الصوت خلفها وهي تغمض عينيها تدعو الله أن يخيب ظنونها.
ما زال مستمرًا في الضحك الذي يختبئ خلفه عاصفة ستدمرها لا محالة. ابتلعت غصتها لتشعر بجفاف حلقها، وفي أقل من ثانية فتحت عينيها عندما توقف عن الضحك وشعرت بدخان سيجارته يلامس بشرتها. اتسعت عينيها وارتعدت أوصالها.
ألقى سيجارته أرضًا ودعسها بحذائه، وضع يديه في جيوب بنطلونه الأسود. تفوح منه رائحة عطره المختلطة برائحة الخمر والسجائر. احتدمت نظرات عينيه التي دبت الرعب في قلبها التي تعالت نبضاته من الخوف.
"تعرفي يا صبا، ديما الغبي فاكر نفسه أذكى واحد ويقدر يخدع اللي قدامه... ويا سلام لو اللي قدامه عارف أنه بيفكر في إيه؟" قالها بهدوء الذي يسبق العاصفة.
تراجعت إلى الخلف وبدأ الدمع يتلألأ في عينيها لتتساقط عبرة من أهدابها وقالت بصوت يكاد مسموع: "قصي... أنا أسف..."
قاطعتها صفعة قوية جعلتها تسقط أرضًا أسفل قدميه. لم تشعر بشيء، تنغلق أهدابها حتى فقدت الوعي.
في قصر البحيري،
تركض تلك الصغيرة في الرواق لتدير مقبض باب الجناح وتدفعه وهي تركض نحو جدها النائم. طبعت على وجنته قبلة رقيقة وقالت: "صباح الخير يا جدو..." فتح عينيه فابتسم وهو ينهض بجذعه.
"صباح الخير يا روح جدو..." قالها عزيز وهو يحملها لتجلس على ساقيه ويعانقها.
لوجي: "اصحى بقى كفاية نوم."
ضحك من طريقة حديثها الطفولي وقال: "ولوجي حبيبة جدو عايزاني أصحى ليه بدري في يوم إجازتي؟"
لوجي: "النهاردة إيه يا جدو؟"
عزيز بابتسامة ماكرة: "النهاردة الجمعة."
زمت شفتيها وقالت: "أنا قصدي التاريخ."
عزيز: "النهاردة يوافق أجمل يوم اتولدت فيه أحلى بنوتة... كل سنة وأنتي طيبة وبخير يا قلب جدو..." قالها لترتمي الصغيرة على صدره وتعانقه وقالت: "وأنت طيب يا قلب لوجي."
"يا سيدي يا سيدي على الدلع ده كله... إشمعنى ما فيش الكلام ده لجيجي؟" قالتها جيجي التي دلفت الآن.
لوجي: "أنا زعلانة منك."
جيهان: "يا خبر أبيض..."
وحبيب قلبي الصغنن زعلان مني ليه ؟؟
لوجي : عشان ضحكتي عليا إمبارح قولتيلي هاحكيلك حدوتة وبعد كده لاقيتك نمتي
جيهان : معلش يالوجي كنت تعبانة شوية ونمت
عزيز بلهفة وقلق : مالك ياحبيبتي ؟
أبتسمت وقالت : متشغلش بالك ده كان شوية صداع خفيف وراح لحاله
لوجي : خلاص هاسمحك المره دي عشان عيد ميلادي بس
أمسكت جيهان بوجنتي تلك الصغيرة وقالت: حبيبة قلبي الي قلبها أبيض كل سنة وأنتي طيبة ياروحي وأشوفك عروسة زي القمر
دق الباب ثم دلفت ملك مبتسمة وقالت :بونجور عليكو جميعا
جيهان وعزيز ولوجي : بونجور
جيهان : غريبة يعني صاحية بدري النهاردة
عزيز بنبرة ماكره : بالتأكيد عايزة حاجة
جلست بجواره وحاوطت ظهره بزراعها وقالت : بصراحة أه
عزيز : قولي
_ أنا خوفت أكلمك إمبارح عشان لاقيتك متعصب بسبب الشغل ... قولت هقولك النهاردة بس بليز يابابي عشان خاطري توافق... قالتها بنبرة رجاء
تنهد عزيز وقال : ها يا ملك عايزة تروحي فين المره دي؟
ملك : بارتي عملينها أصحابي في نايت بمناسبة نجاحنا السنة دي
جيهان بإندهاش وغضب : نايت يا ملك!!!
ملك : يامامي ده مش هيبقي فيه حد غيرنا أنا وأصحابي
تدخلت لوجي وقالت : عشان خاطري ياجدو خلي ملوكة تروح لأصحابها
ضحك عزيز وقال : طيب والله ما كاسفك ياروح جدو وأمري لله ... روحي ياملك
أبتسمت بسعادة غامره وعانقت والدها وقالت : ميرسي يا أحلي بابي
_ بس مصعب هيروح معاكي ... قالتها جيهان
تبدلت ملامحها من السعادة إلي الأمتعاض وقالت : حاضر يامامي
عزيز : والحفلة دي أمتي؟
ملك : النهاردة بلليل إن شاء الله
لوجي : وعيد ميلادي ياملوكة ؟؟؟
ملك : متخافيش ياقلب عمتو طبعا هاكون موجودة وتعالي بقي عشان أوريكي الهدية الي جبتهالك ... قالتها لتمسك لوجي بيدها وذهبت معها
عزيز : كلمتي سالم وولاده عزمتيهم ؟
جيهان : أنت عارف سالم مبيعترفش بأعياد الميلاد ... أنا هكلم خديجة دلوقت وهاعزمها هي وطه
قالتها وأخرجت هاتفها من جيب معطفها وهاتفت خديجة
____________________
_ في منزل الشيخ سالم ...
أدت فرض ربها ثم ألقت السلام ... صدح رنين هاتفها نهضت لتمسك بهاتفها وأجابت : ألو صباح الخير ياطنط
جيهان : صباح النور ياديجة عامله أي أنتي وبابا وأخوكي؟
خديجة : الحمدلله بخير
جيهان : ها أي رأيك ف الكتب الي بعتهالك مع أدم
وقعت عينيها ع الكتاب الذي مزقه طه فأجابت بتوتر : أه تسلمي حلوين جدا
جيهان : أنا بتصل بيكي عشان أعزمك ع عيد ميلاد لوجي ... هابعتلك الشوفير ياجي ياخدك أنتي وطه
خديجة : كل سنة وهي طيبة
جيهان : وأنتي طيبة ياحبيبتي ... جهزي نفسك بقي عشان هابعته دلوقت لأن عايزة أقضي اليوم معاكي من أوله
أبتسمت خديجة وقالت : حاضر وأنا كمان نفسي قعد مع حضرتك
جيهان : يلا ياحبيبتي هستناكي مع السلامة
خديجة : بإذن الله ... الله يسلمك
قالتها وأغلقت المكالمة ... لترتسم بسمة تغمر ثغرها فهي كم أشتاقت لرؤيته ... خرجت تبحث عن والدها لتجده يجلس بالردهة ويقرأ سورة الكهف بصوته الرخيم ... جلست بجواره وظلت صامتة حتي أنتهي من القراءة وقال : صدق الله العظيم .. وأخذ يردد الإستغفار والتسبيح
ثم نظر إليها وقال :خير يابنتي ؟
خديجة : خير إن شاء الله يابابا أنا كنت عايزة أستأذنك هاروح أقضي اليوم عند عمو عزيز وأحضر عيد ميلاد لوجي ... طنط جيهان عزمتني وقالتلي أبلغ طه
سالم : روحي طبعا يابنتي بس متقوليش لطه أخوكي أنتي عرفاه بيرمي كلام زي الدبش لما بنروح هناك وممكن يقلبلهم اليوم غم
ضحكت خديجة وقالت : حاضر ياحبيبي ... أنا هقوم بقي أجهز نفسي عقبال ما السواق يجي ياخدني.
________________________
_ في منزل رحمة ....
أستقيظت بتثاؤب لتنهض وخرجت إلي الردهة وجدت والدتها تدلف من باب المنزل وبيدها الكثير من الأكياس البلاستيكية
_ أي ياماما أنتي عاملة عزومة النهاردة ولا أي؟ ... قالتها رحمة
والدتها وهي تلتفظ أنفاسها وتركت الأكياس فوق الطاولة : لاء دول شوية حاجات أشترتهم لحماتك عشان معزومين عندهم النهارده
غرت فاها وقالت : نعم !!! ومقولتليش ليه ؟؟
والدتها : والله نسيت يابنتي هي قابلتني ف السوق إمبارح وقالتلي
زفرت بحنق وقالت : طيب أنا مش عايزة أروح ياماما
والدتها : مش هينفع يارحمة دي مأكده عليا وبعدين الست كتر ألف خيرها يعني
رفعت إحدي حاجبها بأقتضاب وقالت: حاضر ياماما ونشوف أخرتها أي ... وأراهنك إن ورا العزومة دي حاجة ف دماغها
والدتها : هيكون ف دماغها أي يعني؟
رحمة بسخرية : توقعي أي شئ من ست ماري منيب دي
____________________________
_ تتجمع الخادمات في المطبخ لإعداد الطعام الذي سيقدم ف الحفل ... تجلس ياسمين تحدق ف الفراغ والدمع آسير بداخل عينيها ... لكزتها علا وقالت : مالك يابنتي سرحانة ف أي؟؟
أنتبهت ياسمين لها وقالت : مفيش ... تعبانة شوية
ربتت علا ع ظهرها وقالت : معلش هي مهما كانت مامتك متزعليش منها
ياسمين بصوت قد أوشك ع البكاء : يا علا محدش يعرف أي حاجة ومينفعش أتكلم أنا تعبت وربنا ... ماصدقت أبعد عن الأرف الي كنت عايشة فيه وهي مش عايزة تسيبني ف حالي وكمان بتهددني بعمي الي هو يقول للشيطان قوم وأنا هاقعد مكانك
قطبت حاجبيها وقالت : ياساتر يارب للدرجدي عمك ده شرير؟
أبتسمت بتهكم وقالت : يا علا بابا الله يرحمه جه اشتغل ف مصر عشان يبعد عنهم وعن شرهم وخاصة لما عرف عمي ناوي يجوزني أبنه الجحش الي اسمه خميس
ضحكت علا : هههههههه جحش ... يخرب عقلك ياياسمين
أبتسمت عنوة عنها وقالت : أنتي لو شوفتيه أصلا هتترعبي ... عارفة شبه مين
علا : مين ؟
ياسمين وهي تكتم ضحكاتها : شبه جعيدي الي ف فيلم شمس الزناتي
وهنا أنفجرت علا من الضحك وقالت : ههههههههههههه يا مامي ... بجد مش قادرة هاموت من الضحك بتخيلك وأنتي قاعدة جمبه ف الكوشة
لكزتها ياسمين ف كتفها وقالت : يعني بفضفض معاكي تقومي تتريئ عليا عبو شكلك
علا : خلاص ياقلبي متزعليش كنت بضحك معاكي ... المهم كنت إمبارح بنضف أوضة يونس بيه وكنت واقفه ف البلكونة وكان أخوه ف الأوضة التانية عمال يتكلم ف التليفون جالي فضول وأسمع ويارتني ماسمعت
تجهم وجه ياسمين وقالت : سمعتي أي؟
رمقتها ياسمين بخبث وقالت : مش أنتي قولتي خلاص بعدتي عنه ومش بتكلميه
ياسمين بتوتر جلي : طيب ما أنا فعلا بعمل كده
علا بعدم إقتناع : ماشي ياستي هاعمل نفسي مصدقاكي ... المهم لاقيته عمال يتكلم مع واحده ويالهوي ع الكلام الي بيقولو لها ... ثم أنحنت نحو أذنها وهمست لها بدون أن يسمعهم أحد ليتلون وجه ياسمين بالأحمرار من الخجل والغضب معا
_ بس ياستي ... تفتكري بقي الكلام ده عمر واحد هيقولو لواحد الا إذا كان بينهم علاقة ؟؟
نهضت ياسمين وقالت : وأنا مالي الهي يولعو ف بعض
أمسكتها علا من يدها وقالت : خدي هنا مالك اتضايقتي كده ليه أنتي بتغيري؟
ياسمين بإستنكار : وأنا هغير ليه إن شاء الله
_ بطلي رغي منك ليها وأطلعو غير الملايات والستاير قبل ما البهوات يخلصو الفطار ويطلعو ... قالتها مدام سميرة بحسم
علا : يلا ياختي
صعدت كليهما إلي الطابق الثاني ... توقفت ياسمين أمام باب ياسين وهي تنظر بغضب
علا : واقفه عندك ليه ؟ ... تعالي روحي أوضة يوسف بيه وأنا هاروح أوضة آدم بيه
____________________________________
تصنعت ياسمين بالموافقة ودلفت إلي غرفة يوسف وأنجي حتي أطمأنت بإبتعاد علا ثم خرجت ودلفت مسرعة غرفة ياسين وأغلقت الباب خلفها وقعت عينيها ع هاتفه المتصل بسلك الشاحن .. وظنت أنه بالأسفل
أمسكت به وتحاول فتحه فوجدت أنه يفتح بالبصمة ... زفرت بحنق وقالت : ماشي يا ياسين عمال تضحك عليا بكلمتين وأنتي الحب والقلب وف الأخر تصيع مع الأشكال الزبالة الي ماشي معاهم ... إما وريتك
_ وأنا عايز أشوف .... جاء صوته من خلفها ففزعت وألتفت إليه لتجده جسده مبتل والمنشفة ملفوفة حول خصره فأدركت أنه كان يستحم وخرج للتو
_ أي شوفتي بعبع!! قالها بسخرية
رمقته بغضب وقالت : لاء .. شوفت واحد كداب وعمال بيكلم بنات ويقول كلام مش محترم
جلس ع طرف التخت وإستند ع كفيه إلي الوراء وقال : أنتي السبب؟
غرت فاها وقالت : أنا !!!
ياسين بنبرة خبيثة ودهاء : أيوه أنتي كل ما أجي جمبك بتجري ... يا إما سميرة تنده عليكي ... الحق عليا وأنا الي كنت هاكلم بابا ف موضوع خطوبتنا ... بس للأسف طلعتي مش بتحبيني
أقتربت منه لتقف أمامه مباشرة وقالت : أبدا والله أنا بحبك أوي من أول ما رجلي خطت القصر وشوفتك ... مبقتش شايفة ولا عايزة أشوف غيرك
ياسين بمكر : وأي الي يثبتلي كلامك؟
ياسمين : أن أنا واقفه أدامك دلوقت وبقولك أنا مليش غيرك يا ياسين .. نفسي تكون ليا الحبيب والأخ والأب وأوعي تغدر بيا ف يوم من الأيام
أبتسم بسخرية وقال : أي كلام الأفلام الي مأثر عليكي ده
رمقته بإمتعاض وقالت : أنا بأمنك ع نفسي وقلبي وأنت بتتريئ!!!
جذبها من يدها ليجلسها ع فخذيه وقال : ما أنتي كمان مليش غيرك وبحبك أوي يا ياسمين ... قالها وأخذ يداعب وجنتها بأنفاسه
نهضت لتبتعد عنه وقالت : أرجوك يا ياسين بلاش
نهض ليقف أمامها وحاوط خصرها وقال : بلاش أي؟ مش هاتحسي بيا بقي ... أنا بحبك يا ياسمين ومحتاجكك أوي
أجابته بسذاجة وبراءة : أنا هفضل جمبك ع طول بس قبلها أكون مراتك أدام ربنا وأدام الناس كلها
أبتسم بخبث ورمقها بنظرات الذئب ودفعها ع التخت وقال : وأنا بعتبرك مراتي من دلوقت ... قالها لينقض عليها وهو يحكم قبضتيه ع خصرها حتي لاتستطيع النهوض
كادت تصرخ وهي تحاول ركله فأعتلها وأحكم ساقيها بين ركبتيه ووضع كفه ع فمها وأنتزع حجابها وأقترب منها ليقبل عنقها فغرزت أظافرها ف عنقه بقوة لينهض وصاح متأوها ليضع يده ع الخدش ليجد دماءه ... نهضت مسرعة وركضت قبل أن يلحق بها لتغادر الغرفة وهبطت الدرج
بينما هو يقف أمام المرآه يتحسس جرح عنقه وقال متوعدا : أنا يالي مفيش واحدة قالتلي لاء تيجي حتة خدامة زيك تعمل فيا كده ... إما وريتك مبقاش أنا ياسين البحيري.
_________________________
_ وصلت السيارة أمام البناء ليصدر منها صوت التنبيه
وبالأعلي تعتدل من ثوبها التي قد أرتدته ف حفل زفاف صديقتها وكان عبارة عن ثوب لونه أخضر زمردي بأكمام تصل إلي معصميها ضيق قليلا من الأعلي وينسدل بإتساع من الخصر تزينه حبات اللالئ من أطرافه ومن أساوره ... يلتف حول رأسها حجاب من الحرير باللون السكر ... ألقت نظرة أخيرة في المرآه
_ يلا يا خديجة الراجل مستني تحت .... قالها الشيخ سالم
أخذت حقيبتها الجلدية ووضعت هاتفها ومحفظة نقودها .... فأجابت من داخل غرفتها : حاضر يابابا أنا خلصت ..... قالتها ثم خرجت
_ خدي يابنتي الفلوس دي عشان تجيبي بيها هدية للبنت ... قالها سالم وهو يعطيها بعض النقود
أبتسمت خديجة وقالت : شكرا يا بابا تسلملي أنا معايا فلوس كنت محوشاها
_ لاء خليهم معاكي برضو احتياطي
أخذتها وقالت : ربنا مايحرمني منك يا أبو طه
سالم : ويحفظك يابنتي ويباركلي فيكي
_ يارب ..... قالتها ثم فتحت الباب وغادرت لتهبط الدرج ... تقابلت مع سماح التي ظلت ترمقها بنظرات تضايقت خديجة منها ولم تعايراها إهتمام
قالت سماح بسخرية وهي تتشدق بالعلكة : هي دي مالها شايفه نفسها علينا كده ليه
وصلت خديجة إلي السيارة لتجد السائق يفتح لها باب المقعد الخلفي ولجت إلي الداخل ثم أوصدت الباب وركب السائق وبدأ ف تشغيل المحرك وأنطلق إلي القصر .
تتأمل الشوارع والأبنية الضخمه من النافذة ...
كانت تفكر فيما سُتهاديه لتلك الصغيرة.
قالتها خديجة: لو سمحت ممكن وإحنا في الطريق نعدي على سيتي ستارز؟
السائق: تحت أمرك يا آنسة خديجة.
بداخل سيارته الفارهة السوداء يتحدث في الهاتف من خلال سماعته اللاسلكية.
آدم مبتسمًا: وهو لسه شاف حاجة؟ هفضل وراه لحد ما يشرف السجن وياخد تأبيدة إن شاء الله.
الطرف الآخر: هدي اللعب دلوقت أظن لسه اللي اسمه كنان مبلغهوش. الظاهر لسه في إيطاليا.
آدم بسخرية: طبعًا رايح يستورد شحنة أسلحة جديدة.
الطرف الآخر: ما أظنش... على ما أعتقد واخد مراته وبيقضوا الهاني مون.
تجهم وجهه ليجز على فكيه بحنق، ليتوقف فجأة بسيارته، ليدوي صرير احتكاك الإطارات بالأسفلت.
صاح الطرف الآخر: آدم... آآآدم!
أغلق آدم المكالمة. تتعالى أنفاس غضبه كلما تذكر نظراتها إليه وهي تستغيث به. ظل يطلق السباب على نفسه وهو يضرب عجلة المقود بقبضته بكل قوته. أحس بالاختناق فترجل من سيارته أمام إحدى المجمعات التجارية الشهيرة. أوصد أبواب سيارته بمفتاح التحكم. صعد الدرج ليدلف من البوابة الزجاجية الضخمة.
توقف السائق أمام المجمع التجاري وقال: اتفضلي يا آنسة خديجة إحنا وصلنا.
خديجة وهي تفتح باب السيارة: طيب معلش ممكن تستناني وبإذن الله مش هتأخر.
أومأ لها وقال: خدي وقتك وأنا في انتظار حضرتك.
صعدت الدرج لتدلف إلى الداخل عبر البوابة الزجاجية. تتلفت يمينًا ويسارًا لترى الكثير من الناس الخارج والداخل في المتاجر. وقفت أمام الدرج الكهربائي. صعدت درجة ليصعد بها لأعلى وهي تبحث عن متجر شهير لألعاب الأطفال. وصلت الطابق الثاني لتجد مبتغاها. مشت عدة خطوات فتوقفت أمام فاترينة العرض. ثم دفعت الباب وولجت إلى الداخل لتنتابها الحيرة من كثرة الألعاب والدمى. فطبيعتها كأنثى تعشق الدمى الخاصة بالفتيات كالعرائس البلاستيكية وغيرها.
تقدمت نحوها فتاة ترتدي بدلة نسائية سوداء قالت بنبرة ناعمة وهادئة: حضرتك بتدوري على حاجة معينة؟
أومأت لها خديجة مبتسمة وقالت: آه عايزة عروسة جميلة لبنوتة عندها 7 سنين.
البائعة وهي تشير لها إلى إحدى العرائس: بصي حضرتك العروسة دي عليها إقبال جامد من الأطفال وخاصة عليها أوفر وهو عروسة بيبي.
خديجة: خلاص أنا هاخدها... بكم؟
البائعة: قبل الخصم بـ 850 جنيه وبعد الخصم بـ 750 جنيه... أغلفها لحضرتك؟
خديجة: أوك.
ثم أخرجت محفظتها الجلدية وأخذت منها ثمن الدمية وقامت بدفعه إلى الفتاة وأخذت الدمى في حقيبة هدايا وغادرت المتجر.
بينما لدى متجر آخر يخرج للتو يمسك بحقيبة هدايا وينظر في شاشة هاتفه.
بينما هي متجهة نحو الدرج ولم تكن منتبهة لانشغالها بأخذ هاتفها من الحقيبة فاصطدمت في إحدى المارين ليقع من يده هاتفه وتحطم.
صاح الرجل بصوت جهوري لفت إليه الأنظار: مش تفتحي قدامك ولا أنتي عامية؟
أجابت بحنق على ردة فعله المبالغ فيها: لو سمحت أتكلم عدل... هو أنا كنت أقصد أخبط فيك؟
الرجل وهو يلوح بيده أمامها: يعني أعمل إيه دلوقت في الموبايل أبو 12 ألف جنيه وراح على الأرض؟
همت بالذهاب وقالت: أنا ماليش دعوة.
أمسكها من ذراعها وقال: تعالي هنا رايحة فين.
صاحت به بقوة وهي تحاول جذب ذراعها من قبضته: أوعي إيدك بدل ما نجيلك الأمن.
انتبه لذلك الصياح حتى رآها ورأى ذلك الرجل الذي يمسك بها. ركض نحوها مناديًا: خديجة.
كانت لا تسمع نداءه من صوت ذلك الرجل الأحمق ولا تراه بسبب تجمع عبراتها.
الرجل: مش هسيبك غير لما تدفعيلي حقه لإما هـ...
لم يكمل ليقاطعه آدم بلكمة قوية أطرحته أرضًا.
آدم بغضب: بتمد إيدك عليها ليه يا حيوان؟
جاء رجال الأمن فأمسكوا بالرجل وقال أحدهم: أنت تاني يا مسعد يا حرامي؟ وربنا لأوديك على القسم.
كانت تبكي بشدة وقالت: والله يا آدم ما عملتله حاجة هو اللي خبط فيا.
رجل الأمن: إحنا اللي آسفين لحضرتك ده واحد نصاب بيعمل الحركات دي ويستغل الناس المحترمين اللي زي حضرتك وبياخد منها فلوس.
صاح آدم بغضب: يا ريت تاخدوا بالكم من الناس اللي بتدخل السنتر.
ثم نظر إلى خديجة وقال: يلا تعالي معايا.
وبدون أن تجيب عليه جذبها من يدها وأسرع خطواته وهي كانت تعافر في اللحاق بخطواته حتى غادرا المجمع وتوجه نحو سيارته.
فتح لها الباب الأمامي وقال: اركبي.
مسحت عبراتها وقالت: أنا جاية مع عم شكري السواق وهو مستنيني هناك.
قالتها وهي تشير إلى السيارة التي تبتعد عدة أمتار.
أخرج هاتفه وأجرى اتصالًا وقال بصوت أجش: أمشي أنت يا عم شكري وهي هتروح معايا.
ثم أغلق المكالمة.
وبنبرة حادة: اركبي.
قالت بنبرة هادئة: مش هينفع.
ليشتد حنقه وصاح في وجهها: هو إيه اللي مش هينفع؟ هو أنا هاخطفك؟
قالتها خديجة بحنق: أنت بتزعقلي كده ليه؟ أنا مينفعش أركب جنبك في العربية وكمان لوحدينا.
صفق الباب بقوة أفزعتها وقال: بقولك إيه أنا مش طايق نفسي ولا طايقك من ساعة ما خليتيني واقف على الباب مستني البرنسيسة تفتحلي باب القصر.
قالها بسخرية.
أجابت عليه بنبرة على وشك البكاء: شكرًا يا آدم بيه... أنا كنت فكراك هتقدرني وتحترم احترامي لأهلي.
قال بحزم: دي عندي اسمها قلة ذوق.
قالت بتحدي: اسمها بحترم تعاليم ديني.
رمقها بازدراء وقال بسخرية: وأنتِ بقي اللي هتعلميني الدين؟
قالتها لتهم بالذهاب: كفاية بقي لحد كده عن إذنك.
جذبها من معصمها وبدون أن يتفوه بكلمة فتح الباب ليدفعها بالداخل ثم التف للناحية الأخرى ودخل وأوصد جميع الأبواب من زر تحكم.
صاحت بها خديجة: لو سمحت نزلني أنا هاروح.
رمقها بنظرات مرعبة بدون أن يتفوه بكلمة. فارتعبت وأشاحت وجهها الناحية الأخرى.
في الحارة.
قالتها رحمة: شوفتي يا ماما قلبي كان حاسس إن الولية العقربة دي عازمانا مخصوص عشان تشوفني هعرف أخدمها ولا لأ لما أتجوز المحروس ابنها؟
والدتها: وإيه يعني لما طلبت منك تغسلي المواعين وتشيل الأكل؟ دي هتبقى حماتك وفي مقام أمك... اكسبيها يا عبيطة.
زفرت بحنق وقالت: يا ماما أنا ما عنديش مانع أساعدها بس كل تلميحاتها حسيت إن هبقى مقيمة عندها 24 ساعة.
والدتها: يوه يا رحمة... ارحميني يا بنتي هو أنا ضربتك على إيدك يوم ما وافقتي على الناس دي؟ وبعدين أنا قولتهالك كلمة وحطيها حلقة في ودانك الدنيا ما بتديش كل حاجة.
توقفت عن السير ووقفت أمام والدتها وقالت: يعني عايزاني أرضى بالأمر الواقع حتى لو فيه عذابي؟
تضايقت ملامحها وقالت: ما كلنا كنا كده ولا أنتِ نسيتي ستك أم أبوكي الله يحرقها... دي خلتني أغسلها السجاجيد وأنا لسه عروسة من تاني يوم جواز.
رحمة: وأنا ذنبي إيه؟
والدتها: ذنبك إنك عايشة في حارة وشقة حو في دور أرضي... وكل اللي اتقدم لك أشكال عرر والبكالوريوس بتاعك ولا نفعك ببصلة... وخطيبك أحسن واحد جالك... ويلا ادخلي خلينا نشوف اللي ورانا.
توقفت رحمة وقالت: ثواني يا ماما كده...
قالتها فاتسعت عينيها وأردفت: الحقي الرجالة شايلين عم سالم وجايين.
دوى صوت إنذار سيارة الإسعاف التي جاءت للتو. ترجل منها رجلان يحمل كليهما سرير معدني متنقل.
قال أحد الرجال: وسعوا السكة الراجل هيموت مننا.
وقالت إحدى النساء: لا حول ولا قوة إلا بالله... ده كان لسه مصلي بالناس الجمعة.
أجاب عليها رجل آخر: ده خلص صلاة من هنا وقعد يقرأ في المصحف فجأة فضل يكح كتير لما نفسه راح وأغمي عليه.
جاء طه راكضًا وقال بذعر: بااااابااااا...
ثم قام بحمله مع الرجال.
رجل الإسعاف: أنت مين؟
طه بملامح الخوف والقلق على وجهه: أنا ابنه.
أشار له الرجل بأن يولج بداخل السيارة برفقة والده. لم تشعر بقدميها وذهبت نحو السيارة لتوقف طه الذي كاد يغلق الباب. فسمح لها بالصعود لتغادر السيارة الحارة متجهة إلى المشفي الحكومي.
في السيارة.
صدح رنين هاتفها من الحقيبة التي تحملها على فخذيها. أخرجت الهاتف. رأت المتصل رحمة. فلم تعايرها اهتمام لتلقي الهاتف في الحقيبة. رن الهاتف مرة أخرى ولم تجب.
آدم: ما بترديش ليه على التليفون؟
رمقته وهي ترفع إحدى حاجبيها وقالت: وأنت مالك... ده تليفوني.
جز على فكيه ليزيد سرعة السيارة بشكل جنوني. اتسعت حدقتيها بالفزع وهي تتمسك بالمقعد الذي تجلس عليه.
قالتها والخوف يرتسم على ملامحها: أرجوك يا آدم هدي السرعة... أنا خايفة.
هدأ من سرعته قليلًا حتى توقف فجأة وقال بنبرة حادة: أنا أكتر حاجة بكرهها عدم سمعان الكلام.
رمقته باندهاش وقالت: وأنا هاسمع كلامك بناءً على إيه؟
قالها ولم يعلم تلك الكلمات التي كانت كالسكاكين تغرز قلبها العاشق له: بناءً على أنا ابن عمك وزي أخوكي الكبير.
لم تشعر بعبراتها وهي تنسدل وقالت: ممكن تروحني البيت؟
رمقها بنظرات غير مفهومة وقال: بتعيطي ليه؟
أخذت تمسح عبراتها التي لم تريده أن يراها ويرى ضعفها فأجابت بصوت باكٍ: أرجوك عايزة أروح يا آدم.
رن هاتفها للمرة الثالثة. فأجابت: ألو يا رحمة.
رحمة: أيوة يا خديجة ما بترديش ليه؟ تعالي بسرعة على القصر العيني عم سالم تعب ودخل العناية المركزة.
صاحت بذعر: بااااااااا.
رواية صراع الذئاب الفصل التاسع 9 - بقلم ولاء رفعت علي
في قصر العزازي...
تمكث أسيرة الظلام والبرد بجسد مرتجف، تنادي منذ الأمس بصوت سئم كل شيء، تتمنى أن تُزهق روحها بدلاً من هذا العذاب، لا يؤنسها سوى أنينها الخافت، تصرخ تارة، وتبكي تارة أخرى، تسب وتلعن قلبها الذي يأبى الإذعان له، لم تتخيل أنها في يومٍ ما ستقع سجينة قلب على رغم عشقه الكامن لها تعادله قسوته التي يمارسها عليها.
تجلس في إحدى أركان تلك الغرفة المظلمة في القبو القابع أسفل ذلك القصر، يلج من نافذتها المرتفعة بصيص نور، تضم ركبتيها نحو صدرها تعقد ساعديها مسندة ذقنها المبتلة من عبراتها المنهمرة، وخصلات شعرها منسدلة على ظهرها.
فُتح الباب لينبعث منه ضوء خافت لتدخل الخادمة تحمل صينية الطعام، تقترب منها وهي ترمقها بنظرات شفقة على حالتها التي يُرثى لها، انحنت لتضع أمامها الطعام، فوجدت طعام الأمس ما زال كما هو.
قالت الخادمة:
- صبا هانم... أرجوكِ كُلي أنتِ من إمبارح ماكلتيش حاجة.
لم تتفوه صبا بكلمة واكتفت برفع رماديتيها الحمراوين من كثرة البكاء ترمقها بصمت.
فأردفت الخادمة:
- قصي باشا لو عرف إن...
قاطعتها صبا بصياح دوى بكل الأرجاء:
- اطلعي برة... مش عايزين تسيبوني في حالي ليه... مش عايزة آكل... سيبوني أموت عشان أرتاح وأريحه مني.
صاحت بها وهي تدفع صينية الطعام من أمامها ثم أخذت تبكي بشدة. زفرت الخادمة بسأم فأخذت صواني الطعام وغادرت على مضض ليفتح لها الحارس الذي يقف بالخارج.
صعدت الدرج متجهة نحو المطبخ كادت تصطدم بكنان الذي توقف وقطب حاجبيه وقال:
- هي ماكلتش؟
الخادمة:
- خالص من إمبارح وبوديلها الأكل لقيته زي ما هو ودلوقتي قعدت تصرخ ومش راضية تاكل.
جز على فكيه بحنق وقال:
- روحي دلوقتي وأنا هتصرف.
أومأت له ثم ذهبت، فأردف بصوت يكاد يكون مسموعاً وقال:
- غبية يا صبا أنا لغاية دلوقتي حايشه عنك عشان مينزلش ليكي.
زفر بسأم وهو يفكر واضعاً يداً في جيب بنطاله والأخرى يسند بها على الجدار المرتفع، لمعت عيناه ثم أخرج هاتفه وأجرى مكالمة.
***
بداخل المشفى الحكومي العام...
تركض في رواق طويل يتفرع منه العديد من الغرف، تجري اتصالاً بصديقتها حتى أعطاها رسالة مسجلة بأن الهاتف غير متاح، وزفرت بضيق، ظلت تدعو الله بأن يشفي أباها.
- خديجة...
صاح بها آدم وهو يخطو سريعاً نحوها، التفتت إليه ليردف بملامح غاضبة:
- مش قولتلك استنيني أركن العربية وهطلع معاكي! ولا أنتِ بتتصرفي من دماغك وخلاص؟
لم تعره اهتماماً وذهبت نحو تلك الممرضة التي خرجت من إحدى الغرف ممسكة بيدها تقريراً ورقياً.
قالت خديجة:
- لو سمحتِ أنا والدي جه عندكو واتحجز في العناية المركزة.
نظرت الممرضة إلى آدم الذي كان يكظم غضبه، ثم حركت مقلتيها إلى خديجة وقالت:
- تمشي آخر الممر ده على إيدك اليمين.
أومأت لها خديجة وقالت: "شكراً"، ثم أسرعت بالذهاب حتى وجدت رحمة التي تقف بجوار طه الذي يستند بظهره على الحائط ويعقد ساعديه أمام صدره.
قالت خديجة بخوف ولهفة وعبراتها تزداد:
- بابا حصله إيه؟
رحمة وهي تربت على ظهرها:
- اهدي يا خديجة وادعيله يقوم بالسلامة، هم دخلوه العناية ولسه منعرفش عنده إيه الدكتور لسه جوه.
وقف آدم بجوار طه وقال:
- هو عم سالم حصله إيه بالضبط؟
مسح وجهه بكفيه وقال:
- كنت راجع من مشوار لقيت رجالة الحارة شايلينه على عربية الإسعاف مغمى عليه ونبضه ضعيف خالص.
- ربنا يقومه بالسلامة بإذن الله.
قالها آدم
طه : يارب
خرج الطبيب وبرفقته ممرضتان قالت إحداهما : لو سمحت ياجماعه ممنوع التواجد هنا عشان راحة المرضي
أقترب آدم من الطبيب وقال : لو سمحت يادكتور الشيخ سالم حالته عامله أي دلوقت ؟
تنهد الطبيب وقال : والله مكدبش ع حضرتك عنده إنسداد كلي ف الشريان التاجي أدي لذبحة صدرية ده غير تجمع الميه الي ع الرئة الي بنحاول نعالجه
أجهشت خديجة بالبكاء وقالت: أنا عايزه أشوف بابا
الطبيب : ممنوع الدخول يا آنسة الأوضة فيها أكتر من 6 حالات مش والدك بس
آدم : طيب مينفعش يادكتور ناخده ع مستشفي خاصة ؟؟
الطبيب : لو عايزين تنقلوه براحتكو بس مش هيعملولو حاجه أزيد من الي عملناه معاه
أومأ له آدم وقال : شكرا لحضرتك ... ثم أخرج هاتفه ليبتعد ويهاتف أخيه يوسف
______________________
_ ألو أزيك يا حسن
حسن : كنان .. عاش من سمع صوتك
كنان : معلش مسئوليات الباشا وأنتي مجرب وعارف ...بقولك عايزك ف مصلحة بس من غير ما عابد بيه يحس بحاجه
حسن : أؤمر يا صاحبي
كنان : عايزك توصلني بزينات مُربية صبا هانم
حسن : هو حصل حاجه ولا أي؟
كنان : هتعمل الي بقولك عليه ولا أتصرف أنا؟؟
حسن : حاضر ثانية واحدة هادخلها المطبخ وهديهالك
كنان : طيب يلا بسرعة مستنيك
وبعد ثواني ....
زينات : كنان بيه
كنان : أيوه يا مدام زينات معلش عايزك تيجي القصر بسرعة
زينات بقلق وخوف : صبا هانم حصلها حاجة؟؟
كنان : لا هي بخير بس عايزك بسرعة ولما تيجي هفهمك ع كل حاجة
زينات : حاضر مسافة الطريق وهاكون عندكو بإذن الله
كنان : ماشي ... سلام
أغلق المكالمة ثم أتجه نحو غرفة المكتب طرق الباب ليأتيه صوته الرجولي
_ أدخل
فتح الباب ليولج إلي الداخل : باشا
يقف أمام النافذة المطلة ع الحديقة وبيده كأس النبيذ :نزلتولها الأكل ؟
أبتلع ريقه وقال : أممم أه
أبتسم بحزن ثم أرتشف من كأسه ثم ألتف وأتجه نحو مكتبه وجلس بزهو وشموخ ع المقعد الذي يشبه كرسي الملك ... أخذ تلك العلبة الخشبية وقام بفتحها ليلتقط سيجارته ذات اللون البني الداكن ثم أمسك بمقصلة السجائر لينزع بها الجزء الأمامي ... وضع السيجارة بين شفتيه ليمسك بقداحته الذهبية وقام بإشعالها ... زفر الدخان ف الهواء وظل يرمق كنان بنظرات ثاقبة
أنتابه التوتر وقال : بب باشا فيه حاجة ؟؟
رجع بظهره إلي الخلف بأريحية وقال :كارين كانت بتعمل أي ف مستشفي البحيري؟؟؟ .... والبوليس كان بيعمل أي عندي ف المخازن؟؟ .... قالها بهدوء مرعب
كنان : أنا كنت لسه هقولك بس.....
قاطعه بصوت مرعب وهو يضرب بقبضته ع سطح المكتب التي أهتزت من فوقه كل شئ : بس أي!! .. أنت كنت مستني تقولي أمتي ؟؟؟
أبتلع غصته وقال : والله كنت ناوي هقولك بس حضرتك تهدي
صاح بغضب : أهدي ...
أنت شايفني مجنون أدامك !!!
كنان : لاسمح الله مش أصدي أبدا
أحتدت عينيه وقال بنبرة تهديد : أقسم بالله ياكنان لو حصل أي حاجة بدون علمي ومجتش تقولي ف وقتها له.....
قاطعه طرق الباب
زفر بضيق وقال : أدخل
دلف الحارس ذو الجسد الضخم وقال : قصي باشا ... صبا هانم عماله تصرخ وتخبط ع الباب من ساعة ما أميرة دخلتلها الأكل وطلعت بيه زي ماهو
نهض قصي من مقعده وعينيه ترمق كنان بووعيد والشر يتطاير من عينيه وقال بصوت لا يوحي إلا بالهلاك ساخرا : الظاهر يا كنان بيه أنا أخر من يعلم ... قالها ليهم بالذهاب إلي تلك الآسيرة بالأسفل
أوقفه كنان وهو يقول بنبرة رجاء : أرجوك ياباشا أعمل الي أنت عايزو فيا وأنا راضي ... بس بلاش صبا هانم أنا كلمت داده زينات تيجي عشان تراعيها
زفر بغضب وقال : أوعي من وشي ياكنان
أمسكه من زراعيه مانعا إياه : أرجوك ياب....
لم يكمل جملته ليقاطعه قصي باللكمة قوية دفعته جانبا ... ليذهب بخطوات سريعة متجها إلي الدرج المؤدي إلي القبو
________________________
_ في قصر البحيري ....
تفتح باب الغرفة وهي تنادي : يوسف .. يوسف
ممدد ع بطنه ع التخت ... أقتربت نحوه وهي تلكزه بخفه : يوسف .. اصحي .. آدم ع التليفون عايزك ضروري
أجابها بصوت ناعس متأففا : أوف بقي يا أنجي حرام عليكي بقالي يومين مطبق سبيني أنام
جلست بجواره وقالت : خلص كلمه عشان أتصل عليك الفون بتاعك مغلق فأتصل عليا أنا
زفر بسأم ثم تقلب لينهض بجذعه العاري وأشار إليها بأن تعطيه الهاتف
فرك عينيه بإنزعاج وأجاب : ألو يا آدم
آدم : معلش يا يوسف كلمهم عندك ف المستشفي خليهم يبعتو عربية إسعاف متجهزه ع القصر العيني
قال بفزع : حصلك أي؟
آدم : ده عم سالم تعب وف العناية وحالته حرجه وطبعا أنت عارف المستشفيات الحكومية
يوسف : حاضر حاضر أنا هكلمهم وهاجيلك ... بابا وماما عرفو ؟؟
آدم : لاء لسه مكلمتش حد
يوسف : طيب أقفل عشان اكلم المستشفي وهلبس وهبلغهم وهاجيلك ع طول إن شاء الله ... سلام
كاد يغلق الهاتف ليري إتصال وارد بأسم ( ميرو )
أنجي تقف أمام المرآه تمشط خصلات شعرها بتموج
يوسف : أنجي ف حد بيتصل عليكي اسمه ميرو
ألتفت إليه وركضت مسرعه نحوه وأخذت منه الهاتف وقالت بتوتر : دي ميار صحبتي ف النادي هتلاقيها بتتصل عشان تقول للوجي كل سنة وهي طيبة
رمقها بإستغراب من ردة فعلها المبالغ فيها ثم نهض وقال : حضرلي أي بدلة عقبال ما اخد شاور ... قالها ثم أمسك هاتفه و أوصله بسلك الشاحن حتي فتح الهاتف وأجري أتصالا بالمشفي يخبرهم كما طلب منه آدم
بينما هي ولجت إلي غرفة الثياب وتمسك بهاتفها تكتب رسالة نصية
( يخربيتك الفون كان ف إيد يوسف و أنت عمال تتصل عليا ... متتصلش خالص وهابقي أكلمك أنا )
_ خلاص حضرلي البليزر الأسود والبنطلون الجينز والقميص الأبيض ...
قالها يوسف وهو يقف خلفها.
التفتت إليه بفزع وهي تضع الهاتف في جيب بنطالها، تصنعت البسمة وقالت:
- حاضر يا حبيبي.
كاد يغادر فتوقف وقال:
- مش هتيجي معايا تطمني على عم سالم؟
قالت إنجي:
- خليها يوم تاني، النهاردة عيد ميلاد بنتك وعمالين نجهز للحفلة والناس اللي جاية.
ضرب بكفه على جبهته كدليل على التذكر وقال:
- يا نهار أبيض، ده أنا ناسي خالص.
لوت فمها جانبًا بتهكم وقالت:
- ده العادي بتاعك يا يوسف.
رفع أحد حاجبيه وقال:
- قصدك إيه؟
عقدت ساعديها أمام صدرها وقالت:
- خلاص بقى، عشان لو اتكلمت هتطلعني غلطانة في الآخر وإني مش بقدرك والكلام بتاع كل مرة ده.
زفر بضيق وهو يرمقها باقتضاب، ثم ذهب إلى المرحاض.
تنفست الصعداء ثم قالت بصوت يكاد يكون مسموعًا:
- ومن إمتى وأنت بتفتكر حاجة... وكل حياتك ما بين المستشفى والعيادة وناسي إنك متجوز وليا حقوق عليك.
انسدلت عبرة رغمًا عنها، فقامت بمسحها ثم أخذت تُعد له ثيابه.
***
خارت قواها من كثرة الصراخ والبكاء لتتمدد على تلك الأرض الصلدة الباردة، وهي تنام في وضع الجنين تحاوط صدرها بساعديها، وتضم ساقيها أكثر لتصدر السلسلة الحديدية التي تكبل إحدى قدميها صوت احتكاكها بالأرض.
دفع الباب على مصراعيه... نهضت ولم تنظر له تخشى نظراته ومظهره المرعب... تتراجع إلى الخلف حتى اصطدمت بالجدار البارد... تنظر إلى أسفل... تقدم إلى الداخل وأوصد الباب من الداخل ليصدر صوتًا جعلها تنتفض.
جذب المقعد الخشبي القديم وجلس عليه واضعًا ساقًا فوق الأخرى، يزفر دخان سيجارته التي ما زالت بيده.
- مبتاكليش ليه؟
قالها بصوت أجش.
لم تجب عليه وهي تنظر إلى أسفل، تخبئ عينيها أسفل خصلاتها المنسدلة على وجهها.
زفر الدخان ثم قال:
- أنا مبكررش السؤال مرتين.
رفعت عينيها وقالت بصوت يكاد يكون مسموعًا:
- مش عايزة آكل.
- تعالي.
قالها وهو يشير لها بأن تأتي أمامه.
أغمضت عينيها بألم ثم تحاملت على جسدها وهي تنهض لتتقدم نحوه وهو ينظر إلى قدمها المكبلة... وقفت أمامه وعيناها إلى أسفل.
- اقعدي.
قالها بأمر مشيرًا إلى أن تجلس على الأرض.
رمقته بعينيها التي أدمعت عندما شعرت بالإهانة وهو يريدها أن تجثو على الأرض أمامه.
- سمعتي بقول إيه؟
صاح بها لتتراجع إلى الوراء بخوف وهي ترفع يديها في وضع الحماية، ثم أنزلت يديها ببطء وأذعنت لأمره لتجثو على ركبتيها أمامه لكن بمسافة.
- عايزك قدامي.
نهضت ثم جثت على ركبتيها أمامه مباشرة... انحنى بجذعه إلى الأمام وزفر دخان سيجارته في وجهها، فانتابها السعال وأخذت تسعل.
- بتعصي أوامري ليه؟
ابتلعت ريقها بخوف ثم قالت:
- طلقني.
أشار إلى أذنه وهو يبتسم بسخرية وقال:
- قولتي إيه؟
اعتصرت قبضتيها التي تضعهما على فخذيها وقالت:
- طلقني.
قهقه بصوت مرعب وهو ينهض من مكانه ليقف أمامها وهي أسفله... توقف عن الضحك ليدنو منها، وغرز أصابعه في خصلات شعرها خلف رأسها ليقبض على خصلاتها بقوة، لتشعر كأنها ستقتلع في يده، واقترب بوجهه وملامحه المرعبة التي جعلت جسدها يرتجف وقال:
- تعرفي أنا لغاية دلوقتي يعتبر بهزر معاكي وماسك نفسي عنك.
تأوهت وهي تحاول أن تنهض وتبعد قبضته عن شعرها وصاحت في وجهه:
- وأنا مش عايزة أعيش معاك... اقتلني وريحني بقى من العذاب ده.
قبض أكثر على شعرها ليدفع وجهها في صدره وهو يجز على فكيه وقال:
- أنتي كده لسه شوفتي عذاب؟ احمدي ربنا إني لسه محاسبتكيش على الفستان بتاع الحفلة، ولا لما خليتي أندرو سلم عليكي وكمان باس إيدك... وكله كوم واستغفالك ليا كوم تاني.
أبعد رأسها ليقبض على عنقها وقال:
- لما قولتلي بحبك وإحنا بنرقص كانت لمين يا صبا؟ ليا ولا كانت لابن عزيز البحيري اللي كنتي بتتخيليه وأنتي في حضني؟
اعتصرت عينيها بألم لتنسدل عبراتها.
صاح ف وجهها وقال : ردي عليا
_ مم معرفش .. معرفش ... قالتها ببكاء وهي تمسك بيدها معصمه لتبعد قبضته عن نحرها
تركها ليبتعد قليلا وهو يزفر بقوة وألقي سيجارته أرضا وأخذ يرجع خصلات شعره إلي الخلف ف محاولة تهدأة روعه
دق الباب ثم أتي صوت الحارس من الخارج : قصي باشا الأكل
فتح الباب ليناوله صينية الطعام فأخذها ثم أغلق الباب ووضعها أمامها ع الأرض وقال بأمر : كُلي
قالت بصوت باكي : مش عايزة أكل
جثي ع ركبته ليمسك وجهها بقبضته وتناول ملعقة أملئها أرز وحاول أن يدخلها ف فمها لكن هي مطبقة شفتيها بقوة لتدفع يده وصاحت :
أبعد عني بقي أنا أرفت منك ومن أوامرك ...أقتلني بقي وريحني
رمقها بنظرات مظلمة وترك الملعقة ف الطبق وحاوط وجهها بكفيه وقال : بتتأرفي مني ؟؟ هااا؟؟ ... قالها وأقترب بأنفاسه من وجهها ثم أبعد كفيها ليعانقها لتخترق أنفها رائحة قميصه الأبيض الذي يفوح منه رائحة عطره والسجائر والخمر لتشعر بالغثيان
دفعته ف صدره بكل قوتها وصاحت به : أبعد عني أنا مش طايقة ريحتك
أغمض عينيه ويجز ع فكيه ... وضعت كفيها ع وجهها خوفا من أن يصفعها ... وضع يده ف جيبه ليخرج مفتاحا صغيرا ثم قام بفك قيد قدمها
فأبتعدت إلي الخلف لتنهض لتسبقها قبضته التي جذبتها من خصلات شعرها
صاح بصوت مرعب آمرا الحارس الذي يقف بالخارج :
أنت يازفت يالي بره أطلع فوق وممنوع حد ينزل البدروم
قال الحارس : أمرك ياباشا
سحبها خلفه وهو يجذبها من خصلاتها
تأوهت بصرخة دوت ف القصر كله : آآآآآآآه
دفعها ع ذلك التخت المعدني الذي يشبه تخت المشفي قديما ... وقال : بتأرفي مني !!! مش طايقه ريحتي !!! ... أقترب منها وهو يعلو التخت بركبتيه وهي تتراجع إلي الخلف تضم تلابيب قميصها ... يفك حزام بنطاله وأردف :
أنا بقي هخليكي تعرفي الأرف ع حق .... جذب يدها ثم الأخري ليرغمها ع التمدد ع ظهرها وقيد معصميها بالحزام الذي قام بربطه في ظهر التخت .... ظلت تصرخ وهي تركل ساقيها ليمسك بهما ليشل حركتها
_ لا ياقصي ... أنا آسفه ... والله آسفه
أسكتها بصفعه ع وجهها جعلتها تجهش بالبكاء المصحوب بالصراخ ... ليعتليها وهو يمزق قميصه .
________________________
_ يحمل الرجال الشيخ سالم ع التروللي إلي الخارج ليضعوه بداخل سيارة الإسعاف الخاصة بمشفي البحيري ...
رحمة : أنا ماشية بقي يا خديجة عشان متأخرش وهبقي أكلمك ياحبيبتي هاطمن ع عم سالم
خديجة : تسلميلي يا حبيبتي
_ يلا ياطه أنت وخديجة تعالو أركبو معايا وأنت يا آدم تعالي ورانا ... قالها يوسف وهو يولج إلي داخل سيارته ليتبعه طه ليجلس بجواره وخديجة ف المقعد الخلفي ... قام بتشغيل المحرك وأنطلق خلف سيارة الأسعاف
ولج آدم إلي داخل سيارته وقبل أن ينطلق خلفهم وقعت عيناه ع حقيبتها الموجودة ع المقعد المجاور له مفتوحة ومايبدو ما بداخلها قد وقع أسفل المقعد عندما ترجلت من السيارة بذعر وخوف ع والدها
أنحني بجذعه ليلتقط أشيائها ويضعها بداخل الحقيبة ... لفت إنتباهه ذلك الشئ الامع ليلتقطه ليجدها سلسلة من الفضة ف منتصفها قلادة ع شكل نصف قلب
فلاش باك
بداخل حديقة القصر
توقفت صبا لتلتقط أنفاسها ثم أخذت تضحك وقالت : خلاص بقي كفاية مش قادرة أجري يادومي
رفع إحدي حاجبيه وقال : أي دومي دي أنتي شيفاني عيل أدامك !!
_ هههههههه أبدا ياحبيبي ده أنت راجل وسيد الرجالة كمان ... بس لو تبطل عصيبتك دي هتبقي دومي حبيبي الكيوت ... قالتها وهي تداعب وجنتيه بأناملها ثم ركضت مسرعه
ركض خلفها وقال : طيب والله ما هسيبك غير ماتبطلي الكلمة دي ... لحق بها وحملها ع زراعيه
_ بس يا آدم نزلني لو حد شافنا يقول علينا أي دلوقت ... صاحت بها صبا
أقترب بشفتيه بجوار أذنها وهمس : كل الي ف القصر عارف أنا وأنتي واحد ...
ده غير المفاجأة اللي محضرهالك.
ابتسمت وقالت:
- إيه هي؟
ابتسم بمكر وقال:
- مش هقولك غير لما تديني بوسة هنا.
قالها وهو يوجه وجنته إليها. لكزته في صدره واحمرت وجنتاها بخجل وقالت:
- بس بقى.
أنزلها لتقف أمامه وداعب وجنتيها بأنامله وقال:
- بعشق خدودك لما بتتكسفي ويحمروا.
ابتسمت بخجل وقالت:
- طيب خلاص مش هديك الهدية اللي جبتهالك.
آدم:
- كده أمري لله هقولك... أنا هاكلم بابا وهقوله عايزين نروح لأنكل عابد نطلب منه إيد روح قلبي وعقلي صبا.
ارتسمت الفرحة على ثغرها وقالت:
- بجد يا آدم؟
أومأ لها وقال:
- بجد يا قلب آدم.. يلا بقى فين الهدية بتاعتي؟
وضعت يدها في جيب ثوبها القصير وقالت: "ثانية واحدة"، ثم أخرجت سلسلتين من الفضة بكل منهما نصف قلب، فأردفت:
- أنا عارفة إنك مش بتلبس الكلام ده، بس عايزاك تحتفظ بيها وكأني بديلك نص قلبي والنص التاتي معايا.
اقترب منها ليعانقها وقال:
- أنا مش محتاج إنك تديني نص قلبك لأن قلبك كله معايا.
(باك)
قبض على السلسلة بيده بقوة وهو يجز على فكيه، وزفر بغضب ثم وضعها بجيب سترته وانطلق بالسيارة.
***
وقف يحدق بها بنظرات تشفٍ وهو يغلق سحاب بنطاله. تدثر جسدها بغطاء بالٍ، ترمقه بعينيها الدامعتين، تشهق ببكاء خافت وعبراتها تنسدل على شفتيها المتورمة. أغمضت عينيها بألم وقهر لم ترد رؤيته.
انحنى ليستند بيده والأخرى يمسد على وجنتها بأطراف أنامله، وابتسم ببرود واستفزاز وقال:
- بعد كده يا روحي كل ما تشتاقي ليا ابقي اهربي أو تقرفي مني أو اطلبي الطلاق.
فتحت عينيها لتحدق به بنظرات كراهية. انحنى ليلتقط قميصه حتى رأى قميصها القطني الممزق. وقف وألقى في وجهها قميصه وقال آمرًا:
- خدي البسي القميص ده عشان مش هخليهم يجيبولك حاجة.. ده لو عايزة تخرجي من الأوضة.. إلا إذا عايزاني أقضي معاكي اليوم كله.. وأنا معنديش مانع.
قالها وغمز لها بإحدى عينيه مبتسمًا لتظهر غمازتاه. اتجه نحو الباب وأردف:
- مستنيكي على الغدا.
قالها ثم غادر وترك الباب مفتوحًا وهو يطلق صفيرًا بسعادة.
نهضت من مكانها تبحث عن ثيابها لتلتقط بنطالها وارتدته وهي تجفف وجنتها من عبراتها التي لم تكف عن الانسدال. ارتدت قطعة من ثيابها ثم أمسكت بقميصه باشمئزاز ترتديه على مضض.
جمعت خصلات شعرها لأعلى ثم عقصتها. مشت وهي تستند على الحائط تشعر بالوهن المسيطر عليها نفسيًا وجسديًا. غادرت الغرفة وصعدت إلى أعلى متجهة نحو الدرج، تحت نظرات الخادمات اللاتي ينظرن إليها بشفقة.
وصلت إلى الغرفة لتلج إلى الداخل قاصدة المرحاض، لتخطو نحوه ثم انفزعت لتتراجع إلى الخلف عندما وجدته يخرج من المرحاض مرتديًا معطفه القطني وخصلات شعره المبتلة تتدلى على جبهته.
لم يكترث لوجودها وكأنها لا شيء، ليدلف إلى غرفة الثياب وهو يغني بصوت رجولي عذب. ظلت واقفة تنظر إلى الفراغ لثوانٍ وهي تزفر بحنق، أسرعت نحو المرحاض ودلفت إلى الداخل لتصفق الباب بقوة.
فتحت صنبور المياه ليملأ حوض الاستحمام، ووقفت أمام مرآة الحوض الآخر وظلت تتحدث بداخل عقلها:
"أنا قوية مش ضعيفة... مش هستسلم... هضحك... هرقص... هعمل كل اللي نفسي فيه... مش هخلي حاجة تكسرني".
ثم أخذت تمسح وجنتيها من أثر عبراتها، وخلعت قميصه لتلقي به أرضًا ثم باقي ثيابها. لتصعد إلى الحوض وهي تمسك بعبوة صابون الاستحمام ذي الرغوة، وظلت تسكبه في الماء ثم غمرت جسدها أسفل المياه تسند رأسها إلى الحافة. اخترق سمعها صوت باب الغرفة لتعلم إنه غادر.
***
في مشفى البحيري.
تقف أمام غرفة العناية تستند على زجاج النافذة لترى والدها الممدد على التخت متصلًا بأجهزته الحيوية وأسلاك الأجهزة الطبية. جاءت من خلفها جيهان التي وصلت للتو، تربت على ظهرها وقالت:
- ماتخافيش إن شاء الله هيقوم بالسلامة.
التفتت خديجة لها ثم ارتمت على صدرها وهي تبكي وتقول:
- أنا خايفة أوي يا طنط جيهان... أنا ماليش غيره.
أبعدت رأسها لتمسك بطرف ذقنها وقالت:
- أنا كده هزعل منك... أومال أنا روحت فين وعمك عزيز وطه أخوكي؟ كلنا أهلك.
قالت بنبرة حزن:
- مش قصدي... بس بابا حاجة تانية هو اللي مصبرني على فراق ماما الله يرحمها.
- ادعي له يا بنتي وإن شاء الله هيقوم وهيبقى زي الحصان.
قالها عزيز
خرج يوسف من مكتب الطبيب ....
جيهان : أي يوسف دكتور مجدي قالك أي؟
يوسف : نفس الي قاله الدكتور الي كشف عليه ف المستشفي التانيه .. وهيفضل محجوز ف العناية ويفضل تحت الملاحظة لحد ما يعدي مرحلة الخطر
طه : معلش يا دكتور يوسف ممكن تخليني معاه
تنهد يوسف وقال : هو بصراحة ممنوع يا طه إلا لو خليتك قاعد ف مكتبي وتبقي تطمن عليه وقت ماتحب
جيهان : خلاص وهناخد خديجة معانا القصر
خديجة بحرج : معلش ياطنط خليني مع بابا
عزيز : أديكي سمعتي ممنوع وهتباتي فين طه راجل ويتصرف .. لكن أنتي تعالي وأقعدي مع ملك
جيهان : وكمان لو مجتيش لوجي هتزعل منك
نظرت إليهما وقالت : حاضر بس هاجي الصبح إن شاء الله أطمن عليه
يوسف : متقلقيش يا خديجة أنا هفضل مع طه وهاطمنك ع عمي أول بأول
هم ثلاثتهم بالمغادرة لتقع عينيها ف عينيه حيث كان ينتظر بمسافة ... حدق بها بنظرات حادة ... هي أشاحت وجهها إلي الجهة الأخري ولم تعيره أي إهتمام
وصل جميعهم إلي أمام المشفي ...
جيهان : روحي يا خديجة أركبي مع آدم وأنا وعمك هنحصلكو
آدم بصوت أجش : رايحين فين؟
أبتسمت بتصنع وقالت : رايحين مشوار كده وجايين وراكو
فتح باب السيارة وبنبرة أمر : أركبي
نظرت إليه بإندهاش من معاملته لها ثم دلفت إلي داخل السيارة ... أوصد الباب بقوة ... ليلتف إلي الناحية الأخري ودلف إلي مقعد القيادة وأنطلق بالسيارة بسرعة
_ ممكن تهدي السرعة شوية ... قالتها وهي تمسك بالمقعد بخوف
لم يجيبها ليزيد سرعته أكثر وكأن الطريق له فقط ... رمقها بطرف عينيه ليري علامات الذعر جلية ع ملامح وجهها ... أنحني عن مسار الطريق ليتطرف إلي منطقة خالية من الناس ... توقف ليترجل من السيارة
_ أنزلي عايزك ... أمرها لتقطب حاجبيها من تصرفات غريب الأطوار هذا
ترجلت من سيارته ... حتي تقدم أمامها وأخرج السلسلة ووضعها أمام عينيها وقال : ممكن أفهم بتعمل معاكي أي دي
أبتلعت ريقها وقالت : دي سلسلة مالها يعني
أبتسم بسخرية وقال : والله!! تصدقي مكنتش أعرف إنها سلسلة
نظرت إلي أسفل تتحاشي نظراته الحادة ... مد يده ليمسك بذقنها يرفع وجهها إليه وصاح بها : لما أكلمك تبصي لي
ألقت يده بعيدا عنها وصرخت ف وجهه : أيدك لو لمستني تاني مش هيحصلك كويس
أقترب منها وهي ترجع إلي الخلف ليصتدم ظهرها بالسيارة وقال : هتعملي أي ياخديجة ؟؟ هتشتكيني لبابا ولا لماما
رمقته بنظرات قوية وقالت :أنت مالك بتتعامل معايا كده ليه ... تشخط وتزعق .. عملت فيك أي؟؟
_ مدتي إيدك ع حاجة مش بتاعتك ... قالها بنبرة حادة
_ أصدك أي؟؟
_ أصدي السلسلة دي بتاعتي كانت جيبهالي صبا هدية واليوم ده كنتي عندنا و ف نفس اليوم ملقتهاش وأتفاجأ إنها معاكي النهاردة .... قالها آدم
تجمعت عبراتها بداخل عينيها وقالت بصوت أوشك ع البكاء : أنا مش حرامية يا آدم ... والسلسلة دي ملك أختك الي إدتهالي ... مكنتش أعرف إنها بتاعتك أو بتاعت صبا
زفر بضيق وهو يجز ع شفته السفلي وقال : يلا عشان نروح ... وهناك هاعرف إن كانت ملك إدتهالك ولا بتكدبي ...
يلا أركبي
دلف كليهما إلي داخل السيارة هي بين عبراتها وقلبها الجريح وهو بين غضبه كلما تذكر محبوبته التي أُخذت منه عنوة عنه .
___________________________
_ حل المساء ...
لتبدء أغاني أعياد الميلاد ويتوافد المدعون من الأقارب والأصحاب بداخل حديقة القصر المزينة بالبالونات والطاولات والمقاعد المكسوة بالحرائر والأضواء الملونة .... يتوسط كل ذلك طاولة كبيرة بمنتصفها قالب حلوي ومن حوله أطباق وكؤوس وأطعمة من جميع الأصناف ....
في غرفة يوسف وأنجي ....
_ ثواني يا قلب ماما إعدلك التاج ... قالتها إنجي وهي تعدل من هندام إبنتها
لوجي : يلا بقي أنا هنزل زمان يارا ويويو وسولا تحت
أبتسمت إنجي وقالت : يلا روحي وأنا نازلة وراكي
غادرت لوجي ... فأمسكت إنجي بهاتفها ... أجرت إتصالا بزوجها فلم يجيب عليها ثم أغلق الهاتف .... زفرت بحنق وهي تهز ساقها بتوتر وغضب
_ ماشي يا يوسف .. براحتك ع الأخر ... قالتها وهي تجز ع أسنانها ليصدح رنين هاتفها
أبتلعت ريقها بتوتر وذهبت نحو باب الغرفة لتوصده بالمفتاح من الداخل ثم أجابت : ألو
ليجيب عليها صوت رجولي : أخيرا إنجي هانم تكرمت وردت عليا
إنجي : عايزني أرد عليك وجوزي موجود .. ما أنا بعتلك رسالة
_ طيب أنا عايزة أشوفك
إنجي : أنت بتستهبل ... مروان أنا أخر مرة قابلتك فيها أيام الساحل شافتني دعاء بنت عمك ومن يومها كل ما بتشوفني ف النادي بتبصيلي بأرف
مروان : هي غيرانة منك مش أكتر.. وبعدين فيها أي واحدة بتتمشي مع ابن خالتها ع الشط
إنجي : فيها إن واحدة متجوزة أدام الكل والكل كان عارف قصة الحب الفاشلة الي كانت مابينا
مروان : مش أمك السبب عشان بابا خسر فلوسه ف البورصة وأتحجز ع شركاته قالتلك الي هيخليكي تكملي مع واحد أبوه مفلس وأقنعتك تتجوزي حفيد البحيري
إنجي : خلاص ده موضوع عدي عليها أكتر من 9 سنين
مروان : طيب ورجعتيلي ليه ما دام إنتي واحدة متجوزة ... ولا عشان عارفة من بعدك مش عارف أتجوز ولاأعرف واحدة غيرك
أغمضت عينيها حتي لاتذرف عبراتها ...
مروان : ساكته ليه يا إنجي؟
إنجي : ممكن تقفل ؟
مروان : طيب أنا عايز أشوفك بجد ... متعرفيش أنتي وحشاني أد أي
إنجي : مروان بليز ... كفاية مقابلات أنا خايفة لا ف يوم من الأيام يوسف يكتشف إن إحنا ع علاقه مع بعض ... حياتي هتدمر وهخسر أهم حاجة ف حياتي وهي بنتي
ضحك بسخرية وقال : أصدك تخسري مملكة البحيري الي عايشة ف خيرها ... متضحكيش ع نفسك أنا فهمك كويس ... بس أفتكري أن قولتلك عايز أشوفك وأنتي الي رفضتي
أغلقت المكالمة بدون سابق إنذار ... وأجهشت بالبكاء وهي تلقي الهاتف ع التخت .
______________________
_ في غرفة ملك ...
تضع ع شفتيها حُمرة وردية وهي تقول : أي يا ديجة هتفضلي قاعدة حزينة كده ... دي رجلك مطلعتش برة الأوضة من ساعة ماجيتي مع آدم
أغلقت الكتاب التي كانت تقرأه وقالت : معلشي يا ملك سبيني قاعدة هنا مليش مزاج أحضر الحفلة
ألتفت إليها وقالت : أنتي حد ضايقك هنا ولا زعلانه عشان عمو؟
خديجة : مفيش .. وأنزلي أنتي وأعتذريلهم بالنيابة عني
ملك : بقي كده يا ديجة .. ماشي هنزل وهاروح أقول لجيجي خليها تطلعلك بنفسها
تنهدت خديجة بضيق وقالت : أرجوكي ياملك متضغطيش عليا أنا لو نزلت مش هطلع تاني وهخلي عم شكري يوديني بيتنا
زفرت ملك بسأم وقالت : براحتك ...
بس ع فكرة هتقعدي لوحدك لحد بالليل متأخر لأن ورايا بارتي مع أصحابي بمناسبة النتيجة والنجاح والكلام ده
أبتسمت ولم تصل البسمة إلي عينيها وقالت : ألف مبروك معلش بقي نسيت
ملك : ولايهمك ... هاسيبك أنا بقي عشان ألحق أطفي الشمع مع لوجي وأطير مع حارسي الي عامل زي ضلي
خديجة : أصدك مصعب؟؟
ملك : أه عملي الردي ... خيالي الي ماشي ورايا ف كل مكان
خديجة : ع فكرة هو إنسان محترم جدا وبصراحة بشوف نظراته ليكي نظرات كل حب وخوف عليكي
ملك : أنتي كمان بتقولي كده ... ثم رمقتها بمكر وقالت : طيب رودي صاحبتي وهي خبيرة ف قصص الحب والنظرات إنما أنتي عرفتي إزاي نظرات الحب ياسوسة
رمقتها بتوتر وقالت : عادي مش محتاجة خبرة
ملك بنبرة ماكرة : فعلا مش محتاجة خبرة ... بس تصدقي ياسبحان الله نفس النظرات دي بلاقيها ف عينيكي لما بتشوفي آدم حتي نن عنيكي بيبقي شبه الأيموشن الي ف عينيه قلوب حمره
أبتسمت خديجة بخجل وقالت : أمشي يا ملك روحي شوفي بتعملي أي
غمزت لها بعينها وقالت : بس طلعتي مش سهلة ياديجة آدم مرة واحدة
قذفتها خديجة بالوسادة ... فركضت ملك وهي تغادر وقالت : سلام يا ست نظرات ... ثم ضحكت
ركضت ف الرواق حتي تقابلت مع آدم الذي يرتدي بدلته السوداء الأنيقة تفوح منه رائحة عطره الجذابة ... خصلات شعره المصففه بعناية ولحيته المشذبه تعطيه وسامة أكثر
أطلقت ملك صفير بإعجاب وقالت وهي تعانقه : ماتيجي معايا البارتي يا آدم والبنات هناك هتاكلك
أبعد يديها وقال : كنت عايزك ف حوار
ملك : خير بس أنجز عشان متأخرش
آدم : فاكرة السلسلة دي .... قالها وهو يخرجها من جيب بنطاله
حدقت بها وهي تتذكر فقالت : يااااه دي الي قلبتها منك لما.... لم تكمل لتتسع حدقتيها وهي تضع كفها ع فمها
آدم وهو يرفع حاجبه : يعني أنتي الي سرقتيها
قطبت حاجبيها بغضب وقالت : مسمهاش سرقتها أسمها خدتها من وراك وبعدين زهقت منها أدتها لديجة ... بس وصلتلك إزاي !!!
زفر بضيق وقال : روحي ياملك حفلتك ولما ترجعي هيبقي ليا معاكي قاعده
أبتعدت وتنظر له وهي تهبط الدرج وقالت : طيب ماتخلهاش قاعدة ماتخليها بانيو أو جاكوزي ... قالتها لتطلق ضحكاتها وأخرجت لسانها له فتعثرت ع الدرج حتي تلقاها بين زراعيه وهي تتشبث به ... لترفع زرقاويتيها ف رماديتيه
_ مصعب ! .. قالتها وهي تبتلع ريقها ... ثم أبتعدت
مصعب بتوتر جلي : احم .. يلا عشان هيطفو الشمع وأخدك نروح الحفلة
ملك : طيب يلا أنزل معايا
مصعب : أنا طالع لآدم بيه عايزه ف حاجة
ملك : آدم خرج من أوضته مش عارفة رايح فين ... تعالي بس يلا .... قالتها لتضع يدها الصغيرة بداخل كفه الغليظ وتجذبه خلفها .
_______________________
_ تقدم بخطوات واثقة وطرق الباب ليأتيه صوتها من الداخل
_ أتفضلي يا لمضة ... قالتها خديجة ظنا منها ملك
فتح الباب لتسبقه رائحة عطره التي تحفظها عن ظهر قلب ... رفعت عينيها إليه لتتسمر بمكانها
_ ممكن أدخل ؟؟ ... قالها آدم بصوته الرجولي
وضعت يدها ع رأسها لتتأكد من موضع حجابها لتواري خصلات شعرها التي كانت ع جبهتها وقالت : أتفضل
دلف إلي الداخل وكاد يوصد الباب لتصيح به : لاء خلي الباب مفتوح
زمت شفتيه بسأم وهو يفكر ف كلمة إعتذار تبعد عن كلمة آسف لأنه من الذين يبغضون الإعتذار لأي سبب إن كان
_ معلش ... متزعليش مني ... قالها آدم
نظرت له بكبرياء وقالت : معلش !!
أنت كسرتلي مج إزاز عشان تقولي معلش !!
قطب حاجبيه بإمتعاض وقال : أومال عايزاني أقولك أي ... ولايرضيكي أمسك إيدك وأبوسها وأطلب منك السماح
أبتسمت بتهكم وقالت :مش عايزة منك حاجة يا آدم إنك بس عيزاك تعرف إن أنا مش حرامية زي ما أتهمتني
_ عارف
_ بعد أي؟؟؟ بعد ما أهنتني وأتعصبت عليا
تنهد وقال : طيب أي الي يرضيكي ؟
ظلت صامتة وعينيها تصرخ بنظراتها وكأنها تقول له ..... لايرضيني سوي قلبك ياحبيبي أعلم أنه ليس لي لكن أريد أن يشعر بنيران حبك التي تندلع بداخل قلبي
_ ساكته ليه ؟؟
أجابت بتعلثم : مم مش عارفة
أتجه نحو الباب وقال : طيب لما تبقي تعرفي أبقي قوليلي ... غادر وصفق الباب خلفه بقوة وهو يتمتم وقال : بني آدمة غريبة .
______________________
_ في الحديقة ... تجمع الحضور وبدأو الغناء
هابي بيرث ذا تويو .. هابي بيرث ذا تويو .. هابي بيرث ذا تو يو لوجي
فصعدت ع أطراف قدميها الصغيرة وأطفأت الشمعة .... ليصفق الجميع والكل يقبل وجنتها الصغيرة ... ويعطي لها الهدايا
إنجي وهي تنحني ف مستوي إبنتها : كل سنة وأنتي طيبة يا قلب مامي
وقامت بتقبيلها فبادلتها لوجي القبلات وقالت : وأنتي طيبة يا مامي
_ كل سنة وأنتي طيبة يالوجي ... قالها مروان الذي وقف خلفها
رفعت عينيها لتتسع حدقتيها غير مصدقة أنه جاء وف الحفل الذي يجمع جميع أقاربهما
نظرت من حولها حتي أطمأنت لم يسمعها أحد : أنت أي الي جابك
أعطي علبة هديته إلي الصغيرة وقال : خدي يالوجي الهدية دي ويارب تعجبك
أخذتها منه ليدنو منها وطبعت قبلة ع وجنته وقالت : ميرسي يا أونكل ميرو
ضحك ع براءتها ... ثم حدق بإنجي وقال : ع فكرة خالتك هنا وجيهان هانم عمتك هي الي عزمانا
إنجي : يعني أنت كنت معزوم وبتستعبط عليا وتقولي ف التليفون عايزة أشوفك !!
مروان وهو يتناول كأس عصير وأرتشف منه القليل ثم قال : أيوه كنت عايزة أشوفك بس مش هنا .. ف عش حبنا الي مهجراه بقالك 5 شهور
وضعت كفها ع فمه وقالت :هششششش الله يخربيتك حد يسمعك
أمسك يدها وقام بطبع قبلة رقيقة فوقها
_ أزيك يا مروان ... قالها يوسف الذي جاء للتو وهو يرمق كليهما بنظرات نارية
ترك مروان يد إنجي بهدوء وقال : هاي يا جو ... أخيرا طلعت من جو العيانين عشان نشوفك ... قالها بسخرية
رمقه يوسف بإزدراء وقال : لاء جاي عشان أحضر عيد ميلاد بنتي وبنت إنجي مراتي حبيبتي ... قالها ووقف بجوار إنجي وهو يجذبها من خصرها لتلتصق به ... ليشعر بدقات قلبها الذي رتعد من الخوف
أبتسم مروان لهما بتصنع وقال : ربنا يهيني سعيد بسعيدة
يوسف يبتسم له إبتسامة صفراء : عقبالك ... ثم نظر لإنجي الملتصقة بصدره وقال : تعالي ياروحي عايزك ... قالها وهو يمسك يدها ضاغطا عليها بقوة لتتعثر خطواتها خلفه
وظل مروان واقفا يجز ع أسنانه وهو يتوعد له وقال : شوف مين هيضحك ف الأخر يا دكتور.
•
رواية صراع الذئاب الفصل العاشر 10 - بقلم ولاء رفعت علي
أمام إحدى الملاهي الليلية الشهيرة بالقاهرة.
ترجل من السيارة بهيبته وهو يضبط من هندامه، ليلتف إلى الجهة الأخرى ويفتح لها الباب. تنزل بحذائها الذي يشبه حذاء الأميرات المتلألئ، وثوبها ذا الشفاف الأسود الذي يكسوه الدانتيل الأزرق الزهري، يكشف ذراعيها وجيدها الذي تزينه سلسلة يتوسطها حبة لؤلؤ. يلفح بشرتها نسمات هواء الليالي الصيفية، وتداعب خصلات شعرها القصير.
يقف أمامها بطوله الفارع، ينظر إلى زرقاويتيها التي تنعكس عليها أضواء لافتة الملهى.
- هستناكي هنا لحد ما تخلصي حفلتك.. ولو فيه أي حاجة اتصلي عليا.
قالها مصعب وهو يحدق في عينيها كأنه يحلق في سمائهما. أومأت له مبتسمة بمرح وقالت:
- متقلقش عليا.
ثم أشارت له بيدها وقالت:
- باي مؤقتًا.
ثم دلفت من ذلك الباب الحديدي بعد أن أخرجت بطاقة هويتها للحارس الذي يقف خارجًا ليسمح لها بالدخول.
بالداخل تصدح أصوات الموسيقى الصاخبة والأضواء الملونة المتحركة، وأصوات الضحك المتعالية بين هؤلاء الشباب والفتيات. وفي إحدى الأركان يجلس هؤلاء الثلاثة.
يرتشف من كأسه وقال:
- طيب ترهنوني على كام إنها هتيجي؟
أجاب عليه صاحبه الذي يقف على يمينه:
- يا عم روميو كل مرة تقول نفس البقين دول ومبتجيش في الآخر.
ابتسم رامي بمكر وقال:
- عيب عليك، أنا قبل ما أخطي الخطوة ببقى عارف كل حاجة.
قال الذي يجلس أمامهم:
- طيب مين اللي قالك إنها جاية؟
ارتشف مرة أخرى ثم ترك الكأس على الطاولة وقال:
- ملكش فيه.
ثم ألقى نظرة على تلك التي هبطت الدرج المؤدي إلى ردهة الملهى. نهض من مكانه وأردف:
- عيب عليكوا ده أنا رامي السيوفي.
قال أحدهم بقلق:
- طيب أنت ناوي على إيه يا صاحبي؟
ابتسم كالذئب الذي يترقب فريسته وقال:
- على كل خير.
قالها ثم ذهب نحوها.
بينما هي تبحث عن صديقتها حتى وجدتها أخيرًا.
- Surprise!
صاحت بها ملك بسعادة، فالتفتت لها رودي صديقتها وصاحت هي أيضًا غير مصدقة:
- Good heavens! يا إلهي! بجد مش مصدقة نفسي، أخيرًا أفرجوا عنك وخلوكي تحضري الحفلة.
لكزتها ملك بمزاح وقالت:
- اسكتي بقى أنتي هتسيحيلي ولا إيه!
رودي: أومال فين ضلك الطويل؟
ملك: مستنيني برة النايت.
أمسكت رودي يدها وقالت:
- تعالي ما أعرفك على هوبا وكيرو.
أوقفتها ملك وقالت:
- استني هنا مش تفهميني الأول؟
- دول يا ستي في الفرقة اللي اتخرجت السنة دي، اللي لابس تيشرت أسود وجسمه زي تامر هجرس اسمه مهاب، واللي جمبه شبه رامز جلال ده اسمه كريم.
ضحكت ملك وقالت:
- تامر هجرس! ورامز جلال! مش تركيبة غريبة شوية؟
رودي: يا بنتي تعالي ننبسط شوية دول قعدتهم لذيذة خالص.
قطبت ملك حاجبها وقالت:
- لأ يا رودي أنتي عارفاني مليش في الجو ده أنا.
رودي: متقفلهاش بقى أنا ماصدقت إنك خدتي إفراج.
ملك بإصرار قالت:
- قولتلك لأ يا رودي، أنا لو روحت قعدت معاهم وحد من أخواتي عرف مش بعيد مخرجش من القصر خالص.
قالت رودي بسأم:
- يا بنتي أنتوا عيلة غريبة جدًا، إيه التخلف والجو القديم ده؟
ملك بنبرة غاضبة:
- رودي، أنا من أول ما اتعرفنا على بعض فهمتك نظامي ونظام عيلتي إيه، ومش معنى إن إخواتي وبابا بيخافوا عليا يبقى تخلف.
- هاي.
قالها رامي الذي استرق السمع إلى الحوار. رمقته ملك بازدراء بطرف عينيها ولم تجب عليه.
- هاي رامي.
قالتها رودي. رامي وهو يحدق بملك التي لم تعطيه أي اهتمام:
- ممكن يا ملك تديني 5 دقايق من وقتك؟
زفرت بضيق وتأفف، فأردف:
- بليز.
رودي: طيب أنا مستنياكي هناك يا ملك.
ثم ابتعدت. اقترب رامي منها ليقف أمامها:
- أنتي ليه مش بتديني فرصة أعبرلك عن اللي جوايا؟
عقدت ساعديها أمام صدرها وتحدثت وهي ترفع إحدى حاجبيها:
- بجد! مشاعر إيه وأنت في أول يوم في الجامعة عمال تعاكسني بكلام مش محترم!
ابتسم بتصنع وقال:
- أنا آسف وحقك عليا.. بس تعالي نقعد في مكان هادي ونتكلم شوية، يمكن لما تسمعيني تغيري فكرتك عني.
تنهدت ثم قالت:
- أيًا إن كان يا رامي، حتى لو أنت ملاك نازل من السما، أنا أصلًا مليش في حوارات الصحوبية والحب والجو ده، لأن مش بآمن بحاجة اسمها حب من الأساس.
رامي: ويا ترى ده نتيجة تجربة فشلت قبل كده؟
ملك: لأ عمري ما دخلت في تجربة ولا علاقة عاطفية.. وبليز بقى كفاية كلام، أنا جاية هنا أغير جو مش جاية أسمع لأسامة منير.
قالتها بسخرية، فقهقه رامي وقال:
- أسامة منير! حلوة يا ملوكة.
همت بالذهاب من أمامه وقالت:
- عن إذنك.
اشتد حنقه ليجز على أسنانه وقال:
- يبقى أنتي اللي اخترتي الطريقة التانية.
ثم اتجه إلى أحد العاملين وأخذ يتحدث معه وهو يخرج من جيبه ورقات من المال ليعطيها إلى ذلك العامل.
***
يتجول في الغرفة وأصوات أنفاسه تتصاعد، وهي تجلس على الأريكة المخملية تهز ساقها بتوتر جلي، تعقد يديها معًا وهي ترمقه بطرف عينيها.
- وبعدين! بقالك نص ساعة رايح جاي ولا عايز تفهمني مالك ولا أنا عملت إيه عشان تجرني وراك بالمنظر ده.
قالتها إنجي. توقف يوسف ليرمقها بنظرات متفحصة:
- مروان ابن خالتك بيعمل إيه تحت!
قالها بهدوء. نهضت وهي تعقد ساعديها أمام صدرها وقالت:
- والله السؤال ده تسأله لجيجي مش ليا، هي اللي عزمت خالتي وابنها.. وإيه طريقة سؤالك اللي مليانة اتهام ليا دي؟
أجاب يوسف بتهكم:
- ما هو أنا لما آجي ألاقي الأستاذ ماسك إيدك وبيبوسها أعمل إيه؟ أسقف له! ولا أقوله برافو!
زفرت بحنق وقالت:
- عادي يعني فيها إيه؟
رفع أحد حاجبيه بسخرية وقال:
- لا فيها يا هانم، ولا تحبي أفكرك بقصة الحب الأسطورية اللي كانت ما بينكوا من قبل ما نتخطب.
خفق قلبها بتوتر فاقتربت منه وقالت بدلال وهي تعانقه:
- أنت بتشك فيا يا يوسف! أنا اللي سبته واخترتك عشان أنت الراجل الوحيد اللي ملى قلبي وعينيا.
حدق في عينيها بصمت، لتردف:
- مالك بتبص لي كده ليه؟ أنت مش مصدقني.
تنهد وقال:
- نفسي أصدقك، بس كل أفعالك مبتقولش غير إنك إنسانة أنانية مبتفكرش غير في نفسها وبس، كل همها آخر صيحات الموضة وتغيري كل شوية عربيتك اللي مبتكملش شهرين على بعض.. وبنتك اللي عايشة معاها ومش معاها في نفس الوقت.
تصنعت البكاء لتجهش به وقالت:
- أنا أنانية؟ ليه يا يوسف؟ أنا باجي على نفسي ومستحملة شغلك اللي واخدك مني أنا وبنتك.. مستحملة لما بشوف صحباتي بتخرج وتتفسح مع جوزها وأنا يوم ما بخرج معاك بتبقى خروجة عائلية.. عمرك ما جيت في يوم من الأيام قولتلي كلمة حلوة.. ياما كنت بنام جمبك ودموعي بتغرق المخدة وأنت ولا هنا.. مين بقى فينا اللي أناني؟
أبعد يديها عنه وقال:
- شغلي اللي مش عاجبك ده هو نفس الشيء اللي عمالة بتتباهي بيه قدام أصحابك.. أنا مضحكتش عليكي وخدعتك، إحنا متجوزين وأنا لسه كنت بدرس في الجامعة وعارفة ظروفي وإن في إيدي أرواح ناس مينفعش أتأخر عليها.. أما بقى بالنسبة للكلمة الحلوة أنتي عرفاني كويس مبعرفش أعبر عن مشاعري بالكلام، وبعبرلك بطرق تانية وهي بجيبلك كل اللي بتشاوري عليه.
ابتسمت بسخرية وقالت:
- هو ده مفهوم الحب عندك!
حدق بها بنظرات استفهام وقبض على ذراعها بقوة وقال:
- قصدك إيه؟
لوت فمها جانبًا ثم قالت:
- متاخدش في بالك يا دكتور.
ثم رمقته من أسفل لأعلى واتجهت نحو الباب وذهبت.
***
بدأ الحفل ويتراقص الجميع وتبادلوا التهنئة. جلست ملك وهي تلهث وقالت:
- آه قلبي بجد مش قادرة بقالي كتير مرقصتش كده.
رودي: ده أنتي مجنونة اتعلمتي زومبا فين؟
ضحكت ملك وقالت:
- لما كان بابي ومامي وأخواتي مش موجودين في القصر، بنزل صالة الجيم وأشغل السماعات على أغاني شعبي أغاني مجنونة، وأفضل أرقص وأطلع أي نيجاتيف إنيرجي عندي.
نهضت رودي وقالت:
- طيب ممكن متتحركيش من عندك هاروح التويليت وجاية، ولا تيجي معايا؟
ملك: لأ مش قادرة رجلي وجعتني.. متتأخريش عشان شوية وماشية.
ذهبت رودي إلى المرحاض، وانتهز رامي تلك الفرصة لتنفيذ مخططه. اقتربت تلك الفتاة ذات المظهر الذي يثير الريبة ووقفت أمام ملك وقالت:
- لو سمحتي أنتي ملك؟
رفعت وجهها إليها وقالت:
- آه في حاجة؟
الفتاة: في واحدة اسمها رودي في التويليت بعتاني ليكي بتقولك تعاليلها ضروري.
ملك بقلق وهي تنهض قالت:
- أوك هاروحلها.
ثم توقفت وأردفت:
- هو التويليت فين؟
ابتسمت الفتاة بمكر وقالت:
- تعالي أنا رايحة هناك.
تتبعتها ملك لتذهب بها إلى رواق هادئ بعيد عن ذلك الصخب حتى توقفت أمام باب مغلق. تعجبت ملك فقالت بتهكم:
- هو التويليت هنا برضه!
تركتها الفتاة وقالت:
- سوري.
قالتها وهي تشير إليها مبتسمة.
- أنتي يا...
صاحت بها ملك ولم تكمل جملتها إذ قاطعها ذلك الذي فتح الباب وجذبها من يدها ليدخلها عنوة عنها، وأوصد الباب من الداخل. صرخت ملك بفزع:
- هااااااااااا... عايز مني إيه يا رامي؟
اقترب منها وهو يجذبها بين ذراعيه وقال:
- عايزك يا ملك.
دفعته بكل قوتها وقالت:
- ابعد عني يا كلب.
ثم ركضت نحو الباب لتطرق بقوة:
- الحقوووووووني.
قهقه بصوت مدوٍ وقال:
- محدش هيسمعك، الحيطان مدعمة بعازل صوت، يعني صوّتي لحد الصبح.
قالها ثم اقترب منها ليهم بتقبيلها عنوة عنها. صفعته بقوة وصاحت به:
- أنت قذر وسافل.
ثم ركلته في ساقه. جز على شفته السفلى وهو يضع يده على أثر الصفعة وقال:
- بتمدي إيدك ورجلك عليا يا...
قذفها بسبة بذيئة. ارتسمت على ملامحها الصدمة والفزع وقالت:
- أنت قليل الأدب وحيوان.
انقض عليها وهو يجذبها من حمالات ثوبها وهي تقاومه وتدفعه عنها، ركلها بقوة خلف ركبتها لتقع على الأرض ليعتليها، وهي تغرز أظافرها بكل قوة في وجهه وعنقه ليبتعد عنها.. أمسك يديها ليقوم بتثبيتهما بجوارها.
***
في قصر العزازي.
يجلس خلف مكتبه ويزفر دخان سيجارته وينظر إلى الأوراق التي أمامه. دق الباب الذي كان مفتوحًا ويليه صوت الحارس:
- قصي باشا مدام زينات عايزة تقابل حضرتك.
وبدون أن يرفع عينيه عن الأوراق قال:
- خليها تدخل.
لتلج إلى الغرفة بنظرات خوف وقالت:
- احم.. مساء الخير يا باشا.. أنا جيت من بدري ومنعوني أقابل مدام صبا من وقتها.
- أنا اللي أمرت بكده.
قالها قصي. ابتلعت ريقها بوجل وقالت:
- طيب ممكن أطمن عليها وأمشي على طول؟
نهض من مكانه تاركًا الأوراق ثم أخذ يسحب نفسًا عميقًا ليزفر بدخان كثيف وقال:
- أنا أمرت بكده عشان قبل ما تقابليها لازم تعرفي حاجة كويس.
أومأت له وقالت وهي تخفض عينيها إلى أسفل:
- تحت أمرك يا باشا.
- أولًا طول ما أنتي هتعيشي في القصر ده عايزك لا بتشوفي ولا بتسمعي ولا تتكلمي.. ثانيًا كل ما يخص صبا مسؤوليتك، ولو حصل تقصير حتى لو كان سهو منك مش هقولك ساعتها هاعمل معاكي إيه.
قالها بنبرة هادئة يتخللها الرعب في تهديداته الصريحة. زينات بنبرة توتر:
- متقلقش يا باشا صبا هانم في عينيا، دي بعتبرها زي بنتي من أيام ما كانت في قصر عزيز باشا.
وما إن نطقت اسم عزيز لتحتد عينيه وحدقها بنظرات قاتلة لو كانت نارًا لأحرقتها حتى تصبح رمادًا، فصاح بصوت غاضب مرعب:
- اسم عزيز البحيري ميتنطقش في قصري، أنتي سامعة؟
ارتجفت بخوف وأومأت له بالموافقة وقالت:
- أ.. أمرك يا باشا.
أشار لها نحو الباب وقال:
- اطلعي برة.
مشت بخطوات مسرعة فذهبت. ليأتي صوت الخادمة التي وقفت أمام الغرفة وقالت:
- العشا جاهز يا باشا.
زفر بغضب وقال:
- اطلعي قوليلها تنزل.
رمقته باندهاش وقالت:
- حضرتك تقصد صبا هانم؟
لم يتفوه بكلمة واكتفى بنظراته الحادة، فأردفت بوجل:
- ح.. حاضر يا باشا.
هي بالداخل تقف بالشرفة، شاردة في ذلك القمر المنير، ويطرب مسمعها دعاء الكروان الذي وضع في قلبها الطمأنينة وأن ليست هذه نهاية الحياة.
دق الباب...
فدخلت إلى الغرفة وقالت:
- نعم.
الخادمة:
- صبا هانم العشا جاهز.
تنهدت وهي ترجع خصلات شعرها إلى خلف أذنيها وقالت:
- طيب روحي أنتي وأنا نازلة.
توقفت أمام المرآة وهي ترمق تلك العلامات التي تملأ عنقها، فقطبت حاجبيها بألم... أمسكت ببعض مساحيق التجميل وأخذت تخفي تلك العلامات بها... عقصت شعرها لأعلى وغرزت بداخله مشبكًا... ثم ذهبت إلى غرفة الثياب لترتدي ثوبًا ذو لون أسود بأكمام طويلة حتى تخفي تلك الجروح حول معصميها... زفرت بسأم ثم غادرت الغرفة لتذهب لتناول العشاء وتتحاشى غضبه.
***
كانت تغسل يديها ثم أغلقت الصنبور لتسحب محرمة من تلك الاسطوانة المعلقة بالحائط... كادت تفتح الباب حتى جاء صوت من أمام المرحاض:
- يلا يا صاحبي مش هاتروح؟
- لاء ياعم أستنى سي رامي بدل ما يزعل وأنت عارفه لما بيقلب.
- تستنى مين أنت كمان! أنت فكرك هيحل البت ملك من أيديه بالسهولة دي؟
- عندك حق ده أنا مستني الفيديو اللي بيسجلوه معاها دلوقت.
اتسعت عيناها فشهقت بذعر على صديقتها... أسرعت بالمغادرة وهي تركض لخارج الملهى تبحث عن مصعب الذي كان يستند على السيارة وينظر إلى شاشة هاتفه.
تلتقط أنفاسها وتقول:
- مـ مصعب تعالى بسرعة ألحق ملك قبل ما تضيع.
قالتها رودي ليلتفت إليها مصعب الذي تحولت ملامحه الهادئة إلى بركان من الغضب يهلك كل ما يقابله... ولج إلى الداخل برفقتها ليصلوا إلى الداخل وهي تشير له إلى أصحاب رامي... وبدون أن تتفوه تركها ليقبض على عنق كليهما بقبضتيه وقال:
- رامي خد ملك فين؟؟؟
توقفت الموسيقى وتعالت الهمهمات... تركهما ليأخذ سلاحه من خلف بنطاله وأطلق رصاصة في الهواء وقال:
- ملك فين؟
صرخت الفتيات من الخوف ليغادر الكثير.
أشار الفتى إلى الرواق وقال:
- هه هناك في الأوضة التالتة على يمينك.
وقبل أن يذهب سدد لهما اللكمات ليخر كليهما على الأرض بألم... أسرع بخطوات تشبه الركض حتى وصل أمام الغرفة ليدير المقبض فلم يُفتح الباب... فقام بدفعه بجسده بقوة لينفتح الباب على مصراعيه... ومقلتيه كادت تخرج من محجريهما عندما رأى ذلك الذي يجثو فوق ملك الفاقدة للوعي وثوبها ممزق وهو ينهال عليها بقبلاته، ولم يشعر بذلك الذي قبض على ثيابه بقبضة واحدة ليرفعه إلى الأعلى وأخذ يسدد له اللكمات والركلات وهو يزمجر بغضب حتى امتلأ وجه رامي بالدماء وخارت قواه ليفقد الوعي وتركه قبل أن يلفظ أنفاسه.
ركض نحو ملك فخلع سترته... وربت على وجهها:
- ملك.. ملك.. فوقي يا ملك.
كان يناديها مصعب بخوف ورعب عليها، رفع جذعها قليلًا ليضع سترته على كتفيها ثم وضع ذراعيه أسفل ظهرها وأسفل ركبتيها وقام بحملها ويركض للخارج بجنون حتى وصل إلى السيارة.
- أرجوك يا مصعب خدني معاك عايزة أطمن عليها.
قالتها رودي التي لحقت به، أومأ لها فدلفت إلى الداخل لدى المقعد الخلفي وقامت بحمل ملك منه لتجلسها بجوارها وجعلتها تتمدد على فخذيها.
شغل المحرك وانطلق بالسيارة.
رودي:
- مصعب أنت هتوديها على أنهي مستشفى؟
مصعب بصوت مختنق:
- على مستشفى البحيري.
رودي:
- بلاش... ممكن تاخدها على عيادة نسا بتاعت ابن خالتي وقريبة من هنا.
توقف عن السير وهو يفكر بكلماتها، فزفر بضيق لينعطف إلى الطريق الأخرى واتجه نحو تلك العيادة.
***
تهبط الدرج وكل خطوة تتعالى خفقات قلبها... أخذت نفسًا عميقًا أمام باب الغرفة ثم زفرت الهواء وهي تحاول أن تتماسك... فتحت الباب الذي دخل في الحائط على مزلاق... ولجت بخطى هادئة تبث الثقة بداخلها عزمت أنها ستجعله يرى قوتها وليس ضعفها... يترأس المائدة كالعادة ويتناول طعامه بهدوء ولم يرفع عينيه... جذبت المقعد الذي يقع على يمينه وجلست وهي ترمقه بطرف عينيها تتحاشى النظر إليه... أمسكت بملعقة كبيرة لتغترف القليل من سلطة الخضروات وتضعها بداخل الطبق الذي أمامها.
ثم تناولت الشوكة وكادت تأكل ليوقفها طرق الباب، ثم فتح أحد رجاله الباب وتقدم نحوه وهو ينظر لأسفل وبصوت أجش تحدث:
- مساء الخير يا باشا.
ابتلع قصي ما بفمه وقال:
- هو عامل ايه دلوقت؟؟
الرجل:
- شرخ في الدراع الشمال وكسر في تلت ضلوع.
سمعت تلك الجملة لتبتلع ريقها وأخذت تتناول الطعام... ظنت أنه لابد من إحدى ضحاياه.
زفر قصي بضيق ليترك ما بيده وأسند مرفقيه على المائدة ليعقد يديه أسفل ذقنه ثم قال:
- وعملت ايه في الموضوع التاني؟
الرجل ومازال ينظر لأسفل خشية أن تقع عيناه على صبا فسيكون حتمًا هلاكه على يد رب عمله:
- اللي طلع الأمر بتفتيش المخازن وكيل النيابة اسمه حسام المصري، وبعد ما فتشنا وراه لقينا يبقى صاحب...
صمت ليبتلع ريقه خوفًا من بركان الغضب الذي سينفجر الآن.
- مييييين؟؟؟
صاح بها قصي، فرد الرجل بخوف جلي:
- يبقى آدم البحيري.
وما أن نُطق ذلك الاسم حتى شعرت بالحشرجة في حلقها وأخذت تسعل بقوة فتناولت كوب ماء لترتشف منه... بينما هو حدق بها بنظراته وملامح وجهه لا تدل على أي تعبير... حتى لاحظت ذلك رمشت عدة مرات ثم نهضت وقالت بدون أن تنظر إليه:
- الحمد لله... عن إذنك.
- اقعدي.
قالها بنبرة أمر تحمل تحذيرًا، جلست على الفور وأخذت تفرك يديها معًا بتوتر.
- وبعدين؟؟
قالها قصي، فأجاب الرجل:
- بالنسبة لصاحب العربية اللي وصل كارين هانم لحد البيت يبقى... يبقى يونس البحيري.
توترت الأجواء... على الرغم من الغضب الذي اندلع بداخله ولو أخرجه سيحرق كل ما يقابله لا مفر... لكنه تظاهر بالبرود.
أشار للرجل بالمغادرة وهو يقول:
- روح أنت دلوقت.
أومأ له الرجل وقال:
- عن إذنك يا باشا.
ثم غادر.
نهض من مكانه بهدوء... ليذهب ويقف خلفها... تغمض عينيها تخشى غضبه الذي تشعر به على الرغم من هدوءه.
انحنى نحوها ليهمس بجوار أذنها بأنفاسه التي كانت كاللهب:
- منزلتيش تتغدي معايا ليه؟
قالها ثم طبع قبلة ما بين عنقها وكتفها ليرتجف جسدها خوفًا، فأجابت بتوتر وخوف:
- كـ كـ كنت.. تـ تـ تعبانة.. ونمت.
ابتعد عنها ثم قال بأمر:
- اقفي.
أذعنت لأمره فوقفت وهي تزيح المقعد لتستدير وتقف أمامه وتنظر لأسفل.
أردف بأمر أيضًا:
- ارفعي وشك وبصيلي.
رفعت رماديتيها لتجده يقف بثبات واضعًا يديه في جيوب بنطاله الأسود القطني ونظراته تخترق عينيها وقال:
- أنا هعديهالك المرة دي... لكن المرة الجاية موعدكيش.
قالها ثم اقترب منها وهو يخرج من جيبه السلسلة التي قام بنزعها من عنقها من قبل... وضعها حول عنقها ليوصدها وعينيه لا تفارق عينيها.
- تمام كده.
ثم ألقى نظرة على شعرها المرفوع لأعلى ثم نزع مشبك الشعر لتنسدل خصلات شعرها حول وجهها وعلى كتفيها وظهرها، فأردف:
- طول ما أنتي معايا لوحدينا شعرك يفضل كده... تمام؟؟
أومأت له بالإيجاب وقالت بصوت يكاد يكون مسموعًا:
- حاضر.
اقترب منها أكثر ليحاوط وجهها بكفيه وابتسم ولم تصل الابتسامة لعينيه وقال:
- كملي أكلك.
ثم اقترب بشفتيه وطبع قُبلة حانية على جبهتها استمرت لثوان ثم ابتعد عنها وأردف:
- لو احتاجتي أي حاجة عندك الشغالين وكمان دادة زينات هتلاقيها في المطبخ... خدي بالك من نفسك.
قالها ثم ذهب من أمامها وغاب عن ناظريها... وبعد قليل اتجهت نحو النافذة الكبيرة التي تطل على الحديقة لتجده يغادر بسيارته وتتبعه سيارتين بداخلها العديد من رجاله... اتسعت حدقتاها عندما تذكرت حديث ذلك الرجل.
ركضت إلى الخارج تبحث عن المطبخ حتى وصلت إليه فولجت إلى الداخل لتجد زينات تجلس خلف المنضدة وتضع كفها على خدها بانتظار.
- دادة زينات.
قالتها صبا بلهفة وهي تركض نحوها لتنهض زينات وتفتح ذراعيها التي ارتمت الأخرى بينهما وأخذت تعانقها بحنان الأم.
زينات بشوق ولهفة:
- وحشتيني أوي يا بنتي.
اشتدت صبا من معانقتها وقالت:
- وأنتي كمان وحشاني أوي يا دادة.
ثم ابتعدت قليلًا وهي تنظر من حولهما فأردفت:
- تعالي معايا.
ذهبت كلتاهما إلى الخارج وكادت تصعد الدرج فتوقفت لتلتفت إلى الخلف لتتسمر مكانها عندما رأت كنان الذي يستند على الحارس وذراعه الأيسر محاط بالجص ووجهه مليء بالكدمات، فاستنتجت أنه المقصود من حديث الرجل لقصي.
***
زرع الرواق ذهابًا وإيابًا في انتظار خروج الطبيب ليطمئنه على حالتها... وهي تقف تدعو الله أن لا يكون قد أصاب صديقتها أي مكروه.
خرج الطبيب الذي يرتدي المعطف الطبي.
- هي عاملة ايه يا دكتور؟؟
قالها مصعب بقلق وخوف، فأجاب الطبيب بتأني:
- هو الإغماء نتيجة صدمة عصبية بسبب محاولة الاغتصاب اللي اتعرضتلها.
رودي:
- يعني يا شادي هي كويسة قصدي يعني....
أومأ لها الطبيب ليتفهم مقصد حديثها فقال:
- اطمنوا هي لسه "فيرجن" بس جسمها مليان خدوش وكدمات.
جز مصعب على فكيه ليضرب الحائط بقبضته عدة ضربات متتالية.
رودي:
- طيب هي تفوق أمتى؟
الطبيب:
- أنا ادتلها حقنة مهدئة وممكن تفوق بالكتير على الصبح.
قطب مصعب حاجبيه وقال:
- هو مينفعش ناخدها دلوقت؟
الطبيب:
- هو ينفع بس عايزة رعاية... ولو عايزين أعملكو تقرير طبي تقدموا بيه بلاغ في اللي عمل كده أنا تحت أمركو.
نظرت رودي إلى مصعب الذي تجهم وجهه وهو يفكر في حال عائلتها عندما يعلمون بما حدث... ليجلس على المقعد واضعًا كفيه على وجهه وهو يزفر بحزن وسأم.
أردف الطبيب:
- لو مش عايز خلاص... بس ده حقها ولازم تاخده بالقانون دي يعتبر جريمة اغتصاب حتى لو مش كاملة.
- كفااااية.
صاح بها مصعب بغضب لينتفض كلًا من رودي وابن خالتها الطبيب، أخذ يشهق ويزفر غير مصدق ما حدث فقال:
- اعمل التقرير وأنا هوديه لعزيز بيه.
***
- اهدي بس وبطلي عياط وفهميني ايه اللي حصل؟؟
قالتها زينات وصبا تعانقها وتبكي بصوت جلي:
- تـ تـ تعبت يا دادة... مش قـ قـ قادرة أستحمل... خلاص لو هافضل عايشة معاه بالشكل ده يا هموت يا هتجنن.
قالتها صبا من بين شهقاتها، فردت زينات بحزن وأسف:
- لا حول ولا قوة إلا بالله... كان مستخبيلك فين ده يا بنتي... الله يسامحه عابد بيه خدك من أهلك عشان يرميكي في النار بإيديه.
ابتعدت صبا فجأة وقالت وهي تنظر حولها:
- آدم.. آدم يا دادة.. قصي بالتأكيد هيعمل فيه حاجة.. خد رجالته ورايح له.
قالتها وهي تنهض ودلفت غرفة الثياب وهي تبحث عن شيئًا لترتديه.
تبعتها زينات وقالت:
- أنتي بتعملي ايه!!
توقفت ونظرت إليها:
- رايحة لآدم قبل ما يعمل فيه حاجة ويونس اللي بالتأكيد مش هيرحمه.
زفرت زينات بسأم وقالت:
- يا بنتي اتقي شره وملكيش أنتي دعوة عيزاه يعمل فيكي ايه تاني.
صاحت بجنون:
- يعني مش شايفة عمل ايه في المساعد بتاعه!!! ما بالك اللي هيعمله في ولاد خالي.
زينات:
- هم هيعرفوا يتصرفوا معاه وبعدين قصر خالك مليان حراسة أد كده وهو ورجالته ميقد....
لم تكمل لتقاطعها صبا بصياح:
- كانوا قدروا يمنعوهم لما جم وخدوني غصب من قلب قصر خالي.
زينات:
- يا صبا يا بنتي أنتي دلوقتي متجوزة ومش أي واحد... ده أبوكي نفسه ميقدرش يقف قدامه.
لم تتفوه وأخذت تفكر ثم قالت:
- هاتي موبايلك.
زينات بقلق:
- هتعملي بيه ايه؟
صبا وهي تجفف عبراتها:
- هطمن على آدم وأحذره.
تلون وجه زينات وقالت:
- أبوس إيدك يا بنتي بلاش.. قصي بيه لو عرف ممكن يقتلك فيها.
صبا بنبرة رجاء:
- أرجوكي أنتي يا دادة... ريحي قلبي وخليني أطمن عليه... قصي مانعني أمسك أي موبايل وزي ما أنتي شايفة محبوسة هنا وكل حاجة بعملها هنا بأوامر منه.
قالتها وهي تبكي، رق قلب زينات لها وأخرجت هاتفها من جيب الجونلة وقالت:
- أمري لله يا بنتي.. بس بالله عليكي كلميه بسرعة قبل ما حد يحس بينا.
أخذت صبا الهاتف وظلت تضغط على رقم آدم الذي تحفظه جيدًا كاسمها.
آدم بصوت ناعس:
- ألو مين معايا؟
صمتت وقلبها يخفق عندما سمعت صوته.
آدم:
- ألو... ألو.
صبا بنبرة اشتياق:
- آآ.. آدم أنا صبا.
نهض من مكانه وهو يزيح الغطاء واتجه نحو الشرفة وقال:
- صـ صـ صبا..
- أنتِ بخير؟
اعتصرت عينيها بألم وقالت:
- لا.. آه أنا بخير، وأنت يا حبيبي بخير؟
آدم:
- مالك يا صبا؟ الحيوان ده عامل فيكِ حاجة؟
ذرفت عينيها عبراتها بأنين قد وصل إلى مسمعه وقالت:
- لا مفيش.. أنا كنت بطمّن عليك.
تنهد آدم وقال:
- صبا... سامحيني إن مقدرتش أحميكِ.
صبا:
- عارفة يا آدم إنه غصب عنك ومش بإيدك... بس عايزاك تعرف حاجة، أنا عايشة معاه بجسمي بس قلبي وعقلي معاك أنت.
آدم:
- وأنا عمري ما نسيتك ودايمًا في بالي.
ساد الصمت لتذرف عينيه هو أيضًا عبرات قلبه الجريح...
صبا:
- آدم خلي بالك من نفسك، قصي عرف إنك ورا بلاغ تفتيش المخازن بتاعته وخد رجالته ومش عارفة ناوي على إيه... وكمان قول لـ.....
قاطعها آدم عندما قال:
- ثواني يا صبا.
ليجد اتصالًا على خاصية الانتظار وكان اسم المتصل "عم رمضان"... فأردف:
- معلش هقفل معاكِ وهشوف عم رمضان.
صبا:
- حاضر وأنا هبقى أطمّن عليك.
آدم:
- خلي بالك من نفسك... سلام.
ثم أجاب على الاتصال الآخر:
- ألو.. أيوه يا عم رمضان.
رمضان:
- الحق يا آدم بيه... المخازن كلها مولعة واتصلنا على المطافي ومستنيين، واتصلت على عزيز بيه مبيردش عليا.
آدم:
- طيب اقفل وأنا جاي حالًا.
أغلق المكالمة ليراها بالشرفة المجاورة تنتظر عودة ملك وعبراتها تنهمر على وجنتيها عندما استمعت إلى تلك المكالمة وتأكدت أنه ما يزال قلبه متعلقًا بها حتى وهي زوجة غيره.... لم يتفوه بكلمة وزفر بضيق ودلف إلى الداخل.
وبأسفل الشرفة كانت تجلس على تلك الأرجوحة واستمعت لذلك الحوار أيضًا... لتقطب حاجبيها وقالت:
- مش هتسكت يا ابن عزيز غير لما تدمرنا معاك.
***
في صباح اليوم التالي...
يستيقظ عبد الله وهو يتثاءب ويحك فروة رأسه واليد الأخرى يضعها خلف ظهره ويقول:
- آه يا ضهري اللي باظ من أم الكنبة.
ثم نهض ليتجه نحو الغرفة ليجدها ما زالت نائمة، لكنه ظل يحدق بها وهي نائمة كالملاك مرتدية منامة حريرية قصيرة ويدثرها الغطاء القطني... تقلبت حتى أزاحت الغطاء لتنكشف ساقيها.
- آه يا بنت الذين يخرب بيت جمالك...
قالها عبد الله وهو يعض على شفته السفلى، فاقترب منها وهو ينظر إلى وجهها ويزيح خصلات شعرها بأنامله وكاد يقبلها لتفتح عينيها فجأة.
- نهار أبوك أسود ومنيل، أنت بتتحرش بيا وأنا نايمة!
صاحت به شيماء وهي تنهض من فوق التخت وتشد منامتها لتغطي ساقيها.
- في حد بيتحرش بمراته يا بنت المجانين!
صاح بها عبد الله.
وقفت أمامه وقالت:
- الحق عليا خليتك تعيش معايا في بيت واحد، بس أنا مستنية أول أسبوع يخلص وتاخد هدومك وترجع للعشة اللي كنت ساكن فيها.
- بت أنتِ بقولك إيه، أنا سكتلك كتير وصابر عليكِ لحد ما تعقلي.. لكن الظاهر سوقتي فيها وفاكراني مش قادر عليكِ... لا يا حلوة أنا ممكن هاخد منك اللي أنا عايزه.
صاح بها عبد الله.
رمقته بنظرات حادة وقالت:
- أيوه بقى وريني وشك الحقيقي... عشان تعرف إنك عمرك ما هتتغير وأنا كمان عمري ما هديك الأمان طول ما أنا شايفاك قدامي بالمنظر ده.
- يعني إيه يا شيماء؟
شيماء:
- يعني هفضل على قراري لحد ما ألاقيك بني آدم محترم مش حتة واحد صايع كل همه سيجارة الحشيش.
انهال على وجهها بصفعة قوية... ليتسمر مكانه وهي ترمقه بنظرات حارقة... وهو ينظر إلى كفه الذي صفعها به.
- أنا هسيبلك الشقة كلها ورايحة عند أبويا وابقى ابعتلي ورقتي.
صاحت به وهي تتجه نحو المشجب الخشبي وتلتقط عباءتها وترتديها.
- حقك عليا يا شوشو.. أنا آسف... والله أنتِ اللي قعدتي تستفزيني فغصب عني.....
قاطعته وهي تصرخ في وجهه:
- آسف!! آسف على إيه ولا إيه... وليك عين كمان وبتمد إيدك عليا.
قالتها وهي تغلق أزرار العباءة ثم تناولت حجابها.
أمسك يدها وقام بتقبيلها وقال:
- آسف يا حبي... حقك عليا... يارب إيدي تتقطع وماتتمدش عليكِ تاني... ولو عايزة تاخدي حقك مني أنا واقف قدامك.. اضربيني نفس القلم لو كان ده يرضيكِ.
ظلت تحدق في خضراويتيه التي طالما تعشق النظر إليهما... ألقت الحجاب جانبًا ثم جلست على المقعد المستدير أمام المرآة وهي تستند بمرفقيها وأخذت تبكي.
جثى على ركبتيه ليمسك وجهها وقال:
- أنا آسف يا عمري والله بحبك، وكل اللي كنت بهددك بيه لحظة غضب... بس أنا عمري ما هغصبك على حاجة.
نظرت إليه بعينيها الدامعتين وقالت:
- ما أنت عملتها قبل كده.
اقترب منها ليعانقها وقال:
- والله ما كنت في وعيي، هو منه لله ابن الـ.... الواد صاحبي اللي وزّني أعمل كده عشان أحط أبوكِ قدام الأمر الواقع، والشيطان حلى الفكرة في عينيا، وكنت وقتها ضارب سيجارتين مادرتش بنفسي غير وأنا جيتلك وحصل اللي حصل.
ابتعدت عنه وقالت:
- نفسي ترجع عبد الله اللي عرفته زمان، الجدع اللي لما كان بيوعد ينفذ على طول وبيخاف عليا من الهوا.
عبد الله:
- والله يا شوشو أنا هو نفسه عبد الله اللي لما كان بيشوفك معدية بس من قدامه قلبه كان بيجري وراكِ وبيصرخ وبيقول بحبك يا شوشو... بحبك يا شوشو من ساعة ما كنتِ لسه عيلة بضفاير وبتلعبي في الشارع، واللي كان ييجي جنبك من العيال الصبيان مكنتش بسيبه غير لما بفتحله دماغه.. ولا نسيتي؟
ابتسمت رغمًا عنها وهي تجفف عبراتها وقالت:
- فاكرة... وفاكرة كمان لما الواد حودة كان بيمشي ورايا وأنا راجعة من الدرس مسكته أنت واديتله علقة موت قدام الحارة وخليته يروح على بيتهم بالبوكسر بس... ساعتها اتأكدت إنك بتغير عليا وبتحبني.
- وبعشق التراب اللي بتمشي عليه يا قلب عبده.
قالها بنظراته العاشقة لها وبصوت جعل قلبها يخفق بقوة.
فاقترب منها وهو يضع جبينه على جبينها وقال:
- مسامحاني يا شوشو؟
تنهدت ليشعر بأنفاسها التي استنشقها بعمق فقالت:
- أعمل إيه في قلبي اللي مهما عملت مبتهونش عليه وبيحبك.
عبد الله وهو يحاوط جذعها بذراعيه:
- قوليله يحس بنار قلبي اللي بيعشق كل حاجة فيكِ، وقوليله كمان عشان خاطرك هبطل أي حاجة تضايقك وكمان....
قالها لينهض وأخذ من فوق الكومود علبة السجائر والقداحة ثم فتح النافذة وألقاهم وأردف:
- تحرم عليا السيجارة لحد ما أموت عشان خاطرك يا روحي.
نهضت لتقترب منه وبنبرة عشق:
- بعد الشر عليك من الموت يا عبده... ده أنا مقدرش أعيش من غيرك.
فاقترب منها أكثر وهو يحاوط خصرها وقال:
- ولا أنا يا عيون عبده مقدرش أبعد عنك ولا لحظة، عارفة ليه؟
أجابت بشفتيها الوردية التي ظل محدقًا بهما:
- ليه يا قلب شوشو؟
فاقترب بشفتيه أمام شفاها وقال هامسًا:
- عشان عاشقك.
قالها ليغرقها معه في بحور عشقه ومحيط قلبه الذي ينبض بحروف اسمها ورئتيه التي تستنشق أنفاسها... تاهت في عالمه بين ذراعيه التي تضمها بقوة... لم تشعر بعباءتها التي انسدلت لتقع على الأرض وقدميها التي حلقت في الهواء عندما قام بحملها على ذراعيه ليأخذها في عالم لا يُسمع فيه سوى دقات القلوب وهمسات الحب ونظرات العيون التي تعشق إلى حد الثمالة.
***
في قصر البحيري....
تهبط خديجة الدرج في حين يدلف آدم إلى داخل البهو والإرهاق الجلي على ملامح وجهه وخصلات شعره المبعثرة... تقابل كليهما فوقفت وهي تنظر إلى حالته بنظرات لوم وعتاب وهي تتذكر كلماته لصبا التي ليست من حقه.
- آدم... كنت فين؟
قالتها جيهان التي تقف بأعلى الدرج.
رفع عينيه إليها ليقول:
- كان في شوية مشاكل في المخازن روحت أشوفها ولما حلتها جيت على طول.
زفرت الهواء ثم قالت:
- طيب اطلع أنا عايزاك... واستني يا خديجة عندك في الجنينة.
بداخل غرفته تدلف جيهان إلى الداخل وهو خلفها... لتقف أمامه بملامح غاضبة وقالت:
- تقدر تفهمني هتستفاد إيه لما تكلم واحدة متجوزة وجوزها مستني لأبوك على غلطة عشان يدمره ويدمر كل اللي بناه في لحظة؟
احتدت عينيه وقال:
- مين اللي قالك الكلام ده؟
رفعت إحدى حاجبيها بامتعاض وقالت:
- هو ده كل اللي همك... ومش همك إن ممكن حياتك تضيع عشان بنت عابد الرفاعي!
أجاب عليها باقتضاب وقال:
- أرجوكِ يا ماما أنا تعبان ومش قادر، سيبيني أنام ولما أصحى نبقى نتكلم لأنك فاهمة غلط... وأنا هعرف بنفسي مين اللي قالك كده.
قالها ليهمّ بالمغادرة فأوقفته وقالت:
- استنى عندك لسه مخلصتش كلامي.
التفت إليها وقال:
- في إيه تاني يا ماما؟
جيهان:
- انزل وخد خديجة وديها تروح لباباها المستشفى وأنا مستنية باباك لما يرجع من الشركة عشان أروح معاه نطمّن على عمك سالم.
نظر بتوعد وقال:
- حاضر هنزل وهاخدها.
ثم فتح الباب وذهب وأردف بداخل عقله:
- وهعرفها إزاي تنقل الكلام كويس.
تركض في الحديقة لدى المسبح وعلى عينيها وشاح عقدته لها تلك الصغيرة...
- أنا هنا... لأ هنا...
تصيح بها لوجي وتركض خديجة نحو صوتها وهي تمد يديها في الهواء حتى تمسك بها.
خديجة بضحك ومرح:
- يا ترى أنتِ فين يا لوجي...
قالتها وظلت تسير ولم تنتبه أنها على وشك الاقتراب من المسبح... والصغيرة كانت تختبئ خلف الشجرة.
هو خرج للتو من الباب الزجاجي المطل على المسبح لتتسع حدقتيه وهو يراها تتراجع للخلف ولم تنتبه أنها ستقع... لم يشعر بقدميه ليركض بسرعة البرق وأمسك بها وقدميها تنزلق.... شهقت بصوت دوى ورغمًا عنها تشبثت به ليفقد كليهما توازنهما ووقعا في المسبح.
نزعت الوشاح لتجد أنها بالمسبح وممسكة بآدم بخوف ورعب لأنها تخشى الغرق...
- عجبك اللي عملتيه فينا ده!
صاح بها آدم.
انتبهت أنها تمسك بقميصه وهو يمسك بها محاوطًا جذعها بذراعيه.... دفعته ليبتعد عنها لكنه كان أكثر تمسكًا بها.
فأردف:
- أنتِ مبتعرفيش تعومي ولو سيبتك هتغرقي وأنا مش عايز يجرالك حاجة قبل ما أعلمك الأدب.
اتسعت عينيها وصاحت به:
- ابعد عني... اوعى...
قالتها وهي تضربه بيديها في صدره وهو محكم قبضته عليها وأخذ يسبح إلى الحافة ليخرجها إلى الأعلى.
وقفت على الحافة بثوبها المبتل وصاحت به:
- قبل كده حذرتك إيدك متلمسنيش أنت فاهم ولا لأ!
صعد وقميصه الرمادي المبتل الملتصق بجسده وبنطاله الأسود... احتدت نظراته وصاح بغضب:
- الحق عليا أنقذتك! وبطلي تخلف بقى أنتِ فاكرة نفسك إيه عشان تقوليلي مش ألمسك!
اشتد حنقها وقالت:
- المتخلف اللي عارف الصح من الغلط وبيبقى مصر على الغلط.
اقترب منها ليجذبها من عضدها وقال بغضب:
- قصدك على مين متخلف؟
خديجة بنظرات نارية:
- اوعى إيدك أنت مبتفهمش!
أمسك بذراعها الآخر وهو يجز على فكيه وقال بتحدٍ:
- وريني بقى هتعملي إيه وهعرفك كويس إزاي تغلطي... وهعلمك الأدب زي ما قولتلك عشان تحرمي تنقلي حاجة سمعتيها بعد كده.
قالها وهو يعنفها قابضًا على يدها وذراعها.
- اوعى بقى...
صاحت به لتفلت يدها من قبضته وبدون أن تدري هبطت بكفها على وجهه صفعة تردد صداها.
ويليها صوت حطام الفنجان الذي وقع من يد إنجي التي رأت تلك الصفعة ووضعت كفها على فمها في صدمة وذهول.