تحميل رواية «صراع الذئاب» PDF
بقلم ولاء رفعت علي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بداخل أحد الأحياء الشعبية في وسط القاهرة... أصوات تتعالى وتردد تكبيرات صلاة العيد في مشهد يجعل قلبك يخفق بشدة من الفرح والسعادة وأنت ترى هؤلاء الذين يفترشون الأرض في ساحة شاسعة في الشوارع بسجاجيد الصلاة.. معظم الرجال والشباب يرتدون العباءة ذات اللون الأبيض الناصع، والنساء بعضهن ترتدي إسدال الصلاة الأنيق وأخريات ترتدي عباءة ذات اللون الأسود ويعلوها الحجاب، ولا ننسى الأطفال الذين يركضون هنا وهناك بين المصلين يرتدون ثياب العيد وبأيديهم البالونات والألعاب، والجميع مستمر في ترديد التكبيرات في صوت مهي...
رواية صراع الذئاب الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم ولاء رفعت علي
في المخفر...
- يا نهار أسود... أعمل إيه يا رب... أنا اتفضحت خلاص.
تصيح بها إنجي بين شهقات بكائها مكبلة بالأصفاد المعدنية مع مروان الذي كان يمسح وجهه بكفه ويزفر بقوة، حتى كاد يفقد صوابه فأمسك بساعدها بعنف وقال:
- ممكن تخرسي خالص وتسيبيني أفكر في حل للمصيبة السودة اللي إحنا فيها دي.
إنجي ببكاء قالت:
- حل إيه وهما هيكلموا يوسف عشان ييجي.
مروان:
- بطلي هبل واجمدي، عشان عياطك ده كده بتأكدي لهم عملنا حاجة غلط.
إنجي بنبرة تهكم:
- أنت غبي يا مروان، دول دخلوا علينا وأنا في حضنك.
مروان:
- هنقول بنت خالتي وجاية تزورني... ومتنسيش إنهم قبضوا علينا وإحنا لابسين هدومنا.
كفكفت عبراتها وقالت:
- قصدك إيه يعني؟
مروان:
- يعني هنقول في المحضر إنها زيارة عائلية وإحنا ولاد خالة، ولما الظابط والمخبرين دخلوا علينا كنتي بتسلمي عليا.. فين الجريمة في كده!!!
إنجي:
- ده بالنسبة للظابط.. طب يوسف أعمل معاه إيه؟
ابتسم بمكر وقال:
- يوسف مليون في المية هيطلقك، عشان هيخاف يعمل أي حاجة عشان الشوشرة والفضيحة وسمعته كدكتور مشهور.
إنجي بنبرة ساخرة:
- ياااه... أنت الأمور كلها عندك بسيطة كده... يوسف هيطلقني وهياخد مني بنتي وهيحرمني منها.. ومش هقدر أطالب بحضانتها وأنا استحالة أبعد عن بنتي.
مروان:
- خليكي معايا وأنا هعوضك عن كل اللي هتخسريه، بس اسمعي اللي قولتلك عليه عشان يبقى كلامنا واحد.
- انكتم يا متهم منك ليها إحنا مش قاعدين على الكورنيش.
صاح بها العسكري.
مروان:
- ما براحة يا شاويش... وبعدين من ساعة ما جبتونا القسم هنا لاطعينا أكتر من ساعة ونص.
العسكري بصوت أجش قال:
- دي أوامر سليم باشا.
تحرك مروان فأمسكت به إنجي بقلق وقالت:
- رايح فين وهتسيبني؟؟
أجابها بسخرية:
- هاسيبك فين وأنا متكلبش معاكي... اصبري بس هاعمل حاجة...
اقترب من العسكري وهمس له:
- ممكن تديني موبايلك أعمل مكالمة؟
العسكري:
- ممنوع.
لوى فمه جانبًا ثم نظر إلى ساعته وقام بخلعها وقال:
- طيب خد دي ساعة أوريجينال لو بعتها هتجيبلك على الأقل 5000 جنيه.
تلفت العسكري يمينًا ويسارًا ثم أخذ الساعة وألقاها في جيبه على الفور وأخرج هاتفه وقال:
- خد قدامك دقيقتين ملهومش تالت قبل ما الباشا ينادي علينا.
مروان:
- حاضر.
إنجي:
- أنت هتكلم مين؟
مروان:
- هاكلم واحد زميلي محامي.
***
وبداخل مكتب ضابط مباحث الآداب...
يمسك بشطيرة يقضم منها قطعة ويده الأخرى يمسك بها البطاقة الشخصية الخاصة بإنجي... ابتلع ما بفمه وقال:
- يا بنت الـ......
أجابه الضابط المساعد الذي يشاركه الطعام وقال:
- طلعت مين؟؟
سليم:
- مش هتصدق، تبقى بنت مهدي الدالي أشهر جراح في مصر، والمفاجأة الأكبر يبقى جوزها يوسف عزيز البحيري.
كاد يختنق من البلع فارتشف الماء ثم قال:
- يوسف البحيري!!! مش ده اللي كان معانا في ثانوي وكنا مسمينه النابغة وكان من الأوائل دايما؟
سليم مبتسمًا بسخرية:
- هو يا سيدي.
الضابط:
- وإيه اللي وقعه الوقعة السودة دي؟
سليم:
- ما هو أبوها يبقى خال يوسف وشريكه في مستشفى البحيري الاستثماري.
الضابط:
- أوباااااا دي فضيحة ليه من جميع النواحي، ربنا يكون في عونه.... وأنت ناوي على إيه؟؟
مسح فمه بمحرمة ورقية وفرك يديه من آثار الطعام ثم قال:
- هبعت له محضر طبعًا على عنوانه عشان ييجي يستلم المدام.
الضابط:
- وتفتكر هيعمل معاها إيه؟
سليم وهو ينظر إلى الفراغ قال:
- أقل حاجة هيعملها هيطلقها من غير شوشرة.
***
- ريحني يا بني وقولي أنت ناوي على إيه.
قالتها جيهان التي تجلس بجوار آدم وهو يقود سيارته.
تنهد آدم وقال:
- مفيش يا جيجي، كل الحكاية إن أنا عايز يبقى ليا حياة مستقلة أنا ومراتي.
- أنا أتمنى يكون استقلالك عننا يكون زي ما بتقول كده... بس عايزك تعرف إن خديجة قبل ما تكون مراتك دي تبقى بنت ابن عمي اللي بعتبره أكتر من أخويا، يعني يوم ما تزعلها أو تجيلي معيطة بسببك هتلاقيني أنا اللي واقفلك وهنسى إنك ابني وقتها.
قالها عزيز الذي يجلس في المقعد الخلفي.
نظرت إليه جيهان ثم إلى آدم وقالت:
- آدم حبيبي عارف كويس إن خديجة غلاوتها عندي زي ملك بالظبط، يعني اللي يزعلها كأنه زعلني... صح يا آدم؟؟
أوقف السيارة ثم التفت إليها وقال:
- أنتو ليه فاكرين عشان هاخدها ونتجوز بعيد عن القصر يبقى هعذبها!!! أنا كل اللي عايزه يبقى لينا حياة خاصة، نفرح نزعل أيا إن كان يبقى ما بيني وما بينها، ولا عايزنا نبقى زي يوسف وإنجي.
جيهان:
- أنا عن نفسي مش متضايقة إنك هتعيش برة القصر، بس كل اللي يهمنا أنا وباباك سعادتك وراحتك ونكون مطمنين عليك أنت وهي.
أمسك يد والدته وأومأ لها بأهدابه الكثيفة وقال:
- اطمني يا ماما... طول ما أنتي بخير أنتي وبابا وأخواتي ببقى مرتاح وسعيد.
صدح رنين هاتفه فقرأ اسم المتصل بصوت مسموع:
- نجيب!!!
عزيز:
- رد عليه بسرعة هتلاقيه في الشركة.
أجاب آدم وقال:
- ألو، أيوه يا نجيب.
نجيب الذي يتطلع لأوراق أمامه ويعتدل من نظارته الطبية قال:
- آدم بيه... معلش على الإزعاج بس الأمر ميحتملش التأجيل لبكرة، وقولت لازم تعرف عشان تتصرف وتحل الموضوع قبل ما عزيز بيه يعرف.
آدم:
- طيب أنا في مشوار وهعدي عليك في الشركة... مسافة الطريق وجاي بسرعة... سلام.
جيهان:
- مش ده نجيب بتاع الشؤون القانونية الخاصة بالشركة يا عزيز؟
عزيز منتبهًا إلى ملامح آدم الممتعضة... فقال:
- هو حصل إيه؟؟
انتبه آدم وقال:
- مفيش يا بابا، ده كان واحد بيحوم حوالين الشركة فالسكيورتي مسكوه وعايزني أجي أتصرف معاه.
عزيز:
- خليهم يسلموه للقسم.
آدم:
- أنا كده كده رايح الشركة عشان ورايا شوية شغل عايز أخلصهم وأفضى لتحضيرات الفرح... بس هوصلكم على القصر الأول وهطلع أنا على الشركة.
جيهان:
- خد بالك من نفسك ولو حسيت بقلق كلم البوليس علطول.
آدم:
- متقلقيش يا ماما كله خير بإذن الله.
***
في حديقة قصر البحيري...
يجلس مصعب على إحدى المقاعد المطلة على المسبح شاردًا فيمن يهواها وهائم في عشقها.
جاءت تتسحب بخطى هادئة ووقفت خلفه... كلما تفتح فمها لتتحدث تتراجع وتحمر وجنتيها... تكرر الأمر فقررت العودة وقبل أن تخطو أوقفها صوته الرخيم:
- أنا سامعك.
وقف بطوله الفارع وجسده القوي ليصبح أمام تلك الساحرة الصغيرة وتتلاقى عينيه بعينيها المتلألئة في ضوء القمر... ونسمات هواء ليالي الصيف تداعب خصلاتها المتدلية حول وجهها.
- أأ.. أنت عرفت إزاي إن أنا اللي واقفة وراك.
قالتها بهدوء وتردد.
ابتسم بعينيه وتفوه بشفتيه وقال:
- قلبي حس بيكي... غير ريحتك المميزة اللي دايما بتسبقك بخطوة.
أسبلت جفونها بخجل وقالت:
- بس أنا مش حاطة برفيوم.
ارتسمت ابتسامة خفيفة على ثغره وقال:
- أنتي مش محتاجة تحطي أي برفيوم يا ملك، لأنك أجمل زهرة في الكون كله، ليكي عطرك الخاص بيكي لو جمعوا عطور العالم كله مش هتبقى أجمل من عطرك.
خفق قلبها بشدة فكل كلمة تلامس أوتار قلبها الصغير... حقًا إنها تحبه وتبادله مشاعره لكن كانت تنكر هذا خشية من عدة أمور... طالما تظاهرت إنها لا تؤمن بالحب لكن خلف تلك الحصون التي شيدتها حول مملكتها... قلب ينبض واستيقظ من سباته عندما صرح لها بعشقه الدفين.
استعادت رباطة جأشها وتفوهت بكل شجاعة وتحدي لكل الظروف التي تحاوطهما:
- أنا كمان يا مصعب... أأ.. أنا كمان...
قاطعها بعدم تصديق ما يراه بداخل عينيها قبل أن تصرح به شفتيها فقال:
- أنتي إيه يا ملك؟؟؟
ابتلعت ريقها وقبل أن تتفوه رأت يوسف يأتي نحوهما... تراجعت إلى الخلف وقالت:
- أنا كنت عايزة أخرج بكرة أقابل أصحابي في النادي... فممكن تيجي معايا بكرة؟
رمقها بامتعاض وقال:
- أنا تحت أمرك في أي وقت.
ابتسمت وقالت:
- شكرًا.
- إيه يا ملوكة أنتي مروحتيش معاهم ولا إيه؟
قالها يوسف فالتفت إليه مصعب فتفهم سبب توترها.
ملك:
- كنت حاسة بصداع ومقدرتش أروح معاهم... بس قبل ما أنزل من فوق مامي كلمتني وقالتلي قروا فاتحة آدم على خديجة وجايين في الطريق دلوقت.
يوسف:
- ما شاء الله ربنا يتمم لهم على خير... عقبالك يا ملوكتي.
ملك:
- لسه بدري عليا يا جو.
يوسف:
- مفيش أقرب من الأيام...
فنظر إلى مصعب وقال:
- عقبالك يا مصعب... نفسنا نفرح بيك بقى أنت أكبر واحد فينا.
مصعب:
- بإذن الله يا دكتور.
يوسف:
- طيب أسيبكم بقى عشان ورايا كشوفات وعمليتين هفضل مطبق لتاني يوم.
مصعب:
- ربنا يقويك.
يوسف:
- تسلم يا مصعب... يلا سلام.
ملك:
- وأنا طالعة بقى عشان هاكلم أصحابي وهاظبط معاهم... تصبح على خير.
أجابها مبتسمًا:
- وأنتي من أهله.
ذهبت للداخل فأردف:
- يا حبيبتي.
يتحدث يوسف في هاتفه:
- يا بني صدعت دماغي وربنا، جاي لسه هركب العربية.
قهقه ثم أردف:
- عشان تعرف ياض من غيري متحصلش حتى تمرجي في عيادة تحت السلم.
جاء إليه أحد حرس البوابة وقال:
- يوسف بيه.
يوسف:
- طيب سلام دلوقت يا آسر وهبقى أكلمك بعدين.
أغلق المكالمة وأردف:
- في حاجة يا جواد؟؟
الحارس:
- فيه واحد واقف برة وبيقول إنه مُحضر من قسم أكتوبر وطالبين حضرتك بالاسم.
عقد حاجبيه وقال بتعجب:
- مُحضر!!!
***
- الحمد لله.
قالها علاء بعدما انتهى من تناول العشاء.
فاتن:
- تسلم إيدك يا رحومة... بيتزا البيض بتاعتك ملهاش حل... حكاية.
عديلة وهي تقضم الطعام بفمها قالت:
- يعني كانت عملت إيه يعني... دول كام بيضة وقطعت عليهم فلفل وطماطم وبصل.
فاتن:
- النفس... نفسها في الأكل حلو ياما... مش أنتي بتعمليلنا البيض الأومليت بيبقى لازق في الطاسة وريحته زفرة.
قامت عديلة وأمسكت ابنتها بعنف وهي تضربها على ظهرها وصاحت بها:
- أنا يا بنت الـ.... بعمل كده؟ لما نشوفك يا نن عين أمك هتعملي إيه في بيت المحروس جوزك.
فاتن بصراخ:
- ااااااه خلاص ياما ضهري اتكسر من إيديكي.
تركتها عديلة وقالت:
- جزاء ليكي هتقومي تخلصي كوم المواعين اللي في المطبخ وهتصحى بدري عشان عندك أنتي والهانم التانية غسيل سجاجيد الشقة كلها وبعدين تلموا الستاير وتتغسل غير جبل الهدوم اللي قرب يوصل للسقف.
تفوهت فاتن بسخط:
- وربنا ده حرام.
قالت عديلة بتهديد:
- اخرسي يا بت بدل ما أنسل الشبشب فوق دماغك.
تمتمت فاتن بصوت يكاد مسموعًا:
- ربنا على الظالم والمفتري.
سمعتها رحمة فضحكت رغمًا عنها فحدقت بها عديلة بنظرات ترعب الشيطان ذاته... تصنعت حمل الأطباق وركضت إلى المطبخ... لحقت بها فاتن وقالت:
- الله يكون في عونك يا بنتي، أنا كلها شهر وهاتجوز أنتي بقى هتفضلي معاها لحد ما أبيه عادل يرجع.
اكتفت رحمة بابتسامة سخرية...
- الشااااااي يا فاتن.
صاح بها علاء وهو يقف بداخل الشرفة.
فاتن:
- معلش يا رحمة صبي أنتي الشاي وروحي وديه له عقبال ما أخلص المواعين ونقعد مع بعض عشان عايزاكي في موضوع كده.
رحمة:
- حاضر.
انتهت من إعداد أكواب الشاي ووضعت إحداهم فوق صينية صغيرة وذهبت بها إلى الشرفة...
رحمة:
- إحمم... الشاي.
التفت إليها ليأخذ منها الكوب وهو يحدق بعينيها بدون أي تعابير... كادت تذهب فأوقفها قائلًا:
- استني.
وقفت وهي تنظر إلى أسفل... فأردف:
- لو اللي حكتهولي على السطح طلع صح يبقى مفيش فعلًا حل غير إنك تطلقي... بس المشكلة دلوقت أخويا مسافر وأمي مش هاتسكت لو عرفت إنك بتفكري في كده.
رحمة:
- عارفة كل اللي بتقوله... وأنا لما حكتلك عشان تعرف إن لما هاعمل كده مش عشان طه أو غيره..
أنا عايزة أخد حريتي وأبعد عن كل اللي ظلموني، حتى أهلي مش هرجعلهم لو اتطلقت.
رمقها بتعجب وقال:
- أومال هتروحي فين!!
رحمة:
- هروح أقعد مع جدتي أم بابا لحد ما ألاقي شغل وأخد سكن بالإيجار لوحدي.
قال علاء باندفاع:
- وأنا مش موافق إنك تعيشي لوحدك.
حدقت به باندهاش فأردف:
- قصدي يعني ما ينفعش تقعدي لوحدك وأنتي عارفة بقى المجتمع اللي عايشين فيه، والرجالة ما بيصدقوا يلاقوا واحدة مطلقة وعايشة لوحدها.
ابتسمت بتهكم فقالت:
- تعرف... أسامة أخويا كان أقرب الناس ليا... اتهدم كل اللي ما بينا وقت ما اترجيته إني مش عايزة اتجوز، وصمم إني اتجوز أخوك بالعافية على الرغم إنه عارف ومتأكد هعيش في عذاب.
تنهدت فأردفت:
- أنا مستغربة إنك المفروض اللي تقف ضدي لما تعرف إني هتطلق من أخوك، بالعكس لقيتك واقف جنبي، بيتهيألي لو كان أسامة كان زمانه خدني من إيدي ورماني ليكوا، غير البهدلة والشتيمة اللي هاخدها منه ومهما حكيت له أو حلفت له مش هيصدق.
علاء:
- أنا عندي أخت بنت يا رحمة واللي ما أرضاهوش عليها ما أرضاهوش على بنات الناس... واتصدمت إن إزاي أخويا عنده مشكلة وهو وأمي عارفين وأصروا يظلموكي بكل جبروت.
رحمة:
- وإيه اللي خلاك تصدقني يعني ما قولتش إن ممكن بضحك عليك؟
علاء:
- أنا بشتغل ومن وأنا عندي 10 سنين واتعاملت مع كل أنواع البشر الصادق والكداب والمنافق والطيب واللئيم، تقدري تقولي واخد شهادة بكالوريوس من الدنيا.
ضحكت وقالت:
- فعلًا الدنيا أكبر مدرسة الواحد بيتعلم منها.
تنهد علاء بأريحية فقال:
- عمومًا موضوعك ده حله في إيد واحد هو الوحيد يقدر يخلصك من شر أهلي.
رحمة:
- مين ده؟
علاء:
- إيهاب عبد الحميد المحامي.
***
بداخل مكتب مباحث الآداب...
سليم وهو يشير إلى أسفل الورقة:
- اتفضل حضرتك امضي هنا.
دون يوسف اسمه وهو يحدق بإنجي التي تقف جانبًا وترتجف من الخوف بنظرات جعلتها تتمنى أن تزهق روحها توًا وأن لا تغادر معه.
يوسف في محاولة تمالك أعصابه قال:
- ممكن أقابل اللي اسمه مروان؟
سليم:
- لسه خارج بكفالة مع المحامي بتاعه.. وحتى لو موجود ما ينفعش أخليكوا تتقابلوا منعًا للخناقات وحضرتك فاهم.
يوسف:
- متشكر يا سيادة الرائد... بس ممكن طلب لو سمحت.
أشار له بيده:
- اؤمر يا دكتور.
يوسف بنبرة رجاء يخالطها الانكسار:
- ممكن ما حدش من الصحافة أو الوسط يعرف باللي حصل.
أومأ له سليم وقال:
- اطمن من غير ما توصيني... أنا منبه على كل اللي كانوا في الحملة والعساكر ما حدش يجيب سيرة لأي صحفي أو غيره.
ارتسم على محياه طيف ابتسامة:
- متشكر لحضرتك جدًا.
غادر القسم وهي تتبعه بحذر، وعندما وصل كليهما إلى سيارته... دفعها إلى الداخل فتأوهت من ارتطامها بالمقعد... والتف وجلس في مقعد القيادة وأغلق جميع الأبواب بزر التحكم.
أخذت تبكي وتقول:
- أنا مش خنتك... أنا روحت له عشان خد.....
لم تكمل حيث هوى بكفه بكل قوته على وجهها بعدة صفعات وهو يصيح بها صارخًا:
- اخرسي يا خاينة... اخرسييييي... كلمة كمان وبالمشرط اللي بعالج بيه الناس هقطع لك بيه لسانك.
وضعت يديها على فمها الذي نزف من جانبيه وخصلات شعرها تبعثرت... انطلق بالسيارة في طريق آخر.
***
ألقى بالأوراق فوق المكتب وهو يصيح بغضب:
- إزاي كل ده يحصل من غير ما نعرف أو حتى يبعتوا لنا إيميلات عشان نعمل حسابنا ونتعاقد مع شركاء غيرهم.
نجيب وهو يعدل نظارته قال:
- يا آدم بيه ده اللي حصل وما كنتش هعرف لولا مشكلة مناقصة الواحات هي اللي عرفت من وراها انسحاب الشركاء تبعنا.
زفر بغضب ويخلل أنامله بين خصلات شعره فقال:
- ما فيش حل غير تبعت لكل واحد فيهم في اجتماع طارئ بكرة الصبح وساعتها هنعرف عملوا كده ليه.
وفي الناحية الأخرى بداخل غرفة مكتبه يتحدث في هاتفه وبيده الأخرى بطاقة دعوة يحدق بها مبتسمًا:
- كده تمام... عايزك بكرة الصبح قبل الاجتماع توصله معلومة إن أسهم المجموعة بتاعتهم في البورصة نزلت 50%... وأول ما يعرف بلغني... سلام.
أغلق المكالمة وقال:
- ودي هدية بسيطة مني قبل فرحك يا ابن البحيري... ولسه التقيل جاي.
قهقه ثم ارتشف النبيذ من الكأس.
طرق كنان الباب ثم ولج إلى الداخل:
- اتفضل يا باشا حجزت جناح كامل زي ما أمرت... وأنور بيه صاحب الفندق باعت لحضرتك السلام... بس كان عندي سؤال.
قصي:
- خير؟
كنان:
- حضرتك هتقعد قد إيه عشان المفروض حضرتك مسافر روسيا الأسبوع الجاي.
قصي:
- عارف... وما تقلقش يا كنان أنا عامل حساب لكل حاجة ومش ناسي.
ضحك كنان بتعجب وقال:
- فعلًا صدق اللي سموك الكينج.
ترك الكأس وربت على كتف كنان وقال:
- في شغلنا ده بتكون حاجة من الاتنين، يا تكون الكينج وتفضل محافظ على مكانتك، يا إما تبقى عبد مطيع وعليك تنفيذ الأوامر من اللي يسوى واللي ما يسواش... عرفت ليه بشد عليك؟؟
كنان:
- أنت معلم ومنك بنتعلم.
قصي:
- ماشي... أنا طالع بقى هريح عشان ما نمتش بقالي يومين... تصبح على خير.
كنان:
- وأنت من أهله يا باشا.
غادر قصي غرفة المكتب... وقبل أن يذهب كنان أيضًا التفت إلى صورة كارين المعلقة على الحائط واقترب منها وهو يضع أنامله على شفاها بالصورة وقال:
- يا ترى أنتي فين يا حبيبتي؟؟!!!
***
أشرقت الشمس بنورها الساطع ليبدأ يوم جديد...
ولج طه من باب المنزل يحمل الخبز وكيس بلاستيكي... خرجت خديجة من غرفتها تتثاءب وقالت:
- صباح الخير يا طه.
طه:
- يسعد صباحك يا عروسة.
قالت والبسمة رفيقة ثغرها:
- عروسة!
طه:
- وأجمل عروسة كمان... يلا بقى عشان جايب لكوا شوية فول من على وش القدرة وطعمية بسمسم وصاية وما نستش الفلفل المقلي اللي بتحبيه.
خديجة:
- تسلم يا حبيبي.
طه:
- يلا روحي صحي الزفتة اللي نايمة جوه دي وهاتي الأطباق.
- الملافظ سعد يا سي طه... عامةً ربنا يسامحك ومش هرد عليك.
قالتها سماح التي خرجت للتو من الغرفة ترتدي منامة تكشف عن ذراعيها وأعلى مفاتنها وساقيها إلى منتصف فخذيها.
صاح بها طه بغضب:
- إيه ده!!!
تصنعت عدم الفهم فقالت:
- هو إيه؟؟؟
رمقها بنظرات تحذيرية وقال:
- خشي غيري المسخرة اللي عليكي دي والبسي حاجة عدلة.
رمقته بتحدٍ وجلست على إحدى مقاعد الطاولة وقالت:
- الجو حر وما فيش غيرك أنا وأنت وأختك اللي في البيت.
تهجم عليها قابضًا على خصلات شعرها بقوة وقال:
- لما أقول الكلمة تتسمع.
قالها وهو يسحبها نحو الغرفة وألقاها بالداخل تحت صرخاتها.
ركضت خديجة على صراخها فقالت:
- خلاص يا طه سيبها براحتها.
طه:
- سيبيني يا خديجة اتعامل معاها عشان دي صنف عوج لازم أعدله كل شوية.
قالت سماح وهي تبكي:
- عجبك اللي بيعمله فيا ده يا خديجة...
خديجة وهي تجذب طه للخارج قالت:
- سيبها يا طه الحارة زمانها سمعت صوتنا.
طه وهو يرمق سماح بشرر قال:
- ماشي... أنا مستني بس خديجة تتجوز وأول حاجة هعملها هخدك على المأذون وأخلص منك وهسلمك لخالتك.
خديجة:
- استعيذ بالله من الشيطان يا طه ويلا عشان نفطر كلها ساعتين وهلاقي طنط جيهان عدت عليا.
ذهب إلى المائدة وأخذ يستغفر.. وتبعته خديجة.. بينما الأخرى أوصدت عليها الباب لتجري اتصالًا بخالتها.
سماح:
- ألو يا خالتي الحقيني.
صباح:
- هببتي إيه يا بت؟؟
سماح:
- ما عملتش حاجة غير اللي قلتي لي عليه، وأول ما شافني بالبيجامة المفتوحة من كل حتة دي فضل يزعق لي ولما عندت معاه جرني من شعري ابن المفترية.
صباح:
- تتقطع إيده البعيد.
سماح:
- والمصيبة الأكبر مستني أخته تتجوز وهيطلقني بعدها وهيرميني ليكي.
صباح:
- هو الواد ده اتجنن ولا إيه... لا ده عاوز حد يديله على دماغه.
سماح:
- كان أبوه وخلاص الله يرحمه.
صباح:
- ما قدامكيش غير حل واحد، يوم فرح أخته تقولي له إنك حامل وساعتها مش هيقدر يسيبك وابنه في بطنك.
سماح:
- تصدقي فكرة يا رب بس يقتنع وقتها ويرجع عن اللي في دماغه.
صباح:
- ما تجمّدي يا بت أومال فين سماح القوية... ولا الواد إدالك على دماغك خلاص.
سماح:
- فشر يا خالتي... أنا بس بتمسكن لحد ما اتمكن منه... بقولك إيه هقفل معاكي أخته بتنادي عليا عشان أفطر معاهم سلام.
خرجت بعدما ارتدت عباءة وتصنعت بمسح عبراتها وجلست بجوار خديجة وهي تنظر بعتاب إلى طه الذي لم يعرها أي نظرة بتاتًا.
***
استيقظ على صوت رسالة واردة على هاتفه... دق قلبه حينها وكأنه يعلم المرسل... نهض من فوق الفراش وأمسك بهاتفه وقام بفتح الرسالة ليجد محتواها ما يلي:
(يونس أنا كارين أنا هستناك بعد ساعة في مول (...) الدور التاني في محل اسمه بونسوار وأرجوك ما تتأخرش).
وقف وكأنه أصابه مس كهربائي... ركض نحو المرحاض ليغتسل ثم ذهب ليرتدي ثيابه بصعوبة حيث ذراعه ملفوفة بالجص... أخذ هاتفه ومحفظته الجلدية ومفتاح سيارته وأسرع بالمغادرة....
بالأسفل يجلس كل من جيهان وياسين وعزيز وملك في الحديقة يتناولون الفطور...
صاحت جيهان منادية:
- يونس.
التفت نحوهم وقال:
- معلش يا ماما ورايا مشوار ضروري... افطروا انتوا بالهنا والشفا.
جيهان:
- خد بالك من نفسك وأنت سايق.
يونس:
- حاضر سلام.
واتجه نحو المرآب ليقفز بداخل سيارته ذات السقف المفتوح وأدار محركها متجهًا نحو البوابة.
عزيز:
- هو آدم رجع إمتى إمبارح؟؟
جيهان:
- آدم في الشركة من إمبارح اتصلت عليه قالي إنه بيحاول يخلص الشغل اللي وراه عشان الفرح.
نظر عزيز بتعجب وقال:
- عمومًا أنا رايح الشركة دلوقتي وهخليه يروح عشان يروح معاكوا أنتي وخديجة تجيبوا الشبكة وتشتروا لها كل اللي محتاجاه.
جيهان:
- يا ريت عشان ساعة كده وهعدي عليها في الحارة مع عم شكري... مش جاية معانا يا ملك؟
ملك كانت شاردة في مصعب الذي يقف بعيدًا ويتحدث في الهاتف.
قالتها جيهان:
- ملك... ملك...
ضحك ياسين بخبث وأمسك كوب مثلج وألصقه بذراعها فشهقت بذعر.
صاحت بغضب:
- أنت والله ما عندك دم... مش حذرتك قبل كده وقلت لك ما تهزرش معايا تاني؟؟
ضحك ياسين وقال:
- ماما عمالة تناديكي وأنتي ولا هنا وسرحانة في الشجرة.
جيهان:
- خلاص وقوم شوف إيه اللي وراك عشان حفلة الافتتاح بتاعت بكرة.
ياسين:
- أنا أجلتها بعد فرح آدم لأن فيه شوية صيانة تبع الكهربا لسه ما خلصتش.
جيهان:
- وأنتي يا ملك كنت بقولك مش هتيجي معايا أنا وخديجة.
ملك:
- أوبس أنا ناسية خالص... أصل اتفقت أنا وصحباتي نتقابل في النادي.
عزيز:
- هتروحي ومعاكي مصعب وما تبعديش عنه الحتة اللي هتكوني فيها هيكون زي ضلك.
ملك:
- حاضر يا بابي.
عزيز:
- كنت عايز أقولك إن الولد اللي اسمه رامي عمل حادثة ووالده جه وترجاني إنك تسامحيه لأنه هيفضل عايش على كرسي متحرك طول عمره.
وقفت وقالت:
- مش عايزة أعرف حاجة وربنا يسهله.
نظرت إليهم جميعًا وقالت:
- عن أذنكم أنا طالعة أوضتي.
جيهان:
- شوفت عشان لما بقولك مش بتصدقني... وبتتعامل معايا كده برضو.
ياسين:
- اعذروها يا ماما اللي حصل معاها ما كنش سهل وكويس إنها رجعت تقعد معانا وتتكلم زي الأول.
قالها وكان ينظر نحو باب القصر ليجد ياسمين يوقفها أحد الحراس.
الحارس:
- آنسة ياسمين ممكن دقيقتين من وقتك.
رمقته باندهاش وقالت:
- نعم حضرتك عايز إيه؟
أجابها بتوتر وقال:
- طبعًا بتشوفيني هنا على طول أنا بشتغل زي ما أنتِ شايفة في الحراسة واسمي جاسر عندي 25 سنة وعايش مع والدتي... اختصارًا للكلام أنا معجب بيكي من وقت ما جيت اشتغلت هنا وعرفت من مصعب إن والدك متوفي وكان بيشتغل هنا وإنك كمان لسه بتدرسي ودخلتي الجامعة السنة دي... من الآخر عايز اتقدم لك رسمي وأطلبك من عزيز بيه.
اتسعت عينيها بصدمة...
وزاد توترها عندما رأت القادم نحوهما، وعيناه لا تبشران بالخير.
ياسمين: أنا بصراحة مش بفكر خالص في الجواز يا أستاذ جاسر و...
قاطعها ياسين بنظرات توعد وبصوت أجش: ياسمين اطلعي لمدام سميرة عايزاكي فوق.
أومأت له وقالت: حاضر.
ركضت إلى الداخل وقلبها يخفق وجلًا.
وضع ياسين يده قابضًا على كتف جاسر وقال:
- ياريت تخليك في شغلك، لأن معندناش حد من الحراس يقف يتكلم مع البنات اللي بتشتغل هنا.
جاسر: ياسين بيه أنا والله ما كنت بضايقها، أنا بس بقولها إني عايز...
قاطعه ياسين بحدية: روح شوف شغلك أحسن لك، ولو عايز تكمل هنا مشوفكش واقف تاني مع أي واحدة بتشتغل في القصر... مفهوم؟
جاسر: مفهوم يا بيه.
تركه ياسين واتجه للداخل قاصدًا الصعود إلى غرفته، وأرسل إليها رسالة أنه ينتظرها بالغرفة.
نظرت إلى محتوى الرسالة وقالت: ربنا يستر.
علا: مالك؟
ياسمين: مفيش... بقولك أنا رايحة أعمل حاجة كده وجاية بسرعة، لو مدام سميرة نادت عليا قوليلها أنا في الحمام.
علا بنبرة ماكرة: في الحمام برضو ولا فوق عند ياسين بيه؟
ياسمين: بقولك إيه مش ناقصاكي، من ساعة نصايحك الهباب دي ومن وقتها حاسة إنه زعلان مني.
علا: هتلاقيه بيتقل عليكي يا هبلة، اسأليني أنا.
ياسمين: تفتكري؟
علا: طبعًا، وبكرة تقولي علا كان عندها حق.
رن هاتفها فقالت: طيب اعملي زي ما قولتلك، ولو فيه حاجة رني عليا.
رواية صراع الذئاب الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم ولاء رفعت علي
ركضت إلى الدرج وصعدت مسرعة إلى أن وصلت إلى غرفته، وتلفتت يمينًا ويسارًا، فطرقت الباب لتجد من يجذبها للداخل قابضًا على ساعدها بحنق وقال:
- كنتوا بتتكلموا في إيه أنتي والواد السكيورتي اللي كان واقف معاكي؟
تأوهت من قبضته وقالت:
- كان بيسألني على حاجة مش أكتر.
شد من قبضته وقال:
- كل ده بيسألك.. وحاجة إيه اللي بيسألك عليها؟
توترت ملامحها فقالت:
- مفيش كان بيسألني عن علا.
قال ياسين بعدم اقتناع:
- ويسألك أنتي ليه ما يروح يكلمها؟
ابتلعت ريقها وقالت:
- عشان عارف إن صحبتها.
ترك ذراعها وتنهد بأريحية وقال:
- أول وأخر مرة أشوفك واقفة مع أي واحد جوة أو برة القصر، ولو حد وقفك مترديش عليه وتمشي على طول.
ابتسمت رغمًا عنها وهي تمسك بساعدها الذي ألمها من قبضته.
- بتضحكي على إيه؟
ياسمين:
- والله أبدا أنا فرحانة عشان بتغير عليا.
اقترب منها وهو يحدق في عينيها وقال:
- أيوه بغير عليكي ومستحملتش وأنا شايفك واقفة مع واحد.
ياسمين:
- طيب ليه كنت بتتجاهلني اليومين اللي فاتوا وحاسة إنك زعلان مني؟
ولى ظهره إليها وقال:
- مش زعلان منك أنا بس كنت مشغول.
اقتربت منه لتقف أمامه وقالت بنبرة مليئة بالبراءة قد أذابت قلبه في هواها:
- ممكن متنشغلش عني تاني؟
نظر إليها لثوانٍ وهو يحاول السيطرة على مشاعره التي تدفعه إليها... ابتعد عنها وقال:
- اطلعي برة.
نظرت إليه بصدمة وقالت:
- ياسين!
صاح بصوت أرعبها:
- اطلعي برة يا ياسمين.
كبتت عبراتها التي تجمعت بمقلتيها، فركضت نحو الباب وألقت نظرة عليه ثم غادرت.
ياسين وهو يلقي بالمزهرية في الأرض بغضب من نفسه... فإنه في حرب بين قلبه وأهوائه... يخشى عليها من نفسه... قد أحبها بصدق حقًا... فهل سيستمر ذلك الحب وإلى أين سينتهي!
****************************************
رنين هاتفه قد أزعجها، فتحت جفونها بضجر لتجد نفسها بين ذراعيه وظهرها ملتصقًا بصدره العاري، لا يرتدي سوى سروال رمادي قصير.
حاولت التملص منه بدون أن توقظه، لكن كلما تحركت ازداد عناقه لها... فتفاجأت بشفتيه وهو يقبلها أسفل أذنها وقال بصوت حنون:
- صباح الخير على أجمل عيون في الكون.
التفتت وهي بين ذراعيه لتصبح في مواجهته وقالت:
- صباح النور... تليفونك عمال يرن بقاله ساعة.
ابتسم فازداد وسامة وجاذبية عندما انغمرت غمازتيه... قال:
- معلش نسيت أعمله صامت.
صبا:
- طيب ممكن تسيبني أقوم؟
جذبها أكثر نحوه ودفن وجهه في عنقها، وتفوه بأنفاسه التي لفحت عنقها فانتابتها القشعريرة:
- رايحة فين؟
أجابته بتوتر:
- اللي بيقوم من النوم بيروح فين يعني.
قام بتقبيل عنقها وقال:
- وينفع تقومي وتسيبي جوزك حبيبك كده!
حاولت التحرك لتبتعد وقالت:
- بس بقى يا قصي.
قال وهو يستنشق رائحة جسدها:
- خليكي في حضني شوية... وبعد كده قومي.
لكزته في كتفه وقالت:
- يوه بقى بقولك عايزة أروح التويليت... أوعى بقى.
ابتعد برأسه ثم حدق في عينيها بمكر وقال:
- خلاص هسيبك تقومي بس أروح معاكي.
صبا:
- تروح فين!
ابتعد عنها ونهض ليحملها على ذراعيه واقفًا فوق التخت... فصاحت:
- بتعمل إيه نزلني.
قصي:
- مش عايزة تدخلي التويليت.. هوصلك.
صبا:
- أنت قليل الأدب على فكرة.
ضحك باستفزاز وقال:
- عارف.
تأففت وهي تستشيط غضبًا:
- أوووف بقى نزلني.
قصي:
- تؤ تؤ... مش هنزلك غير لما تصبحي عليا الأول.
اشتد حنقها وهي تركل بساقيها في الهواء وقالت:
- ما أنا قولتلك صباح النور عايز إيه تاني؟
أنزلها محاوطًا خصرها بيديه وقال:
- عايز كده.
والتهم شفتيها بعشق وكأنه يرتوي النبيذ من فمها... وهي على الرغم من محاولتها في الابتعاد لكن قبلته العاشقة لها جعلتها تذوب بين ذراعيه مثل قطعة الثلج في حر الصيف.
تركها بعدما شعر بأنفاسها كادت تتوقف... أخذت تتنفس بصوت مسموع وهي تنظر إلى عينيه لتدرك من نظراته إليها مدى رغبته نحوها، خاصة ويديه تعتصر خصرها مقتربًا منها مرة أخرى، فأبعدت يديه وقفزت من فوق التخت وركضت نحو المرحاض وأوصدت الباب من الداخل وقلبها يتسارع مع عقارب الساعة... تلمس شفتيها بأطراف أناملها وتتحسس على عنقها أثر قبلاته... تنهدت وهي تسدل خصلاتها وتخلع ثيابها لتدلف إلى كابينة الاستحمام.
***************************************
بعد أن قطع طريقًا طويلًا من القصر إلى ذلك المجمع التجاري، توقف بسيارته في ساحة الانتظار وترجل منها... أجرى اتصالًا على رقم المرسل لم يجب المرة الأولى.. زفر بضيق فقرر أن يلج إلى الداخل، وصعد الدرج الكهربائي المتحرك لأعلى باحثًا عن اسم المتجر حتى رأى سيدة تلوح له بإشارة أن يأتي للداخل... ذهب إليها ودفع الباب الزجاجي... قابلته سيدة أربعينية وتشير إلى باب مغلق وقالت:
- اتفضل هي مستنية حضرتك جوه.
رمقها بحذر وخطى نحو الباب بهدوء فربما يكون فخًا... لكنه فتح الباب وولج إلى الداخل ليجد من تركض نحوه وتتشبث به بعناق قوي.
كارين بنبرة اشتياق ولوعة:
- وحشتني أوي يا يونس... وحشتني أوي أوي يا حبيبي.
لم تجد منه تبادلًا لشغفها فابتعدت وهي تحدق في وجهه المتجهم... حاوطت ذقنه الملتحية بكفيها وقالت:
- أنت كويس؟
أزاح يديها وقال بتهكم:
- وده يهمك يعني!
عقدت حاجبيها وقالت:
- والله بعدي عنك كان غصب عني، ويعلم ربنا عشان أقابلك كم الرعب اللي حساه طول الوقت وخايفة ليلقوني ويبعدوني عنك تاني.
يونس:
- هو مين اللي عايز يبعدك عني؟
لم تجب وأخفضت بصرها تخشى عندما يعلم من تكون فيبغضها ويبتعد عنها.
صاح بغضب:
- ساكتة ليه ما تقولي، مش ده برضو اللي بعتلي رجالته عشان أبعد عنك؟ يا ترى يبقى حبيبك الأولاني ولا عشيقك؟
صرخت قائلة:
- يبقى أخويا.
تجهم وجهه وعقد حاجبيه وقال:
- أخوكي!
جلست على أقرب مقعد لها... تنسدل من عينيها عبرات وقالت:
- أنا اسمي بالكامل كارين رسلان العزازي.
ردد اسمها وهو يستنتج من يكون شقيقها فقال بصدمة:
- أخوكي قصي العزازي! وليه مقولتيش من الأول... ليه خبيتي عليا؟
كارين:
- عشان مكنتش عايزة أشوف نظرة الاتهام اللي شايفاها جوه عينيك.
يونس وهو يحاول استيعاب ما تفوهت به.. قال:
- ليه فكراني هاخدك بذنب اللي عمله مع آدم أخويا لما خد منه بنت عمته اللي حبها طول عمره واتجوزها غصب؟
كارين:
- أديك قولتها... وكنت بحاول أبعد عنك في البداية.
يونس:
- ويا ترى حبك ليا ده كان بجد ولا كان إيه بالظبط؟
كارين:
- أنا حبيتك برغم الظروف اللي حوليا... حبيتك وعارفة إن هيتفتح علينا باب نار ملهاش أول من أخر سواء من عندي أو من عندك... أنا حبيتك أنت يا يونس ومهمنيش أي حاجة غيرك أنت... أنا هسيبك تفكر لو عايز تبعد عني ومتشوفنيش تاني مش هلومك، ولو عايز تكمل معايا مقدمناش غير حل واحد، نهرب أنا وأنت على إيطاليا ونبدأ حياة جديدة بعيد عن نار أخويا.
يونس:
- بتخيريني بين أمرين كل واحد أصعب من التاني وأنا مقدرش أبعد عن أهلي.
كارين بنبرة باكية وعيون تلمع بالعشق:
- وأنا مقدرش أعيش من غيرك يا يونس.
طُرق الباب وولجت تلك السيدة التي بالخارج وقالت:
- آسفة بس مدام فايزة اتصلت وبتقولك لازم تمشي بسرعة رجالة أخوكي منتشرين في كل حتة في المول.
اتسعت عيناها خوفًا وخشية على يونس...
يونس:
- بالتأكيد جايين ورايا وفاكرين هقابلك.
كارين:
- أنا لازم أمشي بسرعة.
قالتها وهي تمسك بعباءة سوداء ارتدتها بسرعة ثم أمسكت بغطاء الوجه (النقاب) وقامت بعقده خلف رأسها لتخفي وجهها بالكامل.
يونس:
- استني أنتي رايحة فين؟
كارين:
- لازم أمشي يا يونس وهسيبك تفكر وأي قرار هتاخده يا ريت تبلغه لفيفي وأنا هستنى ردك قبل ما هسافر الأسبوع الجاي... وخد بالك من نفسك عشان خاطري.
قالتها وغادرت توًا برفقة السيدة حتى وصلت إلى باب خلفي للمجمع تنتظرها سيارة أجرة تأخذها إلى منزل مدام فايزة... بينما يونس غادر أيضًا وهو يفكر في كل ما قالته وعلم أنه أمام باب من أبواب الجحيم ولابد أن يغامر إذا أراد الحصول على التي لم يعرف معنى للعشق سوى معاها هي فقط.
*************************************
في شركة البحيري....
- الظاهر حضراتكوا اللي نسيتوا الشرط الجزائي اللي في عقود الشراكة اللي ما بينا.. يعني اللي عملتوه ده يديني الحق أطالب بقيمة الشرط يا إما هسيب الشئون القانونية تتصرف بمعرفتها.
صاح بها آدم.
قال أحدهم:
- باشمهندس آدم مفيش داعي للتهديد والعصبية وأظن إن في بند ينص في العقد إن لينا الحق فسخ العقود في حالة إن مجموعة البحيري خسرت أسهمها في البورصة... والخبر اللي لسه عارفينه قبل ما نبدأ الاجتماع إن الأسهم بتاعتكوا نزلت بنسبة 50% ودي كارثة كبيرة في السوق.
تجهم وجه آدم وقال:
- مين اللي قال إن الأسهم نزلت؟
نهض الرجل يمسك باللوح الإلكتروني وأعطاه إليه ليتأكد من صدق الخبر... ترك آدم اللوح وجلس على المقعد المترئس للطاولة وكأن دلوًا من الثلج انسكب عليه... اقترب منه نجيب وقال هامسًا إليه:
- آدم بيه عزيز باشا في مكتبه وتقريبًا عرف كل اللي حصل وبيقولك تعالَ له على المكتب حالًا.
نهض وقال:
- عن أذنكوا يا جماعة وأستاذ نجيب المسئول القانوني للمجموعة هيقعد معاكوا وهيشوف طلباتكوا إيه.
غادر غرفة الاجتماعات وذهب إلى مكتب والده... ولج إليه فقال عزيز:
- سيب كل حاجة أنا هتعامل... وأنزل عشان والدتك مستنياك تحت مع عم شكري.
آدم:
- ممكن نأجل المشوار ده بعدين؟
قاطعه عزيز وقال:
- مفيش وقت خلاص فرحك فاضل كام يوم عليه.
تنهد بسأم فقال:
- حاضر وياريت لو حصل حاجة تبلغني على طول.
عزيز:
- متشلش هم... وخد الكريدت دي عشان تجيب لخديجة كل اللي تشاور عليه مش عايز يبقي ناقصها حاجة.
آدم:
- شكرًا يا بابا أنا هجبلها كل اللي عايزاه من معايا... هي بقت مسئولة مني خلاص.
ابتسم عزيز من شهامة ابنه فقال:
- ربنا يتمملكوا على خير يا بني.
آدم:
- يارب... لما ألحق ماما بقى سلام.
بالأسفل في السيارة تنتظر كل من جيهان وخديجة.
قالت جيهان:
- معلش يا خديجة آدم طالع لباباه في الشغل ينسى نفسه.
خديجة:
- دي حاجة كويسة إنه بيحب شغله.
ولج إلى داخل السيارة وقال:
- السلام عليكم... معلش اتأخرت عليكوا.
جيهان وخديجة:
- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
فأردفت جيهان:
- ولا يهمك يا حبيبي بس تعالى أنت مكاني جنب خطيبتك وأنا هقعد جنب عم شكري.
توردت وجنتاها عندما سمعت هذا، فأذعن آدم لأمر والدته وجلس بجوار خديجة... انتفضت من مكانها عندما اقترب من جوارها وكاد يلتصق بها فتزحزحت قليلًا... استمتع بتوترها هذا وعلم أنها في غاية خجلها، فابتسم بمكر واقترب من أذنها وهمس:
- عايزك تتعودي عليا عشان كلها كام يوم وتبقي مراتي يعني هيتقفل علينا باب واحد وأنتِ فاهمة اللي هيحصل بقى.
احتقن وجهها بالدماء فانتابها السعال بشدة.
جيهان:
- خدي اشربي ميه بسرعة.
أخذها آدم ليقوم بفتح الغطاء وقال:
- اشربي عشان الكحة دي تروح يا حبيبتي.
قالها ووضع فوهة القارورة على شفتيها... أخذت ترتشف الماء تحت نظراته المستمتعة برؤيتها وهي ترتجف من الخجل لقربه منها.
وبعد مسافة من الطريق توقف السائق أمام أشهر متاجر المجوهرات... ترجل جميعهم من السيارة... ليلج كل منهم إلى الداخل.
جيهان:
- بونسوار مسيو جورج.
ابتسم ذلك الرجل ذو الشعر الأبيض وقال:
- بونسوار مدام جيجي... أخيرًا شرفتيني... أنا قولت نسيتينا وبقيتي تتعاملي مع حد تاني.
جيهان:
- أنت عارف كويس أنا مبشتريش أي مجوهرات غير من عندك... بس الفترة اللي فاتت كنت مشغولة شوية... والمرة دي جايين نشتري شبكة خطيبة آدم ابني.
جورج:
- ما شاء الله ده آدم اللي كان بيجي معاكي وهو صغير...
- ألف مبروك يا بني ويباركلك الرب أنت وعروستك.
أجاب عليه آدم مبتسمًا:
- تسلم يا عم جورج.
جيهان:
- ممكن تنقي لي طقم ع ذوقك كده لعروستنا، وخد بالك خديجة بنتي قبل ما تكون زوجة ابني.
جورج:
- من عينيا، أنا هطلعلك أحدث تشكيلات معمولة مخصوص.
قالها وأخرج لهم ست علب مغطاة بالمخمل الأسود، وفتحهم جميعًا ليظهر بداخل كل علبة طقم من الألماس بتشكيلات رقيقة وفي غاية الجمال.
جيهان:
- يلا يا ديجا نقي الطقم اللي يعجبك.
- أنا مش عايزة أكتر من خاتم بس.
قالتها خديجة فتفاجأ جميعهم من مطلبها البسيط.
جيهان:
- خديجة الشبكة دي هدية آدم ليكي.
خديجة:
- عارفة يا ماما جيجي وأنا هاكتفي بالخاتم بس.
ابتسم جورج معجبًا من قناعتها فقال:
- وأنا عندي طلبك تشكيلات شبهك بالظبط رقيقة وجميلة.
ضحك آدم وقال:
- جرى إيه يا عم جورج بتعاكسها كده قدامي؟
جورج:
- أنا كبرت خلاص يا آدم يا بني ومبقاش فيا صحة للمعاكسة.
آدم:
- ربنا يديك الصحة.
جورج:
- تسلم يا بني.
فأخرج لوحة كبيرة مليئة بخواتم الزواج المصنوعة من البلاتين الخالص ومرصعة بفصوص الألماس اللازوردية... وقفت حائرة، ليقول آدم وهو يشير إلى خاتم تتوسطه ماسة على شكل قلب:
- حلو أوي الخاتم ده.
أخرجه جورج له وأعطاه لخديجة، فأخذه آدم وأردف:
- هاتي إيدك.
ضيقت عينيها وقالت:
- لأ أنا بعرف ألبسه.
قالتها وأخذته من يده وهو يرمقها بحنق، وقال بداخل عقله:
"اصبري عليا بس لما نتلم في بيت واحد، لو معلمتكيش الأدب من أول وجديد مبقاش آدم البحيري".
خديجة وهي تنظر إلى الخاتم بيدها:
- حلو أوي أنا هاخده.
***
- على جنب يا أسطى.
قالتها نعمات لسائق التوكتوك، فأردفت:
- انزلي أنتي وخدي معاكي الحاجة وأنا رايحة لخالتك أم دلال هاشتري منها عبايتين لأبوكي.
شيماء:
- حاضر.
قالتها وحملت الأكياس وترجلت من التوكتوك وولجت إلى الفناء، فجذبها أحدهم إلى داخل المخزن بالطابق الأرضي.
شهقت بذعر:
- عبد الله!
عبد الله بنظرات شوق وشغف إليها قال:
- وحشاني يا روح عبد الله.. مش قادر أعيش من غيرك يا شوشو.
شيماء:
- أرجوك يا عبد الله تسيبني في حالي وكفاية يا ابن الناس لحد كده.
قبض على عضديها وقال:
- يعني إيه كفاية؟ عايزة تسيبني!! أنتي نسيتي أنا بالنسبة لك أبقى إيه!! أنا عبده اللي مكنتيش بتنامي غير لما تسمعي صوته... اللي كل مكان يشهد على حبه ليكي... بصي حواليكي فاكرة المخزن ده ياما اتقابلنا فيه وكنت بعبرلك عن حبي... تحبي أفكرك بالأيام دي؟
قالها وهو يقترب منها وكاد يقبلها، فدفعته في صدره وصاحت في وجهه قائلة:
- ده لما كنت شيماء الهبلة اللي بتضحك عليها بكلمتين... كنت بقول دايمًا يمكن يتغير بعد الجواز والمسؤولية، لكن للأسف بلاقيك بتتحول للأسوأ وأخرتها طلعت بتأكلنا من الحرام.
عبد الله:
- كان غصب عني، أنا عملت كده لما أبوكي زنقني في أسبوع واحد عشان نتجوز.. كنتي عايزاني أسرق!!!
قالت بسخرية واستهزاء:
- لا سمح الله بتاجر في المخدرات بس.
عبد الله:
- من حقك تتريقي... بس عايزك تعرفي إن كل ده كنت بعمله عشانك، وفي الآخر تقوليلي أبعد عنك... لكن ده نجوم السما أقربلك يا شيماء.
- هتسيبني يا عبد الله لأن بصراحة مبقتش طيقاك... خليني أشوف حالي بقى مع واحد يحبني ويخاف عليا ويصرف عليا من الحلال.
قالتها لتثير حنقه، فنجحت في ذلك. ثارت أغواره واحمرت مقلتيه من الغضب وقال بصوت هادئ مرعب:
- هخليكي تشوفي حالك مع مين يا روح أبوكي؟؟
تراجعت إلى الخلف خوفًا منه وقالت:
- زي ما سمعت كده.
قالتها ثم همت بالمغادرة وقالت:
- وأبعد بقى أبويا زمانه جاي.
جذبها من ذراعها بعنف وقال:
- قسمًا عظمًا يا شيماء لو اللي فكرتي بس في اللي قولتيه ده، لأكون قاتل أبوكي ومراته وهاخدك في حتة الدبان الأزرق ميعرفش لها طريق.
شيماء:
- أوعى دراعي أنت اتجننت ولا إيه؟
عبد الله:
- أنا مجنون بيكي واللي يفكر يبعدك عني نهايته على إيدي... وأنتي بتاعتي أنا.
قالها ليهجم عليها يقبلها بعنف، وكلما تصرخ يكتم صرخاتها بقبلاته مقيدًا يديها على الحائط بقبضتيه... شعر بارتخاء جسدها ظن أنها استسلمت لمشاعره.. نظر إلى وجهها ليجدها مغمضة العينين ويبدو أنها فقدت الوعي... حاوطها بذراعه وربت على وجنتها:
- شيماء... أنتي يا بت... يخرب بيتك أغمى عليكي ولا إيه؟
لم تجب فازداد قلقه، فحملها على ذراعيه وخرج بها ليبحث عن أي وسيلة يذهب بها إلى أقرب مشفى. رأته زوجة أبيها فصاحت:
- يخرب بيتك عملت إيه في البت؟؟؟
صرخ في وجهها وقال:
- أوعي من وشي يا ولية يا حرباية.
ثم نادى وقال:
- توكتوك.
توقف السائق، فأدخلها عبد الله إلى المقعد وجلس بجوارها يحاوطها بذراعه ويسند رأسها على صدره.
- اطلع يا أسطى على أقرب مستشفى وحياة أبوك بسرعة.
قالها عبد الله فانطلق السائق مسرعًا.
***
بداخل إحدى المجمعات التجارية الشهيرة، يحمل آدم وعم شكري العديد من الحقائب.
آدم:
- ها خلاص كده ولا فاضل حاجة تاني؟؟
أجابت جيهان:
- روح أنت مع عم شكري ودوا الشنط في العربية وأنا وخديجة هنجيب حاجة وجايين.
آدم بنبرة ماكرة:
- حاجة إيه اللي هتجيبوها مش كنتوا في آخر محل وقولتوا خلاص؟
ابتسمت جيهان وقالت:
- اسمع الكلام يا ولد، دي حاجات خاصة بينا إحنا كستات.
تنهد آدم ونظر إلى خديجة وقال:
- عايزك ثواني.
ذهبت إليه وانفرد بها بمسافة فقال:
- وأنتي بتشتروا الحاجات الخاصة دي متنسيش تكتري من اللون الأسود لأن بعشقه.
اتسعت عينيها بصدمة وقالت:
- أنت سافل.
وتركته وركضت نحو جيهان. فقال بصوت غير مسموع:
- وهيكون لون أيامك الجاية معايا يا خديجة.
جيهان:
- مالك بتترعشي كده ليه؟ آدم قالك حاجة ضايقتك؟
خديجة وما زالت تنظر إليه بغضب وهو يبتسم لها باستفزاز قالت:
- لأ بس تعبت شوية.
جيهان:
- خلاص عندي فكرة، تعالي نروح ونبقى نيجي في يوم تاني نشتري بقية الحاجة.
خديجة:
- لأ خلاص نشتريهم بالمرة عشان لسه هشوف الفستان.
جيهان:
- طيب تعالي هوديكي لمحل بيبيع أحدث صيحات الموضة في اللانجري هتعجبك أوي.
توردت وجنتاها وقالت:
- حاضر.
وبعد شراء العديد من قطع تلك الثياب، غادرا المجمع وذهبوا إلى السيارة.
آدم:
- تحبي نروح الحاجة فين؟ على شقتكو ولا نوديها على شقتنا؟
جيهان:
- أنت خد خديجة وروحوا اتفسحوا وأنا هطلع على الحارة مع عم شكري ونطلعلها الحاجة فوق.
خديجة:
- معلش يا ماما مش هينفع أخرج معاه من غير مَحرم.
جيهان:
- يا حبيبتي كلها كام يوم وهيبقى جوزك ولازم تكونوا متعودين على بعض، أنتو في حكم المخطوبين.
آدم وهو يمسك بيدها حتى لا تلج إلى داخل السيارة قال:
- اطلع أنت يا عم شكري وأنا هطلب تاكسي.
غمزت إليه جيهان وقالت:
- خلي بالك منها.
آدم:
- في عينيا يا جيجي.
صاحت خديجة:
- إيه اللي أنت بتعمله ده!!! مش عايزة أخرج معاك.
أمسك بيدها وقال:
- أنا بقى عايز... وياريت صوتك ميعلاش بدل ما تندمي بعد كده.
رمقته بحنق وقالت:
- ليه هتضربني بالقلم زي ما عملت قبل كده!!
ابتسم واقترب من وجهها وقال:
- عارفة هعمل إيه؟؟
قالها وطبع قبلة رقيقة على وجنتها ثم ابتعد وأردف:
- بس هتبقى على شفايفك المرة الجاية.
وضعت يدها على وجنتها متسمرة في مكانها وقالت:
- أنت على فكرة سافل وياريت تلتزم حدودك معايا.
آدم:
- أنتي اللي التزمي بأدبك في كلامك معايا أحسنلك، ويلا قدامي عشان أنا جعان.
خديجة بعناد قالت:
- وأنا مش جعانة.
جذبها من يدها وهو يشير إلى سيارة أجرة فتوقفت فقال:
- لأ هتاكلي يا إما عجبك العقاب وعايزاني أكرره بالطريقة التانية.
وضعت يدها على فمها خشية من تهوره ثم ولجت إلى داخل السيارة وجلس بجوارها.
آدم:
- اطلع يا أسطى على مطعم (...... ) اللي على النيل.
***
بداخل المشفى الحكومي.
- مبروك يا أستاذ المدام حامل.
قالتها الطبيبة. فغر فاه وقال:
- وربنا؟؟؟
ضحكت الطبيبة من ردة فعله فقالت:
- آه والله حامل، بس خد بالك منها لأن شكلها مبتاكلش كويس وضعيفة وأهم حاجة الراحة النفسية.
عبد الله:
- طبعًا أنا هشيلها جوه عينيا.
الطبيبة:
- ربنا يخليكو لبعض... عن إذنك بقى عشان عندي حالات تانية هروح أشوفها.
اقترب من زوجته التي ما بين اليقظة والنوم وأمسك يدها وقال:
- ألف مبروك يا حبي... هبقى أب يا شوشو... هتجيبيلي حتة منك يقولي يا بابا أو بنوتة قمر زيك تطلع حبيبة أبوها.
شيماء بصوت واهن:
- عبده... أ أأ أنا فين؟
عبد الله:
- أنتي أغمى عليكي وجبتك على المستشفى والحمد لله اطمنت عليكي يا قلبي.
- جاتك وجع في قلبك يا شيخ.
صاح بها الحاج فتحي الذي وصل للتو.
عبد الله:
- حمايا؟؟
فتحي:
- حمو في عينك... أنت إزاي ياض تتجرأ تاخد البت من ورايا ولا كأن ليها أب ولا كبير؟؟
عبد الله:
- لاقيتها راجعة من السوق وأغمى عليها جبتها على هنا... وبعدين دي مراتي ولا أنت نسيت.
فتحي:
- وربنا لو طلعت عملت فيها حاجة لأكون خانقك وأخلص منك.
عبد الله:
- بنتك أغمى عليها عشان حامل.
تسمر مكانه وقال:
- بتقول إيه؟؟
عبد الله:
- بقولك حامل... يعني حامل في ابني اللي عايز تطلق أمه من أبوه.
***
بداخل المطعم.
- ما بتاكليش ليه؟؟
قالها آدم.
خديجة:
- ما أنا قولتلك مش جعانة.
آدم:
- طيب أطلبلك حاجة تانية غير الإسكالوب؟
رمقته بسخط وقالت:
- شكرًا مش عايزة وخلص عشان عايزة أروح.
أمسك المحرمة الورقية ومسح يديه ونهض، فذهب ليجلس بجوارها ثم حاوط ظهرها بذراعه فصاحت به:
- نزل إيدك يا آدم وعيب اللي بتعمله ده.
آدم:
- ما أنتي اللي مبتسمعيش الكلام وبتضطريني أعمل كده.
خديجة:
- طيب ممكن تقوم وتبعد عني الناس بدأت تبص علينا.
آدم:
- بيبصوا على صوتك العالي اللي مبطلتهوش هسكتهولك وأنا حذرتك.
قالها فتناول قطعة دجاج بيده وأردف:
- افتحي بؤك.
نظرت إليه باندهاش وقالت:
- قولتلك مش جع....
لم تكمل حيث قام بدفع القطعة بداخل فمها رغمًا عنها وقال:
- كُلي وخلصي طبقك ده لو عايزاني أروحك.
مضغت الطعام على مضض وتعبيرات وجهها طفولية، فأشاح بوجهه للجهة الأخرى وأخذ يضحك.... ظلت تأكل حتى انتهت وقالت: "الحمد لله"، وارتشفت القليل من الماء.
آدم:
- طيب قومي عشان نغسل إيدينا.
خديجة:
- وأنت هتروح معايا؟
آدم:
- يعني هسيبك لوحدك!! بطلي ذكاء بالتأكيد أي مكان على كوكب الأرض بيبقى فيه تويليت للرجالة وتويليت للستات.
رمقته بامتعاض وقالت:
- طيب قولي هو فين وأنا هروح.
آدم وهو يشير إليها:
- امشي قدامي يا خديجة وأنتي هتعرفي.
وصل كليهما إلى رواق طويل في نهايته مرحاض للرجال ويقابله مرحاض للنساء... ذهب كل منهما إلى الداخل...
قامت بغسل يديها ثم نظرت إلى صورة انعكاسها بالمرآة وتضع يدها على وجنتها تتذكر قبلته لها... خفق قلبها بشدة ثم عقدت حاجبيها وأخذت تستغفر:
"أستغفر الله العظيم... سامحني يا رب... الله يسامحك يا آدم خلتني أبتدي حياتي معاك بمعصية... أستغفرك وأتوب إليك".
خرجت من المرحاض وهي ما زالت تستغفر فاصطدمت به...
خديجة:
- مش تحاسب.
قالتها وهي تضع يدها على إحدى عينيها بألم.
نظر إليها يتفحصها وقال:
- أنتي اللي ماشية ومش مركزة... اتخبطي في عينيك ولا إيه؟
خديجة بألم:
- آه.
اقترب منها وأزاح يدها وقال وهو يتفحص عينها المصابة:
- حاولي فتحيها ومتخافيش.
خديجة:
- بتوجعني أوي... ده أنت لو كنت قاصد تديني بإيدك فيها مكنتش وجعتني كده.
ضحك وقال:
- أنتي لو أخدتي بونية مني مش هتشوفي بعينك تاني.
خديجة:
- طيب أبعد عشان مش قادرة أفتح عيني.
آدم:
- طيب ثواني خليكي واقفة مكانك...
قالها وولج إلى المرحاض، وأخذ المحرمة خاصته وبللها بالماء، ثم خرج إليها وقال:
- أوعي إيدك وغمضي عينك.
رضخت لأمره، فوضع المحرمة بعد أن قام بطيها لتصبح مربعة، ووضعها فوق عينها لدقيقة، ثم أبعدها وأردف:
- فتحي عينك... لسه وجعاكي؟
خديجة:
- يعني... بس الألم خف شوية.
آدم:
- طيب خدي حطي المنديل عليها كل شوية وهي هتهدى خالص.
خديجة:
- شكراً.
آدم:
- العفو على إيه... أنا بس عايزك سليمة لحد يوم الفرح.
خديجة:
- ياه! كتر خيرك.
تركته وذهبت إلى الخارج، فتبعها ودفع الحساب، ثم غادر كلاهما المطعم.
***
في إحدى الشقق السكنية في المناطق النائية...
تقدم نحو تلك النائمة على المقعد حيث يداها وقدماها مقيدتان به، وما إن توقف أمامها قام بدفع الماء من الدلو الذي بيده على وجهها، فشهقت مستيقظة بذعر وصرخت وهي تأخذ أنفاسها بصعوبة.
- أنتِ جايلك نفس تنامي!!
قالها يوسف بسخرية.
إنجي بنبرة رجاء واستعطاف:
- أرجوك يا يوسف أنا منمتش من إمبارح، مش قادرة تعبت.
قهقه بسخرية وقال:
- تعبتي!! وضميرك مكنش بيتعب وأنتِ بتخونيني مع الحيوان اللي شبهك وتيجي تنامي جمبي وكأنك معملتيش حاجة!! بس وقسماً بالله يا إنجي بحق كل دقيقة عشتها معاكي وأنتِ بتطعنيني في ضهري لعيشك أيام الجحيم أهون منها بمراحل... هخليكي تتمني كل لحظة الموت ومش هطوليه.
إنجي:
- أنا مكنتش بخونك صدقني.
اقترب منها وشيطانه قد تملك منه، فصاح بغضب:
- بطلي كدب يا خاينة.
قالها وأخذ يصفعها بكل قوة حتى فقدت الوعي، وتنسدل الدماء من أطراف شفتيها.
رواية صراع الذئاب الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم ولاء رفعت علي
أمام أحد المباني السكنية...
- مش كنا خدنا فاتن معانا؟
قالتها رحمة.
أجاب علاء:
- فاتن أختي لسانها فالت وممكن تقول لأمي... وبعدين أنا معاكي متخافيش.
رحمة:
- مش خايفة بس محرجة جدا، بالتأكيد صاحبك المحامي ده هيقولي إحكيلي بالتفاصيل وأنا....
تنهد علاء ووقف أمامها وقال:
- متقلقيش أنا فهمته على كل حاجة، هو بس هيطلب منك توكيل وهيفهمك هتعملي إيه... بس خدي بالك أنتي داخلة على حرب، واحتمال عادل أول ما هيعرف من أمي هينزل مصر على طول.
قالت بتوتر:
- عارفة عشان كده أنا هاروح أقعد عند جدتي الفترة الجاية.
حدق بعينيها لثوان وقال:
- متخافيش يا رحمة من أي حد طول ما أنا معاكي.
ارتسمت شبه ابتسامة على ثغرها وقالت:
- أنا مش عارفة أشكرك إزاي، وربنا يعلم إن بعتبرك زي أسامة أخويا وأكتر.
تجهمت ملامحه ثم تصنع البسمة وقال:
- طيب يلا عشان زمانه مستنينا من بدري.
ولج كلاهما إلى داخل المبنى ذي الفناء الشاسع المعلق على أحد جدرانه لافتة إعلانية خشبية مدون عليها:
"إيهاب أحمد عبد الحميد - محامي أحوال شخصية".
ولج كل منهما إلى ردهة استقبال ذات طراز هندسي حديث... كانت تتلفت وتتأمل بانبهار.
قام باستقبالهم شاب في بداية العقد الثالث... معروف في محيط العدالة بنصير المرأة... لا يقبل سوى القضايا المستعصية التي دائما ضحيتها امرأة.
- أهلا أهلا بالمهندس علاء اللي نسينا من زمان.
قالها إيهاب مصافحا علاء بعناق أخوي.
علاء بنبرة مزاح:
- أهلا بأفوكاتو المرأة المقهورة.
ضحك إيهاب وقال:
- أنت لسه فاكر اللقب ده؟
علاء:
- أه طبعا ودي أيام تتنسي.
قالها ثم التفت إلى رحمة المولية ظهرها إليهما تتأمل في لوحة لفتاة تركض بحرية فوق رمال شاطئ ويتبعها طيور حمام أبيض...
- رحمة...
نادى بها علاء، فالتفتت إليه وقالت:
- نعم.
علاء وهو يشير إلى إيهاب قال:
- أحب أعرفك بالمتر إيهاب صاحبي وبعتبره زي أخويا الكبير.
إيهاب بنبرة مرحة قال:
- كبير إيه يا عم ده كلها 4 سنين فرق.
علاء:
- ودي يا سيدي رحمة مرات أخويا.
مد إيهاب يده مصافحا فبادلته المصافحة... لكن عينيه كانتا تحدقان بعينيها بنظرات ثاقبة... قائلا:
- أهلا مدام رحمة.
رحمة بنبرة خجل:
- أهلا بحضرتك.
ثم جذبت يدها.
إيهاب:
- أنا ملاحظ إن اللوحة عجبت حضرتك.
رحمة:
- اه جميلة أوي.
إيهاب:
- دي كانت لواحدة موكلة عندي عندها جاليري للوحات وتحف، أول ما كسبت لها القضية أهدتني اللوحة دي.
علاء:
- إحنا مش جايين نتفرج على لوح... يلا نشوف اللي ورانا قبل ما أمي ترجع من عند خالتي ولو ملقتهاش في البيت هتبقى مشكلة.
إيهاب:
- للدرجادي!!
علاء:
- أومال إحنا جايين لك ليه!! ما تركز يا بوب.
ألقى إيهاب نظرة نحو رحمة ثم قال:
- اتفضلوا جوه في المكتب.
دلف ثلاثتهم... جلس إيهاب خلف مكتبه فقال:
- تحبوا تشربوا إيه؟
علاء:
- أنا عن نفسي هي كوباية شاي مظبوطة.
نظر إلى رحمة وقال:
- وحضرتك تحبي إيه؟
رحمة:
- شكرا.
إيهاب:
- معنديش الكلام ده... أنا هطلبلك عصير ليمون عشان يخفف التوتر اللي عندك.
رحمة:
- متشكرة.
رفع سماعة الهاتف وقال:
- عم رجب واحد شاي مظبوط وواحد ليمون وقهوة سادة.
أغلق السماعة فأردف:
- قبل ما ندخل في أي تفاصيل عايزك تطمني لأن جاتلي كذا قضية نفس المشكلة والحمد لله كان الحكم فيها بينتهي بالطلاق وكمان بيتحكم لموكلتي بتعويض مادي.
رحمة باندفاع قالت:
- أنا مش عايزة حاجة منه غير الطلاق وبس.
نظرت إلى علاء فأومأ لها بالاطمئنان.
إيهاب:
- كل اللي أنتي عايزاه هيحصل... هو علاء حكالي بس عايز اسمع منك أحسن.
رمقته بإحراج فقالت:
- قصتي بدأت من شهرين....
أخذت تسرد له عندما تقدموا لخطبتها حتى إن ما حدث لها من ظلم وقهر... كان يستمع إليها إيهاب وشاردا بداخل عينيها ذات النظرات الحزينة التي جذبته إليها من أول وهلة... بينما علاء لاحظ تلك النظرات ولم يحتمل فوقف فجأة وقال:
- معلش يا بوب بس لازم نمشي.
إيهاب:
- ليه كده إحنا لحقنا!!! وبعدين استنى عشان لسه مدام رحمة هتمضيلي على توكيل وشوية أوراق عشان أبدأ أمشي في الإجراءات.
علاء بنبرة جدية:
- خليها المرة الجاية.
أمسك إيهاب ببطاقة ورقية فأعطاها لرحمة وقال:
- اتفضلي ده الكارت بتاعي فيه أرقامي كلها.
أخذته وهي ترى من طرف عينيها نظرات الغيرة التي بأعين علاء.
رحمة:
- ميرسي.
إيهاب:
- العفو، ولو في أي استفسار أو حاجة جديدة كلميني في أي وقت.
***
تقف أمام مرآة الزينة تمشط خصلاتها المبتلة... شاردة في كل لحظة وهو يعبر لها عن مدى حبه نحوها... أوصدت عينيها وهي تتذكر نظراته إليها كلما كان بالقرب منها، وكذلك لمساته التي تحولت من صفعات قاسية في بداية علاقتهما إلى لمسات حانية مليئة بالعشق ودفء لم تشعر به من قبل سوى معه فقط... وبدون وعي أخذت تلمس شفتيها بأطراف أناملها فابتسمت حتى أفزعها صوت طرقات على باب غرفتها.
فتحت عينيها بفزع وقالت:
- مين؟
الطارق من الخارج:
- أنا دادة زينات يا صبا.
صبا:
- اتفضلي يا دادة.
فتحت الباب وولجت إلى الداخل وبيدها علبة كبيرة مغلفة بالحرير الذهبي ومدون عليها بخيط أسود لامع اسم أشهر دار أزياء فرنسية...
زينات:
- صباح الخير يا بنتي.
صبا بابتسامة مشرقة قالت:
- صباح النور والجمال يا أحلى زوزو في الدنيا.
ضحكت زينات وقالت:
- ربنا يسعدك دايما يا قلب زوزو... بس يا ترى إيه سبب السعادة اللي مخلية وشك زي البدر؟
ذهبت صبا نحو الباب فأغلقته ثم جذبتها من يديها نحو التخت وقالت:
- تعالي اقعدي الأول وأنا هقولك.
جلست زينات وتنهدت فقالت:
- خير يا حبيبتي؟
صبا:
- بصي من غير ما تقاطعيني وجاوبيني في الآخر خالص، ماشي؟
أجابتها زينات:
- قولي وأنا سمعاكي.
حركت مقلتيها يمينا ويسارا بتوتر ثم وضعت طرف إصبعها الخنصر ما بين أسنانها ثم قالت:
- لما مثلا مكنتيش بتحبي حد لأنه خدك غصب وحرمك من الإنسان اللي كنتي طول عمرك بتحبيه، وبعدين خلاكي تعيشي معاه بالإكراه، وكل ما تحاولي تهربي يعاملك بقسوة، وبعد كده تلاقيه بدأ يتغير معاكي، يعني قسوته بقت حنية، وكل ما يقرب منك الخوف اللي كنتي بتحسيه كل ما يبقى معاكي بقى أمان، وبتبقي متوترة ومتلخبطة وحاجات كتير كده مش فاهماها... ده اسمه إيه؟ ولا اللي حسيتيه ده يبقى إيه؟ فهماني يا دادة؟
رمقتها زينات بابتسامة ثم قالت:
- طبعا فهماكي، أنتي بنتي اللي مخلفتهاش بس قلبي دايما بيحس بيكي وباللي جواكي... وهريحك وهقولك ملخص كل اللي أنتي حساه، أولا اللي كان ما بينك وما بين آدم ابن خالك ده كان تعود مش أكتر، لأنك مكنتيش شايفة حد غيره هو، وكان أقرب واحد في أخواته ليكي، وكبرتوا وأنتوا فاهمين اللي ما بينكوا ده حب... ثانيا بقي والأهم قلبك بدأ يحس بحب قصي بيه ليكي، وكمان بداية لقصة حب بتكبر جواكي، لكن دايما في حاجز بيمنعك، والحاجز ده مش آدم دي حاجة تانية خالص.
صبا:
- فعلا يا دادة... قصي على قد ما عنده جانب طيب وحنين بس عنده جانب كله قسوة وشر بيظهر خصوصا كل ما أجيبله سيرة خالي وولاده، معرفش إيه سبب العداوة اللي ما بينه وما بينهم... ده غير شغله في السلاح... كل الحاجات دي مانعاني كل ما أبتدي أفتح له قلبي.
زينات:
- مش يمكن لو فتحتيلو قلبك يتغير على إيديكي!!
صبا:
- إزاي! قصي غامض وساعات كتير مش بفهمه ولا بعرف بيفكر في إيه، ولما بحاول أعرفه أكتر وأعرف اللي جواه بلاقيه يتحول للشخص التاني اللي بخاف منه... أنا محتارة أوي يا دادة.
زينات وهي تمسك بالعلبة:
- خدي هو باعتلك العلبة دي وكلمني على موبايل كنان وقالي أبلغك تحضري نفسك بالليل عشان هياخدك تسهروا بره.
نظرت إلى العلبة فقامت بفتحها... فشهقت بانبهار وسعادة حيث بداخلها ثوب طويل من الحرير باللون الأبيض مرصع بفصوص ذهبية من اللؤلؤ والكريستال... ذو أكمام طويلة... متسع الصدر قليلا ومشغول من أعلاه وكتفيه وعلى معصميه... ظهره من الدانتيل يصل إلى أسفل الظهر... وبرفقة الثوب حذاء مغلف من نفس خامة الثوب ومرصع بالكامل باللؤلؤ والكريستال الذهبي... وعلبة من المخمل الأزرق القاتم بداخلها طقم من الألماس يبدو من روعته وجماله مصمم خصيصا لها.
لاحظت وجود ورقة مطوية فأمسكت بها لترى محتواها فقرأت ما يلي:
(صباح كل زهرة في الكون يا روح قلبي.
يا رب تعجبك الحاجة أنا وصيت عليها وخليتهم يصمموها عشانك إنتي وبس.
بعشقك).
زينات:
- بسم الله ما شاء الله، ربنا يباركلك يا بنتي ويزيد محبتك في قلبه وأنتي كمان، وربنا يقدرك وتغيريه للأحسن.
صبا وهي تضع الثوب على جسدها وتنظر في المرآة:
- تفتكري يا دادة قصي هيتغير!!
زينات:
- أهي فرصتك الليلة دي لما تحسسيه بإنك أخيرا بتحبيه.
صبا:
- يا رب يا دادة.
***
- لولولولولويييييييي...
زغرودة أطلقتها شيماء التي ولجت للتو إلى داخل منزل خديجة فأردفت:
- أخيرا يا حبي هنفرح بيكي.
خديجة:
- بس بقى عشان أنا خايفة أوي ومتوترة خالص، والمفروض بعد ساعة آدم هيعدي عليا وياخدني على الفندق... طبعا هتكوني معايا.
شيماء:
- متقلقيش أنا معاكي لحد ما أسلمك لعريسك يا عروسة.
ابتسمت خديجة بخجل فقالت:
- مش عارفة ليه يا شوشو قلبي مش مطمن وحاسة إن فيه حاجة هتحصل.
شيماء:
- يا ستي فال الله ولا فالك... المفروض تكوني فرحانة أخيرا ربنا هيجمعك بحب عمرك...
التفتت من حولها فأردفت:
- إلا قوليلي فين أخوكي ومراته؟
خديجة:
- طه نزل يجيب البدلة اللي هيلبسها في الفرح، والتانية دي من الصبح خرجت معرفش راحت فين.
شيماء:
- إلا بالحق يا ديجا هو إزاي طه وقع في البت دي؟ أنا شوفتها أكتر من مرة بصراحة مرتحتلهاش، تحسي إنها عاملة زي عوالم شارع الهرم.
ضحكت خديجة وقالت:
- ده أنتي مشكلة.. بس بقى منجبش في سيرة حد إحنا مش ناقصين ذنوب.
تجهم وجهها وقالت والدمع أسير عينيها:
- هو عبدالله عامل إيه؟؟
رمقتها خديجة بمكر وأجابت:
- ولما أنتي بتموتي فيه ومش قادرة على بعده ليه قاعدة عند أبوكي لحد دلوقت؟
زفرت بسأم وقالت:
- خايفة أرجعله وأصفي له يقوم عامل عملة أنيل من اللي قبلها.
خديجة:
- بس اللي عرفته من طه إنه خد عهد على نفسه مش هيقرب من المخدرات تاني سواء تعاطي أو تجارة.
ضحكت بتهكم وقالت:
- ياما حلفلي ووعدني وترجع ريمة لعادتها القديمة... يا خديجة محدش حاسس باللي جوايا... تخيلي الراجل اللي قلبك مبيدقش غير ليه يبقي جنتك وفي نفس الوقت نارك وجحيمك.
ربتت خديجة على ظهرها وقالت:
- تفائلي خيرا تجديه بإذن الله، ويمكن المرة دي ندم بجد... وبعدين إنتوا دلوقت مبقتوش لوحدكوا... جواكي حتة منه بتكبر ولما يجي للدنيا بالسلامة محتاج ليكوا أنتوا الاتنين مع بعض.
شيماء:
- والله ما عارفة أفرح ولا أخاف من ساعة ما عرفت إن أنا حامل... تعرفي ساعات بقول ياريت ما يجي عشان ميتظلمش.
نهرتها خديجة بغضب:
- استغفري الله يا عبيطة إيه اللي بتقوليه ده... ده رزق ربنا بعتهولك ويمكن ده يكون سبب تغير عبدالله للأحسن ويبقى قد المسئولية.
مسحت عبراتها فابتسمت وقالت:
- يوه يقطعني... معلشي جاية أنكد عليكي في يوم زي ده.
ضحكت خديجة وقالت بمزاح:
- أبدا يا شوشو ده أنتي أدتيني كمية أمل وتفاؤل ما شاء الله.
أخذ الاثنان يضحكان... فولجت سماح من باب المنزل وقالت:
- خير ما تضحكونا معاكوا.
لم يجب عليها منهما... فقالت خديجة:
- أنا هقوم ألبس بقى قبل ما آدم يجي.
نهضت شيماء وقالت:
- خديني معاكي.
ثم نظرت إلى سماح من أعلى لأسفل ولحقت بخديجة.
- بس على قدك يا حلوة.
صاحت بها سماح.
همت شيماء بالذهاب إليها لتتشاجر معها فأمسكت بها خديجة وقالت:
- سيبك منها عشان مش هتخلصي معاها.
شيماء:
- والله ما عارفة إزاي أنتوا مقعدينها معاكوا في البيت ولا أخوكي مستحملها كمان.
خديجة:
- متقلقيش طه ناوي يطلقها بعد الفرح.
شيماء:
- والله هيبقي خير ما عمل.
خديجة:
- بقولك صح...
روحتي لرحمة زي ماقولتلك؟
شيماء: روحتلها إمبارح وقابلتني العقربة حماتها بنت اللذين أخدت مني الدعوة وقرتها وبعد كده قطعتها وقالتلي منجلكوش ف حاجة وحشة وفتحتلي الباب وقالتلي وقتك خلص... كان هاين عليا أرزعها بونية تقلع عنيها بس خوفت ع البت رحمة من شرها.
تنهدت خديجة بحزن وقالت: الله يكون ف عونها ويسامح اللي كان السبب ف المصيبة اللي هي فيها دي.
في المركز الرياضي...
_ الله ينور عليكو يا رجالة... قالها ياسين.
فأجاب جميعهم: تسلم يا ياسين بيه.
جاء نحوه مسئول العمال وقال: ياسين بيه كنت عايز بس مبلغ عشان تقفيلات لوحة الكهربا المسئولة عن تشغيل الأجهزة.
رمقه ياسين بشك فقال: مش لسه مديلك فلوس وبزيادة وكنت متفق معاك إنك تخلص من الأسبوع اللي فات عشان الافتتاح وأول ما عرفت إنه اتأجل لاقيتكو أخرتو.
أجابه قائلًا: خالص يا بيه... كل الحكاية إن التشطيبات خدت وقت كبير عشان الديكورات الكتير اللي حضرتك طلبتها.
صاح أحد العمال وقال: بشمهندس نبيل... الأسطى محمود الكهربائي بيقولك ف أسلاك كهربا متنفعش مع الأجهزة اللي متوصلة ليها.
رمقه نبيل بحدية وقال: طب روح أنت وأنا جاي.
ياسين: وده إيه كمان يا بشمهندس!!! يعني بقولك عايز مهندس كهربائي تجبلي أسطى! .. هو أنا بفتح جيم فوق السطح.
أجاب نبيل باستنكار: متقلقش يا بيه ده أحلى شغل بيعملو الأسطى محمود... ده هو اللي ماسك مقاولة الكهربا ف العاصمة الإدارية... يعني هتاخد منه أحلى شغل.
صاح ياسين بغضب وقال: بقولك إيه قدامك يومين بالكتير وألاقي السنتر جاهز ع الافتتاح وأي غلطة هوديكو ف ستين داهية وأنت أولهم.
ابتلع ريقه بقلق وقال: متخافش يا بيه بإذن الله هتستلمو أحسن سنتر فيكي يا مصر تمام.
رمقه بسخط وقال: لما نشوف.
قالها ثم غادر المركز وهو يجري اتصالًا هاتفيًا بياسمين لكن لم تجب عليه منذ أن قام بطردها من غرفته... زفر بغضب حتى وصل إلى سيارته وولج إلى داخلها وألقى بهاتفه ع المقعد لينطلق نحو القصر لكي يراها قبل أن يذهب إلى الفندق.
نعود إلى داخل المركز...
_ يا بشمهندس بقولك الكابلات دي متنفعش خالص دي ممكن تولع وتعمل ماس كهربائي... قالها الأسطى محمود.
نبيل: أنت هتفهم أكتر مني دي كابلات أمريكاني تستحمل استهلاك مدينة بحالها.
محمود: أمريكاني إيه!! دي صيني ومن الرديء كمان... عامتًا مليش دعوة أنت المسئول قدام صاحب المكان.
نبيل: خليك ف شغلك وملكش دعوة أنت ليك تاخد أجرتك وخلاص.
رمقه محمود بسأم وقال: ربنا يستر.
***
_ طه... إحنا نازلين بقي آدم مستني تحت... قالتها خديجة.
طه واقترب منها وانحنى ليقبل جبهتها وقال: ربنا يتمملك ع خير يا حبيبتي.
عانقته بمحبة وقالت: ربنا ما يحرمني منك أبدًا.
طه: خلي بالك أنا اللي هسلمك لآدم مش عمك عزيز.
خديجة: خد بالك من نفسك... قالتها وهي تنظر نحو سماح التي تتصنع بتصفح هاتفها.
أومأ لها بعينيه وقال: اطمني طول ما أنتي بخير أنا بخير.
شيماء: يا عيني عليا وقت ما اتجوزت ملقتش حد يودعني غير أم أربعة وأربعين مرات أبويا وكانت بتقولي أخيرًا هنخلص منك.
ضحك ثلاثتهم وقال طه: الحقي انزلي قبل ما نولع من عين شيماء.
قالت شيماء بمزاح: بقي كده يا أستاذ طه ماشي.
خديجة: يلا سلام... لا إله إلا الله.
طه: سيدنا محمد رسول الله.
هبطت كلتاهما الدرج حتى وصلوا إلى الفناء... خرجت خديجة ويليها شيماء التي كادت تصطدم بعبدالله الذي جاء للتو يحمل أكياس طعام جاهز.
ذهبت خديجة وتركتهما...
مد آدم يده وقال: أزيك يا عروسة.
لم تبادله المصافحة وقالت: الله يسلمك.
عقد حاجبيه بضيق وقال: أومال فين صاحبتك؟
خديجة: بتعمل حاجة وجاية.
فتح لها الباب وقال: طيب اركبي.
لدى شيماء وعبدالله... ما زال كلاهما يحدقان ببعضهما البعض...
همت بالذهاب وقالت: عن إذنك.
أمسك يدها وقال: تعالي معايا وارجعي لبيتك ونروح الفرح مع بعض.
لم تنظر إليه وقالت: مينفعش.
عبدالله: ولحد إمتى يا شيماء؟؟
أجابته بتحدي: لحد ما ألاقيك بقيت بني آدم هبقى أرجع... قالتها وهي تدفعه ف صدره فذهبت.
وقف متسمرًا ف مكانه وهو يحك ذقنه وقال: لحد ما أبقى بني آدم!! ... أومال أنا أبقى إيه... آه يا بنت عشماوي أبو شنب شبه المقشة أما خليتك تجيلي برجليكي لحد عندي مبقاش أنا عبدالله... فابتسم بمكر وهو يخطط لأمر ما ثم صعد الدرج وهو يطلق صفيرًا.
بداخل سيارة آدم...
_ هي ماما جيهان مجتش معانا ليه؟؟ ... قالتها خديجة.
أجابها بجدية واقتضاب: مستنيانا ف الفندق.
لاحظت ملامحه المتجهمة... فقالت: آدم.
زفر بضجر وقال: نعم؟؟
التفتت للخلف لترى شيماء وجدتها شاردة وتنظر عبر النافذة وتضع ف أذنيها سماعات متصلة بهاتفها.. فنظرت إلى آدم وقالت: مالك فيك حاجة؟؟
آدم: مصدع شوية.
قالت بنبرة رقيقة: ألف سلامة عليك.. أنا معايا برشام مسكن.. خدلك واحدة.
قال باقتضاب: شكرًا مش عايز حاجة.
علمت أنه متضايق ولم يرد التحدث معها... فظلت تنظر أمامها بينما هو كان يراقبها من طرف عينيه طوال الطريق.
***
حل المساء ع الجميع لتشتعل الأجواء لتكون ليلة حافلة بالأحداث...
صدح رنين منبه الهاتف الخاص به فاستيقظ بجفون ثقيلة... فتذكر أنه يجب أن ينهض ليستعد لحفل زفاف شقيقه... لكن عندما نظر إلى تلك التي تغفو ع الأرض مقيدة اليدين والقدمين تغلي الدماء ف عروقه ود لو تخلص منها... لكنه لم يرد لها أن تنعم بالراحة بموتها بل أراد أن يذيقها العذاب وهي مكبلة ذليلة... يستمر ف إهانتها دائمًا... أصبحت شاغلته حيث يذهب لعمله ويأتي إليها ليجعلها تتمنى إزهاق روحها بدلًا من العذاب التي تتلقاه ع يده من ضرب وإهانة....
ابتسم بسخرية وهو يرتدي قميصه لينهض ويذهب إلى الثلاجة فأخذ زجاجة مياه مثلجة ارتشف القليل منها ثم اقترب من تلك التي تغط ف النوم بعمق فقلما تنعم به... قام بسكب المياه فوق رأسها لتستيقظ وهي تشهق بفزع وخوف.
_ هااااااااااا... شهقة أطلقتها إنجي بذعر.
ضحك بسخرية فقال: حسيت إنك نمتي كويس فقولت كفاية كده عليكي.
أجهشت بالبكاء وقالت: أرجوك كفاية حرام عليك... مبقتش قادرة أستحمل... موتني وريح نفسك وريحني.
أمسكها من خصلاتها بقوة حتى شعرت بجذور شعرها تقتلع بيده وقال بصوت كالفحيح: أموتك!!!... الموت للي زيك راحة متستهليهاش... لازم أوجعك زي ما وجعتيني بس بطريقتي عشان أنتي واحدة رخيصة مفيش فرق بينك وبين اللي بتبيع جسمها ع الأقل دي بتعمل كده عشان الفلوس... لكن أنتي بترضي رغباتك الو..... بحجج فارغة.
تأوهت بألم لم يحتمل: اااااااااه... أنت السبب... أنت اللي طول الوقت بعيد عني وكل ما أكون محتاجة حضنك وحنانك تفضل شغلك عليا.
صفعها بقوة وصدره يعلو ويهبط وصاح بها: أنتي مابتزهقيش من الأسطوانة دي!!! ... لو كل واحدة فكرت زيك ومشيت ورا شيطانها كان زمان ستات كتير خانت أجوازها... ما أنتي عندك بنت خالك جوزها مسافر وبيجيلها شهرين ف السنة عملت زيك!!! راحت رمت نفسها ف حضن واحد غير جوزها!!!
إنجي: عمرك ما هتفهمني.
يوسف: لأ فاهمك كويس.. أنتي واحدة أنانية مبتفكرش غير ف نفسها وإزاي ترضي رغباتها.. طب راعي إنك أم لبنت هتشيل عارك طول العمر وهتتعاير باللي عملتيه ده غير لما تكبر وتفهم هتكرهك... وهتتمنى إنك تكوني ميتة أحسن ما تكوني عايشة.
إنجي: بنتي... نفسي أشوفها.
يوسف: ده بعدك... فاهمة؟؟ أنتي تنسيها خالص لأن سيادتك هتمضيلي ع تنازل ع حضانتها عشان مش عايزها تعيش مع واحدة زيك زبالة.
إنجي ببكاء شديد: حرام عليك.. حرام عليك.
يوسف: حرام عليا!! ده أنتي الحرام نفسه يقولك حرام... كفاية عليكي النهاردة كده... وهقوم أشوف اللي ورايا.. وراجعلك تاني.
ذهب إلى المرحاض ليستحم ويبدل ثيابه بثياب أخرى أنيقة... أمسك بصينية فوقها طبق به رغيف وكوب ماء ووضعه أمامها وقال: خدي كلي عشان أنا مش راجع غير بكرة... فرح آدم النهاردة ربنا رزقه بإنسانة جزمتها برقبتك.
إنجي: ولما يسألوك عني ف الفرح هتقولهم إني مسافرة برضو!!
لم يجب عليها ورمقها بازدراء وبصق عليها ثم غادر... وإن سمعت صوت صفق الباب فاطمأنت... أخذت تحاول أن تقترب من زجاجة المياه حتى نجحت بالإمساك بها بيديها المضمومتين فقامت بإلقائها ف الأرض بقوة فتحطمت... تناولت قطعة حادة وع الرغم إنها جرحت يدها لكن تحاملت وأخذت تقطع بها الأحبال التي تقيد قدميها ثم يديها بصعوبة أدت إلى جروح نازفة ف أطرافها... نهضت ولم تصدق إنها تحررت أخيرًا... ركضت ف كل أنحاء المنزل تبحث عن حقيبتها وهاتفها حتى حصلت عليهم من داخل خزانة قديمة... لتجد هاتفها أفرغت بطاريته... ارتدت حذاءها الملقى بالردهة واتجهت نحو الباب وخشيت أن يكون موصدًا لكن قد نسي إغلاقه بالمفتاح... انفرجت أساريرها وهي ترى الباب قد فتح معها... فركضت ع الدرج حتى وصلت إلى الشارع تبحث عن أي متجر أو كشك صغير لتهاتف والدتها أو والدها... وجدت متجرًا صغيرًا وطلبت من البائع إجراء مكالمة هاتفية... أخذت تتصل بأهلها لكن كلاهما لم يجب حيث إنهم مشغولون بتجهيز أنفسهم لحفل الزفاف... فلم يكن لها خيار آخر بأن تلجأ لعشيقها....
إنجي: ألو يا مروان أنا إنجي إلحقني....
***
عبر بسيارته السوداء بوابة القصر إلى الداخل حتى وصل إلى المرآب وترجل منها ليستقبله كنان...
كنان: مساء الخير يا باشا.
قصي: مساء النور... خليهم يجهزو الليموزين.
كنان: سهرة سعيدة يا باشا عليك أنت ومدام صبا.
اكتفى بالإجابة عليه بابتسامة هادئة ثم ولج إلى داخل القصر قاصدًا الدرج.
بالأعلى ارتدت ذلك الثوب الذي جعلها كالملكة حقًا... مشطت شعرها بشكل أنيق لأعلى... وضعت بعض مساحيق التجميل الهادئة وتجنبت حمرة الشفاه الملتفة للأنظار فوضعت حمرة وردية فبدت كأنه لون شفتيها الطبيعي... أمسكت بزجاجة العطر لتنثر القليل منها فتذكرت أنه دائمًا كان يخبرها أن رائحتها تشبه زهور اللافندر الرائعة... لم تشعر بالذي فتح الباب بدون إصدار صوت وقد اقترب منها وعينيه لم تفارق كل تفاصيلها... أمسك بيدها التي تمسك بها زجاجة العطر فأخذه منها ووضعه جانبًا وقال وهو يستنشق عنقها: مش قولتلك إنتي مش محتاجة إنك تحطي برفيوم خالص.
قد فزعت من وجوده المفاجئ لكن ابتسمت وقالت: أنا كنت بحط عشان خارجين.
أمسكها من خصرها ليجعلها تلتف إليه لتلتصق بصدره وقال: وأنا مش عايزك تحطي برفيوم خالص.. مش عايز حد يشم عطرك غيري أنا... قالها محدقًا بعينيها المتلألئة فلم يصدق أنه أخيرًا قد رأى تلك اللمعة التي يعلمها جيدًا إنها تخبره بنظراتها عن حبه الوليد بقلبها.
توترت من نظراته المحدقة بها فقالت: إيه رأيك حلو الفستان عليا؟؟
حاوط وجهها بكفيه وقال: الفستان بقي أجمل لما لبستيه.
توردت وجنتيها بخجل فاقترب بشفتيه من وجنتها فقام بتقبيلها ثم وجنتها الأخرى وأردف بنبرة هزت كيانها وارتجف قلبها عشقًا: أنا بعشقك أوي يا صبا.
صبا وهي تحدق بعينيه كالتائهة ف عالمه: أ.. أ.. أنا ك....
أسكتها بوضع إصبعه ع شفتيها وقال: مش عايز أسمع حاجة خالص...
قالها ثم أردف وهو يلامس شفتيها بإبهامه: تسمحيلي؟؟؟
أومأت له بعينيها المبتسمتين بالسماح له أن يتذوقها... أوصدت أهدابها وهو يقترب بأنفاسه يضمها إليه... لتتلاحم الشفاه بتناغم وعشق... أول مرة تبادله قبلته من قلبها بصدق... شعر بهذا فتعمق ف قبلته حتى مر وقت طويل ع تلك القبلة التاريخية ف قاموس عشق الملك....
وأخيرًا ابتعدت عنه عندما خارت قواها ولم تتحمل الوقوف أكثر من ذلك... حملها على ذراعيه ووضعها فوق الفراش وقال:
- مالك يا روحي؟
صبا وهي تستعيد وعيها قالت:
- مفيش دوخت شوية.
رمقها بخوف وقلق وقال:
- خلاص يا قلبي لو تعبانة بلاش نسهر الليلة دي.
قالت باندفاع:
- لأ خالص مش تعبانة.
ابتسم بمكر فقال:
- دوختي مني من بوسة أومال بقى...
انحنى نحو أذنها وهمس لها بباقي كلماته، فاتسعت عيناها بصدمة من جرأته، فابتعد وهو يغمز لها بإحدى عينيه... فلكزته في صدره وقالت:
- أنت قليل الأدب أوي.
قالتها وهي تبتعد عنه، قهقه حتى أدمعت عيناه وقال:
- وأنتِ جميلة أوي لما بتتكسفي ووشك بيقلب فراولة.
ذهبت نحو طاولة الزينة لترتدي طقم الألماس وتضع حمرة أخرى على شفتيها وقالت:
- يلا نخرج أحسن.
نهض وهو يخلع سترته ثم قميصه وقال:
- طيب أديني عشر دقايق أكون خدت شاور ولبست.
صبا:
- إحنا خارجين فين؟
ولاها ظهره متجهًا نحو المرحاض فاحتدت عيناه وأجابها:
- هتعرفي لما نروح.
***
في الفندق...
- ما شاء الله... إيه القمر ده!
قالتها جيهان وهي تحدق بخديجة التي تقف أمام المرآة... ما أجملها بثوب الزفاف الأبيض حيث تبدو كالأميرة في بهائها وطلتها الرائعة... فالثوب متكون من طبقات الدانتيل المطرز تليه طبقات تجعله متسعًا للغاية بداية من الخصر، يزينه لآلئ مرصعة بشكل متفرق على جميع أنحائه... ترتدي حجابًا من طبقات التول تعلوه طرحة الثوب المتدرجة لطبقتين مطرز أطرافها بالجوبير واللؤلؤ، ويتوسط رأسها بالأعلى تاج كريستالي يشبه تاج ملكات القرن الثامن عشر... لا تضع الكثير من مساحيق التجميل بل اكتفت بالقليل الذي يظهر جمال عينيها التي تشبه عيون المها، ووجنتيها كثمار التفاح، وشفتيها المكتنزة التي تشبه ثمار الكرز المرمري.
عانقتها ملك بسعادة وقالت:
- ألف مبروك يا ديجا وأخيرًا بقى هتبقي مرات آدومي زي ما اتمنيت.
أجابت بخجل:
- الله يبارك فيكي يا ملوكة عقبالك يا حبيبتي.
اقتربت منها جيهان وعبراتها قد انسدلت وجذبتها بعناق أمومي وقالت:
- حبيبتي ألف ألف مبروك وربنا يباركلك أنتِ وآدم وتعيشوا في سعادة ديمًا يا رب.
ابتعدت برأسها وقالت:
- أنتِ بتعيطي يا ماما!!
جيهان وهي تمسح عبراتها قالت:
- دموع الفرحة... أنتِ غلاوتك عندي زي آدم وملك وربنا عالم بالفرحة اللي جوايا.
بدأت عيناها تلتمع بالعبرات وهي تتذكر والدها فأجهشت بالبكاء...
جيهان:
- مالك يا ديجا؟
خديجة:
- كان نفسي يكون بابا معايا في اليوم ده ويكون وكيلي في كتب الكتاب وياخدني من إيدي ويسلمني لآدم.
احتضنتها ملك وجيهان...
ملك:
- حبيبتي يا ديجا هو بالتأكيد حاسس بيكي وشايفك كمان وزمانه فرحان.
- إيه ده مين بيعيط؟
قالتها شيماء بصوت ناعس حيث كانت تغط في النوم واستيقظت للتو.
نظر إليها ثلاثتهم وظلوا يضحكن.
***
طرقات على الباب وقال من الخارج:
- ممكن أدخل؟
خديجة:
- اتفضل.
ولج طه إلى الداخل وكان في أبهى طلة مرتديًا بدلة رمادية قاتمة ويبدو وسيمًا... حدق بشقيقته متفحصًا مظهرها الرائع فأطلق صفيرًا بإعجاب وقال:
- ما شاء الله تبارك الخالق فيما خلق.
فتح ذراعيه لتركض نحوه وتعانقه بقوة.
طه:
- ألف ألف مبروك يا خوخة.
ضحكت من ذلك الاسم فقالت:
- ياااه لسه فاكر الاسم ده!
طه:
- طبعًا ده لما كنت بقولهولك بتبقي فرحانة... ياه كبرتي يا خوخة وبقيتي أحلى عروسة.
قالها ثم قبلها من فوق رأسها.
- يلا بقى الساعة بقت 8 والمأذون زمانه جه في القاعة تحت.
قالتها جيهان.
ملك:
- ثواني مش المفروض آدم ييجي ياخدها عشان الفوتو سيشن الأول؟
طه:
- ما أنا جاي أخدها عشان هو مستنيها في قاعة التصوير وبعدها هنكتب الكتاب.
بالأسفل هبط الجميع ولم يسمح لأحد بالولوج في قاعة التصوير سوى للعروسين... دخلت بخطى هادئة تمسك بالثوب... لتجده ينتظرها، بينما هو عندما وقعت عيناه عليها لم يصدق جمالها الأخاذ وهي تطل بالأبيض كالملاك... خفق قلبه وارتسمت على محياه ابتسامة إعجاب... اقتربت منه وهي تنظر له بخجل، فهو أيضًا ذو مظهر جذاب حيث يرتدي التوكسيدو السوداء وخصلات شعره مصففة بعناية ولحيته مشذبة، مما أعطته رونقًا وهيبة وجمالًا جعل قلبها يكاد يقفز من بين ضلوعها.
- يلا هنبتدي التصوير.
قالها المصور ووقف أمامهم وأردف:
- حضرتك قرب منها وامسكها من الوسط وبوسها من راسها.
اقترب منها آدم ليشعر بارتجاف جسدها عندما حاوط خصرها وكادت تلتصق بصدره، فانحنى برأسه ليقبل جبهتها فقبضت على ذراعيه من شدة خجلها... همس إليها:
- اهدي ده مجرد تصوير.
رفعت عيناها لتقابل عينيه الحادتين فشعرت بخطب ما من ذلك الوجوم المسيطر على ملامح وجهه.
التقط لهما المصور عدة لقطات بوضعيات مختلفة... صورة يحملها على ذراعيه وهي تحاوط عنقه بذراعيها... وصورة تتوسد رأسها صدره وتبتسم بجانب وجهها إلى الكاميرا... والعديد من الصور الرومانسية التي ستصبح من أجمل الذكريات.
وبعد الانتهاء التقط المصور صورًا جماعية تشمل عائلة البحيري، وعبارة عن تجلس جيهان على أريكة من المخمل القرمزي وعلى جانبيها آدم وخديجة، وخلفهم يقف عزيز وعلى جانبيه يونس ويوسف وياسين وطه وملك.
توافد الكثير من المدعوين إلى القاعة... فها هو عبد الله يلج من باب الاستقبال بكل زهو وفخر حيث يرتدي بدلة أنيقة كان يشبه الممثلين تمامًا، لتبدأ أعين الفتيات بالحفل تلتفت إليه وتجرأ بعضهن بالذهاب إليه للتعارف.
***
وقفت بالشارع في انتظاره حتى توقفت أمامها سيارة زرقاء قاتمة...
مروان:
- اركبي بسرعة.
تلفتت يمينًا ويسارًا ثم ولجت إلى داخل السيارة وقالت:
- الحقني يا مروان يوسف عايز يكتبني تنازل عن حضانة لوجي ويحرمني منها.
انطلق بالسيارة وقال:
- متخافيش هنهرب أنا وأنتِ ومحدش هيعرف مكانا فين.
صاحت به:
- بقولك هياخد بنتي.
مروان:
- اصبري أنا لسه خلصت كلامي!! متخافيش هجبلك بنتك لحد عندك ويبقى يبل ورقة التنازل ويشرب ميتها.
إنجي:
- هتعمل إيه؟
مروان:
- هجبلك بنتك وفوقيهم كم أرنب (مليون) عشان نبدأ بيهم حياتنا.
إنجي:
- أنت مبتشبعش خالص مش كفاية الفلوس اللي لهفتها مني ونصبت عليا.
مروان:
- موجودة يا بيبي وشغالة في السوق بس البحر بيحب الزيادة.
إنجي:
- يا سلام هتكلمه وهتقولو ابعتلي فلوس وهو هيبعت مثلًا!!!
زفر بحنق وقال:
- بطلي غباء يا إنجي... إحنا هنأجر ناس يخطفوا البنت ويطالبوه بفدية، فهمتي يا بيبي؟
صاحت بصدمة:
- هتخطفها!!!!
رواية صراع الذئاب الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم ولاء رفعت علي
وقف كل من طه ويوسف وياسين لاستقبال المدعوين.
ولج مهدي الدالي والد إنجي وبرفقته زوجته، التي إن رأت يوسف ركضت نحوه ووقفت أمامه وسألته بنبرة حادة:
- فين بنتي يا يوسف؟
مهدي:
- اهدي يا ماجدة بالتأكيد مع العروسة فوق.
ماجدة:
- بنتي بقالي أسبوع بكلمها موبايلها مقفول، وسألت عليها جيهان بتقولي مسافرة مع أصحابها... أنا مش داخل دماغي الكلام ده.
قالتها وهي تمسك بتلابيب سترته وأكملت:
- وديت بنتي فين يا يوسف؟
أمسك يوسف بيدها وقال:
- ما قلنا لك مسافرة مع أصحابها وهترجع بكرة.
مهدي:
- خلاص قالك هترجع بكرة، ابقي تعاليلها عند عمتها اطمني عليها.
رمقت يوسف بعدم تصديق، فقالت بنبرة تهديد:
- وقسمًا بربي لو طلعت بتكدب عليا مش هرحمك، وهبلغ البوليس لو جيتلكو بكرة وملقتهاش.
زفر يوسف بغضب ولم يجب عليها، فأخذها زوجها إلى إحدى الطاولات وهو يحاول تهدئتها.
ذهب ياسين ليوسف وقال:
- مالها حماتك كانت بتتخانق معاك ولا إيه؟
يوسف:
- سيبك منها.
ياسين:
- هي فين لوجي؟ صح ماما قالت إنك هتعدي تاخدها من القصر وأنت جاي.
يوسف:
- روحت لقيتها تعبانة عندها دور الحساسية، خليت دادة سميرة تراعيها وتديلها جلسات الاستنشاق.
قالها وكاد يذهب، فسأله ياسين:
- رايح فين؟
يوسف:
- خليك في حالك.
ياسين بنبرة مزاح قال:
- شكلك ما صدقت إنجي ولوجي مش موجودين فقولت تهيصلك شوية... ابقي ظبط لي معاك يا جو.
التفت بعد ذلك ليجد مجموعة من أصدقائه فصافحهم بعناق أخوي وتبادلوا التهنئة والمباركة، فقال أحدهم:
- أشطا عليك يا ياسو، باباك مظبطنا وجايب رقاصة في الفرح؟
عقد حاجبيه باستفهام وقال:
- رقاصة إيه؟
أشار الآخر إلى الخارج وقال:
- الصاروخ البلدي اللي جاي هناك ده.
نظر جميعهم ومعهم طه نحو المشار إليها... فتاة ترتدي ثوبًا يصل إلى ركبتيها يحدد كل إنش بجسدها، يكشف عن ذراعيها، تضع الكثير من مساحيق التجميل مثل الراقصات تمامًا، تتمايل بخصرها وهي تسير بحذائها الأسود ذو الكعب المرتفع، ترجع خصلات شعرها الغجري إلى الخلف بضجر.
وما إن اقتربت أكثر، قال ياسين وهو ينظر إليها ثم إلى طه:
- يا نهار أسود.
بينما طه تسمر مكانه واتسعت حدقتاه وقال:
- اه يا بنت الـ .....
قالها وأسرع نحوها وعيناه تطلقان شرارًا.
ياسين ليشتت انتباههم:
- تعالوا يا رجالة أنا حاجزلكو تربيزة في موقع ممتاز.
وصل طه إليها وقال وهو يقبض على ساعدها بعنف:
- ورحمة أبويا لو ما رجعتي مطرح ما كنتي لأكسر لك جسمك اللي فرحانة بيه ده.
تأوهت بدلال وهي تجذب ذراعها من قبضته وقالت:
- أي.. بتغير عليا؟
أجابها وهو يجز على أسنانه:
- لأ يا سافلة... عايزك تمشي لأني مش ناقص فضايح.
وضعت كفها على صدرها بصدمة مصطنعة وقالت:
- أنا فضيحة يا طه؟... أخص عليك وأنا اللي كنت جاية أفرح لخديجة.
تدخل ياسين قائلًا:
- اهدي يا طه الناس بتبص عليكو.
سماح:
- عجبك كده يا بيه.. مش عايزني أحضر الفرح عشان خايف ليعرفوا إن أنا مراته.
رمقها بغضب وكاد يصفعها فأمسكه ياسين وقال:
- خلاص يا طه جوه كل واحد في حاله... خليها تدخل.
زفر بغضب وصاح بها:
- غوري على جوه وإياكِ ألاقيكي بتتكلمي مع حد، إلا وربنا ساعتها هجرجرك من شعرك وهخليهم يرموكي برة زي الكلبة.
سماح وهي تتصنع البكاء:
- الله يسامحك، مش هرد عليك عشان خاطر البيه قريبك.
قالتها وولجت إلى الداخل.
***
بدأت الموسيقى لتعلن عن بدء مراسم الزفاف، فجميع المتواجدين قد جلسوا بمقاعدهم. بدأت الأدخنة تتصاعد من جانبي ممر مليء بالورود وشرار من النيران، لتفتح البوابة التي تقف خلفها خديجة وبجوارها طه تستند بيدها على ساعده، تلج إلى داخل القاعة على كلمات أغنية "طلي بالأبيض" للفنانة ماجدة الرومي.
سار كلاهما حتى نهاية الممر حيث ينتظرها آدم الذي يقف بهيبته وشموخه. مد يده إليها لتمسك بيده ويصعد بها فوق المنصة التي يجلس بها المأذون ويوسف، وصعد أيضًا طه ليكون وكيلها.
أخذ المأذون يتحدث بالخطبة عن الزواج والزوج والزوجة، ثم بدأ في مراسم عقد القران التي انتهت بتلك العبارة التي تسعد قلوب الحاضرين:
"بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما بخير إن شاء الله".
وقف الجميع مهللين بالتهنئة وتعالت أصوات الفرحة والسعادة من الأقارب والمعارف.
قام مسؤول مشغل الأغاني بتشغيل أغنية رومانسية هادئة ليتراقص العروسان على ألحان وكلمات أغنية "لأنك معايا" لسامو زين.
تقدم كل من آدم وخديجة فوق ساحة الرقص، حدق بعينيها فابتسمت بخجل، ليجذبها واضعًا يديه على خصرها وهي وضعت يديها على كتفيه.
انحنى نحو أذنها وقال ساخرًا:
- على فكرة أنتي بترقصي مع جوزك مش واحد غريب.
رمقته بعدم فهم وقالت:
- في إيه؟
آدم وهو يجذبها إليه أكثر فالتصقت بصدره قال:
- فيه إنك تقربي مني كده.
تلون وجهها بالحمرة من شدة الخجل. ابتسم بمكر وهمس في أذنها:
- مالك اتكسفتي أوي كده.. كلها ساعات وهنبقى مع بعض لوحدنا.
اقترب من وجنتها وقام بتقبيلها، كادت تبتعد لكن قبضته كانت محكمة فلا تستطع الإفلات منه فقالت:
- عيب يا آدم الناس بتبص علينا.
قهقه بسخرية وقال:
- أنتي مراتي وأعمل معاكي اللي أنا عايزه في أي مكان... ولا خديجة هانم عندها اعتراض!!!
رمقته باندهاش وصدمة فقالت:
- بس لما يكون مقفول علينا الباب مش على الملأ كده.
احتدت عيناه فقال:
- أنا ما باخدش رأيك، واللي آمرك بيه تنفذيه من غير كلام.
خديجة:
- مالك بتعاملني كده ليه؟ من بداية اليوم وحاسة إنك متضايق مني... أنا عملتلك حاجة زعلتك؟
أجابها بسخرية:
- أبدًا لا سمح الله.
خديجة:
- أنا عارفة إنك هتلاقيك شايل مني لما موافقتش على جوازنا المرة الأولى، بس أنا وقتها كان عندي حق بسبب كلامك وإهانتك ليا في القصر.. وأنا سامحتك لما جيت أنت وعمو وماما.
تنهدت ثم أردفت:
- آدم أنا عايزة نبتدي حياتنا من غير ما يكون حد فينا شايل في قلبه من التاني... لو زعلان مني قولي وأنا كمان لو زعلت منك هقولك... كل اللي طلباه منك أن يكون ما بينا مودة ورحمة زي ما ربنا قال في كتابه العزيز.
ظل يحدق بها بدون أن يتفوه بكلمة.
خديجة:
- ساكت ليه؟
أجاب باقتضاب:
- مفيش.
خديجة:
- نفسي أعرف إيه اللي جواك.
قال بنبرة خبيثة:
- أحسن لك بلاش.
شعرت بغصة في قلبها، أحست أن هناك جانب يخفيه وسيظهره لها عندما تصبح بداخل عرينه مثل الفريسة التي وقعت في عرين الأسد ولا مفر لها.
انتهت الأغنية والرقصة ليصفق الجميع لهما بحب وفرحة.
***
بداخل تلك السيارة الفارهة تجلس بجواره، كانا يضحكان بسعادة، ليتوقف عن الضحك ممسكًا بيدها ويرمقها بنظرات عاشقة فقال:
- عايزك تتأكدي إن مفيش ولا فيه حد بيحبك قدي... أنا يوصل بي الأمر إني أفديكي بروحي لأنك وطني وأهلي وكل ما ليا يا صبا.
أسبلت جفونها بخجل وعلى ثغرها ابتسامة رقيقة وقالت:
- بعد الشر عليك.
أجابها غير مصدق:
- بعد الشر عليا!!... أنتي خايفة عليا بجد؟
أجابته ووجنتاها تكاد تنفجر من الاحمرار:
- ما قولتليش إحنا رايحين فين وإيه هي المفاجأة؟
عادت ملامحه إلى السكون وقال:
- خلاص قربنا وهتعرفي بنفسك.
***
نعود مرة أخرى إلى الحفل، يقف يونس بإحدى الزوايا يمسك بهاتفه يجري اتصالًا بالسيدة فايزة، ظل منتظرًا حتى تجيب.
يونس:
- ألو مساء الخير.
فايزة:
- مساء النور.
يونس:
- معلش إن اتصلت بحضرتك بس كنت عايز أطمن على كارين لأن محدش يعرف طريقها غيرك.
تنهدت ثم قالت:
- يعني يهمك أوي أمرها؟
يونس:
- أنا عارف إنك تقصدي عشان ما حاولتش أكلمها من ساعة ما قابلتها في المول، بس اعذريني كان لازم آخد وقتي في التفكير قبل ما أقرر.
فايزة:
- أنت بتحبها يا يونس؟
صمت ثم قال:
- أنا من أول يوم شوفتها وأنا قلبي بيعشقها ومش قادر أعيش من غيرها.
فايزة:
- عامةً هي مسافرة زي ما قلتلك وطيارتها بكرة الصبح الساعة 8 في مطار القاهرة.
قال بتعجب:
- بكرة!!
فايزة:
- أومال عايزاها تستنى لغاية ما أخوها يلاقيها ويرجع يحبسها تاني!!
يونس:
- لو هي جنبك ممكن تديني أكلمها؟
كانت كارين تستمع إلى المكالمة فأشارت إليها فايزة بإيماءة بأن تجيب، فأخذت الهاتف ووضعته على أذنها. سمع صوت أنفاسها فعلم أنها تستمع إليه فقال:
- وحشتيني أوي يا كارين... أنا عارف إنك زعلانة مني... بس كان لازم أفكر... القرار ما كانش سهل.
دمعت عيناها فوصل إلى مسمعه صوت شهقات بكائها فأردف:
- أرجوكي ما تعيطيش أنا خلاص يا كارين ما بقتش قادر أعيش من غيرك... أنا هسيب كل الدنيا عشان أبقى معاكي ومستعد أحارب أخوكي، وقبل كل ده هتكوني ليا.
ابتلع ريقه ثم أردف وقال:
- تتجوزيني يا كارين؟
صمتت عن البكاء، ليكرر سؤاله مرة أخرى:
- كارين... تتجوزيني؟... أنا بحبك ومستعد أحارب الدنيا عشانك حتى لو كان التمن موتي.
أجابت بصوت يكاد يكون مسموعًا:
- أنا عمري ما هكون غير ليك يا يونس... أيوه موافقة أكون زوجتك وحبيبتك.
كاد يجيب، فتفاجأ بتوقف أصوات الحاضرين بالقاعة والموسيقى، فالتفت ببصره إلى البوابة الرئيسية للقاعة.
***
توقفت السيارة أمام أشهر الفنادق الفاخرة، ترجل السائق ليقوم بفتح السيارة، ونزل قصي بزهو وخيلاء، يمد يده إليها لتنزل. أمسكت بطرف ثوبها حتى لا تتعثر به، فانحنى ليحملها من داخل السيارة ثم أنزلها، فنظرت إليه وابتسمت وكادت تتفوه فصمتت حين رأت سيارة والدها الذي ترجل لتوه.
صبا:
- بابا!!
عابد:
- مش ناوية تسلمي عليا يا صبا؟
اقتربت منه وعانقته فبادلها العناق وقال:
- عاملة إيه مع قصي؟
ضمها قصي إلى صدره وقال:
- الحمد لله زي ما حضرتك شايفها.
صبا:
- الحمد لله أنا بخير ما تقلقش.
قالتها وابتسمت بسخرية.
عابد:
- طيب يلا شكلنا اتأخرنا.
قصي وهو يثني ساعده إليها قال:
- يلا يا روحي.
عقدت حاجبيها وقالت:
- هو أنت عامل حفلة هنا في الفندق؟
لم يجب عليها وظل ثلاثتهم يسيرون برواق طويل في نهايته حارسان قاما بفتح البوابة.
أخذت تجول ببصرها ودقات قلبها تتعالى، وإلى أن تفاجأت بتلك الصدمة عندما أدركت أنها بحفل زفاف وليس أي حفل... تلاقت عيناها مع عينيه وهو يجلس بجوار خديجة، وإلى أن رآها فوقف متسمرًا.
تقدم عزيز نحوهم فمد يده إلى عابد وقال:
- نورت الفرح يا عابد.
صافحه عابد وقال ببرود:
- ألف مبروك لابنك يا عزيز.
عزيز:
- الله يبارك فيك.
ثم نظر إلى قصي الذي كان يحدق به بنظرات مظلمة، يرمقه كأنه عدوه اللدود.
قصي بملامح متجهمة:
- ألف مبروك يا عزيز... بيه.
عزيز:
- الله يبارك فيك... على الرغم من الخلافات اللي ما بينا بس عملت بأصلي ورعيت إنك جوز بنت أختي وبعتلك دعوة.
اصطدمت صبا بما تستمع إليه فنظرت إلى قصي بعتاب وغضب.
عزيز:
- أزيك يا صبا... مش ناوية تسلمي على خالك؟
مدت يدها إليه وصافحته وقالت:
- أزيك يا خالو... ألف مبروك.
عزيز:
- ألف مبروك دي تروحوا تقولوها بنفسكو للعريس والعروسة.
ابتسم قصي وهو ينظر إلى صبا وقال:
- طبعًا.
صبا وهي تهمس إليه:
- قصي أرجوك أنا عايزة أمشي من هنا.
رفع إحدى حاجبيه وقال:
- عايزة تمشي ليه؟
صبا:
- أنا مخنوقة ومش قادرة أقعد دقيقة واحدة هنا.
قصي:
- إحنا هنحضر الفرح لحد ما هيخلص ونطلع على السويت اللي أنا حجزته.
صبا:
- يعني أنت كنت مخطط لكل حاجة؟
قصي:
- للدرجة دي مش قادرة تستحملي إنه قدر ينساكي واتجوز!!!
أجابته بكل كبرياء وبداخلها نيران مشتعلة:
- أنت بتقول إيه؟
- أأ.. أنا خلاص نسيته.
وقف أمامها وقال بتحدٍ:
- أثبتيلي.
أمسكت بيده وذهبت معه نحو آدم الذي لم ترف له عين وهو محدق بها، ولم يبالِ بنظرات خديجة إليه التي شعرت بآلاف الطعنات بقلبها، ولا نظرات قصي على الرغم من أنه خطط لكل ذلك لكن بداخله بركان من الغضب والغيرة يتأجج بداخل صدره.
مد قصي يده إلى خديجة وقال:
- ألف مبروك.
على الرغم من عاداتها أنها لا تمد يدها لمصافحة أي رجل غريب، لكن بدون وعي مدت يدها لتسبقها يد أخرى وقال بصوته الرجولي:
- الله يبارك فيك يا قصي بيه.
قالها آدم وهو يحدق بتحدٍ وقوة بعيني قصي، حيث كانت نظراتهم مليئة بالكراهية ولو كانت نيرانًا لكان أصبح كل ما يحيط بهم رمادًا.
تقدمت صبا نحو خديجة وقالت بالمصافحة:
- ألف مبروك يا خديجة وربنا يتمملكو بخير.
خديجة:
- الله يبارك فيكي يا صبا.
ثم نظرت إلى آدم وهي تخلل أناملها بأنامل قصي.. قالت:
- ألف مبروك يا ابن خالي.
نظر إلى يديهما المتشابكة ثم إليها وقال:
- الله يبارك فيكي.
***
في جانب آخر تقف جيهان تتابع الموقف من بعيد وتخشى أن يحدث شيئًا.
- أزيك يا جيهان؟
قالها عابد وهو يقف خلفها. التفتت إليه ورمقته بنظرة مطولة فأجابت:
- كويسة.
ابتسم باستهزاء وقال:
- مظنش إنك كويسة.. عينيكي بتقول غير كده.
قالها وهو يشير إلى عزيز بعينيه. زفرت بضيق وقالت:
- أظن إنك جاي تعمل الواجب وتمشي.
اقترب منها أكثر وقال:
- إيه كلامي مش عاجبك ولا صحى جواكي الماضي؟!.. ولا عزيز نساكي حب عمرك؟
انتابها التوتر فقالت بغضب وهي تغادر من أمامه:
- عن إذنك.
فأوقفها قائلًا:
- لو كنتي أنتي نسيتي أنا منستش يا جيهان.. ولا عمري هنسى يوم ما باباكي خلاكي تتجوزي عزيز غصب عنك، واتفق مع حكيم البحيري أنه يدمر شغلي اللي تعبت فيه عشان أوصلك.
وقفت أمامه وعيناها تدمع وتشتعل غضبًا وقالت:
- ما أنت عملت زيه بالظبط مع بنتك ولا أحب أفكرك أنا كمان؟!.. ده غير جوازك من أخت عزيز وخليتها تتحدى أهلها وتتجوزك من وراهم.
أجابها بسخرية:
- كنتي عيزاني أجوز بنتي لابن البحيري؟!.. وإيمان الله يرحمها كانت بتحبني بجد وعملت اللي أنتي محاولتيش تعمليه، ضحت بالفلوس والنفوذ عشان اللي بتحبه.. وعلى الرغم من كل ده مقدرتش أحبها ربع حبها ليا.. عارفة ليه؟
جيهان:
- كفاية بقى يا عابد و....
قاطعها بحنق وقال:
- مش كفاية.. أنا بعد العمر ده كله معرفتش أنساكي.. ملقتش حد يملا ده من بعدك.
قالها وهو يشير إلى قلبه. اتسعت عيناها بصدمة من كلماته فقالت:
- بطل جنان ملهوش لازمة اللي بتقوله ده.. أنا مش زوجة وبس، أنا أم وجدة كمان وعيب أوي الكلام ده.
عابد:
- اللي كنت عايز أوصلهولك إن محدش حبك غيري أنا.. وعزيز مبيحبش ولا حب غير شغله وبس وأظن إنك أكتر واحدة عارفة كده.
شعرت بدوار يداهمها.. ترنح جسدها وهي تستند على إحدى الطاولات، أمسك بذراعها وخصرها ليسندها.. أسرع عزيز إليها وقال بقلق:
- مالك يا جيجي؟
قالها وهو يرمق عابد بحدة.
جيهان:
- لأ مفيش أنا كويسة.
قالتها وهي تنظر بسخط إلى عابد الذي تركهما وابتعد.
***
يجلس كل من قصي وصبا على إحدى الطاولات.. يعم الصمت بينهما ليقاطعه يونس الذي جلس معهم وقال:
- أزيك يا صبا عاملة إيه؟
نظرت إليه ثم إلى قصي فقالت:
- كويسة أنت أخبارك إيه؟
قالتها وهي تنظر إلى ساعده الذي يحاوطه الجص.
يونس:
- الحمد لله بخير.
ورمق قصي بابتسامة ساخرة وقال:
- أهلاً يا قصي بيه.
أجابه بنفس السخرية:
- وسهلاً.. ألف سلامة عليك.
نظر إلى ذراعه وقال:
- الله يسلمك.. عارف دي حاجة بسيطة.. كله يهون عشانها ولو طلبت روحي فداها.
أجابه قصي بكل هدوء:
- ومستعجل ليه على طلوع روحك.. جرب بس تقرب من أي حاجة تخصني وأنا هريحك راحة أبدية.
قال يونس بتحدٍ:
- موتي وهي في حضني وملكي أهون بكتير من الموت وهي بعيدة عني.
اقترب منه قصي وبنبرة تهديد:
- يبقى أنت اللي حكمت على نفسك يا ابن عزيز البحيري.
وقفت صبا وقالت:
- عن إذنكو.
قصي:
- رايحة فين؟
نظرت إليه ليتفهم أنها تريد الذهاب إلى المرحاض، فأومأ لها بالسماح. ذهبت إلى المرحاض وكان يتبعها بعينيه فنهض ليذهب فأوقفه صوتها المملوء بالشجن:
- رايحلها؟
قالتها خديجة. لم يجب عليها وذهب تاركًا إياها تحترق من داخلها.. انسدلت من عينيها عبرة.
جلست بجوارها شيماء وقالت:
- مال الجميل زعلان ليه؟
فاقتربت من وجهها لترى دمعها فأردفت:
- يا نهار أبيض أنتي بتعيطي ليه؟
مسحت عبرتها وقالت:
- مفيش.
شيماء:
- طيب عشان خاطري بطلي عياط لأحسن أعيط معاكي ونقلب الفرح نكد.
خديجة:
- مالك أنتي كمان؟
شيماء:
- هو فيه غيره.. جاي الفرح ومظبط نفسه وكأنه عريس وقاعد مع واحدة شبه الضفدعة عمالين يضحكوا ويهزروا.
خديجة:
- تبقي هبلة لو فكراه بيغيظك.
شيماء:
- لو عمل إيه مش هرجعله بسهولة خليه يتربى.
خديجة وهي تشير إلى عبد الله الذي يقف مع فتاة على ساحة الرقص وهي تعانقه من حول رقبته:
- طيب روحي الحقيه قبل ما يروح منك.
صاحت بنبرة مليئة بالغيرة:
- ليلة أمك سودة يا عبد الله.
***
تقف أمام المرآة بداخل المرحاض تبكي بشدة وهي تضع كفها على فمها حتى لا يسمع بكاءها أحد.. دخلت إحدى السيدات فنظرت إليها وأعطتها محرمة.. أخذتها منها وقالت:
- شكرًا.
مسحت عبراتها ثم غسلت وجهها بالماء وقامت بتجفيفه ثم ذهبت.
بينما تسير في إحدى الأروقة التي تؤدي إلى القاعة.. جذبها من ذراعها لتتفاجأ به.
- آدم!!
قالتها صبا.
آدم:
- أيوه أنا.. ممكن تفهميني إيه اللي جابك أنتي وهو؟
قالها وهو يقبض على ساعديها. أبعدت يديه وقالت:
- نزل إيدك.. جيت عشان أشوفك نسيت كل اللي بينا وروحت تتجوز.
آدم:
- نسيت؟!.. الكلام ده قوليه لنفسك.. الظاهر قصي زي ما خلاكي من ممتلكاته قدر يسيطر عليكي وخلى قلبك ملكه.
أجابته بتحدٍ:
- وده يضايقك في إيه؟.. جوزي ولازم أحبه ومستعد يعمل أي حاجة عشاني مش يقف يتفرج وأنا بضيع من بين إيديه.
قهقه بسخرية ثم قال:
- يا خسارة اللي واقفة قدامي مبقتش صبا اللي حبيتها.
صبا:
- أيوه اتغيرت.. وتقدر تقول فوقت والنهاردة بس عرفت إن اللي كان بينا مجرد وهم.
آدم بصدمة قال:
- حبي ليكي كان وهم؟!.. دلوقتي أقدر أقولك ألف مبروك يا مدام العزازي.
احتدت عيناه وأردف بنبرة تهديد:
- بس يكون في علمك أنا مش هسكت على اللي بيعمله جوزك من تحت لتحت وعايز يدمر شغلنا.. فهميه مش آدم البحيري اللي بيسكت عن حقه وهو اللي بدأ الحرب خليه يستحمل اللي جاي.
صبا:
- ياريت تطلعني من حساباتكو.. أنتو أحرار مع بعض.
آدم بنبرة كالفحيح:
- طلعي نفسك أنتي.. بس للأسف مش هتعرفي لأن أنا لسه عايش جواكي.. مش قادرة تنسيني ومهما كدبتي وقولتي العكس عيونك بتقول غير كده لما شوفتيني قاعد في الكوشة جنب خديجة مراتي.
قالها وهو يعلو صوته في آخر كلمة تفوه بها. صبا وقد بدأ الدمع بالتجمع في مقلتيها قالت:
- خلصت كلامك؟
رمقها بازدراء وقال:
- خلصت كلامي.. بس أفعالي لسه مخلصتش يا صبا.
صبا:
- طيب عن إذنك.
وقبل أن تذهب أردفت:
- على فكرة خالي هو اللي بعت دعوة لقصي واتفاجأت بجوازك دلوقتي زي ما اتفاجأت بوجودي بالظبط.. أتمنالك كل خير مع خديجة بس ياريت تعرف تنساني وأنت عايش معاها.
قالتها وركضت إلى القاعة.. ذهب هو أيضًا.. ولم يلاحظ كليهما الذي كان يسترق السمع إليهما وهو يجز على فكيه ويضم قبضتيه بقوة.
***
في ساحة الرقص..
دفعت شيماء الفتاة من أمام عبد الله وقالت:
- ممكن توسعي يا روح ماما.
رمقتها الفتاة باحتقار وقالت:
- في إيه يا بتاعة أنتي؟
عبد الله وكاد ينفجر من الضحك لكن كتم ضحكاته وقال:
- اهدي يا شوشو وتعالي نتكلم.
شيماء وهي تبعد يده صاحت:
- استنى أشوف السنكوحة اللي شبه الضفدعة بتقول لمين يا بتاعة.
الفتاة:
- أوه ماي جاد.. مين اللوكال دي يا بيدو؟
شيماء:
- نعم يا ختي؟!! قال بيدو قال.. تعاليلي بقى هوريكي اللوكال دي تبقى مين.
قالتها وهي تجذبها من خصلاتها وأبرحتها ضربًا. جاء عبد الله ليفض بينهما فوكزته شيماء بمرفقها بدون قصد ليأتي في عينه فصرخ بألم، فتركت الفتاة والتفتت إليه وقالت بلهفة:
- مالك يا حبيبي؟
عبد الله بتأوه:
- ااااه عيني.. عيني باظت خلاص.
- شيماء خدي جوزك واقعدوا في أي ترابيزة الناس كلها عمالة تتفرج عليكوا مينفعش كده.
قالها طه.
شيماء:
- استنى بس يا طه أشوف عينه.
توقف عبد الله عن تأوهاته المصطنعة فقال:
- أنتي خوفتي عليا يا شوشو؟
صاحت بغضب:
- بتضحك عليا يا عبد الله؟!!.. طيب وربنا لأخلي عينك توجعك بجد.
قالتها وكادت تضربه لكمة في عينه فأمسك يدها وأثناها ليجذبها وحملها على كتفه وقال:
- أنا ماشي بقى يا صاحبي وربنا يتمم لأختك على خير.
صاحت شيماء:
- نزلني يا عبد الله لأخلي ليلتك أسود من الخروب.
صفعها على مؤخرتها وقال:
- اسكتي يا أم زعتر.
ضحك طه من ذلك الثنائي وقال:
- الله يخربيت عقلكو وربنا مجانين.
- إيه اللي عملته ده وربنا ما هسيبك.
قالتها وهي تضرب ظهره بقبضتيها. عبد الله متجهًا إلى الخارج قال:
- والله لو ما سكتي لأنزلك وهبوسك قدام الناس دي كلها وأنتي عرفاني مجنون وأعملها.
صمتت خشية من جنونه الذي تعشقه.. فأوقف سيارة أجرة وأدخلها بها ودخل خلفها وقال للسائق:
- اطلع يا أسطى على السيدة.
***
عندما عادت لم تجده فأخذت تبحث عنه.. شعرت بالفزع عندما جاء من خلفها وحاوط خصرها بذراعه..
صبا:
- كنت فين؟
حدق بعينيها لثوانٍ وقال:
- كان معايا تليفون.
صبا:
- ممكن نخرج من هنا؟
قصي:
- تعالي نطلع السويت.
صبا:
- لأ أنا عايزة أسهر معاك في أي حتة تانية.
قصي:
- عايزة تسهري فين؟
أجابته:
- عايزة أسهر في النايت ولو مش هتوافق يبقى تعالي نرجع القصر.
زفر بأريحية وقال:
- اللي أنتي عيزاه هيكون.
غادر كلاهما القاعة وذهبا إلى إحدى النوادي الليلية للطبقة المخملية.
***
- يخربيت جماله مش معقول ولا طوله.. ده أنا لو مشيت جنبه محدش يقدر يبصلي بصة واحدة.
قالتها إحدى الفتيات.
رودي:
- أنتي تعرفي مين ده.. ده السكيورتي الخاص بملك.
الفتاة:
- إيه ده مش ده اللي بيجي معاها النادي وبيستناها برة؟
رودي:
- أيوه.. اعقلي بقى وملكيش دعوة بيه أصل أنا عرفاكي لما بتحطي حد في دماغك مش بتسيبيه.
وقفت وقالت:
- ده دخل دماغي أوي كمان.. لما أروح له.
أمسكتها رودي وقالت:
- ريحي نفسك قلبه وعقله مع ملك ومش شايف غيرها.
الفتاة:
- حلو أوي.. لما نتسلى شوية.
رودي:
- مجنونة.
وفي تلك الأثناء كانت ملك تقف مع خديجة.. لكن عينيها كانت تتبعه في كل مكان وإن رأت تلك الفتاة التي تعلمها جيدًا تقترب منه.. غلت الدماء بعروقها.. لأنها تعلم أن هذه لم تترك أي شاب إلا أوقعته في شباكها تتسلى ليومين ثم تتركه.
أسرعت نحوهما. كان يرتشف من كأس العصير فالتفت إلى ذلك الصوت الأنثوي:
- ممكن نتعرف.. أنا ريتال.
قالتها وهي تمد يدها فبادلها المصافحة وقال:
- أهلاً وسهلاً بحضرتك.
ضحكت بدلال وقالت:
- حضرتك؟!! أنا عندي 22 سنة يعني ناديلي يا رورو.
- ريتااااااال.. روحي لرودي بتنده عليكي.
قالتها ملك بغضب. رمقتها ريتال بتحدٍ وهي تمسك بذراع مصعب وقالت:
- سوري مش فاضية وزي ما أنتي شايفة بتكلم أنا و....
ابتسم مصعب وقال:
- مصعب.. اسمي مصعب يا رورو.
ملك وقد ثارت أغوارها فقالت:
- الظاهر يا أستاذ مصعب نسيت إنك هنا لحمايتي.
- يعني بتشتغل مش جاي ترغي مع اللي يسوى واللي ما يسواش؟
رمقها بامتعاض وقال:
- أنا هنا معزوم على الفرح وشغلي ده في القصر أو لما حضرتك تخرجي يا آنسة ملك.
رمقته من أعلى لأسفل هو وريتال، ولم تتفوه بكلمة وابتعدت. ظلت طوال الحفل تنظر إليه وهو لا يبالي لها، كان يضحك ويمرح مع ريتال. فكان في قمة سعادته عندما تأكد من أنها تغار عليه وتحبه كما يحبها.
- عن إذنك يا رورو.
قالها مصعب، فسألته ريتال:
- رايح فين؟
- رايح لعزيز بيه هقول له حاجة وجايلك.
- طيب ما تتأخرش عليا يا بيبي... مستنياك.
قالتها وهي تغمز بإحدى عينيها له.
ذهبت خلفه وهي تلحق بخطواته، وإن وجدت أنهما خارج القاعة في مكان... توقفت أمامه لتدفعه نحو جدار مكسو بالمخمل.
تفاجأ بفعلتها فقال ببرود مصطنع:
- نعم عايزة إيه؟
اقتربت منه حتى كادت تلتصق به وهي ترفع عينيها وقالت:
- أنا كمان بحبك... بحبك أوي.
قالتها وهي تعانقه لتسمع دقات قلبه القوية، فحدقت بعينيه الهائمة بها، فوقفت على أطراف حذائها الأمامية وما زالت تحدق برماديتيه، وهو ينظر إلى شفتيها وقربها الشديد منه، فقال بنبرة عاشق متيم:
- وأنا بعشقك يا ملك قلبي.
قالها وقام بتذوق شفتيها في قبلة رقيقة وكأنها قارورة بين يديه يخشى عليها إذا قبلها بقوة عشقه لها.
- ملك!
صاح بها يوسف بغضب.
ابتعدت عنه وهي ترتجف خوفًا من شقيقها ومن أنها كيف تجرأت على فعل ذلك.
اقترب منهما ليجذب شقيقته من يدها بعنف وقال:
- أنا لولا الفرح كان ليا معاكوا تصرف تاني... بس لما نرجع القصر نبقى نتحاسب... وأنتِ انجري قدامي.
- يوسف لو سمحت ممكن تـ...
قاطعه يوسف بتكبر وقال:
- يوسف بيه... اوعى تنسى ده.
قالها وذهب وهو يسحب ملك من يدها إلى القاعة.
انتهى الحفل الذي كان مليئًا بالأجواء المتوترة بتوديع الحاضرين للعروسين والتقاط صور تذكارية معهما.
عانقت جيهان كلاً من آدم وخديجة وقالت:
- خلوا بالكو من نفسكو وراعوا ربنا في معاملتكو لبعض... وأنت يا ابني حطها في عينك وإياك تزعلها، هي مابقاش ليها حد غيرك وأنت كمان ملكش غيرها.
قال آدم وهو يعانقها بقوة:
- حاضر يا أمي.
وأيضًا خديجة التي قالت:
- ربنا يخليكي لينا يا ماما.
- وأنا فين من الحب ده؟
قالها عزيز ليعانقهم بحنان أبوي، لكن آدم كان يرمقه بعتاب، فقال والده هامسًا إليه:
- كنت لازم أعمل كده عشان يبعد عنك ويعرف إنك نسيت مراته.
فأردف بصوت مسموع له ولخديجة:
- أنا حاجزلكو أسبوع في الجونة... أتمنى لكم رحلة سعيدة.
خديجة:
- ربنا يخليك يا عمو ويخليك لينا.
قال بمزاح:
- زي ما فهمتك الواد ده لو زعلك هي مكالمة تليفون وهاجي أعلمه الأدب وأخدك معايا.
ضحكت وقالت:
- إن شاء الله مش هيحصل حاجة.
عزيز:
- يا رب.
ياسين:
- وأنا عايزكو ترجعوا من الأسبوع ده تخلوني عمو للمرة التانية.
لكزه آدم في كتفه بمزاح وقال:
- خليك في حالك وورينا شطارتك لما تتجوز.
ياسين:
- ادع لي أنت بس وأنا هملالكو القصر كله عيال.
يوسف بنبرة سخرية مازحًا:
- يا عم اجري ده أنت بق على الفاضي.
فعانق آدم وهمس له:
- اوعى تاخد حاجة كده ولا كده.
آدم:
- جرى إيه... أنت وأخوك متفقين عليا ولا إيه... اطمن يا دكتور أخوك الكبير راجل أوي.
ملك:
- هتوحشني يا ديمو أنت وديجا... أتمنالكو هابي هني مون.
خديجة وهي ترمق آدم بعتاب ولوم:
- تسلميلي يا ملوكة وعقبالك يا حبي تكوني مع اللي يحبك.
ابتسمت ملك وقالت:
- إن شاء الله.
تلاشت ابتسامتها عندما رمقها يوسف بتوعد.
- وسعوا كده لما أودع البوب الكبير.
قالها يونس وعانق آدم وكأنه لن يراه بعد ذلك وقال:
- هتوحشني يا أدومة.
آدم:
- وأنت كمان هتوحشني يا فنان.
يونس:
- مبروك يا ديجا، ولما ترجعوا إن شاء الله وتروحوا بيتكو ابقوا قولوا لي إيه رأيكو في هديتي.
خديجة:
- الله يبارك فيك.. وشكرًا مقدمًا على الهدية.
اقترب طه ليعانقهم أيضًا وقال:
- خد بالك منها يا آدم وحطها في عينيك... وأنتِ يا خديجة خلي بالك من جوزك وبلاش دماغك الناشفة عشان أنا عارفك.
قالها ليضحكا، فرد آدم:
- متقلقش يا أبو نسب أنا هلين لك دماغها.
طه:
- ربنا يسعدكو دايمًا ويرزقكو بالذرية الصالحة.
ردد الجميع:
- آمين يا رب.
طه:
- أسيبكو أنا بقى.
اقتربت منه خديجة تهمس:
- أنت خلاص نويت تطلقها خلاص؟
طه:
- بإذن الله هاخدها بكرة الصبح المأذون.
خديجة:
- خلاص هبقى اتصل بيك اطمن عليك.
طه وهو يقبل جبهتها:
- خليكي أنتِ بس مع جوزك ومالكيش دعوة بحد... يلا سلام يا حبيبتي.
جيهان:
- يلا نسيبكو تطلعوا السويت عشان ترتاحوا... بكرة وراكو سفر.
ودع جميعهم آدم وخديجة، ثم أخذها وصعدا إلى الأعلى حتى وصلوا إلى الجناح... وبدلاً من أن يفعل مثل أي زوج يحمل زوجته إلى الداخل، فتح الباب لها وقال بنبرة حادة:
- ادخلي.
قد وصل صبرها إلى أقصى درجاته فصاحت بصوت مرتفع:
- أنت مالك بتتكلم معايا كده ليه؟ كأن أنا اللي عمالة أغلط في حقك!
رمقها بنظرات مخيفة وقال بأمر:
- وطي صوتك وادخلي يا خديجة.
صاحت بعناد وتحدٍّ:
- مش هوطي صوتي ومش داخلة معاك وهكلم أخويا ييجي ياخدني.
انتفخت أوداجه بغضب جامح فزفر بحدة وقال:
- أنتِ اللي جبتيه لنفسك.
حملها عنوة عنها وولج بها إلى الداخل وهو يغلق الباب بقدمه.
- نزلني أنا مش شغالة عندك عشان تأمر وتشخط فيا كده.
صاحت بها حين وصل إلى الغرفة التي بداخل الجناح وألقى بها على التخت، فتأوهت لتجده يعتليها مثبتًا يديها بقبضتيه، ونظر في عينيها بنظرات حادة أرعبتها وقال:
- أنا بقى هعلمك الأدب وهعرفك إزاي تسمعي الكلام، واللي آمرك بيه تقولي عليه حاضر ونعم.
حاولت دفعه بعيدًا عنها وقالت:
- لو فاكرني هخاف وأعيط وأسمع كلامك ده يبقى في أحلامك.
قبض على نحرها حتى شعرت بالاختناق وصاح بغضب:
- وريني مش هتسمعي الكلام إزاي... مش حضرتك حافظة القرآن والأحاديث وعارفة إن لازم الست تسمع كلام جوزها؟
أبعدت قبضته بصعوبة والتقطت أنفاسها بصعوبة فقالت:
- هسمع كلامك لما تعاملني بأدب واحترام كزوجة مش جارية عندك.
ابتسم بخبث وقال:
- أحسن لك ما تعانديش معايا وتعامليني الند بالند لأنك هتخسري في الآخر.
قالها ونهض من فوقها... نهضت ووقفت أمامه وقالت:
- إيه؟ دمك محروق من ساعة ما شوفتها داخلة مع جوزها القاعة!! ولا ولعت وأنت واقف لما جم يسلموا علينا وهي ماسكة في إيده عشان تثبت لك إنك مش في دماغها ولا فارق معاها؟
صاح باستنكار:
- أنتِ بتتكلمي عن إيه؟؟
خديجة:
- اوعى تكون فاكرني عبيطة ومش شايفة نظراتك ليها، ولا لما شوفتها ماشية لوحدها روحت جريت وراها عشان تشرح لها وتبرر لها سبب جوازك مني... صح ولا لأ؟؟
آدم:
- دي حاجة ما تخصكيش.
صاحت بحنق:
- لأ تخصني، لأن مش أنا اللي تبقى قاعدة في الكوشة وجوزها بيفكر في واحدة تانية ويسيبها ويجري وراها... مش أنا يا آدم... واعمل حسابك طول ما صبا بيني وبينك هيبقى جوازنا على الورق مش أكتر.
جز على أسنانه وقال بحنق:
- أنتِ بتتحديني يا خديجة!!
قالها ويحدق بها بغضب، فأردف وهو يقترب منها:
- الظاهر نسيتي أنا أبقى مين... وهعرفك تتحديني إزاي.
قالها وهو يخلع سترته ويلقيها أرضًا، ثم رابطة عنقه وأخذ يفك أزرار معصميه...
- لو قربت مني مش هيحصل لك كويس.
صاحت بها بنبرة مرتجفة وتتراجع إلى الخلف بخوف ممسكة بأطراف ثوبها.
ضحك بسخرية وهو يفك أزرار قميصه:
- وريني هتعملي إيه.
قالها ليندفع نحوها فتعثرت لتقع على الأريكة، وكاد يعتليها فتفادته ونهضت على الفور، لكن كان أسرع منها وجذبها من طرحة الثوب فتمزقت في يده.
- ابعد عني واقصر الشر أحسن لك، مش من الرجولة إنك تاخد حاجة غصب حتى لو زوجتك.
صاحت بها خديجة.
اشتد غضبه أكثر فصاح:
- هوريكي مين الراجل دلوقت.
قالها وجذبها من ذراعها بقوة وألقى بها فوق التخت ليعلو بجسده فوقها، يمسك بيديها بقبضة واحدة لأعلى رأسها، واليد الأخرى ينزع حجابها فتألمت وأخذت تقاومه لكن بلا فائدة، فقوته تفوق قوتها أضعافًا... أمسك ثوبها من تلابيبه لدى عنقها ليحاول نزعه من عليها.
فصاحت ببكاء وهي ترجوه على الرغم من قوتها التي تحلت بها منذ قليل:
- أرجوك يا آدم بلاش... وغلاوة بابا الله يرحمه عندك بلاش.
توقف عما يفعله وحدق في عينيها ليرى نظرة الخوف والرجاء، فنهض عنها ووقف مبتسمًا بانتصار وقال:
- ما تخافيش ما كنتش هعمل حاجة، بس حبيت أشوف نظرة الخوف دي في عينيكي عشان تعرفي تتحديني بعد كده.
تركها وولج إلى المرحاض... نهضت بجذعها وهي تضم ساقيها نحو صدرها، وخصلات شعرها تناثرت من حولها وأخذت تبكي.
رواية صراع الذئاب الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم ولاء رفعت علي
يقف ذلك الحارس ينظر إلى ساعة يده ليجدها الساعة الثانية صباحًا... تنهد بضيق.
تقدم نحوه زميله وهو يحمل كيسًا بلاستيكيًا، فقال الأول:
- ما لسه بدري يا عم هشام... إيه كل ده بتجيبلنا أكل؟
أجابه بحنق:
- بقولك إيه مش ناقصاك ع المسا... ده أنا قعدت ألف قد كده عقبال ما لاقيت محل في منطقة جنبنا بيبيع سندوتشات، المنطقة هنا مفيهاش صريخ ابن يومين.
الحارس:
- هات يا أخويا لما أشوف جبتلنا إيه.
هشام:
- خد يا أخويا أمسك.
قالها وكاد يذهب، فقال الآخر:
- رايح فين تاني؟
هشام:
- رايح الحمام مزنوق يا عم.
قال زميله:
- طيب خد بالك عشان اللمبة بتاعت الحمام شكلها اتحرقت.
هشام:
- بتتكلم بجد؟؟؟
- أنت بتخاف ولا إيه؟؟؟
رمقه بتوتر وقال:
- لا أبدًا هو بس الواحد بيقلق من الأماكن اللي مفيهاش حد، والسنتر جوه عامل زي المغارة.
- شغل أي نور عندك جوه... ولا آجي أقفلك حارس ع باب الحمام أحسن للعو يطلعلك.
قالها زميله بسخرية.
هشام:
- اتريق اتريق... خد بالك من المكان عقبال ما آجي.
قالها وذهب.
صاح الآخر بسخرية:
- ابقى خلي بالك ليطلعلك أبو رجل مسلوخة.
ولج هشام إلى الداخل وهو يتمتم:
- أبو شكلك دمك يلطش...
توقف أمام المرحاض وهو يبحث عن أي مفتاح كهربائي لينير أي مصباح... فزفر بتأفف وهو يتلفت من حوله بخوف حيث الظلام يغلب المكان... وجد لوحة المفاتيح فرفع الأزرار بعشوائية حتى أضاء معظم المصابيح بالمركز.
- الله يخرب بيتك رايح تقيد المكان كله عشان خايف!!
قالها الحارس وهو يمضغ الطعام.
انتهى هشام من قضاء حاجته وكاد يخرج من الباب حتى أوقفه صوت سقوط شيء على الأرض، فانتفض بذعر وركض إلى الخارج.
وقف أمام زميله يلهث وقال:
- الحق يا شريف شكل فيه حد جوه.
شريف:
- أنت مجنون ياض؟ أومال أنت بتعمل إيه هنا مش المفروض سيادتك سكيورتي!!
هشام:
- يا عم وربنا جت معايا غلط وأنا مليش في الشغلانة دي أصلًا... روح شوف إيه اللي بيحصل جوه وأنا مستنيك.
وفي أثناء حديثهم حدث شرر بلوحة الكهرباء... ازداد أكثر حتى اشتعل الشرر ليحدث ماسًا كهربائيًا مضرماً في المكان بأكمله.
صرخ الحارسان وهما يركضان نحو الداخل لكن كانت النيران قد أمسكت في كل شيء.
هشام:
- فين طفايات الحريق؟؟
شريف:
- الباشمهندس نبيل قالي هيجيبهم النهاردة ومحدش جه وموبايله مقفول.
صرخ هشام:
- وهنعمل إيه دلوقت!!
شريف:
- نتصل ع المطافي ونبلغ ياسين بيه.
أجرى اتصالًا برجال الإطفاء وأبلغهم... وقام بالاتصال على ياسين فلم يجد إجابة؛ حيث كان قد عاد من حفل الزفاف ليغط في نومٍ عميق ولم يشعر بهاتفه الذي تركه بداخل جيب سترته.
***
تتسلل أشعة الشمس من بين ستائر الغرفة لتوقظها من سبات عميق، لتجد رأسها تتوسد صدره العاري... يداهمها ألم شديد فاعتصرت عينيها، ثم اتضحت لها الرؤية لتنصدم بما تراه؛ وهو ثوبها وثيابها الداخلية وحذائها، كل منهم ملقى بشكل عشوائي على الأرض وأيضًا ثيابه مبعثرة فوق الأريكة المقابلة للتخت... أمسكت بطرف الغطاء الذي يدثرهما معًا حتى اتسعت عينيها بصدمة.
(فلاش باك)
بداخل إحدى الملاهي الليلية الشهيرة والخاصة بالطبقة المخملية... تجلس على المقعد بترنح أمام طاولة الخمور (البار). ترتشف آخر قطرة بكأسها، فقالت بنبرة ثملة:
- لو سمحت عايزة كاس تاني.
صاح قصي بحنق:
- متجبلهاش حاجة.
ثم حدق بها بامتعاض وأردف:
- كفاية شرب لحد كده وقومي يلا عشان نروح.
أومأت رأسها بالرفض وقالت:
- لأ مش عايزة أروح... مش هاروح الفندق ده تاني.
زفر فقال:
- مش هنروح هناك هنرجع القصر.
أجابته بثقل:
- لأ أنت بتضحك عليا.
فنظرت إلى النادل وقالت:
- هات اللي قولتلك عليه.
اشتد غضبه وقبل أن يأخذ النادل كأسها الشاغر أمسك به ودفعه بقوة ليتحطم على الأرض وهو يصيح بغضب جامح:
- قولتلك مفيش زفت، من إمتى وأنتي بتشربي!!!
ابتسمت بسخرية كالبلهاء وقالت:
- أنتو السبب.. هو راح اتجوز وأنت فاجأتني بالفرح، كل ده عشان تثبتلي إنك أنت اللي بتحبني وهو لأ.. كلكو زي بعض صنف أناني مبيفكرش غير في نفسه.
جز على أسنانه وقال:
- أنا مش هحاسبك ع كلامك عشان أنتي سكرانة.
قهقهت بصوت عالٍ ثم قالت:
- ومين قالك إن أنا سكرانة!! بالعكس أنا فايقة وعرفت كل واحد فيكو ع حقيقته.
نزلت من فوق المقعد وكادت تسقط فلحق بها ليمسكها... دفعته من أمامها وصاحت به:
- ابعد عني أنا بكرهك... بكرهكو كلكو أنت وآدم وبابا... كلكو واحد...
تراجعت إلى الخلف لكن قد خارت قواها، فأسرع بحملها على ذراعيه وغادر من هذا المكان حتى وصل إلى سيارته... نزل السائق على الفور وفتح له باب السيارة فوضعها بالداخل ثم ولج عقبها.
وبعد أن ولج السائق وبدأ بالقيادة قال:
- هنطلع ع الفندق يا باشا؟؟
قصي:
- لأ اطلع ع القصر.
انطلقت السيارة نحو القصر وكانت ممدة على المقعد ورأسها على فخذيه تهذي بكلمات غير مفهومة... بينما هو ظل يحدق بها ويلامس وجنتها بحنان.
***
وصلت السيارة أمام القصر... ترجل قصي منها وهو يحملها على ذراعيه... كانت في حالة ثمل يرثى لها تضحك تارة وتبكي تارة أخرى... ظل يلوم نفسه على ما فعله عندما أخذها الحفل، لكن كان داخله يريد أن يتأكد أنها قد أحبته حقًا!! أم ما زالت تفكر بآدم!!
صعد بها الدرج فقابلته مربيتها.
- إيه ده!!! حصلها إيه؟؟؟
صاحت بها زينات بنبرة قلق.
أجابها قصي:
- محصلش حاجة تعالي بس حضري لها هدوم.
زينات وهي تنظر إلى صبا بحزن قالت:
- أمرك يا بيه.
ولج إلى الغرفة وتبعته زينات التي ذهبت إلى غرفة الثياب لتجلب لها منامة قطنية... خرجت لتجده يجلس على طرف التخت يخلع لها حذائها، ثم اقترب منها وهو يجعلها تنهض بج
أنت الي بتستفذني وترجع تقولي صوتك ومش صوتك
أبتسم بجانب فمه وقال بنبرة كالفحيح :
شكلك متعلمتيش حاجة من درس إمبارح
خديجة : آدم ممكن لو سمحت تسيبني ف حالي وأنا أوعدك مش هتسمع صوتي أصلا
قال بسخريه :
لاء ... أنتي متفرضيش عليا أوامر أنا الي أقرر وأقول أي الي يتعمل وأي الي ميتعملش
خديجة : أنا ع فكرة مش بأمرك أنا بقولك لو سمحت ... ولو عندك مشكلة ف السمع أو الفهم مش مشكلتي
قالتها وهي تجذب يدها بقوة من قبضته
قهقه وهو يوصد الباب ويقترب نحوها... فتراجعت إلي الخلف وقالت : لو قربت مني تاني يا آدم المره دي مش هاسكت
قال بسخرية :
هتعملي أي وريني؟؟ ... هتكلمي أخوكي ! ولا هتشتكيني لبابا !!
خديجة : لاء هاخد حقي بنفسي
قهقه بإستهزاء وقال :
وريني يا خديجة هتعملي أي؟؟
خديجة : أفتكر إن أنا حذرتك .. قالتها وهي تمسك بمزهرية صغيرة وكادت تلقي بها عليه فأندفع بجسده نحوها ليقعا معا ع الأرض هو فوقها وهي أسفله ... أخذ منها المزهرية وألقاها بعيدا
_ يعني بتعلي صوتك وبتغلطي وكمان بتحدفيني بالفازه !!! ... قالها وهو يثبت زراعيها بقبضتيه
_ أنت الي إبتديت ... قالتها وع الرغم قوتها التي تظهرها بداخلها ترتجف خوفا وخجلا
جز ع فكه وقال : أنا وأموت وأعرف أنتي جايبة القوة دي منين
أجابته : من بعض ماعندكم ... قالتها لكن لم تستطع إن تكبت عبراتها المتلألأه بداخل عينيها فألتمعت ببريق ليراه ويشعر بوخزه ف قلبه ... ترك إحدي يديها ليلمس تلك العبرة المنسدله جانب عينها ... نهض من فوقها متضايقا ولايدرك الشعور الذي يخالجه فقال :
أومي غيري هدومك وصلي وأجهزي عشان مسافرين
وقفت ثم أتجهت إلي الخارج لتبدل ماترتديه بثيابها المحتشمة وعبارة عن ثوب زمردي قاتم وحجاب بللون الجملي بينما هو قد أرتدي بنطالا من الجينز القاتم وقميصا رماديا قد رفع أكمامه إلي منتصف ساعديه مرتديا ساعة يد ذات ماركة عالميه ... صفف خصلاته بعنايه ونثر عطره المفضل ... خرج ليتفقدها ف الردهة وجدها تؤدي فرضها بخشوع وتطيل سجودها ... أبتسم فرحا من قلبه عندما رأي ذلك ... فأنتظرها بغرفة النوم إلي أن أنتهت من صلاتها وذهبت إليه وقالت :
أنا خلصت
وأنحنت نحو حقيبتها لتحملها فسبقها ليضع يده فوق يدها وهي تمسك بمقبض الحقيبة ... حدق ف عينيها مقتربا بأنفاسه من وجهها ... تعالت خفقات قلبها لترمش أهدابها عدة مرات بخجل
_ سبيها أنا هخرجها برة والهوم سيرفس هينزلوها تحت ... قالها آدم
سحبت يدها بهدوء لتولي ظهرها له وهي تلتقط أنفاسها ووجنتيها شديدة الحمرة ... ع الرغم من معاملته القاسية لها لكن كلما أقترب منها يعتريها ذلك الشعور التي أحست به للتو فهي تعشقه بكل حواسها لكن تأبي أن تظهر له مابداخلها طالما قلبه مازال معلق بحبه القديم .. هكذا تظن هي ... فهل للأيام رأي أخر !!
***********************************************
_ نهضت مسرعة وهي تلملم الغطاء لتدثر به جسدها فأمسكه بيده وزمجر وقال : رايحة فين ؟
_ أنا مش هاسكت عن الي عملته معايا ده ... صاحت بها صبا
فتح عينيه لينهض بجذعه العاري وقال بصوت أجش أثر النوم :
عملت أي ؟؟
صبا : أستعبط أستعبط ... يعني مش فاكر حاجة خالص ؟؟
ضحك وهو يمسح وجهه بكفيه وقال : وربنا أنتي مجنونة
صاحت بحنق :
أنا مجنونه !!!
أومأ لها وقال : اه مجنونه ... عشان الي يسمعك يفتكر إن عملت فيكي حاجه
_ ياسلااااام ... والي حصل إمبارح ده تسميه أي !!! ... قالتها صبا بتهكم
أبتسم بمكر وقال :
والله بدل ما بتسأليني روحي أسألي للي مسكتني من رقبتي وباستن....
لم يكمل حيث ألقت عليه الوساده بحنق وقالت :
أسكت .. وبعدين أنا مكنتش ف وعيي وأنت ... أنت أستغليت الفرصة
إبتسم بسعادة وقال :
بس كانت أحلي وأجمل فرصة بصراحة
توردت وجنتيها وقالت بتلعثم :
أأ أنت .. معندكش دم
_ توء توء ... عيييب مش أتفقنا إن مفيش غلط ولا وحشك العض !!
أتسعت حدقتيها وهي تضع يدها ع موضع آثار العض القديمة وقالت:
مكنش أصدي بس أنت عمال تغيظ فيا
قصي : طيب روحي حضري نفسك عشان هنسافر
صبا : هنسافر!!
قصي : أه عندي صفقة لازم أخلصها كنت مأجلها عشان اليومين الي كنت حجزهم ف الفندق ... وحضرتك ضيعتهم فهضطر أعجل بالسفر
صبا : وهنسافر فين ؟؟
قصي : روسيا
قالت بنبرة تهكم : وطبعا الصفقة دي صفقة سلاح
تحولت ملامحه إلي التجهم وقال :
وده مضايقك ف حاجه ؟
ألتفت لتجلس أمامه فأجابته :
اه مضايقني ... ده شغل مشبوه وكله دم يعني فلوسو حرام
قصي : ومين قال كده ؟؟
صبا : مش محتاجة إن حد يقول ... السلاح الي حضرتك بتستوردو وتبيعو التجار بياخدوه بيبيعوه للي بيقتل والي بيسرق والي بيرهب الناس يعني عندك الإرهابين الي ف سينا وكل حته مجندين من بره بس السلاح الي بيقتلو بيه الأبرياء بيشترو من جوه البلد الي أنت و غيرك بتاجرو فيه ولا همامكو أرواح الناس الي بتتقتل بسببكو
تنهد وقال : خلصتي كلامك ؟؟
صبا : أنا عارفه كلامي مش عجبك بس أتمني إنك تبطل الشغل ده ... عايزه أعيش معاك ف أمان وكفاية عليك شغلك ف مجال الحديد ماشاء الله أرباحه كتير ومش هيخليك تحتاج لتجارة السلاح
قصي : صبا ياريت متتكلميش ف الموضوع ده عشان متزعليش مني ... الشغل ده هو الي وصلني للي بقيت فيه هو الي خلي الي يسمع إسم قصي العزازي يعملو ألف حساب
أقتربت منه وهي تتلمس وجنته وقالت :
أنا نفسي تبطل الشغل ده عشان خاطري
أمسك يدها وقبلها ف كفها وقال :
للأسف مش هينفع ... الي يدخل المجال ده ويوصل للي أنا فيه يوم مايحب يبعد ويبطله هيبقي يوم موته
نهضت وهي ماتزال تمسك بالغطاء حول جسدها قالت بسأم : طيب عن أذنك
قصي : ثواني
صبا : فيه أ....
لم تكمل فشهقت بصدمة وهي تضع يديها ع وجهها عندما وجدته يرفع الغطاء من فوقه لينهض ويتناول سرواله من الأرض ويرتديه ... قهقه من ردة فعلها الخجولة وقال :
خلاص لبست هاتدخلي التويليت ولا أدخل أنا ؟؟؟
أبعدت يديها بحذر وأجابته بدون أن تنظر له :
لاء هادخل أنا الأول عشان لسه هاحضر هدومي وحاجتي الي هاخدها معانا
قصي : طيب يلا بسرعه
وف طريقها إلي المرحاض جذبها من خصرها فألتصق ظهرها بصدره ودفن وجهه ف عنقها وقال :
أي رأيك ناخد شاور مع بعض
أبعدت يديه عنها وقالت :
قليل الأدب
قالتها وركضت إلي داخل المرحاض وأغلقت الباب
ضحك وقال ساخرا :
الله يرحم ليلة إمبارح ...فأردف بنبرة صوتها مقلدا إياها : بحبك ياقصي متبعدش عني ياقصي
فتحت الباب فجاءه لتلقي عليه منشفة قطنية وقالت :
بااااارد
**********************************************
_ أمام مطار القاهرة الدولي توقفت سيارة أجرة ترجل منها يونس ويحمل فوق ظهره حقيبة ذات زراع واحد يخفي نصف وجهه بنظارة شمسية سوداء وفوق رأسه قبعة رياضيه ... أخرج هاتفه وأجري الإتصال بالسيدة فايزه
_ أنا أدام المطار هي فين ؟
فايزة : هتلاقيها ف التويليت الخاص بالسيدات
يونس: طيب هادخلها إزاي مينفعش
فايزة : أنت روح هناك هتلاقي عاملة واقفه برة خليها تدخل تبلغها وهي تطلعلك ع طول ويلا عشان يدوب أدامكو ربع ساعة ع ميعاد الطيارة
يونس : بجد أنا متشكر لحضرتك جدا
فايزه : أنتو ولادي الي أتحرمت من خلفتهم يا يونس ولولا إن أنا عارفة وواثقة إنك بتحبها ومستعد تعمل أي حاجة عشانها مكنتش ساعدتك ... خلي بالك منها
يونس : من غير ماتوصيني كارين بقت كل حاجة ليا روحي الي أنا عايش بيها
فايزة : ربنا يسعدكو يا ولادي ويكفيكو شر المستخبي ... أسيبك أنا عشان تروحلها ... ف حفظ الله
يونس : مع السلامه
أغلق المكالمة وأسرع للداخل حتي قابل العاملة المسئولة عن المرحاض فولجت للداخل ... وبعد ثوان خرجت له كارين وهي تنظر له بللهفه وشوق فأرتمت ع صدره ليعانقها بقوة وقال :
أخيرا هنبقي مع بعض ومفيش حد يقدر يبعدك عني تاني
أبتعدت برأسها عن صدره وقالت :
أنا خايفة أوي يا يونس ... قصي ممكن يعرف إن أنا ف المطار بالتأكيد ليه معارف كتير هنا
يونس : متخافيش إن شاء الله مش هيحصل حاجه خليكي قوية وبطلي توتر عشان متلفتيش الأنظار حواليكي
قالها وهو يمسك براحة يدها ويطمئنها
_ بدأ الإعلان عن التوجه إلي الطائرة التي ستقلع إلي إيطاليا ... ذهب كليهما حيث قد مروا ع جميع مراحل التفتيش وأتجهوا إلي البوابة التي تؤدي إلي الطائرة المنتظرة بساحة الإقلاع ...
رمقها بنظرات ثقة وقال :
لسه خايفه ؟؟
أومأت له بالنفي وقالت : طول ما أنت معايا ببقي مطمنه ومبقاش خايفة من حاجة
مد يده إليها مبتسما لتشابك أناملها بداخل أنامله وأتجها نحو درج الطائرة
وخطي كليهما أول درجة ليوقفهما إحدي ضباط المطار وقال :
أقف عندك أنت وهي
ألتفتا إلي الخلف فأتسعت أعينهما عندما وجدوا كنان وبرفقته مجموعة من رجال قصي ومعهم ضابط من المطار
_ حمدالله ع السلامة يا آنسه كارين ... قالها كنان مبتسما بسخرية
كاد يونس يتفوه فأوقفته كارين بإشارة من يدها ثم توجهت إلي كنان الذي يرمقها بنظرات غضب وتشفي ف آن واحد
بادلته بنظرات تحدي وقالت :
عايز أي يا كنان ... مش مكفيك الي عملته أنت والباشا بتاعك ... عايزين مننا أي ؟ سيبونا ف حالنا بقي
كنان : عندي أوامر من أخوكي أرجعك القصر من غير شوشرة ... ده لو باقيه ع حياة البيه الي معاكي
أندفع يونس بحنق وقال :
أنت بتهددنا !!! إحنا مسافرين ومحدش يقدر يمنعنا وهي مش قاصر عشان أخوها ياخدها
_ هاتوهم ... قالها كنان بأمر
فأمسك بهما الرجال
صاح يونس : أبعد إيدك أنت وهو أنا هابلغ البوليس
كنان وهو يشير إليه نحو الضابط :
عندك سيادة الرائد أهو أشتكيلو
قال الضابط :
خلاص يا كنان الآنسه هترجع معاكو وأستاذ يونس يقدر يسافر زي ماهو عايز وبلغ الباشا تحياتي
يونس : أنتو عصابة بقي
الضابط بصياح محذرا قال :
أحترم نفسك وألزم حدودك وأحمد ربنا مخلتهمش ياخدوك يتصرفو معاك
كارين شعرت إنه لا محاله فقالت بنبرة رجاء :
أرجوك يا كنان سيبنا نسافر ولو قصي قدر يوصلي أوعدك مش هقولو إن أنا شوفتك خالص ... أرجوك وحياة أغلي حاجة عندك ... أنا لو رجعت القصر ده أنا هانتحر وأنت عارف كويس أنا مبكدبش...
صمت وهو يحدق بعينيها فأردفت بتوسل :
أرجوك ... عشان خاطري ... أمسكت يده لتقبلها فأبعدها عنه ... فأثارت حنق يونس الذي قال : كااااارين أنتي بتعملي أي !!
تنهد كنان وهو ينظر إليهما فقال :
عارف لو حصلها حاجة أو عرفت إنك ضايقتها حتي أنا الي مش هارحمك ونهايتك هتكون ع إيديا
أنفرجت أساريرها بسعادة وقالت :
ربنا يخليك يا كنان ... أنا بشكرك أوي ... قالتها وهي تعانقه عناق أخوي فأغمض عينيه وهو يتحمل آلام قلبه الذي طالما أحبها ف صمت ... فرؤيتها سعيدة هكذا لديه أفضل بكثير من رؤيتها حزينة تبكي حتي لو كان الثمن التضحية بقلبه
الضابط : لو كان كده إطلعوا بسرعة فاضل 5 دقايق والطيارة هتطلع
أمسكت بيد يونس لتصعد معه ع الدرج حتي وصلو إلي الباب وقبل أن تولج إلي الداخل ... لوحت بيدها إلي كنان كإشارة وداع فبادلها السلام بيده بشبه إبتسامة .
*****************************
ذهبا إلي مقاعدهم الخاصة وجلسا بعد أن خلعا الحقائب ووضعها يونس ف مكانها المخصص ... جلس وو قاما بربط الأحزمة ...
نظرت له بابتسامة فلم يبادلها وأشاح بوجهه. أمسكت يده وقالت:
- "مالك يا حبيبي؟"
يونس: "مفيش."
كارين: "أنا عارفة إنك اتضايقت لما اترجيته، بس مكنش فيه طريقة غير كده."
زفر يونس بغضب وقال:
- "وبالنسبة للحضن اللي حضنتهولو وكأني هوا واقف!"
ضحكت وقالت: "حبيبي بيغير عليا يا ناس."
قالتها وهي تضغط على وجنته بأناملها.
صاح بها يونس:
- "كااااارين أنا مبهزرش."
كارين: "بتدينا من أولها... عمومًا أنا آسفة مش هتتكرر تاني."
رفع أحد حاجبيه وقال:
- "على فكرة هو وافق يسيبك مش عشان تحايلك عليه."
كارين: "أومال إيه؟"
يونس وهو يرمقها بتهكم قال:
- "يعني بذمتك مش عارفة ليه؟"
قد أدركت مقصده لأنها تعلم مشاعر كنان التي كانت تتجاهلها دائمًا... عقدت حاجبيها باستنكار وقالت:
- "مش فاهمة حاجة."
يونس: "ماشي يا كارين متاخديش في بالك."
كارين: "سيبك من أي حاجة، أخيرًا بقينا مع بعض يا يونس أنا مش مصدقة."
ابتسم وقال:
- "صدقي، وأول حاجة هنعملها لما نوصل إن شاء الله هنروح السفارة ونكتب الكتاب، عشان أنا مش هفارقك ولا لحظة، حتى وأنتي نايمة مش هتفارقي حضني أبدًا."
ابتسمت بخجل ثم نظرت من النافذة لترى أرض القاهرة من أعلى والطائرة تحلق في السماء متجهة إلى البلاد الرومانية، بلد يوليوس قيصر وأنطونيو عشيق كليوباترا.
***
في قصر البحيري...
صاح مهدي والد إنجي:
- "يعني إيه متعرفيش حاجة يا جيهان... هي دي الأمانة اللي سبتهالكو أنتي وابنك؟"
جيهان: "مالك عمال تزعق ومش فاهمة منك حاجة... ما قولتلك بنتك مسافرة، حتى راحت من غير ما تقول لجوزها."
مهدي: "فرضًا إنها عملت كده، محاولتيش تكلميها تسألي عليها؟ دي حتى قبل ما تكون مرات ابنك تبقى بنت أخوكي من لحمك ودمك."
شعرت بخطب ما فقالت: "طيب تعالى اقعد واهدى وأنا حد يطلع يصحي يوسف نسأله."
نادت جيهان:
- "سميرة... يا سميرة..."
ركضت إليها سميرة وقالت:
- "أمرك يا جيهان هانم."
جيهان: "اطلعي ليوسف وصحيه وقوليلو إن أنا عيزاه حالًا."
أجابتها سميرة:
- "يوسف بيه خرج من بدري خالص."
جيهان: "بالتأكيد راح المستشفى."
مهدي: "أنا لسه راجع من المستشفى وهو مش هناك، والمفروض كنت أعدي على ماجدة عشان كانت عايزة تيجي وأنا مرضتش وقولت أشوف إيه اللي حصل الأول."
جيهان: "طيب روحي أنتي يا سميرة... وبعدين يا مهدي مش طريقة اللي أنت بتتكلم بيها دي؟"
قال يوسف الذي جاء للتو من الخارج:
- "سيبيه يتكلم براحته يا ماما، أصله معذور برضه."
مهدي: "قصدك إيه يا دكتور؟"
يوسف: "عايزك تسمعني كويس يا خالي، بنتك معدتش تلزمني، لأنها أحقر بني آدمة شوفتها في حياتي."
شهقت جيهان بصدمة وقالت: "إيه اللي أنت بتقولو ده؟"
صاح بها مهدي:
- "لا بقى شكلك عايز تتربى يا ولد، الظاهر نسيت إنك بتتكلم عن بنت خالك."
يوسف وهو يجز على أسنانه:
- "اللي عايز يتربى هي بنتك الخاينة اللي مأمنها على عرضي وشرفي وراحت ترمي نفسها في حضن ابن خالتها."
مهدي بعدم تصديق صاح بغضب:
- "لاااء أنت زودتها أوي."
يوسف: "استنى رايح فين؟ لو مش مصدقني خد صورة من المحضر وأنا بستلمها من قسم أكتوبر، كان مقبوض عليها هي والكلب اللي اسمه مروان متلبسين في شقة مشبوهة..."
قالها وأخرج من جيب سترته ورقة مطوية. أخذها مهدي بأيدٍ مرتجفة وهو يقرأ محتواها... شعر بغصة في حلقه ليفتح زر قميصه ويفك رابطة عنقه... وكانت الصدمة تسيطر على جيهان التي لم تصدق أذنيها.
مهدي: "أومال هي راحت فين؟"
يوسف: "كنت مأجر شقة وحابسها فيها، روحتلها من شوية لاقيتها هربت والبواب شافها بتركب عربية واحد، ومليون في المية هربت مع مروان، بس وقسمًا بالله ما هسيبها غير لما تتنازل عن كل حاجة وأولهم بنتي."
وقف مهدي ينظر كالمجذوب وقال:
- "أأأنا هدور عليها وهلاقيها... بس أبوس إيدك يا بني أوعى تقول لحد... وأنت ليك عندي حق وأنا هجبهولك."
يوسف: "للأسف مش هينفع أتكلم، أولًا عشان هي بنتك، وثانيًا بنتي ملهاش ذنب إنها تتعاير بغلط مامتها."
مهدي: "حقك عليا يا يوسف... أنا اللي معرفتش أربيها، منها لله ماجدة، هي اللي كانت مدلعاها ديمًا وكل حاجة كانت بتشاور عليها بتكون بين إيديها في الحال، ولما كانت بتغلط وأجي أعاقبها أمها كانت بتحامي لها وبتدلعها، وأهو جه على دماغنا كلنا في الآخر."
***
بعد ساعتين من السفر بالطائرة وصل كل من آدم وخديجة إلي الجونة، حيث حجز له والده منزلًا من طابق واحد مجهز بكل شيء... ترجل كلاهما من السيارة التي أوصلتهم أمام المنزل... أنزل السائق الحقائب من خلف السيارة وساعد آدم في حملها للداخل.. ثم غادر بعد أن أعطاه آدم مبلغًا من المال.
ولجت خديجة إلى الداخل وهي تستكشف المنزل بعينيها. فتح آدم باب إحدى الغرف وقال:
- "تعالي دي هتبقى أوضتك."
قالها ليدخل حقيبتها إلى الغرفة، فأردف وقال:
- "وأوضتي اللي جمبك."
رمقته بتعجب وقالت: "أوضتك!"
أجابها قائلًا:
- "آه أوضتي... اعملي حسابك كل واحد ليه أوضة حتى في شقتنا لما نرجع... ولا عندك اعتراض!"
تصنعت البسمة على ثغرها وقالت:
- "وهعترض ليه... ده كده أحسن."
آدم: "أنا خارج هشتري شوية حاجات.. محتاجة حاجة أجبهالك؟"
أجابت باقتضاب:
- "لأ شكرًا."
قالتها ثم دخلت إلى غرفتها وأغلقت الباب... قامت بفتح حقيبتها وأخذت من إحدى الجيوب الداخلية صورة لوالدها عانقتها وهي تبكي وقالت:
- "وحشتني أوي يا بابا... وحشتني أوي يا حبيبي... أنا نفذت وصيتك ليا بس مش قادرة أستحمل... قاصد ديمًا يجرحني وكأن أنا السبب في اللي حصله... لو يعرف أنا بحبه قد إيه مكنش عمل معايا كده."
توقفت عن البكاء فقامت بمسح عبراتها ونهضت لتبدل ثوبها إلى (بيجامة) قطنية باللون الأسود الذي تعشقه... رفعت خصلاتها على شكل ذيل حصان... خرجت إلى الردهة حين شعرت بالظمأ... اتجهت إلى المطبخ المبني على الطراز الأمريكاني... فتحت الثلاجة ثنائية الباب... فتحت إحداهم لم تجد شيئًا وكذلك الباب الآخر... تأففت بضجر.
فانتبهت إلى بكاء طفل صغير بالخارج... ركضت إلى الغرفة لترتدي إسدال الصلاة وخرجت لترى ما يحدث... وجدت طفلًا صغيرًا لا يتجاوز الخمس سنوات يجلس بجوار الشجرة المقابلة للمنزل ويبكي قائلًا:
- "عايز ماما... عايز ماما."
اقتربت منه فوقف بخوف ليختبأ خلف الشجرة.
خديجة: "تعالى يا حبيبي متخافش مني أنا هوديك عند ماما."
ظهر من خلف الشجرة بحذر وينظر لها ببراءة وقال: "فين ماما؟"
أشارت إليه ليأتي نحوها وقالت:
- "تعالى بس قولي اسمك إيه الأول وأنا هاخدك ونروح لماما."
اقترب منها وهو يكفكف عبراته وأجابها بصوت طفولي:
- "أنا آسر."
أمسكت يده برفق وقالت:
- "طيب ممكن يا آسر تستنى معايا عمو آدم لما يجي نستأذنه عشان نروح ندور على ماما؟"
آسر: "لأ عايز ماما."
خديجة: "طيب أنتو الشاليه بتاعكو فين؟"
آسر: "هناك..."
وأشار إليها بعيدًا فلم تفهم شيئًا.
- "آسر... آسر..."
نادت بها السيدة التي تركض نحوهم بذعر، فالتفت إليها الصغير وركض أيضًا وهو يفتح ذراعيه وارتمى على صدرها وأخذ يبكي.
والدته: "كنت فين يا آسر؟ ينفع كده تخرج لوحدك؟"
أجابها بصوته الطفولي:
- "كنت مستني خالو."
والدته: "خالو مش هيجي النهاردة... لسه مكلمني وبيقولك هيجيلك بكرة ومعاه لعب كتير أوي."
ابتسم ببراءة وقال: "بجد؟"
والدته: "أيوه يا قلب ماما بجد."
قالتها ثم نظرت إلى خديجة التي تتابع حديثهم بابتسامة.
آسر: "ماما بصي دي صاحبتي."
قالها مشيرًا إلى خديجة.
والدته: "ولد عيب اسمها طنط مش دي."
خديجة: "هو ميعرفش اسمي... أنا خديجة."
والدته: "أهلًا وسهلًا بيكي، أنا مامت آسر واسمي حياة... شكرًا لحضرتك إنك أخدتي بالك منه... أصله عرف إن خالو كان جاي النهاردة وحصلتله ظروف في الشغل فأجلها لبكرة، خرج من ورايا عشان يستناه.. هو متعلق بيه جدًا لأنه اللي مربيه.. أصل والده اتوفى وهو كان عنده سنة ونص."
خديجة: "البقاء لله."
حياة: "تسلمي حبيبتي... أنتي جاية مع حد؟"
خديجة: "آه أنا وآدم جوزي جايين نقضي الهني مون."
حياة: "واو.. أنتو عرسان ألف ألف مبروك."
خديجة: "الله يبارك فيكي."
حياة: "أنتو بقى تيجو تتغدو معانا... متستغربيش أنا عشرية وباخد على الناس بسرعة... وبصراحة ارتاحتلك أوي، معلش بقى أنا عارفة إني رغيت كتير وصدعتك."
خديجة: "خالص والله.. أنا مبسوطة إني اتعرفت عليكي وعلى الصغنن الجميل ده."
آسر: "أنا مش صغنن.. أنا راجل."
ضحك كلتاهما فقالت خديجة:
- "ربنا يحفظهولك."
حياة: "ربنا يخليكي... عقبالكو يارب يرزقكو بالذرية الصالحة."
ابتسمت لها خديجة وقالت: "ربنا يسهل."
حياة: "عن إذنك بقى يا جميل، ومتنسيش بقى مستنياكو على الغدا."
خديجة: "معلش يا مدام حياة مش هقدر... خليها وقت تاني."
حياة: "على راحتك يا قمر... بس هنتقابل برضو."
خديجة: "بإذن الله."
حياة: "مع السلامة."
خديجة: "الله يسلمك."
ذهبت كل منهما إلى منزلها.
***
وجدت خديجة الباب ما زال مفتوحًا.. ولجت إلى الداخل لتجد أكياسًا بلاستيكية ورنين هاتفها يدوي من غرفتها... ركضت إلى الداخل لتجد آدم يقف بالغرفة ويمسك بهاتفها وقال بنبرة غاضبة:
- "كنتي فين؟"
خديجة: "سمعت طفل صغير بيعيط، طلعت له بره أشوف ماله، كان تايه ومامته جت خدته."
آدم: "وأنتي بتتصرفي من دماغك وتخرجي من غير علمي... مكلفتيش نفسك حتى تتصلي عليا وتستأذني؟"
أجابته بحنق وبصوت مرتفع:
- "ما قولتلك أنا خرجت ليه، ولا عايز تقلبها خناقة وخلاص؟"
أمسكها من ذراعها بعنف وقال:
- "قولتلك صوتك ميعلاش تاني، إلا وقسمًا بالله المرة الجاية مش هرد بلساني."
اشتد غضبها من تهديده فصرخت:
- "هتعمل إيه هتضربني! اضرب أنا أدامك أهو."
قالتها لتجهش بالبكاء... زفر بغضب.. ليجذبها إلى صدره وعانقها وأخذ يربت على ظهرها وقال:
- "خلاص متعيطيش... أنا كنت هتجنن لما جيت وملاقتكيش، دورت عليكي جوه وبره الشاليه، وكمان أنتي أول مرة تيجي هنا ومتعرفيش المكان... خوفت ليكون حصلك حاجة."
أبعدت رأسها ورمقته بعينيها الباكيتين وقالت:
- "لو أنت بتخاف عليا بتعمل معايا كده ليه! بتاخدني بذنب غيري وكأن أنا السبب في اللي حصلك... أنا يا آدم تعبت.. تعبت..."
قاطعها بعناق قوي وقبلة. التقم شفتيها متذوقًا عبراتها المنسدلة... كانت متسمرة بين ذراعيه متفاجئة من ردة فعله... لم تشعر بحجابها الذي سقط ويليه خصلاتها البندقية التي انسدلت... يتخللها أنامله التي تلامس عنقها بلمسات حانية... ابتعد عنها لاهثًا ثم دفن وجهه في عنقها يستنشق رائحتها... لتبدأ شفتيه بتلثم عنقها برقة، ولكن هيهات حيث جاء في ذاكرته مشهد صبا وهي تشابك أناملها بأنامل زوجها وترمقه بتحدٍ... فأثار هذا غضبه ولم يشعر بقبلاته التي تحولت من قبلات رقيقة إلى عنيفة قد تسببت في إيلامها فتأوهت بألم.
عاد إلى إدراكه فابتعد عنها وقال:
- "معلش... معلش."
قالها فلاحظ آثار قبلاته تركت على عنقها علامات شديدة الاحمرار أثر أسنانه... زفر بضيق من نفسه... وغادر الغرفة وذهب إلى الغرفة الأخرى وصفق الباب وبداخله صراع ما بين قلبه وعقله وما حدث بالأمس وعينيها الباكية التي لم يتحمل رؤيتها بتلك الحالة.
رواية صراع الذئاب الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم ولاء رفعت علي
بداخل مكتب والده بالقصر، يجلس ممسكًا بهاتفه... طرقات على الباب.
يوسف: اتفضل.
ولج مصعب بخطى هادئة وهو يتحاشى النظر إلى يوسف خجلًا مما حدث بالأمس.
يوسف وهو يشير إليه بالجلوس أمام المكتب قال:
- اقعد يا مصعب.
مصعب بنبرة مليئة بالخجل والتوتر:
- أ.. أنا بعتذر لحضرتك على اللي حصل إمبارح... بس أقسم بالله نيتي كلها خير من ناحية الآنسة ملك.
رجع يوسف بظهره إلى الخلف بأريحية وقال:
- اوعى تكون فاكر إني مش واخد بالي من نظراتك ليها ونظراتها ليك... بس عشان أنا عارفك كويس وواثق فيك متوقعتش إن الأمور هتوصل كده... إنت كده خاين للأمانة، صح ولا أنا غلطان؟
ابتلع ريقه وقال:
- كلام حضرتك صح وبعترف إن أنا غلط، بس أنا بحبها وعارف مينفعش... سواء الفرق الاجتماعي أو السن اللي ما بينا.
يوسف:
- طيب كويس إنك عارف إنه مينفعش... عشان كده يا ريت تروح لبابا وتطلب منه يغير حراسة ملك وتخليك في حراسة القصر زي ما كنت.
شعر بالاختناق لمجرد فكرة ابتعاده عنها، أحس بانسحاب الروح من جسده. حدق به يوسف بملامح جدية صارمة وقال:
- أنا هابعتلها دلوقت وهافهمها إن اللي حصل إمبارح دي غلطة ومتتكررش، واللي أنتو حسيتوه ده مجرد إعجاب مش أكتر؛ لأن لو اتحول لحب هيبقى محكوم عليه بالفشل... واحمدوا ربنا إن الموضوع موصلش لبابا.. لو عرف بحاجة زي كده أقل موقف هيتاخذه هو هيطردك من القصر، وأنا مبحبش أقطع عيش حد... فيا ريت تحط كل اللي قولتهولك في عقلك وفكر كويس.
ابتلع غصته بمرار ونهض وقال:
- تحت أمرك يا يوسف بيه، عن إذنك.
قالها وغادر المكتب متجهًا إلى خارج القصر ليذهب إلى غرفته بالمنزل الملحق... يتصبب العرق من جبهته، ودموعه أسيرة بداخل عينيه... يخلع سترته ورابطة عنقه، وولج إلى غرفته موصدًا الباب ليرتمي على التخت بقلب مقهور.
نعود إلى يوسف الذي يحدق في ملك التي ولجت لتوها.
- دادة سميرة قالتلي إنك عايزني.
قالتها ملك بخجل وخوف وهي تعقد كفيها معًا أمامها وتنظر لأسفل.
نهض من خلف المكتب فاقترب منها وقال:
- إيه اللي أنا شوفته إمبارح ده؟
لم تتفوه حيث ألجم لسانها الخوف، فصاح بها بصوت أفزعها:
- ما تردي عليا... مش بكلمك؟
ملك بنبرة خوف:
- أ.. إنت فهمت غلط... بـ...
قاطعها يوسف وهو يمسك بذقنها لتقابل عينيها عينيه وقال:
- لأ أنا فاهم كل حاجة وعارف، وقولت إنك عاقلة وعمر ما تفكيرك يوصل للدرجة دي؛ لأن مش معقولة ملك عزيز البحيري هتحب السكيورتي بتاعها.
أجابته باندفاع:
- وماله السكيورتي! مش بني آدم ومحترم؟ كفاية هو اللي أنقذني من اللي كان هيحصلي.
يوسف بصياح قال:
- أنقذك عشان ده واجبه وشغله وهو حمايتك، مش حب ومسخرة.
ملك:
- مصعب بيحبني بجد وأنا كمان بحبه.
وقف أمامها والغضب يتطاير من عينيه كالشرر وقال:
- ده إيه البجاحة اللي إنتي فيها دي!
ملك:
- هو الحب حرام؟ ما إنت اتجوزت إنجي عشان بتحبها.
وإن ذُكرت اسم إنجي فأثارت أغواره وصاح بغضب:
- ملكيش دعوة ومتجبيش سيرتها تاني، إنتي فاهمة؟
صرخت في وجهه وقالت:
- وإنت كمان ملكش دعوة بحياتي، أنا حرة أحب مين ولا أكره مين... وأنا بحب مصعب ومش هاكون غير ليه سواء رضيت ولا مرضتش.
كان يحدق بها بشكل مرعب، ولأول مرة يفعلها، حيث قام برفع يده وصفعها بقوة جعلتها ترتمي أسفل قدميه.
***
في مكتب إيهاب المحامي.
تمسك بالقلم وتدون اسمها أسفل الورقة ثم عدة ورقات أخرى.
- أيوه كده تمام.
قالها إيهاب وهو يمسك بالأوراق وينظر إلى إمضتها.
رمقته بتوتر وقالت:
- أستاذ إيهاب، ممكن طلب لو سمحت؟
إيهاب مبتسمًا قال:
- طبعًا اتفضلي، أنا تحت أمرك.
بادلته الابتسامة وقالت:
- الأمر لله... تسلم.. أنا مش عايزة علاء يعرف خالص إن أنا جيت هنا.
عقد حاجبيه وتساءل:
- هو حصل حاجة لما مشيتوا من هنا المرة اللي فاتت؟
أجابته بتوتر وقالت:
- لأ بس إنت عارف وضعه صعب، وخايفة لحماتي تعرف وتعمل معاه مشكلة وكده يعني.
أومأ لها بتفهم وقال:
- فهمت... متقلقيش.
رحمة:
- وفيه حاجة كمان...
جزت على شفتها السفلى ثم أردفت:
- أتعاب حضرتك هتاخدها مني مش من علاء.
تنهد وهو يعتدل في جلسته ثم قال:
- مفيش أتعاب.
سألته بعدم فهم:
- يعني إيه؟
إيهاب:
- يعني أنا أصلًا قبلت القضية لما علاء حكالي بشرط إني مش هاخد ولا مليم.
رحمة:
- طبعًا شكرًا على شعورك ووقفتك، بس معلش اعذرني أنا مش هقبل حاجة زي كده.
حدق بها بنظرات ثاقبة وصمت، أردفت:
- أنا ضايقت حضرتك؟
إيهاب:
- بما إن تعاملتنا هتبقى كتير مع بعض الفترة الجاية يا ريت نشيل أي ألقاب ما بينا، يعني بلاش حضرتك وأستاذ... خلي البساط أحمدي زي ما بيقولوا، ده أولًا... ثانيًا بالنسبة لموضوع الأتعاب هاعتبر نفسي مسمعتش حاجة.
رحمة:
- بس أنا مـ...
قاطعها بنبرة جدية تخفي خلفها أمرًا مبهمًا:
- رحمة... خلص الكلام في الموضوع ده... أنا يعتبر خلاص بدأت في إجراءات الدعوى وقضيتك دي بتاعتي وبإذن الله هكسبها.
انفرجت أساريرها بسعادة وقالت:
- مش عارفة أقول لحضرتك إيه، متشكرة جدًا.
إيهاب:
- الشكر لله، ربنا يعلم ببقى سعيد ومبسوط لما باخد لأي واحدة مظلومة حقها، وخصوصًا لو كانت قضية زي قضيتك كده.
رحمة:
- أنا لاحظت إنك متحيز للمرأة أوي... هو حصل حاجة زمان خلتك بالموقف ده؟
كاد يتفوه لكن قاطعه رنين هاتفها لتجد اسم المتصل فاتن.
***
منذ قليل في منزل عائلة عادل.
فتح علاء باب المنزل وولج إلى الداخل وجد شقيقته تجلس أمام التلفاز وتأكل بعض التسالي.
- سلام عليكم.
قالها علاء.
أجابت عليه بدون أن تنظر له:
- وعليكم السلام.
علاء:
- البيت ماله هادي يعني... متعود أطلع على زعيق أمي معاكي يا إما مع رحمة.
فاتن:
- أمك راحت لخالتك عشان جوزها ضربها وطلقها... ورحمة نزلت راحت تزور أمها.
قد انتبه للجملة الأخيرة وقال:
- وراحت من إمتى؟
فاتن:
- بقالها ساعة ونص.
علاء:
- طيب قومي حضرلي الغدا عشان هتغدى ونازل تاني.
فاتن:
- الأكل سخن عندك اغرف وكُل.
زمجر بحنق وقال:
- قومي يا فاتن أحسن ما ألبس في وشك طبق اللب اللي عمالة تسفيه ده.
نهضت بتأفف وقالت:
- خلاص قايمة... إمتى بقى أتجوز وأخلص من البيت الهم ده.
علاء وهو يتجه إلى غرفته قال ساخرًا:
- طول ما إنتي بلسانك الطويل ده جوازتك هتفضل تتأجل لحد ما خطيبك يحس إنك نحس ويفسخ الخطوبة وتفضلي قاعدة في وش أمك.
فاتن:
- دمك تقيل جاتك داهية... بكرة يا أخويا نشوف مين اللي أمها داعية عليها وتقبل تتجوزك.
رن جرس المنزل.
علاء:
- بطلي رغي وروحي شوفي مين على الباب.
فاتن:
- حاضر يا اللي بترن جاية أهو.
ذهبت لتفتح الباب لتجد والدة رحمة تلتقط أنفاسها من صعود الدرج.
- أزيك يا بنتي معلش... أنا طلعت لرحمة فوق قعدت أخبط محدش رد ولا فتح، قولت بالتأكيد هي عندكو.
قالت فاتن بنبرة تعجب:
- إزاي هي مش جاتلك!
خرج علاء من غرفته بعدما سمع الحوار، دفع فاتن جانبًا وقال:
- اتفضلي يا خالتو أم أسامة.
- يزيد فضلك يا ابني... معلش كنت عايزة أشوف رحمة، إنت عارف بقى زعلانة مننا أنا وأخوها من ساعة ما اتجوزت، وكل ما أقابلها في الشارع أو السوق تعمل مش شايفاني، ولو ندهتلها متردش عليا.
علاء:
- معلش يا خالتي... بس هي مش موجودة راحت تزور واحدة صاحبتها.
قالت بسأم:
- طيب يا ابني... لما تيجي قولها إنها وحشاني أوي ونفسي أشوفها.
علاء:
- حاضر متزعليش، أنا هخليها تجيلك إن شاء الله.
- ربنا يباركلك يا علاء... فوتكو بعافية أنا بقى... مع السلامة.
علاء:
- الله يسلمك.
تبعها بعينيه حتى هبطت الدرج وأغلق الباب... ظل شاردًا وشعر بأن هناك خطبًا ما.
فاتن:
- إنت ليه كذبت عليها وقولتلها إنها عند صاحبتها؟
علاء:
- يعني عايزاني أقولها بنتك بتقول عندكوا وطلعت كذابة ومنعرفش هي فين؟
فاتن:
- طيب استنى أصل قلبت موبايلها من ورا أمي عشان كانت مخبياه منها واديتهولها قبل ما تنزل عشان لو أمي جت أرن عليها ترجع على طول.
علاء:
- طب مستنية إيه؟ ما تتصلي عليها.
فاتن:
- حاضر.
قامت بالاتصال عليها لكن لم تجب.
***
أمام مبنى محترق تتصاعد منه الأدخنة، يجلس بحسرة وحزن واضعًا كفيه على رأسه المنكسة لأسفل.
اقترب منه أحد الضباط الذين أتوا للتحقيق في الحريق وقال:
- أستاذ ياسين، ممكن تمضيلنا على المحضر؟
رفع رأسه ووقف بثقل وقام بتدوين اسمه.
أردف الضابط:
- طبعًا للأسف حضرتك مكنتش مأمن على السنتر.. ربنا يعوضك خير عنه... وإحنا بنحقق مع المسؤول عن الكهربا وصيانة المكان وأفراد الحراسة اللي كانوا موجودين وقت الحريق.
قال بسأم:
- مفيش داعي خلاص.
الضابط:
- يا ريت لو فيه جديد تبلغنا.
أومأ له وقال:
- إن شاء الله.
- يلا يا ياسين إنت من الصبح واقف على رجليك... يلا تعالى عشان أوصلك.
قالها مازن صديق ياسين.
ياسين:
- معلش يا مازن روح إنت، أنا عايز أبقى لوحدي.
مازن:
- طيب تعالى أوديك مكان تنسى فيه كل حاجة وتنسى اسمك كمان.
نظر له ياسين فأردف:
- هتقعد تعمل إيه؟ تعالى وأنا هخليك تنسى اللي حصل.
رضخ لصديقه فذهب معه متجهين إلى أحد النوادي الليلية.
***
نعود إلى رحمة.
رحمة:
- معلش بقى أنا هستأذن عشان أخت علاء بترن عليا.
إيهاب وهو ينهض ويمسك بسترته المعلقة على مسند ظهر المقعد قال:
- ثواني هاقفل المكتب وهوصلك في طريقي.
رحمة:
- مش عايزة أتعب حضرتك، دي كلها ربع ساعة بالتاكسي.
إيهاب:
- أنا مش قولت بلاش ألقاب... وبعدين ولا تعب ولا حاجة، أنا كده كده بعدي كل يوم على منطقتكو في طريقي بعمل صيانة للعربية.
رحمة:
- طيب أنا هستنى حضرتك برة عقبال ما تخلص.
خرجت تنتظره بالردهة... وأغلق جميع الإضاءة والنوافذ وأخذ هاتفه ومفاتيحه، ليلاحظ شيئًا يلمع فانحنى نحوه وقام بالتقاطه ليراه إنسيالًا فضيًا يتوسطه اسم رحمة بالإنجليزية... حدق به مبتسمًا ووضعه بداخل جيب سترته.
- يلا بينا.
قالها وهو يوصد الباب بالمفتاح.
هبط كلاهما الدرج حتى وصلوا إلى السيارة، فتح لها باب السيارة فولجت إلى الداخل، والتف هو وولج هو أيضًا ليجلس بمقعد القيادة وانطلق بالسيارة.
- ساكتة ليه؟
قالها إيهاب.
رحمة:
- عادي.. هقول إيه يعني.
ابتسم وقال:
- خلاص أنا اللي هقول... مش كنتي عايزة تعرفي ليه متحيز للمرأة أو زي ما طلعوا عليا لقب نصير المرأة المقهورة؟
ضحكت وقالت:
- اتفضل أنا سمعاك.
إيهاب:
- السبب هي والدتي الله يرحمها... اتجوزت والدي الله يرحمه عن قصة حب، بس للأسف أهل والدي كانوا ناس قاسين وظالمين جدًا مكنوش راضيين على جوازهم، وهو أصر على جوازه من والدتي... للأسف شخصية والدي على الرغم إنه اتجوز ضد إرادتهم كان ضعيف قدامهم... جدي خيره ما بين يطلق والدتي أو يتحرم من الميراث... كذب عليهم وفهمهم إنه طلقها وفضل عايش معها في السر، فطبعًا فاكرين إنه طلقها راحوا جوزوه واحدة من قرايبهم... جدي مات وبعده بسنة والدي اتوفى في حادثة... جه إعلان الوراثة فعرفوا إن والدتي على ذمته لسه وعندها ولد منه اللي هو أنا... أعمامي وجدتي هددوها لو متنزلتش عن الميراث هياخدوني منها غصب... راحت رفعت عليهم قضية وطبعًا المحاكم بالها طويل خصوصًا وقتها... لما عرفوا خطفوني منها وما اكتفوش بكده، طلعوا عليها كلام يطعن في شرفها وسمعتها، وبنفوذهم خدوا حكم من المحكمة إني أعيش معاهم... وطبعًا اتعاملت أسوأ معاملة من ضرب وذل وإهانة، لما كبرت شوية اعتمدت على نفسي واشتغلت جمب دراستي، ولما عديت سن القانون سبتهم وروحت أدور على والدتي، عرفت إنها كانت مريضة بالكانسر واتوفت وكانوا مفهميني إنها اتجوزت وسافرت بره... المهم ربنا كرمني بسكن تبع صاحب الشغل وعاملني زي ابنه وأكتر، فضلت أكافح ما بين الدراسة والشغل لحد ما وصلت للي أنا فيه...
أدي حكايتي كلها.
رحمة: "ياااااه الدنيا دي وحشة أوي، دايما بتيجي ع الضعيف وتستقوي."
إيهاب: "الناس هي اللي بقت وحشة يا رحمة، بس برضو فيه الطيب وولاد الحلال اللي ربنا بيجعلهم سبب ف نصرة المظلوم."
رحمة: "فعلا عندك حق..."
قالتها وهي تنظر إلى النافذة لتجد أنهم وصلوا إلى منطقة سكنها فأردفت: "بس معلش نزلني ع جمب."
إيهاب: "أنا أصلا داخل الشارع بتاعكو، الميكانيكي ع ناصيته الناحية التانية."
رحمة: "معلش مش عايزة علاء يشوفك وتحصل مشكلة."
تنهد بسأم وقال: "خلاص اتفضلي."
رحمة: "مع السلامة."
إيهاب: "الله يسلمك."
ترجلت من السيارة وهي تتلفت يمينا ويسارا... حتى وصلت إلى البناء وجدت علاء يقف بالأسفل مع بعض أصدقائه، وإن رآها فرمقها بنظرات حادة... ولجت إلى الفناء بسرعة وصعدت الدرج... وكاد يتبعها ليتوقف ويرى سيارة إيهاب تعبر الشارع... فتأكد من حدسه وصعد على الفور.
***
فتحت فاتن لها الباب، فولجت إلى الداخل متجهة نحو الغرفة ألقت بحقيبتها... تلتقط أنفاسها وصدرها يعلو ويهبط.
- "هي فين؟" صاح بها علاء الذي وصل للتو.
فاتن: "دخلت الأوضة بتغير هدومها."
صاح بغضب وكأنه بركان ينفجر: "والله عال.. بقينا نخرج من غير ما نستأذن ولا كأن فيه راجل ف البيت وكمان بنكدب."
خرجت إليه وقالت: "أيوه خرجت عندك مانع؟"
علاء: "كنتي فين؟"
رحمة وهي تعقد ساعديها أمام صدرها قالت: "كنت عند ماما.. فيها حاجة دي؟"
ضحك بسخرية وقال: "والله؟... إيه رأيك مامتك جت تسأل عليكي... شوفتي بقى إن الكدب ملهوش رجلين."
تلعثم لسانها وقالت: "مـ.. ملكش دعوة."
اقترب منها بغضب وقال: "هو مين اللي ملوش دعوة... إنتي بتستعبطي! إنتي هنا أمانة أخويا سايبها وأنا هنا مسئول عن البيت، يعني لما تحبي تروحي ف حتة تعرفيني."
رحمة بسخرية قالت: "إنت ناقص تقولي تاكلي ولا متاكليش... بقولك إيه يا علاء أنا مبعملش حاجة غلط وإنت عارف كده كويس."
علاء: "ولما إنتي مبتعمليش حاجة غلط ليه بتكدبي وتقولي إني عند مامتك، وأنا شايف عربية إيهاب معدية الشارع بعد ما وصلتي ع طول."
رحمة: "وأنا مالي يعدي بعربيته ولا يمشي ع رجليه."
احتدت عينيه وقال: "مالك إنك كنتي عنده وأنا متأكد.. ومعنى إنك ماخدتنيش معاكي يبقى فيه حاجة مش عايزاني أعرفها."
رحمة: "حاجة إيه وإيه اللي إنت بتقوله ده... إنت عملت اللي عليك وخلاص كفاية تشكر لحد كده... سيبني أكمل أنا مشواري."
قالتها وكادت تذهب إلى الغرفة فأوقفها وقال: "مش بمزاجك يا رحمة."
التفتت إليه وقالت: "تقصد إيه؟"
ظل صامتا وهو يحدق بها بنظرات تفهمت مقصدها... لم يستطع الوقوف أمامها أكثر من ذلك خشية أن يتفوه بكلمات يندم عليها لاحقا.. تركها وغادر المنزل.
***
جاءت من الخارج لتجده يتناول الطعام.
- "ما لسه بدري يا هانم..." قالها طه ساخرا.
خلعت حجابها وعباءتها وألقت بهما ع الأريكة وأجابت بنفس السخرية: "بدري من عمرك يا عينيا."
طه: "عامة أنا ميهمنيش أمرك، كلها أقل من ساعة وهطلقك عند المأذون."
ابتسمت بمكر وقالت: "ما أظنش."
طه: "ليه يعني أكون لا سمح الله بحبك ومش هقدر ع بعدك، ولا متجوزين عن قصة حب أسطورية."
وقفت ممسكة بورقة واقتربت منه وهي تضعها أمامه ع المائدة وقالت: "لأ عشان اللي هيشرف بعد 8 أشهر وهيقولك يا بابا."
اتسعت عينيه وهو غير مصدق ما تسمعه أذنيه قال: "بتقولي إيه؟"
وضعت يدها ع خصرها وقالت وهي تتشدق بالعلكة: "أنا حامل... واللي قدامك ده تقرير الاختبار لسه عاملاه."
زفر بغضب واضعا كفيه ع وجهه وقال: "اللي ف بطنك ده لازم ينزل."
صاحت بحنق: "نعم يا دلعدي!"
وقف ليجذبها من خصلاتها بقوة وقال: "مش عايز حاجة تربطني بيكي... هتنزليه يا سماح يعني هتنزليه."
تأوهت من قبضته وقالت: "إنت اتجننت... عايزني أموت روح."
شد قبضته أكثر وقال: "ما إنتي لو منزلتهوش هطلع روحك وأخلص منكو إنتو الاتنين."
تصنعت البكاء وقالت وهي تضع يدها ع صدره: "كده يا طه وأهون عليك! أنا عمري ما حبيت حد غيرك... أنا سلمتلك نفسي من غير ما أفكر عشان بحبك."
ترك خصلاتها وقال بازدراء: "قصدك عشان إنتي رخيصة... وده يخليني أشك إن اللي ف بطنك ده يبقى ابني."
سماح: "حرام عليك إنت نسيت ولا أفكرك باليوم إياه، ولا مش فاكر أجبلك الملاية اللي فيها إثبات إنك أول واحد تلمسني."
تأفف وأخذ يستغفر: "استغفر الله العظيم... ده كان يوم أسود يوم ما جيتو تسكنو إنتي والحرباية خالتك."
اقتربت منه لتعانق عنقه وقالت: "الله يسامحك... بدل ما تفرح إنك هتكون أب."
ألقى يديها بعنف وقال: "مش لو كملتي حملك الأول."
سماح: "وأنا مش هنزله يا طه... وع رأي المثل اللي ملهوش كبير يشتريله كبير."
قالتها وهي ترتدي العباءة والحجاب بشكل عشوائي وتمسك بمحفظة نقودها.
طه: "رايحة فين؟"
سماح: "رايحة للي هينصفني وهيجيبلي حقي منك."
طه: "إنتي بتهدديني! أي اللي عندك اعمليه بس متلوميش غير نفسك."
سماح: "بكرة هنشوف مين اللي هيلوم نفسه."
قالتها ثم غادرت المنزل وهي تعقد العزم ع أمر ما.
***
يقف أمام مرآة الحوض يحلق ذقنه وهو يغني.
- "طبعا ليك حق تغني ما الهبلة اللي هي أنا ضحكت عليها بكلمتين وصدقتك..." قالتها شيماء.
قام بغسل ذقنه من معجون الحلاقة وأخذ يجففها بالمنشفة فالتفت إليها وقال: "إنتي سلوك مخك دي متركبة غلط ولا الحالة اشتغلت عندك!"
دفعته ف صدره بيدها وقالت: "لأ يا روحي أنا عقلي يوزن بلد... قلبي اللي يجيله مصيبة هو اللي موديني ف داهية دايما."
اقترب منها وهو يضع يده ع موضع قلبها وقال: "ألف بعد الشر ع قلبك يا حبي... كده هزعل منك يا شوشو مالك ما كنتي من شوية كويسة إيه جرالك بتقلبي مرة واحدة كده ليه؟"
ابتعدت عنه مولية ظهرها له وقالت: "بصراحة أنا خايفة منك لترجع تاني تشرب وتتاجر ف الهباب ده."
وقف أمامها وأمسك يديها وقال: "ورحمة أمي وأبويا اللي ما بحلف بيهم كدب أنا توبت خلاص... مبحطش ف بقي غير سجاير عادية بطلع فيها عصبيتي وخلاص."
شيماء: "يا عبدالله أنا خايفة عليك خصوصا مبقناش لوحدنا... عايزة لما يجي اللي ف بطني ده بالسلامة يلاقي أب يتشرف بيه قدام الناس كلها مش يستعر منه."
عبدالله: "بإذن الله هخليه أحسن واحد ف الدنيا ويطلع دكتور أو مهندس... زعتر حبيب بابا."
شيماء: "زعتر مين!"
ابتسم ببلاهة وقال: "ابننا يا روحي."
شيماء: "زعتر ف عينك... لو طلع ولد إن شاء الله هسميه عمر ولو بنت هسميها ديما."
عبدالله: "عمر مين وديما مين... أوعي يكون قصدك بتوع المسلسل التركي اللي كنتي واجعة بيه دماغي ده."
ابتسمت وقالت: "أيوه يارب يطلع شبه عمر ده مز وشخصية و...."
قاطعها بغضب وهو يمسكها من ساعدها: "مين اللي مز يا روح خالتك!"
تمتمت بصوت منخفض: "ع.. عمر."
زمجر بغضب وقال: "شيمااااااااء."
أجابت بخوف: "نعم؟"
عبدالله: "اتلمي."
شيماء: "حاضر... ع فكرة كنت بهزر."
عبدالله: "خلاص خلص الكلام... المهم كنت هقولك ع حاجة... أنا جاتلي شغلانة كده ف مطعم أكل ف وسط البلد طالبين دليفري بس الشيفت هيبقي من 12 بالليل للصبح.. فهاخدك معايا وأنا نازل هوديكي عند أبوكي تباتي وترجعي الصبح."
شيماء: "وفيها إيه لما أبات ف شقتي؟"
عبدالله: "لأ أخاف عليكي تقعدي لوحدك أفرض لا قدر الله تعبتي مين هيلحقك!"
شيماء: "ودي من إمتى؟"
عبدالله: "من بكرة إن شاء الله."
شيماء: "طب والتوكتوك هتعمل فيه إيه؟"
عبدالله: "أنا شغلت عليه عيل غلبان بيصرف ع علاج أمه فاللي بيطلع بيه بنقسمه أنا وهو، بس برضو فلوس مش هي، ومتنسيش عايز أحوشلك فلوس للولادة ولمتابعة حملك وبامبرز وأدوية ومصاريف مبتخلصش."
شيماء: "ربنا يوفقك يارب ويغنيك بالحلال."
عبدالله: "ربنا يخليكي ليا يا حبيبتي أيوه كده ادعيلي خلي ربنا يفتحها من وسع وأنا هعوضك عن كل حاجة."
شيماء: "أنا كنت عايزة أرجع المشغل بس...."
عبدالله: "تاني! شغل تاني... مش اتكلمنا ف الموضوع ده قبل كده وقولتلك مفيش شغل... لما أموت يا اختي ابقى اشتغلي."
شهقت بخوف وقالت: "بعد الشر عليك يا عبده... متقولش كده تاني لأزعل منك وخلاص مش هفتح السيرة دي تاني."
حاوط خصرها بذراعيه وقال: "بمناسبة الحب والحنية اللي شايفهم ف عيونك دلوقت ما تيجي أقولك كلمة جوه ف الأوضة."
ابتسمت بخجل ولكزته ف كتفه وقالت: "ارحم نفسك وارحمني شوية... ولا نسيت كلام الدكتورة؟"
حملها عبدالله ع ذراعيه وقال: "يا بت بقولك نازل شغل من بكرة تقوليلي دكتورة... وعليا النعمة ما فاهمة حاجة... وع رأي الراجل اللي بيغني هاتي بوسة يا بت هاتي حتة يا بت."
أطلقت ضحكتها التي تميزها فأردف: "أموت أنا ف الفاكهة."
قالها ودخل غرفة النوم وهو يحملها وأغلق الباب خلفه.
***
في اليوم التالي...
تقف خديجة خلف الطاولة الرخامية بداخل المطبخ تعد الفطور... ترتدي عباءة قطنية بأكمام ومتسعة الصدر... تمسك المضرب وتخفق به البيض.
خرج من غرفته يداهمه ألم برأسه... التفت إلى المطبخ وجدها منهمكة ف عملها... ذهب إلى المرحاض وبعد دقائق خرج اتجه إلى المطبخ بدون أن يلقي تحية الصباح أو يتفوه بكلمة.
أخذ يبحث عن برطمان القهوة فلم يجده.. تركت ما بيدها وقالت: "عايز حاجة؟"
حك فروة رأسه وقال: "عايز برطمان النسكافيه."
خديجة: "طيب دقايق والفطار هيبقي جاهز وبعدها أشرب القهوة."
رد عليها باقتضاب قال: "مليش نفس."
خديجة: "خلاص روح وأنا هاعمله لك."
آدم: "شكرا أنا بعمله بطريقة مبشربش غيرها."
تنهدت بضيق وقالت: "براحتك."
أخذ من الخزانة إناء صغيرا الخاص بعمل القهوة ووضع به الماء والقهوة ووضعها ع الموقد وأشعل النار... ظل ينتظرها وهو يحدق بخديجة التي لم تنظر إليه وتصنعت انشغالها بإعداد الفطور... أمسكت بالمقلاة ووضعتها ع عين أخرى بالموقد وهي تبتعد قليلا عنه... تشعر بالتوتر من نظراته المحدقة بها... أخذت تشعل النار من المقبض لكن لم تشتعل فأمسك هو يدها وهي ع المقبض وضغط بيده الأخرى ع زر الإشعال الذاتي وقال:
- "بتلفيه كده وبتدوسي ع الزرار ده عشان العين تشتغل."
نظرت إليه لتجده محدقا بها.. لفتت ناظريه تلك العلامات التي تركها الأمس ع عنقها.. وضع أنامله برفق ويرمقها بنظرات اعتذار بدون أن يتفوه بكلمة... انتفض جسدها من لمساته... فقاطعهم صوت فوران القهوة فأسرعت بدون حذر للإمساك بمقبض الإناء الساخن بدون عازل فصرخت بألم.
أمسك يدها بسرعة واتجه بها نحو الثلاجة ليفتح الباب ويأخذ مكعبات الثلج ووضعها فوق أناملها وقال: "خلي صوابعك ف التلج لما أشوفلك مرهم بتاع الحروق."
ذهب مسرعا إلى غرفته وعاد بعد ثوان وبيده أنبوب صغير قام بفتح الغطاء وقال: "هاتي إيدك."
مدت يدها فأمسكها برفق فتأوهت بألم: "ااااه."
آدم: "معلش استحملي بس وإن شاء الله المرهم يخليها تخف بسرعة."
قالها وهو يضغط ع الأنبوب ليخرج منه المرهم ع هيئة كريم وأخذ بدهن أناملها بحذر وهي تجز ع أسنانها بألم.
- "دقايق ومش هتحسي بأي ألم أهم حاجة تبعدي إيدك عن المية." قالها آدم.
خديجة: "شكرا."
آدم: "العفو... سيبك من اللي كنتي بتعمليه ده وجهزي نفسك إحنا هنفطر برة ع البحر."
خديجة: "أنا كنت عايزة أقولك إن إحنا معزومين عند مامت الولد اللي حكتلك عنه إمبارح."
آدم: "اعتذريلها لما تشوفيها... أنا مبحبش أروح عند حد معرفهوش."
خديجة: "بصراحة محرجة... ممكن نعزمها إحنا؟"
آدم: "اعملي اللي تعمليه."
قالها وولج إلى غرفته ليبدل ثيابه.
وهي أيضًا ذهبت إلى داخل غرفتها لترتدي ثوبًا فضفاضًا وحجابًا يناسب أجواء شاطئ البحر.
***
في قصر البحيري...
تمكث في غرفتها منذ أمس، قلبها يشتاق لرؤيته، تريد الاطمئنان عليه. تحاول الاتصال به مرارًا وتكرارًا لكن لم يُجب. أرسلت له رسالة محتواها: "مصعب أرجوك ممكن ترد عليا؟".
نهضت من فوق الفراش لتبدل ثياب نومها إلى ثوب أسود بنصف أكمام ويصل إلى أسفل ركبتيها. مشطت خصلات شعرها القصير وغادرت غرفتها، وبالرواق قابلت ياسمين.
ملك: ياسمين.
ياسمين: أمرك يا آنسة ملك؟
ملك: متعرفيش مصعب فين؟
ياسمين بنبرة حزن وأسف: ده تعب إمبارح والدكتور جاله قال عنده حمى ولازم يتنقل على المستشفى.
شعرت بغصة في قلبها وقالت: إيه!! متعرفيش خدوه على أنهي مستشفى؟
ياسمين: معرفش والله بس عم شكري السواق هو اللي خده بالعربية إمبارح.
تركتها ملك وقلبها يدمع حزنًا وألمًا. ذهبت إلى غرفتها وأخذت حقيبتها وما يلزمها، وقررت أن تذهب إليه مهما حدث.
في الحديقة تستمع إلى شكوى سماح التي تصنعت البكاء ببراعة...
- أبوس إيدك يا جيهان هانم... أنا مليش غيركو... أهلي ميتين وخالتي ست كبيرة وقاعدة عند قرايب جوزها.
قالتها سماح.
جيهان: خلاص يا سماح أنا وعدتك مش هانسكت عن الموضوع ده... أنتو الاثنين غلطتوا من الأول فلازم يتحمل نتيجة غلطته دي.
سماح بنظرات خبث وببكاء مصطنع: بصراحة أنا خايفة أرجع البيت يعمل فيا حاجة عشان يخليني أنزل اللي في بطني.
جيهان: متخافيش أنتي هتفضلي قاعدة معانا هنا وعمو عزيز هيكلمه يجي ويفهمه اللي بيطلبه ده حرام دي مهما كانت روح.
سماح: ربنا يخليكي يا هانم ويباركلك يا رب.
جيهان: أنا هاخليهم يحضرولك الفطار ولو عايزة تريحي بعدها اطلعي فيه أوضة للضيوف فوق ارتاحي فيها لحد ما عمك عزيز يرجع واقعدي معاه واحكيله على كل حاجة.
ابتسمت سماح بانتصار وقالت بداخل عقلها: "والله والزهر هيلعب معاكي يا موحة، وبدل ما هتعيشي في الخرابة اللي في الحارة هتقعدي في العز ده كله".
***
- عشان خاطري يا عم شكري خدني ليه بسرعة قبل ما حد يشوفني خرجت من غير حراسة.
قالتها ملك.
شكري: أرجوكي يا ست ملك مش هينفع عزيز بيه لو عرف ممكن يقطع عيشي.
ملك: متخافش أوعدك بابا مش هيعرف خالص وهنروح ونيجي بسرعة.
تنهد الرجل بسأم وأذعن لأمرها فقال: طيب يلا بينا عشان نلحق نروح ونيجي قبل ما عزيز بيه يرجع.
ابتسمت بسعادة وقالت: ربنا يخليك يا عم شكري.
ولجت إلى السيارة قبل أن يراها أحد لينطلق بها نحو إحدى المشافي الخاصة بعلاج الحمى.
وصلت إلى المشفى، نزلت مسرعة وولجت إلى الداخل وذهبت إلى موظفة الاستعلامات وقالت: لو سمحت عايزة أعرف فين أوضة مريض جالكو إمبارح اسمه مصعب...
قاطعتها الموظفة وقالت: أيوه عارفاه مش الشاب الطويل الحليوة ده؟؟
رمقتها ملك بحنق وقالت: آه... فين بقى؟
الموظفة: تاني دور الأوضة رقم 6 على إيدك اليمين.. بس أنتي تقربيله إيه؟
ملك وهي تضيق عينيها قالت: أبقى خطيبته.
ابتلعت الموظفة ريقها وقالت: اتفضلي يا فندم.
رمقتها ملك من أعلى لأسفل وذهبت إليه.
تسير بالرواق وهي تبحث عن رقم الغرفة حتى رأت الباب مفتوحًا، وتقف ممرضة بجواره تغرز حقنة بداخل المحلول.
دخلت ملك وركضت نحوه لتقف بقربه وهي تمسد جبهته المتصببة بالعرق.
الممرضة: مين اللي سمحلك تدخلي؟؟ ممنوع الزيارات.
ملك: ملكيش دعوة وخليكي في حالك أحسنلك.
الممرضة: شكلك هتتعبيني هاروح أندهلك الأمن.
أوقفها مصعب بإشارة من يده وقال بصوت واهن: سيبيها لو سمحتِ أنا كلمتها تيجي.
الممرضة: ممنوع يا أستاذ مصعب.
ملك: ما قالك خلاص روحي شوفي شغلك وسيبينا يلا.
رمقتها الممرضة بامتعاض وغادرت.
ملك وهي تمسك بيده قالت: حبيبي ألف ألف سلامة عليك والله لسه عارفة من ياسمين.
مصعب: ملك عشان خاطري... عايزك تبعدي عني.
ضحكت بسخرية وقالت: يوسف هددك صح؟؟؟... بس لو أنت كنت خايف منه أنا مبخافش غير من اللي خلقني.
مصعب: أرجوكي متصعبيش عليا الأمور... أنا عارف إن هيحصل كده من الأول.
ملك: بس أنت بتحبني وأنا بحبك إيه اللي يمنعنا نكون لبعض؟
مصعب: حاجات كتير وأنتي عارفاها.
ملك: مصعب أنا مستعدة نتجوز ونهرب سوا مع بعض!!!
رواية صراع الذئاب الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم ولاء رفعت علي
تتمدد على المقعد بأريحية تقرأ إحدى الروايات التي قد أخذتها معها بالرحلة، فشغفها للقراءة لا ينتهي، خاصة تريد أن تشغل عقلها عن كثرة التفكير الذي أرهقها ذهنيًا ونفسيًا.
- أنا نازل الميه شوية... ياريت متتحركيش من مكانك.
قالها آدم ثم أمسك بزجاجة مياه يرتشف بعض الماء. رفعت عينيها لتراه يقف أمامها عاري الصدر يرتدي سروالًا قصيرًا خاصًا بالسباحة.
قالت بتوتر:
- هو إيه اللي متتحركيش؟ أنا مش عيلة صغيرة.
جز على شفته السفلى بحنق وهو يغلق زجاجة المياه التي انكمشت في قبضته... ألقاها بقوة في الأرض بجوارها وتركها قبل أن ينفعل عليها.
أغلقت الكتاب وزفرت بضجر وقالت:
- بني آدم غريب، على طول خلقه في مناخيره.
ظلت تتابعه وهو يسبح في مياه البحر... قاطع شرودها ارتطام كرة بلاستيكية في رأسها... أمسكتها والتفتت إلى يمينها لتجد ذلك الصغير يركض بسعادة وقال:
- ديجا... ديجا.
ابتسمت له وهي تفتح ذراعيها له وقالت:
- أهلاً بحبيبي الصغنن.
عانقها بحب ثم ابتعد برأسه وقال:
- أنا مش صغنن.
ضحكت وقالت:
- حقك عليا سماح المرة دي... أنت راجل وسيد الرجالة كمان.
ابتسم وهو يقبلها في وجنتها وقال:
- شكرًا.
خديجة:
- ماما فين؟
آسر:
- ماما راحت تجيب خالو وقالتلي ألعب لحد ما أجيلك.. قومي يلا العبي معايا.
خديجة:
- وعايزني ألعب معاك إيه؟
آسر:
- بصي هي المفروض نبقى كتير بس مفيش حد غيرنا نلعبها وأمري لله.
ضحكت من طريقة حديثه التي تسبق عمره فقالت:
- أنت مشكلة ما شاء الله عليك.
قال بامتعاض:
- يوه أنتي هتعملي زي خالو، على طول يقولي أنت مشكلة أنت مصيبة.
ضحكت وقالت:
- عشان طريقة كلامك عسل... يلا مش ناوي نلعب ولا أسيبك تلعب لوحدك؟
آسر:
- طيب هاتي إيدك.
أعطته يدها فأمسكها وقال:
- ورقة.. حجر.. مقص.
ترك يدها وقال:
- يوه... معملتيش علامة بإيدك ليه؟
خديجة:
- ما أنا مش فاهمة أنت عملت إيه.
آسر:
- خلاص مش مشكلة... أنتي اللي فيها... اجري بقى عشان لو الكرة جت فيكي تبقي خسرانة.
خديجة:
- يلا نبدأ.
آسر:
- 1.. 2.. 3.
بدأ اللعب معًا يركض خلفها ويلقي عليها الكرة وهي أيضًا تفعل ذلك... وفي أثناء وهي تركض وتنظر خلفها لتتفادى الكرة... اصطدمت بشخص ما، مما أدى إلي وقوعه وتعثرت لتقع فوقه.
وقبل أن تنهض من فوقه حدقت بصدمة عندما تلاقت عيناها بعينيه. نهضت سريعًا وهي تعتدل من ثوبها وقالت:
- آسر!!!
نهض ووقف وهو يقوم بإزالة الرمال من ثيابه قال:
- خديجة!!... عاملة إيه؟؟
أجابت بقلق:
- الحمد لله... عن إذنك.
أوقفها صوت حياة وهي تقول:
- ديجا... صباح الخير يا عروسة.. تعالي أما أعرفك بأخويا.
أشارت إلى شقيقها وقالت بفخر:
- آسر أخويا من أمهر الدكاترة في مجال الجراحة وجاي يقضي معانا إجازته بعد ما تحايلت عليه ولسه واصل دلوقت.
وركض الصغير وهو يعانقه وقال:
- وحشتني أوي يا خالو.
آسر وهو ينظر لها قال:
- وأنت كمان يا حبيبي.
أحست بالإحراج والخجل:
- معلش أسيبكو بقى تقعدوا مع بعض.
حياة:
- طيب ما تنادي جوزك وتعالوا افطروا معانا حتى يتعرفوا على بعض.
خديجة وهي تتحاشى نظرات آسر المحدق بها قالت:
- شكرًا إحنا سبقناكو... بالهنا والشفا.
حياة:
- طيب هسيبكو دقيقة هروح أجيب الأوردر وجاية.
قالتها وذهبت قبل أن تتحدث خديجة. كادت تذهب هي أيضًا فأوقفها آسر وقال:
- مبروك.
أجابت بدون النظر إليه:
- الله يبارك فيك.
أمسك يدها آسر الصغير وأمسك بيد خاله وقال:
- يلا تعالوا نلعب مع بعض.
انحنت نحو الصغير وقالت:
- معلش يا حبيبي العب أنت مع خالو وأنا هروح أشوف عمو آدم.
قال الصغير:
- خلاص روحي وتعالي بسرعة.
ابتسمت له وقالت:
- حاضر يلا باي.
وما إن التفتت لتشهق بذعر.
***
في قصر البحيري..
- أنتي تخرسي ومتتكلميش ولا كلمة واحمدي ربنا إني كتبت عليكي أصلاً عشان خاطر أبويا الله يرحمه.
قالها طه بصياح.
سماح:
- شوفت يا عزيز بيه بيقولي إيه!!
زفر عزيز بضيق وقال:
- خلاص أنت وهي، واللي هقولكو عليكو هو اللي هيمشي.
نظر إلى طه وأردف:
- أنت يا أستاذ مش كل شوية تعايرها، لو كانت هي غلطانة مرة أنت غلطت ألف مرة باللي هببتوه مع بعض، وكمان لما عايز تطلقها وهي حامل منك.
طه:
- يا عمي بـ...
قاطعه عزيز وهو يشير إليه بيده ليصمت:
- هوس لسه مخلصتش كلامي، سيادتك تروح تجيب حاجتها وحاجتك وهتيجوا تعيشوا معانا لحد ما ربنا يقومها بالسلامة ده أولاً، وثانيًا بدل ما قاعد تلف على شغل عند الناس مصانع وشركات عمك أولى بيك.
تنهد طه وقال:
- بس أنا معيش غير دبلوم صنايع هشتغل بيه إيه ده.
عزيز:
- أنا عندي عمال معاهم محو أمية وبيطلعوا أحسن إنتاج من اللي معاهم بكالوريوس هندسة... وبعدين متقلقش أنت هتشتغل مشرف عمال ومرتبك هيبقى أول كل شهر، بس عن شرط الالتزام والإتقان في الشغل لأن في دول معنديش حاجة اسمها ابني ولا ابن أخويا، زيك زي من أكبر لأصغر موظف عندي... خلاص اتفقنا؟
أومأ له طه وقال:
- اللي تشوفه يا عمي.
عزيز:
- وبالنسبة ليكي يا مدام سماح... أنتي ضيفتنا هنا على عينا وعلى راسنا من فوق، اعتبريني هنا في مقام حماكي الله يرحمه، ولو زعلك أو أي حد ضايقك تيجي تقوليلي وأنا هتصرف، وأي حاجة محتاجاها تطلبيها مني.
انفرجت أساريرها بسعادة وقالت:
- تشكر يا عزيز بيه ربنا ما يحرمنا منك.
عزيز:
- في أي حاجة تاني؟
طه:
- لأ شكرًا يا عمي.
عزيز:
- يلا قوموا عشان زمانهم حطوا الغدا وجيهان والأولاد مستنينا.
***
وما إن التفتت لتشهق بذعر عندما رأت الذي يقف بطوله الفارع يرمقها بنظرات حادة أرعبتها، فركضت نحو الطاولة التي كانت تجلس لديها.
بينما آدم ما زال يقف محدقًا بآسر وقال بصوت أجش:
- أزيك يا دكتور... صدفة إننا نتقابل في الجونة.
أجابه آسر بسخرية واضعًا يديه داخل جيوب بنطاله:
- شوفت بقى يا بشمهندس، وزي ما بيقولوا رب صدفة خير من ألف ميعاد.
ابتسم آدم بازدراء وقال:
- عن إذنك رايح لخديجة مراتي.
قالها وهو يضغط على حروف الكلمة الأخيرة ثم ذهب... ظل آسر ينظر نحوه شزرًا وهو يضم قبضته ويجز على فكه.. ود أن يبرحه ضربًا.
رأته بطرف عينيها وهو يقترب نحوها، تصنعت القراءة... قلبها يخفق بشدة... اختطف منها الكتاب وأغلقه بقوة وقال بنبرة جدية صارمة:
- قومي يلا نرجع الشاليه.
قالت بنبرة هادئة:
- خلينا قاعدين شوية الجو حلو.
رمقها بنظرات نارية أوقعت قلبها من الخوف وصاح بحدة:
- أنا قولت قومي مش هعيد الكلام تاني.
ابتلعت ريقها بخوف وقالت:
- حاضر هلم الحاجة بسرعة.
قالتها وهي تلملم أشيائهم وترمقه بحذر وهو يرتدي قميصه القطني... ذهبت معه وهي تسير بجواره ولم يتفوه معها بكلمة طوال الطريق... فتح باب المنزل ليشير إليها بالدخول... ولجت إلى الداخل لينتفض جسدها من صوت صفق الباب بعنف.
أسرعت نحو غرفتها فأوقفها صوته المرعب:
- تعالي هنا.
التفتت إليه وهي تستجمع قواها فتقدمت نحوه وبادلته بنظرات قوية وقالت:
- نعم؟
صاح بغضب وهو يلقي بالمفاتيح على الطاولة:
- نعم الله عليكي... إيه اللي جابه ورانا الجونة وكنتي واقفة بتعملي معاه إيه؟؟؟
اتسعت عيناها بصدمة من نظرات الاتهام التي يرمقها بها فاشتدا حنقها وقالت:
- وأنا مالي ما تروح تسأله... وشوفته صدفة زي ما حضرتك شوفت.
ابتسم بسخرية وقال:
- بجد!!... مش أنا سايبك مرزوعة بتقري الكتاب وقايلك متتحركيش أرجع ملاقكيش في مكانك وكمان واقفة مع الأستاذ اللي كنتي سيباه يمسك إيدك في كافتيريا المستشفى.
صاحت بغضب وقالت:
- أنا اتجننت!! أنا مفيش حاجة ما بيني وما بينه وعيب أوي اللي بتقوله ده لأنك عارف أخلاقي كويس ولا تحب أفكرك أنا أبقى مين يا آدم بيه!!
آدم:
- وقسمًا بالله يا خديجة لو لاقيتك واقفة مع الحيوان ده تاني لأخلي أيامك جحيم.
رمقته بنظرات حادة وقالت:
- أنت لسه هتخليها ما هي فعلاً جحيم!! وبعدين مال دمك محروق كده ليه لتكون لا سمح الله بتغير عليا!!
جذبها من يدها المصابة بالحرق وضغط عليها بقوة متجاهلاً علامات الألم وصرخاتها وقال:
- أنتي لسه لحد دلوقت مشوفتيش وشي التاني وأنصحك بلاش تشوفيه، وبالنسبة للغيرة أوعي تفتكري غيرة حب، أنا مبحبش حد يجي جمب حاجة ملكي... مش أكتر.
جذبت يدها من قبضته بعد معاناة وصرخت به:
- حراااام عليك بقى وكفاية أوي كده... ولو أنت مغصوب عليا للدرجة دي طلقني!
رمقها بغضب جامح وهو يمسكها من ذراعيها وقال:
- الكلمة دي لو نطقتيها على لسانك تاني هخليكي تتمنيها وما تطوليهاش... أنتي فاهمة؟؟؟
قالها ودفعها لتسقط أرضًا تبكي... زفر بغضب والدماء تغلي كالسعير في جسده... غادر المنزل قبل أن يتملك منه شيطانه أكثر من ذلك.. تركها رفيقة دموعها التي تساقطت على أناملها التي تؤلمها بشدة من الحرق ومن قبضة أنامله التي غرزت بها بدون رحمة.
***
- الحمد لله.
قالها يوسف وهو ينهض من على مائدة الطعام.
جيهان:
- أنت لحقت تاكل!!!
يوسف:
- أنا أصلاً قبل ما أجيلكو كلت سندوتشات مع أصحابي في المستشفى.
قالها وكان يلاحظ نظرات سماح التي ترمقه بنظرات إعجاب فرمقها بنظرات حادة... فتصنعت تناول الطعام.
طه:
- أومال فين ياسين ويونس؟
عزيز:
- يونس لسه مكلمني بيقول إنه سافر إيطاليا عشان يجيب شوية خامات للمعرض.
رمقته جيهان بتعجب وقالت:
- سافر من غير ما يقولي!!!
عزيز:
- ما هو أنا اتفاجأت برضو زيك.
جيهان:
- وراجع إمتى على كده؟
أجابها بعدما ابتلع ما بفمه:
- قال أول ما هيستلم الحاجة هيرجع على طول بس شكله هيطول شوية اللي حسيته إنه بيغير جو هناك.
اندفعت سماح وقالت:
- يا بخته.
رمقها طه بنظرات أسكتتها وهمس إليها:
- خليكي في حالك.
بينما ملك تجلس على المائدة وكانت شاردة في الطبق الذي لم تتناول منه ملعقة واحدة.
- مبتكليش ليه يا ملك؟
قالتها جيهان. انتبهت إلى والدتها ثم نظرت إلى يوسف بازدراء وقالت:
- مليش نفس.
وقفت وهي تزيح المقعد وأردفت:
- عن إذنكو طالعة أوضتي.
نهض يوسف أيضًا:
- وأنا طالع أريح شوية.
- بابي عايزة أروح النادي بقالي أسبوع مروحتش التمارين.
قالتها لوجي. اقترب منها وانحنى إليها ليقبل وجنتها الوردية وقال:
- بكرة إن شاء الله هاخد إجازة وهاخدك بنفسي وبعدها هوديكي الملاهي.
لوجي:
- لأ مش عايزة أروح الملاهي عايزة مامي... بقالي كتير مشوفتهاش وحشتني أوي.
نظر كل من عزيز وجيهان ويوسف إلى بعضهم البعض...
جيهان:
- مامي مسافرة ولسه هتيجي يا حبيبتي.
لوجي:
- أوف يا جيجي كل شوية تقوليلي كده ومبتجيش ولا حتى بترد على موبايلها.
يوسف:
- بنت عيب كلمي جدتك باحترام.
نزلت من على المقعد وقالت بغضب:
- مش عايزاك معايا أنا هاخد دادة سميرة أحسن.
قالتها وركضت إلى الحديقة.
جيهان:
- روح أنت يا يوسف أنت بقالك يومين منمتش.
يوسف:
- عن إذنكو.
قالها وصعد الدرج متجهًا إلى غرفة شقيقته ليطرق الباب وقال:
- ملك افتحي أنا يوسف.
***
في بلاد الصقيع والثلوج روسيا...
هبطت طائرته الخاصة في مطار موسكو للطائرات الخاصة برجال الأعمال... فتح الباب ليظهر بهيبته وشموخه المعروف به وسط رجال المافيا والعصابات الروسية... يلقبونه فيما بينهم بالقيصر نظير لقب الملك الملقب به في إيطاليا ومصر...
أغلق زر سترته وارتدى فوق بدلته معطفًا من الجوخ الألماني المزينة تلابيبه بفراء الثعلب الفاخر... تكسو زيتونتيه نظارة شمسية من أشهر الماركات العالمية.
ثنى ساعده لتمسك به صبا التي ترتدي معطفًا من الفراء باللون الأبيض يصل إلى أسفل ركبتيها، يتوسطه حزام باللون الأسود، وحذاء باللون الأسود ذو رقبة تصل إلى نهاية المعطف. كانت تنظر من حولها بتوتر وقلق من تلك الأجواء، لا سيما عندما رأت هؤلاء الرجال أصحاب البدل والنظارات السوداء، ذوي الأجساد والبنية الضخمة، يقفون كسلسلة جبال متراصة على الجانبين، وكأنهم ينتظرون رئيس دولة. فهذه تقاليد وتعاليم زعيمهم الروسي الذي ينتظر بداخل تلك السيارة السوداء الفاخرة "ليموزين" وبرفقته فتاة ذات شعر أشقر ثلجي وعيون زرقاء.
سألها قصي:
- مالك بتتنفسي جامد كده ليه؟
أجابته وهي تتشبث بذراعه تستمد منه الطمأنينة:
- الجو بارد وحاسة مش قادرة أتنفس.
توقف عن السير ووقف أمامها وهو يمسك يدها ليجدها مرتجفة وملمسها بارد للغايه، قام بضمهما بين كفيه ثم رفعهما نحو شفتيه وأخذ يقبلهما بحنان، ثم نظر إليها وقال:
- لسه سقعانة؟
أومأت له بالنفي بدون أن تتفوه، حيث إنها مشدوهة من تأثير قبلاته على يديها، فعادت إلى إدراكها وقالت:
- بطل حركاتك دي ولا أنت بتصدق وخلاص!
رمقها بضيق مُصطنع وقال:
- أنا فعلاً غلطان.. ماشي.
قالها وزفر بحنق، وبدون أن تراه ابتسم بمكر وقال بداخل عقله: "ماشي يا صبا لما نشوف هتعملي إيه مع سيلينا".
وكان هناك من يتابعهم من خلف الزجاج المعتم.
قالت الفتاة الشقراء:
- هذه هي إذن ابنة شريكه التي تزوجها.
أجابها الآخر بصوته الأجش ذي البحة:
- أجل هي.. فهو يستحق لقب القيصر عن جدارة سواء بالعمل معنا أو اختياره لشريكة حياته.. يا لها من سيدة جميلة.
رمقته الفتاة بحنق وقالت:
- أنا أراها فتاة عادية مقارنة بالحسناوات اللاتي كانوا يرافقهن قبل أن يتزوج.
التفت الرجل إليها يحدق بها بنظرات غامضة وقال:
- وما سبب تلك الغيرة التي شعرت بها في حديثك سيلينا؟
ضحكت بسخرية وقالت:
- غيرة!!.. ولِمَ أغار عزيزي نيكلاوس؟
نيكلاوس، من أكبر تجار الأسلحة والذخيرة في روسيا على الرغم من صغر سنه، فهو في نفس عمر قصي تقريباً.
ابتسم بجانب فمه وقال:
- هل تظنين أنني لا أعلم ما كان يحدث بينكما!!
انتابها التوتر وقالت:
- بماذا تهذي يا رجل؟!
أمسك برسغها بقبضة قوية وقال:
- أرجو أن لا تقترفي حماقة في هذه المرة.. وإلا سأجعل رجالي يفعلون معكِ ما كنتم تريدونه منه دائماً.
اتسعت عيناها بصدمة، ترك يدها وقال:
- هيا انزلي لنستقبلهم.
***
فتحت الباب ليلج إلى داخل غرفتها، ثم ذهبت تجلس على المكتب أمام الحاسوب تتصفح الإنترنت، وبدون أن تنظر له قالت:
- نعم؟
أغلق الحاسوب بثنيه وقال:
- لما أكلمك تسيبي اللي في إيدك وتنتبهي ليا.
وقفت عاقدة ساعديها أمام صدرها وقالت بتهكم:
- وتتكلم معايا ليه؟ أنا أصلاً مش بكلمك ولا عايزة أكلمك.
زمجر بحنق وقال:
- ملك.. اتلمي وراعي إنك بتتكلمي مع أخوكي الكبير.
ضحكت بسخرية وقالت:
- أخويا لما أحس إنك حنين عليا، مش مع أول مشكلة تضربني بالقلم ومتسمعش ليا وتتحكم في حياتي.
قال يوسف بهدوء:
- طيب اقعدي عايز.. أتكلم معاكي.. مش هاخد من وقتك كتير كده كده أنا عايز أنام.
رضخت له وجلست على طرف تختها فجلس بجوارها لينظر إليها وجهاً لوجه، أمسك برأسها وقبل جبهتها وقال بنبرة اعتذار:
- حقك عليا أنا آسف إني مديت إيدي عليكي.. بس أنتي السبب.. قعدتي تستفزي فيا.
ردت ملك:
- أنت كمان استفزتني.. وبدخل في حياتي من غير ما تسمعني.
يوسف:
- بصي يا ملك من غير ما نقعد نفتح في مواضيع كتير.. أنا مقدر مشاعرك وكنت متوقع اللي هيحصل في يوم من الأيام بسبب قربه منك دايماً، ومصعب أي بنت تتمناه؛ إنسان محترم وراجل يعتمد عليه وشخصية تجذب أي حد يتعامل معاها.. بس ده مش كفاية.
ملك:
- أومال إيه المانع؟
يوسف:
- أنتي عارفة كويس.. وهقولهالك تاني ما بينكم فرق اجتماعي، يعني تقدري تقولي لي مصعب هيعرف يسكنك في قصر زي اللي عايشة فيه ده؟ بلاش قصر.. فيلا.. شقة في كمبوند حتى.. متقنعنيش إنك هتتجوزوا وتعيشي معاه في الأوضة اللي في البيت اللي جنب القصر!!
ملك:
- اللي بيحب حد يستحمل يعيش معاه لو في أوضة فوق السطح.
يوسف:
- ده كلام بنضحك بيه على نفسنا.. يا ملك الجواز مش كله حب في حب.. يعني أي اتنين بيحبوا بعض لازم يبقى فيه بينهم تفاهم تكافؤ يبقوا قريبين من بعض في كل حاجة.. إحنا بشر وكل واحد فينا ليه طاقة صبر.. يعني أنتي شوفي بتاخدي من بابا مصروف كام في الشهر؟ قد مرتب مصعب 10 أضعاف.. شوفي الفستان اللي بتشتريه بكام.. هل هتقدري تستغني عن كل ده وتعيشي على قد إمكانياته؟
ملك:
- ما هو يعني مش هيفضل يشتغل سكيورتي عند بابا.. يعني لما نتجوز ممكن يشتغل في الشركة.
يوسف:
- مصعب عمره ما هيوافق على حاجة زي كده.. أنا عارفه كويس.. هو ورث شغله ده أباً عن جد.. وعنده عزة نفس.. يا ريت تفكري في كلامي قبل ما تتسرعي.. يمكن أنا بكلمك بالعقل والمنطق.. لكن بابا لو حس بحاجة زي كده مش هقولك هيعمل إيه.. ساعتها مش هتلومي غير نفسك لما تحسي إنك أذيتي الإنسان اللي حبتيه.
ابتسمت بتهكم وقالت:
- من غير ما تقول خلاص كل حاجة انتهت قبل ما تبتدي.
قال بعدم فهم:
- مش فاهم؟
أجابت بتوتر وهي تنظر لأسفل:
- بصراحة روحت له المستشفى لما عرفت إنه تعبان.
تنهد يوسف وقال:
- تاني مرة متتكررش غير لما تقولي لي.. ومش عايزك تزعلي ولا تتضايقي بكرة هتقابلي الإنسان المناسب ليكي وساعتها هتحسي كأن حبك لمصعب مجرد تعود أو حب مراهقة.. وكفاية بقي عشان خلاص دماغي فصلت وهموت وأنام.. عايزة حاجة؟
ملك:
- شكراً.
يوسف:
- هسيبك أنا بقى.
قالها وغادر الغرفة.
***
ترجل من السيارة بعدما فتح له السائق وتبعته سيلينا التي كانت تمسد رسغها. يتقدم نحوه قصي وصبا، فتح نيكلاوس ذراعيه بترحاب وقال:
- مرحباً بالقيصر في بلادي.
عانقه قصي مبتسماً وقال:
- عزيزي كلاوس.. أخيراً يا رجل قد رأيتك.
كلاوس:
- أنت الذي لا تريد زيارتنا سوى في الصفقات والعمل فقط.
قصي:
- اعذرني فأنا مشغول كثيراً بأعمالي في مصر.
نظر الرجل إلى صبا بتفحص وقال:
- واضح كثيراً.. فالزواج قد جعلك نسيت أصدقاءك.
تجهم وجهه وهو يجز على فكه فابتسم بتصنع وقال:
- افعل مثلي وستري إنه أجمل شيء أن تعيش مع المرأة التي اخترتها بقلبك وعقلك.
ضحك كلاوس وقال:
- لا يا صديقي.. أتريدني أدفن نفسي حياً! فأنا كالطير أحب التحليق بحرية وبدون قيود حواء التي تعمل على تعاستك طوال الوقت.
قالت سيلينا وهي تمد يدها إلى قصي:
- هاي.. أهلاً بك أيها القيصر.
صافحها قصي وقال:
- أهلاً بك سيلينا.
نظرت سيلينا إليه ثم إلى صبا التي لم تفهم شيئاً من اللغة الروسية، فقالت:
- وكيف حالك؟
ضم صبا بذراعه وقال:
- كما ترين بخير وبسعادة.
قالت سيلينا بابتسامة مُصطنعة:
- على ما يبدو زوجتك لم تفهم الروسية.
قصي:
- أجل.
ثم نظر إلى صبا بجانبه وقال:
- حبيبتي ده يبقى صديقي ويعتبر من أكبر التجار المسيطرين في سوق السلاح بروسيا اسمه نيكلاوس وبنقول باختصار كلاوس.. ودي تبقى مديرة أعماله أو رفيقته سيلينا.
ابتسمت لهما وقالت بالإنجليزية:
- Welcome.
بادلها كلاوس الابتسامة ومد يده للمصافحة وقال بالإنجليزية:
- Welcome, My pretty Lady.
(أهلاً بك سيدتي الحسناء).
ابتسمت وقالت بدون أن تبادله المصافحة:
- Thanks.
قال قصي بابتسامة وبداخله فرحاً من ردة فعل زوجته:
- عفواً صديقي فزوجتي لا تصافح الرجال.
سحب كلاوس يده وقال:
- لا عليك أعلم العادات الشرقية لديكم.
تقدمت نحوها سيلينا وقالت:
- وبالنسبة للنساء فبالطبع لا تمانع.
قالتها وهي تجذبها من بين ذراع قصي المحاوطة لها لتعانقها بحدة متصنعة بالترحاب بها. ابتعدت صبا عنها مبتسمة لها بحنق.
قال كلاوس:
- هيا بنا لنذهب أم سنقضي يومنا في المطار!!
فتح السائق أبواب السيارة ليدلف جميعهم واحداً تلو الآخر، وبالداخل جلس كل ثنائي بجوار بعضهم البعض بالتقابل، فانطلقت بهما السيارة وخلفها سيارات الحراس السوداء وكأنه موكب.
***
فتحت هاتفها على الصور التي تجمعها به لتدمع عيناها وهي تتذكر مقابلتهم...
"فلاش باك"
قالت ملك:
- مصعب أنا مستعدة نتجوز ونهرب سوا مع بعض!!!
تجهمت ملامحه ليرمقها بغضب وقال:
- أنتي واعية للي بتقوليه ده؟
اقتربت منه وهي تمسك بيده وقالت:
- اه بتكلم بجد ومش بهزر.. أنا مستعدة أتحدى الدنيا كلها عشانك.. ولا بابا ولا يوسف ولا أي حد يقدر يقف قدام حبنا.
تألم قلبه لعبراتها وكلماتها فتصنع الجدية والصرامة ليدفع يدها بقوة من يده وقال:
- بطلي هبل واكبري شوية.
رمقته بصدمة وقالت:
- مشاعري وحبي ليك بقت هبل!!!.. بقولك هضحي بكل حاجة عشانك تقولي اكبري!!! يبقي أنت شايفني عيلة صغيرة صح؟
مصعب:
- اه شايفك طفلة وتفكيرك لسه محدود.. وأنا بصراحة معنديش استعداد أخسر شغلي مع عزيز بيه عشان علاقة تافهة.
تراجعت إلى الخلف لتجلس على أقرب مقعد لها غير مصدقة وقالت:
- أأ.. أنت بالتأكيد بتقولي كده عشان يوسف صح؟.. ما ترد عليا؟
عقد حاجبيه بتجهم وقال:
- أنتي عارفاني كويس مليش في الهزار.. وكفاية بقى ممكن تتفضلي من غير مطرود.. عايز أنام عشان تعبان.
أجهشت بالبكاء وهي تضع يدها على فمها وقالت:
- مبقاش أنا ملك البحيري لو مخلتكش تندم على كل كلمة جرحت قلبي بيها.
قال مصعب وهو يتحمل آلام قلبه وود لو جذبها إلى صدره وكفكف عبراتها، فقال بتصنع:
- اللي عندك اعمليه.. أنا مفيش حاجة بتفرق معايا غير شغلي وبس ووفائي وإخلاصي للراجل اللي لحم كتافي من خيره.
ركضت إلى الخارج وغادرت المشفى ودموعها رفيقتها حتى خرجت واستقلت السيارة لينطلق بها عم شكري عائداً إلى القصر.
"باك"
تحدق في صورته التي قامت بتكبيرها وقالت بتوعد:
- والله هخليك تتعذب زي ما عذبت قلبي بكلامك وأنانيتك.
قالتها لتبكي وهي تدفع الهاتف على الفراش بغضب.
***
سألت سيلينا وهي تمسك بكأس وزجاجة نبيذ من الرف المليء بقوارير الخمر والنبيذ:
- ماذا تريد أن تشرب عزيزي؟
أجابها قصي وقال:
- شكراً لك.. لا أريد.
سيلينا:
- وماذا عن زوجتك؟
قصي:
- هي لا تحب النبيذ.
ابتسمت بسخرية وقالت:
- لديها حق.. ومن الحمقاء التي تثمل ومعها القيصر!
لم يعرها قصي اهتماماً لكن رمقها كلاوس بحدة وقال:
- تعالي سيلينا.. اجلسي لا وقت للشراب.. فلدينا أعمال كثيرة.
طوال الطريق كانت تنظر من النافذة تستمتع بالمناظر الطبيعية والمنازل ذات الأسقف المنحدرة على الجانبين.
همس قصي بالقرب من أذنها:
- لسه سقعانة؟
أمسكت بيده مبتسمة وقالت:
- توء.. خلاص أنا حاسة بالدفا.
رمقها بمكر مبتسماً وقال:
- يا ترى إيه السبب؟
ابتسمت بخجل وقالت باستنكار:
- ممكن عشان إحنا في العربية.
رفع إحدى حاجبيه وقال:
- وبالنسبة لحضني ده مش مدفيكي!
همست بخجل:
- بس بقى صاحبك والبتاعة اللي معاه دي واخدين بالهم مننا.
ضحك من كلماتها وقال:
- بتاعة!
صبا:
- اه بتاعة.. بصراحة مش بلعاها خالص من ساعة ما ركبنا وهي مش منزلة عينيها من عليك.
قال قصي وهو يجذبها بذراعه ليحتويها:
- بعشق غيرتك عليا أوي.. وعلى فكرة أنا اتبسطت منك جداً لما مسلمتيش على كلاوس.
صبا:
- أنا مسلمتش عشان مكنتش مرتحاله مش أكتر.
رفع حاجبيه وقال:
- متأكدة؟
رمشت بأهدابها عدة مرات وقالت:
- بس بقى...
- هو إحنا هنوصل إمتى؟
قصي: خلاص 10 دقايق وهنكون في القلعة.
عقدت حاجبيها بتعجب وقالت: قلعة!!
قصي: كلاوس مجنون بالأماكن الأثرية... وبدل ما يشتري بيت بنى قلعة شبه اللي كانت موجودة زمان، حتى مداخلها ومخارجها والأوض كلها على الطراز المعماري القديم، وكأنك رجعتي عشر قرون لورا.
صبا: ياااه أول مرة أسمع عن كده.
قصي: ما تستغربيش أنتي في روسيا وياما هتشوفي العجب.
ابتسمت بتهكم وقالت: ما أنا شايفة قدامي أهو.
قالتها وهي تنظر إلي سيلينا التي ابتسمت لها ابتسامة صفراء، فبادلتها صبا إياها، ثم مالت برأسها على صدر قصي وقالت بنبرة دلال: قصي.
نظر إليها متعجبًا وقال: نعم!
صبا: أنا سقعانة.
علم أنها تريد إثارة حنق سيلينا التي ترمقهم بحقد، بينما كلاوس منشغل بالعمل على حاسوبه. فتح أزرار معطفه وجذبها من خصرها ليحملها ويجلسها فوق فخذيه، ويحتضنها يمسك بخصرها بيد ويده الأخرى على فخذيها.
قصي: كده لسه سقعانة؟
صبا: إيه اللي عملته ده؟ نزلني.
رمقها بمكر وقال: حبيبتي سقعانة ولازم أدفيها، ولما نوصل بالسلامة هخليها ما تحسش بالسقعة خالص.
قالها وهو يعض بأسنانه على شفته السفلى.
لكزته في كتفه وقالت: بطل قلة أدب.
ضحك وقال: خلاص هروح لسيلينا يمكن سقعانة ولا حاجة ومحتاجة لدفا.
رمقته بنظرات نارية وقالت: وقتها هدفيك أنت وهي وأنا بولع فيكو إن شاء الله.
ضحك وهو يضمها أكثر لتدفن وجهها في صدره بخجل.
***
في يوم جديد...
تفتح ستائر غرفته المعتمة لتلج أشعة الشمس وتتسلط على وجهه، ليعقد حاجبيه بضيق يعتصر عينيه.
ياسين بضجر: يووووه اقفلي الستاير دي وسيبيني أنام.
اقتربت جيهان منه وهي تجذب الغطاء وتصيح به: قوم يا أستاذ إحنا بقينا بعد الضهر وحضرتك لسه نايم.
ياسين: عايزة مني إيه لو صحيت يعني؟
جيهان: كنت فين من إمبارح وراجع سكران وقت الفجر؟
نهض بجذعه وهو يحك عينيه بيديه وقال: ومين بقى اللي قالك كنت سكران؟
جيهان: هو ده كل اللي همك!
ياسين: أبوس إيدك سيبيني أنام، أنا تعبان ودماغي هتنفجر من الصداع.
جيهان: مش هسيبك غير لما تجاوب على سؤالي.
تأفف بحنق وقال بسأم وسخرية: أووووف بقى... كنت رايح أشوف السنتر اللي ولع بكل اللي فيه ومستقبلي ضاع.
قالها فاتسعت عيناها بصدمة وقالت: إزاي ده حصل!! وما قولتلناش ليه؟
أجابها بتهكم: يعني لو قلتلكو هتعملولي إيه... طبعًا بابا أول ما هيعرف هيقولي الجملة اللي حفظتها أكتر من اسمي... أنت فاشل ومش فالح غير إنك تعيش عالة على أبوك.
جيهان: هو عايزك راجل تعتمد على نفسك وتبقى قد المسئولية، عندك أخوك الكبير من وهو بيدرس بيشتغل معاه في الشركة، ويوسف ما شاء الله دكتور، ويونس نمى موهبته بنفسه وبقى صاحب جاليري، ومفيش حد فيهم اعتمد على ثروة باباك.
زفر بضيق ثم ابتسم بسخرية: وأديكي شوفتي يوم ما عملت مشروع أبدأ بيه حياتي حصل فيه إيه.
جيهان: ومش دي النهاية، ولو استسلمت من أولها يبقى ولا هتتقدم خطوة لقدام.
أجاب بسخرية: لأ هعمل مشروع من أول وجديد وأنسى الكام مليون اللي بقوا رماد وكلام بابا اللي لسه هسمعه... وعادي بقى ولا كأن حاجة حصلت.. صح!!
جيهان: تصدق إن أنا غلطانة بواسيك وبشجعك، فعلاً باباك كان عنده حق... بس دي غلطتي أنا اللي دلعتك.. بس من هنا ورايح تعاملك هيبقى مع باباك وما دخلنيش وسيط تاني ما بينكو، أنت فاهم؟
قالتها بحنق وغادرت الغرفة وهي تغلق الباب خلفها. شعرت بألم يداهمها، رأتها سميرة فركضت نحوها وقالت: مالك يا جيهان هانم ألف سلامة عليكي.
تحاملت الألم وهي تجز على شفتيها ثم قالت: مفيش شوية صداع مش أكتر.
سميرة بقلق: أجيب لحضرتك مسكن؟
جيهان: ياريت هاتيهولي على أوضتي.
سميرة: حاضر.
ذهبت سميرة لجلب المسكن.
***
في الدولة الرومانية سابقًا... وإيطاليا حاليًا.
يجلسان أمام كاتب العدل الخاص بالأحوال الشخصية لغير الإيطاليين، يرتدي بدلة سوداء أنيقة، وهي ترتدي ثوبًا أبيض أنيقًا، مصففة خصلات شعرها بشكل أنيق وبجوار أذنها زهرة بيضاء تشبه قلبها الصافي وروحها الملائكية.
الكاتب: هل تقبلين السيد يونس عزيز حكيم البحيري زوجًا لك؟
ابتسمت وهو يمسك يدها وقالت: أجل.
ثم نظر إلي يونس وقال: هل تقبل الآنسة كارين رسلان يزيد العزازي زوجة لك؟
ابتسم يونس بفرحة غامرة وقال: أجل.
الكاتب: أعلن الآن إنكما أصبحتم زوج وزوجة.. مبارك لكما وأتمنى لكم حياة زوجية سعيدة.
كارين: شكرًا لك.
يونس: شكرًا لك.
نهض يونس ممسكًا بيديها لتقف أمامه مبتسمة بخجل فقال: مبروك يا روحي.
كارين: مبروك يا حبيبي.
فقام بمعانقتها وتقبيل شفتيها ثم جبهتها ويديها وقال: ربنا ما يحرمني منك أبدًا.
كارين: ويخليك ليا يا روحي.
أثنى ساعده لتمسك به وغادرا المكتب معًا... ليجدوا في انتظارهم بالخارج رجلاً وسيدة في الخمسينات.
الرجل: ألف ألف مبروك يا ولاد.
كارين ويونس: الله يبارك في حضرتك.
عانقتها السيدة وقالت: ألف مبروك يا حبيبتي وربنا يسعدكم دايماً.
كارين: تسلمي يا طنط قسمت.
الرجل: يلا عشان زمان البيت جهز ومستني بس إنكو تشرفوه يا عرسان.
يونس: مش عارف أشكر حضرتك إزاي يا أستاذ موسى... أنا حاسس كأنك والدي بالظبط.
موسى: أنا وقسمت اتحرمنا من الخلفة بس ربنا عوضنا بيكو، وما تتصوروش فرحتنا بيكو النهاردة.
قسمت: أنا كان نفسي أجرب إحساس لما أسلم بنتي لعريسها... ربنا ما حرمنيش من اللحظة دي... خد بالك منها يا يونس... دي جوهرة شيلها جوه عينيك.
يونس وهو يجذبها من خصرها بجواره قال: دي جوه قلبي وروحي مش بس عينيا.
ابتسمت قسمت وقالت: ربنا يسعدكم ويحميكم ويبعد عنكو الشيطان.
يونس وكارين: آمين.
انطلقت بهم السيارة ذات السقف المكشوف، معلق بمقابض أبوابها بالونات ملونة تتطاير إلي الخلف... يضمها إلي صدره ويقبل رأسها ويدها المتشابكة مع يده... محلقة قلوبهم بسعادة وحب.
وحين وصلت السيارة، ترجل يونس منها ليقوم بحمل كارين على ذراعيه واتجه نحو المنزل الذي تقع خلفه حديقة. تصاعدت موسيقى بصوت مدوٍ، عقد كل منهما حاجبيه بتعجب عندما سمع أغنية باللهجة العربية (أغنية مبروك للفنان رامي عياش).
يونس: الصوت ده من مكان قريب.
كارين: ده جاي من ورا البيت... تعالى نشوف.
قالتها وهي تمسك بيده وترفع ثوبها قليلاً لتذهب بخطوات سريعة.
***
وفي الرواق كانت علا تختبئ بعدما استرقت السمع إلي حوار جيهان وياسين، ابتسمت بشماتة وقالت بداخل عقلها: لما أروح أشوف الهبلة اللي صدقت إنها تتجوز ابن أسيادها.
- واقفة عندك بتعملي إيه؟
قالتها ياسمين فشهقت علا وقالت: يخرب بيتك خضتيني.
ياسمين: طيب تعالي يا أختي قبل ما مدام سميرة تسمعنا كلمتين.
علا وهي تجذبها نحو غرفة يونس قالت: تعالي عندي ليكي أخبار مش عارفة أقولهالك إزاي.
تنهدت ياسمين وقالت: خير!!
علا بتصنع الحزن قالت: السنتر اللي كان هيفتتحه ياسين بيه اتحرق.
شهقت ياسمين بصدمة وهي تضرب بكفها على صدرها وصاحت: يا نهار أسود!!
علا: وطي حسك يخرب عقلك.
ياسمين: أنا لازم أروحله وأواسيه، زمانه زعلان أوي ده كان حلمه اللي عايز يحققه.
علا بنبرة خبث قالت: أيوه طبعًا ده أنتي لازم تحتويه الفترة دي عشان بالتأكيد محتاجلك.
ياسمين: ما أنا كده كده لازم أطمن عليه.
علا: أنا قصدي مش بالكلام يا عبيطة.
ياسمين: أومال تقصدي إيه!!
ابتسمت بمكر وقالت: أول ما تشوفيه خديه في حضنك زي العيل الصغير وطبطبي عليه.
صاحت بغضب وقالت: إيه اللي بتقوليه ده!!
وضعت كفها على فمها وقالت: صوتك الله يحرقك هتفضحينا.
ياسمين: علا أرجوكي بلاش نصايحك اللي كلها غلط في غلط وتودي في داهية... وبعدين ده واحد آخر مرة طردني من أوضته من غير ما أعمله حاجة، ولو رحتله دلوقتي عشان هطمن عليه وبس.
قالت علا بنبرة خبث ودهاء: هتفضلي طول عمرك عبيطة وهبلة.. أنتي ناسية إنه قالك إن بعد افتتاح السنتر هيقول لأبوه إنه عايز يخطبك!!
ياسمين وهي تتذكر قالت: اه فعلاً قالي كده.. يا خوفي لـ...
قاطعتها علا وقالت: أيوه اللي بتفكري فيه ده اللي هيحصل، طبعًا غير عزيز بيه لما يعرف باللي حصل في السنتر والفلوس اللي دفعهاله راحت على الأرض هيبهدله وهيطلع عينه.
ياسمين: طيب والعمل دلوقتي؟
علا: استخدمي معاه أسلوب شوق ولا تدوق... يعني اعملي زي ما قولتلك وفي نفس الوقت ما تخليهوش يطول منك حاجة، وبكده تضمني إنه مش هيسيبك وهيفضل متمسك بيكي أكتر... اسأليني أنا.
حدقت ياسمين في الفراغ وقالت: ربنا يستر.
***
تفاجأ كلاهما بانتظار السيد موسى والسيدة قسمت وبعض الجيران لهم، قد صنعوا الزينة ووضعوا طاولات ومقاعد وحلوى وبعض الأكلات الخفيفة والعصائر.
ركضت مجموعة من الفتيات الصغار وأمسكن يد كل من يونس وكارين وجعلوهما يقفان أمام بعضهما، وصنعوا دائرة يلتفون حولهم يتراقصون.
ضحك كلاهما بفرحة عارمة ليمسك بيديها ويتراقصا معًا على موسيقى الأغنية وبعض الأغاني الإيطالية المرحة التي تجعلك تتراقص وأنت تقفز بفرح وسعادة من قلبك.
هدأت الموسيقى... لتبدأ موسيقى أخرى هادئة وكانت الأغنية الشهيرة من فيلم (The Legend of Zorro).
انتهت الرقصة فاقتربت السيدة قسمت منهما وهي تحمل صينية صغيرة مليئة بالزينة بالورود الحمراء والبيضاء يتوسطها علبة صغيرة مغلفة بالمخمل الأزرق.
قسمت: اتفضل يا عريس لبّس عروستك الخاتم.
رمقها يونس بتعجب.
كارين: ده خاتم ماما الله يرحمها واللي جنبه خاتم بابا الله يرحمه بتوع جوازهم.
يونس: بس يا حبيبتي المفروض أنا اللي أجيبلك الخاتم.
كارين: أنا من زمان وواخدة عهد على نفسي إن يوم ما هتجوز من اللي بحبه هلبس خاتم ماما وهو هيلبس خاتم بابا.
يونس: الله يرحمهم يا حبيبتي.
أخذ الخاتم الألماسي ووضعه بإصبعها البنصر بيدها اليسرى وقام بتقبيل يدها، وهي أيضًا أخذت خاتم والدها الفضي يتوسطه حجر الياقوت الباهظ ووضعته بإصبعه، وأمسكت براحة يده لتضعها على وجنتها وقبلته بداخل كفه وهي تبتسم له بحب.
جذبها بعناق قوي وقام بتقبيلها أمام كل الحاضرين، ليصفق الجميع بصفير وهتافات تهنئة ومباركات، والسيدة قسمت تلقي عليهم أوراق أزهار الجوري.
تقدمت نحوهم فتاة صغيرة بيدها طبق حلوى وشوكة واحدة.
نظر إليها يونس مبتسمًا.
فقالت كارين بخجل: هنا من العادات بعد ما بيلبسوا الخواتم العريس والعروسة بياكلوا من طبق واحد وشوكة واحدة... زي ما بيعملوا عندنا في مصر.
غمز لها بإحدى عينيه وقال: مستعدة؟
ابتسمت بخجل ولم تجب.. تناول الشوكة ووضع بها قطعة حلوى صغيرة للغاية... فقال: افتحي بؤك.
كارين: إيه ده دي صغيرة أوي.
يونس: ما أنتي اللي هتاكليها.
رمقته بتساؤل مبتسمة... فأردف: كليها عشان خاطري.
فتحت فمها لتلتقم قطعة الحلوى، وقبل أن تغلق شفتيها قام بتقبيلها وهو يلتقط بلسانه قطعة الحلوى من فمها ليتذوقها باستمتاع وقال: أحلى قطعة كيك بطعم الكريز.
لكزته في صدره بخجل.
ليفاجئها بحمله لها على ذراعيه، وقال بصوت جهوري بالإيطالية:
- شكرًا لكم جميعًا على هذا الحفل الرائع.
أجابه الحضور:
- تهانينا لكما وزواج مبارك.
رواية صراع الذئاب الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم ولاء رفعت علي
ذهب إلي المنزل الريفي المعد لهما ... أنزلها ليفتح الباب بالمفتاح ... ثم حملها مرة أخري وأغلق الباب بقدمه
المنزل من الداخل كمعظم المنازل الريفيه الأوربية يتكون من طابقين الأول به ردهة ذات مساحة طولية ومطبخ مطل عليها وبالطابق الثاني غرف النوم والمرحاض وبالأعلي ماتسمي بالعلية أو السندرة
أتجه نحو الدرج الخشبي المزين بالورود ... وصل أمام الغرفه ليدفع الباب بكتفه وهي متشبثة به بخجل تجز ع شفتيها
الغرفة أكثر من رائعة مزينة بالشموع المضيئة وأوراق الورد ع الفراش بشكل قلب وبداخله ثياب مطوية لها وله قد وضعتهم السيدة قسمت لهما
أنزلها برفق وهي بين زراعيه
_ بعشقك ... همس يونس بها أمام شفتيها
_ بموت فيك يا فنان ... قالتها بإبتسامة مغناج جعلته ينهال ع شفتيها بعشق ... ويده تتداعب خصلات شعرها ليجذب تلك الزهرة وألقاها ع التخت وقام بفك ملاقط الشعر المنغرزة بخصلاتها يسحبها واحدة تلو الأخري لتنسدل خصلاتها ذات لون العسل الصافي مثل لون عينيها
أبتعدت بعدما أنقطع عنها الهواء فألتقطت أنفاسها وقالت :
عن إذنك هغير هدومي ... قالتها وهي تنحني نحو الفراش لتمسك بالثياب ... جذبها من خصرها ليلتصق ظهرها بصدره وقال وهو يهمس لدي عنقها وكتفها العاري :
متلبسيش حاجة
قالها وأخذ عنقها بين شفتيه بقبلات حانية
أنتفض جسدها من أثر قبلاته فألتفت لتصبح أمامه وقالت بخجل :
يونس
دفن وجهه ف عنقها وأكمل تقبيلها فقال بدون أن يتفوه :
أممم
كارين : أأ أ أنا مكسوفه أوي
أبتعد برأسه وهي مابين زراعيه قال :
أنا جوزك حبيبك ياروحي ... مكسوفه مني ؟؟
أومأت له وقالت : اه مكسوفه ... وكمان خايفة
ضمها إليه بحنان وهو يمسد ع ظهرها وقال :
متخافيش من أي حاجه طول ما أنا معاكي ... أنا عارف أي الي جواكي ... كان نفسك أخوكي يشاركك فرحتك صح
أجابته وهي تدفن وجهها ف صدره وقالت :
قصي مش أخويا وبس ده بالنسبه ليا الأب والأخ وبعتبره مسئول مني كأنه أبني
قال بمزاح وحزن مصتنع : لاء أنا كده هزعل وهاجيب ناس تزعل تعالو اشهدوا ياناس مراتي ف ليلة دخلتنا بتقولي أخويا كل حاجة ليا وأنا أبقي أي سد خانه يعني !!
قهقهت بدلال وقالت :
أنت بتغير ولا أي ؟؟
يونس: اه طبعا لأن أنا الي كل حاجه ليكي ... حبيبك ... قالها وقبلها ف جبهتها .. و جوزك ... ثم عينيها ... وأخوكي ... ثم وجنتها ... وأبوكي ... ثم وجنتها الأخري ... و إبنك ... ثم أنفها ... و عشيقك الي دايب ف هواكي وعاشق التراب الي بتمشي عليه ... قال الأخيرة ليرتشف رحيق شفتيها بنهم وهي بين زراعيه كقطعة الهلام التي تتراخي من قبلاته ولمسات أنامله ع زراعيها وكتفيها العاريين ... لتتسلل أنامله إلي سحاب ثوبها وأنزله ببطئ وهو يقبل كل إنش بوجهها ... مددها ع ظهرها ع الفراش وهو يحدق بعينيها بعشق ووله وأضواء الشموع تتراقص من حولهم تخلق لهم أجواء رومانسية لامثيل لها ... خلع سترته ورابطة عنقه ... ليجلس ع الأرض بركبتيه وأمسك بقدمها وخلع حذائها ووضعه جانبا ... أنحني بشفتيه لدي كاحلها وقام بتقبيله
_ بتعمل أي ياحبيبي ؟؟؟ ... تساءلت بإندهاش من مافعله للتو
رمقها بنظرات ثملة من العشق وقال : بعشقك بجنون ياكارين
حاوطت وجهه بكفيها وقالت :
أنا الي بحبك وبعشقك أوي يا يونس ومش عايزة أي حاجة تاني من الدنيا
يونس: يااااه عمري ماكنت أتصور إن هاحب وأعشق بالشكل ده أول ما شوفتك سجنتي قلبي وعقلي وقفلتي عليهم ... وكنت كل ماتبعدي عني بحس بالموت وروحي بتتسحب مني بالبطئ
كارين : بعد الشر عليك يا قلبي ... أنا عمري ما هابعد عنك تاني ولو خيروني مابين روحي وأنت هختارك أنت لأنك روحي
يونس: أنتي أميرتي وملكة قلبي وحياتي
كارين : وأنا ملكك ومابين إيديك يا حبيبي
وإن تفوهت بتلك الكلمات لتشعل بداخله عشقا جامح ... ليأخذها معه ف مملكة فوق السحاب يذيقها الحب بكل أنواعه ... يجعلها تسبح ف بحور عشقه متلاحمة قلوبهم وأرواحهم كأجسادهم المتناغمه ع ألحان العشق الوردي .
************************************************
_ مر يومان بدون أن يتحدثان مع بعضهما ... كل منهما يمكث بغرفته متجنبا الأخر ... خرج من الغرفة وهو يشعر بالجوع ... ذهب إلي المطبخ ليجد إنها قد تركت بعض الطعام فقام بتناول ملعقة منه متلذذا بإستمتاع .. بحث عن خبز ليجد رغيفا مازال طازجا بداخل كيس بلاستيكي أخذه ليتناول الطعام بنهم
وهي بالداخل سمعت صوت في المطبخ ... خرجت بدون إصدار صوت لتجده يلتهم الطعام ولايلاحظ وجودها إبتسمت رغما عنها... لكن تلاشت إبتسامتها حينما رأها فترك الخبز بتأفف وقال :
الحمدلله
غسل يده ليعود إلي غرفته صافقا الباب بقوة وكأن ليس لها وجود
زفرت بحنق وقالت من بين أسنانها : هو أنا هافضل ع الحال ده لأمتي !! مابدهاش بقي والله لأنكد عليك زي ما أنت حارق دمي
قالتها خديجة وطرقت ع باب غرفته بعنف ... فصاح من الداخل :
عايزة أي ؟
خديجة : أفتح عايزه أتكلم معاك
أجابها ببرود : وأنا مش عايز
ضيقت عينيها وقالت بصوت يكاد مسموعا : أنا هخليك تفتح غصب عنك
فأردفت بصوت مرتفع وبنبرة إستفزازية : هتفتح يا آدم ومش بمزاجكك لإما هلم حاجتي وهسيبلك الشاليه وهارجع ع بيت أبويا الله يرحمه
قالتها وإبتسمت بإنتصار عندما سمعت صوت خطواته من الداخل ... فتح الباب بغضب فكادت تبتعد ليجذبها من يدها وقال :
عيدي الي قولتيه كده تاني
قالها مشيرا إليها بيده بالتكرار
رفعت إحدي حاجبيها بقوة وتحدي قالت : زي ماسمعت بالظبط
آدم : شايفه الباب الي هناك ده ... أشار نحو باب المنزل ... رجلك لو خطت بره مش هقولك ع الي هاعمله فيكي ساعتها لأن أنا جبت أخري معاكي
سحبت يدها من قبضته وصاحت به :
ماهي دي مبقتش عيشه أنت مش متجوزني عشان تحرق ف دمي يا إما تعتبرني خيال ف البيت وعمال تهددني فاكرني هخاف منك يعني ... وأنت لو جبت أخرك معايا ... أنا بقي خلاص فاض بيا منك ومبقتش مستحمله
تصاعدت أنفاسه ليضرب الحائط المجاوره لها بقبضته فأرتعبت ولم تظهر ذلك
أغمض عينيه وهو يهدأ من ثورة غضبه وقال : أعملي حسابك من النجمه هاتكوني جاهزة عشان هانروح ع شقتنا ... خلاص؟؟
أجابته بتهكم : أصدك السجن الي مجهزه لي ... وأنا مش هاروح ع الشقة أنا هاروح أعيش ف القصر
صاح بحزم وصرامه : وأنا بقول لاء ... وأظن ده كان شرطي وقت ما تقدمتلك ولا نسيتي؟
صاحت بغضب :
وأنا والله العظيم ما رايحه معاك ع الشقه دي ولو مش عجبك كل واحد يروح لحاله
أسكتها بصفعة قويه ... تسمرت ف مكانها تضع يدها ع آثر الصفعه ... عاد إلي غرفته ليأخذ هاتفه وغادر المنزل هربا من ما فعله للتو .
أنتابتها حالة بكاء هستيري لتقذف كل ما يقابلها من تحف ومقاعد حتي لم تتحمل ساقيها الوقوف فجلست ع الأرض تضم ركبتيها إلي صدرها وتستند بجبهتها فوقهما وهي تردد : يارب .. يارب .. ألهمني الصبر يارب
******************************************
_ في منزل عائلة عادل ...
تتسحب ع أطراف أناملها بدون أن تصدر صوت ... تمسك بحقيبة صغيرة وضعت بها كل مايلزمها وبعض الثياب ومشغولاتها الذهبية ... فتحت باب المنزل بهدوء ثم غادرت مسرعه بدون أن تغلقه حتي لا يصدر صوتا وتستيقظ تلك الحيزبون عديلة التي كانت تغط ف النوم حينها ...
أستقلت (توكتوك ) من أمام البناء وقالت : أطلع ياسطا ع محطة المترو بسرعه
وصلت إلي محطة القطار وأعطت للسائق الأجرة ونزلت مسرعة إلي الداخل ... قامت بشراء تذكرة لتعبر الماكينة وهي تتلفت من حولها خشية أن يراها أحدا من أهل الحارة وخاصة معارف علاء أو علاء نفسه الذي كان مسافرا حينها إلي العمل ف شرم الشيخ وفاتن كانت تمكث مع خالتها المطلقة كما أمرتها والدتها رغما عنها
أنتظرت القطار الذي يذهب إلي إتجاه مدينة حلوان فولجت إلي الداخل ... وجلست ع إحدي المقاعد الشاغرة ... أخرجت هاتفها لتهاتف جدتها التي تقطن بإحدي الأحياء الشعبية بالمعصرة ...
رحمة : الو ياتيتا
الجدة : مين معايا؟
رحمة : أنا رحمة ياتيتا
الجدة : أهلا يابنتي وحشتيني .. أخيرا أفتكرتي إن ليكي جده تسألي عليها
رحمة : متزعليش مني ... أنا جايلك هاقعد معاكي عندك ف المعصرة
الجدة :بس أنا مش ف المعصرة أنا سافرت بقالي 3 شهور وقاعدة ف البلد ... ما هو لو كنتو بتسألو أنتي وامك وأخوكي كنتو هاتعرفو
زفرت بسأم فقالت : حقك عليا ياتيتا ... أنا هابقي أسأل عليكي
الجدة : لما نشوف ... أنتي كنتي جايه لي ليه ؟
أبتسمت بتهكم وقالت : كنت جاية أطمن عليكي متشغليش بالك ... عايزة حاجة ؟
الجدة : تسلمي يا حبيبتي ... ابقي قولي لأمك تسأل عليا
رحمة : حاضر إن شاء الله .. مع السلامة ... أغلقت المكالمة لتشعر وكأن الدنيا تقبض ع نحرها .... فلا ملجأ لها سوي شخص واحد
أخرجت من حقيبتها البطاقة الورقية التي أعطاها لها لتهاتفه
رحمة : الو أزيك يا أستاذ إيهاب أنا رحمة ...
*****************************************
رن جرس المنزل ... فنهضت لتري من بالخارج وهي تمسح عبراتها تناولت إسدال الصلاه لترتديه بسرعه وفتحت الباب
_ مساء الخير ع الحلويين ... قالتها حياه
خديجة : مساء النور ... أتفضلي
حياه : ميرسي يا ديجا أنا لاقيتك مش بتخرجي قولت أطمن عليكي وجيبالك معايا حاجه كده من عمايل إيديا يارب تعجبك ...
أعطتها طبق مغلف بورق الألومنيوم
أردفت : دي كنافة بالمانجا بس بتكاتي الخاصة كوليها وهتدعيلي
خديجة : ميرسي يا أم آسر تسلم إيدك
حياة : أي أم آسر دي! قوليلي ياتوتا ده دلعي المفضل والي بحب الكل يناديني بيه
وقعت عينيها ع الردهة المقلوب بها الأشياء رأسا ع عقب ... فأندفعت إلي الداخل وأردفت : أي ده ؟
قالت خديجة بتوتر :
دد ده كان فار دخل الشاليه وقعدت أجري وراه و....
قاطعتها حياه وهي محدقه بوجهها وقالت :
أنا آسفه ع تدخلي بس ممكن تعتبريني زي أختك وتفضفضيلي ... جوزك الي عمل كده ؟
أشارت إلي آثار أنامله ع وجنتها
خديجة بخجل قالت :
معلش يا مدام حياه ... دي حاجه خاصة مابيني وبين جوزي
شعرت بالإحراج وقالت :
سوري ... أنا كان أصدي أخفف عنك . عن إذنك
قالتها وغادرت ع الفور
أغلقت خديجة الباب لتعود إلي غرفتها وفجاءة أنقطع التيار الكهربائي فشعرت بقليل من الخوف يتسلل إليها ... أخذت تقرأ المعوذات الثلاث وبعض الأدعية ... تذكرت هاتفها... سارت نحو التخت بحذر حتي لاتتعثر ف شئ فوجدته لكن فارغ الشحن ... تنهدت بضيق فقالت :
أنا هاخرج أستناه أدام الشاليه عقبال مايجي
_ وفي منزل حياة عادت لتجد شقيقها ف إنتظارها وقال :
كنتي فين إبنك صدعلي دماغي لحد ما نام
لم تجيب عليه حيث كانت شارده
صاح ف وجهها وقال : حياااااه
أنتبهت له وقالت : بتزعئ ليه ما أنا أدامك أهو
آسر : بكلمك وأنتي متنحه للهوا .. روحتي فين ؟؟
حياه : فاكر البنت العروسة الي عرفتك عليها من يومين
خفق قلبه ... فكثيرا كان يخرج إلي الشاطئ ليراها ويقترب من منزلها ليتأكد من وجودها أم عادو إلي القاهرة
قال بإهتمام وإنصات : خير مالها ؟؟
حياه : كنت عندها بطمن عليها لاقيت الدنيا مقلوبة عندها ف الشاليه وشه محمر وعليه علامات صوابع ع الأغلب جوزها ضربها وشكله متخانق معاها
جز ع فكه وقبضته وقال باللهفه :
وهي عامله أي دلوقت ؟
حياه بتعجب من إهتمامه المبالغ فيه قالت :
وعايز تعرف ليه !!
زفر بحنق وقال : مش سيادتك بتحكيلي وأنا بسمع لك !! بطلي ذكاء
حياه : هي كويسه بس يا حرام صعبانه عليا شكلها كانت مقهوره من العياط
تركها آسر وبدون أن يتفوه غادر ع الفور ...
ليزداد اندهاش شقيقته وقالت:
وده رايح ع فين؟
استيقظ الصغير وقال مناديًا:
خالو يا خالو!
بداخل القلعة التي شيدها نيكلاوس بالقرب من سلاسل جبال ستانوفوي بروسيا، حيث الطقس المعتدل الذي يبعد عن الثلوج والصقيع.
يقيم كلاوس حفلًا بمناسبة الصفقة التي أتمها مع القيصر، بداخل ساحة شاسعة مخصصة للحفلات. فالقلعة مبنية على طراز قلاع القرون الوسطى، حيث يحيطها حصن منيع يقف بأعلاه ومن حوله العديد من الحراس يحمل كل منهم سلاحًا آليًا وأعينهم ثاقبة كالصقر. بينما بالداخل الكثير من الأروقة تؤدي إلى الغرف ومثلها الطابق الثاني والثالث وهناك مصاعد كهربائية. وفي الطابق الثالث تقع الغرفة التي يمكث بها قصي وصبا.
ارتدت ثوبًا من الحرير الأسود مرصعًا بالكريستال الذهبي به سحاب بطول الظهر، حاولت إغلاقه فلم تستطع فعلها. وكان هو يرتدي قميصه الأسود ويغلق أزرار معصميه. لاحظ محاولتها في إغلاق السحاب فاقترب منها وقال:
استني هقفلهالك.
قالت بخجل:
لا لا.. أنا هاعرف.
قالتها وكأنه لم يستمع إليها، لتجده أمسك بيديها ووضعهما على صدره محدقًا في عينيها قائلًا:
أنا هقفل لك سوستة الفستان وأنتِ اقفلي لي زراير القميص واربطي لي الكرافت.
ابتعدت عنه وقالت:
شكرًا.. مش عايزة. أنا افتكرت حبل التقفيل جايباه معايا.
قالتها لتخرج من حقيبة ثيابها حبلًا بنهايته مشبك يمسك بالسحاب، ثم تسحب الحبل لأعلى لينغلق السحاب تمامًا.
رمقها بحنق، فكلما يقترب منها تبتعد عنه، لكن أمام كلاوس وسيلينا تتصنع الرومانسية والحب معه.
رفعت ساقها فوق المقعد ورفعت الثوب إلى منتصف فخذها لترتدي جوربًا شفافًا بلون جسدها البض المرمري. ترى نظراته المحدقة بها من طرف عينيها وهو يكمل إغلاق أزرار قميصه بعدم اهتمام، تاركًا أول ثلاثة مفتوحة. ثم وضع رابطة العنق متدلية حول رقبته بدون أن يعقدها وارتدى سترته وقال:
يلا عشان اتأخرنا عليهم.
ألقت نظرة على مظهرها المهندم وشعرها الذي صففته على هيئة جديلة فرنسية ويحاوط وجهها خصلات متدلية. وضعت أحمر شفاه باللون القرمزي. وقالت:
يلا أنا جاهزة.
رمقته بصدمة وقالت:
إيه ده؟ أنت نازل كده؟!
أجابها قائلًا:
آه هنزل كده.. وبعدين تعالي إيه اللي أنتِ حطاه على شفايفك ده!
اقتربت منه وهمست بجوار أذنه وقالت بسخرية:
ده اسمه روج يا روحي.. عن إذنك.
قالتها وأسرعت بالمغادرة قبل أن يلحق بها. زفر بغضب وجز على فكه وهو يكور قبضته، قال بتوعد:
ماشي يا صبا.. استحملي بقى أنتِ اللي جبتيه لنفسك.
خرج من الغرفة فوجد سيلينا التي تصنعت المصادفة تخرج من الغرفة المجاورة.
أوه.. ألم تنزل بعد إلى الحفل؟ قالتها سيلينا.
قصي: ماذا ترى عيناك الآن!
اقتربت منه للغاية فقالت:
وأين هي زوجتك؟
قصي: سبقتني إلى الحفل.
جذبت رابطة عنقه وقالت:
هل تسمح لي بإغلاق أزرار قميصك وأعقد لك هذه؟
قالتها وهي تضع يدها على صدره والأخرى تمسك بها الرابطة.
ابتسم بمكر وقال:
تفضلي إذن.
حدقت بعينيه وهي ترمقه بنظرات إغراء، تغلق له أزرار قميصه العليا وهي تتعمد ملامسة صدره المتصلب بأناملها. أمسكت رابطة العنق وقامت بعقدها ثم وضعتها حول تلابيب قميصه بشكل أنيق. أخذت لمساتها ترتفع من عنقه إلى عظام فكه وهي تقترب بأنفاسها تريد تقبيله برغبة جامحة. قبض على يديها وأنزلها وقال بنبرة تحذير:
إياك وتكررينها مرة أخرى.
ابتلعت ريقها بتوتر وقالت:
أتهددني!
رمقها بنظرات حادة وقال:
إني أحذرك.
لكزته بكتفها في كتفه وقالت:
كما تريد يا قيصر.. فأنت الخاسر.
قالتها وتركته لتولج إلى المصعد لتهبط إلى الحفل.
وقفت تنتظره بالأسفل وسط الكثير من الحاضرين. ليأتي نحوها كلاوس يمسك بكأس من الخمر يرتشف منه فقال بالإنجليزية:
(الحوار مترجم)
لما تقف سيدتي الجميلة بمفردها؟
ابتسمت له مجاملة وقالت:
أنتظر زوجي.
رمقها بتفحص وقال:
ما أجمل اللون الأسود على بشرتك.
توترت كثيرًا فقالت:
شكرًا.
ترك كأسه على الطاولة المجاورة له ومد يده إليها وقال:
هل تسمحين لي بهذه الرقصة عزيزتي؟
نظرت باندهاش وقالت:
عفوًا أنا لم.....
لم تكمل جملتها حيث جذبها من يديها إلى ساحة الرقص. لتبدأ الموسيقى الروسية الهادئة وتنخفض الإضاءة وتتسلط بقعة من الضوء عليهما. حاوط خصرها بيديه بعدما وضع يديها فوق كتفه، كلما تهم بالابتعاد قدميها لم تتحرك، حيث كلاوس ذو عينين حادتين نظراتهما مرعبة تجعلك تذعن لأوامره بدون تفكير.
أخذ يراقصها كالفراشة بين يديه وهي كالمنومة مغناطيسيًا لا تشعر بما حولها.
وصل إلى الحفل يبحث عنها.
هي محلقة بين يديه الآن بساحة الرقص.... قالتها سيلينا بنظرات انتصار وشماتة، فهي تعلم مدى غيرته الشديدة على زوجته. وفي طريقه إليهم وقف أمامه النادل الذي يوزع الخمر، فألقى قصي الصينية بغضب لتقع الكؤوس على الأرض وتتحطم. وصل إلى الساحة وحينها توقفت الموسيقى وانتهت الرقصة. صفق الجميع لهما. لتعود إلى إدراكها لتقع عينيها في عينيه التي تحولت من لون الزيتون إلى ظلام الليل الحالك. ارتجف قلبها من الخوف فتلك الليلة لا تمر بسلام.
هيا يا رجل أين كنت كل هذا الوقت.. كيف تترك ذلك القمر بمفرده!!... قالها كلاوس الذي بدأ يثمل.
أجابه قصي من بين أسنانه:
كلاوس.. الزم حدودك وإلا سأجعلك تندم على ما فعلته للتو.
ابتسم بخبث وقال:
أتقصد عندما رقصت مع زوجتك؟!
لم يتحمل كلماته وقام بتوجيه لكمة قوية أوقعته أرضًا. ركض الحراس نحو قصي لينقضوا عليه فأوقفهم كلاوس بإشارة من يده وقال:
اتركوه إنه صديقي أيها الأغبياء.
نهض وهو يمسح دماء فمه فأردف:
يا لك من رجل حاد الطباع فأنا كنت أمازحك.
قصي بنبرة غضب هادر:
إنك تعلم لا أحب المزاح في هذه الأمور.
كلاوس:
حسنًا.. حسنًا انسَ الأمر.
قصي:
بل أنت انسَ أي صفقات أخرى بيننا.
كلاوس:
ماذا تعني؟!
قصي:
أعني لا تعامل لك معي من الآن.
قالها ليتجه نحو صبا وجذبها من يدها مغادرًا القاعة وولج إلى المصعد.
لماذا فعلت ذلك؟... قالتها سيلينا.
كلاوس: كنت أتسلى قليلًا وأجعله يشعر بما كنت أشعر به.
قالها مبتسمًا بمكر.
رمقته سيلينا بازدراء وتركته وهي تتمتم:
غبي.
وصل إلى الغرفة وما زال قابضًا على يدها فدفعها إلى الداخل وقال:
حضري الشنط عشان مسافرين حالًا.
اقتربت منه بحذر وقالت:
اللي شفته تحت كان غـ.....
صاح بغضب وهو يكبت جموح نيرانه التي لو أطلقها عليها لتحرقها:
مش عايز أسمع ولا كلمة.. ويا ريت ما أسمعش صوتك ده خالص.
اندفعت نحوه لترتمي على صدره تبكي وقالت باعتذار:
حقك عليا.. أنا آسفة.
أبعدها بهدوء عن صدره وقال:
أنا مستني برة لما تخلصي اندهي لي.
قالها وهو يتناول سيجارته ويشعلها بالقدّاحة ثم غادر الغرفة ينتظرها بالخارج.
خرجت سيلينا من المصعد متجهة نحو غرفتها وهي تنظر إلى قصي الذي لا يعيرها أي اهتمام.
كادت تولج إلى غرفتها لتتراجع مرة أخرى وذهبت إليه بخطى هادئة.
هل ستسافر الليلة؟... قالتها سيلينا.
أومأ لها وهو يزفر دخان سيجارته.
وهل ما قلته بالأسفل صحيح؟
أجابها وقال:
نعم.
اقتربت منه وقالت:
إذن اسمح لي بتوديعك.
قالتها فانتبهت إلى صوت فتح الباب.. ليفاجئها قصي بجذبها إليه والتُقِمَ شفتيها بقبلة عنيفة يعلم أنها ستراه. تعمد ذلك عن قصد حتى يجعلها تحترق من الداخل.
وهي عندما خرجت تسمرت وعيناها متسعة بصدمة من رؤيته وهو يقبل غيرها. لتعود إلى الغرفة تتعالى شهقاتها لتذرف عيناها عبرات قلبها الذي لم يتحمل رؤيته مع غيرها.
جاية لك يا حبيبي... قالتها حياة وذهبت لتطمئن على ابنها.
وفي الخارج... خشيت الوقوف أمام المنزل بمفردها فذهبت إلى الشاطئ وهي تعقد ساعديها لتستمد الدفء قليلًا. وصلت إلى الشاطئ فجلست أمام البحر تشكو إلى الله حالها داعية بهدايته. بدأت نسمات الهواء بالبرودة خاصة أنها نهاية موسم الصيف لتعلن عن بدء فصل الخريف. شعرت بالبرد فقررت العودة إلى المنزل وهي تدعو أن يكون التيار قد عاد. سارت بخطى سريعة نحو المنزل. وجدت الباب مفتوحًا فتذكرت أنها لم توصده جيدًا. قالت:
بسم الله.
وولجت إلى الداخل وهي لم ترَ شيئًا من الظلام.
انتبهت إلى صوت يأتي من إحدى الغرف بالمنزل فشهقت بذعر. حسبت أنه قد عاد. ذهبت نحو مصدر الصوت وقالت:
آدم... يا آدم... أنت جيت؟
لا رد... فارتجفت بخوف تخشى أن يكون لصًا. ركضت نحو باب المنزل فاصطدمت بأحدهم في طريقها وكادت تصرخ.
ما تخافيش ده أنا... قالها آسر وهو يمسك بيدها ووضع يده الأخرى على فمها.
فتركها ليمسك بهاتفه وقام بتشغيل تطبيق الإضاءة.
ابتعدت وقالت:
آسر!!! بتعمل إيه هنا؟!! وإزاي دخلت؟!!
آسر:
آسف إني دخلت من غير استئذان بس كنت ماشي من قدام الشاليه لقيت الباب مفتوح والدنيا ضلمة.
صاحت بسخرية:
وأنا بقى هصدق اللي حضرتك بتقوله ده؟ أتفضل اطلع بره لو سمحت.
عاد التيار فقال:
بصراحة أنا كنت عايز أطمن عليكي بأي شكل... خصوصا لما حكت لي حياة عن اللي شافته.
تنهدت بفراغ صبرها وقالت:
عايزين مني إيه؟ بتتدخلوا في حياتي ليه؟
اقترب من المنزل يحمل باقة أزهار ليقدمها اعتذارًا لها... فلم يتحمل نظراتها عندما صفعها. وقرر أن يعتذر إليها بطريقة رومانسية. ارتسمت البسمة على ثغره عندما وصل أمام المنزل لتتحول ابتسامته إلى وجوم عندما رأى الباب مفتوحًا ويأتي صوت من الداخل يعلم جيدًا صاحبه.
في الداخل...
عشان بحبك يا خديجة... من ساعة ما شوفتك في المستشفى وأنتِ بتيجي كل يوم لوالدك... لقيت حاجة فيكي بتشدني... ولما جيت أقولك عايز أتقدملك ورفضتني حسيت إني خسرت حاجة غالية أوي ولما عرفت إنك هتتجوزي آدم ما استحملتش وسافرت عشان أبعد عن كل حاجة بتفكرني بيكي.. ما كنتش مسافر الجونة واتحججت لحياة بإن ورايا شغل بس حكت لي عن موقف آسر لما تاه وأنتِ لقيتيه وأول ما قالت اسمك وإنك لسه متجوزة قلبي حس إنك أنتِ فقلت أتأكد من يوسف بطريقة غير مباشرة... ما اعرفش إيه اللي حصلي لقيت نفسي جاي على هنا عشان أشوفك ولو لآخر مرة.
وهتكون آخر لحظة في حياتك يا واطي... صاح بها آدم الذي ولج للتو وهو يسدد اللكمات لآسر.
صرخت خديجة وقالت:
آدم... سيبه هيموت في إيدك.
صاح بها بصوت مرعب:
اخرسي أنتِ وحسابك معايا بعدين.
ظل يتعارك كل منهما... لينتهي العراك بجثو آدم فوق آسر ويسدد له ضربات بقبضته فامتلأ وجهه بالدماء.
صرخت خديجة:
كفاية يا آدم أرجوك ده هيموت.
قالتها وهي تمسك بيده.
فتوقف ليلتفت إليها بنظرات أوقفت قلبها من الرعب... ابتعدت عنه بحذر. نهض ووقف محدقًا بآسر الذي حاول النهوض بصعوبة... سار بثقل مغادرًا المنزل وقطرات دمائه تتساقط على الأرض.
اقترب آدم منها وشياطينه تتراقص أمام عينيه لا يرى سوى الظلمة التي تعمي بصيرته.
تراجعت إلى الخلف وهي تقول:
وقسمًا بالله ما أعرف دخل هنا إزاي... والله يا آدم أنا مـ....
قاطعها بجذبها من ذراعها بعنف واتجه بها نحو الغرفة ليدفعها بالداخل وتقع على الأرض وصاح بها:
تلمي حاجتك عشان الفجر هنسافر وراجعين على بيتنا وكلمة كمان مش هخلي حتة فيكي سليمة وأنا ماسك نفسي عنك بالعافية.
قالها وركل بغضب منضدة صغيرة بجوارها لتقع ويتحطم ما وقع من فوقها من مزهرية وزجاجة.
ثم أوصد الباب من الخارج عليها بالمفتاح.
يسير متحاملًا على آلام جسده حتى وصل إلى المنزل، فضغط الجرس لتفتح له شقيقته لتصرخ: آسر!
وقع على الأرض مغشيًا عليه.
**********************************************
في صباح اليوم التالي...
ترتشف الشاي من الفنجان وهي تتصفح الإنترنت على هاتفها.
جيهان هانم!
قالتها سماح التي تتناول الطعام بشراهة.
جيهان: نعم يا سماح.
سماح: هو أنتم بتفضلوا قاعدين طوال النهار والليل كده من غير شغلة ولا مشغلة؟
عقدت حاجبيها بضيق وقالت:
مين قال لك كده؟ أنا بروح النادي ساعات وبسلي نفسي في القراءة وولادي زي ما أنتِ عارفة، وملك خلاص الدراسة هتفتح بعد أسبوع.
سماح: مش القصد يعني... أنا كنت عايزة أسلي نفسي في أي حاجة أو حتى أشتغل.
جيهان: هي فكرة كويسة، بس عايزة تشتغلي إيه؟
سماح: أنا كنت بشتغل في مصنع للعبايات، بس منه لله المدير كان عينه مني، وأنا طبعًا ماليش في الشمال الحمد لله... فطردني.
جيهان بتهكم قالت: معلش، ولاد الحرام كتير.
سماح: طبعًا.
صدح رنين هاتفها فنظرت إلى اسم المتصل وأجابت على الفور:
أخيرًا سمعنا صوتك يا عروسة... عاملين إيه يا حبيبتي؟
قالتها جيهان.
تبدلت ملامحها إلى الوجوم لتنهض مبتعدة عن سماح.
سماح: شوفي الولية قامت عشان ما أسمعش بيقولوا إيه... ماشي يا عيلة واطية لما وريتكم...
صاحت بصوت جلي: بت يا علا! أنتِ يا بت!
ركضت نحوها علا وقالت: أيوه يا ست سماح.
سماح: ست في عينك... اسمي سماح هانم... سامعة؟
علا: نعم يا سماح هانم.
سماح: انجري هاتي لي حاجة حلوة أحلي بيها بدل الفطار اللي يموع النفس ده.
علا: حاضر.
والدة جيهان التي تضع يدها على جبهتها قالت: اهدأي بس وكفاية عياط، وأنا جاية لكم حالًا... وما لكيش دعوة به لحد ما أجي لك... خلي بالك من نفسك... سلام.
أغلقت المكالمة وقالت:
ليه كده يا آدم؟ ربنا يهديك يا ابني.
ولجت إلى داخل القصر.
كادت تصطدم بزوجها.
عزيز: مالك بتجري ليه؟
جيهان: لا، أصل نسيت حاجة فوق.
عزيز: طيب لما تنزلي تعالي في المكتب عشان عايزك في موضوع.
جيهان: حاضر.
وقبل أن يذهب إلى غرفة المكتب، رأى ياسين يجلس على الأريكة مبتسمًا وهو ينظر إلى شاشة الهاتف.
عاش من شافك يا كابتن.
قالها عزيز بسخرية.
ياسين بعدم اهتمام قال:
معلش بقى مشغول.
عزيز: ويا ترى مشغول في فشلك القديم، ولا بتحضر حاجة جديدة تكون أفشل من اللي قبلها؟
زفر بتأفف وهو يلقي هاتفه على الطاولة: أوف بقى، مش هنخلص من الأسطوانة دي.
صاح والده بغضب: اخرس يا قليل الأدب... فعلًا أنا كان عندي حق لما بقول لك فاشل وصايع كمان وحط عليهم قليل الرباية.
ياسين: خلصت كلامك؟
عزيز: مش هأخلص وهأفضل كل ما أشوفك هأديك كلام تستاهله عشان تفوق.
صاح ياسين بحنق: وأنا مش هتغير عشان أنت عايز كده... أنا مش آدم اللي بتدي له على دماغه ويسكت، ولا يوسف ويونس اللي بيأخذوك على قد عقلك بالمسايسة.
اخرس!
صاح بها عزيز وهو يصفعه بقوة.
ياسين: بتضربني عشان باقول الحقيقة... بتمد يدك عليَّ؟
وهأكسر عظمك لو ما تعلمتش الأدب، واتربيت من أول وجديد.
قالها عزيز.
كان يزفر بغضب كاسر فذهب من أمام والده وهو يجز على شفتيه بحنق.
********************************************
في منزل آدم...
افتحي الباب يا خديجة بدل ما أكسره على دماغك.
صاح بها آدم.
أجابت عليه من الداخل وهي تقف خلف الباب التي أوصدته بالمفتاح قالت: مش فاتحة غير لما ماما تيجي.
زفر بغضب وقال: أنتِ فاكرة إنها هتحوشني عنك يعني؟
خديجة: من ساعة ما رجعنا من الصبح وأنا ماليش دعوة بيك، عايز مني إيه؟
آدم: عايز أعرف الحيوان ده كان بيعمل إيه في الشاليه، وإيه معنى الكلام اللي كان بيقوله ده؟
خديجة: لو أنت ما بتسمعش وودانك فيها حاجة دي مش مشكلتي.
زمجر بحنق وقال: لمي لسانك بدل ما أجي أقطعه لك.
خديجة: يا خسارة يا آدم... عمري ما كنت أتصور إنك تظن فيَّ كده.
آدم: وتسمي اللي شفته وسمعته ده إيه؟
خديجة: المفروض عندك عقل تميز بيه.
آدم: ولما أنتِ صح ومش غلطانة زي ما بتقولي، قافلة على نفسك الباب ليه ومش عايزة تفتحي لي؟
خديجة: عشان أنت متهور ويدك سابقة دماغك... ويكون في علمك أنا مش هأقعد معاك ولا لحظة، وهأروح مع ماما جيهان.
صاح بغضب: والله العظيم ما هتخرجي من باب البيت وأبقى وريني هتمشي معاها إزاي.
رن جرس المنزل... تنهد بضيق وذهب ليفتح الباب.
ولجت وهي تدفعه من أمامها وقالت: عملت فيها إيه؟
صاحت بها جيهان.
آدم: اتفضلي يا ماما الأول اقعدي وأنا هأفهمك كل حاجة.
جيهان: من غير ما تحكي لي أنت ابني، وعارفة دماغك كويس... لما بتغضب ما بتشوفش قدامك... هي دي الأمانة اللي وصيتك عليها؟!
فتحت خديجة الباب وركضت نحو جيهان التي عانقتها وقالت: أنتِ كويسة؟
نظرت خديجة إلى آدم الذي يرمقها بنظرات توعد فقالت: آآآه كويسة... أرجوكِ خذيني معاكِ القصر.
ربتت على ظهرها وقالت: ما تخافيش يا حبيبتي أنا جاية أخذك.
اتجه نحو الباب وأوصده وقال: والله كمان مرة ما أنتِ خارجة من باب البيت، ووريني كلام مين اللي هيمشي.
صاحت جيهان: ولد! أنت بتحلف عليَّ؟!
آدم: لا طبعًا يا أمي أنا موجه لها الكلام.
رمقته جيهان بتحدي وقالت: وأنا وهي واحد يا آدم... إيه ناوي تحبسني أنا كمان؟!
نظر إلى الأرض بخجل وقال: سامحيني يا ماما... معلش هي مش هتروح في حتة... أنا حلفت ومش هأرجع في حلفاني.
جيهان: وأنا قاعدة معاها ومش هأسيبها يا آدم.
*********************************************
في قصر البحيري...
خلاص أنا جهزت استنيني في الكافتيريا... يلا باي.
قالتها ملك في الهاتف ثم أغلقت المكالمة ونظرت إلى صورتها المنعكسة بالمرآة لتمسك بقلم الحمرة ذي اللون الوردي تطلي شفتيها ثم ابتسمت بمكر.
التفتت إلى الفراش لتأخذ حقيبتها وغادرت الغرفة... بل والقصر لتجد الحارس الجديد في انتظارها وهي من اختارته... فهو يدعى عمر، شاب في أواخر العشرينات، ذو بنية جسدية رياضية ووسيم الملامح... في ذلك الحين كان مصعب يقف لدى البوابة يلقي التعليمات على الحرس حتى لفت ناظريه ملك التي تضحك وتتحدث مع حارسها الجديد... شعر بالدماء تغلي في عروقه وحاول السيطرة على غضبه... يعلم أنها بدأت الانتقام منه، لكنه لا يتحمل رؤيتها مع شخص آخر... تقدم نحوهم بخطى واثقة.
وقال: عمر.
التفت إليه عمر وقال: نعم يا مصعب بيه.
مصعب وهو يتحاشى النظر إليها قال: اتفضل روح اقف مع نصار وربيع في البوابة الخلفية.
عمر: أمرك...
وكاد يذهب فأوقفته ملك وهي تمسك بيده وقالت: رايح فين؟
ثم حدقت بمصعب بقوة وكبرياء: وأنت بتؤمره بصفتك إيه؟
مصعب بنبرة جدية: بصفتي رئيس الحرس يا آنسة ملك.
ملك: وأنا بنت صاحب القصر اللي أنت شغال فيه... يعني اللي أقوله هو اللي يمشي... وعمر الحارس الخاص اللي هيبقي معايا في كل مكان أروحه.
جز على فكه وهو يكظم حنقه بدون أن يظهر ذلك وقال: وتعليمات عزيز باشا ما فيش خروج لحضرتك.
رفعت إحدى حاجبيها بتهكم وقالت: والله؟؟؟... طب ثواني...
أجرت اتصالًا بوالدها حتى أجاب عليها: ألو يا بابي أنا رايحة النادي هأقابل أصحابي زي ما قلت لك إمبارح ومعايا عمر الحارس الجديد...
ضغطت على مكبر الصوت فقال عزيز: ماشي يا قلب بابي بس خذي بالك من نفسك وما تتأخريش، ولو في أي حاجة كلميني على طول.
ملك وهي تبتسم بانتصار قالت: اطمن يا حبيبي معايا عمر ما حدش يقدر يقرب لي طول ما هو معايا.
عزيز: أوك هأقفل معاكِ دلوقت عشان داخل الاجتماع... سلام يا حبيبتي.
ملك: باي...
أغلقت المكالمة وهي تحدق بمصعب الذي تلون وجهه بجميع ألوان الغضب والحنق معًا.
سارت خطوتين لتتأوه بتصنع وقالت: آآه ثواني يا عمر ممكن يدك أسند عليها... مش عارفة الشوز بتاعتي مالها...
قالتها لتمسك بيده وترفع قدمها لتخلع الحذاء وترتديه مرة أخرى فأردفت: ميرسي يا عمورة... الشوز دي لازم أغيرها أصلها بقت تخنق قوي...
قالتها وهي ترمق مصعب بنظرات ازدراء.
تركها وابتعد من أمامها متجهًا نحو المنزل الملحق ليولج إلى الداخل... وذهب إلى غرفته وهو يفك ربطة عنقه وألقاها بغضب ويلقي كل ما يقابله حتى أصبح كل ما حوله رأسًا على عقب.
*****************************************
بداخل الملهى الليلي...
إيه يا ياسو مالك يا ابني مش في المود أنت النهاردة خالص مين زعلك؟
قالها أحد أصدقاء السوء لياسين.
ارتشف من كأس الخمر وقال: ما فيش حد يقدر يزعلني... وفين اللي قلت لك عليه؟
أخرج صديقه من جيبه لفافة سجائر محشوة وقال: اتفضل يا صاحبي ولعها وادعي لي... ده صنف لسه ما نزلش في السوق هيخليك تطير تطير لحد ما توصل للفضاء.
تقدمت منهما ثلاث فتيات كل منهن مرتدية ثيابًا كاشفة لمعظم أجسادهن.
قالت إحداهن: هاي ميزو مش تقول لنا إن ياسو مشرفنا النهاردة.
زفر ياسين دخان السيجارة وقال وهو يجذبها لتجلس فوق فخذيه: يعني لو قال لك هتعملي إيه؟
أطلقت ضحكة رقيعة وقالت: تعالي روح معايا وهأقول لك هأعمل إيه... ده أنا هأدلعك دلع هأخليك ولا هارون الرشيد في زمانه.
مازن: اهدأي يا نوسة على الراجل ده مش قدك.
ياسين: ده مين ده يا واد اللي مش قدها؟؟... طيب عقابًا لك هتكمل السهرة لوحدك... وأنتِ يلا قومي تعالي معايا.
الفتاة: يلا يا روحي... هيهيهيهيهيهي.
مازن: أخس على الصحوبية... طب شوف مين اللي هيجيب لك المزاج تاني... وأنتوا صاحبتكم مشيت هتفضلوا ساكتين كده؟
وعايزينا نعمل إيه؟
نهض ليجذبهم من أيديهم وقال: تعالوا نرقص ونفرفش...
ذهب ثلاثتهم في ساحة الرقص ليتراقصون بخلاعة ومجون.
وفي الخارج بداخل سيارته تجلس الفتاة بجواره ورأسها على صدره فقالت: هتيجي عندي ولا عندك مكان؟
نظر إليها لثوان وقال: أنتِ عايزة إيه؟
الفتاة: عايزاك أنت يا ياسين... ما تعرفش أنا بقى لي فترة كبيرة بأسأل عليك دائمًا وما بقتش تيجي النايت.
ابتسم بسخرية وقال: ليه عشقاني مثلًا؟؟
الفتاة وهي تحاوط وجهه بكفيها بدلال قالت: ده أنا بعشق كل حاجة فيك...
قالتها وكادت تقبله وقبل أن تلمسه جاء في ذهنه صورة ياسمين فدفعها من جواره وقال بنبرة حادة: انزلي.
الفتاة: إيه؟
ياسين: بأقول لك انزلي... إيه اتطرشتي؟؟
ترجلت من السيارة بتأفف وقالت: ماشي يا ياسين بيه... بكرة تيجي لحد عندي وأقول لك كان على عيني.
انطلق بالسيارة وكاد يصطدم بها فصرخت وقالت: يا ابن المجانين!
**************************************
مدام سماح فيه واحد بره بيقول إنك طالبة دليفري.
قالها الحارس.
سماح: اه خد منه الحاجة وحاسبه وأبقى خد الفلوس من عزيز بيه.
الحارس: أمرك يا فندم.
وبعد ثوان جلب لها الحارس الطعام فأخذته وقامت بفتح الكيس فقالت بصياح: أنت يا اسمك إيه.
الحارس: مغاوري يا فندم.
سماح: الواد بتاع الدليفري لسه واقف بره؟
الحارس: هيمشي يا فندم... ليه فيه حاجة؟
سماح: انده عليه وخليه يجي لي بسرعة، ده أنا هأطين عيشته، طالبة كباب وكفتة يجيب لي كبدة وسجق هو الهم ورايا ورايا.
بينما هي تنتظره جاء نحوها فكادت تتفوه لتقول: يخربيتك هو أنت!
إيه ده سماح؟
قالها عبد الله.
نهضت ووقفت أمامه وقالت: إزيك يا سي عبد الله عامل إيه؟
عبد الله مبتسمًا: الحمد لله ميت فل وعشرة.
سماح: ومراتك عاملة إيه هي واللي في بطنها؟
عبد الله: بخير...
أنت بتعملي هنا إيه؟
سماح بزهو وفخر قالت:
صاحب القصر ده يبقى عم طه وإحنا قاعدين معاهم.
عبدالله وهو ينظر من حوله بانبهار قال:
يا ابن المحظوظة يا طه، عمك غني أوي كده!
سماح:
الله أكبر في عينك.
عبدالله:
يا ستي ما شاء الله ربنا يبارك... بس افتكرونا وتعالوا طلوا علينا في الحارة.
سماح:
فشر! الحارة إيه... بعد ما أخذت على النعيم ده تقولي نيجي الحارة... المهم خد الأوردر ده أحسن ما هخرب بيت صاحب المطعم، ما كلمتكو وطالبة كباب وكفتة تجيبوا لي كبدة وسجق.
عبدالله:
أوبا ده عندي أنا... حقك عليا لخبطت في الأوردر.
سماح:
طيب روح هاتُه وتعالى أتعشى معايا.
عبدالله:
الله يخليكي مش هينفع، ورايا أوردرات لازم أوصلها.
سماح:
عشان خاطري افتح نفسي... صاحبك راجع لي من أذان العشا ونام ومش لاقية حد أقعد معاه.
عبدالله:
أومال فين الناس أصحاب القصر؟
سماح:
عم طه نايم ومراته من ساعة ما خرجت ما رجعتش وعيالها كل واحد في وادي.
وهي تتحدث دخل ياسين من البوابة بسيارته ليترجل منها في حالة ثمل فأردفت:
وأهو وصل ننوس العيلة جاي يطوح زي كل يوم.
عبدالله:
ده أنتي مراقباهم بقي.
سماح:
أعمل إيه الفراغ بعيد عنك... يلا يا جدع روح هات الحاجة وتعالى وأنا مستنياك هنا في الجنينة.
عبدالله:
ثواني وجاي لك.
وهو في طريقه قال:
والله ياض يا عبدالله باينها هتزهزه معاك والبت دي سكتها سهلة خالص.
**************************************
بعدما انتهت من عملها طوال اليوم، تسللت إلى غرفته لتطمئن عليه قبل أن تذهب إلى المنزل الملحق. فتحت الباب بحذر لتجد الغرفة في ظلام معتم. استعانت بإضاءة هاتفها حتى تصل إلى المصباح الموجود بأعلى الكومود فقامت بتشغيله. وجدت الفراش شاغرًا ويبدو إنه لن يأتي من الخارج بعد.
أخذت تتفحص غرفته وكأنها تراها لأول مرة. ذهبت إلى غرفة ثيابه، أشعلت الإضاءة. أمسكت بقميص له كان معلق على المشجب الأسطواني، احتضنته بشوق وهي تستنشق عطره المعلق به. سارت بضع خطوات لتقف أمام رف زجاجات العطر خاصته لتتناول واحدة تلو الأخرى وتستنشق عبيرها حتى توقفت عند عطر تعشقه فأخذت تنثر منه على رسغها وتستنشقه بعمق والابتسامة تحلق على ثغرها ووجنتيها. أخذت العطر والقميص وقالت:
معلش يا ياسين هاخدهم يا حبيبي عشان كل ما توحشني أحضن قميصك وأشم البرفان بتاعك.
وتحضني القميص ليه ما صاحب القميص نفسه موجود! قالها ياسين بثمالة وهو يستند على الحائط بجانبه.
شهقت بذعر فوقعت من يدها الزجاجة والقميص:
هاااا... ياسين!!!
انحنت مسرعة لتلتقط ما سقط منها، كادت تمسك بالزجاجة فسبقها لكن ممسكًا بيدها لينهضا معًا ونظراته لا تفارق عينيها.
همس بصوت جعل قلبها يخفق خجلًا وخوفًا في آن واحد:
أنتي كمان وحشتيني أوي.
قالها واقترب من وجنتها يطبع قبلة رقيقة بشفاه التي يملؤها رائحة الخمر.
انتفضت ثم ابتعدت وقالت:
ياسين أنت شكلك سكران... هاسيبك ترتاح وأبقى أجي لك أطمن عليك الصبح لما تصحى.
قالتها وهمت بالذهاب، فجذبها من خصرها لتصبح بين ذراعيه وقال:
خليكي معايا أنا محتاج لحضنك أوي.
قالها وقام بمعانقتها معتصرًا جذعها بين ذراعيه.
ابتعدت برأسها وقالت:
ياسين أرجوك مينفعش... سيبني أمشي وحياة أغلى حاجة عندك.
********************************************
تقف علا على الباب بالخارج تستمع إلى كل حرف فألتمعت عينيها بخبث ومكر فأخرجت من جيبها مفتاح الغرفة التي قامت بسرقته فأوصدت الباب من الخارج.
وبداخل الغرفة ما زالت تحاول التملص من بين يديه ولم يشعر أحدهم بإغلاق الباب وهي تقول:
ياسين... فوق يا ياسين... أنت سكران.
يعانقها بقوة أكثر ويقبلها في جميع أنحاء وجهها رغماً عنها وجاءت تصيح وهي تدفعه في صدره أسكتها مقبلاً شفتيها بعنف وهو يتجه بها نحو الفراش لتسقط عليه وهو فوقها وهي كانت كالغريق الذي لا يستطيع الصراخ وطلب النجاة. كلما تحركت من أسفله يزيد من دفع جسده عليها ممسكًا يديها الاثنتين معًا بقبضة واحدة والأخرى يخلع حجابها وينهال عليها بشفتيه مرة أخرى على وجهها وعنقها وهي تصرخ.
وضع كفه على فمها واقترب من أذنها وقد تملك منه شيطانه وقال:
عرفتي كنت ليه ببعد عنك الأيام اللي فاتت؟... عشان كل ما أقرب لك ببقى عايزك... وكنت بسيطر على نفسي بالعافية.
تمتمت بكلمات غير مفهومة بسبب كفه الذي يكمم فاها وعينيها تبكي برجاء.
فأبعد يده لتلتقط أنفاسها بصعوبة وقالت:
أنت مكنتش بتحبني... كـ كـ كنت بتضحك عليا... عـ عـ عايز توصل لغرضك مني... بس ده مش هيحصل.
قالتها لتنجح هذه المرة في دفعه من فوقها بإفلات يديها من قبضته ليقع جانبًا وركضت نحو الباب وهي تدير المقبض فلم يفتح.
صاحت قائلة:
إيه ده!!... افتح الباب والله هصرخ وهافضحك في القصر كله.
أسرع نحوها ليجذبها من يدها ودفعها نحو الحائط ويحدق بها بنظرات شيطانية قال:
هاتصرخي تقول لهم كنت في أوضته وجاية لي لحد عندي برجليكي!!
صاحت به وقالت:
لاء هقول لهم إنك واحد سافل وواطي وكنت بتضحك عليا.
صفعها وهو يصيح بها:
اخرسي... كنتي مستنية إيه بعد اللي حصل معايا... أتجوزك!!... أنا في نظرهم فاشل ومش نافع... عايزاني أقول لهم عايز أتجوز عشان يكملوا تهزيئهم ليا!!... وكمان مش هاتتجوز أي عروسة... يا سلام عليا وأنا رايح لأبويا وأقول له أنا عايز أتجوز ياسمين... الشغالة... بنت عم إسماعيل الجنايني... ونعم النسب.
تستمع له غير مصدقة وعبَراتها تنهمر كالشلال فصرخت به وهي تصفعه وقالت:
الشغالة دي أحسن منك على الأقل باكل وبشرب من عرق جبيني وعمري ما مديت إيدي لحد بالعكس أنا اللي بدي... وأبويا الله يرحمه كان أشرف منك... أنت اللي عمرك ما هتتغير وهتفضل و.......
وبدلاً من كلماتها تجعله يصحو من غفوة ثمالته جاءت بالعكس تمامًا فأثارت غضبه ليجذبها من خصلاتها وصاح بصوت لا يوحي إلا بكارثة:
أنا هاوريكي دلوقتي مين الفاشل والو...
قالها وهو يلقي بها على الأرض ويجثو فوقها ليمسك بحجابها الملتف حول عنقها وقام بتكميم فمها وهي تحاول الدفاع عن نفسها بكل قوة لكن كيف لها ذلك وهي كالعصفورة التي وقعت في براثن ذئب استسلم لشيطانه وعقله يحجبه الخمر عن ما يقترفه الآن.
تبكي أسفله بشدة وهو يمزق ثيابها بكل قسوة كما نزع براءتها باعتدائه عليها بدون ذرة رحمة. انتفض جسدها بقوة ومقلتيها كادت تخرج من محجريهما وهو يسلب عذريتها. حينها لم تشعر بما حولها ليكون آخر شيء تراه وجهه في تلك اللحظة التي لم ولن تنساها لتنسدل جفونها مغشي عليها.
ما أقسى تلك الحياة التي تأتي على قلوب بريئة لم تُرِد سوى العيش بسلام... لكن كيف لها هذا وهناك أفاعي تبخ سمومها حين تولي لها ظهرك... وذئاب عندما تشعر بضعفك تنقض عليك لتصبح ضحيتها تقوم بافتراسك بكل وحشية فتعيش بعدها جسدًا بلا روح....
فيا ترى ماذا يخبئ القدر لتلك المسكينة عندما تفتح عينيها؟؟!! وماذا سيفعل ذلك الذئب حين يستيقظ ويعود له إدراكه ويرى ما ارتكبه من إثم لم يغفر له؟؟!!
رواية صراع الذئاب الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم ولاء رفعت علي
تفتح عينيها بثقل حتى بدأت تشعر بألم يجتاح جسدها بأكمله... حاولت النهوض بلا جدوى... حاولت مرة أخرى، نهضت بجذعها لتشهق بصدمة حين وجدت ثيابها ممزقة وجسدها عارٍ من الأسفل.
انتفضت بذعر فجذبت بواقي ثوبها لتواري جسدها وهي تتذكر كل ما حدث، وإن وقعت عيناها على ياسين الذي يغط في النوم عاري الصدر مرتدياً بنطاله وسحابه غير مغلق... أخذت تصرخ وتبكي وتضربه بكل قوتها:
- منك لله يا ابن الـ... منك لله يا ابن الـ...
ظلت ترددها بصراخ هستيري ليستيقظ بفزع وهو يحاول استيعاب ما يحدث... أمسك يديها بصعوبة.
- اسكتي... فيه إيه!
صاح بها وهو يضع كفه على فمها ويقيد حركتها.
وعندما حدق بمظهرها اتسعت عيناه بصدمة حيث أدرك ما اقترفه بتلك المسكينة:
- ياسمين.. أنا أنا آسف... أنا مش عارف أنا عملت كده إزاي... بالتأكيد مكنتش في وعيي... واللـ...
قاطعته بعد أن أفلتت يدها بصفعة قوية وصرخت:
- آسف!!! آسف على إيه!! على اغتصابك ليا!! ولا قلبي اللي ضحكت عليه!! ولا حياتي اللي اتدمرت على إيديك!! أنا ضعت خلاص...
قالتها وأجهشت بالبكاء.
كاد يعانقها ليهدئها فدفعته وصرخت:
- ابعد عنييييييي... متلمسنيش... أنا بكرهك وبكره نفسي.
ياسين:
- أرجوكي اسمعيني والله العظيم مش فاكر حاجة... بس عايزك تهدي وإن شاء الله كل حاجة هتتصلح.
حاولت النهوض وهي تلملم ثيابها لتستر جسدها وقالت:
- خلاص معدش ينفع... أنا ضعت... أنا ضعت.
نهض ليقف وقال:
- تعالي بس ادخلي الحمام خديلك دش عقبال ما أجيبلك حاجة تلبسيها من عندي وبعدها هاقعد معاكي وهقولك هنعمل إيه.
كانت كالمغيبة أخذت تردد جملتها الأخيرة وهو يمسك بها ليدخلها إلى المرحاض ليتركها بالداخل وأغلق الباب وذهب ليجلب لها ثياباً من خاصته.
بداخل المرحاض ظلت تردد:
- أنا ضعت خلاص... أنا اتدمرت... أنا ضعت.
وقفت أمام المرآة لتحدق بصورتها المنعكسة حيث ثيابها ممزقة وخصلات شعرها مشعثة وعيناها شديدة الاحمرار من البكاء... شفتيها مليئة بالخدوش وكذلك عنقها به علامات كالكدمات... لتبدأ في البكاء مرة أخرى وهي تجلس على الأرض تضم ساقيها.
توقفت حينما لاحظت تلك البقع الصغيرة من الدماء على طرف ثوبها الوردي... تعالت شهقاتها وتبكي بحرقة... استندت بطرف رخام الحوض لتقف وضعت يدها على مقبض باب الخزانة الصغيرة بجوار الحوض وقامت بفتحها تبحث عن شيء ما.
وجدت علب أقراص فتحت إحداها لتجدها فارغة... ألقتها في الحوض بغضب توقفت برهة عن البكاء وهي تحدق بالشيء الذي يلمع بداخل الخزانه ومدت يدها لتأخذه فوجدتها شفرة حادة خاصة بالحلاقة... ظلت تحدق بها وهي تعقد العزم على التخلص من حياتها.
- سامحني يا بابا... معرفتش أحافظ على نفسي زي ما وصتني... عشان كده أنا هاجيلك...
قالتها لتغمض عينيها وهي تعتصرهما بألم وهي تمد معصمها للأمام ويدها الأخرى ممسكة بالشفرة لترفعها لأعلى وتهبط بقوة على موضع شرايين رسغها الأيسر.
طرق ياسين باب المرحاض بعدما ارتدى قميصاً:
- ياسمين... خلصتي؟
لا إجابة.
- ياسمين... ردي عليا.
لا إجابة.
زفر بحنق وكاد يلقي بالثياب التي جلبها لها فتوقف عندما سمع صوت ارتطام جسدها بالأرض... خفق قلبه بخوف شديد... حاول فتح الباب من المقبض فكان موصداً من الداخل... دفعه بكل قوة مرة اثنان وفي الثالثة انكسر المقبض ليندفع إلى الداخل... ليجدها مسجاة على أرضية المرحاض وشرايين رسغها تتدفق منها الدماء بغزارة.
- ياااااااسمين...
صرخ بها ياسين ليجثو على الأرض ويحاول إيقاف تدفق الدماء بالثياب التي بيده... لاحظ وجهها يداهمه الشحوب... ركض خارج المرحاض متجهاً إلى فراش مضجعه ليجذب الغطاء وذهب إليها ليلف جسدها به ويحملها على ذراعيه حتى وصل إلى باب الغرفة حاول فتحه ليتفاجأ إنه موصد بالمفتاح.
- أنتو يا اللي بره مين الزفت اللي قفل الباب...
صاح بها فلم يجب عليه أحد... بحث بعينيه عن سلسلة المفاتيح خاصته ليجدها ملقاة في إحدى الأركان... انحنى بصعوبة وهو يحمل ياسمين فالتقط المفاتيح وحاول فتح الباب بحنق حتى قام بفتحه وركض للخارج وهو يصيح قائلاً:
- يوسف.... يا يوسف.
خرج يوسف له وعلى وجهه آثار النعاس وكان سيتفوه لكن انتفض بذعر عندما رأى التي على يديه... اقترب منها وتفحصها.
ياسين:
- الحقها أبوس إيدك بسرعة دي بتموت.
صاح يوسف وقال:
- دي لازم تتنقل على المستشفى بسرعة دي محتاجة نقل دم.
ياسين وهو يركض نحو الدرج قال:
- حصلني بسرعة أنا هاخدها على المستشفى.
يوسف:
- ثواني هلبس تيشرت والشوز وجاي وراك بسرعة.
هبط لأسفل... حتى تقابل مع مصعب.
- افتح لي العربية بسرعة...
صاح بها ياسين.
فتح مصعب باب السيارة فوضعها ياسين على المقعد الأمامي وأغلق عليها حزام الأمان وأرجع المقعد إلى الخلف حتى أصبحت ممددة... ليسرع ويجلس في مقعد القيادة.
- ثواني خدني معاك...
قالها يوسف وهو يلج إلى المقعد الخلفي.
انطلق ياسين بالسيارة.
- إيه اللي أنت هببته ده!!!
صاح بها يوسف بغضب.
ياسين:
- مش وقته هبقى أحكيلك بعدين... بس الحقها بسرعة.
قالها وهو يرمقها ليطمئن عليها وأردف:
- متخافيش يا حبيبتي... أنا مش هسيبك... يارب... يارب نجيها... يارب...
عقد يوسف حاجبيه بتعجب من كلمات شقيقه فاقترب منها ووضع أصبعيه على عنقها على موضع العرق النابض فقال:
- دوس بنزين بسرعة... نبضها ضعيف.
قالها وأمسك برسغها الملفوف بالقميص القطني وضغط عليه بقوة في محاولة إيقاف الدماء ليجد قطرات دمائها تتساقط من نسيج القميص.
***
استيقظت جيهان من النوم وهي تشعر بألم شديد برأسها... نهضت من الفراش لتأخذ حقيبتها وتناولت من داخلها علبة دواء بلاستيكية قامت بفتحها وتناولت منها حبة ابتلعتها وارتشفت القليل من الماء... ولجت إلى المرحاض لتتوضأ وتؤدي فرضها داعية لأبنائها بالصلاح والهداية وخاصة آدم الذي على وشك تدمير حياته بيده والآخر يوسف الذي تدمرت حياته بسبب زوجته الخائنة.
طرقت خديجة الباب...
- السلام عليكم ورحمة الله...
قالتها جيهان في نهاية صلاتها ونهضت وهي تطوي سجادة الصلاة وفتحت الباب.
- صباح الخير يا ماما...
قالتها خديجة.
ابتسمت جيهان وقالت:
- صباح الورد على عروستنا الجميلة.
ابتسمت خديجة بسأم وقالت:
- عروسة!!
ربتت جيهان على ظهرها وقالت:
- وست العرايس كمان... أنا أكتر واحدة فاهمة دماغ آدم ابني... آدم بيحبك.
قالت بتهكم:
- بيحبني!! قصدك بيكرهني ومفيش في دماغه غير إنه يحرق في دمي وبينتقم مني بذنب أنا مليش دخل فيه.
جيهان:
- لو بتفكري كده تبقي هبلة... متزعليش من كلامي... لأن أنتِ لو كنتي فكرتي كويس إزاي واحد بيكره واحدة وأول ما شافها واقفة مع حد اتجنن... ملهاش غير معنى واحد... إنه بيغير عليكي... والغيرة أكبر دليل على الحب.
خديجة:
- واللي بيحب حد بيعذبه!!
جيهان:
- آدم غشيم وده دورك أنتِ حاولي طلعي من جواه الإنسان اللي بيحبك.
خديجة:
- إزاي يا ماما... ده كان بيهيني ويجرحني... وأنا استحالة أقبل على كرامتي حاجة زي دي... ده أنا حتى طلبت منه يطلقني.
رمقتها جيهان بامتعاض ثم قالت:
- طول ما أنتِ عنيدة وبتوقفي قصاده هو هيعند أكتر ويعمل اللي عمله معاكي.
تنهدت خديجة ثم قالت:
- وهفضل في حرقة الدم دي لأمتى؟
رمقتها بمكر وقالت:
- هقولك بس هتسمعي كلامي؟؟
أومأت لها بالموافقة مبتسمة.
***
في مشفى البحيري...
- دكتور يوسف فصيلة الدم بتاعتها مش موجودة عندنا...
قالتها الممرضة.
يوسف:
- هي فصيلتها إيه؟؟
الممرضة:
- A+
انتبه لإجابتها ياسين الذي كان يجلس على المقعد يبكي فقال:
- أنا A+
الممرضة:
- طيب لو سمحت تعالى عشان محتاجين ننقلها دم بسرعة.
ذهب ياسين معها في غرفة التبرع بالدم ليجلس على المقعد الجلدي ويمدد ساعده لتوخزه الممرضة بإبرة متصلة بأنبوب رفيع متصل بكيس بلاستيكي لسحب الدم.
بينما لدى يوسف قد ارتدى الثياب الخاصة بالعمليات وولج إلى داخل الغرفة التي يجري فيها العملية لياسمين.
- الحمد لله قدرنا نوقف النزيف ونوصل للأوردة اللي حصل بيها قطع بس طبعاً نزفت كتير ولازم ننقلها دم.. بس فيه حاجة تانية...
قالها الطبيب.
يوسف:
- تمام... كيس الدم هييجي دلوقت... إيه الحاجة التانية؟
تنهد الطبيب وقال:
- الحالة اتعرضت لعملية اغتصاب عنيفة نتج عنها تمزق داخلي في جدار المهبل بتعالجه الدكتورة علياء لسه أول يوم ليها هنا.
رمقه يوسف بصدمة وقال:
- اغتصاب!!!!
الطبيب:
- آسف يا دكتور لازم أبلغ البوليس دي حالة انتحار واغتصاب.
ابتلع يوسف ريقه وقال:
- متعملش أي حاجة غير لما أقولك.. أنت فاهم ولا لأ....
قالها وترك غرفة العمليات متجهاً إلى شقيقه الذي انتهى من تبرعه بدمائه... وضعت له الممرضة قطعة قطن على مكان الإبرة بعدما جذبتها وقالت:
- خليك ضاغط عليها شوية... واتفضل اشرب العصير ده.
أمسك بعلبة العصير وكاد يرتشف منها ليفاجئه شقيقه بلكمة قوية فوقعت منه العلبة.
- فيه إيه؟؟؟
صاح بها ياسين.
أمسكه يوسف من تلابيب قميصه وقال:
- تعالى معايا.
وجذبه نحو مكتبه تحت نظرات العاملين بالمشفى... إلى أن ولج به بداخل الغرفة فدفعه أرضاً.
- يا و....... إيه اللي عملته فيها ده!!!
صاح بها يوسف بغضب جامح.
نهض ياسين وقال:
- اهدى بس وهفهمك كل حاجة.
يوسف:
- هتفهمني إيه!! المفروض الدكتور اللي عملها العملية هيبلغ البوليس... اغتصاب يا ياسين!!! دي آخرتها ومين البنت اللي سابها لنا باباها أمانة عندنا!!!
أجهش بالبكاء وقال بصياح:
- وقسماً بالله ما كنت في وعيي... ومش عارف عملت كده إزاي... بس أنا بحبها وهصلح اللي عملته وهتجوزها.
يوسف:
- ده غصب عنك مش بمزاجك.. بس يارب ترضى هي الأول.
ياسين:
- هي هتوافق لأنها بتحبني.
يوسف:
- أنا كده فهمت... أنت لما عرفت مشاعرها من ناحيتك استغليتها وعملت عملتك الو......
ياسين:
- والله أبداً... أنا في الأول كنت بتسلى بس لما قربت منها وعرفت عنها كل حاجة حسيت إنها مسئولة مني ومبقتش قادر أبعد عنها وكنت بحاول على قد ما أقدر أحافظ عليها وقررت إني هكلم بابا عشان أخطبها بعد افتتاح السنتر.. وحصل اللي حصل وامبارح كنت راجع سكران كل اللي فاكره إني دخلت أوضتي وشوفتها بعد كده مش فاكر تفاصيل غير صحيت على صريخها وهدومها متقطعة فهمت إيه اللي حصل.
يوسف:
- عارف البنت دي لو حصلها حاجة هعمل فيك إيه؟؟ أنا اللي هبلغ عنك بنفسي.
جلس على المقعد بيأس وألم قال:
- أنا مستعد أدفع تمن كل اللي عملته... بس هي تقوم بالسلامة وأطمن عليها.
***
يقف بداخل الشرفة يحتسي فنجان القهوة يتأمل الأشجار والعصافير التي تحيط المبنى... يتذكر عندما قام بتقبيلها وهي بين يديه في منزل الجونة... أغمض عينيه وقلبه يخفق.
- يلا روحيله مستنية إيه؟؟
همست بها جيهان إلى خديجة.
خديجة:
- وافرضي أحرجني واداني كلمتين ساعتها هلم حاجتي وهرجع الحارة.
زفرت جيهان بحنق وقالت:
- تصدقي أنتِ دماغك زيّه وأنشف... فعلاً ما جمع إلا وفّق.
كادت تضحك لكن قامت بكبت قهقهاتها فقالت:
- خلاص هاروح...
"بس بالله عليكي لو لاقتيني بصوت تيجي تلحقيني، ابنك مجنون وممكن يحدفني من البلكونة."
ضحكت جيهان وقالت:
"والله أنتو اللي هتجننوني معاكو."
ذهبت خديجة إليه بخطى هادئة... بدون أن يشعر باقترابها منه. همست بصوت هادئ:
"آدم."
فتح عينيه فالتفت إليها تاركًا الفنجان فوق سياج الشرفة وقال:
"نعم؟"
ابتلعت ريقها وقالت بتوتر:
"أنت لما سبتني ومشيت النور قطع خوفت وقولت أستناك برة لاقيت الجو برد ورجعت تاني الشاليه حسيت بحركة غريبة وبعدها لاقيته في وشي زعقتله والله وقولتله يطلع بره... وقتها رد عليا زي ما أنت سمعت كده وقت ما جيت... بس والله كل ده اللي حصل."
ظل محدقًا بعينيها وقال:
"وليه طلبتي الطلاق؟"
خديجة:
"لما فاض بيا من معاملتك وقسوتك عليا."
آدم:
"عشان بتقفي قصادي وتزعقي وأنا حذرتك من أسلوبك معايا فمتزعليش لما أقلب عليكي."
خديجة:
"شوف أنا بكلمك براحة وأنت اللي بتعلي صوتك... اهدى يا آدم إحنا بنتناقش معاك."
آدم:
"أنا فاهم كويس أنتي عايزة إيه... وأنا حلفت ولسه على حلفاني... وهو إنك مش هتسيبي البيت يا خديجة ومراوح للقصر مفيش غير زيارة وأكون معاكي."
جزت على أسنانها وهي تكظم غضبها فقالت:
"حاضر يا آدم.. حاضر اللي تشوفه... بس افتكر كويس إني جيت لحد عندك ومش مديلي فرصة أتكلم معاك... فمتزعلش مني بعد كده."
قالتها وكادت تولج إلى الداخل فأمسك بيدها وقال:
"تقصدي إيه يا هانم؟"
قالت بسخرية:
"يعني طول ما أنت كده أنا هافضل زي ما أنا ومش هاتغير وحلفانك ده على نفسك مش عليا."
قالتها وهي تركض إلى الداخل... لحق بها وصاح:
"وأنا يا خديجة هاعلمك الأدب وهاعرفك إزاي تتكلمي باحترام مع جوزك."
صاحت هي أيضًا:
"الأدب ده تعلمه لنفسك و....."
قاطعتها جيهان بصياح:
"خلاااااااص كفاية أنت وهو... إيه مبتزهقوش... طول الوقت بتتخانقوا."
آدم:
"أديكي سمعتي كلامها بودانك عشان بتيجي تزعقيلي في الآخر."
خديجة:
"أنا مش غلطانة."
جيهان:
"ولا أنتي ولا هو أنا اللي غلطانة إن أنا جيت، كنت بحسبكو كبار وعاقلين طلعتوا زي العيال وعمركو ما هتبطلوا خناقات طول ما العند والكبر راكب دماغكو... اسمعوا اللي هقولكو عليه وده آخر كلام عندي... مش عايزة أشوف وش حد فيكو غير لما تتصالحوا وتبقوا زي أي اتنين متجوزين عاقلين وقتها أهلاً وسهلاً بيكو في القصر."
قالتها وولجت إلى الداخل تبدل ثيابها.
آدم:
"عجبك كده!!"
لم تجب عليه وذهبت خلف جيهان وولجت بعد أن طرقت الباب.
"حقك عليا متزعليش مني... أرجوكي متمشيش."
قالتها خديجة.
جيهان وهي ترتدي حزام بنطالها الحريري قالت:
"خديجة أنتي زي بنتي ومبستحملش عليكي حاجة... بس زعلت منك هو ده اتفاقي معاكي!!! ... أنا عايزاكو تعيشوا في سعادة مش هتقضوا حياتكو كلها كده... لازم حد فيكو يرخي شوية مش على طول شد وجذب كده."
قالتها لتوصد عينيها بألم.
قالت خديجة بقلق:
"ماما مالك؟"
أمسكت برأسها وقالت:
"مفيش شوية صداع وهيروح لحاله... سيبك مني دلو...."
لم تكمل ليداهمها ألم شديد ولم تتحمل ساقيها الوقوف.
صرخت خديجة:
"مامااااااااااااااا."
***
طرقات على باب المكتب...
يوسف:
"ادخل."
ولجت الممرضة وقالت:
"دكتور يوسف دكتورة علياء عايزة تقابل حضرتك."
يوسف بنفاد صبر قال:
"قوليلها مشغول مش فاضي."
الممرضة:
"أمرك يا فندم."
قالتها وخرجت إلى علياء المنتظرة.
يوسف:
"عجبك كده!!! دي شكلها دكتورة النسا وطبعًا جاية تبلغني بالتقرير اللي هتقدمه للبوليس."
ياسين:
"اعملوا اللي تعملوه أنا ميهمنيش حد غير ياسمين."
بالخارج كانت تصيح علياء بحنق وقالت:
"يعني إيه مشغول؟ أوعي أنا داخلة له."
الممرضة:
"ثواني يا دكتورة مش هينفع....."
قاطعتها علياء بدفعها وفتحت الباب وولجت إلى داخل المكتب بغضب وكادت تتفوه فتسمرت مكانها وكذلك يوسف...
"يوسف!!!"
قالتها علياء بصدمة.
"علياء!!!"
قالها يوسف غير مصدق.
عادت إلى طبيعتها وقالت بحنق وهي تلقي بعض الأوراق على المكتب:
"اتفضل امضيلي حضرتك التقارير دي."
ألقى يوسف نظرة على التقارير ثم نظر إلى علياء التي كان التوتر متملكًا من ملامح وجهها فقال:
"مش همضي تقارير دلوقت."
صاحت بغضب وقالت:
"يعني إيه؟.. أنا روحت مكتب دكتور مهدي لاقيته لسه مجاش فقالولي أروح للمدير الإداري."
يوسف:
"وأنا بقولك مش همضي غير لما المريضة تفوق وتقرر إن نبلغ البوليس ولا لأ."
علياء:
"وبالنسبة لحالة الانتحار!! هتستنى رأيها."
زمجر بغضب وقال:
"دكتورة علياء على ما أعتقد إن ده أول يوم ليكي في المستشفى فياريت لو مش عايزة تخليه آخر يوم خليكي في حالك... أنتي عملتي اللي عليكي والباقي ده مسؤوليتنا إحنا كمديرين وأصحاب المستشفى."
جزت على فكها بحنق وهمت بالمغادرة لكنها توقفت وقالت:
"على فكرة أنا مكنتش أعرف إنك شريك دكتور مهدي... وأول ما هيجي هقدم استقالتي... عن إذنك."
قالتها وغادرت... زفر يوسف بتأفف وهو يلقي بالتقارير أرضًا.
***
تقف في المطبخ تضع أطباق الطعام فوق الصينية وأخذت مفتاح المنزل الذي تركه لها... لتغادر وتوصد الباب خلفها وتصعد الدرج حيث سطح المنزل لتجده ما زال نائمًا على الأريكة يلتف بغطاء قطني.. وضعت الصينية فوق السور واقتربت منه لتوقظه.. وقبل أن تفعل ذلك حدقت بملامح وجهه وهو نائم تتأمله فتراجعت بذعر عندما فتح عينيه.
فقالت بتوتر:
"صـ.. صباح الخير يا أستاذ إيهاب."
نهض وهو يحك عينيه بنعاس وقال:
"صباح النور... مش قلنا بلاش أستاذ."
أمسكت بالصينية ووضعتها بجواره وقالت:
"أنا عملتلك فطار يارب يعجبك."
إيهاب:
"وليه تتعبي نفسك أنا كنت هنزل أشتري فطار ليا وليكي."
ابتسمت بإحراج وقالت:
"أبدًا ولا تعب ولا حاجة كفاية إني خليتك تسيب شقتك وتطلع تنام فوق السطح."
إيهاب:
"دي أحلى نومة ومتعود عليها من زمان.. يارب بس تكوني عرفتي تنامي كويس من صوت خناقات الجيران اللي تحت."
ضحكت وقالت:
"قصدك على الراجل ومراته... دول موتوني من الضحك تخيل كان بيتخانق معاها طول الليل عشان لقي كل شراباته فردة واحدة."
إيهاب:
"دول على طول كده... لدرجة مبقاش يجيلي نوم غير لما أسمع خناقتهم وقتها أعرف أنام."
رحمة:
"ياه للدرجة دي."
إيهاب:
"بقوا إدمان عندي... المهم سيبك من الجيران وقوليلي ناوية تعملي إيه."
رحمة:
"هنزل أدور على أوضة إيجار أو مطرح على قدي."
إيهاب:
"تاني يا رحمة؟.. أنا قولتلك شقتي هي شقتك ومتخافيش طول ما أنتي جوه عمري ما هقرب منها... أنا بفهم في الأصول."
رحمة:
"والأصول بتقول مينفعش أقعد في شقة شاب عازب وأنا واحدة متجوزة... خليني أتجنب الشبهات."
إيهاب:
"طيب أنا عندي حل... أنا هسيبلك الشقة وأنا هاخد حاجتي وأقعد في الأوضة دي."
قالها وهو يشير إلى غرفة فوق السطح.
***
"وأنتي كنتي فين ياما وهي بتهرب من البيت؟"
صاح بها علاء.
عديلة بنبرة حنق ودماؤها تغلي:
"والله كنت نايمة من التعب... ونسيت أقفل الباب بالمفتاح معرفش إن بنت ال.... دي هاتغفلني وتهرب... آه يا ناري لو شوفتها دلوقت لهقطعها بسناني."
علاء:
"ما هي لازم تهرب وتطفش منك بالتأكيد اتخانقتي معاها وعملت عمايلك كالعادة عشان كده مستحملتش وطفشت."
صاحت عديلة وهي تضع يدها على خصرها وقالت:
"نعم يا روح أمك ما أنا على طول بتخانق معاها إيه اللي جد يعني... يا مين يلايمني عليها بس هاقطع لحمها نساير."
علاء:
"وماله موتيها ياما وارتاحي ولما ابنك الحيلة يرجع من السفر قوليله أنا موتلك مراتك."
عديلة:
"طيب وريني يا عم الدكر لما أخوك يتصل ويسأل عليها هتقوله إيه."
أجابها بسخرية:
"هقوله أمك فضلت تطين عيشة مراتك لحد ما خليتها طفشت من المنطقة كلها."
عديلة:
"ليه هي مش عند أمها!"
علاء:
"أمها وأخوها من ساعة يوم الصباحية ولا بتكلمهم ولو كانت بتشوفهم صدفة مكنتش بتعبرهم... عاملين يتصلوا بقرايبهم إن كانت راحت عند حد فيهم."
عديلة:
"هتكون راحت فين المخفية الله يحرقها."
تضايق علاء وصاح بغضب:
"متدعيش على حد ياما."
عديلة:
"أنت مالك هو أنا كنت بدعي عليك... أنا بدعي على اللي ما تتسمى."
علاء:
"طيب اقعدي ادعي وأنا هسيبلك البيت وماشي."
عديلة:
"رايح فين يا ولا."
علاء وهو يغادر المنزل قال:
"رايح أدور على مرات أخويا."
ثم قال بصوت لا يسمعه سوى عقله:
"ليه يا رحمة عملتي كده... أنا وقفت جنبك عشان تاخدي حقك من أخويا وروحت اشتغلت بعيد مخصوص عشان أبعد عنك ومتضايقيش من نظرات حبي ليكي... بس لو اللي في بالي طلع صح ساعتها تنسي علاء اللي عرفتيه."
تنهد بسأم ثم أخرج هاتفه من جيبه وأجرى اتصالًا بإحدى معارفه...
علاء:
"ألو حبيبي يا أبو علي... عامل إيه؟"
................
"بقولك طالب منك خدمة بس ضروري."
................
"عايز عنوان إيهاب أحمد عبد الحميد المحامي.... أيوه عنوان بيته....... فين؟ ........ إشطا يا صاحبي نردهالك في خير إن شاء الله........ مع السلامة."
أغلق المكالمة وأشار إلى سيارة أجرة فتوقفت وولج إلى الداخل.
قال السائق:
"على فين العزم يا نجم."
ابتسم علاء بتوعد وقال:
"اطلع على فيصل يا أسطى."
قالها وهو يخرج سيجارة من العلبة وقام بإشعالها واستنشق منها بقوة ليزفر دخانها وقال:
"آها لو اللي في بالي ده طلع صح.. مش هاتعرفي ساعتها أنا هاعمل فيكي إيه."
***
رحمة:
"اعذرني يا إيهاب مش هينفع... أنت عايزني أخليك تسيب بيتك وتقعد فوق السطح!"
إيهاب:
"وفيها إيه ما دي كانت أوضتي لحد ما ربنا كرمني واشتريت الشقة اللي تحت واشتريتها... عشان خاطري أنا اسمعي اللي بقولك عليه أنتي شكلك مخرجتيش للدنيا.. وأنا مش هاطمن عليكي غير لما تكوني تحت عيني."
قالها لتحدق به بتعجب. فأردف بتوتر:
"قصدي يعني مش من أخلاقي إني أتخلى عن مساعدتك."
رحمة:
"وياترى كل موكلاتك بتعمل معاهم كده!!"
أجاب عليها بأسلوب دبلوماسي وهو يتحاشى النظر إليها:
"أنا أي حد بيحتاج مساعدتي بقف جنبه سواء إن كانت موكلة عندي أو جيراني أو أي حد أعرفه."
تنهدت وقالت:
"طيب عن إذنك هاسيبك تفطر هانزل أنا عشان ورايا كذا مشوار."
قالتها لتهم بالذهاب... بدون وعي أمسك يدها وقال:
"رايحة فين؟"
رمقته باندهاش ليسحب يده وقال:
"آسف مكنش قصدي."
أجابته بنبرة جدية:
"رايحة أدور على شغل... ومكان هاقعد فيه."
زفر بسأم وقال:
"مصممة برضو؟"
رحمة:
"كده هبقى مرتاحة أكتر."
إيهاب:
"على راحتك... بس عايزك تعرفي بيتي مفتوحلك في أي وقت."
رحمة:
"شكرًا."
قالتها وتركته وهبطت إلى المنزل.. ولجت إلى الداخل تضع يدها على صدرها الذي يعلو ويهبط وقالت بداخل عقلها:
"إيه اللي بيحصل معايا ده... اهدي يا رحمة كده واعقلي مفيش راجل يستاهل تضيعي حياتك عشانه... كلهم واحد... خدي حكم بالطلاق الأول وحققي طموحك اللي كنتي بتحلمي بيه ومتوقفيش حياتك على راجل."
"بس إيهاب غير طه وغير عادل.. وبعدين مالي بتكلم عنه كده هو بالتأكيد بيساعدني عشان صعبت عليه مش أكتر."
"يوه كفاية تفكير بقى."
تأففت وولجت إلى الغرفة لتبدل ثيابها وتذهب في رحلة للبحث عن العمل.
***
ولج إلى داخل الغرفة ليجدها ممددة على التخت المعدني متصل بيدها أنبوبين إحداهما للمحلول والآخر بكيس الدم... تغمض عينيها كالملاك النائم وخصلاتها مبعثرة على وجهها.
اقترب منها وجلس بجوارها على طرف الفراش... أمسك بيدها المصابة وانحنى نحوها ليقبلها وعبراته تتساقط ندمًا فقال:
"آسف يا حبيبتي..."
- عمري ما كنت هعمل فيكي كده عشان بحبك يا ياسمين...
قالها وهو يلامس وجنتها بأنامله، يزيح خصلاتها جانبًا يتأملها، وما زال يبكي لتسقط عبرة من عينيه على وجهها... انكمشت عيناها بضيق وبدأت بفتحهما قليلًا لتجده بالقرب منها فصرخت بفزع.
تراجع بخوف وقال:
- متخافيش ده أنا.
انتابتها حالة ذعر هستيرية صارخة:
- ابعد عنييييييييي.... أنا بكرهك.
أسرع بالتدخل الممرضة والطبيب المسؤول عن حالتها.
- لو سمحت يا أستاذ ياسين اطلع بره... قالها الطبيب.
وقبل أن يذهب ألقى نظرة عليها ليجد الممرضة تغرز إبرة في ساعدها، وياسمين تصرخ وعيناها لا تفارقه والطبيب يحاول تهدئتها...
ركض في الرواق ليقابله يوسف الذي أوقفه ورمقه بضيق وقال:
- شيء طبيعي ردة فعلها أول ما هتفوق، اللي عملته فيها مش هين يا ياسين.
ياسين بنبرة حسرة وندم:
- أقسم بالله ما كنت في وعيي... أنا بحبها يا يوسف.. أنا كنت بخاف عليها من أي حاجة وأولهم أنا... مش عارف عملت كده إزاي.
عانقه شقيقه وقال:
- اهدَ وروح اغسل وشك عشان نروح، وجودك هنا ملهوش لازمة بالعكس كل ما هتشوفك هتنهار من العياط وممكن تدخل في حالة نفسية وقصة تانية وهي مش حمل حاجة تاني كفاية اللي جرالها.
ياسين:
- أنا مش همشي غير لما اطمن عليها.
صاح يوسف بضيق:
- يا ابني ارحمني بقى... ما أديك دخلتلها واطمنت عليها ويومين كده وهترجع القصر بإذن الله... وربنا يستر لما تروح باباك ومامتك زمانهم عرفوا.
ياسين:
- أنا ميهمنيش حد غير ياسمين.
يوسف:
- طيب اسمع كلامي واعمل اللي قولتلك عليه وأنا هستناك في مكتبي.
أومأ له ياسين بالموافقة وذهب إلى المرحاض.. بينما يوسف ذهب إلى مكتبه... وبالداخل وجد ملفًا ورقيًا فوق سطح المكتب فقام بفتحه ليجده طلبًا بالاستقالة مقدم من الطبيبة علياء.
جلس على المقعد وهو يزفر بنفاد صبر ويرجع ظهره إلى الخلف شاردًا في أمر ما.
*********************************************
فتحت باب المنزل وولجت إلى الداخل وهي تخلع حذاءها بتأفف... جاءت نحوها سيدة في أواخر الخمسينات يبدو على ملامحها الطيبة والوقار...
- حمد الله على السلامة يا حبيبتي... أحضرلك الغدا؟... قالتها والدة علياء.
علياء:
- مليش نفس.
والدتها:
- خير يا بنتي؟
أجابتها بسأم:
- كتبت استقالتي.
شهقت والدتها وقالت:
- هاااا أنتِ لحقتي!!! ده كان أول يوم ليكي النهاردة.. إيه اللي حصل؟
علياء:
- بليز يا ماما سيبيني أدخل أريح ولما أصحى هبقى أحكيلك.
قالتها لتذهب إلى غرفتها....
(علياء فتاة ذات الثلاثين عامًا، ذات عينين باللون البني وشعر أسود منسدل... تخرجت من كلية الطب جامعة القاهرة.... تخصص نساء جراحة وتوليد... تفوقت في مجالها وحاليًا تعمل على تحضير الدكتوراة).
ارتمت بجسدها فوق الفراش وبيدها أجندة صغيرة قامت بفتحها على صفحة تتوسطها وردة ذابلة وصورة تجمعها مع مجموعة أصدقاء الدراسة وبجوارها يوسف واضعًا ذراعه على كتفيها... تنهدت وهي تغمض عينيها لتستعيد الذكريات...
فلاش باك...
تركض باحثة عنه فوجدته وسط مجموعة من أصدقائه يتناقش معهم في إحدى المحاضرات التي تلقوها للتو.
تسحبت من الخلف واضعة يديها على عينيه وهي تنظر إليهم ألا يتحدثوا... فابتعدوا ليتركهما...
- حبيبتي الشقية... قالها يوسف.
أزاحت يديها والتفتت إليه وقالت:
- أنا زعلانة منك.
يوسف:
- ليه كده يا حبيبتي؟
ابتسمت وهي تخرج من حقيبتها مجموعة من الأوراق وقالت:
- خد الملزمة دي الأول عشان أنا وعدتك بيها بس برضو زعلانة منك.
ضحك وقال:
- طيب قوليلي مالك مش ممكن أكون مظلوم.
علياء:
- بقالك يومين مش بتعبرني في التليفون وبتحضر المحاضرات وألاقيك مختفي بعدها وأسأل عليك أصحابك يقولولي ده مشي.
يوسف:
- على فكرة أنا كنت هكلمك دلوقت عشان عايزك في موضوع مهم.
علياء:
- موضوع إيه؟
أمسك بيدها وقال:
- تعالي معايا بس وأنا هقولك.
وصل بها أمام مبنى هادئ فقالت:
- أنا مش فاهمة حاجة.
يوسف:
- غمضي عينيكي الأول وأنا هفهمك.
علياء:
- يوسف أنا مبحبش المفاجآت وأنت عارف كده.
يوسف:
- غمضي عينك بس ولا أقولك هغمضهملك أنا... قالها ووضع كفيه على عينيها.
ابتسمت وقالت:
- اه يا خوفي منك.
وإن وطأت قدماها بداخل غرفة فصاح مجموعة من الفتيات والشباب:
- سنة حلوة يا جميل... سنة حلوة يا عليا... سنة حلوة يا جميل.
نثرت الفتيات أوراقًا ذهبية عليها وعلى يوسف والكل يهنئها بعيد مولدها.
- كل سنة وأنتِ معايا وتكوني أنجح وأشطر دكتورة نسا في الدنيا دي كلها... قالها يوسف وهو يفتح علبة صغيرة بداخلها خاتم أنيق.
علياء بفرحة غامرة:
- حبيبي يا يوسف... كل ده عشاني.
يوسف:
- شوفتي بقى كنتِ ظلماني إزاي، أنا الأيام اللي فاتت كنت عمال أحضر لليوم ده.
علياء:
- يا حبيبي ربنا يخليك ليا... عقبال لما نحتفل بيوم التخرج وأشوفك دكتور جراح قد الدنيا.
يوسف:
- ادعيلي يا حبيبتي أجيب تقدير عالي عشان أتخصص في مجال الجراحة.
علياء:
- يارب يا يوسف يا ابن عمو عزيز وطنط جيهان تجيب تقدير امتياز وتدخل قسم الجراحة.
يوسف:
- وبمناسبة الدعوة الحلوة دي ليكي عندي خبر حلو.. إن شاء الله هكلم بابا عشان نيجي لباباكي ونطلب إيدك منه وتبقي خطيبتي لحد التخرج وبعدها نتجوز.
علياء:
- بجد يا يوسف؟؟؟
يوسف:
- بجد يا قلب يوسف.
- يوسف الحق قريبتك عمالة تدور عليك بره.. قالها صديقه.
زفرت علياء بحنق وقالت:
- ست إنجي صح؟
يوسف:
- معلش يا حبيبتي هروح أشوفها عايزة إيه وهرجعلك تاني.
علياء:
- يوسف أنت عارف وأنا عارفة إنجي عايزة منك إيه.
يوسف:
- يا بنتي شيلي الأفكار اللي في دماغك دي... هي أصلًا مرتبطة بابن خالتها وبالتأكيد جيالي عشان اتخانقوا وعايزاني أصالحهم على بعض.
علياء:
- يا سلاااام... بقولك إيه أنا بنت زيها وفاهمة دماغها كويس... هي كل شوية تنطلك بحجة شكل وعينيها منك أصلًا وابن خالتها ده هتزحلقه من طريقها وبكرة تقول علياء قالت.
بااااااك
حدقت بالخاتم بداخل العلبة وقالت:
- عمري ما هنساك ولا هنسى قلبي اللي كسرت فرحته.
***********************************************
- طبعًا ليك حق تنام لحد دلوقت كل يوم سهر وترجعلي الصبح ولا كأن في بني آدمة عايشة معاك... قالتها إنجي وهي توكز مروان في كتفه.
استيقظ بتأفف وقال:
- في حد يصحّي حد كده... إيه يا شيخة مبتزهقيش من الموال ده كل يوم على كده!!
إنجي:
- أيوه كل يوم لحد ما تبطل سهر بره... يا مروان أنت بتسيبني لوحدي وببقى مرعوبة وخايفة أخرج معاك حد يشوفنا ويعرف مكانا ويقول ليوسف.
مروان:
- يعني عايزاني أتحبس في البيت عشان سيادتك خايفة من يوسف.
إنجي:
- هي بقت كده يا مروان!!! مش كفاية اللي جرالي بسببك وخسرت كل حاجة عشانك.
مروان وهو يمسك بعلبة السجائر ليلتقط سيجارة ويضعها بين شفتيه قال:
- يوه مش هتخلص بقى... والله ما ضربتكيش على إيدك أنتِ اللي جيتيلي وكل حاجة بمزاجك.
احمر وجهها من الغضب وقالت:
- طيب وبنتي... مش قولتلي هجبلك بنتك لحد عندك؟
مروان:
- وقولتلك اصبري عليا... عشان أجيبهالك محتاج على الأقل 20 ألف جنيه.
رمقته بصدمة وقالت:
- ليه أنت ناوي على إيه؟
مروان وهو يزفر دخان سيجارته قال:
- اطمني أنا اتصرفت وبنتك في خلال ساعتين هتكون عندك.
إنجي:
- رد عليا وقولي أنت هتجيبها إزاي.
مروان:
- ما خلاص بقى وبطلي رغي طيرتيلي النفسين... الله يحرقك... ما قولتلك هتجيلك ولا هو أكل وبحلقة!
قالها وابتعد عنها وهو يجري اتصالًا على هؤلاء المجرمين الذين كلفهم بمهمة خطف الصغيرة... لم يجب عليه أحد منهم...
- ردوا يا بهايم.. المفروض أخدها منكو من بدري... وربنا لما اشوفكو بس مش هتطولوا مني ولا مليم.
رواية صراع الذئاب الفصل الثلاثون 30 - بقلم ولاء رفعت علي
_ بداخل نادي السباحة الشهير...
_ يلا يا لوجي عشان نمشي، جدتك اتصلت عليا وسألت عليكي.
قالتها سميرة.
لوجي: حاضر يا دادة.. هسلم على صحباتي قبل ما نمشي.
أمسكت سميرة بيد الصغيرة وخرجت من بوابة النادي، حيث ينتظرهم بالخارج عم شكري... فولج جميعهم إلى الداخل.
كانت هناك سيارة أخرى تراقبهم بداخلها ثلاثة رجال ملثمين، فقال أحدهم:
هي دي البت اللي قال عليها مروان بيه.
أجاب الآخر وقال:
أيوه هي اللي في الصورة.
قال الثالث: دي شكلها بنت عيلة كبيرة أوي، شايفين العربية اللي راكبين فيها عاملة إزاي؟
قال الثاني:
ما إنت يا كروديا مش عارف وافقته على 10 آلاف جنيه بس ليه.
قال الأول:
إنت اللي كروديا وغبي كمان... الجدع ده شكله ميت على القرش، واللي فهمته إن البت دي ما تخصهوش وهيعمل من وراها مصلحة، عشان كده قولت أسايره لحد ما نخطف البت.
قال الآخر:
وإحنا اللي هناخدها؟
أجابه وقال:
عليك نور... وساعتها هنتعامل مع أهلها، خصوصًا عرفت إنها تبقى حفيدة رجل الأعمال عزيز البحيري.
قال الثالث: مش ده الراجل بتاع شركات الحديد؟
_ أيوه هو.. ويلا استعدوا عشان هنقفل عليهم الطريق... كل واحد فيكو عارف هيعمل إيه؟
قالها ليبدأ بمطاردة السيارة حتى تقدموها وقطعوا الطريق.. ليطلق أحدهم رصاص على إطارات السيارة... ترجل عم شكري من السيارة فهاجمه أحدهم، وقام الثاني بإنزال سميرة التي كانت تصرخ وتحمي الصغيرة بين ذراعيها... ضربها الثالث على رأسها حتى فقدت الوعي، وأخذ الطفلة واضعًا على فمها محرمة مليئة بالمخدر.. ثم أخذوها معهم في سيارتهم وانطلقوا إلى مكان مهجور حيث إقامتهم هناك.
***
_ والله ما أكدبش عليك يا آدم بيه.. جيهان هانم حالتها ما تطمنش، خاصة بعد تكرار الصداع اللي بيجيلها على الرغم إنها بتقول بتاخد مسكنات... عشان كده لازم تاخدوها على المستشفى وتعملولها أشعة مقطعية وشوية فحوصات هكتبلك عليها وتجيبلي النتيجة على العيادة.
قالتها الطبيب.
آدم بنبرة خوف وقلق:
حضرتك شاكك في إيه يا دكتور؟ أرجوك طمني.
الطبيب: مش هينفع أقرر غير لما أشوف نتايج الأشعة، وربنا يخلف ظني وتبقى بخير بإذن الله.
آدم: يااارب.
غادر الطبيب المنزل... توجه آدم إلى الغرفة حيث تتمدد جيهان على الفراش وبجوارها خديجة.. انحنى نحو والدته وأمسك بيدها ليقبلها وهو يقول:
ألف سلامة عليكي يا أمي.
أشاحت وجهها للجهة الأخرى وهي تجذب يدها قبل أن يقبلها فقالت:
لو سمحت يا خديجة ناوليني شنطتي عشان أمشي.
خديجة: يا ماما ما ينفعش تقومي وإنتي تعبانة.. خليكي قاعدة معانا.
زفرت بضيق وقالت:
أنا ما برتحش غير في بيتي وعلى سريري.
آدم: حاضر يا ماما هاعملك اللي إنتي عايزاه... بس خليكي النهاردة مرتاحة، وبكرة هاخدك للقصر، بس قبلها هنطلع على المستشفى عشان نطمن عليكي.
صاحت بغضب وهي تنهض:
مش عايزة منكم حاجة.
خديجة: خلاص استني هغير هدومي ونيجي معاكي القصر.
قالتها وهي تنظر إلى آدم برجاء حتى لا يرفض.
قالت جيهان بتهكم: إزاي والبشمهندس ابني حالف عليكي؟
تنهد بضيق وقال:
أنا وهي جايين معاكي يا ماما.
***
وصلوا ثلاثتهم إلى القصر ليجدوا الكثير من الحراس يستقلون السيارات ويغادرون القصر.
ترجل آدم من السيارة بذعر وتبعته خديجة وجيهان.
آدم بصياح: في إيه يا مصعب؟
نظر إلى ثلاثتهم بأسف وقال:
دادة سميرة اتصلت بينا من المستشفى وقالت إن طلع عليهم بلطجية ضربوها هي وعم شكري وخطفوا لوجي.
صرخت جيهان: لوجييييي.
آدم: أنا جاي معاكو.
جيهان: وأنا كمان.
آدم: خديجة خدي ماما وخليها تطلع ترتاح في أوضتها، وأنا أول ما هوصل لحاجة هتصل عليكو أطمنكو.
صاحت جيهان ببكاء قائلة:
أرتاح إيه والبنت اتخطفت... هاتلي لوجي يا آدم.
عانقها آدم وقال:
اطمني يا ماما بإذن الله هنجيبها، بالتأكيد اللي خطفها ده هيتصل ويطلب فدية.
خديجة: اهدي يا ماما عشان صحتك وتعالي نستناه فوق، وإن شاء الله هيلاقوها وهتبات في حضنك.
ذهبت جيهان برفقة خديجة وصعد آدم مع مصعب في السيارة.
آدم: بلغت يوسف باللي حصل؟
مصعب: سميرة اتصلت بيه، كان راجع هو وياسين من المستشفى فسابقونا على هناك.
عقد حاجبيه بتعجب وقال:
ياسين كان بيعمل إيه في المستشفى؟
أجابه مصعب:
أصل ياسمين بنت عم إسماعيل الله يرحمه قطعت شرايين إيدها، فخدوها وجريوا بيها على المستشفى بس الحمد لله لحقوها وبقت كويسة.
آدم وهو يزفر من بين كفيه وقال:
أستغفر الله العظيم يارب... ده إيه المصايب كلها بتيجي مرة واحدة كده ليه؟
***
في قصر العزازي...
منذ أن عاد من السفر تجنب رؤيتها، حتى لم يكن يلج إلى الغرفة، ويمكث في غرفة المكتب وينام فيها ويذهب إلى الشركة كالعادة...
بينما هي تجلس بغرفتها تبكي تارة وأحيانًا تظل صامتة... يعتريها شعور الاشتياق نحوه... تريد رؤيته بشدة لكن كلما تذكرت وهو يقبل تلك الشقراء تغلي دماؤها وتود أن تصفعه على فعلته تلك...
سمعت صوت سيارته التي وصلت للتو بالأسفل... فذهبت إلى الشرفة حتى تراه لكن بحذر بدون أن يراها... خفق قلبها عندما استطاعت رؤيته، وهو على الرغم إنه لن ينظر إلى أعلى لكنه يعلم إنها تراه من الشرفة... فيلج إلى الداخل مرتسمة على محياه ابتسامة ماكرة.
_ قصي بيه أحضر لحضرتك الغدا؟
قالتها زينات.
قصي: لأ هتغدى بره... لو سمحت يا دادة اطلعي هاتيلي بدلة رمادي وغيارات من تحت، وحضريلي الحمام اللي في الجناح التاني.
زينات: أمرك يا ابني.
قالتها وصعدت إلى الأعلى.
ظنت بالداخل إنه هو الذي يقترب من الغرفة... ركضت إلى الأريكة تتصنع قراءة إحدى المجلات...
طرقت زينات الباب وقالت:
صبا هانم.
زفرت صبا بحنق عندما خاب ظنها فقالت: اتفضلي يا دادة.
ولجت إلى الداخل وقالت:
قصي بيه عايز بدلة رمادي وغيارات داخلية، وبصراحة أنا محرجة أجيبهم له، معلش يا بنتي ممكن تجيبيهم وتديهوملي.
وقفت باندهاش وقالت:
ليه هو خارج؟
زينات: بيقول إنه هيتغدى برة.
جزت على أسنانها بحنق وقالت:
طيب انزلي قولي له إنه يطلع ياخد حاجته بنفسه.
زينات: أرجوكي يا بنتي أنا مش حمل بهدلة.
صبا: خلاص روحي إنتي وأنا اللي هاروح أديله الحاجة.
زينات: خلاص وأنا رايحة أحضر له الحمام اللي في الجناح التاني.
صبا: يعني هو مش عايز يدخل الأوضة خالص... ماشي يا سي قصي... بقولك يا دادة انزلي إنتي شوفي شغلك وأنا هاعمل اللي قالك عليه بس ما تقوليش حاجة ليه خالص.
ابتسمت زينات وقالت:
ربنا يسعدكو يا بنتي ويهدي سركو.
ذهبت زينات... فأسرعت صبا إلى غرفة الثياب لتجلب له البدلة والثياب الداخلية... ابتسمت بتوعد وقالت: ماشي يا قصي بيه وريني هتعرف تخرج إزاي...
قالتها لتذهب إلى الجناح الآخر، وضعت ثيابه على التخت ثم ذهبت إلى المرحاض وأخذت زجاجة سائل صابون الاستحمام وزجاجة أخرى الخاصة بغسيل الشعر، وقامت بسكبهم على أرضية الحمام، وأخذت المفتاح الخاص بباب المرحاض ووضعته بداخل جيب معطفها الحريري القصير.
***
في مدينة روما وتحديدًا عند مسرح الكولوسيوم... يلتقط يونس لكارين الصور الفوتوغرافية وهي تضحك وتمرح... وكذلك يلتقطون معًا الصور الذاتية.
_ خلاص مش قادرة أجري أكتر من كده.
قالتها كارين وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة.
اقترب منها يونس بقلق وخوف وقال:
حبيبتي إنتي خدتي الدوا بتاعك؟
كارين: بصراحة خلص بقاله يومين ونسيت أجيبه.
زفر يونس بضيق وقال: إنتي بتهزري يا كارين!!! وما قولتليش ليه؟
كارين: خلاص يا حبيبي لما نروح نبقى نشتريه في الطريق.
أمسك يدها وجذبها وقال:
لأ قومي هنروح نشتريه دلوقتي، وبالمرة نتغدى لأني واقع من الجوع.
كارين: يلا بينا.
انحنى يونس موليًا لها ظهره وقال: اطلعي يلا.
رمقته بتعجب وقالت: أطلع فين!!
يونس: اطلعي هشيلك على ضهري وعلقي إيديكي حوالين رقبتي.
كارين: بس يا يونس وبطل جنان.
فاجأها بحمله على ظهره وقال:
ده أحلى جنان بيبقى معاكي يا روح قلبي.
قالها وركض بها وأخذت تصرخ بمرح...
وصل كليهما إلى الصيدلية...
يونس: اسم الدوا إيه؟
كارين: ثواني هطلعلك اسمه من على الفون.. أهو هات منه علبتين.
ولج إلى الداخل وقام بشراء العديد من علب الدواء وعلب حبوب أخرى.
خرج من الصيدلية... فقال: خدي شيليهم معاكي في شنطتك.
كارين: كل دي علب دوا؟
يونس: عشان مش ضامن ظروفنا هتبقى عاملة إيه بعد كده.
كارين: تسلملي يا روحي ربنا يخليك ليا.
قالتها لتلاحظ علب أخرى مختلفة، فأخذت إحداهم وقرأت اسم الدواء بامتعاض وقالت:
برشام منع الحمل!!
***
سمعت صوت خطواته من باب الجناح فأسرعت بالاختباء خلف الستائر وهي تضع يدها على فمها حتى لا تضحك رغماً عنها.
ولج إلى الداخل ليصدح رنين هاتفه فأجاب:
ألو... أنا لسه واصل القصر، هخلص شوية حاجات ومش هتأخر عليكي.
.................
قصي: لأ هتغدى معاكي طبعاً.
قالت صبا بداخل عقلها وهي تراه من خلف الستائر:
نهارك أسود إنت كمان بتخوني!!!.. حلال فيك اللي هيحصلك، قال كنت صعبان عليا قال... ماااااشي يا قصي.
أغلق المكالمة... وخلع ساعة يده ثم سترته وقميصه وقام بفك حزام بنطاله.. فوضعت كفيها على عينيها بخجل... أخذ يصفر متجهًا نحو المرحاض وكاد يلج إلى الداخل لكنه توقف عندما رأى السوائل المنسكبة في الأرض... ابتسم بخبث فأوصد الباب.
لم يتسنَ لها الرؤية من خلف الستائر، لكن عندما سمعت صوت إغلاق الباب ابتسمت بانتصار وهي تخرج من مخبأها متجهة نحو باب المرحاض وهي تقول:
شوف بقى هتعرف تخرج إزاي وتروحلها.
قالتها وهي تخرج المفتاح من جيبها وأوصدت الباب وصاحت بمرح كالطفلة وهي تقفز: هيااااي... Yes... Yes.
وما إن التفتت فشهقت بفزع لتجد الواقف أمامها لا يرتدي سوى سرواله الداخلي... عاقدًا ساعديه أمام صدره العاري...
ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت بخجل: أأ.. أنا كنت بدور على حاجة وقعت مني.. وما لقتهاش... عن إذنك...
قالتها وهي تسير نحو باب الجناح فجذبها من يدها وقال بوجه متجهم:
ويا ترى إيه اللي وقع منك... الشامبو والشاور اللي مغرقالي بيهم أرضية الحمام!!
توردت وجنتاها من شدة الخجل وقالت: شامبو إيه وشاور إيه أنا ما عرفش حاجة.
أمسك ذقنها ورفع وجهها لأعلى لتنظر إليه وقال: مش عيب تكدبي؟
أجابت بتلعثم: أأ أصل... أنا.. ما عرفش بقى.
_ قوليلي عملتي كده ليه؟
قالها وهو يرمقها بنظراته الثاقبة التي زادت توترها وخوفها من ردة فعله.
أجابت وكأنها طفلة تخشى العقاب:
بصراحة كنت عايزة أنتقم منك.
_ تنتقمي مني عشان بوست سيلينا!!
أومأت له بالإيجاب وقالت: وكمان رايح تخوني وهتقابل واحدة تانية.
قصي: ورقصك مع كلاوس ده مش خيانة؟؟
اتسعت عيناها وقالت: أنا مش خونتك... أنا كنت مستنياك تحت وهو جه وأخدني من إيدي وخلاني رقصت معاه وما ادنيش فرصة أرفض.
رفع إحدى حاجبيه بامتعاض وتهكم قال:
قادرة بس ترفضيني كل ما أقرب منك، وما كنتيش قادرة ترفضي الرقص معاه.
- صح!
لم تجب فصاح في وجهها وقال:
- ردي عليا.
انتفضت بذعر وقالت:
- أنا اتأسفتلك وقتها وشوف إنت عملت إيه بعدها مع السلعوة أم شعر أصفر.
كاد يضحك لكنه ارتسم الجمود فأمسك بيدها وقال:
- تعالي.
أخذها وغادر الجناح ليلج إلى غرفتهما وأغلق الباب.
صبا بنبرة خوف:
- أأ أنت هتعمل إيه؟
لم يجب عليها واستمر بجذبها حتى فتح باب المرحاض ودخل كلاهما وأوصد الباب.
صبا:
- قصي لو سمحت سيبني أخرج.
قصي بنبرة أمر صارمة:
- مفيش خروج من الحمام غير لما تحميني.
***
يونس:
- متخافيش ده أمان ليكي وملهوش آثار جانبية لسه سائل الدكتور جوه... ده مكنش عايز يصرفلي أي حاجة من غير روشتة غير لما قعدت أتحايل عليه وفهمته إنك تعبانة جداً ولازم تاخدي الدوا.
حدقت في عينيه قليلاً فأردف:
- مالك بتبصي ليا كده ليه؟
كارين:
- أنت خلاص قررت من دماغك من غير ما تسألني إني عايزة أحمل ولا لأ!!
يونس:
- مش محتاجة سؤال يا كارين، أولاً إحنا في ظروف مش تنفع تحملي فيها خالص وثانياً ظروف...
صمت عندما رأى الدمع في عينيها وقالت بنبرة بكاء:
- سكت ليه؟.. ما تقولها... مش هينفع تحملي يا كارين عشان أنتي مريضة بالقلب.. صح!!
يونس وهو يأخذها بين ذراعيه قال:
- والله ما قصدي أضايقك أبداً... أنا خايف عليكي يا كارين.. ومش عايز حاجة من الدنيا غيرك أنتي.. ومش عايز عيال.
ابتعدت عن صدره وقالت ومازالت تبكي:
- بس أنا عايزة... نفسي أكون أم... أنا اتولدت وماما ماتت وهي بتولدني... كنت لما بروح المدرسة أو النادي بلاقي البنات بتجري وتلعب مع أمهاتهم وبينادوها يا ماما.. كلمة اتحرمت طول عمري إني أنطقها... مقولتهاش غير لماما فايزة لما حسستني بالإحساس ده... بس برضو مفيش حد يقدر يعوضك عن أمك الحقيقية. أرجوك يا يونس ما تحرمنيش إني أسمعها زي ما اتحرمت إني أقولها.
ضمها بقوة وحنان وقال:
- حقك عليا يا روحي... عشان خاطري كفاية دموعك مبقدرش أستحملها... أنا هحققلك اللي نفسك فيه بس اصبري معايا لحد ما نلاقي حل مع أخوكي... مش عايز نفضل عايشين هربانين وكأننا عاملين جريمة.
هدأت قليلاً من البكاء... أمسك بوجهها وأخذ يكفكف عبراتها ويقبل وجنتيها، فأردف:
- خلاص بقى.. لو مبطلتيش عياط هفضل أبوس خدودك وهتلاقيني رايح ع الشفايف وخلي بقى اللي رايح واللي جاي يبص علينا.
ارتسمت على ثغرها شبه ابتسامة فقالت:
- طيب يلا نروح ناكل عشان أنا جوعت أوي.
يونس:
- من عيوني وقلبي وروحي... تؤمري يا عمر يونس ويلا عشان لما نروح عايز منك حاجة كده.
كارين:
- عايز مني إيه؟
ابتسم بخبث وهمس في أذنها لتشهق بخجل وضربته بخفة على كتفه وقالت:
- بس عيب...
ضحك من خجلها وحملها إلى سيارة الأجرة التي أشار إليها.
***
أجابت بصدمة وهي تفغر فاها:
- نعم!!!
قصي:
- زي ما سمعتي بالظبط... زي ما كنتي عايزة تخليني أتزحلق عقاباً ليكي هتحميني.
صبا:
- وأنا مش هعمل كده أنت عارف أنا بتكسف.
قصي:
- بتتكسفي من جوزك!!... اعتبريها زي الليلة إياها.
قالها وغمز إليها بعينه يذكرها بالليلة التي كانت ثملة فيها. اشتد خجلها وهي تتذكر فقالت:
- مكنتش في وعيي وقتها ووسع من قدامي بقى.
قالتها وهي تدفعه في صدره وتلتف لفتح باب المرحاض لتجد يده سبقتها فوق المقبض ملتصقاً بظهرها... ليجعلها تلتف إليه واضعاً يديه على خصرها...
- ابعد عني يا بتاع سيلينا.. روح لها يلا ولا شوف مين التانية اللي مستنياك دي.
قالتها بنبرة ساخرة. ابتسم بخبث وهو يقترب منها للغاية وهمس لها بنبرة جعلتها كقطعة الثلج التي تركت في زمهرير الشمس:
- ما هو أنا لو لاقي مراتي حبيبتي بتحبني وحنينة عليا ومهتمة بيا عمري ما هبص لغيرها... ولا أنتي عندك رأي تاني؟
قالها وهو يقترب بأنفاسه الحارة من عنقها المرمري يداعبها بطرف أنفه.. أسبلت أهدابها وهمهمت بصوت يكاد يكون مسموعاً:
- قصي.
لثم عنقها بقبلة حانية ثم قال:
- اممم... نعم يا روح قصي.
قالت بنبرة كالتائهة في عالم آخر:
- كفاية بقى.
أجابها بعناق قوي وقال:
- كفاية أنتي بقي اللي بتعمليه فيا ده.. أمتى بقى... نفسي أسمعها منك.
أجابته بدلال وهي تتمايل بين يديه:
- تؤ تؤ.
ابتعد برأسه ورفع حاجبيه وقال:
- بقى كده!!
أومأت له وقالت:
- اممم هو كده.
جعلها تلتف ليصبح ظهرها إليه محاوطاً خصرها وقال هامساً:
- الظاهر وحشتك أسناني ياروحي.
شهقت وهي تلتف إليه مرة أخرى وقالت برجاء:
- خلاص خلاص هعمل اللي أنت عايزه... بس أبوس إيدك بلاش عض... دي علامات أسنانك لسه مراحتش من وقتها.
وضع يده على مؤخرتها وقال:
- بجد وريني كده وأنا هخليها تروح.
ضربته على يده وهي تبعدها وقالت:
- بس بقى يا قليل الأدب.
ضحك قصي وقال:
- خلاص قوليها وأنا هبقى مؤدب.
صبا:
- طيب غمض عينيك واسمعني.
أغمض عينيه وقال:
- ها.. كلي آذان صاغية.
انحنت نحو وشم صدره لتهمس بأنفاسها عليه:
- أنا... بعشقك يا روح وقلب صبا.
قالتها لتطبع قبلة بشفتيها التي لمست كل حرف موشوم بصدره... فاشتعل داخله برغبة وحب لينفجر بركان عشقه ليغمرها بحممه المشتعلة... وقع معطفها الحريري أرضاً... ويليه القميص الحريري... قدماها ترتفعان لأعلى حيث حملها بين ذراعيه ليأخذها إلى مملكته يأسرها بين أضلاعه يذيقها رشفات من خمر شفاه التي تفوهت إليها بأروع كلمات الحب التي عزفت على أوتار قلبها النابض لعشق الملك.
***
تجلس بجوار زوجها الشارد في الفراغ تمسك بطبق فاكهة وسكين.
- عبده...
نادت بها شيماء، لم يجب عليها. وكزته في صدره بمقبض السكين وصاحت به:
- عبدوووووو.
انتفض بذعر وقال:
- إيه يا شوشو... حرام عليكي خضتيني.
شيماء بنبرة سخرية:
- ألف سلامة عليك من الخضة يا حبي... كنت سرحان في إيه؟
تناول من الطبق تفاحة وقام بقضمها وقال:
- بفكر في رزق جايلنا هيرفعنا لفوق.
شيماء وهي تقطع تفاحة قالت:
- رزق إيه اللي هيرفعك لفوق يا سبعي.
رمقها بامتعاض وقال:
- بتتريقي على جوزك حبيبك يا شوشو، ماشي ليكي حق أصلك مشوفتيش اللي أنا شوفته.
رمقته بتفحص وقالت:
- عبده... لخص وقولي من الآخر كده عملت مصيبة إيه تاني؟
أجابها بسأم:
- ماشي يا ستي تشكري على ظنك السيئ فيا... عامة هقولك.. كنت بوصل أوردر في التجمع في الحي بتاع القصور... روحت لقيتلك مين هناك.
شيماء:
- مين؟
عبدالله:
- لقيتلك البت سماح مرات طه.
شيماء:
- وإيه اللي وداها في قصر عم خديجة دي؟
عبدالله:
- إيه ده أنتي عارفة ليهم قرايب عندهم قصر؟
شيماء:
- يا ابني أنا متربية مع خديجة... ما هو ده قصر عمها وحماها في نفس الوقت.
عبدالله:
- الواد طه لما كان بيحكيلي مكنتش بصدقه بس لما شوفت بعيني لقيت حاجة تانية خالص... دي عالم غنية أوي يا بت يا شوشو.
ضيقت عينيها وقالت:
- وأنت بقى اتكلمت مع البت الشمال دي؟
عبدالله:
- قصدك سماح؟
شيماء:
- أيوه هو في غيرها.. والله يا عبده لو عرفت إن ليك كلام معاها هطين عيشتك.. البت دي مبحبهاش تحس كأنها بت كده من اللي بيتشقطوا من شارع جامعة الدول.
قهقه عبدالله وقال:
- الله يخرب بيت دماغك... ده أنتي مشكلة يا بت سيبك من جو التليفزيون اللي واكل دماغك ده وركزي معايا... بقولك عايزين نعلى... الواد طه شكله قعد مع عمه في القصر وممكن كده بصنعة لطافة أخليه يشوفلي شغل عند عمه الغني ده أحسن من الدليفري اللي باخد فيه ملاليم.
***
ذهب كلاهما إلى إحدى المطاعم الفاخرة...
كارين:
- يونس ليه جبتنا هنا شكل المطعم ده غالي أوي مش عايزين نصرف القرشين اللي معانا ونخلصهم بسرعة.
أمسك يدها وطبع عليها قبلة وقال:
- متقلقيش أنا معايا والحمد لله ولو احتجت لحاجة هبعت لبابا يحولي فلوس.
كارين:
- مش عارفة لما يعرفوا إننا اتجوزنا هيعملوا معاك إيه.
يونس:
- هيتقبلوا الأمر ومش هيقولوا حاجة لما يشوفوني سعيد معاكي.
تنهدت بسأم وقالت:
- ربنا يستر.
ولج كلاهما إلى داخل المطعم ليزيح لها المقعد فجلست، فقال:
- حبيبتي أنا رايح التويليت وجاي بسرعة... لو الويتر جه اطلبي لينا على ذوقك عقبال ما أجيلك.
كارين:
- طيب متتأخرش عليا.
قبل جبهتها وقال:
- حاضر يا روحي.
ذهب وكانت هناك عيون تتبعهم من بعد.. وحينما غادر يونس... اتجه ذلك الرجل ذو المظهر الأنيق نحو كارين التي كانت تقرأ قائمة الطعام.
- مرحباً آنسة كارين.
قالها الرجل وهو يمد يده للمصافحة. رفعت عينيها لتتسع بصدمة وهي تحدق به وقالت:
- سنيور آندرو!!!
بادلته المصافحة فقال:
- كيف حالك عزيزتي؟
كارين:
- بخير.
آندرو:
- هل أتيت بمفردك أم برفقة قصي؟
ابتلعت ريقها بتوتر وقالت:
- بلى أتيت بمفردي.
رمقها بتفحص وقال:
- ولما أنتي متوترة هكذا؟
كارين:
- لست متوترة لكن أنتظر أحدهم.
آندرو:
- أظن فإنه صديقك.
كارين:
- من تقصد؟
آندرو:
- الشاب الذي تركك وذهب.
نهضت وقالت:
- عذراً سنيور... لدي موعد وقد تأخرت... سلام.
أمسك يدها وقال:
- ومتى سأراك مرة أخرى... يا جميلتي.
جذبت يدها وكادت تتفوه فقاطعها صوت يونس:
- عايز منك إيه الراجل ده؟؟
قالها يونس بغضب. تحدث آندرو وقال:
- واو... إنه مصري مثلك... عفواً يا هذا كنت أرحب بشقيقة صديقي.
كارين وهي ترمق يونس حتى يصمت فقالت:
- شكراً لك سنيور آندرو... نراك لاحقاً.
ثم أردفت ليونس وتهمس إليه:
- اوعى تتهور وتعمل مشكلة تعالي نروح وهفهمك بعدين.
زفر بحنق وقال:
- يلا قدامي.
***
شيماء:
- وأنا بقولك لأ يا عبده.. هو لو كان نفع نفسه كان نفعك.
عبدالله:
- ما هو بقى بيشتغل عنده في المصنع وبمرتب حلو كمان.
تركت الطبق من يدها ووضعت يدها في خصرها وقالت:
- لأ بقى ده أنت شكلك قعدت تتساير مع البت السنكوحة دي وعرفت كل حاجة منها.
عبدالله وهو يضربها بخفة على مؤخرة رأسها وقال:
- ما تفهمي بقى يا أم دماغ جزمة... أنا يعني يوم ما هبص لغيرك مش هلاقي غير دي... أنا بحكيلك عشان تبقي تكلمي صاحبتك من ناحية وأنا هقرب من طه أكتر من ناحية تانية.
شيماء:
- مصلحة يعني.
عبدالله:
- هي الدنيا كده يا حب مصالح.
شيماء:
- وأنا عمري ما عرفت حد عشان مصلحة.
نهض وأخذ منها باقي التفاحة التي كادت تأكلها وقال:
- وش فقر طول عمرك.
صاحت شيماء بحنق وقالت:
- يعني خلصت كل التفاح اللي في الطبق وكمان أخدت بتاعتي يا طفس.
عبدالله:
- أومال مين اللي خلص الاتنين كيلو موز وزيهم تفاح إمبارح!!.. تعالي كوليني ياختي.
شيماء:
- أخص عليك يا عبده بتعد عليا الأكل... وبعدين أنا باكل ليا بس ولا ابنك كمان.
عبدالله:
- بالهنا والشفا يا حبيبتي... روحي يلا حضري لي هدوم عقبال ما أخد لي دش عشان نازل.
شيماء:
- رايح فين لسه بدري على ميعاد شغلك.
عبدالله:
- رايحين نزور واحد صاحبنا عيان وهنعمل معاه الواجب.
شيماء بصوت غير مسموع:
- آه يا خوفي منك يا عبده لو طلعت بتلعب من ورايا لتكون النهاية معاك وقبلها هكون مطلعة عليك القديم والجديد.
- يا شوشووووووووو... هاتيلي فوطة.
صاح بها عبدالله.
شيماء:
- حاضر.
***
في المنزل الريفي... تطرق على باب الغرفة وترجوه:
- يونس حبيبي حقك عليا متزعلش مني مش هكررها تاني.
يونس من الداخل:
- خلاص يا كارين سيبيني أهدى مع نفسي.
قالت:
- أنا مكنتش أعرف إنك غيور للدرجة دي...
- كل ده عشان سلم عليا؟
فتح الباب وقال:
- حطي نفسك مكاني، لو لقتيني واقف مع واحدة وبسلم عليها وعمال برغي معاها، شعورك وقتها هيبقى إيه؟
أجابت باندفاع:
- كنت هاجيبها من شعرها غير اللي هاعمله فيك.
يونس:
- يعني المفروض كنت هامسكه أضربه وليا حق أزعل منك.
كارين:
- يا حبيبي هقولك من تاني... ده زعيم مافيا ويبقى صاحب أخويا وعارفني لما كان بيجي زيارة لقصي في مصر... وربنا يستر بقى وميتصلش عليه ويقوله إن أنا هنا.
يونس:
- طيب خلاص اقفلي ع الموضوع ده وروحي كملي أكلك وسيبيني أهدي مع نفسي.
كارين:
- وأنا مش هاكل غير لما تاكل معايا.
أذعن لها وقال:
- ماشي يا كارين.
كارين:
- خلاص بقى عشان خاطري متزعلش.
قالتها ثم أخذت تدغدغه في خصره... قهقه وقال بين ضحكاته:
- إحنا فينا من كده... طب تعالي.
قالها ليفعل معها المثل وهي تضحك حتى أدمعت عيناها من كثرة الضحك.
تناول كلاهما الطعام معًا بسعادة وحب... كان يأكلها بيده وهي كذلك أيضًا.
جلسا أمام التلفاز يشاهدان فيلمًا رومانسيًا.. نهضت من جواره وهي تبتسم فقال لها:
- رايحة فين؟
كارين:
- هاجيب حاجة من فوق وجاية.
صعدت إلى الغرفة فوقفت أمام المرآة تبتسم بخجل وهي تتذكر ما قاله لها.. فتحت الخزانة فتناولت معطفًا حريريًا طويلًا... بدلت كل ما ترتديه بذلك المعطف ذو اللون الأحمر القرمزي اللامع.. وضعت القليل من الحمرة على شفاها بنفس لون المعطف... تركت لخصلات شعرها الذهبي العنان... أمسكت بزجاجة العطر الذي يعشق رائحته عندما تضعه فقامت بنثر منه على يدها ثم مسحت بها على عنقها ورسغها.
فتحت الحقيبة خاصتها تناولت دفتر الرسم وقلم الفحم وممحاة... غادرت الغرفة وهبطت بخطى هادئة وقبل أن تذهب إليه قامت بتوصيل هاتفها بسماعة مكبرة... وضغطت على شاشة الهاتف لتصدح موسيقى الأغنية الشهيرة من فيلم (Titanic).
أطفأ التلفاز وهو ينصت إلى الموسيقى ليبتسم وهو يقف ويلتفت إلى خلفه ليجدها تقف وتمسك بدفتر الرسم والقلم وتعطيهما إليه وقالت بخجل:
- اتفضل.
أخذ منها القلم والدفتر ووضعهما جانبًا ليجذبها من يديها ويراقصها على نغمات الموسيقى وقال وهو يتفحصها بنظرات غزل وحب:
- معقولة كل الجمال ده ليا أنا؟
أجابته مبتسمة بخجل:
- بس بقى عشان مكسوفة أوي، معرفش أنا بسمع كلامك إزاي.
عانقها بقبلة على وجنتها وقال:
- يعني ندمانة على إنك بتعمليلي حاجة نفسي فيها وأول طلب أطلبه منك بعد جوازنا؟
كارين:
- لأ يا روحي عمري ما ندمت على حاجة أبدًا من وقت ما عرفتك.
ضمها إلى صدره ثم حملها وأخذ يدور بها في المكان فأنزلها رويدًا وهو يتذوق شفتيها بحب وعشق يقبل كل إنش في وجهها وعنقها لتشعر وهي بين يديه كأنها كالفراشة المحلقة في سماء وردية... ابتعدت عنه وأخذت الدفتر والقلم وقالت:
- اتفضل حقق أمنيتك يا فنان.
أخذهما فوقفت لدى الأريكة المخملية البيضاء ووقفت أمامه وهي تفك رباط الخصر في معطفها وتخلع المعطف ووجنتاها متوهجة احمرارًا من الخجل... انسدل المعطف على جسدها ليقع على الأرض فتمددت فوق الأريكة على جانبها بنفس وضعية جلوس بطلة الفيلم في ذلك المشهد... جلس يونس على المقعد المقابل للأريكة ورمقها بنظرات فنان يرسم ملامحها ومنحنياتها بقلبه وعقله ووجدانه على الموسيقي.
انتهى من رسمه لينهض ويأخذ المعطف ويساعدها في ارتدائه ثم حملها وصعد بها إلى أعلى حيث غرفتهما التي تشهد على أجمل قصة حب وعشق ووله.
***
تجمع كل من آدم ومصعب ويوسف وياسين أمام المشفى الموجود به عم شكري والسيدة سميرة...
صدح رنين هاتف مصعب ليتصل عليه أحد الحراس فأجاب عليه واستمع لما قاله وأغلق المكالمة.
مصعب:
- يوسف بيه، نصار حارس البوابة بيقول إن فيه واحد جه اداله جواب وجري بسرعة بالموتوسيكل، فتحه ولقاه مكتوب فيه... لو عايز بنتك حضر لنا مبلغ مليون جنيه وهاتهم ع العنوان اللي في آخر الورقة، ولو خايف عليها إياك تبلغ البوليس.
آدم:
- أنا هاروح أسحب المبلغ من البنك بسرعة وهاروحلهم.
يوسف:
- الساعة عدت 4 والبنوك زمانها قفلت... وكل اللي أملكه في الفيزا ربع مليون.
آدم:
- وأنا معايا فيزتين فيهم حوالي نص مليون.
مصعب:
- وأنا معايا باقي الفلوس... اتفضل يا يوسف بيه.
قالها مصعب وهو يعطيه بطاقة الائتمان خاصته، ربت على يده وقال:
- تسلم يا مصعب ربنا يخليك.. هديهملك أول ما نرجع القصر.
مصعب:
- عيب يا يوسف بيه... ده من خيركو.
آدم:
- طيب يا مصعب تعالى معايا أنا ويوسف والرجالة، وياسين يطلع ياخد عم شكري ودادة سميرة يروحهم ع القصر.
انطلقت السيارات على العنوان الذي أبلغ الحارس به مصعب وكان مخزنًا قديمًا على طريق الواحات الصحراوي بعدما سحبوا المبلغ المطلوب في طريقهم.
لكن لم يأتي الوقت في صالحهم حيث سبقهم مروان الذي علم بغدر هؤلاء المجرمين وبمعارفه المتعددة بأصحاب الجرائم والمشبوهين علم بأماكنهم خاصة المخزن الذي توجد به لوجي.
- بتضحكوا عليا يا ولاد الـ.....
صاح بها مروان وهو يمسك بأحد الثلاثة وألقاه ضربًا مبرحًا وكاد يهاجمه الآخرون فأمسكوا بهم الرجال الذي أحضرهم مروان برفقته وأوسعوهم ضربًا شديدًا.
- أونكل مروان... أونكل مروان...
صاحت بها الصغيرة المقيدة، ركض نحوها وحملها وقال:
- متخافيش يا حبيبتي أنا جاي أخدك من إيد المجرمين دول.
لوجي:
- بليز خدني عند مامي نفسي أشوفها.
مروان:
- حاضر يا حبيبتي أنا هاخدك ليها متخافيش.
أخذ الطفلة وأمر رجاله بالمغادرة سريعًا ليرحلوا جميعهم ليذهب بها إلى إنجي وهربوا إلى مكان آخر.
وصلت السيارات أمام المخزن ترجل كل ما بداخلها من الرجال.. ولج كل من آدم ويوسف ومصعب ليجدوا الثلاثة ملقين على الأرض يذرفون الدماء.
أمسك يوسف أحدهم من تلابيبه وقال:
- انطق يا حيوان فين البنت؟؟؟
أجابه بوهن:
- مروان بيه جه خدها ومشي.
ألقاه يوسف على الأرض وعينيه تتسع بصدمة وقال:
- مروان!!!