تحميل رواية «صراع الذئاب» PDF
بقلم ولاء رفعت علي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بداخل أحد الأحياء الشعبية في وسط القاهرة... أصوات تتعالى وتردد تكبيرات صلاة العيد في مشهد يجعل قلبك يخفق بشدة من الفرح والسعادة وأنت ترى هؤلاء الذين يفترشون الأرض في ساحة شاسعة في الشوارع بسجاجيد الصلاة.. معظم الرجال والشباب يرتدون العباءة ذات اللون الأبيض الناصع، والنساء بعضهن ترتدي إسدال الصلاة الأنيق وأخريات ترتدي عباءة ذات اللون الأسود ويعلوها الحجاب، ولا ننسى الأطفال الذين يركضون هنا وهناك بين المصلين يرتدون ثياب العيد وبأيديهم البالونات والألعاب، والجميع مستمر في ترديد التكبيرات في صوت مهي...
رواية صراع الذئاب الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم ولاء رفعت علي
يقف أمام مرآة الحوض لحلاقة ذقنه بتأنٍ... رن جرس المنزل باستمرار مع طرق عنيف على الباب، فانتفض لتنغرز حافة الشفرة بذقنه... تأوه ثم زفر بضيق، فقام بغسل وجهه بالكامل وأمسك المنشفة القطنية يجفف وجهه وصاح بحنق:
- حاضر... حاااااضر.
اتجه نحو الباب وقبل أن يفتح ألقى نظرة من الفتحة المستديرة ليجد "علاء" الطارق، وعلى وجهه علامات الغضب المستطير...
فتح له الباب... ليدفعه علاء جانبًا وعيناه تجول في جميع الأرجاء.
صاح إيهاب بحنق:
- إيه الدخلة دي يا علاء!
رمقه بنظرات غاضبة وأجاب عليه:
- رحمة فين يا إيهاب؟
أجابه باستنكار:
- مش فاهم حاجة.
علاء:
- رحمة هربت من إمبارح ومش لاقيينها ولا عند أهلها ولا قرايبها ومش فاضل غيرك أنت.
إيهاب:
- تقصد إيه بكلامك!
علاء:
- أقصد إنك الوحيد اللي ممكن تلجأ له رحمة.
إيهاب:
- وإيه اللي خلاك تفكر في كده؟ ده هي مرة اللي قابلتني فيها لما جبتها المكتب.
صاح علاء بغضب:
- كدااااب... رحمة جاتلك من غير ما أعرف بأمارة لما وصلتها الحارة من كام يوم بعربيتك.
صاح إيهاب بغضب مماثل:
- ولنفرض يا أخي، أنت إيه اللي مضايقك... كنت أخوها ولا أبوها ولا وصي عليها؟
جذبه علاء من تلابيب قميصه القطني وصاح قائلًا:
- تبقى مرات أخويا وسايبها أمانة عندي لحد ما يرجع من السفر.
أمسك إيهاب بيدي علاء وأبعدها:
- عيب اللي بتعمله ده يا علاء، أنا مراعي الصحوبية اللي ما بينا وإنك في بيتي.
ابتعد علاء وهو يجز على فكه وقال:
- والله العظيم يا إيهاب لو عرفت إن ليك يد في هروبها مش هارحمك ولا هرحمها.
أجاب عليه ببرود:
- أعلى ما في خيلك اركبه... وقريب هخليها تتخلص من أخوك ومن عيلتكم كلها.
زفر في وجهه وقال ساخرًا:
- بس مش هتقدروا تتخلصوا مني أنا يا صاحبي.
قالها وغادر المنزل...
***
- بس يا ستي ده كل اللي حصل بعد ما نزلتي على طول.
قالها إيهاب حيث يجلس مقابل رحمة في إحدى المطاعم المطلة على نهر النيل.
تنهدت رحمة ثم قالت:
- الحمد لله إن أنا نزلت قبل ما يجي.
رمقها بنظرات متفحصة وقال:
- بس أنا حاسس إنك بالنسبة له مش مجرد مرات أخوه وبس.
انتابها التوتر فقالت:
- أنت ليه بتقول كده؟
إيهاب:
- لأنه صاحبي وعارفه... لو شوفتي نظرات عينيه وملامح وشه لما قولتله هتطلق وهتخلص منكم.. كنتي فهمتي أنا أقصد إيه.
رمشت بأهدابها عدة مرات وقالت:
- أنا عارفة وكنت حاسة ومقدرش ألومه لأن قلوبنا مش بإيدينا، عشان كده لما قررت أمشي ما أقولوش على مكاني.
تنهد إيهاب بأريحية فقال:
- طيب وأنتِ؟
ابتسمت بتهكم وقالت:
- أنا!.. جربت الحب مرة وهو اللي وصلني للي أنا بقيت فيه... وأظن بعد كل اللي جرالي عمري ما هقرر التجربة دي تاني سواء مع علاء أو مع غيره.
إيهاب:
- أنا مش معاكي في النقطة دي.. بمعنى إن إحنا عشان فشلنا مرة في اختيار كان غلط يبقى هنحكم على قلوبنا بالسجن مدى الحياة... يعني ممكن وأنتِ في عز محنتك تقابلي الشخص اللي يحبك بجد ويقدر يعوضك عن كل اللي مريتي بيه.
قالها وظل محدقًا في عينيها... شعرت بالخجل والتوتر فأحبت تغيير مجرى الحديث فنهضت وقالت:
- ياااه الوقت جري بسرعة، عن إذنك بقى لما ألحق أمشي.
إيهاب:
- هتمشي على فين؟
رحمة:
- ما أنا نسيت أقولك، الحمد لله لقيت مطرح كده أوضة وصالة وحمام في بيت كده قديم، صاحبه راجل طيب خالص وهياخد مني إيجار قليل، وكمان لما عرف إني بدور على شغل طلب مني أشتغل معاه في المكتبة بتاعته.
إيهاب:
- وأنا بطلب منك تسيبيكي من شغل المكتبة دي وتعالي اشتغلي معايا في المكتب.
رحمة:
- ولما علاء يشوفني عندك؟
إيهاب:
- متخافيش ما يقدرش يعمل حاجة وأنا جنبك.
رمقته بعدم اهتمام لما تفوه به فقالت:
- إن شاء الله ربنا يسهل.. لازم أمشي قبل ما الوقت يتأخر.
إيهاب:
- استني هوصلك.
رحمة:
- لأ شكرًا.
قال بنبرة صارمة:
- هوصلك لحد تحت البيت وهطمن عليكي لحد ما تطلعي وهامشي.
شردت في عينيه وأومأت له وقالت:
- حاضر.
***
توقف بسيارته أمام إحدى المراسي على نهر النيل...
- ها وصلنا أخيرًا؟
قالتها "صبا" وهي معصوبة العينين.
- أها وصلنا، بس خلي الشريطة على عينيكي لحد ما أنا أشيلهالك.
قالها "قصي" ثم ترجل من السيارة ليلتف إليها وفتح الباب وأمسك بيدها ليساعدها في النزول وقال:
- على مهلك... خليكي ماسكة في إيدي.
سار ممسكًا بها حتى وصل أمام يخت... وقف خلفها وقام بفك الرباط من على عينيها لتفتحهما ببطء بسبب ضوء الشمس... فاتسعت عيناها بفرحة غامرة عندما رأت حروف اسمها مضيئة بأعلى اليخت، فقفزت بسعادة وقالت:
- الله حلو أوي.
أمسك يدها وقبلها وقال:
- كل سنة وأنتِ روحي وحياتي... كل سنة وأنتِ طيبة يا عمري.
ارتمت على صدره لتعانقه وصاحت بسعادة:
- ربنا يخليك ليا يا حبيبي وما يحرمنيش منك أبدًا.
قصي:
- عجبتك الهدية؟
صبا:
- تسلملي يا حياتي.
قصي:
- تعالي أفرجك عليه من جوه.
قالها ليفاجئها وهو يحملها على ذراعيه فصاحت بمرح:
- قصي.. نزلني مش هتعرف تطلع اليخت وأنت شايلني كده.
- أنتِ مش واثقة في قدراتي ولا إيه؟!
قالها وغمز بإحدى عينيه ليقفز بها إلى اليخت وهي متشبثة به.
لج بها إلى الداخل لتقع عيناها على أروع وأرقى ما رأت من تصميم هندسي وأرقى ديكور فني وكأنه منزل عائم وليس يختًا... يسود اللون الأبيض الأثاث بأكمله.. مزود بالأجهزة الترفيهية ولا سيما ذلك الركن الصغير المليء بقوارير الخمر والنبيذ وبعض المشروبات... أخذها للطابق العلوي الذي تتوسطه طاولة تحيطها مقاعد جلدية ومخملية، وبأعلى الطاولة العديد من الأطباق لمختلف الأطعمة يتوسطها قالب حلوى ينيره سبع وعشرون شمعة بعدد ما تمت من السنين.
- كل ده عشاني يا قصي!
قالتها صبا غير مصدقة بفرحة غامرة.
أمسك بيدها وقال بنظرات عاشقة:
- أنا لو عليا نفسي أشتريلك كل الدنيا وأخليها ملكك وبين إيديكي.
رمقته بنظرات حب وهيا م فقالت:
- قصي.
قصي:
- روح وقلب وحياة قصي.
صبا:
- أنا بحبك أوي لدرجة ما بقتش أقدر أبعد عنك ولا لحظة.
غمرت ثغره ابتسامة عشق وقال:
- يعني مش هتحاولي تهربي وتبعدي عني تاني؟
أومأت له بالنفي وقالت:
- ما بقاش ينفع أهرب، عارف ليه؟
جذبها نحو صدره وهمس بالقرب من شفتيها وقال:
- ليه؟
صبا:
- عشان من غيرك ما قدرش أتنفس ولا أعيش، أنت بقيت بالنسبة ليا الهوا والمية... بقيت الدم اللي بيجري في عروقي... بقيت النبض اللي بيحيي قلبي اللي بيدق بحروف اسمك.
وإن انتهت من كلماتها فغمر شفتيها بقبلات وكأنه يرتشف العسل من فمها... وهي تشد من معانقته بقوة حتى كادت تلج إلى ضلوعه لتمكث بداخل قلبه الذي ينبض بعشقها...
انتهت قبلات العشق والعناق الآسر ليبدأ كلاهما بالاحتفال... أغمضت عينيها وهي تدعو بداخلها ثم انحنت نحو القالب لتطفئ الشموع ليغمرها قصي بعناقه وحبه.
***
في ضريح عائلة البحيري...
تقف أمام قبر والدها تضع الصبار والأزهار بجواره... لتسقيهم بعبراتها التي تنسدل على وجنتيها الورديتين...
- أزيك يا حبيبي وحشتني أوي... أنا عارفة إني اتأخرت عليك... بس تعرف بحس إن روحك معايا دايمًا.. أنا نفذت وصيتك بس ما بقتش قادرة أستحمل يا بابا... خايفة لقلبي يكرهه وأنا لو كرهته عمري ما هقدر أحبه تاني... قولي أعمل إيه... بحاول أقرب منه وهو لأ وكأنه بينتقم مني وما يعرفش إني فضلت عايشة طول حياتي على حبي ليه وأنا كنت عارفة إنه بيحب غيري وقلبه معاها، ولما شاء القدر وبقيت معاه ما عرفش إنه هيبقي عذابي...
صمتت وظلت تبكي حتى توقفت عن البكاء وأخرجت من حقيبتها مصحفًا صغيرًا وقالت:
- طبعًا وحشك صوتي وأنا بقرأ القرآن خاصة سورة الرحمن.
ابتسمت لتبدأ في تلاوة آيات الله بصوت عذب تنصت إليه باستمتاع.
انتهت من القراءة ثم أخذت تدعو كثيرًا له...
نظرت إلى ساعة الهاتف لتجد أنه مر عدة ساعات وعليها المغادرة... ألقت نظرة أخيرة على قبر والدها وقالت:
- مع السلامة يا حبيبي.
غادرت الضريح واستقلت السيارة لينطلق بها السائق إلى القصر.
***
يتراقصان معًا على إحدى الأغاني الغربية ذات الموسيقى الهادئة...
- قصي...
قالتها صبا بنبرة دلال وهي تدفن وجهها بعنقه.
أجابها بصوت وهو في عالم آخر:
- أممم.
صبا:
- حضنك حلو أوي.
تساءل بمكر:
- حلو إزاي؟
صبا:
- مليان دفا وحنية عمري ما حسيتهم غير وأنا جواه.
قصي:
- عارفة ليه؟
صبا:
- ليه؟
قصي:
- عشان اتخلق علشانك أنتِ.
صبا:
- يعني ما كانش فيه حد قبلي؟
قصي:
- طبعًا كان فيه.
ابتعدت برأسها عن صدره وعقدت حاجبيها وقالت بحنق:
- آه طبعًا منهم الست "سيلينا" بتاعت روسيا والصفرا اللي كانت معاك في المكتب غير الله أعلم مين تاني... أصلك كازانوفا عصرك وأوانك.
قهقه من كلماتها وقال:
- آه لو أعرف بتغيري أوي كده.
ابتعدت عنه وهي تزم شفتيها وقالت:
- كنت هتعمل إيه أكتر من اللي عملته... ولا بتفرح لما بتحرق دمي!
ضمها إليه وقال:
- بعد الشر عليكي من حرقة الدم.. بس بعشق ملامحك لما بشوفك غيرانة عليا بحس بحبك قد إيه بتحبيني، واطمني أنتِ الوحيدة اللي ملكت حضني ومربعة جواه.
فقالت باستنكار مصطنع:
- طب أنا مش بحبك وكنت بضحك عليك.
قصي:
- عيني في عينك كده؟
قالها فحدقت في عينيه التي تتسلط عليها أشعة الشمس وهي في أوج غروبها لتتحول من لون الزيتون إلى لون العسل الصافي تلمع بسحر آسر لقلبها الذي أصبح يعشقه بجنون... وهو كان كالتائه في عينيها التي تشبه تعانق الجليد مع السماء الملبدة بالغيوم الرمادية... اقترب منها ويلامس وجنتها بأنامله وهو يرجع خصلاتها إلى خلف أذنها فهمس بشفتيها بنبرة عشق:
- بعشقك يا صبا القلب والروح.
تفوهت بشفتيها لتجيب عليه:
- وأنا بعشقك يا قلب وعمر صبا.
قصي:
- تعالي أفرجك على باقي اليخت.
ابتسمت بخجل فقالت:
- هو لسه فيه مكان ما شوفتوش؟
حملها على ذراعيه وقال:
- طبعًا وده أهم مكان في اليخت كله.
قالها وهبط الدرج وولج إلى داخل الطابق الأول ليتجه نحو رواق ليقف أمام باب غرفة ودفعه بقدمه...
رن هاتفه فقال:
- مين الرخم ده اللي بيتصل في وقت غلط ده!
ضحكت صبا وهي تنزل من على ذراعيه وقالت:
- شوف ليكون حاجة مهمة.
قصي:
- سيبك من اللي بيتصل وركزي معايا مفيش حاجة أهم منك.
قالها واقترب منها ليقبلها فأوقفه مرة أخرى رنين الهاتف فزمجر وتأفف بضيق.
- خلاص رد الدنيا مش هتطير.
قالتها صبا.
وقبل أن يخرج هاتفه من جيب بنطاله قام بخطف قبلة من شفتيها وقال:
- تصبيرة صغيرة.
نظر إلى شاشة هاتفه ليجد المتصل "آندرو"... عقد حاجبيه بتعجب وقال:
- آندرو!!...
***
تجلس بجوار زوجها النائم وتمسك بهاتفها تراسل أحدهم والابتسامة تصل إلى أذنيها، ثم أغلقت شاشة الهاتف وقالت بداخل عقلها:
"دمك خفيف
قالتها سماح بنبرة تهكمية وهي تخلع المنشفة لترتدي ثيابها.
أشاح بصره عنها وقال بغضب:
- إيه اللي بتهببيه ده... مش في نيلة أوضة تغيري فيها؟
انتهت من إغلاق سحاب ثوبها فقالت:
- الله! هو أنا بغير قدام حد غريب!! ولا لازم أفكرك بإنك جوزي؟
طه:
- سمااااااح... اتلمي أحسن لك... أنا أصلا مستحملك بالعافية لحد ما تولدي وبعدها مش عايز أشوف وشك خالص.
اقتربت منه وقالت بحنق:
- طب إيدك ع فلوس عشان محتاجة شوية حاجات هاروح أشتريها النهاردة.
طه:
- مش لسه واخدة من عمي؟ وديتيهم فين!!
سماح:
- محوشاها عشان أأمن بيها نفسي وابنك اللي جاي في السكة.
رمقها بازدراء ولم يتفوه... نهض متجهًا نحو غرفة الثياب وخرج منها يمسك بعدة ورقات من المال وألقاها في وجهها.
فصاحت بغضب:
- أنا مبشحتش منك ع فكرة يا روح أمك... ده حقي عليك وغصب عنك... مش كفاية متجوزاك ع الورق وساكتة.
اقترب منها ليثني ذراعها خلف ظهرها وقال:
- لسانك القذر ده ميجبش سيرة أمي الله يرحمها تاني... واللي مصبرني عليكي الراجل اللي عايشين في خيره... يعني احمدي ربنا إن أنا ببات معاكي في نفس الأوضة وع سرير واحد وأنا أصلا مش طايقك وقرفان منك، وكلمة تاني زي اللي نطقتي بيها مش هيهمني حد وهنزل فيكي ضرب وأخلص منك واللي في بطنك وأرتاح من وساختك.
ترك يدها وهو يدفعها نحو التخت وتركها وذهب إلي المرحاض... أمسكت بساعدها تتأوه من أثر قبضته فقالت:
- إلهي تتشل في إيدك يا بعيد.
طرقات على الباب.
اعتدلت من مظهرها فقالت:
- مين؟
أجاب الطارق:
- أنا علا يا سماح هانم... الغدا جاهز.
سماح:
- حاضر أنا نازلة.
نهضت وهي تلقي نظرة على هيئتها فغادرت الغرفة، وفي طريقها نحو الدرج... توقفت لتسترق السمع أمام غرفة آدم الذي يصدح منها صوته المرتفع.
********************************************
منذ قليل...
وصل كل من آدم ويوسف وياسين كل منهم بسيارته بعد رحلة بحث استمرت منذ الأمس عن مروان وإنجي اللذان اختفيا وكأن ليس لهما وجود ولديهم الصغيرة...
اتجه ثلاثتهم نحو جيهان التي تنتظرهم في الحديقة...
- طمنوني عملتوا إيه؟؟
قالتها جيهان بنبرة قلق وخوف على حفيدتها.
زفر يوسف الذي ارتمى فوق المقعد وقال:
- عرفنا المكان اللي كانت فيه الحيوانة اللي اسمها إنجي هي والكلب مروان، وبعد ما روحنا ملقناش حد.
نظر إلي آدم بسخط فأردف:
- والأستاذ آدم رايح يلبسنا في مصيبة، مسك البواب كان هيموته في إيده عشان يقولنا ع مكانهم، والراجل خاف لروحه تطلع في إيد ابنك قالنا إنهم مشيوا من إمبارح ومعاهم البنت وميعرفش أكتر من كده.
صاح آدم بغضب:
- يعني كنت عايزني أخليه يتكلم إزاي!! ما استعملت معاه الذوق والفلوس منفعش... وأنا متأكد إنه عارف هم راحوا فين وكان هيقول لولا خلصتوه مني أنت وياسين.
كان ياسين في عالم آخر فقال:
- عن إذنكوا أنا طالع أوضتي.
وفي تلك الأثناء ترجلت خديجة من السيارة التي جاءت للتو من الخارج متشحة بالسواد... جاءت إليهم.
- السلام عليكم.
قالتها خديجة، فبادلتها جيهان ويوسف التحية... ولكن آدم رفع عينيه وهو يحدق بمظهرها فقال:
- كنتي فين؟؟
أجابت بتوتر وهي تنظر إلي جيهان ثم إليه:
- كنت بزور بابا الله يرحمه.
رمقها بنظرات حادة أرعبتها وقال بهدوء:
- استأذنتيني؟؟
كادت تتفوه فقاطعتها جيهان وقالت:
- استأذنت مني أنا.
أشار لوالدته بيده وقال:
- لو سمحت يا ماما أنا بسألها هي وعايز منها.
خديجة:
- أنا اتصلت عليك أكتر من مرة موبايلك كان مغلق.
أخرج هاتفه من جيب بنطاله ليجده فارغ الشحن بالفعل... ألقاه على المنضدة وقال:
- وكان فيها حاجة لما سيادتك تستني أرجع من بره وتقولي لي؟ وساعتها هقولك اه ولا لأ، ولا بتقرري من دماغك كده وخلاص!!
شعرت بالحرج من أسلوب حديثه ونبرة صوته المرتفعة معها أمام شقيقه ووالدته.
يوسف:
- خلاص يا آدم محصلش حاجة.
صاح آدم:
- معلش يا يوسف دي حاجة ما بيني وما بين مراتي... واللي الهانم فاكرة إن عشان وافقت أجيبها القصر هتمشي كلامها عليا وتخرج وتدخل ع مزاجها!!
صاحت بحنق:
- أنت بتتكلم كده ليه وكأني عملت جريمة... ما قولتلك كنت بزور بابا الله يرحمه، ولو مش مصدق روح اسأل التربي وهو هيقولك.
- خلاص يا خديجة... اطلعي يا حبيبتي غيري الأسود ده وانزلي عشان تتغدي.
قالتها جيهان.
خديجة:
- يعني يا ماما يرضيكي أسلوب ابنك معايا؟
غمزت لها بدون أن يراها آدم وهي تشير لها بأن تهدأ وقالت:
- ما خلاص يا خديجة.
كان يرمقها بتوعد... لتجز على أسنانها بحنق وصعدت إلي أعلى... لينهض ويتابعها فأوقفته جيهان وقالت:
- آدم.
آدم:
- متخافيش يا ماما طالع هاخد شاور وأغير هدومي.
قالها وذهب خلف خديجة التي صعدت إلي أعلى وبداخلها تستشيط غضبًا من أسلوب هذا الآدم الفظ.
- قوم أنت كمان يا حبيبي اطلع ريح وغير هدومك ده أنت منمتش بقالك يومين.
قالتها جيهان.
يوسف:
- راحة فين يا ماما وبنتي خطفوها الكلاب اللي لو وقعوا في إيدي وأقسم بالله ما هرحمهم.
جيهان وهي تتصنع الهدوء قالت:
- متقلقش عليها هي مع مامتها وعمر ما إنجي هتأذي بنتها... هي بالتأكيد خافت إنك تحرمها منها بعد ما كنت هتمضيها ع ورقة تنازل حضانة البنت.
يوسف:
- دي استحالة تكون أم أبدًا، وعمري ما هأمن ع بنتي معاها، دي واحدة خاينة وممكن تبيع اللي من لحمها عشان مصلحتها وبس.
جيهان:
- هدي أعصابك ومتحرقش في دمك... وبإذن الله هتلاقيهم وهترجع لوجي.
شرد في الفراغ وقال:
- يااارب.
************************************
- ثواني يا حبي هاروح أرد عليه بره وراجع لك تاني.
حاوطت عنقه بذراعيها وقالت:
- لأ هترد عليه قدامي... ولا خايف لميطلعش آندرو؟
أجاب عليه وهو يوقفها بإشارة من يده لتصمت:
(الحوار مترجم)
قصي:
- ألو.
آندرو الذي يتمدد على بطنه وتقوم إحدى الفتيات بعمل تدليك لظهره:
- مرحبًا بعزيزي الملك، كيف حالك يا رجل؟
ابتسم قصي وقال:
- بخير وفي أحسن حال.
قالها وهو يجذب صبا إلي صدره.
آندرو:
- أنا أعاتب عليك يا رجل... كيف تتزوج شقيقتك ولم تخبرني أو تدعوني إلي الزفاف؟
تجهم وجه قصي وابتعد عن صبا فقال:
- شقيقتي تزوجت!!
آندرو:
- رأيتها منذ يومين في المطعم الفرنسي بروما وبرفقتها شاب عربي ومصري مثلكما... كنت أظن إنه رفيقها لكن علمت بعد ذلك من صديق لي في السفارة إنهما متزوجان.
قال قصي بتصنع:
- أعتذر منك صديقي لكن حدث الزواج سريعًا بسبب ظروف سفر كارين كما تعلم إنها تكمل دراستها لديكم.
آندرو:
- لا عليك يا ملك... أردت أن أبارك فقط.
قصي:
- شكرًا لك.
قالها وأغلق المكالمة وظل متسمرًا بمكانه... تحولت حدقتيه إلي ظلمة معتمة...
- قصي... هو إيه اللي حصل؟؟
قالتها صبا بخوف وقلق.
لم يجب عليها وقام بمهاتفة كنان..
قصي:
- أيوه يا كنان خليهم يحضروا لي الطيارة عشان مسافرين الليلة دي...
أغلق المكالمة وهو يجز على فكيه بغضب فصاح بزمجرة جعلتها ترتعب منه...
قالت بنبرة على وشك البكاء وهي تقترب منه:
- قصي... في إيه!!... أنا مش فاهمة حاجة؟
التفت إليها بنظراته المرعبة وصاح في وجهها وهو يمسك ذراعها بقوة:
- أنتي كنتي عارفة؟؟
صبا:
- عارفة إيه؟؟
قصي:
- يعني متعرفيش إن الأستاذ ابن خالك اتجوز أختي من ورايا وسافروا إيطاليا؟؟
شهقت بصدمة وهي تضع يدها على فمها وقالت:
- اتجوزوا!!!
قصي:
- عارفة يا صبا لو طلعتي كنتي عارفة ومخبية عليا... اللي هعمله فيكي مش أقل من اللي هعمله فيها... عشان مش قصي العزازي اللي يتضحك عليه.
صاحت قائلة:
- والله ما أعرف حاجة عنها من ساعة ما قلت لي هربت من المستشفى.
قصي:
- أنا هاشوف شغلي مع الكلاب اللي مخليهم يدوروا عليها... وأنتي اجهزي هاوديكي عند باباكي عشان مسافر.
صبا:
- وأنا مش هاروح عند بابا وجاية معاك رجلي ع رجلك.
صاح بغضب:
- أنا كلامي يتسمع... مش رايح أتفسح... أنا رايح أجيب اللي استغفلتني واتجوزت من ورايا... وأقسم بالله لأربيها وهخليها تندم ع اليوم اللي فكرت فيه تعصاني.
****************************************
بالأعلى بعد أن ولجت إلي داخل غرفتها خلعت الحجاب وهي تلتقط أنفاسها المتصاعدة وتجلس على الفراش بأريحية.
ولج إلي الغرفة بهدوء التي تسبقه العاصفة... يحدق بها بنظرات كادت تقتلها رعبًا... تصنعت التجاهل لتنهض وتبتعد من أمامه فصاح آمرًا:
- اقفي عندك... إيه شوفتي عفريت!!
لم تجب عليه ولم تعطه اهتمام وكادت تذهب إلي غرفة الثياب.
جذبها من رسغها لتلتف إليه وخصلات شعرها تتساقط حول وجهها... وقال من بين أسنانه:
- بعد كده لما أكلمك تردي ومتعمليش نفسك فيها خرسة.
جذبت يدها من قبضته وصاحت في وجهه:
- طول ما صوتك عالي وأسلوبك وحش معايا حتى قدام الناس مش هرد عليك وهتجاهلك، لأن لو رديت مش هيعجبك ردي.
ابتسم بسخرية وغضب وقال:
- ما تقولي لي ع ردك اللي مش هيعجبني يا خديجة هانم!
خديجة:
- وأنا مش في مزاج أدخل معاك في حوارات مبتخلصش لأن خلاص تعبت منك.
قالتها لتهم بالذهاب من أمامه فجذبها من خصلاتها بقوة وقال:
- تعبتي مني!! إيه شايفاني بعذبك ولا بنيمك وبصحيكي ع علقة!!
صرخت بتأوه وصاحت:
- آآآآآآه.. سيب شعري... وابعد عني.
اقترب من وجهها حيث قبض على فكها بقبضته الأخرى وقال:
- أنتي لسه شوفتي حاجة... أنا هعرفك إزاي تمشي من دماغك إزاي... وكلها اليومين دول نطمن ع ماما ولوجي ترجع ليوسف، ووقتها هنرجع ع بيتنا وهناك هعلمك الأدب من أول وجديد.
صرخت ببكاء وهي تتخلص من قبضتيه:
- كفااااااية... كفاية بقى لحد كده... أنا استحملت اللي ميستحملوش جبل... بص يا ابن عمي زي ما اتجوزنا تطلقني بالمعروف.
وإن تفوهت بكلمة الطلاق فتحولت ملامحه إلي وحش كاسر، لكن كانت إجابته كالسيف الذي يخترق قلبها ويقطعه لأشلاء بعد أن دفعها على الفراش:
- عايزة تتطلقي! من عينيا بس بشرط... أخد حقي منك الأول.
حدقت بعدم فهم وقالت:
- وأنا عملت فيك إيه وحش عشان عايز تاخد حقك مني!!
اقترب منها وهو يلمس خصلات شعرها بنظرات خبيثة وقال:
- حقي اللي ما أخدتهوش منك في ليلة دخلتنا يا حبيبتي ولا نسيتي!!
نهضت من أمامه وقالت بتوتر جلي:
- وأظن إن وقتها قولتلك إن جوازك مني هيبقي ع ورق ولا أنت نسيت!!
أمسكها من عضديها وأجاب بسخرية:
- لأ منستش، بس عايزك تعرفي إن طلاقك مش هطوليه غير لما تنفذي اللي طلبته منك وإلا هتفضلي عايشة معايا زي البيت الوقف.
أبعدت يديه عنها ورمقته بتحدي وقوة وكبرياء معًا:
- وأنا هطلق منك يا آدم من غير اللي في دماغك ده يحصل... لأن ما عاش ولا كان اللي يجبرني ع حاجة غصب عني.
أجابها بنفس التحدي والعناد:
- وأنا اللي بقولك يا خديجة أنتي اللي بنفسك هتيجي لحد عندي وهتنفذي اللي قولتلك عليه عشان أرضى أطلقك.
خديجة:
- وأنا مش هخليك تلمس شعرة مني يا آدم ولو وصلت هارفع عليك قضية خلع.
جذبها بعنف وصاح بغضب:
- أنتي عمالة تهدديني وأنا ساكت لك... فاكرة نفسك إيه!!.. أنا ممكن أخد منك اللي أنا عايزه في أي وقت.
قالها ليتعدى عليها مقبلًا شفتيها رغما عنها... دفعته بكل قوتها فابتعد عنها فالتقطت حجابها وركضت إلي الخارج لتقابل في وجهها سماح التي لوت شفتيها يمينًا ويسارًا وقالت بسخرية:
- ده شكل رجالة العيلة كلهم بيتجوزوا ع ورق... يا عيني علينا وع بختنا المايل.
**************************************
طرقت على باب غرفة ملك ليأتي صوتها من الداخل تأذن لها بالدخول.
فتحت الباب وولجت لترمقها ملك بقلق... فارتمت خديجة بين ذراعيها وأجهشت بالبكاء.
- ديجا.. مالك يا حبيبتي؟؟
قالتها ملك وهي تربت على ظهرها. هدأت قليلًا لتتفوه بين بكائها:
- أنا عايزة أمشي من هنا يا ملك.. أرجوكي ساعديني.
ملك: اهدي بس وفهميني.. هو أبيه آدم عملك؟ هو اللي عامل فيكي كده!!
خديجة: معلش يا ملك مش قادرة أتكلم.
ملك: خلاص بطلي عياط وقومي اغسلي وشك.. وتعالي ننزل نقعد مع مامي تحت زمانهم جهزوا الغدا.
خديجة: انزلي أنتي أنا ماليش نفس.
ملك: تبقي عبيطة.. سوري يعني قولتلك كده.. بس خديها نصيحة مني ضعفك وعياطك ده هو اللي هيقويه عليكي.. أنا معرفش إيه اللي حصل بس أعرف أبيه آدم كويس، هو لما يلاقيكي قاعدة بتضحكي وتتكلمي ولا كأن حاجة حصلت هيتغاظ وهيولع.. أوعي تبيني ضعفك قدام أي راجل اسأليني أنا.
كفكفت عبراتها وقالت:
- أنا هدخل أتوضى وهصلي العصر وبعد كده ننزل.
ابتسمت ملك وقالت وهي تعانقها:
- أيوه كده هي دي ديجا القوية اللي أنا عارفاها.
***
بالخارج ما زالت تقف تسترق السمع..
- أنتي واقفة عندك بتعملي إيه؟
قالها طه فانتفضت سماح بذعر وقالت:
- بسم الله الرحمن الرحيم.. خضتني.. وأنت مالك أقف ولا أقعد؟
طه: لأ مالي، ويلا انجري قدامي على تحت زمانهم مستنينا على الغدا، خليني ألحق أروح على المصنع وأشوف شغلي.
سارت أمامه وهي تقلد تعابير وجهه الحادة بدون إصدار صوت.
***
وبالأسفل في غرفة المائدة.. يجلس كل من عزيز وجيهان..
جاء كل من سماح وطه وخلفهم آدم الذي استحم وأبدل ثيابه بثياب قطنية رياضية.. وبعد دقائق وصلت ملك وبرفقتها خديجة التي ما زالت ترتدي الأسود.. جلسوا جميعهم حول المائدة التي يترأسها عزيز.
قالت جيهان:
- أنتي لسه ماغيرتيش الأسود ده يا خديجة!!
خديجة: أنا مرتاحة فيه.
قال آدم بدون أن ينظر إليها:
- الأسود ده ما تلبسهوش تاني غير لما أموت.
نظر إليه الجميع.
قالت جيهان:
- بعد الشر عليك يا ابني ليه بتقول كده؟
قال آدم وهو يرمق خديجة بطرف عينيه:
- مش يمكن موتي ده هيريح ناس كتير..
تحشرج حلقها وانتابها السعال فوضعت كفها على فمها.
قالت ملك وهي تعطيها كوب الماء:
- خدي اشربي.
فأشارت إليها بأنها لا تريد، فنهضت وهي تشعر بالغثيان لتركض إلى الخارج.
قال طه:
- مالها خديجة يا آدم؟
آدم: معرفش أنا كنت لسه جاي من بره.
جيهان: شكلها واخدة برد في معدتها عشان كانت بتسألني على علاج للبرد الصبح.
قالت سماح وهي ترمق آدم بخبث لأنها تعلم أنه لن يقترب منها بعد:
- ومش يمكن تكون حامل؟
طه: سماح خليكي في حالك ومالكيش دعوة بحد.
عزيز: كفاية رغي وخلص أكلك عشان رايح معاك على المصنع هشوف اللي حصل.
كان آدم يفكر بجملة سماح التي تفوهت بها بطريقة تهكمية ليشعر بالامتعاض ويتخلل صدره الشك.
صاح عزيز:
- آدم..
انتبه إليه وقال:
- نعم يا بابا.
عزيز: بطل سرحان وانتبه ليا.. أنا وطه طالعين على المصنع وأنت اطلع على الشركة عشان هتقابل نجيب.
آدم: حاضر.
ملك: بابا كنت عايزاك تحولي كريدت على الكارد بتاعتي عشان خلاص قربت تخلص وأنا محتاجة شوية حاجات عشان الجامعة خلاص بعد يومين.
عزيز: ماشي.. بس خدي مصعب معاكي.
ملك: أنت نسيت يا بابا أنا الجارد بتاعي دلوقت يبقى عمر.
قالت جيهان:
- عمر مين؟؟
عزيز: واحد من الحرس اختارته بنتك اللي إيه أصلها زهقت وحبت تغير الحارس بتاعها.
قالت جيهان بنبرة جدية:
- بطلي دلع.. ولو عايزة تخرجي يبقى تاخدي مصعب يا إما مفيش خروج.. ده الوحيد اللي أأمنه عليكي.
ملك: ده كان من حراس بابي.
جيهان: بنت اسمعي الكلام وبطلي جدال.
ملك: مامي بليز أنا مرتاحة كده.
قال آدم:
- اسمعي كلام ماما.. أنا كمان مابقاش مطمن عليكي غير مع مصعب.
قالت بحنق:
- خليك في نفسك لو سمحت.
عزيز: خلاص اسمعي كلام أخوكي ومامتك هم عندهم حق.
نهضت وهي تجز على فكها بحنق لتغادر وتصعد إلى غرفتها.
قالت سميرة:
- جيهان هانم.. مدام خديجة بتعتذر لحضراتكم وطلعت ترتاح فوق عشان تعبانة.
نهض طه وقال:
- أنا طالع أطمن عليها.
قال آدم:
- خليك أنت يا طه عشان تلحق تروح المصنع أنت وبابا وأنا طالع هشوفها مالها ولو تعبانة هجيبلها الدكتور.
تنهد بقلق وقال:
- طيب لو في حاجة كلمني على طول.
أومأ له بعينيه وقال:
- ما تقلقش..
ثم نظر إلى والدته وقال:
- ماما حضري نفسك بعد ساعة هاخدك على المستشفى عشان تعملي الأشعة.
جيهان وهي تغمز إليه بأن يصمت، فقال عزيز:
- مالك يا جيهان أنتي تعبانة ولا إيه؟
ابتسمت جيهان وقالت:
- لأ ده شوية صداع بيجيلي كل فترة بسبب الضغط.. هو آدم اللي مكبر الموضوع على الفاضي.
قال آدم وهو يرمقها بامتعاض:
- ماما أنا هستناكي زي ما قولتلك.
زفرت بضيق وقالت:
- سيبك مني دلوقت واطلع أنت شوف مراتك واطمن عليها.
ذهب آدم، فقال عزيز:
- جيهان روحي المستشفى واطمني على نفسك لأن فعلًا ملاحظ عليكي الصداع الكتير.
قالت سماح بنبرة استفزازية:
- أيوه مينفعش تسكتي يا جيجي هانم ما تعمليش زي عمتي كانت بتتعب زيك وفضلت ساكتة على نفسها لحد ما وقعت من طولها والدكتور قالها ده أنتِ عندك كانسر على المخ وفي مرحلة متأخرة كمان.
عقدت جيهان حاجبيها وقالت بحنق:
- ربنا يشفيها ويشفي كل مريض.
طه: مش قولتلك خليكي في حالك!! ولا لازم تتهزئي عشان تخرسي خالص.
عزيز: خلاص يا طه مفيش داعي للي بتعمله ده.
سماح: الحق عليا بوعيها يعني.. أهي عمتي ما كملتش شهرين واتكلت على الله.
صاحت بها جيهان وهي ترمق سماح بسخط:
- ربنا يرحمها يا سماح.. أنا طالعة المكتبة أقرأ شوية.
نهض عزيز وقال:
- يلا أنت كمان يا طه نروح نشوف اللي ورانا.
ذهب الجميع لتتبقى تلك الأفعى فقالت بسخرية:
- شوفي الولية بتزغرلي إزاي.. يلا خليها تتكل على الله وأبقى أنا هنا ست القصر.. ست إيه فشر قصدي هانم القصر.. والله وهتلعب معاكي يا موحة.
***
ولج إلى الغرفة بهدوء ليجدها مدثرة بالغطاء.. أوصدت عينيها عندما شعرت بوجوده.
ظل واقفًا وجملة سماح تتردد بداخل عقله.. نفض ما بعقله من ظنون سيئة.. وكاد يذهب إلى غرفة الثياب لكنه تراجع واقترب منها وهو يجذب الغطاء من فوقها وقال:
- أنا عارف إنك صاحية قومي وفهميني إيه اللي بيحصل ده!!
نهضت من على الفراش وقالت:
- أيوه أنا صاحية بس تعبانة ومش قادرة أتكلم فياريت تسيبني في حالي.
زفر من بين كفيه وجلس بجوارها وقال:
- ما أنا عايزك تفهميني سبب اللي حصلك تحت ده إيه!!
خديجة: معدتي قلبت عليا عشان واخدة برد.. مش محتاجة تفسير.
حدق بعينيها والشك يساوره، فأردفت بقلق:
- أنت بتبصلي كده ليه؟؟
آدم: مفيش.. عمومًا أنا رايح المستشفى مع ماما عشان يعملولها الأشعة والتحاليل.
خديجة: أنا جاية معاكم.
قال بسخرية:
- مش بتقولي تعبانة.. هتيجي تعملي إيه معانا!!
خديجة: أنا مش رايحة عشانك.. عشان ماما جيهان.
آدم: طيب.. قومي جهزي نفسك واقلعي القرف اللي أنتي لابساه ده.
زفرت بضيق ورمقته بسخط وقالت بداخل عقلها:
- صبرني يارب على البني آدم ده.. ماااااشي يا سي آدم إن خليتك تطلع دخان من ودانك زي ما بتحرق في دمي ما بقاش أنا خديجة.
***
ونذهب إلى يوسف الذي كان يتهرب من واقعه المؤلم إلى النوم لتأتيه في أحلامه ابنته تستغيث به ثم تأتي إليه علياء وهي تبكي وترجوه أن لا يتركها.. لتتداخل الصور والأحلام في بعضها البعض.. فاستيقظ بفزع وجسده يتصبب عرقًا وقال:
- أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
ليتناول كأسًا من الماء وارتشف منه القليل ونهض متجهًا نحو المرحاض يخلع ثيابه ويقف أسفل المياه المنهمرة وخصلات شعره متدلية فوق جبهته بغزارة.
صدح صوت رنين هاتفه بالخارج.. فأوصد المياه على الفور ليتناول منشفة قطنية يلفها حول خصره بسرعة وركض إلى خارج المرحاض والمياه تتساقط من جسده في كل خطوة يخطوها.
أمسك بهاتفه ليرى (رقم مجهول) ليأتي في ذهنه أنه خاص بمروان.. ضغط على علامة الإجابة ووضع الهاتف على أذنه واستمع للمتصل الذي قال:
- قدامك ساعتين زمن بالكتير لو عايز بنتك تيجي على العنوان اللي هبعتهولك في رسالة ومعاك 10 مليون جنيه.. شوفت أنا مش طماع إزاي!!
صاح يوسف:
- وربنا ما أنا سايبك يا مروان الكلب وهعرفك إزاي تخطف بنتي.
قهقه مروان بسخرية وقال:
- عادي زي ما أخدت مراتك اللي هي كانت ليا من الأول بس اطمن أنا هسلمها لك مع البنت وبكده أخدت حقي منك ومنها على اللي عملتوه معايا زمان.
يوسف: خليهالك اشبع بيها مش ناقص زبالة في حياتي تاني.
قال مروان ليثير غضب الآخر:
- مش عيب تقول كده على أم بنتك! ده حتى أنوجة فرسة جامدة أوي مش عارف كنت سايبها دي إزاي.
صاح بغضب:
- عشان و..... فسبتهالك لأن الزبالة بتتلم على الزبالة اللي زيها وأنا نضيف ومش ناقص قذارة.
قهقه مروان بسخرية وقال:
- براحة على أعصابك يا جو ليطق لك عرق ولا حاجة.. عمومًا ما تنساش الفلوس مقابل بنتك يا إما مش هتشوفها طول عمرك تاني.. وطبعًا من غير ما أقولك لو البوليس عرف حاجة هتندم كتير لأن ساعتها هتستلم بنتك من المشرحة يا دكتور.
يوسف: إياك تلمسها يا ابن الـ.....
قاطعه صوت إغلاق المكالمة.. جز على أسنانه وكاد يتحطم الهاتف في قبضته لتأتيه رسالة من الرقم المجهول بالعنوان.. ليذهب يرتدي ثيابه مسرعًا.
رواية صراع الذئاب الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم ولاء رفعت علي
في مشفى البحيري...
قال الطبيب:
- متقلقش يا آدم بيه هنعمل اللازم مع جيهان هانم... اتفضل استريح أنت ومدام حضرتك في الكافتيريا تحت.
خديجة:
- أنا هدخل معاها ومش هسيبها لوحدها.
جيهان:
- خلاص يا خديجة روحي مع آدم وأول ما هخلص هنزلكو.
أرضخت لها خديجة فقالت:
- طيب بالله عليكي لو احتاجتيني اتصلي عليا.
جيهان:
- حاضر.
ذهبت جيهان برفقة الطبيب والممرضة، وهبط آدم وخديجة إلى أسفل متجهين نحو الكافتيريا.
***
وبداخل الكافتيريا...
قال آدم:
- تشربي أي؟
خديجة:
- شكراً مش عايزة حاجة.
آدم:
- طيب أنا هروح أجيبلي نسكافيه... خليكي مكانك.
لم تجب عليه وأمسكت بهاتفها. ذهب ليحضر كوب القهوة ولكن جاءته مكالمة من الشركة فغادر المكان ليتمكن من السماع جيداً.
وهي ما زالت تجلس تنتظره، رن هاتفها لتجد المتصل جيهان فأجابت على اتصالها وقالت:
- حاضر يا ماما طالعالك حالاً.
نهضت وبحثت بعينيها عن آدم عند طاولة المشروبات فلم تجده، قامت بمهاتفته لتجده مشغولاً بمكالمة أخرى، انتبهت إلى صوت تنبيه البطارية فزفرت بضيق وقالت:
- هو ده وقته... خلاص هطلع وهكلمه من عند ماما.
قالتها وغادرت متجهة نحو المصعد وانتظرت حتى توقف لها المصعد فولجت إلى داخله، وقبل أن يغلق اندفع إلى الداخل قائلاً:
- ثانية واحدة... بس كد...
لم يكمل جملته حين رآها، واضعاً يده بدون أن يشعر على لوحة أرقام الطوابق ليضغط على الطابق الأخير، وهي انتبهت إلى تلك اللاصقات الطبية التي بجوار فمه وعينه من آثار المشاجرة السابقة.
ضغطت على زر التوقف حتى تغادر المصعد فقال آسر:
- مينفعش يقف بعد ما اديتله الأوردر.
خديجة:
- طيب ممكن تضغط على الدور الرابع.
آسر:
- خديجة أنا آسف... لو اتسببتلك في مشاكل.
خديجة:
- لو سمحت يا دكتور آسر تجنباً للمشاكل ملكش دعوة بيا خالص... كفاية اللي حصل.
آسر:
- حاضر اللي أنتي عايزاه.
خديجة وهي تنظر إلى اللوحة الرقمية لتجد المصعد تعدى الطابق الرابع فقالت:
- أي ده هو موقفش ليه؟
آسر:
- ثواني...
أخذ يضغط عدة أزرار حتى يتوقف بأقرب طابق لكنه ما زال مستمراً في الصعود.
خديجة بنبرة توتر وقلق:
- هو مش عايز يقف ليه؟!
آسر:
- مش عارف والله بس هو أصلاً الأسانسير ده فيه مشكلة كل ما يصلحوه يرجع يخرف تاني.
صاحت بخوف:
- يعني أي؟!
آسر:
- متخافيش هو بالتأكيد هيقف في آخر دور كده... ثواني هتصل بمسئول الصيانة.
أخرج هاتفه من معطفه الطبي ليقول بتأفف:
- مفيش شبكة.
- وأنا موبايلي فصل شحن وزمان آد...
لم تكمل لتتسع عينيها بخوف وأردفت:
- أرجوك اتصرف أنا آدم زمانه بيدور عليا ولو شافني معاك هيعمل مصيبة.
آسر:
- ليه يعني أنا شوفتك بالصدفة... المفروض يكون واثق فيكي.
صاحت بحنق:
- ملكش دعوة... واتصرف وخرجني من هنا.
توقف المصعد بالطابق الأخير ولم يفتح الباب وانطفأت لوحة المفاتيح والإضاءة.
- ده أي الحظ ده... أستغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم.
قالتها لتتعالى أنفاسها بخوف.
آسر:
- اهدي يا خديجة مينفعش اللي بتعمليه في نفسك ده... ثواني هنور بالفلاش.
لم تستمع إليه بل وانتابتها حالة من الذعر حتى بدأت تشعر بانقطاع أنفاسها فوقعت مغشياً عليها.
- خديجة!
صاح بها آسر وهو يمسك بها ويسندها على كتفيه.
***
ذهب يوسف إلى العنوان الذي أرسله له مروان في رسالة لكن بدون أن يخبر أشقائه، وأخذ معه مصعب وبعض الحراس. وصلوا جميعهم أمام بناء قديم في حي نائي فانتفض بذعر عندما سمع صوت صراخ ابنته وبكاء إنجي بشكل هستيري.
صعد الجميع على الفور وتوقف أمام المنزل الذي تصدر منه هذه الأصوات، فأخذ مصعب يدفع الباب بجسده بكل قوة لينخلع الباب من دفعة واحدة، ليولج جميعهم... تسمر يوسف في مكانه متسعة حدقتيه مما يراه.
منذ قليل...
تقف تسترق السمع إلى مكالمة مروان ويوسف، وعندما انتهى من المكالمة صاحت بها إنجي وهي تمسك في تلابيبه:
- عايز تبيعني ليوسف يا مروان.
صفعها وصاح بغضب:
- أنتي بتتصنتي عليا؟!
إنجي:
- اااااه بتمد إيدك عليا يا حيوان يا واطي... مش كفاية خسرت كل حاجة عشانك وفي الآخر تبيعني.
أجابها بقوة وجدية:
- أه ببيعك زي ما بعتيني زمان، ولا أحب أفكرك يا ست إنجي يا طاهرة يا شريفة لما ضحكتي على الدكتور ابن عمتك وكان فاكر إنك بنت بنوت.
صاحت به:
- اخرس... أنت كداب.
مروان:
- واللي حصل ما بيني وبينك لما سافرنا شرم في رحلة الجامعة ده كان كدب؟ وعلى الرغم اللي حصل كنت ناوي أصلح غلطتي وأتجوزك، لكن ما أبويا أعلن إفلاسه، طبعاً مينفعش إنجي هانم تتجوز واحد مفلس، راحت تدور على المغفل اللي يعيشها في مستوى القصور وتلبسه غلطة غيره بحتة عملية صغيرة عملتها عند دكتور من بتوع تحت السلم... تحبي أقولك اسم الدكتور كمان؟!
صرخت في وجهه:
- أنت أقذر بني آدم شوفته في حياتي.
جذبها من خصلاتها بقوة وصاح في وجهها:
- وأنتي أقذر واحدة شوفتها في حياتي، دي العاهرة أنضف منك بمليون مرة على الأقل الكل عارف بحقيقتها لكن أنتي فاكرة نفسك نضيفة وشريفة وإنتي أقل ما يتقال عليكي إنك شمال وو...
وفي أثناء تلك المشاجرة استيقظت الصغيرة لتستمع لحوارهم، لم تستوعب شيئاً سوى أن انتابها الذعر والخوف وظلت متسمرة تبكي خوفاً.
ابتعدت عنه وذهبت إلى المطبخ لتأتي بسكين وقالت:
- وربنا لأقتلك يا مروان وأخلص منك.
أمسك برسغها وأخذ يصفعها عدة صفعات وهي تصرخ حتى أوقع منها السكين، وانحنى ليمسك به ويبعده، فكان الحقد والغضب يعميان بصيرتها فتناولت قطعة ديكورية من المعدن وهوت بها على رأسه فاختل توازنه، فقامت بضربها على رأسه عدة مرات حتى سالت الدماء بغزارة ووقع على الأرض ينازع.
تصرخ به وهي ما زالت تضربه:
- موت وغور في ستين داهية... موت يا مروان... موووووووت.
***
في الحارة...
توقفت سيارة أجرة أمام بناء عائلة عادل، ترجل هو منها والسائق الذي فتح الباب الخلفي للسيارة وأنزل له الحقائب.
- متشكرين يا أسطى.
قالها عادل وهو يعطي للسائق النقود.
السائق:
- حمد الله على السلامة يا أسطى عادل... عقبال السفرية الجاية.
ضحك بسخرية وقال:
- ما خلاص كل سنة وأنت طيب.
وقف أسفل الشرفة فوقع على رأسه مشبك من الخشب، فصاح بغضب:
- أنتو يا عالم ياللي بتحدفوا المشابك.
وبالشرفة صاحت فاتن التي كانت تضع الثياب فوق الأحبال البلاستيكية:
- أي ده أبيه عادل جه.. الحقي ياما الحق يا علاء أبيه عادل رجع.
صعد عادل الدرج ليستقبله شقيقه بالعناق وقال:
- أي المفاجأة دي.
عادل:
- ولا مفاجأة ولا حاجة خلاص شكلي قاعد فيها.
صاحت عديلة وهي تعانق نجلها:
- ضنايا... نور عيني.. حمد الله على السلامة واد يا دولا.
عادل:
- الله يسلمك ياما.
فاتن:
- حمد الله على السلامة يا أبيه.
عادل:
- الله يسلمك يا تونة.. أنتي يا بت لسه قاعدة مش المفروض تكوني اتجوزتي من شهر!
عديلة:
- هتعمل أي بقى في صاحبك الموكوس جه ياخد إجازته مرضوش يدوهالو في الشغل وأجلها شهر كمان.
عادل:
- بنتك اللي نحس ياما.
فاتن:
- كده؟ الله يسامحك يا أبيه.
بحث بعينيه في أرجاء المنزل وقال:
- أومال البت رحمة فين؟
كادت تتفوه رحمة لتقاطعها عديلة بوكزها في ذراعها وقالت:
- عند أمها قاعدة لها يومين.
عادل:
- مش محرج عليكي ياما متخلهاش تعتب بره باب الشقة غير لو جابتلك طلباتك بس مش أكتر.
أجابته بتوتر:
- صعبت عليا يا بني محبوسة من ساعة ما أنت مشيت.
قال ساخراً:
- صعبت عليكي؟ لا ده أنتي اتغيرتي ياما.
علاء:
- مقولتليش هم نزلوك بدري يعني المرة دي.
عادل:
- شكلها خلاص مفيهاش سفر... صفوا شركة المقاولات ورجعوا العمالة على بلدهم وجيت أدور على حاجة تانية لقيتها مسدودة من كل ناحية فقولت أخد فلوسي وأرجع أفتح مشروع في دكان أبويا الله يرحمه.
علاء:
- ناوي تفتح محل الفراخ؟
عادل:
- لا هقلبه محل هدوم أو مطعم للأكل الجاهز أهي حاجة مضمونة الناس مش بتبطل أكل ولا لبس.
عديلة:
- قوم يا ضنايا غير هدومك عقبال ما أجهزلك الأكل.
عادل:
- أه والنبي ياما واحشني أكلك أوي ده أنا بطني نشفت من الأكل الجاهز... وبعدها هنزل أروح أجيب البت رحمة.
عديلة:
- ريح أنت بس وأنا هشيع البت فاتن تخليها تيجي.
قالتها وولجت إلى المطبخ فتبعتها فاتن وقالت بهمس:
- مقولتلهوش إنها طفشت ليه؟
عديلة:
- يعني عايزاني أنكد عليه وهو لسه راجع من السفر... ربنا ينكد عليها بنت الـ... دي، أه لو شوفتها لأخليه يكسر رجليها عشان متقدرش تهوب ناحية الشارع تاني.
فاتن:
- يا ساتر عليكي ياما ده الحمد لله إنها هربت منكو.
عديلة:
- بتبرطمي تقولي أي يا بت؟
فاتن:
- مبقولش بقول ربنا يستر.
عديلة:
- طيب هاتي الأطباق اللي فوق دي واغرفي لأخوكي عقبال ما هخلي علاء يروح لأهل الزفتة دي يشوف لاقوها ولا لأ.
***
توقفت عندما رأت علامات الموت على وجهه وروحه فارقت جسده والدماء تسيل على الأرض وكأنها بركة دماء، وذلك تحت أنظار الصغيرة التي بللت ثيابها من الذعر وهول المنظر.
قهقهت إنجي بشكل جنوني حتى توقفت، وعندما أدركت ما فعلته للتو أجهشت بالبكاء حتى رأت ابنتها التي تقف على باب الغرفة، نهضت وهي تكفكف عبراتها وقالت:
- تعالي يا لوجي يا حبيبتي متخافيش أونكل مروان كان وحش ولازم كان يموت.
ابتعدت الصغيرة عنها وهي تصرخ خوفاً من والدتها وخشيت أن تفعل بها مثلما فعلت بمروان.
وفي ذلك التوقيت وصل يوسف وعندما ولج إلى المنزل اتسعت عينيه بصدمة من جثة مروان المسجاة على الأرض ودماءه التي ملأت أرضية الردهة، والتفت إلى إنجي التي تبكي وتصرخ بالصغيرة التي تختبئ خلف الخزانة. ركض نحوهما ليمسك بإنجي وأبعدها عن ابنته وقال:
- مصعب خد البنت ونزلها تحت في العربية.
ذهب مصعب نحو لوجي التي إن رأته ارتمت بين ذراعيه فحملها وغادر المنزل. صدح صوت تنبيه سيارة الشرطة المتفق معهم يوسف مسبقاً.
- يوسف... سامحني يا يوسف.. أنا خلاص موته وخلصت منه ومن حياتنا... متسبنيش وتاخد لوجي... أنا مش هخونك تاني... يوسف رد عليا... رد عليا عشان خاطري.
قالتها إنجي وكأنها فقدت عقلها، جثت على ركبتيها لتقبل قدمه فأبعدها وقال:
- كفاية يا إنجي.. خلاص كل حاجة ما بينا انتهت.
إنجي:
- يعني أي؟
ولجت القوة إلى المنزل ليأتي العساكر وتم القبض عليها، فصرخت بجنون:
- مقتلتهوش... سيبوني... الحقني يا يوسف.. قولهم يسيبوني.
قال الضابط:
- إحنا لما كنا جايين متوقعناش إن ده اللي هيحصل... كده القضية هتتحول لمسار تاني.. اتفضل معانا عشان تقول أقوالك في المحضر.
وبأسفل البناء، يصعد العساكر بإنجي بداخل سيارة القوة، وبعد دقائق جاءت سيارة الإسعاف لتأخذ جثة مروان.
***
- أنتو يا جماعة ياللي بره حد يشوف البتاع اللي اتقفل علينا ده.
صاح بها ولم يجبه أحد. فحص نبضها وأخذ يربت على وجهها وقال:
- فوقي يا خديجة إن شاء الله هيفتح.
لم تفق بعد، فشعر بالخوف عليها بعد عدة محاولات طبية لإفاقتها. عاد التيار مرة أخرى للمصعد فضغط سريعاً على رقم طابق الطوارئ ليهبط إلى أسفل وفتح الباب، فحملها على ذراعيه وركض بها في الرواق.
وفي تلك اللحظات كان آدم يبحث عنها في الأرجاء، حتى انتبه إلى آسر من مسافة ليست بعيدة وهو يحملها على ذراعيه، ركض إليه.
ولج بها إلى إحدى غرف الطوارئ الشاغرة، ليوصل إليها جهاز التنفس مسرعاً وأخذ يربت على وجنتيها وقال:
- خديجة... فوقي..
- خدي...
قاطعه آدم باللكمة وصاح بغضب:
- أبعد إيدك عنها يا و....
صاح آسر أيضًا به وقال:
- ما تبطل غباء، مراتك أغمى عليها وقاطعها النفس ومش عايزة تفوق بسبب حالة الخوف اللي جت لها وأنت السبب فيها.
آدم:
- ممكن تغور بره وتسيبني معاها؟ أحسن ما أخليك راقد مكانها بس من غير نفس خالص.
آسر:
- أنا مش هرد عليك وهعمل احترام للمكان اللي بشتغل فيه وإنك أخو صاحبي، غير كده كان هيبقى ليا معاك تصرف تاني.
آدم:
- وريني تصرفك ده... عايز أشوفه...
صاح بها بسخرية فاتحًا ذراعيه. رمقه آسر بازدراء وتركه وغادر الغرفة.
زفر آدم بنفاذ صبر ثم التفت لتلك الممددة على التخت، اقترب منها وهو يشعر بألم في صدره... جلس بجوارها وأمسك يدها ليضعها على وجنته وقام بتقبيل كفها... بدأت تستعيد وعيها وكادت تفتح عينيها لكن ظلت في وضعها حينما قال:
- أنا عارف أنا قسيت عليكي كتير... بس كل يوم بكتشف إني بحبك أكتر من الأول... عايزك تستحمليني، اللي مريت بيه مش سهل بس اللي متأكد منه... إن قلبي بقى ليكي ومش عايز حد غيرك... ومبقدرش أستحمل لما بتطلبي مني الطلاق... فكرة إنك تبعدي عني بتخليني أتحول للشخص القاسي اللي عرفتيه... بس أنا مش كده... أنا جوايا طفل محتاج لحضنك وحنانك، عايز ينسى معاكي أي لحظة ألم عاشها... أنا تعبان ومش عارف ألاحقها منين، موضوع تعب أمي ولا مصيبة يوسف أخويا ولا ياسين والمصيبة اللي عملها ولا شغلنا وتعب السنين اللي على وشك يضيع في لحظات... عشان خاطري يا خديجة متبعديش عني، أنا محتاجلك أوي...
قال تلك الكلمات وهي تنصت لكل حرف حتى أحست بنبرة بكاء في صوته وقطرات ماء تتساقط على يدها فأدركت إنها عبراته... عبرات!
كيف هذا! آدم يبكي؟... ذلك الشخص الذي يبدو من الخارج كالصخر في قساوته يبكي! مهلًا، يقول إنه يحبها فهل هذا اعتراف صريح منه؟ بل يرجوها أن تظل معه ويطلب منها الحب والحنان...
فتحت عينيها لتجده يستند بجبهته على صدرها يبكي... وما منها إلا أن وضعت يدها الأخرى على خصلات شعره تلامسها بحنان، تغرز أناملها بخصلاته الكثيفة ثم تنزل بها إلى وجنته تلامس لحيته المبتلة بعبراته... أزالت جهاز التنفس من على فمها وأنفها وقالت بصوت هادئ:
- وأنا كمان بحبك... من ساعة ما فتحت عيني على الدنيا وأنا مش شايفة حد غيرك... كنت بشوفك معاها وعارفة إنك بتحبها فاحتفظت بحبك في قلبي وكنت دايما بدعي ربنا إنه لو ماليش نصيب معاك في الدنيا تكون نصيبي في الجنة... كفايانا عذاب يا آدم.
رفع وجهه وهو يكفكف عبراته وقال:
- أنتي كويسة؟
أومأت له بعينيها وقالت:
- الحمد لله دلوقت بقيت كويسة.
وبدون أن يتحدث رفع جذعها بين ذراعيه معانقًا إياها بقوة وهمس إليها:
- أنا آسف على كل لحظة زعلتك فيها... آسف على كل لحظة خليتك تبكي... آسف إني مديت إيدي عليكي وأنا بيبقى جوايا عايز أخدك في حضني وأطبطب عليكي.. سامحيني يا خديجة... وأنا أوعدك هبقى واحد غير اللي شوفتيه... هبقى واحد تاني هيتولد على إيدك أنتي.
بكت عيناها من فرحة قلبها وسعادتها التي لا توصف، وأخيرًا من عشقته أصبح قلبه ملكًا لها... قالت وهي تشد من عناقه متشبثة به بقوة:
- مسمحاك يا حبيبي.
ابتعد عنها قليلًا وهو يمسك وجهها بين كفيه يحدق في عينيها الدامعة بحدقتيه المتلألئة بعبراته قال:
- أنا بحب كل حاجة فيكي... طيبة قلبك ورقتك وجمالك وجمال روحك اللي شدتني ليكي من غير ما أحس... بحب فيكي قربك من ربنا ودايما بتراعيه في كل لحظة وقوة إيمانك وصبرك اللي نفسي أتعلمهم على إيديكي... أنا بعشقك يا خديجة... وزي ما كنتي بتتمنيني أكون نصيبك... أنا بدعي ربنا زي ما جمعني بيكي في الدنيا يجمعني بيكي في جنته اللي بإذن الله هندخلها مع بعض.
ارتسمت البسمة على ثغرها وتغمرها الفرحة فقالت:
- يارب يا حبيبي... ياااارب... وربنا يقدرنا وناخد بإيد بعضنا في طريق الرحمن.
************************************
وفي أثناء خروجها من المطبخ رن جرس المنزل فذهبت لفتحه...
- حاضر جاية ياللي على الباب.
فتحت الباب لتجد رجلًا يحمل دفترًا وقلمًا بيده وقال:
- مش ده بيت عادل عبد العليم السيد؟
عديلة:
- أيوه أنا أمه.
جاء عادل بثيابه الداخلية البيضاء وقال:
- خشي أنتي ياما لما أشوفه عايز إيه... خير يا عمنا أنا عادل.
الرجل:
- خد الورقة دي وأمضي لي هنا.
عادل:
- ورقة إيه وأمضي على إيه؟
الرجل:
- تمضي باستلام دعوة، مرات حضرتك رافعة عليك قضية طلاق.
ضربت عديلة على صدرها وصاحت:
- طلااااق يا بنت الـ.....
عادل:
- اسكتي ياما... هات يا أخينا لما أمضي.
دون اسمه. فقال الرجل:
- سلامو عليكو.
أوصد عادل الباب وهو يقرأ محتوى الورقة فقال:
- يا بنت الـ..... ترفعي عليا قضية طلاق.. وربنا لأروح أجيبها من شعرها.
قالها وكاد يغادر. أوقفه علاء وقال:
- مش هتلاقيها.
التفت إليه والغضب يتطاير من عينيه فقال:
- هو في إيه بالظبط؟
فاتن:
- رحمة هربت بقالها يومين ومحدش فينا ولا أهلها يعرف مكانها.
*************************************
- آدم بيه... مدام جيهان بتدور على حضرتك وعلى مدام خديجة...
آدم:
- يا خبر أبيض إحنا نسينا ماما.
نهضت من فوق التخت وقالت:
- استنى أنا جاية معاك عشان كلمتني من بدري.
آدم:
- حبيبتي خليكي هنا لحد ما ترتاحي.
خديجة:
- لأ الحمد لله أنا بخير.
تنهد وقال وهو يحاوط ظهرها بذراعه:
- طيب تعالي وعلى مهلك.
صعدا معًا عبر مصعد آخر... وسارا في الرواق ليتقابل آدم وخديجة مع الطبيب الذي يمسك بنتائج الأشعة.
آدم:
- خير يا دكتور؟
الطبيب:
- كل شيء خير بإذن الله... الأشعة المقطعية اللي عملناها لجيهان هانم على المخ بتقول إن هناك تجمع دموي قديم اتحول لورم... وللأسف عشان نقدر نحدد نوعية الورم ده إيه محتاجين جهاز متطور مش متوفر عندنا حاليًا، فالأفضل إنها تسافر بره عشان يتم معالجتها بشكل أحسن.
تجهم وجه آدم وقال:
- والمفروض تسافر إمتى وفين؟
الطبيب:
- في خلال شهر عشان نلحق أي ضرر وهو في أوله... والمكان في دكتور متخصص في حالتها من أكبر الجراحين في لندن اسمه دكتور ويليام ريك.. أظن دكتور يوسف عارفه لأن كان بيحضر مؤتمراته الطبية دايما.
خديجة:
- طيب هي فين دلوقت؟
الطبيب:
- في آخر أوضة في الطرقة على إيدك الشمال، بس ياريت متقولوش حاجة ليها عشان إحنا في أمس الحاجة للعامل النفسي ومننساش إنها مريضة ضغط مرتفع وده مش في صالحها خالص.
آدم:
- متقلقش يا دكتور مش هنقول لها حاجة لحد ما نطمن عليها.
ذهبا إليها... طرق آدم الباب فسمحت له بالدخول... وإن ولجت خديجة إلى الداخل وهي تمسك بآدم رمقتهم باندهاش فقالت:
- ده بجد ولا تمثيل!
ابتسمت خديجة بخجل فقال آدم:
- بجد يا ماما... خديجة حبيبتي ومراتي وكل حاجة ليا وقريب هتبقى أم ولادي.
قالها وهو يغمز لها بعينه فأشاحت وجهها بخجل.
- ربنا يسعدكو يا حبايبي ويقربكو من بعض دايما ويخليكو لبعض يارب.
قالتها جيهان.
خديجة وآدم:
- يااااارب.
جيهان:
- كنتي فين بقى يا ست خديجة وأنا مكلماكي من بدري؟
خديجة:
- معلش يا ماما كانت تعبانة وأغمى عليها وبقت بخير الحمد لله.
- ألف سلامة عليكي يا حبيبتي مالك؟
قالتها جيهان.
خديجة:
- كنت دايخة شوية يمكن عشان ماكلتش.
آدم:
- طيب خليكي هنا مع ماما وأنا هروح أطلب لكو دليفري.
جيهان:
- لأ أنت بس رجعنا القصر وروح على الشركة.
آدم:
- أوبس ده أنا نسيت حوار الشركة ده خالص.
ضحكت جيهان وقالت:
- من لقى أحبابه نسي....
قاطعها آدم وقال:
- أنا مقدرش أنساكو يا ست الكل أنتو أهلي وناسي وحبايبي.
جيهان:
- ربنا يخليك ليا يا حبيبي وميحرمناش منك.
آدم:
- طيب يلا بقى تعالي أوديكو القصر أحسن لو اتأخرت أكتر من كده بابا مش هيدخلني الشركة تاني.
جيهان:
- طيب ونتيجة الأشعة والتحاليل!
نظرت خديجة إلى آدم فقال هو:
- لسه هتطلع على بكره متقلقيش هجيبها لك بنفسي.
*************************************
في مصنع البحيري للحديد والصلب...
- زي ما حضرتك شايف يا أستاذ طه من امبارح والأفران والمكن واقف... وكل المناجم اللي كنا بنشتري منها مانعة تبيعلنا الحديد.
قالها المهندس كامل مسئول الإنتاج.
زفر طه وهو يجفف قطرات عرق جبينه:
- طيب والحل إيه... هو مفيش غير مناجم الواحات في مصر كلها؟
كامل:
- فيه بس قليل وملناش تعامل معاهم لأنهم بيتعاملوا مع عابد الرفاعي وشريكه قصي العزازي.
صدح رنين هاتف طه فأجاب:
- ألو يا عمي أنا في المصنع لسه... حاضر هجمعهم وهاجي... سلام.
أغلق المكالمة وقال:
- بشمهندس كامل جمع كل المشرفين والمسؤولين اللي في المصنع كله طالعين على الشركة... عزيز بيه عامل اجتماع طارئ.
بداخل الشركة....
- يعني إيه الكلام ده يا أستاذ نجيب!!
صاح بها آدم.
نجيب:
- اهدى يا آدم بيه العصبية مش هتفيدنا بحاجة... المفروض دلوقت عزيز بيه هيجتمع بالموظفين والمسؤولين وهيفهمهم الوضع عشان منظلمش حد معانا.
قال آدم:
- حتى الكلاب اللي كنا بنستورد منهم من بره بعتولي إيميل إن مفيش حديد متوفر حاليًا.
نجيب:
- هي واضحة زي الشمس يا آدم بيه ده مخطط من كل الجهات وللأسف نجحوا إنهم يوقعوا مجموعة البحيري.
جلس آدم على المقعد بيأس وقال:
- مستحيل!!! ... مستحيل!!
طرقت السكرتيرة باب المكتب ثم ولجت إلى الداخل وقالت:
- آدم بيه... الاجتماع هيبدأ دلوقت.
نجيب:
- يلا بينا يا ابني لما نشوف عزيز بيه هيعمل إيه.
************************************
بداخل غرفة الاجتماعات...
يترأس عزيز الطاولة واجتمع كل مسؤولين ومشرفين المصنع وكذلك كل موظفين المجموعة.
عزيز:
- طبعًا أغلبكو بدأ معايا من الصفر لما كانت المجموعة شركة صغيرة للتوريد وبعد كده كبرت على إيديكو وبقى ليها مصنع للإنتاج ومن المصنع عملنا مجموعة بفضل مجهوداتكو وإخلاصكو في العمل... وزي ما بيقولوا دوام الحال من المحال عشان كده جمعتكو النهاردة وبعلن إغلاق مجموعة البحيري والمصنع بسبب المشاكل اللي حصلت الفترة الأخيرة وانهيار أسهمنا في البورصة اللي خسف بينا الأرض... فدلوقت عشان أرجع تاني محتاج وقت كبير وراس مال أكبر... ومينفعش أطلب منكو تصبروا لأن كلكو مسئولين عن بيوت وعيلة وأطفال.. بس متقلقوش كل واحد فيكو هياخد مبلغ يقدر يعمل بيه مشروع على قده اعتبروها زي مكافأة نهاية الخدمة.
آدم:
- بس يا عزيز بيه مفيش فلوس كافية للفلوس اللي هتديها لكل موظف.
نجيب:
- ما أنا محبتش أقولك يا آدم بيه عزيز باشا أعلن عن بيع القصر في المزاد.
آدم:
- هتبيع القصر!!
عزيز:
- لما نروح هنتكلم في الموضوع ده مش وقته... ودلوقت كل واحد يروح يجهز حاجته عشان تاخدوها معاكو وأسبوع بالكتير هينزل لكل واحد فيكو في الفيزا بتاعته المبلغ اللي قولتلكو عليه.
تعالت الهمهمات بين الحاضرين ليغادر الجميع تاركين عزيز الذي كان في حالة يرثى لها وآدم الذي يحاول استيعاب ما يحدث وكأنه بداخل كابوس.
******************************
بداخل مكتب محامي للأحوال الشخصية...
- متقلقش خالص يا أستاذ عادل سيب الموضوع ده عليا زي ما فهمتك كده... وهخليهالك تيجي زاحفة تبوس رجلك وإيدك...
قالها المحامي.
شرد عادل في الفراغ:
- حقه، لو حصل اللي بتقوله ده ليك عليا أحليلك بؤك باللي أنت عايزه.
المحامي:
- طبعًا كله بتمنه يا برنس، والموضوع اللي قولتلك عليه ده لوحده هيكلفك 10 بواكي غير أتعابي.
صاح عادل وقال:
- 10 عفاريت ما ينططوك! ليه يعني؟ ده أنا أروح أجيب أي بت من إياهم وأديلها 500 جنيه وتقول اللي أنا عايزه.
ضحك المحامي ساخرًا وقال:
- عشان يا حدق تلبس نفسك قضية تانية.
عادل:
- هم خمسة آلاف مفيش غيرهم.
زفر المحامي بسأم:
- خمسة.. خمسة.. أمري لله.
***
بداخل قاعة محكمة الأسرة..
تجلس رحمة بجوار إيهاب بخوف وقلق.
قالها إيهاب:
- اهدي وبلاش الخوف ده، لازم تكوني قوية وأنتِ بتحكي للقاضي عن كل اللي حصل معاكي.
رحمة:
- مش أنت قولت إنك قدمت مذكرة بأسباب رفع الدعوى؟ يبقى ايه لزمتها أحكي؟
إيهاب:
- ده لو في حالة المدعى عليه عادل كذب كلامك، وده طبعًا اللي هيحصل ومش بعيد هيكون عامل حسابه.
رحمة:
- يعني ايه؟
إيهاب:
- متخافيش أنا أي حاجة هتحصل عامل حسابها.. اطمني.
قالها وهو يربت على يدها ويحدق بداخل عينيها، لتشرد في نظراته.. فقاطع نظراتهم صياح عديلة التي تركض نحو رحمة لتعتدي عليها بالضرب:
- آه يا دون يا زبالة.. وربنا لأوريكي.
تصدى لها إيهاب وأمسكتها فاتن وقالت:
- اهدي ياما إحنا في محكمة مش في الشارع.
إيهاب:
- عيب اللي حضرتك بتعمليه ده.
عديلة:
- العيب على الفاجرة اللي جنبك دي لما تهرب وهي على ذمة ابني، والله أعلم كانت بتصيع في حضن مين.
صاحت رحمة:
- اخرسي قطع لسانك.. أنا أشرف منك ومن ابنك اللي محسوب علينا راجل.
صاح بها عادل:
- أنا راجل غصب عنك يا بنت الـ......
جاء بعض عساكر الأمن وقاموا بفض ذلك الاشتباك فقال أحدهم:
- كل واحد يقعد في مكانه أحسن ما يتعملكو محضر إزعاج.
رمقها عادل بتوعد وقال:
- ماااااشي يا رحمة.. أما وريتك.
إيهاب:
- مترديش عليه.
رحمة:
- ربنا ياخدك أنت وأمك.
حدق بها إيهاب بعتاب وقال:
- أنا قولت ايه؟
سكت الجميع عندما حضر القاضي والمستشارون.
***
نادى القاضي على رحمة التي أخذت تسرد له كل ما فعله بها عادل ووالدته، بعد أن قدم إيهاب مذكرة بأسباب دعوى الطلاق. وبعد أن انتهت، طلب من عادل أن يجيب على ما قالته رحمة.
عادل:
- لامؤاخذه يا سيادة القاضي، البت دي كدابة.
القاضي:
- ياريت يا أستاذ عادل تتكلم بأسلوب مهذب أحسن من كده.
عادل:
- آسف يا بيه.. أنا كان قصدي إن كلامها مش صح، ومفيش أيتها حاجة حصلت، والمفروض تبوس إيديها وش وضهر إني سترت عليها لما عرفت في ليلة دخلتنا إنها مش بنت بنوت.
صاحت بها رحمة:
- كدااااب.. والله العظيم كداب.
صاح القاضي وهو يضرب بتلك القطعة الخشبية على المنصة وقال:
- هدوء.. وأنتِ يا أستاذة رحمة زي ما سمعناكي للآخر لازم نسمعه هو كمان.
همس لها إيهاب:
- اهدي وخليه يجيب كل اللي عنده، أنا محضر له مفاجأة هتطلع من دماغه.
جلست وهي تحاول السيطرة على نفسها.
القاضي:
- اتفضل يا أستاذ عادل كمل.
عادل:
- المهم يا سيادة القاضي، بعد الليلة الغبرة دي طبعًا زي أي راجل دمي اتحرق وكان نفسي أقتلها، بس قولت بلاش ده أنا عندي ولايا وربنا أمر بالستر.. بعدها روحت اتجوزت واحدة الكل يشهد لأدبها وأخلاقها، بنت ناس وأصول، ولو تحب تسألها حضرتك إن أنا لامؤاخذه أقمت حدود الله ولا لأ.
القاضي:
- وهي فين؟
عادل:
- مستنية بره يا بيه.
القاضي:
- نادي على الشاهدة يا ابني.
نادى الحاجب:
- حنان نوح عبد المتجلي.
ولجت فتاة في بداية العشرينات ترتدي عباءة وحجاب، تسير بخطى هادئة حتى توقفت أمام القاضي.
القاضي:
- أنتِ حنان نوح عبد المتجلي؟
حنان:
- أيوه يا سيادة القاضي.
القاضي:
- قولي والله العظيم هاقول الحق.
نظرت إلى عادل والمحامي الذي معه ثم قالت:
- والله العظيم هاقول الحق.. أنا وعادل متجوزين من قيمة شهر، قعدنا أسبوع وبعد كده سافر على شغله، والحمد لله عادل راجل زي الفل وميعبوش حاجة أبدًا، وأي كلام يتقال غير كده كدب في كدب.
- هي مدام رحمة عملت كده لما عرفت إنه اتجوز عليها.. كيد نسوان يعني.
تعالت الهمهمات بين الحاضرين.
قال القاضي:
- هدوء يا سادة، واللي هيتكلم هيطلع بره.
ثم أردف:
- محامي المدعية يتقدم.
نهض إيهاب وبيده مجموعة أوراق ووقف أمام المنصة وقال:
- سيدي القاضي والسادة المستشارون، بدون أن أخوض كثيرًا في القيل والقال كما استمعتم إلى موكلتي، فهذه الأوراق أدلة مادية على ما قالته.. بمعنى هناك ورقة باسم وعنوان عيادة الطبيب المختص بأمراض الذكورة والضعف الجنسي الذي كان يتردد عليه السيد عادل لإيجاد حل للمشكلة التي لديه.
القاضي:
- والدكتور حاضر للشهادة؟
إيهاب:
- نعم سيدي القاضي.
نادى الحاجب:
- الدكتور عصام جلال الدين.
ولج رجل ذو هيبة ووقار يرتدي نظارة طبية.
القاضي:
- قول والله العظيم هاقول الحق.
- دقيقة سيدي القاضي.
قالها المحامي التابع لعادل، فأردف:
- هل من الأمانة المهنية أن يفشي الطبيب أسرار مرضاه؟!
أجابه الطبيب:
- طبعًا لأ، بس واجبي يحتم عليا أن أنقذ سمعة وشرف بنت كل ذنبها وقعت ضحية لناس متعرفش معنى للرحمة أو الإنسانية.. سيادة القاضي، أستاذ عادل كان بيتعالج عندي من سنين بس حالته للأسف ملهاش علاج، وده بسبب عنده عيب خلقي في الجهاز التناسلي ومينفعش يمارس العلاقة الزوجية بشكل طبيعي، فكان من الواجب إنه يصارح الناس قبل ما يدخل بيوتهم ويخدعهم.
القاضي:
- شكرًا لحضرتك اتفضل.
صاح بها عادل:
- أنا عايز أقول حاجة يا سيادة القاضي.
القاضي:
- اتفضل قول.
عادل:
- الدكتور ده كداب، أنا روحتله مرة واحدة من سنة، ولما لاقيته انتهازي وبتاع فلوس روحت لدكتور تاني والحمد لله اتعالجت.
القاضي:
- طيب اتفضل اقعد.
صاحت بها سيدة في أواخر الأربعينات يمنعها العساكر من الدخول:
- ثواني يا سيادة القاضي.
القاضي:
- خليها تدخل يا ابني.
***
تقدمت تلك السيدة فاتسعت أعين عديلة ونجلها.
القاضي:
- اتفضلي عرفي نفسك لهيئة المحكمة.
السيدة:
- أنا اسمي عدلات عوض عبد ربه، أبقى خالة عادل وجاية أشهد بالحق.
القاضي:
- قولي والله العظيم هاقول الحق.
عدلات:
- والله العظيم هاقول الحق.. أنا ظلمت وشاركت في ظلم بنت غلبانة ضحكت عليها أختي وابنها وربنا انتقملها.. بيتي اتخرب جوزي طلقني بعد ما سرق كل فلوسي ودهبي.. بنتي الوحيدة جالها المرض الوحش، ولما جوزها عرف رماها في الشارع هي وعيالها.. فعلًا اللي بيجي على الولايا مبيكسبش، وربنا مبيسبش حق حد اتظلم.
القاضي:
- خشي في الموضوع على طول يا ست عدلات.
عدلات:
- حاضر يا بيه.. في ليلة دخلة عادل طلبت مني أختي إني أساعدها في إن ابنها لامؤاخذه يدخل على مراته بلدي.. بصراحة كنت مترددة وقولتلها حرام عليكي بلاش.. فهددتني بأن لو مساعدتهاش هتقاطعني العمر كله.. المهم ساعدتها بأن كتفنا البت المسكينة وعادل قام بالباقي وكأنه بيدبح دبيحة، والبت يا حبة عين أمها كانت بتصرخ وإحنا كتمنا بؤها، وبعد كده سبتهم وروحت، ومن يومها ضميري مش مخليني عارفة أنام لحد ما ربنا أداني جزاتي عشان ظلمت وسكت عن الظلم.. وده كل اللي حصل يا سيادة القاضي.
القاضي:
- طيب اتفضلي يا ست عدلات.
تعالت الهمهمات وظلت تدعو عديلة على شقيقتها وتسبها وكادتا تتشاجران.. حتى أوقفهم صوت الحاجب:
- محكمة.
القاضي:
- بعد الاستماع للمدعية وللمدعى عليه وشهادة الشهود، لقد قررت هيئة المحكمة برئاسة المستشار نادي محمد السويسي قبول الدعوى والحكم بطلاق السيدة رحمة من السيد عادل.
رفعت الجلسة.
قفزت رحمة من الفرحة والسعادة.. وأخذت تشكر إيهاب والسيدة عدلات التي ظلت تتأسف وتعتذر لها، وكذلك شكرت الطبيب.. ثم جثت على ركبتيها وسجدت شكرًا لله.
رواية صراع الذئاب الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم ولاء رفعت علي
في قصر البحيري.
- أنا عايز أتجوز يا بابا... قالها ياسين.
قهقه عزيز بسخرية وقال:
- تتجوز!! بذمتك مش مكسوف من نفسك؟ عايزني أروح أطلب إيد واحدة لابني وأقولهم ابني إيه؟ فاشل... مش نافع في حاجة غير الصرمحة والصياعة.
زفر ياسين بحنق وقال:
- بابا مش وقته تريقة وتهزيئ أنا فعلاً عايز أتجوز.
عزيز: ومين دي اللي عايز تضيعها معاك؟
ياسين: ياسمين.
عزيز: ياسمين؟ تبقى بنت مين... ولا من عيلة مين؟
ياسين: ياسمين اللي بتشتغل في القصر.
اتسعت عينيه بصدمة وقال:
- ياسمين بنت الجنايني!!
ياسين: اه ياسمين اللي حبيتها وحبتني.. الإنسانة المحترمة اللي عمري ما هلاقي زيها.
عزيز: أنت بالتأكيد اتجننت.
ياسين: بابا... مش وقته الكلام ده... هي زينا بالظبط ومش هتفرق إن كانت فقيرة.
عزيز: وأنا مش قصدي على الغنى والفقر.. تقدر تقولي هتقدمها للناس إزاي!! هتقولهم هقدملكم مدام ياسمين الشغالة ولا تقولهم بنت الجنايني اللي كان شغال عندنا!!
صاح ياسين وقال:
- بابا ياسمين لازم أتجوزها.
رمقه بعدم فهم ثم قال:
- قصدك إيه؟
نظر بخجل إلى أسفل وقال:
- أ.. أنا اعتديت عليها بالغصب وأنا كنت سكران.
عزيز: اغتصبتها!!!!
ياسين: مكنتش في وعيي وقتها كنت راجع سكران وحصل اللي حصل.
اقترب منه عزيز وصفعه بقوة وصاح به:
- يا حيوااااان.
- اضرب... اضرب كمان.
أخذ يصفعه عزيز حتى وقع ياسين على الأرض.
ركضت علا إلى الحديقة:
- الحقي يا جيهان هانم... عزيز باشا ماسك ياسين بيه ونازل فيه ضرب في المكتب.
ركضت جيهان إلى الداخل... فتحت الباب لتجد ياسين ملقى في الأرض والدماء تسيل من فمه وآثار صفعات أبيه على وجنتيه... حملته بين ذراعيها وصاحت بعزيز:
- اللي بتعمله فيه ده حرام عليك.
عزيز: حرام عليه هو اسأليه عمل مصيبة إيه.
جيهان: عملت إيه تاني يا ياسين؟؟
عزيز: البيه اغتصب ياسمين بنت عم إسماعيل الله يرحمه.
- إيه!!! اغتصبها!! ليه كده يا بني؟ حرام عليك... أنت نسيت اللي كان هيحصل لملك أختك... تقوم عامل في البنت كده!!
ياسين: كنت سكران ومش دريان باللي حصل.
جيهان: كمان!! أنت لازم تصلح اللي عملته.. لازم تتجوزها.
صاح عزيز:
- بتقولي إيه أنتي كمان؟
جيهان: بقول اللي المفروض يعمله ابنك ولا عايزه يضيع البنت ونقف نسكت.
عزيز: شكلك اتجننتي.
صاحت في وجهه وقالت:
- لأ متجننتش، دي لو كانت بنت عيلة كان زمان ابنك مرفوع عليه قضية اغتصاب... ولا عشان هي غلبانة ويتيمة الأب تيجوا عليها.
ياسين: يا ماما أنا هتجوزها.
عزيز: وأنا بقولك لأ... ويوم ما هتعملها هتكون لا ابني ولا أعرفك وأبقى روح اشحت عشان تصرف عليها.
ياسين: ده آخر كلام عندك؟؟
عزيز: اه يا ابن جيهان.
ياسين: وأنا آخر كلام عندي هتجوزها غصب عن أي حد.
قالها وغادر المكتب.
جيهان: عمرك ما هتتغير يا عزيز، والبنت دي ذنبها هيبقى في رقبتك زيها زي اللي قبلها... وكأن الزمن بيعيد نفسه وحكيم البحيري هو اللي واقف قدامي!!!
صاحت بها وذهبت من أمامه.
كانت علا تنصت لكل ما حدث فازدادت حقداً وكراهية نحو ياسمين... فأخرجت من جيبها هاتف ياسمين التي وجدته عندما قامت بتنظيف غرفة ياسين.. ضغطت على زر الاتصال وقالت:
- ألو... أنا أبقى صاحبة ياسمين يا طنط.
***
في مشفى البحيري.
- عاملة إيه النهاردة يا ياسمين... قالها الطبيب بابتسامة.
أجابته بشبه ابتسامة: الحمد لله.
الطبيب: أنا هكلم دكتور يوسف وهطمنه عليكي وكمان تقدري تخرجي النهاردة.
نظرت بامتعاض وقالت:
- أخرج!
الطبيب: أنتي عجبتك المستشفى ولا إيه؟
ياسمين: لأ عادي.
الطبيب: طيب أنا رايح أطمن على كذا حالة لو محتاجة أي حاجة دوسي على الزرار اللي جنبك ده.
أومأت له وقالت:
- حاضر.
ذهب الطبيب وتركها شاردة فيما حدث معها... كل ذكرياتها التي تجمعهما معاً إلى أن انتهت بآخر الأحداث المؤلمة التي ستظل راسخة بداخل عقلها وقلبها الذي تمزق وروحها التي أصبحت تحيا كطيف.
عادت إلى الواقع عندما رأته يقف أمام باب الغرفة... شعره أشعث وثيابه غير مهندمة وآثار صفعات والده ما زالت على وجنتيه شديدة الاحمرار ودماؤه المتجلطة بجانب فمه... حدق بها بنظرات اعتذار وألم... ارتجفت أطرافها لا ترى أمامها سوى ذلك الذئب الذي فتك ببراءتها.
- يا ياسمين... أرجوكِ عايزك تسمعيني... والله ما كنت في وعيي الليلة دي... مكنتش أنا ياسين اللي بيحبك وبيخاف عليكي... قالها ياسين وهو يقترب منها بخطى حذرة.
صاحت بأعلى صوتها:
- امشي اطلع بررررة... مش عايزة أشوف وشك.. أنا بكرهك... أنا بكرهك يا ياسين.
ياسين: أنا عايز أتجوزك.. أنا بحبك.. أرجوكِ اديني فرصة.. والله العظيم بحبك.
قالها وأجهش بالبكاء وهو يجثو أمامها يمسك يدها يقبلها ندماً واعتذاراً يرجوها لتسامحه... لكن لا فائدة فما زالت تحت تأثير الصدمة النفسية مما اقترفه معها.
ركضت الممرضات وتبعهم الطبيب.
صاحت الممرضة:
- لو سمحت يا ياسين بيه اطلع بره.
ساعده الطبيب في النهوض ليغادر وهو ينظر إليها بنظرات رجاء... لم يتحمل صرخاتها وكلماتها التي ظلت ترددها... غادر المشفى ولم يحدد وجهته.
سئم الطبيب من تهدئتها فأمر الممرضة بإعطائها مهدئ ليجعلها تغفو سريعاً.
***
في سكون الليل الهادئ الذي عكر صفوه صوت تلك السيدة التي ولجت من البوابة.
- هي فيييين... هي فين اللي جابتلنا العار.... صاحت بها والدة ياسمين.
- أنتي يا مدام رايحة فين وإزاي السكيورتي سمحولكوا بالدخول... قالتها موظفة الاستقبال.
ولج كل من الحارسين وخلفهما رجلين مرتدين جلباباً وعمة يصوبون نحو رؤوسهم أسلحة نارية.
فقال أحدهم بصوته الغليظ:
- اخرسي يا مرة بدل ما نفرغ المسدس في دماغك ودماغ الرجالة دي... إحنا جايين ناخد بنتنا وماشيين على طول.
صاحت الموظفة: يا دكتور آسر.. يا دكتور آسر... الحقنا.
جاء آسر ركضاً بفزع وقال:
- في إيه؟؟ وأنتوا مين؟؟
والدة ياسمين: إحنا جايين ناخد ياسمين اللي بتشتغل حداكم في القصر.
عقد حاجبيه وقال:
- قصدك البنت اللي جابها يوسف وياسين؟؟
قال أحد الرجلين:
- اخلص يا ولد وجولنا على مطرحها.
نظر آسر إلى الموظفة حتى لا تتحدث فقال:
- بس ياسمين مش هنا... دي روحت القصر من بدري.
- أنت راجل كداب... لأن أنا لسه مكلمة صاحبتها وقالتلي لسه في المستشفى... قالتها والدة ياسمين.
الرجل: يعني بتستغفلنا إياك... هنعد من واحد لحد تلاتة لو مدلتناش على أوضتها قول على نفسك يا رحمن يا رحيم.
واحد... اتنين.
كاد يتفوه آسر ليضللهم، فصاحت الموظفة وقالت:
- الدور التاني أوضة رقم 5.
والدة ياسمين: يلا بينا يا أبو خميس.
أبو خميس: اللي يفكر فيكوا يخطي خطوة ورانا هو عارف هيحصلّه إيه عاد.
- أنا آسفة يا دكتور آسر العمر مش بعزقة.... قالتها الموظفة.
رمقها بازدراء ليمسك بهاتفه وأجرى اتصالاً:
- الحق يا يوسف في واحدة بتقول إنها أم ياسمين ومعها اتنين رجالة شكلهم قرايبها جايين ياخدوها.
بالأعلى كانت تغط في النوم... قام الرجال بدفع الباب وولجت والدتها التي أيقظتها بقسوة وعنف:
- قومي يا فاجرة يا اللي جبتيلنا العار.
استيقظت ياسمين بفزع لترى والدتها والرجلين فصرخت بذعر:
- عمي!!!
أبو خميس: أيوه عمك اللي جاي ياخدك هو وولده ونغسل عارنا يا اللي ممرمطة شرفنا في الطين.
ياسمين: أنا معملتش حاجة والله أنا....
قاطعتها والدتها بصفعة قوية وقالت:
- معملتيش إيه يا بت وأنتي رايحاله أوضته برجليكي... كنتي عايزاه يعمل إيه لما يلاقي واحدة صايعة زيك بايعة نفسها بالرخيص.
خميس: خلاص يا مرات عمي يلا هاتيها عشان نلحق نسافر ولما نعاود البلد سيبيني أتصرف معاها.
أخذت تصرخ باستغاثة فحملها عمها عنوة عنها وغادروا بها أمام مرأى كل من بالمشفى... فلم يتجرأ أحد على إنقاذها من أيديهم خشية من الأسلحة التي قاموا بتصويبها نحوهم.
***
يقود سيارته منذ وقت كثير يتجول في الشوارع بلا هدف... التفت لرنين هاتفه فلم يبالِ أن يجيب لكن عندما تكرر الرنين فألقى نظرة ليجده شقيقه.
ياسين: ألو يا يوسف.
صاح يوسف بغضب: أنت اللي كلمت مامة ياسمين وحكتلها على اللي حصل؟؟
أوقف السيارة فجأة وقال:
- كلمت مين؟؟ أنا مش فاهم حاجة.
يوسف: أمها جت ومعاها اتنين رجالة شكلهم قرايب أبوها وغالباً عمها هددوا كل اللي في المستشفى بالسلاح وخدوها غصب عنها ومشيوا.
صاح ياسين وقال:
- مستحيييييل.
أغلق المكالمة فقام بالاتصال على عم شكري ليسأله عن بلد عم إسماعيل فأخبره عن المكان وهو إحدى القرى في قلب الصعيد.. فأمره ياسين بإرسال سيارة مليئة برجال الحراسة ليذهبوا برفقته حتى يذهب إلى هناك وينقذ ياسمين من المصير الذي ينتظرها هناك.
بعد عدة ساعات من السفر... توقف خميس بالسيارة أمام بيت قديم... ترجل الجميع من السيارة ليجذبها عمها من خصلاتها لتصرخ بصوت مبحوح بسبب كثرة الصراخ والبكاء.
- عن إذنك يابا سيبهالي وأنا اللي هغسل عارها بيدي... قالها خميس.
والد خميس:
- صُح يا ولدي خلصنا منها الفاجرة الخاطية بنت ال.....
- أبوس إيدك ياما انجديني منهم... والله مظلومة... أنا معملتش حاجة.. صرخت بها ياسمين.
والدتها: تستاهلي اللي هيجرالك مش بتكرهيني وبتحبي أبوكي الله يجحمه مطرح ما راح وكنتي بتغوي جوزي اللي مكنش عايز يقولي.
صرخت بصدمة:
- والله ما حصل... ده هو اللي كان بيتحرش بيا دايماً وأنتي مش موجودة... عشان كده سبتلك البيت وروحت لأبويا قبل ما يموت.
خميس: عاودي على بلدك أنتي يا مرات عمي.
قالها وهو يغمز لها بدون أن تراه ياسمين... فذهبت والدتها... ليأخذها خميس إلى منزل مهجور ودفعها على الأرض وصوب السلاح نحو رأسها وقال:
- اتشهدي على روحك يا بت عمي.
ياسمين وهي تبكي وترجوه:
- والله يا خميس مظلومة.. هو اللي اعتدى عليا.
نظر إلى معصمها المضمد وقال بسخرية:
- وكمان كنتي عايزة تموتي كافرة!! أنا هريحك خالص... انطقي الشهادة.
أغمضت عينيها بيأس وأخذت تردد الشهادتين... حتى ضغط على السلاح ليصدر صوتاً يدل على أنه فارغ من الرصاص.
فتحت عينيها وهي تلتقط أنفاسها وكأنها عادت من الموت.
قهقه بسخرية وقال:
- فكراني هموتك وأريحك... لأ يا بت عمي.. أولاً هتمضيلي على تنازل عن حقك في ورث جدك اللي راح كتبهولك من ورانا والتاني هتكوني بتاعتي.
ياسمين: وأنا مش موافقة أتجوزك.
خميس: ومين جاب سيرة الجواز... فكراني عبيط إياك... عايزاني أتجوزك والناس تتمسخر عليا... لأ يا حلوة أنا هكتب عليكي عرفي وجوازنا في السر... بصراحة أنا عيني منيكي من زمان لولا عمي الله يحرقه اللي هج من البلد وأول ما عرفت إنه مات قعدت أدور عليكي لحد ما أمك جت دلتني على مكانك.
ياسمين: على جثتي لو ده حصل يا خميس.. أنا عندي الموت أهون من إني أعيش معاك لحظة واحدة.
صفعها وصاح:
- اخرسي واحمدي ربنا إني مقتلتكيش وتويتك في مكانك.
ياسمين: أنا مش عايزة ورث ولا فلوس أنا هتنازلك عن كل حاجة بس سيبني أبوس إيدك.
خميس: هو أنا مجنون أسيب الجمال ده غير لما أتهنى بيه...
- أنا هسيبك ترتاحي النهاردة، وبكرة هتكون دخلتي عليكي.. آسف نسيت إنك معدتيش بنت بنوت، قصدي هنكتب الورجتين العرفي يا ست الحسن والجمال...
قالها وأخذ يقهقه وأخرج من جيب جلبابه حبلاً طويلاً، وقام بتقييدها حتى لا تتمكن من الهرب، فأخذت تصرخ فقام بصفعها عدة مرات حتى فقدت الوعي.
************************************
وفي صباح اليوم التالي.. وصل ياسين إلى تلك القرية وبرفقته مجموعة من الحراس. ترجل جميعهم من السيارة، ليراهم رجل من أهل القرية وكاد يبتعد عنهم فأوقفه ياسين وقال:
- لو سمحت.. استنى عندك.
قال الرجل بنبرة خوف وقلق:
- أنا معملتش حاجة يا سعادة البيه، ده الواد مخيمر ويلد أبو سريع هو اللي سرج البجرة.
جز على فكه بحنق وقال:
- متخافش إحنا مش بوليس... إحنا عايزين نعرف بيت عيلة عم إسماعيل الله يرحمه.
الرجل:
- تجصد إسماعيل الفران ولا إسماعيل الجنايني اللي هج من البلد من زمان؟
ياسين:
- أيوه عم إسماعيل الجنايني.
أخرج من جيبه بعض أوراق من المال فأعطاها له في يده.
تلفت الرجل من حوله وقال:
- هجولك بس أوعاك تجولهم إني دليتك عليهم... أصلهم عيلة متعرفش ربنا، يجتلوا الجتيل ويمشوا في جنازته... وكل همهم الفلوس.
ياسين:
- تسلم يا....
الرجل:
- خدامك حمدان يا بيه... بص بجي تمشي طوالي وأول شارع على يدك اليمين تكسر هتلاجيه أول بيت.
ياسين:
- يلا يا رجالة.
ذهب جميعهم إلى ذلك المنزل المكون من عدة طوابق، ليجدوا عم ياسمين وابنه خميس في انتظارهم.
- خير يا حضرة؟
قالها والد خميس.
ياسين:
- أنا جاي آخد ياسمين عشان ترجع القصر.
خميس:
- يا بجاحتك يا أخي! كيف بتجولها جدامنا إجده؟
ياسين:
- ما أنا قبل ما هاخدها بطلب إيدها منكم على سنة الله ورسوله.
كاد يتفوه خميس ليوقفه والده وقال:
- أوعاك تكون الجدع اللي غلطت معاه؟
زفر ياسين بحنق وقال:
- ياسمين مغلطتش... كل الحكاية كانت بتنضف أوضتي وأنا كنت راجع سكران وشارب مكنتش دريان بنفسي وحصل اللي حصل.
خميس:
- وكيف تدخل أوضتك الفاجرة دي!
والده:
- اخرس يا ويلد... صوح اللي بتجوله ده ولا أنت بتكدب وبتداري على غلطها؟
ياسين:
- والله العظيم ده اللي حصل... وعارف إن أنا غلطان عشان كده جاي أصلح غلطي وأتجوزها.
خميس:
- وأنت فاكر إحنا هنوافج ونجوزهالك وتعاود بيها على مصر إياك... هو دخول الحمام زي خروجه يا ابن البهوات؟
ياسين:
- وأنت مالك... أنا بتكلم مع عمها.
خميس:
- وأنا ابن عمها وبجولك جتلتها.
أمسكه ياسين من تلابيب عباءته وصاح به وقال:
- بتقول إيه يا حيواااان؟
والد خميس:
- يعني غلطان وبتتهجم على ولدي... نزل يدك.
قالها وهو يرفع سلاحه صوب ياسين.
- نزل اللي في إيدك أحسنلك.
صاح بها يوسف الذي وصل للتو برفقة مصعب وبعض الحراس.
والد خميس:
- وتطلع مين أنت كمان؟
يوسف:
- أنا أبقى أخوه.
خميس:
- ده أنتوا عصابة بجي.
يوسف:
- لم نفسك يا زفت أنت... أنا جاي آخد ياسمين، عم إسماعيل الله يرحمه كان موصينا عليها.
قال والد خميس بنبرة سخرية:
- وأخوك ما شاء الله نفذ الوصية زين.
يوسف:
- أخويا غلط وهيصلح غلطه... فبالذوق كده تقولنا فين البنت؟
خميس:
- ما جولت لأخوك جتلتها وخلصت من عارها.
- إلحج يابا في واحدة عمالة تصرخ في البيت الجديم.
قالتها فتاة صغيرة.
ياسين:
- ياسمين!
قالها واتجه نحو الفتاة وقال:
- فين البيت ده؟
خميس:
- اللي هيهاوب ناحية الدار هطوخه في نفوخه.
يوسف:
- شكلك أعمى ومش شايف الرجالة اللي معانا.
رفع الحراس أسلحتهم صوب خميس ووالده، فأردف يوسف:
- بص يا راجل أنت وابنك من الآخر كده... البنت هناخدها، قولوا من الآخر عايزين كام وتنسوا إن ليكوا بنت أخ؟
والد خميس:
- مليون جنيه ما ينقصوش ولا مليم.
يوسف:
- خلاص تسلمنا البنت تستلم الفلوس.
أخذهم خميس إلى المنزل المهجور، وما إن فتح الباب ليلج جميعهم، ركضت ياسمين نحو ياسين بتلقائية وتستنجد به:
- الحقني يا ياسين.
ياسين وهو يتفحص وجهها المليء بآثار الصفعات:
- أنتي كويسة؟
ياسمين:
- لأ.. خدني من هنا، ابن عمي عايز يتجوزني عرفي غصب وخلاني أمضي على تنازل عن ورثي.
خميس:
- كدابة... أنا كنت مخبيها في الدار أهنه عشان أجتلها زي ما أبوي جال لي.
ياسين:
- ده أنت تخرس خالص.. متخافيش يا حبيبتي محدش يقدر يقرب منك خلاص، هتسافري معايا وهنتجوز.
وفي الطريق أثناء السير...
قال يوسف:
- كل الحكاية إني لقيت عم شكري قالي إنك سافرت لأهل ياسمين وخدت الرجالة، فخوفت ليعملوا فيك حاجة... وتعرف مين اللي قالهم أصلاً؟ مامتها، واللي بلغتها البنت اللي اسمها علا، سمعتها دادة سميرة وهي بتتكلم في موبايل ياسمين وبتحكيلها اللي حصل بس بطريقة تانية.
ياسين:
- طريقة تانية إزاي!
يوسف:
- فهمتها إن ياسمين بتجري وراك ودخلتلك الأوضة واللي حصل كان بمزاجها.
ياسين:
- يا بنت الـ..... وربنا لما نرجع القصر لأطلعه على عينيها.
يوسف:
- مفيش داعي، ماما لما عرفت خلتها تسيب الشغل وتمشي من غير شوشرة.
نظر ياسين إلى تلك النائمة برأسها على فخذيه، فانحنى وقبلها فوق رأسها وقال:
- حقك عليا يا روحي.
******************************************
وبعد مرور أيام في قصر البحيري...
تحمل العاملات الحقائب وتخرجها إلى السيارات المنتظرة في رواق الحديقة.
تقف ملك أمام المسبح تتأمل كل مكان بحديقة القصر وتبكي بدون صوت.
- إحساس صعب لما تسيب الحاجة اللي اتعلقت بيها وبتحبها خاصة لو المكان اللي عشت واتربيت فيه.
قالها مصعب.
التفتت إليه وقالت بتهكم:
- واللي يسيب حد بيحبه واتعلق بيه طول عمره... ده يبقي إيه؟!
مصعب:
- ساعات الظروف بتبقى أقوى من الواحد فبتجبره إنه يتخذ قرارات غصب عنه، زي ما عزيز بيه اتخلى عن القصر وباعه.
ملك:
- وإيه ظروفك يا مصعب؟ خايف من بابا ويوسف!
مصعب:
- أنا مبخافش غير من اللي خلقني وبس.
ابتسمت بسخرية وقالت:
- بدليل إنك بعتني في أول الطريق.
مصعب:
- أرجوكي يا ملك كفاية عتاب.
ملك:
- أنا مش بعاتب عشان أنت متستهلش إني أعاتبك.. ولا تستاهل قلبي اللي قدمتهولك على طبق من دهب وأنت رميته ودوست عليه بكل سهولة.. وعشان طلعت ندل وجبان.
لم يدرك حاله وهو يصفعها، فاتسعت عيناها بذهول، فلم يتحمل ما ارتكبه للتو فجذبها بين ذراعيه وقال:
- أنا بحبك يا ملك ولا عمري هحب غيرك.
قالها وانحنى إلى شفتيها وقام بتقبيلها وابنعد عنها وأردف:
- عايزك تعرفي إن مفيش حد بيحبك قدي... أنا بموت كل لحظة وأنا بعيد عنك وأنتي قدام عينيا في نفس الوقت... عشان كده...
دمعت عيناها وقالت:
- أنت السبب مش أنا.
ابتلع ريقه ثم قال:
- أأ.. أنا مسافر وراجع بعد شهرين.
ملك:
- مسافر!
مصعب:
- كل اللي بطلبه منك تديني فرصة لحد ما أرجع، وساعتها هطلب إيدك من عزيز بيه... هتستنيني يا ملك!
قالها وكأنه أحيا قلبها مجدداً، فأومأت له بفرح وسعادة وقالت:
- هستناك العمر كله يا مصعب.
مصعب:
- أنا بحبك أوي يا ملك قلبي.
ملك:
- وأنا بعشقك يا مصعب قلب وروح ملك.
قالتها وارتمت على صدره تعانقه بقوة.
************************************
ينظر من الحائط الزجاجي إلى الشارع يزفر دخان سيجارته.
طرقت السكرتيرة باب المكتب وولجت إلى الداخل وقالت:
- قصي بيه... أستاذ....
قاطعها بدون أن يلتفت إليها وقال:
- خليه يدخل.
السكرتيرة:
- أمرك يا فندم.
غادرت ليلج ذلك المنتظر بخطى واثقة.
- إيه الأخبار؟
قالها قصي ثم زفر دخاناً كثيفاً.
- كله تمام زي ما حضرتك خططت وظبطت بالقلم والمسطرة.
قصي:
- طيب والقصر؟
- اتنقل من ملكية المشتري في المزاد لحضرتك يا باشا، يعني بقي اسمه قصر العزازي.
قصي:
- لأ أنا عايز اليافطة باسم زينب عبد الرازق المنياوي.
- أمرك يا باشا اعتبره حصل.
التفت إليه قصي ليتقدم نحو المكتب ويجلس بسعادة عارمة، وأمسك بدفتر شيكات خاصته وقلم، ودون مبلغ بقيمة مائة مليون جنيه مصري وأعطاه إلى الذي جلس أمام مكتبه وقال:
- مبروك عليك يا نجيب!
نجيب وهو ينظر إلى الشيك بأعين لامعة غير مصدق قال:
- تسلم يا باشا وربنا يكتر خيرك.
****************************************
تتجول في الغرفة وهي تتأمل كل شيء قبل أن تغادر القصر... كل ركن يحمل لها ذكريات عديدة... تزوجت وأنجبت أبناءها الخمسة وقامت بتربيتهم، وكثيراً لعبوا وركضوا في كل مكان... فرحت بإحدى أبنائها وبفضله أصبحت جدة... شهدت الجدران على لحظات سعادتها وحزنها... ضحكاتها وبكاءها.
- جيهان هانم كل الشنط جاهزة وباقي الحاجات اتحملت في العربيات... وعزيز بيه والجماعة كلهم منتظرينك تحت.
قالتها سميرة.
تنهدت ثم قالت:
- حاضر أنا نازلة.
قالت سميرة بنبرة مواساة:
- ربنا يعوض عليكوا يا جيهان هانم وترجعوا تاني للقصر.
ابتسمت جيهان بتهكم وقالت:
- مفيش حاجة بترجع زي الأول يا سميرة.
طرقت خديجة الباب ثم ولجت للداخل وقالت:
- محتاجة حاجة يا ماما؟
جيهان:
- لأ يا حبيبتي خلاص أنا نازلة.
خديجة:
- آدم من الصبح مش موجود وبتصل عليه موبايله مقفول.
جيهان:
- آدم مش مستحمل فراق المكان اللي اتولد واتربى وعاش فيه، واللي زعله أكتر إن القصر اتباع بإسطبل الخيل.
خديجة:
- طيب عمو عزيز معملش إسطبل في جنينة الفيلا اللي هنتنقل ليها ليه؟
جيهان:
- اللي اشترى القصر عجبه الإسطبل وأصر إنه يشتري الخيول خاصة رعد حصان آدم.
خديجة:
- إيه ده عمو عزيز بيرن عليا.
جيهان:
- يلا ننزل.
هبطوا ثلاثتهم إلى أسفل... ليقف كل من عزيز وجيهان ويوسف وياسين وياسمين وخديجة وملك وطه ومصعب يتأملون القصر قبل مغادرته... فهل سيعودون إليه يوماً ما!
********************************************
يتمدد على التخت عاري الصدر يدثر نصف جسده غطاء خفيف... يزفر دخان سيجارته وقال:
- اعملي حسابك دي آخر مرة نتقابل فيها ونعمل اللي بنهببه ده.
قالها عبدالله ونبرة الندم بين كلماته، حيث استسلم لشيطان أهوائه وسحر كلمات تلك الحية التي قامت بإغوائه.
- خلاص يا سي عبده مش كل مرة تسمعني البقين الحمضانين دول وتضيعلي الفرحة اللي بحسها معاك وأنا في حضنك.
قالتها سماح وهي ترتدي معطف أسود شفاف وأسفله قميص فاضح يبرز معظم مفاتنها.
زفر عبدالله بسأم وقال على مضض:
- منك لله يا شيخة خلتيني خونت صاحبي، وكل لما بشوفه صدفة بداري وشي منه.
سماح:
- بلا صاحب بلا نيلة، يعني نفعك في إيه؟ ده استكتر يكلملك عمو.. قال إيه مش عايز يشيل جميل، أهو كل حاجة راحت... افتكر لنا سيرة عدلة.. أهو بقاله من بدري مع عمه بياخدوا شنطهم وحاجتهم عشان بينقلوا للفيلا الجديدة.
زفر دخان سيجارته وقال:
- والله زعلت لما عرفت إن القصر اتباع.
سماح:
- قول ده حظي النحس يوم ما قولت والله ولعبت معاكي يا موحة لقيتها خربت على الكل.
ضحك بسخرية وقال:
- قصدك وشك فقر عليهم يا موحة.
سماح:
- فشر يا عينيا... دول هم اللي منحوسين، الولية هتسافر تعمل إشاعات عشان شاكين إن عندها بعد الشر عني المرض الوحش، والراجل خسر شركته ومصنعه وباع القصر، وابنه عمل عملته مع البت الشغالة وكتب عليها غصب عن أبوه، والواد اللي بيرسم ميعرفوش عنه حاجة، والبت ملك دي عبيطة وهبلة عرفت إنها بتحب الواد السكيورتي بتاعها، وآدم من ساعة اللي حصل مع أبوه طفشان ومحدش بيشوف وشه... ولا الدكتور يوسف الحليوة ده يا حبة عيني بنته بتتعالج في مستشفى المجانين من وقت ما شافت أمها بتقتل عشيقها.
شوفت بقي النحس ميعرفش ولا فقير ولا غني... خد ولعلي الجوينت ده خلينا نشرب وننسى الهم.
عبدالله:
- الله عليكي وع حكمتك يا ست موحة... اه يا خوفي تعملي فيا زي مرات يوسف..
قالها وهو يعطيها السيجارة بعد أن أشعلها لها.
سماح: بعد الشر عليك يا سي عبده، ده أنا ما صدقت لاقيتك... وبعدين عايز تبعد عني!!
رن هاتفها فنظرت إلى الشاشة فقالت:
- يوه دي خالتي شكلها جاية في السكة، أصل قولتلها تيجي تقعد معايا بدل الوحدة اللي أنا فيها.
***
في الحارة...
جاءت من المشفى الذي تتابع فيه فترة الحمل...
- إزيك يا شيماء.. قالها طه.
شيماء: طه!! عاش من شافك وأخيرًا حنيت علينا.
ارتسمت شبه ابتسامة على ثغره وقال:
- ما أنا خلاص أديني رجعت... أومال فين الواد عبدالله... مبشفهوش خالص.
شيماء: طالع عينه في الشغل وساعات بيشتغل شيفتات زيادة وأنا بستناه عند أبويا لحد ما يرجع... ادعيله ربنا يقويه ويرزقه من وسع كده.
طه: يارب... ابقي سلميلي على عم فتحي كتير.
شيماء: الله يسلمك يوصل إن شاء الله.
تركها وولج إلى البناء وصعد الدرج وهو يخرج المفتاح من جيبه... وكاد يفتح الباب لتستوقفه ضحكاتها الرقيعة... فتح الباب بدون أن يصدر صوتًا...
- أنا هاموت وأعرف طه اتجوزك إزاي!!... قالها عبدالله بسخرية.
أجابته بثمالة وبدون إدراك:
- كان في ليلة جاي سكران وخدته عندي في الشقة وحصل اللي حصل، بس ضحكت عليه وفهمته إنه أول واحد يلمسني، وعملنا عليه حوار أنا وخالتي وهو زي العبيط صدق، زي ما صدق إن أنا حامل.. حامل إزاي وهو مبيرضاش يبصلي حتى، مش بقولك عبيط.
- فعلًا أنا عبيط يا بنت الـ...
صاح بها طه الذي دفع باب الغرفة والدماء تغلي في عروقه.
سماح وهي تنهض بثقل: طه!!
انفزع عبدالله الذي نهض مسرعًا وقال:
- طه... أنا...
قاطعه بصياح وقال:
- أنت تخرس خالص ومش مستغرب اللي أنا شايفه لأنك ندل وجبان وخاين.
قالها وجذب سماح من خصلاتها وصاح بها:
- إنما أنتي هاعرفك إزاي تضحكي عليا أنتي وخالتك الـ...
قالها ليصفعها صفعة قوية جعلتها تقع ويرتطم رأسها بحافة الكومود المدببة، ولم ينتبه إلى هذا لينحني نحوها وأخذ يصفعها ولم يجد منها أي مقاومة.
- كفاية يا طه هتموت في إيدك... صاح بها عبدالله وهو يحاول منعه.
دفعه طه وقال:
- سيبني أخلص من...
لم يكمل عندما أمسك برأسها ليجد دماءها الغزيرة تسيل من جرح عميق بفروة رأسها... ولم تبدِ أي حركة... ابتعد عنها وعيناه متسعتان بصدمة حيث وضع أنامله يتفحص نبضها لدى عنقها ليجده شبه متوقف.
- د.. د.. دي... ماتت..
صاح بها عبدالله بذعر ووجل... ارتدى قميصه وأخذ متعلقاته مسرعًا وهرب على الفور ليصطدم بخالتها التي تصعد الدرج.
فقالت بحنق: متحاسب يا جدع أنت هتقلبني على السلم.
لم يجب عليها ليركض إلى الحارة.
وكانت شيماء تقف في الشرفة بمنزل والدها... عقدت حاجبيها بتعجب وقالت:
- هو إيه اللي رجعه بدري! وماله بيجري كده ليه!!
أخرجت هاتفها من جيب ثوبها لتجري الاتصال عليه فأوقفها صرخات وعويل صباح خالة سماح.
- يالهوووووووووووي... قتلت البت يا ابن الـ...
صرخت بها صباح التي عندما ولجت إلى المنزل وكان الباب مفتوحًا... لتجد طه يجثو على الأرض أمام جثة سماح وأسفل رأسها بركة من الدماء.
وقف وقال:
- مقتلتهاش... والله ما قتلتها.
قالها وهو يبتعد ويداه ملطخة بدمائها وكاد يغادر المنزل فوجد تجمعًا من أهالي الحارة قد جاءوا على إثر صرخات صباح التي تحتضن جثة ابنة شقيقتها وينظرون إلى طه بنظرات اتهام.
***
وبعد أيام...
في إيطاليا...
استيقظت كارين من النوم تتأمل في وجه ذلك النائم... فتناولت وردة حمراء من المزهرية ووضعتها على وجنته ثم عنقه تدغدغه بها...
فتح عينيه مبتسمًا وقال:
- صباح الورد على حبيبتي اللي مبتبطلش شقاوة على الصبح.
حاوطت عنقه بذراعيها وقالت:
- أعمل إيه بتوحشني حتى وأنت نايم فببقى عايزة أصحيك.
حاوطها من خصرها وجذبها لتلتصق به وقال:
- بوحشك إزاي بقى؟
رمقته بخجل وقالت:
- يونس.. بس بقى.
يونس: أبس ليه هو أنا لسه عملت حاجة؟!
قالها وابتسم بمكر.
ابتعدت عنه وقالت:
- لأ اصحى وفوق بقى عشان ورانا كذا مشوار النهاردة.
يونس: مشوار إيه؟
كارين: نسيت الريفيو اللي أنا وأنت هنعمله في الجاليريز اللي قدمنا فيهم.
يونس: تصدقي أنا ناسي خالص... كويس إنك فاكرة.
رمقته بمزاح وقالت:
- مين واخد عقلك يا سي يونس!
جذبها من ذراعها وقال:
- هو في حد واخد عقلي وقلبي وروحي غيرك... ده أنا بنسى نفسي معاكي خالص.
كارين: طيب ممكن تسيبني يا فنان وتقوم عشان نفطر ونروح نشوف لقمة عيشنا.
يونس: لقمة عيشنا!! هو أنتي متأكدة إنك كارين العزازي!!
ضحكت وقالت:
- لأ أنا بقيت كارين مدام البحيري.
ابتسم وقال:
- أنتي أميرة عيلة البحيري كلها.
قالها ثم اختطف قبلة من شفتيها.
لكزته في صدره وقالت:
- قوم بقى وبطل دلع الوقت بيجري.
يونس: مش هقوم غير لما تديني دافع الأول.
نهضت على الفراش بركبتيها وقالت: قوم يا يونس أحسنلك.
أشار إلى فمه حتى تقبله ولم يتفوه...
كارين: طيييب ماشي خليك نايم.
قالتها ثم نهضت ويدها تقترب من كوب المياه حيث تريد النثر منه في وجهه، لكن لحق بها يونس ليلقي بها على الفراش واعتلاها وقال:
- عايزة ترشي عليا مية!!! أنا بقى هاوريكي...
قالها ليدغدغها من خصرها وأخذت تضحك من أعماق قلبها... فتوقفت عن الضحك لتحدق في عينيه وكذلك هو ليقترب بأنفاسه من شفتيها ليبدأ ينغمر معها في عالمهما الخاص المليء بالعشق والحب والحياة...
وبعد مرور الوقت خرجت من المرحاض ترتدي منشفة قطنية... فقالت:
- يلا ادخل خدلك شاور على السريع وأنا هلبس وأنزل أحضر كام ساندوتش كده ناكلهم في الطريق.
ذهبت لترتدي ثوبًا قصيرًا وبحمالات رفيعة وحذاءً رياضيًا... بينما هو خرج من المرحاض ملتفًا حول خصره منشفة قطنية... تفحصها من أسفل لأعلى فقال بنبرة شبه غاضبة:
- أنتي ناوية تخرجي كده!!!
نظرت إلى مظهرها بالمرآة وقالت:
- ماله يا حبيبي ده دريس عادي وكمان مريح في الحركة.
يونس: أنتي يا بتهزري يا إما بتستهبلي.
تأففت بحنق وقالت: يونس الدريس عادي مفهوش أي حاجة وبعدين أنت عرفتيني وأنا بلبس كده.
زفر بضيق فقال:
- قبل الجواز مكنش ليا حق أقولك تلبسي إيه لكن دلوقت إنتي مراتي وأنا مستحملش حد يبصلك بطرف عينه.
كارين: بدأنا بقى تحكمات وغيرة.
صاح بغضب:
- هو أنا عشان بحبك وبغير عليكي يبقى بتحكم فيكي!!
كارين: أنت بتزعق ومكبر الموضوع أوي كده ليه... إحنا مش في مصر، هنا البلد كل واحد في حاله، ولو ماشية حتى ببكيني محدش هيبص عليا أو يضايقني.
يونس: ليه يا اختي عايشة في وسط ملايكة!!.. بقولك إيه يا كارين أدخلي غيري قميص النوم اللي لبساه ده والبسي حاجة محترمة يا إما مش هتشوفي الشارع.
صاحت بعناد وتحدي:
- وأنا مش هغير وهاخرج كده لأن مرتاحة فيه وبتخنق من الجينز وأي حاجة طويلة.
رمقها بنظرات حادة وقال:
- براحتك يا كارين اعملي اللي تعمليه.. بس متزعليش مني بعد كده.
قالها وقام بارتداء ثيابه وتركها بمفردها وهبط لأسفل...
ظلت بالغرفة تتحدث مع نفسها وقالت:
- أنا غبية كده ليه أهو زمانه زعل مني دلوقت.
نظرت إلى ثوبها مرة أخرى بالمرآة فتأففت وقالت:
- فعلًا عنده حق الدريس سبور خالص.
أبدلت ثوبها بقميص قطني وبنطال من الجينز الواسع ذو الخصر المرتفع.. وأخذت حقيبة صغيرة... لتنتبه إلى أصوات تحطيم أشياء بالأسفل... فذهبت على الفور لترى ما يحدث... فاتسعت حدقتاها وشهقت بفزع.
***
تسمرت مكانها عندما رأت شقيقها يقف أمامها وبرفقته أربعة رجال اثنين منهم يقيدون يونس من ذراعيه.
اقتربت بحذر منه وقالت برجاء:
- قصي أرجوك سيبه أنا اللي سافرت معاه على هنا و...
قاطعها بصفعة قوية لتقع أسفل قدميه... صاح يونس بغضب وقال:
- متمدش إيدك عليها يا حيواااان.
فتلقى بعد كلماته لكمة قوية في وجهه من الحارس ويليها أخرى في معدته ليتأوه بشدة.
نهضت لتركض نحوه لكن منعها قصي جاذبًا إياها من خصلاتها وقال:
- هربتي من المستشفى وعديتها بمزاجي وكنت متأكد إنك عند مدام فايزة وسبتك براحتك... لكن تستغفليني وتسافري وتروحي تتجوزي ابن عزيز البحيري فده اللي مينفعش أعديه خالص.
قالها ليلقنها صفعة أخرى فصرخت في وجهه:
- أنت إيه مبترحمش!! عملك إيه يونس!! المفروض تفرحلي إن اتجوزت اللي بحبه وبيحبني.
صاح بصوت مرعب:
- بس أنا بكرهه وبكره أبوه وجده وعيلته كلها.
قال يونس بنبرة واهنة من الألم:
- إحنا ملناش ذنب في حسابات ما بينك وما بين بابا.. أنا بحب كارين وعمر ما هيبعدني عنها غير الموت.
قهقه قصي بسخرية وقال وهو يحك لحيته المشذبة:
- من عينيا يا فنان... مش برضو بيقولوا لك يا فنان؟... بس قبل ما أخلص عليك هتطلقها.
اختطفت سلاحه من جيبه وصاحت:
- مش هتلحق يا قصي.
قالتها وهي تصوب السلاح نحوه.
رمقها بصدمة وقال:
- هتقتلي أخوكي يا كارين!!!
صاحت ببكاء:
- زي ما أنت عايز تقتل جوزي وتحرمني من الإنسان الوحيد اللي حبني وحبيته.
كاد يتقدم نحوها الحراس فأوقفهم قصي بإشارة من يده فقال لها:
- اضربي... مستنية إيه!!
أمسك فوهة السلاح وهو بيدها ليغرزها بجبهته وصاح بها بغضب:
- قولتلك اضربيييييييي.
أجهشت بالبكاء وهي تجثو على الأرض وتخفض السلاح لأسفل...
ابتلع غصته وقال بنبرة جدية صارمة:
- من اللحظة دي انسي إن ليكي أخ... وانسي ترجعي مصر إنتي وابن البحيري تاني... لأن وقسمًا بالله لو عرفت إنكو ناويين ترجعوا هكون مخلص عليه بنفسي... وحقك في القصر والفلوس هاحوله ليكي لأن مش عايز حاجة تربطني بيكي بعد كده.
قالها وأشار إلى رجاله بالمغادرة... ليتركوا يونس على الأرض يلتقط أنفاسه بصعوبة من أثر ضربة معدته.
انحنى نحو شقيقته وأمسك بسلاحه وهو يرمقها بنظرات قاتلة مظلمة ثم وقف وقال:
- من النهاردة أنتي بالنسبة ليا من عيلة البحيري...
قالها وغادر... ركضت نحو زوجها لتعانقه وقالت:
- أنا آسفة يا يونس... آسفة يا حبيبي... أنا السبب.
ضمها بين ذراعيه وقال:
- متعيطيش يا روحي أنا كويس.
تعالت شهقاتها وهي بدأت تدرك كلمات قصي لها...
يونس: مالك بتعيطي ليه تاني!!
كارين: قصي بقى بيكرهني يا يونس.
يونس: اهدي يا حبيبتي أخوكي بيحبك وميقدرش يكرهك ولا يستغني عنك، هو بالتأكيد عشان مصدوم لما رفعتي عليه المسدس وهددتيه بالقتل.
كارين: أنا عمري ما كنت هاعملها... أنا كنت خايفة عليك ليعمل فيك حاجة.
ربت على ظهرها وقال:
- خلاص حصل اللي حصل، وإن شاء الله مع الأيام الأمور هتهدى وهو هينسى اللي حصل.
كارين: أنت متعرفش قصي... عمره ما بينسى حاجة، أنا مليش غيره من بعد بابا الله يرحمه.
عانقها بقوة وقال:
- أنا كل حاجة ليكي يا قلبي وهاعوضك عن كل حاجة.
رواية صراع الذئاب الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم ولاء رفعت علي
بعد مرور ثلاثة أشهر...
في منزل آدم...
استيقظت خديجة من جوار آدم الذي يغط في النوم، نظرت إلى شاشة الهاتف لتجدها الثامنة صباحًا.
- آدم.. حبيبي.. اصحى... الساعة 8 وطيارة ماما هتوصل على 9 قوم يلا عشان نلحق نروحلها المطار.
قالتها خديجة، فتقلب بتأفف وقال بصوت ناعس:
- طيب سيبيني 5 دقايق كمان.
خديجة:
- قوم يا كسلان مش كفاية ضيعت علينا صلاة الفجر.
فتح عينيه وابتسم بمكر وقال:
- ده أنا برضو اللي ضيعتها ولا أنتي اللي خليتينا نسهر طول الليل و.....
شهقت بخجل ووضعت يدها على فمه وقالت:
- بس خلاص ياريتني ماصحيتك.
نهض بجذعه ولمس وجنتها بأنامله بحنان وقال:
- حبيبي لسه بيتكسف؟
ابتسمت وهي تخفض بصرها بخجل وقالت:
- اه بتكسف... وقوم يلا عشان منتأخرش على ماما.
أمسك يدها وقبل كفها وقال:
- ممكن حبيبة آدم تحضرله هدوم على ذوقها عقبال ما ياخد شاور؟
خديجة:
- من عيوني ياروح وقلب وعقل حبيبة آدم.
- خديجة.
- نعم.
- بحبك.
- وأنا بعشقك.
عانقها بحنان وقال:
- ربنا مايحرمني منك ياحبيبتي ويخليكي ليا دايماً.
لم تجب لكن شعر بعبراتها التي تساقطت على ظهره العاري، فابتعد برأسه ليجدها تبكي.
آدم:
- مالك يا حبيبتي بتعيطي ليه؟
خديجة:
- طه واحشني أوي ونفسي يطلع براءة لأن أنا واثقة عمره ما يقتل حتى لو طير.
مسح عبراتها بلمسات حانية وقال:
- اطمني ياقلبي المحامي كلمني امبارح وجابلنا تصريح لزيارته على آخر الأسبوع وقالي الطعن اتقبل والمحكمة هتحدد جلسة خلال أسبوعين وبإذن الله هيطلع براءة.
نظرت إليه وقالت:
- شكراً يا حبيبي على وقفتك ومساعدتك لأخويا.
آدم:
- متقوليش كده يا روحي ده ابن عمي وأخويا وأخو روح قلبي وبإذن الله خال عيالي اللي ربنا هيرزقنا بيهم إن شاء الله.
خديجة:
- يارب.
آدم:
- يلا عقبال ما أخلص تكوني حضرتيلي الهدوم وفطار من إيديكي الحلوين دول... لأن حبيبك جعان أوي.
ولجت إلى المطبخ لتقوم بتحضير الفطور وعندما انتهت من عمله وضعته فوق المائدة بالردهة، وذهبت إلى غرفة النوم لتجلب له ثيابه ووضعتها فوق التخت... خرج من المرحاض وارتدى تلك الثياب وذهبت لتتوضأ وتلحق به ليؤدي كليهما فرضهما حيث يصلي بها إماماً، داعية ربها في السجود بأن ينجو شقيقها من كربه ويرزقها بالذرية الصالحة ويديم بينها وبين زوجها المودة والمحبة.
***
تترجل من سيارة الأجرة بثقل بسبب بطنها المنتفخة... عادت من عملها وتصعد إلى منزلها... فمنذ ذلك الحادث ولم تعرف عنه شيئاً تاركاً قلبها ممزق جريح عندما علمت من صديقه بخيانته لها.
إلى أن في ذلك اليوم... كانت تتناول طعامها الذي لم تعرف مذاقه من كثرة الشرود والتفكير، ليقاطعها صوت رنين جرس المنزل... تناولت حجابها ووضعته على رأسها وذهبت لترى من الزائر.
فتحت الباب... اتسعت عيناها وتسمرت قدماها عندما رأته يقف أمامها في حالة يرثى لها... شعره وذقنه كثيفة... ثيابه غير مهندمة.
كادت تغلق الباب في وجهه فقام بمنعها وقال بنبرة رجاء:
- أنا آسف.
صاحت شيماء بنبرة غضب:
- امشي من هنا مش عايزة أشوفك.
عبدالله:
- عشان خاطر اللي في بطنك سامحيني.. أنا مش عارف أعيش من غيرك.
شيماء:
- عارف إن لولا إنه حرام وخايفة من ربنا كنت زماني نزلته من ساعتها لأن خلاص مش عايزاك ولا عايزة حاجة تربطني بيك لأنك إنسان كداب وندل وأخرهم خاين وعمري ما هأمن على نفسي معاك تاني.
عبدالله:
- أنا فعلاً أستاهل كل اللي بتقوليه بس جاي وبطلب منك إنك تسامحيني... اغفري لي للمرة الأخيرة.
شيماء:
- اطلبي المغفرة دي من ربنا يمكن يتوب عليك ويتصلح حالك لنفسك... لكن أنا انسى يا عبدالله.. انسى شيماء اللي ضيعت من عمرها سنين ومستحملة حرقة الدم والقرف عشانك... اللي ياما اتبهدلت وسمعت تهزيئ وإهانة وذل عشانك... رخصت نفسي معاك عشان كنت بحبك... بس للأسف أنا مش رخصتها وبس أنا خسفت بيها الأرض لما أكون عايشة في حضنك وأنت بتروح ترمي نفسك في حضن مرات صاحبك.
عبدالله:
- والله كنت بعمل كده عشانك وعشان ابننا.
قاطعته بصياح:
- اخرس خالص... بتخوني وتبيع نفسك عشان إيه!! عشان توصل للفلوس!! يا أخي ملعون أبو الفلوس اللي تخليك تبيع نفسك وتخون أقرب الناس ليك.
عبدالله:
- وأنا جايلك وندمان وعايزك تسامحيني.
شيماء:
- وأنا خلاص بكرهك يا عبدالله واستحالة أعيش معاك تاني ومش عايزة منك غير إنك تطلقني وكفاية قرف لحد كده.
اقترب منها وأمسك بعضديها وصاح بها:
- وأنا استحالة أطلقك يا شيماء وعمرك ما هتنسيني طول ما أنا جواكي وشايلة حتة مني.
قالها وذهب نحو الباب ليغادر، فصرخت وقالت:
- لو مطلقتنيش هخلعك يا عبدالله.
التفت إليها وحدق بها بنظرات تحدي وقال:
- لو قادرة اعمليها.
قالها وصفق الباب خلفه بقوة فصرخت وقالت:
- بكرهك.. بكرهك يا عبدالله.
قالتها وهي تجلس على الأرض.. انهارت من البكاء.
***
ولج إلى مكتبه لتستقبله بابتسامة لكنه لم يبادلها، فقال:
- السلام عليكم.
رحمة:
- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
إيهاب بنبرة جدية قال:
- هاتيلي الملفات اللي عندك وحصليني على المكتب.
رحمة:
- أمرك يا فندم.
دخل إلى مكتبه... زفرت بضيق فأخذت الملفات وذهبت خلفه... وبعد أن دخلت المكتب وجدته يجلس أمام مكتبه وقال:
- اتفضلي اقعدي.
جلست أمامه... وأخذ يحدق بها فقالت:
- أنا حاسة حضرتك متضايق.. هو أنا عملت حاجة؟
أومأ لها وقال:
- اه... بقالك فترة بتقوليلي يا فندم وحضرتك.
رحمة:
- لأنك رئيسي في الشغل ولازم أقولك كده.
إيهاب:
- وفي واحدة برضو تقول لخطيبها كده؟
رمشت عدة مرات وقالت بتعجب:
- خطيبي!!!
أخرج من جيبه علبة صغيرة وقام بفتحها ليظهر منها خاتم فقال:
- تتجوزيني يا رحمة؟
***
بداخل قاعة محكمة الجنايات...
آدم:
- متقلقش يا طه المحامي طمني إن مادام الطعن اتقبل يبقى ممكن تاخد براءة بإذن الله.
طه:
- معدتش تفرق يا ابن عمي... أنا عارف كل اللي بيحصلي ذنب كل الناس اللي ظلمتهم من أول البنت اللي كانت بتحبني وأختي اللي ياما قسيت عليها وأبويا اللي مات وهو غضبان عليا.
خديجة:
- متقولش كده يا طه خلي ثقتك في الله كبيرة وادعي إنه يخفف عنك ويظهر براءتك... أنا مسامحاك يا أخويا ومتخافش بابا بيجيلي دايماً في رؤية وبيوصيني عليك... ورحمة كنت لسه مكلماها من فترة وعرفت اللي حصل وكانت بتدعيلك يعني هي كمان مسامحاك... فاطلب المغفرة والعفو من ربنا إنه لغفور رحيم.
طه:
- يارب أنت اللي شاهد وعالم على اللي حصل.. أنا مقتلتهاش.
قاطعهم صوت الحاجب:
- محكمة.
ولج القاضي والمستشارون....
القاضي:
- بعد قبول الطعن من هيئة المحكمة وإعادة فتح ملف القضية رقم 788 جنايات القاهرة لسنة 2019 والاستماع إلى الشهود لقد....
- ثانية يا سيادة القاضي... قالها عبدالله الذي ولج للتو.
القاضي:
- أنت مين؟
أجاب عبدالله بخجل:
- أنا اللي كنت مع المرحومة سماح وقت ما توفت.
القاضي:
- قصدك عشيقها؟
عبدالله:
- حاجة زي كده... أنا جيت أشهد بالحق.
القاضي:
- قول والله العظيم لأقول الحق.
عبدالله:
- والله العظيم هقول الحق... الليلة دي كنت رايح أقابل اللي اسمها سماح عشان كانت موعداني إن هتخلي جوزها طه يكلم عمه أشتغل عنده في المصنع أو الشركة... هي استغلت إني محتاجها وساومتني إاإن.. إن يعني أعمل معاها علاقة في مقابل الخدمة دي... وإحنا بنتكلم جه طه طب علينا اتخانقوا مع بعض وكل اللي عمله إنه ضربها بالقلم فهي وقعت لورا على سن الكومودينو ومعرفناش غير لما وقعت على الأرض وساح دمها وقاطعة النفس خالص... أنا مكنتش مستوعب اللي حصل أخدت حاجتي وهدومي ومشيت وقتها شوفت خالتها طالعة على السلم خبطت فيها غصب عني وقعدت تزعق سبتها وجريت وهربت من الحارة كلها. بس ده كل اللي حصل.
القاضي:
- طيب اتفضل اقعد عبدالله.
تعالت الهمهمات بين الحضور، أسكتهم القاضي بالطرق على المنصة بالمطرقة الخشبية... ثم تابع بالقول:
- لقد قررت المحكمة بالحكم على طه سالم البحيري بالبراءة.. رفعت الجلسة.
***
في منزل علياء...
تركض خلف أبناء شقيقتها وتصيح فيهم:
- إياد... مالك... لو مسمعتوش الكلام مش هخلي مامي تاخدكو للنادي.
مالك:
- خلاص يا خالتو مش هنعمل شقاوة تاني.
رن جرس المنزل... فقالت:
- طيب يلا روحوا على أوضتكم بسرعة.
قالوا لها:
- حاضر يا خالتو.
ذهبت وقامت بفتح الباب بدون أن تنظر من العين الصغيرة...
- ممكن أدخل؟
قالها يوسف وهو يحمل باقة أزهار.
رمقته بتوتر وقالت وهي ترجع خصلاتها خلف أذنها:
- اتفضل.
ولج إلى الداخل وهو يتأمل ذلك المكان الذي لم يأتِ إليه من قبل سوى مرة واحدة منذ أكثر من ثماني سنوات.
- اتفضل هنا حضرتك.
قالتها وهي تشير له بالجلوس على المقعد المخملي المذهب وجلست في المقعد المقابل فقالت:
- خير يا دكتور يوسف إيه سر الزيارة اللي من غير ميعاد دي؟
فتح زر سترته ووضع الباقة على الطاولة أمامه وقال:
- قولت أجيلك بنفسي وأعرف إنتي ليه مصممة على تقديم استقالتك.
علياء:
- وأنت حضرتك ليه مش عايز توافق عليها ومعلقني الأيام اللي فاتت دي كلها.. على العموم الحمد لله فتحت عيادة خاصة ومش محتاجة أشتغل سواء عندك ولا عند غيرك.
ابتسم فقال:
- ألف مبروك.
علياء:
- الله يبارك فيك.
تنهد وقال:
- طيب يا دكتورة علياء حبيت أفكرك إن العقد بتاعنا في بند بيقول إن حضرتك مينفعش تسيبي الشغل قبل 5 سنين وكمان فيه شرط جزائي بقيمة 250 ألف جنيه.
علياء:
- وأنا ملحقتش أشتغل يوم على بعضه.
يوسف:
- بس قبل ما تشتغلي مضيتي على العقد.
علياء:
- مضيت بس كان مع دكتور مهدي واللي عرفته إنه فض شراكته مع حضرتك.
يوسف:
- دكتور مهدي كان شريك بنسبة 35% والباقي ده نسبتي يعني أنا المالك الأساسي يعني عقدك معايا أنا.
زفرت بحنق وقالت:
- والمطلوب مني إيه دلوقت؟
ابتسم بمكر وقال:
- إنك تغيري هدومك وتيجي معايا على شغلك.
عقدت ساعديها أمام صدرها وقالت:
- وأنا مش هكمل في المستشفى بتاعتك والعقد ابقى علقه على الحيطة ذكرى زي الذكريات اللي قبله.
نهض من مكانه واقترب منها لينحني أمامها بجذعه محاوطاً إياها بذراعيه مستنداً على مساند المقعد... يحدق بداخل عينيها التي يرى فيها التوتر والقلق والخوف وحبها له الذي مازالت تحفظه بداخلها... قال:
- هتيجي يا علياء وهتشتغلي.
أجابت بتوتر:
- ده قراري أنا وأنا حرة أرجع ولا لأ.
يوسف:
- لأ قراري أنا يا علياء.
- مساء الخير... يا ولاد.
قالتها والدة علياء التي ولجت للتو.
ابتعد يوسف عن علياء بحرج ليعتريها الخجل...
يوسف:
- مساء الخير يا طنط... حضرتك عاملة إيه؟
تأملت ملامحه وقالت:
- أنا حاسة إني شوفتك قبل كده.
علياء:
- لأ يا ماما ده يبقى زميلي في المستشفى اللي كنت بشتغل فيها وجاي يطمن عليا.
والدتها:
- فيك الخير يا بني.. هي قعدت منها لما عرفت إن صاحبها يبقى الدكتور اللي كان جاي يخطبها و.....
قاطعتها علياء وهي تنظر لها بأن تصمت وقالت:
- خلاص يا ماما الدكتور جه عشان يطمن مش أكتر.
يوسف:
- وأنا الحمد لله اطمنت.. وزي ما قولتلك يا دكتورة علياء مستنيين حضرتك... عن إذنكو.
والدة علياء:
- ما تقعد يا بني واشرب العصير.
يوسف:
- معلش يا طنط خليها مرة تانية...
- الأيام جاية كتير.
والدتها: على راحتك يا ابني... ربنا يوفقك أنت وبنتي وكل اللي زيكوا يا رب.
يوسف: تسلمي ربنا يخليكي.
علياء: ثواني هوصل حضرتك للباب.
وعند الباب همست له وقالت:
- انسى إني أرجع المستشفى تاني، ولا إني أتعامل معاك أصلاً.
يوسف: ياه! للدرجة دي لسه ما نسيتيش اللي حصل زمان؟!
أجابته باستنكار:
- ولا حاطاك في دماغي أصلاً.
يوسف: بس حاطاني في قلبك اللي لسه بيحبني وبيدق ليا... بدليل إنك لسه ما اتجوزتيش ولا اتخطبتي لحد دلوقتي.
أجابت وهي تجز على أسنانها وقالت:
- وإنت مالك وبتدور ورايا ليه؟!
يوسف: إنتي ناسية إن ملفك عندي في المستشفى؟!
علياء: دي حاجة تخصني أنا وبس.
يوسف: أوك.. على العموم أنا مستنيكي بكرة.
علياء: وأنا مش جاية.
ابتسم بسخرية وقال بإصرار:
- مستنيكي يا علياء... سلام.
أوصدت الباب خلفه وقلبها يخفق بقوة.. ركضت إلى غرفتها لم تدرِ بحالتها هل هي سعيدة أم حزينة.. شردت في ذكريات ذلك اليوم...
***
(فلاش باك)
ترتدي ثوباً أنيقاً وفي أبهى زينتها..
والدتها: بسم الله ما شاء الله قمر ربنا يحرسك يا بنتي.
علياء: حلو الفستان يا ماما؟
والدتها: صاحبته أحلى وأجمل.
علياء: جهزتي كل حاجة؟... ده خلاص كلها ربع ساعة وهييجي هو وأهله.
والدتها: ربنا يتمملك على خير يا بنتي ويسعدك.
علياء: أومال بابا فين؟
والدتها: مريح في أوضته عقبال ما الناس تيجي.
علياء: هروح أقيس له الضغط ليكون يا حبيبي عالي عليه تاني.
وقبل أن تذهب إلى والدها صدح رنين هاتفها معلناً عن وصول رسائل...
علياء: شكله يوسف..
قالتها والبسمة لا تفارق محياها... فتحت الرسائل لتجدها صوراً مرسلة.. تحولت بسمتها إلى تجهم وصدمة حينما رأت صور خطوبة يوسف وإنجي مرسلة إليها من رقم غير مسجل، وبأسفل آخر صورة رسالة نصية كان محتواها:
(معلش بقى هو ماكانش ليكي من الأول بس إنتي اللي بتحبي تحلمي... مع تحيات أنوجة خطيبة وحرم الدكتور يوسف البحيري).
ألقت الهاتف بقوة على الأرض وأجهشت بالبكاء... فتوقفت عند سماع صراخ والدتها على والدها الذي توفي للتو.
فكان حالها أصعب حال... فراق حبيبها الذي خان قلبها من نظرها، وفراق والدها الذي كان لها الأب والصديق والحضن الدافئ الذي كانت ترتمي بداخله عندما تبكي.
(باك)
- عايزني أرجع!! من عينيا يا يوسف بس والله لأندمك على كل لحظة عشتها اليوم ده.
قالتها علياء.
***
بداخل إحدى مشافي الأمراض النفسية والعصبية....
تجلس إنجي في ركن مظلم بالغرفة تتلفت من حولها وكأن شيئاً يطاردها... تهذي بكلمات ظلت ترددها منذ مجيئها إلى المستشفى بعدما حكمت المحكمة عليها بإيداعها بداخل مستشفى للأمراض النفسية...
تحتضن دمية صغيرة وتقول:
- سيبلي لوجي يا يوسف... أنا مش هعمل كده تاني... أنا خلاص خلصت منه مش هيبقى في حياتنا تاني.
صمتت عندما تخيلت جثة مروان أمامها تستيقظ وقطرات دمائه تنسدل على جسده وملامح وجهه مخيفة، يقترب منها ويريد أن يقبض على نحرها فأخذت تصرخ وتقول:
- أبعدوووووه... لاااااااااااااا... ااااااااااااااااااااااااه.
وخارج الغرفة...
- هي الولية اللي جوه دي مش هتتهد؟ من ساعة ما جت وهي عمالة تصرخ لما صدعت دماغنا.
قالتها الممرضة.
فأجابت عليها زميلتها:
- دي بعيد عنك جاية في جريمة قتل عشيقها ودماغها لسعت.
الممرضة: يا ستي إنتي بتصدقي؟ هتلاقيها بتمثل عشان ما يتحكمش عليها بمؤبد.
- لأ دكتور ماهر لما عمل لها كذا اختبار لقاها فعلاً اتجننت.
الطبيب: واقفة عندك إنتي وهي بتعملوا إيه؟
الممرضة: أبداً يا دكتور كنا بنطمن على الحالة اللي جوه عمالة تصرخ.
الطبيب: طيب حضري لي حقنة المهدئ وحصليني على جوه.
ولج إليها الطبيب ليجدها تصرخ وتتشبث بالدمية بقوة ولم تهدأ إلا عندما جاءت الممرضة وأعطتها إبرة المهدئ.
***
- السلام عليكم ورحمة الله... السلام عليكم ورحمة الله.
قالتها ياسمين التي انتهت من صلاتها للتو ونهضت لتلتفت خلفها.
ياسين: تقبل الله.
لم تعره أي اهتمام وتركت ما بيدها وكادت تغادر الغرفة فأمسكها وقال:
- وبعدين يا ياسمين هنفضل كده على الحال ده لإمتى؟!
رمقته بسخط وقالت:
- إنت مصدق نفسك إنك جوزي بجد؟؟... أنا كل ما أشوفك بفتكر اللي عملته فيا والبهدلة اللي حصلت لي بعدها بسببك.
ياسين: طيب أعمل إيه يرضيكي ويخليكي تسامحيني؟
ياسمين: عايزاك تبعد عني ومالكش دعوة بيا.
ياسين: إزاي!!... أنا بحبك يا ياسمين ومش قادر أبعد عنك أكتر من كده.
ياسمين: صعب أنسى بسهولة إنت كسرت جوايا حاجات مستحيل ترجع تاني... تقدر ترجع كوباية مكسورة زي ما كانت قبل ما تتكسر؟!
نظر إليها بقلة حيلة وقال:
- اديني إنتي فرصة أخيرة أثبت لك فيها إني بحبك ومستعد أعمل كل حاجة عشانك.
تنهدت ثم قالت:
- سيب اللي ما بينا ده للأيام تداويه... يمكن ييجي يوم وأسامحك وأسامح نفسي.
ياسين: وأنا مش أيأس وهفضل مستني اليوم ده.
***
في قصر العزازي...
يجلس على المائدة ينتظرها وهو ينظر إلى ساعة يده.
- دادة زينات...
صاح بها قصي.
جاءت إليه مسرعة وقالت:
- أمرك يا قصي بيه.
قصي: هي اتأخرت ليه؟
زينات: معلش يا قصي بيه أصلها تعبانة شوية ومش قادرة تنزل.
نهض وقال بقلق:
- وما بلغتنيش ليه على طول... خلي كنان يتصل على الدكتور بسرعة... وأنا طالع أطمن عليها.
قالها وصعد إلى أعلى ثم ولج إلى الغرفة فلم يجدها في الفراش.. نادى عليها:
- صبا... صبااااا.
ليستوقفه صوت تأوهاتها الصادر من المرحاض... ركض إليها فوجدها تجثو أمام قاعدة المرحاض تفرغ ما بجوفها بإعياء.
- صبا... مالك يا حبيبتي؟
قالها قصي وهو يحتضنها من ظهرها ويمسد على خصلاتها.
أجابته بصوت واهن:
- شكلي واخدة برد في معدتي.
تنهد وقال:
- عارفة ده بسبب التكييف اللي ما رضيتيش تخليني أقفله إمبارح وإحنا مـ.....
قاطعته بصياح:
- خلاص... خلاص اسكت عرفت... أعمل إيه كان الجو حر إمبارح.
غمز إليها بعينه وقال:
- ومين اللي كان محرر الجو؟
لكزته في صدره ونهضت:
- ابعد عني مش طايقة ريحة البرفيوم بتاعك.
قصي: ليه ما كانت حلوة إمبارح..
فأردف بتقليد نبرة صوتها:
- الله يا قيسو ريحتك حلوة رش حبة كمان... ومناخيرك كانت لازقة في صدري ورقبتي.
صبا: والنهاردة مش طايقاها خلاص... ابعد بقى عشان مش قادرة أستحمل.
قال بعناد مازحاً:
- لأ مش هبعد.
قالها وعانقها بإصرار... فصاحت بحنق:
- بس بقى يا قصي بقولك مش قاد....
لم تكمل فدفعته بقوة والتفتت إلى قاعدة المرحاض وأخذت تفرغ كل ما في معدتها لتشعر بدوار شديد وسقطت بإعياء ليلحق بها يحملها على ذراعيه إلى التخت...
وبعد قليل جاء الطبيب ليتفحصها تحت نظرات قصي الذي يجز على فكه من شعور غيرته الشديد لكنه تحمل من أجل الاطمئنان عليها.
الطبيب: أطمن حضرتك كل ده طبيعي في الفترة دي... ولازم تاخد بالها من أكلها كويس عشان ضغطها منخفض وده غلط عليها وعلى الجنين.
تسمر قصي بمكانه واتسعت حدقتا صبا باندهاش ليتفوها معاً:
- جنين!!
ابتسم الطبيب وقال:
- مبروك يا قصي بيه.. مبروك يا مدام صبا.
قصي بفرحة غير مصدق قال:
- الله يبارك فيك يا دكتور.
الطبيب: برضو عشان تطمنوا على حالة الجنين لازم متابعة مع دكتور نسا وإن شاء الله خير... عن إذنكوا.
غادر الطبيب... ليقترب قصي من صبا التي تحدق به غير مصدقة ما قاله الطبيب.
- أنا حامل يا قصي!!.. هيبقى عندنا بيبي!! هبقى ماما!!
عانقها قصي بقوة وقال:
- آه يا قلب قصي هتبقي ماما وأنا هبقى بابا.
صبا بسعادة قالت:
- أنا نفسي يكون ولد ويطلع شبهك وياخد حنيتك وقلبك الطيب.
قصي: لأ أنا نفسي في بنوتة تكون نسخة منك.
صبا: يا حبيبي كل اللي ربنا يجيبه خير... المهم ييجي أو تيجي بالسلامة.
قصي: والأهم منهم إنتي تقومي بالسلامة يا حبيبتي.
صبا: قصي.
قصي: قلبه... اؤمري يا روحي.
صبا: ممكن طلب عشان خاطري؟
قصي: نفسك في إيه وأنا هجيبه لحد عندك وما بين إيديكي.
رمقته بقلق وقالت:
- ممكن تسامح كارين ويونس وتخليهم يرجعوا مصر؟... أنا مش عارفة إيه سبب كراهيتك أوي كده ليونس وخاصة خالي.
حدق بها بنظرات حادة فقال:
- قومي البسي.
صبا: هنروح فين؟
قصي: مش عايزة تعرفي السبب؟... اسمعي اللي بقولك عليه وهتعرفي كل حاجة.
***
في إيطاليا...
تتجول بالغرفة باحثة عن شيء ما...
- يا ربي راح فين أنا كنت قلعته على الكومودينو.
قالتها كارين.
ولج يونس وقال:
- مالك قالبة الأوضة وبتدوري على إيه؟
كارين: على الخاتم بتاعي مش لاقياه.
يونس: سمي الله ودوري كويس وممكن تلاقيه واقع تحت السرير ولا حاجة.. أنا هروح أعمل كوباية نسكافيه تشربي معايا؟
كارين: لأ شكراً.
- بسم الله...
قالتها وظلت تبحث أسفل التخت لم تجد شيئاً، بينما وهي تسند يدها على الفراش وجدت بين طياته شريط دواء ينقص منه بضع حبات... وكانت الصدمة عندما علمت إنه يمنع الإنجاب... ليأتي في ذاكرتها ما يلي...
(فلاش باك)
- عاملك أحلى سموذي موز وفراولة وكنتالوب لأجمل فنانة في إيطاليا.
قالها يونس وهو يعطيها كأس عصير بينما هي كانت ترسم لوحة.
ابتسمت وقالت:
- ميرسي يا روحي... على طول مدلعني كده وكل يوم تعمل لي عصير شكل.. أنا مش قد الدلع ده كله.
يونس: وأنا ليا مين غيرك يا روحي أدلعه وأحبه وأموت فيه كمان.
كارين: ربنا ما يحرمني منك يا قلبي.
يونس: ها وريني فنانتنا بترسم إيه؟
كارين: دي لوحة من مجموعة لوح بعنوان الطفولة.
تأمل اللوحة وقال:
- واو... اتطورنا وبقينا بنعرف نرسم بورتريهات دي إنتي اتفوقتي عليا.
كارين: الفضل يرجعلك يا فنان.
يونس: بس إيه ده... البيبي ده شبهي أوي.
كارين: آه ده بإذن الله هيكون شكل ابننا.
قال بتوتر:
- إنتي لسه بتفكري في الموضوع ده؟
حدقت في اللوحة بسعادة وقالت:
- ده حلم حياتي يا يونس.. نفسي ربنا يرزقني ببيبي ويا ريت كمان يكون شبهك.
يونس: بس أنا خايف عليكي يا حبيبتي.
كارين: الطب اتقدم وبالتأكيد فيه حل لحالتي وإن ممكن أحمل وأخلف زي أي واحدة... نفسي أكون أم يا يونس.
ابتلع ريقه بغصة... ليأخذها بين ذراعيه وعانقها بقوة ويمسد على ظهرها وقال:
- إن شاء الله يا حبيبتي.
(باك)
بالطابق الأسفل ينتظرها ممسكاً بكوب القهوة... وجدها تهبط الدرج وترتدي حقيبتها.
يونس: إنتي خارجة ولا إيه؟
حدقت في عينيه لثوانٍ ثم قالت:
- آه اتصلوا بيا من الجاليري عايزني في حاجة وراجعة على طول.
يونس: طيب استني هغير وأوصلك.
كارين: لأ خليك يا حبيبي مش هتأخر كلها ساعتين بالكتير وهكون عندك.. يلا سلام.
قالتها وغادرت لتستقل سيارة أجرة... وطلبت من السائق أن يوصلها إلى المستشفى.
بداخل العيادة...
(الحوار مترجم)
الطبيبة: عزيزتي ليس لديك أدنى مشكلة للإنجاب لكن التحاليل التي أمامي تقول إنك تتناولين وسيلة لمنع الإنجاب.
يعتريها الشعور بالصدمة فقالت:
- لكن أنا لا أتناول شيئاً على الإطلاق.
تنهدت الطبيبة وقالت:
- لا أعلم... لكن التقارير تقول عكس ذلك.
نهضت وهمت بالمغادرة وقالت:
- شكراً لكِ كثيراً.
غادرت العيادة والمستشفى بأكمله... سارت في الشوارع وهي تبكي... تشعر بالخداع...
طالما ترجته ألا يحرمها من ذلك.
وصلت إلى المنزل وولجت إلى الداخل، فالتفتت إلى ورقة معلقة على الحائط مدون بها:
(حبيبتي أنا رايح مشوار بسرعة وجاي أوعي تنامي استنيني.. بحبك).
انتهت من قراءتها وطوت الورقة بقبضتها لتلقي بها أرضًا.. صعدت إلى الغرفة.. واتجهت إلى الخزانة أخرجت منها حقيبة ووضعتها على التخت، وأخذت تضع بداخلها جميع ثيابها ومتعلقاتها الشخصية..
أخرجت هاتفها من حقيبتها الخاصة وأجرت اتصالًا.
- ألو.. مرحبًا.
وصل إلى المنزل يحمل على يده علبة بداخلها قالب حلوى، واليد الأخرى حقيبة هدايا.. ولج إلى الداخل مناديًا:
- كارين.. كوكي.. حبيبتي أنتي جيتي ولا لسه؟
وضع ما بيده فوق المنضدة ليجد الورقة منكمشة وملقاة على الأرض.
صعد إلى الأعلى.. وولج إلى الغرفة ليجد الخزانة مفتوحة وفارغة من ثيابها.. انتابته الصدمة فأخرج هاتفه وأجرى اتصالًا عليها فوجد هاتفها مغلقًا.. زفر بحنق ليلتفت إلى تلك الرسالة فوق طاولة الزينة وبجوارها شريط الأقراص.. وكان محتواها:
(أنا حبيتك لدرجة إني مستعدة أضحي بحياتي عشانك.. لكن على قد حبي ليك كانت صدمتي لما أكون عايشة معاك وأنت بتخدعني وعايز تحرمني من الحاجة اللي بحلم بيها من غير حتى تديني حق الاختيار.. ياريت متدورش عليا لأنك مش هتلاقيني.. بس حبك هيفضل عايش جوايا.. مع السلامة يا حبيبي).
كان يقرأها وعيناه لم تصدقا.. عقله لم يستوعب.. صاح بغضب وبزمجرة دوت في أرجاء المنزل، وأخذ يبكي وكأنه طفل تركته والدته ولم تعد إليه مرة أخرى.
***
أذعنت لأمره ونهضت لتبدل ثيابها وغادرت القصر برفقته.. لتنظر بتعجب عندما توقفت السيارة أمام ضريح مقابر مكتوب بأعلاها (ضريح عائلة العزازي).. فقال:
- انزلي.
ترجلت من السيارة ليأخذها ويقف أمام قبر محفور عليه من الخارج (زينب عبد الرازق المنياوي).
فقالت:
- مين زينب؟
أجاب وملامحه يكسوها التجهم والامتعاض:
- أمي الله يرحمها.. كانت بتشتغل في قصر البحيري زمان.
فلاش باك..
تبكي تلك الجميلة ذات العيون الزيتونية والبشرة الحنطية وشعرها البني المجدل..
- حرام عليك يا عزيز، ده أنا حبيتك وأمنتلك وسلمتلك نفسي لما حسيت بحبك ليا وإنك هتتجوزني.
قالتها زينب ذات العشرين عامًا.
أجابها عزيز:
- غصب عني يا زينب.. متعرفيش بابا لما عرف بعلاقتنا وقولتله إني عايز أتجوزك عمل فيا إيه.. طردني من الشركة.
زينب:
- خلاص تعالى نسيب القصر ونسكن في أي حتة.
عزيز:
- صعب يا زينب.. أقف قدام بابا.
زينب:
- واللي في بطني!! ابنك يا عزيز.
عزيز:
- مفيش حل غير إنك تنزليه.
زينب:
- أنزله!!!
- زينب تعالي حكيم بيه عايزك في المكتب.
قالتها سميرة.
نظرت إلى عزيز فولاها ظهره.. ذهبت إلى حكيم ذلك الرجل المعروف بصرامته وقوته، لم يستطع أحد أن يعارضه أو يقف أمامه..
دخلت بخطى هادئة تنظر إلى أسفل تبلع ريقها بخوف من ذلك الرجل ذي المظهر المهيب والمخيف في آن واحد.
- أنا عشان خاطر والدتك الله يرحمها ومعزتها عند أم عزيز هاكتفي بطردك من القصر.
قالها حكيم بصوته الأجش.
زينب:
- حكيم بيه حضرتك...
قاطعها وقال:
- مش عايز أسمع ولا كلمة.. بس عايزك تحطيها حلقة في ودانك، مينفعش ابن الأكابر يتجوز الخدامة.. أظن إنك فهمتي قصدي من غير ما ندخل في مواضيع ملهاش لازمة.
أومأت له وعيناها تبكي في صمت وذهبت..
بعد مرور 7 شهور.. في شتاء عام 1984 في إحدى قرى الصعيد النائية.. تهطل الأمطار بغزارة بصوت مختلط بصراخ زينب التي داهمتها آلام المخاض.
- يلا هانت الراس ظهرت.
قالتها المولدة وتقف بجوارها عمة زينب.
العمة:
- استحملي يا ضنايا.
زينب بصراخ:
- مش قادرة يا عمتي.. هامووووت.
قالتها ليأتيها ألم بقوة لم يتحملها أعتى الرجال، فأطلقت صرخة دوت في الأرجاء ويليها صوت بكاء ذلك الرضيع.
المولدة:
- ألف مبروك واد كيف الجمر يتربى في عزك يا بتي.
العمة:
- هتسميه إيه يا زينب؟
نظرت إلى رضيعها الملطخ بدمائها وقالت:
- هسميه محمد.
وبعد أيام..
تحمل مولودها وعلى يدها حقيبة..
- اهربي بسرعة يا زينب جبل ما جدك يعتر عليكي هيجتلك أنتي وولدك.
قالتها العمة.
زينب:
- مليش حد في مصر يا عمتي.
العمة:
- ارجعي الجصر لحكيم بيه وجوليلو إن اللي على يدك ده يبجي ابن عزيز ولده.
وعندما ذهبت إلى القصر كانت الصدمة حينما رأت تلك الأنوار والموسيقى، ليخبرها أحد الحراس إنه حفل زفاف عزيز وجيهان ابنة رجل الأعمال زيدان الدالي.. شعرت وكأن الدنيا تنغلق على نحرها.. ركضت وعلى يدها صغيرها سارت به في كل الشوارع والحواري والأزقة حتى خارت قواها، لتجدها سيدة مسنة تعيش بمفردها أخذتها في منزلها.. ومرت الأيام حتى كبر ذلك الصغير فقررت الذهاب إلى القصر وعقدت العزم بأن تخفي أمر نجلها.. استقبلتها جيهان وجعلتها تعمل بالقصر، وعندما رآها عزيز قام بتهديدها إنه لو أفصحت عن أمر علاقتهما القديمة وأخبرتها وأخبرت والده بأن لديها طفلًا منه سوف يأخذه منها عنوة ويقتله ويلقي بها إلى أهلها بالصعيد.
سمع ذلك الصغير كلمات والده القاسية فدمعت عيناه ونبتت الكراهية بداخل قلبه نحوه..
ظن حكيم أن ذلك الطفل ابن رجل آخر قد تزوجته زينب عندما طردها من القصر.. كان يعاملهما بقسوة.. خشيت زينب على ابنها من بطش والده وجده.. حتى أتى لها الصغير يومًا يبكي إليها واشتكى إن أصدقائه لهم أب وهو ليس لديه.. فاض بها الأمر حتى ذهبت إلى عزيز..
- أنتي اتجننتي؟! عيزاني أعترف بيه إزاي وأقول لبابا إيه ولا جيهان مراتي إيه!! عيزاني أقولهم إني مخلف من الخدامة!!
صاح بها عزيز.
زينب:
- حرام عليك.. أنت معندكش قلب، مش كفاية لحد دلوقت ملهوش شهادة ميلاد! أنا مش هاسكت وهاروح أحكي لجيهان هانم على كل حاجة.
صفعها عزيز فركضت تبكي.. ذهب ليخبر والده وحينها استمعت إليهم جيهان دون أن يراها أحد.. فأخبره حكيم بأن يأخذ الصغير ويقوم بطردها بعد أن يحيك لها سرقة المجوهرات الخاصة بجيهان..
لم تصدق جيهان مدى قسوة وجبروت ذلك الرجل وكذلك زوجها..
فذهبت تبحث عن زينب لتخبرها أن تأخذ حذرها لكن وجدت حكيم قد سبقها ورأته هو ينهرها ويسبها ويصفعها ويحاول أن يأخذ الصغير من يدها. تدخلت جيهان على الفور.. خشي أن تعلم شيئًا فأخبرها إنه يقوم بتأديبها لأن أحد الخدم رآها وهي تحاول سرقة مجوهراتها.
وفي تلك الليلة قررت زينب الهروب بعد أن ساعدتها جيهان وأخبرتها على ما ينوي فعله حكيم وابنه عزيز..
هربت هي وصغيرها ذو العشر أعوام، ولكن وهي تبحث عن ملجأ لهما صدمتها سيارة وهي تدفع صغيرها لتحميه.. ترجل ذلك السائق وقال:
- لا حول ولا قوة إلا بالله، مش تاخدي بالك يا ست.
- هاتها يا شفيق في العربية نوديها المستشفى بسرعة.
قالها ذلك الرجل الذي يجلس في المقعد الخلفي ذو مظهر أنيق وراقٍ.
السائق:
- أمرك يا رسلان بيه.
بكى ذلك الصغير وهو يمسك بوالدته فأخذه السائق وانطلق بهم جميعًا إلى المشفى..
وبالمشفى.. وضعت الممرضات زينب على التخت المعدني المتحرك..
السائق:
- رسلان بيه مش هتطلع تطمن على كاريمان هانم زمانها ولدت.
رسلان:
- هاطلع بس استنى هاطمن على الست دي الأول.
- رسلان بيه الست اللي عاملة حادثة عايزة حضرتك.
قالتها الممرضة.
ذهب إليها رسلان.
زينب بنبرة يغلب عليها الإعياء والوهن الشديد:
- أرجوك يا بيه.. تاخد بالك من ابني.. ده ملهوش حد غيري في الدنيا.
رسلان:
- إن شاء الله هتقومي بالسلامة وتربيه وتفرحي بيه.
لم تجب سوى بدمعة انسدلت من عينها وهي تحدق بابنها الذي يمسك بيدها ويقول:
- ماما متخافيش.. أنا مش هاسيب حقك.
ابتسمت له وهي تمسد على خصلاته بدون أن تتفوه حتى جاء إليها ملك الموت ليقبض روحها إلى بارئها..
- لا إله إلا الله.
قالها رسلان وهو يبعد الصغير الذي يمسك في والدته وظل يصرخ بها:
- اصحي يا ماما.. متسبنيش.. هاخدلك حقك منهم كلهم.. بس اصحي.
ضمه رسلان إلى صدره بحنان أبوي وأخذ يربت عليه.. وفي نفس التوقيت جاء إليه سائقه والطبيب يخبره بأن زوجته التي كانت تضع مولودتها قد توفيت بسبب أنها مريضة قلب ولم تتحمل حينها.. جاءت الممرضة تحمل المولودة الصغيرة وتعطيها لرسلان وتقول:
- تتربى في عزك إن شاء الله.. هتسميها إيه حضرتك؟
أخذها ليحتضنها وعبراته انسدلت.
فقال وهو يحدق في عيني الصغيرة:
- كارين.. هاسميها كارين زي ما كانت مامتها عايزة.
انتبه رسلان إلى الطفل لينحني نحوه وقال:
- متخافش يا حبيبي أنا هاخدك معايا القصر ودي هتبقى أختك.. مقولتليش بقى اسمك إيه؟
الطفل:
- محمد وماما ساعات بتقولي قصي.
رسلان:
- من هنا ورايح اسمك قصي رسلان العزازي.. وعايزك تقولي يا بابا ونعيش في القصر بتاعي.
قصي:
- وعندك لعب؟
رسلان:
- عندي لعب كتير وهجبلك عجلة وعربية كمان.
أومأ له الصغير مبتسمًا بفرح، فقال رسلان لسائقه:
- استلم جثة والدته عشان ندفنها مع جثة كاريمان.
شفيق:
- بس دي مقابر العيلة يا باشا.
رسلان:
- اسمع اللي بقولك عليه يا شفيق.
وأخذ رسلان قصي وابنته كارين وقام بالاعتناء بهما.. وتربى قصي على يده حيث علمه كل أصول عمله في تجارة الأسلحة، ولاحظ ذكاء وسرعة بديهة ذلك الصغير الذي أصبح من أهم تجار الأسلحة ولم يكمل الثامنة عشرة، لكن لم ينس ثأره من عائلة البحيري الذي رسخ بداخله وكلما كبر زاد بداخله الانتقام.. وبعدها بعامين حين بلغ العشرين عامًا توفي رسلان وقد ترك له كل شيء من أملاكه وتجارته ووصاه على ابنته.. مرت السنوات وزاد نفوذه وأصبح من أهم رجال الأعمال المعروفين بالدولة...
باك.
- ياااه عشان كده بتكره خالو.. ليك حق بس ده مهما كان باباك.. وبالتأكيد ميعرفش إنك لسه عايش.. وولاده ملهمش ذنب سواء آدم أو يونس.
قالتها صبا.
قصي:
- ذنبهم إنهم ولاده اللي معترف بيهم.. ولاده اللي أمهم عاشت معززة في القصر متبهدلتش ولا اتهانت واتعذبت.. لولا حكيم وعزيز كانت أمي زمانها عايشة.. كان زمان اسمي قصي عزيز البحيري.. مش قصي العزازي.
***
هكذا مرت الأحداث على جميع أبطالنا، فهناك من جمعهم الحب أخيرًا كآدم وخديجة، وقصي وصبا، ورحمة وإيهاب. ومنهم من ينتظر كملك التي تنتظر عودة مصعب الذي طال غيابه، ومنهم من ينتظر مغفرة الحبيب مثل عبد الله وشيماء، وياسين وياسمين. ومنهم من سيظل يبحث عن نصفه الآخر الذي لا يستطيع أن يعيش من دونه مثل يونس وكارين.. ومنهم من يعيش على ذكرى من أحب يومًا مثل طه وعلاء وكنان وآسر.. وهناك من يريد الانتقام لكنه سيقع في العشق مجددًا مثل علياء ويوسف.. وهناك من نال جزاءه مثل سماح وإنجي ومروان وعادل ووالدته.. وتتوالى الأحداث ولم ينتهِ الصراع بعد.
تمت بحمد الله.