تحميل رواية «زوجتي الشرقية» PDF
بقلم سيليا البحيري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
حفل زفاف لم تكن تتوقع في يوم من الأيام أن تحضره. قاعة فخمة تدل على مدى ثراء العائلة الفاحش. لم تكن تتوقع أن صديقتها الأجنبية التي تعرفت عليها عندما زارت مصر للمرة الأولى أن تكون من عائلة ثرية جداً لذلك الحد. عامان فقط بعد أن أصبحتا مقربتين، بعثت لها بطاقة دعوة زفاف المقيم في شرم الشيخ وتصبح وصيفة العروس. وصيفة عروس بعيدة عن الصخب، بعيدة عن العروس. خرجت من القاعة وهي تلتقط هاتفها لتطمئن والدها كل خمسة عشر دقيقة كما أخبرها. لم تعد طفلة بعد الآن، إنها في الرابعة والعشرون وما زال والدها يعاملها مثل...
رواية زوجتي الشرقية الفصل الأول 1 - بقلم سيليا البحيري
حفل زفاف لم تكن تتوقع في يوم من الأيام أن تحضره.
قاعة فخمة تدل على مدى ثراء العائلة الفاحش.
لم تكن تتوقع أن صديقتها الأجنبية التي تعرفت عليها عندما زارت مصر للمرة الأولى أن تكون من عائلة ثرية جداً لذلك الحد.
عامان فقط بعد أن أصبحتا مقربتين، بعثت لها بطاقة دعوة زفاف المقيم في شرم الشيخ وتصبح وصيفة العروس.
وصيفة عروس بعيدة عن الصخب، بعيدة عن العروس.
خرجت من القاعة وهي تلتقط هاتفها لتطمئن والدها كل خمسة عشر دقيقة كما أخبرها.
لم تعد طفلة بعد الآن، إنها في الرابعة والعشرون وما زال والدها يعاملها مثل الطفلة ذات الخمسة أعوام.
انتبهت على صوت أختها التي هتفت بمرح:
- هييييح بجد أنا مبهورة جدا بالفرح ده، مكنتش متخيلة إني أحضر فرح زي ما بنشوفهم في الأفلام.
ابتسمت في خفوت وهي تتطلع إلى هاتفها لتنظر إلى الساعة التي تجاوزت العاشرة مساءً.
التفتت إلى أختها الصغرى ذات الثامنة عشر من العمر:
- كفايه كده يا سارة، هنروح نطلع ننام علشان ورانا سفر الصبح.
تعلقت سارة على ذراع ليان كالطفلة التي تتشبث مطالبة والدتها بالحلوى:
- لا بلييز بقى، ده الفرح أحلو جداً.. بليز بقى نص ساعة بس وهنمشي.
عدت دقائق استمرت سارة في إقناع أختها لتزفر ليان بضيق:
- نص ساعة وبعدها هنطلع.
طبعت قبلة على وجنتيها قائلة بسعادة:
- ميرسي يا لي لي.
عادت الأختان مرة أخرى إلى القاعة لتنتبه إلى العروس وهي تدعوها للاقتراب.
تقدمت نحوها في خطوات هادئة وابتسمت بسعادة:
- مبارك لكِ يا عزيزتي.. أتمنى لكِ السعادة من أعماق قلبي.
ضحكت العروس:
- كفى ليان، لقد قلتيها عشرين مرة، هيا ابحثي عن عبارات جديدة.
ثم بضيق زائف:
- بربك يا فتاة، هل يصح لوصيفة عروس أن تترك العروس وحدها هكذا؟ لولا فقط تلك العدسات اللعينة لوجدتيني قمت من مجلسي وشددتك من حجابك.
قالت ليان بهدوء:
- عزيزتي اهدئي، لقد كنت أتحدث مع والدي، أنتِ تعلمين أنها أول مرة أسافر بمفردي أنا وشقيقتي.
ثم أمسكت وجنتيها:
- هيا يا ليلى ابتسمي وزيلي ذلك العبوس وإلا سيأتي زوجك وسيحقق معي.
ليلى.. فتاة غربية من الدرجة الأولى تزوجت من حبيبها بعد خمس سنوات منذ لقائهم الأول.
تعرفت عليها عندما استضافتها إلى منزلها بعد أن سرق الملثمون حقيبتها الشخصية من المطار.
قامت باستضافتها إلى بيتها وهي لأول مرة تستضيف شخص غريب.
رغم ضيق والدها باصطحاب شخص غريب وأيضاً أجنبية، ولكنه اطمأن عندما علم أنها فتاة ذات طابع حسن ويمكن الوثوق بها وأيضاً مرحة.
بل أصبحت تنافس في لعبة الشطرنج المفضلة لديه مما توطدت العلاقة بين ليلى ووالدها.
حتى أنها تتعجب بعض الأحيان كيف أصبحت صديقتها بتلك السرعة وأيضاً لا يوجد أي نقطة مشتركة بينهم.
فهي شرقية والأخرى غربية، طباعهم مختلفة، كأن القطب الشمالي للمغناطيس انجذب للقطب الجنوبي.
انتبهت لصوت شقيقتها وهي تهتف بصراخ:
- يالهههوى إيه المز ده!
حمدت ليان ربها كثيراً أنه لا يوجد أحد في تلك القاعة يتحدث بالعربية، كلهم أجانب.
دائماً تشعر أن قلبها سوف يتوقف عن النبض بسبب صراخ شقيقتها وهي تحدثها عن الشباب الوسيمين في الزفاف.
بملامحهم الغربية الوسيمة والجذابة تجعل شقيقتها ستفقد سيطرتها إن لم تتعرف على أحدهم.
- يالهههوى أنا كده قلبي هيقف، إيه العيون الملونة دي ولا الشعر الأشقر، أنا بعد الفرح ده شكلي هعنس بعد ما شفت المزز دي.
ضحكت ليان رغماً عنها بصوت عالٍ لتسألها ليلى بعدم فهم:
- ماذا تقول شقيقتك؟ أريد أن أشارك معكم في الضحك.
وقبل أن تتفوه ليان، اندفعت شقيقتها بتهور وهي تعيد ما قالته بالإنجليزية.
لتتسع ابتسامة ليلى وهي تغمز لها:
- سأقوم بتعريفك على أحد الأشخاص، لا تقلقي.
قبل خروجك من الزفاف سيكون لديكِ صديق أجنبي.
- سارة!
هتفت بها ليان بحدة.
قالت ليلى بمراوغة وخبث:
- ولا تقلقي يا سارة، وأيضاً شقيقتك سيكون لها نصيب هي الأخرى.
اشتعلت وجنتا ليان بغضب وهي تنظر إلى صديقتها وزوجها الذي تقدم نحو تجمعهم وشارك في الضحك مع الفتاتان بمرح:
- أنت أيضاً يا آدم!
التفت إليها آدم متحدثاً بمرح:
- حقاً شقيقتك مرحة جداً.
كزت على أسنانها بغيظ شديد.
صاحت ليلى وكأنها تذكرت شيئاً ما:
- بالمناسبة غداً أنتِ وشقيقتك، أريدكما أن تكونا في العاشرة صباحاً في ذلك المطعم الذي ذهبنا إليه من قبل.
اعترضت ليان بابتسامة هادئة:
- آسفة جداً، لا نقدر. تحدثت مع والدي وطلبت منه أن نبقى للغد، سوف تطير رقابنا.
هتفت سارة بنبرة طفولية:
- بليييز بقى يا ليان، مترفضيش وأنا هقنع بابا.
- لأ.
ردت ليلى بجدية:
- يا فتاة، أنا لا آخذ منك رأياً، أنا طلبت منكِ وأنتِ ستنفذين. أما عن والدك فأنا سأجعل سيدتي الجميلة سعاد تتدلل إلى السيد إبراهيم ليوافق.
- تأدبي يا فتاة، أنك تتحدثين عن والدي.
أجابت ليلى بلا مبالاة:
- غداً أراكِ أنتِ وشقيقتك، ولا تقلقي، سأقنع السيد إبراهيم كما جعلته يوافق أن تأتي إلى هنا بمفردك دون ذلك الشاب الملتصق شهاب المدعو بابن عمك.
تذكرت عندما بعثت ليلى بطاقة الدعوة وأخبرتها أنها لن تأتي بسبب المسافة البعيدة بين القاهرة وشرم الشيخ.
لتأتي إليها بعد يومين تدق باب شقتها وهي لثاني مرة تزور منزلها.
تعلم جيداً أن ليلى عنيدة، لن تتزحزح عن قرارها.
لتهتف بيأس بعد أن حاصرتها ليلى بكل اتجاه من عدم الفرار:
- حسناً، على العاشرة سنأتي.
واستأذنت هي وأختها ليصعدان إلى غرفتهما لترتمي ليان على الفراش بأرهاق:
- رجلي مش حاسة بيها.
شهقت بقوة عندما ارتمت أختها هي الأخرى على الفراش وهي تهتف بسعادة:
- الفرح كان حلو جداً بجد، الـ 3 أيام دول أحلى من حياتي.
ثلاثة أيام قبل موعد الزفاف كانت هي وليلى وشقيقتها يخرجان من الفندق السابعة صباحاً ويعودان إلى العاشرة ليلاً.
قضوا الثلاثة أيام إما في التبضع أو السفاري.
هتفت سارة بحالمية:
- تعرفي نفسي كده إنك تتجوزي واحد أجنبي.
ردت ليان باستنكار:
- إشمعنا؟
هزت كتفيها بمعنى أنها لا تعلم.
- مش عارفه، بس نوع من تحسين السلالة مثلاً!!
شهقت بألم عندما وكزتها ليان على ذراعها:
- إيدك بقت تقيلة يا لي لي.
ثم تابعت بخبث:
- يلا بقى احكيلي، مفيش حد منهم عجبك كده ولا كده، أصل كل اللي شفتهم قمامير، وشكلي كده هعنس بعد الحلويات اللي شفتها دي.
شهقت بألم أكبر للمرة الثانية عندما رمت ليان بوسادة على وجهها لتهتف بحنق:
- أنا بقى هخليكي تحلمي بالحلويات دي!!
ارتعدت سارة وهي تزحف بجسدها للخلف ونظرات ليان لا تبشر بالخير إطلاقاً لتهتف بنبرة متوسلة ضعيفة:
- استهدي بالله كده يا ليان، كنت بهزر يا رمضان، إيه مبتهزرش؟!
خلعت ليان حجابها وهي تهتف بتوعد:
- لا يختي بهزر.. وهوريكِ كمان.
أخذت ليان تدغدغها في جميع أنحاء جسدها.
تصاعدت ضحكات سارة بصخب ودموعها تهطل من كثرة الضحك وهي تهتف بتوسل:
- خلاص حرمت، كفاية كده!!
ابتعدت ليان وهي تتنهد بقوة وكأنها للتو أنجزت عمل شاق:
- ناس مبتجيش إلا بالعين الحمرا!!
في صباح اليوم التالي، دلفت الشقيقتان إلى المطعم المطل على بحر الساحر لتتوجه نحو الطاولة المستديرة يوجد بها ليلى وآدم فقط، وليلى التي تحتضنها بحبور شديد كأنها لم ترها منذ القدم البعيد.
جلست على الطاولة لتجد أن هناك مقعدان شاغران في مقابلتها.
قالت ليلى بابتسامة رائعة:
- يجب أن أعرفك عن شخص هام جداً. رغم أنه ليس من عائلتي إلا إنه يعتبر بمثابة أخ لي. لم يستطع حضور حفل الزفاف لأعرفك عليه، لكنه جاء متأخراً بسبب بعض الأعمال المتراكمة.
أومأت برأسها في تفهم وأخذت تلقي نظرة إلى أخرى إلى شقيقتها وهي تلتقط صور السيلفي بمفردها بأوضاع مختلفة، وأيضاً مع آدم وليلى، ثم أخذت تنظر إلى الصور التي التقطتها معهم تنتقي أفضل صورة وهي تضع الصورة على تطبيق انستجرام والفيس بوك معلقة "مع أحلى عروسين".
صاحت سارة بضجر بعد بضعة دقائق من الصمت:
- هو إحنا لسه هنستنى كتير؟ أنا جعْت!
جزت ليان على أسنانها وهي تهتف بين أسنانها:
- اهدى كده، وإلا.. وأنتِ عارفة أنا ممكن أعملك إيه ومش هيهمني حد!
كادت تنطق سارة لتبتر حديثها عندما صاحت ليلى بسعادة وهي تقفز من مقعدها:
- زياد!
توجهت نحو ذلك الزياد وهي تتعلق بعنقه غير عابئة بالفتاة التي بجواره.
قال زياد بمرح وهو يحتضنها بحنان:
- لقد أصبحتي الآن زوجة.. مبارك لكِ يا عزيزتي.
التفت الشقيقتان تنظران إلى ذلك الزياد.
لم تستطع ليان رؤية وجهه بسبب ليلى التي متعلقة بعنقه كالطفلة لتشيح بوجهها عنهم وهي تنظر إلى الطبق أمامها بشرود.
أما اتسعت عينا سارة بصدمة وهي تقوم من مجلسها تهتف بصوت عالٍ:
- يخربيت حلاوتك!
لاحظت ليان السكون الذي عم المكان بعد ما تفوهت به سارة.
لتغلق عيناها وقد وصلت لآخر ذرة من الصبر.
التفتت إلى الجميع وهي تقوم من مجلسها الأخرى تهتف بهدوء وعيناها غير قادرة على النظر إلى ذلك الزياد ولا أيضاً للباقي:
- آسفة حقاً، شقيقتي لها طريقة غريبة للترحيب بالأشخاص الجدد.
- حقاً، وهل أنتِ لديك طريقة خاصة أيضاً؟
بللت شفتيها وهي ترفع عيناها لتصطدم به.
اتسعت حدقتا عينيها وهي تراه عيناه مثبتة عليها.
عيناه كادت أن تشعر بالغرق، زرقاء صافية بها لمعة غريبة لم ترها من قبل.
رغم أن حدقتي ليلى زرقاء أيضاً، لكن ذلك الزياد زرقاوية تختلف عن ليلى.
أشاحت بوجهها عندما شعرت أنها سوف تغرق بعينيه الزرقاء.
عيناه تشبهان السماء في صفائها.
صوته الرجولي اقشعر بدنها همست بتلعثم:
- كلا.
ما زالت تشعر أن عيناه تخترق جسدها وكأنها تقف عارية أمامه.
تورّدت وجنتاها بخجل مصحوب بحنق شديد.
ينظر إليها غير عابئ بأحد.
هتفت بهدوء وهي تلكز أختها معاتبة:
- لقد قلت لكِ ألا تفعلي ذلك؟
- ولما لا؟ إن كانت تلك طريقتها لترحيب الأشخاص، لا توجد مشكلة!
لا توجد مشكلة! حقاً إنه يمزح.
ولما يتدخل هو في الحديث مع شقيقتها.
وليلي التي اتخذت موضع الصمت لا تتفوه بأي شيء.
أخيراً نطق آدم بعد صمود دام لدقائق:
- مرحباً بك يا صديقي.
احتضنا بعضهم بأخوة ثم دار آدم بعينه إلى الشقراء ليهتف بخبث:
- صديقة جديدة أليس كذلك؟
ابتسم زياد بهدوء وهو يمسك كفها:
- أعرفك نتالي.. نتالي آدم.
رحبت به بحبور:
- مبارك لك، أتمنى لكم السعادة.
هز رأسه وهو يحتضن ليلى من خصرها بحب.
هتفت ليلى بابتسامة:
- زياد، هذه هي ليان التي أخبرتك عنها من قبل.
رد بهدوء وهو يتطلع إليها مجدداً:
- هذه هي إذا؟
يكفي ذلك، نظراته تحرقها.
لتهتف سارة بهمس:
- الجدع ده مشلش عينه من عليكي من أول ما شافك.
ستحدث مشكلة بالتأكيد.
تعلم جيدا أن أختها مندفع بالحديث.
ستحدث كارثة لا محالة.
عندما يعودان إلى المنزل.
هدأت نفسها قليلا وهي تستعيد رباطة جأشها وتقابل عينه بجمود:
- نعم، إنها أنا.
ثم استدارت إلى ليلى بابتسامة طفيفة:
- أرجوا أن ليلى قد جاءت بالحديث الحسن؟
أجاب بنبرة جعلتها تتذبذب من نبرته الهادئة:
- نعم، لم تتوقف عن الحديث عنكِ ولو لمرة.
هتفت ليلى بحماس:
- هيا لنجلس سوياً ونتناول.
جلست الشقيقتان بمجلسهما.
وجدته يجلس بمقابلتها وعيناه لا تتوقف عن اطلاعها.
لن يرحم ولو قليلا.
ألا يرى تورد وجنتيها ونظرات الجميع المصوبة عليهم وهما في حالة صموت.
وماذا عن تلك الشقراء بجانبه؟
لن يراعي مشاعرها أيضاً.
لتميل ليلى هامسة في أذن زياد:
- أرحم الفتاة قليلاً، لا تستطيع رفع عيناها بسبب نظراتك تلك!
لم يهتم بما تفوهت به هتف بهمس مماثل:
- دعيني أمتع عيناي قليلاً بالفتيات الشرقيات.
زفرت ليلى بيأس.
لتجد النادل يضع الطعام في صمت ويستأذن في خفوت.
ليشرع الجميع في تناول الطعام في صمت.
أما سارة فكانت تلتقط بهاتفها عدة صور بزوايا مختلفة للطبق أمامها ثم شرعت في تناول الطعام في صمت هي الأخرى.
لا تعلم لما شقيقتها اتخذت وضع الصمت اليوم.
- هل تعلم يا زياد أن ليان تود أن تجري لقاءً صحفياً عن ذلك رجل الأعمال المدعو بزين الحديدي!
هتفت بها ليلى بحماس.
ليجيب زياد بدهشة:
- أووه حقاً، لماذا؟
تعلم أن سؤاله موجه إليها.
قالت بجمود وهي تعبث بالطعام بشوكتها:
- لا أعلم عنه الكثير، وأيضاً لم يقم بعمل لقاءات صحفية كثيرة. ربما اثنين أو ثلاثة ولا يضعون أي صورة له في أي لقاء.
لا أعلم لماذا لا يضعون صورة له بل يكتفون بأنه رجل أعمال شاب.
لقد علمت بالمصادفة وأنا أقرأ إحدى المقالات، أن والده مصرياً ووالدته بريطانية، لذا لماذا لا يعلم الجميع عن إنجازات رجل أعمال مصري حقق نجاحات عظيمة رغم صغر سنه!
رد بنبرته الهادئة:
- أي إنه لم يضع أي صورة له، تريدين أن تقومين بعمل لقاء معه؟
ترك جميع حديثها وركز فقط أنه لا يضع أي صورة له.
صاحت بحنق وقد استنفذت آخر ذرة من صبرها:
- بربك ما هذا الذي تقوله؟ هل بعد ما قلته لم يجذب انتباهك أي شيء سوى أنه لا يضع أي صورة لعينة خاصة به!!
أنا أريد لقاء فقط لأنه ابن بلدي يستطيع أن يستثمر في بلده بدل من أن يضع أمواله في الخارج!!
لقد تعجبت حقاً أنه لم يقم بعمل أي مشروعات هنا في بلده!
هتف زياد بهدوء:
- على رسلك يا فتاة، إنني كنت أمزح معك.
ثم استطرد بجدية:
- أستطيع أن أجعلك تقابليه.
رمشت عيناها وأذنيها لا تصدق ما سمعته:
- حقاً؟
أومأ رأسه بنعم ليهتف بزرانه:
- إنني أعمل في إحدى شركاته، أستطيع أن أتدبر لكِ بضع الوقت لكي تقابليه.
هتفت بهدوء:
- ولكن أ..
ليقطعه مبتسماً:
- يبدو أنه لم تصلك آخر الأخبار.
افتتح فرع لشركته هنا في القاهرة منذ حوالي شهرين!!
وهو أيضاً هنا في مصر.
شهران افتتح شركة هنا ولا يعلم أحد، وأيضاً في مصر!
هزت برأسها وهي تغير الحديث:
- إذا يا ليلى، أين ستسافرين لقضاء شهر العسل؟
هتف آدم وهو يقبل كف ليلى:
- سنقضي شهر العسل للسفر حول العالم. أسبوع سنقضيه هنا في مختلف المدن الساحرة ثم سنذهب مباشرة إلى تركيا وباريس وإيطاليا والمالديف.
ابتسمت سارة بسعادة وهي تهتف بحالمية:
- أوعدنا يا رب.
ابتسمت ليان في خفوت.
وقد بدأت تهدأ عندما أشاح أخيراً ذلك الزياد بنظراته المتعلقة عليها وهو يتحدث مع تلك الشقراء الفاتنة أو ليلى وآدم.
وضعت ليان الحقائب في حقيبة السيارة وهي تهتف بتوعد:
- اصبري عليا بس لما نوصل البيت وأوريكِ.
استلقت سارة السيارة غير مبالية لتهديدات ليان.
لتجلس ليان خلف المقود وهي تنطلق بسيارتها إلى القاهرة.
كانت تضع سارة سماعات حول أذنها وهي تدندن في خفوت وليان نظراتها مثبتة على الطريق.
قالت سارة بصياح وكأنها تذكرت شيئاً ما:
- شفتي المز بتاع الصبح ده.. بس ده القنبلة بين اللي شفتهم.
ثم تابعت بتساؤل:
- رغم كده نظراته مش مريحاني، عمال بيسبلك قدام الناس كده ولا هامه حد؟ تفتكري ليه؟
صمتت قليلا ثم تابعت بخبث:
- إيه رأيك نقول عليه معجب مثلاً؟ زي بتوع الروايات كده أول ما يشوف البطلة يفضل مبحلق فيها!
- مبحلق!
هتفت بها ليان باستنكار لتتابع بضيق مصطنع:
- الله يخربيت الروايات اللي لحست دماغك دي.. خليكي عارفة كده مفيش أي حاجة في الروايات بتحصل في الحقيقة.
زفرت سارة بحنق:
- بت انتي انتِ أصلاً فقرية.. خليكي كده يارب اللي يتجوزك كده يطلع عينك كده وتحبيه وهو ميعبركيش.
- لا والله، طيب لما نشوف.
هتفت بها ليان بلا مبالاة وهي تعود تنظر للطريق.
لم تنتبه إلى حديث سارة بل كان عقلها مشغولاً بذلك الزياد.
لم ترتاح أبداً من نظرات ذلك الوقح.
لتجد بعد أن قاما من الطاولة تسرع إلى الفندق وتذهب إلى غرفتهم وتلملم ملابسهم وينطلقا إلى القاهرة.
كانت نظرات ليلى المعاتبة وهي تودعها تحزنها.
كانا سيسافران في الغد لكن ألغت كل ذلك بسبب ذلك الوقح، السافل، عديم التربية!
تريد أن تبتعد عنه لا تعلم لماذا.
ولكن عقلها نبهها أن تظل بعيدة عنه، ذلك أفضل.
وكأنها ستراه مرة أخرى.
هل حقاً سيجعلها تقابل ذلك الدعو بزين وهي حتى لم تعطيه رقمها!
- انتي يا بت ياللي سرحانة.
فاقت من شرودها على صوت أختها لتهتف بنفاذ صبر:
- يا آخره، اصبري.. نعم!!
غمزت سارة بوقاحة:
- شكلك كده سرحانة في الواد الحليوة أبو عيون زرقا.
- ســارة.
نطقتها بحدة و وجنتيها تشتعلان بالحمرة لتهتف سارة محدقة بدهشة:
- أوعى تقوليلي إنك حبيته بجد!!
حب! تلك الغبية لا تعلم أي شيء.
إنها فقط تخشاه لا تعلم لماذا.
عيناه كفيلتان بقلع حصون ثباتك أمامه.
كانت ستغرق في صفاء عيناه وستعلن راية الاستسلام لقلبها.
لا يصح لرجل أن تكون عيناه جميلتان لحد اللعنة!
- يبقى حبيته والله.
فاقت على حديث شقيقتها لتتحدث بحزم وهي تغلق تلك الصفحة:
- مسمعش صوتك لحد لما نوصل للبيت.
وهذا ما حدث.
عدت ساعات حتى وصلا بأمان إلى منزلهما.
ترجلت سارة من السيارة وهي تجر حقيبتها وتمسك بحقيبة شقيقتها.
هتفت ليان وهي تتفحص النقود:
- أنا هروح الصيدلية أجيب دوا وهاجي، اطلعي بالشنط وهحصلك.
هرولت ليان وهي تضرب جبهتها.
كيف تنسى دواء والدها.
دلفت إلى الصيدلية القابعة في آخر الشارع وهي تطلب الدواء للصيدلي جارهم في الشقة العلوية.
أخذت الدواء وهي تعطيه المال وتخرج من الصيدلية تلعن غباءها.
ثلاثة أيام لم تتذكر أن علبة الدواء فارغة ووالدتها لم تخبرها أيضاً بذلك.
تنهدت بحزن وهي تتذكر حالة والدها المتأخرة في العلاج ورفض أشقائه للمساعدة ويمدوا يد العون.
وذلك شهاب ابن عمها الذي لا يتوقف عن ملاحقتها في أي مكان ذهبت إليه.
دلت إلى العقار الذي تقطنه وهي ما زالت تبحث عن حل لمساعدة والدها.
إن باعت السيارة والأرض الخاصة بوالدها ومصوغات أمها لن يصل المبلغ حتى لنصف العلاج.
وقبل أن تصعد الدرج شعرت بيد غليظة تمسك عضدها وقبل أي محاولة للصراخ قد أغلق فمها بيده الأخرى وهو يسحبها إلى مكان مظلم في مدخل العمارة لا يقترب منه أحد من الجيران بعيداً الشقق.
تعمقت ببصرها إلى ذلك الذي كمم فمها.
لتتسع حدقتا عينيها وكأنه مكتوب عليها الشقاء للأبد.
وهي تبتلع ريقها بتوتر من القادم.
رواية زوجتي الشرقية الفصل الثاني 2 - بقلم سيليا البحيري
انحبست أنفاسها من مجرد رؤيته. لقد عاد مرة أخرى!
ماذا يريد منها مرة أخرى؟ لقد تركها محطمة، وانشطر قلبها إلى أشلاء. تركها قبل موعد الزفاف بشهر وتقدم لخطبة ابنة خالتها!
ازاح كفه عن فمها وهو يتطلع إليها بنظرات مشتاقة.
"زمجرت بغضب وهي تضم قبضتها وتضربها على صدره."
"انت حيوان! ايه اللي بتعمله ده؟"
"وحشتيني."
اتسعت حدقة عيناها بصدمة لتصيح بانفعال.
"وحش لما يلهفك! أنا مش طايقة أبص في وشك حتى."
قام باحتضان ذراعيها في محاولة بائسة لتهدئتها.
"لتزيح ذراعيه وهي تشعر بالتقزز."
"ابعد يا حيوان!"
أحاط وجهها بكفيه وهمس بنبرة حانية.
"أنا يوسف يا ليان.. حبيبك وخطيبك وجوزك."
كفى! حبيبها؟ كلا لم تحبه، كان مجرد حب مراهقة. خطيبها؟ يا ليتها لم توافق أبداً. زوجها؟ لقد عقدوا القرآن وقام بفسخه قبل الزفاف دون أن يخبرها لماذا. ليأتي بعدها بمرور ستة أشهر ويتقدم لخطبة ابن خالتها. لقد جرحها، طعنها بدم بارد. والآن بعد مرور عام يتودد إليها، وهي قد حذفته من حياتها وعقلها كلياً، وهو يهتف بعبارات رومانسية. اشتياق كانت تتأثر بها في مرحلة مراهقتها، لكن الآن بدت باهتة، لا طعم لها.
"روح قلها لبنت خالتي، وقسمًا بالله يا يوسف لو عملت كده تاني لأعملك محضر وأخلي سيرتك في المنطقة كلها."
هتفت بها بغضب، وأعينها تزداد قسوة. تحدي. إصرار. ركلت قدميه ليتأوه بوجع، لتنظر له بتشفٍ وهي متوجهة نحو منزلها.
أغلقت باب منزلها. شاردة. وضعت الدواء على الطاولة وهي تتجه نحو غرفتها هي وشقيقتها، ولم تستمع إلى صوت نداء شقيقتها.
"يا بنت انتي ياللي سرحانة."
نطقت بها سارة وهي تلوح بكفها. رفعت ليان ببصرها إلى شقيقتها وقد بدأت الدموع تتجمع نحو مقلتيها.
"اسرعت سارة وهي تحتضنها بلهفة."
"ليان.. إيه اللي حصل يا حبيبتي؟"
مجرد ما أن نطقت باسمه، حتى تغيرت ملامح سارة للغضب وقالت بجمود.
"إيه لسه بتحبيه؟ مش قادرة تنسيه؟"
أسرعت بتخبئة وجهها نحو عنق سارة وهي تبكي بمرارة. لم تحبه. كانت ساكنة جامدة عندما بعث لها ورقة الطلاق وهو يخبرها: لا أريدك. توقعت أن تبكي ليالي مثل العشاق الذين أجبرتهم الظروف على التفرق. لم تسقط دمعة واحدة. ما جعلها تبكي.. كرامتها التي هدرت. نظرات الجميع وكأنهم يتهمونها أنها هي السبب. يوجد عيب بها. نظراتهم تقتلها، تجعلها تتمنى الموت.
"لا مبحبهوش.. جرحني يا سارة. نظرات الناس ليا كل يوم بتحسسني إني معيبة. وفي الآخر بعد كام شهر يروح يخطب بنت خالتي وييجي يقولي دلوقتي وحشتيني."
زمجرت سارة بغضب.
"والله لأوريه الحيوان ده."
ابتعدت ليان عن حضنها وهي تجفف دموعها بكف يدها، لتسقط ببصرها على الفراش الثاني لملامح شخص. ازدادت نبضات قلبها عندما بدأت تدقق في ملامح الصورة.
التقطت اللوحة بيدين مرتجفة وهي تتطلع إلى ملامحه. صاحب الوجه.. إنه هو!
ابتلعت ريقها وهي تنظر إلى عيناه. همست بلا وعي.
"عينيه مش داكنة يا سارة.. عينه فيه بريق غريب أول مرة أشوفه."
ندمت على ما تفوهت به وهي تطالع ملامح سارة التي هتفت بخبث.
"الله.. إيه بقى الحكاية؟ ده انتي كنتي مركزة بقى على عنيه!!"
"مفيش حاجة."
قامت بوضع اللوحة على الفراش مرة أخرى. كيف رسمت شقيقتها ملامحه في دقائق قصيرة! لو أخذت تدقق في ملامحه لأكتشفت كل يوم تفصيلة جديدة لم تكتشفها بعد.
نهرت نفسها وهي لا تعلم لماذا يشغل عقلها بتلك الطريقة التي باتت تزعجها. تعلم أنها لن تراه مرة أخرى، بل متأكدة من ذلك.
لتنطق اسمه بشرود وهي تدقق في كل حرف من اسمه.
"زيـــاد.."
معزوفة هادئة وهي تتهجأ اسمه. ملامحه غريبة للغاية، ولكن كيف اسمه زيــاد!
"والله شكل الجدع ده عملك سحر."
نطقت بها سارة بشقاوة. سحر؟ لقد وقعت في سحره نعم. كيف ومتى لا تعلم؟
على الرغم من نظراته العابثة، إلا أنها لا تعلم عندما تعلقت عيناها بعينيه كان يخبرها بشيء بنظراته، وكأنه يوصل لها رسالة. وهي حتى الآن تحاول فك تلك الشفرة، وكأنها مسألة رياضيات يصعب حلها.
زجرت نفسها. كيف تتعلق به لتلك الدرجة على الرغم من عدة سويعات فقط رأته! حياته عابثة أيضاً، مختلفة تماماً عن حياتها الشرقية. تنهدت بقلة حيلة. لن تكون بينهم أي صلة ببعضهم. أفكارهم.. طبيعتهم.. طباعهم.. تصرفاتهم مختلفة. بل هما كالشرق والغرب، والذي من الصعب أن يتحد معاً.
***
ظلت تنظر ندى على الصور الزفاف من الحاسوب بانبهار.
"إيه يا بنتي ده إيه.. بجد أحسدك. القاعة ولا في الأحلام. لو حد كان منزل الصور دي كنت قلت مش ممكن فرح زي ده يكون في مصر."
كانت تستمع ليان بملل وهي تقلب بهاتفها على أحد مواقع التواصل الاجتماعي.
جحظت حدقتا عيناها البندقية مما جعلها تنتفض من مكانها.
"بصي شوفي كده!!"
أخذت ندى الهاتف من ليان وهي تنظر باهتمام لتهتف بدهشة.
"إزاي حصل كده؟ عدد المتابعين على اليوتيوب زادوا تلات أضعاف إزاي؟"
"مش عارفة بجد!!"
هتفت بها بشرود وهي تحاول كيف حدث ذلك؟ كانت أعداد المتابعين تزداد بمقدار معين كل يوم. بين ليلة وضحاها تزداد أعداد المتابعين لثلاثة أضعاف عددها.
أخذت تقلب هاتفها لعدد المشاهدات التي ارتفعت بنسبة مهولة. ثم أخذت تتابع الأحداث على موقع "الفيس بوك" لتجد خبر جعل قلبها يتوقف من النبض!
صاحت ندى بصدمة وهي جالسة بجوارها.
"اللي قريته ده بجد؟"
ثم تابعت بسعادة.
"أيوه بقى وبقيتي تريند ١ في مصر. هتقابلي زين الحديدي بنفسه."
عقلها شل تماماً عن التفكير. توقعت أن لن يفى زياد بوعده عندما أخبرها أنه يستطيع أن تجعله بعمل لقاء صحفي. يبدو هناك علاقة قوية تربط بين زين وزياد. ربما أصدقاء!
"صاحت بحسم."
"مش هروح أعمل اللقاء."
اختفت ملامح السعادة على وجه ندى ليحتل معالمها الصدمة.
"إنتي بتهزري يا ليان.. إنتي عارفة مجرد مقابلته هتوصلي لفين بعد كده.. مش بعيد القنوات الفضائية تقدملك عروض إنك تعملي برنامج خاص."
هزت رأسها بالنفي وهي تتابع.
"برضه مش هروح.. إنتي عارفة من أول ما عملنا قناة على اليوتيوب واحنا واخدينها ترفيه وتسلية. أنا أصلاً مش مذيعة ولا عايزة أبقى كده. كانت مجرد هواية ومش عايزة أطورها."
صاحت ندى بانفعال.
"ليان فوقي بلاش عبط.. متبقييش أنانية متفكريش بنفسك. أنا عارفة إنك مش خايفة بس.. لأ مرعوبة من الفكرة. الناس دي رغم إنهم في عايشين في عالم تاني غير عالمنا مش معناه برضه منحلمش نوصل لده. إنتي خايفة من إيه؟ ده انتي هتعملي مقابلة عشر دقايق ومش هتشوفيهم أصلاً ولا حتى هتقابليهم بالصدفة."
ثم استطردت بحنو.
"فكرى كده ممكن بعد المقابلة دي هنوصل للعالمية. فكري في عمو إبراهيم يا ليان محتاج عملية وكل يوم بنتأخر كل ما فرصة نجاح العملية بتقل."
بابا. هتفت بها بشجن. صديقتها ندى محقة في كل ما قالته. لكن شعور بداخلها يخبرها أن المقابلة لن تمر مرور الكرام. كل ما تذكرت زين الحديدي جسدها يرتجف من مجرد اسمه. تقسم أنها إن قابلته وجهًا لوجه سيغشى عليها. اسمه يبعث بقلبها الرهبة. ولكن لماذا وافق على مقابلتها؟ إنها لم تتخرج من كلية الإعلام. هي مجرد خريجة في كلية إدارة الأعمال. وبعد تخرجها هي وصديقتها ندى التي تعرفت عليها منذ العام الأول في الجامعة وعدم قبولهم في أي مقابلة للعمل. قامت بإنشاء قناة لمقابلة بعض الفنانين وبعض الأبطال الأولمبيات.
انتبهت على رنين هاتفها وهى تجد رقم مميز لتجيب على الفور. ظلت ندى تطالع ليان وهي تتحدث بتوتر. كانت كلامها قليل ولكنها استنتجت أن من حديثها باللغة الإنجليزية أنه بتحديد موعد المقابلة.
نظرت إليها بفضول بعد ما انتهت من المكالمة وهي تتطلع إلى ملامح وجهها الجامد لتهتف بتحفز.
"ها.. طمنيني هما؟"
هزت رأسها بالإيجاب وقالت.
"أيوه بس شروطهم غريبة!!"
***
ظل يقلب في الصور القديمة. له وفتاة أصغر منه بحوالي أربعة أعوام. ابتسامتها كالحياة بالنسبة له. يتذكر تلك الصورة جيداً التقطتها والدتها في عيد مولدها السابع. صورة تتبعها صورة.. ويزداد حنينه إلى الماضي بتلهف. لقد خسرها للأبد حبه الوحيد. حب طفولته خسره بسبب دين لعين!
انتبه على وجود والدته وهو تحيط بوجنتيه وتمسح دموعه. دموع حسرة.. دموع ألم.. دموع فقدان.
"انسى يا يوسف ده أفضل ليك."
ضحك بتهكم وهو يعيد بأنظاره للألبوم الذكريات.
"مش قادر يا أمي.. ضيعتها من إيدي. كنت خلاص كام أسبوع وهتبقى في بيتي مراتي. ده أنا يوم كتب الكتاب بوستها على راسها.. ولا لمست إيديها غير مرة واحدة وأنا بلبسها الدبلة.. ولا حضنتها.. خزنت كل حاجة لما تكون في بيتي.. كنت بخاف عليها أكتر من نفسي لحد يجرحها أو يهينها من كلام الناس لو شافتنا مع بعض إحنا داخلين أو طالعين."
صمتت للحظات وهو يلتقط أنفاسه. وقلبه المتحطم بحاجة إليها. بسماع صوتها.
"بس أنا جرحتها.. عذبتها.. ارتكبت أكبر غلطة في حياتي لما سبتها.. لغاية دلوقتي فاكر الليلة المشؤومة اللي بقت بتجيلي في الكوابيس كل يوم!"
ضمته لصدرها وهو لم يتوقف عن التحدث. ظلت ترتل عليه بعض من آيات ذكر الحكيم لتهدئته وهي تدعي وتناجي ربها بأن ينزع حب ليان من قلبه!
***
ساكنة بين دفء ذراعيه.. يبث داخل أذنها بكلماته المعسولة.
كلماته تداعب روحها.. أنوثتها.
التقطت هاتفها وسط اعتراضاته هاتفه بتوسل.
"انتظر قليلاً عزيزي.. لقد منعتني لمدة أسبوع من عدم وجود هاتف."
تذمر بعبوس وسط توسلها وإلحاحها الذي جعله يوافق على مضض.
"حسناً عشر دقائق وتغلقي هاتفك."
دنت نحو وجنتيه طابعة قبلة هادئة. بعثرته وجاهد لمحاولة عدم التهور لمدة عشر دقائق فقط.
كانت تعبث بهاتفها بملل.. إلا بعد فترة وجدها تصنم معالم وجهها لأسألها باهتمام وبدأ يعتري معالم وجهه القلق.
"ما الأمر يا ليلى؟"
أعطته هاتفها لينظر إلى هاتفها باهتمام ثم ما لبث أن هدأ. سألها بلا مبالاة.
"وما في الأمر؟ لا أجد أي شيء يعتري الاهتمام."
بدأت تتصاعد أبخرة الغضب.
"إنت تمزح بالتأكيد .. ليان ستعقد لقاء صحفي مع زين!! وأصبحت وسائل التواصل الاجتماعي تتحدث عنها الآن وأنت تخبرني أنك لا تجد أي اهتمام في ذلك الخبر؟"
حاول امتصاص غضبها.
"إ حبيبتي.. لا يوجد كل ذلك داعي للغضب."
زمجرت بحنق وهي تعبث بهاتفها.
"بلى يدعي كل ذلك.. سأتصل بزياد أريد أن أعلم هل حقاً هل تلك مزحة من مزحاته أم يتحدث بجدية!"
حاول التحدث ليجدها خرجت من غرفتهم متوجهة نحو الشرفة. ليسب آدم ذلك الزياد بداخله. فقط قام بتحطيم وأفسد ليلته ومخططاته.
توجه نحوها ووجدها جالسة على المقعد تهز ساقها بتوتر. وبنفاذ صبر.
"ماذا... هل رد؟"
رمت هاتفها على المنضدة بإهمال وهي تهتف بحنق.
"كلا لم يرد ولا ليان أيضاً!"
احتضن وجهها بكفيه وهتف بهدوء.
"ماذا الذي يضايقك عزيزتي؟ أنتِ من تحدثتي لزياد وأخبرتيه أن ليان تود عمل لقاء صحفي مع زين.. ما المشكلة إذاً؟"
أجابت وهي تهز رأسها يميناً ويساراً.
"مهما شرحت لن تفهمني."
ثم أشاحت بذراعيه وهي تلتقط هاتفها مرة أخرى لتجد يد منعتها بقوة وهو يهتف بصوت ماكر.
"كلا عزيزتي لن تهربي مني تلك المرة!"
***
عادت إلى منزلها لتجد حالة الهرج والمرج نحوها. وجدت خالتها حسينة وابنة خالتها ورد تجلس بابتسامة مشرقة.
تابعت طريقها إلى غرفتها ملقية السلام.
مصمصت حسينة شفتيها بتعجب.
"شوف البت ولا كأنها بتسلم على غُرب."
لتؤيدها ورد هاتفه بغيرة دفينة.
"عندك حق يا ماما.. بتبصلي من تحت لتحت بعد ما يوسف اتقدم لي وهي بتحاول توقع ما بينا."
ضربت حسينة بكفها على صدرها بشهقة كعلامة مستنكرة.
"يا حبيبتي يا بنتي ربنا يبعد عنك عين الناس الحسودة."
نطقتها بعلو صوتها لكي تسمع القابعة بالداخل.
قامت سارة بوضع الشاي على الطاولة وهي تبتسم ابتسامة بلهاء.
"الشاي يا خالتو."
تبرمت حسينة بحنق.
"مالك يا بت بتبصيلي بقرف كده ليه وكأنك بتطردينا من البيت."
هتفت سارة بدهشة.
"أنا! لا البيت بيتك طبعاً يا خالتو."
أخذت حسينة الكوب وهي ترتشفه لتهتف بامتعاض.
"وإيه الشاي اللي يسد النفس ده."
قامت من مجلسها وكأن حية لدغتها.
"أنا عارفة إني كل ما باجي هنا وانتوا مش مستحمليني أنا وبنتي كلمة."
بنبرة حزينة مصطنعة تابعت.
"كده يا بنتي ده أنا حتى خالتك!!"
كانت تنظر سارة بدهشة وهي لا تجد الفرصة للرد. لتجد ورد هي الأخرى قامت من مجلسها وشاركت في الحديث بعد فترة من صمتها.
"إحنا كنا جايين علشان نعزمكم على كتب الكتاب آخر الأسبوع بس واضح كده إنكم مش طايقنا."
وهرولا الاثنتان خارج المنزل بعد أن ألقى بقنبلتهما أمامها.
هتفت ليان وهي تتساءل بفضول.
"إيه اللي حصل؟"
ضربت سارة بكفوفها في حالة تعجب وهي تنظر إلى أثر الباب.
"قال كتب الكتاب آخر الأسبوع."
هتفت ليان بلا مبالاة وهي تعود أدراجها إلى غرفتها.
"ألف مبروك."
سمعت سارة صياح والدتها من المطبخ لتهتف بصوت عالٍ.
"نعم يا ماما جايه."
ثم أخذت تبرطم بكلامها.
"ياربي يعني ماما تتحجج بمقابلتهم وتقول مواعين والغدا والاخت أول ما شافتهم جريت على الأوضة وأفضل أنا الوحيدة في وش المدفع."
سمعت صوت والدتها للمرة الثانية صائحة بغضب لتهرول ناحية المطبخ مسرعة.
"أيوه يا ماما جايه!!"
***
اليوم موعد مقابلتها مع زين الحديدي.
جسدها يرتعش من مجرد اسمه وتتوتر عندما يقترب موعد مقابلته.
انتبهت على صوت بوق السيارة التي ستتجه إلى المكان القابع به.
نظرت إلى السائق لتجد رجل في عمر والدها بشوش الوجه وتعجبت مرة أخرى؟ هل اختار سائق مصري؟ لماذا؟
مجرد أسئلة تدور داخل خلدها وهي موقنة أنها لن تعرف تلك الإجابات.
حانت منها التفاتة نحو السيارة الفارهة لتتسع عيناها بإعجاب كتمت شهقتها بصعوبة لكي لا تفتضح.
قارنت سيارتها بتلك الفارهة. لا مجال للمقارنة إطلاقاً. سيارة كتلك تتعدى المليون أو المليونين تقريباً.
أسرع السائق بفتح الباب الخلفي لتبتسم بتوتر وهي تستقل السيارة.
ليعود السائق مرة أخرى إلى خلف المقود وهو ينظر من المرآة نحوها.
"هنروح خلال ساعة أو ساعتين بالكتير.. البيه قاعد في قصره والقصر بعيد عن المناطق السكنية ولو روحتي لوحدك ممكن تتوهي."
ازدادت معدل ضربات قلبها وهي تستمع إلى حديث ذلك البشوش. منطقة بعيدة! وفي عرينه! ستذهب بقدميها إليه نحو عرين الأسد!
أمسكت بالملف وهي تحتضنه نحو جسدها وهي تدعي أن يمر ذلك اليوم بخير.
ساعتان وقد أصابها الملل بعد أن ابتعدت السيارة عن المدينة وتتوجه إلى إحدى المناطق البعيدة عن السكان.
ظلت تقلب عينيها بملل وظلت تعبث بهاتفها لكي تضيع ذلك الوقت.
انتبهت على بوابة ضخمة وإذا بالأبواب تفتح إلكترونياً.
ابتلعت ريقها وهي تنظر إلى كم عدد الحراسة بالداخل. يكفي الجثتين اللذان في الخارج. ومن الأحمق الذي سيذهب إلى منطقة بعيدة!
ظلت السيارة تسير حول ربع ساعة إلى أن توقفت نحو باب القصر.
نظراتها تجول ذلك المكان بانبهار. المكان عبارة عن تحفة فنية.
اعترضت عندما هم السائق بفتح الباب وترجلت من السيارة وهي تغلق الباب خلفها لتصعد ثلاث درجات وتقوم بالنقر على زر الجرس.
أغلقت جفنيها وهي تحاول تعيد تركيزها. المكان حولها أشبه بالجنة. القصر برغم أنه عتيق إلا أنه يعطيه جاذبية وفخامة والنافورة الضخمة القابعة أمام القصر. أسرت عيناها أول مرة.
فُتح الباب بواسطة أحد رجال الحراسة وهو يشير بالتقدم. لم يتفوه ولو بكلمة فقد كان تسير خلفه بشرود وما زالت تضم الملف نحو صدرها وكأنها تستمد الحماية منه وهي تنظر أرضاً.
انتبهت أنها تدخل إحدى الغرف وأُغلق الباب خلفها. لتنظر نحو المكان الواسع بتوجس والنافذة تطل على الخضرة.
كان يوجد شخص متكئ على المكتب يتحدث بنبرة هادئة إلى الهاتف وهو يوليها ظهره نحو النافذة.
انتهى من الحديث وهو يضع الهاتف بجانبه ثم يلتفت إليها وهو يهتف بعملية بحتة ويجلس في مقعده.
"تفضلي بالجلوس آنسة ليان."
اتسعت حدقة عيناها البندقية صدمة وذعراً وهي تنظر إليه!
إلى زين الحديدي! لتسقط الملف الذي تضمه إلى صدرها وتتبعثر الأوراق على الأرض.
رواية زوجتي الشرقية الفصل الثالث 3 - بقلم سيليا البحيري
كان مستمتعاً بنظراتها المصدومة.
حتى بعد سقوط الملف والأوراق المبعثرة لم تلتقطهم.
قام من مقعده وهو يتقدم نحو تلك الواقفة كلوح الخشب.
يلوح بيديه أمام وجهها هاتفاً بعبث:
- مرحبا يا فتاة أين أنتِ؟
ظلت ترمش عيناها وهي تكذب ما رأته.
كيف يكون زياد هو زين؟
همست بشرود:
- كيف ذلك؟
وضع كفيه في جيب بنطاله وهو يهتف بعملية، مجيباً على سؤالها:
- أدعى زين زياد الحديدي.
هزت رأسها وهي تشيح بوجهها عنه، ونبضات قلبها تتسارع بقوة وكأنها في سباق ماراثون.
انحنت لكي تلتقط الأوراق المبعثرة.
لتتسمر عندما وجدت كفه لامست كفها وهو يقول بجمود:
- لا تنحني أبداً.
رغم الثواني التي تلامست أيديهم، ولكن شعرت بشرر كهربائي يسير نحو كامل جسدها.
لتنظر إليه، لم يتأثر بالتأكيد.
إنه غريباً متحرراً، ماذا توقعت!
ولكن لما طلب منها عدم التقاط الأوراق؟
بعد فترة وجدت حائطاً بشرياً.
دلف لينحني ويلتقط الأوراق ثم يضعهم في الملف قائلاً بعملية، معطياً إياها الملف:
- تفضلي يا آنسة.
شكرته في هدوء وهي تأخذ منه الملف.
لتعود أنظارها نحوه.
تجمدت مرة أخرى أمامه، لا تعلم لماذا تقدم نحوها بتلك المسافة المهلكة.
شعرت بأنفاسه الحارقة تلفح صفائح وجهها.
جسدها لم يتحرك قيد أنملة من أثر اقترابه المهلك.
ولكن كانت عيناها مرتعدة.
قال ببرود وهو يطالع معالم وجهها المرتعدة، ليخطو خطوة للخلف:
- بربك كأنك رأيت شبحاً أمامك.
لقد كنت أتفحص أنك بخير أم لا بسبب وقوفك كالتمثال أمامي منذ أن رأيتني!
ضغطت على الملف بقوة تحاول التحكم في نفسها.
وعقلها ينبهها عليها الهروب.
الآن!
- سنؤجل المقابلة ليوم آخر.
ثم أخذت تخطو بخطوات مسرعة مرتبكة وهي تمسك بمقبض الباب.
سمعت صوته الذي صاح بجمود ونبرة جافة:
- أقسم لكِ إن تحركتِ قيد أنملة من مكانك فلن تخرجي من ذلك المكان أبداً.
سكنت في مكانها على الفور وما زالت يداها معلقة عند المقبض.
تباً تباً تباً، تشعر بالاختناق بسبب رائحة عطره التي تداعب أنفها.
أغلقت جفنيها وهي تسحب نفساً عميقاً.
ردت ببرود مماثل له:
- لن تجرؤ على فعلها.
- بل يمكنني فعلها.
كما إنك الآن في قصري، لن تخطي أي خطوة دون إذني.
بدأت تتصاعد أبخرة الغضب لتتوجه نحو ذلك البارد، وهي تضم ذلك الملف بقبضة يديها.
عديم المشاعر وهي تصيح بوجهه:
- واللعنة من أين ظهرت لي يا هذا؟
- توقفي عن شتمي، وثانياً أنا لست هذا!
أجابها ببرود ونظراته المتسلية تتابع تصاعد غضبها.
هتفت بحنق:
- لن تجبرني التوقف عن الحديث.
رد ببرود مصاحباً بمكر:
- إذاً ستجعلني أصمت شفتيك بطريقة لن تعجبك.
صمتت للحظات تستوعب ما يرمي إليه.
لتتسع عيناها ذعراً وهي تحاول أن تكذب ما جال بذهنها.
نظرت إلى ذلك الوقح البارد، ليومئ هو برأسه مستنداً بجذعه على المكتب وزرقاوته عيناه تظهران ذلك البريق اللامع.
- نعم عزيزتي، إنه ما دار بذهنك بالفعل.
هتفت بلا وعي وعيناها تشتعل من الغضب:
- أيها السافل الوقح النذل الحقير كي...
قاطعها ببروده:
- أقسم لك مرة أخرى وستجدني فعلتها.
- كلا، لن أتوقف أنا ل...
بترت باقي كلماتها عندما وجدته فجأة يسحبها إلى صدره العريض ويسقط الملف لثاني مرة وتتبعثر الأوراق.
تسارعت نبضات قلبها وحدقتا عيناها متسعة من الصدمة.
لقد تلقت الكثير من الصدمات اليوم، ولكن لم تكن متوقعة أن يصل لذلك الحد.
حاولت التملص منه لتجده يمسك بذراعيها الاثنتين بيد واحدة ولفها حولها ظهرها ليشلها عن الحركة.
هتف بنبرة ذات مغزى:
- يبدو إنك متشوقة جداً لتلك التجربة، وأنا لن أمانع على الإطلاق.
همت بالحديث ليقاطعها بصرامة:
- إن تفوهتِ أي حماقة أخرى، أقسم لك أنني سأفعلها.
ابتلعت كلماتها داخل جوفها وهي تنظر إليه.
ملامحه الوسيمة.
جاذبية مهلكة، بداية من بشرته البيضاء وشعره الكستنائي الغزير المصفف بعناية، وحاجبان كثيفان، ثم إلى زرقاوته ولمعته الغريبة، وأنفه المستقيم.
ملامحه بالكامل غريبة.
وسيم... وسيم لحد اللعنة!
لا يجب على رجل أن يكون وسيماً إلى ذلك الحد!
أخفضت عيناها أرضاً عندما لاحظت عيناه التي لم تتزحزح عن الغوص داخل بحار بندقيتها.
وجدته بعد فترة يزيح يديه ويبتعد في هدوء وكأن شيئاً لم يحدث.
أما هي، بالطبع ليست مثله.
إن كان فعل ذلك من قبل مع للعديد الفتيات، فأنه الوحيد الذي اقترب إليها ولم يبعد سوى إنشات بسيطة لا تذكر.
أشياء بداخلها تتدفق بقوة هائلة، وبدأت تشعر بالبرودة بعد أن ابتعدت أحضانه الدافئة.
صاح بجمود وهو ينظر للأوراق المبعثرة أرضاً:
- تستطيعي الآن الرحيل، ونلتقي في يوم آخر.
ما إن أنهى حتى فرت هاربة نحو الخارج.
تاركة الملف ملقى على الأرض غير عابئة به.
خرجت من القصر وهي تتنفس بحرية وتجد السائق البشوش منتظراً إياها لتهرول وتصعد إلى السيارة في لمح البصر.
جلس السائق خلف المقود وقبل أن يتحرك، جاء أحد الحوائط البشرية وهو يعطيه الملف.
الملف الذي تود حرقه.
أخذه السائق وما زالت عيناه تتطلعان إليها بنظرات لم تفهمها.
وجدته يتحرك بسيارته بهدوء، وما إن خرجت السيارة من البوابة الإلكترونية تنهدت براحة وهي تهتف في خفوت:
- بيحلم لو فكر نفسه أني ممكن آجي هنا تاني.
ثم انتبهت على السائق وهو يعطيها الملف.
لتأخذه بابتسامة بلهاء.
وتقوم بفتح الزجاج لتلقي الملف وسط دهشته!!
ابتسمت له بسعادة.
ندامة على موافقتها للذهاب.
بل أيضاً ما تفوهت به أمام ليلى وهي في وسط الحديث تخبرها بتمنيها بعمل لقاء صحفي معه.
عبست ملامحها ليحل محلها الخوف.
قبل فرارها من القصر، نظرته.
نظرته أرعبتها.
بعثت في قلبها المسكين هلعاً.
كأنه يخبرها أنها لن تكون المرة الأخيرة للقائهم!!
عادت إلى منزلها لتتوجه نحو غرفة أبيها قعيد الفراش منذ أن أصابه المرض الخطير.
لتجده يحمل في يديه المصحف يتلو بعض آيات الذكر الحكيم.
لينتبه إلى وجودها وهو يرفع بنظره نحوها.
- تعالي يا حبيبتي.
توجهت نحوه وجلست بجواره تحتضنه متشبثة به بقوة قائلة بشقاوة:
- لو سوسو جات ممكن تطلبنا البوليس وأنا مش قدها.
ضحكت وسط أحزانها لتبتعد عن أحضانه وهي تتطلع له بصمت.
لاحظ إبراهيم أنه يوجد شيء بسبب نظراتها الضائعة.
- مالك يا حبيبتي؟
ظل يربت على يدها بحنو.
لترتمي مرة أخرى في أحضانه وانفجرت في البكاء.
ربت إبراهيم على ظهرها حتى بدأ صوت شهقاتها ونشيجها يهدأ بعض الشيء.
هتفت وهي تمسح دموعها بكفيها كالطفلة الصغيرة:
- مش قادرة، إحساس العجز بيدمرني يا بابا.
مش في إيدي حاجة أقدر أساعدك بيها.
تعبت بجد.
رد إبراهيم برزانة:
- قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا.
صمتت لعدة ثوانٍ وقال وعيناه مثبتة على عيناها:
- بس مش ده اللي أنتِ كنتي عايزاه تقوليه.
في حاجة تانية مخبياها عني من أول ما رجعتي من الفرح.
بقيتِ بتسرحي كتير وسارة طول الوقت بتتكلم بغموض عن حاجة وتقومي تهبي فيها زي البتجاز.
زَمت شفتيها بعبوس:
- أنا برضه!
كيف تتحدث في موضع حساس أمامه.
لن تقدر.
وجنتيها تتوردان من الخجل من مجرد ما حدث في الصباح.
ما زالت تشعر بكفيه الدافئتين تحيطان بذراعها.
وأنفاسه وعطره.
- طالما مش عايزة تحبي تحكي مش هجبرك!
قبلت وجنتيه وبدأت تعطيه الدواء لتهتف بتساؤل:
- هي إعصار البيت فينها؟
مش سامع لها حس؟
تفاجأ بصوتها وهي تفتح الباب:
- سمعتك على فكرة!
ثم توجهت نحو والدها وهي تقبله من وجنتيه وتزيح ليان الجالسة بجواره:
- بابا حبيبي كل سنة وحضرتك طيب.
ضيق الأب عينيه ويهتف بتوجس:
- أنا مش مستريح لدخلك دي!
قولي على طول عايزة إيه؟
تراقصت حاجبها بشقاوة:
- حبيبي ياللي بتفهمني من وهي وطايرة.
عايزة أروح عيد ميلاد صاحبتي النهاردة ومتقلقش مش هتأخر ساعتين وهارجع البيت.
وظلت سارة تتحدث حتى جعلته يوافق باستسلام.
هتفت ليان وهي تمط شفتيها بامتعاض:
- يا بنتي هو انتي أول ما دخلتي كلية بتتفسحي؟
مبترحمييش.
عدلت سارة ياقة بلوزتها:
- يا ماما خلاص شغل الثانوي ده بح!
أنا كبرت ودخلت كلية وبقيت معتمدة على نفسي.
ثم تساءلت باهتمام:
- صح، عملتي إيه في مقابلتك النهاردة؟
صمتت عن الحديث لترى زوجان من الأعين تتطالعها باهتمام.
أجابت ببرود رغم انفعالات جسدها الداخلية:
- معملتش.
ثم استدارت وخرجت من الغرفة حتى تسلم من أسئلة سارة التي لن تنتهي أمام والدها.
نظرت سارة بتعجب إلى والدها هاتفة بتساؤل:
- ده اللي هو إزاي!!
كانت الليلة عقد قران يوسف وورد.
كانت الليلة هادئة؟!!
تلميحات حسينة وهي طوال الوقت لا تدعها وشأنها أينما ذهبت لتبث بداخل أذنها بكلمات مسمومة جعلتها تود أن تتوقف ولو قليلاً.
رغم ذلك كانت تبتسم ابتسامة بلهاء أمام وجهها، والجميع.
ويوسف الذي لم يكف عن إرسال نظراته حتى أمام الجميع.
لترتشف العصير ببرود وأصبحت غير عابئة بحديث الجميع عنها.
رنين هاتفها جعلها تخرج من المنزل بعيداً عن الضوضاء وهي ترد بهدوء لرقم غريب:
- الو.
لم تتلق رد فظلت تكرر حتى سمعت صوت:
- آسف إني بتصل في وقت مش مناسب يا آنسة ليان.
حاولت أن تجمع صاحب ذلك الصوت لتهتف بتوجس:
- مين معايا؟
هتف الرجل بحبور:
- أنا حمزة سواق زين بيه.
مجرد ذكر اسمه جعلها تسترجع ما حدث لتهتف بهدوء:
- خير إن شاء الله.
أجاب الرجل بعملية:
- هستناكي في نفس معادنا يا آنسة ونفس المكان بكرة.
وقبل محاولة الاعتراض أغلق الهاتف في وجهها.
ما هذه الوقاحة!
يضعونها أمام الأمر الواقع!
وما المفترض بها أن تفعل؟
هل ستتركه؟
كلا، إن وافقت على مضض المرة السابقة للذهاب لن تذهب هناك مرة أخرى.
ولنرى ماذا سيفعل؟
ذهبت شقيقتها إلى الجامعة ووالدها ووالدتها إلى الطبيب وهي الوحيدة جالسة في المنزل.
هل تجلس كالجبانة؟
انتفضت من فراشها، ستواجهه.
ستخبره أنها لن تخشاه.
ليست جبانة لتستسلم وتيأس.
لم ينتهِ الحرب بعد!!
خرجت من منزلها وهي تسابق الريح لتذهب إلى ذلك المكان مرة أخرى ولكن ليست خائفة ومتوترة.
واثقة، عيناها تلمع بتحدٍ وإصرار.
وجدت السائق ينظر لها ببشاشة للمرة الثانية لتستقل السيارة بعد أن منعته من أن يفتح لها الباب.
لم تشعر بالوقت الذي جرى بسرعة.
لتجد السيارة توقفت أمام باب القصر.
لتترجل من السيارة وهي ترى الحارس مفتول العضلات ينتظرها أمام باب القصر.
نفس المشهد تكرر كما هو.
دَلفت إلى باب الغرفة لتجده يجلس على مقعده محدقاً بالباب الذي انفتح.
تقدمت نحو بثقة جاهدت في ظهورها عندما أغلق باب الغرفة.
لتجلس على المقعد الذي أشار إليه بأصبعه.
نظراته تحرقها.
غمغمت في خفوت وهي تركز ببصرها إلى منظر الطبيعة من النافذة:
- هل نبدأ؟
قام من مقعده وهو يتوجه نحوها واضعاً كفيه في جيبي بنطاله محدثاً ببرود اعتادته:
- ماذا توقعتي لكي أرسلك هنا للمرة الثانية؟
هل توقعتي أنه من أجل لقاء تافه!
لقاء تافه!
أغمضت عينيها وهي تحاول عدم الفتك به.
سحقت شفتيها وهي تهتف بحده:
- لقاء تافه!
لماذا أرسلتني إلى هنا إذن؟
استند بجذعه العلوي على المكتب وهي تتعلق بأنظارها نحوه منتظرة أن يتحدث.
نظر إليها بطريقة أربكتها وجعلتها تشيح بوجهها إلى نقطة في الفراغ.
انتظرت دقيقتين منتظرة إجابته.
لتقوم من مجلسها وهي تتوجه نحو الباب.
يكفي ما حدث، لن تنتظره لكي يتحدث.
سمعته يصيح بحده:
- للمرة الثانية لم آذن لك بالخروج!!
كفى!
لقد سئمت.
لم تشعر بنفسها سوى أنها تتقدم نحوه وتصيح بانفعال:
- ما هذا البرود الذي تتحدث به؟
ومن أنت لتتحكم بي؟
أنت لا دخل لك بي إطلاقاً.
أتفهم!!
ابتسم بسخرية:
- ألاحظ أنكِ أصبحتِ قطة شقية!
- قطة شقية!
لا تتجاوز حدودك أبداً.
كانت تهتف بها بانفعال ووجنتيها متوردتان من الغضب.
وتابعت بحده:
- لقد أخطأت عندما جئت للمرة الثانية.
- نعم عزيزتي، لقد أخطأت فعلاً!!
هتف بها بغموض شديد لترتجف عندما وجدته يتقدم نحوها ويتحدث بجمود:
- لكن أصبح لا مفر من الخروج!!
هوى قلبها ذعراً وهي ترى لمعة عيناه البراقة لتهتف بتوجس وهي تحاول أن تبث السكينة في قلبها:
- ماذا تقصد؟
أجاب ببرود وزرقاوته مثبتة على بندقيتها:
- سأعرض عليك صفقة رابحة لكلانا!!
رواية زوجتي الشرقية الفصل الرابع 4 - بقلم سيليا البحيري
الفصل الرابع
نبرته كانت جافة ..باردة كعادته ..من هى حتى يعقد معها صفقه !!
- وما هى تلك الصفقة ؟
كانت نبرتها متسائلة مستهزئة .. ليجيبها وهو ما زال على جلسته
- ستكونين مساعدة خاصه بى تهتمين بكل شىء خاص بى سواء فى المنزل أو فى الخارج
بدت نبرته واثقة جامده يضعها للمرة الثانية أمام الأمر الواقع ..دون أن يرجع لها !
- وماذا سأستفيد ؟
- الكثير يا عزيزتى ..الكثير
عزيزتى !! رغم كونها خرجت تلقائية منه إلا شعرت بقلبها الذى بدأ يدق بعنفوان ..زجرت نفسها على الفور عندما لاحظت تعبيراته الغامضة تدقق على معالم وجهها
- وإن رفضت !
- لا يوجد سبب للرفض
احتنق وجهها من ذلك الجلف البارد لتراه يجلس على المقعد الذى يقابلها وعيناه تنبعثان ذلك البريق الذي يوترها
- تضعنى أمام الأمر الواقع ..وتجبرنى على الموافقة ؟
ارجع ظهره للخلف وعيناه تتفحص جسدها بوقاحة قال وهو يضع بأصبع السبابة أسفل ذقنه
- ملابسك ليست سيئة ولكن يجب ترتدي ملابس أكثر عملية حينما نكون فى الخارج !
- ليس لك أن تتدخل بما أرتديه
كانت تحذره وهى تشير بأصبع السبابة فى وجهه .. وجدته يقترب منها بوجهه ...لترجع برأسها للخلف بحركة عفوية حتى ارتطم رأسها بمقدمة المقعد ..
أحاط بذراعيه على جانب رأسها وعيناه مثبته على عيناها
- يحق لي التدخل فى كل شيء فى كل تفصيلة صغيرة فى حياتك.. منذ أن وضعتى قدمك على ذلك القصر فلن تستطيعى الفرار منه ..
أنفاسه الساخنة تلفح صفائح وجهها .. لتغمض عينيها وتنحني برأسها الى الأسفل .. لن تتفوه بشيء ذلك أسلم لها .. لن تضمن
ماذا سيفعل وهى قريبة منه بشكل مهلك لها ولقلبها الذى ينبض بعنف ..
توقفت عن التنفس من اقترابه.. يلعب جيداً على أعصابها ..
تخشاه !! كلا .. بل ستكون كاذبة إن لم تخشاه .. سطوته جاذبيته ووسامته .. ثلاث عوامل تجعله يتحكم فى حياه الاخرين .. لكن لم تنتهى الحرب بعد !!
........................................
لم تصدق أنه بعد أن وافقت على مضض .. يطلب منها أن تراجع الاوراق فى حجرته
شهقت بفزع عندما وجدت كومة كبيرة من الأوراق والملفات موجودة على مكتبه
تساءلت بتوجس
- هل من المفترض أن أنهى تلك الأوراق اليوم ؟
- فى الحقيقة نعم .. اريده بعد أن أعود تكونين قد أنهيت عملك
هتف بها بجمود وهى تراه يأخذ سترته مستعد للرحيل
- هل سأكون بمفردي ؟
وجدته يقترب نحوها يهتف بعبث
- وهل تريدينى أن أكون بجوارك ؟
- كلا
نطقتها على الفور دون أن تفكر ولو لدقيقة .. لتجده يدنو نحوها هامساً فى أذنها
- عندما أعود أراك قد انهيتى عملك يا قطتى
عبس معالم وجهها وهى تراه يبتسم بعبث ثم يخرج من الحجرة لتظل بمفردها ..
نظرت إلى كومة الأوراق من جهة وإلى الباب من جهة أخرى
استشاطت غضبا وهي تسبه بكل الألفاظ التي تعرفها ..
لم تشعر بالوقت وهي تحاول أن تضبط الاوراق ثم تبدأ مهمتها وهي عبارة عن تعدل الأوراق بالتسلسل ومراجعتها .. لن تنكر انهم بين كل الوقت والاخر يبعث حارسه الذي رأته المرة السابق وبعض المشروبات وآخر مرة قد قدم لها طعام صحى !!
رغم امتعاضها على أكل الأرانب كما تفوهت به إلا أنها أكلته على مضض عندما شعرت بمعدتها التى تصرخ منادياً الطعام ..
ظنت انه لن يهتم بها أحد عندما تجلس فى تلك الغرفة .. وعقلها مازال يتساءل لما حتى الان لا ترى خادمين فى منزله !!
غفت وهى تستند برأسها على مكتبه ..لتنتفض على أثر رنين الهاتف وهى ترى شقيقتها تتصل بها .. ليست مستعدة للشرح .. رفضت المكالمة وهى تبعث بعدها برسالة تطمئنها انها ستعود إلى البيت قريباً
قامت من مجلسها وهى ترى الوقت تجاوز الخامسة ليلاً .. أين هو ؟ لما لم يأتي حتى الآن ؟
تشعر بالخوف إن خرجت من تلك الغرفة ورأت الحوائط البشرية أمام وجهها ..
مرت عدة دقائق لترى بعدها الباب يفتح وهى تزفر براحة عندما وجدته تلك المرة هو .. اشفقت عليه عندما رأت ملامحه المجهدة والإرهاق بادى على قسمات وجهه ..
حمحمت وهى تجذب إنتباهه وقالت بجدية
- لقد أنهيت عملي .. يجب ان اذهب
جلس على الاريكه بإرهاق وهو يخلع سترته قائلا وهو يضع يديه على رأسه
- تستطيعين الذهاب
نبرته واهنة ..ضعيفة .. تقدمت نحو الاريكة التي يجلس عليها وقالت باهتمام
- سيد زين هل انت بخير ؟
لم تستمع رده .. انخفضت بوجهها نحو معالم وجهه المرهقة .. غالق جفنيه ويعبث بشعره الكثيف وقميصه الذى لا تعلم كم زر تركه مفتوح لتظهر عضلات جسده الرياضية ..اشاحت بوجهها سريعة وهي تغض بصرها ..
سمعت بعض الهمهمات لتقترب بتوجس نحوه وهى تحاول ان تسمع بوضوح ..
ابتعدت على الفور عندما فتح جفنيه فجأة لتقول بتلعثم
- سأبحث عن أحد لكى يهتم بك
غمغم بجمود رغم نبرته الهادئة
- لا تقلقي سأعتنى بنفسى ..اذهبي إلى حمزة إنه ينتظرك
لا تعلم لما لا تريد الرحيل !! .. أخذت حقيبتها لتغادر الغرفة .. ولا تعلم لما تشعر بالقلق نحوه ؟
استقلت السيارة فى طريق عودتها إلى منزلها .. عقلها مشغول به .. أصبح يستحوذ تفكيرها كلياً
شعرت بصوت حمزة وهو يهتف ببشاشة
- وصلنا يا انسه
شكرته فى هدوء و قبل أن تترجل من السيارة هتفت بتلعثم
- استاذ زين شكله مرهق جدا وتعبان .. ياريت لو ي...
صمتت عندما وجدته يطالعها بنظرة غريبة ..ليبتسم ببشاشة بعدما لاحظ وجنتيها التي توردت من الخجل
- حاضر
ترجلت من السيارة وهي تضرب بكفها على جبهتها وهي تزجر نفسها ما تفوهت به .. ليس لها دخل ان كان مرهقا ام لا ؟ ... ولما توصي سائقه لكي يهتم به ؟... ماذا سيعتقد السائق بها ؟
صعدت إلى منزلها وهناك زوج من العيون تراقبها بألم ...
........................................
أغلقت باب المنزل لتتفاجأ بوجود والدتها وسارة أمامها ... نظراتهم لا تبشر بالخير إطلاقا !! سيبدأوا جلسة التحقيق معها اليوم .... الآن !!!
- كنت فين لحد دلوقتي ؟
هتفت بها سعاد بجمود
تطلعت إلى سارة بتوعد ، صاحت والدتها بحده
- سيبى اختك وقوليلي كنتى فين ؟
خلعت حجابها والقته بأهمال على اول مقعد رأته وقالت بهدوء
- فى الشغل
قطبت والدتها جبينها لتصيح سارة وهى تضع يديها على خصرها
- لا والله .. انا اتصلت ب ندى وقالتلى مجيتيش عندها النهاردة
جلست على المقعد بأرهاق وهى تفرك جبينها .. قائلة وهى محتفظه بـ نبرتها الهادئة
- بشتغل سكرتيرة عند رجل أعمال ..تمام كده ..انا تعبانه تروح انام ولو عايزين اى تفاصيل بكره الصبح هشرحلكم كل حاجة
ثم قامت من مجلسها بتثاقل لتتوجه نحو غرفتها وهي تشعر بالآلام فى ظهرها بسبب ذلك اليوم المشؤوم ..لتترمى على الفراش بارتياح وتغط في نوم عميق .
..........................................
منذ عقد قرآنهم وهو لم يهاتفها ولو لمرة واحدة ... تحبه منذ الصغر .. لكنه لم يعشقها هى .. يعشق الأخرى ..
تنهدت بحزن وهي تتطلع إلى هاتفها للمرة الالف ... تريده أن يهاتفها لو لمرة واحدة فقط .. يكفيها هذا ..
توقعت عندما تجبره عن الابتعاد عنها سيتوقف عن حبها .. لكن ما حدث العكس ..قلبه ما زال ينبض لها ..
ما زالت تتذكر عيناه التي التمعت ووجهه الذى ابتسم بسعاده عندما رآها ..
ما كان عليها أن تستمع لوالدتها ابداً .. لعبة رخيصة حيكوها من وراء ظهره .. لتجد نفسها فى الخاسرة الوحيدة بعد ان ظنت هي التي سوف تربح فى النهاية !!
وجدت والدتها تدلف إلى غرفتها لتهتف بحده
- قومى يا بت اتحركى كده علشان ورانا حاجات لازم نشتريها مورناش وقت !
هتفت بضيق
- مكانش لازم نعمل لعبه عليه .. خسرناه شغله وخلينا يداين بمبلغ كبير ولو مدفعش يتسجن
وبدأت الدموع تنهمر على وجنتيها
- انا غلطت لما وافقت على اللعبة اللى عملناها .. ودلوقتى بدفع تمنها
مصمصت حسينه شفتيها بأمتعاض
- انا رايحه اعمل فطار للحاج .. والاقيكى جهزتى علشان ورانا مشوار طويل يا عروسة
كعادتها لا تستمع لها ولا مشاكلها ولا تشاركها همومها .. تنهدت بحزن وهى تتطلع إلى هاتفها للمرة الاخيره .
...........................................
كانت تهاتفه وقد بدأ اليأس يحتل معالم وجهها لتسمعه يهتف ببرود
- نعم !
- إزيك يا يوسف
- كويس ..خير !
نبرته جافة ..جامدة
أغمضت جفنيها والدموع بدأت تتجمع نحو مقلتيها
- كنت بطمن عليك
خرج صوتها ضعيفا بعض الشيء والدموع تتساقط بغزارة
تأفف بضيق
- طيب انا مش فاضى سلام
ثم أغلق الهاتف فى وجهها ... لترتمي على الفراش تبكي بمرارة ..
لن تستطيع ان تصل إلى قلبه حتى بعد أن أصبحت زوجته .. يوجد بينهم فجوة عميقة... ولا تعلم إن كانت ستدق قلبه ام لا ؟!
............................................
دلف إلى حجرة سيده بعد ان اوصل الطبيب للخارج ... وبعث بأحد الحراس لجلب العقاقير اللازمة ... لم يستغرق سوى دقائق معدودة وهى يرى الحارس قد جلب العقاقير ... دلف إلى غرفته حاملا فى يديه كوب ماء والعقاقير فى يده الاخرى
وجده مسطح على الفراش والإعياء بادى على قسمات وجهه قال حمزة بحنو
- ستأخذ تلك الادوية الآن وسأقوم بأعداد الحساء لك
ابتسم زين بوهن هاتفاً
- كلا لقد تأخرت يا حمزة ستقلق زوجتك عد إلى منزلك و سأهتم بالأمر
وضع حمزة القرص فى فمه ثم يعطيه الكوب
ارتشف زين الماء ثم عاد إلى يتسطح على الفراش هتف حمزة بعتاب
- ما كان عليك يا بنى أن تذهب إلى الموقع وتشرف بنفسك ... فقد أصبتك شمسنا الحارة وأصبحت قعيد الفراش
- يجب علىّ الإشراف على العمل بنفسى
ربت حمزة على يد زين بحنو ابوى ليبتسم زين وهو يهتف بعبث
- هل سنظل نتحدث هكذا ولن تعد لى الحساء ؟
- لقد أخبرتك من قبل ان يكون هناك خادمين ليعتنوا بك وبالمنزل ، منذ ان اتيت هنا وانت ترفض ان يمس احد قدم ذلك القصر ما عدا ..
صمت عن الحديث ليجد معالم وجهه لم تتغير ليهتف بغموض
- انت تعلم ان ذلك المنزل عزيز علىّ وهى دلفت إلى ذلك القصر لانها اصبحت مساعدتى الشخصية
- فقط !
هتف بها حمزة بمراوغة ليهز زين رأسه بالإيجاب ...
- كن متحفظاً معها إنها ليست مثل تلك الفتيات فى مجتمعك الغربى !! ... انت لا تلاحظ عندما تأتى إلى وجنتيها مشتعلتان من الحمرة !! ماذا تفعل لتلك المسكينة ؟
غمز زين بعينيه ليهتف بنبرة ذات مغزى
- وماذا تظن برأيك زين يفعل مع الحسناوات !!
- تأدب قليلا ..إنك تتحدث مع رجل فى مثل عمر والدك
ضحك زين بملء فمه وهو يهتف بشقاوة
- لقد كنت تريد ان تعلم ماذا افعل مع الفتاة وأخبرتك لذلك لا تلومنى ... وهيا عد لى الحساء يبدو أن الحديث لن ينتهى ..
علم حمزة انه لا يريد أن يستمر في الحديث .. ربت على كفه بحنو ابوى
- سأعد الحساء ...
..............................................
استيقظت لتجد الساعة تجاوزت الثامنة .. شقيقتها ليست فى المنزل ... هذا رائع .. ووالدتها تذهب فى ذلك اليوم إلى السوق ..
انتفضت من فراشها وهى ترقص بسعادة .. ستؤجل وصله التحقيقات .. دلفت إلى الحمام وهى تغير ملابسها التي ارتدتها منذ البارحة وتبدل بملابس أكثر عملية .. كما طلب البارد !!
لا تعلم لما تنفذ أوامره دون ان تعترض !!
توجهت نحو غرفة ابيها لتجده مثل عادته كل يوم جالس على الفراش يقرأ المصحف لتقبل رأسه ووجنتيه وهي تبتسم بسعادة
- صباح الخير على أحلى وأجمل أب فى الدنيا
أغلق إبراهيم المصحف ووضعه بجانبه قائلا وهو يضيق عيناه
- ااه... لطالما الدخله ديه يبقى انا كده مش مطمن
أجابت ببراءة
- أنا يا بابا !!
عبست ملامحها بوجه طفولى مضحك ليضحك والدها ويقول
- قولى يا بنتى .. ما انا عارفك انتي واختك مش بستريح بدخلتكم ديه !!
نظرت يمينا ويساراً وكأن أحداً يراقبهم لتهمس بجانب اذنه
- اصل انا اشتغلت سكرتيرة
قطب إبراهيم حاجبيه
- وانا اكون اخر من يعلم ؟! امتى حصل الكلام ده !!.. سعاد محكتليش انك اشتغلتي ليه؟
- ما انا اشتغلت امبارح .. وظيفة طلعتلى فجأة وطبعا وافقت .. ماما يا دوب عرفت بليل ومتعرفش تفاصيل .. ياريت بقى سارة تبطل شغل المفتش كرومبو علشان انا اللى بكون متضررة فى الاخر .. فلما ماما تيجى عايزاك تزوغنى
- المهم إنك تكونى مرتاحة .. مع إنى معترض على كونك سكرتيرة عند حد ؟
امسكت وجنتيه بحب
- ما الواحد لازم يصعد السلم من اوله .. اومال هنوصل للتوب ازاى ؟ .. يا حبيبى يا بيبو متقلقش انا مرتاحة فى الشغل الناس كويسين معايا
ليس هناك مانع إن كذبت بعض الكذب البيضاء أمامه ... لا تريد أن تقلقه وهو فى حالته تلك ؟ .. تخشى إنفعاله .. تخشى إن أصابه شيء !!
ربت إبراهيم على يديها
- شركة إيه ديه بقى ؟
- تسمع عن زين الحديدى ؟
صمت إبراهيم لعدة ثوانى وهو يفكر فى ذلك الاسم ليهتف
- مش ده الاجنبى المشهور ولا ده تشابه فى الاسماء ؟!
هزت رأسها بالنفي
- ايوه هو الاجنبى المشهور .. انا بقى بقيت سكرتيرة عنده .. فتح شركة في القاهرة من فترة بسيطة ... ادعيلى بقى يا بابا ربنا يوفقنى
- ربنا يوفقك يا ليان يا بنتى ... يا بنت سعاد
كان يهتف بها بحنان ابوى ..فتحت سعاد باب الغرفه فجأه وهى تهتف بوجوم
- كويس انك صحيتى !!
قامت من فراشها و تتوجه نحوها وتطبع قبلة على وجنتيها
- صباح الفل يا ست الكل ورايا شغل بقى ها .. وهتصل لما اخلص ... يلا سلام
ثم غادرت الغرفة... بل المنزل بأكمله
ضربت سعاد بكفيها بتعجب
- مالهم البنات اليومين دول !!
..............................................
وصلتها رساله نصية من السائق حمزة وهو يخبرها بأنه سيمر فى نفس المكان لتوصيلها بعد دقائق قليلة ..
توجهت نحو أحد المطاعم الشعبية الخاصة ببيع الفول والفلافل ثم ظلت تنتظره حتى وصل بعد دقائق قليلة من انتظارها ..
كان سيترجل من السيارة .. لتنظر له بعتاب فلن يتوقف عن فعل تلك الحركة ابداً .. استقلت السيارة وهي متوجهه نحو القصر .
ظلت تأكل بشراهة فلم تستطع أن تأكل جيداً البارحة بسبب طعام الارانب الذى قدموه لها ..
انتبهت على زوج من الاعين تتابعها بفضول لتهتف بخجل
- سورى ...مفطرتش على الصبح
ثم ناولته احد اللفائف وهى تهتف بمرح
- بص سندوتش الطعمية ديه بتاعت عم رضا مفيش زيها
تناول منها اللفافة بعد الحاحها الشديد لأخذه .. لتقرر قطع ذلك الصمود وتهتف
- على كده بقى يا عم حمزة حضرتك شغال مع استاذ زين من إمتى ؟
- ياااه من زمان من قبل ما يتولد حتى
اومأت برأسها فى تفهم وظلت تتطرق معه فى مواضيع شتى حتى وجدت السيارة توقفت أمام باب القصر ..
ترجلت فى هدوء وهى تدلف إلى القصر وما زال الحارس في موضعه ..ليدلف بها إلى إحدى الغرف العلوية ثم يغلق الباب كعادته ..
غرفة نوم !! ماذا تفعل فى غرفة نوم ؟ ظلت تدور بعينيها باحثة عنه لتشهق بفزع وهى تراه يخرج من المرحاض ولا يغطيه سوى المنشفة ..
استدارت برأسها للخلف وهى تخرج من الغرفة سريعاً واستندت بجوار الباب وما زال عقلها يعيد بذاكرتها ما حدث منذ قليل ..
وضعت بكفها على موضع قلبها تهدأ من خفقاته المتسارعة .. تحسست بيدها الاخرى وجنتيها لتشعر بسخونه بشرتها ..
انتفضت عندما وجدته يفتح باب غرفته وقد ارتدى ملابسه وقد أصبح وجهه أكثر نضارة عن ليلة أمس ..
ابتسمت بعملية وهى تشيح برأسها
- صباح الخير
- صباح الخير
كعادته نبرته جافه ... ليهتف بلهجه آمره
- حضري لي وجبة الإفطار
- نعـــم !!
هتفت بها باستنكار شديد .. وجدته يقترب منها ويدنو نحو أذنها
- ستهتمين بأمرى في المنزل وخارجه .. هيا اعدى لى الطعام
- أنا لست خادمتك يا هذا !!
نطقت بها بحنق وعيناها تشعان بالغضب ...
وجدته يقترب نحوها بمكر وهى تحاول ان تبتعد عن حصاره فخلفها الحائط وأمامها جسده وذراعيه يحيطان جانب رأسها
- ومن قال إنكِ خادمة !! إنك مساعدتى الخاصة جداً .. ستطيعين أوامري دون ان تتفوهى بأي حرف ..كونى قطة لطيفة معي
ثم همس بعبث وانفاسه تلفح صفائح وجهها
- وربما احتاجك فى الحمام !!
اتسعت حدقتى عيناها ذعراً لتضربه على صدره بقوه
- ايها السافل ..عديم الأخلاق
لم يهتز له شعره امسك بذراعيها بيد واحده ويسحبها إلى صدره ..
- يبدو إنكِ تريدين أن تعاقبى على شتمك لى .. رغم أننى حذرتك أكثر من مرة عما سافعله بكِ
ازداد عدد نبضات قلبها فى تلك اللحظة .. عيناه تلمعان بذلك البريق الذي يخيفها .. وجهه قريب من وجهها وعيناها تحتلان معالم الخوف والصدمة ..
كان يميل برأسه ناحيتها وشفتيه تميل نحو خاصتها وهى ساكنة بين ذراعيه بعد محاولات فاشلة من التحرر من قيده !!
رواية زوجتي الشرقية الفصل الخامس 5 - بقلم سيليا البحيري
اغلقت جفنيها عندما شعرت بشفتيه تلامس بشرتها.
قشعريرة دبت كامل جسدها وقلبها الذى يدق بعنفوان.
لتجده يبتعد عنها على الفور ويهتف متذمراً:
- بربك يا فتاة ما الذي تناولتيه في الصباح؟
ملامحه منزعجة وهى تجده يسب ويشتم.
ردت ببراءة:
- فلافل و باذنجان مخلل.
- توقفي عن أكل تلك الأشياء المقززة لقد شعرت أننى على وشك أن اتقيأ بسبب رائحة الثوم.
الهذا السبب لم يقبلها؟ رائحة الثوم؟ جيد سيصبح واحد من أسلحتها لكى تجعله يتجنب اقترابها.
لتهتف بحنق و باندفاع متهور جعلها تندم:
- قلت لك لا تتدخل فيما الذى افعله؟ وان كنت على وشك أن تتقيأ بسبب رائحة الثوم.. فماذا عن رائحة الخمر وانتم تشربونه مثل الماء.
لاحظت جسده الذى تصنم للحظة وهو يطالعها بجمود.
غمغم ببرود:
- هيا اعدي الطعام الآن... لا يجب ان انتظر سموك حتى تأتين فى وقت الظهيرة.
ثم رحل ودلف إلى غرفته واغلق الباب فى هدوء.
فتحت البراد وهي تطالع بامتعاض للمكونات التى أمامها.
- والله انا قلت ان ده مش اكل بنى آدمين.
ثم قامت بأخذ كل شيء ووضعته على رخام المطبخ وهى تتسائل:
- وحضرته بقى بياكل ايه؟
تعلقت بنظرها مرة اخرى للبراد لتجد ملاحظة صغيرة مثبتة على باب البراد.
التقطت تلك الورقة الصغيرة وهى تقرأ ما بداخلها.. لتستشيط غضباً.
- البارد.. فاكرنى خدامته الفلبينية اللي جيبهاله ابوه.
هدأت من روعها. عليها أن تثأر. لقد تركته يبدأ الحرب دون ان يعلمها. حان عليها دورها.
ظلت تعمل فى عجاله وقد اخبرها خلال عشر دقائق يريد الفطار جاهز!! فطار وقد حل الظهيرة.. ما هذا؟
وضعت الأطباق على الطاولة.. وهى تبتسم بنصر.
شهقت بفزع عندما سمعته يهتف ببرود:
- اغلقى تلك الابتسامة البلهاء!
طالع الى الاطباق برضى ثم هتف بعملية وهو يجلس على المقعد:
- اريدك ان تحضرى لى كوب من القهوة سادة.
ما كان عليها سوى أن تبتسم وتهز راسها بخضوع لتتذمر وهي تتجه نحو المطبخ:
- الهى يا رب تشرق وانت بتاكل.. ويسود حياتك كده زى ما سودت حياتى فى اليومين دوول.
عادت إليه بعد فترة وهي تمسك بالقهوة لتجده قد انتهى من تناول فطوره.
اخذت تلمم الاطباق وتعود إلى المطبخ وقد طفح بها الكيل.
انها مثل الخادمة!! وهى فى منزلها لا تقوم برفع قش حتى!!
استمعت إلى صوته الجاف.. لتعود مرة أخرى لديه وهى تبتسم ببلاهة:
- أمرك سيدي.
- سيدى!! ستجعليني اشك الآن.
ثم جال ببصره على ما تريده حتى هتف ببرود:
- وايضا ارتديتى ملابس عملية؟ يبدو أن القطة الشرسة لن تظهر فى الوقت الحالي.
أغلقت جفنيها وهي تسبه بكل ما يأتيها فى عقلها.
ثانيه.. إثنان.. ثلاثة حتى فتحت جفنيها وهتفت بعملية:
- إذا إلى كم من الوقت سوف اصبح فى ذلك الوضع؟
- لا اعلم.. شهران اربعه او ممكن إلى وقت طويل.
مهما كانت المدة طالت ام قصرت.. ستجعله يندم.
- وماذا سيكون راتبي؟
- إهدأى قليلاً... لن آكل مالك.. مرتبك سيكون محفوظ تاخذينه آخر الشهر.. وإن كنتى مطيعة اكتر سأضاعف من مرتبك.
جملته الاخيرة يتخللها بعض الغموض والمكر.
زمت شفتيها بضيق وهى تجده يملى عليها بعض الأعمال.
لتلتقط ورقه وقلم موضوعة على الطاولة.. وتدون بسخط وهى تجاهد الا تمسك بأى مزهرية وتهشمها على رأسه.
عقلها مشتت فى حيره.
أين اختفت تلك الأيام؟ هاتفها دائما مغلق.
تهاتف شقيقتها.. لتخبرها انها أصبح لديها وظيفة!!
منذ متى قد قدمت لوظيفة؟ وكيف وأين؟
شقيقتها لا تعلم اى معلومات حتى عن تلك الوظيفة.
كل ما اخبرتها انها اصبحت مساعدة خاصة لرجل هام!!
شرودها جعلها تصطدم سيارتها بسيارة امامها.
لتجد صاحب السيارة يترجل بغضب وشياطين الدنيا تحوم حوله.
ليهتف بغضب:
- انتِ إيه مش شايفه بقيتى عاميه؟ لطاما مش بتعرفوا تسوقوا بتركبوها ليه؟
ترجلت هى الاخرى من سيارتها وهى تستعد إلى إلقاء كلمات لاذعه أمام ذلك العديم التربية.
وقد بدأ الجميع بالتجمهر نحوهم.
- ايه يا استاذ انت؟ مش تراعى ألفاظك؟.. ايه عامية ديه.. لا انا بشوف وبشوف احسن منك كمان.. وبعدين الضرر اللى حصل انا متكفلة بيه.. ايه عايزنى تانى اعمله؟
- انتى كمان بتغلطى فيا.. شكلك كده نفسك تزوري البوكس.
كان يهتف بها بغضب.
لتعقد ذراعيها وتستند على سيارتها وتقول ببرود:
- وكمان طلعت ضابط حلوة اووى.. يلا جيب البوكس اللى فرحان بيه ده ونشوف مين هيضحك فى الاخر.. ومش هدفع بقى تمن التصليح خسارة فيك اصلاً.
وبالفعل بعد الشد والجذب بينهم توجها إلى أقرب قسم شرطة.
ما إن علم الضابط الذى كان يحاول التهدئة بينهما انها ابنة لواء حتى اصبحت تعامل مثل الملكة.
كانت تنظر له بعلو والآخر يجلس مستشيطاً منها.
- وبعدين بقى؟ مين هيصلحلى العربية؟
ضحك صديقه هاتفاً بتسلية:
- علشان تنفخ ريشك كويس يا سيادة الرائد.
- سامح مش ناقصك انا.. اتكل على الله طريقك زراعى.. وانا مستنى بقى لما اشوف لما يشرف اللواء بتاعها!!
هز سامح رأسه بسأم:
- انا ماشى اصلا بس مترجعش تقول ظلموه فى الاخر!
ظل يهز رجليه بعدم صبر.. منتظرا وصول اللواء!
حانت منه إلتفاته ناحيتها ليجد احد العساكر قد قدم لها مشروب بارد وهي تبتسم بلطف ووداعة وتشكره فى خفوت.
تلاقت عيناهم لثانيه او ثانيتان ليشيح بوجهه الى جانب آخر وهو يستغفر ربه!!
- بابا.
هتفت بها بتلقائية عندما وجدت والداها يدلف الى الغرفة.
نظر إلى والدها والصدمة ألجمت لسانه.
هب من مقعده على الفور وهو يرحب:
- مساء الخير يا عمى.
- مروان!! إزيك يا بنى ايه الاخبار.
اتسعت ندى عيناها صدمه وهى تجد والدها يرحب بـ عديم الاخلاق بحفاوة.
- اعرفك يا بنتى الرائد مروان ابن عمك.
- لا ثوانى كده بس ابن عم مين ده اللى ظهرلى فجأه.
كانت تهتف بها بحنق وهى تضع يديها على خصرها.
ليهتف والدها بهدوء:
- عمك توفيق.. مشوفتيهوش انتى قبل كده علشان كانوا عايشين فى البلد.
ثم بدأ يسأل عن أحوال جميع من في البلد.
أشخاص كثيرة لم تعرفهم بسبب عدم رؤيتها لأقارب والدها من قبل!!
كانت تشعر بالملل الشديد.
امسكت بهاتفها وظلت تعبث فيه حتى يحين الوقت ويتذكرها!!
سمعت والداها يقول:
- لا خلاص بكره الجمعه وانت معزوم عندى فى البيت.. اشوفك بكره.
وما كان من الاخر سوى أن يغمغم بإيجاب:
- ان شاء الله يا عمى.
وهنا تذكر والدها سبب مجيئه ليهتف:
- الله.. اومال فين صاحب العربية اللى كان قدم شكوى!
كادت ان تنطق ندى لتجد مروان يهتف بابتسامه هادئة:
- لا متقلقش مشكله بسيطه وانتهت متشغلش بالك.
ثم جال ببصره ناحيتها وكأنه يجبرها ان توافقه على حديثه.
ليجدها تجز أسنانها بغيظ:
- لا متقلقش يا بابا كتر خيره سيادة الرائد عمل اللى عليه وزياده كمان.
هتف والدها بمحبه:
- ده العشم برضوا.
ما ان خطا خارج القسم لتصيح إلى والدها بتذمر:
- ايه يا بابا ده؟ يعنى تعزمه كده بكره وانت عارف انى عندى نادى بكره وبنتغدى بعد التمرين.
- خلاص مش هتفرق يوم لو محضرتهوش.
هتفت بتذمر وسخط وهى تعلم رأس والدها العنيد أنه لن يغير رأيه:
- وطبعا انا اللى هتكفل بالاكل طبعاً.
هتف بأبتسامه بشوشه:
- انتى عايزه تخلى وشى فى الطين ولا ايه؟ عايزك تبهرينى يا حبيبتى بكره.
بالطبع ستبهره.. و ستبهر والدها ايضا وقد جال بخاطرها فكره جهنميه.
لتبستم بإتساع وهي تتخيل رد فعله!!
عادت إلى المنزل وهي بالكاد ترى.
أغلقت باب المنزل بأرهاق شديد.
إنه يقتلها كل يوم فى العمل بالكاد ترى والدها ووالدتها فى الصباح ثم تعود الى المنزل وتذهب إلى فراشها على الفور.
استمعت إلى صوت شهقات مكتومه تأتى من الشرفة.
توجهت بحذر نحو المصدر لتجد والدتها تحمل فى يديها هاتف.
يبدو انها كانت تهاتف احدهم!!
أسرعت نحوها و القلق يعتري معالم وجهها:
- ماما مالك فى ايه؟ .. ايه اللى حصل؟
وما كان سوى سعاد سوى ان تضم ابنتها بقوه.
احتضنت ليان والدتها وهى تتساءل ما حدث؟
تنهدت سعاد بألم:
- باباكى بيروح مننا يا ليان.
جثت ليان على ركبتيها وهى تتشبث بكف والدتها وتقول بقلق:
- ايه اللى حصل طمنينى الدكتور قال ايه؟
- كل ما بنتأخر فرصة نجاح العملية بتقل.
حاولت اجمع كل الفلوس بس للأسف موصلش للنص حتى.
اتصلت بحسينه يمكن تساعدنى بما إن جوزها ما شاء الله.
اتحججت بجوازه بنتها وطلبات العروسة.
وعمامك وانتى عارفه مسألوش عنه حتى!!
اعمل ايه بس يا رب افرجها من عندك يا رب.
أغلقت جفنيها بأسى وبدأت الدموع تتجمع نحو مقلتيها.
كل الابواب مغلقه.
لا يوجد باب موارب حتى.
لا يوجد بصيص أمل!!
- طب ما تشوفى ليلى.
شهقت بصدمة وهي تقول:
- ماما انتى بتقولى ايه؟ لأ طبعا مقدرش اطلب منها حاجه زى ديه وانا مقدرش اسدد تمنه حتى!!
- بس يا ب.
لتقاطعها بقوة:
- يا ماما لأ طبعا.. مهما كان صحبتى وكده بس هى تفكيرها غربى مش زينا عادتهم افكارهم مختلفه عننا هناك كل واحد بيدفع حسابه لو قاعدين فى مطعم.
مقدرش اجازف فى حاجه زي ديه.
لتناجي سعاد ربها:
- يا رب حلها من عندك!
يوم عمل ايضا فى يوم الجمعة!!
يوم العطلة الرسمية!!
كانت شاردة لا تستمع الى ما يتفوه به حمزة.
كانت تهز رأسها طول الوقت وكأنها تحثه على استمرار للحديث.
تنهيدة عميقة خرجت منها.
هتف حمزة بقلق:
- مالك يا بنتى فيكى حاجه؟
ابتسمت.
ابتسمت بضعف.
ابتسمت بكسرة.
ابتسمت بحزن وهى تخفى الالامها داخل جوارحها.
- متقلقش انا الحمدلله كويسة.
لن تعود للشرود مرة اخرى.
فهى علمت عم حمزة جيدا.
سيظل ورائها حتى يعلم ما بها!!
- هو احنا مش هنروح القصر؟
هتفت بها عندما وجدته يدلف إلى طريق آخر:
- لا البيه دلوقتى قاعد فى الشركة.
شركة!
كلا لن تتحمل نظرات الجميع.
تنهدت بضيق وهي تعلق ببصرها نحو الزجاج.
ترجلت من السيارة وهي تشاهد ذلك الصرح!!
تقدمت ببطء حتى وصلت للحراس ليستوقفها الحارس هاتفاً:
- معذرة سيدتي.. يجب ان ارى هويتك.
رجال غربيون حراس!!
يكفى هذا والله.
اخرجت بطاقتها لتريها له ثم هتف بعملية:
- اتبعيني سيدتى من هذا الطريق.
ظلت تسير معه وعيناها تتفحصان بدقة كل شىء.
موظفون وموظفات من شتى بقاع العالم.
مختلفين فى الأعراق.
مختلفين فى الأجناس.
شعرت وكأنها فى احدى المنظمات العالمية!!
توجها نحو المصعد ليضغط على الطابق الأخير.
كانت تتابع بانبهار إلى الصرح.
مصعد زجاجي يجعلك ترى ما حولك.
إنهم يعملون مثل خلية النحل.
لا يوجد لديهم متسع من الوقت للثرثرة.
اطمئن قلبها وهى تجد المصعد قد توقف وفتح الباب.
لماذا لم يتحرك الحارس؟
التفت نحوه ليهتف بعملية:
- معذرة لن استطيع السير معك حدودى إلى هنا.
تسيرين الى اخر الممر وستجدى مكتب السيد زين.
ظلت تسير إلى نهاية الممر حتى وصلت إلى باب مكتبه.
قبل ان تدق على بابه.. حانت منها التفاته نحو المكتب الخارجى.
وجدت علبة.
هديه؟
مسكت العلبة بيديها وفتحتها لتجد جهاز ذكى من ماركة مشهورة ودفتراً وقلم مطبوع به شعار المؤسسة!
وهى كالبلهاء توقعت انها شيكولاته.
اغلقتها مرة أخرى وتوجهت ناحية الباب.
طرقة.. إثنان...ثلاثه حتى سمعت صوته وهو يهتف سامحاً بالدخول.
لقد دلفت إلى عالم ليس لها.
وليس من حقها ان تدلف إليه.
دلفت عنوة.
كل يوم تكتشف انها بالنسبة له لا شىء.
مال وسطوة وصاحب نفوذ وسيم.
عند تلك الكلمة اطلقت لعنه من بين شفتيها كما يفعل هو!!
ابتسمت بعملية وهى تنفض تلك الأفكار جانبا:
- صباح الخير.
كان يسب ويشتم وهو يحاول أن يعقد ربطة العنق أمام المرآه.
زفر بنفاذ صبر وهو يعبث بخصلات شعره الكستنائية بأنامله الرشيقة.
لتراقبه هي بابتسامة ماكرة و هى تشمت به.
تفاجأت منه عندما طلب منها ان تعقد ربطه عنقه.
لقد انقلب الان السحر على الساحر!!
وهي منذ قليل كانت تطالعه بشماته!
لن تستطيع الرفض.
نبرته كانت جامدة جافة باردة.
لم يكن طلباً بل كان امر قيد التنفيذ!!
وضعت حقيبتها جانباً.
لتتقدم نحوه بخطوات مرتبكه متعثرة!
انحبست انفاسها عندما اصبحت فى مواجهته.
رفعت أنامل قدميها لتصبح مقاربة لطوله!
بحركه عفويه منها لمست انمالها صدره.
لتجده يتشنج من لمستها.
بلعت ريقها بتوتر وهي تحاول أن تنتهى بأسرع وقت ممكن!!
يديها أصبحت مرتجفه وعقلها مشوش لا يساعدها على ان تعقد من ربطة عنقه.
كل محاولاتها اصبحت فاشلة وهو ساكن لا يتحدث سوى صوت انفاسه الساخنة التى تخترقها مباشرة.
تخترق روحها!!
لما لا يرحمها ولو قليلا!!
اصطبغ وجهها باللون الأحمر القانى من شدة خجلها.
وذلك الوضع المهلك بالنسبة لها!!
زفرت براحة عندما انهت عملها الشاق!!
وهى لم تجرأ لثانيه على أن ترفع وجهها.
ويا ليتها لم تفعل!!
زرقاوة عيناه الصافية مصاحباً ببريقه اللامع الذى يوترها.
ونظرة عيناه جعل جسدها يرتعش.
لف بذراعيه نحو خصرها ويسحبها لترتطم بصدره العريض.
صاحبها شهقه مفزعة:
- ابعد يدك عني.
- وإن رفضت؟
كان يهتف بها بمكر ونبرة ذات مغزى.
ردت بحنق وقد بدأ الغضب والحنق والخجل يصاحبها فى آن واحد:
- سأتصل بالشرطة وأبلغهم عن وجود متحرش!
لتسمع صوت ضحكاته لأول مرة.
رنانه رجولية جعلت جسدها يرتعش.
ضحكته أبرزت أسنانه البيضاء.
لن يرحمها ابداً!
قلبها سيموت عن النبض من كتلة الوسامة والجاذبية أمامها!
- لن تستطيع الشرطه الخاصه بكم ان تفعل بى شيئا!
هتف بها بنبرة واثقة.
بالطبع لن تستطيع شرطتها فعل شيء له!
ولكن لن تستسلم بسهولة لتهتف بغضب وقد نفذ رصيد صبرها:
- ابعد يدك عني!
- أتعلمين.. تعجبينى وانا اراك مهرة جامحة تدعو ان يروضها احداً.
صاحت بانفعال.
تبا له من يظن نفسه فاعلاً.
- راقب الفاظك.
ثم اننى حقا لقد سئمت لن اجلس هنا لدقيقة واحدة فى ذلك المكان ومعك!!
لا اريد تلك الوظيفة الملعونة.
انا استقيل.
غامت عيناه فجأة بعد أن كانت تلمعان كالنجوم المتلألئة.
أصبحت ترتجف بخوف بين ذراعيه التى تحيطان بها من تلك النظره.
ان كانت تخيفها نظرته التي تصطحب بالبريق.
فأن تلك ترعبها!!
هتف بصوت بارد ثلجى:
- ومن قال لكِ انكِ تستطيعين ان تخطى خطوة واحدة بدون أذنى.
كل كلمه يقولها يشدد من خصرها بقوه حتى تأوهات بضعف وألم.
- لن تستطعين الفرار بسهولة يا ليــان!
رواية زوجتي الشرقية الفصل السادس 6 - بقلم سيليا البحيري
غامت عيناه فجأة بعد أن كانت تلمعان كالنجوم المتلألئة.
أصبحت ترتجف بخوف بين ذراعيه اللتين تحيطان بها من تلك النظرة.
إن كانت تخيفها نظرته التي تصطحب بالبريق، فأن تلك ترعبها!
هتف بصوت بارد ثلجي:
- ومن قال لكِ أنكِ تستطيعين أن تخطي خطوة واحدة بدون إذني.
كل كلمة يقولها يشدد من خصرها بقوة حتى تأوهت بضعف وألم.
- لن تستطيعين الفرار بسهولة يا ليان!
- بلى أستطيع.
هتفت بها وهي تضغط على شفتيها بغضب.
لقد أصبحت لا تستطيع أن تأمن بما سيفعله معها وهما بمفردهما.
يلمسها بجراءة وتظن أنها ستصمد ولن تتفوه بكلمة!
ومع آخر ما نطقته، دعست قدمه بحذائها ذي الكعب المتوسط الطول.
ملامحه لم تتغير ولكنه أفلت ذراعيه اللتين تأسران خصرها بقوة.
وتملكتها صاحت بغضب وهي تضرب بحذائها على الأرض بقوة:
- هذه المرة اكتفيت بالقدم، المرة القادمة تعلم أين ستكون!
وقامت بإغلاق باب الغرفة بحدة بعد أن التقطت حقيبتها وشياطين الدنيا تحوم حولها وهي تتمتم بكلمات عربية لم يفهمها.
من المؤكد تسبه وتشتمه بكل الألفاظ التي تعرفها.
ابتسم في خفوت وهو يتمتم:
- مهرة جامحة!
توقفت عن فعل كل شيء بعد آخر مكالمة التي كانت منذ ثلاثة أسابيع.
لا تعلم عنه أي شيء!
اكتفت فقط بمهاتفة حماتها وسؤالها عن حالها!
لا تعلم ماذا تفعل معه وما مصير علاقتهما الفاترة الفترة القادمة؟!
وجدت قدماها تذهب إلى منزل خالتها في الصباح وتجلس مع أبيها الروحي إبراهيم.
طرقت على الباب غرفته بمرح ثم فتحت الباب.
- أدخل ولا أطلع؟
تهللت أسارير إبراهيم وهو يغلق المصحف.
- تعالي يا حبيبتي.
توجهت نحوه على الفور وهي ترتمي في أحضانه وبدأت الدموع تتساقط بغزارة على وجنتيها.
ربت إبراهيم على ظهرها بحنان أبوي وهو يعلم جيداً ما تعانيه.
ابتعدت عن أحضانه وهي تمسح دموعها بأناملها، وقالت بمرح:
- قلبناها فيلم هندي دلوقتي.
- طمنيني، عاملة إيه أنتِ وخطيبك؟
ويا ليته لم يسألها لتتجمع الدموع وهي تغمغم بسخرية وألم:
- عادي زي أي واحدة مخطوبة.. غلطت وكان لازم أتحمل نتيجة خطئي.
أحاط براحتيه وجنتيها وهتف بحنو:
- هو مش مقدر الجوهرة اللي في إيديه، بس صدقيني هيندم بعد كده.
- جوهرة!! أنا وحشة أنا يا عمو، هو المفروض يتجوز واحدة تستاهله وتحبه مش واحدة بتخطط وتخسر له شغله ومحتفظة بوصلات أمانة عشان تسجنه.. يا ريتني ما سمعت كلام ماما.
هتفت بها بقهر وهي تشعر بقلبها الذي يتمزق إلى أشلاء.
ثم تابعت بحسم وهي تقرر وضع حد لكل تلك الفوضى:
- بس أنا خلاص هرجع كل حاجة زي ما كانت.
ابتسم إبراهيم بحب وهو يهتف:
- صدقيني اللي يحبك هو اللي هيفضل يجري وراكي لحد ما يخليكي تتجوزيه.. يفضل يعافر عشان يوصلك.
اتسعت ابتسامتها لتقبل وجنتيه.
- بحبك يا بيبو.
تفاجأت من صوت سارة التي اقتحمت الغرفة وهي تهتف بتذمر طفولي:
- لا بابي ده بتاعي أنا وحدي.
ثم اتجهت نحوه وهي تحتضنه بتملك تحت أنظار ورد الضاحكة وهي تمتم في خفوت:
- كل حاجة لازم ترجع زي ما كانت.
رنين جرس باب المنزل الملح جعلها تهرول إلى الباب خشية أن يأتي الضيف في أي لحظة وهي تفتح لعامل التوصيل.
أخذت الأكياس بسرعة وهي تعطيه النقود لتغلق الباب وهي تهرول إلى المطبخ لتتخلص من الأكياس سريعاً.
يعلم والدها جيداً أنها لا تستطيع أن تطبخ وسميرة التي تساعدهم في تنظيف وطبخ الطعام اعتذرت اليوم بسبب مرض ابنتها.
ظلت وحيدة في المطبخ لا تعلم ماذا تفعل ووالدها لا يمكث في المنزل في يوم عطلته خصوصاً يوم الجمعة.
تذوقت الأكل برضى قائلة بتلذذ:
- تحفة.. مش هيعرف إن الأكل ده من بره.
استمعت إلى صوت والدها وهو يغلق باب المنزل وصوت أحد آخر.
ظلت تجهز الأطباق تضعها في الطاولة لتستمع إلى صوت والدها يناديها بأن تأتي.
أغلقت جفنيها وهي تستعد لمقابلة ذلك عديم الأخلاق.
ارتسمت ابتسامة بلهاء وهي تتجه نحوهما:
- السلام عليكم.
رد والدها والعديم الأخلاق عليها لتهتف وهي تشير بأصبعها إلى الطاولة:
- الغدا جاهز اتفضلوا.
كانت تتناول في صمت وصممت عدم المشاركة في الحديث.
كان الحديث الدائر بينهم عن العائلة وآخر التطورات التي حدثت لها لتقاطع حديثهم وقررت أن تشارك لأول مرة:
- وعلى كده بقى يا سيادة الرائد، حصل إيه لـ صاحب العربية اللي خبطتهاله؟
كان حديثها يشوبه المكر وهي تتلاعب بحاجبها له.
ليهتف ببرود شديد:
- زي ما قلت، مشكلة بسيطة واتحلت وصاحب العربية سحب البلاغ اللي قدمه.
وجهت حديثها نحو والدها قائلة بخبث:
- عارف يا بابا مين طلع صاحب العربية؟
ما إن هم لينطق حتى قاطعه مروان وهو يقول:
- واحد زميلي في الشغل بس زي ما قلت، مكنش فيه أضرار لعربيته.
هتف في خفوت بابتسامة خبيثة:
- صُحبة جداً.
كان ينظر لها بحدة لتتسع ابتسامتها البلهاء وهي تنظر إلى طبقها وظلت تلعب بشوكتها في الطعام.
وكانت الحيرة مرتسمة على ملامح أيمن!!
- غبي وحيوان.
كانت أول ما نطقت به ليان وهي تفتح باب السيارة الأمامية.
ضحك حمزة باستمتاع وهو ينظر إلى حنقها ليهتف ببشاشة:
- اهدى بس، قوليلي مين اللي عصبك كده.
استقلت المقعد الأمامي وهتفت بشراسة:
- هو فيه غيره.. في حد بيشتغل في الجمعة لأ وبكل برود بيقولي في اجتماع بره الشركة.
انتبهت على صوت فتح باب السيارة الخلفي لتجد زين يجلس بكل برود وهو يأمر حمزة بأن ينطلق إلى وجهتهم!!
لا تعلم كم من الوقت مر حتى وجدت السيارة وصلت إلى وجهتها.
ترجلت على الفور وهي تنظر إلى المطعم وبدأت معدتها تصدر أصواتاً صارخة بالطعام لتعض شفتيها بحنق:
- مش وقتك انتِ كمان!
لاحظت وجود سيارة حراسة خلف سيارتهم.
تشعر بالغضب والحنق وهي تجد حمزة يفتح الباب الخلفي له.
تذمرت بضيق:
- ليه مشلول هو عشان ميفتحش؟
كتم حمزة ضحكاته وسط نظرات زين المتسائلة لتجده يتحدث بخفوت إلى حمزة والآخر يتحدث في خفوت مماثل له ونظراتهم معلقة عليها.
خجل.. ارتباك.. غضب.. لا تعلم أي شعور هو الطاغي عليها لكن نظرات زين المصوبة نحوها تربكها.
تسري قشعريرة خفيفة تدب بجسدها بأكمله تحت نظراته المبهمة!!
نظفت حلقها جيداً لتجد زين أصبح بجوارها لينطلقا إلى المطعم.
رائحة عطره بدأت تدمنها.
قربه منها يجعلها مشتتة.. حائرة!!
استفاقت من تلك الحالة وهي تجد زين يتجه نحو طاولة يوجد بها رجلان، أحدهما في منتصف العمر والآخر في ريعان شبابه وتوجد امرأة جميلة والتي ما إن رأته حتى أسرعت نحوه وتعانق زين بحميمية.
أشاحت بنظرها للطرف الآخر وهي تهتف إلى عقلها بسخرية:
- انضجي يا فتاة، إنه لا يناسبك أبداً!
لم تستمع إلى حديثهم كانت شاردة لتنتبه إلى صوت الرجل في منتصف العمر وهو يصافح زين بحرارة:
- سيد زين، من الرائع رؤيتك مرة أخرى.
ثم استدار إلى القابعة خلفه وهتف بمشاكسة:
- ومن تلك الجميلة؟ ابتعد دعني أراها.
نظرت يميناً وشمالاً ربما لا يقصدها لتجد يد زين تمنعه وهو يهتف ببرود:
- إنها مساعدتي الخاصة يا سيد ديفيد.
رد ديفيد بابتسامة:
- أعلم يا عزيزي، وهل يمكن أن تكون غير هذا؟!
انتبهت على الآخر وهو يتجه نحوها ويهتف بابتسامة خلابة جعلتها هي الأخرى تبتسم بدون وعي:
- جون ديفيد، رجل أعمال ما زال في بدايته، وما اسمك يا..
هتفت باسمها وهي تصافح يده في ثوان معدودة.
لا تريد إحراجه وهي تجد يديه الممدودة نحوها.
تعمقت ببصرها إليه لتجده ينظر لها بغموض.
لم تفهم ما كل تلك النظرات الغامضة لتنفض برأسها لتلك الأسئلة المبهمة التي لن تجد إجابتها.
- اسم جميل مثلك، أنستِ.
تورّدت وجنتاها من الخجل وهي تهز رأسها في خفوت ولا تعلم لم لسانها توقف عن الحديث ربما لأنها أول مرة يتغزل بها أحدهم علانية!!
- هيا، يوجد لدينا عمل.
هتف بها بنبرة باردة ثم أمسك كف ليان لتجلس على المقعد ويجلس بجوارها!
زادت معدل نبضات قلبها من لمسته.
استشعرت بملمس كفيه رغم أنه قبضته قوية لكنها كانت ناعمة دافئة.
بدأ عقلها يعمل بعاطفية وهذا لا يصح أبداً، لا يجوز في الوقت الحالي.
زفرت براحة والاجتماع قد انتهى.
رفض زين دعوة الطعام متعللاً بأنه يوجد بعض الأعمال التي لم تنتهِ!!
ستقتله حتماً إن لم تذهب إلى البيت.
الساعة أوشكت أن تصبح الثالثة عصراً وهي لم تتناول سوى كوب شاي في الصباح!!
وما إن استقلت السيارة مرة أخرى لتهتف إلى حمزة بسأم وهي تريد الصراخ بوجه القابع في الخلف وينظر إلى أحد الأوراق بتركيز:
- هو إحنا هنرجع الشركة تاني؟
ليرد حمزة ببشاشة:
- للأسف آه.
صاحت بصوت عالٍ وهي تحاول أن تجذب انتباه ذلك الجلف البارد:
- يارب صبرني.
استراحة لمدة عشرون دقيقة.. ليس سيئاً بل ممتاز!
رأيته يتجه نحو مكتب مدير العلاقات العامة في الطابق الأول.
توجهت إلى الطابق السفلي وهي تنظر بنظرة سريعة إلى المكان الذي عبارة زجاج فقط كله مكشوف حتى الطوابق العلوية السور عبارة عن زجاج متين!
كانت تسبه بكل الألفاظ وهي تنتظر انتهاء دوامها.
تبقت ساعتان فقط وينتهي الدوام.
أمسكت بقدح القهوة وبعض المقرمشات تتناولها بمضض.
جلست على أحد الطاولات وهي تستمع إلى همهمات الجميع.
- أخيراً لقيت حد مصري.
كان يهتف بها شاب في أوائل الثلاثينات من عمره وهو الآخر يمسك قدح القهوة ليتساءل في أدب:
- ممكن أقعد؟
أومأت رأسها بالإيجاب وهي أيضاً تحتاج لأحد تتحدث معه.
جلس الشاب وهتف بمرح:
- شوية وكنت هلاقي نفسي سافرت بره بمجرد إني مش لاقي حد مصري أتكلم معاه.
ثم تابع بجدية تتخللها المرح وهو يعدل ياقته:
- تامر الحسيني، موظف حسابات على قد حاله في الصرح العظيم ده.
أجابت بهدوء:
- ليان إبراهيم، مساعدة صاحب الصرح العظيم ده.
لاحظت عبوس وجهه وهو يهتف بغموض:
- غريبة!
- هي إيه الغريبة دي؟
هتفت بها بتساؤل وقد شعرت بالفضول لمعرفة السبب.
- أول مرة أسمع زين بيه يخلي واحدة تبقى مساعدة شخصية ليه.. معملهاش قبل كده!
حديثه جعلها تتوتر أكثر.
لاحظ تامر تعبيرات وجهها المتوترة ويديها المرتجفة وهي تمسك القدح!
لم يجد سوى أن ينتشلها منذ ذلك الموضوع وبدأ يتحدث عن مواقفه وطرائف تحدث له كل يوم.
لانت ملامحها وهي تستمع إلى حديثه المضحك لتبدأ بعدها تنفجر من الضحك وتهتف بابتسامة متسعة:
- لا ده أنت حكايتك حكاية.
ثم بدأت تتطرق في عدة مواضيع عامة.
برغم ذلك الحشد تشعر بأن أحد يراقبها.
يقين في داخلها وهي تبحث في أعين الجميع المشغول بالحديث مع الآخر.
رفعت عينيها للطابق العلوي لتجده هو أمامها جسده متصلب ونظرات عينيه غامضة مثل التي كانت في المطعم!!
أشاحت بنظرها وهي تنتبه إلى تامر الذي يلوح بیدیه لها لتنتبه إلى حديثه وهي ترتشف القهوة التي أصبحت باردة!!
عادت من منزل خالتها وهي عازمة أن تضع حد لكل تلك الأشياء الشنيعة التي فعلتها وندمت عليها.
استغلت عدم وجود والدتها ووالدها لتذهب إلى غرفتهم.
فتحت الخزنة الموجودة بداخل غرفته والديها وهي تبحث عن ضالتها!
ابتسمت في اتساع وهي تحمد ربها أن الأوراق ما زالت موجودة.
أعادت كل شيء في مكانه وهي تغلق الخزنة بهدوء.
وضعت الأوراق في حقيبتها وهي عازمة أن تنهي كل تلك الفوضى التي سببتها له.
انتظرته يأتي وهي تخبره أنه يوجد أمر هام يجب أن يتحدثا فيه!!
وضع النادل المشروب البارد وهي تشكره في هدوء.
ظلت ترتشف المشروب في تلذذ منتظرة مجيئه.
- خير، جيت. إيه الموضوع المهم؟
هتف بها وهو يخلع نظارته ويجلس على المقعد المقابل لها ببرود.
نظفت حلقها وهي تمتم في أسف وتضع المشروب على الطاولة:
- أنا آسفة.. عارفة الكلمة دي قليلة جداً في حقك.. بمجرد لعبة رخيصة لعبتها أنا وماما وخسرتك شغلك وكل حاجة أنت بتحبها.
كانت ستُهتف بحبه الوحيد لكن وجدت لسانها ينطق "كل حاجة أنت بتحبها".
صاح بسخرية:
- إيه ده؟ الضمير عندك صحي النهارده ولا إيه؟!
هتفت بتألم وبدأت الدموع تتجمع نحو مقلتيها:
- صدقني غصب عني.. أنا مش وحشة يا يوسف صدقني بس ساعة شيطان وراحت لحالها.
ما زال تعبيرات وجهه جامدة وهو يقول بجمود:
- مبأثرش بدموع التماسيح دي!
فتحت حقيبتها وهي تخرج ظرف كبير.
ثم أمسكت بعلبة ذات حجم متوسط وضعتها على المقعد بجوارها هاتفة بجمود:
- الظرف ده فيه وصلات الأمانة والعلبة دي فيها الشبكة.
نظر إليها بعدم تصديق وبشك لتهتف بتألم وهي تجد في نظراته أنه حتى لا يصدقها:
- ليك حق تستغرب وتشُك برده بس دي كل الأوراق الأصلية مفيش نسخ تانية.
ثم قامت من مقعدها وهي تنزع الخاتم الذي يزين بنصرها وتضعه على الطاولة.
همست بألم ودموعها تتساقط بحرارة:
- أوعدك إني مش هخليك تشوف وشي تاني.
وقبل أن تأخذ حقيبتها وتغادر دنت نحو وجنتيه وقبلته بعمق هامسة نحو أذنه بأسف:
- سامحني.
انتهى دوام العمل وهي بالكاد ترى ما حولها وكالعادة قبل أن تغادر تذهب إليه.
طرقت الباب لتجد صوته يأذن لها بالدخول.
هتفت بنبرة خافتة وهي تجاهد أن تفتح عينيها:
- لقد انتهيت من عملي يا سيد زين.
- ينتظرك حمزة في الأسفل.
نبرته جافة باردة كالعادة وما إن همت لتغادر الغرفة حتى هتف بصوت جاف لا يقبل النقاش:
- سيكون عملك بعد الآن في منزلي.
وما إن همت لتحادثه حتى وجدت أنه يدلف إلى المرحاض.
هزت رأسها بيأس وهي تغادر حجرة مكتبه.
أخذت حقيبتها واستقلت المصعد وهي تريد أن تحتضن وسادتها الناعمة.
ذلك عديم المشاعر يستنفذ كل طاقتها!
استقلت السيارة في المقعد الخلفي وهي تحث حمزة:
- في أقرب وقت عايزة ألاقي نفسي وصلت البيت.
يبتسم حمزة وهو يهتف برزانة:
- هو الشغل في الأول كده متعب بس هتتعودي عليه.
- بطريقته الغبية دي مظنش.
هتفت بها في خفوت وهي تجز على أسنانها بغيظ شديد.
كل يوم يزداد إصرارها في لكم وجهه الوسيم!
انتبهت على صوت رنين هاتفها لترد على اتصال شقيقتها وهي تهتف:
- سارة أنا جايه في الط...
لتصرخ سارة بفزع وهي تقاطع حديث ليان:
- الحقيني يا ليان، بابا!
رواية زوجتي الشرقية الفصل السابع 7 - بقلم سيليا البحيري
الفصل السابع
بمجرد أن نطقت باسمه، رفيقها، والدها، أخيها، صديقها، سندها، حاميها، حتى كادت أن يغشى عليها من الصدمة. وأسوأ الأفكار اقتحم ذهنها.
كان في الصباح في صحة جيدة قبل أن تذهب مباشرة إلى عملها الذي يستنفذ طاقتها ببطء ويرهق روحها.
لا تعلم كيف بدأت الدموع تتهاطل بغزارة على وجنتيها. هتفت بصوت ضعيف واهن يكاد يسمع:
- بابا حصله إيه؟
صوت بكاء ونحيب عالٍ تسمعه من شقيقتها. كانت تحاول أن تخرج هي الأخرى كلماتها بصعوبة شديدة، وكأنها تحاول عملية النطق.
- إحنا رايحين على مستشفى... عربية الإسعاف وصلت.
وهذا آخر ما تلقته. لتجد شقيقتها تغلق الخط. بدأت تشعر بأن روحها تنسحب ببطء، ووجهها بدأ يفقد بريقه ليصبح شاحبًا كالموتى. ونظرات عينيها زائغة، ضائعة!
- ليان يا بنتي ردي عليا طمنيني.
بدا صوته وكأنه ينادي على بعد مسافة بعيدة. لم تشعر بالسيارة التي توقفت على جانب الطريق، ولا بحمزة الذي ترجل على الفور وفتح الباب الخلفي وهو يتحدث بقلق وخوف.
- بابا يا عم حمزة.
هتفت بها وهي تشعر أنها فقدته للأبد. همست بتوسل وكأن عقلها بدأ يستوعب تلك الفاجعة.
- ارجوك بسرعة على المستشفى.
***
كل ثانية والأخرى تتأفف بضيق شديد وهي تنظر إليه كيف يتحدث مع والدها براحة، وكأنه جالس في منزلهم!
همست في خفوت وهي تنظر إلى الساعة التي تجاوزت السابعة ليلاً.
- وناوي حضرته ينام معانا بالمرة.
تعلم جيدًا أنه سمع همسها بسبب أنها جالسة في المقعد القريب منه ووالدها الجالس في مواجهته. وهي تجد عينيه تتسع بمكر وابتسامة غامضة تحتل شفتيه.
- طب عن إذنك يا عمي، أستأذن بقى أنا علشان ورايا شغل بدري الصبح وكمان طولت في القعدة معاكم.
أجابت في همس وهي تقضم أظافرها.
- لا كتر خيرك. اعتقدت إنك ما عندكش دم.
احتضنه أيمن بقوة وهو يخبره بأن يكرر زيارته مرة أخرى. ارتسمت ابتسامة صفراء على ملامح وجه ندى وكأنها تودعه. لم تستطع أن تنفذ ما جال بذهنها بسبب تحذيرات والديها الكثيرة أن لا تتهور. وما إن أغلق والدها الباب حتى أطلقت تنهيدة عميقة وهي تذهب إلى غرفتها لتنام وتريح أعصابها بسبب كثرة حديث والدها وذلك المدعو مروان وإصرار أبيها أن تكون معهم حتى وإن كانت لا تشارك في الحديث. نوم دافئ بعد ذلك اليوم الحافل.
***
عادت إلى منزلها بابتسامة راضية. حتى وإن كانت لن تحيا بدونه، فيكفيها أن لا تسبب جرحًا له بعد الآن. يقولون العاشق يضحي في سبيل من يحب، وها هي ضحت بحبها الذي كان عبارة عن حب من طرف واحد فقط!
قصتهم انتهت. وما زالت تتذكر حديث والدها الروحي أن من يحب سيظل يعافر حتى يصل لنصفه الآخر.
وهي بالفعل ستنتظر من سيجعلها تنسى حبها له! ربما يكون حبها مجرد افتتان فقط. هزت رأسها بيأس وهي عازمة على أن تغلق تلك الصفحة السوداء.
لم تكن خبيثة وماكرة يومًا ما. أخذت تنجو ربها في سرها وهي تتمنى أن ينزع حبها له من قلبها. يكفيها الأشخاص الذين تسببت في أذيتهم.
- كنت كل الوقت ده بره بتعملي إيه؟
صوت والدتها حسينة كان غاضبًا. ابتسمت وهي تريها إصبعها الخالي من الخاتم.
- كنت علشان ده... صفحة واتقفلت يا ماما. يلا عن إذنك هنام.
أخذت تخطو خطواتها نحو غرفتها وهي غير عابئة بما تتفوه به والدتها من عبارات غاضبة.
استدارت إليها قبل أن تغلق باب غرفتها.
- وعلى فكرة بقى أنا اديته وصلات الأمانة علشان متفكريش تقرصي بيها ودنه.
ظلت تدندن باستمتاع وهي تغلق باب غرفتها وترتمي على فراشها... غير عابئة بالإعصار الذي يحدث في الخارج.
وما هي فترة حتى تبدلت معالم وجهها من الفرح للعبوس ثم بدأت في نوبة البكاء بدون سبب.
أمسكت بهاتفها على الفور وهي تمسح صورته الوحيدة التي تزين هاتفها وعقلها يخبرها: لم يهاديكِ حتى تتذكرين له ذكرى. لم يُقبلكِ حتى تشعري بملمس شفته. لم يحبكِ حتى تتألمي. لم يعشقكِ. إنه يكرهكِ. أخرجيه من أعماق قلبكِ لتستريحي.
همست وكل ذرة في قلبها تشتاق إليه.
- يا رب.
***
عقله بدأ يفكر بها!! فالذي حدث إليه لم يكن يتصور أنه سيحدث إطلاقًا. تنهد بيأس وهو يحاول أن يفك شفراتها. بات لم يفهمها، معقدة كمسألة لوغاريتمات يصعب على الطالب حلها!
استشف الصدق من حديثها اليوم وما زال عقله يرفض أن يسامحها.
بسببها هو وجد نفسه في الصباح اليوم التالي فقد وظيفته بدون سبب وكان لديه ديون كثيرة بسبب تجهيزات زواجه من ليان.
وجد قدميه تذهبان إلى والداها بسبب ثرائه وهو يساعد الجميع بسبب طيبته وعطفه.
يعلم عقله تهور في تلك اللحظة وهو يذهب إليه وهو ظنه أنه مثل والده. اقترض النقود منه في مقابلها توقيع وصلات أمانة كنوع من ضمان حقه. وهو ما زال يتذكر جملته عند تردده في التوقيع:
- متقلقش يا بنى أنا عمرى ما هحاول أذيك بس اعتبر كأنك مشفتهاش. وأنا يا بنى مش عايز منك فلوس. ديه ترجع له.
وهو بكل سذاجة وقع وهو يخبره بأن سيعيد له ماله، بس يجب عليه أن يصبر قليلاً. وتفاجأ بعدها بتهديدات منه إنه لم يأتي بالمال فسيعطي الوصلات للشرطة لتزجه إلى السجن.
وقد انكشف قناع الحقيقة وما كانت طيبته وعاطفته سوى قناع زائف يضعه على وجهه لينخدع الناس به. انصعق وهو يخبره عن شروطه حتى لا يزجه إلى السجن.
يأس ولم يجد سوى أن يوافق على شروطهم وهو يخسر حب طفولته ليعقد قرانه منها. ليخبره في النهاية ما أن يتزوجها سيقوم بحرق تلك وصلات الأمانة أمامه.
أغلق جفنيه وهو يميل بجذعه على سيارته الحديثة التي امتلكها بعد أن عاد لوظيفته مرة أخرى وتفاجأ بترقيته ليصبح من موظف في البنك إلى مدير البنك.
بدأت تتساقط عليه الأموال من حيث لا يدري بعد أن تقدم لخطبتها. همس في خفوت.
- ورد.
ملامحها جميلة هادئة وهي اسم على مسمى كالورد. يأسرك إليها منذ الوهلة الأولى وعندما تقترب منها وتمسكها فإنها تصيبك بشوكتها. فقربها نار وبعدها نار.
عقله أصبح مشتتًا وهو يحاول أن يهدأ من تخبطاته. غابت عنه ثلاثة أسابيع ليتفاجأ باتصالها وهي تخبره بأنها تريد رؤيته. عقله ما زال يتذكر وهي تدنو أمامه وتقبل وجنتيه غير عابئة بالجميع. أن تسامحــه!!
كيف يغفر لها؟ لا يستطيع أن يغفر لها بسهولة. وكان عقله غافلًا على أن حفل زفافهم سيعقد بعد شهرين من الوقت الحالي!!
***
خطت بخطوات شبه متعثرة ما إن وصلت السيارة إلى المشفى.
تشعر بنخز في قلبها. تخشى فقدانه. لن تسامح نفسها إن حدث له شيء.
وجدت شقيقتها ووالدتها يحتضنان بعضهما وكأن كل منهما يستمدان قوة من الأخرى. ركضت إليهم فورًا لترتمي في أحضانهم.
أخذت تحاول في تهدئتهم وأن كل شيء سيصير على ما يرام ووالدها قوي لن يصيبه أي شيء. كانت تهدئهم وهي تريد من يهدئها.
قامت من مجلسها على الفور وتبعها والدتها وشقيقتها وهي ترى الطبيب يخرج من غرفة العمليات قائلاً بعملية.
- الحمد لله إننا لحقناه على آخر لحظة. هيتنقل للعناية المركزة لمدة ٢٤ ساعة علشان نطمن ما يكونش فيه مضاعفات. مع إن دي تاني مرة تحصل خلال فترة قصيرة وأنا بلغتكم بضرورة إجراء عملية في أقرب وقت.
رأى انسحاب الدماء من ثلاثتهم وعدم مقدرتهم على الحديث. لتستمع إلى صوت حمزة وهي قد تناسته للحظة وقد شغلها أمر والدها وهو يهتف بجدية.
- تمام يا دكتور جهز الأوراق.
قال الطبيب وهو يهز رأسه.
- اتفضل معايا.
ذهب حمزة والطبيب تحت نظراتهم المنصدمة. لتمسح سارة دموعها وتهتف بتساؤل وخرج صوتها متحشرجًا.
- مين ده يا ليان؟
- ده عم حمزة اللي حكيتلكم عليه.
ارتمت سعاد على المقعد وهي تشعر بالآلام في جسدها وهي تهتف بصوت حازم ولكنه خرج ضعيف واهن.
- روحي يا ليان شوفي فيه إيه؟
أومأت رأسها في تفهم وهي تكاد تهرول لكي تلاحقهم وتفهم ما الذي يجري؟ سيساعدها عم حمزة؟ كيف؟ إنها أموال طائلة لا تستطيع أن تجعله يتكفل بعلاج والدها وتقف هي صامتة.
***
- ليه يا عم حمزة حضرتك عارف المبلغ كبير جداً. أنا مقدرش أسدده.
هتفت بها وهم جالسان على أحد المقاعد ليهتف حمزة بعبوس.
- إيه يا بنتي اللي بتقوليه ده؟ هو فيه حد بيرجع فلوس أبوه بعد ما بياخدها؟
هزت رأسها بالنفي ثم تابعت بتوسل.
- يا عم حمزة أنا مقدرش أوافق دي تحويشة عمرك كلها من بداية ما اشتغلت. أخده أنا؟ طب مفكرتش في أولاد حضرتك ومراتك؟ لما يعرفوا إن فيه واحدة غريبة أخدت كل فلوس والدهم.
هم يرد عليها ليجد هاتفه يرن ليلتقطه ويرد في هدوء.
- لا تقلق. عشر دقائق وستجدني انتظرك.
أغلق هاتفه وهو ينظر إلى ليان لتهتف وهي تعلم المتصل.
- اتفضل يا عم حمزة.
قام من مقعده وهو يهتف في حنو.
- عايزة حاجة يا بنتي؟
هزت رأسها بالنفي وهي تهتف بابتسامة هادئة.
- شكراً يا عم حمزة بس بلغ أستاذ زين إني مش هقدر أجي بكرة.
أومأ رأسه بإيجاب وهتف.
- هعدي عليكِ بكرة أشوفك لو احتاجتي حاجة. وياريت فكري يا بنتي في كلامي تاني.
***
- لما تأخرت يا حمزة كل ذلك الوقت. تعلم أنني أكره الانتظار.
هتف بها زين بجمود وهو يجلس في المقعد الخلفي للسيارة.
تمتم حمزة بحزن.
- لقد مرض والد ليان لذلك ذهبت بها المشفى ولذلك اعتذرت عن المجيء غداً.
- وماذا أصبحت حالته؟
هتف بها زين بتساؤل ليغمغم حمزة وهو يتحرك بسيارته إلى القصر.
- لا أعلم. سيظل في العناية المركزة لمدة أربعة وعشرون ساعة. ولكنه يحتاج إلى أن يجرى عملية في الخارج والمبلغ طائل لذلك قدمت لها المساعدة ومع ذلك رفضت.
هز زين رأسه وامتنع بعدها عن الحديث. ليمسك هاتفه ويبعث برسالة قصيرة إلى شخص ما ثم أخذ يتابع ببصره إلى الطريق.
***
بدأت تقص على والدتها وشقيقتها وهي تشعر بالتحير والتشتت. لقد جاء أخيرًا من يقدم يد العون لمساعدة والدها، ولكن كيف يساعده وهو لم يراه من قبل!!
لقد أصبح العالم غريبًا. فالغريب أصبح قريب والقريب أصبح غريب!
ظلت تمسد رقبتها وقد بدأ النعاس يتسلل إلى جفنيها.
- هنعمل إيه يا ماما؟
- بكرة هيحلها من عنده. خدي أختك وارجعوا على البيت وأنا هفضل هنا لحد الصبح.
هتف بها سعاد بنبرة جامدة. لتهز سارة رأسها نافية.
- أنا مش هتحرك من هنا. مقدرش أسيبه ولا أسيبك لوحدك.
قاطعتهم سعاد وقد شعرت بأن ليان رغم الإرهاق الذي يكسو ملامحها لن تتزحزح هي أيضًا.
- أنا اللي أقوله يتنفذ. خدي أختك يا ليان وروحوا على البيت قبل ما الوقت يتأخر.
أمام إصرار والدتها جعلت سارة توافق على مضض وهي تقوم من مقعدها لتأخذ بيد شقيقتها ويرحلا. وعلى الرغم من أنهما متشابكي الأيدي ولكن كلًا منهما في وادٍ آخر بعيد عن عالم الواقع!
***
ليلة مؤرقة قضتها ونوم متقطع. انتظرت حلول الصباح حتى قامت من فراشها وتستعد للذهاب إلى أبيها الروحي.
إنه يعلمها جيدًا. إنها مثل الكتاب المفتوح أمامه. حتى بعد أن خطفت زوج ابنتها توقعت أن يثار عليها. لكنها وجدت نظرة حزينة عاتبة وكأنه يخبرها: ابنتي لا تفعلي ذلك!
ارتدت ملابسها على عجالة وهي تحاول أن لا تحتك بوالدتها في الصباح.
ظلت تتسحب ببطء وهي ترى الأوضاع هادئة. بالطبع والدتها لن تستيقظ. ما زالت الساعة السابعة صباحًا.
وما إن وضعت يديها على باب المقبض حتى شهقت وهي تضع يديها على صدغيها بسبب صوت والدتها الجهوري.
- ماشية بتتسللي زي الحرامية كده ليه على الصبح؟
توترت من ذلك الوضع المشحون ونظرات والدتها لا تبشر بالخير إطلاقًا.
- لا أبدًا. رايحة أعمل مشوار الصبح بدري وهرجع البيت على طول.
توسطت حسينة بيدها حول خصرها.
- مش متحركة من هنا غير لما أفهم إيه اللي هببتيه إمبارح ده؟ إنتي عارفة فاضل كام على فرحكم؟ علشان تقوليلي سيبتوا بعض. إنتي عايزة الناس تاكل وشنا ولا إيه؟ ومتفتكريش بعملتك المهببة إنك تاخدي وصلات الأمانة وتديهاله إن أنا سكتلك.
عقدت ورد يديها على صدرها وهتفت بلا مبالاة.
- والله أنا مش هاممني كلام الناس. وياريت تتصلوا بيه علشان ننهي كل حاجة. وده قرار نهائي. يلا سلام ورايا مشوار.
ثم استدارت وفتحت باب المنزل وخرجت صافعة الباب بقوة لتكز حسينة أسنانها بغيظ.
- ماشي يا بنت بطني.
***
ظلت تصعد الدرجات في عقار منزل خالتها في هدوء حتى وصلت إلى طابق معذبها. نظرت إلى باب منزله لبرهة. ثم أشاحت رأسها وأكملت صعود الدرجات إلى الطابق الذي يليه. وهي قررت منذ الأمس أن لا تفتح تلك الصفحة مرة أخرى.
ظلت ترن على الجرس مرات متتالية وهي تتعجب من عدم فتح خالتها الباب حتى فتحت سارة.
هوى قلبها ذعرًا وهي تنظر إلى معالم وجهها. عيونها منتفخة، وجهها شاحب للغاية وشعرها مشعث. دق ناقوس الخطر لتهتف بتوجس.
- عمو إبراهيم حصله حاجة؟
احتضنتها سارة وهي تهتف بنحيب.
- بابا في المستشفى يا ورد.
عقلها لم يصدق ما تفوهت به. اتسعت عيناها من الصدمة. قالت بلهفة وبدأت الدموع تتجمع نحو مقلتيها.
- طمنيني هو عامل إيه دلوقتي؟ وليه محدش اتصل بيا وقالي إنه في المستشفى؟
جففت سارة دموعها بكفها وهي تهمس بصوت واهن.
- هو في العناية المركزة دلوقتي. وليان بتجهز جوا علشان هنروح المستشفى. كنا من الصدمة مش عارفين نتصرف ولا نعمل إيه؟
ربتت ورد على ظهرها لتجد ليان هي الأخرى تقدمت نحوهم وهتفت بجدية جاهدت في ظهورها.
- يلا بينا.
وبالفعل استقلت الفتيات سيارة ليان منطلقة إلى المشفى وقلوبهم عالقة في ذلك الشخص القريب والبعيد في آن واحد.
***
لم تشعر بمرور الوقت. بدأ الليل يسدل ستائره وأخيرًا زفرت براحة عندما أفاق والداها. احتضنته بقوة ثم تسحبت ببطء لتخرج من المشفى بأكملها.
جلست على أحد المقاعد خارج المشفى. وظلت تتابع إلى سير المارة بشرود وما زال عقلها يفكر في حل تلك الأزمة!!
الإحساس بالعجز يقتلها في اليوم ألف مرة لترجع برأسها إلى ظهر المقعد وتغلق جفنيها وهي تفكر في عرض عم حمزة.
أفاقت على رنين هاتفها لترد في بصوت متحشرج.
- أيوه يا عم حمزة.
لحظة صمت دامت لمدة ثوان قليلة لتهتف باستسلام.
- حاضر جاية.
قامت من مقعدها لتتوجه نحو سيارته القابعة أمام باب المشفى.
توقفت أمام باب السيارة. دنت قليلاً وهي تتحدث من النافذة. هتف حمزة بابتسامة هادئة.
- إزيك يا بنتي عاملة إيه وأخبار الوالد إيه دلوقتي؟
غمغمت في خفوت.
- بابا الحمد لله فاق.
انشرح أساريره وتابع حمزة بلهفة وهو يشير بإصبعيه لكى تصعد.
- معلش يا بنتي بس زين بيه طلب مني إني آخدك لأنه عايزك في موضوع مهم.
عقدت حاجبيها في تعجب وتساؤل لماذا يريدها.
- متعرفيش هو عايزني في إيه؟
رفع كفيه علامة على أنه لا يعلم.
- معرفش يا بنتي، بس هو قال إني آخدك عايزك في موضوع مهم.
وافقت باستسلام وهي تجلس في المقعد الخلفي كما يخبرها دومًا على الرغم من رفضها من الجلوس في المقعد الخلفي وعدم وجود رب عملها.
بعثت برسالة لشقيقتها أنها ستخرج لنصف ساعة وستعود إليهم.
***
ترجلت من السيارة أمام بوابة شركته. وظلت تسير بهدوء حتى دخلت إلى الشركة ولم يعترض رجال الأمن على دخولها!
دَلفت إلى الشركة وهي تجد سكونًا عم المكان وقد غادر الموظفون بأكملهم. بلعت ريقها في توتر من القادم وهي تستقل المصعد.
يديها أصبحت ترتعش ما إن توقف المصعد عند الطابق المنشود. سحبت نفسًا عميقًا وزفرته على مهل وهي تهتف بقوة زائفة: لن يحدث شيء. كل شيء سيصير على ما يرام.
طرقت الباب عدة طرقات خافتة. لتستمع إلى صوته وهو يأمرها بالدخول.
أمسكت بمقبض الباب وفتحته في هدوء. ظلت تقدم رجل وتؤخر الأخرى وهي معلقة ببصرها إلى الأسفل. هتفت في هدوء.
- تفضل يا سيدي. لقد أخبرني عم حمزة أنه يوجد أمر هام تريدني أن تخبرني به.
انتظرت رده لعدة ثوانٍ لترفع ببصرها نحوه لتجده عينيه مثبتة عليها. تحدق بها بقوة جعلت جسدها يسري به شرارة كهربائية. نظراته المثبتة على جسدها تجردها من ملابسها وكأنها تقف عارية أمامه.
عضت شفتيها السفلى بغيظ وبدأت تتصاعد حمرة وجنتيها بغضب.
- ماذا؟
قام من مجلسه وهو يتقدم نحوها في خطوات هادئة واضعًا كفيه في جيب بنطاله. أشاحت برأسها جانبًا بسبب ذلك القميص اللعين الملتصق بجسده مبرزًا عضلات جسده الرياضية وقوة بنيته.
ظلت تخطو للخلف بخطوات بطيئة يصحبها خطواته التي تتقدم نحوها وكأنه فهد على وشك الانقضاض على فريسته.
شعرت بشيء بارد يحتضنها من الخلف. ولم يكن سوى الحائط. وقبل محاولة الفرار وجدت ذراعيه تستندان على جانب وجهها ونظراته ما زالت غامضة.
أغلقت جفنيها وهي تشعر بأنفاسه التي تحرق جلدها ونبضات قلبها تدق بعنفوان تكاد تقسم أنه يستمع إلى صوت نبضات قلبها بسبب قربه ووضعهما الفاضح بالنسبة لها.
هتفت بتلعثم وهي تفتح جفنيها وتشيح النظر إلى زرقاوة عينه التي توترها.
- سيدي لا يصح ما تفعله معي. ماذا إن فتح الباب في أي لحظة ووجدنا في ذلك الوضع؟
مال بوجهه قليلًا إليها وهتف بنبرة ذات مغزى.
- لا تقلقي. لن يجرؤ أحد على أن يفتح ذلك الباب. غير أنه لا يوجد أحد غيرنا.
ثم تابع بصوت أجش آمر.
- تزوجيني.
نظرت إليه بصدمة شديدة تحاول استيعاب ما قاله. يريد أن يتزوجها؟ لما؟ تعلم جيدًا أنها لا تملك أي مواصفات قياسية ليتزوجها. جسدها نحيل بعض الشيء وبشرتها خمرية. وجهها رقيق بداية من عينيها البندقية الواسعة ثم أنفها الدقيق وشفتيها المكتنزة. لا يوجد لديها أي عامل من عوامل الجذب للرجال وخصوصًا زين الحديدي.
هتفت بصدمة وما زال عقلها غير قادر على تقبل تلك الفكرة.
- سيدي أنك تمزح بالتأكيد.
قاطعها بصوته الرجولي هاتفًا بثبات وهو يبتعد عنها عدة خطوات.
- لا يا عزيزتي. إنني لا أمزح.
بللت شفتيها وأخذت تعدل حجابها بشرود هامسة.
- لماذا أنا؟ لماذا تريدني أن أصبح زوجتك؟
ليهتف بجمود وأعينه الزرقاء الثابتة على جسدها.
- لأنكِ مجرد صفقة رابحة بالنسبة لي.
اتسعت عيناها بذهول.
حاولت إخراج لسانها من جوفها للرد على ذلك الوقح أمامها. ولكنهم أبى أن يخضع لها. صفقة رابحة!! يريد أن يتزوجها لأنها صفقة رابحة.
رواية زوجتي الشرقية الفصل الثامن 8 - بقلم سيليا البحيري
وها هي مفاجأة أخرى تلقتها منه، وما زالت أطرافها جامدة. ولسانها ذبل، انصدمت من رده.
"أي صفقة رابحة؟" إنها لا تمتلك له شيئًا لكي تعطيها له. لا مال ولا جمال أيضًا.
ما زالت تعبيراته غامضة مبهمة. واقفًا في مواجهتها وكفاه في جيبي بنطاله، يتفرس معالم وجهها الصادمة ونظرات أعينيها الزائغة.
نظفت حلقها، وهي أخيرًا استعادت لسانها الذي ظنته لفترة قد فقد النطق.
"كيف؟ ما زلت لم أفهم، كيف أكون أنا صفقة رابحة؟"
تغيرت ملامحها الصادمة بملامح أخرى شرسة وهي تبتعد عن الحائط.
"ثم كيف تجرأت على فعلها؟ هل تقضي حياتك بأكملها في عقد صفقات، ولا تكتفي أيضًا بالعمل بل أيضًا في حياة البشر؟ تباً، من أين ظهرت لي؟"
"كونك زوجتي المستقبلية هذا لن يجعلك تنطقين بألفاظ نابية أمام زوجك."
هتف بها وهو يجلس على إحدى الأرائك الموضوعة في أحد جوانب الغرفة.
يبدو أن اليوم سيكون حافلًا بالمفاجآت. اتسعت عيناها ذهولًا وهو يخبرها أنها زوجته المستقبلية. يضعها للمرة التي لا تعلم كم عددها أمام الأمر الواقع.
ويكتفي فقط بإعلانها. يخبرها أنها ستصبح زوجته المستقبلية.
كيف؟ ومتى؟ وأين؟ ولماذا؟
كل تلك الأسئلة تتضارب في عقلها بسرعة مهولة.
"كلا.... أنا أرفض."
رجع رأسه للخلف، غالقًا جفنيه وهو يتسمع إلى رفضها المتوقع وملامحها كقطة برية شرسة.
هتفت بغضب وهو ما زال على وضعه، مستمتعًا لحديثها السريع العنيف.
"واللعنة، إنني أتحدث معك يا رجل."
فتح جفنيه، ناظرًا إليها بنظرة ألجمت لسانها عن الحديث مرة أخرى.
نظرة قوية، نارية جعلت قلبها ينتفض من الذعر. غامضة جعلتها تصمت. هتف بجمود ونظراته انتقلت من وجهها إلى جسدها يتفحصه بتمعن وبوقاحة وكأنه يراها للمرة الأولى.
تصاعدت حمرة وجنتيها، وأشاحت بوجهها بعيدًا عن نظراته الوقحة.
"لا أعتقد أنه توجد فتاة على وجه الأرض ترفض الزواج من زين الحديدي... إلا إذا كانت غبية!"
الوقح، المغرور، البارد. ماذا يظن نفسه؟ ونعتها بالغبية!
"وأنا تلك الغبية التي رفضت، آسفة ولكن والدي في المشفى. أشكرك على عرضك السخي."
ألقت نظرة أخيرة عليه لتجده ما زال مسترخيًا بأريحية في جلسته، ونظراته لم تشح أبدًا عن جسدها.
نفضت رأسها وهي تتجه نحو الباب لتغادر. وما إن همت بوضع يديها على المقبض ليتصلب جسدها وهي تشعر بأنفاس ساخنة تضرب مؤخرة عنقها.
لا تعلم كيف أتى خلفها بتلك السرعة. ولم تسمع أيضًا أي صوت لخطوات أقدامه.
زادت معدل ضربات قلبها، وبدأ جسدها يرتعش بقوة. حاولت أن تتماسك وتضع يديها التي أصبحت رخوة على المقبض مرة أخرى لتغادر من ذلك المكان الذي أصبح يبعث بقلبها رهبة وشعورًا آخر لا تعلم ما وصفه.
"وماذا عن والدك؟"
همس بها ووجه أصبح ملاصقًا لوجهها، ورائحة عطره الجذابة تتغلغل إلى روحها بنعومة.
"ماذا تقصد؟"
ابتعد عنها عدة خطوات وهو يطالع وجهها الذي تورّد من الخجل، وعيناها تطالعه بترقب.
"والدك يحتاج إلى عملية جراحية خارج مصر... أستطيع التكفل بالأموال اللازمة لعمليته."
إنه يفاجئها كل يوم. قالت بتوجس وهي تحاول أن تنزع ما طرأ على عقلها فجأة.
"لا أفهم لماذا تريد مساعدة أبي وأنت تعلم أنني لن أقدر على سداد ذلك المبلغ الضخم إلا إذا...؟"
لتتسع عيناها بصدمة.
"لا تخبرني أن ذلك مقابل الزواج."
هز برأسه إيجابًا لتتابع وهي تحاول إيجاد تلك الحلقة المفقودة.
"ولكن لما؟ لماذا تريد أن تتزوجني؟ لم أفهم بعد كيف سأصبح صفقة رابحة لك؟"
بسخرية واستهزاء أعادت جملته التي تفوه بها.
"دعني أخبرك. الموضوع عبارة عن الصحف الصفراء."
"ماذا؟ لم أفهم بعد."
صاح بسخرية.
"ماذا؟ ألم تقرأي عن الشائعات الخاصة بي؟ والأخبار التي تقول إنني على علاقات عابرة مع الكثير من النساء، وأنني دائمًا كل شهرين تكون معي فتاة جديدة وكأنني أغير طلاء المنزل. ومع ذلك لا أكتفي، بل أيضًا أقيم علاقات مع المتزوجات."
شهقت بقوة على آخر جملته، وهمست بغير تصديق.
"كلا، لم أسمع عن تلك الشائعات."
ابتسم بسخرية.
"لأنني أقوم بقص لسان من يتفوه بتلك الشائعات. وإن كانت النصف الأول من الخبر صحيح والآخر خاطئ."
أغلقت جفنيها وهي تحاول ألا تفتك به. يخبرها بكل وقاحة أنه يقيم علاقات عابرة مع النساء أمامها.
"لكنني، وللمرة الثانية، أفرض عرضك السخي. سيساعدني عم حمزة على التدبر في مصاريف علاج أبي."
"أشعر بالأسف أن أبلغك أن السيد حمزة لن يقدر على إعطائك المال لأنني طلبت منه ذلك. حسنًا، لم يكن طلبًا بل أمرًا. فلن يوجد أحد سواي قادر على مساعدتك، وأنا أعلم أن أقاربك رفضوا إعطائك المال."
إن كانت كل تلك مفاجآت، فتلك هي الصدمة الكبرى. إنه يعلم عنها كل شيء. فهي لم تخبر أحدًا سوى والدتها وشقيقتها وندى، تلك التي انقطعت عن إخبارها بعد أن بدأت تعمل معه.
ثلاثة فقط يعلمون عن رفض أعمامها إعطائها المال.
وأيضًا ليلى، حلقة الوصل بينهم. إنها لا تعلم أن والدها مريض؟ فكيف علم ذلك؟
ليفيقها من شرودها وهو يهتف بجمود.
"إذا ما رأيك؟ هل ستتركين والدك طريح الفراش وأنتِ قادرة على مساعدته؟"
***
احتضنته بقوة وهي تجده أخيرًا أمامها، بل يبتسم ويتحدث بمكر.
"مكنتش أعرف إني غالي عندكم كده."
نظرة من عينيها الزيتونيتين اللامعتين المعاتبتين جعلت ابتسامته تتسع.
"متتقولش كده يا عم إبراهيم، ربنا يديك الصحة وطول العمر يا رب."
ابتسم في هدوء وهو ينقل بصره إلى الغرفة التي أصبحت خالية وهتف بتعجب.
"الله، أومال فين يا حبيبتي خطيبك يوسف؟"
اسمه جعل قلبها يضخ بعنفوان، لتهتف بتلعثم.
"أنا وهو سبنا بعض."
هتف بجدية هذه المرة.
"اتصلي بيه وقولي له يجي لي بكرة."
هزت رأسها بالإيجاب وهي لا تعلم ماذا سوف تخبره. قلبها يخبرها أنه اشتاق إلى ملامحه، إلى صوته، وعقلها يأبى الخضوع لذلك القلب الذي سيسبب لها الكوارث.
صوت ندى التي اقتحمت الغرفة حاملة بيديها باقة من الزهور انتشلها من شرودها.
"يا مساء الفل على أحلى وأجمل إبراهيم في الدنيا."
تقدمت نحوه بخطوات سريعة لتضع باقة الزهور على المنضدة المجاورة للفراش وتهتف بحنية.
"كده تخضنا عليك يا عم إبراهيم. لولا البت سارة مكنتش عرفت ساعتها إن حضرتك في المستشفى."
ثم أخذت توزع بنظراتها إلى الغرفة لتجد ورد صامتة وملامحها حزينة. هزت رأسها بلا مبالاة لتلتفت إلى إبراهيم.
"أومال الوزيرة فين؟"
رد إبراهيم بتعجب.
"وزيرة مين يا بنتي؟"
"ليان يا عم إبراهيم. أول ما بدأت تشتغل حسستني إنها بقت وزيرة. لما بأصل بيها مش بترد، يا بلاقيها مقفولة. لولا سارة اللي قالت لي إنها بتطلع الصبح بدري وبترجع البيت مش شايفة نفسها، مكنتش عدّيتها بسهولة. وبعدين أنا أصلًا مش جاية عشانها، أنا جاية للعندليب الأسمر بتاعي. بس أوعى سيادة اللواء يسمعنا، هيخليني أبات التخشيبة."
ابتسم إبراهيم باتساع.
"كلي بعقلي حلاوة يا بنت أيمن. ليان كانت هنا من شوية، مش عارفة راحت فين. إن..."
قاطعت ورد حديث إبراهيم وهي تقوم من مجلسها.
"طب أنا هستأذن وأسيبكم براحتكم."
غادرت الغرفة في هدوء. هتف إبراهيم بعتاب وهو يعلق ببصره إلى ندى.
"إيه يا ندى، ينفع كده؟"
تطلعت إليه ببراءة شديدة وهتفت باستنكار.
"أنا يا عم إبراهيم؟ عملت إيه؟"
"يعني إنتي مش عارفة عملتي إيه! من أول ما دخلتي لا سلمتي على ورد ولا حتى قلتي لها مساء الخير."
هتفت بلا مبالاة وهي تسحب مقعدًا في أحد أركان الغرفة لتضعه بجوار فراشه وتجلس عليه.
"أنا معملتش حاجة. وبعدين حضرتك عارف من وقت ما لفت على خطيب ليان وأنا حاسة إنها السبب في فركشة موضوع جوازهم."
صوت طرقات على الباب منع إبراهيم من الرد على ندى، ليدلف أيمن وتقوم ندى من مقعدها هاتفة بمرح.
"طب أسيبكم أنا وأدور على الوزيرة."
***
خرجت من المشفى بخطوات شبه سريعة. أخذت تجول ببصرها إلى سيارة أجرة لتستقلها للعودة إلى المنزل.
توقفت عيناها عن البحث عندما وجدت شخصًا لم تتوقعه وجوده. لتجد قدميها هي التي تتحرك قبل أن يستوعب عقلها.
لماذا هو هنا؟ ولماذا لم يصعد ليقابله؟ ولما هو في ركن بعيد وكأنه يراقب أحدًا؟
"سيادة المقدم."
هتفت بها بصوتها الرقيق، جعله يفيق من شروده ليتطلع إلى ملامحها الشاحبة وهتف بخشونة يغلف صوته بعض الارتباك.
"ورد! عاملة إيه؟ آه، صح. أنا نسيت أبارك لك بمناسبة كتب كتابك، اعذريني."
لا تعلم متى بدأت الدموع تتجمع نحو مقلتيها. قالت بصوت جاهدت أن يبدو بنبرة هادئة.
"لا، ما إحنا سبنا بعض."
ظهرت الصدمة على قسمات وجهه. مسحت دموعها بكف يديها ورسمت ابتسامة مرحة.
"وأنا الحمد لله. بس إنت ليه قاعد بعيد؟ مروحتش تشوف عم إبراهيم ليه؟ صدقني، أنا عارفة المشاكل بين عم إبراهيم ووالدك، بس عمو إبراهيم طيب جدًا ومش شايل منك. صدقني يا شهاب، روح له. هو محتاج يحس إن الناس اللي بتحبه تكون حواليه."
مرر أنامله على خصلات شعره الكثيفة وهتف بتردد.
"بس أنا يعن..."
لتهز رأسها نافية.
"متترددش، روح له."
ثم نظرت إلى الساعة التي تزين رسغها. همست بأسف.
"الوقت اتأخر. آسفة يا شهاب، بس أنا هضطر أمشي. وزي ما قلت لك، متترددش."
هز رأسه بتفهم وهتف بجدية.
"تمام. أنا كده كده هزوره بكرة. اتفضلي اركبي، إنتي كده أصلًا في سكّتي."
همت بالاعتراض ليقاطعها بحزم. هزت رأسها باستسلام وهي تستقل سيارته وتجلس على المقعد المجاور له.
همت بالحديث معه لكنها بترت عبارتها وهي تجد عيناه مصوبة في جهة معينة قبل أن تتحرك السيارة. عيناه أصبحت لامعة، تعلم تلك النظرة جيدًا.
نظرة عاشق إلى حد النخاع. ولكن لمن؟ ومن تلك الفتاة؟
هل تلك الفتاة علاقة لجعله يصبح كالمراهق ويذهب ورائها كما رأيته منذ قليل؟
علقت ببصرها في اتجاه مرمى عيناه الهائمتين. ملامح غير واضحة. ثانية، ثانيتان، حتى اتسعت صدمة. كتمت شهقتها بأعجوبة.
كيف ومتى وأين ولما هي؟ يعلم جيدًا أنها لا تحب رؤية وجهه. كيف وقع في حبها؟
زفرت بحرارة. يوجد بهم صفة مشتركة الآن. إنهم عاشقون، ولكن عشق من طرف واحد.
ابتسمت بسخرية. ندى يعشق ندى. كيف ذلك؟
يبدو أن الطريق ما زال طويلًا يا صديقي للوصول إلى حصن قلبها. وأتمنى ألا تصبح مثلي فيكفي خسارتي. يجب عليك أن تتحرك قبل فوات الأوان.
***
كل هذا جنون. كل ما تعيشه في الوقت الحالي أصبح جنونًا.
لا تعلم لم عقلها أصبح يستوعب ببطء كل ما يحدث لها في تلك الفترة القصيرة المليئة بالأحداث. عبارة عن جنون، بالتأكيد جنون. لا يوجد تعبير آخر تستطيع أن توصف به ما تعيشه الآن.
تنهيدة حارة خرجت منها وهي تنظر إلى النافذة بشرود، تتجنب نظرة حمزة الفضولية والندامة.
أطلق حمزة صوتًا غاضبًا وهو يضرب بكفه على عجلة المقود بشراسة. "غبي." ولا تعلم هل قالها حقًا أم عقلها بدأ يصوّر أشياء لم تحدث في الواقع.
أغلقت جفنيها بإرهاق ولا تعلم لم أصبحت تشعر بعبق رائحته الجذابة تغزو كيانها وتحطمه، معلنة راية الاستسلام.
***
لا يعلم ماذا فعل لتلك الفتاة المسكينة ليلة أمس. ظل ينهر نفسه بسبب إذعانه لطلب الآخر.
وجهها أصبح شاحبًا كالموتى عندما أتت إليه ونظرات عينيها زائغة. تجنبت الحديث معه وعيناها مثبتة على النافذة.
توجه بخطوات شبه راكضة إلى غرفته. غرفة المكتب عادة كل صباح. يجب أن يعلم ماذا حدث ليلة أمس.
فتح الباب بعنف ليجده جالسًا بأريحية على مقعده يرتشف قهوته بتلذذ ويتفحص الحاسوب بتمعن. رفع الآخر ببصره لتتقابل عيناه البراقة بأخرى دبّت في قلبه الذعر.
يعلم جيدًا تلك النظرات. "اللعنة!" لفظ بها في صوت خفيض.
"ماذا فعلت بالفتاة يا زين؟"
تمتم ببساطة وهو يضع القدح على طاولة مكتبه.
"لم أفعل شيئًا."
جلس على المقعد وهو يحاول جاهدًا أن تبدو نبرته هادئة.
"هل عرضت عليها الزواج كما أخبرتني؟"
رد ببساطة.
"نعم."
بادر بسؤال فضولي اعترى على معالم وجهه ونظرات عينيه الثاقبة والفضولية تركزان على بؤبؤ عينيه.
"أخبرني ماذا قالت؟ هل وافقت أم رفضت؟"
هز رأسه بالإيجاب واضعًا القدح على طاولة المكتب.
"لا توجد فتاة ترفض عرضي."
كانت نبرته يشوبها بعض الثقة والغرور في آن واحد. ضيق حمزة عينيه متسائلًا.
"أرى أنك ما زلت مغرورًا كعادتك يا بني."
"لا يعتبر غرورًا، بل ثقة."
لم يشعر حمزة سوى أن عبوسه زال وبدأت ملامحه ترتخي بعض الشيء.
"إذًا، أريدك أن تخبرني. كونك ترفض الزواج طوال الخمس أعوام السابقة، ما الذي جعلك تغير تلك المبادئ؟ إلحاح جدتك يبدو أنه أفاد بعض الشيء لتلين تلك الرأس اليابسة."
يعلم حمزة جيدًا، رغم عدم حديثه المباشر، إنه يريد أن يطمئن على الفتاة. ليهتف بمكر شديد.
"أعلم أنك ما زلت متخوفًا وقلقًا عليها. لا تقلق، لن آلتهم الفتاة، على الرغم إنني متشوق لفعلها."
شهق الآخر بصدمة من وقاحته. هل يظهر وقاحته مع تلك الفتاة أيضًا؟ هتف بعتاب أبوي.
"تأدب يا ولد."
اتسعت ابتسامة زين وما زالت عيناه تلمعان ببريق غريب وكأن الصياد قد ظفر أخيرًا بفريسته.
"لا تقلق يا حمزة، الفتاة ستصبح زوجتي."
اكتفى الآخر برسم ابتسامة باهتة. لا ينكر أنه يشعر بالقلق. كلا، بالخوف. كونها أول فتاة شرقية تقابله، يخشى أن يكون تمسكه بها افتتانًا، والافتتان سيزول بمرور الوقت، ووقتها سيتركها محطمة. ستصبح بقايا أنثى.
عندما أخبره ليلة أمس أنه يريد الزواج بها، لقد كانت بمثابة الصدمة تعتري على ملامح وجهه.
حاول جاهدًا أن يعلم أي شيء آخر منه، إلا أنه امتنع عن الحديث، وجعله يذهب لجلبها.
ها هي محاولة أخرى قد فشلت، ولكن لن يستسلم بسهولة، وخصوصًا هي. يجب عليها أن تظل صامدة، فهي أمامها جولات كثيرة لذلك المتكتم أمامه. قلق بشدة إن كان ما فعله يجعله يندم، ولكن لا بكاء على اللبن المسكوب.
***
تفاجأ في الصباح برنين هاتفه ويجد ورد تخبره أن عم إبراهيم في المشفى ويريد رؤيته. مكالمة استغرقت لخمس ثوان فقط وأغلقت هاتفها على الفور.
سفر والدته إلى أحد أقاربها جعله لا يعلم ما يحدث لجيرانه الذين يقطنون في نفس العقار.
انتفض من مجلسه وبداخله تساؤلات كثيرة.
ابتسم بسخرية. لما هو متعجل لتلك الإجابات؟
بعد اعترافها بالخطأ وهي تنزع الخاتم وتخبره أن ينهي كل شيء بينهم، لم يخرج من منزله منذ ذلك اليوم وكأنه قرر أن ينعزل بعيدًا عن أعين الجميع. لماذا حتى الآن لم يتركها؟ لم يعطها حريتها؟ أيريد الانتقام منها بعد ما فعلته؟
ما زال يتذكر صوتها. صوتها المؤلم الخفيض يؤرق مضجعه، يجعله يتأفف بين الثانية والأخرى. أي لعنة وضعتيها يا ورد مرة أخرى تجعلني لا أفكر إلا بكِ؟
لا أستطيع يا ورد، لا أستطيع أن أسامحك. يوجد شيء في عقلي ينهُرني بقوة على الوقوع في الخطأ مرة أخرى. يكفي حقًا، لقد سئمت.
***
الجميع مجتمع، ملتف حوله. سعادته أصبحت كاملة، وإن كان يوجد فردان غائبان، ولكن بوجود شهاب فالشق المفقود اختفى.
لم يغب عيناه عن تلك النظرات العاشقة المرتسمة على ملامح شهاب. هو الآخر يحب، بل يعشق إلى حد الجنون، والأخرى غبية لا تعلم أن تلك النظرات المتيمة لها فقط.
جال ببصره إلى ورد ونظرات عينيها المكسورتين الذليلتين وهي تشيح ببصرها عن مرمى عينيه. تجلس بجوار شهاب مبتعدين عن الآخرين وكأنهما منبوذين. عيناها قد فقد بريقه وانطفأ شعلته. ليس الحب الذي جعلها تنكسر، يوجد شيء آخر وهي تتهرب من إجابته في كل مرة.
ابتسم في عذوبة وهو يرى المشاكسات من طفلته الصغيرة سارة مع شقيقتها وندى، ونظرات سعاد المطمئنة والحنونة جعلت ابتسامته تزداد اتساعًا.
انتفضت ورد من مجلسها عندما رأته. لقد جاء، لم يخيب ظنها.
نهرت عقلها وبقوة وهي تزجر نفسها. غبية، لم يأتِ إليكِ بل جاء إلى والد محبوبته. استأذنت على الفور بكلمات خافتة بالكاد تسمع لتخرج بخطوات شبه راكضة خارج الغرفة، بل المشفى بأكمله، وهي تهتف لا تريد رؤيته مرة أخرى، جرحها لم يلتئم بعد.
نظرة من إبراهيم جعل شهاب الآخر يذهب خلفها وسط نظرات الجميع المتعجبة ويوسف المقطب الوجه.
ابتسم بسخرية. يبدو شهاب الآخر لا يفوت فرصة في اقتناص كل فتاة يرتبط بها، حتى وإن كانت تلك الفتاة لا يريدها.
سحب إحدى المقاعد ليجلس عليه بالقرب من الفراش، وبدأت سارة مرة أخرى بمرحها المعهود تعيد الأجواء التي تكهربت منذ قليل إلى أخرى صافية.
عدة دقائق ليست بالقليلة مرت ليجدها عادت مرة أخرى بصحبته بملامحها الشاحبة وأعينها ذابلة، ورغم ذلك رسمت ابتسامة مغصوبة وكأنها تخبرهم أنها بخير.
مستندة على كتف شهاب ويحيط خصرها بذراعه عبارة عن دعامة تجعلها تظل ثابتة رغم قدميها الهلاميتين لتجلس على مقعدها مرة أخرى وهو بجوارها يهتف بهمس بعبارات هادئة، والأخرى تستمع له وتهز رأسها بالإيجاب واكتفت بعبارات مقتضبة.
ذلك المشهد لم يغب عنه بالطبع وهو يتفرس في ملامح يوسف الذي يراه منذ أن دلفت معه. اتسعت عيناه صدمة لم تلبث عدة ثوانٍ، لكنه لم يجفل عنها لتتحول قسمات وجهه إلى أخرى لا مبالية ساخرة.
***
ابتسمت بارتباك وبدأ تتصاعد وجنتيها من الخجل والحرج ومن كل ما يفعله معها. اصطحبها إلى مطعم قريب من المشفى. وسط تناول الطعام قررت شق ذلك الصمت وهي تبتسم.
"مقولتليش إمتى بقى حبيتها؟"
وجدت معالم وجهه المعترضة لتهتف بابتسامة واسعة.
"على فكرة، إنت مكشوف جدًا. ده الكل لاحظ، حتى هي، بس مع ذلك حساها طنشت ومبتعبرش."
حمحم بجدية وهو يتناول كوبًا من الماء وقد شعر بأن حلقه قد جف.
"للدرجة دي؟"
وما كان الرد سوى ابتسامة تتسع تدريجيًا رغم ذبول وجهها.
"جدًا."
"أومال هي ليه بتصدني كل ما بحاول أقرب منها؟ الكلام ده أنا هقوله لأول مرة لحد، لأني بجد تعبت وعايز أخرج اللي جوايا."
هزت رأسها وهي تتابع بأعين منتبهة، متيقظة، فضولية. زفر بحرارة وهو يستعيد بذاكرته إلى أول يوم رآها مع ليان. كانت بملامح أنثى شرسة شامخة. وجد قلبه يدق بعنفوان بمجرد رؤيتها. ظل يتخذ إيصال ليان لمنزلها وسيلة لرؤية تلك التي خطفت عقله وقلبه منذ أن رآها.
زيارات متكررة وحجج مبتذلة، وهو أصبح كمراهق عاشق رغم تخطيه الخامسة والثلاثين وهيبته في عمله.
ولم يحظَ سوى بالرفض أو بالنفور منها ومن ليان التي بدأت تشعر هي الأخرى بالاختناق من كثرة وجوده.
"مش هقولك غير نصيحة واحدة بس: إلحقها قبل ما تخسرها. حاصرها، هاجمها، لازم تسمعك. متلفش حوالين ليان، يمكن هي فاكرة إنك معجب بليان. إلحقها يا شهاب، بجد إنت إنسان تستاهل كل خير."
عباراتها كانت صادقة، ليهمس بامتنان.
"بجد مش عارف أقول لك إيه يا ورد."
"يا سيدي، أنا مقلتش حاجة. كل اللي قلته إنك بس تروح وتواجهها. حطها قدام الأمر الواقع علشان تكلمها. معندكش حل تاني علشان تقف وتسمعك."
ظلت تتحدث وتتحدث وهي غافلة عن ذلك الذي يراقبها على بعد مسافة ليست بالبعيدة، وهو يهتف بسخرية.
"لا، واضح مش بتضيع أي فرصة بتجيلها."
***
هدأت أجواء الغرفة. أخذت نفسًا عميقًا وزفرته على مهل وهي تستعد لتخبر عائلتها بالذي يريد أن يتزوجها.
بالله كيف ستخبر عائلتها أن رجلًا غريبًا رغم أصوله العربية يريد أن يتزوجها والسبب مجرد شائعات غبية؟ لما هي بالتحديد؟
يستطيع أن يتزوج بفتاة أخرى؟ سؤال لن تجد إجابته مطلقًا إلا إن قرر يخبر فعلاً إجابتها؟ رغم ضيقها وهي تشعر أنها أداة لحل بعض مشكلاته.
ومع ذلك لم تجد حلًا آخر سوى ذلك. ستتزوجه لمساعدة أبيها.
حمحمت بصوت عالٍ جاذبة انتباههم لتهتف بصوت جاد.
"بابا، أنا جالي عريس."
وما كان سوى انتفاضة سارة وهي تهتف بتوجس تاركة سعاد وإبراهيم يستوعبان ما قالته.
"مين؟"
"زين... زين الحديدي."
اتسعت أعين الجميع بصدمة، وسارة التي ما زالت لا تصدق ما تفوهت به أختها. كيف حدث ذلك؟ هل تهذي أختها؟ أم تمزح معهم؟
إلا أن نظراتها الجادة لا تشي بذلك. انتقلت بعينيها إلى والدها وهو الآخر ينظر إلى شقيقتها بغموض وتعبيرات وجهه هادئة. لقد فاتها شيء بالتأكيد، قد فاتها ولن تتزحزح حتى تعلم ما الذي حدث في غيابها.
انتشلها أبيها من أفكارها التي تتلاطم ليهتف إبراهيم بهدوء.
"وأنا مش موافق."
رمشت بعينها عدة مرات وهي لا تصدق. والدها رفض دون أن يراه؟ هكذا وانتهى الأمر.
رواية زوجتي الشرقية الفصل التاسع 9 - بقلم سيليا البحيري
وأنا مش موافق.
رمشت بعينيها عدة مرات وهي لا تصدق، والدها رفض دون أن يراه؟ هذا هو وانتهى الأمر؟
نظر إلى ملامحها المصدومة وفمها الذي انفرج قليلاً ليهتف بابتسامة:
أنا مش موافق حالياً، لما نرجع البيت يبقى لينا قاعدة.
قاطعته حاسمة وقد ردت الروح إليها:
لا يا بابا هو عارف.
غمزت سارة بمرح مائل للخبث:
يا بيبو العريس مستعجل ومستعجل جداً وخير البر عاجله.
كزت ليان على أسنانها ضاغطة على كل حرف:
بنت انتي خليكي في حالك.
عبست سارة ملامحها:
تصدقي أنا غلطانة، ارفضي يا حج إحنا معندناش بنات للجواز.
ضحك إبراهيم وهو يراقب مشاكساتهم:
خلاص يا سارة سيبى البنت شوية.
صمتت سارة وهي تتطلع ليان بخبث. هتف إبراهيم بهدوء وهو يوجه ببصره إلى زوجته التي لم تنبس ببنت شفة:
إنت إيه رأيك يا سعاد؟
ردت سعاد وهي تمط شفتيها:
رأيي من رأيك يا حج.
تمتم إبراهيم:
طيب يا بنتي على بركة الله... خليه يجيب حد كبير معاه علشان نتفاهم ونعرف الدنيا ماشية إزاي ووقتها أنا هقرر نوافق يا نرفض.
بلعت ريقها بتوتر وهي تستمع إلى نبرة والدها الحازمة. لن يكون هيناً معه إذا.
عاد إلى منزله وهو عازم على أن يصرح بحبه لها، لكن يجب أن يجعلها تستمع له.
ابتسامة عاشقة ارتسمت على ثغره وهو يدندن في خفوت ليتوجه إلى غرفته.
خلع حذاءه والقميص ليلقيه على الأرض بإهمال واستلقى على الفراش وهو يشرد إلى الماضي.
لم يكن لديه أخ أو أخت، كان وحيداً. مشكلته أنه خجول نوعاً ما. سبب له ذلك الأمر الكثير من المشاكل عندما كان صغيراً. توفت والدته عندما كان في السابعة من العمر. والدته كانت بمثابة أم وأب وصديقته، على الرغم من وجود والداه إلا أنه لم يهتم به ولو للحظة، كان والده كل همه جني الأموال.
كان دائماً يردد لأمه: لماذا جميع الأطفال في المدرسة لديهم أشقاء وهو بمفرده ليس له أخ أو أخت؟ لتخبره أنه لديه بالطبع، بنات عمك هم شقيقاتك في الدنيا فأحرص على أن تعتني بهم.
كانت بمثابة وصية، وبالفعل اعتبرهم مثل شقيقاته حتى وصل إلى الخامسة عشر من العمر وكان مكتفياً بعلاقته مع عدد معين من الأشخاص لا يخرجون من نطاق عائلته.
ليان التي كانت المتذمرة من وجوده يومياً في منزلهم وتخبره بأن يصاحب من في عمره. والشقية سارة التي كانت تخبره بأن يأتي لها بالحلوى حينما يأتي، وجميلة العائلة ورد التي كانت تكون شبه مقيمة في منزل عمه حتى في المرحلة الثانوية.
وبالفعل حينما التحق بالمدرسة الثانوية قلل من مجيئه إلى منزل عمه وتغلب على تلك العقدة وبدأ يكون العديد من الصداقات مع من يجدهم متشابهين معه في أفكاره. حتى التحق بكلية الشرطة واجتهد حتى أصبح اسمه الآن يلمع في السماء "المقدم شهاب عز الدين". حينما علم بمرض عمه طلب من والده أن يساعد أخيه لكن والده رفض والسبب لا يعلمه حتى الآن، وعندما طلب من عمه الآخر الذي يقيم في الخليج رفض هو الآخر.
ظل واقفاً حائراً لا يعلم ماذا يجب أن يفعل. وقف مكتوف الأيدي. ليس معك المال الكافي يا شهاب لتساعد عمك! والسبب والده الذي قام بتجميد ماله في البنك ليعيش فقط على راتب وظيفته. ترك منزل والده وهو يشعر في المنزل بالاختناق يكسو صدره ليقرر الانتقال إلى منزل صغير مقارنة بمنزل والده وهو راضٍ.
ردد في داخله سؤالاً: ما هو السبب الذي جعل الأشقاء يتخاصموا؟ مهما بلغت الأسباب فلا يمكن أن تكون الأشقاء بتلك القسوة.
زفر بحرارة وهو يعود مرة أخرى إلى الحاضر.
ها هو قد أصبح ذا وظيفة مرموقة تجعل جميع العائلات تتهافت عليه، فهو بمثابة عريس لقطة. ولكن هو يريدها هي. يريد أن ينال قربها، أن ينال موافقتها هي. يريد تلك الأنثى التي تجعله يحلم كل يوم وهي زوجته. يريد أن يشعر بانتظام تنفسها على أوتار قلبه. يريد نــــدي!
وجدت حمزة في الصباح التالي يتوجه إلى غرفته واستمرت عدة ساعات وهما بمفردهما وهي واقفة أمام باب الغرفة متوترة، حائرة.
ماذا يفعلون في الداخل كل ذلك الوقت؟ حبات من العرق تجمعت عند جبهتها وهي تبتلع ريقها بتوتر وتفرك يديها بنفاذ صبر.
شعرت بملمس يد شقيقتها سارة تربت على ظهرها وهي تهتف بمكر:
إهدي يا حبيبتي أنتِ مش هتتجوزي دلوقتي علشان تتوترى كده، أومال هتعملي إيه في المرحلة اللي بعدها.
لكزتها بمرفقها بخفة وهي تصيح بحدة زائفة:
بنت انتي متقربيش مني، أنا على أعصابي من الصبح وممكن أفقدها في أي لحظة وأتهور.
ضحكت سارة بشقاوة لتلتف إلى والدتها سعاد التي لم تنبس ببنت شفة منذ أن أتى حمزة.
نظرات والدتها رافضة، ممتعضة. ستتحدث معها.
ولكن يجب أولاً أن تطمئن ماذا سيحدث؟ هل سيوافق أبيها أم يرفض؟
قلبها يضطرب بعنفوان من القادم. تخشى من القادم بشدة.
خفتت ضربات قلبها عندما وجدت حمزة خرج أخيراً وعلى وجهه ابتسامة ناعمة تراها في وجهه البشوش.
لتكن سارة هي أول من نطقت بلهفة:
طمنا يا عم حمزة، بابا قال إيه؟
اتسعت ابتسامته هو الآخر وهو ينظر إلى ليان بجدية:
ألف مبروك يا عروسة.
ماذا؟ هل والدها وافق؟ كلا، إنها تحلم.
سارعت سارة باحتضان شقيقتها التي لم تبدِ رأياً، فعلت هي الأخرى وظلت تنهال عليها بالمباركات. وكأن شقيقتها بعد أن علمت ذلك الأجنبي حتى انقشع العبوس وحلت محلها ابتسامة عريضة. نظرت إلى والدتها التي أشاحت بوجهها إلى الجهة الأخرى لتغلق جفنيها بأسى، فهناك طرفاً لم يوافق بعد.
أغلقت الهاتف بعنف بعد تلك المكالمة التي أشعلت جنونها. احتضنها آدم برقة رغم انفعالات جسدها:
إهدي حبيبتي، ما الأمر؟
ابتعدت عن ذراعيه بضيق وقالت:
زياد.
أغمض آدم جفنيه وهو يلعن ذلك الزياد الذي سبب في كدر صفو شهر العسل الخاص بهم:
وماذا فعل تلك المرة سيد زياد؟
سيتزوج.
اتسعت عيناه دهشة وهو يهتف بسخرية:
حقاً؟ هل قرر أخيراً أن يتزوج ومن تلك تعيسة الحظ؟
أخذت تدور حول نفسها وهي تسب وتلعن:
الذي كنت خائفة منه حدث. تباً لغبائي، تباً، ما كان علي أبداً أن أفعل ذلك.
ظل الآخر ينظر لتلك التي تتحدث بمفردها ليرتفع حاجبه الأيسر بتعجب. لقد جنت الفتاة، ولم يهنأ بذلك العسل. تباً لك يا زياد.
ليلى.
صوته كان جهورياً جعلها تتوقف عما تفعله وهي تنظر إليه بريبة وملامحه الغاضبة تتجلى في صفحات وجهه:
ماذا؟ لماذا تنظر إلي هكذا؟
رد في غموض:
هل تظنين أن ذلك الزياد سيجعلني أستسلم مما أريده؟
نظرت إلى عينيه التي أظلمت وحل وجه تعبير مبهم. اللعنة، بماذا يفكر الآن؟ إنها في كارثة وهو غير عابئ.
آدم، ليس هذا وقت لذلك الحديث.
وفي ثانية فصل المسافة الفاصلة بينهما ليحملها بخفة متوجهاً نحو غرفتهما وهو يهتف مقاطعاً أدنى اعتراض:
إنه وقت ذلك الحديث. وعندما نعود إلى لندن سأسألكم وجه ذلك الرجل.
عباراتها المعترضة خفت قليلاً وسط عناقه الملتهب. جعل شفتيها تصمت بطريقته الخاصة، الخاصة جداً.
وما عليها سوى أن تنساق وراء تلك المشاعر الجامحة لترتفع بيديها تحيط عنقه وتغرق معه في دوامة العشق. متناسية أو تناست ما حدث منذ قليل.
تم الزواج بسرعة البرق وأصبحت رسمياً زوجته، زوجة زين الحديدي. منذ عدة أشهر كانت تريد أن تعقد لقاء صحفياً معه لتصبح بين ليلة وضحاها زوجته. قشعريرة دبت في جميع أنحاء جسدها عندما تلاقت عيونهم. ليقترب منها في هدوء غير عابئ بجميع من في الغرفة.
دنا منها بخفة وطبع قبلة على وجنتيها. قبلة عميقة ذبذبتها. تشعر بالفراشات التي تتراقص في معدتها وجفنيها الذي انغلق منذ أن دنا منها وأنفها الذي التقط رائحة عطره التي حفظتها عن ظهر قلب. وقلبها الذي يدق دقا مخيفاً سمعته يهمس:
مبارك لك زوجتي.
فتحت جفنيها لتقابل عينيه البراقتين. نظراته مثبتة على شفتيها. شهقة خافتة خرجت منها. الوقح، ما الذي يفكر به الآن؟ هل يريد أن يُقبلها وسط أعين الجميع؟ كلا، لن يحدث أبداً.
اكتفت بإيماءة بسيطة لتسرع على الفور هاربة منه وسط نظراته الماكرة وهو يطالعها تبتعد عنهم بخطواتها المقاربة للركض.
إذاً متى ستسافران؟
صوت حمزة الهادئ جعلها تشيح ببصرها عنها وتهتف بجدية:
الليلة سنسافر. والطاقم الطبي مستعدون أيضاً، لا يوجد داعي للاستمرار هنا بدون فائدة.
هز رأسه وهو لا يصدق حتى الآن أنه تزوج.
هل سافرت عائلتك؟
رد ببساطة:
صباح اليوم غادروا.
ثم تابع متسائلاً:
هل أخبرت جدتك؟
قال بصوت شبيه بالمكر:
نعم. رغم أن جدتي تعلم منذ بادئ الأمر يا حمزة.
غمغم حمزة ببرود:
بالطبع يجب أن تعلم ماذا يفعل حفيدها بمفرده.
هز رأسه هو الآخر وتوقف عن الحديث.
ليراها تقبل تهاني ذلك الزواج بابتسامة مغصوبة وعيناها تخونها لتسترق النظر إليه بين الحين والآخر وهو يتحدث بصوت خفيض مع حمزة.
فزعت من صوت ندى وهي تهتف بخبث:
حاسب على عينك يا جميل، ده انتوا لسه متجوزين متقوليش إنه وحشك. تعرفي وأنا داخلة الشهر العقاري ولقيت أسود بره الباب قاعدين حسيت إني داخلة بقابل وزير الداخلية.
لا تعلم لماذا يحتمي بكل تلك الأعداد الغفيرة من الرجال الشبيهة بالأسود كما قالت ندى. ابتسمت بسخرية وهي تتذكر عندما كانت تسير نحو الغرفة مستمعة إلى همهمات الجميع عن ذلك الرجل الثري. كان يبدو وكأنه رئيساً يتفقد أحوال رعيته. جعل جميع من يعملون في الشهر العقاري فضوليين عن ذلك الشخص. وذلك الحدث من المؤكد سيبقى حدثاً لعدة أيام قادمة.
انتشلتها سارة من شرودها:
ليان عملتها واتجوزت واحد أجنبي علشان تحسن السلالة اللي جاية، عقبالي يا ر...
تأوهت بوجع عندما لكزتها ليان بقوة على معدتها، لتمتعض ملامحها:
إيدك بقت تقيلة يا ليان. في حد لسه متجوز يضرب الخلق كده؟
ضحكت ندى بصوت رنان جعل قلب شهاب يطرب فرحاً. بعد تمام الزواج ليأخذ بأغراضه ويرحل في صمت عازماً على أمر واحد: سيجعلها تتزوجه.
إنتهى كل شيء. طلقها يوسف وغادر إلى مكان لا تعلمه. باع المنزل وترك وظيفته، ولا أحد يعلم وجهته.
مازالت تتذكر بعد أن سافر إبراهيم وذلك الزواج المفاجئ الذي حدث في غمضة عين.
ليطلقها في اليوم التالي بعد رحيل ليان وعائلتها إلى لندن. من المؤكد سمع الخبر ولم يستطع أن يتحمل كونها تزوجت رجل آخر غيره. ابتسمت بمرارة وهي تتطلع إلى المرآة وتتحدث:
أنتِ أيضاً سترحلين يا ورد. سترحلين للأبد. لن تصبحي ذكرى لأحدهم.
ولكن قبل أن ترحل يجب أن تجمع بين شهاب وندى. لا تريد قصتهم أن تصبح مثلها. أن تنتهي بمأساة حتى وإن كان حبها مجرد من طرف واحد.
هي شبه متأكدة من أن ندى لا تكره شهاب. يوجد سبب مبهم تمتنع منه.
هي خائفة. تخشى الوقوع في الحب.
لأن الحب ما إن أصابك بسهامه فإنه سيأخذ المقابل منك. ويجب عليك أن تدفع ذلك المقابل.
سحبت نفساً عميقاً لتزفره على مهل. وأعينها تلمعان ببريق التحدي والإصرار. ستنفذ تلك المهمة شبه المستحيلة ولن تتراجع أو تستسلم حتى تصل إلى خط النهاية.
بدأ شهاب يطاردها كالشبح في كل يوم وكل مكان. يبعث برسائل نصية على هاتفها وكانت عبارة عن تحكمات فقط: لا ترتديه هذا، ضيق، قصير. لا تضعي أحمر شفاه. اللعنة عليه.
منذ متى يتدخل أحد في شؤونها ومنذ متى هو يتدخل في شئونها بل يتحكم بها؟ حسناً، الإجابة هي بعد سفر ليان.
ولكن كلا، يكفي. ستضع حداً لذلك الأمر. ماذا يظن نفسه؟ والدها؟ أخيها؟ زوجها؟
تنهدت بضيق وهي تغلق باب منزلها بعنف، لتصيح بصوت مرتفع:
سميـــرة!
لتترك تلك سميرة ما في يديها وتتوجه نحو سيدتها وتهتف:
أيوه يا ست ندي.
رمت حقيبتها بلا مبالاة وجلست على الأريكة بارتياح:
بابا جه؟
أيوه في أوضته.
طيب اعمليلي كوباية شاي سادة لغاية لما أجلك على المطبخ.
وأومأت سميرة بإذعان وعادت مرة أخرى إلى المطبخ، لتقطع الخضروات وأيضاً لكي تستكمل دروس في فنون الطبخ.
توجهت نحو غرفة والدها. طرقت عدة طرقات خفيفة لتستمع إلى صوت والدها يأذن لها بالدخول.
يا سيادة اللواء مساء الخير.
قالتها بمشاكسة وانتقلت عيناها إلى حقيبة السفر. عبست ملامحها:
إيه يا بابا حضرتك هتسافر فين؟
أجاب في غموض:
رايح على البلد في حاجات عايز أصلحها.
رمشت بعينيها عدة مرات وهي تحاول فك شفرات كلماته الغامضة:
حضرتك هتسافر البلد؟ وحاجات تصلحها؟ هو في إيه يا بابا؟
أغلق أيمن سحاب الحقيبة متوجهاً نحوها طابعاً قبلته على وجنتيها:
هفهمك كل حاجة يا حبيبتي لما آجي. هنزل أنا علشان ألحق القطر.
سحب حقيبته معه وغادر الغرفة، لتعقد حاجبيها وهي تحلل حديثه.
عائلة لوالدها. قرية. إصلاح مشكلة قديمة. يبدو أنه حدث كارثة. كارثة كبيرة منذ زمن بعيد.
أسبوعان مرا بعد نجاح عملية والداها وعاد والدها كما كان في سابق عهده. تنهدت بارتياح لقد انزاح عبئاً ثقيلاً.
ولكن أين هو؟ لم تراه حينما خطت بقدميها إلى تلك البلد الأجنبية. لا تعلم شيئاً عن تلك البلد الغريبة. أسيتركها عندما ترحل عائلتها وتكون بين أربعة جدران؟
حمزة الذي جالس معها منذ الصباح الباكر إلى المساء طوال ذلك الأسبوع. وهو لم يكلف نفسه حتى بالمجيء ولو لنصف ساعة فقط.
لا تعلم عنه أي شيء. حياته. صفاته. ما الذي يحبه وما الذي يكرهه.
صوت والدها جعلها تخرج من شرودها:
مالك يا بنتي في إيه؟ قاعدة طول الوقت سرحانة؟
تهكمت والدتها سعاد من ذلك الوضع وخصوصاً زوجها الذي لم تراه سوى مرة واحدة عند المطار:
فين جوزك يا بنتي؟ ده أنا يدوب شفته بالصدفة في المطار.
والحجة كما هي لن تتغير ولن تغيرها حتى تراه:
عنده شغل متراكم عليه يا ماما.
مصمصت سعاد شفتيها بدون إحسان:
الكلام ده لو أنتِ مقتنعة بيه أصلاً.
بالطبع ليست مقتنعة به. تريد سارة أن تأتي. لينتهي ذلك التحقيق.
هتفت بهدوء مخالفة وهي تغير مجرى الموضوع:
وبعدين يا ماما هو جه المستشفى قبل ما نتجوز وإنتي مرضيتيش تشوفيه.
ردت سعاد بضيق:
يعني وقت ما تتجوزي نجوزك بالطريقة دي؟ أنا مش عارفة يا حج إنت إزاي رضيت بالوضع ده. دي بنتك يا حج تتجوز كده من غير ما نعملها فرح.
والدتها مصرة على أن تقحمها في ذلك الأمر ولن تخرج منه إلا إذا اقتنعت بالأمر:
يا ماما أنا راضية. مش مهم الفرح والناس وبعدين أنا عملت بيهم إيه في المرة اللي فاتت.
نبرتها واهنة وحزينة. بدأت الدموع تتجمع نحو مقلتيها:
صدقيني أنا حاسة المرة دي اخترت صح.
تدخل إبراهيم منهياً ذلك الحديث الذي بدأ لا يتغير:
خلاص يا سعاد، بنتك أدرى بمصلحتها.
غمغمت برفض:
بس يا حج.
سيبي البنت تشوف نتيجة اختيارها.
قامت سعاد من مقعدها وهي تتجه إلى الخارج:
طيب، لما نشوف.
أغلقت الباب خلفها بعد أن أعطت الممرضة مخدر لوالدها، لتجد سارة تتحدث مع حمزة والذي يبدو عليه قد أتى منذ قليل. جلست بجوار والدتها وهي تهتف بنبرة خفيضة:
ماما من فضلك قوليلى بس ليه مش موافقة على جوازي؟
ردت سعاد بنبرة مماثلة:
أنا مش معترضة غير على جوزك بس.
ردت في عجالة وهي تحاول إقناع والدتها:
صدقيني يا ماما أنا بكامل قواي العقلية وافقت عليه. أنا حاسة إني هرتاح معاه.
قالت سعاد بنبرة جادة:
يا بنتي أنتِ متعرفيش عنه حاجة وأبسطها هو ليه مجاش لحد دلوقتي.
غمغمت وهي تعيد تلك الجملة للمرة الألف:
عنده شغل يا م...
قاطعتها سعاد بنبرة جامدة:
شغل إيه ده اللي يخلي الراجل يسيب مراته وما يعرفش أخبارها إلا من السواق بتاعه؟ الراجل ما بيقدرش يبعد عن مراته حتى لو عنده هموم الدنيا كلها.
تفاجأت من سؤال والدتها الصريح:
إتجوزتيه ليه؟ علشان بتحبيه؟
صمتت لا تعلم ماذا تخبرها. وجهها تورّد باللون الأحمر وبدأ يرتفع معدل نبضات قلبها:
وانتِ شايفة إيه؟
اعتمدت أسلوب المراوغة لتتهرب من الجواب، لترد سعاد بنفاذ صبر:
ما أنا شايفة كويس جداً يا بنت بطني. بتتجاهلي تنطقي اسمه وكأنه حد غريب مش جوزك. ووشك اللي بيتقلب سبع ألوان ده كفيل بأني عايزة أطمن عليكي يا حبيبتي. لما تكوني أنتِ وهو لوحدكم. أنا قلقانة عليكي في الغربة يا بنتي.
بترت عبارتها عندما وجدتـه. رأته يتقدم نحوهم بخطوات رشيقة. يرتدي بذلة سوداء بدون ربطة عنق تعطيه هالة من الجاذبية وخصلات شعره الكستنائية المنمقة جعلتها ترتعش وهي لا تصدق ذلك الوسيم زوجها.
هتف بعبارات مقتضبة مع حمزة لتجده بعدها يتقدم نحوهم بخطوات هادئة:
صباح الخير.
هتف بها ببحته المميزة. لتشيح سعاد وجهها للناحية الأخرى وتهتف بتهكم:
أهو وتاني سبب بيبرطم إنجليزي طول الوقت.
شقت ابتسامة واسعة، رافعة ببصرها نحوه نحوه لتتقابل أعينهم لثوانٍ لتهتف بمزاح لوالدتها:
إيه يا معلمة الأجيال. أومال الجيران اللي كانوا بياخدوا دروس تقوية في الإنجليزي عندك كانوا بيعملوا إيه؟
سمعت صوته مرة أخرى وكأنه يقاطع حديثهم:
أريدك ليان لبضع دقائق.
روحي شوفي جوزك عايز إيه.
صوت والدتها الحازم جعلها تقوم من مجلسها وتتبع خطواته بهدوء تحت نظرات سارة الماكرة وحمزة الباسمة.
أغلق الباب خلفه بعد أن دلفت. هو وهي الآن بمفردهما وزوجته أيضاً. جال ببصرها إلى الغرفة لتجدها غرفة تحتوي على فراش وأريكتين. تريد أن تعلم ما دورها؟ أين هي في حياته؟ هتفت بتساؤل:
زواجنا.
ما به؟
هتف بنبرة باردة وهو يتقدم نحوها بخطوات مدروسة ومخططة.
ارتدت للخلف عدة خطوات وأصبح نبرتها مهزوزة:
ما هو وضعي؟
حك طرف ذقنه وهو يهتف بسخرية:
أظن أنك زوجتي يا ليان.
تسمرت قدماها وهي ترى عيناه أصبحت لامعتين ماكرتين. ما الذي يفكر به الآن؟ لا تعلم مغزى حديثه.
لديها أسئلة بما أنها أصبحت زوجته. لا داعي الآن لتفكر وتحلل جملته:
أريد أن أعلم من أنت. إنك غريب عني. لا أعلم عنك شيئاً وعائلتك أيضاً. أشعر أنني تائهة. لقائنا غريب وزواجنا أغرب.
لما تزوجت فتاة شرقية؟ ولما أنا بالتحديد؟
لا تخبرني بسبب الصحف الصفراء تستطيع أن تتزوج الفتاة هنا؟ لما استغليت ضعفي ووالدي لتجبرني على الموافقة؟
ظلت تتحدث وتتحدث تحت نظراته المبهمة ودموعها أخذت مجراها في الحديث:
أريد أن أطمئن والدتي. هل خياري صحيح أم خاطئ؟ أخبرني أرجوك.
احتضن بكلتا كفيه وجهها وأنامله تمسح دموعها ليهتف:
ستعلمين كل شيء في الوقت المناسب.
وختم عبارته بقبلة خفيفة على وجنتيها. إحمر وجهها خجلاً وما زال عقلها يفكر في إجابته الغامضة.
كان في طريقه للخروج. استدار وتوجه ناحية الباب. لن تتركه حتى تعلم وضعها.
همت بالحديث لتسمع صوت إغلاق الباب. لقد غادر مثل الزيبق ولم تحصل على أي إجابة منه. ولم تعلم لماذا جاء وماذا كان يريد منها.
ظلت تسبه وتلعنه وتعلن نفسها.
يوم الجمعة عادة كل صباح تذهب إلى النادي برفقة والدها. ولكن اليوم ستذهب بمفردها بسبب سفر والداها إلى عائلته.
أين عائلته؟ إنها لا تتذكر منذ أن كانت صغيرة والدها يتحدث عن عائلته.
رمت حقيبتها الرياضية في المقعد الخلفي وهي تزفر بضيق. لقد رحلت صديقتها وتزوجت وهي ستقضي روتينها اليومي الممل بدون رفقة أحدهم.
تأففت للمرة التي لا تعلم عددها وهي ترى هاتفها يدق. تطلعت لهاتفها لترى اسم المتصل. ولم يكن سوى شهـــاب.
ذلك الشهاب الذي تكلمه في وجهه الرجولي الجذاب. آه يا ندى ما الذي تفكرين به الآن!
وضعت هاتفها على وضع الصامت لتذهب للنادي.
شهقت بفزع عندما وجدت يد فولاذية تمسك عضدها وتمنعها من فتح باب سيارتها:
مبتدريش على تلفوني ليه؟
أزاحت بيدها بعنف مزجرة بغضب وهي تلتف يميناً ويساراً ولا تجد أحد من المارة:
انت اتجننت؟ أوعك تفكر تلمس إيدي تاني يا حيوان.
ارتعدت بقوة وهي ترى معالم وجهه التي تغيرت وأصبحت ملامح شرسة.
استندت بظهرها على سيارتها وهتفت بنبرة جاهدت أن تبدو قوية:
لو قربت مني هصوت وهلم عليك الناس كلها.
ظل يتفرس ملامحها ثم ألقى ببصره إلى ثيابها. آسف، هل قال ثياب؟ أي ثياب تلك التي ترتديه بداية من تنورتها البيضاء القصيرة ومن الأعلى قميص قطني بنصف أكمام يكاد يصبح كجلد ثان لها.
إيه القرف اللي انتي لابساه ده!
زعق بها غاضباً وهو يفصل الخطوات التي بينهما ويداه امتدت لعضدها ليتمسك بها بعنف. ظل بصره معلقاً على ثيابها ثم إلى عينيها المحدقة به بذهول.
ارتبكت قليلاً من وضعهم المحرج. تشعر بأنفاسه الساخنة وكأنها حمم بركانية تلمس بشرتها. ثوانٍ قليلة لتستعيد شخصيتها وهي تصيح بانفعال:
انت ملكش دعوة بيا أصلاً. متتحكمش فيا. أنا مش أختك علشان تقولها تلبس إيه ومتلبسش إيه؟
نـــــــدى.
ارتجفت أوصالها بسبب نبرته المخيفة لتجده يدنو نحو أذنيها وانفاسه الهادرة لا ترحمها:
آخر مرة أشوفك باللبس ده، فهمتي؟
هزت برأسها نافية:
ده لبس الرياضة بتاعي ولو مش عاجبك اضرب دماغك في أقرب حيط.
نبرته لانت قليلاً وهو ما زال على وضعهم الفاضح بالنسبة للعامة. ذراعه تمسك بعضدها بشدة والأخرى اتخذت طريقها لخصرها ورأسه مائلة إلى عنقها:
لسانك ده هقصهولك يا ندى وأنا عارف كويس إيه الطريقة اللي هتخلي لسانك المتبري منك ده يسكت خالص.
ارتفع أوتار قلبها وهي تفهم مغزى حديثه. ولسانها لا يخرج من جوفها. لو كان آخر لكانت صفعته ثم ركلته بقدميها وأخذته إلى أقرب مخفر للشرطة. لو كان آخر. ولكن ماذا عنه؟
تطلعي زي الشاطرة وغيري المسخرة دي. وعالله أشوفك باللبس ده تاني وياويلك يا ندى لو لقيتك رميتي كلامي بعرض الحائط.
لم يكن يوجد معها حلاً سوى الخضوع في الوقت الراهن. لكنها لن تصمد، ستأخذ حقها منه.
تقابلت عيناها البندقية بعينيه العسليتين التي تتحول تدريجياً إلى أخرى داكنة. عيناه راغبة يتفرس معالم وجهها بارتياح وانفاسه الهادرة تلفح وجهها.
ألصق جبينه بجبينها سارقاً أنفاسها الناعمة وعقله ما زال متيقظاً أنهم في مكان عام.
همس بصوت أجش:
متختبريش غضبي يا ندي.
حالة من اللاوعي تختبره لأول مرة. عيناه الراغبة تخيفها بل ترعبها ومع ذلك جسدها متيبس يرفض الإذعان لعقلها للهروب.
يداه التي تتمسك إلى عضدها أخذت طريقها للأسفل لتكون بجانب يده الأخرى. ذراعيه تتمسكان بخصرها وكأنها طوق النجاة من الغرق. تأججت انفاسها وتلعثمت في حروفها وهي تحاول أن تفيق من تلك الحالة.
ليقطع خلوتهم صوت أجش جعلها ترتبك و...
يا نهار أبيض. يا فضحتنا يا خوانا يا فضيحة عمارة. إيه قلة الحيا على الصبح ده.
وما كان ذلك صوت سوى بواب العمارة حمدي.
رواية زوجتي الشرقية الفصل العاشر 10 - بقلم سيليا البحيري
انت بتتكلم بجد يا شهاب؟ وبعدين أنا بقولك تتكلم معاها مش تبقى دبش، وكمان يشوفكم بواب العمارة في وضع لاسمح الله.
نطقت بها ورد المندهشة من ما يتفوه به شهاب. لا تصدق الذي أمامها فعل كل ذلك؟ تعلم شهاب جيدًا لا يبدر منه أي من تلك التصرفات الهوجاء والطائشة.
غمغم في ضيق واضح وهو يسب ويعلن ذلك المدعو بحمـدي!
أنا ما كنتش أعرف إن ده هيحصل أصلًا أو حد ممكن يظهر لي فجأة كده.
ها كمل. وبعدين عملت إيه بعد ما شافكم؟
هتفت بها ورد بفضول وهي تحثه على استئناف حديثه وكأنها لا تعلم ما حدث بعد ذلك!
قلت لك قبل كده، ما عملتش ولا حاجة. ما حسيتش بنفسي غير إني بقوله إني خطيبها.
شهقت ورد بصوت خفيض وهي تضع بكفها على شفتيها.
يالهووووي! المسألة اتلخبطت واتعقدت جدًا يا شهاب. ده مش بعيد بعد اللي قلته ده إنها ي...
قاطعها بحنق.
يا ورد بقالك أكتر من ساعة بتعيدي وتزيدي في الكلام.
عدة ضحكات رنانة أطلقتها وهي تلعب بحجابها بمكر.
أصل أنا لغاية دلوقتي مش مصدقة اللي أنت عملته أصلًا. ده لو حد غيرك حكالي ما كنتش صدقته.
وأديني عملت. ادي حلول بدل ما أنتي بتسمعيني نفس الكلام.
حكت طرف ذقنها مصطنعة التفكير أمام نظرات عيناه الحانقة والمرتقبة.
مش عارفة يا شهاب.
نعم! قاعد معاكي بقالي ساعة وسايب شغلي وتقولي لي في الآخر مش عارفة.
صدح صوته غاضبًا أمامها وهو يسب ويلعن بكلمات بذيئة على فعلته المتهورة. شدد بأنامله على خصلات شعره محاولًا أن يجد حلًا.
راقبت انفعالاته وسكناته، تشعر أنه ما زال كالطفل الصغير، من يريد أن يرشده إلى الطريق الصحيح. شق ابتسامة أخذت طريقها إلى شفتيها وهي تفكر وتعيد وتحلل ما قاله.
عندما لم تصل إلى الحل في الوقت الحالي هتفت بابتسامة عريضة.
استهدي كده بالله وعدي اليوم على خير وهتتحل بإذن الله. أنت روح شغلك دلوقتي وأنا هحاول أشوف حل.
رد بضيق وهو يشعر بضيق يكتم أنفاسه.
لما نشوف يا ورد.
تتوالى الأيام وتتبعها الليالي، وكل يوم تؤكد حدسها أنها تهورت أو تورطت بتلك الزيجة. منذ آخر مقابلة لم تره بعد ذلك اليوم. تطلعت إلى الرقم الخاص به في هاتفها. تذكرت عندما أخذت رقمه من حمزة وهي تشعر بأن الأرض سوف تبتلعها بسبب نظراته الماكرة والغامضة.
تريد محادثته. عدة دقائق في محاربة بينها لمهاتفاته وبين عقلها بعدم مهاتفاته. صراع كبير جعل عقلها يفوز من الجولة الأولى. تأففت بحنق وهي ترمي بهاتفها على إحدى الطاولات وهي تزجر نفسها. ماذا ستخبره؟ قد مر على زواجهما أكثر من شهر، والليلة سترحل عائلتها بعد أن قام الطبيب بالتأكد من عدم وجود أي مضاعفات. إن كان سيفعل ذلك معها ويتركها بمفردها، سترحل مع عائلتها، ستفر هاربة منه ومن ذلك المكان الغريب، ولكنه لن يتركها. تعلم بل متأكدة بأنه لن يسمح لها باتخاذ أي خطوة خارج تلك المدينة.
وضعت كلتا كفيها على وجهها وهي تستسلم إلى ذلك المصير المجهول. طريق مظلم لا تعلم أين بدايته وأين نهايته. ولا يوجد معها سوى مصباح صغير يجعلها ترى فقط ما أسفل قدميها وبالكاد ترى ما أمامها على بعد مترين. تتخذ خطوات بطيئة جدًا.
يا رب.
تفوهت بها في سرها وهي تناجي ربها. لا ملجأ لي سواك يا الله.
استجمعت شتات نفسها وأخذت تسحب أكبر كمية هواء إلى رئتيها لتستعد لمواجهته اليوم. اليوم سيأتي وبعدها سيصطحبها إلى عائلته كما أخبرها حمزة.
ابتسمت بتهكم. تعلم أخباره من حمزة. حمزة مجرد همزة الوصل بينهما.
توقفت سيارة فارهة عند البوابة الرئيسية للمبنى، آسفة، بل ناطحة سحاب مبنى شاهق وضخم تعتبر من أهم الشركات الرئيسية في لندن للتجارة العالمية. تتبعها عدة سيارات دفع رباعي خلفها. ليسرع السائق، يترجل من السيارة وفتح الباب الخلفي لسيده. ورجال الحراسة الخاصة هبطوا من السيارة وكلا منهم يتخذ موقعه.
ترجل زين ببذلته السوداء واضعًا نظارة قاتمة على عينيه وفي يده اليمنى يحمل حقيبته السوداء. هيئته تخطف الأنفاس وتسرق قلوب الكثير من النساء. تعبث أيضًا، مظهر رجولي طاغٍ وجاذبية مهلكة.
بخطوات رشيقة يتبعه حارسان للداخل. فتح رجل الأمن الباب على مصراعيه ليدلف رب عمله إلى الداخل. وجميع العاملين الذي يعملون كخلية النحل توقفوا لمرور سيدهم إلى الممر المؤدي إلى المصعد.
ضغط الحارس الشخصي على الزر، الطابق قبل الأخير. سلط ببصره على الساعة الباهظة المعلقة على رسغه، ثم سلط ببصره إلى الشاشة الصغيرة وهو يراقب صعود المصعد إلى الطابق المنشود. فتح المصعد ليخرج ويتبعه الحارسان. هرع شاب وهو حامل عدة ملفات في يديه يواكب خطوات رب عمله.
صباح الخير سيدي.
هز زين رأسه.
صباح الخير ستيفن.
صمت دام لعدة ثوانٍ، هتف زين بجدية وهو يخلع نظارته.
اطلعني على جدول أعمال اليوم.
توقف الحارسان عند الباب ليسرع ستيفن بفتح الباب ويغلق الباب خلفه. وكلا من الحارسان يتجهان إلى مواقعهما المخصصة.
وضع حقيبته على مكتبه الزجاجي وجلس على مقعده الوثير وبدأ يتفحص الأوراق بتمعن شديد.
جدول اليوم غير مزدحم. لقد نقلت بعض الملفات للسيد زيدان كما أخبرتني. بعض نص ساعة سيعقد اجتماع مع السيد جورج وعند الساعة الثانية عشر ظهراً سيأتي وفد الشركة الصينية.
أومأ زين رأسه وتابع بعملية بحتة.
أنت تعلم أنني سأذهب للقرية في ذلك الأسبوع.
نعم سيدي، لا تقلق. سأحول الملفات الهامة للسيد زيدان كما أخبرتني من قبل.
صوت صيحات عالية لأول مرة تحدث في مكتبه ليهب من مجلسه واقفًا ويتوجه نحو تلك الجلبة.
واللعنة! هل جننت؟ هل تعلمين من أنا؟ سأخبر رئيسك ليقوم بطردك أيتها الحمقاء.
ردت الفتاة بتهذيب وهي تحاول منع السيدة من الدلوف إلى مكتب رب عملها.
سيدتي، أرجوكِ لا يصح اختراق القوانين.
رفعت إصبع السبابة بتحذير نحو الفتاة.
حسابك عسير يا فتاة.
همت الفتاة بالرد عليها وهي تختار ألفاظها بعناية فائقة. فالتي أمامها فتاة صارخة الجمال وهيئتها وملابسها تدل على أنها فاحشة الثراء.
ليـــلي!! ماذا تفعلين هنا؟
هتف بها زين عند مقدمة باب غرفته وعلامات التساؤل والحيرة مرتسمة على ملامح وجهه.
لانت ملامحها الشرسة بمجرد ما رأته لتتوجه نحوه وتلقي بنفسها نحو ذراعيه.
غمغمت بنبرة معاتبة.
هل هذا أول ما تقوله عندما يأتي من السفر؟
شبه ابتسامة صغيرة لاحت على شفتيه ليبتعد عنها بهدوء.
لأنك قلتي لي أنك ستعودين في الأسبوع القادم. ولكن أين آدم؟
مطت شفتيها بضيق زائف.
لقد قررت أن أجعلها مفاجأة. ومن الواضح أنها لم تعجبك.
ليس كذلك. هيا لتتوجهي معي إلى الداخل.
هزت رأسها نافية.
كلا. سأذهب إلى المستشفى لرؤية ليان. لكن يا سيد زين كن متيقظًا، فإنني أراقبك جيدًا. كن حذرًا.
لم تنتظر رده لتمسك بحقيبتها وتخرج من المكان بهدوء وهي عازمة على أن تعلم ما حدث في غيابها.
جالسة على المقعد بأعين حائرة مترقبة متوترة خائفة. لا تعلم أي شعور هو الطاغي، ولكن الشعور الخوف هو النصيب الأكبر. قطع شرودها قدوم الطبيب حاملًا في يديه الملف الذي سيحدد حياتها بل مصيرها بأكمله.
تطلعت إليه بنظرات مترقبة حتى جلس على المقعد. تتفرس في ملامح وجهه. ملامحه جامدة صارمة لم تستطع أن تحدد الإجابة.
طمنّي يا دكتور، سلبي مش كده؟
نطقتها ولو بمقدار ذرة أمل صغير. لقد أخبرها في المرة السابقة قبل عمل التحاليل أنه شاك من وجود ذلك المرض المميت.
آسف يا آنسة ورد، التحاليل طلعت إيجابية، سرطان في الدم.
هتف بها بأسف شديد، كان يريد انتقاء ألفاظ أفضل من تلك، ولكن لا يعلم كيف نطقها هكذا أمامها.
الدموع متحجرة في مقلتيها لترد بصوت مميت.
يعني مفيش أمل؟ مفيش علاج؟ مفيش أي حاجة؟!
طأطأ الطبيب رأسه آسفًا. على الرغم أنه تأتيه الكثير من تلك الحالات، إلا أنه في كل مرة يجد الصعوبة في تلفظها. كيف يخبر لشخص أمامه أنه يوجد لديك عدة أيام لتغادر تلك الحياة!
تمتمت في خفوت وهي تنهض من مقعدها.
شكرًا يا دكتور، عن إذن حضرتك.
أخذت ملف التحاليل وغادرت في هدوء وهي لم تلقي بالًا لندائه المتكرر. أطلقت العنان لدموعها حينما غادرت العيادة. جلست على أول درج قابلتها وهي جالسة القرفصاء. كانت تعلم أنها ستغادر ذلك العالم، ولكن كانت تحمل مقدار ذرة أمل صغير. لم تعبأ بالأشخاص الذين ينظرون لها بشفقة أو بتهكم على جلستها في المكان العام.
قامت من مجلسها وهي تمسك بهاتفها وتهاتف الشخص الوحيد الذي ما زال واقفًا في صفها.
ألو شهاب، من فضلك عايزة أقابلك ضروري.
رد الآخر وهو يلاحظ تغير نبرة صوتها. هلع قلبه.
ورد، في إيه؟ طمنيني؟ حصلك حاجة؟
أجابت بهمس.
شهاب، من فضلك مش دلوقتي. هقابلك في الكافيه اللي رحناه قبل كده. سلام.
أغلقت هاتفها وهي تمسح دموعها بكفيها. قامت من جلستها وفي يديها ذلك الملف الذي قام بتحديد مصير حياتها للأبد.
احتضنتها بلهفة واشتياق وهي لا تصدق حتى الآن أنها تزوجت أعز صديق لديها.
حان الوقت لكي أبارك لكِ يا عزيزتي، رغم إنني لا أصدق حتى تلك اللحظة أنكِ تزوجتي.
ابتسمت. لا يوجد حل سوى أن تبتسم. ابتسامة عريضة مكلفة، هذا هو ما ستفعله.
تمسكت ليلي بذراع ليان وهي للمرة الألف تهتف.
حمدًا لله على سلامتك يا سيد إبراهيم.
رد إبراهيم بابتسامة واسعة.
سلمتي يا حبيبتي.
اتسعت ابتسامة ليلي وهتفت.
والآن اعذراني، سأقوم بأخذ تلك الجميلة وسندردش قليلًا. معذرة.
أومأ إبراهيم برأسه إيجابًا. أما سعاد، ما إن أغلق الباب وبات الآن الوضع هادئًا في الغرفة مع عدم وجود سارة التي لازمت مرافقة حمزة طوال الوقت.
طمنّي بقي يا أبو البنات. قلبي واجعني على بنتي. هنسيب بنتنا في الغربة دي يا أبو البنات.
أمسك إبراهيم بيديها وهتف بنبرة واثقة مطمئنة.
اطمني يا سعاد، كل حاجة هتبقى كويسة.
غمغمت برفض وهي حتى الآن لا تعلم ما تلك الثقة الكبيرة التي يخزنها في داخله.
برضه يا حاج، أنا عايزة أطمن عليها.
ما أنا طمنتك يا سعاد، كل حاجة هتبقى بخير بإذن الله.
ثم تابع مغيراً مجرى الحديث.
شوفي فين سارة.
قاعدة مع حمزة من أول ما جه.
هتفت بها بغيظ مكتوم لينفجر ضاحكًا وهو يرى معالم وجهها الحانقة.
براحة يا جميل، ليطق لكِ عرق واحنا مش ناقصين. كفاية أنا.
شبه ابتسامة لاحت على ثغرها تبعها عدة ضحكات متتالية مشاركًا إبراهيم معها في الضحك.
آخ منك إنت يا حج.
أغلقت الباب خلفها وهي تراقب الطريق الخالي من المارة لتقوم بوصد الباب عاقدة ذراعيها.
يجب أن أفهم. والآن ما الذي حدث معك منذ سفري.
لم تعهد منها تلك النبرة الجافة معها. قالت بعدم فهم.
ليلي، لا أفهم عن ماذا تتحدثين حقًا.
كفى يا ليان، لا وقت للمراوغة الآن. اشرحي لي ماذا فعل، وماذا حدث لكي تتزوجيه.
قالتها بغضب جامح وهي تشعر بأنها أم تنتظر مبرر ابنتها.
ليلي، اهدئي. لم يحدث شيء حقًا. لقد عرض علي الزواج ووافقت.
مطت شفتيها بعدم تصديق.
حقًا!! أتقولين لي قام بدعوتك لطعام العشاء وفي النهاية جلس على إحدى ركبتيه وأفصح عن حبه وأخبرك أنه لا يقدر العيش بدونك وعرض الخاتم أمامك؟
حسنًا، لم يحدث أي شيء منذ ذلك. كانت محاصرة في الحائط وهو أمامها بهيئته المهلكة عارضًا بل آمرًا بالموافقة على الزواج.
لوحت ليلي بكفها أمام وجهها.
هيا يا فتاة، لا وقت الآن للشرود. أريد أن أعلم كل تفصيلة صغيرة عما حدث معك.
ومع ذلك لم تمنع أن تخجلها هامسة بمكر.
ماذا؟ هل كانت توجد قُبلة أثناء عرضه للزواج؟
كلا. يكفي ليس الآن. ليلى لن تتوقف عن وقاحتها حتى بعد الزواج.
ليلي، توقفي. ما هذا الهراء.
اتسعت عينيها بمعالم صادمة وما زالت على نفس وتيرتها.
ماذا يا فتاة؟ إنني أتحدث عن قبلة يتيمة. لماذا أحمر وجهك الآن؟ يا إلهي، ماذا فعل ذلك الشقي معك؟ هل ا اا...
ليـــلي!!
صاحت بها بحدة كبيرة ووجنتاها تشتعلان من الحمرة القانية. صيحتها جعلت ليلي تصمت عن الحديث.
لحظة من السكون عم المكان وهي ما زالت على حالها. تلتقط أنفاسها بصعوبة. لترد بسخط أمام أعين ليلي المرتقبة.
ستظلين وقحة يا ليلي. لن تكفي حقًا. ظننت أن الزواج سيقوم سلوك، ولكنني أخطأت.
عدة ضحكات رنانة أطلقتها ليلي باستمتاع.
أوه عزيزتي ليان، إنني أشفق عليكِ. الرجل الغربي يريد أن يرى الفتاة الوقحة معه عندما يكونون بمفردهم.
رجل غربي!! هل قالت رجلًا غربيًا؟ ولكن ماذا عنه هو؟ ما يريد؟ ما كانت صفات الفتاة التي سيتزوجها؟ بالطبع لم ولن تكون هي. لقد جاءت في حياته وسط الإعصار. لتتنهد بقلة حيلة وهي سئمت من تحليل بمفردها شخصيته. تريد أن تعلم عنه كل شيء.
أخبريني يا ليلي، كيف كانت حياة زين؟
لأول مرة تنطق اسمه بدون خجل. يجب عليها أن تعتاد حتى لا تستدعي الشك لأحد، أليس كذلك؟
تنهدت بحرارة.
القصة طويلة يا ليان.
ثم نظرت إلى الساعة المعلقة في رسغها.
أخبرني حمزة أن زين سيأتي بعد قليل. هيا استعدي، ستذهبين لمقابلة عائلته.
هتفت بتوجس وريبة.
هل تتوقعين أنهم سيقومون برفضك؟
هزت رأسها نافية وابتسمت باطمئنان.
تقصدين الجدة. كلا عزيزتي. إنها كانت تلح عليه منذ فترة طويلة ليتزوج. وما إن علمت بذلك حتى أصبحت تعد الأيام والليالي لكي تقابل الفتاة المميزة التي جعلته يتزوجها على الفور دون حتى عقد خطبة.
بللت شفتيها بتوتر وبنظرات أعين زائغة تنظر للغرفة بشرود.
ولكن أين والده ووالدته؟
اتسعت عيني ليلي زهولًا مرت بعدة ثوانٍ ثم هتفت بحزن.
لقد توفوا ولم يعد لديه أحد سوى جدته وعمه وأولاد عمه.
لاحظت نظرات ليلي المنصعقة والمستنكرة وكأنها تخبرها هل تمزحين؟ ألا تعلمين حقًا عنه أي شيء؟ قررت أن تصمت وعدم إصدار أي حماقة أخرى.
لعنة الله عليك يا زياد! ألا تعلم الفتاة عنك شيئًا؟ هتفت بها ليلي وأسرتها في نفسها وهي تطالع ليان التي تفرك يديها بتوتر وتشيح بنظرها عن مرمى عينيها لتبث في قلبها الاطمئنان.
لا تقلقي. الجدة جميلة كالورد. ستحبينها بل ستعشقينها. تبدو صارمة في بعض الأحيان ولكن لديها قلب طيب كنقاء الورد.
جدته هي المفتاح لكي تدخل عالمه. بل هي النور المضيء وسط الظلام الدامس. هي الوحيدة التي ستقدر على إرشادها للطريق. ولكن هل أخبرها من هي؟ إنها شرقية!! هل ستتقبلها أم لا. يا إلهي يا ليلي جئتي ولم تجعليني أن أطمئن بل جعلتيني أزداد تساؤلات أكثر.
بـتـتـكـلـمـي بـجـد يـا ورد مـا يـمـكـن الـتـحـالـيـل لـشـخـص تـانـي.
نـطـق بـهـا شـهـاب وهـو يـتـذكـر عـنـدمـا نـهـض مـن مـقـعـد مـكـتـبـه ويـقـود سـيـارتـه الـخـاصـة بـالـشـرطـة لـيـتـوجـه إلـيـهـا فـي أسـرع وقـت مـمـكـن.
ردت ورد بـهـدوء.
لا يـا شـهـاب الـتـحـالـيـل مـضـبـوطـة.
عـاجـلـهـا بـسـرعـة وهـو يـرى هـدوءهـا الـذي يـسـتـدعـي الـشـك.
طـب مـا يـمـكـن يـكـون فـيـه عـلاج يـا ورد.
هـزت رأسـهـا نـافـيـة.
لا مـفـيـش لـلأسـف أكـتـشـفـت الـمـرض مـتـأخـر الـعـلاج مـش هـيـأثـر.
طـب و بـعـد يـن انـتـى إزاي مـحـسـتـيـش بـالـأعـراض الـلـي بـتـجـيـلـك يـعـنـي مـش مـمـكـن مـن يـوم و لـيـلـة حـصـل الـكـلام ده.
قـالـت بـلا مـبـالاة.
الـأعـراض جـاتـلـي مـن فـتـرة طـويـلـة كـنـت بـحـس بـصـداع رهـيـب مـش بـيـهـدي حـتـى مـع الأدوية و كـنـت بـكـح جـامـد كـنـت فـكـراه دور انـفـلـونـزا قـوى غـيـر انـي سـاعـات بـحـس بـالام فـي الضهر و حـاجـات تـانـيـة لـمـا حـسـيـت الـمـوضـوع طـول مـعـايـا رحت عـلـى الـدكـتـور و قـلـتـلـه الـأعـراض الـلـي بـتـجـيـلـي خـلالـه يـشـك مـن حـاجـة لـحـد مـا قـالـي هـنـعـمـل الـتـحـالـيـل و نـتـأكـد مـن الـمـوضـوع و طـلـعـت الـتـحـالـيـل الـنـهـارده.
رد بـحـنـق و ضـيـق يـعـتـري مـعـالـم وجـهـه مـن تـلـك الـبـارده بـل مـن كـتـلـة الـثـلـج تـخـبـره انـهـا يـتـبـقـى لـهـا ايـام مـعـدودة فـي تـلـك الـحـيـاة.
إنـتـى مـالـك كـده عـنـدك بـرود مـش طـبـيـعـي.
هـتـفـت بـهـدوء مـمـيـت و هـي تـرتـشـف الـعـصـيـر الـطـازج.
عـمـلـت إيـه مـع نـدي؟
صـاح بـغـضـب خـابـطـاً بـكـفـه عـلـى الـطـاولـة.
أنـا بـحـكـي فـي إيـه و انـتـى بـتـقـولـي إيـه ورد. إحـنـا فـي مـوضـوع مـهـم.
حـركـتـه جـعـلـت يـدهـا تـرتـعـش رغـم عـنـه. لـتـضـع الـكـوب عـلـى الـطـاولـة و هـتـفـت بـتـفـكـيـر زائف.
و انـت تـفـتـكـر مـوضـوعـي يـتـحـل إزاي؟ مـوضـوعـك اهـم مـنـي ركـز انـت فـي نـدى و انـا هـعـرف اعـمـل إيـه كـويـس فـي ايـامـي الـمـعـدودة.
حـاول كـبـت غـضـبـه بـقـدر الإمـكـان حـتـى لا يـفـتـك بـهـا.
و الله حـاسـة إنـك رايـحـة رحـلـة.
ردت بـألـم يـزحـف إلـى قـلـبـهـا.
مـا انـا فـعـلا راحـة رحـلـة بـس رحـلـة ذهـاب بـلا عـودة.
تـنـهـد بـحـزن شـديـد و هـو لا يـعـلـم مـالـذي يـفـعـلـه فـي الـوقـت الـحـالـي؟ شـعـور لـثـانـي مـرة يـخـتـبـره و هـو يـرى ثـانـي شـخـص يـرحـل أمـامـه و هـو مـكـبـل الـيـديـن.
حـد عـرف؟
هـزت رأسـهـا نـافـيـة.
انـت بـس.
و نـاوية تـعـرفـيـهـم و لا مش هـمـك.
هـتـفـت بـشـبـه اسـتـهـزاء.
لا طـبـعـا يـا شـهـاب مـحـدش هـيـعـرف انـت الـوحـيـد الـلـي عـارف بـالـمـوضـوع ده.
كـمـان يـا ورد مش هـتـخـلـي حـد يـعـرف انـتـي بـتـفـكـري بـأي عـقـل أو مـنـطـق؟
أجـابـت بـلا مـبـالاة و بـدون وعـي تـحـولـت نـبـرتـهـا لـأخـرى صـائـحـة مـنـفـعـلـة.
الـعـقـل و الـمـنـطـق بـيـقـولـي إن الـلـي بـعـمـلـه صـح، عـايـزنـي أقـولـهـم لـيـه قـولـي اديني سـبـب بـسـيـط.. كـرهـت كـل الـلـي حـوالـيـا بـسـبـب غـبـائـي و انـانـيـتـي تـتـوقـع ان اول مـا أقـولـهـم يـلا سـامـحـونـي انـا عـنـدي كـانـسـر هـيـاخـدونـي بـالاحـضـان مـثـلا!! تـفـتـكـر يـا شـهـاب؟ انـا مـا افـتـكـرش.
قـامـت مـن مـجـلـسـهـا و هـي تـأخـذ حـقـيـبـتـهـا لـيـعـاجـلـهـا و هـو الأخـر يـقـوم مـن مـجـلـسـه.
راحـة فـيـن؟
أجـابـت فـي غـمـوض.
هـعـمـل و لـو حـاجـة صـح فـي حـيـاتـي.
رحـلـت و هـو يـراقـبـهـا بـأعـيـنـه حـتـى اخـتـفـت عـن مـرمـى بـصـره. زفـر بـحـرارة و هـو يـحـك عـنـقـه. و ضـع الـنـقـود عـلـى الـطـاولـة و خـرج هـو الأخـر و هـو يـحـاول جـاهـداً ان يـعـلـم كـيـف تـفـكـر. انـهـا جـامـدة أمـامـه لـم تـهـتـز أمـامـه لـم تـضـعـف. كـانـت صـلـبـة كـالـصـخـر مـن الـخـارج ولـكـنـه يـعـلـم جـيـداً الـانـهـيـارات الـتـي فـي داخـلـهـا.
رحـلـت لـيـلـى تـبـعـهـا رحـيـل عـائـلـتـهـا. لـتـجـده بـعـد تـوديع عـائـلـتـهـا يـتـمـسـك بـيـديـهـا و يـتـوجـهـا إلـى سـيـارة الـتـي تـنـتـظـرهـم.
جـلـسـت بـجـواره و هـي تـشـعـر بـتـذبـذبـات قـلـبـهـا. عـبـق رائـحـتـه مـنـتـشـرة بـكـثـرة فـي الـسـيـارة. لا تـعـلـم كـم مـن الـوقـت ظـلـت الـسـيـارة مـتـحـركـة تـشـق تـلـك الـمـديـنـة بـزحـامـهـا مـتـجـهـة نـحـو إحـدى الـمـنـاطـق الـزراعـيـة الـخـلابـة. عـلـى الـرغـم مـن ضـيـقـهـا مـن عـدم مـشـاركـتـه مـعـهـا فـي الـحـديـث إلا أنـهـا نـفـضـت تـلـك الأفـكـار و هـي تـنـظـر إلـى الـطـبـيـعـة الـسـاحـرة مـن خـلـف الـنـافـذة. عـيـون مـنـبـهـرة و هـي تـراقـب الـغـروب. صـمـت هـادئ عـكـس ضـجـة الـمـديـنـة و مـسـاحـة خـضـراء شـاسـعـة أسـرتـهـا.
دلفـت الـسـيـارة داخـل الـبـوابـة الـحـديـديـة الـضـخـمـة تـتـبـعـهـا الـسـيـارة الـخـاصـة بـه لـلـحـراسـة. الـمـنـزل يـشـبـه كـثـيـراً الـقـصـر فـي مـصـر. لـكـنـه مـخـتـلـف. ذلـك الـمـنـزل يـوجـد بـه الـعـديـد مـن الـخـادمـيـن. يـوجـد بـهـا حـركـة كـثـيـرة عـكـس الأخـر الـسـاكـن.
أوقـف الـسـائـق مـحـرك الـسـيـارة. لـيـسـرع مـهـرولـاً و هـو يـتـرجـل مـن سـيـارتـه لـيـفـتـح الـبـاب الـخـلـفـي. تـرجـل زيـن تـبـعـتـه لـيـان و هـي تـنـظـر مـا حـولـهـا بـتـرقـب شـديـد. بـيـت كـلاسـيـكـي قـديـم مـكـون مـن طـابـقـيـن لـكـنـه ضـخـم. ضـخـم لـلـغـايـة و يـوجـد بـعـض الـخـادمـات أمـام مـقـدمـة الـمـنـزل.
شـعـرت بـه يـمـسـك بـكـفـهـا لـلـمـرة الـثـانـيـة لـيـتـجـه نـحـو تـلـك الـدرجـات الـمـؤديـة إلـى بـاب الـمـنـزل. يـديـه دافـئـة نـاعـمـة.
نـفـضـت تـلـك الـفـراشـات الـتـي تـسـبـح عـلـى مـعـدتـهـا عـنـدمـا رأى سـيـدة أنـيـقـة رغـم تـخـطـيـهـا الـسـبـعـيـن تـسـتـنـد عـلـى عـصـا خـشـبـيـة. مـلامـحـهـا تـشـبـه كـثـيـراً لـمـلامـحـه. هـذا يـعـنـي انـه قـد أخـذ كـثـيـراً مـن مـلامـح والـدتـه.
عـيـونـهـا زرقـاء تـشـبـه كـثـيـراً. وجـهـهـا ابـيـض رغـم وجـود الـتـجـاعـيـد لـكـنـهـا مـا زالـت مـحـتـفـظـة بـقـدر كـبـيـر مـن الـجـمـال و عـلـى الـرغـم اشـتـعـل رأسـهـا شـيـبـاً إلا ان تـلـك الـخـصـلات الـفـضـيـة زادتـهـا ابـتـهـاجـاً و اشـراقـاً.
يـتـوجـهـان نـحـو بـخـطـوات بـطـيـئـة. أمـا هـي الـتـي تـشـعـر ان الـوقـت لا يـمـر بـسـرعـة؟!! بـعـث قـلـبـهـا رهـبـة و هـي تـرى اعـيـنـهـا الـمـتـفـحـصـة نـحـو هـا. لاحـظـت تـلـك الـنـظـرة الـمـنـدهـشـة عـنـدمـا تـطـلـعـت إلـى هـيـئـتـهـا. و عـلـى الـرغـم انـهـا ازالـتـهـا سـريـعـاً لـكـنـهـا حـفـرت فـي عـقـلـهـا. يـبـدو بـل مـؤكـد انـهـا لـن تـتـقـبـلـهـا ابـداً.
مـرحـبـا جـدتـي.
هـتـف بـهـا زيـن بـابـتـسـامـة مـشـرقـة جـعـلـت الـجـدة تـرد.
مـسـاء الـخـيـر حـبـيـبـي. هـيـا أسـرعـا لـقـد حـان وقـت الـعـشـاء.
أومـأ بـتـفـهـم.
سـأكـون فـي غـرفـة الـمـكـتـب. يـوجـد بـعـض الأشـيـاء الـتـي سـأراجـعـهـا.
مـاذا؟ أي أعمـال الآن؟ هـل جـنـنـت!! هـل ستـتركـني بمفردي؟ نـطـقـت بـهـا فـي سـرهـا و هـي تـراه يـدلـف إلـى الـداخـل بـخـطـوات رشـيـقـة حـتـى اخـتـفـى عـن مـرمـى بـصـره.
تـطـلـعـت إلـيـهـا الـجـدة بـابـتـسـامـة حـانـيـة.
هـيـا يـا جـمـيـلـتـي اصـعـدي لـكـي تـغـيـري مـلابـسـك. لـقـد انـتـظـرتـكـمـا كـثـيـراً.
لا تـعـلـم مـالـذي عـلـيـهـا الـفـعـلـه و هـي تـرى الـجـمـيـع يـدلـف إلـى الـداخـل. تـيـبـسـت قـدمـاهـا عـن الـحـركـة.
هـتـفـت الـجـدة بـتـعـجـب و هـي تـراهـا مـا زالـت عـلـى وضـعـهـا.
مـا الأمـر يـا عـزيـزتـي؟ لـمـا تـوقـفـتـي؟
تـلـعـثـمـت فـي كـلامـهـا و هـي تـتـمـتـم.
لا شـيء ا ا... انـا ا ا... اريـد.
ضـحـكـت الـجـدة لـتـمـسـك بـيـدهـا و تـدلـف مـعـهـا للـداخـل.
هـيـا سـأعـرفـك انـا عـلـى غـرفـتـكـمـا.
تـوجـهـت بـهـا إلـى الـطـابـق الـعـلـوي. لـتـسـنـدهـا لـيـان و هـي تـهـتـف بـرقـة.
لا عـلـيـكـي يـا جـدتـي سـأصـعـد بـمـفـردي لا أريـد أن أتـعـبـك.
نـطـقـت بـهـا جـدتـي بـسـلاسـة. تـبـدو لـطـيـفـة نـوعـاً مـا. لـقـد تـوقـعـت انـهـا لـن تـتـقـبـلـهـا مـا ان تـرى هـيـئـتـهـا لـكـنـهـا لـم تـفـعـل.
غـمـغـمـت الـجـدة بـضـيـق و حـدة زائـفـة.
مـاذا أتـرانـي عـجـوز أمـامـك؟
اتـسـعـت بـؤبـؤ عـيـنـيـهـا و هـي لا تـعـلـم كـيـف انـقـلـبـت مـائـة و ثـمـانـون درجـة هـكـذا لـتـتـابـع الـجـدة بـمـشـاكـسـة.
أوه عـزيـزتـي يـبـدو انـه سـتـتـعـبـي حـتـى تـتـقـبـلـي تـغـيـراتـي الـمـزاجـيـة. هـيـا لـقـد تـبـقـى عـشـر دراجـات.
صـعـدت مـعـهـا و هـي مـتـعـجـبـة مـن تـغـيـر مـزاجـهـا. تـوجـهـا إلـى إحـدى الـغـرف آسـفـة بـل عـبـارة عـن جـنـاح. كـل شـيء بـه عـصـريـاً لـلـغـايـة يـنـاقـض الـمـنـزل بـأكـمـلـه. ألـوان هـادئـة لـلـعـيـن.
انـتـبـهـت عـلـى الـجـدة و هـي تـعـطـيـهـا ثـيـاب.
هـيـا ارتـديـه. آسـفـة لا يـوجـد غـيـر ذلـك الـثـوب. انـه ثـوب قـديـم لـي. اعـتـقـد انـهـا سـتـلائـمـك. لـقـد تـأخـر الـسـائـق لـجـلـب حـقـائـبـكـمـا. أسـرعـي سـأنتـظـرك.
لـم تـنـتـظـر الـجـدة رد هـا لـتـجـدهـا خـرجـت الـغـرفـة بـهـدوء غـالـقـة الـبـاب خـلـفـهـا و تـتـركـهـا وحـيـدة. شـهـقـت بـفـزع و هـي تـتـفـحـص الـثـوب. آسـفـة لـيـس ثـوبـاً عـاديـاً بـل عـبـارة عـن ثـوب فـاضـح. تـوردت وجـنـتـيـهـا و هـي تـتـفـحـصـه. ثـوب مـخـمـلـي الـمـلـمـس. قـصـيـر. بـل قـصـيـر جـداً بـالـكـاد سـيـصـل إلـى ركـبـتـيـهـا. سـحـقـت شـفـتـيـهـا و هـي لا تـعـلـم أسـتـرتـديـه أم تـكـتـفـي بـمـلابـسـهـا و تـنـتـظـر الـسـائـق حـتـى يـأتـي بـمـلابـسـهـا الـمـحـتـشـمـة.
عـنـدمـا لـم تـجـد حـلاً غـيـر انـهـا سـتـضـطـر إلـى ارتـديـاءه تـوجـهـت إلـى الـحـمـام الـمـلـحـق بـالـغـرفـة لـتـنـعـم بـحـمـام دافـئ و تـغـيـر مـلابـسـهـا و تـرتـدي ذلـك الـثـوب الـفـاضـح بـالـنـسـبـة لـهـا. أغـمـضـت جـفـنـيـهـا ثـم فـتـحـتـهـمـا و هـي تـرى هـيـئـتـهـا فـي الـمـرآة ذو فـتـحـة مـثـلـثـيـة قـصـيـرة تـظـهـر عـظـام تـرقـوتـهـا. حـمـالات عـريـضـة نـوعـاً مـا. لـكـنـه لـيـس ضـيـقـاً بـل جـيـد إلـى حـد مـا.
أمـسـكـت بـالـمـنـشـفـة و هـي تـجـفـف شـعـرهـا و تـتـوجـه نـحـو الـخـارج.
سـقـطـت الـمـنـشـفـة ارضـاً و هـي تـراه أمـامـهـا يـرتـدي بـنـطـالـه فـقـط. مـتـى آتـى؟ أ لـم يـقـل انـه سـيـكـون فـي غـرفـة الـمـكـتـب؟ بـلـعـت ريـقـهـا بـتـوتـر و هـي تـراه يـتـرك الـقـمـيـص جـانـبـاً و يـتـفـحـصـهـا بـهـدوء و تـمـعـن مـن رأسـهـا إلـى أخـمـص قـدمـيـهـا و عـيـونـه تـتـوهـج بـنـظـرة لامـعـة.
قـالـت بـغـبـاء.
لـمـاذا تـنـظـر إلـي هـكـذا؟
تـوجـه نـحـو بـخـطـوات هـادئـة و هـي مـا زالـت مـتـيـبـسـة. كـأن غـراء قـوي ألـصـقـهـا فـي الأرض و مـنـعـهـا مـن الـفـرار.
مـا هـذا الـذي تـرتـديـه؟
هـمـس بـهـا بـجـانـب أذنـهـا و انـفـاسـه تـلـفـح عـنـقـهـا. طـبـع قـبـلـة صـغـيـرة عـلـى وجـنـتـيـهـا جـعـلـتـهـا تـغـمـض جـفـنـيـهـا و تـهـتـف بـبـلاهـة.
هـا؟
ابـتـسـامـة صـغـيـرة شـقـت ثـغـره. انـامـلـه اخـذت طـريـقـهـا إلـى خـصـلاتـهـا الـفـحـمـيـة. لـم يـكـن يـعـلـم انـهـا فـاتـنـة. عـلـى الـرغـم مـن انـه تـفـحـصـهـا لـعـدة مـرات لـكـنـه لـم يـتـخـيـل انـهـا سـتـتـجـرأ عـلـى تـلـك الـخـطـوة الآن.
نـظـر إلـى ذراعـيـهـا و سـاقـيـهـا الـمـرمـريـتـيـن ثـم جـال بـبـصـره إلـى شـلالات شـعـرهـا الـفـحـمـيـة الـتـي تـخـطـت خـصـرهـا بـقـلـيـل. مـنـجـذب بـل مـنـسـحـر بـهـا بـكـل تـلـك الـهـيـئـة الـجـديـدة عـلـيـه. لـم يـكـن يـعـلـم انـهـا مـتـفـجـرة الأنـوثـة.
أمـام كـل تـلـك الـهـيـئـة الـتـي دغـدغـت رجـولـتـه لا يـوجـد سـوى ان يـفـعـل مـا يـأمـره عـقـلـه. و الآن؟
هـتـفـت بـتـلـعـثـم و هـي تـراه يـدنـو نـحـوهـا بـخـطـوات بـطـيـئـة الـغـايـة كـأنـه يـخـتـبـر ان كـانـت تـود قـربـه ام لا.
جـدتـي.. ا ا ا الـغـد د د اء.
اصـمـت شـفـتـيـهـا بـسـبـاتـه. ابـتـلـعـت ريـقـهـا بـتـوتـر مـن الـخـطـوة الـقـادمة!