تحميل رواية «زوجتي الشرقية» PDF
بقلم سيليا البحيري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
حفل زفاف لم تكن تتوقع في يوم من الأيام أن تحضره. قاعة فخمة تدل على مدى ثراء العائلة الفاحش. لم تكن تتوقع أن صديقتها الأجنبية التي تعرفت عليها عندما زارت مصر للمرة الأولى أن تكون من عائلة ثرية جداً لذلك الحد. عامان فقط بعد أن أصبحتا مقربتين، بعثت لها بطاقة دعوة زفاف المقيم في شرم الشيخ وتصبح وصيفة العروس. وصيفة عروس بعيدة عن الصخب، بعيدة عن العروس. خرجت من القاعة وهي تلتقط هاتفها لتطمئن والدها كل خمسة عشر دقيقة كما أخبرها. لم تعد طفلة بعد الآن، إنها في الرابعة والعشرون وما زال والدها يعاملها مثل...
رواية زوجتي الشرقية الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم سيليا البحيري
ليلة كئيبة في غرفتها في المشفى. صوت الرعد جعلها تنتفض في كل مرة. احتضنت جسدها وهي تختبئ من شيء، من مجهول قادم!
غاب عدة ساعات ولم يأتي. لا يوجد أي شيء بحوزتها، لا هاتف ولا بطاقة تعريف، فقط حجابها الذي يغطي خصلات شعرها الفحمية. سمعت صوت صرير الباب يتبعه دخوله هو، معذب فؤادها. ابتسمت بمرارة ونظفت حلقها.
"حياتي، وأنا صغيرة كنت معتمدة فقط على السمع والطاعة، دون أن أسأل حتى. أبي وأمي كانا يقولان دائمًا: لا تفعلي ذلك، توقفي عن فعل ذلك. وحينما أصبحت فتاة ناضجة، توقفت عن اللعب مع الصبيان في حارتنا. لكن الصبي الوحيد الذي ظل معي هو يوسف، يوسف الذي أخبرني أمام جميع عائلتي وأنا فتاة ذات السادسة عشر من العمر أنه يحبني ويريد أن يتزوجني. يوسف كان وقتها في مرحلته الجامعية، وأمام جميع الأهل اتفقوا على الخطبة وتمت خطبتنا حينما دلفت للمرحلة الجامعية الأولى. كنت مضطرة لأن أحبه لأنه الرجل الوحيد أمامي، وأنا الطفلة ذات الجديلتين التي كبرت أمامه وتحولت إلى أنثى ناضجة. كنت دائمًا أطيع الجميع تقريبًا، لم يكن لي رأي. تعلم، رغم شقيقتي سارة أصغر مني، إلا أنها أكثر جرأة وشجاعة عني بكثير، تستطيع المجادلة كثيرًا."
ضحكت بألم وهي تنظر إلى وجهه الخالي من التعبير. تابعت وهي تعبث بأصابعها بشرود.
"طبيعي، فبالنسبة لماما عريس لقطة، وتعلم طباعه، كما أنه جارنا. تزوجنا، وكل يوم أقول: إنه زوجي، عليه أن أحبه، شيء طبيعي. لكن برغم ذلك، لم أشعر بذلك. رغم أنه لم يفعل شيئًا سيئًا معي، كان مهذبًا ومحترمًا. إذا، هل كان مجرد حب مراهقة؟ نعم، لقد كنت منجذبة له في مرحلة مراهقتي. اقترب موعد زفافنا وأصبحت لا أعلم شيئًا، قلقي يزداد من شيء سيء قادم. وصدق حدسي حينما جاء وطلقني دون أسباب تذكر. لم أبكي، لم أتألم، تقبلت الوضع بوجه خالي من التعبيرات، والجميع يواسيني. لا أعلم لما، كلما أخبرهم أنني بخير، لا يصدقوني."
سحبت زفيرًا عميقًا وهي تنفض أتربة وبقايا ماضيها. لا تعلم كيف أتى وجلس بجوارها في الفراش. كيف أمسك بكفها واحتضنه بين راحتي يديه بذلك الدفء. تورّدت وجنتاها خجلًا. لم ينفر مثل المرة السابقة، بل يقترب، ومقترب منها بحميمة. هل هذا بدافع الشفقة؟ غامت عيناها عندما اهتدت إلى تلك الفكرة. نفضت يدها منه وانكمشت حول نفسها تحت نظراته الغاضبة. أراحت بظهرها على الوسائد وهتفت.
"وعملي الذي اعتبرته موهبة لي وقررت أن أبذل فيه كل جهدي. تعرفت على مقالك بالصدفة البحتة، حاولت إيجاد أي معلومة لك، لكنني لم أجد. قلت: لا مشكلة، منذ متى وأنا دائمًا أحصل على ما أريد. صداقتي بليلي كانت أشبه بحلم، شيء لا يصدق. من يصدق شرقية وغريبة صديقتان، ولا تحمل كل واحدة منهما للأخرى ضغينة. لو سمعت ذلك الخبر قبل عامين أنني سأحصل على صديقة أجنبية وزوج غربي، كنت سأقول: مجنون."
ابتسمت بتهكم قبل أن تنظر إلى عينيه التي أصبحت أسيرة بهما، قائلة بصدق.
"حينما تقابلت أعيننا للمرة الأولى ونظراتك المبهمة، وأنت توصل لي رسالة، تغاضيت ذلك وكنت أهرب منك، أهرب حتى لا أقع في حبك. عرضت عليّ مقابلة زين، الذي هو أنت، يا إلهي كم كنت غبية وقتها. عيناك هي أول من آسرتني. عرضك عليّ ذلك الزواج أهانني وأنت تخبرني ببرود أنك تقيم علاقات كثيرة مع النساء. ثقتي بكوني امرأة تحطمت بين يديك. قلت: إذا، زواج مصلحة لكلينا، وهل هذا مثل الروايات سينتهي بالنهاية السعيدة؟ قضيت أيامًا حبيسة في أربعة جدران المنزل، رغم وجودك معي، لكن كنت أريدك يا رجل."
"كنت طفلة، أريد أبًا بجواري، شقيقًا يحميني، زوجًا يبث في داخلي كلمات معشوقة، يغزر بي كلمات تزيد من ثقة أنوثتي. لكن ماذا فعلت يا زياد؟ كنت تبتعد وتتجاهل، وكل ذلك بسبب امرأة. أنا زوجتك ولست تلك الحبيبة الخائنة."
نبرتها تحولت من الهدوء إلى الانفجار، حدة، ضعف، نجاة، دفء.
"ليان، اهدئي."
تمتم بها وهو يحتضنها بين ذراعيه. أحاط وجهها بين راحتي يديه وعيناه تخبرها: كفي. كيف تتوقف وهي تلك فرصتها الوحيدة للحديث؟ عندما تحدث، لم تقاطعه، وعندما أخبرها عن بيث، حبيبته الخائنة.
ذلك الغبي، تود قتله. بدأت تقارن بينها وبين الخائنة. بالطبع، كان يعامل الأخرى بحنية، لم يقسُ عليها، لم يتعامل ببرود، لم يتجاهلها. أغدقها بالهدايا ومعها رسالة حب، وليس مثلها هدايا توضع أعلى فراشها وكارت صغير تكون به جاهزة على الساعة كذا. كانت كالدمية، هو يحركها كيفما أراد.
انفجرت باكية عند نقطة معينة. "كم مرة أخبرها وقال إنه يحبها؟" ليست مشكلتها، رغم أنه اعترف أنها خائنة، لكنها أنثى، تغير على رجلها.
مسح دموعها بأنامله تحت نظراتها المستفهمة. أشاحت بكفيه عنها وبترت عبارته وهي تسترسل، مصححة كل شيء.
"علاقتي مع الصحفي كانت سطحية جدًا، لم أقترب منه ولم أتوغل معه في الأحاديث الشخصية. دائمًا يخبرني عن أحوال الاقتصاد والرياضة وتلك الأشياء الغبية، لكن لم أجلس معه بمفردي سوى مرة واحدة، ومشينا في الطريق مرة واحدة. هو الوحيد الذي خرج أمامي فجأة. لكن لحظة! لم تتحدث عن كمال، رغم أنه رجل ثاني معنا."
غامت عيناه أثر ذلك الحقير. حمد ربه أنها لم تنطق باسمه. شفتيها لم تنطق باسم ذلك ...
رغمًا عنها خرج صوتها متحشرج وهي تتذكر ما حدث تحت براثن ذلك الثعلب.
"لكن عندما وجدتك تكره بشدة، ابتعدت عنه. ابتعدت دون أن أسألك سؤالًا واحدًا. لكن وقت الحادثة، أقسم لك..."
ثانية، وكانت ستدخل في نوبة بكاء. جسدها يرتعش بشدة. أقر ما حدث. نظراتها أصبحت زائغة، ضائعة. توترت شفتاها وهي تريد أن تستأنف عبارتها العالقة في جوفها.
وضع إصبعه على شفتيها المنفرجتين وهمس.
"هششش، اهدأي."
للمرة الثالثة تزيحه عنه. رغم رغبته الملحة الآن في عقابها، لكن استيقظ. هي على وشك الانهيار أمامه. لا يريدها أن تتذكر، ولا يريد أن يعطي لها الطبيب منومًا لتظل عدة أيام نائمة على الفراش، لا حول لها ولا قوة.
ارتعشت شفتيها وضمت بجسدها وهي تحصن ذاتها من اللاشيء.
"جاسمين أخبرتني أنها تريد مساعدة وأنه لن يكون في متجره. جاء حينما كدنا أن ننتهي. رحلت جاسمين وشربت العصير الذي قدمه لي، وفجأة تتحول الشاشة إلى السواد. لا أعلم كيف باب المتجر الرئيسي أوصد. كل ما أتذكره جاسمين أغلقت الباب خلفها فقط، بدون قصد، وهي تغادر لتلحق وظيفتها، لكنها لم توصد."
سحبها نحو حضنه. وتلك المرة سيعاقبها فعلاً. إن تملصت بين ذراعيه. وبالفعل، لم يكمل جملته حتى وجدها تحاول الفكاك منه. تنهد بضيق وهو يكبل جسدها بقوة بين ذراعيه. خرجت آه مؤلمة بين شفتيها ليخفف ضغطه من على جسدها. أنامله امتدت نحو حجابها، حررنه بهدوء ومرمغ بعنقه بين خصلات شعرها.
"ثقتك الزائدة هي المشكلة."
اشتعل جسدها من الحرارة أثر زفراته التي يخرجها من أنفه وشفتيه. اتسعت بشرتها عندما لفح بأنفاسه على عنقها.
"أنت محق. فتاة ساذجة، غبية، مغفلة، ليس لديها ثقة لنفسها. وأيضًا يائسة ومتشائمة طوال الوقت."
قاطعها وهو يلقي بقنبلة موقوتة أمام وجهها.
"تيم يكون شقيق بيث."
سكنت للحظات عن الحركة. تريد أن ترى عيناه وتقول إنها تلك مزحة. عضت شفتيها بألم على سذاجة عقلها. يبدو عائلة حبيبته الخائنة ما زالت تطارده. رددت بألم وهي تردد مواصفات زوجته في عقلها.
"ترغب بامرأة تكون هي النور لطريقك المظلم، لكنك أخطأت. لست أنا، زياد. لست أنا من ترغب بها، تحافظ عليك في وجودك قبل غيابك، وليس أن تتسكع مع رجال غريبين وتحاول أن تقلدهم."
"ليان."
زجر اسمه بعنف. لتمسك بكفيه متابعة في إصرار.
"أنا لا أصلح لك، زين. أنت تحتاج لفتاة واثقة وترشدك للطريق المستقيم. ماذا ستفعل بي؟ وأول شيء فعلته هو الانتحار دون أن تواجه."
ضمت قبضتها وضربته على صدره في وهن وهي تردد ببكاء أشبه إلى الهيستريا.
"أكرهك بشدة يا زين."
تفادى ضرباتها بسهولة ليرجع بذراعها للخلف. تأوهت بألم.
"أكرهك، أكرهك، لكن قلبي الغبي لا يعلم لماذا دائمًا يخطئ، لماذا وقعت في حبك. أنا حتى لا أعلم كيف ومتى حدث ذلك. لكن الشيء الوحيد الذي أخبرك به هو أنني لم أحبك كشيء واقع علي فعله، بل كل نبضة تصرخ باسمك."
"ليان، اهدأي."
ردد اسمها بهدوء وقلبه يهلع إن كانت على وشك الدخول إلى انهيار عصبي.
تملصت بين ذراعيه التي احتضنت جسدها وزمجرت بعنف.
"أخبرني متى تطلقني لكي تتزوج امرأة أكثر نضجًا عني."
"توقفي عن الهراء."
صاح بعنف وهو يهزها من كتفيها ليفيق تلك المجنونة. التقطت أنفاسها المتأججة بصعوبة قائلة بضعف.
"أنا لن أنسى ما سيحدث لي، وأنت أيضًا صدقني. إن تابعنا ذلك سيكون جدارًا بيننا لن نستطيع اختراقه. أنت لا تثق بي بمجرد جلوسي مع الرجال."
بنبرة مستنكرة صاح.
"ماذا؟"
"لا تنكر نظراتك للرجال في الحفلات واتهامك لي عندما عدت إلى المنزل في ساعة متأخرة وحارس غبي يحرسني. كل ذلك لما؟!"
زفر بحرارة على تلك الفتاة. غمغم بهدوء.
"لن أتحدث وأنتم في تلك الحالة."
"أنت لم تتحدث معي سوى مرة واحدة."
بعناد أجابت مجبرة إياه على الرد وهي تعقد ذراعيها على صدرها.
أحاط وجهها بين راحتي يديه وبنبرة صادقة أجاب إن كانت تلك الإجابة ستريح عقلها وقلبها.
"أخشى عليك من نظرات الرجال التي تلتهمك. ظننت أنني رجل غربي بارد الطباع، لكنني ما زلت مصريًا، أحمل عرقًا شرقيًا في أوردتي. ليان، وأنت الوحيدة التي أخرجتيه."
كل خلية في جسدها صدقته. لكن بعض التمرد ليس بسيء. حان وقتها لتأخذ بثأرها وترد الصاع صاعين أو عشرة.
"أخرجت ماذا؟ غيرة! رائع. هل كنت تظنني حديثي مع الرجال لكي تشعل غيرتك؟"
"هل أنا قلت شيئًا من ذلك؟"
رفع حاجبه مستنكرًا على طريقة تفكيرها، رغم رؤية ابتسامتها العاشقة التي كانت في طريقها إلى شفتيها، لكنها وأدتها بعنف لكي تستفزه. تغيظه.
"كلا، لا تحتاج لقولها. ابتعد عن فراشي، أريد النوم."
وبدلاً من رؤية الغضب، كان هادئًا. بدلاً من الابتعاد، اقترب بخطورة نحوها.
"ماذا تفعل؟"
سؤالها الساذج خرج من شفتيها قبل أن تستشير عقلها، ليرد بجواب أشبه بصدمة أثرت على خلايا عقلها.
"سأصبح أباكِ."
عدل جسدها لوضع النوم. سحب الغطاء ودثرها جيدًا ليصلق بجسده نحو جسدها الدافئ.
توردت وجنتاها وهي تشعر بأنفاسه المنتظمة التي تلفح عنقها من الخلف. رددت بألم.
"يوجد طرق شائكة، زين."
"سنجتازها معًا."
"ولكن أنا لن أستطيع تجاوز ما حدث. إن كنت ستفعل، فأنا لا. أنا لن أصبح تلك المرأة التي تريدها في حياتك. لن أعود كما أنا بتلك السهولة."
أغلقت جفنيها بأسى ودمعة حارة أخذت طريقها لتنحدر نحو وجنتيها.
"كل شيء سيصبح بخير."
نبرته الهادئة مقلقة. استدارت لتصبح في مواجهته وتساءلت بتعجب.
"كيف تغيرت بتلك السهولة؟ من كان يحدثني بكل تلك الجفاء والقسوة منذ عدة أيام، لا يمكن أن تكون أنت."
"ليان، اهدأي. سنتجاوز الصعاب معًا."
"لا تخدع نفسك، زين."
وبنبرة إصرار كان يخرج عن طور قناع الهدوء وينفلت ذلك القناع الهادئ الزائف، لكنه أمسك بزمام الأمور في آخر لحظة.
لاحظت انفعالات جسده ووتيرة أنفاسه التي تعلو وتهبط بسرعة. عادت لوضعها الأصلي وألقت بآخر شيء توقعه منها.
"أريد العودة إلى موطني وننفصل بهدوء، ذلك أفضل حل."
هل يقتلها الآن؟ أظن أنها لن تكون بمشكلة زوجته ويحق له أن يفعل بها ما يشاء. ابتسم على التفكير الذي راوده. تشنج جسده وهو يسمع همسها.
"سنتفصل وسأعود لدياري."
ظلت تتردد كلماتها به. وبدلاً ما أن يخنقها من عنقها، ضمها بذراعيه نحو جسدها بقوة. فالطبيب أخبره أنه إن تعرضت للانتحار مرة، فستفكر في الانتحار مرة أخرى. عدة نصائح أخبرها الطبيب، وأولها أن يصبح ملازمًا لها، كظلها، كدرع حامي لها.
تنهد بحرارة وهو يقبل عنقها ليعود بذاكرته نحو أسبوع مضى من تلك الحادثة المؤلمة.
...
"سيدي."
ردد بها الحارس بأسف وندم شديد وهو يطأطأ برأسه للأسفل من نظرات سيده المرعبة. صاح زين بجمود وهو يتكئ بجذعه العلوي على مكتبه وأخرج كل حرف ببطء شديد كعلامة تحذير إن ترك أي معلومة خلفه، فإنه لن يرحمه.
"ماذا حدث؟ أخبرني بالتفاصيل."
"متجر ذلك الصحفي يقع على بعد ثلاث شوارع من المقهى الذي دائمًا ترتاده سيدة ليان. أخبرت السائق أنها ستذهب لمتجر وستتأخر. مشيت ورائها حتى دلفا إلى متجر ومكثتا فيه إلى وقت طويل للغاية. وأثناء مراقبتي اصطدمت بي فتاة وانزلق القهوة على قميصي. قالت إنها تملك مغسلة وأشارت إليه، كان قريبًا من المتجر. دخلت وحين كانت تنظف القميص لم أستطع المراقبة بسبب الزجاج الداكن. دفعت لها بقشيشًا وخرجت على الفور لأرى فجأة أن المتجر أُغلق والمصابيح انطفأت. عدت لصاحبة المتجر وسألتها هل يوجد للمتجر باب خلفي؟ أخبرتني أنه يوجد لكل متجر باب خلفي. توقعت أن السيدة اضطرت للجوء إلى الهرب مثلما فعلت ذلك مثل يوم الحفلة، لكنها صدمتني عندما أخبرتني أن مالك المتجر هو تيم ليونارد. هاتفتك سيدي لأتفقد الأمر، وحينما ذهبت سمعت صوتًا مكتومًا في الداخل. هرعت بسرعة لأكسر باب المتجر وقد وجدت الصحفي و... تعلم ماذا حدث بعد ذلك سيدي."
"اخرج الآن."
أغلق جفنيه وهو يشدد من احتضانها له، كالغريق الذي يتشبث بذرة أمل.
...
"شهاب."
نطقها عز الدين بتعجب حينما دلف إلى غرفته ووجد شهاب جالسًا على الأريكة بأريحية شديدة وكأنه جالس في منزله، ينقصه فقط بيجامة بيتية وشبشب ذو إصبع.
"أهلاً يا سيادة الوالد، اتفضل."
منذ متى الوضع تغير؟ ومنذ متى يخبره "والد"؟ تلك الكلمة التي حُرم منها من شهاب. تباطأت حركة سيره حتى أصبح أمامه. جلس على الكرسي المقابل وحديث الأعين هي التي بدأت.
"هنفضل لحد إمتى كده يا عز بيه."
غمغم بها شهاب برسمية ليرد عز وهو يجعله يقرر الأمر.
"قول أنت يا سيادة المقدم."
"أنت اللي بعدت."
هتف بها شهاب بحدة وهو يلومه على ما فعله.
"غصب عني."
اتسعت أعين دهشة من جواب أبيه وجمود تام. قال.
"إزاي غصب عنك يا عز بيه؟ أمي ماتت وهي صغيرة ومكنش ليا حد في الدنيا دي غيرك، بس أنت بعدت عني وحسستني إني مش ابنك أو منبوذ. دورت على حضن دافي وملقتش غير بيت عمي هو الحضن الدافي."
تنهد عز كأن هموم الدنيا تحمل فوق عاتقه.
"سبب مقاطعتي بعمك علشان كانت غيرة من أخويا الصغير."
لاحظ نظرة الشك والدهشة على معالم شهاب. ضحك عز بسخرية مؤكدًا.
"أيوه، متستغربش كده. أبويا فضل إبراهيم عني أنا وعمك رشدي والموضوع بدأ بغيرة أطفال وكبر لحد ما وصلت لـ جدك قرر يدي نص الأرض بتاعته لعمك."
وكعادته، لن يصدق بالسهولة، أو أن يحدث هذا بدون سبب. هتف شهاب وهو يضيق عينيه مفكرًا.
"أكيد كان وراه سبب."
"طبعًا كان وراه سبب."
هل سيخرج كل كلمة بصعوبة من فم الآخر؟ لقد تناسى أو يأس من عدم معرفة السبب، وبطبيعته كرجل شرطي هم أن يبدأ بعمله لكي يخرج أشياء دفنت من سنين، لكنه رمى بكل تلك الأشياء في عرض الحائط عندما استمع أخيرًا إلى اعترافه.
"أنا وعمك رشدي كنا في وقتها بنشتغل والوضع المادي بتاعنا كويس ومرتاح عكس عمك إبراهيم. حاول جدك وقالنا نشوف له وظيفة في أماكن عملنا، لكن زي ما قولتلك غيرة وحقد منا إننا نوافق. جدك كان في أواخر أيامه كتب نص الأرض ليه علشان يساعده في جوازه وعلشان يقدر يعمل مشروع ليه. إحنا طبعًا سبنا السبب ورا ده وركزنا هو ليه ياخد نصيب أكتر منا. الغضب بقى والشيطان دخل دماغنا وحصلت بينا مشاكل كتير مبقتش أفتكرها من كترها، وأدينا أهو زي ما أنت شايف."
الجو يسوده جو من الكآبة وأشياء رمادية تحيط الفراغ. جو مشحون يشعرك بالاختناق. هب شهاب من مجلسه.
"عمومًا، أنا جيت علشان حددت معاد الفرح وعايزك معايا."
"وإيه اللي غيرك فجأة؟"
سؤال عز كان مستنكرًا وجواب شهاب مليء بالغموض.
"تقدر تقول إعادة حسابات يا عز بيه."
...
"هيا."
صاح بها زين بنفاذ صبر عندما وجدها ما زالت في السيارة. ترجلت من السيارة بتؤكؤ. غمغمت بحنق وهي تتطلع إلى بناية مسكنهم.
"لماذا عدنا للمنزل؟ وليس المطار. أخبرتك بعودتي إلى مصر."
مشى عدة خطوات تاركها تتذمر بسخط عليه. أوقفته بيديها وهي تضغط على كفه بقوة.
"هل أنا شفافة لعدم ملاحظتي؟"
شفتيها تتصاعد وتهبط بسرعة كبيرة أثارته. أغمض جفنيه من تلك التفكيرات المنحرفة وهما ما زالا أمام المارة. وضع إصبعه على شفتيها مزمجرًا.
"تلك الشفتين المغريتين إن لم تصمتا الآن سأصمتهما بطريقة أعلم أنها ستعجبك. هيا لنصعد."
تراجعت للوراء عدة خطوات، وهمست بصدمة.
"وقح."
"لقد سمعتك."
أغلق باب المنزل خلفه لتتابع بطريقها نحو غرفتها. صعدت الدرج بهدوء يتبعها حتى وصلت إلى الغرفة المنشودة. فتحت الباب بهدوء وهو معها، بل كظلها. هل سيدخل إلى الغرفة برغم أنها غرفته، لكنه لم يبيت بها؟ أبداً. توجهت نحو مقدمة الباب وغطت بجسدها، عقدت ذراعيها على صدرها.
"معذرة، إلى أين ستذهب؟"
"غرفتي."
جوابه البريء أغاظها. زفر بقوة وهو يبعدها عن طريقه.
"هيا ابتعدي."
لم تعلم لم مُصر على الدخول. هل يظن أنها من الممكن أن تنتحر ثانية؟ يحق له. متهورة نعم، لكنها لن تفعلها. مجرد لحظة ضعف منها.
"زين، ما الذي حدث؟"
تمتم ببرود وهو يدفع بجسدها للداخل ويغلق الباب خلفه.
"لم يحدث شيء."
"لا تظنني أنني غبية لتلك الدرجة. ماذا تريد، أو لنقول ماذا تخشى؟"
"لا أخشى شيئًا."
مصر على أنه لا يوجد شيء. بل يوجد بالطبع، الكثير، أو هي التي تظن.
"تخشى إن فعلت حركة متهورة مرة أخرى، أنتحر للمرة الثانية، لكن لا تقلق، لن أفعلها. يوجد لديك أشياء أهم مني لفعلها وليس أن تجلس معي."
وضع بأصبع السبابة والابهام على أنفه ويده الأخرى تتوسط خصره. أطلق لفظًا بذيئًا بين شفتيه.
"لما تقللي من شأنك دائمًا؟!"
هل بعد ما حدث يضعها هي تحت المجهر الشائك؟ يلومها هي فقط ولا يلوم نفسه.
"لم أفعل، زين، بل أنت. عملك أهم مني، تغيب منذ الصباح حتى وقت متأخر من الليل."
"إلى متى سنظل إلى ذلك الوضع؟"
بنفاذ صبر قالها وهو يضم قبضته حتى لا يفتك بها.
"أنت من ستخبرني وليس أنا."
وكما توقع، أعادت تلك الكلمة التي تثير أعصابه بل تشعله. لا يعلم كيف ما زال واقفًا في مكانه ولم يتحرك نحو تلك الغبية حتى يقطع لسانها التي تتفوه بحماقات.
"الطلاق."
بتوجس وترقب تساءل.
"هل هي كلمة سهلة لك؟"
هزت كتفيها بلا مبالاة.
"في الواقع، اعتدت عليها."
"بدلي ملابسك وخلال خمس دقائق أجدك عند غرفة المكتب، هل هذا واضح؟"
حاولت أن تجادله، لكن عندما شدد على آخر كلمة، بلعت عباراتها مرة أخرى وهمست بضيق.
"نعم."
...
أطرقت باب غرفة المكتب وحينما سمعت رده فتحت الباب بضيق. جالت ببصرها نحو مكتبه لتجده فارغًا. انتقلت ببصرها نحو الأريكة، وجدته جالسًا بأريحية شديدة، واضعًا ساقًا فوق الأخرى وعلى المنضدة، آخر شيء توقعته أن يفعله معها.
"ما هذا؟"
تقدمت نحوه ببطء ليرد بلا مبالاة.
"سمعت من الجدة وليلي أنك محترفة في الشطرنج."
شقت ابتسامة سخرية بسبب نبرته الهازئة.
"نعم، كثيرًا."
كسر تلك النغمة المتصاعدة في داخلها وغمغم ببرود وهو يعدل ساقه.
"لا تكوني مغرورة."
جلست على المقعد المقابل للأريكة وقررت رد له الصاع صاعين.
"بل ثقة، عزيزي."
"وإن غلبتك؟"
رغم نبرته الواثقة من فوزه وسحقها. بللت شفتيها وردت بثقة زائفة.
"لا يوجد لدي شيء لك لأعطيه. وإن هزمتك أنا؟"
بهدوء أجابها.
"سأنفذ رغبتك إلا الطلاق، ليان، ومغادرة المنزل والبلدة."
هل سيستغل أيضًا لعبة في تحقيق مصالحه؟ ألن يترك أي شيء إلا وأن يستغله في صالحه؟
"هل تضع شروطًا؟"
"اعتبريه ما أردتي."
رده استفزها. كانت ستقوم من مجلسها لتصفعه أو ترحل بهدوء. لكن جزء أخبرها أن تجلس وترى كيف ستسير اللعبة، أو بمعنى أدق، كيف ستسير لعبته.
"أنت مستفز."
انحنى بجسده وهو يركز على البيادق باهتمام.
"هيا لنرى."
وقبل أن يبدأ اللعب، هتفت مقاطعة ببسمة ساذجة.
"سأختار الأبيض، أفضل الهجوم."
وبدأ اللعب. وبعد فترة ثوانٍ، ارتفع الأدرينالين في داخلها. حركاته مختلفة. كلما اهتدت إلى شيء وفسرت حركاته، يغلبها دائمًا بعكس توقعاتها. رمى البيدق خارجًا وملكتها محاصرة. أعادت بنظرتها مرة أخرى تحاول في لجوء إلى حركة تنقذها من أن تخسر. لكن ذلك المحتال حاصرها. جيشه حاصرها بقوة، مثلما حاصر قلبها وهزم جيوشها.
تنهدت بيأس وهي ترى عينيه اللامعة بخبث ويخبرها "لقد فزت." هي المخطئة، هي من بدأت وتحركت حتى كشفت أمامه خطتها بذكائه وحنكته. استغل ذلك لصالحه وآتى دوره في الانقضاض.
"كش ملك."
مطت شفتيها بحنق وضيق شديد وهي تراه يخرج الملكة الخاصة بها خارجًا.
"لقد غششت."
ضحك باستمتاع وهو يراها مثل الطفلة الصغيرة.
"حجة الخاسر في كل مرة. اعترفي مرة بخسارتك."
عقدت ذراعيها على صدرها وصاحت بضيق.
"تفضل قل ما تريد."
"أريدك أن تصبحي زوجتي."
رفعت حاجبها بدهشة. هل هو يتحدث بجدية الآن رغم وضعهم؟ أنسي أنها زوجته؟
"إنني بالفعل زوجتك. قل شيئًا جديدًا."
حك طرف ذقنه وهو يعلم جيدًا أنها تتهرب منه. رأى تصاعد حمرة وجنتيها منذ ثانيتين. لقد فهمت، لكنها اصطنعت عدم الفهم. ليجاريها إذاً!
"أريد أن أمتلكك."
عضت شفتيها السفلى بحرج شديد. وقح، لما دائمًا يستخدم كلمات محرجة؟ اصطبغ وجهها بالحمرة لتخفض رأسها للأسفل وهمست قائلة.
"وإن قلت لا."
"لا يوجد شيء اسمه 'لا'."
صاح بها بغضب هادر. ابتلعت غصة في حلقها ورفعت وجهها نحوه وهي تغمغم.
"هل ستقدر على أن تلمس امرأة لمسها رجل غيرك؟"
فركت يدها بتوتر وأغلقت جفنيها لعدة ثوانٍ قبل أن تصطدم عيناه الباردة بعينيها الواثقتين. وكأن تلك الفتاة الخجولة تغيرت وأصبحت فتاة أكثر ثقة.
"أم لأنك فعلت كل ذلك لأنه لم يصيبني شيء؟"
رواية زوجتي الشرقية الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم سيليا البحيري
أريد قبلة دافئة تدغدغ مشاعري.
أريدك بجواري، أريدك أن تضمني بقوة إلى صدرك.
أريد أن أغفو على دقات قلبك، أريدك أن تهدهدني كالطفلة الصغيرة في أشد أوقات ضعفي.
أريد نظرة حب، كلا بل نظرة عشق تشع من عيناك الأسرتين.
ببساطة أريدك بجواري يا معذب فؤادي.
هيا، أريد معرفة لما تريدني أن أصبح ملكك، رغم أنك تعلم شخصاً أخذه قبلك. أم تلك كانت خطة أيضاً منك؟
أعادت سؤالها للمرة الثانية، ترددت كثيراً وهي تسأله. سؤالها شق السكون حولهم. لم لا يجيب؟ صمته يقلقها. هل هذا هدوء قبل العاصفة؟
بما أنك ذكية للغاية، ما الداعي للانتحار؟
غمغم بها بسخرية وهو يريح ظهره على الأريكة واضعاً الساق فوق الأخرى.
ابتسمت ببلاهة وداخلها شيء واحد فقط: تحطيم فكه العلوي وتدمير أسنانه البيضاء المستفزة.
بهدوء أجابت:
أنا غبية، لست ذكية بما فيه الكفاية. أخبرتني أنه توجد دماء شرقية تسري في أوردتك، والشرقي يترك المرأة الخائنة يا سيد زين. لكن أنت فعلت عكس ذلك. ما زلت متحيرة، شرقي أنت أم غربي؟
كلاهما.
رفعت حاجبيها بتعجب لإجابته الواثقة، ولم يتردد ولم ينتظر لثوانٍ ليجيبها. زادت ابتسامتها بلاهة وهي تهتف بمجاملة:
جيد للغاية، لنقل أنني وافقت على عرضك.
قاطعها وهو يغمز بخبث:
ليس عرضاً، إنه من واجباتك.
رمشت بأهدابها، ذلك الرجل وقح، بل وقح للغاية. ألا يستطيع أن يزين كلماته أمامها؟
بغيض للغاية وفظ.
ابتسم وصاح بمكر:
وأنتِ تحتاجين لمن يقوم لسانك وسلوكك.
حاولت إيجاد الرد السريع مثل الذي يتملكه. قامت من مقعدها وهي تجد لا جدوى الحديث معه.
لن تقدر، سأظل كما أنا. على كلا، استمتعت بالخسارة. سأخلد للنوم.
وواجبك.
أجابها بكل عنجهية وغرور يليق به وهو ما زال مسترخياً في جلسته.
لا أظن أنك تريدها يا سيد زين.
سارت بخطوات منظمة نحو الباب. فتحت الباب بهدوء، وقبل إغلاقه سمعته يهتف:
ليان، لم يُصبك شيء.
زين زياد الحديدي، أنت حقاً رجل يستحيل أن يتوقعك أحد. ارتسمت ابتسامة عاشقة تزين ثغرها لتطل برأسها نحو وقالت بثقة:
أعلم يا حارسي.
أغلقت الباب خلفها وانطلقت راكضة نحو غرفتها وقلبها منعش، تشعر أنها على وشك أن تطير مثل أوراق الشجر التي ترقص بصخب مع نسيم عليل في وقت الربيع.
أغلق جفنيه وهو لا يصدق لقبه الجديد الذي أخرجته من شفتيها، وتلك النظرة الناعسة وشفتيها المنفرجتين. ما الذي تفعله؟ تلعب وتستغل تلك النقط في صالحها جيداً. تمتم وإبتسامة تشق ثغره:
ماكرة أنتِ يا زوجتي.
***
رمت بالأوراق والكتب وكاميرتها بعنف شديد. سحقت شفتيها بغضب. ذلك الوغد الذي يدعي كريم، ستقتله حتماً. هل جن هو؟ كيف يخبرها أنه يريد أن تكون خليلتـه وشريكته في الفراش بدون أي عقد بينهما؟ مجرد أنها لم ترتدي حجاب وملابسها متحررة بعض الشيء، لكنها ليست فاضحة، يأخذ الشباب فكرة سيئة. توعدت للوغد بعقاب شديد، ستفعل له فضيحة تجعله يخفض رأسه للتراب.
سارة.
رفعت رأسها فور أن سمعت اسمها. أخفضت رأسها أرضاً وتمتمت بحنق:
شهد، ابعدي من وشي دلوقتي. عفاريت الدنيا بتتنطط في وشي.
جلست شهد بجوار سارة، ربتت على ظهرها وهي تعلم جيداً سارة ما إن تراها تغيرت مائة وثمانون درجة، لا يوجد سوى شخص واحد من فعلها.
كريم لسه لازق.
نفخت وجنتيها بضيق وصاحت بغضب:
لازق بإغراء يا أمير، أبو شكله ده هوريه.
سحبتها شهد فور ما وجدتها تقوم من مجلسها. غمزت بشقاوة:
أهدي كده، ده إحنا دوب خلصنا الامتحانات، عايزين نفرفش ونخربها السنة دي.
ابتسمت بتكلف وهي توعد لذلك الحقير.
ما أنا هخربها فعلاً بس على دماغه.
زفرت شهد بيأس على عند ورأس سارة اليابس.
ابعدي عن كريم الهندي، إنتي مش عارفة ولا عارفة عيلته اللي الحكومة متقدرش تقرب منه. عيلته ماسكين البلد، يا سارة فوقي وبطلي هبل.
رغم شعورها بالرعب الذي جري في أوصال جسدها، خرج صوتها ثلجي.
تصديقي كده خوفت؟ طيب أنا هطفش من البلد الغم دي عشان نرتاح من أشكال كريم وعيلتهم اللي بتخاف منها الداخلية.
هزت شهد كتفها بلا مبالاة.
إيه، رايحة ماليزيا مثل؟
رفعت سارة حاجبها من نبرة السخرية لترد بلا مبالاة:
إنتي طايلة أصلاً؟ يلا بقي هاتي شلة البنات عشان نتفسح ونروح أي كافيه وهعملكم فوتوشوت فور فري.
قفزت شهد من مجلسها بسعادة.
حبيبي يا أسو.
ابتسمت سارة بخبث.
أنا قلت إنتي جاية ورا كاميرتي.
لكزتها شهد على ذراعها غير عابئة بمن ينظرون إليها وإلى طريقة الأطفال التي يتعاملان بها.
سارة، مبتبقيش رخمة.
تراقصت حاجبي سارة.
هو أنا مقلتلكيش؟ ما أنا رخمة فعلاً.
قامت من مجلسها بكل عنجهية وكبرياء وهي تلقي بأوامرها وكأن أمامها خادمة.
خلاص بقي اتفضحنا في الجامعة. اتفضلي شيلي أوراقي وكتبي وأنا أحصلك.
خدامتك أنا؟
تصدقي أنا غلطانة، أنا راجعة البيت.
استوقفتها شهد وهي تجدها تجمع أشياءها بالفعل.
بيت مين يا ماما؟ لا خليكي هنا، البنات جاية وبيقولوا محضرين برنامج هايل.
تفقدت الكاميرا بتوجس إن أصابها خدش. زفرت براحة عندما وجدتها كما هي.
محسساني إننا خلصنا الكلية.
وببساطة ردت شهد.
سنة خلصت، هتجر اللي وراها.
سكون غلفهم لفترة ليست بقصيرة، لتشقه شهد بصخب وهي تشير بيدها نحو اتجاه معين.
أهم البنات، يلا نتحرك.
سبقتها شهد وهي تتحرك نحوهم، استوقفتها سارة وهي تزفر بيأس.
والكتب؟
شيليها مع نفسك يا أسو.
توعدت لها بل للفتيات، إضافة للحيوان كريم، ولكن كريم في كفه والفتيات في كفة أخرى.
حاضر والله، ما هصوركم أصلاً، وديني حلفت وشوفوا بقي.
***
عاملة إيه؟
نطقتها ندى وهي تتواصل مع صديقتها عبر الحاسوب. تمتمت ليان بابتسامة هادئة:
تمام، وإنتي إيه الأخبار؟
تنهدت ندى براحة وكأن حملاً ثقيلاً وضع على صدرها انزاح.
حددنا معاد الفرح.
مبروك، كان نفسي أبقى موجودة معاكي.
كانت تقصد كل حرف منها فعلاً. أصبحت تكره وضع البيت الساكن، لا تتحدث مع أحد سواه عندما يأتي من العمل، ولا غرابة في الأمر، دائماً تجده عند الخامسة عصراً بدل من الوقت المتأخر، وبالطبع تجد الخادمة ملاصقة لظهرها أغلب الوقت. وحينما يعود، يدردشان في بعض المواضيع المملة كنوع من إضاعة الوقت.
تذكرت في يوم وجدته ينام بجوارها وأخبرها أنه من ذلك اليوم سينام بجوارها. وافقت على مضض وقلبها كاد يرقص من الفرح، لكن اختفت ابتسامتها عندما تجده في كل مرة يتحسس جسدها بخبث. تزجره في كل مرة ثم يسحبها كالمغيبة في أحضانه وهو يشدد من معانقتها نحوه. ما وصلت إليه نعمة ستحافظ عليها، تلك المرة لن تتهور مثل المرة السابقة.
أفاقت من غيمة الشرود على صوت ندى.
بس إيه؟ فترة الغياب دي كلها؟ دي سارة وطنط وعمو قلقوا عليكي، لولا إن جوزك طمنهم كنتي هتلاقي عيلتك قدام باب بيتك. بس قوليلي، جو باريس كان عامل إزاي؟ قضيتوا اليومين حلوين ولا نكدتي على وشوه؟
ابتسمت بهدوء.
لازم يكون فيه نكد، مصرية بقى، بحب أنكد.
ضحكت ندى بأستمتاع وهي تتخيل مشهد نكد يجري أمامها.
البطل زين والبطلة ليان.
حتى مع الأجنبي.
إغتاظت منها، حتى هي تعامله كشخص غربي. ردت بعبوس:
مصري على فكرة.
فرقت يعني؟ نصه مصري، بس برده ليه نص أجنبي؟ بقولك إيه، مفيش حد من النوعية دي هناك بس يكون مش مرتبط.
اتسعت عيناها دهشة، ثم ما لبثت أن انفجرت في الضحك.
شهاب لو يسمعك.
حمحمت ندى وهي تلتفت يميناً ويساراً.
عيب، ده لسارة.
سارة برضه؟
نبرة ليان جعلتها مفضوحة، لتستمر في الادعاء.
احم احم، أه، هكذب عليكي.
تنهدت ليان وهي لم تقتنع بأي كلمة قالتها.
ماشي ياستي.
حذرتها ندى وهي تشير بأصبعها نحو العدسة.
أوعك متجيش فرحي.
ضحكت ليان وهي لا تصدق أنها تضحك، ظنت أن الحياة تحولت للون الرمادي أمامها، لكن الله لا يخيب حسن ظن عباده.
قبلها بأسبوع هتلاقيني في وشك.
وضعت ندى هاتفها على وضع الصامت عندما أعلن عن مكالمة لحبيبها، لتغمز بمكر.
طب أنا بقي هقفل، سلام.
وقبل أن ترد ليان، التقطت أذنيها إلى صوت زين الذي يناديها. صمتت لعدة لحظات، إنها المرة الأولى التي يناديها، كان دائماً يبعث بالخادمة. مهلاً، إنه في غرفة الملابس.
حبيب القلب ده اللي بينادي.
سمعت صوت ندى الخبيث. توعدتها في سرها.
شيلهالك يا ندي.
وانطلقت متوجهة نحو غرفة الملابس كي تتفادى أي كوارث تحدث.
***
ماذا؟
نطقتها بتعجب وهي ترى لا يوجد بشيء هام يستدعيها. إنه يرتدي ملابسه. هل تساعده في ارتدائها؟ نطقتها بسخرية.
أشار لربطة العنق أمامها. قلبت بعينيها وهي لا تصدقه، ندائه من أجل أن تعقد ربطة عنق.
لا تخبرني أنك لا تعلم كيفية عقد ربطة عنق.
تمتم ببساطة.
هل رأيتني من قبل أرتديها؟
رفعت حاجبها باستنكار، تعلم أنه في معظم الأوقات لا تجده يرتديها سوى...!!
ومن يفعل ذلك وقت الحفلات؟
أجاب بصدر رحب لأسئلتها المستفزة. لما كل النساء تتحدثن أكثر من العمل؟ بمجرد أن يريدها فعل شيء، يجيب أن تأتيه بالتفاصيل الوافية. كان توجد بعض النساء الثرثارات مثلها، لكنها ليانه مختلفة عن النساء، يحب ثرثرتها، يحب مراقبة شفتيها التي تتصاعد وتهبط بسرعة.
جدتي.
زينة.
تفتت باسمه وهي لا تصدق أن جدته تساعده على عقد ربطة عنقه. تخشى أن تكون إحدى حيله مثلما يفعل حينما ينام بجوارها.
لا أمزح، ليان، لا أعلم حقاً.
تأفف بحنق وضيق صبي جعلها تبتسم بمرح، قالت بمشاكسة:
لكن إن كذبت عليّ لن أرحم.
توجهت جواره وهي تفعل له شيء عظيم ستفتخر به. رفعت أنامل قدميها حتى تصبح مقاربة لطوله.
ابتسمت بتوتر والمشهد تكرر أمامها، لكن يوجد شيئان: هي الآن معه في غرفته، وثانياً هي زوجته. انتهت وهي تحمد ربها أن لم يفعل شيئاً.
ها قد انتهينا.
عجيب، في المرة السابقة استغرقت أربع دقائق وخمس عشر ثانية، أما الآن في ثلاثين ثانية.
تمتم بها بتعجب وحنق داخلي، كان يريدها أن تصبح قريبة منه أطول فترة ممكنة. أفكار منحرفة تراوده الآن، والوقت والمكان مناسب، لكن عليه أن يتريث قليلاً.
هل كنت تعدها بالدقائق؟
صحح قائلاً:
الثواني!
ارتدي سترته وهتف بعملية:
سأذهب وبعدها سأعود وأراك جاهزة، سنذهب القرية.
اتسعت عيناها فرحة، أخيراً ستتخلص من الجلوس بمفردها بين أربعة جدران.
حقاً، سنذهب إلى الجدة؟
أومأ بالإيجاب. تصلب جسده فجأة حينما وجد جسدها الدافئ يلتصق به في الخلف، تحتضنه بحميمية شديدة. ازدرد ريقه بتوتر وهو يخرس عقله.
رددت بدون وعي بحماس طفل:
يعيش زين، أحلى خبر سمعته.
تداركت ما قالته لتبتعد عن جسده، وحمرة تزين وجنتيها ما فعلته.
معذرة، هل تضايقت؟
ابتسم وهو يربت على وجنتيها المتوردة.
كلا، الأهم أنني أراك سعيدة. نبرة السعادة وعيناك البراقتين أهم شيء.
آه، هل يوجد زوج بمثل هذا الحنان؟ هل هذا هو زين؟ انحرج، بالطبع لن يقول أنه تضايق، وتعلم أنه لن يقولها.
لن أكررها. في وقت انفعالي أتناسى دائماً.
ضحك وهو ما زال يربت على وجنتيها بحنو.
جربت منه عزيزتي، هيا اجهزي، بعد ساعتين سأنتظرك أسفل البناية.
خرج من غرفة الملابس ليتوجه نحو باب الغرفة. نادته باسمه المفضل.
زياد.
توقف جسده عن الحركة ليلتفت خلفه وهو يراها تودعه وتهتف بامتنان.
شكراً.
اكتفى بهز رأسه ليتابع سيره ويخرج من غرفته. يوجد لديه اجتماع هام للغاية.
***
اتفضل بقى اشرحلي بالتفاصيل مين ليان وورد.
هتفت بها هند بنفاذ صبر. هزت رجليها بعصبية وهي تستمع إلى رده البارد.
ماضي واتقفل.
هدرت به ببعض العنف.
متلفش وتدور يا يوسف، لأنه لو كان اتقفل مكنتش قعدت أسبوع حابس نفسك في أوضتك.
بنظرة واحدة أخرسها. أشاحت بوجهها للجهة الأخرى وهي تنفخ وجنتيها بضيق.
جاهزة أنتِ.
أشعل لفافة تبغ، صارت من ضمن أهم أشياءه لشخصية يوسف الجديدة.
اتفضل.
أطلق الدخان المخزن في صدره إلى الهواء الطلق. لا يعلم من أين يبدأ، لكن يعلم النهاية جيداً، وهذا ما يخشاه.
الموضوع ببساطة، كنت بحب بنت جاري ليان، وقولت إن أنا هتجوزها. وفعلاً اتجوزنا وعملنا كتب كتاب. وقت استعدادي للفرح اتزنقت في فلوس. لجأت لرشيد والد ورد، الله يرحمها.
وكان معروف عنه أنه بيساعد أي شخص محتاج. مضيت على وصل أمانة وأخذت الفلوس، وفجأة ظهر وش رشيد الحقيقي وهددني بالوصلات يا إما أطلق ليان. كنت مجبر على إني أسيبها. القدر كان ضد إني أبقى أنا وليان مع بعض. مرجعش الأوراق بعد ما طلقتها ورجع ابتزني تاني عشان اتجوز بنته ورد. كنت مصدوم منه ورفضت، بس هو مسك من الحتة اللي بتوجع أوي. ورد إزاي؟ اللي كنت بعتبرها زي سارة أختي بتحبني. لمحت لي بحبها ليا في فترة خطوبتنا، بس أنا صدتها في كل مرة. قلت لها: أنا مقدرش أحبك، قلبي كان لسه متعلق بليان. واكتشفت وهي في وقت غضبها إن هي وأمها خططوا لكده، أو نقول الأم هي العقل المدبر. كنت عارف ورد وأخلاقها جداً، عقلي مكنتش متصور إن ورد البريئة يطلعلها قناع مليان شر وحقد من جوا. وفجأة قررت تنفصل وقالت: طلقني، وطلبت مني إني أسامحها وكأنها لآخر مرة هتشوفني. وفعلاً كنت ناوي أقولها إني مسامحها، بس اللي عملوه فيا صعب. حاولت أسامحها بس معرفتش، لساني خذلني. سافرت وجيت إسكندرية وأبعد عن القاهرة. ببعد على قد ما أقدر عن الذكريات. وفجأة لقيتك إنتي شبه ليان، بس روحك هي هند. اتشديت فعلاً لشكلك اللي شبه قلبي اللي حبها، بس أنا برضه حبيتك يا هند. جه موضوع مرض ورد زي الصدمة. اترددت كتير أروحلها ولا لأ. رجلي كل مرة كانت بتخذلني إني أشوفها. كان نفسي أشوفها للمرة الأخيرة بجد وأقولها إني مسامحك. ورد هي الوحيدة اللي اتأذت من الحدوتة كلها. أنا مش وحش يا هند، حطي نفسك مكاني لمرة واحدة. شهاب بيتهمني إني أنا الوحيد اللي غلطان، بس برضه هي غلطت.
أغلق جفنيه بألم ليسترسل بضعف.
ليان واتجوزت شخص تاني وسافرت، وورد ماتت. وأديني أنا هنا.
جففت هند عبارتها بكف يديها وسحبت حقيبتها دون أن تتفوه بحرف واحد وسارت مبتعدة عنه وهو يراقبها بألم. توقفت عن السير للحظة لتعود مرة أخرى لديه.
عمرك ما حبتني يا يوسف، إنت محبتنيش، إنت حبيت إن شبه حبيبتك. آه، إنتوا الاتنين غلطتوا، بس أنا حاجة واحدة بس عايزة أعرفها. قولي كلام اللي كنت بتقوله ليا وقت فترة خطوبتنا، علشاني أنا ولا عشان هي؟ بتتخيلها هي، مش كده؟
إنتظرته أن يرد، لكن صمته جعلها تعلم الإجابة. استدارت مغادرة وهي تلعن حظها. كلما تظن أن الدنيا تفتح لها أبوابها، تجده أن كان مجرد باب موارب يجعلها فقط تنظر للنور خلفه، لكن حين الوصول للداخل، يد قوية تمنعها وتسحبها لتظل هي في الظلام. وحيدة... بائسة... مستسلمة لمصيرها المجهول.
***
خلع ربطة عنقه وسترته وألقاه على الأريكة بإهمال وتوجه نحو الغرفة المظلمة. فتح الحارس الباب الحديدي وابتعد جانباً. دخل زين إلى الغرفة الكئيبة بطلاء أسود ولا يوجد بها نافذة. فقط ضوء خافت يعلن فقط عن وجود جسد مكبل على الحائط بملامح غير واضحة أثر الدماء والكدمات، ليس فقط في وجه بل أيضاً جميع أنحاء جسده. أمال تيم برأسه نحو الذي يشرف عليه بقامته الطويلة بكل غرور وشموخ. ابتسم زين بتهكم.
أخبرني ما رأيك في إقامتنا؟
فاخرة للغاية.
سار عدة خطوات وهو يرى نظرة الرعب من أعين تيم. تفقد زين الإصابة من أثر طلقة على كتفه، برضى إلتئم جرحه. لا مشكلة، سيسبب جرحاً آخر له. بثقة ووعيد هتف:
وانتظر عزيزي، كيف كانت جولة الضرب؟ أرجو أنها أعجبتك.
خرج صوت تيم متحشرج وهو يرد بسخرية.
وما بعدها؟ هل ستقومون بشنقي أو رمي في قاع المحيط؟
ضحك زين بقوة. ضحكته ساخرة بل شيطانية، وذلك الجانب لا يراه فقط إلا من اقترب أحد من إحدى خصوصياته. كأنثى الأسد التي تظهر مخالبها وهي تدافع عن أبنائها من الوحوش في الغابة.
لا ذاك ولا ذاك. كل يوم ستتمنى الموت، لكنك لن تطيله. كل يوم سأبعث لك الطبيب في النهار، وفي الليل سنمارس أشياء شنيعة للغاية.
صمت للحظات وهو يرى نظرته المرتعدة التي أرضته. ببساطة، لقد كسر أنف تيم الشامخ. صاح بصوت عالي ليجذب انتباه الحارس في الخارج.
ابعث مارتكس يا ستيوارت.
غمغم الحارس بإيجاب ليسرع بجلب مارتكس كما أمر سيده. عدة ثوانٍ واستمع تيم إلى صوت نباح كلب. اقشعر جسده بخوف وصوت نباح الكلب يقترب منه رويداً رويداً.
كلب.
ابتسم زين ببرود.
نعم، لقد علمت أنك تخشى من الكلاب، لذلك أوصيت بجلب كلب من ألمانيا خصيصاً لك.
أمسك زين بالطوق وجثى على ركبتيه وهو ينظر إلى الكلب الذي روضه. تحدث بهدوء وعيناه مثبتة على الكلب الشامخ الذي يتعدى طوله مائة سم. كلب بذلك الطول جعل تيم يتلوى بجسده. بتوجس استمع إلى ما قاله زين.
مارتكس عزيزي، تعلم ما عليك فعله بالنسبة للعدو.
هز الكلب رأسه وهو يومئ برأسه على أمر سيده. التفت إلى تيم وهتف بابتسامة زائفة.
ليلة سعيدة تيم.
خرج من الغرفة وامسك بربطة عنقه وسترته وغادر بضمير مستريح ولم يلق بالاً للذي يصرخ كالنساء في الداخل.
تعلم يا ستيوارت ما عليك فعله.
أومأ الحارس بإذعان.
نعم سيدي.
***
شهاب، متهزرش، بابا بره.
قالتها ندى وهي ترى أفعال شهاب غير اللائقة بالمرة وهو في منزلهم. يخبرها أنه يريد قبلة بريئة فقط حتى تطفئ نار شوقه. لكزته بخفة على صدره وهي تجلس مبتعدة عنه تأخذ احتياطها وحذرها منه.
ولو برده مش هبعد.
غمز بها بوقاحة وهو يدنو منها. أشاحت ذراعيه عن خصرها وصاحت بشيء تعلم أنه سينقلب مائة وثمانون درجة.
بعت الظرف ليوسف.
وحدث كما توقعت. ابتعد عنها وقد تخشبت ملامح وجه. ارتمى بجسده على الأريكة المقابلة لها وامتنع عن الرد.
شهاب، من فضلك.
بتردد هامس اقتربت منه وهي تحضن كلتا كفيه وتبتسم بحنو.
غمغم بضيق وهو يسبه بأفظع الألفاظ.
متجبش سيرة الزفت ده.
ارتعدت قليلاً من كثرة السباب الذي يلقيه عليه. زادت من ضمها ليديه وهي تعتمد الأسلوب الناعم.
شهاب، ورد أدتلك أمانة وهي عارفة إنت الوحيد اللي هتوصلها الأمانة دي.
تأفف بضيق من إلحاحها على فتح ذلك الموضوع.
بعتله الظرف إمبارح يا ندى.
قفزت نحو حضنه وهتفت وهي توزع بقبلات هادئة على وجنتيه.
حبيبي، كنت حاسة.
اللعنة، ما الذي تفعله الآن؟ رغم أنه يعلم أنها تصدر عفوية منها، ورغم محاولاته العديدة أن تتوقف عن فعلها لأنه لن يضمن ما الذي سيفعله معها، تضرب كلامه بعرض الحائط. تثاقلت أنفاسه عندما دفنت بوجهها عند عنقه. همس بصوت متحشرج.
نــــدي.
همهمت بنعم وهي تضع كفها على موضع قلبه تشعر بثورانه الداخلي. كان على وشك أن يزيحها وهما في وضع فاضح ليجد صوت أيمن يصيح بغضب زائف.
سيادة المقدم.
ابتعدت ندي على الفور وهربت منه وهي تطأطأ برأسها للأسفل. نظر إليها شهاب بسخرية ثم استقام في جلسته وهو يتحدث ببراءة.
سيادة اللواء، بنتك هي اللي لزقت فيا.
ونبرة ندى كانت نبرة مستنكرة قائلة بغضب.
شهاب.
نظر أيمن إلى ندى بوعيد وهتف نحو الآخر الواقف بلا مبالاة.
تعالى يا سيادة المقدم، وحسابنا بعدين يا ندي.
خرج من الباب ليتبعه شهاب، وقبل أن يخرج من غرفته استدار نحو ندى ليجذبها من خصرها وهو يسحقها بقبلة عنيفة بعض الشيء. ابتعد لاهثاً ليطبع قبلة بجانب شفتيها وتركها ورحل متوجهاً خارج غرفة الصالون.
كانت مصدومة مما حدث منذ ثوانٍ قليلة. لثاني مرة يقبلها في عقر بيتها ولسانها يصيبه الخرس عند حضوره وجسدها يصاب بالشلل عند اقترابه. لا هي قادرة على أن تزيحه ولا هي قادرة على أن تضمه. زفرت بحنق وهي تدب على الأرض متمتمة بسخط.
ماشي يا شهاب.
***
هبطت على الفور عندما أخبرتها الخادمة أنه ينتظرها بالأسفل. وضع الحارس الحقائب في الحقيبة الخلفية للسيارة. رغم برودة الجو في ذلك الوقت من العام، إلا أنها وجدته خالع سترته وربطة عنقه ويتكئ بجذعه العلوي على السيارة. ما إن رآها تتقدم نحوه اعتدل في جلسته وهتف وهو يفتح باب السيارة لها بلباقة.
ابتسمت بمرح ونظرت إلى الساعة في هاتفها وغمزت بأعجاب.
في موعدك بالثانية.
تطلعت إلى السيارة الذي لا يوجد بها سائق. تمتمت بتعجب.
هل سنذهب بمفردنا؟
دنا نحوها وهمس بنبرة ذات مغزى جعل وجنتيها تشتعلان من الحمرة.
نعم، قررت أخذ عطلة ليس لها وقت محدد.
ازدرت ريقها بتوتر من نبرته. ماذا يقصد بحديثه معها؟ صعدت السيارة وهي لا تفكر سوى في شيء واحد فقط: أنها ستجلس أطول فترة ممكنة مع الجدة وتتجنب نظراته الوقحة. ولكن ماذا عند وقت النوم؟ رأسه يابسة وربما يخجلها أمام الجدة برغبته أن ينام بجوارها. تمتمت بصوت خفيض يكاد يسمع.
حسناً.
توجه نحو المقود وانطلق بسيارته تشق زحام لندن في ساعة الذروة متوجه نحو قرية جدته. أغلقت النافذة التي بجوارها وهي تشعر بالبرد الشديد رغم ارتداء سترة صوفية. وجهت ببصرها نحوه لتجده يرتدي قميصاً خفيفاً ومن الواضح أنه لم يتأثر بالبرد. دفنت بيديها داخل جيب سترتها وهي تقطع السكون.
ما هي هواياتك؟
أجاب وبصره لم يشح عن الطريق وحمد ربه أنهم وصلا إلى الطريق الزراعي.
لا شيء محدد سوى أنني هزمتك في الشطرنج.
نفخت وجنتيها بضيق وهو دائماً يتعمد مشاكستها بعد هزيمتها في لعبة الشطرنج.
بغيض حقاً.
صاح بجمود ولهجة آمرة.
ليان، توقفي عن سبي، ولا سأقوم أنا بقصك.
أشاحت بوجهها للطريق وهي تراقب المنظر الطبيعي. زاد الجو برودة عندما غابت الشمس. وفجأة توقفت السيارة وركنت على إحدى جوانب الطرق. نبهت حاستها الأنثوية من خطر قادم. هل سيعاقبها حقاً أي عقاب وهما في طريق خالي من المارة ولا توجد سيارة تمر في نفس الطريق؟
استدارت إليه عندما وجدته يسب بعنف وهو يضرب على المقود بغضب. تمتمت بتساؤل.
ماذا حدث؟
أجاب ببساطة وهو يريح رأسه على المقعد.
نفذ الوقود.
اتسعت عيناها صدمة. ستموت من البرد بالتأكيد. وجهت نظرها إلى الطريق ثم تمتمت بتوجس.
ماذا؟ ... ونحن في هذا الطريق؟
أخرج الهاتف من جيب بنطاله وغمغم ببساطة.
سأتصل بالسائق.
أخذت وضع التذمر بدلاً من الهدوء، والغضب والانفعال بدلاً من التفكير في وضعهم. ليس ذلك فقط، بل وضعته في دائرة الاتهام في تقصير عمله.
كيف لم تتأكد من وجود وقود كافٍ؟
وضع الهاتف على أذنه منتظراً رد السائق. نجح بصعوبة بالغة وهو لا يخرج غضبه أمام وجهها.
أخبرت السائق أن يجهز لي سيارة. كيف لي أن أعلم أنه لم يملأ السيارة بالوقود الكافي؟
ارتعد جسدها فور أن سمعته يتوعد للسائق ويلقي عليه بالسباب اللاذع. نفث عن غضبه أمام السائق، ولكن ماذا ذنبه أن يلتقي كل ذلك؟ يكفي فقط أن يحذره ويخصم راتبه، لا أن يطرده بسبب فعلته.
تمتمت بتساؤل عندما رمى الهاتف على التابلوه بضيق.
ماذا سنفعل حينما يأتي؟
سؤالها خرج سخيفاً، لكن ماذا تفعل؟ لا تحب ذلك الهدوء الذي يبعث بالرعب.
ننتظر.
أجاب باقتضاب لتعلم أنه يرفض الحديث معها. احتضنت جسده بواسطة ذراعيها تجلب بعض الدفء. إن كانت تشعر بالبرد حينما تسير السيارة الآن، تكاد تموت بسبب لفحات الهواء الباردة.
يبدو هذا هو الحل الوحيد.
رفعت بساقيها التي شعرت كأنها لوح من الثلج وجلست متربعة على المقعد. ولسانها يردد أن كل شيء سيصبح بخير.
فكرت أن تفتح حقيبة السيارة، لكن قدميها لن تساعدها أبداً وهي بغبائها تعلم أنها لن تجد شيئاً يدفئها. لم تتوقع أن يخونها الطقس، كل ما جلبته كان مناسباً للصيف، سوي سترتها الصوفية التي ارتدتها عندما شعرت أن الجو انقلب في الصباح.
شعرت بشيء يوضع على ظهرها. استدارت له لتجده يضع سترته على جسدها. ابتسمت بهدوء عندما أردف.
ستشعرك بالدفء.
شكرته بامتنان وهي توجه ببصرها نحو الطريق.
شكراً.
عدة دقائق مرت كالجحيم. لا توجد أي سيارة مرت في الطريق.
نظر إليها وهو يشعر بالعجز عندما يراها تنتفض في كل مرة رغم أنه أحكم غلق النوافذ. الجو ليس بارداً لتلك الدرجة، لكنها يبدو أنها لم تعتد على الجو بعد. بعد فترة ستصبح معتادة على الطقس المتقلب.
سحبها من ذراعها وهو يهتف بحزم.
تعالي.
إلى أين؟
ما كان عليها أن تسأل وهي تجد نفسها جالسة على ساقيه وذراعيه مثبتة على خصرها. كتم ابتسامته حتى لا تثور في وجهه وهو يرى ارتعاشة جسدها بسبب البرد. أصابه القلق إن كانت تشعر بوادر المرض.
حضني.
ابتسمت بتوتر وقبل أن يسحبها لحضنه، وجدته يحل أزرار قميصه ليصبح جزعه العلوي عارياً. كتمت شهقتها وهي تضع كفيها على ثغرها بصدمة.
زين، ماذا تفعل؟
صاح بسخط من سؤالها.
سأبعث بالحرارة لجسدك، هيا توقفي عن الحديث الذي لا فائدة له.
ترددت كثيراً من فعلها. لكنه أسرع وهو يجذب بعنقها ويضعها على صدره. تورّدت وجنتاها من الخجل، لا يصح فعل ذلك. زجرت نفسها، إنه زوجها، لا تستطيع أن تمنعه من الاقتراب. تخشى عليه أن يصيبه برد وهو عارٍ. دفنت وجهها عند عنقه وأراحت بكفها على صدره العاري بتردد.
ألا تشعر بالبرد؟
غمغم بصوت متحشرج وهو يعلم أن لن يصبر أكثر. إنها بين ذراعيه، تراوده الكثير من الأفكار المنحرفة.
سابقاً.
عضت شفتيها السفلى بإحراج وهي تعلم قصده. بعتاب أنثوي هتفت وهي تشعر بحرارة جسده التي تنتقل إليها.
زين.
غمغم بسخط على حالته الميؤس منها.
اصمتي.
تلك المرأة التي بجواره يريد أن يلتهمها. صوتها المبحوح وهي تهتف باسمه بإغراء. وأناملها التي تخونها وهي تتحسس صدره، كل ذلك بمثابة نار لن تخمد.
أمسكها من عنقها لتقابل وجهه لفح بأنفاسه الحارة وبنبرة راغبة هتف.
هل تسمحي لي أن أقبلك؟
تصاعدت دقات قلبها. وتيرة أنفاسها تعلو وتهبط بسرعة. احتقن وجهها من الخجل وهي تحاول أن تبتعد عن رائحة عطره التي أصابتها بالأسترخاء والخدر.
إن كنتي لا تريدين فقولي لا. أما إن لم ترفضي سأعلم أنك موافقة.
إنتظرها أن ترفض، لكن وجدها ساكنة. أزاح حجابها ورماه جانباً لتنفرد خصلاتها الفحمية. أحس بأنفاسها الساخنة وبعض الكلمات غير المرتبطة التي تخرج من شفتيها.
أمسك بذقنها ودنا يلتقط شفتيها بكل حميمة. يبث لها كل أشواقه. كان يؤجل فترة قربه منها حتى يطمئن عليها، لكنه اقترب منها كالمغيب، مفتون بها. أقل شيء يرضيه، يكفي فقط أن يرى بسمتها.
حررها من حصاره لعدة ثوانٍ كي تلتقط أنفاسها المسروقة، ليتبعها حصار آخر جعلها تحيط بعنقه وتبادله شغفه بشغف أكبر. لا تعلم كيف تنساق وراء عناقه الملتهب، ما زالت جاهلة في تلك الأشياء. وكيف بدون أن تخبره أنها ترغب به أيضاً. ولكن أين البرد الذي كانت تشعر به منذ قليل؟ اختفى أثر البرد وحل محلها مشاعر ملتهبة.
سيدي.
تكسرت السيمفونية الهادئة عندما سمع طرقاً على نافذته. وقبل أن تهرب منه ضم جسدها نحوه. دفنت بوجها عن عنقه وهي بالكاد تلتقط أنفاسها. أما هو فلم يكن في أفضل حال عنها. صاح بغضب للواقف في الخارج.
اللعنة عليك، انتظرني.
رواية زوجتي الشرقية الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم سيليا البحيري
هل عندك شكٌ أنّك أحلى امرأةٍ في الدّنيا؟
وأهمّ امرأةٍ في الدّنيا؟
هل عندك شكّ أنّي حين عثرت عليك.. ملكت مفاتيح الدّنيا؟
هل عندك شكّ أنّي حين لمست يديك تغيّر تكوين الدّنيا؟
هل عندك شكّ أنّ دخولك في قلبي هو أعظم يومٍ في التّاريخ.. وأجمل خبرٍ في الدّنيا؟
هل عندك شكّ في من أنت؟
يا من تحتلّ بعينيها أجزاء الوقت يا امرأةً تكسر،
حين تمرّ، جدار الصّوت لا أدري ماذا يحدث لي؟
فكأنك أنثاي الأولى
وكأنّي قبلك ما أحببت.
نزار قباني.
من يصدق أنه يصبح كالمراهق، لا بل يطلب منها أن يُقبلها وهما في منتصف الطريق؟ يسرق منها قبلة هادئة سريعة، لكنها مع الوقت تحولت إلى قبلة محمومة يبث فيها عذابه وشوقه، عذاب الشهور الحالكة التي مرت عليه. وقع صريعًا في هوى المرأة الشرقية، رغم أنه يعلم أنها ليست معادلة عادلة كونه تعرف على الكثير من النساء قبلها. لكنها هي من سرقت ما لم تستطع النساء الأخريات فعله، لقد سلبت راحة نومه وسلبت عقله قبل قلبه. أصبح بلا عقل ولا قلب، مشتتًا، كلما حاول الاقتراب منها ابتعد وهو يزجر نفسه، إنها تستحق رجلاً أفضل منه، يكون هو أول رجل في حياتها كما ستكون هي المرأة الوحيدة في حياته. ولكن القلب وما يهوى. من كان يصدق مجرد مشاعر وعواطف تجذبك لشخص، لا بل تعلن ملكيتك على نصفك الآخر، ومن اقترب من ملكيتك فيا عزيزي لقد وقعت تحت رجل لا يرحم، وفتحت أبواب جهنم بيديك. هو بشرقيته المختلطة بغربيته جعله شخصيته فريدة من نوعها. لطالما تهافتت عليه النساء لكي يحظين بذلك الرجل. معذرة يا نساء العالم فهناك من سرقت قلبي.
استقل السيارة الثانية التي جلبها السائق وانطلقت السيارة صوب القرية.
إختلس النظرات إليها وهو يركز نحو شفتيها التي تورمت أثر عناقه الساحق. لم ترحمه، ظلت تأكل شفتيها وهي تنظر إلى النافذة، تتحاشى النظر إليه، إلى ما فعله. وكأنه فاحشة أو خطيئة، لقد قبل زوجته، أين المشكلة؟ ولم تكن عارية بل كانت بملابسها! والطريق كان خاليًا، ولم يكن يدري أن السائق سيأتي في وقت قصير للغاية. زجر نفسه معنفًا، بل هو لم يشعر بمرور الوقت معها.
رغم أن السائق لم يبدِ أي رد فعل على ما حدث، سوي زين وهو يتوعد له بالكثير من الأشياء حتى صارت لم تعلم كم عددهم!
شهقت فجأة عندما شعرت بيده تتحسس فخذيها.
أرسلت بإشارة تحذيرية له بالتوقف، لكن قابلها ببرود وأنامله تصعد وتهبط، جعل جسدها الخائن ينساق وراءه.
لما جسدها يضعف من مجرد لمسة؟
سحقت شفتيها وهي تكتم صدور أي شهقة حتى وصولهم للمنزل. ولن تمر ما حدث مرور الكرام. ستنتقم منه بأي طريقة ممكنة.
أصدرت الجدة ترحيبًا حارًا وهي تحتضن ليان.
"اشتقت لكِ جميلتي."
تهللت أساريرها من الترحيب الحار الذي أصدرته الجدة، تحمد ربها أن عائلته دعمت زواجه.
ردت بمحبة:
"وأنا أيضًا جدتي."
غمزت بعينيها للواقف الذي احتضن زوجته من خصرها.
"أخبرني زين أنكما سافرتما إلى باريس، كيف كانت الرحلة؟"
غمغم زين بجمود عندما شعر تخشب جسدها بين ذراعيه.
"جيدة يا جدتي، سنصعد للغرفة."
وافقت على الفور وهي تصيح الخادمة حتى تضع الحقائب في غرفتهم.
"بالطبع."
بعد عدة دقائق.
شكرت الخادمة بود لتغلق الباب خلفها، وهي تستعد أن تلقي سبابها اللاذع لمن يجلس على الأريكة بأريحية.
تخشب جسدها عندما شعرت بأنفاسه الحارة التي تخترق أذنيها. كيف أتى بتلك السرعة؟ وكيف لم تستمع إلى صوت خطواته؟ أكان ينتظر خروج الخادمة؟
عند تلك النقطة استدارت لتصبح في مواجهته وتبدلت عيناها المتوعدتان بأخرى خجلة عند رؤيته لجزعه العلوي العاري.
راقب نظراتها الخجولة وهي تنظر إلى جسده ثم عيناه. إن كان هناك بعض التمرد على عينيها. لكن لغة جسدها تخونها في كل مرة.
أزاح حجابها وألقاه جانبًا، وهي كانت كالمغيبة بمجرد لمسه. يريد أن يمارس بعض الجنون معها مثلما فعل منذ قليل. ذلك السائق قطعه من أهم لحظات حياته.
مرر على خصلات شعرها بافتتان. مد أنامله ليخلع سترتها الصوفية، لكنها كانت تعلم بحركته لتهمس بصوت متحشرج وهي تحاول أن تضع مسافة فاصلة بينهما.
"أبعد يدك، لن أسامحك على ما فعلته."
ابتسم بخبث وهو يرى شفتيها المرتجفتين وجسدها الذي يحاول بأقل قدر ألا يستجيب لمساته المجنونة. لم يرحمها أبدًا، كان يمرر بأنامله من عنقها إلى نهاية خصرها.
"لقد سألتك من قبل وأنتِ وافقتِ."
أزاحت يديه ببعض العنف وهدرت ببعض شرارات الغضب، لكن خذلها صوتها وهو يخرج متذبذبًا كحالتها.
"لم أفعل."
هتف بتصميم وثقة وهو يسحب سترتها لتصطدم بصدره العاري.
"بلى، صمتك كان موافقة، هل نسيتي؟"
لقد كانت غلطة وتهورًا منها. لم تصدق أنها كانت تبادل القبل مع زوجها في طريق عام. كان هو متهورًا في فعلها، وهي انساقَت خلفه بدون أي ذرة عقل. ولكن هل يكون عقلها حاضرًا في حضرته؟
"لا جدوى من الحديث معك، ولن تنامي بجواري."
تسللت من حصاره وهي تتجه نحو الفراش. شعرت بيده تسحبها إليه مرة أخرى وهو يعقد حاجبيه متسائلاً بعدم فهم.
"معذرة؟!"
بإصرار زائف وعناد وعقاب هتفت بجمود.
"نعم، عقابًا على ما فعلته. نام في أي غرفة."
توجه بها نحو الفراش وارقدها واعتلاها. تقطعت أنفاسها وهي تراه يقترب نحوها بخطوات تخبرها إن كانت تريد الابتعاد سيفعل. لكنها لم تفعل.
"ليان."
هتف بها ببحة مميزة جعل جسدها ينبض بقوة. أخرج ياء الملكية لأول مرة أمام وجهها. هي ملكه، له كل شيء بها يملكه. المرأة الوحيدة في حياته التي شعر نحوها بالتملك وأشياء لم يصدق أنها مغروسة به. أخرجت به كل شيء ظن أنه دُفن مع رحيل عائلته. نظر إلى وجهها الذي اصطبغ بالحمرة المحببة إليه. تباً، تبدو شهية للغاية، يريد أن يتذوقها وهو واثق إن تذوقها لن يشبع منها أبدًا.
تقابلت عيناها الدافئة بزرقته، كانت تشع بريقًا مختلفًا مع بركان قهوتها اللذيذة. همس بصوت متحشرج وهو ينظر إلى شفتيها التي يوجد بها بعض آثار جنونه في الطريق.
"أحبك."
اتسعت ابتسامتها وهي تهمس بصوت مماثل له.
"وأنا أيضًا."
كان على وشك تقبيلها لكنه تراجع عندما أخبرته "وأنا أيضًا". الماكرة.
عبست ملامحه وهو يقول بتصميم.
"قوليها."
همست بحب وأعينها تلمعان بوميض لا يظهر إلا للعاشق.
"أحبك يا حارسي."
تقطعت عباراتها عندما التقط شفتيها. يكافئها على اعترافها للمرة الثالثة أمامه. عمق قبلته عندما انفجرت شفتيها. مدت أناملها تعبث بشعره الذي دائماً تجده مصففاً بعناية. أول مرة تتجرأ للمسه، شعثت شعره وقد أدت مهمتها بنجاح. ترك شفتيها وهي تلتقط أنفاسها المسروقة ليجول بقبلاته على وجهها وردد وتمتم بشغف.
"أعشقك ليان."
ابتعد عنها وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة. وحالها لم تكن أفضل منه. استلقى بجوارها وهو يحتضنها بحميمية وخبأها بين أضلعه. من بين أنفاسها المتأججة همست بصوت واهن.
"زين، لم أبدل ملابسي."
قبل رأسها ودفن بوجهه بين خصلات شعرها ورد بصوت لا يقبل النقاش.
"لا يهم."
***
أغلقت هاتفها بعدما قرأت فصلًا من روايتها المفضلة. تمتمت بضيق زائف: "أين هي؟ هل ستحصل على الحب مثل تلك الروايات؟" عاشت في سحابة وردية رغم إصرار ليان بالابتعاد عن تلك الروايات وعدم قراءتها. دائمًا تخبرها أنها لن تجد أحدًا بمواصفات أحلامها أو بطلًا من ورق يخرج من سطور روايتها. لكن يوجد لديها أمل صغير، ستعيش حالة حب، ولكن أين هو ذلك النصف الآخر؟
جاء الرد من صوت تبغضه بشدة.
"أهلاً يا مزة."
اعتدل من اتكائه عن سيارته الفارهة وهو يخلع نظارته الشمسية لتظهر عيناه الرمادية والتي هي مفتاح سر لتقع قلوب الفتيات العذارى في حبه.
زمجرت بعنف وهي لا تصدق، هل تقبل دعاءها لتقع في هوى ذلك الأستاذ الكازانوفا؟
"كريم!"
لا ينكر أنه أعجب بها، تلك الفتاة ذات الخصلات الغجرية. بها نكهة الأطفال في تعاملها مع صديقاتها. دقق بنظره إلى ملابسها التي كانت عبارة عن بنطال جينز ضيق أبرز مفاتن ساقيها بسخاء، ويعلوه كنزة صوفية منسدلة على كتفها الأيمن يبرز بشرتها البرونزية، وشامة صغيرة التقطتها عيناه. فهو كريم الهندي، لن تضيع عليه تفصيلة صغيرة.
احتقن وجهها من نظراته الملتهبة. اقتربت منه وصاحت بانفعال.
"أنت اتجننت؟ بتعمل إيه تحت بيتي؟"
انفعالها جعل شعرها يتراقص مع أمواجها العاصفة. كيف لم يلاحظها من قبل؟ نزل بناظريه للأسفل وهو ينظر إلى شفتيها المطلية بلون أحمر يدعوك للاقتراب. غمز بخبث.
"وحشتني، قلت أجيبك."
قرمشت بأهدابها عدة مرات وهي تنظر لذلك الوقح. هل كان يوجد أبطال بتلك الوقاحة عند قراءتها لإحدى الروايات؟ وقبل أن حتى تجيب على سؤالها، يجب أن تعلم لذلك الوقح درسًا.
"والله، طب امشي بالذوق بدل ما أرزعك كف يوديك لأسوان."
دنَا منها وهو يهمس في أذنها.
"وماله يا مزتي، هو أنا أطول إيدك دي تلمس خدي؟"
ضربت على الأرض بانفعال، تكره صوته وخصوصًا كلمة "مزة".
ذلك المصطلح البذيء الذي يخرج من شفتيه.
"إنسان حقير، مستفز."
هتفت بها بحنق لتستمع إلى رده الذي صدمها.
"وأنتي جامدة وعايزك."
يريدها!! جزت على أسنانها بغيظ وهي تراقب المارة بحذر.
"أما أنت سافل."
"عارف."
نفخت وجنتيها وهي تلعن نفسها على أنها تحدثت معه.
"أنا غلطانة إني بتكلم مع أشكال زيك."
صاح بجدية لا تتناسب هيئته العابثة وهو يعيد وضع نظارته.
"اسمعي بقى، انتي هتكوني ليا بالغصب برضاكي، مفرقتش. وسلام بقى وأشوفك بقى على السنة الجاية يا حلوة."
صعد داخل سيارته وهو يدير المحرك ليستمع إلى ردها المستفز.
"ده في المشمش."
أخرج رأسه، حرك شفتيه بهمس "أريدك.. وستكونين لي". ركزت نحو شفتيه وهو تتطالعه بتركيز نحو كل حرف يخرج منه، وقبل أن ترد انطلق بسيارته ليثير عواصف الغبار حولها.
نظرت إلى السيارة التي أثارت العواصف مثل عواصف الغضب التي تحتلها.
"حقير، طب والله لأفضح الكاتبات اللي بتكتب رومانسي. ده منظر حد يتحب ده؟ والله لأفضح كل كاتبة بتكتب النوعية زي الحيوان كريم على الجروبات كلها، مش هعتق واحدة فيهم."
وانطلقت نحو عقار منزلها وهي تنفث غضبها على مواقع التواصل الاجتماعي.
***
استيقظت وهي تفرك عينيها بنعاس. للحظة نست أين هي؟ ولكن استعادت ذاكرتها عندما دققت نحو الغرفة. قامت من مضجعها بكسل واتجهت نحو المرحاض لتزيل خمول جسدها وتستعد بنشاط ليومها الجديد.
ارتدت عدة قمصان قطنية تحت بلوزتها الصيفية. ستطلب من الجدة أن تعطيها شال ليدفئها بسبب الطقس البارد.
نزلت من الدرج وتوجهت غرفة الطعام لتجد زين جالس يقرأ إحدى الكتب بتركيز وفي يديه حامل فنجان من القهوة. الوضع الهادئ أثار ريبتها. حمحمت وهي تجذب انتباهه.
"صباح الخير."
ابتسم بهدوء وهو يضع فنجانه على الطاولة الصغيرة بجواره.
"صباح الخير."
تقدمت نحوه بتردد، لا تريد أن تقطع خلوته.
"أين جدتي؟"
أجاب ببساطة وهو ينظر نحو الشرفة.
"في الحقل."
علق بصره نحو الواقفة بتردد. ابتسم بدفء وهو يشير نحو المقعد المقابل له.
"اجلسي، أريدك في شيء هام."
جلست بإذعان وهي قلقة من نبرته الجادة رغم ابتسامته الدافئة. هل قرر هجرها؟ هل يريد أن يتركها؟ ستموت إن قال أنه يريد الانفصال. كلا، لن تسمح له بأن يتركها.
"نعم."
حمحم بجدية وهو يضع الكتاب جانبًا.
"ليان، هل تريدين البقاء معي؟ هل حقًا تريدين أن تصبحي بجواري؟ وأي خيار تختارينه سأنفذ."
رغم جديته في الحديث، لكنها ميزت نبرة خشية الفقدان من صوته. بدلاً من أن يسألها هل تريدينني البقاء، يرد أن يخبرها أنها لن تبتعد عنه، لا يريد أن يضغط عليها، يريدها وهي واعية لتأخذ ذلك القرار.!!
ابتسمت وهي تبتعد عن الإجابة.
"لقد تغيرت."
لم يكن منتظرًا تلك الإجابة. يشعر بأنه عروقه تغلي كالمرجل. هل ستوافق أم ترفض؟ وإن رفضت ماذا سيفعل؟ سيجعلها تجلس معه رغماً عن أنفها.
"معذرة."
تمتمت ببساطة وهي تسترخي في جلستها.
"الشخص الذي أمامي مختلف عن الشخص السابق."
لم يحد عيناه عن جسدها. يراقب كل تفصيلة صغيرة بها. انحنائها المتعمد أمامه وهي تسقط بتعمد المفرش ثم تعود وهي تعبث بخصلات شعرها.
"زياد السابق كان بغبائه سيخسر أهم وردة في حياته."
غمغم بها بصوت متحشرج ليبعد بنظراته عنها.
عبست ملامحها من فعلته.
"محو."
صمتت قليلاً ثم قالت بجمود.
"أريد السفر إلى مصر خلال أقرب وقت ممكن."
صعق من جوابها. هل لتلك الدرجة تريد العودة لموطنها؟ وماذا عن ليلة أمس والسيارة وغرفتهم؟ هل فعلت ذلك بدون وعي منها وندمت على فعلها؟ استقام في جلسته وأجاب ببرود رغم اشتعاله داخليًا كالجمر.
"سأنفذ رغبتك."
ذلك المجنون هل سيغادر؟ ماذا فهم؟
استوقفته وهي تمسكه من ذراعه لتقترب منه بخطورة وهي تلعب بأزرار قميصه.
"زين، ستكون بجواري."
رفعت أنامل قدميها حتى تصبح مقاربة لطوله، لفت ذراعيها حول عنقه وتمتمت.
"أريد أن أكون معك، وإن سمحت لي أن أشغل حيزًا ولو صغيرًا في عالمك."
رده لم يكن سوى قبلة عاصفة اقتلعت حصون قلبها. رفع جسدها نحوه وهو يحيط بكلتا ذراعيه خصرها. احتواها بشوق وهو أخيرًا يتنفس براحة. وجد ضالته.
ابتعد عنها لثوانٍ لتلتقط أنفاسها. وجنتاها وشفتيها مثل الفراولة الطازجة. دنا ليلتقط شفتيها لتجيبه بصوت متقطع.
"زين، ستأتي الجدة في أي وقت."
لم يعبأ بأي شيء، لا الجدة ولا أي شخص. سيقطع عنه تلك اللحظة. سيمتلكها الآن، منذ عامان ونصف وهو يحلم أن تكون بجواره.
صعد الدرج متجهًا نحو غرفته بتعجل.
وأوصد الباب خلفه حتى لا يزعجه أحد. همس بحرارة وشفتيه تخرج بها شوق دفين.
"كلا، لم أعد أستطيع التحمل ليان."
حاولت أن تستعطفه. ستموت خجلًا من نظرات الجدة لها عندما تعلم ما سيحدث.
"زين."
قاطعها وهو يلتقط شفتيها مرة أخرى لتذوب معه في دوامته.
"لا وقت للحديث الآن."
وضعها على الفراش وانامله اتخذت طريقها لتجريد ملابسها. كانت تحلق في آفاق وهو معها. همس بصوت متحشرج وهو يبتعد عن شفتيها ليقبل عنقها.
"أبعديني يا ليان إن كنتِ لا تريدين."
ضمته بين ذراعيها وهي تعلن الإشارة الخضراء له. قبلها بشكل محموم وفقد كل سيطرته على مشاعره. وقته الآن لإخراج كل تلك المشاعر المختزنة. غاب عقله عن العمل واستمع إلى ذلك صاحب النبضة وكيانه انساق ليتذوق جسدها الأنثوي لآخر قطرة!!
***
قبلات محمومة تنتقل من كتفها ثم عنقها إلى شفتيها. إلحاح عنيد مثل صاحبه لتستيقظ وهي ترى هيئته الجديدة بالنسبة لها بشعره المبعثر وصدره العاري. تمتم بصوت أجش.
"استيقظي يا كسولة، أصبحنا في الساعة الثامنة مساءً."
تورّدت وجنتاها واحتقن جسدها خجلًا تحت نظراته الماكرة. شدت الغطاء عليها ثم ما لبثت أن اتكأت جالسة مذعورة وهي تتحكم بلف الغطاء حولها.
"ماذا؟! ... جدتي .. ماذا ستقول؟"
نزع الغطاء وهو يغمز بنبرة ذات مغزى.
"لا تقلقي، لقد صعدت منذ فترة وأخبرتها أنكِ ما زلتِ نائمة."
شهقت بقوة وهي تتمسك بالغطاء الذي يسترها عن عينيه التي ستلتهما حيًا.
زين لن يترك الأمر هكذا بالطبع، قال شيئًا لها. وإلا لكانت وجدتها بينهم. كانت ستسأله عن نومها لكل تلك الفترة. نظرت إليه بعدم تصديق بسبب زرقاوته البراقة.
"لا أصدقك."
تمتم ببساطة وهو يداعب شعرها.
"حسنًا، أخبرتها بذلتِ مجهودًا شاقًا ونمتِ."
تمتمت بصوت مختنق وهي تجده يطبع قبلات دافئة على عنقها.
"لا أصدقك حقًا."
تشعر أنها على وشك البكاء، تنشق الأرض وتبتلعها من نظرات الجدة. وما زاد الطين بلة وهو يهتف بخبث.
"الجدة ستبدأ بوصلة التحقيق عن وجود حفيد يا ليان."
شهقت بقوة عندما وجدته نزع الغطاء بالقوة وألقاه على الأرض. لف بذراعيه يضمها بقوة وهي تكيل بالضربات في أي منطقة سانحة لها.
"ابتعد."
أوهت عندما زاد من ضم جسده إليها وصاح بلهجة لا تقبل النقاش.
"أبدًا."
خبأت بوجهها عند صدره. تقسم أنها ستموت من الخجل. ربت على ظهرها العاري وهمس.
"هل تعلمين صديقتك جاسمين جاءت لي منهارة وهي تخبرني أنها هي السبب ولستِ أنتِ، وأخبرتني أن باب المتجر عيبه الوحيد أنكِ لا تستطيعين فتحه من الداخل."
اعصرت عيونها بقوة وهي تحاول أن تبتعد تلك الحادثة المشؤومة وردت بألم.
"متى جاءت؟"
"حينما كنتِ في المشفى."
تساقطت عباراتها وبدأت تستعيد صورة الحادثة أمامها. ابتعدت عنه وهتفت بصوت متحشرج باكي.
"هل علم الجميع؟"
ضم وجهها بكفيه وهو يهمس بدفء جعل أوصالها ترتخي.
"ليلي وجاسمين فقط."
تمتمت بحزن.
"إنني حقًا حزينة على جاسمين، الفتاة عاشقة له."
غرز بأنامله على خصرها تتأوه بألم صائحًا بغضب.
"كلا، ذلك الرجل لا يستحق الحب من أحد."
ندمت على ما قالته. انغرس أكثر على جلد جسدها لتتأوه بضعف ودموعها قد خانتها.
"زين، إنني أتألم."
قبل عنقها قائلاً بأسف وغير دفة ذلك الموضوع.
"آسف.. هل تعلمين كم مرة أحلم أن تكوني بجواري في ذلك الوضع؟"
رفعت حاجبها بتوجس ليسترسل بمكر.
"منذ أن رأيتك في المرة الأولى."
انصعكت من وقاحته.
"منحرف."
مسح على وجنتيها وهتف بهدوء.
"تحتاجين لقص ذلك اللسان حبيبتي."
كانت على وشك أن تقول شيئًا لكنها كتمته في داخلها. حثها هو على إخراج ما في داخلها لتهتف بخوف وقلق من المستقبل المجهول.
"سأقلق من تقلباتك."
طبع عدة قبلات على عنقها وهمس بصوت أجش جعل جسدها يرتعش.
"لا تقلقي، كوني بجواري، لا أريد سوى ذلك."
"حسنا."
تمتمت بها بيأس. ليهتف بنبرة هدوء.
"ليان، أبعدي أي هواجس ستحطم مستقبلنا."
تمتمت بإيجاب.
"لن أفعل زين، لن أفعل."
بنبرة رجل عاشق وليس زين الرجل البارد المغرور العاشق.
"لقد تغيرت يا ليان، سأحرص على أن تكون بدايتنا صحيحة."
هزت رأسها وهي تطبع قبلة على وجنتيه ثم صاحت فجأة.
"لكن ما فعلته بالأمس لن أسامحك عليه أبدًا."
ضحك بقوة على عبوسها الطفولي جعلها تبتسم ببلاهة وهي تنظر إليه بهيام.
"كبل جسدها جيدًا حتى لا تستطيع الفرار منه."
"أعدك أنه سيتكرر عدة مرات ولن أكتفي بالطرقات بل وفي المرحاض أيضًا وأي مكان يجول في خاطري."
صاحت بيأس من وقاحته التي لن تنتهي.
"هذا زين الذي أعرفه."
دنا نحو شفتيها ليأخذها معه إلى عالمه، لكن كل شيء انقطع وتبخر بسبب طرقات قوية على الباب وصوت الجدة تهتف بضيق وكأنها تعلم ما يفعلان في الداخل.
"زياد، ليان هيا كفاكما.. آليا وحمزة ينتظرانكما بالأسفل."
سب زين تلك اللحظات التي تقطعه عن زوجته ليزفر في حنق وهو يسحب الغطاء من الأرض ودثرها جيدًا حتى تستطيع الوصول للمرحاض.
عدة دقائق والجدة تنتظرهم في الأسفل. أرسلت علياء غمزة ماكرة وكأنها تسألها على الأوضاع لتهز الجدة رأسها بإيجاب ثم تعود تسلط ببصرها على الدرج حتى وجدتهم أمامه.
تحاشت النظر للجدة لتنظر إلى حمزة وأبنائه ولأول مرة تراهم.
"مرحباً."
رحب بها حمزة بحبور وهو يعرفها على أبنائه.
"أهلاً، أحب أعرفك بأبنائي."
أشار إلى شخص طويل القامة تقريبًا عمره في السادسة والعشرون ذو جسد ضعيف نحو ما يرتدي نظارة طبية.
"الدكتور البيطري محمد وهو يعتني بالجياد التي في الحظيرة."
هل يوجد جياد؟ لم تكن تعلم تلك المعلومة من قبل. هزت رأسها مرحبة لينتقل حمزة وهو يعرفها على الشاب الآخر.
"وده كامل لسه بيدرس حقوق."
وانتقل إلى الطفلة المراهقة وهو يحتويها بدفء.
"بنتي رغد، ودي بقى آخر العنقود عندها ١٦ سنة."
رحبت بهم بابتسامة هادئة.
"تشرفنا."
توجهت علياء نحوها وهي تحتضنها باشتياق.
"اشتقت لك يا ليان."
ضربت الجدة بعصاها على الأرض وصاحت بحدة زائفة.
"هيا، العشاء."
***
استيقظ من نومه وهو يرى فتاة عارية تنام بجواره. أشاح برأسه بلا مبالاة ليتوجه نحو المرحاض الملحق بالغرفة. عدة دقائق وخرج من المرحاض ولا يستره سوى منشفة موضوعة على خصره. التقط ملابسه الملقاة على الأرض وهو يرتديه بهدوء متذكرًا ليلة أمس الجامحة. من يصدق القبطان يقيم علاقات عابرة مع جميع أجناس بنات حواء.
صوت أنثوي جعله يستدير إلى صاحبة الصوت.
"خالد."
مع لكنتها الأمريكية وصوت الخاء الذي أبدلته بالهاء، يجعله يكره اسمه أكثر. ومن سماه؟ والداه.
"ماذا؟"
تقدمت نحوه بخطوات أنثى راغبة وهي تلف بالغطاء بأحكام. هل هكذا تغريه؟ نعم، أغرته أنه يمكن أن يستمتع معها في ليلة أخرى وليس أكثر من ذلك!
"لما لم تعد تحبني؟"
همست به بعتاب وهي تداعب أزرار قميصه. نظر إليها مطولاً وهو يدقق في ملامحها الصارخة بالأنوثة، خصلات نارية وأعين زرقاء تجعلها فاتنة وجسد ناعم استمتع به ليلة أمس. هل سمع نبرة عتاب منها؟ هل تعرفه؟ هي لم تراه سوى من شهر حينما تقابلت عيونهما عندما رآها ترتدي ملابس السباحة في الباخرة. وعن أي حب تتحدث؟ كلاهما يعلمان جيدًا أنه لا يوجد حب، وهو أخبرها أنه لن يعطيها شيء بالمقابل وهي كفتاة ساذجة وافقت.
أزاح ذراعها ببعض العنف وهتف بجمود.
"حب؟ معذرة عزيزتي، لا يوجد حب في قاموسي، وخصوصًا مع فتاة نامت بجواري."
استرسلت الفتاة بنبرة أنثوية مغوية.
"تعلم أنني فعلت ذلك لأنني أحبك."
عقد حاجبيه وقال ببرود.
"معذرة، ولكنني لست الرجل الأول بالنسبة لك."
هذا هو خالد الحديدي! جميع صديقاتها حذرنها ألا تقع في شباكه، لكنها للأسف غبية ومغفلة، كهر ساذج. صاحت بغضب.
"اللعنة عليك، أنا أكرهك."
عقد ذراعيه على صدره. لما جميع النساء هكذا! يتصرفن بدرامية. لم يضحك على واحدة منهن، كل شيء كان برضاهم. وبلا مبالاة قال.
"قولي شيئًا غيره."
ضربته على صدره ببعض العنف.
"بغيض وحقير وعديم الأخلاق."
أمسك ذراعيها بعنف وهدر بها بصوت غاضب وهو يهزها.
"جينا، لقد بدأت أنفذ صبري منك. هيا خذي ملابسك وغادري الآن، لا أريد أن يرى أحد من العمال في الباخرة."
تركها وهو يشمئز منها كأنها وباء. جزت على أسنانها بغيظ وهي تلتقط ملابسها وترتديهم على عجالة.
"هذا ما يهمك، الناس."
عقصت شعرها وهي تخرج من غرفته وتغلق الباب بعنف. لم يهتز جفنه واستدار مغادرًا الغرفة متوجهًا نحو قمرة القيادة.
توقف عن سيره عندما استمع إلى صوت صديقه وهو يهتف بصوت مرتفع.
"يا سيادة القبطان، لم تدع أي فتاة في تلك الباخرة، ارحمهم قليلًا."
ابتسم بهدوء وهو يوجه ببصره نحو صاحب الصوت يراه يتكئ بذراعيه على وعيناه محدقتان المحيط الشاسع المياه في كل الاتجاهات. لا يوجد حركة سوى الباخرة التي تشق صمت الطبيعة.
"وماذا أفعل؟ كل الفتيات يرتمين تحت قدمي."
ما زال صديقه محدقًا نحو المحيط الواسع الأزرق. غمغم برزانة.
"لقد قاربت على الثلاثين، ألن تجد زوجة؟"
ضحك خالد بسخرية من التي ستقبل أن تتزوجه. هل سيفعل مثل ابن عمه زين ويختار زوجة شرقية؟
"عزيزي، زوجة تعني أنني سأرسي بقاربي، ولكنني لم أزر جميع البلاد بعد."
هز صديقه رأسه بيأس من أفعال خالد المجنونة وقال.
"حسنًا، كما تريد. أتمنى حقًا رؤية تلك التي ستجعلك تستقر."
زفر خالد بحرارة فهو يريد أن يرسو ويستقر. رد متمنيًا.
"وأنا أيضًا."
***
"يا بت بطلي بقى الزفت اللي بتقريه ده وركزي معايا."
صاحت بها ندى بيأس والغضب يعتري ملامحه.
ردت سارة بنفاذ صبر وعيونها مثبتة على الهاتف.
"يا ندى استني بس، البطل هيبوس البطلة."
اتسعت أعين ندى صدمة من وقاحتها.
"إيه.. انتي يا بنت بتقري الحاجات دي إزاي؟"
نفخت سارة وجنتيها لتغلق هاتفها وتضعه جانبًا.
"أهو اتفضلي."
ارتعشت يدي من قروب موعد الزواج ل تفكر يديها بتوتر.
"فرحي قرّب."
عقدت سارة حاجبيها وردت بلا مبالاة وهي لعاشر مرة تسمع حديثها.
"مبروك."
أغاظت ندى من برود سارة، ولكن ماذا تفعل؟ فهي الوحيدة المقربة لها بعد ليان.
"متبقيش باردة بقى، فرحي فاضلة ٣ شهور وأنا قلقانة."
"بصي اهدي كده، مش اشتريتي حاجات العروسة؟"
ختمتها سارة وهي تغمز بوقاحة لتقذف ندى بحقيبتها في وجه سارة التي تفادتها بسهولة.
"يا قليلة الأدب."
"عيب يا كبير الروايات عادت ليا بالنفع."
قامت ندى من مقعدها وانحنت نحو الأرض تلتقط حقيبتها وتعود إلى مقعدها كأن شيئًا لم يكن وهي غير عابئة بنظرات الجميع. هتفت سارة بحالمية.
"بصي أنا حددت بطلي يكون طويل عشان أنا طويلة، عيب يبقى قصير."
جزت ندى على أسنانها بغيظ.
"أكيد."
تنهيدة حارة خرجت من شفتيها لتتابع وهي تتخيل حبيبها.
"ويسلم بقى لو عينيه كده زمردي أو زرقا أو خضرا أو عسلي، بصي مش هتفرق، أنا عايزة أحس كده بالانجذاب أول ما أشوفه وأغرق بقى في قهوته أو بحره أو أي حاجة."
"ها، وإيه كمان؟"
شردت بعقلها وهي تتخيل أول لقاء بينهم. هل يكون في الشاطئ أم في المطعم.
"عارفة كده يكون جسمه رياضي وشعره ناعم، بس كده ووظيفته تكون مرموقة، نخليه ضابط أمن دولة ولا دكتور."
"أنا بقول زبالة."
وت من الغيمة الوردية وعالم أحلامها الوردية لتقع على أرض الواقع المؤلم وهي تستمع لرد ندي الساخر.
"ندي، أنا مبهزر."
عقدت ندى ذراعيها على صدرها وقالت ببرود.
"عايزة تتجوزي وأنتي لسه يدوب عندك ١٩ سنة."
"إيه يا ندى، اهدي. أنا بفكر بعد خمس سنين وبعدين ماله لو اتجوزت بدري، دي نص دفعتي مرتبطة والنص التاني بيحبوا في بعض وأنا وشلتي بس اللي سناجل."
صاحت ندى بنفاذ صبر حتى لا تفتك بها أمام جميع من في المقهى.
"امشي من وشي علشان مقولش لشهاب."
عبثت سارة بخصلات شعرها وهتفت بنبرة ذات مغزى.
"فين أيام وقت ما كنتي بتطلبي مني PDF.. نسيتي ولا أفكرك؟"
"اسكتي، ده انتي فضيحة."
***
"مرحباً بك سيد زيدان."
هتفت بها ليان بنبرة رسمية وهي تراه أول مرة. طويل القامة رغم الشيب الذي كسى رأسه لكنه ما زال شابًا يافعًا. بشرته بيضاء وعيناه عسلية تشبهان عيون علياء. ملامح علياء تشبه كثيرًا ملامح والدها.
اكفهرت معالم زيدان بصدمة.
"سيد زيدان!!.. زين، هل تعامل عمك بهذه الطريقة؟"
تمتمت بأسف.
"آسفة."
صافحها بحرارة وهو يربت على كتفها وكأن شيئًا لم يكن.
"مرحباً بك بنيتي، هل تعلمين كنا بانتظار ذلك الرجل أن يتزوج منذ أن تخطى الثالث والثلاثون وقد أصبنا أنا وجدته بالإحباط من ألا يتزوج، وأخشى من ابني الآخر أن يفعل مثله.. لكن أخبريني كيف يعاملك ابني؟"
تمتمت ببساطة وهي تنظر نحو زين بعيون تمتلئ بها العشق.
"مثل الأميرة."
ابتسم زيدان وهو يزفر براحة. حمحم وهو يقطع حديث الأعين.
"هل تعلمين لماذا نحن جميعاً نجتمع في ذلك الوقت؟"
هزت رأسها نافية ليجيب زيدان بحرارة ولوع على ابنه.
"نحن دائما نجتمع في ذلك الوقت حين اقتراب موعد قدوم ابني القبطان."
ابتسمت بدفء لتنحسر ابتسامتها عندما سمعت زيدان وهو يصيح بانفعال.
"ذلك الوغد لم أراه منذ عامان، سأحرص أنه سيتزوج قبل سفره، هل لديك عروس مثلك؟"
قاطعه زين وهو يحتضن ليان بين ذراعيه بدون خجل أمام عمه.
"عذراً عمي، ولكن لا يوجد سوى ليان واحدة."
حاولت التملص منه بهدوء لكنه شدد من معانقته لترد بخجل.
"حقاً، كنت أريد أن أفيدك لكن لا يوجد لدي واحدة، جميعهن مرتبطات."
غمغم زيدان بأسف.
"يا خسارة... أريدك يا زين في غرفة المكتب."
ثم استدار متوجهًا نحو غرفة المكتب. همس زين بمكر وهو يدنو يلتقط شفتيها خلسة.
"هل شعرتِ بمرور الأسبوع؟"
اتسعت عيناها ذهولاً. نظرت حولها حتى تتأكد من عدم وجود أحد لتهتف بابتسامة صفراء.
"نعم، لأنه كان يوجد شخص يحبسني طوال الأسبوع في الغرفة."
عقد حاجبيه ثم غمغم بخشونة وهو يطبع بقبلات متفرقة على عنقها. منذ ليلتهم الأولى أصبح لم يعد يريد مفارقتها. يريدها بجانبه، يتأكد أنه لا يحلم طوال الأيام السابقة. يتحسس نعومة بشرتها وجسدها الدافئ وهي بين ذراعيه. تبدو ناعمة كقطعة السكر التي تذوب في القهوة. يستيقظ كل صباح وهو يشاكسها ويرتوي من شهد شفتيها كلما ظمأ.
"ماذا ليان؟ أراكِ أصبتِ بالضجر؟"
أزاحته ببطء خشية أن تمسكهم الجدة متلبسين بفعلتهم.
"أريد الخروج، لا أرى الجدة وعلياء سوى وقت الإفطار."
حملها بخفة متوجهًا بها نحو غرفتهم وهمس نحو أذنها بشغف عاشق.
"أشتاق إليك ليان."
للحظة نست ما يحدث، الزمان والمكان. لطالما هو بجوارها لا تريد شيئًا. صاحت فجأة.
"زين، عم زيدان ينتظرك."
همس بخشونة وهي يرقدها على الفراش.
"سينتظر حبيبتي."
استسلمت وهي بين ذراعيه الدافئة، ليدور حديث أهم وهو حديث المشاعر ولم يعد هناك شيء يقال.
***
"أنا هقعد في المكان ده طول عمري ومش هتزحزح."
هتفت بها سارة بإعجاب شديد وهي ترى المنظر الخلاب الذي أسرها. تذكرت منذ عدة أيام عندما بعث لها زوج أختها تذكرة سفر لتقضي عطلتها مع شقيقتها. تجربة فريدة وجديدة وهي لأول مرة تستقل طائرة ومن درجة رجال الأعمال، وبالطبع لم تنسَ أن تلتقط صور سيلفي عديدة وتنشرها على تطبيق "إنستغرام".
حينما وصلت كان ينتظرها سائق ليتجه بها نحو قرية جدته. وقبل أن يدخل السائق إلى البوابة أخبرته أنها ستسير قليلًا. نظرت إلى المساحة الخضراء الشاسعة بانبهار. رغم برودة الجو عكس دفء مصر لكنها كانت مستمتعة بالطقس.
بدأت تلتقط بعدستها عدة صور. أسرها منظر الطيور التي تحلق في السماء. كانت تحاول بعدستها أن تلتقطهم لكنها زفرت بحنق وهي تحاول الرجوع للخلف لتلتقط الصورة بشكل أوضح. لم تنتبه أثناء رجوعها للخلف لذلك الرجل المنحني بجذعه وهو يعدل رباط حذائه.
اصطدمت بجسد شخص بشري حاولت أن تحافظ على توازنها ولكنها للأسف وقعت فوق جسد ذلك البشري. تسارعت أنفاسها وأنفها التقط رائحة عطر ذكوري. وقبل أن تبتعد سمعته يصيح بغضب بلكنته البريطانية.
"آه يا غبية، ألا ترين أمامك؟"
وضعت كلتا كفيها على صدره وعدلت من جسدها لكي تلقي بسباب لاذع لذلك الأجنبي العديم الأخلاق، لكنها وجدت نفسها تنطق.
"أنت طلعت من أنهي رواية؟"
تطلعت إلى ملامحه الغربية بانبهار. شعر بندقي كثيف وحاجبين كثيفين وأنف شامخ وعيناه، آه من عيناه الزمردية! من أين أتى هذا الملاك؟ هل هو رجل طبيعي؟ وبتهورها تحسست لحيته المهذبة للتأكد أنه حقيقي وليس بطل خرج من سطور روايتها.
إنصعق خالد من تلك المجنونة. أشاح بيدها عنه وهتف بغضب.
"ماذا؟ هل جننتِ؟"
"كمان بتتكلم إنجليزي، يا حظك الحلو يا سارة."
أشاح بجسدها بعيدًا عنه لينتصب واقفًا من مجلسه وهتف بسخط وهو ينفض ملابسه المهندمة.
"هي يا طفلة أنتِ."
"طفلة؟" ذلك الوسيم يراها طفلة؟ هل بسبب هيئتها؟ انتصبت واقفة وهي تصيح بانفعال.
"طفلة! أنا في التاسعة عشر وتقول لي طفلة."
دنا نحوها وهو ينظر إلى رأسها إلى أخمص قدميها باستهزاء.
"يوجد فرق عمر كبير بيننا، لذا الزمي حدودك."
ارتجفت من نبرة صوته واقترابه الغير بريء بالمرة. ابتعد وهو يلتقط بحقيبة ظهره بتساؤل هتف.
"هل أنتِ ابنة خالة ليان؟"
نكزت على أسنانها بغيظ، ما زال مُصر على أنها صغيرة.
"إنها أختي."
بالحديث ليجد صوت شقيقته تصيح بعدم تصديق.
"خالد!"
"هالد."
انفجرت سارة ضاحكة وهي تضرب كفوفها بعدم تصديق.
"هالد؟ حقًا اسمك مشكلة يا رجل، بل كارثة! أنت عربي، لم لا تتحدث بالعربية؟"
هدر بعنف عند تلك النقطة. هو القبطان خالد الحديدي تقوم فتاة لا تصل حتى لكتفه وتهزأ به.
"لا تحشري أنفك فيما لا يخصك يا طفلة."
احتضنته علياء وضمته بقوة وهي تطبع قبلات كثيرة على وجنتيه. حمحمت سارة وتصاعدت حمرة وجنتيها وهي تخمن أنها حبيبته.
ابتعدت علياء عن ذراعيه ثم توجهت نحو سارة وهتفت.
"أنتِ سارة صحيح؟"
أومأت برأسها.
"نعم."
"أنا آليا، شقيقة ذلك القبطان."
رحبت بها علياء بحرارة شديدة وكأنها صديقة منذ نعومة أظافرها. وعقلها منشغل في وسيمها الوقح وبصوت عالي هتفت ما يدور في خلدها.
"يا بخت اللي هتجوزك، حد يطول يتجوز المز ده، بس عليه لسان عايز قطعه."
صاح خالد وعلياء في آن واحد.
"ماذا؟"
أشاحت بوجهها عن نظرات ذلك الوسيم وهو ينظر نحوها نظرة رجل لامرأة. تعلم تلك النظرة جيدًا، لطالما رأيتها في أعين كريم. هتفت وهي تبتعد عنهم وتهرب من صاحب الأعين الزمردية متوجه نحو المنزل.
"لا شيء، لا شيء."
راقبها خالد حتى اختفت عن مرمى بصرهم. التفت إلى شقيقته وهتف بسخرية.
"هل تعرفي تلك الطفلة المزعجة؟"
عقدت علياء حاجبيها.
"طفلة!! بربك الفتاة ليست قصيرة القامة."
قال بلا مبالاة.
"أعلم، لكن انظري لملابسها، ترتدي بنطال واسع وكنزة صوفية وشعرها على هيئة جدائل."
عض شفتيه السفلي وهو يحدث بصوت خفيض لم تسمعه علياء.
"مع أني متأكد أن داخل تلك الملابس الفضفاضة جسد أنثوي صارخ."
انتشلته شقيقته من أفكاره المنحرفة وهي تتمسك بيده ويتوجهان نحو المنزل. قالت علياء.
"خالد، متى ستعود للندن؟"
"بعد أسبوع."
صفقت علياء يدها بمرح.
"يبدو أن ذلك الأسبوع سيصبح مسلي للغاية أخي."
"وأنا شبه متأكد من ذلك عزيزتي، وسيصبح أكثر إثارة بوجود الطفلة."
رواية زوجتي الشرقية الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم سيليا البحيري
توقف لحظة واسترجع قليلاً للأحداث الماضية.
ماذا فعلت؟ كيف أمضيت عمرك؟ ماذا استفدت؟ هل تشعر بالفخر بأفعالك المجنونة؟ هل أنجزت نجاحاً تفتخر به؟
زفر بحرارة وهو يستند بظهره على جدار غرفته، يفكر قليلاً لإجابة أسئلة والده. والده محق، ما فعله كان عبثاً لا يليق أبداً بمركزه المرموق. لم يتأثر بالنساء بل هن من أردن أن يصبحن عشيقاته، وهو ليس بقديس حتى يمتنع. في النهاية هو رجل وأشياء داخلية تدفعه.
توجه نحو الفراش بيأس. لا يريد أن يقضي إجازته في حالة بائسة وكئيبة. لقد جاء لكي يجدد نشاطه وأن يحتفظ بأكبر قدر من الطاقة الإيجابية. كل ما يريده هو هدوء، سكون، راحة تغلغل قلبه. كالقارب الذي يبحر لمسافات طويلة أيام وليالي يقضيها بعيداً عن موطنه حتى يعثر على مرسى تكون خط نهايته.
خانته جفونه من النوم، يتقلب يميناً ويساراً ولا يعلم لماذا يشعر بالاختناق. شيء يجثم قلبه. لم يكن هو منذ ثلاثة أشهر، شيء غيره ولا يعلم سببه.
***
يوم هادئ. كان كل شيء يسير بسرعة حتى حل الظلام. الجدة تتبع قواعد صارمة لوقت الطعام، بل أيضاً تخصص ساعة كل يوم اجتماع عائلي. وبقدوم الغائب كانت الأجواء مشحونة. قررت الخروج إلى حديقة منزل الجدة. لفحات هواء باردة قشعرّت جسدها، ضمت الشال جيداً وجلست على إحدى المقاعد وعيناها محدقتان نحو النجوم المتلألئة.
شرودت في حياتها التي سارت باستقامة. شيء لم تتوقعه حدوثه أبداً، أن تصبح زوجته. توقعت بعد ما حدث أن كل شخص سيسلك طريقه. لكن زين مختلف. لمعت عيناها بخجل وهي تتذكر الأسبوع الذي مضى. كان مختلفاً معها، شخصية زين جديدة اكتشفتها وهي بين ذراعيه. ويكفي أنه جلب شقيقتها اليوم، مفاجأة لم تتوقعها أبداً. احتضنته وقبلت وجنتيه أمام أعين الجميع. لم تخجل من احتضانه، ربما هو السبب الذي ساعدها على كسر خجلها.
جلست سارة بجوارها وحمحمت بجدية لتنتشلها من شرودها.
"مكنتش متوقعة المفاجأة دي."
قالتها ليان وهي ما زالت محدقة نحو النجوم، لم ترمش بعينيها. النجوم كانت في وضع غريب الليلة أم هي التي تتخيل؟
ابتسمت سارة باتساع وهي تتأقلم على وضعها الجديد. المكان والأشخاص والجو لم تألفه من قبل.
"ولا أنا اطلاقًا. فجأة لقيت جوز اختي حجزلي تذكرة أقعد أسبوعين هنا. أقول لأ؟ بس بجد المكان هنا تحفة ونينا طلعت حلوة خالص، حتى رجالة العيلة وستاتها."
استدارت بوجهها نحو الهائمة، قطبت حاجبها بتعجب.
"بتلمحي لأيه يا سوسة؟"
عقدت ذراعيها على صدرها ورفعت ساقيها ووضعتهما على الطاولة المستديرة. تريثت قليلاً قبل أن تجيب.
"ولا حاجة. كون إني أعجبت بواحد بشكله ده معناه إني حبيته مثلاً؟ لاطلاقاً، أنا مش بمشي بالمبدأ ده. اللي يهمني الجوهر."
سألتها بشك. نظراتها المتهكمة نحو صاحب الأعين الزمردية لم تغب عنها. وعلى علياء التي كانت تبتسم بين الثانية والأخرى حينما تلقي سارة بعبارات مقتضبة موجهة نحو الآخر غير مكترثة.
"بتدوري على جوهر زي مين؟"
"جوهر زمردي."
انتفضت ليان من مجلسها وصاحت بحدة. يوجد شيء فاتها. نظرات ابن عم زوجها لم تريحها. كانت تدور حرب العيون قبل موعد الغذاء. وما أدراك بحرب العيون؟
"نعم؟"
"يا بنت بهزر والله."
زجرته بعنف نحو الجالسة على مقعدها وبدأت تدندن بأغانٍ رائجة.
"سارة فوقي، شغل عالم الوردي ده مش بيحصل."
زفرت سارة بيأس وهتفت بجدية.
"مفيش حاجة."
ونبرة ليان كان سؤال للاطمئنان. رغم أنها أحست بنبرة الصدق والجدية في كلامها، لكن تشعر أن وضعها ليس على ما يرام. وإن حاولت سارة أن تصنع قناع السعادة واللامبالاة تظل أختها.
"مفيش أي حاجة؟"
هزت سارة رأسها إيجاباً وهي ترسم ابتسامة واسعة ترغمها على أن تصدقها. تنهدت ليان بقلة حيلة وسألت بتوجس.
"واللي بيغلس عليكي؟"
قطبت سارة حاجبيها. استغرقت ثوانٍ حتى تعلم عمّن تتحدث. ردت بنبرة هادئة.
"تقصدي كريم؟ فكك منه. عيل لزج ورزل بس عيونه يخرب بيته."
غمزتها الوقحة جعلتها تهز رأسها يائسة ووجهت بخطواتها صوب المنزل.
"أنا طالعة أنام."
ضحكت سارة وهي تراقب خطوات ليان المتعجلة والغاضبة.
"خدي هنا يا بنت، استني."
ولكن الأخرى لم تعيرها اهتماماً وتابعت بطريقها حتى اختفت عن مرمى بصر سارة. هزت كتفها بلا مبالاة وعيناها محدقتان نحو الفراغ.
"وانتي بقي يا ست سارة آخرتك إيه؟"
عبارة كريم ما زالت تتردد في أذنها. لطالما قرأت تلك الكلمات في سطور الروايات. لكن في الحقيقة لم تكن تتخيلها. كيف يعني ستكون له؟ من أي جهة يريدها؟ قشعريرة سرت كامل جسدها. توتر أرق أصابها بعد كلماته المسمومة. الواقع والخيال مختلف. عندما كانت قارئة لتلك الكلمات تسعدها، ولكن عندما أصبحت في موضع البطلة بدأت تتصرف مثلها. تبتعد عن الجميع، لا تخبر أحد بما يؤرقها. تمثل السعادة أمام أعين الجميع. وداخلها يصرخ يستنجد أحد ينتشلها من دوامة هواجسها اللعينة.
تعلم معلومات قليلة عنه. طالب في الفرقة الرابعة. دائماً ما سمعت عن أفعاله المجنونة. كانت بشتى الطرق تبتعد عن طريقه. لكن يبدو حظها سيء أم قدرها الذي جعلها تقع في طريقه.
***
لقطات من الماضي أصبحت كابوسه. ماضٍ ظن أنه دفن أو احترق لكنه أخطأ. طفل وحيد منزوي عن الجميع، ظن أن البعد هو الحل الوحيد الذي أمامه لكنه كان مخطئاً. يد قوية سحبته نحو الظلام. ظل يتملص ويلتوي بجسده للتحرر من صاحب القبضة الحديدية. لكنه أخطأ. صرخ مستغيثاً للنجاة. شخص ينجيه من الذي يوجهه نحو ظلام يعبث الرعب والرهبة في القلوب. رأى ظل شخص يتقدم نحوه. تهللت أساريره وهو يعلو بصوته أكثر حتى يجعل صاحب الظل يلاحقه. استمر في صراخه لكن ما من منقذ.
انتفض فجأة من مضجعه وجسده يتصبب عرقاً. لهث بقوة وهو يمسح حبات العرق الملتصق بجبهته. عرق غزير جعله يشعر كأنه منذ قليل في سباق للماراثون.
يخشى أن لا يكون صراخه شق أذان سكون المنزل أو يجعل النائمة بجواره تستيقظ. لكن خاب رجاؤه عندما انتفضت فجأة على صوت صريخ شخص. اتسعت عيناها ذعراً عندما قامت بإضاءة المصباح بجوارها وتنصدم بهيئته المزرية!
لمست ذراعيه بأنامل مرتجفة خشية أن يمنعها أو يصدها. تمتمت بصوت قلق.
"زين، هل أنت بخير؟"
أغمض جفنيه وهو يهدأ وتيرة أنفاسه الحادة. أناملها وهي تربت على ظهره جعل جسده المتشنج يرتخي. أصابعها يوجد بها سحر خاص. ألقت تعويذتها عليه. طال رده عليها ليتمتم بصوت جاهد أن يخرج.
"نعم، بخير."
احتضنته بين ذراعيها ليدفن بوجهه عند تجويف عنقها. لف بذراعيه على خصرها اعتصرها بقوة وهو يردد ببعض العبارات المطمئنة. لا يعلم هل هي له أم لها؟ يطمئنها أم يطمئن القلقة عليه؟ ابتسم بألم عندما داعبت على خصلات شعره بهدوء. شرد نحو الماضي. كانت والدته تفعل ذلك عندما يستيقظ من كابوس. كانت تطبع بقبلات دافئة على رأسه مثلما تفعل هي. كل شيء عفوي تفعله يذكره بوالدته الراحلة.
"ماذا حدث؟"
تريد الاطمئنان. حاستها السادسة الأنثوية تخبرها أن هناك شيء خاطئ. شيء يتعلق بماضيه. رغم أنه أخبرها بكل شيء، لكن هناك شيء ناقص. قطعة ناقصة لم تكتمل بعد. والدليل صراخه. صراخ مؤلم مس قلبها.
"كابوس."
كانت تهدهده كالطفل الصغير. طبعت قبلات حانية على رأسه.
"اهدأ حبيبي، كل شيء سيكون على ما يرام."
"أرجو ذلك."
تمتم بها بصوت خفيض. التقطتها أذنيها لتسحق شفتيها بألم. ابتلعت غصة في حلقها. ظنت أن الحياة بدأت تعطيها ألوانها المبهجة، ولكن هل يجب للسعادة أن تظل دائماً معها؟
***
"صباحو على الحلوين."
هتفت بها سارة بلهجتها المصرية وهي ترحب بالجميع وتلقي ابتسامتها الهادئة. لا تحب الهدوء الذي يجلب الرعب ولا تحب الوجوه الجامدة.
جلست على المقعد المجاور لعلياء التي كانت تضحك على مزاح سارة.
شرع الجميع في تناول الطعام بصمت وهدوء يغلفهم. ولكن كيف يوجد سكون في صحبة سارة؟
كانت تلقي دعابات سخيفة تحدث لها في حياتها ومواقف مضحكة لم تنساها، لتبتسم بظفر وهي ترى وجوه مبتسمة. عبست ملامحها عندما سمعت صوت صاحب اللكنة البريطانية وهو يتوجه نحو مقعده يتمتم بأسف.
"معذرة على التأخير."
تكهرب الجو بمجيئه. نظرات الجدة المعاتبة ونظرات والده الحارقة. أما هو كان يستقبل كل ذلك ببرود بل يتناول طعامه بتلذذ. رفعت حاجبها باستنكار على تصرفه غير اللائق. نفضت أفكارها الخبيثة التي اقتحمت عقلها لتوجه بحديثها لـ ليان قائلة.
"ليان حبيبة قلبي، ممكن أستلف نينا شوية."
ابتسمت ليان نحو أداء سارة وكأنها تمثل على خشبة المسرح أمام الجماهير. عادت سارة بسياقها للإنجليزية لأعين علياء الفضولية والجدة المتسائلة.
ضربت الجدة بكفوفها ضاحكة وهي تتمتم بعدم تصديق.
"لا تصدق تلك الفتاة."
تساءلت علياء وهي تعبث بشوكتها على طبقها النصف فارغ.
"ماذا ستفعلي في إجازتك؟"
هزت كتفيها بلا مبالاة وردت.
"لا شيء. سأسير في القرية والتقط الصور وأذهب إلى الحقول."
لمعت عيناها ببريق جعل عسليتها تبرقان وهي تفكر في رحلتها وكيف سيكون المرح. تبدو شخصية سارة الاجتماعية والمرحة سيجعل الإجازة أكثر إثارة.
"سنذهب أنا وخالد في الأسبوع القادم لندن. ما رأيك أن تنضمي إلينا؟"
همت بالرفض ليقطعها صاحب الأعين الزمردية وهو يوجه ببصره نحوها لبضع لحظات جعلتها ترفع حاجبها بتحدي. ابتسم بسخرية لينتقل ببصره إلى علياء.
"ماذا؟ هل ستذهب الطفلة معنا؟"
طفلة؟ ذلك الغبي! هل تقتله الآن؟ ما زال مصراً على أنها طفلة. تريثت قليلاً قبل أن تقوم بقذف صحنها في وجه الوسيم الذي يعبث في قلبها الاشمئزاز من وسامته المفرطة.
"ماذا يا سيد خالد؟ إنني لا أتذمر كثيراً كالأطفال. ولكن شكراً لك عزيزتي علياء، سأقضي الإجازة مع الجدة وليان."
ارتفع وتيرة الحدة والأجواء صارت مضطربة وكأنها في حلبة مصارعة تنتظر فقط إشارة الحكم لتنقض عليه. وأول شيء ستفعله ستخدش ذلك الوجه وتلكمه بكل ما أوتيت من قوة لتقلع ذلك الغرور والعنجهية الملتصقة به.
هتفت الجدة وهي تتناول قطعة الخبز.
"جيد. اذهبي إلى محمد في اسطبل الجياد."
اتسع بؤبؤ عينيها وهبت من مقعدها وهي تصفق بيديها كالأطفال.
"جياد!! حقاً؟ هل يوجد جياد؟ سأطير إلى هناك، وداعاً."
انطلقت سارة كالصاروخ غير عابئة بالأساسيات الصارمة التي وضعتها الجدة وهي أن لا يقوم شخص من مجلسه عليه انتظار الجميع كي يقوم من مجلسه. نظرت نحو الجدة لتجدها غير مبالية بما حدث سوى فقط أنها قطبت حاجبها. تتمتم ببساطة.
"أختي."
وما تعنيه "إنها هكذا يجب عليكم أن تعلموا تصرفاتها". كانت تبلع ما في جوفها بصعوبة. نظرت نحوه لتجده صامتاً لم يتفوه بشيء حينما استيقظ. مجرد عبارات مقتضبة. حينما كانت تريد أن تعلم ما الذي حدث له ليلة أمس يخبرها "كابوس مزعج. لا تقلقي، كل شيء سيصبح بخير". كيف سيصبح كل شيء بخير ووجه جامد خالٍ من التعابير؟
لاحظ نظراتها المصوبة نحوه. أغلق جفنيه وهو يتنهد بحرارة. ماذا سيخبرها؟ أنه أيضاً لا يعلم سبب ذلك الكابوس المزعج؟ ربما لن تصدقه وتخبره أن شيئاً يخفيه؟ كابوس مزعج يستعرض شريط حياة طفولته المأساوية. ظن أن الباب الماضي أغلق ولكن يبدو أنه عاد من جديد يفتح بابه المظلم ويدعوك بالمجيء.
شعر بأناملها الدافئة وهي تعتصر ذراعه. لا يعلم هذا حافز للدعم أم لا؟ أمسك كفها وطبع قبلة دافئة على راحة يديها ليعود النظر إلى طعامه ويعبث به هو الآخر.
كل ذلك حدث تحت أنظار الجدة. لم يغب عنها أي شيء. شيء خاطئ يحدث! منذ يوم كان كل شيء يسير بطبيعية وسلاسة. ما الذي حدث الآن؟
"زين عزيزي، هل أنت بخير؟"
هتفت الجدة بتساؤل ولم تخفِ القلق في نبرتها. جعل الجميع يلتفون نحوه. قام من مجلسه وهو يغمغم بحنق.
"نعم جدتي، سأذهب إلى المكتب. سأنتظرك عمي."
ذهب وتركها. لم يكن يود فعلها لكن هناك شيء داخلي يمنعه. يجب أن يكون قوياً صلباً لمواجهتها. لا يريدها أن تراه وهو متحير متذبذب في أفكاره.
"هل يصح ما فعلته؟"
هتفت بها علياء بحدة وهي تعترض طريقه للخروج.
لا يتحمل عتاباً أو نظرة حانقة أو أي شيء. يكفي ما به عواصف وبراكين وأشياء يقسم أنها لو صممت للتحدث معه سينفجر في وجهها وسيتحدث بأشياء ستجعله يندم عليها لاحقاً. ضم قبضته وهو يصيح بحدة وأشاح بجسدها عن طريقه.
"آليا توقفي، مزاجي متعكر."
ضربت بحذائها على الأرضية وصاحت بحنق.
"بغيض."
***
نظرت إلى الخاتم بانبهار. دمعت عيناها بفرح وسرور. أشياء داخلية متضاربة تجمع ما بين السعادة والحزن. سعادة لأنها اكتشفت أنها هائمة في زوجها المستقبلي. لم تكن تتوقع مقدار كل هذا الحب الذي تكنه له. هو فقط صدق الذي قال "ما حب إلا ما بعد عداوة". كانت معجبة به عندما رأته للمرة الأولى، لكن كان هو ملتصقاً بالأخرى أو هكذا ظنت. لتبدأ بالتدريج يتحول ذلك الإعجاب إلى شيء آخر. كره، غضب. كانت تود أن تقتله.
عبست ملامحها بحزن ظاهر جعل شهاب يتساءل بتوجس وترقب.
"الخاتم لو معجبكيش ممكن أغيره وتختاري واحد على ذوقك."
هزت رأسها نافية وهي تلتقط الخاتم وتضعه في بنصرها الأيمن. مدت يديها قليلاً ليتلاقى أشعة الشمس على الخاتم. انعكس بريق خلاب أسرها وهي تتمتم بابتسامة واسعة.
"لا، حلو جداً. كفاية إنها من ذوقك."
"طب ليه مش حاسة إنك مبسوطة؟"
تنهدت بحرارة وهي تتمتم بحزن ظاهر في نبرتها.
"لأول مرة أحس إن ماما ماتت. بابا حسسني إن ماما ماتتش، عوضني بحنان الأم والأب. تعب معايا جداً ليه يفضل عليا. بس دلوقتي بتمنى إنها تكون جنبي في وقت زي ده."
مسك كفها وقبل راحة يديها بعشق جعل جسدها يتخدر وقال بمشاكسة.
"أنا معاكي. وبعدين سيادة اللواء بيبصلي كتير، شكله كده قلقان من المرة اللي فاتت. طب ما تيجي نعمل كده زي المرة اللي فاتت."
ضمت قبضة يدها وضربته على صدره وصاحت بنبرة مهددة.
"شهاب اتلم."
غمز بوقاحة وهو يقترب منها بخطورة.
"عيونه."
ابتسمت بخجل سرعان ما تحول إلى غضب زائف عندما وجدت أنه لم يعبأ بتهديدها. لما هو متعمد أن يفعل تلك الأشياء الوقحة في منزلها وبحضور والدها؟
أشارت بسبابتها محذرة.
"المرة الجاية هتلاقيني طردتك من البيت."
زفر بحرارة متنهداً وهو يحيط بكلتا كفيه يديها.
"أنا قلتله ننزل كافيه، قالي لأ عايزكم تحت عيني. بس ده برده ميمنعش إني آخد تصبيرة."
قطبت حاجبها وهزت رأسها يائسة من أفعاله. صاحت بصوت مرتفع لتجذب انتباه والدها.
"بابا، سيادة المقدم عايزك."
سمعت صوت والدها وهو يخبرها أنه سيأتي. قامت من مجلسها وهي تراقص بحاجبيها للعابس. وبنبرة حانقة متوعدة قال.
"ماشي يا ندي."
أرسلت بقبلة في الهواء قبل خروجها من غرفة الصالون وردت بمشاكسة.
"تعيش وتأكل غيرها يا قلبي."
***
لم تكن تعلم أنه يوجد مسافة ليست بالهينة للذهاب إلى اسطبل الجياد. لكن روحها الشغوفة جعلتها لم تشعر بالوقت وهي في صحبة الكاميرا المفضلة لديها. خلال اليوم الذي قضته في القرية جعلها تعلم مكان الحقل الذي ذهبت إليه الجدة في صباح اليوم. تنهدت براحة عندما وصلت للمكان المنشود لتتفاجأ بوجود جياد تعدو بشكل لم يصدقه عقلها. هل الجياد أصبحت جميلة لذلك الحد أم أنها لم تكن تنظر بوضوح كعدسة المصور؟ اتسعت عيناها بانبهار وهي تراقب حركاتهم الرشيقة. انطلقت الجياد في حرية وقد تخلصت من السجن والعزلة لتسبح نحو البقع الخضراء التي ليست لها نهاية. طريق اتخذته للعودة.
أفاقت من تأملها للمنظر البديع وهي تلتقط الصور بحرفية شديدة لا يجب أن تفوت شيء كهذا وخصوصاً عدستها. لا تعلم كم عدد الصور التي التقطتها لكن يكفي وجود الشمس اليوم وهي توزع بأشعتها الذهبية على كل بقع الخضراء.
"خلي بالك."
صوت مصري في البلدة الأجنبية جعلها تنتبه لوضعها. كانت على وشك أن تغرق في المياه وهي تنتبه لأول مرة إلى بركة من الماء. تنحنحت بحرج وهي تعتدل في وقفتها.
"آه، آسفة."
صمت الرجل والذي تبدو من هيئته أنه طبيب ليتمتم بتساؤل.
"أنتي سارة صح؟"
"أيوه، وأنت دكتور محمد؟"
"أيوه."
قالها وهو يصافح يديها برسمية. التفت وهي تنظر إلى الخيول بشرود تام وهو الآخر صمت عندما علم بهويتها. اقتحمت خلوة السكون وهي تحاول جذبه للحديث.
"عمو حمزة كان بيحكي عنكم كتير."
هز رأسه بعلامة لم تفهمها. هل هو أيضاً قليل الكلام؟ هل يوجد عيب للجميع أم بها؟ ربما هي التي تتحدث كثيراً.
بادرته بسؤال آخر.
"على كده في سور للمزرعة دي؟"
أجاب بنبرة عملية.
"آه أكيد طبعاً في سور بس على بعد مسافة كبيرة. أستاذ زيدان مهتم جداً بموضوع الخيول وكبر المزرعة وحاول إنه يخلي الخيول عايشة في بيئتها أكتر ما هي تكون محبوسة في اسطبل وجزء صغير من الخضرة تحيط بالمزرعة."
يبدو أن الطبيب من النوع الممل. كانت ستأخذ بكاميرتها وتعود أدراجها نحو المنزل لتجده يهتف بحماس بشخصية مختلفة عن التي كانت منذ ثوانٍ قليلة.
"طب تعالي."
دافعها لرؤية الاسطبل وفضولها جعلها تسير خلفه. نظرت إلى من يقوم بتنظيف الجياد ومن يعتني بغذائهم. كل شخص يعمل ولم يتلفت إليها أحد بسبب عملهم. تفحصت جميع الجياد بترقب وهي تنظر إلى أعينهم الواسعة الجذابة. توقفت فجأة وارتدت للخلف عندما نظر إليها فرس جامح بنظرة دبت في أوصالها الرعب. التفت الطبيب وتحدث بخفة.
"ده فرس عربي أصيل."
انحنى الطبيب وهو يلتقط فرشاة خشنة ومسد بها ببطء وبرقة على الفرس.
أصدر الفرس صوت يعبر به عن استمتاعه لما يفعله الطبيب له.
تساءلت بغباء.
"إيه ده اللي في إيدك؟"
التفت إليها وهو يرفع حاجبه باستنكار كأنه يخبرها ألا تعلمين ماذا أفعل؟ لكنه أجاب ببساطة وعاد يفرك جسد الفرس.
اقتربت بحرص نحو الفرس المرعب وهمست.
"طب ممكن أجرب؟"
"أكيد."
أعطاها الفرشاة التي بيده. ابتلعت ريقها بتوتر وهي لا تأمن لنظرات الفرس المبهمة. ثار الفرس بغضب عندما حاولت أن تمد يدها على ظهره. ارتجفت أوصالها من نظرته الحادة لتنظر إلى الطبيب الذي طمأنها ويخبرها أن تعيد الكرة مرة أخرى.
استعادت رباطة جأشها ونظرت إلى الفرس بنظرات ثابتة مطمئنة له. مسحت على ظهره بحنان وهي تنقل رسالة أنها ليست عدوته بل مجرد صديقة لطيفة. ربما ستكون مزعجة معه قليلاً. ضحكت على حالتها الميؤوسة.
كان الطبيب يراقب ما يحدث باطمئنان لوضعها ووضع الفرس. صوت أحد يناديه لأمر طارئ جعله يستأذن منها.
"دقايق وهرجع، مش هطول."
هزت برأسها وهي تعود تنظر للفرس. لونه أسود. سواد فحمي يعبث بالرعب لكن نظراته الحادة تكسرت. كان يصدر صهيلاً يعبر عن سعادته كلما تلمس ظهره بحنان. ضحكت على حالة ذلك الفرس العجيب. منذ قليل يرفض أن يلمسها والآن يصدر أصواتاً مرتفعة تعبر عن حالته المزاجية الرائعة.
وفجأة بدأت تتحدث معه تعبر عن قلقها وخوفها من المستقبل. تعلم أنها لن تجد الرد منه لكنه كائن لديه مشاعر سيفهمها بالتأكيد. شريط حياتها مر أمام عينيها ومزاجها يتغير في كل دقيقتين أو ثلاثة. تارة تضحك وتارة تبكي وتارة تبتسم وتارة تعبس.
"لم أكذب حينما قلت طفلة."
صوت أيقظها من دفاترها القديمة. نظرت نحو صاحب اللكنة البريطانية وهو يستند على الحائط عاقداً ذراعيه على صدره. يبدو من هيئته أنه كان هنا منذ فترة طويلة.
كشرت أنيابها وشتمته في سرها. ردت ببرود ظاهري.
"معذرة سيدي، هل توجه الحديث معي؟"
تقدم نحوها بخطوات بطيئة وما إن رآه الفرس حتى صهل مرحباً بعودة الغائب. نقلت أنظارها نحوهما وصاحب اللكنة البريطانية يمسد على ظهره بترحيب حار. رفع حاجبه باستهزاء وغمغم بنبرة ذات مغزى.
"أظن ذلك لأنه لا يوجد أحد غيرنا."
كان يريد أن يعلم أثر كلماته عليها. لم يحيد ببصره عن عينيها يختبر قوتها. سرت بجسدها رعشة خفيفة جعلتها ترشف بعينيها وجعلها تشيح بوجهها عنه. ذلك الرجل يجب عليها أن تبتعد عنه. لاحت ابتسامة ظفر على شفتيه ليدنو نحوها بقرب تحت نظرات الفرس المبهمة.
"في أي صف أنتِ؟ العاشر أم التاسع؟"
ظلت تعد من واحد لعشرة حتى لا تفتك به. سحقت شفتيها بغيظ مدفون قبل أن تتمتم بحنق.
"اللهم طولك يا روح."
نظر إليها بتسلية. لم يكذب حينما قال إنها طفلة. كل شيء يصدر منها. قرر اللعب على أعصابها ليعلم كيف ستتصرف. هل ستفقد أعصابها أم تكون باردة؟
فضولي ليعلم ردة فعلها، والسبب الذي دفعه لذلك مجهول.
"أما زلتي تحملين معلب للطعام أم زجاجة للماء أم كلاهما للمدرسة؟"
صمت لعدة لحظات وهو يلاحظ اتساع حدقتي عينيها ليسترسل بتساؤل.
"أخبريني هل أ..."
قاطعته صائحة بغضب وعيناها تنطلقان منهما الشرر.
"اسمع، صدقني كلمة أخرى ستجد ما لا يسرك."
دنا نحوها وهو ينظر إليها بتحدي.
"وماذا ستفعلين بي أيتها المتوحشة الصغيرة؟ ستقومين بعضي مثلاً؟"
للحظة تلعثمت وهي ترى عيناه الزمردية اللامعة كالأحجار النفيسة. حبست أنفاسها داخلها حتى لا تمر رائحة عطره الممزوج بعبقه الرجولي إلى أنفها. تنهدت بحسرة.
"يخربيت حلاوتك يا خي."
رفع عينيه بدهشة على حديثها بلغة مختلفة. عبست ملامحه يكره أن يتحدث معه شخص بلغة مختلفة. هتف بحنق.
"معذرة يا طفلة، لكن يجب عليكِ أن..."
"سيد خالد."
بدلت حرف الخاء بالكاف مثلما تقول الجدة. نظرت إليه بتسلية وهي تقول في سرها "سارة 1 - خالد 1". اكفهرت ملامحه من اسمه ليصيح غاضباً.
"واللعنة! أنتِ عربية لما تقوليها مثل الغرب."
عقدت ذراعيها على صدرها وهزت كتفها بلا اكتراث، وقد نسيت أين هي والفرس الذي كان يتابع الحديث الدائر بينهم بصمت وترقب وكأنه يود أن يعلم من الفائز في تلك الجولة.
"إنها مشكلتك. كان يجب أن تغير اسمك بدلاً من أن تقضي بقية عمرك تكره اسمك وتسمع شخص يقول اسمك بالهاء أو وربما الكاف."
"سارة."
صاح بها الطبيب وهو يراقب الوضع المشحون. جسد خالد المتحفز على انقضاضها ونظرات سارة اللامبالية.
"دكتور محمد."
لم تكن تقصد أن تنطقها بتلك الرقة والنعومة أبداً. سارت باتجاهه وسأل باهتمام.
"في حاجة حصلت؟"
هزت رأسها نافية وهي تبتسم باتساع.
"لا، أنا همشي."
ودعته وسارت بأقصى سرعة تهرب من نظرات محمد غير المطمئنة. يبدو غريب بعض الشيء وتصرفاته لا تتوقعها أبداً. نظر إليه خالد بلا مبالاة واستدار هو الآخر يخرج من الأسطبل تحت نظرات محمد المتعجبة.
***
"أخبريني كيف تبدو الحظيرة."
سألتها الجدة باهتمام لترد ليان بإنبهار.
"رائعة يا جدتي، لم أتخيل أنها كبيرة لذلك الحد."
يبدو أن منزل الجدة يوجد أشياء كثيرة لم تراها من قبل بسبب ما حدث في الماضي. ويبدو أنه سيتكرر مرة أخرى!!
نفضت رأسها من تلك الأفكار السوداوية. لن تصبح متشائمة ولن تكون سلبية مرة أخرى.
"هيا، سنجمع البيض لنرحل سريعاً."
ضغطت الجدة على كفها وهي تنتشلها من شرودها لترد ليان بابتسامة هادئة.
"انتظريني هنا، سأذهب وآتي."
هزت الجدة كتفيها وهتفت ببساطة.
"كما تريدين. سأعود للمنزل وسأنتظرك في المطبخ. لا تتأخري."
"حسناً."
جمعت البيض بعد معركة بينها وبين الدجاج انتهت بفوزها في النهاية. عادت بأدراجها متوجهة صوب المطبخ لتضع السلة التي جمعت بها البيض على الطاولة وصاحت بصوت مرتفع نوعاً ما.
"جدتي، أين أنتِ؟"
لم تكن تنتظر تلك الإجابة منه أو تجده يقف خلفها بل ملاصقاً لجسدها وأنفاسه تلفح عنقها.
"هل يوجد مانع لو أنا هنا؟"
ازدرقت ريقها بتوتر وهي تبتعد عنه عدة خطوات واسعة جعل الآخر ينظر إليها بشك مقطباً حاجبيه.
"لا، لا."
رفع حاجبه بإندهاش وهي تمتنع أي تواصل جسدي بينهما. تمتم بتساؤل.
"ما بك؟ لما تعامليني كالغريب؟"
للحظة زجرت نفسها بعنف عن تلك الأشياء الغبية التي تفعلها. ردت ببساطة وهي تشيح بعينيها عن نظرات أعينه الثاقبة.
"لا شيء."
شهقت عندما وجدت أنه يسحب خصرها نحوه بعنف. أمسك بذقنها ليثبت رأسها التي تتهرب كلما حاول أن ينظر إلى عينيها. نظرات عينيه معاتبة ومكسورة جعلتها تبتلع غصة في حلقها بصعوبة.
"كاذبة، عيناك تفضحانك."
نبرته يوجد بها شرخ. شعور بالذنب يقتله وهو يرى ملامحها الذابلة والأرق الذي يبدو جلياً على صفحات وجهها.
كانت مستيقظة منذ الأمس وهي تضمه إلى ذراعيها. لم يغلق لها جفن حتى وجدته ساكناً بين ذراعيها. كانت الساعة تجاوزت السادسة لتهز رأسها يائسة وهي تتوجه نحو المرحاض تستعد بيوم جديد.
كان يعلم أنها لم تنم. شعر بجسدها وهي تبتعد عنه ببطء خشية استيقاظه. ابتسم بامتنان ليطبع قبلة دافئة عميقة على وجنتيها. تذبذبت من قبلته وهي تجد عينيه التي اشتعلت بوميض تعلمه جيداً.
"زين، ابتعد. نحن في المطبخ."
همست بها بصوت خافت لتجده يطبع قبلة أخرى على خدها الأيسر بنعومة وعمق أكبر. صاح بحدة وجدية زائفة.
"ولو، أنتِ زوجتي."
تهدمت حصونها العنيدة وهي تجد أنامله تتحرك من عنقها إلى أسفل خصرها بهدوء.
"زين، لا يصح ما تفعله. ماذا سيحدث إن رآنا أحد بهذا المنظر المخزي؟"
ملس على وجنتيها التي أصبحت كـ ثمرة طماطم طازجة وغمغم ببساطة.
"سيقولون رجل وامرأته."
تريث قليلاً قبل أن يلقي بشيء جعلها تتسع عيناها بذعر.
"أريد قبلة."
رمشت بأهدابها الكثيفة وهي تريد أن تعلم أن ما سمعته صحيح؟ حقيقة وليس خيال أو هاجس؟
حدقت به بدهشة وهي ترفع حاجبها الأيسر.
"ماذا؟ وهنا؟"
هز رأسه ببساطة لتقطب حاجبيها باستياء.
"تمزح صحيح؟"
رغم محاولاتها البائسة لمنعه لكنه ما زال مصراً وبعناد صاح.
"ماذا؟ لا أطلب شيئاً صعباً."
استسلمت يائسة لتطبع قبلة على وجنتيه. نظرت إلى ملامحه المنصعقة لتبتسم بتشفي. كتمت ابتسامتها عندما مرر بإبهامه على ملامح وجهها الناعم.
زفر بحرارة وباستياء واضح.
"هل تُقبلين ابن خالتك؟ أريد قبلة الأزواج."
حاولت أن تشيح بعينيها عن عينيه الأسيرة، لكن عينيه مثل المغناطيس الذي يجذبها وهي مسلوبة الإرادة. همست بخجل ووجنتيها اصطبغت بلون أحمر قاني محبب له.
"لا أستطيع فعلها هنا."
همس بصوت مماثل لها وهو يغمز عينيه بمكر.
"الأمر لن يستغرق سوى ثوانٍ قليلة."
"زيـ"
التقط شفتيها بين خاصته وهو يسحبها إلى عالم آخر تجعلها لا تشعر بوجود أحد سوى نبضات قلبهم الثائرة.
يُقبلها وكأنها القبلة الأولى لهم. وما الذي جعله يعمق قبلته إنها أحاطت بعنقه لتبادله شغفه بشغف أكبر. لم يفق من دوامة المشاعر سوى صياح الجدة التي ضربت بعصاها على أرضية المطبخ مزمجرة بعنف.
"زيـاد!!"
أخرج لفظ بذيء بين شفتيه وهو يلصق بجبهته على جبهتها وكلاهما يحاولان التقاط أنفاسهم المسروقة. صاح بخشونة من وضعه الميؤوس منه، في كل مرة يخرجه شخص وقد بلغت عواصفه للذروة.
"اللعنة! لا يصح ذلك في كل مرة!!"
رواية زوجتي الشرقية الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم سيليا البحيري
دفنت وجهها بين ثنايا عنقه. رائحة عطره الموشومة برائحته الرجولية تُسكرها. عدة لحظات فقط وهي تحاول استعادة تنفسها إلى الحالة الطبيعية. وجهها الذي اصطبغ باللون الأحمر لا يجب أن تراه الجدة. وضعت راحة يديها على مصدر مضخته. تذبذبت دقات قلبها وهي تعض شفتيها السفلى بإحراج من كلمته. دائمًا يضعها في مواقف محرجة وهي غبية. جسدها يذوب بسرعة من مجرد لمسة. لمسة واحدة فقط تذوب متلهفة لتلك الدوامة التي تقتلع كل حصونها الثابتة.
ابتسمت الجدة وهي تلاحظ ارتباك جسد ليان وجسد الآخر المتحفز للانقضاض على فريسته. عضلات فكه السفلي المتشنجة وذراعيه الملتفين حول خصر زوجته كالكماشة. زادت عينيها ببريق خافت وهي ترى محاولات زوجته الفاشلة للتخلص من حصاره. ويبدو أن الآخر لم يكتفِ، بل هبط إلى وجنتيها ويوشم باسمه في كلتا وجنتيها.
حمحمت الجدة وهي لا تعلم لما أصبحت نبرتها هادئة. جاهدت أن تخرجها حازمة، لكن حنجرتها خانتها لتخرج بصوت ناعم وابتسامتها من الأذن للأذن.
"أراك أصبحت كلصٍ يختلس قبلات من زوجته. غرفتكما خالية. اذهبا تفعلان بها ما تريدان."
نظره مثبت على زوجته. ليانه. تلك الجميلة الخجولة وعيناها تحاربان النظر إليه. تستفزه تلك الحركة. مد يده وهو يمسك بذقنها ليرفعها إليه. بندقية عيناها العميقة ظهرت لمعته المحببة إليه ليشي بتأثرها من قُبلته. زادت احمرار وجنتيها على ما قالته جدته. عيناها معاتبتين على ما فعله. أما شفتيها فكانت ترتجف بشدة.
سحب هواء عميقًا ليرد لجدته وعيناه مثبتتان نحوها. عيناه توجد بها لمعة المكر والتحدي.
"أتعلمين يا جدتي أنتِ محقة. يوجد لدينا غرفة فارغة. لا تنادينا وقت العشاء جدتي. يوجد لدي اجتماع طارئ مع زوجتي."
شهقة خافتة خرجت منها. وقبل أن تنطق معترضة، وجدته يحملها بين ذراعيه في ثوانٍ قليلة معدودة وانطلق خارجًا قائلًا بعجالة تحت تذمراتها الطفولية.
"أراكِ جدتي في الصباح التالي."
ضحكة خافتة صدرت من الجدة وهي تتبع آثارهم. لتهز كتفيها بلا مبالاة وهي تجاهد معرفة لماذا توجهت للمطبخ. حينما يأست من التذكر، خرجت من المطبخ متوجهة نحو غرفتها.
تنهدت براحة وقد أنهت مهمتها على أكمل وجه. كل ما أرادته أن يحب فتاة ويذوب بها عشقًا. كادت أن تفقد الأمل من حياته ونهجه. كيف لم تلاحظ نظراته العاشقة من قبل؟ كيف استطاع بتلك البراعة أن يخفي كل ذلك؟ ذلك الزياد حقًا لن تستطيع.
لذلك ستنتقل الآن وتركز نحو الذي يشبه زين. لن تدعه ولن تتركه حتى يقع في حب أحد من فتيات القرية أو هو الذي يحدد تلك التي ستسلب قلبه.
***
ظلت تتلوي وهي تحاول الفكاك من حصاره. أغلق الباب خلفه متجهًا نحو فراشهم. احمرت وجنتيها خجلًا وهي تجده يزيح حجابها ويلقيه بإهمال على الأرض. لتتبعها حركات يديه الرشيقتين وهو يحل أزرار قميصها. مال بوجهه نحو صدغها وهو يلثم بعده قبلات عميقة. ليخلع قميصها ويرميه هو الآخر مع صديقه. تأوهت بضعف وهمست بين قبلاته المحمومة.
"زين."
أغمض جفنيه وهو يستمع إلى اسمه. لا يعلم هل اسمه أصبح كمعزوفة عاطفية أم هو الذي يتخيل. التقط أنفاسه المسلوبة وبخشونة أجاب.
"يوجد لدينا أمر هام حبيبتي."
كان يجذبها بكل قوة إلى عالمه. ذلك العالم الذي لا يوجد سواه. براكين من العشق وطوفان من المشاعر المتدفقة. لا تعلم النار أم الماء هو الذي سيفوز. كلاهما يتحديان بقوة لتتكون طبقة عازلة وهي تفيق من ثورة مشاعرهم.
"هل تعلم ماذا ستقول الجدة بل الجميع حينما يعلمون أننا لن نحضر في وقت العشاء؟"
ربت على وجنتيها الناضجتين. يود أن يلتهمهما بل يلتهمها هي كلها.
"لا وقت الآن. أريدك نبضات قلبك هي التي تتحدث."
همهمت باعتراض في محاولة فاشلة يائسة وهي تحاول أن تشرح له. لكن أصمت شفتيها ولم يكن هناك حديث آخر.
أرقدها على الفراش واعتلاها وهو يرتشف كل قطرة من نهر عسلها. كما أخبرها كان يريد حديث القلب هو الذي يتولى دفة الحديث. وحدث ما أراد.
***
أغمض جفنيه بأسى. شيء ثقيل يجثم قلبه وهو يتطلع إلى قبرها واسمها يعيد أشياء قديمة لم ينساها. جثا على ركبتيه بانهيار تام. فقد كل شيء. حياته جديدة أو هكذا ظن.
نبذته هند وتركته في منتصف الطريق. مرت ثلاث نساء في حياته وكل وجع يكون أعمق من السابق.
هل حياته ستستمر في الشقاء والوجع فقط؟ حياته رمادية كئيبة لا يوجد نسمة هواء ناعمة تشق تلك الكآبة في حياته.
علق بصره مرة أخرى إلى قبرها. ابتسم ساخرًا. لا يعلم لماذا جاء إلى هنا؟ وكيف؟ وما النتيجة؟
كل تلك الأسئلة تتضارب عقله بسرعة لم يتخيلها. أغمض جفنيه بأسى. ربما ما كان عليه أن يظل حيًا هو الآخر.
هل يفكر في الانتحار هو الآخر؟ لن تكون مشكلة. لا يوجد شخص يهتم به سوى والدته. ولكن ما ذنب والدته؟ كيف يتركها وحدها في ذلك العالم؟
نفض تلك النقطة السوداوية وهو تعب وسأم من وضعه. ومع ذلك تمتم باختناق.
"مسامحك يا ورد."
استقام في جلسته وهو ينفض الأتربة العالقة على ملابسه. ربما تلك نقطة بداية. ربما قسوة قلبه هي كانت المشكلة من البداية؟ عقله يحلل ويفكر. وفي النهاية إلى أين توصل؟ لا شيء مثل كل مرة.
***
"تسلمي يا سعاد."
هتف بها إبراهيم بامتنان وهو يريح جسده المتشنج على الفراش.
شهقت سعاد مستنكرة وهي تعدل الوسادة على رأسه وقالت.
"الله هو أنت بتطلب من الغريب يا حاج."
يشعر بالاختناق من مكثه في البيت. كانت أعصار المنزل تهون عليه رحيل ابنته الأخرى. كل يوم تقوم بسحبه خلسة للتنزه قليلًا ثم يعودان قبل مجيء سعاد. كان ذلك السر يحتفظان به خوفًا من علم سعاد. ولكنها غادرت هي الأخرى. حتى برغم مرور وقت قصير. لكن بمغادرته الفتاتان يشعر أن حياته أصبحت بلا معنى. لاذعة كئيبة ليست لها ألوان ناعمة كـ ليان ولا صارخة كـ سارة.
"تعرفي مش متعود على البيت الهادئ. شعنونة البيت وحشتني هي والمسكرة."
لفظ "المسكرة" الاسم الحركي لـ ليان. توقف عن نداء ذلك الاسم بسبب تعليقات السخيفة لأولاد الحي وهم يستهزئون باسمها. وأيضًا سارة كانت تشاكسها بذلك اللقب وتقول "يا مسكر يا اللي مدوخ البقرة".
لاحت ابتسامة راضية على شفتي سعاد وهي تستجمع ذكري قديمة لهم. تنهدت وهي تستفيق من شرودها العميق.
"رغم إن سارة بتتعبني وتخليني ساعات أشد في شعري بس بجد كانت عاملة حس للبيت. أما المسكرة البيت أنت عارف إن كنت رافضة الموضوع في الأول يا إبراهيم."
لن تنتهي أبدًا من حديث في ذلك الموضوع. رغم رفضها وضيقها. لكن في كل مرة هي تطمئنهم أنها بخير تصمت لعدة لحظات ثم تعود مرة أخرى إلى أسطوانتها القديمة.
صاح برزانة وهو يعقد ذراعيه على صدره.
"ليان عايشة مستقرة مع جوزها عايزة إيه تاني."
أجابت وبدأت تتجمع الدموع عند مقلتيها.
"بنتي بعيدة عني يا إبراهيم. جزء من قلبي متعلق هناك. وأنت عارف وقت ما غابت فجأة كان قلبي واقع بين رجليا إزاي."
هو أيضًا كان يشعر أن هناك شيئًا خاطئًا بسبب فترة انقطاع اتصال ليان لهم. لكنه أخفى ذلك. يعلم زوجته حق المعرفة أن أخبرها هو أيضًا أنه يشعر بالقلق ستقوم بحجز تذاكر السفر وتتوجه إلى منزلهم. لكنه بدا صامتًا هادئًا حتى أتت مكالمة زين التي أثلجت صدره. هتف بجمود.
"زين اتصل وقال إنهم في شهر عسل."
هزت سعاد رأسها نافية وشيء داخلي يخبرها أن هناك شيء سيء حدث لها.
"برضه مش هصدقه ولا هصدق. أنا قمت مفزوعة من النوم. البنت حصلها حاجة وإحساسي عمره ما هيخيب."
زفر بيأس وهو يعلم أنه سيتجادل معها حتى بزوغ الشمس. قرر تغيير دفة الحديث وهو يتعمد وسيلة الإلهاء ليجدها أصبحت تتحدث بدرامية.
"وسارة برضه سافرت. أنا مش عارفة لما تتجوز وتستقر هعمل إيه؟"
رفع حاجبيه بدهشة واستنكار. أليست منذ عدة أيام كانت تخبر سارة بالنص "ابقي قابليني مين ده اللي هيتجوزك".
غمز بمكر وهو يقول بنبرة ذات مغزى.
"هيفضلنا يا جميل أنت."
شهقت مستنكرة وهي تضرب براحة يدها على صدغها وهي تقول بجدية.
"يالهووي عليك يا حاج. إحنا كبرنا خلاص."
مال شفتيه وهو يغير مجرى الحديث كليًا.
"المسلسل فاضله قد إيه ويبدأ."
قطبت حاجبيها بعبوس وهتفت بحدة كأم تزجر طفلًا وتعاقبه.
"مسلسل إيه بس يا إبراهيم. أنت هتاخد الدوا وهتنام. وقت النوم جه."
تمتم بنبرة خفيضة كي لا تسمعه زوجته.
"أنا مش عارفة استحملتوها إزاي ديه."
***
رمى لفافة التبغ على الأرض وسحقها بقدمه وهو يزفر بحنق. لا يعلم كم عدد السجائر التي شربها حتى ذلك الوقت. شيء في داخله يضايقه بل يجعله ينفجر. يقف على حافة البركان.
سحب أكبر كمية من الهواء لتملأ رئتيه ثم زفر بتمهل. نظر إلى الماسورة الحديدية المقتربة من شرفة شقيقته. لاحت عليه ذكرى قديمة عندما كان يتسلق الماسورة كلص ويذهب إلى غرفة شقيقته لإرعابها ليلاً. لاحت عليه عقله بأن يعيد ويجدد تلك الذكريات القديمة. نظر إلى الساعة المعلقة على رسغه وهتف بحماس رائع. الساعة الآن الثانية عشر منتصف الليل. ثانية فقط وهو يعدل عن قراره. لكن شيء داخلي طغى على ذلك الرفض وبدأ بالفعل يتسلق برشاقة حتى وصل إلى شرفتها. زفر بنجاح وهو لا يصدق كيف فعلها. ماذا إن رآه أحد؟! يبدو وكأنه عاشق يتسلل إلى غرفة حبيبته. هز رأسه يائسًا. حاسة الأذن كانت قد قطعت أحاديث أفكاره المجنونة. موسيقى؟ هل أخته مستيقظة؟ وما تلك النغمات؟ اقترب ببطء من نافذة شرفتها الداكنة. ما ذلك الصوت؟ لأول مرة يستمع إلى تلك الألحان الغريبة. النافذة غير محكمة الغلق. وجد أن هناك شقًا صغيرًا. تسلل على أطراف أصابعه ليرى تلك المجنونة المسمى بأخته.
"اللعنة."
همس بها بصوت خفيض وسقط فكه السفلي من آخر شيء ممكن أن يتوقعه أو يجول بخاطره. طفلة؟ تلك الطفلة؟ كلا كلا ليست طفلة. أنثى ناضجة مكتملة لا يشوبها شيء. تلك الانحناءات اللعنة كيف؟ كيف؟ تلك الشرقية المغوية. عض شفتيه السفلي وهو يراقب خصرها الذي يتمايل بكل رقة ونعومة مع تلك الأغنية التي تليق برقصها. ثانية اثنان اثنا عشر حتى تذكر اسم تلك الرقصة التي بعثرته. رقص شرقي نعم هو ذلك الرقص الذي يثير الرجل. لكن لم يكن يهتم به. لم يكن يتأثر. ولكن تلك الطفلة. تباً لها.
أشياء تدفقت في داخله. سخونة تسري في أوردة جسده لأول مرة تحدث له. عيناه كانت كالفهد التي تراقب فريستها. حبس أنفاسه عندما وجدها تنحني وخصلات شعرها الغجرية تلامس الأرض لتعتدل وهي تعيد تتمايل بخصرها المنحوت. دقق ببصره إلى ما ترتديه. أغمض جفنيه لعدة لحظات وهو يستوعب تلك الكارثة التي فعلها.
ثوب أسود ملتصق كجلد ثانٍ لها. وذو شقين جانبيين يظهر ساقيها المهلكتين. وخصلات شعرها الغجرية التي تلامس مؤخرتها. اللعنة اللعنة اللعنة.
فتح جفنيه وهو يتحكم في وتيرة أنفاسه المرتفعة بسبب تلك الشرقية المغوية. ما زالت ترقص بافتتان واغواء غافلة عن عيناه التي لمعت بوهج غريب يلمع لأول مرة. لكن أين أخته؟ لا يعلم. بل ظن أنه لم يراها. كل تركيزه منصب على الشرقية.
"تلك الطفلة الفاتنة اللعنة عليها."
زفر بحنق وهو يشد خصلات شعره بقوة حتى كاد أن يقتلعها من جذورها. عاد مرة أخرى إلى الماسورة ليهبط منها بسرعة. وصورة ذلك الثوب يقسم أنه لن يغادر مخيلته ولو طالت الليالي. توجه نحو غرفته بخطوات رشيقة. وفجأة نسي ذلك الضيق والعبوس الذي يكتم جسده. تبقى فقط صاحبة الثوب الأسود وخصلاتها الغجرية المهلكة له.
استلقى على الفراش وظل يتقلب فيه كمرجل. نار اشتعلت في داخله. كيف لتلك الطفلة يوجد لديها انحناءات مهلكة؟ ماذا إن أصبحت أنثى يافعة؟ عض شفتيه السفلي وأفكار دنيئة اقتحمت مخيلته.
"لم أكذب حينما قلت إنها تمتلك جسدًا أنثويًا صارخًا."
***
كان يداعبها ثم يعود يقبل ما طالت شفتيه. ذراعها. وجنتيها. عنقها. شفتيها. كانت تتملل وهي تشيح بيديه ثم تلتفت بجسدها الناحية الأخرى لتنكشف ظهرها العاري. اتسعت عيناه ببريق خافت ليسحبها نحو خصره وهو يشدد من خصرها إليه. ابتسم وهو يلمس جسدها الدافئ بين ذراعيه يستشعر نعومة جسدها.
"ليان."
همهمت وهي تحاول إزاحة ذلك الذي الجسد الملح على استيقاظها.
"زين توقف أريد النوم."
"لقد حظيتِ به منذ ساعتان ونصف."
رغم محاولتها الفاشلة للنوم، استيقظت أثر أنامله التي تداعب ذراعها. رمشت بعينيها عدة مرات حتى تنظر إلى الساعة التي تجاوزت الواحدة صباحًا. عبست ملامحها بسبب مواعيد نومها التي تغيرت بفضله. ابتسمت بضعف وردت.
"يا لكرمك حقًا."
أداعب خصلات شعرها السوداء بافتتان. كان طوال فترة نومها يراقب بها أدق التفاصيل التي لم يكتشفها بعد. شفتيها تكون منفرجة قليلًا وتتخذ وضع الجنين أثناء نومها. أما خصلات شعرها المهلكة كانت تثيره كل مرة كان يزيح خصلاتها عن وجهها. همس بنعومة.
"هيا حبيبتي استيقظي."
نظرت إليه بعبوس شديد وقالت بنعاس وهي تفرك عينيها حتى تستطيع إزاحة الخمول من جسدها.
"أريد النوم زين."
تنهيدة عميقة خرجت منه. سحب جسدها نحو صدره وقال.
"هل تعلمين حينما رأيتك لأول مرة أمامي ماذا حدث لي؟ يا إلهي ذلك اللقاء. وعيناه التي كانت تحرجها."
فلاشات سريعة حدثت أمام عينيها. وردت بضيق.
"كنت بغيض للغاية وبارد وجلف وكنت أريد أن أحطم فك أسنانك البيضاء المستفزة."
اتسعت عيناه دهشة مذهولًا من كل تلك الصفات المتعددة. هل كانت تسبه بكل تلك الأشياء؟ غمغم ونبرة صوته كان يوجد بها الصدمة.
"يا إلهي هل كنت سيئًا لتلك الدرجة؟!"
لعنت لسانها الذي يخرج دائمًا دون أن تعود لاستشارة عقلها مرة أخرى. كان سيلقي كلمات معسولة لتأتي هي مثل "الدبش" تصده بقوة.
"اعذرني حقًا لكنك كنت لا تطاق."
ابتسم وهو يرى عينيها اللامعتين ونبرة صوتها المعتذرة.
"لم أصدق حينما رأيتك. كنت أراك مرتبكة وخافضة برأسك طوال الوقت."
تشعر بأن تلك الأحداث حدثت منذ يومين. تتذكر كل شيء أدق التفاصيل. ابتسمت بنعومة وهي لا تصدق كيف كان اللقاء الأول. انحسرت ابتسامتها عندما تذكرت طيف المرأة الأنثوية التي بجانبه.
"وماذا عن تلك المتشبثة بك والتي أسرعت باحتضانك يوم المطعم؟"
لاحظ غيرتها بوضوح. لم تخفِ ذلك في نبرتها المندفعة والحانقة. أمسك بذقنها لتتقابل أعينهم وهمس بصدق.
"نتالي إنها مجرد صديقة. والتي في المطعم كانت صديقة أيضًا. لم يكن بيننا أي شيء يا ليان. لقد أخبرتك منذ أن رأيتك أول مرة توقفت عن فعل أي شيء. كنت أريد أن أكون لائقًا بك."
برقت عيناها بوميض محبب له. لم يكذب عليها منذ أن رآها حتى اعتزل نساء العالم بأكمله لتكون هي الوحيدة من يرغب بها أن تكون نصفه الآخر. هتف وابتسامة عاشقة لم تفارقه.
"عيناكَ كانت مرتبكتان ووجنتيك توردت. لا أعلم. كنت أريد في تلك اللحظة أن أعصرك بين ذراعي. وأول مرة حينما رأيتك في القصر والأوراق التي سقطت على الأرض."
غمغمت بضيق زائف وهي تحاول أن تقلد نبرة صوته.
"لقاء تافه."
ضحك ضحكات رجولية رنانة جعلت قلبها يشعر بالاضطراب وأشياء تداعب معدتها. قرص وجنتيها بخفة وبعبث قال.
"لا تنسين حبيبتي."
نفخت وجنتيها وهي تتعبث بيدها عشوائية.
"بالطبع. كنت بالكاد تحكمت في أعصابي."
شهقت بخفوت عندما اعتلاها وأصبحت هي أسيرته. غمز بعبث.
"أعلم ذلك. لكن لا أعلم لماذا كنت أحب أن أطالع حنقك وشفتيك التي تصبح مضمومتين تحثني على تقبيلك."
ارتفعت وتيرة أنفاسها وتحول وجهها وجسدها الظاهر أمام عيناه على لون وردي. أغمضت جفنيها وهي تعض شفتيها السفلى بخجل تحت نظراته المثبتة نحوها وهمست بتوسل.
"زين أرجوك توقف. أخجل من حديثك."
برقت عيناه ببريق لامع وما زال يسترسل في لقاءاتهم الغريبة.
"عندما تلامست أيدينا بالخطأ رأيت تصلب جسدك. في الحقيقة كنت بارعًا في إخفاء تعابير وجهي. لكن كانت تلك بمثابة شعلة لي. ثم رؤيتك لذلك الشاب في الشركة كنت أريد أن أطرده. لكنني غيرت ما طرأ في عقلي. لذلك قررت أن أخطفك قبل أن يقوم أحد باختطافك قبلي."
عبست بملامح طفولية وصاحت.
"لكنك كنت تحدثني بكل تعنت وغرور وتخبرني أنك ستتحكم بي."
قاطعها بنبرة رجولية عميقة جعلتها تتخشب للحظة.
"سأتوغل بين أنفاسك يا ليان. أعدك بذلك."
ازدادت تورد وجنتيها حتى شعرت أنها على وشك الاختناق من حديثه ومن سطوته عليها. رفعت عيناها لتقابل زرقاوته التي أدمنت النظر إليهما. همس بخشونة وهو يقبل وجنتيها.
"ليان هل تريدين حفل زفاف؟ أعلم أنني قمت باختطافك من موطنك دون حتى أن نقوم بعمل حفل للعائلتين."
هزت رأسها نافية وتعُلقت بعنقه وهمست بخجل.
"لا أريد سواك زين."
"هل أنتِ متأكدة؟"
عاد سؤاله بشك. لتعيد وهي تهز رأسها نافية دون تردد ودون أن تفكر للحظة. هل هو أناني في تلك اللحظة؟ نعم. رغم رفضها. لكن هو يعلم كيف يكون يوم الزفاف هو يوم العمر. لطالما كره من حديث ليلى عن ما ستفعله في زفافها. واستعدادات وتخطيطات لا تبدأ حينما يأتي الخاطب بل عندما تكون صغيرة طفلة. لكن سيعوض تلك الأيام السابقة. سيعوضها بالتأكيد.
"هل أخبرتك من قبل أنني أحبك؟"
ردت وهي تغمز بمكر.
"الآن كلا. لكن إن كنت تقصد منذ فترة فنعم."
ابتسم قبل أن يسبحها معه إلى دوامته وهي ترفع راية استسلامها في كل مرة.
***
"توقفي توقفي لقد تعبت."
تنهدت سارة بتعب وهي تلتقط أنفاسها المتأججة من فرط مجهودها الجبار الذي بذلته. لطالما كان الرقص والرسم والتصوير شغفها في الحياة. منذ أن كانت طفلة كانت تحب أن تقلد الراقصات الشرقيات. لكن مع رفض والدتها ووالدها دفنت تلك الرغبة بداخلها. لكن حينما تشعر بالضيق أو الكبت تغلق باب غرفتها بالقفل ثم تقوم بتشغيل الألحان الشرقية وترقص بتناغم على ألحانها.
هتفت وهي ترجع خصلة شاردة للخلف.
"إن علم شخص سيكون بها ذبح الرقابة."
هزت علياء رأسها بالنفي وهي تخبرها بإشارتها سيظل ذلك سرًا بينهما. لا تعلم كيف سألت سارة إن كانت تعلم الرقص الشرقي أم لا لتتفاجئ برد الأخرى وهي تخبرها أنها تعلم. انتظرت قليلًا في غرفتها عندما أخبرتها أنها ستأتي بـ "عدتها" لكي يبدأوا حفلتهم المسائية. لم تستغرق سوى دقائق بالكاد تعد لتجد أنها بدلت ملابسها بشيء آخر يناسب لرقصها الشرقي.
ردت بثقة.
"لا تقلقي لا يعلم أحد. لكن رقصك رائع بالمناسبة. أريد أن أتعلم."
"الوقت تأخر الآن. سأعود إلى غرفتي ونتحدث في الصباح."
ترددت علياء قليلًا.
"لكن..."
قاطعتها سارة وهي تفتح الباب بتعجل خشية أن يراها أحد بهيئتها الفاضحة.
"هيا سأراك في الصباح."
في أقل من ثوانٍ معدودة عادت إلى غرفتها لتخلع ثوبها وترتدي شيئًا أكثر راحة. جمعت خصلات شعرها على هيئة كعكة فوضوية واستلقت على الفراش وجسدها يئن طلبًا للراحة.
رنين هاتفها جعلها تتوجس خيفة لتمسك هاتفها وهي ترى رقمًا دوليًا من مصر يهاتفها. ألَح المتصل مرة واثنين وثلاثة حتى ردت بتوجس.
"الـو."
صوته بعثرها وجعل قلبها ينقبض فجأة من حديثه وذلك اللقب البذيء.
"إيه يا مزة لسه صاحية لحد دلوقتي؟ معقول بتفكري فيا وإنتي مسافرة برة مصر؟"
لم يخرج من شفتيها سوى اسمه وهي تشهق بصدمة. كيف علم هاتفها بل كيف علم أنها خارج مصر؟
"كريم."
ونبرة الآخر كانت واثقة جليدية.
"أيوه أنا."
أغلقت هاتفها على الفور وهي تلقيه بإهمال. رفعت ساقيها إلى صدرها ودفنت برأسها وهي تسبه بكل الألفاظ التي تعلمها.
"وقح حقير زبالة."
***
في الصباح التالي.
لم تنعم بالنوم. جفاها وهي تتقلب على الفراش كمن يجلس على جمر مشتعلة. توجهت نحو إصطبل الخيل خلسة دون أن يراها أحد وما زال الوقت باكرًا. تنفست الصعداء حينما رأته يصهل مرحبًا بها بقوة من رؤيتها. وضعت سبابتها على شفتيها وهي تحاول أن تخفض صوته. والغريب في الأمر أن صهيل الفرس بدأ في الخفوت. اقتربت منه وهي تربت على ظهره بنعومة وهمست ببريق طفولي.
"إيه رأيك ناخد جولة؟"
لاحظت حركة الفرس كتعبير على موافقته. كيف علم ما تريده؟ هل شعر بها؟ ما ذلك الغباء. إنها حتى لم تركب الفرس من قبل. روح من المغامرة دفعتها لتعتلي صهوة الفرس بدون أي تردد. وكزته بقدميها لينطلق بسرعة فاجأتها خارج الإسطبل متجهًا نحو المزرعة الشاسعة.
ابتسمت بمرح وهي تراقب منظر الطبيعة الجمالي والهواء النقي يلفح وجهها. تمسكت اللجام بقوة وتطايرت خصلاتها تشعر وكأنها مثل الطائر الذي يحلق في الأفق البعيد. لا يوجد لديه أي حدود تردعه في التحليق في الأفق.
أرادت أن تبطئ من حركة الفرس لتجد عصيان الفرس منها وهو يصهل مزمجرًا بغضب. ولم يكتفِ بذلك بل زادت من قوة سرعته متجهًا نحو حدود المزرعة. لم تمنع من خروج صرخة مستغيثة وهي تغمض عينيها أن الهلاك قادم لا محالة.
لاحظ خالد حالة من الهرج والمرج عند الإسطبل ليتوجه بسرعة وهو يهتف للسائس بحدة.
"ماذا حدث؟"
ازدر ريق السائس بتوتر. آخر ما يتوقعه هو وجود سيدة في ذلك الوقت المبكر.
"لقد أخذت السيدة الصغيرة الفرس. وأنت تعلم أن هناك مشكلة في ذلك الفرس منذ المرة السابقة."
"اللعنة."
وبدون أي تردد اعتلى صهوة فرس وهو يلحق تلك الطفلة الغبية وينقذها من براثن غضب الفرس.
أشياء سوداوية اقتحمت عقلها. لتنتبه فجأة لوجود صهيل فرس آخر. طرفت بعينيها نحو الآخر الذي أصبح في محاذاتها وهو يصيح بحدة.
"اقفزي هيا."
هزت رأسها نافية. فكلا الخيارين أنها ستموت. ستختار الطريقة الأسهون. كيف يطلب منها أن تقفز؟ ليست بارعة في ركوب الفرس. استطاعت بصعوبة أن تعتلي صهوة الفرس. كيف يريدها أن تقفز للفرس الآخر؟
لاحظ خالد اقتراب نهاية المزرعة. نهاية حدود المزرعة تعني وجود ما يشبه بطريق مسدود. أي أن الفرس والغبية سيموتان وهما يسقطان من التل المرتفع إلى بحيرة القرية.
نظر نحوها ليجدها تغمض عينيها وهي مستعدة للهلاك القادم. قبضتها ارتخت من اللجام ودموعها تتساقط بحرية.
انطلقت صرخة آمرة وهو يراقب المسافة المنعدمة.
"اللعنة أيتها الغبية اقفزي."
انتفضت تحت صيحته الآمرة. أفلتت اللجام لتلقي بنفسها فوق صهوة فرسه. التقطتها ذراعيه يضمها بقوة بينما دفنت هي بوجهها عند عنقه تبكي وتنتفض بين تارة والأخرى بصمت. شد لجام فرسه ليبطئ الفرس من حركته المتسارعة حتى توقف. ألقى ببصره نحو الفرس الآخر الذي توقف عند حافة التل ليعود مرة أخرى يسير ببطء وغرور متوجهًا نحو الإسطبل غير مكترث لما حدث منذ قليل.
زفر براحة وهو يمسك بخصرها بدون تردد لينزلها من الفرس.
ارتمت على الأرض بوهن وقدميها ويديها خارت وأعصابها انفلتت.
سمعت صوته العميق وهو يربت على ذراعها.
"اهدئي اهدئي."
انفجرت في البكاء وهي تخفي وجهها بين كفيها وهي تهذي بكلمات غير مرتبطة حتى أجهشت في البكاء وهي تحاول أن تتنفس.
"كنت.. كنت.. على وشك."
كانت رقيقة ضعيفة أمامه. ودد أن يجذبها لحضنه وهو يربت على ظهرها. لكنه يخشى أن تنفعل. راقبها وهو تمسح وجهها بقوة ثم ما تلبث أن تنفجر في نوبة بكاء أخرى.
يود أن يرحل. لقد أنقذها. لقد انتهت مهمة الفارس المنقذ. لكنه جثا بجوارها ليتصنم جسده عندما وجدها تحتضنه بقوة وأصابعها تغرس قميصه بشدة.
اللعنة. تلك الطفلة ماذا تفعل به؟ حاول أن يبعدها ويزيحها برفق وهو يهتف برقة.
"اهدئي لم يحدث لك شيء."
حرقة توغلت صدره وأشياء تضاربت بقوة في داخله وتداعب أنفه بعطرها الشرقي. ازدرد ريقه بتوتر وهو يحاول تناسي ما حدث ليلة أمس. ما زال يتذكر جسدها الفتاك وثوبها الذي لم يبارح عقله.
"شكرًا."
همست بها وهي تبدأ في استعادة وعيها تدريجيًا. هل تحتضن الوسيم؟ رغم أنه لم يبادر هو الآخر ويحتضنها سوى عندما قفزت من الفرس. ابتعدت بخجل وقد تصاعدت حمرة وجنتيها وهي تتطرق برأسها للأسفل.
شعرت بيده التي لمست ذقنها ليرفعها نحوه. اقترب منها بخطورة حتى كاد أنفه يلامس طرف أنفها. اتسعت عيناها صدمة وقد شلت يداها وجسدها عن الحركة. ماذا يفعل؟ هل سيُقبلها؟
***
كان تركيزه منصب نحو الأوراق غير المنتهية. لم يغلق له جفن منذ الليلة السابقة. يخشى أن يأتيه الكابوس ويخشى أن تسأله ليان مرة أخرى؟ تعمد استيقاظها حتى الرابعة صباحًا ليتركها تنعم بالنوم بينما هو التقط ملابسه وتوجه نحو المطبخ لكي يرتشف القهوة.
ساعات طويلة استغرقها في مكتبه وهو يحاول بقدر الإمكان أن ينجز أعماله المتراكمة.
رنين هاتفه جعله ينظر إلى الساعة التي أصبحت السابعة والنصف صباحًا. رد على الهاتف بضيق.
هتف الحارس بقلق واضح وهو يستمع إلى زفرات حانقة من سيده.
"سيدي هناك من تريد مقابلتك."
صاح بجمود وهو يريد أن يقتل ذلك المتطفل الذي جاء في وقت مبكر.
"من؟"
تخشب جسده عندما علم الهوية. صمت دون رد. إجابته طالت عن الوقت المحدد المسموح بالإجابة. وقبل أن يبادر الحارس بشيء قاطعه صوت زين البارد.
"أدخلها."
دقائق مرت عليه كالدهر. ماذا تريد تلك اللعينة؟ اعتصر قبضته وهو يحاول أن يتحكم في أعصابه وألا يتهور ويقوم بصفعها أو ترافق شقيقه في المخزن.
صوت حذاء كعب عالٍ الذي يطرق بقوة على أرضية مكتبه انتشله من شروده. رائحة عطر أنثوي صارخ جعله على وشك التقيؤ. طرقه اثنان ثلاثة حتى أصبحت في مواجهته. همست ببحتها المميزة.
"مرحباً عزيزي زين."
قطب حاجبه وهو يرفع بصره لتصطدم عيناه الباردتان بأخرى خضراء ماكرة.
"ماذا تريدين؟"
سؤاله كان مجرد هدوء قبل العاصفة. لترد بكلمة واحدة وهي تستند بكلتا ذراعيها على حافة المكتب وتنحني بجسدها نحوه.
"شقيقي."
ظهرت عليه علامات التعجب والاستنكار وقال.
"معذرة!!"
اقتربت بجسدها نحو وجهه وهمست بصوت يشبه فحيح الأفعى.
"أنت الوحيد الذي تعلم أين هو. لا تتلاعب معي أبدًا."
علت نبرتها بحدة جعلت زرقاوته تصبحان حالكتين مظلمتين. وعلى الرغم من رغبته في تحطيم رأسها رد ببرود يحسد عليه. كلا بل كان بارعًا فيه.
"لقد أخطأتِ يا آنسة في العنوان."
تصاعد بركان غضبها وهي تطرق بحدة على سطح مكتبه وقالت بحنق.
"لقد علمت من سيدة تعمل في المتجر المقابل لمتجر تيم أن هناك عربة سوداء اختطفته."
كان على وشك الانقضاض عليها ويزهق روحها. لكن صوت طرقات خفيفة التي علم صاحبتها جعلته يتراجع عن رأيه.
دلفت ليان بابتسامة تزين وجهها المشرق وقالت.
"زين وقت الفطور."
لاحظت وجود شحنة سيئة في الغرفة. لتنظر إلى المرأة صاحبة الرداء الأحمر. واللعنة انحنائها نحو المكتب. ماذا تفعل تلك في مكتب زوجها!!
"زين من تلك المرأة؟"
هتفت بها ليان ونظرها مثبت نحو المتفجرة أنوثة.
رفعت الشقراء حاجبها الأيسر بمكر وهي تقيمها من رأسها إلى أخمص قدميها باشمئزاز طغى على ملامحها الفاتنة. لفت خصلة شقراء حول إصبعها وردت بنبرة تحمل الخبث والكثير الكثير من الكره والحقد.
"أدعى بيث عزيزتي. من سرقت قلب زوجك للمرة الأولى."
صدمة. بل صعقة شلت جميع أطرافها. مرت ببصرها نحو زوجها المتهجم الوجه. وبابتسامة باردة هزت رأسها مرحبة بالثعلبة الشقراء.
رواية زوجتي الشرقية الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم سيليا البحيري
هل شعرت من قبل أن حواسك تبدأ تتوقف عن عملها؟
هل شعرت من قبل أن هناك خطر قادم نحوك وما زالت أطرافك متجمدة عن الحركة والفرار؟
هل شعرت من قبل أن كل حواسك الداخلية تصرخ وتثور، ولكن يظهر تعبير متبلد على وجهك لا يقارن أبدًا بالطوفان الذي بداخلك؟
دنا بوجهه وهو يقترب إلى شفتيها المكتنزتين برغبة. رغبة فقط يريد تذوقهم ثم يبتعد. نظر إليها نظرة واحدة فقط إلى بنية عينيها المذهولة، فقط اتساع حدقتيه زاد شيئًا فشيئًا حينما لفح أنفاسه أمام وجهها.
ازدرد ريقه بتوتر ليدنو مقتربًا أكثر ليرتوي شهد شفتيها وكأنها إكسير الحياة. حبست أنفاسها بعدما تنفست أنفاسه الهادرة. عيناه، واه من عيناه! دب في قلبها الرعب وهي ترى تحول زمردتيه إلى اللون الداكن. كل ذلك حدث في ثوانٍ قليلة، مجرد ثوانٍ مرت كالدهر. وأخيرًا استجمعت شتات عقلها وجمعت أكبر قوة مختزنة إلى كفها تسقطها على وجنتيه. لم تكن قوية لكن حارقة. لم يكن صوتها ظاهرًا لكنه كان كصفارات القطار في أذنيه. اسودت عيناه وشبح الشيطان يتراقص في مقلتيه.
هبت واقفة وهي تهرب من الوحش. شهقت بفزع حينما وجدت قبضة فولاذية اعتصرت ذراعها وسحبتها بقوة لترتطم بصدره العريض. حاولت الفكاك الفرار منه وهي تصرخ بعنف.
"ابتعد عني أيها الحقير القذر!"
كلمة واحدة فقط جعلتها تتحول إلى قطة وديعة أمامه منكسرة.
"اخرسي!"
صاح بها بانفعال وثورة، طوفان الذي يقوم باقتلاع ما أمامه. أغمضت جفنيها وهي تحاول إخفاء ارتعاشها من صيحته الغاضبة العاصفة. تريد البكاء الآن، لكن ليس أمامه، ليس هو تحديدًا من تظهر ضعفها. تصلبت ملامحها وهي تجاهد في إخفاء عيناها التي أصبحت مشوشة نتيجة وجود طبقة رقيقة، لتزمجر بغضب.
"أنت مجرد حثالة!"
أظلمت عيناه الزمرديتان. لون بعث في قلبها الضعيف الرعب. هل سيقتلها؟ ملامحه أصبحت كهيئة قطاع الطرق. شهقة أخرى صدرت متألمة عندما غرز بأنامله على جلدها. لقد أصبحت أسيرته، يتفوق عليها ببنيته العملاقة وساعديه القويتين، وهي كعصفور صغير بين يدي طائر جارح.
كيف تجرأت تلك التي لا تصل لمستوى طوله؟ لم يفعلها أحد من قبل أن يتجرأ ويخاطبه بذلك الأسلوب، بل وأن يصفعه أيضًا. يحاول جاهداً أن لا يظهر صورة المتوحش أمام أعينها المذعورتين. تلك سليطة اللسان خائفة منه هو؟ شعور بالحنق تملكه. هو لم يضربها، كل ما أراده بشدة منذ لحظات شفتيها، يريد أن يتذوقهما.
أغمض جفنيه لعدة ثوانٍ وهو يستمع بقربها له، خصرها الذي يشعر أنه سيسحق عظامه. رائحتها الشرقية. خصلاتها الغجرية التي تتضارب في وجهها بفعل الهواء جعله يصاب بالهلاك. فتح جفنيه ليقابل أعينها المرتعدة مما جعله يجز على أسنانه وهو يشدد في كل حرف.
"كلمة أخرى وسأقوم بتسليك تلك البالوعة التي تخرج من شفتيك المغريتين."
ابتلعت ريقها بتوتر وهي تزيح ذراعه بغلظة.
"ابتعد عني."
اقترب يدنو منها وهو يهمس بجانب أذنها.
"تذكري شيئًا واحدًا أيتها الطفلة، سأقوم بأخذ ثأري منك."
حديث أعين صامت دار لعدة لحظات. أول رجل يقترب منها بدرجة مهلكة. أول رجل يمسك خصرها. أول رجل يريد أن يقبلها. أول رجل، أول رجل. ظلت تهذي وهي تنطلق راكضة تختبئ من تلك الأعين الزمردية الخبيثة. لو كانت يدها تساعدها لقامت بصفعه مرة أخرى، لكنها لم تقدر. خافت ووجدت الفرار هو أفضل وسيلة حتى لا يبتلعها.
"سارة، أنتِ كويسة؟"
انتفضت وهي تسمع إلى صوت محمد القلق، ويبدو من ملامحه وهيئته الغريبة وهو يرتدي ملابس لم تعلم ما اسمها! ابتسمت بضعف وهي تهز رأسها.
"تمام الحمد لله."
زفر براحة وهو يراها أمامه بصحة وعافية. حينما رأى عودة الفرس وحيدًا تلبسه شيطان وخشي أن يحدث لها شيئًا. لكن عندما أخبره السائس بأن خالد ذهب لإنقاذها، تنفس الصعداء. هي مخطئة، بل كان هو المخطئ لأنه لم يخبرها عن حالة الفرس. والسؤال يبقى، كيف فعلتها؟ كيف امتطت الفرس؟
"السايس أول ما قالي اللي حصل..."
قاطعته وهي تهتف بشيء آخر لم تتوقع لسانها أن ينطقه. تجبره على عدم ذكر ما حدث، أو هي التي كانت شاردة ولم تنتبه لحديثه.
"دكتور، هو أنت ممكن تتضايق لو حد بدل حرف الـ 'ح' لـ 'هـ'؟"
"يعني مهمد بدل من محمد؟"
عقد حاجبه بتعجب من سؤالها. توقع أن تسأله عن حالة الفرس. كان سؤالًا غبيًا ساذجًا بالنسبة لها، لكن الإجابة تهمها بشدة. رد ببساطة لم تكن تتوقعها مع نظرة عينيه المذهولة وانعقاد حاجبيه.
"لا إطلاقًا."
أعادت السؤال مرة أخرى ولا تعلم كيف زلت لسانها عن ذلك السؤال الغبي.
"متأكد؟"
"لا ببساطة اتعودنا، بس ليه بتسألي؟"
هي الأخرى لا تعلم الإجابة. غمغمت ببساطة وهي ترجع خصلة شاردة للخلف.
"لا سؤال مش أكتر، عن إذنك."
واستدارت مغادرة، تعود لـ قوقعتها. ستقوم بصنع المزيد من الأقنعة وعقلها سيعمل على فقدان الذاكرة لما حدث.
***
"تلك الغبية كيف تجرأت على صفعي؟ سـ أسود حياتها! لن أتركها، سآخذ بثأري من تلك المغوية."
كان كالمجنون وهو يذرع الأرض مجيئًا وذهابًا، والفرس كان يتابع ما يحدث بهدوء ولم يصدر أي شيء وكأنه يخشي غضب سيده مثلما فعل مع الفتاة منذ قليل.
كانت بين يديه، كان قادرًا على عقابها أو تقبيلها، أي شيء من أفكاره الدنيئة كانت في قيد التنفيذ. لكنه لم يرغب، لم يريد. شيء داخلي جعله يرفض رغم جسدها الغض الذي جعل الجحيم تتفاقم في أوردته. طفلة نعم، لكن في جسد امرأة. عقل طفلة شرسة جامحة تدعوك لترويضها. زفر بحنق وشيء يضيق صدره. عندها شعر أنه لن يقدر التحمل أكثر من ذلك. الرحيل هو أنسب حل له. لكن منذ متى كان الفرار حلاً؟ هل سيترك كل شيء ويعود لقوقعته مرة أخرى؟ يترك عائلته بسببها، هي تلك الطفلة؟ كلا لن يفعل أبدًا. هو الذي كان يعتمد على مواجهة الأمر، ماذا دهاه الآن؟
مر ببصره نحو الفرس الذي لونه يشبه لون درجة عينيها البنية. زمجر بسخط وهو يخرج ويتحرر قبل أن يتلبسه لعنة، ومن من؟ من امرأة شرقية!
***
الماضي عاد ينبش في الحاضر ويؤثر على المستقبل. عيناها الخضراء المستفزة تتحداها بقوة للصمود. يوجد شبه كبير بينها وبين الأمر. لا تستطيع حتى لفظ اسمه. لا تعلم أهو بناءً على أمر زين الذي صرخ في وجهها يومًا ألا تنطق اسمه، أو تكون خيانة وهي تفكر في رجل آخر؟
كيف انخدعت له؟ كيف؟ هل للدرجة كانت مغفلة عن نظرات رجل راغبة؟ كلا لم تراه. حاولت أن تمسكه بالجرم المشهود، لكن حديثه وعيناه الصافية التي كانت تنظر بأخوية وليس برجل ينظر إلى امرأة، لم تظهر شيئًا في نواياه الدنيئة. أين كان عقلها؟ أين هي بعاداتها وتقاليدها الشرقية؟
هل كانت للدرجة متهاونة معه؟ تحاول التذكر أن جعلته يلمسها ولو بالخطأ، لكن ذاكرتها لم تتذكر أي شيء. لمعت عيناها ببريق حازم وهي تنفض غبار ذكريات الماضي. فإن كان هناك يوجد شيء مشترك بينها وبين زين، أنهما وقعا في نفس الفخ في تلك العائلة المسمومة بمنتهى السذاجة، ولكن هذا كان الماضي.
كتمت تعبير الغيظ والحنق ورغبتها في جر شعرها المستفز الأشقر، لتكتف ذراعيها وقالت ببرود.
"معذرة، هل قلتي أنتِ سلبتي قلبه؟ كلا، أنا هي التي فعلت."
ضحكت بيث ضحكات خبيثة صفراء وهي تجيب باقتضاب.
"هذا واضح بالطبع."
جسدها المتخشب أصبح مرنًا، وقدماها توجهت نحوه. هو عيناها تنظران له بمحبة، بعشق جارف وخجل يتورد وجهها من ليلة أمس.
"حبيبي."
ابتسم وهو يلتقط كفها بين يديه ويلثم قبلة دافئة دغدغت جسدها. مزاجه أصبح رائقًا وهو يراها كما هي، محمرة الوجه، ناضجة، شهية، مغرية، جذابة، مهلكة لعقله وقلبه الذي يدوي باسمها.
هل يشم الآن رائحة حريق؟ نعم، تلك الأعين القاتمة تنظر إليهم بحقد لم تستطع إخفاؤه ببراعة. مجرد ثانيتين فقط ظهرت تلك الصورة الحقيقية لها لتعود لملامحها الأصلية الباردة وهي تقول بضيق.
"آسفة على قطع لحظاتكم العاطفية يا سيدة ليان الحديدي، ولكنني في أمر هام هنا."
"انتهت مقابلتنا."
كلمتين فقط كانت هي الحاسمة، وهو حتى لم يكلف عينيه للنظر إليها. بل عيناه أصبحت أسيرة تلك المشاغبة التي أمامه وتشاكسه وتلعب ألعابًا خطرة. هل تلعب في أزرار قميصه؟ ماذا تفعل ذلك أمام التي أصبحت كمدخنة القطار؟ وحينما تنظر له بتلك نظرة الجرو اللطيف، قرصها بخفة في وجنتيها لتتأوه، وهو ما زالت بأناملها الماكرة تعبث في جسده.
صاح فجأة مناديًا الخادمة ليجدها أمامه في ثوانٍ. نظر إلى الشيطانة التي حتى لم تكلف عناء بمغادرة الغرفة وأن يختلي بزوجته. قال بهدوء ونبرة باردة لم تغادره.
"أوصلي السيدة إلى الباب."
سحقت شفتيها السفلى من وقاحته. زفرت بسرعة وهي ترى الخادمة تأمرها بالخروج. هل كان يحتمل وجود خادمة أيضًا تقوم بطردها بطريقة لبقة ومهذبة؟
"حسنًا يا سيد زين، تذكر جيدًا أنني لن أتركك، لست أنا بيث التي ستهزم في أول معركة."
ملامحه كانت جامدة صلبة وهو يرى إغلاق الباب خلفهم. ليعود ببصره نحوها، ليانه التي تنظر إليه منتظرة أن يفصح عما يجيش في صدره. ورغم ذلك لم يقم سوى أن يطبع بقبلة في جبهتها ويعتقل خصرها بين ذراعيه ويعتصرها بين ذراعيه.
"هل أنت بخير؟"
همست وهي تحاول بمجهود شاق، بل جبار، ألا تصدر شهقة مؤلمة كي لا يبتعد.
أجاب وهو يزفر بحرارة.
"نعم."
كلا، يوجد شيء خاطئ. تملصت بهدوء من بين ذراعيه لتنظر إليه. تتأمله بتمعن وبوضوح لترى تفاصيل كثيرة ناقصة عكس المرة السابقة. عيناه مجهدتان رغم تصلبهما، ترى ضعفًا فيهما. وجه شاحب يوجد به بوادر المرض. همست بضعف.
"لماذا تكذب؟ انظر إلى عيناك تخبرني أنك موجوع. ماذا بك؟ أرجوك لا تخفي شيئًا. سأموت حقًا إن عدت إلى عادتك القديمة."
تأوه بألم وهو يغمض جفنيه. كيف يخبرها عن ماضٍ سبق وأن قاله لها من قبل. في الواقع، هو بخير، بخير. مجرد تلك الكوابيس التي ظن أنها انتهت عادت مرة أخرى.
"احضنيني."
لهجة أمر أكثر من كونها رجاء. ولكنها لبت طلبه، وها قد عدنا لنقطة الصفر.
***
ارتشفت الجدة القهوة بتلذذ وهي تشعر بتلك المرة. الجو الأسري مترابط. رغم عدم مشاركة خالد الطعام معهم، لكن ستنظر إلى نصف الكوب الممتلئ. لقد حلت عقدة واحدة وستحل بعدها باقي العقدات.
شعرت بأنها مراقبة. لتلتفت نحو الآخر الذي كان ينظر إليها بعبوس.
عقدت حاجبها بتفكير وهي تقول.
"ماذا؟ لما تنظر إلي هكذا؟"
ضحك زيدان وهو يقول بنبرة ذات مغزى.
"سيدتي، ألم يحن الوقت بعد لننتقل للخطة الأخرى؟"
"خالد."
هذا هو ما بدر في ذهنها وهي تنطق ذلك. البحار حينما عاد بملامح واجمة عكس المرة السابقة.
وضع زيدان القدح على الطاولة المستديرة أمامه ورفع ببصره نحو السماء وهو يقول بنبرة ساخرة مؤلمة.
"كل شخص في تلك العائلة كبر ويوجد في داخله عقدة نفسية، فجميعنا نجتمع نحو نقطة مشتركة وهي الماضي."
مطت الجدة شفتيها بعبوس وقالت.
"لكنك تغلبت عليها يا سيد زيدان، وزين أيضًا تغلب."
ضحك زيدان ملء فاه وهو يرد بغموض.
"لا تخدعك المظاهر يا سيدتي."
"ماذا؟"
رغم دهشة الجدة، لكنه رد ببساطة وهو يعقد ذراعيه على صدره.
"ربما زين أخرج مخزوناته الداخلية، لكن يبقى السؤال، هل يمكن لشخص كان متكتماً طوال حياته أن يقوم فجأة بتغيير مسار حياته وبدلاً من الخفاء، الجهر؟ لا أظن ذلك، سيتطلب منه مخزون شجاعة أخرى لكي يواجه."
زيدان محق. هذه النقطة ربما لم تضعها في بؤرتها، نسيتها أو بمعنى أدق تناستها. ولكن يبدو أن زيدان يريدها أن تنظر لذلك الجانب مرة أخرى، يخبرها أن جولاتها لم تنتهِ بعد.
همست بقلق وهي تخشى قدوم ليان في تلك اللحظة.
"إن سمعتك ستقلق."
هز زيدان ذراعيه بحركة لا معنى لها وهو يقول.
"كلا، لما تقلق. كل ما عليها أن تحتويه، أن تنتشله من الشرود. من حقها أن تعلم ما يؤرقه، ما يؤلمه، حتى تستطيع أن تساعده، لا أن تقف مكتوفة الأيدي."
وسؤالها رغم علمها بالإجابة، لكنها تريد سماعها منه.
"هل عدنا للبداية يا زيدان؟"
"لم نعد. لقد بدأ زين أن يخطو حياته، ولأول مرة يكون حاملاً مسؤولية شخص آخر، زوجته. أشياء قديمة، حمية شرقية استطاعت أن تخرجها من ذاته. الطريق ما زال طويلاً يا سيدتي."
اهتز قدحها وقد أصابتها الرعشة وهي تهتف بجمود.
"حسنًا، وماذا عن خالد؟"
ضحك زيدان بسخرية، ضحكة مريرة وهو يغمغم.
"خالد وزين وجهان لعملة واحدة."
وضعت قدحها على الطاولة وسارعت وهي تصيح بثبات انفعالي تكاد تحسد عليه.
"كلا، إن كان زين يستطيع ببراعة أن يخفي مشاعره، فخالد لا. حين يغضب خالد، فيصبح كالوحش الذي سيلتهم من أمامه."
"أتفق معك. وعلياء أيضًا تحتاج من يعطيها حنان أم. لم أستطع أنا على إعطائه. تريد أب مثالي قبل زوج."
انعطف الحديث إلى جانب لا تريده. تنهدت بقلة حيلة على حياتهم الفوضوية وردت بعبوس ونبرة لائمة.
"زيدان، ما الذي تقوله؟ أنت أب رائع."
مرارة مؤلمة وهو يشعر بضيق تنفسه. أغمض جفنيه بأسى وهو يردد.
"لا نخدع أنفسنا. كنت أب فاشل. استطعت بصعوبة أن آخذ أبنائي، ولكن بعد متى؟ بعد أن أصبحا يافعين وقد أرست والدتهم عقيدة بلاد الغرب."
قاطعته مسرعة.
"لكن يظل العرق الشرقي يسير في أوردتهم."
ابتسم زيدان وهو يهتف بإعجاب.
"عجبًا حقًا يا سيدتي، من يراك الآن يقول إنك شرقية أصيلة."
عبست ملامحها وهي تهتف.
"هل نسيت أنني تزوجت رجلًا شرقيًا من قبل؟"
"نعم، أعلم. زوجك المثالي، والذي للأسف قُتل بعد عام من زواجكم."
ابتسمت بدفء لذكريات دافئة مرت أمام نص بصرها وهي تهمس بشرود.
"لم أستطع أن أنجب طفلة منه للأسف. ثم تزوجت برجل آخر وأنجبت صبية رائعة وأحبت وتزوجت مصري. لا أصدق مرت كل تلك السنوات لكي أرى حفيدي. أطالني الله في العمر حتى أرى طفلاً صغيرًا لزين وخالد وعلياء."
انعقد حاجب زيدان وصاح بدهشة.
"خالد! أظن أن الأمر سيطول قليلاً."
ميزت نبرة السخرية من حديثه، لترد بثقة لا تعلم من أين مصدرها.
"توقف، لا تيأس. أنا متأكدة سيأتي اليوم ويخبرك أنه يحب فتاة."
ازداد انعقاد حاجبيه وعيناه اتسعت بصدمة أكثر.
"خالد وحب؟ سيكون ذلك أمر ممتع."
كانت على وشك أن ترد عليه لتأتي علياء وهي تنادي.
"جدتي."
التفت الجدة وهي تتسائل.
"آليا، ما الأمر؟"
ردت بتهذيب وهي تنظر إليهم ويبدو أنها قاطعتهم من حديث سري. من طريقه صمتهم المريب.
"السيد حمزة في الخارج يريد أن يقابلكم."
***
جالسًا على مقدمة سيارته وهو ينظر نحو الفراغ. منطقة ساكنة، لا زحام، لا بحر، لا عمل، مجرد هو والطبيعة. نجوم متلألئة ساطعة بقوة في منظر جمالي بديع. اعتاد بوظيفته أن ينظر للنجوم في كل ليلة، لكن لا يعلم لما أصبحت اليوم متوهجة أكثر.
أشعل لفافة تبغ أخرى وهو يطلق الدخان في الأفق. ضوء قوي من سيارة انتشلته من خلوته وأصبح هناك شريك آخر معه. هز رأسه يائسًا وهو يعلم صاحب السيارة من صوت صرير السيارة العالي الذي شق سكون الملتف حولهم.
التفت ببصره نحو الذي ترجل من سيارته وهو يصفع الباب خلفه بقوة لا تتناسب أبدًا، وهو يجلس بجواره بهدوء عكس ثورته الداخلية. مجرد الهدوء هو قناع مزيف.
انعقد حاجب خالد بعبوس نحو الذي يزفر بحنق، يشعر وكأنه تنين ينفث نيران مستعرة داخله. هتف بسخرية وهو يدخن.
"ماذا؟ لماذا جئت؟ هل تشاجرت مع زوجتك؟ مع أن الساعة أصبحت التاسعة مساءً."
لم يرد عليه بل قال بلا مبالاة.
"كنت أعلم أنك هنا."
ابتسم خالد مجرد ميل خفيف في شفتيه ورحب بحرارة لا تتناسب في وضعهم الغريب.
"مرحبًا يا ابن العم."
نظر زين إلى لفافة التبغ المشتعلة وصاحبه الواجم. حاله هو أيضًا لا يختلف كثيرًا عنه. مد يده وهو يهتف بخشونة.
"أعطني."
صاح خالد بدهشة نحو زين. يبدو غريبًا تلك الأيام، منذ متى وهو يدخن؟ إلا إن كان يمر بحالة نفسية مؤلمة أو في أشد ثورانه.
"منذ متى؟"
"أحتاجها الآن."
أجاب بنفاذ صبر وهو يلتقط لفافة تبغ ويشعلها. يود أن يخرج كبته بطريقة ما. يريد أن يفجر تلك الثورانات المستعرة في داخله. لقد جاء الماضي، جاء وهو يحمل رسالة خطيرة له. دق ناقوس الخطر وهو سيمر بأيام عصيبة الفترة القادمة. لم يستطع أن يهنىء بإجازته لتأتي تلك الحقيرة بعد سنوات طويلة جدًا من هروبها كلصة. اختارت الهروب بدلًا من المواجهة. جبانة. والآن تأتي أمامه تسأل عن شقيقها. منذ متى هي تهتم بأحد؟ اختفاء شقيقها كان مجرد دافع وحافز للعودة.
كلاهما في وادٍ آخر رغم وجود جسديهما معًا. فكر خالد للحظات منذ متى اجتمع مع ابن عمه آخر مرة؟ يتذكرها منذ سنوات عديدة، ربما في مرحلتهما الجامعية قبل أن تأخذ كل شخص في دوامة بعيدًا عن الجو الأسري. لكن منذ متى هو تذوق الجو الحميمي ودفء الأسرة؟ هل يعني اجتماعهم في منزل جده زين ستجعله يشعر فعلًا أنه في جو دافئ أسري؟ كلا، يوجد شيء ناقص ليشعر بدفء العائلة، بل عدة أشياء حتى تكتمل. لكن ماذا ذلك الشيء أو تلك الأشياء؟ لا يعلم.
"هل هاتفتك؟"
قالها زين وهو يحدق في الفراغ أمامه. تنهد خالد وهو يقول.
"من؟"
ارتفع حاجب زين باستنكار وهو يغمغم بسخرية.
"إيف عزيزي، ومن غيرها؟"
رد بوجوم وهو يشعل لفافة أخرى بشراسة.
"نعم."
صمت آخر مر وكلاهما يحدقان في السماء. ليقطع تلك الخلوة خالد وهو يتساءل بسخرية.
"وما الذي جاء بك إلى هنا أنت؟"
لم يجيب كما توقع. استرسل ببرود ظاهري وكأنه يقرأ صحيفة أخبار الصباح.
"يبدو أنه متعلق بالتي جاءت اليوم."
تجمد جسده لثوانٍ لا تعد، ليلتفت إليه وهو ينظر ملامح الأخرى التي تتطلع إليه ببرود.
"لا تنظر إلي هكذا، لقد رأيتها مصادفة قبل خروجي."
انعقد حاجباه لعدة لحظات ثم مالبث أن تساءل بنبرة ذات مغزى وهو يرمي لفافة التبغ على الأرض.
"ماذا حدث في الإسطبل اليوم؟"
لطالما يحسد زين على كمية البرود الرهيبة وقناع الثلجي الذي يرتديه في أشد أصعب حالاته بعكسه هو. رغم أنهما يحملان الصفات الكثيرة المشتركة، لكن عند تلك النقطة يختلفان فيها.
رد بلا مبالاة وهو يدخن بشراهة ونبرة ساخرة لم يستطع إزالتها.
"هل سنعقد جلسة تحقيق الآن؟ العمال أخبروك بالأخبار الكافية والوافية، لا داعي للسؤال."
صمت للحظات بهدوء وهو يحدق به. ملامحه ثابتة جامدة مثله، ولكن إلى متى سيستمر؟
"آخر مرة امتطيت الفرس حينما كنت في الجامعة. أمر شجاع منك على فعله، لكن لنسأل، لما أنقذتها رغم أنه هناك العديد من العمال القادرين على إنقاذها."
قال باندفاع وسرعة وتهور نحو ذلك البارد الذي يبدو لم يتأثر بالفاجعة التي كانت ستحدث.
"كان سيقتلها."
لكن الآخر لم يهتز به شيئًا، بل همس بخشونة.
"تعلم أن الفرس يعاني مشكلة في نظره، ورغم ذلك يحفظ كل بقعة في المزرعة. كان سيتوقف قبل أن يصل إلى الحافة."
حينها زمجر بغضب وهو يلوح أمامه بانفعال وحرقة.
"يا مجنون! أخبرتك كانت ستموت! الفرس لم يخفف من سرعته حينما اقتربا من نهاية المزرعة."
رفع زين حاجبيه باستنكار ثم تمتم ببرود.
"لكنه لم يفعل."
"مَيؤوس منك."
صمت ثالث أحاطهما وكلاهما لا يعلمان ماذا سيفعلان أو ماذا سيقولان. توجد الكثير من الأشياء مكنونة في الصدر لا يستطيع أو يتجرأ أحد منهم أن يخرجها في تلك اللحظة.
"كيف تشعر أنك تحب شخصًا ما؟"
تعجب من إلقاء ذلك السؤال وخصوصًا من خالد! هل هو أيضًا أصيب بداء الحب؟
انعقد زين حاجبيه وهو يهمس بسخرية التقطتها أذن خالد بوضوح.
"القبطان خالد يسألني عن الحب؟ يا لسخرية القدر."
"لقد تفاجأت حينما أخبرتني أنك تريد الاستقرار. هل أحببتها أم كان ذلك مجرد مرسى راحة؟"
نظر إليه بوجه ممتقع وقال ببرود.
"لن أرد عليك، لكن حينما تشعر يا صديقي بالحب، سيتهاوى كيانك كليًا وستغزوك بكل أسلحتها لتتوغل بكل خبث نحو روحك."
انجذب من التعبير "الحب هدم كيان". هل هذا ما فعلته زوجته؟ هدمت كيانه الثلجي؟ رد بإعجاب ساخر.
"تعبير رائع ومجمل ومفيد من السيد زين."
"كل شخص يصف حبه على طريقته الخاصة يا رجل، لست أنا من يقول كلامًا معسولًا مثلك."
قالها وهو يرفع حاجبيه، يخبره أنه يعلم ما يحدث رغم المسافات البعيدة عنهم، هو في البحر والآخر في البر. استقام في جلسته وهو ينفض ملابسه بطريقة عدم إشغال عقله، وصاح ببرود.
"هيا لنغادر."
***
"أنت يا أستاذ رايح فين؟"
صاح بها رجل في منتصف الستينات من العمر بحدة شديدة وهو يرى خروج ابنه في منتصف الليل.
سكن جسد الشاب بعده لحظات وهو مستعد المواجهة. التفت إليه ببطء وهو يرد ببساطة.
"رايح أسهر يا مرتضى بيه."
"بفلوسي."
وضع كفيه في جيبي بنطاله وهو يهمس بصوت خفيض.
"ابتدينا."
هدر مرتضى بحدة شديدة حتى ارتجت أرجاء المنزل حولهم.
"لما بكلمك تبصلي. إمتى هتفوق يا كريم بيه من الوحل اللي أنت فيه؟"
لم يهتز له شعرة مما قاله بل هتف مؤكدًا.
"أنا عاجبني في الوحل، عن إذنك."
"ولد تعال هنا!"
صاح بها مرتضى آمرًا وهو يراه متوجهًا نحو باب المنزل. سكن جسده للمرة الثانية وهو يسمع إلى تقريع والده مساء كل ليلة. أصبحت عادته كل مساء يسمع إلى ذلك الشريط الذي لن ينتهي.
"بدل ما أنت مستهتر كده شوف أخوك شايل مسؤولية الشغل معايا ومتجوز وعاقل وراسي."
لم يشعر سوى أنه يصيح بعنف أمام وجه والده ولأول مرة يفعلها. سيندم، نعم سيندم ولكن لاحقًا.
"قصدك أخويا راشد اللي هو مبيطقش مراته أصلًا وصمم إنه يتجوزها علشان مصلحة الشركة. هو آه مش بيرفض أوامرك وبيضحي بسعادته، لكن أنا لأ يا مرتضى بيه، أنا مش من فئران تجاربك علشان أترمى وأتجوز واحدة وأتستر على فضيحة واحدة اللي كل واحد في مصر شاف صورها وهي لامؤاخذة."
"كريـــم!"
صوت هادر قوي يبعث الرعب وهو يهتف اسمه بحدة وغلظة في آن واحد. استدار نحو صاحب ذلك الصوت وهتف ببرود ظاهري.
"أهلًا يا راشد بيه، كنا لسه بنتكلم عنك، عن إذنك عندي مشوار مهم."
غادر كريم تحت نظراتهم. الأولى ساخطة والأخرى نادمة. تنحنح راشد وهو يقول.
"اتفضل يا بابا طلبتني."
همس مرتضى بهذي.
"كريم عايزه يفوق."
عبس ملامح وجهه من كريم. جاء في ذلك الوقت المتأخر بعد عمله من أجل أخيه المتهور.
"جبتني علشان موضوع كريم رغم إن حضرتك عارف إن مفيش فايدة فيه. أنا راجع البيت، حضرتك عايز مني حاجة؟"
استدار مغادرًا هو الآخر لكي ينعم بنوم عميق قبل أن يبدأ في وصلة عمل لا يشعر سوى نهاية اليوم بأن جسده قد تيبس من الجلوس لساعات في مكتبه.
"راشد.. آسف يا ابني."
همسة خرجت من فم والده أدمت قلبه. استدار وهو ينظر إلى والده ورد بمرارة قبل أن يغلق الباب.
"الوقت اتأخر يا والدي."
***
عاد إلى المنزل ليتفاجأ خالد وهو يرى زيدان والجدة وشقيقته يرقصون بمرح. ولأول مرة يشهد التاريخ منزل الجدة تحول إلى ساحة رقص أيام الستينات. تصلب جسديهما وهما ينظران لبعضهما بدهشة ثم ينظروا نحوهم. كل شخص منغمس في الرقص وكأنه يحلق في عالم آخر غير الذي فيه.
صاح خالد بسخرية وهو يهز رأسه يائسًا.
"هل هذا حفلة لإعادة الشباب؟"
"ظريف للغاية."
قالتها الجدة وهي تلكز ذراعه بغلظة. تساءل زين وعيناه تبحثان عنها عن زوجته.
"جدتي، أين ليان؟"
ابتسمت الجدة وهي ترى عينيه الشغوفة بها. ردت بابتسامة تزين ثغرها.
"في غرفتها."
لم تكمل كلمتها حتى انطلق صاعدًا إلى محبوبته. التفت نحو الآخر وهي تحثه على المشاركة.
"خالد، تعال لتشارك معنا."
هز رأسه رافضًا.
"جدتي اا..."
بتر عبارته عندما وجدها أمامه ترقص مع والده. صوت الموسيقى اختفى، جدته لم يسمع صوتها، ضحكات علياء وهي تراقص حمزة لم يسمعها. كل ما يسمعه صدى صوتها هي التي مثل صوت كروان. انسيابها وهي تتراقص برشاقة مع والده رغم صغر سنها جعله يرفع حاجبه الأيسر للحظات ثم اخفضها مرة أخرى. فستان آخر ولم يكن ذلك الأسود اللعين، بل كان أحمر ناري كالجحيم. هل تلعب على وتر أعصابه تلك الشرقية؟
إن كانت ترغب في ذلك، فسوف يرفع لها القبعة محييًا لها على أدائها. لقد أصابته بمقتل. جال ببصره متمعنًا في فستان آخر. من أين تجلب تلك الثياب الوقحة التي تثير أي رجل مثله؟ هل هي معتادة على ارتداء تلك الملابس؟ ولكن ماذا عن هيئتها أول مرة رآها؟ أغمض جفنيه وهو يريد أن تعود حالته الطبيعية. فتح جفنيه ليسمع صوت ضحكتها المدوية حينما تركت والده وأصبحت بين ذراعي حمزة والجدة. أصبحت معهم تتحرك ببطء، لكن شفتيها تبتسم باتساع، عيناها لامعة بفرحة. من المؤكد كانت تلك فكرة الطفلة.
قدماه تحركت نحوها وهو يراقب خصلاتها الغجرية المتحررة المتمردة كحال صاحبتها. كان وقتها وقت تبادل الأطراف وقبل أن تتوجه نحو والدها مرة أخرى، اعتقل خصرها بين ذراعيه بقوة لتصبح أسيرته للمرة الثانية.
شهقت بفزع حينما وجدته بكل جرأة يثبت كلتا ذراعيه على خصرها، وعيناه متحديتان أن تتفوه بأي شيء خاطئ. كان يراقصها وهي مرغمة، وشدد من التحام جسديهما معًا. متهجم الوجه، ثابت التعبير، لكن نظرة عينيه لم ترحمها ولو للحظة. تحاول بكل هدوء أن تبتعد وتتملص منه بهدوء، لكنه كان الأسبق في أن يشدد ذراعيه بقوة على خصرها، بل يرفع حاجبيه الأيسر إن استطاعت أن تقول شيئًا أمامهم.
عيناها غير قادرة على النظر إليهم، استسلمت يائسة وهي ترقص مرغمة وأعينها محدقة في نقطة وهمية. تركها فجأة واستدار مغادرًا بعد دفء وشعور لذيذ تسلسل خيالها. انحنت برأسها للأسفل وغادرت هي الأخرى تصعد هاربة من أعينهم المتفحصة.
أما الأربعة، لم تنقطع عنهم تلك الدقائق القصيرة. علياء صورت ذلك المقطع ستحتفظ به في وقت مناسب. حمزة كان مندهشًا منذ ما حدث. أما الزوجان الآخران من الأعين كانت خبيثة ماكرة لتتطلع إليه الجدة وهي تؤكد له حديثها معه. أما هو كان يأمل فقط أن يكون حدس الجدة صحيحًا هذه المرة.
***
"ليان."
همسها بلوع وهو يتفحص الغرفة كالطفل الذي يبحث عن والدته. ارتخت ملامحه وهو يجدها تقف أمام المرآة تمشط شعرها المبلل، ناعمة كهرة لطيفة. ردت في خفوت.
"مرحبًا بعودتك."
أظلمت تعابير وجهه. نبرة جافة لم يعدها من قبل ولم تكن تلك التي تهمس له بكلمات ناعمة ليلة أمس. تتصرف بطبيعية وهي تنثر العطر على ثوبها المحتشم للغاية، لا يظهر منها شيء سوى فتحة عنق مثلثة.
قال بفتور وهو يراها تتوجه نحو الفراش.
"ما بك؟"
استلقت على الفراش وهمست في خفوت.
"لا شيء."
"لماذا أنتِ هنا وليس في الأسفل؟"
حديث بارد ليس له طعم، لا يوجد به دفء مثل عينيها البندقية ولا حياة مثل تورد وجنتيها. تعامل معه بعملية بحتة للغاية وكأنها موظفة وليست زوجته.
ابتسمت ببرود وهي تلاحظ تعابير وجهه الغير مبشرة إطلاقًا، وهمست.
"شعرت بالتعب قليلاً لذلك استأذنت. تصبح على خير."
"معذرة."
صاح بها بدهشة وهو يجلس على الفراش أمامها. بل ونزع الغطاء عنها وسحب كتفيها لتصبح في مواجهته. تمللت بملل زائف.
"الوقت تأخر. غدًا سأتجول أنا وعلياء وسارة في القرية في الصباح الباكر."
رد ببرود وهو يشتاق إلى كل شيء بها. عيناه تجوبان عينيها التي تكذب عليه. حمقاء، لا تعلم أنها حين تكذب أو تخفي أمر ترمش عيناها ثم يصحبها رعشة خفيفة لا يلاحظها سوى صاحب النظر الثاقب.
"دون أن يكون لي خبر مسبق."
نظرت إليه قليلاً مجفلة وهي ترمش بعينيها عدة مرات. ليس مزاجه رائق اليوم ومع ذلك تمتمت ببساطة.
"لقد أخبرتك للتو."
"بهذه البساطة."
رفعت حاجبها بتسلية وهي ترى حنقه بدأ يتصاعد ويتفاقم. اقتربت منه ببطء وهي تطبع قبلة دافئة على كلتا وجنتيه. قبلة معاتبة يستشعر بها، لكن تحمل رسالة أنها معه بكلتا أحواله.
شهقت وهي تراه يعتقل خصرها بقوة ويسحب بجسدها نحو جسده. كتم شهقتها وهو ينهال منها يرتوي شوقه الذي لن ينضب أبدًا. وهو يهمس بين قبلاته.
"اشتقت لكِ."
تائهة بين أمواج عشقه، تحيا معه وتموت بدونه. أصبح يشغل تفكيرها هو فقط. همس بين أنفاسه الملتهبة بصوت أجش.
"لا أريد أن ننجب طفلًا."
خرج من السيمفونية صوت نشاز. رمشت بعينيها عدة مرات متتالية وهي لا تصدق طلبه. لا تخدع نفسها، بل كان أمر لا يقبل للنقاش. هل ستظل طوال حياتها لعبة في يديه؟
كلماته كانت كالفتيل الذي سيحول تلك النيران والبراكين من المشاعر الجياشة إلى حرب لن ينتهي سوى بإعلان الفائز.
رواية زوجتي الشرقية الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم سيليا البحيري
لما سعادتها لا تكتمل، كيف استطاع أن يلفظها أمامها؟ كيف؟
تساءلت بحيرة وهي تراقب عينيه الجامدة وجسده المتصلب.
أشاحت بجسده عنها وهي تعدل من ثوبها وهمست بألم:
- تمزح صحيح.
وجوابه كان في سرعة البرق وهو يقول بخشونة:
- كلا.
- ماذا؟
شفتيها ترتجف، وهي تصيح لعقلها: ليس ذلك زين، ليس هو؟ ليس ذلك الحنون الذي يعلمها أبجديات العشق وجعلها تصل إلى السماء وتتمسك بنجمة لم تتوقع في مخيلتها أن تمسكها في قبضة يديها.
لتهوي فجأة إلى سابع أرض.
انتفضت من فراشها وعقلها لا يفكر سوى الهروب منه. لا تود رؤيته تلك اللحظة.
يد قوية سحبتها إلى موضعها مرة أخرى، لتجلس على الفراش بقلة حيلة وعواصف هوجاء تعتري خلجاتها.
صاحت بغضب:
- ابتعد يا زين، لا أود رؤيتك الآن.
أغمض جفنيه لعدة لحظات، وكما كان متوقع رده فعلها. فتح جفنيه وقال بجمود:
- ما هذا الهراء، لنتحدث كالعقلاء ولا تتهربي.
كتفت ذراعيها وبأقصى جهد تحاول جاهدة ألا تذرف دمعة واحدة أمامه. قالت بألم:
- توقف من فضلك، أرجوك اخرج. الست منذ قليل تخبرني ألا ننجب طفل، هيا غادر.
أمسك من كتفيها وهو يقول بجمود ظاهري:
- اسمعي، لا أريد أن ننجب أطفالًا في الوقت الحالي.
ضحكت، ضحكة ساخرة لا تتناسب أبدًا مع تلك الأجواء المشحونة بعواصف كئيبة، وقالت:
- وهل أنا من أتحكم يا زين؟ كل ذلك بمشيئته.
تمتم بصوت خفيض وانامله بدأت تقوم بفعل أشياء وقحة:
- أعلم ذلك.
أشاحت بيديه على الفور من جسدها وقالت بسخرية يتخللها الألم:
- كأنك قمت بنثر الملح على الجرح. إلى متى؟ عامان أم أكثر؟
انتظرت إجابته وهي تتفرس معالم وجهه الجامدة الجليدية. وقت إجابته طال لتنهض من الفراش وهي تمتم بصوت خفيض التقطه أذنيه:
- علمت الإجابة.
أعادها للمرة الثانية للفراش بقوة أعنف من المرة السابقة. لم تتألم، الآلام التي في داخلها أكبر بكثير من الآلام الجسدية. تجمعت العبرات نحو مقلتيها وقالت بصوت متحشرج:
- ظننت أننا اجتزنا الماضي معًا، لكن يبدو أنني أخطأت.
أحاط جسدها بذراعيه وهو يكبلها بقوة وصاح بجمود وهو يفيقها من دوامتها:
- ليــان.
لكنها لم تكن معه، كانت في عالم آخر. تراه كطيف الخيال، مرآة عاكسة لا تستطيع أن تلمسه. حروفها غير مرتبطة ببعض، لكنها جاهدت في إخراج حروفها ظاهرة وهي تتلوى من جسده الصلب الذي يأسرها:
- كان يجب علي ألا أكون متسرعة في الحكم، أنا وأنت ما زلنا في بداية الطريق. من يعلم ربما تحدث أشياء تجعلنا نفترق.
صاح بغضب من تلك المجنونة: فراق!! هل هي واثقة أنهم سيفترقون مرة أخرى بعد تلك الأيام المجنونة وجعلته يمسك بنجمة عالية في السماء؟
- ماذا تهذين؟
انتحبت بصمت وهي تقول بمرارة:
- لست أهذي. حسنًا، أتعلم؟ أنا لا أريد أطفالًا أيضًا. حياتنا معقدة ووجود شيء يربطني بك سيجعل الحياة لن تسير بشكل جيد.
- لحد الآن يكفي.
صاح هادرًا بعنف وهو يهزها من كتفيها بقوة حتى شعرت أنه سيخلعه:
- اللعنة، ما تلك الهرائات؟ أخبرتك أنني لست مستعدًا لذلك.
تقابلت نظرات عينيه الداكنة من ثورة انفعاله ببندقيتها الحزينة. رسالتها كانت معاتبة مؤلمة وهو يشعر كأنه يستقبل بخناجر نحو موضع قلبه الذي ينبض عشقًا بها.
زوجتي الشرقية.
صوت صفير حاد اخترق أذنه بعد حديثهم لتلقي هي قنبلتها الموقوتة قائلة بسخرية:
- ومن يعلم، ربما لن أستطيع الإنجاب.
شدد من ضغط ذراعيه على كتفها. تصلب جسده وهو عاجز عن الرد لوهلة. لماذا يندم الآن؟ لقد أخبرها أنه لا يريد أطفالًا. اختار وقتًا ومكانًا غير مناسبين أبدًا. كان ناقشها حيث عودتهم.
زمجر بعنف وأسنانه تصطك بقوة:
- ليان، توقفي.
رغم جسدها الذي ارتجف من نظراته المرتعبة، رغم ذراعيه التي تشعر وكأنه ينتزع لحمًا منها، رغم أنها هي الجانب الأضعف عاطفيًا وجسديًا، صاحت بعنف لا يتناسب أبدًا مع كل الضعف الذي احتاجها:
- لماذا أتوقف؟ أخبرني. أنا لست مثلك، لست متكتمة وأحاول الاحتفاظ بداخلي. لا يوجد لدي تلك القوة الرهيبة التي تمتلكها. أنهار لو حاولت الصمود.
ظنته سيثور، أو يعاقبها، أو أن يفعل أي شيء. يغادر مثلًا. لكن ذراعيه بدأت ترتخي ثم ما لبث أن تنهد بحزن:
- هل تظنيني جمادًا؟ أشعر بالغرق يا ليان. هل تتخيلين؟ أجيبيني. أخشى الفقدان يا ليان.
ارتعبت منه. كل حرف يخرج من جوفه يشعره بأنه يخرج كل ما يجول في صدره. كلمات عادية للغاية، لكنها تعبر عما يحدث من براكين وثورات لا تخمد أبدًا.
اعتقل خصرها بذراعيه ثم دنا منها وهو يضع رأسه على صدرها. أغمض جفنيه وهو يتأوه بصوت خفيض عندما مدت أناملها وهي تعبث بخصلات شعره. شدد من معانقه خصرها بقوة حتى شعرت أن عظامها ستتحطم، لكنها لم تصدر أي صوت.
طبعت قبلة على جبينه وهي تهمس نحو الذي غفى كالطفل الصغير الذي يريد معانقة والدته عند النوم:
- أتفهمك.
***
نظرت إلى المرآة وهي تتفحص ثوبها الأحمر. لا يدع للمخيلة شيئًا. أغمضت جفنيها وهي تجلس على الكرسي المقابل للمرآة وهمست بحنق:
- غبية، غبية. ستفضلين طول عمرك كده.
فتحت جفنيها وهي ترى صورتها أمام السطح العاكس. المشكلة بها هي وليست في الرجال. هي السبب التي تجعل بمن له قيمة ولا قيمة له بالاقتراب منها.
ماذا سيظنها الآن؟ تحاول إثارته وتغويه؟ سيفكر عقله كذلك بالطبع بسبب مشاكسته على نعتها بالطفلة.
لم تكن لترتدي ذلك الثوب الذي اشترته من ضمن مقتنيات جهاز العرس لشقيقتها. تذكرت حنق والدتها حينما أخبرتها أنها تريد شراءه حينما رأته معروضًا في إحدى المتاجر. لكن لماذا جلبت ذلك الثوب والثوب الآخر؟
تحاول جاهدة تذكر مناسبة لجلبهم معها في سفرها. زفرت بتأفف وهي تقوم من المقعد وتنظر للمرأة. ليطرق رأسه في الحائط، لا يهمها رأي أحد. كانت ترتدي ذلك الثوب فقط وهي كانت متأكدة من عدم مجيئه أو وجوده. ارتدته للاحتفال رغم رفض ليان، إلا أنها أصرت وارتدته.
مجرد فكرة أو اقتراح وهي تخبرهم بأن الجميع مجتمعون أنها ستقوم بوضع أغاني هادئة وأخرى صاخبة لكي تغير ذلك الوضع الكئيب والروتيني في المنزل. رفضت الجدة وعم زيدان وعم حمزة، لكن مع وجود علياء استطاعت أن تستميل قلب والدها وهي استطاعت أن تميل حمزة وتبقى الدور الجدة لتقوما بوضع ليان أمام المدفع. وياللعجب، وافقت الجدة.
كان يعاملها عم زيدان وكأنها ابنته. لم تظهر أي علامة من الحنق أو التكبر أو العنجية من ذلك الرجل الثري ذي الملامح الجذابة. تشبهه علياء كثيرًا. أما الآخر، رغم اختلاف حدقتي عينيه، لكن تشعر أن شيء شرقي يتغلف نحو طابعه المتحرر.
زجرت نفسها بعنف: أفيقي يا فتاة، ماذا تظنين؟ إنه قبطان ماجن يكبرها بسنوات كثيرة. لن يفكر بها، وإن فكر سيفكر في جسدها فقط. يكفي تلك النظرات الحارقة وأنامله التي تريد بترها عندما احتضن خصرها.
خلعت ثوبها بعنف وألقته على الأرض بإهمال والتقطت منامة هادئة تشبه الأطفال وتوجهت نحو الفراش.
شردت نحو سقف غرفتها وهي تقنع نفسها: كلها عدة أيام وستعود مرة أخرى لموطنها الدافئ الحبيب. لن ترى العائلة سوى في المناسبات فقط، وذلك إن حدث. وإن كنتِ يوجد لديك مستقبل، ستنتبهين إلى عملك، ستقومين بفتح معرضك الخاص وبعدها يأتي عريس الغفلة. سيكون بملامح مصرية مثل أبطال الروايات.
زجرت نفسها للمرة التي لا تعلم عددها بعد تلك الكارثة التي حدثت لها: ستتوقف عن قراءة تلك الروايات الوردية.
همست بها بإصرار شديد قبل أن تستسلم لسلطان النوم.
***
المياه تنهمر على جسده بقوة. يحاول إخماد تلك النيران التي اشتعلت بسبب تلك المغوية.
استند بكلتا ذراعيه على الحائط وهو يخفض برأسه للأسفل.
سب نفسه بعنف من كل الأفكار الدنيئة التي تدور في خلده. وما هو الثوب القادم؟ هل سيكون أرجواني أم أبيض؟
- يا إلهي، حقًا يكفي ذلك. أصبحت أفكر في لون الثوب القادم.
ضم قبضته وهو يضرب الحائط بعنف وأنفاسه تتثاقل بشدة وصورة الثوب لا تبارح مخيلته.
خرج من المرحاض ويلتف حول خصره منشفة. تقدم نحو المرآة وهو يتأمل صورته العاكسة.
سيصل للعام الثلاثين ولم يتزوج بعد. لن ينكر أنه يحتاج إلى امرأة في حياته، لكنه ليس مؤهلًا بعد. لم يجد مرسى النهاية.
من بين كل النساء اللاتي عرفهن، لم تمس واحدة منهن شيئًا في داخله. ربما لأنهن تعلمن أنها من أجل المتعة فقط وأن الفترة مؤقتة؟
أرجع خصلات شعره للخلف وهو يتنهد بحرارة. التقط ملابسه وهو يرتديها في عجالة ليخرج للشرفة وهو يشعل لفافة التبغ علّ ذلك يوقف عقله عن صورة صاحبة الرداء الأحمر.
لا يريد التهور معها لأسباب عدة: شرقية، تعتبر من العائلة، ما زالت طفلة، وأيضًا لن تدعه فرصة واحدة للاقتراب. لقد صفعته حينما اقترب منها. تربيتها وعاداتها وتقاليدها مختلفة عنه، لذلك هي مستبعدة نهائيًا وخصوصًا أنها لا تصلح أن تكون حبيبته.
استند على حافة سور الشرفة وعيناه تراقب النجوم. ضيق عينيه قليلًا وهو يرى النجوم أشد توهجًا وبراقة جعله يتمتم:
- وأنت يا عزيزي، من ستكون هي نجمة القطب الخاصة بك؟
***
كل شخص جالس في مقعده، لكن عقله في وادٍ آخر.
خرجت ليان بصحبة علياء وشقيقتها لرؤية القرية. الطبيعة تجلب الدفء والراحة والاسترخاء. تلك الأشياء ستساعدها لفترتها القادمة.
ابتسمت عندما وجدت سارة تمسك بذراعها ويدها الأخرى تتمسك بعلياء.
كان الطريق كله ما بين مزاح علياء وسارة وهي تجيب باقتضاب وتبتسم لكي تخفي توترها.
صاحت سارة وهي ترفع الكاميرا الموضوعة حول عنقها:
- هيا يا فتيات، لنلتقط صورة.
ما بين المرح والطعام والتصوير قضى يومهم سريعًا ليحل وقت العصرية وهن جالسات بجوار البركة.
تحمست علياء وهي تقوم من على الأرض:
- حسنًا يا فتيات، سنقوم بلعب لعبة.
التفتت سارة وليان باهتمام لتتساءل ليان بتعجب:
- لعبة ماذا؟
- مجرد أسئلة. هيا، سأبدأ.
هزت علياء كتفيها بلا مبالاة وقالت:
- مجرد أسئلة. هيا، سأبدأ بك يا ليان. كونك أصبحت من عائلة الحديدي، كيف تصفين لنا الزواج؟
ابتسمت بتردد وهي ترد ببساطة:
- مسؤولية.
ارتفع حاجبا علياء وقالت في دهشة:
- فقط؟
أومأت ليان مجيبة:
- نعم، مسؤولية وتحمل.
هزت سارة رأسها بلا مبالاة وكأنها متوقعة الإجابة. التفتت علياء لسارة وقالت بمشاكسة:
- حسنًا، لننتقل إلى الشقيقة الأخرى. سارة، ماذا ستختارين؟ الحب أم الصداقة؟
دون أدنى تردد أو استغراق بعض الوقت للتفكير أجابت:
- صداقة.
مالت شفتي علياء بشبح ابتسامة صغيرة وهي ترد بمكر:
- ماكرة، الصداقة تتحول تدريجيًا إلى الحب.
"هم كل تلك العائلة تفكيرها منحرف؟" همست بها ليان في خفوت دون أن تسمعها سارة التي جلست بجوارها.
حركت سارة رأسها بدون علامة ثم قالت بخبث:
- حسنًا، حسنًا. وأنت يا علياء، كونك عارضة أزياء، هل يوجد شخص هنا أم هنا؟
ضحكت بقوة ثم ما لبثت أن هدأت في ضحكاتها وهي ترد بابتسامة:
- للأسف لا. رغم كوني عارضة ومن الطبيعي أن يكون لي حبيب، لكن أبي يقف لكل من يتقدم نحوي بالمرصاد. إن تقدم خطوة نحوي، فإنه يلعب بعداد عمره.
ابتسمت الشقيقتان على حماية الأب لابنته. قالت سارة وهي تجس نبضها من كل تلك التحكمات التي يصدرها الأب في سبيل حماية ابنته:
- السيد زيدان هذا رائع. لمن، ألا تشعرين أنه يخنقك ويقيد حقوقك؟
تريثت علياء قليلاً قبل أن ترد:
- في الواقع، في بداية الأمر كنت أكرهه، بل لا أطيقه. لكن بعد ذلك اعتدت عليه. بل أصبحت جميع زميلاتي يحسدن عليّ بسبب وجود شخص كوالدي يخشى عليّ إن أصابني مكروه.
التقطت سارة عدة حصوات صغيرة لتقذفها في البركة. صمت خيم المكان حولهم وكل واحدة منهم شاردة. انتشلتهم علياء من شرودهم وقالت بمكر:
- ليان، لما أنتِ شاردة؟
همست في خفوت وكأنها تحدث نفسها:
- أتعلمين، عندما تزوجت زين، توقعت أن عائلته ستثور وتغضب كون أنني شرقية وليست من عالمه. لكنني تفاجأت من تقبلكم جميعًا لي وكأنكم كنتم تنتظرونني.
ضحكت علياء ضحكات مجلجلة وهي تقول بصدق:
- في الحقيقة، نعم كنا ننتظرك يا سيدة ليان الحديدي. أتعلمين، جدتي تقول حينما يتزوج زين ستنحل لعنة عائلة الحديدي.
ابتسمت كلتا الشقيقتان، لتصيح سارة فجأة وكأنها تذكرت شيئًا ما:
- بمناسبة الجدة، هل حقًا تزوجت رجلًا مصريًا؟
برقت عينا علياء بوهج وابتسامة حالمة زينت ثغرها، لتجلس على الأرض وهي تسرد قصة قديمة طال عليها الزمن:
- نعم، كانت تخبرني عن قصة حبهما العظيمة والخالدة. كان ذلك منذ زمن بعيد حيث هناك شاب شاعر مصري جاء إلى قرية جدتي بالصدفة والتقى بها في حقول القمح. وهنا تبدأ المفرقعات النارية: نظرة، ابتسامة، لقاء، والنهاية بالزواج. ولكن للأسف، القس لم يوافق على ذلك الزواج حتى وقتها. حاول أهل القرية قتله. لذلك هربا الحبيبان إلى بلدة أخرى. لكن أصحاب النفوس السيئة لم يهدأ لها بال حتى أن يقتلوا ذلك الرجل. وبالفعل، مر فترة قصيرة على زواجهما وقُتل ليلاً وهو في طريقه العودة للمنزل. أبلغت جدتي الشرطة، لكن لم يحدث شيء للجاني فقد اختفى كالزيبق. وهكذا انتهت قصة الحب العظيمة.
تمتمت ليان بألم:
- يا للقسوة.
عبست ملامح سارة بألم. ليست الحياة وردية كما كانت تعتقد. صدمة ألجمت لسانها عن التحدث.
رنين هاتف علياء انتشلها من شرودها لتجيب علياء ببساطة:
- الو خالد. نعم عزيزي، سنعود خلال دقائق. لا تقلق.
بعد انتهاء المكالمة القصيرة التفتت إليهم وهي ترفع حاجبها الأيسر بتساؤل لتنفجر الشقيقتان في الضحك تحت نظرات علياء المندهشة:
- ماذا؟ لما تضحكان؟
التقطت سارة أنفاسها المسلوبة وهي ترد:
- لما لم يفكر عم زيدان بتغيير أسمائكم؟ لأنكم حينما تنطقون أسماءكم أشعر أنني سأموت من الضحك.
ابتسمت علياء ببرود وأجابت بحنق طفولي:
- ظريفة للغاية. هيا بنات، لنعد للمنزل.
تمسكت ليان بكف سارة وهي تلاحظ هناك خطب ما بها. همست في خفوت:
- مالك؟
هزت سارة رأسها بالنفي وردت في خفوت:
- هبقى أحكيلك بعدين.
هل تطور موضوع ذلك السمج معها؟ بفضل زين أصبحت تقصر في حق شقيقتها حتى برغم أنهما يعيشان تحت سقف واحد.
***
أغلقت باب غرفتها بهدوء وهي تخلع حجابها لتلقيه على طاولة التزيين بلا مبالاة. وكنزتها الأخرى شاركت حجابها وعقلها يعمل ويفكر كالطاحونة في شقيقتها التي اختفت معالم وجهها البراقة. منذ ليلة وضحاها تغيرت، ليست تلك المندفعة والمجنونة حينما أتت إليها.
- تأخرتي.
صوت رجولي صارم جعلها تشهق بفزع وترتد عدة خطوات للخلف. وضعت راحة يديها على صدغها وهي تلتقط أنفاسها. رفعت عيناها نحو الجالس على الفراش وذراعيه معقودتان على صدره. تمتمت ببرود:
- تعلم أنني سأقضي اليوم في الخارج.
- لما لم تأخذي هاتفك؟
صاح بها بجفاء. ووصلة التحقيقات لن تنتهي. أول مرة تراه يأخذ وضع الشرطي والسارق. ردت بهدوء وهي تحاول تمرير الليلة على خير:
- لقد نسيته.
صاح بتعجب وهو يقفز من على الفراش ويتقدم نحو الساكنة التي تتسع عيناها ذعرًا من نظرات الشرر التي يوجهها نحوها:
- نسيتيه؟
لف ذراعيه حول خصرها وهي تشعر بتذبذبات تنتقل إليها.
- زين، أنا متعبة، أريد النوم.
احتضنها نحو ذراعيه وأنامله تفك أزرار قميصه ليطبع قبلات متناثرة حول عنقها إلى صدرها.
- ما بكِ؟
همس بها أمرًا وليس سؤالًا. حاولت أن تبعده عنها لكن ذراعيه كانت كـ الكماشة. ألقى قميصها على الأرض لتشهق بقوة وهي تراه يتوجه نحو بنطالها.
ابتعدت عنه بسرعة تحت نظرات عينيه الغير مبشرة بالخير وهمست بتردد:
- أخبرني أنت أولاً، ما بك؟
لم يرد، بل لم يكلف عناء الرد على سؤالها. نظراته الوقحة تتفحص جذعها العلوي شبه العاري بنظرات جعلت وجنتيها تشتعلان من الخجل. فكرت بالفرار، وبالفعل لم تخونها ساقيها هذه المرة لتسرع متجهة نحو المرحاض.
ابتسم بخبث وهو يراها تتحول كالفراولة الناضجة. ما زالت تخجل منه رغم لياليهما. انطلق بسرعة الفهد وهو يسحبها من ذراعها قبل أن تصل إلى باب المرحاض. ألصقها نحو الجدار وأشرف عليها بطوله الفارع قائلاً بنفاذ صبر:
- كفى حقًا. ماذا تفعلين؟
أغمضت جفنيها وهي تمتنع عن النظر إليه. حدقتا عينيه الوقحة ستقتلعانهم في يوم من الأيام. ردت في خفوت:
- حسنًا، يبدو أن الحديث سيطول. ولكن اجعله حينما نستيقظ.
فرجت شفتيها قليلاً وهي تحاول التقاط أنفاسها بسبب الحيز الصغير التي أصبحت محتجزة به بفضله. يلفح أنفاسه الهادرة في وجهها وجفنيها ما زالت مغلقة.
- زين.
تمتمت بها بتردد وهي تلاحظ صمته الذي طال وقته. فتحت جفنيها لتراه أصبح عاري الصدر. كيف؟ ومتى؟ وأين؟ منذ قليل كان يرتدي قميصاً.
احتضن وجهها بين كفيه وهو يهتف بنبرة اعتذار مستها قلبها:
- آسف على ما قلته أمس، ولكن ليلة أمس شعرت بالفزع والقلق أن يتكرر ما سيحدث لطفلي مثل ما حدث لي.
تحجرت الدموع عند مقلتيها وهي تنظر إلى عينيه التي تبوح بما لا يستطيع لسانه أن يقوله. مؤلمة، منكسرة، حزينة، ضائعة.
تعلقت ذراعاها حول عنقه هامسة بتوسل أكثر كونه رجاء:
- زين، بالله عليك توقف. ما الذي تقوله؟ إلى ذلك الدرجة أنت يائس؟ أنا وأنت بخير. وإن كنت لا تريد أطفالًا في الوقت الحالي، أنا متفهمة وسأنتظر. لكن عدني أرجوك أن لا تتركني. لا تخبئ شيئًا في صدرك.
دون أدنى تردد همس بصوت أجش:
- أعدك.
وقبل أن تهتف بشيء، ابتلع حروفها بين شفتيه، وسحبها معه إلى دوامته، دوامة عشقه التي لا تنتهي. احتوى جسدها بقوة ليصدمها بقبلاته المجنونة المتملكة العنيفة دون أن يترك لها ثانية لتتنفس.
- أحبك.
تمكنت الهمس في أذنه متحررة من بين شفتيه في لحظة خاطفة.
ليرد بصوت أجش وهو يتطلع إلى عينيها لدقائق قبل أن يعود لمهاجمته:
- وأنا أيضًا أحبك يا لياني.
***
أغلقت باب غرفتها وهي تلقي بحقائبها البلاستيكية على فراشها. عضت شفتيها السفلى بخجل نحو ملابسها الخاصة بالعروس. لا تصدق أنها سترتدي تلك الأشياء أمام زوجها. كانت تشعر بالامتنان أنها لم تذهب بمفردها. ساعدتها سعاد وسميرة في ذلك اليوم. رغم رفضها شراء تلك الأشياء الفاضحة، إلا أن سعاد زجرتها بعنف وهي تتابع النظر إلى باقي الثياب في المتجر.
رنين هاتف انتشلها من شرودها. التقطت هاتفها وقبل أن ترد استمعت إلى صوته الحاني:
- رجعتي؟
ردت بهمس وهي تتفحص الثياب بخجل:
- آه، لسه من شوية.
قال بخبث ونبرة صوته تنخفض شيئًا فشئ:
- اشتريتي إيه؟ أوعي يكون اللي في بالي.
شهقت بقوة وهي ترمي الثوب الأرجواني من يديها وصاحت بعنف:
- شهاب، اتلم على الصبح.
صوت ضحكات رجولية قوية هزتها وأرسلت الرجفة إلى أنحاء جسدها. ليهدأ صوت ضحكاته شيئًا فشئ وقال بجمود:
- ندى، أنا قررت أنقل لمحافظة تانية.
- محافظة تانية؟ فين؟ وليه مقولتيليش؟
صمتت بعده لحظات وهي تقول بحزن:
- طب وبابا؟
- سيادة اللوا عارف.
والدها وافق هو أيضًا. لا تريد تركه في تلك الفترة. ستنْشغل بحياتها الجديدة ووالدها سيكون بعيدًا عنها.
- بابا هيفضل لوحده يا شهاب.
لاحت ابتسامة دافئة على شفتيه وهو يرد بحنان:
- هنيجي نزوره كل أسبوع.
استسلمت بيأس وهي تعلم أنه يحاصرها بكل شيء.
- طيب يا شهاب، وإمتى هنسافر؟
- بعد شهر العسل.
كادت أن ترسل تحية قبل أن تغلق هاتفها لتجده يهتف اسمها بلوعة:
- ندى.
همهمت بنعم دون أن ترد ليتابع وهو يهتف بصوت أجش زلزل كيانها:
- بحبك.
أغلقت هاتفها دون أن تجيبه وهي تلقيه على فراشها دون أي مبالاة. تفحصت الثياب الفاضحة بخجل لتسرع بتخبئتهم قبل مجيء والدها. أغلقت باب خزانتها وهي تزفر براحة لتقفز نحو فراشها وعيناها محدقة نحو السقف وابتسامة بلهاء تزين ثغرها. سمعت صوت سميرة وهي تخبرها بقدوم والدها. انتفضت من فراشها وهي ترد بصوت مرتفع:
- أيوه يا سميرة، جاية.
***
تسير في حديقة الجدة بدون هدف. حل الظلام على القرية لتجلس على الأرض في طرف بعيد عن الأعين. أسندت رأسها على الشجرة وهي تحدق نحو الفراغ. صوت رنين هاتفها من رقم مجهول جعلها تتوجس خيفة أن يكون هو ذلك السمج.
وضعت هاتفها على أذنها لتستمع إلى صوته القذر. انتفضت فجأة من مجلسها وصاحت بهدر وعيناها تحدقان شررًا، تقسم أن ترى حالتها سيفر من خشية أن تقتله:
- أنت إيه؟ ما عندكش دم ها؟ كل شوية تتصل بيا ليه؟ افهم بقى يا حيوان، ما تتصلش بيا تاني. أوعى تكون فاكرني ماليش سند ولا أخاف من مركز عيلتكم؟ لا يا بابا، فوق كده واعرف أنت بتتكلم مين. أنا بحذرك يا كريم، مكالمة تانية حقيرة زي دي يبقى أنت اللي فتحت أبواب جهنم في وشك.
أغلقت هاتفها بعنف وهي تشعر أنها ترغب في قتل أحدهم. خللت بأصابعها خصلات شعرها الثائرة وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة بالغة.
مرت عدة لحظات وأنفاسها تعود لحالتها الطبيعية. خطت بخطوات شبه راكضة إلى منزل الجدة وهي تدعو في سرها ألا يراها أحد. اصطدمت بجسد قوي وهي صاعدة نحو الدرج.
اختل توازنها ليسحبها ذلك الجسد ليصبح كدعامة لجسدها. همست بدهشة وهي لا تتوقع ذلك الشخص الذي يمسك يديها بقوة:
- عمو زيدان.
شاحبة، أنف محمر، وخصلات شعرها غير مرتبة، تبدو وكأنها خارجة في نوبة بكاء حادة. هتف بقلق:
- مالك يا بنتي؟
لم تكن تريد رؤية أحد. كانت تجري بأقصى جهد كي تختبئ في غرفتها تبكي في صمت دون أن يسمعها أحد. إن استمرت لدقيقتين هنا ستنفجر في البكاء.
جاهدت في إخراج صوت واثق وشفتيها ترتعشان:
- مخنوقة بس مش أكتر. عن إذنك.
ربت على ظهرها وهو يقول بنبرة دافئة:
- لو عاوزة تقولي حاجة، أنا زي والدك.
هزت رأسها بإيجاب وقبل أن تقول شيئًا ما، بترت عبارتها مع صيحة زيدان القوية:
- خالد.
وأخيرًا، شخص نطق اسمه بصورة صحيحة. كل حرف يخرج منه ببطء وحزم. التفتت نحو لتتفاجأ بمظهره غير المهندم. يرتدي بنطال جينز شاحب ويعلوه قميص ترك معظم أزراره حتى منتصف بطنه العضلي، وفي يديه حامل سترة بإهمال. أشاحت بوجهها وهي تستغفر من مظهره المهلك لها. اللعنة، يشبه أحد أبطال الروايات بمنظره العابث وصدره القوي الذي يدل على أنه يمارس رياضة عنيفة.
تمتم بصوت عميق جعل جسدها يرتعش بقوة:
- مساء الخير. معذرة، سأصعد لغرفتي.
متى أصبح قريبًا منها لذلك الحد وكأنه يهمس في أذنها هي فقط؟ حرارة باعثة من الخلف جعل جسدها يحترق من قربه ورائحة عطره المغلفة برائحة التبغ ورائحة رجولته أخرج عطرًا خاصًا جدًا له هو فقط. لم تنفر ولم تشمئز من تلك الرائحة.
حانت منها التفاته نحو وجهه لتجده حدقتي عينيه الزمردية منطفئة. يبدو أن صاحب تلك العينان لم يذق طعم النوم منذ ليلة أمس وملامح مجهدة. صعد الدرج بخفة ولم يلتفت حتى للخلف.
- اتغير الولد ده.
سمعت صوت والده وهو مستاء من وضعه العجيب.
قالت ببساطة وشرود وهي تعبر عن حالها هي قبل أن تعبر عن حالة الآخر:
- ما فيش حد بيفضل على حاله يا عمو. طبيعي، كل واحد فينا هيتغير. حتى لو حاول يحط قناع في وشه كل يوم ويقول للناس أنا كويس، هيجي يوم والأقنعة دي هتتكسر ويبان الوش الحقيقي.
نظرات إعجاب من الآخر التقطتها عيناها، ليقول وهو يعيد لحوار القديم قبل أن يأتي القبطان:
- ها، مقولتليش مالك؟ حصل إيه؟
ردت بصدق:
- أنا محتاجة أتكلم بس لساني مش قادر ينطق. تصبح على خير يا عمو.
ربت على كتفيها بحنان وهي تراه والدها الآخر أمامها:
- طيب يا حبيبتي، تصبحين على خير. وقت ما تحبي تحكي، أوعي تترددي لو ثانية، مفهوم؟
وصحبت كلمته الأخيرة وهو يرفع إصبعه السبابة نحوها بطريقة كوميدية لتهز رأسها وهى تجيب قبل أن تهرع لغرفتها الآمنة:
- مفهوم.
***
شاردة، محدقة نحو الفراغ. قليلة الكلام، تتجنب الاختلاط مع زملائها في العمل. تلك أصبحت عادتها بعد الحادثة.
شعرت بوجود شخص يجلس في المقعد أمامها. نظرت إليه بابتسامة باهتة قبل أن يقول:
- ما الأمر؟ جاسمين جالسة صامتة كل ذلك الوقت.
ردت بشرود واناملها تلعب في قدح القهوة:
- لا شيء. أفكر في الانتقال لبلد أخرى.
اتسعت عيناه صدمة قبل أن يقول بدهشة:
- إلى أين تذهبين يا فتاة؟ بعد ما حققتيه هنا، أتريدين العودة؟
همست بألم وهي تجاهد في إخفاء دموعها التي تحجرت عند مقلتيها:
- كمال، الأمر صعب حقًا. ليست بتلك السهولة. أريد البعد.
همسها كان مؤلمًا. رجته أن يتوقف عن الحديث، لكنه لم يستمع، بل قال بجمود:
- ستعودين إلى موطنك.
هزت رأسها نافية:
- كلا، لن أعود. لقد أصبح هذا موطني أيضًا. ربما سأقوم بأخذ عطلة طويلة قبل العودة للعمل.
مسحت دموعها التي انحدرت إلى وجنتيها ليخرج منديل من العبوة الموضوعة على الطاولة وهو يتساءل بألم أخفاه ببراعة، أو هي التي لم تستمع إلى نبرته المؤلمة:
- هل أحببتيه حقًا؟
- حب من طرف واحد. كمال، طرف واحد فقط. سأعود للمنزل. طاب مساؤك.
قامت من مقعدها وهي تسحب حقيبتها لتسير مبتعدة شبه راكضة خارج المقهى. راقبها بعينيه المؤلمتين حتى ابتعدت عن مرمى بصره وهو يزفر بحنق من وضعه الميؤوس منه.
تنهد بألم وهو يغلق جفنيه لثوانٍ قبل أن يستدير ويعود إلى عمله:
- وأنا أيضًا يا جاسمين، حبي من طرف واحد.
***
ليلة دافئة هادئة حظتها مع زوجها بعد عودته من السفر. استلقت على فراشها وهي تحدق نحو السقف بشرود. تأخر حملها بعد شهور طويلة من زواجهم. ستحدثه في ذلك الأمر صباحًا.
أصوات إشعارات من هاتفها استرعى انتباهها. فتحته بملل لتنظر إلى صاحب الرسالة المجهول عبر تطبيق " الواتس آب ".
انحبست أنفاسها من الرسائل التي تتساقط كالمطر. جحظت عيناها وهي تمرر بالرسائل بأنامل مرتجفة وعقلها يخبرها: ليس هو، بل شخص يشبهه. ليس ذلك الشخص هو حبيبها، زوجها، صاحب الدقة الأولى من ينام بجوارها ويحتضنها بحميمية، من يتذمر بعبوس إن لم تعطيه قبلة الصباح والمساء، ليس زوجها الذي ظل يبث مشاعره المحمومة منذ عودته من السفر.
سمعت صوته وهو يتساءل بريبة عن سبب تصنمها وهي تنظر إلى هاتفها. التفتت إليه بعيون شرسة وهي تندفع نحوه:
- يا حقير، يا خسيس.
حاول أن يلتقط ذراعيها بصعوبة وقال بدهشة نحو التي تغيرت فجأة من معاملتها وليست تلك القطة الوديعة التي كانت تحتضنه بسكينة بين أحضانه:
- ليلى، اهدئي.
زمجرت بعصبية وهي تدفعه بعنف:
- ابتعد عني أيها الحقير، لا أريد أن أرى وجهك مرة أخرى.
هدر بعنف وهو يلتقطها بين ذراعيه وكبل جسدها بقوة:
- ليــلى.
التقطت أنفاسها وهي تحاول الفكاك من حصاره لكن جسده كان الأقوى. نظرت إليه بعتاب وألم وهي تقول بصوت هادئ كـ هدوء قبل العاصفة:
- غادر الآن، اذهب إلى عاهرتك.
لم يتوقع أن يحدث الأمر بتلك السرعة. تلك الحقيرة ستدفع ذلك الثمن جيدًا. وضع بكفيه نحو وجنتيها هاتفا بصدق:
- ليلى، كان في لحظة ضعف مني.
ضحكت بسخرية وهي تبعده عنها بقوة وصاحت بقوة:
- وهل أنا قصرت من واجباتي؟ آدم، هيا أجبني.
همس بألم:
- كلا.
ذرعت الأرض ذهابًا وإيابًا وهي تود قتله وقتل تلك العاهرة التي بعثت بصور مخلة وفاضحة على هاتفها. ستقتلها تلك العاهرة أولاً ثم ستقوم بتعذيب حبيبها. ستعذبه، ستريه النجوم في منتصف النهار ثم تقتله.
راقبها وهي تجول يمينًا ويسارًا تهذي بكلمات لم يفهمها وهي تشد شعرها بسخط. توقفت للحظات ونظرات عيونهم كالحرب المشتعلة.
يرجوها أن تسمعه وهي لم تعبأ بنظراته أبدًا.
صاحت بجمود ظاهري وقلبها يتألم في كل كلمة تقولها:
- لم أتصور في يوم من الأيام أنك ستفعلها. تخونني، آدم؟ أنا.
- ليلى، أقسم لك حقًا. تلك الليلة لم أكن في وعي.
لم تعبأ إلى صوته الذي يطعن إلى قلبها كالخناجر ولم تنظر إلى وجه الذي شحب فجأة.
عضت شفتيها السفلى وقالت بضعف:
- كيف حدث ذلك؟ وأنت منذ قليل كنت...
تركت كلماتها معلقة. لم تستطع أن تكمل عبارتها. لم تستطع، لسانها خانها عن المتابعة.
أطرق برأسه للأسف وداخله يتوعد ويشتعل لتلك الحقيرة. همس بتردد وهو يحاول استمالة رأسها الصلبة:
- ليلى، استمعي إلي. لم أخونك، أقسم لك. لم أشعر بما حدث، صدقيني، كنت غير واعٍ.
ضحكت باستهزاء. عقدت ذراعيها على صدرها وصاحت بصوت صقيع ثلجي تخبره أنها لم ولن تتأثر بكلماته:
- متى حدث ذلك؟
- منذ أسبوع.
إذا حدث وهو كان سفره، وهي كالحمقاء التي كانت تعد الليالي لمجيئه وتجهزت ليلة عودته لتصبح كالعروس أمامه. طار كل شيء في مهب الريح بعد تلك الليلة المشحونة بالعواطف والمشاعر الجامحة. وقالت بجمود:
- طلقني يا آدم.
رواية زوجتي الشرقية الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم سيليا البحيري
كلمة طلاق .. قوية عنيفة زلزلته.
لم يتوقع أنها استطاعت بل تجرأت على قولها.
جزء داخلي في عقله لم يصدق ما قالته، يشعر بالتبلد وعدم الشعور أنه في خطر.
وجميع الإرسالات العصبية أصبحت تتراقص في خلايا جسده.
ليست تلك ليلى التي يعلمها جيدًا.
ضحكت باستهزاء وصوت ضحكتها الساخرة ترتج في أنحاء غرفتهما.
معذرة غرفتها هي.
هزت كتفيها بلا مبالاة وهمست بأسف زائف:
- أسفة على الدراما المصرية.
تلك هيا اخرج الآن.
خرجت آخر كلمتين قوية صارمة لا تقبل النقاش.
نظر إلى صدره العاري وإلى بنطاله الداكن بشرود، ليعود النظر إلى وجهها الذي غادر به أي لمحة أو جزء من الحياة.
- ليلى.
همس لها بصوت أجش يحاول إفاقة تلك المجنونة.
هل تريده أن يغادر والساعة أصبحت في الثانية صباحًا؟ مزحة سيئة.
ضربت على أرضية الغرفة الرخامية وهي تصيح بنفاذ صبر:
- اخرج من منزلي هيا.
لم تهتز عضلة في فكه سوى ملاحظتها لاهتزاز في حلقه وهو يبتلع غصة مؤلمة.
كتفت ذراعيها وهي تكاد تجن من صموته:
- لن تخرج إذن.. حسنا.
توجهت نحوه وشياطين الإنس والجن متلبسة أمامها لتسحبه بحدّة متجهة به نحو باب المنزل.
لغرابة الأمر كان يسير معها مستسلماً يائساً.
فتحت باب المنزل ودفعته بعنف هادرة بغضب:
- اذهب إلى عاهرتك أيها اللعين.
أغلقت الباب خلفها بقوة اهتزت لها جدران المنزل لكنها لم تهتم ولم تكترث بصوته الغاضب الحانق:
- ليلى توقفي عن هرائك وافتحي الباب.
استندت بظهرها على باب المنزل وهي ترد عليه بنفس صوته الغاضب يصبحه المكر:
- لن أفتح عزيزي.
وظل في مجلسك حتى يأتي الجيران ويعلمون أن زوجته طردته المنزل لأنه خانها.
ضحكت في خفوت وهي تستمع إلى أنفاسه الحارة وهو يسب ويلعن في ضجر.
رفعت حاجبها بتسلية وقد قررت أن تقضي باقي ليلتها عند مقدمة باب منزلها وغداً ستشعل حرب باردة له ولتلك العاهرة.
***
فرقت شعرها إلى جديلتين تشعرها أنها في روضة الأطفال.
وضعت الكاميرا حول عنقها وفي يديها تحمل لوحة رسم.
قررت أخيراً أن ترسم أمام الهواء الطلق.
شمس ساطعة بتوهج يبعث الدفء اللذيذ مثل موطنها.
والطبيعة هنا آسرة بشكل لم تصدقه بعيدة عن عالم الحديث "لندن".
فهي أمام الطبيعة والطبيعة فاتحة لها ذراعيها تحثها على الإقبال.
حركة انتحارية تفعلها وقدميها تتجه نحو الإسطبل.
تفعله كنوع من كسر الرهبة.
تريد أن لا تخشى شيئًا.
وما أن لمست قدميها الإسطبل، هزت رأسها بيأس وهي غير قادرة على النظر إلى الجياد ولا تطيق سماع أصواتهم.
رأت الطبيب وهو يصب كامل اهتمامه على الفرس الذي كان على وشك أن يقتلها.
تقدمت نحوه بخطوات خفيفة بالكاد تستمع إلى صوت رقع أقدامها.
صوت صهيل الفرس المعترض وهو يثقب بنظراته الحادة نحوها أجفلها.
التفت محمد سريعًا إلى الشخص الزائر ويبدو أن الفرس لا يحبذ وجودها معه.
أشاحت بوجهها عن نظراته المتسائلة المندهشة من وجودها.
- دكتور محمد أخبارك إيه؟
أجاب وهو على نفس حالة الاندهاش:
- تمام الحمد لله. جاية تشوفيه؟
أشار بحاجبه إلى الفرس العدواني خلفه.
هزت رأسها نافية وهي تقول بصراحة:
- الصراحة بعد اللي حصل حرمت نهائي هشوف من بعيد لبعيد.
همت بقول شيء ليقاطعه صوت أنثوي يهتف بدلال غير مقصود:
- محمد هل الفرس جاهز؟
مع إبدال حرف "الحاء" "هاء".
سحقت اسمه ببساطة شديدة.
هزت سارة رأسها بلا مبالاة ولا تعلم تلك العقدة التي لازمتها عندما أتت إلى هنا.
أسماء عربية ولكن لا تنطق بشكل صحيح.
خلل أو فيروس غربي أصاب المكان بالعدوى.
هتفت بدهشة لكون الوقت ما زال مبكرًا للغاية:
- علياء.. هل استيقظتي مبكرًا؟
لعبت بخصلة شاردة حول إصبعها وهي تمتم ببساطة وابتسامتها الصافية المشرقة تستطيع أن تقتل مئات الرجال من حولها.
بل رجل واحد ينظر إليها بنظرة رجل لأنثى.
- نعم سأمتطي الفرس اليوم.
عضت شفتيها السفلى بخبث وهي تزحف للخلف ببطء شديد.
لا تريد أن تفوت لقطة واحدة.
نظرة أو ابتسامة أو هيام من الشخص الذي تستطيع القول أن هناك لمعة غريبة رأتها في عينيه.
- حظًا موفقًا لكم، سأسير قليلاً في المزرعة.
ابتسمت بهدوء وهي تستدير للخلف وكم كانت تود أن تلتقط تلك اللقطة التي حفرت في عقلها.
ويبقى السؤال هل ستجد أحد ينظر إليها هكذا؟
الروايات الوردية لم تكذب بوجود تلك الطائفة لكن كونها في سطور الروايات وكونك تراها على مسرحية الواقع شيء آخر.
تتلذذ بوجوده كعصير برتقال طازج في أحر أيام الصيف.
- سارة.
هتاف من الخلف جعلها تتوقف عن السير، لتستدير للخلف وهي تطالع صاحب الصوت الرجولي ولم يكن سوى محمد الذي استرسل ببحة هادئة:
- خلي بالك من نفسك.
ابتسمت باتساع وهي تهز رأسها بالإيجاب.
لحقها لمحة أو خطفة سريعة إلى التي وقفت متصلبة الوجه.
انطفاء العينين.
تبلد وشفتين مذمومتين بعبوس وأخيرًا تضم قبضة يديها بعصبية.
تمتمت في خفوت وقدميها تتجهان إلى اللاموقع محدد:
- عشاق عارفة النظرة دي.
تنهدت بارتياح وهي تجلس على حشائش أرض المزرعة.
أخذت ركنًا بعيدًا كي تستمتع وهي ترى الجياد تتحرك برشاقة دون أن تقاطعهم.
خلعت الكاميرا من حول عنقها لتضعه جانبًا ثم أخرجت هاتفها من جيب بنطالها لتستأنف الرسمة التي لم تنتهِ بعد.
بقلمها الرصاص كانت تخطط في اللوحة البيضاء.
ثوانٍ حتى اندمجت.
بأصابع رشيقة تلعب بالقلم كالعازف المحترف يلعب على البيانو.
ظل رجل من خلفها ورائحة عطره القوية أزكمت أنفها.
أخرجها من متعتها وشغفها.
غمغم صاحب اللكنة البريطانية بصوت عميق ذبذب جميع أوتارها الحساسة وتخشب جسدها حينما وجدته ينحني بجسده نحوها:
- ماذا تفعلين يا طفلة؟
ابتسم بمكر وهو يلاحظ تصنمها.
صدمها بوجوده هنا.
نظر إلى اللوحة البيضاء التي بين فخذيها ثم يعاود النظر إلى هاتفها.
التقط هاتفها في خلسة وهو يتعمد دفن أنفه بين جديلتها اليمنى.
ثلاث ثوانٍ استغرقها في سحب هاتفها وأنفاسه الحارة تلفح عنقها ليتسقيم واقفًا ببرود وبكل وقاحة يتفحص هاتفها.
أغمضت جفنيها بقوة وهي تزجر نفسها من رائحة عطره التي تسللت إلى روحها.
فتحت جفنيها لترى الهاتف قد اختفى.
ذلك المخادع الحقير.
هبت من مجلسها وهي تستدير نحوه لترى عينيه الوقحة تنظر إليها نظرة تمنت لو أنها انشقت الأرض وبلعتها.
مدت يديها وهي تجز على أسنانها بقوة:
- أعطني هاتفي.
هز رأسه نافيًا باستمتاع وهو يراقب اصطباغ وجهها بالحمرة:
- كلا يا قصيرة القامة.
عقدت حاجبيها بعبوس شديد وقالت بازدراء:
- معذرة من تلك قصيرة القامة إن طولي مناسب بل أنت مثل عامود الكهرباء.
اتسعت عيناه ذهولاً.
عامود كهرباء؟
هل تلك الغبية تعلم جيدًا عن من تتحدث؟
نظر إلى هاتفها بابتسامة خبيثة قال:
- بسبب لسانك سأحذف الصور.
وفي لمحة خاطفة توجهت نحوه.
لم يتردد ثانية وهو يرفع بهاتفها للأعلى بواسطة ذراعه الأيمن.
تمسكت بذراعه الأيسر هاتفه بتوسل:
- كلا كلا توقف حقًا آسفة لا تحذف صور ستضيع أعمالي يا رجل.
نظر إلى يديها التي تمسكت بساعده بغموض.
رفع حاجبه بمكر وهو يراها هي التي اقتربت منه بل تمسكت به.
تضغط على ساعديه بخفة تحاول استمالته.
نفضت يديها سريعة تحت نظراته المبهمة.
نظراته الوقحة لم تبتعد ولو لثانية.
ابتلعت غصة في حلقها بصعوبة لتخفض برأسها للأسفل وودت لو بترت يديها بدلاً من أن تتقدم لفعل ذلك الشيء بكل سذاجة.
أخفض ذراعه الأيمن وقلب في صور هاتفها بتركيز.
توقفت يداه عن الحركة وهو يضيق عينيه إلى ما يراه.
صدمة.
بل ذهول من تلك الصور التي تحتفظ بها.
صاح باستهزاء وهو يتابع تقليب الصور:
- أعمال ماذا وأنتِ تنظرين إلى شاب عاري.
رفعت وجهها نحوه ثانية واناملها ترتجف.
يا إلهي ما تلك الفضيحة.
إن أخبرته أنها تقرأ روايات وردية وأن تلك الصور هي أبطال الروايات لن يصدقها.
بالتأكيد لن يفعل.
هل يظنها فاسدة الأخلاق؟
صاحت بحنق وهي تراه يعبث بهاتفها بأريحية:
- ليس عاري كليًا بل عاري الصدر.
تأففت بضيق وهي لم تستمع لرده بل عينيه مركزتان بدقة على هاتفها وانامله تلعب برشاقة على لوح هاتفها.
همست بتوسل وبداخلها مشاعرها تجلى كمرجل ستصفعه ذلك الوقح:
- توقف يا خالد من فضلك.
أخبرني ماذا تريد في مقابل أن تعطينني هاتفي دون أن تحذف صور.
تقوست عضلة فكه وهو يستمع إلى اسمه الذي صار كترنيمة هادئة.
خالد.
بحرف الخاء.
أول مرة يستمع إلى اسمه ينطق صحيحًا من فتاة.
أغمض جفنيه وصدى صوتها يتردد في أذنه.
فتح جفنيه وهو ينظر نحوها بنظرات غامضة ثم يعود بالنقر على هاتفها وهو يقول بجمود:
- لقد حذفت الصورة وسأحذف باقي صور الشباب في هاتفك إلا إذا.
ترك باقى عبارته معلقًا وهو ينظر إليها بخبث، لتسارع هي بلهفة:
- إلا ماذا؟
- يقولون أنك رسامة.
سمعت نبرة هازئة وهو يقولها.
عقدت ذراعيها على صدرها وهي تجيب باقتضاب:
- نعم.
- ارسمي نفسك بدلاً من أن ترسمي صور الشباب ذو العضلات الضخمة.
عقدت حاجبيها بعبوس.
هل يقول شباب ذوي عضلات ضخمة؟
ألا يوجد لديه مرآة ليرى نفسه.
يشبههم يشبه أبطال الروايات الوردية بطوله وعرضه ونفس الخبث التي تتأجج من حدقتيه الزمردية.
نفضت رأسها من تلك الأفكار العنيفة الغبية التي تقتحم عقلها الضعيف.
هتفت ببرود:
- لكن أحتاج لمرآة أو أعطني هاتفي.
أكل المسافة الفاصلة بينهم وهو يدنو نحو أذنها هامسًا بخشونة:
- سأكون مرآتك.
رمشت بأهدابها الكثيفة عدة مرات وأذنيها لا تصدق ما سمعته.
انفجرت براكين من أوردتها وتصاعدت حمرة وجنتيها بخجل من معنى حديثه.
ابتعد ببطء وهو يراقب تشتتها.
ولسانه يردد بكلمة واحدة فقط.
شهية.
نظف حلقه وهو يصيح بلهجة آمرة:
- اجلسي.
أذعنت لطلبه على الفور وكأنها دمية وهو مالكها يحركها كيفما شاء ووقتما يريد.
رغم حنقها ورغبتها في قتله.
لكنها استسلمت بسهولة دون حتى أن تعترض.
جلست على الحشائش الخضراء مرة أخرى وقامت بطي الصفحة السابقة وأمسكت بقلمها ببرود وهي تنتظر وصفه لها.
جلس على الأرض في مقابلتها بأريحية شديدة دهشتها.
وضع هاتفها في جيب بنطاله وهو يتأملها بصمت.
صمت طال لعدة دقائق طويلة.
تتهرب النظر إلى عينيه وهي تلعب بقلمها في محاولة فاشلة من عدم اهتمامها من تدقيق نظره عليها.
انفرج شفتيه ببطء وهو يلاحظ وجود شامة بجانب فكها الأيمن.
تبدو ناعمة وهشة للغاية برغم استعراضاتها الوحشية أمامه.
ابتسم ببطء وهو يقول:
- بشرة سمراء جذابة.
وحاجبان معقودان كالاطفال معظم الوقت ووجنتين نضرتين تشتهين لأكلهما.
توقفت أناملها فجأة عن الرسم عند كلمة اشتهاء.
رمت اللوحة بعصبية بجوارها وهبت واقفة من مجلسها وهي تقول بانفعال:
- خــالد، أنت وقح.
أتعلم أنا المخطئة.
لثاني مرة يسمع اسمها من بين شفتيها.
رغم نبرتها الخانقة لكن اسمه يقسم أنه يوجد به سحر خاص.
لعنة تلك الشرقية وضعتها على اسمه ليصبح دقيقًا فقط إلى شفتيها.
وهو لا يعلم ماذا تقول أذناه.
صمت عن الحديث بعد سماع اسمه.
وضع بطيء لشفتيها التي تعلو وتهبط دون توقف.
هل هي لتلك الدرجة ثرثارة.
زفرت بحنق وهي تلتقط أنفاسها بعد وصلة سباب لاذع أمام وجهه وللعجب لم تراه يغضب أو ينفعل.
هل سد أذنيه أم أنه لم يعبأ بتهديدها السخيف.
راقبت وجهه الجامد الذي لم يبدي أي ذرة انفعال.
صاح بجفاء وهو يشير بسبابته إلى الأرض:
- اجلسي مكانك.
وقبل أن تصيح في وجه ذلك الوقح.
ألجمتها نظرته الغاضبة.
جلست كقط وديع وهي تمسك بقلمها مرة أخرى وتضع اللوحة على فخذيها وتخط بهدوء على اللوحة.
ابتسم بظفر وهو يراقبها ترسم بهدوء.
حمحم بجدية:
- إلى أين وصلنا نعم تذكرت.
أنف صغير وشفتين ناضجتين لدرجة أن.
همست في سرها وهي تضغط بأناملها على قلمها:
- لا أنت تقول على نفسك يا رحمن يا رحيم.
كيف يفعلها.
هل يغازلها.
تلك ليست مغازلة أبداً.
ألقت باللوحة أمامه ليلتقطها بين يديه بسهولة وهو يهتف برزانة لا تليق مع عبثه:
- سأحذف الصور طفلتي.
تصاعدت دقات قلبها وهي تلتقط كلمة الملكية بين شفتيه.
أول مرة قلبها يدق بتلك الصورة السريعة.
ومعدتها تبعث بذبذبات لأول مرة.
خفضت جفنيها وهي تهمس بتوتر:
- احذف الصور لا أكترث.
هل يهددها أم يبتزها؟
لا يهم.
عقلها توقف عن العمل وتركت العنان لقلبها ينساق إلى مشاعر جديدة لم تختبرها سوى معه.
أغمض جفنيه وهو يتأوه بصوت خفيض.
إن استمر لحظة أخرى أمامها سينقض عليها.
أخرج هاتفها من جيب بنطاله ولحسن حظه أنها لم تضع في هاتفها كلمة مرور.
مثلما تلعب على أعصابه سيفعله لها.
دقق النظر إلى صورة شخص ثم وجهه أمام وجهها وهو يهتف بلا مبالاة:
- حقًا انظري إلى ذلك الرجل الأشقر يبدو ضخم للغاية لا أعرف لماذا أنتم الفتيات تلتفتون إلى أشخاص ضخمة الجثة؟
لم تجد الرد المناسب لسؤاله.
شحب وجهها وبدأت تفقد توهج وجهها تحت نظراته الماكرة.
عاد يقلب في هاتفها وهو يتوقف عند صورة معينة ويعود لتكرار فعلته مرة أخرى:
- وذلك انظري إليه عيناه حادتان تثير الرعب ويوجد شعر غزير في صدره بطريقة مقززة.
همست بتوسل وبوادر الإغماء بدأت تندفع إلى عقلها بقوة:
- توقف حقًا من فضلك.
رفع حاجبه باستنكار وهو يتابع النظر إلى الصور.
هتف ببرود وهو يوجه الهاتف أمام وجهها:
- لم أنتهِ.
وذلك ذو الشعر الأسود وسيم لدرجة معقولة ولكن انظري إلى ساقيه نحيلتان مقارنة بجسده الضخم.
همست بتوسل أضعف ويداها خانتها من التقاط هاتفها بين براثن ذراعيه:
- أرجوك.
توقف وهو يلاحظ تحول تلك الثمرة اليانعة الحصاد إلى أخرى مخيفة.
بنظرات أعينها المتوسلة وشحوب وجهها بطريقة أرعبته وشفتيها التي تحولت للزرقة وكل ذلك يعود بفضله.
شتم في سره وهو يعاود الاستمرار في اللعبة:
- هيا هيا لنتابع طفلتي.
هزت رأسها نافية وهي تلتقط الكاميرا وتضعها حول عنقها:
- كلا تشبيهاتك منحرفة قم برسمها أنت، تفضل هذا القلم واللوحة لك.
تشجعي سارة أمامك الفرصة للهروب.
استدارت للخلف وهي تنطلق مبتعدة عنه.
توقفت قدميها عندما صاح بصوت مرتفع:
- ولما أرسم وفي يدي الأصل.
لم تفهم ما يقصده.
أي أصل؟
هل يقصد هاتفها؟
ليحتفظ به.
أم يقصد معنى خفي خبيث.
هزت رأسها نافية وهي تتابع هروبها دون حتى أن تلقي بنظرة خاطفة إليه.
راقب سيرها الأقرب للركض، وسيرها المتعثر ليضحك في خفوت وهو يتمتم:
- مجنونة.
نظر إلى اللوحة والقلم.
ليلتقطهم وهو يتابع سيره بلا مبالاة.
***
طرقات حذاء كعب عالٍ يصطحبها عطر أنثوي فواح.
جعله يتوقف للحظة وهو يترك ما في يده ليرفع بصره نحو الواقفة أمام غرفة مكتبه.
قام من مجلسه وهو يبتسم بهدوء:
- مرحبا بك سيدة بيث تفضلي.
تقدمت بكل عنجيه ودلال لتجلس على المقعد وهى تهتف ببرود:
- لسنا هنا للتعارف سيد ألكساندرو أنا هنا لهدف محدد.
أظلمت تعابير وجهه وهو يعود للجلوس على المقعد.
ما زالت بيث كما هي، لم تتغير رغم مرور السنوات.
هتف بعملية وهو يلتقط مذكرة:
- تفضلي.
صمتت لعدة لحظات.
لتلقي بقنبلة في وجهه:
- شقيقي لقد تم خطفه بواسطة زين الحديدي.
وقع القلم بين يديه على سطح مكتبه.
مجرد اسمه زلزله هو شخصيًا.
غمغم ببرود:
- سيدتي كونك تتهمين شخصًا مرموقًا وله صيت سيورطك في مشاكل لا نهاية لها.
كما توقعت يقف أمامها مرتجفًا من مجرد ذكر اسمه.
رغم صداقتها معه التي استمرت لعدة سنوات إلا أنها تعلمه جيدًا يبتعد عن المشاكل التي يمكن أن تورطه.
ضربت بيدها على سطح مكتبه قائلة بحدة:
- أنا متأكدة أنه تم اختطافه.
رفع حاجبه الأيسر وهو يتمتم ببرود:
- وهل يوجد لديك دليل؟
- نعم أصحاب المتاجر وزملائه في العمل.
هز رأسه بحركة لا معنى لها وهو يرد:
- حسنًا سنقوم بعمل استجواب لهم لكن صدقيني إن لم يحدث شيء.
دعيني أخبرك أنك تلعبين في عداد عمرك.
رعشة خفيفة سيطرت جسدها كليًا.
قامت من مجلسها وبنبرة واثقة قالت:
- لا أهتم.
إنني واثقة.
غادرت غرفته وطرقات حذائها يكون صدى في أذنه.
أمسك بسماعة الهاتف.
نقر على عدة أرقام وانتظر لبرهة حتى سمع صوت شخص يرحب به.
صاح بجمود:
- أريد أن أطلعك على آخر الأخبار.
***
غرفة باردة.
كئيبة لا يوجد بها حياة سوى من شخص يتنفس باضطراب لكل ما تعرضه بوحشية في تلك الأيام الماضية المرعبة.
خارت قوى جسده من المقاومة واستسلم للموت في كل مرة.
لكن يبدو أن الموت لم يكتب له بعد.
نظر بتشويش إلى الشخص الذي هرع نحوه بسرعة وهو يخرج من حقيبته الأدوات الجراحية.
همس بهذيان وهو يجاهد في فتح عينيه:
- منذ متى تعمل تحت يدين زين؟
توقف الطبيب لبرهة لسؤاله.
لكنه لم يعبأ بالرد عليه وهو يتابع عمله بتركيز.
أعاد سؤاله بصيغة مختلفة وهو يهمس بهذيان حينما شعر بالإبرة التي انغرست في مسام جلده:
- حسنًا لنقل ما هو الثمن الذي قبضته؟
ساعات وقد انتهى من عمله.
زفر براحة وهو يخرج من الغرفة الكئيبة يلتقط أنفاسه:
- هل انتهت يا سيدي؟
صاح بها ستيوارت بتساؤل.
لـ يهز الطبيب رأسه بالإيجاب:
- نعم.
نظر الطبيب إلى ضخم الجثة بضيق.
لعنه ولعن صداقته بـ زين ليتورط في تلك المصيبة معه.
صاح بحدة:
- أخبر سيد زين أن يهدأ قليلاً.
لقد كان على وشك أن يفارق الحياة ليلة أمس وبالكاد استطعت أن أنقذه وليس كل يوم تهاتفني لآتي.
هز ستيوارت رأسه ببساطة وهو يوجه نحو الخارج:
- حسنًا يا حضرة الطبيب سأخبره تفضل سيدي.
أمسك ستيوارت هاتفه وهو يبحث عن رقم رب عمله.
انتظر عدة لحظات ليسمع رد من الطرف الآخر.
- سيد زين أريد بأخبارك شيء هام.
***
التقط هاتفه للمرة التي لا يعلم كم عددها وهو يلاحظ تزايد معدل المكالمة اليوم عن المعدل الطبيعي.
أجاب في جمود وهو يستمع إلى حارسه الشخصي:
- حسنًا حسنًا ثلاثة أيام اتركه.
وتابع مثلما أخبرتك.
أغلق هاتفه وهو يزفر بحدة.
كما توقع بدأت بيث تنبش في البحث عن شقيقها المفقود.
أخذ حذره من كل شيء ومن كل هفوة ستصدر لكن ما زال غير مطمئن.
سيترك اللعبة على نار هادئة ثم سيعيد استئنافها.
أخفض رأسه قليلاً وهو يمسد جبينه بأرهاق.
كم من الوقت هو صار على تلك الحالة مغمض الجفنين ويحاول أن يبتعد عن التفكير؟
لا يعلم.
سمع همسة خفيفة وهو بين الوعي واللاوعي:
- زين.
ارتعبت فجأة من وجه الشاحب ومن عينيه الداكنة.
بلعت ريقها بتوتر وهي تهمس في خفوت:
- ما بك لقد تغيرت فجأة.
وآخر شيء كان يوده.
هو أن تراه في حالته تلك.
غمغم بضيق:
- لا شيء.
سدد طعنة في قلبها بدم بارد.
ابتسمت بألم وهي تحاول المزاح:
- حسنًا جدتي قامت بعمل وليمة اليوم بيديها هيا أسرع.
لم يبتسم.
لم تتغير تلك النظرات العدائية.
جسده صلب متحفز كالثور يحتاج فقط النظر إلى رقعة حمراء وسينطلق هائجا.
صاح بجفاء:
- خمس دقائق وسآتي.
هزت رأسها يائسة وهي تستدير مغادرة غرفة مكتبه.
انزلقت الدموع بصمت وهي تهمس:
- برده مصمم تطلعني برا الدايرة يا زين.
ستدعه حتى يأتي ويتحدث معها.
لن تفرض عليه ولن تجبره على الاعتراف رغم أنه وعدها أنه سيخبرها لكن يبدو أنه استعملها كي تصمت.
استمعت إلى صياح الجدة منادية إليها:
- ليان.
ردت بصوت مرتفع وهي تتحرك بسرعة نحو الجدة:
- قادمة.
***
أغلقت باب غرفتها وهي تتنهد ببطء.
أكثر شيء صحيح يفعله أنه لا يظل في المنزل.
حتى تتجنب تلك النظرات التي تشعل أنوثتها رغم كونها وقحة.
ضيقت عيناها قليلاً وهي ترى هاتفها موضوعًا على فراشها ويوجد لوحتها وقلمها.
السيد المبجل العظيم قرر أخيرًا أن يفك أسر أشياءها.
لكن مهلاً هل دلف غرفتها؟
عند تلك النقطة اسودت عيناها.
وعقلها يتساءل هل لعب في أغراضها الخاصة.
ألقت بنظرة سريعة على غرفتها لتجدها كما تركتها في الصباح.
ابتسامة لا تعلم أين مصدرها وهي تمسك بهاتفها.
ارتعشت يدها عندما رن هاتفها.
إنه نفس الرقم لم يمل ولم يعبأ بتهديدها.
أغلقت المكالمة لتسارع بالبحث عن الرقم الوحيد الذي سينقذها.
وتدعو الله أن يجيب في أسرع وقت ممكن.
- الو.
تهللت أساريرها عندما أجاب.
دمعت عيناها وأجابت بصوت مضطرب:
- شهاب من فضلك محتاجك تساعدني.
انتفض شهاب من مضجعه وهو يستمع إليها.
لحظات قصيرة حتى غامت عيناه بلون وحشي.
وقام من مضجعه وهو يصيح بغضب:
- وأنا كنت فين من كل ده.
ارتعشت شفتيها وهي بالكاد تمسك بهاتفها:
- شهاب من فضلك اسمعني.
زفرة حارة وصلت إلى أذنيها لتبتلع ريقها بتوتر وتوجس.
ذرع الأرض مجيئًا وذهابًا وهو يفرك عينيه وينشط جسده من الخمول الذي كسى عليه.
صاح بجمود:
- اسمه إيه؟
ردت على الفور:
- كريم.
كريم الهندي.
شتم في سره وهو يلعب في خصلات شعره:
- ماشي يا سارة هقفل دلوقتي وحسابنا بعدين لما ترجعي.
ترددت قليلاً من نبرة الوعيد التي أرعبتها:
- شهاب استنى أنا.
لم ينتظر أغلق الهاتف في وجهها.
لتنفجر في وصلة بكاء وهي تهرع إلى فراشها وتدفن وجهها بين الوسادة كي لا يسمعها أحد.
اليوم كان رائعًا لما دائمًا تتحول أيامها من اللون الوردي إلى اللون الأسود.
***
- خالد.
صوت الجدة جعله يتوقف عن السير وصولاً لباب المنزل.
أغلق جفنيه لعدة لحظات قبل أن يستدير إليها.
غمغم بضيق:
- نعم جدتي.
ابتسمت الجدة بحنو وهي تلاحظ تغير معالم وجهه للشحوب والضيق منذ مجيئه:
- هيا عزيزي أريد أن أخبرك بشيء هام.
سار خلفها بإذعان.
مسلوب الإرادة.
بائس.
يوجد به شيء لم يستطع أن يحدد ماهيته.
ارتمى على الأريكة متنهدًا بثقل جعل الجدة تتساءل بهدوء:
- ما بك؟
- بخير.
صمتت الجدة من إجابته التي لم تستغرق ثواني.
ربتت على فخذه بعطف وهي تقول:
- لما لا تقضي اليوم هنا.
طوال اليوم في الخارج.
مرر بأنامله على خصلات شعره بشرود:
- لا شيء أشعر بالضيق فقط.
تساءلت الجدة بمكر:
- هل هناك فتاة مثلا تلعب في مخيلتك؟
رد ببرود ظاهري:
- كلا لا يوجد.
تمتمت الجدة بتعجب:
- غريب.
استقام من مجلسه وهو يرد بجمود:
- ليس غريب.
معذرة سأخرج قليلاً.
توقفت قدماه عندما استمع إلى عبارة الجدة:
- لا تتكبر يا بني.
الحياة تعطينا فرصة واحدة فقط والفائز هو من يغتنمها.
التفت إليها وهو ينظر نحوها بجمود.
ليعود مرة أخرى بملامح لا مبالية ويخرج من المنزل بهدوء.
***
خرجت من المصعد الكهربائي وهي تتجه نحو شقتهم سابقًا وشقتها حاليًا.
أخرجت المفاتيح من حقيبتها وهي تدندن في خفوت.
دَلفت إلى الشقة وأغلقتـه ببطء وضميرها مستريح نوعًا ما بسبب فعلتها ليلة أمس.
تذكرت في الصباح أنها قامت بجمع ملابسه في حقيبة ضخمة ورميتها في وجهه وأخبرته أنها لا تريد رؤيته مرة أخرى.
تبتسم بسعادة وتمثل الفرحة وداخلها يتحطم ويبكي قهراً.
رمت حقيبتها على الأرض وارتمت على الأريكة تبكي بصمت.
صوت خطوات أقدام تصدر من خلفها أرعبتها.
استقامت واقفة من مجلسها لتشهق بقوة:
- ماذا تفعل هنا؟
وضع كلتا كفيه في جيب بنطاله وهو يهتف بسخرية لاذعة:
- كوني تغاضيت عما فعلتيه ليلة أمس ليس معناه أنني سأتركك دون أن تعاقبي على فعلتك.
ابتلعت ريقها بتوتر وهى تراه يقترب نحوها ببطء حتى أصبح في مقابلتها.
ارتعش جسدها من نظرة عينيه الداكنة.
ابتلعت ريقها بتوتر وهمست بصوت متحشرج:
- أخرج.
ضحك بقوة وهو يحك طرف ذقنه وهمس بخشونة:
- كلا حبيبتي يجب أولًا معاقبتك وسنفكر لاحقًا في أمر المنزل.
اتسعت عيناها هلعًا وقالت:
- ماذا تقصد.
تم باقي عباراتها وهو يلتقط شفتيها بين شفتيه.
تدمرت حصونها وقلاعها من طوفان عنيف.
اكتسحها بقوة ولم يتركها لتتنفس ولو لثانية واحدة فقط.
رفعها بين ذراعيه وهو يتوجه بها نحو غرفتهم.
وهو يتوعد لها بتلك الليلة بمعاقبة شديدة على ما فعلته تلك المجنونة ليلة أمس.
رواية زوجتي الشرقية الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم سيليا البحيري
الخاتمة
تلتفت للوراء خشية أن يراك أحد ، تنظر للأمام بدون هدف .. حياة باهتة كئيبة تسير بالطول وبالعرض وهدفك مفقود .. شغفك مدفون .. ذاتك أنت مدمرة .. بقايا أشلاء تلملمها لأٱستمرار الحياة .. وتتمنى ان تكتم انفاسك .. ونبضاتك تتصارع من أجل الفناء .. في سبيل ترك الحياة الملوثة و إعتقاد أن الحياة الأخرى هي الافضل ..
من تخدع نفسك وانت تستسلم الى الهواجس والوسواس الذي يصوره عقلك المريض .. وتسحبك إلى دوامة سوداء فى رحلة اللاعودة
خرج من المرحاض وهو يلف منشفه حول خصره وفي يديه منشفه صغيره يجفف بها شعره .. ألقي نظرة خاطفة نحو النائمة بل من تصنعت النوم ، تنهد بقله حيلة وهو يتوجه نحو الخزانة ويخرج بنطال وتي شيرت
ارتداهم في عجاله وهو يخطو بخطوات بطيئة نحو الفراش .. اضطجع بجوارها وهو يلاحظ حركات جسدها المتشنجة ووتيرة انفاسها التي خانتها .. ابتسم بخبث وهو يسحب جسدها بقوة
- لياني
تملصت من ذراعيه الأسرتين وهتفت بوهن
- زين من فضلك اريد النوم
شدد من معانقته لظهرها ومال على اذنها هامسا
- ما بكِ
أغلقت جفنيها بقوة وهي تتحكم في دموعها الخائنة .. قال انه تغير وصدقته .. وعدها انه سيخبرها بما يؤرقه وهي كالحمقاء صدقته ايضا اخبرها بأكثر شيء حطمها بأنه لا يريد وجود طفل بينهم وهي تفهمت واذعنت وقبلت طلبه .. لم يطلب بل كان يأمرها وموضوع لا يقبل النقاش ثم يخبرها انه يخشى الفقدان .. بل هي التي تخشى فقدانه ..
ولكن ماذا فعل يبعدها عنه وينبذها وكأنها شخص دخيل اقتحم حياته ... ليست شريكته ليست زوجته ليست نصفه الآخر .. يعتمد على أن يحل مشاكله بمفرده .. لا تريد الضغط عليه كي لا ينفجر بها ويترك الأمر الرئيسي فالامر كله تحصيل حاصل سواء استعملت اللين او الشده لن تستطيع ان تخرج اي كلمه من جوفه ..
تمتمت بضيق وهي تشيح ذراعيه عن خصرها
- لا شيء
ونبرته كانت قوية جعلتها ترتجف
- ليان
تأففت بصوت يسمعه وهى تتصنع النعاس كي تبتعد عن وصلة التحقيقات
- انني متعبه اريد النوم
شدد ذراعيه بقوة نحو خصرها وهو يطبع عده قبل دافئه على جبينها وعنقها .. يشعر ارتجافها اثر قبلاته ليست كعلامة النفور وهذا اكثر شيء اراحه ...
مد أنامله وهو يلعب بخصلات شعرها حتى لاحظ جسدها قد استكان .. قام من فراشه وهو يتوجه نحو الشرفة عله يجد هو الآخر النعاس مثل الآخرى .
.....................................
لا يعلم كيف يبدأ معها بالحديث كل مرة يرغب فى التحدث معها تنعقد لسانه بل ان عقله يخبره انه ليس له داعي بمعرفة الأمر .. تخبره تريد انها تطمئن عليه فى كل مرت تخبره لا اريد ان اعلم ما حدث ولكن طمئني عليك .. جسده يتحفز الاجابة ولكن لسانه يخونه ويخبرها ان كل الامر على ما يرام .
شعور بالخنقة والضيق فى غرفته جعله يخرج من المنزل ويتوجه نحو مكانه وهو وابن عمه المعتاد ..
ترجل من سيارته وهو ينظر نحو جسد ابن عمه المسترخي على مقدمة سيارة الاخر وتارك المصابيح الامامية مضاءة وفي يديه لفافة تبغ مشتعله ، لم يلتفت اليه بل نظره محدق نحو السماء
صاح خالد بسخرية
- لم أتوقع وجودك هنا
هز زين رأسه يائسا وهو يشتمه بصوت خفيض جعل الآخر يحرك رأسه اتجاهه ونبرة السخرية لم تتغير
- هل ستعد النجوم معي أم يوجد سبب آخر لمجيئك
جلس بجواره على مقدمة سيارة خالد قائلاً ببرود
- لماذا لست فى المنزل ولما جئت الى هنا
قطب خالد حاجبيه بعبوس وهو يتمتم بضيق
- نفس السبب لمجيئك هنا
صمت خلل وجودهم .. كصحراء جرداء لا يوجد بها رمز ما يدل على الحياه .. سوي هدير أنفاسهم العالية هو الشيء الوحيد الذي يدل على وجود أشخاص فى تلك المنطقة النائية ..
رمي خالد بلفاقة التبغ ونظر نحو الواجم الوجه ولم تظهر اي تعابير واضحة على صفحات وجهه .. تنحنح بخشونة
- اتعلم عندما اخبرتني انك تزوجت حمستني حقا لأمر الزواج لكن ما اراه الان يجعلني اخبرك ان اكون عازبا افضل مائة مرة من متزوج
نظر اليه زين نحوه بشرود لمدة لحظات مرت كالبرق ثم مالبث ان قهقه بصوت مرتفع وهو يغمز بمكر
- هل الجدة قامت بوضع الحصار عليك انت ايضا
صاح خالد بتذمر
- لا تضحك يا رجل في كل مرة تخبرني بأمر الزواج حينما اكون فى المنزل لذلك اهرب منها .. لا اعلم ربما لو استمريت اكثر من ذلك سأجد فى الصباح امرأه بجواري فى الفراش
خفت صوت قهقه زين قائلا بلا مبالاة
- بادر انت قبل ان تجد الجدة زوجتك فتاة من القرية
رفع خالد حواجبه بدهشه وشيء خبيث يحثه على أن يدهسه اسفل سيارته ، غمغم بضيق
- وهل تظن انني وجدت فتاة
اصطنع زين التعجب وهو يغمغم بمكر
- حقا ولماذا تجلس هنا وتعد النجوم كالعاشق البائس الذي ينتظر خروج حبيبته من الشرفة
صمت .. ثانية اثنان أربعة حتى العاشرة .. ازداد عبوس وجه من الضيق للجمود .. طالت اجابته .. طالت إجابته عن الوقت المسموح له بالرد ، هل لتلك الدرجة يظنون أنه عاشق متيم لمحبوبته .. وليس شخص يلملم اشيائه المبعثرة .. جاء هنا لكي يجدد روحة العابسة ليواصل اكثر علي ان يبتسم فى وجه الجميع ويخبرهم " انا بخير وفي صحة جيدة " الجميع يحسدونه رجال ام نساء عليه .. طويل وسيم ذو مكانة مرموقة والنساء تجلسن أسفل قدمه تنتظرن اشارة منه.
هتف بسخرية وهو يخرج لفافة تبغ أخرى ويشعلها
- لا اصدق يا رجل هل التقطت العدوى من الجدة
حرك زين رأسه بلا مبالاة وهو ينظر نحو المجهول .. جامد متصلب الوجه نيران ثائرة فى داخله ونقطة سوداء بدأت تتسع .. كل ما تلقاه هو النفور ، وابتعادها الليلة هل هو يأس أم أن طريق النهاية بدأ و يرسم خطوطه العريضة
صوت خالد الجاف انتشله من شروده
- قررت ان اغادر
نظر الي خالد بنظرة ذات مغزى جعل الآخر يدير رأسه للجهة الأخري .. ابن عمه قرر الهروب وعدم المواجهة لكن إلى متى سيستمر ذلك الهروب ؟
....................................
يسير بخطوات يتآكلها الغضب والحنق ، المعلومات التي جمعها عن العائلة لم يستغرق منه سوى عدة ساعات .. اب يفكر فقط في كيفية تكبير مؤسسته الضخمة و ابن تزوج فتاة متهورة لكي يتستر على فضيحتها والابن الآخر نستطيع القول انه يعيش للحياة فقط وملذاتها ..
توقف عند موظفة الاستقبال التي رحبت به ببشاشة وابتسامة عملية وكأنها إنسان آلي يحفظ فقط
- اتفضل يا فندم
قال بخشونة
- اقدر اقابل استاذ مرتضي
مطت الموظفة شفتيها وهي تنقر على الحاسوب
- فيه ميعاد سابق
رد بخشونة وهو يهتف بنبرة غامضة
- لا بس قوليله فى موضوع يخص مركزه وسمعته
ابتلعت الموظفة ريقها بتوتر ، هيئه الرجل تشبه انه علي وشك ان يتصارع مع أحدهم .. رغم ملابسه وشخصيته التي تعطيه هالة كبيرة وضخمة لكن يبدو انه اتي لكي يتشاجر .. زفرت بضيق وهي ترفع سماعة هاتفها تطلب رقم السكرتيرة الخاصة بمكتبه .. كلام مقتضب حديث لم يتجاوز العشر ثواني .. لكي تشير له للمصعد وتخبره انه ينتظره ..
أومأ برأسه عندما فتحت السكرتيرة باب الغرفة بعملية واغلقتها خلقهم لتعود مرة أخرى إلى مكتبها وتتابع عملها بكل بساطة رغم وجود تلك النزعة التي تريد معرفة ذلك الرجل الذي دلف إلى غرفة رب عملها بدون موعد .
- اتفضل
هتف بها مرتضي وهو يأمر شهاب بالجلوس
أخرج شهاب بطاقة تعريفه الخاصة وهو يقول بجمود
- المقدم شهاب عز الدين انا جاي فى موضوع يخص ابن حضرتك المبجل كريم
ازدر ريق مرتضي بتوتر .. ابنه لم يتوقف عن التصرف بتهور .. ارتمي علي المقعد بوهن وهو يغمغم
- اتفضل يا بني
جلس شهاب على المقعد المقابل للمكتب قائلا بجمود
- انا جيت هنا علشان نتفاهم فى هدوء معملش شوشورة وخصوصا مركز حضرتك واللي ممكن يتأثر مع وضعك السياسي
اتسعت اعين مرتضي ذهولا وهو ينظر إلى ذلك الشخص .. هل يهدده في مكتبه !!
..................................
راقبها من بعيد ... تعمل بجد وهي تتحرك ذهابا وإيابا من طاولة إلى طاولة أخرى .. بداخل ذلك الحمود شخص ينهار يغرق ويطلب المساعده .. وهو يقف مكتوف الأيدي لو بيده شيء كان قد ساعدها .. لكن كيف يساعدها وهو الذي عرضها لتلك الفاجعة .. جارته في الحي وكشقيقه صغري .. كانت في الثامنة حينما جائت الى جدتها لتعيش معها بعد انفصال والديها .. ناعمة هادئة جميع من في الحي يضربون لها أعظم تحية ..
والآن اصبحت انثي ناضجه اتمت الثاني والعشرون وحينما حصلت على شهادتها قررت عدم العمل في مجالها لمرض جدتها وبدلا ان تصبح في شركة مرموقة ووظيفة محترمة .. اختارت أن تعمل في احدي المطاعم القريبة من منزلها هي وجدتها ..
شريط سينمائي يعرض حياتها أمام عينيه .. نادي اسمها في خفوت
- هند
توقف جسدها حينما استمعت الي صاحب تلك النبرة استدارت للخلف وقالت برقة
- عمار .. استني خمس دقايق وهاجي
جلس على الطاولة القريبة منه وهو ينتظرها .. راقبها من بعيد وهي تتحدث مع زميلة لها ..
نظر الي نقطة في الفراغ حتى مجيئها .. رائحة القهوة التي يعشقها داعبت أنفه نظر إلي القهوة الموضوعة أمامه ونظر إلى صديقتها .. ابتسم في خفوت وهو يحثها على الجلوس
جلست بإذعان وهي تنظر إليه بترقب واعين فضولية .. لا يعلم كيف يبدأ الحديث معها وعن أي شيء تحديداً وجد نفسه يهتف
- عاملة ايه
اتسعت عيناها دهشة من سؤاله .. ردت بهدوء
- تمام الحمدلله علي فكره كلها كام يوم وهسافر القاهرة مع تيته
وسؤاله صدر بتعجب
- ليه
تنهدت بعمق واصابعها تتحرك بدون تنسيق
- بقالي فتره بتحايل عليها نسافر بما ان بابا قرر اخيرا يسبلي الشقة اقعد فيها انا وتيته وقلت فرصة اروح هناك واشتغل بوظيفة تناسب شهادتي بدل ما انا شغاله حته عامله لا راحت ولا جت فى الكافية
ارتشف القهوة وهو يتمتم بهدوء
- ربنا يوفقك
هزت رأسها ايجابا
- اللهم امين .. فيه حاجه مهمه عايز تقولها
نسي ام تناسي لا يهم .. في كلتا الاحوال كانت ستعلم بالأمر الذي يخبرها بمجيئه .. قال بوجوم وهو يراقب تعابير وجهها
- يوسف قرر يسافر
.................................
تنهدت بحسرة على فراق حبيبها .. فلذة كبدها ، يختار السفر للمرة الثانية ولكن تلك المرة بمفرده
تمتمت بحزن وهي تراه يغلق حقائبه
- يعني قررت تسافر وتسبني
زفر بحرارة وهو يتوجه نحوها ويطبع قبلة هادئة على جبينها قائلا
- يا امي لولا شغلي ما قررت اسافر واسيبك
ربتت علي ذراعيه وهي تقول بحزن علي حالة ابنها التي تغيرت مائة وثمانون درجة بعد ان الغي موضوع الخطبة الثالثة ..
رغم رفضها لتلك المرأة إلا كان مصراً ولحُوح على إقناعها .. وهي كأي أم لا تستطيع أن ترى ابنها تعيساً بعد ما حدث له .. لكنها كانت تجب أن ترفض تلك المرة لأنها كانت كالقشة التي قصمت ظهر البعير
- يوسف فاكرني مش عارفة انك بتبعد وتهرب للمرة الثانية
هز رأسه بيأس
- معنديش حل غير ده يا امي
استعطفته بحنان ونبرة يوجد بها الشجن
- ارجع لشغلك فى القاهرة بدل ما تسافر وتتغرب بره
ياليته يفعل .. لن يستطيع أن يحيي بين انظار الناس القاتلة ... رجل قد عقد قرانه ثلاث مرات وطلق .. تنهد بأسى وهو يهز رأسه بالنفي
- مش هينفع دلوقتي يا امي ، انا بعتلهم ايميل بأني وافقت على عرضهم ادعيلي يا امي
- ربنا يفتحها عليك يا يوسف بنت سامية ويرزقها عليك من وسع ويكرمك ببنت الحلال اللي تحافظ عليك
عند تلك النقطة " بنت حلال " ابتسم بسخرية وهو يقول بمرارة
- مظنش يا امي مظنش
ابتسمت سامية بتشجيع وهي تقوي من عزيمة ابنها التي تحت الصفر
- انت بس متعقدهاش وان شاء الله هتلاقي بنت الحلال
نقل دفة الحديث إلى شيء آخر وهو يلتقط حقائبه
- عمار هيكون قريب منك لغاية لما اضبط اموري هناك وابعتلك تجيلي ، يلا سلام عليكم
سارت معه حتى وصل إلى مقدمة الشقة .. احتضنها بقوة وهو يستمد منها القوة والصلابة لمواجهة حياته الأخرى التي لم تبين له الوانها .. ابتسمت سامية وهي تخفي دموعها حتى غادر من الشقة
- وعليكم السلام
قد يجد الجبان 36 حلاً لمشكلته ولكن لا يعجبه سوى حل واحد منها وهو الفرار.
ادولف هتلر
.........................................
ترجل من سيارته على الفور أمام مبنى شركة والده ، هاتفه صديقه بأن والده كالأسد الحبيس ..لم يسلم منه أي شخص من غضبه وثورته حتى الساعي كل شخص دلف إليه نال قسطا من غضبه .. رغم أن بداية اليوم كان يسير ببطء وهاديء نوعاً ما لكن جاء شخص جعل الشركة تنقلب رأساً على عقب ..
خرج من المصعد والتوتر يعتري معالم وجهه ، نظر يمينا ويساراً وهو يلاحظ الهدوء يعم المكان رغم الجو المشحون بالاسفل ..
لاحظ قدوم حسن نحوه وهو جامد الوجه تسائل راشد بجدية
- حسن ايه اللي حصل بعتني هنا ليه
غمغم حسن بضيق
- استاذ مرتضي شوية وهيولع فى الشركة يا راشد
- طب انا هروح اشوفه
تحرك نحو غرفة مكتب والده .. ألقي نظرة خاطفة نحو مكتب السكرتيرة الفارغ .. هز رأسه يائسا يبدو انها هي نالت النصيب الأكبر وغادرت ..
تنحنح بخشونة وهو يغلق الباب خلفه
- بابا
صاح مرتضي بضعف
- تعالي يا راشد علشان انا قربت يجلي غلطة بسبب اخوك
شيء آخر متوقع .. كل المصائب تأتي من شقيقه .. لطالما هو ووالده يقومان بتغطيه فضائحه ، ولكن الآن والده بلغ للذروة سئم من تغطيته ..
قطب حاجبيه و تسائل
- ايه اللي حصل وعمله كريم بيه
قال راشد بحده وهو يتنفس بصعوبة
- اسحب كل حاجه منه وسفره بره
هز رأسه إيجاباً وهو يناوله كوب الماء الموضوع على سطح مكتبه
- تمام يا والدي متشغلش بالك
..........................
لم تكن متوقعه انه سيقوم بشراء الجميع من أجل المال ، من أصغر عامل في الجريدة حتى رئيس التحرير أنكروا كل شىء عن علاقته بزين الحديدى .. وأصحاب المتاجر أصابهم فقدان في الذاكرة .. يقولون لم يروا أحد في ذلك اليوم والمتجر كان مغلقاً
رغم صاحبة المغسلة هي التي أخبرتها انه قام أحد رجال ضخم البنية بـ حمل شقيقها داخل سيارة ضخمة سوداء .. أنكرت بشهادتها أمام الشرطة
والآن يقف صديقها قائلا ان زين لن يدع الأمر يمر مرور الكرام .. يخبرها انه حذرها عدة مرات .. خرجت من مركز الشرطة وهي تجر اذيال الخيبة خلفها
طرقت بقوه بحذاء كعبها علي الارض وصاحت بعنف
- اللعنة عليه اقسم انني لن ادعك تفلت من فعلتك
لم تعبأ بنظرات الجميع الملتف حولها ، سارت مبتعده عن مركز الشرطة وعقلها شارد .. انقطع آخر ذرة امل لمعرفة موقع شقيقها
شهقت بصدمة حينما استمعت من الخلف لصوت رجولي
- مرحبا سيدة بيث
زمجرت بوحشية وهي في وضع الاستعداد للانقضاض عليه
- من انت
هز الرجل كتفيه بلا مبالاة وهو يقول بنبرة ماكرة
- ليس من المهم من أنا لكن دعيني اخبرك انه تجمعنا مصلحة واحدة
قطبت حاجبيها بضيق ورهبة من نظرات الرجل .. صاحت بجمود وداخلها يرتعش من ضخامه بنيته
- لم افهم
اشار بأصبع السبابة للخلف .. علقت عيناها نحو المكان المشار إليه لتجد سيارة سوداء فاهرة قال الرجل
- تفضلي سيدتي ودعيني نتحدث فى مكان هادىء بعيدا عن أعين الفضوليين
لاحظ الرجل جسدها المرتعش ونظرات اعينها الزائغة ، بل تتشبث بقوة علي حقيبتها والحيرة مرتسمة على صفحات وجهها
قال بنبرة واثقة
- لا تقلقي نحن نعلم أنك تريدين شقيقك و دعيني اخبرك نحن اوشكنا على معرفة مكانه
.................................
استيقظت ولم تجده .. شيء طبيعي يجب أن تعتاده اليس كذلك !! .. قامت من مضجعها بتكاسل وقررت ان تستمتع ايامها الباقية بصحبة شقيقتها .. فتحت خزانتها وهي تنتقي الثياب المناسبة اليوم ..
خرجت من المرحاض وبنظرة خاطفة ألقتها نحو فراشها .. شيء يدل على وجوده في غيابها .. هزت رأسها بيأس وهي تمتم
- لازم تستحملي انتي اللي اخترتي الطريق بنفسك
ااه زين لن تخبرني ما بك .. جملة واحدة فقط ما يجيش في صدرك لن اسأل أي سؤال آخر .. سأكتفي بالصمت وربما نفكر في حل .. احتضنك واعبث بخصلات شعرك ..
أمنية لن تتحقق الا لو كانت ستحدث معجزة وهي في انتظارها ..
نظرت الي صورتها المنعكسة في المرآة .. غشاوة رقيقة أحاطت عيناها .. لا يجب أن تظهر ضعفها .. كلا لن تبكي يجب ان تبتسم أمام الجميع و امامه تحديداً ... هي بخير لا يوجد بها شىء
تمتمت بها وهي تهدأ حالها قليلا ،،، جمعت اكبر هواء تستطيع رئتيها إختزانه لتزفره على مهل وهي تبدأ يومها الجديد .
................................
تسير بلا هدف في الصباح الباكر ، توقفت قدماها فجأه عند البقعة التي شهدت أول لقاء لهم .. ابتسمت لتلك الذكري وهي تسترجع ما حدث منذ عدة أيام .. زادت ابتسامتها اتساعا وهي تتذكر حنقه منها .. قهقت بصوت مرتفع وهي تتذكر عندما قالت " انت طلعتلي من انهي رواية " كم كنت ساذجة وهي تنظر اليه بعيون منبهرة وكأنه أول رجل وسيم في حياتها ..
تابعت طريقها وهي تراقب منظر الأشجار بأفتتان .. توقفت قدميها للمرة الثانية حينما وجدت رجل بنفس هيئته بنفس ثياب المقابلة الأولي نادت بصوت مرتفع
- حضرة القبطان
توقف الرجل للحظات عن السير .. هي نبرة صوتها تلك الشرقية الصغيرة .. استدار برأسه ليجدها تهرول راكضة نحوه
كانت تراقبه بأفتتان ولهفة ولمعة الحزن بادي على عيناها .. بلع غصة مؤلمة في حلقه وهو يراقب خصلات شعرها الغجرية الطليقة .. فاتنة
همست وهي تراقب حقيبته الخلفية
- ستغادر
هز رأسه إيجابا وهو يهمس بصوت مماثل
- نعم لقد تشرفت بلقائك يا طفلتي
عبس وجهها فجأه ، صاحت بتذمر
- توقف عن نعتي بالطفلة
- لن أتوقف فأنتي طفلتي انا
دق قلبها بعنفوان .. كلامه صريح وواضح لكن تشعر انه يرسل رسائل مخفية بين حديثه الصريح ..
طفلته هو .. تراقصت الفراشات بسعادة في معدتها واندفع الأدرينالين بقوة في خلايا جسدها .. برقت عيناها وهي ترفع بأصبع السبابة والوسطى كعلامة للتحية
- وداعا يا حضرة القبطان
يدقق النظر نحوها .. كما لو أنه لن يراها مجدداً .. يحفظ تفاصيل مخفية لملامحها حين رجوعه للعمل ..
قال بثقة وهو يرفع نظارته الداكنة عن عيناه الزمردية
- لا تقولي وداعا سأراك قريبا
تاهت فى بحور زمردتيه .. يجذبها بقوة حتي تصبح أسيرة عيناه .. أفاقت من دوامته وهي ترد ببلاهه
- ماذا
هل رغبته في تقبيلها الآن سيطفىء ناره ام يشعلها كالجحيم .. حاول أن يمد انماله ورغبة ملحة ترغب في ان يلمسها مثل المرة السابقة حينما أصبحت في أحضانه .. يرغب في ان تحتفظ أنامله ملمس وجنتيها ..
نفض سريعا افكاره المنحلة وهي يعلم إن فعل ما يرغب به عقله سيصبح قعيد الفراش لأشهر عديدة
- انتظريني سأعود قريباً
تنتظره هو يخبرها ان تنتظره .. عقلها تجمد عن التفكير من مغزى حديثه هزت كتفيها بلا مبالاة قائلة
- انا حقا لا افهم ما تلك الثقة التي جئت بها ربما لا أراك مجدداً
قطع المسافة الفاصلة بينهم وهو يهمس أمام شفتيها تحديدا
- سأحرص انا علي رؤيتك إذاً
نظرت نحوه ومفرقعات نارية تشتعل في الأجواء هل يستغل تلك الفرصة لكي يقبلها .. وتكون قبلة الوداع .. لم يفعل ابتعد عنها وهو يستدير للخلف ويتابع سيره .. توقف للحظات وهو يهمس بشفتيه
- انتظريني يا طفلتي
أغلقت جفنيها بقوة وهي تهز رأسها يائسة .. لقد قام بوضع فيروس مريض في داخلها بفضله سينتشر ويتغلغل كيانها بأكمله .. فتحت جفنيها وهي تراه يسير بكل ثقة وغرور رجل يليق به .. استدر ارجوك استدر مثل فيلم شاروخان افعلها
لم يفعلها لم يستدر بل ابتعد ابتعد حتى يأست عادت أدراجها للمنزل وهناك شيء مفقود ..
شيء حث على عقله لرؤية تلك الطفلة مرة أخيرة استدار ليجدها تسير متوجه نحو المنزل همس بصوت خفيض وهو يضع نظارته الداكنة في موضعها الأصلي
- بالتوفيق لحياتك طفلتي
...........................
فراغ احتلها منذ مغادرته .. لا يوجد مشاكسات ولا يوجد أي شيء من حديثه الوقح .. فراغ سيقتلها ... وحدة ستؤلمها بعد غيابه رغم مقابلتهم التي تستغرق عدة دقائق
ترسم بهجة لقلبها .. سعادة تكتمل في وجوده .. هل أعجبت به أم أغرمت به ؟
ومن الحمقاء التي لن تعجب به .. تكسرت ابتسامتها وانقبض قلبها ، يقول لها طفلة يعاملها كطفلة وليست انثى .. يراها طفلة
ابتلعت غصة مؤلمة في حلقها وهي تتوجه نحو المطبخ تسمرت قدميها وهي تري شقيقتها تبكي في صمت
اسرعت تجاهها وهي تربت على ظهرها قائلة بهلع
- ليان ايه اللي حصل
صوت الشهقات بدأت تعلو وترتفع .. بترتها ليان سريعاً وهي تضع راحة يديها علي شفتيها .. احتضنت سارة بقوة لتقول سارة
- اهدي يا ليان وفهميني ايه اللي حصل
هتفت ليان بين شهقاتها معذب فؤادها
- زين
ربتت سارة علي ظهرها بنعومة وهي تهمس
- ماله في ايه
- مصمم يبعدني عن دايرته يا سارة انا بدأت اتخنق ومش عارفة افكر ... الكداب بيقولي انه اتغير وصدقته ووعدني انه مش هيخبي عني حاجه بس برده مصمم يبعدني انا تعبت والله تعبت
انتحبت بمرارة ومخزون الطاقة استنفذ .. ابتعدت ببطء عن ذراعي سارة وهي تلتقط انفاسها ... سكبت سارة كوب من الماء من الدورق وقالت بهدوء
-اهدي يا حبيبتي اهدي واستعيذي بالله
التقطت ليان الكوب وارتشفته حتى آخر قطرة وهي تحاول تهدئة حالها قبل مجىء الجدة ..
وياليتها ما تفوهت بأسم الجدة في عقلها
- ليان ما بك صغيرتي
عاجلتها سارة وهي تقول ببساطة
- لا شىء نينا لقد اشتاقت الي ابي وامي
رغم الكذب الذي ينجلي بين أعين سارة ، الا أنها قررت عدم الضغط ويبدو اجتماع الشقيقتان انه شىء خاااص ، ربتت على ظهر ليان بعطف
- حبيبتي
ثم استرسلت بحيرة
- هل رأى احد خالد لكي ندعوه لطعام الفطور
همست سارة بشرود
- غادر منذ قليل
طرقت الجدة العصا بحدة على ارضية المطبخ وهي تصيح بتذمر
- ذلك الشاب المستهتر حين عودته اقسم انه لن ادعه يتناول الطعام عقابا له
- نينا اقصد غادر ومعه حقائب سفره
جحظت الجدة عيناها بذهول
- ماذا ذلك الشاب سأقص له اذنيه حينما يأتي ، هيا يا فتيات للطعام
غادرت الجدة وهي تتبرم .. ابتسمت ليان على ما تقوله الجدة .. وجهت عيناها نحو سارة قائلة
- فين علياء
تراقصت حاجبي سارة بمكر
- مع حبيب القلب الدكتور
سارة ترسم قلوب وتتنهد بحالميه وكأنها للتو رأت فارس أحلامها ، يبقي فقط قلوب تخرج من عينيها .. ضيقت ليان عيناها وهي تقول
- بنت اوعي يكون اللي في بالي
وتحول الشك ليقين حينما هزت سارة راسها ايجاباً عدة مرات
- هو
.................................
اسبوعان بعيدة عنه .. اربعة عشر يوما ثلاثمائة وثلاثة وستون ساعة .. عشرون ألف ومائة وستون دقيقة .
لم يعهدها هكذا قاسية .. بعيدة عنه لتلك الدرجة ، كل ذرة من خلايا جسده يشتاق اليه .. كيف تستطيع النوم بعيدة عنه .. رغم الأيام القليلة الذي اصر ان تنام بين ذراعيه أصبحت عادة لديه ، ينام والفراش خاوي من عطرها و دفء جسدها ..
في كل مرة يصرخ قلبه بأنه يريدها ، ان تصبح بين ذراعيه .. تستفزه وتثير خلاياه للأنقضاض عليها وهو يراها تتحرك بخفة ونعومة بين ارجاء المنزل ..
تتعلل بأنها تشتاق الي شقيقتها بل اصرت علي ان تمد مكوث شقيقتها في المنزل ولم يجد سوي القبول ..
وكل من في المنزل بمن فيهم جدته موافقة .. جدته التي كانت تصر على ليانه بأن ترتدي المنامات التي طارت بها عقله اصبحت الآن غير مكترثة بما يحدث ..
جميع من في المنزل يعلم أنها هجرت فراشه ، ولكن لم ينبس أحد ببنت شفه ينتظرون ردة فعله ..
سلام بارد تلقيه عليه في بعض الأحيان .. ومرة يراها تقبل وجنتيه او جانب شفتيه وتفر هاربة الى غرفة شقيقتها ..
تلعب على نار هادئة معه هو .. يقسم فقط إن أصبحت .. إن اصبحت بين ذراعيه وتوقفت عن التشبث بشقيقتها أو علياء طوال الوقت ..
سيحرقها كما أحرقته .. سيلقي بحمم بركانية مشتعلة تجعلها تستسلم وتستكين بين ذراعيه .
....................................
لم يصدق ان اسبوعان مرا كسنوات بطئية .. او الزمن هو الذي توقف منذ مغادرته وترك طفلته في منزل القرية .. يقنع عقله انها مجرد نزوة وانقضت ولكن العقل يعاند ويلح عليه أن يراها يرى صورها المختزنة في هاتفه .. ان علمت ان صورها في هاتفه ستحرقه وستحرق هاتفه ..
لاذعة لكن حلوة .. فاتنة لكن طفلة .. كالورد الذي يطوف حوله الشوك لحمايته .. لا هو قادر على أن ينتزع الأشواك ولا هو قادر على ان يشم رائحة الورد ..
نظر الى ساعة يده وهو ينظر إلى جميع من في السفينة .. تبقي عشر دقائق ويتوجه نحو قمرة القيادة ..
تحيات وابتسامات من السياح وهم يرون قبطان السفينة ببذلته .. يهز رأسه علامة للتحيه وهو في طريقه لقمرة القيادة
- عدت اذاً
صوت يعلمه جيدا جعله يتوقف عن السير ويلتفت الى صاحب الصوت ، ابتسم بخفه وهو يتوجه نحو صديقه المستند على السور .. وضع قبضة يده على السور قائلا بضيق
لم أستطيع البقاء أكثر
هز الآخر رأسه كعلامة للفهم ، التفت إليه قائلا بغموض
- يبدو ان هناك اشياء كثيرة حدثت
- تستطيع قول ذلك
تسائل وعيناه محدقتان نحو المرسي والوفد السياحي تصعد الدرج
- القلب أم العقل أم كلاهما
تعمد عدم الفهم وهو يرد
- ماذا ؟
ضحك الآخر بخفة وهو يعيد سؤاله
- سبب مجيئك إلى هنا منزوع القلب ام ماذا ؟
صمت لثواني طالت عن الوقت المحدد للإجابة ، اكفهرت معالم وجهه وهو ينزع قبضة يده عن السور
- لا شيء من هذا
هز الآخر كتفيه بلا مبالاة
- اتمنى هذا
تمتم في ضيق وقدماه تتوجه نحو قمرة القيادة
- سأعود للعمل
.................................
تبحث سريعا عن تنورتها ذو اللون الأسود ، متأكده انها وضعته في الخزانة ليلة أمس قبل مجيء الآخر ..
قلبت الخزانة رأساً على عقب والنتيجة انها لم تجده .. عقلها يفكر بسرعة عجيبة وهي تفكر أين وضعته ؟!
تريد ان تجده قبل أن يأتي رغم ان ميعاد عودته ليس في ذلك الوقت تأففت بضيق وهي تخرج بنطال ترتديه في عجالة .. قامت بوضع الثياب الملقاه على الارض باهمال في الخزانة وهي ستقوم بترتيبهم حين عودتها ..
شهقت بفزع حينما استمعت الي صوت اغلاق باب الغرفة بحدة اجفلتها وارتعش جسدها وهي تنظر اليه
هيئة تشبه كالقاتلين والسفاحين من نظره عينيه الداكنة الغاضبة الحانقة .. ابتلعت ريقها بتوتر وهي تنظر الي عضلات صدره المتصلبة وقبضتي يداه المضموتان بقوة على جانبيه
هل يقتلها أم يضربها ؟! .. أتاها الرد منه وهو يتلكأ في سيره
- اسبوعان تتجنبين الحديث معي وتذهبين في الصباح الباكر ولا تعودين الا في المساء وتذهبين الى غرفة شقيقتك
تراجعت عدة خطوات للخلف كالغبية تعمل بدون عقل ، تنظر الى باب غرفتهم بيأس وتنظر إلى باب المرحاض بأمل
رآها وهي تنظر الي المرحاض .. التقطها بسرعة .. جعله يبتسم بخبث وهو يقترب بخطوات سريعة جمدتها وشلت عقلها عن العمل ..
خرج صوتها مهزوز
- هل جئت هنا للترفيه أم أظل حبيسة الجدران ؟
فصل المسافة الفاصلة بينهما وهو يجذبها بين ذراعيه كما تمني
هتف ببرود وعيناه تتفحصانها بشوق جارف وانامله تتحسس جسدها بلهفة
- اصمتي
بللت شفتيها مما جعل يوجد لمعة راغبة وهو يدقق النظر الي شفتيها .. ازدر ريقها بتوتر وقالت بتوتر
- ستأخر في الذهاب ابتعد عن طريقي
- كلا
أغمضت جفنيها للحظة وهي تقاوم اناملة الخبيثة القادرة على اخمادها .. همست
- تنتظرني سارة وعلياء
يود ان يصمتها بأي طريقة ، تلك تذهب عقله بكلماتها في الوقت الغير مناسب اطلاقا .. مرر بأنامله من عنقها إلى عمودها الفقري وهو يشعر بارتعاش جسدها تمتم بخفوت وهو يهمس
- اخبرتهم ان يذهبوا
همست بحدة وهي تتلوي بضعف بين ذراعيه
- ماذا ، اتتحدث بالنيابة عني
- ليــان
صاح بنفاذ صبر جعل الاخري ترفع حاجبها بمكر وصاحت بنفس نبرته
- زيـاد
ابتسم وهو يلف خصله من شعرها الفحمي حول إصبعه ..همس بجانب اذنها بصوت أجش بعثرها
- اشتقت لسماع اسمي بين شفتيك
رمشت عدة مرات غير مستوعبة انه قلب الطاولة همست بتوتر
- زين ماذا تفعل هل اا
توقف العقل وأصدر القلب فرمان بسرعة التنفيذ .. اعلنت الحرب بين قلبه وجسده وهو يهجم عليها كالطائر الجارح الذي التقط فريسته ..
ينهل ويروي من شهد شفتيها وهي ساكنة جامدة تستوعب انه يقبلها .. اقتنصها من الارض وهو يرفعها بين ذراعيه ، يلح عليها بقبلاته ان تبادل شوقه بشوق آخر ..
أحاطت ذراعيها حول عنقه ورفعت راية الاستسلام بعد ثواني من بدأ الحرب .. ترحب عاطفيته وبعض العنف من اشتياقه بصدر رحب ..
يقبل جفنيها وجنتيها ثم يعود بتعطش الي شفتيها ، ارقدها على الفراش وهو يعتليها .. لحظات يبث كل شخص شوقة بطريقته الخاصة
استطاعت ان تهمس في اذنه بعد صراع عنيف من شفتيه هامسة بصوت واهن
- زين الهاتف
أصدر زمجرة عنيفة وهو يخرسها مرة أخرى .. كيف لم يستمع لصوت الهاتف وهي تسمعه .. يدق الهاتف بإلحاح وهو غير عابىء حواسه كلها مرتكزة نحو التي بين ذراعيه ..
انفلت بصعوبة وهو يدعها تلتقط انفاسها المسلوبة ليلتقط هاتفه من بنطاله وهو يجيب بحدة
- ماذا
ازدر لعاب الحارس وهو يعلم ان الجميع سيقتل ان علم الجميع تلك الكارثة التي حدثت منذ قليل .. هتف بصوت مرتجف
- سيدي لقد هرب الرجل
للحظة تمني زين ان تكون تلك مزحة او خدعة ليختبرون قدرته على المزاح ، رغم كلتا الحالات سيعاقبه ويعاقب من معه .. ألقي نظرة خاطفة نحو التي تعيد ترتيب شعرها المبعثر ..
انقبض قلبها بقوة وهي ترى وجه آخر لم تراه من قبل .. إن كان الغضب والحنق الذي تستقبله منه فهو نقطة من بحر ما تراه الآن
شيطان تحول لشيطان .. تلبسه جميع الشياطين في جسد شخص واحد ..
وجه ببصره نحو الفراغ وهو يشيح عيناه عنها .. حواسه انغلقت واسودت عينيه لبرهة من الزمن .. والاخر يتسائل في خفوت وتوجس ان كان معه ام لا ..
وهو ظن أن كل شيء يسير على ما يرام وستنتهي بنهاية سعيدة ، مخطىء تماما لأن النهاية السعيدة هي للقصص التي لم تنته بعد .
تمـت بحمــد اللـه